المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

شرح سنن النسائي المسَمَّى ذخيرة العقبى فى شرح المجتبى لجامعة الفقير إلى مولاه الغني - ذخيرة العقبى في شرح المجتبى - جـ ١٠

[محمد بن علي بن آدم الأثيوبي]

فهرس الكتاب

شرح

سنن النسائي

المسَمَّى

ذخيرة العقبى فى شرح المجتبى

لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير

محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوي

المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة

عفا الله عنه وعن والديه آمين

الجزء العاشر

دَار آل بُروم

للنشر والتوزيع

ص: 1

بسم الله الرحمن الرحيم

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى

1420 هـ - 1999 م

دَار آل بروم للنشر والتوزيع

المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم

صَ بُ: 4145 - (تلفاكس 5211545 - جوال 055541026)

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحيم

11/ 9/ 1420 هـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فأنا المدعو محمد بن علي بن آدم بن موسى الأتيوبي مؤلف كتاب شرح سنن النسائي المسمى "ذخيرة العقبي في شرح المجتبي" أقرّ بأني أذنت لدار آل بروم وصاحبها الشيخ علي بن محمد آل بروم بطبع الكتاب المذكور أعلاه ونشره بشرط أن يلتزم ويقوم بنشر الكتاب علي الوجه المطلوب، ويلتزم بالشروط التي بيننا، وأنه لا يجوز لأيّ دور نشر أن تتولى طبع الكتاب، ولا أيّ جزء منه، ولا تقوم بنشره إلا بإذن من صاحب المكتبة المذكورة، وعلى ذلك أوقع والله تعالى شهيد على ما أقول.

ص: 3

بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 4

‌8 - صَلَاةُ الإِمَامِ خَلْفَ رَجُلٍ مِنْ رَعيَّتِهِ

أي هذا باب ذكر الحديثين الدالّين على جواز صلاة الإمام خلف أحد رعيته.

وأراد بهذا أن النهي الذي تقدم في حديث أبي مسعود رضي الله عنه: "ولا تَؤُمَّ الرجلَ في سلطانه

" مقيد بعدم إذنه، فإذا أذن فلا مانع من أن يصلي إماماً له، بدليل حديث الباب، وقد تقدم ترجيح كون الاستثناء في قوله: "إلا أن يأذن لك". راجعاً إلى الجملتين؛ جملة "ولا تؤم الرجل في سلطانه"، وجملة "ولا تَقْعُدْ على تكرمته". فراجع تحقيق ذلك في (3/ 780) تستفد. وبالله تعالى التوفيق.

785 -

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: آخِرُ صَلَاةٍ صَلاَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ الْقَوْمِ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُتَوَشِّحًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ.

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(علي بن حُجْر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار [9]، مات سنة 244 وقد قارب 100 سنة أو جاوزها، أخرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، تقدم في

ص: 5

13/ 13.

2 -

(إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقِيّ، أبو إسحاق القارىء المدني، ثقة ثبت، مات سنة 180، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 16/ 17.

3 -

(حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس، مات سنة 142 ويقال: 143 وله 75 سنة، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 87/ 108.

4 -

(أنس) بن مالك الأنصاري الصحابي المشهور رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله، وهو [48] من رباعيات الكتاب.

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.

ومنها. أنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فلم يخرج له أبو داود، وابن ماجه.

ومنها: أنهم ما بين مروزي؛ وهو شيخه؛ ومدني، وهو إسماعيل، وبصريين؛ وهما حميد وأنس.

ص: 6

ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى 2286 حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة 92 أو 93 رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه، أنه (قال: آخر صلاة) مبتدأ، خبره جملة "صلى في ثوب واحد"، ويحتمل أن يكون "آخر" منصوباً على الظرفية متعلقاً بـ "صلى"(صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم) جملة في محل جر صفة لـ "صلاة"(مع القوم) منصوب على الظرفية متعلق بحال مقدر، أي حال كونه كائناً مع القوم، أي مع الصحابة الذين يصلون جماعة في المسجد.

والصلاة المذكورة هي الظهر، كما صرح به في حديث عائشة رضي الله عنها، وسيأتي برقم (40/ 834).

قال الجامع عفا الله عنه: فإن قيل: هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها، قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بـ {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} ثم ما صلى لنا بعدُ حتى قبضه الله". وهذا لفظ البخاري.

وفي رواية له: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن أم الفضل

ص: 7

سمعته، وهو يقرأ {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} فقالت: يا بُنَيّ والله لقد ذكّرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرأ بها في المغرب". وسيأتي للمصنف رحمه الله (63/ 985) بلفظ:"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته المغرب، فقرأ {وَالْمُرْسَلَاتِ} ما صلى بعدها صلاة، حتى قُبِضَ صلى الله عليه وسلم".

أجيب: بأنه لا تعارض بينهما لأنه يحمل حديث أنس رضي الله عنه على أن تلك الصلاة آخر بالنسبة للمسجد، ويحمل حديث أم الفضل رضي الله عنها على أنها آخر بالنسبة للبيت. كما صرح به في رواية المصنف المذكورة.

قال الحافظ رحمه الله: لكن يعكر عليه رواية ابن إسحاق، عن ابن شهاب في حديث أم الفضل رضي الله عنها بلفظ: "خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عاصب رأسه، في مرضه، فصلى المغرب

" الحديث. أخرجه الترمذي. قال: ويمكن حمل قولها: "خرج إلينا" أي من مكانه الذي كان راقداً فيه إلى مَن في البيت، فصلى بهم، فتلتئم الروايات. اهـ

(1)

.

(صلى في ثوب واحد) فيه جواز الصلاة في ثوب واحد، وقد تقدم البحث عنه مُستَوفىً في شرح حديث رقم (14/ 763) فراجعه تستفد.

(1)

فتح جـ 2 ص 293.

ص: 8

(متوشحاً) حال من فاعل "صلى" أي حال كونه مخالفاً بين طرفيه.

قال ابن سيدَهْ: والتوشح: أن يتّشِحَ بالثوب، ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره. وقال أبو منصور: التوشح بالرداء مثل التأبط، والاضطباع، وهو أن يُدخل الثوب من تحت يده اليمنى، فيلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعله المحرم

(1)

.

(خلف أبي بكر) ظرف متعلق بـ "صلى" وهذا صريح في كون أبي بكر رضي الله عنه هو الإمام في تلك الصلاة. وهو الذي ترجم عليه المصنف رحمه الله تعالى.

وقد اختلفت الروايات هل كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمامَ، أم أبو بكر رضي الله عنه هو الإمام؟ فجماعة قالوا: الذي رواه البخاري، ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمامَ، إذ جلس عن يسار أبي بكر رضي الله عنه، ولقوله:"فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً، يقتدي به". فكان أبو بكر مبلغاً؛ لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان.

وجماعة قالوا: كان أبو بكر رضي الله عنه هو الإمامَ، لما رواه

(1)

لسان جـ 6 ص 4841.

ص: 9

شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر". وفي رواية مسروق عنها: "أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر جالساً في مرضه الذي توفي فيه". وروي حديث عائشة رضي الله عنها بطرق كثيرة في الصحيحين، وغيرهما، وفيه اضطراب غير قادح.

قال البيهقي رحمه الله: لا تعارض في أحاديثها، فإن الصلاة التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم إماماً هي صلاة الظهر يوم السبت، أو يوم الأحد، والتي كان فيها مأموماً هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج من الدنيا.

وقال نعيم بن أبي هند: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، وليس فيها تعارض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إماماً، وفي الأخرى كان مأموماً.

وقال الضياء المقدسي، وابن ناصر: صح، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلفه مقتدياً به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل، لا علم له بالرواية، وقيل: إن ذلك كان مرتين جمعاً بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام

(1)

.

(1)

انظر عمدة القاري جـ 5 ص 191.

ص: 10

قال الجامع عفا الله عنه: حمل الاختلاف على تعدد الواقعة هو الأولى في الجمع بين أحاديث الباب. وسيأتي مزيد بسط للمسألة في (40/ 833، 834) إن شاء الله تعالى.

تنبيه:

حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (8/ 785)، وفي الكبرى (8/ 860) بالسند المذكور.

وما ترجم له المصنف واضح من قوله: "خلف أبي بكر". والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

786 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ، يَذْكُرُ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رضى الله عنها: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى لِلنَّاسِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّفِّ.

رجال هذا الإسناد: سبعة

1 -

(محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة حافظ،

ص: 11

مات سنة 252، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 64/ 80.

2 -

(بكر بن عيسى) الراسبي -بمهملة، ثم موحدة- أبو بشر البصري، ثقة، من [9]. روى عن شعبة، وأبي عوانة، وجامع بن مطر. وعنه أحمد -وأحسن الثناء عليه- وبندار، وأبو موسى، وغيرهم. قال النسائي. ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن عدي. مات سنة 204، أخرج له المصنف فقط.

(وقوله: صاحب البصري) هكذا وقع عند المصنف، و"تت"، و"تك":"صاحب البصري" ووقع في "ت" و"صة": البصري؛ بدون لفظ "صاحب" وهو واضح

(1)

.

ثم الظاهر أنه نسبة إلى البصرة البلدة المعروفة بالعراق، وقد صرح به ابن حبان رحمه الله في كتابه "الثقات" جـ 8 ص 149؛ فقال: إنه من أهل البصرة.

فما وقع في نسخ المجتبى من ضبطه بالقلم "صاحب البُصْرَى" -بضم الباء، آخرها ألف التأنيث المقصورة، غير صحيح؛ لأن بصرى -بالضم، مقصوراً- بلد بالشام، وليس هو منها، بل هو من أهل البصرة التي بالعراق، كما صرح به ابن حبان. والله تعالى أعلم.

(1)

أما مع لفظ "صاحب" ففيه ركاكة، ولعل الياء تصحفت من تاء البصرة، وحقه "صاحب البصرة". فالله أعلم.

ص: 12

3 -

(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 26.

4 -

(نعيم بن أبي هند) اسم أبيه النعمان بن أشيم الأشجعي الكوفي، ثقة رمي بالنصب، مات سنة 110، من [4].

روى عن أبيه، وله صحبة، ونُبَيط بن شَرِيط، ورِبْعِي بن حِرَاش، وسُوَيد بن غَفَلَةَ، وأبي وائل، وأبي حازم الأشجعي، وابن سمرة بن جندب، وعنه ابن عمه أبو مالك، سَعْد بن طارق الأشجعي، وسلمة ابن نبيط، وسليمان التيمي، ومُغيرة بن مِقْسَم، وشعبة، وغيرهم.

قال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. قال أبو حاتم الرزاي: قيل لسفيان الثوري. مالك؟ لَمْ تسمع من نعيم بن أبي هند؟ قال: كان يتناول علياً رضي الله عنه. وقال ابن سعد: توفي في ولاية خالد القسري، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي ثقة. قال عمرو بن علي: مات سنة 110، علق له البخاري، وأخرج له مسلم، وأبو داود في مراسيله، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

5 -

(أبو وائل) شقيق بن سَلَمَة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة، تقدم في 2/ 2.

ص: 13

6 -

(مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، مات سنة 62، أو 63، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 90/ 112.

7 -

(عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها، أخرج لها الجماعة، تقدمت في 5/ 5. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى.

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا بكر ابن عيسى، فمن أفراده، وإلا نعيم بن أبي هند، فعلق عنه البخاري، وأخرج له أبو داود في مراسيله، وأن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيون، إلا عائشة، فمدنية.

ومنها: أن شيخه هو أحد التسعة الذين أخذ عنهم أصحاب الأصول بغير واسطة، وتقدموا غير مرة.

ومنها: أن بكراً، ونعيماً، هذا الباب أول محل ذكرهما من الكتاب.

ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ نعيم، عن أبي وائل، عن مسروق.

ومنها: أن فيه عائشة رضى الله عنها من المكثرين السبعة، روت

ص: 14

2110 أحاديث.

ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والسماع، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر) الصديق رضي الله عنه (صلى للناس) أي إماماً لهم، أو اللام بمعنى الباء، كما تقدم (ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أنه صلى الله عليه وسلم كائن في الصف، يصلي مقتدياً به.

ولابن خزيمة في صحيحه: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه".

وظاهر رواية عائشة رضي الله عنها هذه تدل على كون أبي بكر هو الإمام في تلك الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو المأموم، وهي موافقة لرواية أنس رضي الله عنه المذكورة في الحديث الماضي.

وسيأتي بيان اختلاف الروايات عن عائشة رضي الله عنها، ووجه التوفيق بينها في "باب الائتمام بالإمام يصلي قاعداً"(40/ 832) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

ص: 15

حديث عائشة رضي الله عنها هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا (8/ 786)، وفي "الكبرى"(8/ 861) عن محمد بن المثنى، عن بكر بن عيسى، عن شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عنها.

وأخرجه الترمذي في "الصلاة" عن محمود ين غيلان، عن شبابة بن سوّار، عن شعبة له. وابن خزيمة برقم (1620).

وما ترجم له المصنف رحمه الله واضح من قوله: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف" إذ معناه أنه مقتد به، وقد صرح في رواية ابن خزيمة بأنه خَلْفَهُ، كما تقدم، ولا يكون خلفه إلا إذا كان مقتدياً به. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 16

‌9 - إِمَامة الزَّائِر

أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على النهي من إمامة الزائر للمزور. وهو مقيد بعدم الإذن، لما تقدم في حديث أبي مسعود رضي الله عنه:"إلا أن يأذن لك".

وقد ترجم البخاري رحمه الله "بابٌ إذا زار قوماً، فأمَّهُمْ". ثم أورد حديث عتبان بن مالك الآتي في الباب التالي.

قال الحافظ رحمه الله:

قوله: "باب إذا زار قوماً، فأمهم"، قيل: أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه أبو داود، والترمذي، وحسنه مرفوعاً:"من زار قوماً، فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم". محمول على من عدا الإمام الأعظم.

وقال الزين بن المنير: مراده أن الإمام الأعظم، ومن يجري مجراه إذا حضر بمكان مملوك لا يتقدم عليه مالك الدار، أو المنفعة، ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له، ليجمع بين الحقين، حق الإمام في التقدم، وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه. انتهى ملخصاً.

وقيل إنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعود المتقدم: "ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجْلَسُ على تكرمته إلا بإذنه"، فإن مالك الشيء سلطان عليه، والإمام الأعظم سلطان على المالك. وقوله:"إلا بإذنه"، يحتمل عوده على الأمرين، الإمامة، والجلوس. وبذلك جزم أحمد،

ص: 17

كما حكاه الترمذي عنه، فتحصل بالإذن مراعاة الجانبين. انتهى كلام الحافظ

(1)

. والله تعالى أعلم.

787 -

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَطِيَّةَ مَوْلًى لَنَا، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا زَارَ أَحَدُكُمْ قَوْمًا فَلَا يُصَلِّيَنَّ بِهِمْ".

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، مات سنة 240، من [10]، أخرج له الترمذي والنسائي، تقدم في 45/ 55.

2 -

(عبد الله) بن المبارك الحنظلي المروزي الإمام الحجة الثبت، مات سنة 181، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 36.

3 -

(أبان بن يزيد) العطار، أبو يزيد البصري، ثقة له أفراد، مات في حدود سنة 160، من [7].

روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعمرو بن دينار، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، والقطان، ومسلم بن إبراهيم،

(1)

فتح جـ 2 ص 398.

ص: 18

وغيرهم. قال أحمد. ثَبْت في كل المشايخ. وقال ابن معين: ثقة، كان القطان يروي عنه، وكان أحب إليه من همام، وهمام أحب إليّ. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من همام، في يحيى بن أبي كثير. وقال أيضاً: هو أحب إليّ من شيبان.

وقال ابن المديني: كان عندنا ثقة. وقال العجلي: بصري ثقة، وكان يرى القدر، ولا يتكلم فيه. وقال أحمد: هو أثبت من عمران القطان. وذكره ابن عدي في الكامل، وأورد له حديثًا فرداً، ثم قال: له روايات، وهو حسن الحديث، متماسك، يكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قتادة وغيره، وعامتها مستقيمة، وأرجو أنه من أهل الصدق. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه.

4 -

(بُديل بن ميسرة) العُقَيلي

(1)

البصري، ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، من [5].

روى عن أنس، وأبي الجوزاء، وعبد الله بن شقيق، وغيرهم. وعنه قتادة -ومات قبله- وشعبة، وحماد بن زيد، وغيرهم. وثقه ابن سعد، وابن معين، والنسائي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال العجلي: بصري ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات في الطبقة الثالثة. قال البخاري عن علي بن المديني، مات سنة 130، أخرج له مسلم، والأربعة.

(1)

"بُديل" بالضم مصغراً، و"العُقيلي" بالضم مصغراً أيضاً.

ص: 19

5 -

(أبو عطية) مولى بني عقيل، مقبول من [3].

روى عن مالك بن الحويرث حديث الباب فقط. وعنه بديل بن ميسرة. قال أبو حاتم: لا يعرف، ولا يسمى. وقال ابن المديني: لا يعرفونه. وقال أبو الحسن القطان: مجهول. وصحح ابن خزيمة حديثه

(1)

. أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف حديث الباب فقط.

6 -

(مالك بن الحُوَيرث) أبو سليمان الليثي صحابي مشهور نزل البصرة، مات سنة 47 رضي الله عنه، تقدم في 7/ 634. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله ثقات، غير أبي عطية، فمجهول، وأنه مسلسل بالبصريين، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ بديل، عن أبي عطية.

وقوله: "مولى لنا"، وعند أبي داود:"مولى منا". أي لبني عُقَيل؛ لأن بديلاً عُقَيلي، كما مر في ترجمته آنفاً. والله تعالى أعلم،

شرح الحديث

(عن مالك بن الحُويرث) الليثي رضي الله عنه، أنه (قال:

(1)

"ت" 417، "تت" جـ 12 ص 170.

ص: 20

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول) ولأبي داود رحمه الله: عن بديل بن ميسرة، قال: حدثني أبو عطية مولى منا، قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مصلانا هذا، فأقيمت الصلاة، فقلنا له: تقدم، فَصَلِّهْ

(1)

، فقال لنا: قدموا رجلاً منكم يصلي لكم، وسأحدثكم لِمَ لا أصلي بكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من زار قوماً، فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم".

(إِذا زار أحدكم قوماً) يقال: زاره، زِيَارة، وزَوْرًا: قصده، فهو زائر، وزَوْر -بفتح، فسكون- وقوم زَوْرٌ -بفتح، فسكون أيضاً- وزُوَّار، مثلُ سافر، وسَفْرٍ، وسُفَّار، ونسوة زَوْرٌ أيضاً، وزُوَّرٌ، وزائرات، والمَزَار يكون مصدراً، وموضع الزيارة. والزِّيارةُ في العرف: قصدُ المزور إكراماً له، واستئناساً به. قاله في المصباح

(2)

.

(فلا يصلين بهم) بنون التوكيد المشددة، والجملة جواب "إذا".

فيه أن الإمامة حق للمزورين، وأن الزائر منهي عن الصلاة بهم، ولو أذنوا له، وبه قال إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى، وجوزه الجمهور، وهو الحق، كما سيأتي تحقيق ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى.

(1)

الهاء للسكت.

(2)

جـ 1 ص 260.

ص: 21

قال الحافظ العراقي رحمه الله: ويشترط أن يكون المزور أهلاً للإمامة، فإن لم يكن أهلاً كالمرأة في صورة كون الزائر رجلاً، والأمي في صورة كون الزائر قارئاً، ونحوهما، فلا حق له في الإمامة. اهـ

(1)

. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه هذا حسن.

فإن قيل: في سنده أبو عطية مولى بني عقيل، وهو مجهول، كما تقدم عن أبي حاتم وغيره، فكيف يكون حسناً؟

أجيب: بأنه يشهد له حديث أبي مسعود رضي الله عنه المتقدم: "ولا تؤم الرجل في سلطانه"؛ لأن المزور سلطان فيما في يده، فيكون داخلاً في معنى الحديث. والله تعالى أعلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا (9/ 787)، وفي "الكبرى"(9/ 862) بالسند المذكور.

وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسلم بن إبراهيم، عن أبان

(1)

انظر نيل الأوطار جـ 4 ص 57.

ص: 22

ابن يزيد، به. وتقدم لفظه. والترمذي فيه عن هناد، ومحمود بن غيلان، كلاهما عن وكيع، عن أبان به. نحو لفظ أبي داود. وأحمد (3/ 436)، (5/ 53) وابن خزيمة رقم (1520). والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: اختلف أهل العلم في إمامة الزائر؛ فذهب إلى منعه مطلقاً إسحاق بن راهويه، وذهب الجمهور إلى جوازها إذا أذن المزور.

قال الإمام الترمذي رحمه الله: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر.

قال بعض أهل العلم: إذا أذن له، فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق بحديث مالك بن الحويرث، وشدد في أن لا يصلي أحد بصاحب المنزل، وإن أذن له صاحب المنزل. قال: وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم، يقول: يصلي بهم رجل منهم. اهـ كلام الترمذي رحمه الله

(1)

.

وقال المجد ابن تيمية في المنتقى: وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: الراجح قول أكثر أهل العلم، وهو أنه

(1)

جامع الترمذي جـ 2 ص 329 - 340 بنسخة التحفة.

ص: 23

يجوز للزائر أن يؤم بإذن المزور؛ لقوله في حديث أبي مسعود المتقدم: "إلا بإذنه". فقد تقدم أن الصحيح رجوع الاستثناء إلى الجميع، فيكون قيداً لقوله:"ولا تؤُمُّ الرجلَ في سلطانه" وقوله: "ولا تقعد على تكرمته"؛ على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول، وقال به الشافعي وأحمد؛ قالا: ما لم يقم دليل على اختصاص القيد ببعض الجمل، ويعضد التقييد بالإذن عموم ما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:"ولا يحل لرجل يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم" الحديث؛ فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضا المزور. أفاده الشوكاني رحمه الله تعالى

(1)

.

والحاصل أن حديث "إذا زار أحدكم قوماً، فلا يصلين بهم" مقيد بما إذا لم يأذنوا للزائر أن يؤمهم، فأما إذا أذنوا فلا مانع من ذلك؛ لما ذكر. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

(1)

راجع "نيل الأوطار" جـ 3 ص 189.

ص: 24

‌10 - إِمَامة الأعْمَى

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم إمامة الأعمى في الصلاة، وهو الجواز. وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق أقوال أهل العلم في ذلك في "المسألة الخامسة" إن شاء الله تعالى.

ومحل الاستدلال قوله: "كان يؤم قومه، وهو أعمى"، حيث قرره النبي صلى الله عليه وسلم، على ذلك. والله تعالى أعلم.

788 -

أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ، وَالْمَطَرُ، وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِى مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم".

ص: 25

رجال هذا الإسناد: ثمانية

1 -

(هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، أبو موسى الحَمَّال، البزاز، ثقة، مات سنة 243 وقد ناهز الثمانين، من [10]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في 50/ 62.

2 -

(معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدني القزاز، ثقة ثبت، أثبت أصحاب مالك على ما قاله أبو حاتم، مات سنة 198، من كبار [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 50/ 62.

3 -

(الحارث بن مسكين) بن محمد مولى بني أمية، أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه، مات سنة 250 وله 96 سنة، من [10]، أخرج له أبو داود والنسائي، تقدم في 9/ 9.

4 -

(عبد الرحمن بن القاسم) بن خالد بن جُنَادة العُتَقيّ، أبو عبد الله الفقيه المصري، صاحب مالك، ثقة، مات سنة 191، من كبار [10]، أخرج له البخاري، وأبو داود في مراسيله، والنسائي، تقدم في 19/ 20.

5 -

(مالك) بن أنس، الإمام الحجة الثبت المجتهد المدني، مات سنة 179، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 7.

6 -

(ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة الحافظ، مات سنة 125، من [4]، تقدم في 1/ 1.

ص: 26

7 -

(محمود بن الربيع) بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو نعيم، ويقال: أبو محمد المدني، ويقال في نسبه غير ذلك، كان ختن عبادة بن الصامت.

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عتبان بن مالك، وعبادة، وأبي أيوب. وعنه أنس بن مالك، والزهري، ورجاء بن حيوة، ومكحول الشامي، وهانىء بن كلثوم، وأبو بكر بن أنس نزيل بيت المقدس. قال الواقدي، وإبراهيم بن المنذر: مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين.

قال الحافظ: فعلى هذا يكون مولده سنة ست، فيكون عند موت النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين، أو يكون دخل في الخامسة، فقد روى الطبراني بسند صحيح عنه أنه قال: توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا ابن خمس سنين.

وقال ابن حبان في الصحابة. مات سنة تسع، وهو ابن أربع وتسعين، وأكثر رواياته عن الصحابة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: له رؤية، وليست له صحبة. وقال العجلي: ثقة من كبار التابعين. أخرج له الجماعة.

قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أنه صحابي صغير، فقد أخرج البخاري في صحيحه عنه أنه عقل من النبي صلى الله عليه وسلم مَجَّة مَجّها في وجهه، من دلو، من بئر، كانت في دارهم، وهو ابن خمس سنين. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الطريق الأقوم.

ص: 27

8 -

(عتبان

(1)

بن مالك) بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري السَّلَمِيّ البدري. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه أنس، ومحمود بن الربيع، والحصين بن محمد السالمي، وأبو بكر بن أنس بن مالك. قال ابن عبد البر: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين، وذكره غيره، ومات في خلافة معاوية. وذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما

(2)

. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات.

ومنها: أن فيه كتابة "ح" إشارة إلى تحويل السند، فالمصنف رحمه الله روى هذا الحديث عن شيخه هارون بن عبد الله، عن مَعْن بن عيسى، عن مالك، ثم انتقل إلى شيخه الحارث بن مسكين، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك. فكلا الإسنادين يلتقيان في مالك رحمه الله تعالى.

ومنها: قوله. قال: حدثنا الحارث

إلخ ففاعل "قال" ضمير الراوي عن النسائي، والظاهر أنه ابن السني.

(1)

"عتبان" -بكسر العين، ويجوز ضمها. اهـ فتح جـ 2 ص 82.

(2)

"تت" جـ 7 ص 93.

ص: 28

ومنها: قوله: قراءةً عليه، وأنا أسمع، وذلك أنه كان بينه وبين شيخه الحارث بن مسكين منافرة، فمنعه من حضور مجلسه، فكان يستمع إلى تحديثه وراء الحجاب، وقد تقدمت القصة في مقدمة هذا الشرح.

ومنها. قوله: "واللفظ له" أي لفظ الحديث للحارث بن مسكين، وأما هارون فرواه بالمعنى، وقد تقدم البحث عن مثل هذا غير مرة.

ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي، على القول الصحيح من كون محمود صحابياً، كما تقدم. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن محمود بن الربيع) الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه (أن عتبان بن مالك) -بكسر العين، ويجوز ضمها- الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه. وجملة "أن" ومعمولاها في محل نصب مفعول ثان لـ "حَدَّثَ".

فإن قيل: إن ظاهر قوله. "أن عتبان بن مالك" إلخ مرسل، لأن محموداً لم يحضر القصة، لأنه صحابي صغير، ولم يصرح أنه أخذه من عتبان، فلذا قال الكرماني رحمه الله: الظاهر أنه مرسل؛ لأنه لا جزم أن محموداً سمع من عتبان، ولا أنه رأى بعينه ذلك؛ لأنه كان صغيراً عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ.

ص: 29

أجيب -كما قال الحافظ-: بأنه قد وقع التصريح بالتحديث بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب عند أبي عوانة، وكذا وقع التصريح بسماع محمود من عتبان رضي الله عنهما عند البخاري من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن شهاب

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: وسيأتي للمصنف (73/ 1327) من طريق معمر عن الزهري، قال: أخبرني محمود بن الربيع، قال: سمعت عتبان بن مالك يقول: كنت أصلي بقومي بني سالم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

الحديث.

(كان يؤم قومه) قد ساق البخاري رحمه الله في صحيحه هذا الحديث مُطوَّلاً، فقال في "باب المساجد في البيوت": حدثنا سعيد بن عُفَير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ممن شهد بدراً، من الأنصار، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قد أنكرتُ بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي مسجدهم، فأصليَ بهم، وودِدتُ يا رسول الله أنك تأتيني، فتصلي في بيتي، فأتخذَه مُصلىً. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سأفعل إن شاء الله".

(1)

انظر الفتح جـ 2 ص 84، وعمدة القاري جـ 4 ص 167.

ص: 30

قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذنت له، فلم يجلس حين دخل البيت، ثم قال:"أين تحب أن أصلي من بيتك؟ " فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر، فقمنا، فصفنا، فصلى ركعتين، ثم سلم.

قال: وحبسناه على خزيرة

(1)

صنعناها له، قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد، فاجتمعوا، فقال قائل منهم: أين مالك ابن الدُّخَيشِن، أو ابن الدُّخْشُنِ؟ فقال بعضهم: ذلك منافق، لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. قال: فإنا نرى وجهه، ونصيحته إلى المنافقين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله".

وساقه المصنف رحمه الله تعالى أيضاً بطوله في "عمل اليوم والليلة" برقم (1108) فقال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله -يعني ابن المبارك- عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني محمود بن الربيع، زعم أنه عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعقل مَجَّةً مَجَّها من

(1)

بفتح الخاء المعجمة، وكسر الزاي، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الراء، آخره هاء: قال ابن سيده: هي اللحم الغَثّ -بالثاء المثلثة- أي المهزول، يؤخذ، فيقطع صغاراً، ثم يطبخ بالماء، فإذا أميت طبخاً ذُرَّ عليه الدقيق، فعصد به، بشيء، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم. وقيل غير ذلك. اهـ عمدة القاري جـ 4 ص 168.

ص: 31

دَلْوٍ كانت في دارهم.

قال. سمعت عتبان بن مالك الأنصاريَّ، ثم أحدَ بني سالم، يقول: كنت أصلي لقومي بني سالم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إني قد أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددت أنك جئت، فصليت في بيتي مكاناً أتخذه مسجداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أفْعَلُ إن شاء الله تعالى".

فغدا عَلَيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال:"أين تحب أن أصلي من بيتك؟ "، فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففنا خلفه، ثم سلم، وسلمنا حين سلم.

فحَبَسْنَاهُ على خَزِيرة صُنِعَ له، فسمع له أهل الدار، فثابوا حتى امتلأ البيت، فقال رجل: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل منا: ذاك رجل منافق، لا يحب الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تقولونه

(1)

يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ "، قال: أما نحن فنرى وجهه وحديثه إلى المنافقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً: "ألا تقولونه

(1)

أي تظنونه، لأن "تقول" تأتي بمعنى "تظن" بشروط، ذكرها ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:

وَكَتَظُنُّ اجْعَلْ تَقُولُ إِنْ وَلِي

مُسْتَفْهَمًا به وَلَمْ يَنْفَصِلِ

بِغَيْرِ ظَرْفٍ أَوْ كظَرْفٍ أَوْ عَمَلْ

وإِنْ ببَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ

وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا

عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوُ قُلْ ذَا مُشْفِقَا

ص: 32

يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ " قال: بلى أرى يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لن يوافي عبد يوم القيامة، وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، إلا حرّم الله عليه النار".

قال محمود: فحدثت قوماً فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته التي تُوفي فيها مع يزيد بن معاوية، فأنكر ذلك عليّ، وقال: ما أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما قلت قَطُّ، فكَبُرَ ذلك عليّ، فجعلت لله عليّ إن سلمني الله حتى أقفل من غزوتي أن أسأل عنها عتبان بن مالك، إن وجدته حيّا، فأهللت من إيلياء بحج وعمرة حتى قدمت المدينة، فأتيت بني سالم، فإذا عتبان بن مالك، شيخ كبير، قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فلما سلم من صلاته جئته، فسلمت عليه، وأخبرته مَنْ أنا، فحدثني كما حدثني به.

(وهو أعمى) جملة في محل نصب على الحال، وهذا صريح في أنه كان أعمى، وهكذا في رواية البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب. لكن الذي ذكره جمهور أصحاب الزهري: أنه قال: "يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي".

قال الحافظ رحمه الله: قوله: "قد أنكرت بصري" كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب، كما للمصنف -يعني البخاري- من طريق إبراهيم ابن سعد، ومعمر

(1)

، ولمسلم من طريق يونس، وللطبراني من طريق

(1)

قلت: طريق معمر تأتي للنسائي من رواية ابن المبارك عنه برقم (73/ 1327).

ص: 33

الزُّبَيْدي، والأوزاعي، وله من طريق أبي أويس:"لَمَّا ساء بصري"، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نَمِر:"جعل بصري يَكِلّ". ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت:"أصابني في بصري بعض الشيء". وكل ذلك ظاهر في أنه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك.

وقد قيل: إن رواية مالك معارضة لرواية غيره. قال الحافظ: وليست عندي كذلك، بل قول محمود:"إن عتبان بن مالك كان يؤم، وهو أعمى" أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم، وبينه قوله في رواية يعقوب:"فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤم قومه". وأما قوله: "وأنا ضرير البصر" أي أصابني فيه ضرّ، كقوله:"أنكرت بصري". ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد أيضاً: "لما أنكرت من بصري".

وقوله في رواية مسلم: "أصابني في بصري بعض الشيء"، فإنه ظاهر في أنه لم يكمل عماه، لكن رواية مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت بلفظ:"أعمى، فأرسل".

وقد جمع ابن خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب، فقال: قوله: "أنكرت بصري" هذا اللفظ يطلق على من في بصره سوء، وإن كان يبصر بصراً ما، وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئاً. انتهى.

قال الحافظ: والأولى أن يقال: أطلق عليه عمى لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في حال الصحة. وبهذا

ص: 34

تأتلف الروايات. والله أعلم

(1)

.

(وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية البخاري: أنه أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري

الحديث. وفي رواية ثابت، عن أنس، عن عتبان عند مسلم أنه بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه ذلك.

قال الحافظ رحمه الله. فيحتمل أن يكون نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازاً، ويحتمل أن يكون أتاه مرة، وبعث إليه أخرى، إما متقاضياً، وإما مذكراً. وفي الطبراني عن طريق أبي أويس، عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم جمعة: لو أتيتني يا رسول الله. وفيه أنه أتاه يوم السبت. وظاهره أن مخاطبة عتبان بذلك كانت حقيقة، لا مجازاً. قاله في الفتح

(2)

.

(إِنها) أي القصة

(3)

(تكون الظلمة)، أي توجد؛ فـ "تكون"

(1)

انظر الفتح جـ 2 ص 83.

(2)

جـ 2 ص 82 - 83.

(3)

ضمير القصة هو الذي يسمى بضمير الشأن، والفرق بينهما أن ضمير الشأن ما كان للمذكر، وضمير القصة ما كان للمؤنث، وهو ضمير تفسِّره جملة بعده، قال الإمام النحوي اللغوي محمد بن مالك في "الكافية الشافية" (من الرجز):

وَمُضْمرُ الشَّأْنِ ضَميرٌ فُسِّرَا

بِجُمْلَةٍ كَإِنَّهُ زيْدٌ سَرَى

للابْتدَا أَوْ نَاسَخَاتَه انْتَسَبْ

إِذَا أَتَى مُرْتَفعًا أَوِ انْتَصبْ

وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوع فِعْلٍ اسْتَترْ

حَتْمًا وَإِلاَّ فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ

فِي بَابِ إِنَّ اسْمًا كَثيرًا يُحْذَفُ

كَإِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ

وِجَائزٌ تَأْنيثُهُ مَتْلُوَّ مَا

أُنِّثَ أَوْ تَشْبيه أُنْثَي أَفْهمَا

وقَبْلَ مَا أُنِّثَ عُمْدَةً فَشَا

تَانيثهُ كَإِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا

انتهى "الكافية الشافية" لابن مالك جـ 1 ص 233 - 234. بنسخة الشرح.

ص: 35

تامة، لا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريري في "مُلْحَتِه":

وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ

فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ

(والمطر، والسيل) عطف على "الظلمة"، وفي رواية البخاري ذكر الظلمة، والسيل، فقط. فقال الكرماني رحمه الله في شرحه: الظلمة هل لها دخل في الرخصة، أم السيل وحده يكفي فيها؟ ثم أجاب بأنه لا دخل لها، وكذا ضرارة البصر، بل كل واحد من الثلاثة عذر كاف في ترك الجماعة، لكن عتبان جمع بين الثلاثة، بياناً لتعدد أعذاره، ليعلم أنه شديد الحرص على الجماعة، لا يتركها إلا عند كثرة الموانع. اهـ

(1)

.

(وأنا رجل ضرير البصر) قال المجد رحمه الله: الضرير: الذاهب البصر، جمعه أضِرَّاء.

وقال ابن منظور: ورجل ضرير بَين الضَّرَارة: ذاهب البصر، والجمع أضِرَّاء، يقال: رجل ضرير البصر، وإذا أضر به المرض، يقال: رجل ضرير، وامرأة ضريرة. وفي حديث البراء:"فجاء ابن أم مكتوم يشكو ضرارته" الضرارة هنا: العمى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن المراد بقوله: "ضرير

(1)

انظر "عمدة القاري" جـ 4 ص 193.

(2)

انظر "ق" ص 550، و"اللسان" جـ 4 ص 2573.

ص: 36

البصر" أنه أصابه فيه ضرّ، بأن حصل له الضعف، لا أنه عمي بالكلية توفيقاً بين الروايات. فتنبه. والله تعالى أعلم.

(فصل يا رسول الله في بيتي مكاناً، أتخذه) بالرفع على الاستئناف، أو على أنه في محل جر صفة لـ "مكان"، وبالجزم على أنه جواب الطلب (مصلّى) بضم الميم، أي موضعاً للصلاة. وفي رواية معمر الآتية:"فلوددت أنك جئت، فصليت في بيتي مكاناً أتخذه مسجداً".

(فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقد تقدم في رواية الطبراني من طريق أبي أويس أن السؤال وقع يوم الجمعة، والتوجه إليه يوم السبت.

وفي رواية معمر الآتية: أنه جاء معه أبو بكر رضي الله عنه.

قال في الفتح: لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره، حتى إن في رواية الأوزاعي:"فاستأذنا، فأذنت لهما"، لكن في رواية أبي أويس:"ومعه أبو بكر، وعمر". ولمسلم من طريق أنس، عن عتبان:"فأتاني، ومن شاء الله من أصحابه".

وللطبراني من وجه آخر عن أنس: "في نفر من أصحابه". فيحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول، أو قبله اجتمع عمر، وغيره من الصحابة، فدخلوا معه. انتهى

(1)

.

(1)

فتح جـ 2 ص 84.

ص: 37

(فقال) صلى الله عليه وسلم: (أين تحب أن أصلي لك؟) وفي الرواية الآتية (73/ 1327): "فغدا عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر رضي الله عنه معه بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي لك من بيتك

" الحديث.

(فأشار) عتبان رضي الله عنه (إِلى مكان من البيت) وفي رواية معمر: "فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه"(فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي ركعتين أصحابه جماعةً، ففي رواية معمر الآتية (46/ 844)، "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصفنا خلفه، فصلى بنا ركعتين".

وفي (73/ 1327). "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففنا خلفه، ثم سلم، وسلمنا حين سلم". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (10/ 788)، وفي "الكبرى"(10/ 863)، عن هارون بن عبد الله، عن معن بن عيسى -وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم- كلاهما عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عنه.

وفي (46/ 844)، و"الكبرى"(46/ 918)، عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب، به.

ص: 38

وفي (73/ 1327)، و"الكبرى"(107/ 1250) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، به.

وفي "عمل اليوم والليلة" برقم (1105) عن أبي بكر بن نافع، عن بهز، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن عتبان بن مالك، ولفظه: "حدثني عتبان بن مالك أنه عمي فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تعالَ، فَخُطَّ لي مسجدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء قومه، وتغيب رجل منهم، يقال له مالك بن الدخشم.

قالوا: يا رسول الله إنه وإنه؛ يقعون فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ " قالوا: إنما يقولها متعوذاً، قال:"والذي نفسي بيده لا يقولها أحد صدقاً، إلا حُرّمت عليه النار".

و (1106) عن محمد بن علي بن ميمون الرَّقّي، عن القعنبي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، به. ولفظه عن عتبان بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فيدخل النار"، أو "تطعمه النار"، قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه، فكتبه.

و (1107) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سليمان بن المغيرة، عن أنس، قال: حدثني محمود بن الربيع، قال: حدثنا عتبان بن مالك، فلقيت عتبان بن مالك، فحدثني به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليس أحد يشهد أن لا إله إلا الله، فتأكله النار"،

ص: 39

أو "فتطعمه النار". قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: أكتبه، فكتبه.

و (1109) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: سألت الحصين بن محمد الأنصاري عن حديث محمود؟ فصدقه. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في مواضع مطولاً ومختصرًا؛ فأخرجه في "الصلاة" عن حبان بن موسى -وفيه وفي "الرقاق" عن معاذ بن أنس- وفي "الصلاة"، وفي "استتابة المرتدين" عن عبدان -ثلاثتهم عن عبد الله بن المبارك، به. وفي "الصلاة" عن إسماعيل، عن مالك- وعن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه -وفيه وفي "المغازي" عن إبراهيم بن سعد- وفيهما عن سعيد بن عفير -وفي "الأطعمة"، وفي "المغازي" أيضاً عن يحيى بن بكير كلاهما عن الليث، عن عقيل- وفي "المغازي" أيضاً عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس -خمستهم عن الزهري، عن محمود بن الربيع به.

ومسلم في "الصلاة" عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس به. وعن محمد بن رافع، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري به. وفي الإيمان عن شيبان بن فَرُّوخ، عن سليمان بن المغيرة به.

ص: 40

وعن أبي بكر بن نافع، عن بهز بن أسد به.

وابن ماجه في "الصلاة" عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، عن إبراهيم بن سعد به.

و"الموطأ" رقم (124)، وأحمد (4/ 43، 44)، (5/ 449، 450)، وابن خزيمة رقم (1230، 1653، 1673، 1654، 1709). والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده

(1)

:

منها: ما ترجم له المصنف وهو جواز إمامة الأعمى.

ومنها: جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون ذلك من الشكوى.

ومنها: بيان أنه كان في المدينة مساجد للجماعة سوى مسجده صلى الله عليه وسلم.

ومنها: جواز التخلف عن الجماعة في الظلمة، والمطر، والسيل، ونحوها من الأعذار.

ومنها: جواز اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي الوارد عن إيطان موضع معين من المسجد، ففيه حديث رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه.

(1)

ليس المراد فوائد المتن الذي ساقه المصنف هنا فقط، بل ما يشمل فوائد الروايات الأخرى التي نبهت عليها في الشرح. فتنبه.

ص: 41

ومنها: تسوية الصفوف.

ومنها: أن عموم النهي المتقدم في الباب الماضي عن إمامة الزائر لمن زارهم، مخصوص بما إذا كان الزائر هو الإمام الأعظم، فلا ينهى عنه، ومثله من أذن له صاحب المنزل.

ومنها: ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيمهم له، وتبركهم بآثاره، والصلاة في المواضع التي صلى فيها.

ومنها: إجابة الفاضل دعوة المفضول.

ومنها: التبرك بذكر المشيئة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"سأفعل إن شاء الله".

ومنها: الوفاء بالوعد.

ومنها: جواز استصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أن الداعي لا يكره ذلك.

ومنها: مشروعية الاستئذان على الداعي في بيته، وإن تقدم منه طلب الحضور.

ومنها: أن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يستلزم وقفيته، ولو أطلق عليه اسم المسجد.

ومنها: جواز اجتماع أهل المحلة على الإمام، أو العالم إذا ورد

ص: 42

منزل بعضهم، ليستفيدوا منه.

ومنها: التنبيه على من يظن به الفساد في الدين عند الإمام على جهة النصيحة، ولا يعد ذلك غيبة، وأن على الإمام أن يتثبت في ذلك، ويحمل الأمر فيه على الوجه الجميل.

ومنها: أن فيه افتقاد من غاب عن الجماعة بلا عذر،

ومنها: أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد.

ومنها: أنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد.

ومنها: مشروعية الجماعة في النوافل.

ومنها: أن المأموم يسلم حين يسلم الإمام.

ومنها: أن رد السلام على الإمام لا يجب.

ومنها: أن العمل الذي يُبْتَغَى به وجه الله تعالى ينجي صاحبه إذا قبله الله تعالى.

ومنها: أن من نَسَبَ من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه، بقرينة تقوم عنده، لا يُكَفَّر بذلك، ولا يُفَسَّق، بل يعذر بالتأويل. والله أعلم، ومنه العون والتوفيق، وعليه التكلان.

المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في إمامة الأعمى:

قال الحافظ أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم

ص: 43

في إمامة الأعمى، فقال كثير منهم: يؤم الأعمى. فممن كان يؤم وهو أعمى ابنُ عباس، وعتبان بن مالك، وقتادة. ثم أخرج بسنده حديثًا عن محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى. وأخرج عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه أمهم في ثوب واحد، وهو أعمى على بساط قد طبق البيت. وأخرج عن الزهري، أنه قال: كان رجال من أهل بدر أصيب أبصارهم يؤمون.

وهو قول القاسم بن محمد، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء ابن أبي رباح، والحسن البصري. وهو قول مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.

وقد روينا عن ابن عباس خلاف القول الأول، فأخرج عن سعيد بن جبير، أنه قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كيف أؤمهم، وهم يعدلوني إلى القبلة -حين عمي. وأخرج عن زياد النميري، أنه أتى أنس ابن مالك قال: قلت: ما تقول في الرجل الضرير يؤم أصحابه؟ قال: وما حاجتهم إليه؟

قال ابن المنذر رحمه الله: إمامة الأعمى كإمامة البصير، لا فرق بينهما، وهما داخلان في ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم:"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" فأيهم كان أقرأ كان أحق بالإمامة. وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه حديثاً. ثم أخرج بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم-

ص: 44

استخلف ابن أم مكتوم على المدينة، يصلي بالناس.

قال: وإباحة إمامة الأعمى كالإجماع من أهل العلم، وقد روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أمهم، وهو أعمى، وليس في قول أنس ابن مالك: وما حاجتهم إليه؟ نهياً عن إمامة الأعمى، فيكونَ اختلافاً. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى

(1)

.

ونقل العلامة الشوكاني رحمه الله أنه قد صرح أبو إسحاق المروزي، والغزالي بأن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير؛ لأنه أكثر خشوعاً من البصير، لما في البصير من شغل القلب بالمبصرات. ورجح بعضهم كون إمامة البصير أولى؛ لأنه أشد توقياً للنجاسة، والذي فهمه المارديني من نص الشافعي رحمه الله أن إمامة الأعمى والبصير سواء في عدم الكراهة؛ لأن في كل منهما فضيلة، غير أن إمامة البصير أفضل؛ لأن أكثر مَن جعله النبي صلى الله عليه وسلم إماماً البصراءُ، وأما استنابته صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم رضي الله عنه في غزاته؛ فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين إلا معذور، فلعله لم يكن في البصراء المتخلفين من يقوم مقامه، أو لم يتفرغ لذلك، أو استخلفه لبيان الجواز. وأما إمامة عتبان ابن مالك رضي الله عنه لقومه فلعله أيضاً لم يكن في قومه من هو في مثل حاله من البصراء. انتهى

(2)

.

(1)

الأوسط جـ 4 ص 152 - 154.

(2)

انظر نيل الأوطار جـ 4 ص 58.

ص: 45

وقال في "المنهل": وإلى أولوية البصير بالإمامة ذهبت الحنفية، والحنابلة، والمالكية؛ قالوا: لأنه أقدر على اجتناب النجاسة، واستقبال القبلة باجتهاده، وهذا هو الأرجح. أما استنابته صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم، فلعدم وجود من يصلح للإمامة بالمدينة غيره إذ ذاك. ولا يرد وجود علي رضي الله عنه في المدينة حين استخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم؛ لأن علياً كان مشغولاً بالقيام بحفظ من جعله صلى الله عليه وسلم حافظاً لهم، عن الأهل، حذراً من أن ينالهم عدوّ بمكروه. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح قول من قال: إنَّ إمامةَ الأعمى والبصير سواء، وإنما يرجح أحدهما على الآخر بالمرجح الذي تقدم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأقدمهم سنّاً .. " الحديث. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.

إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

(1)

المنهل جـ 4 ص 318.

ص: 46

‌11 - إِمَامَةُ الْغُلَامِ قَبْلَ أنْ يَحْتَلِمَ

أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على حكم إمامة الغلام قبل البلوغ.

و"الغلام" -بضم المعجمة- الطارُّ الشاربِ، والكَهْلُ ضِدٌّ، أو من حين يولد إلى أن يَشِبّ، جمعه: أغْلِمَة، وغِلْمَة، وغِلْمَان، وهي غُلامة. قاله المجد

(1)

.

وقال الفيّومي: الغلام: الابن الصغير، وجمع القلة: غِلْمَة -بالكسر، وجمع الكثرة: غِلْمَان، ويطلق الغلام على الرجل مجازاً باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخ، مجازاً باسم ما يئول إليه، وجاء في الشعر: غلامة -بالهاء- للجارية؛ كقول أوس بن غَلْفَاء الهُجَيمي، يصف فرساً (من الوافر):

وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحيٌّ أَبُوهَا

يُهَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ

قال الأزهري: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكراً: غلام، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام، وهو فاش في كلامهم. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: المراد به هنا المميز الذي يعقل أحكام

(1)

"ق" ص 1475.

(2)

المصباح ببعض زيادة جـ 2 ص 452.

ص: 47

الصلاة، لا الصغير الذي لا تمييز عنده، فلا خلاف في عدم صحة الصلاة خلفه، فتنبه.

و"الاحتلام": البلوغ، يقال: حَلَمَ الصبي، يَحْلُم، من باب قتل، واحتلم، يحتلم: إذا أدرك، وبَلَغَ مَبْلَغ الرجال، فهو حالم، ومحتلم. أفاده في "المصباح"

(1)

.

789 -

أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ الْجَرْمِيُّ، قَالَ: كَانَ يَمُرُّ عَلَيْنَا الرُّكْبَانُ، فَنَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ الْقُرْآنَ، فَأَتَى أَبِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَجَاءَ أَبِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا"، فَنَظَرُوا، فَكُنْتُ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ، وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ".

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(موسى بن عبد الرحمن المسروقي) الكندي، أبو عيسى

(1)

جـ 1 ص 148.

ص: 48

الكوفي، ثقة، مات سنة 258، من كبار [11]، أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في 74/ 91.

2 -

(حسين بن علي) بن الوليد الجعفي الكوفي المقرىء، ثقة عابد، مات سنة 203 أو 204، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 74/ 91.

3 -

(زائدة) بن قُدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سُنَّة، مات سنة 160 وقيل: بعدها، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 74/ 91.

4 -

(سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحجة الكوفي، مات سنة 161، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 33/ 37.

5 -

(أيوب) بن أبي تميمة السختياني، الإمام الفقيه الحجة الثبت، مات سنة 131، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 42/ 48.

6 -

(عمرو بن سَلِمَة الجرمي)، أبو بُرَيد، ويقال: يزيد، صحابي صغير نزل البصرة رضي الله عنه، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في 8/ 636.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث عمرو بن سَلِمَة رضي الله عنهما أخرجه البخاري، وقد تقدم شرحه، وما يتعلق به من المسائل برقم (8/ 636) و (16/ 767) مُستَوفًى، فلا حاجة إلى تطويل

ص: 49

الكتاب بإعادته.

وإنما أذكر هنا ما لم يُذكَرْ هناك، وهو ما ترجم له المصنف، من حكم إمامة الغلام قبل أن يحتلم، فأقول.

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف الناس في إمامة غير البالغ؛ فقالت طائفة بظاهر حديث عمرو بن سِلمة.

ثم أخرج بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الأشعث قَدَّمَ غلاماً، فقيل له؟، فقال: إنما أقدم القرآن، وأخرج أيضاً عن عكرمة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنا نأخذ الصبيان من الكُتَّاب، فنقدمهم يصلون لنا شهر رمضان، ونعمل لهم القَلِيَّةَ

(1)

، والخَشْكُنَان

(2)

.

قال: وممن كان يرى ذلك جائزاً، الحسن البصري، وإسحاق، وأبو ثور. وقال الزهري: إن اضطروا إليه أمهم.

وكرهت طائفة إمامة من لم يبلغ، كره ذلك عطاء، والشعبي، ومجاهد، ومالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي. وذكر لأحمد حديث عمرو بن سَلِمَة؟ فقال: دعه، ليس هو شيء بَين، حيث أن نقول

(1)

"القلية" كعطيّة: والجمع قَلَايَا: مرقة تتخذ من لحوم الجزور، وأكبادها. أفاده في اللسان جـ 5 ص 3732.

(2)

"الخَشْكُنَان": خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة، وتملأ بالسكر، واللوز، أو الفستق، وتقلى. فارسي. قاله في المعجم الوسيط 1/ 236.

ص: 50

فيه شيئاً، وقال الأوزاعي: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم، إلا أن يكونوا قوماً ليس معهم من القرآن شيء، فإنه يؤمهم الغلام المراهق. وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم.

وفيه قول ثالث، وهو أن لا تجزىء الجمعة خلف الإمام الذي لم يحتلم، ويؤم في سائر الصلوات. هذا قول الشافعي آخر قوله، وكان يقول إذ هو بالعراق: ومن أجزأت إمامته في المكتوبة أجزأت إمامته في الجُمَع، والأعياد، غير أني أكره في الجُمَع والأعياد إمامةَ غير الوالي.

قال ابن المنذر رحمه الله: إمامة غير البالغ جائزة إذا عقل الصلاة، وقام بها، لدخوله في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يؤم القوم أقرؤهم

"، لم يذكر بالغاً، ولا غير بالغ، والأخبار على العموم، لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع، لا أعلم شيئاً يوجب بدفع حديث عمرو بن سَلِمَة، ويدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله

" تقديم الابن على الأب إذا كان أقرأ منه

(1)

. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره ابن المنذر رحمه الله من جواز إمامة الصبي المميز هو المختار، لقوة دليله. وإمامة عمرو بن

(1)

الأوسط جـ 4 ص 150 - 152.

ص: 51

سلمة أوضح دليل عليه، وأما ما قيل: إنه ليس فيه اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم. فأجيب بأن إمامته بهم كانت في حال نزول الوحي، ولا يقع حالَه التقرير لأحد من الصحابة على الخطأ، ولذا استدل أبو سعيد الخدري، وجابر رضي الله عنهما على جواز العزل بمثل ذلك، فقالا:"كنا نعزل، والقرآن ينزل".

قال العلامة الشوكاني رحمه الله: وقد قيل: إن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة. ورد بأن قوله: "صلوا صلاة كذا في حين كذا". يدل على أن ذلك كان في فريضة. وأيضاً قوله. "فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم". لا يحتمل غير الفريضة؛ لأن النافلة لا يشرع لها الأذان.

ومن جملة ما أجيب به عن حديث عمرو المذكور ما روي عن أحمد ابن حنبل أنه كان يضعف أمر عمرو بن سلمة، روى ذلك عنه الخطابي في المعالم. ورد بأن عمرو بن سلمة صحابي مشهور، قال في التقريب: صحابي صغير نزل البصرة. وقد روي ما يدل على أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم.

وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة في الصلاة، وهو لا يجوز، فهو من الغرائب، وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال

ص: 52

جلوساً. زاد أبو داود "من ضيق الأزر". انتهى

(1)

.

والحاصل أن المذهب الراجح هو جواز إمامة الغلام المميز، لما ذكر. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

(1)

نيل الأوطار جـ 4 ص 65.

ص: 53

‌12 - قِيَامُ النَّاسِ إِذَا رَأوُا الإِمَامَ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية قيام الناس إذا رأوا الإمام.

وهذا هو المذهب الراجح من مذاهب العلماء في هذه المسألة، لحديث الباب، وسيأتي تحقيقه قريباً، إن شاء الله تعالى.

798 -

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي".

رجال هذا الإسناد: سبعة

1 -

(علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [9]، تقدم في 13/ 13.

2 -

(هُشَيم) بن بشير أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس، مات سنة 183 وقد قارب 80 سنة، من [7]، وتقدم في 88/ 109.

ص: 54

3 -

(هشام بن أبي عبد الله) سَنْبَر الدستوائي، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، مات سنة 154 عن 78 سنة، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 30/ 34.

4 -

(حجاج بن أبي عثمان) الصَّوَّاف، أبو الصَّلْت، ويقال: أبو عثمان الكندي مولاهم البصري، واسم أبيه مَيْسَرة، وقيل: سالم، ثقة حافظ، مات سنة 143، من [6].

روَى عن حميد بن أبي حميد، والحسن البصري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وعنه الحمادان، والقطان، وهشيم، وغيرهم. قال يحيى القطان: وهو فطِن، صحيح، كيس. وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي: ثقة، زاد أحمد: شيخ. وزاد الترمذي: حافظ. وقال العجلي، وأبو بكر البزار: بصري ثقة.

وقال ابن حبان في الثقات: كان متقناً. وقال يزيد بن زريع: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: سألت علي بن المديني مَنْ أثبت أصحاب يحيى ابن أبي كثير؟ فقال: هشام الدستوائي. قلت: ثم من؟ قال: الأوزاعي، وحجاج بن أبي عثمان، وحسين المعلم. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال ابن خزيمة في صحيحه: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: حجاج الصواف مَتِين. قال ابن خزيمة: يريد أنه ثقة حافظ. قال خليفة: مات سنة 143، أخرج له الجماعة

(1)

.

(1)

"تك" جـ 5 ص 443 - 444، "تت" جـ 2 ص 203 - 204، "ت" ص 64.

ص: 55

5 -

(يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس ويرسل، مات سنة 132 على الصحيح، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 24.

6 -

(عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، مات سنة 95، من [2]، تقدم في 23/ 24.

7 -

(أبو قتادة) الأنصاري الحارث بن رِبْعِيّ بن بُلْدُمَة، وقيل: غيره، السَّلمي المدني الصحابي المشهور رضي الله عنه، مات سنة 54 على الأصح، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 24.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا متفق عليه. وقد مضى شرحه، وما يتعلق به من المسائل برقم (42/ 687) مستوفىً، فلا حاجة إلى إعادته هنا، فإن أردت الاستفادة فارجع إليه.

ولنذكر هنا ما لم يتقدم له ذكره هناك، وهو ما ترجم له المصنف رحمه الله هنا بقوله:"قيام الناس إذا رأوا الإمام":

اعلم أنه قد اختلف أهل العلم في الوقت الذي يقوم فيه الناس حين يقام للصلاة: فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف.

وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم

ص: 56

يقوموا حتى تفرغ الإقامة.

وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة". رواه ابن المنذر، وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق، عن أصحاب عبد الله.

وعن سعيد بن المسيب، قال: إذا قال المؤذن: "الله أكبر" وجب القيام، وإذا قال:"حي على الصلاة" عدلت الصفوف، وإذا قال:"لا إله إلا الله" كبر الإمام.

وعن أبي جحيفة: يقومون إذا قال: "حي على الفلاح"، فإذا قال:"قد قامت الصلاة" كبر الإمام.

وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، وخالف من ذُكِرَ على التفصيل المذكور، قال الحافظ رحمه الله: وحديث الباب حجة عليهم. انتهى

(1)

.

وأخرج الحافظ أبو بكر بن المنذر رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان إذا قيل: "قد قامت الصلاة" وثب فقام. ونحوه عن حسين بن علي رضي الله عنه.

قال: وكان عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القرظي، وسالم ابن عبد الله بن عمر، وأبو قلابة، وعراك بن مالك، والزهري، وسليمان بن حبيب المحاربي يقومون إلى الصلاة في أول بدء الإقامة.

(1)

راجع الفتح جـ 2 ص 332.

ص: 57

وبه قال عطاء. وهو مذهب أحمد، وإسحاق، إذا كان الإمام في المسجد، وكان مالك لا يوقت به وقتاً، يقول: ذلك على قدر طاقة الناس، فيهم القوي، والضعيف.

وقال النعمان، ومحمد: يجب أن يقوموا في الصف إذا قال المؤذن: حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، وكبر القوم معه، وأما إذا لم يكن الإمام معهم، فإني أكره لهم أن يقوموا في الصفوف، والإمام غائب عنهم. وقال يعقوب: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة.

قال ابن المنذر رحمه الله: إذا كان الإمام معهم في المسجد قاموا إذا قام، وإذا كانوا ينتظرون خروجه، ومجيئه قاموا إذا رأوه، ولا يقوموا حتى يروه، لحديث أبي قتادة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت". انتهى ملخص كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه الحافظ ابن المنذر رحمه الله هو الحق عندي؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

(1)

الأوسط جـ 4 ص 166 - 168.

ص: 58

‌13 - الإِمَامُ تَعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على الإمام الذي تعرض له الحاجة بعد الإقامة للصلاة، ولابد من التقدير، أي هل يباح له التشاغل بالحاجة قبل الدخول في الصلاة أم لا؟ والجواب أنه يجوز له ذلك.

وقيد بقوله: "بعد الإقامة" لأنه قبل الإقامة يجوز بالطريق الأولى. أفاده العيني

(1)

.

وقوله: "تعرض" -بكسر الراء- مضارع عَرَضَ، أي تظهر. يقال: عَرَضَ له أمر، من باب ضرب: إذا ظهر

(2)

. أفاده الفيومي.

تنبيه:

قال الزين بن المُنَيِّرِ رحمه الله عند قول البخاري رحمه الله تعالى: (باب الإمام تعرِض له الحاجة بعد الإقامة): خص المصنفُ الإمامَ بالذكر مع أن الحكم عام؛ لأن لفظ الخبر يشعر بأن المناجاة كانت لحاجة النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله:"والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلاً" ولو كانت لحاجة الرجل لقال أنس: ورجل يناجي النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.

قال الحافظ رحمه الله: وهذا ليس بلازم، وفيه غفلة منه عما في صحيح مسلم بلفظ:"أقيمت الصلاة، فقال رجل: لي حاجة. فقام النبي صلى الله عليه وسلم يناجيه".

(1)

عمدة جـ 5 ص 157 - 158.

(2)

المصباح جـ 2 ص 402.

ص: 59

والذي يظهر لي أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام؛ لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يتقيد به غيره من المأمومين بخلاف الإمام، ولما كانت المسألة بين الإحرام والإقامة تشمل المأموم والإمام أطلق البخاري الترجمة -يعني الترجمة التالية- ولم يقيدها بالإمام، فقال:(باب الكلام إذا أقيمت الصلاة). وأشار بذلك الردّ على من كرهه مطلقاً. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

791 -

أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَجِيٌّ لِرَجُلٍ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ.

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي طوسي الأصل، يلقب دَلُّويه، وكان يغضب منها، ثقة حافظ، مات سنة 252 وله 86 سنة، من [10]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في 101/ 132.

2 -

(إِسماعيل) بن إبراهيم بن مِقْسم، المعروف بابن عُلَيَّة، أبو بشر البصري، ثقة حافظ، مات سنة 193 وله 83 سنة، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 18/ 19.

(1)

فتح جـ 2 ص 337 - 338.

ص: 60

3 -

(عبد العزيز) بن صهيب البُنَاني البصري، ثقة، مات سنة 130، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 18/ 19.

4 -

(أنس) بن مالك الصحابي الخادم رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (49) من رباعيات الكتاب.

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم بصريون، إلا شيخه، فطوسي -بالضم- نسبة إلى طوس، قرية من قرى بُخَارى، نزيل بغداد.

ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم.

ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه، وفي رواية لمسلم "سمع أنساً". أنه (قال: أقيمت الصلاة) أي صلاة العشاء، كما بينه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، ولفظه:"أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يناجيه حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلَّوا".

(ورسول الله صلى الله عليه وسلم نجي لرجل) جملة من مبتدأ وخبر في محل

ص: 61

نصب على الحال من "الصلاة" والرابط الواو. و"النجي": المناجي، كنديم، بمعنى منادم، ووزير بمعنى موازر.

وقال السندي رحمه الله: "النجي": فعيل من المناجاة، أي مناج له، ولعله كان أمراً ضرورياً، أو فعل ذلك لبيان الجواز، ويؤخذ منه أن الفصل بين الإقامة والشروع لا يضر بالصلاة. انتهى

(1)

.

وقال النووي رحمه الله تعالى: "وأما قوله: نجي لرجل": فمعناه مُسَارّ له، والمناجاة: التحديث سرّاً. و"النَّجِيَ" فَعِيلٌ بمعنى فاعل، يقال: رجل نجي، ورجلان نجي، ورجال نجيَّ بلفظ واحد. قال الله تعالى:{وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52]، وقال تعالى:{خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: 80] والله أعلم. انتهى

(2)

.

قال الحافظ رحمه الله: ولم أقف على اسم هذا الرجل. وذكر بعض الشراح أنه كان كبيراً في قومه، فأراد أن يتألفه على الإسلام. ولم أقف على مستند ذلك. قيل: ويحتمل أن يكون مَلكًا من الملائكة جاء بوحي من الله عز وجل. ولا يخفى بعد هذا الاحتمال. اهـ

(3)

.

(فما قام إِلى الصلاة حتى نام القوم) زاد شعبة عن عبد العزيز: "ثم قام، فصلى" أخرجه مسلم، وهو عند البخاري في "الاستئذان".

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 81 - 82.

(2)

شرح مسلم جـ 4 ص 72 - 73.

(3)

فتح جـ 2 ص 337.

ص: 62

ووقع عند إسحاق بن راهويه في مسنده، عن ابن علية، عن عبد العزيز في هذا الحديث:"حتى نعس بعض القوم". وكذا هو عند ابن حبان من وجه آخر عن أنس. وهو يدلّ على أن النوم المذكور لم يكن مستغرقاً

(1)

.

وقد تقدم تحقيق أقوال أهل العلم في انتقاض الوضوء بالنوم وعدمه، وترجيح الراجح منها بدليله في باب الوضوء من النوم رقم (116/ 161). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا (13/ 791)، وفي "الكبرى"(13/ 866) بالسند المذكور.

وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز، عنه. وعن عياش بن الوليد، عن عبد الأعلى، عن حميد، عن ثابت، عنه. وفي "الاستئذان" عن محمد ابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد العزيز، عنه.

(1)

راجع الفتح جـ 2 ص 337.

ص: 63

ومسلم في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. وعن زهير بن حرب، عن إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز به. وعن أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، عن حَبّان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت به.

وأبو داود فيه عن مسدد، عن عبد الوارث به. وعن حسين بن معاذ، عن عبد الأعلى، عن حميد به. وعن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به.

والترمذي فيه عن الحسن بن علي الخلال، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت عنه.

وأحمد (3/ 129، 101، 160، 268، 114، 238، 161، 232، 205، 199). وعبد بن حميد رقم (1324) و (1249).

وابن خزيمة رقم (1527). والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى؛ وهو جواز تشاغل الإمام إذا عرضت له حاجة بعدما تقام الصلاة، ومثله غير الإمام، كما تقدم قريباً.

ومنها: جواز مناجاة الاثنين لحضور الجماعة.

ومنها: جواز الفصل بين الأذان والإحرام للصلاة إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، قال الحافظ رحمه الله: واستدلّ به

ص: 64

للردّ على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذا قال: "قد قامت الصلاة" وجب على الإمام التكبير. اهـ.

وقال صاحب "التلويح" رحمه الله: فيه جواز الكلام بعد الإقامة، وإن كان إبراهيم، والزهري، وتبعهما الحنفيون كرهوا ذلك، حتى قال بعض أصحاب أبي حنيفة: إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة" وجب على الإمام التكبير، وقال مالك: إذا بعدت الإقامة رأيت أن تعاد الإقامة استحباباً. اهـ.

قال العلامة العيني رحمه الله: إنما كره الحنفية الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان لغير ضرورة، وأما إذا كان لأمر من أمور الدين فلا يكره

(1)

.

ومنها: أن النوم الخفيف الذي لا يستغرق لا ينقض الطهارة، وقد مرّ تحقيقه في موضعه من كتاب الطهارة كما أشرت إليه قريباً.

ومنها: جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها للحاجة. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

(1)

انظر الفتح جـ 2 ص 337. وعمدة القاري جـ 5 ص 158.

ص: 65

‌14 - الإِمَامُ يَذْكُرُ بَعْدَ قِيَامِهِ فِي مُصَلاَّهُ أنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم الإمام الذي يتذكر كونه على غير طهارة بعد قيامه في مصلاه.

792 -

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَالْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ، فَاغْتَسَلَ، وَنَحْنُ صُفُوفٌ.

رجال هذا الإسناد: ثمانية

1 -

(عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير) بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي، صدوق، مات سنة 250، من [10]، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في 21/ 535.

2 -

(محمد بن حرب) الخَوْلاني الحمصي الأبْرَش، ثقة، مات

ص: 66

سنة 194، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 122/ 172.

3 -

(الزبيدي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، مات سنة 142، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 45/ 56.

4 -

(الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، مات سنة 194 وقيل غير ذلك، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 44/ 52.

5 -

(الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، مات سنة 157، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 45/ 56.

6 -

(الزهري) محمد بن مسلم المدني الحجة الحافظ الثبت، مات سنة 125، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

7 -

(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، مات سنة 94، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

8 -

(أبو هريرة) الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم

ص: 67

ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد هو به، وأبو داود، وابن ماجه، وأنه مسلسل بالشاميين إلى الزهري، ومنه مدنيون.

ومنها: أن قوله: "والوليدُ" عطف على قوله: "محمد بن حرب"، فعمرو بن عثمان يروي هذا الحديث عن محمد بن حرب، عن الزبيدي، وعن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، وكل من الزبيدي والأوزاعي يرويان عن الزهري، ولذا يقدر قبل قوله عن الزهري لفظ "كلاهما" كما تقدم غير مرة.

ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة، كما تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

شرح الحديث

(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: أقيمت الصلاة، فصف الناس صفوفهم) وفي نسخة "وصف" بالواو بدل الفاء، و"صف" يستعمل لازماً، ومتعدياً، يقال: صففتُ القومَ، فاصطفوا، وصففتهم، فصفوا هم. والمراد هنا أنهم عَدَّلُوا صفوفَهم، وفي رواية البخاري "فسوّى الناس صفوفهم".

(وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم) الرواية هنا بالواو، وفي رواية

ص: 68

للبخاري: "فسوّى الناس صفوفهم، فخرج" بالفاء، وفي رواية له "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج، وقد أقيمت الصلاة". وفي مستخرج أبي نعيم: "فصف الناس صفوفهم، ثم خرج علينا".

ولفظ المصنف في الرواية الآتية (24/ 809) من طريق يونس، عن ابن شهاب:"أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدلت الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر، فانصرف، فقال لنا: "مكانكم"، فلم نزل قياماً ننتظره، حتى خرج إلينا، قد اغتسل، ينطف رأسه ماء، فكبر، وصلى". ونحوه لمسلم في صحيحه.

قال النووي رحمه الله: فقوله: "قبل أن يكبر" صريح في أنه لم يكن كبر، ودخل في الصلاة، ومثله في رواية البخاري:"وانتظرنا تكبيره". وفي رواية أبي داود: أنه كان دخل في الصلاة. فتحمل هذه الرواية على أن المراد بقوله: "دخل في الصلاة" أنه قام في مقامه للصلاة، وتهيأ للإحرام بها. ويحتمل أنهما قضيتان، وهو الأظهر.

وظاهر هذه الأحاديث أنه لما اغتسل وخرج لم يجددوا إقامة الصلاة. وهذا محمول على قرب الزمان، فإن طال فلابد من إعادة الإقامة، ويدل على قرب الزمان في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:"مكانكم". وقوله: "خرج إلينا، ورأسه ينطف ماء"، انتهى كلام

ص: 69

النووي رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: "فإن طال، فلابد من إعادة الإقامة". نظر؛ إذ لا دليل على ذلك، ويرده أيضاً أنهم انتظروه طويلاً حين كان يناجي رجلاً بعد الإقامة للصلاة، ثم صلى، ولم تُعَدِ الإقامة، كما تقدم تحقيقه. والله أعلم،

وقال في "الفتح": "قوله: خرج، وقد أقيمت الصلاة" يحتمل أن يكون المعنى خرج في حال الإقامة. ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه، وهو ظاهر قوله. "فسوّى الناس صفوفهم، فخرج

" لتعقيب الإقامة بالتسوية، وتعقيب التسوية لخروجه بالفاء. ويحتمل أن يجمع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتا حالاً، أي خرج، والحال أن الصلاة أقيمت، والصفوف عدلت.

وقال الكرماني: لفظ "قد" تقرب الماضي من الحال، وكأنه خرج في حالة الإقامة، وفي حال التعديل. ويحتمل أن يكونوا إنما شرعوا في ذلك بإذن منه، أو قرينة تدلّ عليه. اهـ

(2)

.

قال الجامع: فإن قيل، إن حديث الباب يدلّ على أنهم انتظروه قياماً، وحديث أبي قتادة رضي الله عنه المتقدم (12/ 790):"إذا نودي للصلاة فلا تقوموا حتى تروني" وفي رواية. "حتى تروني

(1)

شرح مسلم جـ 5 ص 203.

(2)

جـ 2 ص 334.

ص: 70

خرجت". يدلّ على النهي عن انتظاره قياماً، فكيف يوفق بينهما؟

فالجواب ما ذكره في الفتح، حيث قال: يجمع بينهما بأن حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم هذا كان سبب النهي عنه في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطىء فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره. انتهى خلاصة ما في الفتح بتصرف

(1)

.

(حتى إِذا قام في مصلاه ذكر أنه لم يغتسل) وفي رواية للبخاري من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب: "حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، انصرف

" وفيه أنه تذكر قبل أن يدخل في الصلاة، وأصرح منه ما تقدم في رواية يونس: "حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر، فانصرف". ولفظ مسلم:"حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر، فانصرف".

قال الجامع: فإن قيل: يعارض هذا ما أخرجه أبو داود وابن حبان عن أبي بكرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر، فكبر، فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم". وأخرج مالك عن عطاء بن يسار مرسلاً: "أنه صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من

(1)

جـ 2 ص 332.

ص: 71

الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب، ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء".

أجيب: -كما قال في الفتح- بإمكان الجمع بينهما بحمل قوله: "كبر" على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، كما أبداه عياض، والقرطبي احتمالاً. وتقدم أن النووي قال: إنه الأظهر. وجزم به ابن حبان كعادته، فإن ثبت، وإلا فما في الصحيح أصح.

ودعوى ابن بطال أن الشافعي احتج بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام. قال. فناقض أصله، فاحتج بالمرسل، متعقبة بأن الشافعي لا يرد المراسيل مطلقاً، بل يحتج منها بما يعتضد، والأمر هنا كذلك، لحديث أبي بكرة المذكور. انتهى

(1)

.

(فقال للناس: مكانكم) هو اسم فعل، فسره النحويون بـ "اثبتوا" فيتحمل ضميراً، ومنه قول الشاعر:

وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَت

مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي

أي اثبتي، ويدلّ على ذلك جزم جوابه، وهو "تحمدي".

وفسره الزمخشري بـ "الزموا". واعترض عليه أبو حيان بأنه ليس بجيد، إذ لو كان كذلك لتعدى كما يتعدى ما ناب هذا عنه، فإن اسم الفعل يعامل معاملة مسماه. وقال الحوفي. "مكانكم" نصب بإضمار

(1)

فتح جـ 2 ص 334.

ص: 72

فعل، أي الزموا مكانكم، أو اثبتوا. وقال السمين الحلبي: إن من فسر بذلك قصد تفسير المعنى

(1)

.

ثم إن الظاهر أنه قال لهم "مكانكم" نطقاً، ويحتمل أنه أشار إليهم بذلك، كما صرح به في حديث أبي بكرة رضي الله عنه المذكور، ففيه إطلاق القول على الإشارة، ويحتمل أنه جمع بين القول والإشارة. والله أعلم.

(ثم رجع إِلى بيته، فخرج علينا، ينطف رأسه) بكسر الطاء، وضمها؛ لغتان مشهورتان: أي يقطر. وفي رواية للبخاري من طريق محمد بن يوسف، عن الأوزاعي:"ثم خرج ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم". وعند الدارقطني من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه، فقال:"إني كنت جنباً، فنسيت أن أغتسل".

تنبيه:

وقع في نسخة "الكبرى" هنا "ينظف رأسه" بالظاء المعجمة بدل الطاء المهملة، من التنظيف، والظاهر أنه تصحيف، وقد وقع على الصواب برقم (24/ 883). والله تعالى أعلم.

(فاغتسل، ونحن صفوف) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "اغتسل"، والرابط الواو.

(1)

انظر تفسير السمين الحلبي المسمى "الدر المصون في علوم الكتاب المكنون" جـ 4 ص 26 - 27.

ص: 73

قال الجامع عفا الله عنه: فائدة قوله: "فاغتسل

" إلخ بيان أنهم لم يتركوا محل صفوفهم، ولم يغيروا هيئتهم. وفي رواية البخاري عن طريق صالح بن كيسان، عن الزهري: "فمكثنا على هيئتنا". يعني أنهم امتثلوا أمره في قوله: "مكانكم" فاستمروا على الكيفية التي تركهم عليها، وهي قيامهم في صفوفهم المعتدلة. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (14/ 792)، وفي "الكبرى"(14/ 867) عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، عن محمد بن حرب، عن الزُّبَيْدِيّ -وعن عمرو بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي-، وفي (24/ 809)، و"الكبرى"(24/ 883) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس - ثلاثهم عن الزهري، عن أبي سلمة، عن. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن إسحاق الكوسج، عن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، به.

ص: 74

ومسلم فيه عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، به. وعن إبراهيم بن موسى، عن الوليد بن مسلم به. مختصراً:"أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه".

وأبو داود في الطهارة عن مؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم به. وفي الصلاة عن محمود بن خالد، وداود بن رشيد، كلاهما عن الوليد بن مسلم نحو حديث إبراهيم بن موسى. وأحمد جـ 2 ص 237، 238، 259، 283 ، 518، 448، وابن خزيمة رقم (1628). والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو أن الإمام إذا تذكر بعد القيام للصلاة أنه على غير طهارة يُنتَظَر حتى يَتَطَهَّرَ، ويرَجِعَ.

ومنها. جواز النسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمر العبادة لأجل التشريع.

ومنها: طهارة الماء المستعمل.

ومنها: جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ إذ قوله: "فصلى" ظاهر في أن الإقامة لم تُعَدْ.

ومنها: أنه لا حياء في أمر الدين.

ومنها: جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قياماً عند الضرورة، وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

ص: 75

ومنها: أنه لا يجب على من احتلم في المسجد، فأراد الخروج منه أن يتيمم، خلافًا لمن قال ذلك.

ومنها: جواز الكلام بين الإقامة والصلاة.

ومنها: جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.

ومنها: العناية بإقامة الصفوف.

ومنها: شدة عناية الصحابة رضي الله عنهم بامتثال أمره صلى الله عليه وسلم، حيث انتظروه قياماً. والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس، وهو جنب:

قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس وهو جنب؛ فقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون، فعل ذلك عمر بن الخطاب، فأعاد الصلاة، ولم يعد مَنْ خلفه صلاتهم. وروي هذا القول عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر.

فأخرج بسنده عن الشَّرِيدِ الثقفي: أن عمر بن الخطاب صلى بالناس الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الجُرُف، فذهب يغتسل، فرأى في فخذيه احتلاماً، فقال: ما أراني إلا قد صليت بالناس وأنا جنب، فاغتسل، ثم أعاد الصلاة.

وأخرج أيضاً عن الأسود بن يزيد، قال: كنت مع عمر بن الخطاب

ص: 76

بين مكة والمدينة، فصلى بنا، ثم انصرف، فرأى في ثوبه احتلاماً، فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، وأعاد صلاته، ولم نعد صلاتنا.

وأخرج أيضاً عن محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق أن عثمان صلى بالناس صلاة الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه، فقال: كبرت، والله كبرت، والله أجنبت، ولا أعلم، فاغتسل، وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا.

وأخرج أيضاً عن الحارث الأعور، عن علي، قال: إذا صلى الجنب بالقوم، فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل، ويعيد، ولا آمرهم أن يعيدوا.

وأخرج أيضاً عن سالم بن عمد الله: أن ابن عمر رضي الله عنهما صلى بأصحابه صلاة العصر، وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يعد أصحابه.

وهو قول النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وبه قال مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، والمزني، وحكي ذلك عن عبيد الله بن الحسن.

وقالت طائفة: يعيد ويعيدون، وممن روي عنه هذا القول علي بن أبي طالب خلاف الرواية الأولى، وبالروايتين جميعاً مقال

(1)

. وهو

(1)

قال الجامع: لأن الرواية الأولى في سندها الحارث الأعور متكلم فيه، وفي الرواية الثانية في سندها عمرو بن خالد الواسطي، وهو متروك، رماه الحفاظ بالكذب. كما فال البيهقي في السنن الكبرى جـ 2 ص 401.

ص: 77

قول ابن سيرين، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والثوري: أحب إلينا أن يعيد، ويعيدون. وقال النعمان، وأصحابه: يعيد ويعيدون.

وفيه قول ثالث، قاله عطاء: إن صلى إمام قوم غير متوضىء، فذكر حين فرغ، قال: يعيد ويعيدون، فإن لم يذكر حتى فاتت الصلاة فإنه يعيد هو، ولا يعيدون. قيل له: فصلى بهم جنباً، فلم يعلموا، ولم يعلم حتى فاتت تلك الصلاة، قال: فليعيدوا، فليست الجنابة كالوضوء.

واختلف على مالك، والشافعي في الإمام تعمد أن يصلي بهم، وهو جنب، فكان مالك يقول: صلاة القوم فاسدة. وكان الشافعي يقول: عمد الإمام ونسيانه سواء، ولا إعادة على القوم، إلا أن الإمام يأثم بالعمد، ولا يأثم بالنسيان.

قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ومن حجة بعض من رأى أن لا إعادة على من صلى خلف جنب خبر أبي هريرة، وخبر أبي بكرة رضي الله تعالى عنهما، قال: وفي خبر أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر، وفي ذلك دليل على أن لا إعادة على المأموم؛ لأن حكم القليل من الصلاة كحكم الكثير فيمن صلى خلف جنب، قال: ولو لم يكن في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث لكان فيما روي عن الخلفاء الراشدين في هذا الباب كفاية، وقد ثبت عن ابن عمر مثل قولهم، ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولهم.

ص: 78

فأما ما حُدِّثَ عن علي ففي الإسنادين جميعاً مقال، فكأن علياً لم يأتنا عنه في هذا الباب شيء لضعف الروايتين، وتضادهما، واللازم لمن يرى اتباع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يخالف ما رويناه عن عمر، وعثمان، وابن عمر رضي الله عنهم في هذا الباب، والنظر مع ذلك دالّ على ذلك؛ لأن القوم لما صَلَّوْا كما أمروا، وأدوا فرضهم، ثم اختلف في وجوب الإعادة عليهم لم يجز أن يُلْزَموا إعادة ما صلوا على ظاهر ما أمروا له بغير حجة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله ببعض تصرف

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن المنذر رحمه الله تعالى من ترجيح مذهب من يقول: إن من صلى خلف جنب أو نحوه لا إعادة عليه، هو الصواب عندي لقوة دليله، كما حققه رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.

وقد رأيت للحافظ المحقق أبي عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه "التمهيد" بحثاً نفيساً يتعلق بحديث الباب من بيان أقوال العلماء في هذه المسألة، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طول، لما فيه من الفوائد الشريفة، والتحقيقات المنيفة:

قال رحمه الله تعالى بعد ذكره أحاديث الباب بطرقها المختلفة:

أما مالك رحمه الله، فإنه أدخل هذا الحديث في موطئه في باب

(1)

الأوسط جـ 4 ص 211 - 215.

ص: 79

إعادة الجنب غسله إذا صلى، ولم يذكر، يعني حاله أنه كان جنباً حين صلى، والذي يجيء عندي على مذهب مالك من القول في هذا الحديث أنه لم يرد رحمه الله إلا الإعلام أن الجنب إذا صلى ناسياً قبل أن يغتسل، ثم ذكر كان عليه أن يغتسل، ويعيد ما صلى وهو جنب، وأن نسيانه لجنابته لا يسقط عنه الإعادة، وإن خرج الوقت؛ لأنه غير متطهر، والله لا يقبل صلاة بغير طهور، لا من ناسٍ، ولا من متعمد، وهذا أصل مجمع عليه في الصلاة أن النسيان لا يسقط فرضها الواجب فيها، ثم أردف مالك حديثه المذكور في هذا الباب بفعل عمر بن الخطاب أنه صلى بالناس وهو جنب ناسياً، ثم ذكر بعد أن صلى، فاغتسل، وأعاد صلاته، ولم يعد أحد ممن خلفه، فمن فعل عمر رضي الله عنه أخذ مالك مذهبه في القوم يصلون خلف الإمام الجنب، لا من الحديث المذكور. والله أعلم.

وأما الشافعي فإنه احتج بهذا الحديث في جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب، وجعله دليلاً على صحة ذلك، وأردفه بفعل عمر في جماعة الصحابة من غير نكير، ومما جاء عن علي رضي الله عنه في الإمام يصلي بالقوم، وهو على غير وضوء أنه يعيد، ولا يعيدون، ثم قال الشافعي: وهذا هو المفهوم من مذاهب الإسلام والسنن، لأن الناس إنما كلفوا في غيرهم الأغلب مما يظهر لهم أن مسلماً لا يصلي على غير طهارة، ولم يكلفوا علم ما يغيب عنهم.

ص: 80

قال أبو عمر رحمه الله: أما قول الشافعي: إنّ الناس إنما كلفوا في غيرهم الأغلبَ مما يظهر لهم، ولم يكلفوا علم ما غاب عنهم من حال إمامهم، فقول صحيح، إلا أن استدلاله بحديث هذا الباب على جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب، هو خارج على مذهبه في أحد قوليه الذي يجيز فيه إحرام المأموم قبل إمامه، وليس ذلك على مالك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذ كبر -وهو جنب- ثم ذكر حاله، فأشار إلى أصحابه أن امكثوا، وانصرف، فاغتسل، لا يخلو أمره إذ رجع من أحد ثلاثة وجوه:

إما أن يكون بنى على التكبيرة التي كبرها، وهو جنب، وبنى القوم معه على تكبيرهم، فإن كان هذا، فهو منسوخ بالسنة والإجماع، فأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور". فكيف يبني على ما صلى، وهو غير طاهر، هذا لا يظنه ذو لب، ولا يقوله أحد؛ لأن علماء المسلمين مجمعون على أن الإمام لا يبني على شيء عمله في صلاته، وهو على غير طهارته، وإنما اختلفوا في بناء المحدث على ما صلى، وهو طاهر قبل حدثه في صلاته.

والوجه الثاني: أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف بعد غسله، استأنف صلاته، واستأنفها أصحابه معه بإحرام جديد، وأبطلوا إحرامهم معه، وقد كان لهم أن يعتدوا به لو استخلف لهم من يتم بهم، فهذا الوجه، وإن صح في مذهب مالك من وجه، فإنه يبطل الاستدلال به من هذا الحديث على جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب؛ لأنهم

ص: 81

إذا استأنفوا إحرامهم، فلم يصلوا وراء جنب، بل قد يَسْتَدِلّ بمثل هذا -لو صح- من أبطل صلاتهم خلفه، وهو خلاف قول مالك.

والوجه الثالث: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كبر محرماً مستأنفاً لصلاته، وبنى القوم خلفه على ما مضى من إحرامهم، فهذا أيضاً، وإن كان فيه النكتة المجيزة لصلاة الأموم خلف الإمام الجنب لاستجزائهم واعتدادهم بإحرامهم خلفه، لو صح، فإن ذلك أيضاً لا يخرج على مذهب مالك من الحديث؛ لأنه حينئذ يكون إحرام القوم في تلك الصلاة قبل إحرام إمامهم فيها، وهذا غير جائز عند مالك وأصحابه.

لا يحتمل الحديث غير هذه الأوجه، ولا يخلو من أحدها، فلذلك قلنا: إن الاستدلال بحديث هذا الباب على جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب ليس بصحيح على مذهب مالك، فتدبر ذلك تجده كذلك إن شاء الله.

وأما الشافعي فيصح الاستدلال بهذا الحديث على أصله؛ لأن صلاة القوم عنده غير مرتبطة بصلاة إمامهم؛ لأن الإمام قد تبطل صلاته إذا كان على طهارة، وتصح صلاة من خلفه، وقد تبطل صلاة المأموم، وتصح صلاة الإمام بوجوه أيضاً كثيرة، فلهذا لم يكن عنده صلاتهما مرتبطة، ولا يضر عنده اختلاف نياتهما؛ لأن كلاً يحرم لنفسه، ويصلي لنفسه، ولا يحمل فرضاً عن صاحبه، فجائز عنده أن يحرم المأموم قبل إمامه، وإن كان لا يستحب له ذلك، وله على هذا دلائل قد

ص: 82

ذكرها هو وأصحابه في كتبهم.

قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الشافعى من عدم ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه صحة وفساداً، ومن جواز تقدم إحرام المأموم على إحرام الإمام هو الراجح عندي، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يصلون لكم، فإن أصابوا، فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم، وعليهم". رواه البخاري. وحديث أبي بكرة رضي الله عنه المتقدم، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر، ثم أمرهم بالانتظار، فذهب، واغتسل، ثم جاء، فصلى بهم؛ لأن الظاهر أنهم أحرموا قبل ذهابه للاغتسال، ومعلوم أنه ما صلى بإحرامه الأول، وإنما أنشأ إحراماً جديداً. والله أعلم.

قال أبو عمر رحمه الله: وأما اختلاف الفقهاء في القوم يصلون خلف إمام ناسٍ لجنابته، فقال مالك، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، والأوزاعي: لا إعادة عليهم، وإنما الإعادة عليه وحده، إذا علم اغتسل، وصلى كل صلاة صلاها وهو على غير طهارة. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي على اختلاف عنه. وعليه أكثر العلماء، وحسبك بحديث عمر في ذلك؛ فإنه صلى بجماعة من الصحابة صلاة الصبح، ثم غدا إلى أرضه بالجُرُف، فوجد في ثوبه احتلاماً، فغسله، واغتسل، وأعاد صلاته وحده، ولم يأمرهم بإعادة. وهذا في جماعتهم من غير نكير.

ص: 83

وقد روي عن عمر أنه أفتى بذلك، رواه شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عمر في جنب صلى بقوم، قال: يعيد، ولا يعيدون. قال: شعبة: وقال حماد: أعجب إليّ أن يعيدوا.

وقال أبو بكر الأثرم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي في الجنب يصلي بالقوم، قال: يعيد، ويعيدون.

قال: وسمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقول: حدثنا هشيم، عن خالد بن مسلمة، قال: أخبرني محمد بن عمرو بن المصطلق، أن عثمان بن عفان صلى بالناس صلاة الفجر، فلما أصبح، وارتفع النهار، فإذا هو بأثر الجنابة، فقال: كبرت والله، فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا.

وسمعت أبا عبد الله يقول: يعيد ولا يعيدون. وسألت سليمان بن حرب فقال: إذا صح لنا عن عمر شيء اتبعناه، يعيد ولا يعيدون. وذكر عن الحسن، وإبراهيم، وسعيد بن جبير مثله، وهو قول إسحاق، وداود، وأبي ثور.

وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليهم الإعادة؛ لأن صلاتهم مرتبطة بصلاة إمامهم، فإذا لم تكن له صلاة لم تكن لهم. وروي إيجاب الإعادة على من صلى خلف جنب، أو غير متوضىء عن علي بن أبي طالب من حديث عبد الرزاق، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن علي. وهو منقطع، وفيه عن عمر خبر ضعيف، لا يصح. وهو قول الشعبي، وحماد بن أبي سليمان.

ص: 84

وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل إذا صلى إمام بقوم، وهو على غير وضوء، ثم ذكر قبل أن يتم، فإنه يعيد ويعيدون، ويبتدئون الصلاة، فإن لم يذكر حتى يفرغ من صلاته أعاد وحده، ولم يعيدوا.

واختلف مالك، والشافعي -والمسألة بحالها- في الإمام يتمادى في صلاته ذاكراً لجنابته، أو ذاكراً أنه على غير وضوء، أو مبتدئاً صلاته كذلك، وهو مع ذلك معروف بالإسلام.

فقال مالك وأصحابه: إذا علم الإمام بأنه على غير طهارة، وتمادى في صلاته عامداً بطلت صلاة من خلفه؛ لأنه أفسد عليهم.

وقال الشافعي: صلاة القوم جائزة تامة، ولا إعادة عليهم؛ لأنهم لم يكلفوا علم ما غاب عنهم، وقد صلوا خلف رجل مسلم في علمهم. وبهذا قال جمهور فقهاء الأمصار، وأهل الحديث، وإليه ذهب ابن نافع صاحب مالك. ومن حجة من قال بهذا القول أنه لا فرق بين عمد الإمام ونسيانه في ذلك؛ لأنهم لم يكلفوا علم الغيب في حاله، فحالهم في ذلك واحدة، وإنما تفسد صلاتهم إذا علموا بأن إمامهم على غير طهارة، فتمادوا خلفه، فيكونون حينئذ المفسدين على أنفسهم، وأما هو فغير مفسد عليهم بما لا يظهر من حاله إليهم، لكن حاله في نفسه تختلف، فيأتم في عمده إن تمادى بهم، ولا إثم عليه إن لم يعلم ذلك، وسها عنه.

قال أبو عمر: قد أوضحنا -والحمد لله- القول بأن حديث هذا

ص: 85

الباب لا يصح الاحتجاج به في جواز صلاة من صلى خلف إمام على غير طهارة على مذهب مالك، وأن أصل مذهبه في هذه المسألة فعل عمر رضي الله عنه في جماعة الصحابة لم ينكره عليه، ولا خالفه فيه واحد منهم، وقد كانوا يخالفونه في أقل من هذا مما يحتمل التأويل، فكيف بمثل هذا الأصل الجسيم، والحكم العظيم؟ وفي تسليمهم ذلك لعمر، وإجماعهم عليه ما تسكن القلوب في ذلك إليه؛ لأنهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فيستحيل عليهم إضافة إقرار ما لا يرضونه إليهم.

وأما الشافعي فإنه جعل حديث هذا الباب أصلاً في جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب، وأردفه بفعل عمر، وفتوى علي.

والذي تحصل عليه مذهب مالك عند أصحابه في هذا الباب في إمام أحرم بقوم، فذكر أنه جنب، أو على غير وضوء أنه يخرج، ويقدم رجلاً، فإن خرج، ولم يقدم أحداً قدموا لأنفسهم من يتم لهم صلاتهم، فإن لم يفعلوا، وصلوا أفذاذاً أجزأتهم صلاتهم، فإن انتظروه، ولم يقدموا أحداً لم تفسد صلاتهم.

وقال يحيى بن يحيى، عن ابن نافع: إذا انصرف، ولم يقدم، وأشار إليهم أن امكثوا كان حقّاً عليهم أن لا يقدموا أحداً حتى يرجع، فيتم بهم.

قال أبو عمر رحمه الله: أما قول من قال من أصحاب مالك: إن

ص: 86

القوم في هذه المسألة ينتظرون إمامهم حتى يرجع، فيتم بهم، فليس بشيء، وإنما وجهه حتى يرجع، فيبتدىء بهم، لا يتم بهم على أصل مالك؛ لأن إحرام الإمام لا يجتزأ به بإجماع من العلماء؛ لأنه فعله على غير طهارة، وذلك باطل، وإذا لم يجتزىء به استأنف إحرامه إذا انصرف، وإذا استأنفه لزمهم مثل ذلك عند مالك، ليكون إحرامهم بعد إحرام إمامهم، وإلا فصلاتهم فاسدة، لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام:"إذا كبر، فكبروا". هذا هو عندي في تحصيل مذهبه. وبالله التوفيق.

وأما الشافعي فإنه جعل هذا الحديث أصلاً في ترك الاستخلاف، فقال: الاختيار عندي إذا أحدث الإمام حدثاً لا تجوز له معه الصلاة من رعاف، أو انتقاض وضوء، أو غيره أن يصلي القوم فرادى، وألا يقدموا أحداً، فإذ قدموا، أو قدم الإمام رجلاً منهم، فأتم بهم ما بقي من صلاتهم أجزأتهم صلاتهم، وكذلك لو أحدث الإمام الثاني، والثالث، والرابع.

قال الشافعي رحمه الله: ولو أن إماماً كبر، وقرأ، وركع، أو لم يركع حتى ذكر أنه على غير طهارة، فكان مخرجه، ووضوءه، أو غسله قريباً، فلا بأس أن يقف الناس في صلاتهم حتى يتوضأ، ويرجع، فيستأنف، ويتمون هم لأنفسهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر أنه جنب، فانتظره القوم، فاستأنف لنفسه؛ لأنه لا يعتد بتكبيرة كبرها، وهو جنب، فيتم القوم لأنفسهم؛ لأنهم لو أتموا لأنفسهم حين خرج

ص: 87

عنهم إمامهم أجزأتهم صلاتهم، وجائز عنده أن يقطعوا صلاتهم، إذا رابهم شيء من إمامهم، فيتمون لأنفسهم على حديث جابر بن عبد الله في قصة معاذ رضي الله عنهم.

قال: وإن كان خروج الإمام يتباعد، أو طهارته تثقل، صلوا لأنفسهم. قال: ولو أشار إليهم أن ينتظروا، أو كلمهم بذلك كلاماً جاز ذلك؛ لأنه في غير صلاة، فإن انتظروه، وكان قريباً، فحسن، وإن خالفوه، فصلوا لأنفسهم فرادى، أو قدموا غيره أجزأتهم صلاتهم. قال: والاختيار عندي للمأمومين إذا فسدت على الإمام صلاته أن يبنوا فرادى. قال: وأحب إليّ أن لا ينتظروه، وليس أحد في هذا كرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن فعلوا، فصلاتهم جائزة على ما وصفنا.

قال: فلو أن إماماً صلى ركعة، ثم ذكر أنه جنب، فخرج، فاغتسل، وانتظره القوم، فرجع، فبنى على الركعة، فسدت عليه وعليهم صلاتهم؛ لأنهم يأتمون به عالمين أن صلاته فاسدة، فليس له أن يبني على ركعة صلاها جنباً. قال: ولو علم بعضهم، ولم يعلم بعض، فسدت صلاة من علم ذلك.

قال أبو عمر: من أجاز انتظار القوم للإمام إذا أحدث احتج بحديث هذا الباب، وفيه ما ذكرنا، واحتج أيضاً بما حدثناه محمد بن عبد الله ابن حكم، قال: حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال:

ص: 88

حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى بالناس، فأهوى بيده، فأصاب فرجه، فأشار إليهم أن كما كنتم، فخرج، فتوضأ، ثم رجع إليهم، فأعاد". فاحتج بهذين الخبرين وما كان مثلهما من كره الاستخلاف من العلماء.

وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل، يُسأل عن رجل أحدث وهو يصلي أيستخلف، أم يقول لهم: يبتدءون، وهو كيف يصنع؟ فقال: أما أنا فيعجبني أن يتوضأ، ويستقبل. قيل له: فهم كيف يصنعون؟ فقال: أما هم ففيه اختلاف. قال أبو بكر: ومذهب أبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- رحمه الله أن لا يبني في الحدث، سمعته يقول. الحدث أشد، والرعاف أسهل.

وقد تابع الشافعيَّ رحمه الله على ترك الاستخلاف داودُ بن علي، وأصحابُه، فقالوا: إذا أحدث الإمام في صلاته صلى القوم أفراداً، وأما أهل الكوفة، وأكثر أهل المدينة، فكلهم يقول بالاستخلاف لمن نابه شيء في صلاته، فإن جهل الإمام، ولم يستخلف تقدمهم واحد منهم بإذنهم، أو بغير إذنهم، وأتم بهم، وذلك عندهم عمل مستفيض. والله أعلم.

إلا أن أبا حنيفة رحمه الله إنما يرى الاستخلاف لمن أحرم، وهو طاهر، ثم أحدث، ولا يرى لإمام جنب، أو على غير وضوء إذا ذكر ذلك في صلاته أن يستخلف، وليس عنده في هذه المسألة موضع

ص: 89

للاستخلاف؛ لأن القوم عنده في غير صلاة كإمامهم سواء على ما ذكرناه من أصله في ذلك.

قال أبو عمر رحمه الله: لا يتبين عندي حجة من كره الاستخلاف استدلالاً بحديث هذا الباب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس في الاستخلاف كغيره، ولا يجوز أن يتقدم أحد بين يديه إلا بإذنه، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مكانكم" فلزمهم أن ينتظروه. هذا لو صح أنه تركهم في صلاة، فكيف وقد قيل: إنهم استأنفوا معه، فلو صح هذا لبطلت النكتة التي منها نزع من كره الاستخلاف.

وقد أجمع المسلمون على الاستخلاف فيمن يقيم لهم أمر دينهم، والصلاة أعظم الدين. وفي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه دلالة على جواز الاستخلاف لتأخر أبي بكر رضي الله عنه، وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الصلاة. والله أعلم. وحسبك ما مضى عليه عمل من ذلك الناس.

قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز الاستخلاف هو الصواب عندي، لقوة دليله. والله تعالى أعلم.

قال أبو عمر رحمه الله تعالى: قد نزع قوم في جواز بناء المحدث على ما صلى قبل أن يحدث إذا توضأ -بهذا الحديث، ولا وجه لما نزعوا به في ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبن على تكبيره لما بينّا قبلُ في هذا الباب، ولو بنى ما كان فيه حجة أيضاً، لإجماعهم على أن ذلك غير

ص: 90

جائز اليوم لأحد، وأنه منسوخ بأن ما عمله المرء من صلاته، وهو على غير طهارة لا يعتد به، إذ لا صلاة إلا بطهور.

واتفق مالك والشافعي على أن من أحدث في صلاته لم يبن على ما مضى له منها، ويستأنفها إذا توضأ، وكذلك اتفقا على أنه لا يبني أحد في القيء، كما لا يبني في شيء من الأحداث. واختلفا في بناء الراعف، فقال الشافعي في القديم يبني الراعف، وانصرف عن ذلك في الجديد.

وقال مالك: إذا رعف في أول صلاته، ولم يدرك ركعة بسجدتها، فلا يبني، ولكنه ينصرف، فيغسل عنه الدم، ويرجع، فيعيد الإقامة، والتكبير، والقراءة، ولا يبني عنه إلا من أدرك ركعة كاملة من صلاته، فإذا كان ذلك، ثم رعف، خرج، فغسل الدم عنه، وبنى على ما مضى، وصلى حيث شاء، إلا في الجمعة، فإنه لا يبني فيها إذا أدرك ركعة منها، ثم رعف إلا في المسجد الجامع، وإذا كان الراعف إماماً، فلا يعود إماماً في تلك الصلاة أبداً، ولا يتم صلاته إلا مأموماً، أو فذّاً. هذا تحصيل مذهبه عند جميع أصحابه.

قال الجامع عفا الله عنه: هذه التفاريق المذكورة في جواز البناء وعدمه تحتاج إلى دليل يستند إليه، فما هو؟ والله تعالى أعلم.

قال أبو عمر رحمه الله: وقد روي عنه أنه قال: لولا أني أكره خلاف من مضى ما رأيت أن يبني الراعف، ورأيت أن يتكلم، ويستأنف، قال: وهو أحب إليّ. وقد روي عنه أنه قال: إن الفذ لا

ص: 91

يبني في الرعاف.

وأما الشافعي رحمه الله فقال: لا يبني الراعف إذا استدبر القبلة لغسل الدم عنه، وكل من استدبر القبلة عنده -وهو عالم بأنه في صلاة- لم يجز له البناء، وكان عليه الاستئناف أبداً، والذي يسهو، فيسلم من ركعتين، ويخرج، وهو يظن أنه قد أكمل صلاته، وأنه ليس في صلاة، فإن هذا يبني عنده ما لم يتكلم، أو يحدث، أو يطول أمره على حديث ذي اليدين رضي الله عنه.

وقول ابن شبرمة في هذا كقول مالك، والشافعي، لا يبني أحد في الحدث، ولكنه ينصرف، فيتوضأ، ويستقبل، وإن كان إماماً استخلف.

وقال الأوزاعي رحمه الله: إن كان حدثه من قيء، أو ريح توضأ، واستقبل، وإن كان من رعاف توضأ وبنى، وكذلك الدم غير الرعاف، والرعاف عنده حدث ينقض الوضوء.

وقال الثوري رحمه الله: إذا كان حدثه من رعاف أو قيء توضأ وبنى، وإن كان حدثه من بول، أو ريح، أو ضحك أعاد الوضوء والصلاة.

وقال ابن شهاب رحمه الله: القيء والرعاف سواء، يتوضأ، ثم يتم على ما بقي من صلاته ما لم يتكلم. وقد روي عن ابن شهاب في الإمام يرى بثوبه دماً، أو رعف، أو يجد حدثاً أنه ينصرف، ويقول

ص: 92

للقوم: أتموا صلاتكم، ويصلي كل إنسان لنفسه. رواه الزبيدي عنه.

وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وابن أبي ليلى: يبني في الأحداث كلها إذا سبقته في الصلاة، والقيء، والرعاف عند أبي حنيفة وأصحابه حدث كسائر الأحداث، وهو قول جمهور سلف أهل العراق ينقض الرعاف، والقيء، وكل ما خرج من الجسد من دم، أو نجاسة -عندهم الطهارة كسائر الأحداث، قياساً عند أبي حنيفة وأصحابه على المستحاضة؛ لأنهم أثبتوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها بالوضوء لكل صلاة. فالراعف عندهم ينصرف، فيتوضأ، ويبني على ما صلى على حسب ما ذكرنا من أصلهم في بناء المحدث، وهم يقولون: إن الراعف لو أحدث بعد انصرافه توضأ، واستأنف، ولم يبن، وإنما يبني عندهم من أحدث في الصلاة، وحسبك بمثل هذا ضعفاً في النظر، ولا يصح به خبر، والحجج للفرق في هذا الباب تطول جداً، وتكثر، وفي بعضها تشعيب، وإنما ذكرنا هاهنا ما للعلماء في تأويل حديث الباب من المذاهب، وأصول الأحكام. والحمد لله.

والحجة عندنا أن لا وضوء على الرعاف والقيء: أن المتوضىء بإجماع لا ينتقض وضوءه باختلاف، إلا أن يكون هناك سنة يجب المصير إليها، وهي معدومة هاهنا. وبالله توفيقنا. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن عبد البر

ص: 93

رحمه الله من عدم وجوب الوضوء للرعاف ونحوه -هو الراجح عندي لعدم الدليل عليه.

وأما مسألة البناء المذكورة فالراجح عندي قول من قال بوجوب الاستئناف، وعدم جواز البناء؛ لأنه لا دليل على الجواز. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 94

‌15 - اسْتِخْلَافُ الإِمَامِ إِذَا غَابَ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز استخلاف الإمام غيره ليصلي مكانه، إذا غاب عن الصلاة لبعض حاجته.

793 -

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِبِلَالٍ: يَا بِلَالُ إِذَا حَضَرَ الْعَصْرُ، وَلَمْ آتِ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَتْ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ رضى الله عنه: تَقَدَّمْ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ يَشُقُّ النَّاسَ حَتَّى قَامَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَصَفَّحَ الْقَوْمُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ التَّصْفِيحَ لَا يُمْسَكُ عَنْهُ الْتَفَتَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عز وجل عَلَى قَوْلِ

ص: 95

رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ امْضِهْ، ثُمَّ مَشَى أَبُو بَكْرٍ الْقَهْقَرَى عَلَى عَقِبَيْهِ، فَتَأَخَّرَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَقَدَّمَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ:"يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ، إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَكُونَ مَضَيْتَ؟ "، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ لِلنَّاسِ:"إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ".

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث تقدم قريباً (7/ 784) سنداً، ومتناً، وتقدم شرحه، والمسائل المتعلقة به مستوفى هناك، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادته، غير أنه لابد من توضيح بعض الأشياء التي تحتاج إلى توضيح:

ففي إسناده راويان لم يتقدم ذكرهما هناك، وهما:

1 -

(أحمد بن عَبْدَةَ) بن موسى الضبي، أبو عبد الله البصري، ثقة رمي بالنصب، مات سنة 245، من [10]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في 3/ 3.

2 -

(حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة 179 وله 81 سنة، من كبار [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 3/ 3.

ص: 96

تنبيه: هذا السند من رباعيات المصنف، وهو (50) من رباعيات الكتاب.

وقوله: (ثم ذكر كلمة) إلخ، القائل "ثم ذكر": هو أحمد بن عبدة شيخ المصنف، والذاكر هو حماد بن زيد، وإنما لم يقل:"حدثنا" لكونه نسي الصيغة التي عبر بها شيخه حماد.

وقوله: (يَشُقّ الناسَ) أي يخرق صفوفهم، وإنما فعل ذلك، إما لأنه يجوز ذلك للإمام، أو لأنه رأى فرجة في الصف الأول. كذا قيل.

قال الجامع عفا الله عنه: والأول أليق بحال الصحابة من شدة عنايتهم بتعديل الصفوف، وسد الفرج، فلا يتركون في الصف الأول فرجة. والله أعلم.

وقوله: (لا يُمْسَكُ عنه) بالبناء للمفعول، أي لا يُكَفّ عنه، يعني أنهم لا يتركون التصفيق، بل يصفقون إعلاماً له بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: (فأومأ) بالهمز، أي أشار بالمضي في الصلاة مكانه.

وقوله: (امضه) فعل أمر، من مضى، كرَمَى، يقال: مَضَيْتُ على الأمر، أمْضِي، مُضِيّاً: داومتُه. والهاء للسكت، كما قال ابن مالك رحمه الله في "خلاصته":

ص: 97

وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُع

بِحَذْف آخِرٍ كَأعْطِ مَنْ سَأَلْ

وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَعِ أوْ

كَيَعِ مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 98

‌16 - الائْتِمَامُ بالإمَامِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على وجوب متابعة الإمام في أفعال الصلاة.

794 -

أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَقَطَ مِنْ فَرَسٍ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، يَعُودُونَهُ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ:"إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ، فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا" رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ".

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(هَنّاد بن السَّريّ) بن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة -10 - ت 243 - أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، ومسلم والأربعة، تقدم في 23/ 25.

2 -

(ابن عيينه) سفيان الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة من [8]، مات سنة 198، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

3 -

(الزهري) محمد بن مسلم المدني الإمام الحجة الثبت، من [4]، مات سنة 125، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

4 -

(أنس) بن مالك الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

ص: 99

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله، وهو (51) عن رباعيات الكتاب.

منها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري إلا في خلق أفعال العباد.

ومنها: أن فيه أنساً رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه، وفي رواية للبخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري (أن رسول الله) وفي نسخة "نبي الله"(صلى الله عليه وسلم سقط من فرس) بالبناء للفاعل، أي وقع على الأرض عن ظهر فرس ركبها، يقال: سقط، سقوطاً: وقع من أعلى إلى أسفل، ويتعدّى بالألف، فيقال: أسقطته

(1)

.

والفرس: يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر. فُرَيس، والأنثى: فُريسة، على القياس، وجمعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خيل، وعلى لفظها؛ فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث

(2)

.

(1)

المصباح جـ 1 ص 280.

(2)

المصدر المذكور جـ 2 ص 367.

ص: 100

وفي الرواية الآتية (40/ 832) من طريق مالك عن ابن شهاب: "ركب فرساً، فصرع عنه، فجُحش شقه الأيمن

" فقوله: "فصرع" بالبناء للمفعول، أي سقط عن ظهر الفرس. قال في المحكم: الصَّرْع: الطَّرْح بالأرض. وقوله: "فجحش" بالبناء للمفعول أيضاً، أي قُشِر جلده، وخُدِشَ. وذكر بعضهم أن الجحش أكبر من الخدش. وفي رواية للبخاري "فخدش"، أو "فجحش". وهذا يقتضي فرقاً بينهما، إلا أن يكون شكاً من الراوي في اللفظ المقول.

وقال القاضي عياض: قد يكون ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك السقوط رَضّاً في الأعضاء، وتوجع، فلذلك منعه القيام في الصلاة. انتهى

(1)

.

(على شقه الأيمن) متعلق بـ "سقط"، و"الشق" بكسر الشين المعجمة: الجانب. وفي رواية للشيخين من طريق الليث عن الزهري الاقتصار على قوله: "فجحش". وفي رواية للبخاري عن ابن عيينة، قال: حفظت "شقه الأيمن" فلما خرجنا من عند الزهري قال ابن جريج: "فجحش ساقه الأيمن". انتهى.

قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: وقوله: "فجحش ساقه الأيمن" لا ينافي قوله في الرواية المشهورة: "شقه الأيمن"؛ لأن الجحش لم

(1)

طرح التثريب جـ 2 ص 343 - 344.

ص: 101

يستوعب الشقَّ، وإنما كان في بعضه، وقد تبين بتلك الرواية أن ذلك البعض هو الساق. وفي سنن أبي داود، وغيره عن جابر رضي الله عنه: "ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً بالمدينة، فصرعه على جذع نخلة، فانفكت قدمه

" الحديث. فيحتمل أن يقال في الجمع بينه وبين حديث أنس: لا مانع من حصول فك القدم، وقشر الجلد معاً، ويحتمل أنهما واقعتان. اهـ. كلام ولي الدين رحمه الله

(1)

.

(فدخلوا عليه) أي دخل الصحابة رضي الله عنهم على النبي صلى الله عليه وسلم (يعودونه) أي يزورونه، يقال: عُدتُ المريض، عِيَادَةً: زُرتُه، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد، والمرأة عائدة، وجمعها عُوَّد، بغير ألف. قاله الأزهري

(2)

. والجملة في محل نصب على الحال من الواو في "دخلوا".

(فحضرت الصلاة)، وفي رواية مالك الآتية:"فصلى صلاة من الصلوات". قال في الفتح: قال القرطبي رحمه الله: اللام للعهد ظاهراً، والمراد الفرض؛ لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها، بخلاف النافلة. وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلاً. وتعقب لأن في رواية جابر رضي الله عنه عند أبي داود الجزم بأنها فرض.

(1)

طرح جـ 2 ص 344.

(2)

المصدر المذكور جـ 2 ص 436 - 437.

ص: 102

قال الجامع عفا الله عنه: لفظ أبي داود في سننه: حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، ثنا جرير ووكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً بالمدينة، فصرعه على جِذْم نَخْلَة، فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لعائشة رضي الله عنها يسبح جالساً، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالساً، فقمنا خلفه، فأشار إلينا، فقعدنا، فلما قضى الصلاة، قال:"إذا صلى الإمام جالساً، فصلوا جلوساً، وإذا صلى قائماً، فصلوا قياماً، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها" انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صريح في أنهم دخلوا يعودونه مرتين، ففي المرة الأولى صلوا وراءه نافلة قياماً، وهو جالس، وفي المرة الثانية صلوا وراءه فريضة قياماً، فأشار عليهم بالجلوس، فدل على اختلاف الحكم بين الفريضة والنافلة، وأن تلك الصلاة التي أمرهم بالجلوس فيها كانت فريضة.

قال الحافظ رحمه الله: لكن لم أقف على تعيينها، إلا أن في حديث أنس "فصلى بنا يومئذ"، فكأنها نهارية؛ الظهر، أو العصر. اهـ.

قال الجامع عفا الله عنه: في استدلال الحافظ على أنها نهارية بقوله: "يومئذ" بُعْد، لأن "يومئذ" في مثل هذا لمطلق الوقت، لا

ص: 103

لخصوص النهار. فتدبر. والله أعلم.

تنبيه:

تبين من قوله: "في مشربة لعائشة" أن ذلك لم يكن في المسجد، وإنما كان في بيته، وكأنه لم يستطع الخروج لعذره، ولا يمكن التقدم عليه، فصلى بهم، وصلى الناس وراءه في منزله،

قال القاضي عياض رحمه الله. والظاهر أن مَن في المسجد صلى بصلاته، لكون منزله في المسجد، قال: وفيه جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه أصحابه إذا كانت معه جماعة هناك، قال: وقد روي هذا عن مالك، وحمله شيوخنا على تفسير ما وقع له من الكراهية مجملاً، وأن منعه من ذلك إنما هو لمن يفعله تكبراً، وهو ضد ما وضعت له الصلاة من التواضع، والسكينة. انتهى.

قال ولي الدين رحمه الله: وهذه الصورة إن صح فيها أن أهل المسجد صلوا مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم ليست من صور المنع عند مالك وأبي حنيفة، لأنهما يقولان: إن كان مع الإمام في العلو طائفة جازت الصلاة بالذين أسفل، وإلا فلا. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

تنبيه آخر:

قوله: "فصلينا وراءه قعوداً"، ظاهره يخالف حديث عائشة

(1)

طرح جـ 2 ص 345 - 346.

ص: 104

رضي الله عنها، فإن فيه:"وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا". والجمع بينهما أن في رواية أنس هذا اختصاراً، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. وفي رواية للبخاري من رواية حميد، عن أنس رضي الله عنه: "فصلى بهم جالساً، وهم قيام، فلما سلم، قال: إنما جعل الإمام

" وفيها اختصار أيضاً؛ لأنه لم يذكر فيه قوله لهم: "اجلسوا". والجمع بينهما أنهم ابتدؤوا الصلاة قياماً، فأومأ إليهم أن يقعدوا، فقعدوا، فنقل كل من الزهري، وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جمعهما جابر عند مسلم.

وجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس رضي الله عنه، وبعضهم قام حتى أشار إليهم بالجلوس، وهو الذي حكته عائشة رضي الله عنها. وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد؛ لأن فرض القادر في الأصل القيام. وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة، وفيه بعد؛ لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة لزم منه ما ذكرناه من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قول:"إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلخ. لأنهم قد امتثلوا أمره السابق، وصلوا قعوداً، لكونه قاعداً. قاله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال بتعدد الواقعة لا بُعْدَ فيه؛

(1)

جـ 2 ص 408.

ص: 105

لاحتمال أن يكون الذين صلوا معه في واقعة غير الذين صلوا معه في أخرى. فتأمل. والله تعالى أعلم.

(فلما قضى الصلاة قال: إِنما جعل الإِمام) في رواية المصنف هنا اختصار يبينه ما يأتي من رواية مالك، ولفظه: "فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، فصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به

".

فقول: "إنما جعل الإمام" ببناء "جُعِلَ" للمفعول، وهو: بمعنى صيّر يتعدى إلى مفعولين، فـ "الإمام" بالرفع نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وحذف المفعول الثاني، أي إنما جعل الإمام إماماً.

قال العلامة الشوكاني رحمه الله: لفظ "إنما" من صيغ الحصر عند جماعة من أئمة الأصول والبيان، ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه. واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر، وإنما تفيد تأكيد الإثبات فقط. ونقله أبو حيان عن البصريين. وفي كلام الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله ما يقتضي نقل الاتفاق على إفادتها للحصر.

والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالإمام، والاتباع له، ومن شأن التابع أن لا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال التي فصلها الحديث، ولا ينافي غيرها قياساً عليها، ولكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة، لا الباطنة، وهي ما

ص: 106

لا يطلع عليه المأموم، كالنية، فلا يضر الاختلاف فيها، فلا يصح الاستدلال به على من جوز ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي الأداء بمن يصلي القضاء، ومن يصلي الفرض بمن يصلي النفل، وعكس ذلك.

وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نية أو غيرها؛ لأن ذلك من الاختلاف، وقد نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله:"فلا تختلفوا". وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم قد بَيَّنَ وجوه الاختلاف، فقال:"فإذا كبر، فكبروا" إلخ. ويتعقب بإلحاق غيرها بها قياساً، كما تقدم.

وقد يَسْتَدِلُّ بالحديث أيضاً القائلون بأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام إذا بان جنباً، أو محدثاً، أو عليه نجاسة خفية، وبذلك صرح أصحاب الشافعي بناء على اختصاص النهي عن الاختلاف بالأمور المذكورة في الحديث، أو بالأمور التي يمكن المؤتم الاطلاع عليها. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي أن الاختلاف المنهي عنه مقصور على الأشياء المذكورة في الحديث، فلا يُلحق بها غيرها قياساً عليها. والله تعالى أعلم.

وقال في الفتح: قال البيضاوي، وغيره: الائتمام: الاقتداء،

(1)

نيل الأوطار جـ 4 ص 26 - 27.

ص: 107

والاتباع، أي جعل الإمام إماماً ليُقتَدَى به، ويُتَّبَعَ، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال.

وقال النووي وغيره: متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة، وقد نبه عليها في الحديث، فذكر الركوع، وغيره، بخلاف النية، فإنها لم تذكر، وقد خرجت بدليل آخر. وكأنه يعني قصة معاذ الآتية (41/ 835).

قال الحافظ رحمه الله: ويمكن أن يستدلّ من هذا الحديث على عدم دخولها؛ لأنه يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله، لا في جميع أحواله، كما لو كان محدثاً، أو حامل نجاسة، فإن الصلاة خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء، ثم مع وجوب المتابعة ليس شيء منها شرطاً في صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام.

واختلف في السلام، والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام، والقيام من التشهد الأول، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا: لأن معنى الائتمام الامتثال، ومن فعل مثل فعل إمامه عُدَّ ممتثلاً. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحنفية مخالف لصريح الحديث الذي يوجب تأخر فعل المأموم عن فعل الإمام كما سيأتي تحقيقه، إن

(1)

فتح جـ 2 ص 406.

ص: 108

شاء الله تعالى. والله أعلم.

(ليؤتم به) أي ليقتدى به على الوجه المشروع، فقوله:"فإذا ركع، فاركعوا" إلخ، بيان للوجه المشروع الذي يطلب الاقتداء فيه.

(فإذا ركع، فاركعوا) جزم ابن بطال وابن دقيق العيد وغيرهم بأن الفاء فيه للتعقيب، قالوا: ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام.

واعترض عليهم بأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط؛ لأنها وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا يقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام، إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء، وقد قال قوم: إن الجزاء يكون مع الشرط، فعلى هذا لا تنتفي المقارنة. لكن رواية أبي داود "لا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد" صريحة في انتفاء التقدم والمقارنة. والله أعلم

(1)

.

وقال العلامة العيني رحمه الله: فإن قلت: الفاء التي للتعقيب هي الفاء العاطفة، والفاء التي هنا للربط فقط؛ لأنها وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام.

قلت: وظيفة الشرط التقدم على الجزاء، مع أن رواية أبي داود تصرح بانتفاء التقدم، والمقارنة، ولا اعتبار لقول من يقول: إن الجزاء

(1)

قاله في الفتح جـ 2 ص 406 - 407.

ص: 109

يكون مع الشرط. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: المراد بالتعقيب هنا هو الترتيب بدون مهلة، فما قاله الأولون من إفادة الفاء له هو الصواب، وأما الاعتراض بأن الفاء لا تفيد الترتيب إلا إذا كانت للعطف - غير صحيح، فقد نقل محمد الأمير في حاشيته على "مغني اللبيب" لابن هشام الأنصاري جـ 1 ص 139 عن العلامة الرضي أن الفاء تفيد الترتيب سواء كانت حرف عطف، أو لا. انتهى.

ويؤيد هذا المعنى رواية أبي داود المذكورة، فإنها صريحة في وجوب كون أفعال المأموم بعد أفعال الإمام، بأن يقع كل فعل من أفعاله عقب كل فعل من أفعاله بلا تراخ. فتبصر، والله تعالى أعلم.

وقال في "الفتح" في شرح حديث عائشة رضي الله عنها: قوله: "فإذا ركع، فاركعوا" قال ابن المُنَير: مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام، إما بعد تمام انحنائه، وإما أن يسبقه الإمام بأوله، فيشرع فيه بعد أن يشرع. قال: وحديث أنس أتم من حديث عائشة؛ لأنه زاد فيه المتابعة في القول أيضاً.

قال الحافظ رحمه الله: قد وقعت الزيادة المذكورة، وهي قوله:"وإذا قال: سمع الله لمن حمده"، في حديث عائشة أيضاً. ووقع في رواية الليث عن الزهري، عن أنس زيادة أخرى في الأقوال، وهي قوله في أوله:"فإذا كبر، فكبروا". وكذا من رواية الأعرج، عن أبي هريرة.

ص: 110

وزاد في رواية عبدة، عن هشام:"وإذا رفع، فارفعوا، وإذا سجد، فاسجدوا". وهو يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، وجميع السجدات. وكذا وردت زيادة ذلك في حديث أنس في حديث الباب. وقد وافق عائشة، وأنساً، وجابراً على رواية هذا الحديث دون القصة التي في أوله أبو هريرة، وله طرق عند مسلم:

منها: ما اتفق عليه الشيخان من رواية همام عنه، وفيه جميع ما ذكر في حديث عائشة، وحديث أنس بالزيادة، وزاد أيضاً بعد قوله:"ليؤتم به": "فلا تختلفوا عليه". ولم يذكرها البخاري في رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عنه من طريق شعيب، عن أبي الزناد، لكن ذكرها السرَّاج، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في المستخرج عنه من طريق أبي اليمان شيخ البخاري فيه، وأبو عوانة من رواية بشر بن شعيب، عن أبيه شيخ أبي اليمان، ومسلم من رواية مغيرة بن عبد الرحمن، والإسماعيلي من رواية مالك وورقاء، كلهم عن أبي الزناد شيخ شعيب.

وأفادت هذه الزيادة أن الأمر بالاتباع يعم جميع المأمومين، ولا يكفي في تحصيل الائتمام اتباع بعض دون بعض.

ولمسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عنه: "لا تبادروا الإمام؛ إذا كبر، فكبروا

" الحديث. زاد أبو داود من رواية مصعب ابن محمد، عن أبي صالح: "ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا

ص: 111

حتى يسجد". وهي زيادة حسنة، تنفي احتمال إرادة المقارنة من قوله: "إذا كبر، فكبروا". انتهى

(1)

.

(وإِذا رفع فارفعوا) يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، كما تقدم قريباً.

(وإِذا سجد فاسجدوا) قال العلامة الشوكاني رحمه الله: في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند قوله: "فإذا كبر فكبروا" ما حاصله:

فيه أن المأموم لا يشرع في التكبير إلا بعد فراغ الإمام منه، وكذلك الركوع، والرفع منه، والسجود، ويدل على ذلك أيضاً قوله في الرواية الثانية:"ولا تكبروا، ولا تركعوا، ولا تسجدوا". وكذلك سائر الروايات المشتملة على النهي.

وقد اختلف في ذلك هل هو على سبيل الوجوب، أو الندب، والظاهر الوجوب من غير فرق بين تكبيرة الإحرام وغيرها. انتهى

(2)

.

قال الجامع: ما قاله الشوكاني من كون الأمر للوجوب هو الذي رجحه الصنعاني في عدته جـ 2 ص 241، وهو الراجح عندي، فيحرم على المأموم مسابقة إمامه، أو مقارنته؛ لأن النهي الصريح المتقدم في

(1)

فتح جـ 2 ص 406 - 407.

(2)

نيل الأوطار جـ 4 ص 27.

ص: 112

رواية أبي داود للتحريم. والله تعالى أعلم.

(وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد) هكذا الرواية هنا، وفي الكبرى بدون واو، وفي (22/ 1061) "فقولوا: ربنا ولك الحمد" بالواو.

قال في "الفتح": قوله: "قولوا: ربنا ولك الحمد". كذا لجميع الرواة في حديث عائشة رضي الله عنها بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة، وأنس رضي الله عنهما، إلا في رواية الليث، عن الزهري، فللكشميهني بحذف الواو. ورجح إثبات الواو بأن فيها معنىً زائداً؛ لكونها عاطفة على محذوف، تقديره: ربنا استجب، أو ربنا أطعناك، ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء والثناء معاً. ورجح قوم حذفها؛ لأن الأصل عدم التقدير، فتكون عاطفة على كلام غير تام، والأول أوجه، كما قال ابن دقيق العيد. وقال النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح. انتهى

(1)

.

وقال العلامة الصنعاني رحمه الله: وجزم بعضهم بأنها زائدة، لا عاطفة، قال: وجزم به ابن القيم في كتابه الصغير في الصلاة. وقال في الهدي: لا ينبغي أن تهمل زيادة الواو، فإنها تُصَيّر الكلام جملتين. انتهى

(2)

.

(1)

فتح جـ 2 ص 407.

(2)

راجع "العدة" حاشية "العمدة" جـ 2 ص 242 - 243.

ص: 113

قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما قاله النووي رحمه الله تعالى هو الأرجح؛ إذ لا مرجح من جهة النقل، فتبصر. والله تعالى أعلم.

وسيأتي تمام القول في هذه المسألة، وفي زيادة "اللهم" قبلها. في [باب قوله: ربنا ولك الحمد] برقم (23/ 1063، 1064) إن شاء الله تعالى.

ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن الإمام يقتصر على قوله: "سمع الله لمن حمده"، وأن المأموم يقتصر على قوله:"ربنا ولك الحمد". قال الحافظ: وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله، نعم مقتضاه أن المأموم يقول:"ربنا ولك الحمد" عقب قول الإمام: "سمع الله لمن حمده"، فأما منع الإمام من قول:"ربنا ولك الحمد" فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بينهما. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق القول في هذه المسألة في الباب المذكور إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

(1)

فتح جـ 2 ص 407.

ص: 114

حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (16/ 794)، و"الكبرى"(16/ 869) عن هناد بن السري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عنه. و (40/ 832)، و"الكبرى"(40/ 906) عن قتيبة، عن مالك، عن الزهري به. و (22/ 1061) بسند الباب. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، فأخرجه البخاري عن علي بن عبد الله -وعن أبي نعيم- كلاهما عن ابن عيينة به. وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وعن قتيبة، عن الليث بن سعد -وعن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة- كلاهما عن ابن شهاب به.

ومسلم عن ابن أبي عمر، عن معن بن عيسى، عن مالك، به. وعن يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وأبي كريب، كلهم عن ابن عيينة به. وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب به. وعن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث بن سعد به. وعن حرملة بن يحيي، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به.

ص: 115

وأبو داود عن القعنبي، عن مالك به. والترمذي عن قتيبة، عن الليث به. وابن ماجه عن هشام بن عمار، عن ابن عيينة به.

مالك في "الموطأ" ص 103، والدارمي رقم (1259)، (1316)، والحميدي رقم (1189)، وأحمد جـ 3 ص 110، 162 مطولاً ومختصراً، وعبد بن حميد رقم (1161). والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو وجوب متابعة الإمام فى أفعال الصلاة، أي كون أفعاله عقب أفعاله بدون تراخ.

ومنها: مشروعية ركوب الخيل، والتدرب على أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوط ونحوه بما اتفق للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة.

ومنها: أنه يجوز عليه ما يجوز على البشر من الأسقام، ونحوها، من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعةً، ومنصبه جلالةً.

ومنها: مشروعية عيادة من سقط عن مركوبه، فحصل له بذلك ضرر.

ومنها: ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: أنه يجوز للإمام إذا مرض، وعجز عن القيام أن يصلي بنفسه، ولا يستخلف، لكن الأفضل له الاستخلاف.

قال الشافعي رضي الله عنه: وإنما اخترت أن يوكل الإمام إذا مرض

ص: 116

رجلاً صحيحاً، يصلي بالناس قائماً؛ لأن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أياماً كثيرة، وإنا لم نعلمه صلى بالناس جالساً في مرضه إلا مرة واحدة، لم يصل بهم بعدها علمته حتى لقي الله عز وجل، فدلّ ذلك على أن التوكيل بهم، والصلاة قاعداً جائزان عنده مَعًا، وكان ما صلى بهم غيره بأمره أكثر من ذلك. انتهى.

ومراد الشافعي بكونه عليه الصلاة والسلام لم يصل بالناس جالساً في مرضه إلا مرة مرض موته، فإنه قد صلى بهم في غير مرض الموت غير مرة، وهو جالس، وهم جلوس، كما دلت عليه الأحاديث، وكذا ذكر الحنابلة أنه يستحب الاستخلاف عند العجز عن القيام، وعللوه بأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فنخرج من الخلاف، وبأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لبيان الجواز، واستخلف في الأكثر، وبأن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم قاعداً أفضل من الاقتداء بغيره قائماً. انتهى

(1)

.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

(1)

طرح التثريب جـ 2 ص 345.

ص: 117

‌17 - الائْتِمَامُ بِمَنْ يَأتَمُّ بِالإِمَامِ

أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم الاقتداء بأفعال من يقتدي بالإمام.

وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى بنحو ترجمة المصنف هذه، حيث قال في "صحيحه":

(باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم): قال في "الفتح": قال ابن بطال: هذا موافق لقول مسروق والشعبي: إن الصفوف يؤم بعضها بعضاً، خلافًا للجمهور. قال الحافظ: وليس المراد أنهم يأتمون بهم في التبليغ فقط، كما فهمه بعضهم، بل الخلاف معنوي؛ لأن الشعبي قال فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة: إنه أدركها، ولو كان الإمام رفع قبل ذلك، لأن بعضهم لبعض أئمة. انتهى.

فهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعض ما يتحمله الإمام. وأثر الشعبي الأول وصله عبد الرزاق، والثاني وصله ابن أبي شيبة.

ولم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة لأنه بدأ بالترجمة الدّالة على أن المراد بقوله: "ويأتم الناس بأبي بكر" أنه في مقام المبلغ، ثم ثَنّى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر، ورشح ظاهرها

ص: 118

بظاهر هذا الحديث المعلق -يعني حديث أبي سعيد المذكور هنا- فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي، ويرى أن قوله في الرواية الأولى:"ويسمع الناس التكبير" لا ينفي كونهم يأتمون به؛ لأن إسماعه لهم التكبير جزء من أجزاء ما يأتمون به فيه، وليس فيه نفي لغيره، ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق عبد الله بن داود المذكور، ووكيع جميعاً عن الأعمش بهذا الإسناد، قال فيه:"والناس يأتمون بأبي بكر، وأبو بكر يسمعهم". انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: والظاهر أن المصنف يرى أن معنى ائتمام المأموم بمن يأتم بالإمام هو أن يكون مبلغاً عنه يُسمِع الناسَ تكبيره، حيث إنه أورد أخيراً حديث جابر رضي الله عنه الذي هو صريح في توضيح معنى حديث أبي سعيد، وحديث عائشة رضي الله عنهما، فإنه قال:"فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كبر أبو بكر يسمعنا". والله تعالى أعلم.

795 -

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ:"تَقَدَّمُوا، فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ، حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ عز وجل".

ص: 119

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، مات سنة 240، أخرج له الترمذي، والنسائي، من [10]، تقدم في 45/ 55.

2 -

(عبد الله بن المبارك) الحنظلي، ثقة ثبت حجة، مات سنة 181، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 36.

3 -

(جعفر بن حَيَّان) السعدي، أبو الأشهب العطاردي البصري الخزاز الأعمى، مشهور بكنيته، ثقة، من [6].

قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، صدوق. وقال أبو حاتم، عن أحمد: من الثقات. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المديني: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من سلاّم بن مسكين. وذكره ابن حبان في "الثقات".

وقال ابن أبي خيثمة: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: كان حماد بن زيد يقول: لم يسمع أبو الأشهب من أبي الجوزاء. قال الحافظ: وقد وقع في صحيح البخاري في تفسير سورة النجم: حدثنا مسلم، ثنا أبو الأشهب، ثنا أبو الجوزاء

فذكر حديثاً، فالله أعلم. وذكر أبو عمرو الداني في طبقات القراء أنه قرأ على أبي رجاء العطاردي. قال الأصمعي

ص: 120

عن أبي الأشهب: ولدت عام الجُفْرَة

(1)

سنة 70 أو 71. وقال البخاري عن محمد بن محبوب: مات في آخر يوم من شعبان سنة 165

(2)

. أخرج له الجماعة.

4 -

(أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي العَوَقي البصري، مشهور بكنيته، ثقة، مات سنة 108 أو 109، من [3]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في 21/ 538.

5 -

(أبو سعيد) الخدري سعد بن مالك صحابي رضي الله عنه، تقدم في 169/ 262. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة إلا شيخه؛ فممن انفرد هو والترمذي به، وأن شيخه وعبد الله مروزيان، وجعفر وأبو نضرة بصريان، وأبو سعيد مدني، وأن أبا سعيد أحد المكثرين السبعة؛ روى 1170 حديثاً. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في

(1)

هي جُفْرة خالد موضع بالبصرة، سميت باسم خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. ويوم الجُفرة بينه وبين أصحاب مصعب بن الزبير.

(2)

"ت" ص 55. "تت" جـ 2 ص 88. "تك" جـ 5 ص 22 - 25.

ص: 121

أصحابه) متعلق بـ "رأى"، والظاهر أن المراد بعضهم، و"رأى" بصرية، فلذا تعدت إلى واحد، وهو قوله (تأخراً)؛ أي عن الصف الأول. ولعلهم سمعوا قوله صلى الله عليه وسلم:"ليليني منكم أولو الأحلام، والنُّهَى"، فرأوا في أنفسهم قصوراً عن هذه المرتبة، فتأخروا (فقال) لهم (تقدموا) أي إلى الصف الأول (فأتموا بي) أي اقتدوا بي في أفعال الصلاة، (وليأتم بكم من بعدكم)"من" موصولة في محل نصب مفعول "يأتم"، والظرف صلتها. أي ليقتد بكم الصف الذي يليكم.

قال السندي رحمه الله: والخطاب لأهل الصف الأول، أو من بعدكم من أتباع الصحابة، والخطاب للصحابة مطلقاً. انتهى

(1)

.

وقال في الفتح: وظاهره يدل لمذهب الشعبي. وأجاب النووي رحمه الله بأن معنى: "وليأتم بكم مَن بعدكم". أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه، ولا يسمعه على مبلغ عنه، أو صف قدامه يراه متابعاً للإمام. وقيل: معناه تعلموا مني أحكام الشريعة، وليتعلم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعهم إلى انقراض الدنيا. انتهى

(2)

.

(ولا يزال قوم يتأخرون) أي عن الصفوف الأُوَلِ (حتى

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 83.

(2)

فتح جـ 2 ص 440.

ص: 122

يؤخرهم الله عز وجل أي عن رحمته، وعظيم فضله، ورفع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك. قاله النووي رحمه الله تعالى

(1)

. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (17/ 795)، وفي "الكبرى"(17/ 870) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن جعفر بن حيان، عن أبي نضرة، عنه. وفي (17/ 796)، وفي "الكبرى"(17/ 871) عن سويد، عن ابن المبارك، عن سعيد الجُريري، عن أبي نضرة به. نحوه.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن شيبان بن فَرُّوخ، عن جعفر بن حيان به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن عبد الله الرقاشي، عن بشر بن منصور، عن الجريري به. وأبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل -ومحمد بن عبد الله الخزاعي- كلاهما عن جعفر بن حيان به. وابن ماجه

(1)

شرح مسلم جـ 4 ص 159.

ص: 123

فيه عن أبي كريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة - كلهم عن جعفر ابن حيّان به. وأحمد (3/ 19، 34، 54)، وعبد بن حميد رقم (874)، وابن خزيمة رقم (1560) و (1612). والله تعالى أعلم.

تنبيه:

أورد البخاري رحمه الله في "صحيحه" حديث أبي سعيد هذا معلقاً بصيغة التمريض، فقال: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ائتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم".

قال في "الفتح": قيل: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه؛ لضعف فيه.

قال الحافظ: وهذا ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحاً للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة، والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضاً، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح. انتهى

(1)

. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

796 -

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ

(1)

فتح جـ 2 ص 440.

ص: 124

الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، نَحْوَهُ.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا سند آخر لحديث أبي سعيد رضي الله عنه، وهو نفس السند السابق، إلا أن شيخ عبد الله بن المبارك هنا الجريري، وهو: سعيد بن إياس، أبو مسعود الجُرَيري -بضم الجيم- البصري، ثقة، إلا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة 144، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 672.

وإنما قال: "نحوه"، ولم يقل:"مثله" للاختلاف في ألفاظه؛ لأن المشهور عند المحدثين أنه إذا اتحد الروايتان في اللفظ يقال: "مثله"، وإذا اتحدا في المعنى دون اللفظ يقال:"نحوه"، قال الحافظ السيوطي رحمه الله في "ألفية المصطلح":

الْحَاكِمُ اخْصُصْ نَحْوَهُ بِالْمَعْنى

وَمِثْلَهُ بِاللَّفظِ فَرْقٌ يُعْنَى

وقد تقدم ذكر هذه القاعدة غير مرة، وإنما أعدته إيضاحاً، وتذكيراً.

وقد ساق ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه لفظ الجريري من طريق القاسم بن مالك المزني، عنه، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى ناساً في مؤخر المسجد، فقال:"ما يؤخركم؟ لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل، تقدموا، فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم". انتهى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

ص: 125

797 -

أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةَ: وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، فَصَلَّى قَاعِدًا، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَالنَّاسُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة 239 من [10]، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في 33/ 37.

2 -

(أبو داود) الطيالسي، سليمان بن داود بن الجارود البصري، ثقة حافظ، غلط في أحاديث، مات سنة 204 من [9]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في 11/ 343.

3 -

(شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت البصري، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 26.

ص: 126

4 -

(موسى بن أبي عائشة) الهَمْدَاني مولاهم، أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، وكان يرسل، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 105/ 140.

5 -

(عبيد الله) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، مات سنة 94، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 45/ 56.

6 -

(عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت في 5/ 5. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله.

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة إلا شيخه؛ فما أخرج له أبو داود.

ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ موسى، عن عبيد الله.

ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة من التابعين؛ عبيد الله بن عبد الله.

ومنها: أن فيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة من الصحابة، روت 2210 أحاديث.

ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والإنباء، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال، على الصحيح في العنعنة إن

ص: 127

صدرت من غير مدلس. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر) الصديق رضي الله عنه (أن يصلي بالناس) وذلك في مرض موته، فالحديث مختصر من حديث عائشة رضي الله عنها الطويل، وسيأتي بتمامه في "باب الائتمام بالإمام يصلي قاعداً"(40/ 832)، ويأتي تمام شرحه هناك، إن شاء الله تعالى.

(قالت عائشة) رضي الله عنها (وكان النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي أبي بكر) أي يصلي إماماً له، وللناس، فلا ينافي ما يأتي أنه جلس عن يسار أبي بكر رضي الله عنه (فصلى قاعدًا، وأبو بكر يصلي بالناس) أي مبلغاً لهم تكبيره (والناس خلف أبي بكر) وفي الرواية الآتية (40/ 833)"فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً، يقتدي أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه".

وفيه أن أبا بكر مبلغ، وهو الذي أراده المصنف رحمه الله بقوله في الترجمة "الائتمام بمن يأتم بالإمام". والله تعالى أعلم.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه. وسيأتي تمام شرحه، والمسائل المتعلقة به (40/ 833، 834) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

ص: 128

798 -

أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِى ابْنَ يَحْيَى- قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُنَا.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(عبيد الله بن فضالة بن إِبراهيم) النسائي، أبو قُدَيد، ثقة ثبت، مات سنة 241، من [11].

روى عن عبد الرزاق، وسليمان بن داود الهاشمي، ومحمد بن المبارك الصوري، ويزيد بن هارون، وأبي حذيفة الصنعاني، واسمه عبد الله بن محمد بن عبد الكريم، ويقال: محمد بن عبيد الله، وسريج ابن النعمان، وأبي معمر المنقري، وأبي اليمان، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وغيرهم. وروى عنه النسائي، وأبو حاتم، وقال: صالح، وابن أبي عاصم، وأبو علي الحسن بن يزداد، والحسن بن سفيان. قال النسائي: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات. وأرخ وفاته سنة 241

(1)

. انفرد به المصنف.

(1)

"ت"226. "تت" جـ 7 ص 43 - 44، "تك" جـ 19 ص 140 - 141.

ص: 129

2 -

(يحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرحمن بن يحيى بن حماد التميمي الحنظلي، أبو زكريا النيسابوري، ثقة ثبت إمام؛ من [10]. قال صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: كان ثقة، وزيادة، وأثنى عليه خيراً. وقال أبو داود، عن أحمد: خرج من خراسان رجلان، ابن المبارك، ويحيى بن يحيى. وقال إسحاق بن راهويه: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه، قال: وهو أثبت من عبد الرحمن بن مهدى، قال: ومات يوم مات، وهو إمام لأهل الدنيا.

وقال الحسن بن سفيان: كنا إذا رأينا رواية ليحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، قلنا: ريحانة أهل خراسان، عن ريحانة أهل العراق. قال محمد بن أسلم الطوسي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقلت: عمن أكتب؟ قال: عن يحيى بن يحيى. وقال العباس بن مصعب: يحيى بن يحيى أصله من مرو، وهو من بني تميم من أنفسهم، وكان ثقة، يرجع إلى زهد وصلاح. وقال أحمد بن سيار. يحيى بن يحيى من موالي بني منقر، وكان ثقة في الحديث، حسن الوجه، طويل اللحية، وكان خيّراً فاضلاً صائناً لنفسه.

وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال مرة أخرى: ثقة مأمون، مات في آخر صفر سنة 226، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: أوصى بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، وكان من سادات أهل زمانه علماً وديناً وفضلاً

ص: 130

ونسكاً وإتقاناً. وقال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملي سمعت أبا الطيب المكفوف، يقول: ولد يحيى بن يحيى سنة 142، قال: وسألت أبا أحمد الفراء عن وفاته، فقال: ليلة الأربعاء غرة ربيع الأول. قال الحاكم: وكل من خالف هذا القول يخطىء، والمكتوب على اللوح في قبره خطأ، قرأت في اللوح أنه مات سنة 224، وقال محمد بن موسى الباشاني: مات سنة خمس، وكلا القولين خطأ.

وقال الفراء: أخبرني زكرياء بن يحيى، قال: أوصى أبي بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، فأتيته بها، فقال: ليس هذا من لباسي، ثم أخذ ثوباً واحداً منه، ورد الباقي. وطول الحاكم في "تاريخه" ترجمته، وقسم الرواة عنه إلى خمس طبقات، ومن آخرهم داود بن الحسين البيهقي، وإبراهيم بن علي الذهلي. وروى فيها عن أحمد بن حنبل، قال: ما رأى يحيى بن يحيى مثل نفسه، وقيل له: كان إماماً؟ قال: نعم، ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه.

وعن الأثرم قال: ذكر أبو عبد الله يحيى بن يحيى، فقال: بخ بخ بخ، ثم ذكر قتيبة، فأثنى عليه، ثم قال: إلا أن يحيى شيء آخر، وقدمه عليه. وقال الفراء: قال أحمد: قراءة يحيى بن يحيى على مالك أحب إليّ من سماع غيره.

وقال يحيى بن محمد بن يحيى: كان أبي يرجع في كل المشكلات

ص: 131

إلى يحيى بن يحيى، ويقول: هو إمام فيما بيني وبين الله تعالى. قال يحيى: وما رأيت محدّثاً أورع منه، ولا أحسن بياناً. وقال الحسين بن منصور: سمعت عبد الله بن طاهر يقول: شك يحيى بن يحيى عندنا بين

(1)

.

وقال أبو أحمد الفراء: سمعت يحيى بن يحيى، وكان إماماً، وقدوة، ونوراً، وضوءاً للإسلام. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قرأ عليه إسحاق بن إبراهيم، عن مشايخه أحاديث، ثم انتهى إلى حديث يحيى بن يحيى، فقال: ثنا يحيى بن يحيى، وهو من أوثق من حدثتكم اليوم عنه. وقال: سمعت الذهلي يقول: لو شئت لقلت هو أسن

(2)

المحدثين في الصدق، وكان ثبتاً.

وقال أبو أحمد الفراء: سمعت عامة مشايخنا يقولون: لو أن رجلاً جاء إلى يحيى بن يحيى عامداً ليتعلم من شمائله كان ينبغي له أن يفعل. وقال المستملي: قال قتيبة بن سعيد: يحيى بن يحيى رجل صالح إمام من أئمة المسلمين. وقال محمد بن نصر المروزي، وقيل له: من أدركت من المشايخ على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال له: ما أدركت أحداً إلا أن يكون يحيى بن يحيى. أخرج له البخاري، ومسلم،

(1)

هكذا النسخة "بين". ولعل صوابه "يقين".

(2)

هكذا النسخة، ولعل الصواب:"أحسن"، أو نحوه.

ص: 132

والترمذي، والنسائي

(1)

.

3 -

(حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرُّؤَاسي

(2)

) أبو عوف الكوفي، ثقة، مات سنة 189، وقيل غير ذلك، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 497.

4 -

(عبد الرحمن) بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي الكوفي، ثقة، من [7].

قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي. وذكره ابن حبان مي الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي ثقة. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.

5 -

(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْوُس الأسدي مولاهم

المكي، صدوق، يدلس، مات سنة 126، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 31/ 35.

6 -

(جابر) بن عبد الله بن عَمْرو بن حَرَام الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما تقدم في 31/ 35. والله تعالى أعلم.

(1)

"تت" جـ 11 ص 296 - 299، "ت" ص 380.

(2)

"الرؤاسي" -بضم الراء، بعدها همزة خفيفة-: نسبة إلى رؤاس بن كلاب. قاله في "المغني". وفي "لب اللباب" جـ 1 ص 360: نسبة إلى بطن من قيس عيلان، ومن همدان. اهـ.

ص: 133

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن شيخه ممن انفرد هو به، وأن جابراً رضي الله عنه من المكثرين السبعة؛ روى 1540 حديثاً، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن جابر) بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه (قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الظهر) وقد بين جابر في رواية أخرى أنه صلى جالساً لكونه مريضاً، ففي روايه المصنف في [باب الرخصة قي الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً](11/ 1200) من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عنه، قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يكبر، يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا، فرآنا قياماً، فأشار إلينا، فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلم قال:"إن كدتم آنفاً تفعلون فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم، وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتمّوا بأئمتكم؛ إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً".

(وأبو بكر خلفه) جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الفاعل (فإِذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر) رضي الله

ص: 134

عنه (يسمعنا) جملة حالية، أي حال كون أبي بكر رضي الله عنه مسمعاً ومبلغاً لنا تكبير رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا صريح في كون النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام، وكون أبي بكر مبلغاً له.

فحديث جابر رضي الله عنه هذا مبين لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتقدم: "وليأتم بكم مَن بَعدَكم"، ولقول عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي قبل هذا:"وأبو بكر يصلي بالناس". والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث جابر رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (17/ 798)، وفي "الكبرى"(17/ 873) عن عبيد الله ابن فَضالة بن إبراهيم، عن يحيى بن يحيى، عن حميد بن عبد الرحمن ابن حميد الرُّؤَاسيّ، عن أبيه، عن أبي الزبير، عنه. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى بسند المصنف. وعن قتيبة -ومحمد بن رمح- وأبو داود فيه عن قتيبه -ويزيد بن خالد-

ص: 135

وابن ماجه فيه عن محمد بن رمح -ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عنه، وأحمد جـ 3 ص 334، والبخاري في "الأدب المفرد" برقم (948)، وابن خزيمة برقم (486)، (873)، (886). والله تعالى أعلم.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

***

ص: 136

‌18 - مَوْقِفُ الإِمَامِ إذَا كَانُوا ثَلَاثةً، والاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ

أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على بيان محل وقوف الإمام إذا كان معه اثنان، وهو ثالثهما، وبيان اختلاف الأخبار في ذلك.

وأراد بالاختلاف هنا اختلاف حديث ابن مسعود، مع حديث مسعود الأسلمي، ولكن حديث مسعود ضعيف، كما بينه المصنف نفسه، فكان الأولى له أن يأتي بالأحاديث الصحيحة التي تختلف مع حديث ابن مسعود رضي الله عنه، كحديث أنس رضي الله عنه في صلاته مع اليتيم خلف النبي صلى الله عليه وسلم، المتفق عليه، وحديث جابر في صلاته مع جبّار خلفه صلى الله عليه وسلم عند مسلم، كما سيأتي بيان ذلك قريباً.

اللهم إلا إذا أراد بيان ضعف حديث مسعود، مع الإشارة إلى الاختلاف الواقع بين حديث ابن مسعود، وبين الأحاديث الأخرى. والله تعالى أعلم.

799 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْكُوفِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ الأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، قَالَا: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ نِصْفَ النَّهَارِ، فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ أُمَرَاءُ، يَشْتَغِلُونَ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةَ، فَصَلُّوا لِوَقْتِهَا، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهُ،

ص: 137

فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ.

رجال هذا الإسناد: سبعة

1 -

(محمد بن عبيد الكوفي) بن محمد بن واقد المحاربي، أبو جعفر، أو أبو يعلى النَّحّاس الكوفي، صدوق، مات سنة 251، وقيل: قبل ذلك، من [10].

قال النسائي: لا بأس به. وقال مسلمة: كوفي لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة 245، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة 251، روى عنه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

2 -

(محمد بن فُضيل) بن غَزْوَان -بفتح المعجمة، وسكون الزاي- الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، رمي بالتشيع، من [9].

قال حرب عن أحمد: كان يتشيع، وكان حسن الحديث. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: كان شيعياً محترقاً. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يغلو في التشيع.

قال الحافظ: صنف مصنفات، وقرأ القراءات على حمزة الزيات.

ص: 138

وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقاً كثير الحديث متشيعاً، وبعضهم لا يحتج به. وقال العجلي: كوفي ثقة شيعي، وكان أبوه ثقة، وكان عثمانياً. وقال ابن شاهين في الثقات: قال علي بن المديني: كان ثقة ثبتاً في الحديث. وقال الدارقطني: كان ثبتاً في الحديث، إلا أنه كان منحرفاً عن عثمان. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة شيعي. وقال أبو هاشم الرفاعي: سمعت ابن فضيل يقول: رحم الله عثمان، ولا رحم من لا يترحم عليه، قال: وسمعته يحلف بالله أنه صاحب سنة، رأيت على خفه أثر المسح، وصليت خلفه ما لا أحصي، فلم أسمعه يجهر بالبسملة.

قال ابن سعد، وأبو داود: توفي سنة أربع وتسعين، زاد أبو داود في أولها. وقال البخاري، وغير واحد: مات سنة 195 أخرج له الجماعة

(1)

3 -

(هارون بن عنترة) -بنون، ثم مثناة- بن عبد الرحمن الشيباني، أبو عبد الرحمن، أو أبو عمرو بن أبي وكيع، الكوفي، لا بأس به، من [6].

قال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وكذا قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين. وقال أبو زرعة: لا بأس به مستقيم الحديث. وقال البرقاني:

(1)

"ت" ص 315. "تت" جـ 9 ص 405 - 406.

ص: 139

سألت الدارقطني عن عبد الملك بن هارون بن عنترة؟ فقال: متروك يكذب، وأبوه يحتج به، وجده يعتبر به.

وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره في الضعفاء أيضاً، وقال: يكنى أبا عمرو، منكر الحديث جدّاً، يروي المناكير الكثيرة، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها، لا يجوز الاحتجاج به بحال، مات سنة 142. وقال العجلي، وابن سعد: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. ونقل في "الميزان" عن الدارقطني أنه ضعفه. انتهى.

وممن كناه أبا عمرو يحيى بن سعيد، وابن المديني، والبخاري، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم، وهو الصحيح. أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في "التفسير"

(1)

.

4 -

(عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، مات سنة 99، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 38/ 42.

5 -

(الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة مكثر مخضرم فقيه، مات سنة 74 أو 75، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 29/ 33.

6 -

(علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه

(1)

"ت" ص 361. "تت" جـ 11 ص 9 - 10.

ص: 140

عابد، مات بعد سنة 60، وقيل: بعد سنة 70، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 61/ 77

7 -

(عبد الله) بن مسعود الهذلي الصحابي رضي الله عنه، تقدم في 35/ 39. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله.

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، غير هارون، فمختلف فيه.

ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين.

ومنها: أنه فيه رواية الراوي عن أبيه، وعم أبيه؛ وهو عبد الرحمن ابن الأسود، فالأسود أبوه، وعلقمة عم أبيه، وفيه رواية تابعي عن تابعيين. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن الأسود) بن يزيد (وعلقمة) بن قيس، أنهما (قالا: دخلنا على عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه.

ورواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: استأذدن علقمة، والأسود على عبد الله، وقد كنا أطلنا القعود على بابه،

ص: 141

فخرجت الجارية، فاستأذنت لهما، فأذن لهما، ثم قام، فصلى بيني وبينه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل.

(نصف النهار) وفي رواية أحمد عن الأسود بن يزيد، قال: دخلت أنا وعمي علقمة على ابن مسعود بالهاجرة، فأقام الظهر ليصلي، فقمنا خلفه فأخذ بيدي، ويد عمي، ثم جعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن يساره، فصفنا صفاً واحداً، ثم قال: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا كانوا ثلاثة.

(فقال: إِنه سيكون أمراء، يشتغلون عن وقت الصلاة) أي عن أداء الصلاة في وقتها، وهل معنى اشتغالهم عن وقت الصلاة، تفويتها بالكلية، أم تأخيرها إلى آخر وقتها؟ احتمالان، والأول أقرب إلى ظواهر النصوص، كما تقدم تحقيقه في شرح حديث (2/ 779).

(فصلوا الصلاة لوقتها) أي في وقتها المأمور أداؤها فيه. (ثم قام) أي ابن مسعود رضي الله عنه (فصلى بيني وبينه) أي بين الأسود، وعلقمة، وفي الرواية السابقة (27/ 719) من طريق إبراهيم النخعي عن الأسود "فذهبنا لنقوم خلفه، فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فصلى

" (فقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل) يعني القيام بين الاثنين.

وفيه دليل على أنه إذا كانوا ثلاثة يقومون صفاً واحداً، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه، وخالفه في ذلك الجمهور، كما سيأتي

ص: 142

تحقيقه في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.

وتقدم في الرواية المذكورة أنه فعل التطبيق أيضاً، وسيأتي تمام البحث فيه في (باب التطبيق)(1029) إن شاء الله تعالى، وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا صحيح

(1)

.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (18/ 799)، وفي "الكبرى"(18/ 874)، عن محمد ابن عبيد المُحَارِبيّ، عن محمد بن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود وعلقمة، كلاهما عنه.

وفي (27/ 719)، وفي "الكبرى"(27/ 798) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: دخلت أنا وعلقمة على عبد الله

وفي (27/ 720) ، و"الكبرى"(799)، عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شميل، عن شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن

(1)

سيأتي قريباً بيان ما قاله بعض العلماء من تضعيفه مرفوعاً، وأن الصحيح صحته.

ص: 143

الأسود، وعلقمة، كلاهما عن عبد الله. وفي (1/ 1029)، عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، به.

وفي (1/ 1030) عن أحمد بن سعيد الرِّبَاطِيّ، عن عبد الرحمن ابن عبد الله، عن عمرو بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم به. والله أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن العلاء الهمداني، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به. مطولاً، ولفظه: عن الأسود، وعلقمة، قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خَلْفَكُم؟ فقلنا: لا. قال: فقوموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا؛ فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، قال: فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا، وطَبَّقَ بين كفيه، ثم أدخلهما بين فخذيه.

قال: فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء، يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويَخْنُقُونها إلى شَرَقِ الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعاً، وإذا كنتم أكثر من ذلك، فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم، فليُفْرِش ذراعيه على فخذيه، ولْيَجْنَأْ، وليطبق بين كفيه، فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراهم.

ص: 144

وعن مِنْجاب بن الحارث التميمي، عن علي بن مسهر -وعن عثمان ابن أبي شيبة، عن جرير- وعن محمد بن رافع، عن يحيى بن آدم، عن مفضل -كلهم عن الأعمش به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم به.

وأبو داود فيه عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. وعن عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل، عن هارون بن عنترة به. مختصراً.

وأحمد جـ 1 ص 378، 413، 414، 426، 451، 455، 459، 424، 447)، وابن خزيمة رقم (1636). والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة، وذلك أنه يقف وسطهم، وهذا كما سبق مذهب ابن مسعود رضي الله عنه، وخالفه فيه الجمهور، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية.

ومنها: أن قوله: "ستكون عليكم أمراء" قد مر التصريح برفعه في (باب الصلاة مع أئمة الجور) ففيه علم من أعلام النبوة، حيث أخبر بأنه سيكون أمراء تُشغَل عن وقت الصلاة، وقد حدث ذلك بعده صلى الله عليه وسلم، في أمراء بني أمية، وغيرهم.

ومنها: أن من أدرك ذلك الوقت صلى الصلاة لوقتها، ثم إذا أدركهم يصلون صلى معهم، ليجمع بين الفضيلتين، وليبتعد

ص: 145

عن الفتن. والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في موقف الإمام إذا كان معه اثنان: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقال كثير منهم: إذا كانوا ثلاثة يتقدمهم أحدهم، هذا قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.

ثم أخرج بسنده عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، قال: دخلت على عمر بن الخطاب، وهو يصلي في الهاجرة تطوعاً، فأقامني حذوه عن يمينه، فلم يزل حتى دخل يَرْفَأ مولاه، فتأخرت، وصففنا خلف عمر. وأخرج عن النَّزَّال بن سَبْرَة، عن علي رضي الله عنه، قال: إذا كانوا ثلاثة تقدمهم أحدهم. وأخرج عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: يصليان وراءه.

قال: وفيه قول ثان: كان عبد الله بن مسعود، يقول: إذا كنتم ثلاثة، فصفوا جميعاً، وإذا كنتم أكثر من ذلك، فقدموا أحدكم، وكذلك فعل عبد الله بعلقمة، والأسود، جعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، وبه قال النخعي.

قال أبو بكر رحمه الله تعالى: بحديث جابر أقول.

ثم أخرج بعده عن عمرو بن سعيد، أنه قال: دخلت على جابر بن

ص: 146

عبد الله، أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فقال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالسُّقْيَا، أو بالقَاحَةِ، قال: فخرج لبعض حاجته، فصببت له وضوءاً، فتوضأ، ثم قام، فالتحف بإزاره، فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، ثم أتى آخر، فقام عن يساره، فتقدم، فصلى بنا

(1)

.

وأخرج أيضاً عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا، وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار، قال: رأينا جابر بن عبد الله، قال: وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصلي، وجئت حتى أقوم عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذني، فجعلني عن يمينه، وجاء جَبَّار ابن صخر، فقام عن يساره، فدفعنا حتى جعلنا من خلفه

(2)

. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى

(3)

.

وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح حديث ابن مسعود المذكور في الباب: وهذا مذهب ابن مسعود، وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة، فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفّاً، لحديث جابر وجَبَّار بن صَخْر، وقد ذكره مسلم في صحيحه في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر،

(1)

أخرجه ابن خزيمة في صحيحه جـ 3 رقم 1536.

(2)

أخرجه مسلم جـ 8 ص 231.

(3)

الأوسط جـ 4 ص 172 - 175.

ص: 147

وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة أنهم يقفون وراءه، وأما الواحد، فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه.

ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصح عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس، وكيف كان، فهم اليوم مُجمِعون على أنه يقف عن يمينه. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى

(1)

.

وقال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى: ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه من كون الاثنين يصطفان مع الإمام، هو قول أبي حنيفة، ولا حجة في الموقوفات مع وجود الأحاديث الصحيحة المرفوعة. وقد رفع أبو داود

(2)

هذا من حديث ابن مسعود، فقال فيه:"ثم قام، فصلى بيني وبينه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل". وهذا ضعيف؛ فإن في إسناده هارون بن عنترة، وقد قال فيه الدارقطني: إنه متروك يكذب. وهذا جرح مفسر، فهو مقدم على توثيق أحمد، وابن معين، وقد تابعه عليه محمد بن إسحاق فيما رواه البيهقي في سننه، إلا أنه عنعنه، وهو مدلس، قال النووي في الخلاصة: وهو ضعيف؛ لأن المدلس إذا قال: "عن" لا يحتج به بالاتفاق.

(1)

شرح مسلم جـ 5 ص 15 - 16.

(2)

قال الجامع: وقد رفعه النسائي أيضاً في هذا الباب.

ص: 148

قال ولي الدين رحمه الله:

وكأنه أراد اتفاق من لا يحتج بالمرسل، وأما الذين يحتجون بالمرسل، فإن أكثرهم يحتجون بخبر المدلس، كما صرح به الخطيب في الكفاية.

وإذا تقرر أنه لا يصح مرفوعاً، وإنما يصح عن ابن مسعود من قوله، فالأحاديث الصحيحة المرفوعة دالّة على أن الاثنين يقفان صفًا خلف الإمام.

من ذلك في الصحيحين حديث أنس رضي الله عنه: "صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم". ولمسلم من حديث جابر رضي الله عنه: "قام النبي صلى الله عليه وسلم، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جَبَّار بن صخر، فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بأيدينا جميعاً، فدفعنا حتى أقامنا خلفه".

وللشيخين أيضاً من حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه: "فغدا عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر، فاستأذنا، فأذن لهما، فما جلس حتى قال: أين تحب أن أصلي في منزلك، فأشرت له إلى ناحية، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصفنا خلفه

(1)

، فصلى بنا ركعتين"

الحديث.

(1)

قال الجامع: هذا الحديث ليس فيه أن الذين صلوا خلفه صلى الله عليه وسلم رجلان فقط، بل الظاهر أنهم كانوا أكثر، كما يدل عليه بعض الروايات، فالاستدلال به لهذه المسألة غير واضح، فتدبر. والله أعلم.

ص: 149

أبو داود؛ إن صح، أو قول ابن مسعود، وبين هذه الأحاديث الصحيحة؛ فذهب البيهقي، وآخرون إلى أن هذه الأحاديث الصحيحة ناسخة لحديث ابن مسعود.

وذهب الحميدي شيخ البخاري إلى أن ابن مسعود اشتبه عليه ذلك بقضية أخرى، ذكرها بإسناده.

وذهب ابن سيرين إلى أنه إنما صف الاثنين معه لأن المسجد كان ضيقاً

(1)

.

وذهب النووي إلى أنه يحمل على فعله على تقدير ثبوته مرة لبيان الجواز، وقال: إن هذا هو المختار. والله أعلم.

انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الحديث صحيح مرفوعاً؛ لأمور:

منها: أن الأكثرين على توثيق هارون، كما تقدم.

ومنها: أنه تابعه محمد بن إسحاق في رفعه، وما ادعوه من عنعنته، ليس بصحيح، فقد صرح بالتحديث عند أحمد من رواية ابنه عبد الله، ونصه: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وحدثني عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه، قال: دخلت أنا وعمي علقمة، على عبد الله بن

(1)

هذا فيه نظر، لقوله:"وذهبنا لنقوم خلفه إلخ" فلو لم يكن في المكان سعة لما ذهبا ليقوما خلفه. فليتأمل.

(2)

طرح التثريب جـ 2 ص 286 - 287.

ص: 150

مسعود بالهاجرة، قال: فأقام الظهر ليصلي، فقمنا خلفه، فأخذ بيدي، ويد عمي، ثم جعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن يساره، ثم قام بيننا، فصففنا خلفه

(1)

صفّاً واحداً، ثم قال: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا كانوا ثلاثة، قال: فصلى بنا، فلما ركع طبق، وألصق ذراعيه بفخذيه، وأدخل كفيه بين ركبتيه، قال: فلما سلم أقبل علينا، فقال: إنها ستكون أئمة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فإذا فعلوا ذلك، فلا تنتظروهم بها، واجعلوا الصلاة معهم سُبْحة"

(2)

.

ومنها: أن روايته لا تخالف رواية الجماعة، كما هو ظاهر من سياق مسلم المتقدم.

والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعاً، والجواب عن التعارض بينه وبين الروايات المتقدمة، إما أن يحمل على نسيان ابن مسعود هذه السنة، كما نسي وضع اليدين على الركبتين، فقال بالتطبيق، أو أنه فعله لبيان الجواز كما اختاره النووي رحمه الله. والله تعالى أعلم.

وقال العلامة الشوكاني رحمه الله:

حديث ابن مسعود رضي الله عنه في إسناده هارون بن عَنْتَرَة، وقد تكلم فيه بعضهم، قال أبو عمر: هذا الحديث لا يصح رفعه، والصحيح فيه عندهم أنه موقوف على ابن مسعود. انتهى. وقد أخرجه مسلم في صحيحة، والترمذي موقوفاً على ابن مسعود.

(1)

هكذا النسخة: "خلفه"، ولعل صوابه:"معه". فليحرر.

(2)

المسند جـ 1 ص 459.

ص: 151

قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت أن الظاهر من سياق مسلم أنه مرفوع، كما تقدم نص سياقه. فتأمل.

قال: وقد ذكر جماعة من أهل العلم، منهم الشافعي، أن حديث ابن مسعود هذا منسوخ؛ لأنه إنما تعلم هذه الصلاة من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة، وفيها التطبيق، وأحكام أخر، هي الآن متروكة، وهذا الحكم من جملتها، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تركه، وعلى فرض عدم علم التاريخ لا ينتهض هذا الحديث لمعارضة الأحاديث المتقدمة في أول الباب

(1)

.

وقد وافق ابن مسعود على وقوف الاثنين عن يمين الإمام ويساره، أبو حنيفة، وبعض الكوفيين. ومن أدلتهم ما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وسطُوا الإمام، وسدوا الخلل"

(2)

. وهو محتمل أن يكون المراد اجعلوه مقابلاً لوسط الصف الذي خلفه، ومحتمل أن يكون من قولهم فلان واسطة قومه: أي خيارهم، ومحتمل أن يكون المراد اجعلوه وسط الصف فيما بينكم غير متقدم، ولا متأخر، ومع الاحتمال لا ينتهض للاستدلال. وأيضاً هو مهجور الظاهر بالإجماع؛ لأن ابن مسعود، ومن معه إنما قالوا بتوسيط الإمام في الثلاثة، لا فيما زاد عليهم، فيقفون خلفه، وظاهر الحديث عدم الفرق بين الثلاثة، وأكثر منهم.

انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى

(3)

.

(1)

يعني الأحاديث المذكورة في كلام ولي الدين رحمه الله.

(2)

حديث ضعيف؛ لأن فى سنده يحيى بن بشير بن خلاد، مجهول الحال، وعن أمه، وهي مجهولة.

(3)

نيل الأوطار جـ 4 ص 85.

ص: 152

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذكر من الأدلة أن الراجح مذهب الجمهور، وهو أن الإمام إذا كان معه إثنان يتقدم عليهما، ويصفان خلفه. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

800 -

أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الأَسْلَمِيُّ، عَنْ غُلَامٍ لِجَدِّهِ، يُقَالُ لَهُ: مَسْعُودٌ، فَقَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا مَسْعُودُ ائْتِ أَبَا تَمِيمٍ -يَعْنِي مَوْلَاهُ- فَقُلْ لَهُ يَحْمِلْنَا عَلَى بَعِيرٍ، وَيَبْعَثْ إِلَيْنَا بِزَادٍ، وَدَلِيلٍ يَدُلُّنَا، فَجِئْتُ إِلَى مَوْلَايَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَبَعَثَ مَعِي بِبَعِيرٍ، وَوَطْبٍ مِنْ لَبَنٍ، فَجَعَلْتُ آخُذُ بِهِمْ فِي إِخْفَاءِ الطَّرِيقِ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَدْ عَرَفْتُ الإِسْلَامَ، وَأَنَا مَعَهُمَا، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ خَلْفَهُمَا، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُمْنَا خَلْفَهُ.

ص: 153

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بُرَيْدَةُ هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(عبدة بن عبد الله) بن عبدة الخزاعي الصفّار، أبو سهل البصري، كوفي الأصل، مات سنة 258، وقيل: في التي قبلها، من [11].

قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث. وقال أبو القاسم: مات بالأهواز سنة 258، وذكر مسلمة بن قاسم، وأبو علي الجياني: أنه مات بالبصرة سنة 257. روى عنه الجماعة، إلا مسلماً.

2 -

(زيد بن الحباب) أبو الحسين العُكْلي، الكوفي، خراساني الأصل، صدوق يخطىء في حديث الثوري، مات سنة 203، من [9]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 33/ 37.

3 -

(أفلح بن سعيد) الأنصاري القُبَائِيّ

(1)

المدني، أبو محمد،

(1)

"القبائي" -بضم القاف، وتخفيف الباء الموحدة- نسبة إلى قُبَاء موضع بالمدينة. قاله في اللباب جـ 3 ص 12.

ص: 154

صدوق، مات سنة 156، من [7]

(1)

.

قال ابن معين، والنسائي: ليس به بأس. وقال ابن معين مرة: ثقة، يروي خمسة أحاديث. وقال أبو حاتم. شيخ صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، مات بالمدينة سنة 156، وذكره العقيلي في الضعفاء، فقال: لم يرو عنه ابن مهدي. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال.

قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي رحمه الله: قلت: ابن حبان ربما قَصَّبَ

(2)

الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه، ثم إنه بَيَّنَ مستنده، فساق حديث عيسى بن يونس، حدثنا أفلح بن سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة مرفوعاً:"إن طالت بك مدة، فسترى قوماً يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، يحملون سياطاً مثل أذناب البقر". ثم قال: وهذا -بهذا اللفظ- باطل. وقد رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعاً:"اثنان من أمتي لم أرهما، رجال بأيديهم سياط، مثل أذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات".

قال الذهبي: قلت: بل حديث أفلح حديث صحيح غريب، وهذا شاهد لمعناه. انتهى

(3)

.

(1)

"ت" ص 38.

(2)

"قَصَّبَه": عابه، وشتمه. اهـ قاموس.

(3)

ميزان الاعتدال جـ 1 ص 274 - 275.

ص: 155

قال الحافظ رحمه الله: والحديث في صحيح مسلم من الوجهين، فمستند ابن حبان في تضعيفه مردود، وقد غفل مع ذلك؛ فذكره في الطبقة الرابعة من الثقات، وذهل ابن الجوزي، فأورد الحديث من الوجهين في الموضوعات، وهو من أقبح ما وقع له فيها، فإنه قلد فيه ابن حبان من غير تأمل. انتهى

(1)

. أخرج له مسلم، والمصنف.

4 -

(بُريدة بن سفيان بن أبي فروة

(2)

الأسلمي) المدني، ليس بالقوي، وفيه رفض، من [5]

(3)

.

روى عن أبيه، وغلام لجده يقال له مسعود بن هبيرة. وعنه أفلح بن سعيد القبائي، وابن إسحاق. قال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث، وقال الجوزجاني: رديء المذهب جدّاً، غير مقنع، مغموص

(4)

عليه في دينه.

وقال ابن عدي: ليس له كثير رواية، ولم أر له شيئاً منكراً جداً. وقال الآجري، عن أبي داود: لم يكن بذاك، تكلم فيه إبراهيم بن سعد، قلت لأبي داود: كان يتكلم في عثمان؟ قال: نعم. وقال الدوري: سمعت يحيى يقول: سمعت يعقوب بن إبراهيم بن سعد،

(1)

"تت" جـ 1 ص 367 - 368.

(2)

بفتح الفاء، وسكون الراء.

(3)

جعله في "ت" من السادسة، والظاهر أنه خطأ، بل هو من الخامسة؛ لأنه يروى عن صحابي فتنبه.

(4)

أي مطعون. "ق".

ص: 156

يقول عن أبيه: أخبرني من رأى بريدة يشرب الخمر في طريق الري. قال الدوري: أهل مكة والمدينة يسمون النبيذ خمراً، فالذي عندنا أنه رآه يشرب نبيذاً، فقال: رأيته يشرب خمراً.

وقال ابن حبان في ثقات التابعين: قيل: إن له صحبة. وحكى ابن شاهين في "الثقات" عن أحمد بن صالح أنه قال: هو صاحب مغاز، وأبوه سفيان بن فروة له شأن من تابعي أهل المدينة. وقال الدارقطني: متروك. وقال العقيلي: سئل أحمد عن حديثه؟ فقال: بلية

(1)

. انفرد به المصنف، أخرج له هذا الحديث الواحد، فقط

(2)

.

5 -

(مسعود) بن هُبَيْرَة، أو هُنَيدة -بالنون، والدال- وهو أصح، مولى فروة الأسلمي صحابي قليل الحديث.

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصف في الصلاة، وعن أنس. وعنه بريدة ابن سفيان بن فروة الأسلمي. وسمى الواقدي فيما حكاه ابن سعد في الطبقات أباه هنيدة، وكذا سماه أبو القاسم البغوي في معجمه، وغيرهما

(3)

.

(1)

"تت" جـ 1 ص 432 - 434.

(2)

"تك" جـ 4 ص 55 - 56.

(3)

"تت" جـ 10 ص 119 - 120. "تك" جـ 27 ص 480 - 481.

ص: 157

وفي "الإصابة": مسعود غلام فروة، يقال: اسم أبيه هُنيدة. قال ابن حبان: مسعود بن هنيدة الأسلمي له صحبة. وذكر الواقدي، عن ابن أبي سَبْرة، عن الحارث بن فضيل، حدثني مسعود بن هنيدة، عن أبيه قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: جئت لأُسَلِّم عليك، فقد أعتقني أبو تميم، أوس بن حجر، قال:"بارك الله عليك، أين تركت أهلك؟ " قلت: بموضعهم، والناس صالحون، وقد كثر الإسلام حولنا، قال: وأعطاني عشرة من الإبل، فرجعت إلى أهلي، فنحن منها بخير.

وبهذا الإسناد ذكر الواقدي قصة للمريسيع، قال ابن سعد: مسعود مولى تميم بن حجر أبي أوس، كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حفظ عنه في المريسيع، أسلم قديماً حين مر بهم في الهجرة، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم حين أعتق عشراً من الإبل. وأخرج البغوي، وابن منده من طريق بريدة بن سفيان بن فروة، عن غلام لجده، يقال له: مسعود، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وَإِلَى جنبه أبو بكر، فجئت أصلي، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم في صدر أبي بكر، فقمنا خلفة، ورواه أبو كريب، وغيره، عن زيد أتم منه. وهو عند مُطَيَّن، وابن السكن، والطبراني، وغيرهم، وفي أوله: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو، وأبو بكر، فقال أبو بكر: يا مسعود، قل لأبي تميم يَبْعثْ معنا دليلاً، قال: فقلت له، فبعثني، وبعث معي بوَطْب من لبن، فجعلت أتخلل بهم الجبال، والأودية، وكنت قد عرفت

ص: 158

الإسلام، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

فذكره. انتهى

(1)

. انفرد به المصنف، أخرج له حديث الباب فقط، والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله موثقون، غير بريدة، فقد تكلموا فيه، كما مر آنفاً، وأنهم مدنيون، غير عبدة، فكوفي، ثم بصري، وابن الحباب، فخراساني، ثم كوفي.

ومنها: أن عبدة أخرج له الجماعة، إلا مسلماً، وكذا زيد أخرجوا له، إلا البخاري، وأن أفلح أخرج له مسلم، والمصنف فقط، وأن بريدة ومسعوداً من أفراد المصنف، ولا ذكر لهما في هذا الكتاب إلا في هذا الباب. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(قال) أفلح بن سعيد (حدثنا بريدة) بصيغة التصغير (بن سفيان بن فروة) بفتح الفاء، وسكون الراء المهملة (الأسلمي) بفتح الهمزة: نسبة إلى أسلم أبي قبيلة (عن غلام لجده) فروة أبي تميم الأسلمي (يقال له: مسعود) بن هنيدة، أو ابن هبيرة، والأول أصح (فقال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر) الصديق رضي الله عنه (فقال أبو بكر: يا مسعود، ائت أبا تميم -يعني مولاه-) أي مولى

(1)

"الإصابة" جـ 9 ص 191 - 192.

ص: 159

مسعود. و"يعني" مدرج من بعض الرواة أدرجه بياناً لأبي تميم.

والمولى يطلق بالاشتراك على المالك، وعلى العبد المُعْتَق، والمراد به هنا المالك (فقل له، يحملنا على بعير) أي يعطنا بعيراً نركبه في سفرنا، و"يحمل" بالجزم على أنه جواب الطلب، أي قل له: احملهما، يَحمِلْنا؛ كما في قوله تعالى:{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 31] أي قل لهم. أقيموا يقيموا. أفاده السندي رحمه الله. قلت: ولو رفع على الاستئناف لكان وجهاً صحيحاً أيضاً، إلا أن يُدّعَى أن الرواية على الجزم، فيتعين. والله تعالى أعلم.

ولعل إدلال أبي بكر على أبي تميم لكونه صديقاً له، أو لكونه أسلم، فلذا لم يتوقف في امتثال أمره.

قال الجامع عفا الله عنه: فإن قيل: المشهور أن أبا بكر رضي الله عنه كان قد أعدّ للهجرة راحلتين، فلما هاجر أعطى إحداهما، وهي الجدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم، وركب هو الأخرى، فلماذا سأل أبا تميم أن يحملهما على بعير؟

قلت: لعل الراحلتين أعيتا، أو أعيت إحداهما لطول السفر، فأراد الاستعانة بالبعير على قطع بعض المسافات، أو طلب ذلك احتياطاً. والله تعالى أعلم.

تنبيه:

قد روي مثل ما وقع لفروة الأسلمي أيضاً لأوس بن عبد الله بن

ص: 160

حَجَر الأسلمي. يكنى أيضاً أبا تميم، وربما ينسب إلى جده، فقيل: أوس بن حجر.

قال الحافظ رحمه الله في "الإصابة": روى البغوي، وابن السكن، وابن منده من طريق فيض بن وثيق، عن صخر بن مالك بن إياس بن أوس بن عبد الله بن حَجَر الأسلمي، شيخ من أهل العَرْج، قال: أخبرني أبي مالك بن إياس بن مالك، أن أباه إياساً أخبره، أن أباه مالك ابن أوس، أخبره، أن أباه أوس بن عبد الله بن حجر الأسلمي مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر، وهما متوجهان إلى المدينة، بقحدوات بين الجحفة وهَرْشَى، وهما على جمل، فحملهما على فحل إبله، وبعث معهما غلاماً له، يقال له: مسعود، فقال له: اسلك بهما حيث تعلم من محارم الطريق، ولا تفارقهما

فذكر الحديث.

ورواه الطبراني، وفي سياقه أن أباه مالك بن أوس بن حجر أخبره، أن أباه أوس بن عبد الله بن حجر قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره. ورواه السرّاج في تاريخه عن محمد بن عباد العُكلي، عن أخيه موسى، عن عبد الله بن يسار، عن إياس بن مالك بن أوس، قال: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره مرسلاً. قال ابن عبد البر: مخرج حديثه عن ولده، وهو حديث حسن، قال: وقد قيل: إنه أبو أوس بن تميم بن حجر.

قال الحافظ: قَلَبَه بعض الرواة، وقد أخرج الحاكم في "الإكليل" من

ص: 161

طريق الواقدي، حدثني ابن أبي سبرة، عن الحارث بن فضيل، حدثني ابن مسعود بن هنيدة، عن أبيه، عن جده مسعود، قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أين تريد يا مسعود؟ " قلت: جئت لأُسَلِّمَ عليك، وقد اعتقني أبو تميم أوس بن حجَر، قال:"بارك الله عليك"

(1)

.

وقد أشار الحافظ رحمه الله تعالى للجمع بين القصتين بالحمل على التعدد

(2)

. والله تعالى أعلم.

(ويبعث لنا) بالجزم، عطفاً على "يحمل"، ولو رفع لكان له وجه أيضاً كما مر في المعطوف عليه (بزاد) قال الفيومي: زاد المسافر: طعامه المتخذ لسفره، والجمع: أزواد

(3)

(ودليل) فعيل بمعنى فاعل، من دل على الشيء وإليه، من باب قتل، وهو المرشد، والكاشف (يدلنا) جملة في محل جر صفة لـ "دليل"، أي يرشدنا طريق هجرتنا إلى المدينة.

(فجئت إِلى مولاي، فأخبرته) أي بما قال أبو بكر (فبعث معي ببعير) بفتح الباء، وقد تكسر، كما في "ق". وقال الفيومي: البعير: مثلُ الإنسان، يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبت بعيري، والجملُ

(1)

"الإصابة" جـ 1 ص 138.

(2)

انظر: "الإصابة" جـ 8 ص 97.

(3)

"المصباح" جـ 1 ص 259 - 260.

ص: 162

بمنزلة الرجل؛ يختص بالذَّكَر، والناقة بمنزلة المرأة، تختص بالأنثى

(1)

.

(ووطب) بفتح الواو، وسكون الطاء: سقاء اللبن، وهو جلد الْجَذعَ، فما فوقه، جمعه أوْطُب، ووِطَاب، وأوْطَاب، وجمع جمعه: أوَاطِب. قاله المجد

(2)

(من لبن) جار ومجرور متعلق بمحذوف، صفة للوطْب. أي فبعثني ببعير لركوبهما، ووطب من لبن للزاد، وجعلني دليلاً لهما.

(فجعلت) أي شرعت (آخذ بهم في إِخفاء الطريق) بكسر الهمزة. قال السندي رحمه الله: هو مصدر "أخفى" كما هو المضبوط، أي في طريقٍ، تُخِفيهِما عن الناس، ولو جعل اسم تفضيل لكان له وجه.

(وحضرت الصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي) جملة حالية من الفاعل (وقام أبو بكر عن يمينه) فيه أن موقف الواحد يكون عن يمين الإمام (وقد عرفت الإِسلام) أي ومن جملته الصلاة (وأنا معهما) جملة حالية من الفاعل (فجئت، فقمت خلفهما، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر أبي بكر) أي ليتأخر (فقمنا خلفه) فيه أن موقف الاثنين يكون خلف الإمام، لا عن اليمين والشمال، خلاف ما تقدم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، فإنه أفاد أنهما يقفان عن

(1)

المصباح جـ 1 ص 53.

(2)

"ق" ص 181.

ص: 163

يمينه وشماله، وهذا هو الاختلاف الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى في الترجمة.

لكن هذا الحديث ضعيف، كما بينه المصنف بقوله:(قال أبو عبد الرحمن) النسائي رحمه الله (بريدة هذا ليس بالقوي في الحديث) وقد ضعفه أحمد، والبخاري، والجُوزجاني، وأبو داود، وقال الدارقطني: متروك. وقد تقدم تفاصيل أقوالهم في ترجمته. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث مسعود بن هنيدة رضي الله عنه هذا ضعيف. وهو من أفراد المصنف رحمه الله أخرجه هنا (18/ 800) وفي الكبرى (18/ 875) بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 164

‌19 - إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً وَامْرَأةً

أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على موقف الإمام إذا كان معه رجلان، وامرأة واحدة.

801 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ، دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ، قَدْ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ:"قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ".

قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ، مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة 240، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

2 -

(مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني، مات سنة 179، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 7.

ص: 165

3 -

(إِسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري أبو يحيى المدني ابن أخي أنس بن مالك، ثقة حجة، مات سنة 132، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 54/ 68.

4 -

(أنس بن مالك) بن النضر بن ضمضم، أبو حمزة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما له من الأسانيد، وهو 52 من رباعيات الكتاب.

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء.

ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة بالتخريج لهم.

ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه وإن كان بغلانياً، إلا أنه دخل المدينة.

ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمه، فأنس عم لإسحاق بن عبد الله.

ومنها: أن أنساً رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، روى 2286 حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة 92، أو 93، وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم.

ص: 166

شرح الحديث

(عن إِسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) ووقع عند الكشميهني، والحموي في رواية البخاري:"عن إسحاق بن أبي طلحة" منسوباً إلى جده (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (أن جدته مليكة) بصيغة التصغير، بدل من اسم "أن". والضمير في "جدته" يعود على إسحاق، كما جزم به ابن عبد البر، وعبد الحق، وعياض، وصححه النووي.

وجزم ابن سعد، وابن منده، وابن الحصار بأنها جدة أنس، والدة أمه، أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في "النهاية"، ومن تبعه، وكلام عبد الغني في "العمدة"، وهو ظاهر السياق.

قال الحافظ رحمه الله: ويؤيده ما رويناه في فوائد العراقيين لأبي الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدمي، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال:"أرسلتني جدتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واسمها مليكة، فجاءنا، فحضرت الصلاة"

الحديث.

وقال ابن سعد في "الطبقات": أم سليم بنت مِلْحان، فساق نسبها إلى عدي بن النجار، وقال: وهي الغُمَيصاء، ويقال الرُّميصاء، ويقال: اسمها سهلة، ويقال. أُنَيفَة -أي بالنون، والفاء، مصغرة- ويقال: رُميثة. وأمها مليكة بنت مالك بن عدي، فساق نسبها إلى مالك بن النجار، ثم قال: تزوجها -أي أم سليم- مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خلف عليها أبو طلحة، فولدت له

ص: 167

وأبا عمير.

قال الحافظ: وعبد الله هو والد إسحاق، روى هذا الحديث عن عمه أخي أبيه لأمه، أنس بن مالك. ومقتضى كلام من أعاد الضمير في "جدته" إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مليكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال:"صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأمي أم سليم خلفنا". هكذا أخرجه البخاري في أبواب الصفوف، والقصة واحدة طوّلها مالك، واختصرها سفيان، ويحتمل تعددها، فلا تخالف ما تقدم، وكون مليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق؛ لما بيناه.

لكن الرواية التي رواها الدارقطني في "غرائب مالك" عن البغوي، عن عبد الله بن عون، عن مالك، ولفظه: "صنعت مليكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً، فأكل منه، وأنا معه، ثم دعا بوَضُوء، فتوضأ

" الحديث. ظاهرة في أن مليكة اسم أم سليم نفسها. والله أعلم. قاله في الفتح

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: حملها على التعدد أولى؛ لأنه لا يؤدي إلى التكلف، والتعسف. والله تعالى أعلم.

(دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم) جملة في محل رفع خبر لـ "أن"(لطعام) أي لأجل تناول طعام، قال الحافظ رحمه الله: وهو مشعر بأن مجيئه

(1)

جـ 2 ص 44.

ص: 168

كان لذلك؛ لا ليصلي بهم، ليتخذوا مكان صلاته مُصلّى لهم، كما في قصة عتبان بن مالك الآتية، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي لأجله. اهـ

(1)

.

واعترضه العيني، فقال: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام، وبين الدعاء للصلاة، ولهذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها. وقوله: وهذا هو السر .. إلخ فيه نظر؛ لأنه يحتمل أن الطعام كان قد حضر، وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر لا يؤخر، فيقدم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان، لعدم حضور الطعام. اهـ

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رد به العيني على الحافظ غير صحيح، فإن ظاهر الحديثين صريح فيما قاله الحافظ، ففي حديث أنس رضي الله عنه قال:"إن جده مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام"

وهذا صريح في كون الدعوة للطعام، وفي حديث عتبان رضي الله عنه قال: وددت يا رسول الله أن تأتيني فتصلي في بيتي مكاناً أتخذه مُصَلَّى

" وهذا صريح في كون الدعوة للصلاة، فما أبداه الحافظ

(1)

فتح جـ 2 ص 44.

(2)

عمدة القاري جـ 4 ص 111.

ص: 169

رحمه الله تعالى رأي معقول، واستنباط مقبول. والله تعالى أعلم.

(قد صنعته له) جملة فعلية في محل جر صفة لـ "طعام"(فأكل منه) أي أكل بعض ذلك الطعام (ثم قال) بعد الأكل (قوموا) قال في "الفتح": استدل به على ترك الوضوء مما مست النار، لكونه صلى بعد الطعام، وفيه نظر، لرواية الدارقطني السابقة، ففيها: "ثم دعا بوضوء، فتوضأ

" الحديث

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: لكن ترك الوضوء مما مست النار، له أدلة صحيحة صريحة، قد تقدم البحث عنها مستوفىً في موضعها من كتاب الطهارة (123/ 182 - 185). فراجعه تزدد علماً. وبالله التوفيق.

(فلأصلي) هكذا أكثر نسخ "المجتبى": "فلأصلي" باللام، وإثبات الياء. وفي النسخة التي شرح عليها السندي:"فأصلي". فقال في شرحه: وقوله: "فأصلي لكم" بالنصب على أنه جواب الأمر، أو بالرفع، لخفاء السببية. وفي بعض النسخ "فلأصلي لكم". بكسر اللام، ونصب المضارع، والفاء زائدة، أي قوموا لأصلي إماماً لكم، أو بتقدير: فذلك القيام لأصلي لكم. اهـ

(2)

.

(1)

جـ 2 ص 44.

(2)

شرح السندي جـ 2 ص 85.

ص: 170

وقال في "الفتح": قال ابن مالك: روي بحذف الياء، وثبوتها مفتوحة وساكنة، ووجهه أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحةً لام "كي" والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قوموا، فقيامكم لأصلي لكم، ويجوز عَلَى مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بـ "قوموا".

وعند سكون الياء يحتمل أن تكون اللام أيضاً لام كي، وسكنت الياء تخفيفاً، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزاء إِجْرَاءً للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قنبل:{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} [يوسف: 90].

وعند حذف الياء اللامُ لامُ الأمر، وأمر التكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيح، قليل الاستعمال، ومنه قوله تعالى:{وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12]. قال: ويجوز فتح اللام. ثم ذكر توجيهه. وفيه لغيره بحث اختصرته؛ لأن الرواية لم ترد به. وقيل: إن في رواية الكشميهني: "فأصل" بحذف اللام، وليس هو فيما وقفت عليه من النسخ الصحيحة.

وحكى ابن قرقول عن بعض الروايات "فلنصل" بالنون، وكسر اللام، والجزم، واللام على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة. انتهى

(1)

(2)

.

(1)

فتح جـ 2 ص 44 - 45.

(2)

وقال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: قوله: "فلأصلي لكم" فيه ستة أوجه من الإعراب: =

ص: 171

وقال السهيلي: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى:{فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75] ويحتمل أن يكون أمراً لهم بالائتمام، لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله. اهـ

(1)

.

(لكم) أي لأجلكم (قال أنس) رضي الله عنه (فقمت إِلى حصير لنا) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لـ "حصير"(قد اسودَّ) جملة في محل جر صفة بعد الصفة، أو في محل نصب حال من

= الأولى: "فلأصليَ" -بكسر اللام، وضم الهمزة، وفتح الياء- ووجهه أن اللام فيه لام "كي" والفعل بعدها منصوب بأن مقدرة تقديره فلأن أصليَ. قال القرطبي رويناه كذا، والفاء زائدة، أو الفاء جواب الأمر، ومدخول الفاء محذوف، تقديره: قوموا، فقيامكم لأصلي لكم. ويجوز أن تكون الفاء زائدة على رأي الأخفش، واللام متعلقة بقوموا.

الثاني: "فلأصلي" مثلها، إلا أنها ساكنة الياء، ووجهه أن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف في مثل هذا لغة مشهورة.

الثالث: "فلأصل" بحذف الياء، لكون اللام لام الأمر، وهي رواية الأصيلي.

الرابع: "فأصلي" على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر.

الخامس: "فلنصل" -بكسر اللام في الأصل، وبنون الجمع، ووجهه أن اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وعلامة جزمه سقوط الياء.

السادس: "فلأصلي" -بفتح اللام- وروي هكذا في بعض الروايات، ووجهه أن تكون اللام لام الابتداء للتأكيد، أو تكون جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن قمتم فوالله لأصلي لكم. انتهى كلام العيني رحمه الله تعالى. عمدة القاري جـ 4 ص 111.

(1)

فتح جـ 2 ص 45.

ص: 172

"حصير"(من طول ما لُبس)"ما" مصدرية و"لُبس" بالبناء للمفعول، صلتها، أي من طول لبسه. وهو كناية عن كثرة استعماله.

وقال النووي رحمه الله: احتج بقوله: "من طول ما لُبِسَ" أصحاب مالك في المسألة المشهورة بالخلاف، وهي إذا حلف لا يلبس ثوباً، ففرشه، فعندهم يحنث، وأجاب أصحابنا بأن لبس كل شيء بحسبه، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش، للقرينة، ولأنه المفهوم منه، بخلاف من حلف لا يلبس ثوباً، فإن أهل العرف، لا يفهمون من لبسه الافتراش. انتهى.

وقال في "الفتح": فيه أن الافتراش يسمى لُبساً. وقد استدلّ به على منع افتراش الحرير، لعموم النهي عن لبس الحرير. ولا يرد على ذلك أن من حلف لا يلبس حريراً، فإنه لا يحنث بالافتراش؛ لأن الأيمان مبناها على العرف. اهـ

(1)

.

وقد اعترض العيني على كلام الحافظ هذا بما لا يسلم له

(2)

. فتبصر.

(1)

فتح جـ 2 ص 45.

(2)

حيث قال: وليس هاهنا لُبِس من لبست الثوب، وإنما هو من لبستُ المرأةَ، أي تمتعت بها زماناً، فحينئذ يكون معناه قد اسودّ من كثرة ما تمتع به طول الزمان. ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم -يعني الحافظ ابن حجر-: وقد استدل به على منع افتراش الحرير، لعموم النهي عن لبس الحرير، وقصد بهذا الغمز فيما قال أبو حنيفة من جواز افتراش الحرير، وتوسده. ولكن الذي يدرك دقائق المعاني، ومدارك الألفاظ العربية =

ص: 173

(فنضحته بماء) من النضح، وهو الرش. وهذا النضح يحتمل أن يكون لتليين الحصير، أو لتنظيفه، ولا يصح الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأن الأصل الطهارة. قاله في "الفتح"

(1)

.

(فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا) أتى بكلمة "أنا" لأجل العطف على ضمير الرفع المتصل، كما قال ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة":

وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصلْ

عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ

أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبَلَا فَصْلٍ يَرِدْ

فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقَدْ

(واليتيم) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى العطف على الضمير المتصل الفاعل، وأما النصب فعلى كون الواو واو المعية، والرفع أرجح، لوجود الفصل بالضمير.

وقد وقع عند البخاري في رواية المستملي، والحموي "وصففت واليتيم" بدون الضمير المنفصل، وعليه يكون النصب أرجح، لكون

= يعرف ذلك، ويقر بأن أبا حنيفة لا يذهب إلى شيء سدى. اهـ كلام العيني في عمدته. جـ 4 ص 111.

قال الجامع: هذا الذي قاله العيني مجرد تحامل، وتعصب، فإن تفسيره للبس بالتمتع إن صح لغة، ليس معارضاً لما قاله الحافظ، فإنه فسره بالأعم، فيدخل على قوله جميع أنواع التمتع، إلا ما استثنى شرعاً، فيحرم الالتحاف به، والاتزار، والارتداء، والاشتمال، والافتراش، وجميع أنواع انتفاع الرجال به، إلا ما استثني شرعاً، كالانتفاع بالبيع، والصدقة، والهبة، ونحو ذلك، فلم يكن لدفاع العيني معنى. فتبصر. والله أعلم.

(1)

جـ 2 ص 45.

ص: 174

العطف على الضمير المتصل بلا فاصل ضعيفاً.

وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة"، فقال:

وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكنْ بلَا ضعْفٍ أَحَقّ

وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضَعْف النَّسَقْ

واليتيم هو ضُمَيْرَة بن أبي ضميرة -بضم الضاد المعجمة، وفتح الميم، بصيغة التصغير- وأبو ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذا قاله الذهبي في تجريد الصحابة، ثم قال: له ولأبيه صحبة. وقال في الكنى: أبو ضُمَيرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من حمير، اسمه سعد، وكذا قال البخاري: إن اسمه سعد الحميري من آل ذي يزن. وقال أبو حاتم: سعد الحميري، هو جد حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة. انتهى. ويقال: اسم أبي ضميرة روح بن سندر. وقيل: روح ابن شير زاد. أفاده العيني

(1)

.

وقال في "الفتح": قال صاحب "العمدة": اليتيم: هو ضميرة جد حسين بن عمد الله بن ضميرة. قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن حبيب، ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله، أو من غيره من أهل المدينة. قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف في اسم أبي ضميرة، فقيل: روح. وقيل: غير ذلك. انتهى. ووهم بعض الشراح، فقال: اسم اليتيم

(1)

عمدة القاري جـ 4 ص 111.

ص: 175

ضميرة. وقيل: روح، فكأنه انتقل ذهنه من الخلاف في اسم أبيه إليه. ووهم أيضاً من قال: إن اسمه سليم. وجزم البخاري بأن اسم أبي ضميرة سعد الحميري، ويقال: سعيد. ونَسَبَه ابنُ حبان لَيْثِيّاً. اهـ

(1)

.

(وراءه) وفي نسخة "خلفه" وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ "صففت"(والعجوز من ورائنا) جملة اسمية في محل نصب على الحال، ويحتمل أن يعطف "العجوز" على الفاعل، والظرف على الظرف، ففيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو "صَفَّ"، وهو جائز بلا خلاف بين النحاة، كما بينه ابن هشام الأنصاري في "مغنيه"

(2)

. والعجوز: هي مليكة المذكورة أوّلاً (فصلّى لنا ركعتين) أي صَلَّى النبي صلى الله عليه وسلم لأجلنا (ثم انصرف) أي من الصلاة، أو إلى بيته. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (19/ 801)، وفي "الكبرى"(19/ 876) عن قتيبة،

(1)

فتح جـ 2 ص 45.

(2)

انظر: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" جـ 2 ص 101 بنسخة حاشية الأمير.

ص: 176

عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عنه. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف -وعن إسماعيل ابن أبي أويس- فرقهما، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي، والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى - خمستهم عن مالك به (مالك في الموطأ) برقم 113، وأحمد في المسند جـ 3 ص 131 و149 و164، والدارمي رقم 1291 و1381. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو بيان موقف الإمام إذا كان معه اثنان، وامرأة، وذلك أن يصُفَّ الاثنان خلفه، وتكون المرأة خلفهما صفاً وحدها.

ومنها: مشروعية إجابة الدعوة، ولو لم تكن عُرْساً، ولو كان الداعي امرأة.

ومنها: الأكل من طعام الدعوة.

ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق، والتواضع، حيث كان يزور أصحابه، ويصلي على البساط الذي عندهم، ولو كان ممتهناً، وقد أخرج مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أنه قال: كان

ص: 177

رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلُقاً، فربما تحضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكَنس، ثم يُنضح، ثم يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقوم خلفه، فيصلي بنا، وكان بساطهم من جريد النخل

(1)

.

