المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المقدمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، - خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل - ط المعراج

[حاتم العوني]

فهرس الكتاب

‌المقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اتَّبعَ هَدْيَه واتَّقَى حَدَّه.

أمّا بعد: فهذه محاضراتٌ مختصرةٌ في علم الجرح والتعديل، أُلقيت في إحدى الدورات العلمية في مسجدٍ من مساجد البلد الحرام: مكة (زادها الله تشريفًا وتعظيمًا). ثم إني عُدت إليها تحريرًا واستيفاءً لأهم مسائل العلم؛ لتكون كالمتون العلمية من هذا الوجه.

ولحاجة كثير من طلبة العلم إلى مثل هذا المختصر، رأيتُ الخيرَ في طبعها أرجى، والنفعَ في نشرها أجدى. وهي أوراقٌ مختصرةٌ جدًا، تُيسِّرُ وتُعِينُ، ولا تكفي وحدها ولا تُغْني. ولكنها خرجت على المثل السائر: خير الكلام ما قَلَّ ودَلّ.

ومصادري في هذه الأوراق هي المصنفات القديمة والحديثة في علم الجرح والتعديل، مع ما عرفتُه عن قواعد هذا العلم ومسائِلِه من خلال الممارسة. وقد حرصتُ على تقليل أوراقها، واختصارِ عباراتها، تيسيرًا للمبتدئ وتذكيرًا للمنتهي، ولتكون أولَ متنٍ في علم الجرح والتعديل.

ص: 5

ولا أَشُكُّ أنه متنٌ يحتاج شرحًا، وضَرْبَ أمثلةٍ توضيحية، وهو ما أرجو أن يخرج قريبًا بإذن الله تعالى.

وقد طُبعت الطبعة الأولى من هذا الكتاب سنة 1421 هـ، ثم إني عدتُ إلى تلك الطبعة بالتنقيح والزيادة، بما تَمَّمَ مباحثَ عديدةً لم أكن قد ذكرتُها في الطبعة الأولى، أَوْجَبَ إضافتَها ما أرجوه من التمتين الشاملِ لأصول مسائل هذا العلم.

فأسأله تعالى أن ينفع بهذه الورقات، وأن يجعلها في موازين الحسنات؛ إنه سميع مجيب الدعوات.

ص: 6

‌التَّعريفُ بالعِلْم

‌تعريفُ الجرحِ والتعديل:

تعريفُ الجرح:

لغةً: هو التأثيرُ في البدنِ بشقٍّ أو قَطع، واستُعِير في المعنويات بمعنى التأثير في الخُلُق والدِّين بوصفٍ يُناقِضُهما.

واصطلاحًا هو: وَصْفُ الراوي بما يقتضي رَدَّ روايتِه.

وتعريفُ التعديل:

لغةً: هو التقويمُ والتسوية، واستُعِيرَ في المعنويات بمعنى الثناء على الشخص بما يدل على دِينه القويم وخُلُقِهِ السَّوِيّ.

واصطلاحًا: وَصْفُ الراوي بما يقتضي قبولَ روايته.

فعِلمُ الجرح والتعديل النظريّ هو: القواعدُ التي تُبنَى عليها معرفةُ منازلِ الرواةِ من القبول وعدمه.

وعلمُ الجرح والتعديل التطبيقي هو: إنزالُ كل راوٍ منزلتَه التي يستحقُّها من القبول وعدمه.

ص: 7

‌الكلامُ عن العَدَالة

• تعريفُ العدالة (على الإطلاق): مَلَكَةٌ تحمل صاحبَها على مُلازمةِ التقوى والمروءة.

شرحُ التعريف:

المَلَكَة: السَّجِيَّة.

وتعريف العدالة بتلك الملَكة ليس عليه انتقادٌ في نظري؛ لأن تعريفَ العدالة بذلك ليس هو تعريفَ العَدْلِ، فمن كانت له تلك الملَكة لا يلزم من اتِّصافِه بها أن يكون معصومًا، فقد يخالف صاحبُ الملَكةِ مَلَكَتَهُ أحيانًا، وقد يتجاوز ذو السَّجِيَّةِ سجِيَّتَهُ، وكما قيل في بيان ذلك:«لكلّ جوادٍ كَبْوَةٌ، ولكلّ سيفٍ نَبْوَةٌ» . وعليه: فإنّي لا أرى أن هناك فرقًا بين تعريفِ العدل بصاحب تلك الملَكة وتعريفِه بأنه: من كان الغالبُ عليه فِعْلَ الطاعات وتَرْكَ المعاصي، أو بأنه: مَن غَلَبَ خيرُه شرَّه.

ثم إن الملَكاتِ (والسَّجايا) تتفاوت في القوة والتَّمَكُّنِ، فليس كل من كان الجودُ سجيتَه بلغ مبلغَ حاتم الطائي، ولا كل من كانت التقوى والمروءة ملكةً له بلغ مبلغ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وهذا هو مقتضى اعتقاد أهل السنة والجماعة: بأن الإيمان يزيد وينقص، وأن أصحابه فيه متفاوتون.

ص: 8

- والتقوى: هي الدافع الإيماني الذي يجعل المتَّصِفَ به متقرِّبًا لله تعالى بفعل الطاعات وتَرْكِ المحرّمات وسرعةِ الأوبة بعد الغفلات.

وأما المُتَّقي: فهو من غَلَبَ أثرُ إيمانه على أعمال قلبه وجوارحه، فكان غالبُ حاله طاعةَ الله تعالى والتقرُّبَ إليه.

- والمقصود ب (المروءة) هنا معناها الخاص: وهي التزامُ صفات أهل العقل الراجح وسمات أهل التقوى التي تخضع للعُرْفِ المكاني والزماني.

إذِ الأمرُ قد يكون في أصله مباحًا أو صغيرةً من الصغائر التي لا تكفي وحدها لنفي العدالة، ورغم ذلك فقد يَخْرِمُ ذلك المباحُ أو الذنبُ الصغيرُ مروءةَ الشخص، ويمنع وَصْفَه بالعدالة، وذلك إذا ما كان ذلك المباحُ أو تلك الصغيرةُ من خصائص الفُسّاق أو من السمات الغالبة على أهل السَّفَهِ (نقص العقل) في عُرفٍ من الأعراف.

ولكي أُقرِّب المعنى للمعاصرين: تخيّل أنك رأيت موظَّفًا يَدخُل دائرةَ عملِه بإزارٍ فقط، لا يَستُر إلا ما بين السرة والركبة، فإنه سوف يغلب على ظني أن فاعلَ ذلك ليس من أهل المروءة، مع أنه لم يفعل محرّمًا، حيث إنه قد ستر عورته؛ لأن ذلك المظهر لا يفعله في عرفنا شخصٌ عاقل.

وأما تعريف (المروءة) بالمعنى العام: فهي التزامُ صفاتِ أهلِ العقلِ الراجِحِ وسِماتِ أهلِ التقوى، مطلقا.

فالمروءةُ (بمعناها العام) أعمُّ من التقوى، وخوارمُ المروءة

ص: 9

أعمُّ من أسباب الفسق؛ فالمروءة بمعناها العام: يكون فيها كل مُفسِّقٍ خارمًا للمروءة

(1)

، ولا يكون كل خارمٍ للمروءة مفسِّقًا بحكمٍ منصوص

(2)

.

فللمروءة إطلاقان: إطلاقٌ أخصُّ من إطلاق، والمراد هنا الأخصّ.

وإنما وجب اشتراط المروءة بالمعنى الخاص: للتأكيد على إخراج مَن يَغلِب على الظن أنه ليس بعدل، وإن لم يثبت عليه يقينًا أنه فاسق؛ وذلك لإتيانه بما الغالبُ على مَن يأتيه (عُرْفًا) بأنه من أهل الفسق أو من أهل السَّفَهِ (نَقْصِ العقل)، ونحن مطالبون عَقْلًا باعتبارِ غلبةِ الظنِّ والحكمِ بها، إذا لم يُعارِضْها يقينٌ، أو ظنٌّ أقوى منها في غلبةِ الظن.

ويظهر من كل ذلك: أن اشتراط المروءة إنما هو في الحقيقة للتثبُّتِ من سلامة العقل والدين، من خلال التَّنزُّهِ عن قوادحَ ظنيةٍ فيهما: فهي كفعلٍ مباحٍ أو ذنبٍ من الصغائر لكنهما من خصائص أهل الفسق أو السَّفَهِ عُرْفًا، فيغلب على الظن أن فاعله منهم.

فإذا علمتَ ذلك، تَبيَّنَ أنّ مَن أتى قادحًا ظنيًّا مما يقدح في المروءة غالبًا، لكننا نعلم يقينًا أنه سالمُ العقلِ والدِّين: فيجب أن نُقدِّمَ حينها يقينَنَا بعدالته على ظنِّنَا بعدمها، وأن نُرجِّحَ الحكمَ المقطوعَ بطريقِهِ على الحكم المظنونِ طريقُهُ: وهو العلامات

(1)

فشارب الخمر ومرتكب الكبائر: فاسق، ومخروم المروءة أيضًا.

(2)

فمن فعل مباحا من سمات أهل السَّفَه وقلة العقل: سيكون مخرومَ المروءة، ولكنه لا يُفسَّق.

ص: 10

والسِّمات. وبذلك لا نجرح الراوي الذي عرفناه يقينًا بالعدالة، وإن بدا منه خارمٌ للمروءة مما لا يستند في نقضه للمروءة إلا على الأعراف.

* * *

‌تعريفُ العَدْل:

العَدْل: هو من كانت له مَلَكَةٌ تحمله على ملازمة التقوى والمروءة.

وهو: (1) المسلم، (2) العاقل، (3) البالغ، (4) السالم من أسباب الفسق، (5) والسالم من خوارم المروءة

(1)

.

والفسق نعني به هنا: رِقّةَ الدِّين وضعف الخوف من الله تعالى الذي لا يَزَعُ صاحبَه عن ارتكاب الكبيرة (كالكذب في الرواية).

والفاسق هو: من كان مستوى تَدَيُّنِه لا يمنعه عن تقحُّم الكبائر بحسب ما يظهر لنا.

ويُفسَّق المسلم - عند وجود الحاجة للحكم عليه بذلك - بواحدٍ من أمرين:

1 -

بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب، من غير تَأوُّلٍ.

2 -

بارتكاب صغيرةٍ أو صغائر إذا ما احتفَّ بارتكابها قرائنُ تدلُّ على استخفافٍ شديد وضعفٍ في الوازع كضعف الوازع

(1)

هذه الشروط الخمسة هي شروط وصف الراوي والشاهد بالعدالة.

ص: 11

المستفاد من ارتكاب أصغر الكبائر

(1)

.

فإن أعقبت ذلك توبةٌ ظاهرةٌ تدل على انصِلاح حاله وقوة إيمانه، حُكم له بالعدالة وقُبل (من هذه الجهة) حديثُه؛ إلا في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ثبت عنه الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وتاب منه، تبقى روايته مردودة، وأما توبته بينه وبين الله تعالى فمقبولةٌ إن صدقت.

* * *

‌سببُ اشتراطِ العَدَالة:

هو الاطمئنان إلى أن الراوي (أو الشاهد) لديه من التقوى والورع ما يمنعه عن تَعَمُّدِ الكذب. إذْ بغير قوّة مراقبة الله تعالى، واستحضار عِلْمِه سبحانه بكل شيء، مع خشية عقابه = لا يردعُ الإنسانَ عن الكذب شيءٌ، إذا كان له في الكذب مصلحةٌ، واطمأنّ إلى عدم افتضاحِهِ به عند الناس.

وهؤلاء العرب في الجاهلية كانوا من أَتْرَكِ الأُمم للكذب أَنَفَةً وتَكَرُّمًا؛ مع ذلك فهذا أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه، لما سأله هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل رِفاقًا لأبي سفيان خلفَ ظَهْرِهِ شُهودًا على ما يُجيب به، ليصدّقوه أو يكذِّبوه فيما يقول، وأبو سفيان حينها على دين قومه (لم يُسلم بعدُ) = فيقول أبو سفيان (كما في

(1)

فلا يُشترطُ الإصرارُ على الصغائر للتفسيق بالصغائر، وليس الإصرارُ على الصغائر مطلقًا من المفسِّقات.

ص: 12

الصحيح): «فوالله لولا الحياءُ من أن يَأْثِرُوا عليَّ كَذِبًا لكذبتُ» . فهذا دليلٌ على أنّ تَرْكَ الكذب لغير الديانة لا يُؤمَن دوامُه عند تَعارُضِ الصدق مع المصلحة، وعند الاطمئنان من عدم حصول الفضيحة بالكذب، حتى في أكثرِ الرَّقَاباتِ المُجْتَمَعِيَّةِ التي تُشَدِّدُ في تقبيح الكذب أخلاقيًّا، لا دينيًّا، وتَعِيْبُ مَن عُرفَ به بأشنع الأوصافِ المُنفِّرَةِ، كمجتمع عرب الجاهلية.

