الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
11 -
كتاب الجمعة
قال الحافظ
(1)
: بضم الميم على المشهور وقد تُسَكَّن، وحُكي عن الفراء بفتحها، والزجَّاج الكسر، واختُلف في التسمية بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمَّى في الجاهلية: العروبة - بفتح العين وضم الراء -، فقيل: سُمي بذلك لأن كمال الخلائق جمع فيه، وقيل: خلقُ آدم جُمع فيه، وقيل: كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيذكّرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، وقيل: إن قُصيًّا هو الذي كان يجمعهم، وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم فقال: إنه اسم إسلامي. . . إلى آخر ما قال الحافظ.
وقال أيضًا: ذكر ابن القيم في "الهدي"
(2)
ليوم الجمعة اثنين وثلاثين خصوصية، انتهى.
واختلف في مبدأ فرضيتها.
قال الحافظ
(3)
: الأكثر على أنها فرضت بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدم من أن فرضيتها بالآية المذكورة، وهي مدنية، وقال الشيخ أبو حامد: فرضت بمكة، وهو غريب، انتهى.
قلت: أشار الحافظ بقوله: "مقتضى ما تقدم" إلى أن البخاري ترجم "باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} الآية"، وأنت خبير بأن الاستدلال بالآية على مبدأ الفرضية مشكل جدًّا، فإنه لا خلاف بين العلماء في أنه صلى الله عليه وسلم دخل المدينة يوم جمعة، وصلَّاهما أول يوم الدخول في مسجد بني سالم، والآية نزلت بعد ذلك بزمان؛ لأن الأذان لم يكن بعدُ
(1)
"فتح الباري"(2/ 353).
(2)
"زاد المعاد"(1/ 375 - 421) وفيه: ثلاث وثلاثون خصوصية.
(3)
"فتح الباري"(2/ 354).
مشروعًا، وهذا لا مراء فيه، ولذا ذكر السيوطي الشافعي في "الإتقان"
(1)
هذه السورة في أمثلة ما تأخر النزول عن الحكم، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(2)
.
(1 -
باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ. . .} الآية [الجمعة:
9])
تقدم في كلام الحافظ أن فرضيتها بالمدينة.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: أثبت فرضية الجمعة بالآية بطريق الإيماء، انتهى.
وفي "الفيض"
(4)
: اعلم أن الجمعة فرضت بمكة، ولم يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من إقامتها فيها حتى ورد المدينة، فنزل في قباء أربعة عشر يومًا ولم يُقم الجمعة، وأول جمعة أقامها في بني سالم محلة من المدينة، ونقل الحافظ في "التلخيص"
(5)
: أن الجمعة فرضت بمكة، انتهى.
قوله: ({فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9])، كتب الشيخ في "اللامع"
(6)
: أراد بالسعي المشي والعمل، لا معناه العرفي، والمراد بالذكر أعم من الصلاة والخطبة، أو الخطبة، فثبوت الصلاة بدلالة النص لكونها أهم، انتهى.
وفي "تقرير المكي": السعي، بمعنى الفور، بمعنى: الذهاب والعمل، والعدو إلى الصلاة منهي عنه بالأخبار الصحيحة، فلذا فسره بالإمضاء والذهاب لئلا يتوهم معنى العدو عنه، انتهى.
قال السندي
(7)
: استدل على الوجوب تارة بأن شرع الأذان للفرائض،
(1)
"الإتقان"(1/ 49).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 1 - 3).
(3)
(ص 253).
(4)
"فيض الباري"(2/ 323).
(5)
"التلخيص الحبير"(2/ 139).
(6)
"لامع الدراري"(4/ 3).
(7)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 157).
وتارة بأن إيجاب السعي إليها فرع وجوبها. . . إلى آخر ما بسط.
وقال الحافظ
(1)
: الفرضية، قيل: بترك البيع، فإن تحريم المباح لا يكون إلا للواجب، وقيل: بلفظ الأمر، انتهى.
(2 -
باب فضل الغسل يوم الجمعة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: أي: باب ذكر أن الغسل فيه أفضل، وأما قوله في الترجمة:"هل على الصبي شهود يوم الجمعة؟ " فالدال عليه قوله: "كل محتلم"، وهو دالٌّ أيضًا على عدم الغسل على النساء؛ لأن وجوبه على من عليه الجمعة، وليست على النساء صلاة الجمعة، فلا يكون عليهن غسل أيضًا، انتهى.
وفي هامشه: وجَّه الشيخ قُدس سره ترجمة البخاري بذلك لتدل على حكم الغسل، بخلاف ما قال الحافظ
(3)
؛ إذ قال عن ابن المنيِّر: لم يذكر الحكم لما وقع فيه من الخلاف، واقتصر على الفضل؛ لأن معناه الترغيب فيه، وهو القدر الذي تتفق الأدلة على ثبوته، انتهى.
قلت: ذكر الفضل إشارةً إلى حكمه، وهو عدم الوجوب، وهو قول الجمهور، خلافًا للظاهرية القائلين بالوجوب. ويمكن الاعتذار عمَّا نقله الحافظ عن ابن المنيِّر بأن الفضل لا يدل على الحكم، فإنه سيبوِّب بـ "باب فضل الجمعة مع فرضيتها"، وتقدم "باب فضل الجماعة" مع تبويبه بـ "باب وجوب الجماعة"، فلأجل ذلك وجَّه الشيخ الترجمة، وأولها إلى قول الجمهور، والمسألة خلافية شهيرة بُسطت في "الأوجز"
(4)
، وجملتها: أنه واجب عند الظاهرية، وهو قول لمالك وأحمد، وسُنَّة عند الأئمة الأربعة مؤكدة أو مندوب قولان.
(1)
انظر: "فتح الباري"(2/ 354)، و"إرشاد الساري"(2/ 609).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 6).
(3)
"فتح الباري"(2/ 357).
(4)
"أوجز المسالك"(2/ 369).
وهنا مسألة أخرى، وهي: أنهم اختلفوا: هل الغسل لليوم حتى يجب على النساء أيضًا، أو للصلاة، فيجب على من تجب عليه الجمعة؟ بُسطت هذه المسألة أيضًا في "الأوجز"
(1)
، وسيبوِّب لها المصنف قريبًا بـ "باب هل على من لا يشهد الجمعة غسل. . ." إلخ.
قوله: (وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء؟) قيل: أشار إلى عدم وجوبه على الصبيان بلفظ المحتلم، فإنه يخرج الصبي ظاهرًا والنساء؛ لأن الفروض تجب عليهن في الأكثر بالحيض لا بالاحتلام، وقيل: عموم لفظ: "أحدكم" يتناول الصبي والنساء، لكن حديث أبي داود بلفظ:"لا جمعة على امرأة ولا صبي" يخالفه، لكنه ليس على شرطه فذكره بلفظ:"هل"، أو يقال: لفظ: "هل" في حق النساء لاحتمال دخولهن في العموم المذكور، لكن عموم النهي في منعهن من حضور المساجد إلا بالليل يخرج حضورهن الجمعة، انتهى ملخصًا من "الفتح" و"العيني"
(2)
.
(3 -
باب الطيب للجمعة)
قال الحافظ
(3)
: لم يذكر المصنف حكمه لوقوع الاحتمال فيه، انتهى.
قلت: الظاهر بدله لوقوع الاختلاف فيه، فإن بعض أهل الظاهر قال بوجوبه.
قوله: (وأما الاستنان والطيب فالله أعلم. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: وذلك لأن تقدير الخبر المتقدم وهو قوله: "واجب" يدل على الوجوب، وإفراده صلى الله عليه وسلم الغسل عن أخويه وعدم إشراكها جميعًا في خبر واحد، وتعليق مسِّ الطيب بالوجدان، يدل على أن الخبر لعله غير ما تقدم،
(1)
"أوجز المسالك"(2/ 383).
(2)
انظر: "فتح الباري"(2/ 357)، و"عمدة القاري"(5/ 8).
(3)
"فتح الباري"(2/ 364).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 8).
فيكون التقدير: وأن يستن وأن يمس طيبًا إن وجد أفضل، وعلى هذا لا يثبت الوجوب، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه.
(4 -
باب
فضل الجمعة)
أورد فيه حديث مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أبحاث كثيرة من أن الغسل لمن يروح إلى الجمعة أو عام، وهل يكفي غسل الجنابة للجمعة؟ وابتداء ساعات التبكير من الصبح أو الزوال، وهل البُدن يتحقق بالبقر أيضًا؟ والأفضل في الضحايا الإبل أو الغنم، وحكم الغسل يوم الجمعة، بسطت في "الأوجز"
(1)
، فارجع إليه لو شئت.
قال الحافظ
(2)
: مقتضى الحديث مساواة المبادر إلى الجمعة للمتقرِّب بالمال، فكأنه جمع بين عبادتين بدنية ومالية، وهذه خصوصية للجمعة لا لغيرها من الصلوات، انتهى.
(5 - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ
(3)
: هو كالفصل من الباب الذي قبله، ووجه تعلُّقه به أن فيه إشارة إلى الرد على من ادَّعى إجماع أهل المدينة على ترك التبكير إلى الجمعة؛ لأن عمر رضي الله عنه أنكر على عدم التبكير بمحضر من الصحابة، ووجه دخوله في فضل الجمعة ما يلزم من إنكار عمر، فإنه لولا الفضل في ذلك لما أنكر عليه، انتهى.
قلت: ليس بوجيه، ولا يكون هذا جوابًا لإشكال المالكية، إذ قالوا: إن التبكير من الصباح لم يعرف، بل يحتمل تأييد المالكية بذكر الحديث بلفظ:"الرواح"، ويحتمل عندي أن الغرض بيان فضل الجمعة بأمر الاغتسال، ورقم عليه شيخ الهند رمز [نـ] نقطة واحدة.
(1)
"أوجز المسالك"(2/ 354 - 369).
(2)
"فتح الباري"(2/ 366).
(3)
انظر: "فتح الباري"(2/ 370).
(6 -
باب الدهن للجمعة)
قال الحافظ
(1)
: أي: استعمال الدهن، ويجوز أن يكون بفتح الدال، فلا يحتاج إلى تقدير، انتهى. ثم لا مناسبة للحديث الثاني بالباب، فقيل: استعمال الدهن بعد غسل الرأس معتاد، وقيل: مذكور في بعض طرقه، انتهى من "الفتح" و"العيني"
(2)
.
قلت: أو يقال: إن الدهن داخل في الطيب مع أن هذا الحديث والحديث الآتي واحد.
(7 -
باب ما يلبس أحسن ما يجد)
وجه الاستدلال من الحديث تقريره عليه السلام لأصل التجمُّل وقصر الإنكار على تلك الحلَّة، وهو مختار الشيخ في "اللامع"
(3)
، إذ قال: قوله: "فلبستها يوم الجمعة. . ." إلخ، فكان ذلك تقريرًا لما قاله عمر رضي الله عنه، حيث لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أنكر لأجل كونها حريرًا، فعُلم أن تخصيص الجمعة بشيء من ثيابه الحسنة لا بأس به، انتهى.
وتعقب الداودي على الحديث بأن ليس فيه دلالة على الترجمة، وأجاب ابن بطال
(4)
بأنه كان معهودًا عندهم أن يلبس أحسن ما يجد، وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل التاسع والأربعين، والأوجه عندي أن الترجمة من الأصل الحادي والأربعين، أشار بذلك إلى روايات تدل على لبس أحسن الثياب، ولا يذهب عليك أن الإمام ترجم عليه ههنا "باب يلبس أحسن ما يجد"، وفي "العيد":"باب التجمل فيه"، وسيأتي الكلام عليه هناك.
(1)
"فتح الباري"(2/ 371).
(2)
"فتح الباري"(2/ 373)، و"عمدة القاري"(5/ 25).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 12 - 13).
(4)
انظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (2/ 486)، و"فتح الباري"(374).
قال الدردير: نُدب جميل ثياب، وهو ههنا الأبيض ولو عتيقًا، بخلاف العيد فيُندب فيه الجديد ولو أسود، انتهى. وبسطه الدسوقي.
(8 -
باب السواك يوم الجمعة)
يحتمل عندي أن الغرض الرد على من أوجب السواك يوم الجمعة، واستدل عليه بالحديث، بأنه إذا لم يجب في الليل مع شدة اهتمامه عليه السلام له فأولى أن لا يجب في الجمعة، إذ لم يوجد فيها اهتمام مثل اهتمام الليل، ويؤيده أيضًا أن المصنف لم يذكر في هذا الباب السواك يوم الجمعة خاصةً، بل ذكر الحديث السابق بالعموم، وبسط الكلام على مطابقة الأحاديث بالباب في "اللامع"
(1)
وهامشه.
(9 -
باب من تسوَّك بسواك غيره)
كتب الشيخ في "اللامع": أورده ههنا إشارةً إلى أنه لا ينبغي له أن يترك الاستياك، بل يتسوَّك ولو بسواك الغير، نعم لا بدّ أن يكون بإذنه ولو دلالة، انتهى.
وعندي هذا أوجه مما قاله العيني
(2)
بقوله: كأنه يشير إلى جواز ذلك، وإلى طهارة ريق بني آدم خلافًا للنخعي، انتهى. وأنت خبير بأنه لو كان غرض المصنف بيان طهارته لكان محله كتاب الطهارة، فالأوجه ما أفاده الشيخ.
(10 -
باب ما يقرأ في صلاة الفجر)
قال الحافظ
(3)
: قال ابن المنيِّر: "ما" في قوله: "ما يقرأ"، الظاهر أنها موصولة لا استفهامية، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 15).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 34).
(3)
انظر: "فتح الباري"(2/ 378)، و"عمدة القاري"(5/ 36).
وتعقبه العيني بقوله: لا مانع من أن تكون استفهامية، انتهى.
وقال ابن المنيِّر: مناسبة الباب لما قبله أن ذلك من جملة ما يتعلق بفضل يوم الجمعة لاختصاص صبحها بالمواظبة على قراءة هاتين السورتين، انتهى من "الفتح".
وغرض الترجمة عندي الرد على من كره سورة السجدة في الفريضة.
قال العيني: قال ابن بطال
(1)
: ذهب أكثر العلماء إلى القول بهذا الحديث، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد، وقالوا: هو سنة، واختلف قول مالك، فروي عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وروي عنه أنه كره للإمام ذلك، إلى آخر ما قال.
(11 -
باب الجمعة في القرى والمدن. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: أي: ماذا حكمها؟ ترك تعيين الخبر لمكان الاختلاف فيه، وأورد في الباب ما يستدل به كل من الفريقين، ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أهل العوالي ولا غيرهم ممن كان من أطراف المدينة من أهل القرى مع أن الجمعة قد فرضت في مكة، فليس ذلك إلا لأن الجمعة لم تكن واجبةً ولا هي مُجزئة عنهم لو أقاموها، وأما قرية جواثى فيجب عليهم إثبات أنها كانت قرية، ومما يدل على مرام الحنفية قوله:"كنا نتناوب الجمعة"، مع أنه لو كانت واجبة لم يكن للتناوب معنًى، وقد ثبت أيضًا أنهم لم يكونوا يجمعون ثمة، فليس ذلك إلا لعدم وجوبها على هؤلاء، ثم حدّ القرية أن يكون فيه خمسة آلاف من بين المسلمين والكافرين والنساء والصبيان، انتهى.
قد أجمل الشيخ الكلام على هذه الأبحاث الطويلة الذيول كدأبه الشريف في هذا التقرير المنيف اتكالًا على فهم الطالبين واكتفاءً على بسطه
(1)
"شرح صحيح البخاري"(4/ 487).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 17 - 27).
من الكلام في "الكوكب الدري"، وبسط شيء من الكلام في هامش "اللامع"، وفيه: المسألة من أشهر المسائل الخلافية، والمشهور على ألسنة الناس أن الحنفية لا يجوِّزون الجمعة في القرى بخلاف غيرهم، وهذا من قلة النظر على مسالك الأئمة الأربعة. والعجب من الحافظ
(1)
إذ قال: في هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خصّ الجمعة بالمدن دون القرى، وهو مروي عن الحنفية، انتهى.
وظاهره أيضًا يوهم أن الحنفية متفردون بمنع الجمعة في القرى، وليس كذلك، فإن المسألة إجماعية عند الأربعة في أن الجمعة ليست كسائر الصلوات تقام في كل المواضع، بل لا بدّ لها من نوع من المدينة مع الاختلاف بينهم في تفاصيل هذه المدينة، كما بسط في "الأوجز"
(2)
.
وإلى التفريق بين القرى مال الإمام البخاري أيضًا كما يدل عليه صنيعه فيما يأتي في "باب من أين تؤتى الجمعة"، إذ ذكر فيه أثر عطاء: إذا كنت في قرية جامعة. . . إلخ، فعُلم أن القرى بعضها جامعة وبعضها غير جامعة. وقد قال إمام دار الهجرة في "الموطأ"
(3)
: إذا نزل الإمام بقرية تجب فيها الجمعة والإمام مسافر، فإن أهل تلك القرية وغيرهم يجمِّعون معه، فإن جمَّع الإمام بقرية لا تجب فيها الجمعة، فلا جمعة له ولا لأهل تلك القرية، إلى آخر ما قال. فعُلم بذلك أن القرى على نوعين عند مالك. . . وهو كذلك عند بقية الأئمة الأربعة، وكذا فروع الشافعية أيضًا متضافرة على التفريق بين القرى، كما بسط في "الأوجز"، انتهى.
(12 -
باب هل على من لا يشهد الجمعة غُسل. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: ترجم الإمام بلفظ الاستفهام للاحتمال الواقع في حديث أبي هريرة: "حق على كل مسلم أن يغتسل" فإنه شامل للجميع،
(1)
"فتح الباري"(2/ 380).
(2)
"أوجز المسالك"(2/ 428).
(3)
"موطأ مالك"(232).
(4)
"فتح الباري"(2/ 382).
والتقييد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما بمن جاء منكم يُخرج من لم يجئ، والتقييد في حديث أبي سعيد بالمحتلم يُخرج الصبيان، والتقييد في النهي عن منع النساء بالليل يُخرج الجمعة، وعُرف بهذا وجه إيراد هذه الأحاديث في هذه الترجمة.
وقوله في الترجمة: (قال ابن عمر رضي الله عنهما: إنما الغسل. . .) إلخ، قد تقرر أن الآثار التي يوردها البخاري في التراجم تدل على اختيار ما تضمنته عنده، فهذا مصير منه أن الغسل للجمعة لا يشرع إلا لمن وجبت عليه الجمعة، انتهى.
وهذا أصل مطَّرد معروف من أصول تراجمه، وهو الأصل الأربعون، والغرض عندي أن الإمام أشار إلى مسألة خلافية، وهي: أن الغسل لليوم أو للصلاة؟ كما تقدمت الإشارة إليه في "باب فضل الغسل يوم الجمعة"، وبه جزم شيخ المشايخ في "تراجمه"
(1)
وقال: والأحاديث في هذه المسألة ناظرة إلى كلا الاحتمالين؛ لأن تعليق ابن عمر والحديث الأول من الباب صريحان في أن الغسل للصلاة، والأحاديث الأخر ظاهرة في أنه لليوم، وكذا قال الشافعي: إن سنية الغسل لليوم لكن ينبغي تقريبه من الصلاة، والصلاة به بلا تخلُّلِ حدثٍ عملًا بجميع الأحاديث، انتهى.
قال ابن عابدين
(2)
: كونه للصلاة هو الصحيح، وهو ظاهر الرواية، وهو قول أبي يوسف.
وقال الحسن بن زياد: هو لليوم، ونسب إلى محمد، وأثر الخلاف فيمن لا جمعة عليه.
وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء، نال الفضل عند الحسن لا عند أبي يوسف، وكذا من اغتسل قبل الفجر وصلى به نال عند أبي يوسف لا عند الحسن. . . إلى آخر ما بسط، انتهى من هامش "اللامع"
(3)
.
(1)
(ص 258).
(2)
"رد المحتار"(1/ 308).
(3)
انظر: "لامع الدراري"(4/ 32).
(14 -
باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر)
قال الحافظ
(1)
: به قال الجمهور، ومنهم من فرَّق بين قليل المطر وكثيره، وعن مالك: لا يرخص في تركها بالمطر، انتهى.
(15 -
باب من أين تؤتى الجمعة، وعلى من تجب؟. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: يعني الوجوب المستفاد من تلك الآية لمن هو؟ وماذا حدّه؟ فالجار والمجرور متعلقان بالإتيان والوجوب، ثم قوله:"في قرية جامعة" دالٌّ على أن الجمعة ليست في القرى، وقوله:"وكان أنس في قصره"، معناه: أنه كان في فناء البصرة، فكان يحضر البصرة أحيانًا ولا يحضرها أحيانًا، بل يقيم الجمعة حيث هو، وإنما جاز له ذلك لكونه في فناء البصرة، وأما إن لم يكن قصره في فنائها، فمعناه: أنه كان يحضر الجمعة في البصرة أحيانًا ولا يحضرها أحيانًا، بل يصلي الظهر حيث هو في قصره، وذلك لعدم وجوب الجمعة، نعم إذا حضرها أجزأته عن الظهر، انتهى. وبسط الكلام في هامشه أشد البسط، zeta/ وفيه: هذا من أشهر المسائل الخلافية، وهي وجوب الجمعة على من هو خارج المصر. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
قوله: (وقال عطاء: إذا كنت في قرية جامعة. . .) إلخ، زاد عبد الرزاق
(3)
فيه: قلت لعطاء: ما القرية الجامعة؟ قال: ذات الجماعة والأمير والقاضي والدور المجتمعة الآخذة بعضها بعضًا مثل جدّة، انتهى. وهذا عين مذهب الحنفية. والعجب من المصنف رحمه الله أنه حذف تلك القطعة، انتهى من "فيض الباري"
(4)
.
(1)
"فتح الباري"(2/ 384).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 39 - 44).
(3)
انظر: "فتح الباري"(2/ 385)، و"مصنف عبد الرزاق"(3/ 168).
(4)
"فيض الباري"(2/ 333).
قوله: (أحيانًا يجمع. . .) إلخ، في تقرير المكي: أي: يأتي إلى جامع البصرة فيصلي الجمعة فيها، (وأحيانًا لا يجمع) أي: لا يأتي إلى جامع البصرة فلا يصلي الجمعة فيها، أو معناه: أحيانًا يصلي الجمعة في قصره، وأحيانًا لا يصلي الجمعة في قصره، قال: ومراد البخاري المعنى الأول دون الثاني، انتهى.
قلت: وذلك لأن تبويب البخاري بلفظ: "من أين تؤتى الجمعة" يوافق المعنى الأول دون المعنى الثاني، ثم كتب في هامش تقريره: فاعلم أن الجمعة ليست بواجبة في القرى عندنا، خلافًا للشافعي.
فإن قيل: الجمعة لا تجوز أصلًا، فكيف صلّاها أنس في قصره في الزاوية؟
قلنا: جواز الجمعة في القرى كان مذهب أنس على خلاف مذهبنا، وكذا على خلاف مذهب الشافعي، وهو وجوبها في القرى، ثم الحديث ساكت من أنه صلّى الظهر في قصره، أو صلّى الجمعة في قصره، فإن كان الأول ثبت مذهبنا، وهو عدم وجوب الجمعة، وإن كان الثاني ثبت مذهب الشافعي وهو وجوبها في القرى، انتهى.
وهذا من غاية سماحة الشيخ رعايةً لمذهب الشافعية، وإلا فظاهر أثر أنس يوافق الحنفية قطعًا كما يدل عليه تبويب البخاري "من أين تؤتى الجمعة"، وإلا فإن كان أنس يصلي الجمعة في قصره لا يصح إيراد الإمام البخاري هذا الأثر في هذا الباب، فإن معناه قطعًا أن أنسًا قد يحضر الجمعة في البصرة تحصيلًا لمزيد الأجر والمثوبة، وقد لا يحضر لعدم وجوبها في القرى، وهذا واضح وخالٍ عن الإيرادات التي أشار إليها الشيخ في كلامه، انتهى
(1)
.
(1)
انظر: "لامع الدراري"(4/ 44).
(16 -
باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده، انتهى.
وهذا أصلٌ معروف مطَّرد من أصول التراجم، وهو الأصل السادس والأربعون، والخلاف في ذلك شهير، قال النووي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوَّزاها قبل الزوال، انتهى من هامش "اللامع"
(2)
مختصرًا.
(17 -
باب إذا اشتد الحرّ يوم الجمعة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: هذا تنصيصٌ منه على أن الجمعة لا تخالف الظهر في استحباب الإبراد عند شدة الحر، وهذا هو مختار الإمام رحمه الله تعالى، انتهى.
وفي هامشه: لم يجزم الإمام البخاري بالحكم في الترجمة لاختلاف العلماء في ذلك عندي، لكن يظهر ميله في ذلك من الروايات الواردة في الباب من أنه مال إلى التفريق في البرد والحر، فعدم الجزم في الترجمة عندي من الأصل الخامس والثلاثين من أصول التراجم، وما يظهر من ميله في المسألة هو الأصل الأربعون.
ومال ابن المنيِّر إلى أن عدم الجزم في الترجمة من الأصل الثامن والستين، إذ قال الحافظ
(4)
عن ابن المنير: نحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة ولم يبتَّ الحكم بذلك؛ لأن قوله: "يعني الجمعة" يُحتمل أن يكون قول التابعي مما فهمه، ويحتمل أن يكون من نقله، فرجح عنده
(1)
"فتح الباري"(2/ 387).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 45).
(3)
المصدر السابق (4/ 48 - 50).
(4)
"فتح الباري"(2/ 389).
إلحاقها بالظهر؛ لأنها إما ظهر وزيادة، أو بدل عن الظهر، وأيّد ذلك قول أمير البصرة لأنس وجوابه، انتهى.
قلت: اختلف العلماء في وقت استحباب الجمعة، ففي "الدر المختار"
(1)
: الجمعة كظهر أصلًا واستحبابًا في الزمانين؛ لأنها خلفه، قال ابن عابدين: قوله: أصلًا، أي: من جهة أصل الوقت، وقوله: استحبابًا في الزمانين، أي: الشتاء والصيف، انتهى.
قلت: وبنحو قولهم قالت المالكية، كما قال الدردير
(2)
. وقال الموفق
(3)
: يصلِّيها
(4)
في أول وقتها في الشتاء والصيف، فلو انتظر الإبراد لَشَقّ على الحاضرين. . . إلى آخر ما قال. وإلى ذلك ميل الشافعي، فقد حكى القسطلاني
(5)
أنه يُندب الإبراد بالظهر في شدة الحر بقطر حار لا بالجمعة. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(18 -
باب المشي إلى الجمعة. . .) إلخ
في تبويب المصنف عندي ثلاثة أوجه:
الأول: ما أفاده الشيخ في "اللامع"
(6)
تحت قوله في الحديث: "من اغبرت قدماه": دلالته على استحباب المشي ظاهر، فإن الاغبرار لا يتصور دونه، انتهى.
وعلى هذا فيكون المراد من الترجمة والآية المشي دون الركوب.
والوجه الثاني: أن يكون المراد بالمشي ضد العَدْو.
وعلى هذا يكون قوله تعالى كالتفسير للمشي، وتوضيح المراد بالمشي، وعليه حمله ابن المنيِّر.
(1)
انظر: "رد المحتار"(2/ 25).
(2)
"الشرح الكبير"(1/ 592).
(3)
"المغني"(3/ 241).
(4)
كذا في الأصل، وفي "المغني": يُعَجِّلُها.
(5)
"إرشاد الساري"(2/ 652).
(6)
"لامع الدراري"(4/ 53).
والثالث: أن تكون الترجمة مركبة من جزئين: الأول: المشي ضد الركوب، والثاني: عدم العدو، وهو المراد بقوله تعالى.
وعلى هذا يكون "وقول الله تعالى" مستأنفًا جزءًا ثانيًا للترجمة مستقلًا، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (وهو مسافر فعليه أن يشهد) قال الحافظ
(1)
: أي: استحبابًا لما روي عنه بنفسه أن لا جمعة على مسافر وهو إجماع، انتهى.
وبسط العيني
(2)
الاختلاف في ذلك، وحكى عن النخعي عدم جواز السفر بعد العشاء ليلة الجمعة.
وأما السفر قبل الزوال فجوّزه جماعة، منهم مالك، وفي "شرح المهذب": الأصح تحريمه.
وأما السفر بعد الزوال فلا يجوز عند مالك وأحمد، وجوّزه أبو حنيفة، انتهى.
(19 -
باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة)
في "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: قد فسَّر التفريق بوجهين، أحدهما: تخطي الرقاب. والثاني: الجلوس بين الاثنين اللذين هما أخوان أو صديقان، وإيقاع الوحشة بينهما بهذا الفعل، انتهى. وهكذا فسَّره الشرَّاح. وزاد الحافظ
(4)
وجهًا ثالثًا وهو: إخراج أحدهما والقعود مكانه، انتهى. وترجم له المصنف الباب الآتي.
قال العيني
(5)
: قال صاحب "التوضيح": اختلف العلماء في التخطي، فمذهبنا الكراهة إلا أن يكون قدَّامه فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فلا يكره، ونقل ابن المنذر كراهته مطلقًا عن أحمد، وعن مالك كراهته إذا جلس
(1)
"فتح الباري"(2/ 391).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 64).
(3)
(ص 262).
(4)
"فتح الباري"(2/ 392).
(5)
"عمدة القاري"(5/ 68).
الإمام على المنبر، ولا بأس به قبله، وعند أصحابنا الحنفية: لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس، وقيل: لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة، انتهى.
(20 -
باب لا يقيم الرجل أخاه. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: هذه الترجمة مقيدة بيوم الجمعة مع عموم حديث الباب لورود حديث صحيح أخرجه مسلم
(2)
بلفظ: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة" الحديث، لكنه ليس على شرطه، وتقدم بيان دخول هذه الصورة في التفريق بين الاثنين كما تقدم في الباب السابق، انتهى.
(21 -
باب الأذان يوم الجمعة)
قال الحافظ
(3)
: أي: متى يشرع، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: قوله: "فلما كان عثمان وكثر الناس. . ." إلخ، والناس وإن كانوا كثيرين في زمن الشيخين أيضًا إلا أن بركة قرب صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لم تتركهم في أيام أبي بكر ولا الصولة العمرية في زمنه أن يتخلفوا عن حضور الجمعة من أنفسهم، فلم يحتج إلى الأذان الثالث، وكان عثمان رضي الله عنه حييًّا فاجترأ الناس في أيامه على ما لم يجترؤوا عليه في أيام عمر، وأسهل ما لم يكن سهلًا في وقته، ونشأ وهن ما في أمور الدين، فزاد أذانًا ثالثًا، إلى آخر ما قال.
(22 -
باب المؤذن الواحد يوم الجمعة)
في "تراجم شيخ المشايخ"
(5)
: يعني: ما صار معمول الناس الآن في الحرمين وغيرهما من أن يؤذن يوم الجمعة، وفي سائر الأيام المؤذنون
(1)
"فتح الباري"(2/ 393).
(2)
"صحيح مسلم"(2178).
(3)
"فتح الباري"(2/ 393).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 56).
(5)
(ص 263).
مجتمعين رافعين أصواتهم، ما كان ذلك على عهده عليه الصلاة والسلام، بل كان يؤذن هناك مؤذن واحد، وأما ما صار معمول الناس بعدُ فمن البدعات الحسنة، وأصله مأخوذ من أمره صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد أن يلقي على بلال، فنادى كل منهما بصوته رافعًا فاحفظ، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: استحسن العلماء تعدد المؤذنين عند الضرورة، انتهى.
وفي هامشه: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رقى المنبر وجلس أذّن المؤذنون وكانوا ثلاثة، واحد بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام فخطب، وممن قال به ابن حبيب
(2)
، انتهى.
قلت: هذا أوجه مما قاله شيخ الإسلام في شرحه: إن الغرض دفع توهم كون الأذان الثالث في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل كان من زمن عثمان، انتهى. وأنت خبير بأن هذا المعنى قد ظهر من الباب السابق نصًا، فلا وجه لتوهمه.
ومسألة تعدد المؤذنين بسطت في "الأوجز"
(3)
، وحاصل ما فيه: إذا أذّن اثنان معًا فمنعه قوم، وقال الشافعية: لا يكره إلّا إن حصل منه تهوش، وقال الموفق
(4)
: لا يستحب الزيادة على المؤذنين إلا للحاجة، انتهى.
وفي "الهداية"
(5)
: إذا أذّن المؤذنون، قال في هامشه: المؤذنون بلفظ الجمع إخراجًا للكلام مخرج العادة، فإن المتوارَث في أذان الجمعة اجتماع المؤذنين ليبلغ أصواتهم إلى أطراف المصر، وفي "السعاية"
(6)
عن ابن عابدين: لا خصوصية للجمعة، إذ الفروض الخمسة تحتاج إلى الإعلام، انتهى مختصرًا.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 59).
(2)
انظر: "عمدة القاري"(5/ 74).
(3)
"أوجز المسالك"(2/ 17).
(4)
"المغني"(2/ 89).
(5)
"الهداية"(2/ 119).
(6)
"السعاية"(2/ 33).
(23 -
باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: يعني: أن النهي عن الصلاة والكلام بعد خروج الإمام وقيامه عن مقامه إنما هو للمأمومين والمستمعين لا للإمام؛ فإنه يجيب الأذان؛ لأن الكلام لم يحرم عليه، وذلك لأن خطبته خطاب مع القوم فلا يكون كلامه حرامًا أيضًا، انتهى. ويؤيد ذلك تقييد المصنف الترجمة بلفظ الإمام.
قال الحافظ في فوائد الحديث
(2)
: فيه أن الخطيب يجيب المؤذن وهو على المنبر، انتهى من هامشه، وبسط فيه الكلام على المباحث الفقهية.
(24 -
باب الجلوس على المنبر عند التأذين)
قال الحافظ
(3)
: أشار ابن المنيِّر إلى أن مناسبة هذه الترجمة الإشارة إلى خلاف من قال: الجلوس على المنبر عند التأذين غير مشروع، وهو عن بعض الكوفيين، وقال مالك والشافعي والجمهور: هو سُنَّة، انتهى.
قلت: هو مسنون عند الحنفية على الاختلاف فيما بينهم من أنه للاستراحة أو لانتظار الأذان، وعلى الثاني لا يسن في خطبة العيد، كما في كتب الفقه.
(25 -
باب التأذين عند الخطبة)
غرض الترجمة عندي تنبيه على أن الجمعة مستثنى مما تقدم من "باب كم بين الأذان والإقامة"، ويؤيده ما ذكره في "الفيض"
(4)
في الباب السابق: كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني به: أن أذان يوم الجمعة كان على خلاف دأب سائر الأيام، ففي سائر الأيام كان يقدم شيئًا، وفي الجمعة كان متصلًا بالخطبة بدون مكث طويل بعده، انتهى مختصرًا.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 59 - 61).
(2)
"فتح الباري"(2/ 396).
(3)
المصدر السابق (2/ 396).
(4)
"فيض الباري"(2/ 336).
(26 -
باب الخطبة على المنبر. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: قوله: "كان جذع يقوم عليه. . ." إلخ، إيراد الرواية في هذا الباب إشارة إلى أن المنبر سُنَّة لا واجب، فإن مقامه على الجذع وإن كان متروكًا لكن تركه لم يكن لنسخه حتى لا يجوز العمل عليه، بل الترك إنما كان لأنّ الجلوس على المنبر للوعظ وغيره أسهل، وكذا القيام عليه للخطبة أفيد، والحجة على عدم النسخ خطبته في العيدين وغيرهما قائمًا ولو إلى غير جذع، انتهى.
وكتب الشيخ في "الكوكب"
(2)
: أراد بذلك دفع ما عسى أن يُتوهم من كونه بدعة أو من عادة الجبابرة والمتكبرين، انتهى.
قال العيني
(3)
: والمصنف لم يقيده بالجمعة إشارة إلى أن سائر الخطب كذلك، انتهى.
وغرض الترجمة كما يظهر من كلام الحافظ أن المصنف أشار بهذا إلى ما قال ابن بطال
(4)
: إن كان الخطيب هو الخليفة فسُنَّته أن يخطب على المنبر، وإن كان غيره يخيَّر بين أن يقوم على المنبر أو على الأرض، فأراد البخاري أن هذا التفصيل غير مستحب، انتهى.
(27 -
باب الخطبة قائمًا)
سُنَّة عند الإمام، وواجب عند مالك، وشرطٌ عند الباقين، كذا في "الفتح"
(5)
.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 62).
(2)
"الكوكب الدري"(1/ 418).
(3)
انظر: "عمدة القاري"(5/ 77)، و"فتح الباري"(2/ 497).
(4)
"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (2/ 506).
(5)
"فتح الباري"(2/ 401).
(28 -
باب استقبال الناس الإمام إذا خطب)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: هذا إذا لم يخلّ استقبالهم إيَّاه بتسوية الصفوف بأن اعتادوها، فلا يُفتقر إلى زيادة وقت فيها، أو لم يكن بعد الخطبة صلاة، وأمّا إذا لم يعتادوا بإقامة الصفوف إلّا بتكلف ومزيد اهتمام فليس لهم استقباله، إلّا إذا لم تكن بعدها صلاة كما في العيدين، انتهى.
قلت: لعل المصنف أشار إلى مذهب المالكية، إذ قالوا بوجوب الاستقبال إلى الإمام بحيث يغيِّرون جِلستهم التي كانت إلى القبلة كما بسطه الدردير
(2)
، وحكى الموفق
(3)
إجماع الأئمة الأربعة وغيرهما على استحباب ذلك، قلت: وفي "الكبيري"
(4)
بعد ما حكى استحبابه عن الإمام: لكن الرسم الآن أنهم يستقبلون القبلة للحرج في تسوية الصف. . . إلى آخر ما قال.
(29 -
باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد. . .) إلخ
لم أر من تعرَّض للترجمة واضحًا إلّا ما قاله الحافظ عن ابن المنيِّر: يحتمل أن تكون "من" موصولة، والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم كما في أحاديث الباب، ويحتمل أن تكون شرطية والجواب محذوف، أي: فقد أصاب السُّنَّة، وعلى التقديرين ينبغي للخطباء أن يستعملوها تأسيًا واتباعًا.
قال الحافظ: وكأن البخاري لم يجد في خطبته عليه السلام يوم الجمعة حديثًا على شرطه، فاقتصر على ذكر الثناء. وبنحوه قال العيني
(5)
.
ويشكل عليه أن المصنف ترجم بذلك في خطبة الكسوف أيضًا وذكر خطبته كما في حديث الباب، ولم يبوِّب لذلك في العيد ولا الاستسقاء، ولا يبعد عندي في الغرض أن ظاهر لفظ:"أما بعد" ينبغي أن يكون منكرًا لما أنه يستلزم اختتام الحمد وانتهاءه، وقد ورد في الروايات من الأدعية
(1)
"لامع الدراري"(4/ 63).
(2)
انظر: "الشرح الكبير"(1/ 602).
(3)
"المغني"(3/ 172).
(4)
"غنية المستملي"(ص 561).
(5)
"عمدة القاري"(5/ 87).
بلفظ: "لك الحمد حمدًا دائمًا مع دوامك، ولك الحمد حمدًا خالدًا مع خلودك، ولك الحمد حمدًا لا منتهى له. . ."، وغير ذلك من الأدعية.
وكلمة "أما بعد" يقال لها: فصل الخطاب، وأول من تكلم بها قيل: داود عليه السلام، وقيل: يعقوب عليه السلام، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: سحبان بن وائل، وقيل: قس بن ساعدة، انتهى.
(30 -
باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنيِّر: لم يصرِّح بحكم الترجمة؛ لأن مستند ذلك: الفعل، ولا عموم له، انتهى.
قال الحافظ: ولا اختصاص بذلك لهذه الترجمة، فإنه لم يصرح بحكم غيرها من أحكام الجمعة، والظاهر أنه يقول بوجوبها، انتهى. وجزم العيني
(2)
بالأول.
ويحتمل عندي أن يكون الغرض الرد على ما حكى العيني عن بعض الشافعية أن المقصود الفصل سواء كان بالسكوت أو الجلوس أو الكلام.
(31 -
باب الاستماع إلى الخطبة)
في "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: قد أثبت بحديث الباب أن ملائكة يستمعون الخطبة، فأن يستمع الناس بالطريق الأولى؛ لأن الناس مكلَّفون بالعبادات، انتهى.
وسيأتي قريبًا "باب الإنصات يوم الجمعة"، فأشار المصنف إلى أن كليهما واجب، يستمع إن كان قريبًا، ويُنصِت إن كان بعيدًا.
(1)
"فتح الباري"(2/ 406).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 96).
(3)
(ص 264).
(32 -
باب إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب)
قال الحافظ في الباب الآتي عن ابن المنيِّر
(1)
: إن الأمر بالركعتين يتقيد برؤية الإمام الداخل في حال الخطبة بعد أن يستفسره هل صلى أم لا؟ وذلك كله خاص بالخطيب، وأما حكم الداخل فلا يتقيد بشيء من ذلك، بل يستحب له أن يصلي تحية المسجد، فأشار المصنف إلى ذلك كله بهذا الباب والباب السابق مع أن الحديث فيهما واحد، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(2)
في الباب الآتي: حاصل هذا الباب: أن على من جاء في هذا الوقت أن يصلي ركعتين، وحاصل الباب السابق: أن على الإمام أمره بهما، وكان شغله بالخطبة يمنعه عن الاشتغال بالأمور الأجنبية، فالفرق واضح، فلا يتوهم التكرار، انتهى.
(33 -
باب من جاء والإمام يخطب. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه في الباب السابق، والمسألة خلافية، ففي هامش "الكوكب"
(3)
: اختلفوا في تحية المسجد للداخل عند الخطبة، فقال بها الشافعي وأحمد وإسحاق، ويستحب أن يتجوز فيهما، قاله النووي
(4)
. وقال القاضي: قال مالك وأبو حنيفة وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، انتهى. والبسط في "الأوجز"
(5)
.
(34 -
باب رفع اليدين في الخطبة)
قال الحافظ
(6)
: فيه إشارة إلى أن حديث عمارة الذي أخرجه مسلم في إنكار ذلك ليس على إطلاقه، لكن قيَّد مالكٌ الجواز بدعاء الاستسقاء، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(2/ 412).
(2)
(ص 265).
(3)
"الكوكب الدري"(21/ 419).
(4)
انظر: "شرح صحيح مسلم"(3/ 430).
(5)
"أوجز المسالك"(2/ 393).
(6)
"فتح الباري"(2/ 413).
قال العيني
(1)
: إشارة إلى أن المراد بالرفع في الباب المد كما في حديث الباب، لا كالرفع الذي في الصلاة، انتهى.
قلت: أو المراد عكسه أن المراد بالمد في الحديث الرفع فتكون الترجمة شارحة.
(35 -
باب الاستسقاء في الخطبة)
قال الحافظ: وهذا أحد صور الاستسقاء مشروع إجماعًا، انتهى.
قلت: وهو من دلائل الحنفية في أن الاستسقاء ليس له صلاة مستقلة.
(36 -
باب الإنصات يوم الجمعة. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أشار بهذا إلى الرد على من جعل وجوب الإنصات من خروج الإمام، انتهى.
وتقدم شيء من الكلام على ذلك في باب الاستماع.
قال العيني
(3)
: الجديد الصحيح من قولَي الشافعي أنه لا يحرم الكلام ويسن الإنصات، وبه قال الثوري وداود، وفي القديم أنه يحرم، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، انتهى مختصرًا.
(37 -
باب الساعة التي في يوم الجمعة)
بلغت الأقوال فيها إلى خمسين كما جزم به القاري
(4)
، وذكر الحافظ اثنين وأربعين، وتبعه الشيخ في "البذل"
(5)
. وفي "الأوجز"
(6)
: المشهور أحد عشر، والأشهر اثنان.
(1)
"عمدة القاري"(5/ 108).
(2)
"فتح الباري"(2/ 414).
(3)
"عمدة القاري"(5/ 98).
(4)
"مرقاة المفاتيح"(3/ 447).
(5)
انظر: "بذل المجهود"(5/ 18 - 22)، و "فتح الباري"(2/ 412 - 417).
(6)
"أوجز المسالك"(2/ 437).
قال ابن القيم
(1)
: أرجح هذه الأقوال قولان، تضمَّنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر، الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة كما في حديث أبي موسى رضي الله عنه رواه مسلم
(2)
، والقول الثاني: أنها بعد العصر، وهو قول عبد الله بن سلام، وهذا أرجح القولين، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
(38 -
باب إذا نفر الناس عن الإمام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
في قوله: "من بقي": دلالة على أن النافرين لم يعودوا، فكان ردًّا على من ذهب في تعيين أقل عدد الجماعة بأربعين رجلًا، وعندنا تنعقد الجمعة إذا نفروا بعد الشروع فيها ولو كلهم، وأما قبل الشروع فلا بدّ أن يبقى اثنان سوى الإمام، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(4)
: ظاهر الترجمة أن استمرار الجماعة الذي تنعقد بهم الجمعة إلى تمامها ليس بشرط في صحتها، بل يشترط أن تبقى منهم بقية ما، ولم يتعرض البخاري لعدد من تقوم بهم الجمعة؛ لأنه لم يثبت منه شيء على شرطه، وجملة ما للعلماء فيه خمسة عشر قولًا بُسطت في هامش "اللامع"، فعند أبي حنيفة ثلاثة مع الإمام، وعند صاحبيه الاثنان معه، وعند الشافعي أربعون بالإمام، وعند أحمد في المشهور عنه خمسون رجلًا، وعند مالك اثنا عشر غير الإمام، كما قال الدردير
(5)
.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(6)
: قد فسر قولَه: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} جمهور المفسرين لقيامه في الخطبة، فمناسبة الحديث بالترجمة باعتبار أن خطبة الجمعة لها حكم الصلاة، فلما أتم عليه السلام خطبته مع خروجهم من المسجد كان هذا حكم الصلاة أيضًا، وأما إذا فسر لقيامه في الصلاة فلا إشكال،
(1)
"زاد المعاد"(1/ 389).
(2)
"صحيح مسلم"(853).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 80 - 83).
(4)
"فتح الباري"(2/ 422).
(5)
انظر: "شرح الكبير"(1/ 598).
(6)
(ص 267).
وهذا الحديث حجة على الشافعي، حيث شرط لانعقاد الجمعة حضور أربعين رجلًا، ومن ههنا شرط مالك حضور اثني عشر رجلًا، فافهم، انتهى.
(39 -
باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها)
قال الحافظ
(1)
ما حاصله: كأنه أشار إلى أن لا فرق بين الظهر والجمعة في ذلك، وقدم البعدية لثبوتها صريحًا.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(2)
: حديث الباب ساكت عن إثبات راتبة قبل الجمعة. وقال القسطلاني: إنه يعلم راتبة قبل الجمعة من حديث الباب بالقياس على راتبة الظهر، انتهى. والمؤلف اكتفى على حديث الباب؛ لأن راتبة قبل الجمعة قد علم سنِّيتها سابقًا صريحًا من حديث جابر أنه [قال:] دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، الحديث، انتهى.
قلت: وعلى القول الأول تكون الترجمة من الأصل الثالث والخمسين، وعلى القول الثاني تكون من السابع والعشرين.
وقال الحافظان ابن حجر والعيني
(3)
في مناسبة الحديث بالباب: كأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين. وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الحادي عشر. وأنكر ابن القيم
(4)
الرواتب قبل الجمعة، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على إثباتها كما بسط في "الأوجز"
(5)
.
(1)
"فتح الباري"(2/ 426).
(2)
(ص 268).
(3)
"فتح الباري"(2/ 426)، و"عمدة القاري"(5/ 126).
(4)
"زاد المعاد"(1/ 407).
(5)
"أوجز المسالك"(3/ 449).
(40 -
باب قول الله عز وجل: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} الآية [الجمعة:
10])
قال الحافظ
(1)
: أشار بذلك إلى أن الأمر في قوله: "فانتشروا" و"ابتغوا" للإباحة لا للوجوب لاشتغالهم في حوائجهم، خلافًا للداودي وبعض الظاهرية، انتهى.
(41 -
باب القائلة بعد الجمعة)
سكتوا عن غرض المصنف، والأوجه عندي: أنه تأييد لما في الترجمة السابقة من عدم وجوب الانتشار والابتغاء، ثم براعة الاختتام نبَّه عليها الحافظ بقوله: ثم تكون القائلة، وهو كذلك عندي، فإن النوم أخو الموت.
* * *
(1)
"فتح الباري"(2/ 427).
12 -
أبواب صلاة الخوف
عقبها الجمعة؛ لأن كلًّا منهما بدل الصلاة المكتوبة إلا أنَّ التغير في الأول أخف، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قلت: وههنا ثمانية أبحاث لطيفة لا بدّ لطالب الحديث النظر فيها، بُسطت في "الأوجز"
(2)
، وأشير إليها في هامش "اللامع".
(1 -
[باب صلاة الخوف] وقول الله عز وجل: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} الآية [النساء:
101])
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: حملت الحنفية هذه الآية على السفر، وقيدُ الخوف عندهم اتفاقي، والشافعي رحمه الله حملها على الظاهر، وجرى المؤلف على ذلك، وهو الظاهر من سياق كلامه، انتهى.
قلت: يشكل عليه استدلال الشافعية على إباحة القصر دون الوجوب بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} فكيف يقال: إنهم حملوها على الخوف؟ وفسَّر الآية صاحب "الجلالين"
(4)
وغيره من الشافعية بالسفر، وبسطه في "التفسير الكبير"
(5)
، وذكر في تفسيره ثلاثة أقوال، لكن لم ينسب قول الخوف إلى الشافعية، وكذا لم أجد التفريق في الشروح الثلاثة من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني". ثم الظاهر عندي أنّ المصنف اختار من صور صلاة الخوف الصورة التي ذكرت في حديث ابن عمر حديث الباب، وهذه
(1)
"فتح الباري"(2/ 429).
(2)
"أوجز المسالك"(4/ 5 - 18)، و"لامع الدراري"(4/ 84).
(3)
(ص 271).
(4)
"الجلالين"(ص 94).
(5)
"التفسير الكبير"(4/ 199).
الصورة أقرب إلى قول الحنفية؛ لأنهم ذكروا هذا الحديث في مستدلاتهم، والله تعالى أعلم.
(2 -
باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: يعني: إذا اشتد الخوف فلم يقدروا على أدائها كما شُرعت، ولا كما ذكرت في الآية، يصلون فرادى رجالًا أو ركبانًا، يومِئون بالركوع والسجود، وأما في حالة القتال فلا تتأدى بل تؤخر، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(2)
: قيل: مقصوده أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول من الدابة ولا تؤخر عن وقتها، بل تصلّى على أيّ جهة حصلت القدرة عليه، بدليل الآية، انتهى.
والأوجه عندي في غرض الترجمة: أنها إشارة إلى تفسير قوله عزَّ اسمه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] أن المراد بقوله: رجالًا قيامًا لا ماشيًا، ورد على من أباح الصلاة ماشيًا، كما قال به أحمد، وبه قال الشافعي في المطلوب كما سيأتي، فإن لفظ الرجال يطلق على المشاة أيضًا كما في "سورة الحج":{يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج: 27] الآية، فنبَّه الإمام البخاري بالترجمة على أن المراد في آية صلاة الخوف بالرجال: القائمون، ولذا قال: راجل: قائم، وذكر فيه أثر مجاهد:"إذا اختلطوا قيامًا"، وأيَّدّه بالمرفوع:"فليصلوا قيامًا وركبانًا"، فتأمل. ويؤيده ما قال الحافظ: وفي "تفسير الطبري" بسند صحيح عن مجاهد: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} : إذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائمًا أو ركبانًا، انتهى.
لكن في هذا الغرض أنه سيأتي قريبًا "باب صلاة الطالب والمطلوب"،
(1)
"لامع الدراري"(4/ 87).
(2)
"فتح الباري"(2/ 432).
ويمكن التفصِّي عنه بأن ما سيأتي مقيد بـ "راكبًا"، فالجواز في حالة الركوب، وههنا الرد على كونه ماشيًا.
(3 -
باب يحرس بعضهم بعضًا)
قال الحافظان ابن حجر والعيني
(1)
: قال ابن بطال: محلُّ هذه الصورة إذا كان العدوُّ في جهة القبلة ولا يفترقون، والحالة هذه، بخلاف الصورة الماضية في حديث ابن عمر. وقال الطحاوي: ليس هذه بخلاف القرآن، لجواز أن يكون قوله تعالى:{وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى} [النساء: 102] إذا كان العدو في غير القبلة، وذلك ببيانه صلى الله عليه وسلم، ثم بَيَّنَ كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة، انتهى.
وفي "الفيض"
(2)
: لم أتحصل هذه الترجمة، فإن الحراسة مرعية في الصفات كلها، ولا اختصاص لها بصفة دون صفة، ولقائل أن يقول: إنه ترجم به لذكر الحراسة في متن الحديث، فهذه الترجمة نظرًا إلى لفظ الحديث لا إشارة إلى مسألة، أو دفعًا لمغلطة، ثم إن الصورة المذكورة أنفع فيما لو كان العدو إلى القبلة، انتهى.
وسكت عن غرض الترجمة صاحب التيسير وشيخ الإسلام وغيرهما. وما ظهر لهذا العبد الفقير: أن الإمام البخاري لم يرد بالترجمة صورةً خاصةً، بل نَبَّهَ بالترجمة على أمرٍ مهمٍّ في صلاة الخوف مستدلًّا عليه بلفظ الحديث:"يحرس بعضهم بعضًا"، وهو أنّ ما ورد في الروايات الكثيرة من الإقبال إلى الصلاة والنظر فيها إلى مواضع خاصة، وأن الالتفات فيها اختلاس من الشيطان، وأنّ الله تعالى لا يزال مقبلًا ما لم يلتفت، وغير ذلك، فصلاة الخوف مستثناة من هذه الأمور، فإن الغرض من شرعيتها أن
(1)
"فتح الباري"(2/ 433)، و "عمدة القاري"(5/ 140)، و"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (2/ 540).
(2)
"فيض الباري"(2/ 355).
يحرس بعضهم بعضًا، فلو صلى أحد غير ملتفت إلى شيء آخر ضاعت فائدة هذه الصلاة التي أبيحت فيها الأفعال الكثيرة من المشي وغيره، وشُرعت على غير هيئة الصلاة كلّها، حتى أمر في الآية بحمل السلاح في الصلاة ندبًا عند الحنفية، ووجوبًا عند الآخرين، وغير ذلك من الأمور الكثيرة، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
والبسط فيه.
(4 -
باب الصلاة عند مناهضة الحصون. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ"
(2)
: أي: يجوز الصلاة بالإيماء عند ذلك إن لم يقدروا على الصلاة بالركوع والسجود، ولا يكفي التكبير فقط عندما لم يقدروا على ذلك أيضًا، بل يؤخِّرونها ويقضونها، انتهى.
قلت: ظاهر صنيع المؤلف وما أورد فيه من الآثار والرواية يدل على أنه رأى رأي الحنفية أن تؤخر الصلاة، ففي هامش "اللامع"
(3)
تحت قول الشيخ: ولا تجوز الصلاة في حالة القتال عندنا، انتهى. وهذا معروف من مذهب الحنفية أن صلاة المسايفة لا تجوز عندهم، وتجوز عند الأئمة الثلاثة ماشيًا مع الكر والفر.
قال الموفق
(4)
: إذا اشتد الخوف والتحم القتال، فلهم أن يصلُّوا كيفما أمكنهم رجالًا وركبانًا، ولا يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا يصلي مع المسايفة. . . إلى آخر ما بسط فيه من "الأوجز"
(5)
. ولا يذهب عليك الفرق بين صلاة المسايفة وبين صلاة الطالب والمطلوب، فإن الثانية مختلفة بينهم كما سيأتي.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 92).
(2)
(ص 672).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 95).
(4)
"المغني"(3/ 316).
(5)
"أوجز المسالك"(4/ 29).
(5 -
باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: أي: الذي يطلب العدو ويعدو عَقِبَه، أو يطلبه العدو ويأتي عقبه، إن أدركته الصلاة يصلي بالإيماء إن لم يقدر على الركوع والسجود، انتهى.
واختلفت الأئمة في صلاة الطالب والمطلوب، قال القسطلاني
(2)
: قد اتفقوا على صلاة المطلوب راكبًا، واختلفوا في الطالب، فمنعه الشافعي وأحمد، وقال مالك: يصلي راكبًا إذا خاف فوت العدو إن ترك
(3)
، انتهى. وهكذا قال العيني وغيره.
وأما عند الحنفية فتجوز صلاة المطلوب راكبًا فقط دون الطالب، ولا تجوز عندهم الصلاة ماشيًا بحال. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(4)
. وظاهر صنيع البخاري أنه أيضًا لم يجوِّز الصلاة ماشيًا، ولذا لم يبوِّب ههنا ماشيًا كما تقدمت الإشارة إليه.
قوله: (صلاة شرحبيل بن السمط)، كتب الشيخ في "اللامع"
(5)
: وكانوا قد صلوا على ظهور دوابّهم، وأنكروا على من نزل منهم، ثم إن قصته لم تُستوف حتى يُعلم هل كان طالبًا أو مطلوبًا، ثم إن الاحتجاج بما وقع للسائرين إلى بني قريظة غير تام لتوقفه على ثبوت أنهم صلّوا راكبين ولم يثبت، وإنما ثبت أنهم صلّوا في الطريق، والظاهر صلاتهم نازلين؛ إذ لو كانوا قد صلوا ركبانًا يومئون لما اطلع على ذلك أصحابهم الذين أنكروا عليهم، وقالوا: لم يروا منا ذلك. ولو ثبت منهم أنهم صلوا ركبانًا فكان ذلك على احتمال أنهم أمروا بإعادة الصلاة بعدها. ولو سلم أنهم لم يؤمروا بذلك لكان سقوط فرض الوقت عنهم بذلك الإيماء لخطئهم في فهم
(1)
(ص 275).
(2)
"إرشاد الساري"(2/ 712).
(3)
كذا في الأصل و"اللامع"، وفي "إرشاد الساري": إن نزل.
(4)
"لامع الدراري"(4/ 95).
(5)
"لامع الدراري"(4/ 93 - 99).
بعض ما ورد به النص، فكانوا خاطئين في الاجتهاد، فوقعت صلاتهم حسبما أدّى إليه رأيهم، انتهى.
قلت: هو كذلك، فإني لم أجد في الشروح قصة صلاتِه مفصلةً إلّا ما قال العيني عن ابن بطال
(1)
أنه قال: طلبت قصة شرحبيل بتمامها لأتبيَّن هل كانوا طالبين أو مطلوبين؟. . . إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع".
قلت: إن كانوا مطلوبين، فالجزء الثاني من الترجمة ثابتة نصًّا، وإلّا فبالأولوية.
قوله: (لا يصلِّيَنَّ أحد العصر إلّا في بني قريظة) قال الحافظ
(2)
: قيل في الاستدلال بأن بعضهم أخّروا الصلاة، فلما سوّغ لهم التأخير عن الوقت المفروض ساغ لهم ترك إتمام الأركان والانتقال إلى الإيماء. وقيل: صلى بعضهم على الدّوابِّ، وهذا لو ثبت لكان أبين في الاستدلال. قال الحافظ: لم أر في رواية التصريح بصلاتهم راكبًا، انتهى.
قلت: وأيضًا لا يوافق مذهب أحد؛ لأن الذين أباحوا صلاة الطالب راكبًا قيدوا الإباحة بخوف فوت العدو كما قال به الأوزاعي ومالك وأحمد في رواية، أو الانقطاع عن الرفقة كما قال به الشافعي، ولا يوجد شيء من ذلك ههنا.
ثم لا يذهب عليك أن في الحديث إشكالًا قويًّا، وهو أنه وقع ههنا بلفظ:"العصر"، وهكذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم "الظهر" مع اتحاد سندهما، وقد وافق مسلمًا أبو يعلى وآخرون، وأما أصحاب المغازي فاتفقوا على أنها العصر، وبسط الحافظ
(3)
في نقل كلامهم، وقد جمع بعض العلماء باحتمال أن بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلِّها، فقيل للثاني ما في مسلم،
(1)
"عمدة القاري"(5/ 146)، و"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (2/ 544).
(2)
"فتح الباري"(2/ 437).
(3)
"فتح الباري"(7/ 408).
وللأول ما في البخاري، وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللثانية: العصر، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(1)
.
(6 -
باب التكبير والغلس بالصبح. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: بتقديم الكاف في الأكثر، وفي بعضها بتقديم الموحدة وهو أوجه، وهو إشارة إلى أنّ صلاة الخوف لا يشترط فيها التأخير إلى آخر الوقت كما شرطه مَن شَرَطه في صلاة شدة الخوف عند التحام المقاتلة، ويحتمل أن يكون للإشارة إلى تعيُّن المبادرة إلى الصلاة في أوّل وقتها قبل الدخول في الحرب والاشتغال بأمر العدو، وأما التكبير فلأنه ذكر مأثور عند كل أمر مهول، وعند كل حادث سرور، انتهى.
قلت: لا يبعد عندي استثناؤه مما ورد في أبي داود في "باب فيما يؤمر به من الصمت عند اللقاء" من "كتاب الجهاد" من النهي عن رفع الصوت عند القتال بلفظ: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال، والله سبحانه وتعالى أعلم، ثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، ولعله لظهوره، فإن قوله:"فقتل المقاتلة" نص في ذلك.
* * *
(1)
"لامع الدراري"(4/ 100).
(2)
"فتح الباري"(2/ 438).
13 -
كتاب العيدين
أي: الفطر والأضحى.
وذكر في "الأوجز" وهامش "اللامع"
(1)
ههنا عدة مباحث لطيفة في اشتقاقه، وفي مبدئه، وفي حكمه، وفي شرائطه، وفي كونه من خصائص هذه الأمة، وفي أن أحدهما أفضل من الآخر أم لا؟ من شاء التفصيل فليرجع إليهما.
(1 -
باب ما جاء في العيدين والتجمل فيهما)
قد تقدم في "الجمعة""باب ما يلبس أحسن ما يجد"، وذكر المصنف في البابين حديثًا واحدًا، لكن تغاير في السياق، إذ ذكر ههنا بلفظ:"ابتع هذه تجمّل بها للعيد"، وفي "الجمعة":"لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة" الحديث، وهذا مشعر إلى أنه لا بأس في شراء الثياب للتجمُّل في العيد بخلاف الجمعة فيلبس فيها المشتراة قبل ذلك، كما تشير إليه فاء التعقيب في "الجمعة"، وههنا بلفظ:"ابتع هذه تجمَّل بها"، فتأمل؛ فإنه لطيف، وخاطري أبو عذره، انتهى من هامش "اللامع"
(2)
.
(2 -
باب الحراب والدرق يوم العيد)
في "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: أي: اللعب بهما في الجملة مباح في يوم العيد بهذا الحديث، وقد استحسن بعض العلماء ذلك إظهارًا لشوكة المسلمين وقوّتهم، واشتغالًا بإعداد آلات الحرب، انتهى.
(1)
"أوجز المسالك"(3/ 605)، و"لامع الدراري"(4/ 102).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 104).
(3)
(ص 279).
قال الحافظ
(1)
: الحراب جمع حربة، والدرق جمع درقة، وهي الترس، ومراد البخاري الاستدلال على أن العيد يُغتفر فيه من الانبساط ما لا يُغتفر في غيره، انتهى.
(3 -
باب سُنَّة العيدين لأهل الإسلام)
في "تراجم شيخ المشايخ"
(2)
: السُّنَّة ههنا بمعنى: الاستنان؛ يعني: باب استنان العيدين لأهل الإسلام وما يباح لأجلهما مما يحظر في سائر الأيام، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: قوله: "هذا عيدنا"، أشار المؤلف بإيراد الحديث في هذا الباب إلى أن يوم العيد يجوز فيه لكافة أهل الإسلام كلّ ما اشتهوا من المباحات من اللعب، وما فيه تعلل ما لم يكن إثمًا، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: قوله: "باب سُنة العيدين. . ." إلخ، كذا للأكثر، وزاد أبو ذر عن الحموي في أول الترجمة:"الدعاء في العيد"، قال ابن رُشيد: أراه تصحيفًا، وكأنه كان فيه اللعب في العيد، فيناسب حديث عائشة، ويحتمل أن يوجه بأن الدعاء بعد صلاة العيد يؤخذ حكمه من جواز اللعب بعدها بطريق الأولى، أو إشارة إلى أنّ الدعاء لا يثبت، ولم يصح فيه شيء، وأما مناسبة حديث عائشة للترجمة التي اقتصر عليها الأكثر، فقيل: من قوله: وهذا عيدنا، والإشعار بالندب إلى ذلك، ويحتمل أن يكون المراد أن تقديم العبادة على اللعب سُنَّة أهل الإسلام، أو تُحمل السُّنَّة في الترجمة على المعنى اللغوي، انتهى مختصرًا.
قال العيني
(5)
: وإنما ذكر قوله: "لأهل الإسلام" إيضاحًا أنّ سُنَّة أهل
(1)
"فتح الباري"(2/ 440).
(2)
(ص 280).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 207).
(4)
"فتح الباري"(2/ 445).
(5)
"عمدة القاري"(5/ 160).
الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام؛ لأن لهم أيضًا أعيادًا، انتهى.
قلت: يعني كون العيدين مسنونًا لأهل الإسلام، فعلى هذا فيه تأييد لما في "السنن" واللفظ لأبي داود
(1)
عن أنس قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما. . ." الحديث، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر".
(4 -
باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج)
ذكر المصنف فيه حديثًا مثبتًا للترجمة نصًّا، ثم ذكر بعده "باب الأكل يوم النحر"، ولم يذكر فيه الحكم نصًّا، فاختلفوا في أن غرض المصنف استحباب الأكل بعد العيد كما عليه الجمهور أو خلافه، ورأى الشيخ في "اللامع"
(2)
أنّ البخاري أراد بالترجمة جواز الأكل قبل العيد كما سيأتي.
وقال الحافظ في "باب الأكل يوم النحر"
(3)
: قال ابن المنيِّر ما محصله: لم يقيد المصنف الأكل يوم النحر بوقت معين كما قيّده في الفطر، ووجه ذلك أنّ في أحاديث الباب لم يقيد ذلك بوقت، قال الحافظ: لعل المصنف أشار بذلك إلى تضعيف ما ورد في الترمذي وغيره من مغايرة يوم الفطر ليوم النحر من استحباب البداية بالصلاة يوم النحر قبل الأكل، انتهى.
وميل القسطلاني
(4)
إلى أنّ الإمام البخاري أراد موافقة القوم في الأكل بعد النحر. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، وفيه: ومذهب الفقهاء في ذلك ما قال الموفق
(5)
: السُّنَّة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: مالك والشافعي وغيرهما، لا نعلم فيه خلافًا، قال أحمد: والأضحى
(1)
"سنن أبي داود"(1134).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 108).
(3)
"فتح الباري"(2/ 448).
(4)
"إرشاد الساري"(2/ 728).
(5)
"المغني"(3/ 258).
لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان ذبح، وإذا لم يكن له ذبح لم يبالِ أن يأكل، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(1)
: يندب تأخير أكله عنها، وإن لم يضح في الأصح، انتهى.
(5 -
باب الأكل يوم النحر)
تقدَّم الكلام عليه في الباب السابق، وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
أي: أنه لا بأس به، والأولى لمن قصد التضحية أن يكون أول طعامه من أضحيته، ودلالة الرواية على الترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بردة أكله وإطعامه، وإنما أنكر عليه وقوع ذبيحته من الأضحية، لو كان في الأكل نوع كراهة لردّ عليه أيضًا، انتهى.
وفي تقرير المكي: "باب الأكل يوم النحر" أي: في أيّ وقت هو؟ فأثبت في الحديثين من تقريره صلى الله عليه وسلم أنه قبل الصلاة جائز، لكن الأكل من النسك مستحب، والنسك لا يكون إلّا بعد الصلاة، فالأكل المستحب أيضًا كان بعد الصلاة، انتهى.
(6 -
باب الخروج إلى المصلَّى بغير منبر)
في "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: يعني ما كان في زمانه عليه الصلاة والسلام هو الخروج إلى المصلَّى بلا منبر، وأما ما شرع بعد ذلك في زمان بني أمية من حمل المنابر للأئمة إلى المصلَّى في يوم العيد فهو أمر مُحدث، واستدل المؤلف على ذلك بظاهر لفظ الحديث؛ أعني قوله:"ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس"؛ لأنه لو كان هناك منبر لقال: فيرتقي المنبر، ومع ذلك فقد ورد في بعض الطرق أنه عليه الصلاة والسلام خطب يوم العيد على
(1)
"رد المختار"(3/ 60).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 109).
(3)
(ص 282).
رجليه، لعل ذلك ليس على شرط المؤلف، ولهذا لم يورده، واكتفى على ظاهر الحديث، انتهى.
قال الحافظ
(1)
: يشير إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي سعيد، وهو ما أخرجه أحمد وغيره قال: أخرج مروان المنبر يوم عيد وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل فقال: يا مروان خالفت السُّنَّة. . . الحديث، انتهى.
(7 -
باب المشي والركوب إلى العيد. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ"
(2)
: قد استشكل بثبوت جواز الركوب من أحاديث الباب، ولعله جاء في بعض الروايات، وإلا فلا حاجة لإثبات ذلك بحديث الباب، وقد نقل الشارح القسطلاني وجهًا لإثبات جواز الركوب بعذر، وهو الاستدلال بلفظ:"وهو يتوكأ على [يد] بلال"، فمحمل بعيد، انتهى.
قال الحافظ
(3)
: ذكر المصنف في هذه الترجمة ثلاثة أحكام:
الأول: صفة التوجه بالمشي والركوب، ولعله أشار إلى تضعيف ما ورد في الترمذي عن علي رضي الله عنه:"من السُّنَّة أن يخرج إلى العيد ماشيًا"، لكن ليس في حديث الباب ما يدل على الركوب إلّا أن يستنبط من قوله:"ويتوكأ على بلال".
الحكم الثاني: الصلاة قبل الخطبة، والروايات فيه ظاهرة، واختلف في أول من غيَّر ذلك، فرواية مسلم صريحة في أنه مروان، وقيل: وسبقه إلى ذلك عثمان، وقيل: معاوية، وقيل: زياد.
الحكم الثالث: كون صلاة العيد بغير أذان ولا إقامة، وليس في
(1)
"فتح الباري"(3/ 449).
(2)
(ص 282).
(3)
"فتح الباري"(2/ 451).
الأحاديث ما يدل عليه إلّا حديث ابن عباس في الأذان، ولعله إشارة إلى بعض ما ورد في الروايات من لفظ:"بغير أذان ولا إقامة" في مسلم وأبي داود والنسائي، ولفظه:"فصلى بغير أذان ولا إقامة"، انتهى.
قال السندي
(1)
: والذي يظهر أن محط الترجمة هو قوله: "بغير أذان ولا إقامة"، فالمقصود بيان الفرق بين الجمعة والعيد بأن المشي والركوب إلى الجمعة معلق بالنداء، وكذا الصلاة تكون بأذان وإقامة بخلاف العيد؛ فإن السعي إليها بلا نداء، وكذا الصلاة، وحينئذ لا تكرار بالترجمة الآتية، فإن قوله:"الصلاة قبل الخطبة" ليس مقصودًا، انتهى ملخصًا.
قلت: وهذا على نسخة السندي وغيره، فإن في نسخته "باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة وبغير أذان ولا إقامة"، وأما على النسخة الهندية التي بأيدينا فلا إيراد.
(8 -
باب الخطبة بعد العيد)
تقدَّم بعض ما يتعلَّق به في الباب السابق، ويشكل ههنا التكرار كما تقدم في كلام السندي.
قال الحافظ
(2)
: وهذا الباب مما يرجح رواية الذين أسقطوا قوله: "والصلاة قبل الخطبة" من الترجمة السابقة، وهم الأكثر، وقيل: أعاده اهتمامًا بشأنه لكونه في السابق تبعًا، انتهى.
ولعل المقصود من هذا الباب الرد على ما أحدثه بنو أمية، ومناسبة الحديث الثالث بالترجمة بأنه من تتمة الخطبة، قاله الكرماني
(3)
، وجزم به الحافظ، ويبعد ما قال العيني
(4)
: مطابقته للترجمة تأتي بتكلف من أن
(1)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 171).
(2)
"فتح الباري"(2/ 343).
(3)
"شرح الكرماني"(6/ 69).
(4)
"عمدة القاري"(5/ 175).
الترجمة مشتملة على العيد، والمراد منه صلاة العيد، وأشار بالحديث إلى أنّ صلاة العيد ركعتان، انتهى.
قال الحافظ: وأما حديث البراء فظاهره يخالف الترجمة؛ لأن قوله: "أول ما نبدأ به. . ." إلخ، مشعر بأنه وقع قبل الصلاة، وهذا الكلام كان من الخطبة فيستلزم تقديم الخطبة على الصلاة، والجواب: أنّ المراد أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى العيد ثم خطب، فقال هذا الكلام.
قال ابن بطال
(1)
: غلط النسائي إذ بوَّب عليه الخطبة قبل الصلاة، وخفي عليه أن العرب قد تضع المستقبل مكان الماضي، وكأنه عليه السلام قال: أول ما يكون به الابتداء في هذا الصلاة التي قدمنا فعلها، انتهى.
(9 -
باب ما يكره من حمل السلاح. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: إثبات الكراهة في يوم العيد بالرواية مبني على تعدية الحكم بوجود العلة وهو الزحام، فإن السلاح في الترجمة لا يؤمن عليه الهلاك، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(3)
: هذه الترجمة تخالف في الظاهر الترجمة المتقدمة، وهي "باب الحراب والدرق"؛ لأن تلك دائرة بين الإباحة والندب على ما دل عليه حديثها، وهذه دائرة بين الكراهة والتحريم، ويُجمع بينهما بحمل الحالة الأولى على وقوعها بالدّربة، وعهدت منه السلامة من الإيذاء، والحالة الثانية تحمل على وقوعها ممن حملها بطرًا وأشرًا، أو لم يتحفظ حال حملها وتجريدها من إصابتها أحدًا من الناس، ولا سيما عند المزاحمة، انتهى.
وما يظهر لهذا العبد الفقير أن لا تَخالُفَ بين الترجمتين أصلًا،
(1)
"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (2/ 558).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 113 - 115).
(3)
"فتح الباري"(2/ 455).
ولا تعلُّق لإحداهما بالأخرى، فالغرض من الأولى اللعب بها يوم العيد، ولا تعلق له بالمصلّى، وغرض هذه الترجمة أخذ السلاح معه في المصلّى لصلاة العيد، ولذا ترجم أولًا بيوم العيد، وههنا بحملها في العيد، أي: في المصلّى، انتهى.
(10 -
باب التبكير للعيد. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
تحت قوله: "من ذبح قبل أن يصلي. . ." إلخ: فيه دلالة على الترجمة، حيث كان التقديم بالذبح منهيًّا عنه، والبداءة بالصلاة مأمورًا بها، وذلك لما في الاشتغال بالذبح من تأخير الصلاة، فعلم أن التبكير مندوب، ثم إن هذا الأمر لا يتناول إلّا من كان مصليًا منهم، فأما من لم يصلّ كأهل القرى فإنهم يجوز لهم أن يضحوا قبل فراغ أهل المصر من صلاتهم؛ لأن أهل القرى ليست لهم صلاة حتى يُخِل اشتغال التضحية بأمر الصلاة، ولأن النهي عن التقدم بالتضحية على الصلاة يقتضي وجود الصلاة، وحيث لا صلاة لا تُقدَّم، فيضحُّون متى شاءوا قبل صلاة أهل المصر أو بعدها، والله تعالى أعلم، انتهى.
وقريب منه ما قال الحافظان ابن حجر والعيني
(2)
: من أنه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيء غير التأهب للصلاة والخروج إليها، ومِن لازِمه أن لا يُفعل قبلها شيء غيرها، فاقتضى ذلك التبكير إليها، انتهى.
(11 -
باب فضل العمل في أيام التشريق)
قال الحافظ
(3)
: قال ابن بطال: المراد بالعمل في أيام التشريق التكبير فقط؛ لأنه ثبت أنها أيام أكل وشرب وبعال وإباحة اللهو بالحراب وغيره،
(1)
"لامع الدراري"(4/ 117).
(2)
"فتح الباري"(2/ 457)، و"عمدة القاري"(5/ 182).
(3)
"فتح الباري"(2/ 46)، و"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (2/ 561).
وثبت تحريم صومها، فدل على تفريغها لذلك مع الحض على الذكر المشروع منه فيها التكبير فقط، ومن ثم اقتصر المصنف على الآثار المتعلقة بالتكبير، وقال الكرماني
(1)
: العمل لا ينحصر في التكبير بل المتبادر منه أنه المناسك من الرمي وغيره؛ لأنه لو حمل على التكبير وحده لزم التكرار بالباب الآتي، انتهى.
ورجح الحافظ قول ابن بطال، وأجاب عن التكرار بأن الترجمة الأولى لفضل التكبير، والثانية لمشروعيته وصفته، أو أراد تفسير العمل المجمل في الأولى بالتكبير المصرح به في الثانية فلا تكرار، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
: أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، وقيل: يوم النحر أيضًا من أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي كانت تُشرق فيها [بمنى]، أي: تقدد، أو لأنها إنما تصلى بعد أن تشرق الشمس، فصارت تبعًا ليوم النحر، أو من قول الجاهلية:"أشرق ثبير كيما نغير"، وحينئذ فإخراجهم يوم النحر منها إنما هو لشهرته بلقب خاص، وهو يوم العيد، وإنما هو في الحقيقة تبع له في التسمية، انتهى.
قال ابن رشد في "البداية"
(3)
: لا خلاف بينهم في أن أيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر، إلّا ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: يوم النحر من أيام التشريق، انتهى.
قوله: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان. . .) إلخ، قالوا: هذا وما بعده لا يناسب الترجمة، إلّا أنّ المصنف كثيرًا ما يضيف إلى الترجمة أشياء لأدنى مناسبة.
وقال الحافظ
(4)
: الظاهر أنه أراد تساوي أيام التشريق بأيام العشر، انتهى من القسطلاني.
(1)
"شرح الكرماني"(6/ 75).
(2)
"إرشاد الساري"(2/ 746).
(3)
"بداية المجتهد"(1/ 437).
(4)
"فتح الباري"(2/ 458)، و"إرشاد الساري"(2/ 748).
والأوجه عندي يمكن أن يكون يوم النحر عند المصنف داخلًا في أيام التشريق، ويوم النحر داخل في أيام العشر أيضًا، فثبتت المناسبة، والله أعلم.
(12 -
باب التكبير أيام منى)
تقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق من كلام الحافظ، وقال أيضًا
(1)
: قال الخطابي: الحكمة في التكبير في هذه الأيام أن أهل الجاهلية كانوا يذبحون في هذه الأيام لطواغيتهم، فشرع إشارة إلى تخصيص الذبح له وعلى اسمه عز وجل. وفي هامش أبي داود عن النووي: فيه عشرة أقوال للعلماء، منها قول للشافعي: إنها من صبيحة عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
: الصحيح من مذهب الشافعية أن استحبابه يعمُّ الصلاة فرضًا ونفلًا ولو جنازة لكل مصلٍّ، مقيم أو مسافر، ذكرٍ أو أنثى، من صبح عرفة إلى عقيب عصر آخر أيام التشريق، وخصَّه المالكية بالفرائض، وهو عندهم من ظهر يوم النحر، إلى آخر صبح اليوم الرابع.
قال الموفق
(3)
: المشروع عند إمامنا التكبير عقيب الفرائض في الجماعات في المشهور عنه من صبح عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، انتهى. وقال الإمام أبو حنيفة: إنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عقيب العصر يوم النحر؛ فيكون بعد ثمان صلوات. وقال صاحباه: إنه يختم عقب صلاة العصر من آخر أيام التشريق، انتهى من هامش "اللامع"
(4)
و"الأوجز".
(1)
"فتح الباري"(2/ 461).
(2)
"إرشاد الساري"(2/ 752).
(3)
"المغني"(3/ 291).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 118)، و"أوجز المسالك"(8/ 249).
(13 -
باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد)
تقدمت هذه الترجمة في أبواب السترة، والظاهر عندي أن المصلَّى لما لم يكن مبنيًا في زمنه صلى الله عليه وسلم وتكون الصلاة في الصحراء، نَبَّه بهذه الترجمة إلى اهتمام السترة في صلاة العيد، وليست الحربة بمقصودة ههنا بخلاف ما تقدم، بل الغرض اتخاذ السترة بأي شيء كان، والتقييد بالحربة في الترجمة رعاية للفظ الحديث.
(14 -
باب حمل العَنَزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: وهذا بمنزلة الاستثناء مما تقدم من استصحاب السلاح مع ما فيه من التنبيه على علتي الجواز والنهي، فإن السبب في النهي عنه لما كان خوف الهلاك جاز أخذ السلاح معه إذا حصل الأمن منه بسبب، مثل أن يتقدم الحامل على القوم، فإن المتقدم على الإمام متقدم على القوم لكونهم خلفه، انتهى.
قال الحافظ
(2)
: أفرد له ترجمة ليشعر بمغايرة الحكم؛ لأن الأولى تبين أن سترة المصلِّي لا يشترط فيها أن تواري جسده، والثانية تثبت مشروعة المشي بين يدي الإمام بآلة من السلاح، انتهى.
قلت: والأوجه عندي: أن الترجمة من الأصل الرابع عشر من أصول التراجم، فإن حمل السلاح بين يدي الملوك في العيدين وغيرهما لما صار ديدنًا لهم في زمن البخاري أشار بالترجمة إلى مأخذه، وأن ذلك كان في الأصل اتخاذها للسترة، فجعله السلاطين ديدنًا لهم لإظهار العز والجاه، فقد أخرج أبو داود
(3)
عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم
(1)
"لامع الدراري"(4/ 121).
(2)
"فتح الباري"(2/ 463).
(3)
"سنن أبي داود"(ح: 687).
العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلِّي إليها [والناس وراءه]، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء، انتهى من هامش "اللامع".
(15 -
باب خروج النساء والحيَّض إلى المصلَّى)
وقد مرّ الكلام على المسألة في "باب والحائض العيدين" من "كتاب الحيض"، ولا يشكل التكرار، ففيما تقدم لمناسبة الحيض، وههنا لمناسبة المصلَّى.
(16 -
باب خروج الصبيان إلى المصلَّى)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنيِّر: آثر المصنف في الترجمة قوله: "إلى المصلَّى" على قوله: "صلاة العيد" ليعم من يتأتى منه الصلاة ومن لا يتأتى، انتهى.
قال الحافظ: وليس في الحديث بيان كونه صبيًا، لكن أشار على عادته إلى ما ورد في بعض الطرق بلفظ:"ولولا مكاني من الصغر ما شهدته"، انتهى.
(17 -
باب استقبال الإمام الناس. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر ما حاصله: إن إعادة هذه الترجمة بعد أن تقدم نظيرها في الجمعة؛ لرفع احتمال من يتوهم أن العيد يخالف الجمعة في ذلك، وأن استقبال الإمام في الجمعة يكون ضروريًا لكونه يخطب على منبر، بخلاف العيد فإنه يخطب فيه على رجليه، فأراد أن يبيّن أن الاستقبال سُنَّة على كل حال، انتهى.
ويمكن عندي في غرض المصنف الاحتراز عما سيأتي في أبواب الاستسقاء من "باب استقبال القبلة في الاستسقاء"، ففيه يبدأ بالخطبة ويتوجه إلى القبلة ويشتغل بالدعاء.
(1)
"فتح الباري"(2/ 464).
(2)
المصدر السابق (2/ 456).
(18 -
باب العَلَم بالمصلَّى)
في "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: اعلم أنه ثبت في الروايات الصحيحة أنه ما كان له صلى الله عليه وسلم عَلَم في مصلَّاه، ولما كان ظاهر لفظ الحديث يحتمل أن يكون في زمانه صلى الله عليه وسلم بنى المؤلف عقد الباب عليه، والأظهر عندي أنه إشارة إلى الجواز بتقرير ابن عباس فإنه ذكره بلا إنكار عليه، انتهى.
وقال الحافظ
(2)
: ظهر من هذا الحديث أنهم جعلوا لمصلَّاه شيئًا يعرف به وهو المراد بالعَلَم، أي: الشيء الشاخص، انتهى.
(19 -
باب موعظة الإمام النساء)
قال الحافظ
(3)
: أي: إذا لم يسمعن الخطبة مع الرجال، انتهى.
ولا يبعد عندي أن المصنف أشار إلى أن هذه لم تكن خطبة بل موعظة، فقد قال القاضي عياض: إن وعظه للنساء كان في أثناء الخطبة، وأن ذلك كان في أول الإسلام، وأنه خاص به صلى الله عليه وسلم، وتعقَّبه النووي
(4)
برواية الباب بأنه كان بعد الخطبة كما بسطه الحافظ.
(20 -
باب إذا لم يكن لها جِلْباب. . .) إلخ
قال الحافظ
(5)
: بكسر الجيم وسكون اللام وموحدتين، قال ابن المنيِّر: لم يذكر الجواب اكتفاءً لما في الحديث، قال الحافظ: والذي يظهر لي أن حذفه لما فيه من الاحتمال، فيحتمل أن يكون للجنس، أي: تعيرها من جنس ثيابها، ويحتمل أن يكون المراد تشركها معها في ثوبها، وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة، أي: يخرجن على كل حال ولو اثنتين في جلباب، انتهى.
(1)
(ص 285).
(2)
"فتح الباري"(2/ 465).
(3)
المصدر السابق (2/ 467).
(4)
"شرح صحيح مسلم"(3/ 442).
(5)
"فتح الباري"(2/ 469).
(21 -
باب اعتزال الحيَّض المصلَّى)
قال الحافظ
(1)
: كأنه أعاد هذا الحكم للاهتمام به، وقد تقدم مضمومًا إلى الباب المذكور في "كتاب الحيض"، انتهى.
قال العيني
(2)
: واعتزال الحيّض المصلَّى اختلفوا فيه، فقال الجمهور: هو منع تنزيه؛ وسببه الصيانة والاحتراز عن مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة، وإنما لم يحرم؛ لأنه ليس بمسجد، انتهى.
قال النووي
(3)
: حكى أبو الفرج من أصحابنا عن بعض أصحابنا أنه يحرم المكث في المصلَّى على الحائض، كما يحرم المكث في المسجد، والصواب الأول، انتهى.
وتقدم شيء من الكلام عليه في "كتاب الحيض".
(22 -
باب النحر والذبح يوم النحر بالمصلَّى)
في "تراجم شيخ المشايخ"
(4)
: يعني: أنه هو السُّنَّة، وأمّا ما يفعله الناس في زماننا من النحر والذبح في دورهم ومنازلهم بعد الرجوع من المصلى فهو أمر مُحدَث، وصدر عنهم تهاونًا وتكاسلًا، انتهى.
قال الحافظ
(5)
: قال ابن المنيِّر: عطف الذبح على النحر في الترجمة، وإن كان في الحديث ورد بـ "أو" للتردد، إشارةً إلى أنه لا يمتنع أن يجمع يوم النحر بين نسكين، أحدهما: مما ينحر، والآخر: مما يذبح، وليفهم اشتراكهما في الحكم.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض الطرق بواو الجمع كما يأتي في "كتاب الأضاحي"، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(2/ 470).
(2)
"عمدة القاري"(3/ 166).
(3)
"شرح صحيح مسلم"(3/ 447).
(4)
(ص 286).
(5)
"فتح الباري"(2/ 471).
قلت: وعلى هذا، فلعل المصنف أشار بالترجمة إلى أنّ لفظ "أو" ليس لشك الراوي، بل للتنويع، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
(23 -
باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: في هذه الترجمة حكمان، وظنّ بعضهم أن فيها تكرارًا، وليس كذلك، بل الأول أعم من الثاني، ولم يذكر المصنف الجواب استغناء بما في الحديث، ووجهه من حديث البراء أن المراجعة الصادرة بين أبي بردة وبين النبي صلى الله عليه وسلم دالة على الحكم الأول، وسؤال أبي بردة عن حكم العناق دال على الحكم الثاني، انتهى.
(24 -
باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد)
قال الحافظ
(3)
: قال الترمذي: أخذ بهذا أهل العلم فاستحبه للإمام، وبه يقول الشافعي، والذي في "الأم": يستحب للإمام والمأموم، وبه قال أكثر الشافعية، وبالتعميم قال أكثر أهل العلم، انتهى.
قال العيني
(4)
: جمهور العلماء على استحباب ذلك، وقال أبو حنيفة: يستحب له ذلك، فإن لم يفعل فلا حرج عليه، انتهى.
قال الحافظ: واختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولًا، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(5)
.
(25 -
باب إذا فاته العيد يصلِّي ركعتين)
كتب الشيخ في "اللامع"
(6)
: وهذا عندنا على الاستحباب والتنفل لا حقيقة القضاء، وأما أنس فإنما كان يصلي لكونه في فناء البصرة، وهو
(1)
"لامع الدراري"(4/ 125).
(2)
"فتح الباري"(2/ 472).
(3)
المصدر السابق (2/ 472).
(4)
"عمدة القاري"(5/ 206).
(5)
"لامع الدراري"(4/ 126).
(6)
المصدر السابق (4/ 129 - 134).
حجة لمن جوَّز تعدد الصلاة، أي: جوَّزه في أمكنة متعددة، وأما قول عطاء فاجتهاد منه لا يجب تسليمه، وكذلك ما قاله عكرمة، والاحتجاج بالرواية لعموم قوله:"أيام عيد" من غير تقييد بقوم، انتهى.
وفي هامشه: ههنا مسألتان مختلفتان طالما يلتبس إحداهما بالأخرى لنقلة المذاهب، إحداهما: فوت صلاة العيد للإمام والمأمومين كلهم لعارض، وليست بمراد البخاري، ذكرها أبو داود في "سننه" وترجم عليها "باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد"، وأورد فيه حديث بعض الصحابة أنهم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم.
وقال الشيخ في "البذل"
(1)
بعد بسط الكلام على الحديث: وإلى ذلك ذهب الأوزاعي وأحمد وأبو حنيفة وصاحباه، انتهى.
لكن حكى الطحاوي ذلك مذهب أبي يوسف وحده، وقال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: إذا فاتت الصلاة يوم العيد حتى زالت الشمس من يومه لم يصل بعد ذلك في ذلك اليوم ولا فيما بعده، وممن قال بذلك أبو حنيفة، انتهى.
وأما المسألة الثانية: وهي فوات العيد بمعنى عدم الشركة في الجماعة، أي: عدم إدراكها، وهذه المسألة هي مراد الإمام في الباب كما تدل عليها الآثار الواردة في الباب، وهي أيضًا خلافية عند الأئمة.
ففي "الأوجز"
(2)
: للمالكية أربع روايات، والراجح منها: إذا فاته العيد يندب له صلاة العيد فذًّا لا جماعةً، فيكره مع الجماعة، وعند الحنابلة: يسن لمن فاتته [صلاة] العيد قضاؤها يومها قبل الزوال وبعده على صفتها، لكن شرَّاح الحديث قاطبة نقلوا عنهم قضاء الأربعة، وقالت الشافعية: تشرع للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر، فلا تتوقف على شروط
(1)
"بذل المجهود"(5/ 249).
(2)
"أوجز المسالك"(3/ 649).
الجمعة، وأما عندنا الحنفية ففي "الدر المختار"
(1)
: ولا يصليها وحده إن فاتت مع الإمام، انتهى.
(26 -
باب الصلاة قبل العيد وبعدها. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: أي: أنها تكره في المصلَّى قبلها وبعدها، ولا تكره بعدها في غيره، انتهى.
قال الحافظ: لم يجزم بالحكم؛ لأن الأثر يحتمل أن يراد نفي الراتبة، وعلى المنع فهل هو لكونه وقت كراهة أو لا؟ أعم من ذلك، ويؤيد الأول الاقتصار على القبل، وأما الحديث فليس فيه ما يدل على المواظبة فيحتمل اختصاصه بالإمام دون المأموم، أو بالمصلَّى دون البيت، وقد اختلف السلف في ذلك، فذكر ابن المنذر عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، وبالأول قالت الحنفية، وبالثاني قالت جماعة، وبالثالث قال أحمد، وأما مالك فمنعه في المصلَّى، وعنه في المسجد روايتان، وعند الشافعي: يجب للإمام أن لا يتنفل قبلها ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: لم يصل قبلها ولا بعدها، وعند هذا العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى أن الخروج إلى مصلّى العيد شبيه بالخروج إلى مصلّى الجنائز، وأيضًا فيه خروج إلى الفضاء الذي هو محل المقابر.
* * *
(1)
"رد المختار"(3/ 58).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 137).
14 -
أبواب الوتر
قال العلامة العيني
(1)
: المناسبة بين أبواب الوتر وأبواب العيد كون كل واحد من صلاة العيدين والوتر واجبًا ثبوتهما بالسُّنَّة، انتهى.
قال الحافظ
(2)
: الوتر بالكسر الفرد، وبالفتح الثأر، وفي لغة مترادفان، وقال ابن التين: اختلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة.
قال الحافظ: وفي قضائه والقنوت فيه وغير ذلك تبلغ ستة عشر، بسطها الحافظ.
(1 -
باب ما جاء في الوتر)
قال الحافظ
(3)
: ولم يتعرض المصنف لحكمه، لكن إفراده عن التهجد والتطوع يقتضي أنه غير ملحق بهما عنده، ولولا أنه أورد حديث الوتر على الدابة لكان إشارةً إلى أنه يقول بوجوبه، انتهى.
والمسألة خلافية، فعند الأئمة الثلاث وصاحبَيْ أبي حنيفة سُنَّة، وعند الإمام أبي حنيفة واجب.
والظاهر أن المصنف مال في ذلك إلى التوسع من الوحدة إلى إحدى عشر ركعة، ولذا ذكر في الباب الروايات المختلفة، وكأنه رجح قول الشافعية في الوتر موصولًا ومفصولًا، وهو مذهب أحمد، وعند الإمام مالك: الوتر ركعة واحدة لكن لا بد له من تقدم شفع عليه، ويكره الاقتصار
(1)
"عمدة القاري"(5/ 212).
(2)
"فتح الباري"(2/ 478).
(3)
المصدر السابق (2/ 478).
على الواحدة، وعند الحنفية ثلاث ركعات بسلام واحد لا وكس ولا شطط. قال ابن العربي: وهو قول مالك في الصيام، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" من دلائل الحنفية وغيرها.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: قوله: صلَّى ركعة واحدة، أي: مضمومة إلى اثنتين، والحق أن الوتر كانت واحدة، ثم نسخ بالنهي عن البُتيراء، فلا يجب إرجاع جميع الروايات إلى الثلاث، ولا يخلو إرجاعها إليه عن تكلف مستغنًى عنه، انتهى.
وفي هامشه: فعلى ما أفاده الشيخ، لا حاجة إلى تأويل روايات وحدة الوتر كلها، فإن الإيتار بواحدة كان أولًا ثم نُسخ.
(2 -
باب ساعات الوتر)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: أي: في أيّ ساعة يصلَّى الوتر؟ ودلالة الرواية على هذا المعنى لورود الليل مطلقًا، ولما ورد أنه انتهى وتره إلى السحر، ولأمره أبا هريرة أن يوتر قبل النوم، فأفاد مجموع الثلاثة جواز الوتر أيّ ساعةٍ شاء من الليل، غير أنا لما أُمرنا أن نجعل الوتر آخر ما نصلي من الفرائض لم يجز تقديمه على فريضة العشاء، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(3)
: محصَّل ما ذكره أن الليل كله وقت الوتر، لكن أجمعوا على أن ابتداءه مغيب الشفق بعد صلاة العشاء، لكن أطلق بعضهم أنه يدخل بدخول العشاء، إلى آخر ما قال.
قلت: ههنا مسألتان: ابتداء وقت الوتر وانتهاؤه.
أما الأولى: ففيه قولان كما قال الحافظ، قال الموفق
(4)
: وقته ما بين العشاء وطلوع الفجر الثاني، فلو أوتر قبل العشاء لم يصح وتره. وقال
(1)
"لامع الدراري"(4/ 138 - 140).
(2)
المصدر السابق (4/ 142 - 144).
(3)
"فتح الباري"(2/ 486).
(4)
"المغني"(2/ 595).
أبو حنيفة: إن صلّاه قبل العشاء ناسيًا لم يُعِدْه، وخالفه صاحباه قالا: يعيد، وكذلك قال مالك والشافعي.
وأما الثانية: فعند الحنفية آخر وقته إلى طلوع الفجر، وهو رواية عن الشافعي وأحمد، وقال الدردير
(1)
: وقته المختار ينتهي لطلوع الفجر، وضروريه من طلوع الفجر للصبح، أي: لتمامها، وهو وجه للشافعية والحنابلة، انتهى مختصرًا.
ولا يبعد عندي في غرض المصنف أن ما ورد في بعض الروايات من قوله: "وانتهى وتره إلى السحر حتى مات"، كما في رواية لأبي داود يوهم أن آخر فعله صلى الله عليه وسلم الوتر في السحر، فهو ناسخ للأول، فدفعه المصنف بأنه ليس بنسخ.
(3 -
باب إيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم أهله بالوتر)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: أن مداومة الإيقاظ للوتر، وتوكيد الأمر فيه ما ليس في شيء من النوافل، من أظهر أمارات الوجوب، انتهى.
وفي هامشه: وتبويب البخاري بالإيقاظ للوتر خاصة يشير أيضًا إلى أنه إن لم يذهب إلى وجوب الوتر فقد ذهب إلى قريب من ذلك، قال الحافظ
(3)
كما تقدم قبل: لم يتعرض البخاري لحكمه، لكن إفراده بترجمة عن أبواب التهجد والتطوع يقتضي أنه غير ملحق بها عنده، ولولا أنه أورد حديث الوتر على الدابة لكان إشارة إلى أنه يقول بوجوبه، انتهى.
وأنت خبير بأن مجرد تبويبه بالوتر على الدابة لا يدل على أنه لم ير بوجوبه مع الأمارات العديدة الدالة على أنه يرى بوجوبه، فإنه يحتمل أنه رضي الله عنه مع القول بوجوبه يبيح أداءه على الدابة وينزله بمنزلة القصر في السفر، فإنهم صرَّحوا بوجوب الوتر على النبي صلى الله عليه وسلم مع أدائه إياه على الدابة.
وفي "المشكاة"
(4)
عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: الوتر في
(1)
"الشرح الكبير"(1/ 506).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 146).
(3)
"فتح الباري"(2/ 578).
(4)
"مشكاة المصابيح"(1350).
السفر سُنَّة، فلا مانع من أن البخاري مع قوله بوجوبه يرى التخفيف فيه في السفر، انتهى.
(4 -
باب ليجعل آخر صلاته وترًا)
اختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بنقض الوتر، وهو الذي ذهب إليه إسحاق، وقال بعض أهل العلم: إنه لا ينقض وتره ويدع وتره على ما كان، وهو قول مالك وأحمد وغيرهما، وهذا أصح، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(1)
.
(5 -
باب الوتر على الدابة)
كتب الشيخ في "اللامع
(2)
: محمله عندنا الضرورة المجوِّزة للصلاة المفروضة على ظهر الدابة من خوف التلف بعَدُوٍّ أو سبُع أو غير ذلك، انتهى. وهذا أيضًا من المسائل الخلافية في أبواب الوتر بسط في هامش "اللامع" و"الأوجز"
(3)
.
قال الزرقاني
(4)
: استشكل بأن من خصائصه صلى الله عليه وسلم وجوب الوتر عليه فكيف صلَّاه راكبًا؟ وأجيب بأن محل الوجوب الحضر بدليل إيتاره صلى الله عليه وسلم راكبًا في السفر، وهذا مذهب مالك ومن وافقه، والقائل بوجوبه عليه صلى الله عليه وسلم مطلقًا قال: يحتمل الخصوصية، وبُعده لا يخفى، انتهى.
قلت: ولا حجة فيه على الحنفية؛ لأنهم قالوا: إن الوتر كان قبل الإيجاب مستحبًا فيمكن حمله على ذلك الوقت، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(1)
"لامع الدراري"(4/ 146).
(2)
المصدر السابق (4/ 148).
(3)
"أوجز المسالك"(2/ 635).
(4)
"شرح الزرقاني"(1/ 256).
قال العيني
(1)
: احتج بحديث الباب مالك والشافعي وأحمد على أن للمسافر أن يصلي الوتر على دابته، وكان مالك يقول: لا يصلي على الراحلة إلا في سفر يقصر فيه الصلاة، وقال الشافعي: قصير السفر وطويله في ذلك سواء، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز الوتر إلّا على الأرض، انتهى مختصرًا.
(6 -
باب الوتر في السفر)
قال الحافظ
(2)
: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: إنه لا يسن في السفر، وهو منقول عن الضحاك، انتهى. وهكذا قال العيني.
(7 -
باب القنوت قبل الركوع وبعده)
قال الحافظ
(3)
: قال ابن المنيِّر: أثبت بهذه الترجمة مشروعية القنوت، إشارة إلى الرد على من روي عنه أنه بدعة كابن عمر، ولم يقيده في الترجمة بصبح ولا غيره مع كونه مقيدًا في بعض الأحاديث بالصبح، وأوردها في أبواب الوتر أخذًا من إطلاق أنس، كذا قال.
ويظهر لي أنه أشار بذلك إلى قوله في الحديث الرابع: "كان القنوت في الفجر والمغرب"؛ لأنه ثبت أن المغرب وتر النهار، فإذا ثبت القنوت فيها ثبت في وتر الليل بجامع ما بينهما من الوترية، انتهى.
قلت: لكن الظاهر من صنيع الإمام البخاري أنه قائل بقنوت الوتر، وليس بقائل بدوام القنوت في الفجر، ولذا أورد الباب في أبواب الوتر، ولم يورده في أبواب الفجر مع كون الرواية المصرِّحة بقنوت الفجر عنده، وأثبته بحديث أنس كما سيأتي في كلام الشيخ، فإن قنوت الفجر الذي كان
(1)
"عمدة القاري"(5/ 228).
(2)
"فتح الباري"(2/ 489)، و"عمدة القاري"(5/ 230).
(3)
"فتح الباري"(2/ 490).
بعد الركوع كان في شهر فقط، فأيّ قنوت كان قبل الركوع الذي لم يقيده بزمان؟ فتأمل، انتهى من هامش "اللامع".
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: أما القنوت في الفجر فكان في النازلة، ولا حاجة إلى القول بنسخه، بل هو معمول عند النازلة، فلا ينافي مذهبنا لو ورد في شيء من الروايات أنه صلى الله عليه وسلم دام على قنوته في الفجر وبعد الركوع، إلى آخر أيام حياته؛ لأنا نقول كذلك إذا نزلت بالمسلمين نازلة، ثم إن رواية أنس رضي الله عنه هذه مصرِّحة بما اختاره الأحناف، فإنه لما سُئل عن القنوت في الصبح أجاب عنه بأنه بعد الركوع، ثم لما سأله آخر، وأطلق السؤال عن التقييد بشيء من الصلوات، كان الظاهر منه السؤال عما هو المعمول دائمًا، فأجاب أنه قبل الركوع وهو قنوت الوتر المعمول به في كل سنة، فاعترض السائل على أنس بما أجاب به أولًا أنه بعد الركوع فقال: كذب، فعلم بتصريح أنس ههنا أن قنوت الفجر الذي هو بعد الركوع كان العارض، والدوام إنما هو على قنوت الوتر الذي هو قبل الركوع، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه: اختلف العلماء في القنوت في عدة مسائل، الشهيرة منها أربعة:
الأولى: اختلافهم في قنوت الوتر هل يقرأ أم لا؟ فمنعه مالك وأجازه الشافعي في أحد قوليه في النصف الآخر من رمضان، وعند الحنفية والحنابلة يكون في جميع السَّنة.
والثانية: اختلافهم في قنوت غير الوتر، فمشروع عند الشافعية والمالكية في الفجر خاصةً في جميع السَّنة، وعند الحنفية والحنابلة مشروع عند النازلة.
والثالثة: اختلافهم في محله، فعند الشافعية والحنابلة بعد الركوع
(1)
"لامع الدراري"(4/ 149 - 153).
مطلقًا، وعند المالكية قبله مطلقًا، وأما عندنا الحنفية فقنوت الوتر قبل الركوع، وقنوت الفجر بعد الركوع.
والرابعة: اختلافهم في ألفاظ القنوت، وهو مبسوط في الفروع، انتهى مختصرًا.
ثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، والظاهر عندي أنه في قوله:"يدعو على رعل وذكوان".
* * *
15 -
أبواب الاستسقاء
ههنا سبعة أبحاث لطيفة: الأول: في لغته، والثاني: في سببه، والثالث: في بدء شرعية صلاته، والرابع: في حكمها، والخامس: في وقتها، والسادس: في مختار الأئمة في كيفيتها، والسابع: في تكرار صلاته إذا لم يمطروا، بسطت هذه المباحث كلها في "الأوجز"
(1)
وهامش "اللامع".
أما بدء شرعيتها ففي "الأنوار الساطعة"
(2)
: شرعت في رمضان سنة ست من الهجرة، وفي هذه السنة من "مجمع البحار"
(3)
وفيها: صلى صلاة الاستسقاء فمطروا سبعة أيام حتى قال: "حوالينا"، وفي هذه السنة ذكرها صاحب "التلقيح"
(4)
وصاحب "الخميس"، وذكره الحافظ
(5)
عن ابن حبان.
(1 -
باب الاستسقاء وخروج النبي صلى الله عليه وسلم. . .) إلخ
قال الحافظ
(6)
: قوله: "خروج" أي: إلى المصلَّى كما سيأتي التصريح به، وزاد فيه:"وصلى ركعتين"، انتهى.
وقال القسطلاني
(7)
: قوله: "خروج" أي: إلى الصحراء، انتهى.
وهو الأوجه مما قدره الحافظ رحمه الله من قوله: إلى المصلى، كما سيأتي في كلام الحافظ بنفسه في "باب الاستسقاء في المصلى" من الفرق
(1)
"أوجز المسالك"(4/ 121 - 130)، و"لامع الدراري"(4/ 158 - 163).
(2)
"الأنوار الساطعة"(ص 590).
(3)
"مجمع بحار الأنوار"(5/ 285).
(4)
"تلقيح فهوم أهل الأثر"(ص 45)، و"تاريخ الخميس"(2/ 3).
(5)
"فتح الباري"(2/ 499).
(6)
المصدر السابق (2/ 492).
(7)
"إرشاد الساري"(3/ 20).
بين الترجمتين؛ إذ فرق بينهما بالعموم والخصوص، وقد اتفق فقهاء الأمصار على مشروعية صلاة الاستسقاء، وأنها ركعتان إلّا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: يبرزون للدعاء والتضرع، وإن خطب لهم فحسن، ولم يعرف الصلاة، هذا هو المشهور عنه، ونقل أبو بكر الرازي عنه التخيير بين الفعل والترك، وحكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلى الاستسقاء، والبروز إلى ظاهر المصر، لكن حكى القرطبي عن أبي حنيفة أيضًا أنه لا يستحب الخروج، وكأنه اشتبه عليه بقوله في الصلاة، انتهى من "الفتح".
وقد وردت الروايات في الاستسقاء بدون الصلاة كما في "الأوجز"
(1)
فارجع إليه لو شئت. والخروج إلى المصلَّى مستحب عندنا أيضًا كما تقدم، ففي "الطحطاوي على المراقي"
(2)
وغيره: ويستحب الخروج للاستسقاء ثلاثة أيام للاتباع، انتهى. وهكذا في "الدر المختار"
(3)
.
(2 -
باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلها سنين. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: وجه إدخاله في أبواب الاستسقاء التنبيه على أنه كما شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين، ويمكن أن يقال: إن المراد أن مشروعية الدعاء على الكافرين في الصلاة تقتضي مشروعية الدعاء للمؤمنين فيها، فثبت بذلك صلاة الاستسقاء خلافًا لمن أنكرها، انتهى.
وبالأول شرح العيني، وكذا شيخ المشايخ في "تراجمه"، وأجاد السندي
(5)
فقال: ذكره؛ لأنه دعاء بقحوط المطر على من يستحقه، ففيه إشارة إلى أنه لا بد من النظر في الاستسقاء إلى أهلية من يُدعى لهم، انتهى.
(1)
"أوجز المسالك"(4/ 132).
(2)
"الطحطاوي على المراقي"(ص 300).
(3)
انظر: "رد المختار"(3/ 70).
(4)
"فتح الباري"(2/ 493)، و"عمدة القاري"(5/ 246).
(5)
"حاشية السندي"(1/ 178).
قوله: (اللهم اجعلها سنين) كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: قصتان جمعهما المؤلف لما ذكره أستاذه إياهما جميعًا، وإلا فشأنه أرفع من أن يخفى عليه مثل ذلك، فكان وقوع دعاء السَّنَة في مكة، ودعوته لهؤلاء المسلمين كانت بالمدينة، انتهى.
وهذا إيراد معروف على الإمام البخاري، أورده شيخنا السهارنفوري شارح أبي داود صاحب "بذل المجهود"، وهكذا ذكر الشرَّاح كلهم، لكنهم ذكروه في حديث ابن مسعود الآتي في "باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين"، ويؤيد الشيخ ما قال العيني
(2)
في الباب المذكور تحت قوله: "فجاءه أبو سفيان. . ." إلخ: وكان مجيئه قبل الهجرة لقول ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر، ولم يُنقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن الأوجه عند هذا العبد الفقير إلى الله الغني، أن ههنا أربعة وقائع معروفة:
الأولى: دعاؤه صلى الله عليه وسلم على قريش بمكة قبل الهجرة بعد طرحهم على ظهره صلى الله عليه وسلم سلا جزورٍ، المذكور في حديث ابن مسعود، وفيها دعاؤه صلى الله عليه وسلم بسبع سنين.
والثانية: دعاؤه صلى الله عليه وسلم على مضر خاصة بهذا الدعاء أيضًا في القنوت وهي بالمدينة سنة أربع من الهجرة، وكان بدء القنوت في هذه السَّنة.
والوقعة الثالثة: خروجه صلى الله عليه وسلم للاستسقاء إلى المصلى، وكان في رمضان سنة ست من الهجرة.
والرابعة: دعاؤه صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة المذكورة في حديث أنس رضي الله عنه، وكان بعد مرجعه من غزوة تبوك، وقد اختلط في هذه الوقائع كلام الشرَّاح، وأدخلوا قصة في قصة أخرى بمجرد اتحاد ألفاظ الدعاء، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 163 - 168).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 273).
(3 -
باب سؤال الناس الإمام. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قال ابن رُشيد: لو أدخل تحت هذه الترجمة حديث ابن مسعود الذي قبله لكان أوضح مما ذكر، انتهى. ويظهر لي أنه لما كان من سأل قد يكون مسلمًا، وقد يكون مشركًا، وقد يكون من الفريقين، وكان في حديث ابن مسعود المذكور مشركًا ناسب أن يذكر فيما بعده ما يدل على ما إذا كان الطلب من الفريقين كما سأبينه، ولذلك ذكر لفظ الترجمة عامًا لقوله:"سؤال الناس" إلى أن قال: وقد اعترض الإسماعيلي فقال: حديث ابن عمر خارج عن الترجمة؛ إذ ليس فيه أن أحدًا سأله أن يستسقي له ولا في قصة العباس، وأجاب ابن المنيِّر عن حديث ابن عمر بأن المناسبة تؤخذ من قوله فيه:"يستسقى الغمام بوجهه"؛ لأن فاعله محذوف، وهم الناس، وعن حديث أنس رضي الله عنه بأن في قول عمر:"كنا نتوسل إليك بنبيك" دلالة على أن للإمام مدخلًا في الاستسقاء، وقال ابن رُشيد: يحتمل أن يكون أراد بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى؛ لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال، انتهى. وهو حسن، انتهى من "الفتح".
وقال فيما سيأتي من "باب إذا استشفعوا إلى الإمام. . ." إلخ
(2)
: قال ابن المنيِّر: تقدم له "باب سؤال الناس الإمام. . ." إلخ، والفرق بين الترجمتين أن الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا احتاجوا إلى الاستسقاء، والثانية لبيان ما على الإمام من إجابة سؤالهم، انتهى.
(4 -
باب تحويل الرداء في الاستسقاء)
قال الحافظ
(3)
: ترجم لمشروعيته خلافًا لمن نفاه، ثم ترجم بعد ذلك لكيفيته كما سيأتي، وقال أيضًا: واستحب الشافعي في الجديد تنكيس الرداء
(1)
"فتح الباري"(2/ 494).
(2)
"فتح الباري"(2/ 510).
(3)
المصدر السابق (2/ 498).
مع التحويل، وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك، واستحب الجمهور أيضًا أن يحول الناس بتحويل الإمام، وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده.
فائدة: ذكر الواقدي
(1)
: أن طول ردائه صلى الله عليه وسلم كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع
(2)
، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين، انتهى.
(5 -
باب انتقام الرب عز وجل
-)
قال الحافظ
(3)
: هكذا وقعت هذه الترجمة في رواية الحموي وحده خالية من حديث ومن أثر، قال ابن رُشيد: كأنها كانت في رقعة مفردة فأهملها الباقون، وكأنه وضعها ليدخل تحتها حديثًا، وأليق شيء بها حديث عبد الله بن مسعود المذكور في ثاني باب من الاستسقاء، وأخر ذلك ليقع له التغيير في بعض سنده كما جرت به عادته غالبًا، فعاقه عن ذلك عائق، والله أعلم، انتهى.
قلت: ولعل الغرض من الترجمة الإشارة إلى البحث الثاني من المباحث السبعة المشار إليها في أول "كتاب الاستسقاء"، ففي هامش "اللامع"
(4)
من "الأوجز": الثاني في سببه، وتقدم عن القاري سببه حاجة الناس بسبب قلة الأمطار، ويكون ذلك لكثرة المعاصي غالبًا، وإليه أشار البخاري في "صحيحه"، إذ قال:"باب انتقام الرب عز وجل. . ." إلخ، وفي "كتاب الزهد" لابن ماجه
(5)
في حديث طويل عن ابن عمر مرفوعًا: "ولم
(1)
انظر: "الطبقات الكبرى"(1/ 250).
(2)
كذا في "الفتح"، وفي "الطبقات":"في ثلاث أذرع وشبر. . . أربع أذرع وشبر في ذراعين وشبر. . ." إلخ.
(3)
"فتح الباري"(2/ 501).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 158)، و"أوجز المسالك"(4/ 121).
(5)
بل أخرجه ابن ماجه في "كتاب الفتن" في "باب العقوبات"(ح: 4019).
يمنعوا زكاة أموالهم إلّا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا"، ونحو ذلك من الروايات التي ذكرت في "الأوجز".
(6 -
باب الاستسقاء في المسجد الجامع)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: أراد بذلك إثبات أن الاستسقاء هو الدعاء فقط، وأن ليس شيء من الصلاة والتحويلة وغيرهما داخلًا في الاستسقاء، إذ لو كان كذلك لم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه اكتفى ههنا بالدعاء فقط دون أن يحول رداءً ويصلي صلاة، وأيضًا فعقد الباب رد لما يتوهم من كراهة الاستسقاء في المسجد سيما الجامع؛ لأنه محل ذكر ودعاء لا عرض حوائج دنيوية بأنه دعاء أيضًا لا يتمحض للدنيا، بل فيه منافع أخروية كثيرة، انتهى.
وفي هامشه: وهذا على مسلك الإمام أبي حنيفة.
وقال الحافظ
(2)
: أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج ليس بشرط في الاستسقاء؛ لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس، وذلك حاصل في المسجد الأعظم بناءً على المعهود في ذلك الزمان من عدم تعدد الجامع بخلاف ما حدث في هذه الأعصار، انتهى.
وأنت ترى أن ما أفاده الشيخ أوجه مما قاله الحافظ؛ لأن الملحوظ في الخروج لما كان المبالغة في الاجتماع، وذلك حاصل في المسجد الأعظم، فأيّ حاجة بقيت إلى الخروج؟
ثم قال الحافظ: وقد ترجم له المصنف بعد ذلك "من اكتفى بصلاة الجمعة في [خطبة] الاستسقاء"، وترجم له أيضًا "الاستسقاء في خطبة الجمعة"، فأشار بذلك إلى أنه إن اتفق وقوع ذلك يوم الجمعة اندرجت خطبة الاستسقاء وصلاتها في الجمعة، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 169 - 171).
(2)
"فتح الباري"(2/ 501).
(7 -
باب الاستسقاء في خطبة الجمعة. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(1)
: لما كان بعض ما يرد أولًا يرد ههنا أيضًا دفعه مع زيادة أنه لا يشترط له الاستقبال، وإن كان دعاء {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ، فلما لم يكن الاستقبال داخلًا في الاستسقاء كيف يدخل فيه الصلاة وتحويل الرداء وغيرهما من الأمور، انتهى.
وقد عرفت قريبًا ما قال الحافظ في هذه التراجم الثلاثة، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه التراجم المختلفة إلى أنواع الاستسقاء، ففي "الأوجز"
(2)
في مسلك الشافعية: لها ثلاث مراتب، أدناها الدعاء مطلقًا فُرادى ومجتمعين، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وخطبة الجمعة، وأعلاها يصلى بهم ركعتين، أي: على الهيئة المخصوصة المتقدمة في أول أبواب الاستسقاء.
وهكذا في مسلك الحنابلة، ففي "المغني"
(3)
: قال القاضي: الاستسقاء ثلاثة أضرب، ثم ذكر نحو ما تقدم، ولا يبعد عندي أن الإمام قيد الترجمة بقوله: غير مستقبل القبلة دفعًا لما يتوهم من روايات استقبال القبلة في دعاء الاستسقاء أنه صلى الله عليه وسلم استقبلها ههنا أيضًا، فدفعه بذلك من أن الاستقبال لا يكون في خطبة الجمعة، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (إن رجلًا دخل المسجد. . .) إلخ، وأورد صاحب "التيسير" بأنه عليه الصلاة والسلام مع كمال رأفته وشفقته على الناس لم يبتدئ بالاستسقاء، وأيضًا لم يستدع له أحد من أهل المدينة، حتى جاء رجل من أهل البادية. وأجاب بأنه عليه السلام، وكذلك أهل المدينة ببركة صحبته كانوا في حالة الرضاء والتوكل على أقصى مراتبه، وأهل البادية لم يبلغوا إلى هذه المرتبة، فألحُّوا للاستسقاء، انتهى معربًا.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 176).
(2)
"أوجز المسالك"(4/ 127).
(3)
"المغني"(3/ 348).
(8 -
باب الاستسقاء على المنبر)
لعله إشارة إلى أن المنبر إن كان موجودًا فلا بأس به، بخلاف ما سيأتي في "باب الدعاء في الاستسقاء" عن عبد الله بن يزيد:"على غير منبر"، واختلفت الأئمة في ذلك، فعند الحنفية والمالكية يخطب على الأرض، وعند الشافعية والحنابلة على المنبر، كما في "الأوجز"
(1)
عن كتب فروعهم، وفي "البذل"
(2)
: قال ابن القيم: "فلما وافى المصلى صعد المنبر" إن صح، وإلّا ففي القلب منه شيء، انتهى.
(9 -
باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء)
قد عرفت قريبًا ما قال الحافظ في هذه التراجم الثلاثة، وقال أيضًا
(3)
: أورد فيه الحديث المذكور، وفيه تعقب على من استدل به لمن يقول: لا تشرع الصلاة للاستسقاء؛ لأن الظاهر ما تضمنته الترجمة، انتهى.
قلت: وهذا التعقب مبني على مسلك الشافعية وغيرهم؛ فإنهم يأولونه بهذا التأويل، وليس للحنفية أن يلتزموا بهذا التأويل.
(10 -
باب الدعاء إذا تقطعت السبل. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ"
(4)
: أي: كما أن الدعاء لطلب المطر الذي هو من رحمة الله مشروع عند قحطه وحبسه، كذلك الدعاء مشروع عند كثرته وطغيانه لرفع مضرته عن العباد، انتهى.
قال الحافظ: قوله: "من كثرة المطر"، ظاهره أن الدعاء بذلك متوقف على سبق السقيا، وكلام الشافعي في "الأم" يوافقه، وزاد: أنه لا يسن الخروج للاستصحاء ولا الصلاة ولا تحويل الرداء، بل يدعى بذلك في
(1)
"أوجز المسالك"(4/ 135).
(2)
"بذل المجهود"(5/ 280)، و"زاد المعاد"(1/ 456).
(3)
"فتح الباري"(2/ 508).
(4)
(ص 295).
خطبة الجمعة أو في أعقاب الصلاة. وفي هذا تعقب على من قال من الشافعية: إنه ليس قول الدعاء المذكور في أثناء خطبة الاستسقاء؛ لأنه لم ترد به السُّنَّة، انتهى.
قلت: قوله: "ليس قول الدعاء. . ." إلخ، كذا في نسختي "الفتح" من الميرية والخيرية، والظاهر أن فيه تحريفًا، والصواب بدله:"يسن"، والظاهر أن المراد بقوله:"من قال من الشافعية" هو الإمام أبو إسحاق الشيرازي، فقد قال النووي في "شرح المهذب"
(1)
: وأما قول المصنف - يعني: أبا إسحاق الشيرازي - في التنبيه في أثناء دعاء الاستسقاء لطلب المطر: "اللهم حوالينا ولا علينا" فممّا أنكروه عليه، وإنما يقال هذا عند كثرة المطر وحصول الضرر بها كما صرَّح به في الحديث، ونص عليه الشافعي والأصحاب رحمهم الله، انتهى.
(11 -
باب ما قيل: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يحوِّل رداءه. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: إنما عبَّر عنه بلفظ: "قيل" مع صحة الخبر؛ لأن الذي قال في الحديث: "ولم يذكر أنه حوَّل رداءه" يحتمل أن يكون هو الراوي عن أنس أو من دونه، فلأجل هذا التردد لم يجزم بالحكم، وأيضًا فسكوت الراوي عن ذلك لا يقتضي نفي الوقوع، وأما تقييده بقوله:"يوم الجمعة" فليبين أن قوله فيما مضى "باب تحويل الرداء في الاستسقاء" أي: الذي يقام في المصلى، انتهى.
قلت: وبهذا الفرق يندفع توهم التكرار، وتقدم في الباب السابق اختلافهم في حكم تحويل الرداء، وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: قوله: "باب ما قيل. . ." إلخ، يعني له أيضًا أصل، وكلٌّ من التحويل وعدمه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى. وليس في الحديث ذكر الجمعة.
(1)
"المجموع"(5/ 88).
(2)
"فتح الباري"(2/ 509).
(3)
(ص 295).
قال الحافظ: وهذا السياق مختصر جدًا، وسيأتي مطولًا من الوجه المذكور بعد اثني عشر بابًا، وفيه:"يخطب على المنبر يوم الجمعة"، انتهى. وهكذا في "العيني"
(1)
، ولا يبعد عندي أن يقال: إن الترجمة شارحة، فلعل الإمام أشار بالترجمة إلى أن ما ورد من أنه لم يحوِّل فهو في الجمعة.
(12 -
باب إذا استشفعوا إلى الإمام. . .) إلخ
تقدَّم كلام الحافظ في "باب سؤال الإمام الناس" من الفرق بين الترجمتين، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(2)
: قوله: إذا استشفعوا. . . إلخ، أي: التمسوا منه وطلبوا أن يدعوَ لهم، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(3)
: الأولى خروج الإمام معهم، وإن خرجوا بإذنه أو بغير إذنه جاز، انتهى.
(13 -
باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط)
قال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر: ظاهر هذه الترجمة منع أهل الذمة من الاستبداد بالاستسقاء، كذا قال، ولا يظهر وجه المنع من هذا اللفظ، وأشكل بأن الترجمة أعم من الحديث؛ لأن الاستشفاع كان عقب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
وأجيب: بأن الجامع بينهما ظهور الخضوع منهم والذلة للمؤمنين في التماسهم منهم الدعاء لهم، أو يقال: إن جواب إذا محذوف، فيقدر: أجابهم بشرط أن دعا عليهم، أو لم يجبهم إلى ذلك أصلًا، ويمكن أن يقال: إذا رجا إمام المسلمين رجوعهم عن الباطل أو وجود نفع عام للمسلمين شرع دعاؤه لهم، فحذف جواب إذا لوجود هذه الاحتمالات،
(1)
"عمدة القاري"(5/ 270).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 177).
(3)
انظر: "رد المختار"(3/ 72).
(4)
"فتح الباري"(2/ 510).
ولا دلالة فيما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة على مشروعية ذلك لغيره، إذ الظاهر أن ذلك من خصائصه لاطلاعه على المصلحة في ذلك، بخلاف من بعده صلى الله عليه وسلم من الأئمة، انتهى.
(14 -
باب الدعاء إذا كثر المطر. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: كأن غرضه حصر الدعاء عند كثرة المطر في هذه الألفاظ وأمثالها، وذلك لأن المطر رحمة من الله تبارك وتعالى، فطلب إمساكه مطلقًا ليس بمناسب، بل المناسب استجلاب منافعه واستدفاع مضاره، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم حوالينا ولا علينا".
(15 -
باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا)
قال الحافظ
(2)
: أي: في الخطبة وغيرها، قال ابن بطال
(3)
: الحكمة فيه كونه حال خشوع وإنابة فيناسبه القيام، وقال غيره: القيام شعار الاعتناء والاهتمام، والدعاء أهم أعمال الاستسقاء فناسبه القيام، ويحتمل أن يكون قام ليراه الناس فيقتدوا بما يصنع، انتهى.
(16 -
باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء)
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: وهو مما ذهب إليه الإمام أيضًا، فإنه قال: إن الصلاة وإن لم تكن داخلة في الاستسقاء، لكن الإمام إن صلى جهر بالقراءة، انتهى.
قال العلامة العيني
(5)
: من فوائد الحديث الجهر بالقراءة في الاستسقاء، وهو مما أجمع عليه الفقهاء، انتهى.
(1)
(ص 297).
(2)
"فتح الباري"(2/ 513).
(3)
"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (3/ 16).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 178).
(5)
"عمدة القاري"(5/ 277).
(17 -
باب كيف حوَّل النبي صلى الله عليه وسلم ظهره إلى الناس)
وهذه هي الترجمة السابعة بلفظ كيف، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(1)
: أراد بالكيفية ههنا بيان بعض أحواله لا أنها على أيّ كيفية كانت التحويلة، فيصح إيراد الرواية التي فيها بيان وقت التحويلة متى كانت، فعلم أن تحويله ظهره كان قبل الدعاء، انتهى.
قال الحافظ
(2)
: وقد استشكل؛ لأن الترجمة لكيفية التحويل، والحديث دال على وقوع التحويل فقط.
وأجاب الكرماني
(3)
بأن معناه حوَّله حال كونه داعيًا، وحمل ابن المنيِّر قوله:"كيف" على الاستفهام فقال: لما كان التحويل المذكور لم يتبين كونه من ناحية اليمين أو اليسار احتاج إلى الاستفهام عنه.
قال الحافظ: والظاهر أنه لما لم يتبين من الخبر ذلك كأنه يقول: هو على التخيير، لكن المستفاد من الخارج أنه التفت بجانبه الأيمن لما ثبت أنه كان يعجبه التيمُّن في شأنه كله، ثم إن محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء.
(18 -
باب صلاة الاستسقاء ركعتين)
مجرور على البدل من الصلاة بإضافة الباب أو عطف بيان أو منصوب بمقدر، انتهى. كذا في "الفتح"
(4)
.
قال القسطلاني
(5)
: أراد به بيان كميتها، وأشار إليها بقوله:"ركعتين"، انتهى. والمسألة وفاقية أن السُّنَّة أن يصلي الإمام ركعتين، واختلفوا في صفتها، هل فيها تكبيرات الزوائد أم لا؟ وأيضًا الخطبة قبل الصلاة أو بعدها؟ وغير ذلك بسط في هامش "اللامع".
(1)
"لامع الدراري"(4/ 178).
(2)
"فتح الباري"(2/ 514).
(3)
"شرح الكرماني"(6/ 115).
(4)
"فتح الباري"(2/ 515).
(5)
"إرشاد الساري"(3/ 53).
(19 -
باب الاستسقاء في المصلّى)
قال الحافظ
(1)
: هذه الترجمة أخص من الترجمة المتقدمة أول الأبواب، وهي "باب الخروج إلى الاستسقاء"؛ لأنه أعم من أن يكون إلى المصلّى، ووقع في رواية هذا الباب تعيين الخروج إلى الاستسقاء إلى المصلَّى بخلاف تلك، فناسب كل رواية ترجمتها، انتهى.
(20 -
باب استقبال القبلة في الاستسقاء)
قال الحافظ
(2)
: أي: في أثناء الخطبة التي تقع من أجله في المصلّى، انتهى.
وقال القسطلاني: "باب استقبال القبلة" أي: في الدعاء "في الاستسقاء" في أثناء الخطبة الثانية، وهو نحو ثلثها، كما قاله النووي في دقائقه، انتهى مختصرًا.
(21 -
باب رفع الناس أيديهم مع الإمام. . .) إلخ
قال الحافظ قُدِّس سرُّه
(3)
: تضمَّنت هذه الترجمة الرد على من زعم أنه يُكتفى بدعاء الإمام في الاستسقاء، انتهى.
قال القسطلاني
(4)
: قال أصحابنا الشافعية وغيرهم: السُّنَّة في دعاء القحط ونحوه من رفع بلاء، أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، وهي صفة الرهبة، وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السماء، والحكمة أن القصد رفع البلاء بخلاف القاصد حصول شيء، أو تفاؤلًا ليقلب الحال ظهر البطن، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء، أو إشارة إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصبَّ ما فيه من المطر، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(2/ 515).
(2)
"فتح الباري"(2/ 515)، و"إرشاد الساري"(3/ 55).
(3)
"فتح الباري"(2/ 516).
(4)
"إرشاد الساري"(3/ 58).
(22 -
باب رفع الإمام يده في الاستسقاء)
قال الحافظ
(1)
: ثبتت هذه الترجمة في رواية الحموي والمستملي.
قال ابن رُشيد: ومقصودٌ بتكرير رفع الإمام يده - وإن كانت الترجمة التي قبلها تضمنته - لتفيد فائدة زائدة، وهي أنه لم يكن يفعل ذلك إلّا في الاستسقاء، قال: ويحتمل أن يكون قصد التنصيص بالقصد الأول على رفع الإمام يده كما قصد التنصيص في الترجمة الأولى بالقصد الأول على رفع الناس، وإن اندرج معه رفع الإمام، قال: ويجوز أن يكون قصد بهذه الكيفية رفع الإمام يده لقوله: "حتى يرى بياض إبطيه"، انتهى.
وقال الزين ابن المنيِّر ما محصله: لا تكرار في هاتين الترجمتين؛ لأن الأولى لبيان اتباع المأمومين الإمام في رفع اليدين، والثانية لإثبات رفع اليدين للإمام في الاستسقاء، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(2)
: المقصود من هذه الترجمة إثبات أنه إلى ما يرفع به الإمام يديه، والمقصود من الترجمة السابقة إثبات أصل الرفع فلا تكرار، انتهى.
وهذا التوجيه تقدم في كلام ابن رُشيد.
(23 -
باب ما يقال إذا مطرت. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: يحتمل أن تكون ما موصولة أو موصوفة أو استفهامية، وقوله:"قال ابن عباس: {كَصَيِّبٍ}: المطر. . ." إلخ، قال ابن المنيِّر: مناسبته لحديث عائشة لما وقع في حديث الباب المرفوع.
قوله: (صيبًا) قدم المصنف تفسيره في الترجمة، وهذا يقع له كثيرًا، وقال أخوه الزين: وجه المناسبة أن الصيِّب لما جرى ذكره في القرآن قرن
(1)
"فتح الباري"(2/ 517)
(2)
(ص 297).
(3)
"فتح الباري"(2/ 518).
بأحوال مكروهة، ولما ذكر في الحديث وصف بالنفع، فأراد أن يبين بقول ابن عباس أنه المطر، وأنه ينقسم إلى نافع وضار، انتهى.
قلت: وعلى الأول هو من الأصل الحادي والسبعين من أصول التراجم، وهو أن من دأب الإمام البخاري شرح الألفاظ القرآنية المناسبة للحديث.
قال الحافظ في مبدأ "كتاب الأنبياء"
(1)
: جرت عادته أن الحديث إذا وردت فيه لفظة غريبة وقعت أو أصلها أو نظيره في القرآن، أن يشرح اللفظة القرآنية فيفيد تفسير القرآن وتفسير الحديث معًا، انتهى.
وهذا الأصل قد أضيف على الأصول السبعين المذكورة في المقدمة بعد الطبع الأول.
(24 -
باب من تمطَّر في المطر. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: لعله أشار إلى ما أخرجه مسلم عن أنس قال: "حسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه المطر، وقال: لأنه حديث عهد بربه"، وكأن المصنف أراد أن يبيّن أن تحادر المطر على لحيته صلى الله عليه وسلم لم يكن اتفاقًا وإنما كان قصدًا، فلذلك ترجم بقوله:"من تمطَّر"، أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: قوله: "باب من تمطر"، أي: أخذ المطر على جسده، وهذه سُنَّة عند الشافعية، وقال البعض: إذا مطر أول مطر، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(6/ 366).
(2)
"فتح الباري"(2/ 520).
(3)
(ص 298).
(25 -
باب إذا هبت الريح)
قال الحافظ
(1)
: قيل: وجه دخول هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء أن المطلوب بالاستسقاء نزول المطر، والريح في الغالب تعقبه، وسيأتي إيضاح ما يصنع عند هبوبها في أوائل "بدء الخلق" عن عائشة، وفيه: أقبل وأدبر وتغير وجهه، انتهى. وهكذا في "العيني"
(2)
.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: من السُّنَّة أن تظهر عليه علامات الخوف، ويبادر إلى الاستعاذة من نزول العذاب إلى أن يمطر كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك عند الغيم، انتهى.
(26 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: نُصرت بالصَّبا)
قال ابن المنيِّر
(4)
: في هذه الترجمة إشارة إلى تخصيص حديث أنس الذي قبله بما سوى الصبا من جميع أنواع الريح؛ لأن قضية نصرها له أن يكون مما يُسَرَّ بها دون غيرها، ويحتمل أن يكون حديث أنس على عمومه، إما بأن يكون نصرها له متأخرًا عن ذلك؛ لأن ذلك وقع في غزوة الأحزاب، وإما بأن يكون نصرها له بسبب إهلاك أعدائه فيخشى من هبوبها أن تهلك أحدًا من عصاة أمته، وهو كان بهم رءوفًا رحيمًا صلى الله عليه وسلم، وأيضًا فالصَّبا تؤلف السحاب وتجمعه، فالمطر في الغالب يقع حينئذ، انتهى.
(27 -
باب ما قيل في الزلازل والآيات)
قال الحافظ
(5)
: قيل: لما كان هبوب الريح الشديد يوجب التخوُّف المفضي إلى الخشوع والإنابة كانت الزلزلة ونحوها من الآيات أولى بذلك، لا سيما وقد نص في الخبر على أن أكثر الزلازل من أشراط الساعة.
(1)
"فتح الباري"(2/ 520).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 286).
(3)
(ص 299).
(4)
انظر: "فتح الباري"(2/ 520).
(5)
"فتح الباري"(2/ 521).
وقال ابن المنيِّر: وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء أن وقوع الزلزلة ونحوها يقع غالبًا مع نزول المطر، وقد تقدم لنزول المطر دعاء يختصه، فأراد المصنف أن يبيِّن أنه لم يثبت على شرطه في القول عند الزلازل ونحوها شيء، انتهى.
وهل يصلى عند وجودها؟ مختلف فيه، قال الموفق
(1)
: قال أصحابنا: يصلي للزلزلة كصلاة الكسوف، وقال أصحاب الرأي: الصلاة لسائر الآيات حسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل الكسوف بأنه آية من آيات الله، وقال مالك والشافعي: لا يصلي لشيء من الآيات سوى الكسوف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل لغير الكسوف، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع"
(2)
.
(28 -
باب قول الله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] قال ابن عباس رضي الله عنهما: شكركم)
قال العيني
(3)
: وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء؛ لأن هذه الآية فيمن قالوا: الاستسقاء بالأنواء، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: قوله: " {رِزْقَكُمْ} " أي: حظكم وقسطكم، انتهى. وفي هامشه: ذكر هذا التفسير القسطلاني
(5)
أيضًا، إذ قال: الرزق بمعنى الشكر في لغة، أو أراد شكر رزقكم الذي هو المطر، ففيه إضمار {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} بمعطيه، وتقولون: مُطرنا بنوء كذا، أو تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم به، انتهى.
قال الحافظ
(6)
: قوله: "قال ابن عباس. . ." إلخ، يحتمل أن يكون مراده أن ابن عباس قرأها كذلك، ويشهد له ما رواه سعيد بن منصور: أن
(1)
"المغني"(3/ 332).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 182).
(3)
"عمدة القاري"(5/ 292).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 183).
(5)
"إرشاد الساري"(3/ 70).
(6)
"فتح الباري"(2/ 522).
ابن عباس كان يقرأ: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون".
وروى مسلم عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو حديث زيد بن خالد، وفي آخره: فأنزلت هذه الآية: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} إلى قوله: {تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 75 - 82]، وعُرف بهذا مناسبة الترجمة وأثر ابن عباس لحديث زيد بن خالد.
وقد روي نحو أثر ابن عباس المعلق مرفوعًا من حديث علي، لكن سياقه يدل على التفسير. وقد قيل: في القراءة المشهورة حذف، تقديره: وتجلعون شكر رزقكم، وقال الطبري: المعنى تجعلون الرزق الذي وجب عليكم به الشكر تكذيبكم به، انتهى.
(29 -
باب لا يدري متى يجيء المطر إلَّا الله)
قال الحافظ
(1)
: عقَّب الترجمة الماضية بهذه؛ لأن تلك تضمنت أن المطر إنما ينزل بقضاء الله، وأنه لا تأثير للكواكب في نزوله، وقضية ذلك أنه لا يعلم أحد متى يجيء إلا هو، انتهى.
قلت: والظاهر عندي أنه أشار به إلى رد من قال: إن القول بتأثيره ممنوع، والقول لكونها دالًّا على المطر وعلامة عليه لا بأس به، فأشار البخاري بهذا الباب الرد عليه، ويستأنس هذا مما قاله الحافظ تحت حديث الباب: قوله: "وما يدري أحد. . ." إلخ، زاد الإسماعيلي: إلّا الله، وفيه رد على من زعم أن لنزول المطر وقتًا معينًا لا يتخلف عنه، انتهى.
ثم براعة اختتام "كتاب الاستسقاء" في قوله: "بأي أرض تموت" ظاهر، وبه جزم الحافظ قُدِّس سرُّه، كما تقدم في مقدمة "اللامع".
* * *
(1)
"فتح الباري"(2/ 525).
16 -
أبواب الكسوف
ذكر في "الأوجز"
(1)
ههنا عشرة مباحث مفيدة مبسوطة، وعنه في هامش "اللامع" مختصرًا: الأول: في لغته، والثاني: ما زعمه أهل الهيئة من أنه لا حقيقة له، والثالث: ما هو المشهور في أيام الجاهلية أنه يكون لحدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، والرابع: في حكمه وفوائده، ذكرت منها عشرة في "الأوجز"، والخامس: في زمن وقوع الكسوف في عهده صلى الله عليه وسلم، والسادس: فيما قال أهل الهيئة: إن الكسوف لا يكون إلّا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين، والسابع: في تعدد الكسوف ووحدته في زمنه صلى الله عليه وسلم، والثامن: في صلاة الكسوف وحكمها وكيفيتها ووقتها وجهر القراءة وسرها وأدائها بالجماعة والخطبة بعدها وغير ذلك من المسائل، والتاسع: في خسوف القمر، والعاشر: في صلاة خسوف القمر، والأبحاث المتعلقة بها بسطت في "الأوجز"، وأجملت في هامش "اللامع"، فارجع إليه لو شئت، وسيأتي بعض هذه المباحث في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.
(1 -
باب الصلاة في كسوف الشمس)
قال الحافظ
(2)
: أي: مشروعيتها، وهو أمر متفق عليه، لكن اختلف في الحكم، فالجمهور على أنها سُنَّة مؤكدة، وصرَّح أبو عوانة بوجوبها، ولم أره لغيره إلّا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، انتهى.
وفي هامش "اللامع": هي سُنَّة غير مؤكدة في فروع الحنفية، وحكي عنهم الوجوب.
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 40 - 54)، و"لامع الدراري"(4/ 184 - 189).
(2)
"فتح الباري"(2/ 527).
ثم قال الحافظ: ابتدأ البخاري أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة؛ إشارة منه إلى أن ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، انتهى.
قلت: بل لم يبوِّب لتعدد الركوع مطلقًا، وذكر في باب الصلاة أحاديث مطلق الصلاة، بل بدأ بحديث أبي بكرة، وهو مستدل الحنفية، قال القسطلاني
(1)
: قوله: "فصلى بنا ركعتين" زاد النسائي: "كما تصلون"، واستدل به الحنفية على أنها كصلاة النافلة، وحمله ابن حبان والبيهقي من الشافعية على أن المعنى: كما كانوا يصلون في الكسوف، وتعقبه العيني
(2)
بأن حمل ابن حبان والبيهقي على أن المعنى: كما كانوا يصلون في الكسوف بعيد، وظاهر الكلام يرده، إلى آخر ما قال، انتهى مختصرًا.
قوله: (ولكنهما آيتان من آيات الله)، كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: وذلك لا ينافي وقوعهما على حسب ما بينه أصحاب الهيئة من حيلولة الأرض وغيره، فإن الآية هي العلامة، وهما تدلان على كمال قدرته وتمام تمكنه من سلب أنوارهما كيفما كان، انتهى.
وفي هامشه: وقد تقدمت الإشارة في البحث الثاني من الأبحاث المتقدمة في أول الباب أن ابن العربي والعيني وغيرهما أبطلوا قول أهل الهيئة، وأجمل الكلام على ذلك في "الأوجز"
(4)
، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
(2 -
باب الصدقة في الكسوف)
قال الحافظ
(5)
: أورد فيه حديث عائشة من رواية هشام بن عروة عن أبيه عنها، ثم أورده بعد باب من رواية ابن شهاب عن عروة، ثم بعد بابين
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 77).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 300).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 190)
(4)
"أوجز المسالك"(4/ 41).
(5)
"فتح الباري"(2/ 529).
من رواية عمرة عن عائشة، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وورد الأمر في الأحاديث التي أوردها في الكسوف بالصلاة والصدقة والذكر والدعاء وغير ذلك، وقد قدم منه الأهم فالأهم، ووقع الأمر بالصدقة في رواية هشام دون غيرها، فناسب أن يترجم بها، ولأن الصدقة تالية للصلاة، فلذلك جعلها تلو ترجمة الصلاة بالكسوف، انتهى.
(3 -
باب النداء بـ "الصلاة جامعة" في الكسوف)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: قاس عليه صلاتَي العيدين فقال فيهما بالنداء، ولكن الحنفية لم يعدّوا هذا الحكم فيهما؛ لأن الكسوف قلّما يتنبه له كل أحد إلّا إذا اشتد، فأمّا العيدان فلا يخفى يومهما ولا وقت صلاتيهما على أحد، مع أنه ورد في بعض الروايات أنه لم يكن لصلاة العيدين أذان ولا إقامة ولا شيء، فقوله هذا لا شيء ينفي كلّ شيء، وقولهم: الصلاة جامعة شيء لا محالة، انتهى.
وفي هامشه: ظاهر ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ههنا هو تفرد الإمام الشافعي بذلك فيما بين الأئمة الأربعة، وهو الظاهر من مراجعة كتب الفروع، إلى آخر ما ذكر فيه من نصوص الفروع.
وقوله: (جامعة) قال الحافظ
(2)
: هو بالنصب فيهما على الحكاية، ونصب الصلاة في الأصل على الإغراء، وجامعة على الحال، أي: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة. وقيل برفعهما على أن الصلاة مبتدأ وجامعة خبره، ومعناه: ذات جماعة. وقيل: جامعة صفة والخبر محذوف، تقديره: فاحضروها، انتهى.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن صلاة الكسوف ليس فيها أذان ولا إقامة إلّا أن الشافعي قال: لو نادى مناد: "الصلاة جامعة" ليخرج
(1)
"لامع الدراري"(4/ 193).
(2)
"فتح الباري"(2/ 533).
الناس بذلك إلى المسجد لم يكن بذلك بأس، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
(4 -
باب خطبة الإمام في الكسوف)
ذكر في هامش "اللامع"
(2)
مما يتعلق بصلاة الكسوف ستة مباحث:
الأول: في حكمها وقد تقدم، والثاني: في وقتها، والثالث: في كيفيتها، والرابع: في جهر القراءة وسرَّها، والخامس: أدائها بالجماعة، والسادس: أنهم اختلفوا في الخطبة بعدها، قال الشافعي وإسحاق بسُنِّية الخطبة بعدها خلافًا للأئمة الثلاثة وصاحبَي أبي حنيفة، إذ قالوا: لا خطبة بعدها، كما بسط في "الأوجز"
(3)
، انتهى.
ودليل الجمهور ما قال العيني
(4)
: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلاة والتكبير والصدقة ولم يأمرهم بالخطبة، ولو كانت سُنَّة لأمرهم بها، ولأنها صلاة كان يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة، وإنما خطب صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، فكأنه مختص به، وقيل: خطب بعدها لا لها، بل ليردهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم. وقال بعضهم - أي: الحافظ -: والعجب أن مالكًا روى حديث هشام هذا، وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه، قلت: ليس بعجب ذلك، فإن مالكًا وإن كان قد رواها فيه وعلَّلها بما قلنا فلم يقل بها، انتهى.
وفي "الفيض"
(5)
: لا خطبة فيه عندنا، وإنما كانت خطبته صلى الله عليه وسلم من الخطب العامة لا من متعلقات الصلاة كما يعلم من سياق البخاري، انتهى.
قوله: (أخطأ السُّنَّة) كتب الشيخ في "اللامع"
(6)
: فيه دلالة ظاهرة لمذهب الإمام، فإن عروة يحدث عن غيره وإنه تابعي وأخوه عبد الله هذا
(1)
"لامع الدراري"(4/ 192).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 188).
(3)
"أوجز المسالك"(4/ 69).
(4)
"عمدة القاري"(5/ 309).
(5)
"فيض الباري"(2/ 386).
(6)
"لامع الدراري"(4/ 194 - 197).
صحابي بنفسه، ولا يمكن أنه تقدم على القوم وأمَّهم دون أن يحقق أمر صلاة الكسوف، كيف هي؟ وقد كانت معه جماعة من الصحابة ولم ينقل عن أحد منهم إنكار على ما فعله، ولو أنكروا عليه لنقل كما نقل إنكار أخيه الأصغر منه سنًا وعلمًا، فكان ذلك حجة قوية على أنهم سلموا ذلك منه واستحسنوه.
وأما إنكار عروة فإن مبناه أنه سمع من عائشة ما يخالف صلاة ابن الزبير، فظن أنه خالف السُّنَّة، مع أن عائشة لم تكن حين الصلاة إلا في حجرتها، فلا تدري الأمر على ما هو عليه في نفس الأمر، كيف! وقد رواه غيرها ممن شهد الوقعة وتحرَّى فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها كما هو مذكور في روايات أبي داود ولم ينقلوا إلّا ما اختاره الأحناف رضي الله عنهم، ومع ذلك كله فهي مترددة في رواية القصة، فقد روي عنها أربع ركوعات وستة، فهذا أدلّ حجة على أنها لم يتعين عندها أحد الأمرين وإلا لما اختلفت الروايات عنها، فعلم أنها مع ترددها في تعيين عدد الركوع روت كل واحد من الراويين على حسب ما ترجح عندها من الاحتمال حين روايتها لتلك الرواية، والله تعالى أعلم، وبسط في هامشه في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
(5 -
باب هل يقول: كسفت الشمس. . .) إلخ
ترجم الإمام البخاري بلفظ: "هل"، قال الزين ابن المنيِّر: أتى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء.
قال الحافظ
(1)
: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزهري عن عروة قال: "لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت"، وهذا موقوف صحيح رواه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى
(1)
"فتح الباري"(2/ 535).
عنه، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح.
وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلَّطه لثبوته بالخاء في القمر، وكان هذا هو السر في استشهاد المؤلف به في الترجمة.
وقيل: يقال في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغير إلى سواد، والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل في الشمس: خسفت أو كسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أنهما مترادفان، إلى آخر ما في هامش "اللامع"، وفيه: مال العيني
(1)
إلى أن الاستفهام في الترجمة ليس للنفي والإنكار.
والأوجه عندي: أن الترجمة من الأصل الثاني والثلاثين، وأشار بلفظ:"هل" في الترجمة إلى مجرد الاحتمال الناشئ من قول عروة، والمقصود استعمال كل من اللفظين في كل منهما، كما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه، إذ قال
(2)
: قوله: فقال في كسوف الشمس والقمر، فيه الترجمة حيث ذكر الراوي أوّلًا لفظ الكسوف لهما، ثم ذكر بلفظ:"لا يخسفان"، فعلم جواز إطلاق اللفظتين معًا، وإن كان الغالب في القمر الخسوف كما ورد في الآية، وفي الشمس الكسوف، والله أعلم.
ثم ذكر الإمام رحمه الله في الترجمة الآية الشريفة، قال الحافظ
(3)
: في إيراده لهذه الآية احتمالان، أحدهما: أن يكون أراد أن يقال: خسف القمر كما جاء في القرآن، ولا يقال: كسف، وإذا اختص القمر بالخسوف أشعر باختصاص الشمس بالكسوف، والثاني: أن يكون أراد أن الذي يتفق
(1)
"عمدة القاري"(5/ 315).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 197 - 199).
(3)
"فتح الباري"(2/ 535).
للشمس كالذي يتفق للقمر، وقد سُمي في القرآن بالخاء في القمر، فليكن الذي للشمس كذلك، انتهى.
(6 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يخوِّف الله عباده. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
تحت حديث الباب: فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر، وقد ردّ ذلك عليهم ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الآتي حيث قال:"فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة"، قالوا: فلو كان الخسوف
(2)
بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى. ومما نقض ابن العربي وغيره أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة، وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين. . . إلى آخر ما بسط فيما اعتقدوا من ذلك والرد عليهم، فارجع إليه لو شئت.
قال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: وربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: "يخوِّف الله بهما عباده"، وليس بشيء؛ لأن لله أفعالًا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك، فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها.
وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(2/ 537).
(2)
وفي "الفتح": "الكسوف".
قوله: (تابعه أشعث. . .) إلخ، بسط الكلام على ذكر من قال:"يخوِّف" ومن لم يقل، لما فيه من الرد على ما تقدم من أهل قول الهيئة: إنه أمر عادي فلا تخويف فيه. وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" في توضيح هذه المتابعات لاختلاف نسخ البخاري في ذكر قوله: "تابعه أشعث"، ففي النسخ التي بأيدينا ذكره بعد ذكر متابعة موسى، ورجح الحافظ تقديمه، وباختلاف ذلك يختلف غرض المتابعة، وبسط الكلام على ذلك الحافظان ابن حجر والعيني
(1)
، وسكت عنه الكرماني، ولخص القسطلاني كلام الحافظ، كما ذكر في هامش "اللامع"
(2)
، فارجع إليه لو شئت.
(7 -
باب التعوذ من عذاب القبر. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: قال ابن المنيِّر: مناسبة التعوّذ عند الكسوف: أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر وإن كان نهارًا، والشيء بالشيء يذكر، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة، انتهى.
قلت: أو: لما أن عذاب القبر أوحي إليه صلى الله عليه وسلم إذ ذلك، كما يشير حديث الباب، وبه جزم الحافظ
(4)
في "باب ما جاء في عذاب القبر" من "كتاب الجنائز"، ويشكل عليه ما تقدم من عذاب القبر في الرجلين يعذبان في كبير: النميمة والبول، فإن ظاهره أنه كان في مقدم المدينة، وغير ذلك من الروايات التي ذكرها البخاري في "باب عذاب القبر"، ومع ذلك جزم الحافظ بأن عذاب القبر أعلم به النبي صلى الله عليه وسلم في سنة الكسوف، وأول ما خالف ذلك، وقال: فانتفى التعارض.
(1)
انظر: "عمدة القاري"(5/ 318)، و"فتح الباري"(2/ 536).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 200).
(3)
"فتح الباري"(2/ 538).
(4)
انظر: المصدر السابق (3/ 236).
(8 -
باب طول السجود في الكسوف)
قال الحافظ
(1)
: وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من أنكره، واستدل بعض المالكية على ترك إطالته بأن الذي شُرع فيه التطويل شرع تكراره كالقيام والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود فلا يشرع تطويله، وهو قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
: واختلف في استحباب إطالة السجود في الكسوف، وصحح الرافعي عدم إطالته كسائر الصلوات، وعليه جمهور أصحاب الشافعي، وصحح النووي التطويل وقال: إنه المختار بل الصواب، وعليه المحققون من أصحابنا، انتهى.
قلت: وهكذا يستحب التطويل عند الأئمة الثلاثة الباقية مالك وأحمد وأبي حنيفة كما بسط في "الأوجز"
(3)
عن متونهم.
(9 -
باب صلاة الكسوف جماعة. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: أي: وإن لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم، وبه قال الجمهور. وعن الثوري: إن لم يحضر الإمام صلّوا فرادى، انتهى.
وما تعقب عليه العيني
(5)
بقوله: قلت: إذا لم يكن الإمام حاضرًا كيف يصلون جماعة؟. . . إلخ، فليس بوجيه، فإن الحافظ رحمه الله قيَّد الإمام بقوله: الراتب، ولم ينف الإمام رأسًا. وفي هامش "اللامع": وأداؤها بالجماعة سُنَّة عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة، وقال بعضهم: لا تشرع لها الجماعة، انتهى.
وقال العيني: قال صاحب "الذخيرة" من أصحابنا: الجماعة فيها
(1)
"فتح الباري"(2/ 538).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 100).
(3)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 62).
(4)
"فتح الباري"(2/ 540).
(5)
"عمدة القاري"(5/ 322).
سُنَّة، ويصلي بهم الإمام الذي يصلي الجمعة والعيدين، وفي "المرغيناني": يؤمهم فيها إمام حيّهم بإذن السلطان، ولا يصلون في مساجدهم بل يصلون جماعة واحدة، ولو لم يقمها الإمام صلى الناس فرادى، انتهى.
(10 -
باب صلاة النساء مع الرجال. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: أشار بهذه الترجمة إلى رد قول من منع ذلك، وقال: يصلين فرادى، وهو منقول عن الثوري وبعض الكوفيين. وفي "المدونة": تصلي المرأة في بيتها وتخرج المتجالَّة، وعن الشافعي: يخرج الجميع إلا من كانت بارعة الجمال، انتهى.
وقال العيني
(2)
: وأبو حنيفة يرى بخروج العجائز فيها غير أنهن يقفن وراء صفوف الرجال، وعند أبي يوسف ومحمد: يخرجن في جميع الصلوات لعموم المصيبة، فلا يختص ذلك بالرجال، انتهى.
(11 -
باب من أحبّ العتاقة في كسوف الشمس)
العتاقة بفتح العين المهملة، قيَّده بالكسوف نظرًا إلى لفظ حديث أورده في الباب، وإلا فكذلك حكم الخسوف كما يأتي في "كتاب العتق" بلفظ:"كنا نؤمر عند الخسوف بالعتاقة".
قال القسطلاني
(3)
: وهل يقتصر على العتاقة، أو هي من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟ الظاهر الثاني لقوله تعالى:{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]، وإذا كانت من التخويف فهي داعية إلى التوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البر، كل على قدر طاقته، ولما كان أشد ما يتوقع من التخويف النار، جاء الندب بأعلى شيء يتقي به النار؛ لأنه قد جاء:"من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار"،
(1)
"فتح الباري"(2/ 543).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 328).
(3)
"إرشاد الساري"(3/ 108).
فمن لم يقدر على ذلك فليعمل بالحديث العام وقوله عليه الصلاة والسلام: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، ويأخذ من وجوه البر ما أمكنه، قاله ابن أبي جمرة، انتهى.
(12 -
باب صلاة الكسوف في المسجد)
لعله إشارة إلى ردِّ ما يتوهم من بعض الروايات من الخروج إلى المصلَّى، ويحتمل أنه نَبَّهَ بذلك على أنها تخالف في هذا صلاة العيد والاستسقاء، ثم ليس في الحديث ذكر المسجد، نعم يؤخذ من قوله:"بين ظهراني الحجر"، إذ كانت لاصقة بالمسجد، وقد ورد في حديث الباب عند مسلم
(1)
بلفظ: "فخرجت في نسوة بين ظهراني الحجر في المسجد" الحديث.
(13 -
باب لا تنكسف الشمس لموت أحد. . .) إلخ
هذا هو البحث الثالث من المباحث المذكورة في أوّل "كتاب الكسوف"، قال الحافظ
(2)
: قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خَلْقان مسخَّران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع من أنفسهما. وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الشفقة على أمته وشدة الخوف من ربه تبارك وتعالى، انتهى.
(14 -
باب الذكر في الكسوف)
صنيع المؤلف ظاهر في أنه أراد عقد التراجم على جميع ما ورد في الأحاديث من العبادات والمعالجات لدفع الكسوف، وقد تقدم ما قال الحافظ في "باب الصدقة في الكسوف"
(3)
: ورد الأمر في الأحاديث التي
(1)
"صحيح مسلم"(903).
(2)
"فتح الباري"(2/ 528).
(3)
المصدر السابق (2/ 529).
أوردها في الكسوف بالصلاة والصدقة والذكر والدعاء وغير ذلك، وقد قدم منها الأهم فالأهم، انتهى.
(15 -
باب الدعاء في الكسوف. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: وورد الأمر بالدعاء أيضًا من حديث أبي بكرة وغيره، ومنهم من حمل الدعاء والذكر على الصلاة لكونهما من أجزائها، والأول أولى؛ لأنه جمع بينهما في حديث أبي بكرة حيث قال:"فصلوا وادعوا"، انتهى. وهو الظاهر من التراجم؛ إذ المصنف ترجم لكل واحد منها على حدة.
(16 -
باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد!. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: ذكر فيه حديث أسماء مختصرًا معلقًا، وقد تقدم مطولًا من هذا الوجه في "كتاب الجمعة"، انتهى.
قلت: سكتوا عن غرض الترجمة، والأوجه عندي في الغرض ما تقدم في "كتاب الجمعة"، وذكر هذه الترجمة ههنا أيضًا اهتمامًا بشأنها، وتنبيهًا على أن هذه اللفظة تكون في كل خطبته صلى الله عليه وسلم من الجمعة والكسوف وغيرهما.
(17 -
باب الصلاة في كسوف القمر)
قال الحافظ
(3)
: أورد فيه حديث أبي بكرة من وجهين مختصرًا ومطولًا، وليس في المختصر ذكر القمر لا بالتنصيص ولا بالاحتمال، والجواب أنه أراد أن يبين أن المختصر بعض الحديث المطول، وبه تحصل المطابقة، وحكى ابن التين أنه وقع في رواية الأصيلي:"انكسف القمر"
(1)
المصدر السابق (2/ 548).
(2)
المصدر السابق (2/ 547).
(3)
المصدر السابق (2/ 548).
بدل الشمس، وهذا تغيير لا معنى له، وكأنه عسرت عليه مطابقة الحديث بالترجمة، فظن أن لفظه مغير، فغيره هو إلى ما ظنه صوابًا، وليس كذلك، انتهى.
وذكر القسطلاني كلام ابن التين ولم يتعقب عليه بشيء، بل قال
(1)
: وروى ابن أبي شيبة هذا الحديث بلفظ: "انكسفت الشمس أو القمر"، وفي رواية هشيم:"انكسفت الشمس والقمر"، انتهى.
قال العيني
(2)
: أشار الكرماني إلى المطابقة بأن معرفة الصلاة في كسوف الشمس تغني عن معرفة الصلاة في كسوف القمر، فمن ذلك حصل الاستغناء بذكر أحدهما عن الآخر.
قلت: هذا ليس بسديد، ثم ذكر العيني كلام الحافظ المتقدم وتعقب عليه، فارجع إليه لو شئت.
ثم ذكر في هامش "اللامع" في خسوف القمر بحثين:
الأول: أن الخسوف وقع مرتين في زمنه صلى الله عليه وسلم، والكسوف لم يقع إلّا مرة واحدة، كما قال العشماوي، وفي "شرح الإحياء": إن الخسوف وقع في السنة الرابعة في جمادى الآخرة، ولم يشتهر أنه صلى الله عليه وسلم جمع له الناس، وفي "سيرة ابن حبان": إن القمر خسف في السنة الخامسة، وهكذا في "تاريخ الخميس".
والبحث الثاني: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخسوف؟ فقال مالك: لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم صلى إلا في خسوف الشمس، وبه جزم ابن القيم، وحكى القاري عن الدارقطني بسنده عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات في أربع سجدات، وسنده جيد.
وأما عند الأئمة الأربعة، فعندنا الحنفية وكذا المالكية: صلاة الخسوف كسائر النوافل بدون تكرار الركوع وبدون الخطبة، إلّا أن الجماعة
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 117).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 335).
مكروهة فيها عند مالك، وغير مسنونة عند الحنفية، وعند الشافعي: هي كصلاة الكسوف بتكرار الركوع بالجماعة جهرًا، وكذا عند أحمد، إلّا أنهما إختلفا في الخطبة بعدها، ثابتة عند الشافعي دون أحمد، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع".
(17
م - باب صب المرأة على رأسها الماء. . .) إلخ
ليس هذا الباب في نسخة الحافظ ولا القسطلاني، ولا في المصرية التي عليها حاشية السندي، نعم هو موجود في نسخة العيني، قال القسطلاني
(1)
: وقع في رواية المستملي: "باب صب المرأة على رأسها. . ." إلخ، بدل قوله:"باب الركعة الأولى في الكسوف أطول" الثابت في رواية الكشميهني والحموي، والظاهر أن المصنف ترجم لها وأخلى بياضًا ليذكر لها حديثًا كعادته، فلم يتفق، فضم بعضهم الكتابة بعضها إلى بعض، فوقع الخلط، ووقع في رواية أبي علي ابن شبويه عن الفربري أنه ذكر "باب صب المرأة" أوّلًا، وقال في الحاشية: ليس فيه حديث، ثم ذكر "باب الركعة الأولى أطول"، وأورد فيه حديث عائشة هذا، وكذا في "مستخرج الإسماعيلي".
قال الحافظ ابن حجر
(2)
: فعلى هذا فالذي وقع من صنيع شيوخ أبي ذر من اقتصار بعضهم على إحدى الترجمتين ليس بجيد، أما من اقتصر على الأولى وهو المستملي فخطأ محض، إذ لا تعلق لها بحديث عائشة، وأما الآخران فمن حيث إنهما حذفا الترجمة أصلًا، وكأنهما استشكلاها فحذفاها، انتهى.
قلت: ذكر الترجمة من غير ذكر حديث أصل مستقل من أصول التراجم المذكورة في المقدمة، وهو الأصل السابع والعشرون، فارجع إليه لو شئت.
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 120).
(2)
"فتح الباري"(2/ 548).