ومنها: صلاة النافلة جماعة في البيوت. قال في "الفتح": وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة، لأجل المرأة، فإنها يخفى عليها بعض التفاصيل، لبعد موقفها. اهـ.

ومنها: أن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفرداً حيث لا يكون هناك مصلحة، كالتعليم، بل يمكن أن يقال: هو إذ ذاك أفضل، ولاسيما في حقه صلى الله عليه وسلم. قاله في "الفتح"

(2)

.

ومنها: تنظيف مكان المصلي.

ومنها: قيام الصبي مع الرجل صفّا.

ومنها: قيام المرأة صفّاً وحدها إذ لم تكن معها امرأة غيرها.

ومنها: تأخير النساء عن صفوف الرجال.

ومنها: أن بعضهم استدل به على جواز صلاة المنفرد خلف الصفّ وحده. وفيه نظر.

ومنها: أن نافلة النهار يقتصر فيها على ركعتين، خلافاً لأبي حنيفة

(1)

صحيح مسلم جـ 2 ص 127.

(2)

جـ 2 ص 46.

ص: 178

في قوله الأفضل أن يتنفل بأربع، سواء كان ليلاً، أو نهاراً. وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

ومنها: صحة صلاة المميز، ووضوئه.

ومنها: جواز الصلاة على الحصير، ومثله سائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع، إلا من شذ. وقد تقدم البحث مستوفى برقم (43/ 737).

(تَتِمّة) حديث أنس رضي الله عنه المذكور في هذا الباب غير حديثه المتقدم برقم (43/ 737) فإن المرأة التي دعت النبي صلى الله عليه وسلم هناك أم سليم، أم أنس، دعته ليصلي في بيتها لتتخذه مصلى، وهنا مليكة جدته، وقد علمتَ الخلافَ في كونها جدته، أو جدة إسحاق، دعته لطعام صنعته، ولكنه صلى في بيتها مكافأة على إحسانها، وقد تقدم هذا التنبيه بالرقم المذكور، وإنما أعدته تذكيراً. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 179

‌20 - إِذَا كَانُوا رَجُلَيْنِ وَامْرَأتَيْنِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على موقف الإمام إذا كان معه رجلان، وامرأتان.

802 -

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَا هُوَ إِلاَّ أَنَا، وَأُمِّي، وَالْيَتِيمُ، وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَ:"قُومُوا، فَلأُصَلِّيَ بِكُمْ". قَالَ: فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ، قَالَ، فَصَلَّى بِنَا.

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(سُوَيد بن نصر) المروزي، ثقة، من [10]، تقدم في 45/ 55.

2 -

(عبد الله بن المبارك) الإمام الحجة الثبت، من [8]، تقدم في 32/ 36.

3 -

(سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة، مات سنة 165، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 53/ 616.

ص: 180

4 -

(ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة، أخرج له الأربعة، تقدم في 45/ 53.

5 -

(أنس) بن مالك رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، غير شيخه؛ فانفرد هو به والترمذي، وأن شيخه، وعبد الله مروزيان، والباقون بصريون. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه، أنه (قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم) يحتمل أن يكون ذلك في بيت أم سليم رضي الله عنها، كما تقدم في (43/ 737).

ويحتمل أن يكون في بيت أم حرام رضي الله عنها، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم حرام، فأتوه بسمن، وتمر، فقال. "رُدُّوا هذا في وعائه، وهذا في سقائه، فإني صائم"، ثم قام، فصلى بنا ركعتين تطوعاً، فقامت أم سُليم، وأم حرام خلفنا. قال ثابت: ولا أعلمه إلا قال: أقامني عن يمينه على بساط.

(وما هو إِلا أنا)"ما" نافية، و"هو" في محل رفع مبتدأ، وهو

ص: 181

ضمير يفسره خبره، أي لا يعلم ما يراد له إلا بذكر خبره، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظاً ورتبة. أفاده السمين الحلبي رحمه الله في إعراب قوله تعالى:{إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} الآية.

(وأمي) أم سليم بنت مِلْحان، وقد ذكر الخلاف في اسمها (وأم حرام خالتي) هي بنت ملحان، واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حرام ابن جندب ابن عامر بن غنم بن عدي بن مالك بن النجار الأنصارية، خالة أنس بن مالك، وزوجة عبادة بن الصامت، يقال: اسمها الغميصاء، ويقال: الرميصاء صحابية مشهورة، خرجت مع زوجها عبادة في بعض غزوات البحر، وماتت في غزاتها؛ وَقَصَتْها بغلتها عندما قفلوا، وذلك أول ما ركب المسلمون في البحر في زمن معاوية، في خلافة عثمان رضي الله عنهم، وقبرت بقبرص، جزيرة عظيمة من جزائر الروم.

(فقال: قوموا، فلأصلي بكم) تقدم معناه في الحديث الماضي، (قال) أنس رضي الله عنه (في غير وقت صلاة) يعني في غير وقت فريضة (فصلى بنا) زاد في رواية مسلم: فقال رجل لثابت: أين جعل أنساً منه؟ قال: جعله على يمينه، ثم دعا لنا، أهلَ البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة، فقالت أمي: يا رسول الله، خويدمك ادع الله له، فدعا لي بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي به، أن قال:"اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه".

والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

ص: 182

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا (20/ 802)، وفي "الكبرى"(20/ 877) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عنه.

وفي (20/ 803)، وفي "الكبرى"(20/ 878) عن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن عبد الله بن مختار، عن موسى بن أنس، عنه، بلفظ:"كان هو، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه، وخالته، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل أنساً عن يمينه، وأمه وخالته خلفهما".

وفي (21/ 804)، وفي "الكبرى"(21/ 879) عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، به. بلفظ "صلى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبامرأة من أهلي، فأقامني عن يمينه، والمرأة خلفنا".

وأخرجه مسلم في "الصلاة"، وفي "الفضائل"، عن زهير بن حرب، عن أبي النضر، هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، به. وعن عبيد الله بن معاذ العنبري، عن أبيه -وعن محمد بن المثنى، عن غندر- وعن زهير بن حرب، عن ابن مهدي - كلهم عن شعبة، عن عبد الله بن

ص: 183

المختار، به.

وأبو داود في "الصلاة" عن بندار، عن غندر -وعن عمرو بن علي، عن يحيى القطان- كلاهما عن شعبة به.

وابن ماجه فيه عن نصر بن علي، عن أبيه، عن شعبة به.

وأحمد جـ 3/ ص 193، 194، 217 و258 و261، وعبد بن حميد رقم (1267)، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (88)، وابن خزيمة رقم (1528). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

803 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُخْتَارٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ هُوَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأُمُّهُ، وَخَالَتُهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ أَنَسًا عَنْ يَمِينِهِ، وَأُمَّهُ، وَخَالَتَهُ خَلْفَهُمَا.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(محمد بن بشار) أبو بكر البصري، المعروف ببُندار، ثقة حافظ، مات سنة 252، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 27.

2 -

(محمد) بن جعفر المعروف بغندر البصري، ثقة حافظ، مات

ص: 184

سنة 193، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 21/ 22.

3 -

(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 26.

4 -

(عبد الله بن مختار) البصري، قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال شعبة: كان من فتياننا، وكان أحدث مني سنّاً. وفي "ت" لا بأس به، من [7]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي في "الشمائل"، والنسائي، وابن ماجه.

5 -

(موسى بن أنس) بن مالك الأنصاري قاضي البصرة. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وكان ثقة قليل الحديث. وقالى العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد أخيه النضر بن أنس. أخرج له الجماعة. وفي "ت": ثقة من [4].

6 -

(أنس) بن مالك رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف، وأنه مسلسل بالبصريين، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا عبد الله المختار، فما أخرج له البخاري، وأن شيخه أحد مشايخ الستة الذين أخذوا عنهم بدون واسطة، وأن فيه رواية الابن عن أبيه.

ص: 185

والحديث مضى مشروحاً في الذي قبله. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 186

‌21 - مَوْقِفُ الإِمَامِ إذَا كَانَ مَعَهُ صَبِيٌّ، وَامْرَأةٌ

أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على موقف الإمام إذا اقتدى به صبي، وامرأة.

804 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ قَزَعَةَ مَوْلًى لِعَبْدِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَائِشَةُ خَلْفَنَا، تُصَلِّي مَعَنَا، وَأَنَا إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُصَلِّي مَعَهُ".

رجال هذا الإسناد: سبعة

1 -

(محمد بن إسماعيل بن إِبراهيم) بن مِقْسَم الأسدي، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر البصري المعروف أبوه بابن عُلَيّة، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة، مات سنة 264، من [11].

قال النسائي: ثقة. وقال الدارقطني: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب. وقال محمد بن جعفر بن مِلاس: ثنا

ص: 187

القاضي محمد بن إسماعيل ابن علية الثقة الرضيّ بحديث ذكره. ووثقه مَسلمة، وقال المستملي: كان مستقيم الحديث.

قال محمد بن الفيض: عُزِل يحيى بن أكْثَم، وتولى جعفر بن عبد الواحد القضاءَ، فوَلَّى محمدَ بن إسماعيل ابن علية دمشق، فلم يزل قاضياً بدمشق حتى توفي سنة 264 وولي بعده أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز. انفرد به النسائي

(1)

.

2 -

(حجاج) بن محمد المِصِّيصِيّ الأعور، ثقة ثبت، اختلط آخراً بعد دخوله بغداد، مات سنة 206، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 28/ 32.

3 -

(ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل، مات سنة 150 أو بعدها، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 28/ 32.

4 -

(زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الزهري، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 51/ 64.

5 -

(قزعة

(2)

مولًى لعبد قيس) المكي مقبول، من [6].

(1)

"ت" ص 290 "تت" جـ 9 ص 55 - 56، "تك" جـ 24 ص 469 - 471.

(2)

"قزعَة" -بزاي، وفتحات. اهـ "ت" ص 282.

ص: 188

روى عن عكرمة مولى ابن عباس. وروى عنه زياد بن سعد. قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذهبي: لا ندري من هو؟ انفرد به النسائي، له عنده حديث الباب فقط

(1)

.

6 -

(عكرمة مولى ابن عباس) أبو عبد الله البربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير، ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، مات سنة 107، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 325.

7 -

(ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله عنهما، تقدم في 27/ 31. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون، فقد وثق قَزَعَة أبو زرعة، وابن حبان، كما مر، وأنه ممن انفرد هو به، وأنه من المقلين في الرواية، ليس له عنده غير هذا الحديث، وأن فيه ابن عباس حبر الأمة وبحرها، ومن المكثرين السبعة، روى 1696 حديثاً. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(قال) عكرمة (قال ابن عباس) رضي الله عنهما (صليت إِلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة خلفنا) مبتدأ وخبر في محل نصب على

(1)

انظر "تت" جـ 8 ص 377. "ت" ص 282.

ص: 189

الحال (تصلي معنا) في محل نصب أيضًا على الحال من "عائشة" فتكون من الأحوال المتداخلة، وفيه أن المرأة تكون صفًا وحدها (وأنا إِلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم) جملة حالية مؤكدة لقوله:"صليت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم" يعني أنه وقف إلى جنبه، والمراد جنبه اليمين، كما تقدم بيانه في الباب الماضي (20/ 803)، ويأتي في حديث مبيته عند خالته ميمونة رضي الله عنها الآتي في الباب التالي (22/ 806)(أصلي معه) جملة حالية مما قبلها، فتكون من الأحوال المتداخلة. وفيه أن موقف الواحد يكون إلى جانب الإمام.

وهذا الحديث يدل على أنه إذا حضر الصلاة مع الإمام رجل وامرأة كان موقف الرجل عن يمينه، وموقف المرأة خلفهما، وأنها لا تصفّ مع الرجال، قال في "الفتح": والعلة في ذلك ما يخشى من الافتتان، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور.

وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة؛ وهو عجيب، وفي توجيهه حيث قال قائلهم: قال ابن مسعود رضي الله عنه: "أخروهن من حيث أخرهن الله" والأمر للوجوب، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل، لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، و"حيث" ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخيرهن فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل؛ لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها.

وحكاية هذا تغني عن جوابه، والله المستعان، فقد ثبت النهي عن

ص: 190

الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف، فصلى فيه أثم، وأجزأت صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك؟

وأوضح منه لو كان لباب المسجد صُفَّةٌ مملوكة، فصلى فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة صحت صلاته وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته، ولاسيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة، فصلت بجنبه. انتهى

(1)

. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (21/ 804)، وفي (44/ 841)، وفي "الكبرى"(44/ 915) بالسند المذكور. والحديث من أفراد المصنّف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ 1/ ص 302، وابن خزيمة رقم 1537.

المسألة الثالثة: اختلف أهل العلم في موقف الواحد من الإمام إذا

(1)

فتح جـ 2 ص 449 - 450.

ص: 191

كانت معهما امرأة:

قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: وقد اختلف في هذا الباب، فممن رأى أن يقوم الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلفهما: أنس بن مالك، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، وقتادة، ومالك بن أنس، والثوري، والأوزاعي.

قال: وقد روينا عن الحسن أنه قال: إذا كان الإمام، ورجل، وامرأة صلوا متواترين، بعضهم فوق بعضهم

(1)

. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وبالقول الأول أقول. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أيضاً أقول بما قال به ابن المنذر رحمه الله تعالى، للأحاديث الصحيحة بذلك. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

805 -

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى بِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

معنى ذلك كما بينته رواية عبد الرزاق أن يقوم أحد الرجلين خلف الآخر، والمرأة خلفهما. اهـ المصنف جـ 2 ص 407.

(2)

الأوسط جـ 4 ص 176 - 177.

ص: 192

وَبِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَنَا".

قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد قد تقدموا في الباب الذي قبله إلا اثنين:

1 -

(عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، مات سنة 249، من [10]، تقدم في 4/ 4.

2 -

(يحيى) بن سعيد القطان الأحول أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حجة، مات سنة 198، من [9]، تقدم في 4/ 4.

وقوله: "وبامرأة من أهلي" يحتمل أن تكون أمه أم سليم، ويحتمل أن تكون خالته أم حرام.

وقوله. "والمرأة" يحتمل النصب عطفاً على مفعول "أقام" وهو ضمير المتكلم، والظرفُ عطف على الجار والمجرور، وفيه العطف على معمولي عامل واحد، وهو جائز باتفاق النحاة. ويحتمل الرفع على الابتداء، والظرف خبره، فتكون الجملة في محل نصب على الحال.

والظاهر أن هذه الواقعة غير الواقعة المتقدمة من طريق غندر، عن شعبة؛ فإن تلك فيها امرأتان، وفي هذه امرأة واحدة، لكن في رواية مسلم من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة ما يدل على أن المرأة هناك أيضاً واحدة، وعليه تكون القصة واحدة، ولفظه: "عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به، وبأمه، أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه،

ص: 193

وأقام المرأة خلفنا"، ثم ساق مسلم من طريق غندر، وعبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 194

‌22 - مَوْقِفُ الإِمَامِ، وَالْمَأْمُومُ صَبِيٌّ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على محل وقوف الإمام إذا كان المأموم صبيّاً.

وكان الأولى أن يقول: والمأموم واحد. ولعله نص على الصبي؛ لكونه وقع في الحديث؛ لأن ابن عباس كان صبياً وقت ذاك، وتنبيهاً على أن الحكم لا يختلف بالصبا.

وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أقام الواحد عن يمينه، فقد أخرج أحمد عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما، أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصلي المغرب، فجئته، فقمت إلى جنبه عن يساره، فنهاني، فجعلني عن يمينه، ثم جاء صاحب لي فصففنا خلفه، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب واحد مخالفاً بين طرفيه.

وأخرج مسلم، وأبو داود عن جابر أيضاً، أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي، فجئت، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بأيدينا جميعاً حتى أقامنا خلفه. والله تعالى أعلم.

806 -

أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ،

ص: 195

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ بِي هَكَذَا، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ".

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدَّوْرَقي، أبو يوسف البغدادي، ثقة، مات سنة 252، من [10]، تقدم في 21/ 22.

2 -

(ابن عُلَيّة) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بِشْر البصري، ثقة حافظ، مات سنة 193، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 18/ 19. و"عُلَية" أمه، وكان يكره النسبة إليها.

3 -

(أيوب) بن أبي تميمة كَيسان السَّخْتِياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، مات سنة 132، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 42/ 48.

4 -

(عبد الله بن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة فاضل، من [6].

قال النسائي: ثقة مأمون. وحكى الترمذي عن أيوب، قال: كانوا يعدونه أفضل من أبيه. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، وابن ماجه.

ص: 196

5 -

(سعيد بن جبير) الأسدي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، قتله الحجاج سنة 95، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 28/ 436.

6 -

(ابن عباس) المذكور في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا عبد الله بن سعيد، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وفيه رواية الراوي عن أبيه. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن ابن عباس) رضي الله عنهما، أنه (قال: بت عند خالتي ميمونة) بدل من "خالتي" وهي ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: اسمها برّة، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة، وتزوجها بسرف، سنة سبع، وماتت، ودفنت هناك سنة 51 على الصحيح. وتقدمت ترجمتها (13/ 236).

(فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصلي) جملة فعلية في محل نصب على الحال من الفاعل (من الليل)"من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض.

(فقمت عن شماله، فقال بي هكذا) أي مدّ يده إليّ، وفيه إطلاق القول على الفعل (فأخذ برأسي) وكان ذلك الأخذ من خلفه،

ص: 197

ففي رواية مسلم: "فأخذ بيدي من وراء ظهره، يَعْدِلُنِي كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن"

الحديث. واستُدِلّ به على أن مثل هذا العمل لا يفسد الصلاة.

(فأقامني عن يمينه) فيه بيان أن موقف المأموم الواحد يكون عن يمين الإمام مساوياً له. ففي رواية مخرمة، عن كريب، عن ابن عباس:"فقمت إلى جنبه" وظاهره المساواة. ورَوَى عبدُ الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس نحوًا من هذه القصة. وعن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شقه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصفّ معه، لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم.

وفي الموطأ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: دخلت على عمر ابن الخطاب بالهاجرة، فوجدته يسبح، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حِذَاءه عن يمينه. قاله في "الفتح"

(1)

. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا متفق عليه، وأخرجه المصنف رحمه الله مطولاً ومختصراً في مواضع،

(1)

جـ 2 ص 422.

ص: 198

فقد تقدم في (1/ 215) و (2/ 30)، وتقدم تخريجه هناك. ويأتي مطولاً (2/ 218)، (3/ 210) وسنتكلم أيضاً في تخريجه هناك إن شاء الله تعالى.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 199

‌23 - مَنْ يَلِي الإِمَاءَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ

أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على الذين ينبغي أن يكونوا وراء الإمام، ثم الذين ينبغي أن يكونوا وراءهم.

807 -

أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ:"لَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ".

قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا.

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو مَعْمَرٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(هنّاد بن السَّرِيّ) أبو السَّرِيّ الكوفي، ثقة، مات سنة 243، من [10]، أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، ومسلم

ص: 200

والأربعة، تقدم في 23/ 25.

2 -

(أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، مات سنة 195، من كبار [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 26/ 30.

3 -

(الأعمش) سليمان بن مِهْران الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة وَرِعٌ، لكنه يدلس، مات سنة 147، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 17/ 18.

4 -

(عمارة بن عُمَيْر) التميمي الكوفي، ثقة ثبت، مات بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 49/ 608.

5 -

(أبو مَعْمَر) عبد الله بن سَخْبَرَة

(1)

الأزدي الكوفي، ثقة، من [2].

وثقه ابن معين. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث، توفي في ولاية عبيد الله بن زياد. أخرج له الجماعة.

6 -

(أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، البدري، الصحابي المشهور رضي الله عنه، مات قبل الأربعين، أخرج له

(1)

بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحدة. اهـ "ت" ص 175.

ص: 201

الجماعة، تقدم في 6/ 494. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو رضي الله عنه، أنه (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا) "المناكب": جمع مَنكِب، وهو كما في "المصباح": مُجْتَمَع رأس العَضُد، والكَتِف. أي يضع يده على مناكبنا حتى لا نتقدم، ولا نتأخر (في الصلاة) أي في حال إرادة أداء الصلاة بالجماعة، يعني أنه يراعي تسويتنا لصفوف، عند القيام للصلاة، ويَتَعَهَّدُ ذلك.

(ويقول) أي في حال تسوية المناكب على ما هو الظاهر، كما قاله القاري (لا تختلفوا)"لا" ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها بحذف النون (فتختلف قلوبكم) بنصب "تختلف" بعد الفاء السببية، كما قال ابن مالك رحمه الله في "خلاصته":

وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ اوْ طَلَبْ

مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ

وقال أيضاً:

وَشَرْطُ نَصْبٍ بَعْدَ نَهْيٍ أَنْ تَضَعْ

إِنْ قَبْلَ لَا دُونَ تَخَالُفٍ يَقَعْ

أي لا تختلفوا في إقامة الصفوف بالأبدان بالتقدم والتأخر، فتختلف قلوبكم بالأهوية، والإرادة؛ لأن اختلاف الظواهر، يكون سبباً في اختلاف البواطن.

قال الجامع عفا الله عنه: فإن قلت: هذا الحديث يدل على أن

ص: 202

القلب تابع للأعضاء، ففسادها سبب لفساده، وحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما المتفق عليه:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". يدل على أن الأعضاء تابعة للقلب، ففساده فساد لها. فكيف يجمع بينهما؟

قلت: يجاب بأن الاختلاف في الظاهر ناشىء عن فساد القلب، وذلك أن عدم إقامة الصفوف، يدل على عدم الاعتناء بالسنة، وعدم الاعتناء بها يدل على غفلة القلب، وفساده؛ لأن من كان قلبه حيّاً صالحاً مُنَوَّراً بنور الإيمان يكون متبعاً للسنة في جميع أفعاله، والعكس بالعكس، فثبت بهذا ترتب الاختلاف الظاهريِّ على الفساد الباطني، ثم ينشأ من هذا الاختلاف الظاهريِّ المتسبِب عن فساد القلب الاختلافُ الباطنيُّ بمعنى آخر، وهو وقوع العداوة، والبغضاء، والتحاسد فيما بينهم.

فظهر بهذا أن فساد القلب أوّلاً بالإعراض عن السنة هو الأصل؛ لاختلاف الظاهر بعدم إقامة الصفوف، الذي ينشأ عنه اختلاف الباطن بالعداوة، والبغضاء، والتحاسد، ونحوها، فاختلف جهة فساد القلب؛ فالفساد الأول: هو الغفلة عن الله، والإعراض عن اتباع السنة، والفساد الثاني: هو الفساد الذي يكون بينهم من الأشياء المذكورة، فالفساد الثاني نتيجة الفساد الأول. وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين.

ص: 203

ولله الحمد، وله المنة والفضل.

وقال القاري رحمه الله: وفي الحديث إن القلب تابع للأعضاء، فإذا اختلفت اختلف، وإذا اختلف فسد، ففسدت الأعضاء؛ لأنه رئيسها. قلت: القلب مَلِك مطاع، ورئيس متبع، والأعضاء كلها تبع له، فإذا صلح المتبوع صلح التبع، وإذا استقام الملك استقامت الرعية، ويبين ذلك الحديث المشهور:"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد، ألا وهي القلب".

فالتحقيق في هذا المقام أن بين القلب، والأعضاء تعلقاً عجيباً، وتأثيراً غريباً، بحيث إنه يسري مخالفة كلّ إلى الآخر، وإن كان القلب مدار الأمر إليه، ألا ترى أن تبريد الظاهر يؤثر في الباطن، وكذا بالعكس، وهو أقوى. انتهى

(1)

.

(ليليني) قال النووي رحمه الله: هو بكسر اللامين، وتخفيف النون، من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد. انتهى

(2)

.

وقال الطيبي: مِنْ حَقِّ هذا اللفظ أن يحذف منه الياء؛ لأنه على صيغة الأمر، وقد وجدنا بإثبات الياء، وسكونها في سائر كتب

(1)

المرقاة جـ 1 ص 317.

(2)

شرح مسلم جـ 4 ص 154 - 155.

ص: 204

الحديث، والظاهر أنه غلط. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله في سائر كتب الحديث ليس كما قال، فإن أكثر الكتب، "لِيَلِنِي" بحذف الياء، أو "لِيَلِيَنِّي" لنون التأكيد مع إثباتها، كما هو في صحيح مسلم، وأبي دَاوَد، والترمذي، والنسائي، وإنما وقع ذلك فى بعض النسخ، كما أشار إليه بعضهم.

وقوله: غلط. الأولى في مثل هذا أن يُخَرَّجَ على أنه لغة قليلة، كما ذكره بعض النحاة، كقوله (من الطويل):

وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ

كأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا

وقول الآخر (من البسيط):

هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرَا

مِنْ هَجْوِ زَبَّان لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ

وخُرِّجَ عليه قراءةُ قنبل {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} [يوسف: 90] بالياء، وجزم "يصبر". وقيل: الموجود إشباع، والحرف الأصلي حذفه الجازم، ورد بأن حرف الإشباع لا يكتب. وقيل: غير ذلك

(1)

.

وقال القاري في "المرقاة": قال شارح "المصابيح": الرواية بإثبات الياء، وهو شاذ؛ لأنه من الوَلْي بمعنى القرب، واللام للأمر، فيجب حذف الياء للجزم. قيل: لعله سهو من الكاتب، أو كتب بالياء لأنه

(1)

انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك جـ 1 ص 51.

ص: 205

الأصل، ثم قرىء كذا. أقول: الأولى أن يقال: إنه من إشباع الكسرة، كما قيل: في "لم تهجو، ولم تدع". أو تنبيه على الأصل، كقراءة ابن كثير {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} أو أنه لغة في أنّ سُكُونه تقديري. انتهى كلام القاري رحمه الله تعالى

(1)

.

(أولو الأحلام، والنُّهَى)"الأحلام": جمع حِلْمٍ -بكسر فسكون- قال ابن منظور رحمه الله: الحلم -بالكسر: الأنَاة، والعقل، جمعه أحلام، وحُلُوم، وفي التنزيل العزيز {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا} الآية:[الطور: 32] قال جرير (من البسيط):

هَلْ مِنْ حُلُومٍ لأَقْوَامٍ فَتُنْذِرَهُمْ

مَا جَرَّبَ النَّاسُ مِنْ عَضِّي وَتَضْرِيسِي

قال ابن سيده: وهذا أحد ما جمع من المصادر. انتهى

(2)

.

و"النُّهَى": العقل، يكون واحداً وجمعاً. وفي التنزيل العزيز {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 54]. والنُّهْيَةُ -بالضم-: العقل، سميت بذلك لأنها تنهى عن القبيح، وأنشد ابن بَرِّيّ للخَنْسَاء [من الطويل]:

فَتًى كَانَ ذَا حِلْمٍ أَصِيلٍ وَنُهْيَةٍ

إِذَا مَا الْحُبَا مِنْ طَائِفِ الْجَهْلِ حُلَّتِ

ومن هنا اختار بعضهم أن يكون النُّهَى جمع نُهْيَة، وقد صرح اللِّحْيَاني بأن النُّهَى جمع نُهْية، فأغنى عن التأويل. قاله في "اللسان"

(3)

.

(1)

المرقاة جـ 3 ص 171.

(2)

"لسان العرب" جـ 2 ص 980.

(3)

جـ 6 ص 4565.

ص: 206

وقال النووي رحمه الله: "أولو الأحلام والنهى": هم العقلاء، وقيل: البالغون. و"النُّهَى" -بضم النون-: العقول، فعلى قول من يقول:"أولو الأحلام": العقلاء، يكون اللفظان بمعنى، فلَمَّا اختلف اللفظ عُطِف أحدهما على الآخر تأكيداً، من باب قوله: وَألْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا. وذلك أن تغاير اللفظ يقوم مقام تغاير المعنى، وهو كثير في الكلام

(1)

.

وعلى الثاني: معناة البالغون العقلاء. قال أهل اللغة: واحدة النُّهَى نُهْية -بضم النون- وهي العقل، ورجل نَهٍ -بفتح، فكسر- من قوم نَهِينَ، ونَهِيٌّ -بفتح، فكسر، فياء مشددة- من قوم أنْهِيَاء، ويقال: نه -بكسرتين- للإتباع

(2)

. وسُمِّي العقلُ نُهْية؛ لأنه يُنتَهَى إلى ما أمَرَ به، وَلا يُتَجاوَزُ. وقيل: لأنه يَنْهَى عن القبائح.

قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون النُّهَى مصدراً، كالهُدَى، وأن يكون جمعاً كالظُّلَمِ، قال: والنُّهَى في اللغة معناه الثبات، والحبس، ومنه النِّهْيُ، والنَّهْي -بكسر النون، وفتحها- والنُّهْيَة للمكان الذي يَنْتَهِي إليه الماء، فيستنقع. قال الواحدي: فرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد، وهو الحبس، فالنُّهْيَة هي التي تَنْهَى،

(1)

انظر تحفة الأحوذي جـ 2 ص 19.

(2)

انظر اللسان جـ 6 ص 4566.

ص: 207

وتَحبِس عن القبائح. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى

(1)

بزيادة.

وقال القاري: "أولو الأحلام" جمع حِلْم، كأنه من الحلم، والسكون، والوقار، والأناة، والتثبت في الأمور، وضبط النفس عن هيجان الغضب، ويراد به العقل؛ لأنها من مقتضيات العقل، وشعار العقلاء. وقيل: أولو الأحلام البالغون، والحلم -بضم الحاء- البلوغ، وأصله ما يراه النائم. "والنهى" -بضم النون- جمع نهية، وهو العقل الناهي عن القبائح.

أي لِيَدْنُ منّي البالغون العقلاء؛ لشرفهم، ومزيد تفطنهم، وتيقظهم، وضبطهم لصلاته، وإن حدث به عارض يخلفونه في الإمامة.

قال النووي رحمه الله: في هذا الحديث تقديم الأفضل، فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى الاستخلاف، فيكون هو أولى؛ ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره؛ وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها، وينقلوها، ويعلموها الناس؛ ولِيقتدِيَ بأفعالهم من وراءهم.

ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل في

(1)

شرح مسلم جـ 4 ص 155.

ص: 208

كل مجمع إلى الإمام، وكبير المجلس، كمجلس العلم، والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم، والدين، والعقل، والشرف، والسن، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك. وفيه تسوية الصفوف، واعتناء الإمام بها، والحث عليها. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى

(1)

.

وقال الطيبي: أمر بتقدم العقلاء ذوي الأخطار والعرفان؛ ليحفظوا صلاته، ويضبطوا الأحكام والسنن، فيبلغوا من بعدهم، وفي ذلك مع الإفصاح عن جلالة شأنه حَثٌّ لهم على تلك الفضيلة، وإرشاد لمن قصر حالهم عن المساهمة معهم في المنزلة إلى تحري ما يزاحمهم فيها. انتهى.

(ثم الذين يلونهم) كالمراهقين، أو الذين يقاربون الأولين في النُّهى والحِلْم. قاله القاري (ثم الذين يلونهم) كالصبيان المميزين، أو الذين هم أَنزل مرتبة من المتقدمين حلماً وعقلاً. والمعنى أنه هَلُمّ جَرّاً، فالتقدير: ثم الذين يلونهم، كالنساء، فإن نوع الذكر أشرف على الإطلاق. وقيل: المراد بهم الخَنَاثَى، ففيه إشارة إلى ترتيب الصفوف. قاله القاري رحمه الله تعالى

(2)

.

(1)

شرح مسلم جـ 4 ص 155 - 156.

(2)

المرقاة جـ 3 ص 171.

ص: 209

(قال أبو مسعود) رضي الله عنه (فأنتم اليوم أشد اختلافًا) قال الطيبي رحمه الله: هذا خطاب للقوم الذين هيّجوا الفتن، وأراد أن سبب هذا الاختلاف، والفتن عدم تسوية صفوفكم. اهـ. وقيل: يحتمل أن المراد بأشد: أصل الفعل، وعَدَلَ عنه إلى ذلك للمبالغة. قاله في المرقاة

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي معنى كلام أبي مسعود رضي الله عنه يحتمل معنيين:

أحدهما: أنه يقول: إنكم اليوم أشد اختلافاً في الصفوف من اليوم الذي قال لنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم"، فإنه كان قليلاً، فقد كان أحياناً يرى صلى الله عليه وسلم عدم تسوية الصف من بعض الناس، فيحذرهم، فقد أخرج الجماعة إلا البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا، كأنما يسوي القِدَاح، حتى رأى أنَّا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصفّ، فقال:"عباد الله لتسوّنّ صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم".

الثاني: أنه يقول: أنتم اليوم بسبب عدم تسويتكم الصفوف أشد اختلافًا حيث وقعتم في الفتن. والله أعلم.

(1)

جـ 3 ص 172.

ص: 210

ونحو حديث أبي مسعود المذكور في هذا الباب ما أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"ليليَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإياكم وهَيْشَات الأسواق".

و"هيشات الأسواق" -بفتح الهاء، وسكون التحتانية، بعدها شين معجمة-: اختلاطها، والمنازعة، والخصومات، وارتفاع الأصوات، واللغط، والفتن التي فيها، والهَوْشَة. الفتنة، والاختلاط.

والمراد: النهي عن أن يكون اجتماع الناس في الصلاة مثل اجتماعهم في الأسواق، متدافعين، متغايرين، مختلفي القلوب والأفعال

(1)

.

(قال أبو عبد الرحمن) النسائي رحمه الله (أبو معمر) المذكور في هذا السند (اسمه عبد الله بن سخبرة) بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، بعدها باء موحدة مفتوحة.

وإنما نبه عليه المصنف رحمه الله تعالى لئلا يشتبه على من لا عناية له بعلم الرجال لغيره، ممن يُكنَى بأبي معمر؛ لأن المشهورين به في كتابه، بل وعند أصحاب الكتب الستة ثلاثةٌ:

الأول: أبو معمر الكوفي هذا، وقد تقدمت ترجمته قريبًا، وهو من رجال الجماعة.

(1)

انظر نيل الأوطار جـ 4 ص 88.

ص: 211

والثاني: أبو معمر المِنْقَري، واسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي المُقْعَد، وَاسم أبي الحجاج ميسرة، ثقة ثبت رمي بالقدر، مات سنة 224، من [10]، أخرج له الجماعة، يروي عنه البخاري، وأبو داود بدون واسطة، ويروي عنه المصنف، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه بواسطة أحمد ابن الحسن بن خِرَاش، وحجاج ابن الشاعر، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وغيرهم.

والثالث: أبو معمر الهُذَليّ، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر ابن الحسن القَطِيعِي، هروي الأصل، ثقة مأمون، مات سنة 236، مات [10]، من شيوخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، ويروي عنه المصنف بواسطة أبي بكر المروزي، وزكريا السجزي. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي مسعود رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (23/ 807)، وفي "الكبرى"(23/ 881) عن هناد بن السري، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عنه. وفي (26/ 812)، وفي "الكبرى"(26/ 886)، عن بشر

ص: 212

ابن خالد العسكري، عن غندر، عن شعبة، عن الأعمش، به نحوه. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله ابن إدريس -وأبي معاويه- ووكيع -وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير- وعن ابن أبي عمر، عن سفيان -وعن علي بن خَشْرَم، عن عيسى بن يونس- كلهم عن الأعمش به. وأبو داود فيه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن الأعمش به. وابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، به. والحميدي رقم (456)، وأحمد جـ 4 ص 122، والدارمي رقم (1270)، وابن خزيمة رقم (1542). والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو بيان من يلي الإمام في الصف، ثم الذين يلونهم، وهو أن أصحاب العقول الراجحة، والآراء السديدة يلونه، ثم الذين يلونهم في صفاتهم، وهَلُمَّ جَرّاً.

ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الاهتمام بشأن الصلاة، حتى يسوي الصفوف بنفسه، ولا يكله إلى أحد.

ومنها: وجوب تسوية الصفوف؛ لأنه جاء به الأمر، وترتب عليه الوعيد.

ومنها: بيان أن عدم تسوية الصفوف يترتب عليه الاختلاف

ص: 213

القلبي، فيستولي على المجتمع البغضاء، والتنافر، والتحاسد، وعدم توحيد الكلمة، وهذا والله هو الدمار، والهلاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ما حلّ بالمسلمين اليوم الضعفُ، والهوانُ والذل، والخضوع لأعداء الإسلام إلا بسبب هذا، فإنك لا تدخل مسجداً يجتمع فيه المسلمون لأداء صلاة الجماعة، إلا وترى صفوفهم عوجاء، وإذا طلبت من بعضهم أن يكمل الصف، أو أن يتراصّ وجدته معرضاً بعيداً عن القبول، بل ربما قال بعضهم: صل لنفسك، ولا تتدخل في شأن غيرك، ثم إذا دخلوا في الصلاة ترى منهم العجب العُجاب من مسابقة بعضهم للإمام في الانتقالات، ومقارنة بعضهم له، بل ربما قال بعضهم: إن مذهبنا يَستَحِب المقارنةَ، مستندًا إلى بعض الأقوال الساقطة المنابذة للأحاديث الصحيحة؛ من أن المستحب للمأموم مقارنة الإمام في أفعاله إلا في الإحرام، والتسليم، وهذا قول باطل منابذ للأدلة الصحيحة، وسيأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع، قريب، مجيب الدعوات، وهادي المخلوقات.

ومنها: أن أهل الفضل لهم حق التقدم في مجالس الخير، والتكريم على حسب مراتبهم، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب

ص: 214

أن يليه المهاجرون، والأنصار، ليحفظوا عنه. وقد أشبع الكلام عليه النووي رحمه الله تعالى، كما تقدم.

ومنها: أن وقته صلى الله عليه وسلم كان وقت تناصح، وتوافق، واتحاد، قليل التنازع، وإنما جاء الاختلاف، واشتدَّ بعده صلى الله عليه وسلم في زمن التابعين، وهلمّ جرّاً، والله المستعان على مقاساة مصائب الزمان. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

808 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً، فَنَحَّانِي، وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا انْصَرَفَ، فَإِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا فَتَى، لَا يَسُؤْكَ اللَّهُ، إِنَّ هَذَا عَهْدٌ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ "ثَلَاثًا"، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى، وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا، قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ مَا يَعْنِي بِأَهْلِ

ص: 215

الْعُقَدِ؟ قَالَ: الأُمَرَاءُ".

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(محمد بن عمر بن علي بن مقدم

(1)

) هو محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدَّم المُقَدَّمي -بالتشديد- أبو عبد الله البصري، ابن عم محمد بن أبي بكر، صدوق، من صغار [10].

قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي في الرحلة الثالثة، وسئل عنه؟ فقال: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به، وقال مرة: ثقة، ووثقه البزار، ومَسْلَمَة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الأربعة.

2 -

(يوسف بن يعقوب) بن أبي القاسم السَّدُوسي، أبو يعقوب السِّلْعىّ، البصري الضُّبَعِي، صدوق، مات سنة 201، من [9].

قال الأثرم، عن أحمد: ثقة. وقال أبو موسى: كان يبيع السلع. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، يقال له: السلعي لسلعة كانت في قفاه، وأكثرهم يقولون بكسر السين، فيخطئون

(2)

. وذكره ابن حبان في "الثقات"، يقال: مات بعد المائتين. وجزم ابن قانع بأنه مات سنة إحدى ومائتين.

(1)

"مقدَّم" بوزن محمد.

(2)

قلت: سيأتي عن المصباح و"ق"، أن الكسر لغة. فتبصر.

ص: 216

وقال البخاري في تاريخه: قال ابن المثنى -يعني أبا موسى-: كان بقفاه سلعة

(1)

. قال الحافظ: والذي حكاه المزي عنه أنه كان يبيع السلع؛ لم أره، ولا أفهم معناه، وقد قيده أبو علي الجيّاني بفتح السين. أخرج له الجماعة، إلا مسلماً، وأبا داود، وله في البخاري حديث واحد في عدة أصحاب بدر

(2)

.

3 -

(التيمي) سليمان بن طرخان، أبو المعتمر، نزل في التيم، فنسب إليهم، ثقة عابد، مات سنة 143 عن 97 سنة، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 87/ 107.

4 -

(أبي مجْلَز) بكسر، فسكون جيم، ففتح لام- لاحق بن حميد ابن سعيد السدوسي البصري، مشهور بكنيته، ثقة، مات سنة 6، وقيل: 109، وقيل غير ذلك، من كبار [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 188/ 296.

(1)

قال الفيومي: السِّلْعة -يعني بكسر، فسكون-: خُرَاج كهيئة الغُدَّة تتحرك بالتحريك. قال الأطباء: هى ورم غليظ غير ملتزق باللحم، يتحرك عند تحريكه، وله غلاف، وتقبل التزيد؛ لأنها خارجة عن اللحم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز قطعها عند الأمن. اهـ المصباح جـ 1 ص 285.

وقال المجد في تعداد معاني السِّلْعة -بالكسر-: وكالغُدَّة في الجسد، ويفتح، ويحرك، وكعِنَبَة، أو خُراج في العنق، أو غدّة فيها، أو زيادة في البدن، كالغُدّة تتحرك إذا حركت، وتكون من حِمَّصَة إلى بِطَّخة. اهـ "ق" ص 942.

قلت: فتبين بهذا أن تخطئة الكسر غير صحيح. فتنبه.

(2)

انظر "تت" جـ 11 ص 431 - 432.

ص: 217

5 -

(قيس بن عُبَاد) -بضم المهملة، وتخفيف الموحدة- القيسي الضُّبَعي، أبو عبد الله البصري، ثقة مخضرم، مات بعد سنة 80، ووهم من عده في الصحابة، من [2].

قدم المدينة في خلافة عمر رضي الله عنه، وروى عنه، وعن علي، وعمار، وأبي ذرّ، وعبد الله بن سلام، وأبي بن كعب، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وقال العجلي: كان ثقة، من كبار الصالحين. وقال النسائي، وابن خراش: ثقة. وكانت له مناقب، وحلم، وعبادة. وَذَكَرَهُ أبو مِخْنَف عن شيوخه فيمن قتله الحجاج ممن خرج مع ابن الأشعث. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: إنه يشكري. وذكره ابن قانع في "معجم الصحابة"، وأورد له حديثاً مرسلاً. أخرج له الجماعة

(1)

، إلا الترمذي

(2)

.

6 -

(أُبَيّ بن كعب) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن مُعاوية بن عَمرو ابن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، ويقال: أبو الطُّفَيل المدني سيد القُرَّاء. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عنه عمر بن الخطاب، وأبو أيوب، وأنس بن مالك، وسليمان بن صُرَد، وسهل بن سعد، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، وأبو هريرة، وجماعة، منهم أولاده؛ محمد، والطفيل، وعبد الله، وأرسل عنه الحسن

(1)

له عند ابن ماجه حديث أبي ذر رضي الله عنه في "هذان خصمان اختصموا".

(2)

"تت" جـ 8 ص 400.

ص: 218

البصري، وغيره. شهد بدرًا، والعقبة الثانية.

وقال عمر بن الخطاب: سيد المسلمين أبي بن كعب. قال الهيثم بن عديّ: مات سنة 19، وقيل: سنة 32 في خلافة عثمان، وفي موته اختلاف كثير جدّاً، والأكثر على أنه في خلافة عمر. وروى ابن سعد في "الطبقات" بإسناد رجاله ثقات، لكن فيه إرسال أن عثمان أمره أن يجمع القرآن، فعلى هذا يكون موته في خلافته.

قال الواقدي: وهو أثبت الأقاويل عندنا. قال الحافظ: وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان بخبر ذكره عن زِرّ بن حُبَيش أنه لقيه في خلافة عثمان. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك".

وروى الترمذي حديث أنس الذي فيه، "وأقرؤهم أبي بن كعب". وقال الشعبي عن مسروق كان أصحاب القضاء من الصحابة ستة، فذكره فيهم. وذكر ابن الحذّاء في رجال الموطأ أنه سكن البصرة، ويعد في أهلها، قال الحافظ: وما أظنه إلا وهماً. أخرج له الجماعة. انتهى

(1)

. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله موثقون، وأنهم من

(1)

"تت" جـ 1 ص 187 - 188.

ص: 219

رجال الجماعة، غير شيخه؛ فما أخرج له الشيخان، وشيخ شيخه؛ فما أخرج له مسلم، وأبو داود.

ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، أبو مجلز، عن قيس.

ومنها: أن التيمي ممن انتسب إلى خلاف الظاهر، فإنه ليس تيميّاً، وإنما نزل فيهم، فنسب إليهم. كما قال السيوطي في ألفية "المصطلح":

وَنَسَبُوا الْبَدْريَّ وَالْخُوزِيَّا

لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَالتَّيْمِيَّا

ومنها: أن قيساً من المخضرمين، وأن اسم والده بضم العين، وتخفيف الموحدة، ولا يشاركه أحد في هذا، ومن عداه كلهم عَبَّاد -بفتح العين، وتشديد الموحدة- كما قال في الألفية المذكورة:

وَافْتَحْ عَبَادَةً أَبَا مُحَمَّد

وَاضْمُمْ أَبَا قَيْسٍ عُبَادًا تُرْشَدِ

ومنها: أن أبياً رضي الله عنه له من الأحاديث 164 حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بسبعة. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن قيس بن عُبَاد) أنه (قال: بينا أنا) قال في "اللسان": أصل "بينا": "بين"، فأشبعت الفتحة، فصارت ألفاً، ويقال: بينا، وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه "إذ" و"إذا"، وقد جاء في الجواب كثيراً، تقول:

ص: 220

بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه، وإذا دخل عليه. ومنه قول الحُرَقَة بنت النعمان (من الطويل):

فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا

إِذَا نَحْنُ فيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ

انتهى

(1)

.

(في المسجد) أي النبوي، فقد أخرج الحديث أحمد في مسنده عن قيس بن عُباد: قال: قدمت المدينة للقاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وما كان بينهم رجل ألقاه أحب إليّ من أبي بن كعب، فأقيمت الصلاة، فخرج عمر مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت في الصف الأول، فجاء رجل، فنظر في وجوه القوم، فعرفهم غيري، فنَحَّاني، وقام في مكاني، فما عقلت صلاتي، فلما صلى، قال: يا بني لا يسوءك الله، إني لم آت الذي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم، فعرفتهم غيرك، ثم حدّث، فما رأيت الرجال مَتَحَتْ

(2)

أعناقَهَا إلى شيء متوجهاً إليه، قال: فسمعته يقول: هلك أهل العُقْدَة، ورب الكعبة، ألا لا عليهم آسى، ولكن آسى على من يُهلكون عن المسلمين، وإذا هو أبي بن كعب. انتهى

(3)

.

(1)

لسان العرب جـ 1 ص 405.

(2)

"متحت" -بفتح الميم، وتاءين مثناتين، بينهما حاء مهملة-: أي مدت.

(3)

انظر المسند جـ 5 ص 140.

ص: 221

(في الصف المقدّم) أي الأول (فجبذني رجل من خلفي) أي جرَّني من ورائي، قال الفيومي: جَبَذَه جَبْذًا، من باب ضرب، مثل جَذَبَه جَذْبًا، قيل: مقلوب منه، لغة تميمية. وأنكره ابن السَّرَّاج، وقال: ليس أحدهما مأخوذاً من الآخر؛ لأن كل واحد متصرف في نفسه. انتهى

(1)

.

(جذبة) منصوب على المصدرية (فنحّاني) بتشديد الحاء المهملة، أي أزالني عن الصف الأول (وقام مقامي) -بفتح الميم- أي في محل قيامي. فالْمَقَام ظرف مكان قياسي؛ لاتحاده مع العامل في الاشتقاق، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":

وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسًا أَنْ يَقَع

ظَرْفًا لِمَا فِي أصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ

(فوالله ما عقلت صلاتي) أي لكون ذلك الرجل أخره عن الصف الأول فتغير خاطره، وتشوش فكره بذلك (فلما انصرف) أي سلم ذلك الرجل عن الصلاة و"لَمَّا"

(2)

حرف وجود لوجود (فإِذا هو

(1)

المصباح جـ 1 ص 89.

(2)

"لما" هذه تختص بالماضي، وتقتضي جملتين توجد ثانيتهما عند وجود أولاهما، نحو: لما جاءني أكرمته، وبعضهم يقول فيها: حرف وجوب لوجوب -بالباء بدل الدال- والصحيح أنها حرف، ويكون جوابها فعلاً ماضياً اتفاقاً، نحو قوله تعالى:{فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} الآية. وجملة اسمية مقرونة بـ "إذا" الفجائية، عند ابن مالك، نحو قوله تعالى:{فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} . أو بالفاء، نحو قوله تعالى:{فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} الآية. وفعلاً مضارعاً عند ابن =

ص: 222

أبي بن كعب) "إذا" فجائية، و"هو" مبتدأ في محل رفع، و"أُبَيّ" خبره، والجملة جواب "لَمَّا"(فقال) أبىّ رضي الله عنه اعتذاراً إلى قيس بن عُباد في تأخيره عن الصف المقدم (يا فتى، لا يسؤك الله) هكذا نسخ "المجتبى"، ومثله في "صحيح ابن خزيمة""لا يسؤك" بالجزم، فـ "لا" ناهية، ووقع في "الكبرى""لا يسوءك" بالرفع، وهو الذي في "مسند أحمد"، وعليه فـ "لا" نافية، وهو دعاء له بأن يؤمنه الله تعالى من السوء (إِن هذا عهد من النبي صلى الله عليه وسلم إِلينا) العهد: الوصية، يقال: عهد إليه، يعهد، من باب تَعِبَ. إذا أوصاه. قاله الفيومي

(1)

(أن نليه)"أن" مصدرية، والفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف جر محذوف قياساً، كما قال في "الخلاصة":

وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ

وَإنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ

نَقْلاً وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ

مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا

أي بولايته، أو في محل نصب على أنه مفعول له، بتضمين "عهد" معنى الإلزام، كما قاله العلامة السمين الحلبي

(2)

.

وفيه أن السنة تقدم أهل الفضل في الصف الأول، وقد تقدم ما

= عصفور، نحو قوله تعالى:{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا} الآية. انظر تفاصيل المسألة في "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" جـ 1 ص 219.

(1)

المصباح جـ 2 ص 434.

(2)

انظر "الدر المصون في علوم الكتاب المكنون" جـ 2 ص 275 في تفسير آية {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ} الآية.

ص: 223

أخرجه أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن أنس رضي الله عنه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يليه المهاجرون، والأنصار، ليحفظوا عنه".

وأخرج الطبراني في "الكبير" عن سمرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليقم الأعراب خلف المهاجرين والأنصار، ليقتدوا بهم في الصلاة". وهو من رواية الحسن عن سمرة، وفيه خلاف، لكن يشهد له ما تقدم من حديث أبي مسعود، وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى أعلم.

(ثم استقبل القبلة) لعل استقباله للقبلة لتفخيم هذا الأمر (فقال: هلك أهل العُقَد، ورب الكعبة) العُقَد -بضم العين المهملة- وفتح القاف، جمع عُقْدَة -بضم، فسكون- وضبطه بعضهم بفتح، فسكون. قال في "النهاية": يعني أصحاب الولايات على الأمصار، من عقد الألوية للأمراء، ووقع عند أحمد. "العُقْدَة" بصيغة الإفراد - يعني البيعة المعقودة للوُلاة

(1)

(ثلاثاً) أي قال ذلك ثلاث مرات.

والظاهر أن أبياً رضي الله عنه قال ذلك لمَّا رأى من بعض الأمراء انحرافًا وظلمًا للرعية وحملاً للناس الذين يُوَلُّونهم على موافقتهم في ذلك. والله أعلم.

(ثم قال: والله ما عليهم آسى) مضارع أَسِي، وأصله أَأْسَى،

(1)

أفاده في النهاية في غريب الحديث جـ 3 ص 270.

ص: 224

فقلبت الهمزة الثانية ألفًا؛ لسكونها بعد فتحة. قال الفيومي: أَسِي، أَسًى، من باب تَعب: حَزِنَ، فهو أَسِيٌّ، مثل حَزِين. انتهى. أي ما أحْزَن على أهل العُقَد

(ولكن آسى على من أضلوا) أي أحزن على من أضلوهم، ممن اتبعهم على ضلالتهم، وإنما حزن على هؤلاء دون الأولين؛ لأن الأولين ضلوا السبيل باختيارهم، وأما هؤلاء، فربما يكونون جهلاء، أو غير مختارين، أو ألقوا عليهم الشبهة. ولفظ أحمد:"ألا لا عليهم آسى، ولكن آسى على من يُهلكون من المسلمين".

(قلت: يا أبا يعقوب) القائل هو محمد بن عمر شيخ المصنف، وأبو يعقوب كنية يوسف بن يعقوب السدوسي (ما يعني بأهل العُقَد)"ما" استفهامية، و"يعني" بفتح حرف المضارعة. أَيْ أيَّ شيء يقصد أُبَيّ بقوله هلك أهل العُقَد؟ (قال) أبو يعقوب (الأمراء) أي يريد بهم الأمراء.

تنبيه:

وقع عند ابن خزيمة. "قال: قلت: من تعني بهذا؟ " بالتاء الفوقانية. وهذا إن لم يكن تصحيفاً من "يعني" بالياء، فالقائل:"من تعني؟ " هو قيس بن عُبَاد. لكن الظاهر أن التاء تصحيف من الياء، فيكون القائل: مَنْ يَعِني هو محمد بن عمر، فلا اختلاف بين روايته، ورواية المصنف رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم.

ص: 225

قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي بن كعب رضي الله عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا (23/ 808)، وفي "الكبرى"(23/ 882).

وأخرجه أحمد جـ 5 ص 140، وابن خزيمة رقم (1573)

(1)

.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

وسند أحمد رحمه الله: ثنا سليمان بن داود، ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن أبي حمزة، قال: سمعت إياس بن قتادة يحدث عن قيس بن عباد، قال: أتيت المدينة

فذكره. وسند ابن خزيمة رحمه الله هو سند المصنف.

ص: 226

‌24 - إِقَامَةُ الصُّفُوفِ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية إقامة الصفوف قبل أن يخرج الإمام من حُجْرته إلى محل إمامته. ومحل الاستدلال من الحديث واضح من قوله: "فعُدَّلتِ الصفوفُ قبل أن يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وقد تقدم للمصنف (12/ 790)"قيامُ الناس إذا رأوا الإمام". وأورد هناك حديث أبي قتادة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا نودي للصلاة، فلا تقوموا حتى تروني".

ويجمع بين حديثي البابين -كما تقدم- بأن حديث أبي قتادة لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاهم عن ذلك؛ لاحتمال أن يقع له شغل يبطىء فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره.

ولا يرد على هذا حديث أنس رضي الله عنه المتقدم للمصنف في (13/ 791) قال: "أقيمت الصلاة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نَجيّ لرجل، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم"، لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادراً، أو فعله لبيان الجواز. أفاده في "الفتح"

(1)

.

(1)

جـ 2 ص 332.

ص: 227

809 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقُمْنَا، فَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَانْصَرَفَ، فَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا، نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، قَدِ اغْتَسَلَ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى.

رجال هذا الإسناد: ستة

تقدموا في (14/ 792) إلا ثلاثة:

1 -

(محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المُرَادي الجَمَلي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت، مات سنة 248، من [11]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في 19/ 20.

2 -

(ابن وهب) عبد الله القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة فقيه حافظ عابد، مات سنة 197، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 9/ 9.

ص: 228

3 -

(يونس) بن يزيد بن أبي النّجَاد، أبو يزيد الأيلي، ثقة، ربما وهم، مات سنة 159، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 9/ 9.

وشرح الحديث، وما يتعلق به من المسائل تقدمت (14/ 792) فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فإن شئت فارجع إليها تستفد.

وقوله: "ينطف" -بضم الطاء، وكسرها، من بابي نصر، وضرب: أي يقطر. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 229

‌25 - كَيْفَ يُقَوِّمُ الإِمَامُ الصُّفُوفَ

أي هذا باب ذكر الحديث الدَّال على صفة تقويم الإمام صفوف المأمومين.

ومحل الاستدلال من الحديث قولُهُ: "كما تُقَوَّم القِدَاح"، وقولُهُ:"يمسح مناكبنا وصدورنا". والله تعالى أعلم.

810 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَوِّمُ الصُّفُوفَ، كَمَا تُقَوَّمُ الْقِدَاحُ، فَأَبْصَرَ رَجُلاً خَارِجًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ".

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة 240، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

2 -

(أبو الأحوص) سَلاَّم بن سُلَيم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، مات سنة 179، من [7]، أخرج له الجماعة،

ص: 230

تقدم في 79/ 96.

3 -

(سماك) بن حَرْب بن أوس بن خالد الذُّهْلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما يُلَقَّن، مات سنة 123، من [4]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في 2/ 288.

4 -

(النُّعْمَان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة 65، وله 64 سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في 19/ 528. والله أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو -53 - من رباعيات الكتاب.

ومنها: أن رجاله كلهم موثوقون، فقد وثق ابن معين، وأبو حاتم سماكاً

(1)

، وإنما عابوا عليه اختلاطه.

ومنها: أنهم من رجال الجماعة، فسماك علق له البخاري.

ومنها: أن صحابيه أول مولود من الأنصار بالمدينة بعد الهجرة، وأنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (114) حديثاً، اتفق الشيخان على خمسة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأربعة

(2)

. والله تعالى أعلم.

(1)

انظر "تت" جـ 4 ص 233 - 234.

(2)

انظر المجتبى من المجتنى، لابن الجوزي رحمه الله ص 86.

ص: 231

شرح الحديث

(عن النعمان بن بشير) رضي الله عنهما، أنه (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقَوِّمُ الصفوفَ) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من التقويم، وهو التعديل، يقال: قَوَّمته، تقويماً، فتقوّم: بمعنى عدّلته، فتعدّل. قاله الفيومي.

(كما تُقَوَّمُ القِدَاحُ) ببناء الفعل للمفعول، والقدَاحُ نائب فاعله، وهكذا معظم نسخ "المجتبى"، وكذا "الكبرى""تقوّمَ القداح" بالتاء، ووقع في النسخة التي شرح عليها السندي:"كما يقوم القداح" -بالياء- فقال السندي: والأقرب أنَّ "يقوم" على بناء المفعول، من التقويم، وجَعْلُهُ على بناء الفاعل، وجعل ضميره للنبي صلى الله عليه وسلم بعيد. انتهى.

و"القِدَاح" -بكسر القاف، وتخفيف الدال- جمع قِدْح -بكسر، فسكون-: السهم قبل أن يُرَاش، ويُنَصَّلَ. ويجمع أيضاً على أقداح، وأقْدُحٍ، وأقَادِيح. قاله المجد

(1)

.

وقال ابن منظور نقلاً عن الأزهري ما نصه: وأوّلُ مَا يُقْطَعُ، ويُقْضَبُ يُسَمَّى قِطعاً -أي بكسر، فسكون- والجمع القُطُوع، ثم يُبْرَى، فيسمى بَرِيّاً -بفتح الباء، وكسر الراء، وتشديد الياء- وذلك قبل أن

(1)

انظر "ق" ص 301.

ص: 232

يُقَوَّم، فإذا قُوّمَ، وأنَى له أن يُرَاش، ويُنصَل، فهو القِدْح، فإذا ريش، وركب نَصْلُهُ فِيه صار نَصْلاً. انتهى

(1)

.

والغرض من التشبيه المبالغةُ في تسوية الصفوف؛ لأن القِدْح لا يصلح لما يراد منه إلا بعد انتهائه في الاستواء، فهو يدلّ على أنه كان يسوي الصفوف تسوية تامة.

ووقع في رواية مسلم. "حتى كأنما يُسوَّي بها القِدَاح". قال النووي رحمه الله: معناه يبالغ في تسويتها، حتى تصير كَأنما يُقَوَّمُ بها السهامُ، لشدة استوائها واعتدالها. انتهى

(2)

.

(فأبصر رجلاً خارجاً صدرُه) بالرفع فاعل "خارجاً"(من الصفّ) متعلق بـ "خارجاً"، وعند مسلم:"حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً، فقام، حتى كاد يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف"

وعند أبي داود: "حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه، وفَقِهْنَا، أقبل ذات يوم بوجهه، إذا رجل مُنتبذ بصدره"

(فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَتقيمن صفوفكم) بفتح اللام، وهي اللام الموطّئة التي يُتلقّى بها القسم، والقسم مقدر، وقد أبرز في رواية لأبي داود، ولفظها: "أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس

(1)

"لسان" جـ 5 ص 3542.

(2)

شرح مسلم جـ 4 ص 157.

ص: 233

بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، ثلاثاً، والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم".

والفعل رباعي من الإقامة، وهو التعديل، والنون المشددة نون التوكيد، و"صفُوفكم" بالنصب على المفعولية، والجملة جواب القسم المقدر، أي والله لَتُعَدِّلُنَّ صفوفكم، ولمسلم: فقال: "عباد الله لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ"، ونحوه لأبي داود.

قال في "الفتح": والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد، أو يراد بها سدّ الخلل الذي يكون في الصفّ، كما سيأتي. انتهى

(1)

.

(أو لَيخالِفن الله بين وجوهكم) بفتح اللام الأولى؛ لأنها لام التأكيد، وبكسر الثانية، وفتح الفاء، ولفظ الجلالة مرفوع بالفاعلية، وكلمة "أو" في الأصل موضوعة لأحد الشيئين، أو الأشياء، وقد تخرج إلى معنى الواو، وهي حرف عطف، وهي هنا لأحد الأمرين؛ لأن الواقع أحد الأمرين، إما إقامة الصفوف، وإما المخالفة.

والمعنى ليخالفن الله بين وجوهكم إن لم تقيموا الصفوف؛ لأنه قابَلَ بين الإقامة وبينه، فيكون الواقع أحد الأمرين، وهذا وعيد شديد

(1)

فتح جـ 2 ص 443.

ص: 234

لمن لم يقم الصفوف بعذاب من جنس ذنبهم، لاختلافهم في مقامهم، أفاده البدر العيني رحمه الله

(1)

.

وقال في "حجة الله البالغة": والنكتة في خصوص مخالفة الوجوه أنهم أساءوا الأدب في إسلام الوجه لله، فجوزوا في العضو الذي أساءوا له، أو اختلفوا صورة بالتقدم والتأخر، فجوزوا بالاختلاف. انتهى

(2)

.

وقال الحافظ رحمه الله: واختُلِفَ في الوعيد المذكور، فقيل: هو على حقيقته، والمراد تشويه الوجه بتحويل خَلْقه عن وضعه بجعله موضع القفا، أو نحو ذلك، وفيه من اللطائف: وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة، وعلى هذا فهو واجب، والتفريط فيه حرام. ويؤيد حمله على ظاهره حديث أبي أمامة:"لتسون الصفوف، أو لتطمسن الوجوه"، أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف. ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} [النساء: 47].

ومنهم من حمله على المجاز. قال النووي: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلافَ القلوب، كما تقول: تغير وجه فلان عليّ، أي

(1)

عمدة القاري جـ 5 ص 253.

(2)

نقله في "المنهل العذب المورود" جـ 5 ص 53 - 54.

ص: 235

ظهر لي من وجهه كراهية؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. ويؤيده رواية أبي داود، وغيره بلفظ:"أو ليخالفن الله بين قلوبكم".

وقال القرطبي: معناه تفترقون، فيأخذ كل واحد وجهًا غير الذي أخذ صاحبه؛ لأن تقدم الشخص على غيره مَظِنَّة للتكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة.

والحاصل أن المراد بالوجه إن حمل على العضو المخصوص، فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية، أو الصفة، أو جعل القُدّام وراء. وإن حمل على ذات الشخص، فالمخالفة بحسب المقاصد، أشار إلى ذلك الكرماني. ويحتمل أن يراد المخالفة في الجزاء، فيجازي المُسَوِّيَ بخير، ومن لا يُسَوِّي بشر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمله على ظاهر الحديث أولى، ولا ينافي ذلك وقوع تخالف قلوبهم الذي دل عليه حديث:"أو ليخالفن الله بن قلوبكم"، وحديث:"لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم"، ولا بعد في حصول الأمرين، كما دلت النصوص عليه، والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

(1)

فتح جـ 2 ص 443.

ص: 236

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (25/ 810)، وفي "الكبرى"(25/ 884) عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك، عنه.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن زهير بن معاوية، وعن حسن بن الربيع، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي الأحوص -وعن قتيبة، عن أبي عوانة- ثلاثتهم عن سماك، عنه.

وأخرجه أبو داود، فيه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سماك، عنه، نحوه. وعن عبيد الله بن معاذ، عن خالد ابن الحارث، عن حاتم بن أبي صَغيرَة، عن سماك، عنه مختصرًا "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا، فإذا استوت كبر".

وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، عن أبي عوانة، به. وقال: حسن صحيح.

وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن سماك، عنه، نحوه.

ص: 237

وأخرجه أحمد جـ 4/ ص 270، 271، 272، 276، 277. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

811 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا، وَصُدُورَنَا، وَيَقُولُ:"لَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ"، وَكَانَ يَقُولُ:"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْمُتَقَدِّمَةِ".

رجال هذا الإسناد: ستة

الأول، والثاني تقدما في السند الذي قبله.

3 -

(منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب السلمي الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة 132، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 2.

4 -

(طلحة بن مُصَرف) بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي، ثقة فاضل قارىء، مات سنة 112 أو بعدها، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 200/ 306.

5 -

(عبد الرحمن بن عَوْسَجَة) الهَمْدَاني، ثم النهمي الكوفي،

ص: 238

ثقة، من [3].

قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: قتل يوم الزاوية

(1)

مع ابن الأشعث. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه. وقال ابن سعد: روى عن علي بن أبي طالب: وكان قليل الحديث. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون إلا مسلمًا.

6 -

(البراء بن عازب) رضي الله عنهما، أخرج له الجماعة، تقدم في 86/ 105. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمة الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة إلا عبد الرحمن بن عوسجة، فما أخرج له الشيخان، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأنه مسلسل بالكوفيين، إلا شيخه، فبغلاني. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن البراء بن عازب) رضي الله عنهما، أنه (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصفوف) أي يدخل بينها، يقال: تخللت

(1)

يوم الزاوية سنة 82.

ص: 239

القومَ: إذا دخلت بين خَلَلِهم، والخلل -بفتحتين-: الفَرْجة بين الشيئين، والجمع خِلَال، مثل جَبَل وجبال. قاله في "المصباح"

(1)

.

(من ناحية إِلى ناحية) متعلق بـ "يتخلل"، أو بمحذوف، حال من الفاعل، أي حال كونه مبتدأ من جانب، ومنتهيًا إلى جانب آخر. (يمسح مناكبنا وصدورنا) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل أيضًا، أي يُمِرّ يده على مناكبنا، وصدورنا مبالغة في التسوية، حتى لا يتقدم أحد، ولا يتأخر.

(ويقول) يحتمل أن تكون الجملة معطوفة على جملة "يتخلل"، فتكون خبراً لـ "كان"، ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة "يمسح"، فتكون حالاً (لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم)"لا" ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها، أي لا يحصل منكم اختلاف بأبدانكم بالتقدم والتأخر، فيتسبب عنه اختلاف قلوبكم بالعداوة والبغضاء، والتحاسد، والشحناء (وكان) صلى الله عليه وسلم (يقول: إِن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة).

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية. ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله

(1)

جـ 1 ص 181.

ص: 240

عز وجل الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين. والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء والاستغفار. انتهى

(1)

.

والمعنى هنا أن الله تعالى يثني على أهل الصفوف المتقدمة عند ملائكته، أو ينزل رحمته عليهم، وتدعو لهم الملائكة، وتستغفر لهم.

وقال السندي رحمه الله في "شرحه": قوله: (على الصفوف المتقدمة) أي على الصف المتقدم في كل مسجد، أو في كل جماعة، فالجمع باعتبار تعدد المساجد، أو تعدد الجماعة، أو المراد الصفوف المتقدمة على الصف الأخير، فالصلاة من الله تعالى تشيل كل صف على حسب تقدمه، إلا الأخير، فلاحظ له منها، لفوات التقدم، والله أعلم. انتهى

(2)

. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درحته:

حديث البراء بن عازب رضي الله عنه هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا (25/ 811)، وفي "الكبرى"(25/ 885) بالسند المذكور.

(1)

انظر تفسير ابن كثير جـ 3 ص 503.

(2)

شرح السندي جـ 2 ص 90.

ص: 241

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن هناد، وأبي عاصم أحمد بن جَوَّاس الحنفي، كلاهما عن أبي الأحوص، عن منصور، عن طلحة ابن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عنه.

وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، عن طلحة بن مصرف، به مختصرًا، بلفظ:"إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول".

وأحمد جـ 4/ ص 285، 296، 304، والدارمي رقم (1267)، وابن خزيمة رقم (1551، 1556). والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائد حديثي الباب:

منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان كيفية تقويم الإمام الصفوف، وتعديلها، وهو أن يتعاهد ذلك بنفسه، ويمسح صدور المأمومين، ومناكبهم، ويأمرهم بتعديلها، ويبين لهم ما يترتب على عدمه من وقوع المخالفة بين وجوههم، وقلوبهم.

ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من العناية بأمر الصلاة، وتعديل الصفوف فيها لنفسه، بحيث يدخل في خِلال الصفوف من ناحية، وينتهي إلى ناحية أخرى.

ومنها: الوعيد الشديد على من لا يعتنون بإقامة الصفوف، من

ص: 242

وقوع العداوة، والمغضاء بينهم.

ومنها: بيان فضل الصفوف المتقدمة، حيث إن الله تعالى، وملائكته يصلون على من يصلي فيها، وهذا من أشرف المراتب العلية لمقيمي الصلاة على الوجه المطلوب جعلنا الله تعالى من عباده المؤمنين الذي يقيمون الصلاة، والذي هم في صلاتهم خاشعون، إنه لعباده رؤوف رحيم.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

***

ص: 243

‌26 - مَا يَقُولُ الإِمَامُ إِذَا تَقَدَّمَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على ما يقوله الإمام للمأمومين وقمت تقدمه للإمامة في شأن تسوية الصفوف. ومحل الاستدلال قوله: "استووا". والله تعالى أعلم.

812 -

أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَوَاتِقَنَا، وَيَقُولُ:"اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَلْيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ، وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ".

رجال هذا الإسناد: سبعة

كلهم تقدموا، إلا ثلاثة:

1 -

(بشر بن خالد العسكري

(1)

) أبو محمد الفرائض، نزيل

(1)

والعسكري -بفتح أوله، والكاف، وراء، نسبة إلى عَسْكَر مكْرَم، مدينة بالأهواز، وإلى عسكر مصر، وعسكر سُرَّ مَن رَأى، وعسكر المهدي. قاله في "اللب" جـ 2 ص 114. وقال في هامشه: هذه النسبة إلى مواضع، وأشياء، فأشهرها المنسوب إلى عسكر مُكرَم، وهي بلدة من كور الأهواز، يقال لها: بالعجمية: لشكر، ومكرم الذي ينسب إليه البلد، هو مكرم الباهلي، وهو أول من اختطها من العرب، فنسبت البلدة إليه. وإلى عسكر مصر. انتهى باختصار.

ص: 244

البصرة، ثقة يغرب، مات سنة 552 أو 553، من [10].

قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال. يُغْربُ عن شعبة، عن الأعمش بأشياء، مات سنة 255، أو ما بعدها بقليل، أو قبلها بقليل، وقال إبراهيم بن محمد الكندي، أحد الرواة عنه: مات سنة 253، روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

2 -

(غندر) محمد بن جعفر أبو عبد الله البصري، ثقة صحيح الكتاب، مات سنة 193، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 21/ 22.

3 -

(شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الحماعة، تقدم في 24/ 26.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا حديث أخرجه مسلم، وتقدم للمصنف قريبًا 23/ 807، وتقدم الكلام عليه، وعلى المسائل المتعلقة له هناك، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب لإعادة ذلك.

وقوله: "عواتقنا": جمع عاتق، وهو ما بين المنكب، والعُنُق، ويذكر، ويؤنث. أفاده في "المصباح" والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

= قال الجامع عفا الله عنه: لم يتبين لي إلى أيها ينتسب بشر بن خالد هذا؟. والله تعالى أعلم. وأما الفرائضي، فهو نسبة إلى علم الفرائض، ويقال: أيضًا: فرضي، وفارض. كما في" اللباب".

ص: 245

‌27 - كَمْ مَرَّةٍ يَقُولُ: "اسْتَوُوا"

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالِّ على عدد قول الإمام عند تسوية الصفوف: "استووا". ومحل الاستدلال قولُهُ: "استووا" ثلاث مرات "والله تعالى أعلم.

813 -

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: "اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(أبو بكر بن نافع) محمد بن أحمد بن نافع العبدي القيسي البصري، مشهور لكنيته، صدوق، مات بعد 240، من [10].

أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي. ووى عنه مسلم، والترمذي، والمصنف، وغيرهم. روى عنه مسلم (54) حديثًا.

قال الحافظ الذهبي رحمه الله في "الكاشف": محمد بن أحمد بن نافع، أبو بكر بن أبي نافع البصري، عن غندر، والقطان، وعنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وزكريا الساجي، ثقة. انتهى

(1)

.

(1)

انظر "الكاشف" جـ 3 ص 17.

ص: 246

ولم يذكر في "تت" ولا في "تك" ولافي "صه" فيه جرحًا، ولا تعديلاً، إلا ما قدمته عن "ت" من قوله. صدوق. والله تعالى أعلم.

2 -

(بهز بن أسد) العصي، أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، مات بعد 200، وقيل: قبلها، من [9] أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 28.

3 -

(حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، مات سنة 167، من كبار [8] أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، والأربعة، تقدم في 181/ 288.

4 -

(ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد الحصري، ثقة عابد، مات سنة بضع و120، من [4] أخرج له الجماعة، تقدم في 45/ 53.

5 -

(أنس) بن مالك، الصحابي الشهير رضي الله عنه، أخرج له الجماعة، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد هو به، ومسلم، والترمذي، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه أنس، أحد المكثرين السبعة، روى 52286 والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:

ص: 247

استووا، استووا، استووا) الخطاب للجماعة الحاضرين لأداء الصلاة معه صلى الله عليه وسلم، وإنما كرر الأمر ثلاث مرات تأكيدًا لشأن تسوية الصفوف (فوالذي نفسي بيده، إِني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي) الفاء تعليلية، وجملة "إن" جواب القسم، وجملة القسم تعليل للأمر، أي إنما أمرتكم بذلك لما علمت من حالكم من التقصير في ذلك، بسبب أني أراكم من خلفي

إلخ.

ويحتمل أنه قال ذلك تحريضاً للضعفاء على التسوية، بناء على إخلالهم بها بسبب الغَيبة عن نظره، إذ كثير من الضعفاء يهتمون في الحضور ما لا يهتمون في الغيبة. ويحتمل أن بعض المنافقين كانوا لا يهتمون بأمر الصفوف، فقيل لهم ليهتموا، ولا يُخلّوا بأمر الصفوف. والله أعلم. أفاده السندي رحمه الله تعالى

(1)

.

وقد اختلصْ في معنى رؤيته صلى الله عليه وسلم من خلفه، فقيل: المراد بها العلم، إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما أن يلهم. وفيه نظر، لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيده بقوله:"من وراء ظهري". وقيل: المراد أنه يرى مَنْ عن يمينه، ومن عن يساره، ممن تدركه عينه مع التفات يسير في النادر، ويوصف من هو هناك بأنه من وراء ظهره، وهذا ظاهر التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب.

قال في "الفتح" بعد ذكر هذه الأقوال: ما نصه: والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به صلى الله عليه وسلم،

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 91 - 92.

ص: 248

انخرقت له فيه العادة. وعلى هذا، عمل البخاري في "صحيحه"، حيث أخرج هذا الحديث في علامات النبوة. وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره.

وقال الزين ابن الْمُنَيِّر رحمه الله. لا حاجة إلى تأويله؛ لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة. وقال القرطبي رحمه الله: حملُه على ظاهره أولى، لأن فيه زيادة كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صوبه في "الفتح"، واختاره، وعزاه إلى المحققين، كالإمام أحمد، وغيره، ومال إليه البخاري، وارتضاه ابن المنير، والقرطبي، من حمل الرؤية على حقيقتها بلا تأويل، هو المذهب الحق، الحقيق بالقبول، وما عداه رأي مبتذل، غير مقبول. والله تعالى أعلم.

وقال في "الفتح" أيضًا: ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه، انخرقت له العادة فيه أيضًا، فكان يرى بها من غير مقابلة، لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلاً عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب، وإنما تلك الأمور عادية، ويجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلاً، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، خلافاً لأهل البدع، لوقوفهم مع العادة.

وقيل: كانت له عين خلف ظهره، يرى بها من ورائه دائمًا. وقيل: كانت بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، يبصر بهما، ولا يحجبهما ثوب، ولا غيره. وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما

ص: 249

تنطبع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال -غير الأول- لا أثارة عليها من علم، بل هي تخمينات، وظنون، وقول بلا علم، ومن واجب المسلم العاقل أن لا يقول لغير علم، ولا يحكم بغير بينة.

قال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، فالواجب في مثل هذا، الوقوف على ما أثبته النص، من كونه صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه، كما يرى من أمامه، والكف عنه الخوض في كيفية الرؤية؛ لأنه قول بلا علم، وتفويض حقيقة الأمر إلى الذي خصه بهذه المعجزة العظيمة، والمنة الجسيمة. والله المستعان وعليه التكلان.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا 27/ 813، وفي "الكبرى" 27/ 885 بالسند المذكور، وأخرجه أحمد في مسنده جـ 3 ص 268، 286. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

(1)

فتح جـ 2 ص 76.

ص: 250

‌28 - حَثُّ الإِمَامِ عَلَى رَصِّ الصُّفُوفِ وَالْمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا

أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حث الإمام المأمومين على أن يرصّوا صفوفهم، ويقاربوا بينها.

و"الحث" بالفتح: هو التحريض. يقال: حَثَثْتُ الإنسان على الشيء، حَثّا، من باب قتل، وحَرَّضته عليه بمعنى، وذهب حَثِيثًا، أي مسرعًا، وحثثت الفرس على العَدْوِ: صِحْتُ به، أو وَكْزْته برجل، أو ضَرْبٍ، واستحثثته كذلك، قاله الفيومي رحمه الله تعالى

(1)

.

و"الرَّصّ" -بالفتح: الضم. يقال: رصصت البناء، رَصّاً، من باب قتل. ضممت بعضه إلى بعض. أفاده الفيومي أيضًا

(2)

. والله تعالى أعلم.

814 -

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِوَجْهِهِ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَقَالَ:"أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي".

(1)

المصباح المنير جـ 1 ص 121.

(2)

المصباح جـ 1 ص 228.

ص: 251

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(علي بن حجر) المروزي ثقة حافظ، من صغار التاسعة، مات سنة 244، وقد قارب المائة، أو جاوزها، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في 13/ 13.

2 -

(إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَدقيّ، أبو إسحاق القارىء المدنى، نزيل بغداد، ثقة ثبت، مات سنة 180، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 16/ 17.

3 -

(حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس، مات سنة 142، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 87/ 108.

4 -

(أنس) بن مالك رضي الله عنه، أخرج له الجماعة، تقدم في 6/ 6.

ولطائف هذا الإسناد تكررت غير مرة، وهو -54 - من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أنس رضي الله عنه أنه (قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه حين قام إِلى الصلاة)، أي وقت قيامه (قبل أن يكبر)، أي للإحرام (فقال: أقيموا صفوفكم) أي عدلوها، يقال: أقام العود: إذا عدله، وسواه. وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة،

ص: 252

(وتراصوا) بتشديد الصاد المهملة، أي تلاصقوا بغير خلل. ويحتمل أن يكون تأكيدًا لقوله:"أقيموا". قاله في "الفتح"

(1)

.

(فإني أراكم من وراء ظهري) الفاء للتعليل، فالجملة تعليل للأمر بإقامة الصفوف والتر اص فيها. فكأنه يقول لهم: إنما أمرتكم بذلك؛ لأني تحققت منكم خلافه، وقد تقدم في الباب الماضي بيان المعنى المراد بهذه الرؤية، وأن المختار حملها على الحقيقة، خلافًا لمن زعم غير ذلك. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته

حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري.

المسألة الثانية: فى بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 28/ 814، 47/ 845، وفي "الكبرى" 28/ 888، عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عنه.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن أحمد بن أبي رجاء، عن معاوية ابن عمرو، عن زائدة بن قدامة، وعن عمرو بن خالد، عن زهير، كلاهما عن حميد، عنه.

(1)

فتح جـ 2 ص 444.

ص: 253

وأخرجه أحمد في "المسند" جـ 3 ص 103، 125، 182، 229، 263، 286.

وعبد بن حميد في "مسنده" رقم 1406، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

815 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي)

(1)

أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة بضع و250، من [11]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في 43/ 50.

(1)

بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المشددة: نسبة إلى محلة ببغداد، سميت بذلك؛ لأن بعض ولد يزيد بن المُخَرِّم نزلها. أفاده في "لب اللباب" جـ 2 ص 244.

ص: 254

2 -

(أبو هشام) المغيرة بن سَلَمَة القرشي المخزومي البصري، ثقة ثبت، من صغار [9].

قال ابن المديني: كان ثقة. وقال أيضًا: ما رأيت قرشياً أفضل منه، ولا أشد تواضعًا، وأخبرني بعض جيرانه أنه كان يصلي طول الليل. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات.

وقال البخاري. مات سنة 200، وفيها أرخه ابن قانع، وقال: ثقة. علق عنه البخاري، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه

(1)

.

3 -

(أبان) لن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، ثقة، له أفراد، مات في حدود سنة 160، من [7]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في 8/ 787.

4 -

(قتادة) بن دِعَامة السَّدُوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مات سنة بضع و110، رأس الطبقة الرابعة، أخرج له الجماعة، تقدم في 30/ 34.

5 -

(أنس) بن مالك رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

(1)

"تت" جـ 10 ص 261.

ص: 255

لطائف هذا الإسناد

(منها) أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي، ومسلسل بالتحديث غير أوله، ففيه "أخبرنا" والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(قال) قتادة (حدثنا أنس) رضي الله عنه (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال: راصوا صفوفكم)، ولأبي داود "رُصُّوا" بضم الراء ثلاثيًا. أي ضموا بعضها إلى بعض، مثل ضم لَبِنَات الجدار، حتى لا يكون بينكم فُرَج، من رَصَّ البناء من باب نصر: إذا ضم بعضه إلى بعض، كما تقدم (وقاربوا بينها) أي اجعلوا ما بين كل صفين من الفصل قليلاً بحيث يقرب بعض الصفوف إلى بعض، ولا يسمع بين الصفين صف آخر.

قال الجامع عفا الله عنه: قدر بعضهم التقارب بين الصفوف بثلاثة أذرع، ولكن لم يذكر مستنده. والله أعلم.

وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بالتقارب بينها، ليكون تقارب الأشباح سببًا لتقارب الأرواح، وتآلفها، فلا يقدر الشيطان على أن يوسوس لهم

(1)

(وحاذوا بالأعناق) قيل: الظاهر أن الباء زائدة، والمعنى: اجعلوا بعض الأعناق

(1)

أفاده في المنهل جـ 5 ص 57.

ص: 256

في مقابلة بعض. قاله السندي.

وفي "المنهل": أي اجعلوا الأعناق على سمت واحد، فلا يكون عنق أحدكم خارجًا عن محاذاة عنق الآخر. ويحتمل أن يكون المراد بمحاذاة الأعناق أن لا يرتفع بعضهم على بعض بأن يقف في مكان أرفع من الآخر. قاله القاضي عياض. انتهى

(1)

.

(فوالذي نفسي بيده، إِني لأرى الشياطين تدخل من خَلَل الصف) بفتحتين: أي فرجته، أو كثرة تباعد بعضها عن بعض (كأنها الحذف) بحاء مهملة، وذال معجمة مفتوحتين: الغنم الصغار الحجازية، واحدها حذَفَة بالتاء، كقَصَب وقَصَبة. وقيل: هي غنم صغار سُود جُرد، ليس لها آذان، ولا أذناب، يُجاء بها من اليمن.

وفي رواية للحاكم، وصححه على شرط الشيخين

(2)

، عن البراء ابن عازب رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تراصّوا في الصفّ، لا يتخللكم أولاد الحَذَف"، قال: قلت: يا رسول الله، وما أولاد الحذف؟ قال:"ضأن جُرْدٌ تكون بأرض اليمن". انتهى "المستدرك" جـ 1 ص 217. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

المنهل جـ 5 ص 59.

(2)

بل هو ضعيف؛ لأن في سنده أبا هشام الرفاعي، محمد بن يزيد، وهو ضعيف، وعده ابن عديّ في شيوخ البخاري، وجزم الخطيب بأن البخاري روى عنه. لكن قد قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه.

ص: 257

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 28/ 815، وفي "الكبرى" 28/ 889، عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخَرِّميّ، عن أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي، عن أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عنه.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسلم بن إبراهيم الأزدي، عن أبان، به.

وابن خزيمة برقم (1545) عن محمد بن معمر القيسي، عن مسلم ابن إبراهيم، به. وقال: قال مسلم: يعني النَّقَدَ

(1)

الصغار. النقد الصغار أولاد الغنم.

وأخرجه البيهقي في "الكبرى" من طريق أبي داود بـ3 ص 100. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

816 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: "خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

قال المجد: النقّدُ -بالتحريك-: جنس من الغنم قبيح الشكل. "ق" ص 412.

ص: 258

فَقَالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ". قَالُوا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: "يُتِمُّونَ الصَّفَّ الأَوَّلَ، ثُمَّ يَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ".

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة 240، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

2 -

(الفضيل بن عياض) التميمي الزاهد، أبو علي الخراساني، نزيل مكة، ثقة عابد إمام، مات سنة 187، من [8]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في 21/ 388.

3 -

(الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، حجة لكنه مدلس، مات سنة 147، من [5]، أخرح له الجماعة، تقدم في 17/ 18.

4 -

(المسيب بن رافع) الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأعمى، ثقة، من [4].

قال الدوري، عن ابن معين. لم يسمع من أحد من الصحابة، إلاَّ من البراء، وأبي إياس، عامر بن عبدة. وقال العوام بن حوشب: كان المسيب يختم القرآن في كل ثلاث. وقال أبو حاتم. سمعت أبي يقول: المسيب عن ابن مسعود مرسل. وقال مرة: لم يلق ابن

ص: 259

مسعود، ولم يلق عليًا، إنما يروي عن مجاهد ونحوه.

وقال أبو زرعة: المسيب عن سعد بن أبي وقاص مرسل، قلت: سمع منه عبد الله؟ قال: لا برأسه. وقال أبو حاتم: روى عن جابر بن سمرة قليلاً، ولا أظنه سمع منه يدخل بينه وبينه تميم بن طرفة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن أبي عاصم، وغيره: مات سنة 105، أخرج له الجماعة.

5 -

(تميم بن طرفة) -بفتح الطاء والراء- الطائفي المُسْلِيّ -بضم الميم، وسكون المهملة- الكوفي، ثقة، من [3].

قال النسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال الشافعي: تميم بن طرفة مجهول. وقال الآجري، عن أبي داود: ثقة مأمون. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو حسان الزيادي، وغيره: مات سنة 94، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة 95، وقال ابن قانع: توفي سنة 93، وقال ابن حبان: مات سنة ثلاث، أو أربع وتسعين. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

6 -

(جابر بن سمرة) بن جُنادة -بضم الجيم، بعدها نون- ويقال: ابن عمرو بن جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة -بضم المهملة، وتخفيف الواو- بن عامر بن صعصعة، السُّوائي، أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، وضبط العسكري اسم جده بزاي، وبائين الأولى مشددة. وكذا قال ابن ماكولا. له، ولأبيه صحبة، نزل

ص: 260

الكوفة، ومات بها، وله عقب بها. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبيه، وخاله سعد بن أبي وقاص، وعمر، وعلي، وأبي أيوب، ونافع بن عتبة بن أبي وقاص. وعنه سماك بن حرب، وتميم بن طرفة، وجعفر ابن أبي ثور، وأبو عون الثقفي، وعبد الملك بن عمير، وحصين بن عبد الرحمن، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة. وذكر البرديجي أن أبا إسحاق لم يصح سماعه منه.

قال ابن سعد: توفي في خلافة عبد الملك بن مروان، في ولاية بشر ابن مروان. وقال خليفة: مات سنة 73، وقيل عنه: سنة 76، وقال ابن منجويه. سنة 74، وقيل غير ذلك. وقول من قال: مات سنة 74، كما قال الحافظ -أشبه بالصواب؛ لأن بشر بن مروان ولي الكوفة سنة 74، ومات سنة 75، وقد ذكر أكثر المؤرخين أن جابر بن سمرة مات في أيامه. أخرج له الجماعة. له 146 حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثاً. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها. أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا الفضيل، فلم يخرج له ابن ماجه، وتميم بن طرفة، فلم يخرج له بالبخاريّ، والترمذيّ، وأن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، الأعمش، والمسيب، وتميم ابن طرفة. والله تعالى أعلم.

ص: 261

شرح الحديث

(عن جابر بن سمرة) رضي الله عنهما، أنه (قال: خرج إِلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي من بعض حجره (فقال: ألا) بفتح الهمزة، وتخفيف "لا"، ويجوز تشديدها لغةً، وهي أداة تحضيض، كما في قوله تعالى:{أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} الآية [النور: 22]. وقوله: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} الآية [التوبة: 12، 13].

(تصفون) بفتح المثناة الفوقية، وضم الصاد، أو بضم التاء، وفتح الصاد مبنيًا للمفعول. والمراد: الصف في الصلاة. وفي رواية مسلم: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمسٍ؟، اسكنوا في الصلاة"، ثم خرج علينا، فرآنا حِلَقًا، فقال:"ما لي أراكم عزين؟ " -أي متفرقين- ثم خرج

علينا، فقال:"ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم"

الحديث.

(كما تصف الملائكة) فيه الاقتداء لأفعال الملائكة في صلاتهم، وتعبداتهم، وفيه أن الملائكة يصلون، وأن صفوفهم كما وُصِفَ في هذا الحديث. وقد أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فُضِّلْنا بثلاث، صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعل لنا ترابها طهورًا إذا لم نجد الماء".

(عند ربهم) ولابن حبان "عند ربها"(قالوا) أي قال الصحابة

ص: 262

المخاطبون بإتمام الصف. ولأبي داود: "قلنا"(وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال) صلى الله عليه وسلم: (يتمون الأول) وفي التفسير من "الكبرى" 299/ 11434 "يتمون الصف المقدم".

وهكذا رواية المصنف بالإفراد، فتكون "أل" جنسية، ومدخولها كالنكرة المقرونة بكل، كما في قوله تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}

(1)

[العصر: 2]، فيشمل الصفوف المتقدمة ما عدا الصف الأخير، فيكون المعنى: يتمون الصفوف المتقدمة. وفي رواية مسلم، وابن ماجه. "يتمون الصفوف الأُوَل". بالجمع، وهي واضحة. وعند أبي داود:"يتمون الصفوف المتقدمة". أي لا يشرعون في صف حتى يكمل الذي قبله (ثم يتراصون في الصفوف) أي يتلاصقون فيها حتى لا يكون بينهم فُرَج. ويؤخذ منه أن تلاصق بعضهم ببعض، وتضامهم يستلزم تسوية الصفوف، والعكس بالعكس. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

(1)

راجع حاشية العلامة الخصري على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك جـ 1 ص 84.

ص: 263

أخرجه هنا 28/ 816، وفي "الكبرى" 28/ 890، وفي "التفسير" 299/ 11434 عن قتيبة، عن فضيل بن عياض، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عنه. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية وعن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس. وأبو داود فيه عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير بن معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب ابن رافع، عن تميم بن طرفة، عنه. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع به. وأحمد جـ 5/ ص 101، 106. وابن خزيمة رقم (1544). والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائد أحاديث الباب:

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو أن الإمام يحث المأمومين على رَصِّ الصفوف، والمقاربة بينها، وأن ذلك من وظيفته.

ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الاهتمام في تسوية الصفوف.

ومنها: أنّ فيه إثبات المعجزة الظاهرة له صلى الله عليه وسلم، حيث أكرمه الله تعالى برؤية من خلفه، كما يرى من أمامه دون أن يلتفت إليهم، وكذلك رؤيته الشياطين تدخل بين خلَل الصفوف لوسوسة المصلين.

ص: 264

ومنها: أن تسوية الصفوف يكون بالمقاربة، ومحاذاة الأعناق.

ومنها: أن تسوية الصفوف، والتقارب فيما بينها مانع من دخول الشياطين بين المصلين، وأن عدم ذلك سبب لدخولها، فتتسلط عليهم بشدة الوسوسة لهم.

ومنها: أن الملائكة يصلون جماعة، وأنهم يعتنون بتسوية الصفوف، وإتمام الأول فالأول، فينبغي للممسلمين أن يقتدوا بهم في ذلك. والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم تسوية الصفوف:

ذهب جمهور أهل العلم إلى أن تسوية الصفوف مستحبة، وقد استدلّ لهم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة"، ولمسلم من حديث أنس رضي الله عنه:"سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة". وللبخاري: "من إقامة الصلاة".

قال ابن بطال رحمه الله: هذا يدلّ على أن إقامة الصفوف سنة؛ لأنه لو كان فرضًا لم يجعله من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب. قال: ودلّ هذا على أن قوله في حديث أنس: "من إقامة الصلاة" أن إقامة الصلاة تقع على السنة،

ص: 265

كما تقع على الفريضة.

وقال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله: قد يؤخذ من قوله: "من تمام الصلاة" أنه مستحب غير واجب؛ لأنه لم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها، وتمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقق إلا بها في مشهور الاصطلاح، قال: وقد ينطلق بحسب الوضع على بعض ما لا يتم الحقيقة إلا به. انتهى.

وقد اعترض العلامة الصنعاني على قوله: ولم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها. قائلاً: التعبير بالأركان، والواجبات ليس من المطرد، واعتبارات الشارع له مسلم، بل قال في الفاتحة:"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". وقال صلى الله عليه وسلم: "فإنك لم تصل". وغاية كون هذا القول، أو الفعل ركنًا من الصلاة، أو واجبًا منها، لم يقع التعبير به في لسان الشرع فيما لا تتم الصلاة إلا به، وإن جاء فنادر.

واعترض الحافظ رحمه الله قوله: في مشهور الاصطلاح. قائلا: وهذا الأخذ بعيد؛ لأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دل عليه الوضع في اللسان العربي، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع، لا العرف الحادث. انتهى.

وذهب أبو محمد ابن حزم رحمه الله إلى فرضيته، وبطلان الصلاة بتركه، فقال: وفرض على المأمومين تعديل الصفوف الأول. والتراص فيها، والمحاذات بالمناكب والأرجل، فإن كان نقص كان في

ص: 266

آخرها، ومن صلى وأمامه في الصف فرجة يمكنه سدها بنفسه، فلم يفعل بطلت صلاته.

واستدل على ذلك بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم". المتقدم 25/ 810 قال: وهذا وعيد شديد، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر، ثم ذكر قول أنس رضي الله عنه: كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه لقدمه. وهو في "صحيح البخاري". ثم قال: وهذا إجماع منهم، ثم قال: وبقولنا يقول السلف الطيب، روينا بأصح إسناد عن أبي عثمان النهدي، قال. كنت فيمن ضرب عمرُ بن الخطاب قدمه لإقامة الصف في الصلاة.

قال ابن حزم: ما كان رضي الله عنه ليضرب أحدًا، ويستبيح بشرة محرمة عليه على غير فرض. ثم حكى ابن حزم بعث عمر رجالاً يسوون الصفوف، فإذا جاءوا كبر. وكذلك بعث عثمان رضي الله عنه رجالاً لذلك، وأنه لا يكبر حتى يخبروه باستوائها، ثم قال: فهذا فعل الخليفتين بحضرة الصحابة، لا يخالفهم في ذلك أحد منهم، ثم حكى عن سويد بن غفلة، قال: كان بلال هو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب أقدامنا في الصلاة، ويسوي مناكبنا، ثم قال: فهذا بلال ما كان ليضرب أحدًا على غير الفرض، ثم حكى قولهم لأنس بن مالك رضي الله عنه لما قدم المدينة: أتنكر شيئًا مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

ص: 267

لا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. قال ابن حزم: المباح ليس منكرًا. انتهى كلام ابن حزم باختصار

(1)

.

وقال الإمام البخاري رحمه الله في "صحيحه": [باب إثم من لم يُتِمّ الصفوف]، ثم أخرج مُسْتَدِلاً على ما ترجم له حديث أنس رضي الله عنه أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما أنكرت شيئًا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف.

قال في "الفتح"، قال ابن رشد: وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة، فلا يدلّ ذلك على حصول الإثم. وأجيب بأنه لعله حمل الأمر في قوله تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} الآية [النور: 63]. على أن المراد بالأمر الشأن والحال، لا مجرد الصيغة، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كانت عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يأثم، لما يدل عليه الوعيد المذكور في الآية. وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم، انتهى كلام ابن رشد ملخصًا.

قال الحافظ: وهو ضعيف؛ لأنه يفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل على ترك واجب. وأما قول ابن بطال: إن تسوية الصفوف لمّا كانت من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها

(1)

المحلّى جـ 4 ص 52 - 56.

ص: 268

المدح عليها؛ دلّ على أن تاركها يستحق الذم، فهو متعقب من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثمًا، سلمنا، لكن يرد عليه التعقب الذي قبله.

ويحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: "سووا صفوفكم". ومن عموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ومن ورود الوعيد على تركه، فرجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن. ومع القول بأن التسوية واجبة في الصلاة، فصلاة من خالف، ولم يسو صحيحة، لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة. وأفرط ابن حزم، فجزم بالبطلان، ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة، قال: كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب، وفيه نظر؛ لجواز أنهما كان يريان التعزير على ترك السنة. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي مما ذكر من الأدلة وجوب تسوية الصفوف، كما هو ظاهر صنيع البخاري رحمه الله تعالى

(1)

فتح جـ 2 ص 446 - 447.

ص: 269

المذكور آنفًا.

والحاصل أن الأدلة التي استدل لها أبو محمد ابن حزم رحمه الله واضحة في إفادة الوجوب، وأما إفادتها بطلان الصلاة فغير واضحة. ولذا قال العلامة الصنعاني رحمه الله -بعد ذكر ما تقدم من كلام الحافظ- ما نصه: قلت: الوعيد بقوله صلى الله عليه وسلم: "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" يقتضي الوجوب، كما قاله ابن رسلان في "شرح الترمذي". ويؤيده حديث أبي أمامة عند أحمد، وفيه ضعف:"لتسون صفوفكم، أو لتطمسن الوجوه". ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد في قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} [النساء: 47].

نعم الأوامر، والوعيد، وفعل عمر، وبلال رضي الله تعالى عنهما أدلة على الوجوب ناهضة، وأما على بطلان الصلاة، فلابدّ من الدليل عليه. انتهى

(1)

.

فتلخص من هذا أن الراجح وجوب تسوية الصفوف، دون بطلان الصلاة بعدم تسويتها. والله تعالى أعلم.

تَتِمَّةٌ: ذكر العلماء في حكمة إقامة الصفوف أمورًا:

أحدها: حصول الاستقامة، والاعتدال ظاهرًا، كما هو مطلوب باطناً.

(1)

فتح جـ 2 ص 446 - 447.

ص: 270

ثانيها: أن لا يتخلل الشيطان بينهم، فيفسد صلاتهم بالوسوسة، كما أشار إليه في حديث أنس رضي الله عنه، المذكور في الباب.

ثالثها: ما في ذلك من حسن الهيئة.

رابعها: أن في ذلك تمكنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم، فإذا تراصوا وسع جميعهم المسجد، وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم.

خامسها: أن لا يشغل بعضهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفوا غابت وجوه بعضهم عن بعض، وكثير

من حركاتهم، وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. أفاده الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى

(1)

. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

(1)

راجع طرح التثريب جـ 2 ص 326.

ص: 271

‌29 - باب فَضْلِ الصَّفِّ الأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي

أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّ على حث فضل من صلى في الصف الأول على من صلى في الصف الثاني.

ومحل الاستدلال من الحديث قوله: "كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا"، حيث فضله صلى الله عليه وسلم على الثاني بالصلاة عليه ثلاثًا. والله تعالى أعلم.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله، هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه مقدمًا أو مؤخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أم لا؟ هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون.

وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا تقطعه مقصووة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء، فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر. وقيل: الصف عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولاً، وإن صلى في صف متأخر. وهذان القولان غلط صريح، وإنما أذكره، ومثله لأنبه على بطلانه، لئلا يُغْتَرَّ به. والله أعلم. انتهى كلام النووى رحمه الله تعالى

(1)

.

(1)

شرح مسلم جـ 4 ص 160.