* * *

•‌

‌ حُكْمُ روايةِ المبتدع:

ولما كان سبب اشتراط العدالة هو ما سبق: استثنينا ممن وُصف بالفسق فُسّاقَ التأويل

(1)

: كالمبتدع (غير المكفَّر ببدعته) المتأوِّل (غير المعاند)؛ لأن هؤلاء - وإن كنا نُغلِّظ عليهم بدعتهم ونردّها عليهم بكل قوّة ووضوح - متأوِّلُون، لم يَبتدعوا بسبب ضعف الوازع الديني، بل ربما كانت بدعتُه هي سببَ قوة وازعه الديني، لأن بدعته ربما كانت هي الغلو في التديّن (كالخوارج). فالتأوُّلُ هو سبب عدم تفسيق المبتدع، كما أنه هو سبب عدم تفسيق من فعل كبيرة متأوِّلًا حِلّها، كمن يشرب النبيذ على

(1)

وتسميتهم ب (فُساق التأويل) فيها تَجَوُّزٌ وتَجَاوُزٌ: لأنهم بتأوّلهم لا يُفسَّقون. ولو قيل: المتأوّلون في الفسق، أو: متأوّلو الفسق = لكان أقربَ للعدل. وأصحّ ألقابهم: أهل البدع والمبتدعة.

ص: 13

مذهب أئمة الكوفة، فإنه لا يُفسَّق قطعًا بسبب هذا التأوّل، مع أنه عند جمهور الفقهاء مما يُفسَّق به غير المتأوّل؛ لأنه عندهم قد شرب الخمر.

والأصل في كل مبتدع أنه متأوّل، حتى يَثْبُتَ بيقينٍ أو بغلبةِ ظنٍّ أنه مُعاند، من خلال مناقشته وإقامة الحجة عليه، فعندها:

- قد يُفسَّق: إن غلب على الظن عِنادُه عند الناقد.

- وقد يُكفَّر: إن قام الدليل القاطع على نَقْضِه الشهادتين ببدعته

(1)

.

هذا هو منهج النُّقاد في زمن الرواية في التمييز بين المبتدع المتأوّل من غير المتأوّل (المعاند).

ولصعوبة ثُبوت العِناد: كان من النادر أن يُطعَنَ في الرُّواة الطعنَ الموجِبَ للردِّ بمجرَّدِ البدعة.

أما كيف يُميِّزُ العلماءُ المتأخرون بين المبتدع المتأوِّلِ والمبتدع المعاند:

- فإمّا بالتنصيص على عناده من ناقدٍ مُتقدم، ممن عنده أهلية الاطّلاع على تأوّل المبتدع أو عناده.

- وإما بأن نَجِدَ الراوي الموصوفَ بالبدعة قد وَثّقَهُ الإمامُ نفسُه الذي وصفه بها، أو وَثّقَهُ إمامٌ غيرُه مع شهرته بالبدعة أو مع بُعد خفاء كونه مبتدعا على الناقد الموثِّق. لأن توثيقهم له رغم تبديعه: قد دلّنا على عدم عناده، وأنه متأوّل؛ وإلا ما وثّقوه.

[وبهذا يتضح أن حكم رواية المبتدع المسلم المتأوِّل (غير المعاند): هو القبول؛ إلا أن يروي حديثًا منكرًا يؤيِّد البدعة.

هذا الحكم المتفق عليه بين المحدّثين وأئمة الاجتهاد من الفقهاء، ولا يصح وقوعُ اختلافٍ بينهم في ذلك، وأن المذاهب المحكيّة التي تذكر الاختلاف لا تنطبق على واقع موقف العلماء من رواية المبتدع، وقد حكى الإجماع على ذلك الإمام الشافعي والخطيب البغدادي.]

[*]

* * *

(1)

على ما بينتُه في كتابي (تكفير أهل الشهادتين).

[*] تعليق الشاملة: ما بين المعكوفين ليس في المطبوع، وهو في أصل النسخة الإلكترونية التي وصلتنا

ص: 14

•‌

‌ قِسْما العدالة:

- تعريفُ العدالةِ الظاهرة: الإسلامُ وعدمُ العلم بالمفسِّق.

وتُعرف من خلال الخبرة القصيرة أو السطحية.

- تعريفُ العدالةِ الباطنة: الإسلامُ والعلمُ بعدم المفسِّق.

وتُعرف من خلال الخبرة الطويلة أو القويّة.

وليس المقصود بالعدالة الباطنة خفايا القلوب وغَيْبُ النيّات، فهذه لا يعلمها إلا عالم ما في الصدور سبحانه وتعالى، ولذلك لم تثبت عدالةُ القلوب إلا للصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الله تعالى قد عدّلهم في وَحْيَيهِ (الكتاب والسنة).

* * *

•‌

‌ أقسامُ الرُّواة من جهةِ تَحقُّقِ العدالة (بِقِسْمَيها) فِيهم:

1 -

من عُرفت عدالته الباطنة (والظاهرة باللزوم): وهو العَدْل.

2 -

من عُرفت عدالته الظاهرة (دون الباطنة): وهو المَسْتور (باصطلاح المتأخرين). وحُكمه: القبول في الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم، وخاصة طبقة التابعين، وكبارهم بالأخصّ، وطبقة المتأخرين من رواة النُّسَخِ.

3 -

من جُهلت عدالتُه (الظاهرة والباطنة) لكن عُرفت عينُه (في النَّسَب أو الأدب أو الشِّعر أو أيّ علم آخر أو في

ص: 15

قيادة جيش أو إمارة أو غير ذلك مما يُذكر في التواريخ): فهو مجهول الحال. وحُكمه: التوقُّفُ عن قبول حديثه، ولا يحكم لحديثه بِخِفَّةِ ضعفٍ أو بشدةِ ضعفٍ بإطلاق، ولكن يُنظر في حديثه (إسناده ومتنه): فإن كان فيه نكارة، أو تبدو عليه علامات الوَضْع = حُكم عليه بما يقتضيه ذلك، وإلا فلا يُحكم عليه بشدة الضعف، ويبقى حينها في حَيِّزِ الاعتبار.

4 -

من جُهلت عدالتُه (الظاهرة والباطنة)، وجُهلت عينُه أيضًا: فهو مجهول العين. وهو كالمُبْهَم (وهو الراوي المصرَّحُ بوجوده في السَّنَد من غير ذكره بمعرِّف). وحُكمه: حُكمُ سابقه، وقد يكون أبعدَ عن القبول من سابِقه.

5 -

من عُرف بعدم العدالة: وهو الفاسق، والكافر (كالزنادقة والقرامطة وأمثالهم من الباطنية الكفار)، وغير المكلَّف: كالصغير والمجنون ومن في حُكمه (كالمغفّل غفلةً شديدة). وهو مردودٌ بالإجماع. وحديثُ غير العدل (فاسقا أو غير فاسق): شديدُ الضعف: لا يُعتبر به، كحديث الكذاب، والمتهم بالكذب، والمصرّ على رواية الخطأ عنادًا (لا نفيًا لوقوعه في الخطأ)، ومدلّسُ الحديثِ الموضوع مع العلم بوضعه لإيهام صحته.

* * *

ص: 16

•‌

‌ كيفيّةُ إلحاقِ الرُّواةِ بواحدٍ من هذه الأقسامِ الخمسة:

‌1 - (العَدْل):

أ - بالشهرة والاستفاضة، مثل أئمة السنة.

ب - بالتنصيص مِن مقبولٍ قولُه في الجرح والتعديل.

ت - بالتعديل الضِّمني (كالتصحيح والتحسين للراوي، ورواية من لا يروي إلا عن مقبول عنده). وتزداد قوة دلالة التعديل الضمني عند عدم وجود جرحٍ صريحٍ في ذلك الراوي، وإذا كانت من باب رواية الأكابر عن الأصاغر.

ومن التعديل الضمني: الاحتجاجُ بخبره، إذا غلب على الظن أن العالم إنما اعتمد في حكمه بمقتضى ذلك الخبر على رواية ذلك الراوي.

وهناك قرائنُ توثيقٍ: كشهرة الراوي، وكثرة الرواة عنه، وإكثاره من الرواية، وكونه له مصنَّفات متداولة معروفة، ورواية الأكابر عن الأصاغر، ورواية الأقران عنه = كل ذلك بشرط عدم وُرُودِ جرحٍ معتَبَرٍ فيه. وهي قرائنُ لا يكفي الواحد منها، لكنها قد تجتمع فتفيد، وقد تُرجِّح التوثيقَ الوارد، وقد تُقوِّي التوثيقَ المظنونَ أيضًا.

وليس من التعديل الضمني: السكوتُ عن الجرح، أو عدم وجود جرح في الراوي. لكن أن يكون ذلك من القرائن: فهو اعتبارٌ صحيح.

‌2 - (المستور):

برواية عَدْلَين عنه، ويُكتفى بعدل واحد إذا

ص: 17

كان من الأئمة والحفاظ.

‌3 - (مجهول الحال):

برواية راوٍ واحد (عدلًا كان أو ليس بعدل، فإن كان الراوي عنه ليس بعدل فهو أضعف لحاله ولحديثه).

‌4 - (مجهول العين):

كسابقه، وإنما فارق بينهما العلم بعين الراوي والجهل بها.

تنبيهٌ: يجب أن تَعلم أن إطلاقات الأئمة المتقدمين ل (المجهول) لم تلتزم بهذه الحدود، وأنها كانت أقربَ للاستعمال اللغوي (وهو أوسع من الإطلاقات الاصطلاحية). فلربما أطلق الناقدُ منهم وَصْفَ المجهول على (الصحابي) عنده وعلى من يوثِّقه هو نفسُه، بمعنى: أنه غير مشهور، أو أن أخباره قليلة، لا على معنى عدم العلم بعدالته.

‌5 - (الفاسق والكافر):

أ -بالشهرة والاستفاضة: كمحمد بن سعيد المصلوبِ بالزندقة، ومحمد بن السائب الكلبي. يقول النسائي:«الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة: ابنُ أبي يحي بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام» .

ب -بالتنصيص من مقبولٍ قولُه في الجرح.

ت -بالتضعيف الضِّمني (كالتَّرك المتعمَّد للرواية عنه وتَقَصُّدِ الإعراض عن حديثه، وكتضعيف الحديث الذي ليس فيه ما يقتضي التضعيف إلا ذلك الراوي، وكترك العمل

ص: 18

بمقتضى حديثه مع غلبة الظن أن ترك العمل به لم يكن لسبب آخر؛ إلا أنه من رواية ذلك الراوي)، لكن هذا التضعيف قد يرجع إلى طعن في العدالة، فيكون داخلا في وسائل معرفة غير العدل، وقد يرجع إلى طعنٍ في الضبط فقط.

ث -بروايته للمنكرات والموضوعات بالأسانيد النظيفة التي تكون سبب افتضاحه بأنه هو الذي جاءت مِن قِبَلِهِ تلك النكارةُ الدالّةُ على عدم العدالة أو هو الذي وضع ذلك الإسنادَ أو المتنَ.

ص: 19

‌الكَلامُ عن الضَّبط

ما سبق هو العَدْل في الشهادة، أما العَدْل في الرواية فيُشترط فيه مع العدالة الدينية أن يكون ضابطًا.

- تعريف الضبط: نَقْلُ المرويِّ كما تَلقّاهُ الراوي (لفظًا أو معنى).

- تعريف الضابط: هو من كان نَقْلُه للمَرْويِّ مُطابقًا لما تَلقّاهُ عن شيخه (لفظًا أو معنى).

هذا التعريف هو تعريف الضابط حال كونه ضابطًا لما رَوى، وأما تعريف الراوي الضابط مطلقًا: فهو من غَلَب على الظن أن نَقْلَه موافقٌ لما تلقّاه، أو هو: من كان احتمالُ صوابه أكبرَ من احتمال خطئه.

وكونُ الراوي ضابطا لا يعني قبول حديثه مطلقا، ولا يعني أنه لا يخطئ أبدًا، وإنما يعني أن الأصل قبول حديثه، بشرط أن لا يَظهر ما يستدعي الشّكَّ في ضبطه حديثًا معيّنًا:

o إما بسبب أنه خالف ما هو أَوْلى منه ضَبْطًا: كقوة الضبط وكثرة العدد.

o وإما لأنه انفرد بأصلٍ (مَتْنِيٍّ أو إسناديّ) بما لا يَقَعُ في ضبطه وإتقانه ما يَجبُر تَفَرُّدَه.

ص: 20

والراوي غير الضابط: هو من كان احتمالُ خطئه أكبرَ من احتمال صوابه أو مساويًا له، إما بسبب كثرة أخطائه أو بسبب سوء الخطأ، مما شكّكَ في قدرته على الضبط (بتساوي الاحتمالين)، أو غلَّبَ الظنَّ بخطئه فيما يرويه (بكثرة احتمال خطئه على احتمال صوابه). فإن بلغ فُحْشُ الخطأ درجةَ بُعد احتمال وُقُوعِه إلا بسبب قادحٍ في العدالة: لغفلةٍ شديدةٍ تخالف شَرْطَ العقلِ في الراوي العدل، أو لورود احتمال تَعَمُّدِ الإخبار بخلاف الواقع (الكذب): فينتقل ذلك القادحُ من القَدْحِ في الضبط فقط إلى القَدْحِ الأشدّ، وهو القَدْحُ في العدالة.

واتِّصافُ الراوي بعدم الضبط قادحٌ خفيف يقبل التَّقَوِّي مطلقًا، على مراتب في ذلك بحسب درجة ضعف الضبط، ولا يبلغ الراوي درجةَ عدم الاعتبار؛ إلا إن تجاوز فحشُ الخطأ القدحَ في الضبط إلى القدح في العدالة (على ما بيّنّاه آنفًا)

(1)

.

