الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حقيقة الإيمان
(الموعظة الثالثة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بسم الله الرحمن الرحيم
الموعظة الثالثة
حقيقة الإيمان
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويما وهدنا صراطاً مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة هو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله وبيدك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، اللهم صلي على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد إخوتي الكرام..
تدارسنا في الموعظة السابقة شروط قبول العمل عند ربنا الرحمن، وقلت أن العمل لا يقبل ولا يثاب عليه إنسان إلا إذا وجد فيه ثلاثة شروط، إيمان من فاعله بربه جل وعلا، إيمان بالله جل وعلا وإخلاص لله جل وعلا، واتباع للنبي عليه الصلاة والسلام، إيمان وإخلاص ومتابعة، إذا وجدت هذه الشروط الثلاثة في العمل فهو مقبول عند الله جل وعلا، وفي هذه الليلة المباركة سنتدارس أمراً يتعلق فيما مضى ويرتبط به ارتباطاً وثيقاً ألا وهو؟ ما هي الثمرة التي يجنيها الإنسان إذا حقق تلك الشروط في عمله في هذه الحياة؟ آمن بالله وأخلص له واتبع النبي عليه الصلاة والسلام، ما هي الثمرة التي يحصلها من ذلك؟ وماذا يستفيد من هذا؟ وسنتدارس بعد هذا أمراً يرتبط أيضاً بها بين الأمرين ألا هو ما هي علامة حصول تلك الثمرة في الإنسان؟
إخوتي الكرام..
إن الإنسان إذا آمن بالله في هذه الحياة وأخلص لله واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم سينال في هذه الحياة راحة وهداية وسينال بعد موته فوزاً وسعادة، أما في هذه الحياة فهو على نور من ربه ويكون في قلبه طمأنينة وفي نفسه بهجة، وفي صدره انشراح ويحصل قرة العين في هذه الحياة، ولذة لا يعدلها لذة، وسيسعد بعد ذلك بنعيم الجنات ورضوان رب الأرض والسماوات بعد الممات، وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذه الثمرة التي يحصلها من آمن بالله وأخلص له واتبع النبي عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الأمام أحمد وصحيح مسلم من حديث العباس أن نبينا عليه الصلاة والسلام ورضى الله عن العباس وعن سائر الصحابة الكرام، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول [ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالسلام ديناً وبحمد صلى الله عليه وسلم نبيا] ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا.
إخوتي الكرام:
رضي بالشيء إذا قنع به ولم يطلب سواه، وعليه من قنع بأن معبوده هو الله فلم يعبد غيراً معه، وقنع ورضي أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم إماماً له في هذه الحياة فلم يتبع غيره، وقنع ورضي بأن يكون الإسلام شريعة له في هذه الحياة، فلا يحكم شريعة ولا نظاماً في حياته غير نظام الإسلام، حقيقة إذا وجدت هذه الأمور الثلاثة في الإنسان، عبد الله وحده لا شريك له فلم يعبد غيره، واتبع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل له إماماً غيره في هذه الحياة، واحتكم إلى شريعة الإسلام في جميع شئونه في حركاته وسكناته، سيترتب على هذا ثمرة ولابد ألا وهي، أن يذوق طعم الإيمان، ذاق طعم الإيمان، وهذا الطعم هي الحلاوة التي تخالط قلب الإنسان، والشاشة التي تباشر نفسه، بحيث إذا وجدة تلك البشاشة والحلاوة في قلب الإنسان وفي نفسه ينقاد بعد ذلك طواعية لربه ولا يمكن في أن يرجع عن نور الله وعن هداه، وإنما رجع من رجع وارتد من ارتد، من ارتد، لأنه لم يصل، ولو وصل إلى هذه الحلاوة لما رجع، [ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا] سيذوق للإيمان طعماً حلاوة تتضائل بجانبها جميع الحلوات الحسية التي يلتذ بها بنو آدم.
إخوتي الكرام:
لكن هذا الطعم للإيمان لا يذوقه إلا من وجدت فيه هذه الأمور، معبوده ربه هو الله وحده لا شريك له، وأما إذا عبد مع الله إلهاً آخر من درهم، فتعس عبد الدرهم، وهو في شقاء ونكد وبلاء، من زوجة، تعس عبد الزوجة، من ثوب وخميصة، تعس عبد الخميصة.
إذاً لابد أن يفرد الله في العبادة، ثم يفرد النبي صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، ويحتكم إلى الشريعة التي أنزلها الله على نبيه عليه الصلاة والسلام، فأفرد الله بالعبادة، وأفرد النبي عليه الصلاة والسلام بالمتابعة، وعبد الله حسب ما يحب مريداً بذلك وجه.
سيذوق، سيذوق للإيمان حلاوة ولابد، هذه الثمرة سيحصلها الإنسان عندما يلتزم في عمله بتلك الشروط الحسان الثلاثة. إيمان بالله وإخلاص له واتباع لنبيه عليه الصلاة والسلام.
إخوتي الكرام:
وهذه الأمور الثلاثة التي إذا حققها الإنسان يذوق بها طعم الإيمان، إذا رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا.
هذه الأمور الثلاثة بهذه الجمل الثلاثة أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقولها في الصباح وفي المساء، بل أمرنا أن قولها في جميع أوقاتنا عند سماع الأذان في اليوم خمس مرات ورتب نبينا صلى الله عليه وسلم على ذلك أجراً كثيرا ما ينبغي أن نغفل عنه ولا نضيعها.
ثبت في مسند الأمام أحمد والسنن، وهو في سنن الترمذي من رواية ثوبان مولى نبينا عليه الصلاة والسلام وفي السنن الأخرى سمي الصحابي لرجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر اسمه في المسند والسنن عن ثوبان وغيره من أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام والحديث أيضاً في صحيح ابن حبان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من قال حين يصبح وحين يمسي] من قال حين يصبح وحين يمسي [رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، كان حقاً على الله أن يرضيه] كان حقاً على الله أن يرضيه، وينال جائزة أكرم الله بها نبيه عليه الصلاة والسلام وصديق هذه الأمة أبا بكر رضى الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام. أما نبينا عليه الصلاة والسلام فالله يقول له:{ولسوف يعطيك ربك فترضى} ، أما أبو بكر رضي الله عنه فيقول الله جل وعلا في سورة الليل في آخرها:{ما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى} ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولسوف يرضى، وأنت إذا قلت هذا الدعاء في الصباح وفي المساء يرضيك الله جل وعلا في هذه الحياة وبعد الممات وتنال هذه الصفة والحديث كما قلت ثابت بإسناد صحيح [من قال حين يمسي وحين يصبح رضيت بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، كان حقاً على الله أن يرضيه] ولفظ الحديث في سنن الترمذي كما ذكرت، في كتب أخرى بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا [من قال حين يصبح وحين يمسي رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، كان حقاً على الله أن يرضيه] في الرواية الأولى نعت بصف النبوة وفي الرواية الثانية نعت بصف الرسالة.
وقد ذهب شيخ الإسلام الأمام النووي عليه رحمة الله في كتابه الأذكار إلى الجمع بين النعتين والوصفين فيقول القائل [رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا] في الصباح وفي المساء كان حقاً على الله أن يرضيه، قال شيخ الإسلام الأمام النووي (وإذا قال إحدى الصيغتين أجزئه فقد أتى بأصل الحديث) أي هذا وارد وهذا وارد، فلو قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبحمد صلى الله عليه وسلم نبيا نال تلك الفضيلة، ولو قال رضت بالله ربا وبالإسلام دينا وبحمد صلى الله عليه وسلم رسولا نال تلك الفضيلة، ولو جمع بينهما لكان أحسن، فهو النبي الذي أرسله الله إلى جميع العالمين عليه صلوات الله وسلامه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين.
إخوتي الكرام:
وأمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقول هذه الجملة المباركة المؤلفة من هذه الجمل الثلاث عند سماع الأذان وأخبرنا أن من قالها عند سماع الأذان يغفر الله له ذنبه. ثبت في مسند الأمام أحمد وصحيح ومسلم والحديث في السنن أيضاً من رواية سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول [من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد رسول الله عبده ورسوله، رضيت بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه] هنا نعت النبي صلى الله عليه وسلم بوصف الرسالة ولم يرد نعته في هذا الرواية بوصف النبوة، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه، وهذه الجملة تقال عندما ينطق المؤذن بالشهادتين فإذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وأتبعها بقوله أشهد أن محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام فقل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وبالإسلام دينا يغفر لك ذنبك، والحديث كما قلت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وغير ذلك، إذاً إخوتي الكرام من حقق هذا المعنى فيه ذاق للإيمان وحلاوة وهذه هي الثمرة التي يحصلها الإنسان عندما يؤمن بالله ويخلص له في هذه الحياة ويتبع نبينا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، ذاق طعم الإيمان من رضيا بالله ربا وبالإسلام دينا بالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وهذا الطعم طعم طيب حلو، طعم تتعلق به القلوب ولا تسخطه بعد ذلك في حالة من الأحوال.
وقد ثبت وفي مسند الأمام أحمد والصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول [ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار] هذه الأمور الثلاثة تحقيق لتلك الأمور التي تقدمت معنا وينبغي أن توجد في العمل ليقبل عند الله عز وجل، أنت لا تذوق لا حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله عليه الصلاة والسلام أحب إليك مما سواهما، فالله هو المعبود بالحق ولا معبود بالحق في الوجود سواه، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو الأمام وآخر الأنبياء والمرسلين ولا إمام للبشرية سواه، ينبغي أن توحد الله بالعبادة وأن توحد النبي صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، ينبغي أن تهاجر إلى الله جل وعلا عن طريق خلع ما يعبد من دونه، وأن تهاجر إلى رسوله الله صلى الله عليه وسلم عن طريق نبذ ما يطاع من دونه، فلا معبود إلا الله ولا مطاع إلا المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حققت هذا في نفسك تذوق حلاوة الإيمان [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما] وإذا كان الله معبودك والنبي متبوعك فينبغي أن تخلص لربك، [وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله] ليس بيننا بين أحد صلة إلا على حسب شرع الله نريد بذلك وجه الله وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وإذا تحقق هذا فيه فسيكره ما يسخط الله وسيبتعد عما يغضب الله وبالتالي يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما أن النفس البشرية تكره أن تقذف في النار، إذا وجدت هذه المعاني في نفس الإنسان سيذوق حلاوة الإيمان ولا شك.
إخوتي الكرام:
من حقق تلك الأمور كما قلت حصل هداية وراحة في هذه الحياة وحصل فوزاً وسعادة بعد الممات وقد قرر ربنا هذا المعنى في كثير من الآيات فقال جل وعلا في سورة الأنعام: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن هم مهتدون} الذين آمنوا بالله وأتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما خلطوا إيمانهم بظلم، والمراد من الظلم هنا (الشرك) ، جحود الخالق أو الإشراك به، آمنوا وما خالطوا إيمانهم بشرك هؤلاء لهم جائزتان {أولئك لهم الأمن} في الحياة الآخرة عند الفزع الأكبر {لا يحزنهم الفزع الأكبر} ، {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا} مما يستقبلكم، فلكم الأمن عند ربكم.
{ولا تحزنوا} على ما خلفتم ورائكم فالله وليكم على من تتركونه {ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} .
{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن} في الآخرة {وهم مهتدون} في هذه الحياة الدنيا، فحصلوا في هذه الحياة راحة وهداية وحصلوا بعد الممات فوزاً وسعادة، ثبت في مسند الأمام أحمد والصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وجثوا على الركب وقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أينا لا يظلم نفسه وفهموا رضي الله عنهم من الظلم مطلق المعاصي، فكل إنسان يقع في شيء من الهفوات والزلات، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، قالوا أينا لا يظلم نفسه، أي أينا لا يقع في شيء من الخطأ والتقصير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ليس الذي تعنون أي ليس المراد من الظلم ما تفهمون مطلق المعصية والمخالفة، لا، إنما الظلم الشرك نعم هو أشنع أنوع الظلم {والكافرون هم الظالمون} ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة ألم تسمعوا لقول العبد الصالح لقمان لابنه {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} فإذا حقق الإنسان ذلك المعنى في حياته، إيمان بالله وإخلاص له واتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم له الأمن في الآخرة وله الاهتداء في الحياة الدنيا {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك له الأمن} في الحياة الآخرة {وهم مهتدون} في الحياة الدنيا، فهم في هذه الحياة في على هداية تامة، وهم بعد الممات في أمنٍ سعادة، وهذا كما قال ربنا جل وعلا في سورة طه {فمن اتبع هداي فلا يضل} في الدنيا {ولا يشقى} في الآخرة {ومن أعرض عن ذكري فإن له معشية ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى} .
ثبت في مستدرك الحاكم وتفسير ابن أبي حاتم والأثر رواه الأمام البيهقي في شعب الإيمان وإسناده صحيح كالشمس عن حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وكيف يضل من كان على هدى {فمن اتبع هداي} كيف يضل من كان على هداية تامة، كيف يضل من هداه الله إلى أقوم الأمور، وأرشده إلى أحسن السبل، {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} .
إخوتي الكرام:
إن المؤمن إذا حقق تلك الأمور سيذوق للإيمان طعماً طيبا، سيذوق له حلاوة حلوة، وهذه الحلاوة هي حلاوة معنوية تدركه القلوب كما أن ألسنتنا تدرك الحلاوة الحسية، وشتان شتان ما بين الحلاوتين، شتان، الحلاوة المعنوية عندنا تقدم على الحلاوة الحسية، فإذا علمت أن حبيبك، أن والدك، أن ولدك سيقدم في ساعة كذا ودعيت إلى أطيب الأطعمة تترك ذلك الطعام من أجل لقاء ذلك الحبيب، لأنه لو اشتغلت بذلك الطعام سيفوتك لقاء حبيبك، لقاء الحبيب لذة معنوية تحصلها بهجة قلب، سرور نفس، قرة عين، انشراح صدر، أما الطعام لذة حسية، نحن نقدم في هذه الحياة اللذة المعنوية عند لقاء حبيب على اللذة الحسية، فكيف بحلاوة الإيمان ورضوان الرحمن التي تؤدي بنا إلى مصاحبة نبينا عليه الصلاة والسلام في غرف الجنان، والتمتع بالنظر إلى ربنا لرحمن، كيف هذا.
والله إن ذلك يتضاءل بجانبه كل لذة وكل حلاوة حسية، وقد أشار الله جل وعلا إلى هذا المعنى فقال في سورة التوبة:{وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم} وعدهم جنات وفيها ما تشتهه الأنفس وتلذ الأعين، لكن أكبر من ذلك النعيم الحسي واللذة محسوسة {ورضوان من الله أكبر} ولذلك عندما يكشف الله الحجاب بينه وبين أهل الجنة ويروا نور وجه الكريم لم يعطوا شيء من النعيم ألذ عندهم من النظر إلى وجه ربنا العظيم {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} والحسنى: هي الجنة، وزيادة عليها النظر إلى نور وجه ربنا جل وعلا، والله إن هذه الحياة ما طابت إلا بمعرفة الله ومحبته، وإن الجنة ما طابت إلا بالنظر نور وجه ربنا جل وعلا ومشاهدة، إذاً إخوتي الكرام من حقق هذا المعنى لا يضل في هذه الحياة ولا يشقى بعد الممات.
إخوتي الكرام:
إن المؤمن في سعادة عظيمة في هذه الحياة فأمره لا يخرج عن واحد من أمور ثلاثة: إما أن يكون في حالة يأمر فيها فيطيع أوامر سيده أوامر ربه جل وعلا، وإما في حالة ينهاه الله عنها فينتهي عما نهاه الله عنه، وإما في حالة قدره الله عليه وأمره أن يصبر عليها وأن يرضى بها فهو راض صابر. نفذ المأمور ويترك المحظور ويصبر ويرضى بالمقدور، ليس بعد هذه السعادة سعادة، وأحوال المؤمن لا تخرج عن هذه الأمور الثلاثة، وإذا حقق هذا فو الله إنه يذوق طعم الإيمان وحلاوته ويكون قرير العين مبتهج النفس مطمئن القلب، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من رواية صهيب رضي الله عنه والحديث رواه أحمد عن سعد ابن أبي وقاص وأبو يعلى عن أنس رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له] فعل المأمور، ترك المحظور، ثم هو بعد ذلك نحو المقدور إن جاءه ما يسره شكر الله، إن جاءه ما يسوئه ويضره صبر وحمد الله، أي سعادة بعد هذه السعادة، يختلف هذا عن حال الجزوع المنوع، {إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين} [عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له] .
