الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71]
(1)
.
لما كان جسم الإنسان معرضا لسقوط شيء من بشرته، أو أعضائه بقصد، أو غير قصد، وقد يولد الانسان وفيه زيادة كأصبع زائدة في الرجل، أو اليد، فيشكل على المسلم حكم هذه الأشياء المنفصلة، أو الزائدة من حيث القطع، والتغسيل، والصلاة عليها، والدفن، وغيرها من الأحكام فرغبت أن أبحث في الأحكام الفقهية بالأجزاء المنفصلة، بشيء من التفصيل وذلك نظرا لعدم اطلاعي على بحث مستقل يجمع الأحكام الخاصة بها، ووسمته ب (الأحكام الفقهية المتعلقة بالأجزاء الزائدة، والمنفصلة، والمبتورة من جسم الإنسان).
أهمية الموضوع:
تبدو أهمية الموضوع من خلال النقاط الاتية:
أولا: حاجة الناس لبيان هذه الأحكام المتعلقة بأعضاء الإنسان المبتورة.
(1)
هذه الخطبة تسمى «خطبة الحاجة» والحديث له روايات فيها اختلاف يسير، أخرجه أبو داود في سننه برقم (2118) 2/ 238، والترمذي في سننه برقم (1105) 3/ 405، والنسائي في سننه برقم (1404) 3/ 104، وابن ماجه في سننه برقم (1892) 1/ 609، وأحمد في مسنده برقم (3720) 6/ 262، والدارمي في سننه برقم (2248) 3/ 1413، والحاكم في المستدرك برقم (2744) 2/ 199، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (5802) 3/ 304. وصححه ابن الملقن في البدر المنير 7/ 530. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (1105) 3/ 105، وله رسالة خاصة بها، أورد طرقها، وصححها.
ثانيا: ارتباط الموضوع بالحياة العملية، كالحلق للنسك، أو تطبيقا لخصال الفطرة، أو حوادث السيارات، والآلات الناتج عنها البتر، والقطع وغيرها.
ثالثا: ربط العلم الشرعي بالنوازل المعاصرة المرتبطة بالموضوع.
رابعا: أن مسائل هذا الموضوع متفرقة في بطون كتب الفقه، فجمعها في بحث مستقل مما يساعد على تقريب العلم، وجمع ما تفرق منه.
الدراسات السابقة:
من خلال بحثي واستقرائي لا يوجد بحث مستقل جامع للمسائل التي تطرقت إليها في هذا البحث، وما وجدت في بعض البحوث والرسائل قد يكون تطرق لمسألة، أو أكثر، ولكن لم يحط بمسائل هذا الموضوع، ومن الكتب التي اطلعت عليها ما يلي:
1 -
رسالة علمية لنيل درجة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بعنوان (أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها) للباحث: محمد بن محمد المختار الشنقيطي.
2 -
رسالة علمية لنيل درجة الماجستير بعنوان (الانتفاع بأجزاء الآدمي في الفقه الإسلامي) للباحث: عصمت الله عناية الله محمد، جامعة أم القرى عام 1407 هـ.
3 -
بحث (جراحة التجميل المعاصرة في ضوء الشريعة والقوانين الوضعية) للباحث: أحمد بن سليمان الريش الاستاذ المشارك بكلية الملك فهد الأمنية بالرياض 1424 هـ.
وهذه البحوث مليئة بالمادة العلمية المتعلقة بالموضوع، ولكنها لم تستوعب جميع المباحث التي تطرقت إليها فأضفت إليها مالم يوجد بها، أو زدت فيها دليلا، أو تعليلا، أو نقولات لأهل العلم، فرغبت جمع مسائل الموضوع من أكثر من جانب والكمال لله، والنقص والزلل من طبيعة البشر.
حدود البحث: سيكون البحث في الأشياء المنفصلة غير السائلة، كالشعر، والظفر، والأصابع الزائدة، والأعضاء المبتورة ونحوها، فلا يشمل ما يخرج من
الإنسان مما يسيل من السبيلين كالبول، والغائط، والمني، والمذي، أو من غير السبيلين، كالدم، والقيء، واللبن، والمخاط وغيرها، ولم أتعرض في هذا البحث لمسألة التبرع بالأعضاء سواء كان ذلك في حال الحياة، أم بعد الموت لكثرة الرسائل العلمية، والقرارات الصادرة من المجامع الفقهية حول هذا الموضوع، فاكتفيت بالإحالة إليها
(1)
، وخوفا من الإطالة في صفحات البحث.
منهج البحث:
ولقد سرت في بحثي على المنهج النظري الاستقرائي التحليلي، عبر المصادر المتنوعة، مراعيا التدرج، والترابط، والشمولية في طرح المعلومات.
إجراءات البحث:
1 -
قمت بالتعريف اللغوي، والاصطلاحي لمفردات البحث.
2 -
جمعت المسائل المتعلقة بفقه الأجزاء المنفصلة، موردا الخلاف مع الأدلة، والترجيح.
3 -
إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق بين الفقهاء، فإني أذكر حكمها بدليله، مع توثيق ذلك.
4 -
إذا كانت المسألة من مواضع الاختلاف فأتبع ما يأتي:
أ- أذكر الأقوال في المسألة مع نسبة كل قول إلى قائله.
ب- أوثق القول من المصادر الأصيلة لكل مذهب.
ت- أراعي عند عرض الأقوال في المسألة الترتيب الزمني للمذاهب، وأتُبع
(1)
منها ما يلي: (1) بحث بعنوان (الضوابط الشرعية للتبرع بالأعضاء) المؤلف: عبدالحق بن أحمد خميس.
(2)
كتاب بعنوان (قضايا فقهية في نقل الأعضاء البشرية). المؤلف: عارف علي عارف القره داغي.
(3)
رسالة بعنوان (بيع الأعضاء البشرية لزرعها للمحتاجين إليها من منظور علماء الإسلام) المؤلف: فاطمة طبطبائي.
(4)
رسالة بعنوان (رسالة أحكام نقل الأعضاء في الفقه الإسلامي) المؤلف: الدكتور يوسف الأحمد.
(5)
بحث بعنوان (الجراحة التجميلية) المؤلف: الدكتور حسان شمسي باشا.
(6)
رسالة بعنوان (أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها) المؤلف: محمد بن محمد المختار الشنقيطي.
(7)
بحث بعنوان (حكم التبرع بالأعضاء في ضوء القواعد الشرعية والمعطيات الطبية) المؤلف: محمد نعيم عبدالسلام.
(8)
بحوث في مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الرابع، وقد ذكر بكر أبو زيد في المجلة أكثر من أربعين بحثا تتعلق بالموضوع.
كلّ قول بأدلته، مع بيان وجه الاستدلال من الدليل، وما ورد على الدليل من مناقشة إن وجد، ومارُدّ به على تلك المناقشة، متى كانت الحاجة داعية إلى شيء من ذلك.
ث - بعد الانتهاء مما سبق يصار إلى الترجيح بين الأقوال في المسألة.
5 -
كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع بيان اسم السورة، ورقم الآية في الحاشية.
6 -
خرجت الأحاديث النبوية، وما كان في الصحيحين، أو أحدهما اكتفيت به، وما كان في غيرهما فأخرجه، وأبين حكم العلماء عليه من حيث الصحة، والضعف.
7 -
خرجت الآثار الواردة مع بيان الحكم عليها.
7 -
شرحت الألفاظ الغريبة، التي تحتاج إلى بيان.
8 -
وضعت فهرسا للمصادر والمراجع، وفهرسا للموضوعات.
7 -
لم أترجم للأعلام الوارد ذكرهم حتى لا أثقل الحواشي.
خطة البحث:
وتشتمل على مقدمة، وتمهيد، وثمانية مطالب على النحو التالي:
المقدمة وفيها منهج البحث وخطته.
التمهيد وفيه بيان تكريم الإنسان في الشريعة الإسلامية.
المطلب الأول: تعريف الأجزاء، والانفصال، والبتر.
المطلب الثاني: وضوء الأقطع.
المطلب الثالث: حكم الأجزاء المنفصلة، من حيث الطهارة والنجاسة.
المطلب الرابع: حكم الأجزاء المنفصلة، من حيث الدفن، أو الرمي.
المطلب الخامس: مألات الأجزاء المنفصلة من الجسم، من حيث الصلاة عليها، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: أن يكون صاحب العضو المقطوع حيا.
المسألة الثانية: أن يكون صاحب العضو المقطوع ميتا.
المطلب السادس: حكم زراعة الأعضاء بعد قطعها في جسم صاحبها وفيه مسألتان.
المسألة الأولى: زرع العضو بعد قطعه في حد أو قصاص.
المسألة الثانية: زرع العضو بعد قطعه في غير الحد أو القصاص.
المطلب السابع: قطع الزوائد من جسم الإنسان، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قطع وإزالة الزوائد من باب الضرورة.
المسألة الثانية: قطع وإزالة الزوائد من باب التجميل.
المطلب الثامن: حكم بيع أجزاء الإنسان.
الخاتمة: وفيها ذكر أهم النتائج، والتوصيات.
الفهارس: وتشمل:
1/ فهرس المصادر والمراجع.
2/ فهرس الموضوعات.
ملخص البحث
1/ أن أجزاء وأعضاء الإنسان المنفصلة عموما طاهرة على القول الراجح.
2/ يجب دفن الأجزاء المنفصلة التي فيها حياة كاليد والاصبع.
3/ الأفضل دفن الأجزاء المنفصلة التي لاحياة فيها كالشعر وذلك من باب التكريم
4/ يجوز على القول الراجح زراعة العضو المقطوع في غير حد، أو قصاص.
5/ يجوز بتر، وقطع الأعضاء الزائدة من باب الضرورة، والحاجة.
6/ لا يجوز بتر وقطع الأعضاء الزائدة من باب التحسين، والتجميل.
7/ لا يجوز بيع أعضاء الانسان على القول الراجح وذلك حفاظا على كرامة الانسان.
التمهيد: تكريم الإنسان في الشريعة الاسلامية.
جاءت النصوص الكثيرة في تشريف الله لبني آدم وتفضيله على كثير من خلقه، فقال سبحانه:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}
(1)
، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»
(2)
، فهذا الحديث يدل على آداب وشمائل لحسن التعامل بين المسلمين، وبيان حرمة دم المسلم وماله وعرضه، ولذا كان من مقاصد الشريعة الإسلامية أن جاءت لحماية الضرورات الخمس (الدين، والنفس، والعِرض، والمال، والعقل)
(3)
، كما راعى الإسلام حرمة المسلم حياً، وميتاً فجاءت النصوص بتحريم كسر عظم الميت، والنهي عن إيذائه، والنهي عن وطء قبره، وغيرها من النصوص الدالة على تكريمه.
فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ، كَكَسْرِهِ حَيًّا»
(4)
.
(1)
الإسراء: 70.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله
برقم (2564) 4/ 1986.
(3)
ينظر: المحصول 5/ 160، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي 1/ 125.
(4)
أخرجه أحمد في المسند برقم (24686) 41/ 218، وأبو داود في سننه برقم (3207) 5/ 116، وابن ماجه في سننه برقم (1616) 2/ 541، وغيرهم وصححه النووي في الخلاصة برقم (3694) 2/ 1035، وابن الملقن في البدر المنير 6/ 769، والألباني في الإرواء برقم (763) 3/ 213.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ»
(1)
، وإن مما يزيد تشريف بني آدم عموما تسخير الله له ما في السموات، وما في الأرض، وإسباغ النعم عليه كما في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ}
(2)
.
المطلب الأول: تعريف الأجزاء، والانفصال، والبتر.
الأجزاء لغة: جمع جُزْءٍ، والجزء بعض الشيء، وهو مذكر، ويقال: أجْزأتُ منه جزءًا، أي: أخذتُ منه جزْءًا وعزلته
(3)
.
الانفصال لغة: الانقطاع، يقال: فصل الشيء فانفصل، أي قطعه فانقطع، وهو ضد الاتصال
(4)
.
والبتر لغة: بتر الشّيء يبتره بترا، إذا قطعه وكل قطع بتر، ومنه سيف باتر، أي قاطع، يقال: بتر الذنب، أو العضو إذا قطعه واستأصله، كما يطلق على قطع الشيء دون تمام
(5)
.
وقد استعمل اصطلاحا بهذين المعنيين عند الفقهاء، وقد يطلق على كلٍ قطع.
أنواع البتر: قد يكون بتر جزء من الإنسان، أو إزالة شيء من بشرته عن طريق العمد، وله صور متعددة هي
(6)
:
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه برقم (971) 2/ 667.
(2)
لقمان: 20.
(3)
ينظر: العين 6/ 163، والمطلع على ألفاظ المقنع (ص: 186)، ومعجم اللغة العربية المعاصر 1/ 227.
(4)
ينظر: تاج العروس 30/ 170، ومعجم لغة الفقهاء 1/ 93.
(5)
ينظر: جمهرة اللغة 1/ 253، والمحكم والمحيط الأعظم 9/ 483، والمصباح المنير 1/ 35.
(6)
الموسوعة الفقهية الكويتية 8/ 10.
الأولى: أن يكون بجناية.
الثانية: أن يكون بحق، كقطع اليد قصاصا، أو حدًا.
الثالثة: أن يكون وسيلة من وسائل العلاج كقطع اليد المصابة بالآكلة، أو التسمم، أو التعفن.
الرابعة: أن يكون سببا للطهارة، والنظافة، كالختان
(1)
، وخصال الفطرة
(2)
.
وقد يكون الانفصال، والبتر بلا تعمد، وله أسباب كثيرة منها:
الأول: ما يكون بسبب إصابات كحوادث السيارات، وآثار الحرائق، وأخطار الآلات، وهجوم الحيوانات المفترسة، وغيرها.