وعدم الضبط قسمان:

- قائمٌ: وهو الذي يكون الراوي موصوفا به منذ عُرف بالرواية.

- وطارئٌ: وهو الراوي المختلِط، وهو من ساء حفظه بعد إتقان.

وحُكم الراوي المختلط: يُقبل في أربع حالات، ويُردّ في واحدة:

فيُقبل في الحالات التالية:

1 -

ما رواه قبل الاختلاط (ويُعرف بتمييز من روى عنه قبل

(1)

وأما (الحديث) فيبلغ درجةَ عدم الاعتبار: إما لعدم عدالة راوٍ في إسناده، أو لترجيح خطأِ راويه.

ص: 21

الاختلاط ممن لا يتميّز بذلك).

2 -

ما توبع عليه متابعةً تُثبت ضبطَه له.

3 -

إن قُصد مِن وَصْفِه بالاختلاط: التغيّرُ اليسيرُ في الحفظ الذي لا يُنزل الراوي عن مرتبة القبول، وإن نزل به عن منزلته التي كان عليها قبل الاختلاط. فهذا ليس مختلطًا بالمعنى المبدوء بتعريفه، وإن وُصف بذلك.

4 -

إن حُجب عن الرواة بعد الاختلاط، فلم يُؤخَذْ عنه حال اختلاطه.

ويُردُّ ما سوى ذلك من حديث المختلط.

* * *

•‌

‌ قِسْما الضبط:

‌القسم الأول: ضَبطُ صَدْرٍ:

هو القدرةُ على استحضار المرويِّ من الصدر، كما تلقَّاه الراوي (تَلَقِّيَ الإتقان)، دون الرجوع إلى الكتاب، مع شرط عدم إحالة المعنى فيما إذا ما روى بالمعنى.

وصحة الرواية بالمعنى تستوجبُ اجتماعَ أمرين، هما:

1 -

فقهُ النَّفْس (وهي القدرة على إدراك مراد الشارع من الدليل الشرعي)، ومما يُعِين عليه: العلمُ بالفروع الفقهية، وبالاختلاف فيها، وبأدلة الاختلاف وأسبابه، وبأصول

ص: 22

الفقه.

أو أن يَتلقَّى الراوي هذا الفقهَ ممن وُجدت فيه أهليتُه.

2 -

والعلمُ باللغة الممكِّنُ للراوي بأن يحكي المعنى بغير لفظه.

مع العلم بأنّ من الأحاديث النبوية مالا تصحّ فيها الرواية بالمعنى، كالأدعية والأذكار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يُتعبَّد بألفاظها، وكالألفاظ التوقيفيّة (كأسماء الله تعالى وصفاته)، وكجَوَامع كلمه صلى الله عليه وسلم.

‌القسم الثاني: ضَبْطُ كتاب:

وهو الروايةُ من كتابٍ فيه مرويَّاتِه التي تلقاها عن شيوخه كما تلقاها عنهم.

وشرطه:

1 -

أن يكون المرويُّ مكتوبًا كتابةً صحيحةً تُمكِّن من القراءة الصحيحة منه.

2 -

أن يكون محفوظًا من التغيير أو التلف أو الفقدان.

3 -

وأن لا يُحدِّث صاحبُ هذا الضبط (إذا لم يكن لديه ضبط الصدر) إلا من كتابه هذا أو من نسخةٍ مطابقةٍ له.

* * *

ص: 23

•‌

‌ كيفيّةُ معرفةِ العلماء المتقدّمين لضبط الرواة:

وقد كان للنُّقّاد وسائلُ عديدةٌ لمعرفة ضبط الرواة، منها:

1 -

الإبدال عمدًا، للاختبار.

2 -

سؤال الراوي عن حديثه في أزمانٍ متباعدة.

3 -

النظر في أصوله وضبطِها، إن كان يروي من كتاب.

4 -

مطالبتُه بأصله للتَّثَبُّت من حفظه، إذا ما حدّث من حفظه.

5 -

الرجوع إلى كُتُب شيخِ الراوي، فَمَن فوقَه، أو جمعُ حديثِه.

6 -

سَبْرُ حديث الراوي، وهي من أهمّ وأدَقّ وسائل معرفة ضبط الراوي:

وهذا السَّبر يتمُّ من خلال عمليّةٍ شاقّةٍ تستلزم حفظًا واسعًا وفهمًا ثاقبًا وإدراكًا كبيرًا لعلوم الحديث بجميع فنونها.

على أنه ليس كل الرواة يُمكن سَبْرُ حديثِهم: كالمجهول الذي لم يَرْوِ عنه إلا تلميذٌ ضعيف، أو لم يَرْوِ هو إلا عن شيخٍ ضعيف، أو أنه ما عُرف له حديثٌ إلا محاطًا بضعيفٍ من الجهتين: فكان شيخُه فيه ضعيفًا، وتلميذُه الراوي عنه ضعيفًا. إلا في حالة واحدة، يمكن فيها سَبْرُ حديث مثل هذا المجهول، وهي حالة أن تكون نكارة الحديث أشدّ من درجة ضَعْفِ الراوي الذي فوقه (الشيخ) والراوي الذي تحته (التلميذ)، مما ينتجُ عنه: أن درجةَ النكارة وشدّتَها لا تليق إلا بذلك المجهول.

وكذلك يجب التنبّه إلى أن هذا السَّبْرَ قد يَصعُبُ (ولا يستحيل) حتى على النُّقّاد: إذا لم يكن للراوي إلا رواياتٌ موقوفةٌ ومقطوعة،

ص: 24

أو مراسيل غير متصلة أصلا.

كما قد يصعب هذا السَّبرُ أيضًا (ولا يستحيل) عند إقلال الراوي جدًّا، كمن ليس له إلا الرواية الواحدة أو الروايتان، فيصعب غالبا على النُّقّاد سَبْرُ حديث المقلِّين، لكنه لا يمتنع دائمًا. وقد يتوقف فيه بعضهم، وقد يتنبّه غيرُهم لأسباب الحُكم فيه، فيحكمون عليه رُغمَ قِلّةِ حديثِ الراوي.

وعمليّةُ السَّبرِ هذه هي باختصار بالغ: تقوم على تقسيم حديث ذلك الراوي إلى قسمين:

- الأحاديث التي تَفرَّدَ بها.

- والأحاديث التي شُوْرِكَ في أصل روايتها.

فإن غلبت عليه المفاريد: كان ذلك دليلَ ضعفه، بل ربما كانت دليل وَضْعِه للحديث.

فإن لم تغلب عليه المفاريد، لكنها لم تزل في حيِّز الكثرة، وجب سَبْرُ ما شُورِك فيه وَحْدَهُ، ثم ما انفرد به وَحْدَهُ، ثم يُوازَنُ بين النظرَيْنِ، ليَخرج الناقدُ بالنتيجة.

فبالنظر إلى التّفرّدِ يجب أن تُلْحَظَ ملاحظُ دقيقةٌ جِدًّا، كالملاحظ التالية:

1 -

قوّة تأثير المفاريد على دلالة إتقانِه المستنبَطِ مما لم ينفرد به من الحديث وشُورِكَ في أصل روايته:

o فقد يقع في ضبطه وإتقانه ما يَجبُر تفرُّدَه، وقد لا يقع فيه ما يَجبُره.

o وما لا يقع في إتقانه ما يَجبُره: قد تدلّ خِفّةُ درجةِ خطئه

ص: 25

على أنه مجرّدُ وَهَمٍ غيرِ مقصود، فلا يؤثّر في عدالة الراوي، وقد تَفْحُشُ درجةُ النكارةِ حتى يغلب على ظن الناقد أو يتيقّن أنّ تلك النكارة لا تقع من عَدْل (كما سيأتي).

2 -

درجة غرابتها، حيث إن الغرابة درجات، وتَفَاوُتُ درجاتها يرجع إلى درجة توفُّر الدواعي لنَقْل الحديث قوةً وضعفا. ومع تَفاوُتِ الدرجات يجب أن يُلْحَظَ موطنُ التفرّد أيضًا: هل هو في المعنى، أم اللفظ، أم الإسناد:

o ففي المعنى: هل تفرّد الراوي بأصل؟ أم كان تَفرُّدُه مجرَّدَ تَفَرُّدٍ بلفظٍ لأصلٍ مشهورِ المعنى؟

o وفي اللفظ: هل اللفظ مما يُستنكر على اللفظ النبوي؟ أم هو مما يليق به؟

o وفي الإسناد: هل هناك تَفَرُّدٌ بأصلٍ إسناديٍّ يصل حَدَّ ما لا يصحّ أن يقع مثله أصلا، أو هو فقط ما لم يقع مثله قط، أم هو إسنادٌ معروف لكنه تفرّد بذلك المتن، فكل واحدة من صور التفرّد هذه أشدُّ غرابةً من الأخرى.

3 -

طبقة الراوي الزمنية: فتفرُّدُ كبار التابعين أوْلى قبولًا من صغارهم، وكبار أتباع الأتباع وإن كانوا دون التابعين في احتمال التفرّد منهم: لكنّ تَفَرُّدَهم أقربُ احتمالا من صغار أتباع التابعين أيضًا.

4 -

علاقة الراوي بمن تفرّد عنه: هل يَحتمِلُ التفرُّدَ عنه لشدّة ملازمته وقوة خبرته بحديثه، أم ليس كذلك.

ص: 26

فإن كانت المفاريد قليلةً ولم تصل حدّ التشكيك في عدالته، أو كانت المفاريد لا وجود لها في حديث الراوي، فهو مُشَارَكٌ في كل حديثه. نُظر إلى القسم الثاني من حديث الراوي، وهو ما شُورِكَ في أصل روايته. هل الغالب عليه فيه موافقةُ الثقات، وما هي نسبة مخالفته (فُحشًا وعددًا) بالنسبة لموافقته لهم.

فإن ظهر لنا بعد ذلك أنه ضابطٌ في الجملة، عُدنا مرة أخرى إلى مفاريده (إن وُجدت)، فنظرنا فيها: هل في ضبطه ما يقع جابرًا لما تفرّد به؟ هل يحتمل ضبطُه التَّفرُّدَ بما تَفَرَّدَ به؟ فإن كان فيها مالا يحتمله ضبطُه، نظرنا:

هل فيها منكراتٌ شديدة؟ فإن كان فيها شيءٌ من ذلك: ربما أسقطنا حديثه؛ فرُبّ حديثٍ واحدٍ أَسقطَ مائة ألف حديث (كما قال الدارقطني).

ولا يعني ذلك أن الناقد لا ينظر إلى هذا القسم (قِسْمِ ما شُورك فيه الراوي) إلا بعد قِسْمِ ما تَفرَّدَ به من حديثه، بل ربما كان الابتداء بقسم ما شُورِكَ فيه أصحّ، لأن الحكم على الراوي من خلاله قد يكون أسهل، وهو أقل عمقًا من سَبرِ المفاريد (مع عمقه أيضًا).

وكما أن ما يُردُّ من مفاريد الرواة مراتب (كما سبق)، فكذلك ما يُردُّ من جهة المخالفة مما شُورِكُوا في أصل روايته وتبيّنت فيه مرجوحيّةُ روايتهم، فهو أيضًا مراتب:

ومرجع ذلك إلى الموازنة بين درجة الغلط وحال الراوي من جهة العدالة:

ص: 27

o فإن كانت درجةُ الغلط لا تفوقُ درجةَ متانةِ عدالتِه وقوةَ يقينِ الناقدِ منها: رُدّ غلطُه فقط، دون أن يُجرح الراوي.

o وإن كانت درجةُ النكارةِ تَفُوقُ ما عَرَفَهُ الناقدُ من عدالة الراوي: رُدَّ المرويُّ والراوي معًا، فجُرح الراوي بهذا الحديث.

وهذا كله فيما إذا كان الراوي مكثرًا من الرواية، أما إذا كان مُقِلًّا، بل ليس له إلا الحديثُ الواحد أو الحديثان ونحوها. فإن الحكم عليه بالضبط وعدمه قد يكون في غاية السهولة على النُّقّاد، وقد يكون في غاية الصعوبة عليهم:

- فإن كان جميع حديث ذلك الراوي المقلّ مما شُورِكَ في نقله: سَهُلَ الحكمُ عليه من خلال ذلك.

- وإن كان جميع حديثه مفاريدَ، أو فيها مفاريدُ مع ما شُورِك فيه منها، بل ربما لم يكن له إلا حديثٌ واحد تَفرّدَ به: ففي هذه الحالة قد يَصْعُبُ الحكمُ عليه جدًا على أئمة النقاد وجهابذة الحفاظ؛ لأنه وإن وافق الثقاتِ فيما شاركهم في روايته، إلا أن قِلّةَ حديثِه الذي شاركهم فيه أصلًا لا تكفي للحكم عليه بالضبط أو بعدمه، ولا بُدّ حينها من النظر في مفاريده أيضًا. والحكم على الراوي من خلال مفاريده القليلة (التي قد تكون حديثًا واحدًا) أمرٌ في غاية الصعوبة، خاصة عند عدم وجود نكارةٍ ظاهرةٍ في ذلك الحديث الفرْد، وعند احتمال طبقة ذلك الراوي للتفرّد (كالتابعين ثم أتباعهم).

