الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجزء الحادي عشر
دَار آل بُروم
للنشر والتوزيع
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1420 هـ - 2000 م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: 4145 - (تلفاكس 5211576 - جوال 055541026)
شرح
سنن النسائي
58 - الإِسْرَاعِ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَعْيٍ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الإسراع إلى أداء الصلاة من غير سعي، والمراد بالسعي الإسراع الشديد.
وأراد المصنف رحمه الله بهذا أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "فلا تأتوها، وآنتم تسعون" في الباب الماضي شدة الإسراع في المشي بحيث يُخِلُّ بالسكينة والوقار، أما الإسراع الذي لا ينافي ذلك، فلا بأس به لحديث الباب. والله تعالى أعلم.
862 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مَنْبُوذٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَيَتَحَدَّثُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَنْحَدِرَ لِلْمَغْرِبِ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُسْرِعُ إِلَى الْمَغْرِبِ مَرَرْنَا بِالْبَقِيعِ، فَقَالَ:"أُفٍّ لَكَ، أُفٍّ لَكَ" قَالَ: فَكَبُرَ ذَلِكَ فِي ذَرْعِي، فَاسْتَأْخَرْتُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُنِي، فَقَالَ:"مَا لَكَ امْشِ" فَقُلْتُ: أَحْدَثْتُ حَدَثًا؟
قَالَ: "مَا ذَاكَ" قُلْتُ: أَفَّفْتَ بِي، قَالَ:"لَا، وَلَكِنْ هَذَا فُلَانٌ بَعَثْتُهُ سَاعِيًا عَلَى بَنِي فُلَانٍ، فَغَلَّ نَمِرَةً، فَدُرِّعَ الآنَ مِثْلَهَا مِنْ نَارٍ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(عمرو بن سوّاد
(1)
بن الأسود بن عمرو) العامري، أبو محمد المصري، ثقة، مات سنة 245، من [11]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. تقدم في 45/ 594.
2 -
(ابن وهب) هو عبد الله، أبو محمد الفقيه المصري، ثقة حافظ عابد، مات سنة 197، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 63/ 79.
3 -
(ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، كان يدلس ويرسل، مات سنة 150، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 28/ 32.
4 -
(منبوذ) -بنون ساكنة، وموحدة مضمومة، وآخره معجمة- المدني، رجل من آل أبي رافع، روى عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، وعنه ابن جريج، وابن أبي ذئب، مقبول، من [6]. انفرد به النسائي.
(1)
سواد -بتشديد الواو.
5 -
(الفضل بن عبيد الله) بن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم المدني، روى عن أبيه، وعن جده. وعنه ابنه عباس، ومنبوذ المدني، وعباس ابن خداش. ذكره ابن حبان في الثقات. روى له النسائي حديث الباب فقط. اهـ. مقبول، من [4]، انفرد به المصنف.
6 -
(أبو رافع) القبطي الصحابي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، يقال: إنه كان للعباس، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعتقه لما بشره بإسلام العباس، وكان إسلامه قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد أحدًا وما بعدها.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن ابن مسعود، وعنه أولاده: الحسن، ورافع، وعبيد الله، والمعتمر، ويقال: المغيرة، وسلمى، وأحفاده: الحسن، وصالح، وعبيد الله، أولاد علي بن أبي رافع، وعلي بن الحسين بن علي، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وغيرهم.
قال الواقدي: مات بالمدينة بعد قتل عثمان. وقيل: مات في خلافة علي، وهو قول ابن حبان، ويقال: إن اسمه صالح، وقال مصعب الزبيري: كان أبو رافع عبدًا لأبي أُحَيحَة سعيد بن العاص، فأعتق بنوه نصيبهم منهم خالد بن سعيد، فوهب نصيبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، فكان أبو رافع يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ولي عمرو بن سعيد بن العاص المدينة ضرب ابن أبي رافع ليقول له: إني مولاكم، فأبى إلا أن يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضربه خمسمائة سوط
حتى قال له: أنا مولاكم.
قال الحافظ رحمه الله: كذا أورد بعضهم هذا في ترجمة أبي رافع هذا، ولا يتبين لي ذلك، بل عندي أنه غيره، وقد بينت ذلك في كتابي في الصحابة. انتهى، "تت" جـ 12 ص 92 - 93. أخرج له الجماعة. وفي "ت": مات في أول خلافة علي على الصحيح. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله ثقات، إلا منبوذًا، والفضل، فقال في كل منهما في "ت": مقبول، وأن فيه رواية الراوي عن جده، وأن أبا رافع هذا أول محل ذكره في هذا الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي رافع) رضي الله عنه، أنه (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر ذهب) وفي رواية أحمد: "ربما ذهب"(إِلى بني عبد الأشهل) قبيلة من الأنصار (فيتحدث عندهم، حتى ينحدر للمغرب) أي ينزل لأجل صلاة المغرب، أو اللام بمعنى "في" أي وقت المغرب (قال أبو رافع: فبينما) وفي نسخة: "فبينا"(النبي صلى الله عليه وسلم يسرع إِلى المغرب) هذا محل الترجمة، إذ معناه الإسراع القليل،
دون الشديد الذي أراده المصنف بقوله: "من غير سعي"(مررنا بالبقيع) هو في الأصل: المكان المُتَّسِعُ، ويقال: الموضع الذي فيه شجر، والمراد به هنا مقبرة المدينة، ويقال له: بقيع الغَرْقَد لشجر كان فيه فزال وبقي الاسم
(1)
.
(فقال: أفّ لك، أفّ لك)، "أفّ": كلمة تقال في الاحتقار والاستقذار والإنكار، وأصل الأفّ وسخ الأظفار. وفيها لغات كثيرة، أشهرها تشديد الفاء وكسرها للبناء، والتنوينُ للتنكير، وقد أوصل لغاتها في "ق" وشرحه إلى نيف وأربعين، وقد تقدم الكلام عليها في 131/ 195.
قال السندي رحمه الله: "أفّ لك" خطاب للساعي بعد موته، استحضاراً لصورته حين مر بقبره، أو لعله كشف عنه، فرآه وخاطبه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب، وإنما كررها مبالغة في استقباح فعله. والله تعالى أعلم.
(قال) أبو رافع: (فكَبُر ذلك) بضم الباء، من باب قَرُبَ: أي عظُم تأفيفه صلى الله عليه وسلم، وشقّ علي. وفي نسخة:"فكثر" بالثاء المثلثة بدل الموحدة. وفي الكبرى: "فكشر" بالشين المعجمة، ولا معنى له هنا، ولعله تصحيف من "كسر" بالمهملة، فقد قال السندي -إن صح ما قاله-، ما نصه: وفي رواية: "فكسر ذلك من ذرعي": أي ثبطني
(1)
أفاده في المصباح.
عما أردته. انتهى. (في ذرعي) بفتح المعجمة، وسكون المهملة: أي وُسْعِي، وطاقتي. قال الفيومي: ذَرْعُ الإنسان: طاقته التي يبلغها. انتهى
(1)
.
وفي نسخة: "من ذرعي" بـ"من" بدل "في"(فاستأخرت)، أي تأخرت عنه خوفاً من تأفيفه (وظننت أنه يريدني، فقال) صلى الله عليه وسلم: (مالك؟)"ما" استفهامية مبتدأ خبرها الجار والمجرور، أَيْ أيُّ شيء حملك على التأخر؟ والاستفهامُ للإنكار، يدل عليه قوله:(امش) أي اذهب معي، ولا تتأخر.
(فقلت: أحدثتُ حدثًا)، من الإحداث، وحذف همزة الاستفهام، أي أفعلت شيئًا يقتضي التأفيف؟ (قال: وما ذاك؟) أي أيّ استفهام هذا، وأيَّ شيء يقتضيه؟، (قلت: أفَّفتَ بي) أي قلت: أفّ لك، يقال: أفَّ يَؤُفّ، ويَئِفُّ: تأفّفَ من كرب، أو ضجر، وأفَّفَ تأفيفًا، وتأفف: قال: أفّ. قاله في "ق".
(قال: لا) أي ليس التأفيف لك (ولكن هذا فلان) وفي رواية أحمد: "هذا قبر فلان"، وعدم ذكر اسمه يحتمل أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون من أبي رافع، ولعله إنما كنى عنه ولم يسمه ستراً عليه (بعثته ساعياً على بني فلان) أي آخذًا صدقاتهم، يقال: سَعَى الرجلُ على الصدقة، يَسْعَى، سَعْيًا: عَمِلَ في أخذها من
(1)
المصباح جـ 1 ص 208.
أربابها
(1)
(فَغَلَّ نَمِرَةً) يقال: غَلَّ غُلُولاً، من باب قعد، وأغل بالألف: خان في المغنم وغيره. وقال ابن السكِّيت: لم نسمع في المغنم إلا غَلَّ ثلاثيًا، وهو متعدّ في الأصل، لكن أميت مفعوله، فلم يُنطق به. انتهى
(2)
.
والنَّمِرَة -بفتح النون وكسر الميم-: كساء فيه خطوط بيضُ وسُودٌ، تلبسه الأعراب، أي خان في كساء مخطط من مال الصدقة، فأخفاها (فدرّع)، بضم الدال المهملة، وكسر الراء المشددة، آخره عين مهملة، مبنيًا للمفعول، ونائب فاعله ضمير "فلان" أي ألبس، (الآن) أي في الوقت الحاضر (مثلها) بالنصب، مفعول مطلق على النيابة، والأصل دِرْعًا مثلها (من نار) متعلق بحال مقدر، أي حال كون ذلك الدرع من نار. يعني أنه ألبس جزاء ما خانه من الدرع درعًا من نار، وفيه تعظيم شأن الغلول، وأن الجزاء من جنس العمل. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي رافع رضي الله عنه هذا حديث حسن.
(1)
المصباح جـ 1 ص 277.
(2)
المصباح جـ 2 ص 452.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 58/ 862، وفي "الكبرى" 58/ 935، عن عمرو بن سوّاد، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن منبوذ، عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، عنه. وفي 58/ 863 عن هارون بن عبد الله، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن جريج، به. وهو من أفراده، فلم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ 6 ص 392. وابن خزيمة برقم 2337. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم عليه المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الإسراع إلى الصلاة إسراعًا خفيفًا.
ومنها: أن النهيَ عن السعي إلى الصلاة المتقدم في الباب السابق محمول على ما إذا أدّى إلى الإخلال بالخشوع المطلوب في الصلاة؛ لأن الماشي إلى الصلاة، في حكم الصلاة، وأما الإسراع الخفيف الذي لا يخل بذلك، فلا ينهى عنه، كما هو رأي المصنف رحمه الله تعالى، بدليل حديث الباب. والله تعالى أعلم.
ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من محاسن الأخلاق حيث يذهب إلى بيوت أصحابه يتحدث معهم.
ومنها: تحريم الخيانة على السعاة.
ومنها: مشروعية توبيخ من خان في الأمانات.
ومنها: أن فيه معجزةً للنبيّ صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بما وقع للغالّ في الصدقة من التعذيب في قبره.
ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ حيث دُرعّ الغال نَمِرَة من نار. اللهم إنا نعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة، ومن أن نُفتَنَ في ديننا، ونجنا برحمتك من النار، إنك أنك الرحيم الغفار. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
863 -
أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْبُوذٌ، رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبِي رَافِعٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، نَحْوَهُ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
تقدموا في السند السابق، إلا ثلاثة:
1 -
(هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، أبو موسى الحمَّال البزّاز، ثقة، مات سنة 243، من [10]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في 50/ 62.
2 -
(معاوية بن عمرو) بن المُهَلَّب بن عمرو بن شَبِيب الأزدي
المَعْنِيّ
(1)
الكوفي، أبو عمرو البغدادي، ويعرف بابن الكرماني، ثقة، من صغار [9].
قال حنبل عن أحمد: صدوق ثقة. وقال مُهَنَّا بن يحيى: سألت أبا عبد الله عن خلف بن تميم، قلت له: كان مثل معاوية بن عمرو؟ قال: لا، فإنه أتقن في الحديث منه. وقال الدوري عن ابن معين: كان شجاعًا، وكان يقال له: ابن الكرماني. وقال أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة 213 في جمادى الأولى، وقيل: سنة 214، وفيها أرخه ابن سعد في الصغير، وقال في "الطبقات الكبرى": روى عن زائدة مصنفاته، وعن أبي إسحاق الفزاري كتاب السير، ونزل بغداد، وتوفي بها سنة 215 أو 214، وقال أبو غالب علي بن أحمد بن النضر: مات جدي معاوية بن عمرو سنة 214، وكان مولده سنة 118، عن 86 سنة، وكان أسن من وكيع بسنة. أخرج له الجماعة
(2)
.
3 -
(أبو إِسحاق) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، الكوفي، نزل الشام، وسكن المَصِيصَة
(3)
، ثقة حافظ، له تصانيف، من [8]، أخرج له الجماعة.
(1)
بفتح الميم وسكون المهملة، وكسر النون: نسبة إلى معن بن مالك، بطن من الأزد. قاله في لب اللباب جـ 2 ص 267.
(2)
"تت" جـ 10 ص 215 - 216.
(3)
قال في "ق": المَصِيصة، كسَفينة بلد بالشام، ولا تشدد. اهـ.
قال ابن معين: ثقة ثقة. وقال أبو حاتم: الثقة المأمون الإِمام. وقال النسائي: ثقة مأمون أحد الأئمة. وقال العجلي: كان ثقة، رجلاً صالحًا، صاحب سنة، وهو الذي أدَّبَ أهل الثغر، وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه.
وقال سفيان بن عيينة: كان إماماً. وقال عطاء الخفاف: كنت عند الأوزاعي، فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق، فقال للكاتب: ابدأ به، فإنه والله خير مني. وقال أبو مسهر: قدم علينا أبو إسحاق، فاجتمع الناس يسمعون منه، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس، فقل لهم: من كان يرى القدر، فلا يحضر مجلسنا، ففعلت.
وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلاً صاحب سنة وغزو، وكثير الخطأ في حديثه. وقال الخليلي: أبو إسحاق إمام يُقتدَى به، وهو صاحب كتاب السير، نظر فيه الشافعي، وأملى كتاباً على ترتيبه، ورضيه. وقال الحميدي: قال لي الشافعي: لم يصنف أحد في السير مثله.
وقال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقًا فأراد أن يقتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا. وقال ابن مهدي: رجلان من أهل الشام إذا رأيت رجلاً يحبهما فاطمئن إليه: الأوزاعي، وأبو إسحاق، كانا إمامين في السنة. وقال ابن عيينة
في قصة: والله ما رأيت أحدًا أقدمه عليه، قيل لأبي أسامة: أيهما أفضل؛ أبو إسحاق أو الفضيل بن عياض؟ فقال: كان الفضيل رجل نفسه، وأبو إسحاق رجل عامة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ولد بواسط، وابتدأ في كتابة الحديث، وهو ابن 28 سنة، وكان من الفقهاء والعباد. وذكر ابن النديم في "الفهرست" أنه أول من عمل في الإِسلام اصطرلابا، وله تصانيف.
قال أبو داود: مات سنة 185، وقال البخاري: مات سنة 186، وقال ابن سعد: سنة 188، وقال الخطيب: حدث عنه سفيان الثوري، وعلي بن بكار المَصِيصِيّ، وبين وفاتيهما مائة سنة أو أكثر. أخرج له الجماعة. انتهى
(1)
.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
(1)
"تت" جـ 1 ص 151 - 152.
59 - التَّهْجِيرِ إِلَى الصَّلَاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الترغيب في التبكير إلى أداء الصلاة في المسجد جماعةً. والمراد من التهجير: التبكيرُ والمبادرةُ أولَ الوقت مطلقًا، سواء كان ظهرًا أو غيره. هذا هو الأصح. وقيل: الذهاب وقت الزوال، فيخص الظهر والجمعة.
قال العلامة ابن منظور رحمه الله: والتهجير، والتَّهَجُّرُ، والإِجهَار: السير في الهاجرة. وفي الحديث: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الهَجِير حين تدحض الشمس"
(1)
.
أردا صلاة الهجير -يعني الظهر- فحذف المضاف، وقد هَجَّرَ النَّهارُ، وهَجَّرَ الراكبُ، فهو مُهَجِّرٌ، وهَجَّرَ القوم، وأهجَرُوا، وتَهَجَّرُوا: ساروا في الهاجرة.
والهاجرة، والهجِيرُ، والهجيرَة، والْهَجْرُ: نصف النهار عند زوال الشمس إلى العصر، وقيل في كل ذلك: إنه شدة الحر. وقال الجوهري: هو نصف النهار عند اشتداد الحرّ.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في التهجير، لاستبقوا إليه". وفي حديث مرفوع: "المهجّر إلى الجمعة كالمهدي بَدَنة".
(1)
تقدم للمصنف 20/ 530.
قال الأزهري: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من المهاجرة وقت الزوال، قال: وهو غلط، والصواب فيه ما روى أبو داود المَصاحِفي، عن النضر بن شميل، أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها التبكير والمبادرة إلى كل شيء، قال: وسمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث. يقال: هَجَّرَ يُهَجِّرُ تهجيرًا، فهو مُهَجِّر. قال الأزهري: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس. قال لَبِيد [من الطويل]:
رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَمَا ابْتَكَرُوا
فقَرَن الهَجْرَ بالابتكار، والرواح عندهم: الذهاب والْمُضيُّ، يقال: راح القوم، أي خفُّوا ومرّوا، أيّ وقت كان. وقوله صلى الله عليه وسلم:"لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه". أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو الْمُضِيّ إليها في أول أوقاتها. قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هَجَّر الرجل: إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار. انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: دَلَّ ما قاله الأزهري رحمه الله على أن الأصح إطلاق التهجير في هذه الأحاديث على مطلق المبادرة أول الوقت، لا خصوص وقت الهاجرة فقط. والله تعالى أعلم. ومحل الاستدلال واضح من قوله: "إنما مثل المُهَجر إلى الصلاة
…
". والله تعالى أعلم.
(1)
"لسان العرب" جـ 6 ص 4619.
864 -
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، حَدَّثَهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَجِّرِ إِلَى الصَّلَاةِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ، ثُمَّ الَّذِي عَلَى إِثْرِهِ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَقَرَةَ، ثُمَّ الَّذِي عَلَى إِثْرِهِ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ الَّذِي عَلَى إِثْرِهِ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ الَّذِي عَلَى إِثْرِهِ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(أحمد بن محمد بن المغيرة) بن سنان الأزدي الحمصي، صدوق، مات سنة 264، من [11]، أخرج له النسائي، تقدم في 69/ 85.
2 -
(عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي، مولاهم، أبو عمرو الحمصي، ثقة عابد، مات سنة 209، من [9]، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه. تقدم في 69/ 85.
3 -
(شعيب) بن أبي حمزة/ دينار، أبو بشر الحمصي، ثقة
عابد، من أثبت الناس في الزهري، مات سنة 162 أو بعدها، من [7]. أخرج له الجماعة، تقدم في 69/ 85.
4 -
(الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر المدني، الإِمام الحافظ الحجة المثبت، مات سنة 125، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
5 -
(أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة 94، من [3]. أخرج له الجماعة. تقدم في 1/ 1.
6 -
(أبو عبد الله الأغرّ) سلمان المدني، مولى جهينة، أصله من أصبهان، ثقة، من كبار [3].
قال حجاج بن محمد، عن شعبة: كان الأغرّ قاصّاً من أهل المدينة، وكان رِضًا. وقال الواقدي: سمعت ولده يقولون: لقي عمر ابن الخطاب، ولا أثبت ذلك عن أحد غيرهم، وكان ثقة قليل الحديث. وقال عبد الغني بن سعيد في "إيضاح الإشكال": سلمان الأغر مولى جهينة، هو أبو عبد الله الأغر الذي روى عن الزهري، وهو أبو عبد الله المدني مولى جهينة، وهو أبو عبد الله الأصبهاني الأغر، وهو مسلم المديني، الذي يحدث عنه الشعبي، وقال قوم: هو الأغر أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة. وقال ابن أبجر: هو الأغر بن سُلَيك، ولا يصح ذلك، الأغر بن سليك آخر. انتهى كلام عبد الغني. ومسلم المديني الذي يروي عنه الشعبي آخر، وكذا الأغر
أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة، وأن حديثه عند أهلها دون أهل المدينة، وهو مولى أبي هريرة، وأبي سعيد، وهذا مولى جهينة. والله أعلم.
قال الحافظ: وممن فرق بينهما البخاري، ومسلم، وابن المديني، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم، والأغر أبو عبد الله هذا ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة. قال. ابن خلفون: وثقه الذُّهْليُّ. أخرج له الجماعة. انتهى، "تت" جـ 4 ص 139 - 140.
7 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه. تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن الثلاثة الأولين حمصيون، والباقون مدنيون، وأن فيه رواية تابعي عن تابعيين؛ الزهري عن أبي سلمة والأغر، وكلاهما يرويان عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأنّ أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأنّ أبا هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى 5374 حديثًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
شرح الحديث
(عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو عبد الله الأغر أن أبا هريرة) رضي الله عنه
(حدثهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِنما مثل المهجر في الصلاة) اسم فاعل من " هجّر" المضاعف، أي المبادر إلى الصلاة في أول وقتها، وقد تقدم أول الباب أن الأصح في معنى التهجير: المبادرة أولَ الوقت مطلقًا، سواء كان وقت الهاجرة، أو غيره (كمثل الذي يُهدي) من الإهداء، أو المراد به التصدق بها تقربًا إلى الله تعالى. وقيل: الإهداء إلى الكعبة، لكن لا يناسبه الدجاجة والبيضة، إذ إهداؤهما إلى الكعبة غير معهود. قاله السندي رحمه الله
(1)
.
(البدنة) -بالتحريك-: البعير ذكرًا كان أو أنثى، والهاء فيها للوحدة، لا للتأنيث. وحكى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى. وقال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: البدنة لا تكون إلا من الإبل، وصح ذلك عن عطاء، وأما الهدي، فمن الإبل والبقر والغنم.
وفي الصحاح: البدنة: ناقة، أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يسمنونها. انتهى. والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف. واستدل به على أن البدنة تختص بالإبل؛ لأنها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشيء لا يكون قسيمه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وقال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها البقرة، وسبعًا من الغنم. وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال: لله علي
(1)
شرح السندي جـ 2 ص 116.
بدنة، وفيه خلاف، والأصح تعين الإبل إن وجدت، وإلا فالبقرة، أو سَبعٌ من الغنم. وقيل: تتعين الإبل مطلقًا. وقيل: يتخير مطلقًا. قاله في الفتح
(1)
.
(ثم الذي على إِثره) بفتحتين، أو بكسر، فسكون، أي تبعه عن قُرْبٍ
(2)
(كالذي يهدي البقرة) التاء للوحدة، لا للتأنيث، كما مر في البدنة (ثم الذي على إِثره كالذي يهدي الكبش) -بفتح فسكون-: الحَمَل
(3)
إذا أثنى، أو إذا خرجت رَباعيته، جمعه أكْبُشٌ، وكِبَاشٌ وأكْبَاشٌ. قاله المجد
(4)
.
(ثم الذي على إِثره كالذي يهدي الدجاجة) بالفتح، ويجوز الكسر، وحكى الليث الضم أيضًا. وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من الناس
(5)
(ثم الذي على إِثره كالذي يهدي البيضة) التاء للوحدة أيضًا.
قال في "الفتح": واستشكل التعبير في الدجاجة والبيضة بقوله: "كالذي يُهدي"؛ لأن الهدي لا يكون منهما. وأجاب القاضي
(1)
فتح جـ 3 ص 20.
(2)
أفاده في المصباح جـ 1 ص 4.
(3)
"الحَمَل -بفتحتين-: ولد الضائنة في السنة الأولى، والجمع حُمْلان. قاله في المصباح. جـ 1 ص 152.
(4)
"ق" ص 778.
(5)
قال السندي: أي يجعل اسمًا للناس. اهـ.
عياض تبعًا لابن بطال بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في اللفظ، فيكون من الاتباع، كقوله:"مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا" وتعقبه ابن المنير في الحاشية بأن شرط الاتباع أن لا يصرح باللفظ في الثاني، فلا يسوغ أن يقال: متقبدًا سيفًا، ومتقلدًا رمحًا. والذي يظهر أنه من باب المشاكلة، وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: هو من تسمية الشيء باسم قرينه.
وقال ابن دقيق العيد: قوله: "قَرب بيضةً"، وفي الرواية الأخرى:"كالذي يهدي" يدل على أن المراد بالتقريب الهدي، وينشأ منه أن الهدي يطلق على مثل هذا، حتى لو التزم هديًا، هل يكفيه ذلك، أو لا. انتهى.
قال في "الفتح": والصحيح عند الشافعية الثاني، وكذا عند الحنفية، والحنابلة، وهذا مبني على أن النذر هل يسلك به مسلك جائز الشرع، أو واجبه؟ فعلى الأول، يكفي أقل ما يتقرب به، وعلى الثاني، يحمل على أقل ما يتقرب به من ذلك الجنس، ويقوي الصحيح أيضًا أن المراد بالهدي هنا التصدق، كما دل عليه لفظ التقرب. والله أعلم. انتهى
(1)
. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا
(1)
فتح جـ 3 ص 20 - 21.
متفق عليه، وهو طرف من حديث سيأتي تمامه في "الجمعة" 13/ 1385، وسيأتي الكلام على مسائله هناك إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
60 - مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عِنْدَ الإِقَامَةِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الصلوات التي يكره أداؤها عند الإقامة للصلاة المكتوبة.
فـ"مَا" موصولة، و"يكره" بالبناء للمفول، و"من الصلاة" بيان لـ"ما"، و"عند الإقامة" متعلق بـ يكره" أو بـ"الصلاة". والله تعالى أعلم.
865 -
أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(سويد بن نصر) المروزي، ثقة، مات سنة 240، من [10]، أخرج له الترمذي والنسائي، تقدم في 45/ 55.
2 -
(عبد الله بن المبارك) المروزي، ثقة ثبت حجة إمام، مات سنة 181، من [8]، تقدم في 32/ 36.
3 -
(زكريا
(1)
) بن إسحاق المكي، ثقة رمي بالقدر، من [6].
قال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي: لا بأس به. وقال الآجري: قلت لأبي داود: زكرياء بن إسحاق قدري؟ قال: نخاف عليه، قلت: هو ثقة؟ قال: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الميموني، عن أحمد، عن عبد الرزاق: قال لي أبي: الزم زكرياء بن إسحاق، فإنىِ قد رأيته عند أبي نجيح بمكان، قال: فأتيته، وإذا هو قد نسي، وأتاه ابن المبارك، فأخرج له كتابه. وقال ابن المديني، عن سفيان: لم يُجالس عطاء، قيل لسفيان: إنهم حكوا عنك أن زكريا قال: أخرج إلينا عطاء صحيفة، فقال سفيان: لا، إنما أراني صحيفة عنده، ما هي بالكبيرة، فقال: هذه أعطانيها يعقوب بن عطاء، قال: هذه التي سمع أبي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن معين: كان يرى القدر، ثنا رَوْح بن عُبَادة، قال: سمعت مناديًا على الحجر، يقول: إن الأمير أمر ألا يُجَالَسَ زكريا بنُ إسحاق لموضع القدر. وقال وكيع: ثنا زكرياء، وكان ثقة. وقال البرقي، والحاكم: كان ثقة. أخرج له الجماعة
(2)
.
(1)
"زكريا" بالمد، والقصر.
(2)
"تت" جـ 3 ص 328 - 329. "تك" جـ 9 ص 356 - 358. "ت" ص 107.
4 -
(عمرو بن دينار) أبو محمد الأثرم الجُمَحيُّ، مولاهم المكي، ثقة ثبت، مات سنة 126، من [4]. أخرج له الجماعة. تقدم في 112/ 154.
5 -
(عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة 94، من صغار [3]. تقدم في 64/ 80.
6 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فممن انفرد به هو، والترمذي، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، عمرو، عن عطاء، وأن فيه مروزيين، ومكيين، ومدنيين، وأن فيه الإخبار، والإنباء، والتحديث، والعنعنة، والسماع، وكلها من صيغ الاتصال على تفصيل في العنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذا أقيمت الصلاة) أي إذا شُرع في الإقامة، كما صرح بذلك محمد ابن جُحادة، عن عمرو بن دينار، فيما أخرجه ابن حبان بلفظ: "إذا
أخذ المؤذن في الإقامة" (فلا صلاة) أي صحيحة، أو كاملة، قال الحافظ رحمه الله: والتقدير الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دلّ على أن المراد نفي الكمال. ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي، أي فلا تصلوا حينئذ، ويؤيده ما رواه البخاري في التاريخ، والبزار، وغيرهما من رواية محمد بن عمار، عن شريك بن أبي نمر، عن أنس، مرفوعًا، وفيه: "ونهى أن يُصَلَّيَا
(1)
إذا أقيمت الصلاة". وورد بصيغة النهي أيضًا فيما رواه أحمد من وجه آخر، عن ابن بحينة في قصته الآتية، فقال: "لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر، واجعلوا بينهما فصلاً". والنهي المذكور للتنزيه، لما تقدم من كونه لم يقطع صلاته. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: في حمله النهي على التنزيه نظر، وعدم النقل بقطع الصلاة ليس نصًا في عدم قطعها، فتأمل. والله تعالى أعلم.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: قوله: "فلا صلاة" يحتمل أن يتوجه النفي إلى الصحة، أو إلى الكمال، والظاهر توجهه إلى الصحة؛ لأنها أقرب المجازين إلى الحقيقة، فلا تنعقد صلاة التطوع بعد إقامة
(1)
الضمير لركعتي الفجر.
(2)
فتح جـ 2 ص 368.
الصلاة المكتوبة، كما نقل عن أبي هريرة، وأهل الظاهر.
قال العراقي: إن قوله: "فلا صلاة" يحتمل أن يراد: فلا يَشرَع حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويحتمل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة، وإن كان قد شرع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي لإدراك فضيلة التحريم، أو أنها تبطل بنفسها، وإن لم يقطعها المصلي، يحتمل كُلاً من الأمرين.
وقد بالغ أهل الظاهر، فقالوا: إذا دخل في ركعتي الفجر، أو غيرهما من النوافل، فأقيمت الفريضة، بطلت الركعتان، ولا فائدة له في أن يسلم منهما، ولو لم يبق عليه منهما غير التسليم، بل يدخل كما هو بابتداء التكبير في صلاة الفريضة، فإذا أتم الفريضة، فإن شاء ركعهما، وإن شاء لم يركعهما، قال: وهذا غلوّ منهم في صورة ما إذا لم يبق عليه غير السلام، فليت شعري أيهما أطول زمنًا مدة السلام، أو مدة إقامة الصلاة، بل يمكنه أن يتهيأ بعد السلام لتحصيل أكمل الأحوال في الاقتداء قبل تمام الإقامة. نعم، قال الشيخ أبو حامد من الشافعية: إن الأفضل، خروجه من النافلة إذا أداه إتمامها إلى فوات فضيلة التحريم، وهذا واضح. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ما نقل عن أبي هريرة، وأهل الظاهر، هو الذي يكون موافقًا لظاهر النص، ففيما قاله العراقي في الرد عليهم
(1)
انظر نيل الأوطار جـ 3 ص 372 - 373.
نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(إِلا المكتوبة) الألف واللام ليست لعموم المكتوبات، وإنما هي راجعة إلى الصلاة التي أقيمت، فقد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد بلفظ:"فلا صلاة إلا التي أقيمت"، وكذلك في رواية لأبي هريرة، ذكرها ابن عبد البر في التمهيد.
وقال في "الفتح": فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالكتوبة: المفروضة. وزاد مسلم بن خالد، عن عمرو بن دينار في هذا الحديث: قيل: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال:"ولا ركعتي الفجر". أخرجه ابن عدي في ترجمة يحيى بن نصر بن الحاجب، وإسناده حسن.
والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة، لكن المراد الحاضرة، وصرح بذلك أحمد والطحاوي من طريق أخرى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ:"إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا التي أقيمت". انتهى
(1)
. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
(1)
فتح جـ 2 ص 369.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 60/ 865، وفي "الكبرى" 60/ 937، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عنه. وفي 60/ 866، و"الكبرى" 60/ 938 عن أحمد بن عبد الله بن الحكم، ومحمد بن بشار، كلاهما، عن محمد ابن جعفر، عن شعبة، عن ورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن حاتم، ومحمد بن رافع، كلاهما عن شبابة بن سَوَّار، وعن أحمد بن حنبل، عن غندر، عن شعبة -كلاهما عن ورقاء بن عمر، به. وعن يحيى بن حبيب، عن روح بن عُبَادة - وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق -كلاهما عن زكريا ابن إسحاق به. وعن الحسن بن علي الحلواني، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، به. وزاد: قال حماد: ثم لقيت عمرًا، فحدثني به، ولم يرفعه.
وأبو داود فيه، عن أحمد بن حنبل، به، وعن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون، به، ولم يذكر الزيادة. وعن محمد بن المتوكل، عن عبد الرزاق، به، وعن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن سلمة، عن الحسن بن علي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج -كلاهما عن عمرو
ابن دينار، به.
والترمذي فيه، عن أحمد بن منيع، عن روح بن عبادة، به. وقال: حسن. وهكذا روى أيوب وورقاء، وزياد -يعني ابن سعد- وإسماعيل بن مسلم، ومحمد بن جحادة، عن عمرو، ورواه حماد ابن زيد، وابن عيينة، عن عمرو، ولم يرفعاه، والمرفوع أصح.
وابن ماجه فيه، عن أبي بشر بكر بن خلف، عن روح بن عبادة، به، وعن محمود بن غيلان، عن يزيد بن هارون، به، ولم يذكر الزيادة. وعن محمود بن غيلان، عن أزهر بن القاسم، عن زكريا بن إسحاق، به. وأخرجه أحمد جـ 2 ص 352، 455. وابن خزيمة رقم 1123. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان مذاهب أهل العلم في حكم النافلة عند إقامة الصلاة:
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: حديث الباب يدل على أنه لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة، من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما.
وقد اختلف الصحابة والتابعون، ومن بعدهم في ذلك على تسعة أقوال:
أحدها: الكراهة، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، على خلاف في ذلك، وأبو هريرة. ومن التابعين
عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومسلم بن عقيل، وسعيد بن جبير. ومن الأئمة: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وأبو ثور، ومحمد بن جرير، هكذا أطلق الترمذي الرواية عن الثوري. وروى عنه ابن عبد البر، والنووي تفصيلاً، وهو أنه إذا خشي فوت ركعة من صلاة الفجر، دخل معهم، وترك سنة الفجر، وإلا صلاها، وسيأتي.
القول الثاني: أنه لا يجوز صلاة شيء من النوافل إذا كانت المكتوبة قد قامت، من غير فرق بين ركعتي الفجر، وغيرهما. قاله ابن عبد البر في التمهيد.
القول الثالث: أنه لا بأس بصلاة سنة الصبح، والإمام في الفريضة، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، ومسروق، والحسن البصري، ومجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، وهو قول الحسن بن حي، ففرّق هؤلاء بين سنة الفجر وغيرها. واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة، إلا ركعتي الصبح". وأجيب عن ذلك بأن البيهقي قال: هذه الزيادة لا أصل لها، وفي إسنادها حجاج بن نُصَير، وعباد بن كثير، وهما ضعيفان، على أنه قد روى البيهقي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت
الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". قيل: يا سول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال:"ولا ركعتي الفجر". وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو متكلم فيه، وقد وثقه ابن حبان، واحتج به في صحيحه.
القول الرابع: التفرقة بين أن يكون في المسجد، أو خارجه، وبين أن يخاف فوت الركعة الأولى مع الإِمام، أو لا. وهو قول مالك، فقال: إذا كان قد دخل المسجد، فليدخل مع الإِمام، ولا يركعهما -يعني ركعتي الفجر- وإن لم يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الإِمام بركعة، فليركع خارج المسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الإِمام، فليدخل وليصلّ معه.
القول الخامس: أنه إن خشي فوت الركعتين معًا، وأنه لا يدرك الإِمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فليركعهما -يعني ركعتي الفجر- خارج السجد، ثم يدخل مع الإِمام. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، كما حكاه ابن عبد البر، وحكي عنه أيضًا نحو قول مالك، وهو الذي حكاه الخطابي، وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه. وحكى النووي عنه مثل قولى الأوزاعي الآتي ذكره.
القول السادس: أنه يركعهما في المسجد، إلا أن يخاف فوت الركعة الأخيرة، فأما الركعة الأولى فليركع، وإن فاتته، وهو قول الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وحكاه النووي عن أبي حنيفة،
وأصحابه.
القول السابع: يركعهما في المسجد وغيره، إلا أن يخاف فوت الركعة الأولى، وهو قول سفيان الثوري، حكى ذلك عنه ابن عبد البر، وهو مخالف لما رواه الترمذي عنه.
القول الثامن: أن يصليهما، وإن فاتته صلاة الإِمام، إذا كان الوقت واسعًا. قاله ابن الجلاب من المالكية.
القول التاسع: أنه إذا سمع الإقامة لم يحل له الدخول في ركعتي الفجر، ولا في غيرهما من النوافل، سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد عصى، وهو قول أهل الظاهر، ونقله ابن حزم عن الشافعي، وعن جمهور السلف، وكذا قال الخطابي. وحكي الكراهة عن الشافعي، وأحمد. وحكى القرطبي في المفهم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: وهذا القول هو الظاهر، إن كان المراد بإقامة الصلاة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة، وهو المعنى المتعارف.
قال العراقي رحمه الله: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث. والأحاديث المذكورة في شرح الحديث الذي بعد هذا -يعني حديث عبد الله بن بحينة الآتي- تدل على ذلك، إلا إذا كان المراد بإقامة
الصلاة فعلها كما هو المعنى الحقيقي، ومنه قوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3] فإنه لا كراهة في فعل النافلة عند إقامة المؤذن قبل الشروع في الصلاة، وإذا كان المراد المعنى الأول، فهل المراد به الفراغ من الإقامة؛ لأنه حينئذ يشرع في فعل الصلاة، أو المراد شروع المؤذن في الإقامة؟ قال العراقي: يحتمل أن يراد كل من الأمرين، والظاهر أن المراد شروعه في الإقامة، ليتهيأ المأمومون لإدراك التحريم مع الإِمام.
ومما يدل على ذلك، قوله في حديث أبي موسى رضي الله عنه عند الطبراني: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً صلى ركعتي الفجر حين أخذ المؤذن يقيم، قال العراقي: وإسناده جيد. ومثله حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود الطيالسي، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني نبي الله صلى الله عليه وسلم، وقال:"أتصلي الصبح أربعًا؟ " ورواه أيضًا البيهقي، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وقال: إنه على شرط الشيخين، والطبراني
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال بتحريم التنفل وقت إقامة الصلاة، لظهور أدلته، كما استظهرهُ الشوكاني رحمه الله تعالى. قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله بعد ذكر المذاهب وأدلتها، ما نصه: هذا القول -يعني القول بكراهة
(1)
انظر نيل الأوطار جـ 3 ص 370 - 373.
صلاة ركعتي الفجر- أصح؛ لأن فيه حديثًا مسندًا يجب الوقوف عنده، والردّ إليه فيما يتنازع العلماء فيه، إذ لم يكن له في الكتاب ذكر، ولا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعارضه. ثم أخرج بسنده حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" المذكور في الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
866 -
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ".
رجال هذا الإسناد: ثمانية
1 -
(أحمد بن عبد الله بن الحكم) بن أبي فروة الهاشمي، يعرف بابن الكردي، أبو الحسين البصري، ثقة، مات سنة 247، من [10]، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي. تقدم في 39/ 583.
2 -
(محمد بن بشار) أبو بكر البصري، المعروف ببندار، ثقة حافظ، مات سنة 252، من [10]، أخرج له الجماعة. تقدم في
24/ 27.
3 -
(محمد) بن جعفر، البصري المعروف بغُندر، ثقة صحيح الكتاب، مات سنة 193، من [9]، أخرج له الجماعة. تقدم في 21/ 22.
4 -
(شعبة) بن الحجاج، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 26.
5 -
(ورقاء بن عمر) بن كليب، اليشكري ويقال الشيباني، أبو بشر الكوفي، نزيل المدائن يقال: أصله من مرو، صدوق، في حديثه عن منصور لين، من [7]
(1)
.
قال أبو داود الطيالسي: قال لي شعبة: عليك بورقاء، إنك لا تلقى بعده مثله حتى يرجع. قال محمود بن غيلان: قلت لأبي داود: أيّ شيء عَنَى بذلك؟ قال: أفضل، وأورع، وخير منه. وقال أبو داود السجستاني عن أحمد: ثقة، صاحب سنة، قيل له: كان مرجئًا؟ قال: لا أدري. وقال حنبل عن أحمد: ورقاء من أهل خراسان، قال: وقال حجاج: كان يقول لي: كيف هذا الحرف عندك؟ فأقول له: كذا وكذا، قال: أبو عبد الله: وهو يتصف في غير حرف، وكأنه ضعفه في التفسير. وقال حرب: قلت لأحمد: ورقاء أحب إليك في
(1)
"ت" ص 369 بزيادة.
تفسير ابن أبي نجيح، أو شبل؟
(1)
قال: كلاهما ثقة، وورقاء أوثقهما، إلا أنهم يقولون: لم يسمع التفسير كله، يقولون: بعضه عرض.
وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: قال معاذ: قال ورقاء: كتاب التفسير قرأت نصفه على ابن أبي نجيح، وقرأ عليّ نصفه. وقال الدوري: قلت لابن معين: أيما أحب إليك، تفسير ورقاء، أو تفسير شيبان، وسعيدٍ عن قتادة؟ قال: تفسير ورقاء؛ لأنه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قلت: فأيما أحب إليك، تفسير ورقاء، أو ابن جريج؟ قال: ورقاء؛ لأن ابن جريج لم يسمع عن مجاهد إلا حرفًا واحداً.
وقال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ورقاء ثقة. وقال إسحاق ابن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال الغَلَابي عن ابن معين: ورقاء وشيبان ثقتان.، قال: وسمعت معاذ بن معاذ يقول ليحيى القطان: سمعتَ حديث منصور؟ قال: نعم، فقال: ممن؟ قال: من ورقاء، قال: لا يساوي شيئًا. وقال إبراهيم الحربي: لما قرأ وكيع التفسير قال للناس: خذوه، فليس فيه عن الكلبي، ولا عن ورقاء شيء. وقال شبابة: قال لي شعبة: اكتب أحاديث ورقاء، عن أبي الزناد. وقال عمرو بن علي: سمعت معاذ بن معاذ ذكر ورقاء، فأحسن الثناء، ورضيه، وحدثنا عنه.
(1)
هكذا في "تك"، وفي "تت": أو شيبان. فليحرر.
وقال الآجري: سألت أبا داود، عن ورقاء، وشبل في ابن أبي نجيح؟ فقال: ورقاء صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء، وشبل قَدَري. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة: ورقاء أحب إليك في أبي الزناد، أو شعيبٌ، أو مغيرةُ، أو ابن أبي الزناد؟ فقال: ورقاء أحب إلى منهم. وقال أبو حاتم: كان شعبة يثني عليه، وكان صالح الحديث.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال يحيى بن أبي طالب: أنا أبو المنذر إسماعيل بن عمر، قال: دخلنا على ورقاء، وهو في الموت، فجعل يهلل ويكبر، وجعل الناس يسلمون عليه، فقال لابنه: يا بني، اكفني رد السلام على هؤلاء، لئلا يشغلوني عن ربي، وقال العقيلي: تكلموا في حديثه عن منصور. وقال ابن عدي: روى أحاديث غلط في أسانيدها، وباقي حديثه لا بأس به. وقال ابن شاهين في الثقات: قال وكيع: ورقاء ثقة. أخرج له الجماعة
(1)
.
وأما الباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث والمسائل المتعلقة به، فراجعهما تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
تنبيه:
قال السندي رحمه الله تعالى: قوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة".
(1)
"تت" جـ 11 ص 113 - 115. "تك" جـ 30 ص 433 - 438.
نفَيٌ بمعنى النهي، مثل قوله تعالى:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]. فلا ينبغي الاشتغال لمن حضر الإقامة إلا بالمكتوبة، ثم النهي متوجه إلى الشروع في غير تلك المكتوبة لمن عليه تلك المكتوبة، وأما إتمام المشروعة قبل الإقامة فضروري، لا اختياري، فلا يشمله النهي، وكذا الشروع خلف الإِمام في النافلة لمن أدّى المكتوبة قبل ذلك، فلا ينافي الحديث ما سبق من الإذن في الشروع في النافلة خلف الإِمام لمن أدى الفرض. والله تعالى أعلم. اهـ
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السندي رحمه الله حسن، إلا قوله:"وأما إتمام المشروعة قبل الإقامة فضروري، لا اختياري، فلا يشمله النهي". فإنه غير صحيح؛ لأنه داخل في النهي، بل هو مَورِد النهي، كما سيأتي في الحديث التالي، فإن ذلك الرجل الذي أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي، والمؤذن يقيم، فقد دخل في النهي دخولاً أوّليًا، فلا ينبغي الاشتغال بإتمام ما شرع فيه عند الإقامة، بل يتركه، ويدخل في صلاة الإِمام على ما سبق ترجيحه في المسألة الرابعة من الحديث الماضي. وبالله تعالى التوفيق.
تنبيه آخر:
قال في "الفتح": واستُدِلَّ بعموم قوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة" لمن قال بقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة، وبه قال أبو حامد، وغيره من
(1)
شرح السندي جـ 2 ص 117.
الشافعية، وخص آخرون النهي بمن أنشأ النافلة عملاً بعموم قوله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]
قال الجامع عفا الله عنه: القول الأول هو الصواب كما تقدم، وأما الثاني، فليس بشيء، والاستدلال بالآية غير صحيح، إذ هي نهت عن إبطال الأعمال، وهذه الصلاة بطلت بنفسها؛ حيث نفى الشارع صحتها عند الإقامة، بقوله:"إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، فلا دَخْلَ للمصلي في إبطالها حتى تشمله الآية. فتبصر.
والله تعالى أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب.
تنبيه آخر:
استُدِلَّ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا عند أحمد والطحاوي: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت" على أن المأموم لا يصلي فرضًا، ولا نفلاً خلف من يصلي فرضًا آخر، كالظهر مثلاً خلف من يصلي العصر، وإن جازت إعادة الفرض خلف من يصلي ذلك الفرض. أفاده في "الفتح"
(1)
. والله تعالى أعلم. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
867 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يُصَلِّي،
(1)
جـ 2 ص 371.
وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ:"أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [10]، أخرج له الجماعة. تقدم في 1/ 1.
2 -
(أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري البزاز الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة 175، من [7]. تقدم في 41/ 46.
3 -
(سعد بن إِبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني القاضي، ثقة فاضل عابد، مات سنة 125، وقيل: بعدها، من [5]. أخرج له الجماعة. تقدم في 11/ 518.
4 -
(حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العمري المدني، ثقة، من [3] أخرج له الجماعة.
قال النسائي: ثقة. وقال هبة الله الطبري: ثقة مجمع عليه، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو زرعة، والعجلي: ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة.
5 -
(ابن بُحَيْنة) هو عبد الله بن مالك بن القِشْب -واسمه جندب بن نَضْلَة بن عبد الله بن رافع بن محصن بن مبشر بن صعب بن دُهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد، أبو محمد، حليف بني المطلب، المعروف بابن بحينة، وهي أمه. قال ابن سعد: أبوه مالك بن القِشْب، حالف المطلب بن
عبد مناف، فتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب، فولدت له عبد الله، فأسلم قديمًا، وكان ناسكًا فاضلاً، يصوم الدهر، ومات ببطن ريم على ثلاثين ميلاً من المدينة في عمل مروان بن الحكم، وكان ينزل به، وكان ولاية مروان على المدينة من سنة 54 إلى سنة 58.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه ابنه علي، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، والأعرج، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وسُمي في روايةٍ مالك ابن بحينة، له عند أبي داود والترمذي في السهو. واختلف فيه على حفص، ففي رواية شعبة، وأبي عوانة، وحماد بن سلمة، كلهم عن سعد بن إبراهيم، عن حفص ابن عاصم: مالك بن بحينة. وأرخ ابن زبر وفاته سنة 56. وقال النسائي: قول من قال: مالك بن بحينة خطأ، والصواب: عبد الله ابن مالك ابن بحينة. ووقع في رواية لمسلم: "عن ابن بحينة، عن أبيه" قال مسلم: أخطأ القعنبي في ذلك. أخرج له الجماعة
(1)
. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فبلخي، وأبا عوانة، فواسطي، وفيه رواية تابعي، عن تابعي؛ سعد بن إبراهيم، عن حفص ابن عاصم. وبالله تعالى التوفيق.
(1)
"تت" جـ 5 ص 381 - 382.
شرح الحديث
(عن ابن بحينة) هو عبد الله بن مالك، وبُحينة أمه، كما تقدم قريبًا. ووقع عند البخاري من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حفص بن عاصم، قال: سمعت رجلاً من الأزد، يقال له: مالك بن بحينة. قال في الفتح: هكذا يقول شعبة في الصحابي، وتابعه على ذلك أبو عوانة، وحماد بن سلمة، وحكم الحفاظ: يحيى ابن معين، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والإسماعيلي، وابن الشرقي، والدارقطني، وأبو مسعود، وآخرون عليهم بالوهم فيه في موضعين: أحدهما: أن بحينة والدة عبد الله، لا مالك، وثانيهما: أن الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك، وهو عبد الله بن مالك بن القشب -بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحدة- وهو لقب جندب بن نضلة بن عبد الله.
قال ابن سعد: قدم مالك بن القشب مكة -يعني في الجاهلية- فحالف بني المطلب بن عبد مناف، وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب، واسمها عبدة، وبحينة لقب، وأدركت بحينة الإِسلام، فأسلمت، وصحبت، وأسلم ابنها عبد الله قديمًا ولم يذكر أحد مالكًا في الصحابة، إلا بعض من تلقاه من هذا الإسناد ممن لا تمييز له، وكذا أغرب الداودي الشارح، فقال: هذا الاختلاف لا يضر، فأي الرجلين كان فهو صاحب. وحكى ابن عبد البر اختلافًا في بحينة، هل هي أم
عبد الله، أو أم مالك؟ والصواب أنها أم عبد الله، كما تقدم، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بزيادة ألف
(1)
ويعرب إعراب عبد الله، كما في عبد اللهْ بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، ومحمد بن عليٍّ ابن الحنفية
(2)
.
(قال: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم) ولفظ البخاري من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً، وقد أقيمت الصلاة، يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاث به الناس
(3)
، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟ ".
ولفظ مسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يصلي، وقد أقيمت صلاة الصبح، فكلمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرفنا أحطنا به، نقول: ماذا قال لك
(1)
قلت: وكذا يثبت تنوين مالك، إذ ليس "ابن" صفة له؛ لأن القاعدة أنه إذا وقع "ابن" بين علمين، وكان الثاني أبا للأول، حذف من العلم الأول التنوين، وحذفت همزة الوصل من "ابن" خطّاً، وإن لم يكن كذلك بأن لم تقع بين علمين، أو كان غير أب للأول، مثل ما هنا، فإن بحينة ليست أبًا لمالك، بل هي أم لعبد الله، فلا يحذف التنوين من الأول، ولا همزة الوصل من "ابن". راجع المسألة في شروح ألفية ابن مالك في النحو عند قوله:
وَنَحْوَ زَيْدٍ ضُمَّ وَافْتحْنَّ مِنْ
…
نحْوِ أزَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ لا تَهِنْ
وَالضَّمُّ إِنْ لمْ يَلِ الابْن عَلَمَا
…
أوْ يَلِ الابْنَ علَمٌ قَدْ حُتِما
(2)
فتح جـ 2 ص 369،
(3)
أي أحاطوا به.