ص: 272

وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد اختلف في الصف الأول في السجد الذي فيه منبر، هل هو الخارج بين يدي المنبر، أو الذي هو أقرب إلى القبلة؟ فقال الغزالي في "الإحياء": إن الصف الأول هو المتصل الذي في فناء المنبر، وما عن طرفيه مقطوع. قال: وكان سفيان يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر، قال: ولا يبعد أن يقال: الأقرب إلى القبلة هو الأول.

قيل لبشر بن الحارث: نراك تبكر، وتصلي في آخر الصفوف؟ فقال: إنما يراد قرب القلوب لا قرب الأجساد، والأحاديث ترد هذا. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى بتصرف

(1)

. والله تعالى أعلم.

817 -

أَخْبَرَنِا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَانَ يُصَلِّي عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ ثَلَاثًا، وَعَلَى الثَّانِى وَاحِدَةً.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(يحيى بن عثمان الحمصي) هو يحيى بن عثمان بن سعيد

(1)

نيل الأوطار جـ 4 ص 98 - 99.

ص: 273

ابن كثير بن دينار القرشي، أبو سليمان، ويقال: أبو زكرياء الحمصي، صدوق عابد من [10].

قال أحمد بن أبي الحواري عن أحمد لن حنبل: نعم الشيخ هو. ويُروَى عن محمد بن عوف: قال: رأيت أحمد بن حنبل يُجِلّ يحيى ابن عثمان، قال ابن عوف: كان عمرو بن عثمان، ويحيى بن عثمان ثقتان، ولكن يحيى كان عابدًا، وعمرو أبصر بالحديث منه. وقال أبو حاتم: كان رجلاً صالحًا صدوقًا. وقال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر، لا بأس به. وقال الدُّولابي: ثنا يحيى بن عثمان الشيخ العابد. وقال الحسين بن محمد بن إبراهيم: ثنا يحيى بن عثمان المختار العدل الرضي. وقال إبراهيم بن محمد بن متويه: ثنا يحيى بن عثمان، وكان يقال: إنه من الأبدال، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وكان عابدًا ورعًا.

وقال ابن عدي: قال لنا أبو عروبة الحسين بن أبي معشر الحرّاني: يحيى بن عثمان هذا لا يَسْوَى نواة في الحديث، كان يتلقن كل شيء، وكان يعرف بالصدق، سمعت المسيب بن واضح يقول: رأيت في النوم قائلاً يقول: إن كان بقي من الأبدال أحد فيحيى بن عثمان الحمصي، قال ابن عدي: وليحيى بن عثمان أحاديت صالحة عن شيوخ الشام، ولم أر أحدًا يطعن فيه غير أبي عروبة، وهو معروف بالصدق، وأخوه عمرو بن عثمان كذلك، وأبوهما، وهم من أهل

ص: 274

بيت الحديث بحمص، وليس بهم بأس وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مأمون، روى عنه بقي بن مخلد. وقال ابن حبان: مات سنة بضع وخمسين ومائتين. وقال ابن قانع، وأبو القاسم ابن منده: توفي سنة 255، روى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه

(1)

.

2 -

(بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلَاعي، أبو يُحْمِد، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، مات سنة 197، وله 87 سنة، من [8]، أخوج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في 45/ 592.

3 -

(بحير بن سَعْد

(2)

) السّحولي، أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، من [6]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة. تقدم في 1/ 688.

4 -

(خالد بن مَعْدَان) الكلاعي، أبو عبد الله الحمصي، ثقة عابد، يرسل كثيرًا، مات سنة 103، وقيل بعد ذلك، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 688.

(1)

"ت" ص 377 - 378. "تت" جـ 11 ص 255 - 256. "تك" جـ 1 ص 459 - 462.

(2)

وقع في نسخة "ت" و"تت": (ابن سعيد) قال بعض من علق على التقريب: والصواب (ابن سَعْد) كما في التهذيب للمزي، والأنساب للسمعاني جـ 7 ص 91، واللباب جـ 2 ص 106. والجرح والتعديل جـ 1 ص 412، والتاريخ الكبير جـ 1 ص 137، وأما ما قاله الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقه على التقريب: والصواب ابن سعيد، فليس بصواب، والصواب ما في عامة الكتب، وصوبه الشيخ المعلمي في تعليقاته على التاريخ الكبير، والأنساب. انتهى.

ص: 275

5 -

(جُبير بن نُفَير) بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، ثقة جليل مخضرم، مات سنة 80، وقيل بعدها، من [2]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، تقدم في 50/ 62.

6 -

(العِرْبَاض

(1)

بن سارية) السلمي، كنيته أبو نجيح، كان من أهل الصفة، ونزل حمص. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي عبيدة بن الجرّاح، وعنه ابنته أم حبيبة، وعبد الرحمن بن عمرو السلمي، وسعيد ابن هانىء الخولاني، وغيرهم. قال محمد بن عوف: كل واحد من العرباض بن سارية، وعمرو بن عَبَسَة، يقول: أنا ربع الإسلام، لا ندري أيهما أسلم قبك صاحبه. قال ضمضم بن زُرْعَة، عن شريح بن عبيد: كان عتبة بن عبد يقول: عرباض خير مني، وكان عرباض يقول: عتبة خير مني، سبقني إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسنة. قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وقال أبو مسهر، وغير واحد: مات سنة 75، وقال أبو عمر الزاهد غلام ثعلب: العرباض: الطويل من الناس وغيرهم الجلد المخاصم من الناس، وهو مدح. أخرج له الأربعة. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله.

ومنها: أن رجاله موثقون، غير أن بقية مشهور بالتدليس، حتى

(1)

بكسر أوله، وإسكان الراء قبل الموحدة، وآخره المعجمة.

ص: 276

قيل: بقية، أحاديثه غير نقية، فكن منها على تَقِيَّة. لكنه صرح بالتحديث في رواية أحمد جـ 4 ص 128، وله متابع كما سيأتي قريبًا

ومنها: أنه مسلسل بالحمصيين.

ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن العرباض بن سارية) رضي الله عنه (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) الجار والمجرور متعلق بحال محذوف، أي كونه مخبرًا عن حاله صلى الله عليه وسلم (كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً) أي يستغفر لأهل الصف الأول، ففي رواية أحمد، وابن ماجه، وابن خزيمة:"كان يستعْفر للصف المقدم ثلاثًا"

ويحتمل أن يكون المعنى يدعو لهم بلفظ الصلاة، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو بلفظ الصلاة للناس، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُتِيَ بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال:"اللهم صل على آل أبي أوفى". وأخرج أحمد، وأبو داود عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن امرأة قالت: يا رسول الله صَلِّ عليّ وعلى زوجي-صلى الله عليك وسلم- فقال: "صلى الله عليك، وعلى زوجك".

وقال السندي رحمه الله: أي يدعو لهم بالرحمة، ويستغفر لهم

ص: 277

ثلاث مرات، كما فعل بالمحلقين والمقصرين. والظاهر أنه دعا لهم أعم من أن يكون بلفظ الصلاة، أو غيره، ويحتمل خصوص لفظ الصلاة أيضًا، والله تعالى أعلم. انتهى

(1)

.

(وعلى الثاني واحدة)، أي يصلي على أهل الصف الثاني صلاة واحدة، فـ "واحدة" نعت لمصدر محذوف، كما قدرته. وفيه بيان فضل الصف الأول على الثاني، كما ترجم محليه المصنف رحمه الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه هذا صحيح. وبقية، وإن كان معروفًا بالتدليس عن الضعفاء، فقد تابعه إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل بلده صحيحة، كما نص عليه الأئمة، أحمد، وابن معين، وغيرهما. وتابعه أيضًا شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد. أخرجه أحمد جـ 4 ص 128، والدارمي رقم 1269، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 29/ 817، وفي "الكبرى" 29/ 891، عن يحيى بن

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 93.

ص: 278

عثمان، عن بقية، عن بحير بن سَعْد، عن خالد بن معدان، عن جُبير ابن نُفير، عنه. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد ابن هارون، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن خالد بن معدان، عن عرباض بن سارية رضي الله عنه، وليس فيه جبير بن نفير، ولفظه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، وللثاني مرة".

وأحمد جـ 4/ 128 عن حيوة بن شريح، عن بقية، بسند المصنف، وعن حسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، به وعن الحكم نافع، عن إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، به. وجـ 4/ 126، عن يحيى بن سعيد، ووكيع. و127، عن إسماعيل ثلاثتهم عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد ابن معدان، عن عرباض، وليس فيه جبير.

والدارمي رقم (1269) عن الحسن بن علي، عن الحسن بن موسى الأشيب، عن شيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد، عن جبير به، و1268 عن وهب بن جرير، عن هشام الدستوائي، به، وليس فيه ذكر جبير.

ص: 279

وابن خزيمة رقم (1558) عن الحسن بن محمد، عن يزيد بر هارون، وعبد الله بن بكر، وعن سَلْم بن جُنادة، عن وكيع، ثلاثتهم عن هشام الدستوائي به، وليس فيه ذكر جبير بن نفير.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذكر أنه وقع اختلاف على يحيى بن أبي كثير، فروى عنه شيبان بن عبد الرحمن، فأدخل جبير ابن نفير بين خالد بن معدان، والعرباض بن سارية، وروى عنه هشام الدستوائي، فأسقطه، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يضر في صحة الحديث، لإمكان حمله على أن خالدًا سمع الحديث من جبير، ثم لقي العرباض، فسمعه منه، فكان يحدث عنهما، ومثل هذا في أحاديث الحفاظ كثير، ويدل على ذلك وقوع التصريح بالتحديث عند أحمد جـ 4 ص 127. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 280

‌30 - الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم الصف المؤخر.

ومحل الاستدلال من الحديث قوله: "وإن كان نقص، فليكن في الصف المؤخر"، حيث جعل صلى الله عليه وسلم ما يكون في الصفوف من النقص محله الصف المؤخر. والله تعالى أعلم.

818 -

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَتِمُّوا الصَّفَّ الأَوَّلَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدريّ، أبو مسعود المصري ثقة، مات سنة 248، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 42/ 47.

2 -

(خالد) بن الحارث الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة، ثبت، مات سنة 186، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 42/ 47.

3 -

(سعيد) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، يدلس، واختلط بآخره، أثبت الناس في قتادة، مات

ص: 281

سنة 156، من [6] أخرج له الجماعة، تقدم في 34/ 38.

4 -

(قتادة) بن دِعَامة البصري، ثقة تبت مدلس، من [4]، تقدم في 30/ 34.

5 -

(أنس) بن مالك رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6.

ولطائف هذا الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أنس) بن مالك رضي الله عه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتموا الصف الأول) وتقدم الخلاف في المراد بالصف الأول في الباب الماضي، وأن الراجح أنه الذي يلي الإمام (ثم) أتموا الصف (الذي يليه) أي يلي الأول (وإِن كان نقص)، أي وإن حصل في الصفوف نقص، فـ"كان" تامة، مكتفية بمرفوعها، كما في قوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} الآية [البقرة: 280]. قال الحريري في "ملحته":

وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ

فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ

(فليكن في الصف المؤخر) و"يكن" ناقصة، واسمها ضمير "نقص"، والجار والمجرور خبرها، والجملة جواب "إن"، أي فليكن ذلك النقص كائنًا في الصف المؤخر. وهذا هو محل الترجمة، ففيه بيان حكم الصف المؤخر، وهو أنه إن حصل نقص في الصفوف لقلة الرجال الحاضرين ينبغي أن يكون فيه.

ص: 282

والمقصود من هذا أن لا يكون نقص في الصف الأول، ولا في الثاني، ولا في الثالث، وهلم جَرّا إلى أن تنتهي الصفوف، فإن كان نقص، ولابدّ، فليجعل في الصف الأخير. والله تعالى أعلم.

تنبيه:

يستحب أن يكون موقفُ الصف الناقص يمينَ الإمام، ولا يستحب توسيطه، لما أخرجه أبو داود، وغيره بإسناده حسن، عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا:"إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف"، ولحديث البراء رضي الله عنه: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه، وسيأتي للمصنف 34/ 822.

وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وسطوا الإمام، وسدوا الخلل"، رواه أبو داود. ففي سنده يحيى بن بشيربن خلاد، وهو مستور، عن أمه وهي مجهولة، فلا يصح الاستدلال به، وإن استدل له صاح "المنهل العذب" المورود" جـ 5 ص 60. فتبصر. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

ص: 283

أخرجه هنا 30/ 818، وفي "الكبرى" 30/ 892 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" 671، عن محمد بن سليمان الأنباري، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة به. وأحمد جـ 3 ص 132، 215، 233. وابن خزيمة رقم (1546، 1547).

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 284

‌31 - مَنْ وَصَلَ صَفًّا

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل من وصل صفًّا.

ومحل الاستدلال من الحديث واضح.

819 -

أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَثْرُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ عز وجل".

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(عيسى بن إِبراهيم بن مثرود)، هو عيسى بن إبراهيم بن عيسى بن مثرود -بمثلثة ساكنة- المثرودي الغافقي، ثم الأحدبي مولاهم، أبو موسى المصري، ثقة، من صغار [10].

قال النسائي في "الكبرى" في إسناد حديث الباب: أنبأنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود، مصري، لا بأس به. وقال الطحاوي: ذكر مولده سنة 166 وهو أبي من الرضاعة. وقال ابن يونس: توفي في صفر

ص: 285

لسنة 261

(1)

، وكان مولده لسنة 170، ذكر ذلك الله محمد بن عيسى، وكان ثقة ثبتاً. وقال ابن أبي حاتم: توفي قبل قدومي مصر بقليل، قال. وهو شيخ مجهول. وقال مسلمة بن قاسم: مصري ثقة، أنا عنه غير واحد. أخرج له أبو داود، والنسائي

(2)

.

2 -

(عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد، مات سنة 197، وله 72 سنة، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 9/ 9.

3 -

(معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرمي، أبو عمرو، وقيل غيره الحمصي، قاضي الأندلس، صدوق، له أوهام، مات سنة 158، وقيل: بعد سنة 170، من [7]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 50/ 62.

4 -

(أبو الزاهرية) حُدَير بن كُرَيب

(3)

الحضرمي، ويقال: الحميري الحمصي، صدوق، من [3].

وثقه ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن سفيان، وإلنسائي. وقال أبو حاتم: لا بأس له. وقال الدارقطني: لا بأس له إذا روى عنه ثقة. وقال ابن سعد: توفي سنة 129، وكان ثقة -إن شاء الله- كثير

(1)

زاد في "ت" وقد جاوز التسعين.

(2)

"ت" ص 270. "تت" جـ 8 ص 205.

(3)

"حُدير": بحاء مهملة آخره راء مهملة، مصغرًا، و"كريب" مصغرًا أيضًا.

ص: 286

الحديث. وقال البخاري، عن عمرو بن علي: مات سنة 100، وقال: أخشى أن لا يكون محفوظًا، وكذا قال أبو عبيد. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. قال الحافظ: وهو نحو قول عمرو بن علي. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون إلا الترمذي.

5 -

(كثير بن مُرّة) الحضرمي الرُّهاوي، أبو شَجَرَة الحمصي، ثقة، من [2]، ووهم من عده في الصحابة، أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة، تقدم في 1/ 688.

6 -

(عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما، تقدم في 12/ 12. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين مِصْرِيَّينِ؛ وهما عيسى، وابن وهب، وحمْصيِّينَ؛ وهم الباقون، إلا ابن عمر؛ فمدني، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أبو الزاهرية، عن كثير بن مرة، وفيه عبد الله بن عمر، أحد المكثرين السبعة، روى 2630 حديثًا. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم-

ص: 287

قال: من وصل صفًا) لأن كانت فيه فرجة تسعه، فسدها، أو نقصان فأتمه (وصله الله) برحمته (ومن قطع صفًا) بأن لم يسد فرجة فيه تسعه، أو منع غيره من الدخول فيه بدون ضرر يلحقه بذلك، أو جلس في وسط الصف بلا صلاة (قطعه الله عز وجل من رحمته، وعظيم فضله. وفيه دليل على وجوب سد الفُرَج في الصفوف، وترغيب في وصلها، لما فيه الخير العظيم، وتحذير من قطعها، لما فيه من الوعيد الشديد، ولذا عده ابن حجر الهيتمي الفقيه الشافعي رحمه الله من الكبائر في كتابه "الزواجر".

وهذا الحديث مختصر، وقد ساقه أحمد، وأبو داود بطوله، ولفظه عن عبد الله بن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أقيموا الصفوف، فإنما تَصُفّون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسُدّوا الخَلَل، ولينُوا في أيدي إخوانكم، ولا تَذَرُوا فُرُجات للشيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، تبارك وتعالى، ومن قطع صفّاً قطعه الله"، وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

ص: 288

أخرجه هنا 31/ 819، وفي "الكبرى" 31/ 893 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" 666 بسند المصنف، و666 عن قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ولم يذكر ابن عمر. ثم قال: قال أبو داود: أبو شجرة: كثير بن مرة. وأحمد 2/ 97، وابن خزيمة رقم (1549)، ورواية ابن خزيمة مختصرة كرواية المصنف. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 289

‌32 - ذِكْرِ خَيْرِ صُفُوفِ النِّسَاءِ وَشَرِّ صُفُوفِ الرِّجَالِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدال على خير صفوف النساء، وعلى شر صفوف الرجال. ومحل الاستدلال من الحديث واضح.

وفيه احتباك

(1)

: وهو الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وبالعكس، أي وشر صفوف النساء، وهو خير صفوف الرجال.

820 -

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(إسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة فقيه، مات سنة 238، من [10]، أخرج له البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في 2/ 2.

(1)

قال العلامة أبو البقاء الكفوي رحمه الله في كلياته ص 57: الاحتباك من ألطف أنواع البديع، وأبدعها، وقد يسمى حذف المقابل: وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول. كقوله تعالى:{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 24]. أي فلا يعذبهم. وكقوله تعالى: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} [آل عمران: 13].

ص: 290

2 -

(جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي قاضي الري، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه، مات سنة 188، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 2.

3 -

(سُهَيل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدني، مولى جُويرية بنت الأحمس امرأة من غَطَفَان، أخو صالح بن أبي صالح، وعبد الله ابن أبي صالح، ومحمد بن أبي صالح، صدوق، تغير بأخَرَة، من [6].

قال ابن عيينة: كنا نعد سهيلاً ثبتًا في الحديث. وقال حرب، عن أحمد: ما أصلح حديثه. وقال أبو طالب: سألت أحمد عن سهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عمرو؟ فقال: قال يحيى بن سعيد القطان: محمد -يعني ابن عمرو- أحبهما إلينا. وما صنع شيئًا، سهيل أثبت عندهم. وقال الدوري عن ابن معين. سهيل بن أبي صالح، والعلاء ابن عبد الرحمن حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بحجة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: سهيل أشبه، وأشهر -يعني من العلاء- وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج له، وهو أحب إليّ من العلاء. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لسهيل نُسَخ، وقد روى عنه الأئمة، وحدث عن أبيه، وعن جماعة، عن أبيه، وهذا يدلّ على تمييز الرجل، كونُهُ مَيَّزَ ما سمع من أبيه، وما سمع من غير أبيه عنه، وهو عندي ثَبْت، لا بأس به، مقبول الأخبار. روى

ص: 291

له البخاري مقرونًا بغيره. وعاب ذلك عليه النسائي، فقال السلمي: سألت الدارقطني لِمَ ترك البخاري حديث سهيل في كتاب الصحيح؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان النسائي إذا مر بحديث سهيل، قال: سهيل والله خير من أبي اليمان، ويحيى بن بكير، وغيرهما. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطىء، مات في ولاية أبي جعفر، وكذا أرخه ابن سعد، وقال: كان سهيل ثقة كثير الحديث، وأرخه ابن قانع سنة 38، وذكره البخاري في تاريخه، قال: كان لسهيل أخ، فمات، فوجد عليه، فنسي كثيرًا من الحديث، وذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه عن يحيى، قال: لم يزل أهل الحديث يتقون حديثه، وذكر العقيلي عن يحيى أنه قال. هو صويلح، وفيه لين.

وقال الحاكم في باب: مَنْ عِيبَ على مسلم إخراجُ حديثه. سهيل أحد أركان الحديث، وقد أكثر مسلم الرواية عنه في الأصول، والشواهد، إلا أن غالبها في الشواهد، وقد روى مالك عنه، وهو الحَكَم في شيوخ أهل المدينة الناقد لهم، ثم قيل في حديثه بالعراق. إنه نسي الكثير منه، وساء حفظه في آخر عمره. وقال أبو الفتح الأزدي: صدوق، إلا أنه أصاله بِرْسَام

(1)

في آخر عمره، فذهب بعض حديثه. أخرج له الجماعة

(2)

.

(1)

قال المجد: البِرسام -بالكسر: علة يُهْذَى فيها. اهـ "ق" ص 1395.

(2)

"ت" ص 139. "تت" جـ 4 ص 263 - 264. "تك" جـ 12 ص 223 - 228.

ص: 292

4 -

(أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة 101، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 36/ 40.

5 -

(أبو هريرة) الصحابي المشهور، رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، على خلاف في سهيل، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وأن شيخه مروزي، وجريرًا كوفي، ثم رازي، والباقون مدنيون. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير صفوف الرجال أولها) مبتدأ وخبر، أي أفضل صفوف الرجال، وأكثرها ثوابًا: أولها. وإنما كان خيرًا؛ لأن الله تعالى وملائكته يصلون على الصف الأول، كما تقدم؛ ولأنهم اختصوا بكمال الأوصاف، والضبط عن الإمام، والاقتداء له، والتبليغ عنه؛ ولأنهم هم المبادرون، ملهم فضيلة السبق والقرب من الإمام، ولما فيه من البعد عن النساء.

ص: 293

وقال ابن الملك: المراد بالخيرة كثرة الثواب، فإن الصف الأول أعلم بحال الإمام، فتكون متابعته أكثر، وثوابه أوفر. انتهى.

وقد تقدم الخلاف في المراد بالصف الأول الذي وردت الأحاديث بفضله، وأن الراجح أنه الذي يلي الإمام، أجاء صاحبه متقدمًا، أم متأخرًا، وسواء تخلله مقصورة، ونحوها، أم لا.

(وشرهما آخرها) يعني أن أقل صفوف الرجال ثواباً آخرها؛ لبعدهم عن الإمام؛ ولترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول؛ ولقربهم من النساء

(1)

.

(وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) يعني أن أكثر صفوف النساء ثوابًا آخرها، لبعدهن عن الرجال؛ ولأن مرتبتهن متأخرة من مرتبة الرجال، فيكون آخر الصفوف أليق بهن، وأقل صفوفهن ثوابًا أولها لقربهن من الرجال.

وقال الطيبي: الرجال مأمورون بالتقدم، فمن كان أكثر تقدمًا فهو أشد تعظيمًا لأمر الشارع، فيحصل له من الفضيلة ما لا يحصل لغيره، أما النساء فمأمورات بالاحتجاب

(2)

.

وقال السندي رحمه الله: قوله: "خير صفوف الرجال" أي

(1)

المنهل العذب المورود جـ 5 ص 69.

(2)

راجع المرقاة جـ 2 ص 94.

ص: 294

أكثرها أجرًا "وشرها" أي أقلها أجرًا. وفي النساء بالعكس، ودْلك لأن مقاربة أنفاس الرجال للنساء يخاف منها أن تشوش المرأة على الرجل والرجل على المرأة. ثم هذا التفضيل في صفوف الرجال على إطلاقه، وفي صفوف النساء عند الاختلاط بالرجال، كذا قيل، ويمكن حمله على إطلاقه لمراعاة الستر، فتأمل. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي

(1)

.

وقال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: أما صفوف الرجال فهي على عمومها، فخيرها أولها أبدًا، وشرها آخرها أبدًا. وأما صفوف النساء، فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات، لا مع الرجال، فهن كالرجال، خير صفوهن أولها، وشرها آخرها. والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابًا وفضلاً، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال، لبعدهن من مخالطة الرجالط، ورؤيتهم، وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: تفريق النووي بين صلاة النساء مع الرجال، وبين صلاتهن منفردات يحتاج إلى دليل، فالأولى إجراء

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 94.

(2)

شرح مسلم جـ 4 ص 159 - 160.

ص: 295

النص على عمومه حتى نجد نصًا مخصصاً. فخير صفوف النساء مطلقًا، سواء صلين مع الرجال أو وحدهن آخرها، وشرها أولها. وقد أشار إلى هذ السندي في كلامه السابق. والله تعالى أعلم.

ودلّ حديث الباب على ترغيب الرجال في الصف الأول، وعلى تحذيرهم من التأخر عنه، وعلى ترغيب النساء في الصف الأخير لهن، وتحذيرهن عن الصف الأول.

وفيه أيضًا جواز صلاة النساء جماعة، من غير فرق بين كونهن مع الرجال، أو منفردات، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 32/ 820، وفي "الكبرى" 32/ 894 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة"، عن زهير بن حرب، عن جرير، وعن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، وأبو داود فيه عن محمد بن

ص: 296

الصباح، عن خالد بن عبد الله، وإسماعيل بن زكريا. والترمذي فيه عن قتيبة، عن الدراوردي، وابن ماجه فيه عن أحمد بن عبدة، عن الدراوردي أربعتهم عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عنه. وابن ماجه أيضًا عن أحمد بن عبدة، عن الدراوردي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عنه.

وأخرجه أحمد جـ 2/ ص 336، 354، 367. ومن طريق العلاء ين عبد الرحمن، عن أبيه، عنه جـ 2 ص 485، ومن طريق محمد بن عجلان، عن أبيه، عنه جـ 2 ص 340. وابن خزيمة رقم 1561، وأخرجه الحميدي، والدارمي.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 297

‌33 - الصَّفُّ بَيْنَ السَّوَارِي

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم الصف بين السواري.

والسواري: جمع سارية، وهي الأسْطُوَانة، كجارية، وجَوارٍ. والله تعالى أعلم.

821 -

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ أَنَسٍ، فَصَلَّيْنَا مَعَ أَمِيرٍ، مِنَ الأُمَرَاءِ، فَدَفَعُونَا، حَتَّى قُمْنَا وَصَلَّيْنَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَجَعَلَ أَنَسٌ يَتَأَخَّرُ، وَقَالَ: قَدْ كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة، من [11]، انفرد به النسائي، تقدم في 108/ 147.

2 -

(أبو نعيم) الفضل بن دُكَين، واسم دُكَين عمرو بن حماد ابن زهير التيمي مولاهم، الأحول المُلائي الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة 218 وقيل: 219، وكان مولده سنة 130، من [9]، وهو من كبار شيوخ البخاري، أخرج له الجماعة، تقدم في 11/ 516.

ص: 298

3 -

(سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، الإمام الحجة الثبت، مات سنة 161، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 33/ 37.

4 -

(يحيى بن هانىء) بن عووة بن قعاص، ويقال: فضفاض المرادي، أبو داود الكوفي، ثقة، من [5].

كان من أشراف العرب، وكان أبوه ممن قتله عُبيد الله بن زياد في شأن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال يحيى بن أبي بكير، عن شعبة. كان سيد أهل الكوفة، وقال ابن معين، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، والنسائي: ثقة. زاد أبو حاتم: صالح، من سادات أهل الكوفة. وقال الدارقطني: يحتج به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي

(1)

.

5 -

(عبد الحميد بن محمود) المعْوَلي

(2)

المصري، ويقال: الكوفي، ثقة مقلّ، من [4].

روى عن أنس، وابن عباس، وعنه ابناه حمزة، وسيف، قال النسائي: ثقة. وقال الدارقطني: كوفي يحتح له به. وذكره ابن حبان

(1)

"ت" ص 380، "تت" جـ 11 ص 293. "تك" جـ 32 ص 18 - 20.

(2)

" المعْولِي": بكسر الميم وسكون المهملة، وفتح الواو: نسبة إلى مِعْوَلة، بطن من الأَزد، وقال ابن السمعاني: بفتح الميم، وهو خطأ. قاله في اللباب. وقال في اللب: صوّب النووي الفتح. انتهى لب جـ 2 ص 267.

ص: 299

في "الثقات". وقد ضعف أبو محمد عبد الحق في "الأحكام " هذا الحديث بعبد الحميد هذا، وقال: ليس ممن يحتح بحديته.

قال أبو الحسن القطان، رادّاً عليه: ولا أدري من أنبأه بهذا، ولم أر أحدًا ممن صنف في الضعفاء ذكره فيهم. ونهاية ما يوجد فيه مما يوهم ضعفًا قول أبي حاتم الرازي، وقد سئل عنه؟: هو شيخ، وقعت له روايات، أخذت عنه. وقد ذكره أبو عبد الرحمن النسائي، مقال: هو ثقة، على شحه بهذه اللفظة. اهـ.

أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، له عندهم حديث الباب فقط

(1)

.

6 -

(أنس) بن مالك الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها. أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، فنسائي، وعبد الحميد فمختلف فيه، كما مر آنفًا، وأنس فبصري، وأن شيخه من أفراده، ويحيى بن هانىء، وعبد الحميد من رجال أبي داود، والترمذي، والنسائي، والباقون من

(1)

"ت " ص 197، "تت" جـ 6 ص 122. ببعض زيادة من نيل الأوطاو جـ 4 ص 102.

ص: 300

رجال الجماعة، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ يحيى عن عبد الحميد. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عبد الحميد بن محمود) المِعْوَليّ، أنه (قال: كنا مع أنس) بن مالك رضي الله عنه (فصلينا مع أمير من الأمراء) لم يُسَمَّ ذلك الأمير (فدفعونا) أي دفعنا الناس من الصف، لشدة الزحام (حتى قمنا، وصلينا بين الساريتين) أي الأسطوانتين، والظرف تنازعاه الفعلان قبله، وفي رواية الترمذي، عن عبد الحميد، قال: صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرنا الناس، فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا، قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية أبي داود، قال. "صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدُفِعنا إلى السواري، فتقدمنا، وتأخرنا، فقال أنس: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال صاحب "المنهل" رحمه الله: فظاهر هاتين الروايتين -يعني رواية النسائي، ورواية الترمذي- أنهم صَلَّوْا بين السواري. ولا منافاة بينهما وبين حديث الباب -يعني حديث أبي داود المذكور- لاحتمال تعدد الواقعة، فمرة لم يصلوا بينها، فيكون قول أنس: كنا نتقي هذا.

ص: 301

بيانا لسبب تقدمهم وتأخرهم، ومرة صلوا بينها، فيكون قوله: كنا نتقي هذا، تعليمًا لهم، ليتباعدوا عن ذلك. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: أو يكون معى قوله: "فتقدمنا، وتأخرنا" أي تقدم بعضنا إلى الصف، وتأخر بعضنا عنه، حتى صلى بين الساريتين، فتكون الواقعة واحدة. والله أعلم.

(فجعل أنس يتأخر)"جعل" من أفعال الشروع، كما قال ابن مالك في "خلاصته":

كَأنْشَأ السَّائِق يَحْدُو وَطَفِقْ

كَذا جَعَلْتُ وَأخَذْتُ وَعلقْ

فـ "أنس" اسمها، وجملة "يتأخر" خبرها، أي شرع أنس رضي الله عنه يتأخر عن الساريتين، لئلا يصف بينهما (وقال:) مبينًا سبب تأخره لمن معه (كنا) معاشر الصحابة (نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي كنا نحترز عن القيام للصلاة بين السواري، ونجتنبه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم للنهي عنه، فقد أخرج ابن ماجه، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: كنا ننهى أن نصُفّ بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونُطرَد عنها طردًا. وفي إسناده، هارون بن مسلم المصري، وهو مجهول، كما قال أبو حاتم.

(1)

"المنهل" جـ 5 ص 62.

ص: 302

قال الجامع عفا الله عنه: لكن الحديث صحيح، صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ويشهد له حديث الباب، فإن قول أنس رضي الله عنه: كنا نتقي هذا

إلخ له حكم الرفع عند جمهور المحدثين، ولاسيما، وقد أضافه إلى عهده صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ السيوطي رحمه الله في "ألفية المصطلح":

وَلْيعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ

نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي

كَذَا أُمِرْنَا وَكذَا كُنَّا نَرَى

فِي عَهْدِه أوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى

ثالِثُهَا إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي

تَصْرِيحِهِ بِعلْمِهِ الْخْلْف نُفِي

وقال الشيخ الألباني في "تمام المنة": إنما قال أبو حاتم في هارون ابن مسلم: مجهول؛ لأنه لم يعرف له راويًا غير عمر بن سنان الصُّغْدي، ولذا لم يذكر له غيره، ولكن الواقع أنه روى عنه أيضًا ثلاثة من الثقات، وكلهم رووا هذا الحديث عنه، وهم: أبو داود الطيالسي، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، ويحيى بن حماد. قال: فثبت بهذا أن هارون بن مسلم هذا معروف، ليس بمجهول، وأن إسناده صحيح، أو حسن على الأقل، وهو صحيح قطعًا بحديث أنس رضي الله عنه. انتهى كلام الشيخ الألباني باختصار

(1)

والله سبحانه ولي التوفيق، وعليه التكلان.

(1)

راجع تمام المنة في التعليق على فقه السنة. ص 296 - 297.

ص: 303

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أنس رضي الله عنه هذا حديث صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 33/ 821، وفي "الكبرى" 33/ 895، عن عمرو بن منصور عن أبي نعيم، عن سيفان الثوري، عن يحيى بن هانىء، عن عبد الحميد بن محمود المعولي، عنه. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن محمد بن بشار، عن ابن مهدي، عن سيفان الثوري، به نحوه. وأخرجه الترمذي فيه عن هَنَّادٍ، عن وكيع، عن الثوري به بمعناه.

وأخرجه عبد الرزاق رقم (2489). وابن خزبمة رقم (1568)، وابن حبان جـ 5 ص 596 - 597. والحاكم وصححه جـ 1/ 210 و 218. والبيهقي جـ 3/ ص 104.

المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة بين السواري: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: وقد اختلف أهل العلم في الصف بين السواري؛ فكرهت طائفة الصف بين السواري، وممن كره ذلك: ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وروي ذلك عن ابن عباس،

ص: 304

وكره ذلك النخعي.

ورخصت طائفة فيه، وممن رخص فيه. ابن سيرين، ومالك، وأصحاب الرأي.

قال ابن المنذر رحمة الله: ليسى في هذا الباب خبر يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنه، وأعلى ما فيه قول أنس: كنا نتقيه، ولو اتقى متق كان حسنًا، ولا مأثم عندي على فاعله. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: ليس في هذا الباب خبر يثبت

إلخ. نظر، بل صح النهى عنه، كما سبق بيانه، فنقول بالنهي عن الصف بين السواري. والله أعلم.

وقال العلامة الشوكاني رحمه الله ما حاصله: والعلة في الكراهة ما قاله أبو بكر ابن العربي من أن ذلك، إما لانقطاع الصف، أو لأنه موضع جمع النعال. قال ابن سيد الناس: والأول أشبه؛ لأن الثاني مُحْدَث. وقالى القرطبي. وروي أن سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين.

وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم، قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري. وبه

(1)

الأوسط جـ 4 ص 181 - 183.

ص: 305

قال أحمد، وإسحاق، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك. انتهى. وبالكراهة قال النخعي. وروى سعيد بن منصور في "سننه" النهي عق ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، ورخص فيه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، قياسًا على الإمام والمنفرد، قالوا: وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة بين ساريتين.

وقال ابن رسلان: وأجازه الحسن، وابن سيرين. وكان سعيد بن جبير، وإبراهيم التيمي، وسويد بن غَفَلَة يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين.

وقال ابن العربي: ولا خلاف في جواز عند الضيق، وأما عند السعة، فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد، فلا بأس به، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين سواريها. انتهى.

قال الشوكاني: وفيه أن حديث أنس المذكور في الباب إنما ورد في حال الضيق، لقوله: فاضطرّنا الناس، ويمكن أن يقال: إن الضرورة المشار إليها في الحديث لم تبلغ قدر الضرورة التي يرتفع الحرج معها. وحديث قرة ليس فيه إلا ذكر النهي عن الصف بين السواري، ولم يقل: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، ففيه دليل على التفرقة بين الجماعة والمنفرد

ولكن حديث أنس الذي ذكره الحاكم فيه النهي عن مطلق الصلاة،

ص: 306

فيحمل المطلق على المقيد

(1)

. ويدل على ذلك صلاته صلى الله عليه وسلم بين الساريتين، فيكون النهي على هذا مختصًا بصلاة المؤتمين بين السواري، دون الإمام والمنفرد، وهذا أحسن ما يقال، وما تقدم من قياس المؤتمين على الإمام والمنفرد فاسد الاعتبار، لمصادمته لأحاديث الباب. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قال الشوكاني رحمه الله تعالى هو المتجه عندي. وهو أن النهي الوارد في الصلاة بين السواري محمول على المأمومين، لا على الإمام والمنفرد، جمعًا بين الأدلة؛ لأن حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه:"كنا ننهى أن نصف بين السواري". صريح في المأمومين، وأما الإمام، والمنفرد، فلا يدخلان في النهي، لصلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين السواري.

تْم ظاهر النهي للتحريم، إلا إذا قلنا: إن صلاته صلى الله عليه وسلم بين السواري

(1)

قال الجامع: حديث أنس الذي أشار إليه الشوكاني، وعزاه إلى الحاكم، لفظه كما قال:"كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، ونطرد عنها"، وأنا أرى هذا خطأ، إذ حديث أنس الذي أخرجه الحاكم، هو الذي أخرجه النسائي هنا، ولفظه:"كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم". وأما بلفظ كنا ننهى

إلخ، فهو حديث معاوية ابن قرة، عن أبيه، وقد أخرجه الحاكم أيضًا. كما سبق بيانه، فالظاهر أن اشتبه أحد اللفظين بالآخر على الشوكاني، أو على من نقل هو عنه ذلك، فتأمل، والله تعالى أعلم.

(2)

"نيل الأوطار" جـ 4 ص 103 - 104.

ص: 307

يصرف النهي عن التحريم، إلى التنزيه، ولا بُعْدَ في ذلك. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 308

‌34 - المَكَانُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ مِنَ الصَّفِّ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على المكان الذي يستحب للمأمومين أن يقفوا فيه من الصفّ، وهو اليمين.

ومحل الاستدلال قول البراء رضي الله عنه: "أحببت أن أكون عن يمينه". وسيأتي توجيه ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى.

822 -

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الْبَرَاءِ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، لقبه شاه، راوية ابن المبارك، ثقة، مات سنة 240، عن [10]، أخرج له الترمذي والنسائي، تقدم في 45/ 55.

2 -

(عبد الله) بن المبارك الحنظلى مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي الإمام الثقة الثبت الحجة، مات سنة 181، من [8] أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 36.

3 -

(مِسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة، ثبت فاضل، مات سنة 153، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 8/ 8.

ص: 309

4 -

(ثابت بن عُبيد) الأنصاري، مولى زيد بن ثابت، كوفي، ثقة، من [3]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، تقدم في 173/ 271.

5 -

(ابن البراء) هو إما:

(عبيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي، ثقة، من [4]. روى عن أبيه حديث الباب. وعنه ثابت بن عبيد، ومحارب ابن ديثار، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه حديث الباب فقط، ولم يسمه منهم إلا أبو داود

(1)

.

وإما: (يزيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الكوفي، صدوق، من [3]، روى عن أبيه، وعنه عدي بن ثابت، وأبو جناب الكلبي، وسيف أبو عائذ السعدي، وقال: كان أميرًا علينا بعمان، وكان كخير الأمراء. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان أمير عمان وقال العجلي: كوفى تابعي، ثقة. أخرج له أبو داود، والنسائي

(2)

.

6 -

(البراء) بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، الصحابي ابن الصحابي، رضي الله عنهما، نزل الكوفة، مات سنة 72، أخرج له الجماعة، تقدم في 68/ 105. والله تعالى أعلم.

(1)

"ت" ص 228. "تت" جـ 7 ص 60.

(2)

"ت" ص 381. "تت" جـ 11 ص 316.

ص: 310

لطائف هذا الإسناد

(منها) أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ ثابت عن ابن البراء، ورواية الراوي عن أبيه. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن ابن البراء) هو إما عبيد، وإما يزيد، كما سبقت الإشارة إليه، قريبًا، وسيأتي تمام البحث في المسائل، إن شاء الله تعالى (عن البراء) بن عازب رضي الله عنهما، أنه (قال: كنا) يعني معاشر الصحابة رضي الله عنهم (إِذا صلينا) أي إذا أردنا الصلاة (خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببت أن أكون) هكذا رواية المصنف هنا، وفي الكبرى:" أحببت أن أكون" بضمير المتكلم الواحد.

والذي عند مسلم، وأبي داود، وابن ماجه، وغيرهم:"أحببنا أن نكون" بضمير الجمع (عن يمينه) أي جهة يمينه، وذلك ليقبل صلى الله عليه وسلم عليهم بوجهه الشريف إذا سلم. ففي رواية مسلم وغيره:"أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعتة يقول: "رب قني عذابك يوم تبعث" أو "تجمع عبادك". وفي رواية ابن خزيمة من رواية يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: "كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يبدأ بالسلام على يمينه".

ص: 311

قال القاضي عياض رحمه الله: يحتمل أن يكون التيامن عند التسليم، وهو الأظهر؛ لأن عادته صلى الله عليه وسلم إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه، قال: وإقباله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو يكون حين ينفتل. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: يدل حديث الباب على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان المكان الذي يستحب أن يقف فيه المأموم، وهو يمين الإمام، ووجه ذلك أن محبة الصحابة رضي الله عنهم لذلك، ومسابقتهم إليه كان بعلم من النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان الفضل في غير اليمين لبينه لهم، ولاسيما وقد ثبت قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف". رواه أبو داود بإسناد حسن، كما قاله الحافظ في "الفتح" جـ 2 ص 450.

وأما قول بعضهم باستحباب وسط الصف مُسْتَدِلاًّ بحديث "وَسِّطُوا الإمام" رواه أبو داود، فغير صحيح؛ إذ الحديث ضعيف، لجهالة بعض رواته، كما قدمناه 30/ 818. وكذا ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن ميسرة المسجد تعطلت، فقال: "من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر" فضعيف؛ لأن في إسناده عمرو بن عثمان الكلابي، وهو ضعيف، وليث بن أبي سليم، وهو متروك. ويحمل على تقدير صحته على ما إذا أدى إلى تعطيل الميسرة. والله تعالى أعلم.

(1)

شرح النووي على صحيح مسلم. جـ 5 ص 221.

ص: 312

وسيأتي اختلاف أهل العلم في جهة الانصراف من الصلاة، هل هو عن اليمين، أو مخير في كلا الجانبين. وترجيح الراجح في ذلك بدليله في [باب الانصراف من الصلاة] 100/ 1359 إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث البراء رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 34/ 822، وفي "الكبرى" 34/ 896 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي كريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعن أبي كريب، وزهير بن حرب، كلاهما عن وكيع. وأبو داود فيه عن محمد بن رافع، عن أبي أحمد الزبيري -وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع- ثلاثتهم عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عنه. وأحمد 4/ 290، 304. وابن خزيمة رقم (1563 و1564و1565).

المسألة الرابعة: (اعلم) أنه وقع اختلاف بين الرواة في ذكر ابن

ص: 313

البراء في إسناد هذا الحديث، وإسقاطه، وفي اسمه، هل هو عبيد، أم يزيد.

فممن أثبت: وكيعٌ عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، وأبو نعيم عند أحمد، ويحيى ابن أبي زائدة عند مسلم، وأبو أحمد الزبيري عند أبي داود، وابن خزيمة، وعبد الله بن المبارك عند المصنف، وسفيان عند ابن خزيمة، ستتهم عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء عن أبيه، فأثبتوه

فأما أبو نعيم، عند أحمد، ووكيع عند مسلم، وابن ماجه، ويحيي ابن أبي زائدة عند مسلم، وابن خزيمة، وابن المبارك عند الصنف، وأبو أحمد الزبيريّ عند ابن خزيمة، فقالوا: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء بن عازب، فأبهموه.

وأما أبو أحمد الزبيري من رواية محمد بن رافع عنه عند أبي داود، فقال: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن عبيد بن البراء، عن أبيه، فسماه عبيدًا.

وأما وكيع عند أحمد، وسفيانُ عند ابن خزيمة، فقالا: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن يزيد بن البراء، عن أبيه، فسمياه "يزيد".

وممن أسقطه: أبو أحمد الزبيري في رواية محمد بن بشار عنه عند ابن خزيمة، ووكيع في رواية سَلْم بن جُنادة عنه، عند ابن خزيمة أيضًا،

ص: 314

كلاهما عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن البراء بن عازب، فأسقطوه.

والحاصل أن الأكثرين على إثبات الواسطة، ثم الأكثرون منهم على إبهامه، ومثل هذا الاختلاف لا يضر؛ لإمكان حمله على أن ثابتًا سمعه عن البراء نفسه، وعن ابنه عنه، وكذا لا يضر إبهام ابنه؛ لأنه سمي في الروايات الأخرى، وكذا الاختلاف في تسميته عبيدًا، ويزيد لا يضر أيضا؛ لأن كلا منهما ثقة. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 315

‌35 - مَا عَلَى الإِمَامِ مِنَ التَّخْفِيفِ

أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الذي يجب على الإمام من تخفيف الصلاة، لئلا يشق على المأمومين، فقوله:"من التخفيف" بيان لـ"ما".

وظاهر تعبير المصنف بـ"على" التي تقتضي الوجوب، يدل على أن المصنف يرى وجوب التخفيف، وهو المذهب الراجح، وإن قال الجمهور بالاستحباب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل إن شاء الله تعالى.

823 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة 240، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

2 -

(مالك) بن أنس، الإمام الثبت الحجة المدني، مات سنة 179، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 7.

ص: 316

3 -

(أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه، مات سنة 130، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 7.

4 -

(الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني، ثقة ثبت عالم، مات سنة 117، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 7.

5 -

(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلاني، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أن أبا الزناد لقب لعبد الله، لقب به لذكائه، وكنيته أبو عبد الرحمن. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أبي هريرة) رضي الله عه (عن النبي صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (إِذا صلى أحدكم بالناس) أي إمامًا لهم. وللبخاري: "للناس" باللام، وهي بمعنى الماء.

ثم إن عدم ذكر المفعول يدل على تناول الأمر الفرائض والنوافل التي يشرع لها الجماعة، كالعيد، والتراويح، ونحوهما؛ لأن حذف المفعول يدل على العموم، بدليل صحة الاستثناء، فإنه معيار العموم، نعم يستتنى من ذلك صلاة الكسوف، لمشروعية تطويل القراءة فيها، فلا يسن النقص عن المشروع في ذلك، وكأنه لندورها، والاهتمام

ص: 317

بشأنها للأمر العارض. أفاده الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى

(1)

(فليخفف)، أي القراءة والأذكار، بحيث لا يخل بأركان الصلاة، وسننها، وآدابها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن نقرة الغراب، ولقوله للمسيء صلاته:"لم تصل"(فإِن فيهم) الفاء تعليلية، أي لأن في الناس المؤتمين به (السقيم) أي المريض (والضعيف) جِبِلَّةً، أو لقرب مرض. قاله السندي.

قال الحافظ ولي الدين رحمه الله. إن قلت: ما فائدة عطف الضعيف على السقيم، وهو بمعناه؟ قلت: ليس بمعناه، فقد ذكر الجوهري، وغيره أن الضعف خلاف القوة، وأن السقم المرض، فدلّ على أن الضعف أعم من السقم، قد يكون الإنسان قليل القوة من أصل الخلقة، لا من سقم عرض له. انتهى

(2)

.

(والكبير) أي في السن، وفي رواية البخاري:"فإن فيهم الضعيف، والسقيم، والكبير". قال الحافظ: المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة، وبالسقيم من به مرض.

وزاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: "والصغير، والكبير". وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص: "والحامل، والمرضع". وله من حديث عدي بن حاتم: "والعابر السبيل". وقوله في حديث أبي مسعود: "وذا الحاجة". هي أشمل الأوصاف

(1)

"طرح التثريب في شرح التقريب" جـ 2 ص 350.

(2)

"طرح" جـ 2 ص 351.

ص: 318

المذكورة. انتهى "فتح"

(1)

.

(فإِذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء) ولمسلم: "فليصل كيف شاء". أي مخففًا، أو مطولاً. وفي مسند السرّاج:"إذا صلى وحده، فليطول إن شاء".

وهل هذا الأمر للاستحباب، أو للإباحة، والترخيص؟ يترجح الأول، لكونه أمرًا في عبادة، ويترجح الثاني لتعلقه بمشيئة المصلي، ولو كان للاستحباب لم يعلقه بمشيئته، ولا يحتمل هنا أن يكون للوجوب، كالسابق

(2)

.

قال الجامع: هكذا ذكر الاحتمالين ولي الدين رحمه الله بدون ترجيح لأحدهما. والظاهر الاحتمال الثاني. والله أعلم.

ثم إن الإطالة المذكورة مشروطة بأن لا تؤدي إلى خروج الوقت، وإلا فلا. وجوز بعضهم الإطالة ولو خرج الوقت، وهو المصحح عند بعض الشافعية، قال في "الفتح": وفيه نظر؛ لأنه يعارضه عموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة رضي الله عنه: "إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى". أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل، ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى. واستدلّ بعمومه أيضًا على

(1)

جـ 2 ص 433.

(2)

جـ 2 ص 351.

ص: 319

جواز تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين. انتهى "فتح"

(1)

.

وسيأتي تمام البحث في هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. والله المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 35/ 823، وفي "الكبرى" 35/ 879 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ومسلم فيه عن قتيبة بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحِزَامي. وأبو داود فيه عن القعنبي عن مالك. والترمذي فيه عن قتيبة، عن المغيرة كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج، عنه.

و"الموطأ" رقم 103، أحمد جـ 2 ص 486. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يجب

(1)

جـ 2 ص 433.

ص: 320

على الإمام من تخفيف الصلاة.

ومنها: بيان سماحة الشريعة، وسهولة الدين، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة، فأوجب على الأئمة أن يخففوا إذا صلوا جماعة، بحيث لا تحصل مشقة على المريض، والكبير، والصغير، وذوي الحاجات.

ومنها: أن الإنسان إذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء، ما لم يخش خروج الوقت، وإلا فلا يجوز له التطويل، وإن قال به بعضهم مستدلاًّ بظاهر هذا الحديث، وسيأتي تحقيق القول فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى.

ومنها: أنه يستفاد منه تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، خلافًا لمن خص التطويل بغيرهما. وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: في هذا الحديث أمر الأئمة بتخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في "جامعه": وهو قول أكثر أهل العلم، اختاروا أن لا يطيل الإمام الصلاة مخافة المشقة على الضعيف، والكبير، والمريض. انتهى.

قال في "طرح التثريب": وهو يقتضي خلافًا في ذلك بين أهل العلم، ولا أعلم فيه خلافًا.

ص: 321

وقال ابن عبد البر: التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه. وقال أيضّاً: لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أم قومًا على ما شرطنا من الائتمام بأقل ما يجزىء، وساق الكلام على ذلك، وكأن الترمذي توهم الخلاف في ذلك من قول ابن أبي شيبة في "مصنفه" في التبويب:"التخفيف في الصلاة"، "من كان يخففها"، وليس ذلك صريحًا في وجود خلاف، ولم يبوب ابن أبي شيبة على التطويل المقابل للتخفيف، ولو كان ثم قائل به لبوب عليه، وذكره.

وقد روى ابن أبي شيبة في الباب المذكور عن ثابت البناني، قال: صليت مع أنس العتمة، فتجوز ما شاء الله. وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: كان أبي إذا صلى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجوز، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلت له؟ فقال: إنا أئمة يقتدى بنا.

وعن أبي رجاء، وهو العطاري، قال: رأيت الزبير بن العوام، صلى صلاة خفيفة، فقلت: أنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة، فقال: إنا نبادر هذا الوسواس، وعن عمار بن ياسر أنه قال: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. وعن حذيفة أنه عَلَّمَ رجلاً، فقال: إن الرجل ليخفف الصلاة، ويتم الركوع والسجود.

وعن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة

ص: 322

صلى صلاة تجوز فيها، فقلت له: هكذا كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، وأجوز. وعن عمرو بن ميمون: لا طُعِنَ عمرُ، وماج الناس، تقدم عبد الرحمن بن عوف، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1]، {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1].

وعن إبراهيم النخعي أنه كان يخفف الصلاة، ويتم الركوع والسجود. وعن أبي مجلز، قال: كانوا يتمون، ويوجزون، ويبادرون الوسوسة. وعن عمرو بن ميمون، قال. ما رأيت الصلاة في موضع أخف منها فيما بين هاتين الحائطين -يعني مسجد الكوفة الأعظم-. وعن النعمان بن قيس، قال: كُنَّ النساء إذا مررن على عَبِيدَة، وهو يصلي، قلن: خففوا، فإنها صلاة عبيدة، يعني من خفتها، رواها كلها ابن أبي شيبة.

وحكى ابن حزم في "المحلى" عن عمرو بن ميمون أنه قال: لو أن رجلاً أخذ شاة عَزُوزًا لم يفرغ من لبنها حتى أصلي الصلوات الخمس، أتِمُّ ركوعها، وسجودها. والعزوز -بالعين المهملة، والزاي المعجمة المكررة-: الضيقة الإحليلين. وعن علقمة: لو أُمِرَ بذبح شاة، فأُخذ في سلخها، لصليت الصلوات الخمس في تمام قبل أن يُفرغ منها.

ويحتمل أن ابن أبي شيبة إنما بوب على تخفيف الصلاة مع الانفراد، أو مع إمامة المحصورين، فذكر فيه من كان يؤثر تخفيفها،

ص: 323

ولو مع هذه الحالة، فنقله الترمذي إلى أئمة العامة، وأولئك لا خلاف فيهم، كما تقدم

(1)

. والله تعالى أعلم.

المسألة السادسة: قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: هذا الأمر بالتخفيف صرح أصحابنا - (الشافعية) - وغيرهم بأنه على سبيل الاستحباب، وذهب جماعة إلى الوجوب، تمسكًا بظاهر الأمر. قال ابن حزم الظاهري: يجب على الإمام التخفيف إذا أم جماعة، لا يدري كيف طاقتهم.

وقال ابن عبد البر المالكي: في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة، يلزمهم التخفيف، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل؛ لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل. وكذا قال ابن بطال دي شرح البخاري: فيه دليل على أن أئمة الجماعة، يلزمهم التخفيف، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الراجع عندي قولُ من قال بالوجوب، عملاً بظاهر الأمر، إذ ليس له صار عن الوجوب، والله تعالى أعلم.

المسألة السابعة: المراد بتخفيف الصلاة -كما قال أهل العلم- أن يكون بحيث لا يخلّ بسننها، ومقاصدها. وفي "الصحيحين" عن أنس

(1)

راجع "طرح التثريب في شرح التقريب" جـ 2 ص 346 - 348.

(2)

المصدر السابق جـ 1 ص 348.

ص: 324

رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات، وبوّب النسائي، على حديث ابن عمر رضي الله عنهما:[الرخصة في التطويل]

(1)

. ويحتمل أن هذا ليس تطويلاً، وإنما هو بيان للتخفيف المأمور به.

وقال ابن حزم رحمه الله لما ذكر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عثمان بن أبي العاص: "واقتد بأضعفهم". هذا حد التخفيف، وهو أن ينظر ما يحتمل أضعف مَنْ خلفه، وأمسهم حاجة في الوقوف، والركوع، والسجود، فليصل على حسب ذلك. انتهى

(2)

.

قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: وهو عندي حسن.

وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله في "شرح العمدة": حديث الباب يدل على التخفيف في صلاة الإمام والحكم فيها مذكور مع علته، وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا طول، وفيه بعد ذلك بحثان:

(أحدهما): أنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبعها الحكم، فحيث يشق على المأمومين التطويل ويريدون التخفيف يؤمر بالتخفيف، وحيث لا يشق، أو لا يريدون التخفيف لا يكره التطويل، وعن هذا قال الفقهاء: إذا علم عن المأمومين أنهم يؤثرون التطويل، كما إذا

(1)

وهو الباب الآتي بعد هذا الباب 36/ 826.

(2)

"المحلى" جـ 4 ص 99.

ص: 325

اجتمع قوم لقيام الليل، فإن ذلك -وإن شق عليهم- فقد آثروه، ودخلوا عليه.

(الثاني) أن التطويل، والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء طويلاً بالنسبة إلى عادة قوم، وقد يكون خفيفًا بالنسبة إلى عادة آخرين. وقد قال بعض الفقهاء: إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع، والسجود، والمروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك مع أمره بالتخفيف، فكأن ذلك؛ لأن عادة الصحابة -لأجل شدة رغبتهم في الخير- تقتضي أن لا يكون ذلك طويلاً، هذا إذا كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم عامًا في صلواته، أو أكثرها، وإن كان خاصًا ببعضها، فيحتمل أن يكون؛ لأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل، وهو متردد بين أن لا يكون تطويلاً بسبب ما يقتضيه حال الصحابة، وبين أن يكون تطويلاً، لكن بسبب إيثار المأمومين، وظاهر الحديث المروي لا يقتضي الخصوص ببعض صلاته صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى -كما نقله عنه الصنعاني في عدّته

(1)

: إذا أمرهم بالتخفيف، وأمرهم أن يصلوا كصلاته في قوله:"صلوا كما رأيتموني أصلي" عُلم بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أمَرَ به، يوضح ذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمى تخفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويسمى تطويلاً بالنسبة إلى ما هو أخف

(1)

جـ 2 ص 259 - 260.

ص: 326

منه، فلا حد له في اللغة يُرجع إليه، وليس من الأفعال المعروفة التي يرجع فيها إلى العرف، كالحرز، والقبض، وإحياء الموات، والعباداتُ ترجع إلى الشارع في مقدارها وصفاتها وهيآتها، كما يُرجع إليه في أصلها، فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عرف الناس، وعوائدهم في مسمى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة، ومقاديرها اختلافًا بينًا لا ينضبط.

ولهذا لَمَّا فهِمَ بعضُ من نكس الله قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يمكن من التخفيف اعتقد أن الصلاة كلما خففت، وأخرت كانت أفضل، فصار كثير منهم يمر فيها مَرّ السهم، ولا يزيد على "الله أكبر" في الركوع والسجود بسرعة، فيكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربما ظن الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث.

ويحكى عن بعض هؤلاء أنه رأى غلامًا له يطمئن في صلاته، فضربه، وقال: لو بعثك السلطان في شغل أكنت مبطئًا عن شغله مثل هذا الإبطاء؟ وهذا كله تلاعب بالصلاة، وتعطيل لها، وخداع من الشيطان. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى هو الراجح عندي، وإن اعترض عليه الصنعاني، وطول الكلام في الرد عليه في كتابه "العدة حاشية العمدة"

(1)

.

(1)

جـ 2 ص 261 - 264.

ص: 327

وحاصله أن ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من كيفية الصلاة، هو الذي أمر به، وقد كان يخفف أحيانًا، ويطول أحيانًا على حسب ما يراه من حال المأمومين.

فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم خفف صلاته تارة، فقرأ في صلاة العشاء بـ"التين والزيتون" وجاء في هذا أنه كان في سفر. وقد روي عنه أنه قرأ بها في المغرب، ولم يذكر السفر، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقرأ بقصار المفصل، ولا يعارضه حديث زيد بن ثابت أنه أنكر على مروان قراءته بقصار المفصل، لأنه أنكر استمراره على ذلك، وجاء في الصحيح أنه قرأ فيها بـ"والليل إذا يغشى"، وكذلك ورد أنه قرأ بها في صلاة الظهر، وكذلك صلى الصبح بـ "الزلزلة" في الركعتين، وقرأ فيه أيضًا بـ"المعوذتين"، ونحو ذلك من رواية قراءته بالسور القصار.

وثبت عنه أنه طول تارة، فقرأ في المغرب بـ"المرسلات"، وبـ"الطور"، وبطولى الطوليين، وظاهره أثه أتمها. وقول القاضي عياض: إن المراد ببعضها -خلاف الظاهر، وكان يطول بالصبح، فيقرأ في الركعتين ما بين الستين إلى مائة، وصلاها بـ"المؤمنون" حتى إذا وصل ذكر موسى وهارون، فأخذته سَعْلَة، فركع، وقرأ فيها بـ"ق"، وقرأ فيها بـ"الطور".

وعن أبي سعيد أنهم قدّروا قراءته صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر في الأوليين من الظهر بقدر {الم (1) تَنْزِيلُ} : "السجدة"، وفي الأخريين بقدر

ص: 328

النصف من ذلك، وجاء أنه كان يقرأ في الظهر والعصر بـ" السماء ذات البروج"، و"السماء والطارق". وصلى تارة الظهر بـ"سورة لقمان"، و"الذاريات"، وقرأ فيها بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، و"الغاشية". والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

وكذا ثبت عنه أنه كان سجوده وركوعه على حسب قراءته، فإذا خفف خفف، وإذا طول طول.

فعلى الإمام أن يقتدي به في ذلك؛ لأنه صح عنه قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".

وبالجملة فعلى الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، كما كان صلى الله عليه وسلم يراعي ذلك، فقد قال:"إني لأقوم في الصلاة، فأسمع بكاء الصبي، فأوجز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه". فإن خفي على الإمام حالهم فليخفف احتياطًا. والله تعالى أعلم.

المسألة الثامنة: هذا الحكم، وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته، وهو كون المأمومين فيهم السقيم، والضعيف، والكبير، فإن انتفت هذه العلة، فلم يكن في المأمومين أحد من هؤلاء، وكانوا محصورين، ورضوا بالتطويل طوّل، لانتفاء العلة، قال ولي الدين رحمه الله: وبذلك صرح أصحابنا وغيرهم.

وقال ابن عبد البر رحمه الله: قد بان في هذا الحديث العلة الموجبة

ص: 329

للتخفيف، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ لأنه وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري ما يحدث لهم من آفات بني آدم، ولذلك قال:"فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء"؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد يحدث للظاهر القوة، ومن يُعرَفُ منه الحرصُ على طول الصلاة حادثٌ من شغل، وعارضٌ من حاجة وآفةٌ، من حدث بول أو غيره. انتهى. وتبعه على ذلك ابن بطال، فذكر مثل هذا الكلام.

قال الحافظ ولي الدين: وهو ضعيف، فإن الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون، ورضوا بالتطويل، لا نأمر إمامهم بالتخفيف لاحتمال عارض لا دليل عليه، وحديث أبي قتادة رضي الله عنه يرد على ما ذكراه، فإنه صلى الله عليه وسلم قال:"إني لأقوم في الصلاة، وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز، كراهية أن أشق على أمه". فإرادته صلى الله عليه وسلم أولاً التطويل يدلّ على جواز مثل ذلك، وما تركه إلا لدليل قام على تضرر بعض المأمومين به، وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه. والله أعلم. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي هذا الذي قاله الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى حسن جدًّا. والله تعالى أعلم.

المسألة التاسعة: قال الإمام ابن حزم رحمه الله: حد التطويل: ما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي التي هو فيها، ثم استدل على ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر

ص: 330

بالأمس. وقال عليه الصلاة والسلام: "وقت الصبح ما لم تطلع الشمس، ووقت العصر ما لم تغرب الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت العشاء الَاخرة إلى نصف الليل". قال: فصح يقينًا أن من دخل في صلاة في آخر وقتها، فإنما يصلي باقيها في وقت الأخرى، أو في وقت ليس له تأخير ابتداء الصلاة إليه أصلاً.

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى، فصح أن له إذا دخل في الصلاة في وقتها أن يطول ما شاء، إلا تطويلاً منع النص منه، وليس له أن يطيل حتى تفوته الصلاة التالية لها فقط. انتهى كلامه

(1)

.

قال ولي الدين رحمه الله: وهو ضعيف، والذي ينبغي أن يقال في حد التطويل المباح: إنه ما لم يخرج وقت الصلاة التي هو فيها، ولو جوزنا له أن يخرج جزءًا منها عن وقتها لم يكن لتوقيتها فائدة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:"الوقت ما بين هذين".

وأما استدلاله على ذلك بأنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، فقد تقرر تأويله عند أكثر العلماء على معنى أنه فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر في اليوم الأول، فقوله:"صلى الظهر" أي ابتدأها. وقوله: "صلى العصر" أي فرغ منها، وفعل يصلح للابتداء والشروع

(2)

،

(1)

"المحلّى" باختصار جـ 4 ص 99 - 101.

(2)

هكذا نسخة "الطرح"، وفيها ركاكة، ولعل صواب العبارة: وفعلُ الصلاة يصلح للابتداء والفراغ، فحمل في كل موضع على اللائق به. فليحرر.

ص: 331

فحملت في كل موضع على اللائق بها، ولا اشتراك بين الصلاتين في وقت.

وعلى تقدير أن لا نؤله، ويجعل بين الصلاتين اشتراك في الوقت كما يقوله المالكية، فالاشتراك إنما هو في مقدار أربع ركعات خاصة، وهكذا يقول المالكية، وهل ذلك من وقت العصر أو الظهر؟ خلاف عندهم.

وأما القول بالاشتراك في جميع الوقت، فلا قائل به، ولا دليل يعضده، ولا يصح القياس في ذلك عند من يقول بالقياس، فكيف عند من ينكره؟

والعجب من استدلاله على مطلوبه بقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى" وهذا عليه لا له، فإنه دالّ على أن غاية التأخير المباح دخول الأخرى، لا فراغه، ولا تضيقه، وما ذكره ابن حزم مبني على أن هذه الأوقات للشروع في الصلاة، لا للفراغ منها، وهذا مردود، بل هذه المواقيت لجملة الصلاة، أولِهَا، ووسطها، وآخرها.

وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنه يحرم تأخير الصلاة إلى حدّ يخرج بعضها عن الوقت، وهو موافق لما ذكرته، لكنهم قالوا: إنه لو شرع في الصلاة، وقد بقي عن الوقت ما يسع جميعها، فمد هذا بتطويل القراءة لم يأثم بذلك، إلا في وجه حكاه القاضي حسين في "تعليقه"، وقال: إن هذا الخلاف ينبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج، أو للدخول فقط، وهل يكره ذلك؟ فيه وجهان: أصحهما عندهم لا يكره، لكن قال النووي في "شرح المهذب": إنه خلاف الأولى.

ص: 332

قال ولي الدين: وعندي أن تجويزهم تطويل القراءة حتى يخرج الوقت مخالف لقوله: "إن التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى" ولقوله: "الوقت ما بين هذين". وقد تبين كلام القاضي حسين أنه مبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول فقط، والصحيح أنها وقت للدخول والخروج. انتهى ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه الحافظ ولي الدين رحمه الله من كون الأوقات للدخول والخروج هو الراجح عندي، فلا يجوز تطويل القراءة حتى يخرج وقت الصلاة المحدد لها بنص الحديث المتقدم، وما ذكره ابن حزم من أن المراد خروج وقت الصلاة التي تليها خلاف الصواب. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

824 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ.

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(قتيبة) بن سعيد المذكور في السند الماضي.

(1)

راجع الطرح جـ 2 ص 351 - 352.

ص: 333

2 -

(أبو عوانة) الوَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة 175 أو 176، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 46.

3 -

(قتادة) بن دعامة السَّدُوسي البصري، ثقة ثبت، يدلس، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 30/ 34.

4 -

(أنس) بن مالك رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (55) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وفيه أنس، أحد المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه (أن رسول صلى الله عليه وسلم كان أخف الناس صلاةً) منصوب على التمييز (في تمام)، أي مع تمام، فـ "في" بمعنى "ح". يعني أنه صلى الله عليه وسلم كانت صلاته أخف، فلا تثقل على المؤتمين به بسحب طولها، مع أنه يتمها بمراعات أركانها، وواجباتها، وسننها، وآدابها، فلا يؤدي تخفيفه إلى أن يخل ببعض ما ذُكر.

ص: 334

وأورد الصنف رحمه الله تعالى حديث أنس رضي الله عنه بعد حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، مَن أم الناس أن يخفف، بيانًا للمراد بالتخفيف المأمور به، فحديث أنس رضي الله عنه يفسر حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

والحاصل: أن التخفيف المأمور به هو الذي يكون مع إتمام الصلاة بأركانها، وواجباتها، وسننها، وآدابها، فلا يجوز للإمام أن يخفف تخفيفًا مخلاً ببعض ذلك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 35/ 824، وفي "الكبرى" 35/ 898 بالسند المذكور، وأخرجه فيه عن أحمد بن سليمان الرُّهَاوي، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن قتادة، به.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وقتيبة، كلاهما

ص: 335

عن أبي عوانة، عن قتادة، عنه. والترمذي فيه عن قتيبة، به. وأحمد 3/ 170، 173، 179، 231، 234. والدارمي رقم (1263). وابن خزيمة (1604).

المسألة الرابعة: في فوائده.

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما على الإمام من التخفيف.

ومنها: بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته إمامًا، وهو أنه كان أخفّ الناس صلاة في تمام.

ومنها: أن التخفيف المأمور به يكون مع الإتمام، ولا يجوز فيه التفريط، بحث يخل ببعض أجزاء الصلاة، فإن ذلك ليس تخفيفًا، بل هو استخفاف بحق الصلاة، فيدخل تحت الوعيد الشديد فيمن ضيع حقوق الصلاة، وبقية مباحث الحديث تقدمت في مسائل الحديث الماضي. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

825 -

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُوجِزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ".

ص: 336

رجال هذا الإسناد: ستة

1، 2 - تقدما في الباب الماضي.

3 -

(الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه الدمشقي، ثقة فاضل، مات سنة 157، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 45/ 56.

4 -

(يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل، مات سنة 132، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 24.

5 -

(عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، مات سنة 95، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 24.

6 -

(أبو قتادة) الحارث بن ربعي، وقيل: غيره الأنصاري السَّلَمي المدني، الصحابي المشهور، رضي الله عنه، تقدم في 23/ 24.

والله أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة إلا شيخه، فانفرد هو به، والترمذي، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ يحيى عن عبد الله، ورواية الراوي عن أبيه.

ص: 337

تنبيه:

قد صرح الأوزاعي بالتحديث عند البخاري في رواية بشر بن بكر، عنه فقال. حدثني يحيى. وصرح به أيضًا يحيى بن أبي كثير عند الإسماعيلي في رواية ابن سماعة عن الأوزاعي، فقال: حدثني عبد الله ابن أبي قتادة. قاله في "الفتح"

(1)

. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم) أنه (قال: إِني لأقوم في الصلاة)، اللام هي لام الابتداء، دخلت في خبر "إن" كما قال في "الخلاصة".

وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَب الْخَبَرْ

لامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوَ إِنِّي لَوَزَرْ

وفي رواية للبخاري: "لأقوم في الصلاة، أريد أن أطوّل فيها"، وفي رواية. "لأقوم إلى الصلاة"

قال في "الفتح": فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحبٍّ، لا يجب عليه الوفاء به، خلافًا لأشهب، حيث ذهب إلى أن من نوى التطوع قائمًا ليس له أن يتمه جالسًا. انتهى

(2)

.

(فأسمع بكاء الصبي) قال الفيومي: البكَاء -بالضم،

(1)

فتح جـ 2 ص 436.

(2)

جـ 2 ص 437.

ص: 338

والقصر، والمد، وقيل: القصرُ مع خروج الدمع، والمدُّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]:

بَكَتْ عَيمي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا

وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلا الْعَوِيلُ

وقال أيضًا: الصبي: الصغير، والجمع صِبْيَة -بالكسر- وصِبْيَان. انتهى

(1)

.

(فأوجز في صلاتي) بضم الهمزة، مضارع أوجز، رباعيًا، أي أسرع في أدائها، بتخفيف القراءة، وغيرها (كراهية أن أشق على أمه)، "كراهية" منصوب على أنه مفعول لأجله، و"أن" مصدرية، أي لأجل كراهيتي المشقة على أمه بسبب التطويل.

وفي رواية للبخاري: "فأتجوز، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه". وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن سفيان، عن أبي السوداء، عن عبد الرحمن بن سابط: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى بسورة نحو ستين آية، فسمع بكاء صبي، فقرأ في الثانية بثلاث آيات. وهذا مرسل. وأخرج مسلم عن ثابت البناني، عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة. والله تعالى أعلم، وبه المستعان، وعليه التكلان.

(1)

المصباح جـ 59، وص 332.

ص: 339

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 35/ 825، وفي "الكبرى" 35/ 899 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن إبراهيم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، وعن محمد بن مسكين، عن بشر بن بكر. وأبو داود فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن عمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر. وابن ماجه فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن عمر بن عبد الواحد -وبشر بن بكر- تلاثتهم عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه رضي الله عنه. وأخرجه أحمد جـ 5 ص 305. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده.

منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ما على الإمام من التخفيف.

ومنها: أن من قصد التطويل في صلاته يطلب منه العدول عنه

ص: 340

لحاجة تطرأ عليه.

ومنها: الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يُدخَل عليهم ما يشق عليهم، وإن كان يسيرًا، من غير ضرورة.

ومنها: كمال شفقته صلى الله عليه وسلم، وشدة رأفته بأمته، كما قال الله تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].

ومنها: أن فيه جواز إدخال الصبيان المساجد، قال الحافظ رحمه الله: وفيه نظر، لاحتمال أن يكون الصبي مُخَلَّفًا في بيت يقرب من المسجد، بحيث يسمع بكاؤه. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: في هذا النظر نظر، إذ هو خلاف ظاهر الحديث، بل يرده حديث مسلم المتقدم، ولفظه:"يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة"

فإنه صريح في كون ذلك الصبي مع أمه في المسجد. فتنبه. والله تعالى أعلم.

ومنها: جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد. والله تعالى أعلم.

(1)

فتح جـ 2 ص 346.

ص: 341

المسألة الخامسة: قال ابن بطال رحمه الله: احتج بهذا الحديث من قال: يجوز للإمام إطالة الركوع إذا سمع بِحِسِّ داخل ليدركه.

وتعقبه ابن المنير بأن التخفيف نقيض التطويل، فكيف يقاس عليه؟ قال: ثم إن فيه مغايرة للمطلوب؛ لأن فيه مشقة على جماعة لأجل واحد. انتهى.

قال في "الفتح": ويمكن أن يقال: محل ذلك ما لم يشق على الجماعة، وبذلك قيده أحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وما ذكره ابن بطال سبقه إليه الخطابي، ووجهه بأنه إذا جاز التخفيف لحاجة من حاجات الدنيا، كان التطويل لحاجة من حاجات الدين أجوز. وتعقبه القرطبي بأن في التطويل هنا زيادة عمل في الصلاة غير مطلوب، بخلاف التخفيف، فإنه مطلوب. انتهى.

وفي هذه المسألة خلاف عنده الشافعية، وتفصيل، وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك. وفي التجريد للمحاملي نقل كراهيته عن الجديد، وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: أخشى أن يكون شركًا. انتهى

(1)

.

وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد استدل القائلون بمشروعية تطويل الركعة الأولى لانتظار الداخل ليدرك فضيلة الجماعة

(1)

فتح جـ 2 ص 437 - 438.

ص: 342

بحديث أبي قتادة رضي الله عنه، فيما أخرجه الشيخان وغيرهما في وصف قراءته صلى الله عليه وسلم في الظهر، وفيه:"ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية". زاد في رواية أبي داود: "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى". واستدلوا أيضًا بحديث ابن أبي أوفى المذكور في هذا الباب.

وقد حكى استحباب ذلك ابن المنذر عن الشعبي، والنخعي، وأبي مِجْلَز، وابن أبي ليلى من التابعين. وقد نقل الاستحباب أبو الطيب الطبري عن الشافعي في الجديد، وفي التجريد للمحاملي نسبة ذلك إلى القديم، وأن الجديد كراهته. وذهب أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، وداود، والهادوية إلى كراهة الانتظار، واستحسنه ابن المنذر، وشدد في ذلك بعضهم، وقال: أخاف أن يكون شركًا، وهو قول محمد بن الحسن، وبالغ بعض أصحاب الشافعي، فقال: إنه مبطل للصلاة. وقال أحمد وإسحاق فيما حكاه عنهما ابن بطال: إن كان الانتظار لا يضر بالمأمومين جاز، وإن كان مما يضر ففيه الخلاف

(1)

.

وقيل: إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة انتظره الإمام، وإلا فلا. روى ذلك النووي في "شرح المهذب" عن جماعة من السلف.

(1)

لعل الصواب: ففيه الكراهة. فتأمل.

ص: 343

وقد استدل الخطابي في "المعالم" على الانتظار المذكور بحديث أنس في التخفيف عند سماع بكاء الصبي، فقال: فيه دليل على أن الإمام، وهو راكع إذا أحس بداخل يريد الصلاة معه كان له أن ينتظره راكعًا، ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة إنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هو أحق بذلك وأولى. وكذلك قال ابن بطال.

وتعقبهما ابن المنير، والقرطبي بأن التخفيف ينافي التطويل، فكيف يقاس عليه؟ قال ابن المنير: وفيه مغايرة للمطلوب؛ لأن فيه إدخال مشقة على جماعة لأجل واحد، وهذا لا يَرِدُ على أحمد، وإسحاق، لتقييدهما الجواز بعدم الضرر للمؤتمين، كما تقدم. وما قالاه هو أعدل المذاهب في المسألة، وبمثله قال أبو ثور. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ورجحه الشوكاني رحمهم الله هو الصواب، لحديث أبي قتادة رضي الله عنه المتقدم؛ ولأنه من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به، فقال {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

(1)

"نيل الأوطار" جـ 4 ص 24 - 25.

ص: 344

والحاصل أن تطويل الإمام لانتظار الداخل جائز، بل مستحب، إذا قصد به التعاون على البر، ولا يشق ذلك على المأمومين، ويؤجر على ذلك، لكونه من فعل الخير، قال الله تعالى:{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 345

‌36 - الرُّخْصَةِ لِلإِمَامِ فِي التَّطْوِيلِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على التسهيل للإمام في تطويل الصلاة. والمراد الترخيص في بعض الأحيان، كما تقدم البحث عنه مستوفى في الباب السابق.

والظاهر أن المصنف رحمه الله يرى أن الأمر بالتخفيف المذكور في الباب السابق ليس دائمًا، بل أحيانًا يرخص له التطويل، بدليل حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما المذكور في الباب، وهو محمول على ما إذا علم الإمام بعدم المشقة على المأمومين، كما هو حال النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي رجحناه في الباب الماضي. والله أعلم.

826 -

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ، وَيَؤُمُّنَا بِـ"الصَّافَّاتِ".

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري، أبو مسعود البصري،

ص: 346

ثقة، مات سنة 248، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 42/ 47.

2 -

(خالد بن الحارث) الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، مات سنة 186، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم مي 42/ 47.

3 -

(ابن أبي ذئب)، هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، مات سنة 258، وقيل 259، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 681.

4 -

(الحارث بن عبد الرحمن) القرشي العامري، خال ابن أبي ذئب، صدوق، من [5]. روى عن أبي سلمة، وسالم، وحمزة ابني عبد الله بن عمر، ومحمد بن جبير بن مطعم، وكريب، ومحمد بن عمد الرحمن بن ثوبان، وغيرهم وعنه ابن أبي ذئب. قال الحاكم أبو أحمد: لا أعلم له راويًا غيره، وقال علي بن المديني: الحارث بن عبد الرحمن المدني الذي روى عنه ابن أبي ذئب مجهول، لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: يُرَوى عنه، وهو مشهور. وقال أحمد بن حنبل: لا أرى به بأسًا. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة 129، وله 73 سنة، وغزا مع

ص: 347

جماعة من الصحابة. أخرج له الأربعة

(1)

.

5 -

(سالم بن عبد الله) بن عمر القرشي العدوي، أو أبو عمر، أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، ثقة، ثبت عابد فاضل، مات آخر سنة 106 على الصحيح، من كبار [3] أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 490.

6 -

(عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنه، تقدم في 12/ 12. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، والحارث ابن عبد الرحمن، فمن رجال الأربعة، وأنهم مدنيون إلا شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ الحارث عن سالم، ورواية الراوي عن أبيه؛ سالم عن عبد الله، وفيه أحد الفقهاء السبعة من التابعين؛ سالم، وفيه أحد المكثرين السبعة من الصحابة؛ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، روى 2630 حديثًا. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما، أنه (قال: كان

(1)

"ت" ص 60، "تت" جـ 2 ص 148 - 149.

ص: 348

رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالتخفيف) بحذف المفعول لكونه معلومًا من قوله: "ويؤمنا" وليس الحذف هنا لإفادة العموم، إذ ليس المراد أمرَ كل مصل بالتخفيف، سواء كان إمامًا، أو منفردًا، بل الأمر خاص بالإمام فقط، بدليل ما تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء".

(ويؤمنا بـ"الصافات") أي يصلي بنا إمامًا، فيقرأ في صلاته سورة "الصافات". وفي رواية لأحمد من طريق يزيد بن هارون: وإن كان ليؤمنا بـ"الصافات" في الصبح.

ثم إن هذا الكلام من ابن عمر رضي الله عنهما، يحتمل وجهبن:

أحدهما: أنه يريد بيان التخفيف الذي كان يأمر به صلى الله عليه وسلم، فكأنه يقول: صلاته صلى الله عليه وسلم بـ"الصافات" مع أمره بالتخفيف يعتبر تخفيفًا، فمن فعل مثل فعله صلى الله عليه وسلم فقد عمل بالتخفيف.

ثانيهما: أنه يريد أن فعله صلى الله عليه وسلم خاص به، فكأنه يقول: إنه كان يأمر غيره بالتخفيف، ويطول هو، فلا ينبغي أن يفعل مثل فعله لكونه خاصًا به.

والوجه الأول هو الراجح، كما قدمناه في الباب الماضي، وهو ظاهر تبويب المصنف رحمه الله تعالى، كما أشرت إليه في شرح الترجمة. والله تعالى أعلم، وبه المستعان، وعليه التكلان.

ص: 349

قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله، من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا 36/ 826، وفي "الكبرى" 36/ 900، وفي "التفسير" أيضًا بالسند المذكور. وأخرجه أحمد جـ 2 ص 26، 40، 157. وابن خزيمة رقم 1606. وما يتعلق به من الفوائد، والمسائل قد تقدم مُسْتَوْفىً في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 350

‌37 - مَا يَجُوزُ لِلإِمَامِ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على العمل الذي يجوز للإمام أن يعمله في الصلاة، وإنما خص الإمام بالذكر مع أن الحكم لا يختص له، بل المأموم والمنفرد مثله؛ لما يُظن من أن مثل هذا العمل لا يليق بالإمام، لكونه كبير قومه، أو تنبيهًا بالأعلى على الأدنى. والله تعالى أعلم.

827 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ، عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنْ سُجُودِهِ أَعَادَهَا.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(قتيبة) بن سعيد، تقدم قبل باب.

2 -

(سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي، ثقة ثبت حجة، مات سنة 198، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

ص: 351

3 -

(عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي المكي قاضيها، ثقة، من [6].

قال أحمد، وابن معين، وابن سعد، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة: ثقة. وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان قاضيًا على مكة. وزعم ابن سعد أن اسم أبي سليمان محمد. علق عنه البخاري، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه

(1)

.

4 -

(عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني، ثقة، عابد، مات سنة 121 من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 37/ 730.

5 -

(عمرو بن سُلَيم) بن خَلْدَة الأنصاري الزُّرَقي المدني، ثقة، من كبار التابعين، مات سنة 104، يقال: له رؤية، أخرج له الجماعة، تقدم في 37/ 730.

6 -

(أبو قتادة) الحارث بن رِبْعِي الأنصاري رضي الله عنه، تقدم قبل باب. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

(منها) أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات،

(1)

"ت" ص 234. "تت" جـ 7 ص 120.

ص: 352

وكلهم من رجال الجماعة، فعثمان بن أبي سليمان، علق عنه البخاري، وأخرج له الترمذي في "الشمائل"، وشيخه بغلاني، وسفيان وعثمان مكيان، والباقون مدنيون.

قال الجامع عفا الله عنه: أما شرح الحديث، وما يتعلق به من المسائل، فقد مضى مستوفىً برقم 19/ 711 فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فإن أردت فراجعه تستفد.

وقوله: (أُمامة) -بضم الهمزة، وتخفيف الميمين- رضي الله عنها، تزوجها علي رضي الله عنه بعد موت فاطمة رضي الله عنها بوصية منها، زوجها منه الزبير بن العوام، لكون أبيها أوصى بها إليه، فلما قتل علي، تزوجها المغيرة بن نوفل، فولدت له يحيى، وكان يكنى به، وقيل: إنها لم تلد له، ولا لعلي. وقال الزبير بن بكار: ليس لزينب عقب. وماتت أمامة عند المغيرة.

وأمها زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، أكبر بناته، وأول من تزوج منهن، وُلِدت قبل البعثة بمدة، وتوفيت سنة ثمان من الهجرة.

وقوله: (بنت أبي العاص): صفة لـ"أمامة"، واسم أبي العاص، لقيط، وقيل: مقسم، وقيل: القاسم، وقيل: مِهْشم، وقيل: هُشيم، وقيل: ياسر بن الربيع. مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح وهاجر. ورد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته، وكانت وفاته في خلافة أبي بكر رضي الله عنهما.

ص: 353

وقد تقدم تحقيق ذلك كله بالرقم المذكور.

وقوله: (فإِذا ركع وضعها) إلخ: أي إذا انحنى للركوع وضعها على الأرض، وإذا رفع رأسه من السجود وقام أعادها إلى محلها، وهو عاتقه. والله سبحانه وتعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 354

‌38 - مُبَادَرَةِ الإِمَامِ

أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم مبادرة الإمام في أفعال الصلاة.

و"المبادرة": مصدر بادر، كما قال ابن مالك رحمه الله في لاميته:[من البسيط]:

لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالاً أو مُفَاعَلَةً

وَفِعْلَةٌ عَنْهُمَا قَدْ نَابَ فاحْتُمِلَا

قال المجد رحمه الله: بادَرَه، مُبَادرة، وبِدَارًا، وابتدره، وبَدَر غيره إليه: عاجله، وبَدَرَه الأمرُ إليه: عَجِل إليه، واستبق

(1)

. وقال الفيومي رحمه الله: بَدَر إلى الشيء، وبَادَرَ إليه مُبَادَرَةً، وبِدَارًا، من باب قعد، وقاتل: أسرع، وفي التنزيل:{وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا} [النساء: 6] انتهى

(2)

. والله تعالى أعلم.

828 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم: "أَلَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ".

(1)

"ق" ص 443.

(2)

المصباح جـ 1 ص 38.

ص: 355

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، من [10]، تقدم في 1/ 1.

2 -

(حماد) بن زيد بن درهم الأزدي، الجَهْضَمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، مات سنة 179، من 81، أخرج له الجماعة، تقدم في 3/ 3.

3 -

(محمد بن زياد) الجُمَحي مولاهم، أبو الحارث المدني، نزيل البصرة، ثقة ثبت، ربما أرسل، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 89/ 110. والله تعالى أعلم.

تنبيه:

محمد بن زياد هذا تابعي جمحي، مدني، سكن البصرة، من رجال الجماعة، وله في البخاري وغيره أحاديث عن أبي هريرة

رضي الله عنه، وفي التابعين أيضًا محمد بن زياد الألهاني الحمصي، وهو من رجال البخاري، والأربعة، وله عند البخاري -كما قال في "الفتح"

(1)

- حديث واحد عن أبي أمامة في المزارعة. والله تعالى أعلم.

4 -

(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.

(1)

جـ 2 ص 411.

ص: 356

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله، وهو أعلى أسانيد المصنف، وهو (56) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات أثبات، ومن رجال الجماعة، وأن شيخه بغلاني، وحمادًا بصري، ومحمد بن زياد مدني، سكن البصرة، وأبو هريرة رضي الله عنه مدني. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإِمام) هكذا رواية المصنف: "ألا يخشى"، وفي رواية البخاري:"أما يخشى أحدكم"، أو "ألا يخشى أحدكم"، وفي رواية مسلم:"أما يخشى الذي يرفع رأسه".

وكلمة "ألا" -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام-، وكوزنها "أما" للاستفتاح، والأصل "لا" و"ما" النافيتان، دخلت عليهما همزة الاستفهام، والاستفهام هنا للتوبيخ، والإنكار، و"يخشى": بمعنى يخاف، -وهو كما قال العلامة الصنعاني رحمه الله لفظه خبر، ومعناه نهي

(1)

.

زاد مسلم من رواية يونس، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد،

(1)

العدة حاشية العمدة جـ 2 ص 233.

ص: 357

كلاهما عن محمد بن زياد "في صلاته". وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر "الذي يرفع رأسه والإمام ساجد".

قال في "الفتح": فتبين أن المراد الرفع من السجود، ففيه تعقب على من قال: إن الحديث نص على المنع من الركوع والسجود معًا، وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع، لكونه في معناه، ويمكن أن يفرق بينهما بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه؛ لأنه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خص بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية.

وأما التقدم على الإمام في الخفض في الركوع والسجود، فقيل: يلتحق به عن باب أولى؛ لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصود، ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح؛ لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النقص في المقاصد أشد من دخوله في الوسائل.

وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر، أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي، عن أبي هريرة مرفوعًا:"الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان".

ص: 358

وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله في "الفتح" من إلحاق الركوع بالسجود، وأنه لا يشمله صريح النص المذكور، غير سديد، بل الظاهر أنه يشمله، ويقوي ذلك زيادة:"في صلاته" عند مسلم وابن خزيمة. ويؤيد ذلك حديث أنس رضي الله عنه عند مسلم، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال:"أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي، ومن خلفي". ثم قال: "والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا".

(أن يحول الله رأسه رأس حمار) وفي رواية البخاري: "أن يجعل الله رأسه رأس حمار"، أو "يجعل الله صورته صورة حمار". بالشك، قال في "الفتح": الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلمٌ من رواية يونس بن عبيد، والربيع بن مسلم، كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان، فقالا:"رأس"، وأما يونس فقال:"صورة"، وأما الربيع، فقال:"وجه"، والظاهر أنه من تصرف الرواة.

قال عياض: هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه في الرأس،

(1)

فتح جـ 2 ص 412.

ص: 359

ومعظم الصورة فيه. قال الحافظ: لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضًا، وأما الرأس فرواتها أكثر، وهي أشمل، فهي المعتمدة، وخص وقوع الوعيد عليها؛ لأن بها وقعت الجناية، وهي أشمل. وسيأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى بيان اختلاف العلماء في معنى التحويل المذكور في هذا الحديث، هل هو حقيقة أو مجاز، والأصح أنه حقيقة، بمعنى المسخ. والله تعالى أعلم.

ثم إن ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات، وبذلك جزم النووي في "شرح المهذب"، كما قاله في "الفتح".

والحاصل أنه يحرم مبادرة الإمام في الركوع وغيره من أفعال الصلاة، وأن من فعل ذلك عمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا وجب عليه أن يعود إلى المتابعة، وهذا هو القول الراجح، كما سيأتي تحقيق ذلك مُستَوْفىً في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

ص: 360

أخرجه هنا 38/ 828، وفي "الكبرى" 38/ 902 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن حجاج بن منهال، عن شعبة، عن محمد بن زياد، به. ومسلم فيه عن خلف بن هشام، وأبي الربيع الزهراني، وقتيبة بن سعيد، كلهم عن حماد بن زيد -وعن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن علية، عن يونس بن عبيد، وعن عبد الرحمن بن سلام الجمحي، وعبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، جميعًا عن الربيع بن مسلم، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن حماد بن سلمة- كلهم عن محمد بن زياد به. وأبو داود فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة به. والترمذي فيه عن قتيبة، به. وابن ماجه فيه عن حميد بن مسعدة، وسويد بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، به.

وأخرحه أحمد جـ 2/ ص 260، 271، 425، 426، 429، 472، 504. والدارمي رقم (1322). وابن خزيمة 1600. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف، وهو حكم مسابقة الإمام، وهو التحريم.

ص: 361

منها: كمال شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته، وبيانه لهم الأحكام، وما يرتب عليها من الثواب والعقاب.

ومنها: أن فيه الوعيد المذكور لمن رفع رأسه قبل الإمام.

ومنها: أن بعضهم استدل به على جواز المقارنة، وفيه نظر، إذ لا دلالة فيه عليه، لأنه يدل بمنطوقه على منع المسابقة، وبمفهومه على طللب المتابعة، وأما المقارنة، فمسكوت عنها، قاله الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: مسكوت عنها، يعني في خصوص هذا الحديث، وإلا فإن الشارع لم يسكت عنها، بل نبه على عدم جوازها، وأمر بتأخر المأموم عن الإمام في أفعال الصلاة، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، مقال:"إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم، فإن الله تبارك وتعالى، قال على لسان

(1)

فتح جـ 2 ص 413.

ص: 362

نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فتلك بتلك

" الحديث، وسيأتي للمصنف 23/ 1064، 101/ 1172، 44/ 1280.

وأخرج أحمد، وأبو داود، والبيهقي بأسانيد صحاح

(1)

، عن معاوية بن أبي سيفان، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تبادروني في الركوع والسجود، فإني قد بدنت، ومهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم له إذا سجدت، تدركوني إذا رفعت".

فقد نص النبي صلى الله عليه وسلم وصرح في أن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام، وهذا معنى الأمر الذي في قوله:"وإذا ركع فاركعوا" إلخ، فتكون أفعال المأموم من الركوع، والسجود، والرفع منهما، وسائر انتقالاته إثر أفعال الإمام، فمن خالف ذلك، ؤقد خالف الأمر، فإن تعمد فلا صلاة له، وإن كان ناسيًا فليَعُدْ إلى المتابعة.

فما يفعله بعض الناس، من المقاربة للإمام في الانتقالات، مستندين إلى ما قاله بعض أهل العلم، ممن لم يبلغهم هذا الحديث، مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعة للشيطان، فما أقبح ذلك، ولا

(1)

راجع المسند جـ 4 ص 92، 98. وسنن أبي داود جـ 1 ص 168. وسنن البيهقي الكبرى جـ 2 ص 92. والمحلى جـ 4 ص 62.

ص: 363

سيما إذا صدر ممن ينتسب إلى العلم، والله المستعان على من خالف الحق بعد وضوحه، تقليدًا لبعض المذاهب، وإليه المشتكى.

تنبيه:

قال ابن بزيزة: استَدَلَّ بظاهر هذا الحديث قومٌ لا يعقلون على جواز التناسخ

(1)

. قال الحافظ. وهو مذهب رديء مبني على دعاوى بغير برهان، والذي استدل بذلك منهم إنما استدلّ بأصل النسخ، لا بخصوص هذا الحديث. انتهى

(2)

.

نكتة:

قال أبو بكر بن العربي رحمه الله: ورد عنه صلى الله عليه وسلم أن الله سلّط الشيطان على الإنسان في إفساد صلاته عليه قولاً بالوسوسة، حتى لا يدري كم صلى، وفعلاً بالتقدم على الإمام، فيختلّ الاقتداء، فأما الوسوسة، فدواؤها الذكر، وأما التقدم فعلته طلب الاستعجال، ودواؤه أنه لا يسلم حتى يسلم الإمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال. انتهى

(3)

. والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم في معنى الوعيد المذكور،

(1)

التناسخ: تعلق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر بغير تخلل زمن بين التعلقين. اهـ، التوقيف على مهمات التعريف ص 208.

(2)

فتح جـ 2 ص 413.

(3)

انظر العدة جـ 2 ص 234.

ص: 364

فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة، ومتابعة الإمام، ويرجح هذا المجاز أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولابد، وإنما يدلّ على أن كون فاعله متعرضًا لذلك، وكون فعله ممكنًا لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء. قاله ابن دقيق العيد.

وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معًا، وحمله آخرون على ظاهره، إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك.

ويدل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة ما أخرجه البخاري في "صحيحه" من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ

(1)

، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة، فيقولون:"ارجع إلينا غداً"، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قِرَدَة وحَنَازير إلى يوم القيامة".

(1)

"الحر" -بكسر الحاء، وتخفيف الراء-: الفرج. و"المعازف": جمع معزوفة -بفتح الزاي-: آلات الملاهي.

ص: 365

وأخرج أحمد بإسناد صحيح من حديث صُحَارٍ

(1)

العبدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يُخسَف بقبائل، فيقال: مَن بقي عن بني فلان؟ ". قال. فعرفت حين قال: "قبائل" أنها العرب؛ لأن العجم تنسب إلى قراها

(2)

.

وأخرج الترمذي بإسناد صحيح، من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون في آخر هذه الأمة خسف، ومسخ، وقذف". قالت. قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا ظهر الخبث"

(3)

.

وأخرج ابن أبي خيثمة عن طريق هشام بن الغازي بن ربيعة الُجَرشي، عن أبيه، عن جده، رفعه:"يكون في أمتي الخسف، والمسخ، والقذف" الحديث

(4)

.

قال الحافظ رحمه الله: ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد: "أن يحول الله رأسه رأس كلب". فهذا يبعد المجاز، لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار. ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدالّ

(1)

"صحار" بالمهملتين، أوله مضموم مع التخفيف. قاله في "الفتح". جـ 8 ص 142. طبع دار الريان للتراث.

(2)

المسند جـ 3 ص 483، وجـ 5 ص 31.

(3)

جامع الترمذي رقم 2294. في باب ما جاء في الخسف من كتاب الفتن.

(4)

قاله في الفتح جـ 8 ص 143.

ص: 366

على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلاً: فرأسه رأس حمار. وإنما قلت ذلك؛ لأن الصفة المذكورة، وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يُخشَى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدًا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة.

وقال ابن الجوزي في الرواية التي عبر فيها بالصورة: هذه اللفظة تمنع تأويل عن قال: المراد رأس حمار في البلادة، ولم يبين وجه المنع، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذُكر أن الراجح حمل الحديث على ظاهره، من كون المراد بالتحويل مسخ رأسه إلى رأس حمار، أو مسخ صورته إلى صورة الحمار عقوبة لإجرامه بالمخالفة المذكورة، ولا داعي لدعوى المجاز. والله سبحانه وتعالى أعلم.

المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في بطلان صلاة من سابق إمامه في أفعال الصلاة:

ذهب الجمهور إلى أن فاعل ذلك يأثم، وتجزىء صلاته. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد. وفي "المغني"، عن أحمد أنه قال في رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب، ولم يخش عليه العقاب. أفاده في "الفتح".

ص: 367

وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: وفَرْضٌ على كل مأموم أن لا يرفع، ولا يركع، ولا يسجد، ولا يكبر، ولا يقوم، ولا يسلم قبل إمامه، ولا مع إمامه، فإن فعل عامدًا بطلت صلاته، لكن بعد تمام كل ذلك من إمامه، فإن فعل ذلك ساهيًا، فليرجع ولابد، حتى يكون ذلك كله منه بعد كل ذلك من إمامه، وعليه سجود السهو.

ثم قال: وبه قال السلف، روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: إن الذي يرفع رأسه قبل الإمام، ويخفض قبله، فإن ناصيته بيد شيطان. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما يُؤَمّن الرجلَ إذا رفع رأسه قبل الإمام أن تعود رأسه رأس كلب. وعنه: لا تبادروا أئمتكم بالسجود، فإن سبقكم من ذلك شيء، فليضع أحدكم رأسه كقدر ما سُبِق. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مثل هذا حرفًا حرفًا.

قال أبو محمد: لا وعيد أشد من المسخ في صورة كلب أو حمار، ولا عقوبة أعظم من إسلام ناصية المرء إلى يد الشيطان. والمعصية المحرمة المبعدة من الله تعالى لا تنوب عن الطاعة المفترضة المقربة منه عز وجل. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى باختصار وتصرف

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن عمر رضي الله عنهما،

(1)

راجع "المحلى" جـ 4 ص 61 - 62.

ص: 368

ونُقِل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى من بطلان صلاة من سابق إمامه، وعزاه ابن حزم إلى السلف هو الراجح عندي، لما ذكر من الأدلة. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

829 -

أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامُوا قِيَامًا، حَتَّى يَرَوْهُ سَاجِدًا، ثُمَّ سَجَدُوا.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(يعقوب بن إِبراهيم) الدَّوْرَقِي، أبو يوسف البغدادي، ثقة، مات سنة 252، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 21/ 22.

2 -

(ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، ثقة حافظ، مات سنة 193، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 18/ 19.

ص: 369

3 -

(شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 26.

4 -

(أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السَّبِيعي الكوفي، مكثر، ثقة عابد، اختلط بآخره، مات سنة 127، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 38/ 42.

5 -

(عبد الله بن يزيد) بن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث ابن خَطْمة

(1)

، واسمه عبد الله بن جُشَم بن مالك بن الأوس الأنصاري أبو موسى الخَطْمي، شهد الحديبية، وهو صغير

(2)

، وشهد الجمل، وصفين مع علي، وكان أميرًا على الكوفة، رَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي أيوب، وأبي مسعود، وقيس بن سعد بن عبادة، وحذيفة، وزيد ابن ثابت، والبراء بن عازب، وغيرهم، وعن كتاب عمر بن الخطاب. وعثه ابنه موسى، وابن ابنته عدي بن ثابت الأنصاري، ومحارب بن دثار، والشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن سيرين، وأبو جعفر الفراء، وغيرهم.