- فإن كان في إسناد الحديث المدروس أكثر من راوٍ يُمكن أن

ص: 28

تُلحق به نكارتُه أو غلطُه: أُلحقت بالأضعف، فإن احتملها عددٌ من الرواة المتشابهين في الضعف: توقّف الناقد عن إلحاق الغلط بأحدهم.

ومن ظن أن الراوي الذي ليس له إلا حديثٌ واحد لا يمكن الحكم عليه؛ لاستحالة ذلك في ظنّه، ولوجود عباراتٍ لابن عَدِيّ قد تُوهِمُ بذلك = فقد أخطأ ظنُّه وفهمُه، بدليل أن ابنَ عدي كثيرًا ما ذكر تلك العبارات في حقّ من تكلم فيهم غيرُه من النُّقّاد، فما توقّف فيه ابنُ عدي، كان قد توصّل غيرُه فيه إلى حكم.

ويدل على إمكان ذلك عددٌ من الأدلة، منها:

1 -

وقوع ذلك مرات كثيرة: يقول أبو حاتم الرازي عن سعيد بن محمد الزهري: «ليس بمشهور، وحديثه مستقيم، إنما روى حديثًا واحدًا» . مع أن حديثَه هذا قد استنكره غيرُه. وقال أبو حاتم الرازي عن عبد الرحمن بن حرملة عمّ القاسم بن حسان: «ليس بحديثه بأس» ، رغم أن عليّ ابن المديني قال عن حديثٍ له:«لا أعلم رُوي عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيءٌ؛ إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله» .

2 -

وجود عبارات أخرى لابن عديّ تدل على إمكان ذلك أحيانًا.

3 -

وقد نصَّ الخطيبُ على إمكان ذلك في (الكفاية).

* * *

ص: 29

•‌

‌ كيفيّةُ معرفةِ المتأخِّرِينَ والباحثينَ المعاصرينَ للضبط:

من خلال طرائق معرفة العدالة نفسِها (الاستفاضة، والتنصيص، والتوثيق الضِّمني). وذلك لأن أحكام أئمة الجرح والتعديل جاءت لبيان ما إذا كان الرواة مُحْتجًّا بما رَوَوْه أو غير محتجٍّ به، وذلك لا يحصل إلا بالحكم عليهم من خلال عدالتهم وضبطهم جميعًا؛ ولهذا جاءت أحكام أئمة الجرح والتعديل متناولةً الرواة من هاتين الجهتين جميعًا: العدالة، والضبط.

أما طريقة السَّبر التي سار عليها المتقدمون فلا يمكن للمتأخرين الاعتماد عليها لمعرفة ضبط الرواة استقلالًا (أي دون أن يكونوا مسبوقين بنحو حكمهم من إمامٍ متقدّم)، إلا في حالتين خاصّتين بمن لم نَجِد فيه جرحًا أو تعديلًا (كالمجهولين وشبه المجهولين):

الحالة الأولى: أن نَجِدَ لهذا الراوي المجهول حديثًا ظاهرَ النكارةِ أو واضحَ البطلان، فأحكمُ على الراوي بالذي يليق بمقدار تلك النكارة من الضعف أو شدة الضعف أو الاتّهام بالكذب. وذلك بشرط أن يكون الإسناد الذي فيه ذلك المجهول والذي فيه تلك النكارة مقبولَ الرُّواة نظيفًا؛ إلا من ذلك المجهول. وهذه الطريقة سار عليها الذهبي في (الميزان)، فيمن استقل بتضعيفهم، والحافظ ابن حجر في (اللسان)، والعبد الفقير في (ذيل اللسان).

الحالة الثانية: وهي التي تكون نتيجتها الحكم بقبول

ص: 30

حديث الراوي، وهي أشق من الأولى وأصعب. ولا يمكن ذلك إلا في حالة ما إذا كان الراوي مقلًّا، ويُنصّ على إقلاله، أو أَجِدُ ما يشهد لإقلاله من الحديث، بل قد يَنصُّ العلماءُ على عدد ما روى؛ ثم أقف على أحاديثه، وأستقصي في البحث؛ فيمكن حينها للعالم المتأخر صاحب الفهم الدقيق والممارسة الطويلة أن يحكم بالقبول إذا ظهرت له علاماتُه. خاصة إن وجد قرائن تؤيّد نتيجة سَبرِه هذا، من مثل كون الراوي من التابعين، أو روى عنه جمع، أو وَجَدَ قرائن تشهد لقبول المتقدمين له، مثل أن يوجد حديثُه في بعض أمهات السنة التي الأصل في أحاديثها الانتقاء، ك (السنن) لأبي داود (دون أن يُصَحَّحَ له؛ لأن التصحيح توثيقٌ ضمني، لا يحتاج معه الراوي إلى هذا السَّبر غالبًا).

أما الرُّواة المكثرون: فلو قَدَّرْنا عدمَ وجود جرح أو تعديل فيهم، فلا يمكن - مع كثرة حديثهم وانتشاره - أن يُحكم عليهم بالقبول؛ إذ يُحتمل - احتمالًا قويًا - أن يكون فيما سيفوت المتأخر (حتمًا) مِن حديثهم ما يَسْقُطُ به حديثُهم (ورُبَّ حديثٍ واحد أسقط مائة ألف حديث).

ولا يعني ذلك أن سَبْرَ المتأخرين من المتأهلين لذلك عديمُ الفائدة إلا في هاتين الحالتين، بل هو مفيدٌ حتى في غير هاتين الحالتين.

فالراوي الذي اشتدّ فيه الاختلاف جرحًا وتعديلًا، يمكن الاستفادة من سَبْرِ حديثه - سواءٌ أكان مكثرًا أم مقلًّا، وسواءٌ

ص: 31

أكانت نتيجة سَبْرِ حديثِه القبول أم الرد - في الترجيح بين تلك الأقوال المختلفة. فيكون السَّبر حينها للوصول إلى مرجِّحٍ فقط، لا إلى حُكمٍ اسْتِقْلاليّ.

تنبيهٌ: الضبطُ هو (غالبًا) سببُ تباين مراتب الرواة في مراتب الجرح والتعديل، أما القدحُ في العدالة (غير فِسْق المتأوّل فيه) فهو مرتبةٌ واحدةٌ إجمالًا، هي مرتبةُ شِدّةِ الضعفِ ممن لا يُعتبر بحديثهم من الرواة. أما من لم يُقدح في عدالته (بكذبٍ أو اتّهامٍ به أو فسقٍ أو جنون أو غفلةٍ شديدة تُنزَّل منزلةَ الجنون) فهو معتبَرٌ به، مهما اشتدّ ضعفُه في الضبط؛ إلا فيما تبيَّن أنه قد وَهِمَ فيه، فوَهْم الثقات لا يُعتبَر به أيضًا. إلا إن بَلَغت نكارةُ وَهْمِه درجةَ التشكيكِ في عدالته، على ما سبق بيانه.

وتنبيهٌ ثانٍ: أنّ الرواةَ الضعفاءَ الذين يُعتبَرُ بحديثهم هم أيضًا درجاتٌ ومراتب، فليس من اختُلف في قبوله وفي ردّه من الضعفاء كمن اختُلف في الاعتبار به وفي عدم الاعتبار.

* * *

•‌

‌ أئمّةُ الجرحِ والتعديل

شروط المعدِّل والجارح: يقول الذهبي في الموقظة: «الكلام في الرواة يحتاج إلى ورعٍ تامٍّ، وبراءةٍ مِن الهوى والميْل، وخبرةٍ كاملةٍ بالحديث وعِلَلِه ورجاله» .

ص: 32

كيف نعرف من وُجدت فيه هذه الشروط:

1 -

من خلال الكتب المصنّفة في ذلك:

أ - وأَوّلُ هذه الكتب: كتاب (الجرح والتعديل) لابنِ أبي حاتم (ت 327 هـ)، فقد صرّح ابنُ أبي حاتم في مقدمة كتابه أنه لن يَنقُل إلا كلامَ من كان يستحقّ الاعتمادَ عليه عنده في الجرح والتعديل

(1)

.

ولذلك فقد جمع أسماءَ هؤلاء الأئمة الدكتور هشام بن عبد العزيز الحلَّاف في كتاب سمّاه (المزكُّون لرواة الأخبار عند ابن أبي حاتم)، ورتَّبهم على حروف المعجم.

ب - كتاب الأربعين المرتَّبة على طبقات الأربعين: لعليّ بن المفضَّل المقدسي (ت 611 هـ).

ت - (ذِكْرُ من يُعتمَدُ قولُه في الجرح والتعديل): للذهبي (ت 748 هـ).

ث - (المتكلِّمون في الرجال): للسَّخاوي (ت 902 هـ).

2 -

من خلال ترجمته وما تتضمَّنُه الترجمةُ من وصفٍ بالحفظ والإمامة والنقد.

تنبيهٌ: يُقبل الجرح والتعديل من إمام واحدٍ إذا تحقّقت فيه شروطُ أهليّة الكلام في الرواة.

* * *

ص: 33

•‌

‌ تفسيرُ الجرحِ والتعديلِ وإبهامُهُما

الجرحُ والتعديل المفسَّر: هو الذي بيّنَ الجارحُ أو المعدِّلُ فيه سببَ الجرح أو التعديل.

الجرحُ والتعديل المبهم: هو الذي لم يبيّن الجارحُ والمعدِّلُ فيه سببَ جرح الراوي أو تعديله.

على أن التعديل يكاد يتعذّر ذِكْرُ أسبابه، ولذلك لا كلامَ في قبوله مبهمًا (غيرَ مفسَّر). وأما الجرح: فهو الذي يَسْهُلُ ذِكْرُ أسبابه.

والصحيح: أنه لا خلاف في قبول الجرح والتعديل المبهمَينِ كليهما: عند عدم وقوع تَعارُضٍ في الراوي جرحًا وتعديلًا. وليس لقبولهما شرطٌ (رغم إبهامهما) في هذه الحالة؛ إلا أن يكونا صادِرَينِ ممن يُقبل قولُه في الجرح والتعديل، والذي مِن شروطه أن يكون عارفًا بأسباب الجرح والتعديل.

فإن تعارضَ الجرحُ والتعديل، فهي المسألة الكبرى التالية:

ص: 34

‌تَعارُضُ الجرحِ والتعديل

الأغلب أن يكون التعارُضُ واقعًا بين أئمةٍ متعدِّدِينَ، أي أن يكون الجارحُ إمامًا غيرَ الإمام المعدِّل. ولكن قد تكون العبارات المتعارضة صادرةً من إمام واحد، فالإمام نفسُه اختلَف قولُه المحكيُّ عنه في الراوي.

ولكل حالةٍ من هاتين الحالتين طريقةٌ عِلْمية للتعامل مع التعارض، تتيح لنا الخروجَ من هذا التعارض بأَولى الأقوال بالصواب وأحقها بالاعتماد.

وتنبّه أن هذا الفصل (فصل تعارض الجرح والتعديل) هو أجلُّ فصول هذا العلم وأعمقها وأكثرها زللا لمن لم يتقنه! فعليك بالصبر في التدرّب على مراحله وخطواته، وأن لا تتعجل الخوضَ فيه قبل التمكن من هذا العلم تنظيرًا .. وتطبيقا عمليا، وذلك بالتفقه في العلم من خلال ممارساتِ أئمة الفن، كابن عدي من المتقدمين في كتابه (الكامل)، وكالذهبي من المتأخرين في عموم كتبه وخاصة (الميزان)، ومن خلال التَّمرُّنِ والتدريب الخاص على الرواة المختلَف فيهم، وموازنة نتائجك بنتائج العلماء.

وسنبدأ ببيان مراحل الدراسة عند وقوع التعارض بين عددٍ

ص: 35

من الأئمة.

فعند تعارض العلماء في الجرح والتعديل: أسير على ثلاث مراحل، وتحت كل مرحلة خطوات أو تفصيل. فسوف نبدأ بذكر إجمال المراحل الثلاث، ثم سنعقد لكل مرحلة منها فصلا خاصًّا.

فنقول: عند تعارض العلماء جرحًا وتعديلًا، نسير وَفْقَ المراحل التالية:

المرحلةُ الأولى: التَّثَبُّتُ من أن التعارُضَ حقيقيٌّ، ليس وهميًا. فإن تبيّن أنه حقيقي، انتقلت إلى المرحلة الثانية.

وتحتها خطوات ثلاث:

1 -

التثبت من صحة القول المعارِض (جرحًا أو تعديلًا).

2 -

أن يكون الجمع بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف.

3 -

أن يتبيّن أن الجرح أو التعديل خرج من قائله بغير إنصاف.

المرحلة الثانية: الترجيح. فإن عجزت عن الترجيح انتقلت إلى المرحلة الأخيرة.

المرحلة الثالثة: التوقُّف.

فإلى بيان مجمل هذه المراحل وشرحها:

ص: 36

‌المرحلةُ الأولى: التَّثَبُّتُ من أن التعارُضَ حقيقيٌّ، ليس وَهْمِيًّا

ويتم ذلك من خلال الخطوات الثلاث التالية:

الخطوة الأولى: التثبت من صحة القول المعارِض (جرحًا أو تعديلًا)، فقد لا يثبت ذلك القول، فلا يكون هناك تعارض أصلًا. فإن ثبت التعارض، ولو ظاهريًّا، انتقلت للخطوة الثانية:

والخطوة الثانية: أن يكون الجمع بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف، فيكون التعارض لفظيًّا ليس بحقيقي. فإن لم يمكن الجمع، مما يعني أن التعارض حقيقي، انتقلت للخطوة الثالثة:

الخطوة الثالثة: أن لا يمكن الجمع، لكن يتبيّن أن الجرح أو التعديل خرج من قائله بغير إنصاف، فيكون لاغيًا لا وزن له.