(18 -
باب الركعة الأولى في الكسوف أطول)
قال القسطلاني
(1)
: والركعة الثانية أطول من الثالثة، وهي أطول من الرابعة، قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامَيْها وركوعَيْها أطول من الركعة الثانية بقيامَيْها وركوعَيْها، واتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه، وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله:"وهو دون القيام الأول" هل المراد به الأول من الثانية، أو يرجع إلى الجميع، فيكون كل قيام دون الذي قبله، ورواية الإسماعيلي بلفظ الأولى، فالأولى أطول بدل قوله: الأول، والأول أطول تعيين هذا الثاني، انتهى مختصرًا.
(19 -
باب الجهر بالقراءة في الكسوف)
قال الحافظان ابن حجر والعيني
(2)
: سواء كان للشمس أو للقمر، قلت: فعلى هذا ميل المصنف إلى الجهر فيهما، ولعل استدلاله بعموم اللفظ، فإن لفظ الخسوف يستعمل فيهما كما تقدم، والمسألة خلافية، فعند أبي يوسف يجهر، وبه قال أحمد، وقالت الأئمة الثلاثة بالسر في كسوف الشمس، وبالجهر في الخسوف، وقول محمد مختلف فيه، قال النووي: مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنه يُسر في الكسوف ويجهر في الخسوف، وما حكاه النووي عن مالك هو المشهور عنه، بخلاف ما حكاه عنه الترمذي من الجهر، قال المازري: ما حكاه الترمذي عنه رواية شاذة، قلت: ويقال: عن مالك روايتان، والمشهور السر، والبسط في "الأوجز"
(3)
، انتهى من هامش "اللامع".
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 119).
(2)
"فتح الباري"(2/ 549)، و"عمدة القاري"(5/ 337).
(3)
"أوجز المسالك"(4/ 75)، و"لامع الدراري"(4/ 188).
وقال الحافظ تحت الحديث الأول
(1)
: استدل به على الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير بذلك على خسوف القمر، وليس بجيد؛ لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر بلفظ:"كشف الشمس" الحديث، انتهى.
ثم براعة الاختتام سكت الحافظ عنه، والظاهر عندي أن وقت الكسوف يشبه بما يراه الميت في القبر أول ما يوضع فيه من بقية ضوء النهار، ففي "المشكاة" برواية ابن ماجه
(2)
: عن جابر رضي الله عنه: "إذا أدخل الميت القبر مثلت له الشمس عند غروبها"، الحديث، ولذا تعوذ عليه الصلاة والسلام عند الكسوف من عذاب القبر، أو يقال: إن المعروف عندهم أن الكسوف يكون لموت عظيم، فإنه وإن كان باطلًا عند الشرع لكنه مذكِّر له.
* * *
(1)
"فتح الباري"(2/ 549).
(2)
"سنن ابن ماجه"(4272).
17 -
أبواب سجود القرآن
قال الحافظ
(1)
: كذا للمستملي، ولغيره:"باب ما جاء في سجود القرآن وسُنَّتها"، انتهى. قلت: وهكذا في النسخ الهندية التي بأيدينا.
قوله: (وسُنَّتها) في هامش "اللامع"
(2)
: لم يتعرض الشرَّاح لغرض هذا اللفظ في الترجمة نصًا، وما يظهر من كلامهم أنهم حملوه على إثبات كون السجدة سُنَّة ردًا على من قال بوجوبه. وهكذا يفهم من كلام شيخ المشايخ في "تراجمه"
(3)
.
وهذا الغرض ليس بوجيه عندي لوجهين، الأول: أن الإمام البخاري لم يتعرض في الباب لشيء يناسب هذا المعنى، والثاني: أن الإمام البخاري أشار إلى هذا المعنى فيما سيأتي قريبًا في "باب من رأى أن الله تعالى لم يوجب السجود"، فلو أراد إثبات السُّنِّية ههنا تكرر الترجمة.
فالأوجه عندي في غرض الترجمة أن المراد بالسُّنَّة معناها اللغوي، أي: طريقتها، وعلم من الرواية أنها بعد قراءة الآية كما يدل عليه لفظ: فسجد، ولذا قال القسطلاني
(4)
: لو سجد قبل تمام الآية ولو حرفًا لم يعتبر، ويمكن أن يقال: إن المراد به بدء سُنِّيتها ومشروعيتها، فالترجمة حينئذ من الأصل التاسع والخمسين من أصول التراجم، وعلم من الحديث أن مبدءها من سورة النجم.
قال الحافظ
(5)
: أفاد المصنف في رواية إسرائيل الآتية في تفسير سورة النجم: أن النجم أول سورة أنزلت فيها سجدة، وهذا هو السر في بداءة
(1)
"فتح الباري"(2/ 551).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 205).
(3)
(ص 301).
(4)
"إرشاد الساري"(3/ 124).
(5)
"فتح الباري"(2/ 552).
المصنف في هذه الأبواب بهذا الحديث، وأما سورة "اقرأ" وإن كان أول السور نزولًا وفيها أيضًا سجدة، لكن السابق منها أوائلها، وأما بقيتها فنزل بعد ذلك، انتهى.
(2 -
باب سجدة {تَنْزِيلُ} السجدة)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن بطال: أجمعوا على السجود فيها، وإنما اختلفوا في السجود بها في الصلاة، انتهى. كما تقدم في "باب ما يقرأ في صلاة الفجر" من "كتاب الجمعة" من مذهب مالك أنه كره أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وستأتي المسألة في باب مستقل.
قال الحافظ
(2)
: وقد اختلف تعليل المالكية بكراهته، فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض، وقيل: لخشية التخليط على المصلين، وقيل: لخشية اعتقاد العوام أنها فرض، إلى آخر ما بسط من الرد على تلك الوجوه.
وفي هامش الهندية
(3)
عن "الخير الجاري": لم يذكر في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم سجد فيها أم لا؟ فلعله استفاد ذلك من تسمية السورة بتنزيل السجدة، أو يقال: إن الترجمة شارحة للحديث، ويكون إشارة إلى ما جاء في طريق لغيره، انتهى.
(3 -
باب سجدة ص)
الظاهر أن المصنف رحمه الله مال إلى السجود فيها؛ لأن في الرواية سجوده صلى الله عليه وسلم، قال العلامة العيني
(4)
: فِعْله صلى الله عليه وسلم أولى من قول ابن عباس، وقد روى ابن المنذر عن علي أن العزائم: حم، والنجم، واقرأ، والم تنزيل. وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأُخر، انتهى من "الفتح"
(5)
.
(1)
المصدر السابق (2/ 552).
(2)
المصدر السابق (2/ 378).
(3)
(3/ 7).
(4)
"عمدة القاري"(5/ 347).
(5)
"فتح الباري"(2/ 552).
واختلفوا في عدد سجود القرآن على اثني عشر قولًا، بسطت في "الأوجز"
(1)
، والمعروفة منها أربعة:
الأول والثاني: مذهب الحنفية والشافعية إذ قالوا: إنها أربع عشرة سجدات إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في سجدة ص، فقالت بها الحنفية والمالكية، ولم يقل بها الشافعية، وهما روايتان عن أحمد، وفي السجدة الثانية من الحج، إذ قالت بها الشافعية والحنابلة، ولم يقل بها الحنفية والمالكية.
والمذهب الثالث: مذهب الإمام مالك المعروف عنه أنه قال بإحدى عشر سجدات، بإسقاط الثلاثة من المفصل وثانية الحج، وهو القول القديم للشافعي.
والرابع: المعروف المشهور في شروح الحديث من مذهب الإمام أحمد أنه قال بخمس عشرة سجدات، يعني: مع سجدة ص وثانية الحج، لكن المعروف في متون الحنابلة موافقته للشافعية.
(4 -
باب سجدة النجم. . .) إلخ
أسقطها مالك في ظاهر الرواية والشافعي في القديم إذ قالا: ليس في المفصَّل سجدة، وكذا قال جماعة، ذكر أسماءهم العيني
(2)
في المذهب الثاني من المذاهب العشرة في السجود، وأسقط النجم خاصة أبو ثور كما في المذهب الخامس، وتقدم مذاهب الأئمة الأربعة في الباب السابق.
(5 -
باب سجود المسلمين مع المشركين)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(3)
: أراد بذلك إثبات أنه لا يتوقف السجود على الطهارة، والاستدلال بالرواية من حيث إنه ذكر فيها سجود
(1)
"أوجز المسالك"(4/ 291).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 344).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 209 - 214).
المشركين، ومن الظاهر أنهم لم يكونوا على وضوء، ولم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وأيضًا فإن المذكور فيها سجود المشركين والمسلمين، ولم يذكر فيها أن المسلمين كانوا على وضوء أو على غير وضوء، فيستوي الأمران فيها، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(1)
: قوله: "كان ابن عمر رضي الله عنهما يسجد على غير وضوء"، كذا لأكثر الرواة، وفي رواية الأصيلي بحذف "غير"، والأول أولى، ولم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلّا الشعبي، انتهى.
قلت: وظاهر ترجمة البخاري أنه ذهب أيضًا إلى جواز السجدة بلا وضوء، وقال السندي
(2)
: أراد أن اختلاط المشركين بالمسلمين لا يضر في سجود المسلمين، مع أن المشرك نجس غير متوضئ، وقوله:"كان ابن عمر. . ." إلخ، بمنزلة الترقي في ذلك، أي: بل كان ابن عمر لا يوجب الوضوء للسجود، فكيف يضر اختلاط المشرك النجس؟ ولم يرد اختيار قول ابن عمر، والاستدلال عليه بسجود المشركين ضرورة أن فعل المشرك ما كان إلّا صورة السجود لا معناه، فلا وجه للاستدلال به، انتهى.
قال الحافظ: اعترض ابن بطال
(3)
: إن أراد البخاري الاحتجاج لابن عمر بسجود المشركين فلا حجة فيه؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة، وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله: والمشرك نجس، فهو أشبه بالصواب، وأجاب ابن رُشيد بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر على السجود مع عدم أهليته، فالمتأهل لذلك أحرى، ويؤيده الحديث بأن من لم يسجد عوقب عليه، انتهى.
وما ذكر الشرَّاح ههنا في سبب سجود المشركين من قصة الغرانيق
(1)
"فتح الباري"(2/ 553).
(2)
"حاشية السندي"(1/ 190).
(3)
"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (3/ 57).
بسط الكلام عليه شيخنا في "البذل"
(1)
، وهذا العبد في هامش "اللامع" فارجع إليه لو شئت، وفيه: والذي اختاره الشيخ الكَنكَوهي في "الكوكب" هو الذي اختاره شيخ المشايخ في "تراجمه"
(2)
، إذ قال: ذكر المفسرون في هذه القصة أنه جرى على لسانه صلى الله عليه وسلم من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، فلذلك سجد المشركون معه حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينهم؛ لأنه يثني على آلهتنا، لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثين، بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه صلى الله عليه وسلم، والقصة موضوعة كما قال الذهبي وغيره من المحدثين، وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير المخلوقات أنه تسلَّط عليه الشيطان، حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات، ثم حاشا هذا، وقد قال الله تعالى في حق عامة الصلحاء:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]، فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع يوم المحشر الذي أقسم الله بعمره فقال:"لعمرك يا حبيبي"، بل الحق أن المشركين إنما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(6 -
باب من قرأ السجدة ولم يسجد)
قال الحافظ
(3)
: يشير بذلك إلى الرد على من احتج بحديث الباب على أن المفصَّل لا سجود فيه كالمالكية، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور؛ لأن ترك السجود فيها لا يدل على تركه مطلقًا لاحتمال أنه كان إذ ذاك بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة، أو ترك لبيان الجواز، وبه جزم الشافعي، انتهى.
وعلى هذا فتكون الترجمة شارحة بأن عدم سجوده صلى الله عليه وسلم كان لعارض، وأيضًا فيه تأييد لظاهر الرواية عن الحنفية أن وجوبها على التراخي، ورواية
(1)
"بذل المجهود"(6/ 71 - 74)، و"لامع الدراري"(4/ 211).
(2)
(ص 301).
(3)
"فتح الباري"(2/ 555).
التاتارخانية على الفور شاذة كما في "الفيض"
(1)
.
ويمكن أن يقال: إن غرض المصنف أن السجدة سواء كانت واجبة أو سُنَّة ليست على الفور، وحديث الباب استدل به من لم يرَ السجدة واجبة كما استدل به الزرقاني عليه كما في "الأوجز"، ومن أوجبها حمله على ما تقدم من الوجوه في كلام الحافظ.
(7 -
باب سجدة {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} )
فيه تعريض على المالكية؛ لأنه ليس عندهم في المفصَّل سجدة، كذا في "الفيض"
(2)
.
(8 -
باب من سجد لسجود القارئ)
إشارة إلى مسألة خلافية كما ستأتي، وظاهر لفظ الترجمة أن ميل المؤلف إلى مسلك الحنابلة والمالكية، وبه جزم الحافظ، إذ قال
(3)
: وفي الترجمة إشارة إلى أن القارئ إذا لم يسجد لم يسجد السامع، انتهى.
والصحيح من مسالك الأئمة الأربعة ما في هامش "اللامع"
(4)
، إذ قال: والجملة أن السجدة واجبة عندنا الحنفية على التالي والسامع مطلقًا قولًا واحدًا، سواء قصد السماع أم لا؟ وسواء كان التالي أهلًا للإمامة أم لا؟ وهكذا عند الشافعية في المرجح عندهم كما في فروعهم، إلا أن السجدة ليست بواجبة عندهم بل سُنَّة، كما سيأتي مفصلًا، فقالوا: إنها سُنَّة للسامع ومؤكدة على المستمع، وعند الحنابلة السجدة على السامع مشروط بثلاثة شروط: الاستماع، أي: قصد السماع، وأهلية التالي الإمامة للسامع، وسجدة التالي، وهكذا عند المالكية مع شرط رابع أن لا يقصد بتلاوته إسماع الناس، انتهى.
(1)
"فيض الباري"(2/ 391).
(2)
المصدر السابق (2/ 392).
(3)
"فتح الباري"(2/ 556).
(4)
انظر: "لامع الدراري"(4/ 215).
(9 -
باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: لعله قصد بذلك إثبات أن السجود حتم لا يترك لعذر، والذي ترجم بعد ذلك بهذا العنوان لا يعنيه، فالغرض منه بيان الحكم لمن لم يجد موضعًا للسجود للزحمة ماذا يفعل، هل يؤخر إلى وقت غير وقته هذا، أو يسجد على ظهر آخر، أو يسقط عنه على حسب اختلافهم في ذلك؟ ولعدم تعيين إحدى الاحتمالات ترك الخبر مبهمًا، ولا يظهر من الرواية المذكورة ثمة شيء، انتهى.
وفي هامشه: وهذا واضح جيد، والعجب أن الشرَّاح كلهم سكتوا عن غرض الترجمة ههنا، وكذا سكتوا عن بيان الفرق بين الترجمتين، انتهى.
(10 -
باب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود)
أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى المسألة الخلافية الشهيرة في سجدة التلاوة، هل هي واجبة أم لا؟ وكأن الإمام البخاري لم يوافق قول من أنكر الوجوب، ولذا ترجم بلفظ:"من رأى" كما قالوا في مثل هذه التراجم، كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم، وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز"
(2)
.
والحاصل: أنها واجبة عند الحنفية، وسُنَّة مؤكدة عند الشافعية والحنابلة، وفضيلة أو سُنَّة قولان مشهوران للمالكية، وعن أحمد: أنها واجبة في الصلاة لا خارجها، انتهى من هامش "اللامع"
(3)
.
(11 -
باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها)
أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي قراءة السجدة في الصلاة، بسط الكلام عليها في "الأوجز"
(4)
، والجملة أنها
(1)
"لامع الدراري"(4/ 216).
(2)
"أوجز المسالك"(4/ 275).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 218).
(4)
"أوجز المسالك"(4/ 280).
جائزة بلا كراهة عند الشافعية إلّا أنهم قالوا: لا يقصد بقراءته السجدة في غير صبح جمعة، وإلا فتبطل صلاته لو سجد عالمًا بتحريمه، وعند الحنابلة مكروه في السرية دون الجهرية، فلو قرأ لم يسجد، وعند الحنفية كما في "الدر المختار"
(1)
: يكره للإمام أن يقرأها في مخافتة، ونحو جمعة وعيد، وإلّا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو بسجودها، وأما مذهب المالكية فقد تقدم في "باب سجدة تنزيل السجدة".
(12 -
باب من لم يجد موضعًا للسجود. . .) إلخ
تقدم الفرق بين هذا الباب وبين ما سبق من "باب ازدحام الناس. . ." إلخ، قال الحافظ
(2)
: أي: ماذا يفعل؟ قال ابن بطال
(3)
: لم أجد هذه المسألة إلّا في سجود الفريضة، وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة، واختلف السلف، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون وأحمد، وقال عطاء: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك والجمهور، وظاهر صنيع البخاري أنه يذهب إلى أنه يسجد بقدر استطاعته ولو على ظهر أخيه، انتهى من هامش "اللامع"
(4)
.
ثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، ولا يبعد عندي أن يقال: إن السجود هبوط إلى الأرض شبيه بالهبوط إلى القبر، أو يقال: إنه يستأنس من قوله: ما يجد أحدنا مكانًا. . . إلخ، ففيه إشارة إلى كثرة الأموات حتى لا يجد موضعًا للدفن.
* * *
(1)
انظر: "الدر المختار"(2/ 720).
(2)
"فتح الباري"(2/ 560).
(3)
"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (3/ 64).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 216).
18 -
أبواب تقصير الصلاة
ههنا خمسة أبحاث:
الأول: في حكم القصر، والثاني: في المسافة التي يقصر فيها، والثالث: في السفر الذي يقصر فيه، والرابع: في الموضع الذي يبدأ منه القصر، والخامس: في مقدار الزمان الذي يقصر فيه المسافر إذا قام في موضع، بسط الكلام على هذه المباحث في "الأوجز"
(1)
، وسيأتي أكثر هذه المباحث في الأبواب الآتية.
(1 -
باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر)
قال الحافظ
(2)
: في هذه الترجمة إشكال؛ لأن الإقامة ليست سببًا للقصر، ولا القصر غاية للإقامة، فقيل: إنه انقلب اللفظ، والمعنى: كم يقصر حتى يقيم؟ وقيل: كم مدة يقيم حتى يقصر؟ وعدد الأيام المذكورة سبب لمعرفة جواز القصر فيه فيها، انتهى من "الفيض"
(3)
.
ثم الترجمة مشتملة على جزئين:
الأول: قوله ما جاء في التقصير، ولعل المصنف أشار به إلى حكم التقصير من كونه واجبًا أو مباحًا، فإن المسألة خلافية شهيرة كما ستأتي، ولما لم يكن له حديث عند المؤلف على شرطه لم يورده، بل أشار في الترجمة إلى الاختلاف، وأوجه منه أنه أشار به إلى مبدأ القصر كما هو دأبه في جميع كتابه.
والجزء الثاني من الترجمة: هو قوله: "وكم يقيم حتى يقصر"، وأشار
(1)
"أوجز المسالك"(3/ 158).
(2)
"فتح الباري"(2/ 561).
(3)
"فيض الباري"(2/ 394).
بذلك إلى مسألة أخرى خلافية أيضًا، وهي اختلافهم في المدة التي إذا نوى المسافر الإقامة فيها لزمه الإتمام.
أما المسألة الأولى ففي هامش "اللامع"
(1)
: اختلفوا في حكم القصر، أما الحنفية فقالوا بوجوبه قولًا واحدًا. واختلفت الروايات عن الإمام الشافعي، وأشهرها أنه رخصة، والإتمام أفضل. وكذلك اختلفت الروايات عن الإمام مالك، فروى عنه أشهب أنه فرض، وأشهرها أنه سُنَّة عنده. وكذلك اختلفت الروايات عن الإمام أحمد، فرُوي عنه أنه فرض، وعنه أنه سُنَّة، وعنه أنه أفضل، وعنه: إني أحب العافية عن هذه المسألة.
وأما المسألة الثانية، أعني: مبدأ القصر، فالذي يظهر لهذا العبد الضعيف، وبه تجتمع الأدلة، أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء الثانية ركعتين إلّا المغرب، ثم زيد عقيب الهجرة إلا الصبح، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية نصف منها في السفر عند نزول قوله تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101].
قال الحافظ
(2)
: ذكر ابن الأثير أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة للهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره أن نزول الآية كان فيها، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدولابي، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا، انتهى من هامش "اللامع".
وأما المسألة الثالثة: ففي "الأوجز"
(3)
: بلغ ابن عبد البر في "الاستذكار" أقوال العلماء في ذلك إلى أحد عشر قولًا، وذكر العيني في "شرح البخاري"
(4)
اختلاف الأقوال في ذلك على اثنين وعشرين قولًا، نتركها اختصارًا، قال ابن رشد في "البداية"
(5)
: الأشهر منها هو ما عليه
(1)
"لامع الدراري"(4/ 221).
(2)
"فتح الباري"(1/ 465).
(3)
"أوجز المسالك"(3/ 195).
(4)
"عمدة القاري"(5/ 371 - 372).
(5)
"بداية المجتهد"(1/ 169).
فقهاء الأمصار، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: مذهب مالك والشافعي أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم، والثاني: مذهب أبي حنيفة والثوري أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يومًا أتمّ، والثالث: مذهب أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتمّ، انتهى. وذلك بأن ينوي الإقامة إلى إحدى وعشرين صلاة.
وفي "فيض الباري"
(1)
: اعلم أنه لم يبلغ حديث مرفوع في تحديد مدة القصر إلى مرتبة الصحة، وحديث ابن عباس في فتح مكة، ومدة الإقامة فيه تسعة عشر، على اختلاف فيه، وحديث أنس ثاني حديث الباب في حجة الوداع ومدة الإقامة فيها، انتهى.
قلت: والظاهر أن ميل المصنف في هذه المسألة إلى ما ذهب إليه ابن عباس.
(2 -
باب الصلاة بمِنى)
قال الحافظان ابن حجر والعيني
(2)
: لم يذكر حكم المسألة لقوة الخلاف فيها، انتهى.
قلت: اختلفوا في القصر بمنى وعرفات أنه للسفر أو للنسك، فعند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد أنه للسفر، ولذا قالوا: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات لانتفاء مسافة القصر، وأما عند الإمام مالك فالمشهور على الألسنة بل في أكثر الشروح أن القصر عنده للنسك لا للسفر. وهو غير صحيح كما بسط في "الأوجز"
(3)
عن فروع المالكية.
وفي هامش "اللامع"
(4)
: الأوجه عندي أن القصر عند مالك أيضًا لا للسفر كما صرح به في "الموطأ"، لكن يكفي عنده مطلق السفر لا السفر
(1)
"فيض الباري"(2/ 394).
(2)
"فتح الباري"(2/ 563)، و"عمدة القاري"(5/ 374).
(3)
"أوجز المسالك"(8/ 232).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 218).
الشرعي، ولذلك لا يقصر أهل مكة بمكة، وأهل منى بمنى عنده؛ لأنهم مقيمون في أوطانهم، ولو كان القصر للنسك عنده ليقصرون، انتهى من "جزء حجة الوداع"
(1)
.
(3 -
باب كم أقام النبي صلى الله عليه وسلم في حجته
؟)
قال القسطلاني
(2)
تبعًا للحافظ تحت حديث الباب: قوله: لصبح رابعة، أي: من ذي الحجة، وخرج إلى منى في الثامن فصلى بمكة إحدى وعشرين صلاة من أول ظهر الرابع، إلى آخر ظهر الثامن، فهي أربعة أيام ملفقة، وهذا موضع الترجمة وإن لم يصرح في الحديث بغاية فإنها معروفة في الواقع، أو المراد - أي: في الترجمة - إقامته إلى أن توجه إلى المدينة، وهي عشرة أيام سواء كما مر في حديث أنس، انتهى.
(4 -
باب في كم تقصر الصلاة. . .) إلخ
هذا هو البحث الثاني من المباحث الخمسة المشار إليها في أول الباب، ففي "الأوجز"
(3)
: اختلف العلماء في مقدار السفر المبيح للقصر على ما قاله الزرقاني إلى نحو عشرين قولًا.
قال الحافظ
(4)
: هي من المواضع التي انتشر فيها الخلاف جدًا، فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحوًا من عشرين قولًا، وبلغ العلامة العيني
(5)
الأقوال فيها إلى اثنين وعشرين.
قال ابن عبد البر في "الاستذكار"
(6)
: ذهب مالك والشافعي إلى أن الصلاة لا يقصرها المسافر إلا في سيره اليوم التام بالبغل الحسن السير،
(1)
انظر: "جزء الحجة الوداع"(ص 136).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 146)، و"فتح الباري"(2/ 565).
(3)
"أوجز المسالك"(3/ 176).
(4)
"فتح الباري"(2/ 566).
(5)
"عمدة القاري"(5/ 371 - 372).
(6)
"الاستذكار"(6/ 86).
وهو قول أحمد وإسحاق، وقدَّره مالك بأربعة بُرد وثمانية وأربعين ميلًا، وقال الشافعي: ستة وأربعون ميلًا، والأمر متقارب، وقال الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه: لا يقصر المسافر إلّا في المسافة البعيدة المحتاجة إلى الزاد من الأفق إلى الأفق، قال أبو حنيفة: أقل ذلك ثلاثة أيام لا يقصر مسافر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام، وقالت طائفة من أهل الظاهر: يقصر الصلاة كل مسافر في كل سفر، قصيرًا كان أو طويلًا ولو ثلاثة أميال، انتهى. وهكذا ذكر المذاهب ابن رشد في "البداية"
(1)
.
قال الشوكاني
(2)
: وعند ابن حزم ميل واحد، وهو أقل ما قيل فيه، انتهى مختصرًا من "الأوجز".
(5 -
باب يقصر إذا خرج من موضعه)
هذا هو البحث الرابع من المباحث المتقدمة، وميل المؤلف إلى مسلك الجمهور، والغرض من الترجمة تأييد الجمهور والرد على ما نقل عن عطاء وبعض الكوفيين كما سيأتي، قال الإمام مالك في "موطئه": لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية، انتهى.
قال الزرقاني
(3)
: هذا مجمع عليه، وفي الحاشية عن "المحلى": وبه قال أبو حنيفة والشافعي والجمهور، وقال الشوكاني
(4)
: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن مريد السفر يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج منها، واختلفوا فيما قبل الخروج من البيوت، فذهب الجمهور إلى أنه لا بدّ من مفارقة جميع البيوت وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين ولو كان في منزله، ومنهم من قال: إذا ركب قصر إن شاء، انتهى.
وفي "البذل"
(5)
عن العيني: عندنا إذا فارق بيوت المصر يقصر، وقال
(1)
"بداية المجتهد"(1/ 167).
(2)
"نيل الأوطار"(2/ 478).
(3)
"شرح الزرقاني"(1/ 300).
(4)
"نيل الأوطار"(2/ 479).
(5)
"بذل المجهود"(5/ 340).
الشافعي: في البلد يشترط مجاوزة السور لا مجاوزة الأبنية المتصلة بالسور خارجة، ورجح الرافعي القول الأول، مختصرًا من "الأوجز"
(1)
، وحكي عن مجاهد إذا بدأ السفر بالنهار لا يقصر حتى يدخل في الليل، وكذا العكس، قال العيني
(2)
: وعن عطاء وسليمان بن موسى أنهما كانا يبيحان القصر في البلد لمن نوى السفر، انتهى.
قوله: (فلما رجع قيل له. . .) وهذا مجمع عليه عند الأئمة الأربعة وأهل الحديث كما في "الأوجز" عن ابن عبد البر.
(6 -
باب يصلي المغرب ثلاثًا في السفر)
قال الحافظ
(3)
: أراد المصنف أن الأحاديث المطلقة كان يصلي في السفر ركعتين محمولة على المقيدة بأن المغرب بخلاف ذلك، انتهى.
(7 -
باب صلاة التطوع على الدواب. . .) إلخ
اعلم أن في الصلاة على الدابة خلافيات من أنها هل يعم الفرض والنفل؟ وعلى كليهما هل يعم الحضر والسفر؟ وعلى كليهما يختص بالضرورة أم لا؟ وأيضًا يشترط استقبال القبلة عند التحريمة أم لا؟
فهذه الصور كلها طويلة الباع، سيأتي الكلام على بعضها في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.
وفي "الأوجز"
(4)
: قال الباجي: وأكثر العلماء على جواز تنفل المسافر بالليل والنهار على راحلته وعلى الأرض، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل، انتهى.
(1)
"أوجز المسالك"(3/ 189).
(2)
"عمدة القاري"(5/ 393).
(3)
"فتح الباري"(2/ 572).
(4)
"أوجز المسالك"(3/ 205)، و"المنتقى"(1/ 368).
قال الحافظ
(1)
: قال ابن رُشيد: أورد فيه الصلاة على راحلته، فيمكن أن يكون ترجم بأعم ليلحق الحكم بالقياس، ويمكن أن يستفاد ذلك من إطلاق حديث جابر المذكور في الباب، قال الحافظ: وقد تقدم في أبواب الوتر قول ابن المنيِّر: إنه ترجم بالدَّابة تنبيهًا على أن لا فرق بينها وبين البعير في الحكم، انتهى.
قوله: (حيث ما توجهت) قال الحافظ
(2)
: وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار، إلا أن أحمد بن حنبل وأبا ثور استحبَّا أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، انتهى.
وذكر الباجي الإمام الشافعي مع أحمد بن حنبل، وكذا ذكر أهل الفروع من الحنفية اشتراط الاستقبال عند الشافعي، والظاهر أنه وهم؛ لأن الحافظ أعلم بمذهبه، لم يذكر الاستقبال إلا عن أحمد، وفي "المغني"
(3)
: إن أمكن افتتاحها إلى القبلة ففيه روايتان: أحدها: يلزمه، والثانية: لا يلزمه، انتهى.
وهكذا في الفرض عند أحمد روايتان كما صرَّح به في "المغني"، وفي "شرح الإقناع": يجوز ترك القبلة في حالتين: الحالة الأولى: في شدة الخوف فرضًا كانت أو نفلًا، والحالة الثانية: في النافلة في السفر، انتهى.
وفي "الأوجز"
(4)
: لكن مما يجب التنبيه عليه أن قوله: "حيث توجهت به" قيد احتراز، لا يجوز الصلاة على الدابة إلّا إلى حيث توجهت به، فلو صلَّى إلى غير ما توجهت به دابته لا يجوز، صرح به أصحاب الفروع من المالكية والحنابلة والحنفية كما بسط في "الأوجز".
(1)
"فتح الباري"(2/ 573).
(2)
"فتح الباري"(2/ 575).
(3)
"المغني"(2/ 98).
(4)
"أوجز المسالك"(3/ 206).
(8 -
باب الإيماء على الدابة)
قال القسطلاني تحت حديث الباب
(1)
: أي: يشير برأسه إلى الركوع والسجود من غير أن يضع جبهته على ظهر الراحلة، وكان يومئ بالسجود أخفض من الركوع تمييزًا بينهما، انتهى.
وفي "المغني"
(2)
: قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفرًا يقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت، يومئ بالركوع والسجود، انتهى.
وقال في موضع آخر: فإن كان على الراحلة في مكان واسع يدور فيه كيف شاء، ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود، فعليه استقبال القبلة في صلاته، ويسجد على ما هو عليه إن أمكنه ذلك؛ لأنه كراكب السفينة، انتهى.
وما حكى العيني
(3)
في الباب السابق من مذهب الشافعية حيث قال: وجزم أصحاب الشافعي بترخيص الماشي في السفر بالتنفل إلى جهة مقصده، إلا أن مذهبه اشتراط استقبال القبلة في تحريمه، وعند الركوع والسجود، ويشترط كونهما على الأرض، انتهى، لم أجده بعد.
(9 -
باب ينزل للمكتوبة)
تخصيص لعموم الروايات السابقة، قال الحافظ
(4)
: قال ابن بطال: أجمع العلماء على اشتراط ذلك، وأنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر، حاشا ما ذكره في صلاة شدة الخوف، انتهى.
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 160).
(2)
"المغني"(2/ 95 - 97).
(3)
"عمدة القاري"(5/ 403).
(4)
"فتح الباري"(2/ 575)، "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (3/ 90).
(10 -
باب صلاة التطوع على الحمار)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن رُشيد: مقصوده أنه لا يشترط في التطوع على الدابة أن تكون الدابة طاهرة الفضلات، بل الباب في المركوبات واحد بشرط أن لا يماس النجاسة، انتهى.
قلت: وهذا مبني على مسلك من قال بطهارة فضلات المأكول من الحيوان، فإن المسألة خلافية تقدمت في "كتاب الطهارة".
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(2)
: عقد الباب لذلك بعد عقده لصلاة التطوع على الدابة، إما لبيان الأسانيد المتكررة للحديث في هذا الباب فإيراد لفظ:"الحمار" في الترجمة لكونه واردًا في الحديث، وإما لزيادة اهتمام بذلك؛ لأن الحمار بعيد من الرحمة قريب من الشيطان، عسى أن يتوهم فيه أنه لا يجوز النافلة عليه. . . إلى آخر ما بسطه.
قلت: أو لأن الحمار قاطع للصلاة كما ورد في الروايات.
وعلى ما أفاده شيخ المشايخ من الاحتمال الأول تكون الترجمة من الأصل السابع عشر من أصول التراجم، وعلى الاحتمال الثاني تكون من الأصل الثاني والعشرين.
وفي "فيض الباري"
(3)
: اختلف العلماء في ثبوت صلاته صلى الله عليه وسلم على الحمار مع اتفاقهم على جوازها، وأما ترجمة المصنف فمبنية على أثر أنس، انتهى.
قلت: وفيه أن الاستدلال بالموقوف ليس من دأبه الشريف.
(11 -
باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها)
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: الظاهر أنه أراد بذلك عدم التأكد، وإلا فقد ثبت عنه خلافه كما مر، ويمكن أن يكون المراد أنه لم يكن يتطوع
(1)
"فتح الباري"(2/ 576).
(2)
(ص 312).
(3)
"فيض الباري"(2/ 399).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 223 - 224).
السنن القبلية والبعدية وإن كان يتنفل غيرها من نافلة الإشراق والتهجد وغيرها، انتهى.
وفي هامشه: اعلم أولًا: أن الروايات في صلاة التطوع في السفر مختلفة جدًا، يظهر من الروايات الكثيرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يتطوع في السفر، وفي كثير منها أنه صلى الله عليه وسلم لا يتطوع في السفر، فأراد البخاري بهاتين الترجمتين - هذه والآتية بعدها - الجمع بين مختلف ما ورد في ذلك.
وثانيًا: أن نُسخ البخاري مختلفة في ذكر هاتين الترجمتين في لفظ: "قبلها"، ففي نسخ الهندية لفظ:"قبلها" موجودة في البابين، وعليه بنى الشيخ كلامه، وعلى هذه النسخة، فالجمع بين الروايات المختلفة أن روايات الإثبات مبنية على غير الرواتب، وروايات النفي على الرواتب، سواء كانت قبلية أو بعدية، ويشكل على هذا ذكر ركعتي الفجر في الترجمة الثانية، فيؤول بأن ذكرهما بمنزلة الاستثناء، يعني: أن النفي في الرواتب القبلية لما عدا ركعتي الفجر، فإنهما لتأكدهما مستثناة عن ذلك، والنسخة الثانية حذف لفظ:"قبلها" عن البابين معًا، وعلى هذه النسخة بنى الحافظان ابن حجر والعيني شرحيهما، وعلى هذه النسخة لا إشكال في ذكر ركعتي الفجر في الباب الآتي؛ لأنهما أيضًا من جملة غير الدبر، ولذلك رجح الحافظ هذه النسخة، وعلى هذا فالجمع بين الروايات المختلفة أن النفي محمول على السنن البعدية، والإثبات على السنن القبلية.
وههنا نسخة ثالثة ذكرها القسطلاني
(1)
، إذ قال بعد الترجمة الثانية: وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر والأصيلي لفظ: "في غير دبر الصلاة وقبلها"، انتهى.
ثم قال الحافظ
(2)
: نقل النووي أن العلماء اختلفوا في التنفل في السفر على ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، والفرق بين الرواتب
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 164).
(2)
"فتح الباري"(2/ 578).
والمطلقة، وهو مذهب ابن عمر، وأغفلوا قولًا رابعًا، وهو: الفرق بين الليل والنهار في المطلقة، وخامسًا: الفرق بين البعدية وغيرها، وزاد في "الأوجز"
(1)
قولًا سادسًا، وهو مختار ابن القيم في "الهدي"، وهو: التطوع بالوتر وركعتي الفجر دون غيرهما من الرواتب، وذكر في "الفيض"
(2)
قولًا آخر: قال محمد بن الحسن: يتركها إن كان سائرًا، ويصليها إن كان نازلًا، وحكى في "الأوجز" عن النووي استحباب الرواتب عن الشافعي والجمهور.
(12 -
باب من تطوع في السفر. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه في الباب السابق.
(13 -
باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء)
لم يتعرض أحد من الشرَّاح إلى أن المصنف في التبويب غيّر سياق الجمعين، فذكر جمع المغربين مطلقًا، وفرّق جمع العصرين في بابين كما سترى، وأيضًا قدم جمع العشائين على العصرين، ولا يبعد عندي أنه أشار بتغيير السياقين إلى مسلكه في الجمع بين الصلاتين من أنه يجوز عنده الجمع بين العشائين مطلقًا، سواء كان جمع تقديم أو تأخير.
وأما العصرين فيجوز فيهما الجمع تأخيرًا لا تقديمًا، فهذا مذهب سابع سوى المذاهب الستة المشهورة في الجمع بين الصلاتين. الأول: لا يجوز المجمع الزماني، والأحاديث محمولة على الجمع الصوري، وهو مذهب الحنفية. والثاني: يجوز مطلقًا، وهو مذهب الشافعي وأحمد. والثالث: يجوز إذا جدّ به السير، قاله مالك. والرابع: يجوز الجمع تأخيرًا لا تقديمًا، وبه قال ابن حزم. والخامس: يجوز إذا أراد به قطع الطريق، قاله ابن حبيب المالكي. والسادس: أنه مكروه كما روي عن مالك، انتهى
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(3/ 210، 2/ 635).
(2)
"فيض الباري"(2/ 399).
مختصرًا من "الأوجز"
(1)
.
(14 -
باب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء)
قال الحافظ
(2)
: قال ابن رُشيد: ليس في حديثَي الباب تنصيص على الأذان، لكن في حديث ابن عمر منهما "يقيم للمغرب فيصليها"، ولم يرد بالإقامة نفس الأذان، وإنما أراد يقيم للمغرب. وعلى هذا فكأن مراده بالترجمة: هل يؤذن أو يقتصر على الإقامة؟ وجعل حديث أنس مفسرًا بحديث ابن عمر؛ لأن في حديث ابن عمر حكمًا زائدًا.
قال الحافظ: ولعل المصنف أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق حديث ابن عمر كما في الدارقطني بلفظ: "وكان لا ينادي بشيء من الصلاة في السفر".
وقال الكرماني
(3)
: لعل الراوي لما أطلق لفظ الصلاة استفيد منه أن المراد بها التامة بأركانها وشرائطها وسننها، ومن جملتها الأذان والإقامة، انتهى.
قلت: ولأجل عدم كون حديثَي الباب نصًّا في الأذان زاد المؤلف في الترجمة لفظة: "هل" كما هو دأبه في أمثال هذه الأبواب، ثم لم أر المذاهب في هذه المسألة في الشروح التي بأيدينا ولا في "المغني"، والاختلاف في صلاة المزدلفة وعرفة معروف مصرَّح، وهو أيضًا جمع سفر، فلعل المذاهب هناك هو المذاهب ههنا.
(15 -
باب يؤخر الظهر إلى العصر. . .) إلخ
تقدم بعض ما يتعلق بهذا الباب والآتي بعده في "باب الجمع بين العشائين"، وقال الحافظ
(4)
: فيه إشارة إلى أن جمع التأخير عند المصنف يختص بمن ارتحل قبل أن يدخل وقت الظهر، انتهى.
(1)
"أوجز المسالك"(3/ 126).
(2)
"فتح الباري"(2/ 581).
(3)
"شرح الكرماني"(6/ 175).
(4)
"فتح الباري"(2/ 572).
(16 -
باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: أورد فيه حديث أنس المذكور قبله، وفيه:"فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب"، كذا فيه الظهر فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتج من أبى جمع التقديم، ثم بعد ذلك أثبت الحافظ الرواية التي فيها جمع التقديم تأييدًا لمسلكه، فارجع إليه لو شئت، لكن التحقيق أنه لم يثبت في جمع التقديم حديث كما أقر به أبو داود في "سننه" وبسط الكلام عليه الشيخ في "البذل"
(2)
.
(17 -
باب صلاة القاعد)
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: إيراد هذه الأبواب ههنا لمناسبة أن تلك العوارض كثيرًا تعرض للمصلي وهو مسافر، أو لأنهما معًا، أي: السفر والمرض من أسباب التخفيف، فناسب أحدهما الآخر، انتهى.
وقال الحافظ
(4)
: أورد المصنف في أبواب التقصير أبواب الجمع؛ لأنه تقصير بالنسبة إلى الزمان، ثم أبواب صلاة المعذور قاعدًا؛ لأنه تقصير بالنسبة إلى بعض صور الأفعال، ويجمع الجميع الرخصة للمعذور، انتهى. والأوجه عندي: أن ذكر الجمع بين الصلاتين لتكملة أبواب تقصير الصلاة في السفر، وأما ذكر صلاة القاعد فإن الكثرة منها للنوافل ويتنصف فيها الأجر، فهو تقصير بالنسبة إلى الأجر، وذكر صلاة القاعد المعذور - كما سيأتي - فلتكملة صلاة القاعد، انتهى.
قوله: (ومن صلى نائمًا. . .) إلخ، في هذا الحديث إشكال، وهو أنه لا يصح حمله على الفرض ولا النفل، أما الأول فلأن الفرض لا يصح
(1)
"فتح الباري"(2/ 583).
(2)
"بذل المجهود"(5/ 354).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 225).
(4)
"فتح الباري"(2/ 580).
قاعدًا بدون العذر فضلًا عن نصف الأجر، وأما المعذور فلا ينتصف أجره بل يعطى كاملًا، وأما النفل فلا يصح نائمًا بدون العذر عند الجمهور، حتى قال الخطابي وابن عبد البر وغيرهما: أجمعت الأمة على المنع من ذلك، فوجَّهوا الحديث بعدة توجيهات، كما في "الكوكب"
(1)
وهامشه، وحمله السندي على بيان الضابطة إذ قال
(2)
: فالوجه أن يقال: ليس الحديث بمسبوق لبيان صحة الصلاة وفسادها، وإنما هو لبيان تفضيل إحدى الصلاتين الصحيحتين على الأخرى، وصحتهما تعرف من قواعد الصحة من خارج، فحاصل الحديث: أنه إذا صحت الصلاة قاعدًا فهي على نصف صلاة القائم فرضًا كانت أو نفلًا، وكذا إذا صحت الصلاة نائمًا فهي على نصف الصلاة قاعدًا في الأجر، وقولهم: إن المعذور لا ينتقص أجره، ممنوع. . . إلى آخر ما قال.
(18 -
باب صلاة القاعد بالإيماء)
قال الحافظ
(3)
: ليس في الحديث ذكر الإيماء، فقيل: كأنه صحَّف قوله: "نائمًا"، يعني: بنون على اسم الفاعل من النوم، فظنه بإيماء، يعني: بموحدة مصدر أومأ، فلهذا تراجم بذلك، قال الحافظ: ولم يصب في ظنه أن البخاري صحَّفه، والظاهر أن المصنف مال إلى مسلك المالكية من أنه يجوز له الإيماء إذا صلى نفلًا قاعدًا مع القدرة على الركوع والسجود، انتهى.
والأوجه عندي: أن المصنف أشار إلى جواز الصلاة جالسًا بالإيماء عند عدم القدرة على الركوع والسجود، واستدل عليه بجوازها نائمًا بالإيماء فثبت جواز الإيماء قاعدًا بالطريق الأولى.
(1)
"الكوكب الدري"(1/ 346).
(2)
"حاشية السندي"(1/ 195).
(3)
"فتح الباري"(2/ 586).
(19 -
باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب)
لعله أشار بذلك إلى أن الصلاة مضطجعًا مقيدة بعدم القدرة، وهو ليس كالقعود في النوافل.
قال الحافظ
(1)
: قوله: "وقال عطاء: إذا لم يقدر. . ." إلخ، مطابقته للترجمة من جهة أن الجامع بينهما أن العاجز عن أداء فرض ينتقل إلى فرض دونه ولا يترك، وهو حجة على من زعم أن العاجز عن القعود في الصلاة تسقط عنه الصلاة، انتهى.
(20 -
باب إذا صلى قاعدًا ثم صح. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: في هذه الترجمة إشارة إلى الرد على من قال: من افتتح الفريضة قاعدًا لعجزه عن القيام، ثم أطاق القيام وجب عليه الاستئناف، وهو محكي عن محمد بن الحسن، وخفي ذلك على ابن المنيِّر حتى قال: أراد البخاري بهذه الترجمة دفع خيال من تخيل أن الصلاة لا تتبعض، فيجب الاستئناف على من صلى قاعدًا ثم استطاع القيام، وقال ابن بطال
(3)
: هذه الترجمة تتعلق بالفريضة، وحديث الباب يتعلق بالنافلة ووجه استنباط أنه لما جاز في النافلة القعود لغير علة مانعة من القيام، وكان عليه الصلاة والسلام يقوم فيها قبل الركوع، كانت الفريضة التي لا يجوز القعود فيها إلا بعدم القدرة على القيام أولى، انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الترجمة ليست مختصة بالفريضة، بل قوله:"ثم صح" يتعلق بالفريضة، وقوله:"أو وجد خفة" يتعلق بالنافلة، وهذا الشق مطابق للحديث، ويؤخذ ما يتعلق بالشق الآخر بالقياس عليه، انتهى مختصرًا، ثم البراعة في قولها:"وإن كنت نائمة اضطجع"، وبه جزم الحافظ قُدِّس سرُّه.
(1)
المصدر السابق (2/ 587).
(2)
المصدر السابق (2/ 589).
(3)
"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (3/ 104).
19 -
كتاب التهجّد
قال الكرماني
(1)
: التهجد التيقظ من النوم بالليل، والهجود النوم، فمعناه: التجنب عن النوم، انتهى. ولا اختلاف بينهم في أن بدء فرضية التهجد كان بنزول سورة المزمل، واختلف في نسخها متى وقع؟ كما ذكره البخاري في "باب ما نسخ من قيام الليل" وقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} الآية، قال الحافظ في الباب المذكور
(2)
: كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا حتى أنزل الله في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضته، ولم يذكره البخاري لكونه على غير شرطه، ومقتضى ذلك أن النسخ وقع بمكة؛ لأن الإيجاب متقدم على فرض الخمس ليلة الإسراء، وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة، وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ [افتراض] قيام الليل إلّا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(3)
.
(1 -
باب التهجد بالليل. . .) إلخ
اختلفوا في غرض الترجمة، قال الحافظ: قصد البخاري إثبات مشروعية قيام الليل مع عدم التعرض لحكمه، وقد أجمعوا إلّا شذوذًا من القدماء على أن صلاة الليل ليست مفروضة على الأمة، واختلفوا في كونها من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي تصريح المصنف بعدم وجوبه على الأمة قريبًا، انتهى.
(1)
"شرح الكرماني"(6/ 182).
(2)
"فتح الباري"(3/ 22).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 228).
والأوجه عندي: أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى الاختلاف المشهور في تهجده صلى الله عليه وسلم، هل كان واجبًا عليه أو مندوبًا كما يدل عليه تبويبه بالآية الشريفة، وكلا الفريقين لما كانوا تمسكوا بالآية الشريفة على اختلاف بينهم في معنى قوله:{نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] فجعل البخاري الآية ترجمة للتنبيه على الاختلاف في معناه، فقيل: معناه: أنها كانت واجبة عليه صلى الله عليه وسلم، ثم نسخت فصارت نافلة، أي: تطوعًا؛ لأن الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة تكون زيادة في كثرة الثواب، فلهذا سمي نافلة، وأما الذين قالوا: إنها كانت واجبة عليه قالوا: معنى كونها نافلة لك، أي: فريضة زائدة لك، خصِّصت بها من بين الأمة، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
(2 -
باب فضل قيام الليل)
قال الحافظ
(2)
: أورد فيه حديث ابن عمر في رؤياه، وكأن المصنف لم يصح عنده حديث صريح في هذا الباب فاكتفى بحديثه، وقد أخرج فيه مسلم حديث أبي هريرة:"أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"، وكأن البخاري توقف فيه للاختلاف في وصله وإرساله، وفي رفعه ووقفه، انتهى.
(3 -
باب طول السجود في قيام الليل)
قال القسطلاني
(3)
: أي: للدعاء والتضرع إلى الله تبارك وتعالى، إذ هو أبلغ أحوال التواضع والتذلل، ومن ثمّ كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، انتهى.
ولا يبعد أن يكون إشارة إلى رد من قال: إن الأفضل في النهار كثرة السجود، وفي الليل طول القيام. لكن يشكل عليه أنه سيأتي قريبًا "باب
(1)
"لامع الدراري"(4/ 229 - 230).
(2)
"فتح الباري"(3/ 6).
(3)
"إرشاد الساري"(3/ 193).
طول القيام في صلاة الليل"، فالأوجه أنه أشار بالترجمة إلى تعيين أحد الاحتمالين في هذه السجدة المذكورة في حديث الباب بأنها كانت سجدة الصلاة لا بعدها سجدة منفردة، وعلى هذا تكون الترجمة شارحة.
وفي "الفيض"
(1)
: إن النسائي بوّب على الحديث بأن تلك السجدة الطويلة كانت على حدة لا في ضمن الصلاة، قلت: وهو بعيد عن الصواب، بل كانت من أركان الصلاة، أما السجدة المفردة فاستحبها الشافعية في أوقات مختلفة بأن يسجد بها متى شاء، وهذا في غير موضع الشكر أيضًا، قلت: ولا أصل لها عندنا، نعم في الكتب في سجدة الشكر قولان، ولا بدّ من القول بالجواز، وأما ما اعتاد بها الناس بعد الوتر والتراويح فمنع عنها في "الكبيري" شرح "المنية"، انتهى.
وقال الشيخ في "البذل"
(2)
: وكونها سجدة الصلاة مبني على لفظ الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، وأما لفظ رواية أبي داود "ويوتر بواحدة، ويمكث في سجوده. . ." إلخ، فهو محتمل لسجدة الشكر وسجدة الصلاة. . . إلى آخر ما قال.
(4 -
باب ترك القيام للمريض)
قال القسطلاني
(3)
: أي: ترك قيام الليل للمريض، انتهى.
قوله: (اشتكى) قال الحافظ
(4)
: أي: مرض، ولم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تفسير هذه الشكاية. وقال أيضًا: استشكل أبو القاسم ابن الورد مطابقة حديث جندب - ثاني حديثي الباب - للترجمة، وتبعه ابن التين فقال: احتباس جبريل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه، انتهى.
وقد ظهر بسياق تكملة المتن وجه المطابقة، وذلك أنه أراد أن ينبه
(1)
"فيض الباري"(2/ 411).
(2)
"بذل المجهود"(5/ 586).
(3)
"إرشاد الساري"(3/ 194).
(4)
"فتح الباري"(3/ 8).
على أن الحديث واحد لاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفًا لكنه في قصة واحدة، انتهى مختصرًا.
وإلى هذا الإشكال والجواب أشار شيخ المشايخ في "تراجمه"
(1)
، وتقدم في الأصل التاسع والعشرين من أصول التراجم المذكورة في المقدمة.
قال القسطلاني تحت حديث جندب
(2)
: هذا الحديث قد رواه شعبة عن الأسود بلفظ آخر أخرجه المصنف في "التفسير"، قال:"قالت امرأة: يا رسول الله! ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك"، قال في "الفتح"
(3)
: وهذه المرأة فيما يظهر لي غير المرأة المذكورة في حديث سفيان؛ لأن هذه عبَّرت بقولها: صاحبك، وتلك عبَّرت بقولها: شيطانك، وهذه عبَّرت بقولها: يا رسول الله، وتلك عبرت بقولها: يا محمد، وسياق هذه يشعر بأنها قالته توجعًا وتأسفًا، وتلك قالته شماتةً وتهكمًا، انتهى.
(5 -
باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر: اشتملت الترجمة على أمرين: التحريض، ونفي الإيجاب، فحديث أم سلمة وعلي رضي الله تعالى عنهما للأول، وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها للثاني، قال الحافظ: بل يؤخذ من الأحاديث الأربعة نفي الإيجاب، ويؤخذ التحريض من حديثي عائشة من قولها:"كان يدع العمل وهو يحبه"؛ لأن كل شيء أحبه استلزم التحريض عليه، لولا ما عارضه من خشية الافتراض، انتهى.
قال القسطلاني
(5)
تبعًا للحافظ: يحتمل أن يكون قوله: "على قيام الليل" أعم من الصلاة والقراءة والذكر والشكر وغير ذلك، وحينئذ يكون قوله:"والنوافل" من عطف الخاص على العام، انتهى.
(1)
(ص 315).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 195).
(3)
"فتح الباري"(3/ 9).
(4)
"فتح الباري"(3/ 10).
(5)
"إرشاد الساري"(3/ 195).
وقال الحافظ: وتقدم حديث أم سلمة والكلام عليه في "كتاب العلم"، قال ابن رُشيد: كأن البخاري فهم أن المراد بالإيقاظ الإيقاظ للصلاة لا لمجرد الإخبار؛ لأنه لو كان لمجرد الإخبار لكان يمكن تأخيره إلى النهار؛ لأنه لا يفوت. . . إلى آخر ما قال. وتقدم في أول أبواب التهجد قول الحافظ: وسيأتي تصريح المصنف بعد وجوبه على الأمة، انتهى. وتقدم بيان الاختلاف هناك.
(6 -
باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تَرِم قدماه. . .) إلخ
قوله: (ترم) بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء من الورم، وسقط هذا اللفظ من بعض الروايات، قاله القسطلاني
(1)
وغيره.
والغرض من الترجمة عندي أن ما تقدم في الباب السابق من قوله: "من غير إيجاب" ليس بمعنى قلة المبالاة، فإنه صلى الله عليه وسلم بالاه حتى ترم قدماه. أو يقال: إن ما سيأتي من الكراهة في التشديد في العبادة حيث كان محتملًا للملال، أما إذ لا فلا.
(7 -
باب من نام عند السحر)
لا يبعد عندي في غرض الترجمة أن ظاهر قوله عزَّ اسمه: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18]، وما ورد من الروايات من نزوله تعالى في الثلث الآخِر من الليل يشير إلى أن النوم في هذا الثلث يكون خلاف الأولى، فدفعه المصنف بهذا.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
وقوله: "ينام سدسه"، فيه الترجمة؛ لأن المراد بالسدس السدس الآخِر، ولا يكون إلا سحرًا، انتهى.
وبسط الكلام على هذا الباب في هامشه.
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 201).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 236).
(8 -
باب من تسحَّر فلم ينم حتى صلَّى الصبح)
قال الحافظ
(1)
في الباب السابق تحت حديث عائشة: "ما ألفاه السَّحَر عندي إلا نائمًا": قال ابن التين: قولها: "إلّا نائمًا"، تعني: مضطجعًا على جنبه؛ لأنها قالت: في حديث آخر: "فإن كنت يقظانة حدثني وإلا اضطجع"، وتعقبه ابن رُشيد بأنه لا ضرورة لحمل هذا التأويل؛ لأن السياق ظاهر في النوم حقيقة، وظاهر في المداومة على ذلك، ولا يلزم من أنه كان ربما لم ينم وقت السحر هذا التأويل، فدار الأمر بين حمل النوم على مجاز التشبيه، أو حمل التعميم على إرادة التخصيص، والثاني أرجح، وإليه ميل البخاري؛ لأنه قد ترجم بقوله:"من نام عند السحر"، ثم ترجم عقبه بقوله:"من تسحَّر فلم ينم"، فأومأ إلى تخصيص رمضان من غيره، فكأن العادة جرت في جميع السنة أنه كان ينام عند السحر إلّا في رمضان؛ فإنه كان يتشاغل بالسحور في آخر الليل، ثم يخرج إلى صلاة الصبح عقبه.
وقال ابن بطال
(2)
: النوم وقت السحر كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي الطوال وفي غير شهر رمضان، كذا قال، ويحتاج في إخراج الليال القصار إلى دليل، انتهى ما في "الفتح".
(9 -
باب طول الصلاة في قيام الليل)
وفي نسخة الحافظ: "طول القيام في صلاة الليل"، وهو الأوجه لموافقة الرواية، لكن العجب عن الحافظ، إذ قال
(3)
: إن الحديث موافق لطول الصلاة لا لطول القيام، فتأمل.
قوله: (يشوص فاه بالسواك) أشكل إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة، فقيل: من الناسخ، وقيل: كان بياضًا للترجمة فخلطه الكاتب،
(1)
"فتح الباري"(3/ 18).
(2)
"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (3/ 123).
(3)
"فتح الباري"(3/ 19).
وقيل: أعجلته المنية، وقيل: أشار إلى ما فيه من الاهتمام والتهيؤ، والتخفيف لا يتهيأ له، وقيل: الترجمة في قوله: "قام" وكان معلومًا من دأبه صلى الله عليه وسلم طول القيام، ورجح هذا التوجيه الحافظ، وقيل: أراد به استحضار حديث حذيفة الذي رواه مسلم عنه: "أنه صلَّى مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، وكان إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبَّح، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم قام نحوًا مما ركع"، الحديث، فلعلَّه صلى الله عليه وسلم أحيا تلك الليلة كلّها، فيقتضي تلك تطويل الصلاة، وإنما لم يخرجه لكونه على غير شرطه، فإما أن يكون أشار إلى أن الليلة واحدة، أو نَبَّه بأحد حديثي حذيفة على الآخر.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: "يشوص" فيه الترجمة؛ لأن شوص الفم يحصل به شرح الدماغ والتيقظ اللذين يسهل معهما طول القيام.
وقال العلامة السندي
(1)
ما حاصله: من يهتم بهذا وهو أدب، فلا بدّ أن يهتم بالطول، وهو أفضل منه، انتهى من هامش "اللامع"
(2)
مختصرًا.
(10 -
باب كيف صلاة الليل. . .) إلخ
وهذا باب ثامن من التراجم المصدرة بلفظ: "كيف"، وهذه الترجمة تشتمل على جزئين، الأول: الكيفية، والثاني: عدد ركعات صلاة الليل، فالحديث الأول يطابق الجزء الأول منها، والأحاديث الباقية للجزء الثاني.
واختلفت الروايات في عدد الركعات، ففي "الأوجز"
(3)
عن الباجي تحت حديث عائشة: وروايتها تحتمل وجهين:
أحدهما: أنه كان صلى الله عليه وسلم تختلف صلاته بالليل؛ لأنه لا حدّ لصلاة
(1)
انظر: "حاشية السندي"(1/ 198).
(2)
انظر: "لامع الدراري"(4/ 239 - 241).
(3)
"أوجز المسالك"(2/ 584)، و"المنتقى"(1/ 216).
الليل، فمرّةً كانت تخبر بما شاهدت منه في وقتٍ ما، ومرةً كانت تخبر بما شاهدت منه صلى الله عليه وسلم في غيره، وإنما قالت:"إنه صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة"، تريد صلاته المعتادة الغالبة، وإن كان ربما يزيد في بعض الأوقات على ذلك، فقصدت في تلك الروايات الإخبار عن غالب صلاته صلى الله عليه وسلم، وذكرت في هذه الرواية أكثر ما كانت تنتهي إليه صلاته صلى الله عليه وسلم في الأغلب.
والوجه الثاني: أن تكون رضي الله تعالى عنها تقصد في بعض الأوقات الإخبار عن جميع صلاته في ليلة، وتقصد في وقت ثان إلى ذكر نوع من صلاته في الليل، وجميع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رواية عائشة خمس عشرة مع الركعتين الخفيفتين وركعتي الفجر، فعائشة كانت تخبر بالأمر على وجوه شتى، ولعله أن يكون ذلك على قدر أسباب السؤال، انتهى.
(11 -
باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: الظاهر من الترجمة أن قيام الليل منسوخ من النبي صلى الله عليه وسلم والأمة جميعًا، انتهى.
وفي هامشه: كما يدل عليه لفظ الترجمة: "وما نسخ من قيام الليل" بالإطلاق بعد ذكر قيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ظاهر حديث عائشة عند مسلم قالت:"إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة - يعني: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} -، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضية"، فهذا الحديث أيضًا بظاهره يعم النبي صلى الله عليه وسلم والأمة، وقد تقدم الخلاف في ذلك في أول "كتاب التهجد".
(1)
"لامع الدراري"(4/ 241 - 242).
قال الحافظ
(1)
: استغنى البخاري عن إيراد هذا الحديث - لكونه على غير شرطه - بما أخرجه عن أنس - يعني: حديث الباب -، فإنه يدل على أنه كان ربما نام كل الليل، وهذا دليل التطوع، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، ثم يشكل على الترجمة التكرار بما تقدم من "باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل من غير إيجاب" اللهم إلا أن يقال: إنه محمول في حق الأمة بدون التعرض عن حاله صلى الله عليه وسلم.
(12 -
باب عقد الشيطان على قافية الرأس. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: الظاهر أن الشيطان يعقد على قافية كل نائم، فمن صلى انحلت عقده ومن لا فلا، انتهى.
قلت: يشكل قوله في الترجمة: "إذا لم يصل"؛ لأن الحديث عام، وأجيب بأن المراد بقاء العقد إذا لم يُصَلِّ.
واختار الحافظ
(3)
في مراد المصنف: أن عقد الشيطان مقيد بمن لم يصلِّ العشاء، أي: المراد بالصلاة المنفية صلاة العشاء، ويؤيده ثاني حديثي الباب.
وتعقب العلامة العيني على الحافظ، إذ قال
(4)
: لا قرينة لتقييدها بالعشاء، فظاهر الحديث يدل على أن العقد يكون عند النوم، سواء صلى قبله أو لم يصل، ثم ذكر الروايات الدالة على العموم.
ومال القسطلاني
(5)
إلى قول الحافظ، ومال صاحب "الفيض"
(6)
إلى أن البخاري مال إلى وجوب التهجد، فالمراد صلاته، وأخذه من كلام ابن العربي في شرح الترمذي: قد اختلف الناس في صلاة الليل، ومال البخاري إلى وجوبها، وتعلق بقوله صلى الله عليه وسلم:"يعقد الشيطان"، الحديث.
قلت: وفيه أنه يخالف تصريح البخاري بما سبق قوله: من غير إيجاب.
(1)
"فتح الباري"(3/ 22).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 243 - 247).
(3)
"فتح الباري"(3/ 24).
(4)
"عمدة القاري"(5/ 479).
(5)
"إرشاد الساري"(3/ 217).
(6)
"فيض الباري"(2/ 414).
(13 -
باب إذا نام ولم يصلِّ بال الشيطان في أذنه)
قال الحافظ
(1)
: الترجمة للمستملي وحده، وللباقين باب فقط، وهو بمنزلة الفصل من الباب، وتعلقه بالذي قبله ظاهر، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: قوله: "باب إذا نام ولم يصل" المراد به الصلاة المكتوبة، وإيراد الرواية لما فيه من ذكر النوم ليلته جمعاء، وإن كان الجزاء المذكور ههنا لم يترتب على ترك التهجد بل على كونه ترك المكتوبة، انتهى.
وفي تقرير المكي: قوله: "ولم يصل"، يعني: الصلاة مطلقًا لا التهجد ولا المكتوبة، وإنما قلنا كذلك؛ لأن حديث:"بال الشيطان" إنما هو في الفرض لا في التهجد، لكن النوم الكذائي يستلزم فوت التهجد أيضًا، فلذلك جعل الحديث أعم من التهجد والفرض، ورتب بول الشيطان في أذنه على فوت كليهما بالنوم، وإن كان هو في الحقيقة مرتبًا على فوت الفرض فقط. . . إلى آخر ما فيه.
واختلف في بول الشيطان فقيل: هو على حقيقته إذ لا مانع منه؛ لأن الشيطان يأكل ويشرب وينكح، وقيل: كناية عن سدّ الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة لا يسمع الذكر، وقيل: معناه أنه ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر، وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه: أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعدّ للبول إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه، وقيل: هو مثل مضروب للغافل عن القيام لثقل النوم؛ كمن وقع البول في أذنه فثقل أذنه وأفسد حسه، انتهى مختصرًا من "الفتح".
(1)
"فتح الباري"(3/ 28).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 250 - 252).
(14 -
باب الدعاء والصلاة من آخر الليل. . .) إلخ
وفي رواية أبي ذر: "باب الدعاء في الصلاة" وليس في الحديث ذكر الصلاة، قال الحافظ
(1)
: زاد يونس في روايته: "ولذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله"، أخرجها الدارقطني، وبهذه الزيادة تظهر مناسبة ذكر الصلاة في الترجمة، ومناسبة الترجمة التي بعد هذه لهذه، انتهى. أو يقال: الصلاة دعاء.
(15 -
باب من نام أول الليل وأحيا آخره)
قال القسطلاني
(2)
: بالصلاة أو القراءة أو الذكر ونحوها، انتهى.
وقال الحافظ: تقدم في الباب الذي قبله ذكر مناسبة الحديث بالباب، انتهى.
(16 -
باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رمضان وغيره)
لعله أشار به إلى أنّ ما ورد في حديث عائشة المراد به التهجد، ولذا أدخله في أبوابه، وأيضًا ذكر في الترجمة:"في رمضان وغيره"، فإن التراويح لا يكون في غير رمضان.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: ومما ينبغي التنبه له أن عائشة لم تذكر ههنا إلّا ما كانت عادته في صلاته بالليل وكان دوامه عليها، فأما ما وقع أحيانًا ونادرًا؛ كصلاته بالقوم في ليالي رمضان فغير متعرض به نفيًا ولا إثباتًا، وذلك كثير في الكلام، فلا يمكن الاحتجاج بمقالتها هذه أنه صلى الله عليه وسلم لم يزد في تلك الليالي الثلاث أيضًا، فإذا ورد بعد ذلك عدد العشرين في شيء من الروايات ولو ضعيفة لم يكن مخالفًا لتلك الروايات الصحاح، فوجب قبولها لعدم المخالفة، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 31).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 225)، و"فتح الباري"(3/ 32).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 252).
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح جدًا، ولذلك ترى المحدثين بأسرهم يبوّبون بصلاة الليل منفردًا وبقيام رمضان [على حدة]، وفي "الأوجز"
(1)
: قال الكرماني: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان التراويح، وبه جزم النووي، إلى آخر ما بسط فيه.
(17 -
باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة عند الطهور. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: كذا ثبت في رواية الكشميهني، ولغيره "بعد الوضوء"، واقتصر بعضهم على الشق الثاني من الترجمة، وعليه اقتصر الإسماعيلي وأكثر الشرَّاح، والشق الأول ليس بظاهر في حديث الباب إلا إن حمل على أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث من حديث بريدة عند الترمذي وابن خزيمة بلفظ:"ما أصابني حدث قط إلّا توضأت عندها"، ولأحمد من حديثه:"ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين"، فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة في أيِّ وقتٍ كان، انتهى.
قوله: "سمعت دفَّ نعليك" أشكل بوجهين، الأول: دخوله الجنة قبل الموت، والثاني: دخول بلال قبله صلى الله عليه وسلم، ورجح الحافظ أن الرواية كانت في النوم، ونوم الأنبياء وحي، ففيه أيضًا فضيلة لبلال بلا مرية، ومشيه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كان من عادته في اليقظة فاتفق مثله في المنام، ولا يلزم من ذلك دخوله قبل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في مقام التابع، انتهى مختصرًا.
وفي "الأوجز"
(3)
تحت قوله عليه الصلاة والسلام: "رأيت أكثر أهلها النساء" الحديث: حمله الشاه ولي الله المحدث الدهلوي على الرؤية المثالية، فقال في ذكر عالم المثال: دلَّت الأحاديث على أن في العالم
(1)
"أوجز المسالك"(2/ 507).
(2)
"فتح الباري"(3/ 34).
(3)
"أوجز المسالك"(4/ 84).
وجودٌ غير عنصري تتمثل فيه المعاني بأجسام مناسبة لها في الصفة تتحقق هناك الأشياء قبل وجودها في الأرض. . . إلى آخر ما قال، انتهى.
وأجاب شيخ المشايخ عن الإشكال الثاني في "تراجمه"
(1)
بالبسط، وحاصله: أنه تخييل خال عن إحساس نفسه ومنزلته، فارجع إليه لو شئت التوضيح.
(18 -
باب ما يكره من التشديد في العبادة)
قال الحافظ
(2)
: قال ابن بطال: إنما يكره ذلك خشية الملال المفضي إلى ترك العبادة، انتهى.
وتقدمت الإشارة إلى هذا الباب في "باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترم قدماه".
(19 -
باب ما يكره من ترك قيام الليل)
لا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى أن الفتور والملال المذكور هو الغاية القصوى، وإلا فمجرد التواني والتكاسل والترك لأجله مكروه غير مرضي.
قال الحافظ
(3)
: قوله: "باب ما يكره. . ." إلخ، أي: إذا أشعر ذلك بالإعراض عن العبادة، وما أحسن ما عقب المصنف هذه الترجمة بالتي قبلها؛ لأن الحاصل منهما الترغيب في ملازمة العبادة، والطريق الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها؛ لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها وهو مذموم، انتهى.
وأجاد صاحب "الفيض"
(4)
بحثًا طويلًا يستنبط منه أن الأحكام ثلاثة: الغرائم كما في قوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] وقد صلى عليه السلام حتى ترم قدماه، والرخص، والقصد. والطبائع أيضًا ثلاثة:
(1)
(ص 317).
(2)
"فتح الباري"(3/ 36)، "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (3/ 144).
(3)
"فتح الباري"(3/ 37 - 38).
(4)
"فيض الباري"(2/ 422).
الأقوياء، والضعفاء، والأوساط. فكل نوع منها يميل إلى ما يناسب طبعه، فارجع إليه لو شئت توضيحه.
(20 -
باب)
بغير ترجمة، في الهامش عن العيني
(1)
: إن المطابقة بترك التشديد، انتهى. فكأنه رجوع إلى ما سبق.
والأوجه عندي: أن الحاصل من ملاحظة الترجمتين السابقتين الاعتدال، وهذا الباب كالنص فيه، أو يقال: إنه إشارة إلى سبب الباب السابق، فإن الإكثار قد يكون سبب الترك، والأوجه منه أن يقال: إن هذا الباب لأشتات ما ورد في فضل التهجد من الروايات المتفرقة، وينتهي هذا الباب إلى المداومة على ركعتي الفجر، والباب الآتي من قبيل باب في باب.
(21 -
باب فضل من تعار من الليل)
التعار اليقظة مع صوت، والتقلب على الفراش ليلًا مع كلام، والمراد في الحديث: استيقظ؛ لأنه قال: "من تعار فقال" فعطف القول على التعار، ويحتمل أن تكون الفاء تفسيرية لما صوّت به المستيقظ؛ لأنه قد يصوت بغير ذكر، فخص الفضل المذكور بمن صوت بما ذكر من ذكر الله تعالى، وهذا هو السر في اختيار لفظ تعار دون استيقظ، وإنما يتفق ذلك لمن تعود الذكر، انتهى.
ومناسبة الحديث الأول للباب ظاهرة، وأما الحديثان الآخران فمناسبتهما خفية، واكتفى العلامة العيني على المناسبة بفضل صلاة الليل فقط، ويحتمل عندي ما تقدم قريبًا أنه باب في باب.
(1)
"عمدة القاري"(5/ 505).
(22 -
باب المداومة على ركعتي الفجر)
أي: شدة اهتمامهما، وسيأتي حكمهما في باب مستقلًا.
(23 -
باب الضجعة على الشق الأيمن. . .) إلخ
اختلفوا فيه على عدة أقوال
(1)
:
أحدها: سُنَّة، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه.
والثاني: مستحب، روي ذلك عن جماعة من الصحابة.
والثالث: أنها واجب مفترض، وهو قول ابن حزم.
والرابع: أنها بدعة، ومن قال به من الصحابة عبد الله بن مسعود.
والخامس: أنه مكروه، روي ذلك عن النخعي ومالك.
والسادس: أنها خلاف الأولى، روي ذلك عن الحسن.
والسابع: أنها للفصل بين ركعتي الفجر وبين الفريضة، وهو محكي عن الشافعي.
والثامن: أنها للاستراحة، وهو مؤدى قول الحنفية.
والتاسع: ما نقل عن ساداتنا الصوفية أنها كانت للنزول عن العرش إلى الفرش.
وفي هامش "البذل"
(2)
: قال ابن العربي: قال مالك: لا بأس به ما لم ير فيه الفضل، وأحمد لا يفعله ولا يمنعه، انتهى. وأثبت ابن القيم كونها بعد الوتر قبل السُّنَّة.
(1)
"عمدة القاري"(5/ 515).
(2)
"بذل المجهود"(5/ 463)، و"عارضة الأحوذي"(2/ 216)، و"زاد المعاد"(1/ 309).
(24 -
باب من تحدث بعد الركعتين. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: يعني بذلك: أن الضجعة ليست بواجبة ولا مؤكدة، انتهى.
وفي "هامشه": وبذلك احتجت الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الوارد بذلك في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره على الاستحباب، وفائدة ذلك الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للمتهجد، وبه جزم ابن العربي، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(25 -
باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى)
قال السندي
(2)
: أي: مطلقًا ليلًا أو نهارًا فقط، وأما ليلًا فغني عن البيان أو قد بيّن سابقًا، انتهى.
والمسألة خلافية، وقد اختلط كلام الشرَّاح ونقلة المذاهب في ذكر مسالك الأئمة ههنا، وذلك لأن ههنا مسألتين طالما اختلطت إحداهما بالأخرى، الأولى: مسألة النهي عن البتيراء، اتفقت فيها الحنفية والمالكية في أنه لا يجوز التنفل بركعة واحدة، ويجوز عند الشافعية والحنابلة، والثانية: مسألة الأفضل في ركعات التطوع، فالأفضل عند الشافعية والحنابلة، مثنى مثنى مطلقًا ليلًا كان أو نهارًا، وتجوز الزيادة على الركعتين عندهما، وأما عند المالكية فالمثنى متعين، تكره الزيادة عليهما، وعندنا الحنفية فالأفضل عند الإمام أبي حنيفة أربع أربع في الليل، وعند صاحبيه في النهار أربع أربع، وفي الليل مثنى مثنى، إذا عرفت ذلك فترجمة البخاري تحتمل أن تكون بيانًا للأفضل، فتكون موافقة للشافعية مخالفة للحنفية والمالكية، ويحتمل أن تكون نهيًا عن الأقل من الركعتين فتكون موافقة للحنفية والمالكية مخالفًا لغيرهم
(3)
.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 258).
(2)
"حاشية السندي"(1/ 202).
(3)
انظر: "لامع الدراري"(4/ 262).
(26 -
باب الحديث بعد ركعتي الفجر)
أشار بذلك إلى الرد على من كرهه، وقد نقله ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ولم يثبت عنه، كذا في "الفتح"
(1)
. وفي "الفيض"
(2)
في "باب من تحدث بعد الركعتين": كرهه الحنفية حتى قال بعضهم: إنه لو تكلم بعد سُنَّة الفجر يعيدها، ورأيت في "المدونة" أن مالكًا رحمه الله تعالى بعد سُنَّة الفجر لم يكن ينحرف عن القبلة حتى يصلي الفرض ولم يكن يتكلم بينهما، انتهى.
وقال الدردير
(3)
: كره الكلام قبل طلوع الشمس لا قبل صلاة الفجر، انتهى.
وأخرج البيهقي
(4)
عن مالك: "أدركت الناس وما يتكلمون حتى تطلع الشمس".
(27 -
باب تعاهد ركعتي الفجر)
أشار بذلك إلى أنهما ليستا بواجبتين خلافًا لمن قاله، واستدل عليه بإطلاق التطوع عليه في الحديث.
(28 -
باب ما يقرأ في ركعتي الفجر)
كتب الشيخ في "اللامع"
(5)
: دلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنهما لما كانتا خفيفتين لا تكون القراءة فيهما إلا قليلة ما كانت وإن لم تتعين السورة، انتهى.
وفي هامشه: قال السندي
(6)
: لم يذكر في الباب ما يدل على تعيين المقروء في ركعتي الفجر، بل ذكر ما يدل على تخفيف القراءة فيهما،
(1)
"فتح الباري"(3/ 45).
(2)
"فيض الباري"(2/ 427).
(3)
"الشرح الكبير"(1/ 505).
(4)
"السنن الكبرى"(2/ 188).
(5)
"لامع الدراري"(4/ 267).
(6)
"حاشية السندي"(1/ 203).
فلذلك قيل: كلمة "ما" استفهامية عن صفة القراءة، أي: هل هي طويلة أو قصيرة؟
قال الحافظ
(1)
: أشار بذلك إلى خلاف من زعم أنه لا يقرأ في ركعتي الفجر أصلًا عن أبي بكر الأصم وإبراهيم ابن علية، فنبَّه على أنه لا بدّ من القراءة، واقتصر عليه؛ لأنه لم يثبت عنده على شرطه تعيين ما يقرأ به فيهما.
واختلف العلماء في القراءة فيهما على أربعة مذاهب حكاها الطحاوي:
أحدها: لا قراءة فيهما، كما ذهب إليه جماعة، منهم ابن الأصم وابن علية وطائفة من الظاهرية.
الثاني: يخفف القراءة فيهما بأم القرآن خاصة، روي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو مشهور مذهب مالك.
الثالث: يخفف بقراءة أم القرآن وسورة قصيرة، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول الشافعي.
الرابع: لا بأس بتطويل القراءة فيهما، روي ذلك عن النخعي، وعن أبي حنيفة: ربما قرأت فيهما حزبين من القرآن، وهو قول أصحابنا، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(29 -
باب التطوع بعد المكتوبة)
قال الحافظ
(2)
: ترجم أولًا بما بعد المكتوبة، ثم ترجم بعد ذلك بما قبل المكتوبة، انتهى.
ولم يذكر الحافظ وجهه، ولعله لتأكد ما بعدها، فتأمل.
والأوجه عندي ما مر.
وقال العيني
(3)
: إنه ذكر ترجمة البعدية مع أن في الحديث القبلية
(1)
"فتح الباري"(3/ 46).
(2)
"فتح الباري"(3/ 50).
(3)
"عمدة القاري"(5/ 535).
أيضًا لشدة اهتمامها، أو من باب الاكتفاء بأحدهما، انتهى.
(30 -
باب من لم يتطوع بعد المكتوبة)
قال الحافظ
(1)
: أورد فيه حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين، ومطابقته للترجمة أن الجمع يقتضي عدم التخلل بين الصلاتين بصلاة راتبة أو غيرها، فيدل على ترك التطوع بعد الأولى وهو المراد، وأما التطوع بعد الثانية فمسكوت عنه، وكذا التطوع قبل الأولى، انتهى.
(31 -
باب صلاة الضحى في السفر)
اختلفت الروايات جدًا في صلاة الضحى إثباتًا ونفيًا، وأراد الإمام البخاري الجمع بين هذه الروايات بتعدد التراجم كما ترى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: قصد المؤلف بإيراد الروايتين المثبتة لها والنافية إياها دفعًا لما يتوهم من تعارض الروايات.
وحاصله: أن النفي والإثبات راجعان إلى شيئين، فالمثبت هي الصلاة مطلقًا، والذي نفاه الراوي هو الدوام أو أداؤها على وجه الإعلان، ثم إن زيادة لفظ:"في السفر" في الترجمة إشارة إلى توجيه آخر لدفع هذا التعارض بأن المنفي في حديث ابن عمر هو الدوام عليها في السفر، وهي المثبتة أيضًا في حديث أم هانئ، فصار الحاصل أنه كان يصليها في سفره أحيانًا ولا يصليها أحيانًا، انتهى.
قلت: ويحتمل أن المصنف أراد إثباتها في السفر، فذكر حديث ابن عمر الدال على النفي بالظن حيث قال: لا إخاله، ثم ذكر بعده حديث أم هانئ المثبت إياها بالجزم.
(1)
"فتح الباري"(3/ 51).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 271 - 273).
(32 -
باب من لم يصلِّ الضحى ورآه واسعًا)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: قوله: "من لم يصل" أي: على وجه التأكد، "ورآه واسعًا" أي: عدم الصلاة أو رأى الصلاة جائزة مع كونها غير متأكدة عنده، انتهى.
وبهذين الاحتمالين شرح الترجمة شرَّاح البخاري، ولأجل اختلاف الروايات فيها اختلفت أقوال السلف والأئمة في حكمها، فبلغت ستة:
الأول: إنها مستحبة، واختلف في عددها، قيل: أقلها ركعتان وأكثرها ثنتا عشر، وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: ركعتان، وقيل: أربع ركعات، وقيل: لا حدّ لأكثره.
والقول الثاني: إنها لا تشرع إلا بسبب.
الثالث: لا تستحب أصلًا.
الرابع: يستحب فعلها تارةً وتركها تارةً بحيث لم يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد.
الخامس: تستحب صلاتها والمواظبة عليها في البيوت.
السادس: إنها بدعة، صحّ ذلك عن رواية عروة عن ابن عمر رضي الله عنهما، انتهى ملخصًا من "الفتح"
(2)
.
وبسط الكلام عليها في "الأوجز"
(3)
، وذكر فيه مسالك الأئمة عن كتب فروعهم، وجملتها: أن الأئمة الأربعة متفقة على استحبابها إلّا أن المرجح عند متأخري الحنابلة من روايتي الإمام عدم المداومة، وأما عند المالكية فتتأكد صلاة الضحى، وأقلّها ركعتان، وعند الشافعية سُنَّة مؤكدة، وعند الحنفية فندب أربع فصاعدًا، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: أنها صلاة واحدة عند الفقهاء والمحدثين، وأما عند مشايخ
(1)
المصدر السابق (4/ 274).
(2)
"فتح الباري"(3/ 56).
(3)
"أوجز المسالك"(3/ 220).
السلوك فهي صلاتان، الأولى: صلاة الإشراق، والثانية: صلاة الضحى، إلى آخر ما فيه.
(33 -
باب صلاة الضحى في الحضر. . .) إلخ
تقدم بعض ما يتعلق به سابقًا، والظاهر عندي أن الإمام أشار بقوله:"قاله عتبان" أنه غير الرجل الضخم المذكور في حديث أنس الآتي، وإلّا فلا وجه لذكره ههنا إلى أن الحافظ جزم بأن القصة الآتية لعتبان لتوافق ترجمة الباب، وبه جزم الشيخ في "اللامع"
(1)
إذ كتب: قوله: "قاله عتبان"، يعني بذلك أن يشير إلى إسناد غير ما هو مذكور ههنا، انتهى.
وقال القسطلاني
(2)
: قوله: "رجل من الأنصار" قيل: هو عتبان بن مالك، أو بعض عمومة أنس، وقد يقال: إن عتبان عم أنس مجازًا لكونهما من الخزرج، لكن كل منهما من بطن، انتهى.
ومطابقة الحديث الأول من الباب من حيث إنه حمله على الحضر جمعًا بين الروايات كما تقدم، أو لما فيه من صوم ثلاثة أيام علامة للحضر أو الوتر على النوم، فإن في السفر لا حاجة إليه لما فيه من سهر الليل عادة على أن السفر مظنة التخفيف، من "الفتح"
(3)
.
(34 -
باب الركعتين قبل الظهر)
قال الحافظ
(4)
: ترجم أولًا بالرواتب التي بعد المكتوبة، ثم أورد ما يتعلق بما قبلها، انتهى.
اختلفوا في الراتبة قبل الظهر هل هي ثنتان أو أربعة؟ فنبه المصنف بالترجمة على مختاره من الركعتين، وذكر في الباب حديث الأربعة استطرادًا لكونه مستدلًا لبعض الأئمة.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 275).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 260).
(3)
"فتح الباري"(3/ 58).
(4)
المصدر السابق (3/ 58).
وجملة الخلاف: أن الرواتب ليست بمؤكدة عند المالكية غير ركعتي الفجر، والأئمة الثلاثة الباقية متفقة على تأكد الرواتب المعروفة للفرائض، ولا خلاف بينهم إلّا في الراتبة القبلية للظهر، فإنها ركعتان عند الشافعي وأحمد، وهي أربع ركعات عند أبي حنيفة وصاحبيه، وهي رواية عن الشافعي غير مرجحة.
(35 -
باب الصلاة قبل المغرب)
لعلّها مندوب عند المصنف إذ ذكرها على صنيع الترجمة السابقة، إلا أن الروايات الواردة فيه ليست كالروايات التي فيها.
قال الحافظ
(1)
: لم يذكر المصنف الصلاة قبل العصر، وقد ورد فيها حديث لأبي هريرة مرفوعًا لفظه:"رحم الله امرأ صلى أربعًا قبل العصر" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، لكن ليس على شرط البخاري، انتهى.
والتطوع قبل المغرب مختلف فيه عند الأئمة، ففي هامش "الكوكب"
(2)
: واختلف فيه السلف أيضًا، وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى الاستحباب، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على عدم الاستحباب إلا ما حكى الترمذي عن أحمد من الاستحباب، فلعله رواية عنه، وصرح أصحاب الفروع من المالكية والشافعية بكراهتهما، وظاهر كلام أحمد أنهما جائزتان، واختلفت الرواية عن الحنفية في الإباحة والكراهة، انتهى ملخصًا.
وتقدم تبويب المصنف "بين كل أذانين صلاة" في "كتاب الأذان".
(36 -
باب صلاة النوافل جماعة)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": وعلماؤنا الحنفية رحمهم الله لم يجوِّزوا من الجماعة إلا ما ثبت كالكسوف والعيدين، وفي النوافل التي لم
(1)
المصدر السابق (3/ 59).
(2)
"الكوكب الدري"(1/ 241).
تثبت الجماعة فيها لا يجوز التداعي لها والاجتماع فيها، نعم يرخص في قيام اثنين أو ثلاثة، وذلك لأنه ثابت كما ورد في صلاته صلى الله عليه وسلم مع أنس وأمه واليتيم وغير ذلك، وذلك لأن في رخصة الصلاة بالجماعة لزوم مفاسد، فلا يقدم عليها إلا لورود نص، مع أن النص مشير إلى خلافه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"أفضل صلاة المرء في بيته"، ويفوت ذلك عند التداعي والاجتماع على إمام معين ولو في بيت أحد منهم، انتهى.
والمسألة خلافية، ففي "المنهل" في حديث انفكاك قدمه صلى الله عليه وسلم ولفظه:"فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة يسبّح جالسًا قال: فقمنا خلفه" الحديث، قال صاحب "المنهل"
(1)
: دل الحديث على جواز الجماعة في النافلة ولو كثرت، وقيَّده المالكية في غير التراويح والعيد ونحوهما بأن تكون الجماعة قليلة كالاثنين والثلاثة، وبأن يكون المكان غير مشتهر، وذهبت الحنفية إلى الكراهة مطلقًا إلا في التراويح والوتر في رمضان، وذهبت الحنابلة والشافعية إلى الجواز مطلقًا، إلا أن الشافعية قالوا بالانفراد فيما عدا التراويح والعيدين ونحوهما، انتهى.
قلت: والصحيح في مذهب الحنفية ما تقدم في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
(37 -
باب التطوع في البيت)
أشار الإمام البخاري بالترجمة إلى اختلاف آخر في أن المراد بالصلاة في حديث الباب النوافل فقط، أو تدخل فيه الفرائض أيضًا.
* * *
(1)
"المنهل العذب المورود"(4/ 330).
[20 -
كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة]
(1 -
باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)
لم يذكر في الترجمة بيت المقدس لما سيبوِّب له مستقلًا، والظاهر أن شد الرحال للصلاة، فثبتت المطابقة، فلا يشكل بأن الحديث ليس فيه فضل الصلاة، ثم إيراد المصنف الباب في أبواب التطوع يدل على أن الفضل للتطوع، ويحتمل الأعم، وبه قال الجمهور خلافًا للطحاوي إذ خصه بالفرض.
قوله: (إلا المسجد الحرام) في الاستثناء ثلاثة أوجه، تفضيل كل واحد منهما، والتساوي بسطت في "الأوجز"
(1)
، وأورد في "تراجم شيخ المشايخ"
(2)
على الإمام الغزالي إذ قدر في المستثنى منه المساجد خاصة، وقال: الأوجه عندي العموم من المساجد والمقابر والأماكن المقدسة.
(2 -
باب مسجد قباء)
قال الحافظ
(3)
: أي: فضله، وقباء - بضم القاف ثم موحدة ممدودة - هو على ثلاثة أميال من المدينة، وسمي باسم بئر هناك، وهو أول مسجد أسَّسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى.
(3 -
باب من أتى مسجد قباء. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: أراد بهذه الترجمة بيان تقييد ما أطلق في التي قبلها؛ لأنه قيَّد فيها في الموقوف بخلاف المرفوع فأطلق، انتهى.
(1)
"أوجز المسالك"(4/ 199 - 203).
(2)
(ص 321).
(3)
"فتح الباري"(3/ 68).
(4)
المصدر السابق (3/ 69).
والغرض عندي من الترجمة أنه لا بأس في تخصيص بعض الأيام ببعض القربات، أو يقال: المقصود بيان سبب تخصيص ابن عمر ذلك في الحديث الماضي.
(4 -
باب إتيان مسجد قباء راكبًا وماشيًا)
قال الحافظ
(1)
: أفرد هذه الترجمة لاشتمال الحديث على حكم آخر غير ما تقدم، وقال أيضًا في فوائد الحديث: وفيه إشارة إلى أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم، وتعقب بأن مجيئه صلى الله عليه وسلم قباء إنما كان لمواصلة الأنصار وتفقد حالهم وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه، وهذا هو السر في تخصيص ذلك بالسبت، انتهى.
(5 -
باب فضل ما بين القبر والمنبر)
قال الحافظ
(2)
: لما ذكر فضل الصلاة في مسجد المدينة أراد أن ينبِّه على أن بعض بقاع المسجد أفضل من بعض، وترجم بذكر القبر، وأورد الحديثين بلفظ البيت؛ لأن القبر صار في البيت، انتهى.
(6 -
باب مسجد بيت المقدس)
أي: فضله، واقتصر عليه الحافظ، ولم يتعرض من أن المصنف ترجم على المسجدين الأولين بفضل الصلاة كما تقدم، ولم يذكر الصلاة ههنا، ولا يبعد أن يكون رأيه التفريق بينه وبينهما كما نقل الحافظ عن ابن المنذر أنه قال: من نذر إتيان أحد من هذه الثلاثة يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى فلا؛ لحديث جابر:"أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: صل ههنا".
ثم براعة الاختتام عندي وكذا عند الحافظ في قوله: "حتى تغرب الشمس".
(1)
المصدر السابق (3/ 69).
(2)
المصدر السابق (3/ 70).
21 -
أبواب العمل في الصلاة
أجمعت الأمة على أن العمل الكثير مفسد للصلاة، والقليل منه ليس بمفسد، ولم ترد في الروايات ضابطة تفصل بينهما، فأئمة الحديث رضي الله عنهم يذكرون الروايات الواردة في فعل بعض الأعمال غير المانعة عن صحة الصلاة، والروايات التي وردت في الأعمال المانعة عن صحتها، ولذا ذكر الإمام البخاري الأبواب المختلفة في هذا المعنى.
وعند هذا العبد الضعيف من هنا إلى "كتاب الجنائز" جميع الأبواب داخلة في هذا المعنى، وأبواب السهو داخلة في ذيلها، كما سأوضحه هناك.
واختلف الفقهاء في الحد الفاصل بين القليل والكثير، فعندنا الحنفية فيه خمسة أقوال، أصحها: ما لا يشك الناظر من بعيد في فاعله أنه ليس في الصلاة، والثاني: أن ما يعمل عادة باليدين كثير وإن عمل بواحدة كالتعميم وشد السراويل، وما عمل بواحدة قليل وإن عمل بهما كحل السراويل ولبس القلنسوة، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(1)
.
(1 -
باب استعانة اليد في الصلاة. . .) إلخ
قال العيني
(2)
: أراد به وضع اليد على شيء في الصلاة إذا كان ذلك في أمر الصلاة، كما وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأس ابن عباس وفتل أذنه وأداره، فترجم بما ذكره مستنبطًا منه في استعانة المصلي بما يتقوى به على صلاته، وقيد بقوله:"إذا كان من أمر الصلاة"؛ لأنه إذا استعان بها في غير أمر الصلاة يكون عبثًا، والعبث في الصلاة مكروه، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 784).
(2)
"عمدة القاري"(3/ 72).
قال الحافظ
(1)
: ظاهر هذه الآثار - المذكورة في الترجمة - يخالف الترجمة؛ لأنها مقيدة بما إذا كان العمل من أمر الصلاة وهي مطلقة، وكأن المصنف أشار إلى أن إطلاقها مقيد بما ذكر ليخرج العبث، ويمكن أن يقال: لها تعلق بالصلاة؛ لأن دفع ما يؤذي المصلي يعين على دوام خشوعه المطلوب في الصلاة، ويدخل في الاستعانة التعلق بالحبل عند التعب والاعتماد على العصا ونحوهما، وقد رخص فيه بعض السلف، إلى أن قال: قال ابن بطال
(2)
: استنبط البخاري منه أنه لما جاز للمصلي أن يستعين بيده في صلاته فيما يختص بغيره، كانت استعانته في أمر نفسه ليتقوى بذلك على صلاته إذا احتاج إليه أولى، انتهى.
قوله: (إلا أن يحك جلدًا. . .) إلخ، ليس من الترجمة كما توهمه الإسماعيلي وتبعه مغلطاي حيث قال: إنه مستثنى من قوله: إذا كان من أمر الصلاة، بل هو من بقية أثر علي، كذلك رواه مسلم بن إبراهيم أحد مشايخ البخاري بسنده بلفظ:"كان علي رضي الله عنه إذا قام إلى الصلاة فكبر ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبًا"، من "الفتح" و"العيني".
(2 -
باب ما ينهى من الكلام في الصلاة)
قال الحافظ
(3)
: في الترجمة إشارة إلى أن بعض الكلام لا ينهى عنه، انتهى.
وفي "الأوجز"
(4)
: الأئمة الأربعة بعد أن أجمعوا على أن من تكلم في صلاته عالمًا عامدًا - وهو لا يريد إصلاح صلاته - أن صلاته فاسدة كما نقل عليه الإجماع ابن المنذر وغيره، اختلفوا في أنواع الكلام التي لا تفسد
(1)
"فتح الباري"(3/ 72).
(2)
"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (185).
(3)
"فتح الباري"(3/ 73).
(4)
"أوجز المسالك"(2/ 292).
الصلاة، وجعل الكلام في "المغني"
(1)
خمسة أقسام، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" من كتب فروع الأئمة إلى أن قال: والحاصل: أن الكلام في الصلاة بأنواعه المتقدمة مفسد للصلاة عند الحنفية، والراجح عند الإمام أحمد، وعند الأئمة الثلاثة قليل الكلام لا يفسدها بالتفصيل المذكور قبل، فعند الإمام أحمد في الراجح عند بعض أصحابه، والمشهور من الإمام مالك: أنه لا يفسدها قليل التكلم لمصلحة الصلاة، وعند الشافعية: قليل التكلم ناسيًا لا يبطلها بشرط أن لا يطيل الفصل، انتهى ملخصًا.
(3 -
باب ما يجوز من التسبيح والحمد. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: قال ابن رُشيد: قيده بالرجال؛ لأن ذلك عنده لا يشرع للنساء، وقد أشعر بذلك تبويبه بعد حيث قال:"باب التصفيق للنساء"، ثم إثبات التسبيح من الحديث قيل: إلحاقًا له بالحمد بجامع الذكر، والصواب أن الحديث مختصر تقدم في "باب من دخل ليؤم الناس" من أبواب الإمامة، وسيأتي في آخر أبواب السهو.
(4 -
باب من سمى قومًا أو سلّم في الصلاة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: يعني بذلك: أدن الصلاة لما كانت يفسدها الكلام يتوقف فسادها على كون اللفظ كلامًا، فمن سمى رجلًا أو سلّم عليه وهو غير مخاطب به لم تفسد صلاته؛ لأن الكلام لم يتحقق، فأما التسمية فقد تحققت في قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم أنج الوليد بن الوليد"، وأما السلام ففي قولهم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني
(4)
: لم يبين في الترجمة حكم الباب ما هو؟ لاشتباه الأمر فيه، قيل: الظاهر الجواز، وفيه نظر؛ لأن هذا منسوخ، فقد
(1)
"المغني"(2/ 445).
(2)
"فتح الباري"(3/ 76).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 276).
(4)
"عمدة القاري"(5/ 599).
كان ذلك مقررًا عندهم، ثم منعهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأمرهم بما يقولون، فنسخ هذا ذاك، انتهى.
واختلف في جواز الدعاء للمعين، كما بسط في هامش "اللامع".
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: يعني: أن السلام على مواجهة رجل يفسد الصلاة، لكن إذا كان على غير مواجهة كما يكون قولنا في الصلاة: السلام عليك أيها النبي فليس بقاطع للصلاة، انتهى.
(5 -
باب التصفيق للنساء)
قال القسطلاني
(2)
تحت حديث الباب: هذا مذهب الجمهور للأمر به في رواية بلفظ: "فليسبح الرجال ولتصفق النساء" خلافًا لمالك حيث قال: التسبيح للرجال والنساء جميعًا، وأما قوله: التصفيق للنساء، أي: من شأنهن في غير الصلاة، وهو على جهة الذم له، انتهى.
(6 -
باب من رجع القهقرى في صلاته. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: يشير بذلك إلى حديث سهل الماضي قريبًا ففيه: "فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ثم رجع القهقرى"، وأما قوله:"أو تقدم" فهو مأخوذ من الحديث أيضًا، ويحتمل أن يكون المراد بحديث سهل ما تقدم في "الجمعة" من صلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر ونزوله القهقرى، انتهى مختصرًا.
(7 -
باب إذا دعت الأم ولدها. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: والاستدلال بالرواية على المدعى من حيث إن عدم إجابتها صار سببًا لإجابة دعائها عليه، فعلم أنه لم يكن محقًا في إتمام صلاته إذ لولا ذلك لما استجيب دعاؤها لعدم كونها
(1)
(ص 323).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 293).
(3)
"فتح الباري"(3/ 77).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 291).
مظلومة مجابة الدعاء حينئذ، وأنت تعلم ما فيه، انتهى.
وحاصل ما في "الفيض"
(1)
: أن جريجًا كان محقًا، ولذا برئه الصبي وإلّا لم يبرئه، لكن باب الدعاء غير باب التشريع، فيمكن إجابة الدعاء مع كون المسألة عدم الإجابة أيضًا، انتهى.
قال الحافظ
(2)
تحت الباب: أي: هل يجب إجابتها أم لا؟ وإذا وجبت هل تبطل الصلاة أو لا؟ وفي المسألتين خلاف، ولذلك حذف المصنف جواب الشرط، انتهى.
قال العيني
(3)
: وفي الحديث دلالة على أن الكلام لم يكن ممنوعًا في الصلاة في شريعتهم، ولذا استجيبت دعوة أمه عليه، وقد كان الكلام مباحًا أولًا في شريعتنا أيضًا، فأما الآن فلا يجوز للمصلي إذا دعته أمه أو غيرها أن يقطع صلاته، لكن العلماء يستحبون أن يخفف صلاته ويجيب أبويه، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(4)
: ويجب قطعها لإغاثة ملهوف، لا لنداء أحد أبويه بلا استغاثة إلا في النفل، انتهى.
وفي "شرح الإقناع"
(5)
: لا تجب إجابة الأبوين في الصلاة بل تحرم في الفرض، وتجوز في النفل، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع".
وأما إجابة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فواجبة عند الجمهور من العلماء، ففي "الأوجز"
(6)
تحت قوله: "نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أُبي بن كعب" الحديث: صرَّح به جماعة من الفحول، وهل تبطل الصلاة بهذه الإجابة أم لا؟ مختلف عند الفقهاء، وصرَّح جماعة بأن الصلاة لا تبطل بذلك، وهو المعتمد عند الشافعية والمالكية، وعند الحنفية مختلف، انتهى.
(1)
"فيض الباري"(2/ 437).
(2)
"فتح الباري"(3/ 78).
(3)
"عمدة القاري"(5/ 606).
(4)
"رد المحتار"(2/ 426).
(5)
"شرح الإقناع"(2/ 85).
(6)
"أوجز المسالك"(2/ 156).
قوله: (أمي وصلاتي) قال مولانا شيخ الهند رحمه الله تعالى: وفي "الأدب المفرد": أنه قاله في نفسه لا أنه تكلم بلسانه؛ فاندفع الاضطراب، انتهى من "الفيض"
(1)
.
(8 -
باب مسح الحصى في الصلاة)
قال الحافظ
(2)
: ترجم بالحصى، والمتن الذي أورده في التراب لينبِّه على إلحاقه به، وأشار بذلك أيضًا إلى ما ورد في بعض الطرق بلفظ: الحصى، كما أخرجه مسلم، وقال الكرماني: ترجم بالحصى؛ لأن الغالب أنه يوجد في التراب، فيلزم من تسويته مسح الحصى، قال الحافظ: وفي رواية أبي داود بلفظ: "فإن كنت لا بدّ فاعلًا فواحدة تسوية الحصى"، انتهى مختصرًا.
(9 -
باب بسط الثوب في الصلاة. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: هو من جملة العمل اليسير في الصلاة، انتهى.
(10 -
باب ما يجوز من العمل في الصلاة)
قال الحافظ: أي: غير ما تقدم، انتهى.
(11 -
باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
تحت قوله الوارد في حديث الباب: "وإني إن كنت أن أرجع. . ." إلخ: إثبات المدعى بهذه القصة باعتبار قياسه عليها، فإنه لما جاز اتباعه إياها جاز تركه الصلاة أيضًا إذا خاف أن تنفلت فلا تبقى عليها يد، انتهى.
وفي هامشه: وعلى هذا إثبات الترجمة يكون بالقياس، وهذا إذا لم
(1)
"فيض الباري"(2/ 437).
(2)
"فتح الباري"(3/ 79).
(3)
المصدر السابق (3/ 80).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 292).
يترك صلاته، وما يظهر من بعض الطرق أنه ترك صلاته فالإثبات أوضح، وسيأتي الحديث في "كتاب الأدب" في "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"يسِّرا ولا تعسِّرا"، وهو نص في ترك الصلاة.
ثم الإمام البخاري ترجم بقوله: (إذا انفلتت) ولم يذكر جوابها، وذكر فيه أثر قتادة الدال على ترك الصلاة وحديث الكسوف الدال على الاستمرار في الصلاة، وحديث أبي برزة محتمل لكليهما، فإن ظاهر رواية عمرو بن مرزوق كما قاله الحافظ بقاء الصلاة، ونص رواية حماد ترك الصلاة كما تقدم، وعادة الإمام البخاري الاستدلال بكلا المحتملين كما تقدم في الأصول الموضوعة، فلا يبعد عند هذا العبد الضعيف المبتلى بالسيئات أن الإمام البخاري ترك الجواب تنبيهًا وإشارةً إلى التفصيل في ذلك من أن المشي القليل غير مفسد كما في حديث الكسوف، والكثير مفسد كما هو مؤدى أثر قتادة، فتأمل. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" من حيث الفقه وشرح الترجمة من تقرير المكي وغيره.
وحديث عائشة ثاني حديث الباب الاستدلال منه بالتقدم والتأخر، وأغرب الكرماني فقال: وجه تعلقه بها أن فيه مذمة تسييب الدواب مطلقًا سواء كان في الصلاة أو خارجها، كذا في "الفتح"
(1)
.
(12 -
باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة)
قال السندي
(2)
: كلمة "ما" يحتمل أن تكون استفهامية، أي: أيّ قسم يجوز من أقسام البصاق والنفخ، أو موصولة، أي: باب القسم الذي يجوز منهما، لكن فيه أن ما ذكره في الكتاب وإن علم منه في البصاق ما يجوز وهو ما في اليسار، وما لا يجوز، لكن لم يعلم في النفخ ذلك، فالوجه أن يجعل النفخ عطفًا على ما يجوز لا على البصاق، أي: وباب النفخ، أو يجعل "ما" موصولة، و"من" في قوله:"من البصاق" بيانية، ويعتبر الجواز في مقابلة
(1)
"فتح الباري"(3/ 83).
(2)
"حاشية السندي"(1/ 10).
الفساد لا في مقابلة الحرمة. . . إلى آخر ما في هامش "اللامع"
(1)
.
قال الحافظ
(2)
: وجه التسوية بينهما أنه ربما ظهر من كل منهما حرفان وهما أقل ما يتألف منه الكلام، وأشار المؤلف إلى أن بعض ذلك يجوز وبعضه لا يجوز، فيحتمل أنه يرى التفرقة بين ما إذا حصل من كل منهما كلام مفهوم أم لا، أو الفرق بين ما إذا كان حصول ذلك محققًا ففعله يضر وإلا فلا، انتهى.
واختلف الفقهاء في النفخ في الصلاة، فكرهه طائفة، روي ذلك عن ابن مسعود والنخعي، وهو قول مالك وأبي يوسف وأحمد، وقيل: هو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة، روي ذلك عن مالك في "المدونة"، وقيل: النفخ إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع وإلّا فلا، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، انتهى. كذا في "العيني".
وفي "الفيض"
(3)
: في "البحر" قولان: قيل: إن كان النفخ مهجأ أفسد الصلاة، وإلّا لا. وقيل: إن كان مسموعًا أفسدها، وإلا لا، انتهى.
وفي هامش "اللامع" عن العيني: وقد فسّر النفخ في الحديث بقوله: أف أف، وبهذا استدل أبو يوسف على أنه لا تفسد صلاته خلافًا لهما، وأجابا بأنه كان ثم نسخ، انتهى.
قلت: يشكل عليه أن هذه القصة كانت سنة عشر من الهجرة، والنسخ كان قبله بكثير، فالأوجه عندي في الجواب أن التأوه بذكر النار لا يفسد كما هو معروف في الفقه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(13 -
باب من صفق جاهلًا من الرجال. . .) إلخ
لم يذكر الحديث في الترجمة وأشار بقوله: "فيه سهل بن سعد. . ." إلخ، إلى حديثه الآتي بعد بابين، وسيأتي في آخر باب من أبواب السهو
(1)
"لامع الدراري"(4/ 297).
(2)
"فتح الباري"(3/ 84).
(3)
"فيض الباري"(2/ 438).
بلفظ التصفيق، ومناسبته للترجمة من جهة أنه لم يأمرهم بالإعادة، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وهذا هو الباب الخامس من الأبواب التي لم يذكر فيها حديث مسند كما تقدم في الجزء الأول من جداول شيخ الهند قُدِّس سرُّه.
(14 -
باب إذا قيل للمصلي: تقدم أو انتظر. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: هو عندنا مفسد إذا عمل به المصلي إلا أن يكون عمله مستندًا إلى علمه وناشئًا منه ولو بهذا العلم الحاصل له في الصلاة، ولعل المصنف تمسك فيه بعمومه وإطلاقه، والمقام يقتضي تفصيلًا وتنقيحًا، انتهى مختصرًا.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: استنباط المؤلف مستصعب عند الشرَّاح لاحتمال أمر النساء قبل شروعهن في الصلاة، وحمله عندي أن دأب البخاري أن يستدل بكلا احتماليه على الحكم، وهذا في كتابه كثير، وهو من هذا القبيل، انتهى.
وهذا أصل مطرد من أصول التراجم، وقال السندي
(4)
: لا يلزم منه أن يقال له ذلك في الصلاة حتى يقال: لا دلالة في الحديث على ذلك، بل هو أعم من القول له في الصلاة أو خارجها، والمقصود أن مراعاة المصلي في الصلاة حال غيره أو إطاعته بعض أوامره في الصلاة لا يبطل الصلاة، انتهى.
وبه جزم الحافظ، إذ قال
(5)
: قال الإسماعيلي: كأنه ظن المخاطبة للنساء وقعت بذلك وهُنَّ في الصلاة، وليس كما ظن، بل هو شيء قيل لهن قبل أن يدخلن في الصلاة.
(1)
"فتح الباري"(3/ 86).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 300).
(3)
(ص 324).
(4)
"حاشية السندي"(1/ 210).
(5)
"فتح الباري"(3/ 86).
قال الحافظ: والجواب عن البخاري أنه لم يصرح بكون ذلك قيل لهن وهن داخل في الصلاة، بل مقصوده يحصل بقول ذلك لهن داخل الصلاة أو خارجها، والذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم وصَّاهن بنفسه أو بغيره بالانتظار المذكور قبل أن يدخلن في الصلاة ليدخلن فيها على علم، ويحصل المقصود من حيث انتظارهن الذي أمرن به؛ فإن فيه انتظارهن للرجال ومن لازمه تقدم الرجال عليهن، ومحصل مراد البخاري أن الانتظار إن كان شرعيًا جاز وإلا فلا، انتهى.
وتعقب العلامة العيني
(1)
على كلام الحافظ ثم قال: الظاهر أنهن كن مع الناس في الصلاة وإن كان يحتمل أن يكون هذا القول لهن عند شروعهن في الصلاة مع الناس، انتهى.
(15 -
باب لا يرد السلام في الصلاة)
قال الحافظ
(2)
: أي: باللفظ المتعارف؛ لأنه خطاب آدمي، واختلف فيما إذا رده بلفظ الدعاء كأن يقول: اللهم اجعل على من سلَّم علي السلام، انتهى.
قال الحافظ تحت الثاني من حديثي الباب: ومن فوائد هذا الحديث كراهة ابتداء السلام على المصلي، وبه قال عطاء ومالك في رواية. وقال في "المدونة": لا يكره، وبه قال أحمد والجمهور، وقالوا: يرد إذا فرغ من الصلاة أو وهو فيها بالإشارة. وسيأتي الاختلاف في الإشارة في أواخر أبواب السهو، انتهى.
(16 -
باب رفع الأيدي في الصلاة. . .) إلخ
قال الحافظ بعد ذكر الحديث
(3)
: يؤخذ منه أن رفع اليدين للدعاء في
(1)
"عمدة القاري"(5/ 621).
(2)
"فتح الباري"(3/ 87).
(3)
المصدر السابق (3/ 88).
الصلاة لا يبطلها ولو كان في غير موضع الرفع؛ لأنها هيئة استسلام وخضوع، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على ذلك.
(17 -
باب الخصر في الصلاة)
لعله ترجم بلفظ الحديث لمكان الاختلاف في معناه من اختصار القراءة أو الركوع والسجود، أو وضع اليد على الخاصرة، أو الاعتماد على المخصر.
(18 -
باب تفكر الرجل الشيء. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قال المهلب: التفكر أمر غالب لا يمكن الاحتراز منه في الصلاة ولا في غيرها لما جعل الله للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن يفترق الحال في ذلك، فإن كان في أمر الآخرة والدين كان أخف مما يكون في أمر الدنيا، انتهى.
قوله: (إني لأجهز جيشي. . .) إلخ، قال الحافظ: روى صالح بن أحمد بن حنبل من طريق همام أن عمر رضي الله تعالى عنه صلى المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين! إنك لم تقرأ، فقال: إني حدثت نفسي وأنا في الصلاة بِعيرٍ جهزتها من المدينة حتى دخلت الشام. ثم أعاد وأعاد القراءة، انتهى.
قلت: وهذا يبطل ما قيل في معنى قول عمر هذا: أجهز جيشي وقلبي متعلق بالصلاة. وأجاد الشيخ محمد مظهر جان جانان قُدِّس سرُّه في مكتوباته معنى يليق بشأنه ما حاصله: إن الصلاة في العلم الحضوري وهو في مرتبة الفناء، وتجهيز الجيش في مرتبة العلم الحصولي فلا تَنافي.
ثم لا يذهب عليك أن الشرَّاح قاطبة ختموا أبواب العمل على هذا الباب، واستأنفوا أبواب السهو مستقلة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن
(1)
المصدر السابق (3/ 90).
الإمام البخاري ذكر أبواب السهو ثمرة لهذا الباب، وهو تفكر الرجل في الصلاة، فإن التفكر قد يفضي إلى السهو، وأما أبواب العمل فتنتهي إلى أبواب الجنائز، فلا يشكل بالبابين الآتيين قبيل الجنائز من "باب إذا كلم وهو يصلي" و"باب الإشارة في الصلاة" فإنهما من أبواب العمل.
* * *
[22 -
كتاب السهو]
(1 -
باب ما جاء في السهو. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: السهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، وفرَّق بعضهم بين السهو والنسيان، وليس بشيء. واختلف في حكمه، فقالت الشافعية: مسنون كله، وعن الحنفية: واجب كله، وعن المالكية: السجود للنقص واجب دون الزيادة، وعن الحنابلة: التفصيل بين الواجبات غير الأركان فيجب لتركها سهوًا، وبين السنن القولية فلا يجب.
(2 -
باب إذا صلَّى خمسًا)
قال الحافظ
(2)
: قيل: أراد البخاري التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام كما في الترجمة الماضية، وفي الزيادة يسجد بعده، انتهى.
قلت: وهذا مبني على نسخة الحافظ فإن فيها: "باب إذا صلى خمسًا فسجد سجدتين بعدما سلم"، وليست هذه الزيادة
(3)
في النسخ الهندية، فالظاهر عندي أنه أشار بذلك إلى مسألة خلافية بين الجمهور والحنفية، إذ قالوا فيه بالتفصيل بين الجلوس في الرابعة وعدمه.
قال الشيخ في "البذل"
(4)
تحت حديث الباب: قال الشوكاني
(5)
: والحديث يدل على أن من صلى خمسًا ساهيًا ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد، وقال أبو حنيفة والثوري: إنها تفسد وإن لم يجلس في
(1)
"فتح الباري"(3/ 92).
(2)
المصدر السابق (3/ 94).
(3)
ولم أجد هذه الزيادة في "الفتح".
(4)
"بذل المجهود"(4/ 629).
(5)
"نيل الأوطار"(3/ 145).
الرابعة، وقال أبو حنيفة: فإن جلس في الرابعة ثم صلى خامسًا فإنه يضيف إليها ركعة أخرى وتكون الركعتان له نافلة، وإلى العمل بمضمون الحديث ذهب الجمهور، إلى آخر ما بسط في "البذل"، وفيه: وتأويل الحديث عند الحنفية أنه عليه الصلاة والسلام كان قعد قدر التشهد في الرابعة بدليل قول الراوي: صلى الظهر خمسًا، والظهر اسم لجميع أركان الصلاة، ومنها العقدة، وإنما قام إلى الخامسة على ظن أنها الثالثة حملًا لفعله عليه السلام على ما هو أقرب إلى الصواب، انتهى مختصرًا.
(3 -
باب إذا سلم في ركعتين. . .) إلخ
ليس في الحديث ذكر الثلاث، قال الحافظ
(1)
: ورد التسليم في الثلاث عند مسلم في حديث عمران بن حصين، وسيأتي البحث في كونهما قصتين أو لا، انتهى.
قلت: لعله مبني على أن هذا وقصة عمران عند البخاري واحد.
(4 -
باب من لم يتشهد في سجدتي السهو. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أي: إذا سجدهما بعد السلام من الصلاة، وأما قبل السلام فالجمهور على أنه لا يعيد التشهد، واختلف فيه عن المالكية، وأما من سجد بعد السلام فحكى الترمذي عن أحمد أنه يتشهد، وهو قول بعض المالكية والشافعية، انتهى. وعند الحنفية يتشهد مطلقًا.
وتعقب العلامة العيني
(3)
كلام الحافظ فقال بعد ذكر كلامه: لم يشر البخاري إلى هذا التفصيل أصلًا، لا في الترجمة ولا في الحديث، وإنما أراد بهذه الترجمة الإشارة إلى بيان من لا يرى التشهد فيهما، وهو مذهب ابن سيرين وابن أبي ليلى وغيرهما، فإنهم قالوا: من عليه السهو يسجد ويسلم ولا يتشهد، انتهى مختصرًا.
(1)
"فتح الباري"(3/ 96).
(2)
المصدر السابق (3/ 98).
(3)
"عمدة القاري"(5/ 644 - 645).
(5 -
باب يكبر في سجدتي السهو)
قال الحافظ
(1)
: اختلف في سجود السهو بعد السلام هل يشترط له تكبيرة إحرام أو يكتفى بتكبيرة السجود، فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث، وحكى القرطبي عن مالك أنه لا بدّ من تكبيرة الإحرام، ويؤيده رواية أبي داود، وفيه:"فكبر ثم كبر وسجد للسهو"، وأشار الإمام أبو داود إلى شذوذها، انتهى.
(6 -
باب إذا لم يدر كم صلَّى. . .) إلخ
الظاهر أن غرض المؤلف من هذه الأبواب العديدة الإشارة إلى جميع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالسهو، ونبَّه على كل جزء بباب مستقل كما تقدم في "باب حك المخاط بالحصى" من أبواب القبلة، وهو الأصل السابع عشر من أصول التراجم، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى مذهب الحسن البصري وطائفة من السلف حيث قالوا بظاهر حديث الباب، وقالوا: إذا شكَّ المصلي فلم يدر زاد أو نقص فليس عليه إلا سجدتان فقط، وعند الجمهور لزمه البناء على اليقين أو التحري.
(7 -
باب السهو في الفرض والتطوع)
قال الحافظ
(2)
: أي: هل يفترق حكمه أم يتحد؟ وإلى الثاني ذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن سيرين وقتادة فإنهما قالا: لا سجود في التطوع، ووجه أخذه من حديث الباب من جهة قوله:"وإذا صلى" أي: الصلاة الشرعية، وهو أعم من أن تكون فريضة أو نافلة، انتهى بزيادة من القسطلاني.
(1)
"فتح الباري"(3/ 99).
(2)
"فتح الباري"(3/ 104)، و"إرشاد الساري"(3/ 331).
(8 -
باب إذا كلَّم وهو يصلي. . .) إلخ
قال الحافظ في الترجمة الآتية
(1)
: قال ابن رُشيد: هذه الترجمة أعم من كونها مرتبة على استدعاء ذلك، أو غير مرتبة، بخلاف الترجمة السابقة؛ فإن الإشارة فيها لزمت من الكلام واستماعه فهي مرتبة، انتهى.
وعلى هذا فلا تكرار بين الترجمتين، والأوجه عندي: أن يقال: المقصود ههنا الاستماع، وفي الآتي الإشارة.
(9 -
باب الإشارة في الصلاة)
تقدم الكلام عليه، وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: وكانت إشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر بعد ما أخذ خلفه في الصلاة، فصحت الترجمة، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ
(3)
: شاهد الترجمة قوله: "فأخذ الناس في التصفيق"؛ فإنه صلى الله عليه وسلم وإن كان أنكره عليهم لكنه لم يأمرهم بإعادة الصلاة.
وقال العيني
(4)
: ويمكن أن يؤخذ من قوله: "التفت" أي: أبو بكر؛ لأن الالتفات في معنى الإشارة، انتهى.
ولله درّ الشيخ إذ استدل على الترجمة بفعله صلى الله عليه وسلم، وهو مناسب لدقة نظر الإمام البخاري قُدِّس سرُّه أيضًا، والظاهر أن الشرَّاح لم يأخذوا بذلك لحملهم فعله صلى الله عليه وسلم على ما قبل الصلاة، ونبَّه الشيخ قُدِّس سرُّه بتوجيهه على أن فعله صلى الله عليه وسلم كان بعد الشروع في الصلاة.
ثم اعلم أنه كان حق هاتين الترجمتين أن تذكرا قبل أبواب السهو في ذيل أبواب العمل، فلذا اخترت أن أبواب العمل انتهت إلى كتاب الجنائز كما تقدم.
ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "أشار إليهم أن اجلسوا"، والأوجه
(1)
"فتح الباري"(3/ 108).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 307).
(3)
"فتح الباري"(3/ 108).
(4)
"عمدة القاري"(5/ 655).
عندي في قوله: "وهو شاك"؛ فإن المرض مذكر للموت، ويحتمل أن يكون في قوله:"في بيته" فإن البيت يطلق على القبر كما تقدم قريبًا في حديث: "ما بين بيتي ومنبري روضة" الحديث، وفي رواية أبي داود من "كتاب الفتن":"كيف بك إذا كان البيت بالوصيف".
* * *
23 -
كتاب الجنائز
قال الحافظ
(1)
: الجنائز بفتح الجيم لا غير جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان، وقيل بالكسر للنعش، وبالفتح للميت، ولا يقال: نعش إلا إذا كان عليه الميت، وبسط الكلام على لغته في "الأوجز"
(2)
، وفيه عن "الأنوار": شرعت صلاة الجنازة بالمدينة المنورة في السنة الأولى من الهجرة، فمن مات بمكة المكرمة لم يصل عليه، انتهى.
وفي "الإقناع"
(3)
: هي من خصائص هذه الأمة، وفي هامشه: لكن يخالفه ما روي أن آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما توفي أتي له بحنوت وكفن من الجنة ونزلت الملائكة فغسلته وكفنته في وتر من الثياب، وتقدم ملك منهم فصلَّى. . . إلى آخر ما فيه.
(1 -
باب ما جاء في الجنائز، ومن كان آخر كلامه. . .) إلخ
قال السندي
(4)
: عطف على الجنائز بمنزلة التفسير فصار المعنى "باب ما جاء فيمن كان آخر كلامه" وقيل: مراده بقوله: "من كان. . ." إلخ، ذكر حديث رواه أبو داود والحاكم إلا أنه حذف جواب من. قلت: ولا يخفى بُعْده.
ثم إنه جعل هذه الترجمة كالشرح لأحاديث الباب، وأشار بها إلى حمل أحاديث الباب على من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وطريق حمله أن يجعل قوله:"لا يشرك بالله" كناية عن التوحيد بالقول، وهي جملة حالية فتفيد مقارنة الموت بالتوحيد باللسان، وطريق تلك المقارنة هو أن يكون
(1)
"فتح الباري"(3/ 109).
(2)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 388).
(3)
انظر: "شرح الإقناع"(2/ 275).
(4)
"حاشية السندي"(1/ 215).
آخر كلامه لا إله إلا الله، وهذا مسلك دقيق لتأويل أحاديث الباب يغني عما ذكروا في تأويلها عن حمل قوله:"دخل الجنة" على دخوله ولو بالآخرة وهو بعيد. . . إلى آخر ما بسطه العلامة السندي.
قال الحافظ
(1)
: أشار بهذه الترجمة إلى حديث التلقين، لكن لما لم يكن على شرطه فاستشهد عليه بحديث الباب، وحديث التلقين أخرجه مسلم
(2)
: من حديث أبي هريرة بلفظ: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"، انتهى.
والتلقين على نوعين، أحدهما: قبل الدفن للمحتضر، والثاني: بعد الدفن، والأول لا خلاف فيه.
قال النووي
(3)
تحت الحديث المذكور: أجمع العلماء على استحبابه. وحمل النووي هذا التلقين على تلقين المحتضر.
والنوع الثاني مختلف بين الأئمة، ففي "الدر المختار"
(4)
: لا يلقن بعد تلحيده، وإن فعل لا ينهى عنه، انتهى مختصرًا.
وفي "المغني"
(5)
: فأما التلقين بعد الدفن لم أجد فيه عن أحمد شيئًا، ولا أعلم فيه قولًا إلى أن قال: واستحبه القاضي وأبو الخطاب، ثم ذكر مستندهما في ذلك من رواية الطبراني.
(2 -
باب الأمر باتباع الجنائز)
اعلم أن الشرَّاح قاطبة حملوا الترجمة على المشي خلف الجنازة، قال الحافظ
(6)
: يأتي الكلام على اتباع الجنائز في "باب فضل اتباع الجنائز" في وسط "كتاب الجنائز"، والمقصود ههنا إثبات مشروعيته فلا تكرار، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 109).
(2)
"صحيح مسلم"(917).
(3)
"شرح النووي"(3/ 490).
(4)
"الدر المختار"(3/ 80).
(5)
انظر: "المغني"(3/ 437).
(6)
"فتح الباري"(3/ 113).
قلت: وهذا ليس بصحيح عندي بوجهين:
الأول: أن الميت لم يغسل ولم يكفن بعد، وسيأتي بيانهما مفصلًا في الأبواب الآتية، فيكون ذكر المشي خلفه في غير محله.
والثاني: لأن باب فضل اتباع الجنائز سيأتي في محله بعد الغسل والتكفين وغيرهما، فالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن غرض الترجمة ههنا الاهتمام والإسراع في تجهيز الميت، فالأمر بالاتباع محمول على السعي لأجله كما يقال: الجيش يتبع السلطان، وعلى هذا المعنى حمل القسطلاني حديث الباب لكونه مخالفًا لمسلكه إذ قال
(1)
: قالت الشافعية: حديث الباب محمول على الأخذ في طريقها، والسعي لأجلها، انتهى.
فكأن الإمام البخاري أشار كدأبه بالترجمة إلى ما ذكره أبو داود في "باب تعجيل الجنازة" من حديث طلحة بن البراء بلفظ
(2)
: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجّلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله"، الحديث.
(3 -
باب الدخول على الميت. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: قال ابن رُشيد: لما كان الموت سبب تغيير محاسن الحي كان ذلك مظنة للمنع من كشفه حتى قال النخعي: ينبغي أن لا يطلع عليه إلا الغاسل له ومن يليه، فترجم ردًا على قوله، وأشار إلى جوازه، انتهى.
قال العيني
(4)
: الاستدلال من الحديث بقوله: "مسجى" فإن كشفه بعد التسجية كالكشف بعد التكفين، انتهى.
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 342).
(2)
"سنن أبي داود"(2159).
(3)
"فتح الباري"(3/ 114).
(4)
"عمدة القاري"(6/ 18).
قال السندي
(1)
: كأن البخاري أراد بالترجمة أن يكون مدرجًا حقيقةً أو في حكم المدرج، والمقصود أنه لا ينبغي الدخول عليه بلا ساتر خشية أن يطلع منه على ما يكره الاطلاع عليه، فلا يشكل أن دخول أبي بكر كان قبل التكفين وقبل الغسل، فلا يوافق الترجمة، انتهى.
(4 -
باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه)
قال العيني
(2)
: قوله: "ينعى إلى أهل الميت" أي: يظهر خبر موته إليهم، والنعي من باب فعل يفعل بفتح العين فيهما، وذكر الحافظ في قوله:"ينعى" احتمال الضم أيضًا، إذ قال
(3)
: أو ينعى بضم أوله، ثم ذكر معناه، فارجع إليه لو شئت.
وغرض الترجمة كما يظهر من كلام الحافظ إثبات جواز النعي وأنه ليس ممنوعًا كله ردًا على ما كان عليه أهل الجاهلية من أن يبعث رجلًا على الحمار ينعى الناس، ويحتمل أن يكون الغرض أن ما ورد من النهي عن النعي ليس بمطلق خلافًا لما نقل عن حذيفة من أنه إذا مات أحد يقول: لا تخبروا أحدًا، أو لدفع توهم أن هذا من إيذاء أهل الميت وإدخال المساءة عليهم.
وحاصله: أن محض الإعلام لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا.
وفي "شرح الإقناع"
(4)
: ولا بأس بالإعلام بموته، بل يستحب قصد كثرة المصلين بخلاف نعي الجاهلية، وهو النداء بموت الشخص وذكر مآثره ومفاخره، انتهى.
وبه جزم الشيخ في "اللامع" كما سيأتي في الباب الآتي.
وقال القسطلاني
(5)
: والأوجه حمل النهي عن النعي على ما يظهر فيه
(1)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 216).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 25).
(3)
"فتح الباري"(3/ 116).
(4)
"شرح الإقناع"(2/ 270).
(5)
"إرشاد الساري"(3/ 351).
تبرم، أو على فعله مع الاجتماع له، أو على الإكثار منه، أو على ما يُجَدِّد الحزن دون ما عدا ذلك، فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه، انتهى.
ويشكل مطابقة حديث النجاشي بالترجمة؛ فإن النجاشي كان غريبًا ليس له أهل إلا المسلمين في دارنا، ويحتمل أن يكون في المدينة له أقارب كما يظهر من بعض الروايات. وقال العيني
(1)
: المطابقة بمجرد النعي.
(5 -
باب الإذن بالجنازة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: يعني بذلك: أن مجرد الإعلام غير منهي عنه، وإنما ينهى من إعلام ما كان على حسب الجاهلية، وإلا فلا كراهة في مجرد الإعلام الخالي عن شوائب الجهل والجاهلية، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الترجمة الأولى متعلقة بأخبار الموت، وهذه متعلقة بأخبار التهيّؤ ليصلى عليها لا سيما للمقتدى به والكبير.
قال الحافظ
(3)
: هذه الترجمة تغاير التي قبلها من جهة أن المراد بالأولى الإعلام بالنفس، وبهذه الإعلام بالنفس وبالغير، وقال ابن المنيِّر: هذه الترجمة مرتبة على التي قبلها؛ لأن النعي إعلام من لم يتقدم له علم بالميت، والإذن إعلام من علم بتهيئة أمره وهو حسن، انتهى. واختاره العيني والقسطلاني
(4)
.
قلت: لكن لم يعلم من الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أعلم قبل قوله عن ابن عباس، مال الحافظ إلى أن هذه القصة غير القصة المذكورة في حديث أبي هريرة، كذا في "الفيض"
(5)
.
(1)
"عمدة القاري"(6/ 25).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 316).
(3)
"فتح الباري"(3/ 117).
(4)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 33)، و"إرشاد الساري"(3/ 354).
(5)
انظر: "فيض الباري"(2/ 446).
(6 -
باب فضل من مات له ولد)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنيِّر: عبَّر المصنف بالفضل ليجمع بين مختلف الأحاديث الثلاثة التي أوردها؛ لأن في الأول: دخول الجنة، وفي الثاني: الحجب عن النار، وفي الثالث: تقييد الولوج بتحلة القسم، وفي كل منها ثبوت الفضل، ثم ذكر المصنف في الترجمة الولد، وفي الحديث ذكر الثلاثة؛ لما ورد في بعض الطرق ذكر الواحد، أخرجه الطبراني في "الأوسط"
(2)
عن جابر بن سمرة، والترمذي
(3)
عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقال: غريب، انتهى مختصرًا.
(7 -
باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري)
قال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر: عبّر بقوله: "الرجل"، ليوضح أن ذلك لا يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعبّر بالقول دون الموعظة ونحوها لكون ذلك الأمر يقع على القدر المشترك من الوعظ وغيره. قال: وموضع الترجمة من الفقه: جواز مخاطبة الرجال النساء في مثل ذلك بما هو أمر بمعروف أو نهي عن منكر [أو موعظة] أو تعزية، وأن ذلك لا يختص بعجوز دون شابة لما يترتب عليه من المصالح الدينية، انتهى.
(8 -
باب غسل الميت ووضوئه)
كتب الشيخ في "اللامع"
(5)
: أراد بإيراد الرواية ههنا إثبات أن غسل الميت ليس لتنجسه، فإيراد الآثار لهذا المعنى ظاهر، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(6)
: نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور عند المالكية
(1)
"فتح الباري"(3/ 118).
(2)
"المعجم الأوسط"(2489).
(3)
"السنن الترمذي"(1061).
(4)
"فتح الباري"(3/ 125).
(5)
"لامع الدراري"(4/ 318).
(6)
"فتح الباري"(3/ 125).
حتى إن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سُنَّة، ولكن الجمهور على وجوبه، انتهى.
وقال العيني
(1)
: هذه الترجمة مشتملة على أمور، الأول: في غسل الميت، هل هو فرض أو واجب أو سُنَّة؟ فقال أصحابنا: هو واجب على الأحياء للسُّنَّة وإجماع الأمة، وفي "شرح الوجيز": الغسل والتكفين والصلاة فرض الكفاية بالإجماع، وكذا نقل النووي الإجماع على أن الغسل فرض كفاية، وقد أنكر بعضهم على النووي فقال: هو ذهول شديد. . . إلخ.
قلت: هذا ذهول أشد من هذا القائل حيث لم ينظر إلى معنى الكلام، فإن معنى قوله - أي: القرطبي -: سُنَّة، أي: سُنَّة مؤكدة، وهي في قوة الوجوب، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز"
(2)
فارجع إليه لو شئت.
ثم ليس في الحديث ذكر الوضوء، قال العيني
(3)
: قيل: المعهود من الغسل هو مع الوضوء، انتهى.
وفي "الفتح"
(4)
: المراد وضوء الغاسل وإن لم يكن له ذكر، لكن غسل الميت لا يمكن بدون الغاسل، فكأنه ذكر، وقيل: أشار إلى بعض طرق الحديث بلفظ: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" فكأنه أراد أن الأمر بالوضوء ليس بمجرده، بل مع الغسل، أو أن الوضوء المجرد لا يكفي أو ليس الأمر بالوضوء، بل الأمر بالبدء بالوضوء، انتهى.
قلت: والظاهر عندي إرجاع الضمير إلى الغاسل المفهوم من لفظ الغسل؛ لأنه أجدر بدأب البخاري، كأنه أشار إلى رد ما ورد في الغسل من غسل الميت ووضوء من حمله، وقد اختلف العلماء في الغسل والوضوء
(1)
"عمدة القاري"(6/ 49).
(2)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 388).
(3)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 50).
(4)
"فتح الباري"(3/ 126).
كما ذكره الحافظان ابن حجر والعيني في أثر ابن عمر الآتي. وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز"
(1)
.
وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من أن غسل الميت ليس للتنجس، وأشار به إلى مسألة خلافية شهيرة من أن غسل الميت تعبدي، أو للنظافة، أو للطهارة، وفي "الأوجز"
(2)
: اختلفوا في علة الغسل، وتفرع على ذلك الخلاف بينهم في فروع مختلفة عديدة، ففي "الشرح الكبير" من فروع المالكية: غسل تعبدًا، وقيل: للنظافة، قال الدسوقي: كونه تعبدًا هو قول مالك وأشهب، وكونه للنظافة، لم يقل به إلا ابن شعبان، انتهى مختصرًا.
قال ابن عابدين
(3)
: آدمي حيوان دموي فيتنجس بالموت كسائر الحيوانات، وهو قول عامة المشايخ، انتهى. لكن من خصائصه أنه يتطهر بالغسل كرامةً له.
قوله: (وحنّط ابن عمر. . .) إلخ، قيل: ذكر هذه الآثار لبيان أن الغسل المذكور تعبد، لا لأن المؤمن يتنجس، كذا في "الفتح"
(4)
.
وقال العيني
(5)
: مطابقته للترجمة تؤخذ من موضعين: الأول: من قوله: "حنط"؛ لأن التحنيط يستلزم الغسل، والثاني: من قوله: "ولم يتوضأ" فإنه يدل على أن الغاسل ليس عليه وضوء، انتهى.
(9 -
باب ما يستحب أن يغسل وترًا)
قال الحافظ
(6)
: قال ابن المنيِّر: يحتمل أن تكون "ما" مصدرية أو موصولة، والثاني أظهر، كذا قال، وفيه نظر؛ لأنه لو كان المراد ذلك لوقع التعبير بمن التي لمن يعقل، انتهى.
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 395).
(2)
"أوجز المسالك"(4/ 400).
(3)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 84).
(4)
انظر: "فتح الباري"(3/ 126).
(5)
"عمدة القاري"(6/ 50).
(6)
"فتح الباري"(3/ 130).
قلت: لعل الغرض من التبويب الإشارة إلى رد من قال: إن الوتر افتقروا فيه إلى السبع لا بعد ذلك، ففي "الأوجز"
(1)
: إذا حصل الإنقاء بمرتين كانت الغسلة الثالثة مستحبة، وإن حصل بأربع أو ست كانت الخامسة والسابعة مستحبة، ثم بعد السبع فالمقصود الإنقاء دون الإيتار، إذ الإيتار ينتهي ندبه للسبع، فلا تندب التاسعة إذا حصل الإنقاء بثمان وهكذا، انتهى.
(10 -
باب يبدأ بميامن الميت)
قال الحافظ
(2)
: أي: عند غسله، وكأنه أطلق في الترجمة ليشعر بأن غير الغسل يلحق به قياسًا عليه، انتهى.
ولا يبعد عندي أن يكون الغرض أن العبرة لميامن الميت لا الغاسل.
(11 -
باب مواضع الوضوء من الميت)
قال الحافظ
(3)
: أي: يستحب البداية بها، انتهى.
ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يكون أشار به إلى الرد لما حكي عن أبي قلابة من أنه يبدأ بالرأس ثم باللحية، كما في "الفتح"
(4)
، ويحتمل أيضًا بيان شرف مواضع الوضوء إذ يبدأ بها، والحكمة فيه تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل.
(12 -
باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل)
قال الحافظ
(5)
: قال ابن رُشيد: أشار بقوله: "هل" إلى تردد عنده في المسألة، فكأنه أومأ إلى احتمال اختصاص ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المعنى
(1)
"أوجز المسالك"(4/ 395).
(2)
"فتح الباري"(3/ 130).
(3)
المصدر السابق (3/ 131).
(4)
المصدر السابق (3/ 131).
(5)
المصدر السابق (3/ 131).
الموجود فيه من البركة ونحوها قد لا يكون في غيره، ولا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم، ولكن الأظهر الجواز، وقد نقل ابن بطال الاتفاق على ذلك، لكن لا يلزم من ذلك التعقب على البخاري؛ لأنه إنما ترجم بالنظر إلى سياق الحديث، وهو قابل للاحتمال، وقال ابن المنيِّر نحوه، وزاد احتمال الاختصاص بالمحرم أو بمن يكون في مثل إزار النبي صلى الله عليه وسلم وجسده من تحقق النظافة وعدم نفرة الزوج وغيرته أن تلبس زوجته لباس غيره، انتهى.
وهل من ههنا بداية أبواب التكفين كما يظهر من كلام الحافظ في الباب الآتي محتمل، لكن الأظهر عندي أن هذه الأبواب كلها من تتمة الغسل، وهذه الترجمة ليست بمستقلة، بل لما كان في أحاديث الغسل هذه المسألة نبَّه عليها بلفظ:"هل يكفن. . ." إلخ.
وفي هامش "اللامع"
(1)
: الأوجه عند هذا العبد الضعيف أن أبواب الكفن لم تشرع بعد، بل بدأها من "باب كيف الإشعار للميت"، ولذا ترى أن الشرَّاح كلهم قالوا في الباب الآتي "باب نقض شعر المرأة": أي: قبل الغسل، فهو أيضًا من أبواب الغسل، وأما هذا الباب "باب هل تكفن المرأة" فليس من أبواب الكفن، بل من الأصل الثاني والأربعين، لما كان في حديث أم عطية مسألة لطيفة، وهي تكفين المرأة في إزار الرجل، نبَّه بالترجمة على ذلك، وزاد لفظ:"هل" إشارة إلى الاحتمال كما جزم به الشرَّاح، ولو ذكر الإمام البخاري في هذا الباب حديث حفصة عن أم عطية لدخل الباب في الأصل السادس وكان أوجه، لكنه لما لم يذكر فيه حديث حفصة، بل ذكر حديث محمد عن أم عطية لا يدخل في الأصل السادس لما قال الحافظ
(2)
: إن البداءة بالميامن وبمواضع الوضوء، مما زادته حفصة في روايتها عن أم عطية على أخيها محمد، انتهى.
(1)
انظر: "لامع الدراري"(4/ 321).
(2)
"فتح الباري"(3/ 131).
(13 -
باب يجعل الكافور في الأخيرة)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنيِّر: لم يعين حكم ذلك لاحتمال صيغة "اجعلن" للوجوب والندب، انتهى.
وأشكل ذكر هذا الباب في ما بين أبواب الكفن، وأجاب عنه الحافظ عن ابن المنيِّر بأن العرف تقديم ما يحتاج إليه الميت قبل الشروع في الغسل أو قبل الفراغ منه ليتيسر غسله، ومن جملة ذلك الحنوط، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى خلاف من قال: إن الكافور يختص بالحنوط، ولا يجعل في الماء، وهو عن الأوزاعي وبعض الحنفية، أو يجعل في الماء، وهو قول الجمهور، ولفظة:"الأخيرة" صفة موصوف محذوف، فيحتمل أن يكون التقدير الغسلة، وهو الظاهر، ويحتمل الخرقة التي تلي الجسد، انتهى.
واكتفى القسطلاني على توجيه الزين بن المنيِّر، ولم يتعرض له العيني، وعلى ما اخترته لا إشكال على الترجمة أصلًا، ثم إدخال الكافور في الغسلة متفق عليه عند الأئمة الأربعة كما صرح بذلك في "الأوجز"
(2)
عن كتب فروعهم، وتقدم الخلاف للنخعي في كلام الحافظ.
(14 -
باب نقض شعر المرأة. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: أي: قبل الغسل، انتهى.
قلت: فهذا أشد إشكالًا من الترجمة الأولى على رأي الحافظ، ولا إشكال على ما اخترته كما تقدم.
وكتب الشيخ
(4)
: قوله: "باب نقض شعر المرأة. . ." إلخ، يعني بذلك: جواز النقض وتركها ضفائر، انتهى.
(1)
المصدر السابق (3/ 132).
(2)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 401).
(3)
"فتح الباري"(3/ 132).
(4)
انظر: "لامع الدراري"(4/ 323).
وفي هامشه: لعل الشيخ قُدِّس سرُّه استنبط ذلك بأن الإمام البخاري ذكر في الباب قول ابن سيرين بلفظ: لا بأس، وأورد في الباب حديث أم عطية بلفظ: نقضنه، وهذا فعل منهن لا أمره صلى الله عليه وسلم بذلك.
ولا يذهب عليك أن ههنا مسألتين:
الأولى: نقض الشعر عند الغسلة، ذكرها البخاري في هذا الباب، ولا خلاف فيه بين الأئمة.
والمسألة الثانية: ضفر شعرها، ذكرها البخاري فيما يأتي قريبًا في "
باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون
؟ ".
(15 -
باب كيف الإشعار للميت)
من ههنا عند هذا العبد الضعيف بداية أبواب الكفن كما تقدم، قال الحافظ
(1)
: إنما أفرد له هذه الترجمة لقوله في هذا السياق: "وزعم أن الإشعار: الففنها فيه"، وفيه اختصار، والتقدير: وزعم أن معنى قوله: "أشعرنها إياه": "الففنها"، وهو ظاهر اللفظ؛ لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب، انتهى.
قوله: (نغسل ابنته. . .) إلخ، بسط الحافظ في "الفتح"
(2)
الكلام على مسمى البنت، وكذا في "الأوجز"
(3)
، والأكثر على أنها زينب، وقيل: أم كلثوم، ومال أبو الطيب في "شرح الترمذي" إلى الجمع بينهما، وبسط في ذكرها صاحب الخميس أيضًا، انتهى من هامش "البذل"
(4)
.
(16 - باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون)
قال الحافظ
(5)
: استدل بالحديث على ضفر شعر المرأة خلافًا لمن
(1)
"فتح الباري"(3/ 133).
(2)
انظر: "فتح الباري"(3/ 128).
(3)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 393).
(4)
"بذل المجهود"(10/ 417).
(5)
"فتح الباري"(3/ 134).
منعه، فقال ابن القاسم: لا أعرف الضفر، وعن الأوزاعي والحنفية: يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقًا، انتهى.
قال الشيخ في "البذل"
(1)
: وعندنا الحنفية: يُسْدَلُ شعرها بين ثدييها من الجانبين جميعًا تحت الخمار، ولا يُسدل شعرها خلف ظهرها، وعند الشافعي: يُسدل خلف ظهرها، ولنا أن ضفرها ومشطها وإلقاءها خلف ظهرها من باب الزينة، وهذه ليست بحال الزينة، ولا حجة في حديث أم عطية؛ لأن ذلك كان فعلها، وليس في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، انتهى.
وفي هامشه: قال الأبي
(2)
: فيه مشط الرأس وضفره، وبه قال الشافعي وأحمد وابن حبيب، ولم يعرف ابن القاسم الضفر، انتهى.
وبسط في هامش "اللامع"
(3)
عن العيني: تحقيق مذهب الحنفية، وفيه: فإن قلت: جاء في حديث ابن حبان: "واجعلن لها ثلاثة قرون". قلت: هذا أمر بالتضفير، ونحن لا ننكره حتى يكون الحديث حجة علينا، وإنما ننكر جعلها خلف ظهرها؛ لأنها زينة، والميت ممنوع عنها، ألا ترى أن عائشة رضي الله عنها قالت:"علام تنصون ميتكم"، أخرجه عبد الرزاق
(4)
في "مصنفه".
وقال الموفق
(5)
: أما التسريح فكرهه أحمد لقول عائشة يعني المذكور، انتهى.
وفي "مختصر الخليل": لف شعرها ولا يضفر، قال الشارح: المعتمد أنه يندب ضفره، انتهى من هامش "اللامع". وفيه: لعل الإمام البخاري زاد لفظ "هل" في النسخ التي بأيدينا إشارة إلى الخلاف في ذلك، قال
(1)
"بذل المجهود"(10/ 419).
(2)
انظر: "شرح مسلم"(3/ 341).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 324).
(4)
"مصنف عبد الرزاق"(ح: 6232).
(5)
"المغني"(3/ 394).
القسطلاني
(1)
: "باب يجعل. . ." إلخ، ولغير الأربعة:"هل يجعل"، انتهى.
(17 -
باب يلقى شعر المرأة خلفها. . .) إلخ
تقدم الخلاف فيه في الباب السابق.
ثم إن المصنف أورد حديث أم عطية هذا من باب غسل الميت ووضوئه إلى ههنا في عشرة أبواب على التسلسل، وهو الأصل السابع عشر من أصول التراجم كما تقدم.
(18 -
باب الثياب البيض للكفن)
وقال العيني
(2)
: لما فرغ المصنف عن بيان أحكام الغسل شرع في بيان الكفن على الترتيب، انتهى.
وعندي بداية الكفن من "باب كيف الإشعار للميت" كما تقدم.
قال الحافظ
(3)
: أورد فيه حديث عائشة، وتقرير الاستدلال به أن الله تبارك وتعالى لم يكن ليختار لنبيِّه إلا الأفضل، وكأن المصنف لم يثبت على شرطه الحديث الصريح في الباب، وهو ما رواه أصحاب السنن
(4)
من حديث ابن عباس بلفظ: "البسوا ثياب البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم"، صححه الترمذي والحاكم.
(19 -
باب الكفن في ثوبين)
قال الحافظ
(5)
: كأنه أشار إلى أن الثلاث في حديث عائشة ليست شرطًا في الصحة، وإنما هو مستحب وهو قول الجمهور، واختلف فيما
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 373).
(2)
"عمدة القارى"(6/ 66).
(3)
"فتح الباري"(3/ 135).
(4)
"سنن أبي داود"(ح: 3156)، و"سنن الترمذي" (ح: 994)، و"سنن النسائي" (ح: 1896)، و"سنن ابن ماجه" (ح: 1473).
(5)
"فتح الباري"(3/ 136).
إذا شح بعض الورثة بالثاني أو الثالث، والمرجح أنه لا يلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق، انتهى.
(20 -
باب الحنوط للميت)
قال الكرماني
(1)
: بفتح المهملة وبالنون الطِّيب الذي للموتى، انتهى.
وقال الحافظ
(2)
: هو كل شيء يخلط من الطِّيب خاصة، انتهى.
وفي "الأوجز"
(3)
: قال في "المجمع": الحنوط والحناط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصةً، ومخلوط من كافور وصندل ونحوهما، وفي "المحيط": لا بأس بسائر الطيب في الحنوط غير الزعفران والورس في حق الرجال، ولا بأس بهما في حق النساء، فيدخل فيه المسك، وأجازه أكثر العلماء، وأمر به علي، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وكرهه عطاء والحسن؛ لأنها ميتة، واستعماله في حنوط النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم، انتهى.
وفي "الدر المختار": ويجعل الحنوط وهو العطر المركب من الأشياء الطيبة غير الزعفران والورس لكراهتهما للرجال على رأسه ولحيته والكافور على مساجده، انتهى.
فما نقل ابن الجوزي من مذهب أبي حنيفة من عدم استحباب الكافور ليس بصحيح، انتهى من هامش "اللامع".
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: قوله: "باب الحنوط للميت" دلالة الرواية عليه من حيث إنه نهى المحرم عن الحنوط، فعلم جوازه لغيره، انتهى.
وفي الحديث مسألة الميت المحرم وهي خلافية كما تأتي في الباب الآتي.
(1)
"شرح الكرماني"(7/ 67).
(2)
"فتح الباري"(3/ 126).
(3)
"أوجز المسالك"(4/ 401).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 325).
(21 -
باب كيف يكفن المحرم)
سقطت هذه الترجمة للأصيلي، وثبتت لغير الأصيلي، قال ابن المنيِّر
(1)
: تضمنت هذه الترجمة الاستفهام عن الكيفية مع أنها مبنية، لكنها لما كانت تحتمل أن تكون خاصة بذلك الرجل، وأن تكون عامة لكل محرم آثر المصنف الاستفهام.
قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بقوله: "كيف يكفن" أي: كيفية التكفين ولم يرد الاستفهام، وكيف يظن به أنه متردد فيه، وقد جزم قبل ذلك بأنه عام في حق كل أحد حيث ترجم بجواز التكفين في ثوبين، انتهى.
ومسألة الباب خلافية، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق: إن المحرم على إحرامه بعد الموت، ولذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي: إنه يصنع به ما يصنع بالحلال، وهو مروي عن عائشة وابن عمر وطاوس، كذا في "البذل"
(2)
، انتهى من هامش "اللامع".
(22 -
باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف. . .) إلخ
وفي "تراجم شيخ المشايخ": الكفوف الذي ضم جانباه بالخياط. والغرض من الباب إثبات جواز التكفين بكليهما، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: لعل المعنى أن يكون مكفوفًا أو غير مكفوف، انتهى.
وفي هامشه: اختلفوا في ضبط هذه الترجمة على أقوال، قال الحافظ
(4)
: قال ابن التين: ضبطه بعضهم "يكف" بضم أوله وفتح الكاف، وبعضهم بالعكس، والفاء مشدد فيهما. وضبطه بعضهم بفتح أوله وسكون الكاف وتخفيف الفاء وكسرها، والأول أشبه بالمعنى. وتعقبه ابن رُشيد بأن الثاني هو الصواب.
(1)
انظر: "فتح الباري"(3/ 138).
(2)
انظر: "بذل المجهود"(10/ 532).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 327).
(4)
"فتح الباري"(3/ 138).
قال: والذي يظهر لي أن البخاري لحظ قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80] أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله بن أُبي قميصه سواء كان يكف عنه العذاب أو لا يكف استسلامًا
(1)
للقلوب المؤلفة. فكأنه يقول: يؤخذ من هذا التبرك بآثار الصالحين سواء علمنا أنه مؤثر في حال الميت أو لا.
قال: ولا يصح أنه يراد به سواء كان الثوب مكفوف الأطراف أو غير مكفوف؛ لأن ذلك وصف لا أثر له.
قال: وأما الضبط الثالث فهو لحن إذ لا موجب لحذف الياء الثانية، وجزم المهلب أنه الصواب، وأن الياء سقطت من الكاتب غلطًا.
قال ابن بطال: والمراد: طويلًا كان القميص سابغًا أو قصيرًا، فيجوز أن يكفن فيه، كذا قال. ووجه بعضهم بأن عبد الله بن أُبي كان مفرط الطول، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معتدل الخلق، وقد أعطاه مع ذلك قميصه ليكفن فيه فلم يلتفت إلى كونه ساترًا لجميع بدنه أو لا، وتعقب بأن حديث جابر دال على أنه كفن في غيره، فلا تنتهض الحجة بذلك. وأما قول ابن رُشيد: إن المكفوف الأطراف لا أثر له، فغير مسلم، بل المتبادر إلى الذهن أنه مراد البخاري كما فهمه ابن التين، والمعنى: أن التكفين في القميص ليس ممتنعًا سواء كان مكفوف الأطراف أو غير مكفوف، انتهى.
وما اختاره الشيخ قُدِّس سره في "اللامع" في توجيه الترجمة هو الظاهر، ولذا قال ابن التين: إنه أشبه، ورجحه الحافظ أيضًا كما ترى والقسطلاني
(2)
أيضًا.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: ودلالة الحديث عليه باعتبار أن المذكور في الحديث مطلق عن التقييد، فيجوز التكفين بأي فرديه، أو يقال: إن قميصه صلى الله عليه وسلم لا يخلو أن يكون مكفوفًا أو غيره، فيثبت الحكم في الآخر قياسًا.
(1)
قوله: "استسلامًا" وفي "الفتح": "استصلاحًا".
(2)
انظر: "إرشاد الساري"(3/ 382).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 328).
وقوله: (وألبسه قميصه) وهذا محل إثبات الجزء الثالث من الترجمة - وهو قوله: "ومن كفن بغير قميص" - وهو جواز التكفين من غير قميص، ولكنه يرد عليه أنه مناف للرواية المتقدمة وللواقع أيضًا، فإن تكفينه فيه إنما كان قبل الدفن لا بعده، كما هو مصرح في موضعه، والجواب أنه عطف على قوله:"أتى" لا على قوله: "نفث"، أو يقال: المعنى على المضي، أي: وكان ألبسه. . . إلخ، وعلى هذا لا يصح استدلال المؤلف على ما استدل عليه من الكفن في غير القميص، فإما أن يقال: إن استدلاله مبني على مجرد اللفظ، وإن كان المراد به غير ما هو الظاهر المقصود، وذلك لأن الراوي لم يورده كذلك إلا وقد جاز عنده الكفن بغير قميص، أو يستظهر في ذلك بالباب الوارد بعده، انتهى.
وفي هامشه: قد تقدم قريبًا في كلام الحافظ أن المستملي لم يذكر الترجمة الآتية، بل ذكر حديث عائشة في كفنه صلى الله عليه وسلم من غير قميص في هذا الباب، فعلى هذا إثبات الترجمة بحديث عائشة واضح، وما أفاده الشيخ من أن استدلاله مبني على مجرد اللفظ. . . إلخ، فتكون الترجمة على هذا من الأصل السادس عشر، وهو الاستدلال بكل المحتمل، ويحتمل عندي أن تكون من الأصل الثامن كما تقدم في المقدمة.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: قوله: "أنا بين خيرتين. . ." إلخ، استشكل هذا القول؛ لأن قوله تعالى:{إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، صريح في المنع عن الاستغفار بأوكد أوجه وأبلغه، والنبي صلى الله عليه وسلم أعرف بمعاني القرآن، فما معنى قوله عليه السلام:"أنا بين خيرتين"؟ والتحقيق عندي في حل هذا القول منه صلى الله عليه وسلم أنه من باب تلقي المخاطب المتكلم بغير ما أراده لكونه مرغوبًا له رجاءً لاستجابة ذلك عند المتكلم، وهذا التصنع في الكلام من صنائع البلاغة المقررة في موضعه فتدبر، انتهى.
(1)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 329).
قوله في ثاني حديث الباب: (بعد ما دفن) لا يخفى عليك أنه يخالف جل الروايات، قال السندي
(1)
: وتكلف بعضهم في التوفيق بما لا يدفع الإيراد بالكلية، انتهى. والبسط في هامش "اللامع"
(2)
فارجع إليه لو شئت.
(23 -
باب الكفن بغير قميص)
قد تقدم أن هذه الترجمة سقطت للمستملي، لكنها ثبتت للأكثر كما قال الحافظ، ومسألة القميص في الكفن خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز"
(3)
، وجملتها: أن الكفن ثلاثة لفائف عند الشافعي وأحمد، ورداءان والقميص عند الحنفية، إلا أن القميص لا يكون كقميص الحي ذي الكمين والدخاريص، والكفن المندوب عند مالك خمسة أثواب: ثلاثة لفائف والقميص والعمامة.
وقال الموفق
(4)
: الكفن في القميص والمئزر واللفافة جائز غير مكروه، وإنما الأفضل الأول، قال أحمد: إن جعلوه قميصًا فأحب إلي أن يكون مثل قميص الحي، له كُمّان ودخاريص ولا يُزَرُّ عليه القميص، انتهى.
قال الدسوقي
(5)
: وهل يخيط القميص ويجعل له أكمام أو لا؟ والظاهر الأول، انتهى.
قال الحافظ
(6)
: وأجاب بعض من خالف بأن قولها: "ليس فيها قميص ولا عمامة" يحتمل نفي وجودهما جملة، ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة، وقال بعض الحنفية: معناه: ليس فيها قميص، أي: جديد، وقيل: ليس فيها القميص الذي غسل فيه، أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف، انتهى.
(1)
"حاشية السندي"(1/ 220).
(2)
انظر: "لامع الدراري"(4/ 332 - 333).
(3)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 414).
(4)
"المغني"(3/ 386).
(5)
"حاشية الدسوقي"(1/ 662).
(6)
"فتح الباري"(3/ 140).
(24 -
باب الكفن بلا عمامة)
قال الحافظ
(1)
: كذا للأكثر، وللمستملي الكفن في الثياب البيض، والأول أولى لئلا تتكرر الترجمة بغير فائدة، فقد تقدم ما في هذا النفي - من الاحتمالات - في الباب الذي قبله، انتهى.
وقد عرفت فيما سبق أنه لم يقل باستحباب العمامة إلا المالكية.
(25 -
باب الكفن من جميع المال)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: قوله: "الحنوط من جميع المال"، وكذا قوله:"أجر القبر. . ." إلخ، أوردهما للدلالة على أن المراد بالكفن في قولهم: الكفن من جميع المال، ليس هو الثوب الذي يكفن فيه فقط، بل المراد كل ما يفتقر إليه في تكفينه من أجرة الغسال والحافر وقيمة الأرض والحنوط وغير ذلك، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني
(3)
: ما ترجم به البخاري من أن الكفن من جميع المال هو قول الجمهور، قال الحافظ
(4)
: قوله: "من جميع المال"، أي: من رأس المال، وكأن المصنف راعى لفظ حديث مرفوع ورد بهذا اللفظ أخرجه الطبراني في "الأوسط" من حديث علي، وإسناده ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم في "العلل" من حديث جابر، وحكى عن أبيه أنه منكر، قال ابن المنذر: قال بذلك جميع أهل العلم إلا رواية شاذة عن خلاس بن عمرو قال: "الكفن من الثلث"، وعن طاوس أنه من الثلث إن كان قليلًا، انتهى.
(1)
المصدر السابق (3/ 140).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 333).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 81).
(4)
"فتح الباري"(3/ 141).
(26 -
باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد)
قال الحافظ
(1)
: أي: اقتصر عليه ولا ينتظر بدفنه ارتقاب شيء آخر، انتهى.
قال العيني
(2)
: وفي "المبسوط": ولو كفنوه في ثوب واحد فقد أساؤوا؛ لأن في حياته تجوز صلاته في إزار واحد مع الكراهة، فكذا بعد الموت إلا عند الضرورة بأن لم يوجد غيره، ومسألة حمزة ومصعب رضي الله عنهما من باب الضرورة، انتهى.
(27 -
باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يواري رأسه أو قدميه. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: أي: رأسه مع بقية جسده إلا قدميه أو العكس، كأنه قال: ما يواري جسده إلا رأسه، أو جسده إلا قدميه، وذلك بيِّن من حديث الباب حيث قال:"خرجت رجلاه"، ولو كان المراد أنه يُغطي رأسه فقط دون سائر جسده لكان تغطية العورة أولى، ويستفاد منه أنه إذا لم يوجد ساتر البتة أنه يغطي جميعه بالإذخر، فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض، قال المهلب: وإنما استحب لهم النبي صلى الله عليه وسلم التكفين في تلك الثياب التي ليست سابغة؛ لأنهم قتلوا فيها، انتهى.
وفي هذا الجزم نظر، بل الظاهر أنه لم يجد لهم غيرها كما هو مقتضى الترجمة، انتهى.
وفي هامش "اللامع": قال ابن بطال: في الحديث أن الثوب إذا ضاق فتغطية الرأس أولى من رجليه لأنه أفضل، انتهى.
كذا في "العيني"
(4)
، وبذلك جزم الموفق
(5)
مستدلًا بحديث الباب،
(1)
"فتح الباري"(3/ 142).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 82).
(3)
"فتح الباري"(3/ 142).
(4)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 84).
(5)
انظر: "المغني"(3/ 387).
قال ابن عابدين
(1)
: ما لا يستر البدن لا يكفي عند الضرورة أيضًا، بل يجب ستر باقيه بنحو حشيش، انتهى.
(28 -
باب من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: قوله: "لم ينكر"، ضبط في روايتنا بفتح الكاف على بناء المجهول، وحكي الكسر على أن فاعل الإنكار النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قيد الترجمة بذلك ليشير إلى أن الإنكار الذي وقع من الصحابة كان على طلب البردة، فلما أخبرهم بعذره لم ينكروا على ذلك، فيستفاد منه جواز تحصيل ما لا بد للميت منه من كفن ونحوه في حال حياته. وهل يلتحق بذلك قبر؟ فيه بحث سيأتي، انتهى.
قال القسطلانى
(3)
: قال أصحابنا: لا يندب أن يعد لنفسه كفنًا لئلا يحاسب على اتخاذه، أي: لا على اكتسابه؛ لأن ذلك ليس مختصًا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأن تكفينه من ماله واجب، وهو يحاسب عليه بكل حال، إلا أن يكون من جهة حل، وأثر ذي صلاح، فحسن إعداده كما ههنا، ولو أعد له قبرًا يدفن فيه فينبغي أن لا يكره؛ لأنه للاعتبار بخلاف الكفن، قاله الزركشي.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: ثم إن الإعداد وإن ثبت في الكفن ولم يثبت في القبر فلا يحسن إعداد القبر إلا إذا نوى فيه أن يدفن فيه من مات من أهله، وذلك لأن الموت في هذا الموضع المعلوم غير معلوم، ولا كذلك الكفن؛ فإنه يمكن أخذه معه حيث شاء، انتهى.
وفي هامشه عن ابن بطال
(5)
: قد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت، وتعقبه ابن المنيِّر بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة ولو كان مستحبًا لكثر فيه، انتهى.
(1)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 98).
(2)
"فتح الباري"(3/ 143).
(3)
"إرشاد الساري"(3/ 392).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 336).
(5)
انظر: "شرح ابن بطال"(3/ 267).
وفي "الدر المختار"
(1)
: ويحفر قبرًا لنفسه، وقيل: يكره، والذي ينبغي أن لا يكره تهيئة نحو الكفن، بخلاف القبر، قال ابن عابدين: لقوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
(29 -
باب اتباع النساء الجنازة)
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر: فصل المصنف بين هذه الترجمة وبين فضل اتباع الجنائز بتراجم كثيرة تشعر بالتفرقة بين النساء والرجال، وأن الفضل يختص بالرجال دون النساء؛ لأن النهي يقتضي التحريم أو الكراهة، والفضل يدل على الاستحباب، ولا يجتمعان، وأطلق الحكم هنا لما يتطرق إليه من الاحتمال، ومن ثم اختلف العلماء في ذلك، ومحل النزاع إنما هو حيث تؤمن المفسدة، انتهى.
قلت: لو كان كذلك لكان حقه أن تذكر قريبًا منها لتصير كالمستثنى من الأول، ثم الظاهر في غرض المصنف بالنظر إلى الرواية التي أوردها في الباب أن النهي للتنزيه، ويؤيده أن المصنف ذكر فيما سيأتي قريبًا في "باب زيارة القبور" عدم إنكاره صلى الله عليه وسلم على الزائرة، لكن اتباع الجنازة أمر آخر غير الزيارة، ولذا ذكر ههنا رواية المنع، وفي الآتية رواية الجواز.