الثاني: ما يكون بسبب الحمل والولادة كمن تلد سقطا
(3)
، وما يتبع الولادة كالْمَشِيمَة
(4)
.
الثالث: ما يسقط عادة كالسن، والظفر، والشعر
(5)
.
(1)
الختن: القطع، والختان: وهو إزالة الجلدة التي تغطي حشفة الذكر حتى تبرز، وفي حق المرأة: قطع بعض جلدة عالية مشرفة على الفرج، ويكون زمن الصغر؛ لأنه أسرع برأً، ولينشأ الصغير على أكمل الأحوال، ينظر: المطلع على أبواب المقنع ص 29، ومعجم لغة الفقهاءص 193، ومعجم المصطلحات والألفاظ الفقهية 2/ 16، والملخص الفقهي 1/ 37.
(2)
وهي ثابتة في الصحيحين، وغيرهما من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(الْفِطْرَةُ خَمْسٌ - أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ- الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب قص الشارب برقم (5889) 7/ 160، ومسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم (257) 1/ 221.
(3)
السقط: بكسر السين، وفتحها، وضمها، هو: المولود قبل تمامه، أو الذي يسقط من بطن أمه ميتا بعد ظهور خلقه. ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع ص: 149، ومعجم لغة الفقهاءص 193، ومعجم المصطلحات والألفاظ الفقهية 2/ 276.
(4)
المشيمة هي: جلد رقيق مثل الكيس، أو الغشاء يكون فيه المولود في بطن أمه. ينظر: جمهرة اللغة 1/ 611، المصباح المنير 1/ 329، وتاج العروس 32/ 484، والمعجم الوسيط 1/ 504.
(5)
قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع 12/ 403: (الشعر في الجسم له ثلاث حالات: مأمور به، ومنهي عنه، ومسكوت عنه.
فالمأمور به: العانة، والإبط، والشارب، وهذه تزال ولا إشكال.
والمنهي عنه: اللحية بالنسبة للرجال، والنمص بالنسبة للرجال والنساء.
والمسكوت عنه: اختلف العلماء رحمهم الله، هل يجوز، أو يكره، أو يحرم؟ والذي أراه أنه لا بأس به؛ لأنه مسكوت عنه، لكن الأولى ألا يزال إلا إذا كان مشوها؛ لأن الله لم يخلق هذا إلا لحكمة، فلا تظن أن شيئا خلقه الله إلا لحكمة، لكن قد لا تعلمها).
المطلب الثاني: وضوء الأقطع.
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة
(1)
على أن صاحب العضو المقطوع يجب عليه غسل ما بقي من عضوه، فمثلا وضوء من قُطِعَت يده من مفصل الكف (الرسغ)
(2)
فيجب عليه غسل باقي الفرض من يده، ومن قطعت أصابع رجله فيجب عليه غسل الباقي.
قال في الدر المختار
(3)
: [قال في البحر: ولو قُطِعَت يده، أو رجله فلم يبق من المرفق، والكعب شيء سقط الغَسل، ولو بقي وجب].
وقال في مواهب الجليل
(4)
: [إذا قُطِعَ بعض محل الفرض، وجب غسل ما بقي منه بلا خلاف].
وقال في السراج الوهاج
(5)
: [وكذا غسل الصحيح من باقي العضو العليل، يجب على المذهب].
وقال في الإنصاف
(6)
: [إن بقي من محل الفرض شيء، فيجب غسله بلا نزاع].
واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}
(7)
، وقوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
(8)
.
(1)
ينظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين 1/ 102، والشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي 1/ 87، ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 1/ 175، والإنصاف 1/ 164، والموسوعة الفقهية الكويتية 43/ 342.
(2)
الرسغ هو: مفصل الكف عن الذراع. ينظر: تهذيب اللغة 2/ 62، والقاموس المحيط 1/ 731، ولسان العرب 8/ 168.
(3)
الدر المختار وحاشية ابن عابدين 1/ 102.
(4)
مواهب الجليل 1/ 191.
(5)
السراج الوهاج ص: 26.
(6)
الإنصاف 1/ 164.
(7)
التغابن: 16.
(8)
البقرة: 286.
وجه الدلالة: أنه يجب غسل الباقي من العضو؛ لأن ذلك مما يستطيعه الإنسان وبدون كلفة، ولا مشقة.
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم «
…
وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
(1)
.
وجه الدلالة: أن المأمورات مبناها على القدرة والاستطاعة، فمن قدر على فعل بعض المأمور به، وعجز عن باقيه، وجب عليه فعله، ولا يجوز ترك الكلّ بدعوى عدم القدرة على البعض، بل يجب على المكلّف فعل ما يقدر عليه؛ لأنّ القدرة على الفعل شرط من شروط التّكليف، فالأمر الّذي يستطيع المكلّف فعله وهو قادر عليه، لا يسقط بما عجز عنه، أو شقّ عليه فعله
(2)
.
الدليل الثالث: الإجماع وهو من أقوى الأدلة
(3)
، وقد نقل عدم الخلاف الحطاب، والمرداوي
(4)
كما سبق كلامهم في أول المطلب.
الدليل الرابع: القاعدة الفقهية [الميسور لا يسقط بالمعسور]
(5)
.
ومعنى هذه القاعدة: [أن الأمر الذي يستطيع المكلف فعله، وهو يسير عليه، لا يسقط بما شق فعله عليه، أو عَسُر]
(6)
.
كما أن الشافعية، والحنابلة
(7)
يرون استحباب غسل باقي العضو، ولو كان مقطوعا من فوق المفروض، فمن قُطِعَت يده مع المرفق فيستحب له غسل
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم (7288) 9/ 94.
(2)
موسوعة القواعد الفقهية 8/ 954.
(3)
وهو: اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين، والإِجماع حجة، يجب المصير إليه، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمَّةُ على الخطأ. ينظر: العدة في أصول الفقه 4/ 1058، والدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع 3/ 205، وروضة الناظر وجنة المناظر 1/ 376.
(4)
ينظر: مواهب الجليل 1/ 191، والإنصاف 1/ 164.
(5)
ينظر: الأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي 1/ 155،. الأشباه والنظائر، للسيوطي 1/ 159.
(6)
ينظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/ 7، والوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية 1/ 396.
(7)
ينظر: أسنى المطالب 1/ 32، وعمدة السالك 1/ 13، والمبدع 1/ 108، والإنصاف 1/ 164.
العضد، ومن قُطِعَت رجله مع الكعب فيستحب له غسل الساق، ولهم تعليلات منها:
أولا: حتى لا يترك العضو بلا طهارة.
قال في شرح منتهى الإرادات
(1)
: [وعلم منه أن الأقطع من فوق مفصل مرفق، وكعب لا غسل عليه، لكن يستحب له مسح محل القطع بالماء، لئلا يخلو العضو عن طهارة].
وقال في مغني المحتاج
(2)
: [
…
أو قطع من فوقه - أي المرفق - ندب غسل باقي عضده؛ لئلا يخلو العضو عن طهارة].
ثانيا: من أجل تطويل التحجيل
(3)
.
ثالثا: قياسا على إمرار الموسى على الرأس في الإحرام فيمن عدم الشعر، كمن كان أصلع.
قال في الإنصاف
(4)
: [لو عدم الشعر استحب له إمرار الموسى قاله الأصحاب].
وقال في الوسيط
(5)
: [فإن لم يكن على رأسه شعر، فيستحب إمرار الموسى على الرأس، ولا يجب].
كما اتفقوا على أن من خُلِق له في محل الفرض عضو زائد، كالأصبع الزائدة في القدم، أو اليد فإنه يجب غسلها مع الأصلية، لأنها تابعة لها فتأخذ أحكامها
(6)
.
والقاعدة الفقهية تقول: [التابع تابع].
(1)
شرح منتهى الإرادات 1/ 58.
(2)
مغني المحتاج 1/ 175.
(3)
ينظر: أسنى المطالب 1/ 40، ومغني المحتاج 1/ 191، والمبدع 1/ 108.
(4)
الإنصاف 4/ 39.
(5)
الوسيط 2/ 664.
(6)
ينظر: مواهب الجليل 1/ 194، وروضة الطالبين 1/ 52، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام 1/ 355، والموسوعة الفقهية الكويتية 30/ 147، والفقه الإسلامي وأدلته 1/ 370، وموسوعة أحكام الطهارة 10/ 497.
ومعناها: [إن ما كان تابعاً لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم، بل يدخل في الحكم مع متبوعه].
والمراد بالتابع هنا: ما لا يوجد مستقلا بنفسه، بل وجوده تابع لوجود غيره، فهذا لا ينفك حكمه عن حكم متبوعه
(1)
.
وفي هذا المطلب يتبين يسر الشريعة، وسماحة الدين، وأن أحكامه مبنية على رفع الحرج عن المكلف، وأن المسلم يعمل ما يقدر عليه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وأن مع العسر يسرا.
المطلب الثالث: حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الطهارة، والنجاسة.
هذه المسألة مبنية على الخلاف في ميتة الآدمي من حيث الطهارة والنجاسة، لذا اختلف الفقهاء في الأجزاء المنفصلة من حيث ذاتها (طهارة، ونجاسة) على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الأجزاء المنفصلة من جسم الإنسان طاهرة مطلقا، وبه قال عامة الفقهاء، وهو المعتمد عند المالكية، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، وقول عطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة، والبخاري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن رجب، وابن حجر، والشوكاني
(2)
وغيرهم.
قال في منح الجليل
(3)
: [فالمنفصل من آدمي حي، أو ميت طاهر على المعتمد].
وقال في مغني المحتاج
(4)
: [فالمنفصل من الآدمي، أو السمك، أو الجراد طاهر].
(1)
الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية ص: 331.
(2)
ينظر: حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير 1/ 54، ومنح الجليل شرح مختصر خليل 1/ 51، والمجموع 1/ 232، والمغني 1/ 59، وأيضا 8/ 325 والكافي 1/ 50، وصحيح البخاري 1/ 264، ومجموع الفتاوى 22/ 201، والفتاوى الكبرى 1/ 272، وفتح الباري لابن رجب 1/ 343، وفتح الباري لابن حجر 1/ 274، ونيل الأوطار 1/ 79، وقد نقل ابن هبيرة في الافصاح 1/ 61:(اتفاق الفقهاء على أن صوف الميتة وشعرها طاهر).
قلت: فطهارة شعر الإنسان من باب أولى.
(3)
منح الجليل شرح مختصر خليل 1/ 51.
(4)
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 1/ 235.
وقال المرداوي
(1)
: [وإن سقطت سنه، فأعادها بحرارتها، فثبتت، فهي طاهرة، هذا المذهب، وعليه الجمهور، وقطع به أكثرهم
…
].
وقال في الروض المربع
(2)
: [وما سقط منه - أي من آدمي - من عضو، أو سن فهو طاهر]. واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
(3)
.
وجه الدلالة: أن القول بالطهارة هو الموافق للآية وللنصوص الواردة بتكريمه
(4)
.
الدليل الثاني: حديث أنس رضي الله عنه قال: «لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ» ، فَقَالَ:«احْلِقْ فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ» ، فَقَالَ:«اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ»
(5)
.
وجه الدلالة: أنه لو لم يكن طاهرا لما قسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين الصحابة رضي الله عنهم.
ونوقش: بأنه من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم.
وأجيب: بأن الأصل مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته في الأحكام، إلا ما دل الدليل على اختصاصه، ولا دليل هنا فيبقى الحكم على العموم.
الدليل الثالث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «
…
إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»
(6)
.
(1)
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 3/ 295.
(2)
الروض المربع 1/ 79.
(3)
الإسراء: 70.
(4)
ينظر: رسالة أحكام الشعر في الفقه الإسلامي للباحث عبدالله السماعيل ص 146.
(5)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق والابتداء في الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق، برقم (1305) 2/ 947، وفي صحيح البخاري جزء منه، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به، برقم (171) 1/ 45.
(6)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، برقم (285) 1/ 65، ومسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب الدليل على أن الماء لاينجس، برقم (371) 1/ 282.
الدليل الرابع: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا، أَوْ مَيِّتًا»
(1)
.
وجه الدلالة: أن المؤمن طاهر حيا، وميتا سواء المتصل به، أو المنفصل عنه، وذلك لعموم الأحاديث.
الدليل الخامس: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حيث إنه رد حدقة عين قتادة بن النعمان رضي الله عنه لما أصيب في يوم أحد، وأعادها إلى موضعها
(2)
.
وجه الدلالة: أن المنفصل من الجسم طاهر، فلو كان نجسا لما ردّ النبي صلى الله عليه وسلم حدقة عين قتادة بن النعمان رضي الله عنه.
الدليل السادس: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ
(3)
- قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ
(4)
، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا»
(5)
.
وجه الدلالة: أنه لو كان نجسا لما نفع به التغسيل، وأيضا التغسيل هو من باب التكريم والنظافة.
الدليل السابع: أن القول بنجاسة ما انفصل من جسم الإنسان فيه حرج، ومشقة، ويصعب على الناس التحرز منه؛ لكثرة ما يسقط منه، وعموم البلوى به،
(1)
أخرجه الحاكم في المستدرك برقم (1422) 1/ 542، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأخرجه الدارقطني في سننه برقم (1811) 2/ 430، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (1463) 1/ 457، وصحح إسناده الألباني كما في السلسلة 13/ 667.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (32364) 6/ 400، والهيثمي في المقصد الأعلى في زوائد أبي يعلى الموصلي برقم (1277) 3/ 156.
(3)
وقصته: أي ألقته ودقت عنقه، ينظر: طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية (ص: 14)، والمعجم الوسيط 2/ 1049.
(4)
التخمير: التغطية. ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال 9/ 67، وشرح النووي على مسلم 13/ 182.
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، برقم (1265) 2/ 75، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، برقم (1206) 2/ 865.
والشريعة الإسلامية جاءت برفع الحرج، والمشقة، والعنت، قال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
(1)
، وقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}
(2)
القول الثاني: أن المنفصل من جسم الإنسان نجس مطلقا، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية
(3)
، وقول في المذهب المالكي
(4)
، والمعتمد عند الشافعية
(5)
، ورواية عن أحمد
(6)
.
قال الشافعي في الأم
(7)
: [وإذا كسر للمرأة عظم فطار فلا يجوز أن ترقعه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيا، وكذلك إن سقطت سِنَّة صارت ميتة فلا يجوز له أن يعيدها بعد ما بانت].
وقال النووي في المجموع
(8)
: [وأما إذا انفصل جزء من جسده كيده، وظفره فقطع العراقيون، أو جمهورهم بنجاسته
…
].
وقال في الإنصاف
(9)
: (وأما شعر الآدمي المنفصل، فالصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، طهارته، قطع به كثير منهم، وعنه نجاسته، غير شعر النبي صلى الله عليه وسلم. ويستدلون بما يلي:
الدليل الأول: الآية الكريمة {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}
(10)
.
(1)
الحج: 78.
(2)
البقرة: 185.
(3)
ينظر: المبسوط 26/ 98، وتحفة الفقهاء 1/ 52، وبدائع الصنائع 7/ 315.
(4)
ينظر: التاج والإكليل 1/ 141، ومواهب الجليل 1/ 99، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1/ 53.
(5)
ينظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي 1/ 424، والمجموع 1/ 232، وروضة الطالبين 1/ 15.
(6)
ينظر: المغني 8/ 325، والشرح الكبير 9/ 431. وشرح الزركشي 1/ 162، والمبدع 1/ 55، الإنصاف 1/ 93.
(7)
ينظر: الأم 1/ 71.
(8)
ينظر: المجموع 1/ 232.
(9)
الإنصاف 1/ 183. قلت: فإذا كان في المذهب رواية بنجاسة الشعر، وهو ليس فيه حياة، فنجاسة ما فيه دم وحياة من باب أولى.
(10)
الأنعام: 145.
وجه الاستدلال: أن الآية عامة تشمل ميتة الآدمي، وغيره، فيكون نجسا بانفصاله.
ويناقش: بأن المراد به ما خرج من الحيوانات، وهن أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح
(1)
.
وأيضا المراد بها الحيوان، ولا يقاس الإنسان على الحيوان في الأحكام.
الدليل الثاني: حديث أبي واقد رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:«مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتٌ»
(2)
.
وجه الدلالة: أن ما قطع من الإنسان وهو حي فإنه نجس؛ لأن ميتة الإنسان نجسة بدليل تغسيله بعد موته، وإن ورد على سبب خاص، فالصحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما في آيات اللعان، والظهار، فقد نزلت لسبب خاص وبقي عمومها لسائر الأمة
(3)
.
ويجاب عنه بما يلي: بأن الإنسان لا يطلق عليه بهيمة، وهذا الحديث مقيد بلفظه، وسببه بالبهيمة، فلا يتجاوزها إلى غيرها، كما أن المراد بذلك هي ميتة الحيوان، بدليل إيراد الفقهاء هذا الحديث في باب الصيد، والذكاة، والطهارة
(4)
، ويؤيده المناسبة التي ورد بها هذا الحديث حيث قال أبو واقد رضي الله عنه: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ، وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتَ الْغَنَمِ فَيَأْكُلُونَهَا، وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ
(1)
ينظر: تفسير البغوي 2/ 166، واللباب في علوم الكتاب 8/ 485.
(2)
أخرجه أحمد في المسند برقم (21903) 36/ 233، وأبو داود في سننه برقم (2858) 4/ 479، والترمذي في جامعه برقم (1480) 4/ 74، وابن خزيمة في صحيحه رقم (333) 2/ 1377، والدار قطني في سننه برقم (4792) 5/ 527، وابن الجارود في المنتقى برقم (876) 1/ 221، والحاكم في المستدرك برقم (7150) 4/ 137، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (77) 1/ 35.
(3)
الجوهر النقي 9/ 245.
(4)
ينظر للحنفية: المعتصر من المختصر من مشكل الآثار 1/ 266، وللمالكية: بداية المجتهد 1/ 85، وللشافعية: نهاية المطلب 1/ 33، وللحنابلة: المغني 9/ 402.
فَهُوَ مَيِّتٌ»
(1)
، وأما تغسيله بعد موته فيراد به النظافة، والكمال، وليس التطهير من النجاسة.
وقد رد ابن العربي على من قال بأنها ميتة، وأنها نجسة فقال:[وهذا غلط بين، وقد جهل من خفي عليه أن ردّها وعودها لصورتها موجب عَودَها لحكمها؛ لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها، وإخباره عنها]
(2)
.
وقد أثبت الطب الحديث أيضا أن بعض الأعضاء تبقى الحياة فيها لمدة معلومة حتى بعد موت صاحبها
(3)
، فبهذا يحكم على هذه الأعضاء بعدم النجاسة لأن الحياة باقية فيها.
القول الثالث: بالتفريق بين ما انفصل عن جسم الإنسان
(4)
، إن كان فيه حياة، ودم، مثل اليد، والأنف، والأذن، فيقولون بنجاسته، ومالم يكن فيه حياة، ولادم، مثل الشعر، والظفر فيحكمون بطهارته، وهو القول المعتمد عند الحنفية، وقول عند الشافعية، ورواية في مذهب أحمد
(5)
.
(1)
سبق تخريجه في الدليل الثاني من أدلة هذا القول.
(2)
أحكام القرآن 2/ 134، فقه النوازل 2/ 27.
(3)
أعضاء الإنسان بعد نزعها من الجسم تختلف في مدة بقائها صالحة لزرعها في الجسم الآخر وتسمى في لغة الأطباء (فترة نقص التروية) وبعد ذلك تكون تالفة تلفا لا رجعة فيه، من ذلك أن الكلى تبقى (45) دقيقة، والكبد (8) دقائق، والبنكرياس (20) دقيقة، والعظم والقرنية (24) ساعة، وبمكن حفظها لتبقى صالحة مدة أطول عن طريقين إما التبريد، أو التجميد مع مراعاة أمور طيبة أخرى لمنع فساد الخلايا. ينظر: المسائل الطبية المستجدة في ضوء الشريعة الإسلامية ص 392.
(4)
وابن حزم يفرق بين المسلم والكافر، فما انفصل من جسم المؤمن فهو طاهر، وما انفصل من الكافر فهو نجس. ينظر: المحلى 1/ 137.
(5)
ينظر للحنفية: تحفة الفقهاء 1/ 52، وبدائع الصنائع 1/ 63، والجوهرة النيرة 1/ 16، وللشافعية: البيان في مذهب الإمام الشافعي 1/ 424، والمجموع 1/ 232، وللحنابلة: شرح الزركشي 1/ 162، والمبدع 1/ 55 والإنصاف 1/ 93.
قال في بدائع الصنائع
(1)
: [وأما الذي له دم سائل فلا خلاف في الأجزاء التي فيها دم من اللحم، والشحم، والجلد ونحوها أنها نجسة؛ لاحتباس الدم النجس فيها، وهو الدم المسفوح].
قال في الدر المختار
(2)
: [ما أبين من الحي إن كان جزءا فيه دم كاليد والأذن والأنف ونحوها فهو نجس بالإجماع
(3)
، وإلا كالشعر والظفر فطاهر عندنا].
وقال في المغني: [لأنه شعر، متصله طاهر، فمنفصله طاهر، كشعر الحيوانات كلها، وكذلك نقول في أعضاء الآدمي، ولئن سلمنا نجاستها، فإنها تنجس من سائر الحيوانات بفصلها في حياته، بخلاف الشعر]
(4)
.
سر الفرق في الحكم: أن الحياة في الصوف، والشعر حياة نمو، مثل حياة الأشجار والنخيل، وليست حياة روح، حيث إنها لا تتألم من قصها، وقطعها، بخلاف العظم واللحم، فإنها حياة روح، بدليل التألم عند كسرها، أو قطعها.
والدليل على أن الصوف، والشعر طاهر عند الانفصال قوله تعالى:{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}
(5)
حيث جاءت على سبيل الامتنان، والامتنان لا يكون بشيء نجس، والآية شاملة لحالة الحياة، والموت.
(6)
كما دل الدليل على أن العظم، واللحم نجس عند القطع والانفصال قال تعالى:{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}
(7)
دل على أن
(1)
بدائع الصنائع 1/ 63.
(2)
الدر المختار وحاشية ابن عابدين 1/ 207.
(3)
والمراد به إجماع فقهاء المذهب.
(4)
المغني 1/ 60.
(5)
النحل: 80.
(6)
انظر: المبدع 1/ 77، كشاف القناع 1/ 57.
(7)
يس: 78.
فيها روحا، وحياة في حال الحياة فنجست بالموت.
واستدلوا بأدلة القول الأول على الطهارة، وقيدوه بما لا روح فيه، ولا حياة، ولا إحساس.
واستدلوا بأدلة القول الثاني على النجاسة، وقيدوه بما فيه حياة، وروح.
الترجيح: الراجح هو القول الأول قول الجمهور، وهو الطهارة العامة لما انفصل من جسم الإنسان، سواء كان المنفصل فيه حياة، أم لا؛ وذلك لما يلي:
قوة الأدلة التي استدلوا بها.
موافقته للنصوص العامة في تكريم الإنسان.
موافقته للسماحة واليسر، ورفع الحرج عن المكلف.
ولما ورد على أدلة الأقوال الأخرى من مناقشة
(1)
.
المطلب الرابع: حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الدفن، أو الرمي.
أجزاء بدن الإنسان تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ماله حُرمة، وفيه حياة ودم، والأصل عدم إزالته كاليد، والرِجل، فهذا يجب دفنه إكراما لبدن الإنسان، قال البهوتي
(2)
: [وإن وجد بعض ميت تحقيقًا غير شعر، وظفر، وسن، غُسِّل وكُفِّن، وصُليَّ عليه، ودُفِن وجوبا، ثم إن وجد الباقي صُلي عليه ودُفن بجنبه].
وسيأتي في المطلب الخامس نقولات الفقهاء على حرمة هذه الأجزاء، وكرامتها، وهل يصلى عليها أم لا؟
القسم الثاني: ما لا توجد فيه حياة، ولا دم كالشعر، والظفر، وقد نُقِل عن فقهاء المذاهب الأربعة استحباب دفن ما انفصل من الجسم وأنه هو الأفضل، مع بقاء حكم الجواز لرميه بدون دفن
(3)
.
(1)
ينظر: رسالة الانتفاع بأجزاء الآدمي في الفقه الإسلامي ص 53 وما بعدها للباحث محمد عصمت الله، وموسوعة أحكام الطهارة للباحث دبيان الدبيان 3/ 270، ورسالة أحكام الشعر في الفقه الإسلامي ص 146. للباحث عبدالله السماعيل، ومجلة الفقه الاسلامي المجلد الرابع ص 93.
(2)
كشاف القناع 2/ 124.
(3)
ينظر: البحر الرائق 2/ 372، وتفسير القرطبي 2/ 102، وأسنى المطالب 1/ 492، والمجموع 1/ 289، والمغني 1/ 66، والوقوف والترجل لمسائل الإمام أحمد بن حنبل 1/ 140، وكشاف القناع 2/ 96، وفتح الباري 10/ 346، وموسوعة أحكام الطهارة 3/ 269، والموسوعة الفقهية الكويتية 5/ 171، ومجموع فتاوى ابن باز 9/ 436، ومجموع الفتاوى والرسائل لابن عثيمين 11/ 132.
قال ابن نجيم
(1)
: [ويستحبّ دفن شعره
…
وإن رُمِىَ الشعر فلا بأس به، وكره إلقاؤه في الكنيف
(2)
والمغتسل؛ لأن ذلك يورث داء].
وقال القرطبي
(3)
: [فإن جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط، وزال عنه، فحفظه من الحرمة قائم، فيحق عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات دفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه، كي لا يتفرق ولا يقع في النار، أو في مزابل قذرة، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن دمه حيث احتجم، كي لا تبحث عنه الكلاب].
وقال النووي
(4)
: [والدفن لا يختص بعضو من عُلِم موته، بل كل ما ينفصل من الحي من عضو، وشعر، وظفر وغيرهما من الأجزاء يستحب دفنه، وكذلك توارى العلقة، والمضغة تلقيهما المرأة، وكذا يوارى دم الفصد، والحجامة].
قال ابن قدامة
(5)
: [ويستحب دفن ما قلم من أظفاره، أو أزال من شعره].
وقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره، وأظفاره أيدفنه أو يلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه
(6)
، واستدلوا بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: عموم قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا}
(7)
كفاتا: أي ضامة تضم الأحياء على ظهورها، والأموات في بطنها
(8)
.
(1)
البحر الرائق 2/ 372.
(2)
الكنف: مواضع قضاء الحاجة. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 1/ 390.
(3)
تفسير القرطبي 2/ 102
(4)
المجموع 1/ 254.
(5)
المغني 1/ 66.
(6)
الوقوف والترجل في مسائل الإمام أحمد 1/ 140، والمغني 1/ 66، والشرح الكبير 1/ 105، والإنصاف 1/ 28.
(7)
المرسلات: 26، 25.
(8)
ينظر: تفسير ابن كثير 8/ 304، وتفسير البغوي 5/ 197.
وجه الدلالة: أن الآية تدل على مواراة الميت ودفنه، ودفن شعره، وسائر ما يزيله عنه
(1)
، وقال الخلال: أنبأنا المروزي قال: قرئ على أبي عبد الله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا}
(2)
قال: يكفتون فيها الأحياء، الدم، والشعر، والأظفار
(3)
.