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قال لي: "يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا".
ثم ظاهر رواية شعبة تقتضي أنه صلى الله عليه وسلم كلم الرجل بعد الفراغ من الصلاة، بخلاف رواية إبراهيم بن سعد، فإنها تقتضي أنه كلمه، وهو يصلي. ويمكن الجمع بينهما بأنه كلمه أوّلاً سرّاً، فلهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم كلمه ثانيًا جهرًا، فسمعوه. قاله في الفتح
(1)
.
(رجلاً يصلي) هو عبد الله الراوي، كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به، وهو يصلي. وفي رواية أخرى له:"خرج، وابن القشب يصلي". ووقع لبعض الرواة هنا "ابن أبي القشب"، وهو خطأ كما بينه في "الإصابة". ووقع نحو هذه القصة أيضًا لابن عباس، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:"أتصلي الصبح أربعًا؟ ". أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والبزار، والحاكم، وغيرهم، فيحمل على تعدد القصة.
(والمؤذن يقيم) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يصلي"(فقال) صلى الله عليه وسلم (أتصلي الصبح أربعًا؟) بهمزة الاستفهام، وهو للإنكار والتوبيخ. وتقدم في رواية البخاري من طريق شعبة:"آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟ ".
(1)
جـ 2 ص 369.
قال في "الفتح": بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام إنكاري، وأعاده تأكيدًا للإنكار، و"الصبح" بالنصب بإضمار فعل تقديره: أتصلي الصبح؟، و"أربعًا" منصوب على الحال، قاله ابن مالك، وقال الكرماني: على البدلية، قال: ويجوز رفع "الصبح"، أي الصبحُ تُصَلَّى أربعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مالك ابن بُحَينة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 60/ 867، وفي "الكبرى" 60/ 939 بالسند المذكور. وأشار الحافظ المزي في "تحفته": إلى أن النسائي أخرجه عن محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير، عن شعبة بإسناده نحوه، وقال: هذا خطأ، والصواب عبد الله بن مالك ابن بحينة. اهـ. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة"، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، وعن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن بهز بن
أسد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن مالك ابن بحينة. قال: وتابعه غندر، ومعاذ. وقال ابن إسحاق: عن سعد، عن حفص، عن عبد الله. وقال حماد -هو ابن سلمة-: عن سعد، عن حفص، عن مالك.
ومسلم فيه، عن القعنبي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، وعن قتيبة، عن أبي عوانة، عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن ابن بحينة. قال مسلم: قال القعنبي: عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، عن أبيه. قال: وقوله. عن "أبيه" خطأ، بحينة هي أم عبد الله. قال أبو مسعود -الدمشقي-: وهذا يخطىء فيه القعنبي بقوله: "عن أبيه"، وأسقط مسلم من أوله:"عن أبيه"، ثم قال في عقبه: وقال القعنبي: "عن أبيه". وأهل العراق منهم شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة يقولون: عن سعد، عن حفص، عن مالك ابن بحينة. وأهل الحجاز قالوا في نسبه: عبد الله بن مالك ابن بحينة، وهو الأصح.
وابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، عن إبراهيم بن سعد، به. قال الحافظ المزي رحمه الله من زياداته: رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة. انتهى
(1)
.
وأخرجه أحمد جـ 5 ص 345. والدارمي رقم 1457. والله تعالى أعلم.
(1)
راجع "تحفة الأشراف" جـ 6 ص 476 - 477.
المسألة الرابعة: قال في "الفتح": واختلف في حكمة هذا الإنكار -يعني إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على من يصلي النافلة عند الإقامة للصلاة-: فقال القاضي عياض وغيره: لئلا يتطاول الزمان، فيظن وجوبها، ويؤيده قوله في رواية إبراهيم بن سعد:"يوشك أحدكم"، وعلى هذا، إذا حصل الأمن، لا يكره ذلك، وتعقب بعموم قوله:"فلا صلاة إلا المكتوبة".
وقيل: لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي هذا القول أقرب إلى الصواب، وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم:"أتصلي الصبح أربعًا؟ " ظاهر في كون الإنكار لكون المتنفل جعل صلاة الصبح أربع ركعات، ويفهم منه أيضًا أن النهي عام لمن يصلي عند الإقامة، سواء ابتدأ بالنافلة قبل الإقامة، أو عندها، أو بعدها، وسواء كان في المسجد، أو خارجها. والله تعالى أعلم.
وقال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإِمام، والمحافظةُ على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة. اهـ. وهذا يليق بقول من يرى قضاء النافلة، وهو قول الجمهور، ومن ثم قال من لا يرى ذلك: إذا علم أنه يدرك الركعة الأولى مع الإِمام، وقال بعضهم: إن كان في الأخيرة لم يكره له التشاغل بالنافلة، بشرط الأمن من الالتباس كما تقدم، والأول عن
المالكية، والثاني عن الحنفية، ولهم في ذلك سلف عن ابن مسعود وغيره، وكأنهم لَمَّا تعارض عندهم الأمر بتحصيل النافلة، والنهيُ عن إيقاعها في تلك الحالة جمعوا بين الأمرين بذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفي عليك مصادمة هذا الرأي للنص الصحيح الصريح، فلا تلتف إليه. والله الهادي إلى سواء السبيل.
وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار، عدم الفصل بين الفرض والنفل، لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطحاوي، واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية من المسجد لم يكره، وهو متعقب بما ذكر، إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل، لم يحصل إنكار أصلاً؛ لأن ابن بحينة سلم من صلاته قطعًا، ثم دخل في الفرض
(1)
.
ويدل على ذلك أيضًا حديث قيس بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وغيره: أنه صلى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله، لم ينكر عليه قضاءهما بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلاً بها، فدل على أن الإنكار على ابن بحينة إنما كان للتنفل
(1)
هكذا عبارة الفتح: "سلم من صلاته قطعًا". وفيه نظر؛ لأنه يحتمل أنه دخل بدون تسليم، إذ لم ينقل إلينا ذلك. فلو قال: لأن ابن بحينة سيسلم من صلاته قطعًا، ثم يدخل في الفرض لما أنكر عليه، لكان أولى. والله أعلم.
حال صلاة الفرض، وهو موافق لعموم حديث:"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
وقد فهم ابن عمر رضي الله عنهما اختصاص المنع بمن يكون في المسجد، لا خارجًا عنه، فصح عنه أنه كان يحصب من يتنفل في المسجد بعد الشروع في الإقامة، وصح عنه أنه قصد المسجد، فسمع الإقامة، فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة رضي الله عنها، ثم دخل المسجد، فصلى مع الإِمام.
قال ابن عبد البر وغيره: الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح، وتركُ التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله في الإقامة:"حي على الصلاة" معناه هلموا إلى الصلاة، أي التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره. والله أعلم
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البر وغيره من أن الحجة عند التنازع هي السنة هو التحقيق الصواب نقلاً وعقلاً، فإن الله تعالى قال في محكم كتابه:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
(1)
راجع الفتح جـ 2 ص 370 - 371.
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]:
إذا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا
…
تُجَارِي في مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى
…
تَطِيرُ رُؤُوسهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والحاصل أن المذهب الراجح الذي تؤيده النصوص الصحيحة الصريحة المنعُ عن التنفل عند الإقامة للصلاة مطلقًا، سواء كان بركعتي الفجر، أم بغيرهما، شرع فيه حال الإقامة، أم لا، كان في الصف، أم بعيدًا عنه، في المسجد، أم لا. وأن السنة أن يتدارك ما فاته من النافلة بعد أداء المكتوبة جماعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
61 - فِيمَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ وَالإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم من يصلي ركعتي الفجر، في حال كون الإِمام في صلاة الصبح.
فالجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ مقدر، أي هذا الباب كائن فيمن يصلي
…
إلخ. وجملة: "والإمام في الصلاة" في محل نصب على الحال من فاعل "يصلي". والله تعالى أعلم.
868 -
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَرَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلاة، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاتَهُ، قَالَ:"يَا فُلَانُ أَيُّهُمَا صَلَاتُكَ، الَّتِى صَلَّيْتَ مَعَنَا، أَوِ الَّتِي صَلَّيْتَ لِنَفْسِكَ؟ ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
1 -
(يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة، مات سنة 248، وقيل: بعدها، من [10]، أخرج له مسلم، والأربعة. تقدم في 60/ 75.
2 -
(حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة، ثبت، فقيه، مات سنة 179، من [8]، أخرج له الجماعة. تقدم في 3/ 3.
3 -
(عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، مات بعد سنة 140، من [4]. أخرج له الجماعة. تقدم في 148/ 239.
4 -
(عبد الله بن سَرْجِسَ)
(1)
المزني حليف بني مخزوم، صحابي سكن البصرة، أخرج له مسلم، والأربعة. تقدم في 30/ 34. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو 62 من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع للمصنف من الأسانيد، كما تقدم غير مرة.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأن حمادًا وعاصمًا من رجال الجماعة، ويحيى وعبد الله بن سَرْجِسَ من رجال مسلم، والأربعة.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. والله تعالى ولي التوفيق.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن سَرْجِس) رضي الله عنه، أنه (قال: جاء
(1)
بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة -وهو غير منصرف للعلمية، والعجمة اهـ "ت" بزيادة.
رجل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح) الجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الصبح (فركع) ذلك الرجل (الركعتين) أي ركعتي الفجر (ثم دخل في الصلاة) أي صلاة الصبح التي يصليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه (فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته) أي سلم من صلاة الصبح (قال: يا فلان) كناية عن اسم ذلك الرجل الذي بدأ بأداء الركعتين. قال الفيومي: فُلانٌ، وفلانةٌ بغير ألف ولام: كناية عن الأنَاسيّ، وبهما كناية عن البهائم. فيقال: ركبت الفلان، والفلانة. انتهى
(1)
.
(أيهما صلاتك) ولأبي داود: "أيتهما صلاتك"، وهو مبتدأ وخبر، و"أي" استفهامية، أيْ أيُّ الصلاتين صلاتُك التي قصدت، واعتمدت عليها، وجئت لأجلها (التي صليت معنا، أو التي صليت لنفسك) الموصول بدل من "أيّ". أيْ أصلاتك التي صليت معنا هي مقصودك، أو التي صليتها وحدك هي المقصودة. فهو استفهام إنكاري، والغرض منه توبيخه على صلاته النافلة، والإمام في الفريضة.
وقال السندي رحمه الله: قوله: "أيهما صلاتك". أي التي جئت لأجلها إلى المسجد، وقصدِ أدائها فيه، فإن كانت تلك الصلاة هي الفرض، فهل العاقل يؤخر مقصوده إذا وُجدَ، ويُقَدِّم عليه غيره، وإن كانت هي السنة، فذاك عكس المعقول؛ إذ البيت أولى من المسجد في
(1)
المصباح جـ 2 ص 481.
حق السنة، وأيضًا السنة للفرض، فكيف تُقصَدُ هي دونه. والمقصود الزجر، واللوم على ما فعل. انتهى
(1)
.
وقال الخطابي رحمه الله: في هذا دليل على أنه إذا صادف الإِمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر، وتَرَكَهُما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة. وقوله:"أيتهما صلاتك" مسألة إنكار، يريد بذلك تبكيته على فعله، وفيه دلالة على أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك، وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإِمام من صلاته؛ لأن قوله:"أو التي صليت معنا" يدل على أنه أدرك الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من الركعتين. انتهى
(2)
.
وفيه رد على من قال: إن عَلِمَ أنه يدرك الإِمام في الركعة الأولى، أو الثانية يبدأ بسنة الصبح. وقالوا: إن إنكاره صلى الله عليه وسلم على الرجل لوصله النافلة بالفريضة، وصلاتِهما في مكان واحد بلا فاصل بينهما غير السلام، وهذا كنهيه من صلى الجمعة عن التطوع بعدها في مكانها حتى يتكلم، أو يتقدم.
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما رواه الطحاوي من طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعبد الله بن مالك ابن بحينة، وهو منتصب يصلي بين يدي نداء الصبح، فقال:
(1)
شرح السندي جـ 2 ص 117.
(2)
معالم السنن جـ 2 ص 77.
"لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر، وبعدها، واجعلوا بينهما فصلاً". اهـ.
فظهر بهذا الحديث أن الذي كرهه صلى الله عليه وسلم لابن بحينة إنما هو وصله الفريضة بالنافلة في مكان واحد من غير فصل بينهما.
وقالوا أيضًا: إن حديث الباب محمول على أن الرجل صلى ركعتي الفجر مخالطًا للصف، فقد روى ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وهو في الصلاة. اهـ. فإن رؤيته صلى الله عليه وسلم إياه لا تتأتى إلا وهو في جانب المسجد في الصف الأول.
وقالوا أيضًا: فيما ذهبنا إليه جمع بين الفضيلتين، فضيلة إدراك السنة وفضيلة إدراك الجماعة. وقد ثبت عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء أنهم أَدَّوُا سنة الصبح، والإمام في الفريضة، ويبعد أن يكون حديث الباب على إطلاقه، ويفعل على خلافه هؤلاء الصحابة الأجلاء.
وفي هذا كله نظر؛ لأن ظاهر الحديث الإنكار على من دخل في النافلة، والإمام في الفريضة، وحمل الإنكار على عدم الفصل بين النافلة والفريضة بعيد، لما في رواية البيهقي عن عبد الله بن سرجس، قال: دخل رجل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف
…
الحديث.
وما في رواية مسلم من قوله: "دخل رجل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
" الحديث. فإنهما ظاهران في أنه صلى النافلة في غير مكان الفريضة.
وما ذكروه من أن ما ذهبوا إليه ديه الجمعُ بين الفضيلتين متعقب بأنه يمكن الحصول على الجمع بين الفضيلتين بصلاة الركعتين بعد الفراغ من الفريضة، كما ثبت إقراره صلى الله عليه وسلم صلاهما بعد الفريضة، ولم ينكر عليه.
وما ذكروه من الآثار معارَضٌ بالمثل، فقد ثبت عن عمر، وأبي هريرة، وغيرهما أنهم كانوا يمنعون الشروع في النافلة بعد إقامة الصلاة، فقد روى البيهقي عن عمر بن الخطاب، أنه كان إذا رأى رجلاً يصلي، وهو يسمع الإقامة، ضربه. وروى ابن حزم عن أبي هريرة، قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
وعلى تقدير عدم المعارض فهي لا تَقْوَى على معارضة الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه الحجة وحده، لا فلان وفلان، كما تقدم عن الحافظ أبي عمر ابن عبد البر رحمه الله وغيره، أن الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح.
جعلنا الله تعالى من المتمسكين بالسنة، والمُحَكِّمينَ لها فيما شجر بيننا، والمُسَلِّمين لها، وجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا بمنه وكرمه.
آمين، إنه ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن سَرْجِس رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 61/ 868، وفي "الكبرى" 61/ 940 بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي كامل الجَحْدَري، عن حماد بن زيد، وعن حامد بن عمر البكراوي، عن عبد الواحد بن زياد، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبي معاوية، وعن زهير بن حرب، عن مروان بن معاوية الفزاري، كلهم عن عاصم الأحول، عن عبد الله ابن سرجس رضي الله عنه. وأبو داود فيه عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، به. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن معاوية، به. وأحمد جـ 5 ص 82. وابن خزيمة رقم 1125. والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
62 - الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حكم صلاة المنفرد خلف الصفّ.
والظاهر أن المصنف رحمه الله يرى صحة صلاته؛ حيث أورد الحديثين المذكورين استدلالاً على ما ترجم له، لكن في استدلاله بهما نظر.
أما حديث أنس رضي الله عنه، فإنه لا يدل على جواز صلاة الرجل منفردًا خلف الصف، وإنما يدل على جواز صلاة المرأة خلف الصف وحدها، ومعلوم أن المرأة تختلف في هذا عن الرجل، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فليس فيه ما يدل على صلاة الرجل وحده خلف الصف أصلاً، فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
869 -
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِنَا، فَصَلَّيْتُ أَنَا، وَيَتِيمٌ لَنَا خَلْفَهُ، وَصَلَّتْ أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا.
رجال هذا الإسناد: أربعة
1 -
(عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المِسْوَر بن مخرمة الزهري البصري، صدوق، مات سنة 256، من صغار [10]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 42/ 48.
2 -
(سفيان) بن عيينة، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة، مات سنة 198، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
3 -
(إِسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة الأنصاري، أبو يحيى المدني، ثقة حجة، مات سنة 132، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 54/ 68.
4 -
(أنس) بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي، أبو حمزة المدني، الصحابي الخادم رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو 63 من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وأنهم ما بين بصري، وهو شيخه، وكوفي، ثم مكي، وهو سفيان، ومدني، وهو إسحاق، ومدني، ثم بصري، وهو أنس.
ومنها: أنه مسلسل بالإخبار، والتحديث، والسماع.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمه؛ وهو إسحاقُ، عن أنس رضي الله عنه، وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث
(قال) أنس رضي الله عنه (أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا، فصليت أنا ويتيم لنا) اسمه ضميرة بن أبي ضميرة، كما تقدم في شرح 19/ 801، قال في الفتح: كذا وقع للجميع، وكذا وقع في خبر يحيى بن يحيى المشهور من روايته عن ابن عيينة. ووقع عند ابن فتحون فيما رواه عن ابن السكن بسنده في الخبر المذكور:"صليت أنا، وسليم" بسين مهملة، ولام مصغرًا- فتصحفت على الراوي من لفظ "يتيم" ومشى على ذلك ابن فتحون، فقال في ذيله على الاستيعاب: سليم غير منسوب، وساق هذا الحديث.
ثم إن هذا الحديث طرف من حديث أنس رضي الله عنه، اختصره سفيان، وطوله مالك، كما تقدم 19/ 801
(1)
.
(خلفه) أي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، واستُدِلَّ به على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفا خلف الإِمام، خلافًا لمن قال من الكوفيين: إن أحدهما يقف عن يمينه، والآخر عن يساره، وحجتهم في ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي تقدم للمنصف 18/ 799، وأبي داود أنه
(1)
أفاده في الفتح جـ 2 ص 449.
أقام علقمة عن يمينه، والأسود عن شماله، وأجاب عنه ابن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان، رواه الطحاوي. أفاده في الفتح.
(وصلت أم سليم) بنت ملحان بن خالد الأنصارية، والدة أنس، يقال: اسمها سهلة، أو رُميلة، أو رميصة، أو مليكة، أو أنيثة، وهي الغميصاء، أو الرميصاء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان رضي الله عنهم. تقدمت ترجمتها 43/ 737.
(خلفنا) فيه أن المرأة لا تصف مع الرجال، لما يُخشى من الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة. وقد تقدم تحقيق الخلاف في ذلك 19/ 801.
واستدل به المصنف على صحة صلاة المنفرد خلف الصف، وهو استدلال غير صحيح، إذ المرأة في هذا تخالف الرجل، فإنه ممنوع أن يصلي خلف الصف وحده، بخلافها، كما يأتي تحقيقه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 62/ 869، وفي "الكبرى" 62/ 941 بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد المسندي -وعن أبي نعيم- كلاهما عن ابن عيينة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس رضي الله عنه. والحميدي رقم 1194. وأحمد جـ 3 ص 110. وابن خزيمة رقم 1539 و1540. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة من صلى خلف الصف وحده:
قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فيما يجب على من صلى خلف الصف وحده:
فقالت طائفة: لا يجزيه، هذا قول النخعي، والحكم، والحسن ابن صالح، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وقد روينا عن أبي هريرة أنه قال: لا تركع حتى تأخذ مكانك من الصف.
وقالت طائفة: صلاة المنفرد في الصف وحده جائزة، وممن رأى ذلك جائزًا: الحسن البصري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي.
قال الجامع: وهو ظاهر مذهب المصنف رحمه الله تعالى هنا.
قال ابن المنذر رحمه الله: صلاة الفرد خلف الصف باطلة، لثبوت خبر وابصة، وخبر علي بن الجعد بن شيبان
(1)
.
ثم أخرج بسنده عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد رضي الله عنه، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي خلف القوم وحده، فأمره، فأعاد الصلاة.
قال أبو بكر: وقد ثَبَّتَ هذا الحديث أحمد، وإسحاق، وهما من معرفة الحديث بالموضع الذي لا يُدفعان عنه. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى
(2)
.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله بعد ذكر القولين اللذين ذكرهما ابن المنذر: وفرق آخرون في ذلك، فرأوا على الرجل الإعادة دون المرأة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الفرق بين الرجل والمرأة هو الحق، لصحة الدليل بذلك. والله تعالى أعلم.
وتمسك القائلون بعدم الصحة بحديث علي بن شيبان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف
(1)
هكذا في نسخة الأوسط "علي بن الجعد بن شيبان" ولعل الصواب علي بن شيبان، فراجع جامع الترمذي، وشرحه تحفة الأحوذي جـ 2 ص 23.
(2)
الأوسط جـ 4 ص 183 - 184.
الرجل، فقال له:"استقبل صلاتك، فلا صلاة لمنفرد خلف الصف" رواه أحمد، وابن ماجه. وروى الأثرم عن أحمد أنه قال: حديث حسن. قال ابن سيد الناس: رواته ثقات معروفون، وهو من رواية عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، وعبد الرحمن قال فيه ابن حزم: وما نعلم أحدًا عابه بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الرحمن بن بدر، وهذا ليس بجرحة. انتهى. وصححه ابن حبان، وابن خزيمة.
وتمسكوا أيضًا بحديث وابصة بن معبد المتقدم. وهو حديث صحيح
(1)
.
وتمسك القائلون بالصحة بحديث أبي بكرة الآتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى. قالوا: لأنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم الإعادة، فيحمل الأمر بالإعادة على جهة الندب مبالغة في المحافظة على الأولَى
(2)
.
ومن جملة ما تمسكوا به، حديث ابن عباس، وجابر، إذ كل واحد منهما وقف عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤتمًا به وحده، فأدار كل واحد منهما حتى جعله عن يمينه، قالوا: فقد صار كل واحد منهما خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الإدارة، وهو تمسك غير مفيد للمطلوب؛ لأن
(1)
وقد أجاد الشيخ الألباني حفظه الله في تخريج حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه في إروائه، فأفاد. انظر الإرواء جـ 2 ص 323 - 329.
(2)
سيأتي الجواب عن تمسكهم هذا في كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
المُدَارَ من اليسار إلى اليمين لا يسمى مصليًا خلف الصف، وإنما هو مصل عن اليمين.
ومن مُتَمَسَّكاتهم ما رُوي عن الشافعي أنه كان يضعف حديث وابصة، ويقول: لو ثبت لقلت به، ويجاب عنه بأن البيهقي، وهو من أصحابه قد أجاب عنه، فقال: الخبر المذكور ثابت.
وقيل: الأوْلَى الجمعُ بين أحاديث الباب يحمل عدم الأمر بالإعادة على من فعل ذلك لعذر من خشية الفوت لو انضم إلى الصف، وأحاديث الإعادة على من فعل ذلك لغير عذر.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا جمع حسن، كما سيأتي قريبًا.
وقيل: من لم يعلم ما في ابتداء الركوع على تلك الحال من النهي فلا إعادة عليه، كما في حديث أبي بكرة؛ لأن النهي عن ذلك لم يكن تقدم، ومن علم بالنهي، وفعل بعض الصلاة، أو كلها خلف الصف لزمته الإعادة.
قال الجامع عفا الله عنه: قد رد على هذا الفرق شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال: وأما الفرق بين العالم والجاهل، فلا يسوغ، فإن المصلي المنفرد لم يكن عالمًا بالنهي، وقد أمره بالإعادة، كما أمر الأعرابي المسيء في صلاته بالإعادة. انتهى
(1)
.
وقال ابن سيد الناس: ولايُعَدُّ حكمُ الشروع في الركوع خلفَ
(1)
مجموع الفتاوى جـ 23 ص 397.
الصف حكمَ الصلاة كلها خلفه، فهذا أحمد بن حنبل يرى أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، ويرى أن الركوع دون الصف جائز. انتهى
(1)
.
واستدل القائلون بجواز الصلاة خلف الصف وحده أيضًا -كما في تحفة الأحوذي-
(2)
بحديث أنس رضي الله عنه، قال: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأمي أم سليم خلفنا. رواه البخاري ومسلم. قال الزيلعي في "نصب الراية": وأحكام الرجال والنساء في ذلك سواء. انتهى. وقال ابن بطال: لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى. انتهى.
ورد هذا الاستدلال بأنه إنما ساغ ذلك للمرأة لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل، فإن له أن يصف معهم، وأن يتزاحم، وأن يجذب رجلاً من حاشية الصف، فيقوم معه
(3)
، فافترقا.
وقال الحافظ في "الفتح": قال ابن خزيمة. لا يصح الاستدلال به؛ لأن صلاة المرء خلف الصف وحده منهي عنها باتفاق ممن يقول تجزئه، أو لا تجزئه، وصلاة المرأة وحدها إذا لم يكن هناك امرأة أخرى مأمور
(1)
"نيل الأوطار" بتصرف يسير جـ 4 ص 92 - 93.
(2)
جـ 2 ص 24 - 25.
(3)
القول بالجذب غير صحيح، لضعف ما ورد في ذلك، ولأنه يؤدي إلى وجود الخلل في الصف المقدم، وهو لا يجوز. فتنبه.
بها باتفاق، فكيف يقاس مأمور على منهي. انتهى.
واستدل لهم أيضًا بحديث أبي بكرة الآتي في الباب التالي، حيث لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة.
قال الجامع: ويرد هذا بأن الركوع دون الصف ثم الدخول فيه ليس كالصلاة خلف الصف، كما أشار إليه ابن سيد الناس فيما مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم.
وقال شيخ الإِسلام رحمه الله: وأما حديث أبي بكرة فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإِمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركًا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر فيصافه في القيام، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله:"ولا تَعُدْ" وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة، كما في حديث الفذّ، فإنه أمره بإعادة الصلاة، وهذا مبين مفسر، وذلك مجمل، حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإِمام -كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره- لكان سائغًا في مثل هذا، دون ما أمر فيه بالإعادة، فهذا له وجه، وهذا له وجه. انتهى
(1)
.
وقال الحافظ في "الفتح": جمع أحمد وغيره بين الحديثين -يعني
(1)
مجموع الفتاوى جـ 23 ص 397.
حديث وابصة، وحديث أبي بكرة، بأن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف، ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع، لم تجب عليه الإعادة، كما في حديث أبي بكرة، وإلا فيجب، على عموم حديث وابصة، وعلي بن شيبان. انتهى.
قال العلامة المباركفوري رحمه الله: وهذا الجمع حسن، بل هو المتعين، فإنه يُحَصِّلُ التوفيقَ بين الأحاديث بلا تكلف. والله تعالى أعلم
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا حاجة إلى الجمع المذكور، لأنه لا تخالف بين الأحاديث؛ لأن حديث أبي بكرة رضي الله عنه فيه النهي عن العودة إلى الركوع دون الصف، وهذا داخل في النهي عن الصلاة خلف الصف منفردًا، وأما احتجاج من احتج بأن أبا بكرة لم يؤمر بالإعادة، فإنه احتجاج بعدم النقل، ومعلوم أن عدم النقل للشيء لا يستلزم انتفاء ذلك الشيء، فتدبر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف.
وقد مر تحقيق هذا البحث في مسألة عدم الاعتداد بالركعة بإدراك الركوع -كما هو المذهب الراجح- خلافًا للجمهور، مُستوفًى، ولله الحمد.
(1)
انظر تحفة الأحوذي جـ 2 ص 25.
والحاصل أن الراجح، عدم صحة الصلاة خلف الصف للرجال، دون النساء، إلا للضرورة، كمن تعذر عليه الدخول في الصف، لضيق المكان، ولم يجد من يقوم معه، فإنه تصح صلاته للضرورة، كما استظهره شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله، واحتج بأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعذر
(1)
وهو حسن جدًا.
وأما النساء فتخالف الرجال في هذا، فتصح صلاتها وحدها خلف الصف، لحديث أنس رضي الله عنه، وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: اختلف فيمن لم يجد فرجة، ولا وسعة في الصف، ما الذي يفعل؟
فحكي عن نص الشافعي في البويطي أنه يقف منفردًا، ولا يجذب إلى نفسه أحدًا؛ لأنه لو جذب إلى نفسه واحداً، لفوّت عليه فضيلة الصف الأول، ولأوقع الخلل في الصف، وبهذا قال أبو الطيب الطبري، وحكاه عن مالك.
وقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه يجذب إلى نفسه واحداً، ويستحب للمجذوب أن يساعده، ولا فرق بين الداخل في أثناء الصلاة، والحاضر في ابتدائها في ذلك.
وقد روي عن عطاء، وإبراهيم النخعي أن الداخل إلى الصلاة،
(1)
انظر مجموع الفتاوى جـ 23 ص 396.
والصفوف قد استوت واتصلت، يجوز له أن يجذب إلى نفسه واحداً ليقوم معه، واستقبح ذلك أحمد، وإسحاق، وكرهه الأوزاعي، ومالك. وقال بعضهم: جذب الرجل عن الصف ظلم.
واستدل القائلون بالجواز بما رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي من حديث وابصة أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل صلى خلف الصف:"أيها المصلي هلا دخلت في الصف، أو جررت رجلاً من الصف، أعد صلاتك". وفيه السَّريّ بن إسماعيل، وهو متروك، وله طريق أخرى في تاريخ أصبهان لأبي نعيم، وفيه قيس بن الربيع، وفيه ضعف.
ولأبي داود في المراسيل من رواية مقاتل بن حيان مرفوعًا: "إن جاء رجل، فلم يجد أحدًا، فليختلج إليه رجلاً من الصف، فليقم معه، فما أعظم أجر المُخْتَلَج".
وأخرج الطبراني عن ابن عباس بإسناد واهٍ -كما قال الحافظ- بلفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الآتي، وقد تمت الصفوف أن يجتذب إليه رجلاً يقيمه إلى جنبه
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذكر أن أحاديث الأمر بالجذب من الصف غير ثابتة، فلا يجوز العمل بها، وأن من جاء بعد استواء الصف، ولم يجد مساغًا للدخول فيه، فَلْيُصَلِّ خلف الصف وحده للضرورة، كما تقدم عن شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله
(1)
أفاده في النيل جـ 4 ص 94. ونقله بتصرف.
تعالى. قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. والله تعالى أعلم بالصواب. وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
870 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا نُوحٌ -يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ- عَنِ ابْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ عَمْرٌو، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَسْنَاءُ، مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، قَالَ: فَكَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَتَقَدَّمُ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ لِئَلاَّ يَرَاهَا، وَيَسْتَأْخِرُ بَعْضُهُمْ حَتَّى يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ، فَإِذَا رَكَعَ نَظَرَ مِنْ تَحْتِ إِبْطِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل:{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [سورة الحجر، الآية: 24].
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
2 -
(نوح بن فيس) بن رَبَاح الأزدي، أبو روح البصري، أخو خالد، صدوق رُمِيَ بالتشيع، مات سنة 183 أو 184، من [8]،
تقدم في 5/ 459.
3 -
(عمرو بن مالك) النُّكْرِي بضم النون أبو يحيى، أو أبو مالك البصري، صدوق له أوهام، مات سنة 129، من [7].
روى عن أبيه وأبي الجوزاء، عنه ابنه يحيى، ونوح بن قيس، ومهدي بن ميمون، وسعيد وحماد ابنا زيد، ومخلد بن الحسن، ويزيد بن كعب العوذي، وعباد بن عباد، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، يخطىء، ويغرب. مات سنة 129، أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والأربعة
(1)
.
4 -
(أبو الجوزاء) -بالجيم والزاي- أوس بن عبد الله الرَّبَعي -بفتح الموحدة- من رَبَعَةِ الأزد البصري، ثقة يرسل كثيراً، من [3].
قال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن حبان في الثقات: كان عابدًا فاضلاً. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": أبو الجوزاء عن عمر، وعلي مرسل. قال البخاري: في إسناده نظر. قاله عقب حديث له رواه في التاريخ من رواية عمرو بن مالك النكري، والنُّكْري عنده ضعيف. وقال ابن عدي: حدث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء روى عن الصحابة، وأرجو أنه لا بأس به، ولا تصح روايته عنهم أنه سمع منهم، وقول البخاري: في
(1)
"تت" جـ 8 ص 96. "ت" ص 262.
إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود، وعائشة، وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة مستغنية عن أن أذكر منها شيئًا في هذا الموضع.
قال الحافظ: حديثه عن عائشة في الافتتاح بالتكبير عند مسلم، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أيضًا أنه لم يسمع منها، وقال جعفر الفريابي في "كتاب الصلاة": ثنا مزاحم بن سعيد، ثنا ابن المبارك، ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا بُدَيلٌ العُقَيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولاً إلى عائشة يسألها
…
فذكر الحديث. فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك، فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء. حكى البخاري عن يحيى بن سعيد أنه قتل في الجماجم سنة 83. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قال الذهبي في "الكاشف" جـ 1 ص 142: ثقة، قتل في الجماجم. وقال في "الميزان" جـ 1 ص 278: وثقوه. ثم ذكر قول البخاري المتقدم. فيظهر من هذا أنه ثقة عندهم، وما نقل عن البخاري، يعود إلى ضعف حديث معين له، لسبب ضعف الراوي عنه. والله تعالى أعلم.
5 -
(ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله عنهما، تقدم في 27/ 31. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله موثقون، ومن رجال الجماعة، إلا نوحًا، فما أخرج له البخاري، وعمرو بن مالك، فما أخرج له الشيخان، وإن أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد".
ومنها: أن فيه قوله: "يعني ابن قيس"، وذلك أن شيخه قتيبة لم ينسب شيخه نوحًا إلى أبيه، فلما أراد المصنف نسبته إليه، زاد كلمة "يعني" فصلاً بين كلامه وكلام شيخه، وكذا قوله:"وهو عمرو"، وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطي في "ألفية الحديث"؛ حيث قال:
وَلا تَزِدْ في نَسَبٍ أوْ وَصْفِ مَنْ
…
فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أوْ بـ"أنَّ" أو بِـ"هُو"
…
أمَّا إِذَا أتَمَّهُ أوَّلَهُ
أجِزْهُ في الباقي لَدَى الجُمْهُورِ
…
وَالفَصْلُ أوْلَى قَاصِرَ المَذْكُورِ
ومنها: أن فيه ابن عباس رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، واحد المكثرين السبعة، روى 1696 حديثاً، وهو آخر من مات بالطائف من الصحابة، سنة 68 هـ. وبالله التوفيق.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) رضي الله عنهما، أنه (قال: كانت امرأة
تصلي خلف رسول صلى الله عليه وسلم حسناءُ) تأنيث أحسن، بالرفع، نعت لـ"امرأة" بعد النعت بالجملة الفعلية (من أحسن الناس) متعلق بحال محذوف (قال) ابن عباس رضي الله عنهما (فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها) هؤلاء هم أهل الدين والورع، (ويستأخر بعضهم) أي من المنافقين، أو الجهلة من الأعراب، وضعفاء الإيمان، فيتأخر عن الصف المقدم (حتى يكون في الصف المؤخر) أخذ المصنف من هذا صحة صلاة المنفرد خلف الصف، وهو غير ظاهر، إذ لا ينافي كونه في الصف المؤخر للغرض المذكور أن لا يكون معه غيره ممن لا يريد ما أراده هو من النظر لتلك المرأة فليُتأمَّل. والله تعالى أعلم بالصواب.
(فإِذا ركع نظر إِليها من تحت إِبطه) -بكسر فسكون-: ما تحت الجَنَاح، ويذكّر ويؤنث، والجمع آباط، مثل حِمْل وأحمال، وزعم بعض المتأخرين أن كسر بائه لغة وهو غير ثابت. قاله الفيومي
(1)
.
فأنزل الله عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر: 24].
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل معنى الآية على هذا الحديث: أنه أقسم الله سبحانه وتعالى بأنه علم الذين يتقدمون إلى الصف الأول مخافة الافتتان بالنظر لهذه المرأة الحسناء وَرَعًا وتقوى، وعلم الذين
(1)
المصباح جـ 1 ص 1 - 2.
يتأخرون إلى الصف المؤخر رغبة في النظر إليها.
وقال العلامة الآلوسي رحمه الله في "تفسيره": والمراد من علمه تعالى بهؤلاء، علمه سبحانه بأحوالهم، والآية لبيان كمال علمه جلّ وعلا بعد الاحتجاج على كمال قدرته تعالى
(1)
، فإن ما يدل عليها دليل عليه، ضرورةَ أن القادر على كل شيء، لابد من علمه بما يصنعه، وفي تكرير قوله تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمْنَا} ما لا يخفى من الدلالة على التأكيد. انتهى
(2)
والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 62/ 870، وفي "الكبرى" 62/ 941، وفي التفسير منها 11273، عن قتيبة، عن نوح بن قيس، عن عمرو النُّكْرِي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه الترمذي في "التفسير" بسند المصنف. وقال: روى جعفر ابن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء نحوه،
(1)
أشار به إلى الآيات التي قبلها.
(2)
روح المعاني جـ 14 ص 32.
ولم يذكر ابن عباس، وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح بن قيس. وابن ماجه في "الصلاة" عن حميد بن مَسعَدَة السامي، وأبي بكر ابن خلاد، كلاهما عن نوح بن قيس، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في ذكر ما قاله الفسرون في معنى الآية الكريمة:
قال الإِمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره: اختلف أهل التأويل في ذلك:
فقال بعضهم معنى ذلك: ولقد علمنا من مضى من الأمم، فتقدم هلاكهم، ومن قد خُلق، وهو حي، ومن لم يخلق بعدُ ممن سيخلق، فذكر من قال بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون عَنَى بالستقدمين الذين قد هلكوا، والمستأخرين الأحياء الذين لم يهلكوا، ثم ذكر أسماء من قال بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين في أول الخلق، والمستأخرين في آخرهم. وذكر أسماء القائلين بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين من الأمم، والمستأخرين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر أسماء القائلين بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الخير، والمستأخرين عنه، ثم ذكر أسماء القائلين بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين
منكم في الصفوف في الصلاة، والمستأخرين فيها بسبب النساء، ثم ذكر أسماء القائلين بهذا القول.
ثم قال: وأقوى الأقوال عندي في ذلك بالصحة، قول من قال: معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم، فتقدم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم ممن هو حي، ومن هو حادث منكم، ممن لم يحدث بعدُ، لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله تعالى:{وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} [الحجر: 23]، وما بعده، وهو قوله:{وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} [الحجر: 25] على أن ذلك كذلك، إذ كان بين هذين الخبرين، ولم يَجْرِ قبل ذلك من الكلام ما يدل على خلافه، ولا جاء بعدُ، وجائز أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء، والمستأخرين فيه لذلك.
ثم يكون الله عز وجل عمّ بالمعنى المراد منه جميعَ الخلق، فقال: جلّ ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق، وأحصيناهم، وما كانوا يعملون، ومن هو حي منكم، ومن هو حادث بعدكم أيها الناس، وأعمال جميعكم خيرها وشرها، وأحصينا جميع ذلك، ونحن نحشر جميعهم، فنجازي كلاً بأعماله، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا، فيكون ذلك تهديدًا ووعيدًا للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء، ولكل من تعدّى حدّ الله، وعمل بغير ما أذن له به، ووعدًا لمن تقدم في الصفوف لسبب النساء، وسارع إلى محبة الله ورضوانه في
أفعاله كلها. انتهى كلام ابن جرير ملخصًا
(1)
.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد ذكر بعض أقوال المفسرين في معنى الآية، وإيراده حديث ابن عباس من طريق ابن جرير: ما نصه: وكذا رواه أحمد، وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه الترمذي، والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، وابن ماجه من طرق، عن نوح بن قيس الحُدَّانِي، وقد وثقه أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرج له مسلم، وأهل السنن.
وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق، عن جعفر ابن سليمان، عن عمرو بن مالك، وهو النكري، أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ} في الصفوف في الصلاة {الْمُسْتَأْخِرِينَ} . والظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء، فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر. وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن كثير في الحديث: فيه نكارة شديدة، فيه نظر، إذ لم يذكر دليل النكارة، إلا مخالفة سليمان بن جعفر لنوح بن قيس، كما أشار إليه الترمذي، وهذا لا يضره؛ إذ هو ثقة، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والعجلي، وقال النسائي:
(1)
تفسير ابن جرير الطبري رحمه الله جـ 14 ص 23 - 26.
(2)
تفسير ابن كثير جـ 2 ص 569 - 570.
ليس به بأس. وأما ما روي من تضعيف ابن معين له، فقد ذكره أبو داود بقوله: "بلغني عن يحيى أنه ضعفه، وقال مرة: يتشيع، وهذا مع كونه منقطعًا يحتمل أن يكون تضعيفه لتشيعه. فراجع ترجمته في تهذيب التهذيب جـ 10 ص 485 - 486. وأما جعفر بن سليمان، فالكلام فيه أكثر من الكلام في نوح، يظهر ذلك بمراجعة ترجمته في التهذيب أيضًا جـ 2 ص 95 - 98، فمخالفة مثله لنوح غير مؤثرة.
والترمذي، وإن جعل رواية جعفر أصح، لكنه ما ذكر وجه ترجيحه.
فالظاهر أن الحديث صحيح، وقد تقدم في كلام ابن جرير رحمه الله توجيهه من حيث المعنى، فلا نكارة فيه، والحمد لله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
63 - الرُّكُوعِ دُونَ الصَّفِّ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالين على حكم الركوع قبل الوصول إلى الصف.
واستدلال المصنف رحمه الله على ما ترجم له بحديث أبي بكرة واضح، وأما استدلاله بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، فغير واضح، إلا أن يكون ذلك الرجل الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا تحسن صلاتك" قد رآه ركع دون الصف، فأنكر عليه ذلك، لكن الحديث لا يدلّ على هذا، بل في رواية أحمد وابن خزيمة، ما يدل على أنه كان داخل الصف، كما سيأتي التنبيه عليه في آخر شرح الحديث، إن شاء الله تعالى، فالله تعالى أعلم.
8714 -
أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ زِيَادٍ الأَعْلَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَالنَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم رَاكِعٌ، فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(حميد بن مسعَدَة) بن المُبَارك السامي الباهلي البصري،
صدوق، مات سنة 244، من [10]، أخرج له مسلم والأربعة. تقدم في 5/ 5.
2 -
(يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرًا -أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة 182، من [8]، تقدم في 5/ 5.
3 -
(سعيد) بن أبي عروبة/ مِهْران اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، مات سنة 156، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 34/ 38.
4 -
(زياد الأعلم) ابن حسان بن قُرَّةَ الباهلي البصري، ثقة، من [5].
روى عن أنس، والحسن البصري، وابن سيرين. وعنه ابن عون، والحمادان، وسعيد بن أبي عروبة، وهمَّام بن يحيى، وغيرهم. قال أحمد: ثقة ثقة. وقال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال أبو حاتم: هو من قدماء أصحاب الحسن. وقال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء الله. وقال الدارقطني: هو قليل الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي
(1)
.
5 -
(الحسن) بن أبي الحسن/ يسار الأنصاري، مولاهم، أبو سعيد
(1)
"تت" جـ 3 ص 362. "ت" ص 109.
البصري، ثقة فقيه فاضل، يرسل كثيراً، ويدلس، مات سنة 110، رأس [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 36.
6 -
(أبو بكرة) نفيع بن الحارث بن كَلَدَةَ بن عَمْرو الثقفي، صحابي مشهور بكنيته، وقيل: اسمه مَسْروح -بمهملات- أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، مات سنة 51 أو 52، أخرج له الجماعة. تقدم في 41/ 836. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وزيادًا، فانفرد به هو، والبخاري، وأبو داود.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن فيه مَن لُقِّبَ بصورة الكنية، وهو أبو بكرة، قيل له: أبو بكرة؛ لأنه تدلى من حصن الطائف ببكرة البئر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأعتقه يومئذ.
ومنها: أن فيه الأعلم، وهو لقب لزياد بن حسان، لقب به لأنه كان مشقوق الشفة العليا. يقال: عَلِمَ يَعلَم، من باب تعب: إذا انشقت شفته العليا، فالذكر أعلم، والأنثى عَلْمَاء، مثل أحمر وحمراء. قاله الفيومي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن زياد الأعلم) هو ابن حسان، من صغار التابعين، تقدم آنفًا سبب تلقيبه بالأعلم، أنه قال (حدثنا الحسن) البصري (أن أبا بكرة) نفيع بن الحارث رضي الله عنه (حدثه) في هذه الرواية رد على من أعلّ الحديث بعنعنة الحسن في أكثر الطرق. قال في "الفتح": وقد أعَلَّه بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه، وردّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة، عن الأعلم، قال:"حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه". أخرجه أبو داود، والنسائي
(1)
.
(أنه دخل السجد) زاد الطبراني من رواية عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه:"وقد أقيمت الصلاة، فانطلق يسعى"، وللطحاوي من رواية حماد بن سلمة، عن الأعلم:"وقد حفزه النفس". وفي رواية همام، عن زياد:"أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم"(والنبي صلى الله عليه وسلم راكع) جملة اسمية في محل نصب على الحال من فاعل "دخل"(فركع دون الصف) أي ركع أبو بكرة قبل أن يصل إلى الصف خوفًا من أن يفوته الركوع معه صلى الله عليه وسلم (فقال النبي صلى الله عليه وسلم) وفي رواية البخاري من طريق همام: "فذَكَرَ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية حماد عند الطبراني:"فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيكم دخل الصف، وهو راكع".
(1)
فتح جـ 2 ص 520.
(زادك الله حرصًا) أي اجتهاداً على الخير. يقال: حَرَصَ عليه حَرْصًا، من باب ضَرَبَ: إذا اجتهد، والاسم الحِرْصُ -بالكسر- وحَرصَ على الدنيا من باب ضرب أيضًا، ومن باب تَعِبَ لغة: إذا رَغِبَ رغبةً مذمومةً، فهو حريص، وجمعه حِراص، مثل ظريف وظراف. أفاده الفيومي. والمعنى الأول هو المناسب هنا. يعني أن منشأ هذا الفعل هو الحرص على العبادة، وإدراك فضل الركوع معه صلى الله عليه وسلم والحرصُ على الخير مطلوب محمود، فلذا دعا له بأن يزيده الله تعالى منه. وقال الزين بن المنير رحمه الله: صَوَّب النبي صلى الله عليه وسلم فعل أبي بكرة من الجهة العامة، وهي الحرص على إدراك فضيلة الجماعة، وخطَّأه من الجهة الخاصة. اهـ.
(لا تَعُدْ) قال الحافظ رحمه الله: ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله، وضم العين، من العَوْد، وحكى بعض شراح المصابيح أنه روي بضم أوله، وكسر العين، من الإعادة. انتهى.
قيل: معناه لا تَعُدْ إلى أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف. وقيل: معناه: لا تعد إلى أن تسعى إلى الصلاة سعيًا، بحيث يضيق عليك النفس. وقيل: لا تعد إلى الإبطاء. وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون عائدًا إلى المشي إلى الصف في الصلاة، فإن الخطوة والخطوتين، وإن لم تفسد الصلاة، لكن الأولى التحرز عنها
(1)
.
(1)
زهر الربى جـ 2 ص 118 - 119.
وقال الحافظ: لا تعد إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثم الركوع دون الصف، ثم المشي إلى الصف. وقد ورد ما يقتضي ذلك صريحًا في طرق حديثه، كما تقدم بعضها، وفي رواية عبد العزيز المذكورة: فقال: "مَن الساعي؟ " وفي رواية يونس بن عبيد، عن الحسن، عند الطبراني:"فقال: أيكم صاحب هذا النفس؟ قال: خشيت أن تفوتني الركعة معك". وله من وجه آخر عنه في آخر الحديث: "صل ما أدركت، واقض ما سبقك". وفي رواية حماد عند أبي داود وغيره: "أيكم الراكع دون الصعف"، وقد تقدم من روايته قريبًا:"أيكم دخل الصف وهو راكع".
وتمسك المهلب بهذه الرواية الأخيرة، فقال: إنما قال له: "لا تعد" لأنه مَثَّلَ بنفسه في مشيته راكعًا كمشية البهائم. اهـ
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما فسر به الحافظ هو الأولى؛ لأنه المفهوم من مجموع الروايات المذكورة، وأما الاقتصار على بعض المعاني، فيؤدي إلى إلغاء ما دلت عليه بقية الروايات.
والحاصل أنه نهاه عن العودة إلى مثل ما صنع من السعي الشديد؛ بحيث تتضايق نفسه، فيخل بالخشوع المطلوب، ومن الركوع دون الصف، ثم المشي إليه.
وأما ما قاله المهلب من أن سبب النهي هو التشبه بمِشْية البهائم،
(1)
فتح جـ 2 ص 520 - 521.
فليس بجيد؛ لأن أصل الركوع المأمور به فيه مشابهة أيضًا للبهائم، فلو كان هو سبباً للنهي، لما شُرِعَ، فتبصر. والله تعالى أعلم.
والحديث يدل على النهي عن الركوع قبل الوصول إلى الصف، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الرابعة إن شاء الله. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا 63/ 871، وفي "الكبرى" 63/ 943 بالسند المذكور.
وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل، عن هَمَّام، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عنه. وأبو داود فيه بسند المصنف نحوه. وأحمد جـ 5 ص 39، 45، 46. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو بيان حكم الركوع قبل أن يصل إلى الصف، وهو النهي، لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تَعُدْ" بعد قوله: "أيكم الراكع دون الصف".
ومنها: ما كان عليه الصحابة من المسارعة والحرص على إدراك الصلاة معه صلى الله عليه وسلم، عملاً بقوله تعالى:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} الآية [آل عمران: 133].
ومنها: إنكار الرئيس على أتباعه إذا رأى منهم منكرًا.
ومنها: الدعاء لمن يسارع إلى الخيرات.
ومنها: أن الحرص على الخير إنما يحمد إذا كان على الوجه المشروع، وإلا فيكون مذمومًا.
ومنها: أنه احتج به من رأى صحة الصلاة خلف الصف وحده، وقد تقدم الجواب عنه في الباب الماضي.
ومنها: أنه احتج به من يقول بإدراك الركعة لمن أدرك الركوع، حيث لم يأمره صلى الله عليه وسلم بالإعادة، وقد تقدم الجواب عنه أيضًا.
ومنها: أن من أدرك الإِمام على حال ينبغي له أن يصنع كما يصنع الإِمام، وقد ورد الأمر بذلك صريحًا في سنن سعيد بن منصور من رواية عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من أهل المدينة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وجدني قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، فليكن معي على الحالة التي أنا عليها". وفي الترمذي نحوه عن علي، ومعاذ بن جبل، مرفوعًا، وفي إسناده ضعف، ولكنه ينجبر بطريق سعيد بن منصور المذكورة. قاله في "الفتح"
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
(1)
جـ 2 ص 521.
المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في حكم الركوع قبل الوصول إلى الصف:
ذهب قوم إلى أن من أدرك الإِمام راكعًا يركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم يَدِبُّ حتى يدخل فيه.
رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" جـ 1 ص 255 - 256 عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وسعيد بن جبير، وأبي سلمة، وعطاء. ورواه البيهقي في سننه جـ 2 ص 90 عن أبي بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وفي سنده مكحول مدلس، وقد عنعنه.