وفي هامش "الهندية" عن العيني
(3)
: قال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضي أن النهي للتنزيه، وبه قال الجمهور، وعن أبي حنيفة: لا ينبغي ذلك، انتهى.
وفي "البذل"
(4)
: قال النووي: مذهب أصحابنا أنه يكره، وليس بحرام لهذا الحديث: قال القاضي
(5)
: قال الجمهور بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة، وأجازه مالك، وكرهه للشابة.
(1)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 154).
(2)
"فتح الباري"(3/ 145).
(3)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 87).
(4)
انظر: "بذل المجهود"(10/ 445)، و"شرح النووي"(4/ 5).
(5)
راجع: "الإكمال"(3/ 382).
قال في "الدر المختار"
(1)
: ويكره خروجهن تحريمًا، قال الشامي: لقوله عليه الصلاة والسلام: "ارجعن مأزورات غير مأجورات"، إلى آخر ما فيه.
قلت: اختلفت الروايات في ذلك عن مالك كما في "الأوجز"
(2)
، وقال العيني: ولم يبين البخاري الحكم هل هو جائز أو لا، لاختلاف العلماء فيه؛ لأن قول أم عطية يحتمل أن يكون نهي تحريم أو نهي تنزيه، وقد ورد في الباب أحاديث تدل على الجواز،
(3)
انتهى مختصرًا.
(30 -
باب إحداد المرأة على غير زوجها)
قال الحافظ
(4)
: قال ابن بطال: الإحداد بالمهملة امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما وكل ما كان من دواعي الجماع، وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لوعة الحزن ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال، وسيأتي في "كتاب الطلاق" بقية الكلام على مباحث الإحداد، وقوله في الترجمة:"على غير زوجها" يعم كل ميت غير الزوج سواء كان قريبًا أو أجنبيًا، ودلالة الحديث له ظاهرة، ولم يقيِّده في الترجمة بالموت لأنه يختص به عرفًا، ولم يبيِّن حكمه؛ لأن الخبر دل على عدم التحريم في الثلاث، وأقل ما يقتضيه إثبات المشروعية، انتهى.
قوله: (توفي أخوها) هذا مشكل جدًّا كما قاله الحافظان ابن جحر والعيني، قال العيني
(5)
: قال شيخنا زين الدين: فيه إشكال؛ لأن لزينب ثلاثة إخوة: عبد الله المكبَّر، وعبيد الله مصغرًا، وأبو أحمد مشهور بكنيته،
(1)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 137).
(2)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 480).
(3)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 87).
(4)
"فتح الباري"(3/ 146).
(5)
"عمدة القاري"(6/ 91 - 92).
واسمه عبد على الصحيح، ولا يمكن أن يكون مراده الأول؛ لأنه قتل بأُحد وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًا، ولا جائز أن يكون المراد الثاني؛ لأنه مات بالحبشة نصرانيًّا، ولا الثالث؛ لأنه توفي بعدها كما جزم به ابن عبد البر ونحوه، وأقرب الاحتمالات أن يكون عبيد الله الذي مات نصرانيا على بعد فيه. فإن قلت: مثلها لا يحزن على من مات كافرًا، قلت: ذاك الحزن بالجبلة والطبع فتعذر فيه ولا تلام به، وقيل: يحتمل أن يكون أخًا لزينب من أمها أو من الرضاع، انتهى.
(31 -
باب زيارة القبور)
قال الحافظ
(1)
: أي: مشروعيتها، وكأنه لم يصرح بالحكم؛ لما فيه من الخلاف كما سيأتي، وكأن المصنف لم يثبت على شرطه الأحاديث المصرحة بالجواز، وقد أخرجه مسلم من حديث بريدة وفيه نسخ النهي عن ذلك، ولفظه:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها" وزاد أبو داود والنسائي من حديث أنس: "فإنها تذكر الآخرة"، قال النووي
(2)
: اتفقوا على أن زيارة القبور جائزة كذا أطلقوا، وفيه نظر؛ لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي الكراهة مطلقًا حتى قال الشعبي:"لولا نهي النبي صلى الله عليه وسلم لزرت قبر ابنتي"، فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ. ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به، واختلف في النساء فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر. وقيل: الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذب"، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 148).
(2)
انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (4/ 51).
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: ميل المصنف إلى جوازها للنساء، انتهى.
وفي هامش "المشكاة" عن "اللمعات"
(2)
: قوله: "فزوروها"، واختلف في النساء فقيل: الرخصة إنما هي للرجال، وأما النساء فباقية على النهي إلا في زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: يعم الرخصة للرجال والنساء، انتهى.
قلت: والأخير، أي: العموم هو مذهب مالك والشافعي وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وعن أحمد روايتان كما في "الأوجز"
(3)
، وفي "الدر المختار"
(4)
: ولا بأس بزيارة القبور، قال ابن عابدين: بل تندب كما في "البحر" عن "المجتبى"، وتزار في كل اسبوع كما في "مختارات النوازل"، والأفضل يوم الجمعة والسبت والاثنين والخميس، فقد قال محمد بن واسع: الموتى يعلمون بزوّارهم يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده، انتهى.
وفي "شرح الإقناع"
(5)
: ويستحب الإكثار من الزيارة وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل، انتهى.
(32 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يُعذَّب الميت ببعض بكاء أهله
")
قال الحافظ
(6)
: قوله: "إذا، كان النوح. . ." إلخ، هذا تقييد من المصنف لمطلق الحديث وحمل منه لرواية ابن عباس المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر المطلقة كما ساقه في الباب عنهما، وتفسير منه للبعض المبهم في رواية ابن عباس بأنه النوح، ويؤيده أن المحذور بعض البكاء لا جميعه.
وقوله: (إذا كان النوح. . .) إلخ، يوهم أنه بقية الحديث المرفوع، وليس
(1)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 330).
(2)
"مشكاة المصابيح"(2/ 701).
(3)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 480).
(4)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 150).
(5)
"شرح الإقناع"(2/ 302).
(6)
"فتح الباري"(3/ 152).
كذلك بل هو كلام المصنف قاله تفقهًا، وهذا الذي جزم به هو أحد الأقوال في تأويل الحديث المذكور، انتهى.
واختلف في ضبط قوله: "من سنته" فللأكثر في موضعين بضم المهملة وتشديد النون، أي: طريقته وعادته، وضبط بعضهم بفتح المهملة بعدها موحدتان الأولى مفتوحة، أي: من أجله، انتهى.
واختلفوا في الترجيح بينهما فمنهم من رجح الأول ومنهم البخاري على رأي الحافظ حيث استشهد بالحديث الذي فيه؛ لأنه أول من سن القتل، ومنهم من رجح الثاني وأنكر الأول، وهو أبو الفضل، إذ قال: وأيّ سُنَّة للميت، انتهى.
ثم اختلف العلماء في توجيه الحديث على أقوال عديدة بلغها في "الأوجز"
(1)
إلى أربعة عشر قولًا:
أحدها: أن الحديث على ظاهره مطلقًا وهو رأي عمر وابنه، قال الحافظ: منهم من حمله على ظاهره وهو بَيِّنٌ من قصة عمر مع صهيب كما أخرجه البخاري، انتهى.
الثاني: لا مطلقًا، قال الحافظ: ويقابل هؤلاء قول من رد هذا الحديث، وعارضه بقوله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18]، روي ذلك عن أبي هريرة.
الثالث: أن الباء للحال؛ لأنه يعذب حال بكائهم عليه والتعذيب عليه من ذنب لا بسبب البكاء.
الرابع: أنه خاص بالكافر، والقولان - أي: الثالث والرابع - عن عائشة، قاله السيوطي.
الخامس: أنه خاص بمن كان النوح من سُنَّته وطريقته، وعليه البخاري.
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 554 - 560).
السادس: أنه فيمن أوصى به، وهو قول الجمهور وسيأتي البسط فيه في آخر الأقوال.
السابع: أنه فيمن لم يوص بتركه فتكون الوصية بذلك واجبة، قال العيني والنووي: حاصله إيجاب الوصية بترك البكاء والنوح، وهو قول داود وطائفة.
الثامن: التعذيب بالصفات التي يبكون بها عليه وهي مذمومة شرعًا، كما كان أهل الجاهلية يقولون: يا مرمل النسوان، يا ميتم الأولاد، يا مخرب الدور، فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنيعه ذلك، وهو اختيار ابن حزم وطائفة.
التاسع: أن المراد به توبيخ الملائكة له بما يندب به أهله كما في رواية: "إذا قالت النائحة: وا عضداه وا ناصراه وا كاسياه، جبذ الميت، وقيل له: أنت عضدها؟! أنت ناصرها؟! أنت كاسيها؟! ".
العاشر: قال الحافظ
(1)
: وحكى الكرماني تفصيلًا آخر وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ، ويؤيده قوله تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} الآية [الأنفال: 25]، فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال في البرزخ.
الحادي عشر: أن المراد بالعذاب تألم الميت بسبب بكاء أهله عليه على وجه مذموم، كما يتألم بسائر المعاصي الصادرة عنهم، ويفرح بالأعمال الصالحة الكائنة منهم.
الثاني عشر: أن المراد بالميت المحتضر مجازًا، وبالتعذيب التعذيب في الدنيا، أي: المحتضر يتألم ببكاء أهله عليه.
(1)
انظر: "فتح الباري"(3/ 156)، و"شرح الكرماني"(7/ 86).
الثالث عشر: وهو قريب بالقول الحادي عشر أن المراد تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهو اختيار الطبري، ورجحه ابن المرابط وابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له لحديث قيلة بنت مخرمة، ذكر في "الأوجز"، والفرق بين هذا وبين ما سبق أن تألم الميت في القول السابق كان لارتكاب الحي معصية، وفي هذا تألمه وبكاءه لتألم الحي، فتأمل.
الرابع عشر: ما قيل: إن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معين كما قالت عائشة:"إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية" الحديث.
قلت: هذا آخر ما ظفرت عليه من أقوال العلماء، وقد عرفت أن الجمهور على القول السادس حتى قال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي عن الجمهور، قالوا: وكان معروفًا للقدماء حتى قال طرفة بن العبد:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله
…
وشُقِّي عليَّ الجيب يا ابنة معبد
قال العيني
(1)
: هو أصح الأقوال.
قلت: وبه قالت الحنفية كما في "الدر المختار"
(2)
، وكذا عند الشافعية كما في "شرح الإقناع"
(3)
، ثم ذكر في "الأوجز"
(4)
مسألة البكاء على الميت وهي التي أشار إليها البخاري فيما سيأتي بقوله: "وما يرخص من البكاء" عن كتب فروع الأئمة الأربعة، فهو جائز على المذاهب الأربعة من غير ندب، وهو البكاء مع تعداد محاسن الميت ومن غير نياحة، وهو رفع الصوت برنة، وأما البكاء معهما أو مع أحدهما فحرام عند الجمهور، انتهى.
(1)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 109).
(2)
انظر: "الدر المختار"(3/ 147).
(3)
انظر: "شرح الإقناع"(2/ 304).
(4)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 561).
قوله: (لقول الله عز وجل: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6])، وجه
(1)
الاستدلال لما ذهب إليه من هذه الآية أن هذا الأمر عام في جهات الوقاية، ومن جملتها أن لا يكون الأصل مولعًا بأمر منكر لئلا يجري أهله عليه بعده، أو يكون قد عرف أن لأهله عادة بفعل أمر منكر وأهمل نهيهم عنه، فيكون لم يق نفسه ولا أهله، انتهى.
وقس على هذا وجه الاستدلال من حديث: "كلكم راع. . ." إلخ.
قوله: (لم يقارف الليلة) المشهور أنه تعريض على عثمان بأنه باشر في تلك الليلة، قال الكرماني
(2)
: يروى أن هذه البنت هي أم كلثوم امرأة عثمان، وعثمان في تلك الليلة باشر جارية له، فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فلم يعجبه حيث شغل عن المريضة المحتضرة بها، انتهى.
لكن لم يرض به الشيخ قُدِّس سرُّه في تقريره ورجح بأن معناه لم يذنب الليلة ولو صغيرة، وجزم أبو طلحة بعدم الذنب فلعله بات مصليًّا، ومال الطحاوي في "مشكله" إلى أن فيه تصحيفًا والصواب: لم يقاول، أي: لم ينازع غيره الكلام؛ لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء، والبسط في "اللامع"
(3)
وهامشه.
(33 -
باب ما يكره من النياحة على الميت)
قال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر: "ما" موصولة و"من" لبيان الجنس، والتقدير الذي يكره من جنس البكاء هو النياحة، والمراد كراهة التحريم. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون "ما" مصدرية و"من" تبعيضية، والتقدير كراهية بعض النياحة، أشار إلى ذلك ابن المرابط وغيره. ونقل ابن قدامة
(5)
عن أحمد رواية أن بعض النياحة لا تحرم، وفيه نظر. . . إلى آخر ما قاله.
(1)
انظر: "فتح الباري"(3/ 152).
(2)
"شرح الكرماني"(7/ 82).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 339).
(4)
"فتح الباري"(3/ 161).
(5)
انظر: "المغني"(3/ 490).
وظاهر "المغني" أن النياحة مكروهة مطلقًا إلا البكاء بالصوت، وفيه أيضًا: ونقل حرب عن أحمد كلامًا يدل على إباحة النوح والندب، وظاهر الأخبار تدل على الحرمة، إلى آخر ما قال. واختار صاحب "الفيض" القول الثاني حيث قال
(1)
: ومن ههنا تبعيضة عندي، وذلك لأنه لا بد كون بعض مراتب النياحة تحت الجواز وإن لم نقدر على تحديدها، لما قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الإغماض عن بعضها؛ كنياحة أم الأخ لجابر حين استشهد، ولذا صرح السرخسي أن المسألة فيه عندنا أن يفوض إلى رأي المبتلى به، ثم لا بد من الفرق بين الإغماض والرضاء، فالذي أقول: هو الإغماض في بعض الأحيان مع إظهار عدم الرضاء، وهو الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم في الباب الآتي، انتهى مختصرًا.
قال الموفق
(2)
: الندب تعداد محاسن الميت بلفظ النداء مثل قولهم: وارجلاه واجبلاه، والنياحة، وخمش الوجوه، وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، انتهى.
قوله: (إنَّ كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد) يشكل بأن وجه الشبه يكون أقوى في المشبه به، أجاب عنه السندي
(3)
بوجوه:
الأول: أن الكاف للمماثلة بمعنى المساواة، والمطلوب من نفي المساواة إثبات الأشدية.
الثاني: معناه: ليس مثله في السهولة، وما يكون أقل سهولة يكون أكثر شدة.
الثالث: يمكن أن يجعل وجه الشبه خفة الإثم، أي: ليس مثله في خفة الإثم، وما يكون أقل خفة يكون أكثر شدة. . . إلى آخر ما قال.
(1)
"فيض الباري"(2/ 461).
(2)
"المغني"(3/ 489).
(3)
"حاشية السندي"(1/ 224).
(34 -
باب)
بلا ترجمة، قال الحافظ
(1)
: سقط من رواية أبي ذر وكريمة، وعلى ثبوته فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله كما تقدم تقريره، وعلى التقديرين فلا بدّ له من تعلق بالذي قبله، وقد قدمت توجيهه في أول الترجمة، انتهى.
قلت: ولعل الحافظ أشار بذلك إلى ما نقله عن ابن المرابط وغيره كما تقدم في الباب السابق؛ فإن مفاده أن بعض أنواع النياحة جائز، والحديث الذي أخرجه المصنف في هذا الباب يشعر بذلك، والله أعلم.
وفي "الفيض"
(2)
: وظني أن المصنف رحمه الله يريد أن يشير إلى المستثنيات إلا أنه لم يتكلم بها لكونها غير منضبطة، فدلّ على أن ترك الترجمة قد يكون بهذا المعنى أيضًا، انتهى.
ورمز عليه شيخ الهند في "تراجمه" رمز بـ: "تـ" نقطتان، وهو إشارة إلى أن الحديث الذي أورده فيه يتعلق بالباب السابق.
(35 -
باب ليس منا من شق الجيوب)
قال ابن المنيِّر
(3)
: أفرد هذا القدر بترجمة ليشعر بأن النفي الذي حاصله التبري يقع بكل واحد من المذكورات لا بمجموعها، قال الحافظ: ويؤيده رواية لمسلم بلفظ: "أو شق الجيوب أو دعا. . ." إلى آخره، انتهى من "الفتح".
(36 -
باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم
-)
أشكل على الترجمة أن الرثاء لغة هو ذكر محامد الموتى، وما في الحديث ليس كذلك، بل فيه التحزن والتوجع فلا يدخل تحت الترجمة، وأجيب بأنه هو المقصود، يعني: رثاءه صلى الله عليه وسلم لم يكن المعهود بل كان تحزنًا،
(1)
"فتح الباري"(3/ 163).
(2)
"فيض الباري"(2/ 461).
(3)
"فتح الباري"(3/ 163).
فلا ينافي ما ورد في مسند "أحمد"
(1)
أنه عليه السلام: "نهى عن المراثي"، انتهى ملخصًا.
(37 -
باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة)
قال الحافظ
(2)
: تقدم الكلام في "باب ما يكره من النياحة" - أي: من كون لفظة "ما" موصولة أو مصدرية ولفظ "من" تبعيضية أو بيانية - وتقدم الكلام أيضًا على الحكمة في اقتصاره على الحلق دون ما ذكر معه في الباب الذي قبله، انتهى.
(38 -
باب ليس منا من ضرب الخدود)
تقدم في "باب ليس منا من شق الجيوب" أن المصنف أفرد هذه التراجم إشارة إلى أن التبري يتعلق بكل جزء لا بالمجموع.
(39 -
باب ما ينهى من الويل. . .) إلخ
غرض الترجمة على قياس ما عرفت، لكن ليس في الحديث ذكر الويل، فكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه عند ابن ماجه، كذا في "الفتح"
(3)
، ولم يرض به العيني وقال
(4)
: دعوى الجاهلية لازمة للويل.
(40 -
باب من جلس عند المصيبة)
قال الحافظ
(5)
: لم يفصح المصنف بحكم هذه المسألة ولا التي بعدها لأن كلًّا منهما قابل للترجيح، أما الأول فلكونه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجح غالبًا، وأما الثاني فلأنه فعل أبلغ في الصبر وأزجر للنفس فيرجح، ويحمل فعله صلى الله عليه وسلم المذكور على بيان
(1)
"مسند أحمد"(4/ 356).
(2)
"فتح الباري"(3/ 165).
(3)
المصدر السابق (3/ 166).
(4)
"عمدة القاري"(6/ 129).
(5)
"فتح الباري"(3/ 167).
الجواز، ويكون فعله في حقه في تلك الحالة أولى، وقال ابن المنيِّر ما ملخصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور من اللطم والشق وغيرهما، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخايل الحزن، ويؤذن بأن المصيبة عظيمة، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(1)
: ولا بأس بالجلوس لها، أي: للتعزية في غير المسجد، وقال ابن عابدين: لا بأس ههنا على حقيقته؛ لأنه خلاف الأولى كما صرح به في "شرح المنية"، وفي "الأحكام" عن "خزانة الفتاوى": الجلوس في المصيبة ثلاثة أيام للرجال جاءت الرخصة فيه، ولا تجلس النساء قطعًا، انتهى.
قال ابن عابدين: وما في "البحر" - من "أنه صلى الله عليه وسلم جلس لما قتل جعفر وزيد بن حارثة والناس يأتون ويعزونه"، انتهى - يجاب عنه بأن جلوسه صلى الله عليه وسلم لم يكن مقصودًا للتعزية، انتهى.
(41 -
باب من [لم] يظهر حزنه عند المصيبة)
تقدم الكلام عليه في الباب السابق، وقوله في الترجمة:"وقال محمد بن كعب. . ." إلخ، غرضه على الظاهر تفسير قوله عز اسمه في سورة المعارج:{إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20)} [المعارج: 20]، ويؤيده ما قال الحافظ
(2)
: روى ابن أبي حاتم في تفسير "سورة سأل" عن القاسم بن محمد كقول محمد بن كعب هذا، انتهى.
(1)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 149).
(2)
"فتح الباري"(3/ 169).
وقال العيني
(1)
: مطابقته للترجمة من حيث المقابلة، وهي ذكر الشيء وما يضاده معه، وذلك أن ترك إظهار الحزن من القول الحسن والظن الحسن، وإظهاره مع الجزع قول سيئ وظن سيئ، انتهى.
وتبعه القسطلاني
(2)
، ولم يتعرض الحافظ بوجه المناسبة.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: يعني بذلك - والله أعلم -: أنه لا ضير في إظهار الحزن ما لم يقل سوءًا ولا أساء الظن بالكريم تعالى، وإن كان للذي لم يظهره على الناس فضل كثير، ودلالة الرواية على الترجمة ظاهرة لحال المرأة، انتهى.
وأما مناسبة الآية بالترجمة فهو ما قال ابن المنيِّر: إن قول يعقوب لما تضمن أنه لا يشكو بتصريح ولا تعريض إلا لله وافق مقصود الترجمة
(4)
، انتهى.
(42 -
باب الصبر عند الصدمة الأولى)
قال الحافظ
(5)
: أي: هو المطلوب المبشر عليه بالصلاة والرحمة، ومن ههنا تظهر مناسبة إيراد أثر عمر في هذا الباب، انتهى.
وفي "الفيض"
(6)
: قال الشافعي رحمه الله: إن المصائب مكفرات مطلقًا صبر عليها أو لا لكونها تعذيبًا، ولا فرق فيه بين الصبر وعدمه، نعم يحرم عن تضاعف الأجور، انتهى. وسيأتي بسط الكلام عليه في مبدأ "كتاب المرضى".
قوله: (وقال عمر. . .) إلخ، العدلان: الصلاة والرحمة، والعلاوة: الاهتداء، قاله الحافظ
(7)
.
(1)
"عمدة القاري"(6/ 133).
(2)
انظر: "إرشاد الساري"(3/ 424).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 345).
(4)
انظر: "فتح الباري"(3/ 169).
(5)
"فتح الباري"(3/ 172).
(6)
"فيض الباري"(2/ 464).
(7)
"فتح الباري"(3/ 172).
(43 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا بك لمحزونون
")
قال الحافظ
(1)
: سقطت هذه الترجمة والأثر في رواية الحموي وثبتت للباقين، وحديث ابن عمر كأن المراد به ما أورده المصنف في الباب الذي بعد هذا إلا أن لفظه:"إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب"، فيحتمل أن يكون ذكره بالمعنى؛ لأن ترك المؤاخذة بذلك يستلزم وجوده، إلى آخر ما قال.
فائدة: قال الحافظ
(2)
: جزم الواقدي بأن إبراهيم ابنه صلى الله عليه وسلم مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وقال ابن حزم: مات قبل النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر، واتفقوا على أنه ولد في ذي الحجة سنة ثمان، انتهى.
(44 -
باب البكاء عند المريض)
سقط لفظ "باب" من رواية أبي ذر، قال ابن المنيِّر: ذكر المريض أعم من أن يكون أشرف على الموت أو هو في مبادئ المرض، لكن البكاء عادة إنما يقع عند ظهور العلامات المخوفة، انتهى من "الفتح"
(3)
.
(45 -
باب ما ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك)
قال الحافظ: قال ابن المنيِّر: عطف الزجر على النهي للإشارة إلى المؤاخذة الواقعة في الحديث بقوله: "فاحث في أفواههن التراب"، انتهى.
قلت: وقد تقدم ترجمة البكاء والنياحة إلا أن الزجر لم يتقدم، فلا يبعد عندي أن يكون الغرض من هذه الترجمة المنع من المباح أيضًا سدًا للباب، ومقصود الأول التفريق بين أنواع النياحة جوازًا ومنعًا.
(1)
"فتح الباري"(3/ 173).
(2)
المصدر السابق (3/ 174).
(3)
المصدر السابق (3/ 175).
(46 -
باب القيام للجنازة)
قال الحافظ
(1)
: أي: إذا مرت على من ليس معها، وأما قيام من كان معها إلى أن توضع بالأرض فسيأتي في ترجمة مفردة، انتهى.
قلت: المراد بهذه الترجمة هي الترجمة الثالثة بقوله: "باب من تبع جنازة فلا يقعد. . ." إلخ، وأما الباب الآتي أعني قوله:"باب متى يقعد. . ." إلخ، فهو تكملة لهذا الباب.
ومسألة الباب خلافية، فذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى أنه قد نسخ، وقال أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون المالكيان: وهو مخيَّر، نقله النووي عن القاضي، ثم قال النووي
(2)
: والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبًا، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحب، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب والقعود بيانًا للجواز، انتهى مختصرًا.
قلت: جزم [صاحب]"المغني"
(3)
: أن القيام لها لا يستحب، وحكى الاستحباب عن القاضي وغيره، وبسط القسطلاني
(4)
في تحقيق مذهب الشافعية.
(47 -
باب متى يقعد إذا قام للجنازة
؟)
سقط هذا الباب والترجمة من رواية المستملي، وثبتت الترجمة دون الباب لرفيقه، قاله الحافظ
(5)
.
قلت: وتقدم في الباب السابق أن هذا الباب تكملة له، ثم لا يخفى عليك أنه قد اختلفت النسخ في ذكر الحديث الثاني من هذا الباب، فعلى ما في النسخ الهندية - وهو الموافق لنسخة العيني
(6)
- مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، وأما في نسخة الحافظ والقسطلاني والنسخة المصرية التي
(1)
"فتح الباري"(3/ 177).
(2)
"شرح النووي"(4/ 34).
(3)
"المغني"(3/ 403).
(4)
"إرشاد الساري"(3/ 436).
(5)
"فتح الباري"(3/ 178).
(6)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 150).
عليها حاشية السندي فقد ذكر فيها في هذا الباب حديث قصة مروان مع أبي سعيد، وعلى هذا فالمطابقة بالترجمة خفية، ولم يتعرض لهذا الاختلاف أحد من الشرَّاح.
(48 -
باب من تبع جنازةً فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: كأنه أشار بهذا إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب: "حتى توضع بالأرض" على رواية من روى "حتى توضع في اللحد". وفيه اختلاف على سهيل بن أبي صالح عن أبيه، قال أبو داود: رواه أبو معاوية عن سهيل فقال: "حتى توضع في اللحد"، وخالفه الثوري وهو أحفظ فقال:"في الأرض"، انتهى.
قلت: فعلى هذا تكون الترجمة شارحة، وهو الأصل الثالث والعشرون، فإن حديث الباب ليس فيه إلا قوله:"حتى توضع"، فكأن البخاري أشار بالترجمة إلى أن الراجح عنده في معناه الوضع عن المناكب لا الوضع في اللحد.
قال الحافظ
(2)
أيضًا عن ابن المنيِّر: إنما نوع هذه التراجم مع إمكان جمعها في ترجمة واحدة للإشارة إلى الاعتناء بها، ولأن بعض ذلك وقع فيما ليس على شرطه فاكتفى بذكره في الترجمة لصلاحيته للاستدلال، انتهى.
قال الحافظ: وفي "المحيط" للحنفية: الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليها التراب، ثم قال الحافظ في حديث الباب: هذا الحديث أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة، وهو يوضح أن المراد بالغاية المذكورة من كان معها أو مشاهدًا لها، وأما من مرت به فليس عليه من القيام إلا قدر ما تمر عليه أو توضع عنده بأن يكون بالمصلَّى مثلًا، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 178).
(2)
المصدر السابق (3/ 179).
ومسألة الباب خلافية بسطت في "الأوجز"
(1)
، فعندنا الحنفية يكره الجلوس فقيل: قبل الوضع بالأرض، وقيل: في اللحد، قولان عندنا. وعند الحنابلة، كما في "الروض المربع"
(2)
وغيره: يكره الجلوس لتابعيها حتى توضع بالأرض. وعند الشافعية قولان، ففي "حاشية شرح الإقناع"
(3)
: القيام لها إذا مرت، والقيام إذا تبعها منسوخان على المذهب، فلا يؤمر أحد بالقيام مطلقًا، هذا في القاعد إذا مرت به. أما مُشَيِّعها فيستحب له أن لا يقعد حتى توضع بالأرض. وأما عند المالكية: فيجوز الجلوس للمُشَيِّعين قبل وضعها من أعناق الرجال، كما في "الشرح الكبير"
(4)
، انتهى.
(49 -
باب من قام لجنازة يهودي)
صنيع المؤلف حيث أثبت القيام للميت بعدة تراجم مشعر بأنه لم يصح عنده النسخ في هذه المسألة، وجمهور العلماء على ثبوت النسخ لرواية مسلم وأبي داود عن علي:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الجنازة ثم جلس بعد".
(50 -
باب حمل الرجال الجنازة دون النساء)
في هامش
(5)
"الهندية" عن العيني والقسطلاني قوله في الحديث: "واحتملها الرجال"، هو موضع الترجمة، فإن قلت: هذا إخبار فكيف يكون حجة في منع النساء؟ قلت: كلام الشارع مهما أمكن يحمل على التشريع لا على مجرد الأخبار، انتهى.
قال الحافظ
(6)
: وقد ورد ما هو أصرح من هذا في منعهن، ولكنه
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 525).
(2)
انظر: "الروض المربع"(1/ 349).
(3)
"شرح الإقناع"(2/ 292).
(4)
"الشرح الكبير"(1/ 668).
(5)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 154)، و"إرشاد الساري"(3/ 441).
(6)
"فتح الباري"(3/ 182).
على غير شرط المصنف، ولعله أشار إليه وهو ما أخرجه أبو يعلى
(1)
من حديث أنس قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا، قال: أتدفنه؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات"، انتهى. قلت: وأخرج ابن ماجه
(2)
نحوه عن علي رضي الله عنه.
قال الحافظ
(3)
: ونقل النووي في "شرح المهذب": أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء؛ لأن الجنازة لا بدّ أن يشيعها الرجال فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(4)
: دلالة لفظ الحديث - أعني قوله: "واحتملها الرجال" - على الترجمة غير ظاهرة؛ إذ يجوز أن يكون ذكر الرجال على طريق تصوير صورة صالحة لأداء المقصود، لكن ما سبق في الأبواب السابقة من أن النساء ممنوعات عن اتباع الجنائز يدل على ذلك دلالة ظاهرة، وكأن المؤلف اعتمد عليه في هذا الباب، انتهى.
قلت: وعلى هذا فينبغي أن تكون الترجمة داخلة في الأصل السابع والعشرين.
(51 -
باب السرعة بالجنازة)
أي: بعد أن تحمل، قاله الحافظ
(5)
، وقال أيضًا فيما سيأتي من "باب فضل اتباع الجنائز": كأن المصنف قصد فيما سبق من "باب السرعة بالجنازة" كيفية المشي وأمكنته، انتهى.
قوله: (وقال أنس. . .) إلخ، قال الحافظ
(6)
: قال ابن المنيِّر: مطابقة
(1)
"مسند أبي يعلى"(ح: 4056، 4284).
(2)
"ابن ماجه"(ح: 1578).
(3)
"فتح الباري"(3/ 182).
(4)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 339).
(5)
"فتح الباري"(3/ 183).
(6)
المصدر السابق (3/ 183).
هذا الأثر للترجمة أن الأثر يتضمن التوسعة على المشيعين وعدم التزامهم جهة معينة، وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضية الإسراع بالجنازة أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي عمن يقوى عليه، ومحصله أن السرعة لا تتفق غالبًا إلا مع عدم التزام المشي في جهة معينة فيتناسبا، وقال ابن رُشيد: ويمكن أن يقال: لفظ المشي والتشييع في أثر أنس أعم من الإسراع والبطء، فلعله أراد أن يفسر أثر أنس بالحديث، قال: ويمكن أن يكون أراد أن يبين بقول أنس أن المراد بالإسراع ما لا يخرج عن الوقار لمتبعها بالمقدار الذي يصدق عليه به المصاحبة.
ثم قال الحافظ: دل إيراد البخاري لأثر أنس المذكور على اختيار هذا المذهب، وهو التخيير في المشي مع الجنازة، وهو قول الثوري. . . إلى آخر ما قال.
قلت: هذا محتمل لكن المصنف سيبوب بقوله: "فضل اتباع الجنائز" وظاهره المشي خلفها كما سيأتي هناك، فتأمل.
قوله: (أسرعوا بالجنازة) اختلفوا في معناه، فقيل: أي: بحملها إلى قبرها، وقيل: الإسراع بتجهيزها، وهو أعم من الأول، قال القرطبي: والأول أظهر، وقال النووي: الثاني باطل مردود بقوله في الحديث: "تضعونه عن رقابكم"، وتعقبه الفاكهي، ذكره الحافظ
(1)
.
قلت: وتعقبه السندي أيضًا، إذ قال
(2)
: ولا يخفى أنه يمكن تصحيحه على المعنى الثاني بأن يجعل الوضع عن الرقاب كناية عن التبعيد عنه وترك التلبس به، انتهى.
وقال ابن قدامة
(3)
: الأمر في الحديث للاستحباب بلا خلاف، وشذ
(1)
"فتح الباري"(3/ 184).
(2)
"حاشية السندي"(1/ 228).
(3)
انظر: "المغني"(3/ 394).
ابن حزم فقال بوجوبه، وقال صاحب "الهداية"
(1)
: ويمشون بها مسرعين دون الخبب، وفي "المبسوط": ليس فيه شيء موقت، غير أن العجلة أحب، وعن الشافعي والجمهور المراد بالإسراع ما فوق المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد. . . إلى آخر ما بسط في "الفتح"
(2)
.
(52 -
باب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني)
يشكل على المصنف تكرار الترجمة بما سيأتي بعد عدّة أبواب: "باب كلام الميت على الجنازة"، وكتب الحافظ هناك: قال ابن رُشيد
(3)
: الحكمة في هذا التكرير أن الترجمة الأولى مناسبة للترجمة التي قبلها وهي "باب السرعة بالجنازة" لاشتمال الحديث على بيان موجب الإسراع، وكذلك هذه الترجمة مناسبة للتي قبلها - أي: باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي - كأنه أراد أن يبين أن ابتداء العرض إنما يكون عند حمل الجنازة؛ لأنها حينئذ يظهر لها ما تؤول إليه فتقول ما تقول، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن هذا الباب من قبيل الأصل السادس، نبَّه بقوله "كلام الميت" على أن المراد بلفظ الجنازة في الحديث الميت، قال الحافظ
(4)
: قوله: "إذا وضعت الجنازة" يحتمل أن يريد بالجنازة نفس الميت وبوضعه جعله في السرير، ويحتمل أن يريد به السرير، والمراد وضعها على الكتف، والأول أولى لقوله بعد ذلك:"فإن كانت صالحة قالت" فإن المراد به الميت، ويؤيده ما روي بلفظ:"إذا وضع المؤمن على سريره يقول: قدموني" الحديث، انتهى.
وأما الترجمة الثانية الآتية فالظاهر عند هذا العبد الضعيف في الغرض منه إثبات كلام الميت نصًا إشارة إلى أن ما في أبي داود
(5)
من حديث
(1)
"الهداية"(1/ 91).
(2)
"فتح الباري"(3/ 184).
(3)
المصدر السابق (3/ 244).
(4)
"فتح الباري"(3/ 185).
(5)
"سنن أبي داود"(ح: 3644).
ابن أبي نملة عن أبيه: "أنه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده رجل من اليهود مرّ بجنازة فقال: يا محمد! هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أعلم، قال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" الحديث، فلعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن حديث أبي داود مبني على أنه صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه شيء في ذلك بعد، فتدبر، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
(53 -
باب من صف صفين أو ثلاثة)
كتب الشيخ "اللامع"
(2)
: قوله في الحديث: "في الصف الثاني أو الثالث" تردد الراوي - في أنه هل كان في الثاني أو الثالث - مشعر بجواز الأمرين كليهما؛ إذ لو لم تجز الصفوف ثلاثة أو لم يجز اثنان منها بل وجب الإفراد وتوحيد الصف، أو وجب تثليثها لا غير لم يكن له تردد في أيّ الأمرين كان، إذ لا يمكن أن يكون هناك إلا ما جاز واستحب، وهذا كاف لإثبات الترجمة، انتهى.
أشكل على الترجمة بوجه آخر بأنه: لم يظهر من حديث الباب كون الصفوف وراء الإمام. وأجيب بأنه: أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا كما سيأتي في "هجرة الحبشة": "فصففنا وراءه".
وفي هامش "اللامع": لا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أراد به الرد على من قال أن يكونوا صفًا واحدًا، قال الحافظ
(3)
في "باب سُنَّة الصلاة على الجنازة": قوله: "فيه صفوف. . ." إلخ، قرأت بخط مغلطاي: كأن البخاري أراد الرد على مالك، فإن ابن العربي نقل عنه أنه استحب أن يكون المصلون على الجنازة سطرًا واحدًا، قال: ولا أعلم لذلك وجهًا، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 352).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 352).
(3)
"فتح الباري"(3/ 191).
وعلى هذا فثبتت الترجمة بالشك أيضًا؛ فإنه على كل حال ثبتت الزيادة على الواحد، ولا يبعد أيضًا أنه أراد أن تثليث الصفوف ليس بحتم، كما يظهر من بعض الآثار وإن كان مستحبًا، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع".
(54 -
باب الصفوف على الجنازة)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنيِّر ما ملخصه: إنه أعاد الترجمة؛ لأن الأولى لم يجزم فيها بالزيادة على الصفين، وقال ابن بطال: أومأ المصنف إلى الرد على عطاء حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، كما رواه عبد الرزاق عن عطاء لما سئل عن تسوية الصفوف على الجنائز قال: لا، إنما يكبرون ويستغفرون.
قال الحافظ: وأشار المصنف بصيغة الجمع إلى ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب"، وفي رواية:"إلا غفر له"، وتعقب بعضهم الترجمة بأن أحاديث الباب ليس فيها صلاة على الجنازة، وإنما فيه الصلاة على الغائب أو على من في القبر، وأجيب بأن الاصطفاف إذا شرع والجنازة غائبة ففي الحاضرة أولى.
وأجاب الكرماني بأن المراد بالجنازة في الترجمة الميت سواء كان مدفونًا أو غير مدفون، فلا منافاة بين الترجمة والحديث، انتهى.
وأنت خبير بأن شيئًا من هذه الوجوه لا يناسب شأن البخاري ودقة نظره، فإنه لو أراد بالترجمة تأييد تسوية الصفوف كان ينبغي له أن يشير إلى ذلك في الترجمة بنوع من الدلالة على أن لفظ الصفوف بصيغة الجمع لا يلزم الزيادة على الاثنين؛ فإن الاثنين فما فوقهما جماعة، وكذلك لا يشير إلى
(1)
"فتح الباري"(3/ 191).
الرد على عطاء؛ فإن لفظ الصفوف لا يستلزم التسوية، بل الأوجه كما هو الظاهر أن الإمام البخاري أشار بلفظ:"على الجنازة" الرد على من قال بالصلاة على الغائب؛ فإن الإمام البخاري مع تخريجه حديث الصلاة على النجاشي بطرق لم يبوب بالصلاة على الغائب، بل أشار بلفظ الترجمة إلى كون الجنازة حاضرة، وهذا هو التوجيه الذي وجهت الحنفية به حديث الصلاة على النجاشي، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز"
(1)
، وفيه عن الزرقاني: الصلاة على الميت الغائب قال به الشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقالت الحنفية والمالكية: لا تشرع، ونسبه ابن عبد البر إلى أكثر العلماء، فالإمام البخاري مال في هذه المسألة إلى قول الحنفية والمالكية كما سبق، انتهى من هامش "اللامع".
(55 -
باب صفوف الصبيان مع الرجال. . .) إلخ
ويشكل التكرار بما سيأتي من "باب صلاة الصبيان. . ." إلخ، بسط الكلام عليه في هامش "اللامع"، وفيه: قال الحافظ: قوله: "باب صلاة الصبيان. . ." إلخ، أورد فيه حديث ابن عباس في صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم على القبر، قال ابن رُشيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفية وقوف الصبيان مع الرجال، وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم لقوله في الحديث الذي ساقه فيها:"وأنا فيهم"، وأفاد بهذه الترجمة مشروعية صلاة الصبيان على الجنائز وهو وإن كان الأول دل عليه ضمنًا، لكن أراد التنصيص عليه، وأخّر هذه الترجمة عن فضل اتباع الجنائز ليبين أن الصبيان داخلون في قوله:"من تبع جنازة"، والله أعلم، انتهى. وهكذا قال العيني
(2)
، وتبعهما القسطلاني في ذلك.
وما يظهر لهذا العبد الضعيف إن كان صوابًا فمن الله وفضله، وإن
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 443).
(2)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 175)، و"إرشاد الساري"(3/ 450).
كان خطأ فمني ومن شيطان، والإمام البخاري منه بريء، وهو: أن مقصود الإمام البخاري بالترجمة الأولى هو الذي اختارته الشرَّاح، نبَّه الإمام بها على أن الصبيان لا يحتاجون إلى صف مستقل في الصلاة على الجنازة بخلاف الصلاة المكتوبة؛ لقلة حضورهم في الجنائز بخلاف المكتوبات، وأما الغرض من الترجمة الثانية فهو أن الثابت في الحديث صلاة الصبيان مع الرجال، فلا تكفي صلاتهم بدون الرجال لإسقاط فرض الكفاية.
والمسألة خلافية كما بحثها ابن عابدين، وحكى عن المحقق ابن أمير حاج: أن سقوطها بفعل الصبي المميز هو الأصح عند الشافعية، قال: ولا يحضرني هذا منقولًا فيما وقفت عليه من كتبنا، وظاهر أصول المذهب عدم السقوط، قال ابن عابدين
(1)
: حاصله أنها لا تسقط عن البالغين بفعله، وإن صلاته وإن صحت لنفسه لا تقع فرضًا، وعليه فلو صلى وحده لا يسقط الفرض عنهم، انتهى.
وفي "الروض" من فروع الحنابلة: وتسقط بمكلف وتسن جماعة، انتهى.
والظاهر عندي أن البخاري مال في هذه المسألة إلى قول أحمد، وإليه أشار بالترجمة حيث قال: صلاة الصبيان مع الرجال، وعلى هذا فالفرق بين الترجمتين واضح، انتهى من هامش "اللامع".
(56 -
باب سُنَّة الصلاة على الجنازة)
وما يظهر من الشروح أنهم اختلفوا في غرض الترجمة على قولين:
الأول: ما قال الحافظ: قال ابن المنيِّر
(2)
: المراد بالسُّنَّة ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم فيها، يعني: فهو أعم من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره
(1)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 104).
(2)
"فتح الباري"(3/ 190).
هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات والشرائط والأركان، وليست مجرد دعاء، فلا تجزئ بغير طهارة مثلًا، انتهى.
والثاني: ما في هامش "الهندية" عن الكرماني
(1)
: غرض البخاري بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة وكونها مشروعة وإن لم تكن ذات الركوع والسجود، فاستدل عليه تارة بإطلاق اسم الصلاة والأمر بها وتارة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة نحو عدم التكلم فيها وكونها مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وعدم صحتها إلا بالطهارة وعدم أدائها عند الوقت المكروه وبرفع اليد وإثبات الأحقية بالإمامة وبوجوب طلب الماء له وبقوله تعالى:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ} [التوبة: 84]، فإنه أطلق الصلاة عليه وبكونها ذات صفوف وإمام، انتهى.
قال محشيه المحدث مولانا أحمد على السهارنفوري: وبه يطابق الترجمة كل ما في هذا الباب، انتهى.
(57 -
باب فضل اتباع الجنائز. . .) إلخ
قد تقدم في مبدأ الجنائز: "باب الأمر باتباع الجنائز" ولا تكرار، لاختلاف الأغراض كما تقدم هناك. أما عند الشرَّاح فلما تقدم عن الحافظ
(2)
: أن الغرض من الباب الأول إثبات المشروعية وههنا إثبات الفضل.
وأما عندي فهو أن الغرض من الأول الاهتمام والإسراع في تجهيز الميت والسعي لأجله، وأما ههنا فالمراد بالاتباع، هو المعنى المتبادر، أي: الاتباع إلى القبر، وهل الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسلك الحنفية من أن المشي خلفها أفضل؟ محتمل، لكن يشكل عليه ما تقدم في "باب السرعة بالجنازة" من أثر أنس كما تقدم الكلام عليه هناك، ويحتمل أن يكون المراد من ذكر أثر أنس الإسراع فقط، ويحتمل أيضًا أن يكون المراد
(1)
"شرح الكرماني"(7/ 108).
(2)
"فتح الباري"(3/ 146).
من الاتباع ههنا المشي إلى القبر بدون الملاحظة إلى كيفية المشي من التقدم أو الخلفية.
قال الحافظ
(1)
: قال ابن رُشيد: مقصود الباب بيان القدر الذي يحصل به مسمى الاتباع الذي يجوز به القيراط، إذ في الحديث الذي أورده إجمال، ولذلك صدَّره بقول زيد بن ثابت، وآثر الحديث المذكور على الذي بعده وإن كان أوضح منه في مقصوده كعادته المألوفة في الترجمة على اللفظ المشكل ليبين مجمله. . . إلى آخر ما ذكره الحافظ من الكلام على الترجمة.
ومسألة المشي خلف الجنازة أو أمامها كما أشير إليه آنفًا خلافية شهيرة، ففي "الأوجز"
(2)
عن "التعليق الممجد": اختلفوا فيه بعد الاتفاق على جواز المشي أمامها وخلفها وشمالها وجنوبها اختلافًا في الأولوية على أربعة مذاهب:
الأول: التخيير من دون أفضلية مشي على مشي، وهو قول الثوري، وإليه ميل البخاري، ذكره الحافظ.
الثاني: أن المشي أمامها أفضل للماشي وخلفها للراكب، وهو مذهب أحمد.
الثالث: مذهب الشافعي ومالك: أن المشي أمامها أفضل.
الرابع: مذهب أبي حنيفة والأوزاعي: أن المشي خلفها أفضل، انتهى.
قلت: التفريق بين الماشي والراكب هو المذهب لمالك كما صرَّح به في "الشرح الكبير"، والمرجح عند الشافعية التقدم مطلقًا ماشيًا كان أو راكبًا.
وههنا مذهب خامس ذكره الحافظ عن النخعي: إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا خلفها.
(1)
المصدر السابق (3/ 192).
(2)
"أوجز المسالك"(4/ 424)، و"التعليق الممجد"(2/ 107).
والسادس: مذهب ابن حزم: الراكب: خلف الجنازة، والماشي حيث شاء.
قوله: (وقال حميد بن هلال. . .) إلخ، يعني: ما تعارف من أنهم لا يرجعون إلا بعد الاستئذان من بعض أهل الميت لا أصل له، وإنما الثابت: أن من صلى. . . إلخ، كذا في "تراجم شيخ المشايخ"، وبسط العلامة العيني
(1)
في تعيين القائلين به كما في هامش "اللامع".
قال الحافظ
(2)
: والذي عليه معظم أئمة الفتوى قول حميد بن هلال، وحكي عن مالك أنه لا ينصرف حتى يستأذن، انتهى.
(58 -
باب من انتظر حتى يدفن)
قال الحافظ
(3)
: قال ابن المنيِّر: لم يذكر المصنف جواب "من"، إما استغناء بما ذكر في الخبر أو توقفًا على إثبات الاستحقاق بمجرد الانتظار إن خلا عن اتباع، قال: وعدل عن لفظ الشهود كما هو في الخبر إلى لفظ الانتظار لينبه على أن المقصود من الشهود إنما هو معاضدة أهل الميت والتصدي لمعونتهم، انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه اختار لفظ الانتظار لكونه أعم من المشاهدة، فهو أكثر فائدة، وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الانتظار ليفسر اللفظ الوارد بالمشاهدة، ولفظ الانتظار وقع في رواية معمر عند مسلم.
وقوله في الحديث: "حتى تدفن" ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وهو الأصح عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكل ذلك، انتهى من "الفتح"
(4)
.
(1)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 174).
(2)
"فتح الباري"(3/ 193).
(3)
"فتح الباري"(3/ 193).
(4)
المصدر السابق (3/ 197).
(59 -
باب صلاة الصبيان مع الناس. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه في "باب صفوف الصبيان".
(60 -
باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن رُشيد: لم يتعرض المصنف لكون الميت بالمصلى أو لا؛ لأن المصلَّى عليه كان غائبًا، وألحق حكم المصلَّى بالمسجد بدليل ما تقدم في "العيدين" وفي "الحيض" بلفظ:"يعتزل الحيض المصلَّى"، فدل على أن للمصلَّى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه. ثم قال الحافظ تحت حديث ابن عمر المذكور في الباب: حكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلَّى الجنائز بالمدينة كان لاصقًا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية جهة المشرق، انتهى.
فإن ثبت ما قال وإلا فيحتمل أن يكودن المراد بالمسجد هنا المصلَّى المتخذ للعيدين والاستسقاء؛ لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتي في قصة ماعز:"فرجمناه بالمصلَّى"، ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكالن معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض أو لبيالن الجواز، والله أعلم، انتهى.
وقال العيني
(2)
: مطابقة هذا الحديث للترجمة لا يتأتى إلا إذا قلنا: إن "عند" في قوله: "عند المسجد" بمعنى: في، أو نقول: إن ترجمة الباب يحتمل وجهين: أحدهما: الإثبات، والآخر: النفي، ولعل غرض البخاري النفي بأن لا يصلَّى عليها في المسجد بدليل تعيين رسول الله موضع الجنازة عند المسجد، ولو جاز فيه لما عيَّنه في خارجه، وبهذا يدفع كلام ابن بطال، ليس في حديث ابن عمر دليل على الصلاة في المسجد، إنما الدليل في
(1)
المصدر السابق (3/ 199).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 182).
حديث عائشة: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد"، قلت: لو كان إسناده على شرطه لأخرجه في "صحيحه"، انتهى.
وفي حاشية السندي ما حاصله
(1)
: موافقة الحديثين بالترجمة من حيث إن المطلوب في الترجمة بيان حكم الصلاة في المصلى والمسجد، وقد علم بالحديثين أن الحكم هو الأولوية خارج المسجد، ففي المسجد إذا ثبت فهو خلاف الأولى، انتهى.
قلت: ومسألة صلاة الجنازة بالمسجد خلافية؛ لا تجوز عند الحنفية والمالكية، وتجوز عند الشافعية والحنابلة، قال القسطلاني
(2)
: لو كان الميت خارج المسجد والمصلون فيه جاز بالإجماع، انتهى.
(61 -
باب ما يكره من اتخاذ المسجد على القبور)
قال الحافظ
(3)
: ترجم بعد ثمانية أبواب: "باب بناء المسجد على القبر" قال ابن رُشيد: الاتخاذ أعم من البناء فلذلك أفرده بالترجمة، ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أم لا. وقال ابن المنيِّر
(4)
: كأنه قصد بالترجمة الأولى اتخاذ المساجد في المقبرة لأجل القبور بحيث لولا تجدد القبر ما اتخذ المسجد، وبالترجمة الثانية بناء المسجد في المقبرة على حدته لئلا يحتاج إلى الصلاة فيُوجد مكانٌ يصلى فيه سوى المقبرة، فلذلك نحا به منحى الجواز، قال الحافظ: والمنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا، وأما إذا أمن ذلك فلا امتناع، وقد يقول بالمنع مطلقًا من يرى سدّ الذريعة، وهو هنا متجه قوي، انتهى.
وتعقب العيني على ما قال ابن رُشيد، إذ قال
(5)
: لا نسلم أن لفظها
(1)
"حاشية السندي"(1/ 230).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 461).
(3)
"فتح الباري"(3/ 200).
(4)
المصدر السابق (3/ 208).
(5)
"عمدة القاري"(6/ 185).
يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، ودعوى العموم بين الاتخاذ والبناء غير صحيحة، انتهى.
قوله: (القبة) قال الحافظ
(1)
: أي: الخيمة، ومناسبة هذا الأثر أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
: وإذا أنكر الصائح بناء زائلًا، وهو الخيمة، فالبناء الثابت أجدر، لكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم؛ لأن مسالك الأحكام الكتاب والسُّنَّة والقياس والإجماع، ولا وحي بعده عليه الصلاة والسلام، وإنما هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها، واستنباطها من مظانها، انتهى.
قال الحافظ عن ابن المنيِّر
(3)
: وكأن الصائحين من الملائكة أو من مؤمني الجن، وإنما ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية [لا] لأنه دليل برأسه، انتهى.
(62 -
باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها)
قال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر وغيره: المقصود بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء فإن الصلاة عليها مشروعة، بخلاف شهيد المعركة، انتهى.
قلت: هذا هو الظاهر، فلا يرد حينئذ تكرار الترجمة بما تقدم في "كتاب الحيض" من "باب الصلاة على النفساء أو سُنَّتها"؛ فإن الغرض هناك إثبات الصلاة عليها دفعًا لما يتوهم من نجاستها الحكمية فافترقا.
(1)
"فتح الباري"(3/ 200).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 463).
(3)
"فتح الباري"(3/ 200).
(4)
المصدر السابق (3/ 200).
(63 -
باب أين يقوم من المرأة والرجل
؟)
تقدم هذه المسألة أيضًا في "كتاب الحيض"، إذ ترجم "باب الصلاة على النفساء وسُنَّتها"، فإن قوله:"وسنتها" إشارة إلى هذه المسألة، أي: محل قيام الإمام، وكتبت هناك بأنه يمكن التفصي عن هذا التكرار بأن يقال: إن الإمام البخاري أراد ههنا التنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين النفساء وغيرها، وأما الآتي في "كتاب الجنائز" فهو في محله لبيان مسألة محل قيام الإمام على جنائز الرجال والنساء، وتقدم اختلاف الأئمة في مسألة الباب هناك.
قال الحافظ
(1)
: أورد فيه حديث سمرة، وفيه مشروعية الصلاة على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر، وأما كونها امرأة فيحتمل أن يكون معتبرًا، فإن القيام عليها عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها بخلاف الرجل، ويحتمل أن لا يكون معتبرًا وأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، فأما بعد اتخاذها فقد حصل الستر المطلوب، ولهذا أورد المصنف الترجمة مورد السؤال، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك: أنه صلَّى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها، فقيل له: أهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل؟ قال: نعم، انتهى.
قال العلامة العيني
(2)
: فإن قلت: ليس في حديث الباب بيان موضع قيام الرجل، قلت: قال الكرماني: للإشعار بأنه لم يجد حديثًا بشرطه في ذلك، وإما لقياس الرجل على المرأة، إذ لم يقل أحد بالفرق بينهما، وتعقب عليه العيني، إذ قال: من أين علم بأنه لم يقل بالفرق بينهما أحد، وكذا تعقب العيني كلام الحافظ، وبسطه بما لا طائل تحته.
(1)
"فتح الباري"(3/ 201).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 188)، و"شرح الكرماني"(7/ 114).
(64 -
باب التكبير على الجنازة أربعًا)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنيِّر: أشار بهذه الترجمة إلى أن التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يذكر ترجمة أخرى ولا خبرًا في الباب، قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أُخر ثم ذكرها، انتهى.
قلت: كان فيه الخلاف سلفًا، والجمهور منهم الأئمة الأربعة على الأربع، كما جزم به البخاري.
(65 -
باب قراءة فاتحة الكتاب. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أي: مشروعيتها، وهي من المسائل المختلف فيها، روي مشروعيتها عن بعض الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأحمد، ونقل عن أبي هريرة وابن عمر ليس فيها قراءة وهو قول مالك والكوفيين.
وقوله: (يقرأ على الطفل)، كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: كان بيانًا للجواز أو منسوخًا فلا يلزم استحبابها، ومعنى قوله:"سُنَّة" أنها ثابتة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى. وبسط في هامشه: الكلام على المسألة، فارجع إليه لو شئت.
وقال السندي
(4)
: يتبادر منه أنها من سنن صلاة الجنازة لا من واجباتها ولو سلّم فلا دلالة له على وجوبها في صلاة الجنازة كما لا يخفى، وقولهم: إن قول الصحابي: "من السُّنَّة كذا" في حكم الرفع، لا يدل على أن قوله "الفعل الفلاني سُنَّة" كذلك، ولو سلّم فغايته أنه رفع للفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه فعله، ولا يلزم من مجرد فعله الوجوب، فهذا الحديث لا يفيد الوجوب، نعم هو يرد قول من يقول بكراهة فاتحة الكتاب في صلاة
(1)
"فتح الباري"(3/ 203).
(2)
"فتح الباري"(3/ 203).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 361).
(4)
"حاشية السندي"(1/ 231).
الجنازة، ولعل من يقول بالوجوب يأخذه من عموم "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". والله تعالى أعلم.
قلت: قراءة الفاتحة من الأركان عند الشافعية والحنابلة، وأركان صلاة الجنازة عندهما سبعة كما في "الأوجز"
(1)
عن "نيل المآرب" في فقه الحنابلة و"شرح الإقناع" في فقه الشافعية.
(66 -
باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن)
قال الحافظ
(2)
: وهذا أيضًا من المسائل المختلف فيها، قال ابن المنذر: وبمشروعيته قال الجمهور، ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة، وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع وإلا فلا، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة، ودلائل الفريقين في "الأوجز"
(3)
، وفيه: قال الأبي في "الإكمال": مشهور قول مالك المنع، والشاذ جوازها فيمن دفن بغير صلاة، انتهى.
قال الزرقاني
(4)
: وأجابوا عن الحديث بأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، والدليل على الخصوصية ما زاده مسلم وابن حبان في حديث أبي هريرة:"فصلى على القبر ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم"، إلى آخر ما فيه.
(67 -
باب الميت يسمع خفق النعال)
قال الحافظ
(5)
: قال ابن المنيِّر: جرد المصنف ما ضمنه هذه الترجمة ليجعله أول آداب الدفن من إلزام الوقار واجتناب اللغط وقرع الأرض بشدة الوطء عليها كما يلزم ذلك مع الحي النائم، وترجم بالخفق ولفظ المتن
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 461).
(2)
"فتح الباري"(3/ 205).
(3)
"أوجز المسالك"(4/ 453).
(4)
"شرح الزرقاني"(2/ 60 - 61).
(5)
"فتح الباري"(3/ 206).
بالقرع إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه عند أحمد وأبي داود في حديث طويل فيه: "وإنه ليسمع خفق نعالهم"، انتهى.
قلت: وسيأتي في "اللباس" في "باب النعال السبتية" استدلال الطحاوي بهذا الحديث على جواز لبس النعال في المقابر.
وقال الحافظ: قال أحمد: يكره لبس النعال السبتية في المقابر لحديث بشير بن الخصاصية كما سيأتي في "كتاب اللباس" فارجع إليه، ثم مسألة سماع الموتى خلافية شهيرة بين الصحابة ومن بعدهم، فأثبته ابن عمر وغيره من الصحابة ومن تبعهم، ونفته عائشة وغيرها ومن تبعهم.
قال ابن عابدين
(1)
: وما ورد في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم لأهل قليب بدر: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فقال عمر: أَتُكَلِّمُ الميت يا رسول الله؟! فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنتم بأسمع منهم"، فأجاب عنه المشايخ بأنه غير ثابت، يعني: من جهة المعنى، وذلك لأن عائشة رَدَّتْهُ بقوله تعالى:{وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، وأنه إنما قاله على وجه الموعظة للأحياء، وبأنه مخصوص بأولئك تضعيفًا للحسرة عليهم، وبأنه خصوصية له عليه السلام معجزة، لكن يشكل عليه ما في "مسلم"
(2)
"إن الميت يسمع قرع نعالهم" إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر ومقدمة للسؤال جمعًا بينه وبين الآيتين، انتهى.
ومال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز في "فتاواه" إلى ثبوت سماع الميت وشعوره وإدراكه، وبسط الكلام على ذلك في عدة أسئلة وأجوبة، انتهى من هامش "اللامع".
وفي "الفيض"
(3)
: اعلم أن مسألة كلام الميت وسماعه واحدة، وأنكرها حنفية العصر، وفي رسالة غير مطبوعة لعلي القاري: إن أحدًا من أئمتنا لم يذهب إلى إنكارها، وإنما استنبطوها من مسألة في "باب الأيمان"
(1)
"رد المحتار على الدر المختار"(5/ 657).
(2)
"صحيح مسلم"(ح: 2873).
(3)
"فيض الباري"(4/ 92).
وهي حلف رجل أن لا يكلم فلانًا فكلمه بعد ما دفن لا يحنث، قال القاري: ولا دليل فيها على ما قالوا؛ فإن مبنى الأيمان على العرف، وهم لا يسمونه كلامًا، وأنكره الشيخ ابن الهمام رحمه الله أيضًا في "الفتح"
(1)
، ثم أورد على نفسه أن السماع إذا لم يثبت فما معنى السلام على القبر؟ وأجاب عنه أنهم يسمعون في هذا الوقت فقط، ولا دليل فيه على العموم، ثم عاد قائلًا: إنه ثبت منهم سماع قرع النعال أيضًا، فأجاب عنه بمثله، أقول: والأحاديث في سمع الأموات قد بلغت مبلغ التواتر. . . إلى آخر ما بسط فيه.
(68 -
باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها)
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر: المراد بقوله: "أو نحوها" بقية ما تشد إليه الرحال من الحرمين وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء تيمنًا بالجوار وتعرضًا للرحمة النازلة عليهم اقتداء بموسى عليه السلام، وهذا بناءً على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دفنوا ببيت المقدس، وهو الذي رجحه عياض، وقال المهلب: إنما طلب ذلك ليقرب عليه المشي إلى المحشر وتسقط عنه المشقة الحاصلة لمن بعد عنه، انتهى.
وبنحو ذلك قال العيني
(3)
، وتبعهما القسطلاني.
وفي "تراجم شيخ مشايخنا"
(4)
: غرضه أن نقل الميت من موضع إلى موضع لا يجوز مطلقًا إلا إذا قصد الدفن في أرض من الأراضي المقدسة، وعند الحنفية يجوز مطلقًا.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى دفع ما يتوهم من قول سلمان رضي الله عنه: إن الأرض لا تقدس أحدًا، أخرجه مالك
(5)
في
(1)
انظر: "فتح القدير"(3/ 325).
(2)
"فتح الباري"(3/ 207).
(3)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 203)، و"إرشاد الساري"(3/ 475).
(4)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 343).
(5)
"موطأ مالك"(1486).
"الموطأ" أن لا فرق بين الدفن في الأرض المقدسة وغيرها، فدفعه المصنف بهذه الترجمة، انتهى.
قوله: "فلما جاءه صكه. . ." إلخ، هذا مشكل جدًا، والمشهور في الجواب أنه عليه السلام لم يعرفه.
والأوجه عندي: أن ذلك لانتظار فتح بيت المقدس وما كان ذلك منه كراهة لموته، انتهى من "تراجم شيخ المشايخ" الدهلوي.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(1)
ما حاصله: يحتمل أنه لم يعرفه، ويمكن أنه عرفه، لكنه لما دخل بدون الاستئذان وقد جرت سُنَّة الله تعالى بأنبيائه أنهم لا يقبضون إلا بعد إذن منهم، فلما لم يستأذن الملك عد ذلك مخالفةً للقاعدة وإساءة للأدب، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" من كلام الشرَّاح.
(69 -
باب الدفن بالليل. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من منع ذلك محتجًا بحديث جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن يقبر الرجل ليلًا إلا أن يضطر إلى ذلك"، أخرجه ابن حبان، لكن بيَّن مسلم في روايته السبب في ذلك، ولفظه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض وكُفن في كفن غير طائل وقبر ليلًا، فزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، فدل على أن النهي بسبب تحصيل الكفن، وقوله:"حتى يصلي عليه" مضبوط بكسر اللام، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا سبب آخر يقتضي أنه إن رجا بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره وإلا فلا، وبه جزم الطحاوي، واستدل المصنف بالجواز بما ذكره من حديث ابن عباس:
(1)
"لامع الدراري"(4/ 367).
(2)
"فتح الباري"(3/ 207).
"ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم دفنهم إياه بالليل"، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وأيَّد ذلك بما صنع الصحابة بأبي بكر، وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز، إلى آخر ما قال الحافظ، وقال أيضًا: وصح أن عليًّا دفن فاطمة ليلًا - كما سيأتي - في مكانه، انتهى.
(70 -
باب بناء المسجد على القبر)
تقدم الكلام عليه قبل ثمانية أبواب في "باب ما يكره من اتخاذ المسجد".
(71 -
باب من يدخل قبر المرأة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: أثبت بذلك جواز دخول الأجنبي الغير المحرم إذا كان صالحًا، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
تحت حديث الباب: فيه أنه لا ينزل الميت في قبره إلا الرجال متى وجدوا، وإن كان الميت امرأة، بخلاف النساء بضعفهن عن ذلك غالبًا، ولأنه معلوم أنه كان لبنت النبي صلى الله عليه وسلم محارم من النساء كفاطمة وغيرها، نعم يندب لهن كما في "شرح المهذب" أن يلين حمل المرأة من مغتسلها إلى النعش، وتسليمها إلى من في القبر وحل ثيابها فيه، وقد كان عثمان أولى بذلك من أبي طلحة؛ لأن الزوج أحق من غيره بمواراة زوجته، وإن خالط غيرها من أهله تلك الليلة، وإن لم يكن له حق في الصلاة؛ لأن منظوره أكثر، لكن عثمان رضي الله عنه قارف تلك الليلة، فباشر جارية له، وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضرة، فلم يعجبه صلى الله عليه وسلم كونه شغل عن المحتضرة بذلك لصيانة جلالة محل ابنته صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، قال ابن المنيِّر: ففيه خصوصية، انتهى.
وفي هامش "اللامع": قال صاحب "المراقي"
(3)
: وذو الرحم المحرم
(1)
"لامع الدراري"(4/ 372).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 481).
(3)
"مراقي الفلاح"(ص 334).
أولى بإدخال المرأة، ثم ذو الرحم غير المحرم، ثم المحرم ثم الصالح من مشايخ جيرانها، ثم الشبان الصلحاء، ولا يدخل أحد من النساء القبر ولا يخرجهن إلا الرجال ولو كانوا أجانب؛ لأن مس الأجنبي لها بحائل عند الضرورة جائز في حياتها فكذا بعد موتها، انتهى.
قال الخرقي
(1)
: ويدخلها محرمها، فإن لم يكن فالنساء، فإن لم يكن فالمشايخ، قال ابن قدامة: وروي عن أحمد: أن النساء لا يستطعن أن يدخلن القبر ولا يدفن، وهذا أصح وأحسن، ثم ذكر في مستدله حديث الباب.
(72 -
باب الصلاة على الشهيد)
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر: أراد باب حكم الصلاة على الشهيد، ولذلك أورد فيه الحديث جابر الدال على نفيها، وحديث عقبة الدال على إثباتها، قال: ويحتمل أن يكون المراد باب مشروعية الصلاة على الشهيد في قبره لا قبل دفنه عملًا بظاهر الحديثين، قال: والمراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، انتهى.
ثم قال الحافظ: والخلاف في الصلاة على قتيل المعركة مشهور، قال الترمذي: قال بعضهم: يصلى على الشهيد، وهو قول الكوفيين وإسحاق، وقال بعضهم: لا يصلى عليه، وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد، وفي "الأوجز"
(3)
: وعن أحمد في ذلك روايتان، قال الموفق: الصحيح أنه لا يصلى عليه، وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: يصلى عليه، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: قال الماوردي عن أحمد: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ، انتهى.
(1)
"المغني"(3/ 432).
(2)
"فتح الباري"(3/ 209).
(3)
"أوجز المسالك"(9/ 369)، و"المغني"(3/ 467).
(4)
"فتح الباري"(3/ 210).
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: إنما عقد المؤلف الباب للإشارة إلى أن الدلائل في حديث الباب متعارضة، فمن مثبت، ومن ناف، ومن دأبه الإشارة إلى تعارض أدلة المسألة أيضًا، وعقد الباب لمجرد ذلك، انتهى.
قلت: هذا أصل مطرد من أصول التراجم وهو الأصل الخامس والثلاثون.
قوله: (في ثوب واحد) لم يتعرض الحافظ ولا غيره من الشرَّاح، وبسط السندي
(2)
في توجهيه ونقل عن "شرح المصابيح": أن المراد بثوب واحد في قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتهما، ثم تعقب عليه السندي بأنه يرده ما رواه الترمذي عن أنس وفيه:"فكثر القتلى وقلّت الثياب فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد"، بل يرده نفس هذا الحديث فإن ما ذكره لا يناسبه قوله، ثم يقول:"أيهم أكثر قرآنًا. . ." إلخ، بقي أنه ما معنى ذلك، والشهيد يدفن في ثيابه التي عليه، فكأن هذا فيمن قطع ثوبه ولم يبق على بدنه، أو بقي منه قليل لكثرة الجروح، وعلى تقدير بقاء شيء من الثوب السابق لا إشكال لكونه فاصلًا عن ملاقاة بشرتيهما، واعتذر بعضهم عنه بالضرورة، وقيل: جمعهما في ثوب واحد، هو أن يقطع الثوب الواحد بينهما، انتهى.
(73 -
باب دفن الرجلين أو الثلاثة في قبر واحد. . .) إلخ
ليس في حديث الباب لفظ: الثلاثة، وإنما ذكره على عادته بالإشارة إلى ما ورد من لفظ الثلاثة عند الترمذي وغيره، ولكنه لما لم يكن على شرطه لم يورده، قاله العيني
(3)
.
وزاد الحافظ عن ابن رُشيد: وإما بالاكتفاء بالقياس، قال الحافظ
(4)
:
(1)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 344).
(2)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 233).
(3)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 216).
(4)
"فتح الباري"(3/ 211).
والظاهر أن المصنف أشار إلى رواية الترمذي وغيره بلفظ الثلاثة، وأما القياس ففيه نظر؛ لأنه لو أراده لم يقتصر على الثلاثة بل كان يقول مثلًا: دفن الرجلين فأكثر، ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر، وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حائلًا من تراب، ولا سيما إن كانا أجنبيين، والله أعلم، انتهى.
(74 -
باب من لم ير غسل الشهداء)
قال القسطلاني
(1)
: أي: ولو كان الشهيد جنبًا، أو حائضًا أو نفساء، واستدل المصنف بعموم حديث الباب على أن الشهيد لا يغسل، حتى ولا الجنب، والحائض، وهو الأصح عند الشافعية، زاد الحافظ: وقيل
(2)
: يغسل للجنابة لا بنيَّة غسل الميت لقصة حنظلة المشهورة رواها ابن إسحاق وغيره، وأجيب بأنه لو كان واجبًا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة، وقال الحسن البصري وسعيد بن المسيب في ما رواه ابن أبي شيبة: يغسل الشهيد، انتهى.
قلت: فالترجمة رد على قولهما، وفي "الأوجز"
(3)
: قال الموفق: الشهيد إذا مات في المعترك لا يغسل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافًا إلا عن الحسن وابن المسيب إلى أن قال الموفق: فإن كان الشهيد جنبًا غسل، وحكمه في الصلاة حكم غيره من الشهداء، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا يغسل لعموم الخبر، وعن الشافعي كالمذهبين، ولنا ما روي من قصة حنظلة، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"، وفيه عن "الهداية": وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة،
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 487).
(2)
"فتح الباري"(3/ 212).
(3)
"أوجز المسالك"(9/ 363)، و"المغني"(3/ 467).
وقالا: لا يغسل
(1)
، انتهى.
(75 -
باب من يقدم في اللحد. . .) إلخ
أي: إذا كانوا أكثر من واحد، وقد دل حديث الباب على تقديم من كان أكثر قرآنًا من صاحبه، وهذا نظير تقديمه في الإمامة، انتهى من "الفتح"
(2)
.
(76 -
باب الإذخر والحشيش في القبر)
والإذخر بكسر الهمزة وكسر الخاء المعجمة، وفي آخره راء، وهو نبت معلوم طيب الرائحة، انتهى من العيني
(3)
والقسطلاني، وهكذا ضبطه صاحب "مجمع البحار" وفيه: هو نبت عريض الأوراق يحرقه الحداد بدل الحطب والفحم، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: وترجم ابن المنذر على هذا الحديث طرح الإذخر في القبر وبسطه فيه، انتهى.
وفي هامش "اللامع": لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم على الحديث باب الإذخر والحشيش، ولم يذكر في الحديث إلا الإذخر فقط.
قال الحافظ: أراد المصنف بذكر الحشيش التنبيه على إلحاقه بالإذخر، وأن المراد باستعمال الإذخر البسط ونحوه، لا التطيب، وقال القسطلاني
(5)
: قوله: "والحشيش" إلحاقًا له بالإذخر في الفرج التي تتخلل بين اللبنات في القبر واستعماله فيه بالبسط ونحوه لا التطيب، انتهى.
ولا يبعد عندي: أن المؤلف نبّه بذكر الحشيش في الترجمة على أن
(1)
"الهداية"(1/ 92).
(2)
"فتح الباري"(3/ 212).
(3)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 221)، و"إرشاد الساري"(3/ 490)، و"مجمع بحار الأنوار"(1/ 58).
(4)
"فتح الباري"(3/ 214).
(5)
"إرشاد الساري"(3/ 490).
إلقاء الإذخر في القبور ليس بخصوصية الإذخر، بل المقصود إلقاء الحشيش أيما كان، وخصص الإذخر بالذكر - أي: في الحديث - لكثرة وجوده في الحجاز، قال ابن عابدين في بحث الكفن
(1)
: لا يكفي عند الضرورة أيضًا، بل يجب ستر باقيه بنحو حشيش كالإذخر، انتهى.
(77 -
باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة
؟)
قال القسطلاني
(2)
: قوله: "لعلة" كأن دفن بلا غسل، أو في كفن مغصوب، أو لحقه بعد الدفن سيل، انتهى.
وقال الحافظ
(3)
: قوله: "لعلة" أي: لسبب، أشار بذلك إلى الرد على من منع الإخراج مطلقًا أو لسبب دون سبب، كمن خص الجواز بما لو دفن بغير غسل أو بغير صلاة، فإن في حديث جابر الأول دلالة على الجواز إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق به من زيادة البركة له، وعليه يتنزل قوله في الترجمة "القبر"، وفي حديث جابر الثاني دلالة على جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي؛ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه، وقد بيَّن ذلك جابر بقوله:"فلم تطب نفسي"، وعليه يتنزل قوله:"واللحد"؛ لأن والد جابر كان في لحد، وإنما أورد المصنف بلفظ الاستفهام؛ لأن قصة عبد الله بن أُبي قابلة للتخصيص، وقصة والد جابر ليس فيها تصريح بالرفع، قاله ابن المنيِّر، انتهى.
(78 -
باب اللحد والشق في القبر)
قال العيني
(4)
: أي: هذا باب في بيان اللحد والشق الكائنين في القبر، فإن قلت: ليس للشق ذكر في حديث الباب، قلت: قوله: "قدمه في
(1)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 98).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 492).
(3)
"فتح الباري"(3/ 215).
(4)
"عمدة القاري"(6/ 230).
اللحد" يدل على الشق، لأن في تقديم أحد الميتين تأخير الآخر غالبًا في الشق لمشقة تسوية اللحد لمكان اثنين، وتقديم ذكر اللحد يدل على مزية فضله، دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: "اللحد لنا والشق لغيرنا" رواه أبو داود
(1)
، انتهى.
قال الحافظ
(2)
: وليس في الحديث للشق ذكر، ثم ذكر الحافظ في توجيهه عن ابن رُشيد ما تقدم من كلام العيني وزاد: ويحتمل أن يكون ذكر الشق في الترجمة لينبه على أن اللحد أفضل منه؛ لأنه الذي وقع دفن الشهداء فيه مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة، فلولا مزيد فضيلة فيه ما عانوه، انتهى.
(79 -
باب إذا أسلم الصبي فمات. . .) إلخ
قال السندي: يريد أن إسلام الصبي صحيح أم لا؟ وذكر من الأحاديث ما يدل على أنه اختار أنه صحيح، انتهى.
وقال العيني
(3)
: أي: هذا باب يذكر فيه إذا أسلم الصبي فمات قبل البلوغ، هل يصلى عليه أم لا؟ هذه ترجمة، وقوله:"وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ " ترجمة الأخرى، أما الترجمة الأولى ففيها خلاف، ولذلك لم يذكر جواب الاستفهام، ولا خلاف أنه يصلى على الصغير المولود في الإسلام؛ لأنه كان على دين أبويه، قال ابن القاسم: إذا أسلم الصغير وقد عقل الإسلام فله حكم المسلمين في الصلاة عليه.
واختلفوا في حكم الصبي إذا أسلم أحد أبويه على ثلاثة أقوال:
أحدها: يتبع أيهما أسلم، وهو أحد قولي مالك، وبه أخذ ابن وهب، ويصلى عليه إن مات على هذا.
(1)
"أبو داود"(ح: 3203).
(2)
"فتح الباري"(3/ 217).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 231).
والثاني: يتبع أباه ولا يعد بإسلام أمه مسلمًا، وهذا قول مالك في "المدونة".
والثالث: تبع لأمه وإن أسلم أبوه، وهذه مقالة شاذة ليست في مذهب مالك.
وفي "شرح الهداية"
(1)
: إذا سُبِي صبي معه أحد أبويه فمات لم يصل عليه حتى يقر بالإسلام وهو يعقل، أو يسلم أحد أبويه خلافًا لمالك في إسلام الأم، والشافعي في إسلامه، والولد يتبع خير الأبوين دينًا، وللتبعية مراتب أقواها تبعية الأبوين، ثم الدار ثم اليد.
وفي "المغني": لا يصلى على أولاد المشركين إلا أن يسلم أحد أبويهم. . . إلى آخر ما في "المغني".
وأما الترجمة الثانية فإنه ذكرها ههنا بلفظ الاستفهام، وترجم في "كتاب الجهاد" بصيغة تدل على الجزم بذلك، فقال: كيف يعرض الإسلام على الصبي؟ وذكر فيه قصة ابن صياد، وفيه: وقد قارب ابن صياد يحتلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ظهره بيده، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتشهد أني رسول الله؟ " الحديث، وفيه عرض الإسلام على الصغير، واحتج به قوم على صحة إسلام الصبي إن قارب الاحتلام، وهو مقصود البخاري عن تبويبه بقوله:"وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ " وجوابه: يعرض، وبه قال أبو حنيفة ومالك، خلافًا للشافعي، انتهى ما قاله العيني
(2)
.
وقال الحافظ
(3)
في الجزء الأول من الترجمة: واختلف في الصلاة على الصبي فقال سعيد بن جبير: لا يصلى عليه حتى يبلغ، وقيل: حتى يصلي، وقال الجمهور: يصلى عليه، حتى السقط إذا استهل، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(4)
: لو أسلم الصبي وهو عاقل، أي: ابن سبع
(1)
"العناية شرح الهداية"(3/ 6).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 232).
(3)
"فتح الباري"(3/ 221).
(4)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 133).
سنين صلي عليه لصيرورته مسلمًا، قال ابن عابدين: قوله: أي: ابن سبع سنين تفسير للعاقل الذي يصح إسلامه بنفسه، وقيل بأن يعقل المنافع والمضار، وأن الإسلام هُدىً، واتباعه خير له، وقيل بأن يعقل صفة الإسلام وهو ما في الحديث:"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الَاخر والقدر خيره وشره". . . إلى آخر ما ذكره.
وقال الحافظ في الجزء الثاني من الترجمة: قوله: "هل يعرض الإسلام. . ." إلخ، بلفظ الاستفهام، وفي "كتاب الجهاد" بصيغة الجزم، وكأنه لما قامت الأدلة ههنا على صحته استغنى بذلك، وأفاد هناك ذكر الكيفية، انتهى.
وفي "الفيض"
(1)
: يعتبر عندنا بإسلام الصبي المميز، ولا يعتبر بارتداده، وعند الشافعية: لا يعتبر بإسلامه أيضًا، وكنت أتحير أنهم ماذا يقولون في إسلام علي رضي الله عنه؛ فإنه أسلم صبيًا، ثم رأيت في "السنن الصغرى" للبيهقي وفيه: أن الأحكام قبل الخندق كانت منوطة بالتمييز وبعده نيطت بالبلوغ، وعلي رضي الله عنه فيمن دخل في الإسلام قبل الخندق، فظهر الجواب عنه، ثم إن المسألة فيمن كان أبواه كافرين، أما إذا كان أبواه مسلمين فلا اختلاف فيه، انتهى.
قوله: (ولم يكن مع أبيه. . .) إلخ، قال الحافظ
(2)
: هذا قاله المصنف تفقهًا، وهو مبني على أن إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، وقد اختلف في ذلك فقيل: أسلم قبل الهجرة، وأقام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك لمصلحة المسلمين، روى ذلك ابن سعد من حديث ابن عباس، وفي إسناده الكلبي وهو متروك، ويرده أن العباس أسر ببدر، وقد فدى نفسه كما سيأتي في المغازي واضحًا، ويرده أيضًا أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف، فالمشهور أنه أسلم قبل فتح خيبر، ويدل عليه حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط كما أخرجه أحمد والنسائي. وروى ابن سعد من
(1)
"فيض الباري"(2/ 480).
(2)
"فتح الباري"(3/ 220).
حديث ابن عباس أنه هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، ورده بقصة الحجاج المذكور، والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة، وقدم مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهد الفتح، والله أعلم، انتهى.
وقوله: (وقال: الإسلام يعلو. . .) إلخ، كذا في جميع نسخ البخاري، قال العيني
(1)
: لم يعين من القائل، وربما يظن أنه هو ابن عباس، وليس كذلك، فإن الدارقطني أخرجه في "سننه" بسند صحيح على شرط الحاكم من حديث عائذ بن عمرو المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الإسلام يعلو ولا يعلى".
وقال الحافظ
(2)
: ولم يعين القائل، وكنت أظن أنه معطوف على قول ابن عباس فيكون من كلامه، ثم لم أجده من كلامه بعد التتبع الكثير، ورأيته موصولًا مرفوعًا، ثم ذكر ما تقدم من حديث الدارقطني، ثم قال: وبعد التتبع الكثير وجدته كما كنت أظن، ذكره ابن حزم في "المحلى" قال: ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا أسلمت النصرانية أو اليهودية تحت النصراني أو اليهودي يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى" انتهى مختصرًا.
وكتب العلامة السندي
(3)
على حديث أبي هريرة: "ما من مولود إلا يولد. . ." إلخ: لا يخفى أن هذا الحديث لا يدل على صحة إيمان الصبي إن آمن ولا على أنه مؤمن من حين ولد، وإلا لما احتيج إلى عرض الإيمان عليه حال صباه، فمطابقته للترجمة لا تخلو عن خفاء فتأمل.
وقال العيني
(4)
: مطابقته للترجمة من حيث إن المولود بين الأبوين المسلمين أو أحدهما مسلم إذا مات وقد استهل صارخًا يصلى عليه، فالصلاة عليه تدل على أنه محل عرض الإسلام عند تعقله، انتهى.
قلت: لكن فيه ما تقدم عن العلامة السندي.
(1)
"عمدة القاري"(6/ 233).
(2)
"فتح الباري"(3/ 220).
(3)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 235).
(4)
"عمدة القاري"(6/ 242).
(80 -
باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنيِّر: لم يأت بجواب "إذا" لأنه صلى الله عليه وسلم لما قال لعمه: "قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها" كان محتملًا بأن يكون ذلك خاصًا به؛ لأن غيره إذا قالها وقد أيقن بالوفاة لم ينفعه، ويحتمل أن يكون ترك الجواب ليفهم الواقف عليه أنه موضع تفسير وفكر، وهذا هو المعتمد، انتهى.
وفي "الفيض"
(2)
: ويعتبر إذا قالها قبل النزع، فإن دخل في الغرغرة فهو إيمان اليأس، وهو غير معتبر عند الجمهور، ونسب إلى الشيخ الأكبر أنه اعتبر إيمان فرعون، قال الشعراني: وهذا مدسوس، والشيخ رحمه الله تعالى منه بريء.
قلت: بل هو مختار الشيخ رحمه الله وليس بمدسوس، وقد نقل بحر العلوم في "شرح المثنوي" عبارات عديدة للشيخ رحمه الله تدل على هذا المعنى، ومراد الشيخ عندي أن قوله بتلك الكلمة اعتبر من حيث كونه إيمانًا لا من حيث كونه توبة، وكتب السيوطي رحمه الله رسالة في تأييد الشيخ الأكبر، ورد عليه القاري وسماها:"فر العون من مدعي إيمان فرعون"، وقد شدد في اسمه جدًا، انتهى.
وقال العيني
(3)
: ولم يذكر جواب "إذا"، لمكان التفصيل فيه، وهو أنه لا يخلو إما أن يكون من أهل الكتاب أو لا يكون، وعلى التقديرين لا يخلو إما أن يقول: لا إله إلا الله في حياته قبل معاينة الموت، أو قالها عند موته، وعلى كلا التقديرين لا ينفعه ذلك عند الموت لقوله تعالى:{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} الآية [الأنعام: 158]، وينفعه ذلك إذا كان في حياته، ولم يكن من أهل الكتاب حتى يحكم بإسلامه بقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت
(1)
"فتح الباري"(3/ 222).
(2)
"فيض الباري"(2/ 488).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 247).
أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" الحديث، وإن كان من أهل الكتاب فلا ينفعه حتى يتلفظ بكلمتي الشهادة، واشترط أيضًا أن يتبرأ عن كل دين سوى دين الإسلام، ثم ذكر العيني ما تقدم من احتمال التخصيص، انتهى.
(81 -
باب الجريد على القبر. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: أي: وضعها أو غرزها.
قوله: (وأوصى بريدة) وقع في رواية الأكثر "في قبره"، وللمستملي "على قبره"، وقد وصله ابن سعد من طريق مورق العجلي قال: أوصى بريدة أن يوضع في قبره جريدتان، ومات بأدنى خراسان، قال ابن المرابط وغيره: يحتمل أن يكون بريدة أمر أن يغرزا في ظاهر القبر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في وضعه الجريدتين في القبرين، ويحتمل أن يكون أمر أن يجعلا في داخل القبر لما في النخلة من البركة لقوله تعالى:{كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24]، والأول أظهر، ويؤيد إيراد المصنف حديث القبرين في آخر الباب، وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًا بذينك الرجلين، قال ابن رُشيد: ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر:"إنما يظله عمله".
قلت: ولعل بريدة أوصى بجريدتين عملًا بما ورد في قصة القبرين من حديث أبي هريرة، فإن القصة رويت من حديث ابن عباس كما في حديث الباب، ومن حديث جابر كما أخرجه مسلم في الحديث الطويل في آخر الكتاب، وبسط الحافظ في تغاير سياق الحديثين بوجوه، ثم قال: فبان تغاير حديث ابن عباس وحديث جابر وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يبعد تعدد ذلك، وقد روى ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم مر بقبر فوقف عليه، فقال:"ائتوني بجريدتين" فجعل
(1)
"فتح الباري"(3/ 223).
إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة، ويؤيده أن في حديث أبي رافع عند النسائي فسمع شيئًا في قبر، وفيه: فكسرها اثنين ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه، انتهى مختصرًا.
وبسط العيني
(1)
: أيضًا الكلام على الوجوه الدالة على تعدد هذه القصص، ثم قال: فسقط بهذا كلام من ادعى أن القضية واحدة، كما مال إليه النووي والقرطبي، انتهى.
قلت: والخلاف في أن وضع الجريدة خاص بذينك الرجلين أو مطرد شهير بين العلماء سلفًا وخلفًا كما تقدمت الإشارة إليه في كلام الحافظ من قول ابن رُشيد وغيره، وذكر هذا الاختلاف الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل"
(2)
، وذكره في هامش "اللامع" وفيه أيضًا: قال الطحطاوي على المراقي
(3)
بعد ذكر كراهة قطع الحشيش والاستدلال عليها بحديث الجريدة: وفي معنى الجريد ما فيه رطوبة من أيّ شجر كان، واستفيد منه أنه ليس لليابس تسبيح، وقوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] أي: شيء حي، وحياة كل شيء بحسبه، إلى آخر ما بسطه، ثم قال في "شرح المشكاة": وقد أفتى الأئمة من متأخري أصحابنا من أن ما اعتيد من وضع الريحان والجريد سُنَّة لهذا الحديث، وإذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أعظم بركة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: قوله: "وأوصى بريدة. . ." إلخ، ظاهر صنيع المؤلف أنه فرق بين الجريد وغيره، فجوز الأول لورود النص فيه ولم يجعله من الخصوصيات، ولم يجوز غيره من الأشياء، وتأيد ذلك بعمل الصحابي أيضًا، والظاهر عند علمائنا [عدم] الفرق، وفعله صلى الله عليه وسلم كان لعلمه بالتخفيف وحيًا، ثم إن بريدة رضي الله عنه فهم أنهما لما كانا سببي التخفيف
(1)
"عمدة القاري"(2/ 600).
(2)
"بذل المجهود"(1/ 236).
(3)
"مراقي الفلاح"(ص 516).
(4)
"لامع الدراري"(4/ 378).
فقربهما بالميت أولى، وبهذا يحمل نسخة "في قبره"، ولعله قصد أن يوضع تحت التراب فوق الأحجار المسطحة على القبر، فعبر عنه البعض بلفظة:"في"، والبعض الآخر بـ "على"، انتهى. وبسط ابن الحاج في "المدخل" الكلام على وضع الجريدة، فارجع إليه لو شئت.
قوله: (ورأى ابن عمر. . .) إلخ، تقدم ما قال ابن رُشيد يظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، ولذلك عقبه بقول ابن عمر:"إنما يظله عمله".
وقوله: (وقال خارجة بن زيد. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: أورده لمناسبة أن القبر لا تعظيم له، كما هو ظاهر من عدم تظليل الفسطاط عليه، ثم إن هذه العبارة دالة على كثرة ارتفاع قبره مع أنه منهي عنه، والجواب: أن قبره كان على جرف السيل أو كان على مستوى من الأرض فشقه السيل، حتى صار القبر على حافة السيل، فكان يثقل على الواثب أن يثبه لا لارتفاعه في نفسه، بل لما يلزم من الوثوب إلى فوق، فتدبر، انتهى.
وبسط الكلام في هامشه وفيه: قال ابن المنيِّر: أراد البخاري أن الذي ينفع أصحاب القبور هي الأعمال الصالحة، وأن علو البناء والجلوس عليه لا يضر بصورته، وإنما يضر بمعناه إذا تكلم القاعدون عليه بما يضر مثلًا، وقوله:"أخذ بيدي خارجة. . ." إلخ، وصله مسدد في "مسنده الكبير" وبيّن فيه سبب إخبار خارجة لحكيم
(2)
بذلك ولفظه: عن عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الله بن سرجس وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول: لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلي، أحب إليّ من أن أجلس على قبر، قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر فذكرت له ذلك فأخذ بيدي، الحديث، قال ابن رُشيد: الظاهر أن هذا الأثر والذي
(1)
"لامع الدراري"(4/ 381).
(2)
كذا في الأصل، والصواب بدله:"لعثمان بن حكيم": (ز).
بعده من الباب الذي بعد هذا، وهو "باب موعظة المحدث عند القبر"، وكان بعض الرواة كتبه في غير موضعه، قال: وقد يتكلف له طريق يكون به من الباب، وهي الإشارة إلى أن ضرب الفسطاط إن كان لغرض صحيح كالتستر من الشمس مثلًا للحي لا لإظلال الميت فقط [جاز]، وكأنه يقول: إذا كان على القبر لغرض صحيح لا لقصد المباهاة جاز، كما يجوز القعود عليه لغرض صحيح لا لمن أحدث عليه، قال: والظاهر أن المراد بالحديث ههنا التغوط، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك من إحداث ما لا يليق من الفحش قولًا وفعلًا لتأذي الميت بذلك، انتهى.
قال الحافظ
(1)
: ويمكن أن يقال: هذه الآثار المذكورة في هذا الباب يحتاج إلى بيان مناسبتها للترجمة، وإلى مناسبة بعضها لبعض، وذلك أنه لم يذكر حكم وضع الجريدة، وذكر أثر بريدة وهو يؤذن بمشروعيتها، ثم أثر ابن عمر المشعر بأنه لا تأتير لما يوضع على القبر، بل التأثير للعمل الصالح، وظاهرهما التعارض، فلذلك أبهم حكم وضع الجريدة، قاله ابن المنيِّر. والذي يظهر من تصرفه ترجيح الوضع. ويجاب عن أثر ابن عمر بأن ضرب الفسطاط على القبر لم يرد فيه ما ينتفع به الميت بخلاف وضع الجريدة؛ لأن مشروعيتها ثبتت بفعله صلى الله عليه وسلم، وإن كان بعض العلماء قال: إنها واقعة عين تحتمل الخصوصية، وأما الآثار الواردة في الجلوس على القبر فإن عموم قول ابن عمر:"إنما يظله عمله" يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بتظليله ولو كان تعظيمًا له لا يتضرر بالجلوس عليه ولو كان تحقيرًا له، والله تعالى أعلم، انتهى.
قال النووي: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث، وهو تأويل ضعيف أو باطل، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(2)
.
(1)
"فتح الباري"(3/ 224).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 382).
(82 -
باب موعظة المحدث عند القبر. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: كأنه يشير إلى التفصيل بين أحوال القعود، فإن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لم يكره، ويحمل النهي الوارد عن ذلك على ما يخالف ذلك، انتهى.
قوله: (فقال الرجل يا رسول الله أفلا نتكل. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: حاصل السؤال أن المقدور يجعلنا مضطرين إلى ما هو مقدر فنؤول إليه بالآخرة فلا فائدة فيه إذًا. وأجيب بأنهم لا يتيسر لهم عدم العمل إذا كان المقدور هو العمل فلا يمكن تركه، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه.
(83 -
باب ما جاء في قاتل النفس)
قال الحافظ
(3)
: قال ابن رُشيد: مقصود الترجمة حكم قاتل النفس، والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه، فهو أخص من الترجمة، ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأولى؛ لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعد ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد فأولى من ظلم غيره بإفاتة نفسه، قال ابن المنيِّر: عادة البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة كأنه ينبِّه على طريق الاجتهاد، وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه أن لا يصلى عليه، وهو نفس قول البخاري.
قال الحافظ: لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جابر بن سمرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه"، وفي رواية للنسائي:"أما أنا فلا أصلي عليه"، لكنه لما لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه الترجمة، وأورد فيها ما يشبه من قصة قاتل نفسه، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 225).
(2)
"لامع الدراري"(4/ 388).
(3)
"فتح الباري"(3/ 227).
قلت: والعجب من الحافظ أنه عزا حديث جابر بن سمرة المذكور إلى أصحاب السنن وهو موجود في آخر "كتاب الجنائز" من "صحيح مسلم"، قال العيني
(1)
: قال ابن بطال في قوله: "من قتل نفسه بحديدة" أجمع الفقهاء وأهل السُّنَّة على أن من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك من الإسلام، وأنه يصلى عليه وإثمه عليه، كما قال مالك، ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، قال العيني: قال أبو يوسف: لا يصلى على قاتل نفسه، وعند أبي حنيفة ومحمد: يصلى عليه، انتهى.
قال النووي
(2)
: وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلَّت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في أول الأمر على من عليه دينٌ زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال:"صلوا على صاحبكم"، انتهى.
قلت: ويؤيد مذهب الجمهور ما تقدم من رواية النسائي: "أما أنا فلا أصلي".
(84 -
باب ما يكره من الصلاة على المنافقين. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع
(3)
: فمن علم منه الشرك والكفر لم يجز له الاستغفار، ومن لم يعلم منه جاز ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم استغفر له مع العلم بنفاقه لعدم نزول النهي الصريح بعد، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: قال الزين ابن المنيِّر: عدل عن قوله: كراهة الصلاة على المنافقين لينبه على [أن] الامتناع من طلب المغفرة لمن لا يستحقها، لا من جهة العبادة الواقعة من صورة الصلاة، فقد تكون العبادة طاعة من وجه معصية من وجه، والله أعلم.
(1)
"عمدة القاري"(6/ 262).
(2)
"المنهاج"(7/ 47).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 389).
(4)
"فتح الباري"(3/ 228).
وقوله: (رواه ابن عمر) كأنه يشير إلى حديثه في قصة الصلاة على عبد الله بن أُبي أيضًا، وقد تقدم في "باب القميص الذي يكف"، انتهى. وسيأتي حديث الباب أيضًا في التفسير.
وقال العيني
(1)
: ليس في حديث الباب ما يدل على النهي عن الاستغفار للمشركين.
قلت: في قوله: "حتى نزلت الآيات" ما يدل على ذلك؛ لأن من جملة الآيات قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية [التوبة: 80]، وقوله:{فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} يدل على منع الاستغفار لهم، انتهى.
قلت: وقول العيني: قوله: "حتى نزلت الآيات" هكذا في نسخته، وأما في نسخة الفتح والقسطلاني وكذا الهندية الآيتان بلفظ التثنية، وقال القسطلاني
(2)
تحت حديث الباب: فنهى عن الصلاة لأن المراد منها الدعاء للميت والاستغفار له، وهو ممنوع في حق الكافر، انتهى. وهذا هو الأوجه عندي.
(85 -
باب ثناء الناس على الميت)
قال الحافظ
(3)
: أي: مشروعيته وجوازه مطلقًا بخلاف الحي؛ فإنه منهي عنه إذا أفضى إلى الإطراء خشية عليه من الزهو، أشار إلى ذلك ابن المنيِّر، انتهى.
قلت: ويمكن أن يكون إشارة إلى مندوبيته، وحديث الباب مشعر بجواز كلا الأمرين المدح والذم مع أن لفظ الترجمة يشير إلى ترجيح الثناء، فلعله أشار إلى ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم:"اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم" أخرجه
(4)
أبو داود والترمذي وغيرهما، ولما لم يكن على شرطه أشار إليه.
(1)
"عمدة القاري"(6/ 265).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 521).
(3)
"فتح الباري"(3/ 229).
(4)
"سنن أبي داود"(ح: 4900)، و"سنن الترمذي" (ح: 1019).
(86 -
باب ما جاء في عذاب القبر)
قال الحافظ
(1)
: لم يتعرض المصنف في الترجمة لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط أو عليها وعلى الجسد، وفيه خلاف شهير عند المتكلمين، وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين فلم يتقلد الحكم في ذلك، واكتفى بإثبات وجوده، خلافًا لمن نفاه مطلقًا من الخوارج وبعض المعتزلة، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السُّنَّة وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة كالجبائي إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية ترد عليهم.
وقال الحافظ أيضًا: وكأن المصنف قدم ذكر هذه الآية لينبِّه على ثبوت ذكره في القرآن، خلافًا لمن رده، وزعم أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الأحاد.
وقال الحافظ أيضًا: وهل يختص عذاب القبر بهذه الأمة أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأول، وبه جزم الحكم الترمذي وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبو اعتزلوهم وعجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمدًا رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أسرَّ الكفر أو لا، فلما ماتوا قيَّض الله لهم فتَّاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال وليميز الخبيث من الطيب، ويثبت الله الذي آمنوا ويضل الله الظالمين، انتهى.
قال الحافظ: ويؤيده حديث زيد بن ثابت مرفوعًا "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" الحديث أخرجه مسلم.
وقال القسطلاني
(2)
: قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وأجمع عليه أهل السُّنَّة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في
(1)
"فتح الباري"(3/ 233).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 525).
جزء من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه أو أكلت السباع أو الطيور وحيتان البحر، كما أن الله تعالى يعيده للحشر، وهو سبحانه وتعالى قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في غيره. . . إلى آخر ما قال.
ثم قال الحافظ
(1)
: وجه إدخال حديث ابن عمر وما عارضه من حديث عائشة في ترجمة عذاب القبر أنه لما ثبت من سماع أهل القليب كلامه وتوبيخه لهم دل إدراكهم الكلام بحاسة السمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس، بل بالذات، إذ الجامع بينهما وبين بقية الأحاديث أن المصنف أشار إلى طريق من طرق الجمع بين حديثي ابن عمر وعائشة بحمل حديث ابن عمر على أن مخاطبة أهل القليب وقعت وقت المسألة، وحينئذ كانت الروح قد أعيدت إلى الجسد، وأما إنكار عائشة فمحمول على غير وقت المسألة فيتفق الخبران، انتهى.
فائدة: وفي "الحاوي" للسيوطي رسالة في أن فتنة القبر سبعة أيام، وله رسالة أخرى في أن سؤال الملكين في القبر عام أو خاص.
(87 -
باب التعوُّذ من عذاب القبر)
قال ابن المنيِّر: أحاديث هذا الباب تدخل في الباب الذي قبله، وإنما أفردها عنها؛ لأن الباب الأول معقود لثبوته ردًا على من أنكره، والثاني لبيان ما ينبغي اعتماده في مدة الحياة من التوسل إلى الله بالنجاة منه والابتهال إليه في الصرف عنه، انتهى من "الفتح"
(2)
.
(1)
"فتح الباري"(3/ 235).
(2)
"فتح الباري"(3/ 241).
قال القسطلاني
(1)
في أول أحاديث الباب: ومناسبته للترجمة من حيث إن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوّذ من مثله، أو الحديث من الباب السابق، وأدخله هنا بعض النساخ، انتهى. ونحوه في "الفتح".
(88 -
باب عذاب القبر من الغيبة والبول)
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهما، لا نفي الحكم عما عداهما، فعلى هذا لا يلزم من ذكرهما حصر عذاب القبر فيهما، لكن الظاهر من الاقتصار على ذكرهما أنهما أمكن في ذلك من غيره، وقد روى أصحاب السنن من حديث أبي هريرة:"استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه"، انتهى.
قوله: (بالنميمة) هو موضع الترجمة من حيث إن الغيبة من لوازمها، وقيل: مفسدة النميمة أشد فلا يصح الإلحاق إلا أن يقال: إن المحل محل التحذير، فينبغي الاحتراز عنه، ولما وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ:"الغيبة"، ومن عادة البخاري الإشارة إلى ما ورد في بعض الطرق، انتهى من "العيني"
(3)
و"الفتح"، واستظهر هذا الأخير الحافظ ابن حجر.
وقال السندي
(4)
: النميمة عادة لا تكون إلا بإظهار ما لا يحب صاحبه إظهاره بالغيب وهو حقيقة الغيبة، وكأن النميمة من أفراد الغيبة، ولذلك عبَّر عنها في الترجمة باسم الغيبة، انتهى.
(89 -
باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي)
قال القرطبي: يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن، قال: والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 537).
(2)
"فتح الباري"(3/ 242).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 286)، و"فتح الباري"(3/ 242).
(4)
"حاشية السندي"(1/ 239).
فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء، ثم هو مخصوص بغير الشهداء؛ لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة، ويحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدرًا زائدًا على ما هي فيه الآن، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(90 -
باب كلام الميت على الجنازة)
قال الحافظ
(2)
: أي: بعد حملها، أورد فيه حديث أبي سعيد، وقد تقدم الكلام عليه قبل بضعة وثلاثين بابًا، وترجم له:"قول الميت - وهو على الجنازة -: قدموني"، انتهى.
قلت: تقدم الكلام على الترجمتين هناك بالبسط فارجع إليه لو شئت.
(91 -
باب ما قيل في أولاد المسلمين)
قال الحافظ
(3)
: أي: غير البالغين، قال ابن المنيِّر، تقدم في أوائل "الجنائز" ترجمة:"من مات له ولد فاحتسب"، وفيها الحديث المصدّر به، إنما ترجم بهذه لمعرفة مآل الأولاد، ووجه انتزاع ذلك أن من يكون سببًا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يحجب هو؛ لأنه أصل الرحمة وسببها، وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة، يعني الذي أخرجه مسلم
(4)
بلفظ: "توفي صبي من الأنصار فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا ولم يدركه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلًا" الحديث، والجواب عنه: أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 243).
(2)
"فتح الباري"(3/ 244).
(3)
"فتح الباري"(3/ 244).
(4)
"صحيح مسلم"(2662).
وقال المازري: الخلاف في غير أولاد الأنبياء، قال الحافظ: ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي هريرة فإن فيه التصريح بإدخال الأولاد الجنة مع آبائهم، وروى عبد الله بن أحمد في "زيادات المسند" عن علي مرفوعًا:"إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار" ثم قرأ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ} الآية [الطور: 21]، وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عباس، انتهى.
وفي "الفيض"
(1)
: وانعقد الإجماع على نجاة أولاد المسلمين، وقال مولانا النانوتوي رحمه الله تعالى: إن مقتضى الأدلة التوقّف فيهم أيضًا، انتهى.
قلت: لعل المصنف أشار في الترجمة بقوله: "ما قيل" إلى اختلاف الروايات في ذلك، وهكذا صنع في الترجمة الآتية، فبعض الروايات تدل جزمًا على كونهم من أهل الجنة، ففي "المشكاة" برواية أبي داود
(2)
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "قلت: يا رسول الله! ذراري المؤمنين؟ قال: من آبائهم، فقلت: يا رسول الله! بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين". وبعض الروايات يشير إلى التردد وعدم الجزم كما تقدم في كلام الحافظ من رواية مسلم، وكتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: قوله: "إن له مرضعًا في الجنة" وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، انتهى.
وقال السندي
(4)
: كأنه من باب التشريف لا لأن الجنة يحتاج الصغير فيها إلى تربية ورضاعة، والله أعلم، انتهى.
(92 -
باب ما قيل في أولاد المشركين)
كتب الشيخ في "اللامع"
(5)
: ظاهر صنيع المؤلف من إيراد حديث الفطرة عقيب الرواية التي ظاهرها التوقف، وإن كان المراد نفي الاستحقاق
(1)
"فيض الباري"(2/ 492).
(2)
"سنن أبي داود"(4712).
(3)
"لامع الدراري"(4/ 395).
(4)
"حاشية السندي"(1/ 240).
(5)
"لامع الدراري"(4/ 498).
المترتب على العمل لا مطلقه، ثم إيراد رواية إبراهيم عليه السلام مشعر بأنه اختار ما اخترناه من أن هؤلاء يدخلون الجنة أيضًا، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه عن "شرح المسايرة" لابن أبي شريف: وقد ضعف أبو البركات النسفي رواية التوقف عن أبي حنيفة، وقال: الرواية الصحيحة عنه أنهم في المشيئة لظاهر الحديث الصحيح: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، انتهى.
قال الحافظ
(1)
: هذه الترجمة تشعر أيضًا بأنه كان متوقفًا في ذلك، وقد جزم بعد هذا في تفسير سورة الروم بما يدل على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، وقد رتب أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار، فإنه صدّره بالحديث الدالِّ على التوقف، ثم ثنَّى بالحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلَّث بالحديث المصرّح بذلك؛ فإن قوله في سياقه:"وأما الصبيان حوله فأولاد الناس" قد أخرجه في "التعبير" بلفظ: "وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين"، واختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال، ثم ذكر الحافظ عشرة أقوال:
منها: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن ابن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقي عن الشافعي، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، والحجة فيه قوله صلى الله عليه وسلم:"الله أعلم بما كانوا عاملين".
ومنها: أنهم في الجنة، قال النووي: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى.
ومنها: الوقف، ومنها: الإمساك، وفي الفرق بينهما دقة، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 246).
وذكر في هامش "اللامع" ههنا اثني عشر قولًا، وذكر فيه أيضًا الفرق بين التوقف والإمساك بأنه لا يبعد أن يقال: إن التوقف عدم الجزم بشيء لتعارض الأدلة، والثاني عدم الكلام في المسألة، ويستأنس ذلك من كلام ابن كثير في "تفسيره": كره جماعة من العلماء الكلام فيها، انتهى.
وفي "الفيض"
(1)
: نقل عن أبي حنيفة التوقف، صرَّح النسفي في "الكافي" أن المراد بالتوقف في الحكم الكلي، فبعضهم ناج، وبعضهم هالك، لا بمعنى عدم العلم أو عدم الحكم بشيء، وهو مذهب مالك صرح به أبو عمرو في "التمهيد"، وإليه ذهب الشافعي كما صرح به الحافظ، وعن أحمد روايتان، واختار الحافظ ابن القيم النجاة كما في "شفاء العليل"، وهو الذي نسبه إلى ابن تيمية، إلى آخر ما بسطه، وسرد الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} الأحاديث الواردة في أولاد المشركين، فارجع إليه لو شئت.
(93 -
باب)
بلا ترجمة، كذا ثبت لجميعهم إلا لأبي ذر، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وتعلق الحديث به ظاهر من قوله في حديث سمرة المذكور:"والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس"؛ فإن الناس في قوله عام يشمل المؤمنين وغيرهم، وقد تقدم التنبيه على أنه أورده في "التعبير" بزيادة:"قالوا: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين"، انتهى من "الفتح"
(2)
والقسطلاني.
وفي "الفيض"
(3)
: قوله: "باب" أحال الفصل إلى الناظرين، ولم يترجم بشيء وذكر مادته فقط، انتهى.
(1)
"فيض الباري"(2/ 493).
(2)
"فتح الباري"(3/ 252)، و"إرشاد الساري"(3/ 553).
(3)
"فيض الباري"(2/ 493).
ورقم عليه في جداول شيخ الهند رحمه الله رمز بتـ نقطتين فهو إشارة إلى أن الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق.
(94 -
باب موت يوم الاثنين)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: يعني بذلك: جواز تمني موته كما وقع لأبي بكر، وإن لم يحصل له ذلك لوقوعه في ليلة يوم الثلاثاء، نعم لم يفته الاتصال ومداناة الوقت؛ فإن فصل ما بين يوم اثنين وليلة الثلاثاء غير معتد به، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(2)
: ولابن سعد عن عائشة: "أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فَحُمَّ خمسة عشر يومًا، ومات مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة"، وأشار الزين بن المنيِّر إلى أن الحكمة في تأخر وفاته من يوم الاثنين مع أنه كان يحب ذلك ويرغب فيه لكونه قام في الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فناسب أن تكون وفاته متأخرة عن الوقت الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى.
قال العيني
(3)
: وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء الآخرة، وقيل: توفي يوم الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة، والأول أصح، انتهى مختصرًا.
وقال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر: وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا:"ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر" وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس، وإسناده أضعف، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 406).
(2)
"فتح الباري"(3/ 253).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 301).
(4)
"فتح الباري"(3/ 253).
(95 -
باب موت الفجاءة البغتة. . .) إلخ
قال ابن رُشيد
(1)
: هو مضبوط بالكسر على البدل، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي البغتة، ووقع في رواية الكشميهني:"بغتة". والفجاءة بضم الفاء وبعد الجيم مد ثم همز، ويروى بفتح، ثم سكون بغير مد، وهي الهجوم على من لم يشعر به، وموت الفجأة وقوعه بغير سبب من مرض وغيره.
قال ابن رُشيد: مقصود المصنف الإشارة إلى أنه ليس بمكروه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يظهر منه كراهيته لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها، وأشار إلى ما رواه أبو داود بلفظ:"موت الفجأة أخذة أسف"، وفي إسناده مقال، فجرى على عادته في الترجمة بما لم يوافق شرطه، وإدخال ما يومئ إلى ذلك ولو من طرف خفي، انتهى.
قال ابن بطال
(2)
: وكأن ذلك - والله أعلم - لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن عائشة وابن مسعود:"موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر"، وقال ابن المنيِّر: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة، كما وقع في حديث الباب. ونقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهة موت الفجأة، ونقل النووي عن بعض القدماء أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك، قال النووي: وهو محبوب للمراقبين. قلت: وبذلك يجتمع القولان
(3)
، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 254).
(2)
"شرح ابن بطال"(3/ 378).
(3)
"فتح الباري"(3/ 254 - 255).
(96 -
باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قال ابن رُشيد: قال بعضهم: مراده بقوله: "قبر النبي صلى الله عليه وسلم" المصدر من: قبرته قبرًا، والأظهر عندي أنه أراد الاسم، ومقصوده بيان صفته من كونه مسنمًا أو غير مسنم، وغير ذلك مما يتعلق بعضه ببعض.
قوله: (مسنمًا) قال الحافظ: أي: مرتفعًا، زاد أبو نعيم في "المستخرج":"وقبر أبي بكر وعمر كذلك"، واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي، وبه جزم الماوردي وآخرون، وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي: لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأول مسنّمًا لحديث أبي داود
(2)
، قال القاسم بن محمد:"دخلت على عائشة فقلت: يا أمه! اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرّفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء" وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة، وقد روى أبو بكر الآجري في "كتاب صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم" عن غنيم بن بسطام المديني قال: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل لا في أصل الجواز، انتهى مختصرًا.
(1)
"فتح الباري"(3/ 256).
(2)
"سنن أبي داود"(ح: 3220).
(97 -
باب ما ينهى من سبّ الأموات)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: المراد بالسب المنهي عنه ما لم يتضمن منفعة دينية كمن مات ولم يعلم بحاله أحد حتى يتبع، فنشر مساويه مما لا ينفعه ولا يجديه، وكذلك من كان من أهل الصلاح والتقى فذكره بمساءة يضره في آخرته ويرديه. فأما من مات ونقل منه خصال يخاف عليها اتباع الناس إياه فيها فإن ذكر شرارته وما كان من أحواله لا ضير فيه؛ لأن ذكر ذلك يردعهم من اتباعه فيما نقل عنه؛ لأن اتباعهم به لم يكن إلا لظنهم به خيرًا، وللإشارة إلى أن مطلق ذكر مساوي الموتى غير منهي عنه، أورد عقيبه "
باب ذكر شرار الموتى
"، انتهى.
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقًا، والجواب: أن عمومه مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال صلى الله عليه وسلم عند ثنائهم بالخير وبالشر: "وجبت"، ولم ينكر عليهم، ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية، والمراد به المسلمون؛ لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبِّهم، وقال القرطبي في الكلام على حديث "وجبت": يحتمل أجوبة، الأول: أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرًا به فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقًا، وثانيها: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه، وثالثها: يكون النهي العام متأخرًا فيكون ناسخًا، وهذا ضعيف. . . إلى آخر ما بسطه.
(98 - باب ذكر شرار الموتى)
تقدم في الباب قبله من شرح ذلك ما فيه كفاية، وحديث الباب أورده هنا مختصرًا، وسيأتي مطولًا في تفسير الشعراء، قاله الحافظ
(3)
.
(1)
"لامع الدراري"(4/ 415).
(2)
"فتح الباري"(3/ 258).
(3)
"فتح الباري"(3/ 260).
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: عقب باب النهي عن سب الأموات بهذا الباب إشارة إلى أن الأموات الشرار مستثنى عنه، كما هو دأبه في أكثر الأبواب، انتهى.
قال الحافظ في الباب المتقدم عن ابن رُشيد: ولما كان المتن قد يشعر بالعموم أتبعه بالترجمة التي بعده، انتهى.
وتقدم مثله من كلام الشيخ أيضًا.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: فنزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} وهو من التباب ومعناه الهلاك.
قلت: وكذا هذا الباب الأخير لوجود لفظ الموتى فيه صريحًا، بل كتاب الجنائز كله مذكر للموت.
* * *
24 -
كتاب الزكاة
(1)
قال الحافظ
(2)
: ولأكثر الرواة "باب" بدل كتاب، وسقط ذلك لأبي ذر فلم يقل باب ولا كتاب، انتهى.
قال العيني
(3)
: إنما ذكر كتاب الزكاة عقيب الصلاة من حيث إن الزكاة ثالثة الإيمان وثانية الصلاة في الكتاب والسُّنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]، وأما السُّنَّة فقوله صلى الله عليه وسلم:"بني الإسلام على خمس. . ." الحديث، انتهى.
وذكر في "الأوجز"
(4)
في مبدأ "كتاب الزكاة" عدة أبحاث مفيدة لطيفة ينبغي الرجوع إليها:
الأول: أن الزكاة لغةً: النماء وترد بمعنى التطهير أيضًا، وشرعًا بالاعتبارين معًا، أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، وأما بالثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل.
الثاني: اختلفت نصوص الفروع للأئمة الأربعة في تعريفه شرعًا، ونكتفي ههنا على ما في فروع الحنفية اختصارًا، ففي "الدر المختار"
(5)
: هي شرعًا تمليك جزء مال عينه الشارع وهو ربع عشر نصاب حولي من مسلم فقير
(1)
وجد بخط الشيخ المؤلف مد ظله على مسودته هنا عبارة، ولفظها: قد استوعبت النظر إلى ههنا على الشروح الثلاثة من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" جمادى الأولى سنة تسع وأربعين بعد ثلاثمائة وألف، ولكن بعد ذلك لبدء الضعف وكثرة الاشتغال ترك النظر بالالتزام على بعض من الشروح؛ عاقل.
(2)
"فتح الباري"(3/ 262).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 320).
(4)
"أوجز المسالك"(5/ 483).
(5)
(3/ 171).
غير هاشمي ولا مولاه مع قطع المنفعة عن الملك من كل وجه لله تعالى.
الثالث: ما في "الدر المختار" أنها: لا تجب على الأنبياء إجماعًا، وبذلك صرح غير واحد من العلماء، وذكر في "الأوجز" سبب عدم وجوبها عليهم.
الرابع: في حكم الزكاة، وقد أجاد الكلام عليها الشيخ ابن القيم في "الهدي"
(1)
، وكذلك شيخ مشايخنا الدهلوي في "حجة الله البالغة"
(2)
.
الخامس: في بدء فرضيتها وسيأتي في الباب الآتي.
(1 -
باب وجوب الزكاة وقول الله عز وجل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. . .} ) إلخ
أشار بهذا الباب إلى البحث الخامس وهو بدء فرضية الزكاة. قال الحافظ
(3)
: ذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في الثانية قبل فرض رمضان، وجزم ابن الأثير في "التاريخ" أنه كان في التاسعة، وفيه نظر فقد ورد في حديث ضمام بن ثعلبة وفي حديث وفد عبد القيس وغير ذلك ذكر الزكاة، ولكن يمكن تأويل كل ذلك. وادعى ابن خزيمة في "صحيحه" أن فرضها كان قبل الهجرة. ووقع في "تاريخ الإسلام": في السنة الأولى فرضت الزكاة. والمعتمد أنها فرضت بمكة إجمالًا وبيّنت بالمدينة تفصيلًا. وفي "شرح الإقناع"
(4)
: فرضت في الثانية بعد زكاة الفطر، واختلفوا في أيِّ شهر منها، والمشهور في شوال من السنة المذكورة، انتهى من هامش "اللامع".
ولا يبعد عندي: أن يكون مختار البخاري هو ما اختاره ابن خزيمة وهو أن فرضيتها قبل الهجرة، إذ ذكر قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا
(1)
انظر: "زاد المعاد"(1/ 145 - 146).
(2)
"حجة الله البالغة"(2/ 39).
(3)
"فتح الباري"(3/ 266).
(4)
"شرح الإقناع"(2/ 313).
الزَّكَاةَ} الآية [20]، وهي في سورة المزمل وهي مكيَّة على القول المشهور وذكر فيه الخلاف في هامش "اللامع" في مبدإ "كتاب التهجد"، وأيضًا ذكر المصنف فيه حديث أبي سفيان في قصة هرقل.
قال الحافظ
(1)
تحت قول البخاري في مبدإ "كتاب الصلاة": "حدثني أبو سفيان في حديث هرقل، فقال: يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة. . ." إلخ: هذا طرف من حديث أبي سفيان المتقدم موصولًا في "بدء الوحي"، والقائل "يأمرنا" هو أبو سفيان، ومناسبته لهذه الترجمة أن فيه إشارة إلى أن أبا سفيان لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون آمرًا له بطريق الحقيقة، انتهى.
(2 -
باب البيعة على إيتاء الزكاة. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر: هذه الترجمة أخص من التي قبلها، لتضمنها أن بيعة الإسلام لا تتم إلا بالتزام إيتاء الزكاة، وأن مانعها ناقض لعهده مبطل لبيعته فهو أخص من الإيجاب؛ لأن كل ما تضمنته بيعة النبي صلى الله عليه وسلم واجب وليس كل واجب تضمنته بيعته، وموضع التخصيص: الاهتمام والاعتناء بالذكر حال البيعة. قال: وأتبع المصنف الترجمة بالآية معتضدًا بحكمها؛ لأنها تضمنت أنه لا يدخل في التوبة من الكفر وينال أخوة المؤمنين في الدين إلا من أقام الصلاة وآتى الزكاة، انتهى.
قلت: والأوجه عندي: أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن بعض الخصال الواردة في روايات البيعة ليس بواجب، كبيعة النساء على أن لا نحدث الرجال إلا محرمًا كما في "الدر المنثور" والبيعة على ترك السؤال ولو سقط السوط ونحو ذلك.
(1)
"فتح الباري"(1/ 460).
(2)
"فتح الباري"(3/ 267).
(3 -
باب إثم مانع الزكاة. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنيِّر: هذه الترجمة أخص من الأولى لتضمن حديثها تعظيم إثم مانع الزكاة والتنصيص على عظيم عقوبته في الدار الآخرة وتبري نبيِّه منه بقوله: "لا أملك لك من الله شيئًا"، وذلك مؤذن بانقطاع رجائه، وإنما تتفاوت الواجبات بتفاوت المثوبات والعقوبات، فما شددت عقوبته كان إيجابه آكد مما جاء فيه مطلق العقوبة، وعبَّر المصنف بالإثم ليشمل من تركها جحدًا أو بخلًا، والله أعلم، انتهى.
والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة بيان نوع إثم المانع من حيث التعذيب، أي: بأي نوع من العذاب يعذب، وأحاديث الباب دالة عليه.
(4 -
باب ما أدي زكاته فليس بكنز. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: يعني بذلك: أن الرواية مصرحة بأن له إجازة في جمع ما دون خمس أواق من غير أن يؤدي زكاتها، فعلم أن كل نوع من جمع الذهب والورق غير منهي عنه، انتهى.
قال السندي
(3)
: قوله: "لقول النبي. . ." إلخ، تعليل للسابق، إما بالنظر إلى تضمنه دعوى أنه ليس كل مال كنزًا، أو باعتبار أن ما أدي منه الزكاة بعد وجوبها هو وما لا تجب فيه الزكاة سواء، فإذا علم بالحديث حال ما لا يجب فيه الزكاة وأنه لا صدقة فيه، بل هو كله حلال لصاحبه، فكذلك ما أدي منه الزكاة بعد وجوبها. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(4)
: قوله: "ما أدى زكاته. . ." إلخ، هذه المسألة كانت مختلفة فيها بين أبي ذر وسائر الصحابة، فأبو ذر كان يفهم من قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. . .} إلخ [التوبة: 34]،
(1)
"فتح الباري"(3/ 268).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 23).
(3)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 244).
(4)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 355).
أن الواجب إنفاق كلها، ومن ادّخر شيئًا منها فهو داخل تحت الوعيد، بخلاف سائر الصحابة، فإن مذهبهم أنه بعد إنفاق القدر الواجب، أعني: ربع العشر في النقدين لو ادخر الباقي فليس بكنز، وهذا هو الحق الذي انعقد عليه الإجماع، وأما ما ذهب إليه أبو ذر رضي الله عنه فشبهة نشأت من حمل قوله تعالى على إنفاق الكل.
قوله: (ليس فيما دون خمسة أواق) هذا يدل على أن من المال ما لا يجب فيه الزكاة، ومناسبته مع الترجمة ظاهر، انتهى.
وقال الحافظ: قوله: "قبل أن تنزل الزكاة" هذا مشعر بأن الوعيد على الاكتناز - وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به - كان في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح وقدرت نصب الزكاة، فعلى هذا المراد بنزول الزكاة بيان نصبها ومقاديرها لا إنزال أصلها، والله أعلم، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(5 -
باب إنفاق المال في حقّه)
قال الحافظ في الباب السابق تحت حديث أبي ذر
(2)
: وإنما أورده أبو ذر للأحنف لتقوية ما ذهب إليه من ذم اكتناز المال، وهو ظاهر في ذلك إلا أنه ليس على الوجوب، ومن ثم عقبه المصنف بالترجمة التي تليه، وأورد فيه الحديث الدال على الترغيب في ذلك، وهو من أدل دليل على أن أحاديث الوعيد محمولة على من لا يؤدي الزكاة، وأما حديث "ما أحب لو أن لي أُحدًا ذهبًا" فمحمول على الأولوية؛ لأن جمع المال وإن كان مباحًا لكن الجامع مسؤول عنه وفي المحاسبة خطر. . . إلى آخر ما قال.
والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الإشارة إلى أن ما ورد من الروايات في ترغيب الإنفاق مطلقًا؛ فالمراد منه الإنفاق في حقه كما في
(1)
"فتح الباري"(3/ 273).
(2)
"فتح الباري"(3/ 276).
حديث الباب لا الإنفاق مطلقًا وهذا المعنى واضح من نص الترجمة أيضًا.
(6 -
باب الرياء في الصدقة. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون مراده إبطال الرياء للصدقة فيحمل على ما تمحض منها لحب المحمدة والثناء من الخلق بحيث لولا ذلك لم يتصدق بها، ووجه الاستلال من الآية أن الله تعالى شبَّه مقارنة المن والأذى للصدقة بإنفاق الكافر المرائي ومقارنة الرياء من المسلم أقبح من مقارنة الإيذاء، انتهى.
ثم قال الحافظ بعد نقل كلام ابن رُشيد الطويل: ويتلخص أن يقال: لما كان المشبه به أقوى من المشبه، وإبطال الصدقة بالمن والأذى قد شبه بإبطالها بالرياء فيها كان أمر الرياء أشد، انتهى.
(7 -
باب لا يقبل الله صدقة من غلول. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قوله: "لقوله تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ} " قال ابن المنيِّر: جرى المصنف على عادته في إيثار الخفي على الجلي، وذلك أن في الآية أن الصدقة لما تبعتها سيئة الأذى بطلت، والغلول أذى إن قارن الصدقة أبطلها بطريق الأولى، أو لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها تبطل الطاعة فكيف إذا كانت الصدقة بعين المعصية، انتهى.
(8 -
باب الصدقة من كسب طيب. . .) إلخ
ليس هذا الباب في بعض النسخ.
فقد قال الحافظ: وقع هنا للمستملي والكشميهني "باب الصدقة من كسب طيب. . ." إلخ، وعلى هذا فتخلو الترجمة التي قبل هذا من الحديث، وتكون كالتي قبلها في الاقتصار على الآية لكن تزيد عليها
(1)
"فتح الباري"(3/ 278).
بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في الترجمة. ومناسبة الحديث لهذه الترجمة ظاهرة، ومناسبته للذي قبلها من جهة مفهوم المخالفة؛ لأنه دل بمنطوقه على أن الله لا يقبل إلا ما كان من كسب طيب، فمفهومه أن ما ليس بطيب لا يقبل، والغلول فرد من أفراد غير الطيب فلا يقبل، والله أعلم.
وأما قول المصنف: لقوله تعالى: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ. . .} إلخ [البقرة: 276]، فقد اعترضه ابن التين وغيره بأن تكثير أجر الصدقة ليس علة لكون الصدقة من كسب طيب، بل الأمر على عكس ذلك، وكان الأبين أن يستدل بقوله تعالى:{أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267]، وقال الكرماني: لفظ: "الصدقات" وإن كان أعم من أن يكون من الكسب الطيب ومن غيره، لكنه مقيد بالصدقات التي من الكسب الطيب بقرينة السياق نحو:{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267]، انتهى باختصار من "الفتح"
(1)
.
(9 -
باب الصدقة قبل الرد)
قال ابن المنيِّر
(2)
: مقصوده بهذه الترجمة الحث على التحذير من التسويف بالصدقة، لما في المسارعة إليها من تحصيل النمو المذكور، قيل: لأن التسويف بها قد يكون ذريعة إلى عدم القابل لها إذ لا يتم مقصود الصدقة إلا بمصادفة المحتاج إليها، وقد أخبر الصادق أنه سيقع فقد الفقراء المحتاجين إلى الصدقة.
فإن قيل: إن من أخرج صدقته مثاب على نيَّته ولو لم يجد من يقبلها، فالجواب: أن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل، والناوي يثاب ثواب الفضل فقط، والأول أربح، انتهى.
قلت: ما أفاده الشرَّاح هو الظاهر في مفهوم الترجمة، ولا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى مسألة فقهية خلافية وهي: أنّ من وجبت عليه صدقة
(1)
"فتح الباري"(3/ 279)، وانظر:"شرح الكرماني"(7/ 181).
(2)
"فتح الباري"(3/ 282).
الفطر وهو فقير واجد قوته وقوت عياله كما هو مذهب الأئمة الثلاثة خلافًا للحنفية كما سيأتي، فهذا الفقير تجب عليه صدقة الفطر ويجوز له أخذها عندهم، فينبغي له أن يقدم الإعطاء قبل أن يرد عليه الصدقة عن فطر غيره، فتأمل، فإنه لطيف لكن فيه أن المصنف سيبوب لصدقة الفطر أبوابًا مستقلة على أنه لا يوافق هذا التوجيه الروايات الواردة في الباب.
(10 -
باب اتقوا النار ولو بشق تمرة)
قال ابن المنيِّر وغيره
(1)
: جمع المصنف بين لفظ الخبر والآية لاشتمال ذلك كله على الحث على الصدقة قليلها وكثيرها، فإن قوله تعالى:{أَمْوَالَهُمْ} يشمل قليل النفقة وكثيرها، ويشهد له قوله:"لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس" فإنه يتناول القليل والكثير، إذ لا قائل بحل القليل دون الكثير، انتهى.
ولا يبعد عندي: أن يكون فيه أيضًا إشارة إلى مسألة فقهية وهي: أن من لم يفضل عنده إلا بعض صاع هل يجب عليه صدقة الفطر أم لا؟ فيه وجهان لأحمد، كما في "المغني"
(2)
فكأن فيه تأييدًا للإيجاب فتأمل.
(11 -
باب فضل صدقة الشحيح الصحيح. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: يمكن أن يراد بالشحيح كونه مظنة الشح لعروض الحوائج له، وإن أريد بالشحيح من كان الشح طبعًا له فممكن أيضًا، والفضيلة في هذا الأخير جزئية لما أنه يشتد عليه لشحه وإلا فالسخي قريب من الله، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني
(4)
: الشح بخل مع حرص، وقيل: هو أعم من البخل، وقيل: هو الذي كالوصف اللازم، ومن قبيل الطبع، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 283).
(2)
"المغني"(4/ 310).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 34).
(4)
"شرح الكرماني"(7/ 188).
والظاهر عندي: أن الشحيح هو الذي يعبَّر عنه في لساننا الهندية بلفظ: "كنجوس"، وقال شيخ المشايخ في "تراجمه"
(1)
: المراد بالشحيح ههنا: المحتاج إلى المال، انتهى من هامش "اللامع".
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر ما ملخصه: مناسبة الآية للترجمة أن معنى الآية التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالًا بطول الأمل، والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية.
والمراد بالصحة في الحديث من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة، ولما كانت مجاهدة النفس على إِخراج المال مع قيام مانع الشح دالًا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة كان ذلك أفضل من غيره، وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية، انتهى.
(باب)
بلا ترجمة، قال الحافظ
(3)
: كذا للأكثر، وسقط لأبي ذر، فعلى روايته هو من ترجمة "فضل صدقة الشحيح الصحيح"، وعلى رواية غيره فهو بمنزلة الفصل منه. وأورد فيه المصنف قصة سؤال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منه أيتهن أسرع لحوقًا به، ووجه تعلقه بما قبله أن هذا الحديث تضمن أن الإيثار والاستكثار من الصدقة في زمن القدرة على العمل سبب اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك الغاية في الفضيلة، أشار إلى هذا الزين بن المنيِّر، وقال ابن رُشيد: وجه المناسبة أنه تبين في الحديث أن المراد بطول اليد المقتضي للحاق به الطول، وذلك إنما يتأتى للصحيح؛ لأنه إنما يحصل بالمداومة في حال الصحة وبذلك يتم المراد، انتهى.
(1)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 356).
(2)
"فتح الباري"(3/ 285).
(3)
"فتح الباري"(3/ 286).
قوله: (فعلمنا بعد. . .) إلخ، قال الحافظ
(1)
: قال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبِّه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد ذلك الخطابي، فإنه فسره وقال:"لحوق سودة به من أعلام النبوة"، وكل ذلك وهم، وإنما هي زينب، وتلقى مغلطاي كلام ابن الجوزي فجزم به ولم ينسبه له، انتهى.
وقال العيني
(2)
: قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا الحديث وهم في سودة وإنما هو [في] زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها فهي أول نسائه به لحوقًا، وتوفيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفيت في خلافة معاوية في شوال سنة أربع وخمسين، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: فيه اختصار، أي: كنا ظننا أن المراد به ظاهره، فذرعنا فكانت سودة أطولنا يدًا، فإذا ماتت زينب قبل الكل علمنا أن المراد إنما كان الجود، فعلمنا أنها زينب، ولا حاجة إلى تغليط الرواية، ثم إن الرواية دالة على أن الحقيقة أولى ولو كان المجاز متعارفًا وإلا لما حملن الكلام على الحقيقة؛ لأن المجاز، أي: استعمال طول اليد في الكرم كان متعارفًا أيضًا، انتهى.
وبسط الكلام في هامشه من كلام الشرَّاح، وإلى وقوع الاختصار في الحديث مال شيخ مشايخنا في تراجمه.
(12 -
باب صدقة العلانية. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها على شرطه شيء، انتهى. وبه جزم العيني.
(1)
"فتح الباري"(3/ 286).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 387).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 36).
(4)
"فتح الباري"(3/ 289).
قلت: ويحتمل عندي أن هذا والبابين بعده - الأبواب الثلاثة - ثبتت بحديث المتصدق، فالسر باعتبار فعله وقصده، والعلانية من حيث مآله لما يتحدثون فيما بينهم، فتأمل، وهو الأصل الثاني والخمسون من أصول التراجم.
(13 -
باب صدقة السر. . .) إلخ
تقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق، ثم إنهم اختلفوا في أفضلية إخفاء الصدقة وإعلانها كما ذكر في هامش "اللامع" فارجع إليه لو شئت.
وقد اقتصر المصنف في هذا الباب على الحديث المعلق وعلى الآية على ما في النسخ التي بأيدينا بخلاف نسخة أبي ذر كما سيأتي في الباب الآتي.
(14 -
باب إذا تصدق على غني. . .) إلخ
أي: فصدقته مقبولة، وسقط لفظ:"باب" في رواية أبي ذر، وقال عقب قوله في الباب السابق {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} الآية":"وإذا تصدق" بواو العطف، كذا قال القسطلاني.
وقال الحافظ
(1)
: وعلى ما في رواية أبي ذر فيحتاج إلى مناسبة بين ترجمة صدقة السر وحديث المتصدق، ووجهها: أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل لقوله في الحديث: "فأصبحوا يتحدثون"، بل وقع في "صحيح مسلم" التصريح بذلك لقوله فيه:"لأتصدقن الليلة" فدل على أن صدقته كانت سرًا، وقال أيضًا تحت الحديث: وفيه دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة. وفيه: أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع، واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع، وهذا في صدقة التطوع، واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض،
(1)
"فتح الباري"(3/ 290)، و"إرشاد الساري"(3/ 609).
ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على المنع. ومن ثم أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم، انتهى بزيادة من القسطلاني.
وقال أيضًا: أمَّا الواجبة فلا تجزئ على غني وإن ظنه فقيرًا، خلافًا لأبي حنيفة ومحمد حيث قالا: تسقط، ولا تجب عليه الإعادة، انتهى.
وقال الموفق
(1)
: عن أحمد في ذلك روايتان، وكذا عن الشافعي قولان: أحدهما: يجوز، وهو قول الحسن وأبي حنيفة، والثاني: لا يجزئه وهو قول الثوري وأبي يوسف والحسن بن صالح، انتهى.
(15 -
باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر)
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر: لم يذكر جواب الشرط اختصارًا وتقديره: جاز؛ لأنه يصير لعدم شعوره كالأجنبي، وعبَّر في هذه الترجمة بنفي الشعور وفي التي قبلها بنفي العلم؛ لأن المتصدق في السابقة بذل وسعه في طلب إعطاء الفقير فأخطأ اجتهاده فناسب أن ينفى عنه العلم، وأما هذا فباشر التصدق غيره فناسب أن ينفى عن صاحب الصدقة الشعور، انتهى.
وقال القسطلاني
(3)
: قوله: "ولك ما أخذت يا معن"؛ لأنك أخذت محتاجًا إليها، وإنما أمضاها صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دخل في عموم الفقراء المأذون للوكيل في الصرف إليهم وكانت صدقة تطوع، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: واستدل به على جواز دفع الصدقة إلى كل أصل وفرع ولو كان ممن تلزمه نفقته، ولا حجة فيه؛ لأنها واقعة حال فاحتمل أن يكون معن كان مستقلًا لا يلزم أباه يزيد نفقته، انتهى.
والمسألة خلافية، قال العيني
(5)
: اتفق العلماء على أن الصدقة الواجبة لا تسقط عن الوالد إذا أخذها ولده، حاشا التطوع، قال ابن بطال:
(1)
انظر: "المغني"(4/ 126).
(2)
"فتح الباري"(3/ 291).
(3)
"إرشاد الساري"(3/ 610).
(4)
"فتح الباري"(3/ 292).
(5)
"عمدة القاري"(6/ 395).
وعليه حمل حديث معن، وعند الشافعي يجوز أن يأخذها الولد بشرط أن يكون غارمًا أو غازيًا، فيحمل حديث معن على أنه كان متلبسًا بأحد هذين النوعين، انتهى.
وفي "الفيض"
(1)
: وفي "الهداية": أن التصدق على ابنه لا يُعتبر. وراجع كلامَه للفرق بين الغني، والابن. والفرقُ عندي أنهم أداروا الفقر والغنى على العلم فقط، دون الواقع، بخلاف تحقيق الأصول والفروع، فإنهم فهموا أنه لا تعسُّر في معرفتهم، فينبغي أنْ يُدار على الواقع، وإنما يُدار على العلم فيما تعسر الاطلاع على حقيقته، أما المصنف رحمه الله فذهب إلى الإطلاق، فلعله لا فرق عنده في الصورتين. أما الحديث فلا يرد على الحنفية؛ لأنه لا دليل فيه على أن الصدقة كانت فريضة أو نافلة، فإن كان الثاني فلا ننكره أيضًا، انتهى.
(16 -
باب الصدقة باليمين)
قال الحافظ
(2)
: أي: حكمه، أو "باب" بالتنوين، والتقدير؛ أي: فاضلة أو يرغب فيها، انتهى.
والغرض من الترجمة على ما نقله الحافظ عن ابن رُشيد أن المقصود ههنا الإعطاء بنفسه لتقابل الترجمة الآتية، وبه جزم شيخ مشايخنا الدهلوي في "تراجمه".
قوله: (يمشي الرجل بصدقته. . .) إلخ، قال العيني
(3)
: يمكن أن يوجه المطابقة وإن كان بالتعسف أن اللائق لحامل الصدقة ليتصدق بها إلى من يحتاج إليها أن يدفعها بيمينه لفضل اليمين على الشمال، انتهى.
وقال السندي
(4)
: كأن المصنف ذكر هذا الحديث لإفادة أن الصدقة
(1)
"فيض الباري"(3/ 10).
(2)
"فتح الباري"(3/ 293).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 397).
(4)
"حاشية السندى على صحيح البخاري"(1/ 248).
باليمين غير لازمة؛ لإطلاق هذا الحديث. نعم، هو مندوب مطلوب لحديث "ما تنفق يمينه" حيث يدل على أن الإنفاق وظيفة اليمين، والله أعلم.
(17 -
باب من أمر خادمه بالصدقة. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: فائدة قوله: "ولم يناول بنفسه" التنبيه على أن ذلك مما يغتفر، وأن قوله في الباب قبله:"الصدقة باليمين" لا يلزم منه المنع من إِعطائها بيد الغير وإن كانت المباشرة أولى، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وقال العيني
(2)
: قال صاحب "التلويح": كأن البخاري أراد بهذه معارضة ما رواه ابن أبي شيبة عن عباس بن عبد الرحمن المدني قال: "خصلتان لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يليهما إلى أحد من أهله: كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور لنفسه"، وفي "الترغيب" للجوزي بسند صالح عن ابن عباس "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يكل طهوره ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولاهما بنفسه"، انتهى.
قال العيني: الذي يظهر من كلامه أن المتصدق بنفسه والمأمور بالصدقة عنه كلاهما في الأجر سواء على ما يشير إليه ما ذكره في الباب. . .، إلى آخر ما قال.
(18 -
باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى. . .) إلخ
قال القسطلاني
(3)
: لفظ الترجمة حديث رواه أحمد من طريق عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، وذكره المصنف تعليقًا في "الوصايا"، انتهى.
قلت: واستدل به الحنفية على أنه لا تجب صدقة الفطر إلا على من يملك النصاب خلافًا للأئمة الثلاثة كما تقدم في "باب الصدقة قبل الرد".
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: يعني بذلك أن الأفضل من الصدقة ما لم
(1)
"فتح الباري"(3/ 293).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 397).
(3)
"إرشاد الساري"(3/ 620).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 43).
يشرف إليها صاحبها واستغنى عنها سواء كان ذلك لغنائه مالًا أو استغنائه قلبًا. "فمن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج" لم يقع تصدقه هذا موضعه وإن كان نافذًا عنه في صحته، وعلى هذا يحمل قوله:"فهو رد عليه" لئلا يخالف قوله أقوال العلماء، فأما إن أجري الرد على ظاهره فهو من رأي المؤلف ولا يجب اتباعه، انتهى.
قوله: (إلا أن يكون معروفًا بالصبر)، قال الحافظ
(1)
: هو من كلام المصنف، وكلام ابن التين يوهم أنه بقية الحديث فلا يغتر به؛ وكأن المصنف أراد أن يخص به عموم الحديث الأول، والظاهر أنه يختص بالمحتاج. ويحتمل أن يكون عامًا، ويكون التقدير: إلا أن يكون كل من المحتاج أو من تلزمه النفقة أو صاحب الدين معروفًا بالصبر. ويقوي الأول التمثيل الذي مثل به من فعل أبي بكر والأنصار، انتهى.
(19 -
باب المنّان بما أعطى. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: هذه الترجمة ثبتت في رواية الكشميهني وحده بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئًا إلا من به" الحديث
(3)
، ولما لم يكن على شرطه اقتصر على الإشارة إليه، ومناسبة الآية بالترجمة واضحة، انتهى.
(20 -
باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها)
قال ابن المنيِّر: ترجم المصنف بالاستحباب وكان يمكن أن يقول: كراهة تبييت الصدقة؛ لأن الكراهة صريحة في الخبر، واستحباب التعجيل مستنبط من قرائن سياق الخبر؛ حيث أسرع في الدخول والقسمة، فجرى
(1)
"فتح الباري"(3/ 295).
(2)
"فتح الباري"(3/ 298).
(3)
"صحيح مسلم"(106).
على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قال العيني
(2)
: الصدقة أعم من أن تكون من الصدقات المفروضة أو من صدقات التطوع، فعلى كل حال خيار البر عاجله، انتهى.
والظاهر عندي: أنه أشار إلى مسألة فقهية خلافية، وهي أن وجوب الزكاة على الفور أو على التراخي؟
قال الموفق
(3)
: وتجب الزكاة على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه، إذا لم يخش ضررًا، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: له التأخير؛ لأن الأمر بأدائها مطلق، فلا يتعين الزمن الأول لأدائها دون غيره، ولنا: أن الأمر المطلق يقتضي الفور. . .، إلى آخر ما قال. وفي "الدر المختار"
(4)
: وافتراضها عمري على التراخي، وقيل: فوري، وعليه الفتوى فيأثم بتأخيرها بلا عذر، انتهى.
وأما مذهب مالك، فقال الدردير: وجب تفرقتها على الفور، انتهى.
فالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى هذه المسألة ولم يذهب هو بنفسه إلى ذلك كما هو ظاهر قوله: "باب من أحب" كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم.
(21 -
باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها)
قال الحافظ
(5)
: قال ابن المنيِّر: يجتمع التحريض والشفاعة في أن كلًّا منهما إيصال الراحة للمحتاج، ويفترقان في أن التحريض معناه: الترغيب بذكر ما في الصدقة من الأجر، والشفاعة فيها معنى السؤال والتقاضي للإجابة، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 299).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 408).
(3)
"المغني"(4/ 146).
(4)
"الدر المختار"(3/ 191).
(5)
"فتح الباري"(3/ 300).
ويفترقان بأن الشفاعة لا تكون إلا في خير، بخلاف التحريض، وبأنها قد تكون بغير تحريض، انتهى.
(22 -
باب الصدقة فيما استطاع)
لعل المراد: ولو بغير ظهر غنًى، لا يخفى عليك أن ههنا حديثين: أحدهما: ما تقدم: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً"، والثاني: ما أخرجه أبو داود: "أفضل الصدقة جهد المقل"
(1)
، والحديث الأول متفق عليه، وبينهما تعارض بحسب الظاهر، ولذا جمعوا بينهما بأن الفضيلة متفاوتة بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف اليقين، ولذا ترجم أبو داود على الحديث الأول:"باب الرجل يخرج من ماله"، وعلى الثاني:"باب الرخصة في ذلك"، وهكذا الإمام البخاري ترجم أولًا:"باب لا صدقة إلا عن ظهر غنًى"، ثم بعد ذلك ترجم "باب الصدقة فيما استطاع".
والظاهر عندي في معناه، أي: ولوكان بغير ظهر غنى كما سبق، وكان المناسب لهذا الباب حديث جهد المقل، لكن لما لم يكن على شرطه أشار إليه بهذا الباب، والحديث الذي أخرجه المصنف ههنا يتناول هذا المعنى فإن مراتب الاستطاعة بحسب اختلاف أحوال الأشخاص متفاوتة جدًا، فمنهم من يستطيع إنفاق الكل ومنهم دون ذلك.
(23 -
باب الصدقة تُكفِّر الخطيئة)
غرض الترجمة واضح ظاهر.
(24 -
باب من تصدق في الشرك ثم أسلم)
قال الحافظ
(2)
: أي: هل يعتد له بثواب ذلك أو لا؟ قال ابن المنيِّر: لم يبت الحكم من أجل قوة الاختلاف فيه.
(1)
"أبو داود"(1677).
(2)
"فتح الباري"(3/ 301).
قال الحافظ: وقد تقدم البحث في ذلك مستوفى في "كتاب الإيمان" في الكلام على حديث: "إذا أسلم العبد فحسن إسلامه"، وأنه لا مانع من أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه في الكفر تفضلًا وإحسانًا، انتهى.
وتقدم الكلام عليه في "باب حسن إسلام المرء" من "كتاب الإيمان".
وقال القسطلاني
(1)
: قوله: "أسلمت على ما سلف. . ." إلخ، هذا لا يتخرج
(2)
على القواعد الأصولية؛ لأن الكافر لا يصح منه في حال كفره عبادة؛ لأن شرطها النية وهي متعذرة منه، وإنما يكتب له ذلك الخير بعد إسلامه تفضلًا من الله مستأنفًا. . . إلى آخر ما قال.
وقال العيني
(3)
: وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره، انتهى.
(25 -
باب أجر الخادم إذا تصدق. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت الزوج، فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان. ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري ولذلك قيَّد الترجمة بالأمر به، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه. ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه لا الإنفاق على الفقراء بغير إذن. ومنهم من فرق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه فيشترط الإذن، انتهى.
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 631).
(2)
في الأصل: "لا يترجح".
(3)
"عمدة القاري"(6/ 415).
(4)
"فتح الباري"(3/ 303).
قلت: وإلى الفرق بين الخادم والمرأة أشار الإمام البخاري بالترجمة الآتية.
(26 -
باب أجر المرأة إذا تصدقت. . .) إلخ
لم يقيد ههنا بالأمر كما قيد به الباب السابق، فقيل: إنه فرق بين المرأة والخادم بأن المرأة لها أن تتصرف في بيت زوجها بما ليس فيه إفساد للرضا بذلك في الغالب، بخلاف الخادم والخازن. ويدل على ذلك ما رواه المصنف في "البيوع" من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ:"إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره"، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(27 -
باب قول الله عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى. . .} [الليل: 5]) إلخ
قال ابن المنيِّر
(2)
: أدخل هذه الترجمة بين أبواب الترغيب في الصدقة ليفهم أن المقصود الخاص بها الترغيب في الإنفاق في وجوه البر، وأن ذلك موعود عليه بالخلف في العاجل زيادة على الثواب الآجل، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(3)
: إشارة إلى توجيه الآية بأن قوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 7]، محمول على اليسر الدنياوي أيضًا وهو أيضًا محتمل الآية، انتهى.
(28 -
باب مثل المتصدق والبخيل)
قال الحافظ
(4)
عن ابن المنيِّر: قام التمثيل في خبر الباب مقام الدليل على تفضيل المتصدق على البخيل، فاكتفى المصنف بذلك عن أن يضمن الترجمة مقاصد الخبر على التفصيل، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 303).
(2)
"فتح الباري"(3/ 304).
(3)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 359).
(4)
"فتح الباري"(3/ 306).
(29 -
باب صدقة الكسب والتجارة. . .) إلخ
هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرًا على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهده في هذه الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267]، قال: من التجارة الحلال، أخرجه الطبري وغيره، وقال ابن المنيِّر: لم يقيد الكسب في الترجمة بالطيب كما في الآية استغناءً عن ذلك بما تقدم في ترجمة "باب الصدقة من كسب طيب"، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وقال العيني
(2)
: أشار بالترجمة إلى أن الصدقة يعتد بها إذا كانت من كسب حلال، ولم يذكر الحديث اكتفاءً بالآية، انتهى.
ويحتمل عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى وجوب الزكاة في مال التجارة كما قال به الأئمة الأربعة لما روى أبو داود
(3)
من حديث سمرة بن جندب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع".
وفي "البذل"
(4)
: قال الشوكاني
(5)
: زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ولم يخالف فيها إلا الظاهرية فقالوا: لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق، لا للتجارة ولا لغيرها، انتهى.
وحكى النووي
(6)
: عن داود: لا تجب الزكاة في العروض مطلقًا، انتهى.
ولم يذكر المصنف حديث أبي داود المذكور لعدم كونه على شرطه، واستدل عليه بالآية. ويستنبط على الدقة من الحديث الاتي بقوله:"يعمل بيده. . ." إلخ.
(1)
"فتح الباري"(3/ 307).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 425).
(3)
"أبو داود"(ح: 1562).
(4)
"بذل المجهود"(6/ 317).
(5)
انظر: "نيل الأوطار"(3/ 92).
(6)
"شرح النووي على صحيح مسلم"(4/ 64).
(30 -
باب على كل مسلم صدقة. . .) إلخ
أي: على سبيل الاستحباب المتأكد، ولا حق في المال سوى الزكاة إلا على سبيل الندب ومكارم الأخلاق، كما قاله الجمهور، كذا في "القسطلاني"
(1)
.
(31 -
باب قدر كم يعطى من الزكاة والصدقة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: إن ما قاله بعض العلماء من أنه لا يزيد على قدر نصاب في إعطاء فقير واحد فإنما مرادهم بذلك ما هو الأولى ولا ينفون الجواز، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(3)
: قال ابن المنيِّر: عطف الصدقة على الزكاة من عطف العام على الخاص، وأشار بذلك إلى الرد على من كره أن يدفع إلى شخص واحد قدر النصاب وهو محكي عنه عن أبي حنيفة، وقال محمد: لا بأس به، انتهى.
وتعقبه العيني فقال
(4)
: ليت شعري كم من ليلة سهر هذا القائل حتى سطر هذا الكلام الذي تمجه الأسماع، وكيف يدل ذلك على الرد على أبي حنيفة، انتهى.
ولم أتحصل أنا أيضًا بعد أنه كيف يكون هذا ردًا على من يكره إعطاء قدر النصاب لواحد فإن العطية الواردة في الحديث هي شاة واحدة وهي ليست بنصاب.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري لم يشر إلى الرد أصلًا بل أشار بالسؤال - بقوله: "قدر كم يعطى" - إلى هذا الاختلاف الواقع فيما بين الأئمة، فمذهب الحنفية في ذلك ما في "الدر المختار"
(5)
: وكره إعطاء فقير
(1)
"إرشاد الساري"(3/ 638).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 47).
(3)
"فتح الباري"(3/ 309).
(4)
"عمدة القاري"(6/ 428).
(5)
"الدر المختار"(3/ 303).
نصابًا أو أكثر إلا إذا كان المدفوع إليه مديونًا أو كان صاحب عيال بحيث لو فرقه عليهم لا يخص كلا أو لا يفضل بعد دينه نصاب، انتهى.
وقال الموفق
(1)
: والمذهب أنه لا يدفع إليه زيادة على ما يحصل به الغنى، وهذا قول الثوري، ومالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: يعطى ألفًا أو أكثر إذا كان محتاجًا إليها، ويكره أن يزاد على المأتين، ولنا: أن الغنى لو كان سابقًا منع، فيمنع إذا قارن، كالجمع بين الأختين في النكاح، انتهى.
وقال أيضًا: المراد بالغنى المانع من أخذ الزكاة، واختلف العلماء فيه، وعن أحمد فيه روايتان أظهرهما أنه ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب أو تجارة أو نحوهما، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلّت له الصدقة وإن ملك نصابًا، وهو قول مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها وهو ملك النصاب، انتهى مختصرًا من عدة مواضع.
وقال السندي
(2)
: قوله: "باب قدر كم. . ." إلخ، كثيرًا ما يذكر المصنف في الترجمة أشياء ويستخرج لها أحاديث، فربما لا يتيسر له استخراج الأحاديث إلا لبعضها ولعل هذا الباب من هذا القبيل، فإن الحديث الذي ذكره لا يوافق إلا الجزء الأخير من الترجمة وهو:"من أعطى شاةً"، وربما يقال: إنه اكتفى في الجزء الأول بأنه ما ورد في الشرع للقدر حد، ونبَّه عليه بعدم ذكر حديث له، والأصل عدم التحديد في ذلك إلا بالشرع فإذا لم يرد في الشرع فالوجه القول بالإطلاق، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
(1)
"المغني"(4/ 129).
(2)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 251).
(32 -
باب زكاة الورق)
قال الحافظ
(1)
: أي: الفضة، يقال:"ورق" بفتح الواو وبكسرها وبكسر الراء وسكونها، قال ابن المنيِّر: لما كانت الفضة هي المال الذي يكثر دورانه في أيدي الناس ويروج بكل مكان كان أولى بأن يقدم على ذكر تفاصيل الأموال الزكوية، انتهى.
(33 -
باب العرض في الزكاة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: يعني بذلك: أن من وجب عليه زكاة شيء من النصب فله أن يؤدي قيمة ذلك المقدار الواجب من غير هذا الصنف الواجب ولا يتعين هذا الشيء عليه، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(3)
: أي: جواز أخذ العرض، وهو بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة، والمراد به ما عدا النقدين.
وقال العيني
(4)
: قال أبو عبيد: العرض ما عد الحيوان والعقار والمكيل والموزون، وفي "الصحاح": العرض المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير فإنها عين، انتهى.
وقال الحافظ
(5)
: قال ابن رُشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل، انتهى.
قلت: ما قاله من قوله: "مع كثرة مخالفة للحنفية" لا يقبله من أمعن النظر في تراجم البخاري، فإن مخالفته لغير الحنفية في تراجمه ليست بأقل من مخالفته إياهم، ومسألة الباب خلافية.
قال العيني
(6)
: الأصل أن دفع القيم في الزكاة جائز عندنا، وقال
(1)
"فتح الباري"(3/ 310).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 49).
(3)
"فتح الباري"(3/ 312).
(4)
"عمدة القاري"(6/ 432).
(5)
"فتح الباري"(3/ 312).
(6)
"عمدة القاري"(6/ 438).
الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو قول البخاري وإحدى الروايتين عن أحمد، وأجاز ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين، وقال مالك والشافعي: لا يجوز وهو قول داود، انتهى ملخصًا.
قوله: (وأما خالد فقد احتبس. . .) إلخ، في "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: استدلال ببعض محتملاته بأن يقال معناه: أنه اشترى بمال الزكاة الأدراع والأعتد فوقفها في سبيل الله فقد سقطت زكاته، وأما لو حمل الكلام على معان أُخر فلا يدل على الترجمة، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: احتبس، أي: وقف في سبيل الله، ولا زكاة في الوقف، وكان العامل ظن أن أدراعه وأعتده للتجارة فطلب منه زكاتها فلولا وقفها لأعطى زكاتهما لا من أجزائهما بل من قيمتهما فثبتت التبديل، انتهى.
وقال العيني
(2)
: مطابقته للترجمة من حيث إن أدراع خالد واعتده من العرض، ولولا أنه وقفهما لأعطاهما في وجه الزكاة أو لما صح منه صرفهما في سبيل الله لدخلا في أحد مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في قوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} الآية [التوبة: 60]، انتهى.
(34 -
باب لا يجمع بين متفرق. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: قال الزين ابن المنيِّر: لم يقيِّد المصنف الترجمة بقوله: خشية الصدقة لاختلاف نظر العلماء في المراد بذلك، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(4)
: مذهب الشافعي أن الصدقة على الثلاثة
(5)
(1)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 360).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 434).
(3)
"فتح الباري"(3/ 314).
(4)
(ص 363).
(5)
كذا في الأصل، والظاهر بدله:"الخلطاء"، (ز).
ولا عبرة للملاك، وقال أبو حنيفة: العبرة للملاك، فمعنى الحديث عند الشافعي أنه لا يجمع المتصدق بين المتفرق حتى يبلغ المجموع قدر النصاب ويأخذ منه الزكاة، ولا يفرق بين مجتمع حتى تتكرر الوظيفة كما أن يكون ثمانون شاة مجتمعة يأخذ منه شاة واحدة، ولا ينصف منها حتى يأخذ من كل أربعين شاةً. وعند الحنفية أنه إذا كان لشخصين غنم لكل واحد منهما دون النصاب والمجموع من نصيبهما نصابًا فلا يجمع المصدق حتى يأخذ منه الصدقة بل يتركها، ولا يفرق المصدق بين مجتمع، يعني: إذا كان لشخص واحد مثلًا ثمانين شاة أربعين في موضع وأربعين في موضع آخر فلا يعتبرهما نصابين ولا يأخذ منهما شاتين، بل يأخذ شاة واحدة؛ لأن الملك واحد، انتهى.
قلت: ومسألة الخلطة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز"
(1)
ومختصرًا في هامش "اللامع"، وكذا بسط في هامش "فيض الباري" الكلام على هذا الباب وعلى الباب الآتي أشد البسط، فارجع إليه لو شئت.
(35 -
باب ما كان من خليطين. . .) إلخ
بسط الكلام عليه في "اللامع"
(2)
وهامشه فارجع إليه، ثم إن خلطة الجوار في الماشية فقط عند مالك وأحمد، وفي كل شيء عند الشافعي، وأيضًا قال مالك: لا يجب الزكاة في الخلطة حتى يكون كل واحد منهما صاحب نصاب، ولا عبرة لخلطة الجوار عند الحنفية كما تقدم في كلام شيخ المشايخ.
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(6/ 49)، و"لامع الدراري"(5/ 51)، و"فيض الباري"(3/ 20).
(2)
انظر: "لامع الدراري"(5/ 51).
(36 -
باب زكاة الإبل)
غرض الترجمة واضح لا يحتاج إلى بيان فإن المسألة إجماعية.
قول: (من وراء البحار) في "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: أي: من وراء البلاد، والبحر بمعنى البلد، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
: أي: من وراء القرى والمدن، وكأنه قال: إذا كنت تؤدي فرض الله عليك في نفسك ومالك فلا تبال أن تقيم في بيتك ولو كنت في أبعد مكان، انتهى.
وفي "الفيض"
(3)
: قوله: "من وراء البحار" وهذا كقولنا في العرف: "سات سمندر بار"، انتهى.
(37 -
باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: وليس في الحديث ما ترجم به، وقد أورد الحكم الذي ترجم به في "باب العرض في الزكاة" وحذفه هنا، فقال ابن بطال: هذه غفلة منه. وتعقبه ابن رُشيد وقال: بل هي غفلة ممن ظن به الغفلة، وأشار الإمام البخاري إلى أن حكمه يستفاد بطريق الاستنباط وذلك أن جبر كل مرتبة بشاتين أو عشرين درهمًا، فعلى هذا من بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده إلا حقة أن يرد عليه المصدق أربعين درهمًا أو أربع شياه جبرانًا أو بالعكس. فلو ذكر اللفظ الذي ترجم به لما أفهم هذا الغرض، انتهى مختصرًا.
وقال القسطلاني
(5)
: قيل: جرى في ذلك على عادته في تشحيذ الأذهان بخلو حديث الباب عن موضع الترجمة اكتفاء بذكر أصل الحديث في موضع آخر ليبحث الطالب عنه، وقيل غير ذلك. وقال أيضًا: والخيار
(1)
(ص 365).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 639).
(3)
"فيض الباري"(3/ 30).
(4)
"فتح الباري"(3/ 317).
(5)
"إرشاد الساري"(3/ 651).
في الشاتين والدراهم سواء كان مالكًا أو ساعيًا، وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية كما بسط في "الأوجز"
(1)
، قال مالك في "الموطأ": على رب المال أن يبتاعها له، ولا أحب أن يعطيه قيمتها. وعند الشافعي وأحمد الاعتبار في النزول والصعود لرب المال، وعندنا العبرة بالقيمة ويجبر على الصعود ولا يجبر على النزول لأنه بيع.
(38 -
باب زكاة الغنم)
قال الزين بن المنيِّر: حذف وصف الغنم بالسائمة وهو ثابت في الخبر، إما لأنه لم يعتبر هذا المفهوم أو لتردده من جهة تعارض وجوه النظر فيه عنده، وهي مسألة خلافية شهيرة، والراجح في مفهوم الصفة أنها إن كانت تناسب الحكم مناسبة العلة بمعلولها اعتبرت وإلا فلا، ولا شك أن السوم يشعر بخفة المئونة ودرء المشقة [بخلاف] العلف فالراجح اعتباره ههنا، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قلت: والأوجه أنه لم يذكره للشهرة، أو لأنه إذا ثبت ثبت بلوازمه؛ ولذا لم يذكر في باب زكاة الإبل والبقر، ولم يشكل الشرَّاح في هذين البابين.
(39 -
باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: اختلف في ضبطه "المصدق"، فالأكثر على أنه بالتشديد والمراد: المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ التيس وهو فحل الغنم إلا برضا المالك لكونه يحتاج إليه، وفي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث.
(1)
"أوجز المسالك"(6/ 29).
(2)
"فتح الباري"(3/ 318).
(3)
"فتح الباري"(3/ 321).
ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما تقتضيه القواعد، وهذا قول الشافعي في "البويطي"، ولفظه: ولا تؤخذ ذات عوار ولا تيس ولا هرمة إلا أن يرى المصدق أن ذلك أفضل للمساكين فيأخذه على النظر، انتهى. وهذا أشبه بقاعدة الشافعي في تناول الاستثناء جميع ما ذكر قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبة مثلًا أو تيوسًا أجزأه أن يخرج منها.
وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئةً تمسكًا بظاهر هذا الحديث، وفي رواية أخرى عندهم كالأول، انتهى.
وبسط الكلام على هذا الاستثناء وما يتعلق به من مذاهب الأئمة في "الأوجز"
(1)
.