إخوتي الكرام:
إذا حقق الإنسان هذا المعنى ارتاح واهتدى في هذه الحياة وفاز وسعد بعد الممات، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يوجه أنظار الأمة إلى هذا المعنى في كثير من الأحاديث وفي عدد من المناسبات، ثبت في سنن الترمذي وابن ماجة والحديث رواه الأمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وإسناد الحديث صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال [أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ قول الله {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤتيه منها، وما له في الآخرة من نصيب} ثم قال صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى يعني في الحديث القدسي ابن آدم تفرغ لعبادتي، إرضى بي ربا واتبع نبي عليه الصلاة والسلام وأخلص بعملك وجهي ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غناً وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك،] أبن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غناً وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤتيه منها، وما له في الآخرة من نصيب} وتقدم معنا معنى العبادة إخوتي الكرام في الموعظة السابقة وقلت هي العمل الصالح، وهي باختصار كما قلت أن يكون عملك على حسب شرع ربك وتريد به وجه الله في جميع حركاتك وسكناتك وقلت حذاري حذاري أن تقصر العمل الصالح والعبادة على مفهوم العبادة بين الناس في هذه الأيام، لا، ينبغي أن تعتقد كما أمرك الله، وأن تعبده كما أمرك الله، وأن تتعامل كما أمرك الله، وأن تخالق الناس كما أمرك الله، وأن تعاقب وتأخذ على أيدي السفهاء كما أمرك الله، ودين الله يقوم على هذا وكل هذا عبادة، أي حكم شريعة الله في جميع في شؤون حياتك يملأ الله قلبك غناً ويسد وفقرك وإلا ستشقى في هذه الحياة وستهلك بعد الممات.
إخوتي الكرام:
هذا المعنى أشار إليه ربنا أيضاً في كثير من آيات كتابه فقال جل وعلا في سورة النعم وهي التي تسمى بسورة النحل وذكر الله فيها أصول النعم ومتمماتها ذكر الله فيها نعمة الهداية والإرشاد ونعمة الخلق والإيجاب يقول في هذه السورة {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} من عمل صالحاً، وهو العمل المشروع الذي تتبع فيه نبيك عليه الصلاة والسلام، فإذا عملت عملاً على غير هديه فهو ردٌ عليك، ثم حققت الشرط الثاني، إيمان بالله وإخلاص له.
{من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} وهذه الحياة الطيبة مصاحبك أخي المؤمن في دورك الثلاث التي تسكنها ولا تخرج عنها في الحياة الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} .
ثب هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حياة طيبة في هذه الحياة يطمئن قلبك بذكر الله وأمرك كله خير وتنشرح نفسك وتقر عينك، وتذوق طعم الإيمان، وتخالط حلاوة الإيمان وبشاشته قلبك، فأي إذاً حياةٌ أفضل من هذه الحياة، {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} نعم في هذه الحياة يحصل المؤمن حياة طيبة ولا يحصلها غير المؤمن كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم [إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن] {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} قال الأمام الرازي عليه رحمة الله (إن المؤمن في هذه الحياة يشعر بالسعادة واللذة ولا يحصل هذا سواه ثم قرر هذا بعدة أمور فقال أولاً: المؤمن يعلم رزقه بتقدير الله وتدبيره سبحانه وتعالى فلا يزيد ولا ينقص ويعلم أن الله محسن في ذلك التقدير وذلك التدبير، {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم، هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء، سبحانه وتعالى عما يشركون} وإذا علم الإنسان هذا يرضى عن الله ويرضى بما قسم له، الأمر الثاني: المؤمن في هذه الحياة يعلم طبيعة الدنيا وتقلباتها ونتنها ومرارتها فلا يجزع على يصيبه فيها، ولا هو كما قال أئمتنا:
طبعت على كدر وأنت تريدها
…
صفواً من الأقذار والأكدار
ومكلفٌ الأيام ضد طباعها داعِ
…
متطلب في الماء جذوة نار فيها
فإذا أصبت بضر، بأذى، بموت حبيب، لا يضر صدر، هذه طبيعة الدنيا، هذه طبيعة الدنيا، ولذلك يلهج المؤمن بالحمد لله وترى قلبه راضياً عن الله وهو مسروراً في جميع أحواله.
الأمر الثالث: يقول الإمام الرازي: غاية المؤمن في هذه الحياة، أن ينال رضوان رب الأرض والسماوات، ولذلك يكرر هذه المقولة المباركة [إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي] أصيب بضر، بنكبة، بأذى إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ويعذب ويقول أحدٌ أحد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
الأمر الرابع: المؤمن يعلم أن لذات الدنيا أن هذه اللذات لذات خسيسة زائلة منقضية، الطعام الذي نأكله يقول أئمتنا ما جاوز اللسان فهو نتان. هذه اللذة التي نتلذذ بها ما دامت في الفم تمضغ إذا ذهبت بعد اللسان إلى المعدة تتحول إلى شيء كريهٍ المنظر قبيح الرائحة، ولو أخرج الإنسان الطعام الذي من جوفه وطرحة على المائدة لعفا الناس الطعام وقاموا عنه، ما جاوز اللسان نتان، إذا كانت لذات الدنيا لذات خسيسة، لذات زائلة لا ينهمك فيها ولا يفرح بها إن أقبلت ولا يحزن عليها إن أدبرت {لكي لا تأسو على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} .
المؤمن بعد ذلك وهذا خامس التعليلات لبيان طيب الحياة في المؤمنين والمؤمنات في الحياة الدنيا يعلم أن الدنيا زائلة منقضية فلا يميل إليها ولا يعانقها معانقة العشاق، إنما يأخذ منها ما يحتاجه إليه، وإذا جاءه شيء منها جعله مطية له إلى آخرته، فحقيقة هو في سعادة وفي حياة طيبة {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} فعل المأمور ـ ترك المحذور ـ صبر ورضي بالمقدور حقيقة في حياة طيبة، إذا خرج عن صراط الله المستقيم تنكد في هذه الحياة وأبى الله إلا أن يزل من عصاه عاجلاً وآجلاً.
ثبت في سنن ابن ماجة ومستدر الحاكم بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [يا معشر المهاجرين خصال خمس أعوذ بالله أن تدركوهن، خصال خمس، لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم] سبحان الله أرادوا أن يتلذذوا بالمعاصي فنكد الله عليهم حياتهم وأشقاهم قبل مماتهم، وسلوا الأطباء عن الأمراض التي تنتج من المعاصي في هذه الأيام، مرض الإيدز الذي يحارب الآن ما سببه: معصية الرحمن، تشمع الكبد والسرطان: شرب الخمر والعكوف عليه، وذاك سببه الزنى والعهر، لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، حقيقة إن الإيمان حصناً للإنسان وإن المؤمن في حياة طيبة في هذه الحياة، ولم ينقص المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله فلم يعبدوا الله ولم يتبعوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، أن ينتزع أملاكهم وبلادهم.
والخامس: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم عندما انحرفوا عن شريعته تخبطوا في هذه الحياة مع الشقاء الذي سيحصلونه بعد الممات، {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} ، حياة في هذه الحياة، حياة طيبة في الدار الثانية التي يسكنها الإنسان وهي دار البرزخ، وثبت هذا عن السُدَّي وعن شريك بن عبد الله النخعي قال حياة طيبة نعيم القبر، والقبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار وأنا أقول الحياة الثانية مترتبة على الأولى فمن لم يحيى حياة طيبة في الدنيا لن يحيى حياة طيبة في البرزخ، ولذلك كان أئمتنا يقولون في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وجنة الدنيا محبة الله والإيمان به واتباع رسوله عليه الصلاة والسلام.