قال الآجري: قلت لأبي داود: عبد الله بن يزيد له صحبة؟ قال: يقولون: له رؤية، سمعت ابن معين يقول هذا، قال أبو داود:

(1)

وإنما سمي خَطْمة، لأنه ضرب رجلاً على خَطْمِه. اهـ، تك جـ 16 ص 302.

(2)

وفي "تك"، و"الخلاصة": وهو ابن سبع عشرة سنة، وكذا في "الاستيعاب".

ص: 370

سمعت مصعبًا الزبيري يقول: ليست له صحبة. وقالى أبو حاتم: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صغيرًا في عهده، فإن صحت روايته، فذاك.

قال الحافظ كذا في الأصل

(1)

: "إن صحت روايته"، وفيما وقفت عليه من كتاب ابن أبي حاتم:"فإن صحت رؤيته"، فيحرر هذا. وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري، ولم يرقم المزي على ذلك سهوًا، وإلا قد ذكره هو في الأطراف. وقال ابن حبان في كتاب الصحابة: كان أميرًا على الكوفة أيام ابن الزبير، وكان الشعبي كاتبه.

وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله. لعبد الله بن يزيد صحبة؟ فقال: أما صحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم

، قال: وما أرى ذاك بشيء. وقال ابن البرقي: ذكر عبد الله بن عبد الحكم، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عدي ابن ثابت، أن عبد الله بن يزيد كان أميرًا على الكوفة زمن ابن الزبير. وذكر أنه شهد بيعة الرضوان، وما بعدها، وهو رسول القوم يوم جسر أبي عبيد. وقال البرقاني: قلت للدارقطني: موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري؟ فقال: ثقة، وأبوه وجده صحابيان. أخرج له

(1)

يعني بالأصل: "تهذيب الكمال".

ص: 371

الجماعة

(1)

. وقال البغوي: سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، ومات في زمن ابن الزبير

(2)

.

6 -

(البراء) بن عازب رضي الله عنهما، تقدم في 86/ 105. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

(منها) أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بدون واسطة، وقد تقدموا غير مرة، وهو بغدادي، وابن علية وشعمة بصريان، والباقون كوفيون، وأن فيه رواية صحابي عن صحابي، إن ثبتت صحبة عبد الله بن يزيد، وهو الأصح، ورواية تابعي عن تابعي، إن لم تثبت.

وقال في "الفتح": وفيه لطيفة، وهي رواية صحابي ابن صحابي عن صحابي ابن صحابي، كلاهما من الأنصار، ثم عن الأوس، وكلاهما سكن الكوفة. انتهى

(3)

.

وفيه من صيغ الأداء: الإخبارُ، والتحديثُ، والإنباء، والعنعنة، والسماع. والله تعالى أعلم.

(1)

"تت" جـ 6 ص 78 - 79.

(2)

الإصابة جـ 6 ص 244 - 245.

(3)

فتح جـ 2 ص 409.

ص: 372

شرح الحديث

(عن أبي إِسحاق) السبيعي، أنه (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) قال في "الفتح": وأبو إسحاق معروف بالرواية عن البراء بن عازب، لكنه سمع هذا عنه بواسطة. اهـ.

(يخطب) جملة فعلية في محل نصب على الحال، أي حال كونه خطيباً. وقد تقدم في ترجمته أنه كان أميرًا على الكوفة أيام ابن الزبير.

وقد روى الطبراني في مسند عبد الله بن يزيد هذا ما يبين سبب تحديثه بهذا الحديث، فأخرج من طريقه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم. أفاده الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

.

(قال) أي عبد الله بن يزيد (حدثنا البراء) بن عازب رضي الله عنهما (وكان غير كذوب) أي كان البراء رضي الله عنه غير كذوب، فالقائل: وكان

إلخ هو عبد الله بن يزيد، واسم "كان" يرجع للبراء، فرواية المصنف واضحة في هذا المعنى، وأما جعل القائل أبا إسحاق، والضمير لعبد الله بن يزيد فبعيد، وإن قيل به، كما يأتي قريبًا.

(1)

فتح جـ 2 ص 410. ونحوه في عمدة القاري جـ 5 ص 221.

ص: 373

وقال السندي رحمه الله في شرحه: قوله: "وكان" أي البراء، غير كذوب، أي حتى يُتوهم منه أنه كذب في تبليغ الأحكام الشرعية، وفيه أن الكذب في الأحكام لا يتأتى عادة إلا من كذوب، يبالغ في الكذب، والمقصود التوثق بما حدث. انتهى

(1)

.

ووقع عند البخاري: "وهو غير كذوب". فقال في "الفتح": الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يزيد، وعلى ذلك جرى الحميدي في "جمعه"، وصاحب "العمدة". لكن روى عباس الدوري في "تاريخه" عن يحيى بن معين، أنه قال: قوله: "وهو غير كذوب" إنما يريد عبد الله ابن يزيد الراوي عن البراء، لا البراء، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كذوب. يعني أن هذه العبارة إنما تحسن في مشكوك في عدالته، والصحابة كلهم عدول، لا يحتاجون إلى تزكية.

وقد تعقبه الخطابي، فقال: هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي، وإنما يوجب حقيقة الصدق له، قال: وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العِلْم بالراوي، والعمل بما روى. كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: حدثني الصادق المصدوق.

وقال عياض وتبعه النووي: لا وَصْمَ في هذا على الصحابة؛ لأنه لم يرد به التعديل، وإنما أراد به تقوية الحديث، إذْ حدث به البراء،

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 96.

ص: 374

وهو غير متهم، ومثل هذا قول أبي مسلم الخَوْلانيّ: حدثني الحبيب الأمين. وقد قال ابن مسعود وأبو هريرة رضي الله عنهما، فذكرهما. قال: وهذا قالوه تنبيهًا على صحة الحديث، لا أن قائله قصد له تعديل راويه. وأيضًا فتنزيه ابن معين للبراء عن التعديل لأجل صحبته، ولم ينزه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له، فإن عبد الله بن يزيد معدود في الصحابة. انتهى كلامه.

قال الحافظ: وقد علمت أنه أخذ كلام الخطابي، فبسطه، واستدرك عليه الإلزام الأخير، وليس بوارد؛ لأن يحيى بن معين لا يثبت صحبة عبد الله بن يزيد، وقد نفاها أيضًا مصعب الزبيري، وتوقف فيها أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو داود، وأثبتها ابن البرقي، والدارقطني، وآخرون.

وقال النووي معني الكلام: حدثني البراء، وهو غير متهم، كما علمتم، قثقوا بما أُخْبِركم به عنه.

وقد اعترض بعض المتأخرين عن التنظير المذكور، فقال: كأنه لم يُلِمَّ بشيء من علم البيان، للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوق، وفلان غير كذوب؛ لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدها عنه، فهما مفترقان. قال: والسر فيه أن نفي الضدّ كأنه يقع جوابًا لمن أثبته، يخالف إثبات الصفة. انتهى.

قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى

ص: 375

المراد باللفظين، لأن كلا منهما يرد عليه أنه تزكية في حق مقطوع بتزكيته، فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد بكل منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع.

وذكر ابن دقيق العيد أن بعضهم استدل على أنه كلام عبد الله بن يزيد بقول أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد، وهو يخطب، يقول: حدثنا البراء، وكان غير كذوب. قال: وهو محتمل أيضًا.

قال الحافظ: لكنه أبعد من الأول. وقد وجدت الحديث من غير طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، وفيه قوله أيضًا: حدثنا البراء، وهو غير كذوب. أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق مُحارب بن دِثَار، قال: سمعت عبد الله بن يزيد على المنبر، يقول

فذكره. وأصله في مسلم، لكن ليس فيه قوله: وكان غير كذوب. وهذا يقوي أن الكلام لعبد الله بن يزيد. والله أعلم. انتهى ما في الفتح

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذكر أن الراجح كون قائل: "وهو غير كذوب" عبد الله بن يزيد، وأنه لم يرد به التزكية، وإنما أراد تقوية حديثه، وأن صيغة "فَعول" ليست هنا للمبالغة، بقرينة المقام، وإنما هي لإفادة أصل الفعل، وهو الحَدَثُ، فكذوب بمعنى كاذب،

(1)

جـ 2 ص 410.

ص: 376

فتبصر. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(أنهم) أي الصحابة رضي الله عنهم (كانوا إِذا صَلَّوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي جماعة (فرفع رأسه من الركوع قاموا قيامًا) وفي رواية البخاري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قال:"سمع الله لمن حمده" لم يَحْنِ منا ظهره

ولمسلم: فإذا رفع رأسه من الركوع، فقال:"سمع الله لمن حمده" لم نزل قيامًا

(حتى يروه ساجدًا) غاية لقيامهم، أي ينتظرونه قائمين إلى أن يروه ساجدًا (ثم) إذا رأوه ساجدًا (سجدوا) وفي "الكبرى":"ثم يسجدون". وللبخاري من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق:"حتى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا، ثم نقع سُجودًا". وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق:"حتى يضع جبهته على الأرض".

وقال السندي رحمه الله عند قوله: "ثم سجدوا": أي فحق المقتدي أن يتأخر عن إمامه في الأفعال، لا أن يقارنه، وأيضًا المقارنة قد تؤدي إلى أن يتقدم المقتدي على الإمام، وذلك بالاتفاق منهي عنه. انتهى

(1)

.

وقال في "الفتح": واستدل به ابن الجوزي على أن المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الإمام. وتعقب بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه بحيث يشرع المأموم بعد شروعه، وقبل الفراغ منه.

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 96.

ص: 377

ووقع في حديث عمرو بن حريث رضي الله عنه عند مسلم: "فكان لا يحني أحد منا ظهره، حتى يستتم ساجدًا". ولأبي يعلى من حديث أنس رضي الله عنه: "حتى يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من السجود". وهو أوضح في انتفاء المقارنة.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث الباب صريح في أنه ينبغي للمأموم أن يشرع في أيّ جزء من أجزاء الصلاة بعد تأكده من تلبس إمامه بذلك الجزء، فيشاركه في أدائه مع تأخره عنه قليلا في الابتداء، ولا ينبغي له أن يقارنه في الشروع فيه، كما يفعله المقلدون لبعض الآراء المخالفة للسنة، فضلاً عن أن يسابقه، كما يفعله الجهال الذين نواصيهم بيد الشيطان، ولا أن يتأخر عنه حتى يكمله، فينتقل إلى جزء آخر، كما يرشد إليه قول ابن الجوزي رحمه الله تعالى. فتبصر. والله تعالى أعلم.

قال: واستدل به على طول الطمأنينة، وفيه نظر، وعلى جواز النظر إلى الإمام لاتباعه في انتقالاته. انتهى

(1)

. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

(1)

فتح جـ 2 ص 411.

ص: 378

حديث البراء رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 38/ 829، وفي "الكبرى" 903 بالإسناد المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة"، عن حجاج بن منهال، عن شعبة -وعن مسدد، عن يحيى القطان، عن الثوري- وعن أبي نعيم، عن الثوري- وعن آدم، عن إسرائيل، كلهم عن أبي إسحاق، به.

ومسلم فيه عن أبي بكر بن خلاد، عن يحيى القطان، وعن أحمد ابن يونس، ويحيى بن يحيى، كلاهما عن زهير بن معاوية، كلاهما عن أبي إسحاق، به. وعن محمد بن عبد الرحمن بن سهم، عن إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن يزيد به. وعن زهير بن حرب، وابن نمير، كلاهما عن سفيان، عن أبان بن تغلب، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء رضي الله عنه.

وأبو داود فيه، عن حفص بن عمر، عن شعبة، به. وعن الربيع ابن نافع، عن أبي إسحاق الشيباني، به. وعن زهير بن حرب، وهارون ابن معروف، كلاهما عن سفيان، عن أبان، به.

والترمذي فيه عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي،

ص: 379

عن سيفان الثوري، به.

وأخرجه أحمد جـ 4 ص 284، 285، 300، 304. والحميدي رقم (725).

قال الجامع عفا الله عنه: فوائد هذا الحديث تُعلَم مما قبله، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

830 -

أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى، فَلَمَّا كَانَ فِي الْقَعْدَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بِالْبِرِّ، وَالزَّكَاةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَبُو مُوسَى، أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، قَالَ: يَا حِطَّانُ لَعَلَّكَ قُلْتَهَا، قَالَ: لَا، وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُنَا صَلَاتَنَا، وَسُنَّتَنَا، فَقَالَ: "إِنَّمَا الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ، وَإِذَا رَكَعَ،

ص: 380

فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِذَا سَجَدَ، فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَتِلْكَ بِتِلْكَ".

رجال هذا الإسناد: سبعة

1 -

(مؤمل بن هشام) اليشكري، أبو هشام البصري، ثقة، مات سنة 253، من [10]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي. تقدم في 24/ 26.

2 -

(اسماعيل بن علية) تقدم في السند الماضي.

3 -

(سعيد) بن أبي عروبة/ مِهْران، أبو النضر البصري، ثقة حافظ مدلس، اختلط بآخره، مات سنة 156، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 34/ 38.

4 -

(قتادة) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مدلس، مات سنة 117، من كبار [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 30/ 34.

5 -

(يونس بن جُبير) الباهلي، أبو غَلاب

(1)

البصري، ثقة،

(1)

بغين معجمة، وتشديد لام، وبموحدة.

ص: 381

من [3].

قال ابن سعد: أوصى أن يصلي عليه أنس بن مالك لما مات، وكان ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن علية، عن أيوب، عن محمد: لقيت أبا غلاَّب، يونسَ بنَ جبير، وكان ذا ثبت، فحدثني. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال البخاري: مات بعد التسعين. أخرج له الجماعة

(1)

.

6 -

(حِطَّان

(2)

بن عبد الله) الرَّقَاشي

(3)

البصري، تقة، من [2].

قال ابن المديني: ثبت. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": مات في ولاية بشر بن مروان على العراق. وقال أبو عمرو الداني: كان مقرئًا، قرأ عليه الحسن البصري. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. أخرج له الجماعة، إلا البخاري

(4)

.

7 -

(أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي رضي الله عنه، تقدم في 3/ 3. والله تعالى أعلم.

(1)

"ت" ص 390. "تت" جـ 11 ص 436.

(2)

"حطان" بكسر الحاء المهملة، وتشديد الطاء المهملة. اهـ "ت".

(3)

بفتح الراء، وتخفيف القاف، آخره شين معجمة: نسبة إلى رقاش بنت قيس بن ثعلبة. اهـ، لب اللباب جـ 1 ص 356.

(4)

"ت" ص 77. "تت" جـ 2 ص 396.

ص: 382

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، والبخاري، وأبو دَاود، وحطان بن عبد الله، فما أخرج له البخاري.

ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.

ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي لعضهم عن بعض؛ قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن حطان بن عبد الله) أنه (قال: صلى بنا أبو موسى) الأشعري رضي الله عنه، ولمسلم:"صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة"

(فلما كان في القعدة)، ولمسلم "عند القعدة" اسم "كان" ضمير أبي موسى (دخل رجل من القوم) أي في الصلاة، وظاهره أنه كان مسبوقًا، فلحقهم، وهم في القعدة. وعند أبي داود. "فلما جلس في آخر صلاته، قال رجل عن القوم: أقرت الصلاة

(فقال: أقرت الصلاة بالبر والزكاة)، ببناء الفعل للمفعول، قال النووي رحمه الله. قالوا: معناه: قُرِنَتْ بهما، وأقرت معهما، وصار الجميع مأمورًا به. انتهى.

(1)

(1)

شرح مسلم جـ 4 ص 119.

ص: 383

وقال العلامة ابن الأثير في "النهاية": "أُقِرت الصلاة بالبر، والزكاة": ورُوِيَ "قَرَّتْ": أي استقرت معها، وقرنت بهما، يعني أن الصلاة مقرونة بالبر، وهو الصدق، وجِمَاع الخير، ومقرونة بالزكاة في القرآن، مذكورة معها. انتهى

(1)

.

وقال في "المنهل": والبر -بالكسر-: الخير، والزكاة: التطهير. والمراد أن الصلاة توجب لصاحبها الخير، والطهارة من الذنوب. ويحتمل أن يكون "أقرت" بمعنى أثبتت، من الإقرار، أي أثبتت الصلاة مصاحبة للخير، والطهارة من الذنوب. انتهى

(2)

.

(فلما سلم أبو موسى) رضي الله عنه (أقبل على القوم، فقال: أيكم القائل هذه الكلمة؟) ولمسلم: "فلما قضى أبو موسى الصلاة، وسلم، انصرف، فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ ".

وأشار بهذه الكلمة إلى قوله: "أقرت الصلاة بالبر، والزكاة"، وأطلق عليها الكلمة، مع كونها جملة، والجملة إنما يطلق عليها الكلام مجازاً، كما في قوله تعالى:{كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} الآية [المؤمنون: 100]. إشارة إلى قوله: {رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99]. قال ابن مالك رحمه الله في خلاصته:

..............

وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ

(1)

النهاية جـ 4 ص 37.

(2)

"المنهل العذب المورود" جـ 6 ص 80.

ص: 384

(فأرمّ القوم) أي سكتوا ولم يجيبوا، يقال: أرَمَّ، فهو مُرِمّ. ويُرْوى:"فأزَمَ" بالزاي، وتخفيف الميم، وهو بمعناه؛ لأن الأزْمَ. الإمساك عن الطعام والكلام. قاله في "النهاية"

(1)

.

(قال) أبو موسى (يا حطان لعلك قلتها) ولعل ألا موسى خص حطانًا بهذا الخطاب، إدلالاً عليه؛ حيث كان يلازمه، ولذا قال حطان: وقد خشيت أن تبكعني بها؛ حيث إنه توقع لما قال ذلك الرجل ما لا ينبغي أن يقال في الصلاة، أن أبا موسى سيواجه الناس بالتوبيخ، والإنكار عليهم في ذلك، وأنه سيبدأ بمن هو أقرب إليه، وألزم له، تنبيهًا لغيره، ممن جهل الحكم، وسترًا عليه، لئلا يخجل. والله تعالى أعلم.

(قال) وفي "الكبرى": "قلت" بتاء المتكلم، وهو الظاهر (لا) أي لم أقلها (وقد خشيت) ولمسلم، وأبي داود:"ولقد رَهِبت"، أي خِفْت (أن تبكعني بها) بفتح المثناة في أوله، وإسكان الموحدة بعدها، أي تُبَكِّتَني بها، وتوبخني. قاله النووي. وقال ابن منظور: وبكّعه تبكيعًا، وبَكَعَه بَكْعًا: استقبله بما يكره، وبَكَّته. انتهى

(2)

. وفي "الكبرى": "أن تبلعني لها" باللام بدل الكاف، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم.

(1)

جـ 2 ص 267.

(2)

لسان جـ 2 ص 335.

ص: 385

زاد مسلم من طريق أبي عوانة: "فقال رجل من القوم: أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير"، ونحوه لأبي داود من طريق هشام الدستوائي.

(فقال) أبو موسى (إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمنا صلاتنا) أي كيفيتها (وسنتنا) أي ما يليق بنا من السنة، وما ينبغي لنا من الطريق.

وفي رواية مسلم، وأبي داود: فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال:"إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم".

قال النووي رحمه الله: فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات، ولا خلاف في ذلك، ولكن اختلفوا في أنه أمر ندب، أم أمر إيجاب، على أربعة مذاهب، فالراجح في مذهبنا، وهو نص الشافعي رحمه الله تعالى، وقول أكثر أصحابنا أنها فرض كفاية، إذا فعله من يحصل به إظهار هذا الشعار، سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم، وقالت طائفة من أصحابنا: هي سنة، وقال ابن خزيمة من أصحابنا: هي فرض عين، لكن ليست بشرط، فمن تركها وصلى منفردًا بلا عذر أثم، وصحت صلاته. وقال بعض أهل الظاهر: هي شرط لصحة الصلاة، وقال بكل قول من الثلاثة المتقدمة طوائف من العلماء

(1)

.

(1)

شرح النووي على صحيح مسلم جـ 4 ص 120.

ص: 386

قال الجامع عفا الله عنه: الراجح ما ذهب إليه ابن خزيمة رحمه الله تعالى، وستأتي المسألة مفصلة بأدلتها في بابها 48/ 847 - 49/ 848. إن شاء الله تعالى.

(إِنما الإِمام ليؤتم به) أي إنما جعل الإمام ليُقتدى به في أفعال الصلاة، فلا تجوز مخالفته بالتقدم عليه مطلقًا، ولا بالتأخر عنه (فإِذا كبر، فكبروا) قال النووي رحمه الله: فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام، ويتضمن مسألتين:

إِحداهما: أنه لا يكبر قبله، ولا معه، بل بعده، فلو شرع المأموم في تكبيرة الإحرام ناويًا الاقتداء بالإمام، وقد بقي للإمام منها حرف، لم يصح إحرام المأموم بلا خلاف، لأنه نوى الاقتداء بمن لم يصر إمامًا، بل بمن سيصير إمامًا إذا فرغ من التكبير.

والثانية: أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقب تكبيرة الإمام، ولا يتأخر، فلو تأخر جاز، وفاته كمال فضيلة تعجيل التكبير. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى

(1)

.

(وإِذا قال {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فقولوا: آمين) قال النووي رحمه الله: فيه دلالة ظاهرة لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام لا بعده، فإذا

(1)

المصدر المذكور.

ص: 387

قال الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} قال الإمام والمأموم معًا: آمين، وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أمّن فأمنوا"، قالوا: معناه إذا أراد التأمين، ليجمع بينه، وبين هذا الحديث، وهو يريد التأمين في آخر قوله:{وَلَا الضَّالِّينَ} ، فيعقب إرادته تأمينه، وتأمينكم معًا. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع حسن جِدًّا. والله تعالى أعلم.

وفي "آمين" لغتان. المد، والقصر، والمد أفصح، والميم خفيفة فيهما، ومعناه. استجب. وسيأتي تمام الكلام في التأمين، وما يتعلق به في بابه 33، 34، 35 إن شاء الله تعالى.

(يجبكم الله) بالجيم، من الإجابة، وهو مجزوم بالطلب قبله، كما قال في "الخلاصة":

وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ

إِنْ تَسْقًطِ الفَا وَالْجَزَاءً قَدْ قُصِدْ

أي يستجب الله دعاءكم، وهذا فيه حث عظيم على التأمين، فيتأكد الاهتمام له.

(وإِذا ركع فاركعوا) زاد في الرواية الآتية: 101/ 1172 و44/ 1280: "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم" قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "فتلك بتلك"(وإذا رفع، فقال: سمع الله لمن حمده) أي أجاب دعاء من حمده (فقولوا: وبنا لك الحمد)، وفي 23/ 1064:"اللهم ربنا، ولك الحمد" بزيادة الواو، ولفظ "اللهم"، وفي 44/ 1280: "اللهم

ص: 388

ربنا لك الحمد" بلا واو.

قال النووي رحمه الله: قوله: "ربنا لك الحمد" هكذا هو هنا بلا واو، وفي غير هذا الموضع:"ربنا ولك الحمد". وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها، وكلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز، وأن الأمرين جائزان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر. ونقل القاضي عياض رضي الله عنه اختلافًا عن مالك رحمه الله تعالى، وغيره في الأرجح منهما.

وعلى إثبات الواو يكون قوله: "ربنا" متعلقًا بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا، فاستجب حمدنا، ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك. انتهى.

(يسمع الله لكم) بالجزم جوابًا للأمر. أي يستجب الله دعاءكم. زاد في 101/ 1172: "فإن الله عز وجل قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده".

قال النووي رحمه الله: فيه دلالة لما قاله أصحالنا، وغيرهم أنه يستحب للإمام الجهر بقوله: سمع الله لمن حمده، وحينئذ يسمعونه، فيقولون. وفيه دلالة لمذهب من يقول: لا يزيد المأموم على قوله: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده. ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام، والمأموم، والمنفرد، لأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم جمع بينهما، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم، قال:"صلوا كما رأيتموني أصلي". انتهى.

ص: 389

قال الجامع عفا الله عنه: المذهب الأول، وهو عدم مشروعية التسميع للمأموم هو الراجح، لكون حديث الباب صريحًا فيه، وأما حديث:"صلوا كما رأيتموني أصلي" فعام خص منه عدم متابعته في الجهر بالقراءة إجماعًا، فليخص أيضًا هذا لهذا الحديث الصريح الخاص. وسيأتي تمام الكلام على هذا في موضعه 1061، 1062، 1064 إن شاء الله تعالى.

(وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا رفع فارفعوا، فإِن الإِمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم) وفي الرواية 101/ 1172: "ثم إذا كبر الإمام وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم".

والمعنى: اجعلوا تكبيركم للسجود وسجودكم، بعد تكبيره وسجوده، وكذلك رفعكم من السجود يكون بعد رفعه.

(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فتلك بتلك") أي أن اللحظة التي سبقكم بها الإمام في تقدمه إلى السجود، تقابل لكم بتأخركم في السجود بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار سجودكم كقدر سجوده. أفاده النووي رحمه الله تعالى

(1)

.

وزاد في الروايات الآتية بالأرقام المذكورة: "فإذا كان عند القعدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات، الصلوات لله،

(1)

شرح صحيح مسلم جـ 4 ص 121.

ص: 390

سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، سمع كلمات، وهي تحية الصلاة.

وسيأتي شرح هذه الزيادة في محلها، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 38/ 830، وفي "الكبرى" 38/ 904، عن مؤمل بن هشام، عن إسماعيل بن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عنه. وفي 23/ 1064، عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن سعيد، به. وفي 101/ 1172، عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، به، وفي 44/ 1280 عن محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن يحيى بن سعيد، به. وفي 102/ 1173 عن أبي الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، به، بقصة التشهد، فقط.

ص: 391

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم فيه عن سعيد بن منصور، وقتيبة، وأبي كامل، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أربعتهم عن أبي عوانة، عن قتادة، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن ابن أبي عروبة، به. وعن أبي غسان/ مالك بن عبد الواحد، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن سليمان التيمي، به. وعن إسحاق، وابن أبي عمر، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، به.

وأبو داود فيه عن عمرو بن عون، عن أبي عوانة، به. وعن أحمد ابن حنبل، عن يحيي بن سعيد، عن هشام، به. وعن عاصم بن النضر، عن المعتمر، عن أبيه، به نحوه.

وابن ماجه فيه عن يوسف بن موسى، عن جرير به، ببعضه "وإذا قرأ، فأنصتوا". وعن جميل بن الحسن، عن عبد الأعلى، عن سعيد، به بقصة التشهد. وعن عبد الرحمن بن رسته، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، وهشام به، بهذه القصة.

وأخرجه أحمد جـ 4 ص 393، 394، 401، 405، 409، 415. والدارمي رقم (1318) و (1365). وابن خزيمة رقم (1584)، و (1593).

ص: 392

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو عدم جواز مبادرة الإمام، وموضع الاستدلال قوله:"فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم"، فإنه صريح في عدم جواز التقدم عليه، وكذا المقارنة.

ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الاهتمام في التبليغ، وتعليم الأمة أحكام الدين.

ومنها: أن الإمام هو القدوة للمأموم، فلا يجوز له أن يسابقه في أفعال الصلاة، ولا أن يقارنه.

ومنها: الترغيب في قول: "آمين" عند فراغ الإمام من قراءة الفاتحة، وأن الله تعالى يجيب الدعاء بذلك.

ومنها: أن الله تعالى يسمع حمد من حمده، ويثيبه عليه.

ومنها: أن الإمام يسجد، ويرفع قبل المأموم، ومثله في الركوع.

ومنها: أن كل لحظة من اللحظات التي تفوت المأموم بتأخره عن الإمام تقابل باللحظة التي تليها. والله سبحانه وتعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 393

‌39 - خُرُوجِ الرَّجُلِ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَفَرَاغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز خروج المأموم من صلاة إمامه، إذا أصابته مشقة عن تطويل الإمام الصلاة، أو نحو ذلك، وإكماله صلاته في جانب من جوانب المسجد. ووقع في بعض النسخ:"خروج المأموم" بدل "الرجل".

839 -

أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى خَلْفَ مُعَاذٍ، فَطَوَّلَ بِهِمْ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَصَلَّى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَمَّا قَضَى مُعَاذٌ الصَّلَاةَ، قِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ مُعَاذٌ: لَئِنْ أَصْبَحْتُ لأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَى مُعَاذٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى

ص: 394

الَّذِي صَنَعْتَ؟، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَمِلْتُ عَلَى نَاضِحِي مِنَ النَّهَارِ، فَجِئْتُ، وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا، فَطَوَّلَ، فَانْصَرَفْتُ، فَصَلَّيْتُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ".

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(واصل بن عبد الأعلى) بن هلال الأسدي، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الكوفي، ثقة من [10].

قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ومحمد بن عبد الله الحضرمي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مُطَيَّن، والسرّاج: مات سنة 244. روى عنه الجماعة إلا البخاري

(1)

.

2 -

(ابن فضيل) هو محمد بن فضيل بن غَزْوَان الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، رمي بالتشيع، مات سنة 195، من 91، أخرج له الجماعة، تقدم في 18/ 799.

(1)

"ت" ص 368. "تت" جـ 11 ص 104.

ص: 395

3 -

(الأعمش) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الأسدي الكاهلي، مولاهم الكوفي، ثقة، حافظ، ورع يدلس، مات سنة 147، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 17/ 18.

4 -

(مُحارب بن دِثَار) السَّدُوسِيُّ الكوفي القاضي، ثقة إمام زاهد، مات سنة 116، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 16/ 652.

5 -

(أبو صالح) ذكوان السمان المدني، ثقة ثبت، مات سنة 101، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 36/ 40.

6 -

(جابر) بن عبد الله الأنصاري السَّلَمِيُّ رضي الله عنهما، تقدم في 31/ 35. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما روى عنه البخارى.

ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، إلا الصحابي، فمدني، وأبو صالح وإن كان مدنيًا، إلا أنه كان يسكن الكوفة.

ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيين، وهما يرويان عن صحابي ابن صحابي.

ص: 396

ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى 1570 حديثًا.

ومنها: أنه يقدر قبل قوله: "وأبي صالح" لفظ "كلاهما"، أي كلا محارب، وأبي صالح يرويان عن جابر رضي الله عنه، وقد تقدمت القاعدة غير مرة.

ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن محاوب بن دثار، وأبي صالح) ذكوان السمان الزيات.

قال الحافظ رحمه الله: اعلم أن هذا الحديث رواه عن جابر عمرُو ابن دينار، ومحاربُ بن دثار، وأبو الزبير، وعبيدُ الله بن مِقْسَم، فرواية عمرو بن دينار عند البخاري في "الصلاة" عن شعبة، وفي "الأدب" عن سَلِيم بن حَيَّان وعند مسلم عن ابن عيينة، ثلاتتهم عنه، ورواية محارب بن دثار عند البخاري في "الصلاة"، وهي عند النسائي مقرونة بأبي صالح، ورواية أبي الزبير عند مسلم، ورواية عبيد الله عند ابن خزيمة، وله طرق أخرى غير هذه، سأذكر ما يُحتاج إليه منها مَعْزُوًا، وإنما قدمت ذكر هذه لتسهل الحوالة عليها. انتهى

(1)

.

(1)

فتح جـ 2 ص 425.

ص: 397

(عن جابر) بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه (قال: جاء رجل من الأنصار) قال الحافظ رحمه الله: لم يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسمية هذا الرجل، لكن روى أبو داود الطيالسي في "مسنده"، والبزار من طريقه، عن طالب بن حبيب، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: مرّ حَزم بن أبي بن كعب بمعاذ بن جبل، وهو يصلي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة، ومع حزم ناضح له

الحديث.

قال البزار: لا نعلم أحدًا سماه عن جابر إلا ابن جابر. انتهى. وقد رواه أبو داود في "السنن" من وجه آخر عن طالب، فجعله عن ابن جابر، عن حزم صاحب القصة، وابن جابر لم يدرك حزمًا. ورواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، فسماه حازمًا، وكأنه صحفه. أخرجه ابن شاهين من طريقه. ورواه أحمد، والنسائي، وأيو يعلى، وابن السكن بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن صهب، عن أنس، قال: كان معاذ يؤم قومه، فدخل حرام، وهو يريد أن يسقي نخله

الحديث. كذا فيه براء بعدها ألف، وظن بعضهم أنه حرام بن ملحان، خال أنس، وبذلك جزم الخطيب في "المبهمات"، لكن لم أره منسوبًا في الرواية، ويحتمل أن يكون تصحيفًا من حزم، فتجتمع هذه الروايات، وإلى ذلك يومىء صنيع ابن عبد البر، فإنه ذكر في الصحابة حرام بن أبي كعب، وذكر له هذه القصة، وعزا تسميته

ص: 398

لرواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنه بنى على أن اسمه تصحف، والأب واحد، سماه جابر، ولم يسمه أنس.

وجاء في تسميته قول آخر أخرجه أحمد أيضًا من رواية معاذ بن رفاعة، عن رجل من نبي سَلِمَة، يقال له: سليم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال. يا نبي الله، إنا نظل في أعمالنا، فنأتي حين نمسي، فنصلي، فيأتي معاذ بن جبل، فينادي بالصلاة، فنأتيه، فيطول بنا

الحديث. وفيه أنه استشهد لأحد، وهذا مرسل؛ لأن معاذ بن رفاعة لم يدركه. ورواه البزار من وجه آخر عن جابر، وسماه سليمًا أيضا، لكن وقع عند ابن حزم من هذا الوجه أن اسمه سَلْم -بفتح أوله، وسكون اللام- وكأنه تصحيف. والله أعلم.

وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف لأنهما واقعتان، وأيد ذلك بالاختلاف في الصلاة، هل هي العشاء، أو المغرب، وبالاختلاف في السورة، هل هي "البقرة"، أو "اقتربت"، وبا لاختلاف في عذر الرجل، هل هو لأجل التطويل فقط، لكونه جاء من العمل، وهو تعبان، أو لكونه أراد أن يسقي نخله، إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل، كما في حديث بريدة.

واستشكل هذا الجمع؛ لأنه لا يظن بمعاذ أنه صلى الله عليه وسلم يأمره بالتخفيف، ثم يعود إلى التطويل، ويجاب عن ذلك باحتمال أن يكون قرأ أوّلاً

ص: 399

"البقرة"، فلما نهاه قرأ "اقتربت"، وهي طويلة بالنسبة إلى السورة التي أمره أن يقرأ لها، كما سيأتي، ويحتمل أن يكون النهي أوّلاً وقع لما يخشى من تنفير بعض يدخل في الإسلام، ثم لما اطمئنت نفوسهم بالإسلام ظن أن المانع زال، فقرأ باقتربت؛ لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فصادف صاحب الشغل.

وجمع النووي باحتمال أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، فانصرف رجل، ثم قرأ اقتربت في الثانية، فانصرف آخر، ووقع في رواية أبي الزبير عند مسلم:"فانطلق رجل منا"، وهذا يدل على أنه كان من بني سلِمَة، ويقوي رواية من سماه سليمًا. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح"

(1)

.

(وقد أقيمت الصلاة) اختلفت الروايات في تعيين تلك الصلاة، ومعظم الروايات أنها العشاء، ووقع من رواية محارب بن دثار الآتية 63/ 984 أنها المغرب، وظاهر صنيع المصنف يميل إلى الجمع بالحمل على تعدد القصة، فإنه بوب للقراءة في المغرب بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، فأورد الحديث من طريق سيفان، عن محارب. ثم بوب للقراءة في العشاء الاخرة بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، فأورد الحديث من طريق الأعمش، عن محارب.

(1)

فتح جـ 2 ص 426 - 427.

ص: 400

وقال في "الفتح" عند قوله: "فصلى العشاء": ما نصه: كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة، والطحاوي من طريق محارب بن دثار:"صلى بأصحابه المغرب"، وكذا لعبد الرزاق من رواية أبي الزبير: فإن حُمِلَ على تعدد القصة، كما سيأتي، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا تَمَّ، وإلا فما في الصحيح أصح. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي طريقة الجمع بالحمل على تعدد القصة، كما هو صنيع المصنف الآتي أولى من دعوى إلغاء الرواية الصحيحة. والله تعالى أعلم.

(فدخل) ذلك الرجل (المسجد) أي المسجد الذي يصلي فيه معاذ إمامًا (فصلى) أي دخل في الصلاة (خلف معاذ) رضي الله عنه (فطول بهم) أي طول القراءة، ففي الرواية الآتية 63/ 984 من طريق سفيان، عن محارب:"فافتتح بسورة البقرة". وقال في "الفتح": وفي رواية محارب عند البخاري: "فقرأ بسورة البقرة، أو النساء" على الشك. وللسرّاج من رواية مسعر، عن محارب:"فقرأ بالبقرة، والنساء". كذا رأيته بخط الزكي البرزالي بالواو، فإن كان ضبطه احتمل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، وفي الثانية بالنساء، ووقع عند أحمد من حديث بريدة بإسناد قويّ:"فقرأ اقتربت الساعة"، وهي

(1)

فتح جـ 2 ص 425.

ص: 401

شاذة، إلا إن حمل على التعدد. انتهى

(1)

.

(فانصرف الرجل) وفي رواية سَلِيم بن حيان عند البخاري: "فتجوز رجل، فصلى صلاة خفيفة"، ولابن عيينة عند مسلم:"فانحرف رجل، فسلم، فصلى وحده"، وهو ظاهر في أنه قطع الصلاة، لكن ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد عن ابن عيينة بقوله:"ثم سلم"، وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة، وكذا من أصحاب شيخه عمرو بن دينار، وكذا من أصحاب جابر، لم يذكروا السلام، وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع الصلاة، لأن السلام يتحلل به من الصلاة، وسائر الروايات تدل على أنه قطع القدوة فقط، ولم يخرج من الصلاة، بل استمر فيها منفرداً.

قال الرافعي في "شرح المسند" في الكلام على رواية الشافعي عن ابن عيينة في هذا الحديث: "فتنحى رجل من خلفه، فصلى وحده": هذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة، وتنحى عن موضع صلاته، واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه؛ لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه. انتهى.

ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفرداً. ونازع النووي فيه، فقال: لا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه أنه فارقه، وبنى على صلاته، بل في الرواية التي فيها أنه سلم دليل

(1)

فتح جـ 2 ص 425 - 426.

ص: 402

على أنه قطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر. انتهى "فتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النووي رحمه الله من كون الحديث يدل على جواز قطع الصلاة واستئنافها، لا على قطع الاقتداء، هو الظاهر، وهو الذي مال إليه المصنف رحمه الله، حيث عبر بقوله:"خروج الرجل من صلاة الإمام، وفراغه من صلاته في ناحية المسجد"، والرواية التي أوردها هنا واضحة في ذلك؛ إذ قوله:"فانصرف الرجل، فصلى في ناحية المسجد" صريح في كونه قطع الصلاة، واستأنفها، وأصرح منها رواية مسلم:"فانحرف رجل، فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف" لكن لا يبعد أن يقال: إذا جاز قطع الصلاة، فجواز قطع الاقتداء أولى، لأنه أخف. والله تعالى أعلم.

(فصلى في ناحية المسجد) أي في جانبه، قال الفيومي: الناحية: الجانب، فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنك نحوتها، أي قصدتها. اهـ

(2)

.

(ثم انطلق) أي ذهب لحاجته (فلما قضى معاذ الصلاة) أي أداها، وانتهى منها. يقال: قضيت وَطَري: بلغته، ونلته، وقضيت الحاجة كذلك، وقضيت الحج، والدَّيْنَ: أديته، قال الله تعالى:

(1)

فتح جـ 2 ص 427.

(2)

المصباح جـ 2 ص 596.

ص: 403

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} الآية [البقرة: 200]. أي أديتوها. قاله الفيومي (قيل له: إِن فلاناً فعل كذا وكذا) كناية عن انصرافه عن الصلاة معه، وصلاته منفردًا (فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرن ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم) اللام في "لئن" هي اللام الموطئة للقسم المقدر، وفي "لأذكرن" هي التي يتلقى بها جواب القسم، أي قال معاذ بن جبل رضي الله عنه لما علم بما صنعه ذلك الرجل: والله لئن أصبحت، أي دخلت في وقت الصباح لأذكرن صنيعه هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأشكونه إليه، ليزجره عنه.

وفي الرواية الآتية 71/ 998: "من رواية أبي الزبير عن جابر، فأخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق". ونحوه لمحي رواية سَليم بن حيان عند البخاري.

وفي رواية عمرو بن دينار الآتية 41/ 835: "فقالوا: نافقت يا فلان، دقال: والله ما نافقت، ولآتين النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره". قال في "الفتح": وكأن معاذاً قال ذلك أوّلا، ثم قال أصحاب معاذ للرجل. انتهى.

(فأتى معاذ النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له) وفي رواية عمرو المذكورة آنفًا أن الذي جاء فاشتكى من معاذ هو الرجل، لكن يجمع بين الروايتين بأن معاذاً سبقه بالشكوى، فلما أرسل إليه، جاء فاشتكى من معاذ.

ص: 404

(فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه) إلى ذلك الرجل (فقال) صلى الله عليه وسلم (ما حملك)"ما" استفهامية مبتدأ، خبرها الجملة بعدها، أي أيّ شيء حملك (على الذي) وفي نسخة على ما، بدل "الذي" متعلق بحمل (صنعت) بحذف العائد المنصوب، أي على الصنع الذي صنعته من الخروج من صلاة معاذ؟ (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله عملت على ناضحي من النهار) وفي رواية عمرو بن دينار الآتية 41/ 835:"فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله إن معاذًا يصلي معك، ثم يأتينا، فيؤمنا، وإنك أخرت الصلاة البارحة، فصلى معك، ثم رجع فأمنا، فاستفتح بـ"سورة البقرة"، فلما سمعت ذلك تأخرت، فصليت، وإنما نحن أصحاب نواضح، نعمل بأيدينا"

و"الناضح": الإبل التي يستقى عليها الماء، جمعه نواضح. يقال: نضَحَ البعيرُ الماءَ: حمله من نهر أو بئر لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة، بالهاء، سمي ناضحًا لأنه يَنضَح العَطَشَ، أي يَبُلُّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير، وإن لم يحمل الماء. قاله الفيومي رحمه الله

(1)

.

وأراد الرجل الاعتذار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب عمل شديد في النهار، ومن كان كذلك لا يستطيع تطويل الصلاة.

(فجئت، وقد أقيمت الصلاة) وتقدم اختلاف الروايات في كون

(1)

المصباح جـ 2 ص 609 - 610.

ص: 405

تلك الصلاة العشاء، أو المغرب، والجمع بالحمل على تعدد الواقعة (فدخلت المسجد، فدخلت معه) أي مع معاذ (في الصلاة، فقرأ سورة كذا وكذا) وتقدم اختلاف الروايات في كون السورة البقرة، أو النساء، أو اقتربت (فطول، فانصرفت، فصليت في ناحية المسجد) أي في جانبه (فقال وسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ" بالرفع، والتكرار ثلاثًا، وفي "الكبرى":"أفتاناً يا معاذ، أقتاناً يا معاذ " بالنصب، والتكرار مرتين. والهمزة للاستفهام الإنكاري، وإنما كرره للتأكيد.

و"فتان" صيغة مبالغة، ورفعه على أنه خبر لمحذوف، تقديره: أي "أنت فتان"، والنصب على أنه خبر لكان المقدرة، أي أتكون فتاناً.

وفي رواية أبي الزبير الآتية 71/ 998: "أتريد أن تكون فتاناً"، ولأحمد من حديث معاذ بن رفاعة المتقدم:"يا معاذ لا تكن فتانًا"، زاد في حديث أنس:"لا تطول بهم".

ومعنى الفتنة هنا، أن التطويل يكون سببًا لخروجهم من الصلاة، ولكراهتهم الصلاة في الجماعة. وروى البيهقي في "الشعب" بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه:"لا تُبَغِّضُوا الله إلى عباده، يكون أحدكم إمامًا فيطول على القوم الصلاة، حتى يُبَغِّض إليهم ما هم فيه".

ص: 406

وقال الداودي رحمه الله: يحتمل أن يريد بقوله: "فتان" أي معذب؛ لأنه عذبهم بالتطويل، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ} [البروج: 10] الآية. قيل: معناه عذبوهم. انتهى

(1)

.

زاد في رواية أبي الزبير الآتية بالرقم المذكور: "يا معاذ إذا أممت الناس، فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، واقرأ باسم ربك الذي خلق".

وفي رواية البخاري من طريق شعبة: "وأمره بسورتين من أوسط المفصل. قال عمرو: لا أحفظهما". قال في "الفتح": وكأنه -يعني عمرًا- قال ذلك في حال تحديثه لشعبة، وإلا ففي رواية سَليم بن حيان عن عمرو:"اقرأ: والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، ونحوها". وفي رواية ابن عيينة عند مسلم "اقرأ بكذا"، قال ابن عيينة: فقلت لعمرو. إن أبا الزبير حدثنا عن جابر، أنه قال: اقرأ: والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى"، فقال عمرو: نحو هذا. وجزم محارب في حديته عن جابر، وفي رواية الليث، عن أبي الزبير عند مسلم مع الثلاثة. "اقرأ باسم ربك"، وزاد ابن جريج، عن أبي الزبير: "والضحى" أخرجه عبد الرزاق. وفي رواية الحميدي، عن ابن عيينة مع الثلاثة الأوَل: "والسماء ذات البروج، والسماء والطارق".

وفي المراد بالمفصل أقوال، أصحها أنه من أول "ق" إلى آخر القرآن.

(1)

فتح جـ 2 ص 427 - 428.

ص: 407

انتهى

(1)

والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث جابر رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 39/ 831، وفي "الكبرى" 39/ 905، عن واصل بن عبد الأعلى، عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، وأبي صالح، كلاهما عنه. وفي 41/ 835، و"الكبرى" 41/ 909، عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عنه، وفي 63/ 984، و"الكبرى" 10/ 1056، عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن محارب ابن دثار، عنه. وفي70/ 997، عن محمد بن قُدامة، عن جرير، عن الأعمش، عن محارب، عنه. وفي 71/ 998، عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه وفي "التفسير" من "الكبرى"، عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن مسعر، عن محارب، عنه. وأعاد فيه حديث محمد بن قدامة. وعن عبد الوهاب بن الحكم، عن يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن محارب، وأبي صالح، كلاهما عنه. والله تعالى أعلم.

(1)

فتح جـ 2 ص 428.

ص: 408

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن آدم، عن شعبة. قال عقبه تعليقًا. وتابعه سعيد بن مسروق، ومسعر، والشيباني، والأعمش، خمستهم عن محارب، به. وعن مسلم بن إبراهيم، وعن بندار، عن غندر، كلاهما عن شعبة، عن عمرو، عنه. وعن محمد بن عَبَادَة، عن يزيد ابن هارون، عن عمرو، عنه.

ومسلم فيه عن محمد بن عبادة، عن سيفان، به. وعن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو، به. وعن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن منصور، عن عمرو، به. وعن قتيبة، عن حماد بن زيد، به. وعن قتيبة، وابن رمح، كلاهما عن الليث، عن أبي الزبير، عنه.

وأبو داود فيه عن مسدد، وأحمد بن حنبل، كلاهما عن سيفان، عن عمرو بن دينار، عنه، وعن عبيد الله بن عمر بن ميسرة، عن يحيى بن سعيد، وعن يحيى بن حبيب الحارثي، عن خالد بن الحارث، كلاهما عن محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عنه. والترمذي فيه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، به. وابن ماجه فيه عن محمد بن رمح، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه.

وأخرجه الحميدي رقم (1246). وأحمد جـ 3 ص 299، 300، 302، 308، 337، 340، 369 وابن خزيمة رقم (521، 1633، 1634). والله تعالى أعلم.

ص: 409

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز خروج الرجل عن صلاة الإِمام، وصلاته منفردًا لحاجة.

قال النووي رحمه الله: واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفردًا، وإن لم يخرج منها، وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها أنه يجوز لعذر، ولغير عذر، والثاني: لا يجوز مطلقًا. والثالث: يجوز لعذر، ولا يجوز لغيره، وعلى هذا العذرُ هو ما يسقط به عنه الجماعة ابتداء، ويعذر في التخلص عنها بسببه، وتطويل القراءة عذر على الأصح، لقصة معاذ رضي الله عنه، وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأنه ليس في الحديث أنه فارقه، وبني على صلاته، بل في الرواية أنه سَلَّمَ، وقطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، وهذا لا دليل فيه للمسألة المذكورة، وإنما يدل على جواز قطع الصلاة، وإبطالها لعذر. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى

(1)

.

وقال في "الفتح": وفيه جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، وأما بغير عذر، فاستدل به بعضهم، وتُعُقِّب. وقال ابن المنير: لو كان كذلك لم يكن لأمر الأئمة بالتخفيف فائدة. وفيه نظر؛ لأن فائدة الأمر بالتخفيف المحافظة على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جواز

(1)

شرح مسلم جـ 4 ص 182.

ص: 410

الصلاة منفرداً، وهذا كما استدل بعضهم بالقصة على وجوب صلاة الجماعة، وفيه نحو هذا النظر. انتهى

(1)

.

ومنها: جواز اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لأن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، وهذا فيه خلاف بين أهل العلم، وسيأتي تحقيق القول فيه في 41/ 835 إن شاء الله تعالى.

ومنها: استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وأما من قال: لا يكره التطويل إذا علم رضاء المأمومين، فيشكل عليه أن الإِمام قد لا يعلم حال من يأتي، فيأتم به بعد دخوله في الصلاة، كما في حديث الباب، فعلى هذا يكره التطويل مطلقًا، إلا إذا فرض في فصل بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم. قاله في "الفتح"

(2)

.

ومنها: أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة، وجواز إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين لعذر.

ومنها: جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلى فيه بالجماعة إذا كان بعذر.

ومنها: الإنكار بلطف، لوقوعه بصورة الاستفهام، ويؤخذ منه تعزير كل أحد بحسبه، والاكتفاء في التعزير بالقول، والإنكار

(1)

فتح جـ 2 ص 430.

(2)

جـ 2 ص 43.

ص: 411

في المكروهات، وأما تكراره ثلاثاً فللتأكيد، وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه.

ومنها: اعتذار من وقع منه خطأ في الظاهر، وجواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهر، وإن كان له عذر باطن للتنفير عن فعل ذلك، وأنه لا لوم على من فعل ذلك متأولاً، وأن التخلف عن الجماعة من صفات المنافق، والله سبحانه وتعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 412

‌40 - الاِئْتِمَامِ بِالإِمَامِ، يُصَلِّي قَاعِدًا

أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم الاقتداء بالإمام الذي يصلي قاعدًا لعذر.

832 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ:"إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ".

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(قتيبة) بن سعيد، الثقفي المغلاني، ثقة ثبت، مات سنة 240، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

2 -

(مالك) بن أنس، الإِمام الحجة الفقيه المثبت، مات سنة

ص: 413

179، من [7] أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 7.

3 -

(ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري المدني، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة 125، من [4] أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

4 -

(أنس) بن مالك رضي الله عنه، أخرج له الجماعة، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو (57) من رباعيات الكتاب، والحديث قد تقدم مستوفى الشرح سندًا ومتناً، برقم 16/ 794، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته، فإن شئت فارجع إليه تستفد.

وقوله: (فصرع عنه) بالنباء للمفعول، أي سقط عن ظهره.

وقوله: (فجحش) بتقديم الجيم على الحاء المهملة، وبناء الفعل للمفعول: أي قُشِر، وخُدِشَ جلده.

وقوله: (فصلينا وراءه قعودًا) أي بعد أن أشار إليهم بالقعود، ففي هذه الرواية اختصاره

وقوله: (أجمعون) قال السندي رحمه الله: بالرفع على أنه تأكيد لضمير الفاعل في قوله: "صلوا" وروي "أجمعين" بالنصب، قال السيوطي رحمه الله في حاشية أبي داود: نصبه على الحال، وبه يعرف أن رواية:"أجمعون" بالرفع على التأكيد من تغيير الرواة؛ لأن شرطه

ص: 414

في العربية تقدم التأكيد بـ "كل". انتهى.

قال السندي: وهذا الشرط فيما يظهر ضعيف، وقد جوز غير واحد خلاف ذلك، فالوجه جواز الردع على التأكيد، وقال البدر الدماميني: نصب على الحال، أي مجتمعين، أو على أنه تأكيد لـ "جلوساً"، وكلاهما لا يقول به البصريون؛ لأن ألفاظ التأكيد معارف، قلت: ذلك إن سُلِّمَ، فما دام تأكيدًا، وإذا جعل حالاً يكون بمعنى مجتمعين، فلا تعريف، فليتأمل، فالوجه صحة الوجهين، أعني الرفع، والنصب، وقد جاءت الرواية بهما. انتهى

(1)

.

وإلى جواز التأكيد لأجمعين بعد كل، ودونه، أشار في الخلاصة بقوله:

وَبَعْدَ كُلٍّ اُكَّدُوا بِأجْمَعَا

جَمْعَاءَ أجْمَعِينَ ثُمَّ جُمَعَا

وَدُون كُلٍّ قَدْ يَجِيءُ أجْمَعُ

جَمْعَاءُ أجْمَعُونَ ثمَّ جُمَعُ

ثم اعلم أن ظاهر الحديث وجوب الجلوس إذا جلس الإِمام، وأكثر الفقهاء على خلافه، وادعوا نسخه بحديث مرضه صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، وقالوا: قد أم الناس فيه جالسًا، والناس كانوا وراءه قيامًا، وهو آخر الأمرين، ولذا عقب المصنف رحمه الله هذا الحديث بحديث

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 99.

ص: 415

المرض. وسيأتي قريباً تحقيق الخلاف، وترجيح الراجح بدليله. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

833 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُومُ فِي مَقَامِكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ فَقَالَتْ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَتْ فَأَمَرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، قَالَتْ: فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ، فَذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ قُمْ كَمَا أَنْتَ،

ص: 416

قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ جَالِسًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِى أَبُو بَكْرٍ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ رضى الله عنه.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(محمَّد بن العلاء) بن كريب أبو كريب الهمداني، ثقة حافظ، مات سنة 247، من [10] أخرج له الجماعة، تقدم في 95/ 117.

2 -

(أبو معاوية) محمَّد بن حازم الضرير الكوفي، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، ورمي بالإرجاء، مات سنة 195، من كبار [9]، تقدم في 26/ 30.

3 -

(الأعمش) سليمان بن مِهْران، الكاهلي الكوفي، ثقة حافظ، يدلس، مات سنة 147، من [5] أخرج له الجماعة، تقدم في 17/ 18.

4 -

(إبراهيم) يزيد بن قيس الأسود النخعي، أبو عمران الفقيه الكوفي، ثقة يرسل كثيراً، مات سنة 96، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 29/ 33.

ص: 417

5 -

(الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، مخضرم، ثقة مكثر، مات سنة 74 أو 75، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 29/ 33.

6 -

(عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت في 5/ 5. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها. أنه من سداسيات المصنف.

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة.

ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير عائشة فمدنية، ومسلسل بالفقهاء.

ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وقد تقدموا غير مرة.

ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض؛ الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود.

ومنها: أن صحابيته من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث.

ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 418

شرح الحديث

(عن عائشة) رضي الله عنها، أنها (قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم) بضم القاف، بوزن صَغُرَ. قاله في "الصحاح". وقال ابن منظور رحمه الله. وثَقُلَ الرجل ثِقَلا، فهو ثقيل، وثاقل: اشتد مرضه. يقال: أصبح فلان ثاقلاً، أي أثقله المرض، قال لبيد [من الطويل]:

رَأيْتُ التُّقَى وَالحَمْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ

رَبَاحًا إِذا مَا المَرْءُ أصْبَحَ ثَاقِلا

أي ثقيلاً من المرض، قد أدْنَفَهُ، وأشرف على الموت، ويروى ناقلاً، أي منقولاً من الدنيا إلى الأخرى، وقد أثقله المرض والنوم. انتهى

(1)

.

(جاء بلال) بن رباح المؤذن رضي الله عنه (يؤذنه) لضم الياء التحتانية، من الإيذان بمعنى الإعلام: أي يعلمه (بالصلاة) أي بحضورها، وهي العشاء، كما يأتي في الحديث التالي (فقال) صلى الله عليه وسلم (مروا أبا بكر) أصله اؤمروا؛ لأنه من أمَرَ، فحذفت الهمزة للاستثقال، واستغني عن الألف، فحذفت، فبقي مرُوُا، على وزن عُلُوا؛ لأن المحذوف فاء الفعل. قاله العلامة العيني رحمه الله تعالى

(2)

.

(1)

لسان جـ 1 ص 494.

(2)

عمدة القاري جـ 5 ص 188.

ص: 419

وقال الحافظ رحمه الله: استدل بقوله: "مروا أبا بكر" إلخ على أن الآمر بالأمر بالشيء يكون آمرًا به، وهي مسألة معروفة في أصول الفقه، وأجاب المانعون بأن المعنى: بلغوا أبا بكر أني أمرته. وفصل النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمرًا حقيقة، فمسلم؛ لأنه ليس فيه صيغة أمر للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزمه، فمردود. والله أعلم. انتهى

(1)

.

(فليصل بالناس) الفاء فيه للعطف على مقدر، أي فاذكروا له: قَوْلي: "فليصل"(قالت) عائشة رضي الله عنها (قلت: يا رسول الله إِن أبا بكر رجل أسيف) بفتح الهمزة، على وزن فَعيل، بمعنى فاعل، من الأسَف، وهو شدة الحزن، والمراد أنه رقيق القلب، سريع البكاء، ولا يستطيع لغلبة البكاء، وشدة الحزن. والأسَفُ عند العرب: شدة الحزن، والندم، يقال منه: أسف فلان على كذا، يَأسَف: إذا اشتد حزنه، وهو رجل أسيف، وأَسُوف، ومنه قول يعقوب عليه الصلاة والسلام:{يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} الآية [يوسف: 84]. يعني واحُزناه، واجزعاه، تأسفًا، وتوجعًا لفقده. وقيل: الأسيف: الضعيف من الرجال في بطشه، وأما الأسف، فهو الغضبان المتلهف، قال تعالى:{فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} الآية [طه: 86]

(2)

.

(وإِنه متى يقوم في مقامك لا يسمع الناس) هكذا برفع "يقوم"،

(1)

فتح جـ 2 ص 373.

(2)

عمدة القاري جـ 5 ص 189.

ص: 420

و"يسمع" في بعض النسخ، وفي بعضها بجزمهما، وهو الذي في الكبرى، وهو الأظهر، لكون "متى" عن أدوات الشرط الجازمة للمضارع، قال السندي رحمه الله: ووجه الرفع أنها أهملت حملاً على "إذا"، كما تعمل "إذا" حملاً على "متى".

وقوله: "لا يسمع" -بضم حرف المضارعة- من الإسماع. وقال السندي: من الإسماع، أو من السماع، والأول أظهر وأشهر. اهـ.

(فلو أمرت عمر)"لو" للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، أو للشرط، فيقدر جوابها، أي لكان أولى (فقال: مروا أبا بكر، فليصل بالناس)، قالت عائشة:(فقلت لحفصة) بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين رضي الله عنهما، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خُنَيس بن حُدْافة، سنة ثلاث، وماتت لسنة -45 - ، وتقدمت ترجمتها في 39/ 583.

(قولي له) أي ما قالت هي له، من أن أبا بكر وجل أسيف إلخ، (فقالت) حفصة ذلك (له فقال: إِنكن لأنتن صواحبات يوسف) عليه الصلاة والسلام، و"الصواحبات" جمع صاحبة، قال الفيومي: الصاحبة تأنيث الصاحب، وجمعها صواحب، وريما أنث الجمع، فقيل: صواحبات. انتهى

(1)

.

وقال ابن منظور: وقالوا في النساء: هن صواحب يوسف.

(1)

المصباح جـ 1 ص 333.

ص: 421

وحكى الفارسي عن أبي الحسن: هن صواحبات يوسف، جمعوا صواحب جمعَ السلامة. انتهى

(1)

.

قال الحافظ رحمه الله: والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن. ثم إن هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة، وهي عائشة فقط، كما أن "صواحب" صيغة جمع، والمراد زَلِيخا فقط. ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة، وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف عليه السلام، ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن لا يتشاءم الناس به، وقد صرحت هي فيما بعد ذلك، فقالت -كما أخرجه الشيخان-:"لقد راجعته، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا"

الحديث. وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال: إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن

ووقع في مرسل الحسن عند ابن أبي خيثمة أن أبا بكر أمر عائشة أن تكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرف ذلك عنه، فأرادت التوصل إلى ذلك بكل طريق، فلم يتم.

(1)

"لسان العرب" جـ 4 ص 2400 - 2401.

ص: 422

ووقع في أمالي ابن عبد السلام أن النسوة أتين امرأة العزيز، يظهرن تعنيفها، ومقصودهن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن. كذا قال، وليس في الآية ما يساعد ما قال. انتهى فتح بتصرف يسير

(1)

.

وقال العلامة العيني رحمه الله: قوله: "صواحب يوسف" أي مثل صواحبه في التظاهر على ما يردن من كثرة الإلحاح فيما يملن إليه، وذلك لأن عائشة وحفصة بالغتا في المعاودة إليه في كونه أسيفًا، لا يستطيع ذلك. وقيل: يراد بها امرأة العزيز وحدها، وإنما جمعها، كما يقال: فلان يميل إلى النساء، وإن كان مال إلى واحدة، وعن هذا قيل: المراد بهذا الخطاب عائشة وحدها، كما أن المراد زليخا وحدها في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام. انتهى عمدة القاري باختصار

(2)

.

[فائدة]: زاد حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم في هذا الحديث أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يأمر عمر بالصلاة. أخرجه الدورقي في مسنده، وزاد مالك في روايته:"فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا"، ومثله للإسماعيلي في حديث الباب، وإنما قالت حفصة ذلك؛ لأن كلامها صافى المرة الثالثة من المعاودة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث،

(1)

جـ 2 ص 374.

(2)

جـ 5 ص 189.

ص: 423

فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من كونهن صواحب يوسف وجدت حفصة في نفسها من ذلك، لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضًا في قصة المغافير، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قاله في "الفتح"

(1)

.

(مروا أبا بكر فليصل بالناس، فأمروا أبا بكر) أي أمره بلال رضي الله عنه؛ لأنه هو الذي أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بحضور الصلاة، فأجيب بذلك، ففي الرواية التي بعد هذا:"فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن صل الناس، فجاءه الرسول، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلاً رقيقًا، فقال: يا عمر، صل بالناس، فقال: أنت أحق بذلك"

الحديث.

وقال في "الفتح": وقول أبي بكر رضي الله عنه هذا لم يرد به ما أرادت عائشة رضي الله عنها. قال النووي رحمه الله: تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعًا، وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو كونه رقيق القلب كثير البكاء، فخشي أن لا يسمع الناس. انتهى

(2)

.

ويحتمل أنه رضي الله عنه فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى، وعلم ما في تحملها من الخطر، وعلم قوة عمر رضي الله عنه على ذلك، فاختاره. ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه، أو

(1)

جـ 2 ص 374.

(2)

شرح صحيح مسلم جـ 4 ص 137.

ص: 424

يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم. والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة المتقدمة، وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له في ذلك، سواء باشر بنفسه، أو استخلف.

قال القرطبي رحمه الله: ويستفاد منه أن للمستخلف في الصلاة أن يستخلف، ولا يتوقف على إذن خاص له بذلك. انتهى

(1)

.

(فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة) قال السندي رحمه الله: أي فلما دخل في أن يصلي بالناس، أي في منصب الإمامة، وتقرر إمامًا لهم، واستمر على ذلك أيامًا، وجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة في بعض تلك الأيام، أو لما دخل في الصلاة في بعض تلك الأيام وجد صلى الله عليه وسلم نفسه خفة. وليس المراد أنه حين دخل في تلك الصلاة التي جرى في شأنها الكلام وجد في أثنائها خفة من نفسه، فلا تنافي هذه الرواية الروايات الأُخَر لهذا الحديث. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم وجد ذلك في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعد ذلك، وأن يكون فيه حذف، وأوضح منه رواية موسى بن أبي عائشة:"فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة". وعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء. انتهى.

(1)

فتح جـ 2 ص 364 - 375.

(2)

شرح السندي جـ 2 ص 100.

ص: 425

(فقالت: فقام يُهادى) بضم أوله، وفتح الدال، بالبناء للمجهول، من المفاعلة، يقال: جاء فلان يهادى بين اثنين: إذا كان يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه، متمايلاً إليهما في مشيته، من شدة الضعف. قاله البدر العيني

(1)

. وقال ابن منظور: والتهادي: مشي النساء والإبل الثقال، وهو مشى في تمايل وسكون. اهـ. باختصار

(2)

. وجملة "يهادى" في محل نصب على الحال من فاعل "قام".

(بين رجلين) متعلق بـ "يهادى" والرجلان هما: العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، كما سيأتي في الحديث التالي. ووقع عند ابن حبان:"فخرج بين بريرة ونوبة". ويجمع كما قال النووي رحمه الله بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين هذين، ومن ثَمَّ إلى مقام الصلاة بين العباس وعلي، أو يحمل على التعدد، ويدل عليه ما في رواية الدارقطني، أنه خرج بين أسامة بن زيد والفضل بن العباس. وأما ما في مسلم، أنه خرج بين الفضل بن العباس وعلي، فذاك في حال مجيئه إلى بيت عائشة رضي الله عنها.

[فائدة]: نُوبة -بضم النون وبالموحدة- ذكره بعضهم في النساء الصحابيات، فوهم، وإنما هو عبد أسود، كما وقع عند سيف في

(1)

عمدة القاري جـ 5 ص 189.

(2)

لسان جـ 6 ص 4642.

ص: 426

كتاب الردة، ويؤيده حديث سالم بن عبيد في صحيح ابن خزيمة بلفظ:"خرج بين بريرة، ورجل آخر". قاله في "الفتح"

(1)

.

(ورجلاه تخطان في الأرض) أي لكونه لا يقدر على تمكينهما من الأرض، وعند ابن حبان:"إني لأنظر إلى بطون قدميه". والجملة الاسمية في محل نصب عطف على الجملة الحالية.

(فلما دخل المسجد، سمع أبو بكر حسه) قال المجد: والحس -بالكسر-: الحركة، وأن يمر بك قريبًا، فتسمعه، ولا تراه، كالحسيس. اهـ

(2)

. وعند ابن ماجه بإسناده حسن، "فلما أحس الناس به سبحوا".

(فذهب ليتأخر) أي أراد، وقصد أبو بكر أن يتأخر عن الإمامة، ظنًا منه أنه صلى الله عليه وسلم يؤم الناس (فأومأ إِليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي أشار صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر (أن قم كما أنت) أي كن قائمًا مثل قيامك، والمراد ابقَ على ما أنت عليه عن القيام. و"أن" تفسيرية لما في الإيماء من معنى القول. قاله السندي. ويحتمل أن تكون مصدرية، أي أومأ إليه بالقيام. والكاف للتشبيه، ويحتمل أن تكون بمعنى "على"، أي دُمْ على الحال الذي أنت عليه، من الإمامة. وعند البخاري:"فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك".

(1)

جـ 2 ص 375.

(2)

"ق" ص 693.

ص: 427

(قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام عن يسار أبي بكر جالسًا) ومعنى "قام" أي ثبت، وليس من القيام ضد القعود، ولذا وقع بعده "جالسًا" منصوبًا على الحال من فاعله. وفي رواية البخاري:"ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه" وفي رواية: "فقال: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه".

وتفيد رواية المصنف أنه صلى الله عليه وسلم كان إمامًا، حيث قال: عن يسار أبي بكر جالسًا، إن اليسار مقام الإِمام.

قال في "الفتح": وأغرب القرطبي شارح مسلم لَمَّا حكى الخلاف، هل كان أبو بكر إمامًا، أو مأمومًا؟ فقال: لم يقع في الصحيح بيان جلوسه صلى الله عليه وسلم، هل كان عن يمين أبي بكر، أو عن يساره. انتهى. ورواية معاوية هذه عند مسلم أيضًا -يعني كما هي عند البخاري- فالعجب منه كيف يغفل عن ذلك في حال شرحه له. انتهى

(1)

.

(فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس) أي إمامًا لهم، حال كونه (جالسًا) هذا صريح في كونه صلى الله عليه وسلم إمامًا (و) يصلي (أبو بكر قائمًا، يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم) وهذا صريح في كون أبي بكر مأمومًا به صلى الله عليه وسلم: (والناس يقتدون بصلاة أبي بكر وضي الله عنه) من حيث إنه كان يُسمعهم تكبيره صلى الله عليه وسلم.

واستدل به الجمهوو على نسخ حديث: "وإذا صلى جالسًا،

(1)

فتح جـ 2 ص 5376.

ص: 428

فصلوا جلوسًا". لكن قد جاء عن عائشة، وأنس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه". وتقدم للمصنف 8/ 875 و786، ورواه الترمذي، وصححه. وروى ابن خزيمة في "صحيحه"، وابن عبد الحر عن عائشة رضي الله عنها، قالت: مِن الناس من يقول: كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف، ومنهم من يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المقدم، وهذا يفيد الاضطراب في هذه الواقعة، ولعل سبب ذلك عظم المصيبة، فعلى هذا فالحكم بنسخ الحكم الثابت لهذه الواقعة المضطربة لا يخلو عن خفاء. والله تعالى أعلم. قاله السندي رحمه الله.

وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 40/ 833، وفي "الكبرى" 40/ 956 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عمر بن حفص بن غياث، عن

ص: 429

أبيه -وعن مسدد، عن عبد الله بن داود- ومن قتيبة بن سعيد، عن أبي معاوية.

ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن يحيى بن يحيى، كلاهما عن أبي معاوية -وعن مِنجاب بن الحارث التميمي، عن أبي مسهر، ومن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس.

وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، ومن علي بن محمَّد، عن وكيع، خمستهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عنه.

وأخرجه أحمد جـ 6 ص 169 و224. وابن خزيمة رقم 1616 و1618). والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو بيان حكم الاقتداء بالإمام إذا صلى قاعدًا لعلة، وقد تقدم في أولى الباب أن المصنف يرى صحة الاقتداء به قائمًا، خلافًا لمالكية مطلقًا، ولأحمد حيث أوجب القعود، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة من الحديث التالي، إن شاء الله تعالى.

ومنها: تأكيد أمر الجماعة، والأخذ فيها بالأشد، وإن كان المرض يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ

ص: 430

بالأشد، وإن كانت الرخصة أولى. وقال الطبري رحمه الله: إنما فعل ذلك لئلا يعذر أحد من الأئمة بعده نفسه بأدنى عذر، فيتخلف عن الإمامة، ويحتمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي بكر كان لأهليته لذلك، حتى إنه صلى خلفه.

ومنها: بيان فضل أبي بكر رضي الله عنه، وتقديمه على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وفضل عمر بعده.

ومنها: جواز مراجعة الصغير للكبير.

ومنها: الأدب مع الكبير، لهمّ أبي بكر بالتأخر عن الصف، وإكرام الفاضل؛ لأنه أراد أن يتأخر حتى يستوي مع الصف، فلم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم يتزحزح عن مقامه.

ومنها: أن البكاء، ولو كثر لا يبطل الصلاة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بعد أن علم حال أبي بكر في رقة القلب، وكثرة البكاء لم يعدل عنه، ولا نهاه عن البكاء.

ومنها. أن الإيماء يقوم مقام النطق، واقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الإشارة يحتمل أن يكون لضعف صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق.

ومنها: أنه استدل به على جواز استخلاف الإِمام لغير ضرورة، لصنيع أبي بكر وضي الله عنه، وعلى جواز مخالفة موقف المأموم

ص: 431

للضرورة، كمن قصد أن يبُبَلِّغ عنه، ويلتحق به من زُحِم عن الصف.

ومنها: أنه استدل به على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، وهو قول الشعبي، واختيار الطبرى، وأومأ إليه البخاري، وتعقب بأن أبا بكر إنما كان مبلغًا، فمعنى الاقتداء به اقتداؤهم بصوته، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسًا، وكان أبو بكر قائمًا، فكان بعض أفعاله يخفي على بعض المأمومين، فمن ثم كان أبو بكر كالإمام في حقهم. والله أعلم.

ومنها: جواز اتباع صوت المكبر، وصحة صلاة المستمع والسامع، وشَرَطَ بعضهم في صحته تقدم الإذن من الإِمام، ويرد عليه هذا الحديث؛ لأن أبا بكر لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ.

ومنها: أنه استدل له الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به، ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة.

ومنها: جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة.

ومنها: جواز تقدم إحرام المأموم على الإِمام، بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة، ثم قطع القدوة، وائتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ظاهر الحديث، ويؤيده أن في رواية أرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس رضي الله عنهما:"فابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم القراءة من حيث انتهى أبو بكر".

ومنها: أن فيه تقديم الأفقه الأقرإ، وقد جمع الصديق رضي الله

ص: 432

عنه بين الفقه والقرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكره أبو بكر بن الطيب، وأبو عمرو الداني. قاله العيني

(1)

.

ومنها: جواز تشبيه أحد بأحد في وصف مشهور بين الناس.

ومنها: أن ابن المسيب استدل به على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإِمام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جلس عن يسار أبي بكر، والجماعة على خلافه، ويتمشى قوله على أن الإِمام هو أبو بكر، وأما من قال: إن الإِمام هو النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتمشى عليه قوله.

وقد اختلفت الروايات، هل كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الإِمام، أو أبو بكر الصديق؟

فجماعة قالوا: الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الإِمام، إن جلس عن يسار أبي بكر، ولقوله:"فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا يقتدي به"، وكان أبو بكر مبلغًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان.

وقال جماعة: كان أبو بكر هو الإِمام، لما رواه شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود: عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر"، وفي رواية مسروق عنها:"أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر جالسًا في مرضه الذي توفي فيه". وروي حديث عائشة

(1)

عمدة القاري جـ 4 ص 191.

ص: 433

رضي الله عنها بطرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وفيه اضطراب غير قادح.

وقال البيهقي رحمه الله: لا تعارض في أحاديثهما، فإن الصلاة التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا هي صلاة الظهر يوم السبت، أو يوم الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها صلى الله عليه وسلم حتى خرج من الدنيا.

وقال نعيم بن أبي هند رحمه الله: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، وليس فيها تعارض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه الذي مات ميه صلاتين في المسجد في إحداهما كان إمامًا، وفي الأخرى كان مأمومًا.

وقال الضياء المقدسي، وابن ناصر رحمهما الله: صح، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلفه مقتديًا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل، لا علم له بالرواية. وقيل: إن ذلك كان مرتين، جمعًا بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان رحمه الله. وقال ابن عبد البر رحمه الله: الآثار الصحاح على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإِمام

(1)

. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

(1)

راجع "عمدة القاري" جـ 4 ص 191.

ص: 434

834 -

أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:"ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ"، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ:"أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:"ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ"، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ، قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَجَاءَهُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً رَقِيقًا، فَقَالَ: يَا

ص: 435

عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَجَاءَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ، لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، وَأَمَرَهُمَا، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِهِ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي قَاعِدًا. فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: نَعَمْ، فَحَدَّثْتُهُ فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(العباس بن عبد العظيم العنبري)

(1)

أبو الفضل البصري،

(1)

لفظ "العنبري" لا يوجد في بعض النسخ، وهو نسبة إلى العنبر بن عمرو بن تميم. قاله في لب اللباب. جـ 2 ص 123.

ص: 436

ثقة حافظ، من كبار [11] مات سنة 240، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في 96/ 119.

2 -

(عبد الرحمن بن مهدي) العنبري أبو سعيد المصري، ثقة ثبت حجة، عن [9]، مات سنة 198، أخرج له الجماعة، تقدم في 42/ 49.

3 -

(زائدة) بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سنة، مات سنة 160، وقيل بعدها، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 74/ 91.

4 -

(موسى بن أبي عائشة) المخزومي الهمداني، أبو الحسن الكوفي، مولى آل جعدة، ابن هبيرة، ثقة عابد، وكان يرسل، من [5].

قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: كان سيفان الثوري يحسن الثناء عليه. وقال الحميدي، عن ابن عيينة: حدثنا موسى بن أبي عائشة، وكان من الثقات. وقال إسحاق منصور، عن ابن عيينة: ثقة. وقال محمد بن حميد، عن جرير: كنت إذا رأيت موسى بن أبي عائشة ذكرت الله تعالى لرؤيته. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: تريبني رواية موسى ابن أبي عائشة حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 437

قال الحافظ. عَنَى أبو حاتم أنه اضطرب فيه، وهذا من تعنته، وإلا فهو حديث صحيح. وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة. أخرج له الجماعة

(1)

.

5 -

(عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، مات سنة 94، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 45/ 56.

6 -

(عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت في 5/ 5. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وشيخه علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان.

ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ موسى، عن عبيد الله.

ومنها: أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من التابعين، وقد تقدموا غير مرة. وبالله تعالى التوفيق.

شرح الحديث

(عن عبيد الله بن عبد الله) الهذلي، أنه (قال: دخلت على عائشة) رضي الله عنها (فقلت: ألا) بفتح الهمز، والتخفيف، أداة

(1)

"ت" ص 351، "تت" جـ 10 ص 352 - 353.

ص: 438

عرض وتحضيض (تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم) زاد في الكبرى: "فقالت: بلى"(لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم)، بفتح المثلثة، وضم القاف، أي اشتد مرضه، وفي الكبرى:"ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم" بدون "لما"، وهو الظاهر (فقال) الفاء زائدة، إذ لا تدخل على جواب "لما". قاله السندي رحمه الله ("أصلى الناس؟ ") الهمزة للاستفهام والاستخبار (فقلنا: لا) أي لم يصلوا (وهم ينتظرونك يا رسول الله) وفي نسخة: "هم" بدون واو، والجملة في محل نصب على الحال، أي حال كونهم منتظرين لك للصلاة معك، (فقال:"ضعوا لي) من الوضع، ووقع في شرح السندي: "دعوا لي" بالدال، قال: أي اتركوا لي. ولم أره في نسخ المجتبى، ولا في الكبرى. والله أعلم.

(ماء في المخضب) بكسر الميم، وسكون الخاء، وفتح الضاد المعجمتين، آخره باء موحدة. هو المِرْكَنُ، وهو الإجَّانَة

(1)

(ففعلنا) وفي نسخة: "فَفُعِل" بالبناء للمفعول (فاغتسل، ثم ذهب لينوء) بضم النون، بعدها همزة، أي أخذ لينهض بجهد، وقال الكرماني: ينوء، كيقوم وزناً ومعنى. اهـ.

(فأغمي عطيه) بالبناء للمفعول، من الإغماء، يقال أيضا: غُمِي، ثلاثيًا. قال الفيومي. وغُمِي على المريض، ثلاثيًا، مبنيًا

(1)

المركن -بكسر، فسكون-: الإجَّانة، وهو -بكسر الهمزة، وتشديد الجيم-: إناء يُغسل فيه الثياب، جمعه أجاجين. قاله في المصباح.

ص: 439

للمفعول، فهو مَغْمِيٌّ عليه على مفعول، قاله ابن السكيت، وجماعة، وأغمي عليه إغماء، بالبناء للمفعول أيضًا. قيل الإغماء: امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء: سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة. انتهى

(1)

.

وفيه جواز الإغماء على الأنبياء؛ لأنه شبيه بالنوم. وقال النووي رحمه الله: لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون، فإنه لم يجز عليهم؛ لأنه نقص. قال العلامة العيني رحمه الله: العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي الجنون يكون مسلوباً. انتهى

(2)

.

(قالت: والناس عكوف في المسجد) ولفظة: "قالت" زائدة في بعض النسخ، و"العكوف" -بالضم-: جمع عاكف، يقال: عكَفَ على الشيء عُكُوفًا، وعكفًا، من باب قعد، وضرب. لازمه، وواظبه. وقرىء بهما في السبعة في قوله تعالى. {قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] الآية.

وعكفت الشيء أعكُفه، وأعكفه: حبسته، ومنه الاعتكاف، وهو افتعال؛ لأنه حبس النفس عن التصرفاَت العادية، وعكفته عن حاجته: منعته قاله في "الصباح"

(3)

. أي ملازمو المسجدِ لأداء الصلاة معه صلى الله عليه وسلم،

(1)

المصباح جـ 2 ص 448 - وص 454. في مادة "غمي"، ومادة " غشي".

(2)

عمدة القاري جـ 4 ص 216.

(3)

جـ 2 ص 424.

ص: 440

والجملة في محل نصب على الحال.

(ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء) جملة فعلية في محل نصب على الحال مما قبله، فيكون من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة (فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى أبي بكر أن صل بالناس)"أن" تفسيرية، أو مصدرية، كما تقدم البحث عنها في الحديث الماضي. وفي الكبرى:"أن يصلي بالناس".

(فجاءه الرسول) هو بلال، كما تقدم (فقال: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلاً رقيقًا، فقال: يا عمر صلّ بالناس) كأن أبا بكر رضي الله عنه رأى آن أمره بذلك كان تكرمًا منه له، والمقصود أداء الصلاة بإمام لا تعيين أنه الإِمام، ولم يدر ما جرى بينه صلى الله عليه وسلم، وبين أزواجه في ذلك، وإلا لما كان له تفويض الإمامة إلى عمر. قاله السندي رحمه الله تعالى.

(فقال: أنت أحق بذلك) أي قال عمر رضي الله عنه: أنت أحق بأن تصلي بالناس، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك به (فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام) استدل بهذا الحديث على أن استخلاف الإِمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاف بهم قاعدًا، لأنه صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر رضي الله عنه، ولم يصل بهم قاعدًا غير مرة واحدة. قاله في الفتح

(1)

.

(1)

جـ 2 ص 402.

ص: 441

(ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة، فجاء يهادى بين رجلين) أي يعتمد على رجلين متمايلاً في مشيه من شدة الضعف (أحدهما العباس) بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وسلم، المتوفى سنة 32 أو بعدها، وهو ابن 88 سنة، والرجل الآخر هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما يأتي قريبًا.

(لصلاة الظهر) قال في الفتح: هو صريح في أن الصلاة المذكورة كانت الظهر، وزمحم بعضهم أنها الصبح، واستدل بقوله في رواية أرقم ابن شُرَحْبيل، عن ابن عباس:"وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة من حيث بلغ أبو بكر". هذا لفظ ابن ماجه، وإسناده حسن، لكن في الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم سمع لما قرب من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها خاصة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يُسمِع الآية أحيانًا في الصلاة السرية، كما سيأتي من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

ثم لو سلم، لم يكن فيه دليل على أنها الصبح، بل يحتمل أن تكون المغرب، فقد ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بـ {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات: 1] ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله. وهذا لفظ البخاري.

قال الحافظ: لكن وجدت بعدُ في النسائي أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته، وقد صرح الشافعي بأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة، وهي هذه التي صلى

ص: 442

فيها قاعدًا، وكان أبو بكر فيها أولاً إمامًا، ثم صار مأمومًا، يسمع الناس التكبير. انتهى ما في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذكر أن تلك الصلاة هي الظهر. والله تعالى أعلم.

(فلما رآه أبو بكر) أي علم بحضوره، لما في الرواية السابقة "فلما دخل المسجد، سمع أبو بكر حسه، فذهب يتأخر" .. ويحتمل أن يكون التفت لما سمع حسه، فرآه (ذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر، وأمرهما، فأجلساه إِلى جنبه) أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجلين أن يجلساه إلى جنب أبي بكر رضي الله عنه، فأجلساه إلى جنبه، (فجعل أبو بكر يصلي قائمًا، والناس يصلون بصلاة أبي يكر) أي بتسميعه التكبيرَ لهم (ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدًا)، ولفظ البخاري:"فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد".

قال عبيد الله: (فدخلت على ابن عباس)، رضي الله عنهما، (فقلت: ألا) بفتح الهمزة، وتخفيف "لا": أداة عرض وتحضيض، كما تقدم قريباً.

(أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم)

(1)

جـ 2 ص 401 - 402.

ص: 443

"أعرض" -بفتح العين المهملة- مضارع عرض، من باب ضرب، يقال: عرضت المتاع للبيع: أظهرته لذوي الرغبة ليشتروه. قاله في المصباح. وفي اللسان: وعرضت الجارية، والمتاع على البيع. فعداه إلى المفعول الثاني بـ "على" مثل ما هنا (قال) ابن عباس رضي الله عنهما (نعم) أي اعرضه علي، (فحدثته، فما أنكر منه شيئًا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي مع العباس؟) قال عبيد الله: (قلت: لا) أي لم تسمه لي (قال: علي كرم الله وجهه) فاعل "قال" ضمير ابن عباس، و"علي" خبر لمحذوف، أي قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

قال في "الفتح": زاد الإسماعيلي من رواية عبد الرزاق، عن معمر:"ولكن عائشة لا تطيب نفسًا له بخير"، ولابن إسحاق في المغازي عن الزهري:"ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير"، ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة، فعبر عنها بعبارة شنيعة. وفي هذا، رد على من تنطع، فقال: لا يجوز أن يظن ذلك لعائشة، ورد على أن من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة، إذ كان تارة يتوكأ على الفضل، وتارة على أسامة، وتارة على علي، وفي جميع ذلك الرجل الآخر هو العباس، واختص بذلك إكرامًا له، وهذا توهم ممن قاله، والواقع خلافه؛ لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأن المبهم علي، فهو المعتمد. والله أعلم. انتهى

(1)

.

(1)

فتح جـ 2 ص 377.

ص: 444

وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 40/ 834، وفي "الكبرى" 40/ 908 بالسند المذكور، وفي 17/ 797، و"الكبرى" 17/ 872، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله عنها. وفي الوفاة "الكبرى" 4/ 7083، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن زائدة، عن موسى بن عائشة، به. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري، ومسلم في "الصلاة" كلاهما عن أحمد بن يونس، عن زائدة، عن موسى بن أبي عائشة له. وأحمد جـ 2 ص 251 وجـ 6 ص 249، 251. والدارمي رقم (1260). وابن خزيمة رقم 257 و1621.

قال الجامع عفا الله عنه: أما فوائد الحديث، فقد تقدمت في الحديث الماضي، فلا حاجة إلى إعادتها، فراجعها إن شئت تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

ص: 445

المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في الصلاة خلف الإِمام القاعد لعلة:

قال الإِمام الحافظ أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الإِمام يصلي قاعدًا من علة:

فقالت طائفة: يصلون قعودًا استنانًا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين صلوا خلفه قيامًا بالقعود، فممن روي عنه أنه استعمل ذلك: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأسَيد بن حُضير، وقد روينا عن قيس ابن قَهْد -بفتح القاف، وسكون الهاء- أن إمامًا اشتكى لهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكان يؤمنا جالسًا، ونحن جلوس.

قال أبو بكر: وهذا قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. قال أحمد: كذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، وفَعَلَه أربعة من أصحابه، أسيد بن حضير، وقيس بن قهد، وجابر، وأبو هريرة رضي الله عتهم.

قال أبو بكر: وكان أحق الناس بالاستدلال بفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك غير منسوخ مَنْ جَعَلَ مشي ابن عمر بعد بيعه بأنها

(1)

أحد الدلائل على أن الافتراق في البيوع افتراق الأبدان، لما روى ابن عمر الحديث، قال. ابن عمر أعلم بتأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن بعده، فكذلك لما كان فيما

(2)

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أمْرَه الذين صلوا خلفه قيامًا

(1)

هكذا نسخة "الأوسط" ولعل الصواب حذف كلمة "بأنها" فليتأمل.

(2)

هكذا النسخة في الأوسط "فيما"، ولعل الصواب "فيمن"، فليتأمل.

ص: 446

بالقعود؛ أبو هريرة، وجابر، ثم استعملوا ذلك بعد وفاته، وجب كذلك على هذا القائل أن يقول: أبو هريرة، وجابر أعلم بتأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبناسخه ومنسوخه ممن بعده.

ولو لم تختلف الأخبار في أمر أبي بكر في موضوع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز الانتقال عما سنه النبي صلى الله عليه وسلم لهم وأمرهم بالقعود إذا صلى إمامهم قاعدًا؛ لأن الذي افتتح بهم الصلاة أبو بكر فوجب عليهم القيام لقيام أبي بكر بهم، مما لم يحدث بإمامهم الذي عقد بهم الصلاة بأنها علة، فوجب الجلوس، فعليهم أن يفعلوا كفعل إمامهم، وإن تقدم إمام غير الإِمام الذي عقدوا الصلاة معه، فصلى جالسًا، فليس عليهم الجلوس ما دام الإِمام الذي عقدوا معه الصلاة قائمًا، فإذا كانت الحال هكذا في حدوث إمام بعد إمام استعمل ما جاءت به الأخبار في مرض النبي صلى الله عليه وسلم الذي مات فيه، وإذا كان مثل الحال الذي صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم في منزله، وافتتح بهم الصلاة قاعدًا، فعليهم القعود بقعوده.

فيكون كلُّ سنة من هاتين السنتين مستقلة في موضعها، ولا يبطل كل واحدة للأخرى، أن معنى كل سنة غير معنى الأخرى، وقد تأول هذا المعنى بعينه أحمد بن حنبل، وكان أولى الناس بأن يقول هذا القول مَن مذهبه استعمال الأخبار كلها إذا وجد إلى استعمالها سبيلاً، كاختلاف صفة صلاة الخوف على اختلاف الأحوال فيها، هذا لو كانت الأحوال لا تختلف في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه.

ص: 447

وقالت طائفة: إن صلى الإِمام قاعدًا صلى المأمومون قيامًا إذا أطاقوا، وصلى كل واحد فرضه، هذا قول الشافعي، قال: أمْرُ النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس، ومن حدث معه في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بهم جالسًا، ومن خلفه جلوس منسوخ بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في مرضه الذي مات فيه جالسًا، وصلوا خلفه قيامًا.

وقال سفيان الثوري في رجل صلى بقوم جالسًا مريضًا، وهم جلوس، قال: لا يجزيه، ولا يحزيهم.

وقال أصحاب الرأي في مريض صلى قاعدًا يسجد ويركع، فائتم به قوم، فصلوا خلفه قيامًا، قال: يجزيهم، وإن كان الإِمام قاعدًا يومىء إيماء، أو مضطجعًا على فراشه يومىء إيماء، والقوم يصلون قيامًا، قال. لا يجزيه، ولا يجزي القوم في الوجهين جميعًا. وقال أبو ثور كما قال الشافعي.

وفي المسألة قول ثالث، قاله مالك، قال: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدًا، وحكي عن المغيرة أنه قال: ما يعجبني أن يصلي الإِمام بالقوم جلوسًا، وقد روينا عن جابر الجعفي، عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يَؤُمَّنَّ أحد بعدي جالسًا".

قال أبو بكر: وهذا خبر واهٍ تحيط به العلل، جابر متروك الحديث، والحديث مرسل، وهو مخالف للأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى ملخصًا

(1)

.

(1)

الأوسط جـ 4 ص 205 - 208.

ص: 448

وقال الحافظ رحمه الله تعالى: واستدل به -يعني حديث عائشة المذكور في الباب- على صحة إمامة القاعد المعذور بمثله، وبالقائم أيضًا، وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن فيما حكاه الطحاوي، ونقل عنه أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، واحتج بحديث جابر، عن الشعبي مرفوعًا:"لا يؤمن أحد بعدي جالسًا". واعترضه الشافعي، فقال: قد علم من احتج لهذا أن لا حجة فيه؛ لأنه مرسل، ومن رواية رجل يَرغب أهل العلم عن الرواية عنه -يعني جابرًا الجعفي- وقال ابن بزيزة: لو صح لم يكن فمه حجة؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي يعرب قوله:"جالسًا" مفعولاً، لا حالاً.

وحكى عياض عن بعض مشايخهم أن الحديث المذكور يدل على نسخ أمره المتقدم لهم بالجلوس لَمَّا صلوا حْلفه قيامًا. وتعقب بأن ذلك يحتاج لو صح إلى تاريخ، وهو لا يصح، لكنه زعم أنه تقوى لأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحد منهم، قال: والنسخ لا يثبت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث المذكور.

وتعقب بأن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع، ثم لو سلم لا يلزم منه عدم الجواز، لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام، للاتفاق على أن صلاة القاعدة بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كاف في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود.

ص: 449

واحتج أيضًا بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى بهم قاعدًا؛ لأنه لا يصح التقدم بين يديه لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء، ولا يكون أحد شافعًا له، وتعقب بصلاته صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف، وهو ثابت بلا خلاف.

وصح أيصًا أنه صلى خلف أبي بكر كما قدمناه، والعجب أن عمدة مالك في منع إمامة القاعد قول ربيعة: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر، وإنكاره أن يكون صلى الله عليه وسلم أم في مرض موته قاعدًا، كما حكاه عنه الشافعي في "الأم"، فكيف يدعي أصحابه عدم تصوير أنه صلى مأمومًا، وكأن حديث إمامته المذكور لما كان في غاية الصحة، ولم يمكنهم رده سلكوا في الانتصار وجوهاً مختلفة، وقد تبين بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أن المراد بمنع المتقدم بين يديه في غير الإمامة، وأن المراد بكون الأئمة شفعاء، أي في حق من يحتاج إلى الشفاعة.

ثم لو سلم أنه لا يجوز أن يؤمه أحد، لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أم قاعدًا جماعة من الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم؛ منهم: أسيد بن حضير، وجابر، وقيس بن قهد، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة، أخرجها عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم، بل ادعى ابن حبان، وغيره إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد، كما سيأتي.

ص: 450

وقال أبو بكر بن العربي: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبي صلى الله عليه وسلم يخلص عند السبك، واتباع السنة أولى، والتخصيص لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي صلى الله عليه وسلم، والتبرك به، وعدم العوض عنه يقتضي الصلاة معه على آية حال كان عليها، وليس ذلك لغيره. وأيضًا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصور في حقه، ويتصور في حق غيره.

والجواب عن الأول: رده بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وعن الثاني: بأن النقص إنما هو في حق القادر في النافلة، وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم.

واستدل بحديث الباب أيضًا على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعدًا إذا صلى الإِمام قاعدًا؛ لكونه صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على القيام خلفه، وهو قاعد، هكذا قرره الشافعي، وكذا نقله البخاري عن شيخه الحميدي، وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة، وأبو يوسف، والأوزاعي، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك، وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين:

إِحداهما: إذا ابتدأ الإِمام الراتب الصلاة قاعدًا لمرض يُرجى برؤه، فحينئذ يصلون خلفه قعودًا.

ثانيتهما: إذا ابتدأ الإِمام الراتب قائمًا، لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا، أم لا، كما في

ص: 451

الأحاديث التي في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا، وصلوا معه قيامًا، بخلاف الحالة الأولى، فإنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ الصلاة جالسًا، فلما صلوا خلفه قيامًا أنكره عليهم، ويقوي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لاسيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدم عن نقل عياض، فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات.

وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية، كابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى:

منها: قول ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعدًا تبعًا لإمامه لم يختلف في صحتها، ولا في سياقها، وأما

صلاته صلى الله عليه وسلم قاعدًا، فاختلف فيها، هل كان إمامًا، أو مأمومًا. قال: وما لم يختلف فيه، لا ينبغي تركه لمختلف فيه، وأجيب بدفع الاختلاف والحمل على أنه كان إمامًا مرة، ومأمومًا أخرى.

منها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمر، من أم قاعدًا لعذر تخير من صلى خلفه بين القعود والقيام، والقعود أولى،

ص: 452

لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع، وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك.

وأجاب ابن خزيمة عن استبعاد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، واستمر عليه عمل الصحابة في حياته وبعده، فروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قَهْد الأنصاري:"أن إمامًا لهم اشتكى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكان يؤمنا، وهو جالس، ونحن جلوس".

وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أسيد بن حضير أنه كان يؤم قومه، فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائمًا، فاقعدوا، فصلى بهم قاعدًا، وهم قعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أسيد بن حضير أنه قال: يا رسول الله، إن إمامنا مريض، قال:"إن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا". وفي إسناده انقطاع.

وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر رضي الله أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالسًا، وصلوا معه جلوسًا، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضًا.

وقد ألزم ابن المنذر من قال بأن الصحابي أعلم بتأويل ما روى، بأن يقول بذلك؛ لأن أبا هريرة، وجابرًا رويا الأمر المذكور، واستمرا على العمل به، والفتيا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ويلزم ذلك من قال: إن الصحابي إذا روى، وعمل بخلافه أن العبرة بما عمل من باب أولى؛

ص: 453

لأنه هنا عمل بوفق ما روى.

وقد ادعى ابن حبان الإجماع على العمل به، وكأنه أراد السكوتي؛ لأنه حكاه عن أربعة من الصحابة الذين تقدم ذكرهم، وقال: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة غيرهم القول بخلافه، لا من طريق صحيح، ولا ضعيف. وكذا قال ابن حزم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، ثم نازع في ثبوت كون الصحابة صلوا خلفه صلى الله عليه وسلم، وهو قاعد قيامًا غير أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يرد صريحًا، وأطال في ذلك بما لاطائل فيه.

والذي ادعى نفيه قد أثبته الشافعي، وقال: إنه في رواية إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها، ثم وجدته مصرحًا به أيضًا في مصنف عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، فذكر الحديث، ولفظه:"فصلى النبي صلى الله عليه وسلم قاعدًا، وجعل أبو بكر وراءه بينه وبين الناس، وصلى الناس وراءه قيامًا". وهذا مرسل يعتضد بالرواية التي علقها الشافعي عن النخعي، وهذا هو الذي يقتضيه النظر، فإنهم ابتدؤوا الصلاة مع أبي بكر قيامًا بلا نزاع، فمن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك، فعليه البيان.

ثم رأيت ابن حبان استدل على أنهم قعدوا بعد أن كانوا قيامًا بما رواه من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: "اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، قال:

ص: 454

فالتفت إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا، فلما سلم قال: "إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم، فلا تفعلوا

" الحديث.

وهو حديث صحيح أخرجه مسلم، لكن ذلك لم يكن في مرض موته، وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس، كما في رواية أبي سفيان، عن جابر أيضًا، قال: "ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا بالمدينة، فصرعه على جذع نخلة، فانفكت قدمه

" الحديث. أخرجه أبو داود، وابن خزيمة بإسناد صحيح، فلا حجة على هذا لما ادعاه، إلا أنه تمسك بقوله في رواية أبي الزبير: "وأبو بكر يسمع الناس التكبير"، وقال: إن ذلك لم يكن إلا في مرض موته؛ لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشربة عائشة، ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته، فإنها كانت في المسجد، بجمع كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم. انتهى.

ولا راحة له فيما تمسك به؛ لأن إسماع التكبير في هذا لم يتابع أبا الزبير عليه أحد، وعلى تقدير أنه حفظه، فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة؛ لأنه يحتمل على أن صوته صلى الله عليه وسلم كان خفيًا من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتكبير، فكان أبو بكر يجهر عنه بالتكبير لذلك، ووراء ذلك كله أنه أمر محتمل لا يترك لأجله الخبر الصريح بأنهم صلوا قيامًا، كما تقدم في مرسل عطاء وغيره، بل في مرسل عطاء أنهم استمروا قيامًا إلى أن انقضت الصلاة.

ص: 455

نعم وقع في مرسل عطاء المذكور متصلاً به بعد قوله: وصلى الناس وراءه قيامًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما صليتم إلا قعودًا، فصلوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلى قائمًا، فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا، فصلوا قعودًا".

وهذه الزيادة تقوي ما قال ابن حبان أن هذه القصة كانت في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم، ويستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعودًا إذا صلى إمامهم قاعدًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكن إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي الاستحباب، فيحمل أمره الأخير أن يصلوا قعودًا على الاستحباب؛ لأن الوجوب قد رفع بتقريره لهم، وترك أمرهم بالإعادة. هذا مقتضى الجمع بين الأدلة. وبالله التوفيق، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ المحقق رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى أخيرًا، جمع حسن جدًّا، وهو يدلس على إنصاف الحافظ المحقق رحمه الله تعالى، مع أن المذهب الشافعي بخلافه، وهذا هو الذي يجب على كل مسلم عرف صحيح الأحاديث من سقيمها، وعرف وجه الجمع بين متعارضها أن يتعصب لرأي بعض الناس، فيتكلف، بتأويل ما لا يقبل التأويل، وهو صرف ظواهر الأحاديث عن مقتضاها بلا دليل،

(1)

فتح جـ 2 ص 402 - 405.

ص: 456

بل بمجرد مخالفتها لمذهبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 457

‌41 - اخْتِلَافِ نِيَّةِ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ

أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على جواز اختلاف نية الإِمام والمأموم، بأن كان أحدهما يصلي فرضًا، والآخر يصلي تطوعًا، أو كلاهما يصليان فرضًا، لكن أحدهما ظهرًا، والآخر عصرًا مثلاً. والله تعالى أعلم.