* * *

ص: 37

• أما‌

‌ الخطوة الأولى:

وهي التثبت من صحة القول المعارض (جرحًا أو تعديلًا)، فقد لا يَثْبُتُ ذلك القول، فلا يكون هناك تعارض أصلًا، فمن أسباب عدم ثبوت القول في الجرح والتعديل ما يلي:

1 -

أن يكون القول صادرًا ممن لا يُقبل قوله في الجرح والتعديل: كأبي العباس ابن عقدة - أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن - (ت 332 هـ)، وأبي الفتح الأزدي - محمد بن الحسين بن أحمد - (ت 374 هـ)، وأبي طاهر محمد بن أحمد بن عثمان الأُموي مولاهم المديني نزيل مصر - يُعرف بابن أبي عُبيد الله - (ت 303 هـ).

وكغيرهم ممن لا يُعتمَدُ قوله في الجرح والتعديل، لعدم توفر شروطه فيه، وإن كان راويًا ثقةً أو مقبولَ الرواية.

2 -

أن لا يثبت إسناد القول المعارِض عن الجارح والمعدِّل.

3 -

أن يكون قد وقع خطأٌ في نقل عبارة الجرح أو التعديل، فتكون قد قيلت في غير من حُكيت العبارة في ترجمته.

أو أنه نُقص من العبارة ما يُغيّر دلالتها.

4 -

أن يكون الناقد نفسه (الجارح أو المعدل) قد وقع في وهم الجمع أو التفريق، فأدَّى ذلك إلى اختلال تصوره عن حال الراوي.

5 -

أن يُفسَّر الجرح والتعديل بسببٍ، ويكون هذا السبب غيرَ مُصَحِّحٍ واحدًا منهما:

o فلا هو يُصَحِّحُ الجرحَ.

ص: 38

o ولا هو يُصَحِّحُ التعديل.

6 -

أن يكون قد وقع خللٌ في فهم كلام الناقد أخرجَه عن دلالته الصحيحة.

7 -

أن يكون القول في الجرح والتعديل منسوبًا إلى غير قائله، فقد يُنسب إلى من يُقبل حكمه، والصحيح أنه قولٌ لغيره ممن لا يكون له وزنه في ذلك الحكم.

8 -

أن يكون التعارُضُ بين حكمٍ بالجهالة من ناقدٍ وحكمٍ بالجرح أو بالتعديل من ناقدٍ آخر، فالجهل بحال الراوي لا يُعارِضُ العلمَ بحاله؛ إلا إن لاحَ خطأُ المعدِّل، كأن يكون ظنَّ المجهولَ راويًا آخر، أو نحو ذلك من احتمالات الخطأ في التعديل.

9 -

أن يكون التَّعارُض بين ناقدٍ مجتهدٍ (كابن معين) وناقلٍ عن النقاد (كالذهبي وابن حجر)؛ إلا إن كان الناقلُ مُعْتَمِدًا على ناقدٍ مجتهدٍ، فيكون التعارُضُ حينها بين النُّقّاد المجتهدين.

فإذا انتهينا من الخطوة الأولى وتَبيَّنَ أن الجرح والتعديل ثابتان، ننتقل إلى الخطوة الثانية.

* * *

ص: 39

و‌

‌الخطوة الثانية

هي: أن يكون الجمعُ بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف، فيكون التعارُضُ لفظيًّا ليس بحقيقي.

وهذا الجمع يحتاج إلى علمٍ عميقٍ بألفاظ الجرح والتعديل وبمدلولاتها اللغوية والعُرفية وبمراتبها وطرائق استعمال الأئمة لها في التعبير عن أحكامهم.

ومن أمثلة هذه الألفاظ: لفظ (ضعيف)، الذي قد يُطلق على من كان في آخر مراتب القبول (مرتبةِ حَسَنِ الحديث، عند المتأخرين)، كما بيَّنتُه في (المرسل الخفي).

ومن الأمور التي يجب مراعاتها عند هذا الجمع، ما يلي:

أولا: مراعاة سياق الكلام الذي ذُكِرَتْ فيه تلك العبارة، إذ قد يكون الجرح أو التعديل نِسْبِيًّا:

* كمن ضُعِّفَ في بلد دون بلد: كمَعْمَر بن راشد.

* ومن ضُعِّف إذا حدَّثَ عن إقليم دون إقليم: كإسماعيل بن عيّاش وفَرَج بن فَضالة.

* ومن ضُعِّف إذا روى عنه أهل إقليم دون إقليم: كزهير بن محمد التميمي.

* من ضُعِّف في حديثه عن المجهولين، مع أن نكارة حديثه قد تكون جاءت من قِبَلِهم، لا منه.

* من ضُعِّف أو وُثِّق في شيوخ مُعَيَّنين: كسفيان بن حسين وجعفر بن بُرْقان في الزهري. ويكثر بيان ذلك عند كلام النقاد عن طبقات الرواة عن أئمة الرواية: كطبقات الرواة

ص: 40

عن الزهري وعن الأعمش وعن نافع ونحوهم.

* من كان متقنا للرواية في باب من أبواب العلم وضعيفا في غيره أو أقل إتقانا في غيره.

* من ضُعِّفَ عَقِب حديث أخطأ فيه، أو وُثِّقَ عَقِب حديث وافق الثقات فيه.

* من ضُعِّفَ لبدعته (لا لأمرٍ آخر) ممن كان مذهبه التشديد في حكم رواية المبتدع. ومن ضَعّف المبتدع هجرانًا له وتأديبًا ولإماتة بدعته لا جرحًا له، ومن ضعّفه احتياطا مع الاستغناء عن حديثه بحديث غيره لعدم تفرّده بسُنّةٍ يُحتاج إليها.

* ونحوه من ضُعف لأخذ الأجرة مطلقا، ومن ضُعِّفَ لدخوله على السلطان.

* من ضُعِّفَ لروايته بالإجازة، عند من يُضَعِّف الرواية بها.

* من ضُعِّفَ في وقت دون وقت كالمختلط، ومن أضرَّ بصرُه في آخر عمره، ومن احترقت كتبه أو تَلِفَتْ، ومن طرأ عليه قبول التلقين.

* من ضُعِّفَ إذا حدَّث من حفظه، ووُثِّقَ إذا حَدَّثَ من كتابه.

* من ضُعِّفَ عندما قُرِنَ بمن هو أوثق منه، أو وُثِّقَ عندما قُرِنَ بمن هو أضعف منه.

* من ضُعّفَ لتدليسه عن الضعفاء؛ فإن التضعيف بذلك له شروط، فقد يكون التضعيفُ به مقبولا (كتضعيف غياث بن إبراهيم)، وقد يكون التضعيف به مردودا (كتضعيف بقية

ص: 41

بن الوليد).

ثانيا: مراعاة شمول عبارات الجرح والتعديل عند الأئمة المتقدمين لمعانٍ ومراتب متعددة، وأن اللفظ الواحد قد تتجاذبه عدة مراتب متقاربة في أصل القبول أو في أصل الرد أو في أصل التوسُّطِ بين مرتبتين. خلافًا للمتأخرين الذين بالغوا في تكثير مراتب الجرح والتعديل وفي تنزيل ألفاظهما على تلك المراتب، وكأن كل لفظ من ألفاظ الجرح والتعديل لا بد أن يكون مُنَزَّلًا في تلك المرتبة الدقيقة دائما.

وفي ذلك يقول الإمام الذهبي في الموقظة: «ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات الجرح والتعديل، وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة» .

ومن أقوى الوسائل المبيّنةِ شمولَ عبارة الجرح أو التعديل لأكثر من مرتبة:

- تصريحُ الناقد نفسِه بذلك.

- أو استعماله هو نفسُه للعبارة بما يدل على أنها عنده عبارةٌ تتجاذبها أكثر من مرتبة.

على أن عامة أحكام النقاد لا يُراد بها إلا بيان المنازل الثلاثة الأساسية الكبرى، وهي:

1 -

مطلق القبول.

2 -

أو الضعف الخفيف القابل للاعتبار.

3 -

أو شدّة الضعف المانعة من الاعتبار.

فالأكثر في أحكامهم بيان منزلة الراوي ضمن هذه المنازل

ص: 42

الثلاثة؛ إلا في مراتٍ أقلَّ وقوعًا في كلامهم، وهي إن أرادوا بيانَ المنزلةِ الدقيقةِ للراوي ضمن منازل المقبولين، أو بيانَ منزلته الدقيقة ضمن خفيفي الضعف، أو تحديدَ شدة ضعفه إلى أين بلغت. وهذا التدقيق غالبا ما يقع من النقاد في مثل ما لو كان الناقد في سياق موازنة الراوي بغيره، أو في بيان طبقات الرواة عن شيخ معين، ونحو ذلك من سياقات الموازنات والترجيحات.

ولذلك كان من الخطأ أن يُعدَّ قولُ الناقد: «صدوق» معارِضًا مطلقًا قولَ آخر: «ثقة» ، هكذا دائمًا وبإطلاق؛ فالأكثر أنهما إنما أرادا الحكم بقبوله: حُكمًا مطلقًا بالقبول، ولم يكونا يقصدان بيان منزلته الدقيقة من القبول؛ إلا إن ظهر من سياق كلامهما أو من كلام غيرهما أن الراوي مختلَفٌ في منزلته اختلافًا مشهورًا ضمن منازل المقبولين، ونحو ذلك من القرائن الدالة على أن اختلافَ ألفاظِهم في التعديل يدل على اختلافٍ حقيقيٍّ بينهم في بيان المنزلة الدقيقة للراوي، وليس اختلافَ لفظٍ لا يدل على اختلافِ معنى.

وكذلك من الخطأ أن أَعُدَّ قولَ ناقدٍ: «فيه لِين» مُعارِضًا مطلقًا قولَ من قال عنه: «ضعيف» ، بحجة أن «فيه لِين» تدل على منزلة أخف ضعفًا من «ضعيف» ؛ إلا إن تبيّن من سياق كلام النقاد أنهم أرادوا هذا التدقيق في بيان منزلته، وإلا فيبقى الحكم في الراوي هو خفة الضعف المطلق، بلا ادّعاءِ خلافٍ مزعوم.

وسبب هذا التخفُّفِ الواقع بكثرةٍ جدا في كلام النقاد عن

ص: 43

التزام بيان المنزلة الدقيقة لمرتبة الراوي يرجع إلى عدة أمور، منها:

1 -

أن الأمرَ الأهمَّ في الحكم على الرواة هو معرفةُ المنازل الكبرى الأساسية، وهي: القبولُ، وخفةُ الضعف، وشدة الضعف؛ لأنها هي التي سيصدر عنها الحُكم الأهمّ: قبولا، أو الردّ مع صلاحية الراوي للاعتبار، أو مع عدم صلاحيةٍ للاعتبار.

2 -

ولأن التدقيق في منزلة الراوي ضمن منزلته الأساسية أمرٌ في غاية الصعوبة، ويكتنفها من احتمالات الخطأ أكثر من احتمال الخطأ المتوقّع في الحكم عليه بالمنزلة الأساسية. لذلك يدعُ الناقدُ مزالقَ هذا التدقيق؛ إلا عند الحاجة، فعند الحاجة سوف يُضْطَرُّ الناقدُ إلى تَحَمُّلِ مَشَاقّ أدقِّ صُوَرِ السَّبْر والتحليل وأعمقِ عمليات القياس والتقويم ليصل إلى أدقِّ حُكْمٍ يُمكن أن يُتوصَّل إليه في الراوي، ليبيّن منزلته الدقيقة المحدَّدة ضمن منازل القبول المتعدّدة أو ضمن منازل الرد المختلفة (في مراتب الاعتبار ومراتب عدمه).

3 -

ولما كان تحديد المنزلة الدقيقة بهذا العمق والصعوبة لم يكن من المتيسِّر تحديدها في كثير من الرواة، ممن لم تتوفر فيهم مادةٌ تُتيحُ هذا التحديدَ الدقيقَ. إذن: ربما تعذَّرَ على الناقد التحديد الدقيق للمنزلة، حتى لو أراد الناقدُ ذلك، لعدم توفر معطيات الحكم.

ثالثا (من الأمور التي تجب مراعاتها عند محاولة الجمع):

ص: 44

من أكثر ما يعين على فهم معاني عبارات الجرح والتعديل عند الأئمة: هو محاولة فهم كلام الواحد منهم بكلامه هو نفسه وبتطبيقاته العملية، وللقيام بهذا النظر البحثي عليك التنبّه لما يلي:

1 -

الراوي الذي للإمام فيه أكثر من حكم، سيكون الأصل في تَعدُّدِ العبارات فيه الصادرة من ناقدٍ واحد الدلالةَ على حكمٍ واحدٍ منه؛ لأن تغيُّر الاجتهاد خلاف الأصل (كما سيأتي بيانه). وبذلك يمكن فهم معنى إطلاقٍ من خلال إطلاقٍ آخر له. وبذلك نفسّر كلام الناقدِ بكلامه، ونشرح إطلاقَه بإطلاقه.

2 -

الرواة الذين جمع فيهم الناقدُ أكثرَ من لفظة في سياقٍ واحد، كأن يقول عن راو:«هو صدوق، مستقيم الحديث، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، ويُحوَّل من كتاب الضعفاء [أي لا يُذكر فيهم]» . فهذا الجمع بين هذه الألفاظ يعني أنها إطلاقاتٌ تقبل الاجتماع، وأنها لا تَتَناقَضُ تَناقُضَ «صدوق» و «كذاب» ، ولا تَناقُضَ «متروك الرواية» و «حجة» . بل قد تتجاوز إفادةُ اجتماع أمثال تلك الألفاظ في سياق واحد فائدةَ نَفْيِ التضادّ، إلى ما هو أَدقُّ وأهَمُّ، وهو: أن يُفسِّرَ بعضُها بعضًا، أو أن يدل اجتماعُها على ترادفها في معناها، أو القُرب من الترادف.

3 -

المماثلة بين الرواة والتقريب بين أحوالهم: كأن يقول الناقد: فلانٌ مثلُ فلان، أو: فلان بابةُ فلانٍ، ونحو ذلك من

ص: 45

عبارات تشبيه الحال بالحال وتقريب المنزلة من المنزلة. فقد يقول في أحدهما عبارة مشكلة، لكن التشبيه هو ما يبيّن مراده، ما دام هو نفسه قد صرّح بمنزلة الشبيه المشابه.

وليس بعيدا عن إفادة هذه العبارات إفادةُ عبارات المفاضلة بين الرواة أيضا، كأن يقول الناقد:«فلان فوق فلان» ، أو:«دونه» ، ونحو ذلك من عبارات المفاضلة، فلربما أعاننا ذلك على تحديد منزلة الراوي الذي أَشكَلَ علينا تحديدُ منزلته عند الناقد، لو كانت منزلةُ الراوي الذي فاضلَ بينه وبينه منزلةً أَوْضَحَ وأَبْينَ، فيُقاسُ الأقلُّ وضوحًا والمختلَفُ فيه بالراوي الأوضح منزلةً.

4 -

الحكم على حديث الراوي: فالحكم خلاصةُ رأيِ الناقد، فلو قال عن راو:«ليس بالقوي» ، ثم إنه احتجّ بحديثٍ له، ربما دلَّ ذلك على أنه ما أراد بقوله «ليس بالقوي» الردَّ المطلق، وإنما أراد الردَّ المقيّدَ بما لا يحتمله ضبطُه من المفاريد.

رابعا: التنبّه إلى تفاوت درجات تَقبُّل ألفاظ الجرح والتعديل للتأوُّل، وأن منها ألفاظا يكثر استعمال النقاد لها في غير معناها الأصليِّ الغالبِ، وأن منها ألفاظًا أخرى يقلُّ استعمالُ النقاد لها في غير معناها الأصلي، وقد تصل هذه القِلّةُ درجةَ النُّدرةِ والاستبعاد.

حيث إن اللفظ كلما كَثُر خروجُه عن معناه الأصلي في استعمالات النقاد كان أَولى بالتأوّل وإخراجه عن دلالته الأصلية

ص: 46

ليوافق دلالة اللفظ الذي عارضه، إذا كان اللفظُ المعارِض أقلَّ منه تَأوُّلًا في استعمالاتهم.

وإدراك الكثرة والقلة في الاستعمال - حتى الآن - لا يحددها إلا طولُ الممارسة ودقّة الخبرة بإطلاقات الجرح والتعديل عند أئمة النقد، مما يؤكد على شدّة عمق هذا العلم، وتعذُّر السير فيه على قليل الخبرة.

خامسا: مراعاة الاصطلاحات الخاصة لبعض الأئمة.

يقول الذهبي عقب عبارته السابقة مباشرة: «ثم أهم من ذلك: أن تعلم بالاستقراء التام عُرف ذلك الإمام الجهبذ واصطلاحَه ومقاصدَه بعباراته الكثيرة» .

وتنبّه: أن وصف الاستعمال بأنه اصطلاح خاص بفلان: لا يلزم منه أن ذاك الناقد المنسوب إليه الاصطلاح الخاص لم يستعمل لفظه المصطلح إلا بدلالته الخاصة به، بل لا يلزم أن يغلب استعمالُه للفظ بدلالته الخاصة به استعمالَه هو نفسُه بدلالته العامة التي تَوَاضَعَ عليها بقيّةُ النقاد سواه. فقد نَجِدُ الناقدَ قد استعمل اللفظ بالدلالة العرفية العامة التي تَشِيعُ بين عامة النقاد، وقد يغلب ذلك الاستعمال العام على استعماله، ثم نجده في مرات قليلة قد استعمل اللفظ بدلالةٍ أخرى تختلف عن الدلالة العرفية العامة، فنسمي حينئذٍ ذلك الاستعمالَ القليلَ: اصطلاحًا خاصًّا، رُغم قلة استعماله به، ورُغم أن صاحب الاصطلاح الخاص كان يغلب على استعماله له استعمالُه بالدلالة العامة. وليس الأمر كما ظُنّ: أن وصف اللفظ بأنه اصطلاح

ص: 47

خاص بفلان أنه يجب بذلك أن يكون قد خُرج باللفظ عن الدلالة العامة خُروجًا كليا أو أغلبيا لديه، هذا ليس شرطا لوصف الاستعمال بأنه: اصطلاح خاص بناقدٍ معيّن.

ومما ذُكر من هذه الاصطلاحات الخاصة (وليس كل ما سأذكره الآن مما أُصحِّحُ أنه اصطلاحٌ خاص، وإنما أذكر بعض ما قيل):

o عند البخاري مصطلحان قيل إنهما خاصان به، هما:

1 -

سكتوا عنه: وأنه يختصُّ بإطلاقها على شديدي الضعف، ولكن دعوى الاختصاص هذه لا تصحّ، بل البخاري فيها كغيره.

2 -

فيه نظر: وأنها تعني عنده شدة الضعف، وهو معنى لا يثبت عن الإمام البخاري.

o وعند ابن معين مصطلحان أيضا:

1 -

ليس به بأس، وأنها تعني عنده (ثقة)، وهو فَهْمٌ لا يصحّ لكلامه واستعماله.

2 -

وليس بشيء، وأنه يعني بها: قلّة حديث الراوي. وهو وإن قصد هذا المعنى أحيانا، لكنه غالبا كان يقصد بها شدّة الضعف، كغيره من النقاد، وربما قصد بها خِفّة الضعف.

o وعند أبي حاتم:

1 -

ليس بالقوي، وأنه يقصد بها إنزال الراوي عن منزلة الثقة إلى منزلة الصدوق وما دونه من المقبولين. والحقيقة أنه

ص: 48

ربما أراد أبو حاتم هذا المعنى مرات قليلة، كغيره من النقاد أيضا، لكنه غالبا يطلقها على إرادة التضعيف.

2 -

لا يُحْتَجُّ به، وأنه يريد بها كثيرا: النزول عن درجة الحجة الثقة، إلى منزلة المقبولين ممن يخف ضبطه. ويُبيِّن معناها لديه سياق العبارة، وحال الراوي عند أبي حاتم وغيره من النقاد.

3 -

يُكتب حديثه، وأنها قد تعني أنه ليس في منزلة الثقة الحجة، فلا تُنافي منزلةَ القبول المتدنِّي. كما أنها قد تدل على الضعف الخفيف، وهذا الأخير هو الأصل في إفرادها.

4 -

صدوق، وأنه أطلقها على الثقات والحفّاظ الجِلّة، وأطلقها أيضًا كغيره على من نزلت درجةُ ضبطه عن درجة الثقات.

5 -

مجهول، وأنه ربما أطلقها بالمعنى اللغوي، ولذلك فقد يجتمع وصفه بالجهالة مع التعديل ومع الجرح.

o وعند أحمد بن حنبل: منكر الحديث، وأنه يطلقها على معنى الحكم بالتفرّد، دون أن يقصد التضعيف والرد. ولكن هذا المعنى لا يصحّ عن الإمام أحمد ولا عن أحد من النقاد سواه.

o وعند البرديجي: منكر، وأنه يطلقه بمعنى التفرد، وهو فَهْمٌ لا يصح عنه.

o وعند البزَّار: لَيِّن، وفيه لِين. فقد ثبت أنه يطلق هذا الوصف على شديد الضعف عنده، ولم يكن يلتزم إطلاقَه على خفيف الضعف.

ص: 49

o وعند النَّسائي:

1 -

ليس بالقوي، وهي كثيرًا ما تعني عنده النزولَ عن درجة الأقوياء المتقنين إلى من دونهم من المقبولين، وقد يُطلقها على خفيفي الضعف أيضا.

2 -

منكر الحديث: أنه يطلقه على الراوي الذي ينفرد بأحاديث، والصواب أنه لا يطلقه على كل منفرد ولا يطلقه على كل حديث فرْد، ولكنه يطلقه على الراوي الذي استحق القدح فيه لأجل تفرُّدِه بحديثٍ أو أحاديث شكّكت في عدالته أو نفت عنه الإتقان، أو خالف بما يُستفحش من المخالفات.

o عند ابن عدي:

1 -

أرجو أنه لا بأس به، أنها تعني في مواضع نَفْيَ اتّهامِه بالكذب فقط، دون الحكم له بشيء من الضبط. وهذا - إن صحّ في مواضع - فهو خلاف الأصل فيه عند ابن عدي.

2 -

هو بَيِّنُ الضعف: أي أنه متّهم في عدالته، وقد يطلقها على الضعف اليسير، لكني وجدتها عند ابن عدي أقلَّ من الاستعمال الأول. ويبقى أن السياق وحال الراوي والمرويات التي يسوقها له هي التي تمنع من فهم كلامه على خلاف مقصوده.

3 -

ونحوها قول ابن عدي: هو إلى الضعف أقرب، فكثيرا ما يقصد بها: إلى التُّهمة بالكذب أو الطعن في العدالة أقرب. وهي مع هذه الدلالة إلا أنها تدل أيضًا على شيءٍ من التردّد، فلربما أُطلقت أيضًا على آخر مراتب الاعتبار

ص: 50

التي تقترب من عدم الاعتبار.

4 -

له أحاديث صالحة: أي له أحاديث ذوات عددٍ أو أحاديث كثيرة، فهي بذلك ليست عبارةَ جرحٍ ولا عبارة تعديل.

سادسًا (من الأمور التي تجب مراعاتها عند محاولة الجمع): مراعاة الدلالة اللغوية وسَعَتَها واحتمالها لأكثر من مرتبة، إذ قد تُستعمل اللفظة بمعناها اللغوي، أو بأسلوب عربي مجازي.

مثل استعمال: (كَذَبَ) في أخطأ، و (منكر) أو (شيطان) بمعنى أنه عجيب الحفظ شديد الإتقان، و (صدوق) بمعنى: كذوب على التهكّم والقَلْب.

وقد دلّ الذهبي إلى هذه الدلالة اللغوية في مقدمة الميزان، عندما قال عَقِب ذكره لبعض الألفاظ ومراتبها، قال:«ونحو ذلك من العبارات التي تدل بوَضْعِها على اطّراح الراوي بالأصالة، أو على ضعفه، أو على التوقف فيه، أو على جواز أن يُحتج به مع لِينٍ ما فيه» .

فيجب أن لا نبالغ في إعطاء بعض الألفاظ معاني اصطلاحية، نُضَيِّقُ بها دلالتها اللغوية.

فإذا لم يمكن الجمع، بقي احتمالٌ واحد يجب أن يُحرَص على التحرُّزِ منه، لتثبيت وقوع التعارض الحقيقي في الراوي جرحًا وتعديلا، وهو:

* * *

ص: 51

•‌

‌ الخطوة الثالثة:

أن تلوح قرائنُ تدل على أن الجرح والتعديل قد صدر من قائله بغير إنصاف، بسبب غُلُوِّ المحبّةِ أو غُلُوِّ العداوة، فيكون حُكمًا لاغيًا لا وزن له.

حيث إن أئمة الجرح والتعديل وإن كانوا أئمةَ الورعِ والنزاهةِ وأعظمَ الناس إنصافًا؛ إلا أنهم بشرٌ ليسوا بمعصومين، وقد يستولي الهوى على القلب، ويلتبس الحق بالباطل في النفس، فتجتمع شهوةٌ وشُبهة: فتجعل الشهوةُ الشبهةَ دليلا، وتجعل الشبهةُ الشهوةَ حميةً للدين وصدعًا بالحق، وحينها:

- لا تكون الشهوةُ شهوةً خالصةً، والشهوةُ الخالصة هي التي ما أسهلَ أن يفضحها الورعُ، فيحمي من الوقوع فيها الوازعُ الإيمانيُّ لدى العدول.

- ولا تكون الشُّبهةُ شُبهةً شاذّةً منفردة، والشبهةُ الشاذّةُ هي التي ما أسرع أن ينفيها العقلُ عن الدليل، ويُدرك أنها أجنبيةٌ عنه تماما، فيُقصيها العقلُ عن ساحة النظر البرهاني.