والمعنى السادس: روي عن مجاهد وقتادة والحسن البصري وجمع غفير من التابعين، حياة طيبة في الآخرة ـ قال الحسن البصري: والله لا تطيب الحياة إلا في الجنة، ونعم ما قال وهذه أكمل الدور التي تحصل فيها أطيب حياة، لكن الحياة الطيبة في الجنة من يحصلها؟ الطيبون: الذين طابت حياتهم في الدنيا ونعموا في البرزخ فيسعدون بعد ذلك عند لقاء ربهم كما ثبت في المسند والصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الله تعالى [أعدت لعبادي الصالحين ما لا يعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر] إن هذه الدار هي أكمل الدور وأطيب الدور، إنما من لم تطب حياته في هذه الحياة لن تطيب حياته بعد الممات، حياة طيبة في الدنيا، حياة طيبة في دار البرزخ، حياة طيبة في دار الآخرة.
اخوتي الكرام..
هذه الثمرة التي يحصلها من آمن بالله وأخلص له واتبع رسوله عليه الصلاة والسلام هل لها علامة؟ حتماً لها علامة سأذكرها بإيجاز ثم أفصل الكلام على هذه العلامة في الموعظة الآتية إن شاء الله، هذه العلامة: وهي الراحة في هذه الحياة والهداية والفوز والسعادة بعد الممات، هذه اللذة هذه الطمأنينة إذا دعاها الإنسان وقال أنا في راحة وهداية وسينال فوزا وسعادة في الآخرة هذه هل هذا يصدق وهل إذا وسوس له الشيطان بذلك ليزين له عمله حال يصدقه، أم هناك علامة؟. حتماً هناك علامة.
وكل شيء له علامة، فإذا تحققت هذه العلامة فيك فاعلم أنك آمنت بالله حقاً وصدقا، واتبعت نبيه عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقا، وأخلص لله في أمورك.
هذه العلامة أشار إليها نبينا عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه بن مردوية في تفسيره بسند متصل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ورواه أيضاً بن مردوية بسند مرسل برواية محمد بن كعب القرظي هو من أئمة التابعين رضي الله عنهم أجمعين، كعب القرظي صحابي وولده تابعي، هذان الأثران المتصل المرفوع والمرسل المرفوع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، الأول كما قلت من رواة عبد الله بن مسعود، والثاني من رواه محمد بن كعب القرظي رضي الله عنهم أجمعين.
يذكر عبد الله بن مسعود في أثره وفي حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله جل وعلا {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله، أولئك في ضلالٍ مبين} ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم[إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر] إن النور إذا دخل القلب سكنه، {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} هذا النور إذا دخل قلب الإنسان ينشرح له صدره، فقال الصحابة الكرام يا رسول الله صلى الله عليه وسلم[هل لذلك الشرح من علامة؟] إذا انشرح صدر الإنسان ذاق طعم الإيمان، ذاق حلاوته، اطمئن قلبه، هل لذلك من علامة يختبر بها تلك الدعوة؟ قال عليه الصلاة والسلام:[نعم] لذلك علامة لذلك الشرح عند حصول النور في القلب، [التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله] ومن عزفت نفسه عن الدنيا، والدنيا هي باختصار كل ما شغلك عن الله، وليس معنى الدنيا أنك لا تملك مالاً، أو تسكن في بيت، لا ثم لا: كل ما شغلك عن الله فهو دنيا مذموم من مالٍ من لباسٍ من زوجةٍ من ولدٍ من عقارٍ من غير ذلك، وإذا كان هذا في يدك لا في قلبك فلا حرج عليك ولا لوم ونعما المال الصالح لرجل الصالح، كل ما شغلك عن الله مذموم فهو شؤمٌ عليك،
تجافى عن دار الغرور لكن شتان بين سكنت الدنيا قلبه وجعلته مطية لها، وبين من كانت في يده وهي مطية له، شتان شتان، شتان من يعبد الدنيا وبين من تكون الدنيا عبداً عنده وخادماً له.
التجافي عن دار الغرور يبتعد عنه لا يركن إليها، لا تشغله عما أمر الله به.
والإنابة إلى دار الخلود يشتاق إلى مسكنه الحقيقي: نحن خلقنا ربنا إخوتي الكرام لا لنستقر في هذه الحياة، الدار ممر ليست دار مقر، دارنا التي سنستقر فيها هي الآخرة، والدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له والإنابة إلى دار الخلود، ولاستعداد للموت قبل نزوله: وعليه إذا أردت أن تعلم هل سكن النور قلبك، وهل حصل الشرح في صدرك فاعرض نفسك على الموت، هل تحب الموت، وإذا قيل لك ستموت هذه الليلة تقول مرحباً بلقاء الله، إذا كان هذا فيك حقيقةً فقل لنفسك وبشرها وقل آمنت بالله حقاً ورضيت بنبيه عليه الصلاة والسلام إماماً صدقا، وأنا أعبد الله ولا أشرك في عباده شيئا، وإذا قيل لك ستموت هذه الليلة فقل يا عباد الله هاتوا الأطباء وابحثوا عن طريقة لعل الحياة تمتد
…
إعلم أن حالتك ليست مرضية وعندما تموت {ستقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً} فيقال لك {كلا إنها كلمة هو قائلها} {أولم نعمَّركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير}
إخوتي الكرام:
إن أعظم ما يزفه إلينا ربنا الرحمن ويتحفنا به في هذه الحياة بعد أن رضينا به ربا وبنبيه عليه الصلاة والسلام، وبالإسلام دينا، بعد أن آمنا به واتبعنا نبيه عليه الصلاة والسلام، وأخلصنا العمل له، إن أعظم ما يتحفنا به الموت، وكيف لا وهو يجسرٌ يوصل الحبيب إلى حبيبه، ولذلك ثبت في مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير والحديث في كتاب الحلية لأبي نعيم رواه عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد، وإسناد الحديث صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول [تحفة المؤمن الموت] تحفة المؤمن الموت يعني الهدية العظيمة التي تأتيه من الله أن يموت، وكان بعض الصالحين يقول (والله ما مؤمن إلا الموت خير له، اقرؤوا ما شئتم {وما عند الله خيرٌ للأبرار} .
أخي الكريم: إذا كنت ستوقع جائزة من مسؤول أو شهادة ستأخذها بعد نجاحك هل تكره يوماً اليوم تتسلم فيه الشهادة، هل تكره اليوم الذي ستقابل فيه المسؤول لتنال الجائزة؟ والله لا تكره هذا، وإذا كنت عبدت الله على بصيرة وأرت بالعبادة وجهه واتبعت نبيه عليه الصلاة والسلام على ما تفر من لقاءه؟ ليعرض كل واحد منا نفسه على هذه النقطة. هل تجافى عن دار الغرور وأناب إلى دار الخلود واشتاق إليها ويردد في مجلسه اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، هل إذا نزل به الموت يرفع صوته ويهلل ويقول حبيبٌ جاء على فاقه؟ هل يقول إذا قال أهله وحزناه عند نزول الموت به يقول وقرباه وشوقاه غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه عليه صلوات الله وسلامه؟ لنعرض أنفسنا إخوتي الكرام على هذه القضية، هذا ما سأفصَّلُ الكلام فيه إن شاء الله في موضوع الموت وأن العلامة تدل على صدق الإيمان في قلبه أنه لا يجزع من الموت إذا حل به، بل يفرح بقدومه ويستبشر.
قد قلت إذ مدحوا الحياة وأكثروا
…
في الموت ألف فضيلة لا تعرف
منها آمان عذابه بلقائه
…
وفراق كل معاشرٍ لا ينصف
هذه العلامة كما قلت ندارس الكلام عليها وتفصيلها في الموعظة القادمة إن شاء الله.
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام وإن أمتنا أن يتوفانا على الإيمان، ونسأله أن يجعل خير أيامنا يوم لقائه، ونسأل أن يغفر لنا ولوالدينا ولمن له حقٌ علينا ولمن علمنا وتعلمنا منا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.