المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الإبداع في مضار الابتداع   صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ علي محفوظ عضو هيئة - الإبداع في مضار الابتداع

[علي محفوظ]

فهرس الكتاب

الإبداع في مضار الابتداع

صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير

الشيخ علي محفوظ

عضو هيئة كبار العلماء

طبق ما قرره المجلس الأعلى من مناهج التعليم لقسم الوعظ والخطابة بالأزهر الشريف

وتمتاز بأبحاث مفيدة وزيادات ذات شأن

دار الاعتصام

ص: 1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للَّه الذى خلق العباد لما شاء، ويسرهم لما خلقوا له على وفق علمه وإرادته، وصرفهم بمقتضى حكمته، فمنهم شقى وسعيد، وهداهم النجدين فمنهم قريب وبعيد، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبى الرحمة، ومرشد الأمة وكاشف الغمة، الذى نسخت شريعته كل شريعة، وشملت دعوته كل أمة، فلم يبق لأحد حجة دون حجته، ولا استقام لعاقل طريق سوى واضح محجته، جمعت سنته تحت حكمتها كل معنى حكيم فلا يسمع بعد بيانها خلاف مخالف ولا قول مختلف. من سلك سبيلها فهو على نور من ربه، وبصيرة من أمره، معدود في الفرقة الناجية، والمائل عنها واقع في ظلمته، مرتبك في حيرته، مردود إلى الفرق المقصرة أو الغالية، وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بشمسه المنيرة، واقتفوا آثاره اللائحة، وأنواره الواضحة، ومن أحيا سنته واهتدى بهديه.

أما بعد: فهذا مختصر نفيس، ومهذب لطيف في أصول البدع وفروعها وعادات العامة وأوهامها، طبق ما قرره مجلس الأزهر الأعلى من مناهج التعليم في مجموعة الوعظ والخطابة بالجامع الأزهر الشريف، اقتصرت فيه على ما لابد منه لمن يتصدى لمحاربة البدع المذمومة، والعوائد القبيحة، وسلكت فيه سبيل الاعتدال فكان وسطًا بين الإفراط والتفريط، ورتبته على مقدمة وبابين وخاتمة، وسميته (الإبداع في مضار الابتداع)، واللَّه تعالى أسأل أن يجعله عملًا خالصًا، ويجعل ظل الانتفاع به ممدودًا، والأجر على العناء فيه كاملًا، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلى العظيم.

على محفوظ

ص: 3

‌مقدمة الطبعة الخامسة

قبل أن يلقى المغفور له صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ على محفوظ ربه أوصانا في حديث خاص لا يزال بما حوى من توجيهات، المصباح الوهاج الذى يضئ لنا الطريق، أوصانا أن نعمل على أن تظل الكتب التى ألفها ينتفع بها المسلمون. وها نحن اليوم نقدم الطبعة الخامسة من كتابه (الإبداع في مضار الابتداع) منقحة ومزيدة بيده الكريمة من نسخته الخاصة، فهى بهذا خلاصة ما قدم الفقيد الكريم الذى أفنى عمره في سبيل الدين ونشره بين جميع الطبقات حسبة لوجه اللَّه الكريم.

فإلى تلاميذه الكرام، وعارفى علمه وفضله، وإلى حاملى لواء الإسلام، وإلى المشتغلين بالوعظ والإرشاد، الذين يحاربون البدع والخرافات، وإلى المصلحين الاجتماعيين والحطباء والدعاة الناصحين.

وإلى العالم الإسلامى قاطبة، وأخيرًا إلى روح الفقيد الطاهرة نقدم هذا السفر النفيس.

ولعلنا بهذا نكون قد أدينا بعض الأمانة التى في أعناقنا.

رجب سنة (1375 هـ - مارس سنة 1956 م).

أنجال المؤلف

ص: 4

‌ترجمة المؤلف

في محلة روح مركز طنطا غربية، كانت تقيم أسرة "محفوظ" وهى أسرة طيبة يتصل نسبها بالحسن بن على رضي الله عنهم. في تلك القرية ولد المغفور له الأستاذ الشيخ على محفوظ وفيها نشأ، وحفظ القرآن الكريم واستوعب حفظ بعض المتون.

وفى عام (1306 هـ) التحق بالجامع الأحمدى بطنطا واشتغل بتجويد القرآن الكريم على بعض الفقهاء، ثم بدأ يتلقى العلم على كبار شيوخه، فكان من أساتذته الشيخ عبد الرحمن الدماطى والشيخ محمد الشبينى الكبير والشيخ على المنوفى والشيخ قطب بكر، وكان في أثناء طلبه العلم مثلًا حسنًا للطالب المجد، واستمر بالجامع الأحمدى نحوًا من عشر سنوات ظهر فيها نبوغه وتفوقه على أقرانه.

ثم رأى شيخه الأكبر الشيخ الدماطى أن ذلك النبوغ يجب أن يستفيد منه الأزهر الشريف، فحبب إليه طلب العلم فيه فتوجه في عام (1317 هـ) إلى مصر ونزل بالأزهر المعمور، ثم مالت نفسه إلى مذهب أبى حنيفة بعد أن كان شافعى المذهب فتتلمذ على صفوة علمائه من أمثال الشيخ محمد الحلبى والشيخ بكر الصدفى، والشيخ أحمد أبو خطوة والشيخ محمد بخيت والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده. وفى عام (1324 هـ - 1907 م) حصل على شهادة العالمية، ثم اشتغل بالتدريس.

ولما أدخل النظام في الأزهر عام (1911 م) سار فيه حتى بلغ القسم العالى.

وفى عام 1918 أنشئ قسم الوعظ والإرشاد في الأزهر فكان أول من تعهده بالتأسيس والتوجيه، وفى هذا القسم وجد ضالته، فجاهد فيه بكل قواه، ووقف عليه فكره ووقته، وسرعان ما أنجب على يديه رجالًا دعاة خير ورسل إصلاح، أُشْربوا حب الفضيلة ونمت فيهم نازعة الخير.

وفى عام (1356 هـ) أوفد على رأس أول بعثة أزهرية إلى الأقطار الحجازية لأداء فريضة الحج.

ص: 6

وفى مايو عام (1939 م) قدرت جماعة كبار العلماء مزاياه وعلمه وفضله، فقررت ضمه إلى عضويتها.

وفى فبراير (1941 م) منح كسوة التشريفة العلمية من الدرجة الأولى.

ثم لقى مولاه في يوم الأربعاء الثالث من ذى القعدة (1361 هـ) الموافق (11) نوفمبر (1942 م).

‌نَشَاطُهُ:

نظر الفقيد بفكره الثاقب إلى العلم والعلماء، فوجده أشبه بصناعة خاصة بين طائفة خاصة في مكان خاص لا يعدو العالم والمتعلم، قد دأب الأزهر على ذلك جيلًا بعد جيل، وسواد الأمة عن هذا النور محجوب باحتجاب العلماء عنهما، اللهم إلَّا بصيص من النور يظهر في بعض البلاد التى ينبت فيها العلم بوجود عالم من العلماء أو طالب من الطلاب في ليالى شهر رمضان من كل عام .. فأخذ على نفسه المواثيق أن يجدد عهد السلف الصالح، وأن يقوم بنشر الدعوة الصحيحة بين طبقات الشعب المصرى الكريم.

‌وضعُ أساس فنّ الوَعْظ والخطَابة:

ولقد أحب فن الوعظ والإرشاد حبًّا لا يعدله حب، وأخلص له إخلاصًا، ما بعده إخلاص، وامتزج هذا الحب وهذا الإخلاص بإيمان قوى لا حد له، ثم سكن هذا المزيج المبارك في قلب كريم في نفس طيبة راضية مطمئنة.

وبهذا القلب عقد اللواء وتأهب للغزو، فأخذ يبث فكرته بين طبقات الأزهر من علماء وطلاب، فكان من ثمرات هذا الجهاد إنشاء قسم الوعظ والإرشاد في كلية أصول الدين.

‌الوَعظُ في المساجد والمجامع العَامة:

ثم انتقل إلى الناحية العملية، فكان يغشى المساجد كل أُسبوع والمجامع العامة، ناشرًا لفضيلة، داعيًا إلى التمسك بحبل الله المتين، فظهر نجمه وسطع نوره، ورمقته العيون وأسكنته القلوب في سويدائها لما عرف فيه

ص: 7

من علم، وما أوتيه من قوة البيان ودقة الأسلوب وسلاسة التعبير. وقد أنتجت قريحته الفذة في هذا الفن كتاب "سبيل الحكمة في الوعظ والخطبة" ثم أعقبه بكتاب "هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة" وهو يعتير أول كتاب حديث من نوعه.

وكان أهم ما يلاحظ عليه ذوقه الرفيع في الوعظ، ومراعاته لشعور الحاضرين وعواطفهم، يستميلهم بالفكاهة النادرة برقة تملك المشاعر، ويلقى إليهم بالحجج والحكم في دعة تفتح لها الطريق إلى القلوب قبل الأسماع.

‌الوَعظ في القُرَى:

رأى - طيب الله ثراه - أن كثيرًا من القرى الريفية قد حُرم من العلم فكان يذهب إليها مرشدًا داعيًا إلى الله بإذنه. مضحيًا في ذلك بماله وراحته ووقته، فكان يقضى العطلة الصيفية متنقلًا بالوعظ والإرشاد في شتى البلاد. وقد كان يسجل خطبه في سجل خاص حتى بلغ مجموعها نحو (800) خطبة.

‌مُحَاربةُ البدَع والخرافات:

رأى رحمه الله أن كثيرًا من البدع والخرافات قد استحكم في نفوس الشعب حتى أبعدهم عن طريق الدين المستقيم، فأخذ يكافح ويجاهد ويذكر القوم بمحاسن الدين وقبائح البدع، ولم يثنه عن سبيله ما أقامه دعاة هذه البدع من عراقيل وعقبات .. وظل ثابتًا على عزمه حتى اقتلع الأوهام من القلوب وعاد بالناس إلى حظيرة الدين، وقد ألف في هذا كتابه العظيم "الإبداع في مضار الابتداع".

‌الجمعيات الإسلاميَّة العَامة:

أيقن أن الجَمعيات الإسلامية خير معين على نشر الفضائل بين الأمة فساهم في تأسيس "جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية". وكان من أعضائها العاملين البارزين.

ص: 8

وساهم في تأسيس "جمعية الهداية الإسلامية". وقد انتخب وكيلًا لها في أول جلسة عقدت لتأسيسها في عام (1346 هـ).

وكذلك ساهم في تأسيس "جمعية تحفيظ القرآن بالعباسية" وكان من أعضائها المخلصين.

وقبل الحرب العالمية الأولى كانت "جمعية الرد على المبشرين" بالخرنفش تناهض المبشرين فكان رحمه الله خطيبها وحامل لوائها.

وفازت جمعية "نشر الفضائل والآداب الإسلامية" بالكثير من نشاطه ولمَّا تكونت "جماعة أنصار الحج" ساهم فيها بجهاده بكل قواه.

‌الجمعياتُ الخاصة:

لم يكتف الفقيد بكل هذه الأعمال الجليلة، بل نظر في صفوف الأُمة، فوجد طائفة من عظمائها المخلصين قد عكفوا على ما لديهم من الأعمال، فتلطف في الدخول إليهم، واستعمل ذكاءه وفطنته في استمالتهم وهمس في آذانهم بأحكام الدين الحنيف، فوصلت دعوته إلى قلوبهم، وجد التربة صالحة للغرس، والجو ملائمًا للإنبات، فكون جمعية قوامها العظماء وعنصرها "الطبقة الراقية" مثل: الدكتور سالم هنداوى باشا، وسليمان عزمى باشا، والمرحوم الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا وغيرهم من طبقتهم، واشتغل معهم بتفسير القرآن الكريم في ليلة معينة من كل أسبوع، واتخذ بذلك عيادة الدكتور سالم باشا بعابدين حتى أتمه، في بضع سنين، ثم انتقل إلى السنة الشريفة فقرأ معهم كتاب "البخارى" بأكمله. وقد كان من آثار هذا الغرس أن طلع المرحوم الدكتور عبد العزيز باشا إسماعيل على العالم الإسلامى بكتابه العظيم "الإسلام والطب الحديث".

كذلك كون رحمه الله جمعية أخرى قوامها الدكتور عبد السلام العيادى ونخبة من خيرة "المتعلمين ما بين مهندس وتاجر وموظف" وجعل مقرها عيادة الدكتور العيادى بالدرب الأحمر، وقد ابتدأ في تفسير القرآن الكريم حتى أوشك على إتمامه ولكن المنية عاجلته قبل ذلك بقليل.

وأنشأ جمعية ثالثة قوامها جماعة من "أرباب المعاشات" فغرس فيهم

ص: 9

الروح

الدينى الحق، وكان مقرها منزل السيد أحمد فهمى المهندس في المغربلين ثم بالعباسية.

وامتد نشاطه إلى "الطبيبات والممرضات" داخل المستشفيات فتعدهن في مستشفى فؤاد الأول بالموعظة الحسنة والنصائح الغالية مما كان له أثر محسوس في قيامهن بواجبهن الإنسانى على خير الوجوه.

‌إلقَاءُ دروس دينية في الإذاعة اللَّاسلكية:

وفى عام (1936 م) نبتت فكرة إلقاء الدروس الدينية على أمواج الأثير، فكان أول من وقع عليه الاختيار لهذا العمل الجليل، فكان يلقى درسًا في كل شهر تقريبًا حتى لقى ربه.

‌دروس شَهْر رمضَان في الأَزهر الشريف:

وكان من عادته رحمه الله أن يلقى درسًا في الجامع الأزهر بعد صلاة العصر من كل يوم من أيام رمضان المبارك، وقد ظل محافظًا على هذه العادة الجليلة، وكان فيها مخلصًا متفانيًا، ولا أدل على ذلك من حرصه عليها وهو في مرض الموت.

‌التأْليف:

أَلَّف الفقيد الكتب الآتية:

1 -

"الأخلاق": وكان يدرس في المعهد الابتدائي.

2 -

"هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة": وهو مقرر للدراسة في كلية أصول الدين: (قسم إجازة الوعظ والإرشاد).

3 -

"الإبداع في مضار الابتداع": وهو مقرر في كلية أصول الدين.

4 -

"الخطابة": (لم يطبع) طبع مختصر له في (100) صفحة.

‌خاتمة:

وهكذا كان الفقيد الكريم شعلة من نور وعلم، تفرقت أشعتها في كل ناحية من نواحى الأمة، فكانت السراج الذى يهتدى به المهتدون.

ص: 10

كان رحمه الله يرى أن العلم ثروة وزكاتها الوعظ والإرشاد ليكون علمًا مباركًا طيبًا يزيده الله من فضله.

ولقد كان واعظًا بسمته وهيئته ووقاره ووقفته ومشيته قبل أن يكون واعظًا بقوله ومنطقه، فكان في ذلك مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خياركم من تذكركم باللَّه رؤيته، ويزيد في عملكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله" رواه الترمذى عن ابن عمر رضي الله عنهما.

رحم الله الفقيد الجليل، وأحله مقامه بين الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

* * *

ص: 11

‌مقدمة الكتاب

في أَخبار الصَّادِق الْمَصْدُوق بغُربة الدِّين والحث على التَّمَسُّك بالكتاب والسُّنَّة

روى مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه، والنسائى عن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء". روايات الحديث: بدأ بالفعل المبنى للفاعل وضبطه الإمام النووى بالهمز بناء على الرواية وهو من البدء بمعنى الابتداء، وكان غريبًا لسبق الكفر عليه وإنكار الكفرة له، وسيعود غريبًا: أي لغلبة الجهالة وكثرة الضلالة فكان في الزمان الأول كالغريب لا يعرفه أحد، ومتى تركه أهله وانصرفوا عنه عادت له الغربة. أو أن أهل الدين في الأول كانوا غرباء ينكرهم الناس ويقاطعونهم، وكان حالهم مع أقاربهم أسوأ من حالهم مع الأجانب وسيكونون كذلك في آخر الزمان، فطوبى - أي الجنة - لأولئك الذين كانوا في أول الإسلام ويكونون في آخره بما صبروا على أذى الكفار والفجار وتمسكهم بدين الإسلام، ورواه الطبرانى وأبو نصر في "الإبانة" عن عبد الرحمن بن سنة بلفظ:"إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء" قيل: يا رسول اللَّه وما الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون عند فساد الناس"

(1)

، وفى رواية أنه سُئل عن الغرباء؟ فقال:"الذين يحيون ما أمات الناس من سنتى"

(2)

. وجملة المقصود منه قد علم بالمشاهدة في أول الإسلام وآخره.

وبيان ذلك مفصلًا أن الله تعالى بعث النبي صلوات الله وسلامه عليه على حين فترة من الرسل وفى جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسمًا، ولا تقيم

(1)

أي أنهم صلحاء عاملون بالكتاب والسنة في زمان فساد الناس بعدم العمل بهما.

(2)

وفى رواية قالوا: يا رسول الله، كيف يكون غريبًا كما يقال للرجل في حى كذا وكذا أنه لغريب؟

ص: 12

له في مقام الحقوق وزنًا، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها وما استحسنته أسلافها من الآراء المنحرفة والمذاهب المبتدعة. فحين قام فيهم صلوات الله وسلامه عليه

بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، عارضوا معروفه بالنكر، وغيروا وجه صوابه بالإفك، ونسبوا إليه - إذ خالفهم في الشرعه: ونابذهم في النحلة - كل محال، ورموه صلى الله عليه وآله وسلم بأنواع الزور والبهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق الذى لم يجربوا عليه كذبًا قط، وتارة يتهمونه بالسحر وهم يعلمون أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، وآونة يقولون: إنه مجنون، وهم لا يشكون في كمال عقله وسلامته من مس الشيطان وخبله.

وإذا دعاهم إلى توحيد الصانع الحكيم القادر العليم قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}

(1)

مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة الصادقة عند الشدة: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}

(2)

، وقالوا:{لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}

(3)

.

وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة أنكروا ما يشاهدون من الأدله على إمكانه: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}

(4)

.

وإذا خوفهم مقت الله وسخطه قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}

(5)

اعتراضًا منهم على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة.

وإذا جاءهم بآية خارقة افترقوا في الضلالة على فرق، واختلفوا فيها لمجرد العناد وقالوا فيها ما لا يقبله أولو التمييز بين الحق والباطل، واجتهدوا في الانتصار لباطلهم يشئ معقول فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء. وقد أخبر الله تعالى إبراهيم عليه السلام في محاجة قومه:{مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}

(6)

فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع إلى ما ذكروا من التقليد الأعمى، فكدلك كان هؤلاء مع النبي عليه صلوات الله وسلامه عليه فأنكروا عليه ما توقعوا

معه انقضاء دولتهم وزوال ما بأيديهم؛ لأنَّه خرج عن معتادهم وأتى بِخلاف ما كانوا عليه من الكفر والضلال، حاولوا إن يستنزلوه بطريق السياسة في زعمهم ليظفروا منه بالموافقة

(1)

[سورة ص: الآية 5].

(2)

[سورة العنكبوت: الآية 65].

(3)

[سورة يونس: الآية 22].

(4)

[سورة ق: الآية 3].

(5)

[سورة الأنفال: الآية 32].

(6)

[سورة الشعراء: الآيات 70 - 74].

ص: 13

ولو في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال ويقنعوا منه بذلك ليبقى لهم بتلك الموافقة واهى بنائهم، فأبى صلوات الله وسلامه عليه إلَّا الثبات على واضح الحق والتمسك بخالص الصواب وأنزل الله تعالى عليه:{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}

(1)

السورة.

فلما يئسوا منه نصبوا له حرب العدارة، ورموه بسهام القطيعة، حتى صار أهل السلم كلهم حربًا عليه، وعاد الولى الحميم له عدوًّا لدودًا. فأقربهم إليه نسبًا كان أبعد الناس عن مولاته كأبى لهب وأضرابه. وألصقهم به رحمًا كانوا أقسى قلوبًا عليه. فأى غربة توازى هذه الغربة، ومع ذلك فلم يكله الله تعالى إلى نفسه ولا مكنهم من اغتياله، بل حفظه الله وعصمه وتولاه بالرعاية والوقاية حتى بلَّغ دعوة ربه مصداق قوله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}

(2)

أن يقتلوك.

ثم ما زالت الشريعة الغراء في أثناء نزولها تباعد بين أهلها وبين غيرهم وتضع الحدود بين حقها وباطلهم، لكن على وجه من الحكمة عجيب، وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأصيل.

ففى العرب نسبتهما إلى أبيهم إبراهيم عليه السلام، وفى غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم، كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الأنبياء:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}

(3)

وقوله عز وجل: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}

(4)

.

وما زال صلوات الله وسلامه عليه يدعو إلى الشريعة فيأتى إليه الواحد بعد الواحد على طريق الاختفاء خوفًا من اعتداء الكفار أيام ظهورهم على دعوة الإسلام، فلمَّا علموا المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا. فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قبيلة

فحموه على إغماض أو خشية العار في الإخفار والجوار، ومنهم من هاجر فرارًا بدينه من الفتنة باشتداد الأذى وتوقع القتل من أجله، ومنهم من لم يكن له وزر يحميه ولا ملجأ يركن إليه فلقى منهم من الشدة والغلظة أنواع التعذيب والقتل ما لا تحتمله الجبال الراسيات حتى زل منهم من زل وبقى منهم من بقى صابرًا محتسبًا إلى أن

(1)

[سورة الكافرون: الآيتان 1، 2].

(2)

[سورة المائدة: الآية 67].

(3)

[سورة الأنعام: الآية 90].

(4)

[سورة الشورى: الآية 13].

ص: 14

أنزل الله تعالى الرخصة في التلفظ بكلمة الكفر على وجه الموافقة ظاهرًا فلجأ إليها من لجأ على حكم الضرورة والوقاية لنفسه، ريثما يتنفس من كربه ويتروح من خناقه، وقلبه مطمئن بالإيمان وهذه أيضًا غربة. وإنما فعل هؤلاء البعداء الأعداء ما فعلوا جهلًا منهم بمواقع الحكمة وإن ما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه هو الحق ضد ما هم عليه:"فمن جهل شيئًا عاداه" ولو تعقلوا الأمر وعلموه لحصل الوفاق ولم يقع الخلاف.

ثم استمر تزايد الإسلام واستقام طريقه مدة حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن بعد موته وأكثر قرن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين - إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة، وأصغوا إلى البدع المضلة كبدعة القدر وبدعة الخوارج، وهو الأمر الذى تنبأ به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بقوله:"يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم"

(1)

ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة"

(2)

وقوله فيما رواه أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم"، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ "

(3)

أخرجه البخارى. والحديث الأول خاص بأهل الأهواء، والثانى عام في المخالفات بدليل قوله:"حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم" وكل صاحب بدعة من شأنه أن يدعو غيره إليها ويحض سائليه؛ بل سواه عليها؛ إذ طلب التأسى في الأعمال والمذاهب أمر جِبِلِّىٌّ في بنى الإنسان.

ومن هنا ينشأ الخلاف وتقع العداوة والبغضاء بين المتمسكين والخارجين، وكان الإسلام في إبان نشأته وعنفوان شبابه مقاومًا، بل ظاهرًا وأهله غالبين - وسوادهم أعظم الأسودة، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين. ولم يكن لسواهم - ممن لم يسلك سبيلهم أو سلكه

(1)

أي لا يتفقهون فيه بل يأخذون بظاهره، وكل هذا في آخر عهد الصحابة.

(2)

رواه الترمذى من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، وقال: حسن صحيح.

(3)

أي غيرهم، كما في رواية أخرى لمسلم.

ص: 15

ولكنه ابتدع فيه - صولة تخشى، ولا قوة يضعف أمامها حزب الله المفلحون، فسار الإسلام على استقامة وجرى على اجتماع وقوة. فالشاذ عنه مقهور مضطهد، والمخالف له منبوذ مقاطع، إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود، وقوته إلى الضعف المنتظر، وأخذ الشاذ عنه تقوى صولته، والمخالف يكثر سواده - ولا شك أن الغلبة للقوى - فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء

(1)

.

فتفرق أكثرهم شيعًا وهذه سنة الله في خلقه، أن أهل الحق في جانب أهل الباطل قليل. قال تعالى:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}

(2)

وليتحقق ما أخبر به الصادق صلوات الله وسلامه عليه من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لاتكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم. وذلك حين يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتصير السنة بدعة والبدعة سنة، وتقوم الناس على أهل السنة باللوم والتعنيف والتوبيخ والتقبيح. كما كان يقام على أهل البدعة، طمعًا من المبتدعة أن تجتمع كلمة الضلال ويأبى الله أن تجتمع حتى يأتى وعد الله، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة، كما لا يخفى على من عرف حياة الإسلام وأطواره إلى اليوم، بل لابد أن تثبت جماعة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يأتى أمر الله، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم لا يزالون في جهاد ونزاع ومدافعة وقراع. وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم.

وعلى الجملة فكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يتركا في سبيل الهداية قولًا لقائل، ولا أبقيا لغيرهما مجالًا يعتد به فيه، وإن الدين قد كمل، والسعادة الكبرى فيما وضع، وكل مطلوب فيما شرع، وما سوى ذلك مما خالفهما فضلال وبهتان،

وإفك وخسران، وإن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى، ظافر بكل الخير دنيا وأخرى. قام على صحة ذلك البرهان الذى لا شبهة فيه. ولكن من ألزم نفسه السير مع الجماعة التى سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسواد الأعظم في الوصف الذى كان عليه هو وأصحابه، وتجنب البدع التى بينها العلماء، وأراد

(1)

من حكم الإمام على رضي الله عنه: "لا قيام للباطل إلَّا في غفلة الحق".

(2)

[سورة يوسف: الآية 103].

ص: 16

الاستقامة على الطريق القويم وجد نفسه غريبًا بين أهل الوقت؛ لأن العوائد قد غلبت على أمورهم والمحدثات قد زاحمت السنن الأصلية، وقد كان ذلك في الأزمنة المتقدمة فكيف في زماننا هذا وقد بعد عهد الناس بالنبوة؟

روى عن أبي الدرداء أنه قال: لو خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلَّا الصلاة. قال الأوزاعى: فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعى هذا الزمان؟

وعن أنس بن مالك قال: ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير قولكم: لا إله إلا الله. قلنا: بلى يا أبا حمزة. قال: قد صليتم حتى تغرب الشمس أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ إلى غير ذلك من الآثار الدلة على أن البدع تغلب على المشروعات، وأن ذلك قد كان قبل زماننا قد استفحل أمرها على توالى الأيام إلى اليوم.

والسعيد الموفق من أحيا السنة ودعا إلى الله عز وجل وخالف ما اعتاد الناس وإن ادعوا أن ما هم عليه هو السنة لا سواها، غير مبال بما يرمونه به من التنطع في العمل والتشدد في الدين، فذلك قليل من كثير كان يقاسيه الآمرون بالمعرف الناهون عن المنكر المتمسكون بدين الله من التشنيع والتقبيح وضروب الأذى والتعنيف، فقد نقل عن سيدى أويس القرنى أنه قال: إن الأمر بالمعرف والنهى عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقًا. نأمر بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون على ذلك أعوانًا من الفاسقين، حتى والله لقد رموني بالعظائم لا أدع أن أقوم فيهم بحقه. فمن هنا يرجع الإسلام غريبًا كما بدأ، لأن المتمسك به على حاله الأول معدوم أو قليل، والمخالف له هو الكثير فلم يبق من الدين إلَّا اسمه، ومن العمل إلَّا رسمه وظهر مصداق الحديث الصحيح:"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".

نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق إنه على ما يشاء قدير.

‌الحثُّ علَى التَّمسك بالدِّين وإحياء السُّنة:

وأما الحث على التمسك بالدين وإحياء السنة فاعلم أن من أمعن النظر فيما شرعه الله لنا مما تضمنه الكتاب وبينته السنة علم أن النبي

ص: 17

صلوات الله وسلامه عليه تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يحيد عنها إلَّا من قد مرض قلبه وطاش في مهاوى الضلال لبه. فإن الله تعالى قد بين للناس قواعد الدين وأكملها.

قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}

(1)

بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد، فإذا كان الله سبحانه قد أكمل لنا الدين بما أنزله في كتابه العربى المبين وعلى لسان نبيه الأمين، مما بلغ من الأحكام، وبين لنا من حلال وحرام، فمن اتبع غير سبيل المؤمنين فهو الحقيق بهذا الوعيد الشديد، قال تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}

(2)

، وقال تعالى:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}

(3)

: ما تركنا وما أغفلنا شيئًا يحتاج إليه من الأشياء المهمة، فقد نفى سبحانه التقصير فيما شرع من كتابه الحكيم الذى هو متن للسنة. وقد أمر الله تعالى باتباع سبيله وما شرع من الدين القويم ونهى عن اتباع غير سبيل المؤمنين فقال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}

(4)

فذكر تعالى أن له سبيلًا واحدًا سماها صراطًا مستقيمًا لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة يتفوق متبعوها عن تَلك الصراط وهى طرق الشيطان، وحث سبحانه على اتباع سبيله الذى هو الكتاب والسنة حثًّا مقرونًا بالنهى عن اتباع السبل مبينًا أن ذلك سبب للتفرق. ولذا ترى المسلمين العاملين قد لزموا سبيلًا واحدًا أمروا بسلوكه.

وأما أهل البدع والأهواء فقد افترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة. وآرائهم الكاسدة {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}

(5)

. وقد روى أحمد وجماعة

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا ثم قال: "هذا سبيل اللَّه"، ثم خط خطوطًا عن يمينه وخطوطًا عن يساره وقال:"هذه السُّبُل المتفرقة وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو"، ثم قرأ هذه الآية، حتى بلغ {تَتَّقُونَ}. السبل المتفرقة: هى البدعِ، والشيطان: هو شيطان الإنس وهو المبتدع، وقال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}

(6)

. قال العلماء: معناه إلى الكَتاب والسنة، فأمر سبحانه برد الأمر حالة النزاع إلى كتابه العزيز وسنة نبيه ففى حالة الوفاق أولى، وقال تعالى:

(1)

[سورة المائدة: الآية 3].

(2)

[سورة النساء: الآية 115].

(3)

[سورة الأنعام: الآية 38].

(4)

[سورة الأنعام: الآية 153].

(5)

[سورة الروم: الآية 33].

(6)

[سورة النساء: الآية 59].

ص: 18

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}

(1)

. فقد جعل سبحانه وتعالى علامة محبته اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام فمن لم يتبع الرسول وادعى محبة الله تعالى فهو كاذب فما دعواه، فإن عصيان الرسول عصيان لله تعالى:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}

(2)

. وعصيان الله تعالى ينافى محبته:

تعصى الإله وأنت تظهر حبه

هذا لعمرى في القياس شنيع

لو كان حبك صادقا لأطعته

إن المحبَّ لمن يُحب مطيع

ثم رتب على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم حب الله تعالى ورضاءه ومثوبته، فالخير في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والشر في مخالفة سنته، قال ذو النون المصرى: من علامة الحب لله متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته، وكيف لا ونبينا صلوات الله وسلامه عليه هو المبلغ للكتاب الناطق بالحق والصواب {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}

(3)

وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

(4)

هو الإسلام. وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}

(5)

.

فإذًا الواجب علينا معاشر المسلمين اتباعه في جميع أقواله وأفعاله والتأسى به في سائر أحواله. قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}

(6)

،

وما أخبث رجلًا ترك سبيل السنة الشارحة للكتاب، واستبدل العذب بالعذاب:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(7)

، وقال تعالى:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}

(8)

. وسر تكرير الفعل الدلالة على أن ما يأمر به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تجب طاعته فيه وإن لم يكن مأمورًا به بعينه في القرآن، فتجب طاعة الرسول مفردة كما تجب مقرونة بأمره سبحانه، فهو إذًا مستقل بالطاعة كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر من أمرى فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ما وجدنا فيه من شيء اتبعناه. ألا إنى قد أوتيت

(1)

[سورة آل عمران: الآية 31].

(2)

[سورة النساء: الآية 80].

(3)

[سورة النجم: الآية 3].

(4)

[سورة الشورى: الآية 52]

(5)

[سورة الأحزاب: الآية 21]

(6)

[سورة الحشر: الآية 7]

(7)

[سورة النور: الآية 63].

(8)

[سورة النور: الآية 54].

ص: 19

الكتاب ومثله معه"

(1)

. وقوله: {تَوَلَّوْا} بحذف إحدى التاءين عام لمن يقع عليه الخطاب من عباده.

والمعنى: أنه قد حمل أداء الرسالة وتبليغها، وحملتم طاعته والانقياد له والتسليم {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}

(2)

، أخبر - جلَّ ثناؤه - أن الهداية في طاعة الرسول لا في غيرها، فإنه معلق بالشرط فينتفى بانتفائه وليس عليه إلَّا البلاغ والبيان الواضح لاهتدائكم وتوفيقكم، ففى صحيح البخارى عن الزهرى: فإن تطيعوه فهو حظكم وسعادتكم، وإن لم تطيعوه فقد أدى ما حمل وما عليه إلَّا البلاغ. وحكى الإمام الشافعى رضي الله عنه إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن من استبانت له سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وهو كلام حق لا يستراب فيه، كيف تترك نصوص الشارع المعصوم ويؤخذ بأقوال غيره ممن يجوز عليه الخطأ؟ فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلَّا صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، والآيات في هذا الباب كثيرة.

والمعنى: فإن تتولوا عن الطاعة إثر ما أمرتم بها فاعلموا أنما عليه مسئولية ما أمر به من التبليغ وقد شاهدتموه عند قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} وعليكم القيام بما أمرتم به من الطاعة.

وأما الأحاديث، فعن أبى نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: وَعَظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت

(3)

منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى اللَّه، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين عَضُّوا

(1)

يعنى السنة فإنها أيضًا تنزل عليه بالوحى كالقرآن إلا أنها لا يتعبد بتلاوتها كالقرآن، بل تقرأ للاهتداء بها وأخذ الأحكام منها ويؤيده قوله تعالى:{وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]. فكل ما حكم به رسول صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] في آيات أخر.

(2)

[سورة النور: الآية 54].

(3)

بالذال وفتح الراء من باب ضرب: سألت، أي لما تأثرت القلوب ظهر ذلك في العيون فجرى الدمع.

ص: 20

عليها بالنواجذ

(1)

وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" رواه أبو داود والترمذى وقال: حديث حسن صحيح. فقد أوصانا صلوات الله وسلامه عليه بلزوم سنته وسنة خلفائه الراشدين الذين هم على طريقته وحرض على ذلك بقوله: "عَضُّوا عليها بالنواجذ".

وعن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آنه قال: "من تمسك بسنتى عند فساد أمتى فله أجر مائة شهيد"

(2)

رواه الطبراني والبيهقي.

وعن عابس بن ربيعة قال: "رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل الحجر - يعنى الأسود - ويقول: إنى أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقيلك ما قبلتك" متفق عليه.

وروى الحاكم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه خطب في حجة الوداع فقال: "إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا. إنى تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب اللَّه وسنة نبيه".

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا بنى إن قدرت أن تصبح وتمسى ليس في قلبك غش لأحد فافعل"، ثم قال:"يا بنى وذلك من سنتى ومن أحب سنتى فقد أحبنى ومن أحبنى كان معى في الجنة" رواه الترمذى وقال: حديث حسن وقال: في الشفاء وشرحه: قال عمر ابن عبد العزيز -رحمه الله تعالى -: "سن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وولاة الأمور - يعنى الخلفاء الراشدين - بعده سننًا الأخذ بها تصديق لكتاب الله": أي حيث قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}

(3)

، "واستعمال لطاعة الله": أي في طاعة رسوله لقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}

(4)

وقد قال عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى". "وقوة على الدين": أي على كمال ملته وجمال شريعته. "ليس لأحد تغييرها": بزيادة أو نقصان فيها. "ولا تبديلها": بغيرها ظنًّا أنه أحسن منها. "ولا النظر في رأى من خالفها"، "من

(1)

الأضراس، وقيل: الأنياب، والعض: المسك بجميع الفهم، والنهش: المسك بمقدم الأسنان، فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: الزموا السنة واحرصوا عليها كما يحرص العاض على الشئ بنواجذه خوفًا من ذهابه وتفلته.

(2)

لشدة ما يقاسيه في تغيير المنكر وصبره على أذى الناس.

(3)

[سورة الحشر: الآية 7].

(4)

[سورة النساء: الآية 80].

ص: 21

اقتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" وهذا من كلامه الذى عنى به وبحفظه العلماء وكان يعجب مالكًا جدًّا ولَحَقٌّ ما كان يعجبهم، فإنه كلام مختصر جمع أصولًا حسنة من السنة؛ لأن قوله: "ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها" قطع لمادة الابتداع جملة، وقوله: "من عمل بها فهو مهتد

إلخ" الكلام مدح لمتبع السنة وذم من خالفها بالدليل الدال على ذلك وهو قول الله سبحانه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى

}

(1)

الآية، ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو سنة لا بدعة فيه ألبتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة، وقال على رضي الله عنه: لم أكن أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقول أحد من الناس وقال: إنى لست بنبى ولا يوحى إلىّ ولكنى أعمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ما استطعت. وقال أبو بكر

الصديق رضي الله عنه: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعمل به إلَّا عملت به. إنى أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ. اهـ باختصار.

والموفق السعيد من انتظم في سلك منَ أحيا سنة وأمات بدعة فكن (يا أخى) إياه؛ فقد كثرت البدع وعم ضررها واستطار شررها ودام الانكباب على العمل بها مع السكوت عن الإنكار لها حتى صارت كأنها سنن مقررات وشرائع من صاحب الشرع محررات. فاختلط المشروع بغيره وعاد المتمسك بمحض السنة كالخارج عنها كما سبق. فتأكد وجوب الإنكار على من عنده فيها علم ولا يهولنه أن المتعرض لهذا الأمر اليوم فاقد المساعد عديم المعين: فالموالى له يخلد به إلى الأرض. ويمد له يد العجز عن نصرة الحق بعد رسوخ البدع في النفوس، والمعادى يصوب إليه سهام الطعن ويرميه بمقذوفات الأذى لأنَّه يحارب عاداته الراسخة فما القلوب ويقبح بدعه المألوفة في الأعمال دينًا يتعبد به، ومذهبًا خامسًا يدين الله عليه لا حجة له عليها سوى عمل الآباء والأجداد، مع بعض

(1)

[سورة النساء: الآية 115].

ص: 22

من ينتسب إلى العلم أكانوا من أهل النظر في هذه الأمور أم لا، ولم يفقهوا أنهم بموافقتهم للآباء وهؤلاء الأدعياء مخالفون لكتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من بعده، فالمتعرض لمثل هذا الأمر ينحو نحو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في العمل حيث قال: ألا وإنى أعالج أمرًا لايعين عليه إلا أنه قد فنى عليه الكبير وكبر عليه الصغير وفصح عليه الأعجمى وهاجر عليه الأعرابى حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره" وكذلك ما عليه الناس اليوم.

غير أنه أمر لا سبيل إلى إهماله، ولا يسع أحدًا من ذوى الغيرة على الدين إلا الأخذ بالحزم والعزم في بيان الشريعة للناس ونصر السنة ومناهضة البدعة وإن كره المخالف، فكراهيته لا حجة فيها على الحق، وإن لله تعالى عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًّا يذب عنها وينطق بعلامتها، فعن الحسن أنه قال: لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده يعرضون أعمال العباد على كتاب الله فإذا وافقوه حمدوا الله وإذا خالفوه عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضل وهدى من اهتدى فأولئك خلفاء الله.

فاغتنم أيها الموفق هذه المنقبة وكن من أهلها، فإن النبي صلوات الله وسلامه

عليه أوصى معاذًا حين بعثه إلى اليمن فقال: "لأن يهدى الله بك رجلًا واحدًا خير لك من كذا وكذا" وأعظم القول فيه. رواه غير واحد من طرق صحيحة.

وعن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: "فوالله لأن يهدى اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" متفق عليه.

فسارع إلى الخير وادع إلى الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واعمل على بصيرة ونية حسنة بالرفق واللين، عسى أن يرد الله بك المبتدع الضال والزائغ المفتون ويهدى بك الجاهل الحائر، فتكون وارثًا نبويًّا وخلفًا من نبيك صلوات الله وسلامه عليه.

وصفوة القول أن ما تقدم من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة والآثار الحكيمة يدعو إلى اتباع الكتاب والسنة فإنهما الإمامان اللذان أمرنا بالاقتداء بهما والداعيان إلى سبيل الله، فاشدد يديك عليهما ولا تنظر

ص: 23

إلى ما عليه الناس من البدع والأهواء فإنه من أضر الأدواء. واسلك سبيل الحق لا تستوحش من قلة أهله وسيأتيك تفاصيل البدع بأنواعها وما ورد في النهى عنها - إن شاء الله تعالى - واعلم أن أصل الاتباع المخرج عن الابتداع يحصل بمتابعة العبادات ولا يحصل كمال الاتباع إلَّا بالاقتداء برسول الله صلوات الله وسلامه عليه في جميع حالاته: عباداته وعاداته، سكونه وحركاته. وللسلف الصالح من هذا الكمال المشرب الأصفى والحظ الوافر الأوفى.

أذاقنا الله تعالى حلاوة الاتباع، ووقانا بفضله شر الفضول والابتداع آمين.

ثم إن الناظرين في أمر البدع منهم من بحثها بحثًا أصوليًّا فرجع بها إلى الأصول والقواعد ووفاها حقها من هذه الجهة ثم ذكر بعض التفريعات عن هذه الأصول، وما لم يذكره منها يعلم مما ذكره بطريق المقايسة كالعلامة المحقق الأصولى البارع "الإمام الشاطبى" في كتاب "الاعتصام"، ومنهم من محمد إلى الفروع ونظر فيها من جهة موافقتها للسنة ومخالفتها وترك الكلام عليها من جهة القواعد رأسًا كالعلامة "ابن الحاج" في كتاب "المدخل" جزى الله كلا القريقين عن الدين والسنة خير الجزاء.

ولقد رأينا بعد إمعان النظر في هذه المراجع أن التكلم على أمر البدع والسنن في حاجة شديدة إلى الأمرين، وحاجته إلى الأصول والقواعد أشد، لهذا ذكرنا في هذا المختصر ما لابد منه للمرشد من هذه الأصول وما يتفرع عنها ليكون في محاربة البدع على بصيرة.

وبالله تعالى التوفيق وهو الملهم للصواب.

* * *

ص: 24

‌البابُ الأول في النظر في البدع من جهة الأصول والقواعد

وفيه فصول:

‌الفصل الأول في البدْعَة ومعناها

قال المحقق الإمام الشاطبى في "الاعتصام" ما ملخصه: أصل مادة (بدع)

(1)

للاختراع على غير مثال سابق ومنه قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}

(2)

: أي مخترعهما من غير مثال سابق، وقوله تعالى:{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ}

(3)

: أي ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمنى كثيرٌ من الرسل، لأنهم كانوا يعجبون من إرساله إليهم وهو بشر مثلهم ويقال: ابتدع فلان بدعة إذا ابتدأ طريقة لم يسبق إليها. وهذا أمر بديع يقال في الشئ المستحسن الذى لا مثال

له في الحسن. ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هى البدعة وقد يسمى العمل المعمول علي ذلك الوجه بدعة.

(1)

في "لسان العرب" ما حاصله: بدع مثلث العين، وابتدع، وأبدع، وتبدع، وبدعه، واستبدعه، وبدع، وبدعة.

بدعه: أنشأه كابتدعه ومنه بدع الله الخلق أحدثهم لا على مثال سابق. وبدع سمن وبدع بداعة وبدوعًا صار بديعًا، وأبدع أبدأ والشاعر أتى بالبديع فهو مبدع ومنه البديع الخالق المخترع لا عن مثال سابق فعيل بمعنى مُفعل. فالبديع المبدع والمبتدع، وتبدع تحول مبتدعًا، وبدَّعه نسبه إلى البدعة، واستبدعه عده بديعًا، والبِدع الأمر الذى يكون أولًا، وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع، أي هو أول من أحدثه فهو اسم فاعل بمعنى مبتدع ومنه:{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9].

وفى "المصباح": وأبدعت الشيء وابتدعته أستخرجته وأحدثته. ومنه قيل للحالة المخالفة: بدعة. والبدعة أسم من الابتداع كالرفعة صت الارتفاع ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة.

وفى "القاموس": البدعة الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأهواء والأعمال. وبهذا مع الأصل ينجلى اسم معنى البدعة لغة وشرعًا، وأنها كل ما أحدث على غير مثال سابق، وأما شرعًا ففيها طريقتان كما يأتى.

(2)

[سورة البقرة: الآية 117].

(3)

[سورة الأحقاف: الآية 9].

ص: 25

فمن هذا المعنى سمى العمل الذى لا دليل عليه من الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة والفاعل للبدعة هو المبتدع.

فالبدعة إذًا هى: عبارة عن (طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) وهذا على رأى من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأى من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقوله:(البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية).

وعرفها العلامة الشمنى بأنها ما أحدث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم أو عمل أو حال، بنوع شبهة أو استحسان وجُعل دينًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا. وهو قريب من تعريف الشاطبي والمراد بالعلم الاعتقاد وبالحال هيئة العمل.

بيان ألفاظ التعريف: (الطريقة والطريق والسبيل والسنن) بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه. والدين هو ما شرعه الله تعالى على لسان الرسول من العقائد والعبادات والمعاملات، وإنما قيدت بالدين لأنها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها واحترازًا عما يخترع في الدنيا فقط فإنه لا يسمى بدعة كإحداث الصنائع والقصور التى لا عهد بها فيما تقدم.

ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، خُص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع، أي طريقة ابتدعت على غير مثال سبقها من الشارع. إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع، فمعنى مخترعة: أنها لم يكن لها أصل في الشريعة وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادئ الرأى أنه مخترع مما هو متعلق بالدين كالنحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فلها أصل في الدين فلا تسمى بدعة ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما

ص: 26

سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام رمضان

بدعة

(1)

، وإما جهلًا بمواقع السنة والبدعة فلا يعتمد عليه (تضاهى الشرعية) يعنى أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام أو ليلته بقيام فإنه طريقة في الدين مخترعة تضاهى تخصيص الشارع أيامًا وليالى بأعيانها دون غيرها كيوم عاشوراء وليلة القدر وسائر ليالى رمضان خصوصًا العشر الأواخر منه، فلو كانت لا تضاهى الأمور المشروعة لم تكن بدعة لأنها تصير من باب الأفعال العادية، كالذى يقوم إلى الصلاة فيتنحنح مثلًا أو يتمخط أو يمشى خطوات يفعل ذلك بحكم العادة فمثل هذا لا حرج فيه وهو من العادات الجائزة التى لا تشابه المشروع ولا تلتبس به، وأيضًا فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهى بها السنة حتى يكون ملبسًا بها على الغير، أو تكون هى مما تلتبس عليه بالسنة؛ إذ الإنسان لايقصد الاستتباع بأمر لايشابه المشروع؛ لأنَّه إذا كان كذلك لا يستجلب بابتداعه نفعًا، ولا يدفع ضررًا، ولا يجيبه غيره إليه. ولذا ترى المبتدع ينتصر لبدعته بأمور توهم التشريع ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف مقامه في أهل الكمال، فأنت ترى العرب في تغيير ملة إبراهيم عليه السلام كيف تأولوا فيما أحدثوه احتجاجًا منهم كقولهم في أصل الإشراك:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}

(2)

، وطواف البعض بالبيت عرايا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها .. وما إلى ذلك مما وجهوه ليصيروه بالتوجيه كالمشروع فما ظنك بمن عد من خواص أهل الملة!؟ فلابد في حد البدعة من اعتبار مضاهاة الأمور المشروعة، وأن يكون إحداثها على أنها دين وشرع بحيث يكون المحدث لها مضاهيًا ونظيرًا للشارع في وضع القوانين (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله

(1)

فيه نظر إذ أن لفظ البدعة على رأيه لا يتناول إلَّا الحادث المذموم، فكيف يستعمل في مقام المدح في ذلك الشئ الممدوح (صلاة التراويح)؟ وقد قالوا: إن المجاز مطلقًا وإن لم يكن مبناه التشبيه وإلحاق النطر بالنظير وجعله في عداده يخيل المعنى المراد بالمعنى الأصلى ويعطيه صورته، فهل يريد عمر رضى الله عنه وهو يمتدح صلاة التراويح أن يصورها بصورة الشئ المذموم شرعًا فيكون مادحًا ذامًّا، فلو قال: إنه سماها بدعة بالمعنى اللغوى (وهو ما أحدث على غير مثال سابق) لكان صوابًا؛ لأن صلاة التراويح على الهيئة المعروفة لم تكن في زمن النبوة كما سيتضح لك.

(2)

[سورة الزمر: الآية 3].

ص: 27

تعالى) وذلك هو تمام معنى البدعة؛ إذ هو المقصود بتشريعها

وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع للعبادة والترغيب في ذلك لأن الله تعالى يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}

(1)

فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحداد كافٍ في التعبد فاخترع ما اخترع.

وقد تبين بهذا القيد أن العادات لا تدخل في معنى البدعة، فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهى المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية كالمغارم الملزمة على الأموال وغيرها على نسبة مخصوصة وقدر مخصوص مما يشبه فرض الزكاة ولم يكن إليها ضرورة. وكذا اتخاذ المناخل وغسل اليد بالأشنان وما أشبه ذلك من الأمور التى لما تكن من قبل فإنها لا تسمى بدعًا على أحد الرأيين وإلى هنا قد تبين الحد على الرأى الآخر إلَّا قوله:(يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية) ومعناه: أن الشريعة إنما جاءت بمصالح العباد في العاجل والآجل لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها فهو الذى يقصده المبتدع ببدعته؛ لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات، فإن تعلقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتى تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه، وإن تعلقت بالعادات فكذلك فإنه إنما وضعها لتأتى أمور دنياه على تمام المصلحة فيها. فمن يجعل المناخل في قسم البدع فظاهر أن التمتع عنده بلذة الدقيق المنخول أتم منه بغير المنخول، وكذلك المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولى الأمر، وقد أباحت الشريعة التوسع. في التصرفات فيعد المبتدع هذا من ذلك. وإلى هنا ظهر معنى البدعة وما هى في الشرع. ونسب الرأى الأول في معنى البدعة إلى الأمام مالك وأصحابه وجرى عليه الشاطبى ومحصله أن البدعة شرعًا ليس لها إلَّا معنى واحد وهو ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم على أنه دين وشرع بأن يجعل من الدين ما ليس منه، بناء على تأويل وشبهة غير معتد بها. فالمبتدع مشرع ومتبع هواه، وهو الذى ابتدع في دين الله وقد جعل نفسه نظيرًا ومضاهيًا للشارع، حيث شرع مع الشارع، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع

(1)

[سورة الذاريات: الآية 56].

ص: 28

وكفى بذلك، فلا تكون البدعة على هذه الطريقة إلَّا مذمومة، وليس كل مذموم محدث يقال له بدعة شرعًا، فمثل القتل والزنا وشرب الخمر حال ابتداعها مع اعتقاد حرمتها لا يقال لها بدعة.

‌طريقة ثانية في معنى البدعة

وهى أنها تطلق في عرف الفقهاء على معنيين:

(أحدهما): الحادث المذموم: بأن أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا، فهى ما لم يأذن به الشارع لا قولًا ولا فعلًا ولا صريحًا ولا إشارة، ولا تتناول الأمور العادية، وهى بهذا المعنى تشمل كل ما تناوله ذم الشارع ونهيه تحريمًا سواء أكان إحداثه على أنه دين الله وشرعه ولم يكَن كذلك أم لا، فالقتل أول إحداثه يقال له: بدعة، وكذا الزنا وشرب الخمر.

(وثانيهما): وهو أعم مما قبله: ما أحدث بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه، خيرًا كان أو شرًّا، عبادة أو عادة، هى ما يراد منه غرض دنيوى كالملابس والمساكن والمآكل والمشارب التى لم تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح، وظاهر أن هذا المعنى يتناول البدعة الواجبة والمحرمة والمندوبة والمكروهة والمباحة وكذا البدعة العادية.

وصفوة القول أن أرباب الطريقة الأولى في تعريف البدعة لا يطلقون لفظ البدعة إلَّا على الحادث المذموم بأن كان مخالفا للكتاب والسنة والإجماع والقياس، فهى ما نهى عنه تحريمًا في مثل حديث العرباض بن سارية بقوله صلى الله عليه وسلم:"وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" بقيد أن يكون إحداث هذا الحادث على أن يكون طريقة مسلوكة أو صار ذلك الحادث طريقة وسنة على هذا لا يدخل في تعريفها البدعة الواجبة والمندوبة والمباحة، فكان أخص مطلقًا من المعنى الأول وعلى الطريقة الثانية. هذا بناء على أن البدعة لا تتناول العاديات كما هو الرأى الأول في الطريقة الأولى وإلا فأخص من وجه، وأما أرباب الطريقة الثانية فيطلقون لفظ البدعة على معنيين أحدهما أخص من الآخر كما هو ظاهر.

وهذا الخلاف لفظى يرجع إلى تحقيق ما يطلق عليه لفظ البدعة شرعًا مما جعل دينًا وليس منه مذموم اتفاقًا كما أنه يسمى بدعة اتفاقًا كنذر

ص: 29

الصيام قائمًا لا يقعد، ساكتًا لا يتكلم، ضاحيًا لا يستظل، والتقرب إلى الله تعالى بالرهبانية.

والمحدثات التى يتناولها نهى الشارع مذمومة اتفاقًا كالقتل والمكوس والمظالم

المحدثة. إنما الخلاف في أنها تسمى بدعة كما تسمى محدثة: (لا) على الطريقة الأولى و (نعم) على الثانية، وكذا القول في المحدثات الحسنة التى تتناولها قواعد الوجوب أو الندب وأدلتهما العامة اتفاقًا كجمع المصحف وصلاة التراويح على الهيئة المعروفة إنما الخلاف في أنها تسمى بدعة كما تسمى محدثة (لا) على الطريقة الأولى و (نعم) على الثانية، وسنذكر لك تحقيق مثار الخلاف بين الطريقتين في تعريف البدعة - إن شاء الله تعالى.

وقد نسب الإمام الزركشى في قواعده إلى الإمام الشافعى رحمه الله المعنى الأول في معنى البدعة على الطريقة الثانية، ونسب إليه ابن حجر في "شرح الأربعين" المعنى الثانى الأعم، وروى عنه أبو نعيم أنه قال:"البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم"، وروى عنه البيهقي في مناقبه أنه قال أيضًا:"المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه بدعة الضلالة، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك فهذه بدعة غير مذمومة" هكذا نقله الحافظ بن حجر في شرح البخارى في كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة".

وعلى هذا الاصطلاح بنى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام المتوفى سنة ستين وخسمائة هلالية وتلميذه الإمام شهاب الدين القرافى المالكى المتوفى سنة أربع وثمانين وستمائة مذهبهما في تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة الآتية وهما مسبوقان في هذا التقسيم بالإمام الشافعى. وإذًا فلا وجه لتشنيع الإمام الشاطبى المتوفى سنة تسعين وسبعمائة على القرافى في تقسيم البدعة لأن المسألة كما علمت مسألة اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح مادام الحكم متفقًا عليه بين العلماء.

والذى ينظر في عبارة كثير من الأئمة يرى بعضها مصرحًا بأن البدعة تقال شرعًا بالمعنيين المذكورين في الطريقة الثانية، كما في عبارة العلامة الخادمى في شرح الطريقة المحمدية،

ص: 30

وبعضها مقتصر على المعنى الشرعى العام، والبعض على الخاص.

فمن الأول (الشرعى العام) قول العلامة العينى في "عمدة القارئ": والبدعة لغة كل شَئ عمل على غير مثال سابق، وشرعًا إحداث ما لم يكن له أصل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى على قسمين: بدعة ضلالة، وبدعة حسنة، وهى ما رآه

المسلمون حسنًا، ولا يكون مخالفًا للكتاب أو السنة أو الإجماع، وقريب منه قول الحديدى في "شرح نهج البلاغة": لفظ البدعة يطلق على مفهومين: أحدهما ما خولف به الكتاب والسنة، مثل صوم يوم النحر، وأيام التشريق، فإنه وإن كان صومًا إلَّا أنه منهى عنه، والثانى ما لم يرد فيه نص، بل سكت عنه ففعله المسلمون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما روى من قوله صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" محمول على تفسير البدعة بالمفهوم الأول، وقول عمر رضى الله عنه في صلاة التراويح: إنها لبدعة ونعمت البدعة هى: محمول على التفسير الثانى. اهـ.

ومن الثانى (الخاص) قول الإمام الزركشى في قواعده: البدعة في الشرع موضوعة للحادث المذموم، وقول السيد السند في تعريفاته: البدعة هى الأمر المحدث الذى لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعى.

وظاهر أن كلًّا من المعنيين لا يصح أن يكون للمعنى اللغوى لأعميته منهما، فوجب أن يكون بيانًا للمعنى الشرعى.

ثم إن العمومات الواردة في لسان الشرع مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" لابد من اعتبار التخصيص فيها إن أريد معنى البدعة على المعنى الثانى في الطريقة الثانية. وإن أريد المعنى على الطريقة الأولى فهى على ظاهرها لا تخصيص فيها وسيأتى الكلام على ذلك مفصلًا.

‌مقارنة بين معنى البدعة على كل من الطريقتين

1 -

النسبة بين الرأيين على الطريقة الأولى: العموم والخصوص المطلق يجتمعان في الحادث المذموم العبادى كنِحَل الهند، وينفرد الثانى في العادى كالمكوس والأكل على الموائد ونخل الدقيق.

ص: 31

2 -

النسبة بين المعنيين على الطريقة الثانية كذلك: يجتمعان في الحادث المذموم كالرهبانية، وينفرد الثانى في الخيرى كجمع المصحف.

3 -

النسبة بين الأول والأول من الطريقتين كذلك: يجتمعان في الحادث المذموم كالرهبانية، وينفرد الثانى في المعصية كالقتل أول إحداثه.

4 -

النسبة بين الرأى الثانى في الطريقة الأولى والمعنى الأول في الطريقة الثانية العموم والخصوص الوجهى: يجتمعان في الحادث المذموم العبادى كالطواف بالأضرحة، وينفرد الثاني في العادى كالأكل على الموائد والمعنى الأول في الطريقة الثانية في المعصية كالقتل أول إحداثه.

ومعنى قولنا: (ولا تتناول الأمور العادية) في تعريفها على القول الأول في الطريقة الثانية المعاملات كالمكوس والمظالم المحدثة.

وقولنا: (سواء أكان إحداثه على أنه دين أم لا) الأول كالرهبانية والثاني كالمعصية أول إحداثها.

فالمناهى نوعان: ما يمكن جعله قربة كالرهبانية، وما لا يمكن كالقتل والزنا وشرب الخمر أول إحداثها، فاحفظه فإنه نفيس.

‌السُّنةُ ومَعنَاها:

(السنة ومعناهما):

هى في اللغة بمعنى الطريقة ولو غير مَرْضِية، وشرعًا تقال في مقابلة البدعة على الطريقة المسلوكة في الدين بأن سلكها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أو السلف الصالح من بعده. وهى على هذا المعنى شاملة للواجب والمندوب والمباح سواء كانت من قبيل الأعمال أو الأقوال أو الاعتقادات. وما كان السلف يطلقون اسم السنة إلَّا بهذا المعنى، ومن هذا قوله صلوات الله وسلامه عليه:"عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" وتخصيص الفقهاء لها بما طلب طلبًا غير جازم اصطلاح طارئ قصدوا به التمييز بينها وبين الفرض وشاع في كثير من المتأخرين اختصاص اسم السنة بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم، ومنه تسمية جماعة الأشعرى وأبى منصور الماتريدى بأهل السنة والله سبحانه وتعالى أعلم.

* * *

ص: 32

‌الفصل الثاني في تقسيم السنة إلى فعلية وتَرْكية

وهو الأساس الأول للكلام في السنة والبدعة، والغلط الحاصل فيهما منشؤه الغفلة عن هذا الأصل، وهو أنه قد تقرر في فمن الأصول أن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن كان مما ظهر فيه أمر الجبلة كالأكل والشرب والقيام والقعود فلا نزاع في كونه على الإباحة له صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته عند الجمهور، وإن كان من خواصه كوجوب التهجد بالليل والمشاورة والتخيير لنسائه وكإباحة الوصال في الصوم والزيادة على الأربع في النكاح ودخول مكة بغير إحرام فلا يدل على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعًا. وإن كان فعله بيانًا لنا كصلاته الظهر أربعًا والمغرب ثلاثًا والصبح ركعتين، فإنه بيان لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:"صلوا كما رأيتمونى أصلى" رواه البخارى. وكقطعه يد السارق من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى:{فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}

(1)

. وكتيممه إلى المرفقين بيانًا لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}

(2)

. فهذا البيان تابع للمبين في الوجوب والندب والإباحة، وما ليس جبلة ولا مختصًا به ولا بيانًا، فإما أن يظهر فيه قصد القربة كخلعه صلى الله عليه وآله وسلم نعله عند الصلاة، وحلقه رأسه في الحديبية حين أمر الصحاية به فلم يفعلوا حتى حلق فقيل: هو للوجوب، وقيل: للندب، وقيل: للإباحة، وقيل: بالوقف. واختار الشوكانى كونه للندب، فإن قصد القربة يخرجه عن الإباحة إلى ما فوقها والمتيقن مما فوقها الندب، وبه قال ابن الحاجب، واختار الآمدى كونه للقدر المشترك بين الواجب والمندوب وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير. والفعل دليل قاطع عليه وما اختص به الواجب من الذم على الترك وما اختص به المندوب من عدم اللوم على الترك فمشكوك فيه - وليس أحدهما أولى من الآخر- وأما الإباحة وهى استواء الفعل والترك في رفع الحرج فهى خارجة عنه.

وإن لم يظهر فيه قصد القربة ففيه الأقوال الأربعة ورجح الشوكانى كونه للندب أيضًا معللًا بأن فعله صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يظهر

(1)

[سورة المائدة: الآية 38].

(2)

[سورة المائدة: الآية 6].

ص: 33

فيه قصد القربة

فهو للأبد أن يكون للقربة وأقل ما يتقرب به هو المندوب ولا دليل على زيادة على الندب فوجب القول به. ولا يجوز القول بأنه يفيد الإباحة، فإن إباحة الشئ بمعنى استواء طرفيه موجودة قبل ورود الشرع به. فالقول بها إهمال للفعل الصادر منه صلوات الله وسلامه عليه فهو تفريط كما أن حمل فعله المجرد على الوجوب إفراط والحق بين المقصر والغالى، وقال الآمدى: لا يفيد الندب على الخصوص، بل هو دليل على القدر المشترك بين الوجوب والندب والإباحة وهو رفع الحرج عن الفعل فقط.

وأما ما اختص به الوجوب والندب عن المباح من ترجح الفعل على الترك، وما اختص به المباح عنهما من استواء الطرفين فمشكوك فيه ورجح ابن الحاجب أنه للإباحة.

وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل لم يظهر فيه قصد القربة ولم ينضم إلى الفعل أمر آخر مثلًا. إذا فرضنا أن لبس الجبة لم يرد فيه سوى الفعل من الرسول أفيعد فعل الرسول له قربة مندوبًا وسنة من سنن الهدى يتقرب به إلى الله تعالى؛ هذا مختار الشوكانى، أو فعل الرسول له يخرجه من الحظر إلى الإذن فيه فقط. وأما كونه مندوبًا على الخصوص، أو واجبًا، أو مباحًا كذلك فيحتاج إلى دليل آخر وهذا مختار الآمدى، أو يدل على أنه مباح لا مندوب ولا واجب وهذا مختار ابن الحاجب ومع أن ابن الحاجب والآمدى لا يعدان الأفعال التى لم يظهر فيها قصد القرية قربة يثاب فاعلها، فإنهما لا ينازعان في أن الآتي بها مثاب إذا قصد التأسى بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكمال الرابطة. وإذا كان المباح كالأكل والنوم يثاب فاعله بقصد التقوى على العبادة فثواب الفاعل لأفعال الرسول هذه بهذا القصد أولى وأجزل.

وأما ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم فاعلم أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما تكون بالفعل تكون بالترك. فكما كلفنا الله تعالى باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فعله الذى يتقرب به إذا لم يكن من باب الخصوصيات، كذلك طالبنا باتباعه في تركه فيكون الترك سنة. وكما لا تتقرب إلى الله تعالى بترك ما فعل لا تتقرب إليه بفعل ما ترك فلا

ص: 34

فرق بين الفاعل لما ترك والتارك لما فعل، لا يقال: كيف ذلك وقد ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمورًا فعلها الخلفاء بعده وهم أعلم الناس بالدين وأحرصهم

على الاتباع، فلو كان الترك سنة كما تقول لما فعل الخلفاء أمورًا تركها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الكلام مفروض في ترك شيء لم يكن في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم مانع منه وتوفرت الدواعى على فعله كتركه الأذان للعيدين والغسل لكل صلاة وصلاة ليلة النصف من شعبان، والأذان للتراويح والقراءة على الموتى، فهذه أمور تركت في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم السنين الطوال مع عدم المانع من فعلها ووجود مقتضيها لأنها عبادات والمقتضى لها موجود وهو التقرب إلى الله تعالى والوقت وقت تشريع وبيان للأحكام، فلو كانت دينًا وعبادة يتقرب بها إلى الله تعالى ما تركها السنين الطويلة مع أمره بالتبليغ وعصمته من الكتمان فتركه صلى الله عليه وآله وسلم لها ومواظبته على الترك مع عدم المانع ووجود المقتضى ومع أن الوقت وقت تشريع دليل على أن المشروع فيها هو الترك وأن الفعل خلاف المشروع فلا يتقرب به لأن القربة لابد أن تكون مشروعة.

وأما ما فعله الخلفاء ولم يكن موجودًا قبل فهو لا يخرج عن أمور لم يوجد لها المقتضى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل في عهد الخلفاء كجمع المصحف، أو كان المقتضى موجودًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن كان هناك مانع كصلاة التراويح في جماعة فإن المانع من إقامتها جماعة والمواظبة عليها خوف الفرضية فلما زال المانع بانتهاء زمن الوحى صح الرجوع فيها إلى ما رسمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال حياته. وبهذا الأصل يسهل التوفيق يين الأدلة المتعارضة ظاهرًا، وسيأتى أن ما أحدثه الخلقاء يرجع إلى المصالح المرسلة وفرق بينها وبين البدع.

‌وإليك نصوص العلماء في تقسيم السنة إلى فعلية وتركية لتزداد بصيرة:

قال المحقق الإمام الشاطبى المالكى جوابًا عن سؤال حاصله أن يقال في البدعة: إنها فعل سكت الشارع عن حكمه في الفعل والترك. فالأصل

ص: 35

جواز فعله وتركه (أي أنه مباح) حتى يقوم الدليل على منعه أو كراهته. وإن صح أن السلف لم يفعلوه، فالترك لا يوجب حكمًا في المتروك إلا جواز الترك لا تحريمًا ولا كراهية، قال: إن إطلاق القول بأن الترك لا يوجب حكمًا في المتروك إلا جواز الترك وانتفاء الحرج خاصة غير جار على أصول الشرع الثابتة فنقول: إن هنا أصلًا لهذه المسألة وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما أو تركه لأمر ما على ضربين: ضرب سكت

عنه الشارع لعدم المقتضى له كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التى كمل بها الدين. وإلى هذا الضرب ترجع جميع المسائل التى نظر فيها السلف الصالح كتضمين الصناع والجد مع الإخوة وعول الفرائض وجمع المصحف وتدوين الشرائع مما لم يحتج في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم إلى تقريره وهذا الضرب ينظر فيه المجتهدون عند وجود سببه، فالسكوت عنها على الخصوص ليس بحكم يقتضى جواز الترك.

والضرب الثانى أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص أو يترك أمرًا من الأمور وموجبه المقتضى له قائم وسببه في زمان الوحى موجود ولم يحدد فيه الشارع أمرًا زائدًا على ما كان من الدين، فهذا القسم باعتبار خصوصه هو البدعة المذمومة شرعًا لأنَّه لما كان الموجب لشرعية الحكم موجودًا ثم لم يشرع كان صريحًا في أن الزائد على ماثبت هنالك بدعة مخالفة لقصد الشارع، إذ فهما من قصده الوقوف عند ما حد هنالك بلا زيادة عليه ولا نقصان منه كسجود الشكر عند الإمام مالك رضى الله عنه. ووجه كونه بدعة عنده أن السكوت عنه مع قيام المقتضى لفعله إجماع من كل ساكت على أنه زائد على ما كان إذ لو كان ذلك لائقًا شرعًا لفعلوه فهما كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به.

ثم قال أيضًا: ومن هذا الأصل يؤخذ إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع عموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "فيما سقت السماء والعيون والبعل العُشْر وفيما سقى بالنضح نصف

ص: 36

العشر"

(1)

رواه النَّسَائِيّ وأبو داود وابن ماجه. والبعل هو المسمى بالعَثَرِىّ. في الرواية الأخرى: وجه الأخذ أنا نزلنا ترك أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزكاة منها منزلة السنة القائمة في أن لا زكاة فيها، وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل وأنَّه بدعة منكرة من حيث وجد في

زمانه صلى الله عليه وآله وسلم المعنى المقتضى للتخفيف الترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليتراجعا كما كان أول مرة وأنَّه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها. انتهى.

وقال العلامة ابن القيم الحنبلى في "أعلام الموقعين": وأما نقلهم لتركه صلى الله عليه وآله وسلم فهو نوعان وكلاهما سنة:

(أحدهما): تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله كالغسل والصلاة في شهداء أُحُد والأذان والإقامة والنداء في صلاة العيد والتسبيح بين الصلاتين في حال الجمع بينهما.

روى مسلم من حديث جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا".

(والثانى): عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدث به في مجمع أبدًا علم أنه لم يكن، كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات، وتركه رفع يديه كل يوم بعد الرفع من ركوع الثانية في صلاة الصبح وقوله: اللهم اهدنا فيمن هديت يجهر بها ويقول المأمومون كلهم: آمين. ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة ألبتة وهو مواظب عليه لا يخل به

(1)

ولفظ البخارى: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر

" الحديث.

والعثرى - بفتح العين والثاء وكسر الراء وتشديد الياء - ما يسقى بالسيل الجارى في حفر وتسمى الحفرة عاثوراء لتعثر المار بها إذا لم يعلمها.

والنضح - بفتح فسكون -: الغرب أو السانية، والناضح: اسم لما يسقى عليه من بعير أو بقرة ونحوهما والفرق ثقل المؤنة هنا وخفتها في الأول.

ص: 37

يومًا واحدًا

(1)

، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمى الجمار والطواف والزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف. ومن هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه صلى الله عليه وآله وسلم سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ماتركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق.

لا يقال: من أين لهم أنه لم يفعله؟ وعدم النقل لا يستلزم عدم الفعل. فهذا

سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه. ولو صح السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لهـ ينقل؟ واستحب لنا آخر الغسل لكل صلاة وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا آخر رفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم الله أو اسم الرسول جماعة وفرادى وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أن إحياءها لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ومن هذا أخذ ترك الزكاة من الخضروات والمباطخ وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة فلا يطالبهم بزكاة ولا هم يؤدونها إليه. انتهى بتصرف.

وقال العلامة القسطلانى الشافعى في "المواهب" ما نصه: وتركه صلى الله عليه وآله وسلم سنة، كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوى بين فعله وتركه فنأتى من القول في الموضع الذى تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذى فعله. انتهى.

وقال العلامة ابن حجر الهيثمى الشافعى في فتواه ما حاصله: إن البدعة

(1)

والقنوت أيضًا منهى عند الحنفية لحديث سعد بن طارق الأشجعى "قال: قلت لأبي: يا أبت إنك صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى أفكانوا يقنتون؟ فقال: أي بنى محدث" رواه النَّسَائِيّ وابن ماجه والترمذى وقال: حسن صحيح - وإذا كان محدثًا فهو بدعة وهى منهى عنها - وهو سنة عند السادة الشافعية لحديث أنس رضي الله عنه: "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا" رواه الطبرانى وغيره. وعند السادة المالكية يقنت المصلى قبل الركوع سرًّا - فالمسألة خلافية - وقد حققها العلامة الكمال بن الهمام في كتاب "فتح القدير" فارجع إليه إن شئت.

ص: 38

الشرعية هى ما لم يقم دليل شرعى على أنه واجب أو مستحب فإن قام عليه دليل لا يسمى بدعة شرعية سواء أفعل في عهده صلى الله عليه وآله وسلم أم لا. فإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وقتال الترك لما كان مفعولًا بأمره صلى الله عليه وآله وسلم

(1)

لم يكن بدعة وإن لم يفعل في عهده، وكذا جمع القرآن في المصاحف والاجتماع على قيام رمضان وأمثال ذلك مما ثبت وجوبه أو استحبابه بدليل شرعى، وقول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: نعمت البدعة هى. أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ}

(2)

وليست بدعة شرعية، فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال صلى الله عليه وآله وسلم، ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسم البدعة

اللغوية ومن قال: كل بدعة ضلالة فمعناه البدعة الشرعية. ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان لغير الصلوات الخمس كالعيدين وإن لم يكن فيه نهى وكرهوا استلام الركنين الشاميين

(3)

والصلاة عقب السعى بين الصفا والمررة قياسًا على الطواف

(4)

. وكذا ما تركه صلى الله عليه وآله وسلم مع قيام المقتضى فيكون تركه سنة وفعده بدعة مذمومة. وخرج بقولنا مع قيام المقتضى في حياته تركه إخراج اليهود وجمع المصحف. وما تركه لوجود المانع كالاجتماع للتراويح فإن المقتضى التام يدخل فيه عدم المانع. انتهى.

وقوله: فإنما قسم البدعة اللغوية قد سبقه إلى ذلك الحافظ بن حجر العسقلانى فئ "فتح البارى" حيث قال: البدع جمع بدعة وهى كل شيء ليس له مثال تقدم فتشمل لغة ما يحمد وما يذم وتختص في عرف أهل الشرع بما يذم وإن وردت في الممدوح فعلى معناها اللغوى. اهـ.

ونقول: إن لفظ البدعة والابتداع الوارد في كلام الشرع وأهله يتبادر منه ما لم يكن في العهد النبوى بحيث يفهم منهما ذلك من غير حاجة إلى قرينة، بل من اللفظ نفسه هذا يأبى أن يكون مستعملًا في معناه اللغوى كما سيأتى تحقيقه في بيان مثار الخلاف وسيأتى تحقيق هذا.

(1)

أخرج البيهقي من حديث مالك عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"، وقد نفذ عمر هذه الوصية فأجلى يهود خيبر ونجران وفدك من الجزيرة والحديث عام لكل دين.

(2)

[سورة الأحقاف: الآية 9].

(3)

لأنَّه لم يثبت بدليل شرعى أنه واجب أو مستحب.

(4)

لأن العبادة إنما ثبتت بالنص دون القياس.

ص: 39

وقال ملا أحمد رومى الحنفى صاحب "مجالس الأبرار" ما ملخصه: لا تكون البدعة في العبادات البدنية كالصلاة والصوم والذكر والقراءة إلا سيئة؛ لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليه أو لوجود مانع أو لعدم تنبه أو لتكاسل أو الكراهة وعدم مشروعية. والأولان منتفيان في العبادات البدنية المحضة لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع. ولا يظن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عدم التنبه والتكاسل فذاك أسوأ الظن المؤدى إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة. وكذلك يقال لكل من أتى في العبادات البدنية المحضة بصفة لم تكن في زمن الصحابة إذ لو كان وصف

العبادة في الفعل المبتدع يقتضى كونها بدعة حسنة لما وجد في العبادات بدعة مكروهة، ولما جعل الفقهاء مثل صلاة الغائب والجماعة فيها، ومثل أنواع النغمات الواقعة في الخطب وفى الأذان وقراءة القرآن في الركوع مثلًا، والجهر بالذكر أمام الجنازة ونحو ذلك من البدع المنكرة. فمن قال بحسنها قيل له: ماثبت حسنه بالأدلة الشرعية فهو إما غير بدعة فلا يتناوله ذم الشارع ويبقى عموم حديث: "كل بدعة ضلالة"، وحديث:"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" على حاله لا تخصيص فيه. وإما بدعة ويكون مخصوصًا من هذا العام وخارجًا منه - فمن ادعى الخصوص فيما أحدث وأنَّه خارج من عموم الذم احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص من كتاب أو سنة أو إجماع مختص بأهل الاجتهاد ولا نظر للعوام ولعادة أكثر البلاد فيه. فمن أحدث شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، فعلم أن كل بدعة في العبادات البدنية المحضة لا تكون إلا سيئة.

والحاصل أن كل ما أُحدث يُنظَر في سببه، فإن كان لداعى الحاجة بعد أن لم يكن كنظم الدلائل لرد الشبه التى لم تكن في عصر الصحابة، أو كان وقد ترك لعارض زال بموت النبي صلوات الله وسلامه عليه كجمع القرآن، فإن المانع منه كون الوحى لا يزاد ينزل فيغير الله ما يشاء وقد زال كان حسنًا - وإلا فإحداثه بمحض العبادات البدنية القولية والفعلية تغيير لدين الله تعالى - مثلًا الأذان في الجمعة سنة وقبل صلاة العيد بدعة ومع

ص: 40

ذلك فهو يدخل في عموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}

(1)

، وقوله:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ}

(2)

فيقول: هذا زيادة عمل صالح لايضر لأنَّه يقال له هكذا تتغير شرائع الرسل، فإن الزيادة لو جازت لجاز أن يصلى الفجر أربعًا والظهر ستًّا ويقال: هذا عمل صالح زيادته لا تضر. لكن أهل السنة يتبعون النبي صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه في الفعل والترك. فإن الله تعالى قد بين لنا الشرائع وأتم لنا الدين فهذا هو من غير زيادة أو نقص. فالزيادة عليه كالنقصان فنعبده بما شرع ولا نعبده بالبدع. فعقولنا عن مثل ذلك قاصرة، وآراؤنا إذًا كاسدة خاسرة والعقول لا تهتدى إلى الأسرار الإلهية فيما شرعه من الأحكام الدينية.

أو ما ترى كيف نوديت إلى الصلاة دائمًا ونهيت عنها في الأوقات الخمسة وذلك ينتهى إلى قدر ثلث النهار. فينبغى للمسلم أن يكون حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وأعمالهم فهم السواد الأعظم ومنهم يعرف الحسن من القبيح والمرجوح من الرجيح، وإذا وقع أمر ينظر فيه إلى قواعد المجتهدين الذين هم السلف لمن خلف فإن وافق أصولهم قَبِلَه بِقَلْبِه وإلا فلينبذه وراء ظهره، وليتبصر في جلية أمره، لا يغتر بعوائد الناس فإنها السموم القاتلة والداء العضال، وعين المشاقة المؤدية إلى الضلال. وقد كان هشام بن عروة يقول:"لا تسألوا الناس اليوم عما أحدثوه فإنهم قد أعدوا له جوابًا، ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها"، وأخرج أبو داود عن حذيفة:"كل عبادة لم تفعلها الصحابة فلا تفعلوها"، وأخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع".

وقد علمت من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي صلوات الله وسلامه عليه مع قيام المقتضى على فعله فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة وعلمت أن لا معنى للابتداع في العبادات المحضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفارق الدنيا إلا بعد أن أكمل الله الدين وأتم نعمته على المسلمين: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}

(3)

.

وروى الطبرانى بسند صحيح عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:

"ما تركت شيئًا يقربكم إلى اللَّه تعالى إلا وقد أمرتكم به،

(1)

[سورة الأحزاب: الآية 41].

(2)

[سورة فصلت: الآية 33].

(3)

[سورة المائدة: الآية 3].

ص: 41

وما تركت شيئًا يبعدكم عن اللَّه تعالى إلا وقد نهيتكم عنه". وعلمت أن التمسك بالعمومات مع الغفلة عن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله وتركه هو من اتباع المتشابه الذى نهى الله عنه. ولو عولنا على العمومات وصرفنا النظر عن البيان لا نفتح باب كبير من أبواب البدعة لا يمكن سده ولا يقف الاختراع في الدين عند حد. وإليك أمثلة في ذلك زيادة على ما تقدم:

الأول: جاء في حديث الطبرانى: "الصلاة خير موضوع" لو تمسكنا بعموم هذا كيف تكون صلاة الرغائب بدعة مذمومة، وهى اثنتا عشرة ركعة عقب المغرب ليلة الجمعة الأولى من رجب يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة القدر ثلاث مرات، والإخلاص اثنتى عشرة مرة، وكيف تكون صلاة

شعبان بدعة مذمومة وهى مائة ركعة كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة الإخلاص إحدى عشرة مرة مع دخولهما في عموم الحديث. وقد نص العلماء على أنهما بدعتان قبيحتان مذمومتان كما يأتى. قال الإمام النووى في صلاة الرغائب: ليس لأحد أن يستدل على شرعيتها بما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصلاة خير موضوع" فإن ذلك يختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه وقد صح النهى عن الصلاة في الأوقات المكروهة. اهـ.

أي أن الحديث ليس على عمومه أن تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة من البدع المكروهة فإن التلاوة لم تشرع على هذا الوجه، ولا أن يخص من القرآن شيء دون شيء لا في صلاة ولا في غيرها فصار المخصص لها عاملًا برأيه في القصد لله تعالى. فقد أخرج ابن وضاح عن مصعب قال: سُئل سفيان عن رجل يكثر قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

(1)

لا يقرأ غيرها كما يقرؤها فكرهه، وقال: إنما أنتم متبعون فاتبعوا الأولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وإنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء.

وخرج أيضًا في العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك رحمه الله أنه سُئل عن قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (1) مرارًا في الركعة الواحدة فكره ذلك وقال: هذا من محدثات الأمور التى أحدثوا. ومحمل هذا عند ابن رشد من باب الذريعة ولأجل ذلك لم يأت مثله عن السلف - وإن كانت تعدل ثلث القرآن كما في الصحيح - فالتكرار عمل محدث في

(1)

[سورة الإخلاص: الآية].

ص: 42

مشروع الأصل بناء على ما قاله ابن رشد، أي أن هذه السورة احتوت على التوحيد ومن يقرؤها ويتدبرها كأنه قرأ ثلث القرآن ومع ذلك كان السلف يكرهون تكريرها والمداومة عليها دون غيرها خشية أن تصير عادة فيدخلها الابتداع.

الثانى: قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا}

(1)

، وقال عز وجل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}

(2)

إذا استحب لنا إنسان الأذان للعيدين والكسوفين والتراويح وقلنا: كيف

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولم يأمر به وتركه طول حياته؟ فقال لنا: إن المؤذن داع إلى الله، وإن المؤذن ذاكر لله كيف تقوم عليه الحجة، وكيف تبطل بدعته؟.

الثالث: قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

}

(3)

الآية، لو صح الأخذ بالعمومات لصح أن يتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والسلام في قيام الصلاة وركوعها واعتدالها وسجودها، إلى غير ذلك من الأمكنة التى لم يضعها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيها، ومن الذى يجيز التقرب إلى الله تعالى بمثل ذلك وتكون الصلاة بهذه الصفة عبادة معتبرة، وكيف هذا مع حديث:"صلوا كما رأيتمونى أصلى"؟ رواه البخارى، فلا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذى شرع.

الرابع: ورد في صحيح الحديث: "فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر" رواه النَّسَائِيّ وأبو داود وابن ماجه. لو أخذ بعموم هذا لوجبت الزكاة في الخضر والبقول مع إجماع العلماء إلا الإمام الأعظم على عدم وجوب الزكاة فيها ولا مستند لهم في عدم وجوب الزكاة سوى هذا الأصل وهو أن ماتركه صلى الله عليه وآله وسلم مع قيام المقتضى على فعله فتركه هو السنة وفعله هو البدعة.

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يرون في ترك الرسول صلى الله عليه وسلم للفعل مع وجود المقتضى له الحظر وأنَّه منهى عنه. دليل ذلك أنه لما قدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك عنه الصحابة وتركوه إلى أن بين لهم المانع بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليس بأرض قومى فأجدنى

(1)

[سورة فصلت: الآية 33].

(2)

[سورة الأحزاب: الآية 41].

(3)

[سورة الأحزاب: الآية 56].

ص: 43

أعافه" وأذن لهم في أكله فلو لم يكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مُتَّبَعًا في تركه كما هو مُتَّبَعٌ في فعله لما كان لتوقف الصحابة وجه، وقد فهموا - وهم أدرى الناس بالدين - أولًا أنه امتنع عنه لأنَّه منهى عنه فتركوه، وبعد أن أخبرهم بأن هناك سببًا آخر وهو عدم الإلف أكلوا منه ولم يروا بذلك بأسًا. (من "إرشاد الفحول" بتصرف).

ومن هذا الأصل العظيم تعلم أن أكثر أفعال الناس اليوم من البدع المذمومة،

كقراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت، تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتركه الصحابة مع قيام المقتضى للفعل وهو الشفقة بالميت وعدم المانع منه. فعلى هذا الأصل المذكور يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة. وكيف يعقل أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا نافعًا يعود على أمته بالرحمة وهو بالمؤمنين رءوف رحيم؟ فهل يعقل أن يكون هذا بابًا من أبواب الرحمة ويتركه الرسول صلى الله عليه وسلم طوال حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة مع العلم بأن القرآن الحكيم ما نزل للأموات إنما نزل للأحياء .. نزك ليكون ترغيبًا للمطيع وترهيبًا للعاصى، نزل لتهذيب نفوسنا، وإصلاح شئوننا، أنزل الله عز وجل القرآن كغيره من الكتب السماوية ليعمل على طريقه العاملون ويهتدى بهديه المهتدون. كما قال تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}

(1)

. فهل سمعتم أنَّ كتابًا من الكتب السماوية قرئ على الأموات، أو أخذت عليه الأجور والصدقات، والله يقول لنبيه:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}

(2)

لهم أن يتصدقوا على موتاهم لكن لا ثمنًا للقرآن.

وكالاجتماع للمآتم. هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقيمها أو كانت سنته أن يدفن الواحد من أصحابه ويذهب كل إلى عمله، ويشتغل بمصالحه ويتركه إلى مولاه ليس معه إلا ما قدمت يداه .. ؟ هذه كانت طريقته صلوات الله وسلامه عليه والله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ

(1)

[سورة الإسراء الآيتان 9، 10].

(2)

[سورة ص: الآيات 86 - 88].

ص: 44

اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ

}

(1)

فلنتأس به في الترك كما نتأسى به في الفعل.

وكالتغنى بمدح السلاطين، والترنم وقت الخطبة، وكالتبليغ لغير حاجة بأن كان المسجد صغيرًا أوكان العدد قليلًا وصوت الإمام يبلغ الجميع إلى غير ذلك من البدع التى حدثت ولم تفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين مع وجود مقتضيها في زمن التشريع وعدم المانع منها. وسيأتى لهذا الأصل فروع كثيرة إن شاء الله تعالى.

‌الكلام على حديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد

":

في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".

وفى رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".

بيان الرواية الأولى: "من أحدث في أمرنا" أي أنشأ واخترع من قِبَل نفسه فما شأننا الذى نحن عليه وهو ما شرعه الله ورسوله، فالمراد من الأمر الدين كما في رواية. وعبر عنه به تنبيهًا على أن هذا الدين هو أمرنا الذى نهتم به بحيث لا يخرج عنه شيء من أقوالنا لا أفعالنا. "هذا": استعمل اسم الإشارة في غير المشاهد مع أنه موضوع له لتنزيله منزلته اعتناء بشأنه وإحضاره في ذهن السامع ليتميز أكمل تميز، ولذا أتى بما يشار به للقريب بيانًا لحاله في القرب.

"ما ليس منه": أي شيئًا أو الذى ليس منه، فعلًا كان أو قولًا أو اعتقادًا؛ لأن "ما" من صيغ العموم، ومعنى كونه ليس منه: أن ينافيه ولا يشهد له شيء من قواعده الكلية وأدلته العامة وهو المسمى بالبدعة. أما ما لا ينافيه بأن يشهد له شيء من قواعد الشرع أو أدلته فليس برد، بل هو مقبول كبناء الحصون وتشييد معاهد العلم ودور الصناعات وسائر أنواع البر التى لم تعهد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والتعاون على البر والتقوى. "فهو": الضمير عائد على ما في قوله: ما ليس منه. والرابط بين الشرط وجوابه محذوف، والمعنى فذلك الذى ليس منه وهو المحدث. "رد": أي مردود على فاعله من إطلاق المصدر على اسم المفعول، ومعنى كونه مردودًا عليه أنه

(1)

[سورة الأحزاب: الآية 29].

ص: 45

باطل غير معتد به ولا معَوَّلٍ عليه، وهو عام مخصوص بالمحدث الذى لم يشرع بالكلية كنذر القيام وعدم الاستظلال، أو دل الشرع على حرمته لذاته كصلاة بلا ركوع، أو لخارج لازم كصلاة بلا طهارة. أما لو كانت حرمته لخارج عنه غير لازم كالبيع وقت النداء، أو الصلاة في أرض مغصوبة فلا يكون باطلًا.

وبيان الرواية الثانية: "من عمل عملًا" المراد منه ما يشمل عملى القلب واللسان لما عرفت أن القول والاعتقاد كذلك. "ليس عليه أمرنا فهو رد"، وقوله:

"من عمل عملًا": أي محدثًا له أو تابعًا فيه غيره من غير إحداث منه له. فاستفيد منها زيادة على ما مر رد ما قد يحتج به بعض الفاعلين للبدعة من أنه لم يخترع ولم يحدث شيئًا وإنما المخترع والمحدث من سبقه، ويحتج على ذلك بالرواية الأولى فيرد عليه بهذه الرواية الصريحة في رد المحدثات المخالفة للدين الخارجة عما شرعه الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم سواء أحدثها أو سبق بإحداثها.

‌الدِّين هو ما شرعهُ اللَّه تعالى:

ولزيادة البيان في هذا المقام نقول: معلوم أن الدين هو ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه من العقائد والعبادات، وأنَّه جلَّ ثناؤه كما علمنا كيف نعبده ونتقرب إليه بما يصلح قلوبنا ويهذب نفوسنا من أنواع القرب، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، علمنا كيف يعامل بعضنا بعضًا بتبادل المنافع، ومرافق هذه الحياة من بيع وشراء، وإجارة وقرض، وشركة ورهن، وزواج وخلع، لحفظ نظام المجتمع من الفوضى والاضطراب، وقد رسم لعباده في نوع العبادات رسومًا لبيان كميتها، وكيفيتها، وأوجب عليهم أن يقفوا عندها، وحرم عليهم أن يتعدوها؛ لأنَّه تعالى أعلم بما يصلح أرواحهم ويزكى نفوسهم، فكان المرجع إليه تعالى، وإلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه في بيان ذات العبادة وكيفيتها، فليس لأحد كائنًا من كان أن يخترع عبادة، أو يحدث فيها هيئة من عند نفسه يزعم التقرب بها إلى مولاه، فذلك عين المشاقة والضلال المبين.

ص: 46

‌نَوعُ المعَاملات:

(وأما نوع المعاملات) فقد سن للناس فيها قوانين عامة وقواعد كلية؛ لأن لها جزئيات تتجدد بتجدد الأيام، وتتغير برقى الأمم والشعوب، فلا يتيسر لهما تحديدها بكمية ولا كيفية، فقضت مشيئة الله عزت قدرته وجلت حكمته أن يكون لها من القواعد الكلية والأدلة العامة ما يكون مرجعًا لها وميزانًا تعرض عليه، فإن كانت تلك المعاملة مما تقبلها هذه القواعد والأدلة المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتندرج تحتها فهى مشروعة، وإن كانت لا تقبلها ولا تندرج تحتها كانت غير مشروعة، ومخالفة للشارع ومعاندة له.

فمن هذه القوانين العامة قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}

(1)

فإنه جلَّ ثناؤه حرم على الناس بهذا الأصل أن يأخذ بعضهم مال بعض بغير مقابل شرعى وهو يعم جميع الأموال، وكل ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه فهو مأكول بالباطل وإن طابت به نفس مالكه كأجر البغى، وحلوان الكاهن، وثمن الخمر، وأجر ضراب الفحل، والمأخوذ بحكم القاضى مستندًا في حكمه إلى شهادة زور أو يمين فجور، فكل هذا لا يحل أخذه فإنه من أكل أموال الناس بالباطل. والكاهن الذى يدعى علم الغيب ويخبر عن الأمور المستقبلة ويدعى معرفة الأسرار (الضمائر)، ومثله: المنجم والعراف والرمال وضراب الحصا، فكل هؤلاء لا يحل لهم ما أخذوه ولايجوز تصديقهم كما سيأتى ذلك مفصلًا في بدع الاعتقادات.

ومنها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}

(2)

فإنها من إمهات الآيات المشتملة على كثير من الأحكام الشرعية، والخطاب فيها يعم جميع الناس في جميع الأمانات ويدخل فيه الولاة دخولًا أوليًا فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات، ورد المظالم وتحرى العدل في أحكامهم، ويدخل فيه غيرهم فيجب عليهم رد ما لديهم من الأمانات، والتحرى في الشهادات والأخبار، وكتمان الأسرار.

ومنها قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "لا ضرر ولا ضرار" رواه ابن ماجه والدارقطى وغيرهما فهو يحرم جميع أنواع الضرر قل أو كثر؛

(1)

[سورة البقرة: الآية 188].

(2)

[سورة النساء: الآية 58].

ص: 47

لأن النكرة في سياق النفى تعم، والضر إلحاق الأذى بالغير مطلقًا، والضرار إلحاقه به على وجه المقابلة بالمثل وخبر لا محذوف، أي موجودان في ديننا.

والحديث خبر بمعنى النهى أي لا يضر أحد غيره ولا يجازيه على إضراره، بل يعفو ويصفح، أي لا يضر من لا يضره، ومن يضره، فالضرر ابتداء الفعل والضرار الجزاء عليه. وقد أخذ الأئمة منه القاعدة المشهورة (وهى أن الضرر يزال) وبنوا عليها كثيرًا من أبواب الفقه كالرد بالعيب، وجميع أنواع الخيار من إخلاف الوصف المشروط، والتغرير، وإفلاس المشترى وغير ذلك، وكدفع الصائل، وقتال المشركين والبغاة، وفسخ النكاح بالعيوب أو الإعسار.

ويتعلق بهذه القاعدة جملة قواعد:

(منها): ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها كالمضطر لا يأكل من الميتة إلَّا بقدر سد الرمق.

(ومنها): الضرر لا يزال بالضرر وهى مقيدة لقاعدة الضرر يزال أي يزال ولكن لا بضرر، ومن فروعها أن لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر.

(ومنها): إذا تعارض مفسدتان روعى أكبرهما ضررًا بارتكاب أخفهما وهذه القاعدة في معنى الاستثناء من القاعدة الثانية.

(ومنها): درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، هى نطر التى قبلها في أن كلا فيه تقديم شئ على شيء وغير ذلك كثير.

ومن القواعد العامة قول الأئمة رضى اللّه عنهم أجمعين الضرورات تبيح المحظورات، أخذوها من آية:{إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}

(1)

فتلك هى القوانين العامة التى يرجع إليها في نوع العاملات.

صفوة القول أن الشارع الحكيم قد رسم للناس في العبادات طرقًا معينة على كيفيات معينة، وألزمهم الوقوف عندها، كجعل الصلوات عددًا معينًا بكيفية معينة في أوقات معينة بطهارة مخصوصة، وجعل الصيام في شهر مخصوص في النهار لا في الليل، والحج عملًا مخصوصًا بكيفية مخصوصة فلا يجوز لهم أن يزيدوا في العبادة ولا أن ينقصوا منها، كما لا يجوز لهم أن يخترعوا في العبادة هيئة لم يرسمها الدين: كالقراءة في الركوع أو السجود، أو التشهد في القيام بدل القعود، أو التسبيح في القيام بدل القراءة، أو الجهر في السرية، والإسرار بالجهرية .. وما إلى ذلك من الهيئات التى لم يأذن بها الله ولا رسوله الأمين ولم يرشد إلى

(1)

[سورة الأنعام: الآية 119].

ص: 48

عملها، فكل هذا عمل ليس من الدين -فهو مردود- وكذا كل معاملة لا يشهد لها أصل من الأصول العامة.

‌ويستفاد من الحديث الأول أمور:

(منها): أن فيه دلالة للقاعدة الأصولية أن مطلق النهى يقتضى الفساد؛ لأن المنهى عنه مخترع محدث وقد حكم عليه بالرد المستلزم للفساد، فكل العقود المنهى

عنها باطلة غير معتد بها ولا تترتب عليها آثارها التى كانت تترتب عليها إذا كانت مشروعة، فإن جميع المنهيات ليست من أمر الدين فيلزم ردها. ومن قال: لا يقتضى الفساد، يقول: هذا خبر واحد وهو ظنى فلا يكفى في إثبات هذه القاعدة المهمة. قال الإمام النووى رحمه الله: وهذا جواب فاسد لأنها متعلقة بالفروع العملية التى يكتفى فيها بالظنى بخلاف العقائد التى لابد فيها من العلم.

(ومنها: أن الاختراع في الأمور الدنيوية لا حرج فيه ما دام لم يصادم أصلًا من أصول الدين. فالشريعة تبيح للناس أن يخترعوا في أمور الدنيا ما أرادوا، وفى صناعاتهم ومساكنهم ما شاءوا، بشرط المحافظة على قاعدة العدل ودرء المفاسد وجلب المصالح، بل قد يكون مأجورًا في إحداث كل ما يرقى أمته ويعود عليها بالخير والرفاهية.

(ومنها): أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر لقوله: "ليس عليه أمرنا" والمراد به أمر الدين، فلا يحل به الحرام إذا كان ما ادعاه باطلًا في الواقع والشهود كَذَبَةٌ وينفذ حكمه ظاهرًا فقط، وإليه ذهب الجمهور وخالف أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- فقالا: ينفذ حكمه ظاهرًا باطنًا. مثلًا لو حكم بشهادة زور أن هذه المرأة زوجة فلان حلت له عندهما ولها أن تمكنه من نفسها: عند الجمهور لا تحل له ولا يحل لها أن تمكنه منها والمسألة مبسوطة في كتب الحديث والفروع.

(ومنها): أن الصلح الفاسد منقوض، والمأخوذ فيه مستحق الرد، كالصلح الذى يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، كأن شرط فيه أكل مال الغير بالباطل أو وطء أمة لا تحل له، أو كان فيه ضرر بأحد الطرفين كاشتراط البائع ألا يطأ الأمة، وقد جاء مصرحًا به في حديث الأعرابى الذى رواه البخارى وغيره في كتاب الصلح عن أبى هريرة وزيد ابن خالد رضى الله عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللّه صلى أدنه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه أنشدك اللّه إلا قضيت لي بكتاب اللّه، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه:

ص: 49

نعم فاقض بيننا بكتاب اللّه وائذن لي، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"قل". قل: إن ابنى كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإنى أخبرت أن على ابنى الرجم فافتديت ابنى منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن ما على ابنى مائة جلدة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله. سلم: "والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه، الغنم

والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجمت. فهذا صلح عن الرجم بالمال وهو لا يجوز في الحدود فكان فاسدًا منقوضًا والمأخوذ به مستحق الرد. منه يستفاد أن الباطل من القضاء مردود وما خالف السنة الواضحة من ذلك فباطل، وأن من قضى له بشيء وقبضه لا يدخله قبضه في ملكه؛ لذا كان هذا القضاء خطأ وجورًا وخلافًا للسنة ولا يصح له ذلك وعليه رده.

وأنشدك -بفتح الهمزة وضم المعجمة والمهملة-: أي أسألك باللّه كأنه قال: أقسمت عليك باللّه وائذن لي في أن أقول. والعسيف: الأجير، والوليدة: الجارية.

"ولأقضين بينكما بكتاب اللَّه": لأحكمن بينكما بحكم اللّه الذى شرع لنا، إذ ليس في الكتاب "القرآن" ذكر الرجم والتغريب، والكتاب لغة يطلق على الحكما وعلى الفرض، قال تعالى:{كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}

(1)

، وقال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}

(2)

كما يقال على القرآن.

(ومنها): أن ديننا قد كمل واشتهر وظهر ظهور المحسوس كالشمس بحيث صار لا يخفى على ذى بصر وبصيرة بشهادة قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}

(3)

. {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}

(4)

. {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}

(5)

. فمن رام زيادة عليه فقد حاول ما ليس بِمَرْضِىٍّ لدى اللّه تعالى؛ لأنَّه لقصور عقله وقلة فهمه رآه ناقصًا ولو أنصف الحق لعلم أنه هو الناقص والمطرود المحروم.

(ومنها): الحث على الاتباع والتحذير من الابتداع إلى غير ذلك مما لا يحصى.

قال العلامة الشوكانى: هذا الحديث من قواعد الدين؛ لأنَّه يندرج

(1)

[سورة النساء: الآية 24].

(2)

[سورة المائدة: الآية 3].

(3)

[سورة البقرة: الآية 183].

(4)

[سورة الأنعام: الآية 153].

(5)

[سورة يوسف: الآية 108].

ص: 50

تحته من الأحكام ما لا يأتى عليه الحصر، وما أصرحه وأدله على إبطال ما ذهب إليه الفقهاء من

تقسيم البدع إلى أقسام وتخصيص الرد ببعضها بدون مخصص من عقل ولا نقل!! فعليك إذا سمعت من يقول: "هذه بدعة حسنة" بالقيام في مقام المنع مستندًا له بهذه الكلية وما يشابهها من نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "كل بدعة ضلالة" طالبًا لدليل تخصيص تلك البدعة التى وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة، فإن جاءك به قبلته، وإن كاع كنت قد ألقمته حجرًا واسترحت من المجادلة، وقوله: كاع، هابه وجبن عنه تقول: كعت عنه أكيع، وأكاع كيعًا، وكيعوعة لغة في كعت عن الأمر أكع إذا هبته وجبنت عنه فهو كائع وكاع على القلب، ومثل هذا القول من الشوكانى مبنى على ظن أن الذاهبين إلى أن من البدعة ما هو حسن يتوسلون بذلك إلى استحسان ما يستقبحه الشرع وحاشاهم أن يفعلوا هذا وهم من العلماء الأجلاء، وسيأتى سندهم في هذا التقسيم -إن شاء اللّه تعالى-.

(وقال الحافظ ابن حجر) في "الفتح": هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله لا يلتفت إليه.

(وقال الإماء النووى): وهذا الحديث مما ينبغى حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به.

‌الفصُل الثالث في أقسَام البدعة

تنقسم البدعة باعتبارات إلى قسمين: عام، وخاص:

(أما الأول): وهو ما يمكن جريانه في الطريقتين، فمن وجوه:

(الوجه الأول): تنقسم إلى فعلية وتركية، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريمًا للمتروك أو غير تحريم، فإن الفعل مثلًا قد يكون حلالًا بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه بالحلف أو يتركه قصدًا بغير حلف، فهذا الترك إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعًا أو ألا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، كالذى يحرم على نفسه الطعام الفلانى من أجل أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، وكالذى يمنع نفسه من تناول اللحم لكونه مصابًا بمرض الكلى فإنه يهيجه عليه فلا مانع من الترك، بل إن قلنا بطلب التداوى للمريض كان

ص: 51

الترك هنا مطلوبًا فهذا راجع إلى العزم على الحمية من المضرات وأصله قوله عليه الصلاة والسلام: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" رواه الجماعة. ذلك أنه يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت، وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس كترك الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض خشية الإتيان. فذلك من أوصاف المتقين، وكترك المتشابه حذرًا من الوقوع في الحرام واستبراء للدين والعرض، كما إذا وجد في بيته طعامًا لا يدرى أهو له، أو لغيره، وكمن أراد أن يتزوج امرأة فأخبرته امرأة أنها أرضعتهما ولا يعلم صدقها من كذبها، فإن ترك أزال عن نفسه الشك وإن تزوجها فإن نفسه لا تطمئن إلى حلها.

وإن كان الترك لغير ذلك فإما أن يكون تدينًا أو لا، فإن لم يكن تدينًا فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك. ولا يسمى هذا الترك بدعة إلَّا على الرأى الثانى القائل إن البدعة تدخل في العادات أما على الأول فلا. لكن التارك يصير عاصيًا بتركه أو اعتقاده التحريم فيما أحل اللّه.

وأما إن كان الترك تدينًا فهو الابتداع في الدين على كلا الرأيين، إذ قد فرضنا الفعل جائزًا شرعًا فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل، كترك كثير من العباد والمتصوفة تناول الطيبات تنسكًا وتعبدًا للّه بتعذيب النفس وحرمانها، اتبعوا في هذا سنن من قبلهم شبراً بشبر وذراعًا بذراع كعباد بنى إسرائيل ورهبان النصارى، وهؤلاء أخذوها عن بعض الوثنيين من البراهمة الذين يحرمونا جميع اللحوم ويزعمون أن النفس لا تزكو ولا تكمل إلا بحرمان الجسد من اللذات وقهر الإرادة بمشاق الرياضات، وكترك أهل الآستانة أكل لحم الحمام، فهو يفرخ في مساجدهم وبيوتهم، ولا يأكل أحد منه شيئًا، بل يتحرجون من أكله وينكرونه، فإن كان تركهم له تدينًا لاعتقادهم حرمته فهو بدعة تركية وإلا لا مع عصيانهم باعتقاد التحريم فيما أحل لهم وفى مثله نزل قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين}

(1)

فنهى أولًا عن تحريم الحلال وأشعر

(1)

[سورة المائدة: الآية 87].

ص: 52

ثانيًا بأن ذلك اعتداء، وأن من اعتدى لا يحبه اللّه؛ لأن بعض الصحابة أراد أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر أكل اللحم، وآخر إتيان النساء وبعضهم هم بالاختصاء مبالغة في ترك شأن النساء؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟ لكنى أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى" متفق عليه من حديث أنس، فإذًا كل من منع نفسه من تناول ما أحل اللّه من غير عذر شرعى فهو خارج عن سنة النبي صلوات اللّه وسلامه عليه، والعامل بغير السنة تدينًا هو المبتدع بعينه.

(وكذلك) ترك المطلوبات الشرعية وجوبًا أو ندبًا يسمى بدعة إن كان الترك تدينًا؛ لأنَّه تدين بضد ما شرع اللّه، أما تركها كسلًا أو تضييعًا أو ما أشبه ذلك من الدواعى النفسية فهو راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية وإلا فلا، مثال الترك تدينًا: أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذى حددوه وذلك هو الضلال البعيد، فإن اللّه جلت حكمته كلف عباده كافة بما شماء، ولا يسقط التكليف رأسًا إلَّا بزوال العقل، فلو بلغ المكلف من مراتب الكمال ما بلغ بقى التكليف عليه إلى الموت. ولم يبلغ أحد في الكمال مرتبة رسول اللّه

صلوات الله وسلامه عليه ولا رتبة أصحابه الأطهار الأخيار، ولم يسقط عنهما من التكليف مثقال ذرة، إلَّا ما لا طاقة له به كالزمن لا يطالب بالجهاد، والمقعد لا يطالب بالصلاة قائمًا، والحائض لا تطالب بالصلاة حال الحيض، وما إلى ذلك من الأعذار. فمن زعم أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الكمال كما يزعمه أهل الإباحة كان اعتقاده هذا بدعة مخرجة من الدين، نعوذ باللّه من الضلال. وبعض الروافض الذين يدينون بشهادة الزور لموافقيهم في العقيدة إذا حلف على صدق دعواه.

(الوجه الثانى): تارة تكون عملية وتارة تكون اعتقادية

(1)

، فالأولى كونها عملًا من أعمال الجوارح كالطواف حول الأضرحة والذكر أمام الجنائز،

(1)

اختلف في الاعتقاد هل هو من أفعال القلب أو لا والتحقيق أنه من مقولة الكيف لا الفعل.

ص: 53

أو كيفية ذلك العمل كصلاة الرغائب وصلاة ليلة النصف من شعبان، أو من أعمال القلب التى ليست اعتقادية كالنية في صلاة ركعتين بنية طول العمر مثلًا، والثانية كونها اعتقادًا للشيء على خلاف ما هو عليه من المعروف عن الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه لا بمعاندة، بل بنوع شبهة سواء أكان مع الاعتقاد عمل أم لا، كمسح الشيعة على الرجلين وإنكارهم المسح على الخفين

(1)

وكاعتقاد الشبهة والمجسمة والقدرية، والمشبهة قوم شبهوا اللّه تعالى بالمخلوقات ومثلوه بالحوادث والمجسمة غلاتهم المصرون على التجسيم الصرف، وأما غير غلاتهم مشبهة الحشوية فقالوا: هو جسم لا كالأجساء من لحم ودم لا كاللحوم وله الأعضاء والجوارح، والقدرية فرقة تقول: إن أفعال العباد مخلوقة لهم من دون اللّه تعالى.

(الوجه الثالث): تنقسم باعتبار الأزمنة أو الأمكنة أو الأحوال كالتى تقع في الموالد والأفراح والأعياد والمواسم وكالتى تقع في المساجد والجنائز والمآتم والمقابر والأضرحة، وكالتى تقع في الضيافة والعبادة والمعاشرة والعادات والمعتقدات. وقد تكون البدعة عامة لا تختص بزمان ولا مكان. وسيأتى بسط هذه الأنواع في الباب الثانى -إن شاء اللّه تعالى-.

ومن النوع الأخير تلك البدعة السيئة التى تكون من جماعة المتفرنجين الذين تسممت نفوسهم بسموم المدنية الكاذية والحرية الممقوتة من ولوعهم بحكم الغربيين وما ظهر على أيديهم من كرم أخلاق أو حسن صناعة أو شئ من أنواع المخترعات، فتراهم يكثرون من الإعجاب بها وضربها أمثالًا لهم في محاضراتهم ومقالاتهم.

إنا ننقم على المتسمين بالإسلام ذلك لا كراهة في الجميل إذا ظهر على يد الغربى، فإن الحكمة ضالة المؤمن أنى جدها التقطها لا يبالى من أي وعاء خرجت (ولكن) من حيث جهلهم بما جاءت به الشريعة الغراء من الحكم العالية والآداب الراقية الآثار الجميلة التى يزين الإنسان التمثل بها في كل فمن من فنون الأدب ويشرفه أن ينشرها في كل زمان ومكان. ولقد ظهر على يد السلف الصالح من الحكم والآداب ومكارم الأخلاق

(1)

راجع الفخر في تفسير آية الوضوء (المسألة الأربعون).

ص: 54

وإتقان الأعمال في سياستهم المنزلية والمدنية وفى حروبهم وقضائهم بين الناس ما هو أعلى بكثير مما يندهش له هؤلاء الجهلاء عند ظهوره على يد أوربا زاعمين أن الإسلام وأهله خلو من هذه المحاسن، وقد جر ذلك شرًّا مستطيرًا على كثير من البسطاء وضعفاء الإيمان، فاعتقدوا إصابتهم في كل ما ينسب إليهم ولو كان مصادمًا لحدود الدين، وربما ذهبوا إلى أنه يجب أن تكون رسوم الشرع الشريف طبق ما عليه علماء أوربا، وإلا كان دين الهمجية والوحشية نعوذ باللّه من الضلال. فعلى المسلم العاقل أن يقف على محاسن دينه رآثار السلف الصالح ليعلم أن المحاسن التى في دينه ولسلفه كثيرة جمة المنافع جديرة بأن ينشدها في محاوراته وينشرها في سائر الطبقات.

(الوجه الرابع): تنقسم إلى حقيقية وإضافية، فالحقيقية ما كان الابتداع فيها من جميع وجوهها، فهى بدعة محضة ليست فيها جهة تندمج بها في السنة، وهى التى لم يدل عليها دليل شرعى من كتاب أو سنة أو إجماع أو استدلال، فالاستدلال دليل ليس بنص من كتاب أو سنة ولا إجماع ولا قياس، ذلك أن علماء الأمة أجمعوا على أن ثم دليلًا شرعيًّا غير ما ذكر، اختلفوا في تشخيصه فقال قوم: هو الاستصحاب، وهم الشافعية وقوم الاستحسان، وهم الحنفية، وقوم المصالح المرسلة وهم المالكية، وبالجملة هو نوع خاص من الدليل معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل، ولذا سميت بدعة حقيقية؛ لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق، فهى بعيدة عن الشرع خارجة عنه من كل وجه إن كان المبتدع قد يتمسك فيها بما يزعمه شبهة وليس بها. ومن أمثلتها:

1 -

التقرب إلى اللّه تعالى بالرهبانية وترك الزواج مع وجود الداعية إليه وفقد المانع الشرعى كرهبانية النصارى المذكورة في قول اللّه تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ}

(1)

والرهبانية هى المبالغة في العبادة

بالرياضة، والانقطاع عن الناس. وسبب ابتداعهم إياها أن الجبارين ظهروا على المؤمنين بعد المسيح عليه السلام فقاتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوهم في دينهم، فاختاروا الرهبانية في رءوس الجبال فارين بدينهم، منقطعين للعبادة.

والاستثناء

(1)

[سورة الحديد: الآية 27].

ص: 55

منقطع، أي ما فرضناها نحن عليهم رأسًا ولكنهم استحدثوها ابتغاء رضوان اللّه، فذمهم حينئذ بقوله:{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}

(1)

من حيث أن النذر عهد مع اللّه تعالى لا يحل نكثه، لا سيما إذا قصد به رضاه تعالى، فما رعاها كلهم، بل بعضهم {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} (1) لإيمانهم إيمانًا صحيحًا برسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه، بعد رعاية رهبانيتهم، لا لمجرد رعايتها، فإنها بعد البعثة لغو محض، وكفر بحت. والآية لا تتعلق بهذه الأمة إذ لا رهبانية في الإسلام، فهى منسوخة في شريعتنا بمثل قوله صلوات الله وسلامه عليه:"فمن رغب عن سنتى فليس منى" متفق عليه.

2 -

نِحَل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع والقتل بالأصناف التى تفزع منها القلوب، وتقشعر منها الجلود كالإحراق بالنار على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العليا في زعمهم، والفوز بالنعيم الأكمل بعد الخروج من هذه الدار العاجلة (ومن ذلك) ما يفعله الشيعة من العجم يوم عاشوراء، من خدش الرءوس، والوجوه، واللطم، والنواح، لكون الحسين رضى اللّه عنه قتل في هذا اليوم، يفعلون تلك المآثم زاعمين أنها تقربهم من اللّه تعالى.

3 -

تحكيم العقل ورفض النصوص في دين اللّه وقد قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}

(2)

، وقال:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}

(3)

من ذلك أن الخمر لما حرمت ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم وهم يشربونها: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

(4)

تأولها قوم على أن الخمر حلال وأنها داخلة تحت

قوله فيما طعموا فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم اللّه بنص الكتاب، وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به، رهذا هو الابتداع بعينه، والصواب أن الآية نزلت جوابًا عن شبهة وقعت لبعض الصحابة بيانها:

(أ) أن اللّه تعالى حرم الخمر والميسر في آية سابقة على هذه الآية، وبين في الآية الثانية علة التحريم، وهى علة لأزمة لهما، فإذا لم تكن مطردة في العداوة البغضاء فهى مطردة في الصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة، وحسبك ما ينقص من دين من صد عنهما، وما إلى ذلك من ظلمة

(1)

[سورة الحديد: الآية 27].

(2)

[سورة النساء: الآية 59].

(3)

[سورة الأنعام: الآية 57].

(4)

[سورة المائدة: الآية 93].

ص: 56

القلب، وخبت النفس، وفساد الأخلاق.

(ب) أن اللّه عز وجل قد عرض بتحريم الخمر قبل نزول آيات المائدة بما بينه في سورة البقرة والنساء -واللبيب تكفيه الإشارة- فكان من لم يفطن لذلك مقصرًا في اجتهاده، وربما كان ذلك لإيثار الهوى والشهوة -وهذا وجه الشبهة- وخلاصة الجواب عنها: أن من صح إيمانه، وصلح عمله وعمل في كل وقت بالنصوص المنزلة، واستقاء على ذلك حتى ارتقى إلى مقام الإحسان، فلا يحول دون تزكية ذلك لنفسه، وإنارة قلبه، ما كان قد أكل أو شرب مما لم يكن محرمًا عليه بحسب اعتقاده، وإن كان في ذلك من الإثم والضرر ما حرم لأجله، وبعض الفلاسفة الإسلاميين تأول لها غير هذا وأنَّه إنما يشربها للنفع لا للشهوة وعاهد اللّه على ذلك فكأنها عندهم من الأدوية أو غذاء صالح لحفظ الصحة ويحكى هذا العهد عن ابن سينا وهذا أيضًا ضلال مبين.

4 -

أن الكفار قالوا: إنما البيع مثل الربا فإنهم لما استحلوه احتجوا بقياس فاسد، فقالوا: إذا فسخ العشرة التى اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهرين

(1)

فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين فرد اللّه عليهم وأكذبهم فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}

(2)

أي ليس البيع مثل الربا فهذه بدعة محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأى فاسد. والحاصل أنهم قاسوا الربا على البيع؛ لأن كلا منهما يفضى إلى الربح فقالوا: حيث حل بيع ما قيمته عشرة حالًا بخمسة عشر مؤجلًا حل بيع عشرة بخمسة عشر مثلًا إلى أجل

وهو قياس فاسد لأنَّه معارض للنص، ولوجود الفارق بينهما فإن من باع ثوبًا يساوى عشرة في الحال بخمسة عشر إلى سنة مثلًا قد جعل الثوب كله مقابلًا للخمسة عشر بخلاف ما إذا أعطى عشرة من الدراهم مثلًا بخمسهّ عشر إلى أجل فقد أخذ الزائد بلا مقابل ولا يمكن جعل الإمهال عوضًا لأنَّه ليس بمال هذا عين الربا؛ لأنَّه فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال.

(1)

أي أن يشترى شيئًا بعشرة مؤجلة لمدة شهر ثم يحول العشرة إلى خمسة عشر والشهر إلى شهرين.

(2)

[سورة البقرة: الآية 27].

ص: 57

5 -

الطواف بغير البيت كالأضرحة والوقوف على غير عرفة بدل عرفة ووضع الهياكل على القبور، وتعليق الشموع والمصابيح حول الأضرحة .. إلى غير ذلك من المخترعات التى لم يقم عليها دليل لا باعتبار جملتها ولا باعتبار تفصيلها، فهى بدع حقيقية لا يصح التقرب بها إلى اللّه تعالى، ومن تقرب بها فقد تقرب إلى اللّه بما لم يشرع.

‌وأما البدعة الإضافية:

فهى التى لهما شائبتان، إحداهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من ثلاث الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق إلَّا مثل ما للبدعة الحقيقية. فلما كان العمل الذى له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضع له هذه التسمية (وهى البدعة الإضافية): أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء. والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة.

وهذا النوع وهو (البدعة الإضافية) هو مثار الخلاف بين المتكلمين في البدع والسنن وله أمثلة كثيرة:

‌1 - صلاة الرغائب:

وهى اثنتا عشرة ركعة في ليلة الجمعة الأولى من رجب بكيفية مخصوصة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، و {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ثلاث مرات و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} اثنتى عشرة مرة، وقد قال العلماء: إنها بدعة قبيحة منكرة كما سيأتى. وكذا صلاة النصف من شعبان: وهى مائة ركعة بكيفية خاصة كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة، وتكرار السورة الواحدة في التلاوة أو الركعة الواحدة من البدع المكروهة. وقد تقدم هذا بما فيه الكفاية. وصلاة

حفظ الإيمان، وصلاة بر الوالدين، وصلاة مؤنس القبر، وصلاة ليلة ويوم عاشوراء، ووجه كونها بدعة إضافية أنها مشروعة باعتبار غير مشروعة باعتبار آخر. فأنت إذا نظرت إلى أصل صلاة تجدها مشروعة لحديث رواه الطبرانى في الأوسط:"الصلاة خير موضوع" وإذا نظرت إلى ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفية المخصوصهّ تجدها

ص: 58

بدعة، فهى مشروعة باعتبار ذاتها مبتدعة باعتيار ما عرض لها.

‌2 - التلحين في الأذان:

وهو التطريب، أي التغنى به. فالأذان في ذاته مشروع وباعتبار ما عرض له من إخراج كلماته عن أوضاعها العربية وكيفياتها الشرعية محافظة على توقيع الألحان بدعة قبيحة.

‌3 - قراءة الصمدية مائة ألف مرة:

يسمونها العتاقة الكبرى، أو الجلالة سبعين ألف مرة وتسمى العتاقة الصغرى، فقراءة القرآن في ذاتها كسماعه عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى بالإجماع. وكذلك ذكر الجلالة ولا كلام في هذا إنما الكلام في قراءته للميت أو الحى ليكون ذلك عتقًا لرقبته من النار. ولم يصح أن رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه فعل ذلك لأحد من أصحابه، وكذلك لم يثبت أن الصحابة رضى اللّه عنهم أجمعين فعلوا ذلك لأنفسهم عتقًا لرقابهم من النار، ومعلوم أن من ليس بمعصموم في حاجة إلى غفران الذنوب وتكفير السيئات.

‌4 - التأذين للعيدين أو للكسوف:

فإن الأذان من حيث هو قربة وباعتبار كونه للعيدين أو للكسوفين بدعة.

‌5 - الاستغفار عقب الصلاة:

عدى هيئة الاجتماع ورفع الصوت، فالاستغفار في ذاته سنة وباعتبار هيئته من رفع الصوت واجتماع المستغفرين وفى المسجد بدعة.

‌6 - الأذان يوم الجمعة داخل المسجد:

فالأذان في ذاته مشروع وبالنظر إلى مكانه مبتدع.

‌7 - تخصيص يوم لم يخصه الشارع يصوم أو ليلة لم يخصها الشارع بقيام:

فالصوم في ذاته مشروع وقيام الليل كذلك وتخصيصها بيوم أو بليلة بدعة كما سيأتى.

‌8 - رفع الصوت بالذكر أو القرآن أمام الجنازة:

فالذكر باعتبار ذاته مشروع، وكذا القرآن باعتبار ذاته مشروع وباعتبار ما عرض له من رفع الصوت غير مشروع، وكذا وضعه في ذلك الموضع غير مشروع فهو مبتدع من جهتين: من جهة موضعه ومن جهة كيفيته.

‌9 - ختم الصلاة المعروف:

(على الوجه المعروف) فإنه من جهة كونه قرآنًا وذكرًا ودعاء مشروع ومن جهة ما عرض له من رفع الصوت وفى المسجد غير مشروع.

‌10 - الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقب الأذان:

مع رفع الصوت بهما وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان، فالصلاة والسلام مشروعان باعتبار ذاتهما ولكنهما بدعة باعتبار ما عرض لهما من الجهر وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان إلى غير ذلك من كل عمل له شائبتان بحيث

ص: 59

يكون مشروعًا باعتبار غير مشروع باعتبار آخر. وبهذا تعلم أن من ينكر البدعة المذكورة إنما ينكرها بالاعتبار الثاني، فالاعتراض عليه منشؤه عدم الدراية بحقيقة البدعة وبما يقصده المنكر لها، وعلى المرشد أن يكون حكيمًا في مثل هذه البدعة الإضافية فينبه الناس إليها برفق ولين ولا يكون مثار فتنة. (هذا) وإن صاحب البدعة الإضافية يتقرب إلى اللّه تعالى بمشروع وغير مشروع كما علمت من الأمثلة السابقة والتقرب يجب أن يكون بمحض المشروع، إذ لا يقرب العبد إلى اللّه تعالى إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذى شرع، فكما يجب أن يكون العمل مشروعًا باعتبار ذاته يجب أن يكون مشروعًا باعتبار كيفيته كما يفيده حديث:

"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"[رواه مسلم].

فالمبتدع بدعة إضافية قد خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا وهو يرى أن الكل صالح فلا يدخل في عداد من ترجى توبته لأنَّه لا يرى لنفسه ذنبًا حتى يتوب منه، بل يرى أن كل ما يعمله حسن. ولا توبة لمن لم يعرف لنفسه ذنبًا ولهذا قال أئمة المسلمين كسفيان الثورى: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها، ومعنى قولهم: إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذى يتخذ دينًا لم يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه أو أنه ترك حسنًا مأمورًا به ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب، وفى الحديث من رواية ابن أبى عاصم وغيره عن النبي صلوات اللّه وسلامه عليه قال: "يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب وأهلكونى بـ (لَا إلهَ إِلَّا اللَّه) والاستغفار فلما رأيت ذلك ثَبَّتُّ فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون لأنهم

يحسبون أنهم يحسنون صنعًا" ولكن التوبة ممكنة وواقعة بأن يهديه اللّه حتى يتبين له الحق كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف أهل البدع والضلال، فقد يعرض الدليل على المخالف فيرجع لاقتناعه به كما رجع من الحرورية الخارجين على الإمام على رضي الله عنه ألفان. وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ

ص: 60

اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}

(1)

، وقال:{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}

(2)

أي من اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما جاء به لكان ذلك خيرًا لهم في العاجل والآجل وأشد تقوية ورسوخًا لإيمانهم وأخلاقهم؛ لأن الأعمال هى التى تنمى شجرة الإيمان وتطبع الأخلاق في نفس العامل، وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيماً ولهديناهم صراطًا مستقيمًا هو طريق العمل الصالح على الوجه الصحيح أي وفقناهم لازدياد الخيرات، وقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ}

(3)

أي آمنوا بالرسل المتقدمة، اتقوا الله فيما تأتون وما تذرون وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يعطكم نصيبين من إحسانه لإيمانكم بالرسول وبمن قبله من الرسل ويجعل لكم نورًا تمشون به في طرق الخير، ويوم القيامة ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ويغفر لكم ما أسلفتم من الكفر والمعاصى.

(الوجه الخامس): تنقسم إلى كلية وجزئية فإن الخلل الناشئ عنها قد يكون كليًّا في الشريعة فتكون كلية، كبدعة التحسين والتقبيح العقليين ومنها أن إرسال الرسل من الجائز العقلى عند أهل السنة وأوجبه العتزلة بناء على قاعدة وجوب الصلاح والأصلح فيقولون: النظام المؤدى إلى صلاح النوع الإنسانى على العموم في المعالق والمعاد لا يتم إلا ببعثة الرسل وكل ما هو كذلك فهو واجب على اللّه تعالى. وأوجبه أيضًا الفلاسفة بناء على قاعدة التعليل أو الطبيعة فيقولون: يلزم من وجود العالم بالتعليل أو الطبع ويلزم من وجود العالم وجود من يصلحه. وأحاله السُّمنية والبراهمة، زعموا أن إرسال الرسل عبث لا يليق بالحكيم؛ لأن العقل يغنى عنه،

فإن الشئ إن كان حسنًا عند العقل فعله وإن لم تأت به الرسل، وإن كان قبيحًا عنده تركه وإن أتت به الرسل، وإن لم يكن عنده حسنًا ولا قبيحًا، فإن احتاج إليه فعنه وإلا تركه. نعوذ باللّه من الضلال.

‌والسُمَنية

- بضم السين وقتح الميم مخففة-: نسبة إلى سومنات بلد بالهند وهم فرقة يعبدون الأصنام، والبراهمة نسبة إلى رئيسهم برهام وهم قوم كفار. وبدعة

(1)

[سورة محمد: الآية 17].

(2)

[سورة الحديد: الآية 28].

(3)

[سورة النساء: الآية 68].

ص: 61

إنكار الأخبار النبوية مطلقًا اقتصارًا على القرآن أو أخبار الآحاد. وجه كونها كلية تشمل ما لا حصر له من فروع الشريعة أن عامة التكاليف مبنى عليها؛ لأن الأمر إنما يرد على المكلف من كتاب اللّه أو سنة رسوله، فإن كان وارداً من السنة فأكثر نقل السنة من الآحاد، وإن كان واردًا من الكتاب فإنما تبينه السنة فكل ما لم يبين في القرآن فلابد لمنكر العمل بخبر الآحاد أن يستعمل فيه رأيه وهواه وهو الابتداع بعينه، فيكون كل فرع ينبنى على ذلك بدعة لا سنة، وأولى بذلك الابتداع بإنكار العمل بالأخبار النبوية مطلقًا جاءت تواترًا أو آحادًا اكتفاء بالقرآن واقتصارًا على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن حتى أباحوا الخمر بقوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}

(1)

زاعمين أنها داخلة تحت قوله: {فِيمَا طَعِمُوا} (1) كما تقدم بسطه في أمثلة البدعة الحقيقية. وفى هؤلاء وأمثالهم قال رسول اللّه صلوات الله وسلامه عليه: "لألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدرى. ما وجدنا في كتاب اللَّه اتبعناه" رواه الترمذى من حديث أبى رافع وقال: حديث حسن.

وفى رواية له: "ألا هل عسى رجل يبلغه عنى الحديث وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب اللَّه فما وجدنا فيه حلالًا حللناه وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول اللَّه كما حرم اللَّه" والحديث وارد في مقام الذم، وإثبات أن سنة رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه في التحليل والتحريم ككتاب اللّه تعالى. فمن أنكر ذلك فقد بنى أعماله على رأيه لا على كتاب الله تعالى ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو بدعة كلية حقيقية. فمن أنكر ذلك فقد بنى أعماله على رأيه وبقية الأمثلة لا تخفى على بصير، وشبهة المنكر لخبر الآحاد أنه ظنى وقد نهينا عن اتباع الظن لقوله تعالى في ذم الكفار: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ

وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}

(2)

وهى شبهة فاسدة؛ لأن النهى عن اتباع الظن إنما هو في العقائد التى لابد فيها كا العلم كما هو سياق الآية، وأما الأمور العملية فيكفى فيها الظن ولذا أجمع الفقهاء على الأخذ بدلالة العموم والقياس وخبر الواحد وكلها ظنية.

وبدعة الخوارج في زعمهم أن لا تحكيم مستدلين بقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}

(3)

بناء على أن

(1)

[سورة المائدة: الآية 93].

(2)

[سورة النجم: الآية 28].

(3)

[سورة الأنعام: الآية 57].

ص: 62

اللفظ عام لم يلحقه تخصيص وأعرضوا عن قول اللّه تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}

(1)

، وقوله -جل وعلا- في جزاء الصيد على المحرم:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}

(2)

ولو علموا أن من العموم ما يراد به الخصوص لم يسرعوا إلى الإنكار، ولنظروا هل هذا العام مخصوص أو لا -نعوذ باللّه من الضلال- وهؤلاء هم الذين خرجوا على الإمام على رضي الله عنه وكفروه عند التحكيم، ومنهم من يقول مرتكب الكبيرة كافر، وما أشبه ذلك من البدع التى لا تخص فرعًا من فروع الشريعة دون فرع، بل تجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية. وقد يكون ضرر البدعة جزئيًّا يأتى في بعض الفروع دون بعض، كبدعة التغنى بالقرآن، والتلحين في الأذان، والاعتماد في الصلاة على إحدى الرِجْلين ونذر الصيام قائمًا لا يجلس، ضاحيًا لا يستظل، ساكتًا لا يتكلم، والامتناع عن تناول ما أحل اللّه من غير عذر شرعى كالنوم أو لذيذ الطعام أو النساء وما إلى ذلك من البدع الإضافية فإنها لا تتعدى فيه محلها ولا تنتظم غيرها حتى تكون أصلًا لها.

(الوجه السادس): تنقسم إلى عبادية وعادية، والعبادة ما يقصد منها التقرب إلى اللّه تعالى طمعًا في الثواب، والعادة ما لا يقصد منه التقرب إلى اللّه تعالى أي أنها بحسب أصلها الموضوعة له لم يقصد بها ذلك وإن صح فيها التقرب باعتبار أمر غير لازم لها وهى الأمور الجارية بين الخلق في الاكتساب وسائر المحاولات الدنيوية التى هى طرق لنيل الحظوظ العاجلة مثل العقود على اختلافها والتصاريف المالية على تنوعها، ولا نزاع لهم في إمكان الابتداع في العباديات ووقوعه سواء أكانت

العباديات أعمالًا قلبية وأمورًا اعتقادية أم كانت من أعمال الجورح قولًا أو فعلًا كمذهب القدرية والمرجئة

(3)

والخوارج والمعتزلة، وكذلك مذهب

(1)

[سورة النساء: الآية 35].

(2)

[سورة المائدة: الآية 95].

(3)

لقبوا به لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، فهم يعطلون الرجاء.

ص: 63

الإباحية

(1)

وكاختراع العبادات على غير مثال سابق ولا أصل مرجوع إليه.

وإنما اختلفت الأنظار في الابتداع في العاديات، والمختار عند أصحاب الطريقة الثانية في معنى البدعة إمكانه ووقوعه قائلين:(لنا على الجواز) أن الشريعة جاءت وافية ببيان القوانين التى بها صلاح الناس في أمور المعاش والمعاد، فالعادات كالعبادات كلاهما مشروع، وكما أنا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك العادات، فإذا جاز (أمكن) الابتداع فيما هو عبادة جاز فيما هو عادى من الأمور التى يقصد بها صلاح الدنيا.

ورد عليهم أصحاب الطريقة الأولى، قالوا: لو جاز الابتداع في العاديات لوجب أن يعد كل العادات التى حدثت بعد الصدر الأول من المآكل والمشارب والملابس والمسائل النازلة بدعًا والتالى باطل، أما الملازمة فلأن مناط الابتداع حينئذ على إحداث الطرائق الدينية عبادة كانت أو عادة، هذه المذكورات كذلك، وأما بطلان التالى فلوجهين:

(الأول): أنه لو عُدَّت هذه المذكورات من البدع لكان كل من تلبس بشيء منها مخالفًا لما كان عليه الصدر الأول وهو موجب للذم، وهذا من الشناعة بمكان، فإن العادات من الأمور التى تدور مع الأزمنة الأمكنة، فللناس في كل زمان، وفى كل مكان عادات مختلفة، وهم مع كل هذه العادات -حيث حوفظ فيها على القوانين الشرعية الجارية على مقتضى الكتاب والسنة- على تمام الموافقة للصدر الفاضل.

(الثانى): أن عد هذه بدعًا يؤدى إلى نسبة الحرج والتضييق للشريعة، فإن

في التزام الزى الواحد والحالة الواحدة والعادة الواحدة تعبًا ومشقة قضت به الشريعة، وإنما كان الالتزام كذلك لاختلاف الأخلاق والأزمنة والبقاع والأحوال.

(1)

الإباحية: فرقة من الشيعة الباطنية المارقين في الدين وهى فرقة العبيدية الذين ملكوا مصر وأفريقية وهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط جميع الأعمال عن أهل بيته ومن دان بحبهم وأن المحظورات مباحة له كالزنا والخمر وجميع الفواحش. وعندهم نساء يسمين النوابات يتصدقن بفروجهن على المحتاجين رغبة في الأجر وينكحون ما شاءوا من الأمهات والبنات والأخوات لا حرج عليهم في ذلك. يبيحون التزوج بأكثر من أربع وأن يكون للمرأة ثلاثة أزواج فأكثر في بيت واحد يستولدونها وتنسب الولد لكل واحد منهم. ويزعمون أن الأحكام الشرعية خاصة بالعوام، وأما الخواص منهما فقد ترقوا من تلك المرتبة ولا ريب أن هؤلاء أضر على الدين من أستاذهم إبليس -لعنهم الله أجمعين-.

ص: 64

والجواب: أن هذا مبنى على ما رأيتم من قصر البدعة على الحادث المذموم، وأرباب الطريقة الثانية يطلقونها على معنى أعم من ذلك كما عرفت، فيجوز أن إلبدعة العادية مما تدخل تحت قانون شرعى عادى فلا يعد التلبس بها مخالفة، ولا يوجب الحكم عليها بالابتداع أن تكون الشريعة قاضية بالتزام ما عداها، بل نقول: يجوز إجماع الأمة على أمر عادى لم يكن في الصدر الأول بناء على التحقيق من أن الإجماع يجرى في الأمور الدنيوية، والناس بإجماعهم على فعل هذه العادة متبعون للشرع حيث حكم بأن أمته لا تجتمع على ضلالة.

ولنا على الوقوع ما سيأتى في التقسيم الثانى من نحو المكوس والمظالم المحدثة وتقديم الجهال على العلماء في الولايات العلمية، وتولية المناصب الشريفة من ليس لها بأهل بطريق الوراثة، وإقامة صور الأئمة وولاة الأمور

(1)

، واتخاذ المناخل وغسل الأيدى بالصابون ولبس الطيالس وتوسيع الأكمام وأشباه ذلك من الأمور التى لم تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح، فإنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت فلحقت بالبدع وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة.

ورده أرباب الطريقة الأولى.

قالوا: لا نسلم أن هذه المذكورات مما وقع فيه الابتداع لأنها مخالفات للشرع ومعاصٍ في الجملة وليس كل معصية بدعة، سلمنا وقوع الابتداع فيها لكن لا من حيث كونها عادية، بل من حيث كونها تعبدية، قال في "الاعتصام" ما محصله: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادى من شائبة التعبد؛ لأن ما لا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهى عنه فهو المراد بالتعبدى، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادى، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبديات

(2)

والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات

كلها عاديات،

(1)

المراد بالصور هيئاتهم وأحوالهم في أزيائهم ومجالسهم ومطاعمهم وهى التى تسمى الآن بالمظاهر.

(2)

أي فعلى المكلف الانقياد ولا يخلص التكليف إلا بالامتثال من غير أن يعرف حكمة المشروعية تفصيلًا.

ص: 65

لأن أحكامها معقولة المعنى، ولا بد فيها من التعبد إذ هى مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها

(1)

فالقسمان مشتركان في معنى التعبد، والابتداع إنما يتصور دخوله في القسم الثانى من جهة التعبد فيه لا من جهة كونه عادة، قمثل المكوس إذا نظر إليها من جهة كونها عادة أي أنها ظلم كسائر المظالم مثل الغصب والسرقة وقطع الطريق فلا يدخلها الابتداع، إذ هى من هذه الجهة مما يتناولها نهى الشارع عن أكل أموال الناس بالباطل، وليس فيها جهة تشريع، وإنما يتصور دخول الابتداع في المكوس إذا لوحظت من جهة أنها وضعت على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائمًا أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهى المشروع الدائم الذى يحمل عليه العامة ويؤخذون به ويوجه على الممتنع منه العقوبة، كما في أخذه زكاة المواشى والحرث وما أشبه ذلك، فإنها من هذه الجهة تكون شرعًا مستدركًا إذ هى حينئذ تشريع زائد وإلزام للمكلفين يضاهى إلزامهم الزكاة المفروضة، والديات المضروبة والغرامات المحكوم بها في الأموال.

ففى المكوس على هذا الفرض جهتان: جهة كونها محرمة كسائر أنواع الظلم، وجهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيها نهيان: نهى عن المعصية، ونهى عن البدعة، وليس ذلك موجودًا في البدع العبادية، وإنما يوجد فيها النهى من جهة كونها تشريعًا موضوعًا على الناس أمر وجوب أو ندب إذ ليس فيها جهة أخرى تكون بها معصية، بل نفس التشريع هو نفس الممنوع، فالعاديات من حيث هى عاديات لا بدعة فيها، رمن حيث يتعبد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة.

وكذا تقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح لها يطريق التوارث هو من هذا القبيل، فإنَّ جَعْلَ الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيًا في الدين أو حاكمًا في الدماء

(1)

فمثلًا البيع عادى مباح الأصل لكن الشارع قيده بأمور تعبدية لا خيرة للعبد فيها، من أهلية المتعاقدين للتصرف، وكون المبيع طاهرًا، منتفعًا به، مملوكًا للبائع، مقدور التسليم، وهى أمور مطلوبة طلبًا جازمًا. والنكاح عادى مباح الأصل قيده الشارع بأمور تعبدية لا خيرة للمكلف فيها، من كون المحل قابلًا للنكاح أي محلية الأنثى له، وكون الولى أهلًا للتصرف، وحضور شاهدى عدل، وهى قيود مطوبة طلبًا جازمًا، وهكذا باقى الأمثلة.

ص: 66

والأبضاع والأموال مثلًا محرم في الدين،

وكون ذلك يتخذ ديدنا حتى يصير الابن مستحقًّا لرتبة الأب بطريق الوراثة، وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بحيث يشيع ذلك العمل ويطرد ويرده الناس كالشرع الذى لا يخالف فهو بدعة بلا إشكال. انتهى.

ولا يخفى على المتأمل أن ما ذكره لم يخرج عن كونه تقريرًا لدخول معنى الابتداع في هذه المذكورات بناء على ما ذهب إليه أرباب الطريقة الأولى: من أنهم يعتبرون في معنى البدعة أن يكون مسلوكًا بها مسلك التشريع ووضع القوانين، فالذين يلتزمون ذلك في البدعة يجعلون ما ذكره وجه الابتداع في هذه المذكورات. وليت شعرى إذا كان الابتداع في هذا القسم وقسم العبادات من جهة كونه مسلوكًا به مسالك التشريع ومن حيث كونه اختراعًا يؤخذ به الناس حتى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف وأن هذا هو مناط الذم ونهى الشارع، والسبب الذى لأجله عدت البدعة من المخازى الفاضحة، فهاد تكون القوانين الوضعية التى تسنها الحكومات الإسلامية ورؤساء الجمعيات وكل ذى مصلحة إدارية لما فيها من المصالح الضرورية والحاجيات والتحسينات الكمالية ابتداعًا ومحلًا، لذم الشارع، فإنه قد سلك بها مسلك التشريع على الوجه الذى قرره صاحب "الاعتصام"، وكيف يذهب عاقل إلى حرمة أن يسن أولو الأمر والنهى قوانين تكون كافلة بحفظ نظام الأمم حيث لم تخرج عن القانون الشرعى كقانون الجنايات والجنح، والمخالفات التى تجعل عقوبة كمن فعل كذا يحبس مثلًا شهرًا إلى غير ذلك. أما إذا خرجت هذه القوانين الوضعية عن القانون الشرعى، فإنها تسمى معصية منكرة على الطريقة الأولى لا بدعة وتسمى بدعة على الطريقة الثانية، كما عرفت وستعلم أن أصحاب الطريقة الثانية لا يعتبرون ذللك في معنى البدعة، بل المناط فيها أن تكون تسنينًا وإحداثًا لسنة بحيث يقع الاقتداء به سواء أحدث العمل على أنه دين وشرع أم لا، وبالإحداث على هذا الوجه يكون الفاعل قد فتح باب الشر، وسيتضح لك هذا قريبًا إن شاء اللّه تعالى.

ثم قال: وأما إقامة الأئمة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه السلف، فليس من البدع في شيء لأنَّه إما مطلوب، أو من قبيل المصالح المرسلة كما سيأتى قريبًا والأشبه التمثيل بزخرفة المساجد بألوان تفرق

ص: 67

قلوب المصلين وبُسُطٍ فيها من أنواع النقش ما يشغل المصلى، وكذا تعليق الثريات الباهظة الأثمان، إذ كثير من الناس يعتقد أنها من قبيل ترفيع بيوت اللّه تعالى حتى يعد الإنفاق في ذلك إنفاقًا في

سبيل اللّه، فإنها بهذا الاعتبار تصير بدعًا مذمومة. وأما تنظيم المساجد بتشييد بنائها ورفعه رفعًا مناسبًا وتنظيف جدرانها بلون لا يحول بين المصلى وبين ربه، وكذا فرشها بالفرش التى لا تعدو حد الاقتصاد والتوسط فهذا ليس من محل الخلاف وإنما هو عمارة للمساجد ينفق فيه من آمن بالله واليوم الآخر، وحسبك ما كان من أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه من إصلاح المسجد النبوي.

وأما اتخاذ المناخل فإن فُرِضَ مباحًا كما قالوا: فإنما إباحته بدليل شرعى فلا ابتداع، وإن فرض مكروهًا كما أشار إليه محمد ين أسلم، فوجه الكراهة عنده كونها عدت في الأثر الآتى من المحدثات، والظاهر أن الكراهة من ناحية السرف والتنعم الذى أشار إلى كراهته قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا

}

(1)

الآية، لا من جهة أنه بدعة محدثة، وكذا يقال في باقى الأمثلة.

وجملة القول أن الابتداع إن دخل في الأمور العادية فهو لما فيها من معنى التعبد فرجع الأمر إلى أن الابتداع المذموم لا يكون في العادى المحض، كالمخترعات في أمور الدنيا التى تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وترقى برقى الأمم والشعوب، ولما كانت بذلك لا يمكن للناس حصر جزئياتها ويعسر عليهم أن يتقيدوا بجزئيات مخصوصة منها ترك الشارع التصرف لكل أمة تدير شئونها بما يوافق زمانها وجاءهم بقواعد كلية تنطبق على كل أمة وتصلح لكل زمان فجعل (العدل أساس الأعمال)(واتقاء الشر مقدمًا في أي حال من الأحوال) فمتى كان ذلك قصد الناس في أمورهم الدنيوية، فليخترعوا ما شاءوا من الطرق النافعة، وليبتدعوا ما أرادوا من الحيل والأساليب الصحيحة فإنه لا حجر في ذلك. أما إذا جاوز المخترعون العدل باختراعهم وانصرفوا إلى الشر والإفساد في ابتداعهم فتلك سنة سيئة "ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ".

(1)

[سورة الأحقاف: الآية 20].

ص: 68

وبما تقدم علم حكم الابتداع في نحو لبس الثياب والأكل والشرب والمشى والنوم فهذه أمور عادية وقد دخلها التعبد وقيدها الشارع بأمور لا خيرة فيها كنهى اللابس عن إطالة الثوب عُجبًا وطلب التسمية عند الأكل والشرب والنهى عن الإسراف فيهما والنهى عن النوم عاريًا على سطح إلى غير ذلك من القيود التى قيد بها الشارع. فالأمور المذكورة عادية ومن هذه الجهة لا يدخلها الابتداع وإنما من

الجهة التى رسمها الشارع فيها، فإذا خولف بها الوجه المشروع واعتبر ذلك دينًا يتقرب يه إلى اللّه تعالى كانت بدعًا، بل هى معصية وابتداع باعتبارين كما سبق في وضع المكوس (فهى) باعتبار مخالفتها الأمر والنهى عصيان، ومن حيث التقرب بها إلى اللّه تعالى من الجهة المضادة للطريق التى رسمها تكون بدعة مذمومة، وبذلك حصل اتفاق القولين واتضح الحال وباللّه تعالى التوفيق، ولا تنس أن هذا مبنى على الطريقة الأولى في معنى البدعة كما سبق.

وأما الثانى وهو التقسيم الخاص بأرباب الطريقة الثانية في تعريف البدعة بالمعنى الثانى، وعليه جرى القرافى تبعًا لشيخه العز بن عبد السلام فهو انقسامها إلى حسنة وقبيحة

(1)

والأولى إلى واجبة ومندوبة ومباحة والثانية إلى محرمة ومكروهة فتعتريها الأحكام الخمسة.

‌الأولى: البدعة الواجبة:

وهى ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع

(2)

كجمع القرآن وتدوينه في المصاحف، وجمع الناس على المصاحف العثمانية، وترك ما سوى ذلك من القراءات التى كانت مستعملة في زمان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك جمع العلوم وتدوينها، وكذلك الاشتغال بالعلوم التى يفهم بها كلام اللّه تعالى وكلام رسوله وحفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة والكلام في الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم، وكذا تقرير قواعد الفنون الشرعية وبيان فروعها وأحكامها

(1)

قال في المواقف وشرحه: القبيح عندنا ما نهى عنه شرعًا نهى تحريم أو تنزيه والحسن بخلافه أي ما لم ينه عنه شرعًا، كالواجب والمندوب والمباح، فإن المباح عند أكثر أصحابنا من قبيل الحسن.

(2)

المراد الأدلة العامة الإجمالية مثل: مقدمة الواجب واجبة، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ومثل لا ضرر ولا ضرار، لا النصوص المعينة الجزئية المنطقة على كل فرع وهى بهذا المعنى تتناول القواعد.

ص: 69

وتفسير القرآن والسنة وتدوين كل ذلك. وبالجملة كل ما حدث مما يرجع إلى حفظ الدين من ضياع أو تحريف كالرد على أهل البدع والأهواء المحرمة كالقدرية والمجسمة، فإن تبليغ الدين إلى من بعدنا واجب إجماعًا وإهمال ذلك حرام كذلك، أو يرجع إلى تفهمه، فإن التفقه في الدين أيضًا واجب. فهذا كله ونحوه معلوم حسنه، ظاهر فائدته؛ لأنَّه إما أن يكون له أصل يشهد له في الجملة فيكون من قبيل المصالح المرسلة، وإما من قبيل ما إلا يتم الواجب إلَّا به وتسمية مثل ذلك بدعة، باعتبار عدم وجوده في العهد النبوى، كما سمى عمر صلاة التراويح

بدعة وإلَّا فهى من السنن اللاحقة بسنته صلى الله عليه وسلم أعنى سنة الخلفاء الراشدين كما يفيده حديث: "فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضُّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". فعلى هذا يكون قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور" مما دخله التخصيص إذ سنة الخلفاء الراشدين منها مع أنَّا أمِرنا باتباعها لرجوعها إلى أصل شرعى.

‌الثانية: البدعة المندوبة:

وهى ما تناولته قواعد الندب وأدلته، كصلاة التراويح على الهيئة المعروفة من مواظبة الناس عليها الشهر كله عشرين ركعة كل ليلة واجتماعهم على قارئ واحد فإنها لم تكن كذلك على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وعهد أبى بكر رضى اللّه عنه وصدر من خلافة عمر رضى اللّه عنه إلى أن تشاور فيها ورآها بدعة حسنة. وقد روى عن على كرم اللّه وجهه أنه خرج أول ليلة من رمضان والقناديل تزهر

(1)

في المساجد وكتاب اللّه يتلى، فجعل ينادى نور اللّه لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نورت مساجد اللّه بالقرآن.

(ومنها): إقامة صور (مظاهر) الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه حال الصحابة رضى الله عنهما، بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلَّا بعظمة الولاة في نفوس الناس. وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم بالدين وسبق الهجرة، ثم تغير الحال وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر لا يعظمون إلَّا بالصور فجاز تفخيم الصور حتى تقوم المصالح.

(1)

زهرت النار: أضاءت وبابه خضع، وأزهرها غيرها، والأزهر النير ويسمى القمر الأزهر، والأزهران الشمس والقمر.

ص: 70

‌الثالثة: البدعة المباحة:

وهى ما تناولته قواعد الإباحة وأدلتها من الشرع.

(ومنها): اتخاذ المناخل للدقيق (ففى الآثار) أن أول ما أحدث الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشياء: المناخل والشبع

(1)

وغسل اليدين بالأشنان بعد الطعام، والأكل على الموائد؛ لأن تليين العيش وإصلاحه من المباحات فوسائله كذلك.

قال حجة الإسلام الغزالى: واعلم أنا وإن قلنا الأكل على السفرة أولى فلسنا

نقوق الأكل على المائدة منهى عنه نهى كراهة أو تحريم إذ لم يثبت فيه نهى، وما يقال إنه أبدع بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فليس كل ما أبدع منهيًّا عنه، بل المنهى بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرًا من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب، وليس في المائدة إلَّا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه. والأربع التى جمعت في أنها بدعة ليست متساوية، بل الأشنان حسن لما فيه من النظافة، فإن الغسل مستحب للنظافة. والأشنان أتم في التنظيف، وكانوا لا يستعملونه لأنَّه ربما كان لا يعتاد عندهم أو لا يتيسر أو كانوا مشغولين بأمور أهم من المبالغة في النظافة فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضًا، وكانت مناديلهم أخمص أقدامهم وذلك لا يمنع كون الغسل مستحبًّا.

وأما المنخل فالمقصود منه تطييب الطعام وذلك مباح ما لم ينته إلى التنعم المفرط، وأما المائدة فتيسير للطعام وهو أيضًا مباح ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم.

وأما الشبع فهو أشد هذه الأربعة، فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات وتحريك الأدواء في البدن، فلتدرك التفرقة بين هذه المبتدعات. والسفرة اسم لقطعة من الجلد ونحوه يوضع عليها الطعام عند التناول، والمائدة الكرسى الذي يوضع عليه الطعام أيضًا. والخوان بالكسر ويضم وهو المائدة يعتاد بعض المترفين الأكل عليه احترازًا من خفض رءوسهم، فالأكل عليه بدعة لكنها مباحة وذكر الإمام الغزالى أيضًا أن من آداب الأكل أن يوضع

(1)

قالت عائشة رضى الله عنها: "أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم" رواه البخارى في كتاب الضعفاء، وسمن بابه طرب وجمح من باب خضع وهو صريح في أن الشبع بدعة محدثة وسيأتى أنه بدعة سيئة.

ص: 71

الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض فهو أقرب إلى فعل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من رفعه على المائدة "وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتى بطعام وضعه على الأرض" رواه أحمد، فهذا أقرب إلى التواضع، فإن لم يكن فعلى السفرة. انتهى.

المقصود منه: ومن هذا تعلم أن أبا حامد رحمه الله من القائلين بالتقسيم، وأنَّه يطلق البدعة على الأمر المحدث عبادة كان أو عادة (ومنها) الأكل بالملاعق، (ومنها) التوسع في الطيب من المأكل والمشرب والملبس والسمكن، (ومنها) العلامة الخضراء أحدثت سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بأمر الملك شعبان بن حسن ابن محمد بن قلاوون. فلا يؤمر بها الشريف ولا ينهى عنها غيره؛ لأن الناس مضبوصون بأنسابهم. وليست هذه العلامة مما ورد بها الشرع فتباح. أقصى ما في الباب أنه حدث التمييز بها لهؤلاء وقد يستأنس لها بقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ

مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}

(1)

وقد استدل بها بعض العلماء على تخصيص أهل العلم بلباس يتميزون به ليعرفوا فيبجلوا أو يسألوا تعظيمًا للعلم ونشرًا له وهو وجه حسن.

‌الرابعة: البدعة المحرمة:

وهى ما تناولته قواعد التحريم وأدلته من الشريعة كالمكوس، والمحدثات من المظالم، والمحدثات المنافية لقواعد الشريعة. كتقديم الجهال على العلماء وتولية الناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوريث بعلة أن المنصب كان لأبيه وهو في نفسه ليس بأهل ولدرء هذه المفسدة وجب امتحان طلبة العلم ليعرف الكفء للوظائف الدينية وغيرها، فنأمن شر من يتولاها ممن ليس لها أهلًا. وقد يستأنس له بما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم مع معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن قاضيًا فإنه امتحنه إذ قال له:"كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ " قال: أقضى بما في كتاب الله. قال: "فإن لم يكن في كتاب اللَّه؟ " قال: فبسنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. قال: "فإن لم يكن في سنة رسول اللَّه؟ " قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال معاذ: فضرب بيده في صدرى وقال: "الحمد للَّه الذى وفق رسول رسول اللَّه لما يرضاه رسول اللَّه" رواه أبو داود، وبما رواه البخارى من حديث ابن عمر رضى اللّه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن فحدثوني ما هى؟ " فوقع الناس في شجر

(1)

[سورة الأحزاب: الآية 59].

ص: 72

البادية. قال عبد اللّه: ووقع في نفسى أنها النخلة فاستحييت ثم قالوا: حدثنا ما هى يا رسول اللّه. قال: "هى النخلة" فقد سألهم اختبارًا لأفهامهما وتشجيعًا لهم على حسن التفكير.

ومن البدع المحرمة مذاهب أهل البدع الخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة، كمذهب الكرامية في تحويزهم الكذب على سول اللّه صلى الله عليه وسلم ترغيبًا أو ترهيبًا، والروافض في قولهم بوجوب صوم يوم الشك من رمضان مع حديث:"لا تقدموا رمضان بصوم يوم" ومذهب الجبرية والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة كما سبق.

(ومنها): تلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي.

(ومنها): ما اعتاده كثير من العجم يوم عاشوراء من الجزع والحزن والنوح واللطم بخلاف بدعة السرور والتوسعة فهى مكروهة كما سيأتى.

(ومنها): الانتماء إلى جماعة من الدجالين يزعمون التصوف وهم يخالفون ما كان عليه مشايخ الطرق من الزهد والورع والوقوف عند حد الشرع، فمنهم إباحية لا يحرمون ما حرم الله لتلبيس الشيطان عليهم أحوالهم القبيحة فهم باسم الفسق أحق منهم باسم التصوف، ولأنهم يضللون عقول البسطاء ويوهمونهم كذبًا أنهما على شيء من الوصول، ألا إنهم هم السفهاء العاطلون.

‌الخامسة: البدعة المكروهة:

وهى ما تناولته قواعد الكراهة وأدلتها من الشرع.

(ومنها): تخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة، إذ ليس لأحد أن يحدث شعارًا دينيًّا من قبل نفسه. وشأن العبادة إذا التزمت في وقت مخصوص أن تكون من شعائره، ولذا ورد في الصحيح أخرجه مسلم وغيره أن رسول اللّه صلى عليه وآله وسلم نهى عن تخصيص يوء الجمعة بصيام أو ليلته بقيام، فعن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم" أي إلَّا أن تصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا، رواه الجماعة إلا النَّسَائِيّ، وروى البخاري من حديث أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضى اللّه عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهى صائمة قال: "أصمت أمس؟ " قالت: لا. قال: " تريدين أن تصومى غداً؟ " قالت: لا. قال: "فأفطرى". ولمسلم: "ولا تخصوا

ص: 73

ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" وهو صريح في عدم جواز تخصيص ليلة الجمعة بقيام أو صلاة من بين الليالى. قال الإمام النووى قى شرح مسلم: وهذا متفق على كراهته. قال: واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التى تسمى الرغائب، قاتل اللّه واضعها ومخترعها فإنها بدعة منكرة من البدع التى هى ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة. وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر واللّه أعلم. ا هـ.

والحديث المروى فيها موضوع على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكذب عليه، قال ذلك الإمام سراج الدين أبو بكر الطرطوشى والإمام ابن الجوزى والعراقى وغيرهم.

(ومنها): الزيادة في المندوبات المحدودات شرعًا كما ورد في التسبيح عقب الصلوات ثلاثًا وثلاثين فيفعل مائة. وورد صاع في صدقة الفطر فيجعل عشرة أصواع، بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع وقلة أدب معه، بل شأن العظماء إذا حددوا شيئًا وقف عنده، وعدوا الخروج عنه قلة أدب. والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع؛ لأنَّه يؤدى إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل والمزيد عليه. ولذلك نهى الإمام مالك رضى اللّه عنه عن إيصال ستة أيام من شوال لئلا يعتقد أنها من رمضان.

(وخرَّج) أبو داود في مسنده أن رجلًا دخل إلى مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فصلى الفرض وقام ليصلى ركعتين، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فهكذا هلك من قبلنا، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"أصاب اللَّه بك يا ابن الخطاب" يريد عمر رضى اللّه عنه أن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض واعتقدوا الكل فرضًا وذلك تغيير للشرائع وهو حرام بالإجماع.

(ومن البدع المكروهة): زخرفة المساجد وتزويق المصاحف بغير الذهب والفضة، ومن غير مال الوقف وإلا كان من البدع المحرمة.

(ومنها): أخذ الفأل من المصحف إلى غير ذلك مما لا نطيل بذكره، فعلى الجملة أن البدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشرع وأدلته، فأى شيء

ص: 74

تناولها من القواعد والأدلة ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما، وإن نظر إليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر عما يعرض لها فهى مكروهة، فإن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع.

وقد عاب المحقق الشاطبى في "الاعتصام" هذا التقسيم ورد على من قسم البدع إلى خمسة أقسام وبين أن ذلك التقسيم لايدل عليه عقل ولا نقل وهاك المقصود منه لتكون على بصيرة من المقام. قال رحمه الله ما ملخصه: إن العلماء قسموا البدع بأقسام أحكام الشريعة الخمسة ولم يعدوها قسمًا واحدًا مذمومًا فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومحرم ومكروه وبسط ذلك القرافى بسطًا شافيًا تبعًا لشيخه عز الدين بن عبد السلام فقال: أعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام: (قسم واجب) وهو ما تناولته

قواعد الوجوب وأدلته من الشرع كتدوين القرآن والشرائع إلى آخر ما مر من الأقسام الخمسة.

والجواب: أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعى، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة ألَّا يدل عليها دليل شرعى لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلًا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها .. فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين.

(أما) المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لا مكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم ألبتة إلا الكراهة والتحريم حسبما يذكر في آخر فصل أحكام البدعة، والحاصل أن كل بدعة معصية كالصيام قائمًا في الشمس، والخصاء وليس كل معصية بدعة كالقتل والسرقة تناول المسكرات أول إحداثها.

فما ذكره القرافى عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح وما قسمه فيها غير صحيح. ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه من خرق الإجماع، وكأنه إنما اتبع في هذا

ص: 75

التقسيم شيخه من غير تأمل، فإن الشيخ ابن عبد السلام رحمه الله ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعًا بناء -واللّه أعلم- على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة وإن كانت تلائم قواعد الشرع. فمن هنالك جعل القواعد هى الدالة على استحسانها، فتسميته لها بلفظ البدع من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد، و لما بنى على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة. وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعًا في اللفظ، كما سمى عمر رضى اللّه عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة كما سيأتى. (أما القرافى) فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه ولا على مراد الناس لأنَّه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفًا للإجماع.

ونقول: أما قوله: إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعى، فقال

قصد به الرد على القرافى وغيره في قولهم. والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام، وقد علمت أن البدعة تطلق عندهم على معنى يتناول البدعة الحسنة والقبيحة فلا إشكال في صحة التقسيم، وقوله: بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعى

إلخ، إن أراد أن هذا من حقيقة كل معانيها فغير مسلم وهو أول المسألة التى فيها النزاع، وإن أراد أن ذلك من حقيقة معناها في الجملة فمسلم ولا يفيد، فإن التقسيم كما علمت إنما هو لبعض معانيها لا جميعها، وقوله: فما ذكره القرافى عن الأصحاب

إلخ، علمت حاله وأن التقسيم صحيح لا غبار عليه، وقوله: ومن العجب حكاية الاتفاق

إلخ، إن كان قد زعم أن مراد القرافى من الأصحاب جميع مجتهدى الأمة أعنى من ينعقد بهما الإجماع ويعد اتفاقهم إجماعًا فمدفوع بأن القرافى أراد من الأصحاب أصحاب المذهب (المالكى) كما هو ظاهر وحينئذ فمجرد اتفاقهما لا يعد إجماعًا حتى تكون مصادمته خرقًا للإجماع كيف وأن اتفاقهم ربما يوجع إلى رأى مجتهد واحد وهو من كانت الأصحاب أصحابه، على أنك قد علمت أن النزاع في المسألة لا يرجع إلى شيء من الأحكام الشرعية وإنما الكلام في أن لفظ البدعة هل يقال شرعًا بمعنى يفصل فيه وينقسم إلى هذه الأقسام الخمسة، فلو سلمنا

ص: 76

انعقاد الإجماع على عدم إطلاق لفظ البدعة كذلك فلا بأس بمصادمة هذا الإجماع ولا يعد خرقه محظورًا، بل ذلك في الإجماع الذى هو من الأدلة الشرعية أعني الإجماع على حكم شرعى كما هو معلوم، وقوله: وكأنه اتبع في هذا التقسيم شيخه

إلخ، هذا المعنى الذى نسبه للشيخ هو مراد كل القائلين بهذا التقسيم كما هو جلى من عباراتهم فهو مراد القرافى ولا مخالفة بينه وبين شيخه، وكأن الإمام الشاطبى توهم هذه المخالفة من اقتصار الشيخ في بيان الأقسام على عرضها على القواعد، واندراجها تحتها حيث قال في آخر قواعده: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهى واجبة، أو في قواعد التحريم فهى محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة. ا هـ. بخلاف القرافى فقد اعتبر مع هذا تناول أدلة الوجوب والندب: هكذا، فزعم أن الأدلة بمعنى النصوص المعينة الجزئية المنطبقة على البدع بدعة بدعة، وليس كما زعم، وإنما يريد القرافى الأدلة العامة الإجمالية مثل (مقدمة

الواجب واجبة)، (ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)، ومثل (لا ضرر ولا ضرار). والأدلة بهذا المعنى تتناول القواعد، والإمام الشاطبى نفسه قد استعمل الدنيل بهذا المعنى في قوله، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعى لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، واللّه أعلم.

قال المحقق الشاطبى (ثم) نقول: أما قسم الواجب فهو من قبيل المصالح المرسلة لا من البدع المحدثة. والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم فهى من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول وإن كان فيها خلاف بينهم ولكن لا يعد ذلك قدحًا على ما نحن فيه، وسيأتيك الفرق بين البدع والمصالح المرسلة إن شاء اللّه تعالى.

أما جمع المصحف وقصر الناس على المصاحف العثمانية فهو في الحقيقة من هذا الباب، إذ أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، تسهيلًا على العرب المختلفات اللغات، فكانت المصلحة في ذلك ظاهرة إلا أنه عرض في إباحة ذلك بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فتح لباب الاختلاف في القرآن، حيث اختلفوا في وجوه القراءة فخاف الصحابة رضوان اللّه

ص: 77

عليهم اختلاف الأمة في ينبوع الملة فقصروا الناس على ما ثبت منها في مصاحف عثمان رضي الله عنه وطرحوا ما سوى ذلك علمًا بأن ما طرحوه مضمن فيما أثبتوه لأنَّه من قبيل القراءات التى يؤدى بها القرآن (ثم) ضبطوا ذلك بالرواية حين فسدت الألسنة ودخل في إلإسلام أهل العجمة خوفًا من فتح باب آخر من الفساد وهو أن يدخل أهل الإلحاد في القرآن أو فى القراءات ما ليس منها فيستعينوا بذلك في بث إلحادهم. ألا ترى أنه لما لم يمكنهم الدخول من هذا الباب دخلوا من جهة التأويل والدعوى في معانى القرآن (فحق) ما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن له أصلًا يشهد له في الجملة وهو الأمر بتبليغ الشريعة كما في الحديث: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، وأشباهه والتبليغ يصح بأى شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها، ولذلك أجمع عليه السلف الصالح.

(وأما) ما سوى المصحف فالأمر فيه أسهل فقد ثبت في السنة كتابة العلم، ففى صحيح البخارى قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"اكتبوا لأبي فلان" أي لأبي شاه اليمنى. وكان لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كتاب يكتبون له

إلوحى وغيره: منهم عثمان وعلي ومعاوية والمغيرة بن شعبة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهم. (وأيضاً) فإن الكتابة من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به إذا تعين لضعف الحفظ وخوف اندراس العلم. وبالجملة دليل هذا القسم من الشرع ثابت فليس ببدعة.

وقوله: على سبعة أحرف، المراد بها اللغات التى تختلف بها لهجات العرب حتى يوسع على كل قوم أن يقرءوه بلحنهم، وما كان العرب يفهمون معنى الحرف في الكلام إلا اللغة. أما بعد الإسلام فخصوا لفظة الحرف من القرآن بكل كلمة تقرأ منه على الوجوه، فيقولون: هذا في حرف ابن مسعود مثلًا يريدون قراءته.

(وأما قسم المندوب) فليس من البدع بحال، مثلًا صلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد قد قام بهما رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم واجتمع الناس خلفه، لكنه صلى اللّه عليه وآله سلم لما خاف افتراضها على الأمة أمسك عن ذلك، ففى الصحيح عن عائشة رضى اللّه عنها: "أن رسول صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا الليلة الثالثة أو الرابعة فلم

ص: 78

يخرج إليهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذى صنعتم فلم يمنعنى من الخروج إلا أنى خشيت أن يفرض عليكم وذلك في رمضان". وهذا يدل على كونها سنة فإن قيامه أولًا بهم دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقًا؛ لأن زمانه كان زمان وحى وتشريع فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس بالإلزام فلما زالت علة التشريع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم رجع الأمر إلى أصله وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له (وإنما) لم يقم بذلك أبو بكر رضى اللّه عنه لأحد أمرين:(إما) لأنَّه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل ذكره الطرطوشى، (وإما) لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح. فلما تمهد الإسلام في زمن عمر رضى اللّه عنه ورأى الناس في المسجد أوزاعًا كما جاء في الخبر قال: لو جمعت الناس على قارئ أحد لكان أمثل، فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل، ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجتمع على ضلالة (وقد نص) الأصوليون على أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعى.

وإنما سماها عمر رضى اللّه عنه بدعة وحسنها بقوله: "نعمت البدعة هذه" باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم واتفق أنها لم تقع في زمن أبى بكر رضى اللّه عنه، لا أنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامى وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه لأنَّه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه.

وصفوة القول أن صلاة التراويح كانت من أفعال الخير وداخلة في عموم ما ندب إليه اللّه ورسوله مدحها، ولما لم يواظب عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا جمع الناس لها ولا كانت في زمن أبى بكر رضي الله عنه، وإنما عمر رضى اللّه عنه هو الذى جمع الناس عليها وندبهم إليها، سماها بدعة وهى على الحقيقة سنة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها

ص: 79

بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور

" الحديث رواه الترمذى وأبو داود وغيرهما، فإنه يفيد أن ما سنه الخلفاء الراشدون لاحق بسنته صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن ما سنوه لا يعدو أحد أمرين: إما أن يكون مقصودًا بدليل شرعى فهو سنة لا بدعة، وإما بغير دليل -ومعاذ اللّه من ذلك- ولكن هذا الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أثبته كذلك صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه فدليله من الشرع ثابت فليس ببدعة. ولذا أردف أتباعهم بالنهى عن البدع بإطلاق ولو كان عملهم ذلك بدعة لوقع فما الحديث التدافع، وبهذا يجاب عن كل ما ظهر على يد بعضهم أو كلهم مما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كقتل الجماعة بالواحد لأنَّه منقول عن عمر وهو أحد الخلفاء الراشدين، وتضمين الصناع وهو منقول عن الخلفاء الأربعة رضوان اللّه عليهم أجمعين كما سيأتى.

قال في "شرح المختار": روى أسد بن عمرو عن أبى يوسف رحمه الله قال: سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر، فقال: التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرصه عمر من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعًا ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولقد سن عمر هذا وجمع الناس على أبى بن كعب فصلاها جماعة والصحابة متوافرون منهم عثمان وعلى وابن مسعود والعباس وابنه وطلحة والزبير ومعاذ وأبيّ وغيرهم من الهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين،

وما رد عليه واحد منهم بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك وكان على يستحسن ما فعل عمر في ذلك ويفضله ويقول: نور شهر الصيام. اهـ.

ولزيادة البيان في هذا المقام نقول: إن روايات البخارى المذكورة في هذا الباب لم تبين عدد هذه الصلاة التى صلاها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليالى وما نقل أنه صلى فيها عشرين ركعة غير صحيح، بل الثابت أنه صلى بهما ثمانى ركعات والوتر. روى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما من حديث جابر رضى اللّه عنه قال:"صلى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان ثمان ركعات ثم أوتر"، وعن عائشة رضى اللّه عنها قالت:"ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" متفق عليه. أخبرت عن الأغلب من

ص: 80

فعله صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينافيه ما خالفه مما روى عنها أيضًا لأنَّه إخيار من النادر.

وأما فعل التراويح عشرين ركعة فهو الذى قال به الإمام الشافعى وأبو حنيفة وأحمد ونقله القاضى عياض عن جمهور العلماء وعند الإمام مالك ستة وثلاثون ركعة غير الوتر أخذ بعمل أهل المدينة واحتجوا بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد الصحابى قال: "كانوا يقومون على عهد عمر رضى اللّه عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلى رضى اللّه عنهما مثله"، وفى رواية عن علي:"أنه أمر رجلًا أن يصلى بهم في رمضان بعشرين ركعة ويوتر بثلاث". قال في "المغنى": وهذا كالإجماع.

والجواب عما قاله مالك: أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل ترويحتين ويصلون ركعتى الطواف ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة فأراد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات فزادوا ست عشرة ركعة. وما كان عليه الصحابة أحق وأولى بالاتباع، وهناك خبر ما فعله عمر: روى البخارى من حديث عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال: "خرجت مع عمر ابن الخطاب رضى اللّه عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلى الرجل لنفسه ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط، فقال عمر: إنى أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه والتى ينامون عنها أفضل من التى يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون

أوله" أي أن صلاة التراويح آخر الليل أفضل من فعلها أوله، ولم يذكر فيه عدد الركعات التى كان يصليها أبى والمعروف وهو الذى عليه الجمهور أنه عشرون ركعة بعشر تسليمات كما سبق في رواية البيهقي وفى هذا كفاية.

(وكذلك) إقامة صور الأئمة ليس من قبيل البدع بسبيل:

(أما الأول): فإن التجمل لذوى الهيئات والمناصب الرفيعة مطلوب وقد كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حلة يتجمل بها للوفود لأن ذلك أهيب وأوقع في النفوس من تعظيم العظماء ومثله التجمل للقاء العظماء كما جاء في حديث أشج عبد القيس ولفظه من رواية ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: (وفد إلى

ص: 81

النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأشج فأناخ راحلته ثم عقلها ثم طرح عنه ثوبين كانا عليه وأخرج من العيبة ثوبين حسنين فلبسهما وذلك بعين رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يرى ما يصنع، ثم أقبل يمشى إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال صلى اللّه عليه وآله سلم؟ "يا أشج إن فيك خلقين يحبهما اللَّه ورسوله". قال: ما هما بأبى أنت وأمى يا رسول اللّه؟ فقال: "الحلم والأناة "، فقال: خلقان تخلقتهما أو خلقان جبلتهما. قال: "بل خلقان جبلك اللَّه عليهما"، فقال: الحمد للّه الذى جبلنى على خلقين يحبهما اللّه ورسوله) متفق عليه. والأشج: هو العبدى ويقال له: أشج عبد القيس، وأشج بنى عصر مشهور بلقبه اسمه المنذر بن عابد ابن الحارث، كان قدومه ومن معه سنة عشر من الهجرة وكان قد تخلف عن أصحابه وهو أصغرهم سنًّا وهم أقبلوا بثياب سفرهم فقابلوا النبي صلى الله عليه وسلم. العيبة -بالفتح-: هي شبه الخرج، والحلم: العقل، والأناة: كقناة التثبت وعدم العجلة.

(وأما الثانى): فإن سلمنا أن لا دليل عليه بخصوصه فهو من قبيل المصالح المرسلة وقد مر أنها ثابتة في الشرع وباقى أمثلة هذا القسم لا تخفى على بصير.

والمذكور في قسم المباح مسألة الناخل ونحوها وليست في الحقيقة من البدع، بل هى من باب التنعم ولا يقال فيمن تنعم بمباح أنه قد ابتدع (وإنما) يرجع ذلك إذا اعتبر إلى جهة الإسراف في المأكول؛ لأن الإسراف كما يكون في جهة الكمية يكون في جهة الكيفية، فالمناخل لا تعدو القسمين فإن كان الإسراف من ماله ولم

يكره اغتفر وإلا فلا، مع أن الأصل الجواز، قال ابن عباس رضى اللّه عنهما: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأك خصلتان: سرف ومخيلة -وهى بفتح فكسر فسكون-: الكبر والسرف -بقتحتين-: ضد القصد.

(وأما قسم التحريم)

فليس فيه ما هو بدعة هكذا بإطلاق، بل ذلك كله مخالفة للأمر المشروع فلا يزيد على تحريم أكل المال بالباطل إلا من جهة كونه موضوعًا على وزان الأحكام الشرعية اللازمة كالزكوات المفروضة والنفقات المقدرة، فلا يصح أن يطلق القول في هذا القسم بأنه بدعة دون أن يقسم الأمر في ذلك.

(وأما قسم المكروه)

ففيه أشياء هي من قبيل البدع في الجملة ولا كلام

ص: 82

فيها كتخصيص بعض الليالى أو الأيام لنوع من العبادة، والزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا، فإن الاحتياط في العبادات المحضة أن لا يزاد فيها ولا ينقص منها، وذلك صحيح لأن الزيادة فيها والنقصان منها بدع منكرة فحالاتها وذرائعها يحتاط فيها في جانب النهى.

ونقول لك: قد علمت مما تقدم في أواخر الفصل الأول، أن الخلاف في معنى البدعة شرعًا ليس يرجع إلى شيء من الأحكام، بل هو خلاف لفظى يرجع محصوله إلى تحقيق ما يطلق عليه لفظ البدعة، فما جعل دينًا وليس منه مذموم اتفاقًا كما أنه يسمى بدعة اتفاقًا، والمحدثات التى يتناولها نهى الشارع مذمومة كذلك إنما الكلام في أنها كما تسمى محدثة تسمى بدعة، قال أرباب الطريقة الأولى:(لا) والثانية: (نعم)، وكذا الكلام في المحدثات الحسنة التى تتناولها قواعد الوجوب أو الندب، وأدلتهما العامة. فليس مقصود القائلين -بالتقسيم وأن البدعة منها الحسنة والقبيحة أن يتذرعوا بهذا إلى جواز الابتداع في الدين -حاشاهم، وهم من أجلاء الفقهاء، وجهابذة الإسلام، أن يقولوا بحسن الابتداع في الدين:(نعم) يجوز أن يتذرع يه الدهماء في ارتكابهم البدع قائلين: "هذه بدعة حسنة لأن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة" والأحكام الخمسة من بدعهم براء -وهذا لجهلهم بمواقع السنة والبدعة- والله الهادى إلى سواء السبيل.

* * *

‌الفصُل الرابع في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة

كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم أجمعين إذا لم يجدوا نصًّا في كتاب اللّه ولا في سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فزعوا إلى ما سموه رأيًا واجتهادًا، وهو الحكم في الحادثة يناء على القواعد الكلية، والأدلة العامة في الدين كقوله صلوات الله وسلامه عليه:"لا ضرر ولا ضرار"، وقوله:"دع ما يريبك إلى مما لا يريبك" ولم يكونوا يهتمون بأصل معين يقيسون على محله الحادثة التى يفتون فيها، أو يقضون بها بين الناس، كما قضى عمر رضى اللّه عنه على محمد ابن مسلمة بأن يمر خليج جاره في أرضه؛ لأنَّه ينفع جاره، ولا يضر محمدًا، فهذا قضاء بأصل عام، وهو إباحة النافع، وحظر الضار، ولم يقله قياسًا على أصل معين، وهذا ما يسمى في

ص: 83

عرف الفقهاء بالمصالح المرسلة، وقاعدتها أن يناط الأمر باعتبار مناسب، لم يدل الشرع على اعتباره، ولا إلغائه، إلا أنه ملائم لتصرفات الشرع، بأن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة، بغير دليل معين، كما سيتضح لك بالأمثلة الآتية.

ثم إن من الناس من تشتبه عليه البدع بالمصالح المرسلة، ومنشأ الغلط أن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذى لا يشهد له أصل معين، فليس له شاهد شرعى على الخصوص، فلما كان هاهنا موضع اشتباه لأن البدع والمصالح المرسلة يجريان من واد واحد وهو أن كلًّا منهما لم يقم على خصوصه دليل شرعى وجب الفرق بينهما.

وقد عرفت مما تقدم ما هى البدعة، ولم يبق إلا أن تعرف ما هى المصالح المرسلة، فنقول: قال المحقق الشاطبى ما ملخصه:

قسم الأصوليون المناسب الذى هو مناط الحكم إلى ما علم اعتبار الشرع له كمشروعية القصاص حفظًا للنفوس والأطراف وغيرها. وما علم إلغاؤه له كالقادر على إعتاق الرقبة في كفارة الوقاع في نهار رمضان لا يعدل إلى صيام شهرين متتابعين مع أن الإعتاق لا يزجره ويزجره الصوم، وما لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه،

وهو الذى لا يشهد له أصل معين بالاعتبار، بل يؤخذ من مقاصد الشرع العامة فيعد من وسائلها. وهذا القسم هو الذى يسمونه بالمصالح المرسلة أي المطلقة: عما يدل على اعتبارها أو إلغائها شرعًا. وإليك عشرة أمثلة للمصالح المرسلة حتى يتبين الفرق بينهما، ويعلم أن البدع ليست من المصالح المرسلة في شيء:

أ- أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتفقوا على جمع المصحف كما تقدم وليس ثم نص على جمعه وكتبه أيضًا، وقد ذهب عمر بن الخطاب إلى أبى بكر الصديق رضي الله عنهما وأخبره أن القتل قد استحر -أي اشتد وكثر- بالقراء يوم اليمامة وأخشى أن يستحر بهم في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وأرى أن تأمر بجمع القرآن. وما زال به عمر حتى شرح اللّه صدره لجمعه ورأى أبو بكر الذى رآه عمر فأرسل إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه، فقال له: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحى لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد:

ص: 84

فواللّه لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على منه. فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف ومن صدور الرجال، فهذا عمل لم ينقل فيه خلاف عن أحد من الصحابة فكان إجماعًا، والرقاع: جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق، والعُسب: جمع عسيب وهو الطرف العريض من جريد النخل، واللخاف: حجارة بيض رقاق واحدتها لخفة كسمكة.

ثم روى عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان كان يغازى مع أهل الشام وأهل العراق في فتح أرمينية وأذربيجان فأفزعه اختلافهم في القرآن أي لكثرة اختلاف المسلمين في وجوه القراءة حتى صار يكفر بعضهم بعضًا؛ لأن ما لم يكن يرفعه الواحد منهم من الوجوه ينكره على غيره وينسبه للكفر فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أرسلى إلي بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها عليك، فأرسلت حفصة بها إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وإلى عبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأمرهم أن ينسخوا الصحف في المصاحف، ثم قال للرهط القرشيين: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم. قال: ففعلوا حتى نسخوها في المصاحف،

ثم بعث عثمان في كل أفق مصحفًا ثم أمر بما سوى ذلك أن يحرق، وكان ذلك سنة خمس وعشرين. والمصاحف التى كتبت منه أرسلت إلى الكوفة والبصرة ودمشق ومكة والمدينة، وأبقى عثمان لنفسه مصحفًا عرف بالمصحف الإمام ووضعت هذه المصاحف في جوامع الأمصار يقرأ منها القراء ويرجع إليها الحفاظ. فهذا أيضًا إجماع آخر في كتب وجمع الناس على قراءة لا يحصل منها في الغالب اختلاف، ولم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما صنع أصحابه، ولكنهم رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعًا فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة، والأمر بحفظها معلوم، وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذى هو القرآن، وقد علم النهى عن الاختلاف لي ذلك بما لا مزيد عليه.

وصفوة القول أن كتابة القرآن ليست محدثة، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بكتابته ولكن كان مفرقًا في الرقاع والعظام والعسب في

ص: 85

زمنه صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما لم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجمعه في حياته لعدم المقتضى له ولاحتمال الزيادة في كل سورة ما دام حيًّا فأمر الصديق رضى اللّه عنه بنسخه من مكان إلى مكان وكتابته مجتمعًا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فيها القرآن منتشر فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء. وما فعله الصديق واجب لما يترتب عليه من الإحصاء والحفظ من الضياع، ولذا أجمع عليه الصحابة رضى اللّه عنهم أجمعين.

ولما اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في الأمصار فأخذ أهل كل مصر عن رجل من بقية القراء فأخذ أهل دمشق وحمص عن المقداد بن الأسود وأهل الكوفة عن ابن مسعود وأهل البصرة عن أبى موسى الأشعرى وقرأ كثير من أهل الشام بقراءة أبى بن كعب. وكانت وجوه القراءة التى يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف اللغات التى نزل عليها، إلى أن كانت غزوة أرمينية وغزوة أذربيجان، ورأى حذيفة ابن اليمان رضى اللّه عنه كثرة اختلاف المسلمين في وجوه القراءة، ورأى ما كان يبدر على ألسنتهم حين يأتى كل فريق منهم بما لم يُسمع من غيره، إذ يتمارون فيه حتى يكفر بعضهم بعضًا ففزع إلى عثمان رضي الله عنه فأخبره بالذى رأى وكان عثمان قد رفع إليه أن شيئًا من ذلك يكون بين المسلمين الذين يُقرئون الصبية ويأخذونهم بحفظ القرآن، فسدًا لباب الفتنة أمر سيدنا عثمان رضى اللّه عنه أن

ينسخوا الصحف الأولى التى كانت عند أبى بكر رضى اللّه عنه وأن يأخذوا الناس بها ويجمعوهم عليها. فالفرق بين جمع أبى بكر وعثمان رضى اللّه عنهما أن الأول كان للمحافظة على ينبوع الملة من الضياع بموت الحفاظ؛ لأنَّه لم يكن مجموعًا في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبًا لها على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، والثانى لتوحيد قراءته منعًا للاختلاف فيه ودرءًا للفتنة، فنسخ الصحف التى جمعها أبو بكر في مصحف واحد وكتب من ذلك عدة مصاحف أرسل إلى كل مصر مصحفًا كما عرفت، والكل كان بإجماج الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين.

2 -

اتفاق أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على حد شارب الخمر ثمانين، وإنما مستندهم في ذلك الرجوع إلى المصالح المرسلة ولم يكن

ص: 86

فيه حد مقرر زمان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزيز. ولما انتهى الأمر إلى أبى بكر رضى اللّه عنه قرره على طريق النظر أربعين، ثم انتهى الأمر إلى عمر رضى الله عنه فتتابع الناس فجمع الصحابة فاستشارهم فقال على رضى اللّه عنه:"من سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفترى". ووجه إجراء المسألة على الاستدلال المرسل أن الشريعة تقيم الأسباب في بعض المواضع مقام المسببات والمظنة مقام الحكم. فقد جعل الإيلاج في أحكام كثيرة في معنى الإنزال، وحرمت الخلوة بالأجنبية حذرًا من الذريعة إلى الفساد، فرأوا الشرب ذريعة إلى الافتراء الذى تقتضيه كثرة الهذيان فإنه أول سابق إلى السكران. قالوا: فهذا من أوضح الأدلة على إسناد الأحكام إلى المعانى التى لا أصول لها على الخصوص وهو مقطوع من الصحابة رضى اللّه عنهم.

وفى الهداية وشرحها للكمال بن الهمام ما ملخصه: وحد الخمر والسكر ثمانون سوطًا لإجماع الصحابة رضى اللّه عنهم وهو قول مالك وأحمد، وفى رواية عن أحمد وهو قول الشافعى أربعون إلا أن الإمام لو رأى أن يجلده ثمانين جاز على الأصح واستدل المصنف على تعين الثمانين بإجماع الصحابة.

روى البخاري من حديث السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإمرة أبى بكر وصدرًا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيذينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين". عتوا: تجبَّرُوا وانهمكوا في الطغيان وبالغوا في الفساد بشرب الخمر. وفسقوا: خرجوا عن الطاعة.

وصح أن خالد بن الولد رضى اللّه عنه كتب إلى عمر رضى اللّه عنه من: "أن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة، فاستشار الصحابة رضوان اللّه عليهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين" رواه أبو داود والنسائى، وأخرج مسلم عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن نجعله ثمانين كأخف الحدود، قال: فجلد عمر

ص: 87

ثمانين". والريف -بكسر الراء-: كل أرض فيها زرع ونخل أو ما قارب المياه من أرض العرب وغيرها.

وفى "الموطأ" أن عمر استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له على بن أبى طالب رضي الله عنه: "نرى أن نجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفترى ثمانون".

ولا مانع من كون كل من على وعبد الرحمن رضي الله عنهما أشار بذلك فروى الحديث مرة مقتصرًا على هذا ومرة على هذا.

فهذه الأحاديث تفيد أن جلد شارب الخمر لم يكن مقدرًا في زمنه صلوات اللّه وسلامه عليه بعدد معين. ثم قدره أبو بكر وعمر بأربعين، ولما رأوا أنها غير كافية في الردع والكف عن المشرب اتفقوا على جلده تمانين، وإنما جاز لهم أن يجمعوا على تعينه مع عدم تعينه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لتغير أهل الزمان وكثرة الشر والفساد كما أفاده قول السائب: حتى إذا عتوا وفسقوا.

3 -

أن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع. قال على رضى اللّه عنه: "لا يصلح الناس إلا ذاك" ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع والغالب عليهم التفريط في عين الأمتعة، فلو لم يضمنوا مع مس الحاجة إليهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية وذللث شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال ويقل الاحتراز وتتطرق الخيانة؛ فكانت المصلحة التضمين، هذا معنى قوله رضى اللّه تعالى عنه:"لا يصلح الناس إلا ذاك".

ولا يقال: إن هذا نوع فساد وهو تضمين البرئ لجواز أنه ما أفسد ولا فرط وأنَّه صادق في دعواه - لأنا نقول إذا تقابلت المصلحة والمضرة فشأن العقلاء النظر

إلى التفاوت واختيار الأرجح- ويشهد لذلك الأصول من حيث الجملة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أن يبيع حاضر لباد وقال:"دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض" ونهى عن تلقى الركبان حتى يهبط بالسلع إلى الأسواق. وهو من باب ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. فتضمين الصناع من هذا القبيل.

4 -

يجوز قتل الجماعة بالواحد، والمستند فيه المصلحة المرسلة، إذ لا نص

ص: 88

على عين المسألة، ولكنه منقول عن عمر وعلى وابن عباس والمغيرة بن شعبة رضى اللّه عنهم وهو مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة رحمهم الله. ووجه المصلحة أن القتيل معصوم، وقد قتل عمدًا فإهداره داع إلى خرم أصل القصاص. واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعى بالقتل إذا علم أنه لا قصاص فيه، وليس أصله قتل المنفرد فإنه قاتل تحقيقًا والمشترك ليس بقاتل تحقيقًا (فإن قيل) هذا أمر بديع في الشرع وهو قتل غير القاتل. (قلنا) ليس كذلك، بل لم يقتل إلا القاتل وهم الجماعة من حيث الاجتماع عند مالك والشافعى وأبى حنيفة رحمهم اللّه تعالى. فهو مضاف إليهم تحقيقًا إضافته إلى الشخص الواحد، وإنما التعيين في تنزيل الأشخاص منزلة الشخص الواحد، وقد دعت إليه المصلحة فلم يكن مبتدعًا مع ما فيه من حفظ مقاصد الشرع في حقن الدماء، وعليه يجرى عند مالك قطع الأيدى باليد الواحدة وقطع الأيدى في النصاب الواحد (بديع في الشرع) أي مبتدع لا أصل له فيه لا خاص فيكون قياسًا عليه، ولا عام فيكون من المصالح المرسلة.

5 -

إقامة إمام للمسلمين مقلد عند فقد المجتهد مع نقل الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تكون إلا لمن نال رتبة الاجتهاد، ولكن حيث فرض خلو الزمان عن مجتهد يظهر بين الناس، وافتقروا إلى إمام يقدمونه لجريان الأحكام وتسكين ثورة الثائرين والحياطة على دماء المسلمين وأموالهم، فلابد من إقامة الأمثل ممن ليس بمجتهد لأنا بين أمرين:(إما) أن يترك الناس فوضى وهو عين الفساد، (وإما) أن يقدموه فيزول الفساد به ولا يبقى إلا فوت الاجتهاد. والتقليد كاف بحسبه وهو نظر مصلحى يشهد له أصل وضع الإمامة. والإجماع إنما انعقد على فرض أن لا يخلو الزمان عن مجتهد، فصار مثل هذه المسألة مما لم ينص عليه، فصح الاعتماد فيه على المصلحة.

6 -

ما نقل عن مالك من جواز الحبس في التهم وإن كان نوعًا من التعذيب،

وعن بعض أصحابه من جواز الضرب بالتهم لأنَّه قد تتعذر إقامة البينة فكانت المصلحهّ في التعذيب وسيلة إلى استخلاص الأموال من أيدى السُّرَّاق والغُضَّاب وهو عند الشيوخ من قبيل تضمين الصناع.

فإن قيل: هذا فتح باب لتعذيب البرئ. نقول: في تركه إبطال استرجاع

ص: 89

الأموال، بل ترك التعذيب أشد ضررًا إذ لا يعذب المتهم بمجرد الدعوى، بل مع قيام قرينة توجب ظن أنه الفاعل. فالتعذيب في الغالب لا يصادف البرئ وإن صادفه اغتفر كما اغتفر تضمين الصانع مع جواز أنه برئ.

7 -

إذا خلا بيت المال وزادت حاجة الجند إلى المال فللإمام إذا كان عدلًا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال إلى أن يوجد مال في بيت المال. ووجه المصلحة هنا ظاهر، فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك بطلت شوكته واختل الأمن وصارت البلاد عرضة للذل والاستعباد باستيلاء الأعداء. وإذا قارنا هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق بالأغنياء بأخذ البعض من أموالهم فلا مرية في اختيار الثانى على الأول، وهو مما يعلم من مقاصد الشرع قبل النظر في الشواهد.

8 -

ما قاله بعض العلماء من أن للإمام أن يعاقب بالمال إذا رأى المصلحة في ذلك كأن تكون جناية الجانى في نفس ذلك، المال أو في عوضه. فالعقوبة فيه عند الإمام مالك ثابتة، فإنه قال في "الزعفران المغشوش": إذا وجد بيد الذى غشه أنه يتصدق به على المساكين.

ومن مسائل الإمام مالك: إذا اشترى المسلم خمرًا من نصرانى فإنه يكسر على المسلم ويتصدق بالثمن أدبًا للنصرانى قبل قبضه، وذلك مروى عن عمر رضى اللّه عنه، وأنَّه أراق اللبن المغشوش بالماء تأديبًا للغاش، وذلك التأديب لا نص يشهد له، لكنه من باب الحكم على الخاصة لأجل العامة، ونظيره تضمين الصناع.

9 -

إذا طبق الحرام الأرض أو ناحية يعسر الانتقال منها وانسدت طرق المكاسب الطيبة ومست الحاجة إلى الزيادة على سد الرمق فيجوز الزيادة؛ إذ لو اقتصر على سد الرمق لتعطلت المكاسب والأعمال التى عليها مدار نظام الدنيا وفى ذلك مضيعة للدين وذلك ملائم لتصرفات الشرع وإن لم ينص على عينه، فإنه أجاز الميتة للمضطر والدم ولحم الخنزير، وأجازوا أخذ مال الغير أيضًا عند الضرورة فما نحن فيه لا يقصر عن ذلك.

10 -

إذا بويع رجل على الإمامة الكبرى واستتب به الأمن صف وظهر من هو أكفأ منه، ولو خلع الأول لثارت الفتن واضطربت الأمور فالمصلحة قاضية ببقاء الأول ارتكابًا لأخف الضررين، فهو ملائم لتصرفات الشرع، وإن لم يعضده نص على التعيين. وإلا يجوز لهم خلعه والاستبدال به،

ص: 90

بل تجب عليهم طاعته والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته لهذا النظر المصلحى. قال ابن العربى: وقد قال ابن الخياط: إن بيعة ابن عمر ليزيد كانت كرهًا، وأين يزيد من ابن عمر، ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله والفرار من فتنة تذهب بالأموال والأنفس. فخلع يزيد يعرض للفتنة وهو لا يجوز مع العلم بأن الخلافة تعود إلى مستحقها، فكيف وذلك غير معلوم لجواز أن ينتصر ويبقى الأمر في يده وينكل بمن خلعوه أو تصير إلى مثله أو شر منه!؟ وروى البخارى عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه ووالده فقال: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة" وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم وإنى لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بينى وبينه.

فهذه الأمثلة تريك بُعْد ما بين البدع والمصالح المرسلة؛ لأن البدعة كما سبق هى: (طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد للّه تعالى) فهى ظاهرة في التعبدات وعامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل (والمصالح المرسلة) عامة النطر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على المناسبات المعقولة التى إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات ولا فيما جرى مجراها.

فحاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضرورى، أو رفع حرج لازم في الدين. فجمع المصحف حفظ للشريعة بحفظ أصلها وكتابته سد لباب الاختلاف فيه وتعزير الشارب بحده ثمانين للمحافظة على العقل، وتضمين الصناع لحفظ الصنعة والمال، وقتل الجماعة بالواحد لحفظ النفس والأطراف، ومبايعة المقلد لحفظ مصالح الأمة، وجواز الحبس والضرب في التهم للاحتيال لحفظ المال، وتوظيف الإمام شيئًا على الأغنياء هو حفظ لأرواح الجند ولشوكة الإمام، والعاقبة بالمال لحفظ التعامل وتبادل المنافع وإباحة ما زاد على سد الرمق هو رفع حرج لتحفظ المصالح وبها يحفظ الدين، والرضا بإمامة المفضول مع وجود الفاضل هو حفظ لكيان الأمة

وعدم المخاطرة بالنفوس والأموال. ومن ذلك تعرف أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة؛ لأن البدع تكون في التعبدات ومن شأنها أن تكون

ص: 91

غير معقولة المعنى على التفصيل بخلاف المصالح المرسلة، فإنها إنما تكون في معقول المعنى على التفصيل وهى المعاملات.

(وهناك فرق آخر)

وهو أن البدع إنما تكون في المقاصد بخلاف المصالح المرسلة فإنها تكون في الوسائل ولهذا أرجعها بعضهم إلى قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فقد علمت أنهما يفترقان من جهتين:

(الأولى):

أن البدع تكون في التعبدات وشأن التعبدات أن لا تكون معقولة المعنى على التفصيل، والمصالح تكون في المعقول معناه على التفصيل.

(والثانية):

أن المصالح هى من باب الوسائل، والبدع من باب المقاصد وشتان ما بين الوسائل والمقاصد. فكيف مع هذا تشتبه البدعة بالمصالح المرسلة؟ وكيف يحتج بالمصالح المرسلة التى عمل بها الصحابة على جواز الابتداع في الدين؟.

والسر في اعتبار المصلحة المرسلة في المعاملات دون العبادات، أن العبادات حق الشارع خاص به ولا يمكن معرفة حقه كمًّا وكيفًا وزمانًا ومكانًا إلا من جهته فيأتى به العبد على ما رسم له، فإن غلام أحدنا لا يعد مطيعًا خادمًا له إلا إذا امتثل ما رسم سيده وفعل ما يعلم أنه يرضيه، فكذلك هاهنا إذ العقول البشرية لا تهتدى وحدها لوجوه التقربات إلى اللّه تعالى وتهتدى للعادات في الجملة، والشارع الحكيم لم يكل شيئًا من العبادات إلى آراء العباد، فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده، والزيادة عليه بدعة كما أن النقصان منه بدعة. ولذلك لما تعبدت الفلاسفة بعقولهم ورفضوا الشرائع أسخطوا الله عز وجل وضلوا وأضلوا. وهذا بخلاف حقوق المكلفين فإنها أحكام سياسية شرعية وضعت لمصالحهم، وكانت هى المعتبرة، وعلى تحصيلها المعول، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.

* * *

‌الفصُل الخامس في ذم البدع والتحذير من الابتداع

لقد جاء في ذم البدع والتحذير منها آيات من الكتاب الحكيم كقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1). فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذى دعا إليه وهو السنة، والسبل هى سبل أهل الاختلاف الحائدين

ص: 92

عن الصراط القويم، وهم أهل البدع والأهواء، وليس المراد سبل المعاصى؛ لأن المعاصى من حيث هى معاص لم يضعها أحد طريقًا تسلك دائمًا على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات، يدل على هذا ما رواه أحمد وعبد بن حميد والنسائى وابن المنذر وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه خط خطًّا ثم قال: "هذا سبيل الرشد"، ثم خط عن يمينه وعن شماله ثم قال:"هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم تلا هذه الآية {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ

إلى تَتَّقُونَ}

(1)

، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}

(2)

جاء تفسيرها في الحديث عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا من هم؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال:"هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة". قال ابن عطية: هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد. وقال القاضى: ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية؛ لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا تفرقوا وكانوا شيعًا، والشواهد على وقوع التفرق والعداوة عند وقوع الابتداع كثيرة، وأول شاهد على ذلك ما وقع من الخوارج المنكرين مشروعية التحكيم إذ عادَوْا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم ويتركون أهل الأوثان وقد أخبر عنهم رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه.

فعن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة" متفق عليه. وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

(3)

. فالسبيل القصد هو طريق الحق

(1)

[سورة الأنعام: الآية 153].

(2)

[سورة الأنعام: الآية 159].

(3)

[سورة النحل: الآية 9].

ص: 93

وما سواه جائر عن الحق عادل عنه وهى طرق البدع والضلالات أعاذنا اللّه من سلوكها بفضله وكرمه.

وجاء في ذمها والتحذير منها أيضًا أحاديث كثيرة نذكر منها ما تيسر مع تحرى الصحة (فمن ذلك) ما في الصحيح من حديث عائشة رضى اللّه تعانى عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، وفى رواية لمسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وقد سبق الكلاء عليه مستوفى. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب اللَّه وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ". قوله: "خير الهدى هدى محمد" هو بضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وسكون الدال أيضًا. كذا جاءت الرواية بالوجهين، وفسره الإمام النووى، على طريقة الفتح بالطريق، أي أحسن الطرق طريقه، ش على رواية الضم بالدلالة والإرشاد، وهو الذى يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد. قال تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

(1)

، وقال تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}

(2)

.

وعن ابن مسعود موقوفًا ومرفوعًا أنه كان يقول: "إنما هما اثنتان: الكلام والهدى، فأحسن الكلام كلام اللّه وأحسن الهدى هدى محمد ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها، إن كل محدثة بدعة"، وفى لفظ:"غير أنكم ستحدثون ويحدث لكم فكل محدثة ضلالة وكل ضلالة في النار". وكان ابن مسعود يخطب بهذا كل خميس.

وروى الترمذى وصححه وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول اللّه كأن هذه

موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر وإن كانا عبدًا حبشيًّا، فإن من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة كل

(1)

[سورة الشورى: الآية 52].

(2)

[سورة الإسراء: الآية 9].

ص: 94

بدعة ضلالة "، وروى على وجوه من طرق. ذكر سنتهم في مقابلة سنته لعلمه أنهما لا يخطئون فيما يستنيطونه من سنته بالاجتهاد. قوله؟ "وعضوا عليها بالنواجذ" أي الزموا واحرصوا عليها، كما يلزم العاض على الشئ بنواجذه خوفًا من ذهابه وتفلته، والنواجذ: الأنياب، وقيل: الأضراس وسيأتى شرح هذا الحديث مستوفى.

وفى صحيح البخارى عن حذيفة أنه قال: كان الناس يسألون رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى فقلت: يا رسول اللّه إنا كنا في جاهلية وشر -من كفر وقتل ونهب وإتيان فواحش- فجاءنا الله بهذا الخير -ببعثك ورفع منار الإسلام وهدم قواعد الكفر والضلال- فهل بعد هذا الخير -الذى نحن فيه- من شر؟ قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن" أي ليس خيرًا خالصًا، بل فيه كدورة بمنزلة الدخان من النار، من الفساد الاختلاف وعدم صفاء القلوب. قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يهدون يغير هدى"، سنتى وطريقى "تعرف منهم وتنكر". قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها". قلت: يا رسول اللّه صفهم النا، قال:"هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا". قلت: فما تأمرنى إن أدركنى ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". قلت: فإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ". العض: المراد اللزوم: أي اعتزل الناس اعتزالًا غاية بعده فإنه خير لك من الاختلاط بأهل الشر والفساد.

وفى مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "من سره أن يلقى اللّه غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن اللّه عز وجل شرع لنبيكم صلى الله عليه وآله وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم لضللتم". فتأملوا كيف جعل ترك السنة ضلالة.

وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه آله وسلم قال: إن أحببت ألَّا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حدثًا برأيك "، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "من اقتدى بى فهو منى ومن رغب

ص: 95

عن سنتى فليس منى ".

وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول:"صبحكم ومساكم ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى" ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"، ثم يقول:"أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضَيَاعًا فإليَّ وعلىَّ" رواه مسلم، والساعة: منصوب على المعية أو مرفوع بالعطف على الضمير المتصل، أي بعثت وبعثت الساعة تنزيلًا لها منزلة الموجود مبالغة في تحقق مجيئها. والمقصود التنبيه على قرب القيامة وأن الباقى من عمر الدنيا قليل. وعلى كثرة المحدثات والمخازى. والحث على التمسك بالدين والتحذير من الوقوع في البدع والمنكرات. والضياع -بالفتح-: العيال وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعًا سمى به -العيال- وبالكسر جمع ضائع كجياع جمع جائع وليس مرادًا.

ومما جاء عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في ذم البدع وأهلها، ما روى عن حذيفة أنه قال:"أخوف ما أخاف على الناس اثنتان، أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون ". قال سفيان: وهو صاحب البدعة (وعنه أيضًا): " أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله ما نرى بينهما من النور إلا قليلًا. قال: والذى نفسى بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور والله لَتَفْشُوَنَّ البدع حتى إذا ترك منها شيء قالوا: تركت السنة ".

وعن أبى بكر رضي الله عنه أنه قال: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعمل به إلا عملت به؛ لأنى أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ" رواه البخارى.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، وعنه أيضًا من أثر رواه أين وهب "وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق وعليكم بالعتيق ".

ص: 96

تنطع في الكلام: تعمق. وعنه أيضًا: "أيها الناس لا تبتدعوا ولا تنطعوا ولا تعمقوا وعليكم بالعتيق خذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكرون "، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عليكم بالاستفاضة والأثر وإياكم والبدع.

ومن كلام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذى عنى به وبحفظه العلماء كان يعجب مالكًا جدًّا رحمه الله أنه قال: "سن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم وولاة الأمر من بعده سننًا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النضر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، رمق خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنما وساءت مصيرًا". وولاة الأمور فيه هم الخلفاء الراشدون كما في حديث العرباض. وكيف لا يعجب الإمام مالكًا رحمه الله وهو على إيجازه جمع أصولًا حسنة من السنة، فإن قوله:"ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها" قطع لمادة الابتداع جملة. وقوله: "من عمل بها فهو مهتد

" إلخ الكلام مدح لمتبع السنة وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك وهو قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} "

(1)

.

وكان الشعبي رحمه الله تعالى إذا نظر إلى ما أحدث الناس من الرأى والهوى يقول: لقد كان القعود في هذا المسجد أحب إلى مما يعدل به، فمذ صار فيه هؤلاء المراءون، فقد بغضوا إلى الجلوس فيه، ولأن أقعد على مزبلة أحب إلى من أن أجلس فيه.

وعن مقاتل بن حيان قال: أهل هذه الأهواء آفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فيتصيدون بهذا الذكر الحسن الجهال من الناس فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن يسقى الصبر باسم العسل، ومن يسقى السم القاتل باسم الترياق، فأبصرهم فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء فقد أصبحت في بحر الأهواء الذى هو أعمق غورًا وأشد اضطرابًا، وأكثر صواعق، وأبعد مذهبًا من

البحر وما فيه، ففلك مطيتك التى تقطع بها سفر الضلال اتباع السنة.

(1)

[سورة النساء: الآية 1115].

ص: 97

وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان يكتب في كتبه: "إني أحذركم ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيدة ".

ولما بايعه الناس صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبى، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنتكم سنة، ولا بعد أمتكم أمة، ألا وإن الحلال ما أحل الله في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإنى لست بمبتدع ولكنى متبع، ألا وإنى لست بقاض، ولكنى منفذ، ألا وإنى لست بخازن ولكنى أضع حيث أمرت، ألا وإنى لست بخيركم ولكنى أثقلكم حملًا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "، ثما نزل. المراد بالقضاء وضع الأحكام الشرعية لا لحكم بها. فهو لا يريد أنه لا يحكم بين الناس، وإنما يريد أنه ليس هو الشارع ولكنه منفذ الشرع بالحكم به.

وعن الفضيل بن عياض رحمه الله: "اتبع طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ".

ويدل على ذم البدع وأهلها من جهة النظر أمور:

(الأول): أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان لأن الله تعالى قال فيها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}

(1)

. وفى حديث العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله إن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ قال:"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها بعدى إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتم من سنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". "ليلها كنهارها ": أي واضحة لا يشتبه فيها أحد (وثبت) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا فإنه صلى الله عليه وآله وسلم جاء بأمور الدين مفصلة وهدى إلى أمور الدنيا إجمالًا بالقواعد الكلية

كمشروعية الشورى واليسر ووفع الحرج والضرورات وما إلى ذلك مما يوافق جميع الأزمنة الأحوال وهذا لا مخالف فيه من أهل السنة، وإذا كان

(1)

[سورة المائدة: الآية 3].

ص: 98

كذلك فكأن المبتدع يقول: إن الشريعة لم تتم وأنَّه بقى منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها لأنَّه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم.

(قال) ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}

(1)

فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا.

(الثانى): أن المبتدع معاند للشرع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهى، والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنَّه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين (فالمبتدع) راد لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طرقًا أخرى وليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لا يعلم الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر وإلَّا فضلال مبين.

وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز رضى عنه عنه إذ كتب له عدى بن أرطأة يستشيره في بعض القدرية فكتب إليه، أما بعد: فإنى أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضى به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببَصر نافذ قد كفوا، وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى. فلئن قلتم أمر حدث بعدهم ما أحدثه بعدهم إلَّا من اتبع غير سننهم ورغب بنفسه عنهم. إنهم لهم السابقون فقد تكلموا منه بما يكفى ووصفوا منه ما يشفى، فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر، لقد

قصر عنهم قوم فجفوا، وطمح آخرون فغلوا، وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. ثم ختم الكتاب بحكم مسألته ومقصود الاستشهاد قوله:"فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها ". قوله: قصر

إلخ: أي قصروا عنهم بترك بعض ما كانوا عليه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فقطعوا صلتهم به

(1)

[سورة المائدة: الآية 3].

ص: 99

وارتفع آخرون عن الوسط فغلوا في الدين بما أحدثوا فيه من البدع فبقوا هم وسطًا بين الفريقين المقصرين والغالين.

(الثالث): أنه اتباع للهوى؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع لم يبق له إلَّا الهوى والشهوة وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنَّه ضلال مبين، قال تعالى:{يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}

(1)

. فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده: الحق والهوى: إذ لا يكن في العادة إلَّا ذلك وقال: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}

(2)

فجعل الأمر محصورًا بين أمرين: اتباع الذِّكر واتباع الهوى، وقال:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

(3)

الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى، والإعراض عن الآيات الهادية إلى الحق المبين فإنها عينت للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين: أحدهما الشريعة، لا مرية في أنها علم وحق وهدى، والآخر الهوى وهو المذموم لأنَّه لم يذكر في القرآن إلَّا في مساق الذم ولم يجعل ثم طريقًا ثالثًا، والآية صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه فلا أحد أضل منه وهذا شأن المبتدع فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله -وهدى الله هو القرآن، وما بينته الشريعة- فكان أضل الناس وهو يظن أنه على هدى (وصفوة القول) أن البدع ضلالة وأن المبتدع ضال ومضل والضلالة مذكورة في كثير مما تقدم من الآثار ويشير إليها في الآيات الاختلاف والتفرق شيعًا وتفرق الطرق بخلاف سائر المعاصى، فإنها لم توصف في الغالب بوصف الضلالة إلَّا أن تكون بدعة أو شبه بدعة، وكذلك الخطأ الواقع في المشروبات (وهو المعفو عنه) لا يسمى ضلالًا ولا يطلق على الخطئ اسم ضال كما لا يطلق على المتعمد لسائر المعاصى.

والسر في هذا أن الضلال في الأصل ضد الهدى وهما حقيقة في المحسوس، تقول: هديته الطريق دللته عليه، ورجل ضل من الطريق إذا خرج عنه؛ لأنَّه التبس عديه الأمر ولم يكن له هاد يهديه، فصاحب البدعة لما غلب عليه الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره فمضى عليه فحاد بسببه عن الطريق المستقيم فهو ضال من حيث

(1)

[سورة ص: الآية 26].

(2)

[سورة الكهف، الآية 28].

(3)

[سورة القصص: الآية 50].

ص: 100

ظن أنه سالك للجادة كالمار بالليل على الجادة وليس له دليل يهديه يوشك أن يضل عنها فيقع في متابعة وإن كان بزعمه يتحرى قصدها. فالمبتدع من هذه الأمة إنما ضل في أدلتها حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله، وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره؛ لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه وأخذ الأدلة بالتبع، ومن شأنه الأدلة أن يؤخذ فيها بالظواهر وكل ظاهر يمكن أن يصرف من مقتضاه في الظاهر المقصود ويتأول على غير ما قصد فيه، فإذا انضم إلى ذلك الجهل بأصول الشريعة وعدم الاضطلاع بمقاصدها كان الأمر أقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع فكان المبتدع أمرق في الخروج عن السنة وأمكن في ضلال البدعة، فإذا غلب الهوى، أمكن انقياد ألفاظ الأدلة إلى ما أراد منها، فالمبتدع ينساق له من الأدلة المتشابه منها لا الواضح، والقليل منها لا الكثير، فهو يظن أنه على الطريق وقد زاغ به الهوى، بخلاف غير المبتدع، فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول مطالبه وآخر هواه (إن كان) فجعله بالتبع، فوجد جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحًا في الطلب الذى بحث عنه، فوجد الجادة، وما شذ عن ذلك فإما أن يرده إليه، وإما أن يكله إلى عالمه، ولا يتكلف البحث عن تأويله، فلا يصح أن يسمى من هذه حاله مبتدعًا لأنَّه اتبع الأدلة مؤخرًا هواه مقدمًا لأمر الله، ولا ضالًّا لأنَّه على الجادة سلك، وإليها لجأ، فإن خرج عنها يومًا ما فأخطأ فلا حرج عليه، بل يكون مأجورًا، وإن خرج متعمدًا فليس على أن يجعل خروجه طريقًا مسلوكًا له أو لغيره وشرعًا يدان به، على أنه إذا وقع الذنب موقع الاقتداء قد يسمى استنانًا فيعامل معاملة من سنه كما جاء في الحديث: "من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها

" الحديث، وقوله صلوات الله وسلامه عليه: "ما من نفس تقتل ظلمًا إلَّا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنَّه أول من سن القتل" فسمى القتل سنة بالنسبة إلى من عمل به عملًا يقتدى به فيه لكنه لا يسمى بدعة؛ لأنَّه لم يوضع على أن يكون تشريعًا، ولا يسمى ضلالًا لأنَّه ليس في طريق المشروع أو في مضاهاته له، وهذا تقرير واضح يشهد له

الواقع في تسمية البدع ضلالات (وبالجملة) الضلال في الغالب إنما يستعمل في موضع يزل صاحبه لشبهة تعرض له أو تقليد من عرضت له

ص: 101

الشبهة فيتخذ ذلك الزلل شرعًا ردينًا يدين به -أفاده في "الاعتصام" هو كما ترى مبنى على ما جرى عليه من قصر البدعة على الحادث المذموم بقيد أن يكون إحداثه على أنه دين وشرع -وسيأتى تحقيق هذا إن شاء الله تعالى.

‌شرح حديث كل بدعة ضلالة

(عن أبى نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة (العرباض) بكسر المهملة وموحدة أصله الطويل ثم جعاى علمًا (ابن سارية) السلمى بضم ففتح من بنى سليم بن منصور، صحابي من أهل الصفة وهم كما قال الإمام النووي رحمه الله: زهاد من الصحابة، فقراء غرباء كانوا يأزون إلى مسجد رسول الله صلى الله: عليه وآله وسلم، وكانت لهم في آخره صفة وهى مكان منقطع من المسجد مظلل عليه، يبيتون فيه وكانوا يقدون ويكثرون، ففى وقت كانوا سبعين وفى وقت غير ذلك. نزل الشام وسكن حمص، وكان من البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالى:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}

(1)

رضي الله عنهم.

وجملة الأمر أن أهل الصفة قوم من فقراء المهاجرين وهبوا أنفسهم لحفظ القرآن والخروج مع السرايا ولم يكن لأكثرهم مأوى لذلك كانوا يقيمون في صفة المسجد وهى موضع مظلل منه فالصفة كالظلة لفظًا ومعنى.

ولمَّا ولى عمر الخلافة أخرجهم من المسجد وأمرهم أن يحترفوا ويعملوا محتجًا بأن الله تعانى قد وسع على المسلمين وأصبح الجاد فيهم يجد فوق ما يكفيه.

"قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" من الوعظ وهو النصح والتذكير بالعواقب، يقال: وعظته فاتعظ، أي قبل الوعظة فأثرت فيه وأفادت (موعظة) مصدر ميمى ذكرها توطئة لما بعدها وكانت بعد صلاة الصبح لما في رواية الترمذى: "وعظنا رسول عنه صلى الله عليه وآله وسلم يومًا بعد صلاة الغداة

موعظة يليغة" بالغ فيها بالإنذار والتخويف لأجل توفيق القلوب، وكان صلوات الله وسلامه عليه يعظ أصحابه في غير الجمع والأعياد امتثالًا لقوله تعالى:{وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا}

(2)

: أي في معنى

(1)

[سورة التوبة: الآية 92].

(2)

[سورة النساء: الآية 63].

ص: 102

أنفسهم أو خاليًا بهم، فإن النصح في السر أنجع {قَوْلًا بَلِيغًا} يبلغ منهم ويؤثر فيهم، وتنويهًا للتعظيم بدليل وصفها بقوله:" وَجِلَتْ " بكسر الجيم خافت (منها) من أجلها (القلوب) لخلوها من القسوة واستيلاء سلطان الخشية عليه، وانزعاجها من ذكر الساعة وأهوالها والنار وعذابها (وذرفت منها العيون) بذال معجمة وراء مهملة وفاء مفتوحتين سألت دموعها وانصبت وكثر جريانها، وأخره عما قبله؛ لأنَّه إنما ينشأ عنه غالبًا فهو من عطف المسبب على السبب، وفيه إشارة إلى أن تلك الموعظة قد أثرت فيهم وأخذت بمجامعهم ظاهرًا وباطنًا. كيف لا وهى صادرة عن ذلك القلب السليم من كل الأدناس والروح الطاهرة القوية، روح رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وكان إذا خطب في أهوال يوم القيامة تأثر وظهر أثر ذلك في صوته وملامح وجهه، قال جابر بن سمرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب فذكر الساعة، اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش يقول:"صبحكم ومساكم بعثت أنا والساعة كهاتين" وقرن بين أصبعيه. رواه مسلم.

شبه حاله في خطبته وإنذاره بقرب القيامة مع تهالك الناس فيما يرديهم بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم بغتة فلا يفوته منهم أحد، فكما أن المنذر يرفع صوته وتحمر وجنتاه ويشتد غضبه على تغافلهم فكذا حاله صلى الله عليه وآله وسلم عند الإنذار، ومنه يؤخذ أنه ينبغى للعالم أن يعظ الناس ويذكرهما ويخوفهم عاقبة الإهمال والتفريط في طاعة الله، ويحثهم على ما ينفعهم في دينهما ودنياهم ولا يقتصر بهم على مجرد معرفة الأحكام، وأنَّه ينبغى المبالغة في الموعظة لترقيق القلوب فتكون أسرع إلى الإجابة.

ثم إن الغرض من هذا التمهيد التنبيه على فخامة القصة وغرابتها وإلَّا فكان يكفى الاقتصار على أوصنا "فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودِع" بكسر الدال والقائل بعضهم كما في رواية الترمذى ولعلهم فهموا ذلك من مبالغته في الموعظة

فوق العادة فظنوا أن ذلك لقرب وفاته ومفارقته لهم، فإن المودع يستقصى ما لا يستقصيه غيره في القول والفعل (فأوصنا) من الوصية وهى التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ وتطلق على

ص: 103

الأمر منه قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ}

(1)

، والنصح قريب منها فهو أن تسترعى من تشفق عليه لأمر يرجى نفعه أو تصرفه عن عمل يخشى ضره.

طلبوا منه صلى الله عليه وآله وسلم وصية جامعة لمهمات الدين والدنيا لظنهم مفارقته لهم، فالفاء للتفريع على ما قبلها وفيه استحباب استدعاء الوصية، والنصح من أهله واغتنام أوقات أهل الخير والدين قبل فواتها، قال:"أوصيكم بتقوى اللَّه" لأن بها سعادة الدارين؛ لأنها امتثال الأوامر واجتناب النواهى، وتكاليف الشرع لا تخرج عن ذلك. ولذا أوصى الله بها الأولين والآخرين، قال تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}

(2)

"والسمع والطاعة" لولاة الأمور، عبر بالسمع عن قبول المسموع؛ لأنَّه فائدته، أي اقبلوا منهم وامتثلوا أوامرهم من في غير إثم وهو من عطف الخاص على العام لمزيد التأكيد والاعتناء بشأنه وحكمته ترتب المبالغة الآتية عليه " وإن تَأَمَّرَ عليكم عبد " وللبخاري "حبشي وإن رأسه زبيبة" أي وإن صار أميرًا عليكم من ليس أهلًا للإمارة عبدًا كان أو غيره ما لم يكن كافرًا، فالعبد مثال، وهذا غاية في طلب السمع والطاعة لولاة الأمور، ثم هو إما من باب الفرض والتقدير أو التنبؤ بالغيب وأن الأمة تتأخر في أمر دينها ويضعف تمسكها به حتى توضع الولايات في غير أهلها، والأمر بالطاعة حينئذ إيثار لأهون الضررين: طاعة من لا يصلح للولاية ومخالفته: إذ الصبر على من لا يصلح للولاية أخف من إثارة الفتن، ويرشد إلى هذا الثانى التعقيب بقوله:"فإنه": أي الحال والشأن "من يعش منكم" بعدى " فسيرى اختلافًا كثيرًا " بين الناس بظهور الفتن والبدع، والظاهر أن هذا بوحى أوحى إليه، ويجوز أن يكون بقياس أُمته على أُم الأنبياء السابقين، ولم تكن نبوة إلَّا كان بعدها اختلاف، وقد كان ذلك فهو من معجزاته إذ أخبر عن غيب وقع. وفى التعبير بالسين دلالة على قرب الرؤية. وكان الأمر كذلك فظهرت فتنة عثمان وواقعة الجمل ومحاربة معاوية لعلى، ومحاربته للحسن فسلم الأمر إليه حقنًا لدماء المسلمين وظهر أعظم الفتن

وهى قتلة الحسين رضي الله عنه وما إلى ذلك مما فيه المسلمون إلى اليوم.

" فعليكم بسنتى ": جواب شرط مقدر، أي فإذا رأيتم هذا الاختلاف

(1)

[سورة النساء: الآية 11].

(2)

[سورة النساء: الآية 131].

ص: 104

فالزموا التمسك بطريقتى وسيرتى القويمة التى أنا عليها، وهى الدين كله من اعتقادات وعبادات ومعاملات وملكات فاضلة، وإجمالًا هى ما شرعه عنه على لسانه وبينه لأمته، فليس المراد بالسنة هنا معناها الشرعى وهو ما طلب طلبًا غير جازم؛ لأنَّه اصطلاح طارئ قصد به التمييز بينها وبين الفرض. " وسنة الخلفاء ": جمع خليفة، وهو كل من قام مقام غيره وإنما أطلق ذلك على الصحابة لأنهم خلفوا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في الدعوة إلى الله تعالى وحراسة الدين. " الراشدين ": جمع راشد، وهو من عرف الحق واتبعه، والغاوى من عرفه ولم يتبعه، والضال من لها يعرفه أصلًا. " المهديين ": جمع مهدى، وهو من هداه الله لأقوم طريق جمع بينهما تأكيدًا واللام للعهد والمعهود خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وابنه الحسن رضي الله عنهم أجمعين وحينئذ فوصفهم بعد بالرشد والهداية وصف كاشف لا للاحتراز.

وإنما حث على التمسك بطريقتهم؛ لأن ما عرف عن هؤلاء أو عن بعضهم أولى بالاتباع من باقى الصحابة إذا وقع بينهم الخلاف فيه، وإنما ذكر سنتهم في مقابلة سنته لأنَّه علم أنهم لا يخطئون فيما يستخرجونه ويستنبطونه من سنته بالاجتهاد، ولأنهم المهتدون للشريعة الذين فهموا دين الله بالتلقى من نبيه مشافهة على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال فكان ما اجتهدوا فيه حجة بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، ولأنه عرف أن بعض سنته لا تشتهر إلَّا في زمانهم فأضاف إليهم لبيان أن من ذهب إلى رد تلك السنة مخطئ فأطلق القول باتباع سنتهم سدًّا للباب، كالأشياء التى سكت عنها الشارع لعدم المقتضى لها في زمانه صلوات الله وسلامه عليه ثم وجد الموجب لها بعد وفاته فاحتاج الصحابة إلى النظر فيها وإدخالها تحت ما تبين من الكليات التى كمل بها الدين كجمع المصحف وتضمين الصناع والجد الإخوة وعول الفرائض، وما إلى ذلك مما لم تدع الحاجة في زمانه صلوات الله وسلامه عليه إلى تقريره وبيانه " عَضُّوا "-بفتح العين- وضمها لحن فعل أمر "عليها": أي على تلك السنة الصادقة بسنته وسنة الخلفاء ولم يثن الضمير لما عدمت أن سنة الخلفاء من سنته " بالنواجذ " بذال معجمة الأنياب،

وقيل: الأضراس، وهو كناية عن شدة التمسك بالسنة والجد في

ص: 105

لزومها كفعل من أمسك الشيء بنواجذه وعض عليه لئلا ينزع منه؛ لأن النواجذ محددة فإذا عضت على شيء علقت فيه فلا يكاد يتخلص، "وإياكم": عطف على جملة فعليكم بسنتي

إلخ، لمزيد التقرير والتأكيد والأصل باعدوا أنفسكم، فحذف المضاف كالفعل فانفصل الضمير، " ومحدثات الأمور ": منصوب بفعل مقدر الجملة عطف على ما قبلها تقريرًا وتوكيدًا، والمعنى: باعدوا أنفسكم عن الأمور المحدثة في الدين واحذروا العمل بها ولو من غير إحداث وهى كل ما ليس له أصل في الدين وإنما الحامل عليه مجرد الهوى والشهوة "فإن كل بدعة ضلالة": مرتب على محذوف، أي فإن ذلك بدعة، وإن كل بدعة ضلالة وانحراف عن طريق الهدى، لأن الحق فيما جاء به الشرع لا فيما لا يرجع إليه، فذلك يكون ضلالة فماذا بعد الحق إلَّا الضلال (رواه أبو داود والترمذى وقال: حديث حسن). وجاء في بعض روايات هذا الحديث "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار "، ومنه يستفاد أن المحدث مرادف للبدعة في اللغة، وأشهر منها في التبادر، وكذلك هو مرادف لها في اصطلاح الشرع، إذ المراد به في الشرع ما أحدث في الدين من الاعتقادات أو العبادات أو المعاملات وهذا بعينه معنى البدعة، ولكنه أشهر في اللغة، فلذا صح الإخبار عن المحدث بأنه بدعة في قوله صلوات الله وسلامه عليه:" كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " على بعض الطرق، وحسن أيضًا تفريع البدعة على المحدث في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:" وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " على ما علمت في شرح هذا الحديث.

ثم إن من عرف البدعة بأنها ما أحدث على خلاف الحق التلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل دينًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا فقصرها على الحادث المذموم المخالف للكتاب والسنة بقيد أن يكون إحداثه على أن يكون طريقة مسلوكة أو صار ذلك الحادث طريقة وسنة أبقى هذا الحديث وما ماثله في ذم البدع على عمومه لا تخصيص فيه. وعلى هذا جرى صاحب " الاعتصام " فإنه بعد ما أورد الأدلة النقلية والعقلية على ذم البدع وأهلها قال ما ملخصه:

ص: 106

إن ذم البدع والمحدثات في الدين عام لا يخص بدعة دون غيرها، فإن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من وجوه:

(الأول): أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقترن بها تقييد ولا تخصيص

مع تكررها وهذا دليل على بقائها على مقتضى لفظها من الإطلاق والعموم حتى يثبت ما يقيدها أو يخصصها.

(الثانى): إجماع السلف من الصحابة والتابعين من يليهم على ذمها كذلك وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها. ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت، فدل على أن كل بدعة ليست بحق، بل هى من الباطل.

(الثالث): إن متعقل البدعة يقتضى ذلك بنفسه؛ لأنَّه من باب مضادة الشارع واطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، إذ لا يصح في منقول ولا معقول استحسان مشاقة الشارع، وقد تقدم بسط هذا، ولما ثبت ذمها ثبت ذم صاحبها؛ لأنها ليست بمذمومة ممت حيث تصورها فقط، بل من حيث الاتصاف بها فهو المذموم على الحقيقة والذم خاصة التأثيم، فالمبتدع مذموم آثم وذلك على الإطلاق والعموم. انتهى.

ومن عرف البدعة بأنها ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيرًا كان أو شرًّا عبادة أو عادة قال بتخصيص تلك العمومات وقصرها على الحادث المذموم الذى لم يأذن به الشارع، وهو ما لا يرجع إلى دليل شرعى لا في الجملة ولا في التفصيل، بخلاف المحدث الذى له أصل في الشرع يرجع إليه إما بحمل النظير على النظير أو بغير ذلك فإنه حسن إذ هو سنة الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين. فمنشأ الذم فما البدع عندهم ليس مجرد لفظ محدثة أو بدعة، بل ما تقترن به من مخالفته للسنة ودعايته إلى الضلالة، ولذا انقسمت البدعة عندهم إلى الأحكام الخمسة؛ لأنها إذا عرضت على القواعد الشرعية لم تخرج عن واحد منها كما تقدم تحقيقه. قال القاضى أبو بكر بن العربى في شرحه على سنن الترمذى عند شرح حديث العرباض بن سارية ما نصه: ليس المحدث والبدعة مذمومين للفظ محدث أو بدعة ولا لمعناهما لقد قال تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}

(1)

وقال عمر: نعمت البدعة هذه، وإنما يذم منها ما دعا إلى ضلالة، مخالفة السنة، وأما ما كان مردودًا إلى قواعد الأصول ومبنيًّا عليها فليس

بدعة،

(1)

[سورة الأنبياء: الآية 2].

ص: 107

ولا ضلالة، وهو سنة الخلفاء، والأئمة الفضلاء. انتهى. (من ذكر) من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم الحساب أكمل تذكير، وتنبههم عن الغفلة أتم تنبيه كأنها نفس الذكر، (محدث): أي محدث تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة.

‌مثار الخلاف في معنى البدعة شرعًا

وفاء بما وعدناك نذكر لك هنا منشأ الخلاف الذى جرى بين أصحاب الطريقتين في تحرير معنى البدعة فنقول: قد وصفت البدعة وأهلها في لسان الشرع وأهله بصفات محذورة ومعان مذمومة تقضى يأن يكون معناها ما ذهب إليه أصحاب الطريقة الأولى وهو أن يكون الابتداع مشاركة للشارع في التشريع ومضاهاة له في سَن القوانين وإلزام الناس السير على مقتضاها.

فمن ذلك قول الإمام مالك رضي الله عنه: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خان الرسالة لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}

(1)

فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا". وعن بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وفى الحديث من رواية ابن أبي عاصم وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكونى بـ (لا إله إلَّا الله) والاستغفار، فلما رأيت ذلك ثَبَّتُّ فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا". قال ابن القيم في " الجواب الكافى ": ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على النوع، وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة، والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه، والمذنب ليس كذلك، والمبتدع قد قادح في أوصاف الرب وكماله، والمذنب ليس كذلك، والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والعاصى ليس كذلك، والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصى بطئ السير بسبب ذنوبه. انتهى.

(1)

[سورة المائدة: الآية 3].

ص: 108

وأيضًا قد وصف البدعة بأنها لا تقبل معها عبادة ولا قربة، روى ابن ماجه من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" لا يقبل الله تعالى لصاحب بدعة صومًا ولا حجًّا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين". والصرف: النفل، وقيل: التوبة كما في "القاموس"؛ لأني انصراف عن المعصية، والعدل: العدالة ضد الجور، وقيل: الفريضة. وظاهر هذا الأثر ونحوه أن كل أعمال المبتدعة رد عليهم. أما ما داخلته البدعة وتلاعبت به الأهواء فواضح أن الله لا يقبله، فإن عملًا يبعث عليه الهوى والجهل بشريعة الله جدير بأن يكون نكالًا لصاحبه وخزيًا له في الدنيا والآخرة.

ويلحق بهذا ما إذا كانت البدعة إنكار العمل بخبر الواحد، فإن عامة التكليف مبنى عليه؛ لأن الأمر إنما يرد على المكلف من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما تفرع منهما راجع إليهما، فإن كان واردًا من السنة فمعظم نقل السنة من الآحاد وإن كان واردًا من الكتاب فإنما تبينه السنة، فكل ما لم يبين من القرآن فلا بد لمنكر نقل الآحاد أن يستعمل فيه رأيه، وهو الابتداع بعينه، فيكون كل فرع ينبنى على ذلك بدعة لا سنة، فلا يقبل منه شيء كما في الصحيح:" كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ".

وأولى بذلك ما إذا كان الابتداع بإنكار العمل بالأخبار النبوية مطلقًا جاءت تواترًا أو آحادًا وأنَّه إنما يرجع إلى كتاب الله، فهذا قد بنى أعماله على رأيه لا على الدين الذى وجب التدين به. وأما إذا لم يكن العمل على هذا الوصف فإن قاد صاحبه إلى صريح الكفر كبدع الإباحية والخوارج، فلا شك في عدم القبول وإلَّا فصاحب البدعة في بعض الأمور التعبدية أو غيرها قد يجره اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذى يصير اعتقاده في الشريعة ضعيفًا وذلك يبطل عليه جميع أعماله، فإن المستحسن للبدع يلزمه في العادة أن الشرع عنده لم يكمل بعد، فلا يكون لقوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}

(1)

معنى يعتبر به عندهم.

وأيضًا قد وصفت بما روى عن هشام بن عروة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" لأن توقيره مظنة لمفسدتين تعودان علي الإسلام بالهدم:

(إحداهما): التفات

(1)

[سورة المائدة: الآية 3].

ص: 109

العامة إلى ذلك التوقير فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس وأن ما هو علمه خير مما عليه غيره فيؤدى ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السنة على سنتهم.

(والثانية): أنه إذا وقره من أجل بدعته صار ذلك كالحادى المحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيء وعلى كل حال فتحيا البدع وتموت السنن وهو هدم الإسلام بعينه وعلى ذلك دل الأثر. روى الطبرانى عن غضيف بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلَّا أضاعت مثلها من السنة ".

وأيضًا قد وصفت بأنها مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين لأنها تقتضى التفرق شيعًا، فعن قتادة في قوله تعالى:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا}

(1)

يعنى أهل البدع، وعن مجاهد في قوله تعالى:{وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}

(2)

قال: البدع والشبهات، وفى الحديث من طريق عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" يا عائشة، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا من هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة إن لكل ذنب توبة ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ليس لهم توبة". قال ابن عطية في تفسيره هذه الآية: نعم أهل الأهواء

إلخ ما تقدم أول الفصل.

وأيضًا دلت الآثار على أن المبتدع عليه إثم من عمل بالبدعة. في الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من سىن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا " رواه مسلم. وإلى ذلك أشار الحديث الآخر: " ما من نفس تُقتل ظلمًا إلَّا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنَّه أول من سن القتل " متفق عليه. وهذا التعليل يشعر بمقتضى الحديث قبله إذ علل تعليق الإثم على ابن آدم لكونه أول من سن القتل، فدل على أن من سن ما لا يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو مثله إذ لم يتعلق الإثم بمن سن القتل لكونه قتلًا دون غيره، بل لكونه سن سنة سوء وجعلها طريقة مسلوكة. ومثل هذا ما جاء في معناه كقوله:

"ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضى اللَّه ورسوله كان عليه إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئًا" رواد الترمذى وحسنه كذا في " الاعتصام ".

(1)

[سورة آل عمران: الآية 105].

(2)

[سورة الأنعام: الآية 153].

ص: 110

وهو يرشد إلى أنه لا يلزم في السنة السيئة والبدعة كذلك المتوعد عليهما في كلام الشارع هذا الوعيد الشديد أن يكون أمرًا أحدث على أنه شرع ودين بحيث يكون المحدث له مضاهيًا ونظيرًا للشارع في وضع القوانين، بل الإحداث والابتداع والتسنين مناطها على أن تكون الرذيلة ارتكبت على وجه صار المحدث به قدوة لغيره وإن لم ينو أن يقتدى به الغير كما تقدم.

بهذا شهدت الآثار، وجرى عليه أفهام السلف، ألا ترى ما قاله الإمام مالك رضي الله عنه لابن مهدى لَمَّا وضع رداءه بين يدى الصف والناس يصلون فشغلهم بالنظر إليه: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر إليه وأحدثت في مسجدنا شيئًا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:" من أحدث في مسجدنا حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". فظاهر أن ابن مهدى لم يفعل ما فعل على أنه دين وتشريع للناس ولكنه فعل بحيث يتبعه الغير في ذلك الفعل ولم يكن ناويًا ذلك الاتباع ومع ذلك سماه الإمام مالك رضي الله عنه إحداثًا مستوجبًا اللعنة من الله والملائكة والناس فتنبه لذلك.

وأيضًا وصفت البدعة في كثير من الآثار بأنها ضلالة والمبتدع بأنه ضال بخلاف سائر المعاصى فإنها لا توصف في الغالب بوصف الضلالة

إلخ ما عرفت.

وإننا نقرر لك خلاصة هذه الشبهة التى هى أمثل ما تمسك به أصحاب الطريقة الأولى القائلون: بأن كل بدعة مذمومة وليس كل مذمومة بدعة. وقد ذهب إليه الشوكانى ثم نتبع ذلك ببيان أن هذه الشبهة لا تنهض بمن تشبث بأذيالها فنقول: لا يخفى أن شيئًا من هذه الصفات التى شهدت يها الآثار السالفة لا يجامع أن يكون موصوفه محلًّا للحسن بوجه من الوجوه لمنافرة كل هذه النعوت الحسن بجميع ضروبه، فما بالك بموصوف اجتمعت فيه هذه النعوت الشنيعة، هذه مقدمة، والمقدمة الثانية قد

ص: 111

ثبت من هذه الوجوه الثلاثة التى ذكرنا

(1)

عموم الآثار الدالة على

هذه الصفات لكل فرد من أفراد البدعة، وأن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها، فثبت من مجموع هاتين المقدمتين أن كل بدعة مذمومة، وهى شطر الدعوى.

فأما الشطر الآخر وهو أن هذه الكلية لا تنعكس إلى كلية، أي ليس كل خصلة مذمومة بدعة. فدليله أنه ثيت من مجموع هذه الصفات السالفة أن للبدعة خصوصية تمتاز بها عن بقية الخصال المذمومة، وهى كون البدعة جعلت مضاهية للطريقة المشروعة، ألا ترى إلى وصفها بأنها خيانة للرسالة لمنافاتها قوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}

(2)

وبأن توقير صاحبها إعانة على هدم الإسلام.

وعلى الجملة غالب الصفات المتقدمة إذا تأملتها على الوجه الذى قررنا وخصوصًا ما ذكرنا في وصفها بأنها ضلالة تعلم أن البدعة هى طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية

إلخ، وهو ما يدعيه أرياب الطريقة الأولى، ويؤيده ما في " القاموس" البدعة بالكسر الحدث في الدين بعد الإكمال، قال شارحه ومنه الحديث:" إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".

ولما ورد عن كثير من السلف إطلاق البدعة على أمور حسنة، كقول عمر رضي الله عنه في صلاة التروايح:" إنها بدعة ونعمت البدعة "، وقول أبى أمامة الباهلي رضى الله عنه: " إن الله كتب عليكم صيام رمضان ولم يكتب عليكم قيامه وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه فإن ناسًا من بنى إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضاء الله فعاتبهم بتركها ثم تلا {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}

(3)

الآية". فدل أمره بالدوام مع وصفه بالابتداع على كونه أمرًا حسنًا، أخرجه سعيد بن منصور في سننه.

وعن الحكم الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى؟ فقال: " بدعة ونعمت البدعة هى " أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح، فقد استحسن ابن عمر رضي الله عنهما صلاة الضحى وهى من البدعة عنده.

(1)

في صفحتى (112/ 113) أنها جاءت مطلقة، إجماع السلف على ذمها، أن متعقل البدعة يقتضى ذلك.

(2)

[سورة المائدة: الآية 3].

(3)

[سورة الحديد: الآية 27].

ص: 112

أجابوا عنه بأنه مجاز من عمر ونحوه، ومن غيرهم جهل بمواقع السنة والبدعة وقد عرفت أنه لا سبيل إلى المجاز. وقول ابن عمر رضي الله عنهما في الضحى:

"إنها بدعة" إما أن يكون ذلك بحسب أصلها فيكون نفيه سنيتها محمولًا على عدم رؤيته لا على عدم الوقوع في نفس الأمر أو بحسب وصفها فيكون قد أراد أنه صلى الله عليه وسلم لم يداوم عليها أو أن إظهارها في المساجد ونحوها أو صلاتها جماعة بدعة.

ثم نقول في كَشْف القناع عن هذه الشبهة: إن قولكم كل بدعة مذمومة إن عنيتم كل ما يطلق عليه لفظ البدعة فلا نسلمه، وما ذكرتم من المقدمتين لإثبات هذه الكلية لا يستلزمه، فإن اللفظ إذا كان مشتركًا كما يدعيه الفريق الثانى لا يجب على المتكلم عند استعماله أن يريد به كل ما وضع بإزائه. فلفظ البدعة في هذه الآثار إنما أريد به أحد معنييه المشهور وهو الحادث المذموم ولا إشكال في عموم الذم وجميع أفراد هذا المعنى.

وإن أردتم من لفظ البدعة في هذه الآثار أفراد الحادث المذموم على ما رأيتم فمسلم ولا ينافى هذا أنه بمعنى آخر وهو مطلق الحادث مذمومًا كان أو ممدوحًا.

وأما قولكم: وليس كل خصلة مذمومة بدعة فنقول به، لكن لا من الوجه الذى زعمتم فليس كل خصلة مذمومة عندنا بدعة، بل المذموم أول حدوثها ولو بالأولية الإضافية بحيث يقع الاقتداء به سواء أحدث العمل عدى أنه دين وشرع أم لا، وأنتم قد اعتبرتم في مفهوم البدعة هذا القيد الأخير أيضًا والكلام معكم في إثبات اعتباره ودلالة الآثار المتقدمة عليه فنقول على الإجمال:

(أولًا): إن الآثار السابقة وإن عمت جميع أفراد البدعة وأجرت جميع هذه النعوت في كل أفرادها وتلك النعوت في زعمكم تقتضى خصوصية، وتلك الخصوصية فيما رأيتم هى مضاهاة الشرع فأين لكم أن هذه النعوت ثابتة لكل الأفراد وعلى كل الأحوال وفى جميع الأزمان والبقاع، ولم قلتم بأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع، والتحقيق المقرر في الأصول خلافه. فبناء على هذا لم لا يجوز أن هذه النعوت أجريت على البدع جميعها في حالة مخصوصة: وهى ما إذا استحسنها

ص: 113

المبتدع بحيث يعدها من المستحسنات شرعًا، وبهذا يكون قد ضاهى الشرع بالتشريع، فإذا لم تكن البدع على هذا الوجه من الاستحسان فلا تنال هذه الأوصاف مع كونها بدعة مذمومة، وربما يرشد إلى هذا قول الإمام مالك رضي الله عنه المتقدم:"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خان الرسالة ". فقوله: "يراها

حسنة" يمكن اعتباره قيدًا في كل الآثار المطلقة عنه، ولا ينافى عمومها، لما علمت أن عموم الأشخاص شيء وعموم الأحوال شيء آخر، فهو تقييد للمطلق وليس تخصيصًا للعام.

(ثانيًا): لم قلتم إن تلك الخصوصية التى اقتضتها هذه النعوت هى مضاهاة الشرع؟ ولم لا يجوز أن يكون وقوع الذنب موقع الاقتداء؟ وقد اعترفتها بأنه حينئذ قد يسمى استنانًا فيعامل معاملة من سنه لقوله عليه الصلاة والسلام: " من سن سنة سيئة

" الحديث، وقوله: " ما من نفس تقتل ظلمًا

" الحديث. فسمى القتل سنة بالنسبة إلى كل من عمل بها عملًا يقتدى به فيه، وقلتم بعد هذا لكن لا يسمى بدعة؛ لأنَّه لم يوضع على أنه تشريع والكلام معكم في ذلك، وقد نبهناك إلى هذا فيما سبق، فبناء على ذلك نقول: يصح أن يكون المناط لهذه الصفات الذميمة كون فاعله مفتاحًا للشر فيكون في صورة المشرع. وإن لم يكن كذلك على التحقيق، قال صلى الله عليه وآله وسلم: " إن هذا الخير خزائن ولتلك الخزائن مفاتيح فطوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر وويل لعبد جعله اللَّه مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير " رواه ابن ماجه وغيره، وهذا سر ما صرحوا به بأن السيئة وإن كانت من الصغائر لكن تسنينها كبيرة.

ونقول على التفصيل: أما ما نقل عن الإمام مالك رضي الله عنه فمؤول بأنه تصوير لحال من يبتدع، فكأنه بلسان حاله يزعم نسبة الخيانة، ويظن أنه سبق إلى فضيلة، وربما عند من يراه أنه كذلك، ولا شك أن من يفعل أي ذنب على وجه بحيث يقتدى به الغير يصح أن يصور بهذه الصورة سواء فعل البدعة على أنها تشريع أم لا، فلا يدل قول الإمام مالك رضي الله عنه على أن البدعة يعتبر فيها خصوصية أن تكون للتشريع.

وأما ما ورد من أن البدعة لا يقبل معها عمل فمحمول على انتفاء الثواب

ص: 114

وإن كان العمل صحيحًا كما ورد: " من صلى في ثوب قيمته عشرة دراهم فيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه " رواه أحمد، وكما ورد:" من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا " رواه الترمذى وحسنه، وإذا حمل عدم القبول على انتفاء الثواب فلا اختصاص له بالبدعة بالمعنى الذى زعموا حتى يدل على اعتبار معنى التشريع في مفهومها، ألا ترى شرب الخمر والدرهم الحرام جرى عليهما عدم

القبول بهذا المعنى وليس يجب أن يكون بدعة بما زعموا؟ وما وقع في حديث حذيفة السابق: " يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين " لا يدل أيضًا على ما اعتبروه في معنى البدعة، كيف وهم لم يطردوه في كل مبتدع، فقد صرحوا بأنه إن قصد بابتداعه استدراك الطرق على الشارع وأنَّه علم ما لم يعلم الشارع فهو كفر إلَّا فالابتداع ضلال مبين.

وبالجملة فالنعوت التى جرت على البدعة لا تخصها بالمعنى الذى ذكروا حتى تدل على اعتبار ما اعتبروا، وكذا التوصيف بالضلال لا يقتضى ما أرادوه؛ لأنَّه يقال لكل عدول عن المنهج عمدًا كان أو سهوًا يسيرًا كان أو كثيرًا. قال أبو البقاء: الضلال في القرآن يجئ لمعان منها: الغى والفساد، ومنه:{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ}

(1)

، وظاهر أن هذا المعنى يصح إرادته في حديث كل بدعة ضلالة، ومن معانيه أيضًا: الخسار، ومنه:{وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}

(2)

والزلل، ومنه:{لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ}

(3)

والبطلان، ومنه:{وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}

(4)

والجهالة، ومنه:{وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}

(5)

. وكل هذه المعانى يصح إرادتها في الحديث ولا اختصاص لها بما زعموا.

وانظروا ماذا يصنعون في قوله صلى الله عليه وسلم: "كل حدثة بدعة" مع أن فيه وجوه التعميم الثلاثة التى ذكروها مع أن من المحدثات ما ليس ببدعة بالمعنى الذى أرادوا ولا سبيل إلَّا اعتبار التخصيص بأن يراد محدثة على أنها دين، ومثل هذا يمكن ارتكابه لو فرضنا عموم البدعة وشمولها كل محدثة إذا تم لهم أن النعوت التى ذكروها تخص ما اعتبروا، قال في " الاعتصام ": ثم إن البدع على ضربين كلية وجزئية، فأما الكلية: فهى السارية فيما لا ينحصر في فروع الشريعة كبدعة التحسين والتقبيح العقليين وإنكار العمل بالأخبار النبوية وقد تقدم وجهه.

وأما الجزئية: فهى الواقعة في

(1)

[سورة النساء: الآية 119].

(2)

[سورة غافر: الآية 25].

(3)

[سورة النساء: الآية 113].

(4)

[سورة محمد: الآية 8].

(5)

[سورة الشعراء: الآية 20].

ص: 115

الفروع الجزئية، كنذر الصيام قائمًا في الشمس ساكتًا، وتحريم ما أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء. وبعد أن بينهما قال:

ولا يتحقق دخول هذا الضرب من البدع (الجزئية) تحت الوعيد بالنار وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة وإن كان داخلًا تحت وصف السرقة، بل المتحقق دخول كلياتها كالنصاب في السرقة فلا تكون تلك الأدلة واضحة الشمول لها (أي الجزئية) وهو صريح في جواز دخول التخصيص في الأدلة السابقة، بل قد ادعى وقوعه في بعضها وليس هذا إلا اعترافًا بما قررناه.

وأما ما تقدم من "القاموس" فليس فيه دلالة أيضًا على ما أرادوا، فإنه بعد أن ذكر ما تقدم قال: أو هى ما استحدث بعد النبي صلى عنه عليه وآله وسلم من الأهواء والأعمال. قال شارحه: وهذا قول الليث، وقال ابن السكيت: البدعة كل محدثة، وفى حديث قيام رمضان " نعمت البدعة هذه ".

ثم إنه بعد تسليم كل ما ذكروا من المقدمات والنتائج فهو لا ينفى أن يكون للبدعة معنى آخر غير ما ذكروه بحيث يكون منقسمًا إلى البدعة الحسنة والقبيحة، وقد تركنا من كلامهم كثيرًا مما يمكن مناقشتهم فيه خصوصًا الوجه الثالث من وجوه التعميم، إذ كون متعقل البدعة يقتضى ذلك بنفسه فرع أن يكون معناها ما أرادوا الكلام فيه، وأى مدخلية لإجماع السلف في إطلاق لفض البدعة على معنى عام أو خاص، وهذا مما انبنى على زعم أن الخلاف يرجع إلى الأحكام، ودونه خرط القتاد وشيب الغراب.

حجة الطريقة الثانية: قد علمت محصول ما تدعيه، وأنها لا تقول باستحسان أن يخترع في الدين ما ليس منه، والمحدثات التى قالوا إنها حسنة هى ما ترجع إلى قاعدة شرعية أو دليل شرعى، فحسنها في الحقيقة إنما هو من جهة الشرع وعامة القائلين بذلك هم من جماعة السنة، ومذهبهم أن التحسين والتقبيح شرعيان ولا بدع في اعتبارهم في الشيء أن يكون بدعة مع رجوعه إلى قواعد الشرع أو أدلته، ومع استفادة حسنه من موارد النصوص، فإن بدعيته من حيث أنه بخصوصه لم يرتبط به الدليل الشرعى، ولكنه عمل أحدث ولم يكن في عهد النبوة أو عهد الخلفاء،

ص: 116

فنظرًا إلى أنه بعينه لم يكن له دليل سموه بدعة. ومن جهة أنه يرجع إلى قاعدة وجوب أو ندب أو إباحة، قالوا: حسنة وإلَّا فقبيحة. فمثل جمع القرآن والاقتصار على مصحف عثمان وصلاة التراويح واتخاذ المناخل للدقيق من البدع

المستحسنة، أما الأول فلعدم وجود ذلك بهيئته في زمن النبوة، ولاقتضاء الأدلة الشرعية إياها كانت حسنة، أرياب الطريقة الأولى يقولون: إن ما تناولته قواعد الشرع أو أدلته سواء كانت صريحة فيه أم لا فمحال أن يكون من المبتدعات في الدين فكل بدعة قبيحة.

وسند أصحاب الطريقة الثانية في هذا أنهم نظروا في موارد نصوص الشىرع واستعمال أهله من السلف المقتدى بهم، فرأوا أن كثيرًا من استعمالات الشرع يرشد إلى أن كل بدعة مذمومة مثل:" كل بدعة ضلالة "، ومثل:" لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا صدقة ولا حجًّا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين" رواه ابن ماجه من حديث حذيفة. وخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما: " أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته " إلى غير ذلك من الآثار الواردة في ذم البدع وأهلها فإنها محتفة بقرائن عموم مثل كلمة كل والوقوع في سياق النفى أو الشرط.

فتبادر إلى الذهن من كثرة هذه الاستعمالات أن البدعة في لسان الشرع تقال بمعنى الحادث المذموم سواء كان ذمه؛ لأنَّه أحدث دينًا وليس منه أم لغير ذلك، لا خصوص الأول. إذ لا دليل عليه كما تقدم تحقيقه، وتأيد هذا المعنى بما تقرر في العرف العام من معنى المبتدع حيث يراد منه معنى الذم، قال في "النهاية ": البدعة بدعتان بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله وبه ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض الله عليه أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه:"نعمت البدعة هذه" لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح مدحها، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنها لهما وإنما صلاها ليالى ثم تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها وندبهم إليها سماها بدعة، وهى على الحقيقة سنة لقوله -صلى الله عليه

ص: 117

وسلم-: " عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى "، وعلى هذا التأويل يحمل الحديث:" كل محدثة بدعة " فيراد به ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم. انتهى ملخصًا.

وتأيد أيضًا بما في حديث خيثمة عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سيكون من بعدى أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فيحدثون البدعة ". قال

عبد الله بن مسعود: فكيف أصنع إذا أدركتهم؟ قال: " تسألنى يا ابن أم عبد الله كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى اللَّه": أي في معصيته لا مطلقًا لوجوب إطاعة الأمراء " وإن عصوا فيما ليس بمعصيته ".

وجه الدالالة من هذا الحديث أن المراد من قوله: "فيحدثون البدعة" كما يقتضيه سياق الكلام تأخير الصلاة عن أوقاتها، وظاهر أن الأمراء لم يحدثوا ذلك على أن يكون دينًا لله لعلمهما أنهم لا يطاعون في ذلك، لما علم من الدين ضرورة أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا. وإنما هذا من تساهلهم وتشاغلهم بمصالح الرعية عن مراسم الدين، فهى معصية ارتكبوها مع علمهم بتحريمها، وسماها بدعة محدثة لفعلهم إياها بحيث يقتدى بهم فيها كما هو الشأن في الأمراء.

ثم نظروا فرأوا أن هناك استعمالات أخرى للشارع وأهله تدل على أن البدعة لها معنى آخر شرعًا يرادف معنى السنة الحادثة خيرًا كانت أو شرًّا، وأن الابتداع بهذا المعنى يساوى معنى التسنين، وهذا كما رواه الترمذى وحسنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث:" اعلم "، قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: " إنه من أحيا سنة من سنتى قد أميتت بعدى كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا ". وخرج أيضًا عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبع غير منقوص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة شر فاتبع عليها كان عليه وزرها، ومثل أوزار من اتبع غير منقوص من أوزارهم شيئًا ".

وقد تقدم عن عمر رضي الله عنه استعمال البدعة في التراويح، ومثله

ص: 118

من أبى أمامة الباهلي رضي الله عنه، واستعمال ابن عمر كذلك في الضحى فهذه الموارد يتبادر منها أن تكون البدعة بمعنى مطلق السنة الحادثة.

أما الأثر الأول فقوله: " بدعة ضلالة " فإنه إما توصيف أو إضافة والشأن في كليهما أنه تخصيص، وحمله على أنه بيان لا يلزم البدعة خلاف الظاهر، ولم يتقرر بعد أن البدعة لا تكون بمعنى يتناول الممدوح.

ولَمَّا وقع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من ابتدع بدعة ضلالة

"

الحديث موقع قوله في الأثر الآخر: " ومن سن سنة شر

" الحديث تبادر أن الابتداع يساوى معنى التسنين، وأن البدعة تساوى معنى السنة.

ثم استعمالات عمر ومن معه يتبادر منها أيضًا أن البدعة بمعنى السنة الحادثة مطلقًا، فإن جعله مجازًا غير صحيح كما تقدم في تعريف البدعة، فإما أن يكون ذهابًا إلى المعنى اللغوى وقد تقدم أنه إحداث السنة خيرًا أو شرًّا، أو يكون تقريرًا لمعنى شرعى في البدعة عام يتناول الممدوح غيره. لا سبيل إلى الأول؛ لأن من راجع وجد أنه علم أن لفظ البدعة أو الابتداع الوارد في كلام الشرع وأهله يتبادر منه ما لم يكن في العهد النبوى بحيث يفهم منهما ذلك لا بواسطة قرينة، بل من اللفظ، وهذا يأبى أن يكون مستعملًا في معناه اللغوى وإلَّا لما كان كذلك كما لا يخفى على بصير.

فلهذا جعلوا للفظ البدعة معنى آخر أعم من الأول، وقالوا: إنه مشترك لفظي في لسان الشرع، وقد أثبت المعنى العام كثير من أهل التحقيق وقسموه إلى الممدوح وغيره، منهم الإمام الشافعى رضي الله عنه، فقد روى عنه أبو نعيم أنه قال: البدعة بدعتان: بدعة محمودة بدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم كما تقدم. والقاضى عياض رحمه الله وعبارته: "ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو بدعة ". والبدعة فعل ما لم يسبق إليه فما وافق أصلًا من السنة يقاس عليه فهو ممدوح، وما خالف أصول السنة فهو ضلالة، ومنه قوله:" كل بدعة ضلالة ". وذهب إلى هذا الإمام النووى، والشيخ عز الدين ابن عبد السلام وتلميذه العلامة القرافى وكثير من شراح الحديث وعامة الفقهاء الأجلاء.

والمتأمل في كلام الفريقين يرى أنه نزاع في أمر لفظى كما بسطناه لك

ص: 119

والمسألة هينة واضحة ترجع إلى تسمية وإطلاق لفظ فهى من الأمور الظنية التى يكتفى فيها بالظواهر وقد انكشف لك ظهورها هذا.

هذا ويلوح من كلام كثير من العلماء أن ما فعل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يناله اسم البدعة على كل من الطريقتين وأن ما فعل بعد الخلفاء الراشدين ناله اسم البدعة على تفصيل الطرق فيها وما فعل في عهدهم صح أن يسمى بدعة باعتبار أنه حدث بعد عهد النبوة شأن لا يسمى باعتبار أن سنتهم كسنته بدليل الأمر

بالتمسك بسنتهم وقرنها بها؛ لأنهم رضي الله عنهم فيما سبق إما متبعون لسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام وإما متبعون لما فهموا من سنته في الجملة والتفصيل على وجه يخفي على غيرهم لا زائد على هذا. (نعم) قد يخشى أن تكون منسوخة بسنة أخرى فاحتاج العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده ليعلموا أن ذلك هو الذى مات عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه من غير أن يكون له ناسخ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره.

والذى يظهر أن مناط البدعة على الطريقة الأولى أن يجعل من الدين ما ليس منه بأن يسلك بها مسلك التشريع، سواء لم يكن في عهده صلى الله عليه وآله وسلم أو كان، بل هذا أشد، والذى يرشد إلى هذا تعريفهم لها بأنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، وتصريحهم بأن البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عن كل ما رسمه الشارع.

والظاهر أيضًا أن مبناها على الطريقة الثانية أن تكون أول ما أحدث بأن لم يسبق لها مثال سواء كان ذلك في عهده صلى الله عليه وآله وسلم أم بعده يرشد إليه بيانهم لها بأنها ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا، بل نقول: ينبغى أن يكون المناط فيها الأولية الإضافية، وليس يجب أن تكون أول على الإطلاق، فمن أحدث خيرًا أو شرًّا في بلد أو قرية أو مجلس: تبعه غيره على ذلك المحدث اعتبر مبتدعًا وسانًا سنة حسنة أو سيئة، وإن كان مسبوقًا بذلك الفعل في غير هذا البلد أو القرية أو المجلس.

يدل على هذا ما رواه ابن المبارك عن حذيفة رضي الله عنه قال: قام سائل على عهد رسول عنه صلى الله عليه وآله وسلام فسأل فسكت القوم،

ص: 120

ثم إن رجلًا أعطاه فأعطاه القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" من استَنَّ خيرًا فاستُن به فله أجره ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئًا، ومن استَنَّ شرًّا فاستُن به فعليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئًا "، وكذا ما أخرجه مسلم من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطأوا عنه حتى رُئِىَ ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم

تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء "، وقوله: " من سن في الإسلام

" الحديث، بأن دعا إليها بقول أو فعل أو فعلها فاقتدى به في فعلها كذا يقال في قوله: " سن سنة سيئة ".

وجه الدلالة من الحديثين أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه قد اعتبر المبادرة بالصدقة من الأنصاري وغيره من قبيل سن السنة الحسنة معلوم أنهما ليسا أول من تصدق على الإطلاق وإنما ذلك لأنَّه وقع الاقتداء بهما في الصدقة فكان لهما مثل أجر من تصدق بعدهما، حيث كان لهما نية أن يقتدى بهما في ذلك، وعلى قياسه من سن في بلد مثلًا سنة سيئة فتبعه فيها غيره كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه وإن لم ينو أن يقتدى به في ذلك من حيث أنه سهل للناس طريقها بدليل حديث ابن آدم القاتل فإن الظاهر أنه لم يكن من نيته أن يقتدى به غيره فيه، والظاهر أن الابتداع والتسنين رديفان أو متساريان، فالبدعة والسنة المحدثة كذلك وزيادة في البيان نقول:

ما حدث في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إن كان مع الإنكار منهم عليه فبدعة ضلالة، كالخطبة قبل الصلاة في العيدين، فعله مروان بن الحكم وأنكره عليه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، كما أخرجه عنه البخارى وغيره قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر

ص: 121

ويوم الأضحى فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس حوله جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في عيد الأضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلى فجبذت بثوبه فجبذنى فارتقع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة ". رأى أن المحافظة على أصل السنة وهو استماع الخطبة أولى من المحافظة على هيئة فيها ليست من شرطها وهذا اجتهاد منه. ولا يجوز اجتهاد

يؤدى إلى مخالفة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؛ لذا أنكره أبو سعيد ومذهب السادة الشافعية لو خطب قبلها لم يعتد بها وأساء، ما فعله مروان فقد أنكره أبو سعيد كما ترى.

وكذلك رفع اليدين للدعاء في الخطبة للجمعة فعله بشر بن مروان وأنكره عليه عمارة، كما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما عن حصين بن عبد الرحمن قال:"رأى عمارة بن رويبة بشر بن مروان وهو يدعو في يوم جمعة فقال: قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ما يزيد على هذه يعنى السبابة التي تلى الإبهام" وفيه أن السنة ألا يرفع يديه في الخطبة وبه قال مالك وأصحابنا وغيرهم، وأجابوا عن رفع يديه صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة حين استسقى بأنه كان لعارض.

فإن قلت قد أخرج أبو داود عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر فقال ابن عمر: اخرج بنا فإن هذه بدعة. قال العينى: وفي " المبسوط " روى أن عليًّا رضي الله عنه رأى مؤذنًا يثوب للعشاء فقال: أخرجوا هذا المبتدع من المسجد. فمع هذين الأثرين كيف يستحسن كثير من الفقهاء التثويب للناس كلهم في كل الصلوات إلا المغرب، وقال أبو يوسف: يجوز للأمراء وكل من كان مشغولًا بأمور المسلمين -وكرهه قوم إلا في صلاة الفجر فإنهم استحسنوه- ومعنى التثويب: العود إلى الإعلام بعد الإعلام كأن يقول المؤذن بين الأذان والإقامة:

ص: 122

حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح مرتين، وهو على حسب ما تعارفه الناس.

قلنا: قد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: " تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور " ونسب إلى الإمام مالك رضي الله عنه وغيره من الأئمة بعده أنهم قالوا: " يحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا من الفجور ". فلما ظهر في الناس بعد عهد النور والهداية التشاغل عن الأمور الدينية أحدث العلماء هذا التثويب لمزيد التنبيه إلى الصلاة التى هى عماد الدين ورأس السعادة في الدارين. قال في "الهداية": وهذا التثويب أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة رضي الله عنهم لتغير أحوال الناس وخصوا الفجر به؛ لأنَّه وقت نوم وغفلة، والمتأخرون استحسنوه في الصلوات كلها لظهور التهاون في الأمور الدينية. قال أبو يوسف رحمه الله:

لا أرى بأسًا يأن يقول المؤذن في الصلوات كلها السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حيّ على الصلاة حيّ على الفلح الصلاة يرحمك الله. واستبعده محمد، لأن الناس سواسية في أمر الجماعة، وأبو يوسف خصهم بذلك لزيادة اشتغالهم بأمور المسلمين كي لا تفوتهم الجماعة، وعلى هذا القاضى والمفتى. انتهى.

ويستأنس له بما روى من طرق عدة أن بلالًا رضي الله عنه كان يجئ بباب النبي صلى الله عليه وسلم بين الأذانين ويؤذنه بالصلاة، وأنكره على وابن عمر رضي الله عنهما لعدم وجود توان إذ ذاك، فلم تكن إليه حاجة وبالجملة لا يلزم من إنكار بعض الصحابة أمرًا وعده إياه من المحدثات أن يكون كذلك.

وإن لم يكن من الصحابة النكير على ما حدث في عهدهم فهو من البدع المستحسنة أو من سنتهم المأمور باتباعها -فمن ذلك الأذان على الزوراء على ما سيأتي بيانه- ومن ذلك تعدد صلاة العيد في مصر وأحد. قال الإمام ابن تممية في "منهاج السنة": أحدث على بن أبى طالب رضي الله عنه في خلافته العيد الثانى بالجامع، فإن السنة المعروفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان أنه لا يصلى في الحضر إلَّا جمعة واحدة ولا يصلى يوم النحر والفطر إلَّا عيد واحد، فلما كان عهده قيل له: إن بالبلد ضعفاء لا يستطيعون الخروج إلى المصلى فاستخلف عليهم رجلًا

ص: 123

صلى بالناس بالمسجد، والرجل هو أبو مسعود الأنصاري رواه الشافعى بإسناد صحيح.

وبالجملة ما يفعله الصحابي ولم يكن في عهده صلوات عنه وسلامه عليه لا يخلو إما أن يظهر نص من النصوص القرآنية أو النبوية يكون موافقًا له يدل على استحسانه، أو يظهر نص كذلك يخالفه أو لا يظهر هذا ولا ذاك فإن كان الأوال فلا ريب في كون الأخذ به أولى؛ لأن ذلك الفعل وإن لم يكن في العهد النبوى لكنه ظهر اندراجه في أصول الشرع، وإن كان الثانى يجمع بينهما ما أمكن بحيث لا يخرج ما فعله الصحابى عن حيز الشرع، فإن لم يمكن ذلك فالنص مقدم ويعذر الصحابي بعدم علمه بذلك النص وإلَّا لها يقل بما خالفه، وهذا ما لم يكن إجماع من الصحابة فيقدم، وإن كان الثالث بأن وجدنا قولًا أو فعلًا ولم

نجد في الكتاب والسنة ما يخالف ولا ما يوافق فحينئذ يكون تقليده أولى ولا نتوقف في العمل به إلَّا أن يظهر لنا دليل يوافقه، وإذا اختلفت الصحابة فيما بيتهم يتخير فيه الآخذ فبأيهم اقتدى فقد اهتدى، ومثل هذا التفصيل يقال في الحادث في زمان التابعين ومن تبعهم، وأما الحادث بعد الأزمنة الثلاثة فيعرض على أدلة الشرع وقواعده، فإن لم يظهر له موافق ولا مخالف فلا يكون اتباعه مطلوبًا وإن ارتكبه من يعد من أرباب الفضيلة أو ممن اشتهر بالمشيخة، فإن أفعال العلماء والعباد ليست بحجة ما لم تكن مطابقة للشرع وبالله تعالى التوفيق.

وإليك شيئًا من الشبه الواردة على عموم حديث: " كل بدعة ضلالة " ونحوه لتكون منها على بصيرة، قال أبو إسحاق ما حاصله:

(الشبهة الأولى): ما في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا " رواه مسلم. وجه الشبهة في الحديث أنه نسب الاستنان إلى المكلف ولو كان المراد به من عمل سنة ثابتة في الشرع لما قال: من سن وإنما يقول من: أحيا أو من عمل، ويؤيد الشبهة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما من نفس تقتل ظلمًا إلَّا كان على ابن آدم كفل

ص: 124

من دمها لأنَّه أول من سن القتل " متفق عليه. فسن هنا بمعنى اخترع، فكذا في الحديث الأول، وخرج الترمذى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لبلال بن الحارث: " اعلم "، قال: أعلم يا رسول الله، قال: " اعلم يا بلال "، قال: أعلم يا رسول الله، قال: " إنه من أحيا سنة من سنتى قد أميتت بعدى فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضى الله ورسوله كان عليه مثل إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئًا " حديث حسن. فقوله:" بدعة ضلالة " ظاهر في أن البدع إذا لم تكن ضلالة لا يذم فاعلها. فمجموع الأدلة يفيد أن الابتداع منه الحسن الذى يثاب عليه فاعله، ومنه القبيح الذى يعاقب عليه فاعله، فكيف تذمون البدع على الإطلاق؟.

(والجواب) عن هذه الشبهة أنه ليس المراد الاستنان بمعنى الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية وذلك لوجهين:

(الأول): أن السبب الذى جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة بدليل ما فى الصحيح من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه آله وسلم في صدر النهار، فجاء قوم حفاة عراة مجتابى النمار أو العباء متقلدى السيوف، عامتهم بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما رآهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ

}

(1)

الآية، والآية التى في سورة الحشر: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ

}

(2)

"تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره" حتى قال: " ولو بشق تمرة "، قال: فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من سن في الإسلام سنة حسنة

" الحديث.

"مجتابى النمار" بكسر النون: جمع نمرة كساء مخطط من صوف، ومعنى مجتابيها: لابسيها قد خرقوها في رءوسهم.

"والجوب" القطع، " فتمعر "

(1)

[سورة النساء: الآية 1].

(2)

[سورة الحشر: الآية 18].

ص: 125

تغير، " تصدق رجل " خبر بمعنى الأمر، وهو أبلغ لدلالته على الوقوع، أي ليتصدق، "كومين" بفتح الكاف وضمها، قال ابن السراج: هو بالضم اسم لما كوم، وبالفتحم المرة الواحدة، قال: والكومة بالضم الصبرة، والكوم العظيم من كل شيء، والكوم المكان المرتفع كالرابية، والفتح هنا أولى؛ لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية، " يتهلل " يستنير ويضيء فرحًا وسرورًا بمبادرة أصحابه إلى الامتثال، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، " مذهبة " بضم الميم وسكون الذال وفتح الهاء والباء ومعناه فضة مذهبة (والمراد الصفاء والاستنارة).

" من سن في الإسلام سنة حسنة ": بأن دعا لفعلها بقول أو فعل أو أعان عليها أو فعلها فاقتدى به في فعلها، وكذا يقال في " سن سنة سيئة ".

فدل على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك الصحابى حيث أتى بتلك الصُّرَّة فانفتح بسببه باب الصَّدقة على الوجه الأبلغ والصَّدقة مشروعة بالاتفاق، فظهر أن المراد منه من عمل ورجع هذا إلى حديث: " من أحيا سنة قد أميتت بعدي فإن له من الأجر

" الحديث فكأنها كانت سنة نائمة أيقظها رضى الله عنه بفعله فليس معناه: من اخترع سنة ولم تكن ثابتة.

(الوجه الثانى): أن قوله: " من سن سنة حسنة "، " ومن سن سنة سيئة " لا يمكن حمله على الاختراع؛ لأن كون السنة حسنة أو سيئة لا يعرف إلَّا من جهة الشرع؛ لأن التحسين والتقبيح مختص بالشرع لا مدخل للعقل فيه وهو مذهب أهل السنة والجماعة وإنما يقول بالتحسين والتقبيح بالعقل المبتدعة فلزم أن تكون السنة في الحديث إما حسنة في الشرع وإما قبيحة بالشرع، فلا يصدق إلَّا على الصدقة المذكورة وما أشبهها من السنن المشروعة وتبقى السنة السيئة منزلة على المعاصى التى ثبت بالشرع كونها معاصى كالقتل المنبه عليه في حديث ابن آدم حيث قال عليه الصلاة والسلام:" لأنَّه أول من سن القتل " ومنزلة على البدع؛ لأنَّه قد ثبت ذمها والنهى عنها بالشرع كما تقدم.

وحاصل الجواب الثاني: أن الحديث حجة على المبتدع لا له المكانة قوله: "حسنة" مع العلم بأنا المحسن هو الشرع، فقد وجد في الحديث معنى يعود على فهم المبتدع بالإبطال، فوجب حمل " سن " على "عمل" أو أحيا دون " اخترع ". ثم قال:

ص: 126

بقي النظر في قوله: " ومن ابتدع بدعة ضلالة "، وأن تقييد البدعة بالضلالة يفيد مفهومًا والأمر فيه قريب؛ لأن الإضافة فيه لم تفد مفهومًا وإن قلنا بالمفهوم على رأى طائفة من أهل الأصول فإن الدليل دل على تعطيله في هذا الموضوع كما دل دليل تحريم الرِّبَا قليله وكثيره على تعطيل المفهوم في قوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً

}

(1)

، ولأن الضلالة لازمة للبدعة بإطلاق الأدلة المتقدمة فلا مفهوم أيضًا. انتهى.

يريد بهذا أبو إسحاق: أن هذا القيد لبيان ما يلزم البدعة من أنها ضلالة على الإطلاق، وقد تقدم أنه خلاف الظاهر، ولا يعزب عنك أنه جرى على قصر البدعة على الحادث المذموم، وقد علمت ما فيه فتنبه.

وإذا قطع النظر عن سبب الحديث يصح إن يراد منه الاختراع في أُمور الدنيا والتفنن فيها على وجه يلتئم مع أُصول الدِّين ومقاصده كاختراع الملاجئ والمستشفيات لإيواء اليتامى والبائسين، ومداواة المرضى من الفقراء، وصرف الأدوية لهم من غير أجر ولا ثمن، ومثل تكثير المعاهد الدينية وبناء الأروقة، ودور السكنى لطلاب العلم وإعانتهم عليه لاسيما الغرباء منهم، وإنشاء جمعية الرفق بالحيوان، فإن حسن مآثرها واضح جلى، مثل تطبيب الحيوانات، وحمايتها من الظلم، وبناء الأحواض في الميادين العمومية ليتيسر لها الشرب ودفع حرارة العطش، ومثل جمعية الإسعاف التي تقوم بخدمة الإنسانية لله تعالى وللمروءة، ومثل الطرق المسهلة لرقي الصناعة والتجارة، فكل هذه المخترعات ما شاكلها سنن حسنة يؤجر عليها صاحبها ويمدح عليها ولا يذم.

فإن شئت فهمت في الحديث الحث على إحياء السنة الدينية التى ورد بها الشرع كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإحسان إلى الفقراء والنصيحة لكل مسلم والتعاون على البر وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لها إلى غير ذلك من الأعمال التى دعا إليها الدين وحث على إحيائها، وإن شئت فهمت فيه الحث على التفكير في الأُمور الكونية التى بها ترقى الشعوب وتتقدم الأمم. ومعلوم أن الدين إنما ينهى عن الاختراع فيما حدده ورسمه على وجه مخصص كالعبادات، فلا يصح لك أن تغير فيه شيئًا بزيادة أو نقص أو تبديل كيفية من كيفياته،

(1)

[سورة آل عمران: الآية 130].

ص: 127

ولم يمنع ما يمكن من أنواع الاختراع في الأُمور المعيشية والاجتماعية والعمرانية بشرط المحافظة على الأصول العامة وأن يكون أساس هذا الاختراع درء المفاسد وجلب المصالح وإقامة العدل وإماطة الظلم ورد المظالم إلى ذويها كما تقدم.

(الشبهة الثانية): " ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح ". ووجه الشبهة فيه ظاهر وهو أنه قال ما رآه المسلمون والظاهر ما رأوه بعقولهما فرجع التحسين إليهم، فهم المخترعون، ولو كان التحسين بالدليل لما نسب الرؤية إلى المسلمين فدل على أن البدعة فيها الحسن

والقبيح، وهى مدفوعة بأن هذا ليس بحديث مرفوع وإنما هو أثر موقوف على ابن مسعود فليس بحجة، سلمنا أنه حجة فليس المراد جنس المسلمين الصادق بالمجتهد وغيره لاقتضائه أن كل ما رآه آحاد المسلمين حسنًا فهو حسن، وكل ما رآه آحاد المسلمين قبيحًا فهو قبيح وهذا باطل لوجهين:

(الأول): أنه يناقض حديث: " ستفترق أُمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلَّا واحدة " رواه عن النبي صلى صلى الله عليه وسلم عليه وآله وسلم جماعة من الصحابة كأنس بن مالك وأبى هريرة وأبى الدرداء وجابر وأبى سعيد الخدرى وأُبى بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبى أُمامة وغيرهم. قال أبو منصور البغدادى: وجه المناقضة أن الحديث الأول يفيد أن كل مسلم لا يخطئ لأنَّه يرى أن ما ذهب إليه حسن فلا يكون في النار والثانى أفاد نقيض ذلك.

(الثانى): أنه يقتضى كون العمل الواحد حسنًا عند بعض الناس يصح التقرب به إلى الله تعالى، قبيحًا عند البعض الآخر لا يصح التقرب به وهو مذهب المصوبة

(1)

وإنما المراد به جميع المجتهدين فيكون إشارة إلى الإجماع أو خصوص الصحابة كما يفيده صدر الأثر، وكما يقتضيه التفريع بالفاء، كما سيأتى لك. ولك أن تقول: إن الحديث في العمل الذى لم يرد فيه

(1)

هم القائلون: بأن الحكم هو ما عند المجتهد فيلزم من نفى الدليل نفى الحكم قطعًا إذ لا حكم عندهم سوى ما علمه أو ظنه المجتهد. والخطئة هم الذين يقولون: إن هناك حكمًا واقعيًّا تارة يصيبه المجتهد وتارة لا يصيبه.

ص: 128

نص من كتاب ولا سنة ولم يوجد من الأصول العامة ما يأباه ولو عرض على العقول السليمة لتلقته بالقبول ولم يكن من قسم العبادات، فهذا لا شك في استحسانه وبالله تعالى التوفيق.

(الشبهة الثالثة): أذان عثمان رضي الله عنه وذلك أنه لم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذان بالزوراء -موضع بسوق المدينة ودار تسمى بذلك- بل كانوا يؤذنون على باب المسجد يوم الجمعة واستمر الأمر على ذلك إلى خلافة عثمان رضي الله عنه فزاد أذان الزوراء وهو اختراع لم يكن وأقره الصحابة على ذلك، فكيف تذمون كل مخترع؟.

(فنقول): إن الأذان الذى زاده عثمان لم يخرج به عن مقصود الشارع منه إذ الأذان بالصلاة هو الإعلام بها بالألفاظ المخصوصة بدون زيادة ولا نقص، فالذى

يأتي بألفاظ لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو يضع الأذان في موضع يخرجه عن المقصود منه من الإعلام هو المبتدع. أما الذى يحافظ على الأذان بألفاظه ولا يخرج به عن الأعلام فلا شيء عليه إذا أتى به على سطح أو مشرفة أو منارة أو غير ذلك. وقد كان الأذان بالجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحدًا كغيره من الأوقات الأخرى يقوله المؤذن إذا صعد الخطيب المنبر، وكذا في عهد أبى بكر وعمر، فلما كان زمن عثمان وحدثت الحاجة بكثرة المسلمين وعدم تبكيرهم إلى المسجد على نحو ما كانوا يفعلون في زمن من قبله أمر أن يؤذن بهم للجمعة على الزوراء وأبقى ما كان من الأذان على باب المسجد عند جلوس الإمام على المنبر على حاله إبقاء للعبادة كما كانت. روى البخاري وأبو داود والنسائى عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال:" كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم غير مؤذن واحد فثبت الأمر على ذلك ".

وأطلقوا عليه الثالث؛ لأنَّه ثالث بالنسبة إلى حدوثه بعد الأذانين المشروعين وهو أول بالنسبة لتقدمه في العمل على الأذان والإقامة المشروعين

ص: 129

لكل صلاة. فترى أن زيادة عثمان هى جعله أذانًا على الزوراء للحاجة إليه وهو يعلم أن وضعه هناك ليس ممنوعًا ما دام لم يخترع له ألفاظا ولم يحدث فيه شيئًا ولم يثبت أن الأذان على مكان مخصوص من الأُمور التعبدية، فاختيار المكان من الأمور الاجتهادية وهو أحد الخلفاء الراشدين المتبعين، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباع سنتهم والجرى على طريقتهم فقال:" عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " هذا أهم ما ورد على الباب من الشبه وبالله تعالى التوفيق.

وقد ينكر المرشد بدعة فيقول فاعلها مثلًا: (هذه بدعة مستحسنة) والاستحسان لغة عد الشئ حسنًا، وسيأتى معناه في الاصطلاح -فنقول: إن الاستحسان عند القائلين به لا يصلح حجة للمبتدع- بيان ذلك أنه قد اختلف العلماء في الاستحسان، فمنهم من أثبت حجيته واعتبره أصلًا من أُصول الأحكام وهم الحنفية، ومنهم من نفاها فلم يعتبره أصلًا من أصولها وهم من عداهم كذا في جمع الجوامع.

قال المحقق الشاطبي ما ملخصه: وأما الاستحسان فلأهل البدع أيضًا تعلق به، والمستحسن إما الشرع وإما العقل، أما الشرع فاستحسانه واستقباحه قد فرغ منهما، لأن الأدلة اقتضت ذلك فلا فائدة لتسميته استحسانًا ولا لوضع ترجمة له زائدة على الكتاب والسنة والإجماع وما ينشأ عنها من القياس والاستدلال، فلم يبق إلَّا العقل وهو المستحسن، فإن كان بدليل فلا فائدة لهذه التسمية لرجوعه إلى الأدلة لا إلى غيرها، وإن كان بغير دليل فذلك هو البدعة التى تستحسن، ويشهد لذلك قول من قال في الاستحسان: إنه ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، قالوا: وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد وتميل إليه الطباع، فيجوز الحكم بمقتضاه إذا لم يوجد في الشرع ما ينافيه وإلَّا فلا. فهو ينقسم إلى حسن وقبيح إذ ليس كل استحسان حقًّا. وقد استدل المثبتون له بثلاثة أدلة: الكتاب والسنة والإجماع.

(فالأول): قول الله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}

(1)

. وقوله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ

}

(2)

. وجه الدلالة: أن الأحسن

(1)

[سورة الزمر: الآية 55].

(2)

[سورة الزمر: الآيتان 17، 18].

ص: 130

هو ما تستحسنه عقودهم.

(والثانى): قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن " وإنما يعنى بذلك ما رأوه بعقولهم، وإلَّا لو كان حسنه بالدليل الشرعى لم يكن من جنس مما يرونه؛ إذ لا مجال للعقول في التشريع على ما زعمتم، فلم يكن للحديث فائدة. فدل على أن المراد ما رأوه برأيهم.

(والثالث): أن الأُمة قد اجتمعت على استحسان دخول الحمام مثلًا من غير تقدير أجرة ولا تقدير مدة اللبث ولا تقدير الماء المستعمل ولا سبب لذلك إلّا أن المشاحة في مثله قبيحة في العادة فاستحسن الناس تركه مع أنا نقطع بأن الإجارة المجهولة أو مدة الاستئجار أو مقدار المشترى إذا جهل فإنه ممنوع وقد استحسنت إجارته مع مخالفة الدليل، فأولى أن يجوز إذا لم يخالف دليلًا ثم قال في ردها:

(أما الدليل الأول): فلا متعلق به، فإن أحسن ما أنزل إلينا إنما هو الأدلة الشرعية وخصوصًا القرآن فإن الله تعالى يقول: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا

}

(1)

الآية. وجاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته:

"أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب اللَّه" فيفتقر أصحاب الدليل أن يبينوا أن ميل الطباع أو أهواء النفوس ممَّا أنزل الله إلينا فضلًا عن أن يكون من أحسنه، وقوله تعالى:{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}

(2)

يحتاج إلى بيان: أن ميل النفوس يسمى قولًا وحينئذ ينظر إلى كونه أحسن القول كما تقدم وهذا كله فاسد. ثم إننا نعارض هذا الاستحسان بأن عقولنا تميل إلى إبطاله وأنَّه ليس بحجة وإنما الحجة الأدلة الشرعية المتلقاة من الشرع، وأيضا فيلزم عليه استحسان العوام ومن ليس من أهل النظر إذا فرض أن الحكم يتبع مجرد ميل النفوس وهوى الطباع وذلك محال للعلم بأنه مضاد للشريعة فضلًا عن أن يكون من أدلتها.

(وأما الدليل الثانى): فلا حجة فيه من أوجه:

(أولها): أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن والأُمة لا تجتمع على باطل، فاجتماعهم على حسن شيء يدل على حسنه شرعًا؛ لأن الإجماع يتضمن

(1)

[سورة الزمر: الآية 23].

(2)

[سورة الزمر: الآية 18].

ص: 131

دليلًا شرعيًّا فالحديث عليكم لا لكم. وحاصل هذا الوجه أن الحديث إشارة إلى إجماع المسلمين والإجماع حجة ولا يكون إلَّا على دليل فكان الحسن بالدليل الشرعى لا بالاستحسان.

(وثانيها): أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع -أي أن المستدل يريد أن يثبت بالحديث المذكور أن الاستحسان حجة من حجج الدين- فلابد أن يأتى على ذلك بدليل قطعى ودليله المذكور آحاد، إن سلم من الطعن فلا يفيد إلَّا ظن أن الاستحسان حجة وليس مدعاه، بل مدعاه القطع بأنه حجة، فدليله لا ينتج مدعاه، نقول في هذا الوجه نظر: فإنا لا نسلم أن حجية الاستحسان قطعية، بل ظنية؛ لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في المطالب العملية.

(وثالثها): أنه إذا لم يرد به أهل الإجماع وأريد بعضهم أن يلزم عليه استحسان العوام وهو باطل إجماعًا، لا يقال: إن المراد استحسان أهل الاجتهاد لأنا نقول هذا ترك للظاهر فبطل الاستدلال، ثم إنه لا فائدة في اشتراط الاجتهاد؛ لأن المستحسن بالفرض لا ينحصر في الأدلة، فأى حاجة إلى اشتراط الاجتهاد.

(وأما الدليل الثالث): فلا نسلم أن استحسانهم لذلك هو الدليل على صحته، بل الدليل ما دل على استحسانهم له وهو جريان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه

وآله وسلم مع علمه به وتقريره لهم عليه، أو في زمن الصحابة من غير نكير، أي إن كانت هذه العادة ثابتة في زمنه عليه الصلاة والسلام فقد ثبت الحكم بالسنة لا بالاستحسان، وإن كانت في عصر الصحابة من غير إنكار منهم فقد ثبت الحكم بالإجماع لا بالاستحسان. فالحاصل أن تعلق المبتدعة بمثل هذه الأُمور تعلق بما لا يغنيهم ولا ينفعهم ألبتة. انتهى باختصار وإيضاح.

وإليك شرح هذه الآيات الكريمة لتكون في هذا المقام على بصيرة:

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}

(1)

.

أخبر -جَلَّ شَأْنه- أن الذين أعرضوا عن عبادة الأوثان وأقبلوا على عبادته تعالى دون سواه لهم البشرى بحسن الحال في الحياة الدنيا وفى الآخرة، وأمر النبي صلوات عنه وسلامه عليه

(1)

[سورة الزمر: الآيتان 17، 18].

ص: 132

أن يعلم بهذه البشرى عباده الذين يستمعون القول الحق من كتاب الله وسنة رسوله فيتبعون أحسنه وهم أنفسهم الموصوفون بالاجتناب والإنابة، عبر عنهم بالظاهر بدل الضمير تشريفًا لهم بالإضافة ودلالة على أن علة اتصافهم بهذين الوصفين العظيمين كونهم نقادًا في الدين يميزون الحق من الباطل ويقدمون الأفضل على الفاضل كإبراء المعسر خير من إنظاره، والصيام للمسافر الذى لا يشق عليه الصيام خير من الإفطار، فإذا عرض لهم واجب ومندوب آثروا الأل على الثانى، أو عزيمة ورخصة أخذوا بالعزيمة دون الرخصة، أو القصاص والعفو، والانتصار، والإغضاء طلبًا أها هو أقرب عند الله وأعظم أجرًا، ولهذه النفوس العالية وتلك الأخلاق الفاضلة أثنى الله تعالى عليهم بأنهم الذين هداهم الله للدين الحق، وأنهم أصحاب العقول السليمة من تسلط الوهم ومنازعة الهوى، المستحقون لتوفيق الله تعالى وهدايته دون سواهم.

وقوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}

(1)

.

أحسن الحديث، لما له من التأثير في النفوس والسلطان على الأرواح، وسماه حديثًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحدث به قومه ويخبرهم بما ينزل عليه منه -كتابًا بدل منه- متشابهًا يشبه بعضه بعضًا صفة. {مَثَانِيَ} جمع مثنى مردد ومكرر صفة ثانية له. ذكر سبحانه بعض أو صاف هذا الكتاب الكريم بكونه متشابه المعانى في الصحة والإحكام والابتناء على الحق والصدق والاشتمال على منافع الناس في الدارين، ومتناسب الألفاظ في الفصاحة ومتانة الأسلوب، وبلوغه حد الإعجاز، وبكونه مثانى لما ثنى فيه من القصص والأنباء والأحكام والأوامر والنواهى والوعد والوعيد والمواعظ. ثم بيَّن سبحانه آثاره في نفوس سامعيه لتقرير كونه أحسن الحديث، وأن أهل الخشية إذا سمعوا ما فيه من آيات الوَعِيد أصابتهم هيبة وخشية تنقبض منها قلوبهم

(1)

[سورة الزمر: الآية 23].

ص: 133

وجلودهم، وإذا ذكرت فيه آيات الرَّحْمَة تبدَّلَت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة.

وفى الحق أنه لم يعرف في تاريخ البشر أن كلامًا له من التأثير في النفوس والاستيلاء على القلوب مثل ما لهذا الكتاب الحكيم: {ذَلِكَ} الكتاب التى بينت بعض نعوته {هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} هدايته بصرف مواهبه إلى الاهتداء بتأمله فيما حواه من شواهد الحقية ودلائل كونه من عند الله تعالى، فتمسك به واتبع هداه. {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} يخذله بتعطيل مواهبه وإعراضه عن تدبره وسماع نصحه وإرشاده وعدم تأثره بوعده ووعيده فما له من أحد يخلصه من وهدة الضلال والشقاء.

قوله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}

(1)

. الإنابة: الرجوع، والإسلام: الاستسلام لأمره والخضوع لحكمه، وأحسن ما أنزل: هو القرآن، وبغتة: فجأة.

بعد ما بشرهم سبحانه بأنه يغفر الذنوب كلها لمن يشاء ما عدا الشرك أمرهم بالرجوع إليه تعالى يفعل الطاعات واجتناب المعاصى واتباع أحسن القرآن (والقرآن كله حسن) بإحلال حلاله وتحريم حرامه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه من قبل أن ينزل بهما العذاب فجأة وهم لا يشعرون بمجيئه ليتداركوا ويتأهبوا له.

(هذا) وقد عرفت أن الإمام الشافعى رحمه الله ممن ينكر الاستحسان ولقد بالغ في إنكاره إذ نقل عنه أنه قال: " من استحسن فقد شرع "، ومعناه كما قال الرويانى: أنه نصب من جهة نفسه شرعًا غير الشرع، وقال في " الرسالة":"الاستحسان تلذذ، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غر أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب، وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعًا": أي بمحض الهوى والشهوة وهذا غاية في الذم ونهاية في الإنكار {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ}

(2)

. ثم إنهم عرفوه بتعارف كثيرة، فمنهم من عرفه بما يتبادر منه

(1)

[سورة الزمر: الآيتان 54، 55].

(2)

[سورة المؤمنون: الآية 71].

ص: 134

وهو ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، وإن كان مستقبحًا عند غيره. قال الآمدى في " الأحكام " ما ملخصه:

إن هذا المعنى لا يصلح موضعًا للنزاع لاتفاق الأُمهَ قبل ظهور المخالفين على امتناع حكم المجتهد في شرع الله تعالى بشهوته وهواه من غير دليل شرعى، ولا فرق في ذلك بين المجتهد والعامى، ومنهم من عرفه بأنه:(دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته): أي يعسر عليه التعبير عنه وقد اعترضه الآمدى أيضًا بأنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلًا، محققًا أو وهمًا فاسدًا فلا خلاف في امتناع التمسك به، أي إن كان بمعنى أنه مؤد إلى الشك فيه فباطل أن يكون دليلًا وإن تحقق أنه دليل شرعى فلا نزاع في جواز التمسك به أيضًا، وإنما النزاع في تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عنه ولا حاصل للنزاع اللفظى، من فسره بأنه:(العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى) كما في العتب فإنه قد ثبت تحريم بيعه بالزبيب سواء كان على رءوس الشجر أم لا قياسًا على الرطب. ثم إن الشارع أرخص في جواز بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر فقسنا عليه العنب وتركنا القياس الأول لكون الثانى أقوى، فلما اجتمع في الثانى القوة والاضطرار كان استحسانًا، أو بأنه:(تخصيص قياس بدليل أقوى منه) وهو قريب ممَّا قبله، ومثاله إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة، فإن عِلَّة إيجاب المثل في المثليات المتلفة تماثل الأجزاء، والشرع لم ينقض هذه العِلَّة، لكن استثنى هذه الصورة. فهذا الاستثناء لا يفسد هذه العلة، بل تبقى في غير محل الاستثناء، وصورة المسألة: اشترى المصراة وحلبها فوجدها قتيلة اللَّبن ليس له أن يردها عندنا، وعند الإمام الشافعى وغيره له ردها مع اللَّبن

لو قائمًا أو مع صاع تمر لو هالكًا (فهو) يرجع إلى العمل بالراجح وترك المرجوح وهذا لا ينكره أحد حتى نفاة الاستحسان .. إلى أن قال: ولم يبق إلَّا التفسير بأنه (العدول عن حكم الدليل إلى العادة) للمصلحة كدخول الحمام من غير تعيين زمن المكث، ومقدار الماء أو الأجرة فإنه معتاد على خلاف الدليك العام؛ لأنَّه غرر والقياس يأباه لوروده على إتلاف العين مع الجهالة، وكذا شرب الماء من السقاء من غير

ص: 135

تعيين قدره وجواز استئجار الأجير بطعامه وإن كان لا ينضبط مقدار أكله ليسار أمره وخفة خطبه وعدم المشاحة فيه، وكذا أيضًا الظئر بأجر معين التعامل الناس والعرف، هذا استحسان لأنها ترد على إستهلاك العين وهو اللَّبن وذا مخالف لقياس الإجارة (فيقال فيه): إن أردتم بالعادة ما اتفقت عليه الأُمة من أهل الحل والعقد فهو حق، وهو يرجع إلى الاستدلال بالإجماع، وإن أريد بها عادة من لا يحتج بعادته كالعادات المستحدثة للعامة فيما بينهم فذلك ممَّا لا يمتنع ترك الدليل الشرعى به. انتهى بإيضاح.

وقال الإمام النسفى في "متن المنار": والاستحسان يكون بالأثر، والإجماع، والضرورة والقياس الخفى، كالسلم، والاستصناع، وتطهير الأوانى وطهارة سؤر سباع الطير، ثم قال في شرحه: الاستحسان لغة وجود الشيء حسنًا، يقال: استحسنته: اعتقدته حسنًا، واستقبحته: اعتقدته قبيحًا. وشرعًا اسم لدليل يعارض القياس الجلى، فكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك القياس بدليل آخر فوقه، وذا قد يكون:

1 -

نصًّا كما في السلم، فإن القياس يأبى جوازه؛ لأن المعقود عليه معدوم عند العقد وإنما تركوه بالنص وهو قوله صلوات الله وسلامه عليه:" من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" متفق عليه.

والإجارة، فإنها بيع المنفعة وهى معدومة فكان القياس عدم جوازها وإنما جوزوها بالنص وهو قوله صلوات الله وسلامه عليه:" أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ".

وبقاء الصوم مع الأكل ناسيًا إذ القياس يقتضى فساده؛ لأن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه، وإنما بقوه بقوله صلوات الله وسلامه عليه:"من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" متفق عليه. والنص فوق الرأى (القياس) فاستحسنوا تركه به.

2 -

وقد يكون إجماعًا كما في الاستصناع فيما فيه تعامل، فإن القياس يأبى جوازه؛ لأنَّه بيع عين يعمله وهو معدوم الحال، والقياس الظاهر ألَّا يجوز بيع الشيء إلَّا بعد تعينه حقيقة، وأنما تركوه بالإجماع

ص: 136

وهو تعامل الأمة من غير نكير، والإجماع دليل فوق الرأى، فاسحسنوا تركه به.

3 -

وقد يكون ضرورة كما في طهارة الحياض والآبار والأوانى بعدما تنجست فإن القياس يأبى طهارتها؛ لأن الدلو ينجس بملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس، ولأن نزع بعض الماء لا يؤثر في طهارة الباقى، وكذا خروج بعضه عن الحوض، وكذا الماء ينجس بملاقاة الآنية النجسة والنجس لا يفيد الطهارة، فاستحسنوا ترك العمل بموجب القياس للضرورة، فإن الحرج مدفوع بالنص وفى موضع الضرورة يتحقق معنى الحرج لو أخذ بالقياس.

4 -

وقد يكون قياسًا خفيًّا كما في سؤر سباع الطير كالصقر والحدأة والغراب فإنه في القياس نجس؛ لأنَّه سؤر ما هو سبع مطلق فكان كسؤر سباع البهائم كالذئب والضبع والنمر، وهذا معنى ظاهر الأثر؛ لأنهما يستويان في حرمة الأكل فيستويان في نجاسة السؤر. وفى الاستحسان: هو طاهر؛ لأن السبع ليس بنجس العين بدليل جواز الانتفاع به شرعًا كالأصطياد والبيع تجارة وجواز الانتفاع بجلده وعظمه، ولو كان نجس العين لما جاز كالخنزير، وسؤر سباع البهائم إنما كان نجسًا باعتبار حرمة الأكل لأنها تشرب بلسانها وهو رطب من لعابها، ولعابها يتولد من لحمها وهذا لا يوجد في سباع الطير؛ لأنها تأخذ الماء بمنقارها ثم تبتلعه، ومنقارها عظم وعظم الميتة طاهر فعظم الحى أولى، فصار هذا الاستحسان وإن كان باطنًا أقوى من القياس وإن كان ظاهرًا. انتهى بإيضاح.

ومن أمثلة العمل بالاستحسان وترك القياس عند الحنفية قتل الجماعة بالواحد عملًا بالاستحسان والقياس عدم القصاص؛ لأن المعتبر فيه المساواة ولا مساواة بين العشرة والواحد ببداهة العقل، لكنهم تركوا هذا القياس بما روى أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا فقضى عمر رضى الله تعالى عنه عليهم بالقصاص، وقال:" لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به " والتمالؤ: التعاون.

وروى عن علي رضي الله عنه: " أنه قتل ثلاثة بواحد "، وعن ابن عباس رضي الله عنهما:" أنه قتل جماعة بواحد ". وكانت الصحابة

ص: 137

متوافرين، ولم

ينكر عليهم أحد فحل محل الإجماع، ولأن القتل بطريق التغالب فساد غالب، فإن القتل بغير حق لا يتحقق غالبًا إلَّا بالاجتماع؛ لأن الواحد يقاوم الواحد، وما غلب وقوعه من الفساد يوجب مزجرة فوجب القصاص تحقيقًا لحكمة الإحياء، إذ لو لم يجب لما عجز المفسد عن أن يجمع عليه أمثاله ويقتل، لعلمه أن لا قصاص، فيؤدى إلى سد باب القصاص، وغير ذلك كثير.

وبما ذكرنا تبين لك أنه لم يبق للاستحسان معنى يصلح للنزاع؛ لأن منه ما هو باطل بالاتفاق وهو الاستحسان بالهوى والشهوة، ومنه ما هو محتج به بالاتفاق وهو ما يرجع إلى تقديم الراجح على الرجوح والقوى على الضعيف، ومنه ما هو دائر بين المقبول اتفاقًا والمردود اتفاقًا فلا يخرج عنهما وهو الدليل الذى ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته، وعلى هذا فالخلاف بين مثبته ونافيه لفظى.

فإن القائلين بالاستحسان يريدون به ما هو أحد الأدلة الأربعة، والقائلين بأن من استحسن فقد شرع، يريدون أن من أثبت حكمًا بأنه مستحسن من غير دليل عن الشارع فهو المشرع لذلك الحكم حيث لم يأخذه عن الشارع، كما يعلم هذا من إمعان النظر في كلام كل من الفريقين فلا وجه لتمسك أهل البدع بباب الاستحسان، وقول بعضهم:(هذه بدعة مستحسنة) إن أراد أن الذى استحسنها هو العقل مع مخالفتها ما رسمه الشرع فقد سبق الإجماع على بطلان ذلك في الدين، وإن أراد أنه العمل بالأدلة (وهى المعول عليه) وأن مقتضى الأدلة استحسانها طولب بالأدلة، فإن أقامها على حسنها خرجت من البدع ودخلت في السنن والله ولى التوفيق.

وقد يقول المرشد: إن هذا العمل بدعة ولم تصح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحديث المروى فيه ضعيف، فيقول البعض:(إن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال) فهل هذا القول على إطلاقه صواب؟ نقول: قال المحقق الشاطبى في " الاعتصام " ما ملخصه:

إن للراسخين طريقًا يسلكونها في اتباع الحق، وإن الزائغين على طريق غير طريقهم، فاحتجنا إلى بيان الطريق التى سلكها هؤلاء لنتجنبها، وهى

ص: 138

متشعبة لا يمكن حصر مآخذها، لكنا نذكر من ذلك أوجهًا كلية يقاس عليها ما سواها:

(فمنها): اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوب فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتى لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء

عليها، كحديث الاكتحال يوم عاشوراء، وإكرام الديك الأبيض، وأكل الباذنجان بنية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه، فإن إمثال هذه الأحاديث لا يبنى عليهما حكم ولا تجعل أصلًا في التشريع أبدًا ومن جعلها كذلك فهو جاهل ومخطئ في نقل العلم؛ وإنما أخذ بعض العلماء بالحديث الحسن لإلحاقه عند المحدثين بالصحيح، وكذلك أخذ بعضهم بالمرسل حيث ألحق بالصحيح في أن المتروك ذكره كالمذكور والمعدل، فأما ما دون ذلك فلا يؤخذ به بحال عند علماء الحديث ولا يعنون (حدثنى فلان عن فلان) مجودًا، بل يريدون ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال حتى لا يسند عن مجهول ولا مجروح ولا متهم إلَّا عمن تحصل الثقة بروايته؛ لأن روح المسألة أن يغلب على الظن من غير ريبة أن ذلك الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم لنعتمد عليه في الشريعة ونسند إليه الأحكام، والأحاديث الضعيفة الإسناد لا يغلب على الظن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالها فلا يمكن أن يسند إليها حكم فما ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب.

وما روى عن أحمد بن حنبل من أنه قال: (الحديث الضعيف خير من القياس) وظاهره يقتضى العمل بالحديث غير الصحيح لأنَّه قدمه على القياس المعمول به عند جمهور المسلمين: فليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به، بل الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف وللضعيف عنده مراتب، وأن أول من قسم الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف الترمذى، وأن الضعيف الذى يرجحه أحمد على الرأى هو الحسن عند الترمذى ومن اختار تقسيمه.

فإن قال قائل هذا كله رد على الأئمة الذين اعتمدوا على الأحاديث التى لم تبلغ درجة الصحيح، فإنهم كل كما نصوا على اشتراط صحة الإسناد

ص: 139

كذلك نصوا أيضًا على أن أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط في نقلها للاعتماد صحة الإسناد، بل إن كان ذلك فبها ونعمت، وإلَّا فلا حرج على من نقلها واستند إليها، فقد فعله الأئمة كمالك في " الموطأ "، وابن المبارك في رقائقه، وأحمد بن حنبل في رقائقه، وسفيان قى " جامع الخير " وغيرهم. فكل ما في هذا النوع من المنقولات راجع إلي الترغيب والترهيب وإذا جاز اعتماد مثله جاز فيما كان نحوه مما يرجع إليه كصلاة

الرغائب والمعراج وليلة النصف من شعبان وليلة أول جمعة من رجب وصلاة الإيمان والأسبوع وصلاة بر الوالدين ويوم عاشوراء وصيام رجب والسابع والعشرين منه "ما أشبه ذلك فإن جميعها راجع إلى الترغيب في العمل الصالح. فالصلاة على الجملة ثابت أصلها، وكذلك الصيام وقيام الليل، كل ذلك راجع إلى خير نقلت فضيلته على الخصوص وإذا ثبت هذا فكل ما نقلت فضيلته في الأحاديث فهو من باب الترغيب، فلا يلزم فيه شهادة أهل الحديث بصحة الإسناد بخلاف الأحكام فإنه قد اشترط في أحاديثها صحة الإسناد.

فالجواب: إن ما ذكره علماء الحديث من التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب لا ينتظم مع مسألتنا المفروضة، وبيانه أن العمل التكلم فيه إما أن يكون منصوصًا على أصله جملة وتفصيلًا أو لا يكون منصوصًا عليه لا جملة ولا تفصيلًا أو يكون منصوصًا عليه جملة لا تفصيلًا، فالأول لا إشكال في صحته كالصلوات المفروضات والنوافل المرتبة لأسباب وغيرها، وكالصيام المفروض أو المندوب على الوجه المعروف إذا فعلت على الوجه الذى نص عليه من غير زيادة ولا نقصان، كصيام عاشوراء أو يوم عرفة والوتر بعد نوافاق الليل وصلاة الكسوف. فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحًا على ما شرطوا فثبتت أحكامها من الفرض والسنة والاستحباب، فإذا ورد في مثلها أحاديث ترغيب فيها أو تحذير من ترك الفرض منها وليست بالغة مبلغ الصحة ولا هى أيضًا من الضعف بحيث لا يقبلها أحد أو كانت موضوعة ليلا يصح الاستشهاد بها فلا بأس بذكرها في مقام الترغيب والترهيب بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح.

والثانى ظاهر أنه غير صحيح وهو عين البدعة، الأنه لا يرجع إلَّا لمجرد

ص: 140

الرأى المبنى على الهوى وهو أبدع البدع وأفحشها، كالرهبانية المنفية عن الإسلام، والخصماء لمن خشى العنت، والتعبد بالقيام في الشمس أو بالصمت من غير كلام أحد، فالترغيب في مثل هذا لا يصح إذ لا يوجد في الشرع ولا أصل له يرغب في مثله أو يحذر من مخالفته.

والثالث ربما يتوهم أنه كالأول من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة، فمطلق التنفل بالصلاة

مشروع، فإذا جاء ترغيب في ليلة النصف من شعبان فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة. وكذلك إذا ثبت أصل صيام ثبت صيام السابع والعشرين من رجب وما أشبه ذلك. (وليس كما توهموا) لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل، فإذا ثبت مطلق الصلاة لا يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر أو غيرها حتى ينص عليها على الخصوص. وكذلك إذا ثبت مطلق الصياع لا يلزم منه إثيات صوم رمضان أو عاشوراء أو شعبان أو غير ذلك حتى يثبت بالتفصيل بدليل صحيح. ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح.

وليس فيما ذكر في السؤال شيء من ذلك إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل الليلى والنهارى في الجملة، وبين قيام ليلة النصف من شعبان يكذا وكذا ركعة يقرأ في كل ركعة منها بسورة كذا على الخصوص كذا وكذا مرة، ومثله صام اليوم الفلانى من الشهر الفلاني حتى تصير تلك العبادة مقصودة على الخصوص ليس شيء من ذلك ما يقتضيه شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام.

والدليل على ذلك أن تفضيل يوم من الأيام، أو زمان من الأزمنة بعبادة ما يتضمن حكمًا شرعيًّا فيه على الخصوص، كما ثبت لعاشوراء مثلًا أو لعرفة أو لشعبان مزية على مطلق التنفل بالصيام، فإنه ثبت له مزية على الصيام في مطلق الأيام، فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى مر غيرها بحيث لا تفهم من مطلق مشروعية التنفل بالصيام؛ لأن مطلق المشروعية يقتضى أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة في الجملة، وصيام يوم عاشوراء يقتضى أنه يكفر السنة التى قبله فهو أمر زائد على مطلق المشروعية،

ص: 141

ومساقه يفيد له مزية في الرتبة، وذلك راجع إلى الحكم.

فإذًا هذا الترغيب الخاص يقتضى مرتبة في نوع من المندوب خاصة، فلابد من رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناء على قولهم:(إن الأحكام لا تثبت إلا من طريق صحيح) والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لابد فيها من الزيادة على المشروعات كالتقييد بزمان أو عدد أو كيفية ما. فيلزم أن تكون أحكام تلك الزيادات ثابتة بغير الصحيح وهذا ناقض لما أسسه العلماء.

ولا يقال إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط لأنا نقول هذا تحكم من غير دليل، بل الأحكام خمسة فكما لا يثبت الوجوب إلَّا بالصحيح، فإذا ثبت الحكم فاستسهل أن يثبت في أحاديث الترغيب والترهيب. ولا عليك فعلى كل تقدير كل ما رغب فيه إن ثبت حكمه أو مرتبته في المشروعات من طريق صحيح فالترغيب فيه بغير الصحيح مغتفر، وإن لم يثبت إلّا من حديث الترغيب فاشترط الصحة أبدًا إلَّا خرجت عن طريق القوم المعدودين في أهل الرسوخ، فلقد غلط في هذا المقام جماعة ممن ينسب إلى الفقه، وأصل هذا الغلط عدم فهم كلام المحدثين في الموضعين وبالله التوفيق. انتهى.

ومن ذلك علمت أن قولهم: (الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال) ليس على إطلاقه بصواب، فإنهم إن أرادوا أن الضعيف يعمل به في إثبات الأعمال الفاضلة شرعًا فغير صحيح عند الراسخين في العلم، وإن أرادوا أنه يعمل به في الترغيب فيها مثلًا فهو صحيح لكن بعد أن تكون تلك الأعمال الخاصة قد ثبتت أحكامها من طريق صحيح عند المحدثين، والبدعة التى نحن بصددها ليست كذلك حتى يقال له ذلك فاحفظه فإنه نفيس.

وهنا نذكر لك ما شرطه المحدثون لجواز العمل بالضعيف في الترغيب والترهيب. قال الحافظ السخاوى في " القول البديع " بعد ذكر المسألة: وخلاف القاضى أبى بكر بن العربى فيها إذ جزم بعدم جواز العمل بالضعيف مطلقًا، قال: وقد سمعت شيخنا (أي الحافظ بن حجر) مرارًا يقول وكتبه لي بخطه أن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة:

(الأول): متفق عليه أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه.

(الثاني): أن يكون مندرجًا تحت أصل عام فيخرج ما يخترع

ص: 142

بحيث لا يكون له أصل أصلًا.

(الثالث): ألَّا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا يخسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يقله.

قال: والأخيران عن ابن عبد السلام عن صاحبه ابن دقيق العيد والأول نقل العلائى الاتفاق عليه. انتهى.

بقى علينا تحقيق " ما رآه المسلمون حسنًا

" إلى آخره فقد اعتاد كثير من الناس أن يستدلوا على عدم كراهة ما اعتادوه من البدع بهذا الأثر وهذا الاستدلال لا يصح والحديث عليهم لا لهم؛ لأنَّه بعض حديث موقوف على ابن مسعود، رواه أحمد والبزار والطبرانى والطيالسى وغيرهم هكذا: " إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فاختار محمدً فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابًا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، ما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح ". ولا شك أن اللام في المسلمين ليس لمطلق الجنس الصادق بالمجتهد وغيره، لاقتضائه أن كل ما رآه آحاد المسلمين حسنًا فهو حسن وكل رآه آحاد المسلمين قبيحًا فهو قبيح، وذلك باطل لأمرين:

(الأول): أنه يخالف قوله صلى الله عليه وآله سلم: ستفترق أُمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلَّا واحدة ". وجه المخالفة أن الحديث الأول يفيد أن كل مسلم مصيب؛ لأنَّه حكم بأن ما ذهب إليه حسن فلا يكون في النار، وكل من فرق الأمة مسلم يرى تدينه حسنًا فيلزم ألا يكون فرقة منها في النار، والثاني أفاد خلاف ذلك.

(الأمر الثانى): أنه يقتضى كون العمل الواحد حسنًا عند البعض قبيحًا عند الآخر فيلزم ألا يتميز الحسن من القبيح، فهى إما للعهد والمعهود ما ذكره في قوله فاختار له أصحابًا فيكون المراد بالمسلمين الصحابة فقط، أو لاستغراق خصائص الجنس فيراد بالمسلمين أهل الاجتهاد الذين هم الكاملون في صفة الإسلام صرفًا للمطلق إلى الكامل؛ لأن المطلق عند عدم القرينة ينصرف إلى الفرد الكامل وهو المجتهد، فيكون ما رآه الصحابة أو أهل الاجتهاد حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه الصحابة أو أهل الاجتهاد قبيحًا فهو عند الله قبيح.

(ويجوز) أن تكون للاستغراق الحقيقى فيكون المعنى ما رآه جميع المسلمين حسنًا أو قبيحًا فهو عند الله كذلك، وما اختلف فيه فالعبرة فيه للقرون الثلاثة المشهود

ص: 143

لهم بالخير. وأظهر هذه الاحتمالات الثلاثة في اللام وأصحها الاحتمال الأول كما تدل عليه الفاء الداخلة علي ما رآه المسلمون، والاحتمالان الأخيران يتجهان إذا كان الحديث بدون الفاء أو كان مع الواو كما هو المشهور الجارى على ألسنتهم،

وإذ ليس فليس. وقد نسب جماعة هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن " منهم الإمام الرازى في "التفسير الكبير" والعينى في " شرح الهداية " وغيره من شراحها، لكن قال ابن نجيم في "الأشباه والنظائر"، قال العلائي: لم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنما هو من قول ابن مسعود موقوف عليه. انتهى بتصرف.

ومما نقلناه لك على هذا الأثر تعرف أن تمسك أنصار البدع به ليس كما ينبغى لأنَّه أثر موقوف على ابن مسعود وقد اختلفوا في العمل بقول الصحابى، وعلى فرض العمل به فالمراد منه ما أجمعوا على حسنه إما من جميع المسلمين أو من خصوص الصحابة كما علمت مما تقدم.

واعتادوا أيضًا أن يستدلوا على عدم كراهة ما ألفوه من البدع بقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ". فأجاز إحداث الأقضية واختراعها بقدر اختراع الفجار للفجور وإن لم يكن لها أصل.

وجوابه: أن هذا القول لم يثبت عنه من طريق صحيح وإن سلم فراجع لأصل المصالح المرسلة والبدع مباينة لها كما عرفت أفاده في " الاعتصام ".

‌الفصل السادس في أحْكام البِدْعَة

أعلم أن أحكامها تختلف باختلاف الطريقتين في معنى البدعة. (أما) على رأى من يرى أن كل بدعة مذمومة؛ لأنها إما زيادة في الدين أو نقص منه أو تغيير لشيء من مراسمه فظاهر أنها بريئة من معنى الوجوب والندب والإباحة، وكذا ليس لها حظ من معنى الكراهة التنزيهية، فهى دائمًا منهى عنها نهى تحريم وتكون معصية حيثما وقعت، فإن

ص: 144

الأوصاف التى جرت عليها في الشرع قاضية بأن النسبة بين المكروه تنزيهًا وبين أدنى البدع بعيدة المنال. فمرتكب المكروه قصد نيل شهوته العاجلة متكلًا على العفو اللازم فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة، فهو إلى الطمع في رحمة الله أقرب، وأيضًا فليس عقده الإيمانى بمتزحزح لأنَّه يعتقد المكروه مكروهًا كما يعتقد الحراء حرامًا وإن ارتكبه فهو يخاف الله ويرجوه، والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان، وأيضًا مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل شأن نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه (ومرتكب أدنى البدع) يكاد يكون على ضد هذه الأحوال، فإنه بعد ما دخل فيه حسنًا، بل يراه أولى مما حد له الشارع، فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلًا ونحلته أولى بالاتباع!؟

يدل على أنها لا تكون مكروهة تنزيهًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من رغب عن سنتى فليس منى" متفق عليه من حديث أنس ردًا على من قال من الصحابة: " أما أنا فأقوم الليل ولا أنام " وعلى من قال: " أما أنا فلا أنكح النساء " فأتى بهذه العبارة وهى أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموا إلَّا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر. وكذلك ما في الحديث: أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا قائمًا في الشمس فقال: " ما بال هذا؟ " قالوا: نذر ألا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه " رواه البخارى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال مالك: أمره أن يتم ما كان عليه لله فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه معصية، ويعضد هذا الذى قاله الإمام مالك ما في البخارى عن قيس ابن أبي عاصم قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة من قيس

يقال لها زينب فرآها لا تتكلم، فقال:"ما لها؟ " فقالت: حجت مصمتة. قال لها: "تكلمى فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية" فتكلمت. فتأمل كيف جعل القيام للشمس وترك الكلام من المعاصى، مع أنها في أنفسها من المباحث، لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويُدان الله به صارت معاصى لله عند الإمام مالك رضي الله عنه،

ص: 145

ويدل على هذا أيضًا أن عمر رضي الله عنه ضرب صبيغًا العراقى وحبسه ولم يكن ما وقع منه إلَّا أنه كان يسأل عن أُمور في القرآن لا ينبنى عليها عمل، فقد قيل: إنه كان يسأل عن: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا}

(1)

، {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا}

(2)

وما أشبه ذلك، وروى أنه كان يطوف بكتاب الله معه ويقول: من يتفقه يفقهه الله، من يتعلم يعلمه الله، فأخذه عمر فضربه بالجريد الرطب، ثم سجنه، حتى إذا خف الذى به أخرجه فضربه فقال صبيغ حينما أراد أن يضربه الثالثة: إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلًا جميلًا، وإن كنت تريد أن تداوينى فقد والله برئت، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبى موسى الأشعرى رضي الله عنه أن يقاطعه المسلمون، فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر رضي الله عنه أن قد حسنت سيرته، فكتب إليه عمر أن يأذن للناس بمجالسته، فمثل هذه التعازير إنما تكون لجناية أربت على كراهة التنزيه إذ لا يستباح دم امرئ مسلم، ولا عرضه بمكروه تنزيهًا وإنما كان ما وقع من صبيغ بدعة مذمومة لأنَّه اشتغال بما لا يعنى، إذ لم يكن مما ينبنى عليه عمل حيث كان يبحث عن متشيهات القرآن، أفاده في "الاعتصام"، وصبيغ بوزن عظيم واسم أبيه عسل بكسر أوله. وجملة القول في قِصته أنه كان أول من وقع منه الشك وتشكيك الناس في متشابه القرآن ابتغاء تأويله، وكان قد كثر الداخلون في الإسلام من الشعوب المختلفة، فخشى عمر رضي الله عنه الفتنة عليهم، فأدبه وأبعده إلى البصرة ونهى الناس عن مجالسته ومكالمته، فاشتد ذلك عليه فتاب في بدعته وعفا عنه عمر رضي الله عنه.

وما ورد في كلام كثير من العلماء من إطلاق لفظ الكراهة على بعض البدع لا يريدون بها كراهة التنزيه، فإن استعمال الكراهة فيما يترجح جانب تركه من غير أن يكون في فعله عقوبة اصطلاح للمتأخرين من العلماء قصدًا إلى التمييز بين هذا وما يكون حرامًا، وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص

فيه صريحًا أن يقولوا هذا حلال، وهذا حرام، ويتحامون هذه العبارة خوفًا مما في الآية من قوله جل ثناؤه: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116)

(1)

[سورة النازعات: الآية 3].

(2)

[سورة المرسلات: الآية 1].

ص: 146

مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(1)

فإنه وعيد شديد منه تعالى على الكذب عليه في أحكامه، والقول في شأن ما لم يحله هذا حلال، وفى شأن ما لم يحرمه هذا حرام إلَّا بما أن الله تعالى أحله، أو حرمه.

وأصل الآية صد للعرب عن بدع الجاهلية ومذاهبهم الباطلة، التى كانوا عليها، بأن أمرهم بأكل ما رزقهم الله من الحلال الطيب، وشكر إنعامه بذلك، ثم عدد علمهم محرمات الله، ونهاهم عن التحليل، والتحريم بأهوائهم دون اتباع شرع الله، والكذب منصوب بلا تقولوا، وهذا حلال وهذا حرام بدل منه، واللام بمعنى في، والمعنى: ولا تقولوا الكذب في شأن ما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، من غير استناد في ذلك إلى شرع، وهو تشريع عام لجميع المكلفين فيما يتعلق به الحكم بالحل والحرمة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

فإذا وجدت في كلامهم في البدع أو غيرها أكره هذا، ولا أحب هذا، وهذا مكروه، وما أشبه ذلك فلا تقطعن بأنهم يريدون التنزيه فقط، اللهم إلَّا أن يطلقوا لفظ المكروه على ما يكون له أصل في الشرع، ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله، لا لأنَّه بدعة مكروهة.

وكلية قوله: "كل بدعة ضلالة" شاهدة لهذا المعنى، وكل ما ورد في ذم البدع يقتضى التأثيم والتهديد والوعيد وهى خاصية المحرم، فإذا تقرر أن البدعة لا تكون إلَّا حرامًا وأنها معصية دائمًا فهى متفاوتة الرتبة في معنى الحرمة كغيرها من سائر المعاصى، فتنقسم إلى صغيرة وكبيرة وليست الكبيرة على درجة واحدة في الحرمة كما لا يخفى على من عرف وجوه التفاوت في الكبائر من المعاصى.

أما الصغيرة: فهى البدعة الجزئية الواقعة في الفروع الجزئية بشرط أن تكون مينية على شبهة تخيل أنها شرع ودين، فإنها إذا كانت كذلك لا يتحقق دخولها

تحت الوعيد بالنار الوارد في شأن البدعة وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة، وإن كان داخلًا تحت وصف السرقة، بل المتحقق دخول عظائمها

(1)

[سورة النحل: الآيتان 116، 117].

ص: 147

وكلياتها كالنصاب في السرقة، ألا ترى أن خواص البدعة غير ظاهرة في أهل البدع الجزئية غالبًا كالفرفة والخروج عن الجماعة، ولا يظهر فيها اتباع الهوى، حيث كان مثارها التأويل، والمفسدة فيها ليست كالمفسدة الحاصلة بالكلية.

فعلى الجملة إذا اجتمع في البدعة وصفان: كونها جزئية وكونها مبنية على شبهة صح أن تكون صغيرة، وأن الوصف بالضلال عام في البدع جزئية أو كلية.

أما الوعيد بالنار فخاص بالبدع الكلية كما يأتى (ومثالها) من نذر أن يصوم قائمًا لا يجلس، وضاحيًا لا يستظل، ومن حرم على نفسه شيئًا ممَّا أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء أو الأكل بالنهار، وبدعة الأذان والإقامة في العيدين، وبدعة التغنى بالقرآن والتطريب في الأذان وما إلى ذلك من البدع الإضافية.

ويشترط: زيادة على ما تقدم أن لا يداوم عليها فإن الصغيرة من المعاصى مع المداومة تكون كبيرة. ولذا قالوا: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، فكذلك البدعة.

وأن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك عليه، فإنه الذى أثارها وسبب كثرة وقوعها والعمل بها.

"ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها

" الحديث، وإنما تتفاوت الصغيرة والكبيرة بكثرة الإثم وقلته فربما تساوى الصغيرة من هذا الوجه الكبيرة أو تربو عليها، فمن حق المبتدع إذا ابتلى بالبدعة أن يقتصر على نفسه حتى لا يحمل مع وزره وزر غيره، ففى الحديث: "من ابتلى بشيء من هذه القاذورات

(1)

فليستتر بستر اللَّه" رواه الحاكم وغيره وسنده جيد.

وأن لا تفعل في المواضع التى هى مجتمعات الناس أو المواضع التى تقام فيها السنن وتظهر فيها أعلام الشريعة وإلَّا كان ذلك كالدعاء إليها بالتصريح، فإن المظهر

لها عنى هذا الوجه كأنه يقول هذه سنة فاتبعوها،

(1)

جمع قاذورة، بمعنى الفعل القبيح، وقوله:"فليستتر بستر الله": أي بعد التوبة وعدم العود فلا يرى فاحشته التى ارتكبها.

ص: 148

ومثل البدعة في هذا كل معصية صغيرة، إذا فعلت بحيث يقتدى بفاعلها صارت كبيرة، فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم عليه الوزر.

وأن لا يستحقرها، فإن ذلك استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله، كلما استصغره كبر عند الله؛ لأن استعظامه يكون عند نفور القلب منه وكراهته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به، واستصغاره يكون عند الإلف به والأنس معه وذلك يوجب شدة أثره في القلب. وقد جاء في كون استصغار الذنب كبيرة قول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا": أي نحاه بيده فطار رواه البخارى. وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله، فإذا نظر إلى عظم من عصى رأى الصغيرة كبيرة. وقد أوحى الله إلى بعض الأنبياء: لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظم مُهديها، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانضر إلى كبرياء من واجهته بها.

"وأما الكبيرة": فهى البدعة الكلية السارية فيما لا ينحصر من فروع الشريعة، وهى التى يتحقق دخولها تحت الوعيد الوارد في الكتاب والسنة، فهو مخصوص بقسم الكبائر لا عام فيه وفى غيره، وما عدا ذلك من قبيل اللمم المرجو فيه العفو (مثال الكبيرة من البدع) بدعة التحسين والتقبيح العقليين وباقى الفرق الثلاث والسبعين، وبدعة إنكار الأخبار النبوية مطلقًا اكتفاء بالقرآن، فإنها مختصة بكليات الشريعة دون جزئياتها، وخواص البدع ظاهرة في أهل البدع الكلية من الفرقة والخروج عن الجماعة:(وصفوة القول) أنه ثبت أن المعاصى تنقسم إلى صغيرة وكبيرة، وأن الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة وهى الدين والنفس والنسل والعمل والمال، وكل ما نص عليه راجع إليها، وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها، وأن البدع من المعاصى فكذلك تنقسم إلى صغيرة وكبيرة، وأن ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة، وما لا فهو صغيرة:

1 -

مثال الابتداع في الدين تحريم: البحيرة، والسائبة، والوصيلة،

ص: 149

والحامى، والبحيرة من الإبل: هى التى يمنح درها للطواغيت، والسائبة: هى التى يسيبونها

لطواغيتهم فتعطى للسدنة، ولا يطعم أبنها إلَّا أبناء السبيل ونحوهم، الوصيلة: الناقة تبكر بأنثى ثم تثنى بالأنثى يقولون: وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر، فيجدعون أذنها للطواغيت، والحامى: هو الفحل من الإبل يولد من ظهره عشرة أبطن، فيقولون: حمى ظهره فيترك لا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ومرعى، قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ

}

(1)

وحاصل الآية: تحريم ما أحل الله على قصد التقرب به إليه تعالى مع كونه حلالًا في شريعة إبراهيم عليه السلام وأول من فعل ذلك عمرو بن لحى.

2 -

ومثال وقوعه في النفس نحل الهند في تعذيبهم أنفسهم بأنواع العذاب الشنيع، والتمثيل الفظيع، والقتل بالأنواع التى تفزع منها القلوب، وتقشعر منها الجلود، كالإحراق بالنار، كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلا في زعمهم، والفوز بالنعيم الأكمل بعد الخروج من هذه الدار العاجلة، ولهم في ذلك أصول فاسدة اعتقدوها، وبنوا عليها أعمالهم كما سبق.

3 -

ومثال ما وقع في الأنكحة التى كانت معتبرة في الجاهلية كالدين المحتوم والملة الجارية، ولم تكن في شريعة إبراهيم عليه السلام، ولا غيره، وهى على أنواع:(منها): نكاح الاستبضاع، وهو أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من حيضها: أرسلى إلى فلان فاستبضعى منه، ويعتزلها زوجها، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذى يقع عليها، فإذا حملت منه أصابها زوجها إذا أحب، يفعلون ذلك رغبة في نجابة الولد، (ومنها): أن يجتمع الرهط (ما دون العشرة) من الشبان كلهم يصيب المرأة، فإذا وضعت ألحقته بمن تريد، (ومنها): أن يجتمع كثير من الفتيان يأتون المرأة البغى، وبعد الوضع تلحقه القافة بالذى يرون، (ومنها): نكاح ما نكح الأب، فكان الرجل إذا مات وله زوجة، وأبناء من غيرها خلفه فيها أكبر أبنائه. فلما بعث صلوات الله وسلامه عليه هدم كل أنكحة الجاهلية إلّا نكاح الناس اليوم، وهذه الأنواع رواها البخارى عن عائشة.

(1)

[سورة المائدة: الآية 103].

ص: 150

4 -

ومثال ما يقع في العقل أن الشريعة بينت أن التشريع لله وحده، فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع بالتحسين والتقبيح فابتدعوا في دين الله تعالى ما ليس منه. ومن ذلك أن الخمر لما حرمت ونزل من

القرآن في شأن من مات قبل التحريم - وهو يشربها - قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا

}

(1)

الآية، تأولها قوم على أن الخمر حلال، وأنها داخلة تحت قوله:{فِيمَا طَعِمُوا} ، فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله بنص الكتاب، وقد تقدم بيان ذلك في أمثلة البدعة الحقيقية فارجع إليه إن شئت.

5 -

ومثال ما يقع في المال أن الكفار قالوا: إنما البيع مثل الربا، أرادوا نظمها في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح، فاستحلوه استحلاله، وقالوا: يجوز بيع عشرة من الدنانير بأحد عشر، كما جاز بيع ما قيمته عشرة بأحد عشر، بل جعلوا الربا أصلًا في الحل، وقاسوا به البيع مبالغة، والأصل إنما الربا مثل البيع فأنكر الله عليهم هذه التسوية بقوله:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}

(2)

، وحاصله: أن ما ذكرتم قياس فاسد الوضع لوقوعه في مقابلة النص، على أن بينهما فارقًا، وهو أن من باع ثوبًا مثلًا قيمته عشرة في الحال بأحد عشر إلى أجل فقد جعل الثوب مقابلًا للأحد عشر، فلا شيء منها إلَّا وهو في مقابلة شيء من الثوب، بخلاف ما إذا باع العشرة بأحد عشر، فإنه أخذ الزائد بغير عوض، ولا يمكن جعل الإمهال عوضًا لأنَّه ليس بمال حتى يكون في مقابلة الزائد، وهذا عين الرِّبا؛ لأنَّه زيادة لا يقابلها عوض في معاوضة ماليه - كما سبق - هذا بيان الحكم التكليفى المنوط بالبدعة.

وأما حكمها بمعنى العقوبة المترتبة عليها، فإن كانت البدعة ممَّا توجب الردة والعياز بالله تعالى فجزاء المبتدع جزاء المرتد يستتاب، فإن لم يتب يقتل، فإن لم تكن توجب الردة فتختلف عقوبتها بحسب اختلاف حالها في نفسها من كونها عضيمة المفسدة في الدين أَوْ لا؛ وكون صاحبها مشتهرًا بها أَوْ لا، وداعيًا إليها أَوْ لا، ومستظهرًا بالأتباع وخارجًا عن الناس أَوْ لا، وكونه عاملًا بها على جهة الجهل أَوْ لا، وكل من هذه الأحوال له حكم اجتهادى يخصه، إذ لم يرد في الشرع الشريف في البدعة

(1)

[سورة المائدة: الآية 93].

(2)

[سورة البقرة: الآية 275].

ص: 151

حد معين لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، كما ورد في كثير من المعاصى كالسرقة، وقطع الطريق، والقتل، والخمر، والقذف، فهى حسبما يؤدى إليه الاجتهاد، وأعلى مراتبها القتل، وأدناها تحذير الناس منها كى لا يتبعوها، وبينهما مراتب متفاوتة كالضرب، والحبس، والتغريب، والمقاطعة، وعدم المناكحة،

وتجريحهم فلا تقبل لهم شهادة ولا رواية على تفصيل مذكور في محله، ولا يكونون ولاة، ولا قضاة، ولا ينصبون في مناصب العدالة من إمامة أو خطابة.

من ذلك ما حكى ابن وهب قال: حدثنا مالك بن أنس قال: جعل صبيغ العراقى يطوف بكتاب الله معه ويقول: من يتفقه يفقهه الله، من يتعلم يعلمه الله، فأخذه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فضربه بالجريد الرطب، ثم سجنه حتى إذا خف الذى به أخرجه فضربه، فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد قتلى فأجهز على وإلَّا فقد شفيتنى شفاك الله فخلاه عمر. والمشهور في قصته أنه كان يسأل عن المتشابهات كـ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}

(1)

فيفتح بها على الناس باب التشكيك في القرآن، وأن عمر ضربه ثم نفاه من المدينة وأمر بمقاطعته لأجل ذلك الابتداع المحرم كما سبق. ونقل العينى في "عمدة القارى" عن سحنون رحمه الله: من كان يدعو إلى بدعة قوتل حتى يؤتى عليه، أو يرجع إلى الله، وإن لم يدع يصنع به ما صنع عمر رضي الله عنه: يسجن ويكرر عليه الضرب حتى يتوب.

ومن ذلك ما يحكى عن الإمام الشافعى رضي الله عنه: أنه حكم في أصحاب الكلام - يعنى أهل البدع - أن يضربوا بالجرائد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر القبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام.

(قال ابن تيمية): والداعى إلى إلى البدعة مستحق للعقوبة باتفاق المسلمين وعقوبته تارة تكون بالقتل كالخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "يقتلون أهلَ الإسلام ويَدَعُونَ أهلَ الأوثان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدرى وغيرهم، ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

(1)

[سورة طه: الآية 5].

ص: 152

والبدعة التى يعد بها صاحبها من أهل الأهواء، ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة: مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والمشبهة، والمجسمة. والخوارج: هما الذين خرجوا على الإمام على رضى الله عنه كفروه عند التحكيم، ومنهم من يقول: مرتكب الكبيرة كافر، وهم الذين قال فيهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "سيخرج قوم في آخر الزمان

أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة" متفق عليه، والروافض: طائفة من الشيعة لا تقر بالولاية إلَّا لعلى رضي الله عنه، ومن الشيعة زيدية تقول بالولاية لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقط تبعًا لرئيسهم زيد بن على زين العابدين حيث قال: "رجلان وليا فعدلَا". والقدرية: فرقة تقول: إن أفعال العباد مخلوقة لهم من دون الله تعالى، والمرجئة: فرقة تقول: لا يضر مع الإيمان معصية فهم يعطلون الرجاء، والمشبهة: قوم شبهوا الله تعالى بالمخلوقات، ومثلوه بالحوادث، والمجسمة: غلاتهم المصرون على التجسيم الصرف، وأما غير غلاتهم فهم مشبهة الحشوية فقالوا: هو جسم لا كالأجساء من لحم ودم لا كاللحوم، وله الأعضاء والجوارح، وقد تقدم معظم هذا، ومن استقرأ أهل البدع من المتكلمين أو أكثرهم وجدهم من سبايا الأم ومن ليس له أصالة في اللسان العربى ففهموا كتاب الله على غير وجهه.

(وأما أحكامها على الطريقة الثانية) من حيث الجملة، أي بالنظر إلى كونها بدعة قطع النظر عما يتقضاها، فالكراهة بمعنى أن الحكم المتقرر لهما بحسب ذاتها والثابت لها من حيث أصلها بقطع النظر عن عوارضها هو الكراهة، فإن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع؛ ولبعض السلف الصالح وهو أبو العباس الإبيانى من أهل الأندلس ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن وفيهن خير الدنيا والآخرة: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، من تورع لا يتسع.

وأما من حيث التفصيل وباعتبار خصوصية كل بدعة، فقد علمت أنها على هذه الطريقة يعرض لها أقسام الحكم الشرعى، فأى شيء تناولها من

ص: 153

الأدلة والقواعد بعد عرضها عليه ألحقت به، من إيجاب أو تحريم أو غيرهما، ولا خفاء في اختلاف رتبتها من جهة انقسام النهى إلى كراهة وتحريم وقد مرت أمثلتها على هذه الطريقة.

قال المحقق الشاطبى ما ملخصه: أعلم أننا إذا بنينا على أن البدع منقسمة إلى الأحكام الخمسة فلا إشكال في اختلاف رتبتها؛ لأن النهى من جهة انقسامه إلى نهى الكراهة ونهى التحريم يستلزم أن أحدهما أشد في النهى من الآخر، فإذا انضم إليهما قسم الإباحة ظهر الاختلاف في الأقسام، فإذا اجتمع إليها قسم الندب وقسم الوجوب كان الاختلاف فيها أوضح. اهـ.

‌الفصل السابع في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وكيف يقوم به المرشد

‌المنكر وكذا النكر:

إذا وقعا في مقابلة المعروف بالمعنى الآتي فهو ما ليس معروفًا أنه دين وشرع، فهما بمعنى القبيح شرعًا حرامًا كان أو مكروهًا، فهو قسمان.

‌والمعروف:

ما عرف بين الناس أنه دين الله وشرعه، فينتظم الواجبات والمندوبات، فهو أيضًا قسمان، ويقال بمعنى النصف وحسن الصحبة والرفق مع الأهل وغيرهم، نحو من كان آمرًا بالمعروف فليأمر بالمعروف، أي من أمر بالخير والطاعة فليأمر باللين والرفق، والمباح ما ليس معروفا ولا منكرًا، ولو أريد بالمعروف ما ليس بقبيح شرعًا اندرج فيه، وقد سبق أن المباح من الحسن شرعٌ عندنا.

وأما الحسبة بالكسر، فهى عبارة شاملة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كما في الإحياء أخذًا له من الاحتساب في الأمر بمعنى حسن التدبير والنظر فيه، قال الأصمعى: فلان حسن الحسبة في الأمر، أي حسن التدبير والنظر فيه، ويقال: الاحتساب بمعنى أدخار الأجر عند الله تعالى، تقول: احتسب الأجر عند الله: ادخره لا يرجو ثواب الدنيا، ويقال: احتسب بكذا، اعتد به وأراد وجه الله تعالى.

فعلى هذا: المحتسب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مطلقًا (نعم) قد شاع في العرف إطلاقه على خصوص من ولى ذلك من طرف الإمام، قال العلامة الشبراملسى: المحتسب من ولى الحسبة وهى الإنكار والاعتراض

ص: 154

على فعل ما يخالف الشرع، ويقال: احتسب على فلان كذا، أي أنكره، ومنه محتسب البلد. اهـ.

واعلم أن من المصالح الواجبة على الإمام أن يولى محتسبًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحيث يكون حرًّا عدلًا ذا رأى وصرامة وخشونة في الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة وإن لم يكن مجتهدًا، ولهذا المحتسب من الوظائف ما ليس للولاة والقضاة وآحاد الناس، وإن كان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يصحان من كل

مسلم ويجبان عليه، قال ابن حبيب الماوردى: الفرق بين التطوع بالأمر والنهى والمحتسب من وجوه كثيرة:

(منها): أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية وفرضه على غيره داخل في فروض الكفاية.

(ومنها): أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها ويبحث عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على المتطوع بحث ولا فحص.

(ومنها): أنه منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره وليس المتطوع منصوبًا للاستعداء، فعلى المحتسب إجابة من استعداه وليس على المتطوع إجابته، والاستعداء: الاستعانة يقال: استعديت الأمير على فلان فأعدانى، أي استعنت به عليه فأعاننى والاسم منه العدوى وهى المعونة.

(ومنها): أن له أن يتناول كفايته على الحسبة من بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكار منكر. اهـ بتصرف.

وينبغى لمن يتصدى للإرشاد أن يقف على مبحث الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ليكون على بصيرة في سيره، فنقول على وجه الإجمال: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذى بعث الله له النبيين أجمعين، ولو أهمل لاضمحلت الديانة وفشت الضلالة وعم الفساد وهلك العباد. وقد دل على وجوبه الكتاب والسنة وعليه انعقد الإجماع، قال الله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

(1)

. دلت هذه الآية الكريمة على أنه يجب على المسلمين أن تقوم منهم طائفة بوظيفة الدعوة إلى الخير والأمر بالعروف والنهى عن المنكر حفظًا للشريعة وصونًا

(1)

[سورة آل عمران: الآية 104].

ص: 155

لأحكامها فالمخاطب بهذا كافة المسلمين، فهم المكلفون أن يختاروا منهم طائفة تقوم بهذه الفريضة فهنا فريضتان إحداهما على جميع المسلمين، والثانية على الجماعة الذين يختارونها للدعوة، وقال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}

(1)

، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ

الْمُنْكَرِ}

(2)

، وقال تعالى:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}

(3)

. فقذف عليهم اللعنة وهى أشد ما عنون الله به عن مقته وغضبه، فالملعون منه تعالى هو المحروم من لطفه وعنايته، المطرود عن باب رأفته ورحمته، وقد كان داود عليه السلام لعن المعتدين عامة والذين اعتدوا في السبت خاصة، ثم لعنهم عيسى عليه السلام وكان سبب ذلك اللعن من الله تعالى الذى طال أمده، عصيانهم له تعالى واعتداءهم المستمر، وقد بين - جَلَّ ثَنَاؤه - ذلك العصيان، وسبب استمرارهم على الخروج عن حدود الله بأنهم كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا عن منكر ما من المنكرات مهما اشتد قبحه وعظم ضرره، والنهى عن المنكر حفاظ الدين وسياج الآداب والكمالات، فإذا أهمل تجرأ الفساق على إظهار الفسوق والفجور بلا مبالاة، ومتى صار العامة يرون المنكرات بأعينهم ويسمعونها بآذانهم تزول عنهم وحشتها وقبحها من نفوسهم، ثم يتجرأ الكثيرون على ارتكابها، ذلك كان شأن القوم ودأبهم الذى اعتادوه، وأصروا عليه، ذكره الله للمؤمنين عبرة لهم حتى لا يفعلوا فعلهم فيكونوا مثلهم، ويحل بهم من لعنة الله وغضبه ما حل بهم، وعن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان" رواه مسلم.

بدأ باليد لأنها أقوى في إزالة المنكر، كإراقة الخمر وكسر آنيته وآلات اللهو والحيلولة بين الظالم والمظلوم، ورد المغصوب إلى مالكه، فإن عجز عن الإنكار باليد بأن خاف لحوق ضرر ببدنه أو أخذ مال أو إتلافه أنكر بالقول الذى يرجى نفعه كصياح واستغاثة وأمر من يفعل ذلك

(1)

[سورة آل عمران: الآية 110].

(2)

[سورة التوبة: الآية 71].

(3)

[سورة المائدة: الآيتان 78، 79].

ص: 156

وتوبيخ وتذكير بالله تعالى وأليم عقابه مع شدة أو لين بحسب ما يقتضيه الحال، وقد يبلغ بالرفق والسياسة ما لا يبلغ بالسيف والرياسة، فإن عجز عن إزالته بالقول أنكره بقلبه بالكراهة للمنكر وظهور ذلك على جوارحه مع العزم على إزالته فعلًا أو قولًا متى قدر؛ لأنَّه يجب كراهة المعصية فالراضى بها شريك الفاعل، والإنكار بالقلب عند العجز عنه بغيره أقل آثار الإيمان وثمراته في

النفع؛ لأن مجرد كراهته له بقلبه لا يحصل بها زوال مفسدة المنكر المطلوب إزالته، فهو قاصر بخلافه باليد واللسان فإنه متعد لأنَّه كراهة وإزالة.

وأبلغ آثار كراهته للمنكر مقاطعة فاعله وترك مجالسته ومعاملته وإقرائه السلام والرد عليه، يدل لهذا فعله صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه رضي الله عنهم مع الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية فإنه صلى الله عليه وآله وسلم أعرض عنهم وأمر الصحابة أن يهجروهم ولا يكلموهم فلبثوا على ذلك خمسين ليلة حتى اشتد بهم الحزن والأسف والندم على ما كان منهم فتابوا وأنابوا فقبلهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "والذى نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" رواه الترمذى وقال: حديث حسن.

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا وَنَجَوْا جميعًا" رواه البخارى.

"القائم في حدود اللَّه" معناه: المنكر لها القائم في دفعها وإزالتها، "والحدود": ما نهى الله عنه، "واستهموا": اقترعوا و"نجوا": أي الآخذون في أنفسهم، و"نَجَّوْا" بالتشديد: أي نجوا المأخوذين الممنوعين، وهكذا إقامة الحدود يحصل لمن أقامها وأقيمت عليه وإلَّا

ص: 157

هلك العاصى بمعصيته والساكت بالرضا بها، وفيه وقوع الجميع في العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

ثم إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجبان على الكفاية عند استيفاء الشروط، وقد يتعين إذا لم يعلم بالمنكر سواه أو لم يقدر على إزالته غيره، هذا غير الإنكار بالقلب، أما هو فواجب عينًا لأن معناه كراهة المعصية ومن أحب معصية وإن لم يحضرها فهو آثم (وقد يندبان وقد يحرمان) وشروط الوجوب قدرة وتجويز فائدة وإن لم تكن الامتثال مثل كسر جاه الفاسق، وخشية أن يتعود النشء فعل المنكر، وترغيب الطائعين في امتثال الأمر واجتناب النهى، ومثل رجاء أن يتذكر

ويتعظ فلا يقع المكروه بعد ذلك، وأن لا يخاف مكروهًا يناله، وأن يعرف وصف ما يأمر به وينهى عنه من أنه واجب معين أو مخير، مضيق أو موسع، عين أو كفاية، وكذا في المنهى، وأن لا يترتب عليهما محظور آخر.

فإذا لم تتوفر هذه الشروط فقد يحرمان كما إذا ترتب عليهما ضرر أعظم، وقد يندبان كما إذا لم تفهر لهما فائدة أصلًا.

ولا يعارض الوجوب قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}

(1)

لأن معناها: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}

(2)

وممَّا كلفنا به الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب عليه بعد ذلك لأنَّه أدى ما عليه فإن الذى عليه القول، لا القبول، قال تعالى:{مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ}

(3)

، وقال تعالى:{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}

(4)

ومن شروط الوجوب عند السادة المالكيةَ أن يعلم أو يظن أن إنكاره يزيل المنكر، وأن أمره بالمعروف مؤثر ونافع، فإذا لم يعلم أو يظن تأثيره فلا وجوب أفاده العلامة الخرشى شارح المختصر، ومثله في "الفروق للإمام" القرافى قال: الشرط الثالث أن يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعررف مؤثر في تحصيله، فإذا عدم هذا الشرط يسقط الوجوب ويبقى الجواز والندب، وقريب منه ما في "الكشاف" قال: شرط النهى ألا يغلب على ظنه أن النهى لا يؤثر لأنَّه عبث. اهـ.

وفى هذا يسر وسعة، وقد ورد في الحديث ما يستدل به على سقوط الأمر

(1)

[سورة المائدة: الآية 105].

(2)

[سورة الأنعام. الآية 164].

(3)

[سورة المائدة: الآية 99].

(4)

[سورة الرعد: الآية 40].

ص: 158

والنهى عند عدم القبول والانتفاع، ففى سنن أبى داود وابن ماجه والترمذى عن أبى ثعلبة الخشنى أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (1) قال: سألت عنها خبيرًا، أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوًى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام".

ثم إن كان المأمور به والمنهى عنه من الأمور الظاهرة التى يعرفها العامة والخاصة وجب الأمر والنهى عليهما جميعًا كترك الصلاة وشرب الخمر والفطر في رمضان وإلَّا اختص بالعلماء أو بمن عرفه من العامة وامتنع على غيرهما.

ثم محل الإنكار ما أجمع عليه كأكل الرِّبا، ولعب القمار، وشهادة الزور، وتبرج النساء في الطرقات، وتناول المسكرات والمخدرات. أما المختلف فيه فلا إنكار فيه كالنكاح بلا ولى وتناول ميراث ذوى الأرحام، والأخذ بشفعة الجوار، وترك البسملة في الصلاة أجازها الحنفية، وكأكل الضب والضبع. ومتروك التسمية أجازها الشافعية، فمن ارتكبه فلا يحل الإنكار عليه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهو المختار عند كثير من المحققين، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه يرفق ولين إلى الخروج من الخلاف على جهة النصيحة فهو حسن لاتفاق العلماء على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر.

نعم إذا كان الفاعل للمختلف فيه يعتقد حرمته أنكر عليه، كشافعى ترك القراءة خلف الإمام، وهو يخبر أنه يعتقد حرمته، وكذا ينكر على من فعل مختلفًا فيه خالف النص الظاهر أو الإجماع أو القياس الجلى كنكاح المتعة ووطء المطلقة ثلاثًا بلفظ واحد بدون أن تنكح زوجًا آخر (والمندوب) يندب الأمر به والمكروه يستحب النهى عنه.

قال الإمام الغزالى في "الإحياء": فإن قلت: إذا كان لا يعترض على الحنفى في النكاح بلا ولى لأنَّه يرى أنه حق فينبغى ألَّا يعترض على المعتزلى في قوله: إن الله لا يُرى، وقوله: إن الخير من الله والشر ليس من الله، وقوله:

ص: 159

كلام الله مخلوق، ولا على الحشوى في قوله: إن الله تعالى جسم وله صورة، وأنَّه مستقر على العرش، بل لا ينبغى أن يعترض على الفلسفى في قوله: الأجساد لا تبعث وإنما تبعث النفوس، لأن هؤلاء أيضًا أدى اجتهادهم إلى ما قالوه وهم يظنون أن ذلك هو الحق.

فإن قلت: بطلان مذهب هؤلاء ظاهر فبطلان مذهب من يخالف نص الحديث الصحيح أيضًا ظاهر، وكما ثبت بظواهر النصوص أن الله تعالى يُرى والمعتزلى ينكرها بالتأويل، فكذلك ثبت بظواهر النصوص مسائل خالف فيها الحنفى كمسألة النكاح بلا ولى، ومسألة شفعة الجوار ونظائرهما، فاعلم أن المسائل تنقسم

إلى ما يتصور أن يقال فيه: (كل مجتهد مصيب) وهو أحكام الأفعال في الحل والحرمة، وذلك هو الذى لا يعترض على المجتهدين فيه، إذ لا يعلم خطؤهم قطعًا، بل ظنًّا، إلى ما لا يتصور أن يكون المصيب فيه إلَّا واحدًا كمسألة الرؤية والقدر، وقدم الكلام، ونفى الصورة والجسمية والاستقرار عن الله تعالى، فهذا ممَّا يعلم خطأ المخطئ فيه قطعًا، ولا يبقى لخطئه الذى هو جهل محض وجه.

فإذن البدع كلها ينبغى أن تحسم أبوابها، وتنكر على المبتدعين بدعهم وإن اعتقدوا أنها الحق، كما نرد على اليهود والنصارى كفرهم وإن كانوا يعتقدون أن ذلك حق؛ لأن خطأهم معلوم على القطع، بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد.

فإن قلت: فمهما اعترضت على القدرى في قوله: الشر ليس من الله اعترض عليك القدرى أيضًا في قولك: الشر من الله، وكذلك في قولك: إن الله يُرى وفى سائر المسائل، إذ المبتدع محق عند نفسه، والمحق مبتدع عند المبتدع، وكل يدعى أنه محق وينكر كونه مبتدعًا فكيف يتم الاحتساب.

فاعلم أنا لأجل هذا التعارض نقول ينظر إلى أهل البلدة التى أظهرت البدعة فيها، فإن كانت البدعة غريبة والناس كلهما على السنة فلهم النهى عنها حسبة بغير إذن السلطان، وإن انقسم أهل البلد إلى أهل السنة وأهل البدعة وكان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقاتلة فليس للآحاد الحسبة في المذاهب إلَّا بنص السلطان، فإذا أذن لواحد أن يزجر المبتدعة عن إظهار

ص: 160

البدعة كان له ذلك لا لغيره، فإن ما يكون بإذن السلطان لا يعارض بخلاف ما يكون من جهة الآحاد.

وعلى الجملة فالحسبة في البدعة أهم من الحسبة في كل المنكرات، ولكن ينبغى أن يراعى فيها هذا التفصيل الذى ذكرناه كى لا يقابل الأمر فيها ولا ينجر إلى تحريك الفتنة. انتهى باختصار وهو كلام حسن يفيد أن جميع المسائل الفقهية اجتهادية خلاف ما قاله ابن تيمية من أنها لم يرد فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، ويفيد قاعدة كلية ينضبط بها ما لا إنكار فيه من مسائل الخلاف وما فيه إنكار منها.

(تنبيه): اتفق العلماء على أنه يستحب الخروج من الخلاف حيث أمكن بأن كان للفعل وجه مجمع عليه كمسح الرأس، فإن لم يكن كالوتر فلا، وكذا لا يستحب إذا لزم الوقوع في مخالفة السنة، فلا يستحب لشافعى دخل المسجد

وقت الكراهة ترك تحية المسجد مراعاة لمذهب من يرى ذلك لما فيه من ترك السنة، فإذا قصد بالإنكار على المختلف فيه ندب الفاعل إلى مراعاة الخلاف بشرطه ساغ الإنكار، بل كان مندوبًا إليه.

وجملة القول: هذا باب شأنه عظيم وخطره جسيم، وإذا كثر الخبث ولم يأخذوا على أيدى الظلمة عم العقاب الصالح والطالح، فإن الساكت شريك الجانى كما قال صلى الله عليه وسلم:"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيروا إلَّا يوشك أن يعمهم اللَّه بعقابه" رواه أبو داود، فواجب على من يتصدى للإرشاد أن يعنى بهذا الباب فإنه قوام الأمر وملاكه ولا يهاب من ينكر عليه مهما علت رتبته فإن الناس أمام شرع الله سواء والله تعالى وعد العاملين المخلصين النصر. قال تعالى:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ}

(1)

، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}

(2)

.

وذو الإيمان الصحيح والعزيمة الصادقة لا يبالى بما ينوبه من وراء الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. قال تعالى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}

(3)

. ولا تأخذه في الله لومة لائم.

فعن أبى ذر الغفارى رضي الله عنه قال: "أوصانى خليلى بخصال من الخير: أوصانى أن لا أخاف في الله لومة لائم،

(1)

[سورة الحج: الآية 40].

(2)

[سورة محمد، الآية 40].

(3)

[سورة لقمان: الآية 17].

ص: 161

وأوصانى أن أقول الحق وإن كان مرًّا" رواه ابن حبان في صحيحه. ولا يحابى نحو صديق، فإن حق الصديق أن ينصح لصديقه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها ويسعى في عمارة آخرته وإن نقصت دنياه، بخلاف العدو فإنه الذى يسعى في فساد آخرته وإن حصل به صورة نفع دنيوى "والمؤمن مرآة أخيه" ولهذا كانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أولياء المؤمنين، وإبليس لعنه الله تعالى عدوهم.

جاعلًا نصب عينيه قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ

أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}

(1)

فإنها نعم الطريق رسمه تعالى لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم فالتزمه وسار عليه فأفلح في مهمته وظفر بمطلوبه، ومن تحلَّى باللِّين، وتجمَّل بالرِّفق ملك نواصى القلوب واستولى على الأرواح، قال الإمام الشافعى رحمه الله:"من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن نصحه علانية فقد فضحه وشانه" والله الهادى إلى سواء السبيل.

‌كيفَ تُقَاوِم البِدَع

؟

أعلم أن البدعة إما أن تكون اعتقادية وإما أن تكون عملية كما تقدم في أقسام البدعة (فإذا كانت اعتقادية) فلا ننكرها وجوبًا على معتقدها على سبيل الابتداع إلَّا إذا علم قطعًا أنها خلاف الحق بأن قام الدليل القاطع على بطلانها كاعتقاد المجسمة والرافضة - ويلزم أن يكون الإنكار على التفصيل الذى تقدم للإمام الغزالى - أما ما علم بطلانه ظنًّا كاعتقاد أنه تعالى متكلم بمعنى أنه خالق للكلام فلا يجب إنكاره، بل يسن على سبيل النصيحة بلين ورفق.

وإن كانت عملية كمسح الشيعة على الرجلين بدل المسح على الخفين فالإنكار عليها إما من جهة الاعتقاد أومن جهة مباشرة الفعل:

(فالأول): إنما يكون إذا علمنا حرمة اعتقاد فاعلها على التفصيل المتقدم كأن اعتقدها دينًا وليست منه، وكذا إذا علمنا أنها تجر العامة إلى اعتقاد أنها دين وليست كذلك، وإلَّا ندب الإنكار حينئذ فإن ما يؤدى إلى المفسدة إنما ينكر وجوبًا إذا كان بحيث يؤدى إليها يقينًا أو ظنًّا وإلَّا فهو مكروه يندب النهى عنه.

(1)

[سورة النحل: الآية 125].

ص: 162

(وأما الإنكار عليها من جهة مباشرتها) فيراعى فيه قواعد التحريم وأدلته، فإن كانت مما يندرج في محرم إجماعًا أو بنص ظاهر أو بقياس جلى وجب إنكارها مع مراعاة التفصيل الذى علمته في كلام الإمام الغزالى، وإلَّا فحالها حال المحرم المختلف فيه، وقد عرفت أنه إنما ينكر وجوبًا إذا علم أن المباشر له يعتقد حرمته بأن أخبر بذلك، وإلَّا فإنكارها على سبيل الندب.

هذا من حيث الإنكار، وأما من حيت المعاملة والآداب فالمبتدع العاصى بفعله تارة تكون بدعته ممَّا يتأذى بها غيره في دنياه كالمكوس والمظالم المحدثة، وتارة يتضرر بها الغير في دينه كأن ابتدع بدعة محرمة ثم هو يدعو الناس إليها ويهيئ لهم أسباب مباشرتها، وتارة تكون قاصرة على نفسه.

القسم الأول: وهو أشدها، ما يتضرر به الناس، فالأولى الإعراض عن مبتدعيه وترك مخالطتهما ومقاطعتهما في المعاملة؛ لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الناس، وفى هذا القسم أنواع متفاوتة في الإيذاء فمنها ما يتعلق بالدماء، ومنها ما يتعلق بالأموال، ومنها ما يتعلق بالأعراض.

القسم الثانى: ما لا يؤذى الناس في دنياهم ولكن يختلس بفعله دينهم وإن كان على وفق رضاهم فهو قريب من الأول ولكنه أخف منه، فإن المعصية بين العبد وبين مولاه إلى العفو أقرب، ولكن من حيث أنه متعد على الجملة إلى غيره فهو شديد، وهذا أيضًا يقتضى الإهانة، والإعراض، والمقاطعة وعدم إجابة السلام، إذا ظن أن فيه نوعًا من الزجر له أو لأمثاله.

القسم الثالث: ما يفسق به المبتدع في نفسه ولا يتعدى شرُّه إلى غيره، فالأمر فيه أخف (وبالجملة) هذا مبحث طويل الذيل، فإن أردت المزيد فيه فارجع إلى ما ذكره حجة الإسلام الغزالى في "الإحياء" في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما ذكره الإمام الماوردى في آخر كتاب "الأحكام السلطانية"، وما ذكره شتى الإسلام ابن تيمية في كتاب "الحسبة"، والله تعالى يتولى رشادك.

* * *

ص: 163

‌البابُ الثانى في النَّظَر في البِدَع مِن جِهَة فُروعهَا

وفيه فُصُولٌ:

‌الفصل الأول في بَيَان البِدَع التى تَقَع في المسَاجِد

المساجد بيوت الله تعالى فيها يعبد، وفيها يذكر اسمه. قال صلى الله عليه وآله وسلم:"إنما بنيت المساجد لذكر اللَّه" أي لا لنحو البيع والشراء ونشدان الضالة والأكل فيها ممَّا ورد النهى عنه، والجلوس فيها مستحب إذا كان لعبادة من اعتكاف أو قراءة قرآن أو علم أو سماع موعظة أو انتظار صلاة.

فقد روى عن أبى الدرداء أنه قال لابنه: ليكن المسجد بيتك فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "المساجد بيوت المتقين، فمن يكن المسجد بيته يضمن اللَّه له الروح والرحمة والجواز على الصراط" رواه الطبرانى في "الكبير" و"الأوسط" والبزار وقال: إسناده حسن، والروح بالفتح الرحمة فالعطف تفسير.

والرجل المعلق قلبه بالمساجد من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلَّا ظله، وفى البخارى من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الملائكة تصلى على أحدكم ما دام في مصلاه الذى صلى فيه ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه" وبالحدَث يُحْرَم المحدث دعاء الملائكة عقابًا له بما آذاهم من الرائحة الخبيثة، ومن كثرت ذنوبه وأحب أن تحط عنه فليغتنم ملازمة مصلاه ليستكثر من دعاء الملائكة فهو مرجو الإجابة، قال تعالى:{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}

(1)

.

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "ألَا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال:

"إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط" رواه مالك ومسلم والترمذى والنسائى.

وعن بعض الصحابة رضي الله

(1)

[سورة الأنبياء: الآية 28].

ص: 164

عنهم: المساجد بيوت الله وأنَّه حق على الله أن يكرم من زاره فيها، ثم إن الله تعالى يقول: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا

]

(1)

التخريب كما يكون بالهدم يكون بمنع المصلين والمتعبدين من دخولها.

إذا عرفت هذا تعلم أن من البدع التى لاشك في حرمتها غلق كثير من المساجد في كل الأوقات ما عدا أول الوقت، فربما أدى ذلك إلى تضييع الصلاة فقد لا يتيسر له المبادرة إليها أول الوقت، ولا خفاء أن هذا صد عن سبيل الله تعالى وسعى في خرابها ومنع عن زيارة الله تعالى في بيوته.

بنى أهل البر والإحسان المساجد للعبادة في كل الأوقات، وللاعتكاف، ولانتظار الصلاة وغير ذلك. فما الضرورة التى تبيح غلقها في وجوه المتعبدين؟ وأىّ ضرر لحق المساجد المفتوحة على الدوام مع كثرة الواردين عليها (نعم) يباح غلقها في غير أول الوقت لخوف امتهانها بنحو دخول الأطفال والبهائم فيها وفعل الفسق أو خشية ضياع آلاتها بشرط أن لا تدعو حاجة إلى فتحها كتعليم العلم أو وجود معتكف فيها يتضرر بغلقها وإلَّا حرم غلقها وإن خيف الامتهان أو الضياع (نعم) إذا تيقن أحد الأمرين جاز الغلق، فإن دَرْءَ المفاسد مقدم على جلب المصالح.

قد نشأ من ذلك بدعة أخرى مذمومة، وهى ما اعتاده الخدمة من طرد المصلين أو طلاب العلم عقب صلاة العشاء يصيحون جميعًا بأصوات منكرة لأجل ذلك، ومن كان في صلاة حملوه على الإسراع فيها وبذلك يقع التهويش على المتعبدين وصدهم عن سبيل الله. وقد كانت السنة فتح المساجد مطلقًا في كل الأوقات؛ لأن ذلك هو المأثور عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زمنه وزمن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين.

ومن بدع المساجد الدائر أمرها بين الكراهة والحرمة ما يسمى بالتبرير، وهو تلاوة المؤذنين على نحو المنارات بأصوات مرتفعة عند موت عالم آيات من سورة

{هَلْ أَتَى} أولها {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا}

(2)

.

(1)

[سورة البقرة: الآية 114].

(2)

[سورة الإنسان: الآية 5].

ص: 165

وقد يجتمع عدد منهم على منارة واحدة مثلًا فيقرءون هذه الآيات بالإدارة ويتنازع الاثنان أو الأكثر الآية الواحدة أو يتلقف رجل آية والآخر آية أخرى. وقراءة القرآن على هذا الوجه لا خلاف في أنها بدعة محدثة والجمهور على أنها بدعة مكروهة، فإنها بمنزلة الاختلاس والنهبة

(1)

وليس فيها خشوع ولا تدبر للقرآن، والسنة في قراءته أن تكون بحزن وخشوع وسكون فيكره التبرير من هذه الجهة.

وفيه بدعة أخرى مكروهة: وهى التلحين في القراءة تلحين الغناء لمنعه من فهم النظم الكريم، كما قيل: من تلذذ بألحان القرآن حرم فهم القرآن. أما كون التلحين بدعة فلا نزاع فيه، وأما كراهته فهى مختار الجمهور من الأئمة، ونص عليه الإمام مالك والشافعى وأحمد رضي الله عنهم قالوا: لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم. قال القاضى عياض: وأباحها أبو حنيفة رحمه الله وجماعة من السلف لحديث أبى هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ما أذن اللَّه لشئ ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" متفق عليه. "أذن الله": أي استمع وهو إشارة إلى الرضا والقبول، "يجهر به"، قيل تفسير لقوله: يتغنى، وقال الشافعى رحمه الله: معناه تحسين القراءة وترقيقها ويشهد له الحديث الآخر: "زينوا القرآن بأصواتكم": أي بالمد والترتيل. وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء، ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية وإقبال النفوس على استماعه.

هذا ما لم يؤد إلى تمطيط فاحش وتغن زائد وإخراج الحروف عن أوضاعها العربية حتى يقع النقص والزيادة في القرآن ويختل نظمه وإلَّا فهو حرام بالإجماع كما نقله النووى والماوردى وغيرهما. فالتبرير إذا خرج إلى هذا الحد حرم وإلَّا فهو مكروه لما ذكرنا ولأنه يؤدى إلى هذه المفسدة.

وأيضًا فالقصد منه إن كان الإعلام بموت عالم فالإعلام بالنداء ورفع الصوت مكروه عند بعض الفقهاء، وعلى القول بعدم كراهته حيث لم

(1)

الانتهاب: أخذ الجماعة الشئ على غير اعتدال.

ص: 166

يشتمل على نياحة أعنى تعداد محاسن الميت وذكر مفاخره، فظاهر أن القرآن لم ينزل للإعلام بموت

العلماء، وإن كان القصد من التبرير الإخبار بأن هذا الميت من الأبرار الذين يشربرون من كأس، إلى آخره، قلنا: فلم اتخذ شعارًا لخصوص العلماء حتى فهمت العامة أن الأبرار هم العلماء خاصة؟ ولم لم يعمل هذا للأولياء المتقين والشجعان المجاهدين، والأسخياء المحسنين، والولاة العادلين؟

وعلى الجملة فمثار هذه البدعة ما كانت تفعله الجاهلية من النعى، كانوا يرسلون من يعلم بموته على أبواب الدور والأسواق، قال في "سبل السلام": من النعى المنهى عنه النعى من أعلى المنارات في هذه الأعصار في موت العلماء. اهـ.

ونذكر لك في هذا الفصل من بدع المساجد ما وقع من الابتداع في الأذان يوم الجمعة، فنقول: إن الثابت فيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أسلفناه لك كان أذانًا واحدًا يؤذنه بلال رضي الله عنه على باب مسجده صلى الله عليه وآله وسلم وبعد جلوسه عليه الصلاة والسلام على المنبر وبين يديه صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخرج أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن الزهرى عن السائب بن يزيد قال:"كان يؤذن بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وأبى بكر وعمر، فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك". فهذا الحديث عين مكان الأذان المذكور وهو كونه على باب المسجد. ومعنى كونه بين يديه: أي في مقابلة الوجه؛ لأن باب المسجد يكون غالبًا مستقبل المنبر أو معناه عند حضوره وصعوده على المنبر لا قبل ذلك.

ثم إن الغرض من هذا الأذان أمران:

(الأول): الإعلام بدخول الوقت لصلاة الجمعة، ولذا كان على باب المسجد ليكمل هذا الغرض.

(الثانى): الإعلام يقرب شروع الخطيب في الخطبة لينصت الناس ويتركوا الكلام، وهذا سر كونه بين يديه، وكونه بعد جلوس الخطيب، كونه على باب

ص: 167

المسجد لا فوق سطح المسجد، وهذا الغرض هو ما يقصد من الإقامة فإنها للإعلام بالدخول فيها.

ثم لما كثر الناس بالمدينة رأى عثمان رضي الله عنه أن الغرض الأول من الأذان لم يقع على الوجه الأتم فأحدث الأذان الثالث وهو الأول وقوعًا، وسمى ثالثًا لكونه

مزيدًا على الأذان والإقامة فإنها أذان وإعلام، وأمر بفعله على الزوراء وأقره على ذلك الصحابة فكان إجماعًا سكوتيًّا، فهذا أول ما وقع في الأذان ممَّا لم يكن في عهده صلى الله عليه وآله وسلم، وهو وإن كان محدثًا بعده صلى الله عليه وآله وسلم لكنه سنة الخلفاء الراشدين (ثم) إن عثمان رضي الله عنه أبقى الأذان الثانى على ما كان عليه ولكن صار الغرض منه خصوص الإعلام بقرب شروع الخطيب في الخطبة لينصت الناس.

ثم حدث بعد ذلك بدعتان:

(الأولى): جعل هذا الأذان قريبًا من المنبر كما يفعل الآن.

(والثانية): الزيادة في هذا الأذان الثانى على واحد حيث أتى بمؤذن ثان يؤذن على الدكة كالمجيب للأول.

أما البدعة الأولى: فأول من أحدثها هشام بن عبد الملك، والصواب أنها بدعة مكروهة والذى فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدون بعده هو السنة وحده، والاتباع خير من الابتداع. كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا زالت الشمس خرج فرقى المنبر فأذن المؤذن على الباب

إلخ ما تقدم، قال ابن رشد: الأذان بين يدى الإمام في الجمعة مكروه لأنَّه محدث.

أما البدعة الثانية: أي الإتيان بمؤذن ثان داخل المسجد فلم يدع إليها داع لكفاية واحد في غرض هذا الأذان فهى مذمومة مكروهة. قال العلامة أبو شامة في كتاب "الباعث": وأما الأذان بين يدى الخطيب بعد صعوده على المنبر فلا ينبغى أن يكون إلَّا من واحد لأنَّه لإقامة الشعار والإعلام بصعود الخطيب المنبر لإنصات الحاضرين والسنة فيه إفراد المؤذن.

ومن البدع ما يقع عقب هذا الأذان عند المنبر ممَّا يسمى بالترقية وهو تلاوة آية {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

}

(1)

ثم حديث: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت" رواه البخارى.

(1)

[سورة الأحزاب: الآية 56].

ص: 168

ولاشك أنه من البدع المذمومة ففى "الدر المختار" أنها بدعة مكروهة تحريمًا عند

أبى حنيفة لا عند أبى يوسف ومحمد، وأما التأمين عند الدعاء والترضى عن الصحابة والدعاء للسلطان فمكروه اتفاقًا. أهـ.

وفى "البحر": اعلم أن ما تعورف من أن المرقى للخطيب يقرأ الحديث النبوى وأن المؤذنين يؤمنون عند الدعاء ويدعون للصحابة بالترضى وللسلطان بالنصر إلى غير ذلك فكله حرام على مقتضى مذهب أبى حنيفة

(1)

رحمه الله، وأغرب منه أن المرقى ينهى عن الأمر بالمعروف بمقتضى الحديث الذى يقرؤه ثم يقول: أنصتوا رحمكم الله ولم أر نقلًا في وضع هذا المرقى في كتب أئمتنا. اهـ.

وفى كتب السادة المالكية ومن البدع المكروهة التى ابتدعها أهل الشام وهم بنو أمية: الترقية، وما يقوله المرقى من: صلوا عليه، وآمين، ورضي الله عنهم، فهو مكروه، وكذا قوله الحديث عند فراغ المؤذن قبل الخطة: إنما اتبعوا في ذلك أهل الشام وخالفوا الوارد عن الشرع، وفى شرح "أقرب المسالك" للعارف الدردير: ومن البدع المحرمة ما يقع بدكة المبلغين بالقطر المصرى من الصريخ على صورة الغناء

والترنم، ولا ينكر عليهم أحد من أهل العلم. انتهى.

ومعلوم أن الاتباع خير من الابتداع، فإن الابتداع شر كله، وقد تركت اليوم بدعة الترقية في المساجد الشهيرة لشجاعة خطبائها وغيرتهم على السنة.

ومن البدع ما يسمى بالأولى والثانية، أعنى ما يقع قبل الزوال يوم الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك ولا خلاف في أن ذلك لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا عهد السلف الصالح، إنما النظر في استحسانه وذمه فقال فريق: إنه من البدع المستحسنة المندوبة لأنَّه لغرض التنبيه على قرب صلاة الجمعة ليستعد الناس لها بالاغتسال والطيب ولبس أحسن الثياب والتبكير

(1)

لا وجه لقصر ذلك على مذهب الإمام فإنه لا خلاف بينهم إلَّا في الترقية كما في "الدر" وحواشيه.

ص: 169

إليها، فلأجل تشاغل الناس عن أمور دينهم وتكاسلهم عنها استحسن إيقاظهم من غفلتهم ليؤدوا وظائف الصلاة وليستعدوا لها بأحسن وجوه الاستعداد، ولم يكن السلف الصالح في حاجة إلى هذا التنبيه لمزيد اهتمامهم بأمور دينهم، فكان هذا الدعاء دعاء إلى خير فيندمج في ضمن قواعد الندب وأدلة المندوب.

ولهذا رأى المتأخرون من الحنفية استحسان التثويب في الصلوات كلها، وهو

العود إلى الإعلام بعد الإعلام حسبما يتعارفه الناس إما بقولهم بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة حى على الفلاح مرتين أو بقولهما: الصلاة الصلاة، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا أرى بأسًا بأن يقول المؤذن للأمير في الصلوات كلها: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حى على الصلاة حى على الفلاح الصلاة يرحمك الله، ومثله القاضى والمفتى خصوا بذلك لمزيد اشتغالهم بأمور المسلمين كيلا تفوتهم الجماعة.

وذكر الأبى في شرح مسلم عند قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ما نصه: قلت: ما ليس من أمره هو ما لم يسنه ولم يشهد الشرع باعتباره فيتناول المنهيات والبدع التى لم يشهد الشرع باعتبارها، وأما التى شهد باعتبار أصلها فهى جائزة وهى من أمره كالمستحدثات المستحسنة كالاجتماع على قيام رمضان، وكالتصبيح اليوم، وكالتحضير، والتأهيب، فإن الشرع شهد باعتبار جنس مصلحتها فإن الأذان شرع لمصلحة الإعلام بدخول الوقت، والإقامة شرعت للإعلام بالدخول في الصلاة، والتصبيح والتحضير والتأهيب من ذلك النوع لما في الثلاثة من مصلحة الإعلام بقرب حضور الصلاة، ولما في التأهيب من الإعلام بأنه يوم الجمعة لمن ليس عنده شعور به ويشهد لذلك زيادة عثمان أذانًا بالزوراء يوم الجمعة على ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم وزمن الخليفتين قبله، وإنما زاد لمصلحة المبالغة في الإعلام حين كثر الناس. اهـ.

وهو تقرير لقاعدة جليلة أعنى اعتبار المصالح المرسلة، والتصبيح ما يفعله بعض أهل المغرب عقب الأذان الأخير للفجر يجتمع المؤذنون وينادون بصوت واحد بقولهم: أصبح ولله الحمد ويكررون ذلك مرارًا عديدة جماعة دورانهم على المنار، فالتصبيح قولهم: أصبح ولله الحمد، والتحضير قول

ص: 170

جماعة المؤذنين بعد الأذان الأخير: حضرت الصلاة رحمكم الله ينادون بذلك على صوت واحد ويدورون على المنار مرارًا يفعلون ذلك في الظهر والعصر، وقد يقفون على أبواب المساجد ويقولون: الصلاة رحمكم الله حضرت الصلاة، الصلاة يا أهل الصلاة، والتأهيب ما يقع يوم الجمعة قبل صلاتها لتتأهب الناسر لها كى لا يغفلوا عنها، ومثله ما يسمى عندنا بالأولى والثانية وعادة أهل المغرب فيه أن يجتمع جماعة من المؤذنين قبل الصلاة فيرفعون أصواتهم على المنار قائلين: الوضوء للصلاة ويدورون عليه مرارًا كذا يؤخذ من المدخل.

وبالجملة فالتصبيح والتحضير من قبيل التثويب أعنى العودة إلى الإعلام بعد

الإعلام وقد علمت أن المتأخرين من الحنفية على استحسانه في الصلوات كلها خلافًا لابن الحاج (وقال) فريق آخر: إنها مذمومة إذ ليس لأحد أن يحدث شعارًا دينيًّا من عند نفسه على خلاف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدون من بعده ولا يقبل الاستحسان من غير المجتهدين؛ لأنَّه دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته فهو خاص بالمجتهد، فعن عمر رضى الله عنه: أنه انتهر المؤذن حينما آذنه بالصلاة وقال له: أليس في أذانك ما يكفينا والخير كله في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع فكانت بدعة مكروهة.

وأول من أحدث الأذان والإقامة في العيدين هشام بن عبد الملك أراد أن يعلم الناس بمجئ الإمام ثم بدأ بالخطبة قبل الصلاة كما بدأ بها مروان، ثم أمر بالإقامة بعد فراغه من الخطبة إيذانًا بفراغه منها ودخوله في الصلاة لبعدهم عنه، ولم يرد مروان وهشام إلَّا الاجتهاد فيما رأيا إلَّا أنه لا يجوز اجتهاد في خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن حبيب: وقد حدثنى ابن الماجشون أنه سمع مالكًا يقول: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}

(1)

فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا فإن قيل: إن الأذان هنا نظير أذان الزوراء لعثمان رضى الله عنه فما قيل فيه من التوجيه الاجتهادى يقال هنا ولا يكون بذلك مخالفًا للسنة؛ لأن قصة

(1)

[سورة المائدة: الآية 3].

ص: 171

هشام نازلة لا عهد بها فيما تقدم؛ لأن الأذان إعلام بمجئ الإمام لخفاء مجيئه عن الناس لبعدهم عنه، ثم الإقامة للإعلام بالصلاة إذ لولاها لم يعرفوا دخوله في الصلاة فصار ذلك أمرًا لابد منه كأذان الزوراء.

فالجواب: أن مجئ الإمام لم يشرع فيه الأذان وإن خفى على بعض الناس لبعده، فكذلك لا يشرع فيما بعد لأن العلة كانت موجودة، ثم لم يشرع إذ لا يصح أن تكون العلة غير مؤثرة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده، ثم تصير مؤثرة. وأيضًا فإحداث الأذان والإقامة انبنى على إحداث تقديم الخطبة على الصلاة، وما انبنى على المحدث محدث، ولأنه لا لم يشرع في النوافل أذان ولا إقامة على حال فهمنا من الشرع التفرقة بين النفل والفرض لئلا تكون النوافل كالفرائض في الدعاء إليها فكان إحداث الدعاء إلى النوافل لم يصادف محلًا، وبهذه الأوجه الثلاثة يحصل الفرق بين أذان

الزوراء وبين ما نحن فيه فلا يصح أن يقاس أحدهما على الآخر، وغير خاف عليك أن القاعدة الأصولية (أن ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم مع وجود المقتضى وانتفاء المانع فتركه هو السنة وفعله هو البدعة).

ومن البدع المختلف في حسنها وذمها الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان جهرًا ما عدا الصبح والجمعة اكتفاء بما يقع قبلهما وما عدا المغرب لضيق وقتها

(1)

، والذى أحدث ذلك هو محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله البرلسى وأمر به في مصر وأعمالها ليلة الجمعة فقط، ثم صار ذلك عامًا على يد نجم الدين الطنبدى لسبب مذكور في كتب التاريخ، ففى خطط المقريزى: وأما مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم "الفاطميين" إلى أن استبد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية سنة سبع وستين وخمسمائة، وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وعقيدة الشيخ أبى الحسن الأشعرى رحمه الله فأبطل من الأذان (حى على خير العمل) وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة، وفيه تربيع التكبير وترجيح الشهادتين،

(1)

وهذا أيضًا بدعة أخرى لتخصيص بعض الأوقات بالجهر بهما دون البعض الآخر بدون توقيف من الشارع.

ص: 172

فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر، وانتشر مذهب أبى حنيفة رضي الله عنه في مصر فصار يؤذن في بعض المدارس التى للحنفية بأذان أهل الكوفة وتقام الصلاة أيضًا على رأيهم وما عدا ذلك فعلى ما قلنا إلَّا أنه في ليلة الجمعة إذا فرع المؤذنون من التأذين سلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شيء أحدثه محتسب

(1)

القاهرة صلاح الدين عبده الله بن عبد الله البرلسى بعد سنة ستين وسبعمائة، فاستمر إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ومتولى الأمر بديار مصر الأمير منطاش القائم بدولة الملك الصالح المنصور أمير حاج المعروف بحاج ابن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة جمعة وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه فقال لهم: أتحبون أن يكون هذا السلام في كل أذان؟ قالوا: نعم. فبات تلك الليلة وأصبح متواجدًا يزعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه وأنَّه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أذان (فمضى) إلى محتسب القاهرة

وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدى وكان شيخًا جهولًا سيئ السيرة في الحسبة والقضاء، متهافتًا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء، لا يحتشم من أخذ البرطيل والرشوة، ولا يراعى في مؤمن إلَّا ولا ذمة. قد ضرى على الآثام وتجسد من أكل الحرام، يرى أن العلم إرخاء العذبة، ولبس الجبة، ويحسب أن رضاء الله (سبحانه) في ضرب العباد بالدرقة، وولاية الحسبة، لم تحمد الناس قط أياديه، ولا شكرت أبدًا مساعيه، بل جهالاته شائعة، وقبائح أفعاله ذائعة (وقال) له: رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله كما يفعل في كل ليالى الجمع.

فأعجب الجاهل هذا القول وجهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بعد وفاته إلَّا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته وقد نهى

(1)

المحتسب: هو المرشد الذى كان يوظفه الحاكم كما سبق.

ص: 173

الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن الزيادة في شرعه حيث يقول: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}

(1)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحدثات الأمور" فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة وتمت هذه البدعة واستىمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام وصارت العامة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذى لا يحل تركه وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا فلا حول ولا قوة إلَّا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون. اهـ باختصار.

فنقول: لا كلام في أن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان مطلوبان شرعًا لورود الأحاديث الصحيحة بطلبهما من كل من سمع الأذان لا فرق بين مؤذن وغيره كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىَّ فإن من صلى علىَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغى إلَّا لعبد من عباد اللَّه وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل اللَّه لي الوسيلة حلت له الشفاعة" لكن لا مع الجهر، بل بأن يسمع نفسه أو من كان قريبًا منه، إنما الخلاف في الجهر بهما على الكيفية المعروفة، والصواب: أنها بدعة مذمومة

بهذه الكيفية التى جرت بها عادة المؤذنين من رفع الصوت بهما كالأذان والتمطيط والتغنى، فإن ذلك إحداث شعار دينى على خلاف ما عهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح من أئمة المسلمين، وليس لأحد بعدهم ذلك، فإن العبادة مقصورة على الوارد عنه صلى الله عليه وسلم بإجماع الأئمة فلا تثبت باستحسان أحد من غير هؤلاء ولا بإحداث سلطان عادل أو جائر. ومن العجب أنهم يفعلون هذا بقصد التقرب إليه تعالى، وقد ثبت بالنقل الصحيح الصريح أنه لا يقرب إلى الله تعالى إلَّا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذى شرع.

قال العلامة ابن حجر في "الفتاوى الكبرى": "وقد استفتى مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم بعد الأذان على الكيفية التى

(1)

[سورة الشورى: الآية 21].

ص: 174

يفعلها المؤذنون فأفتوا بأن الأصل سنة والكيفية بدعة"، وقال الإمام الشعرانى نقلًا عن شيخه: "لم يكن التسليم الذى يفعله المؤذنون في أيامه صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدين، بل كان في أيام الروافض بمصر". اهـ.

(وقد سئل) الأستاذ الإمام شيخنا المرحوم الشيخ محمد عبده مفتى الديار المصرية بإفادة من مديرية المنوفية في (24) مايو سنة (1904) نمرة (675) عن مسائل:

(منها): ما اشتهر من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقب الأذان في الأوقات الخمسة إلَّا المغرب؟ (فأجاب) بقوله: أما الأذان فقد جاء في الخانية أنه ليس لغير المكتوبات، وأنَّه خمس عشرة كلمة، وآخره عندنا لا إله إلَّا الله وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة ابتدعت للتلحين لا لشئ آخر، ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين ولا عبرة بقول من قال: إن شيئًا من ذلك بدعة حسنة؛ لأن كل بدعة في العبادات على هذا النحو فهى سيئة، من ادعى أن ذلك ليس فيه تلحين فهو كاذب. اهـ.

وحاصل هذا أن الأذان من شعائر الإسلام المنقولة بالتواتر من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكلماته معدودة في كتب السنة وكتب الفقه مجمع عليها بين أئمة المسلمين من أهل السنة والجماعة. وأما زيادة الصلوات والتسليمات في آخره فهى من بدع المؤذنين المتأخرين.

وقال في "المدخل": عطس رجل بجانب سيدنا عبد الله بن سيدنا عمر فقال: "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال سيدنا عبد الله: "الحمد

لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول إذ عطسنا، بل علمنا أن نقول: "الحمد لله رب العالمين". انتهى.

فهذا الصحابى الكبير أنكر على من صلى وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم عقب العطاس لعدم وروده عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.

(ومن ثم) قال العلامة ابن حجر في فتاويه الكبرى: "من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأذان أو قال: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده معتقدًا سنيته في ذلك المحل ينهى ويمنع منه لأنَّه تشريع بغير دليل، ومن شرع بغير دليل يزجر ويمنع". انتهى.

ص: 175

فهذا العلامة ابن حجر حكم على من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأذان أو قال: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بأنه شرع في دين الله تعالى وأنّه يمنع من ذلك ويزجر وما ذاك إلَّا لقبح ما فعل، وأن الوقوف عند ما ورد به الشرع أولى، وواجب المرشد في مثل هذه البدعة الإضافية أن يكون حكيمًا، فينبه الناس إليها بالرفق واللين كى لا يكون مثيرًا للفتن، (وبهذا) ظهر لك أمر ما يقر من كثير من المؤذنين عقب أذان الفجر من قولهم ورضى الله تبارك وتعالى عنك يا شيخ العرب ونحو ذلك من الألفاظ (بأعلى صوت) وأنها بدعة مذمومة لم تعرف من طريق مشروع. اللهم وفقنا جميعًا لما تحبه وترضاه، وقنا شر الابتداع.

ومن البدع المكروهة تحريمًا: التلحين في الأذان وهو التطريب: أي التغنى به بحيث يؤدى إلى تغيير كلمات الأذان وكيفياتها بالحركات والسكنات ونقص بعض حروفها أو زيادة فيها محافظة على توقيع الألحان، فهاذا لا يحل إجماعًا في الأذان، كما لا يحل في قراءة القرآن، ولا يحل أيضًا سماعه؛ لأن فيه تشبهًا بفعل الفسقة في حال فسقهم فإنهم يترنمون، وخروجًا عن المعروف شرعًا في الأذان والقرآن.

ومن البدع: أذان الجماعة المعروف بالأذان (السلطانى أو أذان الجوق) فإنه لا خلاف في أنه مذموم مكروه لما فيه من التلحين والتغنى إخراج كلمات الأذان عن أوضاعها العربية وكيفيتها الشرعية بصور قبيحة تقشعر منها الجلود الحية وتتألم لها الأرواح الطاهرة؛ وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك وقد أمر حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول بإبطال هذا الأذان وكان في كل قصر من القصور الملكية يقوم أربعة من المؤذنين معًا وفى صوت واحد، لما لاحظ جلالته في أثناء حضوره لتأدية صلاة الجمعة في الجامع الأزهر أن مؤذنًا واحدًا هو الذى يقوم بالأذان

فسأل في ذلك حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى فقال فضيلته: إن الأذان السلطانى لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بإبطاله. كما أمر بعدم رفع الصوت والتصفيق في المسجد حال دخوله للصلاة أحترمًا للمساجد ونزولًا على حكم الشريعة الإسلامية.

ص: 176

ومن البدع المنكرة بلا خلاف كتب الأوراق التى يسمونها حفائظ في آخر جمعة من رمضان (الجمعة اليتيمة) حال الخطبة لما فيها من الإعراض عن استماع الخطبة، بل والتهويش على الخطب وسامعيه وذلك ممنوع شرعًا كما لا يخفى ولا خير فيه ولا بركة له، فإنما يتقبل الله من المتقين لا من المبتدعين، وقد يكتب فيها كلمات سريانية قد تكون دالة على ما لا يصح ولم ينقل عن أحد من أهل العلم، وظنى أن ذلك من بدع الدجالين التى زينوها للبسطاء، ولذا لا تقع إلا في القرى المتأخرة وسيأتى النهى عن تعليق التمائم في الفصل الثانى عشر في خرافات العامة وأوهامهم إن شاء الله تعالى.

وممَّا اختلف فيه الدعاء للسلطان يعينه، وقد أفتى ابن عبد السلام بأنه بدعة غير محبوية (أما) ما يقع من المؤذنين عند ذكر السلطان بقولهم بصوت مرتفع: آمين آمين نصره الله وأدامه إلى آخره فهو بدعة سيئة بلا خلاف لما أخرج سعيد بن منصور عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: "لا تقل: سبحان الله والإمام يخطب يوم الجمعة"، وأخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذى يقول له: أنصت ليست له جمعة"، ولما فيه من التهويش على المستمعين، وكثيرًا ما يتكلف في ذلك حسن الألحان فتنصرف الآذان عن سماع الخطبة.

(وأما) ما يقع من بعض العامة حين نزول الخطيب من على المنبر من التمسح بكتفه وظهره فمما لا أصل له، وكذلك البيارق التى تنصب على جانبى المنبر والستارة التى تسبل على بابه وبعض الخطباء يستتر بهذه البيارق؛ لأنَّه لسوء حفظه يقرأ الخطبة في الورق وبذلك يضيع تأثير الخطبة في نفوس السامعين.

(ومن البدع) قراءة سورة الكهف يوم الجمعة بصوت مرتفع وترجيع كترجيع الغناء، والناس ما بين راكع وساجد وذاكر وقارئ ومتفكر، وناهيك ما يكون من

العوام من رفع أصواتهم استحسانًا لألحان القارئ من غير مبالاة بحرمة المكان والقرآن، وهذا كله مذموم لا يحل لوجوه:

(الأول): أن فيه تهويشًا على المتعبدين وهو حرام بالإجماع عن أبى سعيد الخدرى قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد

ص: 177

فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج لربه فلا يؤذ بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" رواه أبو داود.

(الثانى): فيه رفع الأصوات في المسجد لغير حاجة شرعية وقد ورد النهى عنه، روى مالك في "الموطأ" أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال:"إن المصلى يناجى ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن"، وقال عليه الصلاة والسلام للإمام على رضي الله عنه وكرم الله وجهه:"يا على لا تجهر بقراءتك ولا بدعائك حيث يصلى الناس فإن ذلك يفسد عليهم صلاتهم" رواه في المدخل.

وفي "الدر المختار" يحرم رفع الصوت في المسجد إلا للمتفقهة، وقال ابن العماد الشافعى رحمه الله: تحرم القراءة جهرًا على وجه يشوش على نحو مُصَلٍّ، وفى مختصر سيدى خليل وشرحه: يكره رفع الصوت بقراءة القرآن في المسجد خوف التشويش على المصلين والذاكرين، فإن شوش حرم اتفاقًا.

(الثالث): كونه مخالفًا لما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن أصحابه فمن بعدهم، وصح أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يكرهون رفع الصوت بالذكر والقرآن لا سيما في المساجد، فإذا كان معه تهويش لا يشك في التحريم (نعم) ورد النص على فضل قراءة هذه السورة ليلة الجمعة ويومها لكن ليس على هذا الوجه المعروف، بل يقرأ لنفسه في بيته مطلقًا أو في المسجد بدون رفع الصوت، روى البيهقي وحسنه السيوطى:"من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق"، وروى الحاكم والبيهقى من حديث ابن مسعود:"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين السماء والأرض".

وفى "قرة العين" وشرحها "فتح المعين" للعلامة زين الدين الشافعى ما نصه: ويكره الجهر بقراءة الكهف وغيرها إن حصل به تأذ لمصل أو نائم كما صرح به النووى في كتبه. وقال شيخنا في "شرح العباب": ينبغى حرمة الجهر بالقراءة في

المسجد وحمل كلام النووى على ما إذا خيف التأذى وعلى كون القراءة في غير المسجد. انتهى.

وكتب الحنفية والحنابلة والمالكية صريحة في أن قراءة السورة على هذه

ص: 178

الكيفية المعتادة ممنوعة، هذا إلى ما يكون من إعراض الناس عن استماعها لا سيما إذا كان القارئ غير حسن الصوت فيقعون في الحرج ويقع القارئ في جريمة تعريض القرآن للإهانة. ومعلوم أن احترام القرآن واجب فلا يقرأ في الأسواق ومواضع الاشتغال، فإذا قرأ فيها كان هو المضيع لحرمته وكان الإثم عليه دون أهل الاشتغال دفعًا للحرج. وقد أصبحت هذه البدعة مألوفة للناس يعدونها من الشعائر الدينية والوظائف الشرعية، فعلى المرشد إذا تعرض لها أن يكون حكيمًا حتى لا يثير فتنة. ولا يعزب عنك أنها من البدع الإضافية.

ومن البدع المكروهة تسامر الناس في المساجد بحديث الدنيا وربما علت أصواتهم وارتفع ضحكهم وكثر تصفيقهم الحاد وتصفيرهم المزعج، وفى هذا هتك لحرمة بيوت الله تعالى التى أعدها لعبادته وإيذاء للمصلين ومنع للمتعبدين، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم ليس للَّه فيهم حاجة" رواه ابن حبان في صحيحه.

وعن الحسن رضي الله عنه: "يأتى على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس للَّه فيهم حاجة".

ومن البدع المكروهة افتتاح خطبة العيد بالتكبير كما يفعله خطباء المساجد اليوم فإنه مخالف لهديه صلوات الله وسلامه عليه في خطبه، قال الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد" ما نصه: وكان صلوات الله وسلامه عليه لا يخطب خطبة إلَّا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء أنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسنته تقتضى خلافه وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله. اهـ.

ومنها: اجتماع الناس يوم العيد بالمساجد وانقسامهم إلى طائفتين كل واحدة منهما ترد على الأخرى بالتكبير المعروف، فإن السنة أن يكبر المسلمون في البيوت والطرقات ومصلاهم كل على انفراد على ما هو معروف في كتب الفروع.

ومن البدع المكروهة انصراف بعض الناس عقب صلاة العيد تاركًا سماع

الخطبتين، والبعض ينصرف عقب الخطبة الأولى تاركًا استماع

ص: 179

الثانية مع ما فيه من اختراق الصفوف وتخطى الرقاب (ثم) من ينتظر منهم يزدحمون يتركون الأمكنة التى صلوا فيها لأجل استماع الخطبة، أو حرصًا على التمسح بالخطيب إذا نزل. والسنة بقاء الجميع في أماكنهم حتى يفرغ الإمام من الخطبة، ففى البخارى وغيره عن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم" وهو صريح في عدم الانصراف، وأن السنة لمن يريد سماع الخطبة في العيد أن يستمر في مكانه الذى صلى فيه، وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال يوم عيد:"من شهد الصلاة معنا فلا يبرح حتى يشهد الخطبة" ذلك أن الخطبة من سنن العيد. وغير خاف أن انتقال هؤلاء عن أماكنهم يحدث تهويشًا ليس على الإمام وحده. (فعلى) الخطباء تحذير الناس من ذلك في الخطبة حتى يرجعوا عن هذه المخازى.

ومن البدع المخالفة للسنة أن يمسك الخطيب السيف الخشبى على المنبر، فإن النبي صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يأخذ بيده سيفًا أوغيره وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس قبل أن يتخذ له المنبر ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف البتة وما يظنه بعض الناس أنه كان دائمًا يعتمد على السيف وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قد قام بالسيف فمن عدم الوقوف على هديه صلوات الله وسلامه عليه فإنه لم يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف أو قوس أو غيرهما، والدين إنما قام بالوحى، وأما السيف فقد شرع دفاعًا عن الدين وأهله ولمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التى كان يخطب فيها إنما فتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف كما سيأتى في بدع الاعتقادات.

ومن البدع المذمومة الدكة التى يصعد عليها المؤذنون والمبلغون وقارئ سورة الكهف يوم الجمعة، وكذا الكرسى الذى يعد لذلك في معظم المساجد. (أما) الأذان فقد علمت أنه يمنع داخل المسجد فكيف تصنع له دكة فيه، (وأما) الكرسى فلا ضرورة تدعو إليه لوجهين:

(الأول): أنه يشغل من المسجد موضعًا كبيرًا وهو وقف على المصلين لصلاتهم.

(الثانى): أنهم يقرءون عليه السورة وقد علمت الحال فيها، وأول من

أحدث بدعة القراءة

ص: 180

في المصحف على الكرسى في المسجد الحجاج الثقفى ولم يكن ذلك من عمل السابقين.

(وأما التبليغ جماعة) الذى عملوا لأجله الدكة فهو غير مشروع بهذه الصفة التى هم عليها، بل هو من البدع التى أدت إلى مفاسد فكيف يعمل له دكة لا سيما من مال الوقف. قال في "المدخل" ما ملخصه: إن التبليغ جماعة يوقع خللًا في الصلاة، ذلك أنهما يبلغون مثنى بعضهم على صوت بعض مع رفع أصواتهم بالتكبير في الصلاة على ما يعلم من زعقاتهم وذلك يذهب الحضور والخشوع أو بعضه ويذهب السكينة والوقار، وقد اختلف العلماء في صحة صلاة المُسمع الواحد والصلاة به وبطلانها على أربعة أقوال: تصح، لا تصح، الفرق بين أن يأذن الإمام فتصح أو لا فلا تصح، والفرق بين أن يكون صوت الإمام يعمهم فلا تصح أو لا فتصح، فإذا كان هذا في تبليغ الواحد فأولى جريان الخلاف في صحة صلاتهم وبطلانها في تبليغ الجماعة على صوت واحد، وهذا إذا أتوا كلهم بالتكبير كاملًا في جميع الصلاة.

وأما على ما يفعلونه اليوم من كونهم يتواكلون في التكبير ويديرونه بينهما ويقطعونه ويوصلونه فبعضهم يبتدئ التكبير فيقول: الله ويمد صوته ثم يبتدئ الآخر أثناء الكلمة نفسها واصلًا صوته بصوت صاحبه قبل انقطاعه مبالغة في رفع صوته عمدًا، وفاعل هذا لم يأت بالتكبير على وجهه. فلا شك أنه شغل في الصلاة بزيادة غير شرعية ولا لضرورة شرعية فتبطل صلاتهم بلا خلاف ويقع أيضًا بذلك التهويش والتخليط (ثم) إن التبليغ جماعة في الصلاة أدى إلى مخالفة السنة؛ لأنَّه يصير الإمام في حكم المأموم لأن المكبرين يطولون في التكبير والإمام ينتظر فراغهم منه لينتقل إلى الركن الذى يليه. اهـ.

وفي "حواشى الدر" رفع الصوت لغير حاجة كما يكره للإمام يكره للمبلغ، وفى حاشية أبى السعود التبليغ عند عدم الحاجة إليه بأن بلغهم صوت الإمام مكروه.

وفى "السيرة الحلبية" اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذ بدعة مكروهة وعند الحاجة إليه مستحب، هذا كله ما لم يقصد إعجاب الناس

ص: 181

بصوته والتغنى به وزيادة علوه كما يقع كثيرًا في زماننا فلا يبعد بطلان صلاته حينئذ، ففى "الدر المختار": "صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخر صلاته قاعدًا والناس

خلفه قيام وأبو بكر يبلغهم تكبيره" وبه علم جواز أصل رفع الصوت للمبلغ، أما ما تعارفوه في زماننا فلا يبعد أنه مفسد إذ الصياح ملحق بالكلام. انتهى فتح، وفى "حواشى الدر" زيادة على هذا فارجع إليها إن شئت.

وعند السادة المالكية: الأفضل أن يرفع الإمام صوته يستغنى عن مسمع (مبلغ).

وقالت السادة الشافعية: يسن للإمام ومثله المبلغ أن يجهر بالتكبير والتسميع إن احتيج إليه فإن لم يحتج إلى الجهر المذكور كان مكروهًا وعلى كل حال إذ قصد الإمام أو المسمع بتكبيره الذكر فقط أو مع الإعلام صحت صلاته وإن قصد الإعلام فقط أو أطلق بطلت على المعتمد، وقصد الذكر شرط عند كل تكبير. هذا حكم التبليغ في المذاهب الأربعة.

فتحصل أن التبليغ له أصل في السنة، وأن غالب الناس وضعوه في غير موضعه واستعملوه على غير كيفيته بما علمت، وبأنك ترى خلف الإمام مأمومًا واحدًا يرفع صوته بكيفية مزعجة، ويقع مثل ذلك إذا كان خلفه اثنان أو ثلاثة مثلًا. وقد يكون المسجد صغيرًا يعمه صوت أضعف إمام ويقع التبليغ فيه على وجه يشوش على من بالمسجد، والتشويش حرام بلا خلاف، نسأل الله تعالى السلامة والهداية.

ومن البدع المكروهة تمكين الأطفال من المسجد، ففى الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم:"جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وشراءكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وجمروها أيام جمعكم واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم" أخرجه المنذرى. جمروها: كبخروها وزنًا ومعنى، والمطاهر: جمع مِطْهرة بالكسر والفتح لغة: وهو كل إناء يتطهر به،

وذلك لما فيه من الامتهان وعدم صيانته لاسيما إذا كان لتعليم القرآن فيه؛ لأن عدم الصيانة محقق كما هو مشاهد، فخير مافعلت الرياسة الدينية، من تطهير الجامع الأزهر الشريف بإخراج مكاتب الصبيان منه، ومن

ص: 182

الحديث يؤخذ كراهة رفع الأصوات في المساجد وكثرة اللغط، وقد أصبحت المساجد الشهيرة اليوم بالأسواق أشبه فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.

ومن البدع المكروهة رفع الصوت بالذكر في المسجد كما يقع من أرباب الطرق الذين ينصبون حلقات الذكر (المحرف)، وكذا رفع الصوت بالقرآن فيه إذ

المطلوب في القراءة والذكر السر، لحديث:"السر بالقرآن كالسر بالصدقة" رواه غير واحد، ولقوله تعالى:{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ}

(1)

: أي اذكر سرًّا تذللًا وخوفًا منه تعالى {وَ} : فوق السر، {دُونَ الْجَهْرِ}: أي قصدًا بينهما، {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}: أول النهار وآخره، {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} عن ذكر الله تعالى. وفسر الاعتداء في قوله تعالى:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}

(2)

بالجهر بالدعاء. وممَّا جاء في الحض على ترك الجهر بالذكر والدعاء قوله تعالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}

(3)

: أي وإن تجهر بذكر الله من دعاء وغيره فاعلم أنه غنى عن جهرك لأنَّه تعالى يعلم ما أسررته للغير وأخفى منه وهو ما لم تبح به لأحد. وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه: "أنه سمع قومًا اجتمعوا في مسجد يهللون ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم جهرًا فذهب إليهم وقال: ما عهدنا ذلك على عهده صلى الله عليه وسلم، وما أراكم إلَّا مبتدعين فما زال يذكر ذلك حتى أخرجهم من المسجد".

(ومن هذا) ظهر لك حال ما ابتدع الناس من قراءة العشر جهرًا قبل الشروع في الصلاة خصوصًا العصر، وكذلك الجهر بختم الصلاة المعروف، فإن كل ذلك على هذه الكيفية المعروفة من البدع المكروهة من حيث أنه جعل شعارًا للصلاة جماعة في وقتها، ووضع الشعائر من اختصاصات الشارع وليس لغيره أن يحدث شيئًا من الشعائر من عند نفسه، وسيأتى هذا في بدع العبادات.

ومن البدع المكروهة تزويق المساجد وزخرفة المحاريب وهى أشد كراهة من زخرفة بقية أجزاء المسجد؛ لأنَّه يشغل قلب المصلى، ولأن شيئًا من ذلك لم يكن في العهد الأول، وأمر عمر رضي الله عنه ببناء مسجد وقال للبناء: أكِنَّ الناسَ من المطر وإيَّاك أن تُحَمِّرَ أو تُصفِّرَ، وأول

(1)

[سورة الأعراف: الآية 205].

(2)

[سورة الأعراف: الآية 55].

(3)

[سورة طه: الآية 7].

ص: 183

من ابتدع زخرفة المساجد الوليد بن عبد الملك لَمَّا بعث خالد بن عبد الله القسرى. (وعلى الجملة) فقد كان السلف رضى الله

عنهم يكرهون تزويق المساجد والقبلة بالزخرف وتحلية المصاحف، وفى الخبر:"إذا ما زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم" كذا في "القوت" لأبي طالب المكى.

وأما اتخاذ المحاريب فلم يكن في زمانه صلى الله عليه وسلم محراب قط، ولا زمان الخلفاء الأربعة فمن بعدهم، وإنما حدث في آخر المائة الأولى مع ورود الحديث بالنهى عن اتخاذه، وأنَّه من شأن الكنائس، وأن اتخاذه في المساجد من أشراط الساعة.

روى البيهقي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا هذه المذابح" يعنى المحاريب، وعن ابن مسعود رضي الله عنه:"أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب" أخرجه البزار، وفى "مصنف ابن أبي شيبة" عن موسى الجهنى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تزال هذه الأمة - أو قال: أمتى - بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى"، وفيه أيضًا عن أبى ذر قال:"إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد" ومن أراد الزيادة على هذا فليرجع إلى "المنهل العذب المورود شرح سنن أبى داود".

(وعلى الجملة) فهذا قليل من كثير في بدع المساجد تركناه إتكالًا على فطانة. المرشد وكمال استعداده، على أن بدع المساجد الآن صارت من الوظائف، يعيش بها كثير من الناس، ويصعب على المرشدين محاربتها مهما أوتوا من علم وحكمة، ولا دواء لإزالتها إلا أن تقوم الخطباء أولًا بإقناع العامة بأن هذه الأمور الواقعة في المساجد هى من البدع والحدث في الدين، ثم تطلب من وزارة الأوقاف العمل على إماتتها، وهى وزارة إسلامية رشيدة لا تريد سوى العناية بالشعائر الدينية الصحيحة وإصلاح المعابد والمساجد التى أعدت لإقامتها، وفى ظننا أن ذلك سهل الحصول بعد أن صارت إدارة المساجد في يد رجل حكيم نابغ من العلماء، والله تعالى يقول الحق وهو يهدى السبيل.

* * *

ص: 184

‌الفصل الثانى في بِدَع المقَابِر والأضرِحَة وزيارة القُبُور

اعلم أن بدع المقابر والأضرحة كثيرة، وقد طال فيها كلام العلماء وأفردت بالتآليف، ونحت نذكر لك من هذه البدع الأهم فالأهم، سالكين سبيل الاعتدال متجنبين إن شاء الله تعالى طرفى الإفراط والتفريط فنقول:

(من هذه البدع) اتخاذ الناس المقابر والأضرحة موسمًا من مواسمهم وعيدًا من أعيادهم يشدون إليها الرحال كما تشد لزيارة بيت الله الحرام ويبيتون عندها الليالى ذوات العدد وهناك تصنع ألوان الأطعمة وتذبح الذبائح وتنصب ملاعب الصبية وتقام أسواق الباعة.

وأعياد المقابر أسبوعية لهم فوق ذلك عادات في المواسم الشرعية من عيد الفطر والأضحى وأول رجب، ولغالب الأضرحة مواسم وأعياد أسبوعية خلاف الموالد تسمى بالحضرة كليلة الثلاثاء ويومه للإمام الحسين رضي الله عنه، وليلة السبت ويومه للإمام الشافعى رحمه الله، وهكذا لكل ولى عندهم وقت معلوم تجتمع فيه العامة والخاصة من الرجال والنساء ومعهم الأطفال لزيارته على الوجه المعروف.

وهذه البدعة ورد النهى عنها صريحًا مع ما ينشأ عنها من الشرور والمفاسد، فمن ذلك ما روى أبو داود وغيره عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال:"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، ولا تجعلوا قبرى عيدًا وصلوا على أينما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم"، وعن سهل بن أبى سهيل قال: رآنى الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب رضي الله عنه عند القبر، فنادانى وهو ببيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريد، فقال: ما لي رأيتك عند القبر، فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لذا دخلت المسجد؟ ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا بيتى عيدًا ولا بيوتكم مقابر وصلوا علىّ فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم" فما أنت ومن بالأندلس إلا سواء منه عليه الصلاة والسلام. رواه

سعيد بن منصور في سننه، وإذا ثبت هذا بالنسبه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد القبور وأفضلها فقبر غيره أولى بالنهى كائنًا من كان.

ص: 185

وقوله: "لا تتخذوا بيوتكم مقابر" أمر بتحرى النافلة في البيوت حتى لا تكون بمنزلة القبور، كما أن النهى عن اتخاذها تضمن النهى عن تحرى العبادة عند القبور، ولذا قال: فإن صلاتكم وتسليمكم مع بعدكم وقربكم سواء لا حاجة بكم إلى اتخاذها عيدًا، كما اتخذ المشركون من أهل الكتاب قبور أنبيائهم وصالحيهم عيدًا، فإن اتخاذ القبور عيدًا هو من أعمالهم التى كانوا عليها قبل ظهور الإسلام، وقد كانت لهم أعياد زمانية وأعياد مكانية أبطلها الله تعالى بالإسلام وعوض عن أعيادهم الزمانية عيدى الفطر والنحر وأيام منى، كما عوض عن أعيادهم المكانية الكعبة البيت الحرام وعرفات ومنى والمشاعر.

وأما الفاسد التى تنشأ عن ذلك فكثيرة:

(منها) أن النساء قد اتخذن ذلك ميدانًا لشهواتهن فيتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ويتزين للخروج إلى المقابر والأضرحة بأجمل زينة ويتهتكن بأقبح صورة: لا دين يمنعهن، ولا أدب يردعهن، وكثير منهن يركبن على الدواب في الذهاب والرجوع ويمسهن المكارى (العربجى) في إركابهن وإنزالهن وتقر المحادثة بينهما كأنه زوجها أو ذو محرم منها، وكثيرًا ما يشترك الرجال والنساء الأجانب في مركوب واحد على ازدحام شديد مع تمام التبرج والزينة. والتبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب، وهو من أقبح البدع التى ستذهب بالقومية المصرية إن لم يتداركها الله بالغيورين العاملين. هذا في الذهاب والعودة.

(وأما) في حال زيارتهن للقبور فالأمر أشنع وأفظع فإنهن يخالطن الرجال مع كثرة الخلوات هناك وتيسر الدور وكشفهن لوجوههن، وهناك يختلط بهن الشرار من الشبان في مزاح ومداعبة وكثرة ضحك مع الغناء في موضع الخشية والاعتبار والذل، وخروجهن على هذه الأحوال نهارًا محل ريبة فكيف به ليلًا!؟

(وعلى الجملة) فما يترتب على خروجهن إلى المقابر من الفسوق والخروج عن حدود الآداب كثير مشاهد، يستغيث منه الدين وتتألم منه الإنسانية، ويذهب معه الحياء والمروءة وتتأذى به الأموات في قبورهم؛ لأن أرواحهم خرجت من النوم إلى اليقظة، ومن الهزل إلى الجد، وصارت لا تميل إلى مثل هذه السفاسف، بل

لا تهوى سوى الحق والكمال،

ص: 186

فكيف السكوت على هذا من زوج أو ذى غيرة على الدين والعرض!؟ فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.

ومن هذه المفاسد ما يقع عند الموتى ممَّا يكرهونه ويتأذون منه، من الجلوس على المقابر والوطء عليها، فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" رواه مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه، وكذا الاستناد إليها، فعن عمرو ابن حزم قال: رآنى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم متكئًا على قبر فقال: "لا تؤذ صاحب هذا القبر" رواه الإمام أحمد، وكذا البول والتغوط عندها وكثرة اللغط الذى يكون من الازدحام والبيع والشراء وأصوات الأراجيح وغيرها من كل ما يخالف الدين ويحول بين القلوب والخشية، وبين الموتى والرحمة مع أن قصد الزيارة إنما هو نوال الإحسان إلى نفس الزائر وإلى الميت.

(أما إحسانه إلى نفسه) فبتذكر الموت والآخرة والزهد في الدنيا والاتعاظ بحال الميت كما في الحديث: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت" رواه مسلم وغيره، وعن على رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:"إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة" رواه الإمام أحمد. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" رواه ابن ماجه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن فيها عبرة" رواه الإمام أحمد.

وذلك أن الإنسان إذا شاهد القبور، وتذكر الموت وانقطاع هذه الحياة، وانقضاء ما ألفه من اللذات والشهوات، وتفكر فيما يصير إليه من ضيق اللحود وصولة الدود، وهو لا يدرى ما يؤول إليه من شدة الحساب وصعوبة الجواب، دخل قلبه الروع وحضرته الخشية وكان له ذلك عظة واعتبارًا، وكان الربيع بن خيثم إذا وجد غفلة خرج إلى القبور وبكى ويقول: كنا وكنتم، ثم يحيى الليل كله فيصبح كأنه نشر من قبره، وهذا

ص: 187

الغرض من الزيارة يكون برؤية القبور من غير معرفة أصحابها ولو قبور الكفار، ومن الزيارة التى يرجع نفعها إلى الزائر ما تكون لأداء حق كصديق ووالد فإنها وفاء وبر.

وأما إحسانه إلى الميت فبالسلام عليه والدعاء له بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية، وحينئذ فتسن الزيارة لكل مسلم، ففى الحديث الصحيح عن بريدة رضى الله عنه:"أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم يا أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، نسأل الله لنا ولكم العافية" رواه مسلم، وفى حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: مر رسول الله صلي صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلاح عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" رواه الترمذى وحسنه. والأثَرَ بفتحتين وررى بكسر فسكون: أي على عقبكم.

فإنه صلى الله عليه وآله وسلم بين لنا فائدة زيارة القبور، وهى إحسان الزائر إلى نفسه بتذكر الموت والآخرة والزهد في الدنيا والاتعاظ والاعتبار، وإلى أهل القبور بالسلام عليهم كما كانوا في حال حياتهم، والدعاء لهم بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية من جميع المحن.

فينبغى لمن يزور قبر الميت وليًّا كان أو غيره من المؤمنين أن يسلم عليهم ويسأل لهما العافية ويستغفر ويترحم، ثم يعتبر بحال من زار وما صار إليه حاله، وماذا سئل عنه، وبماذا أجاب، وهل قبره روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ثم يجعل نفسه كأنه مات ودخل القبر وذهب عنه أهله وماله وولده ومعارفه وبقى وحيدًا فريدًا ليس معه سوى عمله وهو الآن يسأل، فماذا يجيب، وما يكون حاله؟ ويملأ قلبه بهذا الاعتبار ويتعلق بمولاه بالخلاص من هذه الأمور الخطيرة التى لا يخلص منها إلا الاستقامة مع إحسان الله ورحمته، فعن أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:"يتبع الميت ثلاث: أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله" متفق عليه.

* * *

ص: 188

‌المبِيت في المَقَابِر

(ومن هذه المفاسد) المبيت

(1)

فيها وإيقاد السراج والشمع ونحوه على القبور، ففى الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام:"لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" رواه أبو داود والترمذى وحسنه، وقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يتبع الميت بنار فكيف يفعل ذلك على قبره؟ قال العلامة البركوى: فكل ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من الكبائر. وقد صرح الفقهاء بتحريمه إذا لو كان اتخاذ السرج عليها مباحًا لم يلعن من فعله. واللعن لما فيه من تضييع المال في غير فائدة، والإفراط في تعظيم القبور تشبهًا بتعظيم الأصنام.

ولهذا قال العلماء: لا يجوز النذر للقبور لا شمع ولا زيت ولا غير ذلك فإنه نذر معصية لا يجوز الوفاء به بالاتفاق ولا أن يوقف عليها شيء لأجل ذلك فإن هذا الوقف لا يصح ولا يحل إثباته وتنفيذه، ففى "الدر المختار" وحواشيه من كتب الحنفية ما ملخصه:

اعلم أن النذر الذى يقع للأموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الدراهم أو الشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقربًا إليهم كأن يقول: يا سيدى فلان إن رد غائبى أو عوفى مريضى أو قضيت حاجتى فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا فهو بالإجماع باطل وحرام لوجوه:

(منها): أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز لأنَّه عبادة وهى لا تكون إلَّا لله، (ومنها): أن المنذور له ميت والميت لا يملك، (ومنها): أنه أن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى فاعتقاده ذلك كفر والعياذ بالله.

اللهم إلَّا أن قال: يا الله إنى نذرت لك إن شفيت مريضى أو رددت غائبى

أو قضيت حاجتى أن أطعم الفقراء الذين بباب الولى الفلانى أو أشترى

(1)

أشار المغفور له الملك فؤاد الأول بمنع المبيت في المقابر، فاستراحت الأحياء والأموات وصينت الأعراض من الانتهاك، حفظت، الأموال من الضياع ولا سبيل لمنع التبرج والتهتك إلا مثل هذه الإرادة السنية.

ص: 189

حصرًا لمسجده أو زيتًا لوقوده أو دراهم لمن يقوم بشعائره .. إلى غير ذلك ممَّا فيه نفع للفقراء والنذر لله عز وجل، وذكر الولى إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده فيجوز بهذا الاعتبار، ولا يجوز أن يصرف ذلك لغنى ولا لشريف ذى منصب أو ذى نسب أو علم ما لم يكن فقيرًا ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء. اهـ.

(وجملة القول) أن الإجماع على حرمة النذر للمخلوق، وأنَّه لا ينعقد ولا تشتغل الذمة به، فله أن يتصرف فيه في حوائج نفسه ولا يجوز لخادم الشيخ أخذه إلا أن يكون فقيرًا أو عياله فقراء فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتدأة، وأخذه أيضًا مكروه ما لم يقصد الناذر التقرب إلى الله تعالى وصرفه إلى الفقراء، ويقطع النظر عن نذر الشيخ، وأولى بالناس أن يتصدقوا بمثل هذه النذور على يتامى وفقراء بلادهم، فهم بها أولى، وإليها أحوج، مع ما في ذلك من توفير الراحة من عناء نقلها إلى أماكن الأولياء، إلى آخر ما هو مبسوط في الفروع فارجع إليها إن شئت.

‌اهتمام النِّسَاء بزيارة القُبُور

ومن المفاسد اهتمام النساء بزيارة القبور وإهمال الرجال، فقد عكس الشيطان على الناس قضية المشروع فإن الزيارة مستحبة للرجال لخبر مسلم:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة". قال الحافظ المنذرى: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور نهيًا عامًا للرجال والنساء ثم أذن للرجال في زيارتها واستمر النهى في حق النساء. اهـ.

وسر النهى أولًا عن زيارتها، أنه لما كان منشأ عبادة الأصنام من جهة القبور في قوم نوح نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في صدر الإسلام عن زيارتها سدًّا لذريعة الشرك لكونهم حديثى عهد بكفر، ثم لما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها وعلمهم كيفيتها تارة بفعله، وتارة بقوله كما مر في الأحاديث أول الفصل.

أما زيارة النساء للقبور فمن العلماء من حرمها مطلقًا، ومنهم من فصل بين الشابة وغيرها. قال في المدخل: إنما هذا الخلاف في نساء ذلك الزمان

ص: 190

وكن على ما يعلم عن عادتهن في الاتباع، وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرة في الدين بجواز ذلك، فإن وقعت ضرورة للخروج فليكن ذلك على ما يعلم في الشرع من الستر لا على ما يعلم من عادتهن الذميمة في هذا الزمان.

ومن المفاسد الفاشية (تقبيل واستلام قبور الأولياء) والأنبياء والعلماء صرح به الإمام النووى رحمه الله، وترخيص بعضهم في هذا الاستلام، وكذا في تقبيل قبور من ذكروا بقصد التبرك لا سند له. (نعم) إذا غلبه وجد وأدب وحال فله حكم آخر.

ومن المفاسد اتخاذ الملاهى والملاعب عند المقابر، وكذا كثرة المزاح والضحك وإنشاد القصائد، يقع هذا في موطن الخشوع والاعتبار وما هو جدير بالحزن والخشية، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم:"أن الله يكره لكم ثلاثًا: العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك عند المقابر" رواه غير واحد من طرق مختلفة. والرفث: الفحش في القول.

ومن البدع السيئة الطواف حول الأضرحة، فإنه لم يعهد عبادة إلَّا بالبيت، وكذا لم يشرع التقبيل والاستلام إلَّا للحجر الأسود. (قال في المدخل) فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة الحرام ويتمسح به ويقبله ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم يقصدون به التبرك

(1)

وذلك كله من البدع؛ لأن التبرك إنما هو بالاتباع له عليه الصلاة والسلام، وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب، ولأجل ذلك كره علماؤنا رحمة الله عليهم التمسح بجدار الكعبة أو بجدران المسجد أو بالمصحف إلى غير ذلك مما يتبرك به سدًّا لهذا الباب، ولمخالفة السنة؛ لأن صفة التعظيم موقوفة عليه صلى الله عليه وآله وسلم فكل ما عظمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعظمه ونتبعه فيه.

فتعظيم المصحف قراءته والعمل بما فيه لا تقبيله ولا القيام إليه كما يفعله

بعضهم في هذا الزمان، وكذلك المسجد تعظيمه الصلاة فيه لا التمسح بجدرانه، وكذلك الورقة يجدها الإنسان في الطريق فيها اسم من أسمائه

(1)

يريد قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا كان يفعل فيما مضى، فقد كان الناس يتمكنون من الدخول داخل المقصورة، أما اليوم فلا.

ص: 191

تعالى أو اسم نبى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ترفيعه إزالة الورقة من موضع المهنة إلى موضع ترفع فيه لا بتقبيلها، وكذلك الولى تعظيمه أتباعه لا تقبيل يده وقدمه ولا التمسح به، فكذلك ما نحن بسبيله تعظيمه باتباعه لا بالابتداع عنده. اهـ.

ونقول: أما ما ذكره من كراهة القيام للمصحف وتقبيله فموضع خلاف بين الشافعية، (وأما ما ذكره) من كراهة تعظيم الولى بتقبيل يده والتمسح به ففى مسألة التقبيل خلاف، كرهها مالك رحمه الله وآخرون، وقال سليمان بن حرب: قبلة اليد هى السجدة الصغرى، وعن ابن عبد البر يقال: تقبيل اليد إحدى السجدتين، وقبض هشام بن عبد الملك يده من رجل أراد أن يقبلها وقال: مه، فإنه لم يفعل هذا من العرب إلا هَلوع

(1)

ومن العجم إلا خَضوع.

ورخص فيه أكثر العلماء كأحمد والشافعى رحمهما الله تعالى إذا كان للدين لا للدنيا، فلا يكره تقبيل اليد لزهد وعلم وكبر سن، بل يستحب، قال الشعبى: "صلى زيد بن ثابت على جنازة فقربت إليه بغلته ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال زيد: خل عنه يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء، فقبل زيد بن ثابت يده وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم أخرجه الطبرانى والبيهقى والحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم، والمراد بالكبراء: ذوو الأسنان والشيوخ، ويكره لدنياه وثروته وشوكته ووجاهته كراهة شديدة، كذا في الأنوار.

(نعم) اتفق العلماء على كراهة مد اليد للناس ابتداء ليقبلوها فهذا ينهى عنه بلا نزاع كائنًا من كان، إنما النزاع فيما إذا كان المقبل هو المبتدئ بذلك، وفى المسألة كلام طويل بين المشايخ مذكور في كتب الفروع وشراح الحديث وفيما ذكرنا كفاية.

وأما مسألة التمسح بنحو الأولياء أنفسهم أو بشيء من آثارهم فقد وافقه على المنع من ذلك وأنَّه بدعة: المحقق الشاطبى في "الاعتصام" حيث قال: ومن

(1)

أي شديد الجزع جبان وبابه طرب.

ص: 192

البدع

الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة فينهى عنه أو غير بدعة فيعمل به، فمثل هذا الفعل له جهتان، والبدعة الإضافية هى الواقعة ذات وجهين، ومن أمثلة ذلك التبرك بغير آثار النبي صلى الله عليه وسلم ممن ثبتت ولايته واتباعه للسنة أخذًا بما ثبت عن كثير من الصحابة أنهم تبركوا بآثاره صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أنهم كانوا يتمسحون بفضل وضوءه ويدلكون بنخامته وجوههم وجلودهم، وشربوا دم حجامته، وشربت خادمته بوله عليه الصلاة والسلام، وتبركوا بشعره وثوبه وغيرهما. روى البخارى عن المسور وغيره في كتاب البيوع، باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب وهو حديث طويل فيه:

(ثم إن عروة) هو عروة بن مسعود وجهته قريش عام صلح الحديبية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى من تعظيم أصحابه له ما رأى وأخبر به قريشًا: "جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك به وجهه وجلده" تبركًا بفضلاته، وزاد ابن إسحاق:"ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه"، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشى، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له".

فهذا التبرك ظاهره أنه مشروع نظير ما وقع من الصحابة وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لكن عارض ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة رضي الله عنهم بعد موته عليه الصلاة والسلام لم يقع

ص: 193

من أحد منهم شيء من ذلك، إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الأمة أفضل من أبى بكر الصديق رضى الله عنه فهو كان خليفته ولم يفعل به شيء من ذلك ولا عمر رضي الله عنه، وكان أفضل الأمة بعده، ثم عثمان وعلى وسائر الصحابة رضي الله عنهم لم يثبت من طريق صحيح أن أحدًا تبرك بواحد منهم على نحو ما وقع منهم مع النبي عليه الصلاة والسلام، بل كانوا قدوة فيما اتبعوا فيه نبيهم من أحكام الدين. فهذا

إجماع منهم على ترك هذه الأشياء، إما لقيام دليل عندهم على اختصاص التبرك على هذا النحو به عليه الصلاة والسلام لمزيد بركته، وكمال نفحاته، وطهارة روحه، بخلاف غيره فلا يبلغ شأوه وإن حصل له من الكمال ما شاء الله، فلا يصح التبرك بغيره على نحو التبرك به، وإلا فهو بدعة كما لو فعل غير ذلك من خصوصياته صلوات الله وسلامه عليه.

وإما سدًّا للذريعة

(1)

خوفًا من أن يجعل ذلك سنة، أو لأن العامة لا تقف فيه عند حد، بل تبالغ بجهلها في التماس البركة حتى تخرج بالمتبرك به عن الحد فتعتقد فيه ما لا يليق به، وهذا التبرك هو أصل العبادة ولأجله قطع عمر رضي الله عنه الشجرة التى بويع تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أهل السير أن سبب عبادة الأوثان هذا التبرك، فخاف عمر رضي الله عنه أن يتمادى الحال على تلك الشجرة فتعبد من دون الله.

وحكى أن أصحاب الحلاج بالغوا في التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته حتى ادعوا فيه الألوهية، وربما يظن بغير الولى الولاية لخفاء أمرها، لأن الجمهور لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر، فيعظمون ما ليس بعظيم، وهذا ضلال مبين.

فالسلف تركوا العمل بما تقدم وإن كان له أصل لما يلزم عليه من الفساد. والوجه الثانى هو الأظهر؛ لأن الخصوصية تحتاج إلى دليل ولو كان لظهر لنا، ويؤيد الاحتمال الأول إطباق الصحابة ومن بعدهما على الترك، فلو

(1)

سد الذرائع: هو منع الشارع من أشياء لجرها إلى منهى عنه والتوسل بها إليه فهو منع الجائز، لأنَّه يجر إلى غير الجائز، وبحسب عظم المفسدة في الممنوع يكون اتساع المنع في الذريعة وشدته.

ص: 194

لم يكن خصوصية لوقع من بعضهم ولو نادرًا عتمادًا على أنه المشروع أو حيث تنتفى العلة الموجبة للامتناع.

وفى الحديث عن ابن شهاب ما يدل على أن الأولى ترك هذا التبرك وأن يتحرى الإنسان ما هو أحرى وأوكد من وظائف التكليف، قال: حدثنى رجل من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا جلودهم، فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم لم

تفعلون هذا؟ قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كان منكم يحب أن يحبه اللَّه ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره" انتهى بتصرف.

ولا يخفى على المتأمل المنصف أنه لا سبيل إلى دعوى الخصوصية إذ لا دليل عليها كما اعترف هو بذلك ولا يكفى فيها الاحتمال لأنها خلاف الأصل.

* * *

‌الكلام مع الإمام الشاطبى ومناقشته

والذهاب إلى أن الصحابة ومن بعدهم تحاشوا مثل هذا التبرك سدًّا للذريعة إلى آخر ما سبق غير وجيه، لما هو معلوم في الأصول من أن التمسك بسد الذرائع في المنع من الشئ حيث ثبتت مشروعيته لا ينهض إلا بعد ثبوت دليل خاص يرشد إلى أن الشارع اعتبر في ذلك الشئ بخصوصه سد الذريعة، ولا يكفى اعتباره سد الذريعة في الجملة، حيث ثبت أيضا أنه لها يعتبرها في كثير من الذرائع ذلك هو أيضًا في كتاب "الموافقات".

والقياس على ما نهى عنه الشارع دون ما لم ينه عنه تحكم باطل، وأيضًا من شروط القياس إبداء الجامع ليتسنى للخصم الاعتراض عليه بالفارق، وأنى للمانعين أن يهتدوا إلى الجامع، بعد ما علمت من أن الشارع لم يمنع في كثير من الذرائع، فالتبرك بالآثار قد ثبتت مشروعيته بما وقع من الصحابة معه صلى الله عليه وآله وسلم من غير دليل على الخصوصية، فالمنع منه سدًّا للذرائع. بالنسبة لغيره عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى دليل يخصه.

وعدم وقوع مثل هذا التبرك من أحد من الصحابة إن سلم فلا ينفى

ص: 195

مشروعيته إذ لم ندع وجوبه، ولعل هناك دواعى قضت بتركه كتركهم صلاة التراويح في زمان أبى بكر وصدرًا من خلافة عمر رضي الله عنهما.

ولو كان التباس الشقى بالولى مدعاة لترك التبرك بالآثار لما ندبنا الشارع إلى احترام الأولياء، ولما أساغ الرقية منهم وطلب دعواتهم والاقتداء بهم وإتخاذ المريدين لهم قادة مربين.

(وجه الملازمة) أن كل ذلك يؤدى إلى تعظيم من ليس بعظيم وإلى الاقتداء بمن لا قدوة فيه لمكان الالتباس وهو الضلال البعيد.

وما وقع من أتباع الحلاج فذلك من فرط حماقتهم وليس نتيجة مشروعية التبرك بالآثار، ألَا ترى ادعاءهم الألوهية والشرع والعقل يحيلان عليه ذلك، والتمسك بما وقع من سيدنا عمر -رضى اللّه عنه- غير ناهض لأنها وقائع أحوال، فيجوز أنه احتف به أمور اقتضت المنع.

وحديث ابن شهاب لا يدل على أولوية الترك لجواز أن يكون الغرض منه دفع توهم أن مثل هذا التبرك يكفى علامة على محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاد أنه لابد في شعار محبته من اتباع أوامره عليه الصلاة والسلام كيف وقد ورد أنه عليه الصلاة والسلام دعا لخادمته لما شربت بوله وقال: "لن تلج النار بطنك" رواه الدارقطني وقال: هو حديث صحيح، وقد صح عن الربيع بن سليمان أن الإمام الشافعى -رضى اللّه عنه- كان يتبرك بغسالة ثوب الإمام أحمد رحمه الله كما ذكره صاحب "الطبقات الكبرى" في قصة طويلة، ولسنا نريد أن يكون لها منصب الدلالة، وأن تنخرط في سلك الحجاج فإن فيما سبق الكفاية، وإنما نريد مجرد الائتناس كما يقع من الإمام الغزالى وغيره. وفى الأثر:"سؤر المؤمن شفاء" وهذا لكونه أثرًا من آثار المؤمن لأنَّه مؤمن.

(وصفوة القول) أن الشارع أجاز لنا تعظيم ذوى الفضل من العلماء والصلحاء وأباح لنا احترامهم بحدود مخصوصة فلا بأس بهذا التبرك ما دام لم يخرج إلى الحد الذى تأباه الشريعة. فلا يجوز التبرك بدم غيره وبوله إذ لم يثبت طهارة ذلك بخلافه صلى الله عليه وسلم فإن الأصح طهارة فضلاته عليه الصلاة والسلام، قال به القاضى حسين وآخرون. وفى ذلك خلاف طويل ذكره الإمام النووى في "المجموع" الجزء الأول باب الآنية.

ص: 196

‌الذريعة وأقسامها

بقى أن الذريعة هى الوسيلة للشئ وهى ثلاثة أقسام: ما أجمع الناس على سده، وما أجمعوا على عدم سده، وما اختفلوا فيه. (فالمجمع) على سده كالمنع من سب الأصنام عند من يعلم أنه يسب اللّه تعالى حينئذ، وكحفر الآبار في طريق المسلمين إذا علم أو ظن وقوعهم فيها، وإلقاء السم في أطعمتهم إذا عدم أو ظن أنهم يأكلونها فيهلكون، (والمجمع) على عدم سده كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر، والتجاور في البيوت خشية الزنا، فلم يمنع شيء من ذلك ولو كان وسيلة للمحرم، والمختلف فيه كالنظر إلى المرأة؛ لأنَّه ذريعة للزنا بها، وكذلك الحديث معها.

ومن البدع الفاشية بين الناس الكتابة على القبور سواء فيها كتابة اسم الميت ونسبه أو غيرها وسواء كانت في لوح أو حجر يوضع عند رأسه أو غير ذلك كالستور التى توضع على أضرحة الأولياء والعلماء وخصوصًا كتابة القرآن فإنه لاشك في حرمته لتعريضه للامتهان والتنجيس من آثار الموتى، فقد روى أبو داود عن جابر -رضى اللّه عنه-:"أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تجصيص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه" واستثنى بعضهم من ذلك كتابة أسماء الأولياء والعلماء لأجل أن يزاروا ويحترموا.

ومن هذه البدع تجصيص القبور والبناء عليها في حريم القبر أو خارجه فيتناول البناء على نفس القبر أو بناء تحويطة وقبة عليه، ومن البناء التركيبة المعروفة، ومثل البناء ما يسمى بالتابوت والمقصورة وقد تغالت الأغنياء في وضع التراكيب وإبداع المقاصير حتى صار الغرض منها الزينة والتفاخر، وهان عليهما صرف الأموال في سبيل الشيطان وما هو من شعار الجاهلية التى فطم الشارع عنها. روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه:"أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تجصيص القبر وأن يبنى عليه" سواء أكان البناء في مقبرة مسبلة وهى ما اعتيد الدفن فيها عرف مسبلها أو لا، أم في مقبرة موقوفة، إلا إذا دعت ضرورة للبناء ارتكب بقدرها كأن يخشى نبش القبر من نحو آدمى أو سبع أو هدم سيل، قال الإمام الشافعى رحمه الله في "الأم": وأحب أن لا يزاد في القبر تراب من غيره، وإنما أحب

ص: 197

أن يُشخصَ على

وجه الأرض شبرًا أو نحوه، وأحب ألَّا يبنى ولا يجصص، فإذ ذلك يشبه الزينة والخيلاء وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة، وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك. انتهى. وإنما وجب الهدم لما في البناء من الزينة والخيلاء وإضاعة المال والتشبه بالجاهلية والتضييق على الناس وبالبناء يتأبد القبر بعد اندراس الميت فيحرم الناس من الدفن في تلك البقعة.

وقد أفتى جمع من العلماء بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية منهم العلامة ابن حجر، إذ قال في "الزواجر": وتجب المبادرة لهدم المساجد والقباب التى على القبور إذ هى أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لأنَّه نهى عن ذلك وأمر صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. اهـ. فينبغى لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام وكانت هذه الفتوى في عهد الملك الظاهر إذ عزم على هدم كل ما في القرافة من البناء كيف كان، فاتفق علماء عصره أنه يجب على ولى الأمر أن يهدم ذلك كله ويجب عليه أن يكلف أصحابها رمى ترابها في الكيمان.

* * *

‌غَرس الأشجار في الحيشان

ووجه الفتيا أبى قرافة مصر جميعها لا تخرج عن كونها موقوفة أو مسبلة ولا مساغ لاحتمال أن أحدًا من الناس وضع البناء بحق بأن كان في ملكه أو ملك غيره بإذنه، وقد صرحوا بأنه لا يجوز الانتفاع بالمقبرة المسبلة أو الموقوفة في غير الدفن (وعليه) فغرس الأشجار وإحداث البساتين داخل الحيشان من البدع المحرمة، فيجب قلع ذلك وإن تيقنا اندراس من بها، فإذا كانت القرافة مملوكة جاز ذلك بشرط أن لا يصل منه للأموات ضرر (هذا) وليس لأحد حفر قبر غيره حتى يأتى عليه مدة يعلم فيها انمحاق الميت جميعه بحيث يكون ترابًا.

(وعلى الجملة) لا يجوز بناء الحيشان والمساكن واتخاذ البساتين وإجراء المياه في المقابر، وكل ذلك بدع سيئة

ص: 198

واغتصاب لحقوق المسلمين وفيه من المفاسد

ما لا يغيب عن بصير، وليس لأحد أن يهيئ قبرًا ليدفن فيه إذا مات؛ لأنَّه تحجير على غيره ومن سبق إلى مباح كان أولى به، ويجوز له ذلك في ملكه لأنَّه لا غصب في ذلك وفيه تذكرة لمن أعد له، والسنة تهيئة القبر عقب الموت فما تدرى نفس بأى أرض تموت.

* * *

‌ستُور الأَضْرحَة

ومن البدع الستور التى توضع على الأضرحة ويتنافس فيها، والشيلان التى توضع كالعمامة على تابوت الأولياء والعلماء، فإن هذا مع ما فيه من صرف المال لغير غرض شرعى وفعل العبث وتضليل البسطاء من العامة على ما سيأتى، قد ورد ما يفيد النهى عنه صريحًا، ففىٍ الصحيحين عن عائشة -رضى اللّه عنها-: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزاة فأخذت نمطًا فسترته على الباب، فلما قدم رأى النمط فجذبه حتى هتكه ثم قال:"إن اللَّه لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين". والنمط: وزان حجر واحد الأنماط: وهى ضرب من البسط له خمل رقيق.

فالتعليل في الحديث إيماء إلى أن هذه الستور خلقت لينتفع بها الأحياء، فاستعمالها في ستر الجماد تعطل وعبث، ولكن خَدَمَةَ الأضرحة زين لهم الشيطان ذلك ليفتح لهم بابًا من الارتزاق الخبيث فتراهم إذا احتاجوا لتجديد ثوب التابوت لكل عام أو إذا بلى يوهمون العوام أن بها من البركة ما لا يحاط به وأنها نافعة في الشفاء من الأمراض ودفع الحساد وجلب الأرزاق والسلامة من كل المكاره والأمن من جميع المخاوف، فتهافتت عليها البسطاء وهان عليهم بذل الأموال في الحصول على اليسير منها، وكيف تقر البركة وهذه الستور على ما عهدت، وبناء القبور على ما علمت، ورفعها وتزيينها على ما سمعت.

إنا لا ننكر على الناس التبرك بآثار الصالحين من العلماء والأولياء، فقد تقدم أنه ثبت عن الصحابة -رضى اللّه عنهم- التبرك بآثار المصطفى صلوات اللّه وسلامه عليه، وكذا صح أن الإمام الشافعى كان يتبرك بغسالة قميص الإمام أحمد -رضى اللّه عنهما- يأخذ منها كل يوم يمسح على وجهه تبركًا

ص: 199

(ولكنا نقول) إن الآثار التى يتبرك بها يجب أن تكون من الآثار التى لا ينكرها الشرع ويصح أن تتحمل شيئًا من بركات صاحبها كاللباس والفرش والإناء، ألا ترى لو ذهب أحد في التبرك بولى إلى شرب بوله مثلًا كان آثمًا لنهى الشارع بخلاف بوله عليه الصلاة والسلام لطهارته عند من قال بطهارة فضلاته والمسألة خلافية كما سبق.

فواجب الخاصة من العلماء أن لا يخوضوا في مثل هذه البدع خشية أن يتوسل بها الشيطان إلى تضليل العوام، فإن من أهم الأمور سد ما هو ذريعة إلى هذا المحظور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما يؤول إليه ما نهى عنه، والخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.

وقد أنكر الصحابة -رضى اللّه عنهم- ما هو دون هذا بكثير كما روى غير واحد عن المعرور بن سويد أنه قال: "صليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}

(1)

، و {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ}

(2)

، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعًا فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها" أخرجه الإمام ابن الجوزى في "سيرة عمر"، وكذا لما بلغه أن الناس ينتابون شجرة البيعة أرسل فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون إليها فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة.

* * *

‌عرائض الشكوى وإلقاؤها داخل الأضرحة

ومن البدع ما يصنعه العامة من تقديم عرائض الشكوى وإلقائها داخل الضريح زاعمين أن صاحب الضريح يفصل فيها وربما كان المطلوب إلحاق الأذى بمسلم أو مسلمة، فعلى رجال الدين أن يبينوا لهم شرع الله تعالى، ومنازل أصحاب الأضرحة عنده، وإلى من ينبغى أن ترفع هذه الشكاوى.

ومن البدع اتخاذ المقابر مساجد بالصلاة إليها، فعن أبى مرثد كناز بن الحصين -رضى اللّه عنه- قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصلوا إلى القبور

ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم، وأبو مَرثد بفتح

(1)

[سورة الفيل: الآية 1].

(2)

[سورة قريش: الآية 1].

ص: 200

الميم واسمه كَناز بفتح الكاف وتشديد النون وآخره زاى، وعن أبى سعيد الخدرى -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" رواه أحمد وأبو داود والترمذى وغيرهم، وقال صلوات الله وسلامه عليه:"لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" متفق عليه.

والسر في ذلك أن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد ذكر ابن عباس -رضى اللّه عنهما -وغيره من السلف:"أن ودًا وسواعًا وأخواتهما كانوا قومًا صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم وكان هذا مبدأ عبادة الأصنام" أخرجه ابن جرير. ولهذه المفسدة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة مطلقًا إن لم يقصد الصلاة عندها، ووقت طلوع الشمس وعند استوائها، وعند غروبها؛ لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة للشمس فيها فنهى أمته عن الصلاة وإن لم يقصدوا ما قصد المشركون سدًّا للذريعة وبعدًا عن التشبه بعبدة الأوثان.

(وعلى الجملة) تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا، وكذا الصلاة عليها للتبرك والإعظام كما صرح به الإمام النووى في "شرح المهذب"، وليس معنى الإعظام أن تقصد أرباب القبور بالسجود فإنه كفر صراح، بل المعنى أنه بتحريه الصلاة للّه تعالى على هذا الوجه زاعمًا أنه أرجى للقبول عند اللّه تعالى ببركة صاحب الضريح يكون قد أعظم من شأن هذا الولى وهذا يقع كثيرًا من العامة.

* * *

‌بِنَاء المساجد على القُبُور

ومن هذه البدع بناء المساجد على القبور، ففى الحديث عن ابن عباس -رضى اللّه تعالى عنهما-:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" رواه أبو داود والترمذى وحسنه، وفى الصحيحين عن عائشة -رضى اللّه عنها-: أن أم سلمة ذكرت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية فذكرت ما رأته فيها وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "أولئك قوم إذا

ص: 201

مات فيهم العبد

الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللَّه" والسر فيه ما تقدم في اتخاذها مساجد.

ومن البدع الفاشية وقوف بعض الزائرين قليلًا بغاية الخشوع عند الباب كأنهم يستأذنون، ثم يدخدون وبعضهم يقف أمام القبر واضعًا يديه كالمصلى ثم يجلس، فهذا كله من البدع التى لم يشهد لها أصل ولا حال ولا أدب يقتضيه، وإذا له يشرع ذلك بالنسية لزيارة أشرف خلق اللّه عليه الصلاة والسلام فكيف بغيره!؟

ومنشأ هذه البدعة عمل الشيعة فإنهم عند زيارتهم للأئمة رضى اللّه عنهم ينادى أحدهم: أدخل يا أمير المؤمنين، أو يا بن بنت رسول اللّه عليه الصلاهّ والسلام أو نحو ذلك؟ ويزعمون أن علامة الإذن حصول رقة القلب ودمع العين وهذا ممَّا لم يعرف عن أحد من السلف، ولا ذكره أحد من الفقهاء، ولا يعد فاعله إلا مضحكة للعقلاء، وكون المزور حيًّا في قبره لا يستدعى الاستئذان في الدخول لزيارته.

وكذا ما ذكره بعض الفقهاء من أنه ينبغى للزائر التأدب مع المزور كما يتأدب معه حيًّا كما لا يخفى، فإن المراد منه التأدب في قربه بعده بالنسبة للمزور بقدر ما جرت به العادة في زيارتهم في الحياة تعظيمًا لهم وإكرامًا وعدم رفع الصوت عندهم. ولذا كان من البدع المكروهة ما عليه عامة زوار الأولياء من دقهم التوابيت وتعلقهم بها ونحو ذلك، فإن ذلك كله خلاف الأدب، والسنة التأدب في زيارتهم على ما علمت.

ومن هذا يعلم حال ما ذكره يعض الصوفية من أنه ينبغى لمن أراد زيارة قبور الأولياء قدس اللّه أسرارهم أن يقف بالباب على أكمل ما يكون من الأدب ويجمع حواسه ويعتمد بقلبه طالبًا الإذن ويجعل شيخه واسطة بينه وبين الولى المزور في ذلك فإن حصل له انشراح صدر ومدد روحانى وفيض باطنى فليدخل وإلا فليرجع. هذا هو أدب الزيارة عنده ولم نجد ذلك عن أحد من السلف الصالح. انتهى من الألوسى ملخصًا.

(ومن البدع) إهمال آداب الزيارة، فمن ذلك التسليم على صاحب القبر، بما كان يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة إذا خرجوا لزيارة

ص: 202

القبور، وقد تقدم أول الفصل، ثم يدنو من الميت دنوه منه حيًّا عند زيارته ولا يستلم القبر ولا يقبله، ثم يقوم في قبلة الميت ويستقبله بوجهه عند السلام عليه وعند الدعاء له يستقبل القبلة وهو مخير

في أن يقوم في ناحية رجليه إلى رأسه وقبالة وجهه، ثم يثنى على اللّه تعالى بما حضره من الثناء ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو للميت بما أمكنه وبالمأثور أحب، أن يجتهد في الدعاء له فإنه أحوج الناس إليه لانقطاع عمله. هذا هو المأثور عنه صلى الله عليه وسلم في زيارته لأهل البقيع، وإذا دعا اللّه عند هذه القبور في نازلة نزلت به أو بالمسلمين وتضرع إلى اللّه تعالى وحده في زوالها وكشفها عنه فلا بأس به.

(ويتصل) بهذا المقام أربع مسائل ينبغى للمرشد أن يكون فيها على بصيرة:

(المسألة الأولى): الرحلة لزيارة مشاهد الخير وقبور الصالحين من الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء بقصد التبرك بها والصلاة في المواضع الفاضلة (حرمها) قوم، منهم الجوينى شيخ إمام الحرمين والقاضى حسين من الشافعية والقاضى عياض من المالكية وشيخ الإسلاء ابن تيمية من الحنايلة، واستدلوا بما في الصحيحين من حديث أبى هريرة -رضى اللّه عنه- وأبى سعيد قال صلى الله عليه وسلم:"لا تشدوا الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصى" وبأن زيارة الأولياء بدعة لم تكن في زمن السلف، وبأن الرحلة إلى الزيارة تؤدى إلى ارتكاب كثير من المحظورات، كاختلاط الرجال بالنساء، وحضور أمكنة اللهو التى تقام عادة عند الولى المعتاد الرحلة إليه، وسماع الغناء الممنوع سماعه.

(وأجازها) قوم، منهم الإمام الغزالى، حيث قال: وما تبين لي أن الأمر ما ذكره هؤلاء الذين تمسكوا بالحديث "من حمل النهى على التحريم" بل الزيارة مأمور بها قال صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هُجْرًا" رواه مسلم. الهُجْر -بالضم-: الفحش، والحديث إنما ورد في المساجد (لأجل الصلاة فيها) وليس في معناها الْمَشَاهِد؛ لأن المساجد بعد المساجد الثلاثة متماثلة ولا بلد إلا وفيه مسجد، فلا معنى

ص: 203

للرحلة إلى مسجد آخر، وأما المشاهد فلا تتساوى، يل بركة زيارتها على قدر درجاتهم عند الله عز وجل.

(نعم) لو كان في موضع لا مسجد فيه فله أن يشد الرحال إلى موضع فيه مسجد وينتقل إليه بالكلية إن شاء، ثم ليت شعرى هل يمنع ذلك القائل من شد الرحال إلى قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل إبراهيم وموسى ويحيى وغيرهم، كقبر هود بحضرموت صلوات الله عليهم؟ فالمنع من ذلك في غاية الإحالة، فإذا جوز هذا فقبور الأولياء والعلماء والصلحاء في معناه فلا يبعد أن يكون

ذلك من أغراض الرحلة (المندوب إليها) كما أن زيارة العلماء في الحياة من المقاصد. انتهى بإيضاح.

(وحاصله) أن المانعين قاسوا الزيارة والرحلة إليها على الرحلة لغير المساجد الثلاثة وحجة الإسلام الغزالى أجاب بوضوح الفرق فإن ما عدا تلك المساجد الثلاثة متساوية في الفضل فلا فائدة في الرحلة إليها، وأما الأولياء فإنهم متفاوتون في القرب من اللّه تعالى ونفع الزائرين بحسب معارفهم وأسرارهما فكان للرحلة إليهم فائدة، أي فائدة، فمن ثم ندبت الرحلة إليهم للرجال فقط بقصد ذلك.

وأجابوا عن الدليل الثانى للمانعين بأنه على تقدير التسليم فليس كل بدعة مذمومة، بل قد تكون حسنة على ما لا يخفى.

وأجابوا عن الدليل الثالث بأن الزائر إن لم يتيسر له الزيارة إلا مع وجود تلك المفاسد فالقربات لا تترك لمثل ذلك، بل على الإنسان فعلها وإنكار البدع، بل وإزالتها إن أمكنه، وإن تيسرت الزيارة مع عدم المفاسد فتارة يقدر على إزالة كلها أو بعضها فيتأكد له الزيارة مع وجود تلك المفاسد ليزيل منها ما قدر عليه، وتارة لا يقدر على إزالة شيء منها، فالأولى، بل الواجب الزيارة في غير زمن تلك المفاسد ألا ترى أن الأئمة لم يمنعوا نحو الطواف والوقوف بعرفة أو مزدلفة والرمى مع أن فيما ذكر اختلاطًا، أي اختلاط، وإنما منعوا نفس الاختلاط لا غير، ويمكنه أن يحضر لا يخالط -أفاده ابن حجر- وأنت خبير بأن موالد الأولياء اليوم مملوءة بالمنكرات وأن أعظم المرشدين لا يقدرون على إزالتها أو شيء منها. فالواجب ألا يزور في زمن تلك المفاسد.

ص: 204

وإليك شرح هذا الحديث لتكون في المقام علي تمام البصيرة: "لا تشد الرحال" على صيغة المجهول نفى بمعنى النهى: أي لا تشدوا الرحال، رهو أبلغ من صريح النهى كأنه قال: لا يستقيم شرعًا أن يقصد بالسفر إلا هذه البقاع، لما اختصت به من المزايا التى شرفها اللّه تعالى بها، والرحال بالحاء المهملة: جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس وهو أصغر من القتب، وشد الرحال كناية عن السفر؛ لأنَّه لازم للسفر، ووقع في رواية لمسلم "تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد" من غير حصر. وليس في هذه الرواية منع شد الرحال لغيرها إذ العدد لا مفهوم له

عند الجمهور، والتعبير بشد الرحال خرج مخرج الغالب في ركوب المسافر فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشى في هذا المعنى.

ويدل له قوله في بعض طرقه في الصحيح: "إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد" أخرجه مسلم.

وقوله: "إلا إلى ثلاثة مساجد": استثناء مفرغ وتقدير الكلام لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان (فإن قيل) فعلى هذا يلزم ألا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى فلا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل عليه السلام مثلًا؛ لأن المستثنى منه في المفرغ لابد أن يقدر أعم العام.

(أجيب) بأن المراد بأعم العام ما يناسب نوعًا ووصفًا.

كما إذا قلت: ما رأيت إلا زيدًا كان التقدير ما رأيت رجلًا أو أحدًا إلا زيدًا لا ما رأيت شيئًا أو حيوانًا إلا زيدًا. فهاهنا تقديره لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة: "المسجد الحرام" المحرم بالجر بدل من الثلاثة والرفع خبر لمحذوف تقديره هى المسجد الحرام "ومسجدى هذا والمسجد الأقصى" سمى به لبعده عن المسجد الحرام.

ومنه يستفاد فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأن المسجد الحرام قبلة الناس وإليه حجهم، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أسس على التقوى، والمسجد الأقصى كان قبلة الأمم السالفة، وفيه النهى عن شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة لكن اختلفوا على أي وجه فقال النووى: معناه لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد ما غير هذه الثلاثة ونقله عن جمهور العلماء. وقال ابن بطال: هذا الحديث إنما هو

ص: 205

عند العلماء فيمن نذر على نقسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة.

قال الإمام مالك رحمه الله: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا براحلة فإنه يصلى في بلده إلا أن ينذر ذلك في مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس فعليه السير إليها، وقال ابن بطال: وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعًا بذلك فمباح إن قصدها بأعمال المطى وغيره، ولا يتوجه إليه الذى في هذا الحديث.

وله محامل أخرى أحسنها أن المراد منه حكم المساجد فقط وأنَّه لا يشد الرحل إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه، فأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب

العلم وزيارة الصالحين والمشاهد وزيارة الإخوان، وفى التجارة والتنزه وما إلى ذلك فليس داخلًا في النهى، وقد رد ذلك مصرحًا به في بعض طرق الحديث في "مسند أحمد" من حديث أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه وذكر عنده صلاة في الطور فقال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغى للمصلى أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا" وإسناده حسن وهو ما درج عليه حجة الإسلام الغزالى فيما سبق عنه.

(وصفوة القول) أن السفر إلى أي مسجد غير هذه الثلاثة للصلاة فيه منهى عنه، أما هذه الثلاثة فلا، لما لها من المزايا، وأن من نذر إتيان المساجد الثلاثة لزمه ذلك عند الإمام مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الإمام الشافعى في "الأم": يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به، بخلاف المسجدين الآخرين، وهذا هو المنصوص عليه لأصحابه.

أما من نذر إتيان غيرها لصلاة، أو أعتكاف لا يلزمه؛ لأنَّه لا فضل لبعضها على بعض فتكفى صلاته مثلًا في أي مسجد كان، وهو كالمجمع عليه، على ما قال الإمام النووى.

وأما السفر لزيارة الأنبياء، والأولياء، والعلماء، والشهداء والصالحين فخارج عن موضوع الحديث، واللّه تعالى ولى التوفيق والهداية.

(المسألة الثانية): إلاستعانة بالمخلوق، بهذا الاستعانة به إن كان ذلك فيما يقدر عليه نحو الحيلولة بينه وبين عدوه ودفع الصائل عنه من لص أو

ص: 206

سبع، كأن يحمل معه متاعه أو يعلف دابته ونحو ذلك مما يجرى فيه التعاون والتعاضد بين الناس فلا ريب في جوازهما إذا كان ذلك مع اعتقاد أن لا مغيث ولا معين على الإطلاق إلا اللّه تعالى، وإذا حصل شيء من ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه.

أما ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى فلا يستغاث فيه إلا به كغفران الذنوب، والهداية، وشفاء المريض، وإنزال المطر، والرزق كما قال تعالى: {

وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ

}

(1)

، وقال: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ

}

(2)

.

والاستغاثة: طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالاستنصار: طلب النصرة فلا يكون إلا عند الشدائد بخلاف الاستعانة فإنها طلب المعونة في شدة أو غيرها، ومن هذا القبيل قوله تعالى:{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}

(3)

، وقوله:{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ}

(4)

، وقوله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}

(5)

وبما ذكر علمت أن الاستغاثة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى لا تجوز فإنها دعاء والدعاء عبادة، بل مخ العبادة وغير اللّه تعالى لا يعبد.

(المسألة الثالثة): الاستشفاع، وهو طلب الشفاعة من الغير بمعنى سؤال فعل الخير من الغير للغير على سبيل الضراعة فلا نزاع فيه لأحد من المسلمين إلا الشفاعة لأهل الكبائر عند المعتزلة والخوارج (فإنه) ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو الشافع المشفع، وأنَّه يشفع للخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربه. قال صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلى: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، وأعطيت الشفاعة، وكل نبى بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" متفق عليه من حديث جابر. وفى "سنن أبي داود": أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نستشفع باللّه عليك ونستشفع بك على اللّه، فقال: "شأن اللَّه أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من

(1)

[سورة آل عمران: الآية 135].

(2)

[سورة القصص: الآية 56].

(3)

[سورة القصص: الآية 15].

(4)

[سورة الأنقال: الآية 72].

(5)

[سورة المائدة: الآية 2].

ص: 207

خلقه" فأقره على قوله: "نستشفع بك على اللَّه" وأنكر عليه قوله: "نستشفع باللَّه عليك".

(وجملة القول فيه) أن في القرآن الكريم آيات ناطقة بنفى الشفاعة مطلقًا كقوله تعالى في وصف يوم القيامة: {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ}

(1)

، وأخرى ناطقة بنفى منفعة الشفاعة كقوله عز وجل:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}

(2)

، وآيات تقيد النفى بمثل قوله تعالى:{إِلَّا بِإِذْنِهِ}

(3)

، وقوله:{إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}

(4)

فمن الناس من يحكم الثانى بالأول، ومنهم من يرى أنه

لا منافاة بينهما فنحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر؛ لأن مثل هذا الاستثناء معهود في أسلوب القرآن في مقام النفى القطعى للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته كقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}

(5)

، وقوله:{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ}

(6)

فليس في القران نص قطعى في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث الصحيح يإثباتها فما معناها؟

الشفاعة المعروفة عند الناس هى أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره -حكم به أم لا- فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع. أما الحاكم المعادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به؛ وأما الحاكم الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشئ وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه، ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة.

وكل من النوعين محال على اللّه تعالى لأن إرادته تعالى على حسب علمه، وعلمه أزلى لا يتغير، فما ررد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضى مذهب السلف بالتفويض والتسليم، وأنها مزية يختص اللّه بها من يشاء يوم القيامة، عمر عنها بلفظ (الشفاعة) ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه اللّه جل وعلا عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفى. (ومذهب الخلف) حمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه اللّه تعالى والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا.

في الصحيحين وغيرهما: " أن النبي صلى الله عليه وسلم يسجد يوم القيامة

(1)

[سورة البقرة: الآية 254].

(2)

[سورة المدثر: الآية 48].

(3)

[سورة البقرة: الآية 255].

(4)

[سورة الأنبياء: 28].

(5)

[سورة الأعلى: الآيتان 6، 7].

(6)

[سورة هود: الآية 107].

ص: 208

ويثنى على اللّه تعالى بثناء يُلْهَمُهُ يومئذ فيقال له: ارفع رأسك وسَل تُعطَهْ وَاشفع تُشَفَّع" وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن اللّه تعالى يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هى إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه، وليس فيها أيضًا ما يقوى غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اتكالًا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله للّه وأنَّه لا ينفع أحدًا في الآخرة إلا طاعته ورضاه {فَمَا تَنْفَعُهُمْ

شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ}

(1)

{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}

(2)

أفاده الأستاذ الإمام.

(المسألة الرابعة): التوسل إلى اللّه تعالى بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه. أجاز بعضهم إذا كان بمعنى الشفاعة لما في صحيح البخارى: "أن عمر ابن الخطاب -رضى اللّه عنه- استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" فلا يخفى أن توسلهم به هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه فهو شفيع لهم وسائل لا مسئول، وأجازه بعضهم وإن لم يكن بمعنى الشفاعة، بل بمعنى التوسل بجاه الوسيلة نحو القسم على اللّه بنبيه صلى الله عليه وسلم إلا أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام خصه به صلى الله عليه وسلم للحديث الصحيح: أن أعرابيًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إنى أصبت في بصرى فادع الله لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد يا محمد إنى أستشفع بك في رد بصرى اللهم شفعه في"، وقال:"فإن كان لك حاجة فمثل ذلك" فرد اللَّه بصره. أخرجه النَّسَائِيّ والترمذى وصححه وابن ماجه وغيرهم فعلم منه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شفع له، فسأل اللّه أن يشفعه فيه، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ ابن عبد السلام التوسل به صلى الله عليه وسلم من المنع الذى أفتى به حيث قال: وهذا ينبغى أن يكون مقصورًا على النبي صلى الله عليه وسلم لأنَّه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على اللّه بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص

(1)

[سورة المدثر: الآيتان 48، 49].

(2)

[سورة الأنبياء: الآية 28].

ص: 209

به لعلو درجته ومرتبته، وفيه نظر الأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل ولا يكفى فيها الاحتمال لأنها خلاف الأصل كما تقدم آنفًا.

وبما تقدم يتضح لك أن المستغيث بإنسان طالب منه سائل له، بخلاف المتوسل به فليس مطلوبًا منه ولا مسئولًا وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به.

وجملة الأمر أنه مسألة كثر فيها الكلام وطال النزاع بين الإمام السبكى وشيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية رحمهما اللّه وأتى كل منهما بأدلة أيد فيها رأيه ورد أدلة الآخر، ولكل من الشيخين أشياع وأنصار تتلاحى وتتشاتم حتى صارت بابًا من

أبواب الفتنة والتفريق بين جماعة المسلمين، ونحن إلى الوفاق والوئام أحوج منا إلى الهواء والغذاء، وبسط الكلام فيها ممَّا لا يحتمله هذا المختصر فاكتفينا بهذا الإجمال.

وأما التوسل إلى اللّه تعالى يعمل العبد نفسه فلا خلاف بينهم في جوازه لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}

(1)

. قال العلماء: الوسيلة الشرعية هى صالح العمل لقوله تعالى في بيان صفات المتقين الفائزين بهذه الكرامات السنية: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}

(2)

فإنهم رتبوا طلب المغفرة والوقاية من النار على الإيمان، والمراد به الإيمان الصادق الذى تصدر عنه آثاره من عمل الطاعات وترك المعاصى، وهذا لا شك توسل منهم بالإيمان وصالح العمل في مقام الضراعة إلى اللّه تعالى.

وقوله تعالى في بيان أحوال أولى الألباب السليمة والعقول الصحيحة: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}

(3)

. المنادى: رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه، وأولوا الألباب الموصوفون بما ذُكِرَ هم السابقون من أصحابه، ومن تبعهم في ذلك له حكمهم، والذنب: كل عمل تسوء عاقبته في العاجل والآجل من المعاصى كلها سواء منها ما يتعلق بحقوق اللّه وما يتعلق بحقوق العباد، والسيئة: الفعلة القبيحة التى تسوء صاحبها أو تسوء غيره عاجلًا أو آجلًا، فهى عامة أيضًا، وغفر الذنوب: سترها وعدم المؤاخذة عليها ألبتة، وتكفير السيئات: حطها وإسقاطها، والمراد بالإيمان:

(1)

[سورة المائدة: الآية 35].

(2)

[سورة آل عمران: الآية 16].

(3)

[سورة آل عمران: الآية 193].

ص: 210

الإذعان الذى وقر في النفس وصدقه العمل، فإنهم رتبوا غفر الذنوب وحط السيئات على إجابة الداعى إلى الإيمان بالإيمان وصالح العمل؛ وهذا أيضًا توسل بالطاعات وأصلها في مقام الابتهال إليه سبحانه وتعالى.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى اللّه تعالى بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة، فعن ابن عمر -رضى اللّه عنهما- قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم

الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا اللَّه بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا فنأى بى طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدى أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاوغون عند قدمى فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منه.

وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلى، فأردتها على نفسها فامتنعت منى حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتنى فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلى بينى وبين نفسها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق اللَّه ولا تفض الخاتم إلا بحقه فانصرفت عنها وهى أحب الناس إلى وتركت الذهب الذى أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.

وقال الثالث: اللهم إنى استأجرت أُجُرَاء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذى له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءنى بعد حين، فقال: يا عبد اللَّه أد إلى أجرى، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد اللَّه لا تستهزئ بى، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا، اللهم إن كنت

ص: 211

فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون" متفق عليه. أغْبق بفتح فسكون فكسر: أي ما كنت أقدم عليهما في شرب نصيبهما من اللبن أقارب ولا رقيقًا، والغبوق كصبور ما يشرب بالعشى، وأُرح بضم الهمزة وكسر الراء: أرجع، من أراح رباعيًّا، ويتضاوغون: يضجون من الجوع. فهذا الحديث صريح في أن توسل العبد بعمل نفسه إلى مولاه ينفعه عند الشدة.

(وصفوة القول) أن لفظ التوسل يراد به معان ثلاثة:

(الأول): التقرب إلى اللّه تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا واجب لا يكمل الإيمان إلا به.

(الثانى): التوسل إليه سبحانه بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه وذلك كان في حياته ويكون في عرصات القيامة.

(الثالث): التوسل به صلى الله عليه وسلم بمعنى الإقسام على اللّه بذاته، فهذا لم يقع من الصحابة -رضى اللّه عنهم- في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد موته لا عند القبر الشريف ولا غير القبر ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة المأثورة عنهم، وما يروى في ذلك فضعيف لا يصلح حجة في باب العقائد، وأن الوسيلة في الآية هى ما يتوصل به إلى رضاء اللّه تعالى والقرب منه ونيل الثواب في الآخرة من فعل الطاعات وترك المعاصى واللّه الموفق.

ومن هذا تعلم أن المقصود في كل ذلك هو اللّه عز وجل وغيره شفيع فقط إذا أذن اللّه له، وقد يغفل عن هذا العوام فتراهم إذا نزل بهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر تركوا دعاء اللّه تعالى ودعوا غيره فينادون بعض الأولياء كسيدى أحمد البدوى وسيدى إبراهيم الدسوقى والسيدة زينب -رضى اللّه عنهم- معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء، وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا اللّه وحده ينجو من تلك الشدائد.

ولا ريب أن السبب الأعظم الذى نشأ عنه هذا الاعتقاد وهذه الغفلة هو ما زينه الشيطان للناس من رفع القبور، وبناء القباب، وصنع المقاصير وعمل التوابيت، ووضع الستور عليها وتزيينها بأبلغ زينة وتحسينها على أكمل وجه، فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور

ص: 212

قد بنيت عليه قبة فدخلها ونظر على القبور والستور الرائعة، والسرج المتلألئة وقد صدعت حولها مجامير الطيب فلا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيمًا لصاحب هذا القبر ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الولى من المنزلة ويدخله من الروع والمهابة ما يغرس في قلبه من العقائد الوهمية التى هى من أعظم مكايد الشيطان للمسلمين وأشد وسائله إلى إضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلًا قليلًا، حتى يطلب من صاحب هذا القبر ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى، وهذا عين الضلال.

وقد يجعل الشيطان طائفة من بنى آدم (شياطين الإنس) يقفون على ذلك القبر يخدعون من يأتى إليه من الزائرين يهولون عليهم الأمر ويصنعون أمورًا من أنفسهم وينسبونها إلى صاحب الضريح على وجه يخفى على البسطاء.

وقد يختلقون من حكايات الكرامات له ما اللّه أعلم به ويبثونها في الناس ويكررونها في مجالسهم فتشيع وتستقيض، ويتلقاها بقلب سليم من يحسن الظن بهم وبأصحاب الأضرحة، ويقبل عقله ما يروى عنهم من الأكاذيب فيرويها كما

سمعها، ويتحدث بها في مجالسه فيقع البسطاء في بلية عظيمة من الاعتقاد، ويزعم كثير من قصار النظر أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء ورد الضائع وغير ذلك ممَّا يكَون في عالم الكون والفساد، على معنى أن اللّه تعالى فوض إليهم ذلك لما لهم عنده من الجاه الأعلى والمقام الرفيع الأسمى فلهم ما يشاءون ومن قصدهم لا يخيب.

وتراهم لهذا يرفعون لهم شكواهم في عرائض مكتوبة يضعونها في الأضرحة وربما كان صاحب هذا الضريح في حال حياته لا يستطيع الأخذ بناصر المظلوم ولكن الناس بعد الممات يجعلون له التصرف في الملك والملكوت. وقد قال عيسى عليه السلام: {

وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}

(1)

.

(نحن لا ننكر) أن اللّه تعالى قد يكرم من شاء من أوليائه بعد الموت كما يكرمه قبله بما شاء فيبرئ سبحانه المريض وينقذ الغريق وينصر

(1)

[سورة المائدة: الآية 107].

ص: 213

على العدو ويرد الضائع وغير ذلك كرامة له، فإن الكرامة من قبيل الجائز عقلًا. وقد وقعت لأناس ونطق بوقوعها الكتاب العزيز في شأن الذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها، ومريم، وأصحاب الكهف، والذى عنده علم من الكتاب. وثبت أيضًا بالآثار الصحيحة لبعض الصحابة والتابعين والسلف الصالح من بعدهم رحم اللّه الجميع.

* * *

‌الفصل الثالث في بدَع الجَنَائز والمَآتِم

نحن لا نطيل الكلام فيما يقع من النساء في الجنائز والمآتم فإن قبحه صار معروفًا للعامة والخاصة حتى أصبحت النساء من الأمراض التى أعيت أطباء الناصحين، وصِرْنَ أكبر عون للشيطان على تنفيذ كل ما يمليه عليهن من عادات الجاهلية في الندب والنياحة وشق الجيوب ولطم الخدود وصبغ الوجوه والأيدى بالنيلة ورفع الأصوات والتكلم بكلمات الكفر والتسخط على القدر والاعتراض على اللّه تعالى وهو القاهر فوق عباده إلى غير ذلك من قبائحهن المشهورة.

ويطلن في ذلك ويعاودنه يومًا بعد يوم لاسيما ما يصدر منهن عند خروج الروح، وعند دخول المغسل، وحال إخراج الميت من البيت للدفن. وقد يخرجن مكشوفات العورات رافعات الأصوات بكل قبح خلف الجنازة حتى يدفن ويرجعن على مثل ذلك وأكثرهن متبرجات، ثم يعقب ذلك خروجهن إلى القبور بدعوى الزيارة فيقع منهن ما يقع من المفاسد ولاسيما في المواسم كأول رجب ونصف شعبان وأيام العيدين وبياتهن في القبور كما سبق في بدع المقابر.

ولا يخفى أن كل ذلك من الكبائر يغضب اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو مانع من حضور الملائكة ونزول الرحمات، مضاد للشريعة وما كان عليه السلف الصالح ونص عليه أئمة الدين.

* * *

‌ما ينبغى أن يُقَال عِند الموت وما لا ينبغى

اعلم أنه يطلب من ولى المحتضر أن لا يترك أحدًا يرفع صوته حوله، وأن يمتثل أوامر الشرع حين نزول الأمر به فيقول ما ورد في سنة المصطفى

ص: 214

صلوات اللّه وسلامه عليه، فعن أم سلمة -رضى اللّه عنها- قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" فلما مات أبو سلمة أتيت

النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات، قال:"قولى: اللهم اغفر لي وله وأعقبنى منه عقبى حسنة"، فقلت ذلك فأعقبنى الله من هو خير منه محمدًا صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود والترمذى النَّسَائِيّ وابن ماجه.

وعن أم سلمة رضي الله عنها أيضًا قالت: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم اأْجُرْنى في مصيبتى وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره اللَّه تعالى في مصيبته وأخلف له خيرًا منها"، قالت: فلما مات أبو سلمة قالت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنى قلتها فأخلف الله لي خيرًا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم وأبو داود النَّسَائِيّ والترمذى. اأجرنى بالقصر والمد أكثر أهل اللغة أنه مقصور، وأخلف بقطع الهمزة وكسر اللام يقال: أخلف له وأخلف عليه إذا أعطاه عوضه وبدله، أجره الله بنصر الهمزة ومدها والقصر أفصح وأشهر -كما سبق- ومعنى أجره الله: أعطاه أجره وجزاء صبره وهمه في مصيبته.

وقال رسول الله صلوات الله تعالى وسلامه عليه: "من استرجع عند المصيبة جبر اللَّه مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفًا يرضاه" رواه الطبرانى في "الكبير"، وعن أبى موسى -رضى اللّه عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا مات ولد العبد قال اللَّه تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدى فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدى؟ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول اللَّه تعالى: ابنوا لعبدى بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد" رواه الترمذى وحسنه وابن حبان في صحيحه، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة وهى تبكى على صبى لها فقال لها: "اتقى الله واصبرى"، فقالت: وما تبالى بمصيبتى، فلما ذهبت قيل لها:

ص: 215

إنه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال:"إنما الصبر عند أول صدمه"، أو قال:"عند أول الصدمة" رواه مسلم، ومعناه: الصبر الكامل الذى يترتب عليه الأجر الجزيل لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدمة: الضرب في شيء صلب ثم استعمل مجازًا في كل مكروه حصل بغتة.

وعلى الولى أن يمنع النساء من الوقوع فيما لا ينبغى خوفًا من الوقوع في النهى الصريح، فقد روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى عن عبد الله بن مسعور

رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية"، وروى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى -رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه وسنداه

(1)

إلا وكل الله به ملكين ينتهرانه ويقولان له: أهكذا كنت .. "، وروى البخارى عن النعمان بن بشير قال: "أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى وتقول: واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا وقيل لي: كنت كذا، فلما مات لم تبك عليه".

وعلى من رأى أحدًا يرتكب نحو ذلك أن يمنعه بلين ورفق، فإن لم يرجع أقام عليه سطوة الشرع ولا يتركه لأجل ما ينزل به؛ لأن الشرع قرر ما قرر فيه بقوله عليه الصلاة والسلام:"فإذا وجبت فلا تَبكينَّ باكية" أي فلا يتعدى ما حده عليه الصلاة والسلام، ووجبت: مات، والحديث محمول على رفع الصوت أو مخصوص بالنساء لأنَّه قد يفضى بكاؤهن إلى النياحة فيكون من باب سد الذرائع فلا يعارض ما يأتى من جواز البكاء الخالى من الندب ورفع الصوت قبل الموت وبعده.

ومعلوم أن السنة عند الاحتضار السكون وتطييب الميت إكرامًا للقاء الملائكة، وأن يحضره إذ ذاك أهل الخير والصلاح من الأهل والأصحاب فيلقنونه كلمة التوحيد برفق لحديث:"لقنوا موتاكم لا إله إلَّا الله" أي من قرب موته، رواه أصحاب السنن إلا البخارى. والمراد ذكروه (لا إله

(1)

ومثله قول نساء اليوم: يا سبعى، يا على، يا سندى، ونحو ذلك.

ص: 216

إلَّا الله) لتكون آخر كلامه، لحديث:"من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة" رواه أحمد وأبو داود، ولا ينبغى للملقن أن يقول له: قل: لا إله إلَّا الله إلى آخره أو يلح عليه بذلك لئلا يضجر لشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق.

والسنة أيضًا عند الاحتضار الإكثار من الدعاء للميت والحاضرين سرًّا لأن الملائكة يحضرون ويؤمنون على دعاء الداعى، وقراءة سورة يس والرعد، فقد أخرج ابن أبي شيبة المروزى عن جابر بن زيد قال: كان يستحب إذا حضر الميت أن يقرأ عنده سورة الرعد، فإن ذلك يخفف عن الميت، وأنَّه أهون لقبضه وأيسر لشأنه، ويستحب أيضًا سورة يس بعد الموت، فإن الميت لبقاء إدراك روحه كالحى بالنسبة

لسماع القرآن وحصول بركته له، وإذا صح السلام عليه فالقراءة عليه أولى، لكن العامة تعتقد أنه لولا قراءة إلإخلاص لا تصعد روحه إلى السماء، فيتأكد بيان أن ذلك خطأ.

(ومن ذلك بدعة الإسعاد) وهى من عوائد الجاهلية في مآتمهم وقد نهى عنها الدين الحنيف ولكنها أعيدت هذه الأزمان وانتشرت بين النساء حتى صارت من السنن المألوفة، فتراهن يسرعن لمساعدة صاحبة الميت في النوح والبكاء ولا يعرفن في التعزية غرضًا سوى ذلك، وتصير المساعدة دينًا في ذمة المرأة المصابة، ترى وجوب تأديته لكل من ساعدها، وذلك محظور ينهى عنه الشارع، روى النَّسَائِيّ عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على النساء حين بايعهن ألا ينحن، فقلن: يا رسول الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا إسعاد في الإسلام". والإسعاد: إعانة النساء بعضهن بعضًا في النياحة بموت الميت، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفى أرض غربة لأبكينه بكاء يتحدث عنه فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدنى فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتريدين أن تدخلى الشيطان بيتًا أخرجه الله منه"(مرتين) فكففت عن البكاء فلم أبك. رواه مسلم. غريب وفى أرض غربة معناه: أنه من أهل مكة

ص: 217

ومات بالمدينة، والمراد بالصعيد هنا: عوالى المدينة، وأصل الصعيد في اللغة: وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لا، قاله الخليل وابن الأعرابى والزجاج. قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة.

ومن البدع أن يأنف الإنسان من حمل الجنازة حتى صار هذا في الأمصار شعار طائفة من الحانوتية مع أنه لا دناءة في حملها، بل هو مكرمة وبر فعله النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة فمن بعدهم (ومن هذا أيضًا) نفرة الناس من تغسيل الميت حتى أصبح لا يتولى أمره إلا قوم اتخذوا تغسيل الميت وحمله حرفة لهم وهم فسقة جهلة بواجبات الغسل وسننه، وكيف النفرة منه وهو من الأمور الأربعة التى تجب على الحى في حق أخيه المسلم وهى تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه على ما هو معلوم في الفروع.

والسنة في الغاسل ومن يعينه أن يكون أمينًا ومن أهل الديانة، فعن على -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من غسل ميتًا وكفنه، وحنطه، وحمله،

وصلى عليه، ولم يفش عليه ما رأى خرج من خطيئته مثل ما ولدته أمه" رواه ابن ماجه، ولم يكن للسلف الصالح رضوان الله عليهم غاسل ولا حمال بأجرة، بل كانوا يغسل بعضهم بعضًا ويحمل بعضهم بعضًا فيتزاحمون على النعش ابتغاء الثواب ورضوان الله.

ومن البدع المذمومة التى تخالف الشرع الشريف، وتنافى قوانين الاقتصاد المغالاة في الكفن فيبتاعون منه ما غلا ثمنه ودقت صنعته، وربما كانوا يضنون به عليه أيام حياته، ويتسلون في هذا الإسراف الذميم بقولهم: ذهب الغالى فلا أسف على الرخيص، وتلك حجة داحضة واهية لا يحتاج في أدحاضها إلى تفكير.

السنة في الكفن: أن يكون ت من ثياب القطن البيضاء، وأن تكون ثلاثة فقط، روى مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها "إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة". سحولية بفتح السين وضمها: نسبة إلى سحول بلدة باليمن تجلب منها الثياب، والكرسف: القطن. وعن على -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول الله

ص: 218

- صلى الله عليه وسلم: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبًا سريعًا" رواه أبو داود، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"البسوا من ثيابكم البياض وكفنوا فيها موتاكم" رواه الإمام البغوى في "المصابيح"، وروى البخارى وأبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما:"يحرم التكفين في شيء من الحرير فإنه إسراف ومغالاة، وقد نهينا عن المغالاة فيه".

والسنة تحثنا على الاهتمام بعيادة المريض وتشييع الجنائز في أدب وخشوع، فعن البراء بن عازب -رضى اللّه عنهما-:"أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعى، وإفشاء السلام" متفق عليه، وروى إبرار القسم كأن حلف إنسان على أن تعمل له عملًا، فالسنة أن تعمله لتبر قسمه، عن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:"حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" متفق عليه، وعن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حق المسلم على المسلم ست"، قيل: وما هن

يا رسول اللّه؟ قال: "إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" رواه مسلم والترمذى والنسائى ابن ماجه "وحق المسلم": أي الأمر المتأكد للمسلم على مثله، والعدد في الحديثين لا مفهوم له، وعن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة" رواه أحمد والبزار وابن حيان في صحيحه، وعن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضًا ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا" رواه الترمذى وحسنه، وعنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها

ص: 219

فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان؟ قات: "مثل الجبلين العظيمين" متفق عليه، وفى رواية البخارى: "من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أُحد، ومن يصلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" إلى غير ذلك ممَّا يؤكد هذه المجاملات التى تجمع القلوب وتغرس فيها المحبة والوئام، والتى في إهمالها تفرق القلوب وانطواؤها على العداوة والبغضاء، ولعيادة المريض آداب سيأتى بيانها في بدع المعاشرة والعادات.

ومن البدع قول البعض عقب الصلاة عليها بصوت مرتفع: ما تشهدون فيه؟ فيقول الحاضرون كذلك (كان من الصالحين) ونحوه فإن ذلك الاستشهاد لم يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد القرون المشهود لهم بالخير، ولأنه مدعاة للإخبار بالكذب، فإن جوابهم على هذا الاستشهاد مطرد بأنه من أهل الخير حتى في الأموات المعروفين بالفسق المجاهرين بالفجور وهؤلاء الأولى حينئذ ذكرهم بالشر للتحذير من طريقهم والاقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم وما ورد من النهى عن سب الأموات فهو في غير المنافق والكافر، وفى غير المجاهرين بفسق أو بدعة (وإنما) الذى وقع في زمنه صلى الله عليه وسلم أنه مر بجنازة فأثنى عليها بخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض". وأصل الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: مر بجنازة فأثنى عليها بخير فقال نبى اللّه صلى الله عليه وسلم: "وجبت وجبت وجبت"، ومر بجنازة فأثنى عليها بشرٍّ،

فقال نبى الله صلى الله عليه وسلم: "وجبت وجبت وجبت"، فقال عمر: فداك أبى وأمى مر بجنازة فأثنى عليها بخير فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثنى عليها بشر فقلت: وجبت وجبت وجبت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض" رواه البخارى ومسلم واللفظ له.

أما طلب الشهادة والإجابة عنه فلم يعهد، ثم إن هذا الحديث محمول

ص: 220

على ما إذا طابق الثناء الواقع أو لم يكن الميت معلومًا حاله، الأن من استحق إحدى الدارين لا يصير من أهل غيرها بقول مخالف للواقع وكل نفس بما كسبت رهينة.

ومن البدع الطواف بها حول الأضرحة كضريح الإمام الحسين والسيدة زينب -رضى اللّه عنهما-، ثم يوقف بها عند باب الضريح ويأتى خادمه يقول كلمات كالمستشفع لها عند صاحب الضريح فهذا لم يعهد عن الشرع وأهله، وقد يجر إلى إفساد عقائد العامة مع ما فيه من فوات الإسراع بالدفن. ومثل ذلك الطواف بها حول القرية أو السير بها من أبعد الطرق إلى المقابر مع الهوينا والسنة إكرام الميت بالتعجيل، ففى سنن أبى داود: أن طلحة بن البراء بن عازب -رضى اللّه عنهما- مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال: "إنى لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنونى به وعجلوا به فإنه لا ينبغى لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهرانى أهله"، وفى الصحيحين عن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم". قد ورد: "لا تدبوا بها كدبيب اليهود".

ومن البدع الإضافية ما يقع من حملة القرآن في قرى مصر من قراءة العشر عند وضع الجنازة في المسجد قبل الصلاة عليها فإن ذلك لم يكن على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا عهد السلف الصالح من بعده مع ما فيه أيضًا من تفويت سنة الإسراع بالدفن.

ثم إن الجنائز اليوم صارت من مواطن الافتخار والرياء فترى أهل الميت يجتهدون أن يكون المشهد محل إعجاب الناس وحديثهم، ومن هنا سهل على الشيطان أن يزين لهم كثيرًا من البدع وأن يتبعوا في جنائزهم سنن اليهود والنصارى فيسيرون بها على نظام محكم، وربما جئ بطائفة من الجند أو بقوم لهم زى خاص

يحملون المجامر والآباريق (القماقم) أو بجماعة يسكنون التكايا من الأكراد والجراكسة، وربما جاءوا بآلات الملاهى تضرب لهم أمام الجنازة بألحان الحزن، فانظر إلى غرض الشارع من تشييع الجنازة وهو الاتعاظ والاعتبار بالموت

ص: 221

فقد كان متحركًا فسكن، ومتصرفًا فأصبح مكفوف اليد ومطلقًا فأمسى سجينًا وفى جماعة فبات وحيدًا، وإن تدبر ذلك يؤدى إلى اتباع الشرع ونبذ المفاخر والإسراف ظهريًّا، فينتفع المشيعون وينتفع بهم الميت بالشفاعة له.

عن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عودوا المريض واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة" رواه أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه، وأنى هذا مع ارتكاب هذه المنكرات.

(ومنها) تزيين النعش بأفخر الثياب بحسب حال الميت من ذكورة وأنوثة وكبر وصغر وحرفة فيضعون عليه علائم الحرير وساعات الذهب وأنواع الرياحين والوسامات والنياشين إن كان من أهلها وحلى المرأة وطربوش الرجل وكل هذا ليس من السنة ولم يؤثر عن السلف الصالح شيء منه مع ما فيه من إضاعة المال وإظهار الجزع أو الرياء.

ومن البدع السيئة الجهر بالذكر أو بقراءة القرآن أو البردة أو دلائل الخيرات ونحو ذلك، وكل هذا مكروه للإجماع على أن السنة في تشييع الجنازة السكوت وجمع الفكر للتأمل في الموت وأحواله وعليها عمل السلف رضوان الله عليهم ولا يقال: إنه بدعة مستحسنة لأن محل استحسان البدعة إذا لم تكن مصادرة لفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم فضلًا عن كون الاستحسان لا يكون إلا أهل الحل والعقد الذين لا يقدمون على ذلك إلا بعد إذن النبي عليه الصلاة والسلام لهم صريحًا كما نص عليه الإمام الشعرانى وغيره من المحققين، وأين هم؟

فالصواب عدم رفع الصوت بشيء وترك كل ما خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم اتباعًا لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح إذ الخير كله في الاتباع وكل الشر في الابتداع، قال الله تعالى في كتابه العزيز:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}

(1)

فقد جعل العلامة على محبة العبد لمولاه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. أخرج ابن أبي حاتم أن الحسن البصرى

(1)

[سورة آل عمران: الآية 31].

ص: 222

-رضى اللّه عنه- قال:

كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقًا من عمل فأنزل هذه الآية.

فمن ادعى محبة الله تعالى ولم يتبع هدى الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كذاب، وكتاب الله تعالى يكذبه، وقال تعالى: {

وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}

(1)

. وسبيل المؤمنين هو: الكتاب والسنة، وقال صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من عمل بسنة غيرنا"، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة" رواه الطبرانى في "الكبير" عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن تتبع الجنازة بنياحة أو مجمرة أو راية، ولكراهة النبي صلى الله عليه وسلم لرفع الصوت مع الجنازة ولو بذكر وقراءة القرآن شنعت الصحابة -رضى اللّه عنهم- على من رفع صوته بقوله: استغفروا للميت حيث قالوا: لا غفر الله لك، مع أنه لفظ قليل دال على طلب الدعاء من الحاضرين للميت المحتاج إليه، فما بالك باللغط الواقع الآن.

وقال في "المدخل" ما ملخصه: العجب من أهل الميت يأتون بجماعة يسمونهم بالفقراء يذكرون أمام الجنازة وهو من الحدث في الدين ومخالف لسنة سيد المرسلين وأصحابه والسلف الصالح، يجب منعه على من له قدرة مع الزجر والأدب، ويزيد بعضهم زعقات النساء من خلفهما وكشف الوجوه واللطم على الخدود وما أشبه ذلك، وكله ضد ما كانت عليه جنائز السلف، لأن جنائزهم كانت على التزام الأدب والسكون والخشوع حتى إن صاحب المصيبة كان لا يعرف من بينهما لكثرة حزن الجميع وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكر فيما هم إليه صائرون، وعليه قادمون، حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع له عنده فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام الشرعى شيئًا كما قال الحسن البصرى -رضى اللّه عنه-:"ميتُ غدٍ يشيع ميتَ اليوم" وانظر إلى قول ابن مسعود رضي الله عنه لمن قال في الجنازة: استغفروا لأخيكم -يعنى الميت- فقال له: لا غفر الله لك. فإذا كان هذا حالهم في تحفظهم من

(1)

[سورة النساء: الآية 115].

ص: 223

رفع الصوت بمثل هذا اللفظ، فما بالك بما يفعله غالب أهل هذا الزمان من رفع الأصوات بنحو ما تقدم!؟. اهـ.

وقال الإمام النووى رحمه اللّه تعالى: الصواب ما كان عليه السلف من

السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما لأنَّه أسكن للخاطر وأجمع للفكر فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال، هذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه (فقد قال) الفضيل بن عياض -رضى اللّه عنه-. الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين، وقد روينا في "سنن البيهقي" ما يقتضى ما قلته (وأما) ما يفعله الجهلة من القراء بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب "آداب القراء". انتهى، ونحوه لشيخ الإسلام في "روض".

وقال الرملى في "شرح المنهاج": ويكره ارتفاع الأصوات في سير الجنازة لما رواه البيهقي: أن الصحابة رضى اللّه تعالى عنهم كرهوا رفع الصوات عند الجنائز والقتال والذكر، وكره جماعة قول المنادى مع الجنازة: استغفروا اللّه له فقد سمع ابن عمر رضي الله عنهما رجلًا يقول ذلك، فقال: لا غفر اللّه لك.

والصواب كما في "المجموع"، ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما، بل يشتغل بالتفكير في الموت وما بعده وفناء الدنيا وأن هذا آخرها، وما يفعله جهلة القراء من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام يجب إنكاره. انتهى، ومثل هذا للعلامة ابن حجر في "شرح المنهاج".

وقال في الفتاوى الهندية ما ملخصه: وعلى متبعى الجنازة الصمت ويكره لهم تحريمًا رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن، فإن أراد أن يذكر اللّه يذكره في نفسه. انتهى ومثله في سائر كتب السادة الحنفية.

وقال في "دليل الطالب" وشرحه للسادة الحنبلية: ويكره رفع الصوت والصيحة معها وعند رفعها، يعني الجنازة ولو بالذكر والقرآن، ويسن لمتبعها أن يكون متخشعًا متفكرًا في مآله متعظًا بالموت وبما يصير إليه الميت، وقول القائل مع الجنازة: استغفروا اللّه ونحوه بدعة عند الإمام

ص: 224

أحمد وكرهه وحرمه أبو حفص (ويحرم) ويكره أن يتبعها مع منكر وهو عاجز عن إزالته.

(وجملة القول) أن السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار، وبهذا كان عمل الصحابة فمن بعدهم، وأن اتباعهم سنة، ومخالفتهم بدعة، وقد قال الإمام مالك -رضى اللّه عنه-:"لن يأتى آخر هذه الأمة بأهدى ممَّا كان عليه أولها".

هذا هو الذى ينبغى التعويل عليه حيث كان بإجماع المذاهب الأربعة ولا معتبر بمن يقول بندبية إو وجوب رفع الصوت بالذكر أو القراءة أمام الجنازة معللًا ذلك بأمور:

(الأول): أول صار شعارًا للموتى وفى تركه ازدراء بالميت وتعريض العرض للكلام فيه.

(الثانى): أن في الاشتغال بالذكر ونحوه ترك التكلم واللغط بأمور الدنيا.

(الثالث): أن فيه مخالفة اليهود والنصارى في جنائزهم حيث اعتادوا السكوت فيها.

فكل هذه الوجوه باطلة لا تسوغ مخالفة السنة، فإن عادة الأغنياء وذوى الحيثيات اليوم السكوت في جنائزههم حتى صار هذا من شعائرهم وليس فيه ازدراء ولا تعريض العرض للطعن عليه، والواقع الآن أن المشتغل بالذكر جهرًا طائفة مخصوصة يؤتى بها لهذا الغرض، وبقية المشيعين لا يشتغلون به ويتكلمون بأمور الدنيا، فلم يكن الإتيان به مدعاة لترك اللغط بأمور الدنيا، والمعروف في جنائز اليهود والنصارى عدم السكوت، فإن لهم أناشيد يرتلونها من البيت إلى الكنائس (وأيضًا) يكفينا في مخالفة جنائزهم حمل جنائزنا على الأعناق دونهم، وهم يحملون الصلبان وبساط الرحمة وصحب الورد الكبيرة وغير ذلك ممَّا به التمييز بين جنائز المسلمين وجنائزهم.

وقد نشأ عن هذه البدعة كثير من المنكرات، منها الإتيان برجل حسن الصوت يغنى لهم أمام الجنازة وصارت مهنة لطائفة من جهلة الفساق لهم أصوات منكرة يحرفون الكلم عن مواضعه وحوله جماعة لهم زى مستبشع فإنه ليس هناك غرض صحيح في اشتراك هذه الطائفة المبتذلة المرذولة في تشييع الجنائز سوى مخالفة السنة وإضرار الورثة بأجورهم، ولو أعطيت لهم الصدقات بدوق تكليفهم السعى لكان غاية في الحسن،

ص: 225

وكذا يكره الذكر عليها حال وضعها عند القبر قبل الدفن كما يقع من أرباب الطرق، فإن السنة حفر القبر قبل وصول الجنازة لتدفن كما حضرت. وبعد الدفن لا بأس بأن يطلب الاستغفار للميت، ففى "سنن أبى داود": كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل".

ومن البدع المذمومة ذبح الخرفان عند خروج الجنازة تحت عتبة الباب، ومنهم من يذبح الجاموس عند وصول الجنازة إلى المقبرة قبل دفنها ويفرق اللحم على من حضر، ويقع عند ذلك الازدحام وربما مزق بعض الفقراء ثياب بعض.

قال في المدخل ما ملخصه: وليحذر من هذه البدعة التى يفعلها بعضهم وهى ذبح الذبائح وتفريق اللحم مع الخبز عند القبر ويقع بذلك مزاحمة وضرب، ويأخذ ذلك من لا يستحقه، ويحرمه المستحق في الغالب، وذلك مخالف للسنة من جوه:

(الأول): أن ذلك من فعل الجاهلية لما روى أبو داود عن أنس -رضى اللّه تعالى عنه- عن النبي -صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم- أنه قال: "لا عقر في الإسلام" والعقر: الذبح عند القبر.

(الثانى): ما فيه من الرياء والسمعة والمباهاة والفخر؛ لأن السنة في أفعال

القرب الإسرار بها دون الجهر فهو أسلم، والمشى بالذبيحة أمام أجنازة جمع بين إظهار الصدقة والرياء والسمعة، ولو تصدق بذلك في البيت سرًّا لكان عملًا صالحًا لو سلم من البدعة بأن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنَّه لم يكن من فعل من مضى والخير كله في اتباعه. اهـ.

(فائدة): كثيرًا ما يتساءل الناس عن السبب في خفة الجنازة وثقلها، والجواب: أن اللّه تعالى يكرم من شاء بما شاء، وأنَّه تعالى قد أكرم سعد بن معاذ الأنصارى بعد موته شهيدًا من جرح أصابه في غزوة الخندق، فقد روى أنه كان رجلًا بادنًا، فلما حمله الناس وجدوا له خفة، فقال رجال من الصحابة: واللّه إن كان لبادنًا وما حملنا من جنازة أخف منه، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال:"إن له حملة غيركم والذى نفسى بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرش"، وأخرج الترمذى من حديث أنس -رضى اللّه عنه- قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ،

ص: 226

قال المنافقون: ما أخف جنازته وذلك لحكمه في بنى قريظة

(1)

. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الملائكة كانت تحمله" حديث صحيح غريب، والغرابة لا تنافى الصحة كما قرره علماء الفن، وله شواهد تزيده صحة، فقد أخرج النَّسَائِيّ عن ابن عمر -رضى اللّه عنهما- أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "هذا الذى تحرك له

العرش وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه"، وأخرج ابن عبد البر عن عبد اللّه بن أبى بكر -رضى اللّه عنه- قال: "مات سعد ين معاذ من جرح أصابه يوم الخندق شهيدًا، قال: فبلغنى أن جبريل عليه السلام نزل في جنازته معتجرًا بعمامة من استبرق وقال: يا نبى اللّه من هذا الذى فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سريعًا يجر ثوبه فوجد سعدًا قد قبض"، وفى الصحيحين عن جابر بن عبد اللّه الأنصارى -رضى اللّه عنه- قال: سمعت النبي -صلى اللّه تعالى عليه وسلم- يقول: "اهتز العرش لموت سعد ابن معاذ"، وروى في غير الصحيحين من كتب السنة بروايات كثيرة وقد صرح الحافظ ابن عبد البر بأنه متواتر.

"اهتز العرش لموته": أي فرحًا بقدوم روحه، وخلق اللّه تعالى فيه تمييزًا إذ لا مانع من ذلك، أو المراد اهتز أهل العرش وهم حملته، ويؤيده حديث الحاكم:"أن جبريل عليه السلام قال: من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واستبشرت به أهلها؟ "، أو المراد باهتزازه ارتياحه لروحه واستبشاره بصعودها لكرامته كما يقال: فلان يهتز للمكارم ليس مرادهم اضطراب جسمه وتحركه وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها، أو هو كناية عن تعظيم شأن وفاته. والعرب تنسب الشئ المعظم إلى أعظم الأشياء فتقول: أظلمت الأرض لموت فلان، وقامت له القيامة.

وممَّا تقدم يستفاد أن اللّه تعالى يكرم بعض المتقين بتخفيف ثقل جنازتهم على حامليها، وقد يكون من إكرامهم الإسراع بهم إلى ما أعد لهم من أنواع النعيم المقيم، وما عدا هذا لا نعرف له أصلًا في كتب السنة واللّه تعالى أعلم. هذا في الجنائز.

(1)

أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذرارى والنساء.

ص: 227

وأما بدع المآتم، فمعلوم أن كل مجتمع للحزن على الميت فيه النساء لا يخلو عن المحظورات شرعًا من الندب والنياحة ولطم الخدود والتهتك يكشف العورات وإضاعة الكثير من الأموال إلى غير ذلك ممَّا عمت به البلوى حتى استعصى الداء وعز الدواء.

(وأما اجتماع الرجال في المآتم) لداعية الحزن على الميت، فمعلوم أيضًا ما يستلزمه هذا الاجتماع عادة من النفقات الطائلة لغرض المباهاة والرياء بإعداد

محل الاجتماع وإحضار البسط والكراسى المذهبة ونحوها، ولا شك في حرمة ذلك لما فيه من إضاعة المال لغير غرض صحيح ولا يفيد الميت شيئًا ويعود بالخسارة على أهله هذا إذا لم يكن في الورثة قاصر فما بالك إذا كان فيهم قاصر، وقد يتكلفون ذلك بالقرض بطريق الربا نعوذ باللّه من سخطه، وأن ما يقع بعد الدفن من عمل المأتم ليلة أو ثلاثًا مثلًا لا نزاع في أنه بدعة، ولم يثبت عن الشارع ولا عن السلف أنهم جلسوا بقصد أن تذهب الناس إلى تعزيتهم، وكانت سنته صلى الله عليه وسلم أن يدفن الرجل من أصحابه وينصرف كل إلى مصالحه. هذه كانت سنته وهذه كانت طريقته واللّه تعالى يقول:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}

(1)

فلنتأس به فيما ترك كما تتأسى به فيما فعل.

والجمهور على كراهة ذلك لأنَّه يجدد الحزن ويكلف المعزَّى. قال الإمام الأذرعى: الحق أن الجلوس للتعزية على الوجه المتعارف في زماننا مكروه أو حرام. ا هـ.

وقال الإمام النووى في "شرح المهذب": وأما الجلوس للتعزية فنص الإمام الشافعى وسائر الأصحاب على كراهته، ونقله الغزالى وآخرون عن نص الإمام الشافعى قالوا: يعنى بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغى أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرح به المحاملى ونقله عن الإمام الشافعى فإنه قال في "الأم": وأكره المآتم وهى الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر. ا هـ.

وعند السادة الحنفية يكره الجلوس في المسجد للمصيبة ثلاثة أيام

(1)

[سورة الأحزاب: الآية 21].

ص: 228

أو أقل، وفى غير المسجد يرخص للرجال والترك أولى ومعلوم أن الكراهة إذا أطلقت عندهم كانت تحريمية.

قال في "فتح القدير": ويجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام وهو خلاف الأولى ويكره في المسجد، وتستحب التعزية للرجال والنساء اللاتى لا يفتن لقوله صلى الله عليه وسلم:"من عزى أخاه بمصيبة كساه اللَّه من حلل الكرامة يوم القيامة" رواه ابن ماجه، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من عزى مصابًا فله مثل أجره" رواه أيضًا ابن ماجه، وقوله صلى الله عليه وسلم:

"من عزى ثكلى كسى بردين في الجنة". ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت لأنَّه شرع في السرور لا في الشرور وهى بدعة مستقبحة.

وفى "زاد المعاد" ما نصه: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء لا عند القبر ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة، وكان من هديه السكون والرضا لقضاء اللّه والحمد لله والاسترجاع، وكان من هديه أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس، بل أمر أن يصنع الناس لهم طعامًا يرسلونه إليهم وهذا من أعضم مكارم الأخلاق.

وقالت السادة الحنبلية: ويسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث إليهم ثلاث ليال لحديث: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم" رواه أبو داود الترمذى وحسنه؛ لأنَّه بر ومعروف ينبغى أن يلح عليهم في الأكل لأن الحزن يمنعهم من ذلك فيضعفون، ولا يصلح الطعام لمن يجتمع عند أهل الميت، بل يكره لأنَّه إعانة على مكروه وهو الاجتماع عندهم. قال الإمام أحمد: هو من فعل الجاهلية وأنكره شديدًا. وللإمام أحمد وغيره وإسناده ثقات عن جرير بن عبد اللّه قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة". وكذا يكره فعل أهل الميت ذلك الطعام للناس يجتمعون عندهم لما مر، وكره جلوس التعزية بأن يجلس المصاب بمكان ليعزى أو يجلس المعزى عند المصاب بعدها؛ لأنَّه استدامة للحزن. انتهى ملخصًا من "المنتهى" وشرحه.

ومذهب الإمام مالك رضي الله عنه أشد احتياطًا من غيره إذ هو مبنى

ص: 229

على سد الذرائع والحيل، وإذا كان في الورثة قاصر حرم تناول الطعام والقهوة بالإجماع.

وعلى الجملة: فما يعمله الناس اليوم من اتخاذ الأطعمة للمعزين والنفقات التى تنفق في ليالى المأتم، وما يتبعها مثل ليالى الجمع والأربعين كله من البدع المذمومة المخالفة لما كان عليه رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه والسلف الصالح من بعده، وكثيرًا ما تكون سببًا في الفقر المدقع، فإن أهل الميت يتكلفون صنع الأطعمة الفاخرة التى لم يعتادوا أكلها، ولو أدى ذلك إلى الاستدانة، أو ضياع مال القاصر، وأعجب من هذا كله أنهم يعملون ذلك زاعمين أن ذلك صدقة يصل ثوابها إلى الميت، مع أنك لا تجد هذه الأطعمة غالبًا إلا في بطون الأغنياء. أما الفقراء والمحتاجون فيلحفون في الطلب، ويلحون في المسألة فيكون نصيبهم الحرمان، وإن أعطوا شيئًا فمن الفضل والبقية، وكذلك عمل الصمدية أو الجلالة،

لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة، وقد سبق هذا في أمثلة البدعة الإضافية مفصلًا في صفحة (60) ويدل إضاعة المال في عمل هذه البدع التى لا يقرها شر ولا يقبلها عقل يجب على الورثة أن يعنوا بقضاء دين الميت الذى في ذمته للناس فهم مسئولون بعده عن ديونه في الدنيا ويوم القيامة وقد شدد الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه في الاستدانة وعدم قضاء الديون قبل الموت ونفر منها أبلغ تنفير، فعن سلمة بن الأكوع -رضى اللّه عنه- قال: كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتى بجنازة فقالوا: صل عليها، فقال:"هل عليه دين؟ " قالوا: لا. قال: "فهل ترك شيئًا؟ " قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتى بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول اللّه صل عليها، قال:"هل عليه دين؟ " قيل: نعم. قال: "فهل ترك شيئًا؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها. لعله صلوات اللّه وسلامه عليه علم أنها تفى بدينه. ثم أتى بالثالثة فقالوا: صل عليها. قال: "هل ترك شيئًا؟ " قالوا: لا. قال: "فهل عليه دين؟ " قالوا: ثلاثة دنانير. قال: "صلوا على صاحبكم". قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول اللّه وَعَلَىَّ دَيْنه. فصلى عليه رواه البخارى ومسلم، وهذا تحذير بالغ.

ص: 230

وممَّا لا شك فيه أن الزيادة على الثلاث بدعة سيئة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل نهاية الحزن ثلاثة أيام من حين الموت، فعن زينب بنت أبى سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين تُوفِّى أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها، ثم قالت: واللّه ما لي بالطيب من حاجة غير أنى سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا". قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش -رضى اللّه عنها- حين تُوفِّى أخوها فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: أما واللّه ما لي بالطيب من حاجة غير أنى سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلات إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" رواه البخارى ومسلم وغيرهما. الخَلوق -بالفتح-: ضرب من الطيب، وأحدت المرأة: امتنعت عن الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها فهى محد، وكذا حدت تحد بضم الحاء وكسرها حدادًا بالكسر فهى حاد.

ولا ينبغى لأحد تعزية الذين استمروا في مأتمهم فوق الثلاث فإنها أيضًا نهاية

مدة التعزية وينبغى لأهل الميت أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم لما علمت من اتفاق المذاهب الأربعة في الجلوس لأجل المصيبة.

(وصفوة القول) أن المآتم اليوم لا تخلو عن المنكرات ومخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وناهيك ما يكون من القراء في تلاوة القرآن وما يفعله المستمعون في المآتم من الخروج عن حد الأدب حال تلاوته من رفع أصوات الاستحسان أو الاشتغال عن استماعه أو شرب الدخان إلى غير ذلك ممَّا يحول بين المجلس ونزول الرحمة، نسأل الله السلامة والهداية.

* * *

ص: 231

‌النِّيَاحَة وما ينَال المَيِّت مِنهَا

جاء في الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التصريح بتحريم النواح، وورد في الحديث: أن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين: قميصًا من جرب، وقميصًا من قطران، فعن أبى مالك الأشعرى رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "أربع في أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" رواه مسلم وابن ماجه، وسره أن الأجرب سريع الألم لتقرح جلده، والقطران يقوى شعلة النار فيكون عذابها بالنار بسبب هذين القميصين أشد العذاب، وروى أبو داود وغيره عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال:"لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة". والنواح: تارة يكون كبيرة، وتارة يكون صغيرة.

فالكبيرة ما يقتضى نسبة الرب سبحانه وتعالى إلى الجور في قضائه والتبرم بقدره، وأن موت هذا ليس مصلحة، بل مفسدة عظيمة، إذا ذكرت النائحة كلامًا يقرر ذلك في النفوس ويحمل السامعين على اعتقاده، بأن تقول لفظًا يقتضى فرط جماله وكماله وشجاعته وبراعته مثلًا، وتبالغ فيما كان يفعله من إكرام الضيف والضرب بالسيف والذب عن الحريم إلى غير ذلك من صفات الميت التى يقتضى مثلها ألَّا يموت، فإن بموته تنقطع هذه المصالح ويعز وجود مثله ويعظم التفجع عليه

وأن الحكمة كانت تقضى ببقائه لتكثر تلك المصالح في الأمة، فمتى كان لفظها متضمنًا شيئًا من ذلك ولم تكن قاصدة نسبة الجور إليه تعالى وأن ما وقع مفسدة عظيمة كان محرمًا، فإن قصدت ذلك كان كفرًا وهو الغالب فيما يقع من نائحات اليوم، فإن غالب نواحهن اعتراض على الله فيما وقع.

يدل على ذلك زيادة على ما تقدم ما في الصحيحين عن ابن مسعود -رضى الله عنه- أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية": أي ليس من أهل

ص: 232

سنتنا وطريقتنا وليس المراد إخراجه من الدين، بل المبالغة في الزجر عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك وولست منى: أي ما أنت على طريقتى، قال في الفتح: ويظهر لي أن هذا النفى يفسره التبرؤ الذى في حديث أبى موسى وأصل البراءة الانفصال من الشئ وكأنه صلى الله عليه وسلم توعده بألا يدخله في شفاعته مثلًا اهـ. وفيهما أيضًا عن أبى موسى الأشعرى أنه قال: "أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة": أي الرافعة صوتها بالندب والنياحة.

"والحالقة": أي لرأسها عند المصيبة "والشاقة": أي لثوبها، قال ذلك أبو موسى حينما أغمى عليه في مرضه ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت امرأته تصيح برنة. وأخرج مسلم:"اثنان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت". قال الإمام النووى في شرح مسلم: وهذا الحديث يدل على تغيط تحريم الطعن في النسب والنياحة.

وفى معنى الكفر أقوال أصحها: أنها من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، وروى البزار بسند رواته ثقات أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة"، عن أُسيد بن أبى أُسيد التابعى عن امرأة من المبايعات قالت:"كان فيما أخذ علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في المعروف الذى أخذ علينا ألا نخمش وجهًا ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، ولا ننشر شعرًا" رواه أبو داود. وخمشت المرأة وجهها بظفرها خمشًا: جرحت ظاهر البشرة من بابى ضرب ونصر، ثم أطلق الخمش على الأثر وجمع على خموش كفلس وفلوس.

فأنت ترى ما اشتملت عليه هذه الأحاديث الصحيحة من اللعن، وأن ذلك كفر، أي يؤدى إليه أو لمن استحل، وغير ذلك من أنواع الوعيد الشديد، ومنها

يظهر صحة ما قاله غير واحد من المحققين من أن تلك الأعمال كلها كبائر ويلحق بها ما في معناها. قال الإمام الأذرعى: الأحاديث الصحيحة تقتضى أن ذلك من كبائر الذنوب لأنَّه صلى الله عليه وسلم تبرأ من فاعل ذلك قال: "ليس منا من لطم الخدود وشق

ص: 233

الجيوب

" الحديث، ثم قال: ويجب الجزم بأن من جمع بين النياحة وشق الجيب والصياح، مع العلم بالتحريم واستحضار النهى عنه والتشديدات فيه وتعمد ذلك خرج عن العدالة، لجمعه بين هذه القبائح وإيذاء الميت بذلك، كما نطقت به السنة انتهى. وقال الخادم: وأما النياحة وما بعدها فقضية الخير بالتوعد عليه أن يكون كبيرة. اهـ.

وجملة الكلام: أنه يحرم الندب وهو تعديد محاسن الميت كواجبلاه واعزاه، والنوح وهو رفع الصوت بالندب، ومثله الإفراط في رفعه بالبكاء وإن لم يكن معه ندب ولا نوح وضرب نحو الخد وشق نحو الجيب ونشر الشعر وحلقه، ونتفه، وتسويد الوجه وإلقاء الرماد على الرأس، والدعاء بالويل والثبور، وكل شيء فيه تغيير للزى كلبس ما لا يعتاد لبسه أصلًا أو على تلك الصفة، وكترك شيء من لباسه والخروج بدونه على خلاف العادة. وقد ابتلى كثير من الناس بتغيير الزى، وعدم حلق الشعر، مع ما تقرر من حرمته، بل كونه كبيرة وفسقًا قياسًا على تلك المذكورات وإن كانت أفحش من ذلك لأنهم عللوها بما يعم الكل وهو أن ذلك يشعر إشعارًا ظاهرًا بالسخط وعدم الرضا بالقضاء والعياذ بالله تعالى.

"والصغيرة": هى التى لا يشم منها الاعتراض على القضاء ولكنها تبعد السلوة عن أهل الميت وتبعث الأسى في نفوسهم فيؤدى ذلك إلى تعذيب نفوسهم وقلة صبرهم وشدة ضجرهم، وربما حملهم ذلك على شق الجيوب وضرب الخدود، وكل هذا ينهى عنه الشارع سواء كان في المسألتين مع النياحة بكاء أم لا (نعم) إذا انضم إليها البكاء كانت أشد تحريمًا، فإن في البكاء زيادة تعذيب للنفس.

(أما) البكاء السالم من كل ذلك فهو جائز قبل الموت وبعده لكن الأولى تركه بعده إن أمكن، إذ قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى قبله على ولده وغيره، ففى الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم عاد سعد بن عبادة ومعه جماعة هم: عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم فبكى، فلما رأوه بكوا، فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن

يعذب بهذا أو يرحم" وأشار إلى

ص: 234

لسانه. متفق عليه، وفى الحديث أيضًا: أنه رفع إليه صلى الله عليه وسلم ابن لبنته وهو في الموت ففاضت عيناه فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" متفق عليه، وروى البخارى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أنت يا رسول الله؟ فقال: "يا ابن عوف إنها رحمة"، ثم أتبعها بأخرى، فقال:"أن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". ذرفت العين ذوفًا من باب ضرب دمعت، وذرف الدمع: سال، ورحمة: رقة القلب.

وثبت أيضًا أنه بكى بعده، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"شهدنا بنتًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تدفن ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس عند القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان" رواه البخارى، وقد بين الواقدى وغيره في روايته أن البنت أم كلثوم، وقد رد البخارى قول من قال. إنها رقية بأنها ماتت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر فلم يشهد دفنها، ومن ذلك كله أخذ العلماء أن دمع العين بلا بكاء لا كراهة فيه، بل هو مباح.

وبالنوح يعذب الميت، ففى صحيح مسلم عن ابن عمر -رضى اللّه عنهما- أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إن الميت ليعذب ببكاء الحى عليه": أي سواء كان الباكى من أهل الميت أم لا، فليس الحكم مختصًّا بأهله، وراه البخارى أيضًا بلفظ:"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"، ولفظ الأهل فيه مخرج مخرج الغالب لأن المعروف أنه إنما يبكى على الميت أهله. ومطلق البكاء في الحديث محمول على ما كان بنوح لا مجرد دمع العين، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة" متفق عليه، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه"، وفى رواية:"ما نيح عليه": أي مدة النوح عليه، متفق عليه، وفى صحيح البخارى

ص: 235

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا: "إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه" فقيده ببعض البكاء فحمل على ما فيه نياحة جمعًا بين الأحاديث.

ويدل أيضًا على أنه ليس المراد مطلق البكاء: بكاء عمر بن الخطاب -رضى الله

عنه- بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم هو راوى الحديث، وكذا بكاء ابنه عبد الله بن عمر، ففى "مصنف ابن أبى شيبة" من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:"حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر -تعنى سعد بن معاذ- فوالذى نفس محمد بيده إنى لأعرف بكاء عمر من بكاء أبى بكر، وإنى لفى حجرتى"، ورواه أحمد عنها أيضًا بلفظ:"أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فوالذى نفسى بيده إنى لأعرف بكاء أبى بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتى".

وجه الاستدلال بهذا الحديث: تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لهما على البكاء وعدم إنكاره عليهما مع أنه قد حصل منهما زيادة على مجرد دمع العين، ولهذا فرقت عائشة بين بكاء أبى بكر وعمر وهى في حجرتها، وكان الواقع منهما ممَّا لا يمكن دفعه ولا يقدر على كتمه، ولم يبلغ إلى المنهى عنه، ويؤيد ذلك ما حكاه الإمام النووى من إجماع العلماء على أن المراد بالبكاء الذى يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين؛ لأنَّه مباح كما سبق.

(وصفوة القول) أن الأحاديت التى تفيد أن الميت يعذب بمطلق البكاء محمولة على ما كان منه بصوت ونياحة جمعًا بينها وبين أحاديث النياحة.

فإن قيل: المكلف لا يعذب بفعل غيره، نقول: ذهب أكثر العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتها تعذيب من لا ذنب له على وجوه:

(منها): أن ذلك محمول على ما إذا أوصى أن يبكى عليه وهو تأويل الجمهور، قالوا: وقد كان ذلك من عادات العرب كما قال طرفة بن العيد:

إذا مت فابكينى بما أنا أهله

وشقى على الجيب يا أُم معبد

ولا يلزم من وقوع النياحة من أهل الميت امتثالًا له أن لا يعذب

ص: 236

لو لم يمتثلوا، بل يعذب بمجرد الإيصاء، فإن امتثلوه وناحوا عذب على الأمرين: الإيصاء لأنَّه فعله، النياحة لأنها بسببه.

(ومنها): أنه يعذب بذلك إذا كان سنته وطريقته وقد أقر أهله عليه في حياته وهو تأويل الإمام البخارى وطائفة معه. وحاصله: أن المرء إذا علم ما جاء في النهى عن النوح وعرف أن أهله من عادتهم أن يفعلوا ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه وهو إهماله واجب التعليم والزجر لا بفعل غيره بمجرده.

(ومنها): أن معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها فإنه يرق لهم، وذلك أن الأرواح تتألم من المؤلمات وتفرح باللذات فما البرزخ كما كانت في الدنيا، فالأوضاع البشرية لم تتغير وإنما كانت في مسكن فارقته فقط وبقيت على حالها في أوضاعها. ولما كان البكاء والعويل في حالة الحياة تتأذى به الأرواح وتنقبض كانت بعد الموت تتأذى به كذلك، كان عليها أو على غيرها، وهو عليها أشد نكاية لأنها هى المصابة حينئذ، وقد صح أن الموتى يعلمون أحوال الأحياء وما نزل بهم من شدة ورخاء، وفقر واستغناء إلى غير ذلك ممَّا يتجدد لأهليهم، وأنهم يتألمون لألمهم ويسرون لفرحهم، روى الإمام أحمد والترمذى وابن منده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرًا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هدينا"، وفى رواية أبى داود:"وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك".

وإذا كان الأمر كذلك كانوا يتألمون بالبكاء عليهم من أهليهم ومن غيرهم والألم عذاب، فلذا قال صلى الله عليه وسلم:"إن الميت ليعذب ببكاء الحى عليه". فليس يراد به عذاب الذنوب، بل معناه الألم الجبِلِّىِّ الذى إذا وقع في الوجود قد يكون رحمة من الله تعالى لرفع درجات من نزل به، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى

ص: 237

يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة" رواه البخارى وأحمد والنسائى وابن ماجه من حديث سعد بن أبى وقاص.

ومعلوم أن الأولياء والصالحين يتألمون بالبلايا، وليس ذلك عذابًا بالمعنى الأول، بل الألم الجِبِلِّىِّ الذى يرونه رحمة منه تعالى، ولذا قال بعض السلف في شأن القرن الماضى إن كان أحدهم ليفرح بالبلايا كما يفرح أحدكم بالرخاء، والعذاب يستعاذ منه ولا يفرح به، وقال بعضهم: البلية إذا اقترنت بالصبر كانت نعمة. ذهب إلى هذا التأويل ابن جرير الطبرى واختاره القاضى عياض والعراقي وغيرهم من المحققين.

وقد استدلوا له بما أخرجه ابن أبى خيثمة وابن أبي شيبة والطبرانى وغيرهم من

حديث قَيْلة وفيه: "فوالذى نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكى فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم". قال الحافظـ هو حسن الإسناد، فيستعبر إليه صويحبه: أي فيبكى لأجل بكائه ويتألم له.

ويؤيده ما قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم كما جاء ذلك في الأحاديث التى سبقت، ويدل له أيضًا ما في "الزواجر" أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع صوت بكاء فدخل ومعه غيره فمال عليهم ضربًا حتى بلغ النائحة فضربها حتى سقط خمارها وقال: اضرب فإنها نائحة ولا حرمة لها إنها لا تبكى لشجوكم إنها تهريق دموعها على أخذ دراهمكم، وإنها تؤذى موتاكم في قبورهم وأحياءكم في دورهم، إنها تنهى عن الصبر قد أمر الله به، وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه. فإنه يفيد أن تعذيب الميت إيذاؤه وأن إيذاءه من جنس إيذاء الحى، وظاهر أن إيلامهم بتذكير المصيبة وتجديد الأحزان.

ولا يخفى أن هذا التأويل يقضى بحمل البكاء في الحديث على عمومه ولا يختص بالندب وهو تعديد محاسن الميت ولا بالنياحة وهى رفع الصوت بالندب ضرورة أن الأرواح إذا لم تتغير عن أوضاعها فهى تتألم من كل ما يتألم منه الحى، والإنسان إذا رأى غيره يبكى يتألم له وإن لم يكن معه ندب أو نوح، بل كان مجرد دمع العين، وذلك مشكل بما

ص: 238

تقدم من أن مطلق البكاء في الأحاديث مفيد بما كان بنوح وأن على ذلك إجماع العلماء.

ومنها وهو أحسن الوجوه: أن معنى التعذيب توبيخ الملائكة للميت بما يندبه به أهله أو النائحة كواعضداه، واناصراه، واكاسياه، فحينئذ يتوجه السؤال إلى هذا الميت على لسان بعض الملائكة فيقال له: أنت كما يقال: كنت كاسيًا ومطعمًا وناصرًا إلى غير ذلك. والغرض من هذا السؤال، توبيخ النائحين وتكذيبهم بأن من نسبتم له هذه الخصال يتبرأ منها ولا يسعه في هذا الموطن إلا هذه البراءة، وإلا نزل به الويل الشديد.

ولما كان عاقبة هذا السؤال إظهار حقارة المسئول عند من ينسب إليه هذه الخصال معتقدًا كماله وأن موته ما كان ينبغى، كان السؤال سؤال تهكم وتوبيخ، فلذا يتألم المسئول غاية الألم من نفس السؤال، فما بالك إذا انضم إليه شيء من التحقير والإهانة كما سيظهر لك، وهذا نظير ما يقع لعيسى عليه السلام يوم القيامة

من السؤال: { .. أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ

}

(1)

فإن الغرض منه توبيخ الكفار وتبكيتهم يإقراره عليه السلام بالعبودية وأمرهم بعبادة اللّه عز وجل، وأيضًا تثبيت الحجة على قومه، وإكذاب لهم في ادعائهم عليه ذلك، ومع هذا ينال عيسى عليه السلام من الشدة: ما في بعض الآثار أنه عليه السلام عند هذا السؤال ترتعد مفاصله ويقشعر جلده خيفة من ربه عز وجل.

فأنت ترى أنه عليه السلام مع أنه كان يأمر بعبادة الله وينهى عن عبادة غيره وجه إليه هذا السؤال وناله من الشدة ما ناله، كل هذا للمعنى الذى دعا للسؤال، فهكذا حال الميت في القبر ويوم القيامة كما دل عليه بعض الآثار، يوجه إليه هذا السؤال لمثل ذلك الغرض، وتناله مثل هذه الشدة، ولا يغنيه من هذا السؤال وصيته بعدم النوح عليه، بل متى وقع النوح توجه السؤال إليه.

يدل على هذا التأويل ما رواه أحمد من حديث أبى موسى مرفوعًا: "الميت يعذب ببكاء الحى إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه جلد الميت وقال: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها"، وأخرج معناه

(1)

[سورة المائدة: الآية 116].

ص: 239

الترمذى وابن ماجه وما رواه البخارى عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: "أغمى على عبد اللّه بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى وتقول: واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: كنت كذا، فلما مات لم تبك عليه"، ورواه الطبرانى وفيه:"فقال: يا رسول الله أغمى على فصاحت النساء واعزاه، واجبلاه، فقام ملك ومعه مرزبة فجعلها بين رجلى فقال: أنت كما تقوله؟ فقلت: لا ولو قلت: نعم ضرينى بها"، وروى أيضًا أن معاذًا -رضى اللّه عنه- وقع له نظير ذلك أنه قال: ما زال ملك شديد الانتهار كلما قلت: واكذا قال: أكذلك أنت؟ فأقول: لا". وروى الترمذى وقال: حسن. غريب: "ما من ميت يموت فيقول باكيهم: واجبلاه، واسنداه أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت؟ ". واللهز: الدفع بجميع اليد في الصدر أفاده في "الزواجر". فهذه الآثار ترشد إلى معنى التعذيب وأنَّه يعم كل ميت نيح عليه وإن لم يوص، بل لو أوصى بالترك، وقد علمت أن بعض الآثار صرح بأنه في القبر والبعض بأنه يوم القيامة فيستفاد وقوع السؤال فيهما والله أعلم.

(ومن المختلف فيه) تلقين الميت، ونحن نبين لك ما جاء فيه من الأحاديث والآثار وما يؤخذ منها من الأحكام، ثم أقوال الأئمة المجتهدين، لتكون على بصيرة فيه فنقول: عن معاذ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان آخر قوله: لا إله إلَّا الله دخل الجنة" رواه أحمد وأبو داود، وعن أبى سعيد -رضى اللّه عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لقنوا موتاكم لا إله إلَّا اللَّه" رواه أصحاب السنن ما عدا البخارى، ورواه ابن حبان عن أبى سعيد أيضًا بزيادة:"فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة يومًا من الدهر وإن أصابه ما أصابه قبل ذلك". قال الإمام النووى في شرح الحديث: "لقنوا موتاكم": أي من حضره الموت. والمراد ذكروه لا إله إلَّا اللّه لتكون آخر كلامه كما في الحديث: "فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة". ومن هذه الروايات يؤخذ ندب التلقين، قال الإمام النووى: والأمر بهذا التلقين

ص: 240

أمر ندب وقد أجمع العلماء عليه، وكرهوا الإكثار عليه والموالاة لئلا يضجر، إلى آخر ما قال: وهذا كله في التلقين عند الاحتضار.

ويستحب أن يقول الذى يضعه في قبره: بسم اللّه وعلى ملة رسول اللّه، لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم اللَّه وعلى ملة رسول اللَّه" رواه أحمد وأبو داود عن عمر.

وأما التلقين بعد الدفن فقد ورد فيه أثر عن راشد بن سعد وحمزة بن حبيب وحكيم بن عمير من التابعين قالوا: "إذا سوى على الميت قبره وانصرف الناس عنه كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل: لا إله إلَّا اللّه، أشهد أن لا إله إلَّا اللّه ثلاث مرات، يا فلان قل: ربى الله، ودينى الإسلام، ونبيى محمد صلى الله عليه وسلم ثم ينصرف". وقد روى نحو هذا الأثر مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبى إمامة عند الطبرانى وعبد العزيز الحنبلى في "الشافى" وفيه زيادة.

ونقول: أما الأثر المذكور فقد سكت عن رواته بعض الحفاظ ولم يتكلم فيه بجرح أو تعديل وجزم ابن حزم بضعف راشد وهو أحد رواته. وأما الحديث المروى عن أبى أمامة فقد اختلف في سنده فقال بعضهم: إسناده صالح، وقال بعضهم: في إسناده جماعة لا نعرفهم. وقد نص على ضعفه الحافظ ابن حجر العسقلانى والحافظ العراقي والإمام ابن القيم حتى من كان يستحسن التلقين كابن الصلاح

والنووى. رقد سئل الإمام أحمد عن هذا التلقين الذى يفعل بعد الدفن؟ فقال: ما رأيت أحدًا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة.

ومن هذا تعلم أن التلقين يعد الدفن في دليله كلام وليس فيه حديث أو أثر خال من القدح في سنده بحسب ما رأينا، ومذهب الإمام مالك رحمه الله الكراهة لأنَّه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، واستحبه الإمام الشافعى رحمه الله عملًا بما روى فيه، ومذهب أبى حنيفة رحمه الله أنه ليس مسنونًا ولا مكرهًا فلا يأمر به لا ينهى عنه لأنَّه أمر لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا ضرر في فعله فهو أمر لا خير فيه ولا شر.

(هذا): المستحب بلا شك بعد الدفن هو الدعاء للميت بالمغفرة والتثبيت عند السؤال لما روى أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يفعله ويأمر به،

ص: 241

روى أبو داود من حديث عثمان -رضى اللّه عنه- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا اللَّه له التثبيت فإنه الآن يسأل".

(فائدة): قال العلماء: يتأكد على من ابتلى بمصيبة بميت أو في نفسه أو أهله أو ماله وإن خفت أن يكثر من قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اأْجرنى في مصيبتى وأخلف خيرًا لي منها" لخبر مسلم: أن من قال ذلك أجره اللّه وأخلف له خيرًا، ولأنه تعالى وعد من قال ذلك بأن عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأنهم هم المهتدون. صلوات: ثناء وتكريم، ورحمة: إحسان ولطف بهم عند المصيبة فلا يلحقهم جزع، ولا يستولى عليهم فزع، وأنهم هم المهتدون: أي إلى الصواب في القول والعمل. قال ابن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعطه غيرهم: إنا للّه وإنا إليه راجعون ولو أوتوه لقاله يعقوب ولم يقل: يا أسفى على يوسف، وأخرج الشيخان: أن بنتًا له صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه تخبره أن ابنها في الموت، فقال صلى الله عليه وسلم للرسول:"ارجع إليها فأخبرها أن للَّه ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب"، ومنه يستفاد طلب الصبر على النوازل كلها والهموم والأسقام وسائر الأعراض. ومعنى أن للّه ما أخذ: أن العالم كله ملكه فلم يأخذ إلا ما هو له عندكم في معنى العارية، وله ما أعطى: أي ما وهبه لكم إذ لم يخرج عن ملكه فيفعل فيه ما يشاء، وكل شيء عنده بأجل مسمى، أي فلا يمكن تقديمه عليه ولا تأخيره عنه، فمن أعلم هذا أداه إلى أن يصبر ويحتسب.

ومن البدع التى يدور أمرها بين الحرمة والكراهة وغالبها أن تكون حرامًا (الرثاء) بتلك القصائد التى ينشدها الشعراء عند حضور الجنازة في المسجد قبل الصلاة عليها أو بعدها قبل رفعها، وكثيرًا ما تكون عقب دفن الميت في القبر.

فإن المعنى الذى لأجله حرمت النياحة على الميت حتى صارت به من الكبائر يتحقق في كثير من مراثى شعراء اليوء، فإنه لعدم وقوفهم عند حدود الدين أو جهلهم به ترى النابغين منهم ينهجون في مراثيهم نهج

ص: 242

الجاهلية والجاهلين، يندبون كما تندب النائحات فيسبون الدهر ويخطئون المنايا، وقد ورد في صحيح البخارى وغيره: النهى عن سب الدهر، فعن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال اللَّه تبارك وتعالى: يؤذينى ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدى الأمر أقلب الليل والنهار" ومعناه: أنا خالق الدهر المقدر لما يحدث، فإذا سب ابن آدم الدهر بمعنى الزمان من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى لأنى فاعلها، وإنما الدهر زمان جعلته ظرفًا لمواقع الأمور.

ويذكرون أن الأمة خسرت بموت المرثى خسارة لا تعوض وأن الفضيلة قبرت معه، وأن العلم تيتم، ويعددون من المحاسن والنعوت ما هو كذب صراح وافتراء محض، كقولهم: كان بحر علم مجددًا للدين محييًا للسنة مميتًا للبدعة مرجعًا للمشكلات، وهم يعلمون أن الفقيد على العكس من ذلك، فترى المرثية مصدرة بإساءة الأدب مع اللَّه تعالى مختتمة بالكذب المحرم.

ولما تُوفِّى الخليفة ببغداد أيام الملك الصالح عمل الملك له عزاء جمع فيه الأكابر والأعيان والقراء والشعراء فأنشد بعض الشعراء في مرثيته:

مات من كان بعض أجناده المو

ت ومن كان يختشيه القضاء

فأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه اللّه تعالى وأمر بتأديبه وحبسه وأقام بعد التعزير في الحبس زمانًا طويلًا، ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه، وأمره أن ينظم قصيدة يثنى فيها على اللّه تعالى كفارة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء بقوله: من كان بعض أجناده الموت؛ تعظيمًا لشأن هذا الميت، وأن مثله ما كان ينبغى أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتى الأيام بمثل هذا ونحو ذلك، وقوله: يختشيه القضاء: يشير إلى أن اللّه تعالى كان يخاف منه، وهذا كفر أو قريب منه. رحم الله الشيخ، فهكذا يكون الرجال وهكذا تكون

العلماء، وحسبك أن اللّه تعالى وصفهم بقوله:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ}

(1)

هى أودية الهجاء المحرم نحوه ممَّا لا يحل قوله.

والمراثى اليوم على فرض خلوها عن كل ما يوجب التحريم الذى منه الكذب فلا تخلو من الكراهة فإن فيها ترك سنة التعجيل بالدفن وفيها

(1)

[سورة الشعراء: الآيتان 224، 225].

ص: 243

أنها كثيرًا ما تقدم على الصلاة كأنها الأهم. ومن ذلك تأبين الميت ليلة الأربعين أو عند مرور كل سنة المسمى بالتذكار، بالأشعار والخطب المشتملة على الكذب والمبالغة في الوصف، فكل ذلك ممَّا يؤذى الموتى ويرجع فاعلوه بالغضب والوبال آثمين غير مأجورين، ولا سبيل إلى إزالة المنكرات والبدع الواقعة في المقابر والجنائز والمآتم إلا أن يقوم السادة العلماء وخطباء المساجد بضجة عظيمة في تقبيحها وتنفير الناس منها بالوعيد الشديد عليها، أو يوفق اللّه ولاة الأُمور إلى احترام الدين وتنفيذ حدوده بالضرب على أيدى الخارجين عنها من أفراد الأمة ولو باعتبار هذه المخازى من الجرائم والإخلال بالنظام العام وباللّه تعالى التوفيق واللّه تعالى أعلم.

ويكثر السؤال عن الروح بعد الموت (أين تكون؟) فنقول: يرى كثير من العلماء أن أرواح المؤمنين في الجنة شهداء أو غير شهداء إذا لم يحبسها عن الجنة كبيرة أو دين، وأن أرواح الكفار في النار، وهو مروى عن أبى هريرة وابن عمر -رضى اللّه عنهم- لقوله تعالى:{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}

(1)

روح: استراحة، وريحان: رزق حسن طيب، ذكره تعالى بعد ذكر خروجها من البدن في الآيات قبله وقسمها ثلاثة أقسام: مقربين في الجنة، وأصحاب اليمين سالمين من العذاب، ومكذبين لهم نزل من حميم وتصلية جحيم، كما قسمها عند البعث يوم القيامة إلى ثلاثة أقسام أول السورة في قوله تعالى {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}

(2)

.

وقال بعض العلماء: إن أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أعلى عليين، وأرواح الشهداء في الجنة تسرح كيف تشاء، وأرواح عامة المؤمنين مطلقة ومحبوسة، فالمطلقة تكون في أفنية قبورها غالبًا وأحيانًا تكون في السماء، وفى الجنة وتزور أهلها وتسر لسرورهم وتحزن لحزنهم. والمحبوسة لا تفارق القبر حتى القيامة إلا إذا قضى ما عليها من التبعات كالدين، ومن نظر في كتب السنة

(1)

[الواقعة: الآيتان 87، 94].

(2)

[الواقعة: الآيات 7 - 12].

ص: 244

عرف أن للروح شأنًا آخر غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنة هى في السماء ولها اتصال بفناء القبر وبالبدن فيه، وهى أسرع انتقالًا، ولها بعد المفارقة لذة وألم، وأن الأرواح المنعمة مطلقة لا حجر عليها، وأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الجنة، وفى عليين، ولكن ذلك لا يمنعها أن تكون في السماء الأولى أو الثانية كما في حديث المعراج، وكذلك أرواح الشهداء والصالحين من غيرهم حرة طليقة تكون عند القبر وتذهب حيث شاءت إلا لمانع من التبعات، والآثار في ذلك كله صحيحة، واللّه أعلم.

وكثيرًا ما يتساءل الناس: هل ما يعمله الإنسان من الصدقات وغيرها يصل إلى الموتى وينفعهم أو لا؟ فنقول: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صومًا أو صدقة أو غيرها، ولا خلاف في هذا بين العلماء، وإنما الخلاف في أنه ينجعل بالجعل ويصل إلى الغير أوْ لا، بل يلغو جعله ولا يصل إليه.

والعبادات أنواع: مالية محضة كالزكاة، وبدنية محضة كالصلاة والتلاوة والذكر والدعاء، ومركبة منهما كالحج، فالإمام مالك والإمام الشافعى -رضى اللّه عنهما- لا يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة، بل غيرها كالصدقة والحج، والسادة الحنفية يقولون بوصول العبادات مطلقًا. وخالف في كل العبادات المعتزلة وتمسكوا بقوله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}

(1)

وسعى غيره ليس سعيه، وهى وإن كانت مسوقة إخبارًا عما في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام فحيث لم يتعقب بإنكار: كان شريعة لنا على ما عرف.

والجواب: أن الآية وإن كانت ظاهرة فيما قال المعتزلة لكن يحتمل أنها منسوخة أو مقيدة، وقد ثبت ما يوجب المصير إلى ذلك وهو ما في الصحيحين "أنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته" والملحة: بياض الشعر يشوبه شعرات سود، وفى "سنن ابن ماجه" من حديث عائشة وأبى هريرة

رضى اللّه عنهما: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحى يشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين فذبح أحدهما عن أمته ممن شهد للّه بالوحدانية وله بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وآل محمد" وموجوءين: خصيين، ورواه ابن

(1)

[سورة النجم: الآية 39].

ص: 245

أبى شيبة عن جابر: أنه صلى الله عليه وسلم أتى بكبشين أملحين عظيمين أقرنين موجوءين فأضجع أحدهما وقال: "بسم اللَّه واللَّه أكبر، اللهم عن محمد وآل محمد"، ثم أضجع الآخر وقال:"بسم اللَّه واللّه أكبر، اللهم عن محمد وأمته ممن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ"، وكذا رواه إسحاق وأبو يعلى في مسنديهما، وبالجملة فقد روى هذا عن عدة من الصحابة وكثر مخرجوه، فلا يبعد أن يكون القدر المشترك -وهو أنه ضحى عن أمته- مشهورًا يجوز تقييد الكتاب به بما لم يجعله صاحبه.

أو ننظر إليه وإلى ما رواه الدارقطني: أن رجلًا سأله صلى الله عليه وسلم فقال: كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: "إن من البر بعد الموت أن تصلى لهما مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك"، وإلى ما روى عن أنس -رضى اللّه عنه-: أنه سأله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه إنا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال:"نعم إنه ليصل إليهم وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه" رواه أبو حفص الكبير العكبرى. فهذه الآثار وما قبلها، وما في السنة أيضًا من نحوها عن كثير قد تركناه خشية الإطالة، يبلغ القدر المشترك بين الكل -وهو أن من جعل شيئًا من الصالحات لغيره نفعه اللّه به- مبلغ التواتر.

وكذا ما جاء في الكتاب الحكيم من الأمر بالدعاء للوالدين في قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}

(1)

، ومن الإخبار باستغفار الملائكة للمؤمنين قال تعالى:{وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ}

(2)

، وقال تعالى:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}

(3)

، وساق عبارتهم: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ}

(4)

قطعى في حصول الانتفاع بعمل الغير فيخالف ظاهر الآية التى استدلوا بها؛ لأن ظاهرها أنه لا ينفع استغفار أحد لأحد بوجه من الوجوه لأنَّه ليس من سعيه، فلا يكون له منه شيء، فقطعنا بانتفاء إرادة ظاهرها على

(1)

[سورة الإسراء: الآية 24].

(2)

[سورة الشورى: الآية 5].

(3)

[سورة غافر: الآية 7].

(4)

[سورة غافر: الآيات 7 - 9].

ص: 246

صرافته فتتقيد بما لم يهبه العامل، وهو أولى من النسخ.

(أما أولًا): فلأنه أسهل إذ لم يبطل بعد الإرادة.

(وأما ثانيًا): فلأن الآية من قبيل الخبر ولا يجرى النسخ في الأخبار، وما يتوهم جوابًا من أنه تعالى أخبر في شريعة إبراهيم وموسى عليهما السلام ألا يجعل الثواب لغير العامل، ثم جعله لمن بعدههم من أهل شريعتنا، حقيقة مرجعه، إلى تقييد الإخبار لا إلى النسخ؛ لأن حقيقته أن يراد المعنى ثم ترفع إرادته، وهذا تخصيص بالإرادة بالنسبة إلى أهل تلك الشرائع، ولم يقع نسخ لهم، ولم يرد الإخبار أيضًا في حقنا ثم نسخ.

وأما جعل اللام في "للإنسان" بمعنى على فبعيد من ظاهرها، ومن سياق الآية أيضًا، فإنها وعظ للذى تولى وأعطى قليلًا وأكدى، وقد ثبت في ضمن الجواب عن قول المعتزلة الجواب عن قول الإمام مالك والإمام الشافعى -رضى اللّه عنهما- في العبادات البدنية بما في الآثار. ا هـ من "فتح القدير" بتصرف واللّه الموفق للصواب.

وفى "شرح الإحياء" ما ملخصه: اتفق أهل السنة على أن الأموات ينتفعون من سعى الأحياء بأمرين: أحدهما ما تسبب إليه الميت في حياته، كأن كان قدوة صالحة في عمل أو معلمًا له، فإنه ينتفع بعمل من أرشدهم بقوله أو فعله زيادة على انتفاعه بأصل ذلك القول أو الفعل، والثانى دعاء المسلمين واستغفارهم له والصدقة والحج. واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر، فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها والمشهور من مذهب الشافعى ومالك عدم وصولها، وذهب بعض أهل الكلام (المعتزلة) إلى عدم وصول شيء البتة لا الدعاء ولا غيره، وقوله مردود بالكتاب والسنة.

واستدلاله بقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}

(1)

مدفوع بأنه لم ينف انتفاع الإنسان بسعى غيره وإنما نفى ملك غير سعيه. وأما سعى غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء بذله لغيره وإن شاء أبقاه لنفسه - وهو سبحانه لم يقل إنه لا ينتفع إلَّا بما سعى - ثم قراءة القرآن وإهداؤه له تطوعًا بغير أجرة يصل إليه. أما لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره فالوصية باطلة لأنَّه في معنى

(1)

[سورة النجم: الآية 39].

ص: 247

الأجرة كذا في الاختيار، والعمل الآن على خلافه، فالأولى أن يوصى بنية التعلم والتعليم ليكون إعانة لأهل القرآن فيكون من جنس الصدقة عنه فيجوز، ثم القراءة عند القبور مكروهة عند أبى حنيفة ومالك وأحمد في رواية لأنَّه لم ترد به السنة. انتهى.

وعند الشافعى وأحمد في رواية أخرى أن القراءة مستحبة عند القبر خاصة لتحصل للميت بركة المجاورة كمجاورة دفن رجل صالح، ووافقهما القاضى عياض والإمام القرافى من المالكية.

ويتساءلون أيضًا عن نقل الميت من بلد إلى بلد أخرى قبل دفنه وبعده؟

والجواب: أن السنة دفن الميت في مقابر المكان الذى مات أو قتل فيه، وإن نقل قدر ميل أو ميلين فلا بأس لأن مقابر البلد ربما بلغت هذه المسافة ويكره فيما زاد عن ذلك، فقد صح أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أمر بدفن قتلى أحد في مضاجعهم مع أن مقبرة المدينة على مقربة منها، ولذا دفنت الصحابة الذين فتحوا دمشق عند أبوابها، ونقل عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت حين زارت قبر أخيها عبد الرحمن كان مات بالشام وحمل منها: لو كان الأمر فيك إلى ما نقلتك ولدفنتك حيث مت.

وأما نقله بعد دفنه فلا يجوز لمدة طويلة ولا قصيرة إلا لحق آدمى، فيجوز نبشه، كما إذا دفن في أرض مغصوبة وأبى صاحب الأرض إبقاءه، أو دفن في أرض أخذت بعد دفنه بالشفعة لآخر، أما في غير هذه الأحوال فلا يجوز نبشه ولا نقل رفاته إلى مكان آخر، وكذا لم يحول كثير من الصحابة وقد دفنوا بأرض الحرب إذ لا عذر.

وأما نقل يعقوب ويوسف عليهما السلام من مصر إلى الشام ليكونا مع آبائهما الكرام فهو شرع من قبلنا ولم يتوفر فيه شروط كونه شرعًا لنا، والسر في كراهة نقله

قبل الدفن أنه اشتغال بما لا يفيد بما فيه تأخير دفنه، وكفى بذلك كراهة مع ما فيه من تعريض الميت للإهانة والقذر، وفى نقل رفاته إيذاء وإهانة، وبالله تعالى التوفيق.

وكثيراً أيضًا يسأل الناس عن الخضر عليه السلام: هل هو نبى أو ولى؟ وهل هو حى أو لا؟

والجواب: أن جمهور العلماء على أنه نبى لا رسول، وأنَّه العبد الموصوف في

ص: 248

قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}

(1)

وقيل: هو ولى وعليه الإمام القشيرى وجماعة، والمتصور ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين.

والخضر: لقبه وكنيته أبو العباس، واسمه بَلْيا بن ملكا، وكما اختلف في نبوته اختلف في حياته اليوم، فذهب جمع من المحققين إلى أنه ليس بحى اليوم، وسئل عنه الإمام البخارى وعن إلياس عليهما السلام: هل هما حيان؟ فقال: كيف هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أي قبل وفاته بقليل -: "لا يبقى على رأس المئة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". والذى في صحيح مسلم عن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته: "ما من نفس منفوسة يأتى عليها مئة سنة وهى يومئذ حية". منفوسة: مولودة، وسئل عن ذلك غيره من الأئمة فقرأ:{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ}

(2)

، وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: لو كان الخضر حيًّا لوجب عليه أن يأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه، وقد قال يوم بدر:"اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"

(3)

فكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم فأين كان الخضر يومئذ؟ انتهى.

ونقل في "البحر" عن شرف الدين محمد بن أبى الفضل المرسى القول بموته أيضاً، ونقله ابن الجوزى عن على بن موسى الرضا رضي الله عنهما، وحكى القاضى أبو يعلى موته عن بعض أصحاب محمد.

وكيف يعقل وجود الخضر عليه السلام ولا يصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة والجماعة، ولا يشهد معه الجهاد مع قوله صلوات الله عليه وسلامه عليه: "والذى

نفسى بيده لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعنى" رواه أحمد في مسنده من حديث جابر رضي الله عنه، وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى

(1)

[سورة الكهف: الآية 65].

(2)

[سورة الأنبياء: الآية 34].

(3)

رواه أحمد في مسنده من حديث عمر وغيره.

ص: 249

ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}

(1)

. إصرى: عهدى، وعند القوم من المعقول وجوه كثيرة على عدم حياته الآن.

(منها): أنه لو صح بقاء بشر من لدن آدم إلى قرب خراب الدنيا لحسن ذكر هذا الأمر العظيم في القرآن الكريم مرة على الأقل لأنَّه من آيات الربوبية في النوع الإنسانى لا سيما وقد ذكر تعمير عدو الله إبليس لعنه الله، فإذا ذكر يكون القرآن مشتملًا على ذكر معمر من الجن مبعد وذكر معمر من الإنس مقرب.

(ومنها): أن القول بحياة الخضر قول على الله تعالى بغير علم وهو حرام بنص القرآن.

أما المقدمة الثانية فظاهرة، وأما الأولى فلأن حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن الكريم والسنة أو إجماع الأمة، وهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخضر عليه السلام؟ وهذه سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماء الأمة فمتى أجمعوا على حياته؟

واتفقت السادة الصوفية قدس الله أسرارهم على أنه حى موجود بين أظهرنا واستدلوا على ذلك بأخبار كثيرة قال فيها الإمام ابن القيم: إن الأحاديث التى يذكر فيها الخضر عليه السلام وحياته كلها كذب ولم يصح في حياته حديث واحد ومن ادعى الصحة فعليه البيان.

(وصفوة القول) أن الأحاديث الصحيحة والمقدمات الراجحة العقلية تساعد القائلين بوفاته، ولا موجب للعدول عن ظواهر تلك الأخبار إلا مراعاة ظواهر الحكايات المروية (والله أعلم بصحتها) عن بعض الصالحين وحسن الظن ببعض السادة الصوفية القائلين بوجوده إلى آخر الزمان، والله تعالى أعلم بغيبه.

‌الفصل الرابع في بِدَع المَوَالِد وَأَوَّل مَن أَحْدَثها

‌الموالد:

هى الاجتماعات التى تقام لتكريم الماضين من الأنبياء والأولياء، والأصل فيها أن يتحرى الوقت الذى ولد فيه من يقصد بعمل المولد.

(1)

[سورة آل عمران: الآية 81].

ص: 250

وقد يتوسع فيها حتى تتكرر في العام الواحد كما يعمل لسيدى أحمد البدوى رحمه الله قيل: أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوى، ومولد الإمام على رضي الله عنه، ومولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومولد الخليفة الحاضر. وبقيت هذه الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش، ثم أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة بعدما كاد الناس ينسونها، وأول من أحدث المولد النبوى بمدينة اربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالموالد إلى يومنا هذا وتوسع الناس فيها وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم وتوحيه إليهم شياطين الإنس والجن.

ولا نزاع في أنها من البدع، إنما النزاع في حسنها وقبحها فالقائلون بالمنع بنوه:

(أولًا): على أنها لم يستحسنها السلف ولم يفعلوها، وما اشتملت عليه من الصدقات وجمع الناس للطعام لا يجعلها مشروعة، فإن إطعام الطعام إنما شرع في العيدين وأيام التشريق فإنه من السنن التى سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين كإعانة الفقراء بالإطعام في شهر رمضان فإنه من سنن الإسلام. وأما اتخاذ موسم غير هذه المواسم الشرعية فليس من السنة، وكذا ما اشتملت عليه من قراءة القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك فإنه وإن كان من أعظم القرب، وفيه البركة العظيمة، لكن إذا فعل ذلك بشرطه اللائق به على الوجه الشرعى لا بنية المولد. ألا ترى أن الصلاة من أعظم القرب ومع ذلك لو فعلها إنسان في غير الوقت المشروع لها لكان مذمومًا.

(وثانيًا) ما تشتمل عليه هذه الموالد من المفاسد المحرمة والمكروهة، فمن المحرمة إضاعة الأموال بكثرة الوقود في المساجد والطرق وإيقاد الشموع والمصابيح في

الأضرحة وكل ما يرجع إلى الإسراف والتبذير، وفى الحديث:"إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" رواه مسلم.

(ومنها): انتهاك حرمة المساجد بتقذيرها وكثرة اللغط فيها ودخول الأطفال حفاة أو بالنعال فلا يكاد يتيسر لأحد إقامة الشعائر

ص: 251

في مسجد يعمل فيه مولد.

(ومنها): خروج النساء متبرجات مع اختلاطهن بالرجال إلى حد لا يؤمن معه وقوع الفاحشة، وناهيك ما يكون من البغايا وتطلبهن الفاحشة جهارًا.

(ومنها): استعمال الأغانى وآلات الطرب على الوجه المحرم بالإجماع، وغير ذلك ممَّا يفسد أخلاق الأمة ويبعث في نفوس الشبان روح العشق والميل إلى الفجور.

(ومنها): قراءة القرآن على غير الوجه المشروع فيرجعون فيه كترجيع الغناء غير مراعين فيه ما يجب له من الآداب، وفى وقت اللغط، والسنة في تلاوته أن تكون بحزن وخشوع، قال صلوات الله وسلامه عليه:"اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" رواه ابن ماجه من حديث سعد بن أبى وقاص بسند جيد، وبعض القراء يفتتح مجلس المولد بقراءة شيء من القرآن، ثم يشرع في قراءة قصة المولد النبوى قليلًا، ثم يأخذ في الغناء بقصائد الغزل، فترتفع أصوات السامعين بالاستحسان، وينقلب إلى مجلس لهو وعبث بكرامة المسجد، وكل ذلك مع ما فيه من تعريضه للإهانة وعدم الاحترام لكتاب الله تعالى ضد ما وصف الله به المؤمنين عند سماع كلامه حيث قال:{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}

(1)

.

وممَّا يشعر بالاستهانة والاستخفاف بكتاب الله تعالى وإن لم يقصد الفاعل ذلك شرب الدخان في مجلس القرآن الكريم خصوصًا إذا كان ممن يقرب منه حال القراءة، والتشويش عليه، والإعراض عنه، لظاهر قوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}

(2)

. والاستماع: الإصغاء، والإنصات: السكوت، فإن ظاهر هذه الآية الكريمة يقتضى وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وهو قول الحسن البصرى وأهل الظاهر، تعظيمًا له واحترامًا، وبذلك يرجى الفوز بالرحمة.

قال العلامة الشبراوى في "شرح الورد" نقلًا عن شيخه السباعى: الذى ندين الله عليه حرمة شرب الدخان في مجلس القرآن، ولا وجه للقول بالكراهة، وإذا كان الحديث الدنيوى في مجلس القرآن منهيًّا عنه

(1)

[سورة المائدة: الآية 83].

(2)

[سورة الأعراف: الآية 204].

ص: 252

فشرب الدخان في مجلسه أولى بالنهى لما فيه من الرائحة الكريهة وإن كان شاربوه لا يدركون ذلك للألف والعادة، كالذين تعودوا معالجة المواد البرازية لا يتألمون من رائحتها، وإذا كان العقلاء يرون من الآداب أن لا يشرب الدخان بحضرة ملوك الدنيا وأمرائها أفلا يرون ذلك مخلًّا بالآداب في وقت مناجاة ملك الملوك بقراءة القرآن!؟ وكم من شيء لا يمنع بغير حضرة الملوك ولكن يمنع بحضرتهم. فعلى فرض أن شرب الدخان مكروه في غير مجلس القرآن فهو في مجلس القرآن لإخلاله بالأدب في حضرة كلام ذى العظمة والجبروت محرم، ألا ترى أن كثيرًا من الأشياء مباح خارج الصلاة لكنه يحرم في أثنائها وإن لم يبطلها وما ذاك إلا لإخلاله بآداب الوقوف بين يدى الله تعالى. انتهى.

ولنضرب لذلك مثلًا يوضحه لك ويزيدك إيمانًا به: لو أن ملكًا أصدر قانونًا يتضمن شيئًا من مصالح الرعية كنظام الضرائب، ومناوبات الرى، وحفر الأنهار، وأمر عماله في الأقاليم أن يجمعوا العمد والمشايخ وأرباب المصالح في البلاد ويقرءوا عليهم هذا القانون ويشددوا عليهما في تنفيذه واحترامه، فاجتمعوا وقام فيهم عمال الملك يتلون عليهم هذا القانون كما أمروا، ففى أثناء تلاوته رأى أحد العمال رجلين يتكلمان أو أحدًا يشرب الدخان في مجلس الاجتماع ماذا يكون الحال؟ أليس يغضب التالى للقانون من ذلك إن لم يعاقب بالطرد، لما في ذلك من انتهاك حرمة القانون وتاليه.

فإذا كان هذا في قانون الملك المخلوق، فما بالك بقانون ملك الملوك الخالق القادر رب الأرباب ومالك العباد، وفيه من ضروب الصالح والفوائد ما يضمن لمن اهتدى بهديه سعادة الدنيا والآخرة.

(ومنها): تطلب الرياء والسمعة بما ينفق في سبيل المولد فترى الأغنياء يتنافسون في الليالى التى يحيونها بأسمائهم وكل يجتهد في أن تكون ليلته أحسن الليالى (ليقال).

(ومنها): إقامة حلقات للذكر المحرف في المساجد أيام المولد مع ارتفاع أصوات المنشدين مع التصفيق الحاد من رئيس الذاكرين (بل الراقصين)، وقد يضربون على

البازة أو السلامية أثناء الذكر، وفى المسجد،

ص: 253

وكل ذلك غير مشروع بإجماع العلماء، ولم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين ولا عهد الأئمة الأربعة المجتهدين رضي الله عنهم أجمعين.

(ومن المكروهة): قراءة القرآن على قارعة الطريق وفى الحوانيت كما سبق لك.

(ومنها): التكلف الذى يقع منهم في الوفاء بشهواتهم.

(ومنها): الإفراط في السهر الذى يترتب عليه تضييع الصلوات وضرر الأبدان.

(ومنها): شد الرحال إلى البقاع النائية وإهمال المزارع والصنائع والبيوت حتى تصير عرضة للتلف وسطو اللصوص .. إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى على بصير تركناه خوف الإطالة.

(وأما القائلون بالجواز) وأن الموالد بدعة حسنة فقالوا: إن ما اشتمل منها على محرم أو مكروه فليس بحسن، بل حرام أو مكروه وإنما ندعى حسن ما اشتمل على خير فقط كإطعام الطعام وذكر الله وقراءة القرآن وتلاوة قصة مولده الشريف وقصائد مدحه عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك مندوب إليه كما لا يخفى، وبهذا يسقط الدليل الثانى للقائلين بالمنع، ثم استدلوا على حسنها بدليلين:

الأول: عموم الأدلة الدالة على مندوبية قراءة القرآن وذكر الله تعالى وعلى حسن تعظيم النبي صلوات الله وسلامه عليه بالثناء عليه وإظهار شمائله وفضائله وتبيين معجزاته، وعلى رغبة الشارع في إطعام الفقراء والتصدق على المساكين مع العلم بأن مندوبية ما ذكر بناء على هذه الأدلة العامة لم تتقيد في نظر الشارع بأوقات أو أمكنة مخصوصة ولم يعتبر فيها قيود خاصة، ألا ترى مثل قوله صلوات الله وسلامه عليه:"لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلَّا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده" رواه مسلم، وروى أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قال لقوم جلسوا يذكرون الله تعالى ويحمدونه على أن هداهم للإسلام:"أتانى جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبرنى أن الله تعالى يباهى بكم الملائكة". قال ابن حجر الفقيه: وفى الحديثين دليل واضح على فضل الاجتماع على الخير والجلوس له وأن الجالسين على خير كذلك يباهى الله بهم الملائكة وتنزل عليهم السكينة

ص: 254

وتغشاهم الرحمة ويذكرهم الله تعالى بالثناء عليهم بين الملائكة،

فأى فضائل أجل من هذه، فبدعة المولد وإن لم تنقل عن أحد من السلف الصالح أعنى القرون الثلاثة المشهود لها بالخير لكنها حسنة مندوبة لانطباق قواعد الندب وأدلته العامة عليها. اهـ.

ولعل الخلق لما رأوا بعد عهد الناس بالنبوة وكثرة اهتمامهم بأمر دنياهم استحسنوا عمل هذه الموالد مشتملة على تاريخ من تقام له وبيان أعماله وفضائله وكراماته ونشر ذلك على العامة والخاصة والشيوخ والأطفال على هذا الوجه المعروف المشتمل على إظهار الفرح والسرور بالأنبياء والأولياء، وفى هذا تنبيه لهم على التخلق بأخلاقهم والسير على طريقهم.

(وأما السلف) فلم تكن لهم حاجة إليه لقرب عهدهم بنور النبوة ومزيد عنايتهم بنشر نعوته عليه الصلاة والسلام بين الناس فلهذا لم يزل أهل الإسلام يحتفلون في شهر مولده خصوصًا في ليلته بعمل المولد الشريف.

الدليل الثانى: ما في الصحيحين: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى فيه موسى فنحن نصومه شكرًا لله تعالى فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بصيامه". فيستفاد من ذلك فعل الشكر لله تعالى، على ما من الله به في يوم معين من إسداء نعمة ودفع نقمة، ويعاد في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يكون بأنواع الطاعة وأعمال البر كالسجود والصيام والتلاوة والصدقة، وأى نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذى هو نبى الرحمة في ذلك اليوم، وإجمالًا يستحب لنا إظهار الشكر له تعالى بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام وما إلى ذلك من أنواع البر وإظهار السرور. قال العلامة أبو شامة: إن من أحسن ما أحدث في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعل ذلك وشكر الله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله الذى أرسله رحمة للعاملين - صلى الله

ص: 255

عليه وسلم - اهـ. وبهذا يسقط الدليل الأول للقائلين بالمنع.

ونقول لهم: لكن بقى النظر في هذه الموالد التى تقام في هذه الأزمان ولا شبهة أنها لا تخلو عن المحرمات والمكروهات، وقد أصبحت مراتع للفسوق

والفجور، وأسواقًا تباع فيها الأعراض وتنتهك محارم الله تعالى، وتعطل فيها بيوت العبادة، فلا ريبة قى حرمتها، والمصلحة المقصودة منها لا تبيح هذه المحظورات التى فيها، ويمكن تأديتها من غير هذا الوجه.

(والقاعدة): أن درء المفاسد مقدم على جلب الصالح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى من الخير بما تيسر، وفطم عن جميع أنواع الشر حيث قال:"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" متفق عليه، فهو صريح في أن الشر وإن قل لا يرخص في شيء منه والخير يكتفى منه بما تيسر.

ولو لم يكن في الموالد الآن إلا اتخاذ قبور الأنبياء والأولياء عيدًا لكفى في المنع منها، فقد روى أبو داود بإسناد حسن عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:"لا تجعلوا بيوتكم مقابر ولا تجعلوا قبرى عيدًا وصلوا على أينما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم". وأخرج سعيد بن منصور عن سهيل بن أبى سهيل قال: رآنى الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب رضي الله عنه عند القبر فنادانى وهو ببيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريد، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لذا دخلت المسجد؟ ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا بيتى عيدًا ولا بيوتكم مقابر وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم".

ومعنى اتخاذه عيدًا: أن يقصد بالتوجه إليه مرة بعد أخرى ويظهر عنده الفرح والسرور وتقع عنده العبادة وذبح الذبائح وإطعام الطعام على نحو ما كان يفعله أهل الجاهلية عند الأوثان، والنهى عن اتخاذ البيوت قبورًا في معنى الأمر بتحرى النافلة في البيوت حتى لا تكون بمنزلة القبور النهى عن تحرى العبادة عند القبور، وأشار بقوله:"فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم" إلى أن القرب من قبره والبعد عنه سواء فلا حاجة

ص: 256

بكم إلى اتخاذه عيدًا كما اتخذ المشركون من أهل الكتاب قبور أنبيائهم وصالحيهم عيدًا من أعيادهم التى كانوا عليها قبل الإسلام، وقد كان لهم أعياد زمانية ومكانية أبطلها الله تعالى بالإسلام وعوض عن أعيادهم الزمانية محمد الفطر والنحر وأيام منى، وعن المكانية الكعبة البيت الحرام وعرفات ومنى والمشاعر كما سبق ذلك في بدع المقابر والأضرحة.

قال ابن حجر في فتاويه: الموالد والأذكار التى تفعل عندنا أكثرها مشتمل على

خير كصدقة وذكر وصلاة وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدحه، وعلى شر بل شرور، ولو لم يكن فيها إلا رؤية النساء للرجال الأجانب لكفى، وبعضها ليس فيه شر لكنه قليل نادر، ولاشك أن القسم الأول ممنوع للقاعدة المشهورة المقررة:(إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) فمن علم وقوع شيء من الشر فيما يفعله من ذلك فهو عاص آثم، وبفرض أنه لو عمل في ذلك خير فربما خيره لا يساوى شره. ألا ترى أن الشارع صلى الله عليه وسلم اكتفى من الخير بما تيسر وفطم عن جميع أنواع الشر حيث قال:"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" فتأمله تعلم ما قررته من أن الشر وإن قل لا يرخص في شيء منه، والخير يكتفى منه بما تيسر.

(والقسم الثانى): سنة تشمله الأحاديث الواردة في الأذكار المخصوصة والعامة كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده" رواه مسلم، وروى أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قال لقوم جلسوا يذكرون الله تعالى ويحمدونه على أن هداهم للإسلام:"أتانى جبريل عليه السلام فأخبرنى أن الله تعالى يباهى بكم الملائكة" اهـ.

وبما ذكرنا يتبين لك أن الاختلاف بين الفريقين في حسن الموالد وقبحها ليس اختلافًا حقيقيًّا في موضوع واحد وإنما هو اختلاف اسمى تابع لاختلاف موضوع الحكم، فالقسم الذى يحكم عليه الفريق الأول بالذم لا يستحسنه الفريق الثانى، كما أن القسم الذى حكم فيه الفريق الثانى بالحسن لا يذمه الفريق الأول وبالله تعالى التوفيق.

* * *

ص: 257

‌الفصْل الخامس في مُنكرات الأفْرَاح

الكلام في الأفراح لا يخرج عنه في الموالد، وإذا وزنت أعمال الناس في الأفراح اليوم بميزان الشرع الشريف ظهر لك الحكم فيما ابتدعوا فيها، ولا يعزب عنك أن الأفراح اليوم قد حوت من البدع ضروبًا كثيرة، سواء كانت من اختصاصات الأفراد كالذى يعمل في الأعراس، عند قدوم الحاج، وعند حدوث نعمة أو دفع نقمة، أو كانت من اختصاصات الأمم والجماعات كالذى يصنع للملوك من عيده الجلوس والميلاد فإنك ترى الناس حتى العقلاء لا يقصدون منها إلا الرياء والافتخار، والبسطاء يضمون إلى ذلك خلع عذار الحياء، يرون أن بالأفراح يرتفع التكليف فيأتون بالألاعيب المخجلة والأساليب المعيبة.

فمن منكرات الأفراح أن يجتمع إخوان العريس قبل الزفاف بليلة ويؤتى بالأسطى المزين ليخضب بالحناء يديه ورجليه مع أنه حرام على الرجال إلا من عذر، وفى ليلة الزفاف يحميه بالماء مكشوف العورة أمام الإخوان الذين يصفقون حوله مع الغناء، وكذا تصنع القابلة بالعروس وذا كله من أعمال الجاهلية.

(ومنها): ما يكون وقت الزفاف من تبرج النساء واختلاطهن بالرجال.

(ومنها): اجتماع الأحداث يحملون الشموع وباقات الأزهار وينشدون الأناشيد، وكل ذلك منكر شرعًا لما فيه من إضاعة المال لغير غرض شرعى، وباجتماع الأحداث بثيابهم الفاخرة يعتادون الخلاعة وينشئون على سيئ الأخلاق.

(ومنها): التكلف في الأفراح فوق طاقتهم بإعداد المعدات وصنع ألوان الأطعمة وربما أضافوا إليها أنواع الخمر تطييبًا لنفوس المدعوين.

(ومنها): آلات اللهو والطرب غير المباح، وربما كان المغنى امرأة، والمسلم منهم إذا أحيا العرس بقراءة القرآن أو قصة المولد تقع قراءته على غير الوجه المشروع.

ومن البدع الضارة بدعة الإسراف في جهاز العروس والتغالى في مهرها، وقد انتشرت تلك البدعة في بلادنا اليوم فكانت عاقبتها خسرًا ووبالًا. ضرر بين، وفقر

حاضر، وخراب عاجل، وهم دائمًا يقولون

ص: 258

لابد للعروس أن تصحب جهازًا فيه من الحلى ما غلا ثمنه وخف حمله، ومن الثياب ما علت قيمته، ولان ملمسه، وتعددت أشكاله، وتنوعت أصنافه وأزياؤه، يشرع والد العروس في إعداد ذلك الجهاز حتى إذا نفد ما في يده مدها إلى المرابين واستدان بالربا الفاحش خوفًا من انتقاد النساء، فيستمر في الاستدانة ويستمر النساء في الطلب فما ينتهى من الجهاز إلا وقد أحاط الدين بماله إن كان ثريًّا، وتذهب العروس إلى بيت زوجها تفرح به ويفرح بها، وتأنس به ويأنس بها، وتترك والدها يقاسى هموم الدين ويذوق آلامه، ومعظم الجهاز قد فنى وتبدد وما بقى منه فقلما يستعمل.

ومن مضار ذلك الجهاز والتغالى فيه أن والد الفتاة يلزم الخاطب بالمهر الفادح ليستعين به والد الخطيبة على هذا الجهاز الثقيل، وكثيرًا ما يلجأ الخاطب أو أهله إلى الاستدانة من المرابين نعوذ بالله من سخطه، فيبتدئ هذا الخاطب حياته بالهم الدائم والشقاء الستمر، يقول لقمان لابنه:"يا بنى إياك والدين فإنه هم بالليل وذل بالنهار". لم هذا التفانى والتغالى في المهر ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول: "خير الصداق أيسره"؟ رواه أبو داود، أي أسهله على الخاطب، والخيرية بركة المرأة ففى الحديث:"أبركهن أيسرهن مؤنة"، وروى أحمد وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها:"إن من يُمْن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها" فيستحب تخفيف المهر والرضا بما يطيقه الخاطب ويكره الغلو فيه، هذا إلى ما في التغالى في المهور من إحجام الشبان عن الزواج وفى ذلك ما فيه من الشر والفساد.

ويا ليت هذا الإنفاق كان في شيء نافع للعروسين، بل إن الجهاز في هذا الزمان أصبح من الأمور الصورية التى تتمتع بها الأنظار ولا ينتفع بها كثيرًا في مرافق الحياة، وقد أدرك ذلك يعض العقلاء فخففوا المهور، واقتصروا على النافع من الجهاز، بل على الضرورى منه، فعسى أن يكونوا قدوة حسنة لغيرهم فتحسن الحال وتحفظ الثروة من الضياع.

ومن منكرات الأفراح ما يكون في جماعة النساء اللائى يُدْعَيْنَ للعرس من الإسراف والتبذير: ثياب جديدة متنوعة الأزياء وحلى بديعة متغايرة

ص: 259

الأصناف

والأشكال، وأموال تدفع للمغنيات والراقصات والماشطات، ممَّا يفقرن به أزواجهن ويحملهم ما لا يطيقون، فلا يلبث أن ينقلب ذلك الفرح غمًّا على أقارب العروسين وعبئًا ثقيلًا على جيرانهم وأحبابهم، وناهيك بما يكسبنه من الأخلاق الرديئة والصفات الذميمة والألفاظ البذيئة التى تكون عادة في أمثال تلك الأفراح، ولقد أدرك هذا أيضًا بعض العقلاء وفطنوا لما فيه من الخطر على الأخلاق فأصبحوا يقتصرون على دعوة أهل العروسين وبعض أقاربهم وإعداد ما لابد منه ممَّا لا يحتاج إلى كثير من النفقات وبذلك حفظوا أموالهم من الضياع وأقاموا الدين وأحيوا سنة سيد المرسلين.

(ومنها): وهو من أشنع البدع وأقبح العادات فض البكارة بالأصبع فإنه مع مخالفته للسنة المحمدية كثيرًا ما يضر بالعروس ويسبب لها العقم ويورثها في الغالب داء الرهقان، وكل ذلك ضرر لا تخفى حرمته.

(ومنها): الطواف حول القرية بقميص العروس ملوثًا بدم البكارة، بل دم الجناية على هذا العضو الرقيق من ذلك الوحش الذى لا يراقب الله تعالى في هذه المسكينة في أحرج الأوقات، ولهم في طوافهم بالقميص وحين فض البكارة كلام تخجل منه الإنسانية، وقد ماتت هذه البدعة السيئة لدى الأغنياء والأوساط الراقية ولكنها باقية مقدسة في الفقراء والطبقات المنحطة وهى من بقايا الجاهلية.

(ومنها): صلاة العروس ركعتى التحية عندما يقدم على ارتكاب هذه الجناية، يفعلهما بين يديها وربما سجد بين شعبها كما تأمره القابلة. نعوذ بالله من الضلال.

(ومنها): تخصيص الدعوة إلى الوليمة بالأغنياء وطرد الفقراء وقد قال صلى الله عليه وسلم: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء" متفق عليه من حديث أبى هريرة رضي الله عنه.

(ومن بدع الأفراح) شراء تمثال غلام ضمن جهاز العروس يوضع على الباروه لتنظر إليه إذا حملت ليأتى ابنها على صورته وجميلًا مثله. وهذا جهل بالله وشئونه في خلقه، وهو تعالى يقول:{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

(1)

.

(ومن بدع الأفراح) ما يكون في يوم المحمل الشريف والاحتفال

(1)

[سورة آل عمران: الآية 6].

ص: 260

بالكسوة، فإن في ذلك من المفاسد والمحرمات ما لا يخفى على أحد. فيجب على كل عاقل ذى دين غيور على الحرمات أن يمنع بتاتًا حيث لا يمكن الإتيان بهذه الرسوم خالية عن هذه المنكرات، ومن عجز عن تغيير المنكر وجب ابتعاده عنه وبالله تعالى التوفيق.

‌الفصل السادس في بِدَع الأعْيَاد والمَوَاسِم

أعلم أن لله تعالى نفحات يتعرض لها الموفقون من عباده، ويغفل عنها المخذولون، وأنَّه عزت قدرته، وجلت حكمته قد فضل بعض الأيام والليالى والأشهر على بعض حسبما اقتضته حكمته البالغة، ثم أرشد عباده إليها طالبًا منهم أن يجدوا في وجوه البر ويكثروا فيها من صالح الأعمال، عسى أن يمسهم شيء من رضوانه وإحسانه. والأعياد والمواسم هى تلك الأوقات الفاضلة التى رسمها الشارع لطلب القرب منه والقيام بشكره على ما تفضل به من جلائل النعم. والعيد ما يكثر عوائد الله فيه بالإحسان على عبيده، والمواسم معالم الخيرات ومظان التجارات التى بالغفلة عنها يفوت الربح العظيم، كما أن البضائع لا تروج إلا في مواسم خاصة، والله تعالى إذا أحب عبدًا شرح صدره للخير، واستعمله في هذه الأوقات الفاضلة في أفضل الأعمال ليثيبه أفضل الثواب.

ولكن الشيطان لعنه الله قد آلى على نفسه أن يصد الناس عن سواء السبيل ويقعد لهم بكل صراط مستقيم ليحول بينهم وبين إحسان الله ورحمته ويقذف بهم في مهاوى الشقاء والحرمان، فزين لهم أن هذه الأوقات اعتبرت مجالًا للراحة واللعب وميدانًا للذات والشهوات، ورسم لهما فيها من ضروب الهوى والغواية ما استمال به قلوبهم، وصرفهم بذلك عن الهدى والرشد، ووضع لهم مكان كل سنة بدعة، حتى تعرضوا فيها لمقت الله وغضبه بدل رضوانه وإحسانه، مع أن الدين واضح، والحلال بين، والحرام بين، والسنة جلية نيرة، والبدعة خفية مظلمة فلا تكون السنة يومًا بدعة كما لا تكون البدعة يومًا سنة إلا إذا عميت البصائر وانصرفت النفوس عن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار كل وراء شهوته

ص: 261

وهواه {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

(1)

.

فلاريب أن السير وراء الهوى يعمى باصرة القلب حتى لا يدرك للخير سبيلًا،

نعوذ بالله من الخذلان، عن سهل بن عبد الله التسترى

(2)

: "من أخذ مهنأه في هذه الأيام الخمسة لم ينل مهنأه في الآخرة". أراد العيدين والجمعة وعرفة ويوم عاشوراء، وعنه أيضًا:"أيام يرجى فيها الفضل من الله، فإذا اشتغلت فيها بهواك ومتعت فيها النفس بالشهوات فمتى ترجو الفضل والمزيد؟ "، وعن الإمام الشافعى رحمه الله:"بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتى العيد، وليلة الجمعة"، وعنه صلى الله عليه وسلم "من أحيا ليلة الفطر والأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" رواه الطبرانى في "الأوسط" و "الكبير". والإحياء يكون بالذكر والصلاة وغيرهما من الطاعات، وسنذكر لك شيئًا ممَّا شرعه الله في هذه الأعياد والمواسم وما زينه الشيطان فيها من البدع فتنة للناس فنقول:

(العيدان الأول والثانى: الفطر والأضحى)

من الأعياد الشرعية الفطر والأضحى شرع الله إحياء ليلتيهما بالعبادة للحديث السابق، ولحديث أبى أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام ليلتى العيدين محتسبًا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" رواه ابن ماجه ورواته ثقات، وجعل الجزاء حفظ القلوب من الموت يوم تموت القلوب وموتها يكون بشغفها بحب الدنيا أخذًا من حديث:"لا تدخلوا على هؤلاء الموتى"، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "الأغنياء"، وقيل:"الكفرة" لقوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ}

(3)

: أي كافرًا فهديناه. وقد أغفل الناس هذه السنة وتشاغلوا في ليلتى العيد بالمبيت في المقابر أو بتدبير شهواتهم التى يأتونها أيام العيدين. وشرع الله - من غروب الشمس ليلتى العيد إلى الدخول في الصلاة - والتكبير مع رفع الصوت ندبًا في المنازل والأسواق والطرق ليلًا ونهارًا إظهارًا لشعار العيدين، وقد أهمل الناس هذه السنة حتى لو أتى

(1)

[سورة القصص: الآية 50].

(2)

بضم التاء الأولى وفتح الثانية، ويجوز ضمهما منسوب إلى تستر مدينة بخوارستان، سكن البصرة، وصحب ذا النون المصرى، تُوفِّى سنة ثلاث وثمانين.

(3)

[سورة الأنعام: الآية 122].

ص: 262

بها مسلم لعد مبتدعًا، وشرع الاغتسال للعيدين، كما شرع الذهاب إلى الصلاة من طريق والرجوع من أخرى، وأن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر ويتركه في الأضحى حتى يضحى، فهذه سن أيضًا أهملها الناس وقليل فاعلها وكأنه شاذ في نظرهم.

ومن العادات السيئة تهاون العامة بسماع الخطبتين، فترى أكثرهم يسارع

بالخروج من المسجد عقب فراغ الإمام من الصلاة، وبعضهم ينتظر الخطبة الأولى فقط، وكل ذلك ترك للسنة وفيه إعراض عن سماع الموعظة، وقد دعى إليها بدعاء الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما يقع بقيام الناس حينئذ التهويش على الخطيب والمستمعين، وتقدم بسطه في بدع المساجد.

ومن البدع اشتغالهم عقب الصلاة بزيارة الأولياء أو القبور قبل الذهاب إلى أهليهم، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج مع الصحابة إلى الصحراء لصلاة العيد، وكان يذهب من طريق ويرجع من أخرى، ولم يثبت أنه زار قبرًا في ذهابه أو إيابه مع وقوع المقابر في طريقه، بل قال في عيد الأضحى:"أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى ثم نرجع فننحر، من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا" متفق عليه، وهذا من تلبيس الشيطان، فإنه لا يأمر بترك سنة حتى يعوض لهم عنها شيئًا يخيل إليهم أنه قربة، فعوض لهم عن سرعة الأوبة إلى الأهل زيارة القبور، وزين لهم أن ذلك في هذا اليوم من البر وزيادة الود لهم، وفى زيارة القبور في غير هذا اليوم ما لا يعد من البدع والمحرمات، فكيف بها في هذا اليوم الذى أرسلت فيه الشهوات وانتهكت الحرمات؟

واختلف في التهنئة بالعيد والأشهر والأعوام، قيل: بدعة، وقيل: مباحة، لا سنة فيها ولا بدعة واختار الحافظ ابن حجر أنها مندوبة، فقد وردت في قول الناس بعضهم لبعض في يوم العيد: تقبل الله منا ومنك، أخبار وآثار ضعيفة يعمل بمجموعها في مثل ذلك ومشروعية التعزية تدل على عموم التهنئة لما يحدث من نعمة أو يزول من نقمة.

ومن البدع التهاون بأمر الأضحية، فمنهم من يتركها ومن لم يتركها يأتى بها على غير الوجه المشروع فيها وهى أهم ما شرع في عيد الأضحى حتى قيل بوجوبها، فمنهم من يذبح يوم عرفة أو ليلة العيد أو فجر يوم

ص: 263

النحر أو عند طلوع الشمس وكل ذلك خلاف المشروع لما في الصحيحين: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى ثم نرجع فننحر من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء"، ومنهم من لا يراعى السن المجزئة فيها والصفات المعتبرة، ويأنفون من مباشرة الذبح، ومنهم من لا يحسنه وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وعند عدم المباشرة لا يوكل الغير، ويأنف من حضور الأضحية، والسنة إذا لم يباشرها أن يحضرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها:

"قومى إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك" رواه البزار وابن حبان.

وعلى الجملة: من تتبع أحوال الناس في العيدين يعلم أنهم تبدعوا فيها كثيرًا، وتلاعبت بهم الأهواء حتى خرجوا بهما عن الحد المشروع فيهما، وجعلوهما أيام لعب، وأكثروا فيهما من المخازى والمنكرات وشرب الخمور وحضور الملاهى والعكوف على أماكن الفسوق والفجور.

ومن البدع تهافت الرجال والنساء فيهما على زيارة القبور، وتواطؤ الجميع على البيات فيها ويتكلفون لذلك ما لا يرضاه الشرع وينتهكون حرمات الله، وما ينال الموتى من الإيذاء فوق ما يصل إليهم، وأنى تصل إليهم رحمة من هؤلاء وإنما يتقبل الله من المتقين؟ وقد سبق بسط هذا في بدع المقابر والأضرحة وبالله تعالى التوفيق.

* * *

‌العِيد الثَّالث يَوم الجُمُعَة وَمَا أحَدَث فيه

من الأعياد التى اعتبرها الشارع ورغَّب الناس فيها يوم الجمعة، شرع لهم فيه أنواع العبادة من الذِّكْر وقراءَة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء والاغتسال والسواك والطيب وإزالة الشعر والظفر ولبس أحسن الثياب والتبكير إلى المساجد، (فقد) أخرج ابن ماجه بإسناد حسن عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيب فليمس مند، وعليكم بالسواك"، وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:

ص: 264

"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه: خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها" رواه مسلم، وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تطلع الشمس على يوم أفضل من يوم الجمعة" رواه ابن حبان في صحيحه، وفيه أيضًا حديث تميم بن أوس: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم

الجمعة"، وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلى ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" رواه البخارى. وفى يوم الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا أعطاه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، فعن أبى هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: "فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه. وأشار بيده يقللها" متفق عليه، وفى الحديث: "من مات يوم الجمعة وقى عذاب القبر"، وفى آخر: "ما من مسلم يموت ليلة الجمعة أو يومها إلا وقاه الله فتنة القبر" رواه الترمذى من حديث ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وضعفه. وهذا قليل من كثير في فضل يوم الجمعة وخصائصها.

ثم إن الناس قد تعودوا فيه الراحة من أعمالهم وعطلوا فيه وظائفهم نظرًا إلى أنه يوم عيد للمسلمين، وهذا حسن لو أنهم قصدوا بذلك التفرغ لهذه الوظائف الشرعية، ولكن الشيطان لم يدع الناس حتى شغلهم بما يبعدهم عن الله تعالى وزين لهم إنه يوم لهو ولعب وفسق وفجور واسترواح النفس بكل ما تهواه فوقعوا في كثير من البدع وهكذا الشيطان يكيد لبنى الإنسان {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}

(1)

.

(فمن البدع المكروهة) اجتماع كثير من العامة ليلة الجمعة في بعض المساجد أو المساكن يذكرون الله تعالى، وربما استغرقوا معظم الليل، وقد نهى الشارع عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى، ومثل القيام غيره ممَّا يتحقق يه إحياء الليلة، فقد أخرج مسلم عن أبى هريرة

(1)

[سورة فاطر: الآية 6].

ص: 265

رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" وهذا صريح في النهى، فإن غرض الشارع الاستعداد براحة الجسم في هذه الليلة إلى وظائف اليوم، وكثيرًا ما يؤدى ذلك إلى التكاسل عن صلاة الغداة. وأفحش من هذا ما اعتاده غالب الناس من السهر المفرط في هذه الليلة بالاشتغال باللهو واللعب والمزاح وترويح النفس بما تهواه

اعتمادًا منهم على أنه يوم بطالة وراحة فليسوا مكلفين بشيء من أعمالهم، وفاتهم أنه يوم شغل بالله يقوم العبد بوظائفه هى أولى بالاهتمام والعناية.

ومن البدع ما أعتاده بعض العامة أيضًا من إفراد يومها بصيام وهو بدعة مكروهة للحديت السابق، ولأنه اعتبر يوم عيد والعيد لا يصام مخالفة لليهود فإنهم يفردون يوم عيدهم بالصوم، فنهى عن التشبه بهم في ذلك، وأذن فيه إذا وصل بصيام قبله أو بعده، كما خولفوا في يوم عاشوراء بصيام يوم قبله أو بعده، والله تعالى أعلم بأسرار ما شرع.

ومن البدع المتعلقة بيوم الجمعة توهم كثير من العامة أنه إذا جاء فيه أحد العيدين كان شؤمًا على السلطان بموت أو غيره، وهذا لا أصل له، ولا تؤيده عادة معقولة، كيف وفى الحديث الشريف عن زيد بن أرقم قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم واحد فصلى العيد في أول النهار وقال: "يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان فمن أحب أن يشهد معنا الجمعة فليفعل، ومن أحب أن ينصرف فليفعل" رواه أبو داود والحاكم وصحح إسناده. فاليوم الذى يجتمع فيه للناس عيدان كيف يكون شؤمًا عليهم بشر يصل إلى سلطانهم!؟ وأى مناسبة بين اجتماع العيدين وضرر بعض عباد الله تعالى!؟

ومن البدع تهافت الناس على زيارة موتاهم يوم الجمعة؛ فإن فيها من المخازى والمنكرات ما يبرأ منه الدين وتتألم منه الإنسانية ويؤذى الموتى في قبورهم كما سبق في بدع المقابر والأضرحة. (نعم) تكون سنة إن خلت عن المحظورات، فقد أخرج الحكيم الترمذى في "نوادر الأصول" والطبرانى في "الأوسط" عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله

ص: 266

- صلى الله عليه وسلم: "من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برًّا"، وعن محمد بن واسع قال:"بلغنى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده" رواه البيهقي في "الشعب". ومن هنا اعتاد بعض الناس زيارة موتاهم يوم الخميس (ولكن أنى تخلو عن المنكرات اليوم وقد ضجت منها الأرض والسموات!؟).

ومن المنكرات تخطى الرقاب يوم الجمعة مع استكمال الصفوف وخلوِّها من الفرج، فذلك منهى عنه حيث لا تقصير من القوم في تكميل الصفوف، عن عبد الله بن يسر رضي الله عنهما قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة

والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اجلس فقد آذيت" رواه أُبو داود والنسائى، زاد أحمد "وآنيت": تأخرت، وعن الأرقم بن أبى الأرقم رضي الله عنه وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الذى يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كجار قُصْبهُ في النار" رواه أحمد والطبرانى في "الكبير""والقصب" بضم القاف وسكون الصاد المهملة واحد الأقصاب، وهى المعى كما في "القاموس" وغيره، وقد فرق الإمام النووى بين التخطى وبين التفريق بين الاثنين وجعل ابن قدامة في "المغنى" التخطى هو التفريق. قال العراقى: والظاهر الأول لأن التفريق يحصل بجلوس بينهما وإن لم يتخط.

ومنها المرور بين يدى المصلى عند فراغ الإمام من الصلاة، فهذا كالذى قبله كثيرًا يقع من العامة فينبغى تحذيرهم منه بذكر أحاديث الوعيد الواردة فيه:

فعن عبد الله بن الحارث الأنصارى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه". قال الراوى: "لا أدرى، قال: أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين سنة" متفق عليه، يعنى لو علم المار مقدار الإثم الذى يلحقه من مروره بين يدى المصلى لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم. والحديث يدل على أن المرور بين يدى المصلى من الكبائر الموجبة للنار وظاهره عدم الفرق بين صلاة الفريضة والنافلة، وفيه إبهام ما على المار من الإثم زجرًا له.

ص: 267

منها قول بعض العامة عقب الفراغ من صلاة الجمعة مع رفع الصوت: (الفاتحة) لسيدى أحمد البدوى أو سيدى إبراهيم الدسوقى مثلًا، فهذا لا أصل له مع ما فيه من رفع الصوت في المسجد لغير حاجة شرعية.

ومن البدع إهمال الناس تطييب المسجد بنحو البخور يوم الجمعة وأنَّه سنة، ففى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم ورفع أصواتكم وسلاحكم وجمروها في كل جمعة" رواه ابن ماجه والطبرانى في "الكبير". "وجمروها": أي بخروها وزنًا ومعنى، وعن ابن عمر أن عمر رضي الله عنهما:"أن عمر كان يجمر المسجد في كل جمعة". وبالله تعالى التوفيق.

* * *

‌الموسم الرَّابع يَوم عَاشُورَاء

السنة في هذا اليوم الصيام فحسب باتفاق العلماء، فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال:"ما هذا؟ " قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله عز وجل بنى إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. زاد مسلم في روايته: شكرًا لله تعالى فنحن نصومه. وعند البخارى في الهجرة: ونحن نصومه تعظيمًا له قال: "فأنا أحق بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه متفق عليه. وليس صيامه صلى الله عليه وسلم له تصديقًا لليهود بمجرد قولهم، بل كان يصومه مع قريش لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية

(1)

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه فلما قدم المدينة صامه" أي على عادته "وأمر بصيامه" في أول السنة الثانية، فإن قدومه بلا ريب كان في ربيع الأول. والأحقية باعتبار الاشتراك في الرسالة والأخوة في الدين والقرابة الظاهرة دونهم، ولأنه أطوع وأتبع للحق منهم ويستحب أيضًا صوم تاسوعاء لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع"، رواه مسلم. وممَّا جاء في الترغيب في صوم عاشوراء ما في مسلم

(1)

يجوز أنهم اقتدوا في صيامهم بشرع سالف، ولذا كانوا يعظمونه بكسوة البيت الحرام فيه.

ص: 268

عن أبى قتادة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: "يكفر السنة الماضية".

* * *

‌ما يَقَع مِنَ النَّاسِ في يوم عَاشُورَاء

ومع وضوح هذه السنة وصحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع من الناس في هذا اليوم كثير من البدع، منها ما لا أصل له، ومنها ما ينبنى على أحاديث موضوعة أو ضعيفة. (فمن ذلك) اعتبارهم له عيدًا كالأعياد المرسومة للمسلمين بالتوسعة واتخاذ الأطعمة الخاصة به، وهذا من تلبيس الشيطان على العامة، فقد ثبت أن يهود خيبر هم الذين اتخذوه عيدًا وكانت تصومه، روى مسلم من حديث أبى موسى رضي الله عنه قال: "كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدًا

(1)

ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم" بالشين المعجمة بلا همز وهى الهيئة الحسنة والجمال: أي يلبسونهم لباسهم الحسن الجميل، فأمرنا الشارع الحكيم بمخالفة يهود خيبر فيه بصوم يوم قبله أو بعده، قال الإمام الشافعى رحمه الله: أخبرنا سفيان أنه سمع عبد الله بن أبى زيد يقول: سمعت ابن عباس رضى الله عنهما يقول: "صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود": أي في إفراد العاشر بالصوم، واتخاذه عيدًا، وفى رواية له عنه: "صوموا يوم، عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا". لذا قال في "الأم" "الإملاء": باستحباب صوم الثلاثة، ولم يشرع فيه توسعة في مطعم ولا غيره لهذه المخالفة، وحديث التوسعة لا أصل له كما سيأتى.

(ومن ذلك) الاغتسال والاكتحال، وما روى في الترغيب فيهما لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كحديث ابن عباس رفعه:"من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدًا" وهو موضوع وضعه قتلة الحسين رضي الله عنه، قال الإمام أحمد رحمه الله: والاكتحال يوم عاشوراء لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أثر وهو بدعة، وما روى من أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من اغتسل وتطهر يوم عاشوراء لم يمرض في سنته إلا مرض الموت" وضعه أيضًا قتلة الحسين رضي الله عنه.

(1)

يجوز أن يكون من تعظيمه عندهم صومه كما هو صريح هذه الرواية فإن العيد لا يصام.

ص: 269

(ومن ذلك) صلاة ركعات بهيئة مخصوصة ليلتها ويومها: ورواية أبى هريرة رضي الله عنه: "من صلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة {الحمد لله}

مرة، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إحدى وخمسين مرة غفر الله له ذنوب خمسين عامًا" لم تثبت صحتها. وإليك بيان منشأ هذه الأحداث إجمالًا وتفصيلًا:

لقد أحدث الشيطان الرجيم بسبب قتل الحسين رضي الله عنه بدعتين:

(الأولى): الحزن والنوح واللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثى، وما إلى ذلك من سب السلف ولعنهم وإدخال البرئ مع المذنب، وقراءة أخبار مثيرة للعواطف مهيجة للفتن وكثير منها كذب. وكان قصد من سن هذه السنة السيئة في ذلك اليوم فتح باب الفتنة والتفريق بين الأمة، وهذا غير جائز بإجماع المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة وتجديد ذلك للمصائب القديمة من أفحش الذنوب وأكبر المحرمات.

(الثانية): بدعة السرور والفرح واتخاذ هذا اليوم عيدًا تلبس فيه ثياب الزينة ويوسع فيه على العيال، فكل هذا من البدع المكروهة.

والتوسعة وإن كانت مشروعة في الجملة لكن احتف بها ما يقرب من اعتقادها دينًا، فعلى الرشد أن يكون في بيان ذلك حكيمًا حتى لا يكون مثيرًا للفتنة.

وذلك أنه كان بالكوفة قوم من الشيعة يغلون في حب الحسين رضي الله عنه وينتصرون له، رأسهم المختار بن عبيد الكذاب الرافضى الذى ادعى النبوة، وقوم من الناصبة يبغضون عليًّا وأولاده ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفى، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"سيكون في ثقيف كذاب ومبير"(والمبير: المسرف في إهلاك الناس يقال: بار الرجل يبور بورًا، فهو بائر هالك، وأبار غيره: أهلكه) فكان ذلك الشيعى هو الكذاب وهذا الناصبى هو المبير، فأحدث أولئك الحزن وهؤلاء السرور، ورووا:"أن من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته"، وقد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: لا أصل له، وليس له سند إلا ما رواه ابن عيينة عن ابن المنتشر وهو كوفى سمعه ورواه عمن لا يعرف. وممن قال إن حديث التوسعة موضوع الإمام ابن الجوزى عالم الآفاق وواعظ العراق، ورووا: "أن من اكتحل يوم

ص: 270

عاشوراء لم يرمد ذلك العام، وأن من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام" فصار قوم يستحبون في هذا اليوم الاغتسال والاكتحال والتوسعة على الأهل، وهذه كلها بدع أصلها من خصوم الحسين رضى الله عنه، كما أن بدعة الحزن وما إليه من أحبابه، والكل باطل وبدعة وضلالة.

قال العلامة ابن العز الحنفى: إنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء غير صومه، وإنما الروافض لما ابتدعوا المأتم وإظهار الحزن يوم عاشوراء لكون الحسين رضي الله عنه قتل فيه ابتدع جهلة أهل السنة إظهار السرور واتخاذ الحبوب والأطعمة والاكتحال، ورووا أحاديث موضوعة في الاكتحال والتوسعة على العيال. وقد جزم الحافظ السخاوى في "المقاصد الحسنة" بوضع حديث الاكتحال وتبعه غيره منهما مثلًا على القارى في كتاب "الموضوعات" ونقل الحافظ السيوطى في "الدرر المنتثرة" عن الحاكم أنه منكر، وقال الجراحى في "كشف الخفاء ومزيل الإلباس"، قال الحاكم أيضاً: الاكتحال يوم عاشوراء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر وهو بدعة. اهـ.

(وجملة القول) لم يستحب أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم شيئًا من ذلك لعدم الدليك الشرعى، بل المستحب يوم عاشوراء عند جميع العلماء هو صومه مع صوم يوم قبله كما عرفت.

(ومن بدع الناس في هذا اليوم) الشحذ على الأطفال باسم زكاة العشر رجاء أن يعيشوا وهو شائع في مصر، وبعض التجار وأرباب الأموال يزعم أن ذلك يكفى عما وجب عليه من زكاة الأموال، ولا يخفى أن ذلك كله وهم وجهل.

(ومنها): البخور الذى يطوف به على البيوت في مصر قوم من العاطلين الذين لاخلاق لهم فيرقون منه الأطفال مع كلمات ساقطهّ يقولونها بمحضر من أمهاتهم، يوهمونهن أن هذه الرقية وقاية لهم من العين وكل مكروه إلى السنة القابلة، وهذا أمر يحتاج إلى توقيف من صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه، ولم يثبت، فهو بدعة وضلالة.

ومن البدع السيئة في هذا الموسم طواف البنات في شوارع مصر بأطباق الحلوى ينادين عليها بقولهن: (ياسى على لوز) فهذه ضلالة ومعرة

ص: 271

تأباها المروءة والغيرة، فإن هؤلاء البنات قد بلغن حد الشهوة ويخرجن متبرجات متهتكات على صورة الخلاعة تعبث بهن الكهول والشبان في الشوارع وعلى قارعة الطرق، ولا يخفى ما في ذلك من الفتنة وفساد الأخلاق.

هذه هى المواسم الشرعية فانظر رعاك الله كم بدعة أحدثوا فيها! وكم سيئة ارتكبوها نعوذ بالله من الشيطان وحزبه، ونسأله تعالى السلامة من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

‌المواسم الَّتى نَسَبُوهَا للشَّرع وَلَيسَت مِنهُ

(منها): ليلة الثانى عشر من ربيع الأول يجتمع لها الناس في المساجد وغيرها فيهتكون حرمة بيوت الله تعالى، ويسرفون في الوقود فيها ويرفع القراء أصواتهم بقصائد الغناء التى تثير شهوة الشبان إلى الفسق والفجور، فتراهم عند ذلك يصيحون بأصوات منكرة ويحدثون في المساجد ضجة فظيعة، وقد لا يتعرضون في قصائدهم لشئ من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة وأعماله النافعة الجليلة، وفيهم من يشتغل بالذكر المحرف، وكل ذلك لم يأذن به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولم يعهد عن السلف الصالح فهو بدعة وضلالة كما سبق في بدع الموالد.

(ومنها): ليلة المعراج التى شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها، وقد تفنن أهل هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات، وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبًا كثيرة كالاجتماع في المساجد، وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك، واجتماعهم للذكر والقراءة وتلاوة قصة المعراج، وكان ذلك حسنًا لو كان ذكرًا وقراءة وتعليم علم، لكنهم يلعبون في دين الله، فالذاكر على ما عرفت، والقارئ على ما سمعت فيزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه، وما أحسن سير السلف فإنهم كانوا شديدى المداومة على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخرجون عن الثابت قيد شعره ويعتقدون الخروج عنه ضلالة لا سيما عصر الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير رضى الله عنهم أجمعين.

ص: 272

(ومنها): ليلة النصف من شعبان على زعمهم، فإن السلف الصالح لم يكن لهم عادة بتخصيص يوم أوليلة بالعبادات إلا إذا ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام، فجاء بعدهما هؤلاء وعكسوا الحال كما جرى منهم في غيرها، فاجتمعوا عقب المغرب لصلاة وقراءة ودعاء تقلد فيه العامة إمام المسجد مع التحريف فيه ومع مخالفته لصريح القرآن الكريم، ومع بعد القلب من الخشية والخضوخ المطلوب حال الدعاء، يأتون ذلك زاعمين أنه من أعظم القربات وأكبر البركات حتى أنهم يتشاءمون من فوته، ولم يصح في ذلك شيء من رسول الله

صلى الله عليه وسلم، وحديث:"ينزل ربنا إلى سماء الدنيا" متكلم فيه كما سيأتى في ليلة النصف من شعبان

(1)

. وأول من أحدث إيقاد النار والشموع وغيرها في هذا الموسم البرامكة فأدخلوا في دين الله ما أوهموا به العوام أنه من سنن الإيمان، ومقصودهم عبادة النار وترويج دينهم فعليهم وزر ذلك.

(ومنها): ليلة القدر ولا شك أن إحياءها مستحب كسائر ليالى الشهر خصوصًا ليالى العشر الأواخر منه وقد صحت الأحاديث في ذلك، فعن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أنه قال:"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه. قام رمضان: أحيا لياليه بالعيادة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" رواه البخارى، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر" رواه البخارى، وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل كله وأيقظ أهله وجد شد المئزر" متفق عليه. والمئزر: الإزار، وهو كناية عن اعتزال النساء، وقيل: المراد تشميره للعبادة. ويجوز أن يكون كناية عن الأمرين، يقال: شددت لهذا الأمر مئزرى، أي تشمرت وتفرغت له، وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسايًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.

(1)

وسيأتى بسط الكلام على ليلة النصف من شعبان في الفصل السابع.

ص: 273

وسميت ليلة القدر إما بمعنى ليلة التقدير؛ لأن الله تعالى ابتدأ فيها تقدير دينه وتحديد الخطة لنبيه صلى الله عليه وسلم في دعوة الناس إلى ما ينقذهم ممَّا كانوا فيه، أو بمعنى العظمة والشرف من قولهم: فلان له قدر، أي شرف وعظمة لأن الله تعالى قد أعلى فيها منزلة نبيه صلى الله عليه وسلم وشرفه وعظمه بالرسالة. وقد جاء بما فيه الإشارة، بل التصريح بأنها ليلة جليلة بجلالة ما حصل فيها من إنزال القرآن فقال:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}

(1)

: أي وما الذى يعلمك مبلغ شأنها ونباهة أمرها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر}

(2)

كرر ذكرها ثلاث مرات، جاء أحدها بالاستفهام الدال على أن شرفها ليس ممَّا تسهل إحاطة العلم به، ثم قال: إنها خير من ألف شهر؛ لأنَّه

قد مضى على الأمم آلاف من الشهور وهم يتخبطون في ظلمات الضلال، فليلة يسطع فيها نور الهدى بالقرآن خير من ألف شهر من شهورهم الأولى، والعدد إلا مفهوم له، بل الغرض منه التكثير، وأن أقل عدد تفضله هو ألف شهر، والشريعة الغراء تحث المؤمنين على إحيائها بالعبادة شكرًا لله تعالى على ما هداهم بهذا الدين الذى ابتدأ الله سبحانه إفاضته فيهم في أثنائها، ولهم أن يعبدوا الله فيها أفرادًا وجماعات، ومن رجح عنده خبر في ليلة أحياها، ومن أراد أن يوافقها على التحقيق فعليه أن يشكر الله تعالى بالفراغ إليه بالعبادة في الشهر كله، وهذا هو السر في عدم تعيينها، وتشير إليه آية البقرة فإنها تجعل الشهر كله ظرفًا لنزول القرآن ليذكر المؤمنون نعمة الله عليهم فيه فهى ليلة خشوع وعبادة وتذكر لنعمة الحق والدين. أفاده الأستاذ الإمام.

ولكن النظر في تخصيصها بالإحياء من بين الليالى فإنه يوهم الناس أن ذلك مشروع وليس كذلك فإنه صلى الله عليه وسلم حث على قيام ليالى رمضان كله وحث على التماس ليلة القدر في العشر الأواخر منه كما علمت، وهذا يفيد أن إحياء هذه الليلة بخصوصها وجعلها موسمًا لا أصل له فهو بدعة مضافة إلى إحيائها بغير ما رغب الشارع فيه، من إيقاد المنارات وغيرها وكثرة الوقود في المساجد إلى غير ذلك ممَّا لا فائدة فيه ولا غرض صحيح.

(خاتمة):

في المواسم الأجنبية: ممَّا ابتلى به المسلمون وفشا بين العامة والخاصة مشاركة أهل الكتاب من اليهود والنصارى في كثير من مواسمهم،

(1)

[سورة القدر: الآية 2].

(2)

[سورة القدر: الآية 3].

ص: 274

كاستحسان كثير من عوائدهم. وقد كان صلى الله عليه وسلم يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم حتى قالت اليهود: إن محمدًا يريد أن لا يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، وقال:"من تشبه بقوم فهو منهم" رواه أبودارد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" صبغ من بابى نصر وقطع، والمراد أنهم كانوا لا يخضبون شعر اللحية والرأس الأبيض بصفرة أو حمرة مثلًا، فخالفوهم واختضبوا بأى لون ما عدا السواد فإنه مكروه إلا في الجهاد وقال:"لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخط ينزل عليهم" رواه البيهقي بإسناد صحيح من عمر رضى الله تعالى عنه. والرطانة بفتح الراء وكسرها:

الكلام بالأعجمية تقول: رطن له من باب كتب، وعن عمر رضي الله عنه أيضًا أنه قال:"اجتنبوا أعداء الله في عيدهم" ".

فانظر هذا مع ما يقع من الناس اليوم من العناية بأعيادهم وعاداتهم، فتراههم يتركون أعمالهم من الصناعات والتجارات والاشتغال بالعلم في تلك المواسم ويتخذونها أيام فرح وراحة يوسعون فيها على أهليهم ويلبسون أجمل الثياب ويصبغون فيها البيض لأولادهم كما يصنع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فهذا وما شاكله مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم"، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن غيرهم" رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه.

وناهيك ما يكون من الناس من البدع والمنكرات والخروج عن حدود الدين والأدب في يوم شم النسيم وما أدراك ما شم النسيم، هو عادة ابتدعها أهل الأوثان لتقديس بعض الأيام تفاؤلًا به أو تزلفًا لما كانوا يعبدون من دون الله فعمرت آلافًا من السنين حتى عمت المشرقين واشترك فيها العظيم والحقير والصغير والكبير ويا ليتها كانت سنة محمودة فيكون لمستنها أجر من عمل بها، ولكنها ضلال في الآداب وفساد في الأخلاق.

ص: 275

شُرعت المواسم والاجتماعات لتكون واسطة التعارف والتآلف وتبادل المنافع وانتشار العلوم والمعارف، وما مشروعية الصلاة والحج والعيدين في الإسلام إلا لهذا الغرض؛ لأن فيها تجتمع الخلائق على اختلاف طبقاتها في صعيد واحد، يعظهم الواعظ، وينصحهم الناصح، فيشعر كل منهم برابطته مع أخيه وحاجته إلى حسن معاملته وبقاء مودته.

فهل هذا اليوم (يوم شم النسيم) في مجتمعاتنا الشرعية التى تعود علينا بالخير والرحمة؟ (كلا) وحسبك أن تنظر في الأمصار، بل القرى فترى في ذلك اليوم ما يزرى بالفضيلة ويخجل معه وجه الحياء من منكرات تخالف الدين وسوءات تجرح الذوق السليم وينقبض لها صدر الإنسانية.

الرياضة واستنشاق الهواء ومشاهدة الأزهار من ضرورات الحياة في كل آن لا في ذلك اليوم الذى تمتلئ فيه المزارع والخلوات بجماعات الفجار: وفاسدى الأخلاق فتسربت إلها المفاسد وعمتها الدنايا فصارت سوقًا للفسوق والعصيان

ومرتعًا لإراقة الحياء وهتك الحجاب (نعم) لا تمر بمزرعة أو طريق إلا وترى فيه ما يخجل كل شريف ويؤلم كل حى، فأجدر به أن يسمى يوم الشؤم والفجور.

ترى المركبات والسيارات تتكدس بجماعة عاطلين يموج بعضهم في بعض بين شيب وشبان، ونساء وولدان ينزحون إلى البساتين والأنهار، ترى السفن فوق الماء مملوءة بالشبان يفسقون بالنساء على ظهر الماء، يفرطون في تناول المسكرات وارتكاب المخازى، فاتبعوا خطوات الشيطان في السوء الفحشاء في البر والبحر، وأضاعوا ثمرة الاجتماع فكان شرًّا على شر ووبالًا على وبال.

تراهم ينطقون بما تصان الآذان عن سماعه ويخاطبون المارة كما يشاءون من قبيح الألفاظ وبذئ العبارات كأن هذا اليوم قد أبيحت لهم فيه جميع الخبائث وارتفع عنهم فيه حواجز التكليف {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}

(1)

(فعلى) من يريد السلامة في دينه وعرضه أن يحتجب في بيته في ذلك اليوم المشئوم، ويمنع عياله وأهله وكل من تحت ولايته عن الخروج فيه، حتى لا يشارك اليهود

(1)

[سورة المجادلة: الآية 19].

ص: 276

والنصارى في مراسمهم، والفاسقين الفاجرين في أماكنهم، ويظفر بإحسان الله ورحمته.

* * *

‌الفصل السابع في البِدَع التى تَقع في العِبَادات

أعلم أن هذا النوع من البدع واسع الأرجاء لا يدخل تحت حصر فإن العبادات كثيرة الأنواع، والطريق الجامع لها المحيط بشعبها أحكام مسائل العبادات على الوجه المشروع، ثم الإحاطة على قدر الوسع بالمصالح والمفاسد المقصودة من تشريعها ليتميز الخبيث من الطيب، فعن ذى النون بن إبراهيم رحمه الله أنه كان يقول:"من أعلام البصر بالدين معرفة الأصول لنسلم من البدع والخطأ، والأخذ بالأوثق من الفروع احتياطًا لنأمن".

ولا يعزب عنك أن الحكم على أمر بالابتداع فرع عن العلم بأنه خارج عن حدود المشروع بكتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، وأن ما يكون بدعة قبيحة هو ما احتوى على مفسدة حرام أو مكروه، وأن ما يقال فيه بدعة حسنة هو ما فيه مصلحة الحسن.

(وعلى الجملة) لا يصح الحكم على شيء بأنه بدعة إلا بعد معرفة أصله في الشرع الشريف وإلا كان رجمًا بالغيب وهو لا يليق خصوصًا برجال الدين، ثم إن البدع في العبادات منها ما يكون عامًا لا يختص بنوع منها، ومنها ما يختص، كالذى يقع في صلاة أو صوم أو حج أو دعاء أو ذكر أو قراءة على ما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى.

(فمن البدع) في الصلاة الجهر بالنية. قال في "المدخل" ما ملخصه: لا يجهر إمام ولا مأموم ولا فذ بالنية فإنه لم يرو أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء ولا الصحابة رضوان الله عليهم جهروا بها فكان بدعة.

وفما "زاد المعاد" ما نصه: كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر ولم يقل شيئًا قبلها ولا يلفظ بالنية البتة، ولا قال: أصلى لله كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا، ولا قال: أداء ولا قضاء ولا فرض الوقت، وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح

ص: 277

ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظ واحدة منها ألبتة، بل ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحد من التابعين، ولا الأئمة

الأربعة، وإنما غر بعض المتأخرين قول الإمام الشافعى رضي الله عنه في الصلاة إنها ليست كالصيام ولا يدخل فيها أحد إلا بذكر، فظن أن الذكر تلفظ المصلى بالنية، وإنما أراد الشافعى رحمه الله بالذكر تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعى أمرًا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة واحدة ولا أحد من خلفائه وأصحابه، وهذا هديهم وسيرتهم فإن أوجدنا أحد حرفًا واحدًا عنهم في ذلك قبلناه وقابلناه بالتسليم والقبول، ولا هدى أكمل من هديهم، ولا سنة إلا ما تلقوه عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، وكان دأبه في إحرامه لفظة الله أكبر لا غيرها، ولم ينقل عنه أحد سواها. انتهى المقصود منه.

فالمطلوب شرعًا من المأموم والمنفرد أن يقتصر في التكبير على ما يسمع نفسه فقط والإمام يرفع به صوته بقدر ما يسمع المأمومين.

ويا ليت الأمر وقف عند الجهر بها، بل ترى كثيرًا منهم يشوشون بذلك ويكررون النية مرة بعد أخرى حتى تفوته الركعة وربما أدى تشويشه إلى عجز من بجواره عن إحضار النية فتفوته أيضًا الركعة ومعلوم أن التشويش حرام ولو على النائم، كيف لا وقد أضر بهذا الجهر المتعبدين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا ضرر ولا ضرار" رواه ابن ماجه وغيره. والضرر: إلحاق الأذى بالغير مطلقًا، والإضرار: إلحاقه به على وجه المقابلة بالمثل. فالضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه، وقال أيضًا:"ملعون من ضر مؤمنًا" رواه الترمذى.

ومن البدع السيئة الوسوسة فإنها شر أنواع البدع، لا تسلط الوسوسة إلا على من استحكم عليه الجهل واستولى عليه الخبل وصار لا تمييز له، وأما من كان على حقيقة العلم والعقل فإنه لا يخرج عن الاتباع ولا يميل إلى الابتداع، وأقبح المبتدعين الموسوسون، وهى من عمل الشيطان اللعين لا غاية له إلا إيقاع المؤمن في وهدة الضلال والحيرة ونكد العيش وظلمة النفس وضجرها، ومن أصغى إلى الوسواس

ص: 278

لا يزال يزداد به حتى يخرجه إلى حيث السفه ويحول بينه وبين نور الإسلام وهو لا يشعر.

ومن غوائل الوسواس أن يخرج بالإنسان عن اتباع رسول صلى الله عليه وسلم، ويخيل إليه أن ما جاءت به السنة لا يكفى حتى يضم إليه غيره، فيرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اغتسل كاغتساله لم يطهر، فقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، والموسوس يرى أن هذا القدر لا يكفيه لغسل يديه،

وصح عنه أنه توضأ مرة مرة ولم يزد على ثلاث، وأخبر أن من زاد عليها فقد أساء وظلم. فالموسوس يتقرب إلى الله بما هو مسئ به متعد فيه لحدوده، ومضى على هذا السلف الصالح، فعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه:"إنى لأستنجى من كوز الحب وأتوضأ وأفضل منه لأهلى"، وقال الإمام أحمد رضي الله عنه:"من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء".

* * *

‌بَيَان سَبَب بِدعَة الوسْوَاس مَعَ بَيَان بِطْلَانه

منشأ هذه البدعة تلبيس الشيطان على من ابتلى بها وتصويره المذموم عند الشارع يصورة الممدوح فخيل إليه أن الغلو والإسراف في الدين احتياط واجتهاد فيه، وأن الوسواس أخذ باليقين وطرح للشك عملًا بحديث:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وحديث:"فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" وقد أمر عليه الصلاة والسلام من شك في صلاته أن يبنى على اليقين، ووجد تمرة مسقوطة فقال:"لولا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها". فمن هنا يزعم الموسوس أن عمله هذا ليس فيه خروجًا عن الشريعة، وأن غيره تساهل في الدين مع أنه مهمل لدينه يدخل فيه بشك ويخرج منه به.

ولإبطال هذا التلبيس نقول هنا أمران:

(أحدهما): وهو الاحتياط في الدين والأخذ باليقين ممدوح شرعًا بما ذكر من الأحاديث.

(ثانيهما): مذموم شرعًا وهو الغلو في الدين وتعدى حدوده والإسراف فيه، قال تعالى:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}

(1)

. الغلو: تجاوز الحد، والآية

(1)

[سورة النساء: الآية 171].

ص: 279

نهى لهم عن الإفراط تارة، والتفريط أخرى، فمن الإفراط غلو النصارى في عيسى عليه السلام حتى جعلوه إلهًا، ومن التفريط غلو اليهود فيه عليه السلام حتى جعلوه لغير رشدة (ابن زنا)، وقال تعالى:{وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}

(1)

،

وقال تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}

(2)

، وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا. رواه مسلم. المتنطعون: المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد. (وعن) أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا" رواه البخارى. سددوا: الزموا السداد، وهو التوسط من غير إفراط ولا تفريط، وقاربوا: أي إن لم تستطيعوا العمل بالأكمل فاعملوا ما يقرب منه.

إذا عرفت هذا فاعلم أن الشك الذى يطلب عنده الاحتياط والأخذ باليقين ما يكون له أصل ينبنى عليه ومثار يدعو إليه، كأخبار من لا يقبل خبره، وكثياب من عادته مباشرة النجاسة، وكالصلاة خلف من عادته التساهل، وكصيد رميته فوقع في الماء أو اجتمع عليه كلب المسلم والكافر.

(وأما الوسوسة): فهى حديث النفس والشيطان وأخذ بالوهم، فيحكم بنجاسة الثوب من غير علامة تعارض الأصل (الطهارة)، فيغسل الثوب الجديد أو الذى اشتراه، فهو يتخيل ما لم يكن كائنًا ثم يحكم بحصوله ويسمى ذلك احتياطًا، فصار نظير من ارتكب محظورًا وسماه بغير اسمه كما يسمى الخمر شرابًا، والربا معاملة، فالاحتياط الذى ينفع صاحبه هو الاحتياط في موافقة السنة وترك مخالفتها.

ومن هذا القبيل حديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فإن الشبهات ما يشتبه فيه الحق بالباطل، والحلال بالحرام، من غير دليل على أحد الجانبين، أوتتعارض الأمارتان عنده فلا يترجح في ظنه أحدهما فيشتبه عليه هذا بهذا، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى ترك المشتبه والعدول إلى الواضح الجلى. وأما التمرة التى ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلها فذاك من باب اتقاء الشبهات وترك ما اشتبه فيه الحلال بالحرام، فإن التمرة كانت قد وجدها في البيت وكان فيه نوعان

(1)

[سورة البقرة: الآية 190].

(2)

[سورة الأنعام: الآية 141].

ص: 280

تمر الصدقة وتمر يقتات منه أهله، فلم يدر عليه الصلاة والسلام كما أي النوعين مما فأمسك عن أكلها، وهذا الحديث أصل في الورع واتقاء الشبهات. (وأما أمره) لمن شك في صلاته بالبناء على اليقين فلأنه لا تبرأ ذمته بالشك.

(وصفوة القول) خير الأمر أوسطه، ودين الله الذى ارتضاه لعباده ما كان بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير، ومن تعود الاحتياط الممدوح تراه يحبه في كل

باب من أبواب العبادة، فلا يوقعها إلا على الوجه المتفق عليه ولا يجاوز فيها طريقة السلف. عن أبى الوفاء بن عقيل أن رجلًا قال له: أنغمس في الماء مرارًا كثيرة وأشك هل صح الغسل أم لا، فما ترى في ذلك؟ فقال له: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، قال: وكيف؟ قال: لأن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبى حتى ييلغ" رواه أحمد والأربعة، ومن ينغمس في الماء مرارًا ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون، وقد ورد في الأثر بإفادة بدعة الوسواس في استعمال الماء فقال:"يجزئ من الوضوء مد، والغسل صاع، وسيأتى قوم يستقلون ذلك، فأولئك خلاف أهل سنتى، والآخذ بسنتى في حظيرة القدس متنزه أهل الجنة".

ومن مفاسد الوسوسة أن يشغل ذمته بالزائد على قدر حاجته إذا كان الماء مملوكًا لغيره كماء الحمام، فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، وهو عن ذلك مسئول في البرزخ ويوم القيامة. ومن ضروب الوسوسة ما يكون من الكثير منهم: يحرم بالصلاة ثم يسلم ويحرم، وهكذا فهو دائر بين حرامين؛ لأن الصلاة إن كانت قد صحت حرم الخروج منها، وإلا حرم عليه التسليم لأنَّه تلبس بعبادة فاسدة، وقبيح جدًّا ما يكون من الموسوسين عند تكبيرة الإحرام ترى الواحد منهم يزعج أعضاءه ويحرك رأسه ويرعش يديه وتنتفخ أوداجه ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو. نعوذ بالله من الخبال.

وهذا وأمثاله ممَّا جعله الشيطان شركًا لأهل الوسواس، يحبسهم عنده ويعذبهم فيه، ويوقعهم في طلب تصحيح الصلاة وليس من الصلاة في شيء، ولو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الموسوسين لمقتهم، ولو

ص: 281

أدركهم عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه لضربهم، ولو أدركهم أحد من الصحابة أو التابعين لبدعهم وسخر منهم. وللإمام الغزال في التشنيع على أهل الوسوسة كلام طويل في كتابه "الكشف" فراجعه إن شئت، ومثله للإمام الشعرانى رحمة الله تعالى عليهما.

علاج الوسواس للخلاص من هذه البلية: يجب إشعار القلب أن الخير كله في اتباع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في قوله وفعله، شأن الشر كله في مخالفته وعدم التمسك بهديه، ويلاحظ أحوال السلف الصالح في متابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيلزم نفسه بالاقتداء به والاهتداء بهديه، ويتبع سبيل هؤلاء المؤمنين ويسير سيرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان بقى من التردد شيء بعد ذلك لا يلتفت إليه.

إن فعل ذلك لم يلبث أن يزول عند بعد زمان قليل إن شاء الله تعالى، كما جرب ذلك الموفقون، فقد جاء في الصحيحين:"أن من ابتلى بالوسوسة فليعتقد بالله وَلْيَنْتَهِ"، وجاء في طريق آخر:"أن من ابتلى بالوسوسة فليقل: آمنت بالله وبرسله".

فتأمل هداك الله هذا الدواء النافع الذى وصفه من لا ينطق عن الهوى لأمته، ولا شك أن من استحضر طرائق رسل الله سيما نبينا صلى الله عليه وسلم وجد شريعة سهلة لا حرج فيها {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}

(1)

ورأى طريقته قوية واضحة لا اعوجاج ولا خفاء فيها {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}

(2)

وبذلك إن شاء الله تعالى يبرأ من هذه العلَّة.

ومن الدواء أن يعتقد أن ذلك خاطر شيطانى، وأن إبليس هو الذى أورده عليه، فهو من تسويل الشيطان الذى يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وعداوته لبنى الإنسان بينة واضحة، فإذا اعتقد ذلك فليقاتله ليكون له ثواب المجاهدين فإنه يحارب أكبر عدو لله تعالى، ومتى ثبت في ميدان المجاهدة انهزم ذلك الرجيم وفر من بين يديه.

ومن الدواء ما وصفه أهل التربية وقالوا: إنه أنفع علاج في دفع الوسوسة، الإقبال على ذكر الله تعالى والإكثار منه، و (لا إله إلَّا الله) رأس الذكر،

(1)

[سورة الحج: الآية 78].

(2)

[سورة يوسف: الآية 108].

ص: 282

فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس وتأخر وبعد، وقانا الله شره، ولا جعل له على قلوبنا دليلًا، ولا إلى أعمالنا سبيلًا، إن ربى لسميع الدعاء.

ومن البدع المكروهة في الصلاة رفع الصوت حيث يطلب الإسرار، كالجهر بالاستعاذة أو دعاء الافتتاح أو التسبيح في الركوع والسجود أو بالتشهد وكالجهر بالفاتحة والسورة في السرية، فإن ذلك لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا السلف الصالح، وهؤلاء قدوتنا إلى الله تعالى فإن لم نقتد بهم فبمن نقتدى؟

ومن البدع المكروهة قول المصلى عقب التسليمة الأولى: اللهم أدخلنا الجنة، وعقب الثانية: أسألك النجاة من النار. قال بعض الأئمة: فإن هذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من العلماء، وهو إحداث دعاء في الصلاة في غير محله يفصل بأحدهما بين التسليمتين ويصل بالآخر التسليمة الثانية، وليس لأحد فصل الصفة المشروعة بمثل هذا.

ومن البدع التَّركية تهاون الناس بسجود التلاوة عند سماع آية السجود وهى من السنن المؤكدة أو الواجبات التى يطلب قضاؤها كما هو مبسوط في الفروع.

ومن البدع المكروهة ختم الصلاة على الهيئة المعروفة من رفع الصوت به وفى المسجد والاجتماع له والمواظبة عليه حتى اعتقد العامة أنه من تمام الصلاة وأنَّه سنة لابد منها، مع أنه مستحب انفرادًا سرًّا، فهذه الهيئة محدثة لم تعهد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا عن الصحابة، وقد اتخذها الناس شعارًا للصلوات المفروضة عقب الجماعة، وقد صرح كثير من الفقهاء بأن إحدات الشعار في الدين مكروه، ولذا قال الإمام ابن الصلاح بكراهة ما يفعله الناس بعد فراغهم من السعى بين الصفا والمروة من صلاة ركعتين على متسع المروة، وكيف يجوز رفع الصوت به والله تعالى يقول في كتابه الحكيم:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}

(1)

. والتضرع من الضراعة: وهى الذلة والخشوع والاستكانة، والخفية بضم الخاء وكسرها: الإسرار به، فإنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وانتصابهما على الحال، أي ادعوه متضرعين بالدعاء مخفين له مسرين، ثم علل ذلك بقوله:{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}

(2)

في الدعاء بترك

(1)

[سورة الأعراف: الآية 55].

(2)

[سورة البقرة: الآية 190].

ص: 283

ما أمروا به من التضرع والإخفاء، كما لا يحب الاعتداء في سائر الأشياء، والاعتداء تجاوز الحدود فيها، فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين ولا يشملهم برحمته وإحسانه، وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولًا أوليًّا، وحسبك في تعيين الإسرار بالدعاء اقترانه بالتضرع في هذه الآية الكريمة، فالإخلال به كالإخلال بالتضرع في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا إسرار ولا وقار.

والدعاء على هذه الهيئة أيضًا لم يكن من فعل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا قوله ولا إقراره، روى البخارى من حديث أم سلمة رضي الله عنها:"أنه صلى الله عليه وسلم كان يمكث إذا سلم يسيرًا". قال ابن شهاب: حتى ينصرف الناس فيما نرى، وفى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: كان إذا سلم لم يقعد إلَّا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، فيه من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من

صلاته (سلم منها) استغفر الله ثلاثًا وقال: "اللهم أنت السلام

" الحديث، وفى "الأذكار" للنووى قيل للأوزاعى - وهو أحد رواة هذا الحديث -: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله أستغفر الله، ومع هذا ترى كثيرًا من الناس يصرخون ويصيحون في الدعاء، وفى المساجد، حتى يشتد اللغط ويقع التهويش على المصلين والمسبوقين ويهتز الداعى مع الناس ولا يعلم أنه قد جمع بين بدعتين رفع الصوت بالدعاء وفى المسجد.

لا يقال قد تحصل للعوام حينئذ رقة في القلب لا تحصل مع خفض الصوت، ورعاية سمت الوقار واتباع السنة الثابتة بالآثار، (لأنا) نقول: إنها رقة تشبه الرقة التى تعرض للنساء والأطفال ليست ناشئة عن صميم القلب، إذ لوكانت كذلك لكانت عند اتباع السنة في الدعاء أوفى وأوفر وأزكى وأكثر.

فإن قيل: كيف تنكر على الناس رفع الصوت بختم الصلاة مع أن رفع الصوت بالذكر كان يفعل في زمن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقد روى البخارى من حديث عمرو بن دينار أن أبا معبد مولى ابن عباس

ص: 284

أخبره أن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة (يسلمون منها) كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم (قلنا) هذا الحديث محمول على أنهم جهروا به وقتًا يسيرًا لأجل تعليم صفة الذكر لا أنهم واظبوا على الجهر به، حكى هذا الإمام النووى رحمه الله عن الإمام الشافعى رضي الله عنه وكفى به حجة، والذى عليه جمهور العلماء أن الإمام والمأموم يخفيان الذكر إلا عند الحاجة إلى التعليم، على أن هذا الحديث مشكوك فيه، فقد قال عمرو بن دينار: ذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره وقال: لم أحدثك بهذا، وهى مسألة معروفة عند علماء الحديث وهى إنكار الأصل تحديث الفرع. راجع شراح البخارى إن شئت.

وغير خاف عليك أن ختم الصلاة على الحالة المعلومة من البدع الإضافية التى هى مثار الخلاف بين أنصار السنة والبدعة، فإنه مشروع باعتبار، غير مشروع باعتبار آخر، فإنك إذا نظرت إليه من جهة كونه قرآنًا وذكرًا ودعاء وجدته مشروعًا، وإذا نظرت إليه من ناحية ما عرض له من الهيئة برفع الصوت، واجتماع المستغفرين، وفى المسجد، والمواظبة عليه وجدته غير مشروع، فما أكثر التباس الباطل بالحق على كثير من الناس. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، إنك رب التوفيق والهداية يا رحمن.

ومن هنا يعلم كراهة ما أحدث في صلاة التراويح من قولهم عقب الركعتين الأوليين منها: الصلاة والسلام عليك يا أول خلق الله، ونحو ذلك قبل الأخريين، وبعضهم يترضى عن الصحابة في عقب الأولى عن أبى بكر والثانية عن عمر والثالثة عن عثمان والرابعة عن على رضي الله عنهم، وكل ذلك شرع لما لم يشرعه الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.

ولا يقال: إنه لا بأس به حيث إنه صلاة وتسليم عليه صلى الله عليه وسلم، ومن حيث إنه ترض عن أصحابه لانعقاد الإجماع على سن الترضى عنهم والترحم على العلماء والصلحاء لما فيه من التنويه بعلو شأنهم والتنبيه على عظم مقامهم، ولكن الناس تفعله على أنه شعار لصلاة التراويح ويرون ذلك حسنًا، وهو من تلبيس الشيطان عليهم، وهو أيضًا بدعة إضافية.

ص: 285

وكيف يجرءون على استحسان هذا قد أنكر الاستحسان في الدين الإمام الشافعى رحمه الله وقد بالغ في إنكاره حيث قال: من استحسن فقد شرع، ومعناه كما نقل عن الرويانى: أنه نصب من جهة نفسه شرعًا غير الشرع، وقال في "الرسالة": الاستحسان تلذذ، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعًا، وهو محمول على الاستحسان بالهوى والشهوة من غير دليل شرعى كما تقدم. لهذا كان مكروهًا.

وأشد كراهة منه صلاة التراويح مع التخفيف المفرط فيها جهلًا من الأئمة وكسلًا من الناس، والانفراد في هذه الحالة أفضل من الجماعة، بل إن علم المأموم أن الإمام لا يتم بعض الأركان لم يصح اقتداؤه به أصلًا. ومن اعتبر صلاة التراويح اليوم بها حال تشريعها وأيام القرون الأولى يرى أن الناس قد ذهبوا بكل مزاياها، وعطلوا معظم شعائرها، وأحدثوا بدعًا سيئة لا يرضاها الله ولا رسوله ولا مسلم له على الشرع غيرة، فترى العوام فيها يشتركون جميعًا في الذكر والتسبيح بين كل ترويحتين، ويحدثون ضجة هائلة لا تجعل أثرًا للخشوع في القلوب نسأل الله الهداية بمنه وكرمه.

ومن البدع الفاشية في الناس احتفال المسلمين في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة، والدعاء عقب صلاة المغرب، يقرءونه بأصوات مرتفعة بتلقين

الإمام، فإن إحياءها بذلك على الهيئة المعروفة لم يكن في عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإنما اشتهر عن خالد بن معدان ومكحول الشامى من التابعين أنهما كانا يجتهدان في العبادة ليلة النصف من شعبان، فاختلف الناس بعدهما في فضل هذه الليلة وإحيائها بالعبادة، فمنهم من أقره ومنهم من أنكره، والمقرون له فريقان: فريق ذهب إلى استحباب إحيائها جماعة في المسجد، ومنهم إسحاق بن راهويه، وفريق يكره الاجتماع لها في المسجد، ولا يكره للرجل إحياءها بالصلاة وحده، واختاره الأوزاعى إمام أهل الشام.