وإنما تكون مزيجًا مختلطًا بين هذا وهذا: شُبهة بشهوة، في ساعةِ ضعفٍ بشرية، فتزلّ حينئذٍ القدم الثابتة، وتتزلزل النفس المطمئنّة. والإنسانُ ضعيف، ما أسرع ما يميل به هوى، وما أقرب ما تخطفه شبهة! مهما تَحَفّظَ بالتقوى، واعتصم بالإيمان، فالزلّةُ البشرية جزءٌ من تكوينه، لا ينجو منها إلا من عصمه الله تعالى.

ولئن قيل «حُبُّكَ الشيء: يُعْمي ويُصِمّ» ، فإن بُغْضَك الشيء

ص: 52

يطمس الحواسّ ويضرب على القلب:

وعينُ الرّضا عن كلِّ عيبٍ كَليلةٌ

ولكنَّ عينَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا

ومع ذلك فإن أئمة الجرح والتعديل كانوا مضرب المثل في القدرة على الانتصار على هوى النفس غالبًا في هذه المعارك النفسيّة، إذْ كانوا من أقوى الناس على هزيمة دواعي الهوى وعَتادِه من الشُّبهات. كما أنه مما ساعد على تمييز الحكم الجائر عن طريق الإنصاف وتفريقه عن الحكم المنصف الغالب على حال أحكام أئمة الجرح والتعديل: أنها في غالب الأحوال أحكامٌ صادرةٌ من أئمة متعدّدين، كلهم من أهل الاجتهاد في الحكم على الرواة، وليست أحكامًا لفردٍ واحدٍ منهم لا تُعرف أحوال الرواة إلا من طريقه. وتزداد هذه الميزة ظهورًا بتعدُّدِ أعصارهم وبلدانهم أيضًا، وباختلاف مشاربهم ومذاهبهم ومصالحهم ورغباتهم ومخاوفهم؛ ولذلك: لئن قَوِيَتْ أسبابُ الزلل عند واحدٍ منهم، فَتَعثَّرَ حُكْمُه في وَهْدةِ غُلُوٍّ في المحبة أو اشتطاطٍ في العداوة، على خلاف عادته في رَدْمِه وَهْداتِ الباطل وصَدِّه جيوشَ الشُّبهة والشهوة وفي كَسْرِه النفسَ السَّبْعِيّة، فإن أسباب الزلل تلك ستضعف أو تزول تمامًا عند عشراتٍ من العلماء سواه؛ لأنهم لم يقعوا تحت ضغوطها أصلا، فقالوا الحقَّ وحكموا بالعدل.

فانظر إلى إنصافهم في قواعد علمهم ومجال تطبيقاتهم

ص: 53

وأحكامهم الجزئية:

- من مثل إنصافهم أهلَ البدع، مهما غَلُظَتْ بِدَعُهم، ما داموا مُسْلِمينَ متأوِّلين: فحكموا بعدالتهم ورأوا الحجةَ لازمةً بنقلهم، ما لم يرووا حديثًا منكرًا يؤيِّدون به بدعتهم المقطوع ببطلانها.

- ومن مثل طعنهم في أقرب الناس إليهم، إذا كانوا أهلا للطعن، دون محاباة: كالأب، والابن، والأخ، والصديق، ووليّ الإحسان.

أما متى نحكم بخروج الناقد عن معهودِ إنصافِه، ومتى نُسقط الجرحَ أو التعديل الصادرَينِ ممن الأصلُ قَبولُ جرحه وتعديله بحجة أنهما صدرا بغير موضوعيّةِ العلم وعَرِيَّينِ عن حِيادِهِ وإنصافِ ميزانه = فذلك الحكم والإسقاط يرجع إلى يقينٍ أو إلى ظنٍّ غالب:

فنقطع بحصول ذلك من الناقد:

- إذا ما كان جَرْحُه متوجِّهًا إلى من استفاضت ثقته واشتهرت وثبتت، حتى تيقَّنَّا ذلك: كمن جرح إمامًا من أئمة السنّة.

- وإذا ما كان تعديلُه متوجِّهًا إلى من استفاض تضعيفُه واشتهر وثبت، حتى قطعنا بجرحه: كمن وثَّق أحدَ مشاهير الكذبة الدجّالين.

ويغلب على الظن إسقاطُ الجرح والتعديل عن استحقاق الاعتبار إن لاحت قرائن تدل على ذلك:

وقاعدة القرائن في ذلك: هي أن ينفرد الجارحُ بجرحه في

ص: 54

مقابل ثناءٍ كثيرٍ مِن غيره، قد لا يصل الثناءُ درجةَ الاستفاضة القاطعة، لكنه يقترب منها. أو العكس: فينفرد المعدِّل بثناءٍ وتعديلٍ في راوٍ تَكَاثَرَ جارِحُوهُ بجارح، قد لا يصل جرحُه حدَّ اليقين، لكنه يفيد غلبة الظن.

وهذه القاعدة وحدها لا تكفي لرمي الجارح أو المعدِّل بعدم الإنصاف، وإن كَفَتْ في ردِّ قوله غالبا؛ إذْ قد نَرُدّ الجرحَ أو التعديل أو نُرجّحُ عليه ضدَّه على أنه اجتهادٌ خطأٌ وَوَهَمٌ من الناقد، ولا يلزم من ردِّ جرح أو تعديل أن يكون سبب الردِّ هو أنه حُكْمٌ صَدَرَ بغير إنصاف.

لكن إن انضمَّ إلى تلك القاعدة قرينةٌ أخرى تُرشِّحُ اختلالَ ميزانِ الإنصاف المحايد، عندها يمكن إلحاقُ القول الجارح أو المعدِّل بما لا وزن له من الجرح والتعديل، بغلبة الظن التي استفدناها من مجموع تلك القرائن.

ومن هذه القرائن:

1 -

عِلْمُنا بوجود سببٍ يؤثّر على الإنصاف في عادة الناس: كالعداوة الشخصية، والعداوة العقائدية، أو التعصُّبِ على المذهب، أو له، أو كعاطفةِ القرابة بالمحبة، أو الخضوعِ للإحسان ولأَسْرِ قُيودِ الإنعام.

2 -

مجازفة عبارة الجرح والتعديل، وغُلُوّ المادح أو الذام، وخروج العبارة عن حدّ الاعتدال مدحًا أو ذمًّا، حتى لو كانت في جانب الصواب (كمبالغة في مدح ممدوحٍ وتعديلِ ثقة) أو في جانب الخطأ (كمبالغةٍ في جرح ضعيفٍ وفي

ص: 55

القدح في عدالة مردود)، فللخطأ غير المقصود علامات وحدود، فإن تجاوزها صار قريبًا من التعمّد.

باجتماع إحدى هاتين القرينتين مع قاعدة هذا الفصل، وهي ظهور خطأ الحكم بالجرح أو التعديل (كما سبق): سيغلب على الظن أن الجرح كان بغير إنصاف وأن التعديل لم يُوزن بميزان الاعتدال.

أما بغير تحقق هذه القرائن: فيبقى الأصل على أصله، وهو حمل كلام الناقد على الاجتهاد المنصِف: سواء أقبلناه منه ورجَّحناه، أو رَدَدْناه ورَجَّحْنا غيرَه عليه؛ فليس سببُ كل خطأ في حكمٍ هو عدمَ الإنصاف، ولا يقتصر تفسير مرجوحيةُ قولٍ على حَيْفِ مجازفته، بل هذا خلاف الأصل في أحكام النقاد: أصابوا، أم أخطؤوا. فكما ينشأ الصواب في كلام النقاد عن اجتهاد، فالغالب في منشأ الخطأ منهم عن الاجتهاد أيضَا.

وبذلك تعلم أن قاعدة (كلام الأقران يطوى ولا يروى) ليست على إطلاقها، وأنها لا تصحّ إلا في حالة ما أن تلوح قرائنُ تدل على وجود سببٍ لعدم الإنصاف. وإلا فإن المعاصرَ والقرين أَولى بمعرفة حال من عاصره ممن تأخر عنه غالبًا، فلو توقفنا عن كلام كل قرين في قرينه نكون بذلك قد أهدرنا أحد أقوى أحكام النقاد على الرواة.

ص: 56

‌المرحلةُ الثانية: الترجيح

ويجب التفريق عند إرادة الترجيح: بين حالتين:

1 -

حالة كون الجرح مفسَّرًا (مبيَّنًا سببُه).

2 -

وحالة أن يكون الجرح مبهمًا (غير مبيَّنٍ سببُه).

الأولى: أن يكون الجرح مفسَّرًا بجارح: فيُقدَّم الجرح؛ إلا في حالات قليلة يظهر فيها خطأ الجارح، كردّ المعدِّل على الجارح بما يبيّنُ أنه جرح بما لا يُصَحِّحُ الجرح، ومن خلال توارد قرائن متتابعة تدل على خطئه.

الثانية: إذا كان الجرح مبهمًا غير مفسَّر: فإنّ الأصل تقديمه على التعديل؛ لأنه إذا صدر من عارف بأسباب الجرح والتعديل، فالغالب والأصل أنه لم يجرح إلا بجارح. ومادام أنه كذلك لزم تقديمه على التعديل؛ لأن مع الجارح زيادة علم، «فمن عمل بقول الجارح لم يتهم المُزَكِّي، ولم يُخرجه بذلك عن كونه عدلًا. ومتى لم نعمل بقول الجارح كان ذلك تكذيبًا له ونقضًا لعدالته (ورفضًا لموجِب عِلْمِه بأسباب الجرح والتعديل)، وقد عُلم أن حاله في الأمانة (والعلم) مخالفةً لذلك» - من الكفاية للخطيب؛ إلا ما بين قوسين فهو مِنِّي زيادةً في الحجة.

لكن يمكن أن نقدِّم التعديل على الجرح المبهم إذا لاحت قرائن تدل على قوة التعديل على الجرح المبهم.

وبهذا تبيَّن أن الأصل تقديم الجرح (مفسَّرًا كان أو غير

ص: 57

مفسَّر)؛ إلا إن جاءت قرائنُ ترجح التعديل على الجرح المبهم:

ومن هذه القرائن:

1 -

كثرة عدد المعدِّلين.

2 -

جلالة المعدِّل وزيادة علمه على علم الجارح.

3 -

إنصاف المعدِّل في مقابل تشديد الجارح.

ومن أمثلة هؤلاء العلماء في كل طبقة من طبقاتهم:

المنصِفون « ............ » المتشددون

الثوري « ............ » شعبة

ابن مهدي « ............. » القَطَّان

أحمد « ............. » ابن معين

أبو زُرعة « ............. » أبو حاتم

البخاري « .............. » النَّسائي

ابن عدي « ............. » ابن حبان (أحيانًا)

تنبيه: وُصف بعض علماءِ الجرح والتعديل بالتساهل، وأشهر من وُصف بذلك: ابن حبان، والعِجلي.

- أما ابن حبان: فالصواب في شأنه: أن له مقصدًا في كتابه (الثقات) أوْهَمَ تساهلَه فيه خاصة، دون بقية كتبه. ولذلك لا يُكتفى بمجرد ذكره الراوي في (الثقات) ليُنسب توثيقه إليه، إلا بشروط. وليس هذا التعامل الخاص به ناشئًا عن توثيقه المجاهيل، كما قيل. وإنما نشأ من غرضه في كتابه، والذي كان قد أشكَلَ على إدراكه عباراتٌ له لم تكن كافيةً لمنع الاختلاف في فهمها.

ص: 58

- وأما العِجلي: فلم يصفْه بالتساهل المُفْضِي لإهدار توثيقه إلا بعضُ العَصْريِّين، وإلا فهو معتمدُ الجرح والتعديل عند كل العلماء السابقين.

تنبيه: يقول المعلِّمي في مقدمة الفوائد المجموعة: «ما اشتُهر من أن فلانًا من الأئمة مسهِّلٌ وفلانًا متشدد ليس على إطلاقه، فإن منهم من يُسهِّل تارةً ويشدد تارة، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم = لا تحصل إلا باستقراءٍ بالغ لأحكامهم، مع التدبر التامّ» .

بل الأهم مما قاله المعلِّمي أن تعلم أن هذه الأوصاف بالتشدّد والتساهل لا تعني اختلالَ المنهج عند الإمام الجارح أو المعدِّل، وإنما تعني أحد معنيين:

1 -

أن ذلك العالم إذا أخطأ في حكمه ربما مالت أخطاؤه إلى جانب التشديد (فيمن وُصف بالتشدد) أو إلى التسهيل (فيمن وُصف بالتساهل)، أو ربما ظهرت له عباراتٌ نادرةٌ فيها مجازفةٌ وغُلُوٌّ في الجرح أو في التعديل كانت هي سبب وصفه بالتشدد أو التساهل. ولكن لم تبلغ أخطاؤه تلك درجةَ القدحِ في صحة منهجه العام؛ لقِلّتها أو نُدرتِها؛ وإلا لن يكون إمامًا معتمدَ القولِ في الجرح والتعديل.

2 -

أن تكون العبارات توهم بظاهرها التشدُّدَ أو التساهلَ، ولكن صاحب العبارة نفسه لا يريد ذلك الظاهر. ففي الموصوف بالتشدد تجد عباراته تَشِحُّ عن الثناء الكبير،

ص: 59

حتى إنه ربما أطلق وصف (الصدوق) على من هو (ثقة) عنده، وربما أطلق (ليس بالقوي) على من كان في آخر مراتب القبول لديه. وفي الموصوف بالتساهل: ربما قال (لَيِّن) أو (فيه ضعف) عمّن هو عنده شديد الضعف. وهذا الحال هو الذي يُعبَّر عنه بأنه شِدّةُ النَّفَس (في التشديد) أو رَخَاوتُه (في التساهل). وما يوهمه الاختلافُ الناشئُ عن شِدّةِ النَّفَس ورخاوته خلافٌ لفظيٌّ، وليس حقيقيا.