835 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ يَؤُمُّهُمْ، فَأَخَّرَ ذَاتَ لَيْلَةٍ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، يَؤُمُّهُمْ، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ تَأَخَّرَ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالُوا: نَافَقْتَ يَا فُلَانُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا نَافَقْتُ، وَلآتِيَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأُخْبِرُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مُعَاذًا يُصَلِّي مَعَكَ، ثُمَّ يَأْتِينَا، فَيَؤُمُّنَا، وَإِنَّكَ أَخَّرْتَ الصَّلَاةَ الْبَارِحَةَ، فَصَلَّى مَعَكَ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَمَّنَا، فَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ،

ص: 458

تَأَخَّرْتُ فَصَلَّيْتُ، وَإِنَّمَا نَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِحَ، نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ، اقْرَأْ بِسُورَةِ كَذَا، وَسُورَةِ كَذَا".

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(محمد بن منصور) الجَوَّاز المكي، ثقة، مات سنة 252، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 20/ 21.

2 -

(سفيان) بن عيينة الكوفي المكي، ثقة ثبت حجة، مات سنة 198، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

3 -

(عمرو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الجُمَحي مولاهم المكي، ثقة ثبت، مات سنة 126، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 112/ 154.

4 -

(جابر بن عبد الله) رضي الله عنهما، تقدم في 31/ 35.

قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الإسناد هو (58) من رباعيات الكتاب، أما شرح الحديث، والمسائل المتعلقة له، فقد تقدمت مستوفاةً برقم (39/ 831)، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتهاهنا، فراجعهاهناك إن شئت تستفد. وإنما أذكر هنا حل بعض ألفاظه، وبيان حكم ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى:

فقوله: (ذات ليلة)، أي ليلة من الليالي، فـ "ذات" مقحمة.

ص: 459

وقوله: (الصلاة) أي هي صلاة العشاء، أو المغرب، كما تقدم ذكر الخلاف فيه 39/ 831.

وقوله: (البارحة) قال الفيومي رحمه الله: بَرَح الشيء يبرَح، من باب تعب، براحًا: زال من مكانه، ومنه قيل لليلة الماضية: البارحة، والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا، لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة. انتهى

(1)

.

وقوله: (أصحاب نواضح)، أي أصحاب عمل شاقّ، والنواضح جمع ناضح، الإبل التي يستقى عليها الماء. وتقدم تمام البحث فيه بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(فصل): وأما ما بَوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو حكم اختلاف نية الإِمام ونية المأموم، فقد اختلف فيه أهل العلم:

قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة بظاهر قصة معاذ رضي الله عنه، وقصة صلاة الخوف -يعني الآتي في الحديث التالي- وممن قال ذلك عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وبه قال الشافعي، وأحمد بن حنبل، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، وقال بمثل هذا المعنى الأوزاعي.

(1)

المصباح جـ 1 ص 42.

ص: 460

وقالت طائفة: كل من خالفت نيته نية الإِمام في شيء من الصلاة لم يعتد بما صلى معه، واستأنف، هذا قول مالك بن أنس، وروي معنى ذلك عن الحسن البصري، وأبي قلابة، وبه قال الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وحكى أبو ثور عن الكوفي

(1)

أنه قال: إن كان الإِمام متطوعًا لم يجز من خلفه الفريضة، وإن كان الإِمام مفترضًا، وكان من خلفه متطوعًا، كانت صلاتهم جائزة.

وكان عطاء، وطاوس يقولان في الرجل يأتي إلى الناس، وهم في قيام رمضان، ولم يكن صلى المكتوبة، قالا: يصلي معهم ركعتين فيبني عليهما ركعتين، ويعتد به من العتمة، وأبى ذلك سعيد بن المسيب، والزهري، وقالا: يصلي معهم، ثم يصلي العشاء وحده.

ورجح ابن المنذر رحمه الله تعالى: قول من قال بالجواز، عملاً بحديث الباب

(2)

، والله تعالى أعلم.

وقال في "الفتح" في شرح حديث الباب ما نصه: واستُدِلّ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمنتفل، بناء على أن معاذاً رضي الله عنه كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق، والشافعي، والطحاوي، والدارقطني، وغيرهم من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر رضي الله عنه في

(1)

هكذا عبارة ابن المنذر، والظاهر أنه أراد بالكوفي الإِمام أبا حنيفة رحمه الله.

(2)

راجع كلامه في "الأوسط" جـ 4 ص 218 - 220.

ص: 461

حديث الباب، زاد:"هي له تطوع، ولهم فريضة". وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه.

فقول ابن الجوزي: إنه لا يصح، مردود، وتعليل الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه الزيادة ليس بقادح في صحته؛ لأن ابن جريج أسن، وأجلّ من ابن عيينة، وأقدم أخذًا عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عددًا، فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها.

وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة، فجوابه أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، ولاسيما إذا روي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار، عنه.

وقول الطحاوي: هو ظن من جابر -مردود؛ لأن جابرًا كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه.

وأما احتجاج أصحابنا -يعني الشافعية- لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا

ص: 462

أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، فليس بجيد؛ لأن حاصله النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت من غير تعرض لنية فرض أو نفل، ولو تعينت نية الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية لقومه، لأنها ليست حينئذ فرضًا له.

وكذلك قول بعض أصحابنا: لا يظن بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنه وإن كان فيه نوع ترجيح، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع.

وكذلك قول الخطابي: إن العشاء في قوله: "كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء" حقيقة في المفروضة، فلا يقال: كان ينوي بها التطوع؛ لأن لمخالفه أن يقول: هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل.

وأما قول ابن حزم: إن المخالفين لا يجحزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصليه متطوعًا، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم؟ فهذا إن كان كما قال، نقضٍ قوي. وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة.

وأما قول الطحاوي: لا حجة فيها؛ لأنها لم تكن بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقريره، فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عَقَبيًا، وأربعون بدريًا. قاله ابن حزم. قال:

ص: 463

ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز: عمر، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأنس، وغيرهم.

وأما قول الطحاوي: لو سلمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة؛ لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تصلى مرتين، أي فيكون منسوخًا -فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنه ألزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة. انتهى.

قال الحافظ: وكأنه لم يقف على كتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما، رفعه:"لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين". ومن وجه آخر مرسل: "إن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم، ثم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم، بلغه ذلك، فنهاهم".

ففي صحة الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر، لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقي جمعًا بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيدًا، ولا يقال: القصة قديمة؛ لأن صاحبها استشهد بأحد؛ لأنا نقول: كانت في أواخر الثالثة، فلا مانع أن يكون النهي في الأولى، والإذن في الثالثة مثلاً. وقد قال صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين لم يصليا معه:"إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة". أخرجه أصحاب السنن من حديث

ص: 464

يزيد بن الأسود العامري

(1)

، وصححه ابن خزيمة، وغيره، وكان ذلك في حجة الوداع في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على الجواز أيضًا أمره صلى الله عليه وسلم لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها أن "صلوها في بيوتكم في الوقت، ثم اجعلوها معهم نافلة".

وأما استدلال الطحاوي أنه صلى الله عليه وسلم نهى معاذاً عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث: "إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف بقومك"، ودعواه أن معناه: إما أن تصلي معي، ولا تصل بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصلي معي، ففيه نظر؛ لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط، إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك، فتصلي معي، وهو أولى من تقديره، لما فيه من مؤابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه.

وأما تقوية بعضهم بكونه منسوخًا بأن صلاة الخوف وقعت مرارًا على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لصلى النبي صلى الله عليه وسلم بهم مرتين على وجه لا تقع فيه منافاة، فلما لم يفعل دلّ ذلك على المنع -فجوابه أنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة صريحًا، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع

(1)

سيأتي للمصنف برقم 54/ 858.

ص: 465

من المخالفة، فلبيان الجواز.

وأما قول بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة، لقلة القراء في ذلك الوقت، فهو ضعيف، كما قال ابن دقيق العيد؛ لأن القدر المجزىء من القراءة في الصلاة كان حافظوه كثيراً، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمر ممنوع منه شرعًا في الصلاة. انتهى ما في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: إذا تأملت ما تقدم تبين لك أن الأصح قول من قال بجواز اقتداء المفترض بالمنتفل، وبالعكس، لحديث الباب، والذين منعوا عن ذلك لم يأتوا بحجة مقنعة. ولذا قال العلامة السندي رحمه الله ما نصه: فدلالة هذا الحديث على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل واضحة، والجواب عنه مشكل جدًّا، وأجابوا بما لا يتم، وقد بسطتُ الكلامَ فيه في حاشية ابن الهمام. انتهى

(2)

. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

836 -

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ،

(1)

جـ 2 ص 428 - 430.

(2)

شرح السندي جـ 2 ص 102 - 103.

ص: 466

وَبِالَّذِينَ جَاءُوا رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعًا، وَلِهَؤُلَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ.

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، مات سنة 249، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 4/ 4.

تنبيه: هكذا وقع في بعض نسخ "المجتبى": أخبرنا عمرو بن علي، ووقع في بعضها: أخبرنا بشر بن هلال، بدل عمرو، وهو الذي في "الكبرى"، وهكذا ذكر النسختين الحافظ المزي رحمه الله في "تحفة الأشراف" جـ 9 ص 41.

و (بشر بن هلال) هو الصواف، أبو محمد النُّمَيري البصري، ثقة، مات سنة 247، من [10]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 117/ 162.

2 -

(يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، مات سنة 198، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 2.

3 -

(أشعث) بن عبد الملك الحمراني، مولى حُمران، أبو هانىء البصري، ثقة فقيه، من [6].

ص: 467

قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وهو أوثق من الحداني، وأصلح من ابن سوّار. وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة، وهو ممن يكتب حديثه، ويحتج له، وهو في جملة أهل الصدق، وهو خير من أشعث بن سوار بكثير. وقال أبو يعلى، ومسلم عن بندار: ثقة. وكذا قال البزار. وقال ابن حبان في "الثقات": كان فقيهًا متقنًا. وحكى ابن شاهين، عن عثمان ابن أبي شيبة توثيقه. علق عنه البخاري، وأخرج له الأربعة.

فائدة: قال البرقاني: قلت للدارقطني. أشعث عن الحسن؟ قال: هم ثلاثة يحدثون جميعًا عن الحسن: الحمراني، وهو عبد الملك، أبو هانىء، ثقة، وابن عبد الله بن جابر الحداني، يعتبر به، وابن سوار، يعتبر به، وهو أضعفهم، انتهى.

4 -

(الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري، ففيه فاضل، يرسل ويدلس، مات سنة 110 وقد قارب 90، رأس [4]، تقدم في 32/ 36.

5 -

(أبو بكرة) نفيع بن الحارث بن كَلَدَة بن عَمْرو بن علاج بن أبي سلمة، واسمه عبد العزى بن غِيرة -بكسر المعجمة- بن عوف بن قيس، وهو ثقيف، الثقفي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: اسمه مسروح. وقيل. كان أبوه عبدًا للحارث بن كَلَدَة، يقال له: مسروح، فاستلحق الحارث أبا بكرة، وهو أخو زياد بن سمية لأمه،

ص: 468

وكانت سمية أمة للحارث بن كلدة، وإنما قيل له: أبو بكرة؛ لأنه تدلَّى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببكرة من حصن الطائف، فأعتقه يومئذ، وكان نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن من نزل إليه من عبيد الطائف، فهو حر. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه أولاده: عبيد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، ومسلم، وكبشة، وأبو عثمان النهدي، وربعي بن حراش، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وعبد الرحمن بن جوشن الغطفاني، والأحنف بن قيس، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وأشعث بن ثُرْمُلة، وغيرهم.

قال العجلي: كان من خيار الصحابة. وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: جلد عمر بن الخطاب أبا بكرة، ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد، ثم استحاب نافعًا، وشبلاً، فتابا، فقبل شهادتهما، واستتاب أبا بكرة، فأبى، وأقام، فلم يقبل شهادته، وكان أفضل القوم.

وقال يعقوب بن سفيان: نفيع، ونافع، وزياد، هم إخوة لأم، أمهم سمية، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا هوذة بن خليفة، ثنا هشام بن حسان، عن الحسن، قال: مرّ بي أنس بن مالك، وقد بعثه زياد إلى أبي بكرة يعاتبه، فانطلقت معه، فدخلنا على الشيخ، وهو مريض، فأبلغه عنه، فقال: إنه يقول. ألم أستعمل عبيد الله على فارس، ورَوّادًا على دار الرزق، وعبد الرحمن على الديوان؟ فقال

ص: 469

أبو بكرة: هل زاد على أن أدخلهم النار؟ فقال له أنس: إني لا أعلمه إلا مجتهداً، فقال الشيخ: أقعدوني، إني لا أعلمه إلا مجتهدًا، وأهل حروراء قد اجتهدوا، فأصابوا، أم أخطأوا؟ قال أنس: فرجعنا مخصومين.

قال ابن سعد: مات بالبصرة في ولاية زياد. وقال المدائني: مات سنة خمسين. وقال البخاري: قال مسدد: مات أبو بكرة، والحسن ابن علي في سنة واحدة، قال: وقال غيره: مات بعد الحسن سنة 51، وقال خليفة: مات سنة 52، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، زاد غيره: وكان أوصى بذلك. وقال غيره: بلغ ثلاثاً وستين سنة. وقال أبو نعيم: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما. وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع واحد مع الفريقين. أخرج له الجماعة، له 132 حديثًا، اتفقا على 8، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث

(1)

. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات.

منها: أنه مسلسل بالبصريين.

منها: أن صحابيه مشهور بأبي بكرة، وهو لقب، وليس بكنية،

(1)

"تك" ج 30 ص 5 - 9. "تت" جـ 10 ص 469 - 470. "صة" ص 404.

ص: 470

وقد تقدم آنفًا سبب تلقيبه به، وأنه روى من الأحاديث 132 حديثًا، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أبي بكرة) رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف، فصلى بالذين خلفه ركعتين) أي ثم سلم، كما هو مصرح به في الرواية الآتية 18/ 1551 من طريق خالد بن الحارث، عن أشعث، ولفظه:"عن أبي بكرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم في الخوف ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالقوم الآخرين ركعتين، ثم سلم، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم أربعًا".

فهذه الرواية صريحة في كونه سلم من الركعتين (وبالذين جاءوا ركعتين) أي وصلى ركعتين أُخريين بالطائفة الذين جعلهم بإزاء العدو، فجاءوا بعد أن قام الذين صلوا معه الركعتين مقامهم (فكانت) الصلاة (للنبي صلى الله عليه وسلم أربعًا) حيث صلى مع كل طائفة ركعتين (و) كانت (لهؤلاء ركعتين، ركعتين) أي كانت لكل طائفة ركعتان.

وفيه دليل على أن من صفات صلاة الخوف أن يصلي الإِمام الصلاة مرتين، بكل طائفة مرة، فتكون إحدى الصلاتين له فريضة، والأخرى نافلة، فيكون فيه دليل واضح لما بوّب له المصنف رحمه الله، وهو جواز اقتداء المفترض بالمتنفل.

ص: 471

قال في "المنهل": وأجاب من لم يجوز اقتداء المفترض بالمنتفل بأن الحديث محمول على صلاة الحضر، وأن كل طائفة أتموا لأنفسهم ركعتين بعد سلام الإِمام، وأن تسليمة صلى الله عليه وسلم بعد الركعتين الأوليين من خصوصياته.

قال: ولا يخفى بعد هذا، إذ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل عليها، وليس في الحديث ما يفيد أن الطائفتين أتموا لأنفسهم ركعتين بعد سلام الإِمام، وأجابوا بأجوبة غير ما ذكر لا تقوى على رد ظاهر الحديث. قال محمد بن عبد الهادي الحنفي: ولا يخفى أنه يلزم فيه اقتداء المفترض بالمتنفل قطعًا، ولم أر لهم عنه جوابًا شافيًا. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن هذا الحديث صريح في جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، وكل ما ذكروه من الأجوبة غير مقبول. و {الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ} [يونس: 35] نسأل الله تعالى أن يهدينا لاتباع الحق، ويميتنا عليه، إنه بعباده رؤوف رحيم. وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي بكرة رضي الله عنه هذا صحيح.

(1)

المنهل جـ 7 ص 127.

ص: 472

تنبيه: أعل ابن القطان حديث أبي بكرة هذا بأنه إنما أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة. أي فيكون مرسلاً.

قال الحافظ رحمه الله: وهذه ليست بعلة، فإنه يكون مرسل صحابي

(1)

. أي ومرسل الصحابي في حكم الموصول عند المحدثين وجمهور العلماء، وإن خالف بعض أهل الأصول، قال الحافظ السيوطي رحمه الله في "ألفيته":

وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وصلٌ في الأصَحّ

.......................

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 41/ 836 عن عمرو بن علي، وفي نسخة عن بشر بدل عمرو، عن يحيى القطان، عن أشعث، عن الحسن، عنه. وفي "الكبرى" 41/ 910 عن بشر بن هلال، عن يحيى، به. وفي 1551 عن محمد بن عبد الأعلى، وإسماعيل بن مسعود، كلاهما عن خالد ابن الحارث، عن أشعث، به. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة"، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشْعَثَ، به. وأحمد جـ 5 ص 39، 49، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني.

(1)

راجع "التلخيص الحبير" جـ 2 ص 75.

ص: 473

قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ما يتعلق بصلاة الخوف في بابه إن شاء الله تعالى.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 474

‌42 - فَضْلُ الْجَمَاعَةِ

أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على بيان فضل صلاة الجماعة.

837 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً".

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة 240، من [10]. أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

2 -

(مالك) بن أنس، الإِمام الحجة الثبت، مات سنة 179، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 7.

3 -

(نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه، مات سنة 117، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 12/ 12.

4 -

(ابن عمر) عبد الله رضي الله عنهما، تقدم في 12/ 12.

ولطائف هذا الإسناد قد ذكرت غير مرة، وهو (59) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن ابن عمر) رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

ص: 475

صلاة الجماعة) الإضافة لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم مع الجماعة، أو بحذف مضاف، أي صلاة آحاد الجماعات، فليس المراد تفصيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاة الواحد باعتبار حالين. أفاده السندي رحمه الله تعالى

(1)

.

(تفضل على صلاة الفذّ) أي تزيد على صلاة المنفرد.

قال ابن الأثير في "شرح المسند" لما كانت "تَفضُلُ" بمعنى "تزيد"، وهي تتعدى بـ"على" أعطاها معناها، فعداها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها، قال وأما الذي في مسلم:"أفضل من صلاة الفذ" فجاء بها بلفظ "أفعل" التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك، وهي أبلغ من "تَفْضُل" على ما لا يخفى. انتهى

(2)

.

والفذّ -بالمعجمة-: المنفردُ، يقالُ: فذَّ الرجل من أصحابه: إذا بقي منفردًا وحده.

وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، وسياقه أوضح، ولفظه:"صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده"

(3)

.

(بسبع وعشرين درجة) قال الترمذي رحمه الله: عامة من رواه

(1)

شرح السندى جـ 1 ص 241.

(2)

انظر عمدة القاري جـ 5 ص 166.

(3)

انظر الفتح جـ 2 ص 346.

ص: 476

قالوا: خمسًا وعشرين، إلا ابن عمر، فإنه قال: سبعًا وعشرين. انتهى.

قال الحافظ رحمه الله: لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري، عن نافع، فقال: خمسًا وعشرين، لكن العمري ضعيف، ووقع عند أبي عوانة في "مستخرجه" من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، فإنه قال فيه: بخمس وعشرين، وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله، وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقة.

وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان، عن نافع بلفظ:"بضع وعشرين" فليست مغايرة لرواية الحفاظ، لصدق البضع على السبع، وأما غير ابن عمر، فصح عن أبي سعيد، وأبي هريرة، كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد، وابن خزيمة، وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه، والحاكم، وعن عائشة، وأنس عند السراج، وورد أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذ، وصهيب وعبد الله ابن زيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أُبَيٍّ، فَقال:"أربع"، أو "خمس" على الشك، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد، قال فيها:"سبع وعشرون" وفي إسنادها شريك القاضي، وهي حفظة ضعف.

وفي رواية لأبي عوانة: "بضعًا وعشرين"، وليست مغايرة أيضاً،

ص: 477

لصدق البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس، والسبع؛ إذ لا أثر للشك.

واختلف في أيهما أرجح، فقيل: رواية الخمس، لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع، لأن فيها زيادة من عدل حافظ.

ووقع الاختلاف في موضع آخر من الحديث، وهو مميز العدد المذكور، ففي الروايات كلها التعمير بقوله:"درجة"، أو حذف المميز، إلا طريق حديث أبي هريرة، ففي بعضها "ضعفًا"، وفي بعضها:"جزءًا"، وفي لعضها:"درجة"، وفي لعضها:"صلاة". ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة.

وأما قول ابن الأثير: إنما قال: "درجة"، ولم يقل: جزءًا، ولا نصيبًا، ولا حظًا، ولا نحو ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجات إلى جهة فوق، فكأنه بناه على أن الأصل لفظ "درجة"، وما عدا ذلك مق تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضعف. وسيأتي ما ذكره العلماء في الجمع بين روايتي الخمس والسبع، في المسائل، إن شاء الله. وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.

ص: 478

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 42/ 837 وفي "الكبرى" 42/ 911 بالسند المذكور. والله أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف. ومسلم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك. ومن زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، وابن نمير، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، كلاهما عن عبيد الله، ومن محمد بن رافع، عن ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان. وابن ماجه فيه عن عبد الرحمن ابن عمر رُسْتَهْ، عن يحيى القطان به. والترمذي فيه عن هناد، عن عبدة، عن عبيد الله، ثلاثتهم عن نافع عنه. ومالك في "الموطأ" رقم 100. وأحمد جـ 2 ص 17 و65 و102 و192 و956. والدارمي رقم 1280. وابن خزيمة 1471 والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: ذكر العلماء في الجمع بين روايتي الخمس والعشرين، والسبع والعشرين وجوهًا، كما قال الحافظ في "الفتح":

ص: 479

أحدها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشافعي، وحكي عن نصه، وعلى هذا، فقيل: وهو:

الوجه الثاني: لعله صلى الله عليه وسلم أخبر بالخمس، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بالسبع، وتعقب بأنه يحتاج إلى التاريخ، وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه، لكن إذا فرّعنا على المنع تعين تقدم الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص.

ثالثها: أن اختلاف العددين باختلاف مميزهما، وعلى هذا، فقيل: الدرجة أصغر من الجزء. وتعقب بأن الذي روي عنه الجزء روي عنه الدرجة. وقال بعضهم: الجزء في الدنيا، والدرجة في الآخرة، وهو مبني على التغاير.

رابعها: الفرق بقرب السجد وبعده.

خامسها: الفرق بحال المصلي، كأن يكون أعلم، أو أخشع.

سادسها: الفرق بإيقاعها في المسجد، أو في غيره.

سابعها: الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره.

ثمامنها: الفرق بإدراك كلها أو بعضها.

تاسعها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم.

ص: 480

عاشرها: السبع مختصة بالفجر والعشاء. وقيل: بالفجر والعصر، والخمس بما عدا ذلك.

حادي عشرها: السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية. قال الحافظ: وهذا الوجه عندي أوجهها، لما سأبينه

(1)

.

ثم إن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى. ونقل الطيبي عن التوربشتي ما حاصله: إن ذلك لا يدرك بالرأي، بل مرجعه إلى علم النبوة التي قصرت علوم الأَلِبَّاءِ عن إدراك حقيقتها كلها، ثم قال: ولعل الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة، والاقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإِسلام، وغير ذلك.

قال الحافظ: وكأنه يشير إلى ما قدمته عن غيره، وغفل عن مراد من زعم أن هذا الذي ذكره لا يفيد المطلوب، لكن أشار الكرماني إلى احتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا، فأريد المبالغة في تكثيرها، فضربت في مثلها، فصارت خمسًا وعشرين. ثم ذكر للسبع مناسبة أيضًا من جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها.

وقال غيره: الحسنة بعشر للمصلي منفرداً، فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين، ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس، أو يزاد عدد أيام الأسبوع، ولا يخفى فساد هذا، وقيل: الأعداد عشرات، ومئون،

(1)

لكن فيه نظر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ص: 481

وألوف، وخير الأمور الوسط، فاعتبرت المائة، والعدد المذكور ربعها، وهذا أشد فسادًا من الذي قبله.

قال الحافظ: وقرأت بخط شيخنا البلقيني فيما كتب على "العمدة": ظهر لي في هذين العددين شيء لم أُسبَق إليه؛ لأن لفظ ابن عمر رضي الله عنهما: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ"، ومعناه في الجماعة، كما وقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"صلاة الرجل في الجماعة"، وعلى هذا، فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة، وأدنى الأعداد التي يتحق فيها ذلك ثلاثة حتى يكون كل واحد صلى في جماعة، وكل واحد منهم أتى بحسنة، وهي بعشرة، فيحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد، وهو سبعة وعشرون، دون الثلاثة التي هي أصل ذلك. انتهى.

وظهر لي في الجمع بين العددين أن أقل الجماعة إمام ومأموم، فلولا الإِمام ما سمي المأموم مأمومًا، وكذا عكسه، فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة "خمس وعشرين درجة"، حمل الخبر الوارد بلفظها على الفضل الزائد، والخبر الوارد للفظ "سبع وعشرين" على الأصل والفضل.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كل ما قالوه مما لا ينشرح له الصدر، ولا تطمئن إليه النفس، إن هو من الأمور التي مرجعها إلى علم النبوة التي تقصر عن إدراك حقائقها عقول الحُكَمَاء، وتتقاصر دون

ص: 482

معرفتها أذواق الفُهَمَاء، فلا ينبغي الاشتغال بمثلها، بل تُفَوَّض إلى علم من له الخلق والأمر، جَلَّت عظمته، ودقّت حكمته، وعِلْمِ من أُوحي إليه بتبليغ الأحكام، وإيضاح أسرار التشريع للأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

ثم إنه قد خاض قوم في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة، قال ابن الجوزي رحمه الله: وما جاؤوا بطائل، وقال المحب الطبري: ذكر بعضهم أن في حديث أبي هريرة رضي الله عنه

(1)

إشارة إلى بعض ذلك. ويضاف إليه أمور أخرى وردت في ذلك، وقد فصلها ابن بطال، وتبعه جماعة من الشارحين، وتعقب الزين ابن المنير بعض ما ذكره، واختار تفصيلاً آخر أورده. قال الحافظ: وقد نَقَّحْتُ ما وقفت عليه من ذلك، وحذفت ما لا يختص بصلاة الجماعة:

فأولها: إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت، والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله، كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة.

(1)

لفظ حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه؛ اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" متفق عليه، واللفظ للبخاري.

ص: 483

سادسها: انتظار الجماعة.

سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.

ثامنها: شهادتهم له.

تاسعها: إجابة الإقامة.

عاشرها: السلامة من الشيطان حين يفر عند الإقامة.

حادي عشرها: الوقوف منتظرًا إحرام الإِمام، أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها.

ثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام كذلك.

ثالث عشرها: تسوية الصفوف، وسد فرجها.

رابع عشرها: جواب الإِمام عند قوله: سمع الله لمن حمده.

خامس عشرها: الأمن من السهو غالبًا، وتنبيه الإِمام إذا سها بالتسبيح، أو الفتح عليه.

سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبًا.

سابع عشرها: تحسين الهيئة غالبًا.

ثامن عشرها: احتفاف الملائكة به.

تاسع عشرها: التدرب على تجويد القراءة، وتعلم الأركان والأبعاض.

العشرون: إظهار شعائر الإِسلام.

ص: 484

الحادي والعشرون: إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل.

الثاني والعشرون: السلامة من صفة النفاق، ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسًا.

الثالث والعشرون: رد السلام على الإِمام.

الرابع والعشرون: الانتفاع لاجتماعهم على الدعاء والذكر، وعود بركة الكامل على الناقص.

الخامس والعشرون: قيام نظام الألفة بين الجيران، وحصول تعاهدهم في أوقات الصلاة.

فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر، أو ترغيب يخصه، وبقي منها أمران يختصان الجهرية، وهما: الإنصات عند قراءة الإِمام، والاستماع لها، والتأمين عند تأمينه، ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية. والله أعلم. انتهى ما قاله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وبهذا يترجح

إلخ فيه نظر، إذ النص عام في الجهرية وغيرها، فتخصيصه بالجهرية بدون دليل

(1)

جـ 2 ص 347 - 349. نسخة دار الفكر.

ص: 485

صريح غيرُ صحيح، وما ذكره من وجه الترجيح فيه تكلف لا يخفى، فالأولى إجراء النص على عمومه.

والحاصل أن كل ما ذُكِرَ من تعيين الأسباب الموجبة للدرجات من التكلفات التي لا داعي إليها، فالأولى أن يُوكَلَ علمها إلى عالمها الخبير بحكمة التشريع وحقائقها، كما سبق في النوع الذي قبله، والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: قال في "الفتح": معنى الدرجة، أو الجزء: حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمُجَمِّع، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلاف ذلك، قال: والأول أظهر؛ لأنه قد ورد مبينًا في بعض الروايات، انتهى.

وكأنه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ: "صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ". وهي أخرى: "صلاة مع الإِمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده". ولأحمد من حديث ابن مسعود بإسناد رجاله ثقات نحوه، وقال في آخره:"كلها مثل صلاته"، وهو مقتضى لفظ أبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال:"تضعف"؛ لأن الضعف كما قال الأزهري: المثل إلى ما زاد، ليس بمقصور على المثلين، تقول: هذا ضعف الشيء، أي مثله، أو مثلاه، فصاعداً، لكن لا يزاد على العشرة.

وظاهر قوله: "تضعف"، وقوله:"تفضل"، وقوله:"تزيد"

ص: 486

أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد، وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون لمصلي الجماعة ثواب ست، أو ثمان وعشرين من صلاة المنفرد. انتهى

(1)

. والله تعالى أعلم.

المسألة السادسة: قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: استدل بهذا الحديث بعض المالكية للمشهور عن مالك أنه لا فضل لجماعة على جماعة؛ لأنه جعل الجماعة كلها بسبع وعشرين وخمس وعشرين، ولم يفرق بين جماعة وجماعة، وذهب الشافعي، والجمهور إلى أن الجماعات تتفاوت، لما روى أبو داود، والنسائي

(2)

، وابن ماجه من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى".

وليس في حديث الباب حجة لمن تعلق به في تساوي الجماعات، لأنا نقول: أقل ما تحصل به الجماعة محصل للتضعيف، ولا مانع من تضعيف آخر بسبب آخر من كثرة الجماعة، أو شرف المسجد، أو بعد طريق المسجد، أو غير ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى

(3)

، والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو حسبنا،

(1)

فتح جـ 2 ص 349.

(2)

يأتي للمصنف برقم 45/ 843.

(3)

طرح جـ 2 ص 300 - 301.

ص: 487

ونعم الوكيل.

838 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ جُزْءًا".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1، 2 - تقدما في السند السابق.

3 -

(ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم الإِمام الحجة المثبت، من [4]، تقدم في 1/ 1.

4 -

(سعيد بن المسيب) بن حَزْن المدني الفقيه الحجة المثبت، من كبار [3]، تقدم في 9/ 9.

5 -

(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1.

قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث واضح يعلم مما قبله، وقد تقدم أيضًا شرحه، وتخريجه برقم 21/ 486، فإن شئت فراجعه تزدد علماً. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 488

839 -

أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ

(1)

عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً"

(2)

.

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(عبيد الله بن سعيد) اليشكري، أبو قُدَامة السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سنين، مات سنة 241، من [10]، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، تقدم في 15/ 15.

2 -

(يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة ثبت حجة، مات سنة 198، من [9]، تقدم في 4/ 4.

3 -

(عبد الرحمن بن عمار) بن أبي زينب التيمي المدني، ثقة، من [6].

قال إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الرحمن ابن عمار بن أبي زينب، وأثنى عليه خيرًا، قال حرب بن إسماعيل،

(1)

وفي نسخة: "يزيد" بالياء التحتانية بدل التاء القوقانية.

(2)

كلمة "درجة" زائدة في بعض النسخ.

ص: 489

عن أحمد: كان ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له أبو داود في "المراسيل"، والمصنف.

تنبيه: وقع في بعض النسخ "عبد الرحمن بن عامر"، بدل "عمار" وهو وَهَم. قاله الحافظ المزي رحمه الله في "تحفة الأشراف" جـ 12 ص 264.

4 -

(القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة، أحد الفقهاء السبعة، مات سنة 106، من كبار [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 120/ 166.

5 -

(عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت في 5/ 5.

قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث واضح مما سبق. وهو من أفراد المصنف، لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا 42/ 839، وفيه "الكبرى" 42/ 913، والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 490

‌43 - الْجَمَاعَةُ إذَا كانُوا ثَلاثَةً

أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الجماعة إذا كانوا ثلاثة أشخاص.

وأراد المصنف رحمه الله بعد أن بين فضل الجماعة أن يبين ما تحصل به الجماعة، وهو أن يكون اثنان، إمام ومأموم، أو ثلاثة، سواء كانوا ذكورًا بالغين، أو مختلطين، لكن كان الأولى له أن يقدم ذكر الاثنين على الثلاثة. والله تعالى أعلم.

840 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

تقدم في الباب السابق.

2 -

(أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة 175، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 46.

ص: 491

3 -

(قتادة) بن دعامة السَّدُوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مات سنة 117، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 30/ 34.

4 -

(أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي العَوَقِي البصري، ثقة، مات سنة 108 أو 109، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 21/ 538.

5 -

(أبو سعيد) الخدري، سعد بن مالك بن سِنَان، رضي الله عنهما، تقدم في 169/ 262. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وبصريون، إلا شيخه، فبغلاني، وأبا سعيد فمدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو سعيد من المكثرين السبعة من الصحابة، روى 1170 حديثًا. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أبي سعيد) الخدري رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذا كانوا ثلاثة)، أي إذا كان القوم المجتمعون لأداء الصلاة ثلاثة أشخاص (فليؤمهم أحدهم) أي يجب عليهم أن يقدموا أحدهم ليصلي بهم إمامًا، وفي قوله:"أحدهم" إشارة إلى جواز

ص: 492

تقديم المفضول مع وجود الفاضل، إلا أن الأولى تقديم الفاضل، كما قال:(وأحقهم بالإِمامة أقرؤهم) أبي أكثرهم قرآنًا، وأجودهم قراءة.

وفيه دليل على فضل من كان أقرأ لكتاب الله تعالى، حيث كان أحق بالتقدم في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين.

وفيه دليل أيضًا لمن يقول بتقديم الأقرإ على الأفقه، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي رحمهم الله، وهو الراجح، بشرط أن يكون يعلم أحكام الصلاة.

وقال مالك والشافعي وأصحابهما رحمهم الله: الأفقه مقدم على الأقرإ، وقد تقدم ذكر أدلة الفريقين، وترجيح الراجح برقم 3/ 780، فإن شئت فارجع إليه تستفد، والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 43/ 840، وفي "الكبرى" 43/ 914 بالسند المذكور، وفي 5/ 782، و"الكبرى" 5/ 857 عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى

ص: 493

القطان، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، به. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة، عن أبي عوانة، وعن محمد ابن بشار، عن يحيى القطان، عن شعبة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن سعيد بن أبي عروبة، ومن أبي غسان المِسْمَعي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، كلهم عن قتادة، به. وأحمد جـ 3 ص 24 و34 و36 و51 و84،. وعبد بن حميد رقم 878. والدارمي 1257 وابن خزيمة 1508.

قال الجامع عفا الله عنه: أما فوائد الحديث، ومذاهب العلماء في حكمه، فقد استوفيتها في شرح حديث رقم 780. فراجعها تزدد علمًا. والله سبحانه وتعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 494

‌44 - الْجَمَاعَةُ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً، رَجُلٌ وَصَبِيٌّ وَامْرَأَةٌ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على مشروعية صلاة الجماعة، وحصول فضلها إذا كان المصلون ثلاثة، رجلاً، وصبيًا، وامرأة. فقوله. رجل

إلخ، هكذا النسخ بالرفع، ووجهه أنه خبر لمحذوف، أي هم رجل

إلخ، ويحتمل النصب على أنه بدل تفصيل لثلاثة، لكنه كتب على لغة ربيعة وعادة القدماء المحدثين، حيثما يرسمون المنصوب المنون بصورتي المرفوع والمجرور، ويقفون عليه بالسكون. والله تعالى أعلم.

841 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ قَزَعَةَ مَوْلًى لِعَبْدِ الْقَيْسِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَعَائِشَةُ خَلْفَنَا تُصَلِّي مَعَنَا، وَأَنَا إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُصَلِّي مَعَهُ.

رجال هذا الإسناد: سبعة

1 -

(محمد بن إِسماعيل) هو ولد إسماعيل ابن علية البصري نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة، مات سنة 264، من [11]، من أفراد

ص: 495

المصنف، تقدم بالرقم المذكور.

2 -

(حجاج) هو ابن محمد الأعور المصيصي، ثقة ثبت، اختلط بآخره، مات سنة 206، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 28/ 32.

3 -

(ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز الأموي، مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل، مات سنة 150، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 28/ 32.

4 -

(زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقة ثبت، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 51/ 64.

5 -

(قَزَعَة مولى لعبد القيس) المكي، مقبول، من [6]، من أفراد المصنف، تقدم في 21/ 804.

6 -

(عكرمة مولى ابن عباس) أبو عبد الله، ثقة ثبت، عالم بالتفسير، مات سنة 107، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 27/ 31.

7 -

(ابن عباس) رضي الله عنهما، تقدم في 27/ 31.

قال الجامع عفا الله عنه: الحديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه، وعلى المسائل المتعلقة به برقم 21/ 804، فأرجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم.

ص: 496

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 497

‌45 - الْجَمَاعَةُ إذَا كَانُوا اثْنَيْنِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية صلاة الجماعة، وحصول فضلها إذا كانا اثنين، وكان الأولى للمصنف أن يقول:"كانا" بضمير المثنى، ليتطابق اسم "كان" مع خبرها، ولعله على قول من يقول: أقل الجمع اثنان، وفيه خلاف مشهور في كتب الأصول. والله أعلم.

وقد عقد البخاري رحمه الله [باب اثنان فما فوقهما جماعة]، وهو لفظ حديث ورد من طرق ضعيفة في سنن "ابن ماجه"، وغيره، واستدل البخاري بحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إذا حضرت الصلاة، فأذنا، وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما". والله تعالى أعلم.

842 -

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي بِيَدِهِ الْيُسْرَى فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ.

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(سويد بن نصر) المروزي، ثقة، مات سنة 240،

ص: 498

من [10]، أخرج له الترمذي، والنسائي، تقدم في 45/ 55.

2 -

(عبد الله) بن المبارك المروزي، ثقة ثبت حجة، مات سنة 181، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 36.

3 -

(عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة العَرْزَمي الكوفي، صدوق له أوهام، مات سنة 145، من [5]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في 7/ 406.

4 -

(عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال، مات سنة 114، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 112/ 154.

5 -

(ابن عباس) رضي الله عنهما، تقدم في 27/ 31. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم عن رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ عبد الملك عن عطاء، وأن فيه ابن عباس رضي الله عنهما، أحد العبادلة الأربعة، واحد المكثرين السبعة، روى 1696 حديثًا. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن ابن عباس) رضي الله عنهما، أنه (قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي صلاة الليل في بيت خالته ميمونة رضي الله

ص: 499

عنها، ففي رواية مسلم:"قال: بت ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي تطوعًا من الليل، فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى القربة، فتوضأ، فقام فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك، فتوضأت من القربة، ثم قمت إلى شقه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن".

(فقمت عن يساوه) أي عن جهة يسار النبي صلى الله عليه وسلم (فأخذني بيده اليسرى، فأقامني عن يمينه) فيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإِمام، وعليه جمهور العلماء. ثم إنّ قوله:"عن يمينه" يحتمل المساواة، وهو الظاهر، ويحتمل التقدم والتأخر قليلاً، وفي رواية:"فقمت إلى جنبه"، وهو ظاهر في المساواة، ومن بعض أصحاب الشافعي: يستحب أن يقف المأموم دونه قليلاً. قال الشوكاني رحمه الله: وليس عليه دليل فيما أعلم. وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا أوائل "كتاب الإمامة"، والحمد لله. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم

(1)

.

(1)

والمراد من طريق عطاء، وإلا فقد أخرجه البخاري من طريق سعيد بن جبير عنه، وتقدم للمصنف 22/ 806. فتنبه.

ص: 500

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 45/ 842 وفي "الكبرى" 45/ 916 بالسند المذكور. والله أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن حاتم، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن عبد الملك بن أبى سليمان، وعن هارون بن محمد الله، ومحمد بن رافع، كلاهما عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن قيس بن سعد. وأبو داود عن مسدد، عن يحيى القطان، عن عبد الملك، ثلاثتهم عن عطاء، عنه. وأخرجه الحميدي برقم 472 وأحمد جـ 1 ص 367 و249 و147. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو مشروعية الجماعة، وحصول فضلها للاثنين.

ومنها: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإِمام، وعليه جمهور العلماء، وحكي عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولم يتابع على ذلك لمخالفته للأدلة. وعن النخعي أنه يقف وراءه إلى أن يريد الإِمام أن يركع، فإن لم يجيء مأموم آخر تقدم، فوقف عن يمينه

(1)

، وحديث

(1)

المَنْهَل جـ 4 ص 340.

ص: 501

الباب يرد عليه.

ومنها. مشروعية انعقاد الجماعة بالصبي المميز مع الإِمام، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله من غير فرق بين الفريضة، والنافلة. وقال مالك رحمه الله: تنعقد في النافلة، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وذهب أبو حنيفة رحمه الله في رواية وأصحابه إلى عدم انعقاد الجماعة بالصبي

(1)

، وحديث الباب حجة عليهم.

ومنها: صحة صلاة النوافل بالجماعة.

ومنها: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

843 -

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ شُعْبَةُ: وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وَمِنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، يَقُولُ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَقَالَ:"أَشَهِدَ فُلَانٌ الصَّلَاةَ؟ " قَالُوا: لَا.

(1)

نيل الأوطار جـ 4 ص 30 - 31.

ص: 502

قَالَ: "فَفُلَانٌ". قَالُوا: لَا، قَالَ: "إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ أَثْقَلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا، وَالصَّفُّ الأَوَّلُ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ فَضِيلَتَهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانُوا أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عز وجل.

رجال هذا الإسناد: سبعة

1 -

(إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدري أبو مسعود البصري، ثقة، مات سنة 248، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 42/ 47.

2 -

(خالد بن الحارث) الهُجَيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، مات سنة 186، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 42/ 47.

3 -

(شعبة) بن الحجاج، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 26.

4 -

(أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد،

ص: 503

اختلط آخرًا، مات سنة 129 من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 38/ 42.

5 -

(عبد الله بن أبي بصير) العمدي الكوفي، ثقة، من [3]. روى عن أبَيّ بن كعب، وعن أبيه، عن أبي بن كعب. وعنه أبو إسحاق السبيعي، ولا يعرف له راوٍ غيره، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة

(1)

. أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

6 -

(أبو بصير)

(2)

العبدي الكوفي الأعمى، يقال: اسمه حفص، مقبول، من [3]. روى عن أبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، والأشعث بن قيس، وعنه ابنه عبد الله، والعيزار بن حريث، وأبو إسحاق السبيعي. ذكره ابن حبان في "الثقات".

حكى ابن عيينة أنه من بكر بن وائل، قال: وكانوا أتوا به مسيلمة، وهو صغير، فمسح وجهه، فعمي، فكنوه أبا بصير على القلب. أخرج له أبو داود في "القدر"، والنسائي، وابن ماجه

(3)

.

7 -

(أبي بن كعب) بن قيس بن عُبَيد الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، سيد القراء رضي الله عنه، قيل: مات سنة 19، وقيل: غير ذلك، أخرج له الجماعة. تقدم في 23/ 808. والله تعالى أعلم.

(1)

"تت" جـ 5 ص 161 - 162 باختصار.

(2)

في "صة" بكسر المهملة.

(3)

"تت" جـ 12 ص 22 - 23.

ص: 504

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله موثقون، وأن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيون، إلا الصحابي، فمدني، وأن شيخه من أفراده، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض؛ أبو إسحاق، وابن أبي بصير، وأبوه. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(قال شعبة: قال أبو إِسحاق) السبيعي (وقد سمعته منه، ومن أبيه) يعني أن أبا إسحاق سمع هذا الحديث من عبد الله بن أبي بصير، من أبيه، أبي بصير.

قال الحافظ رحمه الله في ترجمة عبد الله بن أبي بصير من "تت": ما حاصله: ذكر يحيى بن سعيد، وغيره عن شعبة، قال: قال أبو إسحاق. سمعت -يعني هذا الحديث- عن عبد الله بن أبي بصير، وعن أبيه، عن أبي بن كعب. وكذا حكى ابن معين، وعلي بن المديني عن شعبة. وفي هذا الحديث اختلاف على أبي إسحاق، فرواه شعبة في قول الجمهور عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبيه، عن أُبَيّ، وتابعه زهير بن معاوية، وغير واحد، منهم الثوري في المشهور عنه، عن أبي إسحاق، ورواه ابن المبارك، عن شعبة، عنه،

ص: 505

عن عبد الله، عن أُبيّ، ليس فيه "عن أبيه"، وكذا قال إسرائيل، وغيره عن أبي إسحاق، ورواه أبو الأحوص عن أبي إسحاق، ورواه أبو إسحاق الفزاري، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن أبي بصير، وكذا رواه معمر الرقي، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عبد الله بن أبي بصير. قال الذهلي: والروايات فيه محفوظة إلا حديث أبي الأحوص، فإني لا أدري كيف هو؟. قال الحافظ: تترجح الرواية الأولى للكثرة. انتهى

(1)

.

(قال: سمعت أُبيّ بن كعب) رضي الله عنه (يقول: على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا صلاة الصبح، فقال: "أشهد فلان الصلاة؟ ") بصيغة الماضي، أي أحضر فلان صلاتنا هذه، فـ"أل" للعهد الحضوري، كما في قوله تعالى. {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، أي في اليوم الحاضر. وعند أبي داود، وغيره:"أشاهد فلان"، بصيغة اسم الفاعل.

ولعل أبياً لم يعرف اسم الرجلين، فكنى عنهما بفلان وفلان، أو أبهمهما للستر عليهما.

وسبب قوله ذلك أنه رأى قلة الحاضرين، ففي رواية عبد الله بن أحمد في "المسند" عن طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن العيزار ابن حريث، عن أبي بصير، قال أُبيّ. صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

" تت" جـ 5 ص 161 - 162.

ص: 506

صلاة الفجر، فلما قضى الصلاة، رأى من أهل المسجد قلة، فقال:"شاهد فلان" .... الحديث.

(قالوا: لا) أي لم يحضرها (قال: ففلان؟) أي فقال صلى الله عليه وسلم: أشهد فلان الصلاة؟ (قالوا: لا. قال: إِن هاتين الصلاتين) يعني الصبح والعشاء. قال الفقيه ابن حجر الهيتمي المكي رحمه الله: أشار إلى العشاء لحضورها بالقوة؛ لأن الصبح مُذَكِّرة بها، نظرًا إلى أن هذه مبتدأ النوم، وتلك منتهاه. انتهى

(1)

.

وفي رواية لأحمد: "إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر"

ونحوه لابن خزيمة في "صحيحه"(من أثقل الصلاة على المنافقين) لغلبة كَسَلِهِمْ فيهما، وقلة تحصيل الرياء لهم بهما.

قال صاحب "المنهل": وخص هاتين الصلاتين، لأنهما مظنة التهاون والتكاسل، فإنهما في وقت دوم، ولا ينتهض لله عز وجل فيهما من فراشه عن لذيذ نومه إلا مؤمن تقي، ولأنهما في ظلمة الليل، وداعي الرياء الذي يُصلِّي لأجله المنافقين منتف، لعدم مشاهدة من يراؤون له عن الناس، إلا القليل، وليس لهم داع ديني، حتى يبعثهم، ويسهل عليهم الإتيان لهما، فانتفى عنهم الباعث المديني والدنيوي.

(1)

المرقاة جـ 3 ص 153.

ص: 507

وأفعل التفضيل يدلّ على أن الصلوات كلها ثقيلة على المنافقين، كما يدل عليه قوله تعالى:{وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى} الآية [التوبة: 54]

(1)

.

(ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا) ولأبي داود: "ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما" بالخطاب.

يعني أنه لو يعلم المنافقون ما أُعِدَّ لمن صلى هاتين الصلاتين جماعة في المسجد من الأجر والثواب الزائد على غيرهما من الصلوات، لمزيد المشقة فيهما، لجاءوا إلى المسجد لأدائهما جماعة، ولو كان المجيء حبوا على الركب. فـ"حبوا" خبر لـ" كان" المحذوفة مع اسمها، وهو شائع في كلام العرب بعد "لو" و"إنْ" كما قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة:

وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ

وَبَعْدَ إِنْ وَلوْ كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ

ويجوز أن يكون التقدير: ولو يأتونهما حبوًا، أي حابين، تسمية بالمصدر. أفاده الطيبي رحمه الله.

و"الحبو" قال المجد رحمه الله: وحَبَا الرجُلُ حُبُوًّا، كسُمُوٍّ: مشى على يديه وبطنه، وحبا الصبي حَبْوًا، كسَهْوٍ: مشى على استه. انتهى باختصار

(2)

. وقال الفَيُّوميّ: حَبَا الصغير، يحبو حَبْوًا: إذا درج على

(1)

أفاده في المنهل جـ 4 ص 244 - 245.

(2)

"ق" ص 1642.

ص: 508

بطنه. انتهى

(1)

.

(والصف الأول على مثل صف الملائكة) مبتدأ وخبر، يعني أن الصف الأول -وهو الذي يلي الإِمام على الراجح، كما تقدم البحث عنه 29/ 817 في الفضل والقرب من الله تعالى، والبعد من الشيطان كمثل صف الملائكة عند ربهم. وقال السندي رحمه الله تعالى:"على مثل صف الملائكة" أي على أجر، أو فضلٍ، هو مثل أجر صف الملائكة، أو فضله. وظاهره أن الملائكة أكثر أجرًا وفضلاً من بني آدم، فليتأمل انتهى

(2)

.

(ولو تعلمون فضيلته) قال الفيّوميّ: والفضيلة، والفضل: الخير، وهو خلاف النقيصة، والنقص. اهـ. والمراد به هنا: الثواب المترتب عليه (لابتدرتموه) أي سبق كل منكم على آخر لتحصيله.

وفي قوله: "ولو يعلمون""ولو تعلمون" فيهما مبالغة، حيث عَدَلَ من الماضي إلى المضارع، إشعارًا بالاستمرار، ذَكَرَ أوّلاً فضيلة الجماعة، ثم ترقى منه إلى بيان فضيلة الصف الأول، ثم إلى بيان كثرة الجماعة بقوله:"وصلاة الرجل" إلخ. أفاده في "المرقاة"

(3)

.

(وصلاة الرجل مع الرجل أزكى) أي أكثر ثوابًا، من الزكاة بمعنى

(1)

المصباح جـ 1 ص 120.

(2)

شرح السندي جـ 2 ص 105.

(3)

جـ 3 ص 154.

ص: 509

النُّمُو، أو أكثر طهارة من رجس الشيطان، وتسويله، من الزكاة بمعنى الطهارة. ومن هذا أخذ المصنف الترجمة (من صلاته وحده) فيه إشارة إلى أن صلاة المنفرد صحيحة، فليست الجماعة شرطًا لصحة الصلاة، وإذ كانت فرض عين على الراجح (وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل) أي الواحد (وما كانوا أكثر فهو أحب إِلى الله عز وجل "ما" شرطية، أي وما كان المصلون جماعة أكثر فهو أحب إلى الله تعالى. وقال السندي: أي قَدْرُ ما كانوا أكثر فذلك القدر أحب مما دونه. اهـ. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولي: في درجته:

حديث أبي بن كعب رضي الله عنه هذا حسن.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 45/ 843، وفي "الكبرى" 45/ 917 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أُبَيٍّ رضي الله عنه. وابن ماجه فيه عن محمد بن معمر البحراني، عن أبي بكر عبد الكبير بن

ص: 510

عبد المجيد الحنفي، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن أبيه، عن عبد الله بن أبى بصير، عن أبيه، عنه ببعضه

(1)

.

قال الحافظ المزي رحمه الله: رواه سعيد بن عامر، وغير واحد عن شعبة متل رواية الحوضي. ورواه إسرائيل بن يونس، وسيفان الثوري، عن أبي إسحاق مثل رواية الحوضي عن شعبة. ورواه زهير ابن معاوية، وزكريا بن أبي زئدة، وخالد بن ميمون، وأبو بكر بن عياش، وجرير بن حازم، عن أبي إسحاق مثل رواية ابن أبي إسحاق. ورواه أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن أبي بصير، عن أُبَيّ. وكذلك رواه أبو إسحاق الفزاري، عن الثوري، عن أبي إسحاق. انتهى

(2)

.

وأخرجه أحمد جـ 5 ص 145 و141. وعبد بن حميد 173. والدارمي رقم 1274 و1275. وابن خزيمة 1476 و1277. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو أن صلاة الجماعة

(1)

قال الحافظ في "النكت": قلت: القدر الذي ساقه ابن ماجه من الحديث نصه: "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده أربعة، أو خمسة وعشرين جزءاً" وهذا القدر ما هو فيما ساقه أبو داود، والنسائي، فكان ينبغي إفراده بالذكر، وإن كان الحديث في الأصل واحدًا، فإن الطيالسي أخرجه في "مسنده" عن شعبة، عن أبي إسحاق بتمامه. انتهى، "النكت" جـ 1 ص 21.

(2)

تحفة الأشراف جـ 1 ص 21 - 22.

ص: 511

تحصل باثنين؛ إمام ومأموم.

ومنها: أن الجماعة تتفاوت بكثرة حاضريها.

ومنها: أنه ينبغي لإمام القوم أن يتفقد أحوال المأمومين، ويسأل عمن غاب منهم.

ومنها: تأكد صلاة الجماعة في العشاء والفجر، وعلى الترغيب في حضور الجماعة فيهما، لما فيه من الخير الكثير.

ومنها: أن الصلاة ثقيلة على المنافقين، كما قال الله تعالى:{وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]. وأثقلها صلاة العشاء وصلاة الفجر.

ومنها: أن ملازمة صلاة الجماعة، ولاسيما في هاتين الصلاتين من علامات الإيمان.

ومنها: بيان مزيد فضل الصف الأول، والترغيب في المبادرة إليه، والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 512

‌46 - الْجَمَاعَةُ لِلنَّافِلَةِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية الجماعة للصلاة النافلة. والاستدلال بالحديث المذكور على الترجمة واضح. والله تعالى أعلم.

844 -

أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودٍ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ السُّيُولَ لَتَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَأُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي، فَتُصَلِّيَ فِي مَكَانٍ مِنْ بَيْتِي، أَتَّخِذُهُ

(2)

مَسْجِدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"سَنَفْعَلُ"، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"أَيْنَ تُرِيدُ؟ "، فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صُهْبَان الجَهْضَميُّ البصري، ثقة ثبت، طلب للقضاء، فامتنع، مات سنة 250 أو

(1)

في نسخة: "حدثنا".

(2)

في نسخة: "فأتخذه".

ص: 513

بعدها، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 20/ 386.

2 -

(عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي أبو محمد البصري، ثقة، مات سنة 189، عن [8]، أخرج له الجماعة. تقدم في 20/ 386.

3 -

(معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، مات سنة 154، من كبار [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 10/ 10.

4 -

(الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني الإِمام الحجة الثبت، مات سنة 125، من رؤوس [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

5 -

(محمود) بن الربيع بن سُراقة بن عمرو الخزرجي المدني، صحابي صغير، رضي الله عنه، أخرج له الجماعة، تقدم في 10/ 788.

6 -

(عتبان بن مالك) بن عمرو العجلاني الأنصاري السَّلَمي صحابي مشهور، مات في خلافة معاوية رضي الله عنهما. أخرجه الجماعة، تقدم في 10/ 788.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم

ص: 514

شرحه، وذكر ما يتعلق به من المسائل مستوفًى برقم 10/ 788، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 515

‌47 - الْجَمَاعَةُ لِلْفَائِتِ مِنَ الصَّلَاةِ

أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على مشروعية الجماعة لقضاء الصلاة الفائتة.

845 -

أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِوَجْهِهِ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَقَالَ:"أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي".

قال الجامع عفا الله عنه: استدلال المصنف لهذا الحديث على ما ترجم له غير واضح، فليتأمل. الحديث متفق عليه، وقد تقدم مستوفى الشرح سندًا ومتنًا ومسائل برقم 28/ 814 وهذا الإسناد هو (60) من رياعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.

وإسماعيل: هو ابن جعفر بن أبي كثير المدني، وحميد هو الطويل البصري.

846 -

أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُبَيْدٍ -وَاسْمُهُ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ- عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "إِنِّي

ص: 516

أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ". قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أَحْفَظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا فَنَامُوا، وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ "، قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ عز وجل قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، فَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ، قُمْ يَا بِلَالُ، فَآذِنِ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ"، فَقَامَ بِلَالٌ، فَأَذَّنَ، فَتَوَضَّئُوا -يَعْنِي حِينَ ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ- ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى بِهِمْ.

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(هناد بن السري) أبو السري الكوفي، ثقة، مات سنة 243، من [10]، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، والأربعة. تقدم في 23/ 25.

2 -

(أبو زبيد، عبثر بن القاسم)

(1)

الزُّبَيدي الكوفي، ثقة، مات سنة 179، من [8].

(1)

"أبو زبيد" بضم الزاي مصغراً، و"عبثر" بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة، وفتح المثلثة، و"الزبيدي" مصغراً أيضًا. أفاده في "ت" ص 167.

ص: 517

قال صالح بن أحمد، عن أبيه: صدوق ثقة. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو داود: ثقة ثقة وقال أبو حاتم: صدوق. وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قيل: مات سنة 179. وقال ابن سعد: توفي سنة 178، وكان ثقة كثير الحديث. وقال البخاري في تاريخه. يقال: توفي سنة 178، أخرج له الجماعه

(1)

.

3 -

(حصين) بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، ابن عم منصور بن المعتمر، ثقة، تغير حفظه في الآخر، من [5].

قال أبو حاتم، عن أحمد: حصين بن عبد الرحمن الثقة المأمون، من كبار أصحاب الحديث. وقال ابن معين: ثقة وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، سكن المُبَارك

(2)

بآخره، والواسطيون أروى الناس عنه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: ثقة. قلت: يحتح بحديثه؟ قال: إي والله. وقال أبو حاتم. صدوق ثقة في الحديث، وهي آخر عمره ساء حفظه. وقال النسائي. تغير. وقال يزيد بن هارون: اختلط. وقال ابن عدي: له أحاديث، وأرجو أنه لا بأس به. وقال هشيم: روى عن ستة عن الصحابة. وقال أسلم بن سهل: روى عن ثمانية، وامرأتين. وقال هشيم: أتى عليه 93 سنة،

(1)

"تت" جـ 5 ص 136 - 137 و"ت" ص 167.

(2)

اسم نهر بالبصرة.

ص: 518

وكان أكبر من الأعمش. وقال علي بن عاصم، عن حصين: جاءنا قتل الحسين، فمكثنا ثلاثًا كأن وجوهنا طُلِيت رماداً، قلت: مثل من أنت يومئذ؟ قال: رجل مناهد

(1)

. قال مطين: مات سنة 136، روى له الجماعة

(2)

.

4 -

(عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، مات سنة 95، من [2]، أخرح له الجماعة، تقدم في 23/ 24.

5 -

(أبو قتادة) الحارث بن ربعي، وقيل غيره، الأنصاري السلمي الصحايي المشهور رضي الله عنه، مات سنة 54، وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 24. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري إلا في "خلق أفعال العباد"، وأنهم كوفيون، إلا الصحابي، وابنه فمدنيان.

ومنها: أن فيه عبثرًا، وليس في الكتب الستة من اسمه عبثر غيره، وهو يشتبه مع عنبر بعين، فنون، فباء موحدة، جد محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري.

(1)

أي رجل مراهق. وفي "تك" متأهل.

(2)

"تت" جـ 2 ص 381 - 383 باختصار. "ت" ص 76.

ص: 519

ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، وأن فيه الإخبارَ، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) أبي قتادة الحارث بن ربعي، رضي الله عنه، أنه (قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) ولفظ "الكبرى" في "التفسير": "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في سفر، ذات ليلة"، وفي رواية للبخاري:"سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة" قال الحافظ رحمه الله تعالى: ما حاصله: جزم بعض الشراح بأن ذلك كان في رجوعه من خيبر معتمدًا على ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة، وفيه نظر. قال: ولأبي نعيم في "المستخرج" من هذا الوجه في أوله:" كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يسير بنا"

وزاد مسلم من طريق عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في أول الحديث قصة له فى مسيره مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نعس حتى مال عن راحلته، وأن أبا قتادة دعمه ثلاث مرات، وأنه في الأخير مال عن الطريق، فنزل في سبعة أنفس، فوضع رأسه، ثم قال:"احفظوا علينا صلاتنا" ولم يذكر ما وقع هنا من قول بعض الناس: لو عَرَّست بنا ولا قول بلال: أنا أوقظكم. انتهى كلام الحافظ

(1)

تنبيه: قال في "الفتح": اختلف في تعيين هذا السفر، ففي مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه وقع عند رجوعهم من

(1)

راجع "الفتح" جـ 2 ص 264.

ص: 520

خيبر قريب من هذه القصة، وفي رواية أبي داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية ليلاً، فنزل فقال:"من يكلؤنا؟ " فقال: أنا. وفي "الموطأ" عن زيد بن أسلم مرسلاً: عرّس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة طريق مكة. وفي "مصنف عبد الرزاق"، عن عطاء ابن يسار مرسلاً أن ذلك كان بطريق تبوك. وللبيهقي في "الدلائل" نحوه من حديث عقبة بن عامر. وروى مسلم من حديث أبي قتادة مطولاً، والبخاري مختصرًا في "الصلاة" قصة نومهم عن صلاة الصبح أيضًا، لكنه لم يعينه ووقع في رواية لأبي داود أن ذلك كان في غزوة جيش الأمراء. وتعقبه ابن عبد البر لأن غزوة جيش الأمراء هي غزوة مؤتة، ولم يشهدها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كما قال، لكن يحتمل أن يكون المراد بغزوة جيش الأمراء غزوة أخرى غير غزوة مؤتة.

وقد اختلف العلماء، هل كان نومهم عن صلاة الصبح مرة، أو أكثر؟ فجزم الأصيلي بأن القصة واحدة. وتعقبه القاضي عياض بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين، وهو كما قال، فإن قصة أبي قتادة فيها أن أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا نام، وقصة عمران فيها أنهما كانا معه. وأيضًا فقصة عمران فيها أن أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم حتى أيقظه عمر بالتكبير، وقصة أبي قتادة فيها أن أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرات، ومع ذلك فالجمع بينهما ممكن، ولاسيما

ص: 521

ما وقع عند مسلم وغيره أن عبد الله بن رباح راوي الحديث عن أبي قتادة ذكر أن عمران بن حصين سمعه، وهو يحدث بالحديث بطوله، فقال له: انظر كيف تحدث، فإني كنت شاهدًا لقصة، قال: فما أنكر عليه من الحديث شيئًا، فهذا يدلّ على اتحادها، لكن لمدعي التعداد أن يقول: يحتمل أن يكون عمران حضر القصتين، فحدث بإحداهما، وصدّق عبد الله بن رباح لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى. والله أعلم.

ومما يدل على تعدد القصة اختلاف مواطنها كما قدمناه، وحاول ابن عبد البر الجمع بينهما بأن زمان رجوعهم من خيبر قريب من زمان رجوعهم من الحديبية، وأن اسم طريق مكة يصدق عليهما، ولا يخفى ما فيه عن التكلف، ورواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تبوك ترد عليه.

وروى الطبراني من حديث عمرو بن أمية شبيهًا لقصة عمران، وفيه أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مِخْبَر -وهو بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحدة- وأخرجه من طريق ذي مخبر أيضًا، وأصله عند أبي داود، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم أن بلالاً هو الذي كلأ لهم الفجر، وذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولهم استيقاظًا، كما في قصة أبي قتادة. ولابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن مسعود أنه كلأ لهم الفجر، وهذا أيضًا يدلّ على تعدد القصة. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح"

(1)

.

(1)

جـ 1 ص 595 - 596.

ص: 522

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الحمل على تعدد القصة كما يرشد إليه كلام الحافظ أولى من تكلف الجمع البارد الذي يبعده الذوق السليم. والله تعالى أعلم.

(إِذ قال بعض القوم) لم يُعرَف القائل، كما قاله في "الفتح". وفي "التفسير" من "الكبرى":"قلنا".

(لو عرّست بنا يا رسول الله) جواب "لو" محذوف، تقديره: لكان أسهل علينا، أولو للتمني. و"عَرَّسْتَ" من التعريس، وهو نزول القوم من السفر آخر الليل للاستراحة

(1)

.

(قال: "إِني أخاف أن تناموا عن الصلاة")، أي صلاة الصبح. وفي "التفسير":"فمن يوقظنا للصلاة"(قال بلال: أنا أحفظكم) أي أمنعكم من تضييع الصلاة، وللبخاري:"أنا أوقظكم"(فاضطجعوا) قال العيني: يجوز أن يكون بصيغة الماضي، ويجوز أن يكون صيغة الأمر. اهـ.

(فناموا) إنما أتى له مع ما قبله؛ لأن الاضطجاع لا يستلزم النوم، إذ هو وضع الجنب على الأرض (وأسند بلال ظهره إِلى راحلته) أي إلى مركبه. زاد في "التفسير":"فغلبته عيناه"(فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد طلع حاجب الشمس) جملة في محل نصب على الحال عن الفاعل، أي والحال أنه طلع طرف الشمس، وحواجب الشمس. نواحيها. وفي رواية مسلم: "فكان أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم،

(1)

انظر "عمدة القاري" جـ 5 ص 88.

ص: 523

والشمس في ظهره" (فقال) صلى الله عليه وسلم (يا بلال أين ما قلت؟)، "ما" مصدرية، أي أين الوفاء بقولك: أنا أحفظكم؟ (قال) بلال (ما) نافية (ألقيت علي نومة) ببناء الفعل للمفعول، و"نومة" بالرفع نائب فاعله، وهو بالفتح: المرة من النوم، وفي "التفسير": "قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما ألقيت علي نومة مثلها" (مثلها) بالرفع صفة "نومة"، أي مثل هذه النومة التي ألقيت عليه. قال السندي: والإضمار بقرينة الحضور. اهـ. وقال العلامة العيني رحمه الله: و"مثل" لا يتعرف بالإضافة ولهذا وقع صفة للنكرة. اهـ.

(قط) قال المجد رحمه الله: ما رأيته قَطُّ، ويضم، ويخففان، وقَطٍّ مشددة مجرورة: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري. انتهى

(1)

.

(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِن الله قبض أرواحكم)، هو مثل قوله تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] الآية. ولا يلزم من قبض الروح الموت، فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا، والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط. زاد مسلم في روايته:"أما إنه ليس في النوم تفريط"

الحديث. قاله في "الفتح"(حين شاء، فردها حين شاء)"حين" في الموضعين ليست لوقت واحد، فإن نوم القوم لا يتفق غالباً في وقت واحد، بل

(1)

"ق" ص 882.

ص: 524

يتتابعون، فتكون "حين" الأولى خبرًا عن أحيان متعددة (قم يا بلال، فآذن الناس بالصلاة) من الإيذان، بمعنى الإعلام، و"الناس" مفعوله، أي فأعلم الناس بحضور الصلاة، وليس من التأذين، إذ لا يتعدى إلى المفعول (فقام بلال فأذن) من التأذين، أي أذن الأذان المعروف، وفي "التفسير":"ثم أمرهم فانتشروا لحاجتهم"، ولم يذكر الأذان.

(فتوضئوا) وللبخاري: "فتوضأ" أي النبي صلى الله عليه وسلم. وزاد أبو نعيم في "المستخرج": "فتوضأ الناس، فلما ارتفعت". وفي رواية البخاري في "التوحيد" من طريق هُشَيم، عن حُصَين:"فقضوا حوائجهم، فتوضئوا إلى أن طلعت الشمس". قال الحافظ: وهو أبين سياقًا، ونحوه لأبي داود من طريق خالد، عن حصين. ويستفاد منه أن تأخيره الصلاة إلى أن طلعت الشمس وارتفعت كان بسبب الشغل بقضاء حوائجهم، لا لخروج وقت الكراهة. انتهى

(1)

.

(يعني حين ارتفعت الشمس)، وهي "التفسير":"فتوضئوا، وقد ارتفعت الشمس". بدون "يعني"(ثم قام) النبي صلى الله عليه وسلم (فصلى بهم)، وفي "التفسير":"فصلى بهم الفجر"، أي صلى بأصحابه رضي الله عنهم صلاة الفجر. ولفظ البخاري:"فلما ارتفعت الشمس وابياضّت قام، فصلى". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

فتح جـ 2 ص 264 - 265.

ص: 525

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري

(1)

.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصف له:

أخرجه هنا 47/ 846، وفي "الكبرى" 47/ 919 بالسند المذكرر. وفي "التفسير" من "الكبرى" 11448 عن محمد بن كامل، عن هشيم، عن حصين، به. والله أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عمران بن ميسرة، عن محمد بن فضيل - وفي "التوحيد" عن محمد بن سلام، عن هشيم. وأبو داود في "الصلاة" عن عمرو بن عون، عن خالد بن عبد الله، وهناد بن السري، عن عبثر بن القاسم، تلاثتهم عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه. وأحمد جـ 5 ص 307 وابن خزيمة رقم 409. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو مشروعية الجماعة لقضاء الصلاة الفائتة. قال في "الفتح": وبه قال أكثر أهل العلم، إلا

(1)

المراد به هذا السياق، وإلا فقد أخرجه مسلم أيضاً مطولاً من رواية عبد الله بن رَبَاح، عن أبي قتادة رضي الله عنه جـ 2 ص 138 فتنبّه.

ص: 526

الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فأتت. اهـ.

ومنها: جواز التماس الأتباع ما يتعلق بمصالحهم الدنيوية وغيرها، ولكن بصيغة العرض، لا بصيغة الاعتراض، وأن على الإِمام أن يراعي الصالح الدينية، والاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها بسببه.

ومنها: جواز التزام الخادم القيام بمراقبة ذلك، والاكتفاء في الأمور المهمة بالواحد، وقبول العذر ممن اعتذر بأمر سائغ، وتسويغ المطالبة بالوفاء بالالتزام، وتوجهت المطالبة على بلال بذلك تنبيهًا له على اجتناب الدعوى والثقة بالنفس، وحسن الظن بها لاسيما في مظان الغلبة، وسلب الاختيار، وإنما بادر بلال إلى قوله:"أنا أحفظكم" اتباعًا لعادته في الاستيقاظ في مثل ذلك الوقت لأجل الأذان.

ومنها: خروج الإِمام بنفسه في الغزوات والسرايا.

ومنها: الرد على منكري القدر، وأنه لا واقع في الكون إلا بقدر.

ومنها: مشروعية الأذان للصلاة الفائتة، وبه قال الشافعي في القديم، وأحمد وأبو ثور، وابن المنذر، وقال الأوزاعي، ومالك، والشافعي في الجديد: لا يؤذن لها، والمختار عند كثير من أصحابه أن يؤذن لصحة الحديث، وحمل الأذان هنا على الإقامة متعقب؛ لأنه عقب الأذان بالوضوء، ثم بارتفاع الشمس، فلو كان المراد به الإقامة لما أخر الصلاة عنها، وحمله على المعنى اللغوي، وهو محض الإعلام بعيد، يرده ما أخرجه أبو داود، وابن المنذر من حديث عمران بن

ص: 527

حصين في نحو هذه القصة: "فأمر بلالاً، فأذن، فصلينا ركعتين، ثم أمره، فأقام فصلى الغداة".

ومنها: أن بعض المالكية استدل به على عدم قضاء السنة الراتبة؛ لأنه لم يذكر فيه أنهم صلوا ركعتي الفجر، وفيه نظر؛ لأنه عند مسلم في حديث أبي قتادة هذا أنهم صلوهما.

ومنها: أنه استدل به المهلب على أن الصلاة الوسطى هي الصبح، قال: لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدًا بمراقبة وقت صلاة غيرها. وفيما قاله نظر لا يخفى. قال: ويدل على أنها هي المأمور بالمحافظة عليها أنه صلى الله عليه وسلم لم تفته صلاة غيرها لغير عذر شغله عنها. اهـ. قال الحافظ: وهو كلام متدافع، فأيّ عذر أبين من النوم.

ومنها: أنه استدل به على قبول خبر الواحد. قال ابن بزيزة: وليس هو بقاطع فيه، لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول بلال بمجرده، بل بعد النظر إلى الفجر، لو استيقظ مثلاً.

ومنها: جواز تأخير قضاء الفائتة عن وقت الانتباه مثلاً. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 528

‌48 - التَّشْدِيدِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على التشديد في ترك أداء الصلوات المكتوبات بالجماعة.

847 -

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ حُبَيْشٍ الْكَلَاعِيُّ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قُلْتُ: فِي قَرْيَةٍ دُوَيْنَ حِمْصَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، وَلَا بَدْوٍ، لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ".

قَالَ السَّائِبُ: يَعْنِي بِالْجَمَاعَةِ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(سويد بن نصر) المروزي، ثقة، مات سنة 240 من [10]، أخرج له الترمذي، والنسائي. تقدم في 45/ 55.

ص: 529

2 -

(عبد الله بن المبارك) المروزي الإِمام الحجة الثبت، مات سنة 181، من [8]، أخرج له الجماعة تقدم في 32/ 36.

3 -

(زائدة بن قدامة) أبو الصلت الثقفي الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الجماعة. تقدم في 74/ 91.

4 -

(السائب بن حبيش

(1)

الكلاعي) الحمصي، مقبول، من [6].

قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ثقة هو؟ قال: لا أدري. وقال العجلي: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: وَهِمَ عبد الرحمن في اسمه، فقال: حدثنا زائدة، عن حنش وقال الدارقطني: صالح الحديث من أهل الشام، لا أعلم حدث عنه غير زائدة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له أبو داود والمصنف هذا الحديث فقط.

5 -

(معدان بن أبي طلحة اليعمري) ويقال: ابن طلحة، شامي، ثقة، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 708.

6 -

(أبو الدرداء) عويمر بن مالك، وقيل: ابن عامر، وقيل: ابن ثعلبة، وقيل: ابن عبد الله، وقيل. ابن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، وقال الكديمي عن الأصمعي: اسمه عامر، وكانوا يقولون له: عويمر، وكذا قال

(1)

"حُبَيش" -بمهملة فموحدة، فمعجمة مصغراً. و"الكلاعي" -بفتح الكاف-: نسبة إلى ذي الكلاع، قبيلة باليمن. اهـ لب جـ 2 ص 218.

ص: 530

عمرو بن علي عن بعض ولده. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن عائشة، وزيد بن ثابت.

وروى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، ومعدان بن أبي طلحة، وأبو إدريس الخولاني، وأبو مرة مولى أم هانىء، وأبو حبيبة الطائي، وأبو السَّفَر الهَمْدَاني، مرسل، وأبو سلمة بن محمد الرحمن، وجبير بن نفير، وسويد بن غَفَلَة، وآخرون. قال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: أسلم يوم بدر، وشْهد أحدًا، وأبلى فيها.

وقال الأعمش، عن خيثمة، عنه: كنت تاجرًا قبل البعثة، فزاولت بعد ذلك التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فأخذت العبادة، وتركت التجارة. وقال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد: قال رسولى الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: "نعم الفارس عويمر". وقال: "هو حكيم أمتي"

(1)

، ومناقبه وفضائله كثيرة جِدّاً.

قال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: مات أبو الدرداء، وكعب الأحبار في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته. وقال الواقدي، وغير واحد. مات سنة 32، وقال ابن حبان: ولاّه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب.

وقال ابن سعد: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عوف بن مالك. وقال ابن عبد البر: قال طائفة من أهل الأخبار: مات بعد صِفِّين، قال:

(1)

هذا مرسل، فإن شُرَيح بن عبيد تابعي، ولم يلق أيضًا أبا الدرداء.

ص: 531

والأصح عند أهلا الحديث أنه توفي في خلافة عثمان، وصحح ابن الحذاء قول البخاري: إنه عويمر بن زيد. وقال عمرو بن علي عن بعض ولده: مات قبل عثمان. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن معدان بن أبي طلحة) ويقال: ابن طلحة (اليعمري) بفتح أوله، والميم، وسكون المهملة، آخره راء: نسبة إلى بطن من كنانة. قاله في "اللب"

(1)

.

(قال: قال لي أبو الدرداء) عويمر بن زيد رضي الله عنه (أين مسكنك؟) أي محل إقامتك.

(قلت: في قرية دوين حمص)"دوين": تصغير "دون" تَصْغيرَ تقريب، أي قريبًا من حمص، و"حمص" بكسر المهملة، وسكون الميم، آخره صاد مهملة: قال المجد: كُورة بالشام، أهلها يمانون، وقد تُذَكَّر. انتهى

(2)

. وقال الفيومي: بالصرف وعدمه. انتهى

(3)

.

(فقال أبو الدرداء) رضي الله عنه (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

"لب اللباب" جـ 2 ص 340.

(2)

"ق" ص 794.

(3)

المصباح جـ 1 ص 151.

ص: 532

يقول: ما من ثلاثة) أي من الرجال؛ لأن وجوب الجماعة خاص بهم، دون النساء، وتقييده بالثلاثة المفيد أن ما فوقها كذلك بالطريق الأولى نظرًا إلى أن أقل أهل القرية يكونون كذلك غالبًا؛ ولأنه أقل الجمع، وأقل صور الكمال في الجماعة، وإن كانت تحصل باثنين

(1)

.

فـ "من" زائدة، و"ثلاثة" مبتدأ، خبره جملة "استحوذ" (في قرية) قال المجد رحمه الله: القرية -أي بالفتح- ويكسر: المصر الجامع، والنسبة إليها قَرَئِي، وقَرَويّ. انتهى

(2)

.

وقال الفيومي رحمه الله: القرية: هي الضَّيْعَة، وقال في "كفاية المتحفظ": القرية كل مكان اتصلت به الأبنية، واتخذ قرارًا، وتقع على المدن وغيرها، والجمع قُرًى على غير قياس، قال بعضهم: لأن ما كان على فَعْلَة من المعتلّ، فبابه أن يجمع على فِعَال بالكسر، مثل ظَبْية وظِبَاءَ، ورَكْوَة ورِكَاء، والنسبة إليها قَرَويّ بفتح الراء على غير قياس. انتهى

(3)

.

(ولابدو) أي ولا في بادية. و"البَدْو" وِزَان فلْسٍ، والبَدَاة، والبَداوة، بالفتح فيهما، والبداة بالكسر: خلاف الحضر، والنسبة إليه بَداوي بالفتح، وبِداوي بالكسر، على القياس، وبَدَوي بفتحتين

(1)

"المنهل" جـ 4 ص 5232.

(2)

"ق" ص 1706.

(3)

المصباح جـ 2 ص 501.

ص: 533

نادر. أفاده في "اللسان"

(1)

.

(لا تقام فيهم الصلاة) أي جماعةً، يعني أنهم لا يؤدون الصلاة بالجماعة (إِلا قد استحوذ عليهم الشيطان) أي استولى عليهم، وغلبهم، وحَوَّلَهم إليه، فينسون ذكر الله تعالى، فيتركون الشريعة، والعمل بها (فعليكم بالجماعة) أي الزموا الجماعة، والفاء فصيحية، أي إذا كان الأمر كذلك، من تسلط الشيطان على من لا يؤدون الصلاة جماعة، فالزموا الجماعة، ثم علل ذلك بقوله (فإنما يأكل الذئب القاصية)، أي الشاة البعيدة من الأغنام، لبعدها عن راعيها، والمراد أن الشيطان يتسلط على تارك الجماعة، كما يتسلط الذئب على الشاة المنفردة عن القَطيع من الغنم؛ لأن عين الراعي تراقب الغنم المجتمعة، لا المنفردة

وقال السندي رحمه الله: قيل: المراد أن الشيطان يتسلط على من يخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة، والأوفق بالحديث أن المراد ما ذكره السائب، أي يسلط على من يعتاد الصلاة بالانفراد، ولا يصلي مع الجماعة. والله أعلم. انتهى

(2)

.

تنبيه: قال في "المرقاة": وأما إفتاء الغزالي فيمن يتحقق من نفسه أنه يخشع في جميع صلاته منفردًا، دون ما إذا صلى في

(1)

جـ 1 ص 234.

(2)

شرح السندي جـ 2 ص 107.

ص: 534

جماعة، لتشتت همه بأنه إذا كان الجمع يمنعه الخشوع في أكثر صلاته، فالانفراد له أولى فردوه، -وإن تبعه ابن عبد السلام- بأن المختار، بل الصواب أن الجماعة أولى، كما هو ظاهر السنة، وبأن في ذلك فتح باب عظيم، ومن ثم قيل: في بركة الجماعة ما يلم شعث التفرقة. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله: إن من أغرب ما يُسمع، ويُرى أن يُنقَلَ عمن ينتسب إلى العلم مثلُ هذا القول المنابذ للسنة الغراء، إن هذا لشيء عُجاب، وما كتبت مثل هذه الآراء الباطلة الْبَشِعَةَ، إلا تعجبًا، واستنكارًا لما حوته من الأهواء الشنيعة {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53]. والله الهادي إلى سواء السبيل.

(قال السائب) بن حبيش. ولأبي داود: قال زائدة: قال السائب: (يعني بالجماعة الجماعة في الصلاة)، ولأبي داود:"يعني بالجماعة: الصلاة بالجماعة". أي يريد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "فعليكم بالجماعة" أداء الصلاة بالجماعة، وإنما فسره بهذا، وإن كان يمكن حملة على ملازمة جماعة المسلمين التي من ضمنها الصلاة في الجماعة لقوله:"لا تقام فيهم الصلاة"، فإن المراد به إقامتها في جماعة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

المرقاة جـ 3 ص 155.

ص: 535

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي الدرداء رضي الله عنه هذا حديث حسن.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 48/ 847، وفى "الكبرى" 48/ 919 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن أحمد بن يونس، عن زائدة بن قدامة، عن السائب بن حبيش، عن معدان بن أبي طلحة، عنه. وأحمد جـ 5 ص 196، وجـ 6 ص 446. وابن خزيمة رقم 1486. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم عليه المصنف رحمه الله، وهو التشديد في ترك الجماعة، والتحذير من تركها.

ومنها: بيان تأكد أمر الصلاة في الجماعة للحاضر والبادي.

ومنها: أن من ترك الجماعة تسلط عليه الشيطان، واستولى عليه، فيفتح له باب التهاون بالدين.

ومنها: مشروعية ضرب الأمثال. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 536

‌49 - التَّشْدِيدُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعةِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على التشديد في التخلف عن أداء الصلاة بالجماعة. والفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها، أن تلك في ترك أهل القرية إقامة الجماعة أصلاً، وهذه في تخلف بعض الناس عنها مع كونها تقام في القرية. والله تعالى أعلم.

848 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً، فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا، أَوْ مَرْمَاتَيْنِ حَسْنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي، ثقة ثبت، من [10]. تقدم في 1/ 1.

2 -

(مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، الحجة المثبت المدني،

ص: 537

من [7]، تقدم في 7/ 7.

3 -

(أبو الزناد) عبد الله بن ذكران المدني، ثقة فقيه، من [5]، تقدم في 7/ 7.

4 -

(الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت، من [3]، تقدم في 7/ 7.

5 -

(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف.

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وكلهم من رجال الجماعة.

ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل المدينة.

ومنها: أنه من أصح الأسانيد لأبي هريرة رضي الله عنه، كما نقله أبو عبد الله الحاكم عن البخارى. كما قاله في "التدريب" جـ 1 ص 83.

ومنها: أنه مسلسل بالفقهاء.

ومنها: أن فيه روايين اشتهر كل منهما باللقب، وأحدهما لقبه بصورة الكنية، وهما الأعرج، وأبو الزناد، فأبو الزناد لَقَب لُقِّبَ به لذكائه، وليس بكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن.

ص: 538

ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ أبو الزناد، عن الأعرج.

ومنها: أن صحابيه أكثر من روى الحديث من الصحابة، روى 5374 حديثًا. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، وهي رواية السراج من طريق شعيب، عن أبي الزناد، سمع الأعرج (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده) هو قسم كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقسم به، وفيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله، وجواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهًا على عظم شأنه، وفيه الرد على من كره الحلف بالله مطلقًا.

(لقد هممت) جواب القسم أكده باللام، وكلمة "قد". ومعنى "هممت": أي قصدت، من الهم، وهو العزم، وقيل: دونه. وزاد مسألة في أوله: أنه فقد ناسًا في بعض الصلوات، فقال:"لقد هممت"

فأفاد ذكر سبب الحديث.

(أن آمر بحطب) كل ما جَفّ من زرع وشجر، توقد به النار، وشوك العِضَاهِ

(1)

(فيحطب) بالبناء للمجهول، ونصبه عطفًا على "آمر". ومعناه: يُجْمَع، يقال: حَطَبْتُ الحَطَبَ حَطْبًا، من باب

(1)

المعجم الوسيط جـ 1 ص 182.

ص: 539

ضَرَبَ: جمعتُهُ، واسم الفاعل: حاطب، وحَطَّاب للمبالغة، واحتَطَب مثلُ حَطَبَ. أفاده الفيومي

(1)

.

(ثم آمر بالصلاة) أي ليظهر من حصر ممن لم يحضر. و"أل" في "الصلاة" إن كانت للجنس، فهو عام، وإن كانت للعهد، ففي رواية أنها العشاء، وفي أخرى الفجر، وفي أخرى الجمعة، ومي أخرى:"يتخلفون عن الصلاة"، ولا تعارض بينها لجواز حملها على تعدد الواقعة

(2)

.

(فيؤذن لها) أي ينادى لأجل أداء اصلاة جماعة (ثم آمر رجلاً فيؤم الناس) أي يصلي بهم إمامًا (ثم أخالف إِلى رجال) أي آتيهم من خلفهم، أو المعنى: أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة، وأتركه، وأسير إليهم، أو أخالف ظنهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، أو معنى أخالف: أتخلف، أي عن الصلاة إلى قصد المذكورين، والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان. قاله في "الفتح"

(3)

.

وقال البدر العيني رحمه الله: قوله: "ثم أخالف" من باب المفاعلة، قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا

(1)

"المصباح" جـ 1 ص 141.

(2)

انظر عمدة القاري جـ 5 ص 160.

(3)

جـ 2 ص 343.

ص: 540

غاب عنه. وقال الزمخشري: يقال: خالفني إلى كذا: إذا قصدك، وأنت مُوَلٍّ عنه، قال تعالى:{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] الآية.

والمعنى هنا: أخالف المشتغلين بالصلاة، قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرقها عليهم، ويقال: معنى أخالف إلى رجال: أذهب إليهم

(1)

.

(فأحرق عليهم بيوتهم) بتشديد الراء، من التحريق، والمراد به التكثير، يقال: حَرَّقَه -بالتشديد-: إذا بالغ في تحريقه، ويحتمل أن يكون من الإحراق.

وقوله: "عليهم": يشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبعًا للقاطنين بها. وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح:"فأحرق بيوتًا على من فيها". قاله في "الفتح".

(والذي نفسي بيده) فيه إعادة اليمين للمبالغة في التأكيد (لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سميناً) وفي رواية الشيخين: "عَرْقًا سمينًا" وهو بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها قاف -قال الخليل: العُراق: العظم بلا لحم وإن كان عليه لحم، فهو عَرْق. وفي

(1)

عمدة القاري جـ 5 ص 161.

ص: 541

"المحكم" عن الأصمعي: العرق بسكون الراء: قطعة لحم. وقال الأزهري: العرق واحد العُراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم

(1)

، ويبقى عليها لحم رقيق، فيكسر، ويطبخ، ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال. عَرَقت اللحم، واعترقته، وتعرقته. إذا أخذت اللحم منه نهشًا. وفي "المحكم": جمع العَرْق على عُراق بالضم عزيز -أي نادر -. وقول الأصمعي هو اللائق هنا

(2)

.

(أو مرماتين حسنتين) تثنية مرماة -بكسر الميم وحكي فتحها. قال الخليل: هي ما بين ظلفي الشاة. وحكاه أبو عبيد، وقال: لا أدري ما وجهه. ونقله المستملي في روايته في "كتاب الأحكام" عن الفربري، قال: قال يونس، عن محمد بن سليمان، عن البخاري: المرماة -بكسر الميم، مثل مسناة، وميضاة: ما بين ظلفي الشاة من اللحم. قال عياض: فالميم على هذا أصلية.

وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محددة، يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة، والمدحاة.

قال الحافظ: ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية،

(1)

يقال: هَبَرَ له من اللحم هَبْرَةً: قطع له قطعة. اهـ "ق" ص 636.

(2)

فتح جـ 2 ص 344.

ص: 542

وحكى الحربي عن الأصمعي أن المرماة سهم الهدف، قال: ويؤيده ما حدثني

ثم ساق من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه نحو الحديث، بلفظ:"لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة، أو سهمان لفعل". وقيل: المرماة سهم يُتعلَّم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مستوٍ غير محدد. قال الزين بن المنير: ويدل على التثنية، فإنها مشعرة بتكرار الرمي بخلاف السهام المحددة الحربية، فإنها لا يتكرر رميها. وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العَرْق معه. ووجهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين، وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين لأنهما مما يُلهَى به. انتهى.

وإنما وصف العَرْق بالسِّمَن، والمِرْمَاة بالحُسْن ليكون ثَمَّ باعث نفساني على تحصيلهما.

وقال الطيبي: "الحسنتين" بدل من المرماتين، إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران، فالحسنتان بمعنى الجيدتان صفة للمرماتين. انتهى.

وفيه إشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم، أو ملعوب به، مع التفريط فيما يُحَصِّلُ رفيعَ الدرجات، ومنازلَ الكرامات

(1)

.

(1)

فتح جـ 2 ص 344، بزيادة من العمدة جـ 5 ص 161.

ص: 543

(لشهد العشاء) أي حضر صلاة العشاء، والمعنى أنه لو علم أنه لو حضر الصلاة لوجد نفعًا دنيوياً، وإن كان خسيسًا حقيرًا لحضرها، لقصور همته على الدنيا، ولا يحضر لما لها من مثوبات العقبى ونعيمها

(1)

. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 49/ 848، وفي "الكبرى" 49/ 921، بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، وفي "الأحكام" عن إسماعيل بن أبي أويس -كلاهما عن مالك-.

ومسلم في "الصلاة" عن عمرو الناقد، عن ابن عيينة -كلاهما عن أبي الزناد-، عن الأعرج، عنه.

وأخرجه مالك في "الموطأ" رقم 100، والحميدي 956، وأحمد جـ 2 ص 244، وابن خزيمة رقم 1481. والله تعالى أعلم.

(1)

عمدة جـ 5 ص 161.

ص: 544

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو التشديد في التخلف عن الجماعة.

ومنها: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة. نبه عليه ابن دقيق العيد.

ومنها: جواز العقوبة بالمال. كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. وفيه نظر لاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به، إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم، فلا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم.

ومنها: جواز أخذ أهل الجرائم على غِرَّة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هَمَّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد. وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل. وترجم عليه البخاري في "كتاب الإشخاص"، وفي "كتاب الأحكام":"باب إخراج أهل المعاصي والرِّيَب من البيوت بعد المعرفة". يريد أن من طلب منهم بحق، فاختفى، أو امتنع في بيته لَدَدًا، ومَطْلاً أخرج منه بكل طريق يتوصل إليها، كما أراد صلى الله عليه وسلم إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم.

ص: 545

ومنها: أنه استدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها. ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي فيها أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تعكر عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجه آخر، وهو أنهم إذا استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة خارجة عنها، سواء قلنا: واجبة، أو مندوبة كان مَنْ تَرَكهَا أصلاً رأسًا أحق بذلك، لكن لا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل، لا دائمًا، ولا غالبًا؛ لأنه يمكن الفرار منه، أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والإرهاب، وفي قوله في رواية أبي داود:"ليست بهم علة" دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا: إنها فرض، وكذا الجمعة. قاله في "الفتح"

(1)

.

ومنها: الرخصة للإمام، أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذكروا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم، وأصحاب الجرائم في حق الإِمام كالغرماء.

ومنها: أنه استدل له على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة. قال ابن بزيزة: وفيه نظر؛ لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبًا، وهذا لا يختلف في جوازه.

ومنها: أنه استدل ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما

(1)

جـ 2 ص 345.

ص: 546

هو مذهب مالك. وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال. قاله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله عن: قد اعترض بعض الأفاضل على جزم الحافظ بالنسخ، وقال: إنه ليس بجيد، والصواب عدم النسخ؛ لأدلة كثيرة معرودة في محلها، منها: حديث الباب، وإنما المنسوخ التعذيب بالنار فقط، والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في وجوب صلاة الجماعة:

قال الإِمام البخاري رحمه الله: [باب وجوب صلاة الجماعة]، وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها. ثم أورد حديث الباب.

قال الحافظ رحمه الله: هكذا بَتَّ الحكم في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب، وهو أعم من كونه وجوب عين، أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوب عين، لما عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها، وتكميلها، وتعيين أحد الاحتمالات في حديث الباب. وأثر الحسن وصله الحسين بن الحسن المووزي في كتاب "الصيام" بإسناد

(1)

جـ 2 ص 345.

ص: 547

صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوعًا- فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر، ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم، وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة.

وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه، ويحتمل أن يقال: التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة؛ ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك.

وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وبالغ داود، ومن تبعه، فجعلها شرطًا في صحة الصلاة، وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالاً على لازمه، وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلاً على لازمه، وهو الاشتراط، ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة، إلا أنه لا يتم إلا بتسليم أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وقد قيل: إنه الغالب.

ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد: إنها واجبة

ص: 548

غير شرط. انتهى.

وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة:

منها: ما تقدم.

ومنها:-وهو ثانيها-: ونقله إمام الحرمين، عن ابن خزيمة، والذي نقله عن النووي الوجوب حسبما قال ابن بزيزة: إن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه صلى الله عليه وسلم هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه، وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه. قال الحافظ: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين.

ومنها:-وهو ثالثها-: ما قال ابن بطال وغيره: لو كانت فرضًا لقال حين توعد بالإحراقِ مَن تخلف عن الجماعة: لم تجزئه صلاته؛ لأنه وقت البيان، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالتنصيص، وقد يكون بالدلالة، فلما قال صلى الله عليه وسلم:"لقد هممت" إلخ، دل على وجوب الحضور، وهو كاف في البيان.

ومنها:-وهو رابعها-: ما قال الباجي وغيره: إن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع

ص: 549

عقوبة المسلمين بذلك.

وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي في الجهاد

(1)

الدال على جواز التحريق بالنار، ثم على نسخه، فحمل التهديد على حقيقته غير ممتنع.

ومنها:-وهو خامسها-: كونه صلى الله عليه وسلم ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجة لأنه عليه السلام هَمَّ ولم يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم، وتعقبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا ضعيف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يَهُمّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب، لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت العشاء، وأمرت فتياني يحرقون"

الحديث.

(1)

وهو حديث سليمان بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال:"إن وجدتم فلانًا وفلانًا، فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا، وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما". انتهى "صحيح البخاري" بنسخة "الفتح" جـ 6 ص 258.

ص: 550

ومنها:-وهو سادسها-: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة. وهو متعقب بأن في رواية مسلم:"لا يشهدون الصلاة"، أي لا يحضرون، وفي رواية عجلان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عند أحمد:"لا يشهدون العشاء في الجميع" أي في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عند ابن ماجَهْ مرفوعًا:"لينتهينّ رجال عن تركهم الجماعات، أو لأحرقن بيوتهم".

ومنها:-وهو سابعها-: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، أشار إليه الزين بن المنير، وهو قريب من الوجه الرابع.

ومنها:-وهو ثامنها-: أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصة، فلا يتم الدليل، وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان معرضًا عنهم، وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقد قال:"لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".

وتعقب ابن دقيق العيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلا إذا ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيرًا، فليس في إعراضه عنهم ما يدلّ على وجوب ترك عقوبتهم.

ص: 551

انتهى.

قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في صدر حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر"

الحديث. ولقوله: "لو يعلم أحدهم

إلخ"؛ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين، لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: "لا يشهدون العشاء في الجميع"، وقوله في حديث أسامة: "لا يشهدون الجماعة".

وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عند أبي داود:"ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة"، فهذا يدلّ على أن نفاقهم معصية، لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياءً وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبه عليه القرطبي.

وأيضًا فقوله في رواية المقبري: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدلّ على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب

ص: 552

من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها.

قال الطيبي: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود رضي الله عنه:"لقد رأيتنا، وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق". رواه مسلم. انتهى كلامه.

وروى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عمير ابن أنس، حدثني عمومتي من الأنصار، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يشهدهما منافق" يعني العشاء والفجر. ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف؛ لأني أقول: بل هذا يقوي ما ظهر لي أولاً، أن المراد بالنفاق: نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل، لا العاصي الذي يجوز إطلاق المنافق عليه مجازًا، لما دل عليه مجموع الأحاديث.

ومنها:-وهو تاسعها-: ما ادعاه بعضهم أن فرض الجماعة كانت في أول الإِسلام لأجل سدّ باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نسخ. حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما تضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدلّ على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل

ص: 553

صلاة الجماعة على صلاة الفذ؛ لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.

قال الجامع عفا الله عنه: وفيه نظر، إذ القول بالفرضية لا ينافي جواز صلاة المنفرد، إلا عند من يرى اشتراط الجماعة لصحة الصلاة، والمختار القول بفرضيتها دون اشتراطها للصحة. فتبصر. والله أعلم.

ومنها:-وهو عاشرها- أن المواد بالصلاة الجمعة، لا باقي الصلوات، ونصره القرطبي. وتعقب بالأحاديث المصرحة بالعشاء، وفيه بحث؛ لأن الأحاديث اختلفت في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، هل هي الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، أو العشاء والفجر معًا؟ فإن لم تكن أحاديث مختلفة، ولم يكن بعضها أرجح من بعض، وإلا وقف الاستدلال؛ لأنه لا يتم إلا إن تعين كونها غير الجمعة، أشار إليه ابن دقيق العيد، ثم قال: فليتأمل الأحاديث الواردة في ذلك. انتهى.

قال الحافظ رحمه الله: وقد تأملتها، فرأيت التعيين ورد في حديث أبي هريرة، وابن أم مكتوم، وابن مسعود، رضي الله عنهم، أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فحديث الباب من رواية الأعرج عنه، يومىء إلى أنها العشاء لقوله في آخره:"لشهد العشاء"، وفي رواية مسلم:"يعني العشاء"، ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضًا الإيماء إلى أنها العشاء والفجر، وعينها السَّرَّاج في رواية له من هذا الوجه العشاء؛ حيث قال في صدر الحديث: "أخر العشاء ليلة،

ص: 554

فخرج، فوجد الناس قليلاً، فغضب"

فذكر الحديث. وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: "يعني الصلاتين، العشاء والغداة". وفي رواية عجلان، والمقبري عند أحمد؛ التصريح لتعيين العشاء، ثم سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، وقد أورده مسلم من طريق وكيع، عن جعفر بن بُرقان، عن يزيد بن الأصم، عنه، فلم يسق لفظه، وساقه الترمذي وغيره من هذا الوجه بإبهام الصلاة، وكذلك رواه السرّاج وغيره من طرق عن جعفر، وخالفهم معمر، عن جعفر، فقال:"الجمعة" أخرجه عبد الرزاق عنه، والبيهقي من طريقه، وأشار إلى ضعفها لشذوذها.

ويدل على وهمه فيها رواية أبي داود، والطبراني في "الأوسط" من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن يزيد بن الأصم، فذكر الحديث، قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنَى، أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أذناي إن لم أكن سمعت ألا هريرة يأثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ذكر جمعة، ولا غيرها

فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعة. وأما حديث ابن أم مكتوم رضي الله عنه فسأذكره قريبًا، وأنه موافق لأبي هريرة رضي الله عنه.

وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فأخرجه مسلم، وفيه الجزم بالجمعة، وهو حديث مستقل؛ لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في الآخر، فيحمل على أنهما واقعتان، كما أشار إليه النووي، والمحب الطبري.

ص: 555

وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة رضي الله عنهما على ذكر العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خزيمة، وأحمد، والحاكم من طريق حُصَين بن عمد الرحمن، عن عبد الله بن شداد، عن ابن أم مكتوم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الناس في صلاة العشاء، فقال:"لقد هممت أَنِّي آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم"، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، قد علمت ما بي، وليس لي قائد -زاد أحمد- وأن بيني وبين المسجد شجرًا، أو نخلاً، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال:"أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم. قال: "فاحضرها"، ولم يرخص له.