ص: 286

استند القائلون بإحياء هذه الليلة بالعبادة إلى أحاديث وردت في فضلها كحديث: "إن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من شعر غنم بنى كلب" أخرجه الدارقطنى والإمام أحمد في مسنديهما، وحديث:"إن الله عز وجل يطلع إلى عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويملى للكافرين ويدع أهل الحقد لحقدهم حتى يدعوه" رواه الدارقطنى في كتاب "السنن"، وحديث:"إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له؟ ألا من مسترزق فأرزقه؟ ألا من مبتلى فأعافيه؟ ألا كذا؟ ألا كذا حتى يطلع الفجر".

أما المنكرون لفضل هذه الليلة على غيرها فسندهم في ذلك أنه لم يثبت عندهم في فضلها حديث، فقد صرح علماء الحديث بضعف الحديثين الأولين، وقولهم: الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال ليس على إطلاقه كما تقدم في الباب الأول عقب مبحث الاستحسان. والحديث الثالث رواه ابن ماجه وعبد الرزاق من أبى بكر بن عبد الله بن أبى سبرة، وقد قال فيه ابن معين والإمام أحمد: إنه يضع الحديث، نقل ذلك محشى "سنن ابن ماجه" عن "الزوائد"، ووافقه الذهبى في "الميزان" بالنسبة للإمام أحمد، وذكر عن ابن معين إنه قال: ليس حديثه بشيء، وقال النَّسَائِيّ: متروك.

(وجملة القول) أن كل الأحاديث الواردة في ليلة النصف من شعبان دائر أمرها بين الوضع والضعف وعدم الصحة، فقد نقل أبو شامة الشافعى عن القاضى

أبى بكر بن العربى أنه قال في كتاب "العارضة": "ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوى سماعه"، وقال في كتاب "الأحكام":"ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليه". هذه أقوال العلماء في فضل ليلة النصف من شعبان.

وأما الصلاة المخصوصة التى يفعلها بعض الناس في هذه الليلة، فقد ذكر حديثها في "الإحياء و"قوت القلوب"، ولكن قد صرح جماعة من الحفاظ بأنه موضوع. قال الحافظ ابن الجزرى في "الحصن": "وأما صلاة الرغائب

ص: 287

أول خميس من رجب وصلاة ليلة النصف من شعبان وصلاة ليلة القدر من رمضان فلا تصح وسندها موضوع باطل)، وقال الحافظ العراقى: حديث صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب عليه، وقال الإمام النووى في كتاب "المجموع": الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهى اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، صلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب "قوت القلوب" و"إحياء علوم الدين"، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك، وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسى كتابًا نفيسًا في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد. انتهى.

حكى الإمام الطرطوشى في أصل القيام ليلة النصف من شعبان عن أبى محمد المقدسى قال: لم يكن عندنا ببيت المقدس صلاة الرغائب هذه التى تصلى في رجب ولا صلاة شعبان، وأول ما حدثت عندنا (صلاة شعبان) في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، قدم علينا رجل في بيت المقدس من نابلس يعرف بابن أبى الحمراء وكان حسن التلاوة فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل ثم انضاف إليهما ثالث ورابع فما ختمها إلا وهو في جماعة كبيرة، ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد وانتشرت في المسجد الأقصى وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استمرت كأنها سنة إلى يومنا هذا، فقلت له: فرأيتك تصليها في جماعة، قال: نعم وأستغفر الله منها. وممن نص على كراهة صلاة الرغائب شيخ الإسلام ابن تيمية قال: هذه الصلاة لم

يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا التابعين ولا أئمة المسلمين، ولا رغب فيها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من السلف ولا الأئمة، ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها، والحديث المروى في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك. ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة. انتهى.

أما صلاة رجب وتسمى صلاة الرغائب فقد روى عن رسول الله - صلى

ص: 288

الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من أحد يصوم أول خميس من رجب ثم يصلى بين العشاء والعتمة اثنتى عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ثلاث مرات، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} اثنتى عشرة مرة، والذى نفسى بيده لا يصلى أحد هذه الصلاة إلا غفر الله جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل ووزن الجبال وورق الأشجار ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجبوا النار".

وأما صلاة شعبان ويسمونها صلاة الخير، فقد روى عن الحسن أنه قال: حدثنى ثلاثون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "أن من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله إليه سبعين نظرة وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة".

وقال العلامة أبو شامة في "الباعث": ومما أحدثه المبتدعون وخرجوا به عما رسمه الدين وجروا فيه على سنن المجوس واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا .. الوقود ليلة النصف من شعبان، ولم يصح فيها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نطق بالصلاة فيها، والإيقاد، وما أحدثه إلا متلاعب بالشريعة المحمدية راغب في دين المجوسية، لأن النار معبودهم، وأول ما حدث ذلك في زمان البرامكة فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطغام، وهو جعلهم الإيقاد في شعبان كأنه من سنن الإيمان، ومقصودهم عبادة النيران، وإقامة دينهم وهو أخسر الأديان، حتى إذا صلى المسلمون وركعوا وسجدوا كان ذلك إلى النار التى أوقدوها. انتهى.

وقال ابن العربى: أول من اتخذ البخور في المساجد بنو برمك يحيى بن خالد ومحمد بن خالد، ملَّكهما الوالى أمر الدين، فكان محمد بن خالد حاجبًا ويحيى وزيرًا ثم ابنه جعفر ين يحيى وكانوا باطنية، فأحيوا المجوسية، واتخذوا البخور في المساجد وإنما تطيب بالخلوق وهو بالفتح نوع من الطيب.

قال بعض المؤرخين: إن البرامكة زينوا للرشيد وضع المجامر في الكعبة المشرفة

ليأنس المسلمون بوضع النار في أعظم معابدهم والنار معبود المجوس، والظاهر أن البرامكة كانوا من رؤساء جمعيات المجوس السرية التى تحاول هدم الإسلام وسلطة العرب وإعادة الملك للمجوس؛ وأنما قتك بهم هارون الرشيد لأنَّه وقف على دخائلهم.

والحاصل أن

ص: 289

إيقاد النار في المساجد لم يكن من عمل السلف الصالح ولا كانت مما تزين بها المساجد، ثم أحدث التزين بها حتى صارت من جملة ما يعظم به رمضان، واعتقد هذا العامة بسبب ترك الخواص الإنكار عليهم.

وأما الدعاء الذى تجتمع له الناس في المساجد هذه الليلة، فلما يثبت عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا عن أصحابه ولا عن السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين أنهم اجتمعوا في المساجد من أجله في تلك الليلة، ونسبة هذا الدعاء إلى بعض الصحابة قد شك فيها الإمام أبو حيان وغيره من المحققين كالأستاذ الإمام شيخنا الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه. وأصل هذه البدعة ما نقل عن اليافعى أنه قال: إن أولى ما يدعى به في ليلة النصف من شعبان: اللهم يا ذا المن ولا يمن عليه

إلخ. وعن بعض الصالحين أن أولى ما يدعى به فيها: إلهى بالتجلى الأعظم في ليلة النصف من شهر شعبان المعظم

إلخ، فجمع الناس بينهما وروجته المطابع.

وربما شرطوا لقبول هذا الدعاء قراءة سورة يس وصلاة ركعتين قبله، يفعلون القراءة والصلاة والدعاء ثلاث مرات يصلون المرة الأولى بنية طول العمر، والمرة الثانية بنية دفع البلايا، والثالثة بنية الاستغناء عن الناس، واعتقدوا أن هذا العمل من الشعائر الدينية، ومزايا هذه الليلة وخصائصها حتى اهتموا به أكثر من اهتمامهم بالواجبات والسنن، فتراهم يسارعون إلى المساجد قبيل الغروب من هذه الليلة، وفيهم تاركوا الصلاة معتقدين أنه يجبر كل تقصير سابق عليه وأنَّه يطيل العمر ويتشاءمون من فوته. لهذا ينبغى تركه وعدم الاهتمام به كما مر في بدع المواسم التى نسبوها إلى الشرع وليست منه.

نعم الدعاء إلى الله تعالى مطلوب في كل وقت ومكان لكن لا على هذا الوجه المخترع، فنتقرب إليه تعالى بما شرع ولا نتقرب إليه بالبدع، وما أحسن الدعاء وقت السحر، وقد نامت العيون وغابت النجوم وبقى الحى القيوم، يدعو المرء ربه فيه بحاجته، ويناجى مولاه بمطلوبه حاضر القلب خاشعًا ذليلًا، لا مقلدًا فيه

ولا حاكيًا لدعاء غيره، فإن ذلك يذهب برقة القلب وحضوره، ومحال أن يستجيب الرب لمن يدعوه وقلبه عند غيره.

واعلم أنه ليس من الحكمة التشنيع على الناس من أجل اجتماعهم في

ص: 290

هذه الليلة للدعاء مع حرصهم عليه واهتمامهم به، ولما في ذلك من إثارة الفتنة، بل الحكمة أن يسير المرشد في تغيير مثل هذه البدعة الإضافية برفق ولين، وينتهز فرصة هذا الاجتماع فيبين للناس فيها شيئًا من محاسن الدين الحنيف، ويدعوهم إلى مكارم الأخلاق كالصدق والوفاء والإخلاص والأمانة، ويشرح لهم ما في ذلك من سعادة الفرد والمجتمع، ويحذرهم ممَّا هم فيه من الرذائل والمعاصى كالكذب ونكث العهود وخلف الوعد والنفاق والخيانة والغش في المعاملة، مبينًا ما فيها من الشقاء والمضار.

ثم يذكر لهم فما هوادة ولين وجوه الابتداع فيما يعملون والخطأ فيما يعتقدون، مبينًا ما في هذا الدعاء من المخالفة لصريح القرآن الكريم، فإن الليلة المباركة المذكورة في قوله تعالى:{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}

(1)

هى ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما روى عن عكرمة فقد أبعد النجعة

(2)

فإن نص القرآن أنها في رمضان، وقال صاحب "القوت": وقد قيل هذه الليلة (ليلة النصف) هى التى قال الله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} وأنَّه ينسخ فيها أمر السنة وتدبير الأحكام إلى مثلها من قابل والله أعلم، والصحيح من ذلك عندى أنه في ليلة القدر ويذلك سميت لأن التنزيل يشهد بذلك إذ في أول الآية {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} ثم وصفها فقال:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} والقرآن إنما أنزل في ليلة القدر فكانت هذه الآية بهذا الوصف في هذه الليلة مواطئة لقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}

(3)

. انتهى.

وقال أبو بكر بن العربى: جمهور العلماء على أنها ليلة القدر، ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان وهو باطل؛ لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق

القاطع: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}

(4)

فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عبر عن وقتية الليل هنا فقال:{فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} . انتهى: أي أن ابتداء نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم كان في رمضان في تلك الليلة المباركة التى سماها الله ليلة القدر.

(1)

[سورة الدخان: الآيات 2 - 4].

(2)

النجعة بوزن الرقعة: طلب الكلام في موضعه، والمراد هنا أنه بعد عن الصواب.

(3)

[سورة القدر: الآية 1].

(4)

[سورة البقرة: الآية 185].

ص: 291

وظاهر القرآن أيضًا أن الليلة التى يفرق فيها كل أمر حكيم هى ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان، وظاهره أيضًا أن المحو والإثبات في قوله تعالى:{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ}

(1)

ليس المراد به محو الشقاوة والحرمان وإقتار الرزق وإثبات ضدها، وإنما المراد المحو والإثبات في الشرائع بالنسخ والتبديل، فإنه الذى يقتضيه سياق الكلام، وقد روى هذا البيهقي في "المدخل" وغيره عن ابن عباس وابن جرير عن قتادة، واختاره المحقق الألوسى وقال: إنه المناسب للمقام.

ثم يشير على الناس بدعاء من الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، ويرغبهم في الاستقلال به مع حضور القلب وخصوصًا في وقت السحر، وبذلك يسهل نقل الناس إلى السنة تدريجًا.

وإليك شيئًا من الأدعية المأثورة:

عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" رواه مسلم، وعن طارق بن أشيم رضي الله عنه قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم اغفر لي وارحمنى واهدنى وعافنى وارزقنى"، وفى رواية له عن طارق أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل فقال: يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربى؟ قال: قل: "اللهم أغفر لي وارحمنى وعافنى وارزقنى فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك"، وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم أصلح لي دينى الذى هو عصمة أمرى وأصلح لي دنياى التى فيها معاشى وأصلح لي آخرتى التى فيها معادى واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر" رواه مسلم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك

وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك" رواه مسلم إلى غير ذلك ممَّا في الصحيحين وغيرهما.

فيصح للمرشد أن يعلم الناس بعض هذه الأدعية، أو يدعو أمامهم بدعاء يجمع هذه الأدعية كلها وهم يؤمنون على دعائه، فذلك أقرب إلى

(1)

[سورة الرعد: الآية 39].

ص: 292

الإجابة وأدعى إلى حضور القلوب من الأدعية المجهولة الأصل، مع ما فيها من المخالفة لظاهر القرآن الحكيم، والله ولى التوفيق.

ومن البدع القبيحة تعدد الجماعة في مسجد واحد في آن واحد، فترى عند شروع الإمام الراتب في الفريضة عددًا من الأئمة منهم من يصلى بواحد، ومنهم من يصلى باثنين، ومنهم من يصدى بأربعة أو أكثر، ومنهم جملة أئمة في صف واحد، ومنهم المتقدم على الآخر، بل قد يكون بعض الأئمة في نفس الصف الأول الذى وراءه الإمام الراتب، فيقع الاختلاط في الصلاة وتلتبس الأئمة بعضها ببعض ويشوش بعضهم على بعض بالقراءة، ويشتبه الحال على المأموم وربما لم يميز إمامه من غيره، بل ربما اقتدى بمن هو مقتد بالإمام الراتب أو غيره، لما علمت أن الإمام غير الراتب قد يقف في خلال الصف الأول مثلًا مع من اقتدى بالإمام الراتب وذلك ممنوع لوجوه:

(منها): أنه مخالف لما كان علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح، إذ الإجماع على أنه لم يقع تعدد الجماعة في آن واحد في مسجد واحد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا زمان أحد من أصحابه ولا زمان باقى السلف، فكان مردودًا.

(ومنها): أنه مناف لحكمة مشروعية الجماعة من ائتلاف القلوب وجمع الكلمة ورجاء حصول بركة بعض المؤمنين لبعض، ولذلك شرعت الجمعة وصلاة الخوف والعيدين والوقوف بعرفة، وفى صلاتهم على هذا الوجه تفريق لا جمع، وناهيك بصلاة الخوف بإمام واحد والوقت وقت ضرورة، فهو مردود.

(ومنها): أن فيه تشويش بعضهم على بعض بالقراءة وعلى المتعبدين غيرهم وهو حرام ولو على النائم.

(ومنها): أن فيه تخليطًا على المصلين واشتباه الأئمة بعضهم ببعض وبالمأمومين، فيقع الخلل في الصلاة فكان ممنوعًا بلا خلاف.

(ومنها): الإخلال بتسوية الصفوف، لما علمت أن البعض يتقدم على البعض

والبعض يقطع الصف على البعض، والبعض يترك فرجًا بينه وبين غيره، وكل ذلك خلاف السنة فيمنع.

(ومنها): أن فيه افتياتًا في حق الإمام الراتب، والإمام الشافعى رحمه الله وأصحابه حثوا على حفظ حرمة الإمام الراتب في حال غيبته ولم يرخصوا لأحد في إقامة الجماعة في غيبته

ص: 293

إلا في أحوال خاصة كاليأس من حضوره أول الوقت، أو إذنه لغيره بالصلاة بالناس، كما ذكره الإمام النووى رحمه الله في "شرح المهذب"، فالسنة الصلاة خلف الإمام الراتب جماعة واحدة، وخلاف ذلك بدعة، وللإمام الشافعى رحمه الله في "الأم" ما هو صريح في ذلك فينبغى الوقوف عليه.

وقد سئل عن حكم هذه المسألة مع زيادة الإمام الكبير سيدى الشيخ محمد عليش رحمه الله تعالى بما ملخصه: ما قولكم في صلاة جماعتين فأكثر في محل واحد له راتب أو لا، ووقت واحد يقيمون الصلاة معًا أو متعاقبين أو يتقدم بعضهم بركعة أو أكثر، ويقرءون الفاتحة معًا أو يقرأ بعضهم الفاتحة والآخر السورة، ويسمع بعضهم قراءة بعض أو بعضهم يقرأ وبعضهم يركع وبعضهم يسجد والآخر يتشهد وبعضهم يهوى للركوع أو السجود مكبرًا وآخر يرفع من الركوع مستمعًا وتختلط صفوف المقتدين بهم فيجتمع في الصف الواحد إمامان فأكثر، ويلتبس على بعض المقتدين بهم صوت إمامهم بصوت إمام غيره، فهل هذا من البدع المجمع على منعها أو لا؟

فأجاب رحمه الله بقوله: نعم هذا من البدع الشنيعة والمحدثات الفظيعة، أول ظهوره في القرن السادس ولم يكن في القرون التى قبله، وهو من المجمع على تحريمه كما نقله جماعة من الأئمة لمنافاته لغرض الشارع من مشروعية الجماعة الذى هو جمع قلوب المؤمنين وتأليفهم وعود بركة بعضهم على بعض، وله شرع الجمعة والعيد والوقوف بعرفة، ولتأديته للتخليط في الصلاة التى هى أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين والتلاعب بها، فهو مناف لقوله تعالى:{وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}

(1)

، وقوله تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}

(2)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:"صلوا كما رأيتمونى أصلى"، وقوله:"اتقوا الله في الصلاة" ثلاثًا، وقوله صلى الله عليه وسلم:"أتموا الصفوف" ولمشروعية صلاة القسمة حال الجهاد بجماعة

واحدة ولم يشرع حالة تعدد الجماعة، فكيف حال السعة والاختيار، وقد أمر الله تعالى بهدم مسجد الضرار الذى اتخذ لتفريق المؤمنين، فكيف يأذن بتفريقهم وهم بمحل واحد

(1)

[سورة الحج: الآية 32].

(2)

[سورة البقرة: الآية 238].

ص: 294

مجتمعين للصلاة؟ وقال صلى الله عليه وسلم: "الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادى الله تعالى ينادى بالصلاة ويدعو إلى الفلاح فلا يجيبه"، وقال صلى الله عليه وسلم:"حسب المؤمن من الشقاء والخيبة أن يسمع المؤذن يثوب بالصلاة فلا يجيبه".

وإذا كان هذا حال سامع الأذان المتلاهى عنه فكيف حال سامع الإقامة المتصلة بالصلاة المتلاهى عنها وهو في المسجد؟ وكيف يمكن إجابة إقامتين فأكثر لو شرعتا في محل واحد ووقت واحد {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ}

(1)

، ومن أبى ذر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صل الصلاة لوقتها فإن أدركت الإمام يصلى بهم فصل معهم، فهى لك نافلة، وإلا فقد أحرزت صلاتك"، ومن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلكم ستدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذى تعرفون ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة": أي نافلة، وعن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ستكون أمراء تشغلهم الأشياء يؤخرون الصلاة عن وقتها فاجعلوا صلاتكم معهم تطوعًا" فلم يأذن لهم في تعدد الجماعة ولا في التخلف عنها. فيجب على العلماء وأولى الأمر وجماعة المسلمين إنكارها. وجريان العادة بها من بعض العلماء والعوام لا يسوغها. انتهى.

وقد أفتى بمنع الصلاة بأئمة متعددة وجماعات مترتبة بالمسجد الحرام جمع من العلماء كالإمام عبد الرحمن السعدى المالكى والإمام إسحاق الغسانى المالكى رحمهما الله، فذكر الأول أنه أفتى في سنة خمسين وخمسمائة بمنع الصلاة على هذا الوجه على مذاهب الأئمة الأربعة، ورد على من قال بجوازها وبالغ في الرد حيث قال:"قولهم: إن هذه الصلاة جائزة لا كراهة فيها خلاف الإجماع، فإن الأمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز، وأن أقل أحوالها أن تكون مكروهة لأن الذى اختلف فيه العلماء إنما هو مسجد ليس له إمام راتب، أو له وأقيمت الصلاة فيه جماعة، ثم جاء آخرون فأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة. فهذا موضع الخلاف".

(1)

[سورة الحج: الآية 46].

ص: 295

فأما حضوو جماعتين أو أكثر في مسجد واحد، ثم تقام الصلاة فيتقدم الإمام

الراتب فيصلى وأولئك عكوف من غير ضرورة تدعوهم إلى ذلك، تاركون لإقامة الصلاة مع الإمام الراتب، متشاغلون بالنوافل، أو الحديث حتى تنقضى صلاة الأول ثم يقوم الذى يليه وتبقى الجماعة الأخرى على نحو ما ذكرنا ثم يصلون، أو تحضر الصلاة الواحدة كالمغرب، فيقيم كل إمام الصلاة جهرًا يسمعها الكافة ووجوههم مترائية، والمقتدون بهم مختلفون في الصفوف، ويسمع كل واحد من الأئمة قراءة الآخرين، ويركعون ويسجدون فيكون أحدهم في الركوع والآخر في الرفع منه والآخر في السجود، فالأمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وأقل أحوالها أن تكون مكروهة.

فقول القائل: إنها لا كراهة فيها خرق لإجماع الصحابة والقرن الثانى والثالث والرابع والخامس والسادس إلى حين ظهور هذه البدعة، وقد منع الإمام أحمد رضى الله عنه من إقامة صلاة واحدة بجماعتين في المسجد الحرام الذى الكلام فيه ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم

(1)

.

وقد حكى لنا أن مذهب الإمام الشافعى ومالك وأبى حنيفة رضي الله عنهم منع إقامة صلاة بإمامين في مسجد واحد، فأما إقامة صلاة واحدة بإمامين راتبين على التناوب كما تقدم، فهذا ممَّا لم يقل به أحد، ولا يمكن أحدًا أن يحكى مثل هذا القول عن أحد من الفقهاء، لا فعلًا ولا قولًا، فكيف بإمامين يقيمان الصلاة في وقت واحد، يقول منهما: حى على الصلاة ويكبر كل واحد منهما وأهل القدوة بهما مختلطون ويسمع كل واحد منهما قراءة الآخر مع مخالفته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن"، ثم ذكر عن جماعة من علماء المالكية والحنفية أنهم أنكروا صلاة الأئمة الأربعة في الحرم على الصفة المعهودة وأن المنع من ذلك هو مذهب الإمام مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة. انتهى.

(1)

هذا كله كان في الزمان الأول، أما في زماننا فقد منع كل ذلك وصاروا في كل من الحرمين يصلون بإمام واحد.

ص: 296

وسئل القاضى جمال الدين بن ظهيرة الشافعى رحمه الله تعالى عن إقامة الأئمة الأربعة لصلاة المغرب في وقت واحد؟

فأجاب: بأن ذلك من البدع الفظيعة والأمور الشنيعة التى لم تزل العلماء قديمًا وحديثًا ينكرونها ويردونها على مخترعها.

وبالجملة إن كثيرًا من كبار العلماء أنكروا تعدد الجماعة على الوجه المعروف على المذاهب الأربعة. والله الهادى إلى سواء السبيل.

ومن البدع قراءة القرآن جماعة المسماة عندهم (بالقراءة الليثية) وهى دائرة بين الحرمة والكراههّ، فقد أنكرها الضحاك وقال: ما رأيت ولا سمعت ولا أدركت أحدًا من الصحابة يفعلها، وقال ابن وهب: قلت لمالك رحمه الله تعالى: أرأريت القوم يجتمعون فيقرءون جميعًا سورة واحدة حتى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابه وقال: ليس هكذا كان يصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل إلى الآخر يعرضه. انتهى.

وقد تؤدى هذه القراءة إلى تقطع الحروف والآيات لانقطاع نفس أحدهم فيتنفس فيجد أصحابه قد سبقوه فيترك بقية الآية أو الكلمة ويلحقهم فيما هم فيه فيشاركهم تارة في ابتداء الآية وتارة في أثنائها، وبذلك يقرأ القرآن على غير ترتيبه الذى أنزل عليه، وفيه ما فيه من التخليط في كتاب الله تعالى، فقد تختلط آية رحمة بآية عذاب، وآية أمر بآية نهى، وآية وعد بآية وعيد، إلى غير ذلك، أضف إلى هذا أنهم يتصنعون بحناجرهم أصواتًا مختلقة تقشعر منها جلود المؤمنين، وتطرب لها نفوس الغافلين، وكل ذلك حرام بإجماع المسلمين.

ومن البدع المحظورة التى تقع في العبادات عامة ونطقت الأحاديث ببدعيتها أن يفتخر المرء بدعوى العلم أو القرآن أو شيء من العبادات، وقد أخرج الطبرانى في كبيره بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بمكة من الليل وقال:"اللهم هل بلغت" ثلاث مرات، فقام عمر وكان أواهًا فقال: اللهم نعم وحرضت وجهدت ونصحت، ققال: "ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وتخاض البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن، يتعلمونه ويقرءونه ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا فمن الذى هو خير منا؟ فهل

ص: 297

في أولئك من خير؟ " قالوا: يا رسول الله ومن أولئك؟ قال: "أولئك منكم وأولئك هم وقود النار"، وأخرج أيضًا: "من قال: أنا عالم فهو جاهل". قال في "الزواجر": وعد هذا كبيرة لا يبعد من قياس كلامهم؛ لأنهم إذا عدوا إسبال الإزار ونحوه خيلاء كييرة فأولى أن يعدوا هذا لأنَّه أقبح وأفحش.

ومن البدع القبيحة العامة أيضًا استثقال الإنسان للتكاليف وتطلبه الراحة منها بأدائها، أو انتظاره في الصوم للغروب مع الضجر، ومن ذلك ما تسمعه كثيرًا من

العامة، بل والخاصة، يقول بعضهم: إذا حان وقت الصلاة قم بنا نصلى لنستريح منهما، وربما زاد على ذلك قوله: فإنها على الإنسان كالجبل.

فانظر رعاك الله إلى الفرق بين الحالين كان النبي صلى الله عليه وسلم يجد فيها راحته ويقول: "جعلت قرة عينى في الصلاة"

(1)

، وكان أصحابه السلف الصالح رضوان الله عليهم يستريحون بالصلاة ويشتغلون بها عن غيرها ممَّا ليس في منزلتها، ونحن نطلب الإراحة منها لثقلها علينا، ولكن صدق الله العظيم {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}

(2)

. أخرج الطحاوى عن عبد الله بن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبى على صهر لنا من الأنصار فحضرت الصلاة فقال: يا جارية ائتينى بوضوء لعلى أتوضأ فأستريح فكأنه رآنا أنكرنا ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قم يا بلال فأرحنا بالصلاة".

فبين الأنصارى أنه يريد فأستريح بالصلاة لا منها كما توهم السامعون فأنكروا عليه ذلك، ومنه يؤخذ أن معتاد السلف رضي الله عنهم الاطمئنان للصلاة والارتياح بها لا كراهتها واستثقالها، وفوق ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما أرشده إلى ذلك مولاه فقال:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}

(3)

من كلمات الشرك والطعن في القرآن والاستهزاء به وبك {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}

(4)

.

(1)

أصل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حبب إلىّ النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة" رواه الطبرانى في "الأوسط" و "الصغير".

(2)

[سورة البقرة: الآية 45].

(3)

[سورة الحجر: الآية 97].

(4)

[سورة الحجر: الآيتان 98، 99].

ص: 298

والسر في ذلك أن الإنسان إذا اشتغل بهذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة، وإذا صارت حقيرة وإن على القلب أمرها واستوى لديه فقدانها ووجدانها، فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم. رزقنا الله التمسك بكتابه والعمل على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ومن البدع السيئة العامة تهاون الخاصة من العلماء وطلاب العلم في أمر السنن والمندوبات كالصلاة أول الوقت، وحضور الجماعات في المساجد، والحرص على

الصف الأول، وتسوية الصفوف، وأداء الرواتب، وصلاة الضحى والخسوف والكسوف، وكثيرًا ما تقام الجماعات بين يدى طلاب العلم وهم عنها معرضون، ويصلون في آخر الوقت فرادى، وناهيك ما يكون منهم من التهويش على الجماعات بالمذاكرة.

وكثيرًا ما يقع الخسوف والكسوف على مرأى ومسمع من العلماء ورجال الدين، ولا يبدون أدنى اهتمام بأمر الصلاة والدعاء، لا جماعة ولا فرادى، كأنهم فما أمن من هذه الأفزاع والمخاوف التى يخوف الله بها عباده، وكأنهم زعموا في أنفسهم أن لهم مكانة عند الله ومقامًا رفيعًا لا يؤثر فيه إهمال ما يأمرون به الناس، ولم يعلموا أن إضاعة السنة من علائم إهمال الفريضة، وأن ترك السنن مدعاة للوقوع في البدعة، ففى "الرسالة القشيرية" عن بعض العارفين:"لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن ولم يبل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدعة". انتهى.

ومن البدع السيئة ذرك التعاون على البر والتقوى، والنصيحة للمسلمين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومن آثار هذه البدعة ترك الخلفاء والأمراء والحكام ومياسير المسلمين المواظبة على الجماعات في المساجد، حتى ابتذلوا أن يؤموا الناس في صلاتهم وأن يخطبوا لهم في الجمعة وغيرها، وكان هذا من دواعى تكاسل العامة في الدين، ومن أسباب دخول الوهن فيه، فإن في عظة أولياء الأمور للناس تأثيرًا عظيمًا والنفوس مجبولة على محبة الاقتداء بالكبراء، والعامة إذا رأت أولياء الأمور

ص: 299

والعظماء تواظب على العبادة هانت عليهم مشاق العبادة، وخطر لهم أنهم أحوج إلى المجازاة عوضًا عما فاتهم من حظوظ الدنيا.

وأيضًا بواعث امتثال الأمر والنهى صدورهما على لسان ولاة الأمور وأولى البأس، لا لهم من الهيبة في نفوس الأمة، وورد: "أن الله ليزع

(1)

بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن" والناس على دين ملوكهم كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "اثنان إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء". ومنزلة الأمير من الرعية بمنزلة الروح من الجسد، فإذا صفت الروح من الكدر سرت إلى الجوارح سليمة وسرت في جميع أجزاء الجسد، فأمن الجسد من الْغِيَر فاستقامت الجوارح والحواس وانتظم أمر الجسد، وإن تكدرت الروح أو فسد مزاجها فياويح الجسد! فتسرى إلى الحواس والجوارح كدرة وهى منحرفة عن الاعتدال، فيأخذ كل عضو وحاسة بقسطه من الفساد، فمرضت الجوارح وتعطلت فتعطل نظام الجسد وجر إلى الفساد والهلاك، وقد واظب صلى الله عليه وسلم على إمامة الناس والخطبة لهم في الصلاة وغيرها، وكذا خلفاؤه وكثير من الأمراء بعدهم. ثم حدثت بدع كتأخير بعضهما الصلاة عن وقتها كما في حديث خيثمة عن عبد الله رضي الله عنه: "سيكون من بعدى أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فيحدثون البدعة"، قال عبد الله بن مسعود: فكيف أصنع إذا أدركتهم؟ قال: "تسألنى يا ابن أم عبد الله: كيف تصنع؟ لا طاعة لن عصى اللَّه": أي في معصيته لا مطلقًا، لوجوب إطاعة الأمراء وإن عصوا فيما ليس بمعصية، وقد سبق الكلام في هذا الحديث وأن هذا من تساهلهم وتشاغلهم بمصالح الرعية عن مراسم الدين فهى معصية ارتكبوها مع علمهم بتحريمها، وسماه بدعة محدثة لفعلهم إياها بحيث يقتدى بهم فيها كما هو الشأن في الأمراء، وفى "سنن أبى داود" من حديث عبادة ابن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها ستكون عليكم بعدى أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة

(1)

يزع: يكف ويمنع، يقال: وزعته عن كذا منعته.

ص: 300

لوقتها"، فقال رجل: يا رسول الله أصلى معهما. قال: "نعم إن شئت" أباح له الصلاة معهما لكن بعد أن يكون قد أداها في وقتها، فعن ابن مسعود رضي الله عنه في بعض الروايات: فما تأمرنى إذا أدركنى ذلك يا رسول الله؟ قال: "صلى الصلاة لميقاتها واجعل صلاتك معهم سبحة" وهى بضم السين وسكون الوحدة وحاء مهملة الصلاة النافلة لأنها نفل كالتسبيحات، وكالتلحين في الأذان المعروف بالسلطانى (أذان الجوقة) في حضرة الأمراء والعلماء، ولا خلاف في أنه مذموم مكروه لما فيه من التلحين والتغنى وإخراج الكلمات فيه عن الأوضاع العربية كما سبق، وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك.

ومن البدع المذمومة التهاون بأمور الدين حتى أصبح الوسط مختلًا والمدرسة الاجتماعية اليوم تعلم النشء فنون الفساد، وضروب الضلال "ومن شب على شيء شاب عليه" فاستعصى الداء على المرشدين ش لم يفلحوا في تقويم المعوج من أخلاق الأمة وتطهيرها من درن الرذائل، حتى استولى عليهم اليأس من الإصلاح فأهملوا نصح الأمة وتعليمها أمر دينها، وانضم إلى ذلك تلك البدعة المشئومة (بدعة حرية

الأديان) فكانت من أكبر معاول الهدم لبناء هذا الدين الحنيف، فساء الحال وصار كل إنسان يرى كل مفعول جائزًا لا أدب يمنعه ولا دين يردعه، وتمكن أعداء الدين من تضليل العامة بإغوائهم لكل ما يستهوى قلوب البسطاء، فوضعوا لهم الشباك وأحكموها، والناس من كل حدب تنسل إليها، وهم يعلمون أنها ما نصبت إلا لاغتيالهم. ولكن عدم المبالاة بالدين جعلهم كالأنعام، بل هم أضل، ألا ترى طائفة المبشرين أحدثوا المستشفيات ودور التعليم وأحكموها فانهالت عليها العامة وضعفاء الدين، وهنالك الويل، هنالك تدرس تعاليم الإنجيل على المرضى والتلاميذ الأحداث، فتصادف منهم قلوبًا خالية من تعاليم الإسلام فتهوى إلى وبال يدوم وضلال لا هداية بعده، كل هذا وخاصة المسلمين يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر أن يسمعوا أنين الإسلام، ويتخاذلون فلا يأخذون بحجز العامة وهم يتهافتون على ذلك تهافت الفراش على النار.

ص: 301

(وصفوة القول) من أراد في هذا الزمن أن يستقيم على الطريق القويم يجد نفسه غريبًا بين أهل الوقت لكثرة ما أحدثوا، وما غلب على السنن الأصلية من البدع، وهذا الابتداع قديم طال عليه الأمد حتى تأصل في نفوس الناس لا يعالجه إلا الأطباء الماهرون، فعن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما عرف شيئًا ممَّا كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة، قال الأوزاعى: فكيف لو كان اليوم ونحن نقول: لو خرج عليه الصلاة والسلام في زماننا هذا ما عرف شيئًا حتى الصلاة، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قولكم: "لا إله إلَّا الله". قلنا: بلى يا أبا حمزة، قال: قد صليتم حتى تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. فالسعيد من تحلى بحلية السلف ودواعى الفساد تجذبه من كل جانب، والله الهادى إلى سواء السبيل.

ومن البدع السيئة في العبادة إهمال العامة والخاصة شئون من تحت رعايتهم من الأزواج والأولاد والخدم، فلا يعلمونهم أمر دينهم، ولا يحضونهم على العمل به، وغفلوا عن هذه المسئولية العظمى في قوله صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الإمام راع مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال

سيده ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته" متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فترى الكثير من هؤلاء يتركون الصلاة والصيام، وإذا سألت الراعي عن ذلك يقول: كل لساني من النصيحة لهم.

وهذا (عجيب) فإن أحدًا من رعيته لا يجرؤ على مخالفته في شأن من شئونه لعلمهم أنهما لو أهملوا في مصالحه يدخلون تحت طائلة العقاب. وهذا يرشد إلى ضعف مكانة الدين في نفوسهم، فلو أنهم اهتموا به اهتمامهم بمصالحهم لهان عليهم أن يبعثوا رعيتهم المسئولين عنها على المحافظة على الدين، مثل بعثهم على امتثال أوامرهم ونواهيهم فيما يختص بمنافعهم الدنيوية.

(وعجيب) أيضًا أن بعض رجال الدين يعلم الناس أمور الدين ثم يضن على خاصته ومن تحت نظره، فتراهم في عماء من

ص: 302

دينهم لا يعرفون منه شيئًا وكانوا أحق بذلك "فإن الأقربين أولى بالمعروف".

وفي "المدخل" ومازال السلف رضوان الله عليهم على هذا المنهاج تجد أولادهم وعبيدهم وإماءهم في غالب أمرهم مشتركين في هذه الفضائل كلها، ألاترى إلى بنت سعيد بن المسيب رضي الله عنهما لما أن دخل بها زوجها وكان من طلبة والدها، فلما أصبح أخذ رداءه يريد الخروج فقالت له زوجته: إلى أين تريد؟ فقال: إلى مجلس سعيد أتعلَّم العلم، قالت له: اجلس أعلمك علم سعيد، وكذا ما روى عن الإمام مالك رضى اللَّه عنه حين كان يقرأ عليه "الموطأ" فإن لحن القارئ في حرف أو زاد أو نقص تدق ابنته الباب فيقول أبوها للقارئ: ارجع فالغلط معك فيرجع القارئ فيجد الغلط.

وحكى عن أشهب أنه كان في المدينة المنورة بأنوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترى خضرة من جارية وكانوا لا يبيعون الخضرة إلا يالخبز، فقال لها: إذا كان عشية حين يأتينا الخبز فأتينا نعطك الثمن، فقالت: ذلك لا يجوز، فقال لها: ولم؟ فقالت: لأنَّه بيع طعام غير يد بيد، فسأل عن الجارية فقيل له: إنها جارية بنت مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وعلى هذا المنوال كان حالهم، فأين الحال من الحال، وقد عمت البلوى، فترى غالب النساء لا يعرفن من التكاليف الشرعية شيئًا، حتى اتسع الفساد، فصرن يقلدن نساء الإفرنج في الملابس تارة، وكشف شعورهن تارة أخرى، وهذا كله خسران مبين. وبالله تعالى التوفيق.

وصل نذكر لك في هذا الوصل شيئًا ممَّا تبدع به الناس في الصوم والحج، فمن بدع الصوم ما تفعله العامة من رفع الأيدى إلى الهلال عند رؤيته يستقبلونه بالدعاء قائلين:(هل هلالك، جل جلالك شهر مبارك) ونحو ذلك ممَّا لم يعرف عن الشرع، بل كان من عمل الجاهلية وضلالاتهم، والمعروف عنه صلى الله عليه وسلم الدعاء يغير هذا من غير استقبال الهلال، فعن طلحة ين عبيد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال:"اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربى وربك اللَّه، هلال رشد وخير" رواه الترمذى وقال: حديث حسن،

ص: 303

فما تأتى به العوام عند رؤية الهلال من هذا الدعاء والاستقبال ورفع الأيدى ومسح وجوههم بدعة مكروهة لم تعهد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا السلف الصالح.

ومنها ما تفعله العوام وأرباب الطرق من الطواف في أول ليلة من رمضان في العواصم وبعض القرى (المسمى بالرؤية) فإنه لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا أحد من السلف الصالح، هذا إلى ما اشتمل عليه ذلك الطواف من قراءة الأوراد والأذكار والصلوات مع اللغط والتشويش بضرب الطبول واستعمال آلات الملاهى، وزعقات النساء والأحداث وغير ذلك ممَّا هو مشاهد.

ومنها صوم يوم الشك بنية صوم رمضان وهو يدعة مكروهة إلا لمن وصله بما قبله أو وافق عادة له لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصام اليوم الذى يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعًا"، وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال:"من صام اليوم الذى يشك فيه فقد عصى أبا القاسم" رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذى وذكره البخارى تعليقًا. ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال ليلته لنحو غيم، فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان، والحديث يدل على تحريم صومه وإليه ذهب الإمام الشافعى، واختلف الصحابة في ذلك منهم من قال بجواز صومه، ومنهم من منع منه وعده عصيانًا لأبي القاسم والأدلة مع المحرمين، والخلاف فيمن صامه بنية رمضان. وسر النهى: أن الحكم معلق بالرؤية فمن صامه فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، ولأنه تشبه بأهل الكتاب لأنهم زادوا في مدة صومهم.

(هذا) وللصوم سنن وآداب قد أغفل الناس كثيرًا منها تركنا الكلام عليها لشهرتها واستعداد المرشد.

وقد أحدث الناس في مناسك الحج أشياء قبيحة وتركوا سننًا صحيحة، فقد

ابتدع بعض الفجرة المحتالين في الكعبة المكرمة أمرين باطلين عظم ضررهما على العامة:

(أحدهما): ما يسمونه بالعروة الوثقى، عمدوا إلى موضع عال من جدار البيت المقابل لباب البيت وأوقعوا في قلوب العامة أن من ناله بيده فقد استمسك بالعروة الوثقى فأحوجوهم إلى أن يقاسوا بالوصول إليها شدة وعناء، ويركب بعضهم فوق بعض، وربما صعدت

ص: 304

الأنثى فوق الذكر ولامست الرجال ولامسوها، فلحقهم بذلك أنواع من الضرر دينًا ودنيا.

(والثانى): مسمار في وسط البيت سموه سرة الدنيا وحملوا العامة على أن يكشف أحدهم عن سرته وينبطح بها على ذلك الموضع حتى يكون واضعًا سرته على سرة الدنيا، قاتل الله واضع ذلك ومختلفه، وبلغنا إقلاع الناس اليوم عن هذين الأمرين بيقظة ولاة الأمور هناك.

ومن بدع الحج افتتان العامة بجبل عرفات في زماننا، وأخطأوا في أشياء من أمره:

(منها): أنهم اعتقدوا إن الجبل هو الأصل في الوقوف بعرفات فهم بذكره مشغوفون وعليه دون باقى بقاعها يحرصون، وذلك خطأ منهم فعرفات كلها موقف، وإنما أفضلها موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصخرات عن يسار الجبل على ما هو معروف في الفروع. وقد نشأ عن هذه البدعة تزاحم الناس في الوقوف على خصوص الجبل تزاحمًا أفضى بهم إلى ضرر كثير.

(ومنها): إيقاد النيران على الجبل ليلة عرفة واهتمامهم لذلك بحمل الشمع له من بلادهم، واختلاط الرجال بالنساء في ذلك صعودًا وهبوطًا بالشموع الكثيرة المشعلة وقد تزاحم المرأة الجميلة بيدها الشمع الموقد كاشفة عن وجهها بين الرجال الأجانب، وهى ضلالة شابهوا فيها أهل الشرك في مثل ذلك الموقف الجليل، وهى ضلالة فاحشة جمعت أنواعًا من القبائح، منها إضاعة المال في غير وجهه، ومنها إظهار شعائر المجوس، ومنها اختلاط الرجال بالنساء والشمع بينهم ووجوههم بارزة، وإنما أحدثوا ذلك من قريب لما انقرض أكابر العلماء العاملين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

ومن البدع الذهاب إلى عرفات قبل دخول وقت الوقوف بانتصاف يوم عرفة فإن أكثرهما يرحلون في اليوم الثامن من مكة إلى عرفة رحلة واحدة وإنما سنة رسول

الله صلى الله عليه وسلم السير في الثامن من مكة إلى منى والمبيت بها إلى يوم عرفة، وتأخير الحصول بعرفات إلى ما بعد زوال الشمس يوم عرفة كما هو مبين في محله.

(ومن البدع) وجهالة العامة التى أحدثوها بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل التمر الصيحان في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر، يزعمون أن ذلك من

ص: 305

أفضل القربات.

(ومن البدع) قطعهما من شعورهم ورميها في القنديل الكبير القريب من التربة النبوية الشريفة، يزعمون أيضًا أن ذلك قربة عظيمة وبركة.

(ومن البدع) الطواف بالقبر الشريف فإنه لم يشرع قربة إلا بالبيت كما سبق، وحكى الإمام الحليمى عن بعض أهل العلم أنه نهى عن إلصاق البطن والظهر بجدار القبر الشريف ومسحه باليد، وذكر أن ذلك من البدع. وقد ماتت هذه البدع اليوم لغيرة العلماء وهمة الحكام هناك (ومن العامة) من إذا حج يقول: أقدس حجتى ويذهب فيزور بيت المقدس، ويرى أن ذلك من تمام الحج وهو غير صحيح، وزيارة بيت القدس مستحبة ولكنها مستقلة ولا تعلق للحج بها، روى أحمد في "المسند" أبو داود وابن ماجه عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "أرض المحشر والمنشر، ائتوه وصلوا فيه فإن صلاة فيه بألف صلاة" وهو صريح فيما قلنا.

ومنهم من يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من زارني وزار أبى إبراهيم في عام ضمنت له على اللَّه الجنة" وهذا باطل لا يعرف في كتاب، وزيارة الخليل عليه السلام مستحبة غير منكرة، وإنما المنكر ما رووه.

(وعلى الجملة) فالناس اليوم يرتكبون في الحج بدعًا كثيرة، منها ما هو محرم، ومنها الكروه يعرف ذلك بالوقوف على كتب المناسك ككتاب ابن الصلاح رضى الله عنه ففيها الكفاية.

‌الفصْل الثامن في بِدَع الطُّرق

نذكر لك في هذا المقام شيئًا على سبيل الإجمال من كلام القوم في أصل الضريق وأحوال أهله، لتقارن، بينه وبين ما عليه أرباب الطرق اليوم حتى تكون في الأمر على بصيرة.

اعلم أن الطريق هو السبيل الموصل لتهذيب النفوس وتطهيرها من أدران الرذائل، وتحليتها بأحاسن الفضائل، لغرض القرب من الله تبارك وتعالى.

(والطرق كما قال الإمام الغزالى أربعة): الأول أن يجلس بين يدى شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات، ويحكمه في

ص: 306

نفسه، ويتبع إشارته في مجاهدتها، شأن التلميذ مع أستاذه، فيعرفه عيوب نفسه وطريق علاجها. (قال) وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده، كما عز مريد بهذه الصفة، ولو وجد أحدهما ربما لا يوجد الآخر.

وفى "الفتوحات" من صفات الشيخ الموصل إلى الله تعالى أن يكون أشعر قلبه الهيبة والسكينة، وعدم العلاقة الصارفة عن شهود الحق، وإذا ذكر الله تعالى واستولى عليه الذكر يغيب عن الأكوان فيه كل ناظر، وهو مع الحق تعالى في جميع حركاته وسكناته كثير الحياء، في قلبه التعظيم، يقدم حق الله تعالى على حظوظ نفسه، بطنه جائع (صائم)، يبكى بعينه ويضحك بقلبه، هو كالأرض يطؤه البر والفاجر، وكالسحاب يظل كل شئ، وكالمطر يسقى ما يحب، وما لا يحب لا يقضى وطره من شيء، وذلك ليدوم افتقاره إلى الله تعالى ذوقًا، شأنه الفقر والذل بين يدى الله تعالى، يفتح له في فراشه كما يفتح له في صلاته وإن اختلفت الواردات بحسب المواطن. ونقل الإمام الشعرانى عن شيخه الخواص رضى الله عنهما شرط الشيخ الصادق الذى يصح الأخذ عنه والنتاج على يديه أن يكون عنده علم يكشف به الحقائق والدقائق، فارقًا بين الحق والحقيقة، والوهم والخيال، يعلم ما جاز وما وجب وما استحال، عارفًا بالفرق بين إلقاء الملك والشيطان، والهمة واللمة، والنفث في الروع والإلهام وخطرات المريد ونزغاته، عالمًا بأمراض القلوب

والنفوس، وتطهير النجاسات النفسانية، وما يدخل من الظلمات على العوالم الروحانية، وهذا الشيخ قد عز وجوده في هذا الزمان، ثم قال: فقلت له: وما صفات المريد الصادق على وجه الاقتصاد؟ فقال: هى أربعة: الأولى صدقه في محبة الشيخ، والثانية امتثال أمره، والثالثة ترك الاعتراض عليه ولو بالباطن في ليل أو نهار أو غيبة أو حضور: أي لا يعيبه في مباح لا أنه إذا فعل منكرًا يسكت عنه لقول صلى الله عليه وسلم: "من رأى وركم منكرًا فليغيره بيده

" الحديث، بخلاف ما يتوهمه بعض العامة من السكوت مطلقًا، الرابعة سلب الاختيار معه.

فكل مريد جمع هذه الصفات الأربع فقد صحت قابليته ونفذ فيه الحال ونجع فيه الدواء.

هذه كانت صفات أهل الطريق والمريدين من حين ظهور طرائق الصوفية

ص: 307

بعد المائتين من الهجرة، فقد كان الناس في القرون الثلاثة الفاضلة متعلقين بالحق تعالى باحثين عليه، إذا ناموا ناموا عليه، وإذا استيقظوا استيقظوا عليه، وإذا تحركوا تحركوا به، حتى إن من فتح الله بصيرته، ونظر إلى بواطنهم وجد عقولهم متعلقة بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم باحثة عن مرضاتهما، فلهذا كثر فيهم الخير، وسطع في ذواتهم نور الحق تعالى، وظهر فيهم من العلم وبلوغ درجة الاجتهاد ما لا يكيف مع قلة الزمن، فكانت تربية النفوس بالطريقة التى أحدثها المشايخ غير محتاج إليها، وربما يلقى الشيخ مريده فيكلمه في أذنه فيقع الفتح للمريد بمجرد ذلك، لطهارة ذواتهم وصفاء عقولهم، وتشوفها إلى طريق الرشاد.

ثم لما بعد عهد النبوة وتوارى نورها، واختلفت أيضا الآراء وكدَّر شِرب العلم شِرب الأهوية، وتزعزعت أبنية المتقين، واضطربت عزائم الزاهدين وغلبت الجهالات، وكثرت العادات، وتزخرفت الدنيا وكثر خطابها، تفرد طائفة بأعمال صالحة وأحوال سنية، واغتنموا العزلة، واتخذوا لنفوسهم زوايا يجتمعون فيها تارة وينفردون أخرى أسوة بأهل الصفة، تاركين الانهماك في الأسباب، مجتهدين إلى رب الأرباب، فأثمر لهم صالح الأعمال سنى الأحوال، وتهيأ صفاء الفهوم لقبول العلوم، وصار لهم بعد اللسان لسان، وبعد العرفان عرفان، وبعد الإيمان إيمان (كما قال حارثة): أصبحت مؤمنًا حقًّا، لما كوشف بمرتبة في الإيمان غير ما عهد، فصار لهم بمقتضى ذلك علوم يعرفونها وإشارات يعهدونها، فحرروا لنفوسهم اصطلاحات كثيرة إلى معارف يعرفونها، وتعرب عن أحوال يجدونها. فأخذ ذلك

الخلف عن السلف حتى صار ذلك رسمًا مستقرًّا وخيرًا مستمرًّا في كل عصر وزمان.

(وعلى الجملة) فللقوم رضي الله عنهم آداب كثيرة للشيخ المربى والتلميذ، تعرض لذكرها جلهم في مؤلفاتهم، فمنها ما هو مأخوذ من الكتاب والسنة إما نصًّا صريحًا أو تلويحًا، منهأ ما أخذ بطريق الوجدان والذوق، فما كان منها موافقًا للكتاب المبين وللسنة النبوية قلنا به، وما لم يدل عليه نص ولا يعارض نصًّا فلنا الخيار في العمل به، وما عارض نصًّا من كتاب أو سنة رددناه على قائله.

ص: 308

هكذا كانت أحوال الأشياخ مع المريدين إلى أن تلاعبت الأهواء بقوم سهل عليهم ادعاء الولاية، ولما يجدوا شبكة يصطادون بها ضعفاء العقول سوى أنهم يتسمون بسمة أهل التربية والتهذيب، ضلوا وأضلوا، وأصبحوا وبالًا على الإسلام وأهله، يتخذهم أعداء الإسلام سبيلًا للكيد له وسلاحًا لخذلان أهله، ما أهون إيقاع الفرقة بين المسلمين عليهم!، وما أيسر تنفر العامة من علماء الدين منهم!، ملأوا الوجود من بدعهم السيئة، وشوهوا الشريعة بضلالاتهم الواضحة، وأطفأوا نور الحق بخزعبلاتهم الفاضحة، حتى أصبحوا معرة في الإسلام، وعلة هادمة لمناره، شأن الشيطان يدخل على الناس من طرق الخير فيجعلها سببًا لهلاكهم، ونحن نذكر لك شيئًا من هذه البدع السيئة التى صارت من مراسم هذه الطرق فنقول:

اعلم أن العمدة في تقرير هذه البدع إما مخالفة ما عرف عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم والقرون المشهود لهم بالخير، وإما عدم اتباع مارسمه سلف مشايخ الطريق من قوانين تربية النفوس وتهذيبها، وهما لم يخرجوا في وضع هذه القوانين عن الشريعة الغراء قيد شعرة كما سيتضح لك:

(فمن هذه البدع السيئة) أنك ترى أرباب الطرق في هذه الأزمان إذا جاءهم المريد فأول شيء يلقونه إليه من تعاليمهم إيقاع الفرقة بينه وبين إخوانه المؤمنين، يذم له مشايخ الطرق الآخرين حتى يبعثه على الاعتقاد بأن فضل الله لم يجد مناخًا سوى شيخه، ثم يذم له علماء الدين من أهل الظاهر حتى يعتقد أنهما لا يصلحون للاسترشاد، ولا يقبل منهما نصيحة، وهذا من أخص علامات المبتدعة. قال الإمام الشعرانى: وسمعت أخى سيدى الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى يقول من علامة المتشيخين بأنفسهم بالدعوى عدم صفاء قلوبهم لبعضهم بعضا لأن كل واحد منهم يعتقد في نفسه أنه هو الشيخ الحقيقى وأن أخاه هو المدعى للمشيخة بغير حق،

ويصدقه أصحابه على ذلك، وفى الآخرة يصلح الله بينهما ويكشف لكل واحد منهما أنه ليس بشيخ ولا شم للطريق رائحة. انتهى.

وسبب ذلك أن غالب من يتصدى في هذه الأيام للمشيخة قد أقبلوا بقلوبهم على الدنيا، وأحب كل واحد منهم الانفراد في وقته بالشهرة والسمعة بالعلم والصلاح، فأعدى عدرهم من كان عالمًا صالحًا، فهم

ص: 309

لظُلمة قلوبهم وخبث أرواحه لا يحبون أن يكون لغيرهم شهرة بخير، وهذا ليس من الإيمان في شيء كما في صحيح الحديث:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب للناس ما يحب لنفسه" متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه، قال: ولو أن هؤلاء كانوا فطموا عن رعونات أنفسهم وتهذبوا على يد شيخ عارف لأحبوا كل من أطاع الله وكرهوا كل من عصاه.

وبالجملة إذا رأيت فقيرًا يدعى الكمال وهو يكره فقيرًا كذلك يدعى الكمال فكلاهما كذاب على الطريق أو أحدهما في نفس الأمر، وقد كنت أسمع الناس وأنا صغير يقولون: لو لم يكن في اتباع طريق الفقراء من الخير إلا قول أحدهم إذا سئل عن أخيه حال غضبه عليه (ونعم من ذكرت) لكان في ذلك كفاية في الحث على اتباع طريقهم بخلاف غيرهم، فإنك إذا سألته عن أحد من إخوانه حال غضبه عليه يقوله:(بئس من ذكرت) فصار غالب الفقراء اليوم يقولون عن إخوانهم لمن رآه يمدحهم بئس من ذكرت، ويظهر التكدير على وجوههم والعبوسة. وقد بلغنا "أنه كان بين خالد بن الوليد وبين سعد بن أبى وقاص كلام، فلما ذكروا عنده ذلك الشخص بخير أخذ خالد يمدحه فقيل له في ذلك، فقال: إن الذى بينى وبينه وقع لم يبلغ إلى ديننا" أخرجه ابن أبى الدنيا يعنى أن يأثم بعضنا في بعض، فلم يسمع السوء في أخيه. انتهى.

والذى في "الإحياء" روى أنه كان بين خالد بن الوليد وبين سعد كلام فذكر رجل خالدًا بسوء عند سعد فقال سعد: مه إن ما بيننا لم يبلغ ديننا، يعنى أن يأثم بعضنا في بعض فلم يسمع السوء فكيف يجوز أن يقوله؟

ومن البدع السيئة أنهم يجوبون البلاد بتلاميذهم ويكلفون أهلها فوق طاقتهم والناس بحكم الرياء والسمعة أو التوريط، يتكلفون ذلك طائعين أو غير راضين، وربما تأثرت البسطاء بحسن هيئة هؤلاء فوقعوا في هذا التكلف وهم أحوج الناس

إلى ما ينفقون من أجلهم، هذا إلى ما يجره المتكلف على أهل بيته من المشاغل، فترى أهل المضيف يتسخطون من جراء العناء الذى ينالهم من كثرة العجن والطبخ الذى يكرههم عليه ذلك المضيف المفتون، وكثيرًا ما تكون النساء من ذوات الأولاد الرضع

ص: 310

فتشغل عنهم ويكثر الصياح والضجيج، والله أعلم بما في قلوبهم حينئذ نحو هؤلاء الثقلاء.

ذكر الإمام الشعرانى رحمه الله: أن كل طعام دخله التكلف فالأكل منه مذموم شرعًا لاسيما إن كان صاحبه لا يحلل ولا يحرم كغالب مشايخ البلاد، وكان سيدى على الخواص رحمه الله يقول: طعام المتكلفين يورث الظلمة في القلب لأنَّه كطعام البخيل على حد سواء، لكونه يطعم الضيف وعنده ثقل من ذلك، وفى الحديث:"طعام البخيل داء" ولذا لا ينبغى تناول أطعمة العرس الواسعة فإن الغالب على صاحبه التكلف فيه بما ليس من عادته وفوق طاقته.

وكان سيدى إبراهيم المتبولى رحمه الله يقول: كل فقير لا يقدره الله تعالى على أن يمد صاحب الطعام في البركة الخفية طول عامه فليس له أن يمد يده إلى طعامه، فإن أكل من غير إمداد ولا مكافأة فقد أكل بدينه ونقص مقامه بذلك.

وكان الخواص رضي الله عنه يقول: لا ينبغى لفقير أن يمد يده لطعام إنسان إلا أن يشاركه في بلاء تلك السنة كلها أو يحمله عنه كله، وعاب على من تجول في البلاد ومعه جماعة بكثرة، وقال له: إن جميع أعمالك كل يوم لا تفى بثمن الطعام الذى تأكله بالمحاباة يوم القيامة، وكان من عادة المشايخ أنهم لا يذهبون إلى الطعام بدون دعوة وإذا دعوا ذهبوا وحدهم أو مع جماعة قليلة بشرط إعلام صاحب الطعام بهم وانشراح صدره وطيب خاطره بذلك وما درج السلف الصالح إلا على العفة وعدم الشهرة.

ومن هذا تعلم أن كل فقير ليس عنده حال يحمى به صاحب الطعام من البلاء أو يمده بالبركة في طعامه فأكله من ذلك الطعام قلة مروءة وعدم عفة وخروج عن طريق أهل الله الصالحين الذين يزعم أنه على طريقهم.

(فإيَّاك) يا أخى إذا نزلت بلاد الريف أن تأكل من طعام من لا تكافئه، كما عليه مشايخ الحرف والمتساهلون في دينهم وكرامتهم من رجال الدين، ينزل أحدهم مع جماعته على من عرف بالكرم يومًا أوأيامًا ثم يذهبون من غير مكافأة ولا إرشاد

إلى دين ولا دعوة إلى فضيلة، ولا عليهم إن

ص: 311

كان عن طيب نفس أو لا، أو من حلال أو حرام، وأقل ما فيه من الكراهة أن يطعم الشيخ خوف العتب عليه منه أو من جماعته الذين يأخذون من الحافى نعله، ويأخذون ما بأيدى الناس بسيف الحياء، وهم على الحقيقة عالة على كاهل الأمة.

ومن بدعهم احتيال بعضهم على من كان معهودًا لغيرهم في أن يكون معهودًا لهم ويترك شيخه الذى لا يعتقد غيره، فيوقعونه في النكد والهم وتشويش الخاطر خوفًا من تغير وغضب شيخه عليه، وكل ذلك فساد وتفريق بين جماعة المسلمين فهو حرام بلا شك، ولا غاية لهم فيه إلا قضاء شهواتهم الخبيثة وحظوظهم الفانية.

ومن بدعهم السيئة أنهم اتخذوا الطريق تجارة يجمعون بها حطام الدنيا:

(فعن) بشر الحافى أنه كان يقول: "والله ما كنا نظن أن نعيش إلى زمان صار علم الناس شبكة لهم يصطادون به الدنيا"، وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يقول:"من علامة إخلاص العالم في علمه أنه كلما ازداد علمًا ازداد في الدنيا زهدًا وقلت أمتعة داره"، ولما مرض الإمام النووى رحمه الله مرضه الذى مات فيه ورجع من الشام إلى (نوى) بلده لم يجدوا له متاعًا يحملونه إلى أمه سوى العكاز والإبريق وترك كتبه ومؤلفاته كلها بالشام للفقراء والمساكين.

ومن بدعهم السيئة أن يجتهد الكثير منهم في أن يكون له بعد موته قبر يزار عليه قبة عظيمة، ويكون داخل مسجد، ويصنع له الحضرات وتقام الموالد، ويوصى يذلك ويقف له الأوقاف، وذا منكر في الشرع كما تقدم في بدع المقابر والأضرحة لأنَّه من باب الافتخار بالأعمال والمظاهر الكاذبة، والإنسان لا يدرى ما إليه مصيره.

قال الإمام الشعرانى رحمه الله: وقد أدركت نحوًا من مائتى شيخ ما رأيت أحدًا منهما اعتنى بشيء من ذلك وإنما المعتقدون هم الذين يصنعون له ذلك بعد موته تعظيمًا له وإكرامًا. وعن بعضهم: كم من ضريح يزار، وصاحبه في النار!

ومن بدعهم المحرمة أنهم خرجوا عن الذكر الشرعى إلى ذكر محرف يخالف الكتاب والسنة والإجماع على ما سيأتى بيانه، ويقولون: وجدنا أشياخنا هكذا يذكرون بحضرة العلماء وهم ساكتون، فإن الذكر

ص: 312

الشرعى هو الذى يوافق قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}

(1)

، وقوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

الْحَيُّ الْقَيُّومُ}

(2)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:" أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلَّا اللَّه" وغير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة. وكل ذكر خالف ذلك حرام بإجماع الأمة رمردود على فاعله. (كيف لا) وقد قال صلى الله عليه وسلم: " أصحاب البدع كلاب النار"، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه، وفى رواية لمسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهؤلاء قد أحدثوا في الدين ما ليس منه، وتعبدوا بما لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن صالح المؤمنين.

ولا ريب أن تحريف أسماء الله تعالى من أقبح البدع المحرمة إذ فيه إخراجها عن حقيقتها الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسميته تعالى بما لم يرد به نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من الإلحاد المحرم بالإجماع، فقد قال الفخر الرازى وغيره من أكابر المفسرين عند قوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

(3)

. إن من جملة الإلحاد أن تسميه تعالى بما لم يسم به نفسه كالسخى وأبى المكارم لعدم وروده وإن دل على كمال، فما بالك بالألفاظ التى شاع سماعها من غالب أرباب الطرق اليوم المشتملة على الفظاظة والكيفيات المنكرة فهم يتقربون إلى الله تعالى بالسيئات، فهى أحرى باسم الإلحاد والضلال، وقال العارف الصاوى في حاشيته على الجلالين: ويطلق الإلحاد على التسمية بما لم يرد، وهو بهذا المعنى حرام لأن أسماءه توقيفية، فيجوز أن يقال: يا جواد لا أن يقال: يا سخى، ويقال: يا عالم دون عاقل، وحكيم دون طبيب وهكذا، فمن خرج في ذكره عن الكتاب والسنة فقد أهلك نفسه ومن تبعه. انتهى.

وأما قولهم: وجدنا أشياخنا هكذا يذكرون بحضرة العلماء فهو لا يصدر إلا من جاهل لجواز أن هؤلاء الأشياخ جاهلون بأمر دينهم، أو أكابر استغرقوا في حب خالقهم حتى خرجوا بذلك عن حد التكليف؛ وعلى كلا الاحتمالين لا يصح الاقتداء بهم؛ لأنهم حينئذ لا يصلحون للوراثة ولا

(1)

[سورة محمد: الآية 19].

(2)

[سورة البقرة: الآية 255].

(3)

[سورة الأعراف: الآية 180].

ص: 313

يورث عن الأشياخ إلا ما يكون منهم حالة الصحو موافقًا للشريعة، والعارفون منهم لا يخرجون في أحوالهم عنها

قيد شعرة ما داموا في صحوهم، وقد تبرءوا ممن يخرج في حركاته وسكناته عن الكتاب والسنة.

كيف لا يتبرءون وقد تبرأ من ذلك الأئمة المجتهدون الذين وقفوا على حقيقة الأمور؟ فعن أيى حنيفة رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إياكم والقول في دين الله تعالى بالرأى وعليكم بالسنة فمن خرج عنها ضل. وكان يقول: لا ينبغى لأحد أن يقول قولًا حتى يعلم أن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبله. وقد تبرأ ممن يخرج عن الكتاب والسنة (وعن) الإمام الشافعى رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إذا رأيتم كلامى يخالف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعملوا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم واضربوا بكلامي الحائط، وكان يقول: كل شيء خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سَقَطٌ ولا يقوم معه رأى ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقوله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد معه أمر ولا نهى. (وروى) عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه إذا سُئِل عن مسألة يقول: أَوَ لأحد كلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكما صح عن الثلاثة صح عن الإمام مالك رحمه الله، روى ابن عبد البر أن ابن عيسى قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأى فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.

وقال أبو يزيد البسطامى رحمه الله: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتقى في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى وحفظ الحدود وأداء الشريعة، وقال سيد الطائفة الجنيد: علمنا هذا (يعنى التصوف) مقيد بالكتاب والسنة، وقال الإمام الكبير أبو الحسن النورى قرين الجنيد: من رأيته يدعى مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فلا تقرين منه فإنه مبتدع؛ لأن من لم تشهد الشريعة لأفعاله وأقواله فهو مبتدع وإن جرت عليه أحوال خارقة العادة؛ لأن ذلك من جملة المكر له، وقال أبو القاسم النصراباذى الصوفى الكبير: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع. وسُئِلَ أبو على الحسن بن على الجوزجانى: كيف الطريق إلى الله؟ فقال:

ص: 314

الطرق إلى الله كثيرة وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبه اتباع السنة قولًا وفعلًا وعزمًا وعقدًا ونية لأن الله تعالى يقول: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}

(1)

فقيل له: كيف الطريق إلى السنة؟ فقال:

مجانبة البدع واتباع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام والتباعد عن مجالس الكلام وأهله ولزوم طريقة الاقتداء، وبذلك أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}

(2)

إلى غير ذلك ممَّا هو مأثور عن أكابر الصوفية ممَّا يدل على أنهم بنوا طريقهم على أصول ثلاثة: الاقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه في أخلاقه وأفعاله، وأكل الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، وأنهم مجمعون على تعظيم الشريعة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آداب الدين، متفقون على أن من خالف الكتاب والسنة وبنى أمره على غيرهما مفتر كذاب، هلك في نفسه وأهلك من اغتر به ممن ركن إلى أباطيله.

فتبين بهذا أن قول المحرفين للذكر هكذا وجدنا أشياخنا يذكرون لا يصح أن يكون دليلًا على الشريعة، بل ينادى عليهم بالسفه وعدم الروية {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}

(3)

.

وأما قولهم: بحضرة العلماء وهم ساكتون، فهو باطل أيضًا لجواز أن يكون سكوت العلماء عن هؤلاء الجهلة لظنهم أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يفيد عندهم، بل ذلك هو الظن في هداة الأمة الذين هم ورثة الأنبياء، ويجوز أن من حضرهم كان ممن تسموا باسم العلماء وليسوا منهم.

(وجملة القول) حجتهم داحضة، وكما يحرم الذكر بما لم يوافق الكتاب أو السنة أو الإجماع يحرم سماعه؛ لأن للسامع حكم المسموع، كما أن للناظر حكم المنظور، والساكت على الجريمة شريك الجانى؛ ولذا كان السامع للغيبة في الإثم كالناطق بها. نسأله تعالى السلامة.

‌بَيَان مَا هُوَ الذِّكْر الشَّرعِى

وأما الذِّكر الذى يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأصفياء الأمة، ويؤجر عليه فاعله، فهو ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وضبطه الأئمة الذين يعول عليهم، فقد قال سيدى محمد المنير خليفة الإمام الحفنى في

(1)

[سورة النور: الآية 54].

(2)

[سورة النحل: الآية 123].

(3)

[سورة البقرة: الآية 170].

ص: 315

"تحفة السالكين": وليحذر من اللحن في (لا إله إلَّا الله) لأنها من القرآن فيمد اللَّام على قدر الحاجة، ويحقق الهمزة المقصورة بعدها ولا يمدها أصلًا، ويفتح هاء (إله) فتحة خفيفة، ولا يفصل بين الهاء وبين (إلَّا الله)، وإيَّاك أن تتهاون في تحقيق همزة (إله)، فإنك إن لم تحققها قلبت ياء، وكذلك همزة (إلَّا)، وتسكن آخر لفظ الجلالة، ثم قال: ويحترز عن تمطيط الذكر والعجلة الشديدة لأنها تخرج الذكر عن حده، فاليزان أن لا يخرجوه عن حده الشرعى. انتهى. ونحوه للعلامة السنوسى والعلامة السجاعى وأبى البركات الدردير والإمام الشعرانى وغيرهم من السادة الأكابر وشنعوا جميعًا على من حرف الذكر على الطريقة الشرعية وحكموا بأنه لا ثواب له، بل واقع في الخسران والضلال البعيد.

قال المحقق الأمير في "نتائج الفكر": واعلم أن جميع كلمة التوحيد مرققة، فلا يفخم منها إلا لفظ الجلالة فقط، ومخارج حروفها قد انحصرت في أربعة: اللَّام والألف والهمزة والهاء، فمخرج اللَّام من طرف اللسان، ويوضع في أصل الثنايا العليا، ومخرج الألف من أصل الجوف خارجة من محض النفس، ومخرج الهمزة والهاء كلاهما من الحلق، غير أن الهمزة أشد من الهاء وأيبس. ونهى العلماء عن السكوت على لا إله لما فيه من إيهام التعطيل، بل يصله بالاستثناء الإثبات بقوله: ألَّا الله بسرعة.

ثم قال: وليحذر ممَّا يقر لبعضهم من تفخيم أداة النفى، وربما مال بألفها إلى جهة الشفتين فتصير كالواو، أو لجهة وسط اللسان وما فوقه فتصير كالياء، أو يبدل همزة إله ياء، أو يشبع الهمزة فتتولد منها ياء، أو يزيد في ألف إله على المد الطبيعى، أو يسكت هنا سكتة لطيفة، أو يشبع همزة إلَّا فتتولد منها ياء، أو يثبت ألفها فإنه لحن، بل يجب حذف الألف الأخيرة لالتقاء الساكنين، وهؤلاء الجهلة يثبتونها ويمدونها ويتفننون في مدها، وبعضهم يمد هاء إله ويولد من إشباعها ألفًا،

وبعضهم يثبت همزة الله ويمدها فتصير كالاستفهام، وكل ذلك مخالف لما نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به، وتارة يزعمون أنهم (انجذبوا) فيأكلون بعض حروف هذه الكلمة ويحرفونها، وربما لا تسمع منهم إلَّا أَصوتًا ساذجة أو شيئًا يشبه نهيق الحمار أو هدير الطائر.

ص: 316

ثم قال: نعم، المأخوذ عن حسه، الغائب عن نفسه، كل ما جرى على لسانه لا لوم عليه فيه، وإنما في هؤلاء الذين يتعمدون ذلك وهم لم يخرجوا عن حد التكليف وتطرأ لهم مواجيد نفسانية يتخيلونها واردات رحمانية. (كلا) والله ما كل واجد بمحمود، إلا إذا ورد على طريق الشرع المحدود، بخسوا أنفسهم في نطقهم بهذه الكلمة التى توضع في بطاقة صغيرة يوم القيامة في الميزان فترجح على سجلات كثيرة من السيئات، كل سجل منها مد البصر كما في الحديث، فيا ليت شعرى كيف توزن لهما، بل يخشى من تقطيع أسماء الله تعالى وتحريف أذكاره أنهما يذكرونها وهى تلعنهم. انتهى.

وفى خزانة "الأسرار الكبرى" ما نصه: وكذا بعض أهل الذكر يزيدون حروفًا كثيرة في كلمة التوحيد كأنهم يقولون بزيادة الياء بعد همزة لا إله، وبزيادة الألف بعد هاء إله مثالهما (لا إيلاها) وبزيادة الياء بعد همزة إلا، وبعد إلا بزيادة الألف مثالهما (إيلا الله) وكلها حرام بالإجماع في جميع الأوقات، فهما يذكرون الله تعالى ويعبدونه بالسيئات، فيصيرون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. انتهى.

وضبط باقى الأسماء لا يخفى على من رجع إلى كلام القوم فلا نطيل به. (فيجب) على كل ذاكر سواء كان (رفاعيًّا، أو أحمديّا، أو بيوميًّا، أو حفناويًّا، أو شاذليًّا، أو بكريًّا، أو عفيفيًّا، أو برهاميًّا) أو غير ذلك من الطرق أن لا يخرج عما ررد عن رسود الله صلى الله عليه وسلم ووضحه أئمة المسلمين وإلا فلا يلومن إلا نفسه.

ومن بدعهم أنهم يذكرون بالحلق، ومعلوم أن مورد الذكر اللسان والحلق والشفتان، وبالحلق فقط صوت ساذج، وبالقلب فقط ليس أيضًا بذكر بالكسر، بل ذكر بالضم وليس الكلام فيه.

وقد اختلف في جواز الذكر بالاسم المفرد، فذهب كثير منهم إلى أنه لابد في الذكر من الجملة لأنها هى المفيدة، ولا يصح بالاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا لأنَّه

ليس بكلام تام ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر، ولا أمر ولا نهى، ولم يذكر ذلك أحد من السلف، ولا شرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشريعة إنما ورد بها من الأذكار ما يفيد بنفسه

ص: 317

فقد ورد: "أفضل الأذكار لا إله إلَّا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير".

ورأى آخرون من العلماء أن الذكر كما يكون بالجملة يكون بالاسم المفرد، قال العلامة البنانى في شرحه على صلاة ابن مشيش: أعلم أن ذكر الاسم المفرد المعظم مجردًا عن التركيب بجملة وهو قوله: (الله الله) ممَّا تداولته السادات الصوفية، واستعملوه بينهم إلى أن قال: وفى الصحيح: "لا تقوم الساعة حتى لا يبقى من يقوله: (اللَّه اللَّه) وهو شاهد في الجملة بذكر هذا الاسم وحده، لا سيما على رواية النصب، ولا نزاع في جواز التلفظ بالاسم الكريم وحده، فأى مانع أن يكرره الإنسان مرات كثيرة، وكونه لم ينقل عن السلف لا يقتضى منعه ولا كراهته، وكم أشياء لم تكن في عهد السلف مع أنها جائزة إلى أن قال: فلا ينبغى التوقف في ذلك، ولا التشغيب بإنكاره، وقال الشيخ أبو العباس المرسى رحمه الله: ليكن ذكرك: "الله"، فإن هذا الاسم سلطان الأسماء وله بساط وثمرة، فبساطه العلم وثمرته النور، وليس النور مقصودًا لذاته، بل لما يقع به من الكشف والعيان، فينبغى الإكثار من ذكره واختياره على سائر الأذكار لتضمنه لجميع ما في (لا إله إلَّا الله) من العقائد والعلوم والآداب والحقوق فإنه يأتى في (الله) وفى (هو) ما لا يأتى في غيرهما من الأذكار. انتهى.

وقال الشيخ زروق: ولهذا اختاره المشايخ ورجحوه على سائر الأذكار وجعلوا

له خلوات ووصلوا به إلى أعلى المقامات والولايات وإن كان فيهم من اختار في

الابتداء (لا إله إلَّا الله) وفى الانتهاء (الله الله)، وقال ابن حجر في "الفتاوى

الحديثية": ذكر (لا إله إلَّا الله) أفضل من ذكر الجلالة مطلقًا بلسان أهل الظاهر. وأما أهل الباطن فالحال عندهم يختلف باختلاف حال السالك فمن هو في ابتداء أمره ومقاساة شهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها يحتاج إلى النفى والإثبات حتى يستولى عليه سلطان الذكر، فإذا استولى عليه فالأولى له لزوم الإثبات أعنى (الله الله) وبهذا يتبين أن الذكر بالاسم المفرد لا مانع منه شرعًا، إذ لم يرد نهى عنه من الشارع يفيد كراهته أو تحريمه.

ص: 318

‌الشُّبَه التى يَتمَسَّك بهَا الَّذِين يُحرِّفُون الذِّكر وردها

قالوا: يجوز الذِّكر بجميع الأسماء بـ (ايل، ولاها) ونسبوا ذلك للفقيه ابن حجر رحمه الله تعالى لورود الشرع بذلك؛ لأن ايل اسما الرحمن، ولاها اسم المحبوب. والجواب: أن نسبة هذا لابن حجر فرية ما فيها مرية، وكيف يقول مؤمن بصحة هذه النسبة له رحمه الله، وهو قد ألف كتابه المسمى: بكف الرعاع، عن محرمات اللهو والسماع، قصد به الرد على هؤلاء الجهلة الكذابين، وشنع عليهم في نسبتهم القول بجواز الرقص للعلامة العز بن عبد السلام.

ثم يقال لهم: إن أردتم جميع الأسماء الواردة في الشرع كما يدل عليه التعليل بقولكم لورود الشرع إلى آخره، ورد أن الشرع لم يثبت فيه إطلاق (ايل ولاها) عليه تعالى لا بطريق صحيح ولا غيره، فقولهم: لأن ايل اسم الرحمن، ولاها اسم المحبوب ممنوع، ومن أين لهم ذلك {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}

(1)

(على) أن كون "لاها" اسمًا لا يسوغ إطلاقه على الله سيحانه وتعالى، إلا على قول ضعيف، وهو جواز إطلاق ما دل على كمال ولم يوهم نقصًا (نعم) قيل: إن ايل في نحو جبرائيل بمعنى عبد، وهو غير صحيح كما قال أبو على السوسى: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله ايل، الثانى: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورًا.

وإن أرادوا جميع الأسماء مطلقًا فالذى عليه المحققون أن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يجوز إطلاق اسم أو صفة عليه تعالى إلا إذا كان واردًا في القرآن أو الأحاديث الصحيحة.

والمراد بالاسم ما دل على الذات إما وحدها كلفظ الجلالة، وإما مع الصفة كالرحمن والعالم والقادر، وبالصفة ما دل على معنى زائد على الذات فقط كلفظ القدرة والعلم. هذا مختار جمهور أهل السنة للاحتياط، واحترازًا عما يوهم باطلًا لعظم الخطر في ذلك.

سلمنا أنهما من الأسماء على ما فيه، لكنه مخصوص بذكرهما مفردين بأن

يقال: يا ايل ويا لاها، لا واقعين في كلمة التوحيد (كلا إيلاها إلَّا الله) فإن الواقع فيها محدود قطعًا، ولا بقول مسلم بأن ايل ولاها الواقعين

(1)

[سورة البقرة: الآية 111].

ص: 319

اسمان من أسماء الله تعالى لما يلزم عليه من الكفر بنفى وجود إيل وهو الله تعالى على زعمه، والتناقض في الكلمة المشرفة التى هى أفضل الكلام ومفتاح الإسلام، وغير ذلك من المفاسد، بل يخشى على فاعلها الكفر كما ذكره العلامة الأخضرى والعلامة الأمير والعارف الدردير وغيرهم من المحققين حيت قالوا: يحرم تقطيع أسماء الله تعالى، بل ربما يخشى على من حرفها وقطعها الكفر والعياذ بالله تعالى، وبينوا التحريف والتقطيع كما سبق، وقالوا أيضًا: يجوز الذكر بـ (هو ها وهى) والجواب: أنها دعوى لا دليل عليها، فإن ها وهى من الضمائر المؤنثة فلا يجوز الذكر بها إذ لم ترد لا في كتاب ولا سنة، وما وقع في كتب المخذولين لا يلتفت إليه.

ويجوز الذكر بـ (هو) لأنَّه من أسماء الله المضمرة وقد ورد كتابًا وسنة.

قالوا: يجوز الذكر بلفظ (أه) لما زود أنه الاسم الأعظم.

ونقول لهم: لم يثبت من طريق صحيح أنه اسم من أسمائه تعالى، وقد علمت أن أسماءه تعالى توقيفية، فلا يجوز الذكر به. وما قيل في بعض الحواشى من أنه الاسم الأعظم لا سند له، وما يروى من أن النبي صلوات الله وسلامه عليه زار مريضًا كان يئن، وأن أصحابه رضي الله عنهم نهوه عن الأنين، وأنَّه عليه الصلاة والسلام قال لهم:"دعوه يئن فإنه يذكر اسمًا من أسمائه تعالى" لم يرد في حديث صحيح ولا حسن كما قرره الثقات. وقد أفتى المرحوم الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر في هذه المسألة فقال رحمة الله عليه ما نصه: إن هذا اللفظ المسئول عنه (أه) بفتح الهمزة وسكون الهاء ليس من الكلمات العربية في شيء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقًا، وإن كان بالمد فهو إنما يدل في اللغة العربية على التوجع، وليس من أسماء الذوات فضلًا عن أن يكون اسمًا من أسماء الله الحسنى التى أمرنا أن ندعوه بها، إلى أن قال رحمه الله: ولا يجوز لنا التعبد بشيء لم يرد الشرع بجواز التعبد به، وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" إلخ ما قرره، رحمة الله عليه.

وقالوا: يجوز الذكر بحرف واحد كما ورد في أوائل السور ككاف وهاء وياء وعين وص، ويجوز الذكر بأسماء الله طرًا.

ص: 320

ونقول لهم: هذا اختراع وابتداع إذ لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف الصالح أنهم ذكروا بحرف واحد، وهم القدوة لنا في سائر أنواع العبادات، خصوصًا ذكر الله الذى هو أكبر، وقولهم كما ورد في أوائل السور تمثيل أو تنظير غير صحيح، إذ لم يرد في كتاب رلا سنة أن هذه الحروف أسماء لله تعالى.

غاية ما في الباب أن بعض العلماء قال: إن كل حرف من هذه الحروف مقتطع من اسم من أسماء الله تعالى هو قول مغضوض عنه، ثم على تسليمه لا يكون المقتطع من الاسم اسمًا فلا يكون التكلم بالمقتطع ذكرًا لاسم الله تعالى، ونعوذ بالله من سوء التأويل، والجراءة على ذكر الله الجليل، والأعجب من هذا جعله دليلًا على ما ادعاه أو تمثيلًا لما افتراه.

ويجوز الذكر بجميع أسماء الله تعالى المأخوذة من السنة ولو من غير شيخ عارف لكن به أكمل وأرجى لقطع العلائق الشيطانية، ولتجلى الأنوار الملكوتية، وليس عندنا لله أسماء ثابتة عن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه الآخذين عنه، إذ لا طريق إلى الله تعالى ومعرفة أسمائه إلا هو، وغيره الطريق الشيطان.

وقالوا: يجوز الرقص حالة الذكر بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم، وكان رقصهم بالوثبات والوجد، ففى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترنى بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون بالحراب والدرق في المسجد حتى أكون أنا التى أسأمه" وكان ذلك يوم عيد الفطر.

ونقول لهم هذا قول باطل مناقض لقواعد الشرع الشريف لقوله صلى الله عليه وسلم: "شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وقائله كأنه ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، والاستدلال لفعل الحبشة في المسجد بحضرته صلى الله عليه وسلم استدلال باطل لأن ذلك كان تمايلًا بالحراب للتدريب على استعمال السلاح كما شرعت المسابقة وكما أبيح التبختر في الحرب وإن كان ممنوعًا في غيره كما قال عليه الصلاة والسلام: "إنها لمشية يبغضها اللَّه إلا في هذا

ص: 321

المواطن" وأين هذا من الرقص الذى هو هز المعاطف والأكمام الذى لا يفعله إلا الفساق من العوام.

قال في "المدخل": وأما الرقص التواجد فأول من أحدثه أصحاب السامرى لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين

الكفار وعباد العجل، وحاشا لله أن يقول هذا القول الشنيع حجة المسلمين وإمام العاملين الإمام ابن حجر أمطر الله على جدثه صبيب الرحمة والرضوان. انتهى.

ونقل القرطبى عن الإمام الطرسوسى أنه سُئِلَ عن قوم في مكان يقرءون شيئًا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة، هل الحضور معهم حلال أولا؟

فأجاب: مذهب السادة الصوفية: أن هذا بطالة ضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامرى لام اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون، وهو -أي الرقص- دين الكفار وعباد العجل، وإنما كان مجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار، (فينبغى) للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا أن يعينهم عنى باطلهم. هذا مذهب مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة وغيرهما من أئمة المسلمين. انتهى.

وقال الإمام الكبير ابن قدامة جوابًا عن مثل هذا السؤال: إن فاعل هذا مخطئ ساقط المروءة، والدائم على هذا الفعل مردود الشهادة في الشرع غير مقبول القول، فإن هذا معصية ولعب ذمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكرهه أهل العلم وسموه بدعة، ونهوا عن فعله، ولا يتقرب إلى الله تعالى بمعاصيه، ولا يطاع بارتكاب مناهمه، ومَن وسيلته إلى الله سبحانه معصية كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتخذ اللهو واللعب دينًا كان كمن سعى في الأرض بالفساد، ومن طلب الوصول إلى الله سبحانه من غير طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته فهو بعيد عن الوصول إلى المراد. انتهى.

وتمسكوا أيضًا بحكايات كثيرة عن المشايخ ذكرها الإمام القشيرى

ص: 322

وغيره زاعمين أن هؤلاء المشايخ عرفت فضائلهم وصحت كراماتهم، فإطباقهم على حضور مجلس السماع والغناء وتواجدهم وركضهم ورقصهم دليل على إباحة ذلك.

ونقول لهم: إننا لا ننفى جوازه إلا عند وجود نحو تثن أو تكسر، فمن أين أن أولئك المشايخ تثنوا أو تكسروا، (سلمنا) أنهم فعلوا ذلك فمن أين؟ أنهم لما يحصل لهم وجد أخرجهم عن حالة الاختيار إلى حالة الاضطرار؟ (على أنا) لا نسلم تلك

الحكايات عن أولئك، فلعلها مما أدخله أهل الزندقة على أهل الإسلام كما كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يحصى. (سلمنا صحتها) وأنهم فعلوها اختيارًا، فالحجة فيما جاء عنه صلى الله عليه وسلم وعن الأئمة بعده، وقد بينا أن ذلك لم يكن طريقهم ولا سبيلهم، وأن ذلك مما حدث بعدهم، فقد تناوله قوله صلى الله عليه وسلم:"وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وظهور الكرامات لا يدل على العصمة، بل على قرب من ظهرت عليه في حال ظهورهما عليه مع جواز تلبسه بعد ذلك بكبيرة يتوب الله عليه منها، (ومن ثم) قيل للجنيد سيد الطائفة: أيعصى الولى؟ فقال: وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وقال ابن عبد السلام: أخطأ من زعم أن الولاية تنافى ارتكاب الصغائر، ففعلهم لذلك على فرض أنه باختيارهم وفيه تثن أو تكسر يكون صغيرة وهى لا تنافى الولاية.

وما أحسن ما قاله الأستاذ الكبير إمام العارفين أبو على الروذبارى لما سُئِلَ عمن يسمع الملاهى ويقول هى حلال لأننى قد وصلت إلى درجة لا يؤثر فىِّ اختلاف الأحوال؟ فقال رضي الله عنه: نعم قد وصل ولكن إلى سقر.

ومن قبائحهم التصفيق حالة الذكر فإنه خفة ورعونة مشابهة لرعونة الإناث لا يفعله إلا أرعن أو متصنع جاهل، يدل على جهالة فاعله.

إن الشريعة لم ترد به لا فى كتاب ولا سنة ولا فعل ذلك أحد من الأنبياء ولامعتبر من أتباع الأنبياء، وإنما يفعله السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء، وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال لقوله صلى الله تعالى عليه سلم:"إنما التصفيق للنساء".

ومن بدعهم قراءة الفاتحة بنية كذا وبنية كذا، يفعلون ذلك عقب

ص: 323

الفراغ من الذكر، ومنهم من يقول للحاضرين: الفاتحة على هذه النية من غير بيان لما ينويه، فكل هذا لم يعرف عمن يقتدى به.

ومن بدعهم وضع السبحة في العنق أو اليد بدون الذكر فهو، من فعل المرائين الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويعرفوا من طريق الوهم والتضليل، والطريق إلى الله عز وجل هى متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سوى ذلك ضلال نعوذ بالله منه. (ومن قبائحهم) الضرب بالكأس أو الباز أو الغابة أو غير ذلك حال الذكر، فكل هذا حرام سواء حال الذكر أو غيره، وعند الذكر أشد حرمة.

ومن بدعهم ما يصنعونه في الموالد المسمى عندهم بركبة الخليفة، وما يقع منهم

حول الصارى من وقوفهم حلقة، ويقولون كلامًا بأصوات مرتفعة لا يعرفه إلا من سألهم عنه لعدم بيان حروفه ويسمونه (سلفية أو بنبا) أو غير ذلك، ثم يقف بعضهم في مقابلة بعض ويقولون:(يألله يألله) برفع أصواتهم مع صعود أيديهم وهبوطها، ثم يعودون للحالة الأولى وهكذا إلى ثلاث مرات، ثم بعد ذلك يدور بعضهم واضعين أيديهم على مناكب بعض، ويذكرون بأذكارهم المعلومة دائرين في وسط الحلقة يصافحون أهلها، وهكذا مرة بعد أخرى، ويسمونه بالسلام كما هو مشاهد منهما في نحو مولد سيدى أحمد البدرى، فكل هذا لا يخلو من محرم كما هو مشاهد عند ركعة الخليفة، وعلى فرض خلوها من المحرم فهى أمور مبتدعة وأحوال مخترعة ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع المسلمين يدعون الله تعالى بصوت رفيع في غزوة خيبر فنهاهم عنه، فعن أبى موسى رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" متفق عليه، وفى رواية:"أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتهليل والتكبير إذا علوا عقبة أو ثنية"، والمراد بالقرب والمعية في الحديث لازمهما وهو العلم بمعنى أن علمه تعالى محيط بكل شيء فهو يسمع أقوال عباده ويرى أعمالهم ويطلع على أحوالهم، "اربعوا" بكسر الهمزة وفتح الموحدة: أي

ص: 324

ارفقوا على أنفسكم وأمسكوا عن الجهر، وإذا كان هذا حال رفع الصوت بالذكر وحده فما بالك به مع العبث بالأيدى، وسنة المصافحة إنما تكون للمتلاقين لا للحاضرين، والواجب تسمية ما ذكر خلفية لا سلفية، إذ السلف براء منها، فاعتمد هذا ولا تغتر بمن لم يبلغ أدنى مراتب القوم، ولم يشم للوصول رائحة فيتقول عليهم بما هم منه بريئون.

وإليك ما كتبه الأستاذ الإمام قدس الله سره في التصوف وأهله، قال رحمة الله عليه ما ملخصه:

قد اشتبه على بعض الباحثين في تاريخ الإسلام وما حدث فيه من البدع والعادات التى شوهت جماله السبب في سقوط المسلمين في الجهل فظنوا أن التصوف من أقوى الأسباب لوقوع المسلمين في الجهل بدينهم وبعدهم عن التوحيد الخالص الذى هو أس النجاة ومدار صحة الأعمال، وليس الأمر كما ظنوا، فنذكر

لك الغرض منه عنى وجه الإجمال، وما آل إليه أمره بعد ذلك.

ظهر التصوف في القرون الأولى للإسلام فكان له شأن عظيم، وكان المقصود منه في أول الأمر تقويم الأخلاق وتهذيب النفوس، وترويضها بأعمال الدين وجذبها إليه وجعله وجدانًا لها وتعريفها بحكمه وأسراره بالتدريج، وكان الفقهاء الذين وقفوا عند طواهر الأحكام المتعلقة بأعمال الجوارح والمعاملات ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين ويرمونهم بالزيغ والإلحاد، وكانت السلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إليهما، فاضطر الصوفية إلى إخفاء أمرهم ووضع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إلا بشروط واختبار طويل فقالوا: لابد فيمن يحب أن يكون منا أن يكون أولًا طالبًا فمريدًا فسالكًا، وبعد السلوك إما أن يصل وإما أن ينقطع، فكانوا يختبرون أخلاق الطالب وأطواره زمنًا طويلًا ليعلموا أنه صحيح الإرادة صادق العزيمة لا يقصد مجرد الوقوف على أسرارهم، وبعد الثقة يأخذونه بالتدريج شيئًا فشيئًا.

ثم إنهم جعلوا للشيخ سلطة خاصة على مريديه حتى قالوا: يجب أن يكون المريد مع الشيخ كالميت بين يدى الغاسل؛ لأن الشيخ يعرف أمراضه النفسية وعلاجها، فإذا أبيح له مناقشته ومطالبته بالدليل تتعسر

ص: 325

معالجته أو تتعذر، فلابد من التسليم له في كل شيء من غير منازعة، وقالوا: إن الوصول إلى العرفان المطلق لا يكون إلا بهذا، ثم إنهم أحدثوا إظهار قبور من يموت من شيوخهم والعناية بزيارتها لتذكر سلوكهم ومجاهدتهم وأحوالهم ومشاهدتهم لأن التذكر من وسائل التأسى، والتأسى هو أقوم طرق التربية عند جميع الناس.

فتبين من هذا الإجمال أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحًا شريفًا وأنهم ما كانوا يريدون إلا الخير المحض لأن صحة القصد وحسن النية أساس طريقهم، ولكن تلك المقاصد الحسنة قد تغيرت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها ذكرًا يتبرأ منه كل صوفى، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيمًا أتلف عقائد البسطاء، فاعتقدوأ أن لهم سلطة غيبية فوق الأسباب التى ارتبطت بها المسيبات لحكمته تعالى ومشيئته، بها يديرون الكون ويتصرفون كما يشاءون، وأنهم قد تكفلوا بقضاء مطالب مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا، وهو اعتقاده مخالف لكتاب الله سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف من الصحابة والتابعين والمجتهدين.

وأقبح من هذا زعمهم أن الشريعة غير الحقيقة، فإذا ارتكب أحدهم ذنبًا فأنكر عليه منكر قالوا في الجانى: إنه من أهل الحقيقة فلا اعتراض عليه، وفى المنكر أنه من أهل الشريعة فلا التفات إليه، كأنهم يعتقدون أن الله تعالى أنزل للناس دينين، وأنَّه يعاملهم معاملتين -حاشا لله- نعم جاء في كلام بعض الصوفية ذكر الحقيقة مع الشريعة ومرادهم يه أن في كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ما يعلو أفهام العامة بما يشير إليه من دقائق الحكم والمعارف التى لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، فحسب العامة من هذا الوقوف عند ظاهره، ومن آتاه الله بسطة في العلم ففهم منه شيئًا أعلى ممَّا تصل إليه أفهام العامة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ممن يجد ويجتهد للتزيد من العلم بالله وسننه في خلقه. فهذا ما يسمونه علم الحقيقة لا سواه وليس فيه شيء يخالف الشريعة أو ينافيها، ومن رزقه الله نصيبًا من هذا العلم كان أشد الناس خشية، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}

(1)

.

ولقد ساءت طريقة مدعى التصوف في هذا الزمان وصارت رسومهم بالأهواء والمعاصى أشبه، انظر إلى الاجتماعات التى يسمونها (الوالد)

(1)

[سورة فاطر: الآية 28].

ص: 326

وما يكون منهم فيها من نصب السرادقات وتقديم الخدمات، فقد جذبوا إليها الفقراء واستخفوا بها عقول الأغنياء، فصاروا يبذلون فيها الأموال العظيمة زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولو طلب منهم بعض هذا المال لمساعدة الجمعيات التى قامت للدعوة إلى الله وهداية الناس أو معونة المرشدين الذين تصدوا لنشر العلم والفضيلة؛ ومحاربة البدع والرذيلة، أوإعانة منكوب أو إسعاف مصاب لضنوا به وبخلوا، ولا يرون أن ما يقع فيها من المنكرات مناف للتقرب إلى الله تعالى، كأن كرامة الشيخ الذى يحتفلون بمولده تبيح تلك المحظورات، وتجيز للناس التعاون على المنكرات.

فالموالد اليوم أسواق الفسوق والفجور فيها خيام للبغاء، وحانات الخمور ومراقص يجتمع فيها الشبان لمشاهدة الراقصات المتبرجات المتهتكات الكاسيات العاريات، فيها أماكن أخرى لضروب من سئ الأعمال وساقط الأقوال يقصد بها إضحاك الحاضرين، فيها إسراف وتبذير للأموال وإضاعة للأوقات فيما لا فائدة منه ولا خير فيه.

فانظر إلى أين وصل المسلمون ببركة التصوف واعتقاد أهله بغير فهم ولا مراعاة شر، فلا عجب إذا عم فيهم الجهل واستحوذ عليهم الضعف وحرموا ما وعد الله المؤمنين من النصر؛ لأنهم انسلخوا من مجموع ما وصف الله به المؤمنين في نحو قوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)}

(1)

الآيات، وقوله تعالى:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}

(2)

إلى آخر السورة. ا. هـ.

(وصفوة القول) أنه لا طريق لمعرفة الله تعالى المعبر عنها بالوصول إليه غير ما نزله من البينات والهدى، ما بينه سول الله صلوات الله وسلامه عليه من وسائل العبادة بقوله وفعله. إنما كان غرض الصوفية الصادقين فهم الكتاب والسنة مع التحقق بمعارفهما، والتخلق بآدابهما، وأخذ النفوس بالعمل بهما من غير تقليد لأهل الظاهر، ولا جمود على الظواهر.

وقد اختلف في لفظ الصوفى إلى أي شيء ينسب فقيل: إنه مأخوذ من الصفة نسبة إلى أهل الصفة وهم جماعة من فقراء الصحابة كانوا يلازمون

(1)

[سورة المؤمنون: الآيات 1 - 3].

(2)

[سورة الفرقان: الآية 63].

ص: 327

صفة المسجد للانقطاع للعبادة وحفظ القرآن الكريم، وقواعد الصرف تأباه، وقيل: إنه مأخوذ من الصفاء وهو كسابقه، وأشهر الأقوال وأقربها إلى اللفظ أنه نسبة إلى الصوف لأن القوم كانوا يكثرون من لبسه والله أعلم.

‌الفصْل التاسع في بِدَع الاعتقَادَات

أعلم أن الاعتقادات على نوعين:

(النوع الأول): الاعتقادات التى ذهب إليها الفرق الضالة التى أشار إليها الحديث، ولا كلام لنا فيه فإن الكتب الكلامية قد كفتنا مؤنته، على أن أغلبها قد أماته الله وانقرض المنتحلون لها، وكفى الله المؤمنين القتال، شأن الباطل أمام قوة الحق، إن الباطل كان زهوقًا.

(النوع الثانى): العقائد السائرة بين الناس وقد يعتقدها بعض الخواص، وهذه ليس لها نسبة إلى طائفة معروفة، وهذا النوع هو الذى نريد إن شاء الله تعالى أن نوقفك على الأهم فيه، ثم نشرح لك حاله من الحسن والقبح معتمدين في ذلك على النصوص الشرعية والدلائل العقلية، وأقوال العلماء المرجوع إليهم فنقول:

(منها): اعتقاد العوام أن جبريل عليه السلام لم ينزل ولن ينزل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بناء على بعض آثار في ذلك دلت على أن جبريل عليه السلام لما اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم اجتماعه الأخير ودعه وقال له: "لا أنزل الأرض بعدك" وهذا لا أصل له ويرده خبر الطبرانى: "ما أحب أن يرقد الجنب حتى يتوضأ فإنى أخاف أن يتوفى وما يحضره جبريل عليه السلام" فإنه يدل على أن جبريل عليه السلام ينزل إلى الأرض ويحضر موت كل مؤمن مات على طهارة. قاله ابن حجر الهيتمى.

ونشأ من هذا الاعتقاد الفاسد ومن خبر باطل موضوع: "لا وحى بعدي" اعتقاد العامة أن لا وحى على الإطلاق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل ابن حجر: هل يوحى إلى عيسى عليه السلام؟ فقال: نعم يوحى إليه عليه السلام وحي حقيقى كما في حديث مسلم وغيره عن النواس بن سمعان، وفى رواية صحيحة: "فبينما هو كذلك إذ أوحى اللَّه تعالى

ص: 328

يا عيسى إنى أخرجت عبادًا لي لا يد لأحد بقتالهم فحول عبادى إلى الطور" وذلك الوحى على لسان جبريل عليه السلام إذ هو السفير بين الله تعالى وأنبيائه لا يعرف ذلك لغيره، وخبر لا وحى بعدى باطل. انتهى.

يُشير العلَّامة ابن حجر إلى ما في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال فقال: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم"، وفيه: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إنى قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فأحرز عبادى إلى الطور، وبعث اللَّه يأجوج ومأجوج

" الحديث فإنه مطول. "لا يدان" بكسر النون تثنية يد معناه: لا قدرة ولا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد وما لي به يدان؛ لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد وكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه (أحرز) ضمهم يقال: أحرزت الشئ إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ.

(أما اعتقاد) أن وحى التشريع وإنزال الأحكام الشرعية قد انقطع بموته عليه الصلاة والسلام فصحيح، وعيسى عليه السلام إنما يحكم عند نزوله بشريعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.

(ومنها): اعتقاد الناس في ليلة القدر وأن فيها ساعة إجابة تفتح فيها أبواب السماء ولا يراها إلا الموعود بها، وأن من رآها وسأل الله تعالى شيئًا استجاب له مهما طلب، حتى لو عثر لسانه فدعا بما لا يريد كان ما نطق به حتمًا مقضيًّا. والصواب: أنها ليلة عبادة وخشوع وتذكر لنعمة الحق والدين، يتجلى الله تعالى فيها باللطف والإحسان على العاملين المخلصين من عباده، تتنزل الملائكة فيها بالألطاف الرحمات الإلهية لطالبيها والمتعرضين لها، قد جعلها الله سبحانه ليلة سلام وأمان خير وبركة من أولها حتى مطلع الفجر، يتقرب العبد فيها إلى مولاه الغنى الكريم والبر الرحيم بأنواع البر والإحسان إلى الضعفاء والبؤساء من خلقه وصالح الأعمال، وأن الشريعة الغراء تحث المؤمنين على إحيائها بالعبادة وأنواع القرب شكرًا لله تعالى على ما هداهم بهذا القرآن العظيم الذى ابتدأ الله سبحانه إنزاله فيهم في أثنائها، وأن جلالة هذه الليلة وشرفها بجلالة وشرف ما وقع فيها من إنزال هذا القرآن الكريم، وهو هدى للناس ورحمة، وفيه سعادتهم وفلاحهم في العاجل

ص: 329

والآجل. هذا ما ينبغى اعتقاده فيها وبالله تعالى التوفيق.

(ومنها): اعتقاد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما أراد العروج ليلة الإسراء صعد على صخرة بيت المقدس وركب البراق فمالت الصخرة وارتفعت لتلحقه فأمسكتها الملائكة، ففى طرف منها أثر قدمه الشريف وفى الطرف الأخير أثر

أصابع الملائكة عليهم السلام، فهى واقفة في الهواء قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذى يمسك السماء أن تقع على الأرض سبحانه وتعالى، وهذا من الأكاذيب المشهورة ولا أصل له في الدين.

(ومنها): اعتقاد الطائفة الكشفية أن للروح جسدين: جسد من عالم الغيب لطيف لا دخل للعناصر فيه، وجسد من عالم الشهادة كثيف مركب من العناصر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حين عرج به إلى السماء ألقى كل عنصر من عناصر الجسد العنصرى في كرته، فما وصل إلى فلك القمر حتى ألقى جميع العناصر، ولم يبق معه إلا الجسد اللطيف فرقى به حيث شاء الله تعالى.

ثم لما رجع عليه الصلاة والسلام رجع إليه ما ألقاه واجتمع فيه ما تفرق منه ولعمر الحق أنه حديث خرافة لا مستند له شرعًا ولا عقلًا، والذى عليه جمهور العلماء من السلف والخلف أن المعراج كالإسراء كان بالروح والبدن يقظة ولا استحالة في ذلك كما هو مقرر في محله.

(ومنها): اعتقاد كثير من الناس أنه صلى الله عليه وسلم كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف وهذا جهل قبيح لأمرين:

الأول: أن المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم توكأ على العصا وعلى القوس.

الثانى: أن الدين إنما قام بالوحي، وأما السيف فلدفع كيد أهل الضلال واعتداء المشركين {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}

(1)

الآية، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم التى كان يخطب فيها إنما فتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف.

ومن بدع الاعتقادات الباطلة ما يذكره بعض القصاصين من أن الكعبة الشريفة نزلت من السماء في زمن آدم وأنَّه حج إليها فتعارف بحواء في عرفة بعد أن كانت قد ضلت عنه بعد هبوطها وأكدوا ذلك بتزوير قبر لها في

(1)

[سورة الحج: الآيتان 39، 40].

ص: 330

جدة وزعموا أن الكعبة نزنت مرة أخرى إلى الأرض بعد ارتفاعها بسبب الطوفان، وأنها حليت بالحجر الأسود، وأن هذا الحجر كان ياقوتة بيضاء، وقيل: زمردة من يواقيت الجنة

أو زمردها، وأنها كانت مودعة في باطن جبل أبى قبيس فتمخص الجبل فولدها، وإن الحجر إنما أسود لملامسة النساء الحيض له، وقيل: لاستلام المذنبين إياه، وكل هذه الروايات التى ينشرها بعض القصاصين خرافات إسرائيلية بثها زنادقة اليهود في المسلمين ليشوهوا عليهم دينهم وينفروا أهل الكتاب منه.

والحق في هذا المقام ما دل عليه قوله -جَلَّ ثَنَاؤُه-: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}

(1)

فإنه ظاهر في أنهما هما اللذان بنيا هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد الوثنية. وقد جزم الحافظ ابن كثير بأن إبراهيم عليه السلام أول من بناه ولم يجئ خبر عن معصوم أنه كان مبنيًّا قبل الخليل، وأن شرف هذا البيت إنما هو بتسمية الله إياه بيته، وإضافته إليه في قوله -جَلَّ ثنَاؤُه-:{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}

(2)

عهد إليه بالشئ: وصاه به، والمراد أن الله تعالى كلفهما أن يطهرا ذلك المكان الذى نسبه إليه وسماه بيته من جميع الرجس الحسى والمعنوى كالشرك وأصنامه، واللغو والرفث والتنازع لأنَّه جعله معبدًا يعبد فيه العبادة الصحيحة.

وليس شرفه بكون أحجاره تفضل سائر الأحجار، ولا بكونه من السماء، بل شرفه معنوي كما أن شرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على غيرهم من البشر ليس لمزية في أجسامهم ولا في ملابسهم، وإنما هو لاصطفاء الله تعالى إياهم، وتخصيصهم بالنبوة التى هى أمر معنوى، وقد كالق أهل الدنيا أحسن زينة وأكثر نعمة منهم.

وقد أفصح عن هذا المعنى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله عند استلام الحجر الأسود: "أما والله إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك ثم دنا فقبله" متفق عليه، وما روى من مراجعة على لعمر في ذلك غير صحيح فلا يعول عليه. والحديث يرشدنا إلى أن الحجر الأسود لا مزية له في ذاته فهو كسائر الحجارة، وإنما استلامه أمر تعبدى كاستقبال

(1)

[سورة البقرة: الآية 127].

(2)

[سورة البقرة: الآية 125].

ص: 331

الكعبة وجعل التوجه إليها توجهًا إلى الله سبحانه الذى لا يحدده مكان ولا تخصه جهة من الجهات، ولا يقال: لماذا خص الحجر الأسود بالتقبيل؟ فإن كل مشعر من مشاعر الحج قد خص بمزية تثير شعورًا دينيًّا خاصًّا يليق به في نفس

الحاج فلا يقال: لماذا كان الوقوف، والاجتماع، وتعارف آهل الآفاق مخصوصًا بعرفة دون غيرها من البقاع؟

ومن الاعتقادات التي راجت عند من لا يعرف من الدين إلا رسومه الظاهرة كسوة الكعبة الحريرية المزركشة، فإنها عند العامة في هذه الأزمنة من أعظم شعائر الدين، وإن حرم حضور احتفالها أو رؤيتها بعض علماء الأزهر كالعلامة الباجورى رحمه الله وليس هذا التحريم لذاتها، فإنها مشروعة، بل لما في الاحتفال بها من البدع، وما يكون فيها من اختلاط الرجال بالنساء اختلاطًا لا تؤمن فيه الفتنة، وما عليه العوام من اعتقاد البركة فيها، بل وفى جملها الذى يقبل مقوده الأمراء والوزراء وكبار العلماء. وهكذا كل واحد يفهم الدين ويأخذ من كتب الأولين والآخرين ما يناسب استعداده ويقبله عقله {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

(1)

.

وبدعة المحمل المعروف في مصر لا عهد للسلف الصالح به، وإنما هو شيء أحدثته الملكة عصمة الدين الملقبة بـ (شجرة الدر) زوجة الملك الصالح أيوب أحد ملوك الدولة الأيوبية التى أسسها صلاح الدين يوسف الأيوبى سنة ثمان وأربعين وسمتائة هلالية، الموافق خمسين ومائتين وألف ميلادية.

ومن الاعتقادات الباطلة، أن الطفل قد يولد مختونًا، وقد يولد غير مختون، ثم يشاهد بعد أيام مختونًا، والعامة تعتقد أن الملائكة قد ختنته، والحقيقة أن ذلك شلل قد أصاب القلفة فتقلصت وبدت الحشفة وظهر الطفل على هيئة المختون، وليس من الختان في شيء، والقلفة: الجلدة التى تقطع في الختان وجمعها قلف مثل غرفة وغرف، والقلفة بفتحات مثلها والجمع قلف وقلفات كقصبة وقصب وقصبات.

(ومنها): الاعتقاد بأن الجنة ليس فيها ندم ولا حزن أصلًا، قال في باب الفتوح: وليس كذلك، بل ورد أنهم إذا دخلوا الجنة وعرفوا ربهم معرفة زائدة على ما عرفوه في الدنيا زيادة لا تحصى ندموا عن آخرهم على ما قصروا

(1)

[سورة آل عمران: الآية 101].

ص: 332

في حق ربهم وفى خدمته، والزناة إذا دخلوا الجنة وتجلى لهم الحق تعالى وانكشف لهم ما هم عليه من الخساسة والجهل بربهم وعلموا ما هو عليه من الجلالة والعظمة والكبرياء والقهر والغلبة وسعة الرحمة مع ذلك ندموا واستحيوا حتى يغشى عليهم مدة وعند ذلك

يقود من عصمه الله من الزنا بعضهم لبعض: لقد خصنا ربنا في هذا الوقت بجميع نعمه فإذا أفاق أهل الغشية حصل لهم من القوة وكمال المعرفة شيء لا يكيف.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها" أخرجه الطبراني والبيهقى، وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قعد قوم مقعدًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة" أخرجه أحمد والترمذى وابن حيان والحاكم وصححه ومثله للبيهقى وابن أبى الدنيا عن عائشة رضي الله عنها، ذكره في"البدور السافرة" انتهى.

ومن البدع السيئة أن يعتقد الناس الشخص لمجرد حسن الهيئة أو ظهور علائم الاستقامة عليه فيوقنوا بأنه من أهل الخير الذين لهم عند الله جانب عظيم، وبذلك يكون محبوبًا عند قومه ممدوحًا لديهم (وقد يكون) منشأ هذا الاعتقاد الفاسد تساهله في أمر الدين، فإن هذا لو كان من الخيار كما اعتقدوا لكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وحينئذ يبغضه قومه فيكون بغض القوا وذمهم له وهو مستقيم علامة أنه من الخيار. روى أن كعب الأحبار قال لأبي مسلم الخولانى:"كيف منزلتك عند قومك؟ قال: حسنة. قال كعب: إن التوراة لتقول غير ذلك. قال: وما تقول؟ قال: تقول: إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه. فقال: صدقت التوراة وكذب أبو مسلم" يعنى نفسه، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يأتى العمال ثم قعد عنهم، فقيل له: لو أتيتهم فلعلهم يجدون في أنفسهم، فقال: أرهب إن تكلمت أن يروا أن الذى بى غير الذى بى وإن سكت رهيت أن آتم. والعمال: الولاة، ويجدون في أنفسهم: أي يجدون تأثيرًا لكلامك فيها؛ وعن عائشة رضي الله عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عذب اللَّه أهل قرية فيها ثمانية عشر

ص: 333

ألفًا عملهم عمل الأنبياء"، قالوا: يا رسول الله كيف؟ قال: "لم يكونوا يغضبون للَّه ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر"، وعن عروة عن أبيه قال: قال موسى عليه السلام: "يارب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذى يتسرع إلى هواى كما يتسرع النسر إلى هواه، والذى يَكْلَفُ بعبادى الصالحين كما يَكْلفُ الصبى بالثدى، والذى يغضب إذا أُتِيَتْ محارمي كما يغضب النمر لنفسه،

فإن النمر إذا غضب لنفسه لم يبال قل الناس أم كثروا" رواه الطبرانى في "الأوسط". يكلف: يتعلق، وكلف بكذا: أولع به وبابه طرب.

ومن هذا علم أن من البدع السيئة الموجبة للوبال وهى أشبه بالاعتقادات الفاسدة محبة الناس لمن يسالمهم ويوافقهم، وبغض من يدلهم على عوراتهم ويرشدهم إلى سعادتهم، فعن حذيفة رضي الله عنه قال:"يأتى على الناس زمان لأن تكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم" ولقد صدق رضي الله عنه، فهذا حال الناس في هذا الزمان المفتون مع من يرشدهم وينصح لهم، وأوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون عليه السلام؟ "إنى مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبى وواكلوهم وشاربوهم" رواه ابن أبى الدنيا وأبو الشيخ عن إبراهيم ين عمر الصاغانى ويشهد لهذا قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)}

(1)

.

ومن بدعهم اعتقاد الشؤم أو الخير والسعادة في مثل المنازل والأزواج والدواب والضيف، فإذا حصل شيء من الخير أو الشر بمصادفة الأقدار عند حدوث شراء مسكن أو السكنى فيه أو عقد زواج أو شراء دابة أو قدوم ضيف زعموا أنه منها، وربما استأنسوا لذلك بما رواه البخارى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الشؤم في الدار والمرأة والفرس" وهو خطأ منهم، فقد ورد في بعض رواياته تفسير الشؤم والبركة في هذه الأمور (وخير ما فسرته بالوارد)، روى الطبرانى من حديث أسماء بنت عميس، قالت: يا رسول الله ما شؤم الدار؟ قال: "ضيق مساحتها وخبث جيرانها". قيل: فما سوء الدابة؟ قال:

(1)

[سورة المائدة: الآيتان 78، 79].

ص: 334

"منعها ظهرها وسوء خلقها". قيل: فما سوء المرأة؟ قال: "عقم

(1)

رحمها وسوء خلقها"، وروى أحمد والحاكم والبيهقى وغيرهم من حديث عائشة رضى الله تعالى عنها: "إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها". قال عروة: "يعني الولادة وإسناده جيد، وفى الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "اليمن

والشؤم في المرأة والمسكن والفرس. فيمن المرأة: خفة مهرها ويسر نكاحها وحسن خلقها، وشؤمها: غلاء مهرها وعسر نكاحها وسوء خلقها، ويمن السكن: سعته وحسن جوار أهله، وشؤمه: ضيقه وسوء جوار أهله، ويمن الفرس: ذله وحسن خلقه، وشؤمه: صعوبته" رواه غير واحد، وروى البخارى عن ابن عمر أيضًا أنه قال: ذكروا الشؤم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن كان الشؤم في شيء ففى الدار والمرأة والفرس" فأفاد أن الشؤم لو كان له وجود في شيء لكان في هذه الأشياء، فإنها أقبل الأشياء له، لكن لا وجود له فيها أصلًا؛ لذا قال القاضى عياض رحمه الله: إن الحديث محمول على استثناء نقيض المقدم: أي لكنه لا شؤم.

ومن هذا تعلم أن الشؤم في الحديث السابق وغيره محمول على الإرشاد منه صلوات الله وسلامه عليه، يعنى أن من كان له امرأة يكره صحبتها لسوء معاشرتها مثلًا، أو دار يكره سكناها لسوء جوارها مثلًا، أو فرس لا تعجبه لشراستها فليرح نفسه بمفارقة المرأة والانتقال من الدار وبيع الفرس حتى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة والألم: أي أن الحديث ليس على ظاهره، بل محمول على الكراهة التى منشؤها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع لا كما يفهمه بعض الناس من التشاؤم (بكعبها وبسببها)، فإنه جهل بمقام الألوهية، وقد أطلق الشارع الحكيم على من ينسب المطر إلى النوء وصف الكفر، فكيف بمن ينسب ما يقع من الخير أو الشر إلى نحو الدار والزوجة ممَّا ليس له فيه مدخل أصلًا، وإنما يكون ذلك بمصادفة القضاء والقدر، فتنفر النفس من ذلك أو تسر، فمن وقع له شيء يكرهه عند حصول واحد منها فلا يضره أن يتركه من غير أن

(1)

فعله يأتى من باب فرح ونصر وكرم وغنى.

ص: 335

يعتقد نسبة الفعل إليه على أي وجه كان، فإلى اللّه وحده ترجع الأمور وهو وحده الفاعل المختار.

وذهب بعضهم إلى أنه علمه الصلاة والسلام إنما حكاه عن معتقد الجاهلية وهو قول عائشة رضي الله عنها، وبعضهم إلى أنه على ظاهره إن هذه الأمور قد تكون سببًا للشؤم فيجريه الله تعالى عند وجودها بقدره، ولا محظور في اعتقاد أن المذكورات أمارات، وأن الفاعل هو الله تعالى وحده. وقد جرى على هذا الحافظ السيوطى، قال في "فتح المطلب المبرور": إن حديث التشاؤم بالمرأة والدار والفرس قد اختلف العلماء فيه، هل هو على ظاهره أو مؤول، والمختار أنه على ظاهره، رهو ظاهر قول مالك. انتهى.

وقد علمت أن الحق خلاف ذلك، ولذا حمل الطيبى الحديث على الكراهة التى سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع كما ذكرنا.

(فإن قيل) ورد في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل منا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نزلنا دارًا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحولنا عنها إلى أخرى فقلَّتْ فيها أموالنا وقل فيها عددنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ارحلوا عنها وذروها وهى ذميمة" وهو صريح في الدار تكون سبب الخير والشر فيكون حديث التشاؤم على ظاهره لا تأويل فيه.

(فالجواب) ذكر ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث أنه عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم بالتحول لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال لظلها واستيحاش بما نالهم فيها، وقد جعل الله تعالى في غرائز الناس وتراكيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه، وإن كان لا سبب له فيه، وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به، وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لما يردهم به. انتهى ملخصًا.

‌العَدْوَى والطِّيرَة والفَأْل

في صحيح البخارى عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم فرارك من الأسد".

ص: 336

العدوى: انتقال المرض من إنسان أو حيوان إلى آخر بالمخالطة به أو بشيء من آثاره، والطيرة: التشاؤم، والهامة بتخفيف الميم، كانت العرب تزعم أنها طائر يصيح على قبر القتيل قائلًا: اسقونى اسقونى حتى يؤخذ بثأره، وقيل: هى البومة إذا وقفت على دار أحدهم يرى أنها ناعية له نفسه أو بعض أهله. وصفر: هو الشهر المعروف، كانوا يتشاءمون بحلوله لما يتوهمون أن فيه تكثر الدواهى والبلايا والفتن، أي بعد انقضاء الأشهر الحرم ذى القعدة وذى الحجة والمحرم التى كانوا يأمنون فيها من الغارات، وكانوا إذا اضطروا إلى القتال في المحرم أحلوه وسموه صفرًا والذى بعده المحرم، وهو النسئ المذكور في القرآن، فصار صفر علامة على الشر عندهم فنسبوا الشؤم له. وقد أبطل الدين الحنيف كل هذه الأوهام على لسان رسوله الصادق

الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وصحح عقائدهم وبين لهم أنه لا تأثير لغير الله، بل التأثير له تعالى وحده.

فإن قال قائل: كيف توفق لنا بين قوله صلوات الله سلامه عليه في آخر هذا الحديث: "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" وبين قوله في أوله: "لا عدوى"، وأكله مع المجذوم وقال:"ثقة بالله وتوكلًا عليه" أخرجه أبو داود والترمذى.

فالجواب: أن المراد بنفى العدوى نفى أن شيئًا يعدى بطبعه ردًّا لما كانت تعتقده الجاهلية من أن الأمراض تؤثر بطبعها من غير إضافة إلى اللَّه تعالى فأبطل اعتقادهم ذلك؛ وأكل مع المجذوم ليبين لهما بفعله أن الله تعالى هو الذى يمرض ويشفى ويعافى، ونهاهم عن الدنو من المجذوم ليبين لهم أن هذا من الأسباب التى أجرى الله تعالى العادة بأنها تفضى إلى مسبباتها، ففى نهيه إثبات الأسباب وفى فعله إشارة إلى أنها لا تستقل بنفسها، بك الله تعالى إن شاء سلبها خواصها فلا تفيد شيئًا، وإن شاء رتب علمها أثرها.

وانظر قوله صلوات الله وسلامه عليه لهذا الأعرابي الذى كان يزعم تأثير العدوى بنفسها، وكيف أبطل عليه اعتقاده وأسكته. روى البخارى من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال أعرابى: يا رسول الله فما بال إبلى تكون في الرمل كأنها الظباء فيدخل بينها البعير الأجرب فيجربها؟

ص: 337

قال: "فمن أعدى الأول؟ " والمراد: أن الأول لم يجرب بالعدوى، بل بقضاء الله تعالى فكذا الثانى، فهو الذى ابتدأ ذلك في الثانى كما ابتدأه في الأول "كأنها الظباء": أي في النشاط والقوة والسلامة من الداء.

وهذا جواب في غاية البلاغة والرشاقة، أي من أين جاء الجرب للأول الذى أعدى على زعمهم؟ فإن قالوا: من بعير آخر لزم التسلسل، أو من سبب آخر فليبينوه لنا، فإن قالوا: الذى فعله في الأول هو الذى فعله في الثانى ثبت المدَّعَى وهو أن الذى فعل جميع ذلك هو القادر الخالق الذى لا إله غيره ولا مؤثر سواه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الطيرة شرك. الطيرة شرك. الطيرة شرك". قال ابن مسعود: وما منا إلَّا، ولكن الله يذهبه بالتوكل. رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح، أي وما منا إلَّا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك، ولكن الله يذهب ذلك عن قلب كل مؤمن يتوكل على الله

ولا يثبت على ذلك ولا يعمل له، وإنما كانت شركًا لأنهم كانوا يعتقدون أنها تجلب نفعًا وتدفع ضرًّا إذا عمل بموجبها فكأنهم بذلك أشركوها مع الله تعالى.

والطيرة: التشاؤم كما سبق، قال الأزهرى: وقيل: للشؤم طائر وطير وَطيرَة لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها والتطير ببارحها ونعيق غربانها وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها فسموا الشؤم طائرًا أوطيرًا وطيرة لتشاؤمهم بها. اهـ.

فكانوا يتشاءمون ويتطيرون في الجاهلية، ولا يزال التطير والتشاءم فاشيًا في الجاهلين من جميع الشعوب وهو من الخرافات التى يردها العقل وقد أبطنها دين الفطرة قال الله تعالى:{فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}

(1)

. أخبر تعالى عن آل فرعون أنهم لغباوتهم وقساوة قلوبهم كانوا إذا جاءهم خصب وسعة قالوا: هذا لأجلنا ونحن مستحقوه، وإن يصبهم جدب وبلاء يتشاءمون بموسى عليه السلام وقومه قائلين: ما أصابنا ذلك إلَّا من تحت رءوسهم، فرد الله عليهم بأن ما ينزل بهم بسيب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها هى التى

(1)

[سورة الأعراف: الآية 131].

ص: 338

ساقت إليهم ما يسوءهم {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أن ما يصيبهم من شؤم أعمالهم.

وقال تعالى حكاية عن قوم صالح عليه السلام: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}

(1)

دعاهم إلى التوبة والطاعة رجاء أن يستقيم حالهم فردوا عليه بقولهم: تشاءمنا بك وبمن اتبعك من المؤمنين، إذ توالت علينا الشدائد، ووقع بيتا التفرق منذ اخترعتم دينكم {قَالَ طَائِرُكُمْ} السبب الذى جاء منه الشر عند الله، وهو أعمالكم المكتوبة عليكم عنده {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} تختبرون بتعاقب السراء والضراء لينكشف للناس أمركم وتقوم الحجة عليكم.

وقال تعالى حكاية عن أصحاب القرية التى جاءها المرسلون {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ

مَعَكُمْ}

(2)

فقد جاءتهم الرسل، وادعوا الرسالة والوحى من الله تعالى فأنكروا عليهم الرسالة والوحى لفرط جهلهم، وزادوا في الجهالة والغباوة بقولهم في الرسل إنا تشاءمنا بكم وتوقعنا الشر من أجلكم، لئن لم تكفوا عن مقالتكم لنعذبنكم عذابًا موجعًا، فقالوا لهم: سبب الشؤم معكم وهو سوء عقيدتكم وقبح أعمالكم.