وعليه: فلا يعني وَصْفُ الإمام بالتشديد إهدارَ تضعيفه، ولا وَصْفُه بالتساهل إهدارَ توثيقه، ولا وَصْفُه بالإنصاف ترجيحَ حُكمِه مطلقًا على غيره. وإنما فائدة هذه الأوصاف تنحصر في اعتبارها قرينةً من قرائن الترجيح عند التعارض .. فقط.

4 -

أن يكون المعدِّل معاصرًا للمتكلَّم فيه، خلافًا للجارح.

5 -

أن يكون المعدِّل بَلَدِيًّا للمتكلَّم فيه، وليس كذلك الجارح.

6 -

قوة عبارة التعديل ووضوحها (مثل: حافظ، أو: من أوثق الناس، أو: صدوق لا يُرَدُّ حديثه، أو: محلّه الصدق يحوّل من كتاب الضعفاء)، في مقابل لِين عبارة الجرح (مثل: ليس هو من أهل الحفظ، كان فلان لا يرضاه، ليس هو بالقوي، فيه بعض اللين، فيه ضعف).

7 -

أن يكون مَن جَرَحَهُ جرحًا ظاهرُه الشدة قد روى هو عنه؛ إذا كان من سادة العدول.

8 -

أن يَهْجُرَ قولَ الجارح بعضُ أَتْبَعِ الناس لأقواله في العادة من أهل العلم.

ص: 60

9 -

أن يظهر من كلام المعدِّل احتمالُ تَأوُّلِ عبارة الجارح وتَوْجِيهِها بما لا يُعارِضُ التعديلَ.

10 -

عِلْمُ المعدِّل بكلام الجارح، ورَفْضُه له (دون تفصيلِ الرَّدِّ؛ لأنه بالتفصيل يرتفع أن يكون مجرّدَ قرينةٍ).

11 -

أن يكون للجارح كلامٌ آخر يوافق فيه المعدِّلَ، ولا تظهر قرينةُ اختلافِ الاجتهاد بالجرح بعد التعديل.

12 -

أن يُنزل الجارحُ الراويَ المضعَّفَ منزلةَ راوٍ هو نفسه قد حكم بقبوله، فيقول: هو مثل فلان، أو هو بابةُ فلان، بل ربما رفعه عليه.

ص: 61

‌المرحلةُ الثالثة: التوقُّف

فعند عدم وجود مرجِّح، وعند تكافؤ الأقوال، وبعد العجز عن جميع المراحل السابقة: لن يبقى إلا التوقف عن الحكم على الراوي بجرح أو تعديل. والتوقف في ذلك يعني التوقف عن الحكم على حديثه، والمتوقَّف عن الحكم عليه لا يُحتجُّ به.

* * *

‌مسألةُ تَعارُضِ أقوالِ الإمامِ الواحدِ في الراوي جرحًا وتعديلًا

إذْ كان ما سبق كلّه في حلّ إشكال تعارض أقوال الأئمة المتعدّدين جرحًا وتعديلا في الراوي الواحد. أما إذا كان الجرح والتعديل المتعارضان صادرَينِ من إمام واحد: فطريقة السَّير لحل إشكال هذا التعارض كما يلي:

أولًا: التَّثبُّتُ من صحة النقل (على ما سبق شرحه).

ثانيًا: إذا نُصَّ على اختلاف اجتهاد الإمام: أخذتَ بآخر الاجتهادَينِ، كما تفعل في النسخ: من الأخذ بالناسخ دون المنسوخ.

ثالثًا: طلب الجمع: مع جواز التوسع في الجمع في هذه الصورة؛ لِكون الأقوال صادرةً من إمام واحد، والأصل فيه أنه

ص: 62

على الصواب في جميع أقواله، وبناء على هذا الأصل فالأحرى بأحكامه المتعارضة أن تكون مُتَّفِقةً، وأن يكون التعارُضُ ظاهريًّا لفظيا غيرَ حقيقي. ولا يعني ذلك أن الجمع في هذه الصورة يصحّ بلا حدود، لكن المقصود أننا نقبل فيه من التجوُّزِ والتأويل ما هو أوسع مما لو كانت الأقوالُ المتعارضةُ صادرةً عن عددٍ من الأئمة؛ لأن اختلافَ الاجتهاد بين الأئمة المتعدِّدين أقوى حصولًا وأكثر وقوعًا من اختلاف اجتهاد الإمام الواحد.

رابعًا: الترجيح: ويتم من خلال مرجّحاتٍ كثيرة، منها:

1 -

كثرة عدد الناقلين عن ذلك الإمام أحدَ قَوْلَيْهِ في الراوي.

2 -

ترجيح ما نقله أوثقُ تلامذة ذلك الإمام عنه وأعرفُهم به وبأقواله وأحكامه.

3 -

ترجيح ما نقله آخرُ تلامذته أَخْذًا عنه.

4 -

ترجيح ما يوافق مِن قَوْلَيْهِ بقيةَ الأئمة، خاصة إذا كانوا من أقرانه في العلم والطبقة.

خامسًا: التوقف: عند العجز عما سبق.

ص: 63

‌مراتبُ ألفاظِ الجرح والتعديل

لا شكّ أن لِعبارات الجرح والتعديل دلالاتٍ مختلفةً تدل على منازل الرواة في القبول والرّد، وقد سبق التنبيه على أهم مراتب الجرح والتعديل التي كان النقاد يحرصون على بيان منزلة كل راوٍ منها، ومتى كان النقاد يحرصون على تدقيق دلالات أحكامهم الدالة على منزلة معيَّنة ضمن منازل القبول أو الدالة على منزلة دقيقة ضمن منازل الرّد. فليس كل من وُصف أنه «صدوق» دون «الثقة» حتى عند من وَصَفَه ب «صدوق» ، وليس كل من قيل عنه «ثقة» أعلى من الموصوف بأنه «لا بأس به» حتى عند من وثّقه؛ إذ ربما قصد من واصِفُه بال «صدوق» أنه راوٍ محتَجٌّ به، ولم يقصد إنزالَه عن أعلى درجات القبول (الصحة)، وربما قصد الذي وصفه بأنه «ثقة» بيانَ أنه ممن يُحتج به فقط، وإن كان عنده في آخر مراتب القبول (الحسَن).

كما يجب التنبّهُ إلى اختلاف اصطلاحات المتقدّمين والمتأخرين في هذا الباب، ك (المستور) الذي كان يطلقه المتقدمون على المعروف بالعدالة.

ويجب التنبّهُ إلى اختلاف دلالات العبارات عند الجمع بغيرها وعند إفرادها، فدلالة اللفظة تتأثر بسياقها ولا شك.

ص: 64

ويجب التنبه لاختلاف دلالة الإجمال في الجرح والتعديل عن قوة دلالة عبارات الجرح والتعديل المبيَّنة: أقصد بالإجمال أن يقول الناقد: هؤلاء كلهم ثقات، أو: إسناده ثقات، أو هؤلاء ضعفاء، أو في إسناده ضعفاء، فمثل هذه الأحكام الإجماليّة قد تَضعُف في دلالتها عن قول الناقد عن راو بعينه: ثقة، أو: ضعيف. ولكن لا يُلغي ذلك دلالتها بالكلية، لكن يجب مراعاة ذلك الضعف عند التعارض.

ويجب الحذر من بعض ألقاب الرواة التي أوهمت جرحا أو تعديلا وهي بخلاف ذلك:

- كالضّال: معاوية بن عبد الكريم الثقفي، وإنما ضل في طريق، وهو مُوثَّق.

- وكالطيّب: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن يحيى بن حماد مولى الهاشميين، وهو ضعيف.

- وكالحافظ: لأشخاصٍ وُصفوا بقوّة الحفظ لكنهم متّهمون في العدالة.

- وكالصدوق: لقبٌ ليونس الكذوب، لُقِّب به تَهكُّمًا على الضِّدِّيَّة، لشدّة كذبه.

- وكالعابد والزاهد ونحوهما من أوصاف التديّن: لأقوامٍ من العُبّاد أُتُوا مِن جهةِ ضعف الضبط: فخفَّ ضعفُهم، أو من جهة الجهل والغفلة الشديدة فتعمَّدوا الكذبَ لحثِّ الناسِ على الخير أو تخويفِهم من العصيان: فاشتدَّ ضعفُهم.

ص: 65

‌أولًا: مراتِبُ القبول:

‌1 - مراتِبُ التصحيح:

- ما دلّ على مبالغةٍ في التوثيق: كأمير المؤمنين في الحديث، لا يُسأل عن مثله، أوثق الناس، ثقة ثقة (مكررةً) .. ونحوها.

- ثقةٌ، ثَبْتٌ، مأمونٌ، حجة، مليء، جبل.

- حافظ، ضابط، متقن (بشرط أن لا يُعارِضَ هذه الألفاظَ الدالّةَ على قوة الضبط جرحٌ في العدالة).

- عدلٌ (إذا لم يوصف بسوء الحفظ). بخلاف عبارة «المُعَدَّل» : فهي تُطلق على من عُدِّل وزُكِّيَ وقُبلت شهادته عند القضاة، فهذه لا تدل إلا على العدالة الدينية، ولكنها كافية في المتأخرين من رواة النُّسَخ.

‌2 - مراتِبُ التحسين:

- صدوق، لا بأس به، وسط، جيد الحديث.

- صالحٌ، مُقارِب، أرجو أنه لا بأس به، صدوقٌ إن شاء الله.

- صويلح، شيخ، محلُّه الصدق.

ص: 66

‌ثانيا: ألفاظٌ متجاذَبةٌ بين القبول والرّد:

1 -

ألفاظٌ يصح إطلاقها على المقبول والمردود، وأهم ما تفيده: أن الموصوف بها ليس شديدَ الضعف، كقولهم: رَوَوْا عنه، روى الناس عنه، احتمله الناس، يُكتب حديثه، يُجمع حديثه، يُعتبر به، يُنظر في حديثه، اختُلف فيه. وإن كان الغالب على إفرادها أنها تميل بالراوي إلى الضعف أو الجهالة، وذلك إذا لم يوجد الحكم المعارِض الدال على القبول، فقد يؤثّر المعارِضُ على دلالتها الأغلبية تلك.

2 -

ألفاظ كثيرا ما تحتمل أكثر من منزلة، فلا بد من تَبيُّنِ المراد منها قبل اعتمادها: كالوصف بالغفلة، وبقبول التلقين.

3 -

ما يوجب معاملةً خاصةً بالراوي، كالمختلط (وسبق ذكره) وكوصف الراوي بالتدليس. وحكمه:

• تحديد نوع تدليسه، لتحديد ما يستوجبه نوعه من التعامل الحذِر.

• فإن كان تدليسه من أنواع تدليس الإسناد المؤثِّر في الاتصال: وجب تحديد مدى تأثير تدليسه على قبول عنعنته؛ إذ ليس كلُّ موصوفٍ بتدليس الإسناد مردودَ العنعنة.

ص: 67

‌ثالثا: مراتِبُ الردِّ:

‌1 - مراتب الضعف الخفيف (التي يُعْتَبَرُ بحديث أصحابها):

- لَيِّن الحديث، فيه نظر، فيه ضعف، كذا وكذا، تَعرف وتُنكر، فيه أدنى مقال، فيه مقال.

- ليس بالقوي، ليس بذاك، ليس بحجة، ليس بعمدة، ليس بالمرضي.

- ضعيف، سيء الحفظ، مضطرب الحديث، مردود الحديث.

- الحيدة عن الجواب عند السؤال عن الراوي (وقد تدل على شدة الضعف).

- اختلط في حديثه (وسبق حكمه).

‌2 - مراتب الضعف الشديد (التي لا يُعْتَبَرُ بحديث أصحابها):

- متروك، ذاهب الحديث، مُطَّرَح، ارْمِ به، لا يُعتبر بحديثه، لا يُتابع على حديثه، مطروح الحديث، ساقط، هالك، ضعيف جدًا، تالف، واهٍ بمرّة، منكر الحديث، سكتوا عنه، ليس بشيء، لا يساوي شيئًا، فاسق، لا يُكتب حديثه، لا يُشتَغَلُ بحديثه، ليس يُحدَّثُ عنه، ليس بثقة، ليس بمأمون.

- مُتّهمٌ بالكذب، متهم بالوضع، يسرق الحديث، مُجمَعٌ على تركه، خبيث.

- كذّاب، دجّال، وضّاع.

- أكذب الناس، دَجّال الدَّجَاجِلةِ، رُكْنٌ من أركان الكذب.

ص: 68

‌الخاتمة

هذه الأوراق غير مستغنية (في الغالب) عن الشرح أو التمثيل، وإنما هي تذكرةٌ لمن فهم، تُعِين ولا تُغْنِي.

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. والله أعلم.

وكتب

الشريف حاتم بن عارف العوني

بمكة (زادها الله تشريفًا وتعظيمًا)

في 23/ 3/ 1421 هـ

وجدَّدتُ النظر فيها في 20/ 6/ 1442 هـ

ص: 69