(40 -
باب أخذ العناق في الصدقة)
كأن البخاري أشار بهذه الترجمة بعد الترجمة السابقة إلى جواز أخذ الصغيرة من الغنم في الصدقة؛ لأن الصغيرة لا عيب فيها سوى صغر السن فهي أولى أن تؤخذ من الهرمة إذا رأى الساعي ذلك، وهذا هو السر في اختيار لفظ الأخذ في الترجمة دون الإعطاء، وخالف في ذلك المالكية فقالوا: معناه كانوا يؤدون عنها ما يلزم أداؤه، وقال أبو حنيفة ومحمد، لا يؤدي عنها إلا من غيرها
(2)
، انتهى.
قلت: ذكر في "هامش اللامع"
(3)
ثلاثة مسائل مناسبة لهذا المقام، والثالثة منها: أنها إذا كانت كلها فصلانًا أو عجاجيل أو سخالًا، فقال العيني
(4)
: ليس فيها صدقة، وهذا آخر أقوال أبي حنيفة، وبه قال محمد والثوري وداود. وقال زفر ومالك: يجب فيها ما يجب في الكبار. وقال الشافعي: في الجديد: يجب واحدة منها، وبه قال أبو يوسف وأحمد.
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(5/ 677).
(2)
انظر: "فتح الباري"(3/ 323).
(3)
انظر: "لامع الدراري"(5/ 58).
(4)
"عمدة القاري"(6/ 459).
(41 -
باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة)
قال الحافظ
(1)
: هذه الترجمة مقيدة لمطلق الحديث لأن فيه "وتوَقَّ كرائم أموال الناس" بغير تقييد بالصدقة، وأموال الناس يستوي التوقي لها بين الكرائم وغيرها، فقيدها في الترجمة بالصدقة، وهو بيِّن من سياق الحديث لأنه ورد في شأن الصدقة، انتهى.
(42 -
باب ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة)
قال ابن المنيِّر
(2)
: هذه الترجمة تتعلق بزكاة الإبل، وإنما اقتطعها من ثم لأن الترجمة المتقدمة مسوقة للإيجاب وهذه للنفي؛ فلذلك فصل بينهما بزكاة الغنم وتوابعه، كذا قال، ولا يخفى تكلفه، والذي يظهر لي أن لها تعلقًا بالغنم التي تعطى في الزكاة من جهة أن الواجب في الخمس شاة، وتعلقها بزكاة الإبل ظاهر فلها تعلق بهما كالتي قبلها، انتهى.
(43 -
باب زكاة البقر. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر
(3)
: أَخَّر زكاة البقر لأنها أقل النعم وجودًا ونصبًا، ولم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه، فتقدير الترجمة إيجاب زكاة البقر؛ لأن جملة ما ذكره في الباب يدل على ذلك من جهة الوعيد على تركها. قال ابن رُشيد: وهذا الدليل يحتاج إلى مقدمة، وهو أنه ليس في البقر حق واجب سوى الزكاة، انتهى.
قال القسطلاني
(4)
: وروى الترمذي وحسنه وصححه الحاكم عن معاذ: "بعثني رسول الله إلى اليمن وأمرني أن آخذ من أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعًا"، وقد حكم بعضهم بتصحيح حديث معاذ واتصاله، وفيه نظر؛ لأن مسروقًا لم يلق معاذًا وإنما حسنه الترمذي لشواهده، والتبيع ما له
(1)
"فتح الباري"(3/ 322).
(2)
"فتح الباري"(3/ 323).
(3)
"فتح الباري"(3/ 324).
(4)
"إرشاد الساري"(3/ 660).
سنة كاملة، والمسنة هي الثنية؛ أي: ذات سنتين، انتهى مختصرًا.
وفي "الفيض"
(1)
: لم يكن عند المصنف في هذا الباب حديث على شرطه، فأراد أن لا يخلو كتابه من تلك المسألة المهمة أيضًا؛ لأنه قد بسط فيه الفقه أيضًا، فأشار إليها فقط، ومضى، ولله دره ما أدق نظره، انتهى.
(44 -
باب الزكاة على الأقارب. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: وجه استدلاله بأحاديث الباب أن صدقة التطوع على الأقارب لما لم ينقص أجرها بوقوعها موقع الصدقة والصلة معًا كانت صدقة الواجب كذلك، لكن لا يلزم من جواز صدقة التطوع أن تكون الواجبة كذلك، انتهى مختصرًا من "الفتح"
(2)
.
وفي "الفيض"
(3)
: اختار التعميم، ولم يفصل بين الأصول والفروع وغيرهم، وعندنا لا تجوز على الأصول والفروع. ولما لم يكن الحديث في الزكاة لم نحتج إلى جوابه، أما المصنف فطريقه أوسع في الاستدلال، انتهى.
قلت: وهو كذلك؛ فإن الاستدلال بكل المحتمل مطرد في تراجمه، وقال الموفق
(4)
: أجمعوا على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا ولا إلى الأولاد وإن سفلوا، وأما سائر الأقارب، فمن لا يُورَّث منهم يجوز له، وأما وارث فعن أحمد روايتان، إحدهما: يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم، والثانية: لا يجوز، انتهى.
(45 -
باب ليس على المسلم في فرسه صدقة)
اتفقوا على أنه لا زكاة فيه إن كان معدًّا للركوب، وكذا أجمعوا على وجوب الزكاة فيه إن كان للتجارة خلافًا للظاهرية، واختلفوا فيما سوى
(1)
(3/ 39).
(2)
"فتح الباري"(3/ 325).
(3)
(3/ 39).
(4)
"المغني"(4/ 98).
ذلك. فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أن لا زكاة في الخيل، وبه قال صاحبي أبي حنيفة وهو مختار الطحاوي من الحنفية. وقال أبو حنيفة بوجوب الزكاة في سائمة الخيل، وهو قول النخعي، ورجحه ابن الهمام وبسط الكلام على الدلائل، هذا إذا كانت مختلطة ذكورًا وإناثًا. أما إذا كانت ذكورًا أو إناثًا ففيه روايتان عن الإمام بسط الكلام عليها وعلى الدلائل في "الأوجز"
(1)
، منها: أن عمر رضي الله عنه وضع عليها الزكاة بعد استشارة الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
(46 -
باب ليس على المسلم في عبده صدقة)
إلا صدقة الفطر وزكاة التجارة في قيمته إن كان للتجارة، انتهى من القسطلاني
(2)
.
وفي "الأوجز"
(3)
: قال الزرقاني: لا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد صدقة إلا أن يشتروا للتجارة.
قال الحافظ
(4)
: واستدل بحديث الباب من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا ولو كان للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث، انتهى.
(47 -
باب الصدقة على اليتامى)
قال الحافظ
(5)
: قال ابن المنيِّر: عبَّر بالصدقة دون الزكاة لتردد الخبر بين صدقة الفرض والتطوع، لكون ذكر اليتيم جاء متوسطًا بين المسكين وابن السبيل وهما من مصارف الزكاة، وقال ابن رُشيد: لما قال "باب ليس على المسلم في فرسه صدقة" علم أنه يريد الواجبة، إذ لا خلاف في
(1)
انظر: "أوجز المسالك"(6/ 175).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 666).
(3)
"أوجز المسالك"(6/ 170).
(4)
"فتح الباري"(3/ 327).
(5)
"فتح الباري"(3/ 327).
التطوع، فلما قال:"الصدقة على اليتامى" أحال على معهود، انتهى.
(48 -
باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: يشير بقوله: "قاله أبو سعيد" إلى حديثه السابق موصولًا في "باب الزكاة على الأقارب"، قال ابن رُشيد: أعاد الأيتام في هذه الترجمة لعموم الأولى وخصوص الثانية، ومحمل الحديثين في وجه الاستدلال بهما على العموم؛ لأن الإعطاء أعم من كونه واجبًا أو مندوبًا، انتهى.
وقال الموفق
(2)
: أجمعوا على أنه لا يجوز للزوج دفع زكاته إليها، وأما الزوجة فعن أحمد روايتان: أحدهما: لا يجوز وهو مذهب الحنفية، والثانية: يجوز وهو مذهب الشافعية لحديث الباب.
قال الحافظ
(3)
: واستدل بحديث الباب على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك، وحملوا الصدقة في الحديث على الواجبة لقولها:"أتجزئ عني". وتعقبه عياض بأن قوله: "ولو من حليكن" وكون صدقتها كانت من صناعتها يدلان على التطوع، وبه جزم النووي، وتأولوا قوله:"أتجزئ عني" أي: في الوقاية من النار؛ كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تُحصِّل لها المقصود. . . إلى آخر ما في "هامش اللامع".
(49 -
باب قول الله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ. . .} [التوبة: 60]) إلخ
قال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر: اقتطع البخاري هذه الآية من التفسير للاحتياج إليها في بيان مصارف الزكاة، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 328).
(2)
"المغني"(4/ 100).
(3)
"فتح الباري"(3/ 329).
(4)
"فتح الباري"(3/ 331).
قلت: ولا يبعد عندي أن يقال: إن المصنف اقتطع هذه المصارف عن المصارف السابقة المذكورة في الآية لدقيقة فقهية، وهي: الفرق بين الأصناف الثمانية، وهو ما قال الموفق
(1)
: أربعة أصناف يأخذون أخذًا مستقرًا، ولا يراعى حالهم بعد الدفع، وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون، والمؤلفة، فمتى أخذوها ملكوها ملكًا دائمًا مستقرًا، لا يجب عليهم ردها بحال، وأربعة منهم، وهم: الغارمون، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فإنهم يأخذون أخذًا مراعًى، فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها، وإلا استرجع منهم، ثم ذكر وجه الفرق. . . إلى أن قال: وإن قضى هؤلاء حاجتهم بها، وفضل معهم فضل ردوا الفضل، إلا الغازي، فإن ما فضل له بعد غزوه فهو له، انتهى.
ثم قال الحافظ
(2)
: واختلف السلف في تفسير قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} فقيل: المراد شراء الرقبة لتعتق، وهو رواية عن مالك وإليه مال البخاري، ورُوي عن مالك أنها في المكاتب وهو قول الشافعي والكوفيين وأكثر أهل العلم، انتهى.
قوله: {وَالْغَارِمِينَ} وفي "الفيض"
(3)
: الغارم المديون، بشرط أن لا يكون عنده نصاب، وعند الشافعي هو الذي تحمل غرامة، وإن كان له مال، ويعلم من كلام "البدائع" أن تفصيل الشافعية محتمل عندنا أيضًا، انتهى.
قوله: (وفي سبيل الله) قال القسطلاني
(4)
: أي: وللصرف في الجهاد والإنفاق على المتطوعة به ولو كانوا أغنياء لقوله عليه السلام: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله"، وخصه أبو حنيفة بالمحتاج، وعن أحمد: الحج من سبيل الله، انتهى.
(1)
"المغني"(4/ 130).
(2)
"فتح الباري"(3/ 332).
(3)
"فيض الباري"(3/ 40).
(4)
"إرشاد الساري"(3/ 674).
قال العيني
(1)
: هو منقطع الغزاة عند أبي يوسف، وعند محمد منقطع الحاج، وفي "المبسوط": وفي سبيل الله فقراء الغزاة عند أبي يوسف، وعند محمد: فقراء الحاج، انتهى.
وفي "الفيض"
(2)
: والمراد منه عند البخاري جميع أبواب الخير، انتهى.
(50 -
باب الاستعفاف عن المسألة)
قال الحافظ
(3)
: أي: في شيء من غير المصالح الدينية، انتهى.
وقال العيني
(4)
: الاستعفاف طلب العفاف، وقيل: الصبر والنزاهة عن الشيء، وقيل: التنزه عن السؤال، انتهى.
(51 -
باب من أعطاه الله شيئًا. . .) إلخ
قال الحافظ
(5)
: ومطابقة الآية لحديث الباب من جهة دلالتها على مدح من يعطي السائل وغير السائل، وإذا كان المعطي ممدوحًا فعطيته مقبولة وآخذها غير ملوم. واختلفوا في تفسير المحروم، فقيل: هو المتعفف الذي لا يسأل، نقله الطبري عن ابن شهاب وغيره، وأخرج فيه أقوالًا أخر، وعلى التفسير المذكور تنطبق الترجمة، والإشراف بالمعجمة: التعرض للشيء والحرص عليه، من قولهم أشرف على كذا إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع شرف. وتقدير جواب الشرط: فليقبل، أي: من أعطاه الله مع انتفاء القيدين المذكورين فليقبل، وإنما حذفه للعلم به، انتهى.
(52 -
باب من سأل الناس تكثرًا)
قال القسطلاني
(6)
: أي: مستكثرًا المال بسؤاله لا يريد به سدّ الخلّة، وجواب الشرط محذوف، أي: فهو مذموم، انتهى.
(1)
"عمدة القاري"(6/ 587).
(2)
"فيض الباري"(3/ 40).
(3)
"فتح الباري"(3/ 336).
(4)
"عمدة القاري"(6/ 492).
(5)
"فتح الباري"(3/ 337).
(6)
"إرشاد الساري"(3/ 684).
قال الحافظ
(1)
: وحديث الباب الذي يليه عن المغيرة أصرح في المقصود من حديث الباب، لكن عادة المؤلف أن يترجم بالأخفى، أو الاحتمال أن يكون المراد في حديث المغيرة النهي عن المسائل المشكلة كالأغلوطات، أي: السؤال عما لا يعني، أو عما لم يقع مما يكره وقوعه، وأشار مع ذلك إلى حديث أخرجه الترمذي
(2)
، لكن ليس على شرطه، وفيه:"ومن سأل الناس ليثري به ماله كان خموشًا في وجهه يوم القيامة" الحديث، قاله ابن رُشيد، وأولى منه أنه أشار إلى ما في "مسلم"
(3)
عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو مطابق للفظ الترجمة، ولفظه:"من سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا"، انتهى.
قلت: والظاهر عندي أنه أشار إلى محمل الحديث؛ فالغرض أن الاستعفاف عن المسألة وإن كان محتاجًا أفضل كما تقدم وهو مؤدى الباب السابق، والوعيد لمن سأل تكثرًا وهو مؤدى هذا الباب، وههنا مرتبة ثالثة وهو السؤال لأجل الحاجة فلا فضل فيه ولا وعيد.
(53 -
باب قول الله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة:
273])
أورد
(4)
الآية الثانية تفسيرًا لقوله في الترجمة: "وكم الغنى" كأنه يقول: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يجد غنى يغنيه" مبين لقدر الغنى؛ لأن الله تعالى جعل الصدقة للفقراء الموصوفين بهذه الصفة، أي: من كان كذلك فليس بغني ومن كان بخلافها فهو غني. وأما قوله: "وكم الغنى" فلم يذكر فيه حديثًا صريحًا فيحتمل أنه أشار إلى أنه لم يرد فيه شيء فيحتمل أن يستفاد من قوله في الحديث: "الذي لا يجد غنى يغنيه"، فإن معناه: لا يجد شيئًا يقع موقعًا من حاجته، فمن وجد ذلك كان غنيًا. وقد ورد فيه ما أخرجه
(1)
"فتح الباري"(3/ 339).
(2)
"سنن الترمذي"(ح: 653).
(3)
"صحيح مسلم"(ح: 1041).
(4)
"فتح الباري"(3/ 341).
الترمذي
(1)
وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وفي آخره "قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا" الحديث، انتهى مختصرًا.
قلت: أورد المصنف الروايات العديدة بلفظ "غنى يغنيه" لعله أشار إلى أن لا تحديد فيه وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال فالمانع في الواقع وجود شيء يستغني به عن السؤال بلا قيد خمسين درهمًا والنصاب وغيرهما كما في "البذل"
(2)
وغيره، وفي "الأوجز"
(3)
: الغنى على ثلاثة أنواع، أحدها: الموجب للزكاة، والثاني: المانع من أخذها، والثالث: المانع عن السؤال. أما الأولان فهما ملك نصاب موجب للزكاة؛ إلا أن الأول: يكون بعد تمام الحول، والثاني: يكون بمجرد الملك بدون شرط حولان الحول، والثالث: أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته وهذا عندنا الحنفية، وأما بقية الأئمة فقد اختلط كلامهم في الغنى المانع عن أخذ الصدقة والمانع عن السؤال كما تقدم بعض ذلك عن الموفق في "باب قدر كم يعطى من الزكاة".
(54 -
باب خرص التمر)
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: أراد بذلك إثبات جوازه باعتباره في نفسه حتى يجوز في العشر والعرية وغيرهما من الصدقات، ولا ينافيه عروض حرمة البيع بالخرص بعارض شبهة الربا حيث تلزم، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه: بسط الكلام على هذا الباب في "الأوجز"
(5)
وجملته: أن الخرص بفتح المعجمة وقد تكسر وسكون الراء وهو: حزر ما على النخل وغيره من الثمرة، قال ابن رشد في "البداية"
(6)
: أما تقدير النصاب بالخرص واعتباره به فجمهور العلماء على إجازته في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحها لضرورة أن يخلي بينها وبين أهلها يأكلونها رطبًا. وقال داود:
(1)
"سنن الترمذي"(ح: 650).
(2)
"بذل المجهود"(6/ 462).
(3)
"أوجز المسالك"(6/ 73).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 80).
(5)
"أوجز المسالك"(6/ 102).
(6)
"بداية المجتهد"(1/ 266).
لا خرص إلا في النخيل فقط. وقال أبو حنيفة وصاحباه: الخرص باطل، وعلى رب المال أن يؤدي عشر ما تحت يده زاد على الخرص أو نقص.
والسبب في اختلافهم معارضة الأصول للأثر الوارد في ذلك، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرسل عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص عليهم النخل، وأما الأصول التي تعارضه، فلأنه من باب المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالثمر كيلًا، ولأنه أيضًا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من التفاضل ومن النسيئة، وكلاهما من أصول الربا، فلما رأى الكوفيون هذا مع أن الخرص الذي كان يخرص على أهل خيبر لم يكن للزكاة، قالوا: يحتمل أن يكون تخمينًا ليعلم ما بأيدي كل قوم من الثمار. . . إلى آخر ما بسط الكلام على ذلك في "الأوجز" مع بيان الاختلاف في فروع هذا الباب، مثلًا: يختص بالنخل أو يلحق به العنب أيضًا؟ أو يعم كل ما ينتفع به رطبًا وجافًا؟ وبالأول قالت الظاهرية، وبالثاني قال الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاري. . .، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
وقال شيخ مشايخنا الدهلوي في "المسوى"
(1)
: قالت الحنفية: الخرص ليس بشيء. وأولوا ما روي من ذلك أنه كان تخويفًا على الأكلة لئلا يخونوا، انتهى. هذا هو المعروف من مذهب الحنفية، ومال الشيخ الكَنكَوهي إلى جوازه في العشر والعرية، فارجع إلى "الكوكب الدري"
(2)
وهامشه.
وقال الحافظ
(3)
: باب خرص التمر، أي: مشروعيته، انتهى.
قلت: وفي ذكره في "كتاب الزكاة" إشارة منه إلى جوازه فيها، وقال الحافظ: اختلف القائلون بالخرص هل هو واجب أو مستحب؟ الأول وجه للشافعية، والثاني قول الجمهور إلا إن تعلق به حق لمحجور مثلًا أو كان شركاؤه غير مؤتمنين فيجب لحفظ مال الغير، انتهى.
(1)
"المسوى"(1/ 220).
(2)
"الكوكب الدري"(2/ 17).
(3)
"فتح الباري"(3/ 344).
(55 -
باب العشر فيما يسقى. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: عدل عن لفظ العيون الواقع في الخبر إلى الماء الجاري ليجريه مجرى التفسير للمقصود من ماء العيون، وأنه الماء الذي يجري بنفسه من غير نضح، وليبين أن الذي يجري بنفسه من نهر أو غدير حكمه حكم ما يجري من العيون، انتهى.
وكأنه أشار إلى ما في بعض طرقه، فعند أبي داود
(1)
: "فيما سقت السماء والأنهار والعيون" الحديث، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قلت: ولا يبعد عندي أن يكون المصنف أشار بذلك إلى مسألة خلافية، وهي أن العشر والزكاة واجبان في الذمة أو في المال، وهما قولان للشافعي وأحمد، ومن قال بالثاني استدل بهذا السياق، كما في "المغني"
(3)
.
قوله: (ولم ير عمر. . .) إلخ، وصله مالك في "الموطأ". وجاء عن عمر بن عبد العزيز ما يخالفه، أخرجه
(4)
عبد الرزاق، وفيه:"فخذ منه العشر"، وإسناده ضعيف. وكأن البخاري أشار إلى تضعيف ما روي "أن في العسل العشر" أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي هريرة قال:"كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر" وفي سنده عبد الله بن محرر، قال البخاري في "تاريخه": هو متروك، ولا يصح، قال ابن رُشيد: وجه إدخاله العسل للتنبيه على الخلاف فيه، وأنه لا يرى فيه زكاة وإن كانت النحل تتغذى بما يسقى من السماء لكن المتولد بالمباشرة كالزرع ليس كالمتولد بواسطة حيوان كاللبن فإنه متولد عن الرعي ولا زكاة فيه، انتهى مختصرًا من "الفتح"
(5)
.
والمسألة خلافية؛ ففي هامش "الكوكب"
(6)
: اختلفت الأئمة في
(1)
"أبو داود"(1596).
(2)
"فتح الباري"(3/ 347).
(3)
"المغني"(4/ 140).
(4)
"عبد الرزاق"(6972).
(5)
"فتح الباري"(3/ 348).
(6)
"الكوكب الدري"(2/ 12).
وجوب العشر في العسل فقال بوجوبه أبو حنيفة وصاحباه والشافعي في القديم وأحمد وغيرهم، ونفاه مالك والشافعي في الجديد وغيرهما، كذا في "الأوجز"
(1)
مع البسط في الدلائل. ثم وجوب العشر في العسل مطلقًا من غير شرط نصاب عند أبي حنيفة، واختلفت الروايات عن صاحبيه؛ ففي "الهداية"
(2)
عن أبي يوسف أنه يعتبر فيه خمسة أوسق، وعنه أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب، وعنه خمسة أمناء، وعن محمد خمسة أفراق، انتهى. قلت: والرواية الثانية عن محمد خمس قرب، والثالثة خمسة أمناء، انتهى من هامش "الكوكب".
وعند أحمد عشرة أفراق كما في "المنهل"، ولا عشر فيه عند مالك والشافعي كما تقدم.
قوله: (قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول. . .) إلخ، هذا في غير محله، وقع التقديم من النساخ، ومحله الباب الآتي؛ وهو إشارة إلى حديث أبي سعيد الآتي في الباب، لكن وجهه العلامة السندي
(3)
بتوجيه، إذ قال: وكذا ورد في الباب الآتي مثله، وكأنه أتى به في البابين لزيادة التأكيد، والمقصود في الموضعين واحد، والمراد بقوله:"هذا" هو ما سيجيء من حديث أبي سعيد في الباب الآتي، وبقوله:"الأول" ما سبق من حديث ابن عمر، وهذا وإن كان غير ظاهر لكن مقابلة هذا بالأول قرينة على أن المراد بهذا هو المتأخر المقابل للأول، ولم يسبق حديث يعرف بالأولية إلا حديث ابن عمر، فمقابلة المتأخر هو حديث أبي سعيد، ثم قد فسَّر الأول بحديث ابن عمر توضيحًا للمطلوب، قال: لم يوقّت في الأول، يعني: حديث ابن عمر، وفسر عدم توقيته بقوله:"وفيما سقت السماء العشر" ومراده الرد على أبي حنيفة، انتهى.
(1)
"أوجز المسالك"(6/ 180).
(2)
"الهداية"(1/ 108).
(3)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 259).
(56 -
باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(1)
: فيه رد على الحنفية، انتهى مختصرًا.
واعلم أن نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق عند مالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة وداود الظاهري، إلا أنهم اختلفوا في ذلك فيما لا يكال ولا يوسق، فقال داود: إن كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة.
قال الحافظ: وهو نوع من الجمع بين الحديثين، واختلف غير داود فيما لا يوسق ولا يكال كما بسط في "الأوجز"
(2)
، وقال أبو حنيفة ومن معه: إن حديث أبي سعيد محمول على زكاة التجارة، واستدلوا بما روي من أحاديث العموم من "العشر فيما سقت السماء، ونصف العشر فيما سقي بالنضح" بسطها العيني
(3)
، ثم قال: وهذه الأحاديث كلها مطلقة، وليس فيها فصل، قال ابن رشد
(4)
: سبب الخلاف في ذلك معارضة العموم على الخصوص، والحديثان ثابتان، فمن رأى أن الخصوص يبني على العموم قال: لا بد من النصاب، ومن قال: هما متعارضان إذا جهل المتقدم، ومن رجح العموم قال: لا نصاب، انتهى.
قال ابن العربي
(5)
: أقوى المذاهب مذهب أبي حنيفة دليلًا، وأحوطها للمساكين، وأولاها قيامًا شكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية والحديث، انتهى.
قلت: وأجابت الحنفية عن حديث أبي سعيد بعشرة أجوبة بسطت في "الأوجز"
(6)
ولخص منها في هامش "اللامع".
(1)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 371).
(2)
"أوجز المسالك"(5/ 496).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 358).
(4)
"بداية المجتهد"(1/ 265).
(5)
"عارضة الأحوذي"(3/ 135).
(6)
"أوجز المسالك"(5/ 498)، و"لامع الدراري"(5/ 82).
(57 -
باب أخذ صدقة التمر. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: الصرام بكسر المهملة: الجداد والقطاف وزنًا ومعنًى، وقد اشتمل هذا الباب على ترجمتين:
أما الأولى فلها تعلق بقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، واختلفوا في المراد بالحق فيها فقال ابن عباس: هي الواجبة، وقال ابن عمر: هو شيء سوى الزكاة.
وأما الترجمة الثانية فربطها بالترك إشارة منه إلى أن الصبا وإن كان مانعًا من توجيه الخطاب إلى الصبي فليس مانعًا من توجيه الخطاب إلى الولي بتأديبه وتعليمه، وأوردها بلفظ الاستفهام لاحتمال أن يكون النهي خاصًا بمن لا يحل له تناول الصدقة، انتهى.
وفي "الفيض"
(2)
: نُقِلَ عن أبي حنيفة أنَّ حق الفقراء يتعلقُ عند بُدُو الصلاح، وعن أبي يوسف: أوان الحصاد، وعن محمد: بعد الحصاد، وهو ظاهر القرآن. ولعل المصنف مال إلى مذهب الإِمام، حيث جعل الاستيفاء عند الحصاد وصِرَام النخل، وذكر الوجوب في تراجم أخرى، وليس مراده أن الوجوبَ أيضًا حين صِرَام النخل، بل الوجوبُ قَبْله، نعم، الاستيفاء عند الحصاد، انتهى.
(58 -
باب من باع ثماره أو نخله. . .) إلخ
قال العيني
(3)
: قوله: "ولم تجب فيه الصدقة" هو تعميم بعد تخصيص، والمراد من النخل التي عليها الثمار، ومن الأرض التي عليها الزرع؛ لأن الصدقة لا تجب في نفس النخل والأرض، وهذا يحتمل ثلاثة أنواع: الأول: بيع الثمرة فقط، والثاني: بيع النخل فقط، والثالث: بيع
(1)
"فتح الباري"(3/ 351).
(2)
"فيض الباري"(3/ 49).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 538).
الثمر مع النخل، وكذا بيع الزرع مع الأرض أو بدونها أو بالعكس. وجواب "من" محذوف تقديره:"من باع ثماره. . ." إلخ، جاز بيعه فيها، فدلت هذه الترجمة على أن البخاري يرى جواز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، سواء وجب عليه الزكاة أم لا، وقال ابن بطال: غرض البخاري الرد على الشافعي حيث قال بمنع البيع بعد الصلاح حتى يؤدي الزكاة منها، انتهى.
وزاد الحافظ
(1)
بعد نقل كلام ابن بطال: وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار ويؤخذ العشر منه ويرجع هو على البائع، وعن مالك: على البائع، إلا أن يشترطه على المشتري وهو قول الليث، وعن أحمد: الصدقة على البائع مطلقًا، انتهى.
(59 -
باب هل يشتري صدقته. . .) إلخ
اعلم أن هذه الترجمة مشتملة على الجزئين: الأول: قوله: "هل يشتري. . ." إلخ، والثاني: قوله: "لا بأس أن يشتري صدقة غيره. . ." إلخ، وهذا الجزء الثاني لا خلاف في جوازه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور:"لا تحل الصدقة لغني إلّا لخمسة" وفيه: "أو لرجل اشتراها بماله"، وقال العيني في حديث بريرة:"لها صدقة ولنا هدية": فإذا كان هذا جائزًا بغير عوض فبالعوض أجوز، انتهى.
وأما الجزء الأول من الترجمة فالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بلفظ الاستفهام إلى اختلاف مشهور في هذه المسألة، قال ابن الملك: ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر هذا الحديث، والأكثرون على أنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره، وهو أن المتصدق عليه ربما يسامح للمتصدق في الثمن فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح فيه، قال النووي: الكراهة في الشراء، أما إذا ورثه أو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة فيه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، انتهى من هامش "اللامع"
(2)
.
(1)
"فتح الباري"(3/ 352).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 86).
وفي "الأوجز"
(1)
: لا يجوز شراؤه عند أحمد وأهل الظاهر وهو وجه للمالكية، والجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة على الجواز، انتهى.
(60 -
باب ما يذكر في الصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم وآله)
قال الحافظ
(2)
: لم يعيِّن الحكم لشهرة الاختلاف فيه، انتهى.
قلت: وفي الترجمة مسألتان: الأولى: حكم الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ: كان يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفرض والتطوع كما نقل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع، لكن حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد، واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه صلى الله عليه وسلم دون الأنبياء أو كلهم سواء في ذلك، انتهى.
قال الموفق
(3)
: الظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه صلى الله عليه وسلم فرضها ونفلها، انتهى.
والمسألة الثانية: ما أشار إليه البخاري بقوله "وآله" وفيه بحثان: الأول: في حكم الصدقة على الآل، والثاني: في المراد بالآل.
أما الأول ففي "البذل"
(4)
عن الشوكاني: قال أكثر الحنفية، وهو المصحح عن الشافعية والحنابلة: إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس، وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع، وقال في "الدر المختار"
(5)
: وجازت التطوعات من الصدقات وغلة الأوقاف لهم، أي: لبني هاشم، انتهى. وعن المالكية أربعة أقوال: الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، وعكسه.
وأما البحث الثاني فقد قال النووي
(6)
: مذهب الشافعي وموافقيه أن
(1)
"أوجز المسالك"(6/ 242).
(2)
"فتح الباري"(3/ 354).
(3)
"المغني"(4/ 115).
(4)
"بذل المجهود"(6/ 506).
(5)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 300).
(6)
"شرح النووي على صحيح مسلم"(4/ 189).
آله صلى الله عليه وسلم بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية، ومذهب أبي حنيفة ومالك أنهم بنو هاشم خاصة. وقال بعض العلماء: هم قريش كلهم، وقال بعضهم: هم بنو قصيٍّ، انتهى.
وقال الباجي
(1)
: هم بنو هاشم خاصة. وبه قال أبو حنيفة إلا أنه يستثني منهم بني أبي لهب، انتهى. وعن أحمد روايتان كالمذهبين كما في "الروض المربع"
(2)
.
(61 -
باب الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
-)
قال الحافظ
(3)
: لم يترجم لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا لموالي النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يثبت عنده فيه شيء. وقد نقل ابن بطال أنهن - أي: الأزواج - لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء. وأما مواليه صلى الله عليه وسلم فروى أصحاب السنن عن أبي رافع مرفوعًا: "إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم من أنفسهم"، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وبعض المالكية وهو الصحيح عند الشافعية، وقال الجمهور: يجوز لهم لأنهم ليسوا منهم حقيقة، ولذلك لم يعوضوا بخمس الخمس.
وقال الحافظ: قال ابن المنيِّر: إنما أورد البخاري هذه الترجمة ليحقق أن الأزواج لا يدخل مواليهن في الخلاف ولا يحرم عليهن الصدقة قولًا واحدًا لئلا يظن الظان أنه لما قال بعض الناس بدخول الأزواج في الآل أنه يطَّرد في مواليهن، فبين أنه لا يطَّرد، انتهى.
(62 -
باب إذا تحولت الصدقة)
قال القسطلاني
(4)
: أي: عن كونها صدقة بأن دخلت في ملك المتصدق عليه جاز للهاشمي تناولها، انتهى.
(1)
"المنتقى"(3/ 238).
(2)
"الروض المربع"(ص 202 - 203).
(3)
"فتح الباري"(3/ 356).
(4)
"إرشاد الساري"(3/ 712).
(63 -
باب أخذ الصدقة من الأغنياء)
اعلم أولًا أنهم اختلفوا في مسألة جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجز عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها، ولا يبعد أنه اختيار البخاري؛ لأن قوله:"حيث كانوا" يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد وفيه ممن هو متصف بصفة الاستحقاق، انتهى.
إذا عرفت هذا فاعلم أنهم اختلفوا في مراد المصنف بقوله: "حيث كانوا" وتقدم ما قال الحافظ آنفًا، وقال الكرماني
(1)
: قوله: "حيث كانوا" الظاهر أن غرض البخاري بيان الامتناع، أي: ترد على فقراء أولئك الأغنياء في موضع وجد لهم الفقراء وإلا جاز النقل، ويحتمل أن يكون غرضه عكسه، انتهى.
وتعقبه العيني، إذ قال
(2)
: قوله: "حيث كانوا" يشعر بأنه اختار جواز النقل فإنه قال: ترد حيث كانوا، أي: الفقراء، وهو أعم من أن يكونوا في موضع كان فيه الأغنياء أوفي غيره، فالعجب من الكرماني حيث جعل الامتناع ظاهرًا وهو محتمل، وجعل الظاهر عكسًا، انتهى.
قلت: أصل الخلاف في أن الشرَّاح الشافعية مالوا إلى أن مرجع ضمير "حيث كانوا" الأغنياء، والشرَّاح الحنفية مالوا إلى أن المرجع الفقراء إلى آخر ما في هامش "اللامع".
قلت: ويمكن أن يكون غرض المؤلف الإشارة إلى خلافية أخرى شهيرة وهي إعطاء الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية كما هو مذهب الحنفية والحنابلة، وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى
(1)
"شرح الكرماني"(8/ 39).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 552).
فالأولى، وعند الشافعي يجب أن يقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجود من الأصناف الستة الذين سُهْمَانُهم ثابتةٌ، قسمةً على السواء، ثم حصة كل صنف منهم لا تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم كما في "المغني"
(1)
، وفيه: ولنا قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم" الحديث، فأخبر أنه مأمور برد جملتها في الفقراء، وهم صنف واحد، ولم يذكر سواهم، انتهى.
فيمكن أن يكون المصنف أشار إلى هذه المسألة، والله تعالى أعلم.
(64 -
باب صلاة الإمام ودعائه. . .) إلخ
قال الزين بن المنيِّر: عطف الدعاء على الصلاة في الترجمة ليبين أن لفظ الصلاة ليس محتمًا بل غيره من الدعاء ينزل منزلته، انتهى.
ويؤيده ما في حديث عند النسائي من أنه صلى الله عليه وسلم قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة: "اللهم بارك فيه وفي إبله"، وقال ابن المنيِّر في الحاشية: عبَّر المصنف في الترجمة بالإمام ليبطل شبهة أهل الردة في قولهم للصدِّيق: إنما قال الله لرسوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]، وهذا خاص بالرسول فأراد أن يبين أن كل إمام داخل في الخطاب، انتهى من "الفتح"
(2)
.
وفي حديث الباب مسألة خلافية، قال العيني
(3)
: احتج به من جوَّز الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا وهو قول أحمد أيضًا. وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأكثرون: إنه لا يصلَّى على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استقلالًا ولكن يصلى عليهم تبعًا. والجواب عن هذا: أن هذا حقه عليه الصلاة والسلام له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك، انتهى. وبسط الكلام عليه في "الأوجز"
(4)
.
(1)
"المغني"(4/ 128).
(2)
"فتح الباري"(3/ 361).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 556).
(4)
"أوجز المسالك"(3/ 419).
(65 -
باب ما يستخرج من البحر. . .) إلخ
أي: هل تجب فيه الزكاة أو لا؟ وإطلاق الاستخراج أعم من أن يكون بسهولة كما يوجد في الساحل، أو بصعوبة كما يوجد بعد الغوص ونحوه.
وقال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث شيء يناسب الترجمة، رجل اقترض قرضًا فارتجع قرضه. وكذا قال الداودي. وأجاب [أبو] عبد الملك بأنه أشار به إلى أن كل ما ألقاه البحر جاز أخذه ولا خمس فيه، وقال ابن المنيِّر: موضع الاستشهاد منه أخذ الرجل الخشبة على أنها حطب، فإذا قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا فيستفاد منه إباحة ما يلفظه البحر من مثل ذلك مما نشأ في البحر أو عطب فانقطع ملك صاحبه، وكذلك ما لم يتقدم عليه ملك لأحد من باب الأولى، وكذلك ما يحتاج إلى معاناة وتعب في استخراجه أيضًا. وقد فرَّق الأوزاعي بين ما يوجد في الساحل فيخمس أوفي البحر بالغوص ونحوه فلا شيء فيه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب فيه شيء إلا ما روي عن الحسن - كما تقدم - وغيره، وهو قول أبي يوسف ورواية عن أحمد، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وفي "الشرح الكبير"
(2)
: لا زكاة فيما يخرج من البحر واللؤلؤ والمرجان ونحوه في أحد الوجهين، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ومحمد. والوجه الآخر: إن فيه زكاة؛ لأنه يشبه معدن الأرض، وهو قول الحسن والزهري، انتهى.
(66 -
باب في الركاز الخمس. . .) إلخ
والركاز: المال المدفون، مأخوذ من الركز - بفتح الراء - وهو الدفن، وهذا متفق عليه، واختلف في المعدن كما سيأتي، كذا في "الفتح"
(3)
.
(1)
"فتح الباري"(3/ 362 - 363).
(2)
"الشرح الكبير"(2/ 584).
(3)
"فتح الباري"(3/ 364).
واعلم أن الركاز عندنا الحنفية عام يطلق على الدفن وعلى المخلوق في الأرض. نعم، المعدن والكنز متقابلان، فالمعدن ما خلق في الأرض، والكنز ما دفن فيها، والخمس عندنا في كليهما، إلا في دفائن أهل الإسلام، فإن حكمها حكم اللقطة. وقال الشافعي: الركاز هو الدفين، ولا خمس عنده في المعدن، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم:"المعدن جبار، وفي الركاز الخمس" فإنه صريح في كون المعدن غير الركاز، فهما شيئان، والوجه عندنا: أنه إذا حكم على المعدن بكونه جبارًا توهم منه كون المال الخارج منه أيضًا جبارًا، لا شيء فيه، فقال:"وفي الركاز الخمس" ففي الأول بيان لحكم المحل، أي: إن حفره أحد فمات فيه لا شيء له، وفي الثاني بيان للحال، أي: ما خرج منه، وإنما لم يكتف بالضمير تعميمًا للمسألة، فإن الركاز عام كما علمته، كذا في "الفيض"
(1)
، ففي المعدن عنده، أي: الشافعي وكذا عند مالك وأحمد الزكاة دون الخمس، وعندنا الحنفية في كليهما الخمس، كما بسط في "هامش اللامع".
وقال القسطلاني
(2)
: قوله: "وقال مالك" هو ابن أنس إمام دار الهجرة، "وابن إدريس" هو الشافعي الإمام الأعظم صاحب المذهب كما جزم به أبو زيد المروزي أحد الرواة عن الفربري، وتابعه البيهقي، وقيل: المراد بابن إدريس عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي.
(في قليله وكثيره الخمس) وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، وبه قال إمامنا الشافعي في القديم، وشرط في الجديد النصاب ولا تجب الزكاة فيما دونه إلا إذا كان في ملكه من جنس النقد الموجود، انتهى من القسطلاني.
قوله: (وقال الحسن. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: وذلك لأنه
(1)
"فيض الباري"(3/ 53).
(2)
"إرشاد الساري"(3/ 719).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 105).
في حكم الغنيمة، ولا يكون له حكم الغنيمة عندنا إلا إذا لم يكن دخوله في دار الحرب بأمان، بل دخل فيها متلصصًا أو متغلبًا، فأما إذا دخلها بأمان فإن أخذه شيئًا من أموالهم يكون غدرًا، وهذا التفصيل مرعي أيضًا على مذهب الحنفية في قوله: وإن وجدت لقطة في أرض العدو، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ
(1)
: وصله ابن أبي شيبة بلفظ: "إذا وجد الكنز في أرض العدو ففيه الخمس، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزكاة"، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا فرق هذه التفرقة غير الحسن، انتهى.
وفي "الفيض"
(2)
تحت قوله: "وقال الحسن": وهذا أقرب إلى الحنفية؛ لأنه أوجب الخمس في الركاز مطلقًا، وما فرق به يوجب الخمس في معدن دار الإسلام أيضًا، فإن الأراضي لتقادم العهد بالكفر كانت للكافرين، ثم تحولت إلى ملك المسلمين، فحكمها يكون كحكم الغنيمة، وإن وجد فيها المعدن في دار الإسلام، انتهى.
قوله: (قال بعض الناس. . .) إلخ، وهذا أول المواضع التي أورد فيها الإمام البخاري على بعض العلماء بقوله:"وقال بعض الناس" وهي أربع وعشرون موضعًا في سائر كتابه، وهذا أولها، وآخرها في "كتاب الأحكام"، والمعروف عند العلماء أن هذه كلها إيرادات على الحنفية لا سيما على الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وهذا صحيح باعتبار أكثر المواضع، وإلا فقد يقول:"قال بعض الناس" مع أن المسألة إجماعية كما سيأتي في "كتاب الهبة"، وقد يشير به إلى الشافعي أيضًا كما سيأتي في "كتاب الأحكام" إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
وفي "الفيض": ولم يرد به أبا حنيفة في جميع المواضع، كما زُعِمَ، وإن كان المراد ههنا هو الإمام الهمام، بل المراد في بعضها عيسى بن أبان،
(1)
"فتح الباري"(3/ 364).
(2)
"فيض الباري"(3/ 54)
وفي بعض آخر الشافعي نفسه، وفي آخر محمد، ثم لا يستعمله المصنف للرد دائمًا، بل رأيته قد يقول: بعض الناس، ثم يختاره، وقد يتردد فيه، إلى آخر ما بسطه.
وقوله: (ثم ناقضه وقال: لا بأس. . .) إلخ، ليس بمناقضة كما حققه المحشي، ولم ينفرد الإمام بذلك بل يجوز أن يتولى الإنسان تفرقته بنفسه عند أحمد وابن المنذر لما روي عن علي رضي الله عنه أنه أمر واجد الكنز بتفرقته على المساكين، كما في "المغني"
(1)
.
قال الحافظ
(2)
: قال ابن بطال: ليس كما قال، إنما أجاز أبو حنيفة أن يكتمه إذا كان محتاجًا، بمعنى أن له حقًا في بيت المال ونصيبًا، ونقل الطحاوي المسألة كما قال ابن بطال، ونقل أيضًا: لو وجد في داره معدنًا فليس عليه شيء، وبهذا يتجه اعتراض البخاري، انتهى من "الفتح".
قلت: وما قاله الحافظ بعيد من مثله؛ لأن العلماء اختلفوا في الموضع الذي يجب فيه الخمس، وقد بسط الكلام على ذلك الموفق. . .، إلى آخر ما ذكر في "هامش اللامع".
(67 -
باب قول الله تعالى: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} . . . [التوبة: 60]) إلخ
قال الحافظ
(3)
: قال ابن بطال: اتفق العلماء أن العاملين عليها: السعاة المتولون لقبض الصدقة، قال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون العامل المذكور صرف شيئًا من الزكاة في مصارفه فحوسب عليه.
قال الحافظ: والذي يظهر من مجموع الطرق أن سبب المحاسبة ما وجد معه من جنس مال الصدقة وادعى أنه أهدي إليه، واسم العامل المذكور عبد الله بن اللتبية، انتهى.
(1)
"المغني"(5/ 401).
(2)
"فتح الباري"(3/ 365).
(3)
"فتح الباري"(3/ 366).
ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف في غرض الترجمة هو أن ما ورد في بعض الروايات "أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم" فليس المراد به أنهم في فسحة من الظلم بل قوله صلى الله عليه وسلم هذا بالنسبة إلى المزكين فينبغي لهم أن يرضوهم، وأما الإمام فله المحاسبة في موضع التهمة، والله تعالى أعلم.
(68 -
باب استعمال إبل الصدقة وألبانها. . .) إلخ
قال ابن بطال
(1)
: غرض المصنف إثبات وضع الصدقة في صنف واحد خلافًا لمن قال: يجب استيعاب الأصناف الثمانية.
قال الحافظ
(2)
: وفيما قال نظر، لاحتمال أن يكون ما أباح لهم من الانتفاع إلا بما هو قدر حصتهم، على أنه ليس في الخبر أيضًا أنه ملكهم رقابها، وإنما فيه أنه أباح لهم شرب ألبان الإبل للتداوي، فاستنبط منه البخاري جواز استعمالها في بقية المنافع إذ لا فرق، وتقدير الترجمة: استعمال إبل الصدقة وشرب ألبانها، فاكتفى عن التصريح بالشرب لوضوحه، فغاية ما يفهم من حديث الباب أن للإمام أن يخص بمنفعة مال الزكاة - دون الرقبة - صنفًا دون صنف بحسب الاحتياج، على أنه ليس في الخبر أيضًا تصريح بأنه لم يصرف من ذلك شيئًا لغير العرنيين، انتهى.
وتعقب العلامة العيني
(3)
كلام الحافظ ومال إلى رأي ابن بطال في الغرض من الترجمة.
والأوجه عندي: أن الغرض الذي أشار إليه ابن بطال تقدم في "باب أخذ الصدقة من الأغنياء. . ." إلخ.
(69 -
باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده)
قال الحافظ
(4)
: في حديث الباب حجة على من كره الوسم من الحنفية بالميسم لدخوله في عموم النهي عن المثلة، وقد ثبت ذلك من فعل
(1)
"شرح ابن بطال"(3/ 558).
(2)
"فتح الباري"(3/ 366).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 570).
(4)
"فتح الباري"(3/ 367).
النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه مخصوص من العموم المذكور للحاجة كالختان للآدمي، انتهى.
وتعقبه العلامة العيني، إذ قال
(1)
: قلت: ذكر أصحابنا في كتبهم: لا بأس بكي البهائم للعلامة؛ لأن فيه منفعة، وكذلك لا بأس بكي الصبيان إذا كان لداء أصابهم؛ لأن ذلك مداواة، انتهى.
وفي "البذل"
(2)
تحت حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال: "أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة [في] وجهها" الحديث: كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: الوسم لا ضير فيه إذا اشتمل على فائدة بعد أن لا يكون في الوجه؛ لأنه في الوجه يقبح الوجه، ويعود على بعض الحواس بالإبطال أو بالإفساد كالباصرة، انتهى.
وقد ترجم المصنف أيضًا في "كتاب الذبائح والصيد": "باب العلم والوسم في الصورة".
(70 -
باب فرض صدقة الفطر)
قال الحافظ
(3)
: أضيفت الصدقة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان، وقال ابن قتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة، والأول أظهر، ويؤيده قوله - في بعض طرق الحديث كما سيأتي -:"زكاة الفطر من رمضان"، انتهى.
اعلم أن ههنا ثمانية أبحاث ذكرت في "الأوجز"
(4)
، الأول: في حكمها، والثاني: في معناها لغةً، والثالث: أن وجوبها لم ينسخ، والرابع: بيان من تجب عليه، والخامس: متى نزلت صدقة الفطر؟ والسادس: ما في "حجة الله البالغة": إنما وقّت بعيد الفطر لمعان، والسابع: ما قال العيني:
(1)
"عمدة القاري"(6/ 572).
(2)
"بذل المجهود"(9/ 139).
(3)
"فتح الباري"(3/ 367).
(4)
"أوجز المسالك"(6/ 248).
إن هذا الباب يحتاج إلى خمسة عشر معرفة بسطت في "الأوجز"، والثامن: اختلافهم في وقت وجوب صدقة الفطر هل هو غروب الشمس ليلة الفطر، أو طلوع الفجر من يوم العيد؟.
قوله: (ورأى أبو العالية. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: ولا يفرق هؤلاء بين الفرض والواجب، فكان مذهبهم كمذهبنا، انتهى. كما هو معروف، ولذا ترى أن الإمام البخاري ترجم ههنا "باب فرض صدقة الفطر"، وسيأتي قريبًا "باب وجوب الحج"، والفرق عند الحنفية بين الفرض والواجب معروف.
قال الحافظ
(2)
: قوله: "رأى أبو العالية. . ." إلخ، إنما اقتصر البخاري على ذكر هؤلاء الثلاثة لكونهم صرحوا بفرضيتها، وإلا فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، لكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرض على قاعدتهم في التفرقة، وفي نقل الإجماع مع ذلك نظر؛ لأن إبراهيم ابن علية وأبا بكر الأصم قالا: إن وجوبها نسخ، ونقل المالكية عن أشهب أنها سُنَّة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر، وابن اللبان من الشافعية وأولوا قوله:"فرض" في الحديث بمعنى قدر، قال ابن دقيق العيد: هو أصله في اللغة، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب والحمل عليه أولى، قال الحافظ: ويؤيده تسميتها زكاة، انتهى.
قلت: وهذا أحد الأبحاث الثمانية المشار إليها قبل، ونذكر بعضها تتميمًا للفائدة، فالبحث الخامس منها ما قال القاري: فرضت هي وصوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، أما رمضان ففي شعبان، وأما هي فقد قال بعض الحفاظ: قبل العيد بيومين، وقيل: وجبت بموجب زكاة الأموال من نصوص الكتاب والسنة بعمومها فيها، وقيل: وجوبها سابق على وجوب زكاة الأموال. وفي "تاريخ الخميس": فرضت في السنة الثانية قبل
(1)
"لامع الدراري"(5/ 116).
(2)
"فتح الباري"(3/ 367).
العيد بيومين، وخطب الناس قبل الفطر بيومين يعلمهم زكاة الفطر، وفي "الدر المختار"
(1)
: أمر بها في السنة التي فرض فيها رمضان قبل الزكاة، قال ابن عابدين: هذا هو الصحيح، انتهى.
والبحث الثامن: اختلافهم في وقت الوجوب، فعند أحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك أن وقت وجوبها هو غروب الشمس ليلة الفطر، وعند أبي حنيفة والشافعي في القديم ومالك في رواية أن وقتها هو طلوع الفجر من يوم العيد، وبسط الكلام على الدلائل في "الأوجز"
(2)
، انتهى من هامش "اللامع".
(71 -
باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين)
قال الحافظ
(3)
: ظاهره أنه يرى أنها تجب على العبد وإن كان سيده يتحملها عنه، ويؤيده عطف الصغير عليه فإنها تجب عليه وإن كان الذي يخرجها غيره، انتهى.
قال القسطلاني
(4)
: اختلف هل تجب على العبد ابتداءً ثم يتحملها السيد عنه أو تجب على السيد ابتداءً؟ وجهان للشافعية، وإلى الأول نحا البخاري. وقال ابن بطال: إن البخاري يقول بمذهب أهل الظاهر أنها تلزم العبد في نفسه وعلى سيده تمكينه من اكتساب ذلك وإخراجه عن نفسه، وتعقبه في "المصابيح" بأن البخاري لم يرد هذا، وإنما أراد التنبيه على اشتراط الإسلام فيمن تؤدى عنه زكاة الفطر لا غير، ولذا لم يترجم ترجمة أخرى على اشتراط الإسلام، وعبَّر بـ "على" دون "عن" ليطابق لفظ الحديث، انتهى.
(1)
(3/ 361 - 362).
(2)
"أوجز المسالك"(6/ 251).
(3)
"فتح الباري"(3/ 369).
(4)
"إرشاد الساري"(3/ 729).
(72 -
باب صدقة الفطر صاع من شعير)
المسألة إجماعية في الشعير وخلافية في الحنطة كما سيأتي.
(73 -
باب صدقة الفطر صاع من طعام)
قال الشيخ في "البذل"
(1)
: قال علماؤنا: المراد بالطعام - أي: في الحديث - المعنى الأعم، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام، وقال الشافعية: المراد بالطعام البر، انتهى.
وفي "الأوجز"
(2)
: حكى الخطابي أن المراد بالطعام ههنا الحنطة، وهو اسم خاص له، قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات، والحنطة أعلاها، فلولا أنه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التفصيل، كغيرها من الأقوات، ورد ذلك ابن المنذر وقال: هذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام، ثم فسره فقال:"كنا نخرج صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر"، كما في "البخاري"، قال: وفي قوله: "فلما جاء معاوية وجاءت السمراء" دليل على أنها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا، فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتًا، فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟ قاله الحافظ في "الفتح"
(3)
، ثم ذكر اختلاف روايات أبي سعيد ثم قال: وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام فيه غير الحنطة. . . إلى آخر ما بسط في "الأوجز". وفيه: قال الموفق
(4)
: والجملة أن الواجب في صدقة الفطر صاع من جميع أجناس المخرج، وبه قال مالك والشافعي، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري والحسن وأبي العالية، وروي عن معاوية: أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة، وهو مذهب سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي وغيرهم ممن ذكر أسماءهم في "الأوجز" والبسط فيه.
(1)
"بذل المجهود"(6/ 443).
(2)
"أوجز المسالك"(6/ 281).
(3)
"فتح الباري"(3/ 373).
(4)
"المغني"(4/ 285).
(74 -
باب صدقة الفطر صاع من تمر)
والمسألة إجماعية.
(75 -
باب صاع من زبيب)
وفي "الأوجز"
(1)
: قال الباجي: أما الزبيب فلا خلاف في جواز إِخراجه بين فقهاء الأمصار، وحكي عن بعض المتأخرين المنع من ذلك، وهو محجوج بالإجماع قبله، انتهى.
وقال العيني في "البناية"
(2)
: فيه خلاف الظاهرية، إذ لا يجوز عندهم إلا من التمر والشعير.
قلت: ويخرج منه الصاع الكامل عند الأئمة الثلاثة؛ لأن المقدار صاع من كل شيء عندهم، وكذا صاع كامل في الزبيب عند صاحبي الإمام أبي حنيفة، وهي رواية عن الإمام، وعليه الفتوى، وفي رواية أخرى له: نصف صاع منه، انتهى.
ثم قال الحافظ
(3)
: كأن البخاري أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، انتهى.
قلت: توضيحه ما في "الأوجز"
(4)
أنهم اختلفوا في أن لفظة "أو" في هذه الأحاديث للتخيير، أو لتعيين واحد منها، وهو الغالب، قال ابن رشد
(5)
: ذهب قوم إلى أنها تجب من هذه الأشياء على التخيير، وقوم ذهبوا إلى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلّف إذا لم يقدر على قوت البلد، والثاني مذهب الشافعي ومالك، والأول مذهب الحنفية والحنابلة وإليه يظهر ميل البخاري على رأي الحافظ، لكن الأوجه
(1)
"أوجز المسالك"(6/ 294)، و"المنتقى"(2/ 188).
(2)
"البناية"(3/ 494).
(3)
"فتح الباري"(3/ 372).
(4)
"أوجز المسالك"(6/ 291).
(5)
"بداية المجتهد"(1/ 281).
عندي في غرض البخاري أنه أشار بذلك إلى الترتيب بين هذه الأشياء، وهو أن الأولى في الترتيب من بين الأطعمة الشعير، ثم باقي الأطعمة، ثم التمر، ثم الزبيب على ترتيب التراجم على خلاف الترتيب المذكور في كتب الشافعية، ففي "شرح الإقناع"
(1)
: فعلم أن الأعلى: البر، فالشعير، فالأرز، فالتمر، فالزبيب، ويتردد النظر في بقية الحبوب كالذرة والحمص وغيرهما، انتهى.
ولعله رضي الله عنه قدم الشعير على بقية الأطعمة لكونه منصوصًا بخلاف غيره من الأطعمة، فتأمل فإنه دقيق، وخاطري أبو عذره.
ثم اعلم أن المصنف رحمه الله ترجم على جميع الأنواع الواردة في الأحاديث بترجمة مستقلة، ولم يترجم للأقط مع تخريجه حديث الأقط، وهو دليل على أن كون الحديث عند البخاري ليس بدليل على أنه معمول به عنده.
قال الحافظ: كأنه لا يراه مجزئًا في حال وجدان غيره كقول أحمد، وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أو لم يقدر على غيره، وظاهر الحديث يخالفه، وعند الشافعية فيه خلاف، انتهى مختصرًا.
قلت: والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز"، جملتها: أنه يجزئ عند المالكية صاع من أقط إذا كان من أغلب القوت، صرح به الدردير وغيره. والمشهور عن الشافعي في ذلك قولان: أحدهما مثل قول مالك، والثاني: أنه لا يجزئ. والمشهور في شروح الحديث عن الإمام أحمد عدم جوازه لكن يظهر من كلام الموفق عن أحمد روايتان: الإجزاء مطلقًا، والثاني: الإجزاء بشرط كونه غالب القوت أو عدم وجدان الغير. وعندنا الحنفية: يجزئ إخراجه باعتبار القيمة، انتهى مختصرًا.
(1)
(2/ 355).
(76 -
باب الصدقة قبل العيد)
قال ابن التين: أي: قبل خروح الناس إلى صلاة العيد، وبعد صلاة الفجر، وقال ابن عيينة في تفسيره: عن عكرمة قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإن الله يقول:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، ولابن خزيمة بسنده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال: نزلت في زكاة الفطر"، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(77 -
باب صدقة الفطر على الحُرِّ والمملوك. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: قيل: فيه تكرار بما تقدم من "باب صدقة الفطر على العبد وغيره. . ." إلخ، وأجاب ابن رُشيد باحتمالين: أحدهما: أن يكون أراد تقوية معارضة العموم في قوله: "والمملوك" لمفهوم قوله: "من المسلمين"، أو أراد أن زكاة العبد من حيث هو مال لا من حيث هو نفس، وعلى كل تقدير فيستوي في ذلك مسلمهم وكافرهم، وقال ابن المنيِّر: غرضه من الأولى أن الصدقة لا تخرج عن كافر، ولهذا قيدها بقوله:"من المسلمين" وغرضه من هذه تمييز من تجب عليه أو عنه بعد وجود الشرط المذكور ولذلك استغنى عن ذكره فيها، انتهى.
قلت: ويحتمل أن يكون أراد بالأولى قيد المسلمين، وبهذه إيجاب الصدقة على الحر والمملوك معًا على كليهما بأنفسهما، ثم تحمل السيد عن المملوك، أو يقال: إن المراد بالأولى عدم الإيجاب على الكافر، وبهذه تعميم المملوك سواء كان للخدمة أو للتجارة كما يظهر من الأثر الذي ذكره بعده، واستدل بهذه الترجمة صاحب "العرف الشذي" موافقة البخاري للحنفية في إيجابها على الكافر.
قوله: (يزكى في التجارة. . .) إلخ، قال القسطلاني
(3)
: هذا قول
(1)
"فتح الباري"(3/ 375).
(2)
"فتح الباري"(3/ 375).
(3)
"إرشاد الساري"(3/ 736).
الجمهور، وقال الحنفية: لا يلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة، إذ لا يلزم في مال واحد زكاتان، انتهى.
قوله: (قبل الفطر بيوم أو يومين) هو مذهب أحمد ورواية لمالك، والأخرى له لا يجوز التقديم أصلًا وهو مذهب ابن حزم، والمشهور عن الشافعي جوازه من بدء رمضان، وعند الحنفية يجوز مطلقًا بعد وجود سبب الوجوب وهو النصاب، كما في "الأوجز"
(1)
.
(78 -
باب صدقة الفطر على الصغير. . .) إلخ
المسألة خلافية، فعند الجمهور من مال الصغير إن كان موسرًا وإلا فعلى من عليه نفقته، وقال ابن حزم: في ماله إن كان موسرًا وإلا سقطت، وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقًا، وقال ابن المسيب: لا يجب على الصغير مطلقًا كما في "الأوجز"
(2)
.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ ما تقدم في مقدمة "اللامع" في بيان خصائص الكتاب، إذ قال: وفي آخر الزكاة صدقة الفطر ولها دخول في الآخرية من جهة كونها تقع في آخر رمضان مكفرة لما مضى، انتهى.
وعند هذا الفقير في قوله: "يزكى مال اليتيم" فإن اليتيم من مات أبوه.
* * *
(1)
"أوجز المسالك"(6/ 306).
(2)
"أوجز المسالك"(6/ 276).
25 -
كتاب المناسك
المناسك: جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سُميت أمور الحج كلها مناسك. والمنسك: المذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نسك. والنسك أيضًا الطاعة والعبادة، وكل ما تقرب به إلى الله عز وجل. والنسك ما أمرت به الشريعة، والورع ما نهت عنه، والناسك: العابد، انتهى.
قال الحافظ في "المقدمة"
(1)
: واختلفت النسخ في الصوم والحج أيهما قبل الآخر، وكذا اختلفت الرواية في الأحاديث، وترجم عن الحج بكتاب المناسك ليعم الحج والعمرة وما يتعلق بهما، وكالت في الغالب من يحج يجتاز بالمدينة الشريفة فذكر ما يتعلق بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، وما يتعلق بحرم المدينة. وظهر لي أن يقال في تعقيبه الزكاة بالحج: إن الأعمال لما كانت بدنية محضة ومالية محضة وبدنية مالية معًا رتبها كذلك، فذكر الصلاة ثم الزكاة ثم الحج، ولما كان الصيام هو الركن الخامس المذكور في حديث ابن عمر:"بني الإسلام على خمس" عقَّب بذكره وإنما أخَّره؛ لأنه من التروك، والترك وإن كان عملًا أيضًا لكنه عمل النفس لا عمل الجسد فلهذا أخره، وإلا لو كان اعتمد على الترتيب الذي في حديث ابن عمر لقدم الصيام على الحج؛ لأن ابن عمر أنكر على من روى عنه الحديث بتقديم الحج على الصيام، وهو وإن كان ورد عن ابن عمر من طريق أخرى كذلك فذاك محمول على أن الراوي روى عنه بالمعنى، ولم يبلغه نهيه عن ذلك، والله أعلم، انتهى.
(1)
(ص 470).
وقال العيني
(1)
: لما كان للحج اشتراك مع الزكاة في كونهما عبادة مالية ذكره عقيب الزكاة، فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر الصوم عقيب الصلاة؛ لأن كلًّا منهما عبادة بدنية، قلت: نعم، كان القياس يقتضي ذلك ولكن ذكرت الزكاة عقيب الصلاة لأنها ثانية الصلاة، وثالثة الإيمان في الكتاب والسُّنَّة، انتهى.
قلت: وذكرت في مبدأ "كتاب الحج" في "الأوجز"
(2)
كدأبنا فيه عشرة أبحاث لطيفة طويلة:
الأول: في معنى الحج لغةً.
والثاني: في تعريفه شرعًا.
والثالث: في سبب الوجوب، وهو البيت، ولذا لا يجب في العمر إلا مرة.
والرابع: اختلافهم في وجوبه على الفور كما قال به مالك وأحمد وأبو يوسف وهو أصح الروايتين عن الإمام الأعظم، أو على التراخي كما قال به الشافعي ومحمد، وفيه البحث أن زمان الحج معيار له أو ظرف.
والخامس: اختلافهم في مبدإ فرضه، ذكروا فيه أحد عشر قولًا، منها: أنه فرض قبل الهجرة وهو شاذ، والمشهور منها قولان: سنة ست، وسنة تسع، بسطت في "الأوجز".
والسادس: في سبب تأخيره صلى الله عليه وسلم الحج إلى السنة العاشرة عند الجمهور القائلين بفرضيته قبلها.
والسابع: في أن الحج هل كان واجبًا على الأمم السابقة أم لا؟
والثامن: في حكم الحج ومصالحه.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 3).
(2)
"أوجز المسالك"(6/ 317)، و"لامع الدراري"(5/ 121).
والتاسع: في فضائل البيت.
والعاشر: في تكفير الحج للخطايا، وبيان الأحاديث الواردة في تكفير السيئات.
وهذه الأبحاث لا يسعها هذا الوجيز، انتهى من هامش "اللامع".
(1 -
باب وجوب الحج وفضله. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع
(1)
: دلالة الآية على الوجوب ظاهرة، ودلالتها على الفضل من حيث إنه عبَّر فيها من تركه بلفظ الكفر، ودلالة الرواية على الوجوب في قول الخثعمية بين يديه صلى الله عليه وسلم:"إن فريضة الله على عباده. . ." إلخ، ودلالتها على الفضل من حيث إنه وجبت فيه الاستنابة مع أنه لا حاجة إلى إثبات كل جزء من أجزاء الترجمة بكل ما ورد في الباب، بل الذي لا بد منه إثبات المجموع بالمجموع، انتهى.
قلت: وهو أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الحادي والثلاثون.
والأوجه عندي: أن إثبات الفضل بالآية بكون الحج لله تبارك وتعالى، ولذا قدّم الخبر في قوله:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} الآية [آل عمران: 97] إشارة إلى مزية شرافة الحج حيث نسبه عز وجل إلى نفسه الكريم خاصة، وقال السندي
(2)
: هذه الآية وكذا الحديث لإفادة وجوب الحج أصالة، والفضيلة تبعًا إذ الوجوب مستلزم للفضيلة قطعًا، ولذلك أَخَّر المصنف في الترجمة الفضيلة عن الوجوب، انتهى.
قلت: ويستنبط الفضل من الحديث أيضًا بما قلته في الآية، فإن في نسبة الفريضة إلى الله تعالى مع أن الفرائض كلها لله تعالى دلالة على مزية شرافته، وما أجاد الشاعر الفارسي.
(1)
"لامع الدراري"(5/ 122).
(2)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 264).
في الجملة نسبتى بتوكافي بود مرا
…
بلبل همين كه قافيه كَل شود بس است
(2 -
باب قول الله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ. . .} [الحج: 27]) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قيل: إن المصنِّف أراد أن الراحلة ليست شرطًا، قال ابن القصار: في الآية دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل، فإن المخالف يزعم أن الحج لا يجب على الراجل وهو خلاف الآية، انتهى.
وفيه نظر، فقد روى الطبري قال مجاهد: كانوا لا يركبون فأنزل الله {يَأْتُوكَ رِجَالًا} الآية، فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر، وروي عن ابن عباس: ما فاتني شيء أشد عليّ أن لا أكون حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} فبدأ بالرجال قبل الركبان.
وقال الحافظ: أيضًا تحت الحديث: وغرضه منه الرد على من زعم أن الحج ماشيًا أفضل لتقديمه في الذكر على الراكب، فبيَّن أنه لو كان أفضل لفعله النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن المنيِّر. وقال غيره: مناسبة الحديث للآية أن ذا الحليفة فج عميق والركوب مناسب لقوله: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} ، وقال الإسماعيلي: ليس في الحديثين شيء مما ترجم الباب به، ورُد بأن فيهما الإشارة إلى أن الركوب أفضل فيؤخذ منه جواز المشي، انتهى.
وقال ابن المنذر: اختلف في الركوب والمشي للحجاج أيهما أفضل؟ فقال الجمهور: الركوب أفضل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولكونه أعون على الدعاء والابتهال ولما فيه من المنفعة، وقال إسحاق بن راهويه: المشي أفضل لما
(1)
"فتح الباري"(3/ 379).
فيه من التعب، ويحتمل أن يقال: يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والله أعلم، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(2)
: استدل بعضهم على أولوية الذهاب ماشيًا لتقديم قوله: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} ، وغرض المصنف بإيراد حديث ركوبه صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى ما ذهب إليه الجمهور من مساواة المشي بالركوب، انتهى.
وقال الدردير
(3)
: وفضِّل ركوب في الحج على المشي؛ لأنه فعله عليه الصلاة والسلام، انتهى.
(3 -
باب الحج على الرحل. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: بفتح الراء وسكون المهملة وهو للبعير كالسرج للفرس، أشار بهذا إلى أن التقشف أفضل من الترفة، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(5)
: غرضه إثبات أولوية الركوب على الرحل كما كان عادته صلى الله عليه وسلم، وللركوب سوى هذا الطريق طريقان آخران، وهما معمولان اليوم وهما الشغدف والشبرى، فهما أيضًا جائزان لكن الأولى الرحل، انتهى.
وقال الدردير
(6)
: وفضل مقتب على ركوب المحمل والمحفة. وقال الدسوقي في شرحه قوله: "مقتب" أي: ركوب على قتب، فقد حج عليه الصلاة والسلام على قتب عليه قطيفة، وهي كساء من شعر تساوي أربعة دراهم، والقتب رحل صغير على قدر السنام، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال: إن المصنف أشار به إلى ردِّ ما رواه
(1)
"فتح الباري"(3/ 380).
(2)
شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 375).
(3)
"الشرح الكبير"(2/ 211).
(4)
"فتح الباري"(3/ 380).
(5)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 376).
(6)
"الشرح الكبير"(2/ 211).
البزار
(1)
: "حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة" الحديث، فإنه منكر ضعيف الإسناد كما في "جزء حجة الوداع" وهي رسالة وجيزة لهذا العبد الضعيف في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم من أول خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة إلى حين رجوعه إليها مع فوائد علمية، وأحكام فقهية، وبحوث تاريخية، وتحقيقات حديثية، طبع أولًا في سنة تسعين وثلاث مائة بعد ألف من الهجرة بالمطبعة الهندية، وثانيًا بالحروف الحديدية بمطبعة دار العلوم ندوة العلماء لكناؤ، وثالثًا بمطبعة ببيروت
(2)
.
(4 -
باب فضل الحج المبرور)
قال القسطلاني
(3)
: اسم مفعول من برّ المتعدي، يقال:"برَّ الله حجك" وهو متعد بنفسه، ويبنى للمفعول فيقال:"بُرّ حجك" فهو مبرور، انتهى.
وفي "الفتح"
(4)
: المبرور المقبول، وقيل: الذي لا يخالطه شيء من الإِثم، ورجحه النووي. وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله أعلم. ولأحمد والحاكم
(5)
من حديث جابر: "قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: إطعام الطعام، وإفشاء السلام" وفي إسناده ضعف فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره، انتهى.
(5 -
باب فرض مواقيت الحج والعمرة)
أي: المواقيت المكانية وهي جمع ميقات مفعال من الوقت المحدود، واستعير هنا للمكان اتساعًا، ومعنى "فَرَض" قَدَّر أو أوجَبَ، وهو ظاهر نص
(1)
انظر: "كشف الأستار عن زوائد البزار"(2/ 26)(رقم 1121).
(2)
وقد طبع هذا الكتاب بتحقيق الدكتور ولي الدين الندوي من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بأبو ظبي.
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 11).
(4)
"فتح الباري"(3/ 382).
(5)
"مسند أحمد"(3/ 325)، و"الحاكم"(1/ 658).
المصنف وأنه لا يجيز الإحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات. ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي حيث قال: "ميقات أهل المدينة ولا يهلون قبل ذي الحليفة"، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيده القياس على الميقات الزماني فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه، وفرَّق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا التقدم على الزماني وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم، وقال مالك: يكره، انتهى من "الفتح"
(1)
و"القسطلاني".
وفي "الأوجز"
(2)
: قال الأبي
(3)
: إن أحرم قبلها بيسير كره، وإن أحرم قبلها بكثير، فظاهر "المدونة" الكراهة، وظاهر "المختصر" الجواز، ونقل اللخمي قولًا بعدم كراهة القريب، وفيه أيضًا الفرق بين القريب والبعيد أن من أحرم بقرب الميقات، فإنه لا يقصد إلا مخالفة التوقيت؛ لأنه لم يستدم إِحرامًا، وأما من أحرم على البعد منه، فإن له غرضًا في استدامة الإحرام، وفيه أيضًا عن العيني
(4)
: قال مالك وأحمد: إحرامه من المواقيت أفضل، وقال أبو حنيفة والشافعي وآخرون: الإحرام من المواقيت رخصة، واعتمدوا في ذلك على فعل الصحابة فإنهم أحرموا من قبل الميقات. . . إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
وقال القسطلاني
(5)
: وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقي على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالًا كما تراه في الشاهد من ترجل الراكب القاصد إلى عظيم من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له، فلذا لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالًا، فإن الإحرام تشبُّه بالأموات، وفي ضمن جعل نفسه كالميت سلب اختياره،
(1)
"فتح الباري"(3/ 383)، و"إرشاد الساري"(4/ 14).
(2)
"أوجز المسالك"(6/ 458).
(3)
"إكمال إكمال المعلم"(3/ 297).
(4)
"عمدة القاري"(7/ 30).
(5)
"إرشاد الساري"(4/ 14).
وإلقاء قياده متخليًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء، انتهى.
قلت: وعلى ما ذكر الحافظ في معنى الفرض الواقع في الترجمة من الاحتمالين، أي: التقدير والإيجاب، فعلى الاحتمال الأول يكون الغرض من الترجمة بيان مشروعية المواقيت، ومشروعيتها عند هذا العبد الفقير من عمرة الحديبية كما حررته في "جزء حجة الوداع"
(1)
وفيه: ومبدأ مشروعية المواقيت من عمرة الحديبية كما نص عليه الإمام أحمد وحكاه عنه عامة الشرَّاح واقتصروا عليه، ويشكل عليه أنهم قاطبة أوَّلوا مجاوزة أبي قتادة عام الحديبية بغير إحرام من الميقات بتأويلات، وإذا لم يكن التوقيت إلا في عام حجة الوداع فأي فاقة لهم إلى التوجيهات القريبة والبعيدة، انتهى.
(6 -
باب قول الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا. . .} ) إلخ
قال الحافظ
(2)
: قال مقاتل بن حيان: لما نزلت قام رجل فقال: يا رسول الله! ما نجد زادًا، فقال:"تزود ما تكف به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى"، انتهى.
قلت: وعلى هذا الظاهر أن المراد بالتقوى معناه المعروف وإليه مال القسطلاني، إذ قال
(3)
: قوله: {وَتَزَوَّدُوا} أي: ما يكف وجوهكم عن الناس ولما أمرهم بزاد الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، فقال:{فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، انتهى.
وقال الحافظ بعد حديث الباب: قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافًا فإن قوله:{فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} أي: تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك، انتهى.
(1)
"حجة الوداع"(ص 277).
(2)
"فتح الباري"(3/ 384).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 16).
وعلى هذا المراد من التقوى، التقوى والاحتراز عن السؤال، واختار هذا المعنى في "تفسير الجلالين".
قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن في توسيط المصنف هذا الباب بين أبواب المواقيت إشارة إلى أن التقوى وإن كان مطلوبًا في سائر سفر الحج لكنه فيما بين المواقيت آكد.
(7 -
باب مهل أهل مكة للحج والعمرة)
قال الحافظ
(1)
: المُهَلّ بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام موضع الإهلال، وأصله رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا، وقال أبو البقاء: هو مصدر بمعنى الإهلال كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج، انتهى.
قال السندي
(2)
: كأنه نبَّه بهذه الترجمة على أن سوق الحديث لميقات الحج والعمرة جميعًا لا لميقات الحج فقط، ولذلك قال:"ممن أراد الحج والعمرة"، ومقتضاه أن ما جعل ميقاتًا لأهل مكة يكون ميقاتًا لهم للحج والعمرة جميعًا لا للحج فقط، وإن ذهب الجمهور إلى الثاني وجعلوا ميقات العمرة لأهل مكة أدنى الحل بحديث إحرام عائشة بالعمرة من التنعيم إلى أن قال: فحديث عائشة لا يعارض هذا الحديث فكأنه بهذه الترجمة أراد الاعتراض على الجمهور، انتهى.
وفي "الفيض"
(3)
: إن المصنف لم يفرق بين ميقات الحج وميقات العمرة، ولا شيءَ عنده غير العمومات، انتهى.
قلت: هو مسلك الحافظ ابن القيم على خلاف مسلك الجمهور، فإنهم اتفقوا على أن ميقات المكي لإحرام العمرة الحل، حكى الإجماع
(1)
"فتح الباري"(3/ 384).
(2)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 265).
(3)
"فيض الباري"(3/ 64).
على ذلك الموفق وغيره مع الاختلاف فيما بينهم في أفضل البقاع للإحرام، كما بسطت في "جزء العمرات".
(8 -
باب ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة)
بالمهملة والفاء مصغرًا، مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين، قاله ابن حزم. وقال غيره: بينهما عشر مراحل. وقال النووي: بينها وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال: بينهما ميل واحد. وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر يقال لها: بئر علي، انتهى من "الفتح"
(1)
.
ثم قال الحافظ: قد تقدمت الإشارة إلى هذا في "باب فرض المواقيت" واستنبط المصنف من إيراد الخبر بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تعين ذلك، وأيضًا فلم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرًا، انتهى.
وفي "الفيض"
(2)
بحثًا على المسألة: أما المسألة في أهل المدينة خاصة، فينبغي أن تكون كذلك عند الحنفية أيضًا، وأرجو أن لا تكون خلافًا لمسائلهم، فإنَّ أهلَ المدينة لما كان ميقاتُهم أمامَهم، فلا حاجة لهم إلى تقديم الإحرام، مع أن في إحرامِهم بميقاتهم تأسّي بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم بخلاف غيرهم، فإنَّ لهم في التقديم عملًا بالعزيمة، وتماديًا في الإِحرام، مع أنه لا يلزمُ عليهم مخالفةً للسُّنَّة أيضًا، فافترقا، انتهى.
قلت: وقد تقدم اختلاف العلماء في هذه المسألة في "باب فرض المواقيت" وأن المصنف مال في هذه المسألة إلى مسلك الظاهرية كما تقدم عن الحافظ، وبه جزم العيني والقسطلاني، قال العيني
(3)
: هذه العبارة تشير إلى أن البخاري ممن لا يرى تقديم الإهلال قبل المواقيت، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 385).
(2)
"فيض الباري"(3/ 66).
(3)
"عمدة القاري"(7/ 31).
وقال القسطلاني
(1)
: الظاهر أن المصنف كان يرى المنع من ذلك، انتهى.
(9 - 10 -
باب مهل أهل الشام وباب مهل أهل نجد)
ترجم المصنف على كل ميقات من المواقيت بترجمة مستقلة استيفاء لجميع أجزاء الحديث، قال صاحب "الفيض"
(2)
: قد علمت من عادة المصنف أن الحديث إذا كان عنده بطرق عديدة يخرجه مرة بعد مرة بتراجم عديدة وفوائد جديدة، انتهى.
(11 -
باب مهل من كان دون المواقيت)
قال العيني
(3)
: أراد من كان وطنه بين المواقيت ومكة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
تحت قوله: "فمهله من أهله. . ." إلخ: أو ما في حكمه، وذلك أن يكون خارج الحرم، وإن كان أقرب إليه من بيته، انتهى.
وفي هامشه: هذا مسلك الحنفية، قال صاحب "الدر المختار"
(5)
: من كان داخل الميقات فميقاته الحل الذي بين المواقيت والحرم، قال ابن عابدين: فالحرم حد في حقه كالميقات للآفاقي، فلا يدخل الحرم إلا محرمًا، انتهى.
وما يظهر من كتب الفروع أن المسألة خلافية، وإن حكى الإجماع عليها غير واحد من نقلة المذاهب، قال الموفق
(6)
: من كان منزله دون الميقات، فميقاته من موضعه، يعني: إذا كان مسكنه أقرب إلى مكة
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 20).
(2)
"فيض الباري"(3/ 66).
(3)
"عمدة القاري"(7/ 33).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 124).
(5)
"رد المحتار على الدر المختار"(3/ 484).
(6)
"المغني"(5/ 62).
من الميقات كان ميقاته مسكنه، هذا قول أكثر أهل العلم، وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وعن مجاهد قال: يُهلُّ من مكة، انتهى من هامش "اللامع"، وفيه بعد ما بسط عن كتب فروع الأئمة: فعلم من هذا كله أن ما أفاده الشيخ هو مسلك الحنفية، وفيه خلاف الأئمة الثلاثة إذ أوجبوا الإحرام من مسكنه، ومن حكى المسألة إجماعية فقد ذهل، ثم ذكرت فيه إشكال العلامة السندي على مسلك الحنفية والجواب عنه، فارجع إليه لو شئت.
(12 -
باب مهل أهل اليمن)
قال القسطلاني
(1)
تحت حديث الباب: هذا الحديث وإن أطلق فيه أن ميقات أهل اليمن يلملم، لكن المراد أنه ميقات تهامة خاصة، فإن نجد اليمن ميقات أهلها ميقات نجد الحجاز، بدليل أن ميقات أهل نجد قرن فأطلق اليمن وأريد بعضه وهو تهامة منه خاصة، انتهى.
(13 -
باب ذات عرق لأهل العراق)
اختلفوا فيمن وقَّت لأهل العراق ميقاتًا، ففي "الفيض"
(2)
: ثم إن تلك المواقيت كلها وقَّتَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أو لا؟ فقيل: نعم؛ وقيل: غير ذات عِرْق، فإنَّها وقّتها عمر، والصوابُ هو الأول، نعم، اشتهرت بعضها في زمن عمر، فنُسبت إليه، انتهى.
وفي "الأوجز"
(3)
: قال ابن رشد
(4)
بعد ما حكى الإجماع على المواقيت الأربعة ذي الحليفة وجحفة وقرن ويلملم: اختلفوا في ميقات أهل العراق، فقال جمهور الفقهاء: ميقاتهم من ذات عرق، وقال الشافعي والثوري: إن أهلّوا من العقيق كان أحب، واختلفوا فيمن وقَّته
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 23).
(2)
"فيض الباري"(3/ 63).
(3)
"أوجز المسالك"(6/ 445).
(4)
"بداية المجتهد"(1/ 324).
لهم، فقالت طائفة: عمر رضي الله عنه، وقالت طائفة: بل رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى.
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا، انتهى. لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا، وأما إعلال من أعله بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ، فقال ابن عبد البر: هي غفلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقَّت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق، انتهى.
(14 -
باب الصلاة بذي الحليفة)
هكذا في النسخة التي بأيدينا من الهندية، وفي نسخة "الفتح" بغير ترجمة فقال الحافظ
(2)
: كذا في الأصول بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الأبواب التي قبله، ومناسبته لها من جهة دلالة حديثه على استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام من الميقات، وقد ترجم عليه بعض الشارحين "نزول البطحاء والصلاة بذي الحليفة" وحكى القطب أنه في بعض النسخ، قال: وسقط في نسخة سماعنا لفظ "باب"، وفي شرح ابن بطال
(3)
: "الصلاة بذي الحليفة"، انتهى.
قلت: ما حكى عن ابن بطال هو الموجود في نسخنا، والظاهر عندي على النسخ التي بأيدينا أن المصنف ترجم بذلك لما أن المعروف في الروايات أنه عليه الصلاة والسلام أحرم بعد صلاة الركعتين وهل كانت فرضًا أو نفلًا مختلف فيها، فللتنبيه على ذلك بوَّب بالصلاة مطلقًا لأنها المحقق، وبسط الكلام عليها في رسالتي "جزء حجة الوداع"
(4)
: وفيه قال النووي
(5)
: فيه استحباب صلاة الركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل
(1)
"فتح الباري"(3/ 390).
(2)
"فتح الباري"(3/ 391).
(3)
"شرح ابن بطال"(4/ 201).
(4)
"حجة الوداع"(ص 51).
(5)
"شرح مسلم"(8/ 52).
الإحرام، ويكونان نافلةً، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصري أنه استحب كونه بعد صلاة فرض، انتهى.
(15 -
باب خروج النبي صلى الله عليه وسلم على طريق الشجرة)
قال عياض: هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منه إلى ذي الحليفة فيبيت بها، وإذا رجع بات بها أيضًا، ودخل على طريق المعرس بفتح الراء المثقلة، وهو مكان معروف أيضًا، وكل من الشجرة والمعرس على ستة أميال من المدينة لكن المعرس أقرب.
قال ابن بطال
(1)
: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما يفعل في العيد يذهب من طريق ويرجع من أخرى، فقد قال بعضهم: أن نزوله هناك لم يكن [قصدًا] فإنما كان اتفاقًا، والصحيح أنه كان قصدًا لئلا يدخل المدينة ليلًا، ولمعنى فيه وهو التبرك به كما سيأتي في الباب الذي بعده، انتهى ما قاله الحافظ في "الفتح"
(2)
.
وفي "الفيض"
(3)
: اعلم أن الشجرة صارت اسمًا بالغلبة لذي الحليفة، ويقال لها الآن: بئر علي، وهذا غير علي بن أبي طالب، ولفظ الراوي يشعر بالتغاير بين الشجرة وذي الحليفة، ثم المعرّس موضع قريب منها، ولكن لا تتميزان لاندراس الرسوم والمعالم، والذي يظن أن أولها ذو الحليفة، ثم المعرس، ثم العقيق، وتلك المواضع كلها متقاربة، كما ذكره السمهودي في "الوفاء"، انتهى.
ولا يذهب عليك أن الطرق المعروفة من المدينة إلى مكة أربعة: أحدها: الطريق السلطاني، والثاني: الغائر، والثالث: الفرعي، والرابع:
(1)
"شرح ابن بطال"(4/ 201).
(2)
"فتح الباري"(3/ 391).
(3)
"فيض الباري"(3/ 66).
الشرقي، والطريق السلطاني هي طريق الشجرة، ولما هاجر صلى الله عليه وسلم من مكة مر من طريق الغائر، انتهى مختصرًا من "جزء حجة الوداع"
(1)
.
(16 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: العقيق واد مبارك)
قال الحافظ
(2)
: والعقيق واد بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال، وأورد فيه حديث عمر في ذلك، وليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، لكن روى أبو أحمد بن عدي بسنده عن عائشة مرفوعًا:"تخيموا بالعقيق فإنه مبارك" فكأنه أشار إلى هذا، وقوله:"تخيموا" أمر بالتخميم والمراد به النزول هناك، انتهى.
وقال السندي
(3)
: كأنه أراد قوله ولو حكاية عن غيره، وبه وافق الحديث الترجمة، وسقط أن القول المذكور في الحديث قول الآتي لا قول النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى.
قلت: وعندي أنه نبَّه بذلك على متمسك قوله صلى الله عليه وسلم "إنه واد مبارك" من أنه كان مأخوذًا من الوحي.
قوله: (قل عمرة في حجة) اختلفوا في معناه كما في الشروح، وفي "تراجم شيخ المشايخ"
(4)
: معناه: أهلَّ بهذين النسكين على خلاف ما اعتاد به أهل الجاهلية من عدم تجويز الاعتمار في أشهر الحج، وقيل: معناه الصلاة في هذا الوادي ثوابه ثواب حجة وعمرة، انتهى.
(17 -
باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب)
قال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب كما في الترجمة، وإنما فيه أن الرجل كان متضمخًا، وقوله له: "اغسل
(1)
"حجة الوداع"(ص 46).
(2)
"فتح الباري"(3/ 392).
(3)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 267).
(4)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 377).
الطيب الذي بك" يوضح أن الطيب لم يكن في ثوبه وإنما كان على بدنه، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية، انتهى.
والجواب: أن البخاري على عادته يشير إلى ما وقع في بعض الطرق، وسيأتي في محرمات الإحرام من وجه آخر بلفظ:"عليه قميص فيه أثر صفرة"، والخلوق في العادة إنما يكون في الثوب، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
وقال السندي
(1)
: قوله: "اغسل الطيب الذي بك. . ." إلخ، الظاهر أن المراد الذي بجسدك، فالدلالة على الترجمة بقياس الثوب على الجسد، وليس المراد في الحديث الذي بثوبك، إذ نزع الثوب يكفي في دفع ذلك، والحاصل أن الروايات وإن وردت بوجود الطيب بثوبه أيضًا لكن المأمور بالغسل هو الذي كان ببدنه، وأما ما كان منه بالثوب فيكفي النزع فيه، والله تعالى أعلم، انتهى.
وفي هامش "اللامع": اعلم أنهم اختلفوا في مسألة الطيب للمحرم، وتحقيق مذاهب الأئمة فيه كما بسطت في "الأوجز"
(2)
من كتب فروعهم: أن التطيب بما يبقى جرمه بعد الإحرام ممنوع مطلقًا عند الإمام مالك ومحمد، سواء كان على البدن أو الثياب، ومباح مطلقًا عند الإمام الشافعي وأحمد، سواء كان على البدن أو على الثوب، والتطيب بطيب ذي جرم مباح على البدن دون الثياب عند الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف، فهذا هو الصحيح من مسالك الأئمة، وإذا عرفت ذلك وقد ظهر لك أن ميل الإمام البخاري في هذه المسألة إلى مسلك الإمام الأعظم وأبي يوسف إذ ترجم أولًا بـ "باب غسل الخلوق. . ." إلخ، وذكر فيه حديث صفوان، ثم ذكر "باب الطيب عند الإحرام"، وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت:"كأني أنظر إلى وبيص الطيب. . ." إلخ.
(1)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 267).
(2)
"أوجز المسالك"(6/ 408).
قال الحافظ
(1)
: قوله: "
باب الطيب عند الإحرام
" أراد بهذه الترجمة أن يبين أن الأمر بغسل الخلوق في الحديث الذي قبله إنما هو بالنسبة إلى الثياب؛ لأن المحرم لا يلبس شيئًا مسه الزعفران، كما سيأتي في الباب الذي بعده، وأما الطيب فلا يمنع استدامته على البدن، انتهى.
(18 - باب الطيب عند الإحرام)
قد تقدم ما يتعلق به من الكلام في الباب السابق.
قوله: (وما يلبس إذا أراد. . .) إلخ، الظاهر أنه عطف على الطيب، فيشكل بوجهين، الأول: أنه سيأتي قريبًا مستقلًا، والثاني: من حيث إنه لا تعلق له بالرواية، وإن كان عطفًا على الإحرام فيندفع الإشكالان، لكن يشكل عليه حينئذ ذكر الآثار الواردة من التبان وغيره، فتدبر.
وقوله: (يشم الريحان) كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: ولا يجوز عندنا شمه لكونه طيبًا، انتهى.
وفي هامشه: اختلف فيه فقال إسحاق: يباح، وتوقف أحمد، وقال الشافعي: يحرم، وكره مالك والحنفية. ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا، انتهى.
ونقل العيني
(3)
عن "شرح المهذب" فيه قولين، والأصح تحريم شمها ووجوب الفدية، وقال: وبه قال مالك وأبو حنيفة إلا أنهما يقولان يحرم ولا فدية، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
قوله: (وينظر في المرآة) وفي "الموطأ"
(4)
للإمام مالك: أن عبد الله بن عمر نظر في المرآة لشكوى كان بعينيه، وهو محرم. وفي
(1)
"فتح الباري"(3/ 396).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 129).
(3)
"عمدة القاري"(7/ 47).
(4)
"موطأ إمام مالك"(ح: 786).
"الأوجز"
(1)
: قال الزرقاني: ويكره عند مالك لغير ضرورة مخافة أن يرى شعثًا فيصلحه، انتهى.
وقال الموفق
(2)
: ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء، يعني: لإزالة شعث، أو تسوية شعر أو شيء من الزينة، قال أحمد: ولا بأس في النظر بدون ذلك، ولا فدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال، وإنما ذلك أدب لا شيء على تاركه، لا نعلم أحدًا أوجب في ذلك شيئًا، وقد روي عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا ينظران في المرآة وهما محرمان، انتهى.
وعد صاحب "اللباب" في المباحات النظر في المرآة للاطلاع على الهيئة، وقال الحافظ في "الفتح"
(3)
: نقل كراهته عن القاسم بن محمد، انتهى.
قوله: (ويتداوى بما يأكل: الزيت. . .) إلخ، قال الحافظ
(4)
: وأما التداوي فقال أبو بكر بن أبي شيبة بسنده عن ابن عباس أنه كان يقول: يتداوى المحرم بما يأكل، وعنه أيضًا أنه قال: إذا شققت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت أو بالسمن.
قال الحافظ: وفي هذا الأثر رد على مجاهد في قوله: إن تداوى بالسمن أو الزيت فعليه دم، أخرجه ابن أبي شيبة، انتهى.
قوله: (ويلبس الهميان) وفي "الهداية"
(5)
: لا بأس بأن يشد في وسطه الهميان، وقال مالك: يكره إذا كان فيه نفقة غيره، ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط فاستوت فيه الحالتان، انتهى.
قال ابن المنذر: ورخص في الهميان والمنطقة للمحرم الشافعي
(1)
"أوجز المسالك"(7/ 200).
(2)
"المغني"(5/ 147).
(3)
"فتح الباري"(3/ 396).
(4)
"فتح الباري"(3/ 396).
(5)
"الهداية"(1/ 137).
وأحمد وإسحاق ومن وافقهم غير أن إسحاق قال: ليس له أن يعقد بل يدخل بسيور بعضها في بعض، انتهى.
وفي "المحلى": قيل: تفرد إسحاق بذلك، أي: بعدم العقد، انتهى مختصرًا من "الأوجز".
قوله: (وقد حزم على بطنه بثوب) قال ابن التين: هو محمول على أنه شده على بطنه فيكون كالهميان ولم يشده فوق المئزر وإلا فمالك يرى على من فعل ذلك الفدية، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قوله: (ولم تر عائشة بالتبان بأسًا) كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: ولا يجوز التبان عندنا لأحد ولو احتاج إليه، وذلك لأن التأزر ممكن بحيث لا تنكشف العورة بعده، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني
(3)
: التبان بضم الفوقية وشدة الموحدة وبالنون: سراويل، قصير جدًا، وهو مقدار شبر ساتر للعورة المغلظة فقط، ويكون للملاحين، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: سراويل قصير بغير أكمام، ووصل أثر عائشة سعيد بن منصور عن عائشة:"أنها حجت ومعها غلمان لها وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسونها وهم محرمون"، وفي هذا رد على ابن التين في قوله: أرادت النساء لأنهن يلبسن المخيط بخلاف الرجال، وكأن هذا رأي رأته عائشة وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم، انتهى.
وهكذا في "العيني" وزاد: فإن لبس شيئًا من ذلك مختارًا عامدًا أثم وافتدى، انتهى من "هامش اللامع".
(1)
"فتح الباري"(3/ 397).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 131).
(3)
"شرح الكرماني"(8/ 71).
(4)
"فتح الباري"(3/ 397)، و"عمدة القاري"(7/ 49).
قوله: (تعني للذين يرحلون هودجها) قال السندي
(1)
: كتب في هامش بعض النسخ نقلًا عن بعض محقق مشايخنا أنه بضم الياء وتشديد الحاء، أي: ينقلون، من رحّل انتقل لا من رحل بعيره، أي: وضع عليه الرحل لأنه فاسد أن يقال: يرحلون هودجها، أي: يضعون عليها الرحل، نعم لو ثبتت به الرواية لأول بحذف المضاف، أي: يرحلون بعير هودجها، مع تكلف ظاهر في المعنى، فظهر أن قول الحافظ وغيره التشديد وهم ليس بصواب، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: يعني بذلك أن جواز التبان معلل بالضرورة، فيرخص فيه لمن افتقر إليه، وذلك لأن هؤلاء ومن في حكمهم تنكشف عورتهم في الصعود والنزول، حين يرحلون الهوادج على الجمال، ولا يجوز التبان عندنا لأحد، إلى آخر ما تقدم.
(19 -
باب من أهل ملبدًا)
قال الحافظ
(3)
: أي: أحرم وقد لبّد شعر رأسه، أي: جعل فيه شيئًا نحو الصمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام أو يقع فيه القمل، انتهى.
وبسط الكلام على التلبيد وحكمه وما يتعلق به، وأيضًا في وقت تلبيده صلى الله عليه وسلم من أنه كان بعد الإحرام أو وقت الإدهان والتطيب في "جزء حجة الوداع"
(4)
، فارجع إليه لو شئت، وفيه: وظاهر سياق كلام ابن القيم في "الهدي" يشعر بأن التلبيد كان بعد الإحرام.
والظاهر عندي: أنه كان وقت الإدهان والتطيب وغيرهما قبل الإحرام، وإليه يظهر ميل الحافظين ابن حجر والعيني، إذ قالا تحت شرح
(1)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 268).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 130).
(3)
"فتح الباري"(3/ 400).
(4)
"حجة الوداع"(ص 64).
الباب: أي: من أحرم حال كونه ملبدًا، وإليه يظهر ميل الإمام البخاري بسياق التراجم إذ ذكر قبله "باب الطيب عند الإحرام" وذكر بعده "
باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة
"، انتهى.
وأما حكم التلبيد ففي "جزء حجة الوداع": قال صاحب "المنهل": وفي الحديث دليل على استحباب تلبيد الشعر للمحرم، لما فيه من الرفق به، والبعد عن الشعث وأسباب الأذى، ولا سيما من طالت مدة إحرامه، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد، وكذا الحنفية والمالكية، إذا كان يسيرًا لا يؤدي إلى ستر الرأس، أما الكثير الذي يحصل به تغطية ربع رأسه فأكثر فحرام، يلزم فيه دم باستدامته حال الإحرام يومًا فأكثر، أما لو دام أقل من يوم وليلة، ففيه صدقة كصدقة الفطر، وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فلا تمنع من تغطية رأسها في الإحرام، انتهى.
قلت: هكذا ذكر صاحب "المنهل" مذاهب الأئمة في حكم التلبيد، وأما أنا فلم أجد التصريح بذلك في كتب فروعهم.
(20 - باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة)
لعله أراد الرد على من ذهب إلى أنه من البيداء، والأفضل عند المسجد كما في هذا الباب، ويجوز عند الركوب كما سيأتي، وفي "جزء حجة الوداع"
(1)
: اختلفت الروايات في موضع إحرامه صلى الله عليه وسلم ففي "التعليق الممجد" فيه ثلاث روايات، في المصلى، وحين ركب، ولما علا على شرف البيداء، وسيأتي الجمع بين هذه الروايات في رواية ابن عباس، فكلها واسع عند أحمد، والمرجح عندنا الحنفية الأول، وإليه مال ابن القيم، وعند الشافعية والمالكية الثاني، قال الحافظ
(2)
: قد اتفقت فقهاء الأمصار على جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل، انتهى.
(1)
"حجة الوداع"(ص 53).
(2)
"فتح الباري"(3/ 401).
(21 -
باب ما لا يلبس المحرم من الثياب)
وسيأتي باب ما يلبس. . . إلخ، قال الحافظ
(1)
هناك: هذه الترجمة مغايرة للسابقة التي قبلها من حيث إن تلك معقودة لما لا يلبس من أجناس الثياب وهذه لما يلبس من أنواعها، انتهى.
قلت: وقد تقدم أيضًا في قوله: "باب الطيب وما يلبس. . ." إلخ، فظاهره التكرار، ويمكن أن يقال: إن ذكره هناك كان تبعًا، وها هنا أصالة وقصدًا، أو يقال: إن هذا باعتبار الثياب، والأولى باعتبار الزوائد، أو يقال: إن هذا باعتبار ألوان الثياب.
(22 -
باب الركوب والارتداف في الحج)
سكت الشرَّاح عن غرضه فلا يبعد عندي لا سيما في توسيطه بين أبواب اللباس أن يقال: إن مطلق التقشف والمنع عن الترفه عن بعض أنواع الثياب ليس بمطلوب على الإطلاق، وذلك لأن في الركوب ترفهًا في مقابلة المشي كما لا يخفى لكنه صلى الله عليه وسلم اختاره لمصالح كما هو مذكور في محله، ومع ذلك اختار النبي صلى الله عليه وسلم الركوب على الرحل ميلًا إلى التقشف بقدر الإمكان كما تقدم شيء منه في "باب الحج على الرحل".
وقال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر: الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قصد بإردافه من ذكر ليحدث عنه بما يتفق له في تلك الحال من التشريع، انتهى.
(23 -
باب ما يلبس المحرم من الثياب. . .) إلخ
وتقدم الكلام عليه فيما سبق.
(1)
"فتح الباري"(3/ 405).
(2)
"فتح الباري"(3/ 405).
(24 -
باب من بات بذي الحليفة)
قال الحافظ
(1)
: والمراد من هذه الترجمة مشروعية المبيت بالقرب من البلد التي يسافر منها، ليكون أمكن من التوصل إلى مهماته التي ينساها مثلا، قال ابن بطال: ليس ذلك من سنن الحج، وإنما هو من جهة الرفق ليلحق به من تأخر عنه، قال ابن المنيِّر: لعله أراد أن يدفع توهم من يتوهم أن الإقامة بالميقات وتأخير الإحرام شبيه بمن تعداه بغير إحرام، فبيَّن أن ذلك غير لازم حتى ينفصل عنه، انتهى.
(25 -
باب رفع الصوت بالإهلال)
المراد بالإهلال ها هنا رفع الصوت بالتلبية، وكل رافع صوته بشيء فهو مهل به، وأما أهل القوم الهلال فأرى أنه من هذا لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته، وفي حديث الباب حجة للجمهور في استحباب رفع الأصوات بالتلبية، واختلف عن مالك فقال ابن القاسم عنه: لا يرفع صوته بالتلبية إلا في المسجد الحرام ومسجد منى، وقال في "الموطأ": لا يرفع صوته بالتلبية في مسجد الجماعات ولم يستثن شيئًا، ووجه الاستثناء أن المسجد الحرام جعل للحاج والمعتمر وغيرهما، وكان الملبّي إنما يقصد إليه فكان ذلك وجه الخصوصية، وكذلك مسجد منى، انتهى من "الفتح"
(2)
.
وفي "جزء حجة الوداع"
(3)
: رفع الصوت واجب عند الظاهرية كما حكاه غير واحد من نقلة المذاهب، ومستحب عند أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وقال في القديم: لا يرفع في مسجد الجماعات إلا المسجد الحرام، ومسجد منى، ومسجد عرفة. . . إلى آخر ما فيه.
(1)
"فتح الباري"(3/ 407).
(2)
"فتح الباري"(3/ 408).
(3)
"حجة الوداع"(ص 71).
(26 -
باب التلبية)
قال العيني
(1)
: أي: هذا باب في بيان كيفية التلبية، انتهى.
قال صاحب "الفيض"
(2)
: صرح علي القاري أنه يُستحب الوقوفُ في كلمات التلبية في أربعة مواضع: لبيك اللهم لبيك، لبّيك لا شريكَ لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريكَ لك، وفيه أيضًا: اعلم أن الإِحرامَ عندنا قوليٌّ وفعليٌّ. ونعني بالقولي التلبية، فإذا لبّى ناويًا فقد أحرم، وبالفعلي أن يسوقَ الهدْي ناويًا، فعلم أن المرء لا يصير مُحرمًا بمجرد النية ما لم يقرن معها قولٌ، أو فعل مخصوص بالحج، ثم لا يُشترط ذكر النسك أو النسكين في التلبية، بل كفى له النية، انتهى.
ثم اختلف العلماء في حكم التلبية، قال ابن رُشد
(3)
: اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية، واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير التلبية؟ فقال مالك والشافعي: تجزئ النية من غير التلبية، وقال أبو حنيفة: التلبية بالحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزئ عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية، كما في افتتاح الصلاة عندهم، وقال ابن قدامة
(4)
: يستحب للإنسان النطق بما أحرم به، فإن لم ينطق بشيء، واقتصر على مجرد النية كفاه في قول إمامنا ومالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية، حتى تنضاف إليها التلبية، أو سوق الهدي، انتهى.
وقال الحافظ
(5)
: في التلبية أربعة مذاهب يمكن توصيلها إلى عشرة، الأول: أنها سُنَّة لا يجب بتركها شيء وهو قول الشافعي وأحمد، الثاني: واجبة يجب بتركها دم، حكي ذلك عن بعض الشافعية ومالك وأبي حنيفة، قلت: هو مختار أصحاب الفروع من المالكية، الثالث: واجبة لكن يقوم
(1)
"عمدة القاري"(7/ 72).
(2)
"فيض الباري"(3/ 74).
(3)
"بداية المجتهد"(1/ 33).
(4)
"المغني"(5/ 91).
(5)
"فتح الباري"(3/ 411).
مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه بالطريق، وبهذا صدر ابن شاش من المالكية كلامه، وحكى صاحب "الهداية" من الحنفية مثله، الرابع: أنه ركن في الإحرام، حكي ذلك عن الثوري وأهل الظاهر وغيرهم، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
ثم معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام حين أذَّن بالناس في الحج، فقد روي عن ابن عباس أنه قال:"لما فرغ إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون"، وفي رواية عنه أيضًا وفيه:"فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ"، وقال ابن المنيِّر: وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه سبحانه وتعالى، كذا في "الفتح"
(1)
مختصرًا.
(27 -
باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال)
الظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار به إلى أن المندوب أن يشتغل بهذه الأوراد قبل الإحرام، فإن بعده يشتغل بالتلبية غالبًا.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: فيه إشارة إلى إتيان أدعية كل الأوقات والأحوال حسب ما وردت في الآثار، فيأتي بدعوة الركوب على الدابة أولًا، ثم يلبّي، وكذلك في أدعية الصباح والمساء، انتهى مختصرًا.
وما أفاده الشيخ أوجه وأوضح وإليه ميل الحافظ، ثم قال الحافظ
(3)
: قيل: أراد المصنف الرد على من زعم أنه يكتفى بالتسبيح وغيره عن التلبية،
(1)
"فتح الباري"(3/ 409).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 140).
(3)
"فتح الباري"(3/ 412).
ووجه ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أتى بالتسبيح وغيره، ثم لم يكتف به حتى لبّى، انتهى.
وأوضح العيني هذا الإيراد إذ قال
(1)
: قال صاحب "التوضيح": فيه رد على أبي حنيفة في قوله: من سبّح أو كبر أو هلل أجزأه من إهلاله.
قلت: هذا كلام واه صادر من غير معرفة بمذاهب العلماء إلى آخر ما رد عليه، وأنا أقول: العجب كل العجب أن الإمام البخاري على زعمهم أراد الرد على أبي حنيفة مع أنه قائل بوجوب التلبية ولو بإقامة ذكر آخر مقامها، ولم يرد الرد على من أنكر وجوب التلبية برأسها، كما هو مذهب الشافعية والحنابلة الذي تقدم ذكره في الباب السابق، فالحق أن الإمام البخاري لم يرد الرد على أحد بل أراد كما أفاده الشيخ قدس سره أن ما ورد في الروايات من "أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة العقبة" لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ الأدعية الأخر من أدعية الصباح والمساء والركوب، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
(28 -
باب من أَهلَّ حين استوت به راحلته)
قد تقدمت الإشارة إلى هذا الباب في "باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة"، والمقصود ها هنا بيان الجواز وهناك بيان الأفضلية.
(29 -
باب الإهلال مستقبل القبلة. . .) إلخ
قال المهلب: استقبال القبلة بالتلبية هو المناسب؛ لأنها إجابة بدعوة إبراهيم، ولأن المجيب لا يصلح له أن يولي المجاب ظهره بل يستقبله، انتهى من "الفتح"
(2)
.
(30 -
باب التلبية إذا انحدر في الوادي)
قال العلامة العيني
(3)
: أي: إذا انحدر المحرم في الوادي، وقد ورد
(1)
"عمدة القاري"(7/ 75).
(2)
"فتح الباري"(3/ 414).
(3)
"عمدة القاري"(7/ 84).
في الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود، انتهى.
قوله: (أما موسى كأني أنظر إليه. . .) إلخ، في "تراجم شيخ المشايخ الدهلوي"
(1)
: القصة مختصرة وتمامها أنه صلى الله عليه وسلم قال: إني رأيت موسى في المنام فكأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي، وابن عباس سمع هذا دون الأول، انتهى.
قلت: اختلفوا في شرح هذا القول على أقوال عديدة بسطت في "جزء حجة الوداع"
(2)
.
(31 -
باب كيف تُهلّ الحائض. . .) إلخ
هذا الباب الحادي عشر من الأبواب المصدرة بلفظ "كيف" وتقدمت هذه الترجمة في "كتاب الحيض" وما يتعلق بها، فارجع إليه، ومسألة الباب إجماعية، وهي صحة إحرام الحائض والنفساء، قال النووي تحت حديث:"نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر" الحديث: فيه صحة إحرام النفساء والحائض، واستحباب اغتسالهما للإحرام وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب، وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب، والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف وركعتيه، لقوله صلى الله عليه وسلم:"اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي"، انتهى.
(32 -
باب من أَهلَّ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. . .) إلخ
كأنه ذهب إلى مذهب المالكية في عدم جواز الإحرام المبهم إذ قيده في الترجمة بزمنه صلى الله عليه وسلم، انتهى من "الفتح"
(3)
.
(1)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 378).
(2)
"حجة الوداع"(ص 97).
(3)
"فتح الباري"(3/ 417).
قلت: واختلف شرَّاح البخاري في نقل المذاهب ها هنا، والعجب من العلامة العيني إذ حكى الجواز عن الشافعي فقط، بخلاف سائر العلماء، فحكى الحافظ جواز الإحرام المبهم عن الجمهور خلافًا للمالكية والكوفيين، والصواب أن الإحرام المبهم يجوز عند المالكية، صرح به الدردير، وفي الإحرام المعلق عندهم قولان، ويجوز كلا النوعين عندنا الحنفية كما في "شرح اللباب"، وقال: إن الإحرام المبهم يجوز إجماعًا، وكذا يجوز النوعان: المبهم والمعلق عند الحنابلة كما في "المغني"، وهذا هو تحقيق المذاهب فيه. والإحرام المبهم هو أن يحرم ولم يعين أحدًا من النسكين من الحج والعمرة، والمعلق أن يحرم كإحرام زيد مثلًا، وبسط الكلام عليه في "الأوجز" وهامش "اللامع"
(1)
.
(33 -
باب قول الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} . . .) إلخ
هذا الباب في الميقات الزماني، كما أن الأبواب السابقة كانت في الميقات المكاني، كذا في "الفيض"
(2)
. ثم الظاهر عندي: أن الترجمة مشتملة على الجزئين، الأول: في تعين أشهر الحج.
قال الحافظ
(3)
: أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة: أولها شوال، لكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكمالها وهو قول مالك ونقل عن "الإملاء" للشافعي، أو شهران وبعض الثالث وهو قول الباقين، ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون: عشر ليال من ذي الحجة، وهل يدخل يوم النحر أو لا؟ قال أبو حنيفة وأحمد: نعم، وقال الشافعي في المشهور المصحح عنه: لا، وقال بعض أتباعه: تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذ، انتهى.
والجزء الثاني من الترجمة: الإحرام قبل أشهر الحج، أعني مسألة
(1)
"لامع الدراري"(5/ 141).
(2)
"فيض الباري"(3/ 82).
(3)
"فتح الباري"(3/ 420).
تقديم الإحرام على الميقات الزماني، أشار إليه بقوله:"وقال ابن عباس. . ." إلخ.
والمسألة خلافية فقد قال الحافظ: اختلف العلماء في اعتبار هذه الأشهر هل هو على الشرط أو الاستحباب؟ فقال ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين: هو شرط فلا يصح الإحرام بالحج إلا فيها، وهو قول الشافعي، وسيأتي استدلال ابن عباس لذلك في هذا الباب، واستدل بعضهم بالقياس على الوقوف وبالقياس على إحرام الصلاة وليس بواضح؛ لأن الصحيح عند الشافعية أن من أحرم بالحج في غير أشهره انقلب عمرة تجزئه عن عمرة الفرض، وأما الصلاة فلو أحرم قبل الوقت انقلب نفلًا [بشرط أن يكون ظانًا دخول الوقت لا عالمًا] فاختلفا من وجهين، انتهى.
قوله: (وكره عثمان أن يحرم من خراسان. . .) إلخ، وبينه وبين مكة أكثر من مسافة أشهر الحج، فيستلزم أن يكون أحرم في غير أشهر الحج فكره ذلك عثمان، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(34 -
باب التمتع والإقران والإفراد. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أما التمتع فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة، ويطلق التمتع في العرف على القران أيضًا، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196]، أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضًا القران لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتع فسخ الحج أيضًا إلى العمرة، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 420).
(2)
"فتح الباري"(3/ 423).
وأما القِران فوقع في رواية أبي ذر "الإقران" بالألف وهو خطأ
(1)
من حيث اللغة، وصورته الإهلال بالحج والعمرة معًا، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه وهذا مختلف فيه.
وأما الإفراد فالإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع وفي غير أشهره أيضًا عند من يجيزه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء.
وأما فسخ الحج فالإحرام بالحج ثم يتحلل منه بعمل عمرة فيصير متمتعًا، وفي جوازه اختلاف، وظاهر تصرف المصنف إجازته، فإن تقدير الترجمة: باب مشروعية التمتع. . . إلخ، ويحتمل أن يكون التقدير: باب حكم التمتع. . . إلخ، فلا يكون فيه دلالة على أنه يجيزه، انتهى.
قلت: الظاهر الأول إذا ورد فيه حديث الفسخ لا تخصيص الفسخ بزمانه صلى الله عليه وسلم، كما أشار إلى التخصيص فيما سبق من "باب من أهل في زمنه صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ، لكن لم يرض به العيني، وأما ما أشار إليه الحافظ في صورة القِران بقوله:"أو عكسه"، وهذا مختلف فيه، فهي مسألة خلافية.
قال العيني
(2)
: اتفق العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة، واختلفوا في عكسه، فجوّزه أبو حنيفة والشافعي في القديم، ومنعه آخرون، وقالوا: كان خاصًا به صلى الله عليه وسلم، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، انتهى.
(1)
وهكذا قال العيني والقسطلاني، وأشار القسطلاني إلى أن المصنف فعله بقصد المشاكلة بين الإقران والإفراد، قلت: اتفاقهم على تخطئة البخاري عجيب فإن الإقران ثابت في اللغة، وقد ترجم الإمام أبو داود:"باب في الإقران"، وكتب شيخنا في "البذل": وفي نسخة "القِران" وهما بمعنى، قال في "القاموس" (ص 1128): قرن بين الحج والعمرة قِرانًا: جَمَعَ، كَأَقْرَنَ، انتهى، قال ابن الأثير "النهاية في غريب الأثر" (4/ 81) تحت قوله: نهى عن القِران، ويروى عن الإقران، قال الشيخ: فإذا روي الإقران في كلام الفصيح فكيف يقال: إنه غلط؟! (منه).
(2)
"عمدة القاري"(14/ 324).
ومما ينبغي أن يعلم أن الأئمة الأربعة - شكر الله سعيهم - اختلفوا في أفضل أنواع النسك، وهي ثلاثة على المشهور: القران، التمتع، الإفراد، واتفقت الأئمة الأربعة على جوازها، والنوع الرابع فسخ الحج إلى العمرة، وذكر هذه الأربعة البخاري في هذه الترجمة، وهذا الأخير هو المرجح عند الحنابلة، كما بسط في حاشية "اللامع"، لكن في "الأوجز"
(1)
في بيان المذاهب عن الإمام أحمد في ذلك روايتان: أفضلية التمتع، ثم الإفراد، ثم القران. والثانية: إن ساق الهدي فالقران أفضل وإن لم يسق فالتمتع أفضل. ومختار المالكية كما في فروعهم أفضلية الإفراد، ثم القران، ثم التمتع. وعن الشافعية في ذلك ثلاث روايات ذكرها النووي وقال: والصحيح تفضيل الإفراد، ثم التمتع، ثم القران، وهكذا في عامة فروعهم، لكن أفضلية الإفراد عندهم مشروطة بأن يعتمر في هذه السنة، وإلا فهما أفضل منه، كما صرح به شارح "الإقناع" وغيره. ومختار الحنفية القران، ثم التمتع، ثم الإفراد. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"، انتهى من "جزء حجة الوداع" مختصرًا.
قوله: (تصير الآن حجتك مكية) قال الحافظ
(2)
: يعني قليلة الثواب بقلة مشقتها، وقال ابن بطال: معناه إنك تنشئ حجك من مكة كما ينشئ أهل مكة منها فيفوتك فضل الإحرام من الميقات، انتهى، وبسط الكلام عليه الشيخ في "اللامع"
(3)
فارجع إليه.
(35 -
باب من لبى بالحج وسماه)
ظاهر كلام العيني
(4)
: أن الغرض الإشارة إلى أن التعيين والتسمية بأنواع الحج أولى، ويحتمل عندي في الغرض أن من لبّى بالحج وعيّنه وسمّاه فله الفسخ أيضًا كما يدل عليه الرواية، وهو مذهب أحمد.
(1)
"أوجز المسالك"(6/ 503).
(2)
"فتح الباري"(3/ 431).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 164).
(4)
"عمدة القاري"(7/ 116).
(36 -
باب التمتع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
-)
في الترجمة إشارة إلى الخلاف في ذلك وإن كان الأمر استقر بعد ذلك على الجواز.
وقوله: (قال رجل برأيه. . .) إلخ، قال ابن التين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان، وأغرب الكرماني فقال
(1)
: ظاهر سياق كتاب البخاري أن المراد به عثمان، وكأنه لقرب عهده بقصة عثمان مع علي، وذلك غير لازم فقد سبقت قصة عمر مع أبي موسى في ذلك، ووقعت لمعاوية أيضًا مع سعد بن أبي وقاص في "صحيح مسلم" قصة في ذلك، والأولى أن يفسر بعمر فإنه أول من نهى عنها وكأن من بعده كان تابعًا له في ذلك. وفي "مسلم" أيضًا: أن ابن الزبير كان ينهى عنها وابن عباس يأمر بها، فسألوا جابرًا فأشار إلى أن أول من نهى عنها عمر. ثم في حديث عمران هذا ما يعكر على عياض وغيره في جزمهم أن المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحج إلى العمرة لا العمرة التي يحج بعدها، فإن في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها متعة الحج، وفي رواية له أيضًا:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمر بعض أهله في العشر" وفي رواية له "جمع بين حج وعمرة" ومراده التمتع المذكور وهو الجمع بينهما في عام واحد كما سيأتي صريحًا في الباب وحده في حديث ابن عباس، من "الفتح"
(2)
.
(37 -
باب قول الله عز وجل: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} )
أي: تفسير قوله: {ذَلِكَ} في الآية إشارة إلى التمتع لأنه سبق ذكره، واختلف السلف في المراد بـ {حَاضِرِي الْمَسْجِدِ} فقيل: هم أهل مكة بعينها، وهو قول مالك واختاره الطحاوي، وقال طاوس وطائفة: هم أهل الحرم
(1)
"شرح الكرماني"(8/ 97).
(2)
"فتح الباري"(3/ 433).
وهو الظاهر، وقال مكحول: من كان منزله دون المواقيت، وهو قول الشافعي في القديم، وقال في الجديد: من كان من مكة على دون مسافة القصر، ووافقه أحمد، انتهى.
قلت: ومذهب الحنفية كقول الشافعي في القديم كما في حاشية الهندية، وقال السندي
(1)
تحت الباب: يحتمل وجهين: أحدهما: أن اسم الإشارة إشارة إلى التمتع، والمعنى التمتع مباح أو مشروع لغير المكي، وبه قال الحنفية، وإليه يشير كلام ابن عباس، فإِيراد المصنف يدل على أنه اختار هذا التفسير، والثاني: أنه إشارة إلى وجوب الدم أو الصوم، والمعنى وجوب أحد الأمرين على غير المكي، وأما المكي فإذا تمتع فلا يجب عليه شيء، وبه قال الجمهور، ويؤيده قرب المشار إليه، ويؤيد الأول اللام في قوله:{لِمَنْ لَمْ يَكُنْ} فإن المناسب بالمعنى الثاني كلمة "على"، وهذا التأييد أقوى من تأييد قرب المشار إليه، وكأنه لهذا مال المصنف إلى ترجيحه، والله أعلم، انتهى.
ويحتمل عندي في غرض المصنف بالترجمة أنه أراد تفسير الأهل وحاضري المسجد بأن المراد به التوطن لا مطلق الحضور كما يتوهم بلفظ حاضري المسجد، فإن الأزواج المطهرات ونساء الصحابة رضي الله عنهم كن معهم في السفر وجمع ذلك تمتعوا.
قوله: (وصوم ثلاثة أيام) اعلم أن المتمتع إذا لم يجد الهدي فعليه صيام عشرة أيام، وكذا حكم القارن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، واختلف أهل العلم في المراد بالحج، وفي المراد بالرجوع كما بسط في محله، ثم لكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان: وقت الجواز، ووقت الاستحباب، أما في الثلاثة فوقت الاستحباب عندنا الحنفية وأحمد ومالك: آخره يوم عرفة وقبله بيوم عند الشافعي، وأما وقت الجواز فبعد إحرام العمرة عندنا وأحمد، وعنه بعد الحل من العمرة، وبعد إحرام الحج
(1)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 274).
عند مالك والشافعي، وأما وقت السبعة فبعد أيام التشريق عندنا ومالك، وبعد الرجوع إلى الأهل عند الشافعي حتى لا تجوز في الطريق، وأما عند أحمد فالأول وقت الجواز، والثاني وقت الاستحباب، كذا في هامشي على "البذل"
(1)
والبسط في "الأوجز".
وفي هامش النسخة الهندية: قال العيني
(2)
: والمستحب في السبعة أن يكون صومها بعد رجوعه إلى أهله، إذ جواز ذلك مجمع عليه، ويجوز إذا رجع إلى مكة بعد أيام التشريق في مكة، وفي الطريق وهو قول مالك، وللشافعي أربعة أقوال أصحها عند رجوعه إلى أهله، انتهى. وقال أبو حنيفة: الرجوع هو الفراغ من أفعال الحج، كذا في "الكرماني"، انتهى من الهامش.
(38 -
باب الاغتسال عند دخول مكة)
وفي "الأوجز"
(3)
تحت حديث الباب: وهذا الغسل للطواف عند المالكية، ولذا لا تفعله الحائض، ولدخول مكة عند الأئمة الثلاثة، كما بسط في "الأوجز" عن كتب فروعهم، قال ابن المنذر: والاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء، وقال الشافعية: إن عجز عن الغسل تيمم، وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة، وإنما ذكره للطواف، والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف، انتهى.
(39 -
باب دخول مكة نهارًا وليلًا)
قال الحافظ
(4)
: وأما الدخول ليلًا فلم يقع منه صلى الله عليه وسلم إلا في عمرة
(1)
"بذل المجهود"(7/ 148)، و"أوجز المسالك"(6/ 623).
(2)
"عمدة القاري"(7/ 120).
(3)
"أوجز المسالك"(6/ 345).
(4)
"فتح الباري"(3/ 436).
الجعرانة، كما رواه أصحاب السنن من حديث محرش الكعبي، وترجم عليه النسائي "دخول مكة ليلًا"، انتهى.
وقال الكرماني
(1)
: كلمة ثم للتراخي فهو أعم [من] أن يدخله نهار تلك الليلة أو ليلة التي بعدها، أو علم منه الدخول نهارًا، ودخوله ليلًا ثابت في عمرة الجعرانة ذكرهما في الترجمة، وذكر حديث الدخول نهارًا لكونه على شرطه، وسكت عن حديث الدخول ليلًا لعدم كونه على شرطه ونبَّه بذكره ليلًا على ذلك، انتهى من هامش الهندية.
قلت: ويحتمل أن يكون غرضه أن دخول النهار اتفاقي، أي: هما سواء فهو إشارة إلى أحد المذاهب الآتية.
ثم المسألة خلافية ففي "جزء حجة الوداع"
(2)
: الأولى عند الجمهور أن يدخلها نهارًا، وفيه أربعة مذاهب كما في "الأوجز"، وفيه: يندب دخول مكة نهارًا عند مالك والحنفية، وهو أصح الوجهين للشافعية، والثاني هما سواء، وإليه مال الموفق، وحكى النووي عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وغيرهما أفضلية الليل، ومنهم من فرق بين الإمام وغيره، بأن من كان إمامًا يقتدى به يستحب له أن يدخل نهارًا ليراه الناس، انتهى.
(40 -
باب من أين يدخل مكة
؟)
وثبت بحديث الباب أنه صلى الله عليه وسلم يدخل من الثنية العليا هي التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة يقال لها: كداء بالفتح والمد، ثم الدخول منها مندوب عند الجمهور مطلقًا، وعند المالكية: يندب لمن أتى من طريق المدينة سواء كان من أهلها أو لا، وأما من أتى من غير طريقها فلا يندب له الدخول منها، وإن كان مدنيًّا، كذا في "الأوجز"
(3)
.
(1)
"شرح الكرماني"(8/ 99).
(2)
"حجة الوداع"(ص 98)، و"أوجز المسالك"(6/ 358).
(3)
"أوجز المسالك"(6/ 358).
وقال ابن القيم في "الهدي": وكان في العمرة يدخل من أسفلها، ولعل مستدله في ذلك ما في أبي داود
(1)
من حديث عائشة: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة من كدى"، لكن الشيخ قُدِّس سِرُّه بسط الكلام في "البذل"
(2)
على أن هذه الرواية مضطربة، انتهى، كذا في "جزء حجة الوداع".
(41 -
باب من أين يخرج من مكة
؟)
وظهر من الحديث أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يخرج من الثنية السفلى، وهي التي أسفل مكة عند باب شبيكة، يقال لها: كُدىً، بضم الكاف مقصورًا بقرب شعب الشاميين، وشعب ابن الزبير عند قعيقعان، كذا في "العيني"
(3)
. قال الحافظ
(4)
: قال النووي: واختلف في المعنى الذي لأجله خالف صلى الله عليه وسلم بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من في طريقيه، وذكر شيئًا مما تقدم في العيد، وقد استوعبت ما قيل فيه هناك، وبعضه لا يتأتى اعتباره هنا، انتهى مختصرًا.
وقال في "باب من خالف في الطريق" من "كتاب العيدين": اختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولًا قد لخصتها وبيّنت الواهي منها، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
قوله: (من كدى من أعلى مكة) قال الحافظ
(5)
: والصواب ما رواه غيره: دخل من كداء من أعلى مكة، انتهى، ووجهه الشيخ قُدِّس سِرُّه في "اللامع"
(6)
بتوجيه وبسط الكلام عليه في هامشه.
(1)
"سنن أبي داود"(ح: 1868).
(2)
"بذل المجهود"(7/ 269)، و"حجة الوداع"(ص 99).
(3)
"عمدة القاري"(7/ 122).
(4)
"فتح الباري"(3/ 438).
(5)
"فتح الباري"(3/ 437).
(6)
"لامع الدراري"(5/ 167).
(42 -
باب فضل مكة وبنيانها. . .) إلخ
قال السندي
(1)
: ما ذكر في فضلها وفضل بنيانها إلا ما يتعلق ببناء الكعبة من الأحاديث، وفيه إشعار بأن بناء الكعبة فيه شرف وفضل لها ولبانيها وأهلها أيُّ فضلٍ، وفخر أيُّ فخر، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: قوله: (ذهب النبي صلى الله عليه وسلم والعباس. . .) إلخ، يمكن منه استنباط فضل مكة أيضًا حيث حمل أحجارَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم على عاتقه الشريف، انتهى.
وقال العيني
(3)
: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "لما بنيت الكعبة. . ." إلخ، فإن قلت: الترجمة بنيان مكة، وفي الحديث بنيان الكعبة.
قلت: بنيان الكعبة كان سببًا لبنيان مكة، وبين السبب والمسبب ملائمة، فيستأنس بهذا وجه المطابقة، وبسط ابن القيم في مبدإ "الهدي" الكلام على فضل مكة، وذكرت الشرَّاح ها هنا بيان بعض أبنية الكعبة، وبسط الكلام عليها في "الأوجز" وبسط فيها أبنيتها العشرة المعروفة مفصلًا، ولخصتها في هامش "اللامع".
(43 -
باب فضل الحرم. . .) إلخ
أي: الحرم المكي، وهو ما أحاط بمكة، وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسمي حرمًا لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع، وحده من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، وقيل: أربعة، ومن طريق اليمن طرف أضاة لبِن بفتح الهمزة والضاد المعجمة، واللبن بكسر اللام وسكون الموحدة على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، ومن طريق
(1)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 275).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 168).
(3)
"عمدة القاري"(7/ 129).
الجعرانة على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعه أميال، وقيل: ثمانية، ومن طريق جدة عشرة أميال، وقال الرافعي: ومن العراق على سبعة. وقال ابن سراقة: ومسافة الحرم ستة عشر ميلًا في مثلها. والسبب في بُعد بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل: إن الله تعالى لما أهبط على آدم بيتًا من ياقوتة أضاء له ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجن والشياطين ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكة فحفوا بمكة، فوقفوا مكان الحرم. وذكر بعض أهل الكشف والمشاهدات أنهم يشاهدون تلك الأنوار واصلة إلى حدود الحرم فحدود الحرم موضع وقوف الملائكة. وقيل: إن الخليل لما وضع الحجر الأسود في الركن أضاء له نور وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين فوقفت عند الأعلام فبناها الخليل عليه السلام حاجزًا، رواه مجاهد عن ابن عباس، مختصرًا من "القسطلاني"
(1)
.
(44 -
باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها. . .) إلخ
وبه قال الجمهور والطحاوي، وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يحل بيعها ولا إجارتها، وخالفه أبو يوسف واختلف على محمد، كذا في "الفتح"
(2)
.
قلت: وذكر المغني عن أحمد روايتين وكذا في "الشرح الكبير" وذكرا مذهب مالك موافقًا للحنفية، وما زعموا أن الغرض من الترجمة الرد على الحنفية فليس بصحيح عندي لأنهم لم يقولوا: بمنع بيع بيوت مكة بل أرضها كما في "الهداية"، وبسط الكلام عليه في "اللامع" وهامشه أشد البسط.
وقوله: (سواء خاصة. . .) إلخ، قيد للمسجد الحرام، أي: المساواة إنما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكة كما قال به أبو حنيفة.
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 115).
(2)
"فتح الباري"(3/ 450).
قال الشيخ في "اللامع"
(1)
: ظاهر استدلاله بالآية أن المذكور في معرض المساواة هو المسجد الحرام لا غير، فيكون غير المسجد من أراضي مكة أولى بالمالك وأحق بتصرفه، ودلالة الرواية عليه من حيث إطلاق دارك بالإضافة وهو علامة الملك، وكذلك قول الراوي:"ورث أبا طالب" يدل على جريان الإرث فيها، والجواب أن تخصيص ذكر المسجد باستواء حقوقهم لا ينفي الاستواء في غير المسجد مع أن علة الحكم وهو التضييق على الحاج مشتركة، وأما الإرث والإضافة المذكورتان في الرواية فباعتبار البناء أو سبق اليد كمن جلس في مسجد فوضع ثمة ثوبه، أو ألقى خيمته في وادي منى وغيره، فإنه أحق به من غيره لسبق يده ولا تملك هنا، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام عليه وفيه: قال الجصاص في "أحكام القرآن"
(2)
: قال الله تعالى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25]، روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مكة مناخ لا تباع رباعها، ولا تؤاجر بيوتها"، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا يرون الحرم كله مسجدًا سواء العاكف فيه والبادي، وفيه أيضًا: بسط الشيخ ابن القيم في "الهدي" في ذلك فقال: المراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]، فهذا المراد به الحرم كله، وقال تعالى:{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ} الآية [البقرة: 196]، وليس المرد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقًا. . . إلى آخر ما فيه.
(45 -
باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم مكة. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: أي: موضع نزوله، ووقع هنا في نسخة الصغاني "قال أبو عبد الله: نسبت الدور إلى عقيل، وتورث الدور وتباع وتشترى"
(1)
"لامع الدراري"(5/ 171).
(2)
"أحكام القرآن" للجصاص (3/ 228).
(3)
"فتح الباري"(3/ 453).
قال الحافظ: والمحل اللائق بهذه الزيادة الباب الذي قبله لما تقدم تقريره، انتهى.
(46 -
باب قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ} . . .) إلخ
لم يذكر في هذه الترجمة حديثًا، وكأنه أشار إلى حديث ابن عباس في قصة إسكان إبراهيم لهاجر وابنها في مكان مكة، وسيأتي مبسوطًا في "أحاديث الأنبياء" فوقع في شرح ابن بطال ضم هذا الباب إلى الذي بعده فقال بعد قوله:{يَشْكُرُونَ} : وقول الله: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ. . .} إلخ [المائدة: 97]، ثم قال: فيه أبو هريرة، فذكر أحاديث الباب الثاني، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قلت: ويمكن أن يقال: إن الترجمة ثبتت بالحديث الآتي كما شرح به الحافظ الترجمة الآتية، أي: ما دامت قائمة فالأمن قائم، فعلى هذا تكون الترجمة من الأصل السابع والعشرين من أصول التراجم.
(47 -
باب قول الله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} . . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: كأنه يشير إلى أن المراد بقوله: "قيامًا" أي: قوامًا، وأنها ما دامت موجودةً فالدين قائم، ولهذه النكتة أورد في الباب قصة هدم الكعبة في آخر الزمان، وقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية فقال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة، وعن عطاء قال: قيامًا للناس لو تركوه عامًا لم ينظروا أن يهلكوا، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 454).
(2)
"فتح الباري"(3/ 455).
قال العيني
(1)
في حديث عائشة في صوم عاشوراء: وجه المناسبة أن غرض الترجمة تعظيم الكعبة وهو يحصل بسترها، انتهى.
قوله: (والأول أكثر) كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: أي: أقوى إسنادًا لكثرة رواته، وأنت تعلم أنه لا منافاة بين الروايتين فإن صدق الإثبات لا يتوقف إلا على الوجوب ولو مرة، فيمكن أن يحج البيت بعد يأجوج ومأجوج، ثم لا يحج إلى قيام الساعة، والذي أشكل على المؤلف أنه فهم من الحج بعدهما امتداده إلى نفخ الصور، فجعل بين الحديثين معارضة، وليس كذلك، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: بسط الكلام في زمان هدم الكعبة في "الإشاعة لأشراط الساعة" وقال: اختلفوا فيه هل هو في زمن عيسى عليه السلام أو عند قيام الساعة حين لا يبقى أحد يقول: الله الله؟ انتهى.
(48 -
باب كسوة الكعبة)
أي: حكمها في التصرف فيها، ونحو ذلك، قال ابن المنيِّر
(3)
: يحتمل أن يكون مقصوده التنبيه على أن كسوة الكعبة مشروع، والحجة فيه أنها لم تزل تقصد بالمال يوضع فيها على معنى الزينة إعظامًا لها والكسوة من هذا القبيل، انتهى.
قوله: (لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء) كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: فيه الترجمة حيث ثبت أن البيت كان له مال وليس إلا لينفق عليه عند الضرورة، ومن حوائجه الكسوة، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام في مناسبة الحديث بالترجمة وذكر فيه عن
(1)
"عمدة القاري"(7/ 153).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 178).
(3)
"المتواري"(ص 138).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 180).
العيني ست وجوهات في المناسبة، وقال السندي
(1)
: موافقة الحديث بالترجمة إما باعتبار أن الحديث يدل على أن تعظيم الكعبة بوضع الأموال فيها مشروع معتاد من قديم الزمان، وقد قرره الشارع ورجع عمر عما قصد من تقسيمها إلى إبقائها على حالها، فإذا كان ذلك التعظيم مشروعًا مع أنه أمر غير ظاهر فكون التعظيم بالكسوة مع أنه تعظيم ظاهر وزينة باهرة مشروعًا بالأولى، وإما باعتبار أن عمر رأى قسمة أموال الكعبة لا وضعها في كسوتها دون حاجة المسلمين، وبه يعلم أنه ينبغي قسمة الكسوة بين المحتاجين إذا نزعت، والله تعالى أعلم، انتهى.
(49 -
باب هدم الكعبة)
قال الحافظ
(2)
: أي: في آخر الزمان، وقال أيضًا تحت حديث الباب: قيل: هذا الحديث يخالف قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: 67]، ولأن الله تعالى حبس عن مكة الفيل ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة ولم تكن إذ ذاك قبلة فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟ وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله، كما ثبت في "صحيح مسلم"، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشام في زمن يزيد بن معاوية وغير ذلك من الوقائع من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاث مائة فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى كثرة، وكل ذلك لا يعارض قوله:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين، وهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم:"ولن يستحل هذا البيت إلا أهله" فوقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها، والله أعلم، انتهى.
(1)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 278).
(2)
"فتح الباري"(3/ 461).
(50 -
باب ما ذكر في الحجر الأسود)
قال الحافظ
(1)
: أورد فيه حديث عمر في تقبيل الحجر، وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وردت فيه أحاديث؛ منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا:"إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" أخرجه أحمد والترمذي
(2)
وصححه ابن حبان، ومنها حديث ابن عباس مرفوعًا:"نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن" الحديث، أخرجه الترمذي
(3)
، انتهى.
قلت: الظاهر عندي أن الغرض من الترجمة إثبات الفضل له، وقد ورد في فضله عدة أحاديث كما تقدم عن "الفتح" إلا أنها لما لم تكن على شرطه فأثبت الفضل في الجملة بحديث الباب بتقبيله صلى الله عليه وسلم.
(51 -
باب إغلاق البيت. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: أورد فيه حديث ابن عمر عن بلال. وتُعقب بأنه يغاير الترجمة من جهة أنها تدل على التخيير، والفعل المذكور يدل على التعيين، وأجيب بأنه حمل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموضع بعينه على سبيل الاتفاق لا على سبيل القصد بزيادة فضل في ذلك المكان على غيره، ويحتمل أن يكون مراده أن ذلك الفعل ليس حتمًا وإن كانت الصلاة في تلك البقعة التي اختارها النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من غيرها، وظاهر الترجمة أنه يشترط للصلاة في جميع الجوانب إغلاق الباب ليصير مستقبلًا في حال الصلاة غير الفضاء، والمحكي عن الحنفية الجواز مطلقًا، وعن الشافعية وجه مثله لكن بشرط أن يكون للباب عتبة بأي قدر كانت، ووجه يشترط أن يكون قدر قامة المصلي،
(1)
"فتح الباري"(3/ 462).
(2)
"مسند أحمد"(2/ 214)، و"سنن الترمذي"(878).
(3)
"سنن الترمذي"(877).
(4)
"فتح الباري"(3/ 463).
ووجه أن يكون قدر مُؤَخَّر الرِّجْل وهو المصحح عندهم، وأما قول بعض الشارحين: إن قوله: "ويصلي في أي نواحي البيت شاء" يعكر على الشافعية فيما إذا كان البيت مفتوحًا ففيه نظر؛ لأنه جعله حيث يغلق الباب، وبعد الغلق لا توقف عندهم في الصحة، انتهى.
قلت: وفيه أن في الترجمة جزآن مستقلان لا أن أحدهما قيد للآخر، لكن يعكر عليه أن الجزء الأول من الترجمة قد تقدم في "كتاب الصلاة" من "باب الأبواب والغلق للكعبة"، فتأمل.
(52 -
باب الصلاة في الكعبة)
لعل غرض المصنف بيان جوازها، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز"
(1)
، وفيه: حكي عن ابن عباس: لا تصح الصلاة فيها مطلقًا للزوم الاستدبار، وبه جزم بعض أهل الظاهر وابن جرير وأصبغ المالكي، والجمهور على الجواز مع الاختلاف فيما بينهم هل يختص الجواز بالنوافل كما قال به مالك وأحمد، أو يعم الفرائض أيضًا كما قال به الحنفية والشافعي.
(53 -
باب من لم يدخل الكعبة. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: كأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم أن دخولها من مناسك الحج، واقتصر المصنف على الاحتجاج بفعل ابن عمر لأنه أشهر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم دخول الكعبة، فلو كان دخولها عنده من المناسك لما أخل به مع كثرة اتباعه، انتهى.
قلت: أنكر كونه من النسك ابن القيم وغيره، والجمهور على الندب كما بسط في "الأوجز"
(3)
، ويحتمل أن المصنف أراد أن دخوله ليس على
(1)
"أوجز المسالك"(8/ 150).
(2)
"فتح الباري"(3/ 467).
(3)
"أوجز المسالك"(8/ 154).
الوجوب، ثم قال الحافظ: استدل المحب الطبري بحديث الباب على أنه صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة في حجته، وفي فتح مكة، ولا دلالة فيه على ذلك لأنه لا يلزم من نفي كونه دخلها في عمرته أنه دخلها في جميع أسفاره، والله أعلم، انتهى.
وفي "جزء حجة الوداع"
(1)
: والجملة أنه لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة في عمرة القضاء إجماعًا ودخلها عام الفتح إجماعًا، واختلفوا في دخوله في حجة الوداع أنكره الشيخ ابن القيم وكذا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية والنووي، وذكر ابن سعد دخوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وكذا مال إليه البيهقي، وإليه ميل ابن حبان أيضًا، وذهب السهيلي وابن الهمام إلى أنه صلى الله عليه وسلم دخلها في حجة الوداع مرتين: يوم النحر ولم يصل فيه، ودخلها من الغد وصلى فيه. . .، إلى آخر ما بسط فيه.
(54 -
باب من كبَّر في نواحي الكعبة)
أورد فيه حديث ابن عباس "أنه صلى الله عليه وسلم كبَّر في البيت ولم يصلّ فيه" واحتج به مع كونه يرى تقديم حديث بلال في إثباته الصلاة فيه عليه، ولا معارضة في ذلك بالنسبة إلى الترجمة؛ لأن ابن عباس أثبت التكبير ولم يتعرض له بلال، وبلال أثبت الصلاة ونفاها ابن عباس فاحتج المصنف بزيادة ابن عباس، انتهى.
قلت: ولذا لم يذكر في الترجمة: ولم يصل، مع أنه موجود في الحديث، والأوجه عندي في غرض الترجمة أنهم اختلفوا في الصلاة في الكعبة فمن مثبت لها وناف لها، ومال المصنف إلى الأول، ولذا جزم به في الترجمة السابقة، وحديث الباب هذا مستدل من نفاها، ولذا ذكره بباب من كبر كما هو المعروف من دأبه هذا، وقال ابن عباس: وقد سئل كيف
(1)
"حجة الوداع"(ص 360).
أصلي في البيت؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبح وتكبر ولا تركع، ولا تسجد، ثم عند أركان البيت سبح وكبر وتضرع واستغفر ولا تركع ولا تسجد، انتهى من "الفتح"
(1)
، فيحتمل أن المصنف أشار إلى هذا.
(55 -
باب كيف كان بدء الرمل)
وهذا الباب الثاني عشر من الأبواب المبدوءة بلفظ "كيف"، قال الحافظ
(2)
: أي: ابتداء مشروعيته، وهو بفتح الراء والميم هو الإسراع، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه، انتهى.
وفي القسطلاني
(3)
: هو شرعة المشي مع تقارب الخطا دون العدو والوثوب فيما قاله الشافعي، وقال المتولي: تكره المبالغة في الإسراع، وعند الحنفية: هو أن يهز كتفيه في مشيه كالمتبختر بين الصفين، وفي "جزء حجة الوداع"
(4)
في الرمل سبعة أبحاث بسطت في "الأوجز".
(56 -
باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة. . .) إلخ
أورد فيه حديث ابن عمر في ذلك وهو مطابق للترجمة من غير مزيد، هكذا في "الفتح" و"العيني"
(5)
.
لكن الظاهر عند هذا العبد الضعيف أن الترجمة مشتملة على جزئين؛ أحدهما: استلام الحجر أول ما يطوف، وثانيهما: ما أشار إليه بقوله: "ويرمل ثلاثًا" ولم يتعرض الشرَّاح لذلك.
وعلى هذا أشار بالجزء الأول من الترجمة إلى مسألة خلافية كما في
(1)
"فتح الباري"(3/ 468).
(2)
المصدر السابق (3/ 470).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 141).
(4)
"حجة الوداع"(ص 104)، و"أوجز المسالك"(7/ 348).
(5)
"فتح الباري"(3/ 470)، و"عمدة القاري"(7/ 178).
"الأوجز" و"حجة الوداع"
(1)
من أن الجمهور لم يفرقوا في الاستلام بين الطواف الواجب والتطوع، وبه قال جماعة من المالكية خلافًا لما في "المدونة" من تخصيصه بالواجب، وطواف القدوم واجب عند المالكية خلافًا للجمهور فإنهم قالوا بسُنِّيته على الراجح عنهم، فلعل المصنف مال إلى قول المالكية، والله أعلم.
وأما الجزء الثاني من الترجمة فهو قوله: "يرمل ثلاثًا" لعل فيه تأييدًا لأحد قولي الشافعي: إن الرمل في طواف القدوم سواء سعى بعده أو لا، والجمهور على قوله الثاني المشهور وهو أنه في كل طواف بعده سعي كما قال النووي في "شرح مسلم"، ويمكن أن يقال: إنه أشار بهذا الجزء الثاني إلى الرد على من أنكر بقاء مشروعية الرمل، كما روي عن ابن عباس، أو على من أنكر تعميم الرمل لجميع الشوط بل خصَّه بغير ما بين الركنين اليمانيين.
(57 -
باب الرمل في الحج والعمرة)
قال الحافظ
(2)
: والقصد إثبات بقاء مشروعيته، وهو الذي عليه الجمهور، وقال ابن عباس: ليس هو بسُنَّة، من شاء رمل ومن شاء لم يرمل، انتهى.
ويحتمل عندي أن الغرض منه بيان إثبات التعميم لكل حاج ومعتمر، وردٌّ على من قال: ليس على المكي الرمل كما قال به أحمد ومالك خلافًا للحنفية والشافعية.
(58 -
باب استلام الركن بالمحجن)
قال الحافظ
(3)
تحت حديث الباب: وبهذا قال الجمهور أن السُّنَّة أن يستلم الركن ويقبِّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده وقبّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية: لا
(1)
"أوجز المسالك"(7/ 370)، و"حجة الوداع"(ص 103).
(2)
"فتح الباري"(3/ 471).
(3)
"فتح الباري"(3/ 473).
يقبِّل يديه، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل، انتهى.
(59 -
باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانين. . .) إلخ
الأسود الذي يليه، دون الركنين الشاميين، وذلك لأن اليمانيين على القواعد الإبراهيمية، ففي الركن الأسود فضيلتان: كون الحجر فيه، وكونه على القواعد، وفي الثاني الثانية فقط، ومن ثم خص الأول بمزيد تقبيله دون الثاني، انتهى من "القسطلاني"
(1)
.
وأما الركنان الباقيان فلا يقبَّلان ولا يمسان؛ لأن البيت غير متمم على قواعد إبراهيم، فهذان الركنان ليسا على ركنيتهما؛ بل هما وسط الجدار الشرقي والغربي، كذا في "البذل"
(2)
.
وفي هامشي على "البذل": وإلى هذا التفصيل ذهب الجمهور كما بسطه الحافظ في "الفتح"
(3)
، والموفق، ورد على الخرقي إذ قال: يقبل الركن اليماني أيضًا.
وقال القسطلاني
(4)
: وحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل الركن اليماني ووضع خده عليه، رواه جماعة منهم ابن المنذر والحاكم وصححه وضعفه بعضهم، وعلى تقدير صحته فهو محمول على الحجر الأسود، وإذا استلمه قبَّل يده على الأصح عند الشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو المنصوص في "الأم". . . إلى آخر ما بسطه. وفيه: وكذا تقبيل نفس الركن لا بأس به كما جزم به في "الأم" واستحبه بعض الشافعية ونقل عن محمد بن الحسن، انتهى من "القسطلاني".
قال القاضي عياض: اتفق الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، وإنما كان الخلاف في العصر الأول بين بعض الصحابة والتابعين، ثم ذهب الخلاف، انتهى.
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 147).
(2)
"بذل المجهود"(7/ 281).
(3)
"فتح الباري"(3/ 474).
(4)
"إرشاد الساري"(4/ 149).
قال القاري في شرح "اللباب"
(1)
: أما الركنان الآخران فلا استلام فيهما، ولا إشارة بهما، بل هما بدعة مكروهة باتفاق الأربعة، انتهى من "الأوجز"
(2)
.
قوله: (وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن) وهذا يحتمل أن يكون مذهبه أنه ليس من البيت شيئًا مهجورًا، كما روى عنه ابن أبي شيبة، ويروى نحو ذلك عن معاوية، ويحتمل أن يكون فعله بعد ما أتم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم كما حمله عليه ابن القصار وتبعه ابن التين، فزال مانع عدم استلامهما، وعلى هذا لا خلاف بينه وبين الجمهور، وأما على الأول فكان فيه خلاف في السلف، انتهى من "الأوجز"
(3)
بزيادة.
(60 -
باب تقبيل الحجر)
قال القسطلاني
(4)
: أي: مشروعيته بوضع الشفة عليه من غير تصويت ولا تطنين كما قاله الشافعي.
وقال الحافظ
(5)
: ويستفاد من حديث ابن عمر حديث الباب استحباب الجمع بين التسليم والتقبيل، والاستلام: المسح باليد والتقبيل بالفم، وروي عن ابن عمر أنه قال:"استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلًا" الحديث، انتهى.
وفي "جزء حجة الوداع"
(6)
: اعلم أنهم اختلفوا ها هنا في عدة مسائل:
الأولى: أن الجمهور لم يفرقوا في الاستلام بين الطواف الواجب والتطوع، خلافًا لما في "المدونة" من تخصيصه بالواجب.
والثانية: في التقبيل بالصوت، أباحه غير واحد من المالكية، خلافًا للجمهور.
(1)
(ص 64).
(2)
"أوجز المسالك"(7/ 369).
(3)
المصدر السابق (7/ 368).
(4)
"إرشاد الساري"(4/ 149).
(5)
"فتح الباري"(3/ 375).
(6)
"حجة الوداع"(ص 103).
والثالثة: السجدة عليه مكروه عند مالك، ومختلف عند الحنفية والمرجح ندب السجود، وبه قال الشافعي وأحمد.
والرابعة: تقبيل اليد أو غيره مما استلم به الحجر مندوب عند الثلاثة خلافًا لمالك.
والخامسة: إن تعذر الاستلام يكبر عند مالك بدون الإشارة إليه، وعند أحمد يشير إليه أيضًا بدون تقبيل ما أشار به، ويقبِّله أيضًا عند الشافعي والحنفية، انتهى.
(61 -
باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه)
أي: في الطواف عند عجزه عن استلامه، والمراد بالركن الأسود، قال القسطلاني
(1)
: وفي "الهداية"
(2)
: ويستلم الحجر كلما مرَّ؛ لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة، فكما يفتتح كل ركعة بالتكبير يفتتح كل شوط باستلام الحجر، وإن لم يستطع الاستلام استقبل، وكبر وهلل، انتهى.
قلت: وهل يقبل ما أشار به أو لا؟ خلافية كما تقدم في الباب السابق، وأيضًا قد تقدم أنه لا إشارة عند المالكية بل عندهم يكبر إذا حاذاه ويمضي ولا يشير بيده.
(62 -
باب التكبير عند الركن)
قال الحافظ
(3)
في حديث الباب: فيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة، انتهى.
وقال القسطلاني
(4)
: واستحب الشافعية والحنابلة أن يقول في ابتداء الطواف واستلام الحجر: بسم الله والله أكبر اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعًا لسُنَّة نبيِّك محمد صلى الله عليه وسلم. وصح في أبي داود
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 151).
(2)
"الهداية"(1/ 138).
(3)
"فتح الباري"(3/ 476).
(4)
"إرشاد الساري"(4/ 152).
والنسائي وغيرهما أنه عليه الصلاة والسلام قال بين الركنين اليمانيين: "رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"، إلى أن قال: والصحيح عند الحنابلة أنه لا بأس بقراءة القرآن، وجزم صاحب "الهداية" في "التجنيس" بأن ذكر الله أفضل منها فيه، وكرهها المالكية، انتهى.
(63 -
باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة. . .) إلخ
قال ابن بطال
(1)
: غرضه بهذه الترجمة الرد على من زعم أن المعتمر إذا طاف حلَّ قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، فأراد أن يبيِّن أن قول عروة:"فلما مسحوا الركن حلُّوا" محمول على أن المراد لما استلموا الحجر الأسود وطافوا وسعوا حلوا، بدليل حديث ابن عمر الذي أردفه به في هذا الباب.
وقال النووي: لا بد من تأويل قوله: "مسحوا الركن" لأن المراد به الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بالإجماع، فتقديره: فلما مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا حلوا، وحذفت هذه المقدرات للعلم بهذا لظهورها، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل تمام الطواف. ثم مذهب الجمهور أنه لا بد من السعي بعده ثم الحلق. وتعقب بأن المراد بمسح الركن الكناية عن تمام الطواف، فالمعنى فلما فرغوا من الطواف حلُّوا، وأما السعي والحلق فمختلف فيهما كما قال، انتهى.
قال الكرماني
(2)
: قال القاضي: قال ابن عباس وإسحاق بن راهويه: المعتمر يتحلل بعد الطواف، وإن لم يسع، وبسط الحافظ في الروايات عن ابن عباس في ذلك وقال: ولمسلم من طريق قتادة: "قال رجل لابن عباس: ما هذه الفتيا إن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سُنَّة نبيكم وإن رغمتم"،
(1)
"شرح ابن بطال"(4/ 294)، و"فتح الباري"(3/ 377).
(2)
"شرح الكرماني"(8/ 127).
ثم قال الحافظ: وعرف أن هذا مذهب لابن عباس خالف فيه الجمهور ووافقه فيه ناس منهم إسحاق بن راهويه، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
قلت: وإلى هذا أشار الإمام البخاري أيضًا في أبواب العمرة في "باب متى يحل المعتمر".
(64 -
باب طواف النساء مع الرجال)
أي: هل يختلطن بهم أو يطفن معهم على حدة بغير اختلاط أو ينفردن، قاله الحافظ
(1)
، وأيضًا قال: وظاهر حديث الباب أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهي عن النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء قال: فرأى رجلًا معهن فضربه بالدرة، وهذا إن صح لم يعارض الأول؛ لأن ابن هشام منعهن أن يطفن حين يطوف الرجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه عطاء واحتج بصنيع عائشة، وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر، قال الفاكهي: ويذكر عن ابن عيينة أن أول من فرَّق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله القشيري، انتهى.
وهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتًا ثم تركه فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان، وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة، انتهى.
(65 -
باب الكلام في الطواف)
أي: إباحته، وإنما لم يصرح بذلك لأن الخبر ورد في كلام يتعلق بأمر بمعروف، لا بمطلق الكلام، ولعله أشار إلى الحديث المشهور عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا:"الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام، ومن نطق فلا ينطق إلا بخير" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقد استنبط منه ابن عبد السلام: أن الطواف أفضل
(1)
"فتح الباري"(3/ 480).
أعمال الحج؛ لأن الصلاة أفضل من الحج فيكون ما اشتملت عليه أفضل، قال: وأما حديث "الحج عرفة" فلا يتعين، التقدير: معظم الحج عرفة، بل يجوز إدراك الحج بالوقوف بعرفة.
قال الحافظ
(1)
: وفيه نظر، ولو سلم فما لا يتقوم الحج إلا به أفضل مما ينجبر، والوقوف والطواف سواء في ذلك فلا تفضيل، انتهى.
وقال الحافظ
(2)
أيضًا تحت حديث الباب: قال ابن بطال في هذا الحديث: إنه يجوز للطائف فعل ما خف من الأفعال وتغيير ما يراه الطائف من المنكر، وفيه الكلام في الأمور الواجبة والمستحبة والمباحة، قال ابن المنذر: أولى ما شغل المرء به نفسه في الطواف ذكر الله تعالى وقراءة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح، وحكى ابن التين خلافًا في كراهة الكلام المباح، وعن مالك تقييد الكراهة بالطواف الواجب، قال ابن المنذر: واختلفوا في القراءة، فكان ابن المبارك يقول: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، واستحبه الشافعي، وقيَّده الكوفيون بالسر، وروي عن الحسن كراهته، وعن مالك أنه محدث، وعنه: أنه لا بأس إذا أخفاه ولم يكثر منه، انتهى.
وقال الموفق
(3)
: يستحب أن يدع الحديث، إلا ذكر الله [تعالى]، أو قراءة القرآن، أو أمرًا بالمعروف، [أو نهيًا عن منكر]، أو ما لا بد منه ولم يذكر فيه خلاف أحد، وتقدم شيء منه في "باب التكبير عند الركن".
(66 -
باب إذا رأى سيرًا أو شيئًا يكره في الطواف قطعه)
والسير بمهملة مفتوحة وياء ساكنة معروف، وهو ما يقد من الجلد وهو الشراك، وأورد فيه حديث ابن عباس من وجه آخر، وهذا مختصر من الحديث الذي قبله، قال ابن بطال: وإنما قطعه لأن القود بالأزمة إنما
(1)
"فتح الباري"(3/ 482).
(2)
"فتح الباري"(3/ 482، 483).
(3)
"المغني"(5/ 224).
يفعل بالبهائم وهو مثلة، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(67 -
باب لا يطوف بالبيت عريان. . .) إلخ
وفي "مسلم"
(2)
عن هشام عن أبيه عروة قال: كانت العرب يطوفون عراة إلا أن يعطيهم الحمس ثيابًا، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء، واحتج مالك والشافعي وأحمد في رواية بهذا فقالوا باشتراط ستر العورة، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية أخرى إلى أنه لو طاف عريانًا يجبر بدم، انتهى من "العيني"
(3)
.
(68 -
باب إذا وقف في الطواف)
أي: هل ينقطع طوافه أو لا؟ وكأنه أشار بذلك إلى ما روي عن الحسن أن من أقيمت عليه الصلاة وهو في الطواف فقطعه أن يستأنفه ولا يبني على ما مضى، وخالفه الجمهور فقالوا: يبني، وقيَّده مالك بصلاة الفريضة وهو قول الشافعي، وفي غيرها إتمام الطواف أولى فإن خرج بنى، وقال أبو حنيفة وأشهب: يقطعه ويبني، واختار الجمهور قطعه للحاجة، وقال نافع: طول القيام في الطواف بدعة، انتهى من "الفتح"
(4)
.
وقال القسطلاني
(5)
: ومذهب الشافعية وهو الجديد أن الموالاة بين الطوفات وبين أبعاض الطوفة الواحدة سُنَّة، فلو فرق تفريقًا كثيرًا بغير عذر كره، ولم يبطل طوافه، ومذهب الحنابلة وجوب الموالاة فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يصح طوافه إلا أن يقطعها لصلاة حضرت أو جنازة، انتهى.
قوله: (وقال عطاء:. . .) إلخ، هو ابن أبي رباح، (فتقام الصلاة) أي: المكتوبة في أثناء طوافه يقطع طوافه، (يرجع إلى حيث قطع عليه)،
(1)
"فتح الباري"(3/ 482، 483).
(2)
"صحيح مسلم"(ح: 1219).
(3)
"عمدة القاري"(7/ 201، 202).
(4)
"فتح الباري"(3/ 484).
(5)
"إرشاد الساري"(4/ 161، 162).
ولا يستأنف الطواف. وهذا مذهب الجمهور خلافًا للحسن حيث قال: يستأنف، وقيَّده مالك بصلاة الفريضة، كذا في "القسطلاني"
(1)
، ونسبه العيني
(2)
إلى الأئمة الأربعة.
(69 -
باب طاف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى لسبوعه ركعتين. . .) إلخ
قال القسطلاني
(3)
: سبوع، بالسين المهملة والموحدة المضمومتين بغير همز في لغة قليلة. أو هو جمع سبع بضم السين وسكون الموحدة كبرد وبرود، وفي حاشية "الصحاح" مضبوط بفتح أوله كضرب وضروب. وعلى الكل فالمراد به سبع مرات، انتهى.
يحتمل عندي: أن الغرض منه أن يصلِّي في كل أسبوع ركعتين ولا يجمع الأسابيع، أو المراد أن يصلِّي تطوعًا ولا تكفى الفريضة، فالأول، أي: مسألة القِران بين الأسابيع خلافية.
قال الحافظ: القِران بين الأسابيع خلاف الأولى وهو قول أكثر الشافعية وأبي يوسف، وعن أبي حنيفة ومحمد: يكره، وأجازه الجمهور بغير كراهة، وأما الاحتمال الثاني في الغرض، أي: مسألة إجزاء الفريضة عن ركعتي الطواف فهي أيضًا خلافية، فعند الشافعي وأحمد: تجزئ عنهما الفريضة، ولا تجزئ عند أبي حنيفة ومالك، وذلك لأن ركعتى الطواف سُنَّتان مؤكدتان على الأصح عند الشافعي وأحمد، وعند الحنفية والمالكية واجبتان.
قال الموفق
(4)
: وركعتا الطواف سُنَّة مؤكدة غير واجبة، وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عن ركعتي الطواف، وعن أحمد: أنه يصلي ركعتي الطواف بعد المكتوبة؛ لأنه سُنَّة، فلم تجز عنها المكتوبة؛ كركعتي الفجر، انتهى.
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 162).
(2)
"عمدة القاري"(7/ 202).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 162).
(4)
"المغني"(5/ 232، 233).
(70 -
باب من لم يقرب الكعبة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: يعني بذلك أنه لا يجب له تكرار الطواف كلما بدا له، وإن كان حسنًا موجبًا لمزيد الأجر، انتهى.
وما أفاده الشيخ هو مؤدى كلام الشرَّاح، وإن كان الظاهر عند هذا العبد الضعيف بالنظر إلى ظاهر ألفاظ الترجمة أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى رأي الإمام مالك.
قال الحافظ
(2)
: ونقل عن مالك: أن الحاج لا يتنفل بطواف حتى يتم حجه، وعنه: الطواف بالبيت أفضل من الصلاة النافلة لمن كان من أهل البلاد البعيدة وهو المعتمد، انتهى.
(71 -
باب من صلى ركعتي الطواف خارجًا من المسجد. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: هذه الترجمة معقودة لبيان إجزاء صلاة ركعتي الطواف في أي موضع أراد الطائف، وإن كان ذلك خلف المقام أفضل، وهو متفق عليه إلا في الكعبة أو الحجر، ولذلك عقّبها بترجمة "من صلى ركعتي الطواف خلف المقام".
وقال أيضًا
(4)
تحت حديث أم سلمة: وموضع الحاجة منه هنا قوله في آخره: "فلم تصل حتى خرجت" أي: من المسجد أو من مكة، فدل على جواز صلاة الطائف خارجًا من المسجد، وإنما لم يبت البخاري الحكم في هذه المسألة لاحتمال كون ذلك يختص بمن كان له عذر، لكون أم سلمة كانت شاكية، ولكون عمر إنما فعل ذلك لكونه طاف بعد الصبح وكان لا يرى التنفل بعده مطلقًا حتى تطلع الشمس، كما سيأتي واضحًا بعد باب،
(1)
"لامع الدراري"(5/ 192).
(2)
"فتح الباري"(3/ 486).
(3)
"فتح الباري"(3/ 486).
(4)
"فتح الباري"(3/ 487).
واستدل به على أن من نسي ركعتي الطواف قضاهما حيث ذكرهما من حل أو حرم وهو قول الجمهور، وعن الثوري يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم، وعن مالك إن لم يركعهما حتى تباعد ورجع إلى بلده فعليه دم، انتهى.
ثم اختلفوا في طواف أم سلمة هذا، هل هو طواف الإفاضة يوم النحر أو طواف الوداع، بسط الكلام عليه في "الأوجز"
(1)
. وفي "جزء حجة الوداع"
(2)
: قال ابن القيم
(3)
: قال ابن حزم: طافت أم سلمة ذلك اليوم - النحر - على بعيرها، وهي شاكية، لرواية مسلم، ويشكل عليه أنها سمعت قراءته صلى الله عليه وسلم بالطور، كما في رواية "الموطأ" بلفظ:"فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جانب البيت، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور".
قال الحافظ
(4)
: قال أحمد بن حنبل: وهذا عجيب، ما يفعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بمكة، والصواب أن طوافها ذاك كان طواف الوداع، كما بسطه الشيخ ابن القيم مدللًا، وبه صرَّح الحافظ في "الفتح"، وبه جزم في "البداية والنهاية"، وهو صرح في رواية النسائي، انتهى بزيادة من "الأوجز".