ثم إن الله تعالى أعلم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن طيرة العرب باطلة فقال: "لا طيرة ولا هامة" وكان صلوات الله ورسوله عليه يتفاءل ولا يتطير، وكيف يتطير صلى الله عليه وسلم أو يبيحه لأمته والطيرة كانت شعار الجبناء من الجاهلية، وكانت تصدهم عن مقاصدهم، فنفى التشاؤم وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر، بل التأثير لله تعالى وحده. أما شجعان الجاهلية فكانوا لا يرون التطير شيئًا، ويمدحون من كذب له، قال شاعرهم يمدح رجلًا كان لا يعتقد الطيرة ولا يتشاءم بشيء:

وليس بهياب إذا شد رحله

يقول: عدانى اليوم واق وحاتم

ولكنه يمضى على ذاك مقدما

إذا صد عن تلك الهناة الختارم

عدانى: جاوزنى، الواق: الصرد، الحاتم: الغراب الأسود؛ لأنَّه يحتم بالفراق عندهم، الختارم: الرجل المتطير.

(1)

[سورة النمل: الآية 47].

(2)

[سورة يس: الآيتان 18، 19].

ص: 339

وفى الحديث عن إسماعيل بن أمية عن عبد الرزاق عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة والظن والحسد فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق"، وفى حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن ابن على مرفوعًا:"إذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا" وفى حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: "من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلَّا طيرك، ولا خير إلَّا خيرك، ولا إله غيرك" رواه البيهقي في "الشعب"، وقال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس رضي الله عنهما فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم:"خير خير" فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا خير ولا شر".

وممَّا جعل في غرائز الناس استحبابه والأنس به الفأل الصالح والاسم الحسن كأن يسمع المريض أو أهله (يا سالم أو يا سلامة) وطالب الحاجة (يا واجد أو مقضية) والمكروب (يا فرج) والخارج إلى القتال (يا نصر) والسامع لهذا يعتقد أنه لا يزيد

ولا ينقص ولا يقدم ولا يؤخر، ولكنها فطرة الله التى فطر الناس عليها، فيحبون الخير ويرتاحون للبشرى؛ ولذا كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الاسم الحسن والفأل الحسن ويكره القبيح منها، ففى الحديث عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا طيرة وخيرها الفأل" قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" رواه البخارى.

وكان مذهب العرب في الفأل والطيرة واحدًا، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الفأل وأبطل الطيرة، ونفى أنها مؤثرة من دون الله تعالى؛ والفرق بينهما أن الأرواح الإنسانية أصفى وأقوى من الأرواح البهيمية والطيرية فالكلمة التى تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها، بخلاف حركة البهائم وطيران الطير، فإن أرواحها ضعيفة فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال والحوادث والله أعلم بأسرار ما خلق.

ومن البدع أن من رزقه الله عقلًا وعلمًا يعتقد إذا رأى من أفاض الله عليه المال مع الجهل، وضعف العقل أنه أحق منه بإفاضة المال، فيقول في نفسه: كيف منعنى قوت يومى، وأنا العاقل الفاضل، وأفاض على

ص: 340

هذا نعيم الدنيا، وهو الجاهل الغافل، حتى يكاد يرى ذلك ظلمًا، وهذا المعنى اعتراض على الله في قسمة الحظوظ بين الخلق، ومن ذلك قول ابن الراوندي الملحد:

كم عاقل عاقل ضاقت معيشته

وجاهل جاهل تلقاه مرزوقًا

هذا الذى ترك الأوهام حائرة

وصير العالم النحرير زنديقا

إلى غير ذلك من أمثاله، وكذلك المرأة الفقيرة الحسناء ترى الحلى والجواهر على الدميمة فتتعجب وتقول: يحرم مثل هذا الجمال من الحلى والجواهر، ويخصص بذلك قبيح الصورة، ومن هنا ربما يعتقد العاقل الفقير أن الجاهل الغنى أحسن حالًا منه، كما أن الجاهل الغنى كثيرًا ما يعتقد أنه أحسن حالًا من الفقير العاقل.

هذه اعتقادات ثلاثة منشؤها الجهل والغرور، وكثيرًا ما يقع التبدع به خصوصًا بين طلاب العلم في هذه الأزمان المفتونة التى لم تقصد العلوم فيها لثمراتها التى وضعت لأجلها ولا لنوال رضوان الله عز وجل من أجل هذه الثمرات، بل طلبًا لحطام الدنيا وعرضها الزائل، فلا جرم أن من تحصل منهم على العلم، وله ينل بغيته يرى نفسه خاسرًا قد ضاعت عليه حياته، ويرى الجاهل الغنى خيرًا منه، ولو قصد العلم لأنَّه كمال ذاتى له يتكمل به عقله الذى امتاز به على كل مخلوق

سواه لَعَلِم أنه ربح ربحًا كاملًا؛ لأن قدر العلم عظيم عند الله، عظيم عند الناس، وهو أعظم مر قدر المال بك لا قدر للمال أصلًا إلا إذا كان معه علم.

(قال الإمام الغزالى): والعجب أن العاقل الفقير ربما يرى الجاهل الغنى أحسن حالًا منه، ولو قيل له: هل تؤثر جهله وغناه عوضًا عن عقلك وفقرك لامتنع عنه. والمرأة الجميلة لو خيرت بين الجمال، وبين القبح مع الغنى لآثرت الجمال، وذلك يدل على أن نعمة الله عليهما أكبر، ومن هنا كانت نعم الله على المقربين من خلقه غالبًا بأمور يتكلمون يها في أنفسهم كالعلم وكمال العقل والشجاعة والنجدة والمروءة وحسن الخُلُق والخَلْق.

أما التبدع بالاعتقاد الأول فخطأ من وجهين:

(الأول): أن المنعم بالجميع هو اللَّه تبارك وتعالى، لا يسأل عما يفعل، فإن فعله تعالى في غاية الحكمة والسداد ومن كان كذلك فلا يتوجه عليه سؤال أصلًا،

ص: 341

وقول الفقير العاقل: يا رب لم حرمتنى الدنيا وأعطيتها الجهال كقول من أعطاه الملك فرسًا ولم يعطه غلامًا فيقول: أيها الملك لم لا تعطنى غلامًا وأنا صاحب فرس؟ فيقول الملك: كنت لا تتعجب من هذا لو لم أعطك الفرس، فهب أنى ما أعطيتك فرسًا، أصارت نعمتى إليك وسيلة وحجة تطلب بها نعمة أخرى، فمنشأ ذلك الجهل بأن العبد وأعماله وأوصافه وجميع ما بيده كل ذلك من عند الله تعالى نعمة ابتدأه بها قبل الاستحقاق.

(الوجه الثانى): أنه قضت حكمة الله وتدبيره نظام ملكه أن يكون فيهم الفقير والغنى وضعيف العقل وكامله والعالم والجاهل، فإن الإنسان مدنى بالطبع يحتاج إلى الزارع والصائغ والمحترف يالحرف الدنيئة كالحداد والقصار والخياط والحجام إلى الشيال والزبال، والحرف الرفيعة كالصائغ والناسج والتاجر، فالله خلق الخلق وكل ميسر لما خلق له، فحبب الفقير ضعيف العقل في الحرف الدنيئة يعشقها ويدعوه إلى الانقطاع لها حتى لا يرى سواها. والفقير الكامل العقل يحبب إليه الحرف الشريفة فيعشقها كذلك، وقوام الفريقين الأغنياء ينتفعان بغناهم وينفعونهم بحرفهم. وأما الجاهل الغنى فهو تكملة الأقسام وفتنة العالمين، فلولا العشق لفسد العالم، ولو بسط الله الرزق لعباده وكانوا جميعًا أغنياء عقلاء لبغوا في الأرض

{

وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}

(1)

.

فمن الغرور أن العاقل الفقير يرى نفسه غير مرزوق، بل هو أكثر رزقًا من الجاهل الغني كما قال الإمام علي رضي الله عنه حين قيل له: ما بال العقلاء فقراء؟ فقال: "إن عقل الرجل محسوب عليه" ومن هنا قيل: ذكاء المرء محسوب عليه، ولا يدرى هذا المغرور أنه لو جمع له بين العقل والمال جميعًا لكان ذلك بالظلم أشبه في ظاهر الحال، إذ يقول الجاهل الفقير: يا رب لم جمعت له بين العقل والغنى وحرمتنى منهما فهلا جمعتهما لي أو رزقتنى أحدهما.

والذى تسكن به نفس العيد ويسلم به من خطر الزلل في هذا المقام أن يوقن بأن الله جلت قدرته فاوت بين الناس في الحظوظ ومنافع الحياة كما قال تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ}

(2)

بمقتضى

(1)

[سورة الفرقان: الآية 20].

(2)

[سورة النحل: الآية 71].

ص: 342

حكمته البالغة وعلمه بشئون خلقه، ولو كان السبب في هذا التفاوت جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في الرزق من غيره فلما رأينا الأعقل أقل نصيبًا، وأن الأجهل الأخس أوفر حظًّا، علمنا أن ذلك بسبب قسمة العليم الحكيم كما قال تعالى:{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}

(1)

وهذا التفاوت غير قاصر على المال، بلى هو حاصل أيضًا في العقل والحمق والصحة والسقم والحسن والقيح والذكاء والبلادة والعز والذل {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ..... }

(2)

.

وإذا قارن المرء بين ملك كثير المال عظيم الجاه لا يستطيع تناول الأطعمة الشهية والفواكه العطرة، ولا يقوى على ركوب الجياد، وإتيان النساء، وبين فقير صحيح المزاج قوى البنية كامل القوة، لا يجد ملء بطنه طعامًا، فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال والجاه إلا أن الفقير يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة، وهذا باب واسع إذا نظر فيه الإنسان عظم تعجبه منه، ولكن من علم أن ذلك تقدير العزيز العليم زال تعجبه وسكنت نفسه، والله تعالى الموفق والهادى إلى سواء السبيل.

ومن البدع الاعتقادية أنك ترى بعض العامة يتجرون بالكشف عن المغيبات ويوهمون البسطاء من الرجال والنساء أنهم أولياء الله، وربما أخبروا ببعض ضمائر من يحضرون عندهم، فيقع الاعتقاد بأنهم من أرباب الأحوال ومن عباد الله المقربين، مع العلم بأنهم يأتون المنكر من اختلائهم بالأجنبيات وأكل أموال الناس بالباطل. ووجه الخطأ في ذلك أن الولاية لا تكون إلا لعباد الله المتقين، وأما إخبارهم بالضمائر فسببه أمران:

(الأول): أن بعض النفوس يوجد فيها استعداد خاص تتمكن به من الاستطلاع على ما تكنه نفس أخرى، فيظن أنه من طريق الإلهام.

(والثانى): أن الشياطين يوحون إليهم ما يأخذونه من شياطين من يحضرون عندهم، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما: "أن وسواس الرجل يخبر وسواس الرجل فمن ثم يفشو

" الحديث، وجاء عن عمر رضى الله تعالى عنه، أنه حدثته نفسه بشيء، ولم يظهره لأحد فوجده مع الناس فقال:

(1)

[سورة الزخرف: الآية 32].

(2)

[سورة آل عمران: الآية 26].

ص: 343

خرج له بالخناس، ووقع لغيره مثل ذلك (كيف) وإنا نرى هذه الحالة تقع لكثير من الكفار والزنادقة كما هم معلوم؟

ومن هذه البدع أيضًا أنك ترى كثيرًا من الناس يصدقون بكثير من الحوادث المستقبلة مثل ما يتعلق بالحروب ومستقبل الأفراد والأمم والبلاد وتنشر هذه الأباطيل في النتائج برموز خفية تقبل التفسير والحمل على كل ما تحدثه الأيام وربما يصرح بعض أرباب النتائج ببعض الحوادث المستقبلة فيظهر خطؤه.

ومن بدعهم التى يُمَوِّهون بها على البسطاء أنهم يعمدون إلى كثير من الأعيان وكبار الموظفين ويأخذون لهم الطالع ثم يذكرون بنتيجته في نتائجهم وبهذا يتمكنون من اصطياد العامة وأكل الأموال بالباطل، فترى الزارع والتاجر وكل ذى بال خطير يهرع إلى هؤلاء الدجالين، ويهب له من الخير ما يضن به في أداء الواجبات، ولا يليق هذا من عاقل ذى دين، فعن صفية بنت أبى عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" رواه مسلم، وفى الحديث المشهور:"من صدق كاهنًا أو عرافًا"، وفي بعض الروإيات:"أو منجمًا فقد كفر بما أنزل على محمد": أي فإن الله تعالى

يقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}

(1)

.

رواه أبو داود والترمذي والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وعن عائشة رضى الله عنها قالت: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان، فقال:"ليسوا بشيء" فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا بشيء فيكون حقًّا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة" متفق عليه، وفى رواية للبخارى عن عائشة رضي الله عنها، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضى في السماء فيسترق الشيطان السمع فيسمعه فيوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم". "يخطفها" بفتح الطاء: ماضيه خطف كفهم "فيقرها" هو بفتح الياء وضم القاف والراء: أي يلقيها.

(1)

[سورة الجن: الآيتان 26، 27].

ص: 344

فهذه الأحاديث صريحة في النهى عن إتيان الكهان والمنجمين والعرافين وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى ونحو ذلك.

والكاهن: هو الذى يتعاطى الخبر عن الأمور المستقبلة ويَدَّعى معرفة الأسرار فيخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضها ويخطئ أكثرها قد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن يلقى إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله وحاله، وهذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعى معرفة الشئ المسروق من الذى سرقه ومكان الضالة ونحوها.

وعلم أن المنهى منه من علوم النجوم هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث المستقبلة كنزول المطر، وهبوب الريح، وتغير الأسعار، ورقى فلان، وسقوط فلان زاعمين، "أنهم يعلمون ذلك بسير الكواكب واقترانها وظهورها في بعض الأوقات، وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه سواه، فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذى يعرف به الزوال وجهة القبلة، وكم مضى صت الليل والنهار، وكم بقى فإنه غير داخل في النهى. أفاده الحافظ المنذري والله تعالى أعلم.

(فائدة): طال نزاع العلماء في مسألة الغيب واستئثار الله به، فمنهم من يقول: المختص به تعالى معرفة كل غيب، وأما معرفة البعض فيجوز لغيره تعالى بنحو وحى أو إلهام أو تنجيم أو زجر أو خط (رمل) وهؤلاء يجعلون الاستثناء في قوله تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}

(1)

منقطعًا، فإن الاطلاع على جميع الغيب لم يقع لرسول ولا غيره لا إجمالًا ولا تفصيلًا. (وذهب بعضهم) إلى أن المختص به تعالى علم الغيب بلا واسطة، وغيره إذا عرفه فبالواسطة قال العلامة الألوسى ما ملخصه:

ولعل الحق أن يقال: إن علم الغيب المنفى عن غيره -جَلَّ وَعَلَا- هو ما كان للشخص لذاته بلا واسطة في ثبوته له، وهذا ممَّا لا يعقل لأحد من أهل السموات والأرض، وما وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفى في شيء ضرورة أنه من الواجد عز وجل أفاضه عليهم بوجه من وجوه الإفاضة

(1)

[سورة الجن: الآيتان 26، 27].

ص: 345

فلا يقال: إنهم علموا الغيب، وإنما يقال: إنهم أطلعوا (بالبناء للمفعول) على الغيب أو نحو ذلك ممَّا يفيد الواسطة في ثبوت العلم له ويؤيد ما ذكر أنه لم يجئ في القرآن الكريم نسبة علم الغيب إلى غيره تعالى أصلًا، وجاء الإظهار على الغيب لمن ارتضى سبحانه من رسول.

ثم إن علم غير الغيب من المحسوسات والمعقولات، وإن كان لا يثبت يشئ من الممكنات بلا واسطة في الثبوت إلا أنه في نسبته لشئ منها لم يعتبر إلا اتصافه به غير مقيد بنفى تلك الواسطة، لما أنه لم يرد حصر ذلك العلم به عز وجل ونفيه عما سواه -جَلَّ وَعَلَا- بل صرح في مواضع أكثر من أن تحصى بنسبته إلى غيره سبحانه. ولو رود منه ما ورد في علم الغيب لا التزم فيه ما التزم فيه، فليس علم العقول بالحوادث المستقبلة على ما يزعم الفلاسفة من علم الغيب، بل هو (لو سلم) علم حصل لهم من الفياض المطلق -جَلَّ شَأنهُ- بطريق من الطرف التى تقتضيها الحكمة فلا يقال: إنهم عالمون بالغيب، كذا يقال في بعض المرتاضين من المسلمين الصوفية والكفرة (الجوكية) فإن كل ما يحصل لهم من ذلك إنما هو بطريق الفيض ومراتبه لا تحصى، والتأهل له قد يكون فطريًّا وقد يكون كسبيًّا، وطرق اكتسابه متشعبة لا تكاد تستقصى، وإفاضة ذلك على كفرة المرتاضين وإن أشبهت إفاضته

على المؤمنين المتقين إلا أن بين الأمرين فرقًا عظيمًا عند المحققين، وقد ذكر بعض المتصوفة أنه ما من حق إلا وقد جعل له باطل يشبهه؛ لأن الدار دار فتنة وأكثر ما فيها محنة، ويلحق يعلم المرتاضين من الجوكية علم بعض المتصوفة المنسوبين إلى الإسلام المهملين أكثر واجباته المنهمكين في ارتكاب المحظورات فلا ينبغى اعتقاد أن ذلك كرامة، بل هو نقمة مفضية إلى حسرة وندامة.

وأما علم النجوم بالحوادث الكونية حسبما يزعمه فليس من هذا القبيل؛ لأن تلك الحوادث التى يخبر بها ليست من الغيب بالمعنى الذى ذكرناه، إذ هى وإن كانت غائبة عنا إلا أنها علي زعمه ممَّا نصب الها قرينة من الأوضاع الفلكية والنسب النجومية وعلمه بدلالة القرائن التى يزعمها ناشئ من التجربة وما تقتضيه طبائع النجوم والبروج التي دل عليها بزعمه اختلاف الآثار في عالم الكون والفساد، فلا أرى العلم بها إلا كعلم

ص: 346

الطبيب الحاذق، وإطلاق علم الغيب على ذلك فيه ما فيه، وإن أبيت إلا تسمية ذلك غيبًا فالعلم به لكون بواسطة الأسباب لا يكون من علم الغيب المنفى عن غيره تعالى في شيء، وكذا كل علم بخفى حصاد بواسطة سبب من الأسياب كعلمنا بالله تعالى وصفاته العلية وبالجنة والنار ونحو ذلك.

(وبالجملة) علم الغيب بلا واسطة كلا أو بعضًا مخصوص بالله عز وجل لا يعلمه أحد من الخلق أصلًا. انتهى.

وذهب بعضهم إلى أن المختص به تعالى علم الغيب بمعنى اليقين به، أما ظنه المحتمل للخطأ فلا، فالأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون يقينيًّا وإلهامهم لا يفيد إلا أمرًا ظنيًّا، ومثل هذا، بل دونه بمراحل علم النجومى نحوه بواسطة أمارات عندهم بنزول الغيث وذكورة الحمل أو أنوثته أو نحو ذلك، ولا يعد كافرًا من يدعى هذا العلم فإنه ظن عن أمر عادى، قال في "فتح البارى" عن القرطبى: من ادعى علم شيء من الخمس المذكورة في آية: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ

}

(1)

غير مسند إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان كاذبًا في دعواه، وأما ظنّ الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادى وليس ذلك بعلم. انتهى.

(وصفوة القول) أن ما عند المنجم، والرمال، والذي يضرب بالحصى،

ونحوهم ليس علمًا حقيقيًّا وإنما هو ظن وتخمين مبنى على أمارات عادية كثيرًا ما تتخلف ويظر كذبهم فيها، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم، ولعل النهى عن ذلك لغلبة الكذب في كلامهم، ولإيهامهم العامة أن عدم الغيب لا يختص به تعالى بوجه من وجوه الاختصاصات السابقة وهو ما ننكره على المنجمين ونحوهم، ولذا قال العلَّامة ابن حجر في فتاويه الحديثية: تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد التحريم، كذا فعله لما فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله في غيبه، وما استأثر بمعرفته، ولم يطلع عليه إلا أنبياءه ورسله. انتهى باختصار، فاغتنم هذا التحرير احفظه فإنه نفيس.

فإن قيل ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخط، فقال: "كان نبى من الأنبياء يخط

(1)

[سورة لقمان: الآية 134].

ص: 347

فمن وافق خطه عَلِمْ"، وفيه من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه قلت: ومنا رجال يخطون، قال: "كان نبى من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك"، وأيضًا من المشهورات جفر الإمام على رضي الله عنه، كتب فيه كل ما يحتاج إليه من العلم وكل ما يكون إلى يوم القيامة.

وأصل الجفر ما عظم واستكرش من أولاد الشاة، يقال: جفر واستجفر وتجفر: إذا انتفخ لحمه وأكل، وهذه الأسرار العلوية كتبت في جلده، والناس إلى اليوم تأخذ علم الحوادث منه، ومن عِلْم الخط الذى دل الحديث على إباحته.

أجيب: بأن الحديث محمول على أنه علق الحل بالموافقة بخط ذلك النبي وهى غير واقعة في ظن الفاعل، إذ لا دليل عليها إلا بخبر معصوم، ولم يوجد فبقى النهى على حاله؛ لأنَّه علق الحل بشرط ولم يوجد، يدل على هذا التأويل ما ورد أن نبيًّا من الأنبياء كان أمره في الخط فمن وافق خطه خط علم النبي عَلِمْ. فلو لم يؤول لوجب لمن وافق خطه أن يعلم عين الغيبات التى كان يعلمها ذلك النبي وأمر بها في خطه من الأوامر والنواهى والتحليل والتحريم فيلزم مساواته له في النبوة.

وأما الجفر فقال ابن قتيبة: إنه ممَّا ادعاه الروافض عَلَى عَلِيّ رضي الله عنه، وكل ضلالاتهم يدعون أن لها أصلًا في ذلك الجفر، قال بعض الشعراء:

ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم

برئت إلى الرحمن ممن تجفرا

برئت إلى الرحمن من كل رافض

بصير بباب الكفر في الدين أعورا

وثبت عنه كرم الله وجهه أنه قال: ما عندنا شيء أسره النبي صلى الله عليه وسلم إلينا إلا أن يؤتى الله تعالى عبدًا فهما في كتابه وليس هذا بالتعليم، فيه ود على الروافض حيث ادعوا أنه صلى الله عليه وسلم أسر إليه بالخلافة وغيرها، روى الشعبي عن أبي جحيفة وهب ابن عبد الله السوائي قال:"سألت عليًّا رضي الله عنه، هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم علم غير القرآن؟ قال: والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وإن لا يقتل مسلما بكافر" رواه غير واحد، ولفظ البخارى عن أبى جحيفة قال: "قلت لعلى رضي الله عنه: هل عندكم

ص: 348

شيء من الوحى إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا لقتل مسلم بكافر"، والعقل: الدية.

وعن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر النخعى إلى على رضي الله عنه فقلنا: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا إلا ما كان في كتابى هذا. فأخرج كتابًا من قراب سيفه فإذا فيه: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يَدٌ على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" رواه النَّسَائِيّ. وعباد بضم أوله وتخفيف ثانيه: القيسى الضبعي، وإنما سألوه عن ذلك لأن الشيعة كانوا يزعمون أنه صلى الله عليه وسلم خص أهل بيته لا سيما عليًّا بأسرار من علم الوحى لم يذكرها لغيره، وقد تبين أنهم في ذلك كاذبون.

ومن البدع السيئة الاعتقاد بأن انتفاع الإنسان بالأشياء يكون بحسب الظن بها، حتى لو اعتقد فيما ليس بنافع المنفعة حصل له الانتفاع به؛ وكذا يكون مقدار الانتفاع على حسب هذا الظن، ونشأ لهم هذا الاعتقاد الفاسد من حديث موضوع هو (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه) وهذا الاعتقاد أصل الفساد، وقاعدة من قواعد الخمول والخذلان، وهو مع فساده عقلًا مبنى على هذا الحديث الباطل الذى اختلقه عباد الأصنام الذين حسنوا الظن بالأحجار فساقهم حسن ظنهم إلى دار البوار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من هذا الحديث وممن نسبه إليه، ولكن إذا حجب إنسان عن نور النبوة واشتدت غربته عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم جوَّز عقله مثل هذا كما جوزه عقل المشركين نعوذ بالله من الضلال.

ومن البدع الضارة اعتقاد كثير من العوام أن غسل العين التى نزل بها الرمد الصديدى بالماء يضرها، وأن كثرة الصديد بها آية برئها في نضرهم، وهذا اعتقاد فاسد كثيرًا ما يؤدى إلى ضياع العين، والواجب في مثل هذا تطهير العين دائمًا من هذا الصديد بمحلول البوريك أو برمنجانات البوتاسيوم حرصًا على سلامتها، وللعامة أيضًا في كثير من الأمراض اعتقادات سيئة يجب تحذير منها، ومنهم من يعتقد الموت بدخول

ص: 349

المستشفيات أو الخيام التى تضربها وزارة الصحة في القرى التى ينزل بها وباء (الطاعون) ولو علموا مقدار حرص الأطباء فيها على حياة المرضى لأتوها ولو حبوًا، وأقبح من هذا أن منهم من يترك معالجة نفسه قائلًا:(الطبيب الله) وهذا لا يتفق مع مشروعية التداوى الذى لا ينافى التوكل على الله في شيء، ففى حديث البخارى "قال أنس: كُويت من ذات الجنب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وشهدنى أبو طلحة وأنس بن النضر وزيد بن ثابت وأبو طلحة كوانى": أي باشر الكى بيده والبقية حاضرون "وكُويت"، بضم الكاف مبنيًّا للمفعول، والأحاديث في طلب التداوى كثيرة، نسأل الله تعالى دوام العافية.

‌الفصل العاشر في بِدَع الضِّيَافَة والوَلَائِم

الضِّيافَة من المعانى الكاملة، والأخلاق الفاضلة، وأثر كمال الإيمان، ففي الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه:"من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليصل رحمه" وإكرامه يكون بالبشر في وجهه، وإظهار السرور له، وطيب الحديث معه، وإجلاسه في صدر المجلس، وخدمته بنفسه، وإطعامه ثلاثة أيام بقدر وسعه، ثم موادعته بلطف، وفيهما أيضًا عن أبى شريح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: "يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه" وأول من ضيف الضيفان إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان يكنى أبا الضيفان، كان إذا أراد الأكل خرج ميلًا أو ميلين يلتمس من يأكل معه، فبصدق نيته دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا، فلا تنقضى ليلة إلا ويأكل عنده جماعة من بين ثلاثة إلى عشرة إلى مائة، وقال خَدَمة الموضع القائمون بنظافته وإيقاده: إنه لم يخل إلى الآن ليلة عن ضيف.

أما الضيافة اليوم فقد أصبحت ثقيلة على النفوس من شؤم البدع السيئة التى أدخلت فيها وإهمال آدابها التى لو رعيناها حق رعالتها لأنتجت الضيافة محبة وائتلافًا بين الأمة. وبدع الضيافة كثيرة نذكر طرفًا منها لتقيس عليه ما لم نذكره:

ص: 350

فمن البدع السيئة في الضيافة الإبطاء بالطعام على الضيف، فإن التعجيل بالميسور من إكرام الضيف، وقد يكون جائعًا فيؤلمه الانتظار، وإذا حضر الأكثر وغاب واحد أو اثنان من الضيفان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير، إلا أن يكون المتأخر فقيرًا أو ينكسر قلبه بذلك، وأحد المعنيين في قوله تعالى:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ}

(1)

أنهم أ كرموا بتعجيل الطعام إليهم دل عليه قوله تعالى: {فَمَا

لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}

(2)

أجيد نضجه، وقوله تعالى:{فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}

(3)

. والروغان: الذهاب بسرعة، وقيل: في خفية، قال حاتم الأصم:"العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إطعام الضيف، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنب رواه أبو نعيم في "الحلية".

ومنها التكلف الذى أوقع الناس فيه حب الرياء والسمعة حتى خرجوا في مآدبهم عن الحد الذى يطيقونه، وربما استدانوا لذلك. قال بعض السلف في تفسير التكلف: أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت، بل تقصد عليه زيادة في الجودة والقيمة، وناهيك ما يكون في ولائم الأعراس من الإسراف الزائد، وصنع ألوان الأطعمة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:" نهينا عن التكلف " رواه البخارى، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا هلك المتنطعون " ثلاث مرات. رواه مسلم، والتنطع: التعمق والاستقصاء، والمراد المتكلفون فوق طاقتهم. وفى الحديث:" لا تكلفوا للضيف فتبغضوه " رواه البيهقي وغيره، وفى الحديث:" يا عائشة لا تتكلفى للضيف فتمليه، ولكن أطعميه ممِّا تأكلين " رواه أبو عبد الله الشيرازى، وروى الطبرانى وأحمد عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: لمن استضافه لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم.

وكان الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: "إنما تقاطع الناس بالتكلف، يدعو أحدهم أخاه فيتكلف فيقطعه عن الرجوع إليه" رواه أبو بكر بن أبى الدنيا، وقال سلمان الفارسى رضي الله عنه:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نتكلف للضيف ما ليس عندنا، وأن نقدم إليه ما حضرنا"

(1)

[سورة الذاريات: الآية 24].

(2)

[سورة هود: الآية 69].

(3)

[سورة الذاريات: الآية 26].

ص: 351

رواه الخرائطى، وروى عن أنس بن مالك وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:"أنهم كانوا يقدمون لإخوانهم ما حضر من الكسر اليابسة وحشف التمر ويقولون: لا ندرى أيهما أعظم وزرًا الذى يحتقر ما قدم إليه أو الذى يحتقر ما عنده أن يقدمه" رواه صاحب "القوت والعوارف".

وقد كانت أيضًا ولائم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بعيدة عن التكلف، فعن أنس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بتمر وسويق" رواه أحمد وأبو داود

والترمذى وابن ماجه، وعنه أيضًا قال:"ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة" متفق عليه، وعن أنس أيضًا:"أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف آثر صفرة فقال: "ما هذا؟ " قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: "بارك اللَّه لك، أولم ولو بشاة" رواه البخارى ومسلم وغيرهما، ومنه يستفاد أن الوليمة تكون لعد الدخول بالمرأة، والتهنئة بالزواج، والصفرة نوع من الطيب، والنواة من الذهب تساوى خمسة دراهم من الفضة، وكانت وليمة النبي صلى الله عليه وسلم حين زفافه بعائشة رضي الله عنها قدحًا واحدًا من لبن، فعن أسماء بنت عميس قالت: كنت صاحبة عائشة رضي الله عنها في الليلة التى هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعى نسوة قالت: فوالله ما وجدنا عنده قرى إلا قدحًا من اللبن، ثم ناول عائشة رضي الله عنها قالت: فاستحيت الجارية، قالت: فقلت: لا تردى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خذى منه، قالت: فأخذته منه على حياء فشربت منه، ثم قال: " ناولى صواحبك " فقلن: لا نشتهيه، فقال: "لا تجمعن جوعًا وكذبًا" قال: فقلت: يا رسول الله إن قالت إحدانا لشئ تشتهيه: لا أشتهيه أيعد ذلك كذبًا؟ فقال: "إن الكذب ليكتب حتى تكتب الكذيبة كذيبة" رواه الطبرانى في الكبير وابن أبي الدنيا.

ولَمَّا عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة ابنته كان الطعام الذى أحضر النبي صلى الله عليه وسلم للحاضرين طبقًا من بسر، ففى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه أمرنى أن أزوج فاطمة من على بن أبى طالب، فاشهدوا أنى قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضى بذلك

ص: 352

على"

(1)

، ثم دعا صلى الله عليه وسلم يطبق من بسر، ثم قال:" انتهبوا فانتهبنا " رواه الطبرانى في "الكبير" عن ابن مسعود ورجاله ثقات. والانتهاب: أخذ الجماعة الشئ على غير اعتدال، ومنه يستفاد أن الدعوة لهذا العقد كانت منه صلى الله عليه وسلم خاصة، ولذا استقل بإحضار الطعام، فصار ذلك سنة في عقد الزواج إلى اليوم، كما استفيد منه أن السنة عدم التكلف، كما أن السنة في وليمة العرس والدعاء إليها أن يستقل بها الزوج مع عدم التكلف فيها أيضًا، ففى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أجاب علي في خطبته فاطمة رضي الله عنهما:"يا علي لابد للعرس من وليمة". قال سعد: عندى كبش وجمع له رهط من الأنصار آصعًا من ذرة، وكان

في وليمته أيضًا شعير وتمر وحيس، هذا كل ما حوته وليمة سيدة نساء العالمين، وابنة خير البرايا أجمعين. وكانوا يرون أنها أفضل وليمة في زمانهم، فعن أسماء قالت: لقد أولم عَلِىّ عَلَى فاطمة فما كان وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته.

وللناس اليوم في ولائم العقود والأعراس بدع وعادات كثيرة زينها لهم شيطان الهوى (وخير أمور الدين ما كان سنة، وشر الأمور المحدثات البدائع) وكيف لا يكون ذلك من قبائح البدع وقد جرَّت هذه التكلفات إلى كثير من الشرور، وأوقعت الزوجين وأهليهما في الشدة بعد الرخاء والضيق بعد السعة، وهذا ما دعا عمر رضى الله عنه إلى النهى عن التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب خشية أن يعتاده الناس فيدعوهم إلى هذه التكلفات المقوتة، فقد روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: بلغ عمر بن الخطاب أن يزيد بن أبى سفيان يأكل ألوان الأطعمة، فقال عمر لمولى له: إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمنى، فلما حضر عشاؤه أعلمه فأتاه عمر فسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقرب عشاءه فجاء بثريد لحم فأكل عمر معه منها، ثم قرب شواء فبسط يزيد يده، وكف عمر يده ثم قال: يا يزيد بن أبى سفيان أطعام بعد طعام!؟، والذى نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم.

(1)

قاله لما خطبها أبو بكر وعمر وغيرهما فردهم وزوجه إياها.

ص: 353

خشى عمر رضي الله عنه نظرًا لمكانة يزيد أن يقتدى به عامة الناس وخاصتهم، فينقادون لشهواتهم ويتنافسون في طيبات الأطعمة ويقعون في التكلف المنهى عنه، وإلا فأصل التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب مباح كما تقدم.

ولو وقف الابتداع عند التوسع بالمآكل في الولائم لهان الخطب، ولكن الداهية العظمى التوسع فيما يمكن الاستغناء عنه من صرف الأموال للمطربين، والمضحكين، والراقصات والمغنيات، وغير ذلك من أنواع الفساد، فإن صرف المال في مثل ذلك وبال منكر (مثل): حرق الثوب أو تمزيقه وهدم البناء من غير غرض وإلقاء المال في البحر من غير موجب.

(فائدة): وأما الإسراف فإن كان صرفًا للمال في أنواع الفساد فحرام مطلقًا وإن كان في جنس المباحات لكن مع المبالغة فحرام إن كان يتضرر هو أو عائلته بذلك، فمثل هذا يجب منعه والضرب على يده قال تعالى: {وَلَا تَبْسُطْهَا

كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}

(1)

منقطعًا عن المقاصد والمطالب بما جلبته على نفسك من الفقر والفاقة حتى أصبحت صفر اليدين، نزلت في رجل بالمدينة قسم جميع أمواله ولم يبق شيئًا لعياله فطولب بالنفقة فلما يقدر على شيء وقال تعالى: {

وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}

(2)

فقد نعى على التبذير وأهله بجعلهم من إخوان الشياطين، والمراد المماثلة التامة في عمل الشر، أو أنهم قرناؤهم في كفران أنعم الله التى أنعمها عليهم، فبدلًا من أن يشكروه عليها بامتثال أمره في شأنها وضعوها في غير مواضعها، فانقلبت عليهم نقمًا وكانوا في العذاب مع الشياطين {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} كثير الكفران عظيم التمرد عن الحق؛ لأنَّه مع كفره لا يفعل إلا الشر ولا يدعو إلا إليه، ولا يوسوس إلا بما لا خير فيه، وفي الحديث المرفوع:"مِنْ فِقْهِك رِفْقُك في معيشتك "، وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا:"الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة" ومعناه: أن العيشة تقوم على ركنين: الكسب والاقتصاد في الإنفاق فإذا انعدم الاقتصاد انهدمت المعيشة بسقوط أحد ركنيها فإن لم يتضرر بذلك كأن كان كثير المال فهو إسراف مكروه.

(1)

[سورة الإسراء: الآية 29].

(2)

[سورة الإسراء: الآيتان 26، 27].

ص: 354

ومن العادات السيئة في الضيافة: تهاون الناس بأمور دينهم فيستعملون أوانى الذهب والفضة وقد اتسهت هذا الخرق وأصبح من السهل المألوف المستحسن، وواجب المضيف الابتعاد عن هذا كما أن واجب الضيف الابتعاد عن استعمال هذه الأوانى، بل ومن الجلوس في محل هذا المنكر، وإلا كان الكل آثمًا، ولا يرخص الجلوس مشاهدة هذه المنكرات، فيجب عليه التغيير فإن لم يقدر فليرحل، فلو كان في الضائفين من يتختم بالذهب لا يجوز الأكل معه ولا مجالسته.

ومن منكرات الولائم أنها لا تخلو عن أولئك البعداء التعساء الذين اتخذوا المزاح حرفة لهم لإضحاك الحاضرين فإنه منكر لا يجوز حضوره وإقراره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها أبعد من الثريا" رواه ابن أبى الدنيا من حديث أبى هريرة رضي الله عنه بإسناد حسن، لاسيما أن مزاحهم لا يخلو عن الفحش والكذب المحرم والاستهزاء بالناس، فإن لم يشتمل

على ذلك فهو محرم من أجل اتخاذه حرفة، فيجب إنكاره فإن لم يقدر على الإنكار حرم حضوره.

ومن العادات غير الحسنة في الضيافة تكليف الضيف الانتقال إلى موضع مخصوص لتناول الطعام، وهذا من آثار الترف الكبرياء، يرون أن تناول الطعام لا يخلو عن امتهان وتقدير فلا يليق أن يكون بمحل المفرشات، وفاتهم أن الأدب الشرعى الذى فيه كرامة الضيف أن يجلس في موضع ثم يقرب الطعام إليه ويحمل إلى حضرته لا أن يوضع الطعام في ناحية والضيف في أخرى ثم يؤمر بالتقرب إليه، انظر إلى ما وقع من إبراهيم عليه السلام مع ضيفه حيث حكى الله عنه في مقام امتداحه أنه قرب إليهم العجل لا أنه قربهم إليه.

من العادات التى دخلت على الناس من الترف والكبرياء أن صاحب الضيافة يأنف من خدمة ضيفه بنفسه، ويزعم أن هذا امتهان لا يليق إلا أن يباشره خادمه، وترى الضيف يحجر على صاحب الضيافة أن يقوم ببعض خدماته إعزازًا له وإكرامًا، وربما تراجموا بينهما بالأيمان، وفاتهم أن الأدب الشرعى ألا يأنف ذو الضيافة من خدمة ضيفه، وألا يصده

ص: 355

الضيف عن مكارم الأخلاق، فعن على بن الحسين: من تمام المروءة خدمة الرجل ضيفه كما خدمهم أجونا الخليل إبراهيم عليه السلام بنفسه وأهله حيث قال تعالى: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ}

(1)

دل على خدمته بنفسه فإنه لم يقل فأمر لهم، بل هو الذى ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف، فهذا أدب خليل الرحمن وأبى الأنبياء وإمام الحنفاء الذى اتخذه الله خليلًا وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وهو شيخ الأنبياء كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فإنه عليه الصلاة والسلام لا دخل الكعبة وجد المشركين قد صوروا فيها صورته وصورة ابنه إسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام فقال:"قاتلهم اللَّه لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام".

ومن الأدب الذى اشتمل عليه ضيافة الخليل عليه السلام أنه لم يستأذن ضيفه في إحضار الطعام، بل راغ إلى أهله، أي ذهب في اختفاء بحيث لم يشعر الضيف

إلا وقد جئ إليهم بالطعام، والناس اليوم لغلبة الشح عليهم واستثقالهم أمر الضيافة قلما يحضرون الطعام إلا بعد الاستئذان، ويودون في أنفسهم حين الاستئذان ألا يأذن ويعتذر، وربما غلبه الحياء من طلب الطعام فيشق على نفسه.

(ومن الأدب) بعد إحضار الطعام أن يتلطف صاحب الضيافة ويدعو بنفسه الضيف إلى تناول الطعام بنحو (تفضل علينا تكرم علينا بتناول الطعام) كما قال الخليل عليه السلام: {أَلَا تَأْكُلُونَ} ، فإنه عرض وتلطف في القول بخلاف (كلوا مدوا أيديكم).

ومن البدع غير الحسنة توديع الضيف داخل المنزل أنفة وكبرًا، والسنة أن يرافقه إلى باب المنزل ثم يودعه، وينبغى للضيف ألا يمنع المضيف من ذلك ويقسم عليه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما:"من السنة إذا دعوت أحدًا إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج "، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدار " رواه ابن ماجه وغيره، عن الشعبى رحمه الله: من تمام زيارة الزائر أن تمشى معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما:" من أخذ بركاب رجل لا يرجوه ولا يخافه غفر له " وكان يأخذ بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال:

(1)

[سورة الذاريات: الآية 26، 27].

ص: 356

" أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إنا هكذا نصنع بالعلماء".

ومن العادات السيئة الشبع من طعام الضيافة وغيرها، فقد نهى الله عنه في كتابه الحكيم قال تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}

(1)

ولما في الشبع من المضار التى لا تخفى على بصير، وفى الحديث:" ما ملأ آدمى وعاءًا شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن لم يفعل فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسِه " رواه الترمذى وقال: حسن، ورواه بلفظ آخر:"ما ملأ ابن آدم وعاءًا شرًّا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فاعلًا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" بحسب: كافيه أو يكفيه والباء زائدة. وكان ملء البطن شرًّا لما فيه من المضار الدينية، والدنيوية، والبدنية فإنه يورث البلادة، ويعوق الذهن عن التفكير الصحيح، ويدعو إلى الكسل والنوم

الكثير، زمن كثر نومه ضعف جسمه، وأضاع وقته الذى هو رأس ماله في هذه الحياة العمدية وخسر كثيرًا من مصالحه الدينية والدنيوية، قال لقمان لابنه: يا بنى إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، بخلاف الإقلال من الطعام والشراب فإنه يورث صفاء القلب، وقوة العزيمة، ونفوذ البصيرة، ونشاط الجسم، وفى ذلك ربح عظيم.

وقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقدار المناسب من الطعام والشراب هو ما يقيم الحياة، ويحفظ الصحة، ويمكن الإنسان من الانتفاع بنفسه والقيام بوظائف الحياة، وهو أن يجعل للطعام والشراب ثلثى المعدة، ويترك الثلث خاليًا ليتمكن من النفس بسهولة، ذلك أن البطن إذا امتلأت ضغطت على الحجاب الحاجز فضغط على الرئتين فضاقت مجارى التنفس الذى هو ضرورى لإصلاح الدم الفاسد وتحويله إلى دم صالح تقوم عليه حياة الإنسان، وفى الحديث دليل على ذم الشبع والإفراط في تناول الغذاء، وفيه أيضًا الحث على الاقتصاد في تناول الطعام والشراب وهو ما يطلبه الطب، ويقوم به نظام الأعمال، وتتوفر به للإنسان مصالحه الدينية والدنيوية، فالدين والعلم أخوان،

(1)

[سورة الأعراف: الآية 31].

ص: 357

والجهل هو الذى يفرق بينهما، وقالت عائشة لرضى الله عنها:" أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم " رواه البخارى في كتاب الضعفاء، وهو صريح في أن الشبع بدعة محدثة، وسمن من باب طرب، وجمح بابه خضع.

(ومن العادات السيئة) انفراد كل من الحاضرين بآنية يأكل فيها ولا يجتمعون في الأكل من إناء واحد، وهذه العادة القبيحة انتشرت بين الأغنياء اليوم وسرت إليهم من تقليد الأجانب، وقد جاءت الشريعة بخلافها، فعن عمر رضي الله عنه مرفوعًا:"كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة" رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد حسن، وفى الحديث:"خير الطعام ما كثرت عليه الأيدى" رواه ابن حبان، والناس اليوم يرون أن أهنأ طعام وألطفه ما قلت عليه الأيدى؛ فلهذا حرموا بركة الاجتماع على الطعام، فعن وحشى بن حرب رضي الله عنه: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: " فلعلكم تفترقون على طعامكم" قالوا: نعم، قال: " فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم اللَّه يبارك

لكم فيه" رواه أبو داود بإسناد حسن، فانظر كيف حسن الشيطان للمترفين أن يستقذر كل واحد أخاه فلا يتناول الطعام معه من إناء واحد ويوهمه أنه ربما كان به داء معه لو شاركه يصيبه.

(وجملة القول) أن السنة تكثير الأيدى على الضعاء لو من أهله وخادمه فإن اجتماع الأنفاس وعظم الجمع من الأسباب التى نصبها الله سبحانه مفضية لفيض الرحمة ونزول غيث النعمة، وأن لاجتماع الأيدى على الطعام الواحد مزايا لا يستهان بها.

(منها): أنه مظهر من مظاهر الأنس والاتحاد، وأن هذه الأيدى المتعددة كأنها يد واحدة، ولذا ترى العامة إذا أرادوا الصفاء والوئام وتناسى الأحقاد والضغائن يتناولون الطعام من إناء واحد ليكون هذا شبه عقد مبايعة بينهم على الإخاء والصفاء، وألا يخون أحدهم صاحبه، حتى لو أخل أحدهم بحق الآخر ينعى عليه قائلًا: نحن أكلنا جميعًا (عيشًا وملحًا) حتى شرار اللصوص والفسقة لا يخونون من أكلوا عيشه، بل إذا اتفق

ص: 358

لأحد أنه تناول الطعام مع آخر في إناء واحد، ورأى منه ما لا يحب يعيره بعدم قيامه بحق العيش والملح.

(ومنها): أن الاجتماع على الطعاء مظهر عظيم من مظاهر الإنسانية، ولذلك ترى غير الإنسان من البهائم والطيور مثلًا قلما يتفق مع آخر حين تناول الطعام، بك يقع بينهما التنازع حرصًا على الانفراد بالمأكول فيكون اجتماع الأيدى مع هذا مظهرًا من مظاهر القناعة وعدم الحرص وكمال العقل.

(ومنها): تعويد النفس على احترام الغير، وتنزيل الناس منازلهم، وعلى رحمة المتبوع والرؤساء برعاياهم، فإن السنة أن لا يبتدئ الطعام ومعه من يستحق أن يبتدئه لكبر سن أو زيادة فضل.

(ومنها): تعويد النفس على حب المساواة وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وحملها على الابتعاد عن الظلم، فإن السنة أن يرفق كل واحد بأخيه فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله، فإن ذلك منهى عنه إن لم يكن موافقًا لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركًا، فإن لكل منهما حقًّا لا يتعداه فلا يأكل لقمتين أو تمرتين دفعة واحدة فإن في ذلك إجحافًا بالرفقاء إلا إذا علم رضا الجميع (وهيهات أن يكون) خصوصًا إذا كان الطعام شهيًّا.

فعن جبلة بن سحيم قال: " أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمرًا، وكان عبد الله بن عمر يمر بنا ونحن نأكل فيقول: لا تقارنوا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القران ثم يقول: إلا أن يستأذن الرجل أخاه " متفق عليه، عام سنة: أي عام قحط وجدب.

(ومنها): أن في هذا الاجتماع تذكيرًا للمطلوب أول الأكل من البسملة وآخره من الحمدلة فقد ينسيه الشيطان ذلك فيذكره أخوه أو يقوم مقامه.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذ أكل أحدكم فليذكر اسم اللَّه تعالى فإن نسى أن يذكر اللَّه تعالى في أوله فليقل: بسم اللَّه أوله وآخره" رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح، فبمثل هذه الأسرار يتغيظ الشيطان إذا رأى هذه المظاهر فيفر ويتباعد عن الاجتماع، فهنالك تقع البركة في الطعام، عرف ذلك الشيطان فأخذ يكيد للناس فقتى لهم مواطن البركات وبدلها لهم ببدع وخيمة،

ص: 359

ومن كان على بصيرة بمحاسن الشريعة الغراء لا يغيب عنه مكامن السوء التى يكيد بها الشيطان لعباد الله تعالى، وبالله التوفيق.

‌الفصل الحادي عشر في بِدَع العَاشَرَة والعَادَات

تقدم لك في تعريف البدعة ما يفيد الخلاف في الابتداع في العادات، وتقدم أيضًا في الوجه السادس من الفصل الثالث في تقسيم البدعة اختلاف الأنظار في الابتداع في العاديات، وأن المختار عند البعض إمكانه ووقوعه وتقدم تحقيق القول في ذلك، وهنا نذكر لك شيئًا ممَّا حدث في المعاشرة العادات فنقول:

اعلم أن المعاشرة خاصة وعامة، ولكل منهما حقوق وآداب إذا حافظ الناس عليها عاشوا في صفاء ورخاء، وإن أهملوها وقعوا في كدر وبلاء، وإذا علمت هذه الحقوق والآداب انكشف لك أن الناس اليوم قد أهملوا أمرها واشتروا الضلالة بالهدى، فساءت حالهم في معاشرتهم ومعاملاتهم، وأصبح من يحافظ على شيء من حقوق العاشرة وآدابها في نظر الجمهور مبتدعًا متنطعًا في أموره متشددًا في دينه نعوذ بالله من قلب الحقائق.

فمن هذه العادات تهاون الناس بحقوق الصحية والأخوة، مثل المواساة بالمال والقيام بقضاء الحوائج، وقد كان في السلف الصالح من يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم، ويتردد إليهم، ويمونهم من ماله فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب أخيه يقول: هل لكم ملح؟ هل لكم حاجة؟ وكان يقوم بها من حيث لا يعرفه أخوه عاملين بقوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(1)

مقتدين بسنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فعن ابمت عمر رضي الله عنهما أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة" متفق عليه، وروى "أنه جاء رجل إلى أبى هريرة رضي الله عنه وقال: إنى أريد أن أواخيك في الله، فقال: أتدرى ما حق الإخاء؟ قال: عرفنى،

(1)

[سورة الحج: الآية 77].

ص: 360

قال:

ألا تكون أحق بدينارك ودرهمك منى، قال: لم أصل إلى هذه المنزلة بعد قال: فاذهب عني ".

وممَّا أساءوا به الصحبة إفشاء الأسرار وذكر عيوب الإخوان وعدم العفو عن الزلات والهفوات التى قلما يسلم إنسان منها، فهذا ليس من الوفاء والإخلاص في شيء، فعن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" متفق عليه، زاد في رواية لمسلم:" وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ". والأسرار أمانة وإفشاؤها خيانة.

ومن العادات السيئة في المعاشرة محبة الناس مجالسة الأمراء، ومخالطة الأغنياء وكراهتهم مودة المساكين الخاشعين لجلال الله تعالى حتى صار غالب الناس يسترذل الفقراء وينفر لرؤيتهم، وقد قال تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}

(1)

إسرافًا.

وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنه ليأتى الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة " متفق عليه، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللَّه لأبره " رواه مسلم وكان عليه الصلاة والسلام يقول: " اللهم أحينى مسكينًا وأمتنى مسكينًا واحشرنى في زمرة المساكين " رواه الترمذى في الزهد من جامعه والبيهقى في " الشعب "، وكان سليمان عليه السلام في ملكه إذا دخل المسجد فرأى مسكينًا جلس إليه وقال: مسكين جالس مسكينًا.

ومن البدع تهاون الناس بحقوق العلماء والصلحاء الذين لهم قدم في الدين، فقد جاءت السنة الشريفة بتوقير العلماء وتكريم الأتقياء، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما قال: وال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا" رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح، وفى رواية أبي داود:" حق كبيرنا "، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " أمرنا رسول الله -صلى الله عليه

(1)

[سورة الكهف: الآية 28].

ص: 361

وسلم- أن ننزل الناس منازلهم " ذكره الحاكم وقال: حديث صحيح، وذكره

مسلم في أول صحيحه تعليقًا، وعن أبى سعيد سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:"لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامًا فكنت أحفظ عنه فما يمنعنى من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن منى" متقق عليه، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أكرم شاب شيخًا لسنه إلا قيض اللَّه له من يكرمه عند سنه " رواه الترمذى وقال: حديث غريب، والغرابة لا تنافى الصحة عند علماء الحديث، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:" قبلنا يد النبي صلى الله عليه وسلم "، وعن كعب بن مالك قال:" لما نزلت توبتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبلت يده "، وروى الحاكم من حديث بريدة وقال: صحيح الإسناد "أن أعرابيًّا قال: يا سول الله ائذن لي فأقبل رأسك ورجليك، فأذن له ففعل"، ولما دخل عمر الشام تلقاه النالم وعظماء أهل الأرض فقال عمر: أين أخى؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: الآن يأتيك، فلما أتاه نزل فاعتنقه وقبل أبو عبيدة يده رضى الله عنهما وعن الصحابة: القرابة أجمعين، وسبق أن ابن عباس رضي الله عنهما أخذ بركاب زيد بن ثابت، وأخذ عمر أيضًا بركاب زيد المذكور وقال: هكذا فافعلوا بعلمائكم، وأصحاب زيد قيام ينظرون.

ومن العادات السيئة في المعاشرة تهاون الناس بالتحية الشرعية (السلام) يمر الرجل بأخيه فيحييه من بعد بنحو (نهارك سعيد) أو يشير كل منهما بيده نحو رأسه ساكتًا، وكثيرًا ما يكون مع ذلك انحناء الرأس، وربما وصل إلى حد الركوع وأقبح من ذلك عادة أخرى وهى ترك التسنيم عند لقاء المسلم إلا إذا كان بينهما معرفة، وتركه أيضًا إذا دخل الإنسان منزله على أهله أو منزل غيره، وكذا تركه إذا مر بصبيان، فكل ذلك خلاف السنة، قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

(1)

خيريته فتعملون به و {تَسْتَأْنِسُوا} : تستأذنوا فيقول الواحد: السلام عليكم أأدخل؟ كما ورد في حديث، وقال تعالى:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}

(2)

كثيرة الخير يثاب عليها وقال تعالى:

(1)

[سورة النور: الآية 27].

(2)

[سورة النور: الآية 61].

ص: 362

{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}

(1)

بأن تقولوا له: (عليك السلام، ورحمة الله، أو تقولوا له كما قال: أي الواجب

أحدهما الأول أفضل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله تعالى عنهما أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" متفق عليه، رعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لما خلق اللَّه آدم عليه الصلاة والسلام قال: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة اللَّه فزادوه ورحمة اللَّه " متفق عليه، وفى حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" رواه مسلم، وعن أنس رضى الله عنه: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم ثمانى حجج فقال لي: " يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلم على من لقيته من أمتى تكثر حسناتك، وإذا دخلت منزلك فسلم على أهل بيتك يكثر خير بيتك " وللترمذى وصححه: " إذا دخلت على أهل بيتك فسلم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك "، وروى البيهقي:" إذا دخلتم بيتًا فسلموا على أهله، فإذا خرجتم فأودعوا أهله بالسلام "، وهذا أعم من أن يكون بيته أو بيت غيره.

ومنه يؤخذ بدعة ترك التسليم أيضًا عند مفارقة منزله وأنَّه خلاف السنة كترك المصافحة وبشاشة الوجه عند اللقاء، فإن ذلك مستحب لكن لا مع الانحناء، فعن أبى الخطاب قتادة قال: قلت لأنس: "أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم" رواه البخاري، وعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا" رواه أبو داود وهو صريح في طلب المصافحة عند اللقاء لا عقب الصلاة في المسجد، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحنى له؟ قال: " لا ". قال: أفيلتزمه ويقبله؟

(1)

[سورة النساء: الآية 86].

ص: 363

قال: " لا". قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: " نعم" رواه الترمذى وقال: حديث حسن، وعن أبى ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحتقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق " رواه مسلم. وعلى الجملة فتمام التحية بالمصافحة عند اللقاء، ولذا قال الحسن: المصافحة تزيد في الود، وعن أنس رضي الله عنه

قال: مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نلعب فقال: "السلام عليكم يا صبيان"، وروى فعل ذلك عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. صلى الله عليه وسلم

ومن خلاف السنة في المعاشرة عدم الاهتمام بعيادة المرضى وتشييع الميت والصلاة عليه، وحضور دفنه، الدعاء له بعد دفنه عند قبره من إخوانه المسلمين، والسنة العناية بأمرها، فعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعى، وإفشاء السلام" متفق عليه.

ولعيادة المريض آداب أغفلها الناس اليوم، منها أن تكون بعد ثلاث، وأن تكون الجلسة عنده خفيفة إلا إذا كان يأنس به، وإظهار الرقة للمريض والدعاء له بالعافية، وألا يتطلع إلى ما في موضعه من أمتعة المنزل، ولا يرفع بصره إلى جانب الموضع، فإن هذا قد يكدر خاطر المريض، وألا يأكل ولا يشرب عنده، إلا كان ذلك حظه من العيادة، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأَل" رواه أبو داود، قال النووى: قال الشافعى رحمه الله: ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختموا القرآن كله كان حسنًا. انتهى.

ومن خلاف السنة في المعاشرة عدم الاهتمام بأمر المسلمين عند نزول الشدائد بهم بنحو حريق أو حرب، فترى الكثير من الناس مع علمه بتلك الشدائد التى نزلت بإخوانه هادئ البال غير حزين مما أصاب إخوانه لا يهمه إلا أن يكون الشر بعيدًا عنه، ويقبض يده عن مساعدتهم وهو قادر عليها ويراها ثقيلة إذا دعى إليها.

(كما أن من العادات السيئة):

ص: 364

عدم العناية بإدخال السرور على أخيه، بل ربما يؤلمه أن يرى أخاه في هناء، فترى كثيرًا من أرباب المناصب الرفيعة القادرين على منافع العباد وقضاء حوائجهم يتألمون من التجاء ذوى الضرورات إليهم، وربما لا يسعون في قضائها إلا لفائدة تعود عليهما، أما سعيهم في حاجة الناس لمحض وجه الله فلا. روى الطبرانى في "الأوسط" من حديث حذيفة رضي الله عنه:" من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمس ناصحًا للَّه ورسوله ولكتابه ولإمامه وأئمة المسلمين فليس منهم "، وفى حديث أبى هريرة:" واللَّه في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " رواه مسلم.

ومن العادات السيئة في المعاشرة الترفع عند تناول الطعاء عن مشاركة الزوجة أو المملوك أو الخادم، بل يترك الخادم واقفًا ينظر إليه. كل ذلك خلاف السنة، فإن السنة جاءت بتكثير الأيدى على الطعام، والرفق بالمملوك والخادم، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل مع خادمه ويزوره في بيته جبرًا لخاطره وخاطر أهله.

(ومنها): احتقار الناس والسخرية بهم ولا يدرى الإنسان لعل من يهزأ به خير منه وإن كان فاسقًا، فقد يختم لك بمثل حاله ويختم له بالصلاح، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ}

(1)

، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" رواه مسلم.

ومن البدع السيئة أوراق اليانصيب وهى تلك الأوراق التى جرت بعض الجمعيات على توزيعها على الأمة بثمن معين لكل ورقة، على أن يكون جزء من ثمن البيع من تلك الأوراق للجمعية والجزء الآخر للنمر الرابحة، وقد كانت الجمعيات تصدر ما شاءت من هذه الأوراق حتى كثرت أضرارها فنظمتها الحكومة أخيرًا تنظيمًا قلل من أضرارها، والقصد الأصلى من هذا العمل هو الصرف على بعض الأعمال الخيرية كتعليم أبناء الفقراء والإنفاق على البائسين وإقامة دور العلاج ولكن توسع الناس فيها حتى صارت تعمل في كثير من الشئون وهى -مهما نظمت ومهما كان القصد منها- نوع من أنواع الميسر (القمار) وهو حرام؛

(1)

[سورة الحجرات: الآية 11].

ص: 365

لأن طريقة اليانصيب عند التأمل البسيط تكاد تتفق والطريقة التى كان يفعلها العرب في الجاهلية بالأقداح.

وهى أنه كانت لهم أقداح هى الأزلام، والأقلام الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس (ككتف) والمسبل، والمعلى، والنافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، يجعلون لكل واحد منها نصيبًا معلومًا من جزور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء، وقيل: ثمانية وعشرين، ولا يجعلون لثلاثة منها نصيبًا، ثم يضعون الأقداح في الربابة وهى خريطة، ويضعونها على يد عدل منهم، ثم يهزها ويدخل يده فيخرج باسم رجل قِدْحًا منها، فمن خرج له قِدْحٌ من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم

به، ومن خرج له قدح ممَّا لا نصيب له لم يأخذ شيئًا وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يشترك فيه.

وقد نعى الله عليهم هذا نهى عنه وإن كان فيه نفع، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا

}

(1)

والميسر: القمار من اليسر بمعنى السهولة، والإثم: الضرر والمفسدة، ومنافع الخمر لدى الناس أهمها أنها مورد كبير للثروة، ومن منافع الميسر مواساة الفقراء كما علمت من عادة العرب، ومنها سرور الرابح، وصيرورته غنيًّا من غير تعب وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}

(2)

. والأنصاب: حجارة كانت العرب تعبدها وتذبح عليها، والأزلام: أقداح، أي قطع رقيقة من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية لأجل التفاؤل أو التشاؤم، وأما الرجس: فهو المستقذر حسًّا أو معنى.

فأنت ترى أن الله تعالى حرم اليسر لأنَّه أخذ مال الغير بيسر وسهولة من غير كد ولا عناء لما في ذلك من الإضرار بصاحب المال، وما ينجم عنه من خصومات ومنازعات، وقد تؤدى إلى سفك الدماء، ولم يعتبر -جَلَّ شأْنهُ- ما في بعض طرق الميسر من نفع؛ لأن القاعدة التى يقرها الشرع

(1)

[سورة البقرة: الآية 219].

(2)

[سورة المائدة: الآيتان 90، 91].

ص: 366

ويقبلها العقل هى الموازنة في كل أمر بين النفع والضرر فما كان ضرره أكثر من نفعه حرم، والميسر ومن هذا القبيل.

وأراق اليانصيب ميسر اشتمل على منفعة ومضرة، وضرره عند التأمل أكثر من نفعه، وقد يكون في بعض صوره من شر أنواع القمار إذا دخله غش، وكثيرًا ما يكون ذلك، ونفع الفقراء ميسور وغير متوقف على هذه الطريقة الخبيثة، إذ في استطاعة ذوى اليسار من الشعب مديد المساعدة للبؤساء من غير مقامرة، بل نفس الشعب يسهل عليه الاكتتاب، ودفع ثمن تلك الأوراق من غير حاجة إلى المخاطرة

بالمال، وهذا يجعل الدفع لوجه الله دون قصد الربح من وراء ذلك، وهى طريقة الإحسان. أما شراء الأوراق الحاصل اليوم فليس من باب البر والإحسان؛ لأن الباعث عليه هو الربح، وهذا يبعده عن كل أنواع البر، على أن المسلمين في غنى عن هذه الطرق الخبيثة جميعها إذا عملوا بدينهم وأدوا زكاة الأموال التى من مصارفها البؤساء والفقراء.

وخلاصة القول أن عمل اليانصيب هو من عمل الميسر الذى حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز شراء هذه الأوراق ولا بيعها، والربح الناشئ عنها ربح خبيث لا يحل لصاحبه الانتفاع به وأن ترخيص وزارة الداخلية به لا ينقله من الحرمة إلى الحل في نظر الشريعة ولا ينجى المتعاملين به من العقوبة يوم لا ينفع مال ولا بنون، وحسب الجمعيات الخيرية أن تقوم بما تستطيع من أعمال البر من غير أن تتعرض أعضاؤها لغضب الله في سبيل جمع الأموال من هذا الوجه المحرم شرعًا إذ أنه نصب واحتيال مقرر بالقوانين الوضعية وليس من البر في شيء والله الهادى إلى سواء السبيل.

ومن البدع السيئة في المعاشرة والعادات تساهل المسلمين في مخالطتهم للأجانب حتى استحسنوا كل ما هم عليه من ملبس ومأكل، وتشبهوا بهم في مراسمهم وعاداتهما وعدوا ذلك من دواعى التقدم، ونسوا أن الدين الحنيف هو دين الفطرة والسماحة ودين الرقي الصحيح وسبيل العمران، ولو وقفوا على مآثر سلفنا من وراء تمسكهم بدينهم لوجدوا ما هو خير ممَّا يعجبون به، ولو كان للسلف أدنى عناية بهذه الزخارف التى ظهرت على

ص: 367

يد الغربيين لحازوا بها قصب السبق، ولكنهم رأوا أن السعادة في الدنيا والآخرة إنما هى في الاهتمام بأمر الدين.

أما الدنيا فجعل أمرها يرجع إلى شهوة حيوانية، فصرفوا عنان همتهم إلى ما تسمو به مداركهم وعقولهم وهو ما به امتاز الإنسان عن الحمار والفرس.

والحمد لله قد بلغوا بقوة العزيمة والإيمان الصحيح الغاية المقصودة حتى ذلت لهم رقاب الجبابرة ودانت لهم مقاليد الفراعنة، ولم يلههم عن القيام بواجبهم اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد، ولكن خلف من بعدهم خلف أضاعوا آثارهم وجهلوا حسناتهم، وعموا بهذه الأباطيل عن رؤية محاسنهم ومحاسن دينهم الذى ارتضاه لعباده الله الذى يعلم السر وأخفى.

فمما نشأ من مخالطة المسلمين للأجانب تلك البدعة الممقوتة وهى تقليدهم لهم في الأخلاق والعادات زاعمين أن في ذلك الرقى كل الرقى، ولو أنصفوا الحقيقة لعلموا أنه لا سبيل إلى الرقى والتقدم سوى الأخلاق الحسنة؛ والعلم الصحيح مصحوبًا بالعمل النافع المبنى على الحكمة والروية، ولكنها الشهوات تغلبت على العقول، وحب التقليد الأعمى استولى على المشاعر، حتى فتنوا باعتناق عادات الأجانب، ومنشأ ذلك ما يرونه من قوة الأجنبى وضعفهم، وتلك سنة الله تعالى في كل أمة أهملت أمر دينها ومالت إلى الملاذ والشهوات حتى ضعفت فاستكانت، ولقد كثر في هذا الزمان المفتون زمان التجديد (على ما يزعمون) خوض الناس في هذه المسائل الثلاث:

أولًا: لبس القبعة.

ثانيًا: تزويج المسلمة بغير المسلم.

ثالثًا: تسوية الذكر بالأنثى في الميراث، وأن بعض اللادينيين يرى أن ذلك لا بأس به، بل يعده حسنًا.

فإلى من يعنيهم أمر الحق ويهمهم شأن دينهم القويم الذى هو على الحقيقة سبيل الفلاح ومعراج الرقى الصحيح نوجه هذه النصائح لنكون قد أدينا الأمانة وخرجنا من تبعة الكتمان.

حكم لبس القبعة في الإسلام: قد كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يكره لأمته موافقة الكفار في عاداتهم وأزيائهما لا في أمورهم الدينية فقط.

ص: 368

فقد كان وهو بالمدينة يأمر بمخالفة أهل الكتاب (اليهود والنصارى) كما أمر بصبغ الشيب لأنهم لم يكونوا يصبغون، ففى الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ". أمر بالصبغ مخالفة لهم إذ كان تركه إذ ذاك من شعارهم، وهو يقتضى أن يكون جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا للشارع، والمأمور به صبغ الشعر بغير السواد، أما هو فلا إلا في الجهاد كما تقدم، وروى أحمد وابن ماجه والطبرانى عن أبى أمامة رضى الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون، فقال صلى الله عليه وسلم:" تسرولوا وأْتزروا وخالفوا أهل الكتاب ": أي فأمر صلوات الله وسلامه عليه بالجمع بين الأمرين ولم يأمر بترك السراويل ألبتة لمخالفتهم.

إذ الغرض أن يكون للمسلمين مشخصات من العادات خاصة بهما، ولا يكونوا مقلدين؛ لأن الاستقلال في العادات وغيرها ممَّا يعد من مميزات الأمم التى تعرف بها، يزيد استقلال الأمة قوة ورسوخًا في مقوماتها الملية كالدين، واللغة، الآداب ما يسمونه (الثقافة القومية) ولذا كان عمر رضي الله عنه يوصى قواده الفاتحين لبلاد الأعاجم وعماله فيها بالمحافظة على عادات العرب وزيها وينهاهم عن التشبه بالأعاجم، وفى الحديث:" ليس منا من تشبه بغيرنا " ذكره الحافظ ابن حجر الذى كان يسمى أمير المؤمنين في الحديث نقلًا عن الحافظ الترمذى، ويا ويل من تبرأ منه الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وقال صلوات الله وسلامه عليه:"من تشبه بقوم فهو منهم" حديث حسن رواه ابن رسلان وأبو داود عن ابن عمر والطبراني في "الأوسط" عن حذيفة، وهو صريح في أن من تشبه من المسلمين بغيره في لبسه الخاص به فهو على طريقته اعتقادًا أو عملًا.

فمن لبس القبعة ميلًا إلى دينهم أو استخفافًا بدينه فهو كافر بإجماع المسلمين، ومن لبسها تشبهًا فإن اقترن بها ما هو من شعائر دينهم كدخول كنيسة فهو كافر أيضًا، وإن لم يقترن بها ذلك فهو آثم، قال الحافظ

ص: 369

ابن تيمية محقق الحنابلة في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" بعد أن حقق أن هذا الحديث ثابت جيد الإسناد ما نصه: هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضى تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضى كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى: {

وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ

}

(1)

وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أنه قال: " من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة ". انتهى.

وجملة الكلام أن هذه الأحاديث الثلاثة يكفى كل واحد منها وحده لإثبات المقصود هو حرمة موافقة المسلمين لغيرهم فيما هو من خصائصهم، ولا ريب أن منها لبس القبعة، قد آفاد الحافظ ابن تيمية أن الأمة مجمعة على النهى عن الموافقة المذكورة فارجع إليه إن شئت، وإليك نصوص المذاهب الأربعة لتعلم أن الأئمة الأربعة رضي الله عنهما متفقون على تحريم لبس القبعة ويطمئن قلبك ويزداد يقينك

في ذلك. في معين المفتى من كتب الحنفية ما نصه: من تشبه بالكفار عمدًا أو تزيَّا بزي النصارى، أو تزنر بزنارهم، أو تقلنس بقلنسوة المجوس يكفر. انتهى. وقيده أبو السعود والحموي رحمهما الله تعالى بأنه محمول على ما إذا أراد الاستخفاف بالإسلام، أما إذا لم يقصد ذلك فهو آثم فقط.

وقال العلامة ابن حجر الهيتمى الشافعى في كتابه "الإعلام بقواطع الإسلام" ما نصه: وحيث لبس زى الكفار سواء دخل دار الحرب أم لا بنية الرضا بدينهم، أو الميل إليه أو تهاونًا كفر. انتهى.

وفى فتاوى الشهاب الرملى الشافعى سُئِل عن التزيى بزى الكفار: هل هو ردة أو لا فيحرم فقط؟ فأجاب: بأن الراجح أنه ليس بردة، بل يأثم العامد العالم بتحريمه. انتهى. وهو محمول على لبسه بغير نية الرضا، أما إذا لبسه بنية الرضا أو الميل إلى دينهم، أو تهاونًا بالإسلام فإنه يكفر.

وفى مختصر الشيخ خليل وشرحه للشيخ عبد الباقى المالكيين في باب الردة: كفر المسلم بصريح كقوله العزير ابن الله، أو لفظ يقتضيه كقوله الله جسم متحيز أو فعل يتضمنه، ثم ذكر من أمثلة الفعل شد الزُّنَّار ونحوه ممَّا يختص بالكفار كلبس برنيطة نصرانى، وطرطور يهودى إن سعى

(1)

[سورة المائدة: الآية 51].

ص: 370

بذلك للكنيسة ونحوها. انتهى.

قال البناني المالكي: ومحل كلام المصنف إن فعل ذلك محبة في الزى وميلًا لأهله وأما إن فعله بغير ذلك فهو حرام إلا أنه لا ينتهى للكفر.

وفى "الانتصار" من كتب الحنابلة ما نصه: من تزيَّا بزى الكفار من لبس غيار أو شد زنار، أو تعليق صليب بصدره حرم، وميل كلام بعضهم إلى الكفر.

هذه نصوص علماء المذاهب الأربعة المعمول بها، وقد عرفت أنها مجمعة على تحريم لبس القبعة عند عدم الميل إلى دين أصحابها، وعدم قصد الاستخفاف بدين الإسلام، وعلى الكفر عند ذلك فكيف يسوغ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر استباحة لبسها بعد ما تبين له الرشد من الغى وظهر له الحق من الباطل تمسكًا بشبه هى {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ

}

(1)

.

من ذا الذى يا قوم لا يعد من السفه ترك زيه القومى إلى زى قوم قد يفضى حبنا لتقليدهم إلى ذهاب قوميتنا، وفناء شخصيتنا في شخصيتهم، شأن الضعيف الذى يسارع في هوى القوى، تلك الشخصية التي تطلب السن الكونية المحافظة عليها احترامها حفظًا لكيان الأمم والشعوب، وقد أشار إلى احترامها الشارع الحكيم بقوله فيما رواه أبو داود:" فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس "، وقوله صلى الله عليه وسلم:"قصوا الشارب وأعفوا اللحى وخالفوا سنة اليهود" إلى غير ذلك، والقومية إنما تكون بالدين الذى جعل المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها إخوة وألف بين العربى والعجمى بتعاليمه الحقة؛ ولهذا الدين حقوق وآداب تزول بزوال تلك الشخصية، فلابد من احترامها والعمل بها حفظًا لتلك القومية، وإن من أسباب الزوال مشابهة الزى للزى فإن فيه تغييرًا للقلب وقد ورد:"إذا شابه الزى الزى فقد طابق القلب القلب" وأى ضرر فوت ضرر إفساد العقيدة: أضف إلى ذلك فوت أداء حق الإسلام من ابتداء السلام ورده، وفوت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين إذا وجد ميتًا بمكان لا يعرفه فيه أحد، لاشتباه حاله بسبب ذلك الزى إلى غير ذلك من المفاسد.

(1)

[سورة النور: الآية 39].

ص: 371

أما ما يزعمونه من أن في ذلك الزى دفعًا لاحتقار الغربيين لنا، فجوابه ظاهر، وهو أن الزى لا يدفع احتقارًا ولا يرد عارًا مع فساد الخلق، وتأخر العلم، والقعود وعدم النهوض بالصنائع والأعمال الاقتصادية والخلقية، وفوق ذلك ما هنالك من الحزازات الدينية التى هى في الحقيقة سبب حملتهم علينا وبغضهم لنا وهم لا يرضون عنا إلا إذا اعتنقنا عقيدتهم، قال تعالى:{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}

(1)

فإن رأيتم أيها المسلمون أن تسلكوا سبيل الخير فدعوا عنكم حكما الخيال وصافحوا تعاليم الدين ففيها كل الخير والفلاح، وبها ارتقى الإسلام في الصدر الأول أيام دوله العاملة به.

ولقد كانوا محل إعجاب العالم ومهبط احترام الأمم وأرباب الفتوحات والشوكة والرقى العلمى والخلقى والاجتماعى، وكان الأجانب في غاية التأخر والانحطاط، والقبعة على رؤوسهم، وحسب الناظر أن يتصفح التاريخ فهو أعدل شاهد.

وفقكم الله للخير وهداكم للرشاد.

(حكم نكاح غير المسلم للمسلمة): المسلمون جميعًا على تحريم نكاح الكافر للمسلمة ولم يبيحوا ذلك في عصر من العصور، وحجتهم فيه كتاب الله تعالى وتشريعه المبنى على بالغ الحكم، قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ

}

(2)

. المعنى: ولأمة مؤمنة مع ما فيها من خساسة الرق وقلة الخطر خير ممن اتصفت بالشرك مع ما لها من شرف الحرية ورفعة الشأن ولو أعجبتكم لجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها.

وجه الدلالة من هذا النظم الكريم أن الشرك جاء في لسان الشرع مرادًا به الكفر مطلقًا كما في آية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

(3)

فإن جميع طوائف الكفار من وثنيين وأهل كتاب لا يغفر لهم كفرهم قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}

(4)

وجاء مرادًا به كفر الوثنيين وهو أن يجعل لله ندًّا كما في قوله صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الشرك: "أن تجعل للَّه نِدًّا وهو خلقك" وعليه جاء قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}

(5)

، وقوله تعالى:

(1)

[سورة البقرة: الآية 120].

(2)

[سورة البقرة: الآية 221].

(3)

[سورة النساء: الآية 48].

(4)

[سورة آل عمران: الآية 85].

(5)

[سورة البينة: الآية 1].

ص: 372

{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا}

(1)

والمراد منه هنا المعنى الأول العام؛ فالمشرك والمشركة الكافر والكافرة مطلقًا بدليل المقابلة في قوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ}

(2)

{وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ}

(3)

، ويؤيده قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ

}

(4)

فإن الكفار فيه عام لما عدا المؤمنين، وعلى هذا فالذى أفادته الآية شيئان: تحريم المشركة (الكافرة مطلقًا) على المسلم وتحريم المسلمة على الكافر

مطلقًا. (أما) العموم في الثانى فهو مراد إجماعًا لم يدخله تخصيص لعدم وجود مخصص، وللتنصيص على هذا العموم في قوله تعالى: {

فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ

} الآية، ولقوله عليه الصلاة والسلام:"تزوجوا نساء أهل الكتاب ولا تزوجوهم نساءكم" رواه جابر بن عبد الله رضى الله عنه.

(وأما) العموم في الأول فمخصص بآية: {

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ

}

(5)

المحصنات: الحرائر أو العفائف؛ لأنها أفادت جواز نكاح المسلم الكتابية، وإنما حرم تعالى نكاح الكتابية أولًا ثم أباحه ثانيًا مراعاة للمصلحة فما الحالتين.

أما التحريم أولًا فلمصلحة المؤمنات المهاجرات لقلة الرجال وكثرتهن ابتداء فحرمت غير المسلمة على المسلم كما ورد فيما أخرجه ابن جرير: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام ".

وأما الإباحة ثانيًا فلمراعاة مصلحة الرجال لكثرتهم في هذا الحال، فأنت ترى أن الله تعالى قد شرع ما فيه الخير في الحالتين.

وأما حكمة عدم تخصيص العموم في الثانى فدفع المفسدة لأن في إباحة المؤمنة للكافر مفاسد لا تحصى، وذلك أن الحكمة الإلهية اقتضت جعل الرجال قوامين على النساء بسببين: وهبى، وهو الفضل في العقل والدين وسائر المواهب، وكسبى، وهو الإنفاق من الأموال، وبهذا خص الرجل بمهام الأمور كالنبوة والرسالة والإمامة صغرى وكبرى، وإقامة الشعائر كالأذان والخطة والجمعة، وكالشهادة في كبريات القضايا، ومن توابع

(1)

[سورة آل عمران: الآية 186]

(2)

[سورة البقرة: الآية 221].

(3)

[سورة البقرة: الآية 221].

(4)

[سورة الممتحنة: الآية 10].

(5)

[سورة المائدة: الآية 5].

ص: 373

القيام أن للرجل حق التأديب ومنع زوجته من الخروج، وعليها طاعته وامتثال أمره، وناهيك في وجوب طاعة المرأة للرجل قوله صلى الله عليه وسلم:"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" أخرجه الترمذى من حديث أبى هريرة رضي الله عنه وقال: حسن صحيح.

فإذا كانت المسلمة تحت الكافر كانت مكلفة بطاعته مأمورة بامتثال أمره وفى

هذه ولاية وسلطان له عليها والله تعالى يقول: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}

(1)

، وحسبك ما في سلطان الوالاية مما يفسد حالها من وجهة الاعتقاد والأخلاق؛ لأن المرأة ميالة إلى إرضاء زرجها مسارعة في هواه، فقد يستميلها إلى دينه ويستعين على ذلك بسلطانه وقبضه على خزائن الإنفاق عليها، وإذا خرجت عن دينها سقطت عند الله واستحقت عذابه، أضف إلى ذلك الجناية على عقيدة النسل والذرية، وإلىٍ هذا الإشارة بقوله تعالى في آخر الآية التى معنا: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ

}

(2)

.

فاقتضت الحكمة تحريم المسلمة على الكافر مطلقًا، وهذه المفاسد غير موجودة في إباحة الكتابية للمسلم، بل هناك ضدها؛ لأنَّه الذى يجرها إلى دينه وهو الذى يهيمن على ذريته ويتولى أمرهم؛ لأنَّه صاحب الولاية عليهم دونها هذا هو حكم الله في موضوع زواج الكافر بالمسلمة، وعليه انعقد الإجماع وعلم من الدين بالضرورة، فمنكره كافر، وعلى ولاة الأمور ومن بيدهم سلطان التأديب أن ينزلوا به النكال تفاديًا من الوقوع في الإثم إن أقر على إنكاره نسأل الله الهداية والتوفيق إنه سميع قريب.

(التوريث في الإسلام): استحدث الناس في الجاهلية على فترة من الرسل عقائد وعادات ومعاملات، فكان منها ما تأباه الفطر السليمة، وتستهجنه العقول الصحيحة كالشرك بالله وعبادة الأوثان ووأد البنات، ومنها أنواع من المعاملات وعقود البياعات والمناكحات والطلاق والمواريث، استنوها لأنفسهم وأخذوا بها، ولهم ما يعد من حميد السجايا وكريم الأخلاق كالصدق والوفاء، وحفظ الذمار وإكرام الجار، وحسن المعاشرة .. وغير ذلك من فضائل الشيم، فبعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فما كان من سنة راشدة أبقاه وأقره

(1)

[سورة النساء: الآية 141].

(2)

[سورة البقرة: الآية 221].

ص: 374

وأكمله كما قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه أحمد والحاكم والبيهقى من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، وما كان بعيدًا عن منهج الحق نائيًا عن الرشد نهى عنه وأمر بتركه؛ ولذلك جاءت الشريعة بالدعوة إلى التوحيد، وترك عبادة الأوثان، ووأد البنات، وتحريم السائبة، والوصيلة، والحامى، وما كانوا يتقربون به زلفى إلى الأوثان.

وما كان من هذه المعاملات غير صالح للبقاء ولا كفيل بمصلحة الأمة على ممر الأيام نسخ بأحكام أخرى تتضمن المصلحة الدائمة في كل زمان ومكان إلى يوم الدين، ومن ذلك نظام التوريث، فقد كانوا في الجاهلية وصدر الإسلام يتوارثون بأسباب عديدة كالدعوة والتبنى والحلف والمعاقدة والهجرة والمؤاخاة وكانوا يورثون الذكور المقاتلة دون الإناث ودون الصغار، إلى أن نزل قوله تعالى:{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}

(1)

، وقوله تعالى: {

وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ

}

(2)

، وقوله تعالى:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ}

(3)

، وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ

}

(4)

الآية.

فنسخ التوارث بالسبب والنسب، على ما كانوا عليه في الجاهلية واستقر التواوث في الإسلام على هادا النظام المحكم الذى نص الله تعالى عليه في كتابه العزيز وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعت الأمة عليه في جميع العصور، وقد روى عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما أنه قال:" مرضت فعادنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما ماشيان فأتياني وقد أغمى على فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فصب على وضوءه فأفقت فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالى؟ كيف أقضى في مالى؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث" رواه البخارى ومسلم وهى قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ

}، وعنه أنه قال: جاءت امرأة من الأنصار ببنتين لها فقالت: يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أُحد، ولم يدع لهما عمهما مالًا

(1)

[سورة الأحزاب: الآية 5].

(2)

[سورة الأنفال: الآية 75].

(3)

[سورة النساء: الآية 127].

(4)

[سورة النساء: الآية 11].

ص: 375

إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله، فوالله لا تنكحان أبدًا إلا ولهما مال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يقضى الله في ذلك" فنزلت آية النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ

} الآية، وقال صلى الله عليه وسلم:" ادع لي المرأة وصاحبها "، فقال لعمهما: "أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن

وما بقى فلك ". راجع "أحكام" القرآن لأبي بكر الجصاص وغيره من كتب السنة والتفسير.

وقد أجمعت الأمة على أن هذه الآية محكمهّ غير منسوخة، وأنها مثبتة لحظ الذكر والأنثى من الميراث وتفضيله عليها في الإرث، والحكمة في ذلك ظاهرة كما قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ

}

(1)

، وقوله تعالى:{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}

(2)

فإن الرجل هو العنصر الأقوى والعامل الأقدر في المجتمع الإنسانى، وهو المنوط بالدفاع والرعاية، وهو القائم بشئون نفسه وعياله وزوجه في الحياة من نفقة وغيرها، والمرأة لا قدرة لها على جميع ذلك، ولا حاجة بها إلى ما يحتاج إليه الرجل من المال، بل نفقتها واجبة عليه. قد تأخذ مالًا بالإرث من زوجها، فوجب أن يفضلها الرجل في الميراث كما قضى الله تعالى به حيث راعى جانب كل منهما بقدر الحاجة والمصلحة.

فليس لأحد بعد هذا أن يستظهر على هذا الدين الحنيف ويقرر نظامًا آخر للتوريث بين الذكر والأنثى غير هذا النظام المحكم، فإن سولت له نفسه ذلك فهو كفر صراح إن جحد النصوص الواردة فيه، إثم عظيم إن كان من غير استحلال لما ابتدعه يستحق عليه شديد العقاب وأليم العذاب، وواجب على جماعة المسلمين أن يمنعوه عن هذه الغواية، ويشددوا النكير عليه حتى لا يجد إلى هدم الشريعة ونقض الأحكام والانفصام من عروة الإسلام سبيلًا يسلكه، وبالله تعالى التوفيق والهداية.

وقد نشأ من هذه المخالطة المشئومة أيضًا أن فريقًا من دعاة التمدن وزعماء الترقى يدعو إلى توسيع نطاق المرأة المسلمة حتى تكون على منهج المرأة الأوربية في السفور والتبرج والرقص في البارات، زاعمين أن الشريعة الإسلامية لا تأبى ذلك، وهكذا يوحى الشيطان إلى قلوب أوليائه كل ما يكيد به إلى دين الله، ولكن هيهات أن ينالوا بغيتهم

(1)

[سورة النساء: الآية 34].

(2)

[سورة البقرة: الآية 228].

ص: 376

{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ،

(1)

ذلك حذر عمر رضي الله عنه أن يجاور المسمَّوْن أهل

الذمة، وأمر أن يكونوا بمعزل في موضع معلوم منحازين عن المسلمين لا يشاركونهم فيه، وكذلك هم لا يشاركون المسلمين في بقية البلد.

ونشأ منهم أيضًا أن كثيرًا من نساء الأغنياء في مصر يذهبن إلى الحلاق ليحلق لهن رءوسهن، ويلبسن عليها طاقية مخصوصة، يفعلن ذلك تقليدًا للأجنبيات استحسانًا لعادتهن في هذا مع أن الله جلت حكمته جعل شعر الرأس زينة للمرأة وجمالًا، وكلما كان طويلًا غزيرًا كان أكثر زينة وجمالًا لها، فانظر كيف فتنوأ بهذا التقليد الأعمى حتى استقبحوا زينة الله تعالى لهم، واستحسنوا قبائح الأجانب مع ما في ذلك من تشويه الخلقة، وكشف عورتها للحلاق الأجنبى فعلى المرشدين أن يشددوا النكير على ذلك، عسى أن يثوب المتفرنجون إلى رشدهم ويغاروا على الحرمات.

* * *

‌لماذَا أحجم الشُّبان عَنِ الزَّوَاج الشَّرعِيّ

؟

يقول دعاة السفور: إن الحجاب سبب انتشار العزوبة وإعراض الشبان عن الزواج، يقولون ذلك رجمًا بالغيب وجهلًا بآداب الدين الحنيف، وكان عليهم لو أرادوا الإنصاف أن يتبينوا قبل أن يقولوا، ويرجعوا إلى هدى الدين قبل أن يضلوا، إنهم لو أمعنوا النظر لعلموا أن إعراض الشبان عن الزواج يرجع إلى سببين:

الأول مادى: وهو يتناول أمرين:

(أحدهما): ما درج عليه أهل مصر في هذا الزمان من تلك العادة الثقيلة والبدعة السيئة، وهى التغالى في المهور إلى حد يعوق الكثيرين من الشبان عن التوجه إلى طلب الزواج، وهم في شدة الاحتياج إليه.

(وثانيهما): كثرة النفقات، والإسراف في الكماليات، والخروج فيها عن الحد المعقول.

والسبب الثانى أدبى: وهو يرجع إلى خروج البنات متبرجات متهتكات، واختلاط الرجال بالنساء في بيوت التجارة وأماكن اللهو والفسوق، مع سوء التربية وفساد الأخلاق، فانعدمت ثقة الشبان بعفاف الفتيات؛

(1)

[سورة التوبة: الآية 32].

ص: 377

لهذين السببين أحجم

الشبان عن الزواج الشرعى والحلال الطيب مخافة الارتباك والتورط في المعيشة والوفوع فيما لا تحمد عقباه، (والسعيد من بغيره اتعظ، والشقى من وعظ به غيره) وأقبلوا على الحرام الخبيث وعرضوا أنفسهم للأذى والأمراض الخبيثة كالزهري والسيلان والسل الرئوى، فمنهم من تنحط به الإنسانية فيكتفى ببيوت البغاء، ومنهم من يعمل على مخادنة بعض الفتيات الساقطات يلهو بها سرًّا، ومنهم من يترفع عن الدنايا ويربأ بنفسه أن يكون أخا الحيوان أو يخشى الوقوع في مخاطرة الدعارة، فيرغب في الزواج الشرعى ولكنه يتأنى في الأمر، ويتمهل حتى يختار لنفسه فتاة مصونة عفيفة، وقد ينتهى به الأمر إلى أن يفضل العزوبة خشية الوقوع في فتاة شقية ذات أخدان.

ولقد جاءتنا مصيبة التبرج والخلاعة واختلاط النساء بالرجال من تقليد المرأة الشرقية للمرأة الغربية واستحسان عاداتها والافتتان بزينتها والسير وراءها من غير عقل ولا روية، وذا يحتاج إلى نفقات كثيرة ترهق كاهل الأزواج هتوقع في وهدة الإسراف والتبذير الذى مآله الذل والاستعباد والإفلاس والخراب.

ولو أن أولى الأمر منا منعوا تبرج النساء واختلاطهن بالرجال، وقاموا على حراسة العفاف ظاهرًا وباطنًا، ولو أن الأمة كذلك أقلعت عن تقليد الأجانب في عاداتهم السيئة، وقنع ولى الفتاة بما يقدر عليه الزوج من المهر ما دام حسن الأخلاق مهذب النفس، وابتعد كل من أهل العروسين عن الإسراف في الجهاز، وإقامة الأفراح، لو كان هذا لأقبل الشبان على الزواج آمنين غير خائفين، فتنحل أزمة الزواج وتقل دواعى الفسوق والفجور، وتسلم الأمة من شر العاطلات من الفتيات وذل الدَّيْن والاستعباد.

ما كان لخصوم الحجاب وأنصار السفور من دعاة التجديد المفتونين بزخارف المدنية الغربية الكاذبة، ما كان لهم أن يعملوا على ترويج ذلك الباطل المقبوح، وأن تحذر المرأة المصرية حذو المرأة الغربية، فللغربية أن تخرج متبرجة سافرة متهتكة، وأن تخالط الرجال، ولا لوم عليها في كل ما تفعل، فليس لها دين قويم يحرم عليها ذلك، أما المصرية المسلمة

ص: 378

فدينها الرسمى يحرم عليها أن تخرج متبرجة ويمنعها أن تخالط الرجال الأجانب، ودينها الحنيف قد أرجب الحجاب صونًا للأعراض ومحافظة على الآداب والأنساب ودرءًا للفتن وراحة للأُسر وطمأنينة للنفوس،

وسلامة للقلوب من الأضغان والأحقاد، شرعه الله ليكون سدًّا منيعًا بين الأشرار وما يبتغون، والفساق وما توسوس لهم به الشياطين، شرعه الحكيم العليم لاحترام المرأة، وإنقاذ الأمة من فوضى الأخلاق، وانحطاط الآداب، ما كان لدعاة التجديد، لو كانوا مسلمين عقلاء أن يلفتوا نظر المرأة الشرقية إلى تلك القاذورات المنتنة والعادات الجاهلية وهم يعلمون أن عقلاء الغرب قد أدركوا ضرر كثير من عاداتهم وأحسوا بخطر السفور واختلاط النساء بالرجال فنبهوا شعوبهم ليقلعوا عنها.

ولو أن هؤلاء حيث أصيبوا بمرض التقليد الأعمى عملوا على تقليد الأجانب فيما يرقى الأمة ويرفعها من وهدة التأخر ويسير بها إلى ذروة العز والكرامة لكنا لهم عضدًا وساعدًا، فإن التنافس في نيل المعالى مطلوب، وجميل لا قبيح، أما العمل على تشجيع التقليد الأعمى فيما قد أصبح ضرره محسوسًا وملموسًا فلسنا نقرهم عليه، فإن الساكت على الجريمة شريك الجانى، واستحسان القبيح من أفحش العيوب وأكبر السيئات، والله الهادى إلى سواء السبيل.

ومن هذه العادات ولوع الناس بالشراء من الأجنبى يفضلونه على أبناء الوطن وهو لا يتحفظ من النجاسة في مثل المأكولات، قال في "المدخل": وينبغى له أن يتحفظ من شراء المائعات وما أشبهها ممن هذا حاله؛ لأن النصارى يتدينون بأن النجاسة إنما هى دم الحيض فقط، وما عداه طاهر على زعمهم فتجد أحدهم يبول في دكانه ويتناول المائع وغيره بيده ولا يطهرها، وكذا الجبن وغيره ممَّا يكثر مباشرته له، فالشراء منهم على هذا مكروه، فإن فعل لا يأكل حتى يغسل ما اشتراه إن أمكن، وأيضًا يكره لأن في الشراء منهم منفعة لهم والمسلمون أحق بالنفع منهما لأن المسلم مأمور بإعانة أخيه المسلم مهما أمكنه، وعن مالك رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أهل البلد ينهاهم عن أن يكون اليهود والنصارى في أسواقهم صيارفة وجزارين، أو في شيء من

ص: 379

أعمال المسلمين، وأمر أن يخرجوا من أسواق المسلمين. قال مالك: وأرى للولاة أن يفعلوا في ذلك مثل عمر رضى الله عنه. انتهى. ملخصًا.

ومن العادات السيئهّ ما يقع في الحمام من الرجال والنساء فينبغى للرجل أن لا يأذن لزوجته في دخول الحمام لما اشتمل عليه في هذا الزمان من المفاسد، فقد خرقن إجماع الأمة بدخولهن الحمام باديات العورات، وإن قدر أن امرأة منهن

سترت سرتها إلى ركبتها عبن ذلك عليها وأسمعنها من الكلام ما لا ينبغى حتى تزيل السترة عنها، ثم ينضاف على ذلك محرم آخر وهو رؤية اليهودية والنصرانية لبدن الحرة المسلمة وهو لا يجوز، فكيف يأذن أحد لأهله في دخولها إلا إذا كانت خلوة لا ترى المرأة فيها ولا يدخل عليها أحد، والأسلم الغسل بالبيت فإنه ستر حصين وسد لباب الذريعة إلى المفاسد، إذ الواحدة منهن إذا أرادت الحمام أخذت أفخر ثيابها وأنفس حليها لتتزين وتتحلى بعد الغسل حتى تراها غيرها فتقع بذلك المفاخرة والمباهاة، ومن رأت ذلك منهن تطالب زوجها بمثل ذلك وقد لا يكون ذا قدرة عليه، فتنشأ المفاسد التى قد تكون سببًا للفراق أو الإقامة على شنآن بينهما.

وليحذر الرجل أيضًا من دخول الحمام للعلة السابقة فإن بعضهم إذا استقر فيه نزع السترة وبقى مكشوف العورة، وكذلك إذا خرج إلى المسلخ ألقى ما عليه وبقى مكشوفًا حتى يتنشف، ومعلوم أنه لا يجوز أن يجتمع مستور العورة مع مكشوفها تحت سقف واحد، فإذا علم أو ظن من يريد دخوله شيئًا من هذه المفاسد حرم عليه الدخول وإن توهمه كره وإلا فهو مباح.

وينبغى أن يتعمد أوقات الخلوة وقلة الناس وأن يستر عورته ويطرح بصره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور، وأن يغير ما رأى من منكر برفق، وإن دلكه أحد لا يمكنه من عورته فلا يليق بذوى الدين والمروءة أن يسلموا أنفسهم (للمكيساتى) بمرأى من الناس فإنه محظور شرعًا تخجل منه الإنسانية وتأباه المروءة، وأن يصب الماء على قدر الحاجة، ويتذكر به عذاب جهنم.

ص: 380

(ومن سيئ العادات): إضاعة الناس الأوقات الفاضلة واشتغالهم بالبطالة كما يكون منهم في ليالى شهر رمضان، فإنهم يلهون فيها بالسمر، وكله غيبة ونميمة، وقد كان السلف رضوان الله عليهم إذا دخل عليهم ذلك الشهر تناكر بعضهم من بعض حتى إذا فرغوا اجتمعوا وأقبل بعضهم على بعض.

فعن بعضهم أنه كان يقول إذا دخل رمضان: ما على أحد إلا أنا يقول: الليلة ليلة القدر، فإذا جاءت ليلة أخرى قال: الليلة ليلة القدر.

وكان ابن عون إذا جاء شهر رمضان جاء برمل فألقاه في المسجد ثم يقول لبنيه: ما تبتغون بعد شهر رمضان، وكان لا ينام، وكانوا رضي الله عنهم يشغلون

ليالى رمضان بالقيام فكان القارئ يقرأ بالمئتين حتى كانوا يعتمدون على العصى من صود القيام.

وعن الحسن رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب أمر أُبى بن كعب رضى الله عنهما فأمهم في رمضان فكانوا ينامون ربع الليل ويقومون ربعيه وينصرفون بربع لسحورهم وحوائجهم، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم:"إذا دخل رمضان أيقظ أهله وجد وشد المئزر" متفق عليه.

فانظر إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة سلف الأمة كيف كانوا يتعرضون لنفحات الرحمن في أوقات الرضوان فيجدون في عبادة الله ويكثرون من قراءة القرآن ومن استماعه، ولكن في الصلاة التى هى أفضل القربات لا على الوجه المبتدع اليوم من قراءته بألحان وعلى طريق الغناء، ومع التشاغل عن سماعه وشرب الدخان وكثرة اللغط وإجلاس القارئ في مكان مبتذل.

وعن عبس الغفارى رضي الله عنه أنه تمنى الموت، فقال له ابن أخيه: لم تتمنى الموت وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تتمنوا الموت فإنه يقطع العمل ولا يرد الرجل فيستعيب "؟ قال: إنى أخاف أن يدركنى ست سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن: " الجور في الحكم، والتهاون بالدماء، وإمارة السفهاء، وقطيعة الرحم، كثرة الشرط، والرجل يتخذ القرآن مزامير يغنى القوم، والقوم يقدمون الرجل ليس بخيرهم ولا بأفقههم فيغنيهم بالقرآن " رواه غير وأحد من طرق بألفاظ مختلفة وقد

ص: 381

سبق الكلام على التغنى به وأنَّه مكروه مبتدع وقد يكون حرامًا.

وأما حديث البخارى عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه: " ما أذن الله

(1)

لشئ كإذنه لنبى يتغنى بالقرآن يجهر به "، وحديث: " زينوا القرآن بأصواتكم "، وحديث: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن "، فقالت طائفة من العلماء: معناها تحسين قراءته وترنمه به ورفع صوته بها كما سبق ذلك في بدع المساجد.

والمروى عنه صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم عند استماع القرآن إنما هو فيض الدموع واقشعرار الجلود، كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ

وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ}

(2)

: أي قرآنًا يشبه بعضه بعضًا في النظم وغيره مثنى فيه الوعد والوعيد وغيرهما ترتعد عند ذكر وعيده جلود الذين يخافون ربهم، ثم تلين جلودهم وتطمئن قلوبهم عند ذكر وعده، فهكذا يكون تأثير القرآن الحكيم في الأرواح والحية: وقرأ ابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم النساء فلما بلغ إلى قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}

(3)

قال: "حسبك" فالتفت إليه وإذا عيناه تذرقان. متفق عليه، نسأله تعالى التوفيق للصواب.

(ومن سيئ العادات): عدم المبالاة بحضور الأمكنة التى لا تخلو عن شيء من المنكرات كأماكن اللهو والقهاوى العمومية وكالجلوس في الطرقات التى لا تخلو عن فعل المنكرات أو رؤية العورات.

وتفصيل الحكم في ذلك أن من قصد الحضور في محل فيه منكر يقينًا أو ظنًّا غالبًا، أو قصد البقاء في ذلك المحل ولم يكن له حاجة فيه فهو آثم إلا أن دفع ذلك المنكر، فلا ينفى الإثم عنه حينئذ عجزه عن دفع المنكر وإن كرهه بقلبه، فقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بسند حسن عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقفن عند رجل يقتل مظلومًا فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم

(1)

أي استمع وهو إشارة إلى الرضى والقبول.

(2)

[سورة الزمر: الآية 23].

(3)

[سورة النساء: الآية 41].

ص: 382

يدفع عنه "، قال الإمام الغزالى: وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ولا حضور المواضع التى يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره، فإنه قال: اللعنة تنزل على من حضر، ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز، ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والأعياد والمجامع وعجزهم عن التغيير.

وهذا يقتضى لزوم الهجر للخلق، فلهذا قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما ساح السواح وخلوا دورهم وأولادهم إلا بمثل ما نزل بنا، حين رأوا الشر قد ظهر والخير قد اندرس، ورأوا أنه لا يقبل ممن تكلم، ورأوا الفتن لم يأمنوا أن تعتريهم وأن ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}

(1)

.

هذا في زمانهم فكيف بزماننا وقد كثرت فيه المخازى والقبائح وقال صلى الله عليه وسلم: "إياكم والجلوس على الطرقات" قالوا: ما لنا بد، إنما هى مجالسنا نتحدث فيها. قال:"فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها" قالوا: وما حق الطريق؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالعروف والنهى عن المنكر" رواه البخارى، وعنه صلى الله عليه وسلم:"شر المجالس: الأسواق والطرق، وخير المجالس: المساجد، فإن، لم تجلس في المسجد فالزم بيتك" رواه البخارى.

فإن قصد محلًّا لا يغلب على الظن وقوع المنكر فيه ولكن يخشى وقوعه كان ذلك مكروهًا، فإن كان له حاجة في محل المنكر كدخول الحمام لحاجة أو جرى المنكر بين يديه اتفاقًا فلا إثم عليه حيث أنكره بقلبه إن لم يتمكن من دفعه، فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حفر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنما حفرها" ومعناه كما قال الإمام الغزالى: أن يحضرها لحاجة أو يتفق جريان ذلك بين يديه، أما الحضور قصدًا فممنوع بدليل الحديث الأول، فانظر رعاك الله هذا مع ما عليه الناس اليوم من العكوف على مواضع المنكرات من غير حاجة خصوصًا وأن أكثرها

(1)

[سورة الذاريات: الآية 50].

ص: 383

يديرها الأجانب ويغشاها من يجاهر بالفسوق، ومواضع أبناء الوطن أقل خطرًا منها.

ومن العادات السيئة: تأخير الزواج مع توفر الدواعى إليه، وهذا خلاف السنة، ففى الحديث:" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " رواه البخارى وغيره، والباءة: المهر ونفقة الزوجة، وقال صلى الله عليه وسلم لعكاف بن وداعة الهلالى:" ألك زوجة يا عكاف؟ " قال: لا. قال: "ولا جارية؟ " قال: لا. قال: " وأنت صحيح موسر" قال: نعم والحمد لله. قال: " فأنت إذًا من إخوان الشياطين، إما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم، وإما أن تكون منا فاصنع كما نصنع وإن من سنتنا النكاح. شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم، ويحكم يا عكاف تزوج " قال: فقال عكاف: يا رسول الله إني لا أتزوج حتى تزوجنى من شئت قال: فقال صلى الله عليه وسلم: "فقد زوجتك على اسم الله والبركة كريمة بنت كلثوم الحميرى" رواه أبو يعلى في مسنده من طريق بقية.

(ومنها): رغبتهم في نكاح المرأة لواحدة من هذه الخصال: لمالها، وقد

يكون وبالًا عليه، أو لشرف آبائها وأقاربها، وقد تعد ذلك فخرًا عليه، أو لجمالها الباهر الذى قد يكون شرًّا عليه، وليس منهم من يرغبها لدينها وأدبها، مع أن اللائق بذوى المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم في كل شيء، خصوصًا فيما يدوم أمره ويعظم خطره، وبهذه الشهوة الكاذبة جلبوا على أنفسهم شرًّا مستطيرًا، فعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال:" تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك "

(1)

رواه البخارى: أي أن العادة جارية بأن الناس يرغبون في الزواج بواحدة من المذكورات، ولكن اللائق أن يكون الدين أولى بالاهتمام، فلذا اختاره صلى الله عليه وسلم بآكد وجه وأبلغه، حيث عبر بالظفر الذى هو غاية

(1)

وقد أشبعنا القول في هذا الحديث في كتابنا هداية المرشدين فارجع إليه إن أردت بسطة في العلم.

ص: 384

البغية ومنتهى الاختيار، وبالطلب الدال على تضمن المطلوب لنعمة عظيمة، وفائدة جليلة، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي إذا تحققت ما فصلت لك فاظفر أيها المسترشد بذات الدين فإنها تكسبك منافع الدارين، " تربت يداك ": افتقرت، إن خالفت ما أمرتك به، وروى ابن ماجه حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا:" لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن إن يرديهن، ولا تتزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء ذات دين أفضل "، وقال صلى الله عليه وسلم:" من تزوج امرأة لعزها لم يزده اللَّه إلا ذلا، ومن تزوجها لمالها لم يزده اللَّه إلا فقرًا، ومن تزوجها لحسبها لم يزده إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه " رواه الطبرانى في " الأوسط "، والمراد النهى عن مراعاة المال وغيره مجردًا عن الدين، فأما إذا وجد شيء منها معه أو كلها فذلك غاية السرور والسعادة (وعلى الجملة) فخير النساء من تسرك إذا نظرتها، وتطيعك إذا أمرتها، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك وعرضها.

(ومنها): تحرجهم من رؤية الخاطب المخطوبة قبل العقد وفاتهم أن المستحب أن يراها حتى تطمئن نفسه قبل النكاح فيكون ذلك أعون على دوام الألفة بينهما كما ثبت في صحيح الحديث، فعن المغيرة رضي الله عنه:" أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " رواه الترمذى وحسنه. ويؤدم:

أي تدوم بينكما المودة والألفة. والسر في كون ذلك قبلى الخطبة أنه لو كان بعدها فلربما أعرض عنها فيؤذيها، والمنظور غير العورة المقررة في الصلاة، فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين؛ لأن الوجه يدل على الجمال والكفين على خصب البدن، فإن لم يتيسر نظره إليها بعث امرأة أمينة يثق بها تتأملها وتصفها له: لأنَّه صلى الله عليه وسلم بعث أم سليم إلى امرأة وقال: " انظرى عرقوبيها وشمى عوارضها " رواه الحاكم وصححه. والعوارض: الأسنان التي في عرض الفم وهى ما بين الثنايا والأضراس، وذلك لاختبار النكهة، فإن لم تعجبه سكت ولا يقول: لا أريدها لأنَّه إيذاء.

فانظر كيف تركوا العمل بتعاليم الدين القويم وصموا آذأنهم عن

ص: 385

نصائح النبي الأمين صلى الله عليه وسلم في مثل هذا، يزعمون أن رؤية الخاطب لها تنافى الغيرة والشهامة، وتخالف الآداب والكرامة، واستبدلوا بهذه السنة الجميلة تلك البدعة القبيحة (الصورة الشمسية) رأوا من الحسن الجميل أن تذهب (الكريمة) إلى المصور ليأخذ صورتها متهتكة بادية العورة -لتقدم تلك الصورة الوقحة إلى الخاطب المفتون- والله يعلم ما في هذه الصورة من التغرير والبعد عن الحقيقة، وانظر رعاك الله كيف سهل عليهم أن يراها ذلك المصور الأجنبى (النصرانى) على هذه الحالة الشنعاء، وصعب عليهم أن ينظر الخاطب (المسلم) منها إلى الوجه واليدين مرة إن كفت أو مرتين ليطمئن قلبه على رفيقة الحياة وموضع الغرس منه؛ وانظر كيف استبدلوا التهتك بالحشمة، والابتذال بالصيانة والبدعة بالسنة، والقبيح بالحسن .. ، وهكذا يكيد الشيطان لبنى الإنسان كلما رآهم على هدى وخير زين لهما الضلال والشر نعوذ بالله تعالى منه ومن حزبه، وبعد هذا كله فقد يحتال الخاطب على رؤية المخطوبة بواسطة بعض النساء ويتواعد معها على المقابلة في بعض التنزهات أو المحال التجارية، وهناك يراها وتراه، وتكشف له عن كل أسرارها وأسرار أبيها وتوقفه على أماكن الضعف منه ليأتيه من ناحيتها إن كان ممتنعًا من إعطائها له، وتتكرر هذه المقابلة حتى ينتهى الأمر بفشل أبيها ويأخذها رغم أنفه كما هو مشاهد.

ومن العادات الممقوتة: تساهل المسلمين في دخول بعضهم على بعض واختلاط الرجال بالنساء مع عدم الحجاب، وهى بدع محرمة بالكتاب والسنة قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا

حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}

(1)

تستأنسوا: تستأذنوا. أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عباس رضى الله عنها. {هُوَ} : أى الرجوع، {أَزْكَى}: أطيب لكم وأطهر لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن الريبة، فرعاية لحرمة النساء صونًا للأعراض، ومحافظة على حق المسلم في التمتع بما أباح الله له من الحرية في بيته حرم الله عز وجل على كل مؤمن أن يدخل

(1)

[سورة النور: الآيتان 27، 28].

ص: 386

بيتًا غير بيته قبل أن يستأذن أهله ويسلم عليهم فإن أذنوا له بالدخول دخل وإلا رجع.

وذلك أن كل إنسان له في مسكنه حالات خاصة قد لا يحب أن يطلع عليها أحد من الناس ولو كان ألصق الناس به وأقربهم إليه، فلو أبيح للطارق أن يقتحم البيت على أهله من غير استئذان لفاجأهم بما يكرهون ودهمهم بما يؤلمهم، وقد يطلع على ربة البيت وهى مكشوفة الرأس عارية بعض البدن، وفى ذلك زيادة على الفتنة له والإيذاء لصاحبه ما لا يخفى من العواقب السيئة والنتائج المحزنة؛ ولهذه الحكمة الجليلة بعينها حرمت الشريعة الغراء على الإنسان أن ينظر في بيت غيره قبل الاستئذان، حتى قال الإمام الشافعى رحمه الله: لو فقئت عينه في هذه الحالة فهى هدر، تمسكًا يحديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: اطلع رجل من جحر -ثقب مستدير- في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك بها رأسه- بكسر الميم وسكون الدال وتنوين الراء- حديدة يسرح بها الشعر، وقال الجوهرى: شيء كالمسلة يكون مع الماشطة تصلح بها قرون النساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو أعلم أنك تنظر لطعنت به -أي المدرى وهو يذكر ويؤنث- في عينيك إنما جعل الاستئذان -أي شرع- من أجل البصر" لئلا يقع على عورة أهل البيت ويطلع على أحوالهم رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى، وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه " متفق عليه، رواه أبو داود إلا أنه قال:" ففقئوا عينه فقد هدرت ".

وفي رواية للنسائي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية ولا قصاص "، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستئذان في البيوت فقال: " من دخلت عينه قبل أن يستأذن ويسلم فلا إذن له وقد عصى ربه " رواه الطبرانى ورواته ثقات.

فتحصل من هذا أن السر في إيجاب الاستئذان هو صيانة الأعراض والمحافظة على القلوب، وقد وردت السنة بلزوم تكراره ثلاث مرات حتى

ص: 387

يتمكن أهل البيت من إصلاح شئونهم وستر أمورهم، ففى الحديث الشريف عن النبي صلوات الله وسلامه عليه:" الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون وبالثانية يستصلحون وبالثالثة يأذنون أو يردون " أخرجه الطبرانى، وقال صلى الله عليه وسلم:"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" رواه البخارى من طريق قتادة بنحوه، ولا تظن أن الاستئذان خاص بالأجانب دون الأقارب فإن الخطاب في الآية عام لجميع المؤمنين فيستوى فيه القريب والأجنبى ويلزم به الأب والابن والعم والخال.

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: استأذن على أمي، فقال:"نعم" فقال الرجل: إنها لا تجد من يخدمها غيرى أفأستأذن عليها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " أتحب أن تراها عريانة؟ " قال: لا. قال: "فاستأذن" أخرجه مالك في "الموطأ" عن عطاء ابن يسار، وفى ذلك غاية الأدب والكمال.

وكذلك ألزم الله المملوك أن يستأذن على سيده والصبى الحر على مخدومه في أو قات ثلاثة هى مظنة لكشف العورات، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ

}

(1)

.

وأباح الدخول بدونه فيما عداها للخادم مملوكًا أو صبيًّا، فإذا جاوز الطفل حد الطفولية وبلغ مبلغ الرجال لزمه الاستئذان على مخدومه في عموم الأوقات كسائر الأجانب، فقال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

}

(2)

بهذه الآداب العالية أدب الله المؤمنين لتظل أعراضهم مصونة، وتبقى قلوبهم نقية من دنس الشهوات، سليمة من الضغائن والأحقاد.

وهذا هو السر في أن الشارع الحكيم أمر الرجال والنساء جميعًا بغض البصر والبعد عن مواطن الشكوك والريب، حيث كان النظر بريد الزنا ورائد الفتنة ورسول الفساد والفجور، حرم على النساء المسلمات أن يظهرن زينتهن أو يطلعن الرجال الأجانب على شيء من عوراتهن ومحاسنهن لما في ذلك من الفتنة وانتشار الفاحشة بين المسلمين ووقوعهم في مقت الله وغضبه، قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

(1)

[سورة النور: الآية 58].

(2)

[سورة النور: الآية 59].

ص: 388

وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ

}

(1)

فأنت ترى في هذه الآية الحكيمة أن الله تعالى قد أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج وأمر النساء بمثل ما أمر به الرجال.

وحرم على النساء كشف العورات وإظهار الزينات دَرْءًا للمفاسد والفتن وقطعًا لأطماع النفس الأمارة بالسوء، وحرصًا على سلامة القلوب من الأذى ليدوم الوفاق ويبقى التضامن.

وبهذا يظهر لك السر في أن الدين الإسلامى قد حرم على الرجل المسلم مس الأجنبية، كما حرم عليه مخالطتها والخلوة بها، الأن الفتنة في هذا أشد، والمفسدة به أعظم، والشر فيه أقرب. روى الطبراني بسند صحيح أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه قال:" لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له "، وروى أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إياكم والخلوة بالنساء، والذى نفسى بيده ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما، ولأن يزحم رجلًا خنزير متلطخ بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكب امرأة لا تحل له " وهو صريح في منع الاحتكاك بالمرأة الأجنبية والخلوة بها: زحمته زحمًا من باب نفع: دفعته وزاحمته مزاحمة وزحامًا وأكثر ما يكون ذلك في مضيق.

فتبين لك من مجموع هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن الدين القويم قد جعل بين المسلم وبين الفسوق سدًّا منيعًا من الآداب وحصنًا حصينًا من الأوامر والنواهى.

فهل تأدب المسلمون في هذا العصر المفتون بما أدبهم الله به؟ وهل ابتعدوا عما نهاهم الله عنه؟ وهل تحرزوا ممَّا حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم منه؟ وهل عنوا بتعليم نسائهم وبناتهم ما يخصهن من آداب الشرع وأحكام الدين؟ وهل باعدوا بينهم وبين الفجار والمفسدين؟ (كل ذلك لم يكن).

ولذا ترى الشر ينمو، والفساد ينتشر، والاختلاط بين الرجاد والنساء يزداد يومًا عن يوم، والجهل بدين الله يضرب أطنابه في الأسر الإسلامية

(1)

[سورة النور: الآية 30، 31].

ص: 389

حتى أصبحنا ونحن في تدهور أخلاقى وانحلال اجتماعى ينذرنا بأسوأ العواقب وأفدح الخطوب.

انظر إلى بيوت الأغنياء تجدها قد زالت عن أكثرها الصبغة الإسلامية حلت محلها العادات الفرنجية التى لا تتفق مع أحكام الدين ومحاسن آدابة في شيء، ولا تلتئم مع العفاف والصيانة بحال من الأحوال.

ترى ربة القصر هناك تخالط خدمها وحشمها وتظهر أمامهم بما يأمرها الدين بستره عن الرجال من حليها وزينتها، (والسيد الكريم) يرى ذلك ولا ينكره ولا يغار له، كأن الخادم في نظره جماد لا يهز قلبه سحر الجمال، أو معصوم عن الخنا لا يفتنه النظر إلى ربات الحجال، ترى سائقى العربات والسيارات وهم يذهبون بالعقائل المخدرات للرياضة في مختلف الأماكن اليعيدة، وليس هذا إلا خلوة بالأجنبيات يعدها الشرع الشريف من كبائر المنكرات.

ثم انظر إلى بيوت المتوسطين والفقراء تجد المرأة فيها تخالط أقارب زوجها وأولاد أعمامها وأخوالها وأولاد جيرانها، وقد تظهر أمامهم في ثيابها الرقيقة أو القصيرة حاسرة عن رأسها كاشفة عن ذراعيها صدرها (كأنها ليست من جماعة المسلمين) وربما ظهرت بهذا النظر الفاضح للسقاء واللبان والطحان والفران ولباعة الفواكه والخضروات المتجولين في الأزقة والحارات، وكان حقًا عليها (لو أنها حافظت على آداب دينها) أن تحتجب عن هؤلاء وأمثالهما اتقاء للفتنة، وتباعدًا عن الفساد والشر، فإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم في العروق، وقبيح أن تكون نساء المسلمين على هذا الحال بعد أن أوجب الله عليهن في كتابه الكريم أن يسترن زينتهن عن أنظار الرجال جميعًا ما عدا أزواجهن والمحارم من أقاربهن ومن يأمن فتنته من أتباعهن ومماليكهن، قال تعالى: {

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ

أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ

}

(1)

.

وأقبح من ذلك أن يجترئ الرجال على انتهاك حرمات الله تعالى بالدخول

(1)

[سورة النور: الآية 31].

ص: 390

على النساء بعد أن ألزمهم الله عز وجل يرعاية الحجاب الذى هو الضمان الوحيد للعفاف والطهارة خصوصًا في هذا الزمان الذى كثر فيه الفسوق والعصيان، قال تعالى:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}

(1)

، وقال صلوات الله وسلامه عليه:"إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " الحمو الموت" متفق عليه، استفهم الأنصارى عن الحمو وهو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه، أيمنع من الدخول على النساء كما يمنع غيره من الأجانب الغرباء؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأن دخول الحمو على الزوجة أشد بلاء وأعظم فتنة من دخول غره؛ لأنَّه قد يستخدم صلته بالزوج في تنفيذ مقاصده السيئة ومآربه الخبيثة، وأن مثله في فك روابط الزوجية وإفساد نظام الحياة المنزلية كمثل الموت في إبطال حركة الأجسام وتفريق أجزاء الأبدان، ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم شاهدنا من بيوت قد خربت بعد عمرانها، وأُسَر قد اختلت بعد تماسك وحدتها وحسن نظامها، وكم رأينا من محبة وصفاء قد تحولا إلى عداوة وجفاء.

ولم يكن لذلك من سبب إلا اختلاط الأجانب وأقارب الأزواج بالزوجات، فهل آن للمسلمين أن يستبدلوا الشك باليقين ويتبصروا في عاقبة التساهل ويأخذوا بآداب الدين ويتخلقوا بأخلاقه؟

هل آن لهم أن يفيقوا من سكرتهم ويتنبهوا من غفلتهم فيعلموا أن فلاحهم موقوف على الرجوع إلى أحكام دينهم وعلى العمل بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم؟ هدانا الله جميعًا إلى سواء السبيل.

ومن العادات القبيحة في مصر أن تذهب نساء الفقراء بأبنائهن في شهر شعبان من كل سنة إلى عيادة الإمام الليث رحمه الله لأجل ختان الأبناء مجانًا على يد

طبيب هذه العيادة وبعد إجراء عملية الختان تركب هؤلاء الأمهات عربة نقل ويرتكبن عليها أمورًا تخالف الدين وتنافى الآداب، كالرقص والزغاريد والضرب على الطبلة والتصفيق الحاد مع الغناء بكلمات ساقطة، يأتين كل ذلك جهارًا نهارًا في الشوارع والطرقات العمومية بلا خجل ولا حياء ذهابًا وإيابًا، ويذلك وأمثاله صرنا أضحوكة في نظر الأجانب،

(1)

[سورة الأحزاب: الآية 53].

ص: 391

فعلى المرشدين والخطباء إنكار مثل ذلك.

ومن عادات أهل القرى في الختان أن يضع الحلاق منديلًا كبيرًا مثلًا في عنق أم المطاهر ولا يفك خناقها إلا بعد أن يجمع عليها النقطة -النقود- التى ترضيه وهذا من بقايا الجاهلية.

ومن سيئ العادات الحلف بالطلاق، ذلك الأمر الخطير الذى يترتب عليه حل العقدة بين الزوجين وقطع الروابط بين الأسر.

شرع الله سبحانه وتعالى النكاح لمصالح العباد الدينية والدنيوية، وفى الطلاق إكمال لها، فالزوج قد لا يوافقه الزواج فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى فمكن عباده من ذلك رحمة منه عز وجل.

وفى جعله عددًا حكمة لطيفة لأن النفس كذوبة ربما تظهر عدم الحاجة إلى المرأة أو الحاجة إلى تركها وتسوله، فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر به وعيل الصبر، فشرعه سبحانه ثلاثًا ليجرب الزوج نفسه في المرة الأولى، فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضى العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة، ثم إذا عادت نفسه إلى مثل الأولى وغلبته حتى عاد إلى طلاقها، نظر أيضًا فيما يحدث له فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب نفسه وصار على بينة من أمره، وبعد الثلاث تبلى الأعذار فحرمها عليه بعد انتهاء العدد قبل أن تتزوج آخر ليتأدب بما فيه غيظه وهو الزوج الثاني على ما هو عليه من جبلة الفحولة بحكمته ولطفه تعالى بعباده.

فهذا سبب مشروعية الطلاق وشئ من حكمته ومحاسنه، والناس اليوم قد خرجوا بالطلاق عن الحد المشروع وصار هينًا على نفوسهم.

فترى كثيرًا منهم لأقل سبب يطيش عقله ويوقع الطلاق على الزوجة غير مبال بحقوق المعاشرة، ولا بكون المرأة طاهرًا أو حائضًا، وربما طلقها ثلاثًا أو أكثر وهى من ذوات الحمل أو الأولاد منه، ثم إذا ثاب إلى رشده أسف لما وقع واحتال في ردها وعاشرها على غير ملة. نعوذ بالله من الضلال، وأحيانًا يلجأ إلى المحلل الصورى تحايلًا على القانون.

ومنهم من يجعله يمينًا يحمل به نفسه على فعل أمر أو يمنعها به من تعاطيه فإن هذا ليلا يتفق مع المشروعية، وما ذنب هذه المرأة المسكينة

ص: 392

يجعلها عرضة للضياع من أجل عمل يريد تنفيذه أو الابتعاد عنه؟ وناهيك ما يكون من السوقة الذين لا خلاق لهم يكثرون الحلف به ترويجًا للسلع، (هذا) مع أن الدين الإسلامى كره الطلاق وحظر جعله يمينًا بدليل ما رواه أبو داود، وابن ماجه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إن أبغض المباحات عند الله الطلاق، وله بلفظ آخر: " أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق " والمراد بالمباح والحلال الشئ الجائز الفعل.

وإنما كان كذلك لإفضائه إلى قطر الوصلة وحل قيد العصمة المؤدى إلى التناسل الذى به تكثر الأمة لا لذاته، فإنه ليس بحرام ولا مكروه أصالة، بل تجرى فيه الأحكام الخمسة، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم آلى وطلق وهو لا يفعل محظورًا.

والمراد بالبغض هنا غايته لا مبدؤه، في الحديث:"لعن اللَّه كل ذواق مطلاق"، وعنه صلى الله عليه وسلم:"ما حلف بالطلاق مؤمن ولا استحلف به إلا منافق"، وسمع صلى الله عليه وسلم رجلًا يقول الطلاق يلزمنى إن فعلت كذا فَرُئِيت الكراهية في وجهه صلى الله عليه وسلم وقام وهو يقول:"أتلعبون بدين اللَّه وأنا بين ظهرانيكم!؟ ألا من كان حالفًا فليحلف باللَّه أو ليصمت "، قال:" ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقول أحدهم: قد طلقتك .. قد راجعتك .. أولئك لا خلاق لهم في الآخرة "، وقال:" لا تطلقوا النساء إلا من ريبة " وكان عمر رضي الله عنه يجلد كل من حلف بالطلاق ويلزمه ما التزم على نفسه ويقرأ آية: {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ}

(1)

، وسئل الإمام مالك رحمه الله عن يمين الطلاق؟ فقال: هو يمين الفساق، وقال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى: لا أجيز لمسلم أن يحلف بغير الله.

وكان حجة الإسلام الغزالى رحمه الله تعالى يقول: والله ما أعرف ولا عرفت من عرف وجه النسبة بين اليمين وطلاق المرأة، وأكبر ظنى أن قومًا ابتدعوه والتزموه، انتهى.

أما الحلف بالحرام فهو من أيمان المشركين بلا نزاع، وهو أن يقول على الحرام من بيتى أفعل كذا أو ما فعلت كذا. وقد ثبت أن الجاهلية كانوا يحلفون به ويريدون به التأييد فكان الواحد منهم يقول لزوجته: أتت علي حرام كأمى أو أختى.

(1)

[سورة آل عمران: الآية 93].

ص: 393

لذلك اختلف العلماء في حكم يمين الحرم فجعله بعضهم كالظهار وأوجب فيه الكفارة الكبرى، وجعله بعضهم كالطلاق الثلاث هو مذهب الإمام مالك رحمه الله، بعضهم اعتبر نيَّة الحالف إذا أراد واحدة فواحدة وإن أراد ثلاثًا فثلاث، وعلى كل حال فهو طلاق عند الجميع واشترطوا فيه التعريف أما المنكر فله حكم آخر.

(وعلى الجملة) فالطلاق على هذا الاجه بدعة محظورة لما سمعت من الأدلة ولما فيه من كفران نعمة النكاح، ولا يباح إلا لحاجة شرعية على ما سبق في بيان سببه، فواجب على المرشد المبالغة في الترهيب من الطلاق فقد أصبح الناس لا يسألون العلماء إلا فيه.

ومن العادات التى تفضى إلى سوء المعاشرة: تفضيل بعض الأولاد على بعض في الملك والهبة وهو مكروه شرعًا بلا عذر. أما لو فضل ذا الحاجة أو العاهة أو الطائع أو البار به على الغنى أو السليم أو العاصى أو العاق فلا كراهة، وإنما كان التفضيل مكروهًا عند عدم العذر لما فيه من إيحاش المفضل عليه، وربما كان سببًا لعقوقه وحقده وسوء خلقه.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى نحلت ابنى هذا غلامًا كان لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ " فقال: لا، وفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فارجعه " رده إلى ملكك ثانيًا متفق عليه، وفى رواية لمسلم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفعلت هذا بولدك كلهم؟ "، قال: لا. قال: " اتقوا اللَّه واعدلوا في أولادكم " بالتسوية بينهم في العطاء والبر والإحسان فإنه أدعى إلى الأدب مع الآباء وأقرب إلى بقاء المحبة بين الأولاد " فرجع أبى فرد تلك الصدقة " إلى ملكه بعد أن قبلها لولده، وفى رواية لمسلم أيضًا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ " قال: نعم، قال:"أكلهم وهبت له مثل هذا؟ " قال: لا، قال:" فلا تشهدنى إذًا فإنى لا أشهد على جور " أصله الميل عن الاعتدال حرامًا كان أو مكروهًا. ومن هذا الحديث يؤخذ أنه ينبغى للإنسان أن يسوى بين أولاده في الهبة ويهب لكل واحد منهم مثل الآخر ويسوى بين الذكر والأنثى، وهو الصحيح المشهور لظاهر الحديث.

في "الدر المختار" ما نصه: لا بأس

ص: 394

بتفضيل بعض الأولاد في المحبة لأنها عمل القلب، وكذا في العطايا إن لم يقصد له الإضرار، وفيه أيضًا: ولو وهب في صحته كل المال للولد جاز (نفذ) وأثم.

ومن هذا يتبين أن هبة الوالد لولده كل ماله، أو تمييزه أحد أولاده عن بقيتهم تصرف مكروه شرعًا ولكنه مع ذلك نافذ لازم متى كان المتصرف صحيحًا غير محجور عليه، وكان التصرف منجزًا. أما إذا كان التصرف مضافًا إلى ما بعد الموت فإنه يعتبر وصية، فإن كان لأجنبى نفذ من ثلث المال بعد الدين والتجهيز أجازه الورثة أم لا، وتوقف على إجازتهم فيما زاد على الثلث فإن أجازوه نفذ وإلا لا، وإن كان التصرف المضاف إلى ما بعد الموت للوارث كان وصية ولا وصية لوارث إلا بإجازة بقية الورثة بعد موت المورث، ومثل هذا التصرف المنجز في مرض الموت للوارث فإنه وصية أيضًا لا تنفذ إلا بإجازة الورثة، غير أن الوقف في مرض الموت على بعض الورثة فيه تفصيل، إن أجاز الورثة التصرف نفذ وإلا قسم الربع بين الورثة جميعهم قسمة الميراث؛ ومن هذا تعلم أن حق الورثة لا يتعلق بمال المورث إلا إذا كان مريضًا مرض الموت، وهو الذى يكون منه الموت.

(وصفوة القول) أن تصرف المالك في ملكه نافذ من كل ماله متى كان صحيحًا غير محجور عليه ليس لأحد حق الاعتراض عليه، ونفاذ التصرف لا يمنع أن يكون المتصرف ظالمًا آثمًا إن قصد بإعطاء أحدهم الإضرار بالباقين، أما إذا أعطى أحدهم جزءًا من ماله لسبب يقتضيه ككثرة عياله أو كونه طالب علم فهذا لا إثم فيه، وإن كان الأفضل التسوية في العطاء حتى بين الذكر والأنثى لأن هذا شيء غير الميراث. ومن هذا تعلم حال من يهب ملكه لزوجة يهواها أو لأولاد منها ويحرم أولاد الأخرى.

وممَّا يفضى إلى سوء المعاشرة أن كل واحد يزعم في نفسه أنه خير من سواه فيهمل آداب المعاشرة من التعظيم والاحترام لإخوانه المسلمين، والذى ينبغى للمكلف أن ينظر إليهم بهذا النظر الحسن وهم على طبقات ثلاث، له في كل طبقة منها سلوك إلى ربه- عز وجل:

ص: 395

الأولى: من هو أكبر منه سنًّا أو أكثر علمًا أو عبادة وانقطاعًا إلى الله تعالى، فإذا نظر إليه علم أن له فضيلة عليه يسبقه للإسلام أو بما خصه الله تعالى به من الخصال الحميدة في الشرع، وعلم تقصيره في نفسه فيحترمه ويعظمه ويرى فضله عليه.

الطبقة الثانية: أن يرى مثله فينبغى له أن ينظره بعين التعظيم لأنَّه قد يكون أقل منه ذنوبًا إن لم يكن سليمًا منها إذ أنه يعرف ذنوب نفسه على الحقيقة ولا يعرف

ذنوب غيره ولعله إذا اطلع على ذنب لغيره لم يكن له سوى ما اطلع عليه وإذا كان كذلك استحق أن ينظره بعين التعظيم والتفضيل على نفسه.

الثالثة: أن يرى هو أصغر منه سنًّا فيقول: هذا أقل منى ذنوبًا لأنى سبقته إلى الدنيا وارتكبت فيها ما ارتكبت قبل أن يكون هو مكلفًا فلا ذنوب عليه، فإن رأى من هو مبتلى في دينه وضاق عليه باب التأويل في حقه فليرجع إلى نفسه شاكرًا نعمة الله عليه بما تلبس من الطاعات وكونه سالما ممَّا ابتلى به غيره من المحظور شرعًا، ثم هو مع ذلك يذكر نفسه بالخاتمة فإنه لا يدرى بم يختم له، فإن عومل بالعدل فلا يخلصه شيء من القرب وإن كثرت، وإن عومل من رآه بالفضل قبل منه اليسير من الحسنات فإن فضل الله لا ينحصر في جهة، وعدله لا يؤمن في حال، فإذا عامل الناس بهذا النظر الحىسن ربح، وعادت عليه بركة تحسين الظن بإخوانه المسملين حالًا ومآلًا، وكان اجتماعه بهم رحمة لهم له، ولكن يشترط عليه إذا رأى مبتلى في دينه أن يقيم عليه سطوة الشرع مع ما تقدم من التأويل الحسن، فإن عجز عن ذلك فأقل ما يمكنه الهجران له.

ومن العادات القبيحة: الزار، الذى اعتاده نساء مصر حتى انتشر في المدن وسرت عدواه منها إلى القرى، تزعم النساء وبعض الرجال إذا نزل بهن بعض العوارض أنها أرياح لا دواء لها إلا (الزار) فيتكلفون له ما قد يفضى إلى خراب البيوت ودوام الشقاق بين الزوجين ثم يأتين فيه من المنكرات ما يأباه الدين وتخجل منه المروءة ويقلقن راحة الناس بالأصوات المنكرة والطبول المزعجة ويرتكبن فيه كل ما يوحيه إليهن الشيطان لأن الموسم له خاصة، فتذبح الذبائح ويقع التضمخ بدمائها ويكشفن الوجوه

ص: 396

ومعظم الأبدان ولو بحضرة الرجال على عادتهن في كل المواسم فكيف بموسم الشيطان، ويكثرن من الرقص والاضطراب والصياح، كل ذلك على مرأى ومسمع من الأحداث فينشأون على فساد الأخلاق ومنكر العادات.

وليت شعرى ما السر الذى دعا الشياطين أن لا تمس إلا نساء مصر دون نساء العالمين، فهاهن الأوروبيات لا يعرفن الزار، بل ولا شيئًا من هذه العادات السيئة كالندب والنياحة والولوع بزيارة الموتى وغير ذلك ممَّا كلت الناصحون من النهى عنه (ولكن){مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا}

(1)

.

لسنا ننكر أن للجن والشياطين سلطانًا على الأبدان وتأثيرًا بما يحصل بسببه الهلاك أو الجنون وكثير من أنواع الأمراض، وإن زعم ذلك المعتزلة وتبعهم القفال. فقد ورد في الحديث الصحيح:" ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخًا " متفق عليه من حديث أبي هريرة، وفي بعض الطرق:"إلا طعن الشيطان في خاصرته ومن ذلك يستهل صارخًا إلا مريم وابنها لقول أمها: وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم" والحصر باعتبار الأغلب، والاقتصار على عيسى عليه السلام وأمه إيذانًا بإجابة دعاء امرأة عمران على أتم وجه ليتوجه أرباب الحاجة إلى الله تعالى بكلياتهم وصدق من نياتهم فيخرج النبي صلى الله عليه وسلم من العموم، فلا يلزم تفضيل عيسى عليه السلام في هذا المعنى، ويؤيده خروج المتكلم من عموم كلامه، وبه قال جمع من العلماء، وقال صلى الله عليه وسلم:"كفوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين" رواه البخارى، وفى حديث صفية:" إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " متفق عليه.

ثم إن الجنون الذى يحصل من الجن تاره يكون بسبب المس، والمصادمة فيصادف في أخلاط الإنسان استعدادًا للفساد فتفسد ويحدث الجنون، وهذا لا ينافى ما ذكره الأطباء من أن ذلك من غلبة المرة السوداء لأن غلبة المرة السوداء سبب قريب، والمس سبب بعيد.

(1)

[سورة الكهف: الآية 17].

هـ 40

ص: 397

(وتارة) يكون يسبب أنه يدخل في بعض الأجساد على بعض الكيفيات ريح متعفن تعلقت به روح خبيثة تناسبه فيحدث الجنون أيضًا على أتم وجه، وربما استولى ذلك البخار على الحواس وعطلها، واستقلت تلك الروح الخبيثة بالتصرف فتتكلم وتبطش وتسعى بآلات ذلك الشخص الذى قامت به من غير شعور له بشيء من ذلك أصلًا، وهذا كالمشاهد المحسوس الذى يكاد يعد منكره مكابرًا في المحسوسات.

ومن تتبع الأخبار النبوية وجد الكثير منها قاطعًا بجواز وقوع ذلك من الشيطان بل وقوعه بالفعل وخبر " الطاعون من وخز أعدائكم الجن " صريح في ذلك. الوخز: طعن ليس بنافذ.

قال بعض العلماء: أن الهواء إذا تعفن تعفنًا مخصوصًا مستعدًّا للخلط والتكوين تنفرز منه وتنحاز أجزاء سمية باقية على هوائيتها، أو منقلبة بأجزاء نارية محرقة، فيتعلق بها روح خبيثة تناسبها في الشرارة وذلك نوع من الجن، فإنها على ما عرف في الكلام أجسام حية لا ترى، والغالب عليها الهوائية، أو النارية، ولها

أنواع عقلاء وغير عقلاء تتوالد وتتكون، فإذا نزل واحد منها طبعًا أو إرادة على شخص، أو نفذ في منافذه، أو ضرب وطعن نفسه به يحصل فيه بحسب ما في ذلك الشر من القوة السمية ما في الشخص من الاستعداد للتأثر منه كما هو مقتضى الأسباب العادية في المسببات ألم شديد مهلك غالبًا، مظهر للدماميل والبثرات في الأكثر، بسبب إفساده للمزاج المستعد، وممَّا لا ريب فيه أن من النفوس سواء أكانت من الإنس أم من الجن نفوسًا قوية وأخرى ضعيفة، وأن بعض ذوى النفوس القوية قد يستولى على ذى النفس الضعيفة استيلاءً تامًّا يفقدها إرادتها في كل شئونها، وهذا ليس خاصًّا بالنفوس البشرية، بل قد تستولى بعض النفوس الكبيرة من الجن على بعض النفوس الضعيفة من الإنس فتسلبها الإرادة تجعلها لا تصدر في شيء إلا عن إرادتها، يقرب هذا جدًّا مما يشاهد في عمليات التنويم المغناطيسي.

والمعتزلة قالوا: إن كون الصرع والجنون من الشيطان باطل؛ لأنَّه لا يقدر على ذلك كما قال الله تعالى حكاية عنه: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}

(1)

، وأما قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا

(1)

[سورة إبراهيم: الآية 22].

ص: 398

لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}

(1)

فوارد على ما يزعمه العرب من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجنى يمسه فيختلط عقله، وليس لذلك حقيقة. التخبط: من الخبط هو ضرب غير منتظم كخبط العشواء، والآية على تأويل المعتزلة لا تثبت أن الصرع المعروف يحصل بفعل الشيطان حقيقة ولا تنفى ذلك. انتهى.

بعد التأمل فيما ذكرنا تعلم حال هذا التأويل. وأما قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} فالسلطان المنفي فيها إنما هو القهر والإلجاء إلى متابعته، لا التعرص للإيذاء والتصدى لما يحصل بسببه الهلاك. أفاده الألوسي.

وفى فتاوى ابن حجر أنه قيل لأحمد رحمه الله: إن قومًا يقولون: إن الجن لا يدخل في بدن المصروع من الإنس، فقال: يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه. فدخوله في بدنه هو مذهب أهل السنة والجماعة.

رجاء في عدة طرق أنه صلى الله عليه وسلم جئ إليه بمجنون فضرب ظهره وقال: "اخرج

عدو الله" فخرج، وتفل في فم آخر وقال: "اخرج يا عدو الله فإنى رسول الله".

وإنما الذي ننكره اعتقاد النساء والعوام إذا أصيبوا بشيء من الأمراض العصبية أنها من تأثير الشيطان، والغالب أنه ليس كذلك، فيبادرون إلى عمل (الزار) وعلى فرض أن المرض من الجن يرون أنه لا دواء إلا (الزار) مع أن غاية ما يتخيل في تأثير الزار أنه يحدث نوعًا من التفريح فتتأتر منه أعصاب المريض وتتنبه بهذا الفرح ويحصل الشفاء، وإحداث الفرح إن تعين طريقًا في الشفاء من هذا المرض فلا يتعين أن يكون الزار طريقًا للفرح خصوصًا على الوجه الذى يعمل اليوم.

وليت شعرى بماذا كانت تداوى أمراض الجن قبل بدعة الزار، وبماذا تداويها غير نساء مصر، ويسمى هذا المرض عند الأطباء (التشنج العصبى) وأنجع دواء له عندهم جودة الغذاء مع كثرة الرياضة في الجهات الخلوية الجافة النقية الهواء، مع تعاطي ما يجلب الفرح والسرور والبعد عن المنغصات والمكدرات.

والجن نوع من العالم سموا بذلك لاجتنابهم عن الأبصار، والجنى منسوب إلى الجن، والجنة بالكسر الجن، والجان أبو الجن خلق من نار

(1)

[سورة البقرة: 275].

ص: 399

ثم خلق منه نسله، والشيطان كل عات متمرد من إنس أو جن أو دابة، والحق والشياطين والعفاريت في نسان الشرع أجسام حية نارية غير مركبة قادرة على التشكل بأى شكل كان وعلى أن تنفذ في الأجسام نفوذ الهواء المستنشق، مكلفون منهم المؤمن والكافر والخير والشرير، وإن المؤمن منهم يثاب والعاصى يعذب بالنار؛ ووجود هذا النوع مقطوع به يدل عليه الكتاب والسنة، ولك أن تقول حيث إن المتكلمين يقولون: إن الجن أجسام خفية لا ترى فيصح أن يقال: إن الأجسام الخفية التى عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالميكروبات يصح أن تكون نوعًا من الجن وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض.

ومن العادات السيئة في المعاشرة والعادات اتخاذ فريق من العاطلين الفتيا في مسائل الطلاق تجارة لهما، ومنهم من وقف نفسه لذلك، ولهم سماسرة يجمعون لهم المطلقين والمطلقات، وأولئك هم شر البرية، قد اتخذوا آيات الله هزوًا، وأولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة.

تراهم لا يدعون سؤالًا عن طلاق إلَّا ويجيبون عنه بحق أو باطل حسبما يهوى السائل، ومنهم من يتحيل عنى السائل حتى يعدل به عما وقع منه من ألفاظ الطلاق التى لم يكن لها مخلص إلى لفظ تكون الفتوى بحسبه، والعامى لا يفرق بين ما وقع منه وما عدل إليه.

ومنهم من يتحرى الأقوال الضعيفة أو الباطلة ممَّا نص العلماء على عدم جواز الفتيا به، ويحابون العامة خشية أن ينفلت من أيديهم أجر الفتوى الذى لا يمكنهم الإفتاء بدونه، ولا يبالى هؤلاء الشرار أن يعاشر الرجل امرأته على غير حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل على حكم ذلك الضال، ولا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على جواب السائل عن مسألة دينية تعرض له، إذ الإجابة فريضة على العارفين وكتمان العلم محرم عليهم.

فأين هؤلاء من السلف رضوان الله تعالى عليهم الذين كانوا يخشون ربهم ويخافون مغية الإفتاء؟ فقد أخرج إين عبد البر في كتابه الجامع عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، لا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. وعن محمد بن سليمان المرادى عن

ص: 400

شيخ من أهل المدينة يكنى أبا إسحاق قال: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وأنَّه ليدخل يسأل عن الشئ فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية الفتيا، وكانوا يدعون سعيد بن المسيب الجرئ، وروى مالك رحمه الله عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم "إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون"، وفى صحيح مسلم:"أن أبناء لعبد الله بن عمر سألوه عن شيء لم يكن عنده فيه علم، فقال له يحيى بن سعيد: والله إنى لأعظم أن يكون مثلك وأنت ابن إمام الهدى -يعنى عمر- وابن عمر تسأل عن أمر ليس عندك فيه علم؟ فقال: أعظم من ذلك والله عند الله وعند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو أخبر عن غير ثقة"، وعن سفيان بن عيينة قال:"أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا".

ومن العادات السيئة التساهل في حرفة المحاماة فإن بعض القائمين بها يتوكلون في القضايا، علموا بحقيقتها أو لا، وكثير يقبلها مع علمه بأن موكله ليس على الحق ويعين الظالم على ظلمه، وكثيرًا ما ينتصرون بباطلهم على الحق فتضيع الحقوق ويأكلون أموال الناس بالباطل ولا يبالون بحمل موكليهم على الإتيان بشهداء الزور ويوحون إلى أرباب القضايا وإلى المزورين ضروبًا من الضلال ما كانوا يعرفونها،

فليتق الله القائمون بهذه المهنة، خصوصًا رجال الدين منهم، فإنهم أولى الناس بحرمته ولا تغرنهم الدنيا فإن ما يأخذونه من هذا العرض الزائل لا يساوى شيئًا في جانب كرامة الدين، والوقوف بين يدى أحكم الحاكمين، يوم يتعلق المظلومون بالظالمين، بل لا يعد شيئًا في جانب سقوط العدالة وفقدان المروءة وسوء الخلق، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"من أعان على خصومة بظلم لم يزل في سخط اللّه حتى ينزع" رواه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر وقال: صحيح الإسناد، وقال أيضًا:"من جادل في خصومة من غير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع" رواه ابن أبي الدنيا والأصفهاني من حديث أبي هريرة، وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار" متفق عليه.

ص: 401

"ألحن": اللحن هو الميل عن جهة الاستقامة، والمراد أن بعض الخصماء يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره، وقوله:"بنحو ما أسمع": أي من الدعوى والإجابة والبينة أو اليمين وقد تكون باطلة في الواقع فيقتطع من مال أخيه قطعة من النار باعتبار ما يؤول إليه من باب {

إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا

}

(1)

: أي الذى قضيت له بحسب الظاهر إذا كان في الواقع لا يستحقه فهو عليه حرام يؤول به إلى النار وهو تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على ما يتعاطاه، والحديث دليل على إثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حراء عليه، وأن حكم الحاكم لا يحل الحرام، فإياكم أن تعينوا ظالمًا على ظلمه وأن تقبلوا القضايا إلا إذا علمتم حقيقتها، ولتكن خصومتكم على الوجه المشروع فيها من غير لدد ولا عناد.

ومن العادات السيئة: الجناية على الدين الإسلامى بالسب وتنقيصه باللعن، وكذا الملة والمذهب، وهو غاية في القبح لا يكاد يصدر من عاقل ذى دين، ابتدعها اليهود لعنة الله عليهم وسرت عدواها إلى المنتسبين إلى الإسلام وهو منهم براء حتى انتشرت بين الأحداث من أبنائهم، أدخلها الشيطان على الرعاع ليخرجوا بها عن دين الله، وتنفسخ بها أنكحتم، وتصبح ذريتهم شرًّا على المجتمع الإنسانى.

وكيف تطيب نفس امرئ في قلبه ذرة عن إيمان أن ينال من دين أكمله الله واستخلصه لنفسه وارتضاه لعباده!؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لعن أي شيء من جماد أو حيوان أو إنسان، فكيف بالدين الذى تبذل لأجله الأوراح قبل الأموال؟

فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يكون المؤمن لعانًا" رواه الترمذى وقال: حسن غريب، وقال عمران بن حصين: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره امرأة من الأنصار على ناقة لها فضجرت منها فلعنتها فقال صلى الله عليه وسلم: "خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة" قال: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد" رواه مسلم وغيره وفي رواية له: "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة". والمراد النهى عن أن تصاحبهم تلك الناقة لا النهى عن بيعها وذبحها

(1)

[سورة النساء: الآية 10].

ص: 402

وركوبها في غير صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا غاية في الزجر عن لعن الحيوان فما بالك بالدين؟ وروى أيضًا من حديث أبى الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة"، وروى أحمد والطبرانى: أنه قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصنى، فقال:"أوصيك أن لا تكون لعانًا"، وقال أبو الدرداء:"ما لعن أحد الأرض إلا قالت: لعن الله أعصانا لله".

ومن هنا تعلم حال ما تساهل فيه الناس من لعن يزيد بن معاوية على زعم أنه أمر بقتد الحسين رضي الله عنه. قال في "الإحياء" ما ملخصه:

هل يجوز لعن يزيد لأنَّه قاتل الحسين أو أمر به؟

(الجواب) هذا لم يثبت أصلًا، فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت فضلًا عن اللعنة؛ لأنَّه لا يجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق (نعم) يجوز أن يقال قتل ابن ملجم عليًّا، وقتل أبو لؤلؤة عمر رضي الله عنه فإن ذلك ثبت متواترًا، فلا يجوز أن يرمى مسلم بفسق وكفر من غير تحقيق. قال صلى الله عليه وسلم:"لا يرمى رجل رجلًا بالكفر ولا يرميه بالفسق إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" متفق عليه.

فإن قيل: فهل يجوز أن يقال قاتل الحسين لعنه الله أو الآمر بقتله لعنه الله؟ (قلنا) الصواب أن يقال قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله لاحتمال أن يموت بعد التوبة فإن وحشيًّا قاتل حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله وهو كافر ثم تاب عن الكفر والقتل فلا يجوز أن يلعن. والقتل كبيرة ولا تنتهى إلى درجة الكفر فإذا لم يقيد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر. انتهى.

فلا يجوز أز يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر أو الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين، فال تعالى:{أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}

(1)

وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة" والواصلة: التي تصل شعرها أو شعر غيرها بشعر آخر، والمستوصلة: التى تسأل من يفعل لها ذلك وأنَّه قال: "لعن الله آكل الربا وموكله" رواه مسلم، وزاد الترمذى وغيره:"وشاهديه وكاتبه"، وأنَّه قال:"لعن الله من غير منار الأرض": أي حدودها،

(1)

[سورة هود: الآية 18].

ص: 403

وهذه الأحاديث بعضها في الصحيحين وبعضها في أحدهما.

ومن البدع السيئة: ما اعتاده الناس من لبس الأسود من الثياب عند حدوث مصيبة، فإنه لا أصل له في السنة، وأول من أحدثه العباسيون حين قتل مروان الأموى إبراهيم الإمام لما تنسم منه دعوى الخلافة، لبسوه حزنًا عليه فصار شعارًا لهم، قالوا:"لأنها أشبه بثياب أهل المصيبة، لا تجلى فيها عروس ولا يلبى فيها محرم ولا يكفن فيها ميت. وفى الحكم: البس البياض والسواد فإن الدهر كذا (بياض نهار وسواد ليل) وإنما السنة لبس الثياب البيض في حال الشدة والرخاء والحياة والموت، ففى الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم" رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح، وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم" أخرجه الترمذى أيضًا وقال: حسن صحيح، والنسائى وابن ماجه والحاكم وقال: على شرطهما.

(وبالجملة) فهذه الأحاديث وما شاكلها ناطقة بأن السنة لبس الأبيض مطلقًا في جميع الحالات.

ومن العادات السيئة ما يفعله أهل مصر عند مصيبة الموت من جعل فرش البيت كله أسود أو تغطيته بغطاء أسود مدة عام أو أكثر وهى عادة سخيفة تدل على شدة الجزع وعدم الرضا بقضاء الله تعالى وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير.

ومن العادات السيئة عدم المبالاة بالمجاهرة بالمعاصى، فترى من ابتلى بها يأتيها

على مرأى ومسمع من الناس، وهذا من أهم الدواعى إلى انتشار المنكرات وفى الحديث:"من ابتلى من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله" جمع قاذورة، وقوله:"فليستتر بستر الله": أي بعد التوبة وعدم العود فلا يبدى فاحشته التى ارتكبها. رواه الحاكم وغيره وسنده جيد، لا سيما إذا كان ممن يقتدى به، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: ويل للعالم من الاتباع يزل الزلة فتحمل عنه في الآفاق، وقال آخر: زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق وتغرق الخلق، وقال حكيم: زلة العالم يضرب بها الطبل. ومن الحكم المأثورة: اثنان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا

ص: 404

فسد الناس: العلماء والأمراء، وروى عن ابن مسعود مرفوعًا.

ومن العادات الفاشية بين الناس الغش والخيانة والخداع في المعاملات كتطفيف المكيال ونقص الميزان والغش في المصنوعات والمبيعات وجميع المعاملات، حتى انعدمت الثقة بين الناس من المسلمين، وتحول تيار المعاملات إلى الأجانب لاشتهارهم بالصدق والأمانة، وهذا حرام شديد وبلاء عظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال:"ما هذا يا صاحب الطعام؟ " فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال:"أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس، من غشنا فليس منا" رواه مسلم، وعنه رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تناجشوا" متفق عليه، والنجش: لغة الإغراء والإثارة يقال: نجشت الصيد أثرته لأنَّه يثير الرغبات في المبيع ويغرى عليها، وعرفا الزيادة في المبيع لأجل غرور الغير، وعنه أيضًا: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا" رواه أبو داود. خبب بخاء معجمة ثم باء موحدة مكررة: أي أفسده وخدعه.

ومن العادات السيئة الحلف على البيع والشراء، وذلك مذموم لقوله عليه الصلاة والسلام:"ويل للتاجر من تالله وبالله".

هذا إذا كان حلفه على حق، فكيف وكثير منهم يحلفون على تحسين سلعتهم وقد تكون على خلاف ما حلفوا عليه!؟ بل هو الغالب إذ إنها لأجل تزيينها في عين المشترى وترويجها، وذلك كله قبيح يمحق البركة من بين يديه، فلا ينتفع بالمال الذى في يده غالبًا، لهذا ترى كثيرًا منهم كأنهم وكلاء وخزنة لغيرهم.

فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب" متفق عليه.

وعن أبي قتادة رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق": أي يذهب البركة، رواه مسلم.

ومع أن التجارة من أول المكاسب الشريفة جاء قوله صلى الله عليه وسلم: "إن التجار هم الفجار" فقيل: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: "نعم ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون"

ص: 405

رواه أحمد وغيره بإسناد جيد. فانظر كيف عاد الحلف على طائفة لا غنى للناس عنها بهذا الوصف الذميم "الفجار" بل عاد عليهم بالسقوط والخسران.

وأقبح من هذا الكذب في اليمين عمدًا، فقد ورد التغليظ في تحريمه.

فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقى الله وهو عليه غضبان" قال: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(1)

. متفق عليه.

وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة" فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: "وإن كان قضيبًا من أراك" رواه مسلم، وروى البخارى أن أعرابيًّا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله" قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذى يقتطع مال امرئ مسلم" يعنى بيمين هو فيها كاذب، وسميت غموسًا لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم ولا كفارة لها عند بعض الفقهاء لأنها لشدة فحشها وكبر إثمها لا يمكن تداركها بالكفارة، والذين يرون من الفقهاء أن لها كفارة نظروا إلى ما في الكفارة من المؤاخذة لا أنها ترفع الذنب الذى اجترحه الحالف، إلا فالخلاص من العقاب عليها لا سبيل له إلا التوبة النصوح.

ومن العادات الفاشية بين الناس في محاوراتهم ومخاطباتهم أن يلجأ الواحد

منهم إلى الحلف بالله لتعزيز ما يدعيه أو تقوية عزيمته على أمر يصر عليه، وتلك عادة ذميمة لا تصدر إلَّا ممن فقد ثقة الناس به أو ضعفت ثقته بنفسه، ثم لا يزال يتكرر منه حتى يصير له عادة، يجري عني لسانه الحلف بدون قصد صحيح فيضعف أثره في نفسه وتأثيره في نفس المخاطب، وقد يجر ذلك إلى التهاون بالأمر وعدم المبالاة بما يترتب عليه من الخطر الذى يجب على المؤمن أن يقى نفسه منه باليقظة والمراقبة لنفسه،

(1)

[سورة آل عمران: الآية 77].

ص: 406

يجره هذا التهاون إلى الوقوع في اليمين الغموس وهى الحلف على شيء هو كاذب فيه مع علمه أنه فيه كاذب.

كذلك تجره المسارعة إلى اليمين وتوالى ذلك منه إلى الوقوع في حرج شديد في بعض الأشياء التي حلف عليها، فلا تزال نفسه تحدثه في الحنث به ويهون عليه الشيطان أمره ويزين له في المنفعة التى يجنيها من المحلوف عليه حتى يقع في الحنث مرة فيسهل عليه الوقوع فيه مرة ثانية، وكلما تكررت الجريمة خف أثرها في النفس واجترأت على المعاودة (يشهد بذلك العيان) فيجره هذا إلى الاستخفاف بالمحلوف به وهذا خطر عظيم قد يؤدى إلى الكفر والعياذ بالله وهو لا يشعر. انظر إلى ما يجرى على ألسنة الكثيرين في محاوراتهم تجد أحدهم يحلف لمخاطبه بالله على شيء فيشعر أن نفس المخاطب لم تقنع بحلفه فيتبعه بالحلف بشرف مخاطبه مثلًا، أليس هذا نتيجة تهاون معتاد باليمين الأولى ومجاراة للمخاطب في عدم الثقة بها حتى أتبعها بما لا شك فيه في زعمهما؟ وهل تعلم ما هو أدل من هذا على تطرق الاستهانة بالله العظيم إلى نفوسهما؟ وأى ضلال أبعد من هذا الضلال الذى جعلا فيه الثقة بشرف أحدهما أو رأس أبيه أعظم من الثقة باليمين بالله تعالى؟ وهل أوقعهما في هذه الهاوية سوى كثرة اليمين على ألسنتهما حتى صارت عادة لا يؤبه لها؟ ولقد وصف الله تعالى بعض أعدائه وأعداء رسوله العطم بعشر صفات من صفات السوء ردعًا له عن غيه وزجرًا لأمثاله فجعل أول تلك الصفات الذميمة كثرة الحلف، فقال جَلَّ وَعَلَا:{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}

(1)

وحسبها ذمًّا أن جعلت طليعة تلك الصفات المخزيات، ولعلك بعد هذا تفهم قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً

لِأَيْمَانِكُمْ}

(2)

. فعلى المسلم الشريف أن يصون دينه وكرامته بصيانة يمينه، وبالله تعالى التوفيق.

ومن العادات الفاشية: الحلف بالمخلوق كالنبى صلى الله عليه وسلم والآباء والحياة والرأس والكعبة والأمانة وتربة فلان، فقد صح النهى عن ذلك، فعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت" متفق عليه، وفى رواية الصحيح: "فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا

(1)

[سورة القلم: الآيتان: 10 - 13].

(2)

[سورة البقرة: الآية 224].

ص: 407

بالله أو ليسكت"، وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف بالأمانة فليس منا" رواه أبو داود بإسناد صحيح، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف فقال: إنى برئ من الإسلام فإن كان كاذبًا فهو كما قال وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا" رواه أبو داود.

وعن ابن عمر رضى الله صلى الله عليه وسلم: أنه سمع رجلًا يقول لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حلف بغير الله فد كفر أو أشرك" رواه الترمذى وقال: حديث حسن، وهو محمول على التغليظ كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:"الرياء شرك".

وعلى الجملة: فالناس اليوم لا يبالون في أمر الحلف، ولا يراقبون الله فيه لاستحكام الغفلة على قلوبهم، فعلى المرشد تحذيرهم من ذلك.

ومن العادات المذمومة: ما اعتاده الناس من حلق بعض الرأس دون بعض فقد ورد النهى عن ذلك كما ورد إباحة حلق الكل أو ترك الكل للرجال، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع" متفق عليه، وهو حلق بعض الرأس دون بعض، وعنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيًّا قد حلق بعض شعر رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: "احلقوه كله أو اتركوه كله" رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثًا ثم آتاهم فقال: "لا تبكوا على أخى بعد اليوم" ثم قال: "ادعوا لي بنى أخى فجئ بنا كأننا أفرخ" فقال: "ادعوا لي الحلاق" فأمره فحلق رؤوسنا رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرطهما أيضًا.

ومن أقبح العادات: ما اعتاده الناس اليوم من حلق اللحية وتوفير الشارب وهذه البدعة كالتي قبلها سرت إلى المصريين من مخالطة الأجانب واستحسان عوائدهم حتى استقبحوا محاسن دينهم وهجروا سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب" وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه، رواه

ص: 408

البخارى، وروى مسلم عن اين عمر أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى"، وروى أيضًا عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى"، وروى عن أبى هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس"(التوفير): الإبقاء، وأحفوا: بهمزة قطع من الإحفاء وهو المبالغة في الجز، وأعفوا: من أعفيته إذا تركته حتى كثر وزاد، فإعفاء اللحية تركها لا تقص حتى تعفو: أي تكثر. "وإرخاؤها وإيفاؤها" بمعنى الإعفاء، والأحاديث في ذلك كثيرة وكلها نص في وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها الأخذ منها على ما سيأتى.

ولا يخفى أن قوله: "خالفوا المشركين"، وقوله:"خالفوا المجوس" يؤيدان الحرمة، فقد أخرج أبو داود وابن حبان وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم" وهو غاية في الزجر عن التشبه بالفساق أو بالكفار في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو هيئة، وفى ذلك خلاف بين العلماء، منهم من قال بكفره وهو ظاهر الحديث، ومنهم من قال: لا يكفر ولكن يؤدب.

فهذان الحديثان -بعد كونهما أمرين- دالان على أن هذا الصنع من هيئة الكفار الخاصة بهم، إذ النهى إنما يكون عما يختصون به، فقد نهانا صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم عامًا في قوله:"من تشبه" ومن أفراد هذا العام حلق اللحية، وخاصًّا في قوله:"وفروا اللحى" خالفوا المجوس خالفوا المشركين.

ثم ما تقدم من الأحاديث ليس على إطلاقه، فقد روى الترمذى عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ من لحيته من عرضها وطولها"، وروى أبو داود والنسائى: "أن ابن عمر كان يقبض على لحيته فيقطع

ما زاد على الكف"، وفى لفظ: "ثم يقص ما تحت القبضة" وذكره البخاري تعليقًا. فهذه الأحاديث تقيد ما رويناه آنفًا، فيحمل الإعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها.

وقد اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والأخذ القريب منه:

ص: 409

الأول: مذهب الحنفية قال في "الدر المختار": ويحرم على الرجل قطع لحيته وصرح في "النهاية" بوجوب قطع ما زاد على القبضة (بالضم)، وأما الأخذ منها وهى دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم. اهـ فضح.

وقوله: وما وراء ذلك يجب قطعه هكذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذ من اللحية من طولها وعرضها كما رواه الإمام الترمذى في جامعه، ومثل ذلك في أكثر كتب الحنفية.

الثانى: مذهب السادة المالكيهّ حرمة حلق اللحية وكذا قصها إذا كان يحصل به مثلة. وأما إذا طالت قليلًا وكان القص لا يحصل به مثلة فهو خلاف، الأولى أو مكروه كما يؤخذ من "شرح الرسالة" لأبي الحسن وحاشيته للعلامة العدوى رحمهم الله.

الثالث: مذهب السادة الشافعية قال في "شرح العباب":

(فائدة): قال الشيخان: يكره حلق اللحية، واعترضه ابن الرفعة بأن الشافعى رضي الله عنه نص في "الأم" على التحريم، وقال الأذرعى: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها. انتهى.

ومثله في حاشية ابن قاسم العبادى على الكتاب المذكور.

الرابع: مذهب السادة الحنابلة نص في تحريم حلق اللحية، فمنهم من صرح بأن المعتمد حرمة حلقها، ومنهم من صرح بالحرمة ولم يحك خلافًا كصاحب "الإنصاف"، كما يعلم ذلك بالوقوف على "شرح المنتهى" و"شرح منظومة الآداب" وغيرهما.

وممَّا تقدم تعلم أن حرمة حلق اللحية هى دين الله وشرعه الذى لم يشرع لخلقه

سواه، وأن العمل على غير ذلك سفه وضلالة، أو فسق وجهالة، أو غفلة عن هدى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

(فائدة): فرق بين قصد الجمال وقصد الزينة إذ ايلا تلازم بينهما، فالأول لرفع الشين وإقامة ما به الوقار وإظهار النعمة شكرًا لا فخرًا، وهو أثر أدب النفس وشهامتها، والثانى أثر وقاحتها وضعفها، فيباح مثلًا لبس الثياب الجميلة وإصلاح العمامة إذا لم يكن خيلاء وإلا حرم، وعلامة علم الخيلاء أن يكون معها كما كان قبلها، ولهذا قالوا: بالخضاب

ص: 410

وردت السنة ولم يكن لقصد الزينة ثم بعد ذلك إن حصلت زينة فقد حصلت في ضمن قصد مطلوب فلا يضره إذا لم يكن ملتفتًا إليه، وأهل الورع يتحرزون عن مثل هذا.

ومن العادات الفاشية: صبغ اللحية بالسواد فذلك مكروه عند عامة المشايخ وبعضهم جوزه وهو مروى عن أبى يوسف، وأما الخضاب بالحمرة أو الصفرة فهو سنة الرجال وسيماء المسلمين، فعن جابر رضي الله عنه قال: أتى بأبي قحافة والد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غيروا هذا واجتنبوا السواد" رواه مسلم. والثغام: كسلام نبت يكون بالجبال غالبًا إذا يبس ابيض، ويشبه به الشيب، وقال ابن فارس: شجرة بيضاء الثمرة، وعن أبى هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" متفق عليه. والمراد خضاب شعر الرأس، واللحية الأبيض بصفرة أو حمرة، وأما السواد فمنهى عنه -مكروه- كما علمت إلا في الجهاد، وأول من خضب به من العرب عبد المطلب، ومن غيرهم فرعون لعنه الله.

ومن العادات المحرمة: التشبه بالنساء في الأناشيد أو المشى أو اللباس كما يكون من المخنث وهو الذى يتكسر في كلامه ومشيته؛ ولم يكن ذلك خلقيًّا فيه. وقد شاعت هذه البدعة بين الشبان والأحداث فتراهم في الطرقات أو المجتمعات يتناشدون بأناشيد سمعوها من أفواه النساء في بيوت الفسوق (كالتايترو) وقهاوى الرقص، ويمثلون ما يشاهدون من أنواع الخلاعة في الأفراح من الطبال (الخلبوص) ومن المخزى أنك تسمع لهؤلاء الشبان نغمات رقيقة تلذ لها نفوس الفاسقين، وربما لا تستطع النساء محاكاتها؛ فأين هؤلاء ممن كانوا يتناشدون أشعار الحماسة وكلمات الفخر والمروءة وما يغرس في النفوس التمسك بالدين وحب الفضيلة.

وقد جاء الشرع الشريف بتحريم تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذلك: فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال

ص: 411

والمترجلات من النساء"، وفى رواية: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" رواه البخارى، وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل" رواه أبو داود بإسناد صحيح.

ومن العادات المحرمة: تبرج النساء في الطرقات بإظهار المحاسن وأنواع الزينة للأحانب لما فيه من الفتنة، والرجوع إلى عادات الجاهلية الأولى بعد أن هدم الدين الإسلامي قواعدها وأنار ظلماتها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" رواه مسلم.

"كاسيات": تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارًا لجمالها ونحوه، وقيل: تلبس ثوبًا رقيقًا يصف دون بدنها. "مائلات": يمشين متبخترات. "مميلات": لأكتافهن، قيل: مائلات يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا ومميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة. "رؤوسهن كأسنمة البخت": أي يكبرنها ويعظمنها بألف عصابة أو نحوها، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لم أرهما": أي في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا الحديث من معجزات النبوة فقد وقع هذان الصنفان وهما موجودان بالمشاهدة في هذا الزمان.

وكان سيدنا علي رضي الله عنه يقول: يا معشر الرجال كفوا أبصار النساء بالحجاب؛ فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب، وليس خروجهن بأضر من دخول من لا يوثق به عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل. وكان الحسن البصرى رحمه الله يقول: لا تدعوا نساءكم يخرجن إلى الأسواق فيزاحمن العلوج، قبح الله من لا يغار. والعلوج: الرجال الفجار.

وكأن الناس في هذا الزمان فقدوا الإباء والشمم والحمية والغيرة، ترى الرجل على ما به من الوجاهة وجمال المظهر يتقهقر ضعفًا وجبنًا في مثل هذه المواقف التى تتطلب رجولة وشهامة.

ص: 412

فليس فينا من يغار على الآداب والأعراض؛ فلا أب تحركه نخوة الرجولة فيهذب ابنته ويراقبها، ولا أخ يهتم لصون عفاف أخته، وحفظ شرف أسرته ولا زوج تدفعه الغيرة فيكبح جماح امرأته، حتى عم الفساد وساء الحال:

{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}

(1)

ومن العادات المحرمة: تقليد الأجانب في الملابس والأزياء حتى انتشر ذلك في النساء والأطفال، فإذا وقع بصرك على امرأة أو ابنة مثلًا رأيتها إفرنجية في كل شيء، وهى زوجة أو ابنة لمن يعد نفسه من جماعة المسلمين، وهذا ضلال يفضى بالأمة إلى تلاشى قوميتها وعاداتها وشعارها حتى تندمج في غيرها، وهذه البدعة القبيحة قد ورد التنبؤ بها والتحذير منها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتى بأخذ القرون قبلها شبرًا يشبر وذراعًا بذراع" فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: "ومن الناس إلا أولئك؟ " رواه البخارى.

ولا ينافى هذا ما سبق من أنهم اليهود والنصارى لأن الروم نصارى وفى الفرس كان يهود، فهذا الحديث أيضًا من دلائل النبوة.

وقد عرفت أن منشأ هذه البدعة تساهل المسلمين في مخالطة الأجانب حتى فتنوا بزخارفهم وشغلوا عن محاسن دينهم القويم، وأفضى ذلك بفريق من جهلة الشبان والفتيات إلى محاربة القضاء على قومية الأمة، بل على دينها الرسمى بلبس القبعة وهو منكر شرعًا وعقلًا كما سبق مفصلًا، والأيام حبالى بالعجائب:

{وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}

(2)

.

ومن المختلف فيه المعانقة: كرهها الإمام مالك رضي الله عنه لأنها لم ترو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع جعفر ولم يصحبها العمل من الصحابة بعده. قال ابن رشد في كتابه "البيان والتحصيل": ولأن النفوس تنفر عنها لا تكون إلا لوداع من فرط ألم الشوق أو مع الأهل.

ودخل سفيان بن عيينة على مالك فصافحه مالك وقال له: لولا أن المعانقة بدعة لعانقتك، فقالا سفيان: عَانَقَ من هو خير مني ومنك النبي صلى الله عليه وسلم، عانق جعفرًا حين قدم الحبشة، قال مالك: ذلك خاص بجعفر، قال سفيان: بل عام،

ما يخص جعفرًا يخصنا، وما يعم جعفرًا يعمنا

(1)

[سورة الأعراف: الآية 23].

(2)

[سورة الجن: الآية 10].

ص: 413

إذا كنا صالحين، أفتأذن لي أن أحدث في مجلسك؟ قال: نعم يا أبا محمد، قال: حدثنى عبد الله بن طاوس عن عيد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم جعفر بن أبى طالب من أرض الحبشة اعتنقه النبي صلى الله عليه وسلم وقبله بين عينيه وقال: "جعفر أشبه الناس بنا خَلْقًا وَخُلُقًا، يا جعفر ما أعجب ما رأيت بأرض الحبشة؟ " قال: يا رسول الله رأيت وأنا أمشى في بعض أزقتها إذا سوداء على رأسها مكتل فيه بر فصدمها رجل على دابته فوقع مكتلها وانتشر برها فأقبلت تجمعه وهى تقول: ويل للظالم من ديان يوم القيامة، ويل للظالم من المظلوم يوم القيامة، ويل للظالم إذا وضع الكرسى للفصل يوم القيامة، فقال عليه الصلاة والسلام:"لا يقدس الله أمة لا تأخذ لضعيفها من قويها حقه غير متعتع".

ثم قال سفيان: قد قدمت لأُصلِّى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأُبشرك برؤيا رأيتها، فقال مالك: رأت عيناك خيرًا إن شاء الله، فقال سفيان: رأيت كأن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فأقبل الناس يهرعون من كل جانب النبي عليه الصلاة والسلام يرد بأحسن رد، قال سفيان: فأتى بك والله أعرفك في منامى كما أعرفك في يقظتي فسلمت عليه فرد السلام، ثم رمى في حجرك بخاتم نزعه من أصبعه، فاتق الله فيما أعطاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى مالك بكاء شديدًا، قال سفيان: السلام عليكم. قالوا له: خارج الساعة. قال: نعم فودعه مالك وخرج.

فيؤخذ من مجموع هذه النقول أن المعانقة وردت بها السنة وأن سفيان كان يعتقد عموم مشروعيتها وأن مالكًا كان يكرهها.

ومن العادات التقبيل لليد وغيرها، قال مالك: إذا قدم الرجل من سفره فلا بأس أن تقبله ابنته وأخته، ولا بأس أن يقبل رأس ابنه، ولا يقبل خد ابنه أو ابنته، لأنَّه لم يكن من فعل الماضين. قال ابن رشد: سألت يهودُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن التسع الآيات البينات الواردة في القرآن؟ فقال لهم: "لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا

ص: 414

الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت" فقاموا فقبلوا يديه ورجليه وقالوا: نشهد أنك نبي، قال:"فما زال يمنعكم أن تتبعونى؟ "

قالوا: إن داود عنيه السلام دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبى وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. قال الترمذى: حديث حسن صحيح. فتقبيل اليهود ليديه ورجليه عليه الصلاة والسلام ولم ينكره، دليل على مشروعيته.

وروى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عبد الله بن عمر قال: "كنا نقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم " رواه أبو داود، ومن حديث وكيع عن سفيان قال:"قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب"، وقل إياس بن دغفل: رأيت أبا نضرة يقبل خد الحسين، وروى الشيبانى عن أبى الحسن عن مصعب قال: رأيت رجلًا دخل عَلَى عَلِىّ بن الحسين في المسجد فقبل يده ووضعها على عينيه فلم ينهه، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا قدم من سفره قبل سالمًا وقال: شيخ يقبل شيخًا، إن هذا جائز على ذلك الوجه لا على وجه مكروه، وقدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانًا يجر ثوبه، قالت عائشة رضى الله عنها: ما رأيته عريانًا قبله ولا بعده، فاعتنقه قبله. قال الترمذى: حديث حسن غريب، وقبل عليه الصلاة والسلام جعفرًا حين قدم من أرض الحبشة، قال: وأما القبلة في الفم من الرجل للرجل فلا رخصة فيها بوجه.

ومنها: القيام للقادم وفيه خلاف العلماء، أما حب القيام فلا خلاف في تحريمه، روى الإمام أحمد وأيو داود والترمذى عن معاوية وإسناده صحيح إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" وهو أمر بمعنى الخبر كأنه قال: من أحب ذلك وجب له أن ينزل منزلته من النار وحق له ذلك، ومعناه زجر المكلف أن يحب قيام الناس، فلو لم يخطر بباله فقاموا له فلا لوم عليه. وسر النهى أن الباعث على حب القيام الكِبْر وإذلال الناس، وقد رد صاحب "المدخل" على من قال بجواز القيام أو ندبه حيث قال رحمه الله ما معناه: استدل القائل به بأدلة:

منها: قوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}

(1)

. قال: ومن الخفض لهيم القيام لهم، وأنت تجدها دليلًا على عدم جواز القيام إذ لو كان القيام من جملة

(1)

[سورة الحجر: الآية 88].

ص: 415

خفض الجناح ما تأخر إلنبى عليه الصلاة والسلام عنه إذ هو المخاطب بالآية وأعلم بمدلولها وأول من يبادر إلى امتثال أمر الله تعالى، كيف وقد ثبت النهى عنه، فقد

روى أبو داود ابن ماجه بإسناد حسن عن أبى أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عصا فقمنا إليه فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا". فعدم قيامه صلى الله عليه وسلم لهم ونهيهم عن القياء دليل واضح على أن المراد بخفض الجناح التواضع لهم ومخاطبتهم باللين ومؤانستهما بحديثه وتعليمهم ما به صلاحهم ونحو ذلك لا القيام لهم، وإلا لزم عليه عدم امتثاله صلى الله عليه وسلم أمر ربه، ولا قائل به، فتم أن الآية دليل لعدم القيام لا لطلبه.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى سيدكم" يعنى سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهو لا يصلح دليلًا على طلب القيام على جهة البر والإكرام وإلا قام عليه الصلاة والسلام وأصحابه الحاضرون معه في ذلك المجلس لسيدنا سعد، مع أنه لم يقم هو ولا أحد من المهاجرين وغيرهم ما عدا أتباع سعد، وذلك دليل على أن أمره بالقيام لأتباء سعد لأمر آخر غير البر والاحترام، بل لينزلوه عن الدابة لمرض كان به، كما هو بين في بساط الحديث.

وعادة العرب أن القبيلة تخدم سيدها أو نحو ذلك وإلا لزم عليه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بخير وتأخر عن فعله، بل لزم عليه أن أصحابه المهاجرين ونحوهم تأخروا عم امتثال أمره عليه الصلاة والسلام حيث لم يقوموا لسعد، بل لزم أنه أمر بضد ما نهى عنه لما علمت أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن القيام ولم يثبت النسخ ولا قائل بشيء من ذلك.

ومنها قيام طلحة ين عبيد الله لكعب رضي الله عنهما المذكور في الحديث الطويل، المشهور المتعلق بتوبة كعب، من كان معه حيث قال كعب فيه:"وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت المسجد وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة" وأنت تراه دليلًا جليًّا على عدم جواز القيام للبر

ص: 416

والاحترام إذ لو كان مشروعًا لقام عليه الصلاة والسلام والصحابة الذين كانوا معه فعدم قيامه عليه الصلاة والسلام، ومن حوله من الأصحاب دليل على عدم مشروعيته لذلك، إذ لا جائز أن النبي صلى الله عليه وسلم يتأخر من غير ضرورة عن فعل المشروع أو يقر الصحابة على عدم الفعل.

وأما قيام طلحة: فكان للتهنئة لزيادة المودة التى كانت بين طلحة وكعب والقيام لأجل ذلك مشروع فهو دليل عليه لا له.

ومنها قيام النبي صلوات الله وسلامه عليه للسيدة فاطمة، وتقبيله لها وقيامها رضي الله عنها له صلى الله عليه وسلم وتقبيلها له، وهذا لا دلالة فيه إذ قيامها إنما كان لأجل التقبيل وتوسعة المكان لمن كان داخلًا منهما والقيام لذلك مشروع لا للبر والإكرام كما ادعى.

ومنها ما رواه أبو داود: "أن عمرو بن السائب رضي الله عنه حدثه أحد بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا يومًا فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فجلس عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه عن جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله -صلى الله عليه وسل - فأجلسه بين يديه" وهو ينتج ضد مطلوبه، إذ الحديث صريح في كون القيام نفسه ليس من فعل البر، بدليل أنه عليه الصلاة والسلام لم يقم لأمه وأبيه مع أنهما أولى بالبر والاحترام من أخيه، فحيث أنه عليه الصلاة والسلام لم يقم لهما دل على أن قيامه لأخيه ليفسح له في المجلس لضيقه لا ليكرمه بنفس القيام، ولذا لما كان المكان فيه اتساع عند قدوم أبويه لم يقم صلى الله عليه وسلم لهما، فاتضح أن الحديث دليل لعدم جواز القيام للإكرام لا دليل لجوازه أو ندبه.

ومنها قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم لعكرمة بن أبي جهل حين أسلم في اليمين وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه، ولا دلالة فيه على المدَّعَى؛ لأن قيام صلى الله عليه وسلم لعكرمة رضي الله عنه لا ليكرمه به، بل ليمشى إليه خطوات تقوم مقام ذهابه عليه الصلاة والسلام إلى بيت عكرمة لأنَّه كان غائبًا والغائب ندب الشرع الحاضرين إلى الذهاب إلى بيته، وكان صلى الله عليه وسلم لم يذهب إلى بيته فقام

ص: 417

ومشى إليه خطوات لذلك، وهذا لا نزاع في مشروعيته. اهـ.

وقال الإمام القرافى في كتاب "الفروق": أعلم أن الذى يباح عن إكرام الناس قسمان:

(الأول): ما وردت به نصوص الشريعة من: إفشاء السلام وإطعام الطعام وتشميت العاطس والمصافحة عند اللقاء الاستئذان عند الدخول وأن لا يجلس على تكرمة أحد (فراشه) إلا بإذنه ولا يؤم في منزله إلا بإذنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لا يؤمَّنَّ أحد أحدًا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" ونحو ذلك ممَّا هو مبسوط في كتب الفقه.

(القسم الثانى): ما لم يرد في النصوص ولا كان في السلف؛ لأنَّه لم تكن أسباب اعتباره موجودة حينئذ وتجددت في عصرنا، فتعين فعله لتجدد أسبابه لا أنه شرع مستأنف، بل علم من القواعد الشرعية أن هذه الأسباب لو وجدت في زمن الصحابة لكانت هذه المسببات من فعلهم وصنعهم، وتأخر الحكم لتأخر سببه، ووقوعه عند وقوع سببه لا يقتضى ذلك تجديد شرع ولا عدمه كما لو أنزل الله تعالى حكمًا في اللواط من رجم أو غيره من العقوبات فلم يوجد اللواط في زمن الصحابة، ووجد في زماننا فرتبنا عليه تلك العقوبة لم نكن مجددين لشرع، بك متبعين لما تقرر في الشرع، ولا فرق أن نعلم ذلك بنص أو بقواعد الشرع، وهذا القسم هو ما في زماننا من القيام للداخل من الأعيان وإحناء الرأس له إن عظم قدره جدًّا، والمخاطبة بجمال الدين ونور الدين وعز الدين وغير ذلك من النعوت والإعراض عن الأسماء والكنى، والمكاتبات بالنعوت أيضًا كل واحد على قدره، وتسطير اسم الإنسان بالمملوك ونحوه من الألفاظ والتعبير عن المكتوب إليه بالمجلس العالى والسامى والجناب ونحو ذلك من الأوصاف العرفية، والمكاتبات العادية، ومن ذلك ترتيب الناس في المجالس والمبالغة في ذلك، وأنواع المخاطبات للملوك والأمراء والوزراء وأولى الرفعة من الولاة والعظماء، فهذا كله ونحوه من الأمور العادية لم تكن في زمن السلف ونحن اليوم نفعله في المكارمات والموالاة، وهو جائز مأمور به مع كونه بدعة.

ولقذ حضرت يومًا عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان من

ص: 418

أعيان العلماء وأولى الجد في الدين والقيام بمصالح المسلمين خاصة وعامة والثبات على الكتاب والسنة غير مكترث بالملوك فضلًا عن غيرهم لا تأخذه في الله لومة لائم، فقدمت إليه فتيا فيها: ما تقول أئمة الدين وفقهم الله في القيام الذى أحدثه أهل زماننا مع أنه لم يكن في السلف، هل يجوز أو لا يجوز ويحرم؟ فكتب إليه في الفتيا قالا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا" وترك القيام في هذا الوقت يفضى للمقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدًا.

هذا نص ما كتب من غير زيادة ولا نقصان، فقرأتها بعد كتابتها فوجدتها

هكذا، وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:"تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور": أي يحدثون أسبابًا يقتضى الشرع فيها أمورًا لم تكن قبل ذلك لأجل عدم سببها قبل ذلك لا لأنها شرع متجدد، كذلك هاهنا، فعلى هذا القانون يجرى هذا القسم بشرط أن لا يبيح محرمًا ولا يترك واجبًا، فلو كان الملك لا يرضى منا إلا شرب الخمر أو غيره من المعاصى لم يحل لنا أن نواده بذلك، وكذلك غيره من الناس ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما هذه أمور لولا هذه الأسباب المتجددة كانت مكروهة من غير تحريم، فلما تجددت هذه الأسباب صار تركها يوجب المقاطعة المحرمة، وإذا تعارض المكروه والمحرم قدم المحرم والتزم دفعه وحسم مادته، وإن وقع المكروه، هذا هو قاعدة الشرع في زمن الصحابة وغيرهم، وهذا التعارض ما وقع إلا في زماننا فاختص الحكم به.

وما خرج عن هذين القسمين إما محرم فلا تجوز الموادة به، أو مكروه تنزيهًا فلم يحصل فيه تعارض بينه وبين محرم. انتهى.

فالقيام محرم إن فعل تعظيمًا لمن يحبه تحبرًا، ومكروه إذا فعل تعظيمًا لمن لا يحبه لأنَّه يشبه فعل الجبابرة، ويوقع فساد قلب إلذى يقام له، ومباح إذا فعلى إجلالًا لمن لا يريده، ومندوب للقادم من السفر قرحًا بقدومه ليسلم عليه أو يشكر إحسانه، أو القادم المصاب ليعزيه بمصيبته، وكان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يكره أن يقام له فكانوا إذا

ص: 419

رأوه لم يقوموا له إجلالًا لكرامته لذلك قال أنس: "ما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك" رواه الترمذى قال: حسن صحيح، وقال مرة:"إذا رأيتموني فلا تقوموا كما تصنع الأعاجم" رواه أبو داود وابن ماجه، وقد تقدم بلفظ آخر.

(وصفوة القول) أن حب القيام محرم بالإجماع، وأن القيام للبر والإكرام من البدع التى هى وسيلة إلى هذا المحرم وهو حب القيام من المقبل ولو للوالدين والمشايخ على هذا الوجه، وأن القيام لأجل المصافحة أو المعانقة أو المشى خطوات للقادم من سفر أو لتوسعة المكان أو نحو ذلك من المصالح لا محظور فيه.

وأما تقبيل اليد لمن يحب ذلك فلا خلاف في منعه أيضًا (نعم) يجوز تقبيل يد العالم والوالد والصالح إذا كانوا لا يحبون تقبيل أيديهم، وهو مجمل ما ورد من

تقبيل الصحابة وغيرهم ليد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقبيل بعض الصحابة ليد البعض، وكذا السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتقدم تفصيل ذلك في بدع المقابر والأضرحة.

وأما المصافحة فهى سنة عند اللقاء، ففى الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا تلاقى الرجلان فتصافحا تحاتت ذنوبهما وكان أقربهما إلى الله أكثرهما بشرًا" رواه أبو داود والترمذى، وعن قتادة:"قلت لأنس بن مالك رضي الله عنه: أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم" رواه البخارى والترمذى، ونحو ذلك من الأحاديث الدالة على مشروعية المصافحة عند اللقاء. أما عقب الفراغ من الصلاة فغير مشروعة، وكان شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ينهى عنها وينكرها على فاعلها ويقول: إنما شرعت المصافحة عند اللقاء.

أما من هو جالس مع الإنسان فلا يصافحه، وبالله تعالى التوفيق.

‌الفصل الثاني عشر في خرافات العامة وأوهامهم

لا ريب أن من وسائل السعادة صيانة الأذهان من دنس الأوهام، وصفاء العقول من كدرات الخرافات، فإن العقول متى تلوثت بخرافة قام بينها

ص: 420

وبين الحق والمعلومات الصحيحة حجاب كثيف يحول بينها وبين إدراك الحق ويمنعها من الوصول إلى المعارف النافعة؛ وقد يكون ذلك سببًا في تصديق الإنسان كل وهم، وفي حرمانه من الكمال الذى يجب عليه السعى له والوصول إليه، فصاحب الخرافات مسكين ضائع يقضى عمره في اضطراب عقلى، فيصدق الأكاذيب وينخدع بالأباطيل، وينفر من الحق ولا يطمئن إليه، ويكون لعبة في أيدى الدجالين والماكرين.

ولذا ترى أن أول ركن بنى عليه الدين الحنيف هو صقل العقول بصقال التوحيد حتى لا ترى لغير الله تعالى أثرًا في جلب نفع أو درء ضر أو إعطاء أو منع أو إعزاز أو إذلال، فالتأثير ليس إلا لله جَلَّ وعَلَا.

(هذا) واعلم أن أباطيل العامة في معتقداتهم وأقوالهم وأفعالهم لا يبلغها حصر، ونحن نذكر لك نموذجًا من تلك الأباطيل مع بيان وجه الصواب، ونعنى من أباطيل الاعتقاد ما يكون واضح الخطأ حتى كان اعتقاده من خصائص العوام، بخلاف ما ذكر في بدع الاعتقادات فإنها أمور يخفى فيها وجه الصواب حتى سرت إلى أوهام بعض الخواص.

والأوهام صورة المرئيات أو المسموعات أو المحسوسات يكبر حجمها أو يصغر بقدر اشتغال الفكر واستعداده لقبول الخرافات أو رفضها، فهى إذا صورة مأخوذة عن حقيقة بواسطة منظار عدسته تكبر الأجسام أو تصغرها بعامل الميل إلى تعظيم الأمور أو تحقيرها، ولا تعترى الأوهام إلا ضعفاء العقول، وقلما تعترى غيرهم إلا إذا كان عندهم ضعف في الدماغ أو انحراف في الجهاز العصبى.

والخَرَف بفتحتين: فساد العقل من الكبر وبابه طرب، (وخرافة): اسم رجل من عذرة استهوته الجن فكان يحدث بما رأى فكذبوه وقالوا: (حديث خرافة).

وكان شمس الأئمة السرخسى يقول: إن هذا المفقود كان اسمه خرافة وكان بعد رجوعه من الجن يحكى عنهم أشياء يتعجب منها ويتوقف في صحتها، فكانوا يقولون: هذا حديث خرافة، وصار هذا مثلًا يضرب عند سماع ما لا تعرف صحته، والخرافات كل ما لا صحة له مأخوذة من هذا وقصته مذكورة في حواشى الزيلعى الجزء الثالث صفحة (311).

ص: 421

فمن هذه الخرافات ما تسبق إليه أوهام العامة أنهم يعتقدون أن اللوح المحفوظ من جنس الألواح المعروفة، وهو خطأ، والصواب فيه أنه من عالم الغيب فالإيمان به إيمان بالغيب يجب أن يوقف فيه عند النصوص الثابتة بلا زيادة ولا نقص، وأن كل ما قدره الله تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور ومثبت في خلق خلقه الله تعالى يعبر عنه تارة باللوح وتارة بالكتاب المبين، وتارة بإمام مبين كما ورد في القرآن الكريم، فجميع ما جرى في العالم وما سيجرى مكتوب فيه ومنقوش عليه نقشًا لا يشاهد بهذه العين، ولا تَظَنُّنَّ أن ذلك اللوح من خشب أو حديد أو عظم، وأن الكتاب من كاغد أو ورق، بل ينبغى أن تفهم قطعًا أن لوح الله لا يشبه لوح الخلق، وكتاب الله تعالى لا يشبه كتاب الخلق، كما أن ذاته وصفاته لا تشبه ذوات الخلق وصفاتهم.

بل إن كنت تطلب له مثالًا يقربه إلى فهمك، فاعلم أن ثبوت المقادير في اللوح المحفوظ يضاهى ثبوت كلمات القرآن وحروفه في دماغ حافظ القرآن وقلبه، فإنه مسطور فيه حتى كأنه حين يقرأ ينظر إليه، ولو فتشت دماغه جزءًا جزءًا لم تشاهد من ذلك الخط حرفًا، فمن هذا النمط ينبغى أن تفهم كون اللوح منقوشًا بجميع ما قدره الله تعالى وقضاه، فليس اللوح والكتاب والنقش فيهما كما ألفته الأوهام، ومثل هذا يقال في أمر الكرام الكاتبين الموكلين بالعبد يكتبون عليه الحسنة والسيئة في صحفهم، فليست الكتابة كما تتخيل، وليست الصحف كما تتوهم، بل علينا أن نؤمن بذلك وإن لم نعلم ما قلمهم وما مدادهم وما قرطاسهم وكيف كتابتهم وأين محلهم؟

ونقل الفخر الرازى عن حكماء الإسلام تأويلًا في كتابة الأعمال قال: إن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف المعانى المخصوصية، فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعانى لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة

أقوىَ وأكمل؛ إذا ثبت هذا فنقول: إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة، فإن كانت تك الملكة ملكة سارة للأعمال النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت، وإن

ص: 422

كانت الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بعد الموت، إذا ثبت هذا فنقول التكرير الكثير لما كان سببًا لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة، وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو آثار الشقاوة قل أو كثر، فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء. انتهى.

وغير خاف عليك أنه لا معنى حينئذ لنسبة الكتابة إلى الملائكة الكرام كما وردت به الأخبار الكثيرة، ومنها ما أخرجه ابن جرير عن كنانة العدوى قال: دخل عثمان رضى الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أخبرنى عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: "ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمير على الذى على الشمال إذا عملت حسنة كتبت عشرًا، فإذا عملت سيئة قال الذى على الشمال للذى على اليمين: أأكتب؟ قال: لا لعله يستغفر الله تعالى ويتوب، فإذا قال: ثلاثًا، قال: نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله سبحانه وأقل استحياءه منه تعالى يقول الله جَلَّ وَعَلَا: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}

(1)

، وملكان من بين يديك، وملكان من خلفك، يقول الله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ

}

(2)

، وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على اللّه قصمك، وملك قائم على فمك لا يدع أن يدخل الحية فيه، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك ينزلون على كل بنى آدم في النهار وينزل مثلهم في الليل".

فلو أن المراد من كتابة الأعمال على الإنسان تأثيرها في جوهر نفسه بواسطة

تكرارها حتى يحصل له الخلق الحسن أو السيئ لما ظهر نسبتها إلى الملائكة، فإن تأثير الأعمال في الملكات أمر عادى للأعمال بحسب ذاتها لا يتوقف على توسط الملائكة، فالحق أن تأويل الكتابة بما قال حكماء الإسلام غير صحيح، بل الكتابة حقيقة أخرى غير التأثير المذكور. والله أعلم.

(ومن معتقداتهم الخرافية) أن الأرض كانت على ماء والماء على صخرة

(1)

[سورة ق: الآية 18].

(2)

[سورة الرعد: الآية 11].

ص: 423

والصخرة على قرن ثور والثور على حوت والحوت على البهموت وإلى البهموت وقف علم الخلائق، فإن مثل هذا من الأمور المغيبة عنا ولا تعلم إلا من الشارع.

(ومن أوهام العامة): تعليق التمائم والحروز، والتميمة: خرزة كان أهل الجاهلية يعلقونها يرون أنها تدفع عنهما الآفات، كما كان لهم خيوط معقودة يربطونها على نحو الذراع حرزًا لهم من العاهات، واعتقاد هذا جهل وضلالة أبطله الشارع الحكيم ونهى عنه، إذ لا مانع إلا الله، ولا دافع للآفات والعاهات غيره تعالى.

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه فال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا أودع الله له" رواه الإمام أحمد وأبو يعلى بإسناد جيد والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وعن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن حكيم وبه حمرة فقلت: ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من علق شيئًا وكل إليه" رواه أبو داود والترمذى إلا أنه قال: فقلنا: ألا تعلق شيئًا؟ فقال: الموت أقرب من ذلك.

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر على عضد رجل حلقة أراه قال: من صُفْر، فقال:"ويحك ما هذه؟ " قال: من الواهنة، قال:"أما إنها لا تزيد إلا وهنًا انبذها عنك فإنك لو مت وهى عليك ما أفلحت أبدًا" رواه أحمد وغيره. الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفى اليد كلها فيرقى منها، وقيل: مرض يأخذ في العضد وربما علق عليها جنس من الخرز يقال لها: خرز الواهنة، وهى تأخذ الرجال دون النساء، وإنما نهاه عنها لأنَّه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، فكانت عنده من التمائم المنهى عنها، كذا في "النهاية".

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه دخل على امرأته وفى عنقها شيء معقود فجذبه فقطعه ثم قال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". التولة بكسر التاء وفتح الواو: شيء شبيه بالسحر أو من أنواعه تفعله

المرأة ليحببها إلى زوجها، قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذه الرقى والتمائم قد عرفناها فما التولة؟ مال: شيء تصنعه النساء يتحببن إلى

ص: 424

أزواجهن. رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

فهذه الأحاديث ونحوها صريحة في النهى عن تعليق الخرز والودع والخيوط المعقودة، وأن الصحابة ومن بعدهم رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يتحاشون عن ذلك ويحاربون مثل هذه الأوهام التى لا قيمة لها فضلًا عن مساسها بالعقيدة، والواقع أن هذه الأمور من أعمال الجاهلية وسائر الشعوب الهمجية التى استحوذت عليها الخرافات والأوهام والتى أبطلها الشارع وأنكرها الصحابة.

فمن لنساء هذا الزمان وبعض البسطاء بأمثال هؤلاء المجاهدين الناصحين ينقذونهم من وهدة الجهل إلى ذروة العلم، ويبينون لهم الدين الصحيح، ويحببونهم في الاعتماد على الله، والتفويض إليه، على معنى أن يثق العبد بوعد مولاه تعالى، ويوقن بأن قضاءه واقع، ولا يترك تعاطى الأسباب العادية المشروعة فيما لابد منه من نحو مطعم ومشرب ولباس وتحرز من عدو بإعداد السلاح، وإحكام الحصون، وإغلاق الباب، لكنه مع ذلك لا يركن بقلبه إلى الأسباب، بل يعتقد أنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا، بل السبب والمسبب فعله والكل بمشيئته تعالى لا إله إلا هو، فإن إهمال الأسباب فيما لابد منه للحياة منقصة وجهالة، والاعتماد عليها وحدها سفه وضلالة، نسأل الله تعالى التوفيق والهداية.

وأما الطب بالرقى والاستشفاء من الآلام بالعزائم والتحصن بها من العين فذلك مأذون فيه من صاحب الشرع الشريف، إذا كان ذلك بلفظ عربى مفهوم المعنى وكان فيه ذكر الله تعالى، أما الرقى والعزائم بغير اللفظ العربى الذى لا يدرى ما هو، ويجوز أن يكون دالًّا على سحر أو كفر، فهذا حرام شرعًا كما صرح به الخطابى والبيهقى وغيرهما واستدل له الشيخ ابن عبد السلام بأنهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال:"اعرضوا عليَّ رقاكُم".

وسبب ذلك ما قالوه من أن ذلك المجهول قد يكون سحرًا أو كفرًا، من ذلك دعاء أوله: لمخيثًا، وشمخيثًا، ويا غليهوش، كشهشطليوس، قطيهوج، وطحيطمغيليال برهيم، يا لوش، هميالوش، طياروش، طلوش، طلش، عجريش، وهليش، مراهيش؛ وهى وايم الحق دعوات مجهولة

ص: 425

لا تُعرف لها حقيقة ولا أصل،

وأربابها يزعمون أنها من الأسماء العظام والأدعية المستجابة، وهى لا تزيدهم إلا بعدًا من الله وقريًا من الشيطان وإليك المشروع من ذلك:

روى البخارى عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضًا أو أتى به إليه قال: "أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا". فهذا صريح في أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يرقى المرضى ويدعو لهم بهذا الدعاء "وربَّ الناسِ" منصوب على النداء.

وروى البخارى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين، يقول:" أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة"، ويقول:"إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق"، وأخرجه ابن السني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان يعوذ الحسن والحسين يقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ويقول: هكذا كان أبى إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق عليهما السلام"، وكذا أخرجه الترمذى وأبو داود، والهامة: كل ذات سم يقتل، جمعها هوام، وقد تطلق على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالقمل والبق، والعين اللامة التى تصيب بسوء.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الأوجاع أو لمن به حمى أن يقول: "بسم الله الكبير، نعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار"، ورواه السنى عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الأوجاع كلها ومن الحمى أن يقول: "بسم الله الكبير نعوذ بالله العظيم من شر عرق نعار ومن شر حر النار" فلم يذكر لفظ كل، ونعار بفتح النون وتشديد العين المهملة وبالراء يقال: نعر العرق بالدم إذا علا وارتفع، ويمال: عرق نعار، ونعور: إذا تصوب دمه.

وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ، ثم يمسح

ص: 426

بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات، قالت عائشة رضي الله عنها: فلما اشتكى كان يأمرنى أن أفعل ذلك به"، وفى

الصحيحين: "كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث"، قيل للزهرى أحد رواة هذا الحديث: كيف ينفث؟ فقال: كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه، والنفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل وقد نفث الراقى من باب ضرب ونصر.

والمعوذات بكسر الواو الراد بها الفلق والناس والإخلاص من باب التغليب أطلق على الإخلاص اسم التعويذ لوقوعها مع المعوذتين.

وعن عثمان بن أبى العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ضع يدك على الذى تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى، وعند مالك:"أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد" قال: ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر بها أهلى وغيرهم.

وعن محمد بن سالم قال: قال لي ثابت البنانى: "يا محمد إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكى ثم قل: بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعى هذا، ثم ارفع يدك ثم أعد ذلك وترًا، فإن أنس بن مالك حدثنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه بذلك" رواه الترمذى، وأخرج ابن سعد وابن ماجه والحاكم وابن مردويه عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودنى فقال: "ألا أرقيك برقية رقانى بها جبريل؟ " فقلت: بلى بأبى أنت وأمى، قال:"بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد" فرقى بها ثلاث مرات. ورقيته أرقيه من باب رمى رقيًا: عوذته بالله والاسم الرقيا على فعلى والمرة الرقية والجمع رقى كمدية ومدى، ورقيت في السلم وغيره أرقى من باب تعب رقيا ورقيا وترقى مثله، وروى البخارى أيضًا عن عائشة رضى الله عنها قالت:"أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو أمر أن- نسترقى من العين": أي بسببها، وذلك أن المعيان -الحسود- إذا نظر لشئ نظر استحسان

ص: 427

مشوب بحسد يحصل للمنظور إليه ضرر بعادة أجراها الله تعالى.

وهل هناك جواهر خفية تنبعث من عينه تصل إلى المعيون كإصابة السم من نظر الأفعاء أو لا؟ ذلك أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا بنفيه. قال ابن العربى: والحق أن الله تعالى يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم

أو هلكة: وقد يصرفه الله عز وجل قبل وقوعه بالرقية.

وفي البخارى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العين حق": أي الإصابة بها ثابتة موجودة، وزاد مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما:"ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" وهى كالمؤكدة لقوله: "العين حق" وفيها تنبيه على سرعة نفوذها وتأثيرها في الذوات. والمعنى: لو فرض أن شيئًا له قوة بحيت يسبق القدر كان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها وفى ذلك رد على طائفة من المبتدعة حيث أنكروا إصابة العين، وعن أُم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال:"استرقوا لها فإن بها النظرة" رواه البخارى، والسفعة بفتح السين وسكون الفاء بعدها عين مهملة: سواد أو حمرة يعلوها سواد أو صفرة. والمراد هنا أن السفعة أدركتها بسبب النظرة وإصابة العين "واسترقوا لها" بسكون الراء: اطلبوا من يرقيها.

هذا هو الذى يصح اعتقاده والعمل به -وغيره لا خير فيه- وممَّا ينفع لدفع شر العائن أن يشغله الإنسان عند اللقاء قبل التمكن منه بكلام ولو بالمبالغة في تحيته وإظهار المودة له، ومن رأى شيئًا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلَّا بالله لم يضره.

وأما تعليق الحفائظ المشتملة على شيء من كتاب الله تعالى أو اسم من أسمائه عز وجل فقد تكفلت به كتب الفروع فارجع إليها إن شئت ولكن هذه الفاتحة وأين عمر.

ومن سوء تصرفات الأُمهات أنه إذا بكى الولد أو أراد الخروج من البيت ليلعب تخوفه أُمه وتحذره (السماوى) أو المغربي لئلَّا يأخذه عنده ليعلقه من فوق دست ماء يغلى على النار ويصفى دمه، كذا تخوفه

ص: 428

بأنه لو ذهب إلى البحر يبتلعه (التمساح) وقصدها بذلك عدم خروجه أو ابتعاده عن البيت، ولا يخفى ما في ذلك من غرس الجبن في نفسه الصافية القابلة؛ لأن ينبت فيها مثل هذا الخلق السَّيِّئ الذى عرفه الأخلاقيون بأنه انخذال في النفس عن مصادمة أي عارض لا يلائم حالها.

وغالب نساء الفقراء لا يتحدثن أمام أولادهن إلا في النوادر المخيفة (كالعفريت) و (المارد) و (المزيرة) يقلن على المارد أنه يظهر ليلًا للإنسان ويسد عليه الطريق من الجهات الأربع بحائط، وعلى المزيرة إنها جنية، وكل جسمها إبر ومسامير تظهر

بزى امرأة جميلة مزينة ومرتدية إزارًا أبيض كالثلج إذا قرب منها الإنسان تضمه إليها وتختفى به فلا يعود أبدًا، وعلى العفريت أنه يظهر في أشكال متنوعة، منها أنه تارة يظهر في صورة حمار عال أبيض فيركبه الإنسان حتى يعلو به ثم يقذفه من فوق ظهره فيسقط على الأرض مهشمًا، وتارة أنه شبه قط أو كلب أو قربة، والبعض يصفه للأطفال بأنه أسود كالليل طويل القامة وعيناه بالطول يقدح منها الشرر.

بمثل هذه الخرافات التى تخوف بها الأطفال ينمو في أذهانهم الجبن والرعب فلا يمكنهم الانتقال ليلًا أو نهارًا خطوة واحدة إلا مع أحد خوفًا من حادث يفزعهم، ولو كان شخصًا مقبلًا عليهم من بعيد.

ومن أوهامهم أنه إذا خطفت هرة منهم شيئًا من الأطعمة وأراد الولد أن يضربها ليلًا يمنعونه من ذلك ويوهمونه أن ضرب القطط ليلًا مضر بهم لزعمهم أنها جنية، (وأعجب) من هذا في الوهم والخرافات أنه إذا وقع الطفل على الأرض سمت عليه أمه قائلة:(بسم الله عليك وعلى أختك) لزعمها أن له أختًا من بنات الجان.

ومن أوهامهم: أنه إذا كان لأحدهم بهيمة (جاموسة) مكروهة وأراد بيعها في السوق فإنهم يضربونها بالمغرفة عند خروجها من البيت، يزعمون أنها بذلك لا ترجع، بل تباع في يومها، ومنهم من يكسر وراءها قوارة، قائلًا: الله لا يرجعك، وذا كله من الأوهام القديمة بين العامة التى ليست معقولة إذ لا ارتباط بين المغرفة أو القوارة وبين رغبة المشترى فيها، ولكنه الوهم يلعب بالدهماء.

ص: 429

وللفقراء وراء ذلك خرافات كثيرة في ليالى المواسم (منها) ما يتحدثون به ليلة العشر من المحرم من أنه تهبط بغلة من السماء حاملة لكثير من الجنيهات لصاحب النصيب، فيأمر الأب ابنه والأم ابنتها بالدعاء إلى الله تعالى لتكون من نصيبهم، فيحلم هؤلاء أحلامًا يقصها بعضهم على بعض في الصباح لاشتغال أرواحهم بهذا الهذيان.

ومن خرافاتهم اعتقادهم حال خسوف القمر، فإنهم يأمرون أولادهم بالقرع على النحاس أو الصفايح يقولون كلمات جاهلة لا قيمة لها، ويزعمون أن الشمس أيضًا يجرها الملائكة على عجل، وأنها تغرق في البحر فيبتلعها الحوت.

وكل هذا لا أصل له إلا الجهل، وما يحكى أن فلكيًّا أنبأ أحد الأمراء بخسوف القمر في ساعة معينة فلم يعتقد نبأه واتهمه بالزندقة وتوعده بالموت إن ظهر كذبه

ووعده بجزيل العطاء إن صدق نبؤه، فلما خسف القمر كان الأمير نائمًا فأراد حيلة لإيقاظه ليشهد الحال نفسه، فقال للناس: إن الحوت يبتلع القمر فاضربوا الطبول وأحدثوا ضجة شديدة ليجفل ويترك القمر، فلما فعلوا ذلك استيقظ الأمير وشاهد القمر مخسوفًا فكافأ الفلكى، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ والمطلوب شرعًا في مثل هذا الحادث الصلاة، وكثرة الاستغفار، والابتهال إلى الله تعالى في كشف الكرب.

ومن هذا القبيل القرع على النحاس ونحوه آخر يوم من رمضان عند غروب الشمس، يأمرون بذلك أولادهم، ويعلمونهم كلمات يقولونها حالة القرع تختلف باختلاف عقلية البلاد، يزعمون أن ذلك يطرد الشياطين التى هاجت في هذا الوقت لخروجها من السجن وخلاصها من السلاسل التى كانت مقيدة بها في شهر الصوم، قاتل الله الجهل.

ومن التأخر أن بعضهم يعتمد في مداواة الأمراض على علم معروف لديهم (بعلم الركة) وكله مستوصفات منها النافع المعقول، ومنها الضار الذى لا يعقل مثلًا إذا مرض الإنسان بعينيه يأمرونه أن يضع عليها روثة حمار أسود (من غير إشارة) وأحيانًا يضيفون عليها العسل الأسود أو يضع فيهما بول إنسان يكون (بكرى أمه وأبيه) ويجوز أن يحصل

ص: 430

الشفاء من جهة أن روث الحمار وبول الإنسان حار ساخن، وهذا بدل (المكمدات) الساخنة التى تصنع من محلول البابونج التى ينصح بها الطبيب المختص، فأين هذا المكمدات القذرة النجسة من النظيفة الطاهرة.

ومثلًا إذا أصيب الطفل (بالسعال الديكى) يصف النساء لأمه أن تذهب به إلى غنام ابن غنام قد أكل لحها الذئب ليعض رقبته وحلقومه مرة بعد أخرى وهو يعوى عواء الذئب، يزعمون أن في ذلك الشفاء، أو تذهب به إلى جزار ابن جزار، لكى يموه عليه بجر المدية على حلقه فيشفى، وهو عمل من لا عقل له والمعقول في دواء السعال الديكى نقل المصاب إلى الجهات الجافة ذات الهواء النقى مع التخفيف من الغذاء.

ومن أوهامهم أنه إذا أصيب الطفل بمرض الكساح ويسمى عند الأطباء (لين العظام) تذهب به أمه مثلًا يوم الجمعة وتضعه على باب المسجد مقيد الرجلين بحبل من الصوف، وفى حجره شيء من المطعومات، فإذا خرج أول إنسان من المسجد

عقب الصلاة طلبت منه أم الطفل أن يحل قيده، قائلًا:(ربنا يا بنى يحل قيدك) ويأخذ ما في حجره، يفعل ذلك ثلاث جمع فيبرأ من الكساح ويمشى.

والصواب أن يعرض الطفل لأشعة الشمس مكشوف البدن ما عدا الرأس كل يوم ساعة على الأقل مع تنظيم الغذاء الجيد الخفيف، كالشعرية واللبن الزبادى والجبن الطازة.

ومن أوهام النساء أن يؤتى للمرأة التى تموت أولادها -وتسمى عندهم (مقرونة) أي أن القرينة وهى أختها من الجن تصيب أولادها في زعمهن -بفرخة سوداء (من غير إشارة) وتذبح وتنظف ثم يعمل لها حفرة في الموضع الذي نزل فيه المولود تمامًا وتدفن بحالها في تلك الحفرة مع خلاص المولود عقب الوضع، وذلك ليعيش المولود ولا تتعرض له القرينة، وكأنهن يزعمن أنهن قد صالحن القرينة بهذه الدجاجة بدل المولود، وهذا عمل مقدس عندهن يعتقدن أنه مفيد مجرب ضامن لحياة الولد، نعوذ بالله من تسلط الأوهام، وخفة الأحلام.

والمعقول في موت الأطفال إذا كثر وتكرر ما قرره كبار الأطباء من أن منشأه إصابة أحد الأبوين بالزهرى (التشويش) وقد يكون من طريق

ص: 431

الوراثة ولمعرفة المصاب منهما بذلك يحلل دمهما الطبيب المختص، ومتى تعين المصاب به منهما عولج بالحقن المعروفة، وكثيرًا ما نجح هذا العلاج وعاشت الأطفال.

(ومن أوهام العامة): التى منشؤها عدم العلم والجهل بالحقائق أنه إذا اختلج حاجب أحدهم مثلًا، وذكر ذلك لأحد أصحابه يقول له: إن اختلاج الحاجب يدل على إصابة خير كثير على رأى بعضهم، وعلى شرف عال عند البعض الآخر فيصادف هذا الكلام أذنًا واعية وشكرًا يذكر، وفات هؤلاء أن اختلاج الأعضاء بحركة الجسم منشؤه احتقان البخارات في داخله وطلبها المنفذ، وقد يكون من تغير الدم ولا ارتباط له بخير أو شر.

ومنها تجنب السفر في بعض الأيام زعمًا منهم أنها نحس، كما أنهم يتحاشون أكل السمك واللبن أو لا يأكلون الألبان في يوم الأربعاء، وكل هذا لا أصل له، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا.

ومنها أن بعض الأغنياء يقضى جل عمره وراء تحويل النحاس إلى ذهب، ولهم ولع كبير في البحث عن كتب الكيمياء وغيرها لأمل كاذب في نفوسهم حتى

أن بعضهم ليضيع ماله وعمره، ولكن لا يضيع أمله في صحة معتقده في تحويل النحاس إلى ذهب، وكل هذا لغشاوة الجهل والغرور المنتشرة على أبصارهم وبصائرهم، ولو اتجه فكرهم هذا إلى عمل مفيد كتحويل الجهالة المظلمة من بين الأمة إلى النور والعلم ما كنا على ما نحن عليه اليوم من التأخر والانحطاط يزين لهم ذلك جماعة من الدجالين الشياطين كما زينوا لهم استخراج كنوز الأرض بالبخور والعزائم، ورد الضائع بالمندل.

وحوادث الدجالين مع الدهماء في هذا وأمثاله كثير منتشرة في المدن والقرى حتى ضجت منها الأرض والسماء، ومع ذلك لا يزال البسطاء من الرجال والنساء يقعون في حبائلهم، ولا تزال الحكومة تطاردهم، وتذيقهم ألوان العذاب.

ومنها أن بعضهم إذا أراد الزواج يذهب إلى المنجم مثلًا ليحسب له النجم ليعرف الموافقة أو عدمها.

ص: 432

والحق في هذا أن المشاهدة والتجربة الصحيحة تشهد للائتلاف والمودة عند التناسب، والتناسب في الطباع والأخلاق أمر لا ينكر، فقد روى أن امرأة بمكة كانت تضحك النساء وكان بالمدينة أخرى فنزلت المكية على المدنية فدخلت على عائشة رضي الله عنها فأضحكتها، فقالت: أين نزلت، فذكرت لها صاحبتها، فقالت: صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" رواه الحسن بن سفيان في مسنده بسند حسن وذكره البخارى تعليقًا بدون القصة، فشبه الشيء منجذب إليه، والطيور على أشكالها تقع. كان مالك بن دينار يقول: لا يتفق اثنان في عِشرة إلا وفى أحدهما صف من الآخر يناسبه.

وأما الأسباب التى أوجبت تلك المناسبة فلا يصح أن يسأل عنها إذ ليس في قوة البشر الاطلاع عليها والإحاطة بها ولا معنى للخوض فيما لم يكشف سره للبشر فما أوتينا من العلم إلَّا قليلًا، ويكفينا في التصديق بذلك التجربة والمشاهدة.

(وجملة القول) أن كل إنسان يأنس إلى شكله كما أن كل طير يطير مع جنسه، إذا اصطحب اثنان برهة عن زمان ولم يتشاكلا في الحال والوصف فلابد من أن يفترقا، وأن ما يقوله المنجمون في ذلك هذيان لا يصح الركون إليه.

وممَّا يؤسف له أن هذه الخرافات أكثر ما تكون في الأمصار والقرى بين المسلمين، وأن المروج لها غالبًا هم المسلمون.

ومن الأوهام القديمة اعتقادهم تأثير الكتابة مثلًا في جلب المحبة أو إيقاع البغض بين اثنين، فيذهب أحدهم إلى أحد الدجالين ليعمل له عملًا يجذب به إليه قلب إنسان، أو يفرق به بين المرء وزوجه، فيشير عليه ذلك الدجال بعمل كتابة على شيء مخصوص يعلق في الهواء أو يدفن في مقبرة أو تحت عتبة الدار، أو بعمل كتابة على إناء ثم تمحى بالماء ليشرب منه المعمول له أو يرش في طريقه، وهذه خرافة لا أساس لها من الحقيقة العلمية وفى أيدى هؤلاء الدجالين مؤلفات يفتحونها للدهماء ويعملون منها لهم هذه الخزعبلات مثل كتاب أبي معشر الفلكى، وكتاب الديربي.

ص: 433

ومن العجب أنها ليست قاصرة على بلاد الشرق، بل ما زالت قائمة إلى اليوم في البلاد الغربية، فقد رفعت إلى القضاء الفرنسى أخيرًا قضية في نوع من مسحوق الحب قدمته إحدى العرافات إلى زبونتها مؤكدة لها أنه يجذب إليها قلب من تهوى، فإنه مركب من جلد الضفادع، فقدمت هذه العرافة إلى المحاكمة بتهمة النصب والاحتيال.

ومن الخرافات الشائعة بين عمال المناجم الإنجليز اعتقاد المعدنيين في لانكشير بإنجلترا أن بعض مناجم الفحم في هذه المدينة مسكونة بأرواح أطفال صغار كانوا قديمًا يشتغلون في هذه المناجم ثم ماتوا ضحية الضعف والإعياء والحاجة إلى استنشاق الهواء النقى، ولا تظهر هذه الأشباح إلا عندما تكون هناك كارثة ستحل بالمنجم، فيكون ظهورها حينئذ بمثابة إنذار ليتخذ العمال الحيطة والحذر، ويتشاءم معظم المعدنيين من الفئران البيضاء، ولذلك لا يربونها، كما أنهم لا يربون القطط البيضاء أيضًا، وإذا اتفق أن شاهد أحدهم وهو سائر في طريقه إلى المنجم عصفورًا أو طائرًا أبيض اللون فإنه يتشاءم منه ويعود إلى بيته ويبقى فيه طول يومه اعتقادًا منه أنه لو ذهب إلى المنجم لحلت به كارثة.

ومن عادة زوجات عمال المناجم أن يضعن بين طيات الفرش الذى ينام علمه أزواجهن قطعًا من الفحم لأنهن يعتقدن أنهن إذا لم يفعلن ذلك فسيصاب أزواجهن بسوء قبل أن يتسخ ذلك الفراش.

وبهذا وأمثاله يتضح لك بطلان اتهام الغربيين للشرق بأنه مبنى على الخرافات والأوهام السخيفة وعيبهم على أهله إيمانهم بكثير من الخرافات التى لا يتأثر بها إلا ضعفاء الأحلام، وأن هناك مئات الألوف من الغربيين يومنون بخرافات أسخف بكثير من تلك التي ينسبونها إلى الشرقيين.

ومن أوهام العامة ما زينه الشيطان لهم من التمسح بجدار أو عمود، وتعظيم عين أو شجر أو حجر لرجاء شفاء أو قضاء حاجة، وقبائحهم في ذلك غنية عن البيان، وقد صح أن الصحابة رضي الله عنهم مروا بشجرة سدر قبل حنين كان المشركون يعظمونها وينوطون بها أسلحتهم،

ص: 434

فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة"، قال:"إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" رواه الترمذى "وينوطون: يعلقونها بها"، وصح أن عمر رضي الله عنه أمر بشجرة الرضوان فقطعت لما رأى تعلق الناس بها.

ومن الخرافات ترك بعض العامة تنظيف البيت وكنسه عقب سفر من سافر من أهله ويتشاءمون بفعل ذلك بعد خروجه يتوهمون أن ذلك لو فعل لا يرجع المسافر.

وكذلك تركهم كنس المنزل بالليل يزعمون أنه يورث الفقر أو يؤذى الجن لانتشارهم بالليل.

وكذلك غرز السكين ليلة العيد الأصغر على أبواب المنازل والغرف يرون أن الشياطين التى كانت مسجونة في شهر رمضان تخرج من سجنها ليلة العيد فيتقون دخولها المساكن بهذه السكين.

وكذلك ما يفعله بعضهم إذا ودع المسافر من أهله يؤذن مرتين أو ثلاثًا زاعمين أن ذلك يرده إلى أهله سالمًا.

ومن أوهامهم أن المطلقة ثلاثًا إذا ولدت ذكرًا تحل لزوجها من غير أن تنكح زوجًا غيره وهذا جهل فاضح وعيب واضح وفيه استحلال لما حرم الله.

ومن أوهامهم إذا ماتت الزوجة ثم تزوج بعدها زوجها بامرأة أخرى أنهم يرشون الماء على قبرها زاعمين أن ذلك يطفئ حرارة الغيرة.

ومن أوهامهم إذا قتل إنسان في مكان يزعمون أنه يخرج له شيطان (عفريت)

يتمثل للناس ليلًا ويخيفهم، ولهم في هذا المعنى حكايات يؤكدونها بالأيمان ورؤية العيون. والله أعلم بما يقولون وما يبصرون.

ومن أوهامهم أن البكر عند عقد الزواج تضع في فمها قطعة من السكر وبيدها اليمنى شمعة موقدة وباليسرى مرآة تنظر فيها، ورجلاها في إناء مملوء بالماء البارد، وعلى رأسها امرأة تقرأ في المصحف سورة تبارك الملك -يتوهمون أنها بذلك تكون محببة إلى بعلها- وهو عمل غير معقول المعنى والذى يحببها إلى زوجها التربية الحسنة والأخلاق الكريمة.

ومن أوهامهم دخول العرس من بين رجلى أم زوجها، وذلك

ص: 435

أن تتعلق الأم بباب البيت مفرطحة رجليها بجانبي الباب، ثم تمر العروس من تحتها زاعمين أنها بذلك تعيش مطيعة لها لا تخالف لها أمرًا.

ومن أوهامهم وضع البصل تحت رأس النائم وتعليقه على الأبواب يوم (شم النسيم) زاعمين أنه يذهب عنهم الكسل والوخم.

ومن أوهامهما تشاؤمهم من الدخول بنحو اللحم أو الباذنجان أو البلح الأحمر أو الذهب على المرأة في أيام نفاسها زاعمين أن ذلك (يكبسها) ويمنع من نزول اللبن للرضيع وكذلك أيضًا مقابلة النفساء لمثلها قبل نهاية شهر الوضع.

ولهم في الخلاص من هذه الكبسة والتحفظ منها تعاليق وخرزات تقدمها القابلات للوالدات، وتسمى تلك التعاليق بالشاهرة وهى التى تبيعها في أرض مصر نساء (الغجر) وكل قابلة عندها واحدة من هذا النوع، فإذا انكبست الوالدة تأتيها القابلة بهذه المشاهرة فتخطيها أولًا ثم تضعها في شيء من الماء لتغتسل به وقت صلاة الجمعة تفعل ذلك ثلاث مرات في ثلاث جمع فتزول الكبسة وينزل لبنها.

ولا يخفى أن ذلك غير معقول إذ لا مناسبة بين هذه المشاهرة وبين اللبن الذى في جسم المرأة، وتأخر اللبن ناشئ من تسلط الوهم على الوالدة فتختل منه الدورة الدموية، فإذا عملت المشاهرة تطمئن فتنتظم الدورة الدموية ويدر اللبن، فهذا وهم قد زال بوهم مثله.

ومن أوهامهم أن النفساء إذا لقيت مثلها قبل شهر الوضع وحملت إحداهما قبل الأخرى تعتقد التى تأخر حبلها أن التى سبقتها بالحبل هى التى كبستها فتأخر

حملها، ولكى تحمل تطلب منها أن تجرح لها أصبعًا من أصابع يديها لتلحس دمها، وبذلك تزول الكبسة وتحمل، ونعوذ بالله من الجهل وسلطان الوهم على هذه العقول الناقصة.

(ومن أوهامهن) أن الوالدة لا يصح لها أن تفارق موضع الولادة مدة أسبوع، ولا أن تترك المولود وحده فيه يزعمن أنها إن تركته وحده (ينبدل): أي أن الجن تأخذه وتأتى بغيره، وإذا أصيب المولود بنحول في السنة الأولى تقول النساء: إنه مبدول أو موحود، أي أن ذلك النحول

ص: 436

من أجل أن أُمه كانت تركته حده قبل السبوع، وهذا الوهم مشكل وغير مفهوم.

ومن أوهامهم صعود المرأة العقيم أو التى تأخر حملها على المنارة زاعمين أن ذلك يورث الحمل، وقد يصعد معها مؤذن فاسق وأنَّه من المخازى الوخيمة التى تأباها الغيرة والمروءة.

(وجملة القول) أن معظم ما يقع من النساء ممَّا يتعلق بالحمل والوضع والأولاد من بقايا الجاهلية الأولى، ساعد على قبوله وبقائه إلى اليوم الجهل والوهم، والمانع أيضًا من ترك تلك السخافات الجهل والوهم، وإذا اتحد السبب والمانع في الشئ الواحد فقد استحكم الداء وعزُّ الدواء.

ومن أوهامهم أن بعض النساء أيام الحيض يكتلن القمح ولا غيره من الطعام، بل ولا تحضر موضعه هن أجل حيضها، وهذا من عادات اليهود، فقد كان من شرع موسى عليه السلام الاحتراز العظيم عن المرأة حال حيضها بإخراجها من الدار، وهذا منسوخ بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم.

ومن أوهام العامة اعتقادهم في كثير من أضرحة الأولياء اختصاصات كاختصاصات الأطباء، فمنهم من يذهب بالأطفال الرضى إلى بعض الأضرحة ويلقونهم فيها يوم الجمعة من الزوال إلى الفراغ من صلاتها يحبسونهم في الأضرحة ويتركونهم فيها يبكون ويصيحون ويبولون ويتغوطون على قبر ذلك الولى .. هكذا يفعلون ثلاث جمع فيشفى، ومنهم من يزعم في ضريح سيدى مسعود الجارحى بمصر القديمة، وضريح المغربى ببولاق رحمهما الله أن زيارتهما على شروطها المعهودة تقى من أمراض الجان، وأن من أصيب بمس أو غيره يبرأ بزيارتهما، وعندهم من الأضرحة ما ينفع في مرض العيون، ومنها ما يشفى من مرض الحمى،

ونساء مصر يعتقدون أن زيارة ضريح المغاورى يشفى من العقم.

بل في الناس عن يخاف من غضب الولى عليه إذا هو تخلف عن حضور مولد ذلك الولى كعادته، أو قطع نذره السنوى عن وضع نقد في صندوقه أو حيوان يذبحه باسمه وعلى مدده، وكثيرًا ما يزعمون أن الولى صاحب

ص: 437

العادة أو النذر يأتيهم في المنام يطالبهم بالوفاء به، وأنَّه يضايق من قطع نذره في منامه، ويركب على نفسه ولهم في ذلك حكايات وأحلام يتحدثون بها في المناسبات.

وكل هذه ضلالات وأوهام لا أصل لها، ولكن أوحى بها إليهم شياطين الأضرحة الذين لا يرون العيش والارتزاق إلا من النذور التى تأتيهم من العامة بهذه الوسيلة القبيحة.

ولكى يتم لهم اصطياد البسطاء جعلوا لكل ضريح يومًا مخصوصًا لزيارته يسمى عندهم بالحضرة ورتبوها متفرقة على أيام الأسبوع ليتسنى للناس جميعًا حضور هذه الحفلات وأعياد الأضرحة فتكثر العوائد، وكل ذلك محدث لا أصل به.

فإن قال قائل: إن العامة يرون حقيقة هذه الأمور من تجربتهم إيَّاها ووقوع ما يكره وقوعه عند فعل شيء أو تركه (قلنا): نعم، يقع المكروه ولكن الخطأ في اعتقادهم أنه يتسبب عن الفعل أو الترك (وإنما) يقع بشؤم المخالفة للسنة والتدين بالبدعة، فعوملوا بالضرر الذى يتوقعونه، وقد شاء الحكيم سبحانه وتعالى أن المكروهات لا تندفع إلا بالامتثال لأوامر الشرع الشريف.

ففى الأثر عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه: "لا ينزل البلاء إلا بذنب ولا يرتفع إلا بتوبة" فكان وقوع ذلك لهم بسبب مخالفتهم لما أمروا به جزاءً وفاقًا.

ومن أوهامهم العامة اعتقادهم أن أهم أعمال الحج زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويرون أن من حج ولم يزر القبر الشريف يكون حجه ناقصًا أو غير مقبول، بل منهم من يزعم أن الحج هو الزيارة لا يتصور غيرها، وفساد ذلك غنى عن البيان وغاية الأمر أن الزيارة مندوب إليها.

ومن أوهامهم اعتقاد الكثير منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يزور النبات المسمى (بالصبارة) كل ليلة جمعة.

ومنها أن السلحفاة أصلها امرأة أنكرت الرحا من جارتها فمسخها الله إلى هذه

الصورة، والمعقول أنها حيوان خلق ابتداء هكذا كباقى أنواع الحيوان.

ومنها اعتقادهم إذا خرج من الإنسان ريح في المسجد أن الملك يتلقاه

ص: 438

بفمه ويخرج به إلى خارج المسجد، فإذا تفوه به مات الملك، وخطؤه واضح، فإن مثل ذلك لا يعلم إلا من قبل صاحب الوحى صلى الله عليه وسلم، ولم يرد عنه في ذلك أصل يعتمد عليه، ولأنه خلاف المشاهد، فإنا نجد الريح ينتشر في داخل المسجد ويستمر في الهواء كانتشاره واستمراره خارج المسجد، والفقه في ذلك أنه مكروه تتأذى به الملائكة ككل ريح كريه.

ومن أوهامهم تعظيمهم الخبز ونحوه بتقبيله عند ما يطلب تعظيم نعمة الله تعالى أو شكره عليها، وكذا عند التقاطها من الأرض إذا وجدت مطروحة فإنه لم يشرع تقبيل شيء من الجمادات سوى الحجر الأسود.

ومن خرافاتهم عندما يصاب إنسان أو حيوان بنظرة العين ثم يرقونه بالشب على النار، اعتقادهم أن الشب يتمثل بصورة العائن فيقلعون عين هذا التمثال زاعمين أن ذلك يصرف السوء عن المعيون، وإذا عرف العائن لهم احتالوا للحصول على قطعة من ثيابه وحرقوها زاعمين أن ذلك أيضًا يبطل أثر العين.

ومن خرافاتهم أن بعضهم يضع شيئًا من الخبز والملح والماء مع الميت في القبر عند دفنه زاعمين أنه يتناول منه مع الملائكة فتكرمه عند السؤال.

ومنها غرز المسامير في نحو شجرة السدر تكون بجانب الولى زاعمين أن ذلك يشفى من مرض الصداع، وكثيرًا ما يعلقون شيئًا من شعورهم أو ثيابهم بتلك المسامير رجاء الشفاء من المرض، وغنى عن البيان أنه لا مناسبة بين غرز المسامير في الشجرة وبين صداع الرأس، والمعقول ما يعالجه به الأطباء من استعمال الملينات ولطيف الأغذية.

ومن أوهامهم تسمية المولود بغير اسمه ويكون اسمًا منحطًا ليعيش كأن يسموه بلبع أو بعجر أو صربع أو جعلص، وهذا ممَّا يجعله هزوًا وسخرية في نظر الصغار والكبار، فينشأ على الخفة والسقوط، وكذا الشحذ على الأطفال في مثل موسم عاشوراء لذلك أيضًا، وكذا وضع خلخال من الحديد في رجليه يصنعه حداد ابن حداد.

ومنها إذا أصيب الطفل بالنظرة مثلًا تأتى أمه بقطعة من الشب ورماد الفحم البلدي مثلا وقطعة من النقود وتجعل الجميع في خرقة بيضاء

ص: 439

وترميها من وراء ظهرها من غير أن تنظر إلى المكان الذى وقعت به ثم ترجع من غير أن تكلم أحدًا.

ومنها الطواف بالولد حول القرية يوم العيد راكبًا على أتان، وظهره جهة الأمام ووجهه جهة خلف الدابة، وحوالى رأسه الريش، وحوله جمع من الأولاد يصيحون قائلين:(يابو الريش إن شا الله تعيش).

ومنها تحريم الخياطة يوم الجمعة أو يوم الوقوف بعرفات، وكذا منع الإِبرة والمنخل ليلًا تشاؤمًا بذلك.

ومنها ما يعمل في اليوم السابع من الولادة وليلته من تزيين نحو الإبريق بأنواع الحلى والرياحين ورش الملح وإيقاد الشموع والدق بالهاون ونحوه مع الكلمات المعروفة، ثم تعليق شيء من الحبوب مع الملح على الطفل.

ومنها طاسة من النحاس بها أربعون مفتاحًا تسمى (طاسة الطربة) تملؤها البكر وتضعها ليلة على ظهر البيت مكشوفة للسماء ثم يتجرعها المذعور صباحًا أيامًا معلومة فيبرأ من الرهقان.

ومنها اعتقادهم أن من أمكنه المرور من بين العامودين اللذين في جامع عمرو ابن العاص رضي الله عنه فهو الذى لا ذنب عليه ومن لا فلا.

ومنها إذا انقطع حبل المرأة لزعم أن امرأة كبستها أيام النفاس أو فطام الرضيع، تأتى بتلك المرأة وتبول على بولها، ومنهن من تذهب إلى المقبرة فتنبش على طفلها الميت أو طفل غيرها لكى تراه فتحمل، وأنَّه منكر وضلالة.

ومنها أن الغلام مثلًا يرمى بضرسه أو سنه في وجه الشمس قائلًا لها: (خذى سنة الحمار وهاتى سنة العروسة) وهو عمل صبيانى لا قيمة له.

ومنها وضع شيء من الخبز والنقد تحت عتبة البيت عند بنائه.

ومنها تقبيل المحموم فرج الحمارة السوداء، أو أن تتخطاه امرأة سيئة السمعة، أو يتمرغ على قبر قتيل، أو يوضع عليه نحو ثعبان على حين غفلة، وبذلك يزعمون أنه تزول عنه الحمى وذا خطأ، والصواب عرضه على الطيب خشية أن تكون من النوع الخبيث المعدى فيتدارك الأمر قبل اشتداد الخطر.

ومنها التبرك بالحيوان المعروف (بعجل العزب) في الوجه البحرى.

ص: 440

ومثله (فحل السيد البدوى) في الوجه القبلى فإنهما بسوائب الجاهلية أشبه وطوافهما في القرى ودخولهما غرف المنازل عند العواء من علائم الخير ودلائل القبول وكل ذلك لا أصل له.

ومن قبيل الأوهام والخرافات (كذبة إبريل) وقد حدثت في منتصف القرن السادس عشر حين أبدلت فرنسا تقويمها وجعلت رأس السنة أول يناير بدلًا من إبريل، وكان أول يوم من إبريل مخصصًا للمعايدة والمهاداة، فلما أبدل رأس السنة صار الناس يتمازحون بالهدايا الكاذبة يوم أول إبريل وصار الكذب فيه عادة مألوفة من ذلك الحين، هذا أصح ما قيل في سببها.

(وجملة القول) أن الأوهام مرض عام مكروبه منتشر في كل مكان إلا أن المتعلم العاقل يقوى عليه فيضعفه، وغيره لا يقوى عليه فيصبح مرتعًا له يسرح فيه ويمرح، يشهد لذلك ما هو مشاهد بين العامة لاستعدادهم لتأثير الخرافات والأوهام، وما ذاك إلا لشدة انغماسهم في الجهالات وسقوطهم في مهاوى الضلالات، وأكثر أوهامهم في المسائل الدينية، وخرافاتهم في السائك العمومية، وما ذكرناه قليل من كثير عليه العامة، ومن خالطهم عرف من أوهامهم وخرافاتهم أشياء كثيرة.

وبالله تعالى التوفيق.

‌خَاتمَة

من نظر فيما عليه الناس في هذا الزمان وجد أنهم قد بعدت مسافة الخلف بينهم وبين السلف الصالح، فقد ترك الناس السنة، ومالوا إلى البدعة وتحاوزوا حدود الشريعة، وأحدثوا في الدين ما ليس منه، ولم يقفوا في الابتداع عند حد، حتى لقد ابتدعوا في شعائر الدين وصور العبادات التى كان يجب الاقتصار فيها على ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يفوزوا بإحسان الله ورضوانه، ولقد طغى سيل البدع حتى خفيت به معالم كثير من السنن، وصار من الصعب على كثير من الخواص تمييز السنة عن البدعة، فما ظنك بالعوام الذين لم يمارسوا السنة ولم ينهلوا من موارد الشريعة الصافية، فإن هؤلاء إنما

ص: 441

يدينون بما ورثوه عن آبائهم وأسلافهم من العادات والبدع والتقاليد وإن أنكرته الشريعة، ولقد تمكنت هذا العادات والبدع من نفوسهم وصار لها السلطان القوى على أفئدتهم وعقولهم لكثرة مزاولتهم لها وإلفهم إياها، فأصبحوا لا تنقاد نفوسهم للنصيحة، وإذا قيل لهم: إن الشريعة تأمر بكذا ممَّا يخالف عاداتهم أو تنهى عن كذا ممَّا عليه العادة! قالوا: ولكن العادة على خلاف ذلك، وليس لنا إلا اتباع العادات:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}

(1)

.

وممَّا زاد في سوء الحالة سكوت السادة العلماء على كثير من البدع وإقرارهم لها خوفًا من أذى العامة أوعدم قبولهم للنصيحة، وإهمال نشر تعاليم الدين الصحيحة بين الناس حتى هان الدين على النفوس، فإذا دعاهم داع إلى إحياء السنة وإماتة البدعة قالوا: {

قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ

}

(2)

والناس أحباء ما ألفوا، أعداء ما جهلوا.

ولقد علمتنا سنة الله في خلقه أن كل قانون أو نظام لا يكون له من القوة سياج يحميه ويدفع عنه، ويمنع عبث العابثين به، فإنه لا يلبث أن تتعطل أحكامه، وتنطمس آثاره، وتتبدل معالمه وتتوارى محاسنه، ويهون مكانه على النفوس فيقل أخذ الناس به ويشتد انصرافهم عنه مهما كان كافلًا لمصالحهم، محققًا لسعادتهم وصلًا بهم إلى خيرى الدنيا والآخرة، ذلك بأن النفوس نزاعة إلى الهوى وثابة إلى الشهوات، ومن شيمتها الإخلاد إلى ما ألفته من العادات؛ لهذا كان من اللازم

النشاط في الدعوة إلى الله تعالى، وأن يكون من وراء هذه الدعوة قوة تؤيدها وتدافع عنها، ولهذا جاءت الشريعة الغراء بالحدود والزواجر والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وما يزع الله بالسلطان أكثر ممَّا يزع بالقرآن.

فواجب على العلماء أن يؤدوا الأمانة، وأن يشمروا عن ساعد الجد لهداية الناس وإرشادهم إلى سنن الدين، أن يبينوا للناس ما أنزل الله من البينات من والهدى، فتحيا السنة وتموت البدعة، ويحيا الدين وتسعد الأمة، وواجب على ولاة المسلمين وأمرأئهم أن يشدوا أزر العلماء وأن

(1)

[سورة البقرة: الآية 170].

(2)

[سورة فصلت: الآية 5].

ص: 442

ينصروا الدين ويقيموا حدود الله، ويضربوا على أيدى العابثين بأحكام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: فإنهم عن ذلك مسئولون بين يدى أحكم الحاكمين يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.

أما إذا فرط العلماء، وتهاون الحكام والولاة وتركوا حبل الناس على غاربهم حتى استبيحت المحرمات، وراجت سوق البدع والمنكرات، فهناك يظهر الفساد وتفشو المناكر بين العباد ويعم الظلم جميع البلاد وهنالك تكون الطامة، وتحق عليهم كلمة العذاب {

حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}

(1)

.

رب إن الهدى هداك، والخير بيديك، ولا ملجأ منك إلَّا إليك، رغبة ورهبة إليك، فيارب اهد الأمة إلى محاسن دينك، ووفقها للعمل بسنة نبيك وقيض لها من العلماء العاملين، والأخيار المخلصين والهداة المرشدين والولاة المتقين، من يوضح لها الحجة، ويحملها على المحجة، ويهديها الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهما ولا الضالين آمين.

اللهم يا من إحسانه فوق كل إحسان، يا من لا يعجزه شيء، يا كثير المعروف يا دائم الإحسان نسألك من كرمك الواسع وجودك الفياض، أن ترزقنا السلامة والعافية في ديننا ودنيانا مع التوفيق لصالح الأعمال، وأن تملأ قلوبنا بمحبتك ومحبة رسولك المصطفى صلى الله عليه وسلم، والإخلاص لعزة جلالك، وأن تمن علينا بالقبول والرضوان يا رحمن يا رحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكان الفراغ من تأليفه صباح يوم الجمعة (16) من جمادى الثانية عام (1341 هـ).

المؤلف

علي محفوظ

‌تقاريظ العلماء للكتاب

(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ‌

‌ الشيخ دسوقي العربي المالكي

، أحد هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى الكل وصحابته الهادين إلى الصراط

(1)

[سورة الأنعام: الآية 31].

ص: 443

المستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسله عز وجل إلى الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة وحض على اتباع السنة، ونهى عن اتباع البدعة، فجزاه الله عن الأمة خير الجزاء وأفاض عليه من الكمالات ما لا يعلم كنهه إلَّا الله.

(أما بعد) فقد اطلعت على بعض من كتاب "الإيداع في مضار الابتداع" لحضرة مؤلفه الفاضل واعظ المسلمين، وأستاذ المرشدين الأستاذ العلامة الشيخ على محفوظ من علماء الجامع الأزهر الشريف والمدرس بقسم التخصص (في مجموعة الوعظ والخطابة) فراقنى مطلعه وما رأيته منه، وشاقنى ذلك إلى الإتيان على آخره بيد أن ثقتنا بالأستاذ وعلمنا بماضيه في هذا السبيل تجعلنا نجزم بأن كتابه هذا خير كتاب ظهر للناس في موضوعه. فقد جمع ما لم يحوه كتاب على صغر حجمه، مع متانة في الأسلوب، وسلاسة في العبارة وصحة النقل ودقة الاستنتاج، ولا عجب فالأستاذ خير واعظ فيما نعلم، وسيد المرشدين في زماننا، والشئ من معدنه لا يستغرب.

(وعلى الجملة) فقد نصب الأستاذ نفسه لإرشاد الناس وهدايتهم، والحث على التمسك بالسنة والتنفير من البدعة، وكان يتحين لذلك الفرص مع ما هو منوط به من الدروس الأزهرية ولم يحمله على هذا سوى الرغبة الصادقة في اتباع الدين القويم وإخراج الناس من ظلمة الجهالة والابتداع إلى نور العلم واليقين. وقد أمضى في ذلك السبيل زمنًا طويلًا، فلئن حكمنا بأن كتابه هذا خير كتاب أخرج للناس في بابه فلسنا بمغالين ولا مداحين، فجزى الله مؤلفه الفاضل خير الجزاء، وجعله قدوة حسنة للعلماء، ونفع بكتابه النفع العميم آمين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

دسوقى عبد الله العربي

(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ‌

‌ يوسف الدجوى المالكى

، أحد هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الهادى إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ذى الخلق العظيم، والمنهج القويم،

ص: 444

وعلى آله وصحبه وعترته وحزبه الذين أظهروا الشعائر، وأحيوا السنة وحاربوا البدع والكبائر أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.

(أما بعد) فإن أفضل أعمال البر، وأحسن خصال الخير، الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والوعظة الحسنة، والإرشاد إلى محجة الهداية والفلاح؛ ولما كان ذلك لا يتم في هذا العصر الذى طمى فيه سيل البدع والأهواء، وكادت تنطمس فيه معالم الشريعة السمحة الغراء إلا بتحديد الفرق بين البدعة والسنة وبيان ما في الاتباع من سعادة وخير، وما في الابتداع من شقاء وضير، مست الحاجة إلى كتاب في أصول البدع وفروعها، وبيان مساويها ومضارها، ليكون عدة للواعظ في مهمته، ونبراسًا يضئ له وجه الصواب في دعوته، وقد اطلعت على مواضع من هذا السفر الجليل المسمى بـ" الإبداع" الذى وضعه العلامة الفاضل، والأستاذ الكامل الشيخ على محفوظ فوجدت فيما رأيت خير كتاب جمع إلى تحقيق المباحث عذوبة الألفاظ وحسن الترتيب، ولا غرو، فالأستاذ من أجل علماء البرهان، وفرسان حلبة البيان، وخير المرشدين وأجل الواعظين البرزين، ولا تزال طائفة من الأمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله، نفع الله المسلمين بهذا الكتاب ومؤلفه وجزاه عن الإسلام خير الجزاء، إنه سميع الدعاء.

يوسف الدجوى

من هيئة كبار العلماء

(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ‌

‌ الدينارى الشافعى

، شيخ معهد طنطا ومن هيئة العلماء بالأزهر الشريف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذى أنعم على عباده لنعمة الإيمان والإسلام، وأرشدهم إلى سبيل الرشاد على لسان أنبيائه -عليهما الصلاة والسلام- واصطفى من الأمة الإسلامية مرشدين هادين، بينوا الحق من الباطل، وميزوا الخبيث من الطيب، يلقون أحكامه، ويرشدون إلى سبيل السعادة، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه.

(أما بعد) فإن الأمة الإسلامية قد تركت سالف مجدها وسنة نبيها وسارت في طريق البدع والأهواء وأصبحت فرقًا وشيعًا، ركبت رأسها، وكأنها نبذت كتاب الله وراء

ص: 445

ظهرها، وهذا لا شك سبيل إن تمادت فيه تلاشت، نتيجة لازمة للتفريق خصوصًا في الدين الذى هو ملاك الأمر كله؛ وقد أمر الله سبحانه علماء الأمة أن يأخذوا على أيديها بالإرشاد إلى السنة الصحيحة وأن يدلوا لها بالحجة والبرهان حتى يؤدوا أمانة الله التى وضعها في أعناقهم.

وقد قام بهذا الواجب الشيخ الكبير، والعلامة الخطير (الشيخ على محفوظ) فألف كتابًا أسماه "الإبداع في مضار الابتداع" وقد تصفحته فوجدته الغاية المطلوبة، والضالة المنشودة، بين فيه طريق الكتاب والسنة، وأرشد إلى التمسك بهما، وبين البدع، ونهى عن ارتكابها، بأوضح مبنى، وأجزل معنى، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، ووفقه لنفع الإسلام والمسلمين.

(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ‌

‌ محمد العناني المالكي

، من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله مبدع الكائنات، والصلاة والسلام على أفضل من نهى عن اتباع البدع والضلالات، وعلى آله أعلام الهداية، وأصحابه البعيدين عن الغواية.

(أما بعد) فقد اطلعت على كتاب "الإيداع" لحضرة مؤلفه النابغة أخينا القدوة الشيخ على محفوظ فألفيته كتابًا قد تحقق ياسمه، فلقد أبدع فيه مؤلفه أيما إبداع، فكم من آيات بينات استشهد بها! وكم من أحاديث احتج بها! وكم ضرب الأمثال وساق الحكم! وعلى الجملة فلما يدع طريقًا صحيحة إلا وأتى عليها، ولا تالدًا نافعًا إلا وضمه إليه فهو كتاب جمع إلى سلامة العبارة وصحة النقل حسن البيان، ومتانة الأسلوب ودقة المعنى، كتاب يصلح أن يكون مرشدًا لمن أراد أن يتعلم صناعة الوعظ النافع، هاديًا لمن أراد أن يهتدى بهديه، ويستنير بضيائه وكنت ممن يسمع بفضل الأستاذ وطول باعه، سيما في هذا الباب من الكتاب ولكن حينما نظرت كتابه هذا قلت: فما راء كمن سمعا، فليس ببدع أن يسمى كتابه بـ"بالإبداع" فإنه الجدير بأن يسمى "المرشد إلى الطريق القويم، والهادى إلى الصراط المستقيم"، نفع الله به المسلمين، وأجزل لمؤلفه الثواب وجعله مثالًا صالحًا وقدوة حسنة للعلماء آمين.

كتبه الفقير إلى الله تعالى

محمد عبد الفتاح العنانى المالكي

من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف

ص: 446

(تقريظ) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ‌

‌ إبراهيم صقر الميهى الشافعي

، المدرس بالقسم العالى بالأزهر الشريف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، والصلاة والسلام على خير الأنام سيدنا محمد وعلى آله وحزبه.

(وبعد) فقد تصفحت بعض هذا الكتاب المسمى بـ"الإبداع" لحضرة مؤلفه العلامة الذى له في الإرشاد والوعظ باع وأى باع، فوجدته قد ضم إلى ما شيده من المعانى، عذوبة العبارة ولطف المبانى حتى كاد يأخذ بسحره الألباب وينهض بالواعظين والموعوظين إلى أسد طريق أحسن باب، فهو جدير بإقبال الناس إليه، جمع المعاني والمحاسن بين يديه، ولا غرو إذ عم صيت مؤلفه الأقطار، وبدا كالشمس في رابعة النهار، فجزاه الله عن الدين والعلماء خيرًا ووفق الجميع لتشييد دعائم الدين، وقطع ألسنة الملحدين، والمريدين به شرًّا، إنه سميع الدعوة، وكاشف الغمة عن الأمة.

إبراهيم صقر الميهى

وكتب السيد‌

‌ محمد رشيد رضا

في مجلة المنار تقريظًا للكتاب قال: كتاب جديد صنفه أخونا الأستاذ الشيخ على محفوظ من تلاميذ الأستاذ الإمام، وقد ذكر في آخر الطبعة الثانية سبب إعادة طبعه فقال: لما ولى حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الأكبر الشيح محمد مصطفى المراغى مشيخة الجامع الأزهر الشريف ورياسة مجلسه الأعلى كان من باكورة أعماله الحكيمة أن وجه -حفظه الله- عنايته إلى إصلاح قسم الوعظ والخطابة ومناهجه إصلاحًا يكفل للطلاب النبوغ في هذا الفن ويتناسب مع روح العصر الحاضر فأدخل تعديلًا رشيدًا في مواد الدراسة، وأضاف إلى مادة البدع والعادات زيادات ذات شأن، وقد عرض على مجلس الأزهر الأعلى مذكرة بشأن هذا الإصلاح فوافق عليه في جلسة يوم الثلاثاء (13) ربيع الأول سنة (1347) وقد طبع هذا الكتاب للمرة الثانية في ذى الحجة من السنة المذكورة وهى تمتاز عن الطبعة الأولى بتنقيحات مفيدة مع تلك الزيادات التى أقرها المجلس الأعلى في الجلسة المذكورة.

ص: 447

وهو مؤلف من مقدمة وبابين وخاتمة - وفى المقدمة مبحثان: الأول إخبار الصادق المصدوق بغربة الدين، والثاني: الحث على التمسك بالدين، وإحياء السنة النبوية، والباب الأول في النظر في البدع من جهة الأصول والقواعد وفيه سبعة فصول، وجله مستمد من كتاب "الاعتصام" للشاطبي، والباب الثانى في النظر في البدع من جهة فروعها، وفيه اثنا عشر فصلًا: بدع المساجد - بدع المقابر والأضرحة - بدع الجنائز والمآتم - بدع الموالد - منكرات الأفراح - بدع الأعياد والمواسم- البدع التى تقع في العبادات- بدع أرباب الطرق المتصوفة- يدع الاعتقادات - بدع الضيافة والولائم - بدع المعاشرة والعادات - خرافات العامة وأوهامهم، وفى كل فصل من هذه الفصول مسائل كثيرة لخص فيها كتاب "المدخل"، وزاد عليه ما حدث بعده من منكرات العادات وبدع الضلالات.

ولم تكن كتابته لهذه المباحث كتآليف أكثر المتأخرين التى لا تعدو اختصار أحدهم لكتاب غيره وشرح آخر لبعض المختصرات من المطولات، هو تصنيف جديد حملته عليه حاجة العصر إليه وكان له فهم ورأى فيما ينقله عن غيره.

وجملة القول: إن هذا الكتاب من الكتب النافعة الجديرة بالانتشار، فهو خير من كثير من الكتب التى ينقل عنها.

‌مُؤَلفات الفَقِيد

* "هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة".

* "الإبداع في مضار الابتداع".

* "الأخلاق الإسلامية".

* "الخطابة".

وتطلب من نجل المؤلف محمد جمال الدين على محفوظ بالمنزل رقم (10) بشارع الأمير بشير بالحلمية الجديدة ومن دار الكتاب العربي والمكاتب الكبيرة.

ص: 448