واستُدِلَّ لهؤلاء بما أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن عطاء أنه سمع ابن الزبير على المنبر، يقول:"إذا دخل أحدكم المسجد، والناس ركوع، فليركع حين يدخل، ثم يدبّ راكعًا حتى يدخل في الصف، فإن ذلك سنة". قال الحافظ أبو بكر الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن فيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلس. وقد حاول الشيخ الألباني في تصحيحه، ولكنه ما أتى بما يزيل تدليس ابن جريج، وغاية ما استدل به، أن ابن جريج قال في آخر الحديث: وقد رأيت عطاء يصنع ذلك. قال: هذا مما يشعر أنه تلقى
ذلك عنه مباشرة؛ لأنه يبعد جِدّاً أن يكون سمعه عنه بالواسطة، ثم يراه يعمل بما حدث به عنه، ثم لا يسأله عن الحديث، ولا يعلو به، هذا بعيد جِدّاً، فالصواب أن الإسناد صحيح. انتهى كلامه.
قال الجامع: هذا الذي قاله الشيخ عجيب منه، فهل مثلُ هذا الكلام يقال في كل مدلس عنعن، أم في ابن جريج فقط؟ فهلا قال مثل هذا في الحديث الآتي:"إذا أتى أحدكم إلى الصلاة، فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف". ورجاله رجال الصحيح أيضًا، فقد أعله بتدليس عمر بن علي المقدمي مع قوله: حدثنا ابن عجلان، فقال ما معناه: كان يقول: حدثنا، ثم يسكت
(1)
. فهلا قال فيه: من البعيد أن يكون عمر دلسه بالسكوت، ثم لا يبينه محمد بن أبي بكر الراوي عنه، وهو ابن أخيه يعرفه حق المعرفة، هذا بعيد جِدّاً؟.
والحاصل أن حديث ابن الزبير لا يصح لعنعنة ابن جريج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وذهب آخرون إلى النهي عنه، منهم أبو هريرة، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي. فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن أبي هريرة، أنه قال: لا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف. وفي لفظ: إذا ركعت، والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مقامك من الصف. وأخرج عن الحسن أنه سئل عن الرجل يركع قبل أن يصل إلى الصف؟ فقال: لا
(1)
هذا هو التدليس المسمى في المصطلح بتدليس القطع.
يركع. وعن مغيرة، قال: قلت لإبراهيم: إذا دخلتُ المسجد، والإمام راكع، أركع قبل أن أنتهي إلى الصف؟ قال: لا تفعل ذلك.
واستُدِلَّ لهؤلاء بحديث أبي بكرة رضي الله عنه المذكور في الباب، فإن قوله:"لا تعد" بعد قوله: "أيكم الراكع دون الصف؟ " صريح في النهي عنه. وبما أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: حدثني عمر بن علي، قال: ثنا ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف، حتى يأخذ مكانه من الصف". انتهى
(1)
.
حسنه الحافظ في "الفتح"، وقال الشيخ الألباني: ظاهره الصحة، وقال أيضًا: إن الرجال كلهم ثقات، لكنه أعله بما تقدم ذكره، وقد عرفت أن تصحيحه لحديث ابن الزبير، وفيه عنعنة المدلس، وتضعيفه هذا بالتدليس غير جيد، فإن الطريق الذي صحح به ذاك منطبق على هذا، بلا فرق، وتقويته له بالآثار المذكورة فيه معارض بمثله من الآثار التي ذكرت في هذا.
وأقوى الدليل لهم حديث أبي بكرة، هذا، فإنه صريح في النهي عن الركوع دون الصف.
والحاصل أن أقوى المذهبين في هذه المسألة مذهب من قال بالنهي عن الركوع دون الصف، لحديث أبي بكرة هذا، وما حاول به الشيخ
(1)
شرح معاني الآثار جـ 1 ص 396.
الألباني في سلسلته الصحيحة جـ 1 ص 404 - 408، مع اعترافه بكونه ظاهراً في النهي المذكور، إلا أنه اضطر إلى تأويله لئلا يختلف مع حديث ابن الزبير المذكور؛ حيث إنه يرى صحته، مع ما عرفت من ضعفه -غير مقبول، إذ تأويل الحديث الصحيح عن ظاهره ليوافق حديثًا ضعيفًا غير معقول، وما ذكره من التقوية بالآثار التي تقدم ذكرها فلا يلتفت إليه، لوجود ما يعارضها من الآثار في الجانب الآخر، كما ذكرته آنفا. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
872 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ أَلَا تُحَسِّنُ صَلَاتَكَ، أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي كَيْفَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ؟ إِنِّي أُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي، كَمَا أُبْصِرُ بَيْنَ يَدَيَّ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(محمد بن عبد الله بن المبارك) المُخَرِّمِيُّ، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة بضع وخمسين ومائتين، من [11]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في 43/ 50.
2 -
(أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي، مولاهم الكوفي، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، مات سنة 201، من كبار [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 44/ 52.
3 -
(الوليد بن كثير) المخزومي، أبو محمد المدني، ثم الكوفي، صدوق عارف بالمغازي، رُمِي برأي الخوارج، مات سنة 151، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 44/ 52.
4 -
(سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري، أبو سَعْد المدني، ثقة، من [3]، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في سنة 120، أخرج له الجماعة، تقدم في 95/ 117.
5 -
(كيسان) أبو سعيد المقبري المدني مولى أم شريك، ويقال: هو الذي يقال له: صاحب العباء، ثقة ثبت، من [3].
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة 100، وقال ابن سعد: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك. وقال النسائي: لا بأس به. وقال إبراهيم الحربي: كان ينزل المقابر، فسمي بذلك. وقيل: إن عمر جعله على حفر القبور، فسمي المقبري، وجعل نعيمًا على إجمار المسجد، فسمي المجمر. قال الحافظ: هذا بعيد من الصواب، وما أظن نعيمًا أدرك عمر.
وقال البخاري في صحيحه: قال إسماعيل بن أبي أويس: إنما سمي المقبري؛ لأنه كان ينزل ناحية المقابر. وزعم الطحاوي في بيان المشكل أنه مات سنة 125، وهو وَهَم منه، فإن ذاك تاريخ وفاة ابنه
سعيد، وحاول الطحاوي بذلك إنكار سماعه من أبي رافع، ومن الحسن بن علي، ولا إنكار في ذلك؛ لأن البخاري قد جزم بأن أبا سعيد سمع من عمر، ولو صح ما قال الطحاوي لكان عُمْرُ أبي سعيد أكثر من مائة وعشرين سنة، وهذا لم يقله أحد. وقد صرح أبو داود في روايته لحديث أبي سعيد، عن أبي رافع بالسماع.
وفرق ابن حبان في الثقات بين كيسان صاحب العباء روى عن عمر، وعنه أبو صخر، وبين كيسان مولى أم شريك، يكنى أبا سعيد، وهو المعروف بالمقبري؛ لأن منزله كان بالقرب من المقابر، فالله أعلم. أخرج له الجماعة
(1)
.
6 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد هو به، والبخاري، وأبو داود، وأنهم مدنيون إلا شيخه، فبغدادي، وأبا أسامة فكوفي، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة، أكثر الصحابة رواية، روى 5374 حديثًا. والله تعالى أعلم.
(1)
"تت" جـ 8 ص 453 - 454. "ت" ص 278.
شرح الحديث
(عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبيه) كيسان، هكذا عند المصنف، ومسلمٍ من طريق الوليد بن كثير، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة بزيادة:"عن أبيه". وكذا عند ابن خزيمة في صحيحه رقم 4474 من طريق عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد و664، من طريق أبي خالد -أعني الأحمر- عن محمد بن إسحاق، عن سعيد. ووقع في مسند أحمد جـ 2 ص 449 من طريق يزيد -أعني ابن هارون- عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة .. بدون ذكر "عن أبيه".
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا) وفي رواية أحمد، وابن خزيمة "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر"، وعند ابن خزيمة من طريق أبي خالد المذكورة:"العصر"، (ثم انصرف) أي سَلَّم من الصلاة. ولفظ أحمد من طريق يزيد، عن ابن إسحاق المذكورة:"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الظهر، وفي مؤخر الصفوف رجل، فأساء الصلاة، فلما سلم، ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا فلان، ألا تتقي الله، ألا ترى كيف تصلي، إنكم ترون أني يخفى علي شيء مما تصنعون، والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يديّ".
ولفظ ابن خزيمة من طريق عبد الأعلى المذكورة: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فلما سلم، نادى رجلاً كان في آخر الصفوف،
فقال: "يا فلان ألا تتقي الله، ألا تنظر كيف تصلي، إن أحدكم إذا قام يصلي، إنما يقوم يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه، إنكم ترون أني لا أراكم، إني والله لأرى من خلف ظهري كما أرى من بين يدي".
ولفظه من طريق أبي خالد المذكورة، عن ابن إسحاق: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فبصر برجل يصلي، فقال:"يا فلان، اتق الله، أحسن صلاتك، أترون أني لا أراكم، إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي، أحسنوا صلاتكم، وأتموا ركوعكم وسجودكم".
(فقال: يا فلان ألا) أداة استفتاح وتنبيه (تُحسن صلاتك) من التحسين. أو الإحسان. يقال: حسَّنَ الشيءَ: إذا زَيَّنَهُ. أفاده في "مختار الصحاح". ويقال: أحسنتُ الشيءَ: عَرَفته، وأتقنته. كما في المصباح، ونحوُه في "ق" والمختار
(1)
.
أي ألا تُزَينُ صلاتك وتُتْقِنها بإتمام الركوع والسجود، والخشوع (ألا ينظر المصلي كيف يصلي لنفسه) ولفظ مسلم:"ألا ينظر المصلي إذا صلى، كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه".
يعني أن نفع الصلاة لنفس المصلي، فمن واجبه أن يتقن أعمالها؛ لأنه إنما يصلي لنفسه، ومعلوم أن كل من يعمل لنفسه يتقن عمله؛ حيث إن نفعه يعود له، لا لغيره (إِني أبصر) وفي نسخة: "فإني
(1)
راجع "ق" ص 1534 طبع مؤسسة الرسالة، و"المصباح" جـ 1 ص 136، و"المختار" ص 58.
أبصر"، وفي رواية مسلم: "إني والله لأبصر" وهو من الإبصار (من ورائي، كما أبصر بين يديّ) وفي الكبرى "من بين يدي" بزيادة "من". أي: إني انظر من وراء ظهري معجزةً مثل ما أرى من أمامي عادةً.
وقال السندي رحمه الله: يحتمل أدن تكون "من" جارّة، أو موصولة. اهـ.
قال الجامع: هذا الذي قاله يَعْتَمدُ عَلى صحة الرواية بالوجهين، وإلا فما صحت به الرواية هو المتعين. والله تعالى أعلم.
قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له صلى الله عليه وسلم إدراكًا في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به. قال القاضي عياض: قال أحمد بن حنبل رحمه الله، وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقةً. انتهى
(1)
.
تنبيه:
استنباط المصنف من هذا الحديث حكم ما ترجم له بعيد جدّاً، كما أشرف إليه في أول الباب؛ لأنه ليس في الحديث أن ذلك الرجل كان خلف الصف وحده، بل في رواية أحمد ما يدل على أنه كان داخل الصف؛ حيث قال: "وفي مؤخر الصفوف رجل
…
" ولفظ
(1)
شرح مسلم جـ 4 ص 149 - 150.
ابن خزيمة: "نادى رجلاً كان في آخر الصفوف
…
" فإنه ظاهر في كونه في الصف، لا خارجه. فتبصر. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه.
أخرجه المصنف هنا 63/ 872، وفي "الكبرى" 63/ 944 بالسند المذكور.
وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه.
وأخرجه أحمد جـ 2 ص 449. وابن خزيمة رقم 474 و664. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: مشروعية إنكار الرئيس على رعيته إذا رأى منهم تقصيرًا في الأمور الشرعية، ولاسيما ما يتعلق بالصلاة.
ومنها: أنه ينبغي للمصلي أن يعتقد أن صلاته لنفسه، فيؤديها
بواجباتها، ومسنوناتها، ومستحباتها حتى يكون نفعها له أتم.
ومنها: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حلف كما تقدم في رواية مسلم، قال النووي رحمه الله: لكن المستحب تركه إلا لحاجة، كتأكيد أمر وتفخيمه، والمبالغة في تحقيقه، وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف. اهـ
(1)
.
ومنها: إثبات معجزة باهرة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث جعله الله تعالى يرى من خلفه كما يرى من أمامه صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ألفية السيرة:
أكْثَرُ الأنْبِيَاءِ حَقَّاً تَبَعَا
…
يَرَى مَنْ خَلْفَة كَقُدَّامٍ مَعَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
(1)
شرح مسلم جـ 2 ص 149 - 150.
64 - الصَّلَاةِ بَعْدَ الظُّهْرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على مشروعية الصلاة النافلة بعد أداء صلاة الظهر.
ثم إنه لا وجه لذكر هذا الباب والذي بعده هنا، بل محله [كتاب قيام الليل، وتطوع النهار] كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وذكر أحاديث البابين في الكبرى في أوائل كتاب الصلاة خلال بيان أعداد الصلوات، وهو أنسب مما هنا، فالله تعالى أعلم.
873 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
1 -
(قتيبة بن سعيد) البغلاني، ثقة ثبت، من [10]، تقدم في 1/ 1.
2 -
(مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، ثقة ثبت حجة، من [7]، تقدم في 7/ 7.
3 -
(نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه، من [3]، تقدم في 12/ 12.
4 -
(ابن عمر) هو عبد الله العدوي الصحابي رضي الله عنهما، تقدم في 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله، وهو 64 من رباعيات الكتاب.
ومنها: أنه مسلسل بالثقات الفقهاء، المدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، والظاهر أنه دخل المدينة.
ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة بالرواية لهم.
ومنها: أنه من أصح الأسانيد على ما قاله الإِمام البخاري، وهو المعروف عند المحدثين بسلسلة الذهب، روى الخطيب البغدادي رحمه الله في "الكفاية" عن يحيى بن بكر أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة، ليس ذا زعْزَعَة عن زَوْبَعَة، إنما ترفع الستر، فتنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. اهـ
(1)
.
ومنها: أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، واحد المكثرين السبعة، روى 2630 حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي
(1)
انظر تدريب الراوي جـ 1 ص 78.
قبل الظهر) أي قبل صلاة الظهر (ركعتين). وفي رواية مسلم، ورواية للبخاري:"سجدتين" بدل "ركعتين" في الكل. والمراد بهما الركعتان. وفي رواية للبخاري: "حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات؛ ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعة لا يُدْخَلُ على النبي صلى الله عليه وسلم فيها:(وبعدها ركعتين).
وفي هذا الحديث الاقتصار على ركعتين قبل الظهر، وسيأتي للمصنف برقم 56/ 1757، من حديث عائشة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين قبل الفجر". ويجمع بأن كل واحد منهما وصف ما رأى، ويحتمل أن يكون ابن عمر رضي الله عنه نسي ركعتين من الأربع، وهذا -كما قال الحافظ- احتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالتين، فكان تارة يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعًا.
وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، وفي بيته يصلي أربعًا. ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى المسجد، فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، ويقوي الأول ما رواه مسلم
(1)
، وأحمد، وأبو داود في حديث عائشة رضي الله عنها: "كان
(1)
عزا في الفتح هذا الحديث لأحمد، وأبي داود، وهو في مسلم أيضًا، فكان الأولى عزوه إليه أيضًا. فتنبه.
يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج، فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين". قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها
(1)
.
(وكان يصلي بعد المغرب ركعتين في بيته) قيد للركعتين بعد المغرب، ومثله العشاء، لما تقدم في رواية البخاري، وفي رواية له:"فأما المغرب والعشاء ففي بيته".
(وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف) أي يرجع إلى بيته (فيصلي ركعتين) بالرفع، لا بالنصب. قاله العيني
(2)
.
وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر رضي الله عنه ذكر الجمعة بعد الظهر من أجل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر، واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدهما في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت. انتهى.
قال في "الفتح": وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى. انتهى
(3)
. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
أفاده في الفتح جـ 3 ص 377.
(2)
عمدة القاري جـ 6 ص 250.
(3)
فتح جـ 3 ص 95.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 64/ 873، وفي "الكبرى" 18/ 344، وأعاده في الجمعة 45/ 1427 بالجزء الأخير فقط:"وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين" ومثله في "الكبرى" في "الجمعة" 39/ 1745 بالسند المذكور. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الجمعة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع، عنه. ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، به. ومالك في "الموطأ" رقم 121. وأحمد جـ 2 ص 63، 87. والدارمي رقم 1444 و1581. وابن خزيمة 187.
وأخرجه من طريق أيوب، عن نافع، البخاري عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد. والترمذي عن الحسن بن علي الحلواني الخلال، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلاهما عن أيوب به. وأحمد جـ 2 ص 6، 35. وابن خزيمة رقم 1197، 1869.
ومن طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، البخاري عن مسدد، عن يحيى بن سعيد. ومسلم عن زهير بن حرب، وعبيد الله بن سعيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة. والمصنف في الكبرى عن أحمد بن سليمان، عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر، به. وأحمد جـ 2 ص 17، 75، 77.
ومن طريق الليث بن سعد، عن نافع، مسلم عن يحيى بن يحيى، ومحمد بن رُمْح، وقتيبة. وابن ماجه عن محمد بن رمح. والترمذي عن قتيبة. والمصنف في الكبرى عن قتيبة، ثلاثتهم عن الليث به. وأحمد جـ 2 ص 123. ولفظ رواية الليث:"أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف، فصلى سجدتين في بيته، ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك"
(1)
.
وبقية المسائل ستأتي في محلها، من "كتاب الجمعة"، و"كتاب قيام الليل، وتطوع النهار" إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
(1)
راجع "المسند الجامع" جـ 1 ص 186 - 188.
65 - الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَذِكْرِ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الصلاة النافلة قبل أداء صلاة العصر. وفي بيان اختلاف الرواة الناقلين للحديث عن أبي إسحاق السبيعي فيه.
874 -
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَيُّكُمْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: إِنْ لَمْ نُطِقْهُ سَمِعْنَا، قَالَ: كَانَ إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الْعَصْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا كَانَتْ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الظُّهْرِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَيُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا ثِنْتَيْنِ، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمٍ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالنَّبِيِّينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدري أبو مسعود البصري، ثقة، مات سنة 248، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 42/ 47.
2 -
(يزيد بن زُرَيع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة 182، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 5/ 5.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة المثبت، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 26.
4 -
(أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد مكثر مدلس، اختلط بآخره، مات سنة 129، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 38/ 42.
5 -
(عاصم بن ضَمْرَة) السَّلُولي الكوفي، صدوق من [3]، قيل: إنه أخو عبد الله بن ضمرة.
روى عن علي، وحَكى عن سعيد بن جبير، وهو أكبر منه. وعنه أبو إسحاق السبيعي، ومنذر بن يعلى الثوري، والحكم بن عتيبة، وكثير بن زاذان، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم.
قال يحيى بن سعيد عن الثوري: كنا نعرف فضل حديث عاصم على حديث الحارث. وقال حرب عن أحمد: عاصم أعلى من
الحارث. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: قُدِّمَ عاصمٌ على الحارث الأعور. وقال ابن عمار: عاصم أثبت من الحارث. وقال علي بن المديني، والعجلي: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث وقال البزار: هو صالح الحديث، وأما حبيب بن أبي ثابت، فروى عنه مناكير، وأحسب أن حبيبًا لم يسمع منه، ولا نعلمه روى إلا عن علي إلا حديثًا أخطأ فيه مسكين بن بكير، فرواه عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن ابن أبي بصير، عن أبي بن كعب.
وهذا مما لا يشك في خطئه، يعني أن الحديث معروف لأبي إسحاق عن ابن أبي بصير، ليس بينهما عاصم مع أن مسكيناً لم يتفرد بهذا، فقد رواه معمر بن سليمان الرقي، عن الحجاج كذلك، والوهم فيه من حجاج بن أرطأة.
وقال أبو إسحاق الجُوزَجاني: هو عندي قريب من الحارث. وروى عنه أبو إسحاق حديثًا في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم ست عشرة ركعة، فَيَالَعِبَاد اللهِ، أما كان ينبغي لأحد من الصحابة، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يحكي هذه الركعات؟
…
إلى أن قال: وخالف عاصم الأمة واتفاقها، فروى في خمس وعشرين من الإبل خمسًا من الغنم.
قال الحافظ: تعصبُ الجوزجاني على أصحاب علي معروف، ولا إنكار على عاصم فيما روى، هذه عائشة أخص أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول لسائلها عن شيء من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم: سل عليًا، فليس بعجب أن
يروي الصحابي شيئًا يرويه غيره من الصحابة بخلافه، ولاسيما في التطوع، وأما حديث الغنم فلعل الأمة فيه
(1)
ممن بعد عاصم، وقد تبع الجوزجانيَّ في تضعيفه ابنُ عدي، فقال: وعن علي بأحاديث باطلة، لا يتابعه الثقات عليها، والبلاء منه. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ على أنه أحسن حالاً من الحارث. وقال خليفة: مات في ولاية بشر بن مروان سنة 74، وكذا أرخه ابن سعد، أخرج له الأربعة
(2)
.
6 -
(علي) بن أبي طالب الهاشمي أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين، أبو الحسن رضي الله عنه، تقدم في 74/ 91. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله موثقون، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وعاصمًا، فما أخرج له الشيخان، وأن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيون، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ أبو إسحاق، عن عاصم، والله تعالى أعلم.
(1)
هكذا في "تت" ولعل الصواب: فلعل الوهم فيه إلخ، فليحرر.
(2)
"تت" جـ 5 ص 45 - 46. "ت" ص 159. "تك" جـ 13 ص 496 - 499.
شرح الحديث
(عن عاصم بن ضمرة) السلولي، أنه (قال: سألنا عليًّا) هو ابن أبي طالب رضي الله عنه، وفي نسخة:"سالت عليّاً"(عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي تطوعه، ولفظه عند أحمد، وابن ماجه من طريق وكيع، ثنا سفيان، وأبي، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرَة السَّلُولي، قال: سألنا عليّاً عن تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهار؟ فقال: إنكم لا تطيقونه، فقلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما استطعنا، قال. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر يُمْهِلُ حتى إذا كانت الشمس من هاهنا، يعني من قبل المشرق بمقدارها من صلاة العصر من هاهنا، يعني من قبل المغرب، قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا، يعني من قبل المشرق مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا قام فصلى أربعًا، وأربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر، يفصل بين كل تسليمتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين.
قال علي: فتلك ست عشرة ركعة تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهار وقَلَّ من يداوم عليها.
وزاد في رواية ابن ماجه: قال وكيع: زاد فيه أبي: فقال حبيب ابن أبي ثابت: يا أبا إسحاق ما أحب أن لي بحديثك هذا ملء مسجدك هذا ذهبًا.
(قال) علي رضي الله عنه: (أيكم يطيق ذلك؟) استفهام إنكاري، أي إنكم لا تطيقون القيام به، وفي رواية أحمد، وابن ماجه المذكورة:"إنكم لا تطيقونه"(قلنا: إِن لم نطقه سمعنا) أي إن لم نطق العمل بكله، سمعنا، فعملنا بما نستطيع، ففي رواية أحمد وابن ماجه المذكورة:"فقلنا: أخبرنا به، نأخذْ منه ما استطعنا".
(قال: كان إِذا كانت الشمس من ههنا) يعني من قبل المشرق (كهيآتها من ههنا عند العصر) أي كمقدار ارتفاعها من جهة المغرب عند صلاة العصر، والمراد به وقت صلاة الضحى (صلى ركعتين) والحاصل أنه إذا ارتفعت الشمس عن جانب المشرق مقدار ارتفاعها من جانب المغرب وقت العصر صلى ركعتين، وهي صلاة الضحى، وسماها بعضهم صلاة الإشراق.
واستدل به لأبي حنيفة رحمه الله على أن وقت العصر بعد المثلين، وفيه نظر لا يخفى؛ لأن هذا الحديث ليس فيه أن الشمس كانت عند المثلين، فلا يعارض النصوص الصحيحة الصريحة التي دلت على أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثلَهُ، ولو سلم فهي مقدمة عليه، لقوَّتِهَا، وكونها صريحة، وقد تقدم تمام البحث فيه في [باب أول وقت العصر] من "كتاب المواقيت" فارجع إليه تستفد.
وقال صاحب "إنجاح الحاجة": هذه الصلاة هي الضحوة الصغرى، وهو وقت الإشراق، وهذا الوقت هو أوسط وقت الإشراق
وأعلاها، وأما دخول وقته فبعد طلوع الشمس، وارتفاعها مقدار رمح، أو رمحين حين تصير الشمس بازغة، ويزول وقت الكراهة، وأما الصلاة الثانية فهي الضحوة الكبرى. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: فيه أن هذا ليس وسط وقت الإشراق، لما سيأتي في "الكبرى" أن هذا الوقت مقدار رمح، أو رمحين، ولفظه:"كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، يعني من مطلعها قدر رمح، أو رمحين كقدر صلاة العصر من مغربها صلى ركعتين"
…
فدلّ على أن هذا الوقت هو أول وقت زوال الكراهة. فتدبر. والله تعالى أعلم بالصواب.
(فإِذا كانت) الشمس (من ههنا) يعني من قبل المشرق (كهيآتها من ههنا عند الظهر) أي كمقدار ارتفاعها من جهة المغرب وقت صلاة الظهر (صلى أربعًا) وتسمى هذه الصلاة صلاة الأوابين، ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الأوابين حين تَرْمَضُ الفصال".
و"ترمض" -بفتح التاء، والميم-: أي تحترق، و"الفصال" جمع فَصِيل: ولد الناقة إذا فُصِلَ عن أمه، يعني حين تحترق أخفافها من شدة حر النهار.
(ويصلي قبل الظهر أربعًا) أي بعد الزوال، ففي الرواية
(1)
انظر "تحفة الأحوذي" جـ 3 ص 212 - 213.
المتقدمة: "وأربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس"(وبعدها ثنتين) أي يصلي بعد صلاة الظهر ركعتين.
وفيه استحباب أربع قبل الظهر، وركعتين بعدها، وقد ثبت في غير حديث علي رضي الله عنه أربع بعدها أيضًا، ففي حديث أم حبيبة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وسيأتي للمصنف 67/ 1816.
(ويصلي قبل العصر أربعًا) أي يصلي قبل صلاة العصر أربع ركعات (يفصل) جملة فعلية في محل نصب على الحال من فاعل "يصلي"(بين كل ركعتين بتسليم) ولأحمد، والترمذي:"بالتسليم" معرفًا (على الملائكة المقربين والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين) المراد بالمسلمين هم المؤمنون، فيكون العطف للتفسير.
وأراد بالتسليم التشهد، كما قاله إسحاق بن إبراهيم، ذكره عنه الترمذي، وسمي تسليمًا لما فيه من قول:"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، وهذا هو الظاهر، وتؤيده الرواية الثانية:"يجعل التسليم في آخره"، يحمل ذلك التسليم على تسليم الخروج. والله تعالى أعلم. أفاده السندي رحمه الله تعالى
(1)
.
(1)
شرح السندي جـ 2 ص 120.
وقال البغوي رحمه الله: المراد بالتسليم التشهد، دون السلام. أي وسمي تسليمًا على مَنْ ذُكِرَ لاشتماله عليه، وكذا قاله ابن الملك، قال الطيبي: ويؤيده حديث عبد الله بن مسعود: كنا إذا صلينا قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، وكان ذلك في التشهد. انتهى.
وقال الحافظ العراقي رحمه الله: حمل بعضهم هذا على أن المراد بالفصل بالتسليم التشهُد؛ لأن فيه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى عباد الله الصالحين. قاله إسحاق بن إبراهيم، فإنه كان يرى صلاة النهار أربعًا، قال: وفيما أوَّلَهُ عليه بُعدٌ. انتهى.
قال المباركفوري رحمه الله: لا بُعْدَ عندي فيما أوَّلَه عليه، بل هو الظاهر القريب، بل هو التعين، إذ النبيون والمرسلون لا يحضرون الصلاة حتى ينويهم المصلي بقوله:"السلام عليكم"، فكيف يراد بالتسليم تسليم التحلل من الصلاة، هذا ما عندي. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على التشهد هو الأرجح عندي، لظاهر الرواية الأخرى؛ حيث إن فيها "يجعل التسليم في آخر ركعة"، فإن المراد به تسليم الخروج؛ ولأن تسليم التحلل ليس فيه تسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين، وإنما هذا معنى قول المصلي في التشهد:"السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين"، فقد صح تفسيره صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى، فقد أخرج الشيخان
وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، وميكائيل، السلام على فلان، وفلان، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". متفق عليه.
فقد بَيَّنَ في هذا الحديث معنى التسليم المذكور في حديث علي رضي الله عنه، وخير ما يفسر به الحديث ما جاء في حديث آخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر بعض اختلاف الرواة على أبي إسحاق السبيعي في رواية هذا الحديث، فقال:
875 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّهَارِ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ؟ قَالَ: مَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ ثُمَّ أَخْبَرَنَا، قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي حِينَ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَجْعَلُ التَّسْلِيمَ فِي آخِرِهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيُّ البصري، ثقة ثبت حافظ، مات سنة 252، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 64/ 80.
2 -
(محمد بن عبد الرحمن) الطُّفَاوي أبو المنذر البصري، صدوق يَهِمُ، من [8].
قال محمد بن عبد الله الحضرمي، عن أحمد بن حنبل: كان يدلّس. وقال الدُّوري، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال علي بن الحسين بن حبان: وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا -يعني يحيى بن معين- عن محمد بن عبد الرحمن الطُّفَاوي؟ فقال: قَدِمَ علَيْنا هاهنا، لم يكن به بأس، البصريون يرضونه. وقال علي بن المديني: كان ثقة. وقال أبو داود، وأبو حاتم: ليس به بأس، زاد أبو حاتم: صدوق صالح، إلا أنه يَهِمُ أحيانَّاَ. وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي العلل لابن أبي حاتم: قال أبو زرعة: الطفاوي صدوق،
إلا أنه يهم أحيانًا.
وقال أبو حاتم أيضًا: ضعيف الحديث. وقال الدارقطني: قد احتج به البخاري. وقال ابن عدي: وعامة رواياته إفرادات وغرائب، وكلها يُحتَمَلُ، ويكتب حديثه، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، وإنما ذكرته لأحاديث أيوب التي انفرد بها، وكل محتمل، ولا بأس به. قال الحافظ: لكنه أورد ما رواها عن هشام بن عروة، والذنب فيها لغير الطفاوي، فإنها من رواية عمرو بن عبد الجبار السخاوي، عن الطفاوي، وقد أورد له ابن عدي الحديث الأول في ترجمته، وهو المتهم به. قال عبد الباقي بن قانع: مات سنة 187، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي
(1)
.
3 -
(حصين بن عبد الرحمن) السلمي أبو الهُذَيل الكوفي، ثقة تغير حفظه في الآخر، مات سنة 136، أخرج له الجماعة. تقدم في 47/ 846.
والباقون تقدموا في السند السابق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عاصم بن ضمرة) السَّلُولي، أنه (قال: سألت علي بن أبي طالب) وفي الرواية السابقة "سألنا عليّاً" (عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
"تت" جـ 9 ص 309 - 310، "تك" جـ 25 ص 652 - 655. "ت" 308.
في النهار قبل المكتوبة) أي عن تطوعه قبل أن يصلي الصلاة المفروضة. (قال) علي: (من يطيق ذلك؟) استفهام إنكاري، استعظامًا لشأنه، واستبعادًا لقيامهم بحقه، كما يدل عليه قوله في رواية أحمد، وابن ماجه في آخره:"وقلَّ من يداوم عليها".
(ثم أخبرنا، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي) جملة "قال" إلخ تفسير لقوله: "أخبرنا"(حين ترتفع الشمس ركعتين) وهكذا في الكبرى 15/ 338، وفي نسخة من "المجتبى":"حين تزيغ الشمس"، أي تميل عن وسط السماء، والمراد ميلها الذي قبل الزوال، لا بعده، فيكون بمعنى "ترتفع الشمس" فلا تخالف بين النسختين، فتنبه.
(و) يصلي (قبل نصف النهار أربع ركعات، يجعل التسليم في آخره) لعل تذكيره للضمير لتأويله بالمُصَلَّى، أي يجعل التسليم في آخر ما صلاه. وفي الكبرى:"يجعل التسليم في آخر ركعة"، وهو واضح.
قال الجامع عفا الله عنه: بيَّن المصنف رحمه الله في هذه الرواية اختلاف أصحاب أبي إسحاق في الرواية عنه.
ووجه ذلك أن سياق حصين بن عبد الرحمن مخالف لسياق شعبة، مع أن كلاً منهما رواه عن أبي إسحاق السبيعي، ففي رواية شعبة:"سألنا عليّاً" وفي رواية حصين: "سألت عليًا" وفي روايته زيادة قولِهِ: "في النهار قبل المكتوبة"، وقَولِهِ:"يجعل التسليم في آخره".
ويحتمل أن يريد بالاختلاف الاختلافَ في محل التسليم فقط؛ حيث إنه في رواية شعبة: "يفصل بين كل ركعتين بالتسليم"، وفي رواية حصين:"يجعل التسليم في آخره". والله تعالى أعلم.
هذا هو الاختلاف الواقع فيما ساقه في "المجتبى"، وليس هو تمام الاختلاف، بل اختصره اختصارًا شديدًا، مع كونه ترجم لبيان الاختلاف الواقع على أبي إسحاق، ولا أدري سبب اختصاره، وقد بَيَّن الاختلاف بيانًا شافيًا في "الكبرى"، ودونك بيانه فيه:
قال رحمه الله تعالى:
"ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي في ذلك"
337 -
أخبرنا واصل بن الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي أنه سئل عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نحب أن نعملها، قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، يعني من مطلعها قدر رمح أو رمحين، كقدر صلاة العصر من مغربها صلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا ارتفع الضحى صلى أربع ركعات،
ثم يمهل حتى إذا زالت الشمس صلى أربع ركعات قبل الظهر حين تزول الشمس، فإذا صلى الظهر صلى بعدها ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات، فذلك ست عشرة ركعة".
338 -
أَنبأنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى النَّهَارِ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ، قَالَ:"مَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟، ثُمَّ أَخْبَرَه، قَالَ: كَانَ يُصَلِّي حِينَ ترتفع الشَّمْسُ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَجْعَلُ التَّسْلِيمَ فِى آخِرِ ركعة، وقبل الظهر أربع ركعات، يجعل التسليم في آخر ركعة، وبعدها أربع ركعات، يجعل التسليم في آخر ركعة"
339 -
أنبأنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا يزيد -وهو ابن زريع- .... إلى ما ساقه هنا في "المجتبى" في أول الباب.
340 -
أنبأنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال: سألنا علياً عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إنكم لن تطيقوها
(1)
قلنا: فأخبرنا، فإنا نحب أن نعملها، قال: إذا كان الشمس من قبل
(1)
هكذا النسخة "إنكم لن تطيقوها"، ولعله سقط منه لفظ:"فقال"، أو نحوه، فليحرر.
المشرق كنحوٍ من صلاة العصر، قام فصلى ركعتين، ثم يمهل الشمس حتى إذا كانت من مشرقها كنحوٍ من صلاة الأولى صلى أربع ركعات، ثم ينطلق إلى أهله، فينتقل إن بدا له، ثم يقوم حين تميل الشمس، فيصلي أربع ركعات، ثم يصلي بعد الظهر ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات.
341 -
أنبأنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي دبر كل مكتوبة ركعتين، إلا العصر والصبح. انتهى ما في "الكبرى" جـ 1 ص 147 - 148. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث علي رضي الله عنه هذا حديث حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا 65/ 874، 875، بالإسنادين المذكورين. وقد تقدم بيان مواضعه في "الكبرى" بالتفصيل قريبًا.
وأخرجه الترمذي في "الصلاة" عن محمود بن غيلان، عن وهب
ابن جرير، وعن ابن المثنى، عن غندر كلاهما عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عنه. وقال: حديث حسن. وقال إسحاق: أحسن شيء روي في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار هذا.
وابن ماجه فيه عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن أبيه، وسفيان، وإسرائيل، ثلاثتهم عن أبي إسحاق نحوه.
وأحمد جـ 1 ص 85، 143، 111، 147، 160. وعبد الله بن أحمد 142، 143، 146. وابن خزيمة رقم 1211. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان استحباب التطوع قبل صلاة العصر.
ومنها: ما كان عليه السلف من شدة حرصهم على معرفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتدوا به فيها.
ومنها: بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم من تكثير النوافل، مع كونه غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ليكون عبدًا شكورًا، كما قال لعائشة رضي الله عنها:"أفلا أكون عبدًا شكورًا".
ومنها: استحباب صلاة ركعتين عند ارتفاع الشمس من مطلعها بعد خروج وقت الكراهة بارتفاع الشمس قدر رمح، أو رمحين، ويسميهما بعض العلماء صلاة الإشراق.
ومنها: استحباب صلاة أربع ركعات قبل الزوال، وأربع بعده قبل صلاة الظهر بتسليمة واحدة، ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"؛ لأن الحديث مختلف في صحته، وإنما المتفق عليه:"صلاة الليل مثنى مثنى"، وعلى تقدير صحته يحمل على بيان الجواز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجح والمآب.
المسألة الرابعة: قال الإِمام الترمذي رحمه الله: قال إسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه-: أحسن شيء روي في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار هذا. انتهى. ولعله -كما قال المباركفوري رحمه الله أراد بكونه أحسن شيء في تطوعه صلى الله عليه وسلم بالنهار باعتبار أنه مشتمل على ست عشرة ركعة دون غيره من الأحاديث.
وقال في موضع آخر: واختار إسحاق بن إبراهيم أن لا يفصل في الأربع قبل العصر، واحتج بهذا الحديث، وقال: معنى قوله: "إنه يفصل بينهن بالتسليم"، يعني التشهد. ورأي الشافعي وأحمد صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يختاران الفصل. انتهى.
قال المباركفوري رحمه الله: وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: صلاة الليل والنهار رباع رباع، وقال صاحباه أبو يوسف، ومحمد: صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار رباع رباع، والاختلاف في الأولوية. انتهى (1).
(1)
"جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي" جـ 2 ص 504 - 505.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق الاختلاف المذكور مع أدلته، ومع بيان ما لها، وما عليها، وترجيح الراجح من ذلك في محله من [كتاب قيام الليل، وتطوع النهار] إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: نقل الترمذي رحمه الله عن ابن المبارك أنه ضعف هذا الحديث قال: وإنما ضعفه عندنا -والله أعلم-؛ لأنه لا يروى مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه عن عاصم بن ضمرة، عن علي، وعاصم بن ضمرة هو ثقة عند بعض أهل الحديث. قال علي ابن المديني: قال يحيى بن سعيد القطان، قال سفيان: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث. انتهى كلام الترمذي
(1)
.
وقال الذهبي في "الميزان": عاصم بن ضمرة صاحب علي وثقه ابن معين، وابن المديني، وقال أحمد: هو أعلى من الحارث الأعور، وهو عندي حجة، وقال النسائي: ليس به بأس. وأما ابن عدي، فقال: ينفرد عن علي بأحاديث، والبلية منه. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت المغيرة، يقول: لم يصدق في الحديث على علي إلا أصحاب ابن مسعود. وقال ابن حبان: روى عنه أبو إسحاق، والحكم رديء الحفظ فاحش الخطأ، يرفع عن علي قوله كثيراً، فاستحق الترك، على أنه أحسن حالاً من الحارث.
(1)
"جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي" جـ 3 ص 212 - 215.
وقال الجوزجاني: روى عنه أبو إسحاق تطوع النبي صلى الله عليه وسلم ست عشرة ركعة؛ ركعتين عند التالية من النهار، ثم أربعًا قبل الزوال، ثم أربعًا بعده، ثم ركعتين بعد الظهر، ثم أربعًا قبل العصر، فيا عباد الله أما كان الصحابة وأمهات المؤمنين يحكون هذا، إذ هم معه في دهرهم، يعني أن عائشة، وابن عمر، وغيرهما حكوا عنه خلاف هذا، وعاصم ابن ضمرة ينقل أنه عليه السلام كان يداوم على ذلك، قال: ثم خالف الأمة، وروى: أن في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه. انتهى كلام الذهبي رحمه الله تعالى
(1)
.
وقال الذهبي أيضًا في "الكاشف" بعد نقل نحو ما تقدم له، ما نصه: وهو وسط
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت جواب الجوزجاني فيما تقدم من كلام الحافظ رحمه الله تعالى في ترجمة عاصم هذا، وأما قول ابن حبان: فاستحق الترك، فيقدم عليه قول الإِمام أحمد: هو عندي حجة، وكذا توثيق ابن معين، وعلي بن المديني كما تقدم.
والحاصل أن حديثه لا ينزل من درجة الحسن. فأما إعلاله بصحة أحاديث الصحابة الآخرين على خلاف ما قاله، فيجاب عنه بالحمل على اختلاف الأوقات، فأحيانًا يصلي هكذا، وأحيانًا يصلي هكذا.
(1)
ميزان الاعتدال جـ 2 ص 352 - 353.
(2)
"الكاشف" جـ 2 ص 50.
وأما الاحتجاج بتعبيره بـ"كان" حيث إنها تفيد الدوام، فيجاب عنه بأنها ليست للدوام دائمًا، بل تأتي أحيانًا لمجرد الدلالة على الحدث الماضي لقرينة، والقرينة هنا ثبوت ما نَقَله الصحابة الآخرون عنه بخلاف هذا، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
11 - كِتَابُ الافْتِتَاح
(1)
أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الافتتاح. والمراد به افتتاح الصلاة، وعبارة الكبرى [كتاب افتتاح الصلاة].
والظاهر أن في عبارته اكتفاءً؛ لأنه ذكر في هذا الكتاب أحاديث افتتاح الصلاة، وأحاديث القراءة، وغير ذلك.
والافتتاح مصدر "افتتح الشيء": إذا ابتدأهُ.
قال الفيومي رحمه الله: فَتَحْتُ البابَ فَتْحاً: خِلافُ أغلقتُهُ، وفَتَحْتُهُ فانفَتحَ: فَرَجْتُهُ، فانفرَجَ، وبابٌ مفتوحٌ: خلافُ المردود والمُقْفَلِ، وفَتَحْتُ القَنَاةَ فَتْحاً: فَجَرْتُهَا ليجريَ الماءُ، فيَسْقيَ الزرعَ، وفَتَحَ الحاكمُ بين الناسِ فتحاً: قَضَى، فهو فاتحٌ، وفَتَّاحٌ: مبالغةٌ، وفتح السلطانُ البلادَ: غَلَبَ عليها، وتَمَلَّكَهَا قَهْراً، وفتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: نصرهُ، واستفتحتُ: استنصرتُ، وفتحَ المأمومُ على إمامه: قرأ ما أرْتِجَ على الإِمام لِيَعْرِفَه.
وفاتحةُ الكتاب سميت بذلك لأنه يُفْتَتَحُ بها القراءةُ في الصلاة، وافتتحهُ بكذا: ابتدأه به، والفُتْحَةُ في الشيء -أي بالضم- الفُرْجة،
(1)
بدأت كتابة "كتاب الافتتاح" يوم الأربعاء المبارك 13/ 3/ 1416 هـ، وكان هو ابتداء الجزء الحادي عشر، حسب التجزئة الأولى، ثم تغير، فكان ابتداؤه: باب "الإسراع إلى الصلاة من غير سعي" رقم 58/ 862.
والجمع فُتَحٌ، مثل غُرْفة وغُرَف، وباب فُتُح -بضمتين-: مفتوحٌ واسعٌ، وقَارُورة فُتُحٌ -بضمتين أيضاً-: ليس لها غلاف، ولا صِمَامٌ، والمِفْتاح: الذي يُفْتَحُ به المِغْلاقُ، والمِفْتح مثله، وكأنه مقصور منه، وجمع الأول: مَفاتيح، وجمع الثاني مَفَاتِح بغير ياء.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "مِفتاحُها الطَّهور" استعارة لطيفة؛ وذلك أن الحدث لَمَّا مَنَعَ من الصلاة، شَبَّهَهُ بالغَلَقِ المانع من الدخول إلى الدار، ونحوِها، والطَّهور لَمَّا رفع الحدث المانع، وكان سبب الإقدامِ على الصلاة، شبَّهَهُ بالمفْتَاح. انتهى كلام الفيومي رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى أعلم.
…
(1)
المصباح المنير جـ 2 ص 461.
1 - باب الْعَمَلِ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على ما يعمله المصلي في حال افتتاحه الصلاةَ، من التكبير، ورفع اليدين، وكيفية رفعهما.
876 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ
…
(ح) وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ -هُوَ
(1)
ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ الزُّهْرِيُّ- قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ، وَلَا حِينَ
(1)
زيادة "هو" في بعض النسخ.
يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ.
رجال هذا الإسناد: ثمانية
1 -
(عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد، ثقة من [11]، أخرج له النسائي، تقدم في 108/ 147.
2 -
(علي بن عياش) -بتحتانية، ومعجمة- الألْهَاني -بفتح الهمزة، وسكون اللام- الحمصي، مات سنة 119، ثقة ثبت من [9]، أخرج له البخاري والأربعة، تقدم في 123/ 182.
3 -
(شعيب) بن أبي حمزة/ دينار الأموي مولاهم، أبو بِشْرٍ الحمصي، ثقة عابد، من أثبت الناس في الزهري، مات سنة 162 أو بعدها، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 69/ 85.
4 -
(أحمد بن محمد بن المغيرة) بن سِنَان الأزدي الحمصي، صدوق، مات سنة 264، من [11]، أخرج له النسائي، تقدم في 69/ 85.
5 -
(عثمان بن سيعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو عمرو الحمصي، ثقة عابد، مات سنة 209، من [9]، أخرج له أبو داود والنسائي، تقدم في 69/ 85.
6 -
(الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر الإِمام الحافظ الحجة المثبت المدني مات سنة 125، وقيل غير ذلك، من [4]، أخرج له
الجماعة، تقدم في 1/ 1.
7 -
(سالم بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدني، ثقة عابد فقيه فاضل، مات سنة 106 على الصحيح، من كبار [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 490.
8 -
(عبد الله بن عمر) الصحابي المشهور رضي الله عنهما، تقدم في 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخيه، فانفرد هو بهما، وعثمان بن سعيد، فانفرد هو به، وأبو داود.
ومنها: أن هذا السند أصح الأسانيد على ما ذكره أبو عَمْرو ابن الصلاح قال: رَوَينا عن إسحاق بن راهويه، أنه قال: أصح الأسانيد كُلِّها الزهريُّ، عن سالم، عن أبيه، وروينا نحوه عن أحمد بن حنبل
(1)
.
ومنها: أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدم الكلام
(1)
انظر مقدمة علوم الحديث لابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص 22.
عليها غير مرة.
ومنها: أن فيه قوله: "هو ابن سعيد"، وقوله: وهو الزهري، إشارة إلى القاعدة المشهورة في مصطلح أهل الحديث، وهي أن الراوي إذا أراد نسبة غير شيخه إلى أبيه، أو غيره، دون أن ينسبه له شيخه أتى بما يدلّ على زيادته، من نحو" هو"، أو "يعني"، فصلاً لكلامه من كلام شيخه، وقد ذكر هذه القاعدة الحافظ السيوطي رحمه الله في "ألفية المصطلح"، فقال:
وَلا تَزِدْ في نَسَبٍ أوْ وَصْفِ مَنْ
…
فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أوْ بـ" أنَّ" أوْ بـ"هُوَ"
…
أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
أَجِزْهُ في الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ
…
وَالْفَصْلُ أوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
وقد تقدم غير مرة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، الزهري، عن سالم.
ومنها: أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهم المذكورون في قول الحافظ العراقي في "ألفية المصطلح":
وَفِي الْكِبَارِ الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ
…
خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عَرْوَةُ
ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ
…
سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
إِمَّا أبُو سَلَمَةٍ أوْ سَالِمُ
…
أوْ فَأبُو بَكْرٍ خِلافٌ قَائِمُ
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه، سالم، عن ابن عمر.
ومنها: أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول الحافظ السيوطي في ألفية المصطلح:
وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِ .... وَابْنُ الْزُبَيْرِ في اشْتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ .... وَغَلّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وأحد المكثرين السبعة المذكورين في الألفية المذكورة أيضاً:
وَالْمُكْثِرُونَ في رِوَايةِ الأثَرْ
…
أبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
وَأنَسٌ وَالْبَحْرُ كالْخُدْرِيِّ
…
وَجَابِرٍ وَزَوْجَةِ الْنَبِيِّ
وكل هذا تقدم غير مرة، وإنما أعدته تذكيراً لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) رضي الله عنهما، أنه (قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه)، قال السندي رحمه الله: لعل المعنى إذا ابتدأ في الصلاة بالتكبير، فنصب التكبير بنزع الخافض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى ما قاله، بل معنى الكلام: إذا ابتدأ التكبير للدخول في الصلاة رفع؛ يعني أن رَفْعَ يديه يكون مع ابتداء التكبير بحيث لا يتقدم ولا يتأخر، فيكون قوله:"حين يكبر"
مؤكدًا. والله تعالى أعلم.
(حين يكبر) متعلق بـ"رفع" أي أن رفعه يكون مقارنًا لتكبيره (حتى يجعلهما حذو منكبيه) غاية للرفع، أي يرفع يديه حتى ينتهي بهما إلى مقابلة منكبيه.
و"الحَذْوُ" -بفتح المهملة، وإسكان الذال المعجمة- المقابِلُ. و"المنكب" -بفتح الميم، وكسر الكاف، بينهما نون ساكنة-: مجمع عظم العضد والكتف. يعني أنه يرفع يديه حتى تكونا مقابلتين لمنكبيه.
وبهذا أخذ الشافعي والجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى حديث مالك ابن الحويرث عند مسلم، ولفظه:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه". وفي لفظ له: "حتى يحاذي بهما فروع أذنيه"، وعند أبي داود من رواية عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل ابن حجر بلفظ:"حتى حاذتا أذنيه". قال الحافظ: ورجح الأول لكون إسناده أصح.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن العمل بالحديثين هو الأرجح، لصحتهما، وإمكان العمل بهما، فيعمل بهذا تارة، وبهذا تارة، فلا حاجة للترجيح؛ لأن الترجيح لا يصار إليه إلا عند تعذر العمل بالدليلين، وسيأتي تحقيق القول في بابه 3/ 878 إن شاء الله تعالى.
(وإِذا كبر للركوع فعل مثل ذلك) وفي رواية يونس، عن الزهري:"وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع"، قال في الفتح: أي عند
ابتداء الركوع، وفي حديث مالك بن الحُوَيرث:"وإذا أراد أن يركع رفع يديه".
(وإِذا قال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك) ظاهره أنه يقول التسميع في ابتداء ارتفاعه من الركوع. قاله في الفتح. أي رفع يديه حين قوله: "سمع الله لمن حمده"، (وقال) أي بعد أن استتمّ قائماً (ربنا ولك الحمد) سيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى (ولا يفعل ذلك حين يسجد) أي لا يرفع يديه حين يهوي للسجود (ولا حين يرفع رأسه من السجود).
قال في الفتح: وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثانية، والرابعة، والتشهدين، ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة أيضاً لكن بدون تشهد، لكونه غير واجب
(1)
، وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة لم يدلّ هذا اللفظ على نفي ذلك عند القيام منها إلى الثانية والرابعة، لكن قد روى يحيى القطان، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً هذا الحديث، وفيه:"ولا يرفع بعد ذلك". أخرجه الدارقطني في الغرائب بإسناد حسن، وظاهره يشمل النفي ما عدا المواطن الثلاثة، وسيأتي إثبات ذلك في موطن رابع، وهو الرفع إذا قام من الركعتين انتهى
(2)
.
(1)
قال بعض المحققين: مراده عند الشافعية وجماعة من أهل العلم، والصواب وجوبه، كما هو مذهب أحمد، وجماعة، لكونه صلى الله عليه وسلم فعله، وداوم عليه، وسجد للسهو لَمّا تركه سهواً، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"صلوا كما رأيتموني أصلي". والله أعلم. اهـ.