(72 -
باب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام)
أثبت المصنف في الباب السابق جواز ركعتي الطواف في أي موضع شاء، وبهذا الباب أشار إلى ما هو الأفضل، كما تقدم أيضًا في كلام الحافظ، ثم حديث الباب ظاهر فيما ترجم له، وفي حديث جابر الطويل عند مسلم:"طاف ثم تلا {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فصلى عند المقام ركعتين".
قال ابن المنذر: احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث
(1)
"الأوجز"(7/ 415).
(2)
"جزء حجة الوداع"(ص 239، 240).
(3)
"زاد المعاد"(2/ 283، 284).
(4)
"فتح الباري"(3/ 487).
شاء؛ إلا شيئًا ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يعيد، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قال القسطلاني
(2)
: والمقام هو الحجر الذي فيه أثر قدمي الخليل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد صح في "البخاري" وغيره أن عمر قال: يا رسول الله! هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: "نعم" الحديث، انتهى.
وقد تقدم تبويب المصنف في "كتاب الصلاة" بقوله: "باب قول الله عز وجل: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} " وكذا تقدم الكلام على ما يتعلق بها.
(73 -
باب الطواف بعد الصبح والعصر. . .) إلخ
وما يظهر من الآثار والروايات المذكورة في الباب في غرض الترجمة أن من طاف بعد صلاة الصبح والعصر هل يصلي إذ ذاك ركعتي الطواف، أو ينتظر خروج وقت الكراهة.
قال الحافظ
(3)
: ذكر فيه آثارًا مختلفة، ويظهر من صنيعه أنه يختار فيه التوسعة، وكأنه أشار إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جبير بن مطعم:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد مناف! من ولي منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بالبيت وصلى أي ساعة شاء" الحديث، وإنما لم يخرجه لأنه ليس على شرطه، انتهى.
وها هنا مسألتان: الأولى: الطواف بعد الصبح والعصر، والثانية: تحية الطواف في ذينك الوقتين:
أما الأولى فهي إجماعية، قال الباجي
(4)
: جواز الطواف بعد صلاة الصبح والعصر لا نعلم فيه خلافًا، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 487، 488).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 167).
(3)
"فتح الباري"(3/ 488).
(4)
"المنتقى"(3/ 507).
وقال ابن عبد البر
(1)
: وكرهه الثوري، انتهى.
والثانية خلافية، قال ابن المنذر
(2)
: رخص في الصلاة بعد الطواف في كل وقت جمهور الصحابة ومن بعدهم، ومنهم من كره ذلك بعموم النهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر، وهو قول عمر والثوري وطائفة، وذهب إليه مالك وأبو حنيفة، انتهى.
(74 -
باب المريض يطوف راكبًا)
قال الحافظ
(3)
: أورد فيه حديث ابن عباس وحديث أم سلمة، والثاني ظاهر فيما ترجم له لقولها فيه:"إني أشتكي"، وأما حديث ابن عباس فالمصنف حمل طوافه صلى الله عليه وسلم راكبًا على أنه كان عن شكوى، وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ:"قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته"، ووقع في حديث جابر عند مسلم:"أنه صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا ليراه الناس وليسألوه"، ويحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين، وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبًا لغير عذر، إلى آخر ما قال.
ومسألة الطواف راكبًا خلافية، ففي "جزء حجة الوداع"
(4)
: وهل المشي واجب أو مندوب؟ قال ابن القيم: المشي أفضل، وفي مناسك القاري: واجب.
قال الموفق: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، وأما الطواف راكبًا أو محمولًا بغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزيه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والثانية: يجزيه وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: يعيد ما دام بمكة، فإن رجع جبره بدم، والثالث: يجزيه ولا شيء عليه وهو مذهب الشافعي، ولا خلاف في أن الطواف راجلًا أفضل، انتهى.
(1)
"الاستذكار"(12/ 177).
(2)
انظر: "فتح الباري"(3/ 488).
(3)
"فتح الباري"(3/ 490).
(4)
"جزء حجة الوداع"(ص 107).
قلت: وما حكى الموفق عن مذهب أبي حنيفة هو المرجح في مذهب مالك أنه يعيد ما دام بمكة، فإن رجع فعليه دم، كما قاله الدسوقي، والبسط في "الأوجز".
(75 -
باب سقاية الحاج)
قال العيني
(1)
: السقاية بكسر السين ما يبنى للماء، وأما السقاية التي في قوله تعالى:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} [التوبة: 19] فهو مصدر، والتي في قوله تعالى:{جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} الآية [يوسف: 70] مشربة الملك، وقال الجوهري: هي الصواع الذي كان الملك يشرب فيه، وقال ابن الأثير: سقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه الحاج من الزبيب المنبوذ في الماء وكان يليها عباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام، وعن عطاء: سقاية الحاج زمزم، وقال الأزرقي: كان عبد مناف يتحمل الماء في الرَّوايا والقِرَب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج، ثم فعله ابنه هاشم، ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم، ويسقي الناس، ثم ولي السقاية ولده العباس، فلم يزل بيده حتى قام الإسلام، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه فهي اليوم إلى بني العباس، انتهى.
قلت: في غرض الترجمة عندي وجهان: إما الإشارة إلى بيان مشروعيته في الإسلام، وإن كان من أمر الجاهلية، وإما الإشارة إلى الاختلاف الذي حكاه العيني
(2)
إذ قال: قال طاوس: الشرب من سقاية العباس من تمام الحج، وروى ابن أبي شيبة عن السائب بن عبد الله أنه أمر مجاهد مولاه بأن يشرب من سقاية العباس ويقول: إنه من تمام السُّنَّة، وممن شرب منها سعيد بن جبير وأمر به سويد بن غفلة، وعن ابن عمر: أنه لم يكن يشرب من النبيذ في الحج، وكذا روى خالد بن أبي بكر أنه حج مع سالم ما لا يحصى، فلم يره يشرب من نبيذ السقاية، انتهى.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 212، 213).
(2)
"عمدة القاري"(7/ 215، 216).
(76 -
باب ما جاء في زمزم. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: كأنه لم يثبت عنده في فضلها حديث على شرطه صريحًا، وقد وقع في "مسلم" من حديث أبي ذر "أنها طعام طعم" زاد الطيالسي "وشفاء سقم"، وفي "المستدرك" من حديث ابن عباس مرفوعًا:"ماء زمزم لما شرب له" رجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي، إلى أن قال الحافظ: وقد جمعت في ذلك جزءًا، والله أعلم.
وسميت زمزم لكثرتها، يقال: ماء زمزم، أي: كثير، وعن مجاهد: لأنها مشتقة من الهزمة وهي الغمز بالعقب في الأرض، وغير ذلك من الأقوال نقلها الحافظ، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: قوله: "فشرب وهو قائم" فيه الترجمة حيث يضر الماء لو شرب قائمًا، ولم يضر زمزم، إذ لا ضرر فيه فساغ شربه قيامًا، انتهى مختصرًا.
وفي هامشه: ظاهر كلام الشيخ أنه حمل الترجمة على شرب ماء زمزم قائمًا ويشعر إليه ثاني حديثي الباب، وقال الحافظ
(3)
: قال ابن بطال وغيره: أراد البخاري أن شرب ماء زمزم من سنن الحج، وفي "المصنف" عن طاوس قال:"شرب نبيذ السقاية من تمام الحج"، انتهى.
والظاهر عندي: أن غرض الإمام البخاري فضل ماء زمزم، وأثبته أيضًا بالشرب قائمًا، وما قاله الحافظ وتبعه فيه غيره أن الإمام البخاري لم يثبت عنده في فضل زمزم حديث. . . إلخ. عجيب، وأي حديث يكون أصرح من حديث الباب في فضله، فإنه استدل به على كونه أفضل من ماء
(1)
"فتح الباري"(3/ 493).
(2)
"اللامع"(5/ 194، 200).
(3)
"فتح الباري"(3/ 493).
الكوثر، ففي مقدمة "الهداية": وقد وردت لماء زمزم فضائل في أحاديث كثيرة، وأجمع العلماء على أن ماءها أفضل مياه الدنيا إلا ما نبع من أصابعه صلى الله عليه وسلم، وهل ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر أيضًا، اختلفوا فيه، فمنهم من قال: لا، وذهب أهل التحقيق إلى كونه أفضل منه أخذًا مما روي في قصة المعراج من غسل الملائكة صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائه، فلو كان ماء الكوثر أفضل منه لجيء به كما لا يخفى، انتهى.
وبه جزم الزرقاني في "شرح المواهب" وقال: وإليه يومئ قول العارف ابن أبي جمرة، وتوقف السيوطي فيه. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(1)
، ويأتي في "كتاب الأشربة""باب الشرب قائمًا"، ويأتي الكلام على المسألة هناك، إن شاء الله تعالى.
(77 -
باب طواف القارن)
قال الحافظ
(2)
: أي: هل يكتفي بطواف واحد أو لا بد من طوافين، انتهى.
قلت: الأول مذهب الأئمة الثلاثة، والثاني مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة والكوفيين فإنهم قالوا: لا بد للقارن من طوافين وسعيين.
قال السندي
(3)
: قوله: "فإنما طافوا طوافًا واحدًا" ظاهره أنهم إنما اقتصروا من الطوافين اللذين طافهما السابقون على أحدهما إما الأول وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين الأول والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمر، ففي "صحيح مسلم" عنه: وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، إلى أن قال: وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر، وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم
(1)
"اللامع"(5/ 194، 197).
(2)
"فتح الباري"(3/ 494).
(3)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 284).
مكة إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر، وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس، ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت بمثل ذلك، وسيجيء هذا الحديث في الكتاب أيضًا في "باب سوق البدن"، فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين، والله تعالى أعلم.
وبسط العلامة السندي أيضًا الكلام على حديث ابن عمر حديثي الباب أشد البسط فللَّه دره، وبسط الكلام على قوله:"طافوا طوافًا واحدًا" في "الأوجز"
(1)
، من التأويلات العديدة، والأوجه عندي في التأويل أنه صلى الله عليه وسلم طاف للتحلل من الإحرامين الحج والعمرة طوافًا واحدًا، بخلاف ما قيل: إنه يطوف للتحلل منهما طوافين وسعيين.
(78 -
باب الطواف على وضوء)
أورد فيه حديث عائشة "أن أول شيء. . ." إلخ، وليس فيه دلالة على الاشتراط إلا إذا انضم إليه قوله صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم"، انتهى من "الفتح"
(2)
.
والمسألة خلافية، قال الموفق
(3)
: الطهارة من الحدث والنجاسة شرط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد: أن الطهارة ليست شرطًا، وبه قال أبو حنيفة واختلف أصحابه فقال بعضهم: هو واجب، وقال بعضهم: هو سُنَّة، انتهى.
وعد صاحب "اللباب" في واجبات الطواف: الطهارة عن الحدث مطلقًا، كذا في "جزء حجة الوداع"
(4)
.
قوله: (وفلان وفلان. . .) إلخ، تقدم هذا الحديث أيضًا في "باب
(1)
"أوجز المسالك"(8/ 421، 425).
(2)
"فتح الباري"(3/ 497).
(3)
"المغني"(5/ 222، 223).
(4)
"جزء حجة الوداع"(ص 101).
من طاف بالبيت إذا قدم مكة. . ." إلخ، وسكت عن تعيينهما الحافظان ابن حجر والعيني، وقال الحافظ
(1)
: لم أقف على تعيينهم، لكن قال القسطلاني
(2)
: هما عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، انتهى، فتأمل.
(79 -
باب وجوب الصفا والمروة)
يحتمل عندي: أنه أشار بذلك إلى مشروعيته لتوهم عدم الجواز؛ لأنه كان من أمر الجاهلية، كما سيجيء في الباب الآتي:"قلت لأنس: أكنتم تكرهون السعي".
وقال الحافظ
(3)
: أي: وجوب السعى بينهما مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله، قاله ابن المنيِّر، انتهى.
فعلى هذا يكون الغرض بيان الوجوب، واختلف أهل العلم في هذا، فالجمهور على أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وعن أبي حنيفة: واجب يجبر بالدم، وبه قال الثوري في الناسي لا في العامد، وبه قال عطاء، وعنه: أنه سُنَّة لا يجب بتركه شيء، واختلف عن أحمد كهذه الأقوال الثلاثة، انتهى من "الفتح"
(4)
.
والأصح عند الإمام أحمد مثل الشافعي ومالك أنه ركن، كما في "الأوجز"
(5)
.
(80 -
باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة. . .) إلخ
قال الحافظ
(6)
: أي: في كيفيته، وموضع الترجمة من الحديث قوله:"وكان يسعى بطن المسيل".
(1)
"فتح الباري"(3/ 618).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 184).
(3)
"فتح الباري"(3/ 498).
(4)
"فتح الباري"(3/ 498، 499).
(5)
"الأوجز"(7/ 437).
(6)
"فتح الباري"(3/ 502، 503).
(81 -
باب تقضي الحائض المناسك كلها. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: جزم بالحكم الأول لتصريح الأخبار التي ذكرها في الباب بذلك، وأورد المسألة الثانية مورد الاستفهام للاحتمال، وكأنه أشار إلى ما روي عن مالك في حديث الباب بزيادة "ولا بين الصفا والمروة".
قال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن مالك إلا يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري.
قلت: فإن كان يحيى حفظه فلا يدل على اشتراط الوضوء للسعي لأن السعي يتوقف على تقدم طواف قبله، فإذا كان الطواف ممتنعًا امتنع لذلك لا لاشتراط الطهارة له، ولم يذكر ابن المنذر عن أحد من السلف اشتراط الطهارة للسعي إلا عن الحسن البصري، وحكي في رواية من الحنابلة أيضًا، وقال ابن بطال: كأن البخاري فهم أن قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" أن لها أن تسعى، ولهذا قال: وإذا سعى على غير وضوء، قال الحافظ: وهو توجيه جيد لا يخالف التوجيه الذي قدمته وهو قول الجمهور.
(82 -
باب الإهلال)
قال القسطلاني
(2)
: أي: الإحرام بالحج (من البطحاء) أي: وادي مكة (وغيرها) أي: من غير بطحاء مكة من سائر أجزائها (للمكي) المقيم بها (وللحاج) الآفاقي الذي دخل مكة متمتعًا.
والحاصل أن مهلّ المكي والمتمتع نفس مكة وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وله أن يحرم من جميع بقاع مكة لا سائر الحرم لقوله عليه الصلاة والسلام:"حتى أهل مكة من مكة"، وقيس بأهلها غيرهم ممن هو بها، فإن فارق بنيانها وأحرم خارجها ولم يعد إليها قبل الوقوف أساء ولزمه دم
(1)
"فتح الباري"(3/ 504، 505).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 198، 199).
لمجاوزته سائر المواقيت، فإن عاد إليها قبل الوقوف سقط الدم، والأفضل أن يحرم من باب داره، وسواء أراد المقيم بمكة الإحرام بالحج مفردًا أم أراد القِران فميقاته ما ذكر. وقال الحنفية: من دويرة أهله أو حيث شاء من الحرم، إلا أن إحرامه من المسجد. أفضل لفضيلة المسجد، وقال المالكية: ومكان الإحرام للحج للمقيم بمكة مكة، وسواء كان من أهلها أو مقيمًا بها وقت الإحرام، والمستحب له أن يحرم من المسجد لفعل السلف. وقال المرداوي من الحنابلة: والأفضل من المسجد نصًا، وإن أحرم من خارج الحرم جاز ولا دم عليه نصًا، انتهى.
وقال الحافظ
(1)
ما ملخصه: كأنه أشار إلى الخلاف في ميقات المكي، قال النووي: الصحيح أنه مكة نفسها، وقيل: مكة وسائر الحرم، وبه قالت الحنفية، واتفق الفريقان على أن الأفضل من باب المنزل، وفي قول للشافعي المسجد، وعند مالك وأحمد: يهلّ من جوف مكة، انتهى.
وفي "الأوجز"
(2)
عن مالك وأحمد: لو أحرم من الحل لا دم عليه، انتهى.
(83 -
باب أين يصلي الظهر في يوم التروية
؟)
لعل غرض المصنف بذلك التنبيه على مسلك الجمهور من استحبابها بمنى، وبه قال الأئمة الأربعة، وقول ضعيف للشافعي: أن يصلي بمكة، كما في "الأوجز"
(3)
، أو لأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمنى فأشار أنس بقوله:"انظر حيث يصلي أمراؤك. . ." إلخ، إلى أنه يجوز في غير منى وإن كان الاتباع أفضل، كما في "الفتح"
(4)
. فأراد المصنف التنبيه على الجواز بغير منى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 506).
(2)
"الأوجز"(6/ 561).
(3)
"الأوجز"(8/ 196، 197).
(4)
"فتح الباري"(3/ 508).
وقال الحافظ
(1)
أيضًا: قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير: إن من السُّنَّة أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار، قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلّف عن منى ليلة التاسع شيئًا، ثم روي عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه، انتهى.
(84 -
باب الصلاة بمنى)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: أشار بذلك إلى أنه لا يتم المسافر إذا لم يعزم الإقامة خمس عشرة يومًا، إلى آخر ما فيه.
وفي هامشه، اعلم أن الإمام البخاري ترجم بهذه الترجمة في موضعين: الأول في كتاب الصلاة في أبواب التقصير، والثاني ها هنا، وذلك عندي للإِشارة إلى اختلاف العلماء في أن القصر بمنى هل كان للسفر كما قال به الجمهور، أو كان للنسك كما قال به بعض السلف؟ وحكي ذلك عن الإمام مالك أيضًا.
قال الحافظ: واختلف السلف في المقيم بمنى هل يقصر أو يتم؟ بناء على أن القصر بها للسفر أو للنسك، واختار الثاني مالك، انتهى.
وقال العيني: قال ابن بطال: اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وفي سائر المشاهد؛ لأنه عندهم في سفر، واختلف العلماء في صلاة المكي بمنى فقال مالك: يتم بمكة ويقصر بمنى، وكذلك أهل منى يتمون بمنى ويقصرون بمكة وعرفات، وبه قال الأوزاعي وإسحاق وقالوا: إن القصر سُنَّة الموضع، وإنما يتم بمنى وعرفات من كان مقيمًا فيها، وقال أكثر أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة: لا يقصر أهل مكة بمنى وعرفات لانتفاء مسافة القصر، انتهى مختصرًا.
(1)
"فتح الباري"(3/ 509).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 218).
قلت: وما حكوا من أن القصر عند مالك للنسك لا يصح عندي، كما بسط في "الأوجز" بل القصر عنده أيضًا للسفر كما صرَّح به في "الموطأ" إلا أنه رضي الله عنه عدَّ الذهاب من مكة إلى منى ومنها إلى عرفة ومنها راجعًا إلى المزدلفة ثم إلى منى ثم إلى مكة سفرًا واحدًا، ولذلك لا يقصر أهل مكة بمكه وأهل منى بمنى عنده، ولو كان القصر للنسك ليقصرون هؤلاء أيضًا، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (فيا ليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان) يحتمل معنيين كما يظهر من الحواشي، أما الإنكار على فعله، يعني: ليته صلى ركعتين بدل الأربع، أو خشي عدم قبول الكل لمخالفة فعله عليه الصلاة والسلام، فتمنى قبول الثنتين منها.
(85 -
باب صوم يوم عرفة)
يعني بعرفة، وأورد فيه حديث أم الفضل، وترجم له في "كتاب الصوم" بنظير هذه الترجمة سواء، انتهى من "الفتح"
(1)
.
واختلفت الأئمة فيه كما بسط في "الأوجز"
(2)
، قال ابن الهمام: صوم عرفة لغير الحاج مستحب، وللحاج إن كان يضعفه عن الوقوف والدعوات فالمستحب تركه، وقيل: يكره، وهي كراهة تنزيه، انتهى. وقال ابن حجر: صومه للحاج خلاف الأولى، انتهى، أي: وإن لم يضعف كما قال النووي
(3)
، وهو الأصح عند الشافعية، ومكروه عند المالكية، كما قال الدردير
(4)
. وقال الموفق
(5)
: تركه أفضل، لحديث أم الفضل، ويجب الفطر عند يحيى بن سعيد الأنصاري.
(1)
"فتح الباري"(3/ 510).
(2)
"الأوجز"(7/ 465).
(3)
"شرح النووي على صحيح مسلم"(4/ 469).
(4)
"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"(1/ 515).
(5)
"المغني"(4/ 445).
(86 -
باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة)
قال الحافظ
(1)
: أي: مشروعيتهما.
وغرضه بهذه الترجمة الرد على من قال: يقطع المحرم التلبية إذا راح إلى عرفة، انتهى.
وهو مذهب مالك، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز"
(2)
وهي: متى يقطع المحرم بالحج التلبية؟ وحديث البخاري "أن الفضل وأسامة كليهما قالا: لم يزل صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة" حجة للجمهور، منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد أنه يلبي إلى رمي جمرة العقبة، مع اختلافهم في أنه يقطع مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي، فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض الشافعية، وقالت طائفة: يقطع إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف، وبه قال مالك وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، انتهى.
ولا يبعد عندي: أن المصنف أشار بزيادة التكبير في الترجمة إلى أن التلبية ليست بفرض إذ ذاك كما يوهمه ما نقل عن ابن عباس، فقد قال الحافظ
(3)
: روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: التلبية شعار الحج، فإن كنت حاجًا فلبِّ حتى بدْء حلِّك، وبدْء حلِّك أن ترمي جمرة العقبة، انتهى، والله أعلم.
ثم الترجمة بظاهرها مكررة لأنها سيأتي بعد عدة أبواب، وسيأتي التوجيه هناك إن شاء الله تعالى.
(87 -
باب التهجير بالرواح يوم عرفة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: أي: عدم التأخير فيه بعد الزوال، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 510).
(2)
"الأوجز"(6/ 541، 542).
(3)
"فتح الباري"(3/ 533).
(4)
"اللامع"(5/ 220، 221).
والشرَّاح سكتوا قاطبة عن غرض الإمام البخاري للترجمة، والأوجه عند هذا العبد المبتلى بالسيئات المعترف بالتقصيرات أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة مهمة شهيرة خلافية، وهي وقت الوقوف بعرفة، وأشار بالترجمة إلى مذهب الجمهور، وهو أن مبدأه من وقت الزوال، خلافًا للإمام أحمد كما سيأتي، واختلفوا في آخر وقته كما بسط في "الأوجز"
(1)
، وفيه: قد عرفت من ذلك البحث أنهم اختلفوا في فرض الوقت للوقوف على ثلاثة أقوال: الأول: قول الإمام أحمد: إنه من الفجر إلى الفجر كما في "المغني" وغيره، والثاني: قول الإمام مالك: إنه ليلة النحر من الغروب إلى الفجر ولو ساعة كما قال الدردير. وأما الوقوف نهارًا فواجب ينجبر بالدم ويدخل وقته بالزوال، والثالث: قول الإمامين أبي حنيفة والشافعي: إنه من زوال عرفة إلى فجر النحر، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك.
وأما وقت الوجوب فإنهم اختلفوا فيه على قولين:
الأول: الجمع بين الليل والنهار، في أي وقت منهما يحصل، وهو قول الإمام مالك، كما صرَّح به الدردير وغيره، وهو مختار صاحب "الروض المربع" وبه جزم النووي في "مناسكه".
والثاني: قول الحنفية وعامة الحنابلة: إن الواجب امتداد الوقوف إلى بعد الغروب كما جزم به القاري والمغني وغيرهما إذا وقف بالنهار، وإن لم يتفق له الوقوف بالنهار فلا امتداد في الليل، انتهى ملخصًا.
فالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى وقت الوقوف، وهذا الاختلاف يناسب ما سيأتي من "باب الوقوف بعرفة"، إلا أن الترجمة ها هنا بلفظ التهجير يناسبه، فتدبر.
قوله: (وعليه ملحفة معصفرة) لعله كان مباحًا عنده كما هو مذهب
(1)
"الأوجز"(8/ 8، 9، 10).
الشافعي وأحمد، ويكره عندنا الحنفية للطيب، وعند مالك لأجل اللون.
(88 -
باب الوقوف على الدابة بعرفة)
قال الحافظ
(1)
: واستدل بحديث الباب على أن الوقوف على ظهر الدواب مباح، وأن النهي الوارد في ذلك محمول على ما إذا أجحف بالدابة، انتهى.
فلعل المصنف أشار به إلى الجواز، وقيل: هذا الموضع مستثنى من النهي، كما في "الأوجز" نقلًا عن "منسك ابن العجمي" يكره الوقوف على ظهر الدابة إلا في حال الوقوف بعرفة، بل هو الأفضل للإمام وغيره، انتهى.
وفي "الأوجز"
(2)
: اختلف أهل العلم في أيهما أفضل الركوب أو تركه بعرفة؟ فذهب الجمهور إلى أن الأفضل الركوب لكونه صلى الله عليه وسلم وقف راكبًا، وذهب الآخرون إلى أن استحباب الركوب يختص بمن يحتاج الناس إلى التعليم منه، وعن الشافعي قول: إنهما سواء، كذا في "الفتح"، وقال النووي في "شرح مسلم": في مذهبنا ثلاثة أقوال، أصحها: أن الركوب أفضل، والثاني: تركه أفضل، والثالث: هما سواء، وقال الموفق: الأفضل أن يقف راكبًا كما فعله صلى الله عليه وسلم، وقيل: الراجل أفضل؛ لأنه أخف على الراحلة، ويحتمل التسوية، وهكذا في "الشرح الكبير"، وفي "شرح اللباب": يقف راكبًا وهو الأفضل والأكمل، انتهى.
(89 -
باب الجمع بين الصلاتين بعرفة. . .) إلخ
قال الشيخ في "البذل"
(3)
: اختلف في هذا الجمع هل هو للسفر أو للنسك؟.
(1)
"فتح الباري"(3/ 513).
(2)
"الأوجز"(7/ 472، 473).
(3)
"بذل المجهود"(7/ 371).
قال الحافظ: وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك الجمع المذكور يختص بمن يكون مسافرًا بشرطه، وعن مالك وهو وجه للشافعية أنه للنسك، فيجوز الكل، انتهى.
وقلت: وكذا عند الحنفية، كما قال القاري في "شرح المناسك" خلافًا للشافعي في تخصيصه بالمسافر، انتهى ملخصًا من "البذل".
قلت: وكذا عند الحنابلة، قال الموفق
(1)
: ويجوز الجمع لكل من بعرفة، من مكي وغيره، انتهى، وعند بعض الحنابلة: لا يجمع بينهما إلا مسافر، ورد عليه الموفق بقوله: لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع، فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك القصر حين قال:"أتموا، فإنا سفر"، انتهى.
فالحاصل من فروعهم أن الجمع للنسك عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعي فقط، والعجب من الحافظ حيث عزا مذهبه إلى الجمهور وهذا من دأبه المعروف.
ثم اختلفوا أيضًا، فقال أبو حنيفة: يختص الجمع بمن صلى مع الإمام حتى لو صلى الظهر وحده أو بجماعة بدون الإمام لا يجوز، وخالفه صاحباه فقالا: المنفرد أيضًا كالأئمة الثلاثة، كذا في "القسطلاني"
(2)
، وقال ابن عابدين
(3)
: عند الإمام للجمع ست شرائط، وقالا: لا يشترط إلا الإحرام، وبه قالت الأئمة الثلاثة، انتهى.
(90 -
باب قصر الخطبة بعرفة)
قال الحافظ
(4)
: قيَّد المصنف قصر الخطبة بعرفة اتباعًا للفظ الحديث، وقد أخرج مسلم الأمر باقتصار الخطبة في أثناء حديث لعمار أخرجه في "الجمعة"، انتهى.
(1)
"المغني"(5/ 264، 265).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 208).
(3)
"رد المحتار"(3/ 520، 521).
(4)
"فتح الباري"(3/ 514).
قال الموفق
(1)
: والسُّنَّة أن يقصر الخطبة، ثم يروح إلى الموقف، ثم ذكر حديث ابن عمر، وفيه: ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف، قال ابن عبد البر: هذا كله لا خلاف فيه بين علماء المسلمين، انتهى.
واختلفوا ها هنا كما في "جزء حجة الوداع"
(2)
في أن هذه الخطبة خطبتان عند الجمهور، منهم الحنفية، والشافعية، والمالكية، ولم أجد النص بذلك في فروع الحنابلة غير ما تقدم عن ابن القيم من قوله: وخطب خطبة واحدة ولم تكن خطبتين جلس بينهما، ويؤيده ما قال الموفق: ويخطب الإمام خطبة، انتهى.
(باب التعجيل إلى الموقف)
لم يذكر الأكثرون في هذه الترجمة حديثًا بل الترجمة سقطت من بعض الروايات، لكن قال أبو ذر: إنه رأى في بعض النسخ عقب هذه الترجمة: قال أبو عبد الله - أي: المؤلف -: حديث مالك - أي: المذكور قبل - يذكر هنا ولكني لا أريد أن أدخل في هذا الجامع مُعَادًا، فإن وقع ما يوهم التكرار فتأمله تجده لا يخلو من فوائد إسنادية أو متنية، وما وقع له مما سوى ذلك فبغير قصد وهو نادر الوقوع، انتهى من "القسطلاني"
(3)
.
لكن يشكل عليه ما في "البخاري" من الروايات المكررة متنًا وسندًا كما تقدم البحث في ذلك في "مقدمة اللامع"
(4)
، انتهى.
(91 -
باب الوقوف بعرفة)
أي: دون غيرها فيما دونها أو فوقها، كذا في "الفتح"
(5)
.
(1)
"المغني"(5/ 264).
(2)
"جزء حجة الوداع"(ص 132، 133).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 210).
(4)
"اللامع"(1/ 105).
(5)
"فتح الباري"(3/ 515).
(92 -
باب السير إذا دفع من عرفة)
أي: صفته، قال العلامة العيني
(1)
: مطابقة الحديث للترجمة في قوله: "كان يسير العنق" فإنه صفة سيره إذا دفع من عرفة، انتهى.
ثم بسط في تفسير العنق، وفي آخره: ومن أنواع سير الإبل والدواب العنق، وهو سير سهل مسبطر، تمد فيه الدابة عنقها للاستعانة، وهو دون الإسراع، انتهى.
وقال الحافظ
(2)
: قال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليل على أن الحديث الذي رواه ابن عباس عن أسامة أنه قال: "فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا" أنه محمول على حال الزحام دون غيره، قال الحافظ: أخرجه أبو داود، وسيأتي للمصنف بعد باب، وقال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام، انتهى.
(93 -
باب النزول بين عرفة وجمع)
أي: لقضاء الحاجة ونحوها، وليس من المناسك، قاله الحافظ
(3)
.
(94 -
باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة. . .) إلخ
أورد فيه حديث ابن عباس، وتقدم الجمع بينه وبين حديث أسامة قبل باب في كلام الحافظ عن ابن خزيمة، فكن منه على ذكر، ويمكن عندي في غرض الترجمة أن يقال: إن الملحوظ في الترجمة قوله: وإشارته إليهم بالسوط، فكأن الإمام البخاري أشار بذلك إلى بيان جواز الإشارة بالسوط، وأما الأمر بالسكينة فكالتوطئة له، والله أعلم.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 261، 262).
(2)
"فتح الباري"(3/ 518، 519).
(3)
"فتح الباري"(3/ 519).
(95 -
باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة)
المسألة إجماعية، قال الحافظ
(1)
: واستدل بالحديث على جمع التأخير وهو إجماع بمزدلفة، لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية والمالكية بسبب النسك، انتهى.
وفي "جزء حجة الوداع"
(2)
: وهذا الجمع نسك عند الحنفية والحنابلة والمالكية، كما بسط في "الأوجز" وأجمل في "البذل" خلافًا للشافعية إذ قالوا: الجمع للسفر، قال النووي في "شرح مسلم": الصحيح عند أصحابنا أنه جمع للسفر، فلا يجوز إلا لمسافر سفرًا يبلغ به مسافة القصر، انتهى.
قلت: وبه قال بعض الحنابلة، كما في "الأوجز"
(3)
، وفي قول للشافعي لمطلق السفر.
قوله: (الصلاة أمامك) قال الباجي: قال مالك: لا يصلي حتى يأتي مزدلفة، واستدل على ذلك بهذا، وقال ابن حبيب: من صلى قبل المزدلفة بلا عذر يعيد، وبه قال أبو حنيفة
(4)
.
قال الحافظ
(5)
: وكان جابر يقول: "لا صلاة إلا بجمع" أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، ونقل عن الكوفيين وعند ابن القاسم صاحب مالك وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلى أجزأه، وهو قول أبي يوسف والجمهور، انتهى من "جزء حجة الوداع"
(6)
.
(96 -
باب من جمع بينهما ولم يتطوع)
قال الحافظ
(7)
: أي: لم يتنفل بينهما، ثم قال بعد ذكر الحديث: ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين
(1)
"فتح الباري"(3/ 522).
(2)
"جزء حجة الوداع"(ص 151).
(3)
"الأوجز"(8/ 208).
(4)
انظر: "جزء حجة الوداع"(ص 148).
(5)
"فتح الباري"(3/ 520).
(6)
"جزء حجة الوداع"(ص 143).
(7)
"فتح الباري"(3/ 523، 524).
المغرب والعشاء مهلة صرَّح - المؤلف في الترجمة - بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سُنَّة العشائين عنهما. ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السُّنَّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز"
(1)
، وحاصله: أن التطوع بين الصلاتين يبطل الجمع في التقديم - أي: بعرفة - عند الشافعي وهو المرجح عند أحمد، ولا يبطل عندنا ومالك، لكن لا يندب، وأما في جمع التأخير فلا يبطل في المرجح عند الشافعي وأحمد، وقول لهما: يبطل، وأما عندنا ومالك فلا، ولكن لا يندب ها هنا أيضًا، وأما بعد الصلاتين فيصلي الرواتب عند الثلاثة خلافًا لمالك.
(97 -
باب من أَذَّن وأَقام لكل واحدة منهما)
قال الحافظ
(2)
: أي: من المغرب والعشاء بالمزدلفة، انتهى.
وبه، أي: بأذانين وإقامتين قال مالك. وإليه ميل الإمام البخاري كما قال الحافظ، وللعلماء في ذلك ستة مذاهب كما في "جزء حجة الوداع"
(3)
:
الأول: بإقامتين بلا أذان، وبه قال إسحاق، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي.
الثاني: بإقامة واحدة للأولى فقط، وبه قال الثوري وأحمد في رواية.
الثالث: بأذان واحد وإقامتين، وهو قول أحمد في أصح قوليه، وهو قول الطحاوي وزفر، قال النووي: هو الصحيح عند أصحابنا.
(1)
"أوجز المسالك"(8/ 223، 224).
(2)
"فتح الباري"(3/ 524، 525).
(3)
"جزء حجة الوداع"(ص 150).
الرابع: بأذان وإقامة للأولى فقط، وهو مذهب الحنفية.
الخامس: بأذانين وإقامتين، وهو قول مالك، وتقدم أنه قول البخاري.
السادس: بلا أذان ولا إقامة، كما حكي عن بعض السلف.
وذكر في "الأوجز" مأخذ هذه الأقوال الستة، انتهى من "جزء الحج".
(98 -
باب من قدَّم ضعفة أهله. . .) إلخ
قال الحافظ: أي: من نساء وغيرهم، وقوله:"يقدم" ضبطه الكرماني بفتح القاف وكسر الدال قال: وحذف الفاعل للعلم به ومن ذكر أولًا، وبفتح الدال على البناء للمجهول، وقوله:"إذا غاب القمر" بيان للمراد من قوله في أول الترجمة: "بليل" ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، ومن ثم قيَّده الشافعي ومن تبعه بالنصف الثاني، قال صاحب "المغني": لا نعلم خلافًا في جواز تقديم الضعفة بليل من جمع إلى منى، كذا في "الفتح"
(1)
.
وذكر في "جزء حجة الوداع"
(2)
ها هنا عدة أبحاث:
الأول: في تعيين من قدَّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الضعفة، منهم سودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، ومنهم ابن عباس، وأيضًا العباس رضي الله عنهم.
والبحث الثاني: في وقت الذهاب، وظاهر الروايات عند غيبوبة القمر في الليلة العاشرة، قال الحافظان ابن حجر والعيني: ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، انتهى.
وقال ابن القيم: والذي دلت عليه السُّنَّة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حدّه بالنصف دليل عليه، انتهى.
قال الموفق: لا بأس بتقديم الضعفة والنساء، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفًا، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 527).
(2)
"جزء حجة الوداع"(ص 153 - 155).
ثم أعلم أن ها هنا مسألتين، إحداهما: المبيت بمزدلفة ليلة النحر، والثانية: والوقوف بها عند صلاة الفجر، وطالما تشتبه إحداهما بالأخرى على نقلة المذاهب، فالظاهرية قالوا بركنية الوقوف، وأما الأئمة الأربعة، فالصحيح من مسالكهم أن المبيت إلى ما بعد النصف الأول واجب عند الشافعي على المعتمد وكذا عند أحمد، وهذا لمن أدركه قبل النصف، وإلا فالحضور ساعة في النصف الأخير كاف، وعند مالك النزول بقدر حط الرحال واجب، في أي وقت من الليل كان، وعند الحنفية المبيت سُنَّة مؤكدة، وأما الوقوف بعد الفجر فواجب عند الحنفية، وسُنَّة عند الأئمة الثلاثة، وفرض عند ابن الماجشون وابن العربي من المالكية، وركن عند الظاهرية كما تقدم، إلى آخر ما بسط فيه.
قوله: (أذن للظعن. . .) إلخ، قال الحافظ
(1)
: واستدل بهذا الحديث على جواز الرمي قبل طلوع الشمس، إلى آخر ما قال.
وفي هامش "اللامع"
(2)
: اختلف في وقت الرمي في هذا اليوم، أي: يوم النحر بداية ونهاية، قال الموفق: ولرمي هذه الجمرة وقتان، وقت فضيلة ووقت إجزاء، أما الأول فبعد طلوع الشمس، فقد أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، أي: عند أحمد، وبذلك قال الشافعي، وعن أحمد: يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال الثوري والنخعي: لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس، وها هنا مذهب ثالث نقله الشيخ ابن القيم
(3)
أنه لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس، وهو قول جماعة من أهل العلم، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 528).
(2)
"اللامع"(5/ 227، 228).
(3)
"زاد المعاد"(2/ 252).
(99 -
باب متى يصلي الفجر بجمع)
وجوابه: يصلي بغلس، والمسألة ها هنا إجماعية، قال به الحنفية أيضًا، ففي "الهداية"
(1)
: وإذا طلع الفجر يصلي الإمام بالناس الفجر بغلس، لرواية ابن مسعود، ولأن في التغليس دفع حاجة الوقوف فيجوز كتقديم العصر بعرفة، انتهى.
(100 -
باب متى يدفع من جمع)
قال الحافظ
(2)
: أي: بعد الوقوف بالمشعر الحرام، انتهى.
وفي "جزء حجة الوداع"
(3)
: قال الموفق: لا نعلم خلافًا في أن السُّنَّة الدفع قبل طلوع الشمس، والسُّنَّة أن يقف حتى يسفر جدًا، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن ثبير اسم لخمسة جبال بمكة، وذكر شارح "القاموس" اختلافهم في مسمى ثبير، هل هو بمنى أو غيره، انتهى من "جزء حجة الوداع".
(101 -
باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي جمرة العقبة. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: قال الكرماني: ليس في الحديث ذكر التكبير، فيحتمل أن يكون أشار إلى الذكر الذي في خلال التلبية، أو أراد أن يستدل على أن التكبير غير مشروع حينئذ لأن قوله:"لم يزل" يدل على إدامة التلبية، وإدامتها تدل على ترك ما عداها، أو هو مختصر من حديث فيه ذكر التكبير، انتهى.
والمعتمد أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما جرت به عادته،
(1)
"الهداية"(2/ 345).
(2)
"فتح الباري"(3/ 531).
(3)
"جزء حجة الوداع"(ص 162، 163).
(4)
"فتح الباري"(3/ 533).
فعند أحمد وابن أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله: "خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير"، انتهى.
وتقدم اختلاف الأئمة في أنه متى يقطع المحرم التلبية قبل عدة أبواب في باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى. . ." إلخ، ويشكل ها هنا التكرار بهاتين الترجمتين، ويمكن في التوجيه أن يقال: إن المقصود هناك بيان وقت الابتداء وها هنا بيان الانتهاء.
(102 -
باب {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} . . .) إلخ
غرض المصنف بذلك تفسير الهدي، وذلك أنه لما انتهى في صفة الحج إلى الوصول إلى منى أراد أن يذكر أحكام الهدي والنحر؛ لأن ذلك يكون غالبًا بمنى، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(103 -
باب ركوب البُدْن لقوله: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ} . . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: استدل المصنف في جواز ركوب البُدْن بعموم قوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} وأشار إلى قول إبراهيم النخعي: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} من شاء ركب ومن شاء حلب، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره، انتهى.
وفي هامش "اللامع"
(3)
: لم يصرِّح المؤلف بالحكم لمكان الاختلاف في ذلك، والمسألة خلافية شهيرة، وفيها خمس مذاهب للعلماء:
الأول: وجوب الركوب بظاهر الأوامر كما نقل عن بعض الظاهرية.
الثاني: الجواز مطلقًا، نسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق.
(1)
"فتح الباري"(3/ 534).
(2)
"فتح الباري"(3/ 536).
(3)
"هامش اللامع"(5/ 233، 234).
الثالث: تقييده بالحاجة، قال النووي: مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج.
الرابع: أنها لا تركب إلا عند الاضطرار، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وإحدى الروايتين عن أحمد، وبه جزم الدردير والدسوقي.
الخامس: المنع مطلقًا، حكاه ابن العربي عن أبي حنيفة، ثم من قيده بالحاجة أو الاضطرار اختلفوا على قولين: أحدهما: أن الإباحة تنتهي إلى وقت الحاجة ثم يلزمه النزول، والثاني: أنها شرط لابتداء الجواز، فإذا أبيح له لا يلزمه النزول، انتهى.
قوله: (العتيق عتقه من الجبابرة) قال القسطلاني
(1)
تبعًا للعيني: إنها إشارة إلى ما في قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف أنها إشارة إلى ما في قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] لوجهين، الأول: أنها أقرب إلى قوله: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} ، والثاني: أنها متعلقة بمسألة الهدي بخلاف قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ، والإشارة إلى آية الهدي أولى من الإشارة إلى آية الطواف لمناسبة المقام.
(104 -
باب من ساق البدن معه)
أي: من الحل إلى الحرم، قال المهلب
(2)
: أراد المصنف أن يعرف أن السُّنَّة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم، فإن اشتراه من الحرم خرج به إذا حج إلى عرفة، وهو قول مالك، قال: فإن لم يفعل فعليه البدل، وهو قول الليث، وقال الجمهور: إن وقف به بعرفة فحسن وإلا فلا بدل عليه، وقال أبو حنيفة: ليس بسُنَّة لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ساق الهدي
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 238).
(2)
انظر: "فتح الباري"(3/ 539).
من الحل لأن مسكنه كان خارج الحرم، وهذا كله في الإبل، فأما البقر فقد يضعف عن ذلك، والغنم أضعف، انتهى.
قلت: في "جزء حجة الوداع"
(1)
تحت قوله: "وساق الهدايا معه. . ." إلخ: وسوقه صلى الله عليه وسلم الهدايا معروف، ففي "الهداية" أنه عليه الصلاة والسلام ساق الهدايا مع نفسه، انتهى. وهو مصرح في الروايات الكثيرة في "البخاري" وغيره، وفي "الهداية" أيضًا: وسوق الهدي معه أفضل لأنه صلى الله عليه وسلم ساق الهدايا مع نفسه، وإلى ذلك أشار الإمام البخاري في كتابه، إذ ترجم أولًا "باب من ساق البدن معه"، وترجم بعد ذلك، "
باب من اشترى الهدي من الطريق
"، انتهى.
وفي "فتح المعين"
(2)
من فروع الشافعية: يسنُّ لقاصد مكة، وللحاج آكد أن يهدي شيئًا من النعم يسوقه من بلده، وإلا فمن الطريق، ثم من مكة، ثم من عرفة، ثم من منى، فلا يبعد عندي أن المصنف أشار بهذه وبالآتية إلى ذلك.
(105 - باب من اشترى الهدي من الطريق)
أي: سواء كان في الحلِّ أو الحرم؛ إذ سوقه معه من بلده ليس بشرط، وقال ابن بطال: أراد أن يبين أن مذهب ابن عمر في الهدي أنه ما أدخل من الحلِّ إلى الحرم؛ لأن قديدًا من الحل، قلت: لا يخفى أن الترجمة أعم من فعل ابن عمر فكيف تكون بيانًا له، انتهى من "الفتح"
(3)
.
قلت: وتقدم في الباب السابق من "فتح المعين" أن الأفضل سوقه من بلده، ثم من الطريق، إلى آخر ما تقدم، فأشار الإمام البخاري بهذين الترجمتين إلى هذا الترتيب في السوق، ويحتمل أن يكون الغرض بهذه الترجمة الإشارة إلى مسألة خلافية، ففي "الموطأ"
(4)
: كان ابن عمر يقول: الهدي ما قُلِّد وأُشعرَ ووُقِفَ به بعرفة.
(1)
"جزء حجة الوداع"(ص 56).
(2)
"فتح المعين"(ص 302).
(3)
"فتح الباري"(3/ 542).
(4)
"موطأ مالك"(1407).
وفي "الأوجز"
(1)
: قال الباجي: يريد أن هذا الهدي الكامل الصفات والفضائل، وقال الزرقاني: فغيره ليس بهدي إن اشتراه بمكة أو منى، ولم يخرج به إلى الحل، وعليه بدله، فإن ساقه من الحل استحب وقوفه بعرفة، هذا قول مالك وأصحابه، والأصل في ذلك أن الهدي من شرطه أن يجمع فيه بين الحلِّ والحرم، ولا يجزئ من اشتراه بالحرم أن ينحره بالحرم، دون أن يخرجه إلى الحل، هذا مذهب مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن اشتراه في الحرم ونحره فيه أجزأه، انتهى.
وقال الموفق: ليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، لكن يستحب ذلك، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
(106 -
باب من أشعر وقلَّد بذي الحليفة. . .) إلخ
قال ابن بطال
(2)
: غرضه أن يبين أن المستحب أن لا يشعر المحرم ولا يقلد إلا في ميقات بلده، انتهى.
قال الحافظ
(3)
: والذي يظهر أن غرضه الإشارة إلى رد قول مجاهد: لا يشعر حتى يحرم، أخرجه ابن أبي شيبة لقوله في الترجمة:"من أشعر ثم أحرم". وظاهر حديث الباب من قوله: "قلد وأحرم" أن البداءة بالتقليد، انتهى.
والأوجه عندي في غرض الترجمة أنها رد لمن ذهب من الفقهاء إلى أن التقليد لمريد النسك يوجب الإحرام ويصير الرجل به محرمًا كما ذهب إليه الثوري وأحمد وإسحاق، وقال أصحاب الرأي: من ساق الهدي وأمَّ البيت ثم قلَّد وجب عليه الإحرام، وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا، ولا يجب عليه شيء، كما بسط في "الأوجز" و"الفتح".
(1)
"الأوجز"(7/ 529).
(2)
"شرح ابن بطال"(4/ 380).
(3)
"فتح الباري"(3/ 542).
(107 -
باب فتل القلائد للبدن والبقر)
قال ابن المنيِّر: ليس في الحديثين ذكر البقر إلا أنهما مطلقان، وقد صح أنه أهداهما جميعًا، كذا قال. وكأنه أراد حديث عائشة "دخل علينا يوم النحر بلحم بقر" الحديث، وسيأتي بعد أبواب، ولا دلالة فيه على أنه كان ساق البقر، وترجمة البخاري صحيحة؛ لأنه إن كان المراد بالهدي في الحديث الإبل والبقر معًا فلا كلام، وإن كان المراد الإبل خاصة فالبقر في معناها، ومناسبة حديث حفصة للترجمة من جهة أن التقليد يستلزم تقدم الفتل عليه، كذا في "الفتح"
(1)
.
قلت: ولعل الغرض من الترجمة الرد على قول ابن حزم كما في "المحلى"
(2)
: أن لا إشعار في البقر ولا تقليد كانت له أسنمة أو لا، وأيضًا فيه رد على الإمام مالك فإنه قائل بتقليد البقر دون إشعارها كما في "القسطلاني"
(3)
، وعند الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة يسن تقليد البقر، وفي الترجمة أيضًا إشارة إلى المغايرة بين البدن والبقر، إذ ذكر البقر بعده بحرف العطف، والمسألة خلافية، ففي "الأوجز"
(4)
: واختلفت الأئمة في أن البدنة تختص بالإبل أو تشمل البقر أيضًا؟
قال الشوكاني: حكي في "البحر" عن الشافعي والمؤيد بالله: أن البدنة تختص بالإبل، وعن أبي حنيفة وأصحابه والناصر: أنها تطلق على البقر، وعن بعض أصحاب الشافعي: أنها تطلق على الشاة أيضًا، قال: ولا وجه له، انتهى.
(108 -
باب إشعار البدن. . .) إلخ
يستفاد من الشروح أن الغرض من الترجمة الرد على من كره الإشعار، ويمكن أن يكون الغرض منه التنبيه على أن الإشعار عام، سواء
(1)
"فتح الباري"(3/ 543، 544).
(2)
"المحلى"(5/ 104).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 248).
(4)
"الأوجز"(2/ 361، 362).
أراد النسك والإحرام أم لا؟ كما هو مؤدى حديث الباب، ثم في الإشعار ثلاثة مباحث، كما بسط في "الأوجز"، الأول: في تفسيره، والثاني: في حكمه، والثالث: في النعم التي تُشْعَرُ، أما البحث الثاني: ففيه خلاف مشهور، فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أنه سُنَّة، وقال أبو يوسف ومحمد: إنه حسن، وقيل: سُنَّة، كما في "البدائع"، وفي "الهداية": هو مكروه عند أبي حنيفة، وعندهما: حسن.
وأما البحث الثالث ففي "الأوجز"
(1)
: حاصل مذاهب الأئمة في ذلك، أن الإشعار في الإبل والبقر مطلق عند الشافعية والحنابلة، وأما عند المالكية ففي الإبل قولان: المرجح الإشعار مطلقًا، والثاني: التقييد بالسنام، وفي البقر ثلاثة أقوال: الإثبات والنفي المطلقان، والثالث: المرجح عندهم إشعار ذات السنام، وأما عند الحنفية فلا إشعار في البقر مطلقًا، وأما الغنم فلا إشعار فيه إجماعًا، بل يحرم عند الجمهور.
وظاهر صنيع الإمام البخاري اختصاص الإشعار بالإبل دون البقر إذ خصَّه بالبدن، وذكر في الباب السابق البدن بمقابلة البقر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(109 -
باب من قلَّد القلائد بيده)
قال الحافظ
(2)
: أي: الهدايا، وله حالان: إما أن يسوق الهدي ويقصد النسك فإنما يقلدها ويشعرها عند إحرامه، وإما أن يسوقه ويقيم فيقلدها من مكانه، وهو مقتضى حديث الباب، والغرض بهذه الترجمة أنه كان عالمًا بابتداء التقليد ليترتب عليه ما بعده، قال ابن التين: يحتمل أن يكون قول عائشة: "ثم قلَّدها بيده" بيانًا لحفظها للأمر ومعرفتها به، ويحتمل أن تكون أرادت أنه صلى الله عليه وسلم تناول ذلك لنفسه وعلم وقت التقليد، ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم لئلا يظن أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي، انتهى.
(1)
"الأوجز"(7/ 514، 515، 528).
(2)
"فتح الباري"(3/ 545).
(110 -
باب تقليد الغنم)
قال القسطلاني
(1)
: وقد احتج الشافعي بحديث الباب على أن الغنم تقلد، وبه قال أحمد والجمهور خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث منعاه؛ لأنها تضعف عن التقليد، قال عياض: المعروف من مقتضى الرواية أنه كان عليه الصلاة والسلام يهدي البدن لقوله في بعض الروايات: "قلَّد وأشعر"، وفي بعضها:"فلم يحرم عليه شيء حتى نحر الهدي"؛ لأن ذلك إنما يكون في البدن، وإنما الغنم في رواية الأسود هذه ولانفراده بها نزلت على حذف مضاف، أي: من صوف الغنم كما قال في الأخرى: "من عهن"، والعهن: الصوف، لكن جاء في بعض روايات الأسود هذا: كنا نقلِّد الشاة، وهذا يرفع التأويل، انتهى.
وفي "البذل"
(2)
: قال في "الهداية": وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسُنَّة أيضًا، انتهى. وفيه قال العيني: وادَّعى صاحب "المبسوط" أن أثر الأسود شاذ، انتهى.
وفي هامشي على "البذل" عن "الكوكب الدري": الحنفية أنكروا التقليد بالنعل وغيره، والثابت بالعهن، ولم ينكره الحنفية، انتهى.
قال العيني: على أنهم ما منعوا الجواز، وإنما قالوا: إن تقليد الغنم ليس بسُنَّة، انتهى.
(111 -
باب القلائد من العهن)
بكسر المهملة وسكون الهاء، أي: الصوف، وقيل: هو المصبوغ منه، وقيل: هو الأحمر خاصة.
قال الحافظ
(3)
: فيه رد على من كره القلائد من الأوبار، واختار أن
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 253).
(2)
"بذل المجهود"(7/ 64، 65، 66).
(3)
"فتح الباري"(3/ 548).
تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة ومالك، وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف، والله أعلم، انتهى.
قال الدردير
(1)
: ندب بحبل من نبات الأرض لا من صوف أو وبر خشية تعلقه بشيء فيؤذيه، انتهى.
(112 -
باب تقليد النعل)
قال الحافظ
(2)
: يحتمل أن يريد الجنس، ويحتمل أن يريد الوحدة، أي: النعل الواحدة، فيكون فيه إشارة إلى من اشترط نعلين وهو قول الثوري، وقال غيره: تجزئ الواحدة، وقال آخرون: لا تتعين النعل بل كل ما قام مقامها أجزأ حتى أذن الإداوة، ثم ذكر الحكمة في تقليد النعل، وفي آخره: والمستحب تقليد نعلين لا واحدة، انتهى.
وفي "روضة المحتاجين": إن كان الهدي بدنة أو بقرة، استحب لمهديها أن يقلدها نعلين، وليكن لهما قيمة ليتصدق بهما، كما في "الأوجز"
(3)
.
(113 -
باب الجلال للبُدْنِ. . .) إلخ
بكسر الجيم وتخفيف اللام جمع جُل بضم الجيم وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء أو نحوه، انتهى من "الفتح"
(4)
.
والظاهر عندي: أن الغرض بيان استحباب التجليل لا بيان ندب التصدق به، لما سيأتي من ترجمة مستقلة.
قال القسطلاني
(5)
بعد ذكر حديث الباب: وفيه استحباب تجليل البدن
(1)
"حاشية الدسوقي"(2/ 88).
(2)
"فتح الباري"(3/ 548، 549).
(3)
"الأوجز"(7/ 513).
(4)
"فتح الباري"(3/ 549).
(5)
"إرشاد الساري"(4/ 256).
والتصدق بذلك الجل، ونقل القاضي عياض عن العلماء: أن التجليل يكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، وأن تشق الجلال عن الأسنمة إن كانت قيمتها قليلة فإن كانت نفيسة لم تشق، انتهى.
وفي "الأوجز"
(1)
: قال الدردير والدسوقي: ندب تجليل الإبل، لا البقر والغنم، انتهى.
(114 -
باب من اشترى هديه من الطريق وقلَّدها)
قال الحافظ
(2)
: تقدم قبل ثمانية أبواب "من اشترى الهدي من الطريق" وأورد فيه حديث ابن عمر هذا من وجه آخر، وإنما زادت هذه الترجمة التقليد، انتهى.
فالفرق بين الترجمتين أن الغرض من الأولى بيان سوق الهدي، والمقصود ها هنا بيان التقليد، كما يظهر من سياق تراجمه، ويحتمل عندي أن الغرض من الترجمة الرد على قول الحنفية إذ قالوا: إن الشراء بالنية يكون هديًا، بخلاف الجمهور إذ قالوا: لا يكون ذلك حتى يقلده أو يوجبه باللسان، قال الموفق
(3)
: ويحصل الإيجاب بقوله: هذا هدي، أو بتقليده وإِشعاره ناويًا به الهدي، وبهذا قال الثوري وإسحاق، ولا يجب بالشراء مع النية، ولا بالنية المجردة في قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: يجب بالشراء مع النية، انتهى.
ويحتمل أن يكون الغرض شرح الحديث بأن الهدي لم يكن مقلدًا من قبل، بل قلدها ابن عمر، فتأمل.
(115 -
باب ذبح الرجل البقر عن نسائه. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: أما التعبير بالذبح مع أن حديث الباب بلفظ النحر
(1)
"الأوجز"(7/ 532).
(2)
"فتح الباري"(3/ 550).
(3)
"المغني"(5/ 437).
(4)
"فتح الباري"(3/ 551).
فإشارة إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الذبح، كما سيأتي، ونحر البقر جائز عند العلماء؛ إلا أن الذبح مستحب عندهم لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]، وخالف الحسن بن صالح فاستحب نحرها، وأما قوله:"من غير أمرهن" فأخذه من استفهام عائشة عن اللحم لما دخل به عليها، ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعًا للاحتمال، فيجوز أن يكون علمها بذلك تقدم بأن يكون استأذنهن في ذلك، لكن لما أدخل اللحم عليها لاحتمل عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه وأن يكون غير ذلك؛ فاستفهمت عنه بذلك، انتهى.
قلت: في الترجمة مسألتان، إحداها: ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح، والثانية: مسألة الاستئذان في التضحية عن الغير، ففي "روضة المحتاجين": يسن نحر الإبل وذبح البقر، وقالت المالكية: بوجوب النحر والذبح، انتهى.
وفي "الروض المربع"
(1)
: يسن نحر الإبل وذبح غيره، ويجوز عكسه انتهى.
وأما المسألة الثانية: قال القسطلاني
(2)
: قال النووي: هذا محمول على أنه استأذنهن لأن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه، قال البرماوي: وكأن البخاري عمل بأن الأصل عدم الاستئذان، انتهى.
وفي "الفيض"
(3)
: قوله: "فقلت: ما هذا؟ " إلخ، هذا هو موضع الترجمة، فإنه يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن استأمر عائشة، ولذا لم تعرف، وسألت عنها، ولا بد منه عند الفقهاء.
قلت: لما ثبت عندنا ضرورة الاستئمار شرعًا وجب علينا أن نحمله على معنى لا يخالف ما ثبت عنه ضرورة، وحينئذ المعنى أنها سئلت عنه، أنها هي التي أمرت بذبحها أو غيرها، انتهى.
(1)
"الروض المربع"(ص 263).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 260).
(3)
"فيض الباري"(3/ 285).
(116 -
باب النحر في منحر النبي صلى الله عليه وسلم بمنى)
قال ابن التين: منحر النبي صلى الله عليه وسلم عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، وللنحر فيه فضيلة على غيره لقوله صلى الله عليه وسلم:"هذا المنحر وكل منى منحر"، انتهى.
وحكى ابن بطال قول مالك في النحر بمنى للحاج والنحر بمكة للمعتمر، وأطال في تقرير ذلك وترجيحه، ولا خلاف في الجواز وإن اختلف في الأفضل، انتهى من "الفتح"
(1)
.
فعلى هذا فالغرض الرد على قول مالك، ويمكن أن يكون الغرض إثبات أن منى كله منحر، إلا أن منحره صلى الله عليه وسلم أولى وأفضل.
(117 -
باب من نحر بيده)
قال القسطلاني
(2)
: وهو أفضل إذا أحسن النحر من أن ينحر عنه غيره، انتهى، وهكذا في "الهداية"
(3)
إذ قال: والأولى أن يتولى ذبحها بنفسه إذا كان يحسن ذلك، انتهى.
وفي "الأوجز"
(4)
: قال ابن عبد البر: وفي الحديث من الفقه أن يتولى الرجل نحر هديه بيده، وذلك عند أهل العلم مستحب مستحسن لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيده؛ ولأنها قربة إلى الله عز وجل فمباشرتها أولى، وجائز أن ينحر الهدي غير صاحبها، ألا ترى أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه نحر بعض هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمر لا خلاف بين العلماء في إجازته، فأغنى عن الكلام فيه، وقد جاءت رواية عن بعض أهل العلم أن من نحر أضحية غيره كان عليه الإعادة ولم يجزه، وهذا محمول على أنها نحرت بغير إذن صاحبها وهو موضع اختلاف، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 552).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 261).
(3)
"الهداية"(2/ 495).
(4)
"الأوجز"(8/ 104).
(118 -
باب نحر الإبل المقيدة)
قال الحافظ
(1)
: أورد فيه حديث ابن عمر، وهو مطابق لما ترجم له، انتهى.
(119 -
باب نحر البدن قائمة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: أفاد هذا الباب لانضمامه بما قبله أن الواجب، أي: الأدب أن ينحرها وهي قائمة مقيدة الرجل، انتهى.
وفي هامشه، ما أفاده الشيخ واضح، وقال الحافظ: في الحديث استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة وعن الحنفية يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة، وقال العيني: في الحديث نحره قائمة، وبه قال الشافعي: وأحمد، وقال أبو حنيفة والثوري: تنحر باركة وقائمة، واستحب عطاء أن ينحرها باركة معقولة، وعنه: إن شاء قائمة وإن شاء باركة، وعن الحسن: باركة أهون عليها، انتهى.
قلت: وعندنا الحنفية أيضًا النحر قيامًا أفضل كما في "الهداية" ولفظه: والأفضل أن ينحرها قيامًا لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الهداية قيامًا وأصحابه كانوا ينحرونها قيامًا معقولة اليد اليسرى، انتهى، والبسط في هامش "اللامع".
(120 -
باب لا يعطى الجزَّار من الهدي شيئًا)
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: قوله: "ولا أعطي عليها شيئًا في جزارتها"، يعني: منها، فحذف لفظة منها لظهور المراد.
وفي هامشه: ونبَّه على ذلك الإمام البخاري إذ ترجم بلفظ لا يعطى الجزار من الهدي شيئًا، قال الحافظ
(4)
: قوله: "لا أعطي عليها شيئًا. . ."
(1)
"فتح الباري"(3/ 553).
(2)
"اللامع"(5/ 235، 236).
(3)
"اللامع"(5/ 238، 239).
(4)
"فتح الباري"(3/ 556).
إلخ، وكذا قوله في الرواية التي في الباب بعده:"ولا يعطي في جزارتها"، ظاهرهما أن لا يعطي الجزار شيئًا البتة، وليس ذلك المراد، بل المراد أن لا يعطي الجزار منها شيئًا كما وقع عند مسلم، وظاهره مع ذلك غير مراد؛ بل بيَّن النسائي في روايته عن ابن جريج أن المراد منع عطية الجزار من الهدي عوضًا عن أجرته ولفظه:"ولا يعطى في جزارتها منها شيئًا"، ثم بسط الحافظ في ضبط لفظ الجزارة وشرحه إلى أن قال: قال ابن خزيمة: والنهي عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يعطى منها عن أجرته، وأما إذا أعطي أجرته كاملة ثم تصدق عليه، إذا كان فقيرًا فلا بأس بذلك، وقال غيره: وأما إعطاؤه صدقة أو هديةً فالقياس الجواز، لكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلا تقع مسامحة في الأجرة، قال القرطبي
(1)
: ولم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا الحسن البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير، انتهى.
قلت: إن كان مراد المصنف في الترجمة المنع مطلقًا؛ فذلك بناء على أن لا يتسامح في الأجرة، وإن كان مراده المنع من العطية في الجزارة خاصةً؛ فالغرض حينئذ إما الرد على مذهب الحسن البصري، أو شرح الحديث بأن قوله:"لا أعطي عليها شيئًا" معناه من الهدي، كما تقدم في كلام الشيخ، والله أعلم.
(121 -
باب يُتصدق بجلود الهدي)
قال الحافظ
(2)
: واستدل بحديث الباب على منع بيع الجلد، قال القرطبي: فيه دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع وكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويصرف ثمنه مصرف الأضحية، واستدل أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع
(1)
"المفهم"(3/ 416).
(2)
"فتح الباري"(3/ 556).
به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه، انتهى.
(122 -
باب يُتصدق بجلال البدن)
قال القسطلاني
(1)
: قال الشافعي في القديم: ويتصدق بالنعال وجلال البدن، وقال المهلب: ليس التصدق بجلال البدن فرضًا، وقال المرداوي من الحنابلة في "تنقيحه": وله أن ينتفع بجلدها وجلها أو يتصدق به ويحرم بيعهما وشيء منهما، وقال المالكية: خطام الهدايا كلها وجلالها كلحمها فحيث يكون اللحم مقصورًا على المساكين يكون الجلال والخطام كذلك، وحيث يكون اللحم مباحًا للأغنياء والفقراء يكون الخطام والجلال كذلك تحقيقًا للتبعية، فليس له أن يأخذ من ذلك، وقال العيني: قال أصحابنا: يتصدق بجلال الهدي وزمامه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أمر عليًا بذلك، والظاهر أن هذا الأمر أمر استحباب، انتهى.
وتقدم قبل عدة أبواب "باب الجلال للبُدن" وتقدم هناك الفرق بين الترجمتين.
(123 -
باب {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} . . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: وقع سياق الآيات كلها في رواية كريمة، والمراد منها هنا قوله تعالى:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28]، ولذلك عطف عليها بالترجمة، وما يؤكل من البدن وما يتصدق، أي: بيان المراد من الآية، انتهى.
وتعقبه العيني
(3)
: بأن الذي في معظم النسخ باب بعد قوله تعالى: {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30] وقبل قوله: "ما يؤكل من البدن"، ثم
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 267، 268).
(2)
"فتح الباري"(3/ 558).
(3)
"عمدة القاري"(7/ 328).
قال: وأين العطف في هذا وكل واحد من البابين ترجمة مستقلة؟ والظاهر أن المؤلف لم يجد في الترجمة الأولى حديثًا يطابقها على شرطه، انتهى.
وتعقب القسطلاني
(1)
على كلامه فارجع إليه لو شئت.
قلت: فعلى النسخة التي فيها باب مستقل الترجمة السابقة عندي بمنزلة الكتاب، للأفعال التي تعمل في منى منها أكل الهدي، والحلق المشار إليه في الآية بقوله:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29]، ومنها الطواف المشار إليه بقوله:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، ومنها ذكر الله في هذه الأيام بالرمي المشار إليه بقوله:{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]، على ما قيل.
وقال الحافظ
(2)
: وقوله: (عن ابن عمر لا يؤكل. . .) إلخ، وصله ابن أبي شيبة عن ابن نمير عنه بمعناه قال: إذا عطبت البدنة أو كسرت أكل منها صاحبها ولم يبدلها، إلا أن تكون نذرًا أو جزاء صيد، وهذا القول إحدى الروايتين لأحمد، وهو قول مالك وزاد: إلا فدية الأذى، والرواية الأخرى عن أحمد: ولا يؤكل إلا من هدي التطوع والتمتع والقران، وهو قول الحنفية بناء على أصلهم أن دم التمتع والقران دم نسك لا دم جبران، انتهى.
وفي هامش "اللامع"
(3)
: قلت: اختلفت نقلة المذاهب في بيان ما يؤكل من الهدايا كما بسط في "الأوجز" وذكر فيه بعد نقل الأقاويل المختلفة: وتحصل مما سلف أن المذهب عند الحنابلة أن لا تؤكل من الهدايا إلا دم التمتع والقران والتطوع، وبه قالت الحنفية، ومشهور مذهب مالك أنه يؤكل من كل هدي بلغ محله إلا ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذر للمساكين، وأما عند الشافعية فلا يجوز أكل شيء.
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 269).
(2)
"فتح الباري"(3/ 558).
(3)
"اللامع"(5/ 240).
من الدماء الواجبة حتى دم التمتع والقران، ويجوز الأكل من التطوع مع وجوب التصدق ببعض لحمه، وهذا التفصيل في الهدي الذي بلغ محله.
وأما ما عطب في الطريق ففيه أيضًا خلاف مشهور بين الأئمة، وطالما تلتبس إحدى المسألتين بالأخرى على نقلة المذاهب، ففي "الأوجز"
(1)
بعد نقل الأقاويل المختلفة: والحاصل أن الأكل من الهدي إذا عطب لا يجوز لصاحبه ولا لرفقته، سواء كانوا أغنياء أو فقراء عند الشافعي وأحمد، ويجوز لغيرهم إذا كانوا فقراء، وأما عند مالك فيجوز للرفقاء مطلقًا، سواء كانوا أغنياء أو فقراء فضلًا عن غير الرفقة، ولا يجوز لصاحبه ولو فقيرًا ولا لرسوله، ولا يجوز له الأمر لأحد أن يأكل، ولا أن يفرِّقه على الناس، بل يخلي بينه وبينهم، وأما عند الحنفية فيجوز للفقراء، سواء كانوا رفقة أم لا، ولا يجوز للأغنياء مطلقًا، إلى آخر ما بسط فيه من الدلائل.
(125 -
باب الذبح قبل الحلق)
وفي الحديث عكسه، يعني: الحلق قبل الذبح، ووجه الاستدلال أن السؤال عن ذلك دالّ على أن السائل عرف أن الحكم على عكسه، قاله الحافظ
(2)
.
وفي "جزء حجة الوداع"
(3)
تحت حديث الباب عدة أبحاث، وفيه: البحث الرابع في اختلاف الأئمة في الأفعال المذكورة، فاعلم أن ما يفعل يوم النحر أربعة أمور: الرمي ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة، وهذا الترتيب هو المسنون عند كافة العلماء، وهذا الترتيب سُنَّة عند الشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة، فمن قدَّم شيئًا من هذه أو أخَّر فلا دم عليه عندهم لكون الترتيب غير واجب، لقوله عليه الصلاة والسلام:"افعل ولا حرج".
(1)
"الأوجز"(7/ 559).
(2)
"فتح الباري"(3/ 559).
(3)
"جزء حجة الوداع"(ص 188).
وأما عند الإمامين الهمامين أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى فالترتيب في بعضها واجب وفي بعضها سُنَّة، فمن خالف الترتيب الواجب فعليه دم، ومن خالف الترتيب المسنون فقد أساء ولا دم عليه، فمذهب مالك على ما قال الدسوقي
(1)
: إن تقديم الرمي على الأخيرين الحلق والطواف واجب، يجبر بدم، وأما تقديمه على الثاني، أو تقديم الثاني على كل واحد من الأخيرين، أو تقديم الثالث على الرابع فمستحب، فالمراتب ستة: الوجوب في اثنين، والندب في أربعة، انتهى.
ومذهب الحنفية ما قال ابن عابدين
(2)
: الطواف لا يجب ترتيبه على شيء من الثلاثة، وإنما يجب ترتيب الثلاثة: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق، لكن المفرد لا ذبح عليه، فيجب عليه الترتيب بين الرمي والحلق فقط، انتهى.
(126 -
باب من لبَّد رأسه عند الإحرام وحلق)
قال الحافظ
(3)
: أي: بعد ذلك عند الإحلال، انتهى.
وليس في الحديث ذكر الحلق، وأجاب عنه الحافظ بما سيأتي، وحاصل ما أفاده الشيخ في "اللامع"
(4)
: مقصود البخاري من الترجمة أن الحلق ليس بشرط لأن الوارد في الحديث ذكر الحل لا الحلق، انتهى.
وقال الحافظ: قيل: أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف فيمن لبّد، هل يتعين عليه الحلق أو لا؟ فنقل ابن بطال عن الجمهور تعين ذلك حتى عن الشافعي، وقال أهل الرأي: لا يتعين بل إن شاء قصر، انتهى. وهذا قول الشافعي في الجديد، وليس للأول دليل صريح، وأعلى ما فيه ما سيأتي في "اللباس" عن عمر:"من ضفر رأسه فليحلق"، وليس في
(1)
"الشرح الكبير"(2/ 46).
(2)
"رد المحتار"(3/ 669).
(3)
"فتح الباري"(3/ 560).
(4)
"اللامع"(5/ 240، 242).
حديث الباب تعرض بالحلق إلا أنه معلوم من حاله صلى الله عليه وسلم أنه حلق رأسه في حجه، انتهى.
قلت: وكذا قال النووي في "مناسكه": إنه لا يلزمه الحلق على المذهب الصحيح عند الشافعي، فما حكى ابن بطال وغيره من مذهب الجمهور ليس بصحيح، والصحيح أنه مذهب مالك فقط، وهو مخير بينهما في الجديد الصحيح من قولي الشافعي، وهو مذهب الحنابلة والحنفية، كما في هامش "اللامع"، وقد تقدم حكم التلبيد وبعض ما يتعلق به في "باب من أهل مُلبدًا"، وسيأتي التبويب بالتلبيد في "كتاب اللباس"، وذكر المصنف هناك قول عمر:"من ضفر فليحلق، ولا تشبهوا بالتلبيد" وتقدمت الإشارة إليه في كلام الحافظ، وسيأتي هناك شرح هذا الحديث من كلام الشيخ قُدِّس سِرُّه في "اللامع"
(1)
.
(127 -
باب الحلق والتقصير عند الإحلال)
قال الحافظ
(2)
: قال ابن المنيِّر: أفهم البخاري بهذه الترجمة أن الحلق نسك لقوله: "عند الإحلال" وما يصنع عند الإحلال، وليس هو نفس التحلل، وكأنه استدل على ذلك بدعائه صلى الله عليه وسلم لفاعله، والدعاء يشعر بالثواب، والثواب لا يكون إلا على العبادة لا على المباحات، وكذلك تفضيله الحلق على التقصير يشعر بذلك؛ لأن المباحات لا تتفاضل، والقول بأن الحلق نسك قول الجمهور إلا رواية مضعّفة للشافعية أنه استباحة محظور، انتهى مختصرًا.
وقال النووي في "شرح المهذب": ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعي، وهو رواية عن أحمد وحكي عن أبي يوسف، قال الموفق: الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في
(1)
"اللامع"(10/ 6، 8).
(2)
"فتح الباري"(3/ 561).
ظاهر مذهب أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد: أنه ليس بنسك، انتهى من "جزء حجة الوداع"
(1)
، فعلى هذا الغرض من الترجمة الإشارة إلى أنه من النسك.
وقال العيني
(2)
: قد أجمع العلماء على أن التقصير مجزئ في الحج والعمرة معًا إلا ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: إذا حج الرجل أول حجة حلق، وإن حج مرة أخرى إن شاء حلق وإن شاء قصَّر، والحلق أفضل، انتهى.
فيمكن أن يكون الغرض من الترجمة الرد على هذا القول.
(128 -
باب تقصير المتمتع بعد العمرة)
أي: عند الإحلال منها، كذا في "الفتح"
(3)
. وفيه أيضًا قوله: يحلق أو يقصر فيه التخيير بين الحلق والتقصير للمتمتع، وهو على التفصيل الذي قدمناه إن كان بحيث يطلع شعره؛ فالأولى له الحلق وإلا فالتقصير ليقع له الحلق في الحج، انتهى.
وهكذا حكي عن النخعي قال العيني
(4)
: حكي عن إبراهيم النخعي عند ابن أبي شيبة، فذكر ما تقدم بعضه في الباب السابق وفي آخره: فإن كان متمتعًا قصَّر ثم حلق، والظاهر أن هذا الكلام من إبراهيم ليس على سبيل الوجوب، بل الفضل والاستحباب، إلى آخر ما فيه.
(129 -
باب الزيارة يوم النحر. . .) إلخ
قال الحافظ
(5)
: أي: زيارة الحاج البيت للطواف به، وهو طواف الإفاضة، ويسمى أيضًا طواف الصدر وطواف الركن، انتهى.
(1)
"جزء حجة الوداع"(ص 206).
(2)
"عمدة القاري"(7/ 345).
(3)
"فتح الباري"(3/ 567).
(4)
"عمدة القاري"(7/ 345).
(5)
"فتح الباري"(3/ 567).
قلت: وفي "مختصر الخليل": كره أن يقال: طواف الزيارة، أو زرنا قبره صلى الله عليه وسلم، قال الدردير: لأن الزيارة تشعر بالاستغناء، ولعل هذه بالنسبة للأزمنة السالفة، وأما الآن فإنما تستعمل في التعظيم، انتهى، وكذا في "جزء حجة الوداع"
(1)
.
قلت: وأشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى أفضل أوقات طواف الزيارة، وهو يوم النحر، قال الموفق
(2)
: ولهذا الطواف وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء، فأما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق، فإن أخره إلى الليل فلا بأس، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخّر طواف الزيارة إلى الليل، وأما وقت الجواز فأوله من نصف الليل من ليلة النحر، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر أيام النحر، وهذا مبني على أول وقت الرمي، وأما آخر وقته فاحتج بأنه نسك يفعل في الحج، فكان آخره محدودًا؛ كالوقوف والرمي، والصحيح أن آخر وقته غير محدود، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم، فيقول: إنه طاف في ما بعد أيام النحر طوافًا صحيحًا، فلم يلزمه دم، كما لو طاف أيام النحر، فأما الوقوف والرمي فإنهما لما كانا موقتين، كان لهما وقت يفوتان بفواته وليس كذلك الطواف، فإنه متى أتى به صح، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(3)
: الطواف في يوم النحر الأول أفضل، وفي يوم من أيام النحر الثلاثة واجب، فإن أخّره من أيام النحر ولياليها منها كره تحريمًا ووجب دم ترك الواجب، انتهى.
(130 -
باب إذا رمى بعد ما أمسى. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: ولم يبيِّن الحكم في الترجمة إشارة منه إلى أن الحكم
(1)
"جزء حجة الوداع"(ص 209).
(2)
"المغني"(5/ 312، 313).
(3)
"الدر المختار"(1/ 168، 169).
(4)
"فتح الباري"(3/ 568، 569).
برفع الحرج مقيد بالجاهل أو الناسي، فيحتمل اختصاصهما بذلك، أو إلى أن نفي الحرج لا يستلزم رفع وجوب القضاء أو الكفارة، وكأنه أشار بلفظ النسيان والجهل إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وأما قوله:"إذا رمى بعد ما أمسى" فمنتزع من حديث ابن عباس في الباب، قال:"رميت بعد ما أمسيت" أي: بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل، انتهى.
قال العلامة العيني
(1)
: الترجمة مشتملة على حكمين: أحدهما: رمي جمرة العقبة بالليل، والآخر: الحلق قبل الذبح؛ أما الأول فقد أجمع العلماء على من رمى جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى الزوال يوم النحر فقد أصاب سُنَّتها ووقتها المختار، وأجمعوا أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن ذلك مستحسنًا له، واختلفوا فيمن أخّر رميها حتى ضربت الشمس يوم النحر، فروي عن مالك أنه كان يقول مرة: عليه دم، ومرة: لا، وقال الثوري: من أخّرها عامدًا إلى الليل فعليه دم، وقال أبو حنيفة والشافعي: يرميها من الغد ولا شيء عليه، وقد أساء، سواء تركها عامدًا أو ناسيًا، وقال ابن قدامة: إن أخّر جمرة العقبة إلى الليل لا يرميها حتى تزول الشمس من الغد، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي ومحمد: يرمي ليلًا لقوله: "ولا حرج"، انتهى.
وفي هامش "اللامع"
(2)
: اختلف في وقت الرمي في هذا اليوم بدايةً ونهايةً، قال الموفق: لرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة ووقت إجزاء، أما وقت الفضيلة، فبعد طلوع الشمس، وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، أي: عند أحمد، وبذلك قال الشافعي، وعن أحمد: يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال الثوري والنخعي: لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس، انتهى.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 349، 350).
(2)
"اللامع"(5/ 227، 228).
هذا التفصيل في وقت الرمي بدايةً، وأما نهايةً فقد تقدم في كلام العيني، وأما المسألة الثانية المشتملة عليها الترجمة، فقد تقدم في الباب السابق مفصلًا، وسيأتي اختلافهم في وقت رمي أيام التشريق في "باب رمي الجمار"، قريبًا.
(131 -
باب الفتيا على الدابة عند الجمرة)
قال الحافظ
(1)
: هذه الترجمة تقدمت في "كتاب العلم"، لكن بلفظ "باب الفتيا وهو واقف على الدابة أو غيرها"، ثم قال بعد أبواب كثيرة:"باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار" وأورد في كل من الترجمتين حديث عبد الله بن عمرو المذكور في هذا الباب، ومثل هذا لا يقع له إلا نادرًا، وقد اعترض عليه الإسماعيلي بأنه ليس في شيء من الروايات عن مالك أنه كان على دابة، بل في رواية يحيى القطان عنه:"أنه جلس في حجة الوداع فقام رجل"، ثم قال الإسماعيلي: فإن ثبت في شيء من الطرق أنه كان على دابة فيحمل قوله: "جلس" على أنه ركبها وجلس عليها.
قال الحافظ: وهذا هو المتعين، فقد أورد هو رواية صالح بن كيسان بلفظ "وقف على راحلته" وهي بمعنى جلس، والدابة تطلق على المركوب من ناقة وفرس وبغل وحمار، فإذا ثبت في الراحلة كان الحكم في البقية كذلك، إلى آخر ما بسط.
قلت: ولعل الغرض من الترجمة أن وظيفة هذا الوقت وإن كان الاشتغال بالدعاء وغيره، لكنه لو اشتغل بأهم منه كالتبليغ والتعليم فلا بأس به، أو المراد أن الكلام في المناسك جائز لا ينافي العبادة، كما شرح به الحافظ ترجمة "كتاب العلم"، فهو مناسب لهذا المقام، واستدل الشافعي بلفظ "خطب" الوارد في بعض طرق هذا الحديث على الخطبة المشروعة
(1)
"فتح الباري"(3/ 569).
عندهم في هذا اليوم، وحمله على التعليم، قال الأبي
(1)
: ترجم البخاري بالفتيا، وهذا يدل على أنها لم تكن خطبة، قاله الزرقاني
(2)
، واختلافهم في خطب الحج شهير، كما سيأتي في الباب الآتي.
(132 -
باب الخطبة أيام منى)
[قال الحافظ]
(3)
: أي: مشروعيتها خلافًا لمن قال: إنها لا تشرع، وأحاديث الباب صريحة فيه، إلا ثاني أحاديث الباب فإن فيه التقييد بالخطبة بعرفات، وقد أجاب عنه ابن المنيِّر كما سيأتي، وأيام منى أربعة: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وليس في شيء من أحاديث الباب التصريح بغير يوم النحر، وهو الموجود في أكثر الأحاديث؛ كحديث الهرماس بن زياد وأبي أمامة كلاهما عند أبي داود، وحديث جابر عند أحمد:"خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر" الحديث، وأما قوله في حديث ابن عمر:"أنه قال ذلك بمنى" فهو مطلق فيحمل على المقيد فيتعين يوم النحر، فلعل المصنف أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث الباب، كما عند أحمد من طريق أبي حرة الرقاشي عن عمه قال:"كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق" فذكر نحو حديث أبي بكرة، فقوله:"في أوسط أيام التشريق" يدل أيضًا على وقوع ذلك أيضًا في اليوم الثاني أو الثالث.
وفي حديث سراء بنت نبهان عند أبي داود: "خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس"
(4)
الحديث، قال ابن المنيِّر: أراد البخاري الرد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحجاج، وأن المذكور في هذا الحديث من قبيل وصايا العامة لا على أنه من شعار الحج، فأراد أن يبيِّن أن الراوي قد
(1)
"شرح صحيح مسلم" للأبي (4/ 371).
(2)
"شرح الزرقاني"(2/ 390).
(3)
"فتح الباري"(3/ 574).
(4)
قال الحافظ ابن القيم: ويوم الرؤوس هو ثاني يوم النحر بالاتفاق، "زاد المعاد"(2/ 265).
سماها خطبة كما سمى التي وقعت في عرفات خطبة، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات؛ فكأنه ألحق المختلف فيه بالمتفق عليه، انتهى.
وفي "جزء حجة الوداع"
(1)
: اعلم أنهم اختلفوا في تفصيل خطب الحج، فالأولى منها اليوم السابع من ذي الحجة عند الجمهور خلافًا لزفر إذ لم يقل بذلك، بل الخطب عنده ثلاث متواليات، أولاهن يوم التروية، وكذلك الخطب عند الحنفية والمالكية أيضًا ثلاثة لكنها ليست بمتوالية، أولاهن في اليوم السابع بعد صلاة الظهر، والثانية في اليوم التاسع بعرفة قبل صلاة الظهر، والثالثة في اليوم الحادي عشر بمنى بعد صلاة الظهر، وأما عند الشافعية فالخطب أربعة: الاثنتان الأوليتان هما اللتان قال بهما الحنفية المالكية، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم الثاني عشر، وأما الحنابلة فلم أجد التصريح في فروعهم بخطبة اليوم السابع، لكن الشرَّاح ذكروا موافقتهم للشافعية في الخطب الأربعة، انتهى.
قوله: (بعرفات) لا يناسب الترجمة، والجواب ما تقدم في كلام الحافظ، وأجاب عنه السندي
(2)
بجوابين آخرين، أحدهما: بأن يقال أيام منى يشمله أيضًا تغليبًا، أو باعتبار أن ابتداء يوم عرفة يكون بمنى، انتهى.
(133 -
باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة. . .) إلخ
اعلم أن المبيت بمنى واجب كما هو مذهب الجمهور، وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد وهو مذهب الحنفية أنه سُنَّة، ووجوب الدم بتركه وعدم وجوبه مبني على هذا الخلاف، ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، انتهى من "جزء الحج"
(3)
.
(1)
"جزء حجة الوداع"(ص 125، 126).
(2)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 299).
(3)
"جزء حجة الوداع"(ص 218).
وقال الحافظ
(1)
: مقصوده بالغير من كان له عذر من مرض أو شغل كالحطابين والرعاء، انتهى.
قلت: والأوجه عندي تعميم الغير لأنه ليس في الحديث ذكر الأعذار الأخر، ولعل غرض المصنف بزيادة لفظ "هل" وبلفظ "أو غيرهم" الإشارة إلى اختلاف قوي في هذه المسألة وهي أن الإذن يختص بالعباس، أو بأهل السقاية مطلقًا، أو يعم غير أهل السقاية أيضًا؟ بسط الخلاف فيه في "الأوجز"
(2)
، وتلخيص المذاهب فيه كما في "جزء الحج"
(3)
: أنه يجوز تركه للرعاة والسقاة عند الشافعية والحنابلة والمالكية، ثم قالت جماعة من المالكية كالدردير بتخصيص الرخصة برعاة الإبل، وهو ظاهر كلام جماعة من الشافعية؛ كأبي إسحاق الشيرازي في "المهذب" والغزالي في "الوجيز"، وقالت جماعة من المالكية بالتعميم لرعاة الإبل وغيره؛ كابن شاش، وابن الحاجب، وابن عرفة، واختاره الزرقاني، وهل يلحق بهم أهل الأعذار؛ كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم؟ وجهان للشافعية أصحهما: نعم، وهو قول الحنابلة، والثاني: لا، وهو قول المالكية، وهل يختص الحكم بسقاية العباس؟ قال الرافعي: رخصة أهل السقاية لا تختص بالعباسية؛ لأن المعنى يعمهم وغيرهم، وعن مالك وأبي حنيفة أنها تختص بأولاد العباس، وهو وجه لأصحابنا ومنهم من ينقل الاختصاص ببني هاشم، كذا في "الأوجز" مع زيادة عن غيره، انتهى.
(134 -
باب رمي الجمار. . .) إلخ
غرض الترجمة بيان حكم الرمي أو وقته، أما حكمه فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية سُنَّة مؤكدة فيجبر، كذا في "الفتح"، وعندهم رواية: أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه،
(1)
"فتح الباري"(3/ 578).
(2)
"الأوجز"(8/ 292 - 298).
(3)
"جزء حجة الوداع"(ص 225).
ومقابله قول بعضهم: إنها إنما تشرع حفظًا للتكبير، وإن تركه وكبَّر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وأما إن كان غرض الترجمة بيان وقت الرمي فقد تقدم اختلاف الأئمة في وقت رمي يوم النحر بدايةً ونهايةً في "باب إذا رمى بعد ما أمسى"، وأما وقت رمي أيام التشريق فهو بعد زوال الشمس، اتفق عليه الأئمة، وخالف أبو حنيفة في اليوم الثالث منها فقال: يجوز فيه الرمي قبل الزوال استحسانًا، وبه قال إسحاق، ورواية لأحمد، وأما آخر وقت الرمي فهو آخر أيام التشريق مع اختلافهم في وقت الاستحباب والكراهة والجواز، ووجوب الدم بالتأخير، كما بسط في "الأوجز"
(2)
. وتلخيص المذاهب فيه مذكور في "جزء حجة الوداع"
(3)
- فارجع إليه لو شئت.
(135 -
باب رمي الجمار من بطن الوادي)
قال الحافظ
(4)
: كأنه أشار بذلك إلى رد ما رواه ابن أبي شيبة وغيره عن عطاء: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلو إذا رمى الجمرة" لكن يمكن الجمع بينهما بأن التي ترمى من بطن الوادي هي جمرة العقبة لكونها عند الوادي بخلاف الجمرتين الأخريين، فيوضح ذلك قوله في حديث ابن مسعود بعد باب بلفظ:"حين رمى جمرة العقبة"، انتهى.
(136 -
باب رمي الجمار بسبع حصيات. . .) إلخ
أشار في الترجمة إلى رد ما رواه قتادة عن ابن عمر قال: "ما أبالي رميت الجمار بست أو سبع" وأن ابن عباس أنكر ذلك، وقتادة لم يسمع من ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة، وروى من طريق مجاهد: من رمى بست فلا شيء عليه، ومن طريق طاووس: يتصدق بشيء،
(1)
"فتح الباري"(3/ 579).
(2)
"الأوجز"(8/ 306 - 309).
(3)
"جزء حجة الوداع"(ص 218).
(4)
"فتح الباري"(3/ 580).
وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم، وعن الشافعية: في ترك حصاة مدٌ، وفي ترك حصاتين مدان، وفي ثلاثة فأكثر دم، وعن الحنفية: إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وفي "القسطلاني"
(2)
: ولا يجزئ بست، وهذا قول الجمهور خلافًا لعطاء في الإجزاء بالخمس ومجاهد بالست، وبه قال أحمد، انتهى.
وبسط القسطلاني الكلام على مسائل الرمي.
(137 -
باب من رمى جمرة العقبة وجعل البيت عن يساره)
وهذا إنما يندب في رمي يوم النحر، أما رمي أيام التشريق فمن فوقها، وقد امتازت جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى، ومن أسفلها استحبابًا، وقد اتفقوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها، والاختلاف في الأفضل، انتهى [من "الفتح"]
(3)
.
وفي "جزء الحج"
(4)
: حتى أتى جمرة العقبة في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، كذا في "الهدي"
(5)
، وهو المستحب عند الأئمة الثلاثة، كما بسط في "الأوجز"
(6)
، عن كتب فروعهم، وأما عند الحنابلة فالأفضل أن يستقبل القبلة، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 581).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 307).
(3)
"فتح الباري"(3/ 582).
(4)
"جزء حجة الوداع"(ص 170).
(5)
"زاد المعاد"(2/ 237).
(6)
"الأوجز"(8/ 351 - 355).
(138 -
باب يكبر مع كل حصاة. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: في الحديث مشروعية التكبير عند رمي كل حصاة، وقد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء، إلا الثوري فقالى: يطعم، وإن جبره بدم أحب إليَّ، وعلى الرمي بسبع وقد تقدم ما فيه، انتهى، وقال أيضًا: واستدل به على اشتراط رمي الجمرات واحدةً واحدةً لقوله: "يكبر مع كل حصاة" وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبع دفعةً واحدةً أجزأه، انتهى.
قلت: وما حكاه الحافظ من موافقة الحنفية لقول عطاء فليس بصواب، ففي "الهداية"
(2)
: ولو رمى بسبع حصيات جملة فهذه واحدة؛ لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال، انتهى.
قلت: وتقدم ما قال بعضهم: إن الرمي إنما شرع حفظًا للتكبير، وإن تركه وكبَّر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها، فيكون المقصود من الترجمة الرد عليه بأن التكبير مع الرمي لا بدونه.
قوله: (قاله ابن عمر) فيه أن الوارد في أكثر روايات ابن عمر الآتية لفظ "إثر كل حصاة" لا المعية، إلا أن يقال: إنما سيأتي بعد بابين "يكبر كلما رمى بحصاة" كالنص على المعية، ولعله هو الغرض من الترجمة من أن المعية هو المرجح، وهو مختار الأئمة الأربعة.
(139 -
باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف. . .) إلخ
قال الحافظ: ولا نعرف فيه خلافًا، انتهى.
قلت: ويشكل على حكاية الإجماع ما في "الحصن" برواية ابن أبي شيبة موقوفًا على الحسن البصري: ويدعو عند الجمرات كلها ولا يوقتُ شيئًا، اللهم إلا أن يقال: إنهم لم يلتفتوا إلى خلافه لشذوذه، أو يقال: إن المراد
(1)
"فتح الباري"(3/ 584).
(2)
"الهداية"(2/ 349).
ما قاله القاري في "شرح اللباب": ولا يقف عندها في جميع أيام الرمي للدعاء بل يدعو بلا وقوف.
وفي "المحلى": السر في الوقوف والدعاء بعد الأوليين دون العقبة أن يقع الدعاء في وسط العبادة، وقيل: إنها وقعت في ممر الناس فكان في الوقوف هناك قطعًا للسبيل على الناس، وعامة أهل العلم على الثاني، وأخذ الأول يعني: وقوع الدعاء في وسط العبادة الحافظ ابن القيم، وصاحب "الهداية"، وقال ابن حجر المكي: وما قالوا من ضيق المحل، هذا باعتبار ما كان، ولو علل بالتفاؤل بالقبول مقارنًا للفراغ منها لم يبعد، انتهى من "جزء الحج"
(1)
.
فيمكن أن يقال: إن المصنف أراد بقوله: "ولم يقف" الرد على ما نقل عن الحسن.
قوله: (قاله ابن عمر. . .) إلخ، سيأتي موصولًا في الباب الذي بعده، وعند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه، انتهى من "الفتح"
(2)
.
(140 -
باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويسهل)
قال الحافظ
(3)
: المراد بالجمرتين ما سوى العقبة، وهي التي يبدأ بها في الرمي في أول يوم ثم تصير أخيرة في كل يوم بعد ذلك، وقوله:"يسهل" بضم أوله وسكون المهملة، أي: يقصد السهل من الأرض وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: يعني بذلك أنه يستقبل القبلة للدعاء بعد رمي الجمرتين، فلا يخالف ذلك ما تقدم من أنه يجعل الكعبة على يساره وقت الرمي، انتهى.
(1)
"جزء حجة الوداع"(ص 220، 221).
(2)
"فتح الباري"(3/ 582).
(3)
"فتح الباري"(3/ 582).
(4)
"اللامع"(5/ 245).
قلت: وما أفاده الشيخ واضح، ولم يتعرض له الشرَّاح، فللَّه دره، واختلفت الآثار في مقدار القيام عند الجمرتين، فكان ابن مسعود يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعن ابن عمر قدر قراءة سورة البقرة عند الجمرتين، وعنه قدر قراءة سورة يوسف، وكان ابن عباس يقف بقدر قراءة سورة من المئين، ولا توقيف في ذلك عند العلماء، وإنما هو ذكر ودعاء، وإن لم يقف ولم يدع فلا حرج عليه عند أكثر العلماء إلا الثوري فإنه يستحب أن يطعم شيئًا أو يهريق دمًا، انتهى من هامش "اللامع" عن "العيني"
(1)
.
وفي "جزء الحج"
(2)
عن الزرقاني: يطيل القيام فيهما إلا أنه في الأولى أكثر، انتهى.
(141 -
باب رفع اليدين عند الجمرة الدنيا والوسطى)
قال ابن المنذر
(3)
: لا أعلم أحدًا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة إلا ما حكي عن مالك، انتهى.
ورده ابن المنيِّر بأن الرفع لو كان هنا سُنَّة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة، وغفل رحمه الله عن أن الذي رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة في زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة ثم الشام في زمانه، فمَنْ علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ والله المستعان، انتهى.
وفي "الهداية"
(4)
: ويرفع يديه، لقوله عليه الصلاة والسلام:"لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن" وذكر من جملتها عند الجمرتين، والمراد رفع الأيدي بالدعاء، انتهى.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 377).
(2)
"جزء حجة الوداع"(ص 219).
(3)
"فتح الباري"(3/ 583، 584).
(4)
"الهداية"(2/ 355).
(142 -
باب الدعاء عند الجمرتين)
أي: وبيان مقداره، كما في "الفتح"
(1)
.
والأوجه عندي: أنه أشار إلى أن المندوب مجرد الطول لا تحديده بسورة البقرة أو المئين أو يوسف ونحوها، كما تقدم قريبًا، انتهى.
قوله: (قال الزهري. . .) إلخ، قال الحافظ: هو بالإسناد المصدر به الباب، ولا اختلاف بين أهل الحديث أن الإسناد بمثل هذا السياق موصول، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند، وإنما اختلفوا في جواز ذلك، وأغرب الكرماني فقال: هذا الحديث من مراسيل الزهري، قال الحافظ بعد ما بسط الكلام عليه: وإذا تكلم الرجل في غير فنه أتى بهذه العجائب، انتهى.
وتعقبه العلامة العيني، كما بسطه القسطلاني
(2)
.
(143 -
باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة)
قال الحافظ
(3)
: مطابقة الحديث بالترجمة من جهة أنه صلى الله عليه وسلم لما أفاض من مزدلفة لم تكن عائشة مسايرته، وقد ثبت أنه استمر راكبًا إلى أن رمى جمرة العقبة، فدل ذلك على أن تطييبها له وقع بعد الرمي، وأما الحلق قبل الإفاضة فلأنه صلى الله عليه وسلم حلق رأسه بمنى لما رجع من الرمي، وأخذه من حديث الباب من جهة التطيب فإنه لا يقع إلا بعد التحلل، والتحلل الأول يقع بأمرين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف، فلولا أنه حلق بعد أن رمى لم يتطيب، انتهى.
قلت: هكذا قال الحافظ، وتبعه العلامة القسطلاني
(4)
، وهو مبني على أنه جعل قوله:"والحلق قبل الإفاضة" جزءًا مستقلًا، والمعنى أن
(1)
"فتح الباري"(3/ 584).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 314).
(3)
"فتح الباري"(3/ 585).
(4)
"إرشاد الساري"(4/ 315).
الحلق يكون قبل طواف الإفاضة، فعلى هذا تكون الترجمة مشتملة على جزئين: كون الطيب بعد الرمي، والثاني: كون الحلق قبل طواف الإفاضة، ولما لم يكن الحديث الذي أخرجه المصنف في الباب مطابقًا للجزء الثاني من الترجمة احتاج الحافظ قُدِّس سِرُّه لإثباته إلى التوجيه كما ترى، والظاهر أن قوله:"والحلق" معطوف على الرمي، والغرض من الترجمة بيان أن التطيب يكون بعد الرمي والحلق كليهما، وقبل طواف الإفاضة، وثبوته بحديث الباب ظاهر، كما لا يخفى، هكذا أفاده العزيز مولانا الحاج إنعام الحسن رئيس التبليغ والدعوة، ثم رأيت العلامة العيني
(1)
اختار هذا المعنى، فعلى هذا مسألة الباب أعني حل الطيب بعد الرمي والحلق موافقٌ لمذهب الجمهور خلافًا لمالك، وأما على رأي الحافظ؛ أعني: حل الطيب بعد الرمي فقط فلا يوافق أحدًا من الأئمة الأربعة على الراجح عندهم، وذلك لأنهم اختلفوا في التحلل الأصغر بماذا يحصل، فعند مالك التحلل الأصغر يحصل بالرمي فقط، وبالحلق بعد الرمي عند الحنفية، وهما قولان للشافعي وأحمد، ومختار فروعهما، كما في "الروض المربع"
(2)
و"المناسك"
(3)
للنووي أنه يحصل بالاثنين من الرمي والحلق والإفاضة، فأيّ اثنين منها أتى بهما حصل التحلل الأصغر، ويحصل التحلل الثاني بالعمل الباقي من الثلاثة، وقد تقدم أن الطيب داخل في التحلل الأصغر عند الأئمة الثلاثة دون المالكية، وكذا الصيد غير داخل فيه عند المالكية، فهذا هو تحقيق المذاهب إن شاء الله، كما بسط في "الأوجز"
(4)
في عدة مواضع من كتب فروعهم.
(144 -
باب طواف الوداع)
قال الحافظ
(5)
: قال النووي: طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم على
(1)
"عمدة القاري"(7/ 380).
(2)
"الروض المربع"(ص 255).
(3)
"كتاب الإيضاح في مناسك الحج والعمرة"(ص 351، 352).
(4)
انظر: "أوجز المسالك"(6/ 362، و 408 - 417، 8/ 393 - 399).
(5)
"فتح الباري"(3/ 585).
الصحيح عندنا وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك وداود: هو سُنَّة لا شيء في تركه، انتهى.
وفي "جزء الحج"
(1)
: قال الزرقاني: الوداع بفتح الواو، ويُسمى طواف الصدر بفتح الدال؛ لأنه يصدر عن البيت أي: يرجع إليه، وفي "الأوجز": الوداع اسم للتوديع كسلام وكلام، وقال ابن نجيم: له خمسة أسماء: طواف الصدر، وطواف الوداع، وطواف الإفاضة، وطواف الواجب، وطواف آخر عهد بالبيت، انتهى.
واختلف في المراد بالصدر الذي هو الرجوع، فعندنا هو الرجوع عن أفعال الحج، وعند الشافعي هو الرجوع إلى أهله، ويبتنى عليه أنه لو طاف للصدر ثم أقام بمكة لشغل لم تلزمه الإعادة عندنا خلافًا له، واختلفوا في حكم هذا الطواف على قولين: الأول: الوجوب وهو قول الأئمة الثلاثة، والثاني: أنه سُنَّة وهو قول مالك وداود، انتهى.
(145 -
باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت)
أي: هل يجب عليها طواف الوداع أو يسقط؟ وإذا وجب هل يجبر بدم أم لا؟ وقد تقدم معنى هذا الترجمة في "كتاب الحيض"
(2)
بلفظ "باب المرأة تحيض بعد الإفاضة" قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر وابنه وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، ثم قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة يشير بذلك إلى ما تضمنته أحاديث الباب، انتهى [من "الفتح"]
(3)
.
قلت: فالجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على سقوطه عن الحائض.
(1)
"جزء حجة الوداع"(ص 231).
(2)
انظر: "فتح الباري"(1/ 428).
(3)
"فتح الباري"(3/ 587).
(146 -
باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح)
وفي "جزء حجة الوداع"
(1)
: أفاض صلى الله عليه وسلم يوم الثلثاء إلى المحصب فنزل هناك فصلى بها الظهر إلى العشاء، ورقد رقدة، وقد أجمعت الأئمة الأربعة على استحباب الصلوات الأربع فيها، كما بسط في "الأوجز". وفي "شرح مناسك النووي": ولا يصلي الظهر بمنى بل يصليها بالمنزل المحصب وغيره، ولو صلاها بمنى جاز، وكان تاركًا للأفضل، انتهى.
ويشكل على هذا أنه لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الأربع من الظهر إلى العشاء في المحصب، وأيضًا صرح باستحبابه أصحاب الفروع من كتب الأئمة الأربعة، فما وجه تخصيص الإمام البخاري العصر في الترجمة؟ مع أن ابتداء الصلوات فيها من الظهر، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، اللهم إلا أن يقال: إن المصنف راعى في الترجمة اللفظ الوارد في سؤال السائل، فإنه سأل بلفظ:"أين صلى العصر" كما في حديث الباب، ولهذا التوجيه نظائر، كما لا يخفى على من أمعن النظر في التراجم، ويمكن أن يقال في توجيه التخصيص بناء على ما يستفاد من "الأوجز" وفيه: وفي "شرح اللباب" بعد ما ذكر الأفضل أن يصلي به الظهر إلى العشاء: هذا صريح في أنه ينفر من منى قبل أداء صلاة الظهر، وبه صرَّح بعض الشافعية أيضًا، لكنه خلاف ما تقدم من استحباب تقديم الظهر على الرمي مطلقًا، انتهى من "الأوجز"
(2)
.
فعلى هذا أول صلاة في المحصب عند الشافعية العصر، لكنه خلاف المعروف المصرح من مذهبهم، كما تقدم عن النووي وغيره، والله المستعان.
(1)
"جزء حجة الوداع"(ص 227 - 230).
(2)
"الأوجز"(8/ 291).
(147 -
باب المحصب)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: والمراد بالمحصب والأبطح والبطحاء وذي طوى وخيف بني كنانة ها هنا واحد، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: أي ما حكم النزول به؟ وقد نقل ابن المنذر الاختلاف في استحبابه مع الاتفاق على أنه ليس من المناسك، انتهى.
وبسط الكلام على الاختلاف في ذلك في "الأوجز" مع ذكر الروايات المختلفة في هذا الباب، وفيه: قال النووي في "شرح مسلم": مذهب الشافعي ومالك والجمهور استحبابه اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وغيرهم، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه، وقال ابن القيم: قد اختلف السلف في التحصيب هل هو سُنَّة أو منزل اتفاقي؟ على القولين، وفي "المدونة": استحب مالك لمن يقتدى به أن لا يدع النزول بالأبطح، ووسمع لمن لا يقتدى به تركه، انتهى.
قلت: واستحبابه عندهم مقيد بقيدين، قال الدردير: هذا إذا كان غير متعجل ولم يكن رجوعه يوم جمعة، وإلا فلا يندب، انتهى.
وفي "الهداية": كان نزوله صلى الله عليه وسلم قصدًا، وهو الأصح حتى يكون النزول به سُنَّة، وقال الشيخ في "الكوكب": النزول فيه ليس مما يتعلق بالحج وإنما هو سُنَّة على حدة، فما قيل: التحصيب ليس بشيء أريد به في الحج، وحيث ما قيل: التحصيب سُنَّة، فالمراد على إفراز من الحج وعلى حدة، انتهى.
قلت: وظاهر ما ذكره المصنف من الروايات إنه ذهب إلى أنه منزل اتفاقي.
(1)
"اللامع"(5/ 252).
(148 -
باب النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة والنزول بالبطحاء التي بذي الحليفة)
أي: قبل أن يدخل المدينة، والمقصود بهذه الترجمة الإشارة إلى أن اتباعه صلى الله عليه وسلم في النزول بمنازله لا يختص بالمحصب، وقد تقدم الكلام على مكان الدخول إلى مكة في أوائل "الحج"، والنزول ببطحاء ذي الحليفة صريح في حديث الباب، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قلت: تقدم في أول "كتاب الحج""باب من أين يدخل مكة؟ " وإليه أشار الحافظ في كلامه، وتقدم أيضًا "باب من أين يخرج من مكة؟ " والأوجه عندي: أنه أشار بذلك إلى أن النزول بالمحصب الذي في الباب السابق ليس من المناسك، فإنه عليه الصلاة والسلام نزل بذي طوى البطحاء الذي بمكة، وبالذي بالمدينة، فهذه المنازل كلها سواء، فتأمل.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: قوله: "البطحاء التي بذي الحليفة" لما كان المتبادر من البطحاء هو المحصب وكان المقصود إثبات أن نزول البطحاء التي بذي الحليفة على قرب المدينة سُنَّة أيضًا بيَّن بزيادة الموصول ما هو مراده بالبطحاء، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني: واحترز به عن البطحاء التي بين مكة ومنى، والبطحاء التي بذي الحليفة معروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس، انتهى.
ومطابقة الحديث الأول بالترجمة ظاهر، لكن لا مطابقة بين الحديث الثاني وبين الترجمة، كما قال العلامة العيني
(3)
، إذ فيه ذكر المحصب دون ذي طوى، ولم يتعرض له الحافظ ولا القسطلاني، نعم تعرض له العيني فارجع إليه.
(1)
"فتح الباري"(3/ 592).
(2)
"اللامع"(5/ 253).
(3)
"عمدة القاري"(7/ 393).
(149 -
باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة)
قال الحافظ
(1)
: تقدم الكلام على النزول بذي طوى والمبيت بها إلى الصبح لمن أراد أن يدخل مكة في أوائل "الحج"
(2)
، والمقصود بهذه الترجمة مشروعية المبيت بها أيضًا للراجع من مكة، وغفل الداودي فظن أن هذا المبيت متحد بالمبيت بالمحصب فجعل ذا طوىً هو المحصب، وهو غلط منه، وإنما يقع المبيت بالمحصب في الليلة التي تلي يوم النفر من منى فيصبح سائرًا إلى أن يصل إلى ذي طوى فينزل بها ويبيت، فهذا الذي يدل عليه سياق حديث الباب، انتهى.
قلت: وقد تقدم في أوائل "الحج" تبويب المصنف "باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح"، وهو الذي أشار إليه الحافظ في كلامه.
(150 -
باب التجارة أيام الْمَوْسِمِ. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: أي: جواز ذلك، والموسم وبفتح الميم وسكون الواو وكسر المهملة، قال الأزهري: سمي بذلك لأنه معلم يجتمع إليه الناس مشتق من السمة وهي العلامة، ثم قال تحت حديث الباب: واستدل به على جواز البيع والشراء للمعتكف قياسًا على الحج، والجامع بينهما العبادة، وهو قول الجمهور: وعن مالك كراهة ما زاد على الحاجة كالخبز إذا لم يجد من يكفيه، وكذا كرهه عطاء ومجاهد والزهري، ولا ريب أنه خلاف الأولى، والآية إنما نفت الجناح ولا يلزم من نفيه نفي أولوية مقابله، والله أعلم.
(151 -
باب الادِّلاج من المحصب)
قال الحافظ
(4)
: وقع في رواية لأبي ذر الإدلاج بسكون الدال
(1)
"فتح الباري"(3/ 593).
(2)
انظر: "صحيح البخاري"(ح 1553).
(3)
"فتح الباري"(3/ 593 - 595).
(4)
"فتح الباري"(3/ 595).
والصواب تشديدها، فإنه بالسكون: سير أول الليل، وبالتشديد: سير آخره، وهو المراد ها هنا، والمقصود الرحيل من مكان المبيت بالمحصب سحرًا، وهو الواقع في قصة عائشة، ويحتمل أن تكون الترجمة لأجل رحيل عائشة مع أخيها للاعتمار، فإنها رحلت معه من أول الليل وقصد المصنف التنبيه على أن المبيت ليس بلازم، وأن السير من هناك من أول الليل جائز، انتهى.
زاد القسطلاني
(1)
: قيل: إن كلًّا من الفعلين يستعمل في مسير الليل كيف كان والأكثرون على الأول، انتهى.
* * *
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 330).
26 -
أبوابُ العُمرة
هي لغةً: الزيارة، وقيل: القصد، وقال الراغب
(1)
: العمارة: نقيض الخراب، والاعتمار والعمرة: الزيارة التي فيها عمارة الود، وجعل في الشريعة للقصد المخصوص، انتهى.
وفي "الفتح"
(2)
: قيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، انتهى.
وفي الشرع: زيارة البيت الحرام بكيفية خاصة وشروط مخصوصة، انتهى ما في "الأوجز"
(3)
.
وفي "الدر المختار"
(4)
: هي إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، فالإِحرام شرط، ومعظم الطواف ركن، وغيرهما واجب، انتهى من هامش "اللامع"
(5)
ملخصًا.
(1 -
باب وجوب العمرة وفضلها. . .) إلخ
قال الحافظ
(6)
: جزم المصنف بوجوب العمرة، وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية: أن العمرة تطوع، وهو قول الحنفية، وذهب ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء وأحمد إلى أن العمرة لا تجب على أهل مكة وإن وجبت على غيرهم، انتهى.
وفي هامش "اللامع"
(7)
: واختلفت نقلة المذاهب في بيان مسالك
(1)
"مفردات القرآن"(ص 586).
(2)
"فتح الباري"(3/ 597).
(3)
"أوجز المسالك"(7/ 5).
(4)
"الدر المختار"(1/ 162).
(5)
"لامع الدراري"(5/ 257).
(6)
"فتح الباري"(3/ 597).
(7)
"لامع الدراري"(5/ 257).
الأئمة في ذلك، ولعل ذلك لاختلاف الروايات عنهم. . .، إلى آخر ما فيه. وعند الحنفية فيه أيضًا قولان أشهرهما السُّنِّية، وفي "مراقي الفلاح"
(1)
: العمرة سُنَّة، قال الطحطاوي: أي: مؤكدة على المذهب، وصحح في "الجوهرة" وجوبها، انتهى.
قلت: لفظ الترجمة ها هنا نظير ما تقدم في أوائل "الحج" من قوله: "باب وجوب الحج وفضله"، وتقدم الكلام هناك في إثبات الفضل وما هو الأوجه عندي، ثم لا يشكل قوله:"وفضله"، فإن الفضل لا ينافي الوجوب، بل الوجوب مستلزم للفضل كما تقدم هناك عن العلامة السندي
(2)
، فارجع إليه.
(2 -
باب من اعتمر قبل الحج)
أي: هل تجزئه العمرة أم لا؟ انتهى من "الفتح"
(3)
.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: يعني بذلك أن ما ورد من النهي عن تقديم العمرة على الحجة، فإنما هو أدب وإرشاد لما هو الأفضل؛ لأن في تقديم العمرة على الحجة مظنة فوات الحجة لبعد المسافة في العادة، وكثرة المشاغل العائقة عن المعاودة، ولعله لا يوفق للمعاودة ثانيًا فيحج معِ أن الحجة وهي فريضة أولى بالتقديم، والمبادرة إليها من العمرة وهي سُنَّة.
وأما الجواز لو قدمها عليها فغير منكر ولا مبرهن على عدمه، كيف! وقد قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم عمرته على حجته، وهذا الاحتجاج بفعله صلى الله عليه وسلم إنما يتم لو كان فرض الحج قبل عمرته، فأما عند من قال: إنه فرض في السنة التاسعة، فلا يمكن أن يستدل بفعله، انتهى.
(1)
(ص 484).
(2)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 264).
(3)
"فتح الباري"(3/ 599).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 260).
وفي هامشه تحت قول الشيخ: إن ما ورد من النهي. . . إلخ: أخرجه أبو داود
(1)
عن سعيد بن المسيب "أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب فشهد عنده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرض الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج"، قال الخطابي
(2)
: في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل حجه، والأمر الثابت المعلوم لا يترك بالأمر المظنون، وجواز ذلك إجماع من أهل العلم، وقد يحتمل أن يكون النهي عنه اختيارًا واستحبابًا، وأنه إنما أمر بتقديم الحج؛ لأنه أعظم الأمرين وأهمهما، ووقته محصور، والعمرة ليس لها وقت موقت، انتهى.
وهكذا في "الأوجز"
(3)
عن ابن عبد البر إذ قال: هو أمر مجمع عليه، لا خلاف بين العلماء فيه، انتهى.
(3 -
باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم
-؟)
اختلفت الروايات فيه، والمعروف أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمرات، ففي "سنن أبي داود"
(4)
: وعن ابن عباس قال: "اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطئوا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته" كما في حديث الباب عن أنس رضي الله عنه مع ألفاظ مختلفة.
وفي "الفيض"
(5)
: اختلفت الرواة في تعديدها، فبعضهم لم يعدوا عمرة الحديبية لعدم تماميتها، وبعضهم لم يعدوا عمرة الجعرانة لكونها في سواد الليل، ومنهم من لم يعد العمرة مع حجته لعدم تميزها من حجته، فهذه اعتبارات أن ذلك اختلاف، انتهى.
(1)
"سنن أبي داود"(ح: 1793).
(2)
"معالم السنن"(2/ 166).
(3)
"أوجز المسالك"(6/ 601).
(4)
"سنن أبي داود"(ح: 1993).
(5)
"فيض الباري"(3/ 125).
قلت: وقد خفي على ابن عمر عمرة الجعرانة ولذا أنكره هو ومولاه نافع، فقد أخرج البخاري
(1)
من طريق أيوب عن نافع قال: لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله، وأخرج مسلم
(2)
من هذا الوجه عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة، فقال: لم يعتمر منها، قال النووي
(3)
: هذا محمول على نفي علمه، أي: أنه لم يعلم ذلك، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة، والإثبات مقدم على النفي، وقد ذكر مسلم في "كتاب الحج" اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة عام حنين من رواية أنس، انتهى من "جزء عمرات النبي صلى الله عليه وسلم"
(4)
.
وقال الحافظ
(5)
: أورد في الباب حديث عائشة وابن عمر في أنه اعتمر أربعًا، وكذا حديث أنس، وختم بحديث البراء أنه اعتمر مرتين، والجمع بينه وبين أحاديثهم أنه لم يعدَّ العمرة التي قرنها بحجته؛ لأن حديثه مقيد بكون ذلك وقع في ذي القعدة، والتي في حجته كانت في ذي الحجة، وكأنه لم يعد أيضًا التي صدّ عنها وإن كانت وقعت في ذي القعدة، أو عدّها ولم يعد عمرة الجعرانة لخفائها عليه كما خفيت على غيره، إلى آخر ما قال.
وفي "جزء حجة الوداع"
(6)
بعد بسط الكلام: فالحاصل أن من قال: اعتمر أربعًا عدّ فيهن الحديبية أيضًا؛ لأن فيها ثبتت أحكام العمرة الكثيرة من الإحرام والاصطياد، والطيب وغيرها، وأما من قال: اعتمر ثلاثًا فيحتمل أنه لم يعد عمرة الحج لكونها داخلة في الحج، أو عمرة الجعرانة لخفائها لكونها في الليل، أو لم يعد فيها عمرة الحديبية لكونها لم تكمل، وأما من قال: اعتمر مرتين فلم يعد فيها عمرة الحج وعمرة الحديبية، بل
(1)
"صحيح البخاري"(ح: 3144).
(2)
"صحيح مسلم"(ح: 1656).
(3)
"شرح صحيح مسلم"(6/ 140).
(4)
(ص 371).
(5)
"فتح الباري"(3/ 600).
(6)
"حجة الوداع وجزء عمرات النبي صلى الله عليه وسلم"(ص 268).
عد العمرتين المفردتين التامتين، أو لعله لم يعد الجعرانة لخفائها عليه، انتهى.
قوله: (إحداهن في رجب. . .) إلخ، وظاهره أن الخلاف في الشهر، وعند أبي داود: عن ابن عمر أنه اعتمر مرتين فبلغ ذلك عائشة فقالت: اعتمر أربع عمر، الحديث، وظاهره أن الخلاف في العدد، ويمكن تعدد السؤال، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قوله: (حدثنا همام وقال: اعتمر. . .) إلخ، قال الحافظ
(2)
: أي: بالإسناد المذكور، وهو "عن قتادة أن أنس بن مالك أخبره. . ." إلخ، وكذا ساقه مسلم، انتهى.
(4 -
باب عمرة في رمضان)
قال الحافظ
(3)
: كذا في جميع النسخ ولم يصرح في الترجمة بفضيلة ولا غيرها، ولعله أشار إلى ما روي عن عائشة قالت:"خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان، فأفطر وصمت، وقصر وأتممت" الحديث، أخرجه الدارقطني وقال: إسناده حسن، وقال صاحب "الهدي": إنه غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان. قال الحافظ: ويمكن حمله على أن قولها: "في رمضان" متعلق بقولها: "خرجت" ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السنة من الجعرانة لكن في ذي القعدة كما تقدم، وقد رواه الدارقطني بإسناد آخر لم يقل فيه في رمضان، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: هذه الرواية التي أوردها المؤلف في هذا الباب أصح ما يروى في ذلك الباب، فما رواه أبو داود من قصة هذه المرأة إما يرجع إلى ما رواه المؤلف أو ينسب إلى الخطأ، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(3/ 601).
(2)
"فتح الباري"(3/ 602).
(3)
"فتح الباري"(3/ 603).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 265 - 267).
وفي هامشه: وهذا مبني على ما قيل: إن أم سنان وأم معقل واحدة، وأما نسبة الخطأ فلعله للاضطراب في روايتها، والأوجه عند العبد الضعيف أنها وقائع عديدة، إلى آخر ما بسط فيه.
قوله: (سماها ابن عباس) كما سيأتي في "باب حج النساء"، وعلم منه أن الناسي ابن جريج.
(5 -
باب العمرة ليلة الحصبة)
قال الحافظ
(1)
: المراد بها ليلة المبيت بالمحصب، وقد سبق الكلام على التحصيب في أواخر أبواب الحج، قال ابن بطال: فقه هذا الباب أن الحاج يجوز له أن يعتمر إذا تم حجه بعد انقضاء أيام التشريق، وليلة الحصبة هي ليلة النفر الأخير؛ لأنها آخر أيام الرمي، واختلف السلف في العمرة أيام الحج، فروى عبد الرزاق بإسناده عن عمر أنه قال: هي خير مِنْ لا شيء، وقال على نحوه، وقالت عائشة: العمرة على قدر النفقة، وأشارت بذلك إلى أن الخروج لقصد العمرة من البلد إلى مكة أفضل من الخروج من مكة إلى أدنى الحلل، انتهى، وبسط الكلام عليه في "اللامع"
(2)
وهامشه.
(6 -
باب عمرة التنعيم)
قد تقدم في "باب مهل أهل مكة للحج والعمرة" أن ميل المصنف على خلاف مسلك الجمهور إلى أن ميقات المكي للحج والعمرة هي مكة، فلعل غرضه بهذه الترجمة ها هنا الإشارة إلى أن إحرام العمرة من مكة وإن كان جائزًا لكن الأفضل له الخروج إلى التنعيم؛ لأن الأجر بقدر النصب، كما
(1)
"فتح الباري"(3/ 605).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 267).
سيأتي "باب أجر العمرة على قدر النصب" لكن يشكل على هذا التكرار، فالأوجه أن يقال: إن الغرض ها هنا إثبات جوازه، فقد حكى ابن قدامة
(1)
عن طاووس: الذين يعتمرون من التنعيم لا أدري يؤجرون أو يعذبون.
(7 -
باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: يعني بذلك أن الحج والعمرة لو اجتمعا في السفر، وكانت العمرة متأخرة عن الحج لم يكن ذلك تمتعًا، كما وقع لعائشة رضي الله عنها، ولذلك لم يكن في حجها ولا عمرتها هدي لعدم المتعة والقران، ولم تكن فيهما جناية أيضًا، وأما رفض عمرتها الأولى التي كانت قدمت بها وجوب الدم برفضها، فغير متعرض بها نفيًا ولا إثباتًا، انتهى.
وعلى ما أفاده الشيخ قُدِّس سِرُّه يمكن أن يقال: إن الترجمة شارحة، فأفاد المصنف بالترجمة أن قولها:"ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة. . ." إلخ، محمول على العمرة التي تكون بعد الحج، فإنها ليست بالتمتع الاصطلاحي.
وفي هامشه: قال الحافظ
(3)
: كأنه يشير بذلك إلى أن اللازم من قول من قال: إن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله كما هو منقول في رواية عن مالك وعن الشافعي أيضًا، ومن أطلق أن التمتع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج كما نقل ابن عبد البر فيه الاتفاق فقال: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقول الله تعالى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج أن من أحرم بالعمرة في ذي الحجة بعد الحج فعليه الهدي، وحديث الباب دال على خلافه، لكن القائل بأن ذا الحجة كله من أشهر الحج يقول: إن التمتع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج قبل الحج فلا يلزمهم ذلك، انتهى.
(1)
"المغني"(5/ 17).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 272).
(3)
"فتح الباري"(3/ 609).
وقال العيني
(1)
: وكانت عمرتها بعد انقضاء الحج، ولا خلاف بين العلماء أن من اعتمر بعد انقضاء الحج وخروج أيام التشريق أنه لا هدي عليه في عمرته؛ لأنه ليس بمتمتع، انتهى.
(8 -
باب أجر العمرة على قدر النصب)
قد تقدم قبل باب أن الغرض من هذه الترجمة أن إحرام العمرة وإن جاز من مكة لكن الأفضل الخروج إلى التنعيم.
قال الحافظ
(2)
: قوله: "على قدر نفقتك أو نصبك" قال الكرماني: "أو" إما للتنويع في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإما شك من الراوي، والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب أو النفقة، والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع وكذا النفقة، قاله النووي، انتهى.
واستدل به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجرًا من الاعتمار من جهة الحل البعيدة وهو ظاهر هذا الحديث، وقال الشافعي في "الإملاء": أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم منها، ثم التنعيم لأنه أذّن لعائشة منها، قال: وإذا تنحى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إلي.
وحكى الموفق في "المغني" عن أحمد: أن المكي كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره، وقال الحنفية: أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة، ووجهه ما قدمناه أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة إلى الحل ليحرم بالعمرة غير عائشة، وأما اعتماره صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مجتازًا إلى المدينة، إلى آخر ما قال.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 422).
(2)
"فتح الباري"(3/ 611).
(9 -
باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة. . .) إلخ
قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف فخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع، كما فعلت عائشة، انتهى.
وكأن البخاري لما لم يكن في حديث عائشة التصريح بأنها ما طافت للوداع بعد طواف العمرة لم يبت الحكم في الترجمة، وأيضًا فإن قياس من يقول: إن إحدى العبادتين لا تندرج في الأخرى أن يقول بمثل ذلك هنا، انتهى [من "الفتح"]
(1)
.
(10 -
باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج)
قال الحافظ
(2)
: أي: من التروك لا من الأفعال، أو المراد بعض الأفعال لا كلها، والأول أرجح لما يدل عليه سياق حديث يعلى بن أمية، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: يعني به الأمور المشتركة بينهما التي ليست خواص الحج، لا أن كل ما يفعل في الحج يفعل في العمرة، انتهى.
(11 -
باب متى يحل المعتمر؟. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: أشار بهذه الترجمة إلى مذهب ابن عباس، وقد تقدم القول فيه، قال ابن بطال: لا أعلم خلافًا بين أئمة الفتوى أن المعتمر لا يحل حتى يطوف ويسعى، إلا ما شذ به ابن عباس فقال:"يحل من العمرة بالطواف" ووافقه إسحاق بن راهويه، ونقل عياض عن بعض أهل العلم أن بعض الناس ذهب إلى أن المعتمر إذا دخل الحرم حل وإن لم يطف ولم يسع، وله أن يفعل كل ما حرم على المحرم، ويكون الطواف والسعي في حقه كالرمي والمبيت في حق الحاج، وهذا من شذوذ المذاهب وغرائبها، انتهى، وتقدم الكلام على المسألة في "باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة".
(1)
"فتح الباري"(3/ 612).
(2)
"فتح الباري"(3/ 614).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 274).
(4)
"فتح الباري"(3/ 616).
قوله: (فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير) كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: وقد ثبت أن الزبير كان معه في حجة الوداع هدي، وأن عائشة قضت عمرتها للحيض، ولم تحل بالطواف، ولم يصح قول أسماء بإدخالهما في الجماعة:"إنا لما مسحنا البيت حللنا"، فلا بد من تأويل، فأما أن يقال: إن المراد بضمير المتكلم في قولها: "فلما مسحنا البيت أحللنا" غير الزبير وعائشة، وذلك غير مستبعد لأن المتكلم كثيرًا ما يذكر قومًا، ثم يأخذ في قصة هي غير شاملة بجميع من ذكره قبل ذلك، وإنما المراد بها بعضهم، ويمكن أن يقال: قوله: "فاعتمرت أنا وأختي. . ." إلخ، ليس بيانًا لحجة الوداع، وإنما هو ابتداء قصة وقعت في زمان بعد النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى، وبسط الكلام عليه في هامشه.
(12 -
باب ما يقول إذا رجع من الحج. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أورد المصنف هنا تراجم تتعلق بآداب الراجع من السفر لتعلق ذلك بالحاج والمعتمر، وهذا في حق المعتمر الآفاقي، وقد ترجم لحديث الباب حديث ابن عمر في "الدعوات" ما يقول إذا أراد سفرًا أو رجع، انتهى.
(13 -
باب استقبال الحاجِّ القادمين والثلاثة على الدابة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: والأظهر أن "الحاج" مفعول مقدم، و"القادمين" مع ما عطف عليه من "الثلاثة" فاعل له، ودلالة الرواية على استقبال الثلاثة من حيث إن المذكور فيها لفظ "الأغيلمة"، وهو يصدق على الثلاثة من غير تكلف، ويمكن أن يقال: المعنى باب في بيان استقبال الرجلين حاجًا، وفي بيان ركوب الثلاثة على دابة، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(5/ 275، 276).
(2)
"فتح الباري"(3/ 619).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 277، 278).
وفي هامشه: اختلفوا في ضبط هذه الترجمة والمراد بها، قال الكرماني
(1)
: "القادمين" بالجمع صفة لـ "الحاج"؛ لأن الحاج في معنى الجمع، ولفظ "الثلاثة" عطف على الاستقبال، وفي بعضها مضافًا إلا الغلامين، وفي بعضها القادمين، وتوجيهه مع إشكاله أن يقرأ الحاج بالنصب، ويكون استقبال مضافًا إلى الغلامين، نحو قوله تعالى:{قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] بنصب أولادهم وجر الشركاء، أو يكون الاستقبال مضافًا إلى الحاج، والغلامين مفعول، فإن قلت: لفظ "استقبله" يفيد عكس ذلك الاستقبال، قلت: الاستقبال إنما هو من الطرفين، انتهى.
وتبع العيني كلام الكرماني وقال: قوله: "وفي بعضها الغلامين"، أي: وفي بعض النسخ: باب استقبال الحاج الغلامين. وقال القسطلاني
(2)
: قوله: "القادمين" أي: إلى مكة بكسر الميم وفتح النون بصيغة الجمع صفة للحاج لإطلاقه على المفرد والجمع، واستقبال مصدر مضاف إلى مفعوله، ولأبي ذر:"القادمين" بفتح الميم بصيغة التثنية، و"الثلاثة" بالجر كما في بعض الأصول عطفًا على استقبال، أي: واستقبال الثلاثة، وفي اليونينية: والثلاثة بالنصب، أي: واستقبال الحاج الثلاثة حال كونهم "على الدابة" والاستقبال يكون من الطرفين لأن من استقبلك فقد استقبلته. . .، إلى آخر ما قال.
وقال الحافظ
(3)
: اشتملت هذه الترجمة على حكمين، ودلالة حديث الباب على الثاني ظاهرة، وقد أفردها بالذكر قبيل "كتاب الأدب"، وأورد فيها هذا الحديث بعينه، وأما الحكم الأول فأخرجه من حديث الباب بطريق العموم؛ لأن قدومه صلى الله عليه وسلم مكة أعم من أن يكون في حجة أو عمرة أو غزو، وقوله:"القادمين" صفة للحاج، وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج، والحديث دال على تلقي القادم للحج ليس بينهما تخالف لاتفاقهما من حيث المعنى، انتهى.
(1)
"شرح الكرماني"(9/ 17).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 367).
(3)
"فتح الباري"(3/ 619).
قلت: وهذا أوجه عندي فإن غرض المصنف من الترجمة كما هو ظاهر من سياق التراجم هو استقبال الناس للحاج القادمين من مكة، واستنبطه الإمام البخاري من استقبال الناس للقادم إلى مكة، ولا يبعد عندي أن المصنف أشار إلى رد ما حكي عن الإمام أحمد: يشيع الرجل إذا خرج، ولا يتلقونه، كذا في "المغني"
(1)
. وفي "نيل المآرب": سن تشييع الغازي لا تلقيه، كذا في "الأوجز"
(2)
. والجزء الثاني للترجمة إنما ذكره الإمام البخاري ها هنا استطرادًا، وقال الحافظ
(3)
: أخرج الطبراني في "الأوسط" عن جابر: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ثلاثة على دابة" وسنده ضعيف، قال النووي
(4)
: مذهبنا ومذاهب العلماء كافة جواز ركوب ثلاثة على دابة إذا كانت مطيقة، وحكى القاضي عياض
(5)
منعه عن بعضهم مطلقًا، وهو فاسد، قال الحافظ: لم يصرح أحد بالجواز مع العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيد، انتهى.
(14 -
باب القدوم بالغداة)
تقدم قبل باب عن الحافظ
(6)
: أن هذه التراجم تتعلق بآداب الراجع من السفر، ومطابقة حديث الباب بالترجمة ظاهرة.
(15 -
باب الدخول بالعشي)
قال الجوهري: العشية من صلاة المغرب إلى العتمة، وقيل: هي من حين الزوال، قال الحافظ: والمراد هنا الأول، وكأنه عقب الترجمة الأولى بهذه ليبين أن الدخول في الغداة لا يتعين، وإنما المنهي عنه الدخول
(1)
"المغني"(13/ 17).
(2)
"أوجز المسالك"(9/ 66).
(3)
"فتح الباري"(10/ 595، 596).
(4)
"المنهاج"(14/ 165).
(5)
"الإكمال"(7/ 77).
(6)
"فتح الباري"(3/ 619).
ليلًا، وقد بيَّن علة ذلك في حديث جابر حيث قال:"لتمتشط الشعثة" الحديث، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(16 -
باب لا يطرق أهله)
أي: لا يدخل عليهم ليلًا إذا قدم من سفر، يقال: طرق يطرق بضم الراء، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قوله: (إذا بلغ المدينة) والمراد بالمدينة البلد الذي يقصد دخولها.
(17 -
باب من أسرع ناقته)
وكتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: وكذلك الحكم في غير المدينة من الديار المرغوبة فيها والأوطان المحببة فيها، انتهى.
وفي هامشه: وإليه مال الحافظ إذ قال: وفي حديث الباب دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه، انتهى.
والظاهر من سياق الروايات حب البلدة الطاهرة الطيبة على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية.
(18 -
باب قول الله تعالى: ({وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:
189])
أي: بيان نزول هذه الآية، كذا في "الفتح"
(4)
، قال القسطلاني
(5)
: تحت قوله: "نزلت هذه الآية فينا" ظاهره أنه مخصوص بالأنصار، وروى الحاكم وابن خزيمة في "صحيحيهما": كانت قريش تُدْعَى الحمس وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، والأنصار وسائر العرب لا يدخلون
(1)
"فتح الباري"(3/ 619، 620).
(2)
"فتح الباري"(3/ 620).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 279).
(4)
"فتح الباري"(3/ 621).
(5)
"إرشاد الساري"(4/ 372).
منها. . . الحديث، فعلم أن سائر العرب يفعلون ذلك إلا قريشًا، انتهى.
وقال الحافظ
(1)
: وبيَّن الزهري السبب في صنيعهم ذلك فقال: كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء، فكان الرجل إذا أهلّ فبدت له حاجة في بيته لم يدخل من الباب من أجل السقف أن يحول بينه وبين السماء.
واتفقت الروايات على نزول الآية في سبب الإحرام، إلا ما أخرجه عبد بن حميد بإسناد صحيح عن الحسن قال:"كان الرجل من الجاهلية يهم بالشيء يصنعه فيحبس عن ذلك فلا يأتي بيتًا من قبل بابه، حتى يأتي الذي كان همّ به، فجعل ذلك من باب الطيرة، وغيره جعل ذلك بسبب الإحرام، وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: "كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فنزلت"، أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف.
(19 -
باب السفر قطعة من العذاب)
قال ابن المنيِّر
(2)
: أشار بإيراد هذه الترجمة في أواخر أبواب الحج والعمرة أن الإقامة في الأهل أفضل من المجاهدة، انتهى.
وفيه نظر لا يخفى، لكن يحتمل أن يكون أشار بإيراده في الحج إلى حديث عائشة بلفظ "إذا قضى أحدكم حجه فليعجل إلى أهله"، انتهى.
(20 -
باب المسافر إذا جدّ به السير ويعجل إلى أهله. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: يعني بذلك أن ما ورد من النهي أن يطاول في السير، فإنما هو إذا لم يضطر إليه ولم تطقه الدابة، فأما إذًا فلا كراهة، انتهى.
وفي هامشه: اختلفت النسخ في لفظ هذه الترجمة، ففي نسخة:
(1)
"فتح الباري"(3/ 622).
(2)
انظر: "فتح الباري"(3/ 622).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 280).
"وتعجل إلى أهله" فعلى هذا يكون جواب إذا محذوفًا، وفي نسخة:"فليعجل"، وفي نسخة العيني:"يعجل" بدون الواو، قال العيني: قوله: "ويعجل إلى أهله" جواب إذا، وفي رواية:"ويعجل" بالواو، والجواب حينئذ محذوف، تقديره: ماذا يصنع؟ ويعجل بضم الياء من باب التعجيل، ويروى "تعجل" بفتح التاء من باب التعجل، وقال السندي: جملة "يعجل" حال وجواب إذا مقدر، أي: فماذا يفعل؟ أي: يجمع بين الصلاتين، ولا يحسن جعل جملة "يعجل" جواب إذا كما لا يخفى، انتهى.
قلت: ويأباه نسخة "فليعجل" وعلى هذه النسخة بنى الشيخ تقريره وهو أوجه مما قالته الشرَّاح من أن الغرض بيان الجمع بين الصلاتين بل الظاهر ما أفاده الشيخ، والنهي الذي أشار إليه الشيخ هو ما تقدم في "باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة عند الإفاضة":"أيها الناس عليكم بالسكينة" الحديث، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
* * *
[27 -
كتاب المحصر]
(باب المحصر وجزاء الصيد. . .) إلخ
وفي نسخة، "أبواب المحصر وجزاء الصيد" قال القسطلاني: أي: بيان أحكام المحصر وأحكام جزاء الصيد الذي يتعرض إليه المحرم، و"قوله تعالى" بالرفع على الاستئناف، أو بالجر عطفًا على المحصر، أي: وبيان المراد من قوله تعالى. . . إلخ، انتهى.
قوله: (وقال عطاء:. . .) إلخ، قال الحافظ
(1)
: وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار، وهي مسألة اختلاف بين الصحابة وغيرهم، فقال كثير منهم: الإحصار من كل حابس حبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك، إلى آخر ما قال، قال القسطلاني
(2)
: وبه قالت الحنفية ككثير من الصحابة وغيرهم، حتى أفتى ابن مسعود رجلًا لدغ بأنه محصر، أخرجه الطحاوي وابن حزم بإسناد صحيح، وقال الأئمة الثلاثة: لا إِحصار إلا بالعدو، إلى آخر ما قال.
قلت: وهو كذلك إلا أن الإمام أحمد والشافعي قالا: لو اشترط عند الإحرام يجوز له التحلل بالمرض، كما بسط في "الأوجز"
(3)
وفيه: حكى العيني في "شرح الهداية"
(4)
عن الأسبيجابي والوتري والكرماني أنهم اختلفوا في الإحصار في اثنين وستين موضعًا، ثم بسطها، واقتصر في "الأوجز" منها على عشرة مواضع مما لا بد من معرفتها لناظري الحديث.
وفي "الفيض"
(5)
: ثم اعلم أن الحكم في الإحصار عندنا أن يبعث دمًا
(1)
"فتح الباري"(4/ 3).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 375، 376).
(3)
"أوجز المسالك"(7/ 226 - 248).
(4)
"البناية"(4/ 386).
(5)
"فيض الباري"(3/ 288).
يذبح بالحرم، ويواعده أن يذبحه يوم كذا، فإذا جاء ذلك يحل في مقام الحصر، ويقضي من قابل، ودم الإحصار لا يتقيد عندنا بالزمان فيجوز ذبحه قبل يوم النحر، وإن تقيد بالمكان فلا يذبحه إلا في الحرم، وقال الشافعية: إن الإحصار مختص بالعدو، ولا يتقيد دم الإحصار عندهم بالمكان أيضًا، ولا يجب عليه القضاء، وأصل النزاع في عمرة الحديبية، فقال الأحناف: إن النبي صلى الله عليه وسلم قضاها من قابل، ولذا سميت عمرة القضاء، على أنّ في السير أنه نادى في الناس عند خروجه لعمرة القضاء: أن يذهب معه كل من كان رافقه في عمرة الحديبية. وقال الحجازيون: القضاء فيه بمعنى الصلح، سميت به لأنه صالحهم عليها من قابل، وليس مقابلًا للأداء.
ثم إن الشافعية لما لم يكن عندهم الإحصار بالمرض اضطروا إلى إِقامة باب آخر وهو الاشتراط في الحج، فالمريض عندهم يهل ويشترط: اللهم محلي حيث حبستني، والحنفية لما عمموا الإحصار استغنوا عن هذا الباب، ووافقنا البخاري على ذلك أيضًا، فلم يخرج حديث الاشتراط في "كتاب الحج"، وأخرجه في "كتاب النكاح"، انتهى.
وقال العيني
(1)
: مذهب أبي حنيفة: أن دم الإحصار يتوقف بالحرم [وهو المكان] لا بيوم النحر [وهو الزمان] لإطلاق النص، وعند أبي يوسف ومحمد يتوقف بالزمان والمكان، وهذا الخلاف في المحصر بالحج، وأما دم المحصر بالعمرة فلا يتوقف بالزمان بلا خلاف بينهم، انتهى.
(1 -
باب إذا أحصر المعتمر)
قيل: الغرض منه الرد على من قال: التحلل بالإحصار خاص بالحاج، بخلاف المعتمر فلا يتحلل بذلك بل يستمر على إحرامه حتى يطوف بالبيت؛ لأن السَّنَة كلها وقت للعمرة فلا يخشى فواتها بخلاف الحج، وهو محكي عن مالك، كذا في "الفتح"
(2)
.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 456).
(2)
"فتح الباري"(4/ 5).
قلت: هكذا نقل مذهب مالك عامة نقلة المذاهب من شرَّاح الحديث والفقه، وهكذا في "الهداية"
(1)
، ففيه: وقال مالك: لا تحقق لأنها لا تتوقت، انتهى.
وما يظهر لهذا العبد الفقير أن النقل عن مالك ليس بصحيح، لا يوافقه ما في كتب فروعه، بل عامتها مصرحة بصحة الحصر عن العمرة، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(2)
.
وقوله: (عن عكرمة قال: فقال ابن عباس) قال الحافظ
(3)
: هكذا رأيته في جميع النسخ وهو يقتضي سبق كلام يعقبه قوله: "فقال ابن عباس"، ولم ينبه عليه أحد من شراح هذا الكتاب ولا بيَّنه الإسماعيلي ولا أبو نعيم؛ لأنهما اقتصرا من الحديث على ما أخرجه البخاري، وقد بحثت عنه إلى أن يسَّر الله بالوقوف عليه، فقرأت في "كتاب الصحابة" لابن السكن، فذكر الحافظ حديثًا طويلًا فارجع إليه لو شئت.
(2 -
باب الإحصار في الحج)
قال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر: أشار به إلى أن الإحصار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما وقع في العمرة، فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق لنفي الفارق وهو من أقوى الأقيسة.
قال الحافظ: وهذا مبني على أن مراد ابن عمر بقوله: "سُنَّة نبيكم" قياس من يحصل له الإحصار وهو حاج على من يحصل له في الاعتمار؛ لأن الذي وقع له صلى الله عليه وسلم هو الإحصار عن العمرة، ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد بقوله:"سُنَّة نبيكم" وبما بيَّنه بعد ذلك شيئًا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في حق من لم يحصل
(5)
له ذلك وهو حاج، والله تعالى أعلم، انتهى.
(1)
"الهداية"(2/ 474).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 281، 282).
(3)
"فتح الباري"(4/ 7).
(4)
"فتح الباري"(4/ 8).
(5)
كذا في الأصل، والصواب على الظاهر يحصل بحذف "لم"، (ز).
(3 -
باب النحر قبل الحلق في الحصر)
قال الحافظ
(1)
: أشار بقوله: "في الحصر" إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من أحصر، وقد تقدم أنه لا يجب في حال الاختيار في "باب إذا رمى بعدما أمسى أو حلق قبل أن يذبح"، انتهى.
قلت: وقد تقدم اختلاف الأئمة في الترتيب في "باب الذبح قبل الحلق" وقال القسطلاني
(2)
تحت حديث المسور: وفي الحديث أن المحصر إذا أراد التحلل يلزمه دم يذبحه، وقال المالكية: لا هدي عليه إذا تحلل، انتهى.
وفي "جزء حجة الوداع"
(3)
: اختلفت نقلة المذاهب في بيان وجوب القضاء والهدي للمحصر، والصواب ما في "الأوجز"
(4)
عن كتب فروعهم أنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن من أحصر عن العمرة يلزمه القضاء والهدي، وهو أشهر الروايات عن أحمد، وهو مذهب الحنفية، فما حكى بعضهم عن الحنفية أنه لا هدي عليه عندهم ليس بصحيح.
الثاني: لا قضاء عليه وعليه الهدي، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد.
والثالث: لا قضاء عليه ولا هدي، وهو إحدى الروايات عن أحمد وهو الصحيح من مذهب مالك، إلا أنه قال: لو كان سائق الهدي ينحر هديه، انتهى "جزء حجة الوداع".
(1)
"فتح الباري"(4/ 10).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 382).
(3)
"جزء حجة الوداع"(ص 348، 349).
(4)
"أوجز المسالك"(7/ 232 - 236).
(4 -
باب من قال ليس على المحصر بدل. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: أي: قضاء لما أحصر فيه من حج أو عمرة، انتهى.
قال العيني في "البناية"
(2)
: المحصر بالحج، يجب عليه قضاء حجة وعمرة، وإن كان محصر العمرة يجب عليه قضاء عمرة لا غير، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وذكر أسماءهم في "الأوجز"
(3)
، وقال الموفق
(4)
: لا قضاء عليه - أي: عند أحمد - وبه قال مالك والشافعي. وعن أحمد: أن عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة، انتهى من هامش "اللامع"
(5)
.
وتقدم تحقيق المذاهب في الباب السابق في المحصر بالعمرة، وأما المحصر بالحج فقال القسطلاني
(6)
تحت قول البخاري: "فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع": أي: لا يقضي، وهذا في النفل، وأما الفرض فإنه ثابت في ذمته فيرجع لأجله في سنة أخرى، والفرق بين حج النفل الذي يفسد بالجماع الواجب قضاؤه وبين النفل الذي يفوت عنه بسبب الإحصار التقصير وعدمه، وقال الحنفية: إذا تحلل لزمه القضاء سواء كان فرضًا أو نفلًا، انتهى.
قلت: وما حكى القسطلاني من مذهب الشافعية هكذا في "الأنوار لأعمال الأبرار" في فقه الشافعية، وقال الموفق
(7)
في أحكام المحصر: ثم هل يلزمه القضاء إن فاته الحج؟ فيه روايتان: إحداهما يلزمه؛ كمن فاته بخطإ الطريق، والثانية لا تجب؛ لأن سبب الفوات الحصر أشبه من لم يجد طريقًا أخرى بخلاف المخطئ، انتهى.
وأما مذهب المالكية فقال الدسوقي
(8)
: ولا يسقط عن المحصر الذي
(1)
"فتح الباري"(4/ 11).
(2)
"البناية"(4/ 387، 388).
(3)
"أوجز المسالك"(7/ 232).
(4)
"المغني"(5/ 196).
(5)
"لامع الدراري"(5/ 281).
(6)
"إرشاد الساري"(4/ 384).
(7)
"المغني"(5/ 196).
(8)
"حاشية الدسوقي"(2/ 94، 95).
تحلل بنحر هديه وحلقه أو بفعل عمرة الفرض المتعلق بذمته من حجة الإسلام أو نذر مضمون أو عمرة إسلام، وأما التطوع من حج أو عمرة فلا قضاء على من صد فيه إذا كان التحلل قبل الفوات، وأما إن تحلل بعد الفوات لزمه القضاء، انتهى من "الدسوقي".
(5 -
باب قول الله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} [البقرة:
196])
قال الحافظ
(1)
: أي: باب تفسير قوله تعالى كذا، وقوله:"فخير" من كلام المصنف استفاده من "أو" المكررة، وقد أشار إلى ذلك في أول "باب كفارات الأيمان"، قال الحافظ: وأقرب ما وقفت عليه من طريق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه أبو داود عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم" الحديث، انتهى.
قلت: والتخيير في صورة العذر مجمع عند الأئمة الأربعة، خلافًا لبعض السلف أن الدم مقدم وهو مخير في غيره، وأما بدون العذر فالدم عند أبي حنيفة متعين وعند المالكية فيه أيضًا مخير، وهما قولان للشافعية والحنابلة كما بسط في "الأوجز"
(2)
.
قوله: (فأما الصوم فثلاثة أيام) كما هو عند الجمهور، وقال الحسن وغيره: عشرة، كما في "الأوجز"
(3)
. قال العيني
(4)
: "أما" تفصيلية تقتضي التقسيم وهو محذوف، تقديره: وأما الصدقة فهي إطعام ستة مساكين، وأما النسك فأقله شاة، انتهى.
(6 -
باب قول الله: {أَوْ صَدَقَةٍ. . .} [البقرة: 196]) إلخ
قال الحافظ
(5)
: يشير بهذا إلى أن الصدقة في الآية مبهمة فسرتها
(1)
"فتح الباري"(4/ 13).
(2)
"أوجز المسالك"(8/ 500 - 512).
(3)
"أوجز المسالك"(8/ 499).
(4)
"عمدة القاري"(4/ 459).
(5)
"فتح الباري"(4/ 16).
السُّنَّة، وبهذا قال جمهور العلماء، وعن الحسن: الصوم عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، وروي عن عكرمة ونافع نحوه، قال ابن عبد البر: لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار، انتهى.
(7 -
باب الإطعام في الفدية نصف صاع)
قال الحافظ
(1)
: أي: لكل مسكين من كل شيء يشير بذلك إلى الرد على من فرق في ذلك بين القمح وغيره، انتهى.
وفي "الأوجز"
(2)
: الواجب في الإطعام لكل مسكين نصف صاع من أي شيء كان في الكفارة: قمحًا أو شعيرًا أو تمرًا، وهو قول مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة تخصيص ذلك بالقمح، وإن الواجب من الشعير والتمر صاع، انتهى.
وفيه أيضًا: وقال الموفق: يعطى كل مسكين مدًّا من البر، فأما بقية الأصناف فنصف صاع لكل مسكين نص عليه أحمد، انتهى.
وفي "الفيض"
(3)
بعد ذكر مذهب الحنفية: واعتبر المصنف الوزن، فَطَرَدَ بالنصف في الجميع، انتهى.
(8 -
باب النسك شاة)
قال الحافظ
(4)
: أي: النسك المذكور في الآية، قال عياض
(5)
: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. قال الحافظ: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود عن كعب بن عجرة: "أنه أصابه أذى فحلق فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدي بقرة"، وللطبراني في حديث كعب "أنه صلى الله عليه وسلم أمره أن يفتدي، فافتدى ببقرة"، وكذا
(1)
"فتح الباري"(4/ 16).
(2)
"أوجز المسالك"(8/ 502، 503).
(3)
"فيض الباري"(3/ 291).
(4)
"فتح الباري"(4/ 18).
(5)
"الإكمال"(4/ 214).
في رواية لعبد بن حميد: "افتدى كعب ببقرة"، ولسعيد بن منصور:"قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك؟ قال: ذبح بقرة".
قال الحافظ
(1)
: فهذه الطرق كلها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة، وأجاب ابن بطال بقوله: فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق وزاد، ففيه أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها، قال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت لما قدمته، والله أعلم، انتهى باختصار وتغير.
(9 -
باب قول الله عز وجل: {فَلَا رَفَثَ} [البقرة:
197])
قال العيني
(2)
: "فلم يرفث" بضم الفاء وكسرها وفتحها، والمشهور في الرواية وعند أهل اللغة: يرفث بضم الفاء من باب: نصر ينصر، ويرفث بكسر الفاء حكاه صاحب "المشارق"، فيكون من باب: ضرب يضرب، ويرفث بفتحها من باب: علم يعلم، والرفث بفتح الفاء الاسم، والمصدر بإِسكان الفاء، والمراد به عند الجمهور الجماع في قوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [البقرة: 187]، ويراد به الفحش والجماع، وقيل: المراد به ذكر ذلك مع النساء لا مطلقا، انتهى.
قال القسطلاني
(3)
: قوله "رجع كما. . ." إلخ، أي: مشابهًا لنفسه في البراءة من الذنوب صغائرها أو كبائرها إلا في حق آدمي إذ هو محتاج لاسترضائه، نعم إذا رضي تعالى عن عبده أرضى عنه خصماءه، انتهى.
قلت: وهذا - أعني تكفير الحج للخطايا - هو البحث العاشر من المباحث العشرة المذكورة في مبدأ "كتاب الحج" في "الأوجز"
(4)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 19).
(2)
"عمدة القاري"(7/ 470).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 392).
(4)
"أوجز المسالك"(6/ 334، 335).
(10 -
باب قول الله تعالى: {وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:
197])
قال القسطلاني
(1)
تبعًا للحافظ: ولم يذكر في الحديث الجدال اعتمادًا على ما في الآية، أو لأن المجادلة ارتفعت بين العرب وقريش في موضع الوقوف بعرفة والمزدلفة، فأسلمت قريش وارتفعت المجادلة ووقف الكل بعرفة، انتهى.
* * *
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 393).
[28 -
كتاب جزاء الصيد]
(1 -
باب جزاء الصيد ونحوه. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قيل: السبب في نزول هذه الآية أن أبا اليسر قتل حمار وحش وهو محرم في عمرة الحديبية فنزلت، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
: ولم يذكر المصنف في رواية أبي ذر حديثًا في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لم يثبت على شرطه في جزاء الصيد حديث مرفوع، وفي رواية غير أبي ذر هنا: باب - بالتنوين - إذا صاد الحلال صيدًا فأهدى للمحرم الصيد أكله المحرم.
قال العيني كالحافظ ابن حجر: هذه الترجمة هكذا ثبتت في رواية أبي ذر، وسقطت في رواية غيره، وجعلوا ما ذكر في الباب من جملة الباب الذي قبله، انتهى.
والذي في الفرع يقتضي أن لفظ الباب هو الساقط فقط دون الترجمة، فإنه كتب قبل إذا واوًا للعطف ورقم عليها علامة الثبوت لأبوي ذر والوقت، وكذا رأيته في بعض الأصول المعتبرة:"وإذا صاد الحلال. . ." إلى آخر قوله: "أكله"، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال في توجيه عدم ذكر الحديث: إن هذا الباب بمنزلة الكتاب.
وقال القسطلاني
(3)
أيضًا تحت قوله: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ} [المائدة: 95]: والذي عليه الجمهور من السلف والخلف أن العامد والناسي سواء في
(1)
"فتح الباري"(4/ 21).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 395).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 394، 395).
وجوب الجزاء عليه، فالقرآن دلَّ على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله تعالى:{لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95]، وجاءت السُّنَّة من أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بوجوب الجزاء في الخطإ، لكن المتعمد مأثوم والمخطئ غير مأثوم، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي، والقيمة عند أبي حنيفة، انتهى.
قال الحافظ
(1)
: وخالف أهل الظاهر في الخطإ بقوله تعالى: {مُتَعَمِّدًا} ، فإن مفهومه أن المخطئ بخلافه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وعكس الحسن ومجاهد فقالا: يجب الجزاء في الخطإ فقط دون العمد، فيختص الجزاء بالخطإ والنقمة بالعمد، إلى آخر ما بسط.
(2 -
باب وإذا صاد الحلال فأهدى للمحرم. . .) إلخ
تقدم ذكره في الباب السابق، وقال صاحب "الفيض"
(2)
: ذهب جماعة من السلف إلى أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقًا سواء صاده أو صيد له، أو لم يصد له، وقال الحجازيون بجوازه بشرط ما لم يصد له، ويجوز عندنا ما لم يشر أو يعن عليه، سواء صيد له أو لا، والبخاري وافقنا في المسألة ولذا لم يخرج حديث الحجازيين، وأخرج حديث أبي قتادة، وهو حجة للحنفية، وليس في طريق منه أنه سأله أنه صاده بنيَّتهم أو لا، مع أن المدار عليه عند الشافعية، والظاهر من عادات الناس أنهم ينوون في مثله لرفقائهم أيضًا، سيما إذا كان الصيد كالحمار الوحشي جسيمًا يشبع جماعةً، ومع أنه سأله عن دلالته وإشارته، فهذا وإن كان سكوتًا لكنه سكوتٌ في موضع البيان، وهو بيان حكمًا أيّ بيان، ولو بسطته علمت أنه فوق البيان، فإنه يوجب السكوت من صاحب الشرع في موضع النطق، والعياذ بالله، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 21).
(2)
"فيض الباري"(3/ 294).
قلت: ففي المسألة ثلاثة مذاهب:
الأول: المنع مطلقًا، كما نقل عن بعض السلف.
والثاني: المنع إن صيد لأجله، وهو مذهب الأئمة الثلاثة.
والثالث: مذهب الحنفية، وهو الجواز ما لم يشر أو يعن عليه، سواء صيد له أو لا.
وهذا إجمال الأقوال وإلا فقد اختلفت الأقوال عن الإمام مالك وغيره كثيرًا، كما بسطت في "الأوجز"، انتهى "جزء حجة الوداع"
(1)
.
(3 -
باب إذا رأى المحرمون صيدًا)
وفيهم رجل حلال، (فضحكوا) تعجبًا من عروض الصيد مع عدم التعرض له مع قدرتهم
(2)
على صيده (ففطن الحلال) بفتح الطاء وكسرها، أي: فهم، لا يكون ضحكهم إشارة منهم إلى الحلال بالصيد، حتى إذا اصطاد ذلك الحلال الصيد لا يلزم المحرمين الذين ضحكوا شيء، انتهى من "القسطلاني"
(3)
.
قلت: الظاهر عندي أن المصنِّف أشار إلى الاختلاف في هذه المسألة، ولم أجد مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة صريحًا إلا ما في "شرح المنهاج"
(4)
: له أكل لحم صيد لم يصد له، ولا دلَّ ولو بطريق خفي؛ كأن ضحك فتنبه الصائد له، انتهى، والعجب من الشرَّاح أنهم لم يتعرضوا له.
وفي "الفيض"
(5)
تحت قوله: "فجعل بعضهم يضحك إلى بعض":
(1)
"حجة الوداع وجزء عمرات النبي صلى الله عليه وسلم"(ص 83).
(2)
كذا في الأصل، والظاهر بدله:"مع قدرته"، (ز).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 400).
(4)
"شرح المنهاج"(8/ 110)، وانظر:"أوجز المسالك"(7/ 62).
(5)
"فيض الباري"(3/ 295).
وعند مسلم: "يضحك إليّ" وهو يشعر بدلالتهم، ولم يخرجه البخاري، ولا توجد مسألة الضحك في كتبنا، هل هو من الدلالة عندهم أم لا؟ انتهى.
وقال النووي
(1)
: هكذا وقع في جميع نسخ بلادنا "يضحك إليّ" بتشديد الياء، قال القاضي: هذا خطأ وتصحيف، ووقع في رواية بعض الرواة عن مسلم والصواب "يضحك إلى بعض" فأسقط لفظة "بعض" والصواب إثباتها كما هو مشهور في باقي الروايات؛ لأنهم لو ضحكوا إليه لكانت إشارة منهم، وقد قالوا: إنهم لم يشيروا إليه.
قال النووي: لا يمكن رد هذه الرواية، فقد صحت هي والرواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة إلى الصيد، فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة، قال العلماء: وإنما ضحكوا تعجبًا من عروض الصيد، ولا قدرة لهم عليه لمنعهم منه، والله أعلم انتهى.
قلت: ولم أجد مسألة الضحك صريحًا لا في "المغني" ولا في "الدسوقي" إلا ما تقدم عن "شرح المنهاج".
(4 -
باب لا يعين المحرم الحلال. . .) إلخ
أي: بفعل ولا قول، قيل: أراد بهذه الترجمة الرد على من فرق من أهل الرأي بين الإعانة التي لا يتم الصيد إلا بها فتحرم، وبين الإعانة التي يتم الصيد بدونها فلا تحرم، انتهى من "الفتح"
(2)
.
وفي "الهداية"
(3)
: وإذا قتل المحرم صيدًا، أو دلَّ عليه من قتله، فعليه الجزاء، والدلالة الموجبة للجزاء أن لا يكون المدلول عالمًا بمكان الصيد، فإن كان عالمًا فلا شيء على الدال؛ لأن المدلول ما تمكن بسببه، انتهى مختصرًا بزيادة من الهامش.
(1)
"صحيح مسلم بشرح النووي"(4/ 370).
(2)
"فتح الباري"(4/ 27).
(3)
"الهداية"(2/ 125، 126).
(5 -
باب لا يشير المحرم إلى الصيد. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: أشار إلى تحريم ذلك، ولم يتعرّض لوجوب الجزاء في ذلك، وهي مسألة خلاف، فاتفقوا على تحريم الإشارة إلى الصيد ليصطاد، وعلى سائر وجوه الدلالات على المحرم، لكن قيَّده أبو حنيفة بما إذا لم يمكن الاصطياد بدونها، واختلفوا في وجوب الجزاء على المحرم إذا دل الحلال على الصيد بإشارة أو غيرها أو أعان عليه، وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق: يضمن المحرم ذلك، وقال مالك والشافعي: لا ضمان عليه، إلى آخر ما قال. وفي "الفيض"
(2)
: والإشارة في الحاضر، والدلالة في الغائب، انتهى.
(6 -
باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا)
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: قصد بذلك أنه كان حيًّا، فما ورد في بعض الروايات من الألفاظ الدالَّة على أنه إنما أرسله إليه بعد ذبحه يجب تأويله وإرجاعه، فترجمته هذه كأنها تفصيل وبيان لما ينبغي أن تحمل عليه الروايات، وإن لم تكن الرواية الموردة ها هنا مفتقرة إلى تأويل، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: كذا قيَّده في الترجمة بكونه حيًّا، وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحًا موهمة، انتهى.
وفي "الفيض"
(5)
: زاد لفظ الحي إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّه لكونه حيًّا، لا لأنه علم أنه صاده له، فترك مذهب الشافعية، واختار مذهب الحنفية، ولم يفصل في النية أصلًا، إلى آخر ما فيه.
وقال النووي
(6)
: في رواية: "حمارًا وحشيًا": وفي رواية: "من لحم
(1)
"فتح الباري"(4/ 29).
(2)
"فيض الباري"(3/ 296).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 296).
(4)
"فتح الباري"(4/ 31).
(5)
"فيض الباري"(3/ 296).
(6)
"صحيح مسلم بشرح النووي"(4/ 368).
حمار"، وفي رواية: "رجل حمار وحش"، وفي رواية: "عجز حمار وحش"، هذه روايات مسلم، وترجم له البخاري: "باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا"، وحكي هذا التأويل أيضًا عن مالك وغيره، وتأويل باطل، وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، انتهى مختصرًا.
قلت: ما قاله النووي إنما قاله نصرة لمذهبه، وقد اعترف هو بنفسه أن هذا التأويل مروي عن مالك وغيره، وكذا هو مروي عن الإمام البيهقي، وهذا الإمام الجليل والمحدث الكبير أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري أيضًا اختار هذا التأويل، فلا يضرنا قول النووي: إنه باطل، وبسط الحافظ على روايات هذه القصة، وكذا العيني، وحكي عن الطحاوي أن الحديث مضطرب، ولخَّص كلام الشرَّاح على حديث الباب في "الأوجز"
(1)
، وقال ابن بطال: اختلاف الروايات يدل على أنها لم تكن قضية واحدة، وإنما كانت قضايا مختلفة، انتهى.
قلت: واختلفوا في الترجيح بين روايتي الحي واللحم، وكذا اختلفوا في الجمع بينهما بوجوه مختلفة، بسطت في "الأوجز".
(7 -
باب ما يقتل المحرم من الدواب)
أي: مما لا يجب عليه فيه الجزاء، قاله الحافظ
(2)
.
قوله: (خمس من الدواب. . .) إلخ، مفهوم العدد ليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم أولًا ثم بيَّن بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ:"أربع" وفي بعضها بلفظ: "ست"، فأما طريق أربع فأخرجها مسلم عن عائشة رضي الله عنها فأسقط العقرب، وأما طريق ست فأخرجها أبو عوانة في
(1)
"أوجز المسالك"(7/ 94 - 100).
(2)
"فتح الباري"(4/ 35 - 36).
"المستخرج" عنها فأثبتها وزاد: الحية، ووقع في رواية أبي سعيد عند أبي داود وزاد فيه: السبع العادي، فصارت سبعًا، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة زيادة ذكر الذئب والنمر فتصير بهذا الاعتبار تسعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور.
قال الحافظ: فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال، انتهى.
وفي "الفيض"
(1)
: قال الشافعية في قتل غير مأكول اللحم من الحيوانات، وهو المناط عندهم في خمس، وقال مالك: بل المناط العدو، وهو أقوى من مناط الشافعية؛ لأنه أخذ في النطق المؤذيات، فمعنى الإيذاء فيها ظاهر، بخلاف الأكل فلا شيء في قتل السبع العادي، واقتصر الحنفية على المنصوص، ويقتل غيره من السباع عند العدو، وإلا لا، انتهى.
وفي هامشه: وفي تقرير آخر أن الحنفية لم ينقحوا المناط في الأشياء الثلاثة: الغراب، والحدأة، والفأرة، وفعلوا ذلك في العقرب والكلب، فألحقوا المؤذيات من الحشرات كلها بالعقرب، حتى البرغوث، فلا جناية بقتله، نعم في القمل صدقة يسيرة، وفي الكلب تفصيل، انتهى.
قلت: ومذهب الشافعية ما في "شرح الإقناع"
(2)
، إذ قال: ويحرم على المحرم قتل الصيد إذا كان مأكولًا بريًّا وحشيًّا كبقر وحشي ودحاجة، أو كان متوّلدًا بين المأكول البري الوحشي وبين غيره؛ كمتولد بين حمار وحشي وحمار أهلي أو بين شاة وظبي، آخر ما قال.
قوله: "الكلب العقور" اختلفوا في أن العقور قيد أم لا؟ ثم قيل: هو الكلب خاصة.
(1)
"فيض الباري"(3/ 297).
(2)
"شرح الإقناع"(2/ 455 - 456).
وقال أبو حنيفة: يلحق به الذئب، وقال الأئمة الثلاثة: المراد به كل سبع عادي، والبسط في "الأوجز"
(1)
، وبسط الكلام عليه صاحب "الفيض"
(2)
.
(8 -
باب لا يعضد شجر الحرم)
بضم أوله وفتح الضاد المعجمة، أي: لا يقطع، قاله الحافظ
(3)
.
وبسط في "الأوجز"
(4)
الكلام على الأبحاث الفقهية المتعلقة بأشجار الحرم أشد البسط، وفي آخره: وقد عرفت مما سبق أنهم اتفقوا في بعض مسائل الباب، واختلفوا في بعضها.
وإجمال المباحث في ذلك عشرة مسائل:
الأولى: اختلافهم في مصداق المنهي عنه من الشجر وغيره، فقال مالك: يحرم ما ينبت جنسه بنفسه وإن استنبته أحد نظرًا بجنسه، وقالت الحنفية: يحرم ما ينبت جنسه بنفسه، ولم يستنبته أحد، وقال أحمد: يجوز ما زرعه الآدمي من الشجر والحشيش لا ما لم ينبته أحد، وعند الشافعي يحرم شجر الحرم وحشيشه مطلقًا إلا الحشيش الذي من شأنه أن يستنبت كالبقول والخضراوات، فالعبرة عند المالكية للجنس فقط، وعند الحنابلة للإنبات وعدمه، وعندنا الحنفية للوصفين الإنبات والجنس معًا.
الثانية: أجمعوا على أن ما زرعه الآدمي من الزروع والبقول والرياحين يجوز قطعه، ولا خلاف في ذلك.
الثالثة: لا خلاف في الأخضر واليابس عند مالك، خلافًا للأئمة الثلاثة إذ أباحوا قطع اليابس.
الرابعة: الشوك وغيره سواء في الحرمة عند مالك وأحمد، ويجوز قطعه عند الشافعي وبعض الحنابلة، ويحرم قطعه عند الحنفية بدون ضمان.
(1)
"أوجز المسالك"(7/ 181).
(2)
"فيض الباري"(3/ 297 - 298).
(3)
"فتح الباري"(4/ 42).
(4)
"أوجز المسالك"(8/ 540 - 550).
الخامسة: أجمعوا على إباحة قطع الإذخر رطبًا ويابسًا.
السادسة: لا يجوز القطع لإطعام الدواب عند مالك على المعتمد، وبه قال أحمد والحنفية، ويجوز في الأصح عند الشافعية.
السابعة: في رعي الدواب وجهان عند أحمد، ويجوز عند الشافعي ومالك وأبي يوسف، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد.
الثامنة: أجمعوا على جواز الانتفاع بالأوراق الساقطة.
التاسعة: يجوز السواك من شجر الحرم عند مالك، ولا يجوز عند أحمد والحنفية، واختلفت فيه الشافعية.
العاشرة: لا يجوز قطع الورق عند أحمد، ويجوز عند الشافعي والحنفية.
انتهى من "الأوجز".
(9 -
باب لا ينفر صيد الحرم)
بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة، قيل: هو كناية عن الاصطياد، وقيل: هو على ظاهره.
قال النووي
(1)
: يحرم التنفير وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفره عصى، سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا، قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى، انتهى من "الفتح" و"العيني"
(2)
.
(10 -
باب لا يحل القتال بمكة. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: هكذا ترجم بلفظ القتال، وهو الواقع في حديث
(1)
"المنهاج"(9/ 125).
(2)
"فتح الباري"(4/ 46)، و"عمدة القاري"(7/ 513).
(3)
"فتح الباري"(4/ 47).
الباب، ووقع عند مسلم في رواية بلفظ:"القتل" بدل "القتال"، وللعلماء في كل منهما اختلاف، انتهى.
قال القسطلاني
(1)
: قال الماوردي فيما نقله عنه النووي في "شرح مسلم": من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم بل يضيّق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقال الجمهور: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى.
قال النووي: وهذا الأخير هو الصواب، ونص عليه الشافعي في "الأم"، وقال القفال: لا يجوز القتال بمكة حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز لنا قتالهم، وغلطه النووي.
وأما القتل وإقامة الحدود فعن الشافعي ومالك: حكم الحرم كغيره فيقام فيه الحد، ويستوفي فيه القصاص سواء كانت الجناية في الحرم أو في الحل، ثم لجأ إلى الحرم، وقال أبو حنيفة: إن كانت الجناية في الحرم استوفيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم تستوف منه فيه، ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرج اقتص منه، واحتج بعضهم لإقامة حد القتل فيه بقتل ابن خطل، ولا حجة فيه لأن ذلك كان في الوقت الذي أحل للنبي صلى الله عليه وسلم، انتهى.
قلت: والخلاف إنما هو إذا كانت الجناية في النفس خارج الحرم ثم لجأ، وأما إذا كانت في الحرم أو فيما دون النفس في الحرم أو خارجه فلا خلاف فيه، بل يقتص عند الأئمة الأربعة، وبسط العلامة السندي
(2)
الكلام على هذه المسألة، ورد على توجيه الإمام الطحاوي، فارجع إليه.
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 426).
(2)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 315).
(11 -
باب الحجامة للمحرم. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: أي: هل يمنع منها أو تباع له مطلقًا أو للضرورة؟ والمراد في ذلك كله المحجوم لا الحاجم.
وقال النووي
(2)
: إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لقطع الشعر، وإن لم تتضمن جازت عند الجمهور، وكرهها مالك، وعن الحسن فيها الفدية وإن لم يقطع شعرًا، وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب الفدية، وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس، وقال الداودي: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق، انتهى.
وقال الموفق
(3)
: أما الحجامة إذا لم يقطع شعرًا فمباحة من غير فدية في قول الجمهور، فإن احتاج إلى قطع شعر فله قطعه، وعليه الفدية، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي.
وقال صاحبا أبي حنيفة: يتصدق بشيء، ولنا قوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} الآية [البقرة: 196]، انتهى.
وفي "الهداية"
(4)
: عليه دم عند أبي حنيفة، وقالا: عليه صدقة، انتهى من "الأوجز"
(5)
.
(12 -
باب تزويج المحرم)
قال الحافظ
(6)
: أورد فيه حديث ابن عباس في تزويج ميمونة، وظاهر صنيعه أنه لم يثبت عنده النهي عن ذلك، ولا أن ذلك من الخصائص، وقد ترجم في النكاح "باب نكاح المحرم" ولم يزد على إيراد هذا الحديث،
(1)
"فتح الباري"(4/ 50 - 51).
(2)
"المنهاج"(8/ 122).
(3)
"المغني"(5/ 126 - 127).
(4)
"الهداية"(1/ 158).
(5)
"أوجز المسالك"(8/ 525).
(6)
"فتح الباري"(4/ 51 - 52).
ومراده بالنكاح التزويج للإجماع على إفساد الحج والعمرة بالجماع، وقد اختلف في تزويج ميمونة، فالمشهور عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم، وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة، وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالًا، وعن أبي رافع مثله وأنه كان الرسول إليها.
واختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع لحديث عثمان:"لا ينكح المحرم ولا ينكح" أخرجه مسلم، وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتعقب بأنه قياس في معارضة السُّنَّة فلا يعتبر به، انتهى.
قلت: وعدّ العلامة العيني
(1)
إبراهيم النخعي والثوري أيضًا مع الحنفية.
(13 -
باب ما ينهى من الطيب للمحرم. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أي: أنهما في ذلك سواء، ولم يختلف العلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في أشياء هل تعد طيبًا أو لا؟ والحكمة في منع المحرم من الطيب أنه من دواعي الجماع ومقدماته التي تفسد الإحرام، وبأنه ينافي حال المحرم فإن المحرم أشعث أغبر، انتهى.
وتقدم اختلاف الأئمة في مسألة الطيب للمحرم في "باب غسل الخلوق ثلاث مرات"
(3)
.
قوله: (لا تلبس المحرمة ثوبًا بورس أو زعفران) أي: مصبوغًا بورس أو زعفران، والورس بفتح الواو وسكون الراء نبت أصفر تصبغ به الثياب، ومطابقته للترجمة من حيث إن المصبوغ بهما يفوح له رائحة كالطيب، قاله العيني والقسطلاني
(4)
.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 522).
(2)
"فتح الباري"(4/ 52).
(3)
"فتح الباري"(4/ 393)، باب:(17).
(4)
"عمدة القاري"(7/ 525)، و"إرشاد الساري"(4/ 430).
قال الشيخ في "البذل"
(1)
: وذلك لأنهما من الطيب، ولا يختص بهما الرجل المحرم، بل يشمل الرجل والمرأة، انتهى.
وفي "الأوجز"
(2)
: قال العيني
(3)
: أطلق حرمته جماعة، منهم مجاهد وهشام ومالك في رواية، فإنهم قالوا: كل ثوب مسه ورس أو زعفران لا يجوز لبسه للمحرم، سواء كان مغسولًا أو لم يكن لإطلاق الحديث، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري، وخالفهم جماعة، منهم: الثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي، فإنهم أجازوا اللبس إذا كان غسيلًا، انتهى.
وقال الباجي
(4)
: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو ورس" دون سائر أنواع الصباغ، وأفضل لباس المحرم البياض، فإن كان مصبوغًا فيجتنب المصبوغ بالزعفران أو الورس يجتنبه الرجال والنساء، إلى آخر ما قال، انتهى من "الأوجز".
قلت: فالنهي عن هذين الثوبين إجماعي، نعم اختلفوا في المعصفر، كما بسط في "الأوجز" وغيره، ولم يتعرض للمعصفر البخاري ههنا، وهذا كله في حق المحرم، وأما في حق غيره فسيأتي في "كتاب النكاح" و"كتاب اللباس".
(14 -
باب الاغتسال للمحرم. . .) إلخ
قال الحافظ
(5)
: أي: ترفهًا وتنظفًا وتطهرًا من الجنابة.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وكأن المصنف أشار إلى ما روي عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء، وروي في "الموطأ" عن نافع أن
(1)
"بذل المجهود"(7/ 183).
(2)
"أوجز المسالك"(6/ 386 - 388).
(3)
"عمدة القاري"(2/ 315).
(4)
"المنتقى"(3/ 325).
(5)
"فتح الباري"(4/ 55 - 56).
ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، انتهى.
وفي "الأوجز"
(1)
: قال الباجي: الغسل للتبرد جائز للمحرم، وإن كان لغير ضرورة، وهذه رواية ابن القاسم، وفي "المدونة": قال ابن القاسم: لا أرى بأسًا إن وجد المحرم حرًّا أن يصب على رأسه الماء، انتهى.
وقال الأبي في "الإكمال"
(2)
: أجازه الجمهور كما قال عمر رضي الله عنه: لا يزيده الماء إلا شعثًا، وتؤول عن مالك مثله، وتؤولت عنه الكراهة أيضًا، انتهى مختصرًا.
(15 -
باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين)
قال الحافظ
(3)
: أي: هل يشترط قطعهما أو لا؟ انتهى.
قلت: وفي حديث الباب أبحاث عديدة بسطت في "الأوجز"
(4)
، منها: أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه، وكذا عند الحنفية، ومنها: أن إجازة لبس الخفين مشروط بالقطع، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وعن الإمام أحمد في المشهور عنه: لا يلزم قطعهما بل يجوز لبسهما بلا قطع، ومنها: أن المراد بالكعبين ههنا هو المراد بهما في الوضوء عند الجمهور، وهما العظمان الناتيان في جانبي القدم، وعندنا الحنفية المراد بالكعبين ههنا معقد الشراك، وهو المفصل الذي في وسط القدم، بخلاف المراد في الوضوء، انتهى من هامش "اللامع"
(5)
مختصرًا.
(16 -
باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل)
من غير أن يفتقه، وهذا مذهب الشافعية وأحمد.
وقال الحنفية: إن لبسه ولم يفتقه يجب عليه دم؛ لأن لبس المخيط
(1)
"أوجز المسالك"(6/ 348).
(2)
(3/ 319).
(3)
"فتح الباري"(4/ 57).
(4)
"أوجز المسالك"(6/ 368 - 370).
(5)
"هامش اللامع"(5/ 302).
من محظورات الإحرام، والعذر لا يسقط حرمته، فيجب عليه الجزاء كما وجب في الحلق لدفع الأذى.
وقال المالكية: ومن لم يجد إزارا فلبس سراويل فعليه الفدية، وكأن حديث ابن عباس هذا لم يبلغ مالكًا، كما في "الموطأ"، انتهى من "القسطلاني"
(1)
.
واعلم أن سياق الحديث في مسألتي الإزار والخفين واحد وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل"، وقد غاير الإمام البخاري في سياق الترجمتين كما ترى.
قال الحافظ: أورد فيه حديث ابن عباس المذكور في الباب السابق، وجزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها لقوة دليلها، وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه فيتعين على من بلغه العمل به، انتهى.
قلت: أشار الحافظ بقوله: "تصريح المخالف. . ." إلخ إلى ما في "الموطأ"
(2)
: قال يحيى: سئل مالك عن ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل"، فقال: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم السراويل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس السراويلات في ما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن فيها، كما استثنى في الخفين، انتهى.
قلت: وما أفاده الحافظ قُدِّس سِرُّه من قوة دليل المسألة الثانية لم أتحصله، فإن سياق الحديثين في المسألتين واحد، ولو سلم فدليل الأولى أقوى لاتفاق الأئمة على قبولها بخلاف الثانية، إذ قال الإمام مالك: إن الحديث لم يبلغه، بل الأوجه عند هذا العبد الضعيف أن لبس الخفين لمن لم يجد النعلين لما لم يكن واجبًا لم يجزم باللبس؛ لأن من لم يجد النعلين
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 439).
(2)
"الموطأ"(1/ 325).
يباح له أن يمشي حافيًا، وأما من لم يجد الإزار فيجب عليه أن يلبس شيئًا لحرمة الكشف، فجزم بالحكم بقوله:"فليلبس السراويل"، وهذا هو السر عندي في تغاير الترجمتين، والله أعلم.
(17 -
باب لبس السلاح للمحرم)
قال العيني
(1)
: أي: جواز لبس السلاح للمحرم إذا احتاج إليه، قال ابن بطال: أجاز مالك والشافعي حمل السلاح للمحرم في الحج والعمرة، وكرهه الحسن، انتهى.
ومطابقة الحديث للترجمة تظهر من قوله: "لا يدخل مكة سلاحًا. . ." إلخ؛ لأنه لو كان حمل السلاح للمحرم غير جائز مطلقًا عند الضرورة وغيرها لما قاضى أهل مكة بهذا، انتهى من "العيني".
قال القسطلاني
(2)
: أورد المؤلف هذا الحديث هنا مختصرًا، وساقه بتمامه في "كتاب الصلح"، انتهى.
(18 -
باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: من عطف الخاص على العام؛ لأن المراد بمكة هنا البلد فيكون الحرم أعم، انتهى.
وقال القسطلاني
(4)
: أي: لمن لم يرد الحج أو العمرة، وهو مذهب الشافعية لقوله في الحديث:"ممن أراد الحج والعمرة"، والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب، انتهى.
وفي "الأوجز"
(5)
: لا يجوز الدخول بغير إحرام إجماعًا لمريد الحج والعمرة، ويجوز إجماعًا لمن تكرر دخوله من الحطابين ونحوهم، واختلفوا
(1)
"عمدة القاري"(7/ 534).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 440).
(3)
"فتح الباري"(4/ 59).
(4)
"إرشاد الساري"(4/ 440).
(5)
"أوجز المسالك"(8/ 624 - 625).
في غيرهما، والمرجح عند الشافعي الجواز، وهو رواية عن المالكية والحنابلة، ولا يجوز عندنا الحنفية، وهو المرجح عند الحنابلة والمالكية، وهو رواية عن الشافعي، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: وغاية احتجاجهم في ذلك بلبسه عليه الصلاة والسلام يوم الفتح مغفرًا على رأسه، وأنت تعلم أن مكة لم تكن حرمًا يومئذ كما صرَّح به النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته، فلا يتم الاحتجاج به، إلى آخر ما بسط في الجواب عن استدلال المصنف.
وقال السندي
(2)
: ولعل من لا يجوّز ذلك يحمل على أن منشأ ذلك الإحرام هو حرمة مكة، وقد أحلت له تلك الساعة، انتهى.
وقال القسطلاني
(3)
تبعًا للحافظ: واستدل بقصة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأول الحديث بأنه كان في الساعة التي أبيحت له، إلى آخر ما بسط في الإيراد والجواب عنه، وتقدم ذكر الاختلاف في هذه المسألة في "باب لا يحل القتال بمكة.
(19 -
باب إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: أي: هل يلزمه فدية أو لا؟ وإنما لم يجزم بالحكم؛ لأن حديث الباب لا تصريح فيه بإِسقاط الفدية، ومن ثم استظهر المصنف للراجح بقول عطاء راوي الحديث كأنه يشير إلى أنه لو كانت الفدية واجبة لما خفيت عن عطاء وهو راوي الحديث؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وفرَّق مالك فيمن تطيب أو لبس ناسيًا بين من بادر فنزع
(1)
"لامع الدراري"(5/ 305).
(2)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 317).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 442 - 443).
(4)
"فتح الباري"(4/ 63).
وغسل وبين من تمادى، والشافعي أشد موافقةً للحديث؛ لأن السائل كان غير عارف بالحكم وقد تمادى، ومع ذلك لم يؤمر بالفدية، وقول مالك فيه الاحتياط.
وأما قول الكوفيين - وهو وجوب الفدية مطلقًا - مخالف لهذا الحديث، وأجاب ابن المنيِّر بأن الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم، ولهذا انتظر النبي صلى الله عليه وسلم الوحي قال: ولا خلاف أن التكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم، فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى، بخلاف من لبس الآن جاهلًا فإنه جهل حكمًا استقر وقصر في علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفًا به، انتهى.
قلت: ذكر الحافظ مذاهب الأئمة الثلاثة، ولم يذكر مذهب الحنابلة، ففي المسألة عنهم روايتان مثل مذهبنا والشافعية، كما في "الأوجز"
(1)
.
(20 -
باب المحرم يموت بعرفة. . .) إلخ
قال القسطلاني
(2)
: قوله: "بقية الحج" أي: كرمي الجمار والحلق وطواف الإفاضة، وإنما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يؤدى عنه بقية الحج؛ لأنه مات قبل التمكن من أداء بقيته، فهو غير مخاطب به كمن شرع في صلاة مفروضة أول وقتها فمات في أثنائها؛ فإنه لا تبعة عليه فيها إجماعًا، انتهى.
وسكت الحافظان ابن حجر والعيني عن المسألة واختلاف الأئمة فيه.
وكتب الشيخ في "اللامع": ولعل المؤلف أشار بالترجمة إلى ما هو الصحيح من مذهب الحنفية أن من وجب عليه الحج، فحج من عامه؛ فإنه لو مات قبل إتمامه لا يجب عليه إيصاء إتمامه، فأما لو وجبت عليه الحجة ولم يحج إلا بعد انقضاء ذلك العام الذي وجب فيه الحج، ثم مات ولم يتم حجه؛ فإنه يجب عليه الإيصاء بإتمام حجه من ماله، ولعل المسألة
(1)
"أوجز المسالك"(6/ 371).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 446).
مقيسة على الصلاة والصوم، فإنهما تسقطان بمثل ذلك حتى أن من أدرك وقت الفجر ومات قبل طلوع الشمس أو كان مسافرًا فأفطر رمضان ثم لم يجد من الوقت ما يصوم فيه، فإنه يسقط منه الصوم ولا يجب عليه الإيصاء بقضائهما عنه، انتهى.
وفي هامشه عن كتاب "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة": من لزمه الحج فلم يحج حتى مات قبل التمكن من أدائه لم يسقط عند الشافعي وأحمد، انتهى.
قلت: لكن النووي قال في "شرح المهذب": ويجب الإحجاج عنه من تركته إن كان قد استقر الحج في ذمته وإن كان تطوعًا أو لم يستطع إلا في هذه السنة لم يجب، انتهى.
قال الموفق
(1)
: متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج، وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر، سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط، وبهذا قال الحسن والشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، انتهى.
كذا حكى الموفق مذهب الحنفية والشافعية، والصحيح في مذهبهما كما تقدم عن النووي و"اللامع"، التفريق بين من فرَّط ومن لم يفرط، والمراد بالتفريط أن لا يحج من عامه.
(21 -
باب سُنَّة المحرم إذا مات)
قال القسطلاني
(2)
: أي: في كيفية الغسل والتكفين وغيره، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية شهيرة، ففي "الأوجز"
(3)
: قال العيني في حديث ابن عباس: احتج به الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر في أن
(1)
"المغني"(5/ 38).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 447).
(3)
"أوجز المسالك"(6/ 397 - 398).
المحرم على إحرامه بعد الموت، ولذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال؛ لأنها عبادة شرعت فبطلت بالموت كالصلاة والصيام، وقال صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، وإحرامه من عمله، ولأن الإحرام لو بقي لطيف به وكملت مناسكه، ولا قائل به، إلى آخر ما قال، وتقدمت المسألة في "باب كيف يكفن المحرم" من "كتاب الجنائز".
(22 -
باب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المرأة)
قال العلَّامة العيني
(1)
: أي: هذا باب في بيان حكم الحج عن الميت، وفي بيان حكم النذر عن الميت، وقوله:"والرجل" بالجر عطف على المجرور فيما قبله، أي: في بيان حكم الرجل يحج عن المرأة، فالترجمة مشتملة على حكمين، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: تضمنت الترجمة ثلاثة أجزاء: جواز الحج عن الغير، وثبوته عن الرواية ظاهر، ويقاس عليه سائر النذور؛ لأنه كان نذرًا عليها، فلما جاز قضاء نذر الحج عنها جاز غير الحج من النذور، وأما حج الرجل عن المرأة فجوازه ثابت بالطريق الأولى؛ لأن حجة الرجل أفضل من حجة المرأة؛ لأن في الأولى زيادة المناسك بنسبة الثانية، فلما أجزت حجة المرأة عنه كما ذكر في الرواية يكون حجه أولى بالجواز، انتهى.
قال القسطلاني
(3)
: وكان ينبغي أن يقول: والمرأة تحج عن المرأة ليطابق حديث الباب، وأجاب الزركشي بأنه استنبط ذلك من قوله:
(1)
"عمدة القاري"(7/ 545).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 309 - 312 - 314).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 448).
"اقضوا الله" فإنه خاطبها بخطاب دخل فيه الرجال والنساء، فللرجل أن يحج عن المرأة ولها أن تحج عنه، وأما قول الحافظ ابن حجر في قوله:"والرجل يحج عن المرأة": نظر؛ لأن لفظ الحديث أن امرأة سألت عن نذر كان على أبيها فكان حق الترجمة أن يقول: والمرأة تحج عن الرجل، ثم قال: والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى رواية شعبة عن أبي بشر في هذا الحديث؛ فإنه قال فيه: "أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أختي نذرت أن تحج" الحديث، وفيه:"فاقضي الله فهو أحق بالقضاء" فلا يخفى ما فيه، فإن حديث الباب إنما هو أن امرأة من جهنية قالت:"إن أمي" وكيف يقال بالمطابقة بين ترجمة وحديث مذكور في باب آخر، والأصل أن المطابقة إنما تكون بين الترجمة وحديث الباب، فليتأمل، انتهى.
قلت: إيراد القسطلاني صحيح لا شك فيه، ولكن قوله: إن المطابقة إنما تكون إلخ تبع في ذلك العلامة العينى وهو غير مسلم، بل هو أصل مطَّرد من أصول التراجم، والعلامة العينى تارة يأخذ بهذا الأصل ومرة يرده أشد الرد، كما بسط ذلك في أصل الحادي عشر من أصول التراجم.
ثم الظاهر عندي: أن الترجمة مشتملة على جزئين:
الأول: الحج المنذور عن الميت، قال العيني: ومطابقة الحديث للترجمة في قولها: "إن أمي نذرت" إلخ، وفيه: حج عن نذر الميت، وهو مطابق للجزء الأول من الترجمة، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية، قال الموفق
(1)
: متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به ويعتمر، سواء مات عن تفريط أو بلا تفريط، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، فإن وصَّى بها فهو من الثلث، ويستناب من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه، وبه قال الحسن وإسحاق
(1)
"المغني"(5/ 38 - 39).
ومالك في النذر، وقال الشافعي فيمن عليه حجة الإسلام: يستأجر من يحج عنه من الميقات؛ لأن الإحرام لا يجب من دونه، ولنا أن الحج واجب على الميت من بلده، فوجب أن ينوب عنه منه؛ لأن القضاء يكون على وفق الأداء، وكذلك الحكم في حج النذر والقضاء، انتهى.
والجزء الثاني: جواز حج الرجل عن المرأة وثبوته عن الرواية بالطريق الأولى كما تقدم في كلام الشيخ مفصلًا، والمسألة إجماعية.
قال الموفق
(1)
: ويجوز أن ينوب الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، لا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن بن صالح، فإنه كره حج المرأة عن الرجل، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أنه ذكر في "الأوجز"
(2)
في مسألة الحج عن الغير عشرة أبحاث مفيدة فقهية، فارجع إليه.
(23 -
باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة)
خلافًا لمالك في ذلك، ولمن قال: لا يحج أحد عن أحد مطلقًا كابن عمر، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي، وعن أحمد روايتان، انتهى من "الفتح"
(3)
.
وقال العيني
(4)
تحت حديث الباب: فيه جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبًا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميّت لم يحج حجة الإسلام.
وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال: مشهورها: لا يجوز،
(1)
"المغني"(5/ 27).
(2)
"أوجز المسالك"(7/ 209).
(3)
"فتح الباري"(4/ 66).
(4)
"عمدة القاري"(7/ 9).
وثانيها: يجوز من الولد، ثالثها: يجوز إن أوصى به، وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره، وهي رواية عن مالك، وإن أوصى به، انتهى.
وفي "الفيض"
(1)
: وهذه مسألة أخرى ويقال لها: مسألة المعضوب، انتهى.
قال ابن رشد
(2)
: أما وجوبه باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة فعند مالك وأبي حنيفة لا تلزم، وعند الشافعي تلزم، فيلزم على مذهبه الذي عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره، إذا لم يقدر هو ببدنه أن يحج عنه غيره، وهي المسألة التي يعرفونها بالمعضوب، وهو الذي لا يثبت على الراحلة، انتهى.
قال ابن الهمام
(3)
: وفي المشهور عن أبي حنيفة أنه لا يلزمهم - الأعمى والمقعد والمعضوب أي: الضعيف، على ما في "القاموس"
(4)
- الحج.
قال في "البحر": وهذا عند أبي حنيفة في ظاهر الرواية، وهو رواية عنهما، وقال: في ظاهر روايتهما، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب على هؤلاء إذا ملكوا الزاد والراحلة ومؤنة من يرفعهم ويضعهم، والخلاف المذكور في من وجد الاستطاعة وهو معذور، أما إن وجدها وهو صحيح ثم طرأ عليه العذر فالاتفاق على الوجوب، انتهى مختصرًا.
وقال الشيخ في "الكوكب"
(5)
: قوله: "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير. . ." إلخ، الظاهر أن الحج لم يكن وجب عليه، وإنما كان ذلك متمناه وإن كان جائزًا أن يكون الحج فرض عليه ثم ضعف، انتهى.
(1)
"فيض الباري"(3/ 309).
(2)
"بداية المجتهد"(1/ 324).
(3)
"فتح الباري"(3/ 329).
(4)
"القاموس"(ص 120).
(5)
"الكوكب الدري"(1/ 294).
قلت: ولعلك قد عرفت مما سبق أن ههنا مسألتين:
إحداهما: وجوب الحج على من لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وهي التي يقال لها: مسألة المعضوب.
والثانية: النيابة عن المعضوب، ذكر الشرَّاح هاتين المسألتين في بيان ما يستفاد من الحديث، ولفظ الترجمة نص في أن المراد ههنا الثانية.
(24 -
باب حج المرأة عن الرجل)
قال القسطلاني
(1)
: وفي الحديث دليل على أنه يجوز للمرأة أن تحج عن الرجل، خلافًا لمن زعم أنه لا يجوز معللًا بأن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل فلا يحج عنه إلا رجل مثله، انتهى.
وتقدم قبل باب أنه قول الحسن.
(25 -
باب حج الصبيان)
قال الحافظ
(2)
: أي: مشروعيته، وكأن الحديث الصريح فيه ليس على شرطه، وهو ما رواه مسلم عن ابن عباس قال:"رفعت امرأة صبيًا لها فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر"، قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلا أنه إذا حج به كان له تطوعًا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء بفعل شيء من مخطورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، انتهى.
قلت: النقل عن الحنفية غير صحيح، ففي "الأوجز"
(3)
في مباحث حج الصبي: الثاني: هل ينعقد حجه أم لا؟ ويجري عليه أحكام الحج، ويجب فيه الفدية، ودم الجبران وسائر أحكام البالغ كما قاله الجمهور أم لا؟
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 452).
(2)
"فتح الباري"(4/ 71).
(3)
"أوجز المسالك"(8/ 590 - 592).
وخالف في ذلك أبو حنيفة إذ قال: لا يلزمه شيء من مخطورات الإحرام، وبذلك توهم من قال: إن حج الصبي لا ينعقد عندهم، كما بسط في "الأوجز" و"هامش اللامع"
(1)
، وفي "الفيض"
(2)
: واعلم أن عبادات الصبيان كلها معتبرة عندنا، نعم تقع نفلًا عنه، وعليه حجة ثانية بعد البلوغ، انتهى.
(26 -
باب حج النساء)
أي: هل يشترط فيه قدر زائد على حج الرجال أو لا؟ انتهى. قاله الحافظ وكذا العيني
(3)
، ثم قال تحت أثر عمر: مطابقته للترجمة من حيث إن فيه حج النساء، ولكن فيه زيادة على حج الرجال، وهو الاحتياج إلى إذن من يتولى أمرهن في خروجهن، انتهى.
قوله: (ألا نغزوا أو نجاهد؟. . .) إلخ، النسخ على إثبات "أو"، وبسط السندي
(4)
الكلام عليه، وذكر الفرق بين الغزو والجهاد، والأسهل ما قال الحافظ
(5)
: إنه شك من الراوي.
(27 -
باب من نذر المشي إلى الكعبة)
قال الحافظ
(6)
: أي: وغيرها من الأماكن المعظمة هل يجب عليه الوفاء بذلك أو لا؟ وإذا وجب فتركه قادرًا أو عاجزًا ماذا يلزمه؟ وفي كل ذلك اختلاف بين أهل العلم، سيأتي في "كتاب النذر"، انتهى.
قوله: (وأمره أن يركب) واحتج أهل الظاهر بالحديث وبحديث عقبة الآتي، فقالوا: من عجز عن المشي فلا هدي عليه.
وسائر الفقهاء لهم في هذه المسألة أقوال:
(1)
"هامش اللامع"(5/ 16 - 317).
(2)
"فيض الباري"(3/ 310).
(3)
"فتح الباري"(4/ 73)، و"عمدة القاري"(7/ 554 - 555).
(4)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/ 319).
(5)
"فتح الباري"(4/ 74).
(6)
"فتح الباري"(4/ 79).
والأول: روي عن علي وابن عمر: "من نذر المشي إلى بيت الله تعالى فعجز عنه أنه يمشي ما استطاع، فإذا عجز ركب وأهدى شاة"، وهو قول عطاء والحسن، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو حنيفة: وكذا إن ركب وهو غير عاجز، ويكفِّر عن يمينه لحنثه، حكاه الطحاوي، وقال الشافعي: الهدي في هذه احتياط، وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم:"فلتركب ولتهد".
والقول الثاني: يعود ثم يحج مرة أخرى، ثم يمشي ما ركب، ولا هدي عليه، وهو قول ابن عمر والنخعي وغيرهما.
والقول الثالث: يعود فيمشي ما ركب وعليه الهدي، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا، وروي عن النخعي، وهو قول مالك، جمع عليه الأمرين المشي والهدي احتياطًا، انتهى من "العيني"
(1)
.
وقال القسطلاني
(2)
الشافعي: لو ترك المشي لعذر أو لغيره أجزأه مع لزوم الدم فيهما، والإثم في الثاني، انتهى.
وفي "الأوجز"
(3)
عن "شرح اللباب": لو ركب في كل الطريق أو أكثره لعذر أو بلا عذر فعليه دم، وإن ركب في الأقل وكذا في المساواة تصدق بقدره من قيمة الشاة، انتهى.
وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: من نذر بعبادة مثل المشي ينعقد النذر، فيمشي غير راكب، وإن كان معذورًا فيكفِّر بدم، وأما النذر حافيًا فلا يجب وليس فيه دم؛ لأنه ليس من جنسه عبادة، يعني: أن المشي من جنسه عبادة مفروضة حيث يفرض الحج على أهل مكة، وإن لم تكن لهم راحلة بخلاف المشي حافيًا، فإنه ليس بعبادة مفروضة، انتهى من هامش "اللامع"
(4)
.
قلت: وفي هذه المسألة أبحاث كثيرة بسطت في "الأوجز"
(5)
.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 563).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 464).
(3)
"أوجز المسالك"(9/ 544).
(4)
"هامش اللامع"(5/ 317).
(5)
"أوجز المسالك"(9/ 537 - 540).
29 -
أبواب فضائل المدينة
وتأتي روايات كثيرة من هذا الباب في "كتاب الاعتصام" في أواخر البخاري في "باب ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم وما أجمع عليه الحرمان: مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم والمنبر والقبر الشريف".
قال الحافظ
(1)
: المدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بها، وإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد، فإذا أريد غيرها فلا بدّ من قيد، وكان اسمها قبل ذلك يثرب، قيل: سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها، وقيل غير ذلك، ثم سمَّاها النبي صلى الله عليه وسلم طابة وطيبة كما سيأتي في باب مفرود، وكان سكانها العماليق، ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل، قيل: أرسلهم موسى عليه السلام، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم، انتهى من هامش "اللامع"
(2)
.
(1 -
باب حرم المدينة)
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
أي: إثبات أنها محترمة، ودلالة الرواية الثانية على هذا المعنى غير ظاهرة، إلا أن يقال: إقامة النبي صلى الله عليه وسلم هناك، وبناء المسجد فيها، إلى غير ذلك مما يدل على حرمتها، انتهى.
وفي هامشه: وبذلك جزم عامة الشرَّاح، قال العيني: باب في بيان فضل حرم المدينة، انتهى. وتبعه القسطلاني، وسكت عنه الحافظ،
(1)
"فتح الباري"(4/ 81).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 318).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 319).
والأوجه عند هذا العبد الفقير أن الإمام البخاري أشار به إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي: اختلافهم في أن حرم المدينة كحرم مكة أو حكمهما مختلف؟ ولم يجزم الإمام بالحكم في الترجمة كعادته في المسائل المختلف فيها عند الأئمة، وكذا في المسائل التي اختلفت فيها الروايات، ولم يترجح عنده إحداها، وهما أصلان معروفان مطَّردان من الأصول المتقدمة في المقدمة، وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" مع بسط الدلائل.
قال العيني
(1)
بعد حديث أنس: احتج به الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، فقالوا: المدينة لها حرم، فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء عندهم خلافًا لابن أبي ذئب فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من فعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي في القديم إذ قال: من اصطاد في المدينة صيدًا أخذ سلبه، وقال الثوري وابن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد عن أخذ صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن الحديث المذكور بأنه صلى الله عليه وسلم أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها، وذلك كمنعه صلى الله عليه وسلم من هدم آطام المدينة، وقال:"إنها زينة المدينة" على ما رواه الطحاوي بإسناد صحيح، ثم ذكر الطحاوي دليلًا على ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا عمير ما فعل النغير" إلى آخر ما بسط العيني، انتهى من "هامش اللامع" مختصرًا.
قال الحافظ
(2)
: ذكر المصنف هنا أربعة أحاديث، ورتَّبها ترتيبًا حسنًا، ففي حديث أنس التصريح بكون المدينة حرمًا، وفي حديثه الثاني تخصيص النهي عن قطع الشجر بما لا ينبته الآدميون، وفي حديث أبي هريرة بيان ما أجمل من حد حرمها في حديث أنس حيث قال كذا وكذا، فبيَّن في هذا أنه ما بين الحرتين، وفي حديث علي زيادة تأكيد التحريم، وبيان حد الحرم أيضًا، انتهى.
(1)
"عمدة القاري"(7/ 567).
(2)
"فتح الباري"(4/ 86 - 87).
(2 -
باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس)
أي: الشرار منهم، وراعى في الترجمة لفظ الحديث، وقرينة إرادة الشرار من الناس ظاهرة من التشبيه الواقع في الحديث، والمراد بالنفي الإخراج، ولو كانت الراوية "تنقي" بالقاف لحمل لفظ "الناس" على عمومه، وقد ترجم المصنف بعد أبواب:"المدينة تنفي الخبث"، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وقال العيني
(2)
: قلت: جعلوا لفظ: "تنفي" من النفي، فلذلك قدروا هذا التقدير، والأحسن عندي أن يكون هذا اللفظ من التنقية بالقاف، والمعنى: أن المدينة تنقي الناس تبقي خيارهم وتطرد شرارهم، ويناسب هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم:"إن المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها"، وإنما قلنا: يناسب هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم من حيث إن حاصل المعنى يؤول إلى ما ذكرنا، وإن كان لفظ الحديث من النفي بالفاء، انتهى.
قلت: والأوجه عندي ما قال العيني، لئلا يوهم تكرار الترجمة بما يأتي من "باب المدينة تنفي الخبث"، لكن كلام الحافظ يشير إلى أن الرواية في الترجمة أيضًا بلفظ:"الفاء"، وعلى هذا فللتأويل للترجمة مساغ بأن يقال: إن الخبث غير الخبيث، انتهى من هامش "اللامع"
(3)
.
وأوجه منه أن يقال في دفع التكرار: إن الغرض من الترجمة ههنا هو إثبات فضل المدينة، وهو ثابت بالجزء الأول من الحديث بقوله:"أمرت بقرية تأكل القرى" كما هو ظاهر، وأما قوله في الترجمة:"وأنها تنفي الناس" ذكره استطرادًا لوجوده في حديث الباب، وأما الترجمة الثانية الآتية فالمقصود منه النفي خاصة.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: قوله: "وأنها تنفي الناس" ولا يستلزم
(1)
"فتح الباري"(4/ 87).
(2)
"عمدة القاري"(7/ 576).
(3)
انظر: "لامع الدراري"(5/ 323).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 322 - 323).
نفيها الناس أن لا يبقى فيها أحد ممن هو خليق بالنفي، بل هي تدوم تنفيهم عنها وتبقي مع ذلك بقية منهم فيها، نعم يتحقق كمال هذا النفي في وقت المهدي وعيسى عليهما السلام، انتهى.
(3 -
باب المدينة طابة)
أي: من أسمائها، إذ ليس في الحديث أنها لا تسمى بغير ذلك، وروى مسلم حديث جابر بن سمرة مرفوعًا:"أن الله سمى المدينة طابة"، والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل لطهارة ترتبها، وقيل لطيبها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية؛ لأن من أقام بها يجد من ترتبها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها.
وللمدينة أسماء غير ما ذكر، منها: ما رواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" من رواية زيد بن أسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للمدينة عشرة أسماء هي: المدينة، وطابة، وطيبة، والمطيبة، والمسكينة، والدار، وجابرة، ومجبورة، ومنيرة، ويثرب"، انتهى مختصرًا من "الفتح"
(1)
.
قال القسطلاني
(2)
: ولها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وذكر عدة أسماء سوى ما تقدم عن الحافظ، وقال أيضًا: ولله در الأشبيلي حيث قال: لتربة المدينة نفحة ليس كما عهد من الطيب، بل هو عجب من الأعاجيب، انتهى.
وكتب مولانا عبد الحي اللكنوي في مقدمة "الهداية"
(3)
: للمدينة أربع وتسعون اسمًا مبسوطة في "وفاء الوفاء"، وكثرة الاسم تدل على شرف المسمى، ويكفيه كونه مسكنًا لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم ومدفنًا له، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 88 - 89).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 472 - 473).
(3)
مقدمة "الهداية"(1/ 82).
قلت: ولا يبعد عندي أن المقصود من ذكر هذه التراجم إظهار حب المدينة، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره.
(4 -
باب لابتي المدينة)
تثنية لابة، وهي الحرة الأرض ذات الحجارة السود، والمدينة ما بين حرتين عظيمتين، إحداهما: شرقية، والأخرى: غربية، انتهى من "القسطلاني"
(1)
.
قلت: قد تقدم في "باب حرم المدينة" أن الغرض منه عندي الإشارة إلى مسألة خلافية، وهي هل للمدينة حرم كما لمكة أم لا؟ وتقدم الخلاف فيه هناك، ولعل الغرض بالترجمة ههنا بيان حد الحرم على حسب ما وقع في الأحاديث، فقد تقدم في الباب المذكور حديث أبي هريرة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حرم ما بين لابتي المدينة على لساني".
قال الحافظ
(2)
: وفي رواية لمسلم: "وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى"، وفي رواية لأبي داود:"حمى رسول الله كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا"، الحديث، ووقع في حديث جابر عند أحمد:"وأنا أحرم المدينة ما بين حرتيها"، انتهى من "الفتح".
(5 -
باب من رغب عن المدينة)
أي: فهو مذموم، أو باب حكم من رغب عنها، انتهى من "الفتح"
(3)
.
(6 -
باب الإيمان يأرز إلى المدينة)
بفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء وقد تضم بعدها زاي، وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء، وقال: إن الكسر هو الصواب، ومعناه
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 468).
(2)
"فتح الباري"(4/ 83).
(3)
"فتح الباري"(4/ 90).
ينضم ويجتمع، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قلت: لعل الغرض أن فضل المدينة لا يختص بزمانه صلى الله عليه وسلم بل هو في جميع الأزمنة.
قال الحافظ
(2)
: قوله: "كما تأرز الحية. . ." إلخ، أي: أنها كما تنتشر من جحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها، كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي صلى الله عليه وسلم، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه، انتهى.
ثم لا يخفى عليك ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(3)
: قوله: "ليأرز إلى المدينة" ظاهر التشبيه أنه لا يبقى في المدينة شيء منه حين خروجه إلى البلاد، وهو غير مراد، بل المعنى أنه ينتشر منها إلى البلاد، ثم يأتي زمان لا يبقى مؤمن إلا وهو في المدينة، وذلك لما علم أن المدينة آخر البلاد خرابًا، وليس ذلك إلا لبقاء الإيمان فيها، انتهى.
قلت: ما أفاده الشيخ فهو جيد لطيف جدًا.
(7 -
باب إثم من كاد أهل المدينة)
قال الحافظ
(4)
أي: أراد بأهلها سوء، والكيد المكر والحيلة في المساءة، انتهى. وبسط الشرَّاح في شرح حديث الباب.
(1)
"فتح الباري"(4/ 93).
(2)
"فتح الباري"(4/ 93 - 94).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 324 - 325).
(4)
"فتح الباري"(4/ 94).
(8 -
باب آطام المدينة)
قال الحافظ
(1)
: بالمد، جمع أطم بضمتين، وهي الحصون التي تبنى بالحجارة، وقيل: هو كل بيت مربع مسطح، وقد ذكر الزبير بن بكار في "أخبار المدينة" مع ما كان بها من الآطام قبل حلول الأوس والخزرج بها، ثم ما كان بها بعد حلولهم، وأطال في ذلك، انتهى.
(9 -
باب لا يدخل الدجال المدينة)
أورد فيه أربعة أحاديث، وحاصل ما في هذه الأحاديث إعلامه صلى الله عليه وسلم أن الدجال لا يدخل المدينة ولا الرعب منه، انتهى من "الفتح"
(2)
.
وقال القسطلاني
(3)
: قوله: "لا يدخلها الطاعون" أي: الموت الذريع الفاشي، أي: لا يكون بها مثل الذي يكون بغيرها كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله، فلم ينقل قط أنه دخلها الطاعون، وذلك ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم:"اللهم صححها لنا"، انتهى.
(10 -
باب المدينة تنفي الخبث)
أي: تطرده وتخرجه، وقد تقدم ما يتعلق بهذا الباب في "باب فضل المدينة"، وبسط الكلام على حديث الباب في "الأوجز"
(4)
، وكذا في "الكوكب الدري"
(5)
، وفي "جذب القلوب": قوله: "تنفي خبثها" يشمل الأحياء والأموات، فتنقل من البقيع، انتهى. أعاذنا الله منه.
(باب)
بغير ترجمة، هو كالفصل من الباب السابق، كذا هو للأكثرين، وسقط من رواية أبي ذر، وفي الباب حديثان، مناسبة الأول للباب السابق من جهة
(1)
"فتح الباري"(4/ 95).
(2)
"فتح الباري"(4/ 96).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 483).
(4)
"أوجز المسالك"(15/ 583 - 587).
(5)
"الكوكب الدري"(2/ 341).
أن تضعيف البركة وتكثيرها يقتضي تقليل ما يضادها، فناسب نفي الخبث، ومناسبة الثاني من جهة أن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها، انتهى، كذا في هامش "الهندية"
(1)
من الشروح، وقد رمز عليها شيخ الهند في "تراجمه" رمز (نـ) نقطة واحدة، وهو إشارة إلى أن الترجمة تركت لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.
(11 -
باب
كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة)
بضم التاء، أي: تخلو، وأعريت المكان جعلته خاليًا، ولأبي ذر: أن تعرى بفتحها، أي: تخلو وتصير عراء، وهو الفضاء من الأرض الذي لا سترة به، انتهى من "القسطلاني"
(2)
.
قال الحافظ
(3)
: ترجم البخاري بالتعليلين، فترجم في الصلاة باحتساب الآثار لقوله صلى الله عليه وسلم:"مكانكم تكتب لكم آثاركم"، وترجم هنا بما ترى لقول الراوي:"فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة"، وكأنه صلى الله عليه وسلم اقتصر في مخاطبتهم على التعليل المتعلق بهم لكونه أدعى لهم إلى الموافقة، انتهى.
(12 - باب)
بغير ترجمة، وهذا أيضًا كالفصل مما قبله، وهو الأصل العشرون من أصول التراجم المتقدمة.
قال الحافظ
(4)
: والباب مشتمل على حديثين وأثر، ولكل منهما تعلق بالترجمة التي قبله، فحديث "ما بين بيتي ومنبري. . ." إلخ فيه إشارة إلى الترغيب في سكنى المدينة، وحديث عائشة في قصة وعك أبي بكر وبلال فيه دعاؤه صلى الله عليه وسلم للمدينة بقوله:"اللهم صححها"، وفي ذلك إشارة إلى
(1)
(4/ 265).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 490).
(3)
"فتح الباري"(4/ 99).
(4)
"فتح الباري"(4/ 100).
الترغيب في سكناها أيضًا، وأثر عمر في دعائه بأن تكون وفاته بها ظاهر في ذلك، وفي ذلك مناسبة لكراهته صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة، انتهى.
وبراعة اختتام في قول عمر رضي الله تعالى عنه: "واجعل موتي في بلد رسولك" ظاهرة، وبه جزم الحافظ
(1)
، اللهم نحن أيضًا ندعوك بها، فاستجب لنا بحرمة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
* * *
(1)
"فتح الباري"(4/ 101).
30 -
كتاب الصوم
قد تقدم في مبدأ "كتاب الحج" وجوه المناسبة بين الحج والصوم وغيرهما.
قال العيني
(1)
في وجه المناسبة: العبادات أربعة: بدنية محض، وهي: الصلاة والصوم، ومالية محض، وهي: الزكاة، ومركبة منهما وهو الحج، وكان مقتضى الحال أن يذكر الصوم عقيب الصلاة لكونهما من واد واحدٍ، لكن ذكرت الزكاة عقيبها لما ذكرنا - كما تقدم في مبدأ الحج - ثم إن غالب المصنفين ذكروا الصوم عقيب الزكاة فلا مناسبة بينهما، والذي ذكره البخاري من تأخير الصوم وذكره في الأخير هو الأوجه والأنسب؛ لأن ذكر الحج عقيب الزكاة هو المناسب من حيث اشتمال كل منهما على بذل المال، ولم يبق للصوم موضع إلا في الأخير، انتهى.
قلت: وما أورد العيني على عامة المصنفين أجاب عنه ابن عابدين
(2)
في مبدأ "كتاب الصوم" إذ قال: أعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين، به قهر النفس الأمَّارة بالسوء، وأنه مركب من أعمال القلب ومن المنع عن المآكل والمشارب والمناكح عامة يومه، وهو أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يبدأ في التكاليف بالأخف، وهو الصلاة تمرينًا للمكلف، ثم يثني بالوسط وهو الزكاة، ويثلث بالأشق وهو الصوم، وإليه وقعت الإشارة في مقام المدح والترتيب {وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
(1)
"عمدة القاري"(8/ 3).
(2)
"رد المحتار"(3/ 327 - 329).
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ} [الأحزاب: 35]، وفي ذكر مباني الإسلام:"وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان" فاقتدت أئمة الشريعة مصنفاتهم بذلك، انتهى.
وذكر في مبدأ "كتاب الصوم" من "الأوجز"
(1)
عشرة أبحاث مفيدة بالبسط، وفي "هامش اللامع" مختصرًا، منها: ما قالوا: إن بدء الصوم من زمن آدم عليه السلام، قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] قال علي رضي الله عنه: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة قديمة ما أخلى الله تعالى أمة من افتراضه عليهم، ومنها: أن فرضية رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، كما في "تاريخ الخميس"
(2)
و"مجمع البحار"
(3)
و"الدر المختار"
(4)
، وفي "تفسير روح البيان"
(5)
: أن افتراض الصيام بعد خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين، انتهى.
وعن ابن عباس: بعث الله تعالى نبيَّه بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صُدِّق زاد الصلاة، فلما صُدِّق زاد الزكاة، فلما صُدِّق زاد الصيام، فلما صُدِّق زاد الحج، انتهى. كذا في "الأوجز"
(6)
.
(1 -
باب وجوب صوم رمضان. . .) إلخ
قال الحافظ
(7)
: كذا للأكثر، وللنسفي "باب وجوب رمضان وفضله"، وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه "حظائر القدس" لرمضان ستين اسمًا، وذكر بعض الصوفية أن آدم عليه الصلاة والسلام لما أكل من الشجرة ثم
(1)
"أوجز المسالك"(5/ 5 - 13)، و"لامع الدراري"(5/ 329 - 330).
(2)
"تاريخ الخميس"(1/ 168).
(3)
"مجمع بحار الأنوار"(5/ 279).
(4)
"رد المحتار"(3/ 330).
(5)
"تفسير روح البيان"(1/ 362).
(6)
"أوجز المسالك"(5/ 11).
(7)
"فتح الباري"(4/ 102 - 103).
تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذريته صيام ثلاثين يومًا.
قال الحافظ: وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك.
قوله: (وقول الله تعالى. . .) إلخ، أشار بذلك إلى مبدأ فرضية الصيام، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه في شيء فأورد ما يشير إلى المراد، فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث: حديث طلحة الدال على أنه لا فرض إلا رمضان، وحديث ابن عمر وعائشة المتضمن للأمر بصيام عاشوراء، وكأن المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما محمول على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان، وهو ظاهر الآية؛ لأنه تعالى قال:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، ثم بيَّنه [فقال:] {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185].
وقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية: أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ، إلى آخر ما فيه، انتهى من "الفتح".
قلت: وقد بسط الكلام على درجات فرضية الصوم وتفاصيل شرعيته من ابتداء الأمر إلى ما استقر عليه في "كتاب التفسير" من "لامع الدراري"
(1)
.
قوله: {كَمَا كُتِبَ} الآية، وفي "الأوجز"
(2)
: اختلفوا هل كان صوم رمضان شرع من قبلنا؟ فقال جماعة: إن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يومًا من السنة، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضًا؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل:
(1)
"لامع الدراري"(9/ 14 - 15).
(2)
"أوجز المسالك"(5/ 9).
نزيد فيه فزادوا عشرًا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعًا فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمة خمسين يومًا، وهذا معنى قوله:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ} الآية [التوبة: 31]، كذا في "التفسير الكبير"
(1)
، وقيل: في زيادة النصارى أقوال أخَّر ذكرها أهل التفسير.
قال البجيرمي
(2)
: إن كان التشبيه في قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ} في صوم رمضان كان من الشرائع القديمة؛ لأنه قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليها شهر رمضان إلا أنهم ضلَّوا عنه، وإن كان التشبيه في مطلق الصوم كان صوم رمضان من خصوصيات هذه الأمة، انتهى من "الأوجز".
واختار صاحب "فيض الباري"
(3)
: أن هذه الآيات لا تعلق لها بصوم رمضان، بل هي متعلقة بصوم أيام البيض وعاشوراء، وبسط الكلام عليه، فارجع إليه لو شئت.
(2 -
باب فضل الصوم)
غرض الترجمة واضح وثابت من الروايات.
قوله: (ولا يجهل) في "تراجم شيخ المشايخ
(4)
الدهلوي": الجهل ههنا ضد الحلم كما هو في الأكثر ضد العلم، انتهى. قلت: فهو من قبيل قول الشاعر
(5)
:
ألا لا يجهلن أحد علينا
…
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قوله: (فليقل: إني صائم) في هامش النسخة الهندية عن "التوشيح"
(6)
: قيل: يقولها بلسانه يخاطب بها من شاتمه، وقيل: بقلبه يزجر بها نفسه،
(1)
"التفسير الكبير"(2/ 240).
(2)
"شرح الإقناع"(2/ 371).
(3)
"فيض الباري"(3/ 320).
(4)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 383).
(5)
هو عمرو بن كلثوم بن مالك، من تغلب بن وائل، يكنى أبا الأسود توفي عام 52 قبل الهجرة و 570 للميلاد، "شرح المعلقات العشر"(ص 92).
(6)
"التوشيح"(4/ 1413).
وقيل: باللسان في صوم الفرض وبالقلب في النفل، قال ابن العربي: الخلاف في النفل، وأما الفرض فبلسانه قطعًا، انتهى.
قوله: (الصيام لي) ذكر الحافظ
(1)
في معناه عشرة أوجه، وفي "شرح الإحياء": اختلفوا في معناه على أقوال تزيد على خمسين، ثم ذكرها، انتهى.
(3 -
باب الصوم كفارة)
أطلق المصنِّف في الترجمة، والخبر مقيَّد بفتنة المال وما ذكر معه، ويؤيد الإطلاق ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا:"الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"، ولابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد مرفوعًا:"من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله"، وقد حمل المصنف الحديث في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة، فقال في الزكاة:"باب الصدقة تكفر الخطيئة"، ثم أورد هذا الحديث بعينه، وأيضًا تقدم في أثناء الصلاة:"باب الصلاة كفارة"، وأورد فيه هذا الحديث بعينه من وجه آخر عن أبي وائل، انتهى ملخصًا من "الفتح"
(2)
.
(4 -
باب الريان للصائمين)
بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري: اسم علم على باب من أبواب الجنة، يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتق من الري، وهو مناسب لحال الصائمين، قال القرطبي: اكتفى بذكر الري عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه.
قلت: أو لكونه أشق على الصائم من الجوع، قاله الحافظ
(3)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 107 - 109).
(2)
المصدر السابق (4/ 110 - 111).
(3)
المصدر السابق (4/ 111).
قلت: وسيأتي الكلام على أبواب الجنة في "باب صفة أبواب الجنة" من "كتاب بدء الخلق"، كما بسط في هامش "اللامع"
(1)
هناك.
(5 -
باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: فظاهر كلام المصنف الجواز حيث أورد قوله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان" وقوله: "لا تقدموا رمضان"، وإنما لم يورد حجة على جواز التكلم بشهر رمضان؛ لأن جوازه كان مجمعًا عليه، وأما على الرواية التي فيها شهر رمضان موضع قوله:"إذا دخل رمضان"، فالروايتان الموردتان في الترجمة حجة للتكلم به بدون الإضافة، والموردة بسرد الإسناد، أي: الرواية التي ذكرها بقوله: حدثنا يحيى بن بكير، فإن فيها نسخة على الحاشية بلفظ:"إذا دخل شهر رمضان" حجة لجواز التكلم به مضافًا إليه الشهر، انتهى.
وفي هامشه: أشار البخاري بذلك إلى مسألة شهيرة خلافية، قال الكرماني: اختلفوا فيه، فقال المالكية: لا يقال رمضان على انفراده؛ لأنه اسم من أسماء الله تعالى، وإنما يقال: شهر رمضان، وقال أكثر الشافعية: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر كما يقال: صمت رمضان فلا كراهة، وإلا فيكره، كما يقال: أحب رمضان، ومذهب البخاري أنه لا كراهة في إطلاقه بقرينة وبدونها، انتهى.
قال الحافظ
(3)
: قوله: "ومن رأى كله واسعًا" أشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان" أخرجه ابن عدي في "الكامل" وضعَّفه بأبي معشر، قال البيهقي: قد روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن
(1)
"لامع الدراري"(7/ 355 - 359).
(2)
المصدر السابق (5/ 331).
(3)
"فتح الباري"(4/ 113).
من طريقين ضعيفين، وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث.
وقد ترجم النسائي لذلك أيضًا فقال: "باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان"، ثم أورد فيه حديثين، وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال:{شَهْرُ رَمَضَانَ} مع احتمال أن يكون حذف لفظ "الشهر" من الأحاديث من تصرف الرواة، وكان هذا هو السر في عدم جزم المصنف بالحكم إلى آخر ما فيه.
(باب رؤية الهلال)
هذا الباب موجود في النسخ الهندية التي بأيدينا، وعليه علامة النسخة، ولا يوجد هذا الباب في نسخ الشروح من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني"، ولا في نسخة المصرية التي عليها حاشية العلامة السندي، ولم يتعرض له أحد من الشراح، ومع ذلك سيبوب المصنف فيما سيأتي بـ "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم الهلال. . ." إلخ فالظاهر عدمه، وأما على تقدير ثبوته فيمكن عندي أن يقال: إن الغرض من الترجمتين مختلف، فالغرض من الباب الآتي بيان حكم صوم يوم الشك، كما سيأتي هناك.
والغرض ههنا الحث والترغيب على رؤية هلال رمضان، وقد صرَّح الفقهاء في كتبهم باستحبابه بل بوجوبه على الكفاية، وفي "الهداية"
(1)
: وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فإن رأوه صاموا، وإن غمَّ عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا لقوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، انتهى.
وأخرج أبو داود
(2)
من حديث عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان" الحديث، فتأمل، فإنه غاية التوجيه لدفع التكرار، والله تعالى أعلم.
(1)
(2/ 244 - 245).
(2)
"سنن أبي داود"(ح: 2325).
(6 -
باب من صام إيمانًا واحتسابًا. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنيِّر: حذف الجواب إيجازًا واعتمادًا على ما في الحديث، وعطف قوله:"نيته" على قوله: "احتسابًا"؛ لأن الصوم إنما يكون لأجل التقرب إلى الله تعالى، والنيَّة شرط في وقوعه قربة، والمراد بالإيمان الاعتقاد بحق فرضية صومه، وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى، وقال الخطابي: احتسابًا، أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه، انتهى.
(7 -
باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم. . .) إلخ
قال القسطلاني تحت الحديث
(2)
: لأنه شهر يتضاعف فيه ثواب الصدقة، و"ما" مصدرية، أي: أجود أكوانه يكون في رمضان، ثم قال: يحتمل أن يكون زيادة الجود بمجرد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أن يكون بمدارسته إياه القرآن، وهو يحث على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له صلى الله عليه وسلم خلقًا بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفصاله في هذا الشهر، وفي هذا الحديث تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن ثم معارضة ما نزل منه فيه، وأن ليله أفضل من نهاره، إلى آخر ما قال.
قال الحافظ
(3)
: قال ابن المنيِّر: وجه التشبيه بين أجوديته صلى الله عليه وسلم بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي: فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 115).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 513).
(3)
"فتح الباري"(4/ 116).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(1)
في "باب بدء الوحي": قوله: "من الريح المرسلة" والفضيلة عليها في أنها لا تبقي ولا تذر شيئًا أتت عليه، فكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبقي شيئًا مما هو في ملكه، انتهى.
قوله: (يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن. . .) إلخ، وتقدم في "باب بدء الوحي" من أول الكتاب بلفظ:"فيدارسه القران"، وسيأتي في "باب ذكر الملائكة" من "كتاب بدء الخلق" بلفظ:"أن جبرئيل كان يعارضه القرآن" وفي هامش الهندية
(2)
: المعارضة المقابلة كما في "المجمع".
وفي "المشكاة": "كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم"، قال الطيبي نقلًا عن المظهر: يعني يأتيه جبريل عليه السلام ويقرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن من أوله إلى آخره لتجويد اللفظ، وليكون سُنَّة في حق الأمة، أقول: لا تساعد هذا التأويل تعدية [يعرض] بعلى؛ لأن المعروض عليه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللَّهم إلا أن يحمل على باب القلب، كنحو قولهم: عرضت الناقة على الحوض، انتهى كلام الطيبي.
قال الشيخ في "اللمعات": وقد ورد أنهما كانا يقرآن بطريق المدارسة، فيصح العرض من الجانبين، فلا حاجة إلى القول بالقلب كما قال الطيبي، انتهى من الهامش.
قلت: وسيأتي تبويب المصنف في "فضائل القرآن" بـ "باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم"، فثبت بهذا كله أن العرض كان من الجانبين.
وفي "شرح الإقناع"
(3)
: وحقيقة المدارسة أن يقرأ الثاني ما قرأه الأول، وأما القراءة المشهورة الآن فهي إدارة لا مدارسة، ثم أشكل عليه
(1)
"لامع الدراري"(1/ 513).
(2)
(6/ 583).
(3)
"شرح الإقناع"(2/ 385).
بقوله: كيف هذا مع أن الملائكة لم يعطوا فضيلة حفظ القرآن حتى جبريل النازل به، فكيف كان يدارسه؟ وأجيب بجوابين، أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أولًا فيعيد جبريل ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: كان ينظر في اللوح المحفوظ حين يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: وهذا أولى، لأن القصد من قراءته عليه ما استقر عليه الأمر، وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو المثبت في المصحف العثماني، وحكمة العرض لأجل أن يبين له الناسخ والمنسوخ، انتهى.
(8 -
باب من لم يدع قول الزور والعمل به)
قال الزين بن المنيِّر
(1)
: حذف الجواب؛ لأنه لو نصَّ على ما في الخبر لطالت الترجمة، أو لو عبَّر عنه بحكم معين لوقع في عهدته فكان الإيجاز ما صنع.
ثم قال الحافظ: قال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمَّارة بالنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله:"ليس لله حاجة" مجاز عن عدم القبول، فنفى السبب وأراد المسبب، انتهى.
(9 -
باب هل يقول: إني صائم إذا شُتم)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: أراد بذلك دفع ما يتوهم من كراهة إظهار العبادة، والمأمور به إخفاؤها، وحاصل الدفع أن الطاعة لا ضير في إِظهارها إذا تضمن فائدة، ما لم يكن من قصده الرياء والسمعة، وتضمن الفائدة فيما نحن فيه ظاهر، فإن المتجاهل المذكور لعله ينتهي عما ركب عليه من الجهل والسب والشتم، أو يعتبر بحاله فيفعل ما فعله صاحبه ويأخذ في الصوم، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 116 - 117).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 334 - 335).
وفي هامشه
(1)
: بقي ههنا شيء، وهو أن الوارد في الحديث لفظ:"فليقل إني صائم" بصيغة الأمر نصًّا، وترجم عليه البخاري بلفظ:"هل يقول"، ووجه ذلك ما قال الحافظ: إنه اختلف في المراد بقوله عليه السلام: "فليقل: إني صائم" هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه، وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في "الأذكار"، وقال في "شرح المهذب": كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، ولهذا التردد أتى البخاري في الترجمة بالاستفهام، انتهى.
ثم ذكر بعد ذلك من الأقوال في معنى الحديث كما تقدم في "باب فضل الصوم".
(10 -
باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة)
اختلفت نسخ البخاري في هذه اللفظة، ففي نسخة الحافظ
(2)
: "العزبة"، فقال: بضم المهملة وسكون الزاي بعدها موحدة، وفي نسخة:"العزوبة" بزيادة واو، والمراد بالخوف منها ما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنت، انتهى.
وفي نسخة العيني
(3)
: "العزوبة"، فقال: بضم العين والزاي، قال ابن الأثير: العزب البعيد من النكاح، ومعنى:"خاف على نفسه. . ." إلخ، يعني خاف من بعد النكاح أن يقع في العنت وهو الزنا، ومادة هذه اللفظة في الأصل تدل على البعد يقال: عزب عني فلان، أي: بعُد، ويقال: تعزّب فلان زمانًا ثم تأهل، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: دفع لما يتوهم أن الصوم لا بدّ وأن يكون خاليًا عن منفعة أخرى دينية أو دنيوية، فإن المقصود إِرضاؤه تعالى،
(1)
"لامع الدراري"(5/ 334).
(2)
"فتح الباري"(4/ 119).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 36 - 37).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 336).
ولا يكون مخلصًا فيه إذا ترقب فيه حظًّا آخر، فحاصل الدفع أن الغرض المترتب عليه إذا كان دينيًّا فلا يضر قصده إياه لما أن العصمة من الزنا وغيرها مما يترتب على الصوم لما كان المقصود منها بأسرها إرضاؤه سبحانه وتعالى لم يكن ذلك القصد المتعلق بالصوم منافيًا لغرض الصوم الأصلي، انتهى.
قوله: (فعليه بالصوم. . .) إلخ، قال الحافظ
(1)
: ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح، واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة، وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر، فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، والله أعلم، انتهى من "الفتح".
قلت: وقد وقع مثل هذا الإشكال والجواب بعينه لبعض شيوخنا، ويستأنس هذا الجواب بلفظ "عليه" الواقع في الحديث، فإنه يدل على المواظبة واللزوم بخلاف ما لو قيل: فليصم.
(11 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الهلال فصوموا. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: هذه الترجمة لفظ مسلم من حديث أبي هريرة، وقد سبق للمصنف في أول الصيام في حديث ابن عمر بلفظ:"إذا رأيتموه"، وذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتَّبها ترتيبًا حسنًا، إلى آخر ما قال، انتهى.
وقد تقدم الفرق بين هذه الترجمة وبين ما سبق من "باب رؤية الهلال" هناك، والمقصود ههنا - كما تقدم - مسألة صوم يوم الشك، وهي خلافية شهيرة.
ففي هامش "اللامع"
(3)
: المراد بصوم يوم الشك هو صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلته، سواء كانت السماء مصحيّة أو مغيمة
(1)
"فتح الباري"(4/ 119).
(2)
المصدر السابق (4/ 120).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 337 - 338).
عند الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، وللحنابلة في ذلك ثلاث روايات، والمشهور عندهم أن ذلك مقيد بحالة الصحو، قال الموفق: النهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو، وفي "الروض المربع": يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير الهلال مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكره الصوم؛ لأنه يوم الشك المنهي عنه، وإن حال دونه، أي: دون هلال رمضان بأن كان في المطلع ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، أي: غبرة وكذا دخان فظاهر المذهب يجب صومه حكمًا ظنيًا احتياطًا بنية رمضان، قال في "الإنصاف": هو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا فيه التصانيف وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، انتهى مختصرًا من "الأوجز"
(1)
وهامش "اللامع".
قوله: (فإن غُمَّ عليكم فاقدروا) وفيه ثلاث تأويلات:
أحدها: ما قال الأئمة الثلاثة والجمهور: معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، ويرجح هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بهذا المعنى، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.
وثانيها: ما قالت طائفة: معناه: ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، وبه قال أحمد وغيره ممن يجوز صوم ليلة الغيم عن رمضان.
وثالثها: معناه: قدروه بحسب المنازل، ونقل ابن العربي عن ابن سريج: أن هذا خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم، وأن قوله:"فأكملوا العدة" خطاب للعامة، إلى آخر ما بسطه الشيخ في "البذل"
(2)
.
(12 -
باب شهرا عيد لا ينقصان)
قال الحافظ
(3)
: هكذا ترجم ببعض لفظ الحديث، وهذا القدر لفظ
(1)
"أوجز المسالك"(5/ 19 - 20).
(2)
"بذل المجهود"(8/ 443).
(3)
"فتح الباري"(3/ 124 - 125).
طريق لحديث الباب عند الترمذي، وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فمنهم من حمله على ظاهره فقال: لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبدًا إلا ثلاثين، وهذا قول مردود معاند للموجود والمشاهد، ويكفي في رده قوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، الحديث، فإنه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا، ومنهم من تأول له معنى لائقًا.
ثم ذكر الحافظ القولين المذكورين في ترجمة الباب عن أحمد وإسحاق، ثم قال: وهذان القولان مشهوران عن السلف، وقد ثبتا منقولين في أكثر الروايات في البخاري، وذكر القرطبي أن فيه خمسة أقوال، منها: أن معناه لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم تلك المقالة، وقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي فقال: معناه أن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين، وقيل: لا ينقصان في نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، ولا يخفى بعده، وقيل: لا ينقصان معًا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم؛ لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
(13 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا نكتب ولا نحسب)
قال الحافظ
(1)
: بالنون فيهما، والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم، أو المراد نفسه صلى الله عليه وسلم.
ثم قال الحافظ: ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلَّق الحكم
(1)
انظر: المصدر السابق (4/ 127).
بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، ويوضحه قوله:"فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير، وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، قال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين، وأيضًا لا يعرفها إلا القليل، انتهى مختصرًا.
قلت: وما قال الحافظ: نقل عن بعض الفقهاء. . . إلخ لعله أشار به إلى مذهب أبي العباس بن سريج من الشافعية كما تقدم في "باب إذا رأيتم الهلال فصوموا" تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" من المعاني الثلاثة، فلعل المصنف أراد بهذه الترجمة الرد على المعنى الثالث من تلك المعاني الذي اختاره ابن سريج، وأراد بالباب الآتي الرد على المعنى الثاني الذي اختاره الإمام أحمد، والله أعلم.
(14 -
باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: بضم أوله وفتح ثانيه ويجوز فتحهما أي: المكلف، أي: لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط له، فإن صومه مرتبط بالرؤية، فلا حاجة إلى التكلف، واكتفى في الترجمة عن ذلك بتصريح الخبر به، انتهى.
وتقدم في الباب السابق بيان الغرض من هذا الباب.
(1)
"فتح الباري"(4/ 128).
(15 -
باب قول الله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} . . .) إلخ
والمراد بهذه الترجمة بيان ما كان الحال عليه قبل نزول هذه الآية، ولما كانت هذه الآية منزلة على أسباب تتعلق بالصيام عجل بها المصنف، وقد تعرض لها في "التفسير" أيضًا كما سيأتي، ويؤخذ من حاصل ما استقر عليه الحال من سبب نزولها ابتداء مشروعية السحور، وهو المقصود في هذا المكان؛ لأنه جعل هذه الترجمة مقدمة لأبواب السحور، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(16 -
باب قول الله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} الآية)
قال الحافظ
(2)
: وهذه الترجمة سيقت لبيان انتهاء الأكل وغيره الذي أبيح بعد أن كان ممنوعًا، انتهى.
فالغرض من الترجمة بيان منتهى السحور بذكر تفسير الآية، وذلك لأنه لما ذكر الآية السابقة المجملة في الباب السابق لتعلقها بأحكام الصيام ناسب ذكر تفسير الآية لكونها مجملة.
(17 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال)
قال العيني
(3)
: ومطابقة حديث الباب للترجمة من حيث إن معناه ومعنى الترجمة واحد، وإن اختلف اللفظ، قال ابن بطال: ولم يصح عند البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الترجمة، فاستخرج معناه من حديث عائشة، وقال صاحب "التلويح": فيه نظر من حيث إن البخاري صح عنده لفظ الترجمة، وذلك أنه ذكر في "باب الأذان قبل الفجر" حديث ابن مسعود عن
(1)
المصدر السابق (4/ 129).
(2)
المصدر السابق (4/ 132).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 63).
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يمنعن أحدكم - أو أحدًا منكم - أذان بلال من سحوره"، فلو خرَّجه أبو عبد الله في هذا الباب لكان أمثل.
(18 -
باب تعجيل السحور)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: وفي بعض النسخ "باب تأخير السحور"، والحجة على الأولى تعجيل سهل في سحوره حيث تسحر قبله صلى الله عليه وسلم فلم ينهه عن ذلك، ولما جاز التعجيل ساعة جاز ساعات لعدم المفرق وحصول المقصود وهو التقوي على العبادات في النهار حتى لا يضعفه الصوم، وأما على النسخة الثانية فالحجة تسحره صلى الله عليه وسلم حيث كان تراخيا، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه من كلام الشرَّاح.
قلت: وحاصل ما أفاده الشيخ: أن الترجمة إن كان تعجيل السحور فالغرض بيان جوازه، وهو ثابت بفعل الصحابي، وإن كان الترجمة التأخير فالمقصود بيان استحبابه، وهو ثابت بفعله صلى الله عليه وسلم، وسلك صاحب "الفيض"
(2)
ههنا مسلكًا آخر إذ قال: معنى التعجيل ههنا السرعة فيه، أي: يفرغ عن سحوره بالعجلة، ولا يطوِّل فيه، وليس مقابلًا للتأخير، فلا يرد أن التأخير مستحب، فإن التعجيل ههنا باعتبار سرعة الأكل، والتأخير هناك بحسب وقت السحور، انتهى.
(19 -
باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر)
أي: انتهاء السحور وابتداء الصلاة؛ لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل، والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها، قاله الزين ابن المنيِّر، وقال المهلب وغيره: في الحديث تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك
(1)
"اللامع"(5/ 341).
(2)
"فيض الباري"(3/ 336).
الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة، ولوكانوا يقدرون بغير العمل لقال مثلًا: قدر درجة أو ثلاث خمس ساعة، وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة، وفيه تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود، إلى آخر ما في "الفتح"
(1)
.
قلت: والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الأولى جواز تعجيل السحور لتقريره عليه الصلاة والسلام، وفي هذا استحباب تأخيره وبيان منتهى التأخير، والله أعلم.
(20 -
باب بركة السحور من غير إيجاب. . .) إلخ
قال الزين بن المنيِّر: الاستدلال على الحكم إنما يفتقر إليه إذا ثبت الاختلاف أو كان متوقعًا، لكن لما جاء الأمر به احتاج أن يبين أنه ليس على ظاهره من الإيجاب.
قال الحافظ
(2)
: وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور، وقال ابن بطال: في هذه الترجمة غفلة من البخاري؛ لأنه قد أخرج بعد هذا حديث أبي سعيد: "أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر"، فجعل غاية الوصال السحر، وهو وقت السحور، قال: والمفسر يقضي على المجمل.
قال الحافظ: وقد تلقاه جماعة بعده بالتسليم، وتعقبه ابن المنيِّر في الحاشية بأن البخاري لم يترجم على عدم مشروعية السحور، وإنما ترجم على عدم إيجابه، وأخذ من الوصال أن السحور ليس بواجب، وحيث نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال لم يكن على سبيل تحريم الوصال، وإنما هو نهي إرشاد لتعليله إياه بالإشفاق عليهم، وليس في ذلك إيجاب السحور، ولما ثبت أن النهي عن الوصال للكراهة، فضد نهي الكراهة الاستحباب، فثبت استحباب السحور، كذا قال.
(1)
"فتح الباري"(4/ 138).
(2)
"فتح الباري"(4/ 139).
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن البخاري أراد بقوله: "لأن النبي صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ الإشارة إلى حديث أبي هريرة الآتي بعد خمسة وعشرين بابًا، فيه بعد النهي عن الوصال:"أنه واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم"، فدل ذلك على أن السحور ليس بحتم إذ لو كان حتمًا ما واصل بهم؛ فإن الوصال يستلزم ترك السحور، انتهى.
قلت: لكن الوصال المذكور في حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الحافظ إنما كان منه صلى الله عليه وسلم للزجر والتنكيل كما هو مصرح في الروايات، فتأمل.
(21 -
باب إذا نوى بالنهار صومًا. . .) إلخ
لم يذكر المصنف الجواب، وذلك لمكان الاختلاف فيه، فعند مالك: لا يجوز مطلقًا لا فرضًا ولا نفلًا، وعند الشافعي وأحمد: يجوز النفل دون الواجب، وعندنا الحنفية: يجوز النفل، وكذا أداء رمضان والنذر المعين، ولا يجوز الواجب الغير المعين كقضاء رمضان والنذر المطلق، كما بسط في "الأوجز"
(1)
، وظاهر ميل المصنف إلى الجواز مطلقًا؛ لأنه لم يذكر الجواب في الترجمة، وما أورده في الباب من الآثار وغيرها كلها تدل على الجواز مطلقًا، ولا قرينة تدل على التفريق بين النفل والواجب.
(22 -
باب الصائم يصبح جنبًا)
قال الحافظ
(2)
: أي: هل يصح صومه أم لا؟ وهل يفرق بين العامد والناسي، أو بين الفرض والتطوع؟ وفي كل ذلك خلاف للسلف، والجمهور على الجواز مطلقًا، فصارت المسألة كالإجماعية بعد ما كانت كثيرة الاختلاف، وذكر العلامة العيني
(3)
فيها سبعة أقوال كما ذكر في هامش "اللامع"
(4)
.
(1)
"أوجز المسالك"(5/ 50 - 56).
(2)
"فتح الباري"(4/ 143).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 82).
(4)
"اللامع"(5/ 351).
(23 -
باب المباشرة للصائم)
أي: بيان حكمها، وأصل المباشرة التقاء البشرتين، ويستعمل في الجماع أولج أو لم يولج، وليس الجماع مرادًا بهذه الترجمة، وقوله:"يحرم عليه فرجها" وأخرج عبد الرزاق عن مسروق قال: سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع، قوله:"كان يقبّل ويباشر. . ." إلخ، التقبيل أخص من المباشرة، فهو من ذكر العام بعد الخاص.
(24 -
باب القبلة للصائم)
أي: بيان حكمها، واختلفت الروايات في مسألة القبلة للصائم، ولذا اختلف العلماء في ذلك سلفًا وخلفًا كما بسط في "الأوجز"
(1)
، وفيه: قال عياض: منهم من أباحها على الإطلاق، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وداود، ومنهم من كرهها على الإطلاق، وهو قول مالك، ومنهم من كرهها للشاب وأباحها للشيخ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وروي عن مالك، ومنهم من أباحها في النفل ومنعها في الفرض، وهو رواية ابن وهب عن مالك، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(2)
.
قلت: هذا فيما إذا قبّل وسلِم، وأما إذا أنزل فيفطر عند الأئمة الأربعة، وإن أمذى يفطر عند مالك وأحمد، ولا يفطر عندنا والشافعي، كذا في "الأوجز"
(3)
.
(25 -
باب اغتسال الصائم)
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: أي: أنه لا يضر بصومه، ودلالة الرواية عليه ظاهرة، ولما لم ينتقض الصوم بغسل الجنابة لم ينتقض بغسله سوى
(1)
"أوجز المسالك"(5/ 84 - 85).
(2)
"اللامع"(5/ 354 - 355).
(3)
"أوجز المسالك"(5/ 87).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 357 - 362).
ذلك، ثم إن الآثار التي ذكرها ههنا تدل على الترجمة بنوع من القياس ودلالة النص، فإن إلقاء الثوب المبلول على الجسم، ودخول الحمام، وتطعم القدر والشيء، والمضمضة، والتبرد، والتدهن، وتقحم الإناء المملوء ماء، والاستياك، والكحل لما جاز للصائم وهي مظنة لنفوذ الشي إلى الباطن، فأولى أن يجوز له الغسل، فإن أمرّ الماء أخف لا سيما إذا كان لا يستقر على البدن، كما هو ظاهر في الغسل، ثم الظاهر أن الحمام المذكور في أثر الشعبي أريد به البارد، وقوله:"فليصبح دهينًا وجهه" أنه لو كان متقشفًا متقحلًا ظهر عليه صومه، والأولى فيه الإخفاء، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه
(1)
، وفيه: قال الحافظ تحت الباب: أي: بيان جوازه، قال الزين بن المنيِّر: أطلق الاغتسال ليشمل الأغسال المسنونة والواجبة والمباحة، وكأنه يشير إلى ضعف ما روي عن علي من النهي عن دخول الصائم الحمام، أخرجه عبد الرزاق، وفي إسناده ضعف، واعتمده الحنفية فكرهوا الاغتسال للصائم، انتهى.
وتعقبه العيني إذ قال: هذا غير صحيح على إطلاقه؛ لأنه رواية عن أبي حنيفة غير معتمد، والمذهب المختار أنه لا يكره، ذكره الحسن عن أبي حنيفة، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(26 -
باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا)
قال الحافظ
(2)
: أي: هل يجب عليه القضاء أو لا؟ وهي مسألة خلافٍ مشهورة، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعن مالك: يبطل صومه وعليه القضاء، قال عياض: هذا هو المشهور عنه، وهو قول شيخه ربيع
(3)
وجميع أصحاب مالك، لكن فرقوا بين الفرض والنفل، وقال الداودي: لعل مالكًا لم يبلغه الحديث، أو أوّله على رفع الإثم.
(1)
"لامع الدراري"(5/ 356).
(2)
"فتح الباري"(4/ 155).
(3)
كذا في الأصل، (ز).
قوله: (وقال عطاء. . .) إلخ، مناسبة هذين الأثرين للترجمة من جهة أن المغلوب بدخول الماء حلقه أو الذباب لا اختيار له في ذلك كالناسي، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: قوله: "لم يملك رده"، وهذا مبني على أنه لم يفرق بين الخطأ والنسيان، والفرق بينهما ثابت، ولو أريد بقول الحسن: لا شيء عليه، نفي القضاء والكفارة وافق المذهب، وقول مجاهد: لا شيء عليه كذلك فينفي القضاء والكفارة كما هو المذهب، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه، وفيه: وأما حكم المسألة فقد قال الموفق
(2)
: لا يفطر بالمضمضة بغير خلاف، وإن تمضمض أو استنشق فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه، وبه قال الأوزاعي والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك وأبو حنيفة: يفطر، إلى آخر ما بسط في الدلائل.
قوله: (إن دخل حلقه الذباب. . .) إلخ، قال العيني والقسطلاني
(3)
: به قالت الأئمة الأربعة، وقال الحافظ
(4)
: نقل ابن المنذر الاتفاق عليه، لكن نقل غيره عن أشهب أنه قال: أحب إلي أن يقضي، حكاه ابن التين، انتهى.
قوله: (إن جامع ناسيًا) والاختلاف في هذه المسألة شهير، بسط في "الأوجز"
(5)
، قال ابن رشد
(6)
: إذا جامع ناسيًا لصومه، فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(5/ 367 - 369).
(2)
"المغني"(4/ 356).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 97)، و"إرشاد الساري"(4/ 551).
(4)
"فتح الباري"(4/ 155).
(5)
"أوجز المسالك"(5/ 258 - 259).
(6)
"بداية المجتهد"(1/ 303).
(27 -
باب السواك الرطب واليابس للصائم)
وفي "الفيض"
(1)
: اختار المصنف مذهب الحنفية، ولم يفرق بين ما قبل الزوال وما بعده، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: وحاصل استدلاله بالآثار والروايات أنها مطلقة فلا تتقيد بغير الصائم، انتهى.
وفي هامشه
(3)
: قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بسواك الرطب كالمالكية والشعبي، وقد تقدم قبل بباب قياس ابن سيرين السواك الرطب على الماء الذي يتمضمض به، ومنه تظهر النكتة في إيراد حديث عثمان في صفة الوضوء في هذا الباب، فإن فيه أنه تمضمض واستنشق، وقال:"ومن توضأ وضوئي هذا"، ولم يفرق بين صائم ومفطر، انتهى.
قلت: وقياس ابن سيرين الذي أشار إليه الحافظ هو ما تقدم في "باب اغتسال الصائم" قال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب، قيل: له طعم؟ قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به، انتهى.
واختلف العلماء في مسألة السواك للصائم على ستة أقوال، ذكر في "هامش اللامع"، وحاصل مذاهب الأئمة الأربعة: أنه لا بأس به مطلقًا قبل الزوال وبعده سواء كان رطبًا أو يابسًا، وهو مذهب الحنفية.
قال القسطلاني
(4)
: قال النووي في "شرح المهذب": إنه المختار انتهى.
وعند الشافعي: مكروه بعد الزوال مطلقًا، ومستحب قبل الزوال مطلقًا رطبًا كان أو يابسًا، وعند مالك: يكره الرطب دون غيره مطلقًا قبل الزوال وبعده، ومذهب الحنابلة جواز اليابس فقط قبل الزوال، ويكره بعد الزوال مطلقًا.
(1)
"فيض الباري"(3/ 341).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 370).
(3)
"اللامع"(5/ 369 - 370).
(4)
"إرشاد الساري"(4/ 556).
(28 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا توضأ فليستنشق بمنخره. . .) إلخ
بفتح الميم وكسر الخاء، وقد تكسر الميم اتباعًا للخاء، كذا في "القسطلاني"
(1)
، وهذا الحديث بهذا اللفظ من الأصول التي لم يصلها البخاري، وقد أخرجه مسلم عن أبي هريرة، ورويناه في "مصنف عبد الرزاق".
وقول المصنف: "ولم يميز الصائم من غيره" قاله تفقهًا، وهو كذلك في أصل الاستنشاق، لكن ورد تمييز الصائم من غيره في المبالغة في ذلك، كما رواه أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وغيره عن لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا"، وكأن المصنف أشار بإيراد أثر الحسن عقبه إلى هذا التفصيل، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قوله: (وقال الحسن. . .) إلخ، أي: البصري مما وصله ابن أبي شيبة بنحوه، و"السعوط" بفتح السين وقد تضم ما يصبّ من الدواء في الأنف.
قال القسطلاني
(3)
: وقال الحافظ
(4)
: قال الكوفيون: يجب القضاء على من استعط، وقال مالك والشافعي: لا يجب إلا إن وصل الماء إلى حلقه، انتهى.
قلت: وبه قال أحمد كما يظهر من كلام الموفق، وفي "الدر المختار": احتقن أو استعط في أنفه شيئًا قضى فقط، قال ابن عابدين: وعدم وجوب الكفارة في ذلك هو الأصح بل يجب القضاء فقط، انتهى من هامش "اللامع"
(5)
.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(6)
: وكذلك لا يسلم قول الحسن: "لا بأس
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 556).
(2)
"فتح الباري"(3/ 160).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 557).
(4)
"فتح الباري"(4/ 160).
(5)
"اللامع"(5/ 371).
(6)
"لامع الدراري"(5/ 370 - 371).
بالسعوط"، وذلك لأنه وإن كان صحيحًا في نفسه إلا أنه لما تعذر التمييز بين وصوله إلى الحلق وعدمه أقيم إدخال السعوط في المنخرين مقام الوصول إلى الجوف، لكونه سببًا له ومفضيًا إليه، لا سيما ولا يتقرر مثل ذلك في الدماغ بل يتقطر إلى الجوف، انتهى مختصرًا.
قوله: (فإن ازدرد ريق العلك. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: لعل المراد بريقه ما نشأ منه بعد إدخاله في الفم وليس فيه شيء من أجزاء العلك، ولا يفسد به الصوم، فأما إن قصد به ما اختلطت به أجزاء العلك فغير مسلَّم أن الصوم لا يفسد، وذلك لما نقلنا قبل من "الهداية" من قوله عليه الصلاة والسلام:"الفطر مما دخل" رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، ولا شك أنه داخل، وليس مما هو معفو كالريق والمخاط، فيفسد به الصوم، انتهى.
وفي هامشه: هو كذلك، فقد حكى الحافظ عن ابن المنذر: رخص في مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء، فإن تحلب منه شيء فازدرده فالجمهور على أنه يفطر، إلى آخر ما بسطه.
ثم لا يذهب عليك أن المصنف لم يذكر في هذا الباب حديثًا مسندًا، ولم يتعرض له الشرَّاح ههنا، وذكره شيخ الهند في الجدول الثالث في بيان التراجم الغير المجردة، أي: التي ليس فيها حديث مسند، لكن ذكر في الترجمة آية أو حديثًا أو أثرًا، كما أشير إليه في أصل السابع والعشرين من أصول التراجم المذكورة في المقدمة، وفيه أن المصنف مرة يذكر تحت الترجمة آية أو حديثًا - غير مسند - أو قولًا من الصحابة والتابعين دالًا على الترجمة، فالترجمة مثبتة بذلك، واكتفى المصنف بذلك، إما لأن حديثًا على شرطه ليس عنده أو لقصد التمرين، إلى آخر ما تقدم، وأيضًا تقدم الكلام عليه في الفائدة الثانية، وكذا في الفائدة الرابعة من الفصل الثالث من كلام
(1)
"اللامع"(5/ 372).
الشرَّاح وغيره في مقدمة "اللامع"
(1)
، ففي الفائدة الثالثة عن الشيخ محيي الدين: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقًا، وإنما يفعل ذلك لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم بها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا، ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديث واحد، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، وبعضها لا شيء فيه ألبتة، وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، ومن ثم وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه، إلى آخر ما بسط فيه من كلام الحافظ.
(29 -
باب إذا جامع في رمضان. . .) إلخ
أي: عامدًا عالمًا وجبت عليه الكفارة، وفي "الأوجز"
(2)
: قال الزرقاني: وفيه إيجاب القضاء مع الكفارة، وهو قول الأئمة الأربعة والجمهور، وأسقط القضاء بعضهم؛ لأنه لم يرد في خبر أبي هريرة ولا خبر عائشة ولا في نقل الحفاظ لهما ذكر القضاء.
وأجيب بأنه جاء من طرق يعرف بمجموعها أن لهذه الزيادة أصلًا يصلح للاحتجاج، وعن الأوزاعي: إن كفَّر بعتق أو إطعام قضى اليوم، وإن صام شهرين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم، انتهى.
وقال ابن رشد
(3)
: شذ قوم فلم يوجبوا على المفطر عمدًا بالجماع إلا القضاء فقط، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(1/ 85 - 86).
(2)
"أوجز المسالك"(5/ 164 - 165).
(3)
"بداية المجتهد"(1/ 302).
قلت: وهم الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير، كذا في "المغني"
(1)
.
قوله: (ويذكر عن أبي هريرة. . .) إلخ، وصله أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حزيمة، قال الترمذي: سألت محمدًا، يعني البخاري عن هذا الحديث، فقال: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس لا أعرف له غير هذا الحديث، وقال البخاري: في "التاريخ" أيضًا: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا؟
قال ابن بطال: أشار بهذا الحديث إلى إيجاب الكفارة على من أفطر بأكل أو شرب قياسًا على الجماع، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا، وقرر ذلك الزين بن المنيِّر بأنه ترجم بالجماع؛ لأنه الذي ورد فيه الحديث المسند، وإنما ذكر آثار الإفطار ليفهم أن الإفطار بالأكل والجماع بمعنى واحد.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن البخاري أشار بهذه الآثار إلى أن إيجاب القضاء مختلف فيه بين السلف، وأن الفطر بالجماع لا بدّ فيه من الكفارة، وأشار بحديث أبي هريرة إلى أنه لا يصح لكونه لم يجزم به عنه، وعلى تقدير صحته فظاهره يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل، بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته؛ لأن مشروعية القضاء تقتضي رفع الإثم، لكن لا يلزم من عدم القضاء عدم الكفارة فيما ورد فيه الأمر بها وهو الجماع، والفرق بين الانتهاك بالجماع والأكل ظاهر، فلا يصح القياس المذكور، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قوله: (وبه قال ابن مسعود. . .) إلخ، وصله البيهقي من طريق المغيرة بن عبد الله اليشكري قال: حدثت أن عبد الله بن مسعود قال: "من أفطر يومًا من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه" كذا في "القسطلاني"
(3)
.
(1)
"المغني"(4/ 372).
(2)
"فتح الباري"(4/ 161).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 559).
(30 -
باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قوله: "فليكفِّر" أي: به لأنه صار واجدًا، وفيه إشارة إلى أن الإعسار لا يسقط الكفارة عن الذمة، انتهى.
قلت: وهو قول الحنفية ومالك، والمشهور من قولي أحمد أنه يسقط، وهما قولان للشافعي.
(31 -
باب المجامع في رمضان هل يطعم. . .) إلخ
يعني: أم لا؟ ولا منافاة بين هذه الترجمة والتي قبلها؛ لأن التي قبلها آذنت بأن الإعسار بالكفارة لا يسقطها عن الذمة لقوله فيها: "إذا جامع ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر"، والثانية ترددت هل المأذون له بالتصرف فيه نفس الكفارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزل لفظ الترجمة، انتهى من "الفتح"
(2)
.
واختلف العلماء في المسألة التي ترجم المصنف لها، أعني صرف الكفارة إلى عياله الفقراء، وفي "شرح الإقناع"
(3)
: ولا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر:"أطعمه أهلك" ففي "الأم" كما قال الرافعي: يحتمل أنه لما أخبره بفقره صرفه له صدقة، وفي ذلك أجوبة أخر ذكرتها في "شرح المنهاج" وغيره، انتهى.
وكتب الشيخ في "الكوكب"
(4)
: قوله: "فأطعمه أهلك"، تفرقت الأقوال في تأويله، فقال بعضهم: عفا النبي صلى الله عليه وسلم عنه فكان من خصوصياته، وقال بعض أئمتنا: إنما أمره أن يؤتيه أهله وتسقط النفقة عنه، فكان الرجل يؤتي أهله كل يوم صاعًا منه، واستدل هؤلاء بجواز إيتاء الكفارة أهله كما قالوا في الزكاة.
وقال الإمام الهمام: إن معناه أنك لما لم تجد ما يفضل عن نفقة
(1)
"فتح الباري"(4/ 163).
(2)
المصدر السابق (4/ 173).
(3)
"شرح الإقناع"(2/ 394).
(4)
"الكوكب الدري"(2/ 48 - 49).
أهلك وليس عليك أداء كفارتك على الفور فكان كفارتك على ذمتك تؤديها متى قدرت عليها، واصرف هذه في نفقة أهلك، انتهى.
وذكر اختلاف الأئمة وبقية توجيهات الحديث في هامشه.
وفي هامشي على "البذل"
(1)
عن "الأوجز": حمله الأئمة الثلاثة على تأخير الكفارة أو الخصوصية، وعن أحمد: أن الكفارة تسقط عن المعسر لهذا الحديث، انتهى. وبسط الكلام على معنى الحديث وفقهه في "البذل"
(2)
.
وقال الحافظ
(3)
: قد اعتنى به - أي: بحديث الباب - بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة، انتهى.
ثم المصنف ترجم بلفظ: "هل" إشارة إلى الاختلاف في أن إطعامه أهله هل كان لكفارة أو بطريق تقديم الحاجة على الكفارة الواجبة في الذمة إذ لا يجب على الفور، أو لإسقاط الكفارة رأسًا كما قال بعضهم؟
(32 -
باب الحجامة والقيء للصائم)
قال الحافظ
(4)
: أي: هل يفسدان هما أو أحدهما الصوم أو لا؟
قال ابن المنيِّر: جمع بين القيء والحجامة مع تغايرهما، وعادته تفريق التراجم إذا نظمها خبر واحد فضلًا عن خبرين، وإنما صنع ذلك لاتحاد مأخذهما لأنهما إخراج، والإخراج لا يقتضي الإفطار، وقد أومأ ابن عباس إلى ذلك كما سيأتي، ولم يذكر المصنف حكم ذلك، ولكن إيراده بالآثار المذكورة يشعر بأنه يرى عدم الإفطار بهما، ولذلك عقَّب حديث: "أفطر
(1)
انظر: "بذل المجهود"(8/ 553)، و"أوجز المسالك"(5/ 155).
(2)
"بذل المجهود"(8/ 550 - 560).
(3)
"فتح الباري"(4/ 173).
(4)
المصدر السابق (4/ 174).
الحاجم والمحجوم" بحديث "إنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم"، وقد اختلف السلف في المسألتين، أما القيء فذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر وبين من تعمده فيفطر، إلى آخر ما ذكر من الاختلاف.
وجملة الخلاف فيه أن الحجامة مفطر للحاجم والمحجوم عند أحمد بخلاف الجمهور والأئمة الثلاثة، وأما القيء بغير عمد فلا يفطر عند الأربعة والجمهور حتى حكي عليه الإجماع، لكن فيه خلاف لبعض السلف كالأوزاعي وأبي ثور، وأما الاستقاء فمفطر عند الأربعة مطلقًا، وقال أبو يوسف: بشرط ملأ الفم، وهو رواية عن أحمد، انتهى ملخصًا من "الأوجز"
(1)
.
(33 -
باب الصوم في السفر والإفطار. . .) إلخ
أي: إباحة ذلك وتخيير المكلف فيه سواء كان رمضان أو غيره، انتهى من "الفتح"
(2)
.
وفي "الأوجز"
(3)
: اختلفت روايات الحديث في هذا الباب، ولذا اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال، ثم ذكر فيه سبعة أقوال بالتفصيل.
وقال الحافظ
(4)
: قالت طائفة من أهل الظاهر: لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، وذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه، وقال كثير منهم: الفطر أفضل عملًا بالرخصة، وهو قول أحمد والأوزاعي وإسحاق، وقال آخرون: هو مخيَّر مطلقًا، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما، وهو قول عمر بن عبد العزيز، انتهى مختصرًا.
(1)
"أوجز المسالك"(5/ 253).
(2)
"فتح الباري"(4/ 179).
(3)
"أوجز المسالك"(5/ 100 - 103).
(4)
"فتح الباري"(4/ 183).
(34 -
باب إذا صام أيامًا من رمضان. . .) إلخ
أي: هل يباح له الفطر أو لا؟ وكأنه أشار إلى تضعيف ما روي عن علي، وإلى ردّ ما روي عن غيره في ذلك، قال ابن المنذر: روي عن علي بإسناد ضعيف، وقال به أبو مجلز وغيره: إن من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، قال: وقال أكثر أهل العلم: لا فرق بينه وبين من استهل رمضان في السفر، ثم ساق ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} الآية، نسخها قوله:{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 185]، ثم احتج للجمهور بحديث ابن عباس المذكور في هذا الباب، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قلت: وههنا مسألتان أخريان أشار إليهما الحافظ:
أحدهما: ما قال الحافظ: استدل بالحديث على أنه لو نوى الصيام من الليل وأصبح صائمًا فله أن يفطر في أثناء النهار، وهو قول الجمهور، وفي وجه للشافعية ليس له أن يفطر.
وثانيهما: هو ما أشار إليه بقوله: وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، وأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور، وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المزني محتجًا بهذا الحديث ظنًا منه أنه صلى الله عليه وسلم أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس كذلك، فإن بين المدينة والكديد عدة أيام، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قلت: وتوضيحه ما قال النووي في "شرح مسلم"
(3)
تحت حديث الباب: وفي الحديث الآخر: "فصام حتى بلغ كراع الغميم"، وقد غلط
(1)
"فتح الباري"(4/ 180).
(2)
"فتح الباري"(4/ 181).
(3)
"شرح صحيح مسلم"(4/ 251).
بعض العلماء في فهم هذا الحديث وتوهم أن الكديد وكراع الغميم قريب من المدينة، وأن قوله:"فصام حتى بلغ الكديد وكراع الغميم" كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة صائمًا، فلما بلغ كراع الغميم في يومه أفطر من نهاره، وهذا من العجائب الغريبة؛ لأن الكدير وكراع الغميم على سبع مراحل أو أكثر من المدينة، والله أعلم، انتهى.
(35 -
باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ
(1)
: كذا الأكثر بغير ترجمة، وسقط من رواية النسفي، وعلى الحالين لا بدّ أن يكون لحديث أبي الدرداء المذكور فيه تعلق بالترجمة - أي: السابقة -، ووجهه ما وقع من إفطار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في السفر بمحضر منه، ولم ينكر عليهم فدل على الجواز، وعلى رد قول من قال: من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر، انتهى.
فعلى هذا هو كالفصل للباب السابق، وهو الأصل العشرون من أصول التراجم كما تقدم مبسوطًا في الجزء الأول، ورمز عليه شيخ الهند في الجدول الرابع من جداوله رمز (ىنـ) نقطة واحدة، فكأن رأي الشيخ فيه أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان، فيمكن أن يكون هو بيان أفضلية الصوم في السفر لاختياره صلى الله عليه وسلم الصوم مع شدة الحر، والله أعلم، فعلى هذا هو الأصل الخامس والعشرون، كما تقدم.
(36 -
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه. . .) إلخ
أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر" ما ذكر من المشقة، وأن من روى الحديث مجردًا فقد اختصر القصة، وبما أشار إليه من اعتبار شدة المشقة يجمع بين حديث الباب
(1)
"فتح الباري"(4/ 182).
والذي قبله، فالحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن من لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وقد تقدم الخلاف في هذه المسألة في "باب الصوم في السفر والإفطار".
(37 -
باب لم يعب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أشار بهذا إلى تأكيد ما اعتمده من تأويل الحديث الذي قبله، وأنه محمول على من بلغ حالة يجهد بها، وأن من لم يبلغ ذلك لا يعاب عليه الصيام ولا الفطر، انتهى.
والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة هو الإرشاد إلى أدب، وهو ترك العيب على من لا يأخذ ما هو الأولى، فتأمل.
(38 -
باب من أفطر في السفر ليراه الناس)
قال الحافظ
(3)
: أي: إذا كان ممن يقتدى به، وأشار بذلك إلى أن أفضلية الفطر لا تختص بمن أجهده الصوم، أو خشي العجب والرياء، أو ظن به الرغبة عن الرخصة، بل يلحق بذلك من يقتدى به ليتابعه من وقع له شيء من الأمور الثلاثة ويكون الفطر في حقه في تلك الحالة أفضل لفضيلة البيان، انتهى.
(39 -
باب {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} . . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
بعد ذكر الآثار المذكورة في الباب: واتفقت هذه الأخبار على أن قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} منسوخ، وخالف في
(1)
المصدر السابق (4/ 183).
(2)
المصدر السابق (4/ 186).
(3)
"فتح الباري"(4/ 187).
(4)
المصدر السابق (4/ 188).
ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه، وسيأتي بيان ذلك والبحث فيه في "كتاب التفسير" إن شاء الله تعالى، انتهى.
قوله: (فنسختها {وَأَنْ تَصُومُوا}) الآية [البقرة: 184].
قلت: وفيه أنه ترغيب فكيف يكون نسخًا، ويمكن الجواب عندي بأن النسخ وقع بقوله: فأمروا بالصوم، وعلى هذا فالنسخ بأمره عليه الصلاة والسلام.
(40 -
باب متى يقضى قضاء رمضان. . .) إلخ
قال القسطلاني
(1)
: أي: يؤدى، والقضاء يجيء بمعنى الأداء، قال تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ} [الجمعة: 10] أي: أديت، انتهى.
وقال الحافظ
(2)
: ومراد الاستفهام هل يتعين قضاؤه متتابعًا أو يجوز متفرقًا؟ وهل يتعين على الفور أو يجوز على التراخي؟ قال ابن المنيِّر: جعل المصنف الترجمة استفهامًا لتعارض الأدلة؛ لأن ظاهر قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] يقتضي التفريق لصدق {أَيَّامٍ أُخَرَ} سواء كانت متتابعة أو متفرقة، والقياس يقتضي التتابع إلحاقًا لصفة القضاء بصفة الأداء، وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما منعها من الشغل.
قال الحافظ: ظاهر صنيع البخاري يقتضي جواز التراخي والتفريق لما أودعه في الترجمة من الآثار كعادته وهو قول الجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره عن علي وعائشة وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر، انتهى من "الفتح".
قوله: (وقال سعيد) وصله ابن أبي شيبة، والمراد بصوم العشر العشر
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 582).
(2)
"فتح الباري"(4/ 189).
الأول من ذي الحجة لما سئل عن صومه، والحال أن على الذي سأله قضاء من رمضان "لا يصلح حتى يبدأ برمضان" أي: بقضاء صومه، وهذا لا يدل على المنع بل على الأولوية، انتهى من "القسطلاني"
(1)
.
وقال الحافظ
(2)
: وظاهر قوله جواز التطوع بالصوم لمن عليه دين من رمضان لقوله: "لا يصلح"، فإنه ظاهر في الإرشاد إلى البداءة بالأهم والآكد، وقد روى عبد الرزاق عن أبي هريرة أن رجلًا قال له: إن علي أيامًا من رمضان أفأصوم العشر تطوعًا؟ قال: لا، أبدأ بحق الله ثم تطوع ما شئت، وروي عن علي أنه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجة، وإسناده ضعيف، انتهى.
قوله: (ويذكر عن أبي هريرة. .) إلخ، وهو قول الجمهور، وإليه مال الطحاوي، والأول، أي: ما روي عن النخعي هو مذهب الحنفية، وإليه جنح المصنف كما ترى.
(41 -
باب الحائض تترك الصوم. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر
(3)
: إن الترجمة لم تتضمن حكم القضاء لتطابق حديث الباب، فإنه ليس فيه تعرض لذلك.
قوله: "تقضي الصيام" قال القسطلاني
(4)
: ومقتضى الرأي أن يكونا متساويين في الحكم؛ لأن كلًا منهما عبادة تركت لعذر، لكن الأمور الشرعية الآتية على خلاف القياس لا يطلب فيها وجه الحكمة، بل يوكّل أمرها إليه تعالى؛ لأن أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمة، ولكن غالبها يخفى على الناس ولا تدركها العقول، لكن فرق الفقهاء بعدم تكرر الصوم فلا حرج في قضائه بخلاف الصلاة، وقيل غير ذلك، وقال إمام الحرمين: كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف، انتهى. والبسط في "الفتح"
(5)
.
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 582).
(2)
"فتح الباري"(4/ 189 - 190).
(3)
"فتح الباري"(4/ 192).
(4)
"إرشاد الساري"(4/ 585).
(5)
"فتح الباري"(4/ 192).
(42 -
باب من مات وعليه صوم)
قال العلَّامة العيني
(1)
: أي: هذا باب في بيان حكم الشخص الذي مات، والحال أن عليه صومًا ولم يعين الحكم لاختلاف العلماء فيه، انتهى.
قال الحافظ
(2)
: وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلَّق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقي، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية، وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت، وقال أحمد وإسحاق: لا يصام عنه إلا النذر، إلى آخر ما قال، انتهى.
قلت: وفي "الموطأ" لمالك عن ابن عمر: "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد" قال الزرقاني
(3)
: هو إجماع في الصلاة، ولو تطوعًا عن حي وميت، وفي الصوم عن الحي خلاف، حكاه ابن عبد البر وغيره، وأما الصيام عن الميت فكذلك عند الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد، وذهب طائفة من السلف، وأحمد في رواية، والشافعي إلى أنه يستحب لوارثه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت، ورجحه النووي لحديث الصحيحين عن عائشة مرفوعًا، ثم ذكر حديث الباب، وبسط العلامة العيني
(4)
بيان المذاهب في ذلك، فذكر ستة مذاهب للفقهاء كما بسط في "الأوجز"
(5)
.
(43 -
باب متى يحل فطر الصائم. . .) إلخ
قال الحافظ
(6)
: غرض هذه الترجمة الإشارة إلى أنه هل يجب إمساك جزء من الليل لتحقق مضي النهار أم لا؟ وظاهر صنيعه يقتضي ترجيح الثاني
(1)
"عمدة القاري"(8/ 151 - 152).
(2)
"فتح الباري"(4/ 193).
(3)
"شرح الزرقاني"(2/ 185 - 186).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 153 - 154).
(5)
"أوجز المسالك"(5/ 231 - 239).
(6)
"فتح الباري"(4/ 196).
لذكره لأثر أبي سعيد في الترجمة، لكن محله إذا ما حصل تحقق غروب الشمس، انتهى.
(44 -
باب يفطر بما تيسر بالماء وغيره)
قال الحافظ
(1)
: أي: سواء كان وحده أو مخلوطًا، ولعله أشار إلى أن الأمر في قوله:"من وجد تمرًا فليفطر عليه، ومن لا فليفطر على الماء" ليس على الوجوب، وهو حديث أخرجه الحاكم عن أنس مرفوعًا، والترمذي وابن حبان من حديث سلمان بن عامر، وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلّا فعلى الماء، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
: وروى الترمذي: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء"، انتهى.
(45 -
باب تعجيل الإفطار)
قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة، انتهى من "الفتح"
(3)
.
قلت: وتأخير الفطر من صنيع اليهود والنصارى كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود
(4)
، والظاهر عندي أن الغرض من الترجمة الرد على ما روي عن بعض الصحابة كأبي موسى الأشعري من تأخير الإفطار كما في "سنن أبي داود".
(46 -
باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس)
قال الحافظ
(5)
: أي: هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أو لا؟ وهي
(1)
"فتح الباري"(4/ 198).
(2)
"إرشاد الساري"(4/ 592).
(3)
"فتح الباري"(4/ 199).
(4)
انظر: "سنن أبي داود"(ح: 2353).
(5)
"فتح الباري"(4/ 200).
مسألة خلافية، واختلف قول عمر فيها، واختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء، وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إسحاق وأحمد في رواية، وقال ابن التين: لم يوجب مالك القضاء إذا كان في صوم نذر، انتهى مختصرًا من "الفتح".
قلت: وفيما إذا أفطر بظن أن الشمس قد غربت ثلاث مسائل كما ذكر الباجي، وهي كلها خلافية، الإمساك، والقضاء، والكفارة، بسط الخلاف في "الأوجز"
(1)
.
وفيه أيضًا: وأما وجوب الكفارة فعند الحنفية فيه تفصيل واختلاف بسطه أهل الفروع، ففي "الدر المختار": تسحر أو أفطر بظن اليوم ليلًا، والحال أن الفجر طالع، والشمس لم تغرب، ويكفي الشك في الأول دون الثاني عملًا بالأصل فيهما، ولو لم يتبين الحال لم يقض في ظاهر الرواية، والمسألة تتفرع إلى ستة وثلاثين، محلها المطولات، انتهى.
(47 -
باب صوم الصبيان)
أي: هل يشرع أم لا؟ والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين وغيره، وقال به الشافعي: إنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحدّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحدّه إسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين، وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن حمل على الصوم، والأول قول الجمهور، والمشهور عن المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان، ولقد تلطف المصنف في التعقب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة؛ لأن أقصى ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها، ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شدة تحريه ووفور الصحابة في زمانه، وأغرب
(1)
"أوجز المسالك"(5/ 241 - 242).
ابن الماجشون من المالكية فقال: إذا أطاق الصبيان الصيام ألزموه، فإن أفطروا لغير عذر فعليهم القضاء، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(48 -
باب الوصال. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من أمسك اتفاقًا، ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه، ولم يجزم المصنف بحكمه لشهرة الاختلاف فيه، انتهى.
وفي "الأوجز"
(3)
: قال الزرقاني: والنهي للكراهة عند مالك والجمهور لمن قوي عليه وغيره ولو إلى السحر لعموم النهي، وقيل: للتحريم، وهو الأصح عند الشافعية، انتهى.
وفي "حاشية شرح الإقناع"
(4)
: فالنهي للتحريم عند الشافعية، والتنزيه عند مالك والحنابلة، انتهى.
والوصال إلى السحر مباح عند أحمد واسحاق كما قال الموفق
(5)
، والوصال مكروه تنزيهًا عند الحنفية كما في "الدر المختار
(6)
، والبسط في "الأوجز".
(49 -
باب التنكيل لمن أكثر الوصال)
قال الحافظ
(7)
: التقييد بأكثر قد يفهم منه أن من قلل منه لا نكال عليه؛ لأن التقليل منه مظنة لعدم المشقة، لكن لا يلزم من عدم التنكيل ثبوت الجواز، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 200 - 201).
(2)
المصدر السابق (4/ 202).
(3)
"أوجز المسالك"(5/ 210).
(4)
"حاشية شرح الإقناع"(2/ 388).
(5)
"المغني"(4/ 437).
(6)
"رد المحتار"(3/ 337).
(7)
"فتح الباري"(4/ 206).
(50 -
باب الوصال إلى السحر)
أي: جوازه، وقد تقدم أنه قول أحمد وطائفة من أصحاب الحديث، وتقدم توجيهه، وأن من الشافعية من قال: إنه ليس بوصال حقيقة، انتهى [من "الفتح"]
(1)
.
قلت: فالظاهر أن ميل المصنف إلى مسلك الحنابلة.
(51 -
باب من أقسم على أخيه ليفطر. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: هذه الترجمة أول أبواب التطوع، بدأ المصنف منها بحكم صوم التطوع هل يلزم تمامه بالدخول فيه أم لا؟ ثم أورد بقية أبوابه على ما اختاره من الترتيب، انتهى.
وقال العلامة العيني
(3)
في الباب الآتي - أي: باب صوم شعبان -: وهذا الباب أول شروعه في التطوعات من الصيام، انتهى.
وقال القسطلاني
(4)
: قوله: "باب من أقسم على أخيه. . ." إلخ أي: والحال أنه كان في صوم التطوع ولم ير عليه، أي: على هذا المفطر قضاء عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه، وقوله:"إذا كان أوفق له" أي: إذا كان المقسم عليه معذورًا بفطره، ومفهومه عدم الجواز ووجوب القضاء على من تعمد بغير سبب، انتهى من القسطلاني ملخصًا.
وقال الحافظ
(5)
: ذكر فيه حديث ابن أبي جحيفة في قصة أبي الدرداء وسلمان، فأما ذكر القسم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سأُبيِّنه، وأما القضاء فلم أقف عليه في شيء من طرقه إلا أن الأصل عدمه، وقد أقره الشارع، ولو كان القضاء واجبًا لبيَّنه له مع حاجته إلى البيان، وكأنه يشير
(1)
"فتح الباري"(4/ 208).
(2)
المصدر السابق (4/ 213).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 184).
(4)
"إرشاد الساري"(4/ 604).
(5)
"فتح الباري"(4/ 209 - 210).
إلى حديث أبي سعيد قال: "صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا، فلما وضع قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر وصم مكانه إن شئت" أخرجه البيهقي، وهو دال على عدم الإيجاب، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية شهيرة لا قضاء عليه عند الشافعي وأحمد مطلقًا بخلاف الحنفية إذ أوجبوا القضاء مطلقًا، وعن المالكية: لا قضاء في الفطر عذرًا بخلاف الفطر عمدًا ففيه عندهم القضاء.
(52 -
باب صوم شعبان)
قال الحافظ
(1)
: أي: استحبابه، وكأنه لم يصرح بذلك لما في عمومه من التخصيص وفي مطلقه من التقييد كما سيأتي بيانه، ثم ذكر الحافظ بعد ذكر الحديث اختلاف الروايات وأقوال العلماء في أن المراد من شعبان كله أو أكثره
(2)
.
(53 -
باب ما يذكر من صوم النبي صلى الله عليه وسلم وإفطاره)
قال الحافظ
(3)
: المراد التطوع، قال ابن المنيِّر: لم يضف المصنف الترجمة التي قبل هذه للنبي صلى الله عليه وسلم، وأطلقها ليفهم الترغيب للأمة في الاقتداء به في إكثار الصوم في شعبان، وقصد بهذه الترجمة شرح حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، انتهى.
(54 -
باب حق الضيف في الصوم)
قال ابن المنيِّر: لو قال: حق الضيف في الفطر لكان أوضح، لكنه كان لا يفهم منه تعيين الصوم فيحتاج أن يقول من الصوم، وكأن ما ترجم به أخصر وأوجز، انتهى من "الفتح"
(4)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 213).
(2)
انظر: "فتح الباري"(4/ 214).
(3)
المصدر السابق (4/ 216).
(4)
المصدر السابق (4/ 217).
(55 -
باب حق الجسم في الصوم)
أي: على المتطوع، والمراد بالحق ههنا المطلوب أعم من أن يكون مندوبًا أو واجبًا، فأما الواجب فيختص بما إذا خاف التلف وليس مرادًا هنا، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(56 -
باب صوم الدهر)
أي: هل يشرع أو لا؟ قال ابن المنيِّر: لم ينص على الحكم لتعارض الأدلة واحتمال أن يكون عبد الله بن عمرو خص بالمنع لما اطلع النبي صلى الله عليه وسلم عليه من مستقبل حاله، فيلتحق به من في معناه ممن يتضرر بسرد الصوم، ويبقى غيره على حكم الجواز لعموم الترغيب في مطلق الصوم كما سيأتي في "الجهاد" من حديث أبي سعيد مرفوعًا:"من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار"، انتهى من "الفتح"
(2)
.
ويشكل إدخال هذه الترجمة بين أبواب الحقوق، فقد تقدم "باب حق الضيف" و"باب حق الجسم"، وسيأتي بعد ذلك "باب حق الأهل"، فتأمل، وقد أجاب عنه بعض المترددين إلي وأجاد بأن الإمام البخاري أشار بذكر هذه الترجمة الأجنبية بين هذه الأبواب إلى أن النهي عن صوم الدهر لأجل حق الجسد.
واختلف العلماء في صوم الدهر، قال القسطلاني
(3)
: ومذهب الشافعية استحبابه لإطلاق الأدلة، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال:"من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد بيده"، وأخرجه أحمد والنسائي، فإن خاف ضررًا أو فوت حق كره صومه، وهل المراد الواجب أو المندوب؟ قال السبكي: ويتجه أن يقال: إنه إن علم أنه يفوت حقًا واجبًا حرم، وإن علم أنه يفوّت حقًا مندوبًا أولى من الصيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 218).
(2)
المصدر السابق (4/ 220).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 615).
وفي "المغني"
(1)
: قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فسَّر مسدد قول أبي موسى: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم" فلا يدخلها، فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك، وما فيه من الأحاديث؟ قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس، وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعي، والذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه وإن لم يصم هذه الأيام لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه، انتهى مختصرًا.
وفي "البذل"
(2)
: قال ابن الهمام: يكره صوم الدهر؛ لأنه يضعفه أو يصير طبعًا له، ومبنى العبادة على مخالفة العادة، انتهى.
قال الحافظ
(3)
: والى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحاق وابن العربي من المالكية وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد، وشذ ابن حزم فقال: يحرم، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح:"أنه بلغ عمر رضي الله عنه أن رجلًا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري" إلى أن قال: وذهب آخرون إلى جوازه وحملوا النهي عن من صامه حقيقة، فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين، وهذا اختيار ابن المنذر وطائفة، وذهب آخرون إلى استحبابه لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقًا، وإلى ذلك ذهب الجمهور، إلى آخر ما بسط في "الفتح".
(57 -
باب حق الأهل في الصوم)
قال الحافظ
(4)
: قوله: "رواه أبو جحيفة"، يعني حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء التي تقدمت قبل خمسة أبواب، وفيها قول سلمان لأبي الدرداء:"وإن لأهلك عليك حقًا"، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، انتهى.
(1)
"المغني"(4/ 430).
(2)
"بذل المجهود"(8/ 624).
(3)
"فتح الباري"(4/ 222).
(4)
المصدر السابق (4/ 221).
(58 -
باب صوم يوم وإفطار يوم)
قال العيني
(1)
: أي: في بيان فضله، انتهى.
وإليه ميل الحافظ كما سيأتي في الباب الآتي.
(59 -
باب صوم داود عليه السلام
-)
قال ابن المنيِّر: أفرد ترجمة صوم يوم وإفطار يوم بالذكر للتنبيه على أفضليته، وأفرد صيام داود عليه السلام بالذكر للإشارة إلى الاقتداء به في ذلك، انتهى من "الفتح"
(2)
.
وقال الحافظ في "باب حق الأهل في الصوم": واختلف المجيزون في صوم الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم وإفطار يوم؟ فصرَّح جماعة من العلماء بأن صوم الدهر أفضل، لأنه أكثر عملًا، فيكون أكثر أجرًا، وبذلك جزم الغزالي أولًا، وقيَّده بشرط أن لا يرغب عن السُّنَّة بأن يجعل الصوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصوم من أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادة في الفضل.
قال الحافظ: وتعقبه ابن دقيق العيد ثم بسطه، وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه، نعم إن فرض أن شخصًا لا يفوته شيء من الأعمال الصالحة بالصيام أصلًا ولا يفوت حقًا من الحقوق لم يبعد أن يكون في حقه أرجح، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة، وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، وإلى ذلك أشار الغزالي أخيرًا، والله أعلم، انتهى من "الفتح"
(3)
ملخصًا.
(1)
"عمدة القاري"(8/ 198).
(2)
"فتح الباري"(4/ 224).
(3)
المصدر السابق (4/ 223 - 224).
(60 -
باب صيام البيض. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: قال الإسماعيلي وابن بطال وغيرهما: ليس في الحديث الذي أورده البخاري ما يطابق الترجمة؛ لأن الحديث مطلق في ثلاثة أيام من كل شهر والبيض مقيدة بما ذكر، وأجيب بأن البخاري جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لأعرابي:"إن كنت صائمًا فصم الغر" أي: البيض، وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا بيَّنه الدارقطني، وفي بعض طرقه عند النسائي:"إن كنت صائمًا فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة"، فكأن البخاري أشار بالترجمة إلى أن وصية أبي هريرة بذلك لا تختص به، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: ثم إن إيراد المؤلف ما أورد فيه من الرواية دالٌّ على أنه حمل المطلق على المقيد، فكانت الترجمة تفسيرًا لمراد الرواية، انتهى.
ثم قال الحافظ
(3)
: قال شيخنا في "شرح الترمذي": حاصل الخلاف في تعيين البيض تسعة أقوال:
أحدها: لا تتعين بل يكره تعيينها، ويستحب صوم ثلاثة أيام من الشهر غير معينة، وهو المعروف من مذهب مالك.
الثاني: أول ثلاثة من الشهر، قاله الحسن البصري.
الثالث: أولها الثاني عشر، حكي ذلك عن قوم.
الرابع: أولها الثالث عشر، وهو قول الجمهور - وهو الذي اختاره البخاري في الترجمة -.
الخامس: أولها أول سبت من أول الشهر، ثم من أول الثلاثاء
(1)
المصدر السابق (4/ 226).
(2)
"لامع الدراري"(5/ 388).
(3)
"فتح الباري"(4/ 227).
من الشهر الذي يليه وهكذا، وهو اختيار عائشة رضي الله عنها في آخرين.
السادس: أول خميس ثم اثنين ثم خميس.
السابع: أول اثنين ثم خميس ثم اثنين.
الثامن: أول يوم والعاشر والعشرون، روي ذلك عن أبي الدرداء.
التاسع: أول كل عشر عن ابن شعبان المالكي.
قال الحافظ: بقي قول آخر، وهو آخر ثلاثة من الشهر، وهو قول إبراهيم النخعي، فتمت عشرة.
انتهى كلام الحافظ مع زيادة من العيني
(1)
.
قال العيني
(2)
: روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن صيام أيام الغر فقال: ما هذا ببلدنا، وكره تعمد صومها، وقال: الأيام كلها لله تعالى، واستحب ابن حبيب صومها وقال: أراها صيام الدهر، انتهى.
قلت: والجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة الأخرى على استحبابها كما قال العلامة العيني، وقال الحافظ
(3)
بحثًا على صوم ثلاثة أيام: قال الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب، وفي كلام غير واحد من العلماء أيضًا أن استحباب صيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
وقال القسطلاني
(4)
: قال السبكي: والحاصل أنه يسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن تكون أيام البيض، فإن صامها أتى بالسنتين، انتهى.
(61 -
باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم)
هذه الترجمة تقابل الترجمة الماضية وهي "من أقسم على أخيه ليفطر" وموقعها أن لا يظن أن فطر المرء من صيام التطوع لتطييب خاطر أخيه حتم
(1)
"عمدة القاري"(8/ 205 - 206).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 205).
(3)
"فتح الباري"(4/ 227).
(4)
"إرشاد الساري"(4/ 625).
عليه، بل المرجع في ذلك إلى من علم من حاله من كل منهما أنه يشق عليه الصيام، فمتى عرف أن ذلك لا يشق عليه كان الأولى أن يستمر على صومه، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(62 -
باب الصوم من آخر الشهر)
قال ابن المنيِّر: أطلق الشهر، وإن كان الذي يتحرر من الحديث أن المراد به شهر مقيد وهو شعبان إشارة منه إلى أن ذلك لا يختص بشعبان، بل يؤخذ من الحديث الندب إلى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة للمكلف، فلا يعارض النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لقوله فيه:"إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه"، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قوله: (أظنه قال: يعني رمضان. . .) إلخ، تكلم عليه الحافظ وغيره من الشرَّاح، فارجع إليه.
(63 -
باب صوم الجمعة. . .) إلخ
قوله في الترجمة: (يعني إذا لم يصم قبله ولا يريد. . .) إلخ، ليس هذا في نسخة الحافظ فقال
(3)
: كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية أبي ذر وأبي الوقت زيادة هنا وهي "يعني إذا لم يصم قبله. . ." إلخ، وهذه الزيادة تشبه أن تكون من الفربري أو من دونه، ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ:"يعني" ولو كان ذلك من كلامه لقال: أعني بل كان يستغني عنها أصلًا ورأسًا، وهذا التفصيل لا بدّ من حمل إطلاق الترجمة عليه؛ لأنه مستفاد من حديث جويرية آخر أحاديث الباب، انتهى.
قلت: وفي صوم يوم الجمعة اختلاف للعلماء، ذكر في هامش النسخة الهندية
(4)
خمسة أقوال فيه، وفي "الأوجز"
(5)
ثمانية مذاهب، وأما حاصل
(1)
"فتح الباري"(4/ 228).
(2)
المصدر السابق (4/ 230).
(3)
المصدر السابق (4/ 232).
(4)
(4/ 391).
(5)
"أوجز المسالك"(5/ 360 - 362).
مذاهب الأئمة الأربعة، فالكراهة عند أحمد، وهو المرجح عند الشافعية، وعن مالك الندب، وعليه أكثر فروع الحنفية، وفي "نور الإيضاح"
(1)
من كتب فروع الحنفية: الكراهة، واختلف العلماء أيضًا في وجه النهي على ثمانية أقوال، بسطت في "الأوجز"
(2)
وهامش "اللامع"
(3)
.
(64 -
باب هل يخص شيئًا من الأيام
؟)
قال ابن المنيِّر وغيره: لم يجزم بالحكم؛ لأن ظاهر الحديث إدامته صلى الله عليه وسلم العبادة ومواظبته على وظائفها، ويعارضه ما صح عن عائشة نفسها مما يقتضي نفي المداومة، وهو ما أخرجه مسلم عنها:"أنها سئلت عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر"، وتقدم نحوه قريبًا في البخاري من حديث ابن عباس وغيره، فأبقى الترجمة على الاستفهام لترجح أحد الخبرين أو يتبين الجمع بينهما، ويمكن الجمع بينهما بأن قولها:"كان عمله ديمةً"، معناه أن اختلاف حاله في الإكثار من الصوم ثم من الفطر كان مستدامًا مستمرًا، وبأنه صلى الله عليه وسلم كان يوظف على نفسه العبادة، فربما شغله عن بعضها شاغل فيقضيها على التوالي، فيشتبه الحال على من يرى ذلك، فقول عائشة:"كان عمله ديمة" منزل على التوظيف، وقولها:"كان لا تشاء أن تراه صائمًا إلا رأيته" منزل على الحال الثاني، وقيل: معناه أنه كان لا يقصد نفلًا ابتداءً في يوم بعينه فيصومه، بل إذا صام يومًا بعينه كالخميس مثلًا داوم على صومه، انتهى من "الفتح"
(4)
.
(65 -
باب صوم يوم عرفة)
أي: ما حكمه؟ وكأنه لم تثبت الأحاديث الواردة في الترغيب في صومه على شرطه، وأصحها حديث أبي قتادة: "أنه يكفِّر سنة آتية وسنة
(1)
"نور الإيضاح"(ص 138).
(2)
"أوجز المسالك"(5/ 365 - 367).
(3)
"لامع الدراري"(5/ 390).
(4)
"فتح الباري"(4/ 235 - 236).
ماضية" أخرجه مسلم وغيره، والجمع بينه وبين حديثي الباب أن يحمل على غير الحاج أو على من لم يضعفه صيامه عن الذكر والدعاء المطلوب للحاج، قاله الحافظ في "الفتح"
(1)
.
وتقدم نظير هذه الترجمة سواء في "كتاب الحج"، ولكل من الترجمتين وجهة، فذكرها في "كتاب الحج" لمناسبة الحاج، وههنا لمناسبته بـ "كتاب الصوم"، وتقدم اختلاف الأئمة الأربعة في صوم عرفة للحاج، وأما لغير الحاج فاتفقت الأئمة الأربعة على ندبه، بل قال الإمام الشافعي بتأكده، كما في "الأوجز"
(2)
.
(66 -
باب صوم يوم الفطر)
أي: ما حكمه؟ قال ابن المنيِّر: لعله أشار إلى الخلاف فيمن نذر صوم يوم فوافق يوم العيد هل ينعقد نذره أم لا؟ انتهى.
ثم قال الحافظ تحت حديث الباب: وفيه تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع، وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر على أنه لا ينعقد النذر، وعن الحنفية: ينعقد ويلزمه القضاء، انتهى من "الفتح"
(3)
.
قلت: بسط الكلام على المسألة في "الأوجز"
(4)
من كتب فروع الأئمة، والجملة أنه ينعقد النذر ويجب القضاء عندنا الحنفية، وهو الأصح من مذهب أحمد كما في "نيل المآرب"، وهو أحد قولي الشافعي، والمرجح عنده لا ينعقد، وأما عند مالك، فإن نذر يومًا فوافق يوم العيد ينعقد ويجب القضاء، وإن نذر صوم يومي العيد بعينه لا ينعقد ولا يجب القضاء كما قال الأبي.
(1)
المصدر السابق (4/ 237).
(2)
"أوجز المسالك"(7/ 464).
(3)
"فتح الباري"(4/ 239).
(4)
"أوجز المسالك"(5/ 198 - 199).
(67 -
باب صوم يوم النحر)
قال الحافظ
(1)
: والقول فيه كالقول في الذي قبله، انتهى.
(68 -
باب صيام أيام التشريق)
أي: الأيام التي بعد يوم النحر، قال العلَّامة العيني
(2)
: وأيام التشريق يقال لها: الأيام المعدودات وأيام منى، انتهى.
وفي "التفسير"
(3)
لابن كثير: الأيام المعدودات، قال ابن عباس: هي أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر، انتهى.
وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، قاله الحافظ
(4)
، وقال الشيخ في "البذل"
(5)
: وهي عند الحنفية ثلاثة أيام: حادي عشر وثاني عشر وثالث عشر، انتهى.
قلت: وهي كذلك عند الجمهور منهم الأئمة الأربعة كما في "الأوجز"
(6)
عن كتب فروعهم من كلام الباجي والقسطلاني وشارح "المنهاج" وغيرهم.
وقال القسطلاني
(7)
: روي عن ابن عباس وعطاء أنها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة بعده، انتهى. وما حكى الحافظ من أنها يومان بعد يوم النحر روى ذلك عن علي كما في "التفسير" لابن كثير، وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي: تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة، وهل تلتحق بيوم النحر في
(1)
"فتح الباري"(4/ 241).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 226).
(3)
"تفسير ابن كثير"(1/ 354).
(4)
"فتح الباري"(4/ 242).
(5)
"بذل المجهود"(8/ 609).
(6)
"أوجز المسالك"(7/ 486 - 487).
(7)
"إرشاد الساري"(4/ 642).
ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج، أو يجوز صيامها مطلقًا، أو للمتمتع خاصة أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، انتهى ملخصًا من "الفتح"
(1)
.
وبسط في "الأوجز"
(2)
في صيام أيام التشريق تسعة مذاهب، والمشهور منها قولان، الأول: الجواز للمتمتع والقارن، وهو قول مالك وأحمد، وهو القول القديم للشافعي، والثاني - وهو الجديد للشافعي وبه قالت الحنفية -: المنع مطلقًا.
(69 -
باب صيام يوم عاشوراء)
قال الحافظ
(3)
: أي: ما حكمه؟ وبدأ المصنف بالأخبار الدالة على أنه ليس بواجب، ثم بالأخبار الدالة على الترغيب في صيامه، ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء، لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم ثم انقرض القول بذلك.
ثم قال الحافظ بحثًا على روايات صوم عاشوراء: فعلى هذا صيام عاشوراء على ثلاث مراتب أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر معه، والله أعلم، انتهى من "الفتح" من مواضع عديدة.
وبسط الكلام على حديث عاشوراء في "الأوجز"
(4)
، وذكر فيه عدة أبحاث لطيفة:
(1)
"فتح الباري"(4/ 242).
(2)
"أوجز المسالك"(7/ 477).
(3)
"فتح الباري"(4/ 245 - 246).
(4)
"أوجز المسالك"(5/ 183 - 190).
الأول: في لغته هل هو بالمد أو القصر؟ وأيضًا في مصداقه هل هو اليوم العاشر كما قال به الجمهور، أو اليوم التاسع أو الحادي عشر؟
والثاني: في وجه التسمية.
والثالث: في أعمال ذلك اليوم غير الصوم.
والرابع: هل كان صومه واجبًا في أول الإسلام أم لا؟
والخامس: في حكم صومه الآن.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: "من لم يكن أكل فليصم".
والأوجه عندي: أنها في يوم عاشوراء؛ فإنه يوم نجا الله موسى وأغرق فرعون، أو يقال: إنه يوم مذكر لشهادة الحسين رضي الله تعالى عنه.
* * *
31 -
كتاب صلاة التراويح
كذا في نسخ الشروح الثلاثة: "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني"، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا، بل فيها بعد البسملة "باب فضل من قام. . ." إلخ.
قال الحافظ
(1)
: التراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة كتسليمة من السلام، سميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، انتهى.
وفي "الأوجز"
(2)
: قال المجد في "القاموس": ترويحة شهر رمضان سميت بها لاستراحة بعد كل أربع ركعات، وقال ابن نجيم في "البحر": وهي في الأصل مصدر بمعنى الاستراحة، سميت به الأربع ركعات المخصوصة لاستلزامها استراحة بعدها كما هو السُّنَّة فيها، وبسط فيه من كتب الفروع إجماع أهل السُّنَّة على مشروعيتها خلافًا للروافض، وأيضًا الاختلاف في أنها سُنَّة مؤكدة أو تطوع، وأيضًا في أنها عشرون ركعة على الراجح عند الأئمة الأربعة، فارجع إليه.
(1 -
باب فضل من قام رمضان)
أي: قام لياليه مصليًا، والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام كما قدمناه في التهجد، وذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني: أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، انتهى من "الفتح"
(3)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 250).
(2)
"أوجز المسالك"(2/ 514 - 516).
(3)
"فتح الباري"(4/ 251).
وفي "الأوجز"
(1)
: قوله: "ما جاء في قيام رمضان" قال الباجي: يجب أن يكون صلاة تختص به، ولو كان شائعًا في جميع السنة لما اختص به ولا انتسب إليه، وفي "الإقناع": اتفقوا على أن التراويح هي المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان" الحديث، انتهى.
* * *
(1)
"أوجز المسالك"(2/ 514).
[32 -
كتاب فضل ليلة القدر]
(1 -
باب فضل ليلة القدر، وقول الله تعالى. . . الآية)
وقال الحافظ
(1)
: مناسبة الآية بالترجمة من جهة أن نزول القرآن في زمان بعينه يقتضي فضل ذلك الزمان، واختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة فقيل: المراد به التعظيم كقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91، والزمر: 67]، وقيل: القدر هنا التضييق كقوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7]. ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة، وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحاكم تلك السنة لقوله تعالى:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] انتهى، مختصرًا من "الفتح".
وذكر في "الأوجز"
(2)
في مبدأ ليلة القدر سبعة أبحاث لطيفة، منها: اختلافهم في وجه التسمية بليلة القدر، وقد تقدم عن "الفتح"، ومنها: اختصاصها هذه الليلة بهذه الأمة عند الجمهور، ومنها: اختلافهم في سبب هذه العطية الجليلة، ومنها: اختلافهم في تعيين هذه الليلة على أقوال كثيرة تبلغ إلى قريب من خمسين قولًا، ومختار أئمة الفقه والسلوك في تعيينها، ومنها: اختلافهم هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن أحياها و [إن] لم يظهر له شيء؟ وغير ذلك، فارجع إليه.
(1)
"فتح الباري"(4/ 255).
(2)
"أوجز المسالك"(5/ 367 - 379).
(2 -
باب التمسوا ليلة القدر في السبع الأواخر)
وقال الحافظ
(1)
: هذه الترجمة والتي بعدها معقودتان لبيان ليلة القدر، وقد اختلف الناس فيها على مذاهب كثيرة، وتحصل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولًا كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشركتا في إخفاء كل منهما ليقع الجد في طلبهما.
ثم ذكر الحافظ ستة وأربعين قولًا مع ذكر مستند لكل قول منها.
ثم قال: وهذا آخر ما وقفت عليه من الأقوال، وبعضها يمكن ردها إلى بعض وإن كان ظاهرها التغاير، انتهى.
واختلف العلماء في مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: "السبع الأواخر" على خمسة أقوال بسطت في "الأوجز"
(2)
.
الأول: مبدؤه من ليلة أربع وعشرين على كون الشهر ثلاثين، وهو الأصل، وقيل: من ليلة ثلاث وعشرين على كون المحقق في الشهر تسعًا وعشرين، وقيل: المراد السبع الرابع فمبدؤه من ليلة الثانية وعشرين، وقيل: أراد السبع بعد العشرين فمبدؤه من الليلة الحادية والعشرين، وقيل: إن السبع إنما يذكر في ليالي الشهر ثلاث مرات في أول العدد، ثم في سبع عشرة، ثم في سبع وعشرين، فالمراد هذا الثالث، وجمع الأواخر باعتبار الجنس، انتهى ملخصًا.
ثم لا مناسبة على الظاهر لثاني حديث الباب بالترجمة، ولم يتعرض له الشرَّاح إلا ما قال القسطلاني
(3)
: قوله: "فالتمسوها في العشر الأواخر" أي: في أوتار تلك الليالي لا ليلة أشفاعها، وهذا لا ينافي قوله:"التمسوها في السبع الأواخر"؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحدث بميقاتها جازمًا به، انتهى، فتأمل.
(1)
"فتح الباري"(4/ 256 - 266).
(2)
"أوجز المسالك"(5/ 398 - 400).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 669).
(3 -
باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر)
قال الحافظ
(1)
: في هذه الترجمة إشارة إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير، ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها، وقال في موضع آخر
(2)
: وهو أرجح الأقوال، وصار إليه أبو ثور والمزني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذاهب، انتهى.
قلت: وهو أرجح الأقوال عند الشافعي وأحمد، ففي "الأوجز"
(3)
، قال ابن قدامة: قال أحمد: هي في العشر الأواخر في وتر من الليالي لا تخطئ إن شاء الله، وفي "شرح الإحياء": قال المحاملي في "التجريد": مذهب الشافعي أنها تلتمس في جميع شهر رمضان وآكده العشر الأواخر، وآكده ليالي الوتر من العشر الأواخر، والمشهور من مذهب الشافعي اختصاصها بالعشر الأواخر، انتهى من "الأوجز"
(4)
.
قوله: (في تاسعة تبقى. . .) إلخ، اختلفوا في معناه أيضًا على خمسة أقوال، بسطت في "الأوجز"
(5)
:
أحدها: أن المراد بالتاسعة ليلة تسع وعشرين، وبالسابعة سبع وعشرين، فيكون المعنى: التمسوها في تاسعة تمضي من بعد العشرين، قال القاري: هذا هو الظاهر، ورجحه الحافظ أيضًا.
والثاني: أن "تاسعة تبقى" هي الليلة الثانية والعشرون، فإنها تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون سابعة منها، وعلى هذا يكون معنى الحديث تاسعة من الليالي الباقية، والعداد يكون من الآخر على كون الشهر من الثلاثين، وتكون الليالي كلها أشفاعًا.
(1)
"فتح الباري"(4/ 260).
(2)
"فتح الباري"(4/ 265).
(3)
"أوجز المسالك"(5/ 372).
(4)
"أوجز المسالك"(5/ 373).
(5)
"أوجز المسالك"(5/ 398 - 400)
والثالث: هو القول الثاني إلا أن العداد من تسع وعشرين لكونه متيقنًا، فعلى هذا تكون "تاسعة تبقى" هي ليلة إحدى وعشرين، وعلى هذا المعنى تكون الليالي كلها أوتارًا.
والرابع: ما اختاره ابن عبد البر أن المراد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وكذلك البواقي كالقول الثالث، إلا أن المعنى عنده تاسعة تبقى بعد الليلة التي تلتمس فيها، فعلى هذا يكون العداد من ثلاثين، وتكون الليالي كلها أوتارًا، وباعتبار المصداق هذا والذي قبله سواء، والاختلاف بينهما باعتبار معنى الحديث.
والخامس: ما يظهر من كلام العيني أن المراد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين على نقصان الشهر، والثانية والعشرين على تمامه، يعني عمومه يتناول الصورتين معًا، قال: وهذا دال على الانتقال من وتر إلى شفع، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
(4 -
باب رفع معرفة ليلة القدر. . .) إلخ
وقيَّد الرفع بمعرفة إشارة إلى أنها لم ترفع أصلًا ورأسًا، قال ابن المنيِّر: يستفاد هذا التقييد من قوله: "التمسوها" بعد إخبارهم بأنها رفعت، انتهى من "الفتح"
(2)
مختصرًا.
قلت: وذكر الحافظ أقوالًا أخر في معنى الرفع سوى ما أشار إليه البخاري، والغرض من الباب الرد على من قال: إنها رفعت أصلًا ورأسًا كما حكي عن الروافض، وحكاه الفاكهاني في "شرح العمدة" عن الحنفية، قال الحافظ: وكأنه خطأ منه، والذي حكاه السروجي أنه قول الشيعة، وفي "مصنف عبد الرزاق": ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنه أنكرها فأراد زر بن حبيش أن يحصبه فمنعه قومه، انتهى من "الفتح"
(3)
.
(1)
"لامع الدراري"(5/ 404).
(2)
"فتح الباري"(4/ 267 - 268).
(3)
"فتح الباري"(4/ 263).
(5 -
باب العمل في العشر الأواخر من رمضان)
قال الحافظ
(1)
: قوله: "شد مئزره" أي: اعتزل النساء، وقال الخطابي: يحتمل أن يريد به الجد في العبادة كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت له، ويحتمل أن يراد به التشمير والاعتزال معًا، قال القرطبي: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف، وفيه نظر، لقوله فيه:"وأيقظ أهله" فإنه يشعر بأنه كان معهم في البيت، فلو كان معتكفًا لكان في المسجد ولم يكن معه أحد، وفيه نظر، فقد تقدم حديث "اعتكفت مع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه"، وعلى تقدير أنه لم يعتكف أحد منهن، فيحتمل أن يوقظهن من موضعه، وأن يوقظهن عند ما يدخل البيت لحاجته، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
ثم براعة الاختتام أشار إليها الحافظ
(2)
: بقوله: وفي الحديث الحرص على مداومة القيام في العشر الأخير إشارة إلى الحث على تجويد الخاتمة، ختم الله لنا بالخير آمين.
قلت: وعندي البراعة في قوله: شد المئزر، فإن الإزار أحد أجزاء الكفن، أو في قوله: أيقظ أهله.
* * *
(1)
"فتح الباري"(4/ 269).
(2)
"فتح الباري"(4/ 270).
33 -
أبواب الاعتكاف
قال القسطلاني
(1)
: ولابن عساكر كتاب الاعتكاف بدل أبواب الاعتكاف.
وقال الحافظ
(2)
: الاعتكاف لغةً: لزوم الشيء وحبس النفس عليه، وشرعًا: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة، وليس بواجب إجماعًا إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدًا عند قوم، واختلف في اشتراط الصوم له كما سيأتي في باب مفرد، وانفرد سويد بن غفلة باشتراط الطهارة له، انتهى.
قلت: وهو عندنا على ثلاثة أنواع، ففي "الدر المختار"
(3)
: الاعتكاف واجب بالنذر، سُنَّة مؤكدة في العشر الأخير من رمضان، مستحب في غيره من الأزمنة، انتهى.
(1 -
باب الاعتكاف في العشر الأواخر. . .) إلخ
الترجمة مشتملة على جزئين كما هو ظاهر، الأول: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، والثاني: كونه في المساجد، والجزء الأول: أعني تخصيص الزمان ثابت بأحاديث الباب، والجزء الثاني: أعني تخصيصه بالمكان ثابت بالآية الشريفة.
قال الحافظ
(4)
: وجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به؛ لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها، انتهى.
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 680).
(2)
"فتح الباري"(4/ 271).
(3)
"الدر المختار"(1/ 155 - 156).
(4)
"فتح الباري"(4/ 271 - 272).
ولا يلزم أن يثبت مجموع الترجمة بكل ما في الباب بل لو دل البعض بحيث يعلم كل الترجمة من كل ما في الباب لكفاه، وهو الأصل الحادي والثلاثون، أي: الاستدلال بالمجموع على المجموع، وله نظائر في الكتاب كما بسط في الجزء الأول في بيان الأصول.
وأما الكلام على الترجمة من حيث الفقه فإنهم متفقون على سُنِّية الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.
قال الحافظ: قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون.
قال الحافظ: وأما قول ابن نافع عن مالك: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى. فكأنه أراد صفة مخصوصة. وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي، وقال: إنه سُنَّة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال: في مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على تأكده، انتهى.
وأما الجزء الثاني من الترجمة فقد قال الحافظ: اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول للشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء؛ لأن التطوع في البيوت أفضل، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك؛ لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا، وخصه حذيفة بن اليمان
بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة، واتفقوا على أنه لا حدّ لأكثره، واختلفوا في أقله، انتهى مختصرًا.
(2 -
باب الحائض ترجل المعتكف)
وقال الحافظ
(1)
: أي تمشطه وتدهنه، ثم قال: وفي الحديث استخدام الرجل امرأته برضاها، وفي إخراجه رأسه دلالة على اشتراط المسجد للاعتكاف، وعلى أن من أخرج بعض بدنه من مكان حلف أن لا يخرج منه لم يحنث حتى يخرج رجليه ويعتمد عليهما، انتهى.
(3 -
باب المعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة)
كأن المصنف أطلق على وفق الحديث، ثم قال بعد ذكر الحديث: زاد مسلم "إلا لحاجة الإنسان" وفسَّرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، وفي رواية عند أبي داود عن عائشة قالت:"السُّنَّة على المعتكف أن لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة" الحديث، وروي عن النخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضًا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة، وقال الشافعي وإسحاق: إن شرط شيئًا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قلت: وبجواز الاشتراط عند ابتداء الاعتكاف قال أحمد، وأنكره الإمام مالك صرح به في "موطئه"، ولم أجده في عامة فروع الحنفية، بل فيها ما يومئ إلى خلافه إلا ما حكى صاحب "الدر المختار" وغيره: لو شرط وقت النذر أن يخرج لعيادة مريض وصلاة جنازة [وحضور مجلس علم] جاز ذلك، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"
(3)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 273).
(2)
"فتح الباري"(4/ 273).
(3)
"أوجز المسالك"(5/ 441).
(4 -
باب غسل المعتكف)
قال القسطلاني
(1)
: أي: جوازه، قال البرماوي كالكرماني: غسل بفتح الغين لا بضمها، انتهى. نعم ثبت الرفع في رواية أبي ذر كما في اليونينية وغيرها، انتهى.
قال العلامة العيني
(2)
: يعني يجوز، ولم يذكر الحكم اكتفاء بما في الحديث، انتهى.
(5 -
باب الاعتكاف ليلًا)
غرض الترجمة يحتمل عندي وجوهًا، منها: أن يقال: إنه رد على من قال: أقل الاعتكاف عشر كما حكاه ابن القاسم عن مالك، ومنها: ما اختلف فيه أهل الأصول أن من نذر اعتكاف ليلة هل يدخل فيه النهار أيضًا أم لا؟ ومنها - وهو الأوجه عندي -: أن الغرض الإشارة إلى أنه هل يجوز الاعتكاف من غير صيام أم لا؟ لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، والمسألة خلافية يجوز عند الشافعية والحنابلة، ولا يجوز عند الحنفية والمالكية، وسيأتي قريبًا بعد أبواب "باب من لم ير على المعتكف صومًا"، وذكر فيه حديث الباب، ولا يشكل عليه بالتكرار لما أشار إليه الحافظ
(3)
بقوله: وترجمة هذا الباب مستلزمة للثانية؛ لأن الاعتكاف إذا ساغ ليلًا بغير نهار استلزم صحته بغير صيام من غير عكس، انتهى.
(6 -
باب اعتكاف النساء)
قال الحافظ
(4)
: أي: ما حكمه؟ وقد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة، واحتج بحديث الباب، وقال ابن عبد البر: لولا أن ابن عيينة زاد في الحديث أنهن استأذنّ النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف
(1)
"إرشاد الساري"(4/ 684).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 273).
(3)
"فتح الباري"(4/ 275).
(4)
"فتح الباري"(4/ 275).
لقطعت بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز، وشرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها، وفي رواية لهم أن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وبه قال أحمد، انتهى.
قوله: (فيصلي الصبح ثم يدخله) قال الحافظ
(1)
: واستدل بهذا على أن مبدأ الاعتكاف من أول النهار، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال الأئمة الأربعة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، انتهى.
قلت: وهذا التوجيه ذكره النووي
(2)
وغيره أيضًا، لكن ردَّه العلامة السندي
(3)
مبسوطًا، وأوله بأن المراد صبيحة عشرين اهتمامًا للاعتكاف، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز"
(4)
وفيه: استدل به من قال: يدخل بعد الصبح وهو أحد قولي أحمد، انتهى.
وكذا بسط الكلام على الحديث شيخنا ومولانا خليل أحمد المهاجر المدني في "بذل المجهود"
(5)
.
(7 -
باب الأخبية في المسجد)
قال الحافظ
(6)
: ذكر فيه الحديث الماضي في الباب قبله مختصرًا، وتقدم مباحثه في الباب الذي قبله، انتهى.
وقال هناك: وفي الحديث جواز ضرب الأخبية في المسجد، وأن الأفضل للنساء أن لا يعتكفن في المسجد، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 275 - 277).
(2)
"شرح صحيح مسلم"(4/ 326).
(3)
"حاشية السندي"(1/ 345).
(4)
"أوجز المسالك"(5/ 434).
(5)
"بذل المجهود"(8/ 692 - 694).
(6)
"فتح الباري"(4/ 277 - 278).
وهل يجوز اعتكاف المرأة في المسجد؟ فقد تقدم في الباب الذي قبله.
(8 -
باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد
؟)
أورد هذه الترجمة على الاستفهام لاحتمال القضية ما ترجم له، لكن تقييده ذلك بباب المسجد مما لا يتأتى فيه الخلاف حتى يتوقف عن بت الحكم فيه، وإنما الخلاف في الاشتغال في المسجد بغير العبادة، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قال العيني
(2)
: ولم يذكر جواب الاستفهام اكتفاءً بما في الحديث، انتهى.
(9 -
باب الاعتكاف وخروج النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة عشرين)
كأنه أراد بالترجمة تأويل ما وقع في حديث مالك من قوله: "فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من اعتكافه صبيحتها" وقد تقدم توجيه ذلك، وأن المراد بقوله:"صبيحتها" الصبيحة التي قبلها، قال ابن بطال: هو مثل قوله تعالى: {لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46]، فأضاف الضحى إلى العشية وهو قبلها، وكل شيء متصل بشيء فهو مضاف إليه سواء كان قبله أو بعده، انتهى
(3)
.
قلت: وحديث مالك الذي أشار إليه الحافظ تقدم في "باب الاعتكاف في العشر الأواخر".
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
هناك: قوله: "وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها. . ." إلخ، لعله أراد بذلك أنه كان يكون خارجًا في تلك الصبيحة لا أنه ينشئ الخروج فيها؛ لأن الخروج إنما هو ليلة إحدى
(1)
"فتح الباري"(4/ 278).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 279).
(3)
"فتح الباري"(4/ 281).
(4)
"لامع الدراري"(5/ 408).
وعشرين لا بعد انقضائها والدخول في يوم أحد وعشرين، وكذلك يجب التأويل في قوله:"حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين" بأنه أراد بها قربها ودنوها لا دخولها، إذ لو كانت الليل قد دخلت قبل الخطبة وكانت الخطبة والأمر بالرجوع في الليلة لزم أن لا يتم اعتكاف العشر الأواخر بابتدائه من ليلة إحدى وعشرين، فيدخل المعتكف معتكفه قبل دخول الليلة لا بعده، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه من كلام الشرَّاح.
ولا يخفى عليك أن ههنا إشكالين:
الأول: تعارض الروايات في وقت خطبته صلى الله عليه وسلم هل كانت في ليلة إحدى وعشرين كما في رواية مالك أو في صبيحة عشرين كما في رواية الباب؟ ويمكن أن يجاب عنه بأن في هذه الرواية إجمالًا، وليس المراد من قوله:"فخطبنا" البعدية المتصلة، بل هي للتراخي كما يوضحه الرواية الأخرى، أخرجها في "باب تحري ليلة القدر" فإن الحديث واحد والقصة واحدة.
والإشكال الثاني: في خروجه صلى الله عليه وسلم صبيحة عشرين؛ لأن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف الليالي مع الأيام، فحينئذ لا بد له من الخروج بعد الغروب، والجواب عنه بوجهين:
أحدهما: أنه محمول على أنه أراد اعتكاف الليالي دون الأيام.
وثانيهما: أنه محمول على نقل أثقالهم، كذا يستفاد من الشروح، وهذا غاية الإيضاح لهذا المقام، فتشكر.
(10 -
باب اعتكاف المستحاضة)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(1)
: إنما احتيج إلى ضبط هذا
(1)
"لامع الدراري"(5/ 420).
الباب لما أن ظاهره عدم الجواز، لما في اعتكافها من احتمال تلويث المسجد، ولذلك نهى عن اللحم يدخل به في المسجد، وقيل:"جنبوا مساجدكم الصبيان والمجانين"، وحاصل الدفع: أنه لا بأس في اعتكافها فيه إذا لم يخف عليها فتنة، وحصل الأمن من التلويث بنوع معالجة، انتهى.
وفي هامشه: تقدم هذا الباب في "كتاب الحيض"، وتقدم هناك شيء من الكلام عليه، انتهى.
(11 -
باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: دفع بذلك ما يظن من عدم جواز زيارتها إياه كعكسه، لما أن المعتكف قد منع عن الجماع ودواعيه، وهذا مما يفضي إليه في الجملة، وحاصل الدفع: أن الحرمة متعلقة بالجماع وما يفضي إليه، وليس من لوازم الزيارة الإفضاء إلى الجماع، نعم إذا غلب على الظن أنها تفضي إليه تحرم، انتهى.
(12 -
باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه
؟)
قال الحافظ
(2)
: أي يدفع، وقوله:(عن نفسه) أي: بالقول والفعل، وقد دلَّ الحديث على الدفع بالقول فيلحق به الفعل، وليس المعتكف بأشد في ذلك من المصلي، انتهى.
قلت: الظاهر أن الغرض إثبات الدفع وإن لم يحتج إلى ذلك؛ لأن حالة الاعتكاف وكون الجماع ممنوعًا وإن كان كافيًا للدفع، لكن الأحسن أن يدفع كما فعل عليه الصلاة والسلام، وفي "القسطلاني"
(3)
: قال الإمام الشافعي: إن قوله عليه الصلاة والسلام ذلك تعليم لنا إذا حدّثنا محارمنا أو نساءنا على الطريق أن نقول: هي محرمي، حتى لا نتهم، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(5/ 420).
(2)
"فتح الباري"(4/ 282).
(3)
"إرشاد الساري"(4/ 695).
(13 -
باب من خرج من اعتكافه عند الصبح)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: ظاهره أنه لم يشترك تمام اليوم إلى ليلة الخروج كما هو عند الجمهور، بل جوّز الخروج في الصبح نظرًا إلى ظاهر ما ورد في الحديث، وقد عرفت المراد به فيما تقدم في مبدأ أبواب الاعتكاف، انتهى.
قلت: ويحتمل أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى أن المعتكف لو خرج من معتكفه المخصوص وأرسل حوائجه وأثقاله إلى البيت قبل تمام الاعتكاف؛ فلا بأس به.
وقال الحافظ
(2)
: هو محمول على أنه أراد اعتكاف الليالي فقط دون الأيام، وسبيل من أراد ذلك أن يدخل قبيل غروب الشمس ويخرج بعد طلوع الفجر، فإن أراد اعتكاف الأيام خاصةً فيدخل مع طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس، فإن أراد اعتكاف الأيام والليالي معًا فيدخل قبل غروب الشمس ويخرج بعد غروب الشمس أيضًا، وقد وقع في حديث الباب "فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا" وهو مشعر بأنهم اعتكفوا الليالي دون الأيام، وحمله المهلب على نقل أثقالهم وما يحتاجون إليه من آلة الأكل والشرب والنوم، إذ لا حاجة لهم بها في ذلك اليوم، فإذا كان المساء خرجوا خفافًا، انتهى.
قلت: وما أفاده الحافظ من أنه أراد اعتكاف الليالي دون الأيام ليس بوجيه عندي؛ لأن هذا المعنى تقدم قريبًا في ترجمة مستقلة، وهي "باب الاعتكاف ليلًا" اللَّهم إلا أن يقال: إن الغرض مما سبق صحة اعتكاف الليل فقط دون النهار، وهو جائز عند الشافعي وأحمد، ولا يجوز عند المالكية والحنفية، والمقصود ههنا بيان وقت الخروج لمن اعتكف ليلًا، انتهى من هامش "اللامع"
(3)
.
(1)
"لامع الدراري"(5/ 421 - 422).
(2)
"فتح الباري"(4/ 283).
(3)
"اللامع"(5/ 422).
(14 -
باب الاعتكاف في شوّال)
قال الحافظ
(1)
: ذكر فيه حديث عمرة عن عائشة، وقد تقدم في "باب اعتكاف النساء"، وقال الحافظ هناك
(2)
: قيل: في اعتكافه في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى استحبابًا، واستدل به المالكية على وجوب قضاء العمل لمن شرع فيه ثم أبطله، ولا دلالة فيه لما سيأتي، إلى آخر ما بسط فيه الحافظ من استنباط المسائل، انتهى.
قلت: وترجم الإمام مالك في "موطئه" بقضاء الاعتكاف، وذكر فيه حديث الباب، وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز"
(3)
وفيه: قال الموفق: إن نوى اعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها فله إتمامها، وله الخروج منها متى شاء، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: تلزمه بالنية مع الدخول فيه، فإن قطعه لزمه قضاؤه، وقال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك الفقهاء، ويلزمه القضاء عند جميع العلماء، قال: وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب، ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بما روي عن عائشة، فذكر حديث الأخبية، ثم تعقَّب الموفق على قول ابن عبد البر وحكاية الإجماع بخلاف الشافعي وغيره، انتهى.
وفي "الهداية"
(4)
بعد نقل اختلاف الروايات في اشتراط الصوم للاعتكاف وعدمه: ولو شرع فيه ثم قطعه لا يلزمه القضاء في رواية الأصل؛ لأنه غير مقدر، فلم يكن القطع إبطالًا، وفي رواية الحسن - أي: رواية اشتراط الصوم - يلزمه؛ لأنه مقدر باليوم كالصوم، انتهى.
وبسط الكلام عليه في "الدر المختار"
(5)
كما في "الأوجز"
(6)
وفيه: ولما كان مقدرًا بالعشر، فينبغي أن يجب القضاء إذا أفسد، ثم على أصل
(1)
"فتح الباري"(4/ 284).
(2)
"فتح الباري"(4/ 276 - 277).
(3)
"أوجز المسالك"(5/ 457 - 458).
(4)
"الهداية"(1/ 129).
(5)
"الدر المختار"(1/ 157).
(6)
"أوجز المسالك"(5/ 459).
أبي يوسف ينبغي قضاء ما بقي من العشر كما لو نذر العشر يلزمه كله متتابعةً، ولو أفسد بعضه قضى باقيه، وعلى أصلهما يقضي قضاء يوم أفسده لاستقلال كل يوم بنفسه، انتهى مختصرًا.
(15 -
باب من لم ير على المعتكف صومًا)
قال الحافظ
(1)
: وباشتراط الصيام قال ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وبه قال مالك والحنفية، واختلف عن أحمد وإسحاق، واحتج عياض بأنه صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا بصوم، وفيه نظر، لاعتكافه صلى الله عليه وسلم في شوال، إلى آخر ما في "الفتح".