الدليل الثاني: الأحاديث والآثار الواردة ومنها:
الأول: عن عبد الجبار بن عباس، عن رجل، من بني هاشم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أَمَرَ بِدَفْنِ الشَّعْرِ، وَالظُّفُرِ، وَالدَّمِ»
(4)
.
الثاني: عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:«كَانَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ الشَّعْرِ، وَالْأَظْفَارِ»
(5)
.
الثالث: عن ميل بنت مشرح الأشعري قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبِي «قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، ثُمَّ دَفَنَهَا» وَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ»
(6)
.
الرابع: عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادْفِنُوا الْأَظْفَارَ وَالشَّعْرَ وَالدَّمَ فَإِنْهَا مَيْتَةٌ»
(7)
.
وهذه الأحاديث، والآثار ضعيفة، وتم توضيح ذلك في الحاشية، وبيان كلام أهل العلم حولها _ وهي ولو كانت ضعيفة_ فقد ترتقي بمجموع طرقها إلى درجة الحسن، كما أن مضمونها موافق لما دلت عليه نصوص كثيرة من حرمة الآدمي، وكرامته، ولأن الأصل هو الدفن لتكريم الإِنسان بتكريم أجزائه.
(1)
تفسير القرطبي 19/ 161.
(2)
المرسلات: 26، 25.
(3)
الوقوف والترجل في مسائل الإمام أحمد 1/ 141.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (25661) 5/ 241.
(5)
أخرجه الطبراني في الكبير برقم (73) 22/ 32، البيهقي في شعب الإيمان برقم (6069) 8/ 444، وقال: هذا إسناد ضعيف وروي من أوجه، كلها ضعيفة، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (2357) 5/ 380.
(6)
أخرجه البخاري في التأريخ الكبير 8/ 45، والطبراني في الكبير برقم (762) 20/ 322، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (6068) 8/ 443، وقال ابن حجر في الإصابة 6/ 97: وفي سنده محمد بن سليمان بن مسمول، وهو ضعيف جدا، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (2357) 5/ 382. وقال: فيه علل أخرى.
(7)
أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير 2/ 279، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (76) 1/ 35، وقال:(هذا إسناد ضعيف، قد روي في دفن الظفر والشعر أحاديث أسانيدها ضعاف).
الدليل الثالث: أنه بدفنها يمتنع استخدامها فيما يضر كما يفعل المشتغلون بالسحر، كما سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مُشْطٍ، وَمُشَاطَةٍ
(1)
.
الدليل الرابع: أن الإسلام دين النظافة والنزاهة، وقد أمر بإماطة الأذى، ولاريب أن في دفن الشعر، والظفر كمال النظافة، كما أن فيه مراعاة لمشاعر الآخرين، وهذا ما يدعو إليه الإسلام.
المطلب الخامس: مآلات الأجزاء المنفصلة من الجسم من حيث الصلاة عليها، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: أن يكون صاحب العضو المقطوع حيا:
العضو المبتور، والمنفصل، وصاحبه على قيد الحياة لا يغسل، ولا يصلى عليه، وهذا موضع اتفاق بين فقهاء المذاهب، خاصة إذا كان أقل من النصف، أو عضوا واحدا كرِجْل، أو يد
(2)
، وبهذا صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية
(3)
.
قال في مراقي الفلاح
(4)
: [وإذا وجد أكثر البدن، أو نصفه مع الرأس غُسِّل وصُلِيَّ عليه وإلا لا].
وقال الحطاب
(5)
: [وأما الجسد المقطّع فإنه إذا اجتمع كله، أو جُله غُسِّل وصُلِيَّ عليه].
فيفهم من قول صاحب المراقي، ومن كلام الحطاب أيضا أنه لا يغسل، ولا يصلى على ما كان عضوا منفصلا.
(1)
المشط: الآلة المعروفة التي يسرح بها شعر الرأس، واللحية وهذا هو المشهور، والمشاطة: الشعر الذي يسقط من الرأس، أو اللحية عند تسريحه. ينظر: شرح النووي على مسلم 14/ 177، وفتح الباري لابن حجر 10/ 229.
(2)
ينظر للحنفية: مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ص: 216، والدر المختار 2/ 199، وللمالكية: جواهر الدرر 2/ 556، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل 2/ 522، للشافعية: المجموع 5/ 254، ونقل النووي في المجموع عن المتولي الاتفاق على أنه لا يغسل ولا يصلى عليه) وللحنابلة: كشاف القناع 2/ 124.
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة (8/ 448).
(4)
مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ص: 216.
(5)
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل 2/ 212.
وقال النووي
(1)
: [
…
لا خلاف أن اليد المقطوعة في السرقة، والقصاص لا تُغسَّل، ولا يُصَلى عليها، ولكن تلف في خرقة وتُدفن، وكذا الأظفار المقلومة، والشعر المأخوذ من الأحياء لا يصلى على شئ منها، لكن يستحب دفنها].
قال المرداوي
(2)
: [ما بان من حي كيدٍ، وساقٍ انفصل في وقت، لو وجدت فيه الجملة لم يغسل، ولم يُصل عليها، على الصحيح من المذهب].
المسألة الثانية: أن يكون صاحب الجزء المقطوع ميتا.
ولهذه المسألة حالتان:
الحالة الأولى: أن يوجد أعضاء، وأجزاء من ميت منفصلة عنه كيدٍ، أو رجلٍ، أو غيرهما، فإن وجدت منفصلة، ووجد باقي الجسد، فإنها تغسل وتوضع في كفنه، ويصلى على الجسد، وما انفصل منه مرة واحدة، ونقل ابن قدامة الاتفاق على ذلك فقال:[وإن سقط من الميت شيء غُسِّل، وجعل معه في أكفانه، وجملته أنه إذا بان من الميت شيء، وهو موجود، غُسِّل، وجعل معه في أكفانه، قاله ابن سيرين، ولا نعلم فيه خلافا]
(3)
.
الحالة الثانية: أن يوجد العضو المقطوع دون باقي الجسد.
إذا وجد الجزء منفصلا فقد اختلف أهل العلم رحمهم الله في الصلاة على هذا العضو على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الصلاة عليه غير مشروعة، وإنما يصلى على الجزء الأكبر من الميت، حتى لو وجد نصفه تامًا لا يصلى عليه، بل لا بد من كونه أكثر الميت وهو قول الحنفية
(4)
.
(1)
ينظر: المجموع 5/ 254.
(2)
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 2/ 538.
(3)
المغني 2/ 401.
(4)
ينظر: بدائع الصنائع 1/ 311، وفتح القدير 2/ 112.
قال الكاساني
(1)
: [ولا يصلى على بعض الإنسان حتى يوجد الأكثر منه عندنا; لأنا لو صلينا على هذا البعض يلزمنا الصلاة على الباقي إذا وجدناه فيؤدي إلى التكرار].
وقال ابن الهمام
(2)
: [وإذا وجد أطراف ميت، أو بعض بدنه لم يغسل، ولم يصل عليه بل يدفن؛ إلا إن وجد أكثر من النصف من بدنه فيغسل، ويصلى عليه، أو وجد النصف ومعه الرأس فحينئذ يصلى عليه، ولو كان مشقوقا نصفين طولا فوجد أحد الشقين لم يغسل، ولم يصل عليه]، واستدلوا، وعللوا بما يلي:
الدليل الأول: أن الثابت من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة على الأموات بأجسادهم كاملة، ولم يرد أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على بعض البدن، فالأصل الوقوف على النص
(3)
.
الدليل الثاني: أن ما كان أقل من النصف فإنه يلحق بالشعر، والظفر.
ويناقش: أن الظفر، والشعر لا حياة فيهما، فلا يقاس عليهما غيرهما ما فيه حياة.
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أنه لا يصلى عليه إلا إذا وجد ثلثاه فأكثر، أو نصفه فأكثر، ودون الثلثين لكن مع الرأس فإنه يصلى عليه
(4)
.
قال الدردير
(5)
: [ولا يغسل دون الجُل يعني دون ثلثي الجسد، والمراد بالجسد ما عدا الرأس، فإذا وجد نصف الجسد، أو أكثر منه، ودون الثلثين مع الرأس لم يغسل على المعتمد، أي يكره، لأن شرط الغسل وجود الميت، فإن وجد بعضه فالحكم للغالب ولا حكم لليسير].
(1)
ينظر: بدائع الصنائع 1/ 311.
(2)
ينظر: فتح القدير 2/ 112.
(3)
ينظر: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف 5/ 411.
(4)
ينظر: خلاصة الجواهر الزكية 1/ 28، والشرح الكبير 1/ 426، وشرح مختصر خليل للخرشي 2/ 141.
(5)
ينظر: الشرح الكبير 1/ 426.
ولهم في ذلك تعليلات منها:
التعليل الأول: أن ما كان أقل من النصف فإنه يلحق بالشعر، والظفر.
ويناقش: أن الظفر، والشعر لا حياة فيهما فهما في حكم المنفصل حال الحياة، فلا يقاس عليهما غيرهما مما فيه الحياة والروح.
التعليل الثاني: أنه إذا صُلي على جزء منه كاليد مثلا، سيؤدي إلى الصلاة على الغائب وهي لا تجوز في المذهب (عند المالكية).
ويناقش: بأن الراجح ليس هو القول بعدم الصلاة على الغائب مطلقا
(1)
، كما أنه يستلزم على قولكم ألا يُصلى على الميت مطلقا، حتى لو وجد مقطوعا نصفين.
القول الثالث: أن الصلاة على العضو المبتور قليلا، أو كثيرا، مشروعة، وهو قول الشافعية، والحنابلة، وعليه الفتوى في اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية، وهو اختيار ابن عثيمين
(2)
.
قال النووي
(3)
: [واتفقت نصوص الشافعي رحمه الله، والأصحاب على أنه إذا وجد بعض من تيقنا موته غُسِّل، وصُلِّي عليه].
(1)
الصلاة على الغائب فيها ثلاثة مذاهب وهي كالتالي:
القول الأول: ذهب الشافعية، والحنابلة في القول المعتمد عندهم إلى أن صلاة الغائب مشروعة وجائزة في حق المسلم الذي يموت في بلد آخر، فتستقبل القبلة، ويصلى عليه كما يصلى على الميت الحاضر، وهذا قول ابن حزم الظاهري، ينظر للشافعية: البيان في مذهب الإمام الشافعي 3/ 75، والمجموع 5/ 273، وللحنابلة: الكافي 1/ 367، والمغني 2/ 382، والمحلى 3/ 263.
القول الثاني: ذهب الحنفية، والمالكية إلى أن صلاة الغائب غير مشروعة، وهو رواية عن أحمد، واختلف المالكية هل هي مكروهة، أو محرمة على قولين في مذهبهم. ينظر للحنفية: التجريد 3/ 1109، والمعتصر من المختصر 1/ 108، وللمالكية: بداية المجتهد 1/ 256، والتاج والإكليل 3/ 55، وللحنابلة: الكافي 1/ 367، والمغني 2/ 382.
القول الثالث: صلاة الغائب مشروعة في حق المسلم إذا مات في بلد لم يصل عليه فيه، وإن صلي عليه حيث مات فلا يصلى عليه صلاة الغائب. واختار هذا القول الإمام الخطابي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. ينظر: معالم السنن 3/ 311، والمستدرك على مجموع الفتاوى 3/ 144، وزاد المعاد 1/ 501، وصلاة الغائب ص: 33، 32.
(2)
ينظر: المجموع 5/ 253، المغني 2/ 402. فتاوى اللجنة الدائمة 8/ 434، فتاوى أركان الإسلام 1/ 406.
(3)
المجموع 5/ 253.
وقال ابن قدامة
(1)
: [فإن لم يوجد إلا بعض الميت، فالمذهب أنه يُغسّل، ويُصَلى عليه].
وقال البهوتي
(2)
: (وإن وجد بعض ميت تحقيقًا غير شعر، وظفر، وسن، غُسِّل وكُفِّن، وصُلّي عليه، ودُفِن وجوبا، ثم إن وجد الباقي صُلي عليه، ودُفن بجنبه]. واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الصلاة على ما انفصل من الجسم سواء كان قليلا، أو كثيرا، وقد نقل الإجماع الماوردي من الشافعية فقال
(3)
: [وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى على عِظام بالشام، وليس لمن ذكرنا مخالف، فثبت أنه إجماع].
كما نقل الإجماع ابن قدامة من الحنابلة فقال: [ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم، .... ثم ذكر قصة يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، أنه صلى عليها أهل مكة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم نعرف من الصحابة مخالفا في ذلك].
(4)
الدليل الثاني: الآثار عن الصحابة فقد صلى أبو أيوب رضي الله عنه على رِجْلٍ
(5)
، وصلى عمر رضي الله عنه على عظام بالشام
(6)
، وصلى أبو عبيدة رضي الله عنه على رؤوس بالشام
(7)
.
ويناقش: بأن الآثار الواردة ضعيفة، فقد ضعفها ابن المنذر، والألباني
(8)
.
(1)
المغني 2/ 401.
(2)
كشاف القناع 2/ 124.
(3)
ينظر: الحاوي الكبير 3/ 32.
(4)
ينظر: المغني 2/ 402.
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (11902) 3/ 38.
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (11903) 3/ 38، وابن المنذر في الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف برقم (3100) 5/ 410، ولفظه:(عن عامر، أن عمر، صلى على عظام بالشام).
(7)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (11900) 3/ 38، وابن المنذر في الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف برقم (3100) 5/ 410، ولفظه: (عن خالد بن معدان، قال:«لما كان يوم اليرموك، أو بعض المواطن، كان رجل من المشركين مما يحمل على ناحية من المسلمين إلا أوجع فيها، يحمل عليه رجل من المسلمين فقتله، وأخذ خرجا كان معه، فنظر فإذا فيه رءوس من رءوس المسلمين، فأوتي بها أبو عبيدة، فأمر بها أبو عبيدة فغسلت وكفنت وحنطت، وصلى عليها» وينظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبدالله 1/ 141.
(8)
قال ابن المنذر: ولا يثبت عن عمر، وأبي عبيدة ما روي عنهما. ينظر: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف 5/ 411، وقال الألباني في الإرواء برقم (715) 3/ 169:(موقوفات ضعيفة).
الدليل الثالث: بأن حرمة البعض كحرمة الكل، لا سيما إن كان ذلك البعض محل الحياة، فإذا ذهب بعضه لم تذهب حرمة ما بقي، ويجب أن يفعل فيما بقي من بدنه من الغسل، والصلاة، والدفن سنة الموتى
(1)
.
قال القرطبي
(2)
: [جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط منه، وزال عنه، فحفظه من الحرمة قائم، فيحق عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات دفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه، كي لا يتفرق، ولا يقع في النار، أو في مزابل قذرة].
والراجح - والله أعلم - يكون على التفصيل التالي:
1 -
إن كان العضو المبتور لميت قد صلي عليه، فإنه يغسّل، ويكفّن، ويدفن، ولا يصلى عليه مرة أخرى، إذ الصلاة عليه كله تجزئ عن الصلاة على بعضه.
2 -
إن كان العضو المقطوع لميت لم يصل عليه لفقده، أو تمزقه تمزقا لا يمكن جمعه، فإن العضو يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن
(3)
.
3 -
إن كان العضو المنفصل لميت لم يصل عليه، وكان بقية جسده موجودا، وضع مع بقية جسده، ليصلى على أجزائه جميعا صلاة واحدة.
4 -
إن كان العضو لحي، فإنه يكفن ثم يدفن، ولا يصلى عليه، لأنه يترتب على الصلاة على العضو المنفصل، الصلاة عليه مرتين.
وفي هذا المبحث يتضح حرمة المؤمن، وكرامته عند الله، وبيان شمولية أحكام الدين، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، كما أنه يجب على الإنسان المحافظة العامة على نفسه عموما، وأعضائه على وجه الخصوص، وهو من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها وصيانتها.
(1)
ينظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي 3/ 76، وبداية المجتهد 1/ 256، والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف 5/ 410.
(2)
تفسير القرطبي 2/ 102.
(3)
قال ابن قدامة في المغني 2/ 401: (فصل: فإن لم يوجد إلا بعض الميت، فالمذهب أنه يغسل، ويصلى عليه، وهو قول الشافعي، ونقل ابن منصور عن أحمد، أنه لا يصلى على الجوارح. قال الخلال: ولعله قول قديم لأبي عبد الله، والذي استقر عليه قول أبي عبد الله أنه يصلى على الأعضاء).
المطلب السادس: حكم زراعة الأعضاء بعد قطعها في جسم صاحبها، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: زرع العضو المقطوع في غير الحدّ، أو القصاص.
المسألة الثانية: زرع العضو المقطوع في حدٍّ، أو قصاصٍ.
قد يتعرض الإنسان لقطع في أحد أعضائه مثل اليد، أو الأصبع، أو الرجل، أو الأذن، أو غيرها، بسبب حادث من حوادث السير، أو سقوط من مكان عال، أو بسبب الآلات الحديثة في المصانع، أو قد يكون القطع بسبب حد من الحدود كالسرقة، أو الحرابة، أو لأي سبب جرم كان، وقد توصل الطب الحديث- بفضل الله- إلى القدرة على إعادة العضو بعد استئصاله وبتره، وذلك بخياطة الأعصاب، والأوتار، وتوصيل الأوعية الدموية، بشرط عدم وجود الفاصل الزمني الطويل، وعدم التلوث، وعدم التمزق بصورة تمنع من إعادته
(1)
، لذا فرق العلماء بين ما قطع في حد، أو قصاص فتعلق به حق خاص، وبين ما انفصل بسبب حادث من حوادث الزمان، ولا يتعلق به حق لأحد، وهذا ما سنتطرق إليه في هذه المطلب على النحو التالي:
المسألة الأولى: زرع العضو المقطوع في غير الحدّ، أو القصاص.
اختلف الفقهاء في هذا العضو المبتور من حيث زراعته وإعادته لمكانه، وسبب الاختلاف هو طهارة العضو، أو نجاسته بعد انفصاله، فمن قال بطهارته أجاز إعادته وزرعه في جسم صاحبه، ومن قال بنجاسته منع من ذلك، ومنهم من فرق بين أجزاء الإنسان فبعضها تتعلق به حياة وإحساس، وبه دم، كاليد، والرجل، والبعض الآخر من أجزاء الإنسان لا تتعلق به الحياة كالسن، فكان الخلاف على أقوال ثلاثة وهي كما يلي:
(1)
ينظر: رسالة الاحكام الفقهية المتعلقة بإعادة الاعضاء المبتورة بالجراحات المجهرية ص 478، وقرار مجمع الفقهي الاسلامي في دورته الرابعة في عام 1408 هـ، أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها للدكتور: محمد بن محمد المختار السنقيطي 1/ 411.
القول الأول: بالجواز مطلقا وهو قول المالكية، وقول في مذهب الشافعية، والحنابلة، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي
(1)
، وسبق في المطلب الثالث
(2)
في بيان القول الأول في مسألة حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الطهارة، والنجاسة ذكر نقولات فقهاء المذاهب، مع بيان أدلتهم، ووجه الدلالة منها، كما استدلوا أيضا _ زيادة على ما سبق ذكره_ على جواز إعادة العضو بما يلي:
الدليل الأول: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حيث إنه رد حدقة عين قتادة بن النعمان رضي الله عنه لما أصيب في يوم بدر، وأعادها إلى موضعها
(3)
.
وجه الدلالة: أن أعضاء الإنسان باقية على طهارتها حتى بعد انفصالها، وإلا لو كانت نجسة لما ردها النبي صلى الله عليه وسلم.
ويناقش: بأن هذا من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم فلا يشاركه فيها غيره.
ويجاب عنه: بأن دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، ولا دليل هنا، فيبقى الحكم على عمومه.
الدليل الثاني: حديث عائشة «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ وَهُوَ يَبْكِي»
(4)
.
الدليل الثالث: ما أخرجه البخاري عن ابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم أن أبا بكر رضي الله عنه «قَبَّلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَوْتِهِ»
(5)
.
(1)
ينظر: حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير 1/ 54، ومنح الجليل شرح مختصر خليل 1/ 51، والمجموع 1/ 232، والمغني 1/ 59، والكافي 1/ 50، وصحيح البخاري 1/ 264، ومجموع الفتاوى 22/ 201، والفتاوى الكبرى 1/ 272، وفتح الباري لابن رجب 1/ 343، وفتح الباري لابن حجر 1/ 274، ونيل الأوطار 1/ 79، وينظر رسالة الأحكام الفقهية المتعلقة بإعادة الأعضاء المبتورة بالجراحات المجهرية ص 478، وقرار مجمع الفقهي الإسلامي في دورته الرابعة في عام 1408 هـ.
(2)
ينظر المطلب الثالث (ص 12).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (32364) 6/ 400، والهيثمي في المقصد الأعلى في زوائد أبي يعلى الموصلي برقم (1277) 3/ 156.
(4)
أخرجه أحمد في المسند برقم (25712) 42/ 469، والترمذي في جامعه برقم (989) 3/ 305 وقال: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك برقم (1334) 1/ 514. وضعفه الألباني في تحقيق المشكاة برقم (1623) 1/ 509.
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، برقم (4455) 6/ 14.
وجه الدلالة من الحديثين: أن تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون رضي الله عنه بعد موته، وتقبيل أبي بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم دليل على طهارة الميت.
الدليل الرابع: أننا تُعبدنا بغسل الميت، والنجس لا يُتعبد بغسله لأن غَسله يزيده نجاسة
(1)
.
القول الثاني: بعدم جواز زراعة العضو المقطوع مطلقا، لأنه صار نجسا، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية
(2)
، وقول في المذهب المالكي
(3)
، والمعتمد عند الشافعية
(4)
، ورواية عن أحمد
(5)
لأن الذين يقولون بنجاسة الشعر عند انفصاله، من باب أولى القول بنجاسة غيره من الأعضاء
(6)
، وسبق في المطلب الثالث في بيان القول الثاني من مسألة حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الطهارة والنجاسة ذكر نقولات فقهاء المذاهب، مع بيان أدلتهم، ووجه الدلالة منها، فلتراجع
(7)
القول الثالث: بالتفريق بين ما فيه حياة ودم كاليد، والرجل وغيرهما، فلا يجوز إعادته، وبين ما ليس فيه حياة، كالسن فيجوز، وهو المعتمد عند الحنفية
(8)
، وقول عند الشافعية، ورواية في مذهب أحمد
(9)
، وسبق في المطلب الثالث
(10)
في بيان القول الثالث من مسألة حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الطهارة، والنجاسة ذكر نقولات فقهاء المذاهب، مع بيان أدلتهم، ووجه الدلالة منها، ومناقشتها.
(1)
شرح القسطلاني (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) 7/ 202.
(2)
المبسوط 26/ 98، وتحفة الفقهاء 1/ 52، وبدائع الصنائع 7/ 315.
(3)
مواهب الجليل 1/ 99، والتاج والإكليل 1/ 141، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1/ 53.
(4)
البيان في مذهب الإمام الشافعي 1/ 424، والمجموع 1/ 232، وروضة الطالبين 1/ 15.
(5)
الإنصاف 1/ 93، وشرح الزركشي 1/ 162، والمبدع 1/ 55، والمغني 1/ 60.
(6)
ينظر المطلب الثالث (ص 13).
(7)
ينظر المطلب الثالث (ص 15).
(8)
ينظر: تحفة الفقهاء 1/ 52، وبدائع الصنائع 1/ 63، والبحر الرائق 1/ 112، والدر المختار وحاشية ابن عابدين 1/ 207.
(9)
ينظر للحنفية: تحفة الفقهاء 1/ 52، وبدائع الصنائع 1/ 63، والجوهرة النيرة 1/ 16، وللشافعية: البيان في مذهب الإمام الشافعي 1/ 424، والمجموع 1/ 232، وللحنابلة: شرح الزركشي 1/ 162، والمبدع 1/ 55، والإنصاف 1/ 93.
(10)
ينظر المطلب الثالث (ص 11).
الترجيح: الراجح _ والله تعالى أعلى وأعلم _ هو القول الأول، وهو القول بطهارة العضو المبتور، والمنفصل، فعليه يجوز إعادته وزراعته مرة أخرى، وذلك للأمور التالية:
1 -
لقوة أدلتهم.
2 -
موافقتها لمقاصد الشريعة من رفع الحرج، والتيسير على المكلفين.
3 -
أن فيه إعمالا لقواعد الفقه بارتكاب أخف الضررين.
4 -
لما ورد على أدلة الأقوال الأخرى من مناقشة
(1)
.
المسألة الثانية: زرع العضو المقطوع في حدٍّ، أو قصاصٍ.
لعل من المناسب قبل ذكر الخلاف في هذه المسألة ذكر المقاصد الشرعية التي ينبني عليها الحكم الشرعي، فقد ذكر الفقهاء قواعد فقهية، ومقاصد شرعية تتعلق بالحدود والقصاص لعل من أبرزها ما يلي:
أولا: المقصد الأساسي من الحدود والقصاص هو حفظ الضرورات الخمس (الدين، والعقل، والنفس، والعرض، والمال).
ثانيا: الردع، والزجر لنفس الجاني، ولمن تسول له نفسه بارتكاب الجريمة.
ثالثا: تطهير الجاني من الذنب.
رابعا: إرضاء المجني عليه، أو ورثته وإذهاب لغيظ قلوبهم.
خامسا: استتباب الأمن، والاستقرار في البلاد، وعيش المجتمع في راحة، وطمأنينة
(2)
.
(1)
ينظر في بحث هذه المسألة المراجع الآتية: الأحكام بالجراحات المجهرية الفقهية المتعلقة بإعادة الاعضاء المبتورة بالجراحات المجهرية للباحثة هدى باجبير، بحث في حكم الشريعة الإسلامية في وصل ما قطع من أعضاء الإنسان لعمر الأشقر، وبحث الدكتور: بكر أبو زيد في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ورسالة: أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها للدكتور: محمد بن محمد المختار الشنقيطي، والفقه الميسر لمجموعة من المؤلفين، ورسالة الانتفاع بأجزاء الآدمي في الفقه الإسلامي تأليف عصمت الله عناية الله.
(2)
ينظر: بحث تكميلي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بعنوان (أغراض العقوبة في الشريعة الإسلامية، والقانون الوضعي) عام 1406 هـ، إعداد راجي الصاعدي ص 87.
وبالنظر إلى الأدلة الشرعية، والمقاصد المرعية فقد اختلف أهل العلم في زرع العضو المقطوع، والذي كان سبب القطع فيه الحدٍّ، أو القصاصٍ على قولين:
القول الأوّل: الجواز وبه قال الشافعي، وابن رشد من المالكية، وهو قول في مذهب الحنابلة ورجحه ابن قدامة، واختاره وهبه الزحيلي
(1)
.
قال ابن رشد: [فإن اقتص بعد أن عادا لهيئتهما، فعادت أذن المقتص منه، أو عينه فذلك، وإن لم يعودا، وقد كانت عادت سن الأول، أو أذنه فلا شيء له، وإن عادت سن المستقاد منه، أو أذنه، ولم تكن عادت سن الأول ولا أذنه غرم العقل]
(2)
.
وقال في الأم في مسألة إعادة المجني عليه عضوه إلى محله: [وإن لم يثبته المجني عليه، أو أراد إثباته فلم يثبت، وأقص من الجاني عليه، فأثبته، فثبت، لم يكن على الجاني أكثر من أن يبان منه مرة، وإن سأل المجني عليه الوالي أن يقطعه من الجاني ثانية لم يقطعه الوالي للقود، لأنه قد أتى بالقود مرة
…
]
(3)
.
وقال ابن قدامة: [وإن قطع أذن إنسان، فاستوفي منه، فألصق الجاني أذنه، فالتصقت، وطلب المجني عليه إبانتها، لم يكن له ذلك،، والقصاص قد استوفي، فلم يبق له قبله حق
…
والحكم في السن، كالحكم في الأذن]
(4)
، واستدلوا لذلك بأدلة منها:
الدليل الأول: أن ذلك متفق مع رفع الحرج الذي جاءت به الشريعة. {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
(5)
وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ}
(6)
.
(1)
ينظر: الأم 6/ 56، والمغني 8/ 523، والبيان والتحصيل 16/ 67. زراعة عضو استؤصل في حد، مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 6 ج 3 ص 2161 - 2179، أحكام الجراحة الطبية 1/ 414، ورسالة الانتفاع بأجزاء الآدمي في الفقه الإسلامي ص 89.
(2)
البيان والتحصيل 16/ 67.
(3)
الأم 6/ 56.
(4)
المغني 8/ 523
(5)
الحج: 78.
(6)
المائدة: 6.
الدليل الثاني: أنه إذا جاز بتر العضو وإبانته من الجسم عند الحاجة، فلأن يجوز رده عند وجودها أولى.
الدليل الثالث: أنه بعد تنفيذ الحد، لا سلطان للحاكم على المحكوم، كما لا يحق له منعه من تركيب يدٍ صناعية، وهو من الأشياء التي سخر الله للإنسان الانتفاع بها وأذن له بذلك.
ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، لأن العضو المعاد ثبت بالشرع إبعاده عن الجسم، وإعادته كأن فيه استدراكا على الشرع.
الدليل الرابع: أن النص الشرعي جاء بالقطع فقط، فيبقى ما عداه (وهو زراعته) على أصل الإباحة.
ونوقش: أن النص جاء بالقطع، والحسم كما في حديث أبي هريرة، وسيأتي في أدلة القول الثاني، وبالقطع والتعليق كما في حديث فضالة، وسيأتي في أدلة القول الثاني، وكلاهما يعتبر مانعا من إعادة العضو.
الدليل الخامس: أن الشريعة جاءت بجلب المصالح، ودرء المفاسد، وفي القطع مفسدة للجسم، وفي الإعادة مصلحة ظاهرة.
ويناقش: أن المصلحة العامة وهي قمع الناس وزجرهم، مقدمة على المصلحة الخاصة
(1)
.
القول الثاني: بعدم الجواز، وهو قول في مذهب الشافعي
(2)
، وهو رأي بكر أبو زيد، ومحمد تقي العثماني، ومحمد بن عبد الرحمن آل الشيخ، وعبد الله سليمان بن منيع، وفضيلة الشيخ مولاي مصطفى العلوي رئيس رابطة علماء المغرب والسنغال
(3)
، وبه قال مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في
(1)
ينظر: الموافقات 3/ 57، والقواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة 1/ 235.
(2)
قال النووي في المجموع: (لو انقلعت سنه فردها موضعها قال أصحابنا العراقيون: لا يجوز لأنها نجسة وهذا بناء على طريقتهم أن عضو الآدمي المنفصل في حياته نجس، وهو المنصوص في الأم، ولكن المذهب طهارته، وهو الأصح عند الخراسانيين). ينظر: المجموع 3/ 139، وروضة الطالبين 9/ 197.
(3)
مجلة مجمع الفقه الإسلامي 6/ 1476.
دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17 - 23 شعبان 1410 هـ
(1)
، وبهذا القول صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية برقم (136) وتاريخ 17/ 6/ 1406 هـ. واستدلوا لذلك بأدلة منها:
(2)
.
(3)
وجه الدلالة: أن في إعادة العضو المقطوع بعد إقامة حد الله عليه، فيه رأفة ورحمة، وهي مخالفة لنص الآية، كما أن الجزاء لا يتم إلا بالقطع، والنكال لا يتم إلا برؤية اليد مقطوعة.
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ
(4)
، ثُمَّ ايْتُونِي بِهِ»
(5)
.
وجه الدلالة: أن في الأمر بالحسم دليل على المنع من إعادتها.
ويناقش: بأن الحسم شُرع رحمةً به، لئلا يسري الجرح بالدم فيموت.
الدليل الثالث: حديث فضالة رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ»
(6)
.
(1)
مجلة مجمع الفقه الإسلامي 6/ 1599.
(2)
النور: 2.
(3)
المائدة: 38.
(4)
قوله (احسموه) أي اكووه لينقطع الدم. ينظر: العين 3/ 153، وجمهرة اللغة 1/ 534، وتهذيب اللغة 4/ 199. أخرجه البزار في المسند برقم (8259) 15/ 46، والحاكم في المستدرك برقم (8150) 4/ 422، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والدارقطني في سننه برقم (3163) 4/ 97، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (17254) 8/ 471. وصححه ابن الملقن في البدر المنير 8/ 674، وضعفه الألباني في الإرواء موصولا، وصححه مرسلا 8/ 83.
(5)
أخرجه البزار في المسند برقم (8259) 15/ 46، والحاكم في المستدرك برقم (8150) 4/ 422، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والدارقطني في سننه برقم (3163) 4/ 97، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (17254) 8/ 471. وصححه ابن الملقن في البدر المنير 8/ 674، وضعفه الألباني في الإرواء موصولا، وصححه مرسلا 8/ 83.
(6)
أخرجه أحمد في المسند برقم (23946) 39/ 370، والترمذي في جامعه برقم (1447) 4/ 51، وقال: هذا حديث حسن غريب، وأبو داود في سننه برقم (4411) 6/ 463، والطبراني في الكبير برقم (769) 18/ 299، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (17270) 8/ 478. وصححه ابن الملقن في البدر المنير 8/ 675، وضعفه الألباني في الإرواء 8/ 84.
وجه الدلالة: أن تعليق يد السارق في عنقه حكم شرعي، يعتبر من تمام العقوبة والحد، والحدود شرعت من أجل الزجر، والردع، والنكال للجاني ولغيره، وإبقاء للمراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة، وقطع دابر الجريمة، وبهذا تتم مراعاة مقاصد الشريعة، وإعادتها توجب تفويت ذلك فلا يجوز فعلها.
ويناقش: أن من مقاصد العقوبة العبرة للغير، وكفى في قطع الطرف من الجاني نكالا ومثلية لما عمله، وقصاصاً لذلك، ولا دليل على العبرة المؤبدة، وما أكثر العبر التي مرت لحظة، ثم بقي خبرها عبر التأريخ
(1)
.
الدليل الرابع: أن العضو المقطوع صار نجساً بالانفصال، فلم تجز إعادته لئلا يؤدي إلى بطلان العبادة.
ويناقش: أن ما أبين من حي فهو كميتته، وميتة الآدمي طاهرة، فوجب أن يكون ذلك العضو الذي أبين طاهراً، وقد سبق معنا في المطلب الثالث أن القول الراجح هو طهارة الأعضاء المنفصلة من جسم الإنسان
(2)
.
قال ابن العربي رداً على قول من احتج بالنجاسة: [وهذا غلط، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها، لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفةً للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها]
(3)
.
الترجيح: الذي يترجح - والله أعلم - هو القول الثاني، وهو عدم جواز إعادة العضو الذي أبين في حد، أو قصاص
(4)
وذلك لما يأتي:
(1)
مجلة مجمع الفقه الإسلامي 6/ 1486.
(2)
المطلب الثالث ص 12.
(3)
أحكام القرآن 2/ 134.
(4)
فائدة: أفاد قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي بأنه يجوز إعادة العضو المقطوع بحد، أو قصاص في الحالات التالية:
أ - أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع من الجاني.
ب- أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة عضوه المقطوع منه.
ج- يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد، أو قصاص بسبب خطأ في الحكم، أو في التنفيذ.
أولاً: لصحة وقوة الأدلة النقلية والعقلية للقائلين بعدم الجواز.
ثانيا: ما ورد على أكثر أدلة القائلين بالجواز من مناقشة.
ثالثا: أن في إعادتها عدم العدل والإنصاف للمجني عليه، وهي من المعاني المقصودة للشارع.
رابعا: أن المقصود من مشروعية القصاص الزجر، والردع، لا الإيلام فقط، وإبقاء المراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة، والعظة، وقطع دابر الجريمة، وفي إعلان هذه العقوبات ببقائها يتحقق أثرها في الجاني وغيره ممّن شاهد الحد، أو عَلِم به
(1)
.
المطلب السابع: قطع الزوائد من جسم الإنسان وفيه مسألتان
(2)
.
المسألة الأولى: قطع وإزالة الزوائد من باب الضرورة، والحاجة.
المسألة الثانية: قطع وإزالة الزوائد من باب التجميل.
جاءت الشريعة بالأمر بالمحافظة على الإنسان وأعضائه، وبينت أن المراد بالتغيير المحرَّم ما كان باقياً على الجسم كالوشم
(3)
والتفليج
(4)
ونحوهما، أما ما لا يبقى كالكحل والحناء، والأشياء التي أمر المسلم بإزالتها، أو حلقها كخصال الفطرة، فإن النهي لا يتناولها، ولكن قد يولد الإنسان وفيه شيء من الزوائد سواء في اليد، أو القدم، أو الأسنان، ونحوها والمتأمل في هذه المسألة يجد أنه لابد من التفصيل فيها،
(1)
ينظر: الفقه الاسلامي وادلته 7/ 5184، والفقه الميسر 12/ 38. ينظر في بحث هذه المسألة المراجع الآتية: الأحكام بالجراحات المجهرية الفقهية المتعلقة بإعادة الأعضاء المبتورة للباحثة هدى باجبير، وإعادة وصل ما قطع من جسد الإنسان لعمر الأشقر، وبحث الدكتور: بكر أبو زيد في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ورسالة: أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها للدكتور: محمد بن محمد المختار الشنقيطي.
(2)
ينظر في بحث هذه المسألة: موقع الدرر السنية بإشراف علوي السقاف، وأحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد عثمان شبير.
(3)
أن يغرز العضو بإبرة حتى يسيل الدم، ثم يحشي موضع الغرز بالكحل، أو النورة، أو المداد فيخضر، أو يزرق. ينظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام 1/ 167، وتهذيب اللغة 11/ 297.
(4)
هو برد الأسنان بمبرد ونحوه لتحديدها وتحسينها، ويقال له الوشر وهو برد الثنايا والرباعيات لإحداث فرجة بينهم. ينظر: العين 6/ 127، غريب الحديث للقاسم بن سلام 3/ 239.
فقد تكون إزالة هذه الزوائد من باب الضرورة، وقد تكون إزالتها من باب التحسين، والتجميل، والتفصيل في هذه المسألة على ما يلي:
المسألة الأولى: قطع وإزالة الزوائد من باب الضرورة، والحاجة، ويحسن التفريق بين الضرورة والحاجة.
فالضرورة: هي الشدة، والعنت في أقصى غاياتها، بحيث يبلغ حدًا يخشى فيه على نفسه الهلاك، أو مقاربة الهلاك، بضياع مصالحه الضروريّة، والضرورة تُسْقِط الإثم، وتفرض الضمان إذ الاضطرار لا يُبطلُ حقّ الغير
(1)
.
أما الحاجة: مرتبة أقل من الضرورة، فلا يستباح بها ما يستباح بالضرورة، إلا أنها تنزّل منزلة الضرورة في حق الشخص الواحد إذا كانت عامّة، والحاجة لا تبرّر أخذ مال الغير، فلو أخذه أحد لكان آثماً، وضامناً
(2)
.
وعلى ذلك فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة
(3)
، أنه لا حرج في إزالة مثل هذه الزوائد التي قد تؤذي الإنسان، وقد تسبب في إعاقته عن أداء وظيفته، أو كمال قيامه بها، أو تسبب له الحرج في المجتمع، ولم أقف على رأي مخالف، وهو اختيار ابن جرير الطبري
(4)
، ومحمد بن إبراهيم، وابن باز، وابن عثيمين، ومحمد عثمان شبير، والشنقيطي
(5)
، وعليه الفتوى في اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية
(6)
.
(1)
أحكام القرآن للجصاص 1/ 159، وموسوعة القواعد الفقهية 1/ 61.
(2)
شفاء الغليل للغزالي ص 246؛ الأشباه والنظائر للسيوطي ص 88، وموسوعة القواعد الفقهية 1/ 61.
(3)
ينظر: لوامع الدرر 11/ 110، والجوهرة النيرة 2/ 132، ومجمع الأنهر 2/ 645، ومنح الجليل 7/ 494، والمغني 8/ 468، والمبدع 7/ 313.
(4)
نقله عنه الإمام القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن 5/ 393، وابن حجر في الفتح 10/ 377، ونقل عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي 8/ 55،
(5)
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم 3/ 165، ومجموع فتاوى ابن باز 9/ 420، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين 11/ 122، وأحكام الجراحة الطبية ص 305.
(6)
فتاوى اللجنة الدائمة 25/ 58.
قال في منح الجليل
(1)
[إلا أن يكون هذا الزائد يؤذيه ويؤلمه من إصبع، أو ضرس، فلا بأس بنزعه على كل حال].