ولابن حبان من حديث جابر رضي الله عنه، قال:"أتسمع الأذان؟ " قال: نعم، قال:"فأتها ولو حبوًا".

وقد حمله العلماء على أنه كان لا يشق عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العميان.

واعتمد ابن خزيمة وغيره حديث ابن أم مكتوم هذا على فرضية الجماعة في الصلوات كلها، ورجحوه بحديث الباب، وبالأحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكون إلا عن واجب، وفيه نظر، ووراء ذلك أمر آخر، ألزم به ابن دقيق العيد من يتمسك بالظاهر، ولا يتقيد بالمعنى، وهو أن الحديث ورد في صلاة معينة، فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرها،

ص: 556

وأشار للانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن نوزع في كون القول مما ذكر أولاً ظاهرية محضة، فإن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك ترك اتباع المعنى؛ لأن غير العشاء والفجر مظنة الشغل بالتكسب وغيره، أما العصران فظاهر، وأما المغرب فلأنها في الغالب وقت الرجوع إلى البيت، والأكل، ولاسيما للصائم، مع ضيق وقتها، بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل الذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضا الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويفتتحوه كذلك. وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد تخصيص التهديد بمن حول المسجد.

قال: وقد أطلت في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة، لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره من حمل المطلق على المقيد غير صحيح؛ لأن قاعدة حمل المطلق على المقيد إنما تتمشى إذا لم يكن هناك دليل يمنع من ذلك، وهنا أدلة المنع ظاهرة، كحديث الأعمى المذكور، وكحديث:"من سمع النداء، فلم يأت، فلا صلاة له، إلا من عذر" كما سيأتي قريبًا.

(1)

فتح جـ 2 ص 339 - 343.

ص: 557

والحاصل أن القول بفرضية الجماعة هو الراجح، وما استدل به القائلون على عدم الفرضية قد عرفت ما فيها من الخدشات، فيما تقدم من كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وإن كان آخر كلامه يميل إلى رأيهم، لكنه ما ذكر حجة مقنعة لذلك. فتبصر. ومن أدلة القائلين بالفرضية حديث أبي هريرة رضي الله عنه، المذكور في الباب.

ومنها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، وقال له:"هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فأجب".

ومنها: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سمع النداء، فلم يجب

(1)

، فلا صلاة له، إلا من عذر". أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وصححه الحاكم، على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي

(2)

.

ومنها: حديث ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول على أعواده:"لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجماعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين"

(1)

لفظ ابن ماجه: "فلم يأته".

(2)

انظر تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على المحلى جـ 4 ص 190.

ص: 558

أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح. وأخرجه مسلم بلفظ "الجمعة". فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على فرضية الجماعة للصلوات المكتوبات.

وقد نقل عن جماعة من السلف ما يوافق النصوص المذكورة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه رأى إنسانًا خرج من المسجد بعد النداء، فقال:"أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". رواه أبو داود، وروى مسلم نحوه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال:"حافظوا على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن"

الحديث، ويأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال:"من سمع المنادي، فلم يجب من غير عذر، فلا صلاة له". صححه الحاكم، ووافقه عليه الذهبي، وعن ابن مسعود رضي الله عنه مثله.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "لأن يمتلىء أذنا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خير له من أن يسمع المنادي فلا يجيبه". وعن عائشة رضي الله عنها: "من سمع النداء فلم يأته، فلم يُرِد خيرًا، ولم يُرَد به". وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. فقيل له: يا أمير المؤمنين: ومَن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان"

(1)

.

(1)

وقد ورد حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" مرفوعًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عند الدارقطني، والحاكم، وفي إسناده سليمان بن داود اليمامي منكر الحديث. ومن حديث جابر عند الدارقطني، وفي إسناده محمد بن سُكَين، وهو ضعيف. ولذا قال الحافظ في التلخيص: حديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" مشهور بين الناس، وهو ضعيف. اهـ، تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على "المحلى" باختصار جـ 4 ص 195.

ص: 559

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"من سمع النداء، ثم لم يأت فلا صلاة له إلا من عذر". وعن عطاء: "ليس لأحد من خلق الله تعالى في الحضر والقرية يسمع النداء والإقامة رخصة في أن يدع الصلاة". وعنه: "كنا نسمع أنه لا يتخلف عن الجماعة إلا منافق".

وعن إبراهيم النخعي: " أنه كان لا يرخص في ترك الصلاة في الجماعة إلا لمريض، أو خائف". وعن الحسن، قال:"إذا سمع الرجل الأذان فقد احتُبسَ". وسأل رجل سعيد بن المسيب عن بعض الأمر، ونادى المنادي، فأراد أن يخرج، فقال له سعيد: قد نودي بالصلاة، فقال له الرجل: إن أصحابي قد مضوا، وهذه راحلتي بالباب، فقال له سعيد: لا تخرج، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يخرج من هذا المسجد بعد النداء إلا منافق، إلا رجل خرج، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة". فأبى الرجل إلا الخروج، فقال سعيد: دونكم الرجل، قال: فإني عنده ذات يوم إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا محمد، ألم تر ذلك الرجل الذي خرج، وقع عن راحلته، فانكسرت رجله. قال سعيد: قد ظننت أنه سيصيبه أمر. نقل هذه الآثار الإِمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه "المحلى" جـ 4 ص 194 - 196.

قال الجامع عفا الله عنه: ولولا الأحاديث الدالة على جواز صلاة الرجل وحده كحديث: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" المتقدم برقم 42/ 837، وحديث: "صلاة

ص: 560

الرجل أفضل من صلاة أحدكم وحده

" المتقدم برقم 42/ 838، وحديث: "صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده"

المتقدم 45/ 843 لقلت -كما قالت الظاهرية-: إنها من شروط صحة الصلاة.

وخلاصة القول أن صلاة الجماعة فرض عين على من ليس له عذر من الرجال، وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضًا عليهن. والله سبحانه وتعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله؛ عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 561

‌50 - الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَي بِهِنَّ

أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على وجوب المحافظة على الصلوات المكتوبات في المكان الذي يؤذن لها فيه، كالمساجد.

849 -

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ عز وجل غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَي بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل شَرَعَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنِّي لَا أَحْسَبُ مِنْكُمْ أَحَدًا إِلاَّ لَهُ مَسْجِدٌ، يُصَلِّي فِيهِ فِي بَيْتِهِ، فَلَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَتَرَكْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَمْشِى إِلَى صَلَاةٍ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ عز وجل لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، أَوْ يَرْفَعُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ يُكَفِّرُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَلَقَدْ

ص: 562

رَأَيْتُنَا نُقَارِبُ بَيْنَ الْخُطَا، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومٌ نِفَاقُهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ.

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(سويد بن نصر).

2 -

(عبد الله بن المبارك)، تقدما قبل باب.

3 -

(المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي، صدوق اختلط قبل موته، من [7].

قال الأثرم: سمعت أبا محمد الله يُسأل عن أبي العميس، والمسعودي؟ قال: كلاهما ثقة، والمسعودي أكثرهما حديثًا، قلت: هو أخوه؟ قال: نعم. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: سماع وكيع من المسعودي قديم، وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة، فسماعه جيد. وقال حنبل عن أحمد: سماع أبي النضر، وعاصم، وهؤلاء من المسعودي بعدما اختلط.

وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن يحيى: من سمع منه في زمان أبي جعفر، فهو صحيح السماع. وقال

ص: 563

يعقوب بن شيبة، عن يحيى: المسعودي ثقة، وقد كان يخلط فيما يروي عن عاصم، والأعمش، والصغار، يخطىء في ذلك، ويصحح له ما روى عن القاسم، ومعن، وشيوخه الكبار. وقال عباس الدوري، عن ابن معين: أحاديثه عن الأعمش مقلوبة، وعن عبد الملك أيضًا، وأما عن أبي حصين، وعاصم، فليس بشيء، إنما أحاديثه الصحاح عن القاسم، وعن عون. وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: المسعودي ثقة، وقد كان يغلط فيما روى عن عاصم، وسلمة، ويصحح فيما روى عن القاسم، ومعن.

وقال ابن نمير: كان ثقة، واختلط بآخره، سمع منه ابن مهدي، ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة، وما روى عنه الشيوخ فهو مستقيم. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى يقول: رأيت المسعودي سنة رآه عبد الرحمن بن مهدي، فلم أكلمه، وقال أيضًا: سمعت معاذ بن معاذ يقول: رأيت المسعودي سنة (54) يطالع الكتاب، يعني أنه تغير حفظه. وقال يحيى بن سعيد: آخر ما لقيت المسعودي سنة سبع، أو ثمان وأربعين، ثم لقيته بمكة سنة 58، وكان عبد الله بن عثمان ذلك العام معى، وعبد الرحمن بن مهدي، فلم يسأله عن شيء.

وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، إلا أنه اختلط في آخر عمره، ورواية المتقدمين عنه صحيحة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عيينة: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود من المسعودي.

ص: 564

وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: تغير قبل موته بسنة أو سنتين. وقال سليمان بن حرب، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل: مات سنة ستين ومائة. وقال يعقوب بن شيبة: توفي سنة 65، وكان ثقة صدوقًا، إلا أنه تغير بآخره.

وقال ابن عمار: كانت ثبتًا قبل أن يختلط، ومن سمع منه ببغداد، فسماعه ضعيف. وقال العجلي. ثقة، إلا أنه تغير باخره. وقال ابن خراش: نحو ذلك. وقال ابن حبان: اختلط حديثه، فلم يتميز، فاستحق الترك. وقال أبو النضر، هاشم بن القاسم: إني لأعرف اليوم الذي اختلط فيه المسعودي، كنا عنده، وهو يعزَّى في ابن له، إذ جاءه إنسان، فقال له: إن غلامك أخذ من مالك عشرة آلاف وهرب، ففزع، وقام، فدخل منزله، ثم خرج إلينا، وقد اختلط. علق له البخاري، كما قاله الحافظ المزي رحمه الله، وإن كانت اعترض عليه الحافظ، وأخرج له الأربعة

(1)

.

4 -

(علي بن الأقمر) بن عمرو بن الحارث بن معاوية بن عمرو ابن الحارث بن ربيعة بن عبد الله بن وادعة الهمداني الوادعي، أبو الوازع الكوفي، ثقة من [4].

قال ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن سيفان، والنسائي، وابن

(1)

"ت" جـ 6 ص 210 - 212.

ص: 565

خراش، والدارقطني. ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم بينه وبين كلثوم بن الأقمر قرابة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وجزم هو، وعمران بن محمد بن عمران الهمداني في طبقات رجال همدان أنه أخوه، وتبع في ذلك ابن سعد، وكذلك ذكره في الطبقة الثالثة، ووقع في "التهذيب" أنه ذكره في الرابعة. أخرج له الجماعة

(1)

.

5 -

(أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نضْلَة الجشمي

(2)

مشهور بكنيته، ثقة، من [3].

قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال غيره: قتلته الخوارج أيام الحجاج بن يوسف. وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث، كان أبو عبد الرحمن السلمي يقول: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص. وقال النسائي في "الكنى": كوفي ثقة، أنا أحمد بن سليمان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش، سمعت أبا إسحاق، يقول: خرج أبو الأحوص إلى الخوارج، فقاتلهم، فقتلوه. وذكر الخطيب في "تاريخه" أنه شهد مع علي قتال

(1)

" تت" جـ 7 ص 283 - 284. "ت" ص 243.

(2)

بفتح النون، وسكون المعجمة، والجشمي -بضم الجيم، وفتح المعجمة- اهـ "ت" ص 267.

ص: 566

الخوارج بالنَّهْرَوَان، فإن ثبت ذلك، فلا يدفع سماعه منه. والله أعلم أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون

(1)

.

6 -

(عبد الله) بن مسعود الهذلي، الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم في 35/ 39. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسياته.

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، إلا المسعودي، فما أخرج له مسلم، وعلق عنه البخاري على ما قاله المزي، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وابن المبارك، فمروزيان.

ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (أنه كان يقول: من سره)"من" شرطية، و"سره" بمعنى أفرحه، يقال: سَرَّهُ، يَسُرُّهُ سُرُورًا -بالضم، والاسم السَّرُور بالفتح: إذا أفرحه. قاله الفَيُّوميّ

(1)

"ت"267. "تت" جـ 8 ص 169.

ص: 567

(أن يلقى الله عز وجل غَدًا) أي يوم القيامة (مسلماً) أراد به كمال الإِسلام المتضمن لانقياد الباطن والظاهر، لا مجرد الاستسلام الظاهري، فهو بمعنى قوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، الآية. وجواب الشرط قوله (فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس) أي فليؤدّها مستوفيةَ الشروط والأركان والآداب (حيث ينادى بهن) أي في المكان الذي يؤذن فيه لهن، وهو المسجد، وأراد به أداءهن مع الجماعة (فإِن الله عز وجل شرع لنبيه) ولمسلم:"لنبيكم"(صلى الله عليه وسلم سنن الهدى)، روي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أي طرائق الهدى والصواب. قاله النووي رحمه الله

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: لم يرد بالسنن السنن المتعارفة في عرف الفقهاء التي هي قسيم الواجب وغيره من أقسام الأحكام الخمسة، بل أراد ما يشمل جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور الدين. والله تعالى أعلم.

(وإِنهن من سنن الهدى) أي الصلوات الخمس من جملة طرق الهدى التي أوجب الله تعالى سلوكها، دون ما سواها من الطرائق، قال

الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] الآية. فينبغي أداؤهن على الوجه المطلوب. والإضافة في: "سنن الهدى" للبيان، أي سنن هي الهدى

(1)

شرح مسلم جـ 5 ص 156.

ص: 568

(وإِني لا أحسب) بكسر السين وفتحها لغة. قال الفيومي رحمه الله: وحَسِبتُ زيدًا قائمًا، أحْسَبُهُ، من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس، حِسبَانًا -بالكسر-: بمعنى ظننت. انتهى

(1)

.

(منكم أحدًا)"منكم" جار ومجرور صفة لأحد، قدمت عليه، فتكون في محل نصب على الحال (إِلا له مسجد يصلي فية في بيته) أردا به الموضع الذي يصلي فيه الرجل التطوع، حيث إنه مأمور بالتطوع في بيته، مقد أخرج الشيخان، ويأتي للمصنف برقم 1598، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً".

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه الآتي برقم 1599: أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي

الحديث. وفيه: "فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"(فلو صليتم في بيوتكم) أي لو أديتم الصلوات المكتوبات في مساجد بيوتكم (وتركتم مساجدكم) أي تركتم الصلاة جماعة في المساجد العامة (لتركتم سنة نبيكم) صلى الله عليه وسلم، حيث إنه كان يصلي المكتوبات في المساجد بأصحابه جماعة، ولا يصليها في بيته، إلا من عذر (ولو تركتم سنة

(1)

المصباح جـ 1 ص 134.

ص: 569

نبيكم) صلى الله عليه وسلم (لضللتيم)، وفي رواية أبي داود:"لكفرتم". قال الخطابي رحمه الله: معناه أنه يؤدي بكم إلى الكفر بأن تتركوا عرى الإِسلام شيئًا، فشيئًا، حتى تخرجوا من الملة. انتهى.

وهو دليل واضح في كون صلاة الجماعة فرضًا على الأعيان، وأما تأويله بأنه محمول على التغليظ والتهديد في ترك صلاة الجماعة، أو أنه محمول على الترك تهاونًا وقلة مبالاة بها -كما قاله في "المنهل"- فغير صحيح. والله تعالى أعلم.

(وما من عبد مسلم يتوضأ، فيحسن الوضوء) بإتيانه بواجباته، ومستحباته (ثم يمشي إِلى صلاة)، وهي رواية مسلم:"ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد". ومعنى "يعمد": يقصد (إِلا كتب الله عز وجل له بكل خطوة يخطوها)"الخطوة" بفتح الخاء وضمها. قال الفيومي: خطَوت أخْطُو خطْوًا: مشيت، الواحدة خَطْوة، مثل ضَرْب وضَرْبَةَ، والخُطْوَة بالضم: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفظه، مثل شَهْوَة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطىً، وخُطُوات، مثل غرفة وغرفات في وجوهها. اهـ

(1)

.

وجملة "يخطوها" في محل جر صفة "خطوة"(حسنة، أو يرفع له بها درجة، أو يكفر عنه بها خطيئة) هكذا عند المصنف هنا، وفي "الكبرى" بـ"أو" في الموضعين، وفي بعض نسخ "المجتبى" بالواو في قوله:"ويرفع". وفي "مسند أحمد" و"صحيح مسلم" بالواو في

(1)

المصباح جـ 1 ص 174.

ص: 570

الموضعين. والظاهر أن "أو" في رواية المصنف بمعنى الواو. والله تعالى أعلم.

(ولقد رأيتنا) أي معاشر الصحابة (نقارب بين الخُطا) جمع خُطوة بالضم، وهو مسافة ما بين الرجلين. أي نقارب المسافة التي بين الرجلين في حالة المشي إلى المساجد تكثيرًا لها ليكثر الأجر والثواب. قال السندي في شرحه. وينبغي أن يكون اختيار أبعد الطرق مثله، لكن لا يخفى أن فضل الخُطا لأجل الحضور في المسجد والصلاة فيه، والانتظار لها فيه، فينبغي أن يكون نفس الحضور خيرًا منه. فليتأمل. والله أعلم. انتهى

(1)

.

(ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها) أي عن صلاة الجماعة في المسجد (إِلا منافق معلوم النفاق)، ولأبي داود:"بيِّن النفاق" أي ظاهرٌ نفاقه (ولقد كان الرجل) أي المريض (يهادى بين الرجلين)، بالبناء للمجهول، أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه، يعتمد عليهما، من ضعفه وتمايله لشدة المرض (حتى يقام) بالبناء للمجهول أيضًا، أي حتى يقيمه الرجلان (في الصف) وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها

(2)

. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 109.

(2)

شرح النووي على صحيح مسلم جـ 5 ص 156 - 157.

ص: 571

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 50/ 849، وفي "الكبرى" 50/ 922 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر العبدي، عن زكريا بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن عمير، كلاهما عن أبي الأحوص، عنه، وأبو داود فيه عن هارون بن عماد الأزدي، عن وكيع، عن المسعودي به.

وأخرجه أحمد جـ 1/ 414 و419 و455. وابن خزيمة رقم 1483. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما بوب له المصنف، وهو وجوب المحافظة على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن.

ومنها: أنه لا يجوز لأحد أن يتخلف عن الجماعة في المساجد إلا لعذر؛ لأنها من سنن الهدى التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام بها حق

ص: 572

القيام، وحث عليها أمته.

ومنها: أن من ترك الصلاة في الجماعة بدون عذر ضل سعيه وخسر.

ومنها: فضل إكمال الوضوء، والمشي إلى المساجد، وأن كل خطوة يخطوها إليها تستوجب حسنة، وترفع درجة، وتكفر خطيئة.

ومنها: ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من حرصهم على استكثار الخيرات، بحيث يقاربون بين الخُطا في المشي إلى المساجد، ومن شدة ملازمتهم لصلاة الجماعة حتى في حالة المرض.

ومنها: أن التخلف عن الجماعة من علامات النفاق، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

850 -

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ أَعْمَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ، يَقُودُنِي إِلَى الصَّلَاةِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، دَعَاهُ، قَالَ لَهُ: "أَتَسْمَعُ

ص: 573

النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(إِسحاق بن إِبراهيم) ابن راهويه، الثقة المثبت الحجة، مات سنة 238، من [10]، تقدم في 2/ 2.

2 -

(مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أبو عبد الله الكوفي، نزيل مكة، ثم دمشق، وهو ابن عم أبي إسحاق الفرازي، ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، من [8]، أخرج له الجماعة.

قال أبو بكر الأسدي عن أحمد: ثبت حافظ. وقال أبو داود عن أحمد: ثقة، ما كان أحفظه، كان يحفظ حديثه. وقال ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والنسائي: ثقة، وقال الدوري: سألت يحيى بن معين عن حديث مروان بن معاوية، عن علي بن أبي الوليد؟ قال: هذا علي بن غراب، والله ما رأيت أحيل للتدليس منه. وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ثقة فيما روى عن المعروفين، وضعفه فيما يروي عن المجهولين. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، عن ابن نمير: كان يلتقط الشيوخ عن السكك. وقال العجلي: ثقة ثبت، ما حدث عن المعروفين فصحيح، وما حدث عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق، لا يدفع عن صدقه ويكثر روايته عن

ص: 574

الشيوخ المجهولين. قال ابن المثنى، ودحيم: مات فجأة سنة 193 قبل التروية بيوم. وقال الآجري عن أبي داود: كان يقلب الألسماء. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان مروان يغير الأسماء يعمي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو حكم بن ظهير.

وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "الميزان". قال ابن معين: وجدت بخط مروان: وكيع رافضي، فقلت له: وكيع خير منك، فسبني. وقال الذهبي: كان عالمًا، لكنه يروي عمن دبّ ودرج، وكان فقيرًا ذا عيال، فكانوا يبرونه -يعني الذين يروي عنهم، كان يجازيهم. أخرج له الجماعة

(1)

.

3 -

(عبيد الله بن عبد الله بن الأصمم) العامري، مقبول، من [6].

روى عن عمه يزيد بن الأصم. وعنه عبد الواحد بن زياد، ومروان ابن معاوية، وابن عيينة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، إلا البخاري، والترمذي

(2)

.

(1)

"تت" جـ 10 ص 96 - 98. "ميزان الاعتدال" جـ 4 ص 93 - 94.

(2)

"تت" جـ 3 ص 20 - 21.

ص: 575

4 -

(يزيد بن الأصم) بن عبيد بن معاوية بن عبادة بن البكّاء بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسم الأصم عمرو، ويقال: عبد عمرو بن عبيد، وقيل في نسبه غير ذلك، أبو عوف البكَّائي الكوفي، نزيل الرقة، أمه برزة بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها، يقال: له رؤية، ولا يثبت، وهو ثقة، من [3].

روى عن خالته ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وابن خالته ابن عباس، وغيرهم. وعنه ابنا أخيه عبيد الله وعبد الله ابنا عبد الله بن الأصم، والأجلح الكندي، وأبو فروة راشد بن كيسان، ومحمد بن مسلم الزهري، وميمون بن مهران، وأبو إسحاق الشيباني، وجعفر بن برقان، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال: وقال هشام بن محمد: سمى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأصمَّ: عبدَ الرحمن.

وقال العجلي وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عمار: ربته ميمونة بنت الحارث، يقال: مات سنة 101، وقال أبو عبيد القاسم: مات سنة 103، وقال خليفة: مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، زاد الواقدي. وهو ابن 73 سنة. فهذا يقطع على أنه ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بدهر، وكذا نص عليه ابن حبان في "الثقات". وذكره ابن منده، وأبو نعيم في الصحابة، وقال أبو نعيم: لا يصح له صحبة. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون.

ص: 576

5 -

(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله موثقون، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري، والصحابي، فمدني، وفيه رواية الراوي عن عمه، وفيه أبو هريرة، أكثر الصحابة حديثًا، روى 5374. حديثًا والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: جاء أعمى إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال النووي رحمه الله: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم، جاء مفسرًا في "سنن أبي داود" وغيره. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن يكون غيره. والله أعلم.

(فقال: إِنه) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (ليس لي قائد يقودني إِلى الصلاة) إن كان الأعمى هو ابن أم مكتوم، فالمراد قائد يلائمه، ففي رواية لأبي داود:"ولي قائد لا يلائمني". وإن كان غيره، فيحتمل أنه لا يجد من يقوده أصلاً (فسأله) أي سأل الأعمى النبيَّ صلى الله عليه وسلم (أن يرخص له أن يصلي في بيته) أي يسهل عليه في التأخر عن الصلاة جماعةً في المسجد (فأذن له) في ذلك (فلما ولّى) أي

ص: 577

أدبر الأعمى عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم (دعاه) أي ناداه (قال له) وفي "الكبرى": "فقال" بالفاء (أتسمع النداء بالصلاة) وفي حديث ابن أم مكتوم الآتي بعد هذا: "هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح"(قال) الأعمى (نعم) أسمع ذلك (قال) صلى الله عليه وسلم: (فأجب) أمر من الإحابة.

وفي "الكبرى": "فأجبه"، والفاء فصيحية، أي فإذا كنت تسمع النداء بالصلاة فأجبه بالفعل. وهي حديث ابن أم مكتوم الاتي:"فحَيَّ هَلاً" أي أقبل إلى الصلاة. قال السندي رحمه الله: ظاهره وجوب الجماعة، لا بمعنى أنها واجبة في الصلاة حتى تبطل بدونها، بل بمعنى أنها واجبة على المصلي، يأثم بتركها. انتهى

(1)

.

وقال النووى رحمه الله: وهي هذا الحديث دلالة لمن قال: الجماعة فرض عين. وأجاب الجمهور عنه بأنه سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته، وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره، فقيل. لا. ويؤيد هذا أن حصور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة: حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه المتقدم في [باب الجماعة في النافلة] 46/ 844.

قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال: إنها فرض عين لمن لا عذر له، هو الراجح كما أسلفناه، وأما تأويل الجمهور المذكور فبعيد

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 109 - 110.

ص: 578

وتأييده بحديث عتبان ليس كما ينبغي؛ إذ حديثه نص في تحقق عذره، فقد تقدم بالرقم المذكور أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله؛ إن السيول لتحول بيني وبين مسجد قومي

فهذا عذر قائم، وأما الأعمى المذكور فعذره هو العمى، ومعلوم أن كثيرًا من العميان لا يشق عليهم المشي إلى المساجد، كما هو مشاهد، وهذا الأعمى منهم، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم لم يرخص له، مع كونه رخص لكثير من أصحاب الأعذار، كعتبان، وكمن حضر لديه طعام، وكمن يدافعه الأخبثان، وفي حالة وجود الأمطار. كما يأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى.

والحاصل أن حديث الباب دليل واضح على فرضية الجماعة لمن لا عذر له، وأن مجرد العمى ليس عذرًا يسقط الجماعة. والله تعالى أعلم.

وقال النووي رحمه الله أيضًا: وأما ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم له، ثم رده، وقوله:"فأجب" فيحتمل أنه بوحي نزل في الحال، ويحتمل أنه تغير اجتهاده صلى الله عليه وسلم، إذا قلنا بالصحيح، وقول الأكثر: إنه يجوز له الاجتهاد، ويحتمل أنه رخص له أوّلاً، وأراد أنه لا يجب عليك الحضور، إما لعذر، وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل لك، والأعظم لأجرك أن تجيب، وتحضر، فأجب. والله أعلم. انتهى

(1)

.

(1)

شرح مسلم جـ 5 ص 155.

ص: 579

فقال الجامع عفا الله عنه: قوله. ويحتمل أنه تغير اجتهاده

إلخ. الأرجح عندي أنه بوحي نزل عليه، لظاهر قوله تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]. وقوله: وأراد أنه لا يجب عليك الحضور

إلخ، غير صحيح؛ لأنه يرده ظاهر الأمر في قوله:"فأجب" مع الأدلة الأخرى لوجوب الجماعة. فتبصر. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 50/ 850، وفي "الكبرى" 50/ 923 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وسويد بن نصر، ويعقوب بن إبراهيم، كلهم عن مروان بن معاوية بسند المصنف رحمه الله. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما بوب له المصنف، وهو وجوب المحافظة على الصلوات في المساجد.

ص: 580

ومنها: أن العمى ليس عذرًا يسقط الجماعة، وإن لم يجد قائدًا، والظاهر أن هذا فيما إذا كان يعرف طريق المسجد، ولا يخاف عليه من الهلاك.

ومنها: أن من سمع النداء لا يجوز له أن يتخلف إلا بعذر.

ومنها: وجوب إجابة المؤذن بالفعل، كما يجب بالقول، لحديث:"إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" متفق عليه. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

851 -

أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ، قَالَ:"هَلْ تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"فَحَيَّ هَلاً". وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ.

ص: 581

رجال هذا الإسناد: ثمانية

1 -

(هارون بن زيد

(1)

بن أبي الزرقاء) التغلبي، أبو محمد الموصلي، نزيل الرملة، صدوق، من [10].

قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. مات بعد 250، روى عنه أبو داود، والمصنف.

2 -

(زيد بن أبي الزرقاء) يزيد التغلبي

(2)

، أبو محمد الموصلي، نزيل الرملة، ثقة، من [9].

قال ابن معين: ليس به بأس، كان عنده "جامع سفيان"، رأيته بمكة، وقال ابن عمار الموصلي: لم أر مثل هؤلاء الثلاثة في الفضل: المعافى بن عمران، وزيد بن أبي الزرقاء، وقاسم الجرمي. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يغرب، وحكي في اسم أبيه بُريد -بالراء، والموحدة أيضًا.

وقال أحمد بن أبي رافع: كان زيد يُلْقِي ما في الحديث من غلط وشك، ويحدث بما لا يشك فيه. وقال أبو زكريا الأزدي في الطبقة

(1)

وقع في النسخة الهندية: هارون بن يزيد، والصواب ما هنا.

(2)

في "تت" برقم ص 413 - 414: الثعلبي بالثاء المثلثة، والعين المهملة، وفي "تك": التغلبي بالمثناة الفوقية، والغين المعجمة، وهو الصواب، قال: كان زيد بن أبي الزرقاء ينتمي إلى بني تغلب. اهـ جـ 10 ص 74.

ص: 582

الثالثة من أهل الموصل: ومنهم زيد بن يزيد بن أبي الزرقاء الثعلبي من أهل الفضل والنسك، خرج من الموصل إلى الرملة مهاجرًا لِفِتْنَةٍ، كانت فيها سنة 193، ومات هناك سنة 194، وقال أحمد بن صالح: ليس له بأس. وقال أبو حاتم: ثقة، وكذا قال ابن معين في رواية الدوري. أخرج له أبو داود، والمصنف.

3 -

(عبد الله بن محمد بن إِسحاق) الجزري، أبو عبد الرحمن الأذْرَمي

(1)

الموصلي، ثقة من [10]، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في 6/ 503.

4 -

(قاسم بن يزيد

(2)

) الجَرْمِي

(3)

أبو يزيد الموصلي، ثقة عابد، مات سنة 194، من [9]، أخرج له أبو داود في "مراسيله"، والنسائي. تقدم في 102/ 135.

5 -

(سيفان) بن سعيد الثوري الكوفي، الإِمام الحجة الثبت، مات نسة 161، من [7]، أخرج له الجماعة. تقدم في 33/ 37.

6 -

(عبد الرحمن بن عابس) بن ربيعة النخعي الكوفي، ثقة،

(1)

بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة، وفتح الراء، آخره ميم: نسبة إلى أَذْرَمَةَ، قرية عند نَصِيبين، من الجزيرة. اهـ اللباب جـ 1 ص 38.

(2)

هكذا في النسخة "الهندية" و"الكبرى": "يزيد" وهو الصواب، ووقع في بعض نسخ "المجتبى":"بن زيد"، بدلاً من يزيد، وهو خطأ. فتنبه.

(3)

بفتح الجيم، وسكون الراء: نسبة إلى قبيلة من طيء. قاله في اللباب جـ 2 ص 273 - 274.

ص: 583

مات سنة 119، من [4].

قال ابن معين وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي. ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه ابن نمير، وابن وضاح. وقال الصريفيني: مات سنة 119، أخرج له الجماعة إلا الترمذي.

7 -

(عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة، مات سنة 86، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 86/ 104.

8 -

(ابن أم مكتوم) عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة، ويقال: زياد القرشي العامري الأعمى الصحابي المشهور، قدير الإِسلام، ويقال: اسمه عبد الله، ويقال: الحصين، كان النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر رضي الله عنهما، تقدم في 9/ 637. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله ثقات

ومنها: أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، فللمصنف في هذا الحديث سندان، أحدهما: هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، والثاني: عبد الله بن محمد بن إسحاق، عن قاسم بن يزيد، وكلاهما يرويان عن سيفان الثوري، وقد تقدم الكلام على مثل هذا غير مرة.

ص: 584

ومنها: أن فيه روايةَ تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن ابن أم مكتوم) رضي الله عنه (أنه قال: يا رسول الله، إِن المدينة كثيرة الهوام) يعني وأخشى منها الأذى، فهل يرخص لي في التأخر عن الجماعة.

والهوام، جمع هامّة كدابّة ودوابّ، وهي ما له سم يقتل، كالحية، قاله الأزهري، وقد تطلق على ما لا يقتل، كالحشرات، ومنه حديث كعب بن عجرة، وقد قال له عليه الصلاة والسلام:"أيؤذيك هوامّ رأسك"، والمراد القمل على الاستعارة بجامع الأذى. قاله الفيومي

(1)

، والمراد هنا المعنى الأول.

(والسباع) جمع سبع بفتح المهملة، وضم الموحدة، مثل رجل ورجال، حيوان معروف، وإسكان الباء لغة حكاها الأخفش، وغيره،

وهي الفاشية عند العامة، وقرىء بهما قوله تعالى:{وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} الآية [المائدة: 3] وجمعه على لغة السكون في القلة أسْبُع، مثل فلس وأفلس، ويقع السبع على كل ما له ناب يعدو به، ويفترس كالذئب، والفهد، والنمر، وأما الثعلب، فليس بسبع، وإن كان له ناب؛ لأنه

(1)

المصباح جـ 2 ص 641.

ص: 585

لا يَعْدُو، ولا يَفْتَرِس، وكذلك الضبع، قاله الأزهري

(1)

. وهذا الإطلاق الثاني هو المراد هنا.

(قال) صلى الله عليه وسلم: (هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟) وأراد به الأذان، وخص هذين اللفظين بالذكر لما فيهما من معنى الطلب.

وأخرج أبو داود بسنده عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزبن، عن ابن أم مكتوم، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال:"هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "لا أجد لك رخصة".

(قال) ابن أم مكتوم رضي الله عنه (نعم) أسمع ذلك (قال) صلى الله عليه وسلم: (فحَيَّ هَلاً) بالتنوين، وجاء بالألف بلا تنوين، وبسكون اللام. قاله السندي. وقال بعضهم: يجوز في حي هل سكون اللام وفتحها مع التنوين، وبغير تنوين، ويجوز رسمها كلمتين، وكلمة واحدة.

قال الخطابي رحمه الله: كلمة حث واستعجال. وقال في "النهاية": هما كلمتان، جعلتا كلمة واحدة، فـ"حيّ" بمعنى "أقبل"،

(1)

أفاده في المصباح جـ 1 ص 264.

ص: 586

و"هلا" بمعنى أسرع وقال في "مرقاة الصعود": وفي "شرح المفصل": هو اسم من أسماء الأفعال مركب من "حيّ" و"هلا"، وهما صوتان، معناهما الحث، والاستعجال، وجمع بينهما، وسمي بهما للمبالغة، وكان الوجه أنه لا ينصرف، كحضرموت، وبعلبك، إلا أنه قد وقع موقع فعل الأمر، فبنى، كصَهْ، ومَهْ، وتارة يستعمل حيّ وحده، نحو: حي على الصلاة، وتارة هلا وحدها، واستعمال حيّ وحده أكثر. انتهى

(1)

.

(ولم يرخص له) أي لم يسهل له في التخلف عن الجماعة بسبب ما ذكره من كون المدينة كثيرة الهوام والسباع؛ حيث علم صلى الله عليه وسلم أنه لا يلحقه منها ضرر، فلم يجعلها من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة.

وفيه أن مجرد العمى ليس عذرًا في التخلف عن الجماعة، إلا إذا شق عليه، وتحقق الضرر، كأن يكون هناك سيل، أو بئر يخاف عليه التردي فيه، أو نحو ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث ابن أم مكتوم رضي الله عنه هذا صحيح.

(1)

انظر المنهل جـ 4 ص 243.

ص: 587

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 50/ 851، وفي "الكبرى" 50/ 924 يالسند المذكور.

قال الجامع عفا الله عنه: أشار الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى إلى أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث: قد اختلف على ابن أبي ليلى في هذا الحديث، فرواه بعضهم عنه مرسلاً. انتهى "تحفة الأشراف" جـ 8 ص 171. وكذا عزا الكلام إلى النسائي الحافظ المنذري في مختصر أبي داود جـ 2 ص 292.

قال الجامع: لكن لم أجده هذا الكلام فيما عندي من نسخ "المجتبى"، ولا "الكبرى"، ولا أدري في أيّ باب ذكره. والله أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفوائد الحديث تعلم مما سبق، والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 588

‌51 - الْعُذْرِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ

أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على ترك الصلاة جماعة في المسجد بسبب عذر يمنع من الحضور. والأعذار التي ثبت في الأحاديث أنها تسقط فرض الجماعة عشرة أشياء، كما تتبعها ابن حبان رحمه الله، وسيأتي عدها في المسألة الخامسة من الحديث الثاني إن شاء الله تعالى.

852 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَمَ كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا، فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ، فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [10]، تقدم في 1/ 1.

2 -

(مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، المثبت الحجة، من [7]، تقدم في 7/ 7.

3 -

(هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، من [5]، تقدم في 49/ 61.

ص: 589

4 -

(عروة) بن الزبير بن العوّام المدني، ثقة تبت فقيه، من [3]، تقدم في 40/ 44.

5 -

(عبد الله بن أرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، القرشي الزهري. أسلم عام الفتح، وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأبي بكر، وعمر، وكان على بيت مال عمر. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه أسلم مولى عمر، وعبد الله بن عتبة، وعمرو بن دينار مرسلاً، وعروة بن الزبير، وقيل: بينهما رجل، ويزيد بن قتادة، وقال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه أخبره، قال: ما رأيت رجلاً قط كان أخشى لله منه.

ووى له الأربعة حديثًا واحداً في البداءة بالخلاء لمن أراد الصلاة، ويقال: ليس له مسند غيره. قال ذلك البزار في "مسنده"، وقال الترمذي في "العلل الكبير": سالت محمدًا عنه؟ فقال: رواه وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل، عن ابن أرقم، وكأن هذا أشبه عندي.

قال الترمذي: قد رواه مالك، وغير واحد عن هشام، عن أبيه، عن ابن أرقم، وصححه الترمذي وغير واحد، وقال ابن السكن: توفي في خلافة عثمان، وكذا ذكره البخاري في "التاريخ الصغير"، قال الحافظ رحمه الله: وأما ما وقع في "كتاب الثقات" لابن حبان: وعبد الله ابن أرقم توفي بمكة يوم جاءهم نعى يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول

ص: 590

سنة 64، وصلى عليه ابن الزبير، وله يوم مات 62 سنة، فوهم فاحش، وخطأ ظاهر، إمام في تقدير مولده، وإما في وفاته، وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به، وكأنه انتقل ذهنه إلى السور بن مخرمة الزهري. انتهى

(1)

. أخرج له الأربعة.

قال الجامع عفا الله عنه: ومن لطائف هذا الإسناد: أن صحابيه من المقلين، ليس له عند أصحاب السنن غير حديث الباب، كما مر آنفًا في قول البزار، وأما بقية اللطائف فقد تقدمت غير مرة. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عبد الله بن أرقم) رضي الله عنه (كان يؤم أصحابه) أي يصلي بهم إمامًا. وفي رواية أبي داود "أنه خرج حاجًا، أو معتمرًا، ومعه الناس، وهو يؤمهم". وفي رواية البيهقي في "المعرفة": "أنه خرج إلى مكة صحبةَ قوم، فكان يؤمهم". وفي رواية ابن عبد البر من طريق حماد بن زيد إلى ابن الأرقم: "أنه كان يسافر، فكان يؤذن لأصحابه، ويؤمهم" .. (فحضرت الصلاة يومًا) وفي رواية أبي داود: "فلما كان ذات يوم، فأقام الصلاة صلاةَ الصبح"(فذهب لحاجته) أي البول والغائط، أي وأمر غيره أن يتقدم، ففي رواية أبي داود: "ثم قال: ليتقدم أحدكم، وذهب إلى

(1)

"تت" جـ 5 ص 146 - 147.

ص: 591

الخلاء"، وفي رواية الترمذي: "أقيمت الصلاة، فأخذ بيد رجل، فقدمه، وكان إمام قومه" ....

(ثم رجع) أي من محل حاجته (فقال) مبينًا سبب ذهابه لحاجته بعد أن أقيم للصلاة: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِذا وجد أحدكم الغائط) الخطاب وإن كان للحاضرين بحسب الظاهر، لكن الحكم عامّ؛ لأنه لا فرق في ذلك بين الحاضر وغيره، والذكر والأنثى (فليبدأ به قبل الصلاة) ولفظ أبي داود:"إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاءَ، وقامت الصلاة، فليبدأ بالخلاء": يعني أنه ينبغي له أن يفرّغ نفسه من الشواغل، فيصلي خاليًا مما يشوش عليه؛ لأنه إذا صلى قبل قضاء حاجته لا يتفرغ قلبه للعبادة، لنقصان خشوعه باشتغال قلبه، والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث عبد الله بن أرقم رضي الله عنه هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 51/ 852، وفي "الكبرى" 51/ 925 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الطهارة" عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن

ص: 592

هشام بن عروة، عن أبيه، عنه. والترمذي فيه عن هناد، عن أبي معاوية، عن هشام، به، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح، عن سيفان بن عيينة، عن هشام به نحوه. ومالك في "الموطأ" ص 117، وأحمد جـ 3 ص 483، وجـ 4/ 35، والدارمي رقم 1434، وابن خزيمة 932.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو أن البول والغائط عذر تسقط به صلاة الجماعة.

ومنها: أنه لا يجوز لأحد أن يصلي، وبه حاجة إلى البول والغائط.

ومنها: أنه يطلب من المصلي الإقبال على صلاته، والبعد عن كل ما يشغل قلبه عنها، فلا يدخل فيها، وهو يجد شيئًا يمنعه عن الخشوع.

ومنها: أنه ينبغي لمن فعل شيئًا مستغربًا أن يبين الدليل الشرعي الذي حمله على فعله، فإن عبد الله بن أرقم لما تخلف عن صلاة الجماعة بسبب حاجته، بين لأصحابه دليله.

ومنها: أن في قوله:" إذا وجد أحدكم الغائط" ما يدل على هروب العرب من الفحش، ودنائة القول، ومجانبتهم للخنا كله،

ص: 593

فلهذا قالوا لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمخرج، والكَنِيف، والحُشّ، والمِرْحَاض، وكل ذلك كناية، وفرار عن التصريح في ذلك. قاله الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: أنه اختلف الحفاظ في سند هذا الحديث، فمنهم من أدخل بين عروة وعبد الله بن أرقم رجلاً، ومنهم من أسقطه، وهو الأصح، قال أبو داود رحمه الله في "سننه"، بعد أن ساقه عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم: ما نصه: روى وهيب بن خالد، وشعيب بن إسحاق، وأبو ضمرة هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن رجل حدثه عن عبس الله بن أرقم، والأكثر الذين رووه عن هشام، قالوا كما قال زهير. انتهى كلام أبي داود رحمه الله تعالى.

وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه "التمهيد"، بعد أن ساق نص مالك في "الموطأ" كنص النسائي: ما نصه: ولم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه، واختلف فيه عن هشام بن عروة؛ فرواه مالك -كما ترى- وتابعه زهير بن معاوية، وسفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، ومحمد بن إسحاق، وشجاع ابن الوليد، وحماد بن زيد، ووكيع، وأبو معاوية، والمفضل بن فَضَالة، ومحمد بن كُنَاسَةَ، كلهم رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم، كما رواه مالك، ورواه وهيب بن خالد،

ص: 594

وأنس بن عياض، وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن الأرقم، فأدخل هؤلاء بين عروة وبين عبد الله بن الأرقم رجلاً. ذكره أبو داود. ورواه أيوب بن موسى، عن هشام، عن أبيه، أنه سمعه من عبد الله بن الأرقم، فالله أعلم.

ذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن أيوب بن موسى، عن هشام بن عروة، عن عروة، قال: خرجنا في حج، أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري، فأقام الصلاة، ثم قال: صلوا، وذهب لحاجته، فلما رجع قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقيمت الصلاة، وأراد أحدكم الغائط، فليبدأ بالغائط"، فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك، ومن تابعه في هذا الحديث متصلة، وابن جريج، وأيوب بن موسى ثقتان حافظان.

ثم أخرج أبو عمر بأسانيده رواية محمد بن عبد الله بن كُنَاسَةَ، وحماد بن زيد، ووكيع. انتهى كلام ابن عبد البر في "التمهيد" جـ 22 ص 203 - 205. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

853 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ.

ص: 595

رجال هذا الإسناد: أربعة

1 -

(محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة، من [10]، تقدم في 20/ 21.

2 -

(سفيان) بن عيينة الكوفي، ثم المكي، الحجة الحافظ المثبت، من [8]، تقدم في 1/ 1.

3 -

(الزهري) محمد بن مسلم المدني، الإِمام الحجة المثبت، من [4]، تقدم في 1/ 1.

4 -

(أنس) بن مالك الصحابي رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6.

قال الجامع عفا الله عنه: لطائف هذا الإسناد تقدمت غير مرة، وهو (61) من رباعيات المصنف رحمه الله، وهي أعلى الأسانيد التي وقعت له في كتابه. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذا حضر العَشَاء) بالفتح، والمد: الطعام يُتَعَشَّى به وقت العِشَاء. قاله الفيّومي. وفي "ق": هو طعام العَشِيّ، وهو ممدود كسماء.

قال العراقي رحمه الله: المراد بحضوره: وضعه بين يدي الآكل، لا استواؤه، ولا غَرْفه في الأوعية، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما

ص: 596

المتفق عليه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه"، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتها حتى يفرغ منه، وإنه ليسمع قراءة الإِمام. انتهى منقولاً من "تحفة الأحوذي"

(1)

.

ويؤيد ما قاله العراقي عن أن المراد بحضوره: وضعه بين يدي الآكل، حديث أنس رضي الله عنه، عند البخاري بلفظ:"إذا قدم العشاء"، ولمسلم:"إذا قرب العشاء". وعلى هذا، فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكنه لم يقرب للأكل، كما لو لم يقرب. أفاده في "الفتح"

(2)

.

(وأقيمت الصلاة) قال ابن دقيق العيد رحمه الله: الألف واللام في "الصلاة" لا ينبغي أن تحمل على الاستغراق، ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن تحمل على المغرب، لقوله:"فابدءوا بالعشاء". ويترجح حمله على المغرب، لقوله في الرواية الأخرى:"فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب". والحديث يفسر بعضه بعضًا. وفي رواية صحيحة: "إذا أقيمت الصلاة، وأحدكم صائم، فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم" رواه ابن حبان

(3)

. انتهى.

(1)

جـ 2 ص 334.

(2)

جـ 2 ص 382

(3)

"صحيح ابن حبان" جـ 5 ص 421 - 422.

ص: 597

قال العلامة الشوكاني رحمه الله: وأنت خبير بأن التنصيص على المغرب لا يقتضي تخصيص عموم الصلاة، لما تقرر في الأصول من أن موافق العام لا يخصص به، فلا يصلح جعله قرينة لحمل اللام على ما لا عموم فيه، ولو سلم عدم العموم، لم يسلم عدم الإطلاق، وقد تقرر أيضًا في الأصول أن موافق المطلق لا يقتضي التقييد، ولو سلمنا ما ذكره باعتبار أحاديث الباب لتأييده بأن لفظ العشاء يخرج صلاة النهار، وذلك مانع من حمل اللام على العموم، لم يتم له باعتبار حديث:"لا صلاة لحضرة طعام" عند مسلم وغيره، ولفظ:"صلاة" نكرة في سياق النفي، ولا شك أنها من صيغ العموم، ولإطلاق الطعام، وعدم تقييده بالعشاء، فذكر المغرب من التنصيص على بعض أفراد العام، وليس بتخصيص، على أن العلة التي ذكرها شرّاح الحديث للأمر بتقديم العَشَاء، كالنووي وغيره لعدم الاختصاص ببعض الصلوات، فإنهم قالوا: إنها اشتغال القلب بالطعام، وذهاب كمال الخشوع عند حضوره، والصلوات متساوية الإقدام في هذا.

قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي حمله على العموم، لوضوح دليله. والله تعالى أعلم.

وظاهر الأحاديث أنه يقدم العَشاء مطلقًا، سواء كان محتاجًا إليه، أم لا، وسواء كان خفيفًا أم لا، وسواء خشي فساد الطعام أم لا، وخالف الغزالي، فزاد قصد خشية فساد الطعام، والشافعية، فزادوا قيد

ص: 598

الاحتياج، ومالك، فزاد قيد أن يكون الطعام خفيفًا.

وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم والظاهرية، ورواه الترمذي عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وإسحاق، والعراقي عن الثوري، فقال: يجب تقديم الطعام، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قدمت. وذهبت الجمهور إلى الكراهة. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: ادعى أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله الإجماع على صحة صلاة من صلى بحضرة الطعام، ومن صلى حاقنًا، إذا لم يترك شيئًا من فرائض الصلاة

(2)

. فإن صح دعوى الإجماع، فذاك، وإلا فما قاله الأولون هو الظاهر؛ لأن حديث مسلم:"لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" نص في انتفاء الصلاة، وعدم الاعتداد بها مع حضور الطعام، ومدافعة الأخبثين. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه.

(1)

نيل الأوطار جـ 2 ص 57.

(2)

انظر التمهيد جـ 22 ص 206.

ص: 599

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 50/ 853، وفي "الكبرى" 50/ 926 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الصلاة" عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عنه. ومسلم فيه عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري به. وعن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلهم عن ابن عيينة، عن الزهري، عنه. وابن ماجه فيه عن هشام بن عمار، عن ابن عيينة، به. والحميدي رقم 1181. وأحمد جـ 3 ص 110 و161. والدارمي رقم 1285. واين خزيمة 934 و1651. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: قال النووي رحمه الله: في هذه الأحاديث -يعني أحاديث الباب- كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلتحق به ما في معناه مما يشغل القلب. وهذا إذا كان في الوقت سعة. فإن ضاق صلَّى على حاله محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز التأخير، وحكى المتولي وجها أنه يبدأ بالأكل، وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع، فلا يفوته. انتهى.

قال في "الفتح": وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع،

ص: 600

ثم فيه نظر؛ لأن المفسدتين إذا تعارضتا، اقتصر على أخفهما، وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة، وتستحب الإعادة عند الجمهور.

قال الجامع عفا الله عنه: في استحباب الإعادة نظر؛ إذ لا دليل عليه، فإن صلاة الخوف لم يشرع فيها الإعادة مع كونها صليت في حالة تنافي الخشوع. قال الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} الآية [التغابن: 16].

وادعى ابن حزم رحمه الله أن في الحديث دلالة على امتداد الوقت في حق من وضع له الطعام، ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثل ذلك في حق النائم والناسي.

قال الجامع: النصوص المذكورة لا تدلّ على ما ادعاه. والله أعلم.

واستدل النووي وغيره بحديث أنس رضي الله عنه على امتداد وقت المغرب. واعترضه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر، وإن أريد به مطلق التوسعة، فمسلم، ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدرًا بزمن يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع.

واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب؛

ص: 601

لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل، وإن فاتته الصلاة في الجماعة، وفيه نظر؛ لأن بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان، جعل حضور الطعام عذرًا في ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقًا.

وفيه فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت.

واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله: "فابدؤوا" على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأما من شرع، ثم أقيمت الصلاة، فلا يتمادى، بل يقوم إلى الصلاة.

قال النووي رحمه الله: وصنيع ابن عمر يبطل ذلك، وهو الصواب. وتعقب بأن صنيع ابن عمر اختيار له، وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه؛ لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما دفع شغل البال به، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل ذراعًا يحتزّ منها، فدعي إلى الصلاة، فقام، فطرح السكين، فصلى، ولم يتوضأ.

قال الجامع: لكن قال الزين ابن المُنَير رحمه الله: لعله صلى الله عليه وسلم أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة، فقدم الصلاة على الطعام، وأمر غيره بالرخصة؛ لأنه لا يقوى على مدافعة الشهوة قوته، "وأيكم يملك أربه". انتهى.

وروى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة بإسناد حسن، عن

ص: 602

أبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهما:"أنهما كانا يأكلان طعامًا، وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال له ابن عباس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء". وفي رواية ابن أبي شيبة: "لئلا يعرض لنا في صلاتنا"، وله عن الحسن بن علي، قال:"العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوّامة".

وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فيبنغي أن يدار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا، ولا يتقيد بكل، ولا بعض، ويستتنى من ذلك الصائم، فلا تكره صلاته بحضرة الطعام، إن الممتنع بالشرع لا يشغل العاقل نفسه به، لكن إذا غلب استحب له التحول من ذلك المكان. انتهى "فتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الأولى تعميم الحكم فيمن بدأ بالأكل، ومن لم يبدأ به، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان:"إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه". وقوله: "إذا كان أحدكم على الطعام، فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة"، فهذا نص واضح فيمن بدأ، ومن لم يبدأ، فتبصر. والله تعالى أعلم.

فائدتان:

الأولى: قال ابن الجوزي رحمه الله: ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق

(1)

جـ 2 ص 384 - 385.

ص: 603

الحق، ليدخل في عبادته بقلوب مقبلة، ثم إن طعام القوم كان شيئًا يسيرًا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبًا.

الثانية: قال الحافظ العراقي رحمه الله في "شرح الترمذي": ما يقع في بعض كتب الفقه: "إذا حضر العشاء والعِشَاء، فابدؤوا بالعَشَاء" لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ. انتهى.

قال الحافظ رحمه الله: لكن رأيت بخط الحافظ قطب الدين أن ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل، وهو ابن علية، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن رافع، عن أم سلمة مرفوعًا:"إذا حضر العَشَاء، وحضرت العِشاء، فابدأوا بالعَشاء". فإن كان ضبطه، فذاك. وإلا فقد رواه أحمد في مسنده عن إسماعيل بلفظ:"وحضرت الصلاة"، ثم راجعت "مصنف ابن أبي شيبة"، فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد. والله تعالى أعلم، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

.

المسألة الخامسة: ذكر الإِمام الحافظ أبو حاتم ابن حبان رحمه الله تعالى الأعذار التي تسقط فرض الجماعة، فقال: وأما العذر الذي يكون المتخلف عن إتيان الجماعات به معذورًا، فقد تتبعته في السنن كلها، فوجدتها تدل على أن العذر عشرة أشياء. اهـ. وهاك خلاصة ما قاله رحمه الله تعالى:

(1)

"فتح" جـ 2 ص 385.

ص: 604

الأول: المرض الذي لا يقدر المرء معه أن يأتي الجماعات، لحديث أنس رضي الله عنه في كونه صلى الله عليه وسلم كشف الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فأراد أبو بكر أن يرتد، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السِّجْفَ

(1)

.

الثاني: حضور الطعام، لحديث الباب.

الثالث: النسيان الذي يعرض في بعض الأحوال، لحديث أبي قتادة رضي الله عنه في نومهم عن صلاة الصبح

(2)

.

الرابع: السِّمَن المفرط الذي يمنع المرء عن حضور الجماعات، لحديث أنس رضي الله عنه، قال: قال رجل من الأنصار -وكان ضخمًا- للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيت منزلي، فصليت فيه، فأقتدي بك، فصنع الرجل طعامًا، ودعاه إلى بيته، فبسط له طرف حصير لهم، فصلى عليه ركعتين ....

(3)

.

الخامس: وجود المرء حاجة الإنسان في نفسه -يعني البول والغائط- لحديث عبد الله بن الأرقم المذكور في الباب. والمراد أن يؤذيه ذلك بحيث يشغله عن الصلاة، لا ما لا يتأذى به، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يصل أحدكم، وهو

(1)

سيأتي للمصنف 7/ 1831.

(2)

تقدم للمصنف 47/ 846.

(3)

أخرجه ابن حبان، وأخرج البخاري في صحيحه نحوه.

ص: 605

يدافعه الأخبثان"

(1)

.

السادس: خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد. لحديث عتبان بن مالك

(2)

.

السابع: وجود البرد الشديد المؤلم. لحديث ابن عمر رصي الله عنهما، أنه وجد ذات ليلة برداً شديدًا، فأذَّنَ مَنْ مَعَه، فصلوا في رحالهم، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان مثل هذا أمر الناس أن يصلوا في رحالهم

(3)

.

الثامن: وجود المطر المؤذي، لحديتْ ابن عمر أيضًا، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: "ألا صلوا في الرحال"

(4)

.

التاسع: وجود العلة التي يخاف الرء على نفسه العَثْرَ منها؛ لحديث ابن عمر أيضًا، قال: كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانت ليلة ظلماء، أو ليلة مطيرة، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نادى مناديه، أن صلوا في رحالكم

(5)

.

(1)

رواه ابن حبان بإسناد قوي جـ 5 ص 428.

(2)

تقدم للمصنف 1/ 788

(3)

رواه ابن حبان في صحيحه.

(4)

تقدم للمصنف 17/ 654.

(5)

رواه ابن حبان في صحيحه، وتقدم نحوه للمصنف من حديث رجل من ثقيف. 17/ 653.

ص: 606

العاشر: أكْلُ الثوم والبصل إلى أن يذهب ريحها. لحديث: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يقربن مصلانا حتى يذهب ريحها"

(1)

. انتهى ما ذكره ابن حبان في صحيحه من أعذار سقوط فرض الجماعة حسبما دلت عليه الأحاديث الصحيحة بالاختصار

(2)

. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

854 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحُنَيْنٍ، فَأَصَابَنَا مَطَرٌ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "أَنْ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ".

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة حافظ، مات سنة 252، من [10] أخرج له الجماعة، تقدم في 64/ 8.

2 -

(محمد بن جعفر) أبو عبد الله المصري المعروف بغُنْدَر، ثقة صحيح الكتاب، مات سنة 193، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 21/ 22.

(1)

أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان.

(2)

راجع صحيح ابن حبان جـ 5 ص 417 - 439 بتحقيق شعيب الأرنؤوط.

ص: 607

3 -

(شعبة بن الحجاج) البصري الإِمام الحجة المثبت، من [7]، تقدم في 24/ 26.

4 -

(قتادة) بن دعامة السَّدُوسِيُّ، ثقة تبت، مات سنة بضعة عشر ومائة، تقدم في 30/ 34.

5 -

(أبو المليح) بن أسامة بن عمير، أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذلي، اسمه عامر، وقيل: زيد. وقيل: زياد، ثقة، مات سنة 98، وقيل: غير ذلك، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 102/ 139.

6 -

(أسامة بن عمير) بن عامر بن الأقيش الهُذَلي البصري رضي الله عنه، صحابي تفرد بالرواية عنه ولده، تقدم في 102/ 139. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا الصحابي، فما أخرج له الشيخان.

ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.

ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الستة.

ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.

ص: 608

شرح الحديث

(عن أبي المليح) تقدم الخلاف في اسمه (عن أبيه) أسامة بن عمير الهذلي رضي الله عنه، أنه (قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين) وفي رواية ابن أبي شيبة: "عام الحديبية، أو حنين"، وفي رواية لابن حبان من طريق أبي قلابة، عن أبي المليح:"زمن الحديبية"(فأصابنا مطر، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صلوا في رحالكم)"أن" يحتمل أن تكون تفسيرية، ويحتمل أن تكون مصدرية، فتكون الجملة في تأويل المصدر مجرورة بحرف جر مقدر، أي بالصلاة.

و"الرحال" بالكسر جمع رَحْلٍ بفتح، فسكون. قال الفيومي رحمه الله: وَرَحْلُ الشخصِ: مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه. انتهى

(1)

. ثم إن هذا النداء يحتمل أن يكون في خلال الأذان، وأن يكون بعده.

فقد أخرج الشيخان عن عبد الله بن الحارث، قال: خطبنا ابن عباس في يوم رَدْغٍ

(2)

فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة، فأمره أن ينادي:"الصلاة في الرحال"، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقال: فعل هذا من هو خير منه، وإنها عزمة.

(1)

المصباح جـ 1 ص 222.

(2)

الردغ، ويقال الرزغ: الطين القليل من مطر، أو غيره. وقيل: الردغة: الوحل، والرزغة أشد منها.

ص: 609

وأخرجا أيضاً عن نافع، قال: أذن ابن عمر في ليلة بادرة بضَجْنَان

(1)

، ثم قال: صلوا في رحالكم، فأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره:"ألا صلوا في الرحال" في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر. وتقدم للمصنف رحمه الله برقم 17/ 654.

قال في "الفتح": قوله: فلما بلغ "حي على الصلاة"، فأمره. كذا فيه، وكأن ميه حذفًا، تقديره أراد أن يقولها، فأمره، ويؤيده رواية ابن علية:"إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة". وبوب عليه ابن خزيمة، وتبعه ابن حبان، ثم المحب الطبري [حذفُ حي على الصلاة في يوم المطر] وكأنه نظر إلى المعنى؛ لأن معنى "حي على الصلاة": هلموا إليها، ومعنى "الصلاة في الرحال"، و"صلوا في بيوتكم" تأخروا عن المجيء، ولا يناسب إيراد اللفظين معًا؛ لأن أحدهما نقيض الآخر.

ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر لأن يكون معنى "الصلاة في الرحال" رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة، ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فمطرنا، فقال:"ليصل من شاء منكم في رحله".

(1)

بفتح الضاد المعجمة، وسكون الجيم: جبل بناحية مكة. اهـ فتح.

ص: 610

وقال النووي: في حديث ابن عباس أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان. وفي حديث ابن عمر أنها تقال بعده، قال: والأمران جائزان، كما نص عليه الشافعي، لكن بعده أحسن ليتم نظم الأذان، قال: ومن أصحابنا من يقول: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس. انتهى.

وكلامه يدل على أنها تزاد مطلقًا، إما في أثنائه، وإما بعده، لا أنها بدل من "حي على الصلاة". وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر، أخرجه عبد الرزاق، وغيره بإسناد صحيح عن نعيم بن النحام، قال: أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج، فلما قال: الصلاة خير من النوم، قالها. انتهى ما في "الفتح" بتصرف

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر جواز الثلاثة، لصحة الأدلة، فيجوز أن يكون بعد الأذان، كما دل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأن يكون فيه، إما بدلاً من "حي على الصلاة" كما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وإما معه كما دل عليه حديث جابر رضي الله عنه. والله تعالى أعلم.

وفي هذا الحديث أن المطر عذر من الأعذار المبيحة للتخلف عن

(1)

انتهى منقولاً من موضعين بتصرف جـ 2 ص 305. وص 323.

ص: 611

الجماعة، وقد تقدم في حديث ابن عمر:"ألا صلوا في الرجال" في الليلة الباردة، أو المطيرة، في السفر.

قال الحافظ رحمه الله: "أو" للتنويع، لا للشك. وفي صحيح أبي عوانة:"ليلة باردة، أو ذات مطر، أو ذات ريح". ودل ذلك على أن الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة. ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط. وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في السنن من طريق ابن إسحاق، عن نافع في هذا الحديث:"في الليلة المطيرة، والغداة القُرَّة". وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح، عن أبيه: "أنهم مطروا يومًا، فرخص لهم. قال: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخص بعذر الريح في النهار صريحًا، لكن القياس يقتضي إلحاقه. وقد نقله ابن الرفعة وجهًا.

وقوله: "في السفر" ظاهره اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك، عن نافع الآتية في أبواب صلاة الجماعة مطلقة، وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقًا، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر، دون من لا تلحقه. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

فح جـ 2 ص 323 - 324.

ص: 612

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي المليح، عن أبيه رضي الله عنه هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 51/ 854، وفي "الكبرى" 51/ 927 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن محمد بن كثير، عن همام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أييه، وعن نصر بن علي، عن سفيان بن حبيب. وإبن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن إبراهيم، كلاهما عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن أبيه. وأحمد، جـ 5 ص 74 و75. وابن خزيمة رقم 1657 و1658. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 613

‌52 - حَدِّ إِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ

أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حد إدراك فضل صلاة الجماعة لمن توجه إلى المسجد لأداء الصلاة جماعة.

والحدّ: هو الحاجز بين الشيئين، ومُنتهى الشيء. قاله في "ق". والمراد له هنا أن من فعل ما ذكر في الحديث من إحسان الوضوء، ثم الخروج إلى المسجد، بقصد أداء الصلاة جماعة، أدرك فضل الجماعة، وإن انتهى الناس من الصلاة، ومن لم يفعل ذلك لم يدركه، فالفعل المذكور حدّ للإدراك، ونهاية له. والله تعالى أعلم.

855 -

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ طَحْلَاءَ، عَنْ مُحْصِنِ بْنِ عَلِيٍّ الْفِهْرِيِّ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ حَضَرَهَا، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا".

ص: 614

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(إسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي ابن راهويه، ثقة حافظ حجة، من [10]، تقدم في 2/ 2.

2 -

(عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدواوردي، أبو محمد الجُهَني مولاهم المدني، صدوق، مات سنة 186 وقيل غير ذلك، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 84/ 101.

3 -

(ابن طَحْلاء)

(1)

هو محمد بن طحلاء المدني، صدوق، من [7]. مولى غطفان، ويقال. مولى بني ليث. وقال ابن حبان: يكنى أبا صالح. وقال غيره: أبو صالح كنية طحلاء. قال أبو حاتم: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. له عند أبي داود، والنسائي حديث الباب فقط.

4 -

(مُحْصِن

(2)

بن علي الفهري) المدني، مستور، من [6].

ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي المراسيل. وقال أبو الحسن القطان الفاسي: مجهول الحال. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.

5 -

(عوف بن الحارث) بن الطفيل بن سَخْبَرَة

(3)

بن جرثومة

(1)

"طحلاء" -بفتح الطاء، وسكون الحاء المهملتين. اهـ "ت".

(2)

بضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر الصاد المهملة. اهـ "ت" ص 330.

(3)

بفتح المهملة، وسكون المعجمة، بعدها موحدة. اهـ "ت". ص 267.

ص: 615

الأزدي، رضيع عائشة، وابن أخيها لأمها، مقبول، من [3]. ذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

6 -

(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها. أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون، وأنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري، وفيه أبو هريرة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أنه (قال: من توضأ)"من" شرطية، جوابها:"كتب"(فأحسن الوضوء) باستكمال فرائضه، ومستحباته (ثم خرج) أي من مكانه (عامدًا إِلى المسجد) أي قاصدًا له. يقال: عَمَدْت للشيء عَمْدًا، وعمدت إليه: قصدت، وتعمدته: قصدت إليه أيضًا. قاله الفيومي

(1)

.

(فوجد الناس قد صلوا) جملة "قد صلوا" في محل نصب على الحال من المفعول؛ لأن "وجد" هنا بمعنى صادف، فلا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، وهو "الناس"، أي صادفهم حال كونهم مصلين تلك

(1)

المصباح جـ 2 ص 428.

ص: 616

الصلاة التي توجه إليها (كتب الله له مثل أجر من حضرها) أي من حضر تلك الصلاة من أولها، فصلاها جماعة. وفي رواية أبي داود "أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها".

والمعنى أن الله تعالى يكتب للذي جاء يريد الصلاة جماعة بعد انقضائها أجرًا مثل أجر من حضرها. والمراد أجر واحد من الحاضرين، لا أجر كلهم، فلا يلزم تفضيله على من حضرها.

وقال السندي رحمه الله: ظاهره أن إدراك فضل الجماعة يتوقف على أن يسعى لها بوجهه، ولا يقصر في ذلك، سواء أدركها، أم لا، فمن أدرك جزءًا منها، ولو في التشهد، فهو مدرك بالأولى، وليس الفضل والأجر مما يعرف بالاجتهاد، فلا عبرة بقول من يخالف قوله الحديث في هذا الباب. اهـ

(1)

.

(ولا ينقص) بفتح الياء من باب قتل، قال الفيومي رحمه الله: ونقصته يتعدى، ولا يتعدى، هذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى:{نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41]، وقوله تعالى:{غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود: 109]. وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيداً حقه. اهـ باختصار

(2)

.

(1)

شرح السندي جـ 2 ص 111 - 112.

(2)

المصباح جـ 2 ص 621.

ص: 617

(ذلك من أجورهم شيئًا) اسم الإشارة فاعل "ينقص" و"من أجورهم" متعلق به، و"شيئًا" مفعوله.

يعني أن أجر ذلك الرجل لا ينقص من أجور من حضر تلك الصلاة، فصلاها جماعة، بل يُعْطَى كُلُّ واحد من الحاضرين، وهذا الذي جاء بعد الصلاة، فصلاها وحده أجرًا كاملاً، لكمال فضل الله تعالى، وسعة رحمته، والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 52/ 855، وفي "الكبرى" 52/ 928 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن القعنبي، عن الدراوردي يسند المصنف.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو أن عن توجه إلى المسجد، وقد أحسن وضوءه، فقد نال أجر الجماعة، وإن وجد الناس قد انتهوا من الصلاة.

ص: 618

ومنها: بيان عظم شأن صلاة الجماعة.

ومنها: فضل من أتم الوضوء باستكمال الواجبات، والمستحبات.

ومنها: بيان فضل الله تعالى، وسعة كرمه؛ حيث يثيب كُلاًّ بثواب كامل، فلا يزاحم أحد أحدًا فيه، وإن اشتركوا في نوع العمل، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 74]. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

856 -

أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ الْحُكَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمَا، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلاَّهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ".

ص: 619

رجال هذا الإسناد: تسعة

1 -

(سليمان بن داود) بن حماد المَهْريّ، أبو الربيع المصري، ابن أخي رِشْدين بن سَعْد، ثقة، مات سنة 253، من [10]، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في 63/ 79.

2 -

(ابن وهب) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، مات سنة 197، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 9/ 9.

3 -

(عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم، أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ، مات قبل سنة 150، من [7]. أخرج له الجماعة. تقدم في 63/ 79.

4 -

(الحُكَيم

(1)

بن عبد الله القرشي) المُطَّلِبي، نزيل مصر، صدوق، مات سنة 118، من [4]. أخرج له مسلم، والأربعة تقدم في 38/ 679.

5 -

(نافع بن جُبَير) بن مطعم النوفلي، أبو محمد أو أبو عبد الله المدني، ثقة فاضل، مات سنة 99، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 96/ 124.

6 -

(عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون التيمي مولى آل المنكدر،

(1)

بضم المهملة مصغرًا.

ص: 620

ثقة، من [3].

قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، قال: يروي عن أسماء بنت أبي بكر، ولا يبعد سماعه منها إن كان سمع من ابن عمر، وابن مخرمة، وقال البخاري عن هارون بن محمد بن عبد الملك ابن الماجشون، قال: هلك جدي سنة 106، واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي

(1)

.

7 -

(معاذ بن عبد الرحمن) بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، من آل طلحة المدني، لأبيه صحبة، وهو صدوق، ويقال: له صحبة أيضًا. روى عن إبيه، وحمران بن أبان مولى عثمان. وقيل: سمع من عمر. قال أبو حاتم: ولا يصح. وعنه أخوه عثمان، ونافع بن جبير، والزهري، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره ابن فتحون في الصحابة، وعزاه لخليفة بن خياط، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي

(2)

.

8 -

(حُمْران مولى عثمان بن عفان) وهو ابن أبان، اشتراه عثمان في زمن الصديق رضي الله عنهما، المدني، ثقة، مات سنة 75، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 68/ 84.

(1)

"تت" جـ 5 ص 343. "ت" ص 176.

(2)

"تت" جـ 11 ص 192. "ت" ص 340.

ص: 621

9 -

(عثمان بن عفان) ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أمير المؤمنين رضي الله عنه، استشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة 35، أخرج له الجماعة. تقدم في 68/ 84. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من ثمانيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين مصريين، ومدنيين، فإلى الحُكَيم بن عبد الله مصريون، ومَن بعده مدنيون، وفيه أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن حمران) -بضم المهملة، وسكون الميم- بن أبان (مولى عثمان بن عفان) في بعض نسخ "المجتبى" إسقاط "ابن عفان"، وهو الذي في "الكبرى"(عن عثمان بن عفان) رضي الله عنه، أنه (قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ للصلاة، فأسبغ الوضوء)، بضم الواو؛ لأن المراد الفعل، والمراد من الإسباغ إتمامه بمراعاة واجباته ومستحباته، فيتوضأ ثلاثًا ثلاثًا.

وفي رواية للبخاري في "كتاب الرقاق" عن طريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن معاذ بن عمد الرحمن "أن ابن أبان أخبره، قال: أتيت عثمان بن عفان بطهور، وهو جالس على المقاعد، فتوضأ،

ص: 622

فأحسن الوضوء، ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وهو قاعد في هذا المجلس، فأحسن الوضوء، ثم قال:"من توضأ مثل هذا الوضوء، ثم أتى المسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس، غفر له ما تقدم من ذنبه". قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تغتروا"

(1)

.

(ثم مشى إِلى الصلاة المكتوبة، فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد) الظاهر أن "أو" الأولى للشك من الراوي، والثانية للتنويع، ومن هنا يظهر مطابقة الحديث لترجمة المصنف رحمه الله تعالى؛ لأن المراد بمن صلى في المسجد، هو الذي صلى وحده بعد صلاة الناس جماعة، فقد حصلت له المغفرة مثل ما حصل لمن صلى بالجماعة، فيكون حد إدراك فضل الجماعة لمن لم يدركها هو الصلاة في المسجد. والله تعالى أعلم.

(غفر له ذنوبه) وفي رواية مسلم: "غفر الله ذنوبه". وفي رواية له من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران:"لا يتوضأ رجل مسلم، فيحسن الوضوء، فيصلي صلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها". أي التي سسقتها. وفيه تقييد لما أطلق في قوله في الرواية الأخرى: "غفر له ما تقدم من ذنبه"، وأن المتقدم خاص بالزمان الذي بين الصلاتين، وأصرح منه رواية أبي صخرة، عن حمران، عند مسلم أيضًا: "ما من مسلم يتطهر، فيتم الطهور الذي كتب الله عليه،

(1)

صحيح البخاري بنسخة الفتح، طبعة دار الفكر جـ 13 ص 28 - 29.

ص: 623

فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلا كانت كفارة لما بينهن"، وله من طريق عمرو بن سعيد بن العاص، قال: كنت عند عثمان، فدعا بطهور، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وركوعها وخشوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يُؤتِ كبيرة، وذلك الدهر كله"

(1)

. ففيه تقييده باجتناب الكبائر.

والحاصل أن لحمران عن عثمان رضي الله عنه حديثين في هذا الباب:

أحدهما: مقيد بترك حديث النفس، وذلك في صلاة ركعتين مطلقًا غير مقيد بالمكتوبة، وقد تقدم تمام البحث فيه في الوضوء.

والثاني: في الصلاة المكتوبة في الجماعة، أو في المسجد من غير تقييد بترك حديث النفس، لكنه مقيد في بعض الروايات باجتناب الكبائر، وفي بعضها بتحديد الذنوب بما بين هذه الصلاة وبين التي قبلها، أو بما بين الصلوات. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في بيان درجته:

حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه هذا متفق عليه.

(1)

انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ 3 ص 110 - 117.

ص: 624

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخص هنا 52/ 856، وفي "الكبرى" 52/ 929 بالسند المذكور، وفي "الكبرى" في "الطهارة" 113/ 175 عن إسحاق بن منصور، عن عبيد الله، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن معاذ ابن عبد الرحمن، عن حمران، عنه، ولفظه. أتيت عثمان بطهور، فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فأحسن الوضوء، ثم قال:"من توضأ مثل هذا الوضوء، ثم أتى المسجد فركع فيه ركعتين، غفر له ما تقدم من ذنبه". وعن محمود ابن خالد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبى كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن شقيق بن سلمة، عن حمران، عنه.

تنبيه: اختلف في سند هذا الحديث، فوقع في رواية البخاري من طريق شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن معاذ بن عبد الرحمن، عن حمران، وتابع محمد بن إبراهيم نافعُ بن جبر، وعبدُ اللهِ بن أبي سلمة في رواية المصنف في هذا الباب.

ووقع في رواية النسائي في "الكبرى" المذكورة آنفًا، وهي رواية لابن ماجه أيضًا من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن شقيق بن سلمة، عن حمران.

ووقع في رواية لابن ماجه -كما سيأتي قريبًا- من طريق عبد الحميد

ص: 625

ابن حبيب عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن حمران، فقال في "الفتح": قال المزي في "الأطراف": رواية الوليد أصوب

(1)

.

قال الحافظ: قلت: ورواية شيبان أرجح من رواية الأوزاعي؛ لأن نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة، وافقا محمد بن إبراهيم التيمي في روايته له عن معاذ بن عبد الرحمن.

ويحتمل أن يكون الطريقان محفوظين؛ لأن محمد بن إبراهيم صاحب حديث، فلعله سمعه من معاذ، ومن عيسى بن طلحة، وكل منهما من رهطه، ومن بلده المدينة النبوية، وأما شقيق بن سلمة، فليس من رهطه، ولا من بلده، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى

(2)

. والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه البخاري في "الرقاق" عن سعد بن حفص، عن شيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم القرشي، عن معاذ بن عبد الرحمن،

(1)

هكذا في الفتح "رواية الوليد أصوب". والذي في نسخة "تحفة الأشراف": "رواية هشام بن عمار أشبه بالصواب". وهشام بن عمار هو شيخ ابن ماجه، الراوي عن عبد الحميد بن حبيب، يعني أن رواية الأوزاعي بذكر "عيسى بن طلحة" أشبه بالصواب من رواية من روى "شقيق بن سلمة" بدل عيسى بن طلحة. والله تعالى أعلم.

(2)

فتح جـ 13 ص 29.

ص: 626

عن حمران، عنه. ومسلم في "الوضوء"، عن أبي الطاهر، ويونس ابن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب بسند المصنف. وابن ماجه عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، به، وعن هشام بن عمار، عن عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن حمران به. وأحمد جـ 1 ص 64 و67 و66 و71.

وأما فوائد الحديث فواضحة مما تقدم. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 627

‌53 - إِعَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على مشروعية صلاة الرجل مع الجماعة بعد صلاته وحده.

857 -

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ، يُقَالُ لَهُ: بُسْرُ بْنُ مِحْجَنٍ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رَجَعَ، وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ "، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِذَا جِئْتَ، فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(قتيبة) بن سعيد البغلاني، أبو رجاء، ثقة ثبت، من [10]، تقدم في 1/ 1.

2 -

(مالك) بن أنس إمام، دار الهجرة، الحجة الثبت الفقيه، من [7]، تقدم في 7/ 7.

ص: 628

3 -

(زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة ثبت فقيه، مات سنة 136، من [3]، تقدم في 64/ 80.

4 -

(بُسْر بن مِحْجَن) بن أبي محجن الديلي

(1)

، صدوق، من [4].

كذا قال مالك -بضم الموحدة، بعدها مهملة ساكنة-، وأما الثوري، فقال: بشر -بكسر الموحدة، بعدها معجمة ساكنة-. ونقل الدارقطني أنه رجع عن ذلك. روى عن إليه، وله صحبة. وروى عنه زيد بن أسلم حديثًا واحداً. وقال ابن عبد البر: إن عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني رواه عن زيد بن أسلم، فقال: بشر بن محجن بالمعجمة. وقال الطحاوي: سمعت البرلسي، يقول: سمعت أحمد ابن صالح بجامع مصر، يقول: سمعت جماعة من ولده، ومن رهطه، فما اختلف اثنان أنه بشر، كما قال الثوري -يعني بالمعجمة-.

وقال ابن حبان في "الثقات": عن قال: بشر، فقد وهم. وقال ابن القطان: لايعرف حاله. وقال الإِمام أحمد في مسنده: ثنا وكيع، ثنا سفيان -هو الثوري- عن زيد بن أسلم، عن بشر، أو بسر، عن أبيه، فدكر حديثه. قال الحافظ: فيحتمل أن يكون الشك فيه من وكيع. والله أعلم. أخرج له النسائي

(2)

.

(1)

بكسر الدال، بعدها مثناة تحتانية ساكنة: نسبة إلى الديل، قبيلة من عبد قيس. أفاده في "اللباب" جـ 1 ص 514 - 515، و"الإنساب" جـ 8 ص 508 - 509.

(2)

"تت" جـ 1 ص 438 - 439.

ص: 629

5 -

(محجن) -بكسر أوله، ثم حاء مهملة ساكنة، ثم جيم مفتوحة- بن أبي مِحجن الدِّيلي. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافه من صلاة الفجر، يقال: إنه كان مع زيد بن حارثة في سريه حِسْمَى

(1)

، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. أخرج له النسائي

(2)

. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن بسر بن محجن) هكذا في نسخ "المجتبى" بسر بالمهملة، ووقع في "الكبرى":"بشر" بالمعجمة بدل المهملة.

قال الحافظ أبو عمر رحمه الله: اختلف الناس عن زيد بن أسلم في اسم هذا الرجل، فقال مالك، وأكثر الرواة له، عن زيد فيه: بسر بن محجن بالسين المهملة، كذلك هو في "الموطأ" عند جمهور رواته، وقال فيه: بشر بن عمر الزهراني، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن بشر ابن محجن، فقيل له في ذلك؟ فقال: كان مالك بن أنس يروي هذا الحديث قديمًا عن زيد بن أسلم، فيقول فيه: بشر، فقيل له: هو بشر؟ فقال: عن بسر، أو بشر، وقال بعد ذلك عن زيد بن أسلم، عن ابن محجن، ولم يقل: بسر، ولا بشر.

وقال فيه الثوري، عن زيد بن أسلم: بشر -بالشين المنقوطة-. وكان أبو نعيم يقول: بالسين -كما قال مالك، ومن تابعه. ورواه ابن

(1)

حِسْمَى -بالكسر- والقصر: أرض بالبادية أفاده في "ق".

(2)

"تت" جـ 10 ص 54.

ص: 630

جريج، عن زيد بن أسلم، فقال فيه: بسر، كما قال مالك.

وروى هذا الحديث أيضًا حنظلة بن علي الأسلمي، عن بشر بن محجن، ولم يذكر أباه. ورواه عبد الله بن جعفر بن نجيح، عن زيد ابن أسلم، عن بشر بن محجن، عن أبيه -بالمنقوطة- كما قال الثوري في رواية أصحاب الثوري عنه. وقد قيل فيه عن الثوري: بسر أيضًا. ثم أخرج بسنده ما تقدم في عبارة "تت" عن الطحاوي. انتهى

(1)

.

(عن محجن) بن أبي محجن الديلي رضي الله عنه (أنه كان في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) الجار والمجرور خبر "كان"، والظرف حال من اسمها (فأذن بالصلاة) ببناء الفعل للمفعول. وفي رواية لأحمد: قال. أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأقيمت الصلاة

(فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي إلى محل الصلاة (ثم رجع) أي إلى مجلسه بعدما صلى. ففي رواية مالك في الموطأ "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى، ثم رجع .... ".

تنبيه: قال السندي في شرحه: قوله: مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع. ظاهره أن المجلس كان في غير المسجد، وعلى هذا، ينبغي إن سمع النداء يعيد الصلاة، ويحتمل أن المراد: فقام، أي إلى الصلاة، ثم رجع، أي فرغ عنها، والأقرب أن موضع المجلس من المسجد، كان غير موضع الصلاة، وعلى هذا فالمجلس كان في المسجد، وهو الأظهر الأوفق بالروايات، والله أعلم. وقوله: إذا جئت. على الأول معناه أي جئت إلى محل ما سمعت فيه النداء، وعلى الثاني ظاهر. انتهى

(1)

"التمهيد" جـ 4 ص 222 - 224.

ص: 631

كلامه بحروفه.

قال الجامع عفا الله عنه: شرح السندي رحمه الله في هذا الموضع محل نظر. فإن الحديث بعيد مما ذكره من الاحتمالات

(1)

. والله أعلم.

(ومحجن في مجلسه) جملة اسمية في محل نصب على الحال، وفيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: وأنا في مجلسي، وكذا في قوله:(فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم) إذ الظاهر أن يقول: فقال لي (ما منعك أن تصلي) زاد في رواية الموطأ: "مع الناس". و"ما" استفهاميةٌ استفهامًا إنكاريًا، أي أي شيء منعك أن تصلي مع المصلين جماعة (ألست برجل مسلم) فيه أن من لم يصل لا يسمى مسلمًا (قال) محجن (بلى)، وفي الموطأ:"بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم". أي أنا مسلم.

قال الفيومي رحمه الله: و"بلى" حرف جواب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بلى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، وإما في أثنائه، كقوله تعالى:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} [القيامة: 3]. والتقدير: بلى نجمعها،

(1)

فأين دلالة الحديث على أن المجلس كان في غير السجد، أو في المسجد؟ ومن أين استنبط "إن سمع النداء يعيد الصلاة"؟ فهل من جاء دون أن يسمع الأذان لا يعيد مع الناس؟ وأي معنى لقوله:"وهو الأظهر الأوفق بالروايات"؟ فهل هناك روايات نصت على أن قضية محجن مع النبي صلى الله عليه وسلم كانت في المسجد حتى توافقها هذه الرواية؟ سبحان الله!.

ص: 632

وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدم، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. انتهى

(1)

.

وفي رواية أحمد: "فلما صلى، قال لي: "ألست بمسلم؟ "، قلت: بلى، قال: "فما منعك أن تصلي مع الناس"

" (ولكني كنت قد صليت في أهلي) أراد بهذا الاعتذار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركه الصلاة معه، وحاصل اعتذاره أن الذي منعه أن يصلي مع الناس مع كونه مسلمًا كونه صلى في بيته، وظن أن من صلى صلاة لا يعيد تلك الصلاة، وإن وجد جماعة.

(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذا جئت) أي إلى المسجد (فصل مع الناس، وإِن كنت قد صليت) وفي رواية لأحمد من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم:"ولو كنت قد صليت في أهلك"

(2)

. وفي رواية من طريق وكيع، عن سفيان:"فإذا فعلت، فصل معهم، واجعلها نافلة"

(3)

. وفيه أن الأولى هي الفريضة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث محجن بن أبي محجن الديلي رضي الله عنه هذا صحيح.

(1)

"المصباح" جـ 1 ص 62.

(2)

مسند أحمد جـ 4 ص 34.

(3)

مسند أحمد جـ 4 ص 338.

ص: 633

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 53/ 857، وفي "الكبرى" 53/ 930 بالسند المذكور.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه مالك في "الموطأ" ص 102. وأحمد جـ 4 ص 34 و338.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو مشروعية إعادة الصلاة مع الجماعة لمن صلى لنفسه. قال أبو عمر رحمه الله: وفي هذا الحديث أن من صلى في بيته، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة أنه يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وإن كان قد صلى في جماعة أهله، أو غيرهم؛ لأن قوله: صليت في أهلي. أي في جماعة أهلي، ويحتمل أن يكون صلى في بيته وحده. اهـ

(1)

. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.

ومنها: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "ألست برجل مسلم؟ " يدل على أن من لم يصل ليس بمسلم، ومن صلى الصلاة مواظبًا عليها شُهِدَ له بالإِسلام.

ومنها: أن من أقر بعمل الصلاة، وإقامتها على ما يجب وُكِلَ إلى قوله، وقُبل منه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبل من ابن محجن قوله: قد صليت في بيتي.

(1)

الاستذكار جـ 5 ص 355.

ص: 634

ومنها: أن الحديث دليل لمذهب الجمهور القائلين بصحة صلاة المنفرد، ووحه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصله مع قيام الاحتمال، هل صلى مع الجماعة، أم صلى وحده؟ وهذا لا ينافي القول بوجوب الجماعة؛ لأن الراجح أنها واجبة، وليست شرطاً لصحة الصلاة، كما تقدم تحقيقه في محله. والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم من صلى صلاة، ثم وجد جماعة:

ذهب جمهور الفقهاء -كما قال الحافظ أبو عمر رحمه الله إلى أن من صلى في بيته وحده، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وأما من صلى جماعة، فلا يعيد، وممن قال بهذا القول مالك بن أنس، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم. واحتجوا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا:"لا تصلوا صلاة في يوم مرتين". وسيأتي للمصنف بعد بابين.

وذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهو قول داود إلى أنه يصليها ثانية في جماعة. قال أحمد: ولا يجوز له أن يخرج إذا أقيمت الصلاة حتى يصليها، وإن كان قد صلى في جماعة واحتج بقول أبي هريرة رضي الله عنه في الذي خرج عند الإقامة من المسجد: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.

وروي عن أبي موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وصِلَة بن زُفَر، والشعبي، والنخعي إعادة الصلاة في جماعة

ص: 635

لمن صلاها في جماعة، وبه قال حماد بن زيد، وسليمان بن حرب.

واتفق أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه على أن معنى حديث اين عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصلوا صلاة في يوم واحد مرتين"، قالا: إنما ذلك أن يصلي الإنسان الفريضة، ثم يقوم، فيصليها ثانية. ينوي بها الفرض مرة أخرى يعتقد ذلك، فأما إذا صلاها مع الإِمام على أنها سنة تطوع، فليس بإعادة للصلاة.

قال أبو عمر: قد علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر الذي صلى في أهله وحده أن يعيد في جماعة من أجل فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، ليتلافى ما فاته من فضل الجماعة، إذا كان قد صلى منفردًا، والمصلي في جماعة قد حصل له الفرض والفضل، فلم يكثر لإعادته الصلاة وجه، إلا أن يتطوع بها، وسنة التطوع أن يصلي ركعتين؛ لحديث:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". وللنهي عن القصد إلى التطوع بعد العصر والصبح. انتهى كلام أبي عمر رحمه الله باختصار

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله أبو عمر نظر، بل الظاهر إطلاق الإعادة للجميع، سواء صلى وحده، أو مع الجماعة عملاً بظاهر النص؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. فإنه صلى الله عليه وسلم ما استفصل محجنًا، لما قال له: قد صليت في أهلي.

(1)

التمهيد جـ 4 ص 243 - 247.

ص: 636

هل صلى وحده، أم صلى مع الجماعة؟ بل قال له:"إذا جئت، فصل مع الناس". وكذا ما استفصل الرجلين في الحديث الآتي، في الباب التالي، هل صليا وحدهما، أم صليا مع جماعة، بل قال لهما:"فصليا معهم".

والحاصل أن الراجح قول أحمد، وإسحاق، ومن قال بقولهما من إعادة من صلى إذا وجد جماعة مطلقًا، سواء صلى وحده، أو مع جماعة. والله تعالى أعلم.

المسألة السادسة: في اختلاف العلماء، هل تعاد جميع الصلوت، أم لا؟:

قال أبو عمر رحمه الله: واختلف الفقهاء فيما يعاد من الصلوات مع الإِمام لمن صلاها في بيته، فقال مالك رحمه الله: تعاد الصلوات كلها مع الإِمام، إلا المغرب وحدها، فإنه لا يعيدها؛ لأنها تصير شنفعًا. قال: ومن صلى في جماعة، ولو مع واحد، فإنه لا يعيد تلك الصلاة إلا آن يعيدها في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى. وقال: إنه لا يدري أيّ صلاتيه فريضته، وإنما ذلك إلى الله، يجعلها أيتها شاء، ولا يقول: إنها نافلة ونقل مثل ذلك عن ابن عمر، وابن المسيب رحمهما الله تعالى.

قال الجامع عفا الله عنه: لكن هذا معارض للنص؛ حيث جعل الثانية هي النافلة، وتأويلهم بأن النافلة بمعنى فضيلة، وزيادة خير،

ص: 637

وليس بمعنى التطوع، كما في قوله تعالى:{نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] تأويل بعيد؛ إذ لا دليل عليه، والله أعلم.

وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: لا يعيد المصلي وحده العصر مع الإِمام، ولا الفجر ولا المغرب، ويصلي معه الظهر والعشاء، ويجعل صلاته مع الإِمام نافلة. قال محمد بن الحسن رحمه الله: لأن النافلة بعد العصر والصبح لا تجوز، ولا تعاد المغرب؛ لأن النافلة لا تكون وترًا في غير الوتر.

وقال الأوزاعي رحمه الله: يعيد جميع الصلوات، إلا المغرب والفجر، وهو قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ لحديث:"لا وتران في ليلة"، وحديث "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس". وأما العصر فقد ثبت جواز الصلاة بعدها ما كانت الشمس بيضاء نقية، والنهي الوارد محمول على ما بعد ذلك.

وهذا مذهب جماعة من السلف، كابن عمر رضي الله عنهما، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في [باب الرخصة في الصلاة بعد العصر] برقم 36/ 573.

وقال الشافعي رحمه الله: تعاد الصلوات كلها، لحديث محجن المذكور في الباب، حيث لم يخص له صلى الله عليه وسلم صلاة من صلاة، بل قال له:"فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت"، قال: والأولى هي الفريضة، والثانية سنة، وهو قول داود بن علي رحمه الله، إلا أنه يرى الإعادة في الجماعة على من صلى وحده فرضًا، ولا يحتسب عنه

ص: 638

بما صلى وحده، وأما من صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فالإعادة هاهنا استحباب.

واختلف عن الثوري رحمه الله، فروي عنه: يعيد الصلوات كلها، كقول الشافعي، وروي عنه مثل قول مالك، ولا خلاف عنه أن الثانية تطوع.

وقال أبو ثور رحمه الله: يعيدها كلها إلا الفجر والعصر، إلا أن يكون في مسجد، فتقام الصلاة، فلا يخرج حتى يصليها، وحجته النهي عن صلاة النافلة بعد العصر، وبعد الصبح. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله بالاختصار

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعي، وداود رحمهما الله من إعادة جميع الصلوات، عن غير استثناء شيء من الصلوات، لقوة دليله؛ حيث عمم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"فَصَلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت" من غير استثناء شيء. بل حديث يزيد بن الأسود الآتي، نص في أن ذلك كان بعد الصبح. والله تعالى أعلم.

المسألة السادسة: في بيان اختلاف العلماء في أن الفريضة هي الأولى، أم الثانية:

ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الفريضة هي الأولى، وبه قال

(1)

"التمهيد" جـ 4 ص 249 - 256.

ص: 639

الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وداود،

وذهبت طائفة إلى أن الفريضة هي الثانية، إن كانت الأولى صليت بلا جماعة. وعزا هذا القول العلامة الشوكاني رحمه الله إلى الأوزاعي، والهادي، وبعض أصحاب الشافعي، قال: وهو قول الشافعي القديم.

وذهبت طائفة إلى أنه لا يُدْرَى أيّ الصلاتين هي الفريضة، وإنما ذلك إلى الله تعالى، وعزا هذا القول ابن عبد البر إلى مالك، قال: وروي عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب مثل قوله.

وحجة الأولين حديث يزيد بن الأسود الآتي في الباب التالي: "فصليا معهم، فإنها لكما نافلة". وما رواه أبو ذر، وابن مسعود، وأبو هريرة، رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"سيكون عليكم بعدي أمراء، يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة"

(1)

. وقد تقدم حديث أبي ذرّ، وابن مسعود رضي الله عنهما برقم 2/ 778 و779.

واحتج أصحاب القول الثاني: بما أخرجه أبو داود عن يزيد بن عامر رضي الله عنه، قال: جئت، والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجلست، ولم أدخل معهم في الصلاة، فانصرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآني جالسًا، فقال. ألم تسلم يا يزيد؟ قال: بلى يا رسول الله، قد أسلمت، قال:"فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟ " قال:

(1)

التمهيد جـ 4 ص 257 - 259.

ص: 640

إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أنكم قد صليتم، فقال:"إذا جئت إلى الصلاة، فوجدت الناس، فصل معهم، وإن كنت قد صليت، تكن لك نافلة، وهذه مكتوبة".

ولكنه ضعيف؛ لأن في سنده نوح بن صعصعة المكي، قال الدارقطني: مجهول الحال

(1)

. ومع هذا فقد خالف حديثه أحاديث الأثبات، فلا يصلح للاحتجاج به.

قال الشوكاني رحمه الله: وعلى فرض صلاحية حديث يزيد بن عامر للاحتجاج به، فالجمع بينه وبين حديث الباب ممكن، يحمل حديث الباب على من صلى الصلاة الأولى في جماعة، وحمل هذا على من صلى منفرداً، كما هو الظاهر من سياق الحديثين. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لهذا الجمع، إذ الحديث ضعيف مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا ينبغي أن يتكلف له.

فقد تبين مما ذكر من الأقوال وأدلتها أن الراجح قول من قال: إن الفريضة هي الأولى، وإن الثانية نافلة، كما هو النص الصريح في الأحاديث المذكورة. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

(1)

انظر "تت" جـ 10 ص 485.

(2)

نيل الأوطار جـ 3 ص 383 - 384.

ص: 641

‌54 - إِعَادَةِ الْفَجْرِ مَعَ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ

أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية إعادة صلاة الفجر مع الجماعة لمن صلاها منفردًا.

858 -

أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ الْعَامِرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، قَالَ:"عَلَيَّ بِهِمَا"، فَأُتِيَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ:"مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ " قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ:"فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي، أبو هاشم الطوسي

ص: 642

الأصل، يلقب دَلُّويه، وكان يغضب منها، ثقة حافظ، مات سنة 252، من [10]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. تقدم في 101/ 132.

2 -

(هشيم) بن بشير بن القاسم بن دينار، أبو معاوية بن أبي خازم السلمي الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة 183، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 88/ 109.

3 -

(يعلي بن عطاء) العامري، ويقال: الليثي الطائفي، ثقة، مات سنة 120 أو بعدها، من [4]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإِمام"، ومسلم، والأربعة. تقدم في 40/ 584.

4 -

(جابر بن يزيد بن الأسود) السوائي، ويقال: الخزاعي، صدوق، من [3]. روى عن أبيه، وله صحبة، وعنه يعلي بن عطاء. قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وخرج حديثه في "صحيحه". أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.

5 -

(يزيد بن الأسود) السُّوَائي، ويقال: ابن أبي الأسود الخزاعي، ويقال: العامري، حليف قريش، عداده في الكوفيين. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا في الصلاة. وعنه ابنه جابر، وأما أبوه، فقال ابن سعد: إنه مدني. وقال خليفة: سكن الطائف. وقال ابن حبان: مكي. وقال أبو عيسى الترمذي: إنه حجازي. أخرج له

ص: 643

أبو داود، والترمذي، والنسائي.

وفي "ت": صحابي نزل الطائف، ووهم من ذكره في الكوفيين. والله تعالى أعلم.

من لطائف هذا الإسناد

أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله أعلم.

شرح الحديث

(عن يزيد بن الأسود) العامري رضي الله عنه، أنه (قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر) وفي رواية أبي داود: "أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو غلام شاب

". وفي رواية الترمذي: "قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه الصبح في مسجد الخيف .. " (في مسجد الخيف) هو مسجد منى.

قال الفيومي رحمه الله: الخيف ساكن الياء: ما ارتفع من الوادي قليلاً عن مسيل الماء، ومنه مسجد الخيف بمنى؛ لأنه بني في خيف الجبل، والأصل مسجد خيف مني، فخفف بالحذف، ولا يكون خيف إلا بين جبلين. انتهى

(1)

.

(فلما قضى صلاته إِذا هو برجلين في آخر القوم) وفي رواية

(1)

المصباح جـ 1 ص 186.

ص: 644

أبي داود: "إذا رجلان، لم يصليا في ناحية المسجد"(لم يصليا معه) جملة في محل نصب على الحال من "رجلين" لوصفه بالجار والمجرور (قال) صلى الله عليه وسلم (عَلَيَّ بهما) قال في "اللسان": عَلَيَّ زيدًا، وعلي يزيد: معناه أعطني زيدًا. اهـ

(1)

.

وأراد هنا إحضارهما لديه ليسألهما عن عدم صلاتهما معه (فأتي بهما) لبناء الفعل للمفعول، أي جيء بالرجلين (تُرعَد فرائصهما) ببناء الفعل للمفعول أيضًا

(2)

، أي تَرْجُف، وتَضْطَربُ من الخوف. و"الفرائصُ" نائب فاعله، وهي جمع فريصة -بالصَاد المهملة- وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف. قاله في "النهاية" قال ابن سِيدَهْ: الفريصة لحمة عند نُغْض

(3)

الكتف في وسط الجنب عند مَنْبِضِ القلب

(4)

، وهما فريصتان تُرعَدَان عند الفزع.

وإنما ارتعدت فرائصهما لما اجتمع في رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهيبة والحرمة الجسيمة لكل من رآه، مع كثرة تواضعه (فقال: ما منعكما أن تصليا معنا) "ما" استفهامية للإنكار والتوبيخ (قالا) اعتذارًا عن عدم الصلاة معهم (يا رسول الله قد صلينا في رحالنا) أي منازلنا، ومأوانا (قال: فلا تفعلا) أي قال صلى الله عليه وسلم لهما: لا تصنعا مثل صنيعكما

(1)

جـ 4 ص 3092.

(2)

هو من الأفعال التي سُمِعَت مبنية للمجهول، كجُنَّ، كما تفيده عبارة "ق" وما كتب في هامشه في مادة "رعدَ"، وقريب منه عبارة "اللسان". فما وقع في نسخة "المجتبى" من ضبطه بالبناء للفاعل بضبط القلم غير صحيح. فتنبّه.

(3)

النُّغض بالضم: غُرْضُرف الكتف، أو حيث يجيء، ويذهب منه. اهـ "ق".

(4)

منبض القلب -بفتح فسكون فكسر- حيث تراه يَنْبِضُ (أي يتحرك). اهـ "ق".

ص: 645

هذا (إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة) قال الشوكاني رحمه الله: ظاهره أن ذلك مختص بالجماعات التي تقام في المساجد، لا التي تقام في غيرها، فيحمل المطلق من ألفاظ حديث الباب، كلفظ أبي داود:" إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإِمام، فليصلها معه" - على المقيد بمسجد الجماعة، قال: ويؤيد ذلك، ما أخرجه أبو داود، والنسائي، عن سليمان بن يسار مولى ميمونة، قال: رأيت ابن عمر جالسًا على البلاط -وهو موضع مفروش بالبلاط بين المسجد والسوق بالمدينة- وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ فقال: قد صليت، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تصلوا صلاة في يوم مرتين"

(1)

.

انتهى كلام الشوكاني

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله الشوكاني نظر؛ بل الأظهر عدم التقييد؛ لأن ذكر بعض أفراد المطلق الموافق له في الحكم لا يقيد، على الأصح عند الأصوليين، كما تقدم نقلُ الشوكانيِّ نفسِهِ عنهم، وما استدل به من حديث ابن عمر رضي الله عنهما الراجح أنه محمول على من يصلي صلاة مرتين لا لغرض الجماعة، وسيأتي الكلام عليه بعد باب إن شاء الله تعالى.

(1)

سيأتي للمصنف بعد باب برقم 56/ 860.

(2)

نيل الأوطار جـ 3 ص 384.

ص: 646

(فإِنها لكما نافلة) أي إنّ تلك الصلاة التي صليت مع الناس نافلة. وهذا صريح في كون الأولى هي الفريضة، والثانية المعادة نافلة، وظاهره عدم الفرق بين أن تكون الأولى قد صليت في جماعة أو فرادى؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث يزيد بن الأسود العامري رضي الله عنه هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه هنا 54/ 858، وفي "الكبرى" 54/ 931 بالسند المذكور، وفي 78/ 1334، وفي "الكبرى" 112/ 1257 عن يعقوب، عن يحيى القطان، عن سفيان الثوري، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد ابن الأسود، عنه. مختصراً، ولفظه:"أن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما صلى انحرف". والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن حفص بن عمر، عن شعبة، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، وعن مسدد، عن يحيى القطان، عن الثوري، كلاهما عن يعلي بن عطاء، به. والترمذي عن

ص: 647

أحمد بن منيع، عن هشيم، عن يعلي بن عطاء، به.

وأخرجه أحمد في "مسنده" جـ 4 ص 160 و161، ولفظه من طريق أبي عوانة، عن يعلي بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ححة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، أو استقبل الناس بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس، لم يصليا مع الناس، فقال:"ائتوني يهذين الرجلين"، قال: فأتي بهما، تُرعَد فرائصهما، فقال:"ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ "، قالا: يا رسول الله، إنا قد كنا صلينا في الرحال، قال:"فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإِمام فليصلها معه، فإنها له نافلة"، قال: فقال أحدهما: استغفر لي يا رسول الله، فاستغفر له، قال: ونهض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهضت معهم، وأنا يومئذ أشب الرجال، وأجلده، قال. فما زلت أزْحَمُ الناسَ حتى وصلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأخذت بيده فوضعتها، إما على وجهي، أو صدري، قال: فما وجدت شيئًا أطيب، ولا أبرد من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وهو يومئذٍ في مسجد الخيف.

وفي رواية، من طريق شعبة، عن يعلى بن عطاء: ثم ثار الناس يأخذون بيده، يمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده، فمسحت بها وجهي، فوجدتها أبرد من الثلج، وأطيب من ريح المسك.

ص: 648

وأخرجه الدارمي برقم 1374. وابن خزيمة 1279 و1638 و1713. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو مشروعية إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى منفردًا، وأن هذه الصلاة مستثناة من عموم النهي عن الصلاة بعد الصبح، ومثلها الصلوات ذوات الأسباب، مثل ركعتي تحية المسجد، وركعتين الطواف، وركعتي الوضوء، ونحوها. وقد تقدم في الباب الماضي بيان اختلاف العلماء في حكم إعادة صلاة الصبح، والعصر، والمغرب مفصلاً بالأدلة.

ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من عظيم الهيبة، مع كثرة تواضعه، وبشاشة وجهه.

ومنها: الإنكار على مرتكب المخالفة الشرعية بالقول والفعل.

ومنها: أن من رأى مخالفة ينبغي له أن يسأل مرتكبها عن سبب ارتكابه لها؛ لأنه ربما يكون له عذر يبيح له ذلك.

ومنها: جواز الصلاة خارج المسجد، وإن كان منفردًا، إلا أنه يحرم عليه إذا لم يكن له عذر يبيح التخلف.

ومنها: أن من صلى خارج المسجد، ثم أدرك الجماعة فيه يؤمر بالدخول معهم في تلك الصلاة.

ص: 649

ومنها: أن الصلاة التي صلاها لنفسه هي الفريضة، والثانية نافلة. والله تعالى أعلم.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 650

‌55 - إِعَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ ذَهَابِ وَقْتِهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية إعادة الصلاة مع الجماعة بعد ذهاب وقتها.

وقد حمل المصنف رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم: "يؤخرون الصلاة عن وقتها" على معنى الإخراج عن الوقت بالكلية، لا الإخراج عن الوقت المستحب، فلهذا قال هنا:"بعد ذهاب وقتها"، وهذا هو القول الراجح، كما تقدم. وقيل: معنى التأخير أن تؤخر عن الوقت المستحب. وقد تقدم تحقيق القول في ذلك برقم 2/ 778. فأرجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم.

859 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صُدْرَانَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَضَرَبَ فَخِذِي:"كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ " قَالَ: مَا تَأْمُرُ؟ قَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ، فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلِّ".

ص: 651

رجال هذا الإسناد: ثمانية

1 -

(محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة، مات سنة 245 من [10]. أخرج له مسلم، وأبو داود في "القدر"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. تقدم في 5/ 5.

2 -

(محمد بن إِبراهيم بن صُدْران) -بضم فسكون- الأزدي السَّلَمِيُّ -بالفتح- أبو جعفر المؤذن البصري، وقد ينسب لجده، صدوق، مات سنة 247، من [10]. أخرج له أبو داود، والترمذي والنسائي. تقدم في 66/ 82.

3 -

(خالد بن الحارث) الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، مات سنة 186، من [8]. أخرج له الجماعة. تقدم في 42/ 47.

4 -

(شعبة) بن الحجاج، أبو بسطان الواسطي، ثم البصري، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة 160 من [7]. أخرج له الجماعة. تقدم في 24/ 26.

5 -

(بديل) -مصغرًا- بن ميسرة العُقَيلي البصري، ثقة، من [5]. قال ابن سعد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال العجلي: بصري ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" في الطبقة الثالثة. وقال البزار: لم يسمع من عبد الله بن الصامت، وإن

ص: 652

كان قديمًا. وحكى البعْوي عن محمد ابن سعد أنه قال: ميسرة والد بُديل هذا، هو ميسرة الفجر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال البغوي: وهو عندي وهم. قال البخاري عن علي بن المديني: مات سنة 130. وفي "ت": مات سنة 125 أو 130، أخرج له الجماعة، إلا البخاري. قال الحافظ: وقع ذكره في البخاري ضمنًا، فإنه علق أثر الأحنف، عن عمر في القراءة في الصبح، وهو موصول من طريق بديل هذا، عن عبد الله بن شقيق، عن الأحنف.

6 -

(أبو العالية) البَرَّاء -بالتشديد- زياد، وقيل: غيره، ثقة، مات سنة 90، من [4]. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي. تقدم في 2/ 778.

7 -

(عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ابن أخي أبي ذر، ثقة، مات بعد سنة 70، من [3]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. تقدم في 7/ 750.

8 -

(أبو ذرّ) الغفاري جندب بن جُنادة على الأصح، وقيل: غيره، الصحابي رضي الله عنه، أخرج له الجماعة، تقدم في 203/ 322.

وأما الحديث فقد تقدم شرحه مستوفى، وكذا بيان المسائل المتعلقة به برقم 2/ 778، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فإن أردت فارجع إليها تزدد علمًا.

ص: 653

قوله: (وضرب فخذي) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، وإنما ضرب فخذه للتنبيه، وجمع الذهن على ما يلقي عليه. والله تعالى أعلم بالصواب.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 654

‌56 - سُقُوطِ الصَّلَاةِ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً

أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على سقوط إعادة الصلاة جماعة عن الشخص الذي صلى جماعة مع الإِمام في المسجد.

أراد رحمه الله تعالى بهذه الترجمة تقييد ما دلت عليه الأحاديث المتقدمة في الأبواب السابقة من إعادة الصلاة مع الجماعة بما إذا لم تكن الأولى قد صليت مع الإِمام في المسجد.

لكن قد تقدم أن الراجح مشروعية الإعادة مطلقًا، سواء صلاها وحده، أو مع جماعة، لإطلاق الأحاديث المتقدمة، وأما حديث الباب فإنه محمول على إعادتها في يوم مرتين بدون جماعة، أو على أن يكون كل منهما فريضة، ويدل عليه رواية:"لا تصلوا مكتوبة في يوم مرتين".

ثم إن الظاهر أنه يرى كون الصلاة الأولى في المسجد فقط، فلو صلى جماعة في غير المسجد أعاد، لكن في دلالة الحديث عليه بُعْد لا يخفى. والله تعالى أعلم.

860 -

أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ

ص: 655

جَالِسًا عَلَى الْبَلَاطِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا لَكَ لَا تُصَلِّي؟ قَالَ: إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ".

رجال هذا الإسناد: ستة

1 -

(إِبراهيم بن محمد) بن عبد الله بن عبيد الله بن مَعْمَر التيمي المعمري، أبو إسحاق البصري قاضيها، ثقة، مات سنة 250، من [11]، أخرج له أبو داود، والنسائي. تقدم في 28/ 550.

2 -

(يحيى بن سعيد) القطان، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة 198، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 4/ 4.

3 -

(حسين المعلم) ابن ذكران العَوذي البصري، ثقة، ربما وهم، مات سنة 145، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 122/ 174.

4 -

(عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، مات سنة 128، من [5]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإِمام"، والأربعة. تقدم في 105/ 140.

5 -

(سليمان) بن يسار مولى ميمونة، وقيل: مولى أم سلمة، الهلالي المدني، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، مات بعد سنة 100،

ص: 656

وقيل: قبلها، من كبار [3]. أخرج له الجماعة. تقدم في 122/ 156.

6 -

(ابن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما، تقدم في 12/ 12. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد له هو، وأبو داود، وعمرو بن شعيب، فمن رجال الأربعة، وأخرج له البخاري في جزء القراءة، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، عمرو، عن سليمان، وأن سليمان أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدم ذكرهم غير مرة، وأن فيه ابن عمر، أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى 2630 حديثًا. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن سليمان مولى ميمونة) بنت الحارث، أم المؤمنين رضي الله عنها، وقيل: هو مولى أم سلمة رضي الله عنها، أنه (قال: رأيت ابن عمر) عبد الله رضي الله عنهما (جالسًا) حال من المفعول (على البلاط) متعلق بـ"جالسًا"، وفي رواية أبي داود:"قال: أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون .. .. "

قال ابن منظور رحمه الله: والبلاط -بالفتح-: الحجارة المفروشة

ص: 657

في الدار وغيرها، قال الشاعر [من الرجز]:

هَذَا مَقَامِي لَكِ حَتى تَنْضَحِي

رِيًّا وَتَجْتَازِي بَلاطَ الأبْطَحِ

ويقال: دار مُبَلَّطَة بآجُرّ، أو حجارة. ويقال: بَلَطتُ الدار، فهي مَبْلُوطة: إذا فرشتها بآجرّ، أو حجارة، وكل أرض فُرِشَت بالحجارة والآجرّ بَلاط.

وقال أيضًا: البلاط: ضرب من الحجارة، تفرش به الأرض، ثم سمي المكان بَلاطًا اتساعًا، وهو موضع معروف بالمدينة. اهـ

(1)

. وقال المجد رحمه الله: البلاط: موضع بالمدينة بين المسجد والسوق. اهـ

(2)

، (والناس يصلون) جملة في محل نصب على الحال، والرابط الواو، وفي رواية أبي داود:"وهم يصلون".

قال السندي رحمه الله عند قوله: "يصلون"، ما نصه: أي على البلاط، لا في المسجد، وابن عمر قد صلى قبلهم في المسجد، هذا على ما مهمه المصنف من أن الحديث يدلّ على الترجمة. انتهى

(3)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لا في المسجد" فيه نظر، بل كانوا يصلون فيه، فقد صرح به في رواية أحمد جـ 2 ص 19، ولفظه: قال: أتيت على ابن عمر، وهو بالبلاط، والقوم يصلون في المسجد،

(1)

لسان العرب جـ 1 ص 344.

(2)

"ق" ص 852.

(3)

شرح السندي جـ 2 ص 114.

ص: 658

قلت: ما يمنعك أن تصلي مع الناس، أو القوم؟

الحديث. فقد صرح أنهم صلوا في المسجد. وكذا كون ابن عمر صلى في ذلك المسجد ليس عليه دليل، فتبصر. والله تعالى أعلم.

(قلت: يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر رضي الله عنهما (مالك لا تصلي؟)"ما" استفهامية مبتدأ، والجار والمجرور خبره، وجملة "لا تصلي" في محل نصب على الحال، أيْ أيُّ شيء ثبت لك حال كونك غير مصل مع الناس؟ والاستفهام للإنكار (قال: إِني قد صليت، إِني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تعاد الصلاة في يوم مرتين") "لا" نافية، والمراد من النفي النهي، ففي رواية أبي داود:"لا تصلوا صلاة" بصيغة النهي.

قال السندي رحمه الله: "مرتين" ظرف لما يُفهَمُ من الكلام، أي فلا تُصَلَّى مرتين، لا لـ"تعاد"، وإلا لجاز الإعادة مرة، وهذا لا يناسب المقام، وقد جاء في رواية أبي داود:"لا تصلوا مرتين"، قال البيهقي: إن صح هذا الحديث يحمل على ما إذا صلاها مع الإِمام، فلا يعيد.

قال السندي: وإلى هذا التأويل أشار المصنف في الترجمة، بل زاد عليه أن تكون الصلاة مع الإِمام في المسجد. قال البيهقي: وفي رواية: "لا تصلوا مكتوبة في يوم مرتين"، فالمراد: أنّ كلتيهما على وجه الفرض، ويرجع ذلك إلى أن الأمر بالإعادة اختيار، وليس بحتم

ص: 659

عليه، وعند كثير من العلماء: إذا صلى مع الإِمام، وقد صلى قبل ذلك في البيت، ينوي مع الإِمام نافلة، فلا إشكال عليهم هنالك، نعم يلزم عليهم الإشكال فيما قالوا فيه بالإعادة كالمغرب بمزدلفة، فإنه إذا صلاها في الطريق، يعيدها بمزدلفة، فتأمل.

قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله في صلاة المغرب في طريق مزدلفة فيه نظر، سيأتي تحقيقه في محله من "كتاب الحج" إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا صحيح.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه المصنف هنا 56/ 860، وفي "الكبرى" 56/ 933 عن إبراهيم بن محمد التيمي القاضي، عن يحيى بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار، عنه. وأخرجه أبو داود في "الصلاة"، عن يزيد بن زريع، عن حسين المعلم، به. وأخرجه أحمد جـ 2 ص 190. وابن خزيمة برقم 1641. وابن حبان 2396. والبيهقي جـ 3 ص 69. والبغوي 859. والحاكم جـ 1 ص 209. والله تعالى أعلم.

ص: 660

المسألة الثالة: اختلف العلماء في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تعاد الصلاة في يوم مرتين". فحمله بعضهم على إطلاقه، فمنع إعادة أَيِّ صلاة، سواء صليت فرادى، أو بجماعة، وحمله المصنف على ما إذا صليت مع الإِمام في المسجد، وحمله بعضهم على ما إذا أعيدت بصفة فرضيتها، وهذا هو القول الراجح، توفيقًا بين الأحاديث.

قال الخطابي رحمه الله: وقوله، لا تعاد

إلخ، أي إذا لم تكن عن سبب، كالرجل يدرك الجماعة، وهم يصلون، فيصلي معهم ليدرك فضيلة الجماعة توفيقًا بين الأحاديث، ورفعًا للاختلاف بينها. انتهى

(1)

. وتقدم عن البيهقي نحوه.

وقال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى في "الاستذكار": اتفق أحمد ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه على أن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثم يقوم بعد الفراغ، فيعيدها على جهة الفرض أيضًا، قالا: وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها له نافلة، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره بذلك، فليس ذلك ممن أعاد الصلاة في يوم مرتين؛ لأن الأولى فريضة، والثانية نافلة. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نقله الحافظ أبو عمر رحمه الله

(1)

شرح السندى جـ 2 ص 114.

(2)

الاستذكار جـ 5 ص 357 - 358.

ص: 661

عن الإمامين، أحمد وإسحاق، وأيده الخطابي، والبيهقي في معنى هذا الحديث، من أن المراد به. إعادة صلاة واحدة على أنها فرض فيهما هو الوجه الأولى، والمسلك الأقرب في طريقة الجمع بين الأحاديث، بدليل رواية:"لا تصلوا صلاة مكتوبة في يوم مرتين". رواه الدارقطني، والبيهقي، فإنها تدل دلالة واضحة على أن النهي فيما إذا قصد كونهما مكتوبتين.

ويؤيده ما أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال:"ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه".

وفي رواية أحمد: قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر، قال: فدخل رجل من أصحابه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ما حبسك يا فلان عن الصلاة؟ " قال: فذكر شيئًا اعتلّ به، قال: فقام يصلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ "، قال: فقام رجل من القوم، فصلى معه

(1)

.

وأخرج البيهقي بسنده عن الحسن مرسلًا في هذا الحديث، قال: فقام أبو بكر رضي الله عنه، فصلى معه، وقد كان صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى

(2)

.

(1)

المسند جـ 3 ص 85.

(2)

السنن الكبرى جـ 3 ص 69 - 70.

ص: 662

قال الجامع: فهذا نص صريح في مشروعية إعادة من صلى جماعة، فإن ذلك الرجل كان قد صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة، ولكن لما حث النبي صلى الله عليه وسلم على التصدق على من فاتته الجماعة، أعاد تلك الصلاة، وصلاها مرتين، ومعلوم أن صلاته الأولى فريضة، والثانية نافلة، فدل على أن النهي لمن صلى صلاة مرتين على أنهما فريضتان.

وأما جمع المصنف يحمل حديث الباب على خصوص من صلى مع الإِمام في المسجد جماعة، فمما لا دليل عليه.

والحاصل أن الراجح حمل حديث الباب على من أعاد الصلاة بنية الفريضة، وأما من أعادها تطوعًا لإحراز فضيلة الجماعة، فليس داخلاً في النهي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

***

ص: 663

‌57 - السَّعْيُ إِلَى الصَّلَاةِ

أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن السعي إلى الصلاة.

والمراد بالسعي هنا العَدْوُ. قال العلامة ابن منظور رحمه الله: والسَّعْيُ: عَدْوٌ دون الشَّدِّ. سَعى يَسْعَى سَعيًا. والحديث: "إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها، وأنتم تسعون، ولكن ائتوها، وعليكم السكينة، مما أدركتم، فصلوا، وما فاتكم، فأتموا".

فالسعي هنا: العَدْوُ. سعى: إذا عدا، وسعى: إذا مَشَى، وسَعى: إذا عَمِلَ، وسَعى: إذا قصد، وإذا كان بمعنى المُضِيّ عُدِّيَ بإلى، وإذا كان بمعنى العمل عُدِّيَ باللام، والسعي: القصد، وبذلك فسر قوله تعالى:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، وليس من السعي الذي هو العَدْوُ. وقرأ ابن مسعود:"فامضوا إلى ذكر الله"، وقال: لو كانت من السعي لسعيت حتى يسقط ردائي. قال الزجاج: السعي، والذهاب بمعنى واحدٍ؛ لأنك تقول للرجل: هو يسعى في الأرض، وليس هذا باشتداد. وقال الزجاج: أصل السعي في كلام العرب: التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، معناه إلا ما عمل، ومعنى قوله تعالى:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]. فاقصدوا. انتهى

(1)

.

(1)

لسان العرب جـ 3 ص 2019 - 2020.

ص: 664

861 -

أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ، فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا".

رجال هذا الإسناد: خمسة

1 -

(عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسْوَر بن مَخْرَمَةَ الزهري البصري، صدوق، مات سنة 256، من صغار [10]، أخرج له مسلم، والأربعة. تقدم في 42/ 48.

2 -

(سفيان) بن عيينة، الإِمام الحجة الثبت، مات سنة 198، من [8]، أخرجه له الجماعة. تقدم في 1/ 1.

3 -

(الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر المدني، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة 125، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.

4 -

(سعيد) بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، مات سنة 94، من كبار [2]، أخرج له الجماعة. تقدم في 9/ 9.

ص: 665

5 -

(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد

منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وأنهم مدنيون إلا شيخه فبصري، وسفيان فكوفي، ثم مكي.

ومنها: أنه من أصح أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه.

ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ الزهري عن سعيد.

ومنها: أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة من التابعين.

ومنها: أن أبا هريرة رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى 5374 حديثًا.

ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.

تنبيه: اختلف في إسناد حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا:

فأخرجه البخاري عن آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة

قال: وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

قال الحافظ: قوله: وعن الزهري. أي بالإسناد الذي قبله، وهو

ص: 666

آدم، عن ابن أبي ذئب، عنه، أي إن ابن أبي ذئب حدث به، عن الزهري، عن شيخين، حدثاه به، عن أبي هريرة، وقد جمعهما البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] عن آدم، فقال فيه: عن سعيد، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة. وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عنهما.

وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري، وجزم بأنه عنده عنهما جميعًا، قال: وكان ربما اقتصر على أحدهما.

وأما الترمذي، فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد وحده. قال: وقول عبد الرزاق أصح. ثم أخرجه من طريق ابن عيينة، عن الزهري، كما قال عبد الرزاق، وهذا عمل صحيح، لو لم يثبت أن الزهري حدث به عنهما.

وقد أخرجه البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] من طريق شعيب، ومسلمٌ من طريق يونس، كلاهما عن الزهري، عن أبي سلمة وحده. فترجح ما قال الدارقطني. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

. والله تعالى أعلم.

(1)

فتح جـ 2 ص 328 - 329.

ص: 667

شرح الحديث

(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: إذا أتيتم الصلاة) أي خرجتم إليها، وأردتم حضورها، وليس الراد ظاهره؛ لأنه لا يناسب قوله:"فلا تأتوها، وأنتم تسعون". قاله السندي رحمه الله تعالى.

ووقع عند أحمد من رواية همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه:"إذا نودي بالصلاة"

قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: يحتمل أن يراد بالنداء الأذان، ويحتمل أن يراد به الإقامة، ويدل للاحتمال الثاني قوله في رواية أخرى في الصحيح:"إذا أقيمت الصلاة"

وسواء فسرناه بالأذان أو الإقامة فليس هذا القيد معتبرًا في الحكم، فلو قصد الصلاة قبل الإقامة كره له الإسراع أيضًا، بل هو أولى بالكراهة؛ لأنه بعد الإقامة يخاف فوت بعض الصلاة، وقبلها لا يخاف ذلك، فإذا نهي عن الإسراع مع خوف فوات بعض الصلاة، فمع عدم الخوف أولى، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى، وهو من مفهوم الموافقة، وقد صرح بذلك النووي، فقال في "شرح مسلم": إنما ذكر الإقامة لينبه بها على ما سواها؛ لأنه إذا نهي عن إتيانها سعيًا في حال الإقامة مع خوفه فوت بعضها، فقبل الإقامة أولى، وأكد ذلك ببيان العلة، فقال صلى الله عليه وسلم:"فإن أحدكم إذ كان يَعْمِد إلى الصلاة، فهو في صلاة". قال: وهذا

ص: 668

يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكد ذلك تأكيدًا آخر، فقال:"فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". فحصل به تنبيه وتأكيد، لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرح بالنهي، وإذ فات من الصلاة ما فات. انتهى. وهو حسن. وقال والدي -يعني الحافظ العراقي- في "شرح الترمذي" بعد حكايته: ويحتمل أن هذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أنه إنما يفعل ذلك من خاف الفوت، فأما من بادر في أول الوقت، فلا يفعل ذلك، لوثوقه بإدراك أول الصلاة. انتهى.

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الوصية بالسكينة، إنما هي لمن غفل عن المشي إلى المسجد حتى سمع الإقامة، أو لمن كان له عذر، وكلاهما سواء في النهي عن الإسراع. انتهى.

ومقتضى هذه العبارة، أنه فهم أن مفهوم الشرط هنا معتبر، وأنه من مفهوم المخالفة، فلا ينهى عن الإسراع مَن قَصَدَ الصلاةَ قبل الإقامة، وهذا مردود يُنفَرُ عن القول به ببادىء الرأي وآخره، إلا أن يقال: إنما خص النهي عن الإسراع بما بعد الإقامة؛ لأنه يدخل في الصلاة مُنبَهِرًا، فيمنعه ذلك عن الخشوع، وإقامة الأركان على وجهها، وأما إذا كان قبل الإقامة، فإنه إذا وصل إلى المسجد لا يدخل في الصلاة بمجرد دخوله؛ لأن الصلاة لم تُقَمْ، فيستريح، ويذهب عنه ما به من البهر والتعب قبل الإقامة، وفي هذا نظر؛ لأن الصلاة

ص: 669

وإن كانت لم تُقَمْ، فقد تقام بمجرد وصوله إلى المسجد، فيقع في المحذور، ثم إن هذا المعنى ليس هو المعتبر في الحديث على ما سيأتي بيانه، وقد ظهر بذلك أنه وقع التردد في أن هذا من مفهوم الموافقة، أو المخالفة، أو لا مفهوم له، والأول هو الراجح. والله أعلم. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى

(1)

.

(فلا تأتوها وأنتم تسعون) الجملة الاسمية في محل نصب على الحال من الفاعل. والمراد من السعي: الإسراع البليغ، وقد يطلق على مطلق المشي، كما في قوله تعالى:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الآية [الجمعة: 9]. فلا تنافي بين الآية والحديث في الذهاب إلى الجمعة (وأتوها وأنتم تمشون) الجملة الاسمية كسابقتها. قال السندي رحمه الله: المشي وإن كان يعم السعي، لكن التقييد بقوله:"وعليكم السكينة" خصه بغيره، ولولا التقييد صريحًا لكفى المقابلة في إفادته. انتهى

(2)

.

وإنما أتى بجملة: "وأتوها

" إلخ بعد قوله: "فلا تأتوها

" إلخ تأكيدًا.

(وعليكم السكينةُ) كذا في رواية البخاري عند غير أبي ذر، ورواية مسلم أيضًا، وضبطها القرطبي شارح مسلم بالنصب على الإغراء، وضبطها النووي بالرفع على أنها جملة في موضع الحال.

ووقع في رواية أبي ذرّ للبخاري: "وعليكم بالسكينة" بزيادة

(1)

طرح التثريب جـ 2 ص 356 - 357.

(2)

شرح السندي جـ 2 ص 115.

ص: 670

الباء. قال في "الفتح": واستشكل بعضهم دخول الباء، قال: لأنه متعد بنفسه، كقوله تعالى {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105]، وفيه نظر، لثبوت زيادة الباء في الأحاديث الصحيحة كحديث:"عليكم برخصة الله"، وحديث:"فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"، وحديث:"فعليك بالمرأة"، قاله لأبي طلحة في قصة صفية وحديث:"عليك بعيبتك"، قالته عائشة لعمر، وحديث:"عليكم بقيام الليل"، وحديث:"عليك بخويصة نفسك". وغير ذلك.

ثم إن الذي علل به هذا المعترض غير موف بمقصوده، إذ لا يلزم من كونه يجوز أن يتعدى بنفسه امتناع تعديه بالباء، وإذا ثبت ذلك فيدل على أن فيه لغتين والله أعلم. انتهى

(1)

وقد اعترض العيني على كلامه الأخير بما فيه تعنت

(2)

.

(1)

فتح جـ 2 ص 329.

(2)

قال: وقال بعضهم -يريد صاحب الفتح-: ثم إن الذي علل بقوله: لأنه متعد بنفسه غير موف بمقصوده، إذ لا يلزم من كونه يتعدى بنفسه امتناع تعديه بالباء. اهـ. قلت: هذا القائل لم يشم شيئًا من علم التصريف، ونفي الملازمة غير صحيح. اهـ.

قال الجامع عفا الله عنه: بل هذا القائل تضلع في علم التصريف وحققه، فلذا ذكر هذه القاعدة المهمة، ولا يخفى حسن كلامه على من سلك مسلك الإنصاف، ولم يحجبه التعصب والاعتساف، فإن من المعلوم عند أهل اللغة والتصريف أن بعض الكلمات تَتَعَدَّى بنفسها، وبعضها تتعدى بنفسها مرة، وتتعدى بحرف الجر مرة أخرى. مثل نصحه، ونصح له، وشكره، وشكر له، ومن طالع كتب اللغة لا يخفى عليه كثرة الأمثلة لذلك، وهذا المثال من قبيل الثاني، فقد سمع من العرب: عليك نفسك، وسمع: عليك بنفسك، لكن التعصب يغطي وجه الصواب، قاتل الله التعصب. نسأل الله السلامة والعافية.

ص: 671

قال ولي الدين رحمه الله: والسكينة: هي الوقار، كما فسره أئمة اللغة، لكن في بعض طرقه في "صحيح البخاري":"وعليكم السكينة والوقار"، فقال القاضي عياض في "المشارق": كرر فيه الوقار للتأكيد، وكذا قال أبو العباس القرطبي: السكينة والوقار اسمان لمسمى واحد؛ لأن السكينة من السكون، والوقار من الاستقرار والتثاقل، وهما بمعنى واحد. وأنكر الحافظ العراقي قوله: إن الوقار من الاستقرار؛ لأن الوقار معتل الفاء، وهذا واضح، وقال في "الصحاح": الوقار: الحلم والرزانة.

وقال النووي: الظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة في الحركات، واجتناب العبث، ونحو ذلك، والوقار في الهيئة، وغض البصر، وخفض الصوت، والإقبال على طريقه من غير التفات، ونحو ذلك. انتهى

(1)

.

(فما أدركتم، فصلوا) قال الكرماني رحمه الله: الفاء جواب شرط محذوف، أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم، فما أدركتم فصلوا (وما فاتكم فاقضوا) هكذا رواه ابن عيينة، عن الزهري بلفظ:"فاقضوا"، ورواه الأكثرون عنه بلفظ:"فأتموا".

قال في "الفتح": هذا هو الصحيح في رواية الزهري، وحكم مسلم في كتابه "التمييز" على ابن عيينة بالوَهَم، مع أنه أخرج إسناده في صحيحه، لكن لم يسق لفظه. وكذا روى أحمد عن عبد الرزاق بلفظ:"فأتموا".

(1)

طرح جـ 2 ص 357 - 358.

ص: 672

واختلف أيضا في حديث أبي قتادة، فرواية الجمهور:"فأتموا"، ووقع لمعاوية بن هشام، عن سفيان:"فاقضوا"، كذا ذكره ابن أبي شيبة عنه. وأخرج مسلم إسناده في "صحيحه"، عن ابن أبي شيبة، فلم يسق لفظه أيضًا.

وروى أبو داود مثله عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: ووقعت في رواية أبي رافع، عن أبي هريرة. واختلف في حديث أبي ذرّ، قال: وكذا قال ابن سيرين، عن أبي هريرة:"وليقض". قال الحافظ: ورواية ابن سيرين عند مسلم بلفظ: "صل ما أدركت، واقض ما سبقك".

والحاصل أن أكثر الروايات ورد بلفظ: "فأتموا" وأقلها بلفظ: "فاقضوا". وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحداً، واختلف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى، وهنا كذلك؛ لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبًا، لكنه يطلق على الأداء أيضًا، ويرد بمعنى الفراغ، كقوله تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة: 10]. ويرد بمعان أخَر، فيُحْمَلُ قوله:"فاقضوا" على معنى الأداء، أو الفراغ، فلا يغاير قوله:"فأتموا" فلا حجة فيه لمن تمسك برواية "فاقضوا" على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، حتى استحب له الجهر في الركعتين الأخريين، وقراءة السورة، وترك القنوت، بل هو أولها،

ص: 673

وإن كان آخر صلاة إمامه؛ لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإِمام آخرًا له لما احتاج إلى إعادة التشهد.

وقول ابن بطال: إنه ما تشهد إلا لأجل السلام، لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد -ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور. واستدل ابن المنذر لذلك أيضًا على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى. انتهى ما في "الفتح"

(1)

. وسيأتي تمام البحث على هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث

المسألة الأولى: في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

أخرجه المصنف هنا 57/ 861، وفي "الكبرى" 57/ 934 بالإسناد المذكور. والله أعلم.

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

أخرجه أحمد 2/ 532، والبخاري 1/ 64 و2/ 9، وفي "جزء

(1)

جـ 2 ص 330 - 331.

ص: 674

القراءة" 169 و170 و171 و172 و176 و177 و178، ومسلم 2/ 99 و2/ 100، وأبو داود 2/ 572 و573، والترمذي رقم 327 و328 و329، وابن ماجه رقم 775، وأحمد جـ 2/ 253 و328 و270 و239 و452 و382 و387 و472، والحميدي رقم 935، والدارمي 1286، وابن خزيمة 1505، 1772. والله تعالى أعلم.

المسألة الرابعة: اختلف في إسناد حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا:

فأخرجه البخاري، عن آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة

قال: وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة

قال الحافظ: قوله: وعن الزهري. أي بالإسناد الذي قبله، وهو آدم، عن ابن أبي ذئب، عنه، أي إن ابن أبي ذئب حدث به، عن الزهري، عن شيخين، حدثاه له، عن أبي هريرة، وقد جمعهما البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] عن آدم، فقال فيه: عن سعيد، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري عنهما.

وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري، وجزم بأنه عنده عنهما جميعًا، قال: وكان ربما اقتصر على أحدهما.

ص: 675

وأما الترمذي، فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد وحده. قال: وقول عبد الرزاق أصح. ثم أخرجه عن طريق ابن عيينة، عن الزهري، كما قال عبد الرزاق، وهذا عمل صحيح، لو لم يثبت أن الزهري حدث به عنهما.

وقد أخرجه البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] من طريق شعيب، ومسلمٌ من طريق يونس، كلاهما عن الزهري، عن أبي سلمة وحده. فترجح ما قال الدارقطني. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى

(1)

. والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: يستفاد من هذا الحديث:

النهي عن الإسراع في إتيان الصلاة، وهو الذي أراده المصنف رحمه الله هنا، حيث ترجم بقوله [السعي إلى الصلاة] فينبغي لمن أتى إلى الصلاة أن يأتيها بتؤدة ووقار.

قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين الجمعة وغيرها، ولا بين أن يخاف فوت تكبيرة الإحرام، أو فوت ركعة، أو فوت الجماعة بالكلية، أو لا يخاف شيئًا من ذلك، وبهذا قال

(1)

فتح جـ 2 ص 328 - 329.

ص: 676

جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، والزبير بن العوام، وأبي ذرّ، وعلي بن الحسين، ومجاهد، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد. وروى ابن أبي شيبة الهرولة إلى الصلاة عن ابن عمر، والأسود، وسعيد بن جبير، وعن إبراهيم النخعي، قال: رأيت عبد الرحمن بن يزيد مسارعًا إلى الصلاة، ومن ابن عمر أنه سمع الإقامة بالبقيع، فأسرع المشي. وعن ابن مسعود أنه قال: أحق ما سعينا إلى الصلاة.

وقال الترمذي في "جامعه": اختلف أهل العلم في المشي إلى المسجد، فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، حتى ذكر بعضهم أنه كان يهرول إلى الصلاة، ومنهم من كره الإسراع، واختار أن يمشي على تؤدة ووقار، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقالا: العمل على حديث أبي هريرة. وقال إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى، فلا بأس أن يسرع في المشي. انتهى.

وقال الحافظ العراقي في "شرح الترمذي" بعد نقل ما تقدم عن مصنف ابن أبي شيبة. والظاهر أن من أطلق الإسراع عن ابن عمر وغيره، إنما هو عند خوف تكبيرة الإحرام كما قيده الترمذي، فقد روى ابن أبي شيبة من رواية محمد بن زيد بن خليدة، قال: كنت أمشي مع ابن عمر إلى الصلاة، فلو مشت معه نملة، لرأيت أن لا يسبقها.

ص: 677

وحُكي عن ابن مسعود أيضا الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، وحُكي عن مالك أنه إذا خاف فوت الركعة أسرع، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس، قاله القاضي عياض، وتبعه صاحب "المفهم"، وتأوله بعضهم على الفرق بين الراكب والماشي؛ لأنه لا ينهز كما ينهز الماشي.

وحكي أيضًا عن إسحاق أنه يسرع إذا خاف فوت الركعة، وهو مخالف لما حكاه الترمذي عن إسحاق من تعليق الإسراع بخوف فوات التكبيرة الأولى، ولعله يقول بالإسراع في الموضعين. والله أعلم. انتهى.

وقال أبو إسحاق المروزي عن الشافعية بالإسراع إذا خاف فوت تكبيرة الإحرام. وقال ابن بطال بعد نقله عن ابن عمر أنه سمع الإقامة، فأسرع المشي، وهذا يدل على ما روي عنه أنه لا يسرع المشي إلى الصلاة أنه جعل معنى قوله:"وعليكم بالسكينة" على ما إذا لم يخش فوت الصلاة، وكان في سعة من وقتها، قال: وقوله: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة"، يرد فعل ابن عمر، ويبين أن الحديث على العموم، وأن السكينة تلزم من سمع الإقامة كما تلزم عن كان في سعة من الوقت. انتهى.

وأما الجمعة، فلا نعلم أحدًا قال بالإسراع لها دون غيرها من الصلوات، وأما قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا

ص: 678

إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، فإن المراد بالسعي فيه مطلق المضي، أو القصد. وقال عكرمة، ومحمد بن كعب القرظي: السعي: العمل، وبوب البخاري علي هذا الحديث:"باب المشي إلى الجمعة"، وقول الله تعالى {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، ومن قال: السعي: العمل والذهاب، لقول الله تعالى {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] انتهى

(1)

.

وقال الحافظ أبو بكر ابن المنذر رحمه الله بعد ذكر نحو ما تقدم من الخلاف: ما نصه: يمشي المرء إذا خرج إلى الصلاة على عادته التي يمشي في سائر الأوقات، وأغفل عن قال: يسعى إذا خاف فوات التكبيرة الأولى، جائز

(2)

أن يسعى إذا خاف فوات الركوع، والخروج عن ظاهر خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير جائز انتهى

(3)

.

وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله بعد ذكر الخلاف أيضًا ما نصه: معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما زجر عن السعي من خاف الفوت: "إذا أقيمت الصلاة"؛ و"إذا ثوب بالصلاة"؛ وقال: "فما أدركتم فصلوا"، فالواجب أن يأتي الصلاة من خاف فوتها؛ ومن لم يخف بالوقار والسكينة، وترك السعي، وتقرير الخطأ، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو الحجة صلى الله عليه وسلم. انتهى

(4)

.

(1)

طرح التثريب جـ 2 ص 355 - 356.

(2)

هكذا عبارة "الأوسط" ولعك صواب العبارة: "ومن قال: جائز أن يسعى إلخ". وهو عطف على ما قبله، أي وأغفل من قال: جائز إلخ، فليتأمل.

(3)

الأوسط جـ 4 ص 147.

(4)

التمهيد جـ 20 ص 233 - 234. الاستذكار جـ 4 ص 38.

ص: 679

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هذان الإمامان: أبو بكر ابن المنذر، وأبو عمر بن عبد البر رحمهما الله تعالى من أن الخروج عن ظاهر خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير جائز، وأنه صلى الله عليه وسلم هو الحجة دون غيره تحقيق حقيق بالقبول، وما عداه من الأقوال لا يَلتَفتُ إليه من حقق المنقول، ويُعتذر عمن خالفوه بأنه لم يصل إليهم النهي، أو وصل إليهم ولكن تأولوه، وما قصدوا مخالفته، فحاشاهم أن يُظَنَّ بهم ذلك، فالقوم أهل اتباع، لا أهل ابتداع، فرضي الله تعالى عنهم جميعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

المسألة السادسة: قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: المعنى في نهي قاصد الصلاة عن الإسراع، وأمره بالمشي بسكينة أمور:

أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم: "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة، فهو في صلاة"، فأشار بذلك إلى أنه ينبغي أن يتأدب بآداب الصلاة، من ترك العجلة، والخشوع، وسكون الأعضاء، ومن هذا أمره صلى الله عليه وسلم مَن خرج إلى المسجد أن لا يشبك بين أصابعه، وعلل ذلك بكونه في صلاة، وحَكَى النوويُّ هذا المعنى عن العلماء.

الثاني: تكثير الخطأ، فقد روى الطبراني بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنت أمشي مع زيد بن ثابت، فقارب الخطا، فقال: أتدري لم مشيت بك هذه المِشْيَة؟ فقلت: لا، فقال: لتكثر خُطانا في المشي إلى الصلاة، وقد روي هذا مرفوعًا من

ص: 680

حديث زيد بن ثابت، ومن حديث أنس رضي الله عنهما.

الثالث: ذكر المهلب أن المعنى في ذلك أن لا يبهر الإنسان نفسه، فلا يتمكن من ترتيل القرآن، ولا من الوقار اللازم له في الخشوع. انتهى. وذكره القاضي عياض أيضًا.

وقال الحافظ العراقي: ينبني على المعنيين، أي الأولين عود المصلي من المسجد إلى بيته، فإن عللنا بالمعنى الأول، فقد زال في رجوعه إلى بيته كونه في صلاة، وإن عللنا بالمعنى الثاني، فيستحب أيضًا المشي، ومقاربة الخطا، لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا:"من راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة، ذاهبًا وراجعًا". وإسناده جيد. قال ولي الدين: وإن عللنا بالمعنى الثالث، فلا يثبت هذا الحكم في الرجوع، كما قلنا على المعنى الأول. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: تعليله بالمعنى الثاني أولى، لحديث عبد الله بن عمرو المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

المسألة السابعة: قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: هذا الحديث ناسخ لما روي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا سبقوا ببعض الصلاة صلوا ما فاتهم منفردين، تم دخلوا مع الإِمام فصلوا معه بقية

(1)

طرح التثريب جـ 2 ص 358.

ص: 681

الصلاة، كما رواه أبو داود في أبواب الأذان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا، قال: كان الرجل إذا جاء يسأل، فيخبر بما سبق من صلاته، وأنهم قاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين قائم، وراكع، وقاعد، ومصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء معاذ، فأشاروا إليه، فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت عليها، فقال:"إن معاذًا قد سن لكم، كذلك فافعلوا".

ورواه الطبراني في "معجمه" من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، وهي لفظ: فقال: "قد سن لكم معاذ، فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم، وقد سُبق بشيء من الصلاة، فليصل مع الإِمام بصلاته، فإذا فرغ الإِمام، فليقض ما سبقه به".

قال المزني: قوله: "إن معاذاً قد سن لكم" يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أُمِرَ أن تُسن هذه السنة، فوافق ذلك فعل معاذ، وذلك أن بالناس حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يسن، وليس بهم حاجة إلى غيره. انتهى.

ويحتمل أن يقال: لا نسخ في هذه القضية، ولكن الأمران جائزان، أعني متابعة الإِمام فيما هو فيه، ثم استدراك ما بقي بعد سلامه، والدخول في الصلاة منفردًا، ثم الاقتداء بالإمام في أثناء الصلاة، وكان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون أحد الأمرين، فلما فعل معاذ الأمر الآخر استحسنه النبي صلى الله عليه وسلم، ورجحه على الأمر الأول،

ص: 682

لا أنه حتمه، وصيره ناسخًا بحيث إنه امتنع فعل الأمر الآخر. والله أعلم انتهى

(1)

.

المسألة الثامنة: استُدلَّ بهذا الحديث على إدراك الجماعة بجزء من الصلاة وإن قلّ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "فما أدركتم، فصلوا". ولم يفصل بين القليل والكثير، وبهذا قال الجمهور، قال ابن حزم: وهذا خبر زائد على الخبر الذي فيه: "من أدرك من الصلاة مع الإِمام ركعة، فقد أدرك الصلاة". قال: وروينا عن ابن مسعود أنه أدرك قومًا جلوسًا في آخر صلاتهم، فقال: أدركتم إن شاء الله

وعن شقيق بن سلمة: من أدرك التشهد فقد أدرك الصلاة. وعن الحسن، قال: إذا أدركهم سجودًا سجد معهم. وعن ابن جريج: قلت لعطاء: إن سمع الإقامة والأذان، وهو يصلي المكتوبة، أيقطع صلاته، ويأتي الجماعة؟ قال: إن ظن أنه يدرك من المكتوبة شيئاً، فنعم، وذهب الغزالي من الشافعية إلى أن الجماعة لا تدرك بأقل من ركعة. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": واستدل بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة لإدراك جزء من الصلاة، لقوله:"فما أدركتم، فصلوا"، ولم يفصل بين القليل والكثير، وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تدرك

(1)

طرح التثريب جـ 2 ص 358

(2)

المصدر المذكور جـ 2 ص 359.

ص: 683

الجماعة بأقل من ركعة؛ لحديث: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك"، وقياسًا على الجمعة، وأجيب عنه لأنه ورد في الأوقات، وأن في الجمعة حديثًا خاصًا بها.

قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الجماعة تدرك بإدراك جزء من الصلاة وإن قل هو الحق، لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

المسألة التاسعة: قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: استدل ابن حزم رحمه الله بهذا الحديث على أنه إذا وجد الإِمام جالسًا في آخر الصلاة قبل أن يسلم، وجب عليه أن يدخل معه، سواء طمع بإدراك الصلاة عن أولها في مسجد آخر، أم لا، فحمل الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم:"فما أدركتم فصلوا"، على الوجوب على عادته، ثم ذكر آثارًا عن السلف بالأمر بصلاة ما أدركه، يمكن حملها على الاستحباب كما حمل الجمهور الأمر في هذا الحديث على ذلك.

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن رجل من أهل المدينة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع خفق نعلي، وهو ساجد، فلما فرغ من صلاته، قال:"من هذا الذي سمعت خفق نعله؟ " قال: أنا يا رسول الله، قال:"فما صنعت؟ "، قال: وجدتك ساجدًا، فسجدت، قال: "هكذا فاصنعوا، ولا تعتدوا بها، من وجدني راكعًا، أو قائمًا، أو ساجدًا، فليكن معي على حالتي

ص: 684

التي أنا عليها". انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى.

قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ما قاله ابن حزم من وجوب المتابعة هو الأقرب إلى الصواب، لأن الأمر للوجوب على الراجح عند الأصوليين، إلا إذا وجد له صارف، ولم يَذْكُر الجمهور دليلاً صارفًا عن الوجوب، فكيف يحمل على الاستحباب؟ فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

المسألة العاشرة: قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: "وما فاتكم، فأتموا" على أن ما أدركه المسبوق مع الإِمام هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإِمام هو آخر صلاته، وهو مذهب الشافعي، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وحكاه ابن المنذر عن هؤلاء، خلا سعيد بن جبير، وقال: إنه لا يثبت عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وحكاه أيضًا عن مكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق بن راهويه، والمزني، قال ابن المنذر: وبه أقول.

ورواه البيهقي عن ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وأبي قلابة، وهو منصوص مالك في "المدونة"، فإنه قال فيها: إن ما أدرك فهو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة.

قال ابن بطال: ورواه ابن نافع عن مالك. وقال سحنون في

ص: 685

"العتبية": هو الذي لم نعرف خلافه، وهو قول مالك، أخبرني به غير واحد. وحكاه ابن بطال عن أحمد بن حنبل، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء والسلف، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف

وذهب آخرون إلى أن ما أدركه مع الإِمام هو آخر صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإِمام هو أول صلاته، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن ابن مسعود، وابن عمر، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وأبي قلابة، وعمرو بن دينار، والشعبي، وابن سيرين، وعُبيد بن عُمَير، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وسفيان الثوري، والشافعى، وأحمد.

فأما مالك فهو المشهور في مذهبه، كما قال القاضي عبد الوهاب. قال ابن بطال: وهو قول أشهب، وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب، وقال: الذي يقضي هو أولها؛ لأنه لا يستطيع أن يخالف إمامه، فتكونَ له أولى، وللإمام ثانيةً، أو ثالثة. انتهى.

وأما الشافعي، فليس هذا مذهبه، وما رأيت أحدًا حكاه عنه، إلا أن النووي حكاه في "الروضة"، قال: إنه حكي عنه قول غريب أنه يجهر.

وأما أحمد، فكذلك حكاه عنه الخطابي أيضًا، وهو خلاف ما حكاه عنه ابن بطال، كما تقدم.

واستدل هؤلاء بقوله في الرواية الأخرى: "وما فاتكم فاقضوا"،

ص: 686

فلما استعمل لفظ القضاء في المأتي به بعد سلام الإِمام، دل على أنه مؤخر عن محله، وأنه أول الصلاة، لكنه يقضيه.

وأجاب الجمهور عنه بجوابين:

أحدهما: تضعيف هذه اللفظة، كما تقدم عن غير واحد.

قال الجامع عفا الله عنه: لكن الأصح صحتها. فتبصر. والله تعالى أعلم.

الثاني: أن قوله: "اقضوا" بمعنى أتموا، والعرب تستعمل القضاء على غير معنى إعادة ما مضى، قال الله تعالى:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت: 12]، وقال تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: 10]، وقالوا: قضى فلان حق فلان، فيحمل القضاء في هذا الحديث على هذا المعنى جمعًا بين الروايتين.

وفي المسألة مذهب ثالث: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، وهي رواية عن مالك، ويوافقه ما نص عليه الشافعي رحمه الله من أنه لو أدرك ركعتين من رباعية، ثم قام للتدارك يقرأ السورة في الركعتين، واختلف أصحابه في هذا، فقال بعضهم: هو تفريع على قوله: يستحب قراءة السورة في جميع الركعات، وقال بعضهم: هو تفريع على القولين معاً، لئلا تخلو صلاته عن السورة، وصححه النووي، ويوافقه ما رواه البيهقي عن

ص: 687

علي بن أبي طالب أنه قال: ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن. انتهى المقصود من كلام ولي الدين رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن مذهب القائلين بأن ما يقضيه المسبوق أول صلاته هو الأرجح، لظهور دليله؛ لأن "ما" في قوله:"وما فاتكم" للعموم، فكل ما فات المسبوق من الأفعال والأقوال يجب عليه الإتيان به، لعموم هذا النص، والذي وجب عليه الإتيان به هو الذي فاته، وما فاته إلا أول صلاته، فإذا أتى به فقد قضاه، وما في رواية الأكثرين من لفظ:"فأتموا" لا ينافي هذا المعنى، إذ لولا إتيانه بما فاته من أول صلاته لما حصل الإتمام، فإن الذي أدركه مع الإِمام ناقص لا يتم حتى يقضي ما فاته، فإذا قضاه فقد أتم نقصة، ولا يستلزم ذلك أن يكون ما يقضيه أخيرًا.

والحاصل أنه يجب عليه الإتيان بما سُبِقَ به من قراءة الفاتحة، والسورة، وسائر الأفعال التي فاتته مع الإمام، وإذا كانت الصلاة جهرية جهر فيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

المسألة الحادية عشرة: في اختلاف أهل العلم في إدراك الركعة بإدراك الركوع:

ذهب الجمهور إلى أن عن أدرك الإِمام راكعًا تحتسب له تلك الركعة، على تفصيل في حد إدراك الركوع عندهم.

(1)

طرح التثريب جـ 2 ص 361 - 363.

ص: 688

وذهب بعض أهل العلم إلى أن من أدرك الإِمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته الوقوف والقراءة، وهو قول أبي هريرة رضي الله عنه، وجماعة، بل حكاه البخاري في "جزء القراءة خلف الإِمام" عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإِمام، واختاره ابن خزيمة والصبغي وغيرهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين. قاله في "الفتح"

(1)

.

وقال العلامة الشوكاني رحمه الله عند البحث عن وجوب قراءة الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة: ما نصه: ومن هاهنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الإِمام راكعًا دخل معه، واعتد بتلك الركعة، وإن لم يدرك شيئًا من القراءة.

واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: "من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة، فليضعف إليها ركعة أخرى". رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ، وهو متروك، وأخرجه الدارقطني بلفظ:"إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجماعة، فقد أدرك، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى". ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني، ومن طريق صالح بن أبي الأخضر، وسليمان متروك، وصالح ضعيف.

على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مشعر بأن غير الجمعة

(1)

جـ 2 ص 331.

ص: 689

بخلافها، وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدلّ على خلاف المدّعى؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز، لا يصار إليه إلا لقرينة، كما وقع عند مسلم من حديث البراء رضي الله عنه بلفظ:"فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله، فسجدته"

فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام، والاعتدال، والسجود، قرينة تدلّ على أن المراد بها الركوع.

وقد ورد حديث: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة" بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال، حتى قال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: لا أصل لهذا الحديث، إنما المتن:"من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها".

وكذا قال الدراقطني، والعقيلي، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ:"من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها قبل أن يقيم الإِمام صلبه".

وليس في ذلك دليل لمطلوبهم، لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها، وأركانها حقيقة شرعية وعرفية، وهما مقدمتان على اللغوية، كما تقرر في الأصول، فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة، وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي.

فإِن قلت: فأيّ فائدة على هذا في التقييد بقوله: "قبل أن يقيم صلبه"؟.

قلت: دفع توهم أن من دخل مع الإِمام، ثم قرأ الفاتحة، وركع الإِمام قبل فراغه منها غير مدرك.

ص: 690

إذا تقرر لك هذا، علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية، لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية، وأدلة وجوب الفاتحة.

وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر، وابن خزيمة، وأبو بكر الصّبغي. روى ذلك ابن سيد الناس في "شرح الترمذي"، وذكر فيه حاكيًا عمن روى عن ابن خزيمة أنه احتج لذلك بما روي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال:"من أدرك الإِمام في الركوع، فليركع معه، وليُعِدِ الركعة". وقد رواه البخاري في "القراءة خلف الإِمام" من حديث أبي هريرة أنه قال: "إن أدركت القوم ركوعًا لم تعتدّ بتلك الركعة". قال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفًا، وأما المرفوع فلا أصل له.

وقال الرافعي تبعاً للإمام: إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج له.

وقد حكى هذا المذهب البخاري في "القراءة خلف الإِمام" عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإِمام، وحكاه في "الفتح" عن جماعة من الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي، وغيره من محدثي الشافعية، ورجحه المقبلي، قال: وقد بحثت هذه المسألة، وأحطتها في جميع بحثي فقهًا وحديثًا، فلم أحصل منها على غير ما ذكرت -يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط-.

ص: 691

قال العراقي في "شرح الترمذي" بعد أن حكى عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتدّ بالركعة من لا يدرك الفاتحة، ما لفظه: وهو الذي نختاره. اهـ. والعجب ممن يدعي الإجماع، والمخالفُ مثل هؤلاء.

وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة رضي الله عنه، حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة، فقال صلى الله عليه وسلم:"زادك الله حرصًا، ولا تَعُد" ولم يؤمر بإعادة الركعة، فليس فيها ما يدلّ على ما ذهبوا إليه؛ لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتدّ بها، والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها؛ لأن الكون مع الإِمام مأمور له، سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتدًا به، أم لا، كما في حديث:"إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا". أخرجه أبو داود وغيره على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أبا بكرة عن العودة إلى مثل ذلك، والاحتجاج بشيء قد نهي عنه لا يصح.

وقد أجاب ابن حزم في "المُحَلَّى" عن حديث أبي بكرة، فقال: إنه لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة. ثم استدلّ على ما ذهب إليه من أنه لابد في الاعتداد بالركعة عن إدراك القيام والقراءة بحديث: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".

ثم جزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة، والركن، والذكر المفروض؛ لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به. قال: فهو مأمور بقضاء ما سبقه به الإِمام وإتمامه، فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نص آخر،

ص: 692

ولا سبيل إلى وجوده. قال: وقد أقدم بعضهم على دعوى الإجماع على ذلك، وهو كاذب في ذلك؛ لأنه قد روي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن.

وروي القضاء أيضًا عن زيد بن وهب. ثم قال: فإن قيل: إنه يكبر قائمًا، ثم يركع، فقد صار مدركًا للوقفة. قلنا: وهذه معصية أخرى، وما أمر الله تعالى قط، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الإِمام عليها، وأيصا لا يجزىء قضاء شيء يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الإِمام، لا قبل ذلك. وقال أيضًا في الجواب استدلالهم بحديث:"من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدوك الصلاة": إنه حجة عليهم؛ لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة. انتهى.

والحاصل أن أنهض ما احتح به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة رضي الله عنه باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة، لقوله فيه:"قبل أن يقيم صلبه" كما تقدم، وقد عرفت أن ذكر الركعة فيه مخاف لمطلوبهم، وابن خزيمة الذي عولوا عليه في هذه الرواية من القائلين المذهب الثاني، كما عرفت، ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحًا، ويذهب إلى خلافه

(1)

.

(1)

قال الجامع عفا الله عنه: لم يصحح ابن خزيمة رحمه الله الحديث، بل أشار إلى ضعفه، فقال بعد إخراجه، ما نصه: قال أبو بكر: في القلب من هذا الإسناد، فإني =

ص: 693

ومن الأدلة على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة حديث أبي قتادة، وأبي هريرة رضي الله عنهما المتفق عليه بلفظ:"ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".

قال الحافظ في "الفتح": قد استدل لهما على أن من أدرك الإِمام راكعًا لم تحتسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته القيام والقراءة فيه، ثم قال: وحجة الجمهور حديث أبي بكرة. وقد عرفت الجواب عن احتجاجهم له.

وقد ألف السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة في هذه المسألة، ورجح مذهب الجمهور، وقد كتبت أبحاثًا في الجواب عليها. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي في هذه المسألة قول من قال لعدم الاعتداد بإدراك الركوع إلا إذا أدرك القيام والقراءة، لقوة دليله، كما عرفت تفصيله فيما سبق.

وهو الذي رجحه الإِمام البخاري، ونقله عن كل من قال بوجوب

= كنت لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح

إلخ. وقال أيضًا: والنبي صلى الله عليه وسلم إن صح عنه الخبر أراد بقوله: "فلا تعدوها شيئًا". أي لا تعدوها سجدة، إلى آخر كلامه. فأفاد أن الحديث لم يصح عنده، وإن كانت ترجمته تدل على أنه يقول بمذهب الجمهور. وأما ما عزاه إليه في الفتح، وتبعه الشوكاني من أنه من القائلين بعدم الاعتداد فلعله في كتبه الأخرى غَير "صحيحه"، فليتأمل.

(1)

نيل الأوطار جـ 3 ص 67 - 70.

ص: 694

القراءة على المأموم، كما حققه في "جزء القراءة"، وابن خزيمة، وابن حزم، ورجحه من متأخري الشافعية المتقي السبكي، والحافظ العراقي، والعلامة الشوكاني في "النيل"، كما مر تحقيقه.

لكن من الغريب أن الشوكاني تراجع عن هذا القول، فقال بترجيح مذهب الجمهور في فتاواه المعروف بـ "الفتح الرباني"، كما نقل نصه العلامة محمد شمس الحق صاحب "عون المعبود" في شرح أبي داود جـ 3 ص 157، لكنه ما أتى لدليل مقنع، إنما ذكر ما تقدم في أدلة الجمهور التي أجاب هو عنها قريبًا، فأجاد، وأفاد.

والحاصل أن مذهب القائلين بعدم الاعتداد بإدراك الركوع هو المذهب القوي، فلا تعدل أيها الموفق إلى غيره، وإن كثر القائلون، فالشأن في قوة الدليل، لا في كثرة القال والقيل. وفقنا الله تعالى لما يحبه ويرضاه.

خاتمة: أختم بها البحث السابق:

اعلم أنني بعدما كتبت ما تقدم في تحقيق المسألة السابقة، وجدت من كتب في هذا الموضوع، فأحسن، وهو: العلامة عبد الرحمن بن يحيى بن علي المعلمي اليماني 1313 - 1386 هـ، فإنه قد كتب رسالة قيمة

(1)

بعنوان "هل يدرك المأموم الركعة بإدراك الركوع مع الإِمام"، حقق فيها الموضوع، وناقش كل الأدلة مناقشة علمية من غير تعصب

(1)

الرسالة مطبوعة بتحقيق عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي -مكتبة الإرشاد- صنعاء.

ص: 695

واعتساف، بل باعتدال وإنصاف، فأعطى المسألة حقها، وأفاد وأجاد، ورجح القول بعدم الاعتداد.

والشيخ رحمه الله معروف بطول الباع في تحقيق المسائل العلمية، وموصوف بالتأدب والإنصاف، كما يظهر ذلك لمن يطالع كتابه "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل". فرأيت ختم المسألة بها تتميمًا للفائدة، وتكميلاً للعائدة.

قال رحمه الله بعد الخطبة:

أما بعد: فإن الأخ العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة

(1)

المدرس بالمسجد الحرام، ومدير مدرسة دار الحديث الخيرية -عافاه الله- أطلعني على رسالته المحررة في اختيار إدراك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإِمام، وأشار علي أن أكتب ما يظهر لي في هذه المسألة. فأستعين بالله تبارك وتعالى، وأقول: قال البخاري في "جزء القراءة": "والقيام فرض في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]. وقال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6]. وقال النبي: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا" وبسط الكلام في تثبيت فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة حتى على المأموم وساق في

(1)

هو الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة، ولد بمصر سنة 1311 هـ، وتعلم بها، وسافر إلى مكة عام 1344 هـ فتولى خطابة الحرم النبوي وإمامته، ثم نقل بعد سنتين إلى الحرم المكي مدرسًا للحديث والتفسير، وله مصنفات، وتوفي بمكة سنة 1392. من الأعلام للزركلي جـ 6 ص 203.

ص: 696

موضع آخر الأحاديث في وجوب قضاء المسبوق ما فاته، ولم ينازعه الشيخ إلا في هذه القضة، فظاهر صنيعه أنه يسلم ما استدل به البخاري على فرضية القيام، وعلى فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة، حتى على المأموم، وعلى فرضية قضاء ما فات، مع أن تلك الأدلة تتناول هذه القضية المستثناة من ذلك العموم، ويتلخص من كلامه الاحتجاج على هذا التلخيص بأمور:

الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة". قال الشيخ

(1)

: سكت عليه أبو داود، والمنذري، واحتج به ابن خزيمة في "صحيحه".

الثاني: ابن وهب: حدثني يحيى بن حميد، عن قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب الزهرى، أخبره أبو سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإِمام صلبه". قال الشيخ: أخرجه الدارقطني، وابن خزيمة محتجًا على أن من أدرك الركوع مع الإِمام أدرك الركعة.

الثالث: حديث مالك، عن الزهري، على أبي سلمة، على أبي هريرة مرفوعًا:"من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها".

(1)

يعني الشيخ محمد عبد الرازق حمزة.

ص: 697

الرابع: الحسن البصري، عن أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"زادك الله حرصًا، ولا تعد" أخرجه البخاري في "صحيحه"، وذكروا أن فيه دلالتين:

الأولى: لولا أن أبا بكرة كان يرى أنه بإدراكه الركوع يدرك الركعة، لَمَا بادر إلى الركوع قبل أن يبلغ إلى الصف.

الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ أبا بكرة على السلام معه، ولم يأمره بإتمام، ولا إعادة.

الخامس: أشار الشيخ إلى دليل خامس، وهو أنه ثبت عن جماعة من الصحابة القول بالإدراك، ولم يتحقق عن أحد منهم خلافه، وتبعهم الجمهور.

النظر في هذه الأمور

أما الحديث الأول: قد تفرد به يحيى بن أبي سليمان، رواه عن زيد أبي عتاب، وسعيد المقبري، عن أبي هريرة.

ويحيى هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث. روى عنه أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد مولى بني هاشم، وعبد الله بن رجاء البصري مناكير، يعني وهما ثقتان، فالحمل في تلك المناكير على يحيى، ولم يتبين سماعه من زيد، ولا من المقبري به، ومذهب

ص: 698

البخاري وشيخه ابن المديني أن ذلك في حكم المنقطع، وجرى المتأخرون على هذا المذهب، ونسبوه إلى المحققين، وخالفهم مسلم، فذكر في مقدمة "صحيحه" أنه يكتفي بثبوت المعاصرة، وإمكان اللقاء والسماع، لكن في سياق كلامه وفحواه ما يدل على أن مراده الإمكان البَيِّنُ.

وقال أبو حاتم في يحيى هذا: مضطرب الحديث ليس بالقوي، يكتب حديثه.

وقال البيهقي في "المعرفة" في هذا الحديث: تفرد به يحيى بن أبي سليمان هذا، وليس بالقوي. كذا في التعليق على الدارقطني ص 132. وذكر البيهقي هذا الحديث في "السنن" جـ 2 ص 89، ثم قال: تفرد به يحيى بن أبي سليمان المدني، وقد روي بإسناد آخر أضعف من ذلك عن أبي هريرة، ثم ساق الحديث الآتي.

وذكر الذهبي يحيى هذا في "ميزانه"، وذكر له حديثًا آخر، كأنه استنكره.

وقال ابن خزيمة بعد أن أخرج في "صحيحه" هذا الحديث: وفي القلب شيء من هذا الإسناد، فإني لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة، ولا جرح، وإنما أخرجت خبره؛ لأنه لم يختلف فيه العلماء. كذا في "تهذيب التهذيب". وظاهره أن ابن خزيمة لم يكن حين كتب هذا يعرف اختلافاً في إدراك الركعة بإدراك الركوع، ثم اطلع بعد على

ص: 699

الخلاف، فرجع إلى القول بعدم الإدراك، فقد نقلوا ذلك عنه. والله أعلم.

ويعارض ما تقدم أن أبا داود أخرج الحديث في "سننه"، وسكت عليه، وقد قال في "رسالته" إلى أهل مكة: ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح.

وأن المنذري سكت عنه، كما ذكره الشيخ وأن ابن حبان ذكر هذا في ثقاته، وأن شعبة روى عنه، كما في ترجمة يحيى من "التهذيب"، وقد ذكروا شعبة فيمن لا يروي إلا عن ثقة، وأن الحاكم أخرج هذا الحديث في "المستدرك" جـ 1 ص 216، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ويحيى بن أبي سليمان من ثقات المصريين.

فأما سكوت أبي داود، فإنما يدل على أنه يرى أن هذا الحديث ليس فيه وهن شديد، وهذا مراده بقوله: صالح، على أنه إنما ذكره في [باب الرجل يدرك الإِمام ساجدًا، كيف يصنع] فلعل مراده أنه ليس فيه وهن شديد بالنسبة إلى ذلك الباب، لأن ذاك الحكم متفق عليه، فلا يلزم من هذا أنه ليس فيه وهن شديد مطلقًا، وقد عرف من تصرفات البخاري في "صحيحه" ما يشبه هذا، فإنه ربما يذكر الحديث في غير مظنته، ويعرض عنه في مظنته، حيث يترجح له في تلك الظنة خلاف ذلك الحديث، كأنه يرى أنه صحيح حيث ذكره لا في مظنته.

ص: 700

وأما ابن حبان، فإنه يذكر في "الثقات" كل من روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يجد له منكرًا، خرج هو بذلك في الثقات، فتوسع، كما في ترجمته من "التنكيل" وأوضحت هناك ما يوثق به من توثيق ابن حبان مما لا يوثق به

(1)

من الثاني كما يعلم مما شرحته هناك

(2)

.

وأما في ترجمة يحيى هذا من "التهذيب": إن شعبة روى عنه

إلخ، فإن ابن حجر التزم أن يذكر في ترجمة شعبة جميع شيوخه، ولم يذكر فيهم يحيى هذا، وإنما ذكر أبا بَلْج يحيى بن أبي سليم، وهو رجل آخر، فأخشى أن يكون اشتباه، ومع ذلك ففي "فتح المغيث" للسخاوي ص 134: "من كان لا يروي إلا عن ثقة، إلا في النادر الإِمام أحمد، وشعبة .... وذلك في شعبة على المشهور

وإلا فقد قال عاصم

(1)

الكلام هنا غير ملتئم، ولعل صواب العبارة: وهذا من الثاني، فليحرر.

(2)

قال في "التنكيل" جـ 1 ص 450 - 451 والتحقيق أن توثيقه على درجات:

1 -

أن يصرح به كأن يقول: كان متقنًا، أو مستقيم الحديث، أو نحو ذلك.

2 -

أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخَبَرَهم.

3 -

أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.

4 -

أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذلك الرجل معرفة جيدة.

5 -

ما دون ذلك.

فالأولى: لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة، بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم.

والثانية: قريب منها.

والثالثة: مقبولة.

والرابعة: صالحة.

والخامسة: لا يؤمن فيها الخلل. انتهى كلامه رحمه الله.

ص: 701

ابن علي: سمعت شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن ثقة، لم أحدثكم عن ثلاثة، وفي نسخة عن ثلاثين

وعلى كل حال، فهو لا يروي عن متروك، ولا عمن أجمع على ضعفه.

وأما مستدرك الحاكم، فقد عرف أَنَّ فيه تخليطًا كثيراً، وتساهلاً في التصحيح، وفيما يقع فيه من التوثيق، وقد شرحت ذلك في ترجمة الحاكم من "التنكيل". وقد ذكر هو يحيى هذا في موضع آخر، واقتصر على قوله: يحيى مدني سكن مصر، لم يذكر بجرح. ذكر ذلك ابن حجر في "التهذيب"، وقال: كأنه جعله مصريًا، لرواية أهل مصر عنه. يعني: والمعروف أنه مدني سكن البصرة، فأما رواية بعض المصريين عنه، فكأنهم لقوه بالدينة، أو بالموسم، أو نحو ذلك، وكفى بكلمة البخاري جرحًا، وقد جاء عنه أنه قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث، لا تحل الرواية عنه. انظر "فتح المغيث"، طبع الهند ص 162.

ومما يوضح وَهْن هذا الحديث أن يحيى هذا تفرد به عن رجلين معروفين:

أحدهما: وهو سعيد المقبري مشهور جدّاً، فكيف يقبل من مثل يحيى مثل هذا التفرد.

وأما الحديث الثاني: فتفرد به يحيى بن حميد بن أبي سفيان المعافري المصري، رواه عن قرة بن عبد الرحمن بن حَيْوَئِيل، عن

ص: 702

الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ويحيى بن حميد هذا قال فيه البخاري: مجهول، لا يعتمد على حديثه. وضعفه الدارقطني، وذكره العقيلي في الضعفاء، وتقدم عن البيهقي أن هذا الحديث أضعف من سابقه.

وقال ابن يونس في تاريخ مصر: أسند حديثًا واحداً، وله منقطعات. وقال ابن عدي: تفرد بهذه الزيادة، ولا أعرف له غيره.

أقول: وإذا لم يكن له غير هذا الحديث، وقد تفرد به، فكيف يقبل؟.

فإِن قيل: فقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج ابن خزيمة حديثه هذا في "صحيحه".

قلت: أما ثقات ابن حبان فقد تقدم ما فيها، وأما ابن خزيمة، فإنه يخرج في "صحيحة" للمجهول إذا لم يستنكر حديثه، وكأنه لم يستنكر هذا؛ لأنه عند كتابة الصحيح كان يرى الإدراك متفقًا عليه بين أهل العلم، كما تقدم في الكلام على الحديث الأولى.

ومع هذا فقُرَّةُ بن عبد الرحمن فيه كلام، قال الإِمام أحممد: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. وأخرج له مسلم في "صحيحه" مقرونًا بآخر، ولعل اعتماده كان على ذاك الآخر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأشار إلى لين فيه.

ص: 703

نعم قوله أول الحديث: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها"، معروف صحيح كما يأتي في الحديث الثالث، وإنما المنكر زيادته:"قبل أن يقيم الإِمام صلبه". وقد دفع البخاري في "جزء القراءة" هذه الزيادة بأن مالكًا وجماعة من الأئمة رووا الحديث عن الزهري بسنده، ولم يذكروا هذه الزيادة، قال: وقوله: "قبل أن يقيم الإِمام صلبه" لا معنى له، ولا وجه لزيادته.

يعني أن معنى الحديث في رواية مالك والأئمة: من أدرك من الصلاة في وقتها ركعة، أي واحدة من الثنتين اللتين هما الصبح، أو الثلاث التي هي المغرب، أو الأربع التي هي الظهر أو العصر، أو العشاء للمقيم -فقد أدركها- أي أدرك الصلاة أداء، أي أنها لم تفته، وإذا كان كذلك، فلا معنى ولا وجه لزيادة:"قبل أن يقيم الإِمام صلبه"، غاية الأمر أن يكون أحد الرواة توهم أن معنى الحديث: من أدرك الركوع مع الإِمام فقد أدرك الركعة، فزاد هذه الزيادة تفسيرًا في زعمه، وقد جوز بعضهم أن تكون من زيادة الزهري؛ لأنه قد عرف عنه أنه كثيراً ما يصل الحديث بكلام من عنده على وجه التفسير، أو نحوه، فربما التبس ذلك على بعض الضعفاء، كقُرَّةَ.

قال البخاري في موضع آخر من "جزء القراءة": قال مالك: قال ربيعة للزهري: إذا حدثت، فبيِّنْ كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكن سيأتي في الكلام على الحديث الثالث ما يدفع هذا التجويز، فالظاهر

ص: 704

أن الزيادة من قرة بن عبد الرحمن، أو يحيى بن حميد.

وأما الحديث الثالث: فلا خلاف في صحته، وهو في "الموطأ"، و"الصحيحين"، وغيرهما، والتشبث به في هذه المسألة مبني على زعم أن معناه: من أدرك من الصلاة مع الإِمام ركوعًا، فقد أدرك الركعة، وقد يستأنس لهذا بالزيادة المتقدمة، وبما في "صحيح مسلم" عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا:"من أدرك ركعة من الصلاة مع الإِمام، فقد أدرك الصلاة ".

فأما الزيادة السابقة فقد فسر ما فيها، وأما زيادة:"مع الإِمام"، فقد ردها نفسه، فرواه عن يونس، ومن جماعة، عن الزهري، قال: وليس في حديث أحد منهم. "مع الإِمام". وله في "صحيح البخاري"، و"جزء القراءة"، وسنن

(1)

وغيرها طرق كثيرة عن يونس وغيره بدون هذه الزيادة، والظاهر أن الوهم في زيادتها من حرملة، وهو الذي روى عن ابن وهب، عن يحيى بن حميد الحديث، فكأنه جاءه الوهم هناك.

وقد أخرج البخاري في "جزء القراءة" من طريق سليمان بن بلال، أخبرني عبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ويونس، عن ابن

(1)

بياض بالأصل. ولعله "في سنن البيهقي" كما يرشد إليه كلامه فيما بَعْدُ. والله أعلم.

ص: 705

شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة، إلا أنه يقضي ما فاته"، وهو ذاك الحديث عينه، وزيادة:"إلا أنه يقضي ما فاته" تدفع زيادة يحيى ابن حميد، وزيادة حرملة.

وفي رواية في "صحيح مسلم"، وغيره من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا:"من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر". والحديث بهذا اللفظ ونحوه أشهر، فقد صح هكذا كما ترى عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهو سند الأول.

وأخرجه البخاري في "الصحيح" بنحوه من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. وأخرجه مسلم من طريق عطاء بن يسار، وبسر ابن سعيد، والأعرج، عن أبي هريرة. ومن حديث عائشة. ووقع في بعض الروايات بلفظ:"سجدة"، ولفظ حديث عائشة: "من أدرك من الصلاة سجدة

" وفي آخره: "والسجدة إنما هي الركعة".

وفي "الفتح" في شرح قوله: "فقد أدرك الصبح"، ويحمل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلى ركعة أخرى، فقد كملت صلاته. وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم، أخرجه البيهقي من وجهين، ولفظه: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس،

ص: 706

وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة".

وأصرح منه رواية أبي غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، وهو ابن يسار، عن أبي هريرة بلفظ:"من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس، فلم تفته العصر". وقال مثل ذلك في الصبح. وقد تقدمت رواية المصنف -يعني البخاري- من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال فيها:"فليتم صلاته" وللنسائي من وجه آخر: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته".

وللبيهقي من وجه آخر: "من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى" وهذا كله يبين أنه لا وجه لزيادة: "مع الإِمام"، ولا لزيادة:"قبل أن يقيم الإِمام صلبه"، كما يبين أنه لا وجه للتشبث بهذا الحديث في قضية إدراك الركعة بإدراك الركوع.

ويوضح ذلك أن أبا هريرة نفسه لم يفهم هذا من الحديث، فقد صح عنه كما يأتي:"لا يجزيك إلا أن تدرك الإِمام قائمًا"، وهكذا الزهري صح عنه أنه ذكر الحديث عن أبي سلمة مرفوعًا بلفظ:"من أدرك من الصلاة ركعة واحدة، فقد أدركها". ثم قال الزهري: "ونرى لما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أدرك من الجمعة ركعة واحدة، فقد أدرك". يعني أن كون الجمعة مع الإِمام هو في معنى الوقت للصلاة في أن كلاً منهما إذا فات فأتت الصلاة، فإنه كانت السنة بأنه

ص: 707

يكفي لإدراك الوقت إدراكُ ركعة، فكذلك ينبغي أن يكفي إدراك الجمعة مع الإِمام إدراك ركعة. ويوضحه أيضًا أن الركعة في عرف الشرع حقيقة في واحدة من الاثنتين اللتين هما الصبح، أو من الثلاث التي هي المغرب، أو من الأربع التي هي الظهر، أو العصر، أو العشاء في حق المقيم، ونحو ذلك.

وقد دافع الشيخ

(1)

عافاه الله، فقال: بل الركعة حقيقة في الركوع لغة وشرعًا كالسجدة، وإطلاقها على ما يشمل القيام والقراءة والركوع والسجود من باب إطلاق الجزء على الكل، كإطلاق السجدة على ذلك، وكإطلاق العين على الجاسوس، والرقبة على العبد.

ومما جاء في إطلاقها على الركوع

فذكر حديث يحيى بن أبي سليمان، وحديث يحيى بن حميد المتقدمين، وحديث البراء في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه:"فوجدت قيامه، كركعته، وسجدته، واعتداله في الركعة كسجدته"، وستة أحاديث في وصف صلاة الكسوف، ثم قال: فأنت ترى في هذه الأحاديث إطلاق الركعة على الركوع بدون قرينة؛ لأنها حقيقة، وإن كانت اشتهرت في عرف المتأخرين فيما هو أعم من الركوع، فذلك لا ينادي حقيقتها اللغوية والشرعية في الركوع.

أقول: في هذا كله نظر، نعم إطلاق ركعة على المرة من الركوع موافق للحقيقة اللغوية، لكن لا يلزم أن يكون هكذا في الشرع. وقوله

(1)

هو الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة الذي ناقشه المصنف في هذه الرسالة.

ص: 708

من باب إطلاق الجزء على الكل حق، فيكون مجازًا، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون مجازًا في الشرع، وكافة الحقائق الشرعية -أعني الألفاظ التي نقلها الشارع عن معانيها اللغوية إلى معان شرعية -بين معانيها الشرعية ومعانيها اللغوية علاقات مجازية، كالإيمان، والصلاة، والزكاة، والصيام، وغيرها.

وأما تلك الأحاديث التي ذكرها الشيخ، فالأولان لم يثبتا كما مر، ومع ذلك، فالقرينة فيهما قائمة، وهي في الأول قوله:"إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا"، وفي الثاني قوله:"قبل أن يقيم الإِمام صلبه"، فكل من هاتين العبارتين يقتضي أن تكون كلمة "ركعة" في بقية الحديث مرادًا بها الركوع، فلولا هذا الاقتضاء لما سلمنا أن الركعة في الحديثين عبارة عن الركوع، على أننا إنما نسلم ذلك على فرض صحة الزيادة المقتضية، فأما إذا أبطلناها فلا، كما تقدم.

والقراءة في حديث البراء في قوله: "قيامه كركعته" إنه من الممتنع أن يكون القيام وحده مساويًا لما يشمله، ويشمل الركوع والاعتدال والسجدتين والجلسة بينهما، ضرورة أن الجزء لا يساوي الكل. وأما قوله فيه:"واعتداله في الركعة كسجدته" فالقرينة فيه أنه يظهر أن تعريف الركعة للعهد الذكري، وبذلك تكون الثانية عين الأولى، ويساعد ذلك قوله:"واعتداله"، ومع هذا فليس هذا اللفظ في

ص: 709

الصحيح، والذي في البخاري:"كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين قريبًا من السواء" ونحوه في صحيح مسلم في رواية، وفي أخرى: "فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين

".

وأصل هذا الحديث من لفظ الصحابي، لا من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد اختلفت رواياتها وألفاظها، فيمكن أن يكون ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الركوع بالركعة إنما هو ممن بعد الصحابي.

وأما الأحاديث في صلاة الكسوف فأصلها من لفظ الصحابي أيضًا، ومع ذلك اختلفت رواياتها، وألفاظها، فيمكن أن يكون ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الركوع بالركعة، إنما هو ممن بعد الصحابي، ومع ذلك فالقرينة قائمة، وهي ما يعلم من السياق والروايات الأخرى، وأرى الأمر في ذلك أوضح من أن يحتاج إلى الإطالة.

على أن ورود الكلمة في النصوص الشرعية مع دلالة القرينة على أن المراد منها معناها اللغوي لا يدفع أن يكون الشرع نقلها إلى معنى آخر تكون فيه حقيقة شرعية، هذه "صلاة" نقلها الشارع إلى معنى غير معناها لغة، ومع ذلك وردت في عدة نصوص بحسب معناها اللغوي، كقوله تعالى:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]، وقوله:{وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} [التوبة: 99]، وقوله: {صَلُّوا عَلَيْهِ

ص: 710

وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

فإن قيل: فإنه يكفي القائل بأن لفظ "ركعة" حقيقة شرعية في المرة من الركوع أن يقول: قد ثبت أنها حقيقة لغوية في ذلك، والأصل موافقة الشرع للغة؟ قلت: فعلينا البيان: في الصلاة الشرعية أمران كل منهما إلى لفظ يدل عليه:

الأول: المرة من الركوع.

والثاني: الواحدة التي تتألف صلاة المغرب من ثلاث منها، والصبح والجمعة من اثنتين، وكذا بقية الفرائض في حق المسافر، أما المقيم فمن أربع، وهكذا يختلف حال سائر الصلوات، كالعيدين والاستسقاء، والنوافل، والحاجة في الشرع إلى ذكر الثاني أكثر منهما إلى ذكر الأول، وبتتبع النصوص الشرعية يتضح أنها تعبر عن الأول غالبًا بالركوع، وتعبر عن الثاني بالركعة، وكثر هذا جدًّا من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظ أصحابه في حياته، وبعد وفاته، وبتدبر ذلك يتبين أن الذي كان يتبادر في عهده صلى الله عليه وسلم من كلمة "ركعة" في الكلام الشرعي هو الأمر الثاني، فهي حقيقة شرعية.

فمما ورد من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، مما ورد في الصحيح، أو أحدهما حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس .... ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس

"، وحديث عائشة مرفوعًا نحوه، وحديثها مرفوعًا:

ص: 711

"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، وحديث عثمان مرفوعا: "من توضأ نحو وضوئي هذا، تم صلى ركعتين

" وحديث أبي قتادة مرفوعًا: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليصل ركعتين"، وحديث جابر في القدوم من سفر مرفوعًا: "صل ركعتين"، وحديثه في الداخل يوم الجمعة وقت الخطبة مرفوعًا: "قم فصل ركعتين"، وحديثه أيضًا مرفوعًا "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإِمام، فليصل ركعتين". وحديثه في الاستخارة مرفوعًا: "

فليركع ركعتين من غير الفريضة

"، وحديث أبي ذرّ مرفوعًا: "

ويجزىء من ذلك كله ركعتان يركعهما في الضحى"، وحديث أم حبيبة مرفوعًا: "من صلى اثنتي عشرة ركعة

" وحديث ابن عمر مرفوعًا: "الوتر ركعة من آخر الليل"، وحديثه أيضًا مرفوعًا: "فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة". إلى غير ذلك من الأحاديث في "الصحيحين"، وأما في غيرهما فكثير.

ومما في "الصحيحين"، أو أحدهما الأحاديث التي ينص فيها على العدد فقط، كحديث أبي سعيد مرفوعًا: "إذا شك أحدكم فلم يدر كم صلى، ثلاثًا، أم أربعًا، فليطرح، وليس على ما استيقن، ثم يسجد

فإن كان صلى خمسًا، شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان".

فإن المتبادر الواضح أن المراد ثلاث ركعات .... وهكذا، ومثل هذا

ص: 712

في الأحاديث كثير، ويدخل فيه تسمية صلاة الوتر وترًا، وقول الله تبارك وتعالى:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3]. على ما رواه الإِمام أحمد وغيره عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك؟ فقال: "الصلاة بعضها شفع، وبعضها وتر".

وأما الحديث الرابع: وهو حديث الحسن عن أبي بكرة ففي "الفتح": أعله بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع عن أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف، عنه، ورُدّ هذا الإعلال برواية سعيد ابن أبي عروبة، عن الأعلم، قال حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه. أخرجه أبو داود والنسائي.

أقول: وهكذا رأيته في عدة نسخ من "المجتبى" من سنن النسائي، لكنه في نسخ عن أبي داود:"أن أبا بكرة حدث" وهذا في حكم العنعنة، وبين سياق أبي داود والنسائي اختلاف، مع أن السند واحد، روياه عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، ممن سمع منه قديمًا، والحسن معروف بالرواية عمن لم يلقه، بل وصف بالتدليس، كما في "طبقات المدلسين" لابن حجر، وروايته عن الأحنف، عن أبي بكرة مشهورة في حديث:"إذا التقى المسلمان بسيفيهما .. . " لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون يسمع من رجل غير الأحنف، عن أبي بكرة، وقد يشد الاتصال أن البخاري أخرج الحديث في "صحيحه"، ومذهبه اشتراط اللقاء حتى فيمن لم يعرف بالتدليس، ولا بالرواية عمن لم يلقه، فما

ص: 713

بالك بهذا.

وفي "مراسيل ابن أبي حاتم"، عن بهز بن أسد في شأن الحسن:"وسمع من أبي بكرة شيئًا". وعلى كل حال، فلم تسلم صحة هذا الحديث من مقال

(1)

.

ولننظر فيما ذكر من الدلالتين:

فأما الأولى: وهي قولهم: لولا أن أبا بكرة كان يرى أنه بإدراكه الركوع يدرك الركعة لما بادر إلى الركوع قبل أن يبلغ الصف. ففيها نظر، لماذا لا يبادر لإدراك أفضل الركوع

(2)

مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإني علم أنه لا تحسب له ركعة؟ بل قد يقال: إن هذا هو الذي ينبغي أن يظن بالصحابي، لا أن يظن به أنه حرص على إدراك الركعة، وإن فاته الخير الكثير فيها تفاديًا من أن يكون عليه ركعة أخرى بعد سلام الإِمام، فإن هذا يدل على الكسل والتبرم بالتعب اليسير في العبادة، والرغبة عن زيادة الأجر، فإنه إذا أدرك بعض الركعة، ولم تحسب له، ثم صلاها بعد سلام الإِمام كتب له أجر الصلاة كاملة وزيادة أجر ما أدركه من تلك الركعة، فأما من لم يدرك إلا بعض الركعة، وحسبت له ركعة، فإنه يفوته بعض أجر الصلاة كما لا يخفى، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "زادك الله

(1)

قال الجامع عفا الله عنه: أقول: لا شك في ترجيح صحته، كما جزم به البخاري، وصح تصريح الحسن بالتحديث عند النسائي، فلو فتحنا مثل الاحتمال والشك في الأحاديث الصحاح لما سلم لنا منها إلا القليل، ولاسيما فيما أخرجه أصحاب الصحاح. فتبصر.

(2)

هكذا في الأصل، ولعل الصواب "فضل الركوع".

ص: 714

حرصًا، ولا تعد" يشعر بما ذكرنا، فإنه يدل أن ذاك الحرص محمود، فلذلك دعا له بالزيادة منه، وإنما نهى عن العود إلى الإخلال بالشروع من السكينة والوقار ونظم الصلاة، والحرص المحمود، وهو الحرص على زيادة الأجر، لا على التخلص من زيادة العمل غير مبال بما فيها من زيادة الأجر.

فإِن قيل: فإن في "جزء القراءة" للبخاري من طريق عبد الله بن عيسى الخزاز

(1)

، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة .. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكرة:"أنت صاحب النفس؟ " قال: نعم جعلني الله فداءك، خشيت أن تفوتني ركعة معك، فأسرعت المشي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"زادك الله حرصًا، ولا تعد، صل ما أدركت، واقض ما سبق".

وفي "مسند أحمد" جـ 5 ص 42

بشار الخياط، قال: "سمعت عبد العزيز بن أبي بكرة، يحدث أن أبا بكرة جاء، والنبي صلى الله عليه وسلم راكع

فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت نعل أبي بكرة، وهو يحضر، يريد أن يدرك الركعة .... ".

قلت: عبد الله بن عيسى الخزاز مجمع على ضعفه، وبشار الخياط هو ابن عبد الملك، ضعفه ابن معين، فلا ينفعه ذكر ابن حبان له في ثقاته، لما عرف من توسعه، وشيخُهُ عبد العزيز فيه مقال، وروايته مرسلة؛ لأنه لم يدرك القصة، ولعل قوله:"يريد الركعة" من ظن

(1)

"الخزَّاز" بمعجمات كما في "ت".

ص: 715

عبد العزيز، ومع ذلك فوقوع كلمة "ركعة" في هاتين الروايتين في سياق بيان أنه جاء، والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، ربما يسوغ في حملها على معنى الركوع. والله أعلم.

وأما الدلالة الثانية: وهي قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ أبا بكرة على السلام معه، ولم يأمره بإتمام ولا إعادة، ففي هذه الدعوى نظر، ولفظ البخاري في الصحيح من طريق همام، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة

فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"زادك الله حرصًا، ولا تعد" كما تقدم أول الرسالة، وليس فيه ما يثبت هذه الدعوى، ونحو ذلك في سنن أبي داود، والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن زياد الأعلم، ونحوه في "مسند أحمد" جـ 5 ص 39 من طريق أشعث، عن زياد الأعلم، ونحوه في "المسند" جـ 5 ص 46 من طريق قتادة وهشام، عن الحسن المصري.

ورواه حماد بن سلمة، عن زياد الأعلم بسنده، واختلف على حماد، ففي "المسند" جـ 5 ص 45، عن عفان، عن حماد بنحو رواية الجماعة. وفي "سنن أبي داود" عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، وفيه:"فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال: "أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ " فقال أبو بكرة: أنا

".

وأرى رواية عفان أرجح لمزيد إتقان عفان، ولموافقته رواية الجماعة، كما تقدم، وحماد بن سلمة على إمامته كان يخطىء، وقد ووى بهذا الإسناد عينه حديثًا آخر في تقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليؤمهم، وتذكره

ص: 716

أن عليه غسلاً، وفي آخر: فلما قضى الصلاة، قال:"إنما أنا بشر".

وقد لا بيعد أن يكون ذهن حماد انتقل من أحد الحديثين إلى الآخر، ثم أتم التفسير بما يناسب، وجاء نحو هذه الزيادة في رواية عبد الله بن عيسى الخزاز، وفي رواية بشار الخياط، عن عبد العزيز بن أبي بكرة، وفي رواية نقلها الشيخ أول الرسالة عن "التلخيص الحبير"، عن ابن السكن، فلا أدري ما سندها؟ وعسى أن تكون راجعة إلى ما ذكر.

وعلى كل حال، فالروايات الصحيحة المتينة لا أثر فيها لقوله:"فلما قضى .... " ولا ما في معناها، على أنها لو صحت لما كانت صريحة في الفورية، وقد قال الله تعالى:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37].

ومعلوم أن بين القضاء والتزويج مهلة. وقال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص: 29]، وبين قضائه الأجل، وشروعه في السير، وبين الإيناس مهلة.

وعلى فرض صحة تلك الزيادة، وأن الظاهر في مثلها الفورية، فقد يكون أبو بكرة ممن يرى أن الركعة لا تدرك بالركوع، فرأى أن السياق قرينة على عدم الفورية، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن النهي لم يدرك إلا الركوع سيقوم لإتمام صلاته

(1)

، فلما سلم، وقام بعضهم يتم اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر حتى سلم من سُبقَ، وحينَئذ سأل النبي صلى الله عليه وسلم.

(1)

هكذا عبارة الأصل، وفيها ركاكة، ولعل صواب العبارة:"فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد عَلِمَ أن من لم يُدرك إلا الركوع سيقوم لإتمام صلاته إلخ". فليحرر.

ص: 717

وأرى أن من تدبر، وأنعم النظر لأن هذا احتمال غير بعيد، بل يتبين له أنه ليس هناك ما يدل دلالة تقوم بها الحجة على أن ركوع النبي صلى الله عليه وسلم الذي أدركه أبو بكرة هو الركوع في الركعة الأولى، بل من المحتمل أن يكون هو الركوع في الثاثية، وهب أنه يَقْوَى عندك أنه الركوع في الركعة الأولى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عقب السلام، فأجابه أبو بكرة فورًا، فهل تجد تلك القوة كافيةً لتخصيص هذه القضية من النصوص العامة الموجية للقيام، ولقراءة الفاتحة، ولقضاء المسبوق ما قد فاته إلى غير ذلك مما مر، ويأتي؟.

وأما الأمر الخامس: فقد أجاب عنه البخاري في "جزء القراءة" بقوله: ثنا عبيد بن يعيش، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن إسحاق

(1)

قال: أخبرني الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة يقول: لا يجزيك إلا أن تدرك الإِمام قائمًا قبل أن يركع.

حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، قال: قال أبو سعيد رضي الله عنه: لا يركع أحدكم حتى يقرأ أم القرآن.

قال البخاري: وكانت عائشة تقول ذلك، وقال علي بن عبد الله (ابن المديني): إنما أجاز إدراك الركوع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين لم يروا القراءة خلف الإِمام، منهم ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، فأما من رأى القراءة، فإن أبا هريرة، قال: اقرأ بها في نفسك يا

(1)

وقع في نسخة "جزء القراءة": ما لفظه: "حدثنا إسحاق"، بإسقاط لفظة "ابن"، والظاهر أنه غلط، والصواب:"ابن إسحاق" والله تعالى أعلم.

ص: 718

فارسي؛ وقال: لا تعتد بها حتى تدرك الإِمام قائمًا.

وقال البخاري في موضع آخر: حدثني معقل بن مالك، ثنا أبو عوانة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إذا أدركت القوم ركوعًا لم تعتد بتلك الركعة.

وقال في موضع آخر: عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر ابن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، أن أبا سعيد الخدري، كان يقول: لا يركعن أحدكم حتى يقرأ بفاتحة الكتاب. قال: وكانت عائشة تقول ذلك.

أجاب الشيخ

(1)

-عافاه الله- بقوله: ما حكاه البخاري عن أبي هريرة، هو من طريق ابن إسحاق، ومعارض بما ذكر مالك في "الموطأ" بخلافه، ويقول شارحه ابن عبد البر: هذا قول لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال به. وفي إسناده نظر، وما حكاه عن أبي سعيد، وعائشة من قولها، ليس نصًا صريحًا في عدم الاعتداد، بل هو في إتمام الفاتحة قبل أن يركع.

أقول

(2)

: محمد بن إسحاق ثقة عند كبار الأئمة، وقد ساق البخاري في "جزء القراءة" كلامًا طويلاً في تثبيته، وقد صرح هنا بالسماع، فانتفت تهمة التدليس، فأما ما في "الموطأ"، فبلاغ منقطع،

(1)

هو الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة.

(2)

القائل هو الشيخ المعلمي المناقش للشيخ محمد عبد الرزاق حمزة.

ص: 719

لا تقوم به حجة، وربما يكون مالك إنما أخذه من عبد الرحمن بن إسحاق، فقد أشار البخاري إلى روايته نحو ذلك، وساق البخاري كلامًا في توهين عبد الرحمن هذا.

والبخاري وشيخه ابن المديني إمامان مجتهدان مقدمان في معرفة النقل، والنَّقَلَة، فلا يدفع كلامهما في ذلك إلا بحجة واضحة.

وما ذكره عن أبي سعيد، وعائشة إنما إحتجا به؛ لأنه يدل على أن المأموم إذا أدرك الإِمام قبيل الركوع لم يكن له أن يدع الفاتحة، أو بعضها، ثم يعتد بتلك الركعة، فإذا لم يتحمل عنه الإِمام بعضًا من الفاتحة فقط، فلأن لا يتحملها عنه كلها ومعها القيام أولى.

وإذا كان الظاهر أن القول بالإدراك مخالف للقول بافتراض الفاتحة على المأموم، وكان المصرحون من الصحابة بالإدراك هم من الذين عرف عنهم القول بعدم افتراض الفاتحة على المأموم، وجاء عن جماعة من القائلين بالافتراض من الصحابة ما هو صريح، أو ظاهر في عدم الإدراك، ولم يثبت عن أحد منهم خلاف ذلك، فإنه يقوي جِدًّا ظن أن القائلين بالافتراض قائلون لعدم الإدراك، فكلام البخاري، وشيخه متين جدًّا.

وأما أن الجمهور الغالب على الإدراك فحق، ولكن هل يكفي هذا لتخصيص النصوص الدالة على فرضية القيام، وفرضية الفاتحة، وفرضية قضاء ما فات؟ ومع تلك الأدلة الاعتبار الواضح، فإن المعهود في فرائض الصلاة أن لا يسقط شيء منها إلا لعذر بيّنٍ، وليس المسبوقية كذلك، لتمكن المسبوق بدون مشقة تُذكَرُ من الإتمام بعد سلام

ص: 720

الإمام.

ومن المسبوقين من يكون مقصرًا تقصيرًا واضحًا، فقد رأينا من يتكاسل عن القيام، فلا يكبر إلا عند ركوع الإِمام، ومنهم من يتشاغل بمحادثة رفيقه، أو تجميل لبسته، أو التفرج على بعض الأشياء، أو بتخطي الصفوف ليزاحم في الصف الأول بدون فرجة فيه، أو يتشاغل بذكر، أو دعاء إلى غير ذلك، والقائلون بالإدراك لم يفرقوا فيما أعلم.

نعم لا ينكر أن للقول بالإدراك قوة مَّا، لذهاب الجمهور -ومنهم جماعة من علماء الصحابة- إليه، وما جاء مما يدل عليه على ما فيه، فلا لوم على من قوي عنده جدًّا، فقال به.

فأما أنا فلا أرى له تلك القوة، والأصل بقاء النصوص على عمومها، واشتغال الذمة بالصلاة كاملة، والله الموفق. انتهت رسالة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى بن علي المعلمي رحمه الله تعالى.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه الشيخ رحمه الله من أنه لا تدرك الركعة لإدراك الركوع دون القراءة هو الصواب لمن تدبره بالإنصاف، ولم يسلك مسلك الجمود والاعتساف. فلقد بذل جهده في تحقيق هذا الموضوع المهم، وأعمل فكره الوقّاد، فأسهب وأعاد، وأجاد، وأفاد، فجزاه الله تعالى على ذلك خير الجزاء.

ومنه يعلم جواب ما كتبه الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" جـ 2 ص 260 - 266، وهي "السلسلة الصحيحة" جـ 1 ص 401 - 408 منتصرًا لمذهب القائلين بالاعتداد، فصحح الأحاديث الضعيفة التي مر بيانها، فلقد أجاب الشيخ المعلمي رحمه الله عن ذلك بما كفى وشفى لمن

ص: 721

تأمل واكتفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} .

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إِبراهيم إنك حميد مجيد.

"السلام على النبي ورحمة الله وبركاته".

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إِله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إِليك.

قال الجامع الفقير إِلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتْيَوبي الوَلّوِيّ نزيل مكة -عفا الله عنه وعن والديه، آمين-:

بحمد الله تعالى، وحسن توفيقه، تم الجزء العاشر من شرح الإِمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى، المسمى (ذخيرة العُقبى في شرح المجتبى) في مكة المكرمة، حَي الهِنْدَاوية. ويليه الجزء الحادي عشر مُفْتَتَحًا

ص: 722

بـ (الإِسراع إِلى الصلاة من غير سعي). 85/ 862.

أسأل الله تعالى الكريم أن يمنّ عليّ بإِتمام هذا الشرح على الوجه المطلوب، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، ونافعاً لي ولكل من تلقاه، إنه بعباده رؤوف رحيم. آمين.

***

ص: 723