(2)
راجع الفتح جـ 2 ص 46.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الرفع ثبت في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في أربعة مواضع: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام للثالثة، وسيأتي إثباته عند السجود أيضاً من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، ويأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -1/ 876 - وفي "الكبرى" -1/ 949 - عن عمرو بن منصور، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة - وعن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد، عن شعيب -وفي 2/ 877 - و"الكبرى" -2/ 950 - عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس -وفي 3/ 878 - و"الكبرى" -3/ 952 - عن قتيبة، عن مالك -وفي 19/ 1057 - و"الكبرى" 18/ 644 - عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن مالك -وفي 21/ 1059 - و"الكبرى" -20/ 646 - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن مالك -وفي 86/ 1025 -
و"الكبرى" -33/ 1098 - عن قتيبة، عن سفيان - وفي -88/ 1037 - والكبرى -35/ 675 - عن محمد بن عبيد الكوفي المحاربي، عن ابن المبارك، عن معمر -وفي 85/ 1144 - و"الكبرى" -81/ 730 - عن - إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان -وفي 3/ 1182 و"الكبرى" -39/ 1105 - عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر - ستتهم عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه رضي الله عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (البخاري) في "الصلاة" عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك -وعن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن يونس- في (جزء رفع اليدين) عن أبي اليمان، عن شعيب -عن علي بن عبد الله، عن سفيان- وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك -وعن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس- وعن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن معتمر، عن عبيد الله بن عمر -وعن قتيبة، عن هشيم- وعن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عُقيل.
و (مسلم) عن يحيى بن يحيى التميمي، وسعيد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وابن نمير، كلهم عن ابن عيينة -وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج- وعن محمد بن رافع، عن حُجَين بن المثنى، عن الليث، عن
عقيل- وعن محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ، عن سلمة بن سليمان، عن عبد الله، عن يونس.
و (أبو داود) عن أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة - وعن محمد بن المُصفَّى الحمصي، عن بقية، عن الزبيدي.
و (الترمذي) عن قتيبة، وابن أبي عمر، كلاهما عن ابن عيينة - وعن الفضل ين الصباح البغدادي، عن ابن عيينة.
و (ابن ماجه) عن علي بن محمد، وهشام بن عمار، وأبي عمر الضرير، كلهم عن ابن عيينة - سبعتهم عن الزهري، به.
وأخرجه (مالك في الموطأ) ص 69، و (الحميدي) رقم 614، و (أحمد) جـ 2 ص 8 و18 و47 و62 و134 و147 و (الدارمي) رقم 1253 و1315 و1314، و (ابن خزيمة) 456 و583 و693. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو بيان العمل الذي يعمله المصلي في افتتاح صلاته، وهو رفع اليدين إذا افتتح الصلاة، وكون الرفع مع التكبير، وبيان حد الرفع وهو كونه بمحاذاة المنكبين.
ومنها: رفع اليدين عند الركوع.
ومنها: الرفع أيضاً عند الرفع من الركوع.
ومنها: مشروعية قول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".
ومنها: عدم مشروعية الرفع في حالة السجود، وسيأتي إثبات ذلك في حديث مالك بن الحويرث، ويأتي الكلام عليه 26/ 1085، وكذا سيأتي تفاصيل هذه الأمور في أبوابها الخاصة بها، إن شاء الله تعالى. والله تعالى ولي التوفيق.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في رفع اليدين في الصلاة:
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: في هذا الحديث رفع اليدين في هذه المواطن الثلاثة عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وبه قال أكثر العلماء من السلف والخلف.
قال ابن المنذر رحمه الله: روينا ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وقال الحسن البصري: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنها المراويح، وروي ذلك عن جماعة من التابعين، وجماعة ممن بعدهم، وقال الأوزاعي: ما اجتمع عليه علماء الحجاز والشام والبصرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في هذه المواطن الثلاثة.
قال ابن المنذر: وهو قول الليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه ابن وهب عن مالك، وبه نقول. انتهى.
وقد حكاه عن مالك أيضاً أبو مصعب، وأشهب، والوليد بن مسلم، وسعيد بن أبي مريم، وجزم به الترمذي عن مالك.
وقال البخاري: يُروى عن عدة ومن أهل الحجاز والعراق والشام والبصرة واليمن - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ورفع الرأس منه، منهم سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، والنعمان بن أبي عياش، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، ومكحول، وعبد الله بن دينار، ونافع، وعبيد الله ابن عمر، والحسن بن مسلم، وقيس بن سعد، وغيرهم عدة كثيرة. انتهى.
وقال البيهقي: وقد رويناه عن أبي قلابة، وأبي الزبير، ثم عن مالك، والأوزاعي، والليث، وابن عيينة، ثم عن الشافعي، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعدة كثيرة من أهل الآثار بالبلدان.
وقالت طائفة: لا يَرفَع يديه فيما سوى الافتتاح، وهو قول سفيان، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن صالح بن حي، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، قال ابن عبد البر: وتعلق بهذه الرواية عن مالك أكثر المالكيين.
وقال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة". وهو المشهور عند
أصحاب مالك، والمعمول به عند المتأخرين منهم. انتهى.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم في رفع اليدين، قال محمد: والذي آخذ به أن أرفع على حديث ابن عمر.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه الرفع في تكبيرة الإحرام فقط عن علي، وابن مسعود، والأسود، وعلقمة، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وخيثمة، وقيس بن أبي حازم، وأبي إسحاق السبيعي، وحكاه عن أصحاب علي، وابن مسعود، وحكاه الطحاوي عن عمر، وذكر ابن بطال أنه لم يختلف عنه في ذلك، وهو عجيب، فإن المعروف عنه الرفع في المواطن الثلاثة.
وقال أبو العباس القرطبي بعد أن ذكر أن هذا هو مشهور مذهب مالك أن الرفع في المواطن الثلاثة هو آخر أقواله، وأصحها المعروف من عمل الصحابة، ومذهب كافة العلماء إلا من ذكر. انتهى. وكذا قال الخطابي: إنه قول مالك في آخر أمره.
وقال محمد بن نصر المروزي: لا يَعلم
(1)
مصرًا من الأمصار تركوا بأجمعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة، فكلهم لا يرفع إلا في الإحرام.
وقال ابن عبد البر: لم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع عند
(1)
هكذا نسخة "الطرح""يعلم مصراً"، ولعل الأولى "لا نعلم مصرًا" فليحرر.
كل خفض ورفع ممن لم يُختلَفَ عليه فيه إلا ابن مسعود وحده، وروى الكوفيون عن علي مثل ذلك، وروى المدنيون عنه الرفع من حديث عبيد الله بن أبي رافع. انتهى.
وذكر عثمان بن سعيد الدارمي أن الطريق عن علي في ترك الرفع واهية.
وقال الشافعي في رواية الزعفراني عنه: ولا يثبت عن علي، وابن مسعود، ولو كانا ثابتين عنهما لا يثبته
(1)
أن يكون رآهما مرة أغفلا رَفْع اليدين، ولو قال قائل: ذهب عنهما حفظ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظه ابن عمر لكانت حجة. انتهى.
وروى البيهقي في "سننه" عن وكيع، قال: صليت في مسجد الكوفة، فإذا أبو حنيفة قائم يصلي، وابن المبارك إلى جنبه يصلي، فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، وأبو حنيفة لا يرفع، فلما فرغوا من الصلاة قال أبو حنيفة لعبد الله: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تكثر رفع اليدين أردت تطير؟! فقال له عبد الله: يا أبا حنيفة قد رأيتك ترفع يديك حين افتتحت الصلاة، فأردت أن تطير؟! فسكت أبو حنيفة، قال وكيع: فما رأيت جوابًا أخصر من جواب عبد الله لأبي حنيفة.
(1)
هكذا نسخة الطرح "لا يثبته" ولعل الصواب: "يشبه أن يكون الخ" بحذف "لا" و"يشبه" بالشين المعجمة من الشبه. فليحرر.
وروى البيهقي أيضاً عن سفيان بن عيينة، قال: اجتمع الأوزاعي والثوري بمنى، فقالط الأوزاعي للثوري: لِمَ لا ترفع يديك في خفض الركوع، ورفعه؟ فقال الثوري: حدثنا يزيد بن أبي زياد، فقال الأوزاعي: أروي لك عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتعارضني بيزيد بن أبي زياد، ويزيد رجل ضعيف الحديث، وحديثه مخالف للسنة؟! قال: فاحمارّ وجه سفيان، فقال الأوزاعي: كأنك كرهت ما قلت؟ قال الثوري: نعم، فقال الأوزاعي: قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق، قال: فتبسم الثوري لمّا رأى الأوزاعي قد احْتَدَّ. انتهى ما قاله ولي الدين رحمه الله تعالى
(1)
.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: احتج القائلون بالاستحباب بالأحاديث الكثيرة من الصحابة حتى قال الشافعي: رَوَى الرفعَ جمع من الصحابة، لعله لم يرو حديث قط بعدد أكثر منهم.
وقال البخاري في "جزء رفع اليدين": روى الرفع تسعة عشر نفساً من الصحابة. وسرد البيهقي في السنن، وفي الخلافيات أسماء من روي عنه الرفع نحوًا من ثلاثين صحابيًا، وقال: سمعت الحاكم يقول: اتفق على رواية هذه السنة العشرةُ المشهود لهم بالجنة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة. قال البيهقي: وهو كما قال. قال الحاكم والبيهقي أيضاً: ولا يعلم سنة اتفق على روايتها العشرةُ، فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في الأقطار الشاسعة غير هذه السنة.
(1)
"طرح التثريب" جـ 2 ص 252 - 255.
وروى ابن عساكر في تاريخه من طريق أبي سلمة الأعرج، قال: أدركت الناس كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع.
وقال البخاري في الجزء المذكور: قال الحسن، وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم، ولم يستثن أحداً منهم. قال البخاري: ولم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه.
واحتج من قال بعدم الاستحباب بحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه عند مسلم، وأبي داود، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس، اسكُنُوا في الصلاة".
وأجيب عن ذلك بأنه ورد على سبب خاص، فإن مسلمًا رواه أيضاً من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال:"كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: عَلامَ تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذه، ثم يسلم على أخيه مَنْ عَنْ يمينه، ومَنْ عن شماله".
ورُدَّ هذا الجواب بأنه قصر للعام على السبب، وهو مذهب مرجوح، كما تقرر في الأصول. وهذا الرد متجه لولا أن الرفع قد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم ثبوتًا متواترًا كما تقدم، وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن
تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر.
وربما نازع في هذا بعضهم، فقال: قد تقرر في الأصول أنه إذا جهل تاريخ العام والخاص اطرحا. وهو لا يدري أن الصحابة قد أجمعت على هذه المسألة بعد موته صلى الله عليه وسلم، وهم لا يجمعون إلا على أمر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه.
على أنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقي أنه قال بعد أن ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال:"فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى".
وأيضاً المتقرر في الأصول بأن العام والخاص إذا جهل تاريخهما وجب البناء، وقد جعله بعض الأصوليين مجمعاً عليه، كما في "شرح الغاية".
وربما احتج بعضهم بما رواه الحاكم في المدخل من حديث أنس بلفظ: "من درفع يديه في الصلاة، فلا صلاة له"، وبما رواه ابن الجوزي عن أبي هريرة بنحو حديث أنس، وهو لا يشعر أن الحاكم قال بعد إخراج حديث أنس: إنه موضوع. وقد قال في البدر المنير: إن في إسناده محمد بن عكاشة الكرماني، قال الدارقطني: يضع الحديث. وابن الجوزي جعل حديث أبي هريرة المذكور من جملة الموضوعات. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى
(1)
.
(1)
نيل الأوطار جـ 3 ص 10 - 12.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن رفع اليدين عند الإحرام للصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وفي القيام إلى الثالثة، هو مذهب جمهور الصحابة والتابعين، ومن تبعهم من المحققين، الذين تؤيدهم الدلائل الواضحة كالشمس في رابعة النهار، والمخالفون ليس لهم دليل مقنع، بل أدلتهم كلها لا تصلح مستندًا حتى يُعْدَل إليهما عما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرق التواتر، فسلِّم تسلم، والله ولي الهداية والتوفيق. وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في الأبواب المناسبة له حيث يذكره المصنف رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح، واختلفوا فيما سواها. انتهى.
قال ولي الدين رحمه الله: وفي حكاية هذا الإجماع نظر من وجهين:
أحدهما: أن بعض العلماء يقول بوجوبه، وقد قال النووي بعد ذلك بأسطُر: أجمعوا على أنه لا يجب شيء من الرفع، وحكي عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام، وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار. انتهى.
قال ولي الدين: وحكاه القاضي حسين في تعليقه عن أحمد بن حنبل. وقال ابن عبد البر: كل من رأى الرفع، وعمل به من العلماء لا يُبطِل صلاةَ من لم يرفع إلا الحميدي، وبعض أصحاب داود، ورواية عن الأوزاعي، ثم حَكىَ عن الأوزاعي أنه ذكر الرفع في المواطن الثلاثة، فقيل له: فإن نقص من ذلك؟ قال: ذلك نقص من صلاته. ثم قال ابن عبد البر: وقول الحميدي، ومن تابعه شذوذ عن الجمهور، وخطأ لا يلتفت إليه أهل العلم. انتهى.
وحكى الطحاوي إيجابه عند الركوع، والرفع منه، والقيام من السنن عن قوم، واعترضه البيهقي، وقال: لا نعلم أحدًا يوجب الرفع. وحكى صاحب المفهم عن بعضهم وجوب الرفع كله. وقال ابن حزم في "المحلى": ورفع اليدين للتكبير من الإحرام في أول الصلاة فرض، لا تجزىء الصلاة إلا به. ثم قال: وقد روي ذلك عن الأوزاعي، وهو قول بعض من تقدم من أصحابنا. انتهى.
وقد ثبت بذلك وجود الخلاف في وجوب الرفع في تكبيرة الإحرام، بل في وجوب الرفع كله. والله أعلم. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من استحباب
(1)
طرح جـ 2 ص 255 - 256.
الرفع مطلقاً هو الصحيح، وأما القول بالإيجاب فليس عليه دليل يعتمد عليه، وغاية ما استدلوا به حديث:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهذا الاستدلال غير صحيح، لاستلزامه وجوب جميع أفعال الصلاة، بحيث لا يوجد فيها شيء من المستحبات، وهذا لا يقولون به. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في بيان حكمة مشروعية رفع اليدين في الصلاة:
قال النووي رحمه الله: اختلفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين، فقال الشافعي رحمه الله: فعلته إعظاماً لله تعالى، واتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال غيره: هو استكانة، واستسلام، وانقياد، وكان الأسيرُ إذا غُلبَ مَدَّ يديه إعلاماً باستسلامه. وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه. وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا، والإقبال بكليته على صلاته، ومناجاة ربه سبحانه وتعالى، كما تضمن ذلك قوله:"الله أكبر"، فتطابق فعله وقوله. وقيل: إشارة إلى دخوله في الصلاة، وهذا الأخير يختص بالرفع لتكبيرة الإحرام. وقيل: غير ذلك، وفي أكثرها نظر. والله أعلم. انتهى كلام النووي
(1)
.
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: وهذا المعنى الأخير، وهو الإشارة إلى دخوله في الصلاة قد ذكره الحنفية مع زيادة فيه، وهو إعلام
(1)
شرح مسلم جـ 4 ص 96.
الأصم، ونحوه بذلك، وذكره أيضًا المهلب من المالكية، وذكر الحنفية أيضًا في رفع اليدين معنى آخر، وهو الإشارة إلى نفي الكبرياء عن غير الله تعالى.
وقال أبو العباس القرطبي: قيل فيه أقوال، أنسبها مطابقة قوله:"الله أكبر" لفعله. وقال ابن عبد البر: معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره خضوع، واستكانة، وابتهال، وتعظيم لله عز وجل، واتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة، ثم حكى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير، ورفع الأيدي فيها. وعن النعمان بن أبي عياش، قال: كان يقال: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير، ورفع الأيدي عند الافتتاح، وحين تريد أن تركع،، وحين تريد أن ترفع. وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات، بكل أصبع حسنة. وروى البيهقي في سننه عن الربيع بن سليمان، قال: قلت للشافعي: ما معنى رفع اليدين عند الركوع؟ فقال: مثل معنى رفعهما عند الافتتاح تعظيم الله، وسنة متبعة، يرجى فيها ثواب الله عز وجل، ومثل رفع اليدين على الصفا والمروة، وغيرهما. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وما قاله
(1)
طرح التثريب جـ 2 ص 260.
الشافعي رحمه الله تعالى أظهر، وأما ما روي عن عقبة رضي الله عنه، أن بكل إشارة عشر حسنات، فيحتاج إلى النظر في صحة سنده. فالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة: قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: واعلم أنه قد روي رفع اليدين من حديث خمسين من الصحابة، منهم العشرة، وقال أيضاً: وقد جمعت رواته، فبلغوا نحو الخمسين. انتهى.
قال ولي الدين رحمه الله: لكن ابن عبد البر اقتصر على ثلاثة عشر، والسِّلَفِي قال: رواه سبعة عشر، ومن علم حجة على من لم يعلم، وقوله: إن منهم عشرة، سبقه إليه غير وأحد، فقال البيهقي: سمعت الحاكم أبا عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ يقول: لا نعلم سنَّة اتفق على روايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلفاء الأربعة، ثم العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فمَنْ بَعدَهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة. قال البيهقي: وهو كما قال أستاذنا أبو عبد الله.
وقال الشيخ تقي الدين في "الإلمام": جزمه ليس بجيد، فإنّ الجزم إنما يكون مع الصحة، ولعله لا يصح عن جملة العشرة.
قال ولي الدين: ولذلك أتى والدي رحمه الله بصيغة التمريض، فقال: رُوي، وممن ذكر أن حديث رفع اليدين رواه العشرة عبد الرحمن ابن محمد بن مندهْ في كتاب له سماه "المستخرج من كتب الناس"،
لكن في تخصيص الحاكم والبيهقي رواية العشرة بحديث رفع اليدين نظر، فقد شاركه في ذلك حديث:"من كذب علي متعمدًا، فليتبوّأ مقعده من النار"، ذكر غير واحد أنه رواه العشرة، فحكى ابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات" عن أبي بكر بن أحمد بن عبد الوهاب الإسفراييني أنه ليس في الدنيا حديث اجتمع عليه العشرة غيره. وحكى ابن الصلاح ذلك عن بعض الحفاظ، ولعله أراد هذا، وفي هذا الحصر نظر أيضاً لما عرفت، وقد شاركهما في ذلك حديث مسح الخفين، فقد رواه أكثر من ستين من الصحابة، ومنهم العشرة، كما ذكره عبد الرحمن بن منده في "المستخرج من كتب الناس"
(1)
. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
(1)
المصدر السابق جـ 2ص 264.
2 - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على مشروعية رفع اليدين قبل التكبير للصلاة.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى يرى ترجيح الرفع. قبل التكبير.
ويرى البخاري رحمه الله تعالى ترجيح المقارنة، فلذا ترجم في صحيحه بقوله:[باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواءً]. والمسألة خلافية، لاختلاف الأحاديث، وسنحقق الكلام في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
877 -
أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، قَالَ: وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ،
(1)
وفي نسخة "أخبرنا".
وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، من [10]، تقدم في 45/ 55.
2 -
(عبد الله بن المبارك) أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي، الإمام الحجة الثبت، من [8]، تقدم في 32/ 36.
3 -
(يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت، من [7]، تقدم في 9/ 9.
والباقون تقدموا في الباب الماضي.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث وما يتعلق به من المسائل قد تقدم في الباب الماضي، فلا أطيل الكتاب بإعادته، وإنما أذكر ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو:
البحث عن وفت الرفع لليدين.
اعلم أنه اختلفت الروايات في وقت الرفع عند تكبيرة الإحرام، هل يكون قبلها، أو بعدها، أو مقارنًا لها، ففي بعضها قبلها، كحديث ابن عمر المذكور في الباب، وفي بعضها بعدها، كحديث مالك بن
الحويرث عند مسلم بلفظ: "كبر، ثم رفع يديه"، وفي بعضها ما يدلّ على المقارنة، كحديث ابن عمر المذكور في الباب الماضي بلفظ "رفع يديه حين يكبر".
وفي ذلك خلاف بين العلماء، والمرجح عند الشافعية المقارنة
(1)
.
وقال في "الفتح" عند قول البخاري رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء] ما حاصله: هو ظاهر قوله في حديث الباب: "يرفع يديه إذا افتتح الصلاة". وفي رواية شعيب: "ويرفع يديه حين يكبر". فهذا دليل المقارنة. وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه، أخرجهما مسلم، ففي حديث الباب عنده من رواية ابن جريج وغيره، عن ابن شهاب بلفظ:"رفع يديه ثم كبر". وفي حديث مالك بن الحويرث عنده: "كبر، ثم رفع يديه".
وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء، والمرجح عند أصحابنا -الشافعية- المقارنة، ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع، ويرجح الأول حديث وائل بن حجر عند أبي دواد بلفظ:"رفع يديه مع التكبير"، وقضية المعية أنه ينتهي بانتهائه، وهو الذي صححه النووي في "شرح المهذب"، ونقله عن نص الشافعي، وهو المرجح عند المالكية، وصحح في "الروضة" تبعًا لأصلها أنه لا حد لانتهائه.
(1)
نيل الأوطار جـ 3 ص 12.
وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: الأصح يرفع، ثم يكبر، لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك له، والنفي سابق على الإثبات، كما في كلمة الشهادة. انتهى ما في "الفتح" باختصار
(1)
.
وقال ابن قدامة رحمه الله: ويبتدىء رفع يديه مع ابتداء التكبير، ويكون انتهاؤه مع انقضاء تكبيره، ولا يسبق أحدهما صاحبه. انتهى
(2)
.
وقال الحافظ ولي الدين رحمه الله بعد أن حكى الاختلاف في مذهب الشافعي ما حاصله: وقال الغزالي في "الوسيط": قال المحققون: ليس هذا اختلافًا، بل صحت الروايات كلها، فنقبل الكل، ولنجوزها على نسق واحد، وتبع في ذلك إمام الحرمين، فإنه حكى عن والده أن الكيفيات كلها على السواء، وأقره عليه. انتهى
(3)
.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل أقوال أهل العلم في المسألة أن الجمهور يرون الرفع مقارنًا للتكبير، وهو المرجح عند المالكية، والشافعية، والحنبلية، ويرى بعضهم تقديم الرفع على التكبير، وهو مذهب المصنف رحمه الله، وفيه إبطال ادِّعَاءِ من يدعي أن المصنف
(1)
فتح جـ 2 ص 457.
(2)
المغني جـ 2 ص 138.
(3)
طرح جـ 2 ص 257.
شافعي المذهب، وبما ذهب إليه قال الحنفية، كما تقدم في قول صاحب "الهداية".
وعندي أن هذا من المُخَيَّر فيه، فيجوز الرفع مقارنًا للتكبير، وقبله، وبعده، لصحة الأحاديث بذلك، كما نقله ولي الدين عن الغزالي تبعًا لإمام الحرمين، ووالده رحمهم الله تعالى، فإن الأحاديث قد صحت، فحديث الباب صريح في تقديم الرفع على التكبير، وحديث مالك بن الحُويرث عند مسلم المتقدم صريح في تقديم التكبير على الرفع، وحديث وائل بن حجر عند أبي داود المتقدم صريح في المقارنة. وكلها صحيح، والعمل بكلها ممكن في الأوقات المختلفة، فلا حاجة إلى الترجيح، لأنه إنما يصار إليه عند تعذر العمل بالروايات كلها، وهنا ليس كذلك،. فالجمع أولى. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
3 - رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على استحجاب رفع اليدين عند التكبير مقابِلَ المنكبين.
و"الحَذْو" -بفتح المهملة، وسكون المعجمة-: المقابل. والمنكب -بفتح الميم، وكسر الكاف، بينهما نون ساكنة-: مجمع عظم العضد والكتف.
والظاهر أن المصنف رحمه الله يرى التخيير بين الرفع حَذْوَ المنكبين، والرفع حيَالَ الأذنين، ولذا ترجم للثاني بعد هذا، وهو الرأي الراجح عندي لصحة الأحاديث بكليهما. والله تعالى أعلم.
878 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ:"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، من [10]، تقدم
في 1/ 1.
2 -
(مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الحجة الثبت، من [7]، تقدم في 7/ 7.
والباقون تقدموا قريباً.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث، وما يتعلق به من المسائل تقدمت قبل باب، فلا حاجة إلى إعادتها، وإنما أذكر هنا ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو رفع اليدين حَذْوَ المنكبين، وما في ذلك من اختلاف أهل العلم، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في اختلاف أهل العلم في الحد الذي ترفع إليه اليدان في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: واختلفوا في ذلك فأخذ بحديث ابن عمر رضي الله عنهما الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بحديث وائل رضي الله عنه ناس من أهل العلم، وقال بعض أصحاب الحديث: المصلي بالخيار إن شاء رفع يديه إلى المنكبين، وإن شاء إلى الأذنين، قال ابن النذر: وهذا مذهب حسن، وأنا إلى حديث ابن عمر أميل. انتهى. هكذا نقله عن ابن المنذر وليُّ الدين العراقيُّ في "طرحه" جـ 2 ص 257 - 258.
ونصه في الأوسط: قال أبو بكر: والذي أراه أن يرفع المصلي يديه إلى المنكبين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولا شيء على من رفع
يديه إلى حذاء أذنيه، وقد كان الشافعي يقول بحديث ابن عمر، وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال بعض أصحابنا: المصلي بالخيار، إن شاء رفع يديه إلى المنكبين، وإن شاء إلى الأذنين.
قال أبو بكر: وهذا مذهب، إذ جائز أن يكون هذا من الاختلاف المباح.
وفيه مذهب ثالث: روينا عن طاوس أنه قال: التكبيرة الأولى التي للاستفتاح باليدين أرفع مما سواها من التكبير، قال: حتى يخلف الرأس. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى
(1)
.
وقال ولي الدين رحمه الله: وأخذ بحديث وائل في ذلك سفيان الثوري، والحنفية.
وقال البيهقي رحمه الله: فإذا اختلفت هذه الروايات فإما أن يؤخذ بالجميع، فيخير بينهما، وإما أن تترك رواية من اختلفت الرواية عليه، ويؤخذ برواية من لم يختلف عليه، يعني رواية الرفع إلى المنكبين، قال الشافعي رحمه الله: لأنها أثبت إسنادًا، وأنها حديث عدد، والعدد أولى بالحفظ من واحد. انتهى.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: في صفة الرفع ثلاثة أقوال:
(1)
الأوسط جـ 3 ص 73.
قيل: حذو الصدر. وقيل: حذو المنكب. وقيل: حذو الأذن. فأما حيال الصدر فليس بشيء، وأما حيال المنكب والأذن، فقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح، والجمع بينهما أن يكون أطراف الأصابع بإزاء الأذنين، وآخر الكف بإزاء المنكبين، فذلك جمع بين الروايتين.
وقال النووي رحمه الله في "شرح مسلم": المشهور من مذهبنا، ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم: حذو منكبيه، وبهذا جمع الشافعي رحمه الله بين روايات الأحاديث، فاستحسن الناس ذلك منه
(1)
.
وقال ابن شاس في الجواهر: قال القاضي أبو محمد: يرفع يديه إلى المنكبين، لا إلى الأذنين، واختار المتأخرون أن يحاذي بالكوع الصدر، وبطرف الكف المنكب، وبأطراف الأصابع الأذنين، وهذا إنما يتهيأ إذا كانت يداه قائمتين، ورؤوس أصابعهما مما يلي السماء، وهو صفة العابد.
وقال سحنون رحمه الله: يكونان مبسوطتين بطونهما مما يلي الأرض، وظهورهما مما يلي السماء، وهي صفة الراهب.
(1)
شرح مسلم جـ 4 ص 95.
وقال الطحاوي رحمه الله: إنما كان الرفع إلى المنكبين في حديث ابن عمر وقت كانت يداه في ثيابه، بدليل قوله في حديث وائل بن حُجْر رضي الله عنه:"فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه"، وفيه:"ثم أتيتهم من العام المقبل، وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم فيه، وأشار شريك إلى صدره". انتهى.
واعترضه البيهقي رحمه الله بأنه قد ورد في حديث وائل الرفع إلى المنكبين أيضًا، وهو أولى، لموافقته بقية الروايات، قال: مع أنه قد يستطاع الرفع في الثياب إلى الأذنين، وفي زعمه إلى المنكبين، ولم يرفعهما في روايته إلا إلى صدره، فكيف حمل سائر الأخبار على خبره، وليس فيه ما حملها عليه. انتهى
(1)
.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: وكان يرفع يديه معها -أي مع لفظة "الله أكبر"- ممدودة الأصابع، مستقبلاً بها القبلة إلى فروع أذنيه، وروي إلى المنكبين، فأبو حميد الساعدي ومن معه قالوا: حتى يحاذي بهما المنكبين، وكذلك قال ابن عمر، وقال وائل بن حجر: إلى حِيَال أذنيه، وقال البراء: قريباً من أذنيه. وقيل: هو من العمل المخير فيه. وقيل: كان أعلاها إلى فروع أذنيه، وكفاه إلى منكبيه، فلا يكون اختلافًا. ولم يختلفوا عنه في محل الرفع. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى
(2)
.
(1)
طرح جـ 2 ص 257 - 259.
(2)
زاد المعاد جـ 1 ص 202.
وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية رفع اليدين في الصلاة، فروي عنه أنه كان يرفع يديه مدًا فوق أذنيه مع رأسه. وروي عنه أنه كان يرفع يديه حذو أذنيه، وروي عنه أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه، وروي عنه أنه كان يرفعهما إلى صدره، وكلها آثار معروفة مشهورة، وأثبت ما في ذلك حديث ابن عمر هذا، وفيه حذو منكبيه، وعليه جمهور التابعين، وفقهاء الأمصار، وأهل الحديث.
وقد روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في الإحرام حذو منكبيه، وفي غير الإحرام دون ذلك قليلاً. وكل ذلك واسع حسن، وابن عمر راوي الحديث، وهو أعلم بمخرجه وتأويله، وكل ذلك معمول به عند العلماء. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن اختلاف الآثار في هذا الباب يحمل على التوسيع، فالمصلي مخير في الرفع إلى المنكبين في بعض الأحيان، وخيال الأذنين في بعضها، كما هو ظاهر مذهب المصنف رحمه الله، حيث بوب لكل منهما، لكن الرفع إلى المنكبين يكون أكثر، لكونه أقوى، ولأن ابن عمر عبر بـ"كان" المقتضية للاستمرار، فيدل على أن أكثر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الرفع إلى المنكبين، فالكل واسع حسن، كما قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم
(1)
الاستذكار جـ 4 ص 109 - 110.
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: قال الحافظ رحمه الله: لم يرد ما يدلّ على التفرقة في الرفع بين الرجل والمرأة، وعن الحنفية يرفع الرجل إلى الأذنين، والمرأة إلى المنكبين، لأنه أستر لها. والله أعلم. انتهى
(1)
.
وقال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: قال أصحاب الشافعية: لا فرق في منتهى الرفع بين الرجل والمرأة، وقالت الحنفية: يرفع الرجل إلى الأذنين، والمرأة إلى المنكبين، لأنه أستر لها. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أم الدرداء أنها كانت ترفع يديها حذو منكبيها. وعن الزهري: ترفع المرأة يديها حذو منكبيها. وعن عطاء بن أبي رباح، وحماد بن أبي سليمان: أنهما قالا: ترفع المرأة يديها في الصلاة حذو ثدييها.
وعن حفصة بنت سيرين أنها رفعت يديها في الصلاة حذو المنكبين. وقال عطاء بن أبي رباح: إن للمرأة هيئة ليست للرجال، وإن تركت ذلك فلا حرج. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: كون المرأة تخالف الرجل في الرفع مما لا دليل عليه، فالراجح ما ذهب إليه الشافعية من عدم الفرق بين الرجل والمرأة في صفة الرفع.
(1)
"فتح" جـ 2 ص 461.
(2)
"طرح" جـ 2 ص 259 - 260.
والحاصل أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في الرفع المذكور، فيرفع كل منهما إلى المنكبين، أو إلى حيال الأذنين، لعدم نص يفرق بينهما، فالنصوص السابقة تشملهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
4 - رَفْعِ الْيَدَيْنِ حِيَالَ الأُذُنَيْنِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية رفع اليدين إلى مقابل الأذنين.
و"الحيال" -بكسر المهملة، وتخفيف الياء- بوزن كتاب: قُبَالَة الشيء، يقال: هذا حِيَالَ كلمتك، أي مُقَابَلَةَ كلمتك، ينصب على الظرفية، ولو رفع على المبتدا والخبر لجاز، ولكن كذا رواه ابن الأعرابي عن العرب. قاله ابن سِيدَهْ. ويقال: قعد حِيالَه، وبحِيَاله: بإزائه. وأصله الواو كما في العباب. أفاده الْمُرْتَضَى في تاجه
(1)
.
وقد تقدم في الباب الماضي أن المصنف رحمه الله تعالى يرى التخيير بين الرفع إلى المنكبين، والرفع إلى الأذنين، وهو المذهب الراجح. والله تعالى أعلم.
879 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَلَمَّا فَرَغَ
(1)
"تاج العروس" جـ 7 ص 297.
مِنْهَا قَالَ: آمِينَ يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(قتيبة) بن سعيد المتقدم في السند السابق.
2 -
(أبو الأحوص) سَلاَّم بن سُلَيم الحنفي الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، مات سنة 179، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 79/ 96.
3 -
(أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السَّبِيعي الكوفي، ثقة عابد مكثر، اختلط بآخره، مات سنة 129، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 38/ 42.
4 -
(عبد الجبار بن وائل) بن حُجْر الحضرمي، أبو محمد الكوفي، ثقة، لكنه يرسل عن أبيه، من [3].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوري، عن ابن معين: ثبت ولم يسمع من أبيه شيئًا. وقال أبو داود، عن ابن معين: مات أبوه، وهو حمل. وقال رَقَبَةُ بن مَصْقَلَةَ: سمعت طلحة بن مُصَرِّف، يقول: ما بالكوفة رجلان يزيدان على محمد بن سُوقَة، وعبد الجبار بن وائل. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة 112، وقال غيره: ولد بعد موت أبيه.
قال في "تهذيب الكمال": وهذا القول ضعيف جدًا، فإنه قد صح أنه قال: كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل، لم يقل هذا القول. اهـ.
لكن في "تهذيب التهذيب" قال: نص أبو بكر البزار على أن القائل: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي هو علقمة بن وائل، لا أخوه عبد الجبار.
وقال الترمذي: سمعت محمدًا يقول: عبد الجبار لم يسمع من أبيه، ولا أدركه. وقال ابن حبان في الثقات: من زعم أنه سمع أباه، فقد وهم، لأن أباه مات وأمه حامل به. وقال البخاري: لا يصح سماعه من أبيه، مات أبوه قبل أن يولد. وقال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء الله تعالى، قليل الحديث، ويتكلمون في روايته عن أبيه، ويقولون: لم يلقه.
وبمعنى هذا قال أبو حاتم، وابن جرير الطبري، والجريري، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، والدارقطني، والحاكم، وقبلهم ابن المديني، وآخرون. أخرج له الجماعة إلا البخاري. انتهى
(1)
.
5 -
(وائل بن حُجْر
(2)
) بن سعد بن مسروق بن وائل بن ضَمْعَج ابن ربيعة بن وائل بن النعمان بن ربيعة بن الحارث بن عوف الحضرمي، أبو هنيدة، ويقال أبو هند الكندي، ويقال غير ذلك في نسبه.
(1)
"تك" جـ 16 ص 393 - 395. "تت" جـ 6 ص 195.
(2)
بضم الهملة، وسكون الجيم. "ت".
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه ابناه: علقمة وعبد الجبار، ومولى لهم، وأم يحيى زوجته، وكليب بن شهاب، وحجر بن عنبس، وأبو حَرِيز، وعبد الرحمن اليحصبي. قال أبو نعيم الأصبهاني: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزله، وأصعده معه على المنبر، وأقطعه القطائع، وكتب له عهداً، وقال: هذا سيد الأقْيَال جاءكم حبًا لله ولرسوله.
سكن الكوفة، وعقبه بها، وذكره ابن سعد فيمن نزل الكوفة من الصحابة. وقال ابن حبان في الصحابة: كان بقية أولاد الملوك بحضرموت، وبشر به النبي صلى الله عليه وسلم قبل قدومه، وأقطعه أرضاً، وبعث معه معاوية، فقال له: أردفني، فقال: لست من أرْدَاف الملوك، فلما ولي معاوية قصده وائل، فتلقاه، وأكرمه، فقال وائل: وددت أني حملته ذلك اليوم بين يديّ، ومات في ولاية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم. أخرج له الجماعة، إلا البخاري
(1)
، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم رجال الجماعة إلا وائلاً وابنه، فما أخرج لهما البخاري.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه فبغلاني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، أبو إسحاق، عن عبد الجبَّار.
(1)
"تت" جـ 11ص 108 - 109. "تك" جـ 30 ص 419.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن وائل بن حجر) رضي الله عنه، أنه (قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كبر رفع يديه حتى حاذتا) أي قابلتا (أذنيه) وفي الرواية الآتية 5/ 882 - من طريق فطْر بن خليفة، عن عبد الجبار:"رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه". وفي 26/ 931 - من طريق يونس، عن أبي إسحاق:"رفع يديه أسفل من أذنيه". وفي رواية أبي داود من طريق الحسن بن عبيد الله النخعي، عن عبد الجبار:"رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبر".
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الروايات تؤيد ما تقدم عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى من جمعه بين الروايات المختلفة، قال الثووي رحمه الله في شرح مسلم: وأما صفة الرفع، فالمشهور من مذهبنا، ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم: حذو منكبيه، وبهذا جمع الشافعي رضي الله عنه بين روايات الأحاديث، فاستحسن الناس ذلك منه. انتهى.
(1)
وقال السندي رحمه الله: لا تناقض بين الأفعال المختلفة، لجواز
(1)
شرح مسلم جـ 4 ص 95.
وقوع ذلك في أوقات متعددة، فيكون الكل سنة، إلا إذا دل الدليل على نسخ البعض، فلا منافاة بين الرفع إلى المنكبين، أو إلى شحمة الأذنين، أو إلى فروع الأذنين، أي أعاليهما، وقد ذكر العلماء في التوفيق بسطًا لا حاجة إليه، لكون التوفيق فرع التعارض، ولا يظهر التعارض أصلا. انتهى
(1)
.
(ثم يقرأ فاتحة الكتاب) هكذا نسخ "المجتبى" بصيغة المضارع، والذي في الكبرى:"ثم قرأ بفاتحة الكتاب"، وهي أوضح، ولما في "المجتبى" وجه صحيح أيضاً، وذلك بحمله على حكاية الحال الماضية. والله تعالى أعلم. (فلما فرغ منها) أي انتهى من قراءة الفاتحة، وفي رواية يونس المتقدمة:"فلما قرأ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} "(قال آمين) فيه مشروعية قول: "آمين" عقب قراءة الفاتحة، وسيأتي البحث عنه بباب خاص، إن شاء الله تعالى.
(يرفع بها صوته) جملة فعلية في محل نصب على الحال من فاعل "قال". وفيه استحباب الجهر بـ"آمين"، وهو مذهب كثير من أهل العلم، وهو الراجح، وقال بعض أهل العلم باستحباب الإسرار بها، لما في بعض الروايات:"يخفض بها صوته"، لكن أهل الحديث يرونه وَهَمَاً، وسيأتي تحقيق الخلاف، وبيان الراجح في ذلك في المحل
(1)
شرح السندي جـ 2 ص 122.
المناسب له، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث وائل بن حُجر رضي الله عنه هذا صحيح، وقد تقدم أن فيه انقطاعًا، لأن عبد الجبار لم يسمع منه، لكنه موصول عند مسلم
1/ 301 رقم 54، وأبي داود 1/ 192/ 724، وأحمد 4/ 317 و318 فقد رواه عن أخيه علقمة، عن أبيه، كما وصله النسائي فيما يأتي 11/ 889 - عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر رضي الله عنه.
ولهذا قال المصنف رحمه الله في "الكبرى" بعد إخراجه من طريق فِطْر ابن خليفة عن عبد الجبار: ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، والحديث في نفسه صحيح. انتهى
(1)
.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه المصنف هنا -4/ 879 - وفي "الكبرى" 4/ 953 - عن
(1)
انظر الكبرى جـ 1 ص 308 رقم 5/ 956.
قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبى إسحاق، عن عبد الجبار، عنه. و5/ 882 - و"الكبرى"- 5/ 956 - عن محمد بن رافع، عن محمد ابن بشر، عن فِطْر بن خليفة، عن عبد الجبار، به. و 26/ 933 - وفي "الكبرى" عن عبد الحميد بن محمد، عن مخلد بن يزيد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، به مطولاً.
وأخرجه (أبو داود) عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن المسعودي، عن عبد الجبار، عن أبيه.
و (ابن ماجه) عن محمد بن الصباح، وعمار بن خالد الواسطي، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، به. وعن عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن عبد الجبار، عن أبيه. وأخرجه أحمد، والدارمي، والبخاري في "جزء رفع اليدين". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية رفع اليدين حيال الأذنين، وقد تقدم تمام البحث فيه في الباب السابق.
ومنها: مشروعية التكبير في الشروع في الصلاة، ولا يصح الدخول فيها إلا به، كما سيأتي تمام البحث فيه -7/ 884 - إن شاء الله تعالى.
ومنها: قراءة الفاتحة، وسيأتي الكلام عليه في 24/ 910.
ومنها: مشروعية التأمين بعد الفاتحة.
ومنها: استحباب رفع الصوت بالتأمين، وسيأتي تمام الكلام فيه 23/ 925. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
880 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ نَصْرَ بْنَ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة، مات سنة 245، من [10]، أخرج له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، تقدم في 5/ 5.
2 -
(خالد) بن الحارث الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، مات سنة 186، ثقة ثبت، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 42/ 47.
3 -
(شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت البصري، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 26.
4 -
(قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، الإمام الحجة الثبت، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 30/ 34.
5 -
(نصر بن عاصم) بن عمرو بن خالد بن حزام بن سعد بن وديعة بن مالك بن قيس بن عامر بن ليث الليثي البصري، ثقة من [3]، أخرج له البخاري في "رفع اليدين"، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
ذكره خليفة في الطبقة الثانية من قراء أهل البصرة. قال أبو داود: كان خارجيًا. وقالى النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال سهل بن محمود، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: جلست أنا والزهري إلى نصر بن عاصم، فلما قمت من عنده قال: إن هذا ليقلّع العربية تقليعًا. وقال المرزباني في "معجم الشعراء": كان على رأي الخوارج، ثم تركهم، وأنشدوا له [من الكامل]:
فَارَقْتُ نَجْدَةَ وَالَّذيِنَ تَزَرَّقُوا
…
وَابْنَ الزُّبَيْرِ وَشِيعَةَ الْكَذَّابِ
في أبيات. وفي "طبقات ابن سعد": روى عن أبيه، وله صحبة. قال خليفة: مات بعد الثمانين
(1)
.
(1)
"تت" جـ 10 ص 437.
6 -
(مالك بن الحويرث) أبو سليمان الليثي، صحابي نزل البصرة، مات سنة 74، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 634. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وأخرج له أبو داود في "القدر"، ونصر بن عاصم، فأخرج له البخاري في "جزء القراءة"، ولم يخرج له الترمذي.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، قتادة، عن نصر بن عاصم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن مالك بن الحويرث) الليثي رضي الله عنه (وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) ممن نزل البصرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إِذا صلى رفع يديه حين يكبر) فيه أنه كان يقارن بين الرفع والتكبير، وقد تقدم تمام البحث فيه في الباب السابق (حيال أذنيه) بكسر الحاء المهملة، وتخفيف المثناة التحتية، فلام-: أي تلقاءهما، وهذا محل
الترجمة، فقيه استحباب رفع اليدين محاذيًا للأذنين.
وفي الرواية الآتية -85/ 1024 - من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع حتى بلغتا فروع أذنيه". وقد تقدم الجمع بينه وبين حديث "رفع يديه حذو منكبيه" -بحمل الاختلاف على اختلاف الأوقات، وهو الأولى، أو بما نقل عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه يرفع يديه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه.
(وإِذا أراد أن يركع) و"إِذا أراد" عطف على "إِذا صلى"، أي إذا أراد أن يركع رفع يديه، ومثله قوله:(وإِذا رفع رأسه من الركوع) فيه إثبات رفع اليدين في الركوع، وفي الرفع منه، وهو مذهب المحققين، وخالف فيه بعض العلماء، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في بابه -85/ 1024 و86/ 1025 - إن شاء الله تعالى.
تنبيه: قال العلامة السندي رحمه الله: ما حاصله: إن مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر ممن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم آخر عمره، فروايتهما الرفع عند الركوع، والرفع منه دليل على بقائه، وبطلان دعوى نسخه، كيف وقد روى مالك هذا جلسة الاستراحة، فحملوها على أنها كانت في آخر عمره في سن الكبر، فهي ليست مما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم قصدًا، فلا تكون سنة، وهذا يقتضي أن يكون الرفع الذي
رواه ثابتًا، لا منسوخًا، لكونه في آخر عمره عندهم، فالقول بأنه منسوخ قريب من التناقض، وقد قال صلى الله عليه وسلم لمالك هذا وأصحابه:"صلوا كما رأيتموني أصلي". والله تعالى أعلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السندي رحمه الله تعالى يدل على إنصافه، وكونه يؤثر اتباع الدليل، وإن خالف مذهبه، خلافَ ما عليه المتأخرون من أهل مذهبه الحنفي، فإنهم يتعصبون لمذهبهم مع وضوح الدليل على خلافه كالشمس في رابعة النهار، والذي ادعى النسخ هو الطحاوي، وتبعه في ذلك المتأخرون، وحاولوا ردَّ الأحاديث الصحيحة بأدلتهم الواهية، وسيأتي الكلام معهم، وإدحاض حججهم الواهية، في باب "رفع اليدين للركوع" -85/ 1024 - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا -4/ 880 - وفي "الكبرى" -4/ 954 - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الهُجَيمي -وفي 35/ 1084 - عن محمد بن
(1)
شرح السندي جـ 2 ص 123.
المثنى، عن ابن أبي عدي -كلاهما عن شعبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم عنه. وفي 4/ 881 - و"الكبرى" 4/ 955 - عن يعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل ابن علية -و85/ 1024 - و"الكبرى" 32/ 1097 - عن علي بن حجر، عن ابن علية -و17/ 1055 - عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زريع -و36/ 1086 - عن محمد ابن المثنى، عن عبد الأعلى -كلهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به. و36/ 1087 - عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (مسلم) عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، به. وعن أبي كامل الجحدري، عن أبي عوانة، عن قتادة، به.
و (أبو داود) عن حفص بن عمر، عن شعبة، به.
و (ابن ماجه) عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، به.
و (أحمد) 3/ 436 و437 و5/ 53.
و (الدارمي) رقم 1254، و (البخاري في جزء رفع اليدين) 7 و53 و98. والله تعالى أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
889 -
أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ
مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحِينَ رَكَعَ، وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ حَتَّى حَاذَتَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(يعقوب بن إِبراهيم) الدَّوْرَقِيُّ، أبو يوسف البغدادي، ثقة، من [10]، تقدم في 21/ 22.
2 -
(ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم البصري، ثقة حافظ، من [8]، تقدم في 18/ 19.
3 -
(ابن أبي عروبة) هو سعيد بن مِهْران البصري، ثقة ثبت يدلس واختلط، من [6]، تقدم في 34/ 38.
والباقون تقدموا في السند السابق.
قال الجامع عفا الله عنه: أما شرح الحديث فواضح يعلم مما تقدم، وكذا مسائله.
وقوله: "فروع أذنيه": أي أعاليهما، وفرع كل شيء أعلاه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
5 - باب مَوْضِعِ الإِبْهَامَيْنِ عِنْدَ الرَّفْعِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على محل إبهامي الأصابع عند رفع اليدين في الصلاة.
و"الإبهامان": تثنية إبهام -بالكسر-: الأصبع العُظْمَى، وهي مؤنثة، وجمعها إبهامات، وأباهيم
(1)
.
880 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكَادَ إِبْهَامَاهُ تُحَاذِي شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد، مات سنة 245، من [11]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في 92/ 114.
2 -
(محمد بن بشر) بن الفَرافِصَة بن المختار الحافظ العبدي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ، من [9].
قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: هو أحفظ من كان بالكوفة. وقال الكديمي، عن أبي نعيم: لما
(1)
راجع المصباح جـ 1 ص 64، والمختار ص 27.
خرجنا في جنازة مِسعر جعلت أتطاول، فقلت: يجيئوني، فيسألوني عن حديث مسعر، فذاكرني محمد بن بشر العبدي بحديث مسعر، فأغرب علي سبعين حديثًا، لم يكن عندي منها إلا حديث واحد. وقال النسائي، وابن قانع: ثقة. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: لم يكن به بأس، وقيل له: هو أحب إليك، أو أبو أسامة؟ فقال: أبو أسامة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبت إذا حدث من كتابه. وفي "المراسيل": قال ابن معين: والله ما سمع محمد ابن بشر من مجاهد بن رومي شيئًا، ولكنه مرسل. قال البخاري، وابن حبان: مات سنة 203، وفيها أرخه يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وزادا: في جمادى الأولى، وقالا: وكان ثقة كثير الحديث. أخرج له الجماعة
(1)
.
3 -
(فطر بن خَلِيفة) القرشي المخزومي مولاهم، أبو بكر الحناط
(2)
الكوفي صدوق رمي بالتشيع من [5].
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة صالح الحديث، قال: وقال أبي: كان عند يحيى بن سعيد ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة حسن الحديث، وكان فيه تشيع قليل. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، كان يحيى بن سعيد يرضاه، ويحسن القول فيه، ويحدث عنه.
(1)
"تت" جـ 9 ص 73 - 74. "ت" 391.
(2)
"الحناط" بالمهملة، والنون.
وقال أبو داود، عن أحمد بن يونس: كنا نمر على فطر، وهو مطروح، لا نكتب عنه. وقال النسائي: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة حافظ كَيِّس. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، ومن الناس من يستضعفه، وكان لا يدع أحدًا يكتب عنه، وكانت له سن عالية، ولقاء. وقال الساجي: صدوق ثقة، ليس بمتقن، كان أحمد ابن حنبل يقول: هو خَشَبي
(1)
مُفْرِط، قال الساجي: وكان يقدم عليًا على عثمان، وكان يحيى بن سعيد يقول: حدث عن عطاء، ولم يسمع منه، وقال الساجي: وقد حكى وكيع أن فطرًا سأل عطاء، وروى أيضًا عن رجل، يقال له: عطاء رأى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال السعدي: زائغ غير ثقة. وقالط الدارقطني: فطر زائغ، ولم يحتج به البخاري. وقال أبو بكر بن عياش: ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم يرفع من فطر ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت فطرًا لأنه يروي أحاديث فيها إزراء على عثمان.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وقد قيل: إنه سمع من أبي الطفيل، فإن صح فهو من التابعين. وقال النسائي في الكنى: حدثنا
(1)
"الخشبي" بفتح الخاء، والشين المعجمتين، وفي آخره الباء الموحدة -نسبة إلى الخشبية، وهم طائفة من الشيعة، يقال لكل واحد منهم: خشبي. اهـ اللباب. جـ 1 ص 444 - 445.
يعقوب بن سفيان، عن ابن نمير، قال: فطر حافظ كيس. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة عند الكوفيين، وهو متماسك، وأرجو أنه لا بأس به.
وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة 5، ويقال: سنة 153، روى له البخاري مقرونًا بغيره، والباقون، إلا مسلمًا
(1)
.