وقال في المغني: (لأن هذه الزوائد لا جمال فيها، إنما هي شين في الخلقة، وعيب يُرَدُّ به المبيع وتنقص به القيمة]
(2)
، واستدلوا على الجواز بما يلي:
الدليل الأول: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُتَوَشِّمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ
(3)
، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ»
(4)
.
قال النووي رحمه الله
(5)
: [وأما قوله: (الْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ) فمعناه يفعلن ذلك طلبًا للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج، أو عيب في السن ونحوه فلا بأس].
وقال الشوكاني: [ظاهره أن التحريم المذكور، إنما هو إذا كان القصد التحسين، لا لداء، ولا علة فإنه ليس بمحرم]
(6)
.
الدليل الثاني: حديث عبد الرحمن بن طرفة رضي الله عنه أن جده عرفجة بن أسعد «أُصِيبَ أَنْفَهُ يَوْمَ الْكلَابِ
(7)
فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ»
(8)
.
(1)
منح الجليل 7/ 494، وينظر: لوامع الدرر 11/ 110.
(2)
المغني 8/ 468.
(3)
الوشم: تقريح الجلد وغرزه بالإبرة وحشوه بالنيل، أو الكحل، أو دخان الشحم وغيره من السواد، والنمص: نتف الشعر، والفلج: الفرجة بين الثنايا والرباعيات من الأسنان، تفعله العجوز تشبهًا بصغار البنات. ينظر: المغرب في ترتيب المعرب 1/ 473، والتعريفات الفقهية 1/ 255.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب المتفلجات للحسن، برقم (5931) 7/ 164، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة، والنامصة، والمتنمصة، والمتفلجات، والمغيرات خلق الله، برقم (2125) 3/ 1678.
(5)
شرح النووي على صحيح مسلم 14/ 107.
(6)
نيل الأوطار 6/ 229.
(7)
هو بالضم والتخفيف اسم ماء وهو: يوم الكلاب الأول، ويوم الكلاب الثاني كانا بين ملوك كندة، وبنى تميم. ينظر: الشرح الكبير على المقنع 7/ 44، ومجمع بحر الأنوار 4/ 427.
(8)
أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده برقم (1354) 2/ 586، وأحمد في المسند برقم (19006) 31/ 344، وقال محققه شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، وأخرجه الترمذي في جامعه وحسنه برقم (1770) 4/ 240، والنسائي في السنن الكبرى برقم (9400) 8/ 363، وابن حبان في صحيحه برقم (5462) 12/ 276، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (4221) 2/ 597، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي 4/ 270.
وجه الدلالة: أمر صلى الله عليه وسلم لعرفجة بن أسعد بإزالة العيب، وتركيب الأنف تجميلا، فدلَّ بمفهومه على جواز إزالة ما فيه تشويه، أو ضرر، جسديا، أو اجتماعيا.
الدليل الثالث: عموم الأحاديث التي تدل على التداوي والأمر بذلك ومنها:
الحديث الأول: حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عز وجل»
(1)
.
الحديث الثاني: حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ عز وجل أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»
(2)
.
الدليل الرابع: إعمال القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية مثل قاعدة:(الضرر يزال)
(3)
، والقواعد المندرجة تحتها مثل (الضرورات تبيح المحظورات)، وقاعدة:(الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة، أو خاصة)، والشريعة جاءت بجلب المصالح، ودرء المفاسد. واشترطوا للجواز شروطا منها
(4)
:
أولا: أن يغلب على الظن نجاح العملية، وأن يؤمن الخطر على الشخص المستأصل منه.
ثانيا: أن يكون ذلك بأدوية مباحة مشروعة.
ثالثا: أن يقصد بالجراحة التجميلية إزالة العيب؛ والتجميل جاء تبعًا.
رابعا: أن يكون في بقائها ضرر أكبر من إزالتها، كالمرض النفسي على صاحبها.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم (2204) 4/ 1729.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه برقم (3874) 6/ 23، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (19681) 10/ 9.
(3)
ينظر: الأشباه والنظائر للسبكي 1/ 45، والأشباه والنظائر لابن نجيم 1/ 78، والمنثور في القواعد الفقهية 2/ 317، والأشباه والنظائر للسيوطي 1/ 84.
(4)
ينظر للاستزادة: الجراحة التجميلية للدكتور حسان شمسي باشا ص 8، وما بعدها، وأحكام الجراحة الطبية للشنقيطي، والجراحة التجميلية دراسة فقهية د. صالح بن محمد الفوزان.
خامسا: أن يتعين على الإنسان إجراء العملية الجراحية، بحيث لا توجد وسيلة أخرى تقوم مقام تلك العملية في سد الحاجة، أو دفع الضرورة.
المسألة الثانية: قطع وإزالة الزوائد من باب التجميل والتحسين.
عرفت الجراحة التجميلية بأنها: [إجراء طبي جراحي يستهدف تحسين مظهر، أو وظيفة أعضاء الجسم الظاهرة]
(1)
والمراد منها تحسين المظهر، وتحقيق الصورة الأجمل، دون وجود دوافع ضرورية، أو حاجية تستلزم فعل الجراحة، كتفليج الأسنان، أو وشرها، أو النمص، أو إزالة آثار الشيخوخة.
ولقد خلق الله الإنسان فأحسن خلقه، وصوره فأحسن صورته، كما قال سبحانه:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}
(2)
(3)
.
لذا اختلف الفقهاء في إزالة الأعضاء الزائدة من باب التحسين، والتجميل على قولين:
القول الأول: بالمنع والتحريم، وهذا قول عامة الفقهاء من المذاهب، وهو اختيار ابن جرير الطبري، وابن حجر، والشوكاني، وابن عثيمين
(4)
.
قال الطبري ما ملخصه
(5)
: [لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة، أو نقص، لالتماس الحسن لا للزوج، ولا لغيره كمن تكون لها
(1)
ينظر: الجراحة التجميلية دراسة فقهية د. صالح بن محمد الفوزان ص 20.
(2)
التين: 4.
(3)
غافر: 64.
(4)
ينظر: لوامع الدرر 11/ 110، والجوهرة النيرة 2/ 132، ومجمع الأنهر 2/ 645، ومنح الجليل 7/ 494، والمغني 8/ 468، والمبدع 7/ 313، والإنصاف 1/ 125، والجامع لأحكام القرآن 5/ 393، وشرح النووي على صحيح مسلم 14/ 107، ونيل الأوطار 6/ 229، والشرح الممتع 8/ 313.
(5)
نقل عنه الإمام القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن 5/ 393، ونقل عنه ابن حجر في الفتح 10/ 377، ونقل عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي 8/ 55.
سن زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، ومن يكون شعرها قصيرا، أو حقيرا فتطوله، أو تغزره بشعر غيرها فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله
…
].
ونقل القرطبي عن عياض
(1)
: أن من خُلِق بإصبع زائدة، أو عضو زائد لا يجوز له قطعه، ولا نزعه؛ لأنه من تغيير خلق الله
(2)
.
قال النووي رحمه الله
(3)
: وأما قوله: [المتفلجات للحسن) فمعناه يفعلن ذلك طلبًا للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن
…
].
قال ابن حجر في الفتح
(4)
: [يفهم منه أن المذمومة من فعلت ذلك لأجل الحسن].
وقال الشوكاني
(5)
: [ظاهره أن التحريم المذكور إنما هو إذا كان القصد التحسين
…
].
وقال ابن عثيمين بعد أن ذكر جواز القطع إذا كان من باب إزالة العيب
(6)
: (
…
ولو كان من باب التجميل لكان حراما، ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم:(النامصة والمتنمصة)
(7)
اهـ. واستدلوا بما يلي:
(8)
(1)
المراد به: القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، له مصنفات منها: إكمال المعلم، والشفا، ومشارق الأنوار.
(2)
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) 5/ 393.
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم 14/ 107.
(4)
فتح الباري 10/ 372.
(5)
نيل الأوطار 6/ 229.
(6)
الشرح الممتع 8/ 313.
(7)
النَّامِصَةُ: هِيَ الَّتِي تنتف الشّعْر عَنْ وَجههَا أَوْ وَجه غَيرهَا، والمُتنمِّصة: الَّتِي تطلب أَنْ يفعل بهَا ذَلِك. ينظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار 2/ 13.
(8)
النساء: 119.
وجه الدلالة: أن إزالة الزوائد التي ليس فيها ضرر، أو تشويه على صاحبها من تغيير خلق الله، ومن فعل وتزيين الشيطان وهو محرم.
الدليل الثاني: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُتَوَشِّمَاتِ
(1)
، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ»
(2)
.
وجه الدلالة: أن الحديث رتب الطرد والإبعاد عن رحمة الله من غيرت خلق الله بإزالة الشعر وغيره، أو الوشر، أو التفليج، ونص في الحديث أن يقصد بذلك الحسن والجمال.
الدليل الثالث: أنه قد تؤدي الإزالة والاستئصال نزيفا في الدم فيؤدي للهلاك.
ويناقش: أن ذلك غير متوقع مع تطور الطب الحديث.
الدليل الرابع: أن فيها نوعا من الغش والتدليس، خاصة فيما يتعلق بأمور الزواج.
نقل ابن حجر في الفتح عن الإمام الخطابي قوله: [إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع، ولو رُخص في شيء منها، لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش، ولما فيها من تغيير الخلقة]
(3)
.
القول الثاني: بجواز قطع الزوائد من الجسم، قال به بعض فقهاء المذاهب
(4)
، بناء على أن الزائد لا منفعة فيه، ولا يساوى العضو الزائد بالأصلي، وقال به من المعاصرين محمد عثمان شبير
(5)
.
(1)
الوشم: تقريح الجلد وغرزه بالإبرة وحشوه بالنيل، أو الكحل، أو دخان الشحم وغيره من السواد، والنمص: نتف الشعر، والفلج: الفرجة بين الثنايا والرباعيات من الأسنان، تفعله العجوز تشبهًا بصغار البنات. ينظر: المغرب في ترتيب المعرب 1/ 473، والتعريفات الفقهية 1/ 255.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب المستوشمة، برقم (5948) 7/ 167، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة، والنامصة، والمتنمصة، والمتفلجات، والمغيرات خلق الله، برقم (2125) 3/ 1678.
برقم (2125) 3/ 1678.
(3)
فتح الباري 10/ 380.
(4)
لأنهم حكموا بمن قطعت له أصبع زائدة حكومة، فقالوا بأنها ليست لها أحكام الأصبع الأصلية. ينظر: بدائع الصنائع 7/ 323، والذخيرة 12/ 364، والأم 6/ 81، والمغني 8/ 464.
(5)
ينظر: أحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي ص 37.
قال في الجوهرة النيرة: (وفي الأصبع الزائدة حكومة عدل تشريفا للآدمي؛ لأنها جزء من يده، لكن لا منفعة فيها، ولا زينة]
(1)
.
وقال المرداوي
(2)
: [ولا تؤخذ أصلية بزائدة، ولا زائدة بأصلية، بلا نزاع].
وذلك لعدم التساوي في المكان والمنفعة؛ إذ الأصلي مخلوق في مكانه لمنفعة فيه، بخلاف الزائد
(3)
.
قال محمد عثمان شبير: [يلاحظ من النصوص السابقة أن الاعتداء على الزوائد لا يوجب دية على المعتدي، لأنه لم يذهب منفعة ولا جمالا، وإنما وجبت عليه الحكومة لقطعها من دون إذن صاحبها، ولو قطعها بإذنه، أو إذن وليه لا شيء عليه]
(4)
. واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول: أن بقاء هذه الزوائد فيه عيب وشين للخلقة، والله يأمر الإنسان بالجمال.
ويناقش: بأن الخلاف في الزوائد التي لا تأثير عليها في التشويه ولا إعاقة العمل، وما كان فيه شيء من ذلك فقد سبق في المسألة الأولى جواز القطع.
الدليل الثاني: أن الفقهاء قرروا في الأصبع الزائدة حكومة
(5)
ولم يعتبروا فيها القصاص.
وجه الدلالة: أنها لو كانت معتبرة لوجب فيها القصاص، ولما كانت زائدة قدرت فيها الحكومة.
ويناقش: بأن في اعتبار الحكومة لها إثباتا لحرمتها، ولو لم يكن لها حرمة لتم إسقاط حقها بالكلية. والراجح _ والله أعلم _ القول الأول بالمنع وذلك لما يلي:
أن بقاءها ليس فيه ضرر، لا جسدي، ولا معنوي، ولا إيلام، ولا تشويه.
(1)
الجوهرة النيرة 2/ 132.
(2)
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 25/ 258.
(3)
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي 11/ 216.
(4)
أحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي ص 37.
(5)
الحكومة في أرش الجراحات هي التي ليس فيها دية معلومة. ينظر: تهذيب اللغة 4/ 70، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 1/ 420.
أن جراحة التجميل من التغيير المنهي عنه.
أن جراحة التجميل قد تغير الحقائق والواقع، فتدخل بالتحريم من باب التزوير، والتدليس.
المطلب الثامن: حكم بيع أجزاء الإنسان
(1)
.
تحرير محل النزاع: أعضاء جسد الإنسان تختلف أهميتها باختلاف وظائفها، كما أن بعضها يترتب على استئصاله فقدان الحياة كالقلب، وبعض الأعضاء قد يعيش الإنسان بوجود عضو واحد منه كالكلية، فما يترتب عليه فقدان الحياة لا يجوز بيعه، ولا يجوز التبرع به، أما ما قد يعيش الإنسان بوجود عضو منه فإن الخلاف قائم بين العلماء، وسبب الخلاف يرجع للأسباب التالية:
أولا: عدم وجود النص الصحيح الصريح في حرمة بيع الأعضاء.
ثانيا: اختلاف الفتوى باختلاف الزمان، فكان في الزمن السابق لا توجد الأجهزة الطبية الحديثة والمتطورة بهذا الشكل الموجود، حيث أصبح في الوقت الراهن نسبة الخطر بالنسبة للمأخوذ منه العضو قليلة، أو قد لا توجد، ونسبة نجاح العملية في جانب المزروع فيه عالية جدا
(2)
.
القول الأول: بعدم الجواز وبه قال الأحناف، والشافعية
(3)
، وممن اختار هذا القول الشنقيطي، وعلي القره داغي، وابن عثيمين، والدكتور يوسف الأحمد
(4)
،
(1)
أعضاء الإنسان بعد نزعها من الجسم تختلف في مدة بقائها صالحة لزرعها في الجسم الآخر وتسمى في لغة الأطباء (فترة نقص التروية) وبعد ذلك تكون تالفة تلفا لا رجعة فيه، من ذلك أن الكلى تبقى (45) دقيقة، والكبد (8) دقائق، والبنكرياس (20) دقيقة، والعظم والقرنية (24) ساعة، وبمكن حفظها لتبقى صالحة مدة أطول عن طريقين إما التبريد، أو التجميد مع مراعاة أمور طيبة أخرى لمنع فساد الخلايا. ينظر: المسائل الطبية المستجدة في ضوء الشريعة الإسلامية ص 392.
(2)
قال ابن القيم في إعلام الموقعين 3/ 11: (فصل في تغيير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد).
(3)
ينظر للأحناف: الهداية شرح البداية 3/ 46، والمحيط البرهاني 6/ 349، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 5/ 142، وينظر للشافعية: المجموع 9/ 45، وروضة الطالبين 3/ 285، والغرر البهية 5/ 178.
(4)
له رسالة علمية بعنوان (رسالة أحكام نقل الاعضاء في الفقه الاسلامي).
وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي، وقرار المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، وقرار منظمة الصحة العالمية التابعة لهيئة الأمم المتحدة
(1)
.
قال في المبسوط
(2)
: [
…
ثم لأجزاء الآدمي من الحُكم ما لعينه، ألا ترى أن شعر الآدمي لا ينتفع به إكراما للآدمي، بخلاف سائر الحيوانات].
وقال القرافي في الفروق
(3)
: [وحرم الله القتل والجرح، صوناً لمهجته، وأعضائه، ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك، لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه].
قال النووي
(4)
: [وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئا، ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف، صرح به إمام الحرمين، والأصحاب]. واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}
(5)
،
وجه الدلالة: أن بيع الأعضاء مخالف للتكريم الذي جاءت به الشريعة، وفيه امتهان وابتذال.
قال في بدائع الصنائع
(6)
: [وأما عظم الآدمي وشعره، فلا يجوز بيعه لا لنجاسته؛ لأنه طاهر في الصحيح من الرواية لكن احتراما له والابتذال بالبيع يشعر بالإهانة].
(1)
ينظر: أحكام الجراحة الطبية 591، ومجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الرابع، وقضايا فقهية في نقل الأعضاء البشرية ص 51، واللقاء الشهري لابن عثيمين 50/ 20، ورسالة بيع الاعضاء البشرية لزرعها للمحتاجين إليها من منظور علماء الإسلام لفاطمة طبطبائي. ص 372.
(2)
المبسوط 15/ 125.
(3)
الفروق 1/ 141.
(4)
المجموع 9/ 45.
(5)
الإسراء: 70.
(6)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 5/ 142.
ويناقش: بأن بيع الأعضاء يكون فيه الامتهان إذا كان بقصد التجارة والتكسب، وأما إذا كان لغرض إنقاذ إنسان فهو لا يتعارض مع التكريم للإنسان.
الدليل الثاني: قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}
(1)
.
وجه الدلالة: أن الله خلق الإنسان في أحسن صورة وجعل لكل عضو وظيفة في جسم الإنسان، وبيعها تعطيل لهذه الوظيفة.
ويناقش: بعدم التسليم لتعطيل وظيفة العضو، فإن من إحسان خلق الله وقدرته أن جعل الإنسان يستطيع الحياة بعضو واحد من الأعضاء المتكررة في الجسم مثل العين، أو الكلية.
الدليل الثالث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قَالَ اللَّهُ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ»
(2)
.
وجه الدلالة: الحديث فيه دلالة على تحريم بيع الحر، وإذا حرم بيع الكل حرم بيع الجزء.
الدليل الرابع: أن أعضاء الجسم ليست مالا، وليست ملكا للإنسان، فلا يصح تصرفه فيها، ومن شروط صحة البيع أن يكون البائع مالكا للمبيع وتحت تصرفه
(3)
، وقد نقل ابن حزم اتفاق الفقهاء على ذلك فقال:[واتفقوا أن بيع المرء مالا يملك، ولم يجزه مالكه ولم يكن البائع حاكما ولا متنصفا من حق له، أو لغيره، أو مجتهدا في مال قد يئس من ربه، فانه باطل]
(4)
.
(1)
التين: 4.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب إثم من باع حرا، برقم (2227) 3/ 82.
(3)
ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 5/ 142، والمبدع 4/ 6، والعدة شرح العمدة 1/ 239.
(4)
مراتب الإجماع ص: 84.
وكما قال القرافي: (أن ما هو حق لله تعالى صِرف لا يتمكن العباد من إسقاطه والإبراء منه، بل ذلك يرجع إلى صاحب الشرع)
(1)
.
الدليل الخامس: أن القول بالجواز يترتب عليه آثار سلبية، ومفاسد متنوعة، من الاتجار بالأعضاء من قبل الفقراء، أو قد يؤدي إلى هلاك ووفاة البائع لأحد أعضائه، فقد يتعطل العضو الباقي بعد فترة، وقد لا تنجح عملية الزرع وغيرها من الآثار المحتملة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:(لا ضرر ولا ضرار)
(2)
، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح وهي قاعدة فقهية شرعية
(3)
.
القول الثاني: بالجواز وممن قال به الدكتور مختار المهدي
(4)
، والدكتور: محمد نعيم ياسين
(5)
، وبعض المراكز الطبية
(6)
، واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول: أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد نص صريح على حرمة البيع فيبقى على الأصل.
ويناقش: أن الأدلة ثابتة، كما في الأدلة السابقة في أدلة القول الأول.
الدليل الثاني: القاعدة الفقهية (الضرورات تبيح المحرمات).
وجه الدلالة: أنه يجوز للإنسان أن يتصرف ببيع أحد أعضائه، عند الحاجة للمال.
ويناقش: بالقاعدة الفقهية (الضرر لا يزال بالضرر) وهي ضابطة للقاعدة التي استدللتم بها، والتصرف يكون في حدود ما أحل الله، ولا يتعداه إلى غيره
(7)
.
(1)
الفروق للقرافي 1/ 195.
(2)
أخرجه مالك في الموطأ برقم (31) 2/ 745، والطبراني في الأوسط برقم (1033) 1/ 307، والحاكم في المستدرك برقم (2345) 2/ 66، والدارقطني في سننه برقم (3079) 4/ 51، وصححه الألباني في الإرواء برقم (896) 3/ 408.
(3)
ينظر: الموافقات 6/ 446، والأشباه والنظائر للسبكي 1/ 455، والأشباه والنظائر للسيوطي 1/ 87.
(4)
في بحثه (أعضاء الإنسان بين الهبة والبيع والأخذ بلا وصية)
الرابط:http://www.islamset.org/arabic/abioethics/index.html
(5)
رئيس قسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت.
(6)
مستشفى ابن سينا للجراحات التخصصية.
(7)
ينظر: رسالة علمية بعنوان (المسائل الطبية المستجدة في ضوء الشريعة الإسلامية) تأليف: محمد عبدالجواد حجازي، ص (436).
الدليل الثالث: القياس من عدة وجوه منها:
الوجه الأول: القياس على جواز بيع لبن، وحليب الأدميات، وقد نص فقهاء الشافعية، والحنابلة على ذلك
(1)
.
قال في الحاوي الكبير
(2)
: [ولبن الآدميات عندنا طاهر، وشربه حلال، وبيعه جائز].
وجه الدلالة: أنه إذا جاز بيع اللبن، وهو جزء من الآدمي، فيجوز بيع غيره من الأعضاء.
ويناقش: بأن هذا قياس غير معتبر لوجود الفارق، فإن اللبن والحليب متجدد، وبقاؤه فيه ضرر على جسم المرأة وصحتها، بخلاف العضو، وقد ذكر الشوكاني أن هذا من الأمور المقطوع بها فقال:[تحريم هذا (أي بيع الحر) من قطعيات الشريعة، وإجماع أهل الإسلام على التحريم معلوم، ولا يحتاج إلى الاستدلال على مثله]
(3)
.
الوجه الثاني: القياس على جواز بيع الأمة، والعبد فإذا جاز بيع الكل، جاز بيع البعض من باب أولى.
ويناقش: بأن الإسلام يتشوف للحرية والإعتاق، لذا جاءت الشريعة بإكرام الرقيق، وعدم تكليفه مالا يطيق، ورتب على إعتاقه العتق من النار كما قال صلى الله عليه وسلم: (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ»
(4)
.
الوجه الثالث: القياس على جواز بيع المصحف، وليست أعضاء الإنسان بأعظم حرمة منه.
(1)
ينظر: الحاوي الكبير 5/ 333، والمجموع 5/ 254، والمغني 4/ 196، والفروع 6/ 135.
(2)
الحاوي الكبير 5/ 333.
(3)
السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ص: 490.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب كفارات الأيمان، باب قوله تعالى (أو تحرير رقبة) برقم (6715) 8/ 145، ومسلم في صحيحه، كتاب العتق، باب فضل العتق، برقم (1509) 2/ 1147.
الوجه الرابع: القياس على الجواز بالتبرع، فإذا جاز التبرع وهو نوع تصرف بالعضو جاز البيع.
الدليل الثالث: أن الإسلام جاء بحفظ النفس البشرية من الهلاك، فيتطلب القول بالجواز، خاصة إذا لم يوجد من يتبرع بالعضو، والقواعد الشرعية الفقهية تؤيد ذلك كما في قاعدة المشقة تجلب التيسير، وقاعدة ارتكاب أخف الضررين، وقاعدة الضرورة تقدر بقدرها، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات
(1)
.
الترجيح: الراجح _ والله تعالى أعلم _ القول بعدم الجواز للأسباب التالية:
قوة أدلة القائلين بالمنع، مع ما ورد على أدلة القائلين من مناقشة.
تمشي القول بالمنع مع روح الشريعة ومقاصدها من حفظ النفس البشرية، وكرامة الإنسان، وعدم ابتذاله.
أن القول بالجواز قد يسبب زعزعة الأمن، وعدم الاستقرار من جراء الاعتداء على الأنفس، وبيع أعضائها.
(1)
ويذكر بعض الباحثين قولا ثالثا وهو: جواز الشراء للمضطر، وحرمة البيع، عند عدم وجود البديل الصناعي، وقد ذكر بكر أبو زيد في بحثه المنشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الرابع 4/ 119، فقال ما نصه:(وإن جوز الانتفاع به تبرعاً لمضطر فلا يجوز بيعه لقاعدة: إن جواز الانتفاع لا يستلزم جواز البيع، وعليه: فبيعها محرم لا يجوز، لكن إن لم يحصل عليه مضطر إلا بثمن فيجوز من باذل لدفع الضرر لا في حق آخذ) ثم قال في آخر بحثه: (وجميع ما ذكرته في هذه الرسالة من مواطن الخلاف أسوقه بحثاً، ولم أجرؤ على الانفصال عنه برأي). وممن قال به الدكتور محمد فوزي فيض الله، أستاذ الشريعة بجامعة الكويت، في بحثه في ندوة (الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية) ص 40، وليلى سراج أبو العلا في رسالتها العلمية للماجستير عام 1409 هـ بعنوان:(نقل الدم وزرع الأعضاء).
(الخاتمة وفيها أهم نتائج البحث)
تم بحمد الله وتيسيره هذا البحث المختصر، ولقد استفدت من كلام الفقهاء، وأهل الاختصاص في الجانب الطبي الشيء الكثير وتوصلت إلى بعض النتائج لعل من أهمها ما يلي:
(1)
تكريم الله لبني آدم عموما، وكرامة المؤمن عند الله تعالى على وجه الخصوص.
(2)
أجزاء وأعضاء الإنسان المنفصلة عموما طاهرة على القول الراجح.
(3)
لا يصلى على العضو المبتور إن كان صاحبه حيا.
(4)
لا يصلى على العضو المبتور إن كان صاحبه قد صلي عليه، ولكن يغسل، ويدفن.
(5)
يصلى على الجزء المنقطع إن لم يصل على ذات الشخص لفقده، أو تمزقه.
(6)
لا يجوز زراعة عضو مقطوع في حد، أو قصاص على القول الراجح.
(7)
جواز زراعة عضو مقطوع في غير حد، أو قصاص على القول الراجح.
(8)
جواز بتر، وقطع الأعضاء الزائدة من باب الضرورة، والحاجة.
(9)
لا يجوز بتر وقطع الأعضاء الزائدة من باب التحسين، والتجميل.
(10)
عدم جواز بيع الأعضاء على القول الراجح.
(11)
الشريعة جاءت بفعل الأسباب، ومن ذلك التداوي.
(12)
اشتمال القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية على أغلب مسائل البحث مثل: المشقة تجلب التيسير، وقاعدة ارتكاب أخف الضررين، وقاعدة الضرورة تقدر بقدرها، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.
التوصيات:
(1)
اعداد مراكز متخصصة في الأجزاء المنفصلة من جسم الأنسان في المستشفيات والمراكز الصحية، للمحافظة عليها، وبيان الحكم الشرعي المتعلق بها.