قلت: وتحقيق المذاهب ما بسط في "الأوجز" من أن الصوم شرط للاعتكاف مطلقًا عند الإمام مالك، النفل والواجب فيه سواء، حتى أن من لا يصوم بعذر لا يصح اعتكافه، ولا يشترط مطلقًا في المشهور عند أحمد، وعنه رواية الاشتراط، والقول القديم للشافعي أنه شرط للمنذور، ومختار فروعه أنه ليس بشرط، وعندنا الحنفية شرط للمنذور روايةً واحدةً، ولا يشترط في النفل في ظاهر الرواية، ويشترط في رواية الحسن، وأما اعتكاف السُّنَّة فرجح ابن عابدين الاشتراط، وابن نجيم عدمه، والمتون ساكتة عنه، انتهى ملخصًا من "الأوجز"
(2)
.
(16 -
باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم)
أي: هل يلزمه الوفاء بذلك أم لا؟ والمسألة خلافية، فعند الحنابلة نذر الجاهلية صحيح خلافًا للأئمة الثلاثة، فالأمر بالإيفاء محمول على الاستحباب عند الجمهور، وعلى الوجوب عند أحمد، كذا يستفاد من الشروح
(3)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 275).
(2)
"أوجز المسالك"(5/ 448 - 449).
(3)
انظر: "فتح الباري"(4/ 284)، و"عمدة القاري"(15/ 741 - 742).
(17 -
باب الاعتكاف في العشر الأوسط. . .) إلخ
قال الحافظان ابن حجر والعيني
(1)
: كأنه أشار بذلك إلى أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير وإن كان الاعتكاف فيه أفضل، انتهى.
(18 -
باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج)
قال الحافظ
(2)
: أورد فيه حديث عائشة وقد تقدمت مباحثه، وفيه إشارة إلى الجزم بأنه لم يدخل في الاعتكاف ثم خرج منه، بل تركه قبل الدخول فيه، وهو ظاهر السياق خلافًا لمن خالف فيه، انتهى.
كذا قال الحافظ ههنا، وقال في "باب اعتكاف النساء" تحت حديث الباب
(3)
: وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزمه بالنية ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافًا لمن قال باللزوم، وفيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي وغيره، وقال الأئمة الأربعة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف، وإنما همّ به ثم عرض له المانع المذكور فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين: إما أن يكون شرع في الاعتكاف فيدل على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شرع فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح، انتهى.
قلت: وترجمة المصنف هذه صريحة في أنه عليه الصلاة والسلام لم يشرع في الاعتكاف إلى الصبح، فلعل الإمام البخاري اختار في هذه المسألة مذهب الأوزاعي.
(1)
"فتح الباري"(4/ 285)، و"عمدة القاري"(8/ 288).
(2)
"فتح الباري"(4/ 286).
(3)
"فتح الباري"(4/ 277).
(19 -
باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل)
أورد فيه حديث عائشة، وقد تقدم الكلام عليه في أوائل الاعتكاف، قاله الحافظ
(1)
.
قلت: وغرض المصنف من الترجمة أن الخروج لا يتحقق بإخراج بعض البدن حتى يخرج رجليه ويعتمد عليهما، ثم الظاهر عندي أن الإمام البخاري لم يذكر هذا الباب إلا للتنبيه على براعة الاختتام، وهي عند الحافظ في قوله:"ما أنا بمعتكف فرجع"، وعند هذا العبد الضعيف بلفظ "البيت" كما تقدم في المقدمة، فإن البيت يطلق على القبر كما في حديث أبي ذر مرفوعًا:"كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف؟ " وترجم عليه أبو داود
(2)
"باب في قطع النباش"، وإدخال المعتكف رأسه بالبيت أشبه بإدخال الميت في القبر مع أن المعتكف منقطع عن الدنيا مجاور في بيت الله كالميت لا يستطيع الخروج عن القبر.
* * *
(1)
"فتح الباري"(4/ 286).
(2)
"سنن أبي داود"(4409).
34 -
كتاب البيوع
ولما فرغ البخاري عن بيان العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي، شرع في بيان المعاملات المقصود منها التحصيل الدنيوي، فقدّم العبادات لاهتمامها، ثم ثنى بالمعاملات لأنها ضرورية، وأخَّر النكاح لأن شهوته متأخرة عن الأكل والشرب، وأخَّر الجنايات والمخاصمات؛ لأن وقوع ذلك في الغالب إنما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج، وأغرب ابن بطال فذكر هنا الجهاد، وأخَّر البيع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور، قال صاحب "التوضيح"
(1)
: ولا أدري لم فعل ذلك؟.
قلت: لعله نظر إلى أن الجهاد أيضًا من العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي؛ لأن جلّ المقصود ذلك لأن فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار الدين ونشر الإسلام، وبعض أصحابنا قدَّم النكاح على البيوع في مصنفاتهم نظرًا إلى أنه مشتمل على المصالح الدينية والدنياوية، ألا ترى أنه أفضل من التخلي بالنوافل؟ وبعضهم قدم البيوع على النكاح نظرًا إلى أن احتياج الناس إلى البيع أكثر من احتياجهم إلى النكاح، فكان أهم بالتقديم انتهى من "العيني"
(2)
.
قلت: وعامة الأحناف من الفقهاء والمحدثين يقدمون النكاح على البيع وغيره من المعاملات كما فعل الإمام الطحاوي في "شرح معاني الآثار" والإمام محمد في "الموطأ" وكذا صاحب "البدائع" والإمام السرخسي في "المبسوط" وصاحب "الهداية" و"شرح الوقاية" و"الدر المختار" وغيرهم، والظاهر أن هذا اختلافهم في حكم النكاح، فعند
(1)
"التوضيح"(14/ 13).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 291).
الجمهور من المندوبات أي في حال الاعتدال، وعند الشافعي كما في "البدائع"
(1)
أنه مباح كالبيع والشراء وبسط الكلام على حكمه الموفق
(2)
، فقال: الناس في النكاح على ثلاثة أضرب، إلى أن قال: الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وقال الشافعي: التخلي لعبادة الله أفضل؛ لأن الله تعالى مدح يحيى عليه السلام بقوله: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} [آل عمران: 39] فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع، ثم بسط الموفق في دلائل الجمهور.
وفي "الأوجز"
(3)
: البيوع جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، فهو المطلق إن كان بيع العين بالثمن، والمقايضة إن كان عينًا بعين، والسلم إن كان بيع الدين بالعين، والصرف إن كان بيع الثمن بالثمن، والمرابحة إن كان بالثمن مع زيادة، والتولية إن لم يكن مع زيادة، والوضيعة إن كان بالنقصان، واللازم إن كان تامًا، وغير لازم إن كان بالخيار، وأيضًا الصحيح، والباطل، والفاسد، والمكروه، قاله العلَّامة العيني
(4)
.
وقوله: ({وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} الآية [البقرة: 275]) قال الحافظ
(5)
: كذا للأكثر ولم يذكر النسفي ولا أبو ذر الآيتين، والآية الأولى أصل في جواز البيع، وللعلماء فيها أقوال: أصحها أنه عام مخصوص، فإن اللفظ لفظ عموم يتنادل كل بيع فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشارع بيوعًا أخرى وحرمها فهو عام في الإباحة، مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه، ثم ذكر الحافظ أقوالًا أخر، وقال: والآية الأخرى تدل على إباحة التجارة في البيوع الحالة وأولها في البيوع المؤجلة، انتهى.
(1)
"بدائع الصنائع"(2/ 482 - 485).
(2)
"المغني"(9/ 341 - 344).
(3)
"أوجز المسالك"(12/ 282).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 291).
(5)
"فتح الباري"(4/ 287).
(1 -
باب ما جاء في قول الله عز وجل: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} الآية [الجمعة:
10])
قال الحافظ
(1)
: والآية الأولى يؤخذ منها مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل لأنه يشمل التجارة وأنواع التكسب، ثم قال: والذي يظهر أن مراد البخاري بهذه الترجمة قوله: {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، وأما ذكر التجارة فيها فقد أفرده بترجمة تأتي بعد ثمانية أبواب، انتهى.
قلت: ويحتمل عندي أن غرض الترجمة إثبات جواز البيع.
قوله: (فما نسيت من مقالته تلك) ظاهره عدم النسيان من هذه المقالة، وما تقدم في "كتاب العلم" من قوله:"فما نسيت شيئًا بعد" يفيد عدم النسيان مطلقًا لكل شيء من الحديث وغيره، بسط الكلام عليه في "اللامع" وهامشه فارجع إليه لو شئت
(2)
.
(2 -
باب الحلال بيِّن، والحرام بيِّن. . .) إلخ
وقال الحافظ
(3)
: ذكر فيه حديث النعمان بن بشير بلفظ الترجمة وزيادة، ثم قال بعد الكلام على شرح الحديث: وقد توارد أكثر الأئمة المخرجين له على إيراده في "كتاب البيوع" لأن الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله تعلق أيضًا بالنكاح وبالصيد والذبائح والأطعمة والأشربة وغير ذلك مما لا يخفى، انتهى.
ويشكل على حديث الباب ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس وفيه: "فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو" فإن المرتبة الثالثة وهي التي بين الحلال والحرام مما يستبرأ عنه في رواية البخاري ومعفوٌ عنه في رواية أبي داود، ويمكن الجمع بينهما بوجهين:
(1)
"فتح الباري"(4/ 288 - 289).
(2)
انظر: "لامع الدراري"(6/ 3 - 5).
(3)
"فتح الباري"(4/ 391).
الأول أن يقال: إن ما في "البخاري" مرتبة الورع، وما في أبي داود مرتبة الجواز.
والثاني - وهو الأوجه - أن يقال: إن ما بين الحلال والحرام نوعان:
الأول: المشتبه، وهو ما تعارض فيه الأدلة وحكمه الاستبراء، وهو محمل رواية البخاري.
والنوع الثاني: المسكوت عنه، وهو مصداق رواية أبي داود وحكمه الإباحة، فقد قال ابن عابدين: قال أكثر أصحابنا وأكثر أصحاب الشافعي: إن الأشياء التي يجوز أن يرد الشرع بإباحتها وحرمتها قبل وروده على الإباحة وهي الأصل فيها، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
(3 -
باب تفسير المشبهات)
قال الحافظ
(2)
: لما تقدم في حديث النعمان "إن الشبهات لا يعلمها كثير من الناس" واقتضى ذلك أن بعض الناس يعلمها، أراد المصنف أن يعرف الطريق إلى معرفتها لتجتنب، فذكر أولًا ما يضبطها، ثم أورد أحاديث يؤخذ منها مراتب ما يجب اجتنابه منها، ثم ثنَّى بباب فيه بيان ما يستحب منها، ثم ثلَّث بباب فيه بيان ما يكره، ثم ذكر الحافظ شرح المشبّهات، وبسط الكلام عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(3)
فأجاد فارجع إليه لو شئت.
وقال الموفق
(4)
: المشكوك فيه على ثلاثة أضرب:
ما أصله الحظر كالذبيحة في بلد فيها مجوس ومسلم، فلا يجوز شراؤها، والأصل فيه حديث عدي بن حاتم في الكلاب.
والثاني: ما أصله الإباحة كالماء يجده متغيرًا لا يعلم بنجاسته،
(1)
هامش "اللامع"(6/ 6 - 7).
(2)
"فتح الباري"(4/ 292).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 7 - 10).
(4)
"المغني"(6/ 373 - 374).
والأصل فيه حديث عبد الله بن زيد "شكا الرجل يخيل إليه في الصلاة".
والثالث: ما لا يعرف له أصل كرجل في ماله حلال وحرام، فهذا هو الشبهة التي أولى تركها عملًا بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه وجد تمرة ساقطة، إلى آخر ما قال.
ثم في الحديث الأول شهادة المرضعة الواحدة، والمسألة خلافية شهيرة؛ وهي كافية عند الإمام أحمد، ولا تقبل فيها إلا شهادة امرأتين عند مالك، وعند الشافعي لا تقبل إلا شهادة أربع نسوة، وأما عند الإمام أبي حنيفة فلا تقبل شهادتهن منفردات على الرضاع بل لا بد لها من رجل وامرأتين، وعلى هذا فحديث الإرضاع مبني على الورع عند الأئمة الثلاثة بخلاف الإمام أحمد، فإن حرمة الرضاع ثبتت عنده بهذا الحديث.
(4 -
باب يُتَنَزَّهُ من الشبهات)
قال الحافظ
(1)
: بضم أوله، أي: يجتنب، وللكشميهني "يكره" بدل "يتنزه"، انتهى. وقد تقدم في الباب السابق مقصود الترجمة.
(5 -
باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات)
قال الحافظ
(2)
: هذه الترجمة معقودة لبيان ما يكره من التنطع في الورع، قال الغزالي: الورع أقسام: ورع الصديقين وهو ترك ما لا يتناول بغير نيَّة القوة على العبادة، وورع المتقين وهو ترك ما لا شبهة فيه ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام، وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين، قال: ووراء ذلك ورع الشهود وهو ترك ما يسقط الشهادة، أي: أعم من أن يكون ذلك المتروك حرامًا أم لا؟، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 293).
(2)
"فتح الباري"(4/ 295).
وغرض المصنف هنا بيان ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم أفلت منه، انتهى.
(6 -
باب قول الله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} [الجمعة:
11])
أشار بذلك الترجمة إلى أن التجارة وإن كانت ممدوحةً باعتبار كونها من المكاسب الحلال، فإنها قد تذم إذا قدمت على ما يجب تقديمه عليها، انتهى من "الفتح"
(1)
. وهكذا قال العيني
(2)
، وهو الأوجه، ويحتمل عندي: أن يقال: إن المصنف بعد بيان أنواع الشبهة المتقدمة أراد بيان الشبهة العارضة يعني قد يكون الشيء حلالًا في نفسه لكنه يشتبه لعارض.
(7 -
باب من لم يبال من حيث كسب المال)
في هذه الترجمة إشارة إلى ذم ترك التحري في المكاسب، قاله الحافظ
(3)
.
(8 -
باب التجارة في البزّ وغيره. . .) إلخ
لم يقع في رواية الأكثر قوله: "وغيره" واختلف في ضبط "البز" فالأكثر على أنه بالزاي، وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه بل بطريق عموم المكاسب المباحة، وصوَّب ابن عساكر أنه بالراء، وهو أليق بمؤاخاة الترجمة التي بعد هذه بباب وهو "التجارة في البحر" وعند ابن بطال وغيره بضم الموحدة وبالراء، وقد أخطأ من زعم أنه بالراء تصحيف إذ ليس في الآية ولا الحديث ولا الأثر الآتي أوردها في الباب ما يرجح أحد اللفظين، انتهى
(4)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 296).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 311).
(3)
"فتح الباري"(4/ 296).
(4)
انظر: "فتح الباري"(4/ 297).
وحمله العلامة السندي
(1)
على مقابل البحر إذ قال: بفتح وتشديد: مقابل البحر، وذكر فيه قوله تعالى:{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} [النور: 37] لما أنه قبل ذلك {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36] وهي المساجد، والتسبيح فيها يكون في البر لا البحر، وذكر فيه حديث الصرف؛ إذ هو بيع يكون عادة في البر وقلَّ من يركب لأجله البحر، انتهى.
قوله: ({رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ}) إلخ، قال الحافظ
(2)
: أي: وتفسير ذلك، وقد روي عن ابن عباس أن المعنى لا تلهيهم عن الصلاة المكتوبة، وتمسك به قوم في مدح ترك التجارة وليس بواضح، انتهى.
قلت: وعلى هذا فيمكن أن يكون الغرض الرد على هذا المتمسك، وأما على نسخة "البز" بالزاي فيمكن أن يكون الغرض التنبيه على إثبات الجواز ردًا لما ورد في بعض الروايات "أينما خونة الله؟ فيؤتى بالنحاسين والصيارفة والحاكة" كما في "نهاية الأرب"
(3)
.
(9 -
باب الخروج في التجارة وقول الله تعالى: {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} الآية [الجمعة:
10])
قال ابن المنيِّر: غرض البخاري إجازة الحركات في التجارة ولو كانت بعيدة، خلافًا لمن يتنطع ولا يحضر السوق، كما يأتي في مكانه، انتهى من "الفتح"
(4)
.
(10 -
باب التجارة في البحر)
أي: إباحة ركوب البحر للتجارة، وفي بعض النسخ "وغيره" فإن ثبت قوي قول من قرأ "البر" فيما سبق بباب بضم أوله أو بالزاي، انتهى
(5)
.
(1)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(2/ 4).
(2)
"فتح الباري"(4/ 297).
(3)
انظر: "كنز العمال"(4/ 39)(رقم 9398).
(4)
"فتح الباري"(4/ 298).
(5)
"فتح الباري"(4/ 299).
قلت: وعندي غرض المصنف بظاهره الرد على ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود
(1)
"لا يركب البحر إلا حاج أو غاز" فإن الحديث ضعيف.
(11 -
باب قول الله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} الآية [الجمعة:
11])
قال الحافظ
(2)
: كذا وقع جميع ذلك معادًا في رواية المستملي، وسقط لغيره إلا النسفي، فإنه ذكرها ههنا وحذفها مما مضى، وكذا وقع مكررًا في نسخة الصغاني، وهذا يؤيد ما تقدم من النقل عن أبي ذر الهروي أن أصل البخاري كان عند الفربري وكانت فيه إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقًا به، فمن ثم وقع الاختلاف في التقديم والتأخير، ويزاد هنا أن بعضهم احتاط فكتب الملحق في الموضعين فنشأ عنه التكرار، وقد تكلف بعض الشرَّاح في توجيهه بأن قال: ذكر الآية هنا لمنطوقها وهو الذم، وذكرها هناك لمفهومها وهو تخصيص وقتها بحالة غير المتلبسين بالصلاة وسماع الخطبة، انتهى.
قلت: والظاهر عندي كما يظهر من تمام ما ذكر ههنا أن المذكور أولًا كان التنبيه على الاجتناب للعوارض مطلقًا، وههنا التنبيه على تقديم حق الله تعالى، وتقدم بحث تكرار الترجمة في الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول من هذا الكتاب.
(12 -
باب قول الله تعالى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة:
267])
قال الحافظ
(3)
: أي تفسيره، وحكى ابن بطال أنه وقع في الأصل:
(1)
"سنن أبي داود"(ح: 2489).
(2)
"فتح الباري"(4/ 300).
(3)
"فتح الباري"(4/ 301).
"كلوا" بدل "أنفقوا" وقال: إنه غلط، وحكي عن مجاهد أنه قال في تفسيرها: إن المراد بها التجارة، انتهى.
قلت: وما يظهر عندي من النظر على هذه التراجم أن المصنف ذكر قبل ذلك الذم على من لا يقدم حق الله تعالى، ثم ذكر ههنا الإنفاق في سبيل الله مما كسب، وذكر بعد ذلك في الترجمة الآتية وسعة الرزق.
قوله: (كان لها أجرها) وفي الرواية الآتية "فلها نصف أجره" واختلفوا في وجه الجمع بينهما كما في الشروح
(1)
.
والأوجه عندي: أن الأول محمول على الإنفاق من مال أعطاها الزوج وملكها إياها، والثاني محمول على الإنفاق من مال لم يملكها إياها بل أعطاها للصرف في البيت، ويؤيده تغاير سياق الحديثين، أو يقال: إن الأول محمول على الطعام وهو يكون في تصرفها، والثاني على غير الطعام فيكون مشتركًا بين الزوجين تصرفًا.
(13 -
من أحب البسط في الرزق)
أي: التوسع فيه، وجواب "من" محذوف تقديره ما في الحديث، وهو "فليصل رحمه"، ويستفاد منه جواز هذه المحبة خلافًا لمن كرهها مطلقًا، انتهى
(2)
.
وفي "الأنوار لأعمال الأبرار": يستحب ترك التبسط في الحلال بلا حاجة، انتهى.
قلت: فلا ينافي هذا حديث "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا"
(3)
.
(1)
انظر: "فتح الباري"(4/ 301)، و"عمدة القاري"(8/ 321)، و"إرشاد الساري"(5/ 32).
(2)
"فتح الباري"(4/ 301).
(3)
"صحيح مسلم"(ح: 1055).
(14 -
باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة)
قال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع.
قال الحافظ
(1)
: لعل المصنف تخيل أن أحدًا يتخيل أنه صلى الله عليه وسلم لا يشتري بالنسيئة لأنها دين، فأراد دفع ذلك التخيل، انتهى.
قلت: هذا ليس بتخيل محض بل هو نص رواية أبي داود
(2)
عن ابن عباس قال: اشترى النبي صلى الله عليه وسلم من عير تبيعًا وليس عنده ثمنه، فأربح فيه فباعه، فتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب، وقال:"لا أشتري بعدها شيئًا إلا وعندي ثمنه".
فالأوجه عندي: أن الإمام البخاري لمح إلى هذا الحديث، وسيأتي في "كتاب الاستقراض""باب من اشترى بالدين. . ." إلخ.
قال الحافظ
(3)
في شرحه: كأنه يشير إلى ضعف ما جاء، ثم ذكر الحديث المذكور، وقال: تفرد به شريك عن سماك، واختلف في وصله وإرساله، انتهى.
والأوجه عندي: أن هذه الترجمة المذكورة ههنا أجدر بالتلميح إلى حديث أبي داود بتقييد هذه الترجمة بشرائه صلى الله عليه وسلم، وأما الترجمة الآتية في "كتاب الاستقراض" فهو لبيان جواز الشراء بالدين، وأورد الإمام البخاري في هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها؛ لأن حديثها كان في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يقال: إن حديث أبي داود مؤخر عن قصة الرهن.
قال الحافظ: ووقع في آخر المغازي "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة". . .، إلى آخر ما في هامش "اللامع"
(4)
.
قوله: (ولقد سمعته يقول. . .) إلخ، اختلف الشرَّاح في تعيين القائل وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع"
(5)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 302).
(2)
"سنن أبي داود"(ح: 3344).
(3)
"فتح الباري"(5/ 53).
(4)
"اللامع"(6/ 16).
(5)
"اللامع"(6/ 17 - 19).
(15 -
باب كسب الرجل وعمله بيده)
قال الحافظ: قد اختلف العلماء في أفضل المكاسب، قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل، وتعقبه النووي بحديث المقدام الذي في هذا الباب، وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زراعًا فهو أطيب المكاسب لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب؛ ولأنه لا بد فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض.
قال الحافظ: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد وهو مكسب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله وخذلان كلمة أعدائه والنفع الأخروي، قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا.
قال الحافظ: والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وفي "الأنوار" في فقه الشافعية: وأطيبها التجارة عند الشافعي؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكتسبون بها، انتهى.
قال العيني
(2)
في "باب فضل الزرع والغرس" من "كتاب المزارعة": واستدل بحديث الباب بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، واختلف فيه فقال النووي: أفضلها الزراعة، وقيل: الكسب باليد، وهي الصنعة، وقيل: التجارة، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد، وروى الحاكم في "المستدرك" من حديث أبي بردة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، إلى آخر ما قال.
(1)
"فتح الباري"(4/ 3004).
(2)
"عمدة القاري"(9/ 5).
قلت: وظاهر الترجمة الإشارة إلى ترجيح الحرفة، وبه صرح العيني والقسطلاني
(1)
.
والأوجه عندي: أن غرض المصنف الإشارة إلى المكاسب كلها، فالأنواع الثلاثة المذكورة ثابتة في روايات الباب، فالتجارة في الحديث الأول لأنها كانت حرفة الصديق رضي الله عنه، وأما الزراعة فيستفاد من ثاني أحاديث الباب بلفظ "كانوا أعمال أنفسهم" وكانت حرفة الأنصار الزراعة، وأما الصنعة فيستفاد من الحديث الثالث من عمل داود عليه السلام، والنوع الرابع الإجارة، وهو ثابت من حديث أبي هريرة "لأن يحتطب أحدكم" الحديث، وأما عدهم الجهاد من المكاسب فليس بواضح عندي، بل الظاهر أن الجهاد ليس بكسب، نعم فيه حصول مال لكن العمل فيه ليس لأجل تحصيله، وإلا فللحصول أسباب أخر، كالتصدق، والهبة، والميراث، اللهم إلا أن يقال: إن للحاصل في الجهاد دخلًا للعمل بخلاف الإرث وغيره، فإنه لا دخل فيها للعمل، وعلى هذا فيمكن إدخال الجهاد في المكاسب، وعندي أن الصنعة ليست من الأصول بل هي داخلة عندي في التجارة، فأصول المكاسب عندي ثلاثة: التجارة، والزراعة، والإجارة، وتقدم في كلام الحافظ الاختلاف في التفصيل بينها، وفي "البحر الرائق": أفضل الكسب بعد الجهاد التجارة، ثم الحراثة، ثم الصناعة، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع"
(2)
في مبدأ أبواب الحرث والمزارعة.
(16 -
باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: يحتمل أن يكون من باب اللف والنشر مرتبًا أو غير مرتب، ويحتمل كل منهما لكل منهما، إذ السهولة والسماحة متقاربان في
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 36).
(2)
"اللامع"(6/ 332 - 333).
(3)
"فتح الباري"(4/ 307).
المعنى فعطف أحدهما على الآخر من التأكيد اللفظي، وهو ظاهر حديث الباب، والمراد بالسماحة ترك المضاجرة ونحوها لا المكايسة في ذلك، انتهى.
قلت: وقول الحافظ: متقاربان في المعنى، قال القسطلاني
(1)
: تعقبه العيني بأنهما متغايران في أصل الوضع، فلا يصح أن يقال من التأكيد اللفظي؛ لأن التأكيد اللفظي أن يكون المؤكد والمؤكد لفظًا واحدًا من مادة واحدة كما عرف في موضعه، انتهى.
(17 -
باب من أنظر موسرًا)
قال الحافظ
(2)
: أي فضل من فعل ذلك وحكمه، وقد اختلف العلماء في حد الموسر فقيل: من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته، وقال الثوري وأحمد وإسحاق: من عنده خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب فهو موسر، وقال الشافعي: قد يكون الشخص بالدرهم غنيًا مع كسبه، وقد يكون بالألف فقيرًا مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وقيل: الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف؟ فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعد يسارًا فهو موسر وعكسه، وهذا هو المعتمد، وما قبله إنما هو في حد من تجوز له المسألة والأخذ من الصدقة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: والظاهر أن المراد بالموسر ههنا القادر على أداء ما عليه من الدين، وإنظاره أن يداينه حتى يأتي بالثمن من بيته، والتجاوز عنه أن يقبل منه رديئه وزيفه، وإنظار المعسر إمهاله حتى يفتح الله عليه بشيء، والتجاوز عنه أن يعفي عنه الثمن ويبرأ عنه، انتهى.
قلت: وهذا الذي أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوجه عندي مما قاله الحافظ وغيره، ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري نبَّه بالترجمة
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 40).
(2)
"فتح الباري"(4/ 307 - 308).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 19 - 20).
على أن في إنظار الموسر أيضًا أجرًا دفعًا لما يتوهم أن تأخير الموسر في الأداء داخل في مطل الغني وهو ظلم، فإنظاره إعانة على ظلمه، فكيف الأجر عليه
(1)
؟.
(18 -
باب من أنظر معسرًا)
قال القسطلاني
(2)
: وهو الذي لم يجد وفاء، انتهى.
سكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، ولا يبعد عندي أن يقال: لما كان المعسر عاجزًا عن الأداء فاللائق بحاله التجاوز والإبراء، وليس له كبير نفع في مجرد الإنظار، فأشار المصنف بالترجمة إلى دفع هذا التوهم، وذلك لأن في الإنظار تخفيفًا وإن كان أدنى بالنسبة إلى العفو والإبراء.
وقال الحافظ
(3)
في مطابقة الحديث بالترجمة: قوله: "تجاوزوا عنه" ويدخل في لفظ التجاوز الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي، انتهى.
(19 -
باب إذا بيَّن البيعان ولم يكتما. . .) إلخ
بفتح الموحدة وتشديد التحتانية، أي: البائع والمشتري، أي: إذا أظهر البائع والمشتري ما في المبيع من العيب، وجواب "إذا" محذوف، أي: بورك لهما فيه، أو نحو ذلك، ولم يذكره البخاري اكتفاء بما في الحديث، انتهى من "الفتح"
(4)
و"العيني"
(5)
.
قوله: (هذا ما اشترى محمد رسول الله من العداء. . .) إلخ، اعلم أن تعليق البخاري هذا يخالف رواية الترمذي وغيره.
وقال الحافظ
(6)
: هكذا وقع هذا التعليق، وقد وصل الحديث الترمذي والنسائي وغيرهما، فاتفقوا كلهم على أن البائع النبي صلى الله عليه وسلم والمشتري العداء
(1)
انظر: "اللامع"(6/ 19 - 20).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 43).
(3)
"فتح الباري"(4/ 309).
(4)
"فتح الباري"(4/ 310).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 337).
(6)
"فتح الباري"(4/ 310).
عكس ما ههنا، فقيل: الذي وقع ههنا مقلوب، وقيل: هو صواب، وهو من الرواية بالمعنى؛ لأن اشترى وباع بمعنى واحد، انتهى.
ونحوه في "القسطلاني"
(1)
وزاد: وحمله في "المصابيح" على تعدد الواقعة وحينئذٍ فلا تعارض، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على ذلك في "الكوكب الدري"
(2)
إذ قال: قوله: "اشترى" لعل البيع كان بيع مقايضة فيصح على كل من المتعاقدين إطلاق البائع والمشتري، وسبب ذلك التكلف أن العلماء يتفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبع بعد الهجرة شيئًا، والمراد به البيع بأحد النقدين، وأما مبادلة العروض فكان جاريًا ولا يلزم فيه شيء، وما قيل: إن "اشترى" ههنا بمعنى "باع" فلا يناسبه كتابة الشروط وكون الصك مع العداء، فإنه لو كان كذلك لكان الكاتب هو العداء لأنه البائع حينئذٍ، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم صاحب صك، وكان عنده لا عداء، انتهى.
(20 -
باب بيع الخلط من التمر)
الخلط بكسر المعجمة التمر المجتمع من الأنواع المتفرقة، و"الجمع" بفتح الجيم وسكون الميم: فسر بالخلط، وقيل: هو كل لون من النخيل لا يعرف اسمه، والغالب في مثل ذلك أن يكون رديئه أكثر من جيده، وفائدة هذه الترجمة رفع توهم من يتوهم أن مثل هذا لا يجوز بيعه لاختلاط جيده برديئه؛ لأن هذا الخلط لا يقدح في البيع لأنه متميز ظاهر فلا يعد ذلك عيبًا، بخلاف ما لو خلط في أوعية يرى جيدها ويخفى رديئها، انتهى من "الفتح"
(3)
.
قلت: فكأن هذه الترجمة بمنزلة الاستثناء من الترجمة السابقة وهي "باب إذا بين البيعان. . ." إلخ، والمعنى أن الخلط إذا كان ظاهرًا بمرأى من المشتري لا حاجة إلى بيان ما فيه من الجيد والرديء، ثم لا تعلق لهذه
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 44).
(2)
"الكوكب الدري"(2/ 281).
(3)
"فتح الباري"(4/ 311 - 312).
الترجمة بالربا يعني بيع الصاع بالصاعين كما يوهمه كلام العيني
(1)
، فإن ابتداء أبواب الربا عندي من الباب الذي بعد بابين.
(21 -
باب ما قيل في اللَّحَّام والجزَّار)
قال الحافظ
(2)
: كذا وقعت هذه الترجمة ههنا، وفي رواية ابن السكن بعد خمسة أبواب، وهو أليق لتتوالى تراجم الصناعات، انتهى.
وقال العيني
(3)
بعد ذكر قول الحافظ: قلت: توالي التراجم إنما هو أمر مهم، والبخاري لا يتوقف غالبًا في رعاية التناسب بين الأبواب، انتهى.
وقال السندي
(4)
: قوله: "باب ما قيل. . ." إلخ، أي: هل لكسبهما أصل بأن كانا وقت النبي صلى الله عليه وسلم وقررهما على ذلك أو هو من الأمور الحادثة؟، انتهى.
قلت: ولعل غرض المصنف الرد على من قال بكراهة هذه الحرفة، كما ذكره في "الأنوار لأعمال الأبرار" وفيه: كسب المكناس والذبال والدباغ والقصاب والخاتن مكروه، انتهى.
وقد أخرج أبو داود من حديث عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إني وهبت لخالتي غلامًا وأنا أرجو أن يبارك لها فيه، فقلت لها: لا تسلميه حجامًا ولا صائغًا ولا قصابًا" وذلك لأن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده أبا ماجدة وهو مجهول كما في "التقريب"، وقال المنذري: في طرقه محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري لم يذكر هذه
(1)
"عمدة القاري"(8/ 343).
(2)
"فتح الباري"(4/ 312).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 343).
(4)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(2/ 7).
الترجمة ههنا من حيث الصناعة، حتى يقال: إنه ذكرها في غير محلها، بل هذه الترجمة نظير لبيع الخلط من التمر، وكأن المصنف أشار بذلك إلى جواز بيع اللحوم مع العظام دفعًا لما يتوهم أن من يبيع اللحم لا يجوز له أن يدخل العظام في الوزن؛ لأن اللحم مع العظام كالخلط من التمر، بل في هذه الترجمة ترقٍّ من الترجمة الأولى؛ لأن رديء التمر هو من جنس التمر الأعلى، والعصب والعظم ليسا من جنس اللحم ومع ذلك يباعان مع اللحم، وما يظهر من كلام الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" أن الغرض من الترجمة بيان جواز بيع اللحم مع تلبسه بالدم، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
ثم الترجمة مشتملة على جزئين: اللحام والجزّار، والمذكور في الحديث واحد منهما، أي: الجزّار، فإن القصاب هو الجزّار كما قال الشرَّاح، وحاصل ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" أن إثبات الجزاء الثاني من الترجمة بطريق المقايسة.
وقال العلامة العيني
(2)
: مطابقته للترجمة في قوله: "لغلام له قصاب"، قال القرطبي: اللحام هو الجزار، والقصاب على قياس قولهم: عطار وتمار للذي يبيع ذلك، فهذا كما رأيت جعل اللحام والجزار والقصاب بمعنى واحد، وعلى هذا تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث، انتهى.
ثم ذكر العيني الفرق بين هذه الثلاثة بحسب العرف.
(22 -
باب ما يمحق الكذب والكتمان في البيع)
أي: من البركة، ذكر فيه حديث حكيم بن حزام المذكور قبل بابين وهو واضح فيما ترجم له، انتهى من "الفتح"
(3)
.
(1)
"اللامع"(6/ 25).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 344).
(3)
"فتح الباري"(4/ 312).
(23 -
باب قول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} الآية [آل عمران:
13])
هكذا للنسفي، وساق غيره فيه حديث أبي هريرة الماضي في "باب من لم يبال من حيث كسب" بإسناده ومتنه، وهو بعيد من عادة البخاري ولا سيما مع قرب العهد، ولعله أشار بالترجمة إلى ما أخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا "يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره"، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قلت: وعلى نسخة النسفي يمكن أن يجاب عن عدم ذكر الحديث أنه بمنزلة الكتاب لأبواب الربا، فالمصنف بدأ من ههنا أبواب الربا، فلا حاجة إلى الحديث.
(24 -
باب آكل الرِّبا وشاهده. . .) إلخ
أي: بيان حكمهم، والتقدير: باب إثم أو ذم. . . إلخ، ثم ساق البخاري في الباب حديثين: حديث عائشة، وحديث سمرة، قال ابن التين: وليس فيهما ذكر لكاتب الربا وشاهده، وأجيب بأنه ذكرهما على سبيل الإلحاق لإعانتهما للآكل على ذلك، وأيضًا فقد تضمن حديث عائشة نزول آخر البقرة ومن جملة ما فيه قوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، وفيه:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، وفيه:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]، فأمر بالكتابة والإشهاد في البيع الذي أحله، فأفهم النهي عن الكتابة والإشهاد في الربا الذي حرمه، ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في حديث مسلم وغيره عن جابر "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه"، انتهى من "الفتح"
(2)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 313).
(2)
"فتح الباري"(4/ 314).
(25 -
باب مؤكل الربا)
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: ودلالة الآية عليه من حيث إن مؤكل الربا معين على ما يفعله الآكل من عدم الترك المأمور به في الآية، انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه الاستدلال، وسكت عنه الشرَّاح، وأجاد بعض أحبتي الأذكياء حيث قال: إنه لا يبعد من جودة طبع الإمام البخاري أنه استدل بعموم قوله تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278] فإن الأمر بالترك كما يدل على ترك الآخذ يتناول المعطي أيضًا، أي: يترك أداء ما بقي عليه من الربا، ومن الأصول المطردة للبخاري الاستدلال بالعموم وبكل المحتمل، انتهى.
(26 -
باب {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} الآية [البقرة:
276])
قال ابن المنيِّر: مناسبة حديث الباب للترجمة أنه كالتفسير للآية؛ لأن الربا الزيادة، والمحق النقص، فقال: كيف تجتمع الزيادة والنقص؟ فأوضح الحديث أن الحلف الكاذب وإن زاد في المال فإنه يمحق البركة فكذلك قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} ، أي: يمحق البركة من البيع الذي فيه الربا، انتهى مختصرًا من "الفتح"
(2)
.
(27 -
باب ما يكره من الحلف في البيع. . .) إلخ
أي: مطلقًا، فإن كان كذبًا فهي كراهة تحريم، وإن كان صدقًا فكراهة تنزيه، وفي السنن من حديث قيس بن أبي غرزة مرفوعًا:"يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوِّبوه بالصدقة"، وقال الحافظ تحت حديث الباب: وقد تعقب بأن السبب المذكور في الحديث خاص والترجمة عامة لكن العموم مستفاد من قوله في الآية: {وَأَيْمَانِهِمْ} ، انتهى من "الفتح"
(3)
.
(1)
"لامع الدراري"(6/ 27).
(2)
"فتح الباري"(4/ 316).
(3)
"فتح الباري"(4/ 316).
(28 -
باب ما قيل في الصوّاغ. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: فائدة هذه الترجمة وما بعدها التنبيه على أن ذلك كان في زمنه صلى الله عليه وسلم وأقره مع العلم بهم فيكون كالنص على جوازه وما عداه يؤخذ بالقياس.
قال الحافظ تحت حديث الباب: والغرض منه قوله: "واعدت رجلًا صواغًا" وقد قدمنا أنهم رهط من اليهود، فيؤخذ منه جواز معاملة الصائغ ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنه لا يلزم من دخول الفساد في صنعة أن تترك معاملة صاحبها ولو تعاطاها أراذل الناس مثلًا، ولعل المصنف أشار إلى حديث "أكذب الناس الصباغون والصوّاغون" وهو حديث مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره، انتهى
(1)
.
وتقدم شيء من الكلام في "باب اللحام والجزار" وفي "الأنوار لأعمال الأبرار": كره جماعة كسب الصواغ، انتهى. وفي هامشه: كذا في "الروضة"، قال الرافعي: لأنهم كثيرًا ما يخلقون الوعد ويقعون في الربا لبيعهم المصوغ بأكثر من وزنه، قال الإسنوي: وهو وجه مرجوح إذ الأصح في الشهادات أن الصائغ ليس من أهل الحرف الدنيئة، وقد صححو أن الحائك منهم فهو دون الصائغ، وقد صححه أن لا كراهة في الحياكة، فلزم أن لا كراهة في الصياغة، إلى آخر ما ذكره، فالأوجه أن الإمام البخاري أشار إلى تلك الروايات بقوله في الترجمة: ما قيل، انتهى من هامش "اللامع"
(2)
.
فائدة: بسط العلامة الدميري في "حياة الحيوان"
(3)
أسماء أصحاب الحرف من الصحابة والتابعين والعلماء المشهورين، فقال: كان عمرو بن العاص جزارًا وكذلك الزبير بن العوام، وكان أبو بكر رضي الله عنه بزّارًا، وكذلك
(1)
"فتح الباري"(4/ 317).
(2)
"اللامع"(6/ 28).
(3)
"حياة الحيوان"(1/ 243).
عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وكان عمر دلّالًا رضي الله عنهم أجمعين، إلى آخر ما بسط.
(29 -
باب ذكر القين والحدّاد)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن دريد: أصل القين الحدّاد ثم صار كل صائغ عند العرب قينًا، فقال الزجاج: القين الذي يصلح الأسنة، والقين أيضًا الحدّاد، وكأن البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما، وليس في الحديث الذي أورده في الباب إلا ذكر القين، وكأنه ألحق الحدّاد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم، انتهى.
وتعقب عليه العلامة العيني
(2)
فقال: لا يحتاج إلى هذا التكلف، والوجه أن القين يطلق على معان كثيرة: يطلق على العبد والأمة، فعطف الحدّاد على القين ليعلم أن مراده من القين هو الحدّاد، انتهى.
وتبعه القسطلاني
(3)
وجعل العطف تفسيريًا، وقد عرفت فيما سبق أن غرض المصنف بهذه التراجم بيان جواز هذه الحرف، ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى ما سيأتي قريبًا في "باب العطار":"مثل الجليس السوء كمثل كير الحدّاد يحرق بيتك. . ." إلخ فهذا يوهم قباحة حرفة الحدّاد، وأيضًا أخرج أبو داود "أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار"
(4)
الحديث، وهذا أيضًا يوهم أن الحدّاد صائغ لحلية أهل النار فنبَّه الإمام البخاري بالترجمة والحديث على كونها من حرف بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
قوله: (كنت قينًا في الجاهلية) إنما استدل بفعله في الجاهلية لأنه لو كان حرامًا لما طلب الواجب بعمله الحرام بعد ما أسلم، والظاهر أنه
(1)
"فتح الباري"(4/ 318).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 360).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 60).
(4)
"سنن أبي داود"(ح: 4223).
كان يطلب منه أجرة عمله الذي عمله فيها، انتهى [من "اللامع"
(1)
]. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر من لفظ الحديث، وإلا فخباب رضي الله عنه كان قينًا في الإسلام أيضًا، فقد ترجم الإمام البخاري على حديث الباب في "كتاب الإجارة":"باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب" قال الحافظ: أورد فيه حديث خباب وهو إذ ذاك مسلم في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، إلى آخر ما قال.
(30 -
باب الخيّاط)
قال الخطابي: في أحاديث هذه الأبواب دلالة على جواز الإجارة، وفي الخياطة معنى زائد؛ لأن الغالب أن يكون الخيط من عند الخياط فيجتمع فيها إلى الصنعة الآلة، وكان القياس أنه لا تصح إذ لا تتميز إحداهما عن الأخرى غالبًا، لكن الشارع أقره لما فيه من الإرفاق، واستقر عمل الناس عليه، وفيه دلالة على أن الخياطة لا تنافي المروءة، انتهى
(2)
.
(31 -
باب النساج)
بالنون والمهملة وآخره جيم، وهو الحائك، لعل المصنف أراد إثبات جوازه إذ عدوه من الحرف الدنيئة كما تقدم في "باب ما قيل في الصواغ" عن "الأنوار" وفيه أيضًا: ولا يكره كسب الفاصد والحائك، انتهى.
(32 -
باب النجار)
بالنون المشددة والجيم، ولأبي ذر عن الكشميهني النجارة بكسر النون وتخفيف الجيم وفي آخره هاء، قال الحافظ ابن حجر
(3)
: والأول أشبه بسياق بقية التراجم، وفي "الفيض"
(4)
: لما دخل المصنف في بيان الصنائع والحرف ذكر النجّار والصوّاغ والنسّاج، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(6/ 28).
(2)
"فتح الباري"(4/ 318).
(3)
"فتح الباري"(4/ 319).
(4)
"فيض الباري"(3/ 417).
(33 -
باب شراء الإمام الحوائج بنفسه)
بنصب "الحوائج" على المفعولية وسقط لغير أبي ذر لفظ "الإمام" فهو أعم. قال الحافظ: وفي بعض الروايات "شراء الحوائج بنفسه" أي: الرجل، وفائدة الترجمة رفع توهم من يتوهم أن تعاطي ذلك يقدح في المروءة، انتهى من "القسطلاني"
(1)
.
(34 -
باب شراء الدّوابّ والحمير. . .) إلخ
وفي رواية أبي ذر "الحمر" بضمتين، من عطف الخاص على العام؛ لأن الدواب في الأصل موضوع لكل ما يدب على الأرض، ثم استعمل عرفًا لكل ما يمشي على أربع وهو يتناول الحمير وغيرها، وليس في حديثي الباب ذكر للحمر، وكأنه أشار إلى إلحاقها في الحكم بالإبل؛ لأن حديثي الباب إنما فيهما ذكر بعير ولا اختصاص في الحكم المذكور بدابة دون دابة، انتهى من "الفتح"
(2)
و"القسطلاني"
(3)
.
(35 -
باب الأسواق التي كانت في الجاهلية. . .) إلخ
أي: جواز التبايع فيها، قال ابن بطال: فقه هذه الترجمة أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها، انتهى من "القسطلاني"
(4)
.
(36 -
باب شراء الإبل الهيم. . .) إلخ
قال القسطلاني
(5)
: الهيم بكسر الهاء جمع أهيم للمذكر، ويقال: للأنثى هيمى، وهي الإبل التي بها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء تشرب منه، انتهى.
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 66).
(2)
"فتح الباري"(4/ 320).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 67).
(4)
"إرشاد الساري"(5/ 70).
(5)
"إرشاد الساري"(5/ 71).
وقال العيني
(1)
: قيل: الهيام داء يكون معه الجرب، وبهذا ترجم البخاري "شراء الإبل الهيم والأجرب"، وفي "كتاب الإبل" للنضر بن شميل: وأما الهيام فنحو الدوار جنون يأخذ الإبل حتى تهلك، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: يعني بذلك أن بيع الشيء المعيب جائز نافذ ولو من غير إظهار العيب إلا أن للمشتري خيارًا إذا اطلع على العيب، انتهى.
وقال الحافظ
(3)
: في الحديث جواز بيع الشيء المعيب إذا بيَّنه البائع ورضي به المشتري، سواء بينه البائع قبل العقد أو بعده، لكن إذا أخر بيانه عن العقد ثبت الخيار للمشتري، انتهى.
وهكذا قال العيني وزاد: وليس هذا من الغش، وأما ابن عمر فرضي بالعيب والتزمه، فصحت الصفقة فيه، انتهى.
قوله: (الهائم المخالف. . .) إلخ، قال ابن التين: وليس الهائم واحد الهيم، فانظر لم أدخل البخاري هذا في تبويبه؟ وأجيب عن هذا: بأن البخاري لما رأى أن الهيم من الإبل كالذي قاله النضر بن شميل، وقد تقدم، شبهها بالرجل الهائم من العشق، فقال: الهائم المخالف إلخ، فكذلك الإبل الهيم تخالف القصد في قيامها وقعودها ودورها مع الشمس كالحرباء، انتهى من "العيني"
(4)
.
وفي "الفيض"
(5)
أي: الذي يخبط في مشيه، فهذا عيب، انتهى.
وقال القسطلاني
(6)
: قوله: "الهائم المخالف" كأنه يريد أن بها داء الجنون، وقال بعد نقل اعتراض ابن التين المتقدم: وأجاب في "المصابيح"
(1)
"عمدة القاري"(8/ 372).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 38 - 39).
(3)
"فتح الباري"(4/ 322).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 372 - 373).
(5)
"فيض الباري"(3/ 420).
(6)
"إرشاد الساري"(5/ 72).
بأنه لم لا يجوز أن يكون كبازل وبزل ثم قلبت ضمة هيم لتصبح الياء كما فعل بجمع أبيض، انتهى.
قوله: (لا عدوى. . .) إلخ، قال الحافظ
(1)
: قال الخطابي: لا أعرف للعدوى هنا معنى، ثم بسط في توجيهه، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف ما مال إليه شيخ مشايخنا الدهلوي في "التراجم"
(2)
إذ قال: الوجه الموافق لمذهب الفقهاء في هذا الحديث أن ابن عمر كان له رد هذه الإبل بحكم العيب وكان له إمساكها فتروى
(3)
في أمره فرأى مرضها هينًا وخاف عدواها فعزم على ردها لأجل العدوى، ثم تذكر حديث "لا عدوى" فأمسك عن الرد، انتهى.
(37 -
باب بيع السلاح في الفتنة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
، يعني بذلك أن كراهة البيع إنما هو إذا لم يأمن أن تستعمل هذه الأسلحة في الفتنة، وأما إذا أمن فلا، انتهى.
وقال الحافظ
(5)
: كأن المراد بالفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين لأن في بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه، وهذا محله إذا اشتبه الحال، فأما إذا تحقق الباغي فالبيع للطائفة التي في جانبها الحق لا بأس به، إلى أن قال: وكأن المصنف أشار إلى خلاف الثوري في ذلك حيث قال: بع سلاحك لمن شئت.
ثم قال الحافظ: وقد استشكل مطابقة الحديث للترجمة، قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث من ترجمة الباب شيء، إلى آخر
(1)
"فتح الباري"(4/ 322).
(2)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 387).
(3)
كذا في الأصل، والظاهر بدله:"فتردد"، (ز).
(4)
"لامع الدراري"(6/ 39).
(5)
"فتح الباري"(4/ 323).
ما بسط في هامش "اللامع"
(1)
من كلام الشرَّاح ومن تقارير الشيخ الكَنكَوهي.
والأوجه عندي: أن المصنف مال إلى قول الثوري ورد قول ابن عمر، وإنما ذكر قوله لبيان الاختلاف لا لاختياره، وثبت في الحديث بيعه زمن القتال وهو زمن الفتنة.
(38 -
باب في العطار وبيع المسك)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: خصه بالذكر لما فيه من مظنة عدم الجواز لما أنه دم في الأصل انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك وكأنه ألحق به العطار لاشتراكهما في الرائحة الطيبة، وفي الحديث جواز بيع المسك والحكم بطهارته لأنه صلى الله عليه وسلم مدحه ورغَّب فيه، وفيه الرد على من كرهه، وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء وغيرهما، ثم انقرض هذا الخلاف واستقر الإجماع على طهارة المسك وجواز بيعه، انتهى.
(39 -
باب ذكر الحجَّام)
لعل المصنف رحمه الله ذكره ههنا باعتبار كونها من الحرف وإلا فليس هو من البيوع، وسيأتي أيضًا الروايات فيه في محلها من "كتاب الإجارة" و"كتاب الطب".
قال العلامة العيني
(3)
: ولما ذكر في "باب موكل الربا" النهي عن ثمن الدم الذي هو الحجامة، وظاهره التحريم، عقد هذا الباب ههنا، وفيه حديثان يدلان على جواز الحجامة، وأخذ الأجرة، فذكرهما ليدل على أن
(1)
"اللامع"(6/ 39 - 40).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 41).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 377).
النهي المذكور فيه إما منسوخ كما ذهب إليه البعض، وإما أنه محمول على التنزيه، كما ذهب إليه آخرون، وهذا الذي يذكر ههنا هو الوجه، لا ما ذكره بعضهم - الحافظ - لما لا طائل تحته، انتهى. وميل الحافظ
(1)
في غرض الترجمة أيضًا إلى الجواز، إذ قال: ولا يلزم من كونها من المكاسب الدنيئة أن لا تشرع فالكساح أسوأ حالًا من الحجام ولو تواطأ الناس على تركه لأضر ذلك بهم، انتهى.
(40 -
باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: يعني بذلك أن المكروه من التجارة تجارة ما كره الانتفاع به مطلقًا، فأما ما لا يكره للنساء أو غيرهن ويمكن الانتفاع به فلا كراهة فيه، فدلت الرواية الأولى على هذا المعنى من حيث إن الثوب المذكور فيه لما لم يكره الانتفاع به للنساء لم يحرم بيعه، وكذلك الرواية الثانية فإن الثوب ذا التصاوير وإن لم يجز لبسه كما هو إلا أنه مجوز الاستعمال بعد قطعه بحيث لا تسلم الصور أو تتبدل، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على مطابقة أحاديث الباب بالترجمة.
(41 -
باب صاحب السلعة أحق بالسوم)
بفتح المهملة وسكون الواو، أي: ذكر قدر معين للثمن، وقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء في هذه المسألة وأن متولي السلعة من مالك أو وكيل أولى بالسوم
(3)
من طالب شرائها.
قال الحافظ: لكن ذلك ليس بواجب، فسيأتي في قصة جمل جابر أنه صلى الله عليه وسلم بدأه بقوله:"بعنيه بأوقية" الحديث، انتهى من "الفتح"
(4)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 324).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 42 - 43).
(3)
في الأصل: "بالثوب" وهو خطأ.
(4)
"فتح الباري"(4/ 326).
(42 -
باب كم يجوز الخيار
؟)
قال صاحب "الفيض"
(1)
: وقد كان يخطر بالبال أن في تراجمه سوء ترتيب، فإنه قد تعرض إلى كيفيات الخيار قبل تقرر حقيقته، والذي يتبادر إلى الذهن أن يترجم أولًا على نفسه الخيار ثم إلى سائر كيفياته، وتبين آخرًا أن المصنف جعل الخيار في البيع أصلًا، وعدمه تبعًا على خلاف نظر الحنفية، فإذا كان الخيار عنده أصلًا لم ير حاجة إلى تقديمه، لكونه مفروغًا منه عنده، ودخل في فروعه، انتهى.
قلت: فالمصنف رحمه الله بدأ من ههنا مسألة الخيار، وبسط الكلام على أنواع الخيار في "الأوجز"
(2)
وفيه: قال ابن قدامة في "الشرح الكبير": إن الخيار في البيع على سبعة أقسام، ثم بسطها، والمعروف في كتب الفقهاء الحنفية ثلاث خيارات: خيار الشرط، والرؤية، والعيب، لكن في الشروح وغيرها أكثر من ذلك، فقد ذكرها ابن نجيم ثلاثة عشرة.
وفي "الدر المختار": أن الخيارات بلغت سبعة عشر نوعًا.
قال الحافظ
(3)
: الخيار طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو خياران: خيار المجلس، وخيار الشرط، والكلام هنا على خيار الشرط، والترجمة معقودة لبيان مقداره، وليس في حديثي الباب بيان لذلك.
قال ابن المنيِّر: لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يفوض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله: "كم يجوز الخيار؟ " أي: كم يخيَّر أحد المتبايعين الآخر مرة، وأشار إلى ما في الطريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام "ويختار ثلاث مرار" لكن لما لم تكن الزيادة ثابتة أبقى الترجمة على الاستفهام كعادته، انتهى.
(1)
"فيض الباري"(3/ 423).
(2)
"أوجز المسالك"(13/ 127).
(3)
"فتح الباري"(4/ 326 - 327).
قلت: وتعقب على الاحتمال الثاني العلامة العيني
(1)
وقال: لأن لفظة "كم" موضوعة للعدد والعدد في مدة الخيار لا في تخيير أحد المتبايعين الآخر.
واختلفوا في مدة الخيار، فعند الحنفية والشافعية موقتة بثلاثة أيام، وأنكر مالك التوقيت في ثلاثة أيام بغير زيادة، قال: أمد كل شيء بحسبه، فللدابة مثلًا والثوب يوم أو يومان، وللجارية جمعة، وللدار شهر، وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق: إنه لا أمد لمدة خيار الشرط بل البيع جائز والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترطانه، انتهى ملخصًا من "الفتح"
(2)
.
(43 -
باب إذا لم يوقت الخيار. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: أي: هل يجوز البيع؟ أراد بذلك إثبات أن الرواية لما كانت مطلقة عن ذكر المدة فالفصل بين مدة ومدة مما لا يجوز فيكون تأييدًا لمذهب من لم يوقت الأجل، ثم ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه الجواب عنه على مسلك الحنفية.
قال العلامة العيني
(4)
: لم يذكر جواب الاستفهام لما فيه من الخلاف، انتهى.
وقال الحافظ
(5)
: أي: إذا لم يعيّن البائع أو المشتري وقتًا للخيار وأطلقاه "هل يجوز البيع؟ " وكأنه أشار بذلك إلى الخلاف في حد خيار الشرط، ثم ذكر الحافظ اختلاف العلماء في تلك المسألة كما تقدم في الباب السابق، ثم قال: فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقًا، فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرط باطل والبيع جائز، وقال الثوري
(1)
"عمدة القاري"(8/ 383).
(2)
"فتح الباري"(4/ 326 - 328).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 44).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 384).
(5)
"فتح الباري"(4/ 328).
والشافعي وأصحاب الرأي: يبطل البيع أيضًا، وقال أحمد وإسحاق: للذي شرط الخيار أبدًا، انتهى.
ولم يذكر الحافظ مذهب المالكية، وفي "الأوجز"
(1)
: قال الباجي: إذا شرط الخيار ولم يقرر المدة لم يبطل البيع، وحكم في ذلك بمقدار ما تختبر به تلك السلعة في غالب العادة، وقال أبو حنيفة والشافعي: يبطل العقد، انتهى.
وهو الراجح عند أحمد كما قال الموفق
(2)
، والرواية الثانية عنه ما تقدم في كلام الحافظ، والبسط في "الأوجز".
(44 -
باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وبه قال. . .) إلخ
أي: بخيار المجلس، وهو بيِّن من صنيعه الذي مضى قبل باب، انتهى من "الفتح"
(3)
.
وبه قال الجمهور، منهم الشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: يلزم العقد بالإيجاب والقبول، ولم يقولا بخيار المجلس، إلا أنه يبطل عند الشافعي بالتخاير، وعن أحمد: روايتان كما في "المغني"
(4)
والبسط في "الأوجز"
(5)
.
(45 -
باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه بعد البيع)
حاصل الترجمة أن خيار المجلس يبطل بالتخاير، وقد تقدم الخلاف فيه، فهو رد على إحدى الروايتين لأحمد من أنه يبقى الخيار إلى المجلس بعد التخاير أيضًا.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(6)
: هذه الترجمة تحتمل محملين:
(1)
"أوجز المسالك"(13/ 137).
(2)
"المغني"(6/ 43).
(3)
"فتح الباري"(4/ 328).
(4)
"المغني"(6/ 10).
(5)
"أوجز المسالك"(13/ 130).
(6)
"لامع الدراري"(6/ 47 - 48).
أحدهما: أن المتبايعين إذا كان لأحدهما خيار الشرط فقد وجب البيع وانعقد السبب وإن تأخر المسبب والحكم إلى ما بعد إسقاط الخيار أو انقضاء الأجل، وهذا إذا أريد بقوله:"أو يخير أحدهما الآخر" شرط الخيار.
وثانيهما: أن يراد بالترجمة أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه في أثناء المبايعة: اختر لنفسك القبول أو الرد فاختير البيع والقبول لا الرد فإن البيع واجب حينئذٍ ويثبت الحكم وهو الملك غير متراخ، وهذا إذا حمل قوله:"أو يخير أحدهما الآخر" على هذا المعنى فمعنى قوله في الرواية: "فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" مختلف باختلاف معنى قوله: "أو يخير"، انتهى. واختار الشرَّاح الاحتمال الثاني من هذين الاحتمالين.
(46 -
باب إذا كان البائع بالخيار. . .) إلخ
كأنه أراد الرد على من حصر الخيار في المشتري دون البائع فإن الحديث قد سوى بينهما في ذلك، وقال في موضع آخر: قال الثوري: يختص الخيار بالمشتري ويمتد له إلى عشرة أيام فأكثر، ويقال: إنه انفرد بذلك، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(47 -
باب إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: كأنه قاس على الهبة البيع فكما جازت هبة المشتري قبل قبضه فكذلك البيع، وإنما منعه أبو حنيفة رحمه الله تعالى لقوله عليه الصلاة والسلام:"لا تبع ما ليس عندك" ولورود النهي عن بيع الطعام قبل القبض، وقد قال ابن عباس:"أحسب كل شيء مثله" مع أن العلة وهي كون المبيع مظنة الهلاك يشمل كل شيء إلا العقارات فوجب
(1)
"فتح الباري"(4/ 327 - 434).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 51 - 53).
تعميم الحكم، ولا يبعد أن يقال - والله أعلم بحقيقة الحال -: إن غرض البخاري رحمه الله منها ليس إثبات جواز الهبة بخصوصها بل المقصود بيان بعض التصرفات الجائزة قبل القبض كالعتق مثلًا والهبة على رأيه والبيع مطلقًا على رأي طاوس كما ذكره رحمه الله، فكان من جزئياته بيع المبيع من البائع ولو قبل قبض البائع الثمن والمشتري المبيع، وإن كان مشروطًا بكونه على الثمن الأول على ما ذكروه في باب الإقالة، وعلى هذا فلا يضرنا أثر ابن عمر رضي الله عنهما على التأويل الذي ذكرنا من حمل الخيار على الاستحباب، والله أعلم، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
قلت: قصة عمر في الإبل الصعب لما كان مخالفًا لمن قال بخيار المجلس أولها المصنف بهذه الترجمة وأشار إلى الجواب بأن سكوت البائع يكفي، وأشكل بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له حق في التصرف لما فيه خيار لغيره، وأجاب عنه الحافظ بأنه واقعة لا نعلم حقيقتها، وأوَّله الشافعية بوجوه أخر ذكره في "الفتح"
(1)
.
والعجب من الإمام البخاري أورد على الأحناف في "كتاب الإكراه" في "باب إذا أكره حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز، وبه قال بعض الناس. . ." إلخ، وحاصله أنه ألزم الحنفية أنهم لا يجوزون بيع المكره وهبته ومع ذلك قالوا: لو نذر المشتري في ذلك الشيء المشترى أو دبره لو كان عبدًا أنه جائز، فأثبت التعارض والتناقض بين قولهم من عدم جواز البيع مع جواز تصرف المشتري فأنا أقول: إنه يرد مثل ذلك ههنا على الإمام البخاري ومن وافقه ممن قالوا بخيار المجلس من أنهم لما أثبتوا خيار المجلس للبائع فكيف جاز عندهم تصرف المشتري في ذلك، فتأمل.
(1)
"فتح الباري"(4/ 335).
(48 -
باب ما يكره من الخداع في البيع)
قال الحافظ
(1)
: كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الخداع في البيع مكروه ولكنه لا يفسخ البيع، إلا إن شرط المشتري الخيار على ما تشعر به القصة المذكورة في الحديث، انتهى.
قلت: لكن الخداع حرام منهي عنه، والمصنف أبطل بيع النجش كما سيأتي لكونه حرامًا ومنهيًا عنه.
قال العيني
(2)
تحت ذكر ما يستفاد من الحديث: مذهب الحنفية والشافعية على أن الغبن غير لازم فلا خيار للمغبون سواء قل الغبن أو كثر، وهو الأصح من روايتي مالك، وقال البغداديون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة وإن كان دونه فلا، وقيل: السدس، وعن داود: العقد باطل، وعن مالك: إن كانا عارفين بتلك السلعة وسعرها وقت البيع لم يفسخ البيع، كثيرًا كان الغبن أو قليلًا، فإن كان أحدهما غير عارف بذلك فسخ البيع إلا أن يريد أن يمضيه، ولم يحد مالك حدًا، وأثبت هؤلاء خيار الغبن بالحديث المذكور، انتهى.
وقال القسطلاني
(3)
: قوله: "إذا بايعت فقل لا خلابة"، واستدل به أحمد لأنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وحده بعض الحنابلة بثلث القيمة، وقيل بسدسها، وأجاب الشافعية والحنفية والجمهور بأنها واقعة عين وحكاية حال فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد، انتهى. وذكر في "الأوجز"
(4)
ههنا عدة أبحاث فقهية، فارجع إليه.
(49 -
باب ما ذكر في الأسواق)
قال ابن بطال: أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق للأشراف والفضلاء، وكأنه أشار إلى ما لم يثبت على شرطه من أنها شر
(1)
"فتح الباري"(4/ 337).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 394).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 92).
(4)
"أوجز المسالك"(13/ 262 - 272).
البقاع، وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حيث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق": وإسناده حسن، قال ابن بطال: وهذا خرج على الغالب وإلا فرُب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد، انتهى
(1)
.
قوله: (دعا رجل بالبقيع) كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: وكانت على قرب منه تجارات من الخيول وغيرها فصح إيراده ههنا وفيه الترجمة، انتهى. وبسط في هامشه الكلام من كلام الشرَّاح وغيره.
(50 -
باب كراهية الصخب في السوق)
وفي نسخة الحافظ
(3)
: "السخب" بالسين المهملة، فقال: السخب بفتح المهملة والخاء المعجمة بعدها موحدة، ويقال فيه الصخب بالصاد المهملة بدل السين، وهو رفع الصوت بالخصام، وأورد المصنف فيه حديث عبد الله بن عمرو في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، والغرض منه قوله:"ولا سخّاب في الأسواق"، انتهى.
قلت: والحاصل أنه أخذ الكراهة من نفي كونه صفة له صلى الله عليه وسلم، وهو مشكل لأن كثيرًا من المباحات ليست من صفته عليه الصلاة والسلام، اللَّهم إلا أن يقال: إنه ذكر في مقام المدح فمقتضاه أن مقابله مما يذم ويكره.
قوله: ({يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ. . .}) إلخ، قال العلامة السندي
(4)
: لعله يكون حكاية عما أنزل الله تعالى عليه في القرآن أو غيره إذ لا يمكن الخطاب معه صلى الله عليه وسلم في التوراة حين أنزلت التوراة، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 339).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 56 - 57).
(3)
"فتح الباري"(4/ 343).
(4)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(2/ 14).
(51 -
باب الكيل على البائع والمعطي)
قال الحافظ
(1)
: أي مؤنة الكيل على المعطي بائعًا كان أو مُوَفِّي دين أو غير ذلك، ويلتحق بالكيل في ذلك الوزن فيما يوزن من السلع وهو قول فقهاء الأمصار، وكذلك مؤنة وزن الثمن على المشتري إلا نقد الثمن فهو على البائع على الأصح عند الشافعية، انتهى.
قال العيني
(2)
: قال الفقهاء: إن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات على البائع، ومن عليه الوزن والكيل فعليه أجرة ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، انتهى.
وفي "الهداية": وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع، أما الكيل فلا بد منه للتسليم وهو على البائع، ومعنى هذا إذا بيع مكايلة، وكذا أجرة الوزان والزراع والعداد، وأما النقد فالمذكور رواية ابن رستم عن محمد، وفي رواية ابن سماعة عنه: على المشتري، انتهى.
وقال الموفق: أجرة الكيال والوزان على البائع، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع"
(3)
.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
تحت الباب: ودلالة الرواية عليه ظاهرة أما في الأولى فقد كتبه المحشي، وأما في الثانية ففي قوله عليه الصلاة والسلام لجابر:"كِلْ للقوم" وكان هو المعطي، ولما كان في الترجمة ذكر الكيل ناسب أن يذكر الآية التي ذكر فيها الكيل فقال:{وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} [المطففين: 3] مع أن فيه دلالة على أن الكيل والوزن إنما هو على البائع والمعطي، ولا يتوهم أن أول الآية وهو قوله تعالى:{إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} [المطففين: 2] يدل على أن الكيل قد يكون من المشتري والآخذ أيضًا؛ لأن معنى قوله: {اكْتَالُوا} هو الأخذ والاستيفاء لا الكيل، ولو سلم
(1)
"فتح الباري"(4/ 344).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 409).
(3)
"اللامع"(6/ 58 - 59).
(4)
"لامع الدراري"(6/ 59 - 61).
فالمعنى إذا كال لهم البائع لا يستسلمون كيله فنسب الكيل إليهم لأنهم المتصرفون فيه، وقوله صلى الله عليه وسلم:"اكتالوا حتى تستوفوا" أورده ههنا لدلالته على ما دلت عليه الآية من أن الاكتيال يستعمل لما يجعله المرء لنفسه، انتهى. وبسط الكلام عليه في هامشه.
(52 -
باب ما يستحب من الكيل)
قال الحافظ
(1)
: أي: في المبايعات، انتهى.
قلت: هذا ليس بوجيه بل الأوجه عندي أن المراد منه الكيل في الإنفاق على الأهل والعيال كما يدل عليه حديث الباب، وذكره المصنف ههنا تبعًا واستطرادًا.
قال الحافظ
(2)
: قال ابن بطال
(3)
: الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله، ومعنى الحديث أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم، مع ما وضع الله من البركة في مد أهل المدينة بدعوته صلى الله عليه وسلم، وقال ابن الجوزي
(4)
: يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه عند الكيل، انتهى.
ويشكل على الحديث ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا توكي فيوكي الله عليك"
(5)
، وأشكل منه ما روي عن عائشة "كان عندي شطر شعير فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني"
(6)
، وجمع الشرَّاح بينهما بوجوه.
(53 -
باب بركة صاع النبي صلى الله عليه وسلم
-)
إيراد المصنف هذه الترجمة عقب التي عقب التي قبلها يشعر بأن البركة المذكورة في حديث المقدام مقيدة بما إذا وقع الكيل بمد النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
"فتح الباري"(4/ 345).
(2)
"فتح الباري"(4/ 346).
(3)
(6/ 255).
(4)
"كشف المشكل"(4/ 174).
(5)
أخرجه البخاري (ح: 1433)، وأبو داود (ح: 1699).
(6)
أخرجه البخاري (ح: 6451، 3097)، ومسلم (ح: 2973).
وصاعه، ويحتمل أن يتعدى ذلك إلى ما كان موافقًا لهما لا إلى ما يخالفهما، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قال القسطلاني
(2)
: قوله: "يعني أهل المدينة" وهل يختص بالمد المخصوص أو بكل مد تعارفه أهل المدينة زاد أو نقص، وهو الظاهر لأنه أضافه إلى المدينة تارة وإلى أهلها أخرى، ولم يضفه عليه الصلاة والسلام إلى نفسه الزكية فدل على عموم الدعوة لا على خصوصها بمده عليه الصلاة والسلام، وقال أيضًا تحت قوله:"اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم": وقد استجاب الله دعاء رسوله وكثر ما يكتال بهذا الكيل حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، ولقد شاهدت من ذلك ما يعجز عنه الوصف، وهو علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن يتخذ ذلك المكيال رجاء بركة دعوته عليه الصلاة والسلام والاستنان بأهل البلد الذين دعا لهم عليه الصلاة والسلام، انتهى.
(54 -
باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة)
قال القسطلاني
(3)
: أي: ما يذكر في بيع الطعام قبل قبضه وما يذكر في الحكرة، انتهى.
قال الحافظ: الحكرة بضم المهملة وسكون الكاف: حبس السلع عن البيع، وليس في حديث الباب للحكرة ذكر، وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه، فلو كان الاحتكار حرامًا لم يأمر بما يؤول إليه، وكأنه لم يثبت عنده حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا "لا يحتكر إلا خاطئ" أخرجه مسلم، لكن مجرد إيواء الطعام إلى الرحال لا يستلزم الاحتكار الشرعي؛ لأن الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه،
(1)
"فتح الباري"(4/ 347).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 106 - 107).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 107).
ويحتمل أن يكون البخاري أراد بالترجمة بيان تعريف الحكرة التي نهي عنها في غير هذا الحديث، وأن المراد بها قدر زائد على ما يفسره أهل اللغة، فساق الأحاديث التي فيها تمكين الناس من شراء الطعام ونقله، ولو كان الاحتكار ممنوعًا لمنعوا من نقله، أو لبيَّن لهم عند نقله الأمد الذي ينتهون إليه، أو لأخذ على أيديهم من شراء الشيء الكثير الذي هو مظنة الاحتكار، وكل ذلك مشعر بأن الاحتكار إنما يمنع في حالة مخصوصة بشروط مخصوصة، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وفي "تراجم
(2)
شيخ المشايخ": إن قلت: ليس في أحاديث الباب ذكر الحكرة، قلت: أراد أن بيع الطعام لا بأس به إلا من علة خارجية كعدم القبض ونحوه، كأنه يقول: ما يذكر في بيع الطعام وما يمنعه من الحكرة ونحوها، انتهى.
قلت: واختلفوا فيما يكره فيه الاحتكار، قال النووي
(3)
: قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحلال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا جاءه من قرية، أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، وهذا تفصيل مذهبنا.
وقال ابن العربي
(4)
: قال مالك: الاحتكار في كل شيء إذا أضرّ بالناس، إلا الفواكه، وأما عند الحنابلة فما في "المغني"
(5)
: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أي شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره.
(1)
"فتح الباري"(4/ 348).
(2)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 389).
(3)
"شرح النووي على صحيح مسلم"(6/ 49).
(4)
"عارضة الأحوذي"(6/ 22).
(5)
"المغني"(6/ 317).
وفي "الدر المختار"
(1)
: كره احتكار قوت البشر كتينٍ وعنب ولوز، والبهائم كتِبنٍ وقتٍّ
(2)
في بلدٍ يضر بأهله، فإن لم يضر لم يكره، قال ابن عابدين: قوله: قوت البشر، قول أبي حنيفة ومحمد وعليه الفتوى، وعن أبي يوسف: كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار، وعن محمد: الاحتكار في الثياب، وقوله: كتين وعنب، أي: مما يقوم به بدنهم من الرزق، ولو دخنًا لا عسلًا وسمنًا، وقوله: في بلد يضر بأهله، بأن كان البلد صغيرًا، وقوله: لا يكون محتكرًا بحبس غلة أرضه؛ لأنه خالص حقه لم يتعلق به حق العامة، ألا ترى أن له أن لا يزرع، فكذا له أن لا يبيع، انتهى.
وفي "البدائع"
(3)
: والكلام في الاحتكار في موضعين، أحدهما: في تفسير الاحتكار وما يصير به الشخص محتكرًا، والثاني: في بيان حكمه، أما الأول فهو أن يشتري طعامًا في مصر ويمتنع عن بيعه وذلك يضر بالناس، وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر وذلك المصر صغير وهذا يضر به يكون محتكرًا، وإن كان مصرًا كبيرًا لا يضر به لا يكون محتكرًا، ولو جلب إلى مصر طعامًا من مكان بعيد وحبسه لا يكون احتكارًا، وعن أبي يوسف: أنه يكون احتكارًا، إلى أن قال: والاحتكار يجري في كل ما يضر بالعامة عند أبي يوسف قوتًا كان أو لا، وعند محمد لا يجري الاحتكار إلا في قوت الناس وعلف الدواب من الحنطة والشعير والتين والقت، إلى آخر ما بسط في الدلائل.
ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث، والرابع حديث عمر، ومطابقته للترجمة لما فيه من اشتراط قبض الشعير من الربويات في المجلس
(1)
"رد المحتار"(9/ 656).
(2)
"قت" بالقاف والتاء المثناة من فوق: الفصفصة - بكسر الفائين - وهي الرطبة من علف الدواب، "أوجز المسالك"(13/ 8)، و"مجمع بحار الأنوار"(4/ 205).
(3)
"بدائع الصنائع"(4/ 308 - 309).
فإنه داخل في قبض الطعام بغير شرط آخر، وقد استشعر ابن بطال
(1)
مباينته للترجمة فأدخله في ترجمة "باب بيع ما ليس عندك" وهو مغاير للنسخ المروية عن البخاري، انتهى من "الفتح"
(2)
.
وقال العلامة العيني
(3)
: مطابقته للترجمة من حيث إن فيه اشتراط القبض للربويات، وفي الترجمة ما يشعر باشتراط القبض للطعام، وزعم ابن بطال أنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة، انتهى.
ولا إشكال عندي لما قال الحافظ والعيني، وأما مطابقة بقية الأحاديث فظاهرة.
(55 -
باب بيع الطعام قبل أن يقبض. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
: لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك وكأنه لم يثبت على شرطه فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى، وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ "قلت: يا رسول الله! يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال:"لا تبع ما ليس عندك"
(5)
، انتهى.
وفي "البذل"
(6)
: قال الخطابي
(7)
: أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الطعام قبل القبض، وقال مالك: يجوز غيره، قال الحنفية: يجوز بيع العقار، وقال الشافعي: كل شيء مثل الطعام لا يجوز شيء منه، وقال أحمد: لا يجوز المكيل والموزون، ويجوز غيرهما، انتهى. وهكذا ذكر
(1)
(6/ 260).
(2)
"فتح الباري"(4/ 348).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 418).
(4)
"فتح الباري"(4/ 349).
(5)
"سنن أبي داود"(ح: 3503)، و"سنن الترمذي" (ح: 1232)، و"سنن النسائي" (ح: 4627)، و"سنن ابن ماجه" (ح: 2187).
(6)
"بذل المجهود"(11/ 211).
(7)
"معالم السنن"(3/ 135).
العلامة القسطلاني
(1)
.
وفي "الفيض"
(2)
: واعلم أن الاختلاف المذكور إنما هو في البيع خاصةً، لا في سائر التصرفات؛ لأنهم جوّزوا الهبة والتصدق قبل القبض، كما في "النهاية" و"البحر" عن محمد، ولذا ترى أرباب المتون لم يضعوا المسألة إلا في البيع، ففي "الهداية": من اشترى شيئًا مما ينقل ويحول، لم يجز له بيعه، حتى يقبضه، ويجوز بيع العقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز، انتهى.
(56 -
باب من رأى إذا اشترى طعامًا جزافًا. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: أي: تعزير من يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله، ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك، وهو ظاهر فيما ترجم له، وبه قال الجمهور، لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيَّدوه بالإيواء إلى الرحال، أما الأولى فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فدخل فيه المكيل، وأما الثاني فلان الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب، وفرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه وبه قال الأوزاعي وإسحاق، واحتج لهم بأن الجزاف مرئي فتكفي فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون. وفي الحديث: مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة، وإقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك، والله أعلم، انتهى مختصرًا.
قلت: وغرض الترجمة عندي رد على المالكية فإنهم فرقوا بين الجزاف والمكيل بخلاف الجمهور.
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 111).
(2)
"فيض الباري"(3/ 440).
(3)
"فتح الباري"(4/ 350 - 351).
(57 -
باب إذا اشترى متاعًا أو دابةً. . .) إلخ
قال العلامة العيني
(1)
: ولم يذكر الجواب لمكان الاختلاف، ولكن تصدير الترجمة بأثر ابن عمر يدل على أن اختياره ما ذهب إليه ابن عمر، وهو أن الهالك في الصورة المذكورة من مال المبتاع، وقال ابن بطال: اختلف العلماء في هلاك المبيع قبل القبض، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن ضمانه إن تلف من البائع، وقال أحمد وإسحاق: من المشتري، وأما مالك ففرق بين الثياب والحيوان، فقال: ما كان من الثياب والطعام فهلك قبل القبض فضمانه من البائع، وأما الدواب والحيوان والعقار فمصيبته من المشتري، انتهى.
قلت: وما حكى ابن بطال من مذهب الحنابلة هو الصحيح، كما في كتب فروعهم من "نيل المآرب"
(2)
وغيره، وما حكى القسطلاني من موافقتهم لمذهب الحنفية والشافعية ليس بصحيح.
ثم أورد المصنف حديث عائشة في قصة الهجرة، قال العيني
(3)
: مطابقته للترجمة من حيث إن لها جزئين: أما دلالته على الجزء الأول فظاهرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما أخذ الناقة من أبي بكر بقوله: "قد أخذتها بالثمن" الذي هو كناية عن البيع، تركه عند أبي بكر، فهذا يطابق قوله: فتركه عند البائع، وأما دلالته على الجزء الثاني - وهو قوله: أو مات قبل أن يقبض - فبطريق الإعلام أن حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عند البائع قياسًا عليه، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر: مطابقة الحديث بالترجمة من جهة أن البخاري أراد أن يحقق انتقال الضمان في الدابة ونحوها إلى المشتري بنفس العقد، فاستدل لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:"قد أخذتها بالثمن" وقد علم أنه لم يقبضها
(1)
"عمدة القاري"(8/ 424).
(2)
"نيل المآرب"(1/ 350).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 425).
(4)
"فتح الباري"(4/ 351 - 352).
بل أبقاها عند أبي بكر، ومن المعلوم أنه ما كان ليبقيها في ضمان أبي بكر لما يقتضيه مكارم أخلاقه حتى يكون الملك له والضمان على أبي بكر من غير قبض ثمن.
قال الحافظ: ولقد تعسف في هذا، وليس في الترجمة ما يلجئ إلى ذلك، فإن دلالة الحديث على قوله:"فوضعه عند البائع" ظاهرة جدًا، وأما دلالته على قوله:"أو مات قبل أن يقبض" فهو وارد على سبيل الاستفهام، ولم يجزم بالحكم في ذلك بل هو على الاحتمال فلا حاجة لتحميله ما لم يتحمل، نعم ذكره لأثر ابن عمر في صدر الترجمة مشعر باختيار ما دلَّ عليه فلذلك احتيج إلى إبداء المناسبة، والله الموفق، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن لفظ الترجمة في النسخ الهندية
(1)
بلفظ "فوضعه عند البائع فباع أو مات" إلخ، ولا يوجد لفظ "فباع" في النسخ المصرية، ولا في الشروح الخمسة:"الكرماني"
(2)
"الفتح"
(3)
و"العيني"
(4)
و"القسطلاني"
(5)
و"السندي"
(6)
، وكتب المحشي على هامش الهندية
(7)
: قوله: "فباع أو مات" هكذا في النسخ الموجودة، وأما المنقول عنه ففيه:"ضاع أو مات" مكان قوله: "فباع أو مات"، أما في "العيني" فلا يوجد فيه كلمة "فباع" ولا "ضاع" أصلًا بل لفظه "فوضعه عند البائع أو مات"، وكذا في "الفتح"، انتهى.
قلت: وقد تعرض له في تقرير مولانا محمد حسن المكي كما في هامش "اللامع"
(8)
فارجع إليه لو شئت، وفي "الفيض"
(9)
: وفي نسخة أخرى: "فضاع" بدل "فباع" وهو الظاهر؛ لأن ترجمة البيع قبل القبض مرّت
(1)
"صحيح البخاري"(1/ 287).
(2)
"الكرماني"(10/ 24).
(3)
"فتح الباري"(4/ 351).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 424).
(5)
"إرشاد الساري"(5/ 113).
(6)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(2/ 16).
(7)
(4/ 577).
(8)
"لامع الدراري"(6/ 64).
(9)
"فيض الباري"(3/ 441 - 442).
آنفًا، وإنما أراد في تلك الترجمة التنبيه على حكم ضياع المبيع قبل القبض، وحاصل الترجمة على ما فهمه الشارحون: أن المبيع إن هلك قبل القبض، هل يهلك من مال البائع أو المشتري؟ فالجمهور إلى أنه لو هلك قبل قبض المشتري هلك من مال البائع، وبعده من مال المشتري، قوله:"أو مات" أي: فإن مات المشتري قبل القبض، فعلى ورثته أن يقبضوه، وإن مات البائع فعلى أوليائه التسليم.
قلت: وعندي أن المصنف لم يتعرض إلى تلك المسألة بل إلى مسألة أخرى، وهي أن المشتري إذا اشترى المبيع، ثم وضعه عند البائع، فهل يجوز له أن يبيعه وهو عند البائع؟ والذي يظهر من تراجمه أنه يصح؛ لأن النقل ليس بشرط عنده، كما مرَّ، فصح لفظ:"فباع" على ما في أكثر النسخ، أما ما ذهب إليه أكثر الشارحين، فلا يصح إلا على نسخة:"فضاع".
ثم قوله: "أو مات" المراد منه موت أحد المتعاقدين دون المبيع؛ لأنه لا يقال فيه: مات، بل هلك، فتبين أنه لا تعلق لترجمته بما ذهب إليه الشارحون، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ترجمة الإمام البخاري تمت إلى قوله: "فوضعه عند البائع" والمقصود جواز ترك المبيع عند البائع، وهذا المعنى واضح من حديث عائشة، وأما قوله:"فباع أو مات" إلخ، فليس بجزء للترجمة، بل فرع على الترجمة مسألة مستأنفة لمكان اختلاف العلماء في ذلك، وبين مختاره في تلك المسألة بأثر ابن عمر، فلا حاجة إلى إثبات هذه المسألة من الحديث، وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع"
(1)
.
(1)
"اللامع"(6/ 64 - 68).
(58 -
باب لا يبيع على بيع أخيه. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: أورد فيه حديثي ابن عمر وأبي هريرة في ذلك، وأشار بالتقييد إلى ما ورد في بعض طرقه عند مسلم بلفظ "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له" وترجم أيضًا بالسوم ولم يقع له ذكر في حديثي الباب، وكأنه أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه أيضًا، وهو ما أخرجه في "الشروط"
(2)
من حديث أبي هريرة بلفظ "وأن يستام الرجل على سوم أخيه"، انتهى.
قلت: أو القيد في الترجمة شرح للحديث، وكذا المراد بالسوم شرح معنى الحديث فإنهم اختلفوا في معنى البيع الواقع في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: في معناه المعروف، أو الشراء، كما قاله ابن حبيب، أو السوم، كما قاله الإمام مالك، وهذا أحد الأبحاث الأربعة في هذا الحديث كما بسط في "الأوجز"
(3)
وأجمل في هامش "اللامع"
(4)
.
(59 -
باب بيع المزايدة)
أراد الإمام البخاري في هذه الترجمة استثناء بيع المزايدة وأنه لا يدخل في النهي عن البيع على بيع أخيه.
قال الحافظ
(5)
: لما تقدم في الباب قبله النهي عن السوم أراد أن يبيِّن موضع التحريم منه، وقد أوضحته في الباب الذي قبله - وأشار بذلك إلى ما قال قبل ذلك - ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك صريحًا فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهر ففيه وجهان للشافعية.
(1)
"فتح الباري"(4/ 353).
(2)
(ح 2727).
(3)
"أوجز المسالك"(13/ 219 - 221).
(4)
"اللامع"(6/ 70).
(5)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 390).
ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك وقال: إن لفظ الحديث لا يدل عليه، وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقًا كما نقله ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك.
ثم قال: وورد في البيع فيمن يزيد حديث أنس "أنه صلى الله عليه وسلم باع حلسًا وقدحًا" الحديث، أخرجه أحمد وأصحاب السنن مطولًا ومختصرًا، وكأن المصنف أشار بالترجمة إلى تضعيف ما أخرجه البزار من النهي عن بيع المزايدة، فإن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.
ثم أورد المصنف حديث جابر في بيع المدبر، واعترضه الإسماعيلي فقال: ليس فيه بيع المزايدة، وأجاب ابن بطال بأن شاهد الترجمة قوله في الحديث:"من يشتريه مني" قال: فعرضه للزيادة ليستقضي فيه للمفلس الذي باعه عليه، انتهى مختصرًا.
وأجاب شيخ مشايخنا الدهلوي في "تراجمه"
(1)
عن تعقب الإسماعيلي: بأنه استدل البخاري على جواز المزايدة بهذا الحديث اقتضاء كأنه يقول: كان الذي دبره مفلسًا محتاجًا وبيع المفاليس لا يكون إلا بالمزايدة، وأيضًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أنه لا يهتدي لأمره تولى البيع من قبله كما يتولى الولي عقود الصبي، فلو زاد أحد من أحد كانت الغبطة ظاهرة فلم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا البيع، انتهى.
(60 -
باب النجش. . .) إلخ
بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة، قاله الحافظ
(2)
.
وحكى العيني
(3)
عن "المغرب" بفتحتين، ويروى بسكون الجيم، انتهى.
(1)
"شرح تراجم أبواب البخاري"(ص 390).
(2)
"فتح الباري"(4/ 355).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 428).
قال الحافظ: وهو في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد، وفي الشرع الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك كما سيأتي عن الصحابي في ذلك الباب.
قال ابن بطال
(1)
: أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسًا على المصراة، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية، انتهى من "الفتح"
(2)
.
وفي "الفيض"
(3)
: وهذا البيع لا يجوز عند المصنف أصلًا، لورود النهي عنه.
قلت: النهي لا يستلزم البطلان دائمًا، فإنا نرى من عهد الصحابة إلى زمن الأئمة أن النهي إذا ورد في محل، يحمله بعضهم على الكراهة، وبعضهم على البطلان فلا كلية فيه، ففي محل كذا، وفي محل كذا، والإمام البخاري يحمله على البطلان في أكثر المواضع، وقلّ موضعٌ يكون النهي ورد فيه ثم حمله المصنف على الجواز، بل يعترض على الحنفية بحملهم النهي على الصحة.
قوله: (وهو خداع باطل. . .) إلخ، أراد المصنف من نقل تلك
(1)
(6/ 270).
(2)
"فتح الباري"(4/ 355).
(3)
"فيض الباري"(3/ 445).
الجزئيات: أن البيع لا يجوز، قلنا: سلّمنا عدم الحل أيضًا، ولكن الكلام في نفاذه لو اقتحمه أحد، انتهى.
(61 -
باب بيع الغرر وحبل الحبلة)
بفتح المهملة والموحدة فيهما، وقيل: هو بسكون الموحدة في الأول وهو من عطف الخاص على العام، ولشهرته في الجاهلية أفرد بالتنصيص عليه.
قال القسطلاني
(1)
: قال الحافظ
(2)
: ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحًا وكأنه أشار إلى ما أخرجه أحمد عن ابن عمر قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر"، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، انتهى.
وزاد القسطلاني
(3)
: لكنه لما كان حديث الباب في النهي عن بيع حبل الحبلة - وهو نوع من أنواع بيع الغرر - ذكر الغرر الذي هو عام، ثم عطف عليه حبل الحبلة من عطف الخاص على العام كما مرّ، لينبه على أن أنواع الغرر كثيرة وإن لم يذكر منها إلا حبل الحبلة من باب التنبيه بنوع مخصوص معلول بعلة على كل نوع توجد فيه تلك العلة، انتهى.
قلت: والظاهر أن بيع الغرر هذا باب، والتراجم الآتية فيما بعد فصول وأمثلة له، قال النووي
(4)
: النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدًا، انتهى.
واختلفوا في معنى بيع حبل الحبلة على أربعة أقوال شهيرة، كما في الشروح و"الكوكب الدري"
(5)
وهامشه.
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 121 - 122).
(2)
"فتح الباري"(4/ 357).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 123).
(4)
"صحيح مسلم بشرح النووي"(5/ 416).
(5)
"الكوكب الدري"(2/ 288).
(62 -
باب الْمُلامَسَة. . .) إلخ
وسيأتي بعده "باب بيع المنابذة" وهما من بيوع الجاهلية المعروفة المنهي عنها في الإسلام، بسط الكلام عليهما في "الأوجز"
(1)
، وحكى فيه عن الحافظ: اختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية، أصحها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك ولا خيار لك إذا نظرته، وهذا موافق للتفسيرين اللذين في الحديث، الثاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعًا بغير صيغة زائدة، الثالث: أن يجعلا اللمس شرطًا في قطع خيار المجلس وغيره، والبيع على التأويلات كلها باطل.
واختلفوا في المنابذة أيضًا على ثلاثة أقوال، وهي أوجه للشافعية، أصحها: أن يجعلا نفس النبذ بيعًا كما تقدم في الملامسة، وهو الموافق للتفسير في الحديث، والثاني: أن يجعلا النبذ بيعًا بغير صيغة، والثالث: أن يجعلا النبذ قاطعًا للخيار، واختلفوا في تفسير النبذ، فقيل: هو طرح الثوب، كما وقع تفسيره في الحديث، وقيل: هو نبذ الحصاة، والصحيح أنه غيره، قال الموفق: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في فساد هذين البيعين، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" و"هامش اللامع"
(2)
.
(63 -
باب بيع المنابذة. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبله.
(64 -
باب النهي للبائع أن لا يُحَفِّل الإبل. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: كذا في معظم الروايات، و"لا" زائدة، وقد ذكره
(1)
"أوجز المسالك"(13/ 100 - 101).
(2)
"اللامع"(6/ 76).
(3)
"فتح الباري"(4/ 361).
أبو نعيم بدون "لا"، ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة و"لا يحفل" بيان للنهي، وقيد النهي بالبائع إشارة إلى أن المالك لو حفل فجمع اللبن للولد أو لعياله أو لضيفه لم يحرم وهذا هو الراجح كما سيأتي، وذكر البقر في الترجمة وإن لم يذكر في الحديث إشارة إلى أنها في معنى الإبل والغنم في الحكم خلافًا لداود، والتحفيل بالمهملة والفاء: التجميع، قال أبو عبيد: سميت بذلك لأن اللبن يكثر في ضرعها، وكل شيء كثّرته فقد حفّلته، تقول: ضرعٌ حافلٌ، أي: عظيم، واحتفل القوم، إذا كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل.
قوله: (وكل محفلة) بالنصب عطفًا على المفعول من عطف العام على الخاص، إشارة إلى إلحاق غير النعم من مأكول اللحم بالنعم للجامع بينهما وهو تغرير المشتري، وقال الحنابلة وبعض الشافعية: يختص ذلك بالنعم، واختلفوا في غير المأكول كالأتان والجارية فالأصح: لا يرد اللبن عوضًا، وبه قال الحنابلة في الأتان دون الجارية، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز"
(1)
، والجملة: أن التصرية عيب عند الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، لحديث المصراة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليست التصرية عيبًا للاتفاق على أن الإنسان إذا اشترى شاة، فخرج لبنها قليلًا أن ذلك ليس بعيب، وقالوا: إن حديث المصراة مخالف للأصول المعروفة، كقوله صلى الله عليه وسلم:"الخراج بالضمان"، وهو أصل متفق عليه، ومنها: أن الأصل في المتلفات إما القيمة وإما المثل، وإعطاء صاع ليس بقيمة ولا مثل، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
وحكى شيخنا في "البذل"
(2)
عن العيني: إن الحديث يخالف الأصول لثمانية أوجه، ثم بسطها مع الزيادة على كلام العيني.
وفي "الفيض"
(3)
: وأجاب عنه الطحاوي بالمعارضة بحديث: "الخراج
(1)
"أوجز المسالك"(13/ 237 - 252).
(2)
"بذل المجهود"(11/ 152 - 153).
(3)
"فيض الباري"(3/ 450 - 451).
بالضمان" والجواب عندي: أن الحديث محمول على الديانة دون القضاء لما في "فتح القدير" في "باب الإقالة": أن الغرر إما قولي أو فعليٌّ، فإن كان قوليًّا، فالإقالة واجبة بحكم القاضي، وإن كان الثاني تجب ديانةً لا قضاءً، انتهى.
(65 -
باب إن شاء ردّ المصرّاة. . .) إلخ
قوله: (وفي حلبتها) بسكون اللام على أنه اسم الفعل، ويجوز الفتح على إرادة المحلوب، وظاهره أن التمر مقابل للحلبة، وزعم ابن حزم أن التمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللبن؛ لأن الحلبة حقيقة في الحلب مجاز في اللبن، والحمل على الحقيقة أولى، فلذلك قال: يجب رد التمر واللبن معًا، وشذ بذلك عن الجمهور.
قوله: (ففي حلبتها صاع من تمر) ظاهره أن صاع التمر في مقابل المصراة سواء كانت واحدة أو أكثر لقوله: "من اشترى غنما"، ثم قال:"ففي حلبتها صاع من تمر"، ونقله ابن عبد البر عمن استعمل الحديث، وابن بطال
(1)
عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة، وعن أكثر المالكية: يرد عن كل واحدة صاعًا حتى قال المازري
(2)
: من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة، إلى آخر ما في "الفتح"
(3)
، وذكر في "الأوجز"
(4)
بالبسط في حديث المصراة ثلاثة عشر بحثًا، وأجمل الكلام عليه في هامش "اللامع"
(5)
.
(66 -
باب بيع العبد الزاني. . .) إلخ
أي: جوازه مع بيان عيبه، انتهى من "الفتح"
(6)
.
(1)
(6/ 281 - 282).
(2)
"المعلم"(2/ 164).
(3)
"فتح الباري"(4/ 368 - 369).
(4)
"أوجز المسالك"(13/ 241 - 252).
(5)
"اللامع"(6/ 79 - 81).
(6)
"فتح الباري"(4/ 369).
وكتب مولانا محمد حسن المكي: غرضه إثبات أن الزنا عيب، وقوله:"ولو بحبل" علم منه أن الزنا عيب، ولذا قلّت قيمتها، انتهى
(1)
.
وقال الحافظ
(2)
: شاهد الترجمة منه قوله: "ولو بحبل من شعر" فإنه يدل على جواز بيع العبد الزاني، ويشعر بأن الزنا عيب في المبيع لقوله:"ولو بحبل من شعر"، انتهى.
قال العيني
(3)
: الزنا عيب في الأمة دون الغلام؛ لأنه يخل بالمقصود منها، وهو الاستفراش وطلب الولد، والمقصود من الغلام الاستخدام، وكذلك إذا كانت بنت زنا فهو عيب.
ثم قال العيني
(4)
: اختلف العلماء في العبد إذا زنى: هل هو عيب أم لا؟ فقال مالك: هو عيب في العبد والأمة، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال الشافعي: كل ما ينقص من الثمن فهو عيب، وقالت الحنفية: وهو عيب في الجارية دون الغلام، انتهى.
وإذا عرفت ذلك فقد علمت أن الحديث لا يخالف الحنفية لأنه وارد في الأمة دون الغلام، وأما إثبات الترجمة فبالقياس عليها، ومن فرق بينهما كالحنفية قالوا: لا يصح القياس لاختلاف المقصود منهما، انتهى.
قوله: (ولو بحبل من شعر) كتب الشيخ في "الكوكب الدري"
(5)
: قوله: "ولو بضفير" البيع ليس من ضرورته إخفاء العيب عن المشتري حتى يلزم المكروه بل في لفظ "الضفير" إشارة إليه فإن تقليل ثمنها إنما هو لأجل ما ظهر من عيبها عند المشتري، نعم يمكن أن يتوهم أن البيع ماذا يفيد فيها فإن الزنا لمَّا كان عادة لها كانت عند المشتري مثلها عند البائع مع ما لزم للبائع من المخالفة الظاهرة بقوله صلى الله عليه وسلم:"وأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك"،
(1)
انظر: "اللامع"(6/ 82).
(2)
"فتح الباري"(4/ 369).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 454).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 455).
(5)
"الكوكب الدري"(2/ 378).
والجواب: أن لتبدل الأيدي أثرًا في تنقل الأحوال لا سيما في أمثال تلك الخصال، فكم من امرأة هي منقادة لفحول الرجال، ومخالفة الرواية مقيّدة بما إذا لم يرتضه الآخر، وأما فيما نحن فيه فقد رضي المشتري لنفسه بما لم يرض به البائع لنفسه، انتهى.
وقال الحافظ
(1)
بعد ذكر الإشكال المذكور: وأجيب بأن السبب الذي باعه لأجله ليس محقق الوقوع عند المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج فإن الإخراج من الوطن المألوف شاق، ولجواز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره، قال ابن العربي: يرجى عند تبديل المحل تبديل الحال، ومن المعلوم أن للمجاورة تأثيرًا في الطاعة وفي المعصية، انتهى.
قوله: (إذا زنت ولم تحصن) ذكر الإحصان فيه غريب مشكل جدًا، فتنبه له، وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع"
(2)
وعلى المسألة في "الأوجز"
(3)
، وسيأتي الكلام عليه في محله في "كتاب الحدود" إن شاء الله تعالى.
(67 -
باب البيع والشراء مع النساء)
قال الحافظ
(4)
: أورد فيه حديث عائشة وابن عمر في قصة شراء بريرة، وشاهد الترجمة منه قوله:"ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله" لإشعاره بأن قصة المبايعة كانت مع رجال، وكان الكلام في هذا مع عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى.
وقال العيني
(5)
: مطابقة حديث عائشة في قوله: "اشتري" يخاطب به
(1)
"فتح الباري"(12/ 164 - 165).
(2)
"اللامع"(6/ 82 - 83).
(3)
"أوجز المسالك"(15/ 293 - 297).
(4)
"فتح الباري"(4/ 370).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 458 - 459).
عائشة، والبيع والشراء كان في بريرة حيث اشترتها عائشة من أهلها وصدق البيع والشراء ههنا من النساء مع الرجال، وقال بعضهم: شاهد الترجمة منه قوله. . . فذكر قول الحافظ المذكور، ثم قال: فيما ذكره بُعد، والأقرب الأوجه ما ذكرنا.
ثم قال العيني: ومطابقة حديث ابن عمر للترجمة في قوله: "سَاوَمَتْ" فإنها ساومت أهل بريرة، وهو البيع والشراء بين الرجال والنساء، انتهى.
(68 -
باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر
(1)
وغيره: حمل المصنف النهي عن بيع الحاضر للبادي على معنى خاص وهو البيع بالأجر أخذًا من تفسير ابن عباس، وقَوَّى ذلك بعموم أحاديث "الدين النصيحة" لأن الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالبًا، وإنما غرضه تحصيل الأجرة، فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أجرة من باب النصيحة، ويؤيده ما سيأتي في بعض طرق الحديث المعلق أول أحاديث الباب، وكذلك ما أخرجه أبو داود عن سالم المكي:"أن أعرابيًا حدثه أنه قدم بحلوبة له على طلحة بن عبيد الله، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك فشاورني حتى آمرك وأنهاك"، انتهى.
ثم قال البخاري: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له" قال الحافظ: هو طرف من حديث وصله أحمد
(2)
عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه "حدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل الرجل فلينصح له" ورواه البيهقي عن جابر مثله، انتهى مختصرًا
(3)
.
وفي حديث النهي عن بيع حاضر لباد ستة أبحاث مبسوطة في
(1)
"المتواري"(ص 244).
(2)
"المسند"(3/ 418).
(3)
انظر: "فتح الباري"(4/ 370 - 371).
"الأوجز"
(1)
منها حكمه: فقد كرهه الأئمة الثلاثة، وقال مجاهد وأبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بذلك.
وفي "الدر المختار"
(2)
: كره بيع الحاضر للبادي في حالة قحط وعوز، وإلا لا؛ لانعدام الضرر.
وقال الحافظ
(3)
: وبقول مجاهد في ذلك أخذ أبو حنيفة وتمسكوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" وزعموا أنه ناسخ لحديث النهي، وحمل الجمهور حديث "الدين النصيحة" على عمومه إلا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص فيقضى على العام، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وجمع البخاري بينهما بتخصيص النهي بمن يبيع له بالأجرة كالسمسار، وأما من ينصحه فيعلمه بأن السعر كذا مثلًا فلا يدخل في النهي عنده، والله أعلم، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم على حديث الباب بلفظ "هل" قال العيني
(4)
: جواب الاستفهام يعلم من المذكور في الباب، واكتفى به على جاري عادته في ذلك في بعض التراجم، انتهى.
وأنت خبير بأن ذلك ليس بوجيه، فإنه ليس بموجب لتقييد الترجمة بالشك.
والأوجه عندي: أن المعروف من دأب المصنف أنه قد يترجم بلفظ "هل" إشارة إلى الاحتمال كما تقدم مبسوطًا في الأصل الثاني والثلاثين من أصول التراجم، وههنا أشار بذلك إلى احتمال جواز بيع الحاضر للبادي بأجر بناءً على ما سيأتي من جواز السمسرة عنده في "باب أجر السمسرة"، فإن السمسرة لما كانت جائزة عنده، وبيع الحاضر للبادي جائز بدون الأجر، فأي مانع من جوازه بالأجر، ويحتمل أيضًا أن يكون غرضه بلفظ
(1)
"أوجز المسالك"(13/ 228 - 237).
(2)
"الدر المختار"(7/ 312).
(3)
"فتح الباري"(4/ 371).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 459).
"هل" الإشارة إلى عدم الجواز مطلقًا، كما هو مذهب الجمهور، فإن الروايات المرفوعة في ذلك مطلقة، والتقييد بالأجر تفسير من الصحابي، فتدبر
(1)
.
(69 -
باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر)
قال الحافظ
(2)
: وبه قال ابن عباس حيث فسر ذلك بالسمسار، كما في الحديث الذي قبله، وأورد فيه حديث ابن عمر، وليس فيه التقييد بأجر كما في الترجمة، قال ابن بطال
(3)
: أراد المصنف أن بيع الحاضر للبادي لا يجوز بأجر، ويجوز بغير أجر، واستدل على ذلك بقول ابن عباس، وكأنه قيد به مطلق حديث ابن عمر، انتهى.
وقال العيني
(4)
: فإن قلت: لا ذكر للأجر في الحديث؟ قلت: قال الكرماني: النهي عام لما بالأجر ولما بغير الأجر، ثم ذكر قول ابن بطال المذكور، وقال: الأوجه ما قاله ابن بطال بأن حديث ابن عمر عام فبعمومه يتناول كراهة بيع الحاضر للبادي بالأجر، واستدل على عدم كراهته إذا كان بلا أجر بقول ابن عباس؛ لأنه قال:"لا يكون له سمسارًا" والسمسار يأخذ الأجر، فخصص عموم حديث ابن عمر بحديث ابن عباس، انتهى.
قلت: بقي ههنا شيء وهو أن الإمام البخاري رحمه الله ترجم بقوله: "باب من كره" إلخ، وتقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم أن من عادة الإمام البخاري أنه يترجم بمذهب ذهب إليه قبل ذلك، ويذكر في الباب ما يدل بنحو من الدلالة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: باب من قال كذا، انتهى. وهذا يشير إلى الاحتمال الثاني من الاحتمالين اللذين ذكرتهما في الباب السابق، انتهى من هامش "اللامع"
(5)
.
(1)
انظر: "اللامع"(6/ 86).
(2)
"فتح الباري"(3/ 373).
(3)
(6/ 287).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 462).
(5)
"اللامع"(6/ 86 - 87).
(70 -
باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: أي: قياسًا على البيع له أو استعمالًا للفظ البيع في البيع والشراء، قال ابن حبيب المالكي: الشراء للبادي مثل البيع، لقوله عليه الصلاة والسلام:"لا يبيع بعضكم على بعض" فإن معناه الشراء، وعن مالك في ذلك روايتان، انتهى.
قلت: هذا هو البحث الثالث من الأبحاث الستة، قال العيني
(2)
: اختلفوا في شراء الحاضر للبادي فكرهت طائفة كما كرهوا البيع، واحتجوا بأن البيع في اللغة يقع على الشراء أيضًا، وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إن النهي إنما جاء في البيع خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ، واختلف قول مالك في ذلك، وبهذا قال الشافعي، انتهى.
وفي "الفيض"
(3)
: والحديث لم يرد فيه إلا بلفظ البيع، وترجم عليه المصنف بالشراء والبيع معًا، وادّعى أنه مشترك بينهما، فلعله اختار عموم المشترك، كما نُسِبَ إلى الشافعي، إلى آخر ما ذكر الكلام على الاشتراك اللفظي والمعنوي.
(71 -
باب النهي عن تلقي الركبان. . .) إلخ
جزم المصنف بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد، لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهي عنه لا ما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه فيصح البيع ويثبت الخيار بشرطه الآتي ذكره، وأما كون صاحبه عاصيًا آثمًا والاستدلال عليه بكونه خداعًا فيصح، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون البيع مردودًا؛ لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل بشيء من أركانه وشرائطه وإنما هو لدفع الأضرار بالركبان، والقول ببطلان البيع صار إليه بعض المالكية وبعض الحنابلة.
(1)
"فتح الباري"(4/ 373).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 462).
(3)
"فيض الباري"(3/ 457).
ويمكن أن يحمل قول البخاري أن البيع مردود على ما إذا اختار البائع رده فلا يخالف الراجح، وقد تعقبه الإسماعيلي وألزمه التناقض ببيع المصراة فإن فيه خداعًا ومع ذلك لم يبطل البيع، وبكونه فصل في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيع له بأجر أو بغير أجر، قال ابن المنذر: أجاز أبو حنيفة التلقي وكرهه الجمهور.
قال الحافظ
(1)
: والذي في كتب الحنفية: يكره التلقي في حالتين: أن يضر بأهل البلد، وأن يلتبس السعر على الواردين، إلى آخر ما بسط في تفاريع المسألة والاختلاف، قال العيني
(2)
: وقال بعضهم: جزم البخاري بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد لكن محل ذلك عند المحققين. . . إلى آخر ما تقدم في كلام الحافظ، ثم قال العيني: قلت: هؤلاء المحققون هم الحنفية، فإن مذهبهم في باب النهي هذا، وينبني على هذا الأصل مسائل كثيرة محلها كتب الفروع، ثم ذكر تفصيل الاختلاف في مسألة الباب، وذكر في "الأوجز"
(3)
في هذا الحديث ثلاثة أبحاث، الأول: في حكم التلقي كما في ترجمة الباب، والثاني: في محل التلقي وترجم له البخاري "
باب منتهى التلقي
" كما سيأتي، والبحث الثالث: في حكم من تلقى، بسط الكلام على هذه الأبحاث في "الأوجز".
(72 - باب منتهى التلقي
(4)
)
يعني: إلى أين ينسحب النهي عن التلقي، فإنه لا بد للشراء من الخروج وقد نهينا عن التلقي، فكيف بأمر الشراء والتجارات؟ كذا في
(1)
"فتح الباري"(4/ 374).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 464).
(3)
"أوجز المسالك"(13/ 222 - 225).
(4)
في هامش "الفيض"(3/ 459) عن "العارضة": قال مالك في حد التلقي: الميل في رواية، والفرسخين في أخرى، واليومين في رواية ابن وهب.
"الفيض"
(1)
، قال العلامة العيني
(2)
: اعلم أن التلقي له ابتداء وانتهاء، أما ابتداؤه فهو من الخروج من منزله إلى السوق، وأما انتهاؤه فهو من جهة البلد لا حد له، وأما من جهة التلقي فهو أن يخرج من أعلى السوق، وأما التلقي في أعلى السوق فهو جائز، وأما كان خارجًا من السوق في الحاضرة أو قريبًا منها بحيث يجد من يسأله عن شعرها فهذا يكره أن يشتري هناك؛ لأنه داخل في معنى التلقي، وإن خرج من السوق ولم يخرج من البلد فقد صرح الشافعية بأنه لا يدخل في النهي، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك فيجوز فيه البيع، وليس بتلقٍّ، قال مالك: وأكره أن يشتري في نواحي المصر حتى يهبط إلى السوق، قال ابن المنذر: بلغني هذا القول عن أحمد وإسحاق أنهما نهيا عن التلقي خارج السوق ورخصا في ذلك في أعلاه، ومذاهب العلماء في حد التلقي متقاربة، انتهى مختصرًا.
قلت: هذا هو البحث الثاني من الأبحاث الثلاثة المذكورة في الباب السابق.
(73 -
باب إذا اشترط في البيع شروطًا لا تحل)
قال الحافظ
(3)
: أي: هل يفسد البيع بذلك أم لا؟ وأورد فيه حديثي عائشة وابن عمر في قصة بريرة، وكأن غرضه بذلك أن النهي يقتضي الفساد، فيصح ما ذهب إليه من أن النهي عن تلقي الركبان يرد به البيع، انتهى.
وقال العيني
(4)
: قوله: "لا تحل" صفة "شروطًا" وليس هو جواب "إذا" وجوابه محذوف تقديره: لا يفسد البيع بذلك، وبنحو ذلك قال القسطلاني
(5)
إذ قال: "باب إذا اشترط" إلخ، أي: هل يفسد البيع أم لا؟ و"تحل" صفة لقوله: "شروطًا"، انتهى.
(1)
"فيض الباري"(3/ 459).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 467).
(3)
"فتح الباري"(4/ 376).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 469).
(5)
"إرشاد الساري"(5/ 146).
ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يكون قوله: "لا تحل" جوابًا لإذا، والمعنى أن الشروط لا تجوز في البيع فإن صنيع الإمام البخاري يدل على أنه موافق في هذه المسألة للإمام أحمد، فإن الخلاف في هذه المسألة شهير، وهو أن الإمام أحمد أجاز البيع بشرط واحد، ولم يجوزه بشرطين، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي إذ منعا البيع بشرط ولو بواحد، وأما الإمام مالك فالشروط عنده ثلاثة أنواع: شروط تبطل هي والبيع معًا، وشروط تجوز هي والبيع معًا، وشروط تبطل ويثبت البيع، بسط الكلام عليها في "الأوجز"
(1)
، وما قلت: إن صنيع الإمام البخاري يدل على موافقة الإمام أحمد، يدل عليه أن الإمام البخاري ترجم في "كتاب الشروط" بـ "باب الشروط في البيع" وأورد فيه حديث عائشة في قصة بريرة ثم ترجم بـ "باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان جاز" وأورد فيه حديث جمل جابر، وقال فيه: الاشتراط أكثر وأصح عندي، انتهى
(2)
.
(74 -
باب بيع التمر بالتمر)
قال القسطلاني
(3)
: بالمثناة وسكون الميم فيهما، انتهى.
ترجم المصنف من ههنا على الأشياء الخمسة الواردة في الحديث، وليس في رواية البخاري ذكر الملح، ولذا لم يترجم المصنف للملح.
قال القسطلاني
(4)
بعد حديث الباب: زاد مسلم من رواية أبي سعيد الخدري "والملح بالملح" ويقاس على ذلك سائر الطعام وهو ما قصد للطعم اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا فإنه نص على البر والشعير، والمقصود منهما
(1)
"أوجز المسالك"(12/ 367 - 374).
(2)
"اللامع"(6/ 94).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 150).
(4)
"إرشاد الساري"(5/ 150).
التقوت فألحق بهما ما يشاركهما في ذلك كالأرز والذرة، وعلى التمر، والمقصود منه التأدم والتفكه وألحق به ما يشاكله في ذلك كالزبيب والتين، وعلى الملح المروي في مسلم، والمقصود منه الإصلاح فألحق به ما يشاركه في ذلك كالمصطكى وغيرها من الأدوية، فيشترط في بيع ذلك إذا كانا جنسًا واحدًا ثلاثة أمور: الحلول والمماثلة والتقابض في المجلس قبل التفرق، وإن كانا جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل واشترط الحلول والتقابض قبل التفرق، ويدل له حديث الباب مع حديث مسلم:"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" أي: مقايضة، انتهى.
(75 -
باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام)
وفي "الفتح"
(1)
: ليس في الحديث الذي ذكره للطعام ذكر، وكذلك ذكر فيه الزبيب بالزبيب والذي في الحديث الزبيب بالكرم، قال الإسماعيلي: لعله أخذ ذلك من جهة المعنى، ولو ترجم للحديث ببيع التمر في رؤوس الشجر بمثله من جنسه يابسًا لكان أولى.
قال الحافظ: ولم يخل البخاري بذلك كما سيأتي بعد ستة أبواب، وأما ههنا فكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من ذكر الطعام في رواية الليث عن نافع، كما سيأتي إن شاء الله، وروى مسلم من حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا:"الطعام بالطعام مثلًا بمثل"، انتهى.
قلت: وما أشار إليه الحافظ من رواية الليث عن نافع فالظاهر أنه أشار إلى ما سيأتي في "باب بيع الزرع بالطعام كيلًا"، وقال العيني
(2)
بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث المعنى، ثم ذكر قول
(1)
"فتح الباري"(4/ 377).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 472).
الإسماعيلي وكلام الحافظ المذكور، ثم تعقب عليه بقوله: هذا الذي قاله لا يساعد البخاري، والوجه ما ذكرناه من أنه أخذ في الترجمة من حيث المعنى، وهذا المقدار كافٍ في المطابقة، وربما يأتي بعض الأبواب ولا توجد المطابقة إلا بأدنى من هذا المقدار، والغرض وجود شيء ما من المناسبة، انتهى.
وقال الكرماني
(1)
: إن قلت: كيف دلَّ الحديث على الترجمة؟ قلت: مفهوم نهى عن بيع الزبيب بالعنب جواز بيع الزبيب بالزبيب، ويقاس بيع الطعام بالطعام عليه، انتهى.
(76 -
باب بيع الشعير بالشعير)
قال الحافظ
(2)
: أي: ما حكمه؟ ثم قال بعد ذكر الحديث: استدل بالحديث على أن البر والشعير صنفان، وخالف في ذلك مالك والليث والأوزاعي فقالوا: هما صنف واحد، انتهى.
وفي "الأوجز"
(3)
عن "المغني": البر والشعير جنسان، هذا هو المذهب، وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي وإسحاق وغيرهم، وعن أحمد: أنهما جنس واحد وحكي ذلك عن مالك وغيره، إلى آخر ما في هامش "اللامع"
(4)
.
(77 -
باب بيع الذهب بالذهب)
(78 -
وباب بيع الفضة بالفضة)
تقدم أن المصنف ترجم على كل واحد من الأشياء الخمسة الواردة في الحديث اهتمامًا بشأنها.
(1)
"الكرماني"(10/ 43).
(2)
"فتح الباري"(4/ 379).
(3)
"أوجز المسالك"(12/ 471).
(4)
"اللامع"(6/ 99/ 100).
قال العيني
(1)
: أي: هذا باب في بيان حكمه كيف هو؟ وهو أنه يجوز إذا كانا متساويين يدًا بيد، انتهى.
(79 -
باب بيع الدينار بالدينار نساءً)
بفتح النون وبالمهملة والمد والتنوين منصوبًا، أي: مؤجلًا مؤخرًا، يقال: أنساه نساء ونسيئة، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قلت: وأشار المصنف بالترجمة إلى الخلاف في هذه المسألة كما ذهب إليه ابن عباس خلافًا للجمهور.
قال صاحب "الفيض"
(3)
: اعلم أن ربا الفضل كان جائزًا عند ابن عباس تمسكًا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ربا إلا في النسيئة"، فلما لقيه أبو سعيد، وأخبره عن حرمته رجع عنه، وأما شرح الحديث المرفوع، فأحدها: ما ذكره الراوي، والثاني: أن نفيه عن غيره على معنى تنزيل الناقص منزلة المعدوم، فإن ربا الفضل وإن كان ربًا وحرامًا لكنه يقتصر على تلك المعاملة، ثم ينتهي، فمضرته أهون بخلاف ربا النسيئة، فإنه يجري، ثم يضاعف أضعافًا مضاعفة، فمضرته أشد وألزم، إلى آخر ما قال.
وقال الحافظ
(4)
: منع النسيئة مع اتفاق النوع واختلاف هو المجمع عليه، ومنع التفاضل في النواع الواحد منهما هو قول الجمهور، وخالف فيه ابن عمر ثم رجع، وابن عباس واختلف في رجوعه.
(80 -
باب بيع الورق بالذهب نسيئة)
قال القسطلاني
(5)
: الورق بفتح الواو، وكسر الراء، وقد تسكن الراء، وقد تكسر الواو مع إسكان الراء، فهي ثلاث لغات، أي: الدراهم
(1)
"عمدة القاري"(8/ 476).
(2)
"فتح الباري"(4/ 381).
(3)
"فيض الباري"(3/ 463 - 464).
(4)
"فتح الباري"(4/ 382).
(5)
"إرشاد الساري"(5/ 158).
المضروبة، ونسيئة على وزن كريمة ويجوز الإدغام فتكون على وزن برية، وحذف الهمزة وكسر النون كجلسة، انتهى.
قال الحافظ
(1)
: البيع كله إما بالنقد أو بالعرض، حالًّا أو مؤجلًا، فهي أربعة أقسام: فبيع النقد إما بمثله وهو المراطلة، أو بنقد غيره وهو الصرف، وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنًا والعرض عوضًا، وبيع العرض بالعرض يسمى مقايضة، والحلول في جميع ذلك جائز، وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرًا فلا يجوز، وإن كان العرض جاز، وإن كان العرض مؤخرًا فهو السلم، وإن كانا مؤخرين فهو بيع الدين بالدين وليس بجائز إلا في الحوالة عند من يقول: إنها بيع، انتهى.
وتقدم الكلام على أنواع البيوع في مبدأ "كتاب البيوع"، قال العيني
(2)
تبعًا للكرماني: إن قلت: كيف المطابقة والترجمة بيع الورق بالذهب والحديث عكسه، وهو بيع الذهب بالورق؟ قلت: الباء تدخل على الثمن إذا كان العوضان غير النقدين الذين هما للثمنية، أما إذا كانا نقدين فلا تفاوت في أيهما دخلت، فهما في المعنى سواء، انتهى.
(81 -
باب بيع الذهب بالورق يدًا بيد)
قال الحافظ
(3)
: ليس في الحديث التقييد بالحلول، وكأنه أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه فقد أخرجه مسلم عن أبي الربيع عن عباد المذكور وفيه "فسأله رجل فقال: يدًا بيد، فقال: هكذا سمعت" وأخرجه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير عن يحيى بن أبي إسحاق فلم يسق لفظه، فساقه أبو عوانة في "مستخرجه" فقال في آخره: "والفضة بالذهب كيف شئتم يدًا بيد" واشتراط القبض في الصرف متفق عليه، وإنما الاختلاف في التفاضل بين جنس واحد، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 382).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 482).
(3)
"فتح الباري"(4/ 383).
وقال العلامة السندي
(1)
: "باب بيع الذهب" إلخ، أي: يجوز تفاضلًا، وقوله:"يدًا بيد" إشارة إلى أنه محمل الحديث، والحاصل أنه قصد الاستدلال بالحديث على جواز البيع تفاضلًا، والحديث بإطلاقه يدل عليه، وزاد في الترجمة "يدًا بيد" ليكون كالشرح للحديث، انتهى.
(82 -
باب بيع المزابنة)
قال القسطلاني
(2)
: مفاعلة من الزبن وهو الدفع فإن كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع عن نفسه وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، انتهى.
واختلفوا في تفسير المزابنة، كما بسط في "الأوجز"
(3)
، وفيه: قال الحافظ: وفسر بعضهم المزابنة بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ، فالمغايرة بينهما ظاهرة من حديث البخاري عن ابن عمر مرفوعًا:"لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر"
(4)
وقيل: هي المزارعة على الجزء، وقيل غير ذلك، والذي تدل عليه الأحاديث في تفسيرها الأولى، انتهى.
(83 -
باب بيع الثمر على رؤوس النخل)
أي: بعد أن يطيب، وقوله:"بالذهب أو الفضة" اتبع فيه ظاهر الحديث، ثم قال بعد ذكر الحديث: قال ابن بطال
(5)
: إنما اقتصر على الذهب والفضة لأنهما جل ما يتعامل به الناس، وإلا فلا خلاف بين الأئمة في جواز بيعه بالعروض يعني بشرطه، انتهى من "الفتح"
(6)
.
(1)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(2/ 21).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 160).
(3)
"أوجز المسالك"(12/ 477).
(4)
"صحيح البخاري"(ح: 2183).
(5)
(6/ 309).
(6)
"فتح الباري"(4/ 387).
(84 -
باب تفسير العرايا. . .) إلخ
قال القسطلاني
(1)
: جمع عرية وهي لغة: النخلة ووزنها فعيلة، قال الجمهور: بمعنى فاعلة لأنها عريت بإعراء مالكها، أي: إفراده لها من باقي النخل فهي عارية، وقال آخرون: بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا أتاه لأن مالكها يعروها، أي: يأتيها، فهي معروّة، وأصلها عريوة فقلبت الواو ياءً وأدغمت، فتسمية العقد بذلك على القولين مجاز عن أصل ما عقد عليه، انتهى.
قلت: بسط في "الأوجز"
(2)
في تفسير العرية لغةً وشرعًا وحكمًا، وحاصل اختلاف الأئمة في ذلك أنها رجوع الواهب في هبته بعوض عند الحنفية، وشراء الواهب هبته عند المالكية، وقال الشافعي وأحمد: إن هذا القدر، أي: خمسة أوسق مستثنى من النهي عن المزابنة فيجوز بيعه مع الواهب وغيره، كذا في هامش "اللامع"
(3)
، وبسط الكلام على العرايا صاحب "الفيض"
(4)
أيضًا.
(85 -
باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. . .) إلخ
قال الحافظ
(5)
: ولم يجزم بحكم في المسألة لقوة الخلاف فيها، وقد اختلف في ذلك على أقوال: قيل: يبطل مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى والثوري، ووهم من نقل الإجماع على البطلان، وقيل: يجوز مطلقًا ولو شرط التبقية وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم من نقل الإجماع فيه أيضًا، وقيل: إن شرط القطع لم يبطل وإلا بطل، وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك، وقيل: يصح إن لم يشترط التبقية والنهي فيه محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلًا، وهو قول أكثر الحنفية، وقيل:
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 166).
(2)
"أوجز المسالك"(12/ 408 - 422).
(3)
"اللامع"(6/ 111).
(4)
"فيض الباري"(3/ 468 - 472).
(5)
"فتح الباري"(4/ 394).
هو على ظاهره لكن النهي للتنزيه، وحديث زيد بن ثابت المصدر به الباب يدل للأخير، وقد يحمل على الثاني، انتهى.
قال العيني
(1)
: مذهب الشافعي وأحمد ومالك وإسحاق عدم جواز بيع الثمار في رؤوس النخل حتى تحمر أو تصفر، ومذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وأبي يوسف جواز بيع الثمار على الأشجار، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في قول، انتهى مختصرًا.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز"
(2)
فذكر فيه سبعة أبحاث:
الأول: بيعها، أي: الثمار بشرط التبقية.
الثاني: بشرط القطع.
الثالث: بيعها مطلقًا لغير مالك الأصل.
الرابع: بيعها مع الأصل.
الخامس: بيعها بيد مالك الأصل.
السادس: أن يبيعها بشرط القطع، ثم يتركها حتى يبدو صلاحها.
والسابع: بيعها بعد بدو الصلاح وفيه أيضًا اختلاف، وأقوال، انتهى.
وفيه أيضًا الكلام على المراد في بدو الصلاح.
(86 -
باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها)
قال الحافظ
(3)
: هذه الترجمة معقودة لبيان حكم بيع الأصول، والتي قبلها لحكم بيع الثمار، انتهى.
قلت: يشكل عليه أن هذا الغرض سيأتي قريبًا في "باب بيع النخل بأصله"، وتعقب العيني
(4)
كلام الحافظ بوجه آخر فقال بعد ذكر كلام
(1)
"عمدة القاري"(8/ 484).
(2)
"أوجز المسالك"(12/ 393 - 394).
(3)
"فتح الباري"(4/ 397).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 501).
الحافظ: هذا كلام فاسد غير صحيح بل كل من الترجمتين معقودة لبيع الثمار، أما الترجمة الأولى فهي قوله:"باب في بيع الثمار. . ." إلخ، ولم يذكر فيه النخل ليشمل ثمار جميع الأشجار المثمرة، وههنا ذكر النخل والمراد ثمرته وليس المراد عين النخل؛ لأن بيع عين النخل لا يحتاج أن يقيد ببدو الصلاح أو بعدمه، ألا ترى في الحديث يقول:"وعن النخل حتى تزهو"، والزهو صفة الثمرة لا صفة عين النخل، والتقدير: عن ثمر النخل، فافهم، انتهى.
قال القسطلاني
(1)
: وأجاب الحافظ ابن حجر في انتقاض الاعتراض بأنه قد فات العيني أنه ينقسم إلى بيع النخل دون الثمرة أو الثمرة دون النخل أو هما معًا، ففي الأول لا يتقيد بصلاح الثمرة دون الأخيرين، انتهى.
ووافق السندي
(2)
العيني إذ قال: الظاهر أن مراده بيع ثمر النخل، وأفرده لموافقة الحديث الذي ذكره، وأفرد في الحديث اهتمامًا بشأنه لأن غالب ثمراتهم كان ثمر النخل، وعلى هذا فقوله في الحديث:"وعن النخل" أي: عن بيع ثمره من عطف الخاص على العام، والله أعلم، انتهى.
قلت: ويبقى على جواب الحافظ الإيراد الذي ذكرته من تكرار الترجمة بالآتية ولم يتعرض لذلك الشرَّاح، ويمكن التفصي عنه بأن المراد ههنا بيع الأصول والأشجار كما قال الحافظ، والمراد بالأصل في الترجمة الآتية الأرض، لكن فيه أن القسطلاني أنكر أن يكون المراد بالأصل هناك الأرض كما سيأتي، انتهى من هامش "اللامع"
(3)
.
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 174).
(2)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(2/ 23).
(3)
"اللامع"(6/ 113 - 114).
(87 -
باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: جنح البخاري في هذه الترجمة إلى صحة البيع وإن لم يبد صلاحها، لكنه جعله قبل الصلاح من ضمان البائع، ومقتضاه أنه إذا لم يفسد فالبيع صحيح، وهو في ذلك متابع للزهري كما أورده عنه في آخر الباب.
وقال بعد حديث الباب: واستدل بهذا على وضع الجوائح في الثمر يشتري بعد بدو صلاحه ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد: يضع الجميع، وقال الشافعي والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما قيد به في حديث أنس، انتهى.
وكتب شيخ مشايخنا مولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري نور الله مرقده في هامش "البخاري"
(2)
: قوله: "أرأيت إن منع الله الثمرة. . ." إلخ، فيه الترجمة لأن الثمرة إذا أصابتها عاهة ولم يقبضها المشتري تكون من ضمان البائع، فإذا قبضها فهو من مال المشتري، وبه قال جمهور السلف والثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد وغيرهم، قاله العيني
(3)
، انتهى.
(88 -
باب شراء الطعام إلى أجل)
قال العلامة العيني
(4)
: تقدم حديث الباب في "باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة"، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 398 - 399).
(2)
(4/ 639).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 502 - 503).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 505).
قلت: هو كذلك، وتقدم أيضًا في "باب شراء الإمام الحوائج بنفسه" وفي "الفيض"
(1)
، يعني اشترى طعامًا، ولم يؤد ثمنه، فهو بيع مطلق؛ لأنه أنه سلم، كما فهم، انتهى.
(89 -
باب إذا أراد بيع تمر بتمر. . .) إلخ
أي: ما يصنع ليسلم من الربا، وأجمعوا على أن التمر بالتمر لا يجوز بعضه ببعض إلا مثلًا بمثل، وسواء فيه الطيب والدون، وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد، انتهى من "الفتح"
(2)
باختصار.
(90 -
باب قبض من باع نخلًا قد أُبِّرت)
هكذا في النسخة المطبوعة الهندية التي بأيدينا، وفي نسخة الشروح:"باب من باع" بدون لفظ "القبض".
قال القسطلاني
(3)
: قوله: "باب من باع. . ." إلخ، ولأبي ذر "قبض من"، انتهى.
قوله: (بإجارة) قال الحافظ
(4)
: أي أخذ شيئًا مما ذكر بإجارة، انتهى.
وقال العلامة العيني
(5)
: وجواب من محذوف تقديره: فثمرتها للذي أبّرها، ولم يذكره اكتفاءً بما في الحديث.
قال العيني بعد ذكر أثر ابن عمر: فإن قلت: للترجمة ثلاثة أجزاء: الأول: بيع النخل المؤبرة، والثاني: بيع الأرض المزروعة، والثالث: الإجارة، فأين مطابقة الحديث لهذه الأجزاء؟ قلت: قوله: "نخل بيعت قد أبّرت" مطابق للجزء الأول، وقوله:"والحرث" - هو الزرع - مطابق للجزء الثاني، فالزرع للبائع إذا باع الأرض المزروعة ويفهم منه أنه: إذا آجر أرضه
(1)
"فيض الباري"(3/ 480).
(2)
"فتح الباري"(4/ 400).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 179).
(4)
"فتح الباري"(4/ 401).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 507 - 508).
وفيها زرع فالزرع له، وإن كانت الإجارة فاسدة عندنا في ظاهر الرواية، وهذا مطابق للجزء الثالث، ولم أر أحدًا من الشرَّاح قد تنبَّه لهذا مع دعوى بعضهم الدعاوي العريضة في هذا الفن، انتهى.
قلت: وذكر في "الأوجز"
(1)
في الحديث سبعة أبحاث، كما ذكر في هامش "اللامع"
(2)
فارجع إليه.
(91 -
باب بيع الزرع بالطعام كيلًا)
قال الحافظ
(3)
: قال ابن بطال
(4)
: أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم، وأما بيع رطب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة فالجمهور لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه لا متفاضلًا ولا متماثلًا.
قال الحافظ: وقد تقدم البحث قبل أبواب، واحتج الطحاوي لأبي حنيفة في جواز بيع الزرع الرطب بالحب اليابس بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر بل تختلف اختلافًا متباينًا، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، وبأن الرطب بالرطب وإن تفاوت لكنه نقصان يسير فعفي عنه لقلته بخلاف الرطب بالتمر فإن تفاوته تفاوت كثير، انتهى.
قلت: تقدم البسط في ذلك في "باب بيع المزابنة"، وتقدم هناك مستدل الإمام أبي حنيفة بأنهما جنس واحد فيجوز متساويًا، أو هما جنسان فيجوز كيف شئتم، كذا في هامش "اللامع"
(5)
.
(1)
"أوجز المسالك"(12/ 379 - 386).
(2)
"اللامع"(6/ 118 - 119).
(3)
"فتح الباري"(4/ 403).
(4)
(6/ 326).
(5)
"اللامع"(6/ 120).
(92 -
باب بيع النخل بأصله)
هذه الترجمة بظاهرها مكررة لما تقدم قريبًا "باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها" لا سيما على رأي الحافظ فإنه حمل الترجمة المذكورة قبل على بيع الأصول، ولم يتعرض أحد من الشرَّاح للتكرار، ويمكن التفصي عنه عند هذا العبد الضعيف بحمل الأولى على الأشجار، وحمل هذه الترجمة على الأرض، لكن فيه أن أكثر الشرَّاح حملوا هذه الترجمة أيضًا على الأشجار.
وقال الكرماني
(1)
: فإن قلت: ما أصل النخلة أهو الأرض أم لا؟ قلت: الإضافة بيانية نحو: شجر الأراك، أي: أصل هو النخلة، انتهى.
وكذا صاحب "الفيض"
(2)
إذ قال: "باب بيع النخل بأصله" أي: باع الثمار وباع معها النخل أيضًا.
قال العيني
(3)
: أي: باب بيع ثمر النخل بأصله أي: بأصل النخل.
وقال القسطلاني
(4)
: ليس المراد أرضها فالإضافة بيانية، انتهى. ولا إيراد على رأي العيني ومن وافقه فإن حمل الترجمة الأولى على الثمار كما تقدم، كذا في هامش "اللامع"
(5)
.
والحاصل أن ههنا ثلاث تراجم:
الأولى: "باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها".
والثانية: "باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها".
والثالثة: هذا الذي نحن فيه.
والفرق بين هذه التراجم على رأي العلامة العيني أن المقصود
(1)
"شرح الكرماني"(10/ 61).
(2)
"فيض الباري"(3/ 482).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 512).
(4)
"إرشاد الساري"(5/ 183).
(5)
"لامع الدراري"(6/ 121).
من الأولى بيان بيع الثمار على العموم سواء كان ثمر النخل أو ثمر غيره من الأشجار، والغرض من الثانية بيع ثمر النخل خاصة، والمراد ههنا بيع ثمر النخل مع النخل، وعلى هذا فلا تكرار بالترجمة.
(93 -
باب بيع المخاضرة)
بالخاء والضاد المعجمتين، وهي مفاعلة من الخضرة، والمراد بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قال القسطلاني
(2)
: قوله: "نهى عن المخاضرة" فلا يجوز بيع زرع لم يشتد حبه ولا بيع بقول وإن كانت تجذ مرارًا إلا بشرط القطع أو القلع أو مع الأرض كالثمر مع الشجر، فإن اشتد حب الزرع لم يشترط القطع ولا القلع كالثمر بعد بدو صلاحه، وكذا لا يصح بيع الجزر والفجل والثوم والبصل في الأرض لاستتار مقصودها، ويجوز بيع ورقها الظاهر بشرط القطع كالبقول، انتهى.
وقال الموفق
(3)
: لا يجوز بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط القطع في الحال، كما ذكرناه في الثمرة على الأصول، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا يعدل عن القول به، وهو قول مالك، وأهل المدينة، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، إلى آخر ما قال، انتهى من هامش اللامع
(4)
.
(94 -
باب بيع الجمّار وأكله)
أي: حكم بيع الجمَّار، بضم الجيم وتشديد الميم: قلب النخلة، انتهى من "القسطلاني"
(5)
.
(1)
"فتح الباري"(4/ 404).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 183 - 184).
(3)
"المغني"(6/ 151).
(4)
"اللامع"(6/ 122).
(5)
"إرشاد الساري"(5/ 185).
قال الحافظ
(1)
: وليس في الحديث ذكر البيع لكن الأكل منه يقتضي جواز بيعه، قاله ابن المنيِّر
(2)
، ويحتمل أن يكون أشار إلى أنه لم يجد حديثًا على شرطه يدل بمطابقته على بيع الجمار، وقال ابن بطال
(3)
: بيع الجمار وأكله من المباحات بلا خلاف، وكل ما انتفع به للأكل فبيعه جائز.
قال الحافظ: وفائدة الترجمة دفع توهم المنع من ذلك؛ لأنه قد يظن إفسادًا وإضاعة وليس كذلك، انتهى.
وقال الكرماني
(4)
: فإن قلت: ما الذي يدل على بيع الجمار؟ قلت: جواز أكله، ولعل الحديث مختصر مما فيه ذلك، أو غرضه الإشارة إلى أنه لم يجد حديثًا يدل عليه بشرطه، انتهى.
وقال العيني
(5)
بعد ذكر قول الكرماني: الجواب الأول أوجه من الآخرين، ثم ذكر قول الحافظ في فائدة الترجمة، ثم تعقب عليه بقوله: المقصود من الترجمة أن يدل على شيء في الحديث الذي يورده في بابها، وهذا الذي قاله أجنبي من ذلك، وليس بشيء على ما لا يخفى، انتهى.
قلت: والوجه عندي ما قاله الحافظ كما لا يخفى، فإن غرض الترجمة غير الترجمة، والذي يحتاج إلى ما في الحديث هي الترجمة لا غرضها، كذا في هامش "اللامع"
(6)
.
(95 -
باب من أجرى أمر الأمصار. . .) إلخ
قال العيني
(7)
: قوله: "وسننهم" عطف على "ما يتعارفون بينهم" أي: على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة، وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 405).
(2)
"المتواري"(ص 245).
(3)
(6/ 329).
(4)
"شرح الكرماني"(10/ 62).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 514).
(6)
"اللامع"(6/ 124).
(7)
"عمدة القاري"(8/ 515).
قال الحافظ
(1)
: قال ابن المنير
(2)
وغيره: مقصوده بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف، وأنه يقضى به على ظواهر الألفاظ، ولو أن رجلًا وكل رجلًا في بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي عرف الناس لم يجز، وكذا لو باع موزونًا أو مكيلًا بغير الكيل أو الوزن المعتاد، وذكر القاضي حسين من الشافعية أن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي يبنى عليها الفقه، فمنها الرجوع إلى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية، كصغر ضبة الفضة وكبرها، وغالب الكثافة في اللحية ونادرها، إلى غير ذلك، ومنها الرجوع إلى المقادير، كالحيض والطهر وأكثر مدة الحمل وسن اليأس، إلى آخر ما بسطه.
وقال العيني
(3)
: كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني يعمل في ذلك على ما يتعارفه أهل تلك البلدة مثلًا الأرز فإنه لم يأت فيه نص من الشارع أنه كيلي أو وزني، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه، فإنه في البلاد المصرية يكال، وفي البلاد الشامية يوزن، ونحو ذلك من الأشياء؛ لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية، انتهى.
قوله: (لا بأس العشرة بأحد عشر) قال الكرماني
(4)
: العشرة بالرفع والنصب، أي: إذا كان عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر درهمًا فيبيعه على ذلك العرف فلا بأس به، انتهى.
قال العيني
(5)
: قال ابن بطال: اختلف العلماء في ذلك فأجازه قوم وكرهه آخرون، وممن كره ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وبه قال أحمد وإسحاق، قال أحمد: البيع مردود، وأجازه ابن المسيب والنخعي، وهو
(1)
"فتح الباري"(4/ 406).
(2)
"المتواري"(ص 246).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 515).
(4)
"شرح الكرماني"(10/ 62).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 516).
قول مالك والثوري، وحجة من كرهه أنه بيع مجهول، وحجة من أجازه أن الثمن معلوم والربح معلوم، وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم، ولا يعلم مقدارها من الطعام، فأجازه قوم وأباه آخرون، ومنهم من قال: لا يجوز إلا القفيز الواحد، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
والبسط فيه.
(96 -
باب بيع الشريك من شريكه)
قال ابن بطال
(2)
: هو جائز في كل شيء مشاع، وهو كبيعه من الأجنبي، فإن باعه من الأجنبي فللشريك الشفعة، وإن باعه من الشريك ارتفعت الشفعة، وذكر فيه حديث جابر في الشفعة، وحاصل كلام ابن بطال مناسبة الحديث للترجمة، وقال غيره: معنى الترجمة حكم بيع الشريك من شريكه، والمراد منه حض الشريك أن لا يبيع ما فيه الشفعة إلا من شريكه؛ لأنه إن باعه لغيره كان للشريك أخذه بالشفعة قهرًا، وقيل: وجه المناسبة أن الدار إذا كانت بين ثلاثة فباع أحدهم للآخر كان للثالث أن يأخذ بالشفعة ولو كان المشتري شريكًا، وقيل: ينبني على الخلاف هل الأخذ بالشفعة أخذ من المشتري أو البائع؟ فإن كان من المشتري فيكون شريكًا، وإن كان من البائع فهو شريك شريكه، وقيل: مراده أن الشفيع إن كان له الأخذ قهرًا فللبائع إذا كان شريكه أن يبيع له ذلك بطريق الاختيار، بل أولى، انتهى.
قلت: وما قال الحافظ
(3)
من مسألة الدار بين الثلاثة خلافية بسطت في "المغني"
(4)
، وذكر في هامش "اللامع" وفيه: قال القسطلاني
(5)
: قال ابن المنيِّر: أدخل في هذا الباب حديث الشفعة لأن الشريك يأخذ الشقص من المشتري قهرًا بالثمن، فأخذه له من شريكه مبايعة جائز قطعًا، انتهى.
(1)
"اللامع"(6/ 124 - 127).
(2)
(6/ 335).
(3)
"فتح الباري"(4/ 407).
(4)
"المغني"(7/ 435).
(5)
"إرشاد الساري"(5/ 190).
وقال العيني
(1)
: مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن الشفعة لا تقوم إلا بالشفيع، وهو إذا أخذ الدار المشتركة بينه وبين رجل حين باع ما يخصه بالشفعة، فكأنه اشتراه من شريكه، فصدق عليه أنه بيع الشريك من الشريك، انتهى.
قلت: والأوجه عندي من هذه الوجوه ما ذكره الحافظ من أن غرض الترجمة الحض على بيع الشريك من شريكه؛ لأنه إذا كان للشريك أن يأخذ قهرًا فأولى أن يأخذه رضىً ليكون أطيب لقلبه، انتهى من هامش "اللامع"
(2)
.
وفي "الفيض"
(3)
تحت الباب: وهذا البيع جائز عندنا، ولا يضره الشيوع، بخلاف هبة المشاع، انتهى.
(97 -
باب بيع الأرض والدور) إلخ
قال الحافظ
(4)
: ذكر فيه حديث جابر في الشفعة أيضًا، وسيأتي في مكانه، وذكر ههنا اختلاف الرواة في قوله:"كل ما لم يقسم" أو "كل مالٍ لم يقسم"، إلى آخر ما بسطه من اختلاف ألفاظ الرواة، ولم يتعرض لغرض الترجمة.
وقال العيني
(5)
: قوله: "الدور" بالهمز والواو كليهما وبالواو فقط جمع دار، والعروض بالضاد المعجمة جمع عرض بالفتح، وهو المتاع، وقوله:"مشاعًا" نصب على الحال، ثم قال بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة في قوله: "كل ما لا يقسم" وقد ذكرنا أن هذا اللفظ عام، وأريد به الخاص في العقار، وقد مضى في الباب السابق أن الشفعة في الأرضين والدور خاصة، وأما بيع العروض مشاعًا فأكثر العلماء أنه لا شفعة فيها،
(1)
"عمدة القاري"(8/ 521).
(2)
"اللامع"(6/ 129 - 130).
(3)
"فيض الباري"(3/ 484).
(4)
"فتح الباري"(4/ 408).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 523 - 524).
كما مرّ، وإنما ذكر العروض في الترجمة وليس لها ذكر في الحديث تنبيهًا على الخلاف فيه على الإجمال، ويوقف عليه من الخارج، انتهى.
قلت: بسط الكلام في "الأوجز"
(1)
فيما يقع فيه الشفعة، وفيه: قال الموفق: الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضىً، لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط أربعة، وبسط في "الأوجز" اختلاف الأئمة في الشروط الأربعة، ليس هذا محله.
(98 -
باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي)
هذه الترجمة معقودة لبيع الفضولي، وقد مال البخاري فيها إلى الجواز، انتهى من "الفتح"
(2)
.
وهكذا في العيني
(3)
إذ قال: أشار به البخاري إلى بيع الفضولي.
قلت: هذا مشكل فإن نص الترجمة أنها منعقدة لشراء الفضولي دون البيع، وقال ابن رشد في "البداية"
(4)
: اختلفوا في بيع الفضولي وشرائه، فمنعه الشافعي في الوجهين جميعًا، وأجازه مالك في الوجهين جميعًا، وفرَّق أبو حنيفة بين البيع والشراء، فقال: يجوز البيع ولا يجوز الشراء.
وعمدة المالكية حديث عروة البارقي في الأضحية، ووجه الاستدلال منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع، فصار ذلك حجة على أبي حنيفة في صحة الشراء للغير، وعلى الشافعي في الأمرين جميعًا، انتهى.
وقال الموفق
(5)
: من باع مال غيره بغير إذنه، فالصحيح من المذهب أن البيع باطل، وفيه رواية أخرى أنه صحيح، ويقف على إجازة المالك، فإن لم يجزه بطل، وإن أجازه صح.
(1)
"أوجز المسالك"(13/ 475 - 476).
(2)
"فتح الباري"(4/ 409).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 525).
(4)
"بداية المجتهد"(2/ 167 - 168).
(5)
"المغني"(7/ 241).
قال العيني
(1)
بعد ذكر الحديث: وفيه جواز بيع الإنسان مال غيره بطريق الفضول، والتصرف فيه بغير إذن مالكه إذا أجازه المالك بعد ذلك، ولهذا عقد البخاري الترجمة، وقال بعضهم - الحافظ -: طريق الاستدلال به يبتني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه.
قال العيني: شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يخص الشارع الإنكار عليه، وههنا طريق آخر في الجواز، وهو أنه صلى الله عليه وسلم ذكر هذه القصة في معرض المدح والثناء على فاعلها، وأقرَّه على ذلك، ولو كان لا يجوز لبينه، انتهى.
وقال القسطلاني
(2)
تبعًا للحافظ: وطريق الاستدلال به ينبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه، لكن تقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم ساقه سياق المدح والثناء على فاعله وأقرَّه على ذلك، ولو كان لا يجوز لبيَّنه، فبهذا التقرير يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا، انتهى.
ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في الربح لمن هو إذا تصرف في مال الغير ذكره العلامة العيني
(3)
ههنا، وسيأتي في "البخاري" في "باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم وكان في ذلك صلاح لهم"، فانتظره.
(99 -
باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب)
قال ابن بطال
(4)
: معاملة الكفار جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين، واختلف العلماء في مبايعة من غالب ماله الحرام، وحجة من رخص فيه قوله صلى الله عليه وسلم للمشرك:"أبيعًا أم هبةً؟ " وفيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده، وجواز قبول الهدية منه، وسيأتي حكم هدية المشركين في "كتاب الهبة".
(1)
"عمدة القاري"(8/ 528).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 194).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 529).
(4)
(6/ 338).
قال الحافظ: وقد تقدم قريبًا في "باب بيع السلاح في الفتنة" ما يتعلق بمبايعة أهل الشرك، انتهى من "الفتح"
(1)
.
(100 -
باب شراء المملوك من الحربي. . .) إلخ
قال ابن بطال
(2)
: غرض البخاري بهذه الترجمة إثبات ملك الحربي وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة والعتق وغيرها، إذ أقر النبي صلى الله عليه وسلم سلمان عند مالكه من الكفار وأمره أن يكاتب، وقبل الخليل هبة الجبار، وغير ذلك مما تضمنه حديث الباب، انتهى من "الفتح"
(3)
.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: فيه رد لمن قال: إن الكفار بمنزلة الجمادات لا يثبت لهم الملك في شيء، انتهى.
قوله: (وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان: كاتب) قال الحافظ
(4)
: يستفاد منه تقرير أحكام المشركين على ما كانوا عليه قبل الإسلام، وقد قال الطبري: إنما أقر اليهودي على تصرفه في سلمان بالبيع ونحوه؛ لأنه لما ملكه لم يكن سلمان على هذه الشريعة وإنما كان قد تنصر، وحكم هذه الشريعة أن من غلب من الكفار على نفس غيره أو ماله ولم يكن المغلوب فيمن دخل في الإسلام أنه يدخل في ملك الغالب، انتهى.
قوله: (وكان حرًا. . .) إلخ، هو من كلام البخاري عند الحافظ، ومن كلامه صلى الله عليه وسلم عند الكرماني
(5)
.
قوله: (وقال تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ}. . .) إلخ، [النحل: 71] موضع الترجمة منه قوله تعالى: {عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [النحل: 71] فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبًا على [غير] الأوضاع الشرعية، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 410).
(2)
(6/ 341).
(3)
"فتح الباري"(4/ 411).
(4)
"فتح الباري"(4/ 411 - 412).
(5)
"شرح الكرماني"(10/ 69).
(101 -
باب جلود الميتة قبل أن تدبغ)
أي: هل يصح بيعها أم لا؟ وأورد فيه حديث ابن عباس في شاة ميمونة، وكأنه أخذ جواز البيع من جواز الاستمتاع؛ لأن كل ما ينتفع به يصح بيعه، وما لا فلا، وبهذا يجاب عن اعتراض الإسماعيلي بأنه ليس في الخبر الذي أورده تعرض للبيع، والانتفاع بجلود الميتة مطلقًا قبل الدباغ وبعده مشهور من مذهب الزهري، وكأنه اختيار البخاري، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قال صاحب "الفيض"
(2)
تحت الباب: وهذا البيع لا يجوز عندنا، كما في "الهداية"، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية، قال العيني
(3)
: قال الطحاوي: قال الليث: لا بأس ببيع جلود الميتة قبل الدباغ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الانتفاع بها، والبيع من الانتفاع، قال أبو جعفر: لم يُحْكَ عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث، قال ابن عمر
(4)
: يعني "من الفقهاء" أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين؛ لأن ابن شهاب ذاك عنه صحيح، وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك، قال: من اشترى جلد ميتة فدبغه فقطعه نعالًا فلا يبيعه حتى ييبس، فهذا يدل على أن مذهبه يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ وبعده، وهو ظاهر مذهب مالك وغيره، انتهى.
قلت: وبسط الكلام على حديث الباب والأبحاث المتعلقة به في "الأوجز"
(5)
، وذكر فيه عن النووي
(6)
اختلاف العلماء فيه على سبعة أقوال
(1)
"فتح الباري"(4/ 413).
(2)
"فيض الباري"(3/ 489).
(3)
"عمدة القاري"(6/ 548).
(4)
كذا في الأصل، (ز).
(5)
"أوجز المسالك"(10/ 134 - 135).
(6)
(4/ 54).
كما في "هامش اللامع"، وأما مذاهب الأئمة الأربعة، فمذهب الشافعي أنه يطهر بالدباغة جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير، والمتولد من أحدهما، ويطهر ظاهر الجلد وباطنه، وعند أحمد وهو أشهر الروايتين عنه وإحدى الروايتين عن مالك: لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، ومذهب أبي حنيفة أنه تطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير، والمشهور في مذهب مالك أنه يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
(102 -
باب قتل الخنزير. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أي: هل يشرع كما شرع تحريم أكله؟ ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه، وقال ابن التين: شذ بعض الشافعية فقال: لا يقتل الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة، قال: والجمهور على جواز قتله مطلقًا، انتهى.
وزاد العيني
(3)
عن ابن التين: ومذهب الجمهور أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر وغيرها وتمكنا من قتله قتلناه.
قال العيني: ينبغي أن يستثنى خنزير أهل الذمة لأنه مال عندهم، ونحن نُهينا عن التعرض إلى أموالهم، انتهى.
قوله: (ويقتل الخنزير) قال القسطلاني
(4)
: أي: يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله، وفيه بيان أنه نجس لأن عيسى عليه السلام إنما يقتله بحكم هذه الشريعة المحمدية، والشيء الطاهر المنتفع به لا يباح إتلافه، وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى، انتهى.
(1)
"اللامع"(6/ 138).
(2)
"فتح الباري"(4/ 414).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 540).
(4)
"إرشاد الساري"(5/ 205).
(103 -
باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه)
قال العلامة العيني
(1)
: قوله: "ودكه" بفتح الواو والدال، وفي "المغرب": الودك من اللحم والشحم ما يتحلب منه، وقول الفقهاء: ودك الميتة من ذلك، وقال ابن الأثير: الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه، انتهى.
وفي "الفيض"
(2)
: الشحم: ما كان منفصلًا عن اللحم، وما كان داخلًا في اللحم فهو ودك، انتهى.
وقال الحافظ
(3)
تحت حديث الباب: ووجه تشبيه عمر بيع المسلمين الخمر ببيع اليهود المذاب من الشحم الاشتراك في النهي عن تناول كل منهما، لكن ليس كل ما حرم تناوله حرم بيعه، كالحمر الأهلية وسباع الطير، فالظاهر أن اشتراكهما في كون كل منهما صار بالنهي عن تناوله نجسًا، هكذا حكاه ابن بطال
(4)
عن الطبري وأقره، وليس بواضح بل كل ما حرم تناوله حرم بيعه، وتناول الحمر والسباع وغيرهما مما حرم أكله إنما يتأتى بعد ذبحه، وهو بالذبح يصير ميتة لأنه لا ذكاة له، وإذا صار ميتة صار نجسًا ولم يجز بيعه، فالإيراد في الأصل غير وارد، هذا قول الجمهور وإن خالف في بعضه بعض الناس، انتهى.
وقال القسطلاني
(5)
: يعني فبيع فلان الخمر مثل بيع اليهود والشحم المذاهب، وكل ما حرم تناوله حرم بيعه، نعم المذاب للاستصباح ليس بحرام؛ لأن الدعاء عليهم إنما هو مرتب على المجموع، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(6)
: ولا يضر أثر دهن إلا دهن ودك ميتة لأنه عين النجاسة، حتى لا يدبغ به جلد بل يستصبح به في غير مسجد، قال
(1)
"عمدة القاري"(8/ 543).
(2)
"فيض الباري"(3/ 491).
(3)
"فتح الباري"(4/ 415).
(4)
(6/ 345).
(5)
"إرشاد الساري"(5/ 207).
(6)
"الدر المختار"(1/ 59).
ابن عابدين
(1)
: ظاهر ما سيأتي في "باب البيع الفاسد" أنه لا يحل الانتفاع به أصلًا، وإنما هذا في الدهن المتنجس، يؤيده ما في "صحيح البخاري"
(2)
عن جابر مرفوعًا: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة" الحديث بطوله، انتهى.
قلت: وسيأتي هذا الحديث في "باب بيع الميتة والأصنام".
(104 -
باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، وما يكره من ذلك)
قال الحافظ
(3)
: أي: من الاتخاذ أو البيع أو الصنعة أو ما هو أعم من ذلك، والمراد بالتصاوير الأشياء التي تصور، ثم ذكر حديث ابن عباس مرفوعًا، ووجه الاستدلال به على كراهية البيع وغيره واضح، انتهى.
وفي "الفيض"
(4)
: واعلم أن مسألة فعل التصوير مسألة أخرى، وأما مسألة المصوّرات فصلها الشيخ ابن الهمام في "الفتح" على أحسن وجه، وضبطها في عدة سطور، فراجعها، انتهى.
(105 -
باب تحريم التجارة في الخمر)
قال الحافظ
(5)
: تقدم نظير هذه الترجمة في أبواب المساجد لكن بقيد المسجد، وهذا أعم من تلك، انتهى.
(106 -
باب إثم من باع حرًا)
أي: عالمًا متعمدًا، والظاهر أن المراد بالحر من بني آدم، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فيدخل مثل الموقوف، انتهى من "الفتح"
(6)
.
(1)
"رد المحتار"(7/ 195).
(2)
(ح: 2236).
(3)
"فتح الباري"(4/ 416).
(4)
"فيض الباري"(3/ 492).
(5)
"فتح الباري"(4/ 417).
(6)
"فتح الباري"(4/ 417).
وقد ترجم المصنف على هذا الحديث أيضًا في "الإجارات" بـ "باب إثم من منع أجر الأجير".
(107 -
باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ببيع أرضيهم. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: هذا لا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم أن الأرض لله ولرسوله، فتحملوا ما شئتم، ولا بد من تأويل في كلام البخاري هذا، وهو أن يقال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ببيع أرضيهم أنهم لا يملكونه، ومثل ذلك مما لا يخفى على المتفطن، والله أعلم، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه.
وفي "الفيض"
(2)
: اعلم أن بني النضير لما أُجلوا، قيل لهم: أن بيعوا المنقولات من أموالكم، وأما الأراضي فهي لله ولرسوله، هكذا في كتب السير عامة، ويمكن أن يكون أمر بعضهم ببيع الأراضي أيضًا كما في ترجمة البخاري، انتهى.
وفي هامش "الفيض": قلت: وفي مذكرة أخرى عندي عن الشيخ أن الأمر ببيعها لم يكن ببني النضير، فإن أراضيهم كانت فيئًا، وهو لله ولرسوله، وترجمة المصنف مبهمة، لا ينفصل منها شيء، انتهى.
قال القسطلاني
(3)
: قوله: "فيه المقبري" أي: حديثه المروي في "باب إخراج اليهود من جزيرة العرب" من "كتاب الجهاد" ولفظه: "بينما نحن في المسجد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقوا إلى يهود، فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس، فقال: أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه".
قال الزركشي وغيره: إن اليهود هم بنو النضير، والظاهر أنهم بقايا
(1)
"لامع الدراري"(6/ 139 - 140).
(2)
"فيض الباري"(3/ 492 - 493).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 211).
من اليهود، وتخلفوا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير.
قال الحافظ
(1)
: وغفل الكرماني
(2)
عن الإشارة إلى هذا الحديث، فقال: إنما ذكر البخاري هذا الحديث بهذه الصيغة مقتضيًا لأنه لم يثبت الحديث المذكور على شرطه، والصواب أنه اكتفى هنا بالإشارة إليه لاتحاد مخرجه عنده ففر من تكرار الحديث على صورته لغير فائدة زائدة كما هو الغالب من عادته، انتهى.
وقال العيني
(3)
: التكرار حاصل على ما لا يخفى، مع أن ذكر هذا لا دخل له في "كتاب البيوع"، ولهذا سقط هذا في بعض النسخ، انتهى. قال ابن المنيِّر: والعجب أن ترجمة البخاري هنا على بيع اليهود أرضهم، ولم يذكر فيه إلا حديث أبي هريرة وليس فيه للأرض ذكر، إلا أن يكون أخذ ذلك بطريق العموم من قوله:"فمن يجد منكم بماله شيئًا"، والمال أعم من الأرض فتدخل فيه، وهذا ساقط من بعض النسخ، انتهى
(4)
.
ويظهر من كلام العيني
(5)
أنه عليه السلام أجاز لهم أولًا ببيع كل شيء ودخل فيه الأرضون وأمرهم بالجلاء وأبوا ذلك لوعد المنافقين لهم فأمرهم ثانيًا ببيع كل شيء غير الأرضين.
(108 -
باب بيع العبيد بالعبد والحيوان بالحيوان نسيئةً)
قال القسطلاني
(6)
: أي: حكم بيع العبيد بالعبيد، وفي نسخة "بيع العبد" بالإفراد، وقوله:"والحيوان بالحيوان" من عطف العام على الخاص، انتهى.
قال الحافظ
(7)
: وكأنه أراد بالعبد جنس من يستعبد فيدخل فيه الذكر
(1)
"فتح الباري"(4/ 419).
(2)
"شرح الكرماني"(10/ 77).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 553).
(4)
انظر: "إرشاد الساري"(5/ 211).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 553).
(6)
"إرشاد الساري"(8/ 211).
(7)
"فتح الباري"(4/ 419).
والأنثى، ولذلك ذكر قصة صفية، أو أشار إلى إلحاق حكم الذكر بحكم الأنثى في ذلك لعدم الفرق، قال ابن بطال
(1)
: اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى الجواز، لكن شرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع الكوفيون وأحمد مطلقًا، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
: ومذهب الشافعية أنه لا ربا في الحيوان مطلقًا كما قال ابن المسيب لأنه لا يعدّ للأكل على هيئته، فيجوز بيع العبد بالعبد نسيئةً وبيع العبد بعبدين أو أكثر نسيئةً، انتهى.
وفي هامش "اللامع"
(3)
: ومسألة بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز"
(4)
، وحاصل ما فيه أن بيع الحيوان بالحيوان نقدًا يجوز مطلقًا عند الأئمة الأربعة، مع اتحاد الجنس واختلافه، متفاضلًا كان أو متساويًا، وأما إذا كان البيع نسيئةً فيجوز كذلك عند الشافعي، ويجوز عند مالك باختلاف الجنس لا باتحاده، إلا أنه أنزل اختلاف الصفات والمنافع المقصودة في الحيوان منزلة اختلاف الجنس، ومنع الإمام أبو حنيفة وأحمد بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً مطلقًا لحديث سمرة "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً" رواه الخمسة وصححه الترمذي
(5)
، وبسط الكلام على الروايات الواردة في "الأوجز"، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (وقال ابن سيرين: لا بأس ببعير. . .) إلخ، قال الحافظ
(6)
: روى سعيد بن منصور
(7)
عنه أنه كان لا يرى بأسًا بالحيوان بالحيوان يدًا بيد أو الدراهم نسيئة، ويكره أن تكون الدراهم نقدًا والحيوان نسيئةً، انتهى.
(1)
(6/ 353).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 212).
(3)
"اللامع"(6/ 142).
(4)
"أوجز المسالك"(13/ 18 - 19).
(5)
"سنن الترمذي"(ح: 1237).
(6)
"فتح الباري"(4/ 420).
(7)
"تغليق التعليق"(3/ 272) وفيه: "والدراهم" بدل "أو الدراهم".
وفي "الفيض"
(1)
: قلت: إن بيع الدرهم بالدرهم نسيئةً حرام بالإجماع، ولم يشرح أحد منهم ما أراد به ابن سيرين، والوجه عندي أن يقال: إن قوله: "نسيئة" يتعلق بالبعير والبعيرين، دون بيع الصرف، فهو مطلق، ولا ريب في جواز بيع الدرهم بالدرهم، والذي صرفنا إليه قول ابن سيرين أولى من أن يحمل على ما يخالف الإجماع، انتهى.
(109 -
باب بيع الرقيق)
قال الحافظ
(2)
: هذا بيان في حكم بيع الرقيق، ثم قال: مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع عن بيع السبي لما قالوا: "إنا نصيب السبي فنحب الأثمان" والأثمان لا تجيء إلا بالبيع، والسبي فيه الرقيق وغيره، انتهى.
(110 -
باب بيع المدبر. . .) إلخ
هو المعلق عتقه بموت سيده كأن يقول لعبده: إذا مِتُّ فأنت حر، انتهى
(3)
.
قال الحافظ
(4)
: وقد أعاد المصنف هذه الترجمة في "كتاب العتق" وضرب عليها في نسخة الصغاني، وصارت أحاديثها داخلة في بيع الرقيق، وتوجيهها واضح، انتهى.
وأورد المصنف في هذا الباب حديثين، ومطابقة الحديث الأول للترجمة ظاهرة، وأما الحديث الثاني فقال الحافظ: وجه دخوله في هذا الباب عموم الأمر ببيع الأمة إذا زنت، فيشمل ما إذا كانت مدبرة أو غير مدبرة، فيؤخذ منه جواز بيع المدبر في الجملة، انتهى.
(1)
"فيض الباري"(3/ 493).
(2)
كذا في الأصل، وهو خطأ، والصواب:"قال العيني"، انظر:"عمدة القاري"(8/ 558).
(3)
انظر: "إرشاد الساري"(5/ 215).
(4)
"فتح الباري"(4/ 421 - 423).
وفي "الفيض"
(1)
: قد مرّ منّا التنبيه على أن المصنف ترجم على جواز بيع المدبر مع الإشارة إلى أن بيع النبي صلى الله عليه وسلم كان من قبيل التعزير، وهذا يوجب أن لا يكون بيعه جائزًا عنده، فتهافتت تراجمه، ويمكن أن يقال: إن الأصل عنده جواز البيع، وإنما التعزير ببيعه بنفسه فقط، بدون استفسار منه، انتهى.
ومسألة بيع المدبر خلافية شهيرة، ففي هامش "الكوكب"
(2)
: والحاصل أن المدبر المقيد - وهو من قال له المولى: إن مت في مرضي هذا أو سفري هذا فأنت حر - يجوز بيعه إجماعًا، والمدبر المطلق كذلك عند الشافعي وأحمد، ولا يجوز بيع المدبر المطلق عندنا الحنفية ومالك إلا أنه يجوز عنده إذا كان المولى مديونًا قبل التدبير، كذا في "البذل"
(3)
، وبسط فيه دلائل الحنفية في ذلك.
(111 -
باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها)
هكذا قيّد بالسفر، وكأن ذلك لكونه مظنة الملامسة والمباشرة غالبًا، انتهى من "الفتح"
(4)
.
وقال العيني
(5)
: أي: هل يسافر شخص بالجارية التي اشتراها قبل أن يستبرئها، ثم ذكر ما تقدم عن الحافظ، وقال أيضًا: ولم يذكر جواب "هل" لمكان الاختلاف فيه، انتهى.
قلت: ومناسبة هذا الباب بكتاب البيوع خفية، ويمكن أن يقال كما يستأنس من كلام العيني المذكور: إن السفر بالجارية قبل الاستبراء مرتب ومتفرع على اشترائها، فيكون هذا السفر من متعلقات البيع والشراء.
(1)
"فيض الباري"(3/ 494).
(2)
"الكوكب الدري"(2/ 283).
(3)
"بذل المجهود"(11/ 689 - 691).
(4)
"فتح الباري"(4/ 423).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 563).
(112 -
باب بيع الميتة والأصنام)
أي: تحريم ذلك، والميتة ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الميتة، ويستثنى من ذلك السمك والجراد، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وقال القسطلاني
(2)
: قال الجوهري: الصنم هو الوثن، وفرَّق بينهما في "النهاية"، فقال: الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب أو من الحجارة كصورة الآدمي يعمل وينصب فيعبد، والصنم الصورة بلا جثّة، قال: ويطلق الوثن على غير الصورة، ثم قال في شرح الحديث: وحرم بيع الأصنام لعدم المنفعة المباحة فيتعدى إلى معدوم الانتفاع شرعًا فبيعها حرام ما دامت على صورتها فلو كسرت وأمكن الانتفاع برضاضها جاز بيعها عند الشافعية وبعض الحنفية، نعم في بيع الأصنام والصور المتخذة من جوهر نفيس وجه عند الشافعية بالصحة، والمذهب المنع مطلقًا، وبه أجاب عامة الأصحاب، انتهى.
(113 -
باب ثمن الكلب. . .) إلخ
قال القسطلاني
(3)
بعد ذكر الحديث: قوله: "نهى عن ثمن الكلب" المعلم وغيره مما يجوز اقتناؤه أو لا، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، وعلة المنع عند الشافعي نجساته مطلقًا، وعند غيره ممن لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه الأمر بقتله، وما لا ثمن له لا قيمة له إذا قتل فلو قتل كلب صيد أو ماشية لا يلزمه قيمته، وقال أبو حنيفة وصاحباه وسحنون من المالكية: الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها وأثمانها لأنه حيوان منتفع به حراسةً واصطيادًا، وقال المالكية: لا يجوز بيع الكلب المنهي عن اتخاذه باتفاق لورود النهي عن بيعه وعن اتخاذه، وأما المأذون في اتخاذه ككلب
(1)
"فتح الباري"(4/ 424).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 220 - 221).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 222 - 223).
الصيد ونحوه فلا يجوز بيعه على المشهور، وشهّر بعضهم جواز بيعه، ولم يقو هذا التشهير عند الشيخ خليل فلم يذكره، وقال القرطبي: مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهة بيعه، انتهى.
ثم براعة الاختتام سكت عنها الحافظ وجعل البيع والإجارة واحدًا، فقال: وفي آخر البيع والإجارة "حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه"، انتهى.
ولا يبعد عندي أنها في قوله: "فأمر بمحاجمه فكسرت" فإن الموت أيضًا هاذم اللذات، فإن الكسر مذكر للكسر، فتأمل، وقد جعل الحافظ الكسر مشارًا إليه في موضع إذ قال في آخر "المظالم": فكسروا صومعته، انتهى.
ولا يبعد أيضًا أن تكون البراعة في قوله: "ثمن الدم" فإنه يتناول الذبح والقتل، فتأمل.
* * *
35 -
كتاب السلم
قال العلَّامة العيني
(1)
: السلم بفتحتين: بيع على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا، وسمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا لتقديم رأس المال، والسلم والسلف كلاهما بمعنى واحد، ووزن واحد، وقيل: السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم، وقيل: السلم والسلف والتسليف عبارة عن معنى واحد غير أن الإسم الخاص بهذا الباب السلم؛ لأن السلف يقال على القرض. والسلم في الشرع بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، إلا ما حكي عن ابن المسيب، وفي "التلويح": كرهت طائفة السلم، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(2)
: هو لغة: كالسلف وزنًا ومعنىً، وشرعًا: بيع آجل بعاجل، انتهى.
وقال الحافظ
(3)
: والسلم شرعًا: بيع موصوف في الذمة، ومن قيَّده بلفظ السلم زاده في الحد، ومن زاد فيه ببدل يعطى عاجلًا، فيه نظر لأنه ليس داخلًا في حقيقته، واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، واختلفوا: هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا؟، انتهى.
قلت: واختلفوا في شروطه، كما بسط الكلام عليها في "الأوجز"
(4)
أشد البسط، وذكر فيه ثمانية عشر شرطًا بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، فارجع إليه لو شئت.
(1)
"عمدة القاري"(8/ 577).
(2)
"الدر المختار"(2/ 47).
(3)
"فتح الباري"(4/ 428).
(4)
"أوجز المسالك"(12/ 606 - 620).
ثم اعلم أنهم اختلفوا فيما يجوز فيه السلم، ففي "الأوجز": قال الموفق: وجملة ذلك أن السلم لا يصح إلا بشروط ستة:
الشرط الأول: أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا، فيصح في الحبوب، والثمار، والثياب، والكاغذ، والحديد، والنحاس، والأدهان، والألبان، وكل مكيل، أو موزون، أو مزروع، كذا في "المغني"
(1)
.
قال ابن رشد
(2)
: أجمعوا على جوازه في كل ما يكال أو يوزن، والجمهور على أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد، واختلفوا من ذلك فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة، انتهى.
قال الموفق
(3)
: أجمعوا على جوازه في الثياب، ولا يصح فيما لا يضبط بالصفة، كالجواهر من اللؤلؤ والياقوت والعقيق والبلور؛ لأن أثمانها تختلف اختلافًا متباينًا بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي.
وحكي عن مالك صحة السلم فيها، إذا اشترط منها شيئًا معلومًا، واختلفوا في السلم في الخبز وغيره من كل معمول بالنار، وكذا اختلفوا في الحيوان وغيره مما لا يكال ولا يوزن ولا يزرع، كالرمان والبيض وغيرهما، كما بسطه الموفق وغيره.
وفي "العيني"
(4)
: قال ابن حزم: لا يجوز السلم إلا في كل مكيل أو موزون فقط، ولا يجوز في مزروع ولا معدود ولا شيء غير ما ذكر في النص، انتهى من "الأوجز"
(5)
.
(1)
"المغني"(6/ 385 - 386).
(2)
"بداية المجتهد"(2/ 201).
(3)
"المغني"(6/ 386).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 579).
(5)
"أوجز المسالك"(12/ 606 - 607).
وفي "البدائع"
(1)
: ويجوز السلم في العدديات المتقاربة من الجوز والبيض؛ لأن الجهالة فيها يسيرة لا تفضي إلى المنازعة، وقال زفر: لا يجوز، ولا يجوز في العدديات المتفاوتة من الحيوان والجواهر واللآلي والجلود والأدم والرؤوس والأكارع والرمان، وقال الشافعي: يجوز السلم في الحيوان، انتهى ملخصًا.
قلت: والإمام مالك وأحمد مع الشافعي في جواز بيع السلم في الحيوان، كما قال ابن عابدين
(2)
.
(1 -
باب السّلم في كيلٍ معلومٍ)
قال الحافظ
(3)
: أي: فيما يكال، واشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل متفق عليه من أجل اختلاف المكاييل، إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد فإنه ينصرف إليه، انتهى.
قوله: (من سلف في تمر. . .) إلخ، قال الحافظ
(4)
: وفي رواية: "من أسلف في شيء" وهي أشمل، انتهى.
قال القسطلاني
(5)
: قال في "المصابيح": انظر قوله عليه الصلاة والسلام في جواب هذا: "فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم" مع أن المعيار الشرعي في التمر بالمثناة الكيل لا الوزن، انتهى.
وهذا قد أجابوا عنه بأن الواو بمعنى أو، والمراد اعتبار الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، انتهى.
وتعقب السندي
(6)
كلام القسطلاني إذ قال: ولا يخفى أن هذا ليس بجواب عن كلام "المصابيح" ولا يصلح له إذ التمر بالتاء المثناة لا يصلح
(1)
"بدائع الصنائع"(4/ 441 - 442).
(2)
"رد المحتار"(7/ 458).
(3)
"فتح الباري"(4/ 428 - 429).
(4)
"فتح الباري"(4/ 429).
(5)
"إرشاد الساري"(5/ 227).
(6)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(2/ 30).
أن يردد فيه بين الكيل والوزن، كما لا يصلح أن يجمع فيه بينهما، وإنما جوابهم المذكور جواب عما يقال: كيف يصح الواو مع أن المبيع الواحد لا يصلح لاجتماع الكيل والوزن؟ فأجابوا بحمل الواو على معنى أو، وقد يجاب عن هذا الإيراد بتقدير الشرط أو الظرف، أي: بكيل معلوم إن كان المبيع كيليًّا، فافهم، والله تعالى أعلم.
(2 -
باب السّلم في وزن معلوم)
أي: فيما يوزن، وكأنه يذهب إلى أن ما يوزن لا يسلم فيه مكيلًا وبالعكس، وهو أحد الوجهين، والأصح عند الشافعية الجواز، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وقال ابن عابدين
(2)
: لو أسلم في المكيل وزنًا كما إذا أسلم في البر والشعير بالميزان فيه روايتان، والمعتمد الجواز لوجود الضبط، وعلى هذا الخلاف لو أسلم في الموزون كيلًا، "بحر"، انتهى.
وفي "البدائع"
(3)
: ولو كان المسلم فيه مكيلًا فأعلم قدره بالوزن المعلوم، أو كان موزونًا فأعلم قدره بالكيل المعلوم جاز؛ لأن الشرط كونه معلوم المقدار بمعيار يؤمن فقده، وقد وجده بخلاف ما إذا باع المكيل بالمكيل وزنًا بوزن متساويًا في الوزن أو باع الموزون بالموزون كيلًا بكيل متساويًا في الكيل أنه لا يجوز ما لم يتساويا في الكيل أو الوزن؛ لأن شرط جواز السلم كون المسلم فيه معلوم القدر، والعلم بالقدر كما يحصل بالكيل يحصل بالوزن، فأما شرط الكيل والوزن في الأشياء التي ورد الشرع فيها باعتبار الكيل والوزن في بيع العين ثبت نصًا فكان بيعها بالكيل أو الوزن مجازفة فلا يجوز، أما في باب السلم فاعتبار الكيل والوزن لمعرفة مقدار المسلم فيه وقد حصل، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 430).
(2)
"رد المحتار"(7/ 455).
(3)
"بدائع الصنائع"(4/ 441).
(3 -
باب السلم إلى من ليس عنده أصل)
أي: مما أسلم فيه، المراد بالأصل أصل الشيء الذي يسلم فيه، فأصل الحب مثلًا الزرع، وأصل الثمر مثلًا الشجر، والغرض من الترجمة أن ذلك لا يشترط، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قال العلامة العيني
(2)
: وقال بعضهم: الغرض من الترجمة أن كون أصل المسلم فيه لا يشترط.
قلت: كأنه أشار إلى سلم المنقطع، فإنه لا يجوز عندنا، وهذا على أربعة أوجه:
الأول: أن يكون المسلم فيه موجودًا عند العقد منقطعًا عند الأجل فإنه لا يجوز.
والثاني: أن يكون موجودًا وقت العقد إلى الأجل، فيجوز بلا خلاف.
والثالث: أن يكون منقطعًا عند العقد موجودًا عند الأجل.
والرابع: أن يكون موجودًا وقت العقد والأجل، منقطعًا فيما بين ذلك.
فهذان الوجهان لا يجوزان عندنا خلافًا لمالك والشافعي وأحمد، قالوا: لأنه مقدور التسليم [فيهما، قلنا: غير مقدور التسليم]؛ لأنه يتوهم موت المسلم إليه فيحل الأجل، وهو منقطع، فيتضرر رب السلم، فلا يجوز، انتهى.
قوله: (قال) أبو البختري: (سألت ابن عباس عن السلم. . .) إلخ، قال ابن بطال
(3)
: حديث ابن عباس هذا ليس من هذا الباب، وإنما هو من الباب
(1)
"فتح الباري"(4/ 431).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 583).
(3)
(6/ 367).
الذي بعده المترجم ب
باب السلم في النخل
، وهو غلط من الناسخ، كذا في العيني
(1)
، زاد الحافظ
(2)
: وغفل عما وقع في السياق من قول الراوي: إنه سأل ابن عباس عن السلم في النخل، وأجاب ابن المنيِّر
(3)
: أن الحكم مأخوذ بطريق المفهوم وذلك أن ابن عباس لما سئل عن السلم مع من له نخل في ذلك النخل رأى أن ذلك من قبيل بيع الثمار قبل بدو الصلاح، فإذا كان السلم في النخل المعين لا يجوز تعين جوازه في غير المعين للأمن فيه من غائلة الاعتماد على ذلك النخل بعينه لئلا يدخل في باب بيع الثمار قبل بدو الصلاح، ويحتمل أن يريد بالسلم معناه اللغوي، أي: السلف لما كانت التمرة قبل بدو صلاحها فكأنها موصوفة في الذمة، انتهى.
قلت: والظاهر عندي من صنيع الإمام البخاري أنه أجاز السلم في النخل المعين بعد بدو صلاحه كما يدل عليه الترجمة الآتية، وعلى هذا فإدخال هذا الحديث في هذه الترجمة واضح، كأنه استثنى من الترجمة - يعني عن السلم فيما ليس عنده أصل - السلم في النخل المعين فكأنه قال: إذا كان السلم في النخل المعين فلا يجوز قبل بدو الصلاح، نعم يجوز بعده، لكن المصنف على هذا يكون منفردًا مخالفًا للجمهور كما سيأتي في الباب الآتي.
قوله: (فقال الرجل: وأي شيء يوزن. . .) إلخ، قال صاحب "الفيض"
(4)
: ولما لم يفهم الرجل الوزن في الثمار، لكون المعهود فيها الكيل دون الوزن، مع عدم إمكان الكيل أيضًا على الشجر، فسره بأن المراد بالوزن هو الإحراز، انتهى.
(4 - باب السلم في النخل)
كتب الشيخ في "اللامع"
(5)
: أراد بالنخل ثمرتها، والاحتجاج بالرواية
(1)
"عمدة القاري"(8/ 585).
(2)
"فتح الباري"(4/ 432).
(3)
"المتواري"(ص 252).
(4)
"فيض الباري"(3/ 502).
(5)
"لامع الدراري"(6/ 145 - 147).
مبني على اشتراك البيع والسلم في وجوب التسليم غير أن التسليم في السلم متأخر دون البيع، فكأن المعنى أن الثمرة لما لم يبد صلاحها كان معدومًا غير مقدور التسليم، ولا بد في السلم من وجود المسلم فيه بأيدي الناس ليتحقق إمكان التسليم، ولو لم يكن في يد المسلم إليه، وهذا بناءً على العادة أن هذه الثمار والحبوب وغيرهما مما يتعلق بفصل دون فصل تنقطع عن الأيدي إذا قرب زمان الحصاد والجذاذ إلا يسيرًا، وهذا إذا كان المسلم فيه في عقد السلم مطلقًا، فأما إذا شرط أن يكون المسلم فيه مما خرج هذا العام، فعدم القدرة على تسليمه قبل بدو الصلاح ظاهر، وبهذا تتحقق المطابقة بين جواب ابن عباس وسؤال من سأله عن السلم، فإن السائل إنما سأله عن السلم، وقد أجاب عن البيع المطلق، ومثل هذا التقرير جاء في الرواية المتقدمة على هذا الباب أيضًا، فافهم فإنه دقيق، انتهى.
وفي هامشه: قوله: أراد بالنخلة ثمرتها، وبذلك جزمت الشرَّاح، واستدل بحديث ابن عمر على جواز السلم في النخل المعين من البستان المعين، لكن بعد بدو صلاحه، وهو قول المالكية، انتهى.
قلت: الظاهر عندي من صنيع المصنف أنه أجاز السلم في النخل المعين بعد بدو الصلاح، كما تقدم أيضًا، وما حكى الحافظان ابن حجر والعيني من مذهب المالكية يأباه كتب فروعهم، فقد صرَّح الدردير بعدم جواز السلم في النخل المعين، وحكى الموفق الإجماع على ذلك، كما في "الأوجز"
(1)
.
وفي "الفيض"
(2)
: قوله: "نهي عن بيع النخل حتى يصلح" فإن قلت: إن السؤال كان عن السلم، فكيف الجواب بمطلق البيع؟ قلت: وفي فقهنا مسألة أخرى، يظهر منها التناسب بين السؤال والجواب، وهي أن المسلم فيه وإن لم يجب كونها في ملك المسلم إليه، لكن يشترط أن يوجد في
(1)
"أوجز المسالك"(12/ 615).
(2)
"فيض الباري"(3/ 502).
الأسواق من حين العقد إلى حلول الأجل، فدلَّت على أن ثمار النخل يجب أن تصلح وتخرج عن العاهات عند عقد السلم، فإنها قبله كالمعدوم، وبه ظهرت المناسبة، انتهى.
(5 -
باب الكفيل في السلم)
قال الحافظ
(1)
: قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث ما ترجم به، ولعله أراد إلحاق الكفيل بالرهن لأنه حق ثبت الرهن به فيجوز أخذ الكفيل فيه.
قال الحافظ: هذا الاستنباط بعينه سبق إليه إبراهيم النخعي راوي الحديث، - كما سيأتي في الباب الآتي - وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة، فوضح أنه هو المستنبط لذلك، وأن البخاري أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته، انتهى.
وقال القسطلاني
(2)
: دلالة الحديث على الترجمة من حيث أن يراد بالكفالة الضمان، ولا ريب أن المرهون ضامن للدين؛ لأنه يباع فيه، يقال: أكفلته إذا ضمنته إياه، أو يقاس على الرهن بجامع كونهما وثيقة، وبهذا كل ما صح الرهن فيه صح ضمانه وبالعكس، أو أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته، إلى آخر ما قال.
قلت: وعندي غرض الترجمة الرد على من منع ذلك وهو قول جماعة وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ففي "المغني"
(3)
: اختلفت الرواية في الرهن والضَّمِينِ في السلم، فروى المروزي وغيره منع ذلك، وهو اختيار الخرقي، وروى حنبل جوازه، ورخص فيه مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 433).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 235).
(3)
"المغني"(6/ 423).
قلت: وبجوازهما صرح صاحب "البدائع"
(1)
.
(6 -
باب الرّهن في السّلم)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: الاستدلال بالرواية على هذا المعنى مبني على مقايسته عليه، والجامع الوجوب في الذمة فيفتقر إلى الاستيثاق، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني
(3)
: قال ابن بطال: وجه احتجاج النخعي في حديث عائشة أن الرهن لما جاز في الثمن جاز في المثمن، وهو المسلم فيه إذ لا فرق بينهما، انتهى.
قلت: والغرض من الترجمة الرد على من منع ذلك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد كما تقدم في الباب السابق.
قال الموفق
(4)
: رويت كراهة ذلك عن ابن عمر والحسن والأوزاعي، ورخص فيه الباقون، والحجة فيه قوله تعالى:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [البقرة: 282]، إلى أن قال:{فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] واللفظ عام فيدخل السلم في عمومه لأنه أحد نوعي البيع، انتهى.
(7 -
باب السلم إلى أجل معلوم)
قال الحافظ
(5)
: يشير إلى الرد على من أجاز السلم الحال وهو قول الشافعية، وذهب الأكثر إلى المنع، وحمل من أجاز الأمر في قوله:"إلى أجل معلوم" على العلم بالأجل فقط، فالتقدير عندهم: من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم لا مجهول، انتهى.
وسبق إلى هذا التوجيه الكرماني
(6)
، وتعقب عليه العلامة العيني، ثم
(1)
"بدائع الصنائع"(4/ 451).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 148 - 149).
(3)
"شرح الكرماني"(10/ 90).
(4)
"المغني"(6/ 423).
(5)
"فتح الباري"(4/ 434).
(6)
انظر: "شرح الكرماني"(10/ 85 - 86).
قال العيني
(1)
: اختلفوا في حد الأجل، فقال ابن حزم: الأجل ساعة فما فوقها، وعند بعض أصحابنا لا يكون أقل من نصف يوم، وعند بعضهم لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وقالت المالكية: يكره أقل من يومين، وقال الليث: خمسة عشر يومًا، انتهى.
قلت: وبسط الكلام على الأجل في "الأوجز"
(2)
وفيه: الشرط الرابع: أن يكون مؤجلًا بأجل معلوم، وفيه فصولٌ: الأول: يشترط لصحة السلم كونه مؤجلًا، ولا يصح السلم الحال، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال الشافعي: يجوز، إلى آخر ما بسط فيه، وفيه: قال الموفق
(3)
: ومن شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر وما قاربه، وقال الدردير
(4)
المالكي: أقله نصف شهر، ولا حد لأكثره، وفي "الدر المختار"
(5)
: أقله شهر، به يفتى، وثلاثة أيام عند الطحاوي، وذكر ابن عابدين
(6)
أقوالًا أخر للحنفية، انتهى من "الأوجز".
(8 -
باب السلم إلى أن تُنْتَجَ الناقة)
أورد فيه حديث ابن عمر في النهي عن بيع حبل الحبلة، وقد تقدمت مباحثه في "كتاب البيوع"، ويؤخذ منه ترك جواز السلم إلى أجل غير معلوم ولو أسند إلى شيء يعرف بالعادة، خلافًا لمالك ورواية عن أحمد، انتهى من "الفتح"
(7)
.
وفي "الأوجز"
(8)
: لا بد من كون الأجل معلومًا، ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافًا، فأما كيفيته فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه، ولا يصح أن يؤجله بحصاد وما أشبهه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي
(1)
"عمدة القاري"(8/ 581).
(2)
"أوجز المسالك"(12/ 610 - 613).
(3)
"المغني"(6/ 404).
(4)
"الشرح الكبير"(3/ 205).
(5)
"الدر المختار"(2/ 48).
(6)
"رد المحتار"(6/ 462).
(7)
"فتح الباري"(4/ 435).
(8)
"أوجز المسالك"(12/ 610).
وأحمد، وعنه رواية أخرى أنه قال: أرجو أن لا أكون به بأس، وبه قال مالك، انتهى.
ثم سكت الحافظ عن براعة الاختتام، ولا يبعد عندي أنها في قوله:"ما في بطنها" فإن رحم المرأة يشبه القبر، وأيضًا خروج الولد منه يشبه خروج الأموات من القبور.
* * *
36 -
كتاب الشفعة
كذا في نسخ الشروح ونسخة الحاشية، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا لفظ "كتاب" بل فيه "باب الشفعة فيما لم يقسم. . ." إلخ، كما سيأتي.
وقال الحافظ
(1)
: الشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها، وهي مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج، وقيل: من الزيادة، وقيل: من الإعانة، وفي الشرع: انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى. ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها، انتهى.
وقال القسطلاني
(2)
: وهي في اللغة: الضم على الأشهر، من شفعت الشي ضممته فهي ضم نصيب إلى نصيب، وفي الشرع: حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض، انتهى.
وبسط في "الأوجز"
(3)
الكلام على الأبحاث المتعلقة بالشفعة، وفيه: قال الموفق
(4)
: الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاء منه، وإجبار له على المعاوضة، لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط أربعة: أحدها: أن يكون الملك مشاعًا غير مقسوم، فأما الجار فلا شفعة له، أي: عند أحمد، وبه قال مالك والشافعي، وقال الثوري وأصحاب الرأي: الشفعة بالشركة، ثم
(1)
"فتح الباري"(4/ 436).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 240).
(3)
"أوجز المسالك"(13/ 473 - 478).
(4)
"المغني"(7/ 436).
بالشركة في الطريق، ثم بالجوار، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(1)
، وستأتي هذه المسألة في باب مستقل.
قوله: (السلم في الشفعة) كذا في نسخة الحاشية، وكذا هو في نسخة الحافظ والعيني لكنهما لم يتعرضا عن شرحه.
(1 -
باب الشفعة فيما لم يقسم. . .) إلخ
قال القسطلاني
(2)
: أي: في المكان الذي لم يقسم، وقال بعد ذكر الحديث: وهذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ:"قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه" الحديث، والربعة: تأنيث الربع وهو المنزل، والحائط: البستان، وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع، وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار، ومشهور مذهب المالكية والشافعية والحنابلة تخصيصها بالعقار؛ لأنه أكثر الأنواع ضررًا، والمراد بالعقار الأرض وتوابعها المثبتة فيها للدوام، كالبناء وتوابعه الداخلة في مطلق البيع من الأبواب والرفوف والمسامير وحجري الطاحون والأشجار، فلا تثبت في منقول غير تابع.
ويشترط أن يكون العقار قابلًا للقسمة، واحترز به عما إذا كان لا يقبلها أو يقبلها بضرر كالحمام أو نحوها، وفي "الفتح"
(3)
: وقد أخذ بعمومها في كل شيء مالك في رواية، وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، ومشهور مذهب مالك كما سبق تخصيصها بالعقار، وخرج بقوله في الحديث "في كل شرك" الجار ولو ملاصقًا خلافًا للحنفية حيث أثبتوها للجار الملاصق أيضًا، انتهى مختصرًا من "القسطلاني".
(1)
"اللامع"(6/ 151).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 241).
(3)
"فتح الباري"(4/ 436).
(2 -
باب عرض الشفعة)
أي: هل تبطل بذلك شفعته أم لا؟ وسيأتي في "كتاب ترك الحيل" مزيد بيان لذلك، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: قوله: (قال الحكم: إذ أذن له. . .) إلخ، هذا يخالف مذهب الحنفية، فإنهم يجوزون للشفيع أن يطالب ولو تقدم منه الإذن بالبيع، ولا ضير في مخالفة الحكم لمذهب الإمام لأنه تابعي مثله، ولا يخالف مذهبه قول الشعبي لأنا لم نقل بحق الاسترداد له بعد ما باع البائع بإذنه، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني: قال الثوري وإسحاق وأحمد في رواية والظاهرية: إن أحد الشريكين إذا عرض عليه الآخر فلم يأخذ سقط حقه من الشفعة، وروي ذلك عن الحكم بن عتيبة أيضًا، وقال الطحاوي: قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يسقط حقه بذلك، بل له أن يأخذ بعد البيع لأن الشفعة لم تجب بعد، وإنما تجب له بعد البيع فتركه ما لم يجب بعد لا معنى له، ولا يسقط حقه إذا وجب، انتهى.
ففي المسألة عن أحمد روايتان كما في "المغني" إذ قال: قد اختلف فيه عن أحمد فقال مرة: تبطل شفعته، وقال مرة: لا تبطل، إلى آخر ما في هامش "اللامع"
(3)
.
قوله: (قال الشعبي: من بيعت. . .) إلخ، قال الموفق
(4)
: الصحيح في المذهب أن حق الشفعة على الفور، نص عليه أحمد فقال: الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم، وهذا قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وحكي عن أحمد رواية ثانية أن الشفعة على التراخي لا تسقط، ما لم يوجد منه ما يدل على الرضاء من عفو، أو مطالبة بقسمة، ونحو ذلك، وهو قول
(1)
"فتح الباري"(4/ 437).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 153، 154).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 153).
(4)
"المغني"(7/ 453، 454).
مالك وقول للشافعي، إلا أن مالكًا قال: تنمطع بمضي سنة، وعنه: بمضي مدة يعلم أنه تارك لها، إلى آخر ما في هامش "اللامع"
(1)
.
(3 -
باب أي الجوار أقرب
؟)
هذه الترجمة يوافق الحنفية، كما سيأتي في كلام القسطلاني
(2)
.
قال الحافظ
(3)
: كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن لفظ "الجار" في الحديث الذي قبله ليس على مرتبة واحدة، انتهى.
وفي "الفيض"
(4)
: لا يدرى أنه هل أراد من الجار الجار الملاصق، وأراد به موافقة الحنفية، أو حمله على الحقوق الأخرى؟ غير أن الحديث الذي أخرجه ليس إلا في الحقوق العامة دون الشفعة، والله تعالى أعلم، انتهى.
قال القسطلاني
(5)
: فيه إشعار إلى أن المؤلف يختار مذهب الكوفيين في استحقاق الشفعة بالجوار لكنه لم يترجم له وإنما ذكر الحديث في الترجمة الأولى وهو دليل شفعة الجوار، وأعقبه بهذا الباب ليدل بذلك على أن الأقرب جوارًا أحق من الأبعد، لكنه لم يصرح في الرجمة بأن غرضه الشفعة، واستدل التوربشتي بإيراد البخاري حديث:"الجار أحق بسقبه" على تقويته شفعة الجار وإبطال ما تأوله أبو سليمان الخطابي مشنعًا عليه، وأجاب شارح "المشكاة" بأن إيراد البخاري لذلك ليس بحجة على الإمام الشافعي ولا على الخطابي، وقد وافق محي السُّنَّة البغوي الخطابي في ذلك، وإذا كان كذلك، فلا وجه للتشنيع على الإمام أبي سليمان الذي لان له الحديث كما لان لأبي سليمان الحديد، انتهى.
(1)
"اللامع"(6/ 153، 154).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 244).
(3)
"فتح الباري"(4/ 438).
(4)
"فيض الباري"(3/ 507).
(5)
"إرشاد الساري"(5/ 244).
ثم براعة الاختتام سكت عنها الحافظ؛ لأنه جعل البيع والإجارة واحدًا.
وعند هذا العبد الضعيف البراعة في لفظ "الجار" فإنه يرشد إلى قوله: "اللهم أجرني من النار"، ومن أدعية صلاة الجنازة "اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار" كما تقدم في المقدمة مبسوطًا.
* * *
37 -
كتاب الإجارة
قال الحافظ
(1)
: الإجارة بكسر أوله على المشهور وحكي ضمها، وهي لغةً الإثابة، واصطلاحًا تمليك منفعة رقبة بعوض، انتهى.
اعلم أن التمليك على نوعين: ما يتعلق بالعين، والثاني: ما يتعلق بالمنفعة، وكل واحد منهما إما بعوض أو بغير عوض، فتمليك العين بالعوض هو البيع، وبغير العوض هو الهبة، وتمليك المنفعة بعوض إجارة، وبغير عوض إعارة، كذا يستفاد من "الهداية"
(2)
وحواشيه.
وبسط الكلام على مباحث الإجارة صاحب "البدائع"
(3)
، وقال: الكلام في هذا الكتاب يقع في سبع مواضع، ثم ذكرها، وقال أيضًا: الإجارة جائزة عند عامة العلماء، وقال أبو بكر الأصم: إنها لا تجوز، والقياس ما قاله؛ لأن الإجارة بيع المنفعة والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع فلا يجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل، فإذن لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار الحال ولا باعتبار المآل، فلا جواز لها رأسًا، لكنا استحسنا الجواز بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، إلى آخر ما بسطه.
(1 -
باب استئجار الرجل الصالح. . .) إلخ
قال القسطلاني
(4)
: فيه إشارة إلى قطع وهم من لعله يتوهم أنه لا ينبغي استئجار الصالحين في الأعمال والخدم لأنه امتهان لهم قاله ابن المنيِّر.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق، وبالرفع على الاستئناف،
(1)
"فتح الباري"(4/ 439).
(2)
"الهداية"(6/ 269).
(3)
"بدائع الصنائع"(4/ 14).
(4)
"إرشاد الساري"(5/ 247 - 248).
وأشار بذلك إلى قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع ابنة شعيب في سقيه المواشي و (من لم يستعمل) أي: من الأئمة، (من أراده) أي: لا يفوض الأمر إلى الحريص على العمل لأنه لحرصه لا يؤمن، وهذان الجزءان من جملة الترجمة، وقد ساق لكل منهما حديثًا، انتهى.
قال الحافظ
(1)
: قال الإسماعيلي: ليس في الحديثين جميعًا معنى الإجارة، وقال الداودي: ليس حديث: "الخازن الأمين" من هذا الباب لأنه لا ذكر للإجارة فيه، وقال ابن التين: وإنما أراد البخاري أن الخازن لا شيء له في المال وإنما هو أجير، وقال ابن بطال
(2)
: إنما أدخله في هذا الباب لأن من استؤجر على شيء فهو أمين فيه، وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف إلا إن كان ذلك بتضييعه.
وقال الكرماني
(3)
: دخول هذا الحديث في باب الإجارة للإشارة إلى أن خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال، وأما دخول الحديث الثاني في الإجارة فظاهر من جهة أن الذي يطلب العمل إنما يطلبه غالبًا لتحصيل الأجرة التي شرعت للعامل، والعمل المطلوب يشمل العمل على الصدقة في جمعها وتفرقتها في وجهها وله سهم منها كما قال الله تعالى:{وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] فدخوله في الترجمة من جهة طلب الرجلين أن يستعملهما النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة أو غيرها ويكون لهما على ذلك أجرة معلومة، انتهى.
قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن إدخال الحديث الثاني في الباب من حيث إن طلبه العمل علامة لكونه غير صالح، فقد ورد حديث الباب عند أبي داود
(4)
من زيادة قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أخونكم عندنا من طلبه"، ثم لا يذهب عليك ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ولله دره إذ قال: ثم إن الأدب في
(1)
"فتح الباري"(4/ 440).
(2)
(6/ 385).
(3)
"شرح الكرماني"(10/ 96).
(4)
"سنن أبي داود"(ح: 2930).
ذلك أن لا يستعمل الطالب على ما فيه مظنة الخيانة وشبهة عدم القيام بالأمر الذي نيط به، وأنه لا يأتي به على وجهه، وليس المراد أن كل طالب عمل لا يستعمل، كيف ولو كان المراد ذلك لانسد باب الأعمال والإجارات، فإن الأجراء قلما يتفطن لهم أنه أجراء إلا إذا طلبوا وأظهروا ذلك من أنفسهم، مع أن يوسف عليه السلام طلب العمل من نفسه حيث رأى أنه قوي على ذلك فقال:{اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، وقد سأل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإمامة، فقال: اجعلني إمام قومي، فقال:"أنت إمامهم واقتد بأضعفهم"
(1)
، انتهى.
وذكر في هامشه من الروايات ما يدل على تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
(2 -
باب رعي الغنم على قراريط)
قال الحافظ
(2)
: على بمعنى الباء وهي للسببية أو المعاوضة، وقيل: إنها هنا للظرفية كما سنبين، انتهى.
وقال القسطلاني
(3)
: قراريط جمع قيراط وهو نصف الدانق أو نصف عشر الدينار، أو جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وقال بعد ذكر الحديث: وقال أبو إسحاق الحربي: قراريط اسم موضع بمكة، وصححه ابن الجوزي كابن ناصر، وأيده مغلطاي بأن العرب لم تكن تعرف القيراط، قال ابن حجر: لكن الأرجح الأول لأن أهل مكة لا تعرف بها مكانًا يقال له قراريط، انتهى.
وقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف القيراط الذي هو من النقد، ولذا قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: "تفتحون أرضًا يذكر فيها
(1)
"سنن أبي داود"(ح: 531).
(2)
"فتح الباري"(4/ 441).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 250).
القيراط" لكن لا يلزم من عدم معرفتهم لهما - أي: للقيراط بالمعنيين الذي هما الموضع وكونها من النقود - أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف ذلك، انتهى.
قلت: ولعل المصنف أشار بهذه الترجمة إلى فضيلة هذا العمل لكونه فعل جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقال القسطلاني
(1)
: والحكمة في إلهامهم صلوات الله وسلامه عليهم رعي الغنم قبل النبوة ليحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها زيادة الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على مشقة الرعي ودفعوا عنها السباع الضارية والأيدي الخاطفة وعلموا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها وعرفوا ضعفها واحتياجها إلى النقل من مرعى إلى مرعى ومن مسرح إلى مراح فرفقوا بضعيفها وأحسنوا تعاهدها فهو توطئة لتعريفهم سياسة أممهم، وخص الغنم لأنها أضعف من غيرها، وفي ذكره صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن علم أنه أشرف خلق الله ما فيه من التواضع والتصريح بمنته عليه، انتهى.
(3 -
باب استئجار المشركين عند الضرورة)
قال الحافظ
(2)
: هذه الترجمة مشعرة بأن المصنف يرى بامتناع استئجار المشرك حربيًّا كان أو ذميًّا إلا عند الاحتياج إلى ذلك كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك؛ وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال: "لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم عمال يعملون بها نخل خيبر وزرعها، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر فدفعها إليهم" الحديث، وفي استشهاده بقصة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يزرعوها وباستئجاره الدليل المشرك لما هاجر على ذلك نظر؛ لأنه ليس فيهما تصريح بالمقصود من منع استئجارهم وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضمومًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم:"إنا لا نستعين بمشرك"
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 250).
(2)
"فتح الباري"(4/ 442).
أخرجه مسلم وأصحاب السنن، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به، قال ابن بطال
(1)
: عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم، انتهى.
(4 -
باب إذا استأجر أجيرًا ليعمل له. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(2)
: يعني بذلك أن الاستئجار وإن كان متقدمًا على زمان العمل، إلا أن الأجرة لا تجب إلا إذا أتى بالمعقود عليه، فكان في تقديم الاستئجار على وقت العمل مظنة توهم المنع، لما فيه من حبس الأجير قبل ما تناوله العقد من الزمان كما في صورة المسألة المذكورة في الرواية، فإن الدليل الديلي قد حبس من أجلهما منذ ثلاث، فأورد المؤلف الرواية الدالة على جواز هذا التقديم، وما يتوهم من الحبس بغير عوض يقابله مدفوع، بأنه مجرد عدة منهما جميعًا، ولو سلم كونه حبسًا فالأجرة مقابلة بالعمل والحبس كليهما كيف ما كان الحبس، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف، فللَّه دره، وفي بادي الرأي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، كما ستأتي، وقال الإسماعيلي: ليس في الخبر أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث، بل الذي في الخبر أنهما استأجراه، وابتدأ في العمل من وقته لتسليمه راحلتيهما يرعاهما ويحفظهما إلى أن يتهيأ لهما الخروج.
قال الحافظ: ليس في ترجمة البخاري ما ألزمه به بل الذي ترجم به هو ظاهر القصة، ومن قال ببطلان الإجارة إذا لم يشرع في العمل من حين الإجارة هو المحتاج إلى دليل، انتهى.
وبسط الكلام في هامش "اللامع" فارجع إليه.
(1)
(6/ 387).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 162).
وأما المسألة الخلافية الشهيرة ففي "المغني"
(1)
: ولا يشترط في مدة الإجارة أن تلي العقد، بل لو آجره سنة خمس وهما في سنة ثلاث أو شهر رجب في المحرم صبح، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يصح إلا أن يستأجرها من هي في إجارته، ففيه قولان، انتهى.
وقال القسطلاني
(2)
: "باب إذا استأجر. . ." إلخ، وجواب إذا قوله:"جاز"، ثم قال: قال العيني: هو جا عند مالك وأصحابه بعد اليوم أو اليومين أو ما قرب إذا أنقده الأجرة، واختلفوا فيما إذا لم ينقده فأجازه مالك وابن القاسم، وقال أشهب: لا يجوز لأنه لا يدري أيعيش أم لا، وقياسه أن يستأجر منه منزلًا مدة معلومة قبل مجيء السنة بأيام كأن يقول: آجرتك الدار سنة بعد عشرة أيام فمذهب الشافعية عدم الصحة، لأن منفعتها إذ ذاك غير مقدورة التسليم في الحال، فأشبه بيع العين على أن يسلمها غدًا، وهو بخلاف إجارة الذمة، فإنه يجوز فيها تأجيل العمل كما في السلم، فلو آجر السنة الثانية لمستأجر الأولى قبل انقضائها جاز لاتصال المدتين مع اتحاد المستأجر فهو كما لو آجرهما دفعة واحدة بخلاف ما لو آجرها من غيره لعدم اتحاد المستأجر، وقال الحنفية: إذا قال في شعبان مثلًا: آجرتك داري في أول يوم من رمضان جاز مطلقًا؛ لأن العقد يتجدد بحدوث المنافع وهو مذهب المالكية، انتهى.
وفي "الفيض"
(3)
تحت الترجمة: ويقال له في الفقه: الإجارة المضافة، والعقد فيها يكون في الحال، والعمل في المآل، ولتراجع "الهداية" للفرق بين الإجارة المعلقة والمضافة؛ إلى آخر ما قال.
(1)
"المغني"(8/ 9).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 252 - 253).
(3)
"فيض الباري"(3/ 510).
(5 -
باب الأجير في الغزو)
قال الحافظ
(1)
: قال ابن بطال
(2)
: استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو وغيره سواء، انتهى.
ويحتمل أن يكون أشار إلى أن الجهاد وإن كان القصد به تحصيل الأجر فلا ينافي في ذلك الاستعانة بمن يخدم المجاهد، ويكفيه كثيرًا من الأمور التي لا يتعاطاها بنفسه، انتهى.
قال صاحب "الفيض"
(3)
: يعني أن الغزو يكون خالصًا لله تعالى، فهل تصح فيه الأجرة؟ والجواب أنها تصح، وإن حبط الأجر، فهو للأجير إلى آخر قطرة دمه، انتهى.
(6 -
باب من استأجر أجيرًا فبين له الأجل)
أي: هل يصح ذلك أم لا؟ وقد مال البخاري إلى الجواز لأنه احتج لذلك فقال: "لقوله تعالى. . ." إلخ، ولم يفصح مع ذلك بالجواز لأجل الاحتمال، ووجه الدلالة منه أنه لم يقع في سياق القصة المذكورة بيان العمل، وإنما فيه إن موسى آجر نفسه من والد المرأتين، ثم إنما تتم الدلالة بذلك إذا قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد شرعنا بتقريره، قال المهلب
(4)
: ليس في الآية دليل على جهالة العمل في الإجارة لأن ذلك كان معلومًا بينهم وإنما حذف ذكره للعلم به، وتعقبه ابن المنيِّر
(5)
: بأن البخاري لم يرد جواز أن يكون العمل مجهولًا وإنما أراد أن التنصيص على العمل باللفظ ليس مشروطًا، وأن المتبع المقاصد لا الألفاظ، ويحتمل أن يكون المصنف أشار إلى حديث عتبة بن الندر - بضم النون وتشديد المهملة - قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن موسى آجر نفسه ثمان سنين أو عشرًا
(1)
"فتح الباري"(4/ 444).
(2)
(6/ 389، 390).
(3)
"فيض الباري"(3/ 510).
(4)
انظر: "فتح الباري"(4/ 444).
(5)
"المتواري"(ص 253).
على عفة فرجه وطعام بطنه" أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده ضعف، فإنه ليس فيه بيان العمل من قبل موسى، انتهى.
(7 -
باب إذا استأجر أجيرًا على أن يقيم حائطًا. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: قصد بذلك بيان أن الاستئجار كما يجوز بتعيين الأجل وإن لم يتعين العمل كما تقدم، فكذلك هو جائز بتعيين العمل وإن لم يتعين الأجل الذي يفرغ فيه من عمله، وكلا نوعي الاستئجار معمول بهما شرعًا وعرفًا، انتهى. وهكذا حكى الحافظ
(2)
: عن ابن المنيِّر.
قلت: والإجارة على نوعين: الإجارة بتعيين الأجل، وترجم له سابقًا بقوله: وبين له الأجل، والنوع الثاني من الإجارة ترجم له البخاري بهذه الترجمة، قال الموفق: الإجارة على ضربين: أحدهما: أن يعقدها على مدة، الثاني: أن يعقدها على عمل معلوم كبناء حائط وخياطة قميص، فإذا كان المستأجر مما له عمل كالحيوان جاز فيه الوجهان؛ لأن له عملًا تتقدر منافعه به، وإن لم يكن له عمل كالدار والأرض لم يجز إلا على مدة، ومتى تقدرت المدة لم يجز تقدير العمل، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي؛ لأن الجمع بينهما يزيدها غررًا لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة، فإن استعمل في بقية المدة فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركًا للعمل في بعض المدة، إلى آخر ما بسطه الموفق، انتهى من هامش "اللامع"
(3)
.
(8 -
باب الإجارة إلى نصف النهار)
أي: من أول النهار، وترجم في الذي بعده "الإجارة إلى صلاة العصر" والتقدير أيضًا أن الابتداء من أول النهار، ثم ترجم بعد ذلك "باب
(1)
"لامع الدراري"(6/ 164، 165).
(2)
"فتح الباري"(4/ 445).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 164 - 166).
الإجارة من العصر إلى الليل" أي: إلى أول دخول الليل، قيل: أراد البخاري إثبات صحة الإجارة بأجر معلوم إلى أجل معلوم من جهة أن الشارع ضرب المثل بذلك، ولولا الجواز ما أقره، ويحتمل أن يكون الغرض من كل ذلك جواز الاستئجار لقطعة من النهار إذا كانت معينة دفعًا لتوهم من يتوهم أن أقل المعلوم أن يكون يومًا كاملًا، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قوله: (ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء؟) بسط الكلام عليه في "اللامع"
(2)
وهامشه، [فارجع] إليه لو شئت.
(9 -
باب الإجارة إلى صلاة العصر)
تقدم بعض ما يتعلق به من الغرض وغيره في الباب السابق، وذكر فيه حديث ابن عمر من طريق مالك عن عبد الله بن دينار، وليس في سياقه التصريح بالعمل إلى صلاة العصر، وإنما يؤخذ ذلك من قوله:"ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر" فإن ابتداء عمل الطائفة عند انتهاء عمل الطائفة التي قبلها، نعم في رواية أيوب في الباب قبله التصريح بذلك، انتهى من "الفتح"
(3)
.
(10 -
باب إثم من منع أجر الأجير)
أورد فيه حديث أبي هريرة وقد تقدم في "باب إثم من باع حرًّا" في "كتاب البيوع"، وقال الحافظ
(4)
: أخَّر ابن بطال هذا الباب عن الذي بعده، وكأنه صنع ذلك للمناسبة، انتهى. وهكذا قال العيني
(5)
.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(6)
: الظاهر أن محل إيراده هو آخر الأبواب الثلاثة لا وسطها، إلا أنه وسطه إياها لنكتة، وهي الإشارة إلى أن الأجرة
(1)
"فتح الباري"(4/ 446).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 166 - 169).
(3)
"فتح الباري"(4/ 447).
(4)
"فتح الباري"(4/ 447).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 617).
(6)
"لامع الدراري"(6/ 170، 171).
تجب على المستأجر شيئًا فشيئًا، حسب إتيان الأجير من المعقود عليه شيئًا فشيئًا، فالعادة وإن كانت جارية بأن الأجير لا يطلب أجرته إلا بعد مضي اليوم أو الشهر حسب ما تعارفوا إلا أن له أن يطلب قبل انقضاء اليوم وتمامه حتى إنه لو عمل ثلثي اليوم وترك العمل بعد ذلك أو لم يترك، كان له وقتئذ أن يطلب ثلثي أجره، ولذلك لم يورد الباب قبل "باب الإجارة إلى نصف النهار"؛ لأنه لو وضعه هناك لربما توهم أن الأجرة إنما تجب إذا فرغ من العمل ولو بنصف يوم، فلو طلب لأقل من ذلك لا يجوز حتى يفرغ من عمله، فدفعه بإيراده الباب ها هنا ليعلم أنه لا عبرة فيه للفراغ، ولا لإتيان النصف من المعقود عليه، كما في عمل نصف اليوم إذا كانت الإجارة لعمل اليوم، بل الواجب هو كل جزء من الأجر على أداء كل جزء من العمل، إلا أن المطالبة ساقطة دفعًا للحرج الواقع في مطالبة كل آن، انتهى.
وذكر في هامش "اللامع" ما يؤيد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، فارجع إليه.
(11 -
باب الإجارة من العصر إلى الليل)
قال الحافظ
(1)
: أورد فيه حديث أبي موسى وقد مضى سنده ومتنه في "المواقيت"
(2)
وشيخه أبو كريب المذكور هناك هو محمد بن العلاء المذكور هنا، انتهى. وهكذا في "العيني"
(3)
.
قلت: لكنه أخرجه هناك مختصرًا وهنا مطولًا، وقد تقدم الكلام على الأحاديث المكررة في مقدمة "اللامع"
(4)
.
ثم لا يخفى عليك ما في حديثي أبي موسى وابن عمر من التغاير جدًا، كما ذكر في هامش "اللامع"
(5)
في "المواقيت"، وكذا في "الكوكب"
(6)
(1)
"فتح الباري"(4/ 448).
(2)
انظر: "صحيح البخاري"(ح: 558).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 618) و (4/ 74).
(4)
"لامع الدراري"(1/ 105، 106).
(5)
"اللامع"(3/ 46، 47).
(6)
"الكوكب الدري"(3/ 467 - 468).
وهامشه: واختلفت الشرَّاح في محملهما، فحاول جماعة منهم الشيخ الكَنكَوهي إلى جمعهما في قضية واحدة، وإليه مال الخطابي كما حكاه عنه القاري وكذا ابن التين، كما حكاه عنه الحافظ، ومال جماعة من الشرَّاح إلى التعدد، منهم الحافظ ابن حجر إذ قال: أما ما وقع من المخالفة بين حديثي ابن عمر وأبي موسى فظاهرهما أنهما قضيتان، وحاول بعضهم الجمع بينهما فتعسف، انتهى من هامش "الكوكب".
(12 -
باب من استأجر أجيرًا فترك أجره. . .) إلخ
قال القسطلاني
(1)
: قوله: (فعمل فيه المستأجر) أي: بالتجارة والزراعة، (فزاد) فجه، أي: ربح، (ومن عمل. . .) إلخ، هو من باب عطف العام على الخاص، انتهى. وزاد الحافظ
(2)
: لأن العامل في مال غيره أعم من أن يكون مستأجرًا أو غير مستأجر، ولم يذكر المصنف الجواب إشارة إلى الاحتمال كعادته، وقد تعقب المهلب ترجمة البخاري بأنه ليس في القصة دليل لما ترجم له، وإنما اتجر الرجل في أجر أجيره ثم أعطاه له على سبيل التبرع، وإنما الذي كان يلزمه قدر العمل خاصة، انتهى.
قلت: وقد تقدم هذا الحديث في "كتاب البيوع"
(3)
في "باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه" وأثبت منه جواز بيع الفضولي كما تقدم هناك مبسوطًا.
قال العيني
(4)
: قال الخطابي: استدل بالحديث أحمد على أن المستودع إذا اتجر في مال الوديعة وربح أن الربح إنما يكون لرب المال، قال: وهذا لا يدل على ما قال، وذلك أن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله وتقرب به إلى الله عز وجل، وقد قال: إنه اشترى بقرًا وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به، فلا يستحق عليه ربحًا، والأشبه بمعناه أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتجر فيه وأنماه، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 263).
(2)
"فتح الباري"(4/ 450).
(3)
انظر: "صحيح البخاري"(ح: 2215).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 529).
في المستودع إذا اتجر بمال الوديعة والمضارب إذا خالف رب المال فربحا أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء، وعند أبي حنيفة: المضارب ضامن لرأس المال والربح له ويتصدق به، والوضيعة عليه؛ وقال الشافعي: إن كان اشترى السلعة بعين المال فالبيع باطل، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري وهو ضامن للمال، وقال ابن بطال: وأما من اتجر في مال غيره، فقالت طائفة: يطيب له الربح إذا رد رأس المال إلى صاحبه، سواء كان غاصبًا للمال أو كان وديعة عنده متعديًا فيه، هذا قول مالك والثوري وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري تنزهه عنه، ويتصدق به، وقالت طائفة: يرد المال ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه شيء هذا قول أبي حنيفة ومحمد وزفر، وقالت طائفة: والربح لرب المال وهو ضامن لما تعدى فيه، هذا قول ابن عمر، وبه قال وأحمد وإسحاق، انتهى مختصرًا.
وفي "الفيض"
(1)
: قوله: "باب من استأجر" فهل يكون الربح للعامل، أو المالك؟ وقد مر عن "الهداية": أن الربح في البيع الفاسد يطيب للبائع؛ لأنه ربح في ثمنه، ولا يطيب للمشتري، فإنه ربح في المبيع، ووجه الفرق ذكره صاحب "الهداية"، انتهى مختصرًا.
(13 -
باب من آجر نفسه ليحمل على ظهره ثم تصدق منه)
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: إنما عقد هذا الباب لما في ظاهره أنه لا يجوز لما فيه من توهين المسلم نفسه وإذلاله إياها، وليس لمؤمن أن يذل نفسه، فدفعه بأنه ليس بمذلة سيما وفي تركه مذلة المسألة، وهي أشنع منها بكثير، وكما أن في ترك الاكتساب مذلة المسألة في الدنيا فكذلك في ترك الصدقة مذلة الإفلاس الأخروي، انتهى.
(1)
"فيض الباري"(3/ 513).
(2)
"اللامع"(6/ 172).
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، ويحتمل عندي أنه ترجم بذلك لما يتوهم من ظاهر الروايات العديدة أن مثل هذا التكلف للصدقة مما لا ينبغي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وغير ذلك من الروايات، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع"
(1)
.
وفي "الفيض"
(2)
: أي: من آجر نفسه، فاكتسب شيئًا، فاستفضل منه شيء، فتصدق به، انتهى.
(14 -
باب أجر السمسرة. . .) إلخ
بفتح السينين المهملتين بينهما ميم ساكنة، أي: الدلالة، قاله القسطلاني
(3)
.
وقال العيني
(4)
: السمسار بالكسر: الدلال، وفي "المغرب": السمسرة مصدر، وهو أن يوكل الرجل من الحاضرة للقادمة، فيبيع لهم ما يحلبونه، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(5)
: السمسار هو الدال على مكان السلعة وصاحبها، قال ابن عابدين
(6)
: لا فرق لغةً بين السمسار والدلال، وقد فسرهما في "القاموس"
(7)
بالمتوسط بين البائع والمشتري، وفرق بينهما الفقهاء فالسمسار هو ما ذكره المؤلف، والدلال هو المصاحب للسلعة، انتهى.
قال الحافظ
(8)
: كأن المصنف أشار إلى الرد على من كرهها، وقد نقله ابن المنذر عن الكوفيين، انتهى.
قلت: أخذه الحافظ من الآثار المذكورة في الباب، وتعقب عليه
(1)
"اللامع"(6/ 172، 173).
(2)
"فيض الباري"(3/ 513).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 267).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 623).
(5)
"الدر المختار"(2/ 35).
(6)
"رد المحتار"(7/ 353).
(7)
"القاموس المحيط"(ص 383).
(8)
"فتح الباري"(4/ 451).
العلامة العيني
(1)
فقال بعد ذكر كلامه: لم يقصد البخاري بهذا الرد على أحد، وإنما نقل عن هؤلاء المذكوريين أنهم لا يرون بأسًا بالسمسرة، وطريقة الرد لا تكون هكذا، ثم ذكر العيني اختلاف العلماء فيه.
كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: ولا بأس فيه عندنا من حيث كونه أجر السمسرة، فأما لو لزم الفساد فيه من جهة أخرى كجهالة الأجرة لم تجز، وقول ابن عباس ظاهره إطلاق الجواز معلومًا كانت الأجرة أو مجهولةً، وكأنه نزله منزلة المضارب، فإنه لا يعلم في المضاربة مقدار الربح ما هو، ومع ذلك فهي جائزة، ولو حمل قول ابن عباس هذا على أنه عدة منه بإعطائه إياه ما زاد على ذلك القدر المعلوم من الثمن لم يكن مخالفًا للمذهب أيضًا، انتهى. وذكر في هامشه: اختلاف العلماء فيه.
قال القسطلاني
(3)
: قوله: "لا يكون له سمسارًا" وهذا موضع الترجمة فإن مفهومه جواز أن يكون سمسارًا في بيع الحاضر للحاضر لكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومة، وهذا الحديث سبق في "باب النهي عن تلقي الركبان"
(4)
، انتهى.
وفي "الفيض"
(5)
: وأجرته حلال عندنا لسواء كان من جهة البائع، أو المشتري. وقوله:"بع هذا الثوب، فما زاد على كذا. . ." إلخ، وهذه الإجارة فاسدة عندنا لجهالة الأجرة، فيستحق أجرة المثل، على ما هو المسألة في الإجارة الفاسدة، وقوله:"المسلمون عند شروطهم. . ." إلخ، يعني: يلزمهم كل شرط تتحمله قواعد الشرع، فعليهم الإيفاء بها، انتهى من "الفيض".
(1)
"عمدة القاري"(8/ 623).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 173، 174).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 267).
(4)
انظر: "صحيح البخاري"(ح: 2163).
(5)
"فيض الباري"(3/ 514).
(15 -
باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك. . .) إلخ
أورد فيه حديث خباب - وهو إذ ذاك مسلم - في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، وكان ذلك بمكة وهي إذ ذاك دار حرب، واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وأقره، ولم يجزم المصنف بالحكم لاحتمال أن يكون الجواز مقيدًا بالضرورة، أو أن جواز ذلك كان قبل الإذن في قتال المشركين ومنابذتهم وقبل الأمر بعدم إذلال المسلم نفسه.
وقال المهلب: كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما: أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين، وقال ابن المنيِّر: استقرت المذاهب على أن الصَّناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يعد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله بطريق التبعية، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وفي "المغني"
(2)
: لا تجوز إجارة مسلم لذمي لخدمته نص عليه أحمد في رواية الأثرم، فقال: إن آجر نفسه من الذمي في خدمته لم يجز، وإن كان في عمل شيء جاز، وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: تجوز، ولنا: أنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له واستخدامه، فأما إن آجر نفسه منه في عمل معين في الذمة؛ كخياطة ثوب وقصارته جاز بغير خلاف نعلمه؛ لأن عليًّا رضي الله تعالى عنه آجر نفسه من يهودي، يسقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك
(3)
فلم ينكره، وكذلك الأنصاري
(4)
انتهى.
قلت: وحديث الباب قد سبق في "باب ذكر القين والحداد" من "كتاب البيوع".
(1)
"فتح الباري"(4/ 452).
(2)
"المغني"(8/ 135).
(3)
انظر: "سنن ابن ماجه"(ح: 2446).
(4)
انظر: "سنن ابن ماجه"(ح: 2448).
(16 -
باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب)
قال الحافظ
(1)
: والأحياء بالفتح جمع حي والمراد به طائفة من العرب مخصوصة، وقد اعترض على المصنف بأن الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة ولا باختلاف الأجناس، وتقييده في الترجمة بأحياء العرب يشعر بحصره فيه، ويمكن الجواب بأنه ترجم بالواقع ولم يتعرض لنفي غيره، وقد ترجم عليه في الطب "الشروط في الرقية بقطيع من الغنم" ولم يقيده بشيء، وترجم فيه أيضًا:"الرقية بفاتحة الكتاب"، والرقية كلام يستشفى به من كل عارض، انتهى.
قال القسطلاني
(2)
بعد ذكر الإشكال وجوابه عن الحافظ: واعترضه في "عمدة القاري"
(3)
بأن هذا الجواب غير مقنع لأن القيد شرط إذا انتفى ينتفي المشروط، ثم قال القسطلاني: وبحديث الباب تمسك الجمهور في جواز الأجرة على تعليم القرآن، ومنع ذلك الحنفية في التعليم لأنه عبادة والأجر فيها على الله تعالى، وأجازوه في الرقى لهذا الخبر، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: وقد خلط هؤلاء بين القراءة والتعليم فظنوهما واحدًا، وقد خلطوا أيضًا بين القرآة لأجل التلاوة بينها لا لأجلها بل بنية الدعاء، وبينهما تفاوت لا يخفى، إلى آخر ما بسطه الشيخ في "اللامع".
وفي هامشه: قال الموفق في "المغني"
(5)
: ما لا تجوز إجارته أقسام، إلى أن قال: القسم الرابع: القرب التي يختص فاعلها بكونه من أهل القربة، يعني أنه يشترط كونه مسلمًا: كالإمامة، والأذان، والحج، وتعليم القرآن نص عليه - أي: على عدم الجواز - أحمد، وبه قال عطاء
(1)
"فتح الباري"(4/ 453).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 269).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 626).
(4)
"لامع الدراري"(6/ 178 - 180).
(5)
"المغني"(8/ 129 - 136 - 139).
وأبو حنيفة، وممن كره أجرة التعليم مع الشرط الحسن وابن سيرين والنخعي، وعن أحمد رواية أخرى: يجوز ذلك، وممن أجاز ذلك مالك والشافعي، إلى آخر ما بسط في الدلائل، ثم قال: فأما الأخذ على الرقية، فإن أحمد يختار جوازه، وقال: لا بأس، والفرق بينه وبين ما اختلف فيه أن الرقية نوع مداواة، والمداواة يجوز أخذ الأجر عليها، انتهى.
قوله: (ولم ير ابن سيرين بأجر القسام بأسًا) قيل: وجه ذكر القسام والخارص في هذا الباب الاشتراك في أن جنسهما وجنس تعليم القرآن والرقية واحد، انتهى. وهذا وجه فيه تعسف، ويمكن أن يقال: وقع هذا استطرادًا لا قصدًا، انتهى من "العيني"
(1)
.
وفي "الفيض"
(2)
: قوله: "القسام. . ." إلخ، كان بيت المال ينصب رجلًا للتقسيم، ويقال له: القسام، ويقال له في بلادنا: الأمين، وفي الفقه: أن أجرته تكون على بيت المال، وأن لا تؤخذ منهم، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(3)
: وينصب قاسم يرزق من بيت المال ليقسم بلا أخذ أجر منهم، وهو أحب، وإن نصب بأجر المثل صح؛ لأنها ليست بقضاء حقيقة، فجاز له أخذ الأجرة عليها وإن لم يجز على القضاء، انتهى.
وفي هامش "اللامع"
(4)
: اختلف العلماء في أجرة القسام، قال الحافظ
(5)
: كرهها مالك، وقيل: إنما كرهها لأنه كان يرزق من بيت المال فكره له أن يأخذ أجرة أخرى، انتهى.
ولم يذكر الحافظ مذاهب الأئمة، وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع" وحاصله أنها جائزة عند الجمهور، ثم الأجرة بقدر نصيبهم في
(1)
"عمدة القاري"(8/ 629).
(2)
"فيض الباري"(3/ 516).
(3)
"الدر المختار"(3/ 516).
(4)
"اللامع"(6/ 184 - 185).
(5)
"فتح الباري"(4/ 454).
المال عند أحمد والشافعي وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة بقدر رؤوسهم.
(17 -
باب ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإمام)
الضريبة بفتح المعجمة فعيلة بمعنى مفعولة: ما يقدره السيد على عبده في كل يوم، وضرائب جمعها، ويقال لها خراج وغلة بالغين المعجمة وأجر، وقد وقع جميع ذلك في الحديث، ودلالة الحديث على الترجمة ظاهرة، فإن المراد بها بيان حكم ذلك، وفي تقرير النبي صلى الله عليه وسلم له دلالة على الجواز، وأما ضرائب الإماء فيؤخذ منه بطريق الإلحاق واختصاصها بالتعاهد لكونها مظنة تطرق الفساد في الأغلب، وإلا فكما يخشى من اكتساب الأمة بفرجها يخشى من اكتساب العبد بالسرقة مثلًا، ولعله أشار بالترجمة إلى ما أخرجه هو في تاريخه من طريق أبي داود الأحمري قال:"خطبنا حذيفة حين قدم المدائن فقال: تعاهدوا ضرائب إمائكم" وهو عند أبي نعيم في "الحلية" بلفظ: "ضرائب غلمانكم"، ولأبي داود من حديث رافع بن خديج مرفوعًا:"نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو"
(1)
.
وقال ابن المنيِّر: كأنه أراد بالتعاهد التفقد لمقدار ضريبة الأمة لاحتمال أن تكون ثقيلة فتحتاج إلى التكسب بالفجور، ودلالته من الحديث أمره عليه الصلاة والسلام بتخفيف ضريبة الحجام، فلزوم ذلك في حق الأمة أقعد وأولى لأجل الغائلة الخاصة بها، انتهى.
وبما قال ابن المنيِّر جزم الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(2)
ثم قال: ولا يبعد أن يقال: أراد المصنف إثبات تعاهد ضرائب الإماء وذكر ضريبة العبد من غير ذكر التعاهد في ضريبته، فأورد فيه رواية، ثم لما كانت الرواية تثبت مع ذلك مسألتين أخراوين وهما جواز التكلم مع موالي العبد في
(1)
"سنن أبي داود"(3427).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 187 - 189).
التخفيف عنه، وجواز أجر الحجام، نبَّه عليهما في أثناء الكلام بلفظ الباب، وكذلك الرواية الموردة في الباب الثالث لما كانت تثبت مع إثباتها مسألة التعاهد مسألة أخرى، وهي حرمة كسب الأمة إذا كان من زنا نبَّه عليها بلفظ الباب، فالحاصل أن التعاهد مشترك الثبوت بتلك الروايات بأسرها، فكلها من الباب المتقدم، فإن فيها ذكرًا لضريبة العبد، وهو المقصود بالإثبات، وتعاهد الإماء مذكور في الرواية الثالثة، إلا أنها لما كانت متضمنة لمسائل أخر نبَّه عليها بزيادة الأبواب، انتهى.
قلت: وهذا أوجه عندي فتكون التراجم الآتية من الأصل السادس من أصول التراجم، وهذا أصل معروف مطرد في "البخاري"، يقال له في ألسنة المشايخ: باب في باب، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
(18 -
باب خراج الحجام)
قال العلَّامة العيني
(2)
: خراج الحجام أجره، انتهى.
قال الحافظ
(3)
: حديث الباب ظاهر في الجواز، وتقدم في "البيوع"
(4)
بلفظ: "ولو كان حرامًا لم يعطه"، وعرف به أن المراد بالكراهة هنا كراهة التحريم، وكأن ابن عباس أشار بذلك إلى الرد على من قال: إن كسب الحجام حرام، واختلف العلماء في هذه المسألة؛ فذهب الجمهور إلى أنه حلال واحتجوا بهذا الحديث وقالوا: هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم، فحملوا الزجر عنه على التنزيه، ومنهم من ادعى النسخ وأنه كان حرامًا ثم أبيح، جنح إلى ذلك الطحاوي، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها وأباحوها للعبد مطلقًا، إلى آخر ما قال الحافظ في "الفتح".
(1)
"اللامع"(6/ 187).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 635).
(3)
"فتح الباري"(4/ 459).
(4)
انظر: "صحيح البخاري"(ح: 2103).
(19 -
باب من كلَّم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه)
قال الحافظ
(1)
: أي: على سبيل التفضل منهم لا على سبيل الإلزام لهم، ويحتمل أن يكون على الإلزام إذا كان لا يطيق ذلك، انتهى.
(20 -
باب ما جاء في كسب البغي والإماء. . .) إلخ
قال العلامة القسطلاني
(2)
: "البغي" بفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد التحتية، أي: الزانية، "والإماء" البغايا، والممنوع كسب الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة، انتهى.
وفرّق بينهما الحافظ
(3)
إذ قال: بين البغي والإماء خصوص وعموم وجهي، فقد تكون البغي أمة وقد تكون حرة، ولم يصرح المصنف بالحكم كأنه نبَّه على أن الممنوع كسب الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة، انتهى.
قلت: فلذا جمع المصنف في الترجمة بين البغي والإماء إشارة منه إلى اتحاد حكمهما، وأن المراد في الحديث بكسب الإماء كسب البغايا، كما تقدم عن القسطلاني، لا مطلق الكسب، فالترجمة شارحة، وإليه أشار الحافظ بقوله: كأنه نبَّه، إلخ.
(21 -
باب عسب الفحل)
والعسب بفتح العين وإسكان السين المهملتين ويقال له: العسيب أيضًا، والفحل: الذكر من كل حيوان، واختلف في العسب؛ فقيل: هو ثمن ماء الفحل، وقيل: أجرة الجماع، وعلى الأخير جرى المصنف، وعلى كل تقدير فبيعه وإجارته حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، وفي وجه للشافعية والحنابلة تجوز الإجارة مدة معلومة، وهو قول الحسن
(1)
"فتح الباري"(4/ 459).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 276).
(3)
"فتح الباري"(4/ 460).
وابن سيرين ورواية عن مالك، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وقال القسطلاني
(2)
: المشهور في كتب الفقه أن عسب الفحل ضرابه، وقيل: أجرة ضرابه، وقيل: ماؤه، فعلى الأول والثالث تقديره: نهى عن بدل عسب الفحل، وفي رواية الشافعي: نهى عن ثمن عسب الفحل، انتهى.
(22 -
باب إذا استأجر أرضًا فمات أحدهما)
قال الحافظ
(3)
: أي: هل تفسخ الإجارة أم لا؟ والجمهور على عدم الفسخ، وذهب الكوفيون والليث إلى الفسخ، واحتجوا بأن الوارث ملك الرقبة والمنفعة تبع لها، فارتفعت يد المستأجر عنها بموت الذي آجره، وتعقب بأن المنفعة قد تنفك عن الرقبة كما يجوز بيع مسلوب المنفعة، فحينئذٍ ملك المنفعة باق للمستأجر بمقتضى العقد، انتهى.
وتعقب العيني
(4)
على تعقب الحافظ مبسوطًا فارجع إليه لو شئت.
وفي "المغني"
(5)
: إذا مات المكري والمكرى أو أحدهما فالإجارة بحالها، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وغيرهم، وقال الثوري وأصحاب الرأي: تنفسخ الإجارة بموت أحدهما، إلى آخر ما بسط في الدليل. وفي "الدر المختار"
(6)
: وتنفسخ بلا حاجة إلى الفسخ بموت أحد العاقدين عندنا لا بجنونه مطبقًا، ولا بردته إلا أن يلحق بدارهم ويقضى بهم، فإن عاد مسلمًا في المدة عادت الإجارة، انتهى.
وقال أيضًا: لو رضي الوارث وهو كبير ببقاء الإجارة، ورضي به المستأجر جاز، أي: فيجعل الرضاء بالبقاء إنشاء عقد، أي: لجوازها بالتعاطي، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 461).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 278).
(3)
"فتح الباري"(4/ 462).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 641 - 642).
(5)
"المغني"(8/ 43).
(6)
"الدر المختار"(2/ 184)، و"رد المحتار"(9/ 114 - 117).
قوله: (ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جدّدا الإجارة) في "فيض الباري"
(1)
: والعجب من البخاري أنه يجعل معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر إجارةً، ثم يحكم بإمضائها بعد وفاة أحد المتعاقدين، وهي عند الحنفية خراج مقاسمةً، ثم قال بعد ذكر الإشكال والجواب عنه: فالحاصل: أنها مزارعة عند البخاري، وخراج مقاسمةً عند الحنفية، وحينئذٍ فليسأل البخاري: أن المزارعة هل تبقى بعد موت أحد المتعاقدين أيضًا، أما خراج المقاسمة فيبقى ما بقيت السلطنة، والظن أن البخاري لم يتنقح عنده معاملتهم، فقد يجعلها إجارة وأخرى مزارعة، وراجع لتحقيقه "مبسوط السرخسي"، فقد حققه بما لا مزيد عليه، انتهى.
ثم البراعة في قوله: "حتى أجلاهم عمر" واضحة كما قال الحافظ
(2)
، ويحتمل أن يكون في قوله في أول الترجمة:"فمات أحدهما" أو ما في الحديث من قوله: "قبض النبي صلى الله عليه وسلم"، وفي "القول الفصيح" لشيخ الحديث مولانا فخر الدين أحمد: لقد أبدع المؤلف في نضد أبواب الإجارة حيث وضعها إلى ثلاثة أنواع: إجارة الإنسان، إجارة الحيوان، إجارة الأرض، فقدم إجارة الإنسان وقسمها إلى إجارة الحر وإجارة العبد، ثم صنفها إلى ما يجوز منها وما لا يجوز، ثم ثنّى بإجارة الحيوان، ثم ثلّث بإجارة الأرض لأن الأرض مرجع الأحياء والأموات جميعًا، قال:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 25، 26] وقال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55]، انتهى.
* * *
(1)
"فيض الباري"(3/ 520).
(2)
"فتح الباري"(4/ 462 - 463).
38 -
كتاب الحوالة
وفي نسخة "الفتح"
(1)
: "باب الحوالة"، وفي "القسطلاني"
(2)
: "باب في الحوالة"، وفي نسخة العيني
(3)
: "كتاب الحوالات".
وقال الحافظ
(4)
: "باب الحوالة" كذا للأكثر، وزاد النسفي والمستملي بعد البسملة "كتاب الحوالة"، والحوالة بفتح الحاء وقد تكسر مشتقة من التحويل أو من الحول
(5)
، وهو عند الفقهاء نقل دين من ذمة إلى ذمة، واختلفوا هل هي بيع دين بدين رخص فيه فاستثني من النهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه عند بعض شذ، ويشترط أيضًا تماثل الحقين في الصفات، وأن يكون في شيء معلوم، ومنهم من خصها بالنقدين ومنعها في الطعام لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى، انتهى.
وقال القسطلاني
(6)
: للحوالة ستة أركان، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(7)
، وفيه: وعلم مما سبق أن رضا الثلاثة - المحيل والمحال والمحال عليه - شرط عند الحنفية، أما المحيل فيعتبر رضاه إجماعًا، والمحتال يعتبر رضاه عندنا والشافعي ومالك، خلافًا لأحمد، وأما المحتال عليه فيعتبر رضاه عندنا، وهو أحد قولي الشافعي، والمشهور عنه أنه لا يعتبر رضاه، وبه قال أحمد، وقال مالك: إن كان بين المحال والمحال عليه عداوة يعتبر رضاه وإلا لا، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 464).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 281).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 645).
(4)
"فتح الباري"(4/ 464).
(5)
في "الفتح": "الحئول".
(6)
"إرشاد الساري"(5/ 281).
(7)
"اللامع"(6/ 193 - 194).
(1 -
باب في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟. . .) إلخ
قال الحافظ
(1)
: هذا إشارة إلى خلاف فيها هل هي عقد لازم أو جائز، انتهى.
وفي "الفيض"
(2)
: والمصنف أبهم في الكلام، وراجع له "الهداية"، فقد يجوز رجوع المحتال على المحيل في جزئيات، فمن جملة تلك الجزئيات هذه، وقوله:"يتخارج الشريكان" والتخارج باب في "السراجي"، وهذا باب في الورثة، والمصنف وضعه بين الشركاء أيضًا، وله وجه أيضًا، انتهى.
وقال القسطلاني
(3)
: قوله: "وقال الحسن. . ." إلخ، ومفهومه: إذا كان مفلسًا يوم الحوالة له الرجوع، ومذهب الشافعي أن المحتال لا يرجع بحال حتى لو أفلس المحال عليه ومات أو لم يمت أو جحد وحلف لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، كما لو تعوض عن الدين ثم تلف الدين في يده، وكذا لو بان المحال عليه عبدًا لغير المحيل بل يطالبه بعد العتق، وقال الحنابلة: يرجع على المحيل إذا شرط ملاءة المحال عليه فتبين مفلسًا، وقال المالكية: يرجع عليه فيما إذا حصل منه غرور بأن يكون إفلاس المحال عليه مقترنًا بالحوالة وهو جاهل به مع علم المحيل به، وقال الحنفية: يرجع عليه إذا توي حقه، والتوى عند أبي حنيفة إما أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بيِّنة عليه أو يموت مفلسًا، وقال محمد وأبو يوسف: يحصل التوى بأمر ثالث، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته، انتهى.
والبسط في هامش "اللامع"
(4)
، وهذا الرجوع المذكور هو رجوع المحال - أي: الدائن - على المحيل - أي: المديون -، وأما رجوع
(1)
"فتح الباري"(4/ 464).
(2)
"فيض الباري"(3/ 521).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 282).
(4)
"اللامع"(6/ 194 - 195).
المحتال عليه على المحيل ففي "البدائع"
(1)
: وجملة الكلام في الرجوع في موضعين: في بيان شرائط الرجوع، وفي بيان ما يرجع به، أما شرائطه فأنواع منها: أن تكون الحوالة بأمر المحيل، فإن كانت بغير أمره لا يرجع؛ لأن الحوالة إذا كانت بأمر المحيل صار المحال مملكًا الدين من المحال عليه بما أدى إليه من المال، فكان له أن يرجع بذلك على المحيل، وإن كانت بغير أمره لا يوجد معنى التمليك، فلا تثبت ولاية الرجوع، ومنها: أن لا يكون للمحيل على المحال عليه دين مثله، فإن كان لا يرجع، إلى آخر ما بسطه.
(2 -
باب إذا أحال على مليّ فليس له ردّ. . .) إلخ
هكذا هذه الترجمة والترجمة الآتية في النسخ الهندية، وكذا في نسخة العيني والقسطلاني، وجمعهما في نسخة الحافظ في باب واحد هكذا:"باب إن أحال دين الميت على رجل جاز، وإذا أحال على ملي فليس له رد".
قال الحافظ
(2)
: كذا ثبت عند أبي ذر، والترجمة الثانية - أي: وإذا أحال على ملي - مقدمة عند غيره على الباب في باب مفرد، وفيه حديث أبي هريرة:"مطل الغني ظلم"، ومناسبته للترجمة واضحة، وهو يشعر بأنه في ذلك موافق للجمهور على عدم الرجوع، انتهى.
قلت: ما قال الحافظ ليس بواضح، فإن المصنف لم يتعرض ههنا لمسألة الرجوع وعدمه، بل هذه المسألة قد تقدمت في الباب الذي قبله، وإنما المذكور ههنا هو قبول الحوالة هل هو لازم أم لا؟ فعند الجمهور ليس بواجب خلافًا للظاهرية وبعض الحنابلة، فإنهم أوجبوا قبولها على الملي، فقد تقدم في الباب السابق من جملة شرائط الحوالة أن رضاء المحتال ليس بلازم عند الحنابلة بخلاف الجمهور، فإنهم أوجبوه.
(1)
"بدائع الصنائع"(5/ 13 - 14).
(2)
"فتح الباري"(4/ 466 - 467).
قال القسطلاني
(1)
تحت قوله: "ومن أتبع على ملي فليتبع": جمهور العلماء على أن هذا الأمر للندب، وقال أهل الظاهر وجماعة من الحنابلة بالوجوب، فأوجبوا قبولها على الملي، وإليه مال البخاري حيث قال: فليس له ردّ، وهو ظاهر الحديث، انتهى.
قوله: (فإن أفلست بعد ذلك) كتب الشيخ في "اللامع"
(2)
: ولعل المؤلف جوَّز للدائن أن يطالب أيهما شاء إذ لو لم يكن كذلك لما كان لتعليق الاتباع بالإفلاس معنى، إلا أن يقال: معناه أنه لما لم يكن له مطالبة المحيل إذا كان غنيًا فأولى أن لا يطالبه إذا أفلس، انتهى.
قلت: وليست هذه العبارة في نسخة من نسخ الشروح الفتح والعيني والقسطلاني، وفي "الفيض"
(3)
: واعلم أن قيد المصنف: فإن أفلست إلخ وقع في غيره موضعه، فإن إفلاس المحيل غير مؤثر، ولا دخل له ههنا، نعم لو ذكر إفلاس المحتال عليه لكان أحسن، فإن له جزئيات في الفقه، انتهى.
(3 -
باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز)
قال ابن بطال
(4)
: إنما ترجم بالحوالة، ثم أدخل حديث سلمة وهو في الضمان؛ لأن الحوالة والضمان عند بعض العلماء متقاربان، وإليه ذهب أبو ثور؛ لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة رجل إلى ذمة رجل آخر، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمة الميت إلى ذمة الضامن، فصار في الحوالة سواء.
قال الحافظ: وقد ترجم له بعد ذلك بالكفالة على ظاهر الخبر.
ثم قال الحافظ بعد ذكر الحديث: قال ابن بطال
(5)
: ذهب الجمهور
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 285).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 197 - 198).
(3)
"فيض الباري"(3/ 522).
(4)
"شرح ابن بطال"(6/ 419).
(5)
"شرح ابن بطال"(6/ 420).
إلى صحة هذه الكفالة ولا رجوع له في مال الميت، وعن مالك له أن يرجع إن قال: إنما ضمنت لأرجع، فإذا لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له، وعن أبي حنيفة: إن ترك الميت وفاء جاز الضمان بقدر ما ترك، وإن لم يترك وفاءً لم يصح ذلك، وهذا الحديث حجة للجمهور. انتهى من "الفتح"
(1)
.
قال العيني
(2)
: اختلف العلماء فيمن تكفل عن ميت بدين، فقال ابن أبي ليلى ومحمد وأبو يوسف والشافعي: الكفالة جائزة عنه، وإن لم يترك الميت شيئًا، إلى آخر ما تقدم عن الحافظ.
وفي "الفيض"
(3)
: في "الهداية": إن دين الميت لا يقبل الحوالة، وليس في الحديث ما يرد علينا؛ لأنه من باب الوثوق بوعد رجل صدوق، لا من باب الكفالة أو الحوالة، فهو باب آخر، وإدخاله في باب الحوالة ليس بذاك، وإرجاع الأبواب كلها إلى أبواب الفقه ليس بشيء، فإنا نجد أبوابًا كالمروءة وغيرها، لا نجد لها أثرًا في الفقه، كيف وأنها لا تليق بموضوع الفقهاء، فهذه تكون جائزة في نفسها، فإذا جرت في الفقه عادت إلى عدم الجواز، فليتنبه في تلك المواضع، انتهى.
ثم براعة الاختتام ما في الحديث من صلاة الجنازة.
* * *
(1)
"فتح الباري"(4/ 467 - 468).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 650).
(3)
"فيض الباري"(3/ 522 - 523).
39 -
كتاب الكفالة
هكذا في النسخة الهندية التي بأيدينا، وليس في نسخ الشروح الأربعة، ولم يتعرضوا له، بل في نسخة الشروح:"باب الكفالة في القرض. . ." إلخ، فأدخلوا أبواب الكفالة تحت كتاب الحوالة.
قال الحافظ
(1)
في مبدأ الحوالة: قال الحسن وشريح وزفر: الحوالة كالكفالة فيرجع على أيهما شاء، وبه يشعر إدخال البخاري أبواب الكفالة في كتاب الحوالة.
وقال العيني
(2)
: وجه إدخال هذا الباب في كتاب الحوالة من حيث إن الحوالة والكفالة التي هي الضمان متقاربان؛ لأن كلًا منهما نقل دين من ذمة إلى ذمة، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(3)
: الكفالة لغةً: الضم، وشرعًا: ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة مطلقًا بنفس أو بدين أو عين كمغصوب أو نحوه؛ لأن المطالبة تعم ذلك، ومن عرفها بالضم في الدين إنما أراد تعريف نوع منها وهو الكفالة بالمال؛ لأنه محل الخلاف، وبسط الكلام عليه ابن عابدين
(4)
.
(1 -
باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان. . .) إلخ
هو من عطف العام على الخاص، والكفالة في العرف كما قاله الماوردي تكون في النفوس، والضمان في الأموال، والحمالة في الديات، والزعامة في الأموال العظام، قال ابن حبان في "صحيحه": والزعيم لغة
(1)
"فتح الباري"(4/ 464).
(2)
"عمدة القاري"(8/ 652).
(3)
"الدر المختار"(2/ 58 - 59).
(4)
"رد المحتار"(7/ 552 - 554).
أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، "وغيرها" أي: الكفالة بالأموال، انتهى من "القسطلاني"
(1)
.
وفي "الفيض"
(2)
: واعلم أن الكفالة على نحوين: كفالة بالنفس، ويكون فيها كفيل ومكفول له وبه، وكفالة بالمال، وفيها مكفول عنه أيضًا مع سائر الألقاب.
ثم القرض والدين يفترقان، فالقرض ما يأخذه الرجل لحوائجه، ويعد إعانةً في الحال، والدين ما يلزم في المعاوضات والمعاملات، ثم التأجيل لا يلزم في باب القرض، فللمقرض أن يطالبه قبل حلول الأجل، بخلاف الدين، فليس لصاحب الدين أن يطالب من عليه الدين قبل حلول الأجل، وكذا لا تصح الكفالة في القرض؛ لأنه من باب الاعتماد، فإن لم يكن له اعتماد عليه ينبغي أن لا يقرضه، بخلاف الدين، فإنه مضمون بنفسه على ما فصل في الفقه، انتهى.
وفي "الهداية"
(3)
: الكفالة بالنفس لا يجوز عند الشافعي؛ لأنه كفل بما لا يقدر على تسليمه، وفي هامشه عن "فتح القدير": هذا المنقول عن الشافعي، والأظهر عند الشافعية أنها جائزة، انتهى.
قوله: (وكان عمر جلده مائة) وقال الحافظ
(4)
: هو مختصر من قصة أخرجها الطحاوي
(5)
من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد حدثني أبي حدثني محمد بن حمزة عن أبيه أن عمر بن الخطاب بعثه للصدقة، فإذا رجل يقول لامرأة: صدقي مال مولاك، وإذا المرأة تقول: بل أنت صدق مال ابنك، فسأل حمزة عن أمرهما، فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، ثم ورث من أمه مالًا، فقال
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 288).
(2)
"فيض الباري"(3/ 524).
(3)
"الهداية"(5/ 291).
(4)
"فتح الباري"(4/ 470).
(5)
"شرح معاني الآثار"(3/ 147)، وانظر أيضًا:"تغليق التعليق"(3/ 289).
حمزة للرجل: لأرجمنك، فقال له أهل الماء: إن أمره رفع إلى عمر فجلده مائة، ولم ير عليه رجمًا، قال: فأخذ حمزة بالرجل كفيلًا حتى قدم على عمر فسأله فصدقهم عمر بذلك مع قولهم، وإنما درأ عمر عنه الرجم لأنه عذره بالجهالة، واستفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان، فإن حمزة بن عمرو صحابي، وقد فعله ولم ينكر عليه عمر مع كثرة الصحابة حينئذ، وأما جلد عمر للرجل فالظاهر أنه عزره بذلك، قاله ابن التين، قال: وفيه شاهد لمذهب مالك في مجاوزة الإمام في التعزير قدر الحد، ومسألة التعزير وكذا مسألة من زنى بجارية امرأته خلافيتان، كما ذكرتا في هامش "اللامع"
(1)
، وسيأتي في محلهما إن شاء الله تعالى.
قوله: "وكفلهم عشائرهم" هذا أيضًا مختصر من قصة أخرجها البيهقي
(2)
بطولها كما ذكر في هامش "اللامع"
(3)
، فارجع إليه لو شئت.
قال الحافظ
(4)
: قال ابن المنيِّر
(5)
: أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى، انتهى.
قال العيني
(6)
: قال المهلب: وحديث الخشبة الملقاة في البحر أصل في الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع، انتهى.
قال العلامة القسطلاني
(7)
: وهذا الحديث أخرجه أيضًا مختصرًا في الاستقراض واللقطة والاستئذان والشروط، وسبق في البيع والزكاة، انتهى.
قوله: (فمات فلا شيء عليه. . .) إلخ، قال الحافظ
(8)
: وبذلك قال الجمهور، وعن ابن القاسم صاحب مالك: يفصل بين الدين الحالّ والمؤجل، فيغرم في الحالّ ويفصل في المؤجل بين ما إذا كان لو قدم لأدركه أم لا، انتهى.
(1)
"اللامع"(6/ 200 - 202).
(2)
"السنن الكبرى"(6/ 77).
(3)
"اللامع"(6/ 202).
(4)
"فتح الباري"(4/ 470).
(5)
"المتواري"(ص 256).
(6)
"عمدة القاري"(8/ 652).
(7)
"إرشاد الساري"(5/ 293).
(8)
"فتح الباري"(4/ 470).
قال العيني
(1)
: مذهب الحكم أن الكفيل بالنفس يضمن الحق الذي على المطلوب، وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك والليث: إذا تكفل بنفسه وعليه مال فإنه إن لم يأت به غرم المال، ويرجع به إلى المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال: لا أضمن المال فلا شيء عليه من المال، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(2)
: و"يبرأ" الكفيل بالنفس "بموت المكفول به ولو عبدًا"، أراد به دفع توهم أن العبد مال، فإذا تعذر تسليمه لزمه قيمته، "وبموت الكفيل" وقيل: يطالب وارثه بإحضاره، انتهى.
وفي "الكنز"
(3)
: "وتبطل" أي: الكفالة بالنفس "بموت المطلوب" وهو المكفول بنفسه؛ لأنه برئ بموته، وبراءته براءة الكفيل، وعند مالك وبعض الشافعية يلزمه ما عليه، وكذا تبطل بموت الكفيل للعجز؛ لأن التسليم لا يتحقق بخلاف الكفيل بالمال إذا مات؛ لأن حكمه بعد موته ممكن فيوفى من ماله، ثم ترجع الورثة على المكفول له، إن كانت الكفالة بأمره وإلا فلا، انتهى بزيادة من "شرح العيني"
(4)
.
(2 -
باب قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} . . .) إلخ [النساء:
33]
أورد فيه حديث ابن عباس الآتي في سورة النساء بسنده ومتنه، وسيأتي الكلام عليه هناك، والمقصود منه هنا الإشارة إلى أن الكفالة التزام مال بغير عوض تطوعًا، فيلزم كما لزم استحقاق الميراث بالحلف الذي عقد على وجه التطوع، وروى أبو داود عن عكرمة في هذه الآية: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك قوله
(1)
"عمدة القاري"(8/ 654 - 665).
(2)
"الدر المختار"(2/ 60).
(3)
انظر: "البحر الرائق شرح كنز الدقائق"(6/ 230).
(4)
"البناية"(7/ 545).
تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأحزاب: 6]، ثم أورد المصنف حديثي أنس، وغرضه إثبات الحلف في الإسلام، انتهى مختصرًا من "الفتح"
(1)
.
(3 -
باب من تكلَّف عن ميِّت دينًا فليس له أن يرجع. . .) إلخ
يحتمل قوله: "فليس له أن يرجع" أي: عن الكفالة بل هي لازمة له، قد استقر الحق في ذمته، ويحتمل أن يريد فليس له أن يرجع في التركة بالقدر الذي تكفل به، والأول أليق بمقصوده، ثم أورد فيه حديث سلمة بن الأكوع المتقدم قبل بابين، ووجه الأخذ منه أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على المديان حتى يوفي أبو قتادة الدين لاحتمال أن يرجع، فيكون قد صلى على مديان دينه باق عليه، فدل على أنه ليس له أن يرجع، واستدل بالحديث على جواز ضمان ما على الميت من دين ولم يترك وفاء، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، وقد بالغ الطحاوي في نصرة قول الجمهور، انتهى من "الفتح"
(2)
.
قلت: وقد تقدم ترجمة المصنف على هذا الحديث في آخر الحوالة بـ "باب إذا أحال دين الميت. . ." إلخ، وقد تقدم الكلام هناك من بيان المذاهب وغيره، فارجع إليه.
قوله: (عدة أو دين. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: لعل الاستدلال مبني على أنه لو جاز للواعد أن يرجع من عدته لافتقر أبو بكر في إيفاء مواعيده إلى إثبات أنه صلى الله عليه وسلم هل رجع منها أم لا؟ فلما لم يفتش ذلك علم أنه لا يصح الرجوع منها، وهو واجب في شريعة مكارم الأخلاق، وإن لم يكن واجبًا في شريعة الأحكام، إلى آخر ما قال.
(1)
"فتح الباري"(4/ 472).
(2)
"فتح الباري"(4/ 474).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 210).
وفي هامشه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه المناسبة أوجه مما قاله الشرَّاح من أن أبا بكر لما قام مقامه صلى الله عليه وسلم تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدة، انتهى.
(4 -
باب جوار أبي بكر الصديق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
-)
قال العلَّامة القسطلاني
(1)
: أي: أمانه، قال تعالى:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} [التوبة: 6]، أي: آمنه، وجيم جوار بالكسر ويجوز الضم، انتهى.
قال الحافظ
(2)
: أورد فيه حديث عائشة في شأن الهجرة مطولًا، والغرض منه ههنا رضا أبي بكر بجوار ابن الدغنة، وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم له على ذلك، ووجه دخوله في الكفالة أنه لائق بكفالة الأبدان؛ لأن الذي أجاره كأنه تكلف بنفس المجار أن لا يضام
(3)
، قاله ابن المنيِّر
(4)
، انتهى.
وقال العلَّامة العيني
(5)
: مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إن المجير ملتزم للمجار أن لا يؤذي من جهة من أجار منه، وكان ضمن له أن لا يؤذى وأن تكون العهدة في ذلك عليه، وبهذا يحصل الجواب عما قيل، كان المناسب أن يذكر هذا في كفالة الأبدان كما ناسب {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 33] كفالة الأموال، انتهى.
قوله: (حدثنا يحيى بن بكير. . .) إلخ، واعلم أن في نسخة الشرَّاح وقع ههنا على هذا الحديث "باب الدين".
وقال الحافظ
(6)
: كذا للأصيلي وكريمة، وسقط الباب وترجمة
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 298).
(2)
"فتح الباري"(4/ 476).
(3)
كذا في الأصل، وفي عبارة "العيني" الآتية:"أن لا يوذي"(ز).
(4)
"المتواري"(ص 258).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 664).
(6)
"فتح الباري"(4/ 477).
من رواية أبي ذر وأبي الوقت، وسقط الحديث أيضًا من رواية المستملي، ووقع للنسفي وابن شبويه:"باب" بغير ترجمة، وبه جزم الإسماعيلي، وأما ابن بطال فذكر هذا الحديث في آخر "باب من تكفل عن ميت بدين" وصنيعه أليق؛ لأن الحديث لا تعلق له بترجمة جوار أبي بكر حتى يكون منها، أو يثبت "باب" بلا ترجمة فيكون كالفصل منها، وأما من ترجم له "باب الدين" فبعيد؛ إذ اللائق بذلك أن يكون في "كتاب القرض"، انتهى.
قلت: والشرَّاح قاطبة كما ترى ذهبوا إلى أن هذا الباب ههنا في غير محله، والصحيح عندهم عدمه، وليس عند هذا العبد الفقير كذلك، بل له وجه وجيه عندي، وهو أن يقال: إن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى الكفالة العامة بأن يقول أحد كما في حديث الباب: "كل من ترك دينًا فعلي قضاؤه"، فهل يصح ذاك أم لا؟ فليراجع له الفقه، هل تعرضوا لذلك كما تعرضوا لذلك في الوكالة، فإنهم قسموها إلى العامة والخاصة كما سيأتي، والله تعالى أعلم.
ثم البراعة في قوله: "من ترك مالًا فلورثته" عند الحافظ.
وأما عندي ففي صلاة الجنازة كما تقدم في الحوالة.
* * *
40 -
كتاب الوكالة
قال الحافظ
(1)
: الوكالة بفتح الواو وقد تكسر: التفويض والحفظ، وفي الشرع: إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدًا، انتهى.
وفي "الدر المختار"
(2)
: التوكيل صحيح بالكتاب والسُّنَّة، قال تعالى:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} [الكهف: 19] ووكل عليه الصلاة والسلام حكيم بن حزام بشراء ضحيته، وعليه الإجماع، وهو خاص وعام كأنت وكيلي في كل شيء، إلى آخر ما قال.
(1 -
باب في وكالة الشريك الشريك)
كذا في هامش النسخة الهندية، وهكذا في نسخة العيني والقسطلاني، وليس في نسخة الحافظ، بل ذكر فيها هذه الترجمة تحت الكتاب.
قال القسطلاني
(3)
: ولأبي ذر سقوط الباب وحرف الجر، ولفظه: كتاب الوكالة وكالة الشريك، قوله:"وغيرها" أي: والشريك في غير القسمة، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: وأما قوله في الترجمة: "وغيرها" أي: وفي غير القسمة، فيؤخذ بطريق الإلحاق، وقوله:"وقد أشرك النبي صلى الله عليه وسلم. . ." إلخ، هذا الكلام ملفق من حديثين عند المصنف، أحدهما: حديث جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًّا أن يقيم على إحرامه، وأشركه في الهدي" وسيأتي
(1)
"فتح الباري"(4/ 479).
(2)
"الدر المختار"(2/ 103).
(3)
"إرشاد الساري"(5/ 305).
(4)
"فتح الباري"(4/ 479).
موصولًا في "الشركة"، ووهم من زعم من الشرَّاح أنه مضى في "الحج"، وثانيهما: حديث علي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها"، وقد تقدم موصولًا في "الحج"، ومقصوده منه هنا ظاهر فيما ترجم له في القسمة، ثم أورد المصنف حديث عقبة بن عامر، وشاهد الترجمة منه قوله:"ضح به أنت" فإنه علم به أنه كان من جملة من كان له حظ في تلك القسمة فكأنه كان شريكًا لهم، وهو الذي تولى القسمة بينهم، إلى آخر ما قال، ومسألة الباب إجماعية، قال ابن بطال
(1)
: وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل، لا أعلم فيه خلافًا، انتهى من "الفتح".
وفي "الفيض"
(2)
: ولعل هذا الإشراك لا يسمى شركة عند الفقهاء؛ فإنه لا اشتراك فيه، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ببعضها من المدينة، وعلي ببعضها من سعايته، فأي شركة هذه، انتهى.
(2 -
باب إذا وكّل المسلم حربيًّا. . .) إلخ
وفي "الفيض"
(3)
: يعني: أن اتحاد الملة ليس بشرط في الوكالة، وليس فيه إلا وكالةٌ لغوية، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: فأما توكيله في دار الحرب فظاهر الثبوت، وأما في توكيله في دار الإسلام فثابت قياسًا، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني: فإن قلت: الترجمة في شيئين، والحديث لا يدل إلا على أحدهما، وهو توكيل المسلم حربيًا وهو في دار الحرب؟ قلت: إذا صح هذا فتوكيله إياه في دار الإسلام بطريق الأولى أن يصح، قال ابن المنذر: توكيل المسلم حربيًّا مستأمنًا وتوكيل الحربي المستأمن مسلمًا لا خلاف في جواز ذلك، انتهى.
(1)
"شرح ابن بطال"(6/ 432).
(2)
"فيض الباري"(3/ 531).
(3)
"فيض الباري"(3/ 532).
(4)
"لامع الدراري"(6/ 214 - 215).
(3 -
باب وكالة الصرف والميزان. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(1)
: لما كان المتوهم أن يتوهم عدم جواز التوكيل في ذلك ظنًا منه أن التفارق قبل قبض العوضين غير جائز في الصرف، والموكل هو الأصل وهو غير موجود ههنا، فيلزم الافتراق من غير قبض، دفعه بأن الوكيل هو المباشر، فيرجع الحقوق إليه فيعتبر قبضه قبض الأصيل، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف جدًا، قال الحافظ: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الوكالة في الصرف جائزة، ومناسبة حديث الباب للترجمة ظاهرة لتفويضه صلى الله عليه وسلم أمر ما يكال ويوزن إلى غيره فهو في معنى الوكيل عنه ويلتحق به الصرف، قال ابن بطال: بيع الطعام يدًا بيد مثل الصرف سواء، أي: في اشتراط ذلك، قال: ووجه أخد الوكالة منه قوله صلى الله عليه وسلم لعامل خيبر: "بع الجمع بالدراهم"[بعد أن كان باع على غير السُّنَّة] فنهاه عن بيع الربا، وأذن له في البيع بطريق السُّنّة، انتهى.
(4 -
باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(2)
: وهما في مسألتنا هذه، أي: الرواية الموردة في الباب واحد؛ فإن الراعية هي التي وكلت بالحفظ، وفي وضع الباب إشارة إلى أن للوكيل أن يخالف الموكل إلى خير وإن لم يأذن فيه لوجود الإذن دلالة، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: غرضه أن التوكيل بالشيء يستلزم التوكيل بلوازمه، وأيضًا المخالفة إلى الخير جائزة، انتهى.
قال الحافظ
(3)
: قال ابن المنيِّر
(4)
: ليس غرض البخاري بحديث
(1)
"لامع الدراري"(6/ 216 - 217).
(2)
"لامع الدراري"(6/ 217 - 218).
(3)
"فتح الباري"(4/ 482).
(4)
"المتواري"(ص 262).
الباب الكلام في تحليل الذبيحة أو تحريمها، وإنما غرضه إسقاط الضمان عن الراعي، وكذا الوكيل، إلى آخر ما بسط فيه، وبسط الكلام على حديث الباب في "الأوجز"، وذكر فيه جواز أكل ما ذبحته المرأة سواء كانت حرة أو أمة صغيرة أو كبيرة طاهرة أو غير طاهرة، وهذا قول الجمهور ومالك في "المدونة"، ونقل عنه كراهة ذبيحة الصبي أو المرأة من غير ضرورة، انتهى من هامش "اللامع"
(1)
.
وفي "الفيض"
(2)
: وفي "جامع الفصولين" - وهو من معتبرات فقهنا -: إنه إن ذبح الشاة يضمن، وفي قوله: لا يضمن، انتهى.
قوله: (يعجبني أنها أمه) يعني بذلك: أنها مع كونها أمة رأت مصلحة المولى، وراعتها، وأحسنت الفكرة فيه مع أن الإماء ليس بذاك، انتهى [من "اللامع"]
(3)
.
وأما مسألة أكل ما ذبح بغير إذن المالك فسيأتي في "كتاب الذبائح" إن شاء الله، فقد ترجم المصنف هناك بترجمتين متقابلتين، وحاصلها أن ذبح غير المالك إن كان بطريق التعدي والغرض الفاسد لا يجوز، وإن كان بطريق الإصلاح فهو جائز.
(5 -
باب وكالة الشاهد والغائب جائزة)
في "الفيض"
(4)
، أي: الوكالة جائزة
(5)
، سواء كان الوكيل شاهدًا أو غائبًا، قوله:"وكتب عبد الله. . ." إلخ. قال العيني
(6)
: وهذا يدل على شيئين، أحدهما: جواز توكيل الحاضر الغائب، والآخر: وجوب صدقة الفطر على الرجل عن أهله الصغير والكبير، انتهى.
(1)
"اللامع"(6/ 217 - 218).
(2)
"فيض الباري"(3/ 533).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 218).
(4)
"فيض الباري"(3/ 534).
(5)
في الأصل: "صحيحة" بدل "جائزة".
(6)
"عمدة القاري"(8/ 678).
وقال الحافظ
(1)
: قال ابن بطال
(2)
: أخذ الجمهور بجواز توكيل الحاضر بالبلد بغير عذر، ومنعه أبو حنيفة إلا بعذر مرض أو سفر أو برضا الخصم، واستثنى مالك من بينه وبين الخصم عداوة، وقد بالغ الطحاوي في نصرة قول الجمهور، واعتمد في الجواز حديث الباب، قال: وقد اتفق الصحابة على جواز توكيل الحاضر بغير شرط، قال: ووكالة الغائب مفتقرة إلى قبول الوكيل الوكالة باتفاق، وإذا كانت مفتقرة إلى قبول فحكم الغائب والحاضر سواء، انتهى.
قلت: وإنما رجح الطحاوي قول الجمهور لأنه مذهب صاحبي أبي حنيفة كما في "العيني"
(3)
، وفيه: وفي "التوضيح": وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة في قوله: إنه لا يجوز توكيل الحاضر بالبلد الصحيح البدن إلا برضا خصمه، قلت: ليس بحجة عليه لأنه لا ينفي الجواز، ولكن يقول: لا يلزم، يعني: لا يسقط حق الخصم في طلب الحضور والدعوى والجواب بنفسه، انتهى مختصرًا.
قلت: وهو كذلك، وهو واضح، فإن الإمام أبي حنيفة لم ينكر الجواز، بل قال: إن للخصم حق الاعتراض، وفي حديث الباب لم يعترض صاحب الدين، فثبت رضاه دلالة.
وقال القسطلاني
(4)
: قوله: "فقال: أعطوه" وهذا موضع الترجمة؛ لأن هذا توكيل منه عليه الصلاة والسلام لمن أمره بالقضاء عنه، ولم يكن عليه الصلاة والسلام مريضًا ولا غائبًا، وأما قول الحافظ ابن حجر: وموضع الترجمة منه لوكالة الحاضر واضح، وأما الغائب فيستفاد منه بطريق الأولى، فتعقبه العيني بأنه ليس فيه شيء يدل على حكم الغائب فضلًا عن الأولوية، وأجاب في الانتقاض بأن وجه الأولوية أن وكالة الحاضر إذا جازت مع
(1)
"فتح الباري"(4/ 483).
(2)
"شرح ابن بطال"(6/ 439).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 679).
(4)
"إرشاد الساري"(5/ 312 - 313).
إمكان مباشرة الموكل بنفسه فجوازها للغائب مع الاحتياج إليه أولى، فمن لا يدرك هذا القدر كيف يتصدى للاعتراض، انتهى.
وقال الكرماني
(1)
: الترجمة تستفاد من لفظ: "أعطوه"، وهو وإن كان خطابًا للحاضرين لكنه بحسب العرف وقرائن الحال شامل لكل واحد من وكلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم غيبًا وحضورًا، انتهى.
(6 -
باب الوكالة في قضاء الديون)
قال الحافظ
(2)
: أورد فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله من وجه آخر، وهو ظاهر فيما ترجم به.
قال ابن المنيِّر: فقه هذه الترجمة أنه ربما توهم متوهم أن قضاء الدين لما كان واجبًا على الفور امتنعت الوكالة فيه؛ لأنها تأخير من الموكل إلى الوكيل فبين أن ذلك جائز، ولا يعد ذلك مطلًا، انتهى.
قلت: وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم من حديث سمرة عند الترمذي
(3)
، وأبي داود
(4)
، وابن ماجه
(5)
كما في "المشكاة"
(6)
: "على اليد ما أخذت" يوهم المنع عن التوكيل فدفعه بهذا الباب.
(7 -
باب إذا وهب شيئًا لوكيل أو شفيع قوم جاز. . .) إلخ
قال العلَّامة العيني
(7)
: قوله: "لقول النبي صلى الله عليه وسلم" هذا تعليل للترجمة، بيانه أن وفد هوازن كانوا رسلًا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا وكلاء وشفعاء في رد سبيهم الذي سباه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المغانم، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم شفاعتهم، فرد إليه نصيبه من السبي، إلى آخر ما بسط في القصة.
(1)
"شرح الكرماني"(10/ 135).
(2)
"فتح الباري"(4/ 483).
(3)
"سنن الترمذي"(ح: 1265).
(4)
"سنن أبي داود"(ح: 3561).
(5)
"سنن ابن ماجه"(ح: 2400).
(6)
"مشكاة المصابيح"(ح: 2950).
(7)
"عمدة القاري"(8/ 682 - 683).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(1)
: قوله: "نصيبي لكم" فعلم أن قبض الوكيل مجزئ عن قبض الموكل في تمام الهبة، ولا يفتقر إلى قبضة أصالة، ولذلك عقد الباب، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوضح مما قالته الشرَّاح، انتهى.
(8 -
باب إذا وكل رجلًا أن يعطي شيئًا. . .) إلخ
وقال الحافظ
(2)
: أي: فهو جائز، فيه حديث جابر في قصة بيعه الجمل، وشاهد الترجمة منه قوله فيه:"يا بلال اقضه وزده. . ." إلخ، فإنه لم يذكر قدر ما يعطيه عند أمره بإعطاء الزيادة فاعتمد بلال على العرف في ذلك فزاده قيراطًا، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه: قوله: "لم يبلغه كلهم" وتم الكلام، ثم قوله:"رجل" فاعل للفعل المنفي قبله من حيث إنه مثبت، وهذا مبني على عرف ومحاورة، ومثله كثير في الخطابات، فليتدبر، انتهى من "اللامع"
(3)
.
وفي هامشه: اختلف كلام الشرَّاح في شرح هذا الكلام، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه وجيز لطيف واضح، إلى آخر ما بسط فيه من نقل كلام الشرَّاح.
(9 -
باب وكالة المرأة الإمام في النكاح)
قال الحافظ
(4)
: أي: توكيل المرأة، والإمام بالنصب على المفعولية، وأورد فيه حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة نفسها، وقد تعقبه الداودي بأنه ليس فيه أنه صلى الله عليه وسلم استأذنها ولا أنها وكلته، وإنما زوّجها الرجل بقول الله تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] قال الحافظ: وكأن
(1)
"لامع الدراري"(6/ 220 - 221).
(2)
"فتح الباري"(4/ 486).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 222).
(4)
"فتح الباري"(4/ 486).
المصنف أخذ ذلك من قولها: "قد وهبت لك نفسي" ففوضت أمرها إليه، وقال الذي خطبها:"زوجنيها" فلم تنكر هي ذلك، بل استمرت على الرضا، فكأنها فوضت أمرها إليه ليتزوجها أو يزوجها لمن رأى، انتهى.
(10 -
باب إذا وكَّل رجلًا فترك الوكيل شيئًا. . .) إلخ
وفي "الفيض"
(1)
: يعني به الإجازة اللاحقة، انتهى.
قال الحافظ
(2)
: قال المهلب
(3)
: مفهوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه فهو غير جائز، انتهى.
وقال القسطلاني
(4)
بعد حديث الباب: وموضع الترجمة قوله: "فخليت سبيله" لأن أبا هريرة ترك الرجل الذي حثا الطعام لما شكا الحاجة فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه، قال الزركشي كغيره: وفيه نظر؛ لأن أبا هريرة لم يكن وكيلًا بالعطاء، بل بالحفظ خاصة.
قال في "المصابيح": النظر ساقط؛ لأن المقصود انطباق الترجمة على الحديث وهي كذلك؛ لأن أبا هريرة وإن لم يكن وكيلًا في الإعطاء فهو وكيل في الجملة ضرورة أنه وكيل بحفظ الزكاة، وقد ترك مما وكل بحفظه شيئًا، وأجاز عليه الصلاة والسلام فعله فقد طابقته الترجمة قطعًا، نعم في أخذ إقراض الوكيل إلى أجل مسمى من هذا الحديث نظر، وقد قرر بعضهم وجه الأخذ بأن أبا هريرة لما ترك السارق الذي حثا من الطعام فكأنه أسلفه إلى أجل، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والضعف، انتهى.
قوله: (وان أقرضه. . .) إلخ، قال العيني
(5)
: وإن أقرض الوكيل شيئًا مما وكل فيه جاز، يعني إذا أجازه الموكل، وقال المهلب: مفعوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه، فهو غير جائز، انتهى.
(1)
"فيض الباري"(3/ 539).
(2)
"فتح الباري"(4/ 487).
(3)
"شرح ابن بطال"(6/ 448 - 449).
(4)
"إرشاد الساري"(5/ 326).
(5)
"عمدة القاري"(8/ 693).
وزاد الحافظ
(1)
عن المهلب: ولا أعلم خلافًا أن المؤتمن إذا أقرض شيئًا من مال الوديعة وغيرها لم يجز له ذلك، وكان رب المال بالخيار، قال: وأخذ ذلك من حديث الباب بطريق أن الطعام كان مجموعًا للصدقة، وكانوا يجمعونه قبل إخراجه، وإخراجه كان ليلة الفطر، فلما شكا السارق لأبي هريرة الحاجة تركه، فكأنه أسلفه إلى أجل وهو وقت الإخراج، انتهى.
وتعقب عليه العلَّامة القسطلاني كما سبق آنفًا، وقال الكرماني
(2)
: تؤخذ المناسبة من حيث إنه أمهله إلى أن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال، انتهى.
قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن المطابقة تؤخذ بطريق الأولوية؛ فإنه إذا ثبت الترك برأسه فالإقراض بطريق الأولى، ثم اعلم أنه قد تعرض العلَّامة السندي
(3)
لإشكال يرد على هذه القصة ولم يتعرض له في الشروح الأخر إذ قال: قوله: "فرحمته فخليت سبيله. . ." إلخ، فإن قلت: كيف رحمه؟ والرحمة عليه فرع تصديقه، وفي تصديقه تكذيب لقوله صلى الله عليه وسلم:"قد كذبك".
قلت: يحتمل أنه رحمه بما لحقه من الخوف والفزع الذي أفضاه إلى هذا الكذب وإلى تخليص نفسه بالحيل وإن كذبه في هذه الحيلة، ويحتمل أنه نسي قوله صلى الله عليه وسلم فيه:"إنه قد كذبك" حين أكثر الإلحاح والتضرّع وأشغل قلبه بذلك، وعلى الأولى قول أبي هريرة في الجواب:"شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته" أنه خاف بحيث وقع لأجله في الكذب والحيل فرحمته، والله تعالى أعلم، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 487).
(2)
"شرح الكرماني"(10/ 140 - 141).
(3)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(2/ 43).
(11 -
باب إذا باع الوكيل شيئًا. . .) إلخ
قال العلَّامة العيني
(1)
: أي: إذا باع الوكيل شيئًا من الأشياء التي وكل فيها بيعًا فاسدًا فبيعه مردود، انتهى.
قال الحافظ
(2)
: ليس في حديث الباب تصريح بالرد بل فيه إشعار به، ولعله أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه، فعند مسلم
(3)
من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصة فقال: "هذا الربا، فردوه"، انتهى.
وتعقب العيني
(4)
على قول الحافظ: ليس فيه تصريح بالرد، إلخ، بقوله: قلت: الذي يعلم بالرد من الحديث فوق العلم بتصريح الرد؛ لأن فيه الرد بمرة واحدة، والمفهوم من متن الحديث بمرات، الأولى: قوله: "أدّه أدّه"، بالتكرار، والثاني:"عين الربا"، والثالثة: قوله: "لا تفعل"، والرابعة: قوله: "ولكن. . ." إلخ، انتهى.
ثم لا يخفى عليك أن المصنف رحمه الله تعالى قد سلك مسلك التوسع في معنى الوكالة، فأطلق في عدة تراجم لفظ الوكالة على إرادة معنى الحفظ والتولية، وليس هناك الوكالة الاصطلاحية، فمن ذلك "باب إذا وكل المسلم حربيًّا. . ." إلخ، كما تقدم هناك عن "الفيض"
(5)
، ومنها ما سيأتي من "باب الوكالة في الوقف"، فإنه أراد بالوكيل ناظر الوقف ومتوليه، وهكذا في هذا الباب الذي نحن بصدده فإنه أراد بالوكالة هنا الحفظ والتولية، وعلى هذا فمطابقة الحديث بالترجمة واضحة، فإن بلالًا رضي الله عنه كان متولي نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما هو مصرَّح في الروايات، فعند أبي داود
(6)
من حديث عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالًا بحلب
(1)
"عمدة القاري"(8/ 698).
(2)
"فتح الباري"(4/ 490).
(3)
"صحيح مسلم"(ح: 97 - 1594).
(4)
"عمدة القاري"(8/ 698).
(5)
"فيض الباري"(3/ 531).
(6)
"سنن أبي داود"(ح: 3055).
فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "ما كان له شيء كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله تعالى حتى توفي صلى الله عليه وسلم" الحديث بطوله، فليتنبه.
(12 -
باب الوكالة في الوقف. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: يعني بذلك أن الوكالة جارية في الأوقاف كما هي جارية في أملاك العباد الخالصة، ثم أورد بعد ذلك باب الوكالة في خالص حقوق الله تعالى التي هي غير العبادات ثم الوكالة فيها، انتهى - أي: في حقوق الله التي هي العبادات -.
وفي "الفيض"
(2)
: أراد المصنف من الوكيل: ناظره ومتوليه، وقوله:"وكان ابن عمر. . ." إلخ، يجوز التصدق على الأصدقاء من مال الواقف عند إذن الواقف، ثم إن المسألة في قبول المتولي هدايا الناس أنه إن ظنها رشوة لم تجز، وإلا جازت، فلا إشكال في قبول ابن عمر هدايا أهل مكة مع كونه متوليًّا للوقف، انتهى.
قال العيني
(3)
بعد أثر الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن الترجمة تتضمن أربعة أشياء، والحديث يشملها، وقال في ذكر ما يستفاد من الحديث: فيه: جواز أكل الولي على الوقف وإيكاله غيره بالمعروف، وقد أخذ هذا من قوله تعالى:{وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] وهذا في مال اليتيم، وفي مال الوقف أهون من ذلك، وقال المهلب: هذا مباح عند الحاجة، وهذا سُنَّة الوقف أن يأكل منه الولي ويؤكل لأن الحبس لهذا حبس، وقال ابن التين: فيه أن الناس في أوقافهم على شروطهم، وإهداء ابن عمر رضي الله عنهما كان على وجهين، أحدهما: للشرط الذي في الوقف أن يؤكل صديقًا له، والآخر: أنه كان ينزل على الذين يهدى إليهم مكافأة عن طعامهم، فكأنه هو أكله، انتهى.
(1)
"لامع الدراري"(6/ 225 - 228).
(2)
"فيض الباري"(3/ 541).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 700 - 701).
(13 -
باب الوكالة في الحدود)
قال العيني
(1)
: أي: في بيان حكم الوكالة في إقامة الحدود، انتهى.
وقال القسطلاني
(2)
: أي: جوازها كسائر الحقوق، بل يتعين التوكيل في قصاص الطرف وحد القذف كما سيأتي في موضعهما، انتهى.
وقال العيني
(3)
: واختلف العلماء في الوكالة في الحدود والقصاص، فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا يجوز قبولها في ذلك، ولا يقام الحد والقصاص حتى يحضر المدعي، وهو قول الشافعي، وقال ابن أبي ليلى وجماعة: تقبل الوكالة في ذلك، وقالوا: لا فرق بين الحدود والقصاص والديون إلا أن يدعي الخصم أن صاحبه قد عفا عنه فتوقف عن النظر فيه حتى يحضر، انتهى.
وقال العلَّامة النووي
(4)
تحت حديث الباب: قوله: "فأمر بها فرجمت"، وفي بعضها:"وأمر الناس فرجموها"، فيها كلها دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإمام مطلقًا، وكذا الشهود إن ثبت ببيّنة، ويبدأ الإمام بالرجم إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، انتهى.
قلت: وفي "الدر المختار"
(5)
تحت قوله: "والشرط بداءة الشهود به" أي: بالرجم: "ثم الإمام" هذا ليس حتمًا، كيف وحضوره ليس بلازم، قاله ابن الكمال، وما نقله المصنف عن الكمال رده في "النهر"، قال ابن عابدين
(6)
: لم ينقله ابن الكمال عن أحد، وهو محتاج إلى النقل، فإنه خلاف ظاهر المتون، انتهى.
(1)
"عمدة القاري"(8/ 701).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 329).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 702).
(4)
"شرح النووي"(6/ 222).
(5)
"الدر المختار"(1/ 316 - 317).
(6)
"رد المحتار"(6/ 14 - 15).
ثم اعلم أن الوكالة في الحدود يحتمل وجهين:
أحدهما: الوكالة في استيفائها.
والثاني: في إثباتها.
واختلف العلماء في المسألتين، كما تقدم بعض الخلاف في ذلك، وترجمة المصنف يحتمل وجهين، وحديث الباب أعني حديث الغامدية يمكن الاستدلال به على المسألتين، وحمل العلَّامة العيني الترجمة على الوكالة في إقامة الحدود ولم يتعرض له الحافظ.
وقال صاحب "البدائع"
(1)
: التوكيل لا يخلو إما أن يكون بحقوق الله عز وجل وهي الحدود، وإما أن يكون بحقوق العباد، والتوكيل بحقوق الله نوعان:
أحدهما: بالإثبات.
والثاني: بالاستيفاء.
أما التوكيل بإثبات الحدود فإن كان حدًا لا يحتاج فيه إلى الخصومة كحد الزنا وشرب الخمر، فلا يتقدر التوكيل فيه بالإثبات؛ لأنه يثبت عند الماضي بالبينة أو الإقرار من غير خصومة.
وإن كان مما يحتاج فيه إلى الخصومة كحد السرقة وحد القذف فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز ولا تقبل البينة فيهما إلا من الموكل، وكذلك الوكيل بإثبات القصاص على هذا الخلاف.
وأما التوكيل باستيفاء حد القذف والسرقة فإن كان المقذوف والمسروق منه حاضرًا وقت الاستيفاء جاز؛ لأن ولاية الاستيفاء إلى الإمام وأنه لا يقدر على أن يتولى الاستيفاء بنفسه على كل حال.
(1)
"بدائع الصنائع"(5/ 17 - 18).
وإن كان غائبًا اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا يجوز، إلى آخر ما بسطه، ولم يذكر حكم التوكيل بالاستيفاء في حد الزنا وشرب الخمر.
وقال في كتاب الحدود
(1)
: وأما شرائط جواز إقامتها فمنها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص البعض دون البعض، أما الذي يعم الحدود كلها فهو الإمامة وهو أن يكون المقيم للحد هو الإمام أو من ولاه الإمام، وهذا عندنا، وعند الشافعي: هذا ليس بشرط.
وقال في موضع آخر
(2)
: وللإمام أن يستخلف على إقامة الحدود؛ لأنه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه لأن أسباب وجوبها توجد في أقطار دار الإسلام، ولا يمكنه الذهاب إليها، وفي الإحضار إلى مكان الإمام حرج عظيم، إلى آخر ما بسط في الدلائل، وتقدم فيه الخلاف عندنا عن "الدر المختار"، وهذا تفصيل مذهبنا الحنفية.
وأما عند الحنابلة: فيجوز التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها جميعًا كما في "المغني"
(3)
، وقال: ولنا حديث أنيس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكله في إثباته واستيفائه جميعًا، وأما عند الشافعية: ففي "تحفة المحتاج"
(4)
: ويصح التوكيل في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف، ويصح أيضًا في استيفاء عقوبة لله، ولكن من الإمام أو السيد لا في إثباتها مطلقًا، وقيل: لا يجوز التوكيل في استيفائهما إلا بحضرة الموكل، انتهى.
ويستفاد من "المغني" جواز التوكيل في الاستيفاء، وعدم جوازه في الإثبات عند الشافعية.
(1)
"بدائع الصنائع"(5/ 524).
(2)
"بدائع الصنائع"(5/ 525).
(3)
"المغني"(7/ 199 - 201).
(4)
"حواشي على تحفة المحتاج بشرح المنهاج"(5/ 307).
(14 -
باب الوكالة في البدن وتعاهدها)
قال الحافظ
(1)
: أورد فيه حديث عائشة في فتلها [القلائد] وتقليد النبي صلى الله عليه وسلم لها بيديه وبعثه إياها مع أبي بكر، وهو ظاهر فيما ترجم له من الوكالة في البدن، وأما تعاهدها فلعله يشير به إلى ما تضمنه الحديث من مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم إياها بنفسه حتى قلَّدها بيديه، انتهى.
قال الموفق
(2)
في بيان الوكالة في حقوق الله تعالى: وأما العبادات فما كان منها له تعلق بالمال كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات جاز التوكيل في قبضها وتفريقها، ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها ودفعها إلى مستحقها، ويجوز التوكيل في الحج إذا أيس المحجوج عنه من الحج بنفسه، وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث فلا يجوز التوكيل فيها؛ لأنها تتعلق ببدن من هي عليه، فلا يقوم غيره مقامه فيها، انتهى.
(15 -
باب إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله)
لعل المصنف أشار بذلك إلى ما هو المعروف عند الفقهاء أن الوكالة لا بدّ لها من الإيجاب والقبول.
قال الحافظ
(3)
: وشاهد الترجمة من الحديث قول أبي طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنها صدقة لله تعالى أرجو برها، فضعها حيث شئت"، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه ذلك، وإن كان ما وضعها بنفسه بل أمره أن يضعها في الأقربين، لكن الحجة فيه تقريره صلى الله عليه وسلم على ذلك، ويؤخذ منه أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول لأن أبا طلحة قال:"ضعها حيث أراك الله" فرد عليه ذلك وقال: "أرى أن تجعلها في الأقربين"، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(4/ 492 - 493).
(2)
"المغني"(7/ 202).
(3)
"فتح الباري"(4/ 493).
قلت: وأوجه منه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(1)
إذ قال: قوله: "إني أرى أن تجعلها. . ." إلخ، وكان ذلك توكيلًا منه صلى الله عليه وسلم وإنابة إياه بعد قبول تصدقه الذي ذكره له بقوله:"فضعها يا رسول الله حيث شئت"، انتهى.
(16 -
باب وكالة الأمين في الخزانة ونحوها)
قال القسطلاني
(2)
: بكسر الخاء المعجمة اسم للموضع الذي يخزن فيه، ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الخازن الأمين مفوض إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر الآمر به، انتهى. وهكذا في "العيني"
(3)
.
ثم البراعة سكت عنها الحافظ ابن حجر، وعند هذا العبد الضعيف يظهر بدقة النظر في اسم أبي أسامة فإنه يشير إلى السام أي: الموت، وهذا لطيف جدًا، أو في قوله:"الذي يعطي ما أمر به. . ." إلخ، فكأنه بعمومه يشمل إعطاء الروح إلى من أمر به أعني: ملك الموت، فتفكر.
* * *
(1)
"لامع الدراري"(6/ 228).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 333، 334).
(3)
"عمدة القاري"(8/ 705).
41 -
أبواب الحرث والمزارعة
قد تقدم الكلام مبسوطًا في مقدمة "اللامع"
(1)
على مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب، فارجع إليه لو شئت، وتقدم فيه أيضًا أن للمزارعة مماثلة تامة بالوكالة، بل كأنها من أنواعها، فإن المزارع في تصرفاته بمنزلة الوكيل عن رب الأرض، انتهى.
وفي "الهداية"
(2)
: المزارعة لغةً: مفاعلة من الزرع، وفي الشريعة: هي عقد على الزرع ببعض الخارج، وزاد في "الدر المختار"
(3)
: وأركانها أربعة: أرض، وبذر، وعمل، وبقر، ثم قال: ولا تصح عند الإمام؛ لأنها كقفيز الطحان، وعندهما تصح، وبه يفتى للحاجة، وقياسًا على المضاربة، بشروط ثمانية، ثم بسطها، وبسط الكلام عليه في "الأوجز"
(4)
.
وفي "الهداية"
(5)
: وقالا: جائزة لما روي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع" إلى آخر ما قال، وقال العيني
(6)
: الزراعة هي الحرث، انتهى.
(1 -
باب فضل الزرع والغرس. . .) إلخ
قال الحافظ
(7)
: لا شك أن الآية تدل على إباحة الزرع من جهة الامتنان به، والحديث يدل على فضله بالقيد الذي ذكره المصنف، وقال ابن المنيِّر: أشار البخاري على إباحة الزرع، وأن من نهى عنه كما ورد عن
(1)
"لامع الدراري"(1/ 272).
(2)
"الهداية"(7/ 94).
(3)
"الدر المختار"(2/ 223).
(4)
"أوجز المسالك"(13/ 402 - 407).
(5)
"الهداية"(7/ 95).
(6)
"عمدة القاري"(9/ 3).
(7)
"فتح الباري"(5/ 3).
عمر فمحله ما إذا شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يحمل حديث أبي أمامة المذكور في الباب الذي بعده، انتهى.
وقال العلَّامة العيني
(1)
: في الحديث فضل الغرس والزرع، واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، واختلف في أفضل المكاسب، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(2)
أشد البسط، وتقدم الكلام على أفضل المكاسب في "باب كسب الرجل وعمله بيده" من "كتاب البيوع"، فارجع إليه.
(2 -
باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع)
قال ابن التِّين: وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديثي أبي أمامة والحديث الماضي في فضل الزرع والغرس، وذلك بأحد أمرين: إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك، ومحله ما إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه، والذي يظهر أن كلام أبي أمامة محمول على من يتعاطى ذلك بنفسه، أما من له عمال يعملون له وأدخل داره الآلة المذكورة لتحفظ لهم فليس مرادًا، ويمكن الحمل على عمومه؛ فإن الذل شامل لكل من أدخل على نفسه ما يستلزم مطالبته آخر له، ولا سيما إذا كان المطالب من الولاة، انتهى من "الفتح"
(3)
.
وكتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: قوله: "إلا أدخله الله الذل" كمن زارع أرضًا خراجية، أو يؤول حاله إلى ذل الدنيا والدين بانهماكه فيها، انتهى.
وبسط الأقوال في معاني حديث أبي أمامة هذا مولانا الشيخ الحاج حفظ الرحمن رحمه الله في رسالته بلغة الأردية "إسلام كا اقتصادي نظام"، فارجع إليه لو شئت.
(1)
"عمدة القاري"(9/ 5).
(2)
"اللامع"(6/ 231 - 233).
(3)
"فتح الباري"(5/ 5).
(4)
"لامع الدراري"(6/ 233 - 234).
(3 -
باب اقتناء الكلب للحرث)
قال ابن المنيِّر: أراد البخاري إباحة الحرت بدليل إباحة اقتناء الكلاب المنهي عن اتخاذها لأجل الحرث، فإذا رخص من أجل الحرث في الممنوع من اتخاذه كان أقل درجاته أن يكون مباحًا، انتهى من "الفتح"
(1)
.
قلت: والأوجه عندي أن مقصود المصنف بهذا الباب إثبات جواز اقتناء الكلب للحرث كما هو نص الترجمة، فإن هذه المسألة مما ينبغي أن يقصد بالإفادة لا كما قالوا: إنه أثبت به جواز الحرث، فتأمل، ولا يشكل على هذا تكرار الترجمة بما سيأتي في "كتاب الذبائح والصيد" من "باب من اقتنى كلبًا. . ." إلخ، وذلك لأنه ذكره ههنا من حيث كونه من متعلقات الحرث، وهناك من حيث كونه من متعلقات الصيد، وله نظائر كثيرة في تراجم البخاري، وفي "القول الفصيح": المقصود بهذه الترجمة تأكيد فضل الزرع، وذلك لأن في اقتنائه ضررًا عظيمًا بحيث ينقص من عمله كل يوم قيراط، كما في الحديث، ومع ذلك أبيح اقتناء للحرث فليس ذلك إلا لأن الحرث فيه خير كثير، وكذا يفهم فضله من استعمال البقر للحرث كما سيأتي مع أن في استعمالها للحرث تعذيبًا لها، فاستعمالها في الحرث دليل على فضله، انتهى ملخصًا.
(4 -
باب استعمال البقر للحراثة. . .) إلخ
يريد بذلك جوازه، وأنها موضوعة للحراثة وإن كان الركوب جائزًا أيضًا، ووجه الاستدلال ظاهر حيث لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على ركوبه عليها، ولا على مقالتها، فعلم الأمران معًا جواز الركوب، وأن أصل وضعها إنما هو للحراثة، انتهى.
وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر، وإليه أشار البخاري بالترجمة،
(1)
"فتح الباري"(5/ 6).
يعني أن أصل وضعها للحراثة لا للركوب بخلاف الخيل، قال القاري: قوله: "لحراثة الأرض" بفتح الحاء، أي: إثارتها لزراعتها، انتهى.
وفي "الدر المختار": وجاز ركوب الثور وتحميله، قال ابن عابدين: وقيل: لا يفعل لأن كل نوع من الأنعام خلق لعمل، فلا يغير أمر الله تعالى، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع"
(1)
.
(5 -
باب إذا قال: اكفني مؤونة النخل أو غيره. . .) إلخ
قال العلَّامة العيني
(2)
: أي: إذا قال صاحب النخيل لغيره: اكفني مؤونة النخل، والمؤونة هي العمل فيه من السقي والقيام عليه بما يتعلق به، وتشركني في الثمر، أي: الثمر الذي يحصل من النخل، وهذه صورة المساقاة، وهي جائزة، وقوله:"أو غيره" أي: غير النخل مثل الكرم، ثم قال بعد ذكر الحديث: قال المهلب: فيه: حجة على جواز المساقاة، ورد عليه ابن التين: بأن المهاجرين كانوا ملكوا من الأنصار نصيبًا من الأرض والمال باشتراط النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار مواساة المهاجرين ليلة العقبة، قال: فليس ذلك من المساقاة في شيء، ورد عليه بأنه لا يلزم من اشتراط المواساة ثبوت الاشتراك في الأرض إذ لو ثبت ذلك بمجرد ذكر المواساة لم يبق لسؤالهم لذلك ورده صلى الله عليه وسلم عليهم معنى، انتهى.
قلت: ويشكل في بادي الرأي على هذه الترجمة أن صورتها صورة المساقة كما قال المهلب وغيره، والكتاب كتاب المزارعة وسيأتي كتاب المساقاة مستقلًا، ولم يتعرض له أحد من الشرَّاح، ويمكن الجواب عنه بأن يقال: إن نظر الإمام البخاري في هذه الترجمة ليس إلى خصوص النخل أو العنب، بل الغرض الأصلي منه بيان صورة العقد وكيفيته، بأنه هل يصح المزارعة بهذه الألفاظ، أي:"اكفئني المؤونة وتشركني في الخارج" أعم
(1)
"لامع الدراري"(6/ 234، 235).
(2)
"عمدة القاري"(9/ 13، 14).
من أن تكون المؤونة مؤونة الأرض كما في المزارعة، أو مؤونة النخل وغيره من الأشجار، كما تكون في المساقاة، لكن لما كان المذكور في حديث الباب لفظ:"النخل" فرعاية للفظ الحديث ذكر لفظ "النخل"، وله نظائر في التراجم.
قال صاحب "البدائع"
(1)
: وأما ركن المزارعة فهو الإيجاب والقبول، وهو أن يقول صاحب الأرض للعامل: دفعت إليك هذه الأرض مزارعة بكذا، ويقول العامل: قبلت أو رضيت أو ما يدل على قبوله ورضاه، فإذا وجدا تم العقد بينهما، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بثلاثة أبواب بترتيب خاص، الأول: اقتناء الكلب، والثاني: استعمال البقر، والثالث: هذه، وهذا الترتيب يشير عندي إلى أنه أشار بهذه الترجمة إلى استعمال الإنسان للحرث؛ فإنه بدأ بالكلب، ثم ثنى بالبقر، ثم ثلث بالإنسان.
(6 -
باب قطع الشجر والنخل. . .) إلخ
قال الحافظ
(2)
: أي: للحاجة والمصلحة إذا تعيَّنت طريقًا في نكاية العدو ونحو ذلك، وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلًا، وحملوا ما ورد من ذلك إما على غير المثمر وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور، انتهى.
ويشكل على الترجمة عدم تعلقها بالكتاب، ويمكن عنه الجواب عندي بأنه من قبيل ذكر الأضداد، فإن المذكور في الترجمة الأولى هو مؤنة النخل، أي: سقيها وحفظها، والمذكور في هذه الترجمة ضد ما في السابقة، فإن التقابل من أعلى وجوه التناسب:
فبضدها تتبين الأشياء
(1)
"بدائع الصنائع"(5/ 255).
(2)
"فتح الباري"(5/ 9).
(7 -
باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ
(1)
: كذا للجميع بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، وأورد فيه حديث رافع بن خديج، وقد استنكر ابن بطال
(2)
دخوله في هذا الباب قال: وسألت المهلب عنه فقال: يمكن أن يؤخذ من جهة أنه من اكترى أرضًا ليزرع فيها ويغرس فانقضت المدة فقال له صاحب الأرض: اقلع شجرك عن أرضي فكان له ذلك، فيدخل بهذه الطريق في إباحة قطع الشجر.
وقال ابن المنيِّر
(3)
: الذي يظهر أن غرضه الإشارة به إلى أن القطع الجائز هو المسبب للمصلحة كنكاية الكفار أو الانتفاع بالخشب أو نحوه، والمنكر هو الذي عن العبث والإفساد، ووجه أخذه من حديث رافع أن الشارع نهى عن المخاطرة في كراء الأرض إبقاء على منفعتها من الضياع مجانًا في عواقب المخاطرة، فإذا كان ينهى عن تضييع منفعتها وهي غير محققة ولا مشخصة فلأن ينهى عن تضييع عينها بقطع أشجارها عبثًا أجدر وأولى، انتهى.
والأوجه عندي أن يقال: إن الأبواب السابقة كانت من لواحق المزارعة ومتعلقاتها، ومن ههنا رجع المصنف إلى أصل المزارعة، فهذا الباب للتنبيه عليه، فتأمل.
(8 -
باب المزارعة بالشطر ونحوه. . .) إلخ
قال الحافظ
(4)
رحمه الله: راعى المصنف لفظ الشطر لوروده في الحديث، وألحق غيره تساويهما في المعنى، ولولا مراعاة لفظ الحديث لكان قوله: المزارعة بالجزء أخصر وأبين، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(5/ 9 - 10)
(2)
"شرح ابن بطال"(6/ 463).
(3)
"المتواري"(ص 155).
(4)
"فتح الباري"(5/ 11).
ثم قال الحافظ: وإنما ذكر البخاري هذه الآثار في هذا الباب ليعلم أنه لم يصح في المزارعة على الجزء حديث مسند، وكأنه غفل عن آخر حديث الباب، وهو حديث ابن عمر في ذلك وهو معتمد من قال بالجواز، والحق أن البخاري إنما أراد بسياق هذه الآثار الإشارة إلى أن الصحابة رضي الله عنهم لم ينقل عنهم خلاف في الجواز خصوصًا أهل المدينة، فيلزم من يقدم عملهم على الأخبار المرفوعة أن يقولوا بالجواز على قاعدتهم، انتهى.
وقال القسطلاني
(1)
تبعًا للحافظ تحت أثر عمر رضي الله عنه: وفي إيراد البخاري هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وهو وجه عند الشافعية، والآخر أنهما مختلفا المعنى، فالمزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، والمخابرة مثلها، لكن البذر من العامل، انتهى.
قال ابن رشد
(2)
: أما كراء الأرضين فاختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا، فقوم لم يجوزوا ذلك بتةً، وهم الأقل، وبه قال طاوس وغيره، وقال الجمهور بجواز ذلك، واختلف هؤلاء فيما يجوز به كراؤها، فقال قوم: لا يجوز إلا بالدراهم والدنانير فقط، وهو مذهب ربيعة وغيره، وقال قوم: يجوز كراؤها بكل شيء ما عدا الطعام سواء كان الطعام الخارج منها أو لم يكن، وما عدا ما ينبت فيها كان طعامًا أو غيره، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أصحابه إلى آخر ما قال، وأما المزارعة بالدراهم والدنانير فيجوز عند الأربعة، وأما على قسمة الخارج من الأرض بأن يكون ما على الماذيانات وأقبال الجداول فلرب الأرض، وما كان في غيرها من الأرض فهو للزارع، فلم يجوزها أحد، وأما المزارعة بجزء خارج منها فلا يجوز عند الأئمة الثلاثة، ويجوز عند الإمام أحمد وصاحبي أبي حنيفة، انتهى ملخصًا من "البذل"
(3)
.
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 349، 350).
(2)
"بداية المجتهد"(2/ 221).
(3)
"بذل المجهود"(13/ 461، 471).
قوله: (وقال الحسن: لا بأس أن يجتنى القطن) كتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: لم يجوزه أئمتنا الثلاثة، وكذلك مسألة الثوب والكراء لكونها في معنى قفيز الطحان غير أن مشايخ بلخ وبعض من سواهم أفتوا في القطن والزرع وغيرها بالجواز ضرورة، انتهى.
وبسط الكلام في هامش "اللامع"
(2)
.
(9 -
باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة)
قال الحافظ
(3)
: قال ابن التين: قوله: "إذا لم يشترط السنين" ليس بواضح من الخبر الذي ساقه، كذا قال، ووجه ما ترجم به الإشارة إلى أنه لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث مقيدًا بسنين معلومة، وقد ترجم له بعد أبواب "إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله - ولم يذكر أجلًا معلومًا - فهما على تراضيهما"، وساق الحديث، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "نقركم ما شئنا" هو ظاهر فيما ترجم له، إلى آخر ما قال.
كتب الشيخ في "اللامع"
(4)
: وهو عندنا واقع على مزارعة عام فقط، غير أنه إذا لم يترك الأرض في العام الثاني ولم يطالبه المالك، كان ذلك دلالة على كونهما على عقدهما، فيمكن على ذلك مضاء سنين، وهو محمل الحديث، فافهم، وهذا عند من سلم كونها مزارعة، فأما من قال: إنها كانت لهم لا للمسلمين، وما بذلوه كان خراجًا فالأمر عنده أسهل، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني: قال ابن بطال: قد اختلف العلماء في المزارعة من غير أجل فكرهها مالك والشافعي وغيرهما، وقال أبو ثور: إذا لم يسم سنين معلومة فهو على سنة واحدة، وقال ابن المنذر: وحكي عن بعضهم أنه قال: أجيز ذلك استحسانًا، وادعى القياس لقوله صلى الله تعالى
(1)
"لامع الدراري"(6/ 239، 241).
(2)
"اللامع"(6/ 239، 242).
(3)
"فتح الباري"(5/ 14).
(4)
"لامع الدراري"(6/ 243، 245).
عليه وسلم: "نقركم ما شئنا"، قال: فيكون لصاحب النخل والأرض أن يخرج المساقي والمزارع من الأرض متى شاء، وفي ذلك دلالة على أن المزارعة تخالف الكراء، لا يجوز في الكراء أن يقول: أخرجك عن أرضي متى شئت، ولا خلاف بين أهل العلم أن الكراء في الدور والأرضين لا يجوز إلا وقتًا معلومًا.
قلت: لصحة المزارعة على قول من يجيزها شروط: منها بيان المدة بأن يقال: إلى سنة أو سنتين وما أشبهه، ولو بيَّن وقتًا لا يدرك الزرع فيها تفسد المزارعة، وكذا لو بيَّن مدة لا يعيش أحدهما إليها غالبًا تفسد أيضًا، وعن محمد بن سلمة: أن المزارعة تصح بلا بيان المدة، وتقع على زرع واحد، واختاره الفقيه أبو الليث، وبه قال أبو ثور، وعن أحمد: يجوز بلا بيان المدة؛ لأنها عقد جائز غير لازم، وعند أكثر الفقهاء: لازم إلى آخر ما بسط.
(10 -
باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ
(1)
: كذا للجميع بغير ترجمة وهو بمنزلة الفصل من الباب السابق، وقد أورد فيه حديث ابن عباس في جواز أخذ أجرة الأرض، ووجه دخوله في الباب الذي قبله أنه لما جازت المزارعة على أن للعامل جزءًا معلومًا فجواز أخذ الأجرة المعينة عليها من باب الأولى، انتهى.
وقال القسطلاني
(2)
تبعًا للعلامة العيني: ومناسبة الحديث للباب السابق من جهة أن فيه للعامل جزءًا معلومًا، وهنا لو ترك مالك الأرض هذا الجزء للعامل كان خيرًا له من أن يأخذه منه، وفيه جواز أخذ الأجرة لأن الأولوية لا تنافي الجواز، انتهى.
(1)
"فتح الباري"(5/ 14).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 354).
ورقم عليه شيخ الهند رحمه الله في آخر تراجم رمز (ىنـ) - نقطة واحدة - فكان رأيه فيه أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.
(11 -
باب المزارعة مع اليهود)
قال الحافظ
(1)
: أراد بهذا الإشارة إلى أنه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة، انتهى.
(12 -
باب ما يكره من الشروط في المزارعة)
أشار بهذه الترجمة إلى حمل النهي في حديث رافع على ما إذا تضمن العقد شرطًا فيه جهالة أو يؤدي إلى غرر، انتهى [من "الفتح"]
(2)
.
قلت: وهو محل روايات النهي عند الجمهور.
(13 -
باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم. . .) إلخ
قال الحافظ
(3)
: أي: لمن يكون الزرع؟ أورد فيه حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، والمقصود منه هذا قول أحد الثلاثة:"فعرضت عليه - أي: على الأجير - حقه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه. . ." إلخ، فإن الظاهر أنه عيَّن له أجرته فلما تركها بعد أن تعينت له ثم تصرف فيها المستأجر بعينها صارت من ضمانه، قال ابن المنيِّر
(4)
: مطابقة الترجمة أنه قد عيَّن له حقه ومكَّنه منه، فبرئت ذمته بذلك، فلما تركه وضع المستأجر يده عليه وضعًا مستأنفًا، ثم تصرف فيه بطريق الإصلاح لا بطريق التضييع، فاغتفر لذلك ولم يعد تعديًا، ولذلك توسل به إلى الله عز وجل وجعله من أفضل أعماله، وأقر على ذلك ووقعت الإجابة، ومع ذلك فلو هلك الفرق لكان ضامنًا له إذ لم يؤذن له في التصرف فيه، فمقصود الترجمة إنما هو خلاص
(1)
"فتح الباري"(5/ 15).
(2)
"فتح الباري"(5/ 15).
(3)
"فتح الباري"(5/ 16 - 17)
(4)
"المتواري"(ص 264).
الزارع من المعصية لهذا القصد، ولا يلزم من ذلك رفع الضمان، ويحتمل أن يقال: إن توسله بذلك إنما كان لكونه أعطى الحق الذي عليه مضاعفًا لا بتصرفه، كما أن الجلوس بين رجلي المرأة معصية، لكن التوسل لم يكن إلا بترك الزنا والمسامحة بالمال ونحوه، انتهى.
وتقدم الحديث في "باب من اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه"، وتقدم هناك اختلاف الأئمة في بيع الفضولي، وكذا تقدم حديث الباب في "باب من استأجر أجيرًا فترك أجره"، وتقدم هناك اختلافهم في المستودع إذا اتجر في مال الوديعة، وكذا الضارب إذا خالف رب المال لمن يكون الربح؟ فارجع إليه لو شئت.
قوله: (فرق أرزّ) قال الحافظ
(1)
: تقدم في "البيوع"
(2)
بلفظ "فرق من ذرة" فيجمع بينهما بأن الفرق كان من الصنفين وأنهما لما كانا حبين متقاربين أطلق أحدهما على الآخر، والأول أقرب، انتهى.
(14 -
باب أوقاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأرض الخراج. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: دلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنه لما قسم خيبر ولم يقسم عمر بعض البلاد المفتوحة كان ذلك دليلًا على جواز الوقف، كيف! ولا سبيل إذا لم يقسم إلا إلى الوقف، فلا بد أن يزرعه أحد، وبهذا المعنى يصح إيراد وقف عمر ههنا، وإثبات مزارعة أرض الخراج بالقياس عليه، انتهى.
قال الحافظ
(4)
: ذكر المصنف فيه طرفًا من حديث عمر في وقف أرض خيبر، وذكر قول عمر:"لولا آخر المسلمين. . ." إلخ، وأخذ
(1)
"فتح الباري"(5/ 17).
(2)
"فتح الباري"(4/ 408، 409).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 248).
(4)
"فتح الباري"(5/ 17).
المصنف صدر الترجمة من الحديث الأول ظاهر، ويؤخذ أيضًا من الحديث الثاني؛ لأن بقية الكلام محذوف، تقديره: لكن النظر لآخر المسلمين يقتضي أن لا أقسمها بل أجعلها وقفًا على المسلمين، وقد صنع ذلك عمر في أرض السواد، وأما قوله:"وأرض الخراج. . ." إلخ، فيؤخذ من الحديث الثاني، فإن عمر لما وقف السواد ضرب على من به من أهل الذمة الخراج، فزارعهم وعاملهم، فبهذا يظهر مراده من هذه الترجمة ودخولها في أبواب المزارعة، وقال ابن بطال
(1)
: معنى هذه الترجمة أن الصحابة كانوا يزارعون أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على ما كان عامل عليه يهود خيبر، إلى آخر ما قال في "الفتح".
قلت: وما يظهر لهذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل الوقف بنفسه الشريفة، بل الأوقاف كانت من الصحابة رضي الله عنهم، ويؤيده ما قال القسطلاني
(2)
في صدقة عمر المذكورة: حكى الماوردي أنها أول صدقة تصدق بها في الإسلام، انتهى.
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى رد ما حكي عن أبي عبد الله بن المعلم إمام الإمامية في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركنا صدقة" إن لفظ "صدقة" بالنصب على الحال، فيقتضي ذلك أن ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الصدقة لا يورث عنه، كما ذكر في "الأوجز"
(3)
، وبسط فيه أيضًا المباحث الكثيرة في حديث:"لا نورث ما تركنا صدقة".
وفي "الفيض"
(4)
: اعلم أن الوقف عندنا لا يجري إلا في العقار إلا أن يكون تابعًا، وأما عند محمد فيصح بكل منقول جرى فيه التعامل بوقفه، ثم قالوا: إن الوقف عندنا تصدق بالمنفعة مع حبس الأصل على ملك الواقف، وعند صاحبيه: هو حبس الأصل على ملك الله تعالى، لا يملك ولا يورث، إلى آخر ما بسط من الكلام.
(1)
"شرح ابن بطال"(6/ 473).
(2)
"إرشاد الساري"(5/ 360).
(3)
"أوجز المسالك"(17/ 535، 546).
(4)
"فيض الباري"(3/ 550).
(15 -
باب
من أحيا أرضًا مواتًا. . .) إلخ
بفتح الميم والواو الخفيفة، قال القزاز: الموات الأرض التي لم تعمر، شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة، وإحياء الموات أن يعمد الشخص لأرض لا يعلم تقدم ملك عليها لأحد، فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء، فتصير بذلك ملكه سواء كانت فيما قرب من العمران أم بعد، سواء أذن له الإمام في ذلك أو لم يأذن، وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة لا بد من إذن الإمام مطلقًا، وعن مالك فيما قرب، وضابط القرب ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي أو نحوه، انتهى من "الفتح"
(1)
.
وبسط الكلام على هذه المسألة في "الأوجز"
(2)
وفيه: في "الهداية"
(3)
: الموات ما لا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه، أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، سمي به لبطلان الانتفاع به، وقال الباجي
(4)
: فيه خمسة أبواب:
الأول: في صفة الأرض التي تملك بالإحياء.
والثاني: في صفة المحيي لها وحكمه.
والثالث: في صفة الإحياء.
والرابع: في حكم ما أُحْيِيَ من الأرض ثم مات.
والخامس: في حكم الأرض الموات والإبراز في البيع والقسمة وغير ذلك، انتهى.
(16 - باب)
بغير ترجمة، وقال الحافظ
(5)
: كذا فيه بغير ترجمة وهو كالفصل
(1)
"فتح الباري"(3/ 18).
(2)
"أوجز المسالك"(14/ 107 - 112).
(3)
"الهداية"(2/ 383).
(4)
"المنتقى"(6/ 26).
(5)
"فتح الباري"(5/ 20، 21).
من الباب الذي قبله، وقد أورد فيه حديث ابن عمر وحديث عمر، وأشكل تعلقهما بالترجمة، فقال المهلب: حاول البخاري جعل موضع معرس النبي صلى الله عليه وسلم موقوفًا أو متملكًا له لصلاته فيه ونزوله به، وذلك لا يقوم على ساق؛ لأنه قد ينزل في غير ملكه ويصلي فيه، فلا يصير بذلك ملكه، كما صلى في دار عتبان بن مالك وغيره.
وأجاب ابن بطال
(1)
بأن البخاري أراد أن المعرس نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بنزوله فيه ولم يرد أنه يصير بذلك ملكه، ونفى ابن المنيِّر
(2)
وغيره أن يكون البخاري أراد ما ادعاه المهلب، فإنما أراد التنبيه على أن البطحاء التي وقع فيها التعريس، والأمر بالصلاة فيها لا تدخل في الموات الذي يحيى ويملك إذ لم يقع فيها تحويط ونحوه من وجوه الإحياء، أو أراد أنها تلحق بحكم الإحياء لما ثبت لها من خصوصية التصرف فيها فصارت كأنها أرصدت للمسلمين كمنى مثلًا، فليس لأحد أن يبني فيها ويتحجرها لتعلق حق المسلمين بها عمومًا.
قال الحافظ: وحاصله أن الوادي المذكور وإن كان من جنس الموات، لكن مكان التعريس منه مستثنى لكونه من حقوق العامة، فلا يصح احتجاره لأحد ولو عمل فيه بشروط الإحياء، ولا يختص ذلك بالبقعة التي نزل بها النبي صلى الله عليه وسلم، بل كل ما وجد من ذلك فهو في معناه، انتهى.
وقال العيني
(3)
: وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب من حيث إنه أشار إلى أن ذا الحليفة لا يملك بالإحياء لما فيه من منع الناس النزول فيه، وأن الموات يجوز الانتفاع به، وأنه غير مملوك لأحد، وهذا المقدار كاف في وجه المطابقة، وقد تكلم المهلب فيه بما لا يجدي، ورد عليه ابن بطال بما لا ينفع، وجاء آخر نصرًا لمهلب في ذلك، والكل لا يشفي العليل ولا يروي الغليل، انتهى.
(1)
"شرح ابن بطال"(6/ 479).
(2)
"المتواري"(ص 267).
(3)
"عمدة القاري"(9/ 35).
وتبع القسطلاني
(1)
العيني، واقتصر على توجيهه بدون النسبة إليه، ولم يذكر قول المهلب وغيره، وسبقهما الكرماني
(2)
في ذلك، وقال العلَّامة السندي
(3)
: لعل ذكره في الباب لاستطراد إحياء الموات بالذكر، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من التوجيه في "اللامع"
(4)
إذ قال: قوله: "إنك ببطحاء مباركة" ولعل إيراد هذه الرواية بعد باب إحياء الموات تنبيه منه على أن الإحياء إنما يعتبر إذا كانت الأرض التي أحياها بحيث يستغنى عنها، ولا يفتقر إليها في قضاء مآرب العامة؛ كالنزول في تلك الوادي فإنه دليل الحاجة إليه، فلا يمكن إحياء مثله لما فيه من الإضرار بالعامة، وهم أصحاب استحقاق فيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في غير حق مسلم كما تقدم، ثم ذكر توجيهًا آخر فارجع إليه لو شئت؛ وبسط الكلام على هامشه أيضًا، ورقم عليه شيخ الهند رحمه الله رمز (ىنـ) - نقطة واحدة -، فكان رأيه رحمه الله فيه أن المؤلف ترك الترجمة تشحيذًا للأذهان، فتأمل.
(17 -
باب إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله. . .) إلخ
قال صاحب "الفيض"
(5)
: هذه الترجمة أيضًا من التراجم التي لا تسقط على محط، ولا ترجع إلى أصل، فإن حقيقة المعاملة مع أهل خيبر لم تتنقح عنده بعد، فقد يجعلها إجارة، وأخرى مزارعة، ولا تصحان إلا أن تكون ملكا للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وأما إذا كانت ملكًا لأنفسهم فلا تصح لا هذه ولا تلك، فلا تكون إلا خراجًا مقاسمةً، ثم فرع عليها تفريعات لا تستقيم بحال أيضًا، فذكر إبهام الأجل، وذا لا يصح على تقدير كونها إجارةً أو مزارعة باتفاق الفقهاء؛ لأن الطبائع قد جبلت على المماكسة في هذا الباب، فالإبهام فيها يفضي إلى المنازعة لا محالة، أما الخراج مقاسمة
(1)
"إرشاد الساري"(5/ 365).
(2)
"شرح الكرماني"(10/ 161).
(3)
"حاشية السندي على صحيح البخاري"(2/ 48).
(4)
"لامع الدراري"(6/ 251، 252).
(5)
"فيض الباري"(3/ 554).
فيصح مع جهالة الأجل لكونه بين الإمام والرعية، والأمن من إفضائه إلى المنازعة، فللإمام أن يقر من شاء إلى ما شاء من غير مدافع ولا منازع، انتهى.
وقال العيني
(1)
: تمسك به بعض أهل الظاهر على جواز المساقاة إلى أجل مجهول، وجمهور الفقهاء على أنها لا تجوز إلا إلى أجل معلوم، وقالوا: هذا الكلام كان جوابًا لما طلبوه حين أراد إخراجهم منها، فقالوا: نعمل فيها ولكم النصف ونكفيكم مؤنة العمل، فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء ووقفه على مشيئته، وبعد ذلك عاملهم على المساقاة إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"
(2)
.
وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(3)
فائدة متعلقة بشرح الحديث لم يتعرض لها الشرَّاح وأجاد فيها حيث قال: قوله: "أجلى اليهود والنصارى. . ." إلخ، وقد ورد في أكثر الروايات والآيات ذكر إجلاء اليهود، ولم تذكر النصارى إلا قليلًا، وذلك لكثرة اليهود وقلة النصارى، ولأن خبث طويتهم كان باعثًا لهم على الشقاق والنفاق والتلبس بأرذل الأخلاق، فذكروا أكثر مما ذكر إخوانهم النصارى، انتهى.
(18 -
باب ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضًا)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"
(4)
: أشار بذلك إلى محمل الروايات المذكورة في الباب دفعًا لما يتوهم من التعارض بين روايات الجواز والحرمة بأن النهي عن المزارعة بالأجر إنما هو تعليم للزهد وترغيب في المواساة، لا أن النهي تحريم، انتهى.
(1)
"عمدة القاري"(9/ 37).
(2)
"اللامع"(6/ 254، 255).
(3)
"لامع الدراري"(6/ 254، 255).
(4)
"لامع الدراري"(6/ 256).
وفي هامشه: وهو كذلك، فإن القائلين بجواز المزارعة حملوا روايات المنع على ذلك، ففي "الأوجز"
(1)
بعد ذكر روايات المنع: قال القاضي: ويشبه أن يقال في هذا: إن المعنى في ذلك قصد الرفق بالناس لكثرة وجود الأرض كما نهى عن بيع الماء، ووجه الشبه بينهما أنهما أصلًا الخلقة، انتهى.
وقال الحافظ
(2)
: المراد بالمواساة المشاركة في المال بغير مقابل، انتهى.
(19 -
باب كراء الأرض بالذهب والفضة. . .) إلخ
كأنه أراد بهذه الترجمة الإشارة إلى أن النهي الوارد عن كراء الأرض محمول على ما إذا أكريت بشيء مجهول، وهو قول الجمهور، أو بشيء مما يخرج منها ولو كان معلومًا، وليس المراد النهي عن كرائها بالذهب أو الفضة، وبالغ ربيعة فقال: لا يجوز كراؤها إلا بالذهب أو الفضة، وخالف في ذلك طاوس وطائفة قليلة فقالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقًا، وذهب إليه ابن حزم واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك، وحديث الباب دال على ما ذهب إليه الجمهور، وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة. ونقل ابن بطال
(3)
: اتفاق فقهاء الأمصار عليه، انتهى من "الفتح"
(4)
.
وقد تقدم الخلاف في المسألة في "باب المزارعة بالشطر ونحوه" ويمكن عندي أن يقال في غرض الترجمة: إن المصنف أشار إلى بيان أفضلية كراء الأرض، أي: المزارعة كما يشير إليه قول ابن عباس رضي الله عنهما، وقد تقدم الخلاف في أفضل المكاسب في مبدأ "كتاب البجوع" من "باب كسب الرجل وعمله بيده".
(1)
"أوجز المسالك"(3/ 462).
(2)
"فتح الباري"(5/ 23).
(3)
"شرح ابن بطال"(6/ 487).
(4)
"فتح الباري"(5/ 25).
(20 -
باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ
(1)
: هو كالفصل من الباب الذي قبله، ولم يذكر ابن بطال
(2)
: لفظ "باب"، وكأن مناسبته له من قول الرجل:"فإنهم أصحاب زرع" قال ابن المنيِّر: وجهه أنه نبَّه به على أن أحاديث النهي عن كراء الأرض إنما هي على التنزيه لا على الإيجاب؛ لأن العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أنه يحب استمرار الانتفاع به، وبقاء حرص هذا الرجل على الزرع حتى في الجنة دليل على أنه مات على ذلك، ولو كان يعتقد تحريم كراء الأرض لفطم نفسه عن الحرص عليها حتى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثبوت، انتهى.
قلت: ولم يذكر شيخ الهند هذا الباب في جداوله، والأوجه عندي أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى نبَّه بهذا على فضل الغرس لكونه في الجنة، ولا تعلق للحديث بكراء الأرض، قوله:"والله لا تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا" كتب الشيخ في "اللامع"
(3)
: وإنما قال ذلك لأنهم أهل الفلاحة بحسب علمه، ولم يعلم بأن هذه حرفة كثير ممن سوأهم أيضًا، انتهى.
(21 -
باب ما جاء في الغرس)
ذكر فيه حديث سهل بن سعد "إن كنا لنفرح. . ." إلخ، وغرضه منه ههنا قوله:"كنا نغرسه في أربعائنا"، وذكر فيه حديث أبي هريرة وغرضه منه قوله:"وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم. . ." إلخ، فإن المراد بالعمل الشغل في الأراضي للزراعة والغرس، انتهى من "الفتح"
(4)
.
(1)
"فتح الباري"(5/ 27).
(2)
"شرح ابن بطال"(6/ 488)، وفيه ذكر باب، وزاد المحقق لفظ:"السقي"، بعد الباب، وقال:"زيادة من نسخة"، انتهى.
(3)
"لامع الدراري"(6/ 259).
(4)
"فتح الباري"(5/ 28).
وكتب الشيخ في "اللامع"
(1)
: قوله: "وما كنا نتغدى" فيه إشارة ما إلى وجه الالتذاذ وهو وجدانهم [إياه] على السغب والفاقة، انتهى.
قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في دفع ما يمكن أن يتوهم من ظاهر اللفظ حرص الصحابة رضي الله عنهم أعاذهم الله تعالى عن ذلك، فنبَّه الشيخ على أن الفرح كان لأجل الاحتياج، وكتب الشيخ أيضًا قوله:"وكان يشغلهم عمل أموالهم" فيه الترجمة حيث علم باشتغال الصحابة فيه فضله وبتقريره صلى الله عليه وسلم عليه جوازه، انتهى.
وأما براعة الاختتام عند الحافظ ففي قوله: "وما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا شيئًا".
وعندي في قوله: "والله الموعد"، وأيضًا في آية الكتمان، وأيضًا في قوله:"ليس على ثوب غيرها" فإنه كفن الضرورة، فتدبر.
تم الجزء الثالث بحمد الله تبارك وتعالى،
ويتلوه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى أوله "كتاب المساقاة"،
والحمد لله أولًا وآخرًا،
والصلاة والسلام على نبيِّه سرمدًا ودائمًا.
* * *
(1)
"لامع الدراري"(6/ 260).