وأما عبد الجبار وأبوه فتقدما في الباب الماضي.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث وائل بن حجر رضي الله عنه هذا فيه انقطاع، لكن المصنف رحمه الله صححه في "الكبرى"، ونصه فيها:
قال أبو عبد الرحمن: عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، والحديث في نفسه صحيح. انتهى كلامه في "الكبرى" جـ 1 ص 308 رقم - 5/ 956.
قال الجامع عفا الله عنه: أراد أنه صحيح لشواهده. والله أعلم.
وقوله: " شَحْمَتَيْ أذنيه": تثنية شَحْمَة -بفتح الشين المعجمة، وسكون الحاء المهملة، بعدها ميم-: وهو ما لان في أسفل الأذن، وهو مُعَلَّقُ القُرْط. أفاده الفيومي رحمه الله تعالى
(2)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(1)
"تت" جـ 8 ص 300 - 302. "ت" 277.
(2)
المصباح جـ 1 ص 306.
6 - رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَدًّا
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب رفع اليدين في الصلاة رفعاً بليغاً. والمراد رفعهما إلى المنكبين، أو الأذنين، لا فوق رأسه كما توهم بعضهم، لأن حديث الباب لم يحدد محل الرفع، فيحمل على الأحاديث المفسرة المتقدمة، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا إن شاء الله تعالى.
883 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَمْعَانَ، قَالَ: جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقَالَ: ثَلَاثٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْمَلُ بِهِنَّ، تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ مَدًّا، وَيَسْكُتُ هُنَيْهَةً، وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(عمرو بن علي) الفَلاَّس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، مات سنة 249، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 4/ 4.
2 -
(يحيى) بن سيعد القطان، الإمام الحجة الثبت، مات سنة
198، من كبار [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 4/ 4.
3 -
(ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، مات سنة 158، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 685.
4 -
(سعيد بن سمعان
(1)
) الأنصاري الزُّرَقي مولاهم المدني، ثقة، من [3]، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
روى عن أبي هريرة، وابن حَسَنَة. وعنه ابن أبي داود، وسابق بن عبد الله الرّقّيّ، ومحمد بن أبي ذئب. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البرقي عن الدارقطني: ثقة. وقال الحاكم: تابعي معروف. وقال الأزدي: ضعيف. قال في "ت": لم يصب الأزدي في تضعيفه
(2)
.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(1)
قال في المغني: بكسر السين وفتحها، وسكون الميم، وإهمال العين. اهـ من هامش "تت" جـ 4 ص 45.
(2)
"تت" جـ 4 ص 45. "ت" جـ 6 ص 123.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا سعيد بن سمعان، فانفرد به هو، وأبو داود، والترمذي.
ومنها: أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة، وتقدموا غير مرة، وأن فيه أبا هريرة أحد المكثرين السبعة، وفيه الإخبار، والتحديث، والقول. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) سعيد بن سمعان (جاء أبو هريرة) رضي الله عنه (إِلى مسجد بني زُرَيق) بضم الزاي المعجمة، وفتح الراء، وسكون الياء آخر الحروف، وآخره قاف، وبنو زريق بن عامر بن حارثة بن غضب بن جشم بن الخزرج. أفاده العيني
(1)
.
(فقال: ثلاث) أي ثلاث خصال من خصال الصلاة (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بهن تركهن الناس) أي تركوا العمل بهن، جهلاً، أو لاعتقادهم أن تركهن لا يضر بالصلاة، ثم أشار إلى الخصلة الأولى بقوله:(كان يرفع يديه في الصلاة مَدًّا) أي رفعًا بليغًا، أو رفعًا، وهو مصدر من غير لفظ الفعل، كقعدت جلوسًا، إلا أنه على الأول للنوع، وعلى الثاني للتأكيد. قاله السندي رحمه الله تعالى.
وقال ابن سيد الناس رحمه الله: يجوز أن يكون مَدّاً مصدرًا
(1)
عمدة القاري جـ 4 ص 159.
مختصًا، كقعد القُرْفُصَاء، أو مصدرًا من المعنى، كقعدت جلوسًا، أو حالاً من رفع. انتهى.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: يجوز أن يكون منتصبًا على المصدرية بفعل مقدر، وهو يمدّهما مدًا، ويجوز أن يكون منتصبًا على الحالية، أي رفع يديه في حال كونه مادًا لهما إلى رأسه، ويجوز أن يكون مصدرًا منتصبًا بقوله:"رفع"، لأن الرفع بمعنى المدّ، وأصل المدّ في اللغة الجرّ -قاله الراغب- والارتفاع؛ قال الجوهري: ومَدُّ النهارِ ارتفاعُهُ، وله معان أخر، ذكرها صاحب القاموس وغيره.
وقد فسر ابن عبد البرّ المدَّ المذكور في الحديث بمد اليدين فوق الأذنين مع الرأس. انتهى كلام الشوكاني
(1)
.
قال العلامة المباركفوري رحمه الله: لم يبين في هذا الحديث غاية المدّ، فهو مجمل فيها، فلابدّ من أن يحمل على الأحاديث التي بينت فيها غايته، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المباركفوري رحمه الله حسن جداً.
وحاصله: أن معنى قول أبي هريرة رضي الله عنه: "رفع يديه مدّاً" بمعنى حديث ابن عمر، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث
(1)
نيل الأوطار جـ 3 ص 9.
(2)
تحفة الأحوذي جـ 2 ص 44.
رضي الله عنهم أنه رفع يديه حَذْوَ المنكبين، وحيال الأذنين، وأما ما فسر به ابن عبد البر فلا أراه صحيحا؛ إذ حديث أبي هريرة رضي الله عنه مجمل، حيث لم يبين فيه حد الرفع، ولابد من حمل المجمل على المفسر.
والحاصل أن أبا هريرة رضي الله عنه إنما أنكر على الناس تركهم الرفع أصلاً، أو اقتصارَهم على ما دون المنكبين. والله تعالى أعلم.
ثم أشار إلى الخصلة الثانية بقوله: (ويسكت هنيهة) أي زمنًا يسيرًا، وهو بضم الهاء، وفتح النون، مصغر "هَنَةٍ". قال الفيومي رحمه الله: الْهَنُ خفيف النون كناية عن كل اسم جنسً، والأنثى هَنَة، ولامها محذوفة، ففي لغة هي هاء، فيصغر على هُنَيهَة، ومنه يقال: سكت هُنَيْهَة، أي ساعة لطيفة، وفي لغة هي واو، فيصغر في المؤنث على هُنَيَّة، والهمز خطأ، إذ لا وجه، وجمعها هَنَوَات، وربما جُمِعَت هَنَاتٍ على لفظها، مثل عِدَات. انتهى
(1)
.
قال السندي رحمه الله: والمراد السكوت قبل القراءة، أو بعد الفاتحة، والحديث يدلّ على أن الناس تركوا بعض السنن وقتَ الصحابة، فينبغي الاعتماد على الأحاديث. والله تعالى أعلم. انتهى.
وقال الجامع عفا الله عنه: الصواب كون المراد بالسكوت السكوتَ الذي بين التكبير وقراءة الفاتحة، كما بينه أحمد رحمه الله في
(1)
المصباح جـ 2 ص 641.
روايته:
قال عبد الله بن أحمد رحمه الله: حدثني أبي، ثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب -ويزيد بن هارون، قال: أنا ابن أبي ذئب المعنى، قال: ثنا سعيد بن سمعان، قال: أتانا أبو هريرة في مسجد بني زريق، قال: ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بهن، قد تركهن الناس، كان يرفع يديه مدّاً إذا دخل في الصلاة، ويكبر كلما ركع، ورفع، والسكوت قبل القراءة، يسأل الله من فضله. قال يزيد: يدعو، ويسأل الله من فضله. راجع "المسند" جـ 2 ص 434.
وقال عبد الله أيضاً: حدثني أبي، ثنا محمد بن عبد الله، ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، قال: ترك الناس ثلاثة مما كان يعمل بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم،كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا، ثم سكت قبل القراءة هُنَيَّةً، يسأل الله من فضله، فيكبر كلما خفض، ورفع. راجع "المسند" جـ 2 ص 500.
ويأتي للمصنف رحمه الله -15/ 895 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟
…
الحديث. والله تعالى أعلم. فتبين بهذا كله أن المراد بالسكوت هنا هو السكوت بين التكبير وقراءة الفاتحة. والله تعالى أعلم.
ثم المراد بالسكوت هنا ما قابل الجهر، لا ما قابل الكلام، بدليل أنه كان يقرأ دعاء الاستفتاح فيه، ففي رواية أبي هريرة المذكورة قال: فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ قال: أقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب"
…
الحديث. وفي رواية أحمد المذكورة: "ثم سكت قبل القراءة هنيّة يسأل الله من فضله".
والحاصل أن سكوته هو عدم جهره بدعاء الاستفتاح، كما يجهر بالقراءة، لا عدم نطقه أصلاً. والله أعلم.
ثم أشار إلى الخصلة الثالثة بقوله: (ويكبر إِذا سجد، وإِذا رفع) ورواية أحمد: "كلما خفض، ورفع"، وهي أعم، أي أنه يكبر في خفض الركوع، وخفض السجود، ورفع السجود، ورفع القيام، فيعم بالتكبير كل انتقالاته، إلا ما استثني بالنص، وهو الرفع من الركوع، فإن المشروع فيه هو التسميع، والتحميد.
وقد أخرج البخاري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. ويأتي للمصنف رحمه الله مطولاً برقم 84/ 1023.
وأخرج عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حُصَين رضي الله
عنه، قال: صلى مع علي رضي الله عنه بالبصرة، فقال: ذكّرنا هذا الرجل صلاةً كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع، وكلما خفض. ويأتي للمصنف برقم 34/ 1082.
وقال الحافظ رحمه الله: فيه إشارة إلى أن التكبير الذي ذكره كان قد ترك، وقد روى أحمد، والطحاوي بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: ذكّرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إما نسيناها، وإما تركناها عمدًا.
ولأحمد من وجه آخر عن مطرف قال: قلنا: -يعني لعمران بن حصين- يا أبا نُجَيد -هو بالنون، والجيم مصغرًا- مَنْ أولُ من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان حين كبر، وضعف صوته. وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر.
وروى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن أول من ترك التكبير معاوية. وروى أبو عبيد أن أول من تركه زياد. وهذا لا ينافي الذي قبله، لأن زيادًا تركه بترك معاوية، وكأن معاوية تركه بترك عثمان. وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، ويرجِّحُهُ ما أخرجه البخاري في صحيحه عن سعيد بن الحارث، قال: صلى لنا أبو سعيد، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين، وقال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن حكى الطحاوي أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، قال: وكذلك كانت بنو أمية تفعل. وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر. وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام. وفرق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووَجَّهَه بأن التكبير شرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج إليه المنفرد. لكن استقر الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصلّ، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام. وعن أحمد، وبعض أهل الظاهر يجب كله. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف
(1)
. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق هذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -6/ 883 - وفي "الكبرى" -6/ 957 - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (أبو داود) في "الصلاة" عن مسدد، عن يحيى، به.
(1)
فتح جـ 2 ص 522 - 523.
و (الترمذي) فيه عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن ابن أبي ذئب به. و (أحمد) جـ 2/ 434 و500. و (البخاري في جزء رفع اليدين) رقم 279. و (ابن خزيمة) رقم 456 و460 و473. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو المبالغة في رفع اليدين، وقد تقدم أن الأرجح أن يفسر بما في الروايات الأخرى، وهو المدّ إلى المنكبين، أو الأذنين، لا كما توهم أنه يرفعه فوق رأسه. والله أعلم.
ومنها: مشروعية السكوت بين الإحرام للصلاة، وقراءة الفاتحة، مشتغلاً بدعاء الاستفتاح، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
ومنها: مشروعية التكبير في كل خفض ورفع، إلا الرفع من الركوع، فيقول:"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".
ومنها: ما كان عليه الصحابة من شدة حرصهم على بيان سنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وتبليغها للناس، فإن أبا هريرة رضي الله عنه صلى بالناس، وأعلن لهم أنه أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً حيث رآهم تركوا السن جهلاً، فنبههم عليها، وأرشدهم إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: أخرج الترمذي رحمه الله في جامعه حديث الباب عن قتيبة، وأبي سعيد الأشج، قالا: حدثنا يحيى بن يمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة نشر أصابعه.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد رواه غير واحد عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا. وهو أصح من رواية يحيى بن يمان، وأخطأ ابن يمان في هذا الحديث.
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا.
قال أبو عيسى: قال عبد الله: وهذا أصح من حديث يحيى بن يمان، وحديث يحيى بن يمان خطأ. انتهى.
وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: وَهِمَ يحيى، إنما أراد: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا. كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: يحيى بن يمان العجلي الكوفي، قال عنه الحافظ في "ت": صدوق عابد يخطىء كثيرًا، وقد تغير، من كبار
(1)
راجع تحفة الأحوذي جـ 2 ص 42 - 44.
التاسعة مات سنة 189.
وقد ظهر هنا خطؤه حيث خالف الحفاظ من أصحاب ابن أبي ذئب، وهم يحيى القطان -كما عند المصنف، وأحمد، وأبي داود- ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبد الله -كما عند أحمد- وعبيد الله ابن عبد المجيد -كما عند الترمذي- فصارت روايته منكرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
7 - فَرْضِ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على إيجاب التكبيرة الأولى في الصلاة.
يقال: فَرَضَ الله الأحكام فَرْضًا: أوجبها. قاله الفيومي.
فإضافة الفرض إلى التكبيرة من إضافة المصدر إلى مفعوله.
وموضع الاستدلال قوله: "فكبر"؛ حيث أمره بالتكبير، والأمر للإيجاب. والله تعالى أعلم.
884 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ:"ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ، فَصَلَّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ
الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، فَعَلِّمْنِي، قَالَ:"إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة ثبت، مات سنة 252 هـ، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 64/ 80.
2 -
(يحيى) بن سعيد القطان، تقدم في الباب الماضي.
3 -
(عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمَري أبو عثمان المدني، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري، عن عروة، عنها. مات سنة بضع وأربعين ومائة، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 15/ 15.
4 -
(سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري، أبو سَعْد المدني، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود 120، وقيل: قبلها،
وقيل: بعدها، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 95/ 117.
5 -
(أبو سعيد) كَيْسان المقبري المدني، مولى أم شريك، صاحب العَبَاء، ثقة ثبت، مات سنة مائة، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 63/ 872.
6 -
(أبو هريرة) الدَّوْسِيُّ الصحابي رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان.
ومنها: أن شيخه هو أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستة بدون واسطة وهم المجموعون في قولي:
اشْتَرَكَ الأئمَةُ الْهُداةُ
…
ذَوُوا الأصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاه
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيوخِ الْمَهَرَهْ
…
الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أولَئِكَ الأشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ
…
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْعَلاءِ وَابْنَ بَشَّارٍ كَذَا
…
ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدموا غير مرة، وإنما أعدتهم تذكيرًا، لطول العهد بهم.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، عبيد الله، عن سعيد.
ومنها: أن فيه رواية الابن، عن أبيه، سعيد، عن كيسان.
ومنها: أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه، أكثر الصحابة حديثًا، روى 5374 حديثًا. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قوله: "عن أبيه"، قال الدارقطني رحمه الله: خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد، فإنهم لم يقولوا:"عن أبيه"؛ ويحيى حافظ، قال: ويشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين. وقال البزار رحمه الله: لم يتابع يحيى عليه. ورجح الترمذي رحمه الله رواية يحيى.
قال الحافظ رحمه الله: قلت: لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة رضي الله عنه، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين، فأخرج البخاري طريقي يحيى في "باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة"، وفي "باب وجوب القراءة"، وأخرج في "الاستئذان" طريق عبد الله بن نمير، وفي "الأيمان والنذور" طريق أبي أسامة كلاهما عن عبيد الله، ليس فيه "عن أبيه". وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة.
وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة رضي الله عنه،
أخرجها أبو داود، والنسائي، من رواية إسحاق بن أبي طلحة -ومحمد ابن إسحاق - ومحمد بن عمرو - ومحمد بن عجلان - وداود بن قيس- كلهم عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع. فمنهم من لم يسم رفاعة، قال:"عن عم له بدري"، ومنهم من لم يقل:"عن أبيه". ورواه النسائي، والترمذي من طريق يحيى بن علي بن يحيى، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة، لكن لم يقل الترمذي:"عن أبيه". وفيه اختلاف آخر نذكره قريبًا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد) النبوي (فدخل رجل). في رواية ابن نمير: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد". وللنسائى من رواية إسحاق بن أبي طلحة: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، ونحن حوله".
وهذا الرجل هو خلاد بن رافع جد علي بن يحيى راوي الخبر، بينه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوّام، عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى، عن رفاعة أن خلاداً دخل المسجد. وروى أبو موسى في الذيل من جهة ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن عبد الله بن
(1)
فتح جـ 2 ص 532.
خلاد، عن أبيه، عن جده أنه دخل المسجد اهـ.
قال الحافظ رحمه الله: وفيه أمران: زيادة عبد الله في نسب علي بن يحيى، وجعل الحديث من رواية خلاد جد علي. فأما الأول فَوَهَمٌ من الراوي عن ابن عيينة. وأما الثاني فمن ابن عيينة، لأن سعيد بن منصور قد رواه عنه كذلك، لكن بإسقاط "عبد الله". والمحفوظ أنه من حديث رفاعة، كذلك أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيد القطان، وابن عيينة، وابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر، كلاهما عن محمد بن عجلان.
وأما ما وقع عند الترمذي "إذ جاء رجل كالبدوي، فصلى فأخفّ صلاته"، فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد، لأن رفاعة شبهه بالبدوي، لكونه أخف الصلاة، أو لغير ذلك. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى
(1)
.
(فصلى) زاد الصنف من طريق داود بن قيس -67/ 1314 - : "ركعتين"، وفيه إشعار بأنه صلى نفلاً، والأقرب أنه تحية المسجد، وفي الرواية المذكورة، "وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يَرْمُقُهُ في صلاته"، زاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة:"ولا ندري ما يعيب منها"، وعند ابن أبي شيبة من رواية أبي خالد:"يرمقُهُ، ونحن لا نشعر"، وهذا محمول على حالهم في المرة الأولى، وهو مختصر من الذي قبله، كأنه قال: ولا نشعر بما يعيب منها. قاله في "الفتح".
(1)
المصدر السابق.
(ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية أبي أسامة "فجاء فسلم"، وهي أولى، لأنه لم يكن بين صلاته ومجيئه تراخ (فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية للبخاري، ومسلم. "فقال: وعليك السلام". قال في "الفتح": وفيه ردّ على ابن المُنَيِّر حيث قال: فيه أن الموعظة في وقت الحاجة أهم من ردّ السلام، ولأَنه لعله لم يرد عليه السلام تأديبًا على جهله، فيؤخذ منه التأديب بالهجر وترك السلام. اهـ.
قال الحافظ: والذي وقفنا عليه من نسخ الصحيحين ثبوت الرد في هذا الموضع وغيره، إلا الذي في الأيمان والنذور، وقد ساق الحديث صاحب "العمدة" بلفظ الباب إلا أنه حذف منه "فرد النبي صلى الله عليه وسلم"، فلعل ابن المنير اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب "العمدة". انتهى.
(وقال: ارجع) وفي رواية ابن عجلان "أعد صلاتك"، (فإِنك لم تصلّ) الفاء للتعليل؛ أي لأنك لم تصل، أي لم تُوجِدْ حقيقة الصلاة، فهو نفي للحقيقة، لانتفاء الطمأنينة التي هي ركن من أركانها، أو أن المراد لم تصح صلاتك، فيكون النفي راجعًا للصفة، خلافًا لمن قال: إنه نفي للكمال، لأن النفي يتوجه للحقيقة إن أمكن، كما هنا، وإلا يتوجه لأقرب صفة للحقيقة، كالصحة، لا الكمال
(1)
.
وقال القاضي عياض رحمه الله: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزىء، وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء،
(1)
راجع المنهل العذب الورود جـ 5 ص 350.
وهو الظاهر، ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بعد التعليم بالإعادة، فدلّ على إجزائها، وإلا لزم تأخير البيان. كذا قاله بعض المالكية، وهو المهلب، ومن تبعه، وفيه نظر، لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة، فسأله التعليم، فعلمه، فكأنه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية. قاله في "الفتح".
(فرجع) الرجل (فصلى كما صلى) أي مثل صلاته الأولى بلا طمأنينة، ولا اعتدال، (ثم جاء إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وعليك السلام، ارجع، فصل، فإِنك لم تصل"، فعل ذلك ثلاث مرات)، وفي رواية رفاعة بن رافع الآتية 15/ 1053:"قال: لا أدري في الثانية، أو في الثالثة"، وفي 67/ 1313:"فإنك لم تصل، مرتين، أو ثلاثًا"، وفي 76/ 1314:"حتى كان عند الثالثة، أو الرابعة". وتترجح ما في الباب -كما قال الحافظ- لعدم وقوع الشك فيها، ولكونه صلى الله عليه وسلم كان من عادته استعمال الثلاث في تعليمه غالباً.
واستشكل تقريره صلى الله عليه وسلم على صلاته، وهي فاسدة على القول بأنه أخل ببعض الواجبات، وأجاب المازري بأن أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرات، لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا أو غافلاً، فيتذكره، فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقق الخطأ. وقال النووي: نحوه، قال: وإنما لم يعلمه أوّلاً ليكون
أبلغ في تعريفه، وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة. وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر، وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لم يفته، فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك.
وقال ابن دقيق العيد: ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا، بل لابد من انتفاء الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله، واستجماع نفسه، وتوجه سؤاله، مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم، لاسيما مع عدم خوف الفوات، إما بناء على ظاهر الحال، أو بوحي خاص.
وقال التوربشتي: إنما سكت عن تعليمه أوّلاً لأنه لما رجع لم يستكشف الحال من مورد الوحي، وكأنه اغترّ بما عنده من العلم، فسكت عن تعليمه زجرًا له، وتأديبًا، وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشد إليه. انتهى.
قال الحافظ: لكن فيه مناقشة، لأنه إن تم له في الصلاة الثانية والثالثة لم يتم له في الأولى، لأنه صلى الله عليه وسلم بدأه لما جاء أول مرة بقوله:"ارجع فصل، فإنك لم تصل"، فالسؤال وارد على تقريره له على الصلاة الأولى، كيف لم ينكر عليه في أثنائها، لكن الجواب صحيح بيانًا للحكمة في تأخير البيان بعد ذلك، والله أعلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه إنما لم ينكر عليه أثناء الصلاة،
(1)
فتح جـ 2 ص 536 - 537.
بل أخره إلى أن انتهى ليتبين له جميع ما يخطىء فيه؛ إذ لو أنكر عليه في الوسط وعلمه وأعاد، ربما أخطأ في غيره فيحتاج إلى تعليمه ويتسلسل، ولا يقال: إن تبين له ذلك في المرة الأولى، فلماذا رده ثانياً وثالثًا، لأننا نقول: إن ذلك زجر له حيث أقدم على الإعادة من غير أن يتعلم منه صلى الله عليه وسلم فعاقبه. والله تعالى أعلم.
(فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني)، وفي حديث رفاعة رضي الله عنه:"والذي أنزل عليك الكتاب لقد جهدت، فعلمني، وأرني"، وفي لفظ:"لقد جهدت، وحَرَصتُ، فأرني، وعلمني"، وفي رواية:"والذي أكرمك يا رسول الله، لقد جهدت، فعلمني"، وفي رواية:"فقال الرجل: فأرني وعلمني، فإنما أَنا بشر أصيب وأخطىء. فقال: أجل".
(قال) صلى الله عليه وسلم معلمًا له (اذا قمت إِلى الصلاة، فكبر) وفي حديث رفاعة: "إذا أردت الصلاة، فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قم، فاستقبل القبلة، ثم كبر"، وفي رواية:"فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، وأقم"، وفي رواية:"إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ويمجده".
وهذا محل الترجمة وهو أنه يدل على فرضية تكبيرة الإحرام، وسيأتي أقوال أهل العلم فيه مستوفى في "المسألة الخامسة"،
إن شاء الله تعالى.
(ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) قال في "الفتح": لم تختلف الرواية في هذا عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأما رفاعة، ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة:"ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله"، وفي رواية يحيى بن علي:"فإن كان معك قرآن، فاقرأ، وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله"، وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داود:"ثم اقرأ بأم القرآن، أو بما شاء الله"، ولأحمد، وابن حبان من هذا الوجه:"ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت"، ترجم له ابن حبان بـ[باب فرض المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة]. انتهى ما في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بهذه الروايات أن معنى ما تيسر هي الفاتحة، فلا متمسك لمن استدل به على عدم فرضية الفاتحة. فتبصر. والله تعالى أعلم.
(ثم اركع حتى تطمئن راكعًا)، وفي رواية أحمد المذكورة:"فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وتمكن لركوعك". وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ثم يكبر، فيركع حتى تطمئن مفاصله، ويسترخي".
(ثم ارفع) أي رأسك من الركوع (حتى تعتدل قائماً)، وفي
(1)
جـ 2 ص 534.
رواية ابن نمير عند ابن ماجه: "حتى تطمئن قائمًا"، أخرجه ابن أبي شيبة عنه، وقد أخرج مسلم إسناده بعينه في هذا الحديث لكن لم يسق لفظه، فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده، عن أبي أسامة، وهو في "مستخرج أبي نعيم" من طريقه، وكذا أخرجه السرّاج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة.
قال الحافظ رحمه الله بعد ذكر ما تقدم: فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد، وابن حبان، وفي لفظ لأحمد:"فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها"، وعرف بهذا أن قول إمام الحرمين: في القلب من إيجابها -أي الطمأنينة في الرفع من الركوع- شيء لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته، دالّ على أنه لم يقف على هذه الطرق الصحيحة. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى
(1)
.
(ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا)، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة:"ثم يكبر، فيسجد حتى يمكن وجهه، أو جبهته حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي".
(ثم ارفع) أي رأسك من السجود (حتى تطمئن جالسًا)، وفي رواية إسحاق المذكورة:"ثم يكبر، فيرفع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته، ويقيم صلبه"، وفي رواية محمد بن عمرو: "فإذا رفعت
(1)
فتح جـ 2 ص 534.
رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى"، وفي رواية إسحاق: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئن جالسًا، ثم افترش فخذك اليسرى، ثم تشهد".
(ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) بالجر توكيد لـ"صلاتك". وفي رواية محمد بن عمرو: "ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة". وفي حديث رفاعة رضي الله عنه الآتي -15/ 1053 - : "فإذا صنعت ذلك، فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك، فإنما تنقصه من صلاتك". وفي رواية -67/ 1314 - : "فإذا أتممت صلاتك على هذا، فقد تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنتقصه من صلاتك".
تنبيه: وقع في رواية ابن نمير عند البخاري في "الاستئذان" بعد ذكر السجود الثاني: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا". وقد قال بعضهم: هذا يدلّ على إيجاب جلسة الاستراحة، ولم يقل به أحد. وأشار البخاري إلى أن هذه اللفظة وَهَم، فإنه عَقَّبَه، بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير: "حتى تستوي قائمًا".
قال الحافظ: ويمكن أن يحمل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهد، ويقويه رواية إسحاق المذكورة قريبًا، وكلام البخاري ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواهُ إسحاقُ بن راهويه في "مسنده"
عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم افعل ذلك في كل ركعة". وأخرجه البيهقي من طريقه، وقال: كذا قال إسحاق بن راهويه، عن أبي أسامة، والصحيح رواية عبد الله بن سعيد أبي قُدامة، ويوسف بن موسى عن أبي أسامة بلفظ:"ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا"، ثم ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن تضعيف رواية إسحاق غير صحيح، لأنه تابعه ابن نمير كما مر آنفًا، فالحديث صحيح، وأما دلالته على وجوب جلسة الاستراحة فظاهر، إلا أن له صارفًا، وهو ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من تركه جلسة الاستراحة في بعض الأحيان، كما يأتي البحث عنه في موضعه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
(1)
المصدر السابق جـ 2 ص 534 - 535.
أخرجه هنا -7/ 884 - وفي "الكبرى" -7/ 957 - عن محمد بن المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه.
أخرجه هنا -7/ 884 - وفي "الكبرى" -7/ 957 - عن محمد ابن المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه.
وقال في "الكبرى" عقب إيراد الحديث: قال أبو عبد الرحمن: خولف يحيى في هذا الحديث، فقيل: عن سعيد، عن أبي هريرة، والحديث صحيح. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف يرى صحة الطريقين، طريق يحيى بزيادة "عن أبيه"، وطريق غيره بإسقاطه، وهو مذهب الشيخين، حيث أخرجا الحديث عن الطريقين، ومذهب الدارقطني أيضًا، حيث قال: فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين. وأما الترمذي فقد رجح طريقة يحيى، حيث قال: حديث يحيى بن سعيد أصح. وقد تقدم تمام الكلام على هذا في التنبيه الذي ذكرته عقب ذكر لطائف الإسناد، فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
(1)
راجع الكبرى جـ 1 ص 308.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخر جه (البخاري) في "الصلاة" عن مسدد -وفيه، وفي الاستئذان عن محمد بن بشار- (مسلم وأبو داود) في "الصلاة" عن أبي موسى محمد بن المثنى - ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر به. و (الترمذي) فيه عن محمد بن بشار به. وقال: روى ابن نمير هذا عن عبيد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة، ورواية يحيى أصح. وأخرجه أحمد، وابن حبان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: وجوب الإعادة على من أخل بشيء من واجبات الصلاة.
ومنها: ما قيل: إن الشروع في النافلة مُلزِم، لكن يحتمل أن تكون تلك الصلاة فريضة.
ومنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومنها: الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عامله بالرفق فيما أمره به، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح
المسألة، وتلخيص المقاصد.
ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق، ولطف المعاشرة.
ومنها: طلب المتعلم من العالم أن يعلمه ما يجهله من أمر دينه، ولاسيما الصلاة.
ومنها: مشروعية تكرار السلام ورده، وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال.
ومنها: جلوس الإمام في المسجد، وجلوس أصحابه معه.
ومنها: التسليم للعالم والانقياد له، والاعتراف بالتقصير، والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ.
ومنها: ما قيل: إن فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به القرآن، لا ما زادته السنة، فيندب.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظر، بل ما دل الدليل على وجوبه مما ثبت في السنة، فهو واجب، لأنه مما أمر الله به، إذ آية الوضوء مجملة، فسرتها السنة القولية والفعلية، وقد تقدم البحث في ذلك في أبواب الوضوء مُستوفى بحمد الله تعالى، فارجع إليه تزدد علمًا.
ومنها: تأخير البيان في المجلس للمصلحة.
ومنها: أن فيه حجة على من أجاز القراءة بالفارسية، لكون ما ليس
بلسان العرب لا يسمى قرآنًا. قاله عياض رحمه الله.
ومنها: وجوب القراءة في كل الركعات.
ومنها: أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل يستحب له أن يذكره له، وإن لم يسأله عنه، ويكون من باب النصيحة، لا من الكلام فيما لا يعنيه، وموضع الدلالة منه كونه قال:"علمني" أي الصلاة، فعلمه الصلاة ومقدماتها.
ومنها: أنه استدل به على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة، وبه قال الجمهور، واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم، لكن كلام الطحاوي كالصريح في الوجوب عندهم، فإنه ترجم "مقدار الركوع والسجود" ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله:"سبحان ربي العظيم ثلاثًا في الركوع، وذلك أدناه". قال: فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود لا يجزىء أدنى منه، قال: وخالفهم آخرون، فقالوا: إذا استوى راكعاً واطمأن ساجداً أجزأ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد. قاله في الفتح
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في وجوب تكبيرة الإحرام:
(1)
فتح جـ 2 ص 535.
ذهب جمهور العلماء إلى تعين لفظ "الله أكبر" للشروع في الصلاة، دون غيره من ألفاظ التعظيم، ووافقهم أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم، كالله أعظم، والله أجلّ، ونحو ذلك.
واحتج الجمهور بحديث الباب، حيث قال للمسيء صلاته:"فكبر"، ولفظ أبي داود في حديث رفاعة رضي الله عنه:"لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر"، ورواه الطبراني بلفظ:"ثم يقول: الله أكبر"، وبحديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه، ثم قال:"الله أكبر". أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان. وهذا فيه بيان المراد بالتكبير، وهو قول:"الله أكبر".
وروى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر". ولأحمد، والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر رضي الله عنهما عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال:"الله أكبر" كلما وضع، ورفع
(1)
.
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثابت عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر"، وجاء الحديث عنه أنه قال:
(1)
راجع الفتح جـ 2 ص 455.
"مفتاح الصلاة الطهور، وإحرامها التكبير"، وجاءت الأخبار من وجوه شتى عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه افتتح الصلاة بالتكبير، وأجمع أهل العلم على أن من أحرم للصلاة بالتكبير أنه داخل فيها.
وممن رأى أن التكبير افتتاح للصلاة عبدُ الله بن مسعود، وطاوس، وأيوب، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو ثور، وإسحاق، وعليه عوامّ أهل العلم في القديم والحديث، لا يختلفون أن السنة أن تفتتح الصلاة بالتكبير.
وكان الحَكَم يقول: إذا ذَكَرَ الله مكان التكبير يجزيه.
واختلف أصحاب الرأي في هذه المسألة، فحكَى يعقوب عن النعمان أنه قال في الرجل يفتتح الصلاة بـ"لا إله إلا الله" يجزيه، وإن افتتح بـ"اللهم اغفر لي" لم تجزه الصلاة، قال: وهو قول محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: لا تجزيه إذا كان يحسن التكبير.
وفي كتاب محمد بن الحسن قال: قلت: أرأيت رجلاً افتتح بالتهليل، أو بالتحميد، أو بالتسبيح، هل يكون ذلك دخولاً في الصلاة؟ قال: نعم. قلت له: لم؟ قال: أرأيت لو افتتح الصلاة، قال: الله أجل، أو الله أعلم، أكان داخلاً في الصلاة؟ قال: نعم. قال: فهذا وذاك سواء، قال: وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وإبراهيم، والحكم.
وقال يعقوب: لا يجزيه إن كان يعرف أن الصلاة تُفتتح بالتكبير، وكان يحسنه، وإن كان لا يعرف أجزأه.
قال أبو بكر: ولا أعلم اختلافًا في أن من أحسن القراءة، فهلل، وكبر، ولم يقرأ -أن صلاته فاسدة، فاللازم لمن كان هذا مذهبه أن يقول: لا يجزىء مكان التكبير غيرها. وقد روينا عن الزهري قولاً ثالثًا أنه سئل عن رجل افتتح الصلاة بالنية، ورفع يديه، فقال: يجزيه.
قال أبو بكر: ولا أعلم أحدًا قال به غيره.
قال أبو بكر: والأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب مُستغنىً بها عما سواها، ولا معنى لقول أحدثَ مخالفًا للسنن الثابتة. ولِمَا كان عليه الخلفاء الراشدون المهديون، وسائر المهاجرين والأنصار، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفقهاء المسلمين في القديم والحديث.
وقد أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم أن الرجل يكون داخلاً في الصلاة بالتكبير متبعًا للسنة إذا كبر لافتتاح الصلاة، وقد اختلفوا فيمن سبح مكان التكبير لافتتاح الصلاة، وغير جائز أن تنعقد صلاة عقدها مصليها بخلاف السنة. والله أعلم.
واختلفوا في الرجل يفتتح الصلاة بالفارسية، فكان الشافعي وأصحابه يقولون: لا يجزىء أن يكبر بالفارسية إذا أحسن العربية، وهكذا قال يعقوب، ومحمد: إن ذلك لا يجزيه، إلا أن يكون ممن لا
يحسن العربية. وقال النعمان: إن افتتح الصلاة بالفارسية، وقرأ بها، وهو يحسن العربية أجزأه.
قال أيو بكر: لا يجزيه، لأن ذلك خلاف ما أمر الله به، وخلاف ما علّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، وما عليه جماعات أهل العلم، لا نعلم أحدًا وافقه على مقالته هذه، ولا يكون قارئًا بالفارسية القرآن أبدًا، لأن الله تعالى أنزله قرآنًا عربيًا، فغير جائز أن يُقْرأ بغير ما أنزل الله. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله هو الحق الحقيق بالقبول، وما عداه لا يؤيده منقول، ولا معقول، فلا تلتفت إليه إن كنت من ذوي العقول. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى ما حاصله: ذهب مالك في أكثر الرواية عنه، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه -إلى أن تكبيرة الإحرام فرض واجب من فروض الصلاة.
والحجة لهم حديث أبي هريرة، ورفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجل: "إذا أردت الصلاة، فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن
…
" الحديث. فعلمه ما كان من الصلاة واجبًا، وسكت له عن كل ما كان منه مسنونًا ومستحبًا، مثل
(1)
الأوسط جـ 3 ص 75 - 78.
التكبير، ورفع اليدين، والتسبيح، ونحو ذلك. فبان بذلك أن تكبيرة الإحرام واجب فعلها، مع قوله عليه السلام:"تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم". رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو سعيد الخدري
(1)
.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو افتتح الرجل الصلاة بسبعين اسماً من أسماء الله، ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه.
وقال الزهري، والأوزاعي، وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة. وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحد منهما، وأن الإمام إذا لم يكبر للإحرام بطلت صلاته، وصلاة من خلفه، وهذا يقتضي على قوله في المأموم. والصحيح في مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام، وأنها فرض، ركن من أركان الصلاة، وهو الصواب، وكل من خالف ذلك فمخطىء محجوج بما وصفنا، وبالله توفيقنا.
وقال أيضًا: وأجمع جمهور العلماء على أن التكبير في افتتاح الصلاة لا يجزىء منه غيره من سائر الذكر، تهليلاً كان، أو تسبيحًا، أو تحميدًا، وعلى هذا مذهب الحجازيين: مالك، والشافعي، ومن
(1)
حديث علي وأبي سعيد رضي الله عنهما صحيحان. انظر: صحيح الترمذي للشيخ الألباني جـ 1 ص 4 وص 76.
اتبعهم، وأكثر العراقيين. وروي عن الحكم بن عتيبة، قال: إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه. وقال أبو حنيفة: إن افتتح بـ "لا إله إلا الله" يجزيه، وإن قال:"اللهم اغفر لي" لم يجزه. ولا يجزىء عند مالك إلا "الله أكبر"، لا غير. وكذلك الشافعي، وزاد: ويجزي "الله الأكبر"، ولا يجزي عند المالكيين "الله الأكبر".
وقال أصحاب مالك، والشافعي، وأصحابه، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: من أحسن العربية لم يجزه أن يكبر بالفارسية. وقال أبو حنيفة: يجزيه التكبير بالفارسية، وإن كان يحسن العربية، وكذلك لو قرأ بالفارسية عنده. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى باختصار
(1)
.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: عند شرح حديث "مفتاحُ الصلاة الطهور، وتحريمُهَا التكبير" ما حاصله: فيه دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل لفظ قصد به التعظيم. والحديث يرد عليه، لأن الإضافة في قوله:"تحريمها" تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير، أي انحصرت صحة تحريمها في التكبير، لا تحريم لها غير ذلك، كقولهم: مال فلان الإبل، وعلم فلان النحو.
(1)
الاستذكار جـ 4 ص 123 - 132.
وفي الباب أحاديث كثيرة تدلّ على تعين لفظ التكبير من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله. وعلى هذا فالحديث يدل على وجوب التكبير.
وقد اختلف في حكمه، فقال الحافظ: إنه ركن عند الجمهور، وقيل: شرط وهو عند الحنفية، ووجه عند الشافعي، وسنة عند الزهري. قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غيره. وروي عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي، ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا: يجزيه تكبيرة الركوع. قال الحافظ: نعم نقله الكرخي من الحنفية عن ابن علية
(1)
، وأبي بكر الأصم، ومخالفتهما للجمهور كثيرة.
وذهب إلى الوجوب جماعة من السلف، قال في البحر: إنه فرض، إلا عن نفاة الأذكار، والزهريِّ. ويدل على وجوبه ما في حديث المسيء عند مسلم وغيره من حديث أبي هريرة بلفظ:"فإذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر"، وعند الجماعة من حديثه بلفظ:"إذا قمت إلى الصلاة فكبر"، وقد تقرر أن حديث المسيء هو المرجع في معرفة واجبات الصلاة، وأن كل ما هو مذكور فيه واجب، وما خرج عنه، وقامت عليه أدلة تدل على وجوبه، ففيه خلاف
(1)
الظاهر أنه إبراهيم بن إسماعيل، لا إسماعيل بن علية، بل ولده، وقال عنه الذهبي في الميزان: إبراهيم بن إسماعيل بن علية، جهمي هالك، كان يناظر، ويقول بخلق القرآن. مات سنة 218.
سنذكره إن شاء الله في شرحه في الموضع الذي سيذكره فيه المصنف.
ويدل على الشرطية حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته عند أبي داود بلفظ: "لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر". ورواه الطبراني بلفظ: "ثم يقول: الله أكبر". والاستدلال بهذا على الشرطية صحيح، إن كان نفي التمام يستلزم نفي الصحة، وهو الظاهر، لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها فعليه البيان.
وقد جعل صاحب "ضوء النهار" نفيَ التمام هنا هو نفي الكمال بعينه، واستدلّ على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء:"فإن انتقصت من ذلك شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك". وأنت خبير بأن هذا من محل النزاع أيضًا، لأنا نقول: الانتقاص يستلزم عدم الصحة لذلك الدليل الذي أسلفناه، ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها، لأنها أمور خارجة عن ماهية الصلاة، فلا يرد الإلزام بها، وكونها تزيد في الثواب لا يستلزم أنها منها، كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات، وليست منها.
نعم وقع في بعض روايات الحديث بلفظ: أنه لما قال صلى الله عليه وسلم: "فإنك لم تصلِّ" كبر على الناس أنه مَن أخَفَّ من صلاته لم يصلّ، حتى قال صلى الله عليه وسلم:"فإن انتقصت من ذلك شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك". فكان أهون عليهم، فكون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن نفي التمام
المذكور بمعنى نفي الكمال؛ إذ لو كان بمعنى نفي الصحة لم يكن فرق بين المقالتين، ولَمَا كانت هذه أهون عليهم.
ولا يخفاك أن الحجة في الذي جاءنا عن الشارع من قوله وفعله وتقريره، لا في فهم بعض الصحابة، سلمنا أن فهمهم حجة لكونهم أعرف بمقاصد الشارع، فنحن نقول بموجب ما فهموه، ونسلم أن بين الحالتين تفاوتًا، ولكن ذلك التفاوت من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة، فقد فعل خيرًا من قيام وذكر وتلاوة، وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك، وترك الواجب سبب للعقاب، فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض لزمه أن يفعله إن أمكن فعله وحده، وإلا فعله مع غيره، والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا بفعل جميعها، وقد أجاب بمعنى هذا الجواب الحافظ ابن تيمية حفيد المصنف
(1)
، وهو حسن.
ثم إنا نقول: غاية ما ينتهض له دعوى مَن قال: إن نفي التمام بمعنى نفي الكمال هو عدم الشرطية، لا عدم الوجوب، لأن المجيء بالصلاة تامة كاملة واجب، وما أحسن ما قاله ابن تيمية في المقام، ولفظه: ومن قال من الفقهاء: إن هذا لنفي الكمال. قيل: إن أردت الكمال المستحب فهذا باطل لوجهين:
(1)
يعني المجد بن تيمية صاحب المنتقى.
أحدهما: أن هذا لا يوجد قط في لفظ الشارع؛ أنه ينفي عملاً فعله العبد على الوجه الذي وجب عليه، ثم ينفيه لترك المستحبات، بل الشارع لا ينفي عملاً إلا إذا لم يفعله العبد كما وجب عليه.
والثاني: لو نفى لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم، ولا صيام، فإن الكمال المستحب متفاوت، إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقال: لا صلاة له. اهـ. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما سبق من الأدلة أن قول الجمهور هو الصحيح. والحاصل أن الدخول في الصلاة لا يصح، ولا يجزىء إلا بلفظ "الله أكبر" باللغة العربية، فتبصر، ولا تتحير، واتبع، ولا تبتدع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: تكرر من الفقهاء الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث، وعدم وجوب ما لم يذكر فيه. فأما وجوب ما ذكر فيه فلتعلق الأمر به، وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لأمر زائد على ذلك، وهو أن الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه صلى الله عليه وسلم ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا
(1)
نيل الأوطار جـ 3 ص 4 - 6.
المصلي، وما لم تتعلق فيه إساءته من واجبات الصلاة، وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط.
فإذا تقرر هذا فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه، لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم من كونه موضع تعليم، وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، وكل موضع اختلف في تحريمه
(1)
فلنا أن نستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه، لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده، فإن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبًا لذكر ذلك على ما قررناه. فصار من لوازم النهي الأمرُ بالضد، ومن الأمر بالضد ذكره في الحديث على ما قررناه، فإذا انتفى ذكره -أعني الأمر بالتلبس بالضد- انتفى ملزومه، وهو الأمر بالضد، وإذا انتفى الأمر بالضد انتفى ملزومه، وهو النهي عن ذلك الشيء.
فهذه الثلاث الطرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاثَ وظائف:
أحدها: أن يجمع طرق هذا الحديث، ويحصي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد، فالزائد، فإن الأخذ بالزائد واجب.
(1)
أي في تحريم فعله في الصلاة. اهـ العدة جـ 2 ص 361.
وثانيها: إذا قام دليل على أحد أمرين، إما الوجوب، أو عدم الوجوب، فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين، فيعمل به.
وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعد ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب، وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى، لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدمة التي قررناها، وهو أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب، لأن المراد ثَمَّةَ أن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على عدم الوجوب، فإنه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان لذُكِرَ، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب.
وأيضًا فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها.
وهذا البحث كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، والمخالف يخرجها عن حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر المحقق إلى الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية،
وبين الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب، والثاني عندنا أرجح.
وثالثها: أن يستمر على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيتثعلب نظره، وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالاً واحدًا، فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى
(1)
.
وكتب العلامة الصنعاني رحمه الله الزيادات التي أشار إليها ابن دقيق العيد رحمه الله فيما تقدم من كلامه، فقال:
ولتضم ألفاظه التي تفرقت في الأمهات التي فيها زيادة على ما ذكر في "العمدة"، فأخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث رفاعة الحديثَ، وفيه:
"فخاف الناس، وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل، قال: فقال الرجل: فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطىء، قال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، فأقم، فإن كان معك قرآن، وإلا فاحمد الله، وهلله، وكبره - إلى أن قال: فإذا فعلت ذلك، فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك". قال: وكان أهون عليهم من الأولى أنه إن انتقص من ذلك شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهب كلها.
وفي لفظ من رواية أبي هريرة: "إنه لا تتم صلاة أحد من الناس
(1)
"إحكام الأحكام " جـ 2 ص 358 - 366 نسخة "العدة".
حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله عز وجل، ويثني عليه، ثم يقرأ ما شاء من القرآن". ثم ذكر فيه تكبير النقل والتسميع.
وفي أخرى "حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ثم يقرأ من القرآن".
وفي أخرى "إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وإذا سجدت فمكن سجودك، وإذا رفعت، فاقعد على فخذك اليسرى، ثم تشهد". وفي أخرى: "فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافرش فخذك اليسرى، ثم تشهد".
وفي أخرى بعد ذكر الوضوء: "ثم تشهد، فأقم، ثم كبر".
وفي أخرى بعد ذكر إحسان الوضوء: "ثم قم، فالشقبل القبلة، ثم كبر".
قال: فهذه خلاصة الزيادات في الروايات جميعًا سقناها لنفعها فيما يأتي إن شاء الله تعالى. انتهى "العدة" جـ 2 ص 359.
وكتب الحافظ رحمه الله بعد نقل كلام ابن دقيق العيد هذا ما نصه: قد امتثلت ما أشار إليه، وجمعت طرقه القوية من رواية أبي هريرة،
ورفاعة، وقد أمليت الزيادات التي اشتملت عليها، فمما لم يذكر فيه صريحًا من الواجبات المتفق عليها: النية، والقعود الأخير، ومن المختلف فيه التشهد الأخير، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والسلام في آخر الصلاة.
قال النووي: وهو محمول على أن ذلك كان معلومًا عند الرجل اهـ.
قال الحافظ: وهذا يحتاج إلى تكملة، وهو ثبوت الدليل على إيجاب ما ذكر كما تقدم، وفيه بعد ذلك نظر.
قال: وفيه دليل على أن الإقامة والتعوذ ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في الإحرام وغيره، ووضع اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد على الفخذ، ونحو ذلك مما لم يذكر في الحديث ليس بواجب اهـ.
وهو في معرض المنع، لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطرق، كما تقدم بيانه، فيحتاج من لم يقل بوجوبه إلى دليل على عدم وجوبه كما تقدم تقريره. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى
(1)
.
المسألة السابعة: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله أيضًا: قد تقدم أنه قد يستدل حيث يراد نفي الوجوب بعدم الذكر في الحديث، وقد فعلوا هذا في مسائل:
منها: أن الإقامة غير واجبة، خلافاً لمن قال بوجوبها من حيث إنها
(1)
فتح جـ 2 ص 353.
لم تذكر في الحديث، وهذا على ما قررناه يحتاج إلى عدم رجحان الدليل الدال على وجوبها عند الخصم، وعلى أنها غير مذكورة في جميع طرق هذا الحديث، وقد ورد في بعض طرقه الأمر بالإقامة، فإن صح فقد عدم أحد الشرطين اللذين قررناهما.
قال الجامع: قد تقدم في كتاب الأذان أدلة وجوب الإقامة، وأيضًا قد ذكر في بعض طرق هذا الحديث ذكر الإقامة، فالراجح وجوبها. فتبصر. والله تعالى أعلم.
ومنها: الاستدلال على عدم وجوب دعاء الاستفتاح، حيث لم يذكر، وقد نقل عن بعض المتأخرين ممن لم يرسخ قدمه في الفقه، ممن ينسب إلى غير الشافعي أن الشافعي يقول بوجوبه، وهذا غلط قطعًا، فإن لم ينقله غيره فالوهم منه، وإن نقله غيره كالقاضي عياض رحمه الله، ومن هو في مرتبته من الفضلاء فالوهم منهم، لا منه.
ومنها: استدلال بعض المالكية به على عدم وجوب التشهد بما ذكرناه من عدم الذكر، ولم يتعرض هذا المستدلّ للسلام، لأن للحنفية أن يستدلوا به على عدم وجوب السلام بعينه، مع أن المادة واحدة، إلا أن يريد أن الدليل المعارض لوجوب السلام أقوى من الدليل على عدم وجوبه، فلذلك تركه، بخلاف التشهد، فهذا يقال فيه أمران:
أحدهما: أن دليل إيجاب التشهد هو الأمر، وهو أرجح مما ذكرناه.
وبالجملة فله أن يناظر على الفريقين بين الرجحانين، ويمهد عذره، ويبقى النظر ثمة فيما يقال.
الثاني: أن دلالة اللفظ على الشيء لا تنفي معارضة المانع الراجح، فإن الدلالة أمر، ويرجع إلى اللفظ، أو إلى أمر لو جرد النظر إليه لثبت الحكم، وذلك لا ينفي وجود المعارض.
نعم لو استدل بلفظ يحتمل أمرين على السواء، لكانت الدلالة منتفية، وقد يطلق الدليل على الدليل التام الذي يجب به، وذلك يقتضي عدم وجود المعارض الراجح، والأولى أن يستعمل في دلالة ألفاظ الكتاب والسنة الطريق الأول، ومن ادعى العارض الراجح فعليه البيان. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
المسألة الثامنة: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله أيضًا: استدل بقوله: "فكبر" على وجوب التكبير بعينه، وأبو حنيفة يخالف فيه، ويقول: إذا أتى بما يقتضي التعظيم، كقوله:"الله أجل" أو "أعظم" كفى، وهذا نظر منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم، فيحصل بكل ما دل عليه، وغيره اتبع اللفظ، وظاهره تعيين التكبير، ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها الاتباع.
وأيضًا فالخصوص قد يكون مطلوبًا، أعني خصوص التعظيم بلفظ "الله أكبر"، وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلفة، كما تدل عليه
الأحاديث، فقد لا يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى، ولا يعارض هذا أن يكون أصل المعنى مفهومًا، فقد يكودن التعبد واقعًا في التفصيل كما أنا نفهم أن المقصود من الركوع التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعًا آخر لم يكتف به. ويتأيد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة؛ أعني "الله أكبر".
وأيضًا فقد اشتهر بين أهل الأصول أن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو التخصيص فهي باطلة. ويخرج على هذا حكم هذه المسألة، فإنه إذا استنبط من النص أن المقصود مطلق التعظيم بطل خصوص التكبير، وهذه القاعدة الأصولية قد ذكر بعضهم فيها نظرًا وتفصيلاً، وعلى تقدير تقريرها مطلقًا يخرج ما ذكرناه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة ابن دقيق العيد في هذه المسألة حسن جدّاً، وحاصله تعين جملة "الله أكبر" للدخول في الصلاة، كما هو مذهب الجمهور، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة السابقة، فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة: قوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، استدل به من قال: إن قراءة الفاتحة لا تتعين، قال ابن دقيق العيد: ووجهه أنه إذا تيسر فيه غير الفاتحة، فقرأه يكون ممتثلاً، فيخرج عن العهدة، قال: والذين عينوها أجابوا بأن الدليل على تعيينها تقييد للمطلق في هذا
الحديث، وهو متعقب، لأنه ليس بمطلق من كل وجه، بل هو مقيد بقيد التيسير الذي يقتضي التخيير، وإنما يكون مطلقًا لو قال: اقرأ قرآنًا، ثم قال: اقرأ فاتحة الكتاب. وقال بعضهم: هو بيان للمجمل، وهو متعقب أيضًا، لأن المجمل ما لم تتضح دلالته، وقوله:"ما تيسر" متضح، لأنه ظاهر في التخيير.
قال: وإنما يقرب ذلك إن جعلت "ما" موصولة، وأريد بها شيء معين، وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها، فهي المتيسرة.
وقيل: هو محمول على أنه عَرَف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسر. وقيل: محمول على أنه منسوخ بالدليل على تعيين الفاتحة، ولا يخفى ضعفهما، لكنه محتمل، ومع الاحتمال لا يترك الصريح، وهو قوله:"لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".
وقيل: إن قوله: "ما تيسر" محمول على ما زاد على الفاتحة جمعًا بينه وبين دليل إيجاب الفاتحة، ويؤيده الرواية التي تقدمت لأحمد، وابن حبان حيث قال فيها:"اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت". قاله في الفتح
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة العاشرة: استدل به على وجوب الطمأنينة في الأركان، واعتذر بعض من لم يقل به بأنه زيادة على النص، لأن المأمور به في
(1)
المصدر السابق جـ 2 ص 536.
القرآن مطلق السجود، فيصدق بغير طمأنينة، فالطمأنينة زيادة، والزيادة على المتواتر بالآحاد لا تعتبر. وعورض بأنها ليست زيادة، لكن بيان للمراد بالسجود، وأنه خالف السجود اللغوي، لأنه مجرد وضع الجبهة، فبينت السنة أن السجود الشرعي ما كان بالطمأنينة. ويؤيده أن الآية نزلت تأكيدًا لوجوب السجود، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه يصلون قبل ذلك، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بغير طمأنينة. قاله في الفتح أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
8 - الْقَوْلِ الَّذِي يُفْتَتَحُ بِهِ الصَّلَاةُ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على الذكر الذي يفتتح المصلي صلاته به.
والقول الجُمَل، أي الأذكار التي تأتي في الحديثين المذكورين، لأن القول يطلق على ما يعم الكلمة، والكلم، والكلام، كما قال ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة":
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كَاسْتَقِمْ
…
وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
وَاحِدهُ كَلِمَةٌ وَالْقَوْلُ عَمّ
…
وَكَلِمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
و"يفتتح" بالبناء للمفعول، أي يُبتدأ، و"الصلاة" نائب فاعله. وفي الكبرى "تفتتح" بتاءين. والله تعالى أعلم.
885 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ -هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ خَلْفَ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ
صَاحِبُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ؟ "، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ، "لَقَدِ ابْتَدَرَهَا اثْنَا عَشَرَ مَلَكًا".
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو المُعَافَى الحَرَّاني، مات سنة 243، صدوق، من [10]، أخرجَ له النسائي، تقدم في 191/ 306.
2 -
(محمد بن سَلَمَة) بن عبد الله الباهلي مولاهم الحرّاني، مات سنة 191 على الصحيح، ثقة، من [9]، أخرج له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، ومسلم، والأربعة، تقدم في 191/ 306.
3 -
(أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد/ سماك بن رستم الأموي مولاهم الحرّاني، مات سنة 144، ثقة، من [6]، وقيل: اسم أبيه يزيد، وقيل: اسم جده سَمَّال
(1)
، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، تقدم في 191/ 306.
4 -
(زيد بن أبي أنيسة) الجزري، أبو أسامة الكوفي، نزيل الرُّها، مات سنة 119، عن 36 سنة، ثقة له أفراد، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 191/ 306.
5 -
(عمرو بن مُرَّة) بن عبد الله بن طارق الجَمَلِي المرادي،
(1)
بفتح أوله، وتشديد الميم، آخره لام. اهـ "ت". ص 91.
أبو عبد الله الكوفي الأعمى، مات سنة 118، ثقة عابد كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 171/ 265.
6 -
(عون بن عبد الله) بن عُتْبَة بن مسعود الهُذَلي، أبو عبد الله الكوفي الزاهد، أخو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه، ثقة عابد، من [4].
قال أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني: قال عون: صليت خلف أبي هريرة. وذكر الدارقطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة. وقال ابن سعد: لَمَّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رحل إليه عون بن عبد الله، وعمر بن ذَرّ، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير، فناظروه في الإرجاء، فزعموا أنه وافقهم، وكان عون ثقة كثير الإرسال. وقال الأصمعي، عن أبي نوف الهذلي، عن أبيه: كان من آدبِ أهل المدينة، وأفقههم، وكان مرجئًا، ثم رجع عن ذلك، وقال أبياتًا في ذلك [من الوافر] منها:
لأوَّلُ مَا نُفَارِقُ غَيْرَ شَكِّ
…
نُفَارِقُ مَا يَقُولُ الْمُرْجِئُونَا
وَقَالُوا مُؤمِنٌ مِنْ أَهْلِ جَوْرِ
…
وَلَيْسَ الْمُؤمِنُونَ بِجَائِرِينَا
وَقَالُوا مُؤْمِنٌ دَمُهُ حَلالُ
…
وَقَدْ حَرُمَت دِمَاءُ الْمُسْلِميِنَا
ثم خرج مع ابن الأشعث، فهرب حيث هربوا، فأتى محمد بن مروان بنَصِيبين، فآمنه، وألزمه ابنه، ثم صحب عمر بن عبد العزيز في
خلافته، وكانت له منه منزلة، وخرج جرير، فأقام بباب عمر بن عبد العزيز، فطال مقامه، فكتب إلى عون بن عبد الله [من البسيط]:
يَا أَيُّهَا الْقَارِىءُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُ
…
هَذَا زَمَانُكَ إِنِّي قَدْ خَلا زَمَنِي
أبْلِغْ خَلِيفتَنَا إِنْ كُنْتَ لاقِيَهُ
…
أَنِّي لَدَى الْبَابِ كَالمَشْدُودِ فِي قَرَنِ
وقال ابن عيينة، عن أبي هارون موسى بن أبي عيسى: كان عون يحدثنا، ولحيته تَرْتَشُّ بالدموع. وعن المسعودي: قال عون بن عبد الله: إن من كان قبلنا كانوا يجعلون لدنياهم ما فضل عن آخرتهم، وإنكم اليوم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم. وعن ابن عجلان: كان عون بن عبد الله يقول: اليوم المِضْمَار، وغدًا السِّبَاق، والسُّبْقَة الجنة، والغاية النار، فبالعفو تنجون، وبالرحمة تدخلون الجنة، وبالأعمال تقتسمون المنازل. وقال العجلي: كان يرى الإرجاء، ثم تركه. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان من عباد أهل الكوفة وقرائهم، يروي عن أبي هريرة، إن كان سمع منه، وقد أدرك أبا جحيفة. وقال البخاري: سمع أبا هريرة، وابن عمرو. ذكره البخاري فيمن مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة. أخرج له الجماعة إلا البخاري
(1)
.
7 -
(عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما، تقدم
(1)
"تك" جـ 22 ص 453 - 461. "تت" جـ 8 ص 171 - 173. "ت" ص 267.
في 12/ 12، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن الثلاثة الأولين حرانيون، وزيد بن أبي أنيسة كوفي، ثُمّ رُهَاويّ، وعمرو، وعون كوفيان، وابن عمر مدني.
ومنها: أن شيخه انفرد هو به.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، عمرو، عن عون.
ومنها: أن فيه قوله: "هو ابن أبي أنيسة"، وهو إشارة إلى القاعدة المشهورة لدى أهل الاصطلاح، وهي أن الراوي إذا أراد أن ينسب غير شيخه، عليه أن يأتي بفاصل بين كلامه وكلام شيخه؛ لئلا ينسب إلى شيخه ما لم يقله، وهو من باب الورع، وقد تقدمت القاعدة المذكورة غير مرة. والقائل:"هو" إلخ محمد بن سلمة، أو من دونه، فتنبه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما، أنه (قال: قام رجل خلف نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال:) وفي الرواية الآتية بعد هذه: "بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من القوم (الله أكبر) مبتدأ
وخبر.
قال القاري رحمه الله: أي أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته، أو من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو من كل شيء.
وفي "الغريبين" قيل: معناه الله كبير، وبَيَّنَ بعض المحققين أن "أفعل" قد يقطع عن متعلقه، قصداً إلى نفس الزيادة، وإفادة المبالغة، ونظيره: فلان يعطي، ويمنع، أي توجد حقيقتهما فيه، وإفادة المبالغة من حيث إن الموصوف تفرد بهذا الوصف، وانتهى أمره فيه إلى ألا يتصور له من يشاركه فيه. وعلى هذا يحمل كل ما جاء من أوصاف الباري جلّ وعلا، نحو "أعلم".
وقال ابن الهمام: إن أفعل وفعيلاً في صفاته تعالى سواء، لأنه لا يراد بـ"أكبر" إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة، لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء، فكان "أفعل" بمعنى "فعيل". لكن في "المغرب" الله أكبر من كل شيء، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف. ويمكن أن يكون المراد من كون كبير وأكبر واحدًا في صفاته أن المراد من الكبير المسند إليه الكبرياء بالنسبة إلى كل ما سواه، وذلك بأن يكون كل ما سواه بالنسبة إليه ليس بكبير، وهذا المعنى هو المراد بأكبر، فتدبر، ولكن لَمّا كان هذا المعنى في أكبر أظهر لم يجوّز بعضهم في التحريمة إلا أن يقال: الله أكبر. قاله القاري في "المرقاة"
(1)
.
(1)
المرقاة جـ 2 ص 332 - 333.
(كبيرًا) منصوب بفعل محذوف، أي أكبَرُ كبيرًا، أو على أنه صفة لمحذوف، أي تكبيرًا كبيرًا، أو حال مؤكدة للجملة. قاله في "المنهل"
(1)
.
(والحمد لله) مبتدأ وخبر أيضاً (كثيرًا) نعت لمصدر محذوف، أي حمدًا كثيرًا.
(وسبحان الله) قال الأزهري رحمه الله تعالى: و"سبحان الله" معناه تنزيهًا لله من الصاحبة والولد. وقيل: تنزيهُ الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف به. ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحا له، تقول: سبحتُ الله تسبيحًا له، أي نزهته تنزيهًا
(2)
.
(بكرة وأصيلاً) أي في أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية، والعامل "سبحان"، وخص هذين الوقتين بالذكر لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما. كذا ذكره الأبهري، وصاحب "المفاتيح". ويمكن أن يكون وجه التخصيص تنزيهَ الله تعالى عن التغير في أوقات تغير الكون. وقال الطيبي: الأظهر أنه يراد بهما الدوام كما في قوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} . قاله القاري رحمه الله تعالى
(3)
.
(فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "من صاحب هذه الكلمة؟ ") وفي رواية
(1)
المنهل العذب المورود جـ 5 ص 172 - 174.
(2)
لسان العرب جـ 3 ص 1914.
(3)
مرقاة جـ 2 ص 54.
مسلم: "من القائل كلمة كذا وكذا". وأراد بالكلمة الكلامَ؛ إذ الكلمة تطلق على الكلام لغة، كما في قوله تعالى:{كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} إشارة إلى قوله: {رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} الآية. وتقدم قريبًا قول ابن مالك رحمه الله تعالى:
.....................
…
وَكلِمَةٌ بهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
وإنما سأله النبي صلى الله عليه وسلم بيانا لعظم شأن الكلمة، وليتعلم السامعون كلامه، فيقولوا مثل قوله. والله تعالى أعلم.
(فقال رجل: أنا يا نبي الله) وفي رواية مسلم: "قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله"(فقال) صلى الله عليه وسلم (لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا) أي تسابقوها، يريد كل منهم أن يصعد بها إلى الله تعالى.
وفي الرواية الآتية: قال: "عجبت لها"، وذكر كلمة، معناها:"فُتِحَتْ لها أبواب السماء". قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله. ولفظ مسلم: "قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء"، قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.
قال النووي رحمه الله: فيه دليل على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة أيضًا. انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه
(1)
شرح مسلم جـ 5 ص 97.
التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -8/ 885 - وفي "الكبرى" -8/ 959 - عن محمد بن وهب، عن محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله، عنه.
وفي -8/ 886 - "والكبرى" -8/ 960 - عن محمد بن شجاع الْمَرُّوذِيّ، عن إسماعيل بن علية، عن حجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن عون بن عبد الله، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن زهير بن حرب. والترمذي في الدعوات عن أحمد بن إبراهيم الدورقي -كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن الحجاج بن أبي عثمان، به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو بيان ما تُفْتَتَحُ به الصلاة من الأذكار.
ومنها: بيان ما أكرم الله به هذا الصحابي الجليل حيث ألهمه هذا الذكر العظيم القدر.
ومنها: أن بعض الأعمال يتولى كتابتها غير الحفظة أيضًا لشرفها، وعظيم منزلتها عند الله تعالى، كما تقدم عن النووي رحمه الله تعالى.
ومنها: بيان أن الملائكة يتسابقون في الخيرات.
ومنها: حرص عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في التمسك بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقوال، والأفعال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
886 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنِ الْقَائِلُ: كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"عَجِبْتُ لَهَا". وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا: "فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ"، قَالَ ابْنُ عُمَرَ، مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(محمد بن شُجَاع المرّوذي) الباكندي، أبو عبد الله نزيل بغداد، ثقة، من [10]. قال ابن عقدة: سمعت محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، قال: كان من الثقات. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال هو والسرّاج: مات سنة 244، زاد السرّاج: في شعبان، أو رمضان. وقال ابن قانع: مات سنة 7، قال الخطيب: والأول أصح. روى عنه الترمذي، والمصنف
(1)
.
وقوله: "الْمَرُّوذِيُّ"
(2)
-بفتح الميم، وتشديد الراء المضمومة، بعدها ذال معجمة- ويقال فيه: الْمَرْوَ الرُّوذِيّ: نسبة إلى مَرْوِ الرُّوذ موضع معروف بخراسان بين بلخ ومَرْو، افتتحها الأحنف بن قيس في خلافة عثمان رضي الله عنه، وأكثر ما يقال فيه: مَرُّوذ كسَفُّود
(3)
.
(1)
"تك" جـ 2 ص 358 - 460. "تت" جـ 9 ص 218. "ت" ص 301.
(2)
انظر "ت" ص 301. "صه" ص 340 - 341. "تاج العروس" جـ 2 ص 564.
(3)
السَّفود كتَنُّور: حديدة يشوى بها. اهـ "ق".
وقال العلامة الفيومي رحمه الله: والْمَرْوَان بَلَدَان بخُراسانَ، يُقَال لأحدهما: مَرْوُ الشَّاهِجَان، ويقال للآخر: مَرْوَرُوذُ، وِزَانُ عَنْكَبْوتٍ، والذال معجمة، ويقال فيها أيضا: مَرُّوذُ، وزانُ تَنُّورٍ، وقد تدخل الألف واللام، فيقال: مَرْوُ الرُّوذِ، والنسبة إلى الأول في الأنَاسِيِّ مَرْوَزِيّ بزيادة زاي على غير قياس، ونسبة الثوب مَرْوِيٌّ بسكون الراء، على لفظه، والنسبة إلى الثانية على لفظها، مَرْوَرُوذيٌّ. انتهى كلام الفيومي رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: أشار بعضهم إلى أنه وقع في بعض نسخ "المجتبى": "الْمَرْوَزِيّ" بالزاي. وكذا وقع في بعض نسخ "ت" وهو تصحيف. فتنبه.
قلت: كثيرًا ما تلتبس هاتان النسبتان، ويقع في كثير من كتب الرجال تحريف أحدهما إلى الآخر، ولاسيما "المَرُّوذِيّ" بالذال المعجمة، فيكثر تصحيفه، فينبغي التنبه له. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق.
2 -
(إِسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية، ثقة حافظ، من [8]، تقدم في 18/ 19.
3 -
(حجاج) بن أبي عثمان/ ميسرة، أو سالم الصواف أبو
(1)
المصباح المنير في غريب الشرح الكبير جـ 2 ص 570.
الصلت الكندي مولاهم البصري، مات سنة 143، من [6]، ثقة حافظ، أخرج له الجماعة، تقدم في 12/ 790.
4 -
(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم المكي، صدوق يدلس، مات سنة 126، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 31/ 35.
والباقيان تقدما في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته من المسائل، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
9 - وَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في حال القيام في الصلاة.
887 -
أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَيْرٍ الْعَنْبَرِيِّ، وَقَيْسِ بْنِ سُلَيْمٍ الْعَنْبَرِيِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ قَائِمًا فِي الصَّلَاةِ قَبَضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(سويد بن نصر) المروزي، ثقة، من [10]، روى عنه الترمذي، والنسائي، تقدم في 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك المروزي، الإمام الحجة الثبت، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 36.
3 -
(موسى بن عمير
(1)
العنبري) هو التيمي الكوفي، ثفة، من كبار [7].
قال ابن معين، وأبو حاتم، ومحمد بن عبد الله بن نمير، والخطيب، والعجلي، والدولابي: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. أخرج له المصنف حديث الباب فقط
(2)
.
(1)
"عمير" بصيغة التصغير.
(2)
"تت" جـ 10 ص 364. "ت" ص 352.
وقوله: "العَنْبَرِي" -بفتح العين، والموحدة بينهما نون ساكنة-: نسبة إلى العنبر بن عمرو بن تميم مُرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر ابن نزار. اهـ "لب اللباب" جـ 2 ص 123. بزيادة من "الأنساب".
4 -
(قيس بن سُلَيم
(1)
العنبري) هو التميمي الكوفي، ثقة، من [7]، أخرج له البخاري في رفع اليدين، ومسلم، والنسائي.
قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ما رفع رأسه للسماء تعظيمًا لله. له عند مسلم حديث جابر في قوم يخرجون من النار، وعند النسائي حديثان عن وائل في الصلاة
(2)
.
5 -
(علقمة بن وائل) بن حُجْر الحضرمي الكوفي، صدوق، من [3]، أخرج له البخاري في رفع اليدين وفي الأدب المفرد، ومسلم والأربعة.
ذكره ابن حبان في الثقات. وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقال: كان ثقة قليل الحديث. وحكى العسكري عن ابن معين: أنه قال: علقمة بن وائل عن أبيه مرسل
(3)
.
وقال الترمذي في "العلل الكبير": سألت محمدًا عن علقمة بن وائل: هل سمع من أبيه؟ قال: إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر. وقال
(1)
بصيغة التصغير.
(2)
"تت" جـ 8 ص 398. "ت" ص 283.
(3)
"تت" جـ 7 ص 280.
الترمذي أيضًا في "الجامع": سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار ابن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال الذهبي في الميزان: صدوق إلا أن يحيى بن معين يقول فيه: روايته عن أبيه مرسلة. وقال في "ت": صدوق، إلا أنه لم يسمع من أبيه
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: وعلى كونه سمع من أبيه كما قال الترمذي رحمه الله في "الجامع" مشى الإمام مسلم رحمه الله، حيث أخرج رواياته عن أبيه في "صحيحه". والله تعالى أعلم.
6 -
(وائل بن حُجْر) -بضم المهملة، وسكون الجيم- بن سعد بن مسروق الحضرمي، صحابي مشهور، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، مات في خلافة معاوية رضي الله عنهما، تقدم في 4/ 879. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات الصنف رحمه الله، وأن رجاله ثقات، وأنهم كوفيون، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
(1)
انظر هامش "تك" جـ 20 ص 313.
شرح الحديث
(عن وائل بن حُجْر) رضي الله عنه، أنه (قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا كان قائمًا في الصلاة) المراد القيام الذي يعقب تكبيرة الإحرام، لما في الرواية الآتية بعد باب، حيث قال:"فقام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى .... " الحديث. فلا يشمل القيام الذي بعد الركوع، فاستدلال بعضهم بقوله:"إذا كان قائمًا" على القيام الذي بعد الركوع غير صحيح، وسيأتي تحقيق ذلك عند شرح الحديث المذكور إن شاء الله تعالى.
(قبض بيمينه على شماله) سيأتي في الحديث الآتي بعد باب كيفية القبض، وموضعه، وهو أنه "وَضَعَ يده اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ، والساعد".
قال الحافظ رحمه الله: قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع. ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه. انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
فتح جـ 2 ص 464.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث وائل بن حُجْر رضي الله عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -9/ 887 - وفي "الكبرى" -9/ 961 - بالإسناد المذكور، وهو بهذا السياق من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ 4 ص 316.
وسيأتي له في مواضع بسياق آخر، وسنبين هناك من أخرجه معه من أصحاب الأصول، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان اختلاف العلماء في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: ما حاصله: قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ شماله بيمينه إذا دخل في الصلاة، وكذا نقول.
وممن رأى أن توضع اليمنى على اليسرى في الصلاة مالك بن أنس، وأحمد، وإسحاق، وحكي ذلك عن الشافعي، وقال أصحاب الرأي: يستحب أن يعتمد بيده اليمنى على اليسرى، وهو قائم في الصلاة.
وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم كانوا يرسلون أيديهم في الصلاة إرسالاً، ولا يجوز أن يجعل إغفال من أغفل استعمال السنة، أو نسيها، أو لم يعلمها حجة على من علمها، وعمل بها.
فممن روينا عنه أنه كان يرسل عبد الله بن الزبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وروي أن سعيد بن جبير رأى رجلاً يصلي واضعاً إحدى يديه على الأخرى، فذهب، ففرق بينهما. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى
(1)
.
وقال في "الفتح": وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في "الموطأ"، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره. وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة. ومنهم من كره الإمساك. ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يمسك معتمدًا لقصد الراحة. انتهى
(2)
.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: لم تختلف الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا، إلا شيء روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه.
وعلى هذا جمهور التابعين، وأكثر فقهاء المسلمين من أهل الرأي
(1)
الأوسط جـ 3 ص 92 - 93.
(2)
فتح جـ 2 ص 464 - 465.
والأثر، فأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب، فذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه، والليث بن سعد إلى سدل اليدين في الصلاة، قال مالك: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة إنما يفعل ذلك في النوافل من طول القيام. قال: وتركه أحب إلي. هذه رواية ابن القاسم عنه. وقال عنه غير ابن القاسم: لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة، وهي رواية المدنيين عنه.
وقال الليث: سدل اليدين في الصلاة أحب إلي، إلا أن يطيل القيام، فَيعْيَا، فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى. قال عبد الرزاق: رأيت ابن جريج يصلي في إزار ورداء مسدلاً يديه. وقال الأوزاعي: من شاء فعل، ومن شاء ترك. وهو قول عطاء.
وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود بن علي، والطبري: يضع المصلي يمينه على شماله في الفريضة والنافلة، وقالوا كلهم: وذلك سنة مسنونة. قال الشافعي: عند الصدر، وروي عن علي بن أبي طالب أنه وضعهما على صدره. وعن طاوس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشدهما على صدره، وهو في الصلاة.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق: أسفل السرة. وروي ذلك عن علي، وأبي هريرة، والنخعي، ولا يثبت عنهم، وهو قول أبي
مِجْلز. وقال أحمد بن حنبل: فوق السرة، وهو قول سعيد بن جبير. قال أحمد بن حنبل: وإن كانت تحت السرة فلا بأس به.
قال أبو عمر رحمه الله: قد ذكرنا أن الصحابة لم يرو عن أحد منهم في هذا الباب خلاف لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
وروي عن الحسن، وإبراهيم أنهما كانا يرسلان أيديهما في الصلاة، وليس هذا بخلاف، لأن الخلاف كراهية ذلك، وقد يرسل العالم يديه ليري الناس أن ليس ذلك بحتم واجب.
وقد ذكر ابن أبي شيبة، عن جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: لا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. وذكر عن عمر بن هارون، عن عبد الله بن يزيد، قال: ما رأيت سعيد بن المسيب قابضًا يمينه على شماله في الصلاة، كان يرسلهما، وهذأ أيضًا يحتمل ما ذكرنا.
وذكر عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن العيزار، قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير، فرأى رجلاً يصلي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهب، ففرق بينهما، ثم جاء. وهذا يحتمل أن يكون رأى يسرى يديه على يمينه، فانتزعها على نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صنعه بابن مسعود. وقد روي عن سعيد ابن جبير ما يصحح هذا التأويل لأنه ثبت عنه أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في صلاته فوق السرة.
فهذا ما وري عن بعض التابعين في هذا الباب، وليس بخلاف، لأنه لا يثبت عن واحد منهم كراهية، ولو ثبت ذلك ما كانت فيه حجة، لأن الحجة في السنة لمن اتبعها، ومن خالفها فهو محجوج بها، ولاسيما سنة لم يثبت عن واحد من الصحابة خلافها. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى باختصار
(1)
.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى بعد ذكر الخلاف -ما نصه: احتج الجمهور على مشروعية الوضع بأحاديث الباب التي ذكرها المصنف -يعني صاحب المنتقى- وذكرناها، وهي عشرون، عن ثمانية عشر صحابيًا وتابعيين. وحكى الحافظ عن ابن عبد البر أنه قال: لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه خلاف.
واحتج القائلون بالإرسال بحديث جابر بن سمرة المتقدم بلفظ: "ما لي أراكم رافعي أيديكم". وقد عرفت أن حديث جابر وارد على سبب خاص.
فإن قلت: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قلنا: إن صدق على الوضع مسمى الرفع، فلا أقل من صلاحية أحاديث الباب لتخصيص ذلك العموم، وإن لم يصدق عليه مسمى الرفع لم يصح الاحتجاج على عدم مشروعيته بحديث جابر المذكور.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أبعد هذا الاستدلال، فأين وضع
(1)
"التمهيد" جـ 20 ص 74 - 76.
اليمنى على اليسرى في حديث جابر بن سمرة الذي ذكروه؟ وأيُّ علم، وأيُّ فهم لمن يستدل بمثل هذا، ويترك ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدة طرق عن عدد كثير من الصحابة رضي الله عنهم من وضع اليد اليمنى على اليسرى؟ إن هذا لشيء عجيب!! وأعجب منه تصدي الشوكاني للجواب عنه مع وضوح بطلانه. والله المستعان.
قال: واحتجوا أيضًا بأنه مناف للخشوع، وهو مأمور به في الصلاة. قال: هذه المنافاة ممنوعة. قال المهدي في البحر: ولا معنى لقول أصحابنا: ينافي الخشوع والسكون.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأمر بالعكس، فوضع اليمنى على اليسرى أقرب إلى الخشوع؛ إذ هو صفة السائل الذليل، كما تقدم. فتبصر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف.
واحتجوا أيضًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم علّم المسيء صلاته الصلاةَ، ولم يذكر وضع اليمين على الشمال. كذا حكاه ابن سيد الناس عنهم، وهو عجيب، فإن النزاع في استحباب الوضع، لا وجوبه، وترك ذكره في حديث المسيء إنما يكون حجة على القائل بالوجوب، وقد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على ذكر الفرائض في حديث المسيء.
وأعجب من هذا الدليل قول المهدي في البحر مجيباً عن أدلة الجمهور بلفظ: قلنا: أما فعله فلعله لعذر لاحتماله، وأما الخبر فإن
صح فقوي، ويحتمل الاختصاص بالأنبياء. انتهى. اهـ كلام الشوكاني رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين واتضح بما تقدم من أقوال الحفاظ المحققين، كابن المنذر، وابن عبد البر، وابن حجر العسقلاني، والشوكاني رحمهم الله تعالى أن المذهب الصحيح الذي جاءت الأحاديث الصحيحة تنص عليه، ووردت الآثار عن الصحابة والتابعين مؤيدة له هو ما ذهب إليه الجمهور، من مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. فتمسك به أيها المنصف الطالب للحق، ولا تتجمد على رأي بعض أهل العلم الذي لا أثارة عليه من الأدلة. والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق.
تنبيه: أخرج البخاري رحمه الله في "صحيحه" عن أبي حازم عن سهل بن حنيف، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: ولا أعلمه إلا أنه ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: والحديث يصلح للاستدلال به على وجوب وضع اليد على اليد، للتصريح من سهل بن سعد بأن الناس كانوا يؤمرون، ولا يصلح لصرفه عن الوجوب ما في حديث
(1)
نيل الأوطار جـ 3 ص 22 - 23.
علي بلفظ: "إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة". وكذا ما في حديث ابن عباس بلفظ: "ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال"؛ لما تقرر من أن السنة في لسان أهل الشرع أعم منها في لسان أهل الأصول، على أن الحديثين ضعيفان. ويؤيد الوجوب ما روي أن عليًا فسر قوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} بوضع اليمين على الشمال. رواه الدارقطني، والبيهقي، والحاكم، وقال: إنه أحسن ما روي في تأويل الآية. وعند البيهقي من حديث ابن عباس مثل تفسير علي. وروى البيهقي أيضًا أن جبريل فسر الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. وفي إسناده إسرائيل بن حاتم، وقد اتهمه ابن حبان به.
ومع هذا فطول ملازمته صلى الله عليه وسلم لهذه السنة معلوم لكل ناقل، وهو بمجرده كاف في إثبات الوجوب عند بعض أهل الأصول، فالقول بالوجوب هو المتعين، إن لم يمنع منه إجماع. على أنا لا ندين بحجية الإجماع، بل نمنع إمكانه، ونجزم بتعذر وقوعه. إلا أن من جعل حديث المسيء قرينة صارفة لجميع الأوامر الواردة بأمور خارجة عنه لم يجعل هذه الأدلة صالحة للاستدلال بها على الوجوب. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى
(1)
.
(1)
نيل الأوطار جـ 3 ص 23 - 24.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: فالقول بالوجوب هو المتعين إن لم يمنع إجماع. حسن جدّاً. وأما جعل حديث المسيء صلاته صارفًا عن الوجوب فغير صحيح، لأنه تقدم لنا أن الراجح أن ما لم يذكر فيه مما دلت القرينة على أنه للوجوب، يؤخذ به؛ إذ الزيادة في هذا الباب مقبولة. فتبصر. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في محل وضع اليدين في الصلاة:
قد حقق هذه المسألة العلامة محمد بن عبد الرحمن المباركفوري رحمه الله في كتابه "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي" تحقيقًا حسنًا، أحببت نقله هنا لنفاسته، وإفادته، قال رحمه الله تعالى:
اعلم: أن مذهب الإمام أبي حنيفة أن الرجل يضع اليدين في الصلاة تحت السرة، والمرأة تضعهما على الصدر، ولم يُروَ عنه، ولا عن أصحابه شيء خلاف ذلك.
وأما الإمام مالك فعنه ثلاث روايات: (إِحداها) وهي المشهورة عنه أنه يرسل يديه، كما نقله صاحب الهداية، والسرخسي في محيطه
(1)
، وغيرهما عن مالك. وقد ذكر العلامة أبو محمد عبد الله الشلسي المالكي في كتابه المسمى بـ"عقد الجواهر الثمينة في مذهب
(1)
هكذا نسخة التحفة: ولعل الصواب في مبسوطه.
عالم المدينة"، والزرقاني في شرح الموطأ أن إرسال اليد رواية ابن القاسم عن مالك، وزاد الزرقاني أن هذا هو الذي صار إليه أكثر أصحابه. (الثانية) أن يضع يديه تحت الصدر فوق السرة، كذا ذكره العيني في شرح الهداية عن مالك، وفي "عقد الجواهر" أن هذه رواية مطرف، والماجشون عن مالك. (الثالثة) أنه يتخير بين الوضع والإرسال، وذكر في "عقد الجواهر" وشرح الموطأ أنه قول أصحاب مالك المدنيين.
وأما الإمام الشافعي فعنه أيضًا ثلاث روايات: (إِحداها) أنه يضعهما فوق السرة، وهي التي ذكرها الشافعي في الأم، وهي المختارة المشهورة عند أصحابه المذكورة في أكثر متونهم وشروحهم. (الثانية) وضعهما على الصدر، وهي الرواية التي نقلها صاحب الهداية عن الشافعي، وقال العيني: إنها المذكورة في "الحاوي" من كتبهم. (الثالثة) وضعهما تحت السرة، وقد ذكر هذه الرواية في شرح المنهاج بلفظ: قيل. وقال في المواهب اللدنية: إنها رواية عن بعض أصحاب الشافعي.
وأما الإمام أحمد رحمه الله، فعنه أيضًا ثلاث روايات:(إِحداها) وضعهما تحت السرة. (والثانية) وضعهما تحت الصدر. (والثالثة) التخيير بينهما، وأشهر الروايات عنه الأولى، وعليه جماهير الحنابلة.
هذا كله مأخوذ من "فوز الكرام" للشيخ محمد قائم السندي، و"دراهم الصرّة" لمحمد هاشم السندي.
واعلم: أن الأحاديث والآثار قد وردت مختلفة في هذا الباب، ولأجل ذلك وقع الاختلاف بين الأئمة رحمهم الله تعالى، وها أنا أذكر متمسكاتهم في ثلاث فصول مع بيان ما لها، وما عليها.
(الفصل الأول): في بيان من ذهب إلى وضع اليدين تحت السرة، وقد تمسك هؤلاء على مذهبهم هذا بأحاديث:
(الأول): حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، روى ابن أبي شيبة في مصنفه، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عمير، عن علقمة ابن وائل بن حجر، عن أبيه، قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يمينه على شماله تحت السرة". قال الحافظ القاسم بن قطلوبغا في تخريج أحاديث "الاختيار شرح المختار": هذا سند جيد. وقال الشيخ عابد السندي في "طوالع الأنوار": رجاله ثقات.
قلت
(1)
: إسناد هذا الحديث وإن كان جيدًا لكنَّ في ثبوت لفظ "تحت السرة" في هذا الحديث نظرًا قويًا.
قال الشيخ محمد حياة السندي في رسالته "فتح الغفور": في زيادة "تحت السرة" نظر، بل هذا غلط منشؤه السهو، فإني راجعت
(1)
القائل المباركفوري رحمه الله.
نسخة صحيحة من "المصنف" فرأيت فيها هذا الحديث بهذا السند، وبهذه الألفاظ إلا أنه ليس فيها "تحت السرة" وذكر فيها بعد هذا الحديث أثر النخعي، ولفظه قريب من لفظ هذا الحديث، وفي آخره "في الصلاة تحت السرة"، فلعل بصر الكاتب زاغ من محل إلى محل آخر، فأدرج لفظ الموقوف في المرفوع. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي.
وقال صاحب الرسالة المسماة بـ"الدرة في إظهار غش نقد الصرّة": وأما ما استدل به من حديث وائل الذي رواه ابن أبي شيبة، فهذا حديث فيه كلام كثير. قال: وروى هذا الحديث ابن أبي شيبة، وروى بعده أثر النخعي، ولفظهما قريب، وفي آخر الأثر لفظ:"تحت السرة" واختلف نسخه، ففي بعضها ذكر الحديث من غير تعيين محل الوضع مع وجود الأثر المذكور، وفي البعض وقع الحديث المرفوع بزيادة لفظ السرة بدون أثر النخعي، فيحتمل أن هذه الزيادة منشؤها تَرْكُ الكاتب سهوًا نحو سطر في الوسط، وإدراج لفظ الأثر في المرفوع، كما يحتمل سقوط لفظ "تحت السرة" في النسخة المتقدمة، لكن اختلاف النسختين على هذا الوجه يؤذن بإدخال لفظ الأثر في المرفوع. انتهى كلام صاحب "الدرة".
وقال الشيخ محمد فاخر المحدث الإله آبادي: ما حاصله أن ما نقله القاسم بن قطلوبغا عن المصنَّف لا اعتماد عليه، ولا عبرة به، فإن الكتاب الذي رأيته أنا وجدت فيه خلاف مقصوده.
قلت
(1)
: ما قاله هؤلاء الأعلام يؤيده أن هذا الحديث رواه أحمد في
(1)
القائل المباركفوري رحمه الله.
مسنده بعين سند ابن أبي شيبة، وليست فيه هذه الزيادة، ففي مسند أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعًا يمينه على شماله في الصلاة". انتهى.
ورواه الدارقطني أيضًا بعين سند ابن أبي شيبة، وليس فيه أيضًا هذه الزيادة؛ قال في سننه: حدثنا الحسين بن إسماعيل، وعثمان بن جعفر ابن محمد الأحول، قالا: حدثنا يوسف بن موسى، نا وكيع، نا موسى ابن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا يمينه على شماله في الصلاة". انتهى.
ويؤيده أيضا أن ابن التركماني شيخ الحافظ الزيلعي ذكر في "الجوهر النقي" لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين، حيث قال: قال ابن حزم: وروينا عن أبي هريرة، قال: وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة. وعن أنس قال: ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة. انتهى.
ونقل قبل هذين الحديثين أثر أبي مِجْلَز عن مصنف ابن أبي شيبة، حيث قال: قال ابن أبي شيبة في مصنفه: ثنا يزيد بن هارون، أنا الحجاج بن حسان، سمعت أبا مجلز، أو سألته، قلت: كيف أضع؟ قال: يضع باطن كف يمينه على ظاهر كف شماله، ويجعلهما أسفل من
السرة. انتهى.
ولم ينقل ابن التركماني عن مصنف ابن أبي شيبة غير هذا الأثر، فالظاهر أنه لم يكن في حديث وائل الذي أخرجه ابن أبي شيبة زيادة "تحت السرة"، فإنه لو كان هذا الحديث فيه مع هذه الزيادة لنقله ابن التركماني، إذ بعيد كل البعد أن يذكر ابن التركماني لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين، وينقل عن مصنف ابن أبي شيبة أثر أبي مجلز التابعي، ولا ينقل عنه حديث وائل المرفوع مع وجوده فيه بهذه الزيادة، ومع صحة سنده.
ويؤيده أيضا ما قاله الشيخ محمد حياة السندي في رسالته "فتح الغفور" من أن غير واحد من أهل الحديث روى هذا الحديث، ولم يذكر "تحت السرة"، بل ما رأيت، ولا سمعت أحدًا من أهل العلم ذكر هذا الحديث بهذه الزيادة إلا القاسم.
هذا ابن عبد البر حافظ دهره قال في "التمهيد": وقال الثوري، وأبو حنيفة: أسفل السرة. وروي ذلك عن علي، وإبراهيم النخعي، ولا يثبت ذلك عنهم، فلو كان هذا الحديث الصحيح بهذه اللفظة في مصنف ابن أبي شيبة لذكره مع أنه قد أكثر في هذا الباب وغيره الرواية عن ابن أبي شيبة.
وهذا ابن حجر حافظ عصره يقول في "فتحه": وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل "أنه وضعهما على صدره". وللبزار "عند صدره".
وعند أحمد في حديث هُلْبٍ نحوه. ويقول في تخريح الهداية: وإسناد أثر علي ضعيف، ويعارضه حديث وائل بن حجر، قال:"صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره". وأشار إلى ذلك في تخريج أحاديث الرافعي، فلو كانت هذه الزيادة موجودة في "المصنف" لذكرها، وكتبه مملوءة من أحاديثه وآثاره. وقد اختصره، كما قال السيوطي في "شرح ألفيته".
والظاهر أن الزيلعي الذي شمر ذيله بجمع أدلة المذهب لم يظفر بها، وإلا لذكرها، وهو من أوسع الناس اطلاعًا.
وهذا السيوطي الذي هو حافظ وقته يقول في وظائف اليوم والليلة: "وكان يضع يده اليمنى على اليسرى، ثم يشدهما على صدره". وقد ذكر في "جامعه الكبير" في مسند وائل نحو تسعة أحاديث عن "المصنف"، ولفظ بعضها:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يمينه على شماله في الصلاة". وهذا اللفظ هو الذي ذكره صاحب "نقد الصرة" إلا أنه زاد لفظ "تحت السرة" فلو كانت هذه الزيادة موجودة في "المصنف" لذكرها السيوطي.
وهذا العيني الذي يجمع بين الغث والسمين في تصانيفه يقول في شرحه على البخاري: احتج الشافعي بحديث وائل بن حجر، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده
اليمنى على يده اليسرى على صدره".
ويستدل علماؤنا الحنفية بدلائل غير وثيقة
(1)
. فلو كانت هذه الزيادة موجودة في المصنف لذكرها، وقد ملأ تصانيفه بالنقل عنه.
وهذا ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخَه ابن الهمام في التحقيق، وسعة الاطلاع يقول في شرح "منية المصلي": إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور. وهكذا قال صاحب "البحر الرائق"، فلو كان الحديث في "المصنف" بهذه الزيادة لذكره ابن أمير الحاج مع أن شرحه محشو من النقل عنه. فهذه أمور قادحة في صحة هذه الزيادة في هذا الحديث. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي.
قال المباركفوري رحمه الله: فحديث وائل المذكور، وإن كان إسناده جيدًا، لكنَّ في ثبوت زيادة "تحت المسرة" فيه نظرًا قويًا كما عرفت، فكيف يصح الاستدلال بهذا الحديث على وضع اليدين تحت السرة؟
(والحديث الثاني): حديث علي رضي الله عنه، روى أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة، والدارقطني، والبيهقي عن أبي جحيفة أن
(1)
قال الجامع: قوله: ويستدل علماؤنا إلى قوله: غير وثيقة. لم أر هذا الكلام للعيني في شرحه على البخاري، فليحرر.
عليًا قال: "السنة وضع الكف على الكف تحت السرة".
قال المباركفوري رحمه الله: في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وعليه مدار هذا الحديث، وهو ضعيف لا يصلح للاحتجاج به. قال الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" بعد ذكر هذا الحديث: قال ابن القطان: عبد الرحمن بن إسحاق هو ابن حرب أبو شيبة الواسطي، قال فيه ابن حنبل، وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: فيه نظر. وقال البيهقي في المعرفة: لا يثبت إسناده، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو متروك. وقال النووي في الخلاصة، وشرح مسلم: هو حديث متفق على تضعيفه، فإن عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف بالاتفاق. انتهى ما في "نصب الراية".
وقال الشيخ ابن الهمام في التحرير: إذا قال البخاري للرجل: فيه نظر، فحديثه لا يحتج به، ولا يستشهد به، ولا يصلح للاعتبار. انتهى.
فإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن حديث علي هذا لا يصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار.
ثم حديث علي هذا مخالف لتفسيره قَوْلَهُ تعالى: {وَانْحَرْ} أنه وضع يده على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره في الصلاة. رواه البيهقي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
والدارقطني، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه. كذا في الدر المنثور
(1)
.
قال الفاضل ملا الهداد في حاشية "الهداية": إذا كان حديث وضع اليدين تحت السرّة ضعيفًا، ومُعارَضًا بأثر علي بأنه فسر قوله تعالى:{وَانْحَرْ} بوضع اليمين على الشمال على الصدر يجب أن يعمل بحديث وائل الذي ذكره النووي. ثم حديث علي منسوخ على طريق الحنفية. قال صاحب "الدرة في إظهار غش نقد الصرة" وهو حنفي المذهب: روى أبو داود عن جرير الضبي أنه قال: رأيت عليًا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. وأصل علمائنا: إذا خالف الصحابي مرويه فهو يدل على نسخه، وهذا الفعل، وإن لم يكن أقوى من القول فلا أقلّ أن يكون مثله. انتهى.
قال المباركفوري: إسناد أثر علي هذا -أعني الذي رواه أبو داود عن جرير الضبي- صحيح كما ستعرف.
(والحديث الثالث): حديث أبي هريرة رضي الله عنه، رواه أبو داود في سننه، عن أبي وائل، قال: قال أبو هريرة: "أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة". وفي إسناده أيضًا عبد الرحمن بن
(1)
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: وقيل: المراد بقوله: {وَانْحَرْ} وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر. يروى هذا عن علي، ولا يصح. وعن الشعبي مثله. انتهى. تفسير ابن كثير جـ 4 ص 597.
إسحاق الواسطي، فلا يصلح للاحتجاج به، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. كما عرفت آنفًا.
(والحديث الرابع): حديث أنس رضي الله عنه ذكره ابن حزم في "المحلى" تعليقًا بلفظ: "من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة".
قال المباركفوري رحمه الله: لم أقف على سند هذا الحديث، والعلماء الحنفية يذكرونه في كتبهم، ويحتجون به، ولكنهم لا يذكرون إسناده، فما لم يعلم إسناده لا يصلح للاحتجاج به، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار.
قال صاحب "الدرة": وأما حديث أنس: "من أخلاق النبوة وضع اليمين والشمال تحت السرة" الذي قال فيه العيني إنه رواه ابن حزم، فسنده غير معلوم لينظر فيه، هل رجاله مقبولون، أم لا؟ وقد روى هذا الحديث غير واحد من المحدثين من غير زيادة "تحت السرة". والزيادة إنما تقبل من الثقة المعلوم. انتهى كلام صاحب "الدرة".
وقال الشيخ هاشم السندي في رسالته "دراهم الصرة": ومنها ما ذكره الزاهدي في "شرح القدوري"، وابن أمير الحاج، وابن نجيم في "البحر الرائق" أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة". قال: لم أقف على سند هذا الحديث غير أن
الزاهدي زاد أنه رواه علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قال ابن أمير الحاج، وابن نجيم: إن المخرجين لم يعرفوا فيه موقوفًا ولا مرفوعًا لفظ: "تحت السرة". انتهى كلام هاشم السندي.
فهذه الأحاديث هي التي استدل بها على وضع اليدين تحت السرة في الصلاة، وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاستدلال.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ساقه العلامة المباركفوري رحمه الله من نصوص هؤلاء العلماء الحنفية أنهم معترفون ببطلان زيادة "تحت السرة"، وأما الحديث بدونها فصحيح، أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال:"ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة". قال الحافظ أبو بكر الهيثمي رحمه الله: رواه الطبراني في الكبير مرفوعًا وموقوفًا على أبي الدرداء، والموقوف صحيح، والمرفوع في رجاله من لم أجد ترجمته.
لكن المرفوع يشهد له ما أخرجه الطبراني في الكبير أيضًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة". قال الهيثمي رحمه الله: رجاله رجال الصحيح
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب.
(1)
مجمع الزوائد جـ 2 ص 105.
(الفصل الثاني): في ذكر ما تمسك به من ذهب إلى وضع اليدين فوق السرة. قال المباركفوري: لم أقف على حديث مرفوع يدل على هذا المطلوب، نعم أثر علي رضي الله عنه يدل على هذا، روى أبو داود في سننه عن جرير الضبي، قال: رأيت عليًا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. قال: إسناده صحيح أو حسن، لكنه فعل علي رضي الله عنه ليس بمرفوع، ثم الظاهر أن المراد من قوله: فوق السرة - على مكان مرتفع من السرة، أي على الصدر، أو عند الصدر، كما جاء في حديث وائل بن حجر، وحديث هُلْب الطائي، ومرسل طاوس، وستأتي الأحاديث الثلاثة، ويؤيده تفسيره رضي الله عنه قوله تعالى:{وَانْحَرْ} بوضع اليدين على الصدر في الصلاة، كما تقدم.
(الفصل الثالث): في ذكر متمسكات من ذهب إلى وضع اليدين على الصدر.
احتج هؤلاء بأحاديث:
منها: حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، قال:"صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره". أخرجه ابن خزيمة، وهذا حديث صحيح، صححه ابن خزيمة كما صرح به ابن سيد الناس في شرح الترمذي.
وقد اعترف الشيخ محمد قائم السندي الحنفي في رسالته "فوز الكرام" أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، حيثما قال فيها: الذي
أعتقده أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، وهو المتبادر من صَنِيع الحافظ في "الإتحاف"، والظاهر من قول ابن سيد الناس بعد ذكر حديث وائل في شرح جامع الترمذي، وصححه ابن خزيمة. انتهى.
وقال ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخه ابن الهمام في التحقيق وسعة الاطلاع في شرح المنية: إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور. وهكذا قال صاحب "البحر الرائق". كذا في "فتح الغفور" للشيخ محمد حياة السندي.
وقال الشوكاني في "النيل": أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وصححه. انتهى.
وقال الحافظ في فتح الباري: ولم يذكر -أي سهل بن سعد- محلهما من الجسد، وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل أنه وضعهما على صدره، والبزار "عند صدره"، وعند أحمد في حديث هُلْب الطائي نحوه، وفي زيادات السند من حديث علي أنه وضعهما تحت السرة، وإسناده ضعيف. انتهى.
فالظاهر من كلام الحافظ هذا أن حديث وائل عنده صحيح، أو حسن، لأنه ذكر هاهنا لغرض تعيين محل وضع اليدين ثلاثة أحاديث: حديث وائل، وحديث هُلْب، وحديث علي، وضعف حديث علي، وقال: إسناده ضعيف، وسكت عن حديث وائل، وحديث هُلْب، فلو
كانا هما أيضًا ضعيفين عنده لبين ضعفهما، ولأنه قال في أوائل مقدمة "الفتح": ما لفظه: فإذا تحررت هذه الفصول، وتقررت هذه الأصول افتتحت شرح الكتاب، فأسوق الباب، وحديثه أوّلا، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ثانيًا ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادت، وكشف غامض، وتصريح مدلس بسماع ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعًا كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة، أو الحسن فيما أورده من ذلك. انتهى كلام الحافظ. فقوله: بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك يدل على أن حديث وائل، وكذا حديث هلب الطائي عنده صحيح أو حسن. فتفكر.
وأيضًا قد صرح الحافظ في "الدراية" بعد ذكر حديث وائل: أخرجه ابن خزيمة، وهو في مسلم دون قوله:"على صدره" انتهى. فالظاهر من كلامه هذا أن حديث ابن خزيمة هذا هو الذي في "صحيح مسلم" في وضع اليمنى على اليسرى سندًا ومتناً بدون ذكر المحل.
فالحاصل أن حديث وائل بن حجر صحيح قابل للاحتجاج والاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة.
ومنها: حديث هُلْب الطائي رضي الله عنه، رواه الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، ثنا سماك، عن
قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه، وعن يساره، ورأيته يضع هذه على صدره -ووصف يحيى اليمنى على اليسرى- فوق المفصل". ورواة هذا الحديث كلهم ثقات، وإسناده متصل.
أما يحيى بن سعيد فهو أبو سعيد القطان البصري الحافظ الحجة أحد أئمة الجرح والتعديل، قال الحافظ في التقريب: ثقة متقن حافظ إمام قدوة.
وأما سفيان فهو الثوري، قال في التقريب: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وربما كان يدلس. انتهى. قلت: قد صرح هاهنا بالتحديث، فانتفت تهمة التدليس.
وأما سماك فهو ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبو المغيرة، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وكان قد تغير بآخره، فكان ربما يلقن. كذا في التقريب. وقال الذهبي: قال أحمد: سماك مضطرب، وضعفه شعبة. وقال ابن عمار: كان يغلط، وقال العجلي: ربما وصل الشيء، وكان الثوري يضعفه، وقال: روايته مضطربة، وليس من المتثبتين. وقال صالح: يضعف. وقال ابن خداش: فيه لين. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم. انتهى.
وكون سماك مضطرب الحديث لا يقدح في حديثه المذكور، لأنه رواه عن قبيصة، وروايته عن عكرمة خاصة هي المضطربة، وكذا تغيره
في آخره لا يقدح أيضًا، لأن الحديث المذكور رواه عنه سفيان، وهو ممن سمع قديمًا من سماك، قال في "تهذيب الكمال": قال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع قديمًا من سماك مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه مستقيم. انتهى.
وأما قبيصة فوثقه العجلي، وابن حبان، وأما أبوه فهو صحابي، فحديث هلب الطائي هذا حسن. وقد اعترف صاحب "آثار السنن" بأن إسناده حسن، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح.
ومنها: حديث طاوس رواه أبو داود في "المراسيل": قال: حدثنا أبو توبة، حدثنا الهيثم -يعني ابن حميد، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره، وهو في الصلاة".
وهذا الحديث قد وجد في بعض نسخ أبي داود؛ قال الحافظ المزي في الأطراف في حرف الطاء من كتاب المراسيل: الحديث أخرجه أبو داود في كتاب "المراسيل"، وكذا قال البيهقي في "المعرفة"، فحديث طاوس هذا مرسل، لأن طاوسًا تابعي، وإسناده حسن، والحديث المرسل حجة عند الإمام أبي حنيفة، ومالك، وأحمد مطلقًا، وعند الشافعي إذا اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى، مسندًا
كان أو مرسلاً، وقد اعتضد هذا المرسل بحديث وائل، وبحديث هُلْب الطائي المذكورين، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح.
تنبيه: قال بعض الحنفية: حديث وائل فيه اضطراب، فأخرج ابن خزيمة في هذا الحديث:"على صدره"، والبزار:"عند صدره"، وابن أبي شيبة:"تحت السرة".
قال المباركفوري: قلت: لقد تقرر في أصول الحديث أن مجرد الاختلاف لا يوجب الاضطراب، بل من شرطه استواء وجوه الاختلاف، فمتى ترجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح، ومع الاستواء يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، وهاهنا وجوه الاختلاف ليست بمستوية، فإن في ثبوت لفظ "تحت السرة" في رواية ابن أبي شيبة نظرًا قويًا كما تقدم بيانه.
قال الجامع: بل هو غلط كما تقدم تحريره.
وأما رواية ابن خزيمة بلفظ: "على صدره"، ورواية البزار بلفظ "عند صدره" فالأولى راجحة، فتقدم على الأخرى، ووجه الرجحان أن لها شاهدًا حسنًا من حديث هلب، وأيضاً يشهد لها مرسل طاوس، بخلاف الأخرى، فليس لها شاهد، ولو سلم أنهما متساويتان فالجمع بينهما ليس بمتعذر، قال الشيخ أبو المحاسن محمد الملقب بالقائم السندي في رسالته "فوز الكرام": قال العلامة الشيخ أبو الحسن في
رسالته "جواز التقليد، والعمل بالحديث" بعد ذكر حديث وائل، وهلب، ومرسل طاوس، وتفسير علي، وأنس، وابن عباس: هذه الأحاديث قد أخذ بها الشافعي، لكن قال بوضع اليد على الصدر بحيث تكون آخر اليد تحت الصدر جمعًا بين هذه الأحاديث، وبين ما في بعض الروايات "عند الصدر". انتهى.
وقد جمع بعض أهل العلم بينهما بالحمل على صلاتين مختلفتين، ونظير هذا الاختلاف اختلاف رفع اليدين حذو المنكبين، وحذو الأذنين في الصلاة، فقول بعض الحنفية بالاضطراب في حديث وائل مما لا يُصغَى إليه. انتهى كلام العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى ببعض تصرف
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما تقدم من الأدلة أن الراجح في محل وضع اليدين في الصلاة هو الصدر، وأما من قال: تحت السرة فليس له دليل صحيح، وكذا من قال: فوق السرة، إلا إذا أراد الصدر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
…
(1)
تحفة الأحوذي جـ 2 ص 83 - 93.
10 - فِي الإِمَامِ إِذَا رَأَى الرَّجُلَ قَدْ وَضَعَ شِمَالَهُ عَلَى يَمِينِهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ما يفعله الإمام إذا رأى شخصاً خالف السنة في وضع اليد، بأن وضع يده اليسرى على اليمنى؛ وهو أن يرشده إلى السنة، فيضع يمينه على شماله.
قال الجامع عفا الله عنه: ليس ذكر الإمام في هذا قيدًا، بل غيره مثله، وإنما خصه بالذكر لأنه الذي يشاهد مثل هذا غالبًا حيث إنه يتقدم أمام الجماعة، ويقبل عليهم ليرى تسويتهم للصفوف، فربما وقع بصره على ذلك. والله تعالى أعلم.
888 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي زَيْنَبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: رَآنِى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ وَضَعْتُ شِمَالِي عَلَى يَمِينِي فِي الصَّلَاةِ، فَأَخَذَ بِيَمِينِي فَوَضَعَهَا عَلَى شِمَالِي.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(عمرو بن علي) الفلاس، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 4/ 4.
2 -
(عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان، العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، مات سنة 198، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 42/ 49.
3 -
(هُشيم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة 183، أخرج له الجماعة، تقدم في 88/ 109.
4 -
(الحجاج بن أبي زينب) السلمي، أبو يوسف الصَّيْقَل الواسطي، صدوق يخطىء، من [6].
قال أحمد: أخشى أن يكون ضعيف الحديث. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال الحسن بن شجاع البلخي، عن علي بن المديني: شيخ من أهل واسط ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به فيما يرويه. وقال الدارقطني: ليس بقوي، ولا حافظ، وقال في موضع آخر: ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: ليس به بأس. وقال العقيلي: روى عن أبي عثمان النهدي حديثًا لا يتابع عليه. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم حديثًا واحدًا "نعم الإدام الخل"، وأخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه
(1)
.
(1)
"تت" جـ 2 ص 201. "ت" ص 64.
5 -
(أبو عثمان النّهديّ) عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو الكوفي، ثم البصري، مشهور بكنيته، ثقة ثبت عابد مخضرم، مات سنة 95، وقيل: بعدها، عن 130 سنة، وقيل: أكثر، من كبار [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 11/ 641.
6 -
(ابن مسعود) عبد الله الصحابي رضي الله عنه، تقدم في 35/ 39. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله ثقات نبلاء، إلا الحجاج بن أبي زينب، فمتكلم فيه، وقال في "ت": صدوق يخطىء، وأن شيخه هو أحد التسعة الذين أخذ عنهم أصح الأصول الستة بدون واسطة، وأن هشيمًا ليس في الكتب الستة من يسمى باسمه غيره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن مسعود) رضي الله عنه، أنه (قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وضعت شمالي على يميني) جملة في محل نصب على الحال من المفعول به، أي حال كوني واضعا يدي اليسرى على اليمنى مخالفًا للسنة (فأخذ يميني، فوضعها على شمالي). ولأحمد، والدارقطني من حديث جابر رضي الله عنه، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل، وهو
يصلي، وقد وضع يده اليسرى على اليمنى، فانتزعها، ووضع اليمنى على اليسرى.
وفيه: مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، دون العكس، وأن من رأى منكرًا أزاله، ولو كان فاعله في الصلاة، فلا ينتظره حتى يسلم، وأن صلاته لا تبطل بذلك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -10/ 888 - وفي "الكبرى" -10/ 962 - عن عمرو ابن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن هشيم، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان، عنه. وقال في "الكبرى": قال أبو عبد الرحمن: غير هشيم أرسل هذا الحديث. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هشيم ثقة ثبت حافظ، تقبل زيادته، ولا يضره مخالفة غيره له بالإرسال، وإنما يُخشى من تدليسه، وقد زالت -
(1)
"الكبرى" جـ 1 ص 310.
والحمد لله- فقد صرح بالإنباء عند ابن ماجه جـ 1 ص 266 رقم 811 - فقال: أنبأنا الحجاج بن أبي زينب السلمي، فزالت تهمة تدليسه.
ثم وجدت تابعه محمد بن يزيد الواسطي، وهو ثقة ثبت عند الدارقطني في سننه جـ 1 ص 287 - عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال:"مر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي، واضع شماله على يمينه، فأخذ بيمينه، فجعلها على شماله".
والحاصل أن الحديث حسن من أجل الكلام في الحجاج بن أبي زينب، كما تقدم. وقال النووي في "الخلاصة": إسناده صحيح على شرط مسلم
(1)
. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (أبو داود) في "الصلاة" عن محمد بن بكّار بن الرَّيَّان. وابن ماجه فيه عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي -كلاهما عن هشيم، به.
قال الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله من زياداته في "الأطراف": رواه محمد بن الحسن المزني الواسطي، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر "مَرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل، وهو يصلي
…
".
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر أخرجه (أحمد) جـ 3/
(1)
انظر التعليق المغني على الدارقطني جـ 1 ص 287.
ص 381 - عن محمد بن الحسن المذكور بسنده. (والدارقطني) في سننه جـ 1 ص 286 - 287 - من طريق يحيى بن معين، عن محمد بن الحسن المذكور، ولفظه تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
11 - باب مَوْضِعِ الْيَمِينِ مِنَ الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
أي هذا باب ذكر موضع اليد اليمين من اليد الشمال في حال القيام للصلاة.
فالمراد بقوله: "في الصلاة" حالة القيام، لأن هذه الكيفية إنما تستحب في حال القيام الذي يعقب الإحرام فقط، فلا تستحب في الاعتدال من الركوع، لعدم دليل صريح عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك. والله تعالى أعلم.
بيّن المصنف رحمه الله تعالى في البابين المتقدمين مشروعية وضع اليمين على الشمال، وأراد هنا بيان المحل الذي توضع عليه اليمين من الشمال، وهو الكف، والرسغ، والساعد.
وقد تقدم -9/ 887 - من رواية علقمة عن أبيه، قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في الصلاة قبض بيمينه على شماله"، فدل على أن القبض مشروع أيضًا، ولا خلاف بين الروايتين، لإمكان العمل بهما في أوقات مختلفة، فيضع الكف والرسغ والساعد أحيانًا، ويقبض أحيانًا، فكل سنة ثابتة. وهذا هو الصحيح في كيفية العمل بالروايتين.
وأما ما استحسنه بعض المتأخرين من الحنفية في الجمع بين الروايتين من أن صورته أن يضع يمينه على يساره آخذًا رسغها بخنصره وإبهامه،
ويبسط الأصابع الثلاث. كما ذكره ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار جـ 1 ص 454 فباطل؛ إذ فيه خروج عن الصفتين المذكورتين في الحديث، وإحداث صفة ثالثة لم يرد بها دليل
(1)
. والله تعالى أعلم.
889 -
أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: قُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ يُصَلِّي، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَقَامَ، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا بِأُذُنَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَالرُّسْغِ، وَالسَّاعِدِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهَا، قَالَ: وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهَا، ثُمَّ سَجَدَ فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَعَدَ، وَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ اثْنَتَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ،
(1)
نبه على ذلك الشيخ الألباني في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. ص 61 الطبعة -14 - .
فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا، يَدْعُو بِهَا.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(سويد بن نصر) الروزي، ثقة، من [10]، تقدم قبل باب.
2 -
(عبد الله بن المبارك) المروزي، الإمام الحجة، من [8]، تقدم قبل باب.
3 -
(زائدة) بن قُدَامَةَ الثقفي، أبو الصَّلْت الكوفي، مات سنة 160، وقيل: بعدها، ثقة ثبت صاحب سنة، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 74/ 91.
4 -
(عاصم بن كُلَيب) بن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء، من [5].
قال الأثرم، عن أحمد: لا بأس بحديثه. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال الآجري: قلت لأبي داود: عاصمُ بنُ كليب ابنُ مَنْ؟ قال: ابن شهاب، كان من العباد، وذكر من فضله، قلت: كان مرجئًا؟ قال: لا أدري. وقال في موضع آخر: كان أفضل أهل الكوفة. وقال شريك بن عبد الله النخعي: كان مرجئًا. وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح المصري: يعدّ من وجوه الكوفيين الثقات. وقال في موضع آخر: هو ثقة مأمون. وقال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد. وقال ابن سعد: كان ثقة يحتج
به، وليس بكثير الحديث، توفي أول خلافة أبي جعفر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأرخ وفاته سنة 137، وكذا أرخه خليفة. علق له البخاري، وأخرج له الباقون
(1)
.
5 -
(كليب) بن شهاب بن المجنون الجرمي، وفي نسبه اختلاف، صدوق، من [2]، ووهم من ذكره في الصحابة.
روى عن أبيه، وخاله الفلتان بن عاصم، وعمر، وعلي، وسعد، وأبي ذرّ، ومجاشع بن مسعود، وأبي موسى، وأبي هريرة، ووائل بن حجر، وغيرهم. وعنه ابنه عاصم، وإبراهيم بن المهاجر. قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، ورأيتهم يستحسنون حديثه، ويحتجون به. وقال النسائي: كليب هذا لا نعلم أحدًا روى عنه غير ابنه عاصم، وغير إبراهيم بن المهاجر، وإبراهيم ليس بقوي في الحديث. وقال الآجري، عن أبي داود: عاصم بن كليب، عن أبيه، عن جده ليس بشيء، الناس يغلطون، يقولون: كليب عن أبيه، ليس هو ذاك. وقال في موضع آخر: وعاصم بن كليب كان من أفضل أهل الكوفة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يقال: إن له صحبة. وقال ابن أبي خيثمة، والبغوي: قد لحق النبي صلى الله عليه وسلم. وذكره ابن منده، وأبو نعيم، وابن عبد البر في الصحابة، وهو وَهَم منهم. أخرج له البخاري في
(1)
"تت" جـ 5 ص 53 - 54. "ت" ص 160.
"جزء رفع اليدين"، والباقون إلا مسلمًا
(1)
.
6 -
(وائل بن حجر) بن سعد بن مسروق الحضرمي الصحابي رضي الله عنه، تقدم في 4/ 879. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله موثقون، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي، عن تابعي، عاصم بن كليب، عن أبيه، وفيه الإخبار والإنباء، والعنعنة، والتحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال:) عاصم بن كليب (حدثني أبي) كليب بن شهاب (أن وائل بن حجر أخبره) أي أخبر كليباً (قال: قلت: لأنظرن إِلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي) أي قلت في نفسي، وعزمت على النظر إلى صلاته صلى الله عليه وسلم.
واللام هي الموطئة للقسم، و"أنظر". بمعنى أبْصِرُ، يقال: نَظَرتُه أنظُرُه نَظَرًا، ونظرت إليه أيضًا: أبصرته. يتعدى بنفسه، وبـ "إلى"
(2)
،
(1)
"تت" جـ 8 ص 445 - 446.
(2)
انظر المصباح المنير جـ 2 ص 612.
والجارّ والجرور متعلق بـ"أنظر"، و"كيف" منصوبة على الحال بـ"يصلي"، وفعلُ النظر معلق بها، والجملة في محل جر بدل من "صلاة" بدل اشتمال، والمعنى: والله لأنظرن إلى الصلاة إلى كيفية أدائِها
(1)
.
(فنظرت اليه، فقام، فكبر) وفي الرواية الآتية -35/ 1265 - من طريق بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبل القبلة، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه
…
" (ورفع يديه) الظاهر أن الرفع مقارن للتكبير، وقد تقدم بيان اختلاف الروايات، واختلاف أقوال أهل العلم في مقارنة الرفع للتكبير، وتقديم الرفع عليه، مع ترجيح كون المصلي مخيرًا في ذلك - 2/ 877 (حتى حاذتا) أي قابلتا (بأذنيه) فيه أن رفع اليدين يكون إلى محاذاة الأذنين، وقد تقدم البحث فيه مُستوفىً في 4/ 879 فارجع إليه تستفد (ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى) "الكف": الراحة مع الأصابع، سميت بذلك لأنها تَكُفُّ الأذى عن البدن، والجمع كُفُوف، وأكف، مثل فلس، وفلوس، وأفلس، وهو مؤنث، قال ابن الأنبَاري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر، ولا يَعرِف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كفٌّ مُخَضَّبٌ فعلى معنى ساعِدٍ مُخَضّبٍ. أفاده الفيومي
(2)
.
(1)
ذكر مثل هذا الإعراب العلامة ابن هشام الأنصاري رحمه الله في "مغني اللبيب" جـ 1 ص 174 بنسخة حاشية الأمير عند الكلام على إعراب قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} .
(2)
انظر: المصباح المنير جـ 2 ص 535.
(والرسغ) -بضم، فسكون، أو بضمتين، مثل عُسْرٍ، وعُسُرٍ- قال العجَّاج [من الرجز]:
فِي رُسُغٍ لا يَتَشَكَّى الْحَوْشَبَا
(1)
…
مُسْتَبْطِنًا مَعَ الصَّمِيمِ عَصَبَا
والجمع أرْسَاغ. وهو: مَفْصِلُ ما بين الكفّ والذراع. وقال: مُجْتَمَع الساقين والقدمين. وقيل: هو مفصِلُ ما بين الساعد والكف، والساق والقدم. وقيل: هو الموضع الْمُستَدِقُّ الذي بين الحافر ومَوْصِلِ الوَظِيف
(2)
من اليد والرجل، وكذلك هو من كل دابة. أفاده ابن منظور رحمه الله تعالى
(3)
.
(والساعد) هو من الإنسان: ما بين المرْفَق والكفّ، وهو مذكر، سمي ساعداً لأنه يساعد الكفّ في بطشها وعملها، والساعد هو العضد، والجمع سواعد. قاله الفيومي
(4)
.
والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على كف اليسرى، ورسغها، وساعدها، وذلك بأن يكون وسط كفه اليمنى على الرسغ، فيلزم منه أن يكون أصل الكف على الكف، والأصابع على الساعد. والله أعلم.
(1)
"الحوشب": موصل الوظيف في رسغ الدابة، أو عظم في باطن الحافر بين العصب والوظيف، وقيل غير ذلك. راجع "ق" ص 95. والصميم: العظم الذي به قوام العضو. اهـ "ق" أيضًا ص 1459. طبعة مؤسسة الرسالة.
(2)
"الوظيف": مستدقّ الذراع والساق. اهـ "ق". ص 1111.
(3)
لسان العرب جـ 3 ص 1642.
(4)
المصباح جـ 1 ص 277.
(فلما أراد أن يركع رفع يديه مثلها) أنث الضمير -والله أعلم- على معنى الرَّفْعَةِ، أي مثل رفعته الأولى عند الإحرام، وهي الرفع إلى الأذنين، وفي رواية بشر بن المفضل عن عاصم "رفعهما مثل ذلك"؛ أي مثل ذلك الرفع المتقدم.
وفيه استحباب رفع اليدين إلى الأذنين عند الركوع، وهو المذهب الراجح، خلافًا لمن قال بعدم استحباب الرفع، وسيأتي تحقيق القول فيه في محله -85/ 1024 - إن شاء الله تعالى.
(قال: ووضع يديه على ركبتيه) فيه أن السنة عند الركوع وضع اليدين على الركبتين، لا التطبيق لأنه منسوخ، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لابن مسعود رضي الله عنه؛ حيث قال بالتطبيق، وسيأتي البحث عنه مُستوفى في محله -1/ 1032 - إن شاء الله تعالى.
(ثم لما رفع رأسه) أي من الركوع (رفع يديه مثلها) أى مثل رَفْعَتِهِ السابقة.
وفيه أنه لا يستحب وضع اليمين على الشمال عند القيام من الركوع، لأنه لو كان مشروعًا لما ترك ذكره وائل رضي الله عنه، ولم يرد دليل صريح في شيء من الروايات أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله، فتبصر. والله تعالى أعلم.
(ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه) وفي رواية بشر المذكورة:
"فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه". يعني أنه صلى الله عليه وسلم وضع رأسه بين يديه محاذيتين لأذنيه مثل ما فعل عند الإحرام. وفيه أن السنة وضع الكفين محاذيتين للأذنين (ثم قعد، وافترش رجله اليسرى) أي وضعها على الأرض، وجعلها كالفراش له يجلس عليها (ووضع كفه اليسرى على فخذه، وركبته اليسرى) أي وضع بحيث صار بعض كفه على فخذه، وبعضها على ركبته اليسرى (وجعل حد مرفقه الأيمن) أي وضع طرف مرفقه الذي من جهة الكف.
والمرفق -بكسر الميم، وفتح الفاء بينهما راء ساكنة، كمِنبَر، أو بفتح الميم، وكسر الفاء كمَسجد-: موصل الذار في العضد. قاله المجد اللغوي رحمه الله
(1)
.
(على فخذه اليمنى) متعلق بـ"جعل"؛ أي جعله مستعليًا عليها مرتفعًا عنها.
و"الفخذ" -بكسر الخاء المعجمة، ككتف، ويجوز تسكينها للتخفيف، مع فتح الفاء وكسرها-: ما بين الساق والورك، مؤنث. أفاده المجد
(2)
.
(ثم قبض اثنين من أصابعه) هما الخنصر والبنصر (وحلق
(1)
"ق" ص 1145 طبعة مؤسسة الرسالة.
(2)
المصدر السابق ص 429.
حلقة) من التحليق، أي جعل الإبهام والوسطى مثل الحلقة -بسكون اللام وقد تفتح.
قال الفيومي رحمه الله: وحَلْقة الباب، بالسكون، من حديد وغيره، وحَلْقَة القوم الذين يجتمعون مستديرين، والْحَلْقَة السلاحُ كُلُّهُ، والجمع حَلَقٌ بفتحتين على غير قياس. وقال الأصمعي: والجمع حلَق، مثل قَصْعَة وقصَع، وَبدْرَة وبدَر. وحكى يونس عن أبي عمرو ابن العلاء أن الحَلَقَة بالفتح لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثل قصبة وقصب. انتهى
(1)
.
(ثم رفع أصبعه) أي السبابة، لما في رواية سفيان، عن عاصم بن كليب الآتية -30/ 1264 - :"وأشار بالسبابة، يدعو بها". وفي رواية بشر المذكورة: "ورأيته يقول هكذا، وأشار بشر بالسبابة من اليمنى، وحلّق الإبهام والوسطى".
قال الفيومي رحمه الله: "الإِصبَع" مؤنثة، وكذلك سائر أسمائها، مثل الخِنْصِر والبِنْصِر، وفي كلام ابن فارس ما يدلّ على تذكير الإِصبَع، فإنه قال: الأجود في إصبع الإنسان التأنيث. وقال الصغاني أيضًا: يذكر، ويؤنث، والغالب التأنيث. قال بعضهم: وفي الإصبع عشر لغات: تثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة: أصْبُوع وزانُ عصْفُورٍ، والمشهور من لغاتها كسر الهمزة، وفتح الباء، وهي التي
(1)
المصباح جـ 1 ص 146 - 147.
ارتضاها الفصحاء. انتهى
(1)
.
(يحركها) أي يحرك أصبعه التي أشار بها، وهي السبابة، (يدعو بها) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يحرك"، أي حال كونه داعيًا الله سبحانه وتعالى بها.
وفيه استحباب تحريك السبابة في حال التشهد وقت الدعاء.
وقال السندي رحمه الله عند قوله: "وحلّق حلقة، ورفع أصبعه" ما نصه: وقد أخذ به الجمهور، وأبو حنيفة، وصاحباه، كما نص عليه محمد في موطئه، وغيره، إلا أن بعض مشايخ المذهب أنكره، ولكن أهل التحقيق من علماء المذهب نصوا على أن قولهم مخالف للرواية والدراية، فلا عبرة به، وأما تحريك الأصبع، فقد جاء في بعض الروايات، فأخذ به قوم، إلا أن الجمهور ما أخذوا به، لخلو غالب الروايات عنه. والله تعالى أعلم. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح استحباب التحريك في حال التشهد وقت الدعاء؛ لدلالة حديث وائل بن حجر رضي الله عنه هذا عليه، وإنما قلت: وقت الدعاء؛ لقوله: "يدعو بها". ثم إن استحباب التحريك يكون في بعض الأوقات، لا مطلقًا؛ لأن جمهور الصحابة الذين نقلوا صلاته صلى الله عليه وسلم ما أثبتوها، مع دقة وصفهم لصلاته، ووائل إنما
(1)
المصدر السابق جـ 1 ص 332.
(2)
شرح السندي جـ 2 ص 127.
رآه في بعض الأوقات، كما يدل قوله:"لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ثم وصف صلاته، وقال:"فرأيته يحركها"، أي في ذلك الوقت، فدل على أنه صلى الله عليه وسلم عمل به في بعض الأوقات، لا مطلقًا، وهذا مثل قولنا باستحباب زيادة "وبركاته" في السلام من الصلاة، لثبوتها في حديث وائل، وغيره، كما يأتي في محله، فإنه يكون في بعض الأوقات، لا دائمًا. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في محله -99/ 1161 - و-70/ 1319 - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب. وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث وائل بن حجر هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -11/ 889 - وفي "الكبرى" -11/ 963 - عن سويد ابن نصر، عن ابن المبارك، عن زائدة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عنه. و49/ 1102 - عن أحمد بن ناصح، عن عبد الله بن إدريس، عن عاصم، نجه مختصرا. و97/ 1159 - عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، عن سفيان، عن عاصم به. و-29/ 1263 - و"الكبرى" -64/ 1186 - عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم
به. و30/ 1264، و"الكبرى" -65/ 1187 - عن محمد بن علي بن ميمون الرَّقِّيّ، عن محمد بن يوسف الفِرْيابي، عن سفيان الثوري به. 31/ 1265 - و"الكبرى"- 66/ 1188 عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضل، عن عاصم به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسدد، عن بشر بن المفضل، به. وعن الحسن بن علي، عن أبي الوليد، عن زائدة به. والترمذي فيه عن أبي كريب، عن عبد الله بن إدريس، به. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن عبد الله بن إدريس به. والحميدي رقم 885، وأحمد جـ 4/ ص 316 و317 و318 و319، والدارمي رقم 1364، والبخاري في جزء رفع اليدين رقم 26 و30 و71، وابن خزيمة: 477 و641 و690 و478 و714 و479 و485 و713 و691 و697 و698. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله وهو بيان موضع اليمين من الشمال في حال القيام للصلاة، وهو الكف والرسغ والساعد، وقد ثبت في رواية أخرى مشروعية القبض أيضًا كما تقدم أول الباب، فيعمل بهما في أوقات مختلفة.
ومنها: حرص الصحابة رضي الله عنهم في نقل صفة الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: مشروعية القيام للصلاة.
ومنها: مشروعية التكبير في الدخول إلى الصلاة، وقد تقدم أنه لا يجزىء غيره عند جمهور أهل العلم، وخلاف ذلك مذهب باطل.
ومنها: استحباب رفع اليدين عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وقد تقدم قول ابن حزم بوجوبه عند الإحرام، ولا يخالف في استحباب ما عدا ذلك.
ومنها: وضع اليدين على الركبتين في الركوع، وسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله تعالى.
ومنها: مشروعية السجود، واستحباب وضع الكفين بحذاء الأذنين.
ومنها: مشروعية القعود للتشهد، واستحباب افتراش رجله اليسرى، والجلوس عليها وهذا بالنسبة للتشهد الأول، وأما الثاني ففيه التورك، كما يأتي في محله.
ومنها: استحباب وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وجعل حد المرفق الأيمن على الفخذ اليمنى، واستحباب قبض الخنصر والبنصر، وتحليق الإبهام والوسطى، والإشارة بالسبابة، وتحريكها داعياً بها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
12 - باب النَّهْىِ عَنِ التَّخَصُّرِ فِي الصَّلَاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على النهي عن التخصر في حال أداء الصلاة.
"والتَّخَصُّرُ": مصدر تَخَصَّرَ يَتَخَصَّرُ: إذا وضع يده على خاصرته، كاختصر، وقيل غير ذلك. وسيأتي في شرح الحديث بيان ما قاله أهل العلم في تفسيره، إن شاء الله تعالى.
890 -
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ ح وَأَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم "نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا".
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(سويد بن نصر)، 2 - (عبد الله بن المبارك) تقدما في الباب الماضي.
3 -
(إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، مات سنة 238، ثقة ثبت حجة فقيه، من [10]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي، تقدم في 2/ 2.
4 -
(جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي، نزيل الرَّيّ، وقاضيها، مات سنة 188، ثقة صحيح الكتاب، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 2.
5 -
(هشام) بن حسان الأزدي القُرْدُوسي، أبو عبد الله البصري، مات سنة 148، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 188/ 300.
6 -
(ابن سيرين) هو محمد أبو بكر بن أبي عمرة الأنصاري، مات سنة 110، ثقة ثبت عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 46/ 57.
7 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخيه؛ فإسحاق بن إبراهيم ما أخرج له ابن ماجه، وسويد بن نصر انفرد به هو والترمذي.
ومنها: أن إسحاق مروزي، نزيل نيسابور، وجرير كوفي نزيل الريّ، وسويد وابن المبارك مروزيان، وهشام وابن سيرين بصريان، وأبو هريرة مدني.
ومنها: كتابة "ح" إشارة إلى الانتقال لسند آخر، وقد تقدم الكلام
عليها غير مرة.
ومنها: أن فيه العمل بالقاعدة المشهورة؛ وهي أنه إذا كان الحديث عند الراوي عن شيخين، أو أكثر، واتفقا في المعنى، دون اللفظ، فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما؛ فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو وهذا لفظ فلان، قال، أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات، وإن لم يخص، بل قال: أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ، قالا: حدثنا فلان جاز على الرواية بالمعنى، فإن لم يقل: تقاربا، فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى أيضًا. وإلى هذه القاعدة أشار السيوطي رحمه الله تعالى في ألفيته، فقال:
وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَن أْشْيَاخٍ وَقَدْ
…
تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ
مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ
…
يُبَينِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ
…
وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا
وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَينُ
…
مَعْ قَالَ أَوْ قَالا فَذَاكَ أَحْسَنُ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي
الرجل مختصرًا) حال من "الرجل"، وهو اسم فاعل، من الاختصار، وفي نسخة "متخصِّرًا"، اسم فاعل من التَّخَصُّر، وهو وضع اليد على الخاصرة. فسره بذلك الترمذي في "جامعه"، وأبو داود في "سننه"، وفسره بذلك أيضا محمد بن سيرين. روى ذلك عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه". وكذلك فسره هشام بن حسان. رواه عنه البيهقي في "سننه"، قال: وروى سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة معنى هذا التفسير.
وحكى الخطابي وغيره قولاً آخر في تفسير الاختصار، فقال: وزعم بعضهم أن معنى الاختصار هو أن يمسك بيده مِخْصَرَة، أي عصا يتوكأ عليها. قال ابن العربي: ومن قال: إنه الصلاة على المِخْصَرَة لا معنى له. وفيه قول ثالث، حكاه الهروي في "الغريبين" وابن الأثير في "النهاية"، وهو أن يختصر السورة، فيقرأ من آخرها آية، أو آيتين. وفيه قول رابع، حكاه الهروي، وهو أن يحذف من الصلاة، فلا يمدّ قيامها وركوعها وسجودها.
قال العراقي رحمه الله: والقول الأول هو الصحيح الذي عليه المحققون، والأكثرون من أهل اللغة والحديث والفقه. هذا ما ذكره العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في شرحه لـ"منتقى الأخبار"
(1)
.
وذكر العلامة اللغوي محمد بن الْمُكَرَّم صاحب "لسان العرب"
(1)
"نيل الأوطار" جـ 3 ص 231 - 232.
نحو ما تقدم، أحببت إيراده، وإن كان فيه تكرار لما سبق، زيادةً في الإيضاح، قال رحمه الله تعالى:
والاختصار، والتخاصر: أن يضرب الرجل يده إلى خَصْرِه
(1)
في الصلاة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "نهى أن يصلي الرجل مُخْتصَرًا". وقيل: "مُتَخَصرًا". قيل: هو من الْمِخْصَرَة. وقيل: معناه أن يصلي الرجل، وهو واضع يده على خَصْرِه. وجاء في الحديث:"الاختصار في الصلاة راحة أهل النار"
(2)
، أي أنه فعل اليهود في صلاتهم، وهم أهل النار، على أنه ليس لأهل النار الذين هم خالدون فيها راحة. هذا قول ابن الأثير.
قال محمد بن الْمُكَرَّم: ليس الراحة المنسوبة لأهل النار هي راحتهم في النار، وإنما هي راحتهم في صلاتهم في الدنيا، يعني أنه إذا وضع يده على خَصْرِهِ كأنه استراح بذلك، وسماهم أهل النار لمصيرهم إليها، لا لأن ذلك راحتهم في النار.
وقال الأزهري في الحديث الأول: لا أدري أرُوي "مُخْتصِراً"، أو "مُتَخَصرًا"
(3)
، ورواه ابن سيرين، عن أبي هريرة "مُخْتَصِرًا"، وكذا
(1)
"الخَصْر" من الإنسان: وسطه، وهو المستدِقُّ فوق الوَرِكَين، والجمع خُصُور، مثل فلس وفلوس. قاله في المصباح.
(2)
أخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم 909. بإسناد صحيح.
(3)
وقع في بعض نسخ المجتبى "مختصراً"، وفي بعضها "متخصراً".
رواه أبو عبيد؛ قال: هو أن يصلي، وهو واضع يده على خَصْرِهِ، قال: ويروى في كراهيته حديث مرفوع، قال: ويروى فيه الكراهة عن عائشة، وأبي هريرة. وقال الأزهري: معناه أن يأخذ بيده عصًا يتكىء عليها.
وفيه وجه آخر، وهو أن يقرأ آية من آخر السورة، أو آيتين، ولا يقرأ سورة بكمالها في فرضه. قال ابن الأثير: هكذا رواه ابن سيرين عن أبي هريرة.
وفي حديث آخر: "الْمُتَخَصِّرون يوم القيامة على وجوههم النور". معناه المصلون بالليل، فإذا تَعبُوا وضعوا أيديهم على خواصرهم من التعب؛ قال: ومعناه يكون أَن يأتوا يوم القيامة، ومعهم أعمالهم صالحة يتكئون عليها، مأخوذة من الْمِخْصَرَةِ.
وفي الحديث: "نَهَى عن اختصار السجدة". وهو على وجهين: أحدهما أن يختصر الآية التي فيها السجود، فيسجد بها، والثاني أن يقرأ السورة، فإذا انتهى إلى السجدة جاوزها، ولم يسجدها. انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح القول الأول، وهو وضع اليد على الخاصرة قال النووي رحمه الله: الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين، وبه قال أصحابنا في
(1)
لسان العرب جـ 2 ص 1171.
كتب المذهب أن المختصر هو الذي يصلي، ويده على خاصرته. انتهى
(1)
.
قال الحافظ رحمه الله: ويؤيده ما روى أبو داود، والنسائي
(2)
من طريق سعيد بن زياد، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى، قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه. انتهى
(3)
.
وسيأتي ما قاله أهل العلم في سبب النهي في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
والحديث دليل على تحريم الاختصار في الصلاة، وبه يقول أهل الظاهر، وهو الظاهر؛ إذ لا صارف للنهي عنه. كما سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
(1)
شرح مسلم جـ 5 ص 36.
(2)
هو الحديث الآتي بعد هذا رقم 891.
(3)
فتح جـ 3 ص 416 - 417.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -12/ 890 - وفي "الكبرى" -12/ 964 - بالسند المذكور. زاد في "الكبرى": قال أبو عبد الرحمن: غيرُ هشام قال في هذا الحديث: عن أبي هريرة، "نُهيَ أن يصلي الرجلُ
…
" انتهى.
وأشار بذلك إلى أن الحديث روي موقوفًا، فقد رواه البخاري من طريق أيوب عن ابن سيرين موقوفًا، لكن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، لأن قول الصحابي:"نُهِيَ عن كذا" يعطي حكم الرفع، كما هو مذهب جمهور المحدثين، وإن خالف في ذلك بعض أهل العلم. قال الحافظ السيوطي رحمه الله في "ألفيته":
وَليُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ
…
نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي
كَذَا أُمِرْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرىَ
…
فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إضَافَةٍ عَرَى
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي
…
تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخلْفُ نُفِي
ثم إن هشامًا رواه أيضًا موقوفًا، لكنه صرح في آخره بالرفع، فقد أخرجه أحمد جـ 2 ص 290 - عن يزيد بن هارون عنه موقوفًا، بلفظ:"نُهِيَ عن الاختصار في الصلاة". وزاد بعده: قال: قلنا لهشام: ما الاختصار؟ قال: يضع يده على خَصْره، وهو يصلي. قال يزيد: قلنا لهشام: ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال برأسه: نعم. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في الصلاة عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان.
ومسلم فيه عن الحكم بن موسى القَنْطَرِيّ، عن عبد الله بن المبارك- وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر- وأبي سلمة. وأبو داود فيه عن يعقوب بن كعب، عن محمد بن سلمة. والترمذي فيه عن أبي كريب، عن أبي أسامة - ستتهم عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وأحمد جـ 2 ص 232 و 290 و 295 و 331 و 399، والدارمي رقم 1435، وابن خزيمة 908.
المسألة الرابعة: اختلف أهل العلم في المعنى الذي نهي عن الاختصار في الصلاة لأجله على أقوال:
(الأول): أن اليهود تكثر من فعله، فنهي عنه كراهة للتشبه بهم.
أخرجه البخاري في "صحيحه" في ذكر بني إسرائيل عن عائشة رضي الله عنها. زاد ابن أبي شيبة فيه: "في الصلاة". وفي رواية: "لا
تشبهوا باليهود".
(الثاني): أنه تشبه بإبليس. قال الترمذي في جامعه: ويروى أن إبليس إذا مشى يمشي مختصرًا. ولأنه أهبط مُتَخَصِّرًا. أخرجه ابن أبي
شيبة عن حميد بن هلال موقوفًا. وروي عن أبن عباس رضي الله عنهما، حكاه عنه ابن أبي شيبة.
(الثالث): أنه راحة أهل النار. رَوَى ذلك ابن أبي شيبة عن مجاهد، قال:"وضع اليد على الحقو استراحة أهل النار". ورواه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها. وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الاختصار في الصلاة راحة أهل النار". قال العراقي رحمه الله: وظاهر إسناده الصحة. ورواه أيضًا الطبراني.
(الرابع): أنه فعل المختالين والمتكبرين. قاله المهلب بن أبي صفرة رحمه الله تعالى.
(الخامس): أنه شكل من أشكال أهل المصائب، يصفّون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المآتم. قاله الخطابي رحمه الله تعالى.
(السادس): أنه صفة الراجز حين ينشد. رواه سعيد بن منصور من طريق قيس بن عباد بإسناد حسن.
قال الجامع عفا الله عنه: أقرب الأقوال في ذلك هو الأول، فقد أخرجه البخاري في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها، ولكن لا
منافاة بين الجميع، كما قاله الحافظ رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: حديث الباب يدل على تحريم الاختصار في
(1)
راجع الفتح جـ 3 ص 416 - 417. وتحفة الأحوذي جـ 2 ص 388. ونيل الأوطار جـ 3 ص 231 - 232.
الصلاة، وإليه ذهب أهل الظاهر، قال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: ومن تعمد في الصلاة وضع يده على خاصرته بطلت صلاته. انتهى
(1)
.
قالى الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: وممن كره الاختصار في الصلاة: ابن عباس، وعائشة أم المؤمنين، ومجاهد، وأبو مجلز،
والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: كون النهي للتحريم كما قال أهل الظاهر هو الظاهر، لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم الذي هو معناه الحقيقي، كما هو الحق، صرح بهذا العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى
(3)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
891 -
أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَضَعْتُ يَدِى عَلَى خَاصِرَتِي، فَقَالَ لِي
(1)
"المحلى" جـ 4 ص 18.
(2)
"الأوسط" جـ 3 ص 263.
(3)
"نيل الأوطار" جـ 3 ص 232.
هَكَذَا ضَرْبَةً بِيَدِهِ، فَلَمَّا صَلَّيْتُ، قُلْتُ لِرَجُلٍ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا رَابَكَ مِنِّي؟ قَالَ: إِنَّ هَذَا الصَّلْبُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَانَا عَنْهُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(حميد بن مَسْعَدَة): بن المبارك السمامي الباهلي البصري، صدوق، مات سنة 244، من [10]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 5/ 5.
2 -
(سفيان بن حبيب): البصري البزاز، أبو محمد، وقيل غير ذلك، مات سنة 182، وقيل: 6، وله 58 سنة، ثقة، من [9]، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والأربعة، تقدم في 67/ 82.
3 -
(سعيد بن زياد): الشيباني المكي، مقبول، من [6].
روى عن زياد بن صُبَيح، وطاوس. وعنه وكيع، وخالد بن الحارث، وسفيان بن حبيب، ويزيد بن هارون، ومكي بن إبراهيم. قال ابن معين: صالح. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال الدارقطني: يعتبر به، ولا يحتج به، لا أعرف له إلا حديث
التصليب. أخرج له أبو داود، والنسائي حديث الباب فقط
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: سعيد بن زياد هذا قال عنه في "ت": مقبول -كما سبق آنفًا- وفيه نظر؛ لأنه وثقه ابن معين في رواية، وفي رواية قال: صالح، ووثقه العجلي، وابن حبان، وقال النسائي: ليس به بأس، وما تكلم فيه إلا الدارقطني. فمثل هذا يقال فيه: ثقة، أو صدوق. ومن الغريب أنه قال في شيخه زياد الآتي: ثقة، وتوثيق العلماء له قريب من توثيق هذا، كما يأتي قريبًا!! فليتأمل. والله تعالى أعلم.
4 -
(زياد بن صُبَيح): الحنفي، أبو مريم البصري، ثم المكي، ثقة من [4].
روى عن ابن عباس، وابن عمر، والنعمان بن بشير. وعنه الأعمش، ومنصور، ومغيرة، وسعيد بن زياد الشيباني. قال إسحاق ابن راهويه: زياد بن صُبيح رجل صالح ثقة، وليس هو بأخي عبد الله ابن صبيح. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن حبان في الثقات: زياد بن صبيح، ويقال: ابن صباح، وهو الذي روى عنه يزيد بن أبي زياد. وقال العجلي: زياد بن صبيح مدني تابعي ثقة. وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال أبو أحمد في الكنى: أبو مريم زياد بن صبيح. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: لا يختلفون أنه بالضم، يعني بضم الصاد.
(1)
"تت" جـ 3 ص 374. "ت" ص 110.
وقال ابن أبي حاتم: بالفتح. أخرج له أبو داود، والنسائي حديث الباب فقط
(1)
.
5 -
(عبد الله بن عمر) بن الخطاب، رضي الله عنهما، تقدم في 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنهم ما بين بصريين، ومكيين، ومدني.
ومنها: أن شيخه من رجال الجماعة، إلا البخاري، وسفيانُ بن حبيب من رجال الأربعة، وأخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأن سعيد بن زياد، وشيخه ممن انفرد به هو وأبو داود.
ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن زياد بن صُبَيح) مصغرًا، وقيل: بالفتح، كما تقدم، الحنفي
(1)
"تت" جـ 4 ص 31 - 32. "ت" ص 122. "صه" ص 138.
البصري، ثم المكي، أنه (قال: صليت إِلى جنب) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما (فوضعت يدي على خاصرتي)
وفي "الكبرى": "على خَصْرِي". قال في اللسان: الخَصْرَتان، والخاصرتان: ما بين الحَرْقَفَة والقُصَيْرَى، وهو ما قَلَصَ عنه القَصَرَتَان،
وتقدم من الحَجَبَتَيْنِ، وما فوق الخَصْرِ من الجلدة الرقيقة الطِّفْطِفَةِ
(1)
. انتهى
(2)
.
(فقال لي هكذا ضربةً بيده) أي ضربني هكذا، من إطلاق القول على الضرب، لأن القول يطلق على الضرب، كما قاله ابن الأنباري،
وقد نظمت المعاني التي تأتي لها "قال" بقولي:
تَجِيءُ قَالَ لِمَعَانٍ تُجْتَلَى
…
تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَات أَقْبَلا
وَمَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلَبَا
…
ولِلتَّهَيّؤ لِفِعْلٍ يُجْتَبَى
فَجُمْلَةُ الْمَعَانِي قُلْ ثَمَانِيَهْ
…
فَاحْفَظْ فإِنَّها مَعَانٍ سَامِيَهْ
وقوله: "ضَرْبَةً" مفعول مطلق، لـ"قال" كقعدت جلوسًا. وقال السندي رحمه الله: قوله: "ضربة بيده" بالنصب مفعول "قال" على أنه
(1)
"الحرقفة": عظم الحَجَبَة، أي الوَرِكِ. و"القُصَيرَى": مقصورةً أسفل الأضلاع، أو آخر ضلع في الجنب. و"الحَجَبَتان": محركة حرفا الورِك المشرفان على الخاصرة، أو العظمان فوق العانة المشرفان على مرَاقّ البطن من يمينَ وشمال. و"الطفطفة"- بالفتح، ويكسر: الخاصرة، أو أطراف الجنب المتصلة بالأضلاع. انتهى"قَ".
(2)
اهـ لسان العرب جـ 2 ص 1171.
بمعنى "فعل". انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكرته أقرب. فتبصر.
وفي بعض النسخ: بدل: "ضربة""ضَرَبَهُ" فعلًا ماضيًا. وهو الذي في "الكبرى". وعليه فتكون الجملة بيانًا لما قبلها. يعني أنه يريد بقوله: "فقال لي هكذا" أنه ضربه بيده. والله تعالى أعلم.
(فلما صليت) أي انتهيت من الصلاة (قلت لرجل: مَنْ هذا؟) استفهام ممن ضربه (قال:) أي ذلك الرجل (عبد الله بن عمر) بالرفع خبر لمحذوف، أي "هو" يعني أن هذا الذي ضربك هو عبد الله ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ولعل زياد بن صبيح، لا يعرف ابن عمر قبل ذلك، أو كان يعرفه، ولكنه لم ير وجهه حينما ضربه، ويؤيد هذا قوله:"يا أبا عبد الرحمن"، فإن ظاهره يدل على معرفة سابقة. والله أعلم.
(ما رابك مني) أي ما الذي سَاءكَ من أمري، وكَرِهْتَهُ مني. فـ "ما" استفهامية، و"راب" بمعنى "ساء" قال ابن منظور رحمه الله نقلًا عن
"تهذيب الأزهري": أراب الرجلُ يُريب: إذا جاء بتُهْمَةٍ، وارتبتُ فلانًا. أي اتهمته، ورابني الأمرُ رَيْبًا: أي نابني، وأصابني، ورابني أمره
يَريبني: أي أدخل عليّ شرًا وخوفًا، قال: ولغة رديئة: أرابني هذا
(1)
شرح السندي جـ 2 ص 127.
الأمر. انتهى
(1)
.
(قال) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (إِن هذا الصَّلْبُ) برفع الصلب خبرًا لـ"إن" وجوّز السندي رحمه الله نصبه على أنه صفة
"هذا"، والخبر محذوف، أي رابني منك. انتهى.
والصَّلْبُ -بفتح، فسكون-: مصدر صَلَبَ، من باب ضرب، يقال: صلب الجاني: إذا شدَّ أطرافه، وعلقه. والراد أنه شبْهُ الصَّلْب،
لأن المصلوب يمدّ يده على الجِذعْ، وهيئة الصَّلْب في الصلاة أن يضع يديه على خاصرتيه، ويجافي بين عضديه في القَيام. قاله ابن الأثير رحمه الله تعالى
(2)
.
(وإِن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عنه) أي عن الصَّلْب الذي هو وضع اليدين على الخاصرتين. وهذا يؤيد ما تقدم من ترجيح تفسير الاختصار في حديث أبي هريرة رضي الله عنه بوضع اليد على الخاصرة. فتفطن.
والحديث دليل على ما ترجم له المصنف، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في الحديث الماضي. وفيه الإنكار على المصلي إذا أخطأ، وإن كان داخل الصلاة، ولا يلزم أن ينتظر حتى يسلم. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
"لسان العرب": جـ 3 ص 1788.
(2)
"النهاية" جـ 3 ص 44.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -12/ 891 - وفي "الكبرى" -12/ 965 - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن هناد، عن وكيع، عن سعيد بن زياد، عن زياد بن صُبَيح، عنه.
وأخرجه أحمد جـ 2/ 106، وابن أبي شيبة جـ 1/ 183، والبيهقي 2/ 288.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
13 - الصَّفُّ بَيْنَ القَدَميْنِ فِي الصَّلاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على كراهة صف القدمين في الصلاة، والمراد به أن يساوي بينهما مع الإلزاق، وعدم المراوحة بينهما.
892 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: خَالَفَ السُّنَّةَ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَفْضَلَ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، ثقة ثبت، من [10]، تقدم في 4/ 4.
2 -
(يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [9]، تقدم في 4/ 4.
3 -
(سفيان بن سعيد الثوري) الكوفي الإمام الحجة الثبت، من [7]، تقدم في 33/ 37.
4 -
(ميسرة) بن حبيب النَّهْدي -بفتح، فسكون- أبو خازم
(1)
(1)
"أبو حازم" في "تك" و "ت" بالحاء المهملة، والذي في "تت"، و"صه": أبو خازم، بل صرح في "صه" أنه بمعجمتين. فليحرر.
الكوفي، صدوق، من [7].
قال عبد الله بن أحمد: أملى علي أبي أن أبا خازم ميسرة ثقة. وقال ابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو داود: معروف. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن ميسرة، وحجاج بن أرطاة، وابن أبي ليلى؟ فقال: ميسرة أحب إلي على قلة ما ظهر من حديثه، قلت: فما تقول فيه؟ قال: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى مسلم، وابن ماجه.
قال الجامع عفا الله عنه: ميسرة هذا قال عنه في "ت": صدوق، كما مرَّ آنفًا، وكان من حقه أن يقول: ثقة، فإنه متفق على توثيقه، فإن قول أبي حاتم: لا بأس به. بمنزلة ثقة من غيره. فتنبه. والله أعلم.
5 -
(المنهال بن عمرو) الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق، ربما وَهِمَ، من [5].
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: ترك شعبة المنهال بن عمرو على عمد. قال ابن أبي حاتم: لأنه سمع من داره صوت قراءة بالتطريب. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أبو بشر أحب إلي من المنهال، وقال: نعم شديدًا أبو بشر أوثق، إلا أن المنهال أسن. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال وهب بن جرير، عن شعبة: أتيت منزل المنهال، فسمعت منه صوت الطنبور، فرجعت، ولم أسأله،
قلت: فهلا سألته، عسى كان لا يعلم. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: أتى شعبة المنهال بن عمرو، فسمع صوتًا، فتركه. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال الدارقطني: صدوق. وقال جرير، عن مغيرة: كان حسن الصوت، وكان له لحن يقال له وزن سبعة. وقال الغلابي: كان ابن معين يضع من شأن المنهال بن عمرو. وقال الجوزجاني: سيئ المذهب، وقد جرى حديثه. وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، حدثني محمد بن عمر الحنفي، عن إبراهيم ابن عبيد الطنافسي، قال: وقف المغيرة صاحب إبراهيم على يزيد بن أبي زياد، فقال: ألا تعجب من هذا الأعمش الأحمق إني نهيته أن يروي عن المنهال بن عمرو، وعن عباية، ففارقني على ألا يفعل، ثم هو يروي عنهما، نشدتك بالله تعالى هل كانت تجوز شهادة المنهال على درهمين؟ قال: اللهم لا. وكذا عباية. وذكره ابن حبان في الثقات.
قال الحافظ: محمد بن عمر الحنفي راوي الحكاية فيه نظر.
وقال الحاكم: المنهال بن عمرو غمزه يحيى القطان. وقال أبو الحسن ابن القطان: كان أبو محمد بن حزم يضعف المنهال، وردّ من روايته حديث البراء، وليس على المنهال جرح، فيما حكى ابن أبي حازم، فذكر حكايته المتقدمة، قال: فإن هذا ليس بجرح، إلا إن تجاوز إلى حد تحريم، ولم يصح ذلك عنه، وجرحه بهذا تعسف ظاهر، وقد وثقه ابن
معين، والعجلي، وغيرهما. أخرج له الجماعة سوى مسلم
(1)
.
6 -
(أبو عبيدة) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر، مات سنة 80، كوفي
ثقة، من كبار [3]، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، أخرج له الأربعة، تقدم في 55/ 622.
7 -
(عبد الله) بن مسعود الهذلي رضي الله عنه، تقدم 35/ 37.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، سوى ميسرة، فأخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والمصنف، والمنهال بن عمرو، فما أخرج له مسلم، وأبا عبيدة، فمن رجال الأربعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي؛ المنهال، عن أبي عبيدة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود (أن عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (رأى رجلًا يصلي) جملة في محل نصب صفة
(1)
"تت" جـ 10 - ص 319 - 320. "ت" ص 348.
لـ"رجلًا"(قد صف بين قدميه) جملة حالية من "رجلًا" لكونه موصوفًا بالجملة، أو صفة بعد صفة، قال السندي رحمه الله: كأنّ المراد قد وصل بينهما (فقال) عبد الله (خالف السنة) وفي الرواية الآتية من طريق شعبة عن ميسرة: "فقال أخطأ السنة"(ولو راوح بينهما) أي اعتمد على إحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة ليُوصِلَ الراحة إلى كل منهما (لكان أفضل)، وفي رواية شعبة:"ولو راوح بينهما كان أعجب إلي".
يعني أن السنة في القيام المراوحة بين القدمين، لا صفّهما مع الإلزاق. والحديث وإن كان فيه انقطاع بين أبي عبيدة وأبيه، لكن سيأتي للمصنف أنه قال: الحديث جيد.
وقد قال به كثير من أهل العلم: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله في كتابه "الأوسط": كان مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، لا يرون بأسًا أن يراوح الصلي بين قدميه. انتهى
(1)
.
وقال النووي رحمه الله تعالى في "المجموع": [فرع]، في الترويح بين القدمين في القيام، قال ابن المنذر
(2)
: قال مالك، وأحمد، وإسحاق: لا بأس به. قال: وبه أقول. قال النووي: وهذا أيضًا
(1)
الأوسط جـ 3 ص 276.
(2)
لعل ما نقله النووي عن ابن المنذر هذا في كتبه الأخرى، فإنه زاد "وبه أقول". وليس في "الأوسط". والله أعلم.
مقتضى مذهبنا، قال: ويكره أن يلصق القدمين، بل يستحب التفريق بينهما. ويكره أن يقدم إحداهما على الأخرى. انتهى
(1)
.
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ويكره أن يلصق إحدى قدميه بالأخرى في حال قيامه؛ لما روى الأثرم عن عيينة بن عبد الرحمن، قال: كنت مع أبي في المسجد، فرأى رجلًا يصلي، قد صف بين قدميه، وألزق إحداهما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ما رأيت أحدًا منهم فعل هذا قط. وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يفرج بين قدميه، ولا يمس إحداهما بالأخرى، ولكن بين ذلك، لا يقارب، ولا يباعد. انتهى
(2)
.
لكن يعارضه ما أخرجه أبو داود في سننه، قال: حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، عن العلاء بن صالح، عن زرعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت ابن الزبير يقول: "صفُّ القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة". ورجال هذا الإسناد ثقات، وزرعة، وإن قال في التقريب: مقبول، لكنه وثقه ابن حبان، وقال الذهبي في "الكاشف": ثقة. فالظاهر أن الحديث صحيح، وإن ضعفه بعضهم. والله تعالى أعلم.
لكن يمكن الجمع بينهما بحمل الصف الذي أنكره ابن مسعود على
(1)
المجموع جـ 3 ص 266.
(2)
المغني جـ 2 ص 396.
إلزاق إحدى القدمين بالأخرى، وحمل الصف الذي قاله ابن الزبير على صفهما متساويتين، مع التفريج بينهما قليلًا كما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما.
والحاصل أن المستحب صف القدمين مع التفريج بينهما، أو يراوح بينهما إن احتاج إلى ذلك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا فيه انقطاع، كما أسلفته آنفًا. لكن المصنف قال: إنه جيد، ونصه في "الكبرى":
قال أبو عبد الرحمن: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، والحديث جيد. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: فظاهر كلامه رحمه الله تعالى أنه يرى صحة حديث أبي عبيدة عن أبيه مع أنه منقطع، وقد ثبت مثله عن علي ابن المديني، ويعقوب بن شيبة رحمهما الله، كما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في "شرح علل الترمذي"، ونصه فيه: قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: هو
(1)
السنن الكبرى للمصنف جـ 1 ص 310.
منقطع، وهو حديث ثبت. قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة، عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بأحاديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى
(1)
. وكثيرًا ما يحسن الترمذي في جامعه حديث أبي عبيدة عن أبيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: هذا الحديث من أفراد المصنف، أخرجه هنا -13/ 892 - وفي "الكبرى" -13/ 967 - عن عمرو بن علي الفَلاَّس، عن يحيى القطان، عن سفيان الثوري، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عنه. و -893 - و"الكبرى" -968 - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد الهُجَيميّ، عن شعبة، عن ميسرة به.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
893 -
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَيْسَرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمِنْهَالَ بْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
(1)
شرح علل الترمذي جـ 1 ص 544. بتحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد.
أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيَّ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَريّ البصري، ثقة، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 42/ 47.
2 -
(خالد) بن الحارث الهُجَيميّ البصري، ثقة ثبت، من [8]، تقدم في 42/ 47.
3 -
(شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت، من [7]، تقدم في 24/ 26.
والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
14 - سُكُوتُ الإِمَامِ بَعْد افْتِتَاحهِ الصَّلاةَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية السكوت للإمام بعد افتتاحه الصلاة بالتكبير.
والمراد من السكوت هنا عدم الجهر، لا ما يقابل الكلام، فلا ينافي ما يأتي في الباب التالي وغيره، أنه كان يقرأ دعاء الاستفتاح، فإن الحديث مختصر من الحديث الآتي فيه. والله تعالى أعلم.
894 -
أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ لَهُ سَكْتَةٌ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(محمود بن غَيْلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، مات سنة 239، وقيل: بعد ذلك، ثقة، من [10]، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في 33/ 37.
2 -
(وكيع) بن الجراح بن مليح الرُّؤَاسِيّ، أبو سفيان الكوفي، مات في آخر سنة 196 أو أول 7، عن 70 سنة، ثقة حافظ عابد، من
كبار [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 25.
3 -
(سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام، تقدم في الباب الماضي.
4 -
(عمارة بن القعقاع) بن شُبْرُمة الضبي الكوفي، ثقة أرسل عن ابن مسعود، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 48/ 60.
5 -
(أبو زرعة بن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل: اسمهْ هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل:
جرير، ثقة، من [3]، تقدم في 43/ 50.
6 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، ثم بغدادي، وأبا هريرة، فمدني.
ومنها: أن فيه أبا هريرة رئيس المكثرين، روى -5374 - حديثًا.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديث، والعنعنة،
وكلها من صيغ الاتصال، من غير المدلس. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث وما يتعلق به، يأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى، فإن الحديث مختصر من الحديث الآتي
فيه، والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
15 - بَابُ الدُّعَاءِ بَيْنِ التَّكْبِيرَةِ وَالْقِرَاءَةِ
أي هذا باب مشروعية الدعاء بين تكبيرة الإحرم وبين قراءة الفاتحة، وقد ذكر رحمه الله في هذا الكتاب سبعة أنواع من الذكر الذي يقال بين التكبير والقراءة، فقد تقدم له في 8/ 885 وهذا ثاني الأنواع، و"الدعاء": الابتهال. يقال: دعوت الله أدعوه دُعاءً: ابْتَهَلْتُ إليه بالسؤال، ورَغِبْتُ فيما عنده من الخير. قاله الفيومي
(1)
. والله تعالى أعلم.
895 -
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ:"أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ".
(1)
المصباح المنير جـ 1 ص 194.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(علي بن حجر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، مات سنة 244، ثقة حافظ، من صغار [9]، أخرج له البخاري،
ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في 13/ 13.
2 -
(جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الرَّيِّ، مات سنة 188، ثقة، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 2.
والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا افتتح الصلاة) أي ابتدأها بالتكبير (سكت هنيهة) أي ساعة لطيفة، وهي تصغير هَنْت. وفيه أوجه:
الأول: "هُنَيْهَةٌ" -بضم الهاء، وفتح النون، وسكون الياء، بعدها هاء مفتوحة.
والثاني: "هُنَيَّةٌ" -بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد الياء. وأصلها هَنْوَة، فلما صغرت صارت هُنَيْوَةً، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت. كما قال ابن مالك رحمه الله في "خلاصته":
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا
…
وَاتَّصَلَا وَمِن عُرُوضٍ عَرِيَا
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمًا
…
وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
والثالث: "هُنَيْئَة" -بالهمز بدل الهاء الثانية، قال القاضي عياض، والقرطبي: إن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأما النووي فقال: الهمز خطأ. وقال غيره: لا يمنع، فقد تقلب الياء همزة. وقد تقدم تمام البحث في أوائل الكتاب، في شرح الحديث 48/ 60 فراجعه تزدد علمًا.
والمراد بالسكوت هنا عدم الجهر، لا عن مطلق القول، أو عن قراءة القرآن، لا عن الذكر، وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يتأتى السؤال بقوله: ما تقول في سكوتك؟.
(فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله) الجار والمجرور متعلق بمحذوف، إما اسمٍ، فيكون تقديره: أنت مَفْديّ بأبي وأمي، وإما فعلٍ،
فالتقدير: فديتك بأبي، وحذف تخفيفًا لكَثرة الاستعمال، وعلمِ المخاطب به، فلما حذف الفعل انفصل الضمير.
وفيه تفدية النبي صلى الله عليه وسلم بالآباء والأمهات، ويجوز تفدية غيره أيضًا، وليس خاصًا به، وفيه خلاف تقدم بيانه في الباب المذكور.
(ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة)"ما" استفهامية؛ أي أيَّ شيء تقول في حال سكوتك بين التكبير وقراءة الفاتحة.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: قوله: "ما تقول" يشعر بأنه
فهم أن هناك قولًا، فإن السؤال وقع بقوله:"ما تقول"، ولم يقع بقوله:"هل تقول"، والسؤال بـ"هل" مقدم على السؤال بـ "ما" هنا،
ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى
(1)
.
(قال:) صلى الله عليه وسلم (أقول) بينهما (اللهم) أي يا الله (باعد) أي أبعد، قال الكرماني رحمه الله: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة (بيني وبين خطاياي) جمع خطيئة، كالعطايا جمع عطية، يقال: خطأ في دينه خَطَأ: إذا أثم فيه. والخِطْأ بالكسر الذنب. وقد تقدم بيان تصريف هذه الكلمة في الباب المذكور، فراجعه.
وإنما كرر "بين" في قوله: "بيني وبين خطاياي"، ولم يكرره في قوله الآتي:"بين المشرق والمغرب" لأنه إذا عطف على الضمير المجرور يلزم إعادة الجار عند جمهور النحاة، خلافًا لابن مالك رحمه الله كما قال في "خلاصته":
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى
…
ضَمِيرِ خَفْضٍ لازِمًا قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى
…
فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
(كما باعدت بين الشرق والمغرب)"ما" مصدرية، أي
(1)
إحكام الأحكام جـ 2 ص 268 - 269. نسخة الحاشية.
كمباعدتك بين المشرق والمغرب، ووجه التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب لما كان مستحيلًا شبه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب المشرق من المغرب.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: قوله: "اللهم باعد بيني إلخ" عبارة: إما عن محوها، وترك المؤاخذة بها، وإما عن المنع من
وقوعها، والعصمة منها. وفيه مجازان:
أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها، والمباعدة في الزمان، أو في المكان في الأصل.
والثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية، فإن أصلها لا يقتضي الزوال. وليس المراد ها هنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما المراد الإزالة بالكلية، وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب المقصود منه ترك المؤاخذة، أو العصمة. انتهى
(1)
.
(اللهم نقني) بتشديد القاف، أمر من التنقية، كناية عن الإزالة والمحو (من خطاياي) وفي رواية البخاري "من الحطايا"(كما ينقى الثوب الأبيض) أي طهرني من خطاياي، وأزلها عني، كما يطهر الثوب الأبيض من (الدنس) بفتحتين- أي الوَسَخْ.
وهو مجاز عن زوال الذنوب وأثرها، ولما كان ذلك أظهر في
(1)
"المصدر السابق" جـ 2 ص 269 - 270.
الثوب الأبيض من غيره من الألوان وقع التشبيه به. قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
(اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج) -بفتح فسكون-: ماء ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جموده، (والبرد) -بفتحتين-: حَبُّ الغَمَام، ماء ينزل من السماء جامد كالملح، ثم يذوب على الأرض. أي طهرني من ذنوبي بأنواع المغفرة التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الوسخ.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: وقوله: "اللهم اغسلني
…
إلخ" يحتمل أمرين- بعد كونه مجازًا عما ذكرناه:
أحدهما: أن يراد بذلك التعبير عن غاية المحو، أعني بالمجموع، فإنا الثوب الذي تتكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء يكون في غاية النقاء.
الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذا الأشياء مجازًا عن صفة يقع بها التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى:{وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} [البقرة: 286].
فكل واحدة من هذه الصفات -أعني العفو، والمغفرة، والرحمة- لها أثرها في محو الذنب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد، ويجعل كل فرد من أفراد الحقيقة دالًا على معنى فرد مجازي، وفي الوجه الأول
لا ينظر إلى أفراد الألفاظ، بل تجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب. انتهى
(1)
.
وقد تقدم البحث في هذا مطولًا برقم -48/ 60 - فراجعه تستفد.
وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -15/ 895 - و 48/ 60 - وفي "الكبرى" -15/ 969 - و 42/ 60 - عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، عن عمارة ابن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عنه. وفي 14/ 894 - و"الكبرى" -14/ 968 - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن عمارة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد، عن عمارة به. ومسلم فيه عن زهير بن حرب،
(1)
المصدر السابق جـ 2 ص 270 - 271.
عن جرير به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، كلاهما عن محمد ابن فضيل - وعن أبي كامل، عن عبد الواحد بن زياد كلاهما عن عمارة به. وأبو داود فيه عن أحمد بن أبي شعيب، عن محمد بن فضيل به. وعن أبي كامل به. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي ابن محمد كلاهما عن محمد بن فضيل به. وأحمد جـ 2 ص 231 و 448 و 449، والدارمي رقم 1247، وابن خ زيمة 465 و 1579 و 1630.والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة، وفيه خلاف سيأتي الكلام عليه في المسألة التالية.
ومنها: جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافًا للحنفية.
ومنها: ما قيل: إن هذا الدعاء صدر منه صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة في إظهار العبودية. وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته. واعترض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار.
ومنها: ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من المحافظة على تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في حركاته، وسكناته، وإسراره، وإعلانه حتى
حفظ الله بهم الدين.
ومنها: أنه يدل على جواز الطهارة بماء الثلج والبرد، وقد تقدم هذا للمصنف في الباب الذي مر ذكره، قال في الفتح: واستبعده ابن
عبد السلام. وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على نجاسة الماء المستعمل. انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في دعاء الاستفتاح:
قال الإمام النووي رحمه الله في "شرح مسلم": وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا دليل للشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد،
والجمهور رحمهم الله تعالى أنه يستحب دعاء الافتتاح، وجاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيح. وقال مالك رضي الله عنه: لا يستحب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، ودليل الجمهور هذه الأحاديث الصحيحة. انتهى
(2)
.
وفي "شرح المهذب": فيستحب لكل مصلّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، وامرأة، وصبي، ومسافر، ومفترض، ومتنفل، وقاعد،
ومضطجع، وغيرهم أن يأتي بدعاء الاستفتاح، وقال أيضًا: أما الاستفتاح فقال باستحبابه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن
(1)
فتح جـ 2 ص 472.
(2)
شرح مسلم جـ 5 ص 96 - 97.
بعدهم، ولا يُعرف من خالف فيه إلا مالك رحمه الله، فقال: لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولا بشيء بين القراءة والتكبير أصلًا، بل يقول: الله أكبر {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] إلى آخر الفاتحة. واحتُجَّ له بحديث المسيء صلاته، فإنه ليس فيه استفتاح، وقد يُحتَجّ له بحديث أنس "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهما يفتتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} "[الفاتحة: 2] متفق عليه، ويأتي للمصنف -20/ 903.
ودليلنا الأحاديث الصحيحة، ولا جواب له عن واحد منها، والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علمه الفرائض فقط، وليس هذا منها، والجواب عن حديث أنس رضي الله عنه أن المراد يفتتحون القراءة، كما في رواية مسلم، ومعناه أنهم يقرأون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وقد بَيَّنَه حديث عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، متفق عليه. وكيف كان فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صرح بنفيه كانت الأحاديث الصحيحة التظاهرة بإثباته مقدمة، لأنها زيادة
ثقات، ولأنها إثبات، وهو مقدم على النفي. والله أعلم.
وأما ما يستفتح به فيستفتح بـ"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" إلخ. الآتي -17/ 897 - وبه قال علي بن أبي طالب، وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة،
وأصحابه، وإسحاق، وداود: يستفتح بـ "سبحانك اللهم وبحمدك" إلخ الآتي 18/ 899 - ولا يأتي بـ"وجهت وجهي". وقال أبو يوسف: يجمع بينهما، ويبدأ بأيهما شاء، وهو قول أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد من أصحاب الشافعي. قال ابن المنذر: أيّ ذلك قال أجزأه، وأنا إلى حديث "وجهت وجهي" أميل. قال النووي: دليلنا أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستفتاح بـ "سبحانك اللهم شيء
(1)
، وثبت "وجهت وجهي"، فتعين اعتماده، والعمل به. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله ببعض تصرف
(2)
.
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: بعد ذكره أنواعًا من دعاء الاستفتاح - ما نصه: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي يقولون بالذي رويناه عن عمر، وابن مسعود رضي الله عنهم.
وكان الشافعي يقول: بحديث عبيد الله بن أبي رافع، عن علي.
وكان أبو ثور يقول: أيّ ذلك قال يجزيه، مثل قوله:"سبحانك اللهم وبحمدك"، ومثل "وجهت وجهي"، ومثل قوله:"الله أكبر كبيرًا"، وما أشبه ذلك.
فأما مالك بن أنس، فإنه كان لا يرى أن يقال شيء من ذلك، ولا
(1)
سيأتي الكلام على الحديث، وأنه صحيح بمجموع طرقه، راجع حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الآتي برقم 18/ 899.
(2)
"المجموع" جـ 3 ص 321 - 322.
يستعمل منها شيء، إنما يكبر، ويقول:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2].
قال أبو بكر: والذي ذكرناه هو من الاختلاف المباح الذي من عمل به بشيء منه أجزأه، ولو ترك ذلك كله ما كانت عليه إعادة، ولا سجود سهو، وأصح ذلك إسنادًا حديث علي، فإن لم يقله فكالذي روي عن عمر، وابن مسعود - يعني "سبحانك اللهم وبحمدك". انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأصح في دعاء الاستفتاح ما جاء في حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وهو "اللهم باعد بيني وبين خطاياي
…
إلخ" المتفق عليه، وأما "وجهت وجهي" الذي في حديث علي رضي الله عنه، فأخرجه مسلم فقط. فتبصر. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ رحمه الله: ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وجماعة من
الشافعية، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أصح ما ورد في ذلك انتهى
(2)
.
وقال المجد ابن تيمية رحمه الله في "المنتقى": واختيار هؤلاء الصحابة- يعني الذين ذكر أنهم يستفتحون بـ "سبحانك اللهم"، وجهرُ
عمر به أحيانًا بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس، مع أن السنة إخفاؤه
(1)
الأوسط جـ 3 ص 85 - 86.
(2)
فتح جـ 2 ص 472.
يدل على أنه الأفضل، وأنه الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم عليه غالبًا، وإن استفتح بما رواه علي، أو أبو هريرة فحسن، لصحة الرواية انتهى.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: ولا يخفى أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالإيثار والاختيار، وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة -يعني حديث الباب- ثم حديث علي -يعني الآتي بعد باب -17/ 897 - وأما حديث عائشة -يعني حديثها في استفتاح النبي صلى الله عليه وسلم بـ"سبحانك اللهم" ففيه مقال. وكذا حديث أبي سعيد الآتي 18/ 899 - فيه مقال أيضًا.
قال الإمام أحمد رحمه الله: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلًا استفتح ببعض ما روي كان حسنًا.
وقال ابن خزيمة رحمه الله: لا أعلم في الافتتاح بـ"سبحانك اللهم" خبرًا ثابتًا، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال: لا نعلم أحدًا، ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى ببعض تصرف
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تقدم أن دعوات الاستفتاح التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث الباب، وأحاديث الأبواب الآتية 16 و 17 و 18 و 19 وغيرها، يستحب استعمالها في
(1)
"نيل الأوطار" جـ 3 ص 36.
الفرائض والنوافل، فإن تيسر للمصلي الجمع بينهما فحسن، وإن اقتصر على بعضها فحسن، وأصحها ما في حديث الباب، ويليه حديث علي "وجهت وجهي" الآتي 17/ 897، ويليه "سبحانك اللهم" الآتي 18/ 899. وأما قول مالك رحمه الله بعدم مشروعية ذلك فقد عرفت الرد عليه في كلام النووي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
16 - نَوْعٌ آخَرُ مِن الدُّعَاءِ بَيْن التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ
أي هذا باب في ذكر الحديث المبين لنوع آخر من الدعاء الذي يقرأ بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، وهذا ثالث الأنواع.
896 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَعْمَالِ، وَأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الأَعْمَال، وَسَيِّئَ الأَخْلَاقِ، لَا يَقِى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(عمرو بن عثمان بن سعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي، مات سنة 250، صدوق، من [10]،
أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في 21/ 535.
2 -
(شريح بن يزيد الحَضْرَمِيّ) أبو حيوة الحمصي المؤذن، مات سنة 203، من [9].
قال الذهبي في "الكاشف": ثقة. وقال في "صه": وثقه ابن حبان. انفرد به أبو داود، والمصنف.
3 -
(شعيب بن أبي حمزة) دينار الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، مات سنة 162 أو بعدها، ثقة عابد، من [7]، أخرج له
الجماعة، تقدم في 69/ 85.
4 -
(محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير التيمي المدني، مات سنة 130 أو بعدها، ثقة فاضل، من [3]، تقدم في 103/ 138.
5 -
(جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمِي رضي الله عنهما، تقدم في 31/ 35. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الشيخان، والترمذي، وإلا شريحًا، فانفرد به هو، وأبو داود، وأن الثلاثة الأولين حمصيون، وابن المنكدر مدني، وجابر مدني، وقد سكن مكة أيضًا، ولذا قال المصنف رحمه الله في "الكبرى" عقب هذا الحديث- ما نصه:
قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حمصي، رجع إلى المدينة، ثم
إلى مكة. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: أراد بذلك أنه حديث رواه ثلاثة من الحمصيين، وهم: عمرو بن عثمان، وشريح بن يزيد، وشعيب بن أبي
حمزة، ثم انتقل إلى المدينة حيث رواه محمد بن المنكدر، وجابر، ثم إلى مكة، حيث رواه جابر رضي الله عنه، فإنه سكن مكة، كما صرح بذلك البخاري، ففي "شرح علل الترمذي" للحافظ ابن رجب رحمه الله ما نصه: وقال -يعني البخاري- في تاريخه: قال لنا مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر. انتهى. جـ2 ص 852.
ومنها: أن جابرًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، روى 1540 حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر بن عبد الله) رضي الله عنهما أنه (قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إِذا استفتح الصلاة) أي ابتدأها، وليست السين والتاء للطلب، وفي نسخة:"إذا افتتح الصلاة"(كبر) أي قال: "الله أكبر"(ثم قال: "إِن صلاتي) قال الأزهري: الصلاة اسم جامع للتكبير، والقراءة، والركوع، والسجود، والدعاء، والتشهد، وغيرها،
(1)
"السنن الكبرى" للنسائي جـ 1 ص 312.
(ونسكي) بضمتين - وهو كما قال الأزهري: العبادة، والناسك الذي يخلص عبادته لله تعالى، وأصله من النسيكة، وهي النقرة الخالصة المذَابة المُصَفَّاة من كل خلط، والنسيكة أيضًا القربان الذي يتقرب به إلى الله تعالى. وقيل: النسك ما أمر به الشرع.
(ومحياي ومماتي) أي حياتي وموتي، ويجوز فيهما فتح الياء، وإسكانها، والأكثرون على فتح محياي، وإسكان مماتي.
(لله رب العالمين) الجار والمجرور خبر "إن"، و"رب" صفة لـ "لله". قال الواحدي وغيره: هذه لام الإضافة، ولها معنيان: الملك، كقولك: المال لزيد، والاستحقاق، كالسرج للفرس، وكلاهما مراد هنا.
وقال النووي رحمه الله: وفي معنى "رب" أربعة أقوال، حكاها الماوردي وغيره: المالك، والسيد، والمدبر، والمربي. قال: فإن وصف الله تعالى بأنه رب، أو مالك، أو سيد، فهو من صفات الذات، وإن قيل: لأنه مدبر خلقه، أو مربيهم، فهو من صفات فعله. قال: ومتى أدخلتَ عليه الألفَ واللام فهو مختص بالله تعالى، دون خلقه، وإن حذفتها كان مشتركًا، فتقولى: رب العالمين، ورب الدار.
وأما العالمون فجمع عالم، والعالم لا واحد له من لفظه. واختلف العلماء في حقيقته؛ فقال المتكلمون، وجماعات من أهل اللغة
والمفسرون: العالم كل المخلوقات. وقال جماعة: هم الملائكة، والإنس، والجن. وقيل: أربعة أنواع: الملائكة، والإنس، والجن،
والشياطين. قاله أبو عبيدة، والفراء. وقيل: بنو آدم. قاله الحسن بن الفضل، وأبو معاذ النحوي. وقال آخرون: هو الدنيا، وما فيها.
قال الواحدي: اختلفوا في اشتقاق العالم، فقيل: مشتق من العلامة، لأن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه، كالعالم اسم لجميع المخلوقات، ودليله استعمال الناس في قولهم: العالم محدث. وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، ودليله من القرآن قوله عز وجل:{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 23 - 24]. وقيل: مشتق من العلْمِ، فالعالمون على هذا مَنْ يعقل خاصة. قاله ابن عباس، واختارهَ أبو الهيثم، والأزهري، لقول الله تعالى:{لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]
(1)
.
(لا شريك له) جملة في محل نصب على الحال من "الله"، أي حال كونه غير مشارك في الصلاة، والنسك، والمحيا والممات (وبذلك أمرت) أي أمرني الله تعالى بالتوحيد والإخلاص له (وأنا من المسلمين) أي المنقادين لأمر الله تعالى. وفي حديث علي رضي الله عنه المذكور في الباب التالي:"وأنا أول المسلمين" أي من هذه الأمة، كما قاله قتادة رحمه الله.
(اللهم اهدني لأحسن الأعمال) أي أكملها وأفضلها، وهي ما كانت موافقة للكتاب والسنة، وخالصة لله تعالى (والأخلاق) جمع
(1)
"المجموع شرح المهذب" جـ 3 ص 316 - 317.
خلق -بضمتين- السَّجِيّة، وأحسنها ما كانت على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى في شأنه:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، والذي تخلق بمعنى قوله تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} [الأعراف: 199]. (لا يهدي لأحسنها إِلا أنت) علة لطلب الهداية منه، أي إنما طلبت منك الهداية لأحسن الأعمال والأخلاق لأنه لا يهدي إليها غيرك (وقني) أمر من وَقَى يَقِي: إذا حفظ (سيئ الأعمال، وسيئ الأخلاق) أي احفظني من قبيحها (لا يقي سيئها إِلا أنت) أي لأنه لا يحفظ من قبيحها غيرك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا صحيح. وهو من أفراد الصنف رحمه الله، أخرجه هنا - 16/ 896 - وفي "الكبرى" -16970 - بالسند المذكور.
ويستفاد منه استحباب قراءة هذا الدعاء بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، وتقدم في المسائل المتقدمة في الباب الماضي أنه لا تنافي بين هذه الدعوات، فإن المصلي مخير فيها، أو يجمعها إن تيسر له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
17 - نَوْعٌ آخرُ من الذِّكرِ والدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والْقِراءَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على ذكر نوع آخر من الذكر الذي يقال بين التكبير والقراءة، وهو النوع الرابع، والخامس.
897 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْمَاجِشُونُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي
لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ، وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ، وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، ثقة، ثبت، من [10]، تقدم في 4/ 4.
2 -
(عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان، أبو سعيد البصري، مات سنة 198، ثقة ثبت حجة، من [9]، أخرج له الجماعة،
تقدم في 42/ 49.
3 -
(عبد العزيز بن أبي سلمة) هو ابن عبد الله بن أبي سلمة، الماجشون
(1)
-واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار- أبو عبد الله، ويقال: أبو الأصبغ، أحد الأعلام، المدني، نزيل بغداد، التيمي، مولى آل الهُدَير، مات سنة 164، ثقة فقيه، مصنف، من [7].
قال إبراهيم الحربي: الماجشون فارسي، وإنما سمي الماجشون لأن
(1)
بكسر الجيم، بعدها معجمة مضمومة. اهـ "ت".
وجنتيه كانتا حَمْراوين، فسمي بالفارسية الماهكون، فشبه وجنتاه بالقمر، فعربه أهل المدينة، فقالوا: الماجشون. وقال ابن أبي خيثمة: قال أحمد: تعلق من الفارسية بكلمة، وكان إذا لقي الرجل يقول: شموني، فلقب الاجشون. وقال الحسين بن حبان: قيل لأبي زكريا: الماجشون، هو مثل ليث، وإبراهيم بن سعد؟ فقال: لا، هو دونهما، إنما كان رجلًا يقول بالقدَر والكلام، ثم تركه، وأقبل إلى السنة، ولم يكن من شأنه الحديث، فلما قدم بغداد كتبوا عنه، فكان بعدُ يقول: جعلني أهل بغداد محدثًا، وكان صدوقًا.
وقال أبو داود، عن أبي الوليد: كان يصلح للوزارة. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود والنسائي: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن مهدي، عن بشر بن السري: لم يسمع من الزهري. قال أحمد بن سنان: معناه أنه عرض. وقال ابن السراج، عن ابن وهب: حججت سنة -148 - وصائح يصيح: لا يفتح الباب إلا لمالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وأهل العراق أروى عنه من أهل المدينة. وتوفي ببغداد سنة
164 -
وكان فقيها ورعًا متابعًا لمذهب أهل الحرمين مفرعًا على أصولهم ذابًّا عنه. وكذا قال البخاري.
وقال أحمد بن صالح: كان نزهًا صاحب سنة ثقة. وقال أبو بكر البزار: ثقة. وقال ابن أبي مريم: سمعت أشهب يقول: هو أعلم من
مالك. وقال أحمد بن كامل: لعبد العزيز كُتُبٌ مصنفةٌ في الأحكام، يروي عنه ذلك ابنِ وهب، وعبد الله بن صالح، وغيرهما. وقال
موسى بن هارون الحمال: كان ثبتًا متقنًا. أخرج له الجماعة
(1)
.
4 -
(الماجشون بن أبي سلمة) هو يعقوب التيمي مولاهم، أبو يوسف المدني، صدوق، من [4].
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: يكنى أبا يوسف، وهو الماجشون، سمي بذلك هو وولده، وكان فيهم رجال لهم فقه، ورواية للحديث والعلم، وليعقوب أحاديث يسيرة. وقال البخاري، عن هارون بن محمد: الماجشون بالفارسية الوَرْد. وقال مصعب الزبيري: إنما سمي الماجشون لكونه كان يعلم الغناء، ويتخذ القيان، وكان يجالس عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في إمرته، وكان عمر يأنس إليه، فلما استخلف عمر قدم عليه، فقال له: إنا تركناك حين تركنا لبس الخز، فانصرف عنه. وكان الماجشون يعين ربيعة على أبي الزناد.
وقال يعقوب بن شيبة: ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب، ثنا سوار بن عبد الله، حدثني أبي، ثنا إسحاق بن عيسى بن موسى، عن
ابن الماجشون، قال: عرج بروح أبي الماجشون، فوضعناه على سرير الغسل، وقلنا للناس: نَرُوح به، فدخل إليه غاسل يغسله، فرأى عِرْقًا
(1)
"تت" جـ 6 ص 343 - 344. "ت" ص 215.
يتحرك من أسفل قدميه، فأقبل علينا، فقال: أرى عِرْقًا يتحرك، ولا أرى أن أعجل عليه، فاعتللنا على الناس، وقلنا: نَغْدُو لم يتهيأ أمرنا على ما أردنا، فأصبحنا، وغدا عليه الغاسل، وجاء الناس، فرأى العرق على حاله، فاعتذرنا إلى الناس بالأمر الذي رأيناه، فمكث ثلاثًا على حاله، ثم إنه نشع
(1)
بعد ذلك، فاستوى جالسًا، فقال: ائتوني بسويق، فأتي به، فشربه، فقلنا له: أخبرنا مما رأيت؟ قال: نعم، عرج بروحي، فصعد بي الملك حتى أتى سماء الدنيا، فاستفتح، ففتح له، ثم هكذا في السموات حتى انتهى إلى السماء السابعة، فقيل له: من معك؟ قال: الماجشون، فقيل له: لم يَأنِ له، بقي من عمره كذا وكذا سنة، وكذا وكذا شهرًا، وكذا وكذا يوَمًا، وكذا وكذا ساعة، ثم هبطت، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، ورأيت أبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للذي معي: من هذا؟ قال: أوَ ما تعرفه؟ قلت: إني أحببتُ أن أتثبت، قال: هذا عمر بن عبد العزيز، قلت: إنه لقريب المقعد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنه عمل بالحق في زمن الجور، وإنهما عملا بالحق في زمن الحق.
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عساكر: قال أبو الحسين ابن أبي القواس الوارق: مات يعقوب سنة 164، قال الحافظ المزي:
(1)
نشع نشوعًا: كرب من الموت، ثم نجا. اهـ "ق".
كذا قال، وهو خطأ لا شك فيه، ولم ينبه عليه أبو القاسم
(1)
، والصواب إن شاء الله تعالى في سنة 124. أخرج له مسلم، وأبو
داود، والترمذي، والنسائي
(2)
.
5 -
(عبد الرحمن الأعرج) بن هرمش، وأبوداود، المدني مولى ربيعة بن الحارث، مات سنة 117، ثقة ثبت عالم، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 7.
6 -
(عبيد الله بن أبي رافع) المدني مولى النبي صلى الله عليه وسلم، ثقة، من [3].
روى عن أبيه، وأمه سلمى، وعن علي بن أبي طالب، وكان كاتبه، وأبي هريرة، وشُقران مولى النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه أولاده إبراهيم، وعبد الله، ومحمد، والمعتمر، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وسالم أبو النضر، وابن المنكدر، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وبسر بن سعيد، والحكم بن عتيبة، والأعرج، وعبد الله ابن الفضل، وعاصم بن عبيد الله، والزبير، ومعاوية بن عبد الله بن جعفر، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وآخرون. قال أبو حاتم، والخطيب: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان
(1)
يعني ابن عساكر.
(2)
"تت" جـ 1 ص 388 - 389. "تك" جـ 32 ص 336 - 339.
ثقة كثير الحديث. أخرج له الجماعة
(1)
.
7 -
(علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسن أحد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، تقدم في 74/ 91. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا الماجشون، فما أخرج له البخاري، وابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان.
ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الستة الذين يروون عنهم دونَ واسطة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، الماجشون، عن أبي رافع، ورواية الراوي عن عمه، وفيه الإخبار بصيغة الجمع لكون الراوي سمع قارئًا على شيخه، والتحديث مرتين بصيغة الجمع لكونه سمع مع جماعة، ومرة بصيغة الإفراد، لكونه سمع وحده، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
(1)
"تت" جـ 6 ص 10 - 11. "تك" جـ 19 ص 34 - 35. "ت" ص 224.
شرح الحديث
(عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إِذا استفتح الصلاة) أي ابتدأها، فالسين والتاء زائدتان، والمراد من الصلاة ما يشمل الفريضة والنافلة، لما في رواية ابن حبان "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة"، وفي رواية الدارقطني:"كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة"، وفي رواية المصنف التالية:"إذا قام يصلي تطوعًا". وفيه دليل واضح على أن هذه الأدعية كانت في الصلاة المكتوبة والنافلة، وفيه رد على من خالف ذلك، وقال: لا يجوز ذلك في المكتوبة.
(كبر ثم قال) فيه تصريح بأن هذا الدعاء كان بعد تكبيرة الإحرام، وفيه رد على من قال: إنه قبل التكبير (وجهت وجهي) قال الأزهري، وغيره: معناه: أقبلت بوجهي. وقيل: قصدت بعبادتي، وتوحيدي إليه، ويجوز في "وجهي" إسكان الياء، وفتحها، وأكثر القراء على الإسكان (للذي فطر السموات والأرض) أي ابتدأ خلقهما على غير مثال سابق. وجمع السموات، دون الأرض، وإن كانت سبعًا كالسموات، لأنه أراد جنس الأرضين، وجمع السموات لشرفها، قال النووي رحمه الله: وهذا يؤيد المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض. وقيل: الأرضون أفضل؛ لأنها مستقر الأنبياء، ومدفنهم، وهو ضعيف. انتهى
(1)
.
(1)
المجموع جـ 3 ص 315.
قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا البحث من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لم يكلفنا الله تعالى بعلمه، ولو كان فيه خير لبينه الله تعالى في كتابه، أو بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، فاللائق بالمسلم الكف عن مثل هذا، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم. والله تعالى أعلم.
وقال القاضي أبو الطيب: جمع السموات دون الأرض- لأنا لا ننتفع من الأرضين إلا بالطبقة الأولى، بخلاف السماء، فإن الشمس، والقمر، والكواكب موزعة عليها. وقيل: لأن الأرض السبع لها سكان؛ أخرج البيهقي عن أبي الضحى، عن ابن عباس، أنه قال: قوله: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12]، قال:"سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم". قال: وإسناده صحيح عن ابن عباس، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا انتهى
(1)
.
(حنيفًا) منصوب على الحال، أي وجهت وجهي في حال حنيفيتي. قال الأزهري، وآخرون: أي مستقيمًا. وقال الزجاج، والأكثرون: الحنيف المائل، ومنه قيل: أحْنَفُ الرِّجْلِ، قالوا: والمراد هنا المائل إلى الحق. وقيل له ذلك لكثرة مُخالفيه. وقال أبو عبيدة: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم. انتهى
(2)
.
(1)
"نيل الأوطار" جـ 3 ص 31. و"تفسير ابن كثير" جـ 4 ص 411.
(2)
"المجموع" جـ 3 ص 315.
وفي "اللسان": قال الجوهري: الحَنِيفُ: المسلمُ، وقد سُمِّيَ المستقيمُ بذلك، كما سمي الغُراب أعْوَرَ. وتَحَنَّفَ الرَّجُل: أي عَمِلَ
عَمَلَ الحَنفِيَّة. ويقالُ: اختتن. ويقال: اعتَزَلَ الأصنامَ، وتَعَبَّدَ، قال جِرَان العَوْد [من الطويل]:
وَلَمَّا رَأَيْنَ الصُّبْحَ بَادَرْنَ ضَوْءَه
…
رَسِيمَ قَطَا الْبَطْحَاءِ أَوْ هُنَّ أَقْطَفُ
وَأَدْرَكْنَ أَعْجَازًا مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَمَا
…
أَقَامَ الصَّلاةَ الْعَابِدُ الْمُتَحَنِّفُ
والدين الحَنِيف: الإسلام، والحَنِيفية: ملة الإسلام. وفي الحديث: "أحب الأديان إلى الله الحنيفية السَّمْحة". ويوصف به، فيقال: مِلَّةٌ حَنِيفية. وقال ثعلبٌ: الحنيفية: الميل إلى الشيء. قال ابن سيدَهْ: وليس هذَا بشيء. وقال الزجاجي: الحنيف في الجاهلية مَنْ كان يحج البيت، ويغتسل من الجنابة، ويختتن، فلما جاء الإسلام كان الحنيفُ المسلمَ، وقيل له: حنيفٌ، لعدوله عن الشرك؛ قال: وأنشد أبو عُبَيدٍ:
فَمَا شِبْهُ كَعْبٍ غَيْرَ أعْتَمَ فَاجِرٍ
…
أَبَى مُذْ دَجَا الإِسْلامُ لا يَتَحَنَّفُ
وقال أبو زيد: الحنيف المستقيم، وأنشد [من الوافر]:
تَعَلَّمْ أَنْ سَيَهْدِيكُمْ إِلَيْنَا
…
طَرِيقٌ لا يَجُورُ بِكُمْ حَنِيفُ
وجمع الْحَنِيف: الحُنَفَاءُ. انتهى. لسان العرب باختصار
(1)
.
(1)
لسان العرب جـ 2 ص 1026.
(وما أنا من المشركين) بيان للحنيف، وإيضاح لمعناه، والمشرك يطلق على كل كافر، من عابد وثن، أو صنم، ويهودي، ونصراني،
ومجوسي، وزنديق، وغيرهم.
(إِن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين) تقدم تفسير هذه الجملة في الباب السابق (لا شريك له) حال من "الله"، أي حال كونه لا شريك له في هذه الأمور (وبذلك أمرت) أي أمرني الله تعالى بالمذكور من التوحيد والإخلاص (وأنا من المسلمين) أي المستسلمين لأمر الله، الخاضعين له، المنقادين لطاعته.
وفي بعض النسخ "وأنا أول المسلمين"، وهو الذي في "الكبرى"، وهو أيضًا ثابت في بعض روايات مسلم.
قال الشافعي رحمه الله: لأنه صلى الله عليه وسلم كان أول مسلمي هذه الأمة.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وقوله عز وجل: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} قال قتادة: أي من هذه الأمة. وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له. انتهى
(1)
.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: قال في "الانتصار": إن غير النبي صلى الله عليه وسلم إنما يقول: "وأنا من المسلمين". وهو وَهَمٌ، منشؤه توهم أن
(1)
تفسير ابن كثير جـ 2 ص 206.
معنى "وأنا أول المسلمين" أني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه المسارعة في الامتثال لا أمره به، ونظيره:{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81]، وقال موسى عليه الصلاة والسلام:{وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143].
قال الجامع عفا الله عنه: إن اعتراض الشوكاني غير واضح، فما قاله في "الانتصار" هو الأولى، ولا سيما وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قاله، كما تقدم. والله أعلم.
قال: وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله: "وأنا من المسلمين"، وقوله:"وما أنا من المشركين" بين الرجل والمرأة، وهو صحيح على إرادة الشخص. وفي المستدرك للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة:"قومي، فاشهدي أضحيتك، وقولي: إن صلاتي ونسكي" - إلى قوله: "وأنا من المسلمين"، فدلّ على ما ذكرناه. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى.
(1)
(اللهم) قال الأزهري: فيه مذهبان للنحويين: قال الفرّاء: هي في الأصل يا الله أُمَّنَا بخير، فكثرت في الكلام، واختلطت، فقيل:
اللهم، كما قالوا: هَلُمَّ، وأصلها:"هل" ضُمّ إليها "أُمَّ"، ثم تركت منصوبة الميم. وقال الخليل: معناه: يا ألله، والميم المشددة عوض عن "يا" النداء، والميم مفتوحة لسكونها، وسكون الميم قبلها، ولا يجمع
(1)
نيل الأوطار جـ 3 ص 32.
بينهما، فلا يقال: يا أللهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد يجمع بينهما في الشعر، كقوله [من الرجز]:
إِني إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا
…
أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمَّا
وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله:
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ يَا وَأَلْ
…
إِلا مَعَ اللهِ وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ
…
وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ
فائدة: ذكر بعض المحققين أن "اللهم" تستعمل على ثلاثة أوجه:
"أحدها": النداء المحض، نحو اللهم أثِبْنَا.
"ثانيها": أن يذكرها المجيب تمكينًا للجواب في ذهن السامع، نحو اللهم نعم، في جواب: أزيد قائم.
"ثالثها": أن تستعمل دليلاً على الندرة، وقلة وقوع المذكور؛ نحو: أنا أزورك، اللهم إذا لم تَدْعُنِي؛ إذ الزيارة مع عدم الطلب قليلة. ومنه قول المؤلفين: اللهم إلا أن يقال كذا. قيل: وهي على هذين موقوفة، لا معربة، ولا مبنية، لخروجها عن النداء، فهي غير مركبة. لكن استظهر العلامة الصبان في حاشيته على الأشموني بقاءها على النداء مع دلالتها على التمكين، أو الندرة، فتكون معربة كالأول، ولو
سلم، فيقال: إنه منادى صورة، فله حكمه. انتهى
(1)
.
(أنت الملك) أي القادر على كل شيء، المالك الحقيقي لجميع المخلوقات (لا إِله إِلا أنت) أي لا معبود بحق غيرك (أنا عبدك) أي معترف بأنك مالكي، ومدبري، وحكمك نافذ فِيَّ. وفي رواية مسلم:"أنت ربي، وأنا عبدك". (ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي) اعتراف بما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي تأدبًا، وأراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح
(2)
. وقال الأزهري: اعتراف بالذنب، قدمه على مسألة الله عز وجل المغفرة، كما علَّمَ آدم عليه السلام عند خطيئته أن يقول:{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وقال تعالى حكاية عن آدم: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37]. انتهى
(3)
.
(فاغفر لي ذنوبي جميعًا) أي استرها بعفوك، ولا تؤاخذني (لا يغفر الذنوب إِلا أنت) جملة تعليلية لطلبه أن يغفر له جميع ذنوبه، أي
لأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
(واهدني لأحسن الأخلاق) أي أرشدني لصوابها ووفقني للتخلق
(1)
انظر شرح العلامة الأشموني على ألفية ابن مالك مع حاشية الصبان في باب النداء جـ 3 ص 147.
(2)
"نيل الأوطار" جـ 3 ص 32.
(3)
"الزاهر" في شرح غريب ألفاظ الشافعي للأزهري ص 225 بنسخة "الحاوي الكبير".
بها (لا يهدي لأحسنها إِلا أنت) جملة تعليلية لطلب الهداية، كما مر نظيره آنفًا (واصرف عني سيئها) أي أبعد عني قبيحها (لا يصرف عني سيئها إِلا أنت) جملة تعليلية أيضًا.
(لبيك) قال النووي رحمه الله: قال العلماء: معناه: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة. انتهى. وقال الأزهري رحمه الله: أي أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة، يقال: لَبَّ بالمكان، وألَبَّ: إذا أقام به، لبّاً، وإِلْبَابًا. فأصل "لبيك" لَبَّيْنِ، فحذفت النون للإضافة، كما قال ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة":
نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا
…
مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كطُورِ سِينَا
واللَّبُّ: الإقامة على الطاعة. قاله الأزهري رحمه الله تعالى.
وقال العلامة الرضي: أصل "لبيك" أُلِبّ لك إِلْبَابين، أي أقيم على طاعتك وإجابتك إقامتين، من ألَبَّ بالمكانَ: إذا أقام به، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، فصار إلْبَابين لك، ثم حذفت زوائده، وحذف الجار، وأضيف للضمير، كلُّ ذلك ليسرع المجيب إلى سماع خطاب مناديه. انتهى
(1)
.
(وسَعْدَيك) أي مساعدة لأمرك بعد مساعدة، ومتابعة لدينك الذي ارتضيته بعد متابعة. ولا تستعمل إلا بعد "لبيك" لأنها توكيد لها.
(1)
انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك جـ 2 ص 8.
(والخير كله في يديك) زاد الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة:"والمَهْديّ من هديت". قال الخطابي وغيره: فيه
الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله، ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور، دون مساويها على جهة الأدب. انتهى
(1)
.
(والشر ليس إِليك) قال النووي رحمه الله: هذا مما يجب تأويله، لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه،
سواء خيرها وشرها، وحينئذ يجب تأويله، وفيه للعلماء خمسة أقوال:
"أحدها": معناه أنه لا يتقرب به إليك. قاله الخليل بن أحمد، والنضر بن شميل، وإسحاق بن راهويه، ويحيي بن معين، وأبو بكر
ابن خزيمة، والأزهري، وغيرهم.
"الثاني": حكاه الشيخ أبو حامد، عن المزني، وقاله غيره أيضًا: معناه: لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة
والخنازير، ويا رب الشر، ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء، ورب كل شيء، وحينئذ يدخل الشر في العموم.
"الثالث": معناه: والشر لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح.
"الرابع": معناه: والشر ليس شرًّا بالنسبة إليه، فإنك خلقته بحكمة
(1)
راجع "شرح مسلم" جـ 6 ص 59.
بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين.
"الخامس": حكاه الخطابي أنه كقولك: فلان إلى بني فلان إذا كان عِدَاده فيهم، أو صَفُّوه إليهم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: أصح الأقوال عندي هو الأول، لأن سياق الكلام يدل عليه، ويليه القول الثالث؛ إذ معناه قريب من معناه. والله تعالى أعلم.
(أنا بك، وإِليك) أي التجائي، وانتمائي إليك، وتوفيقي بك.
وقال الأزهري: معناه أعتصم بك، وأعوذ بك، وألجأ إليك، كأنه قال: بك أعوذ، وإليك ألجأ. انتهى
(2)
.
(تباركت) أي استحققت الثناء، وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري: تبارك العبادُ بتوحيدك. قاله النووي رحمه الله تعالى.
وقال ابن منظور رحمه الله: و"تبارك الله": تقدس، وتنزه، وتعالى، وتعاظم. لا تكون هذه الصفة لغيره. وسئل أبو العباس عن تفسير "تبارك الله؟ " فقال: ارتفع، والمتبارِكُ المرتفع. وقال الزجاج:"تبارك" تَفَاعَلَ، من البركة، كذلك يقول أهل اللغة. وقال ابن الأنباريّ:"تبارك الله": أي يُتَبَرّك باسمه في كل أمر. انتهى كلام ابن
(1)
"المجموع" جـ 3 ص 317 - 318. وشرح مسلم جـ 6 ص 59.
(2)
"الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" ص 226.
منظور رحمه الله باختصار
(1)
.
(وتعاليت) أي تنزهت عن كل ما لا يليق بجلالك (أستغفرك) أي أطلب منك ستر ذنوبي. قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: الغَفْرُ: إلباسُ ما يصونه عن الدَّنَس، ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوِعَاء، واصبُغْ ثوبَك، فإنه أغْفَرُ للوَسَخ. والغُفْران، والمغفرة من الله: هو أن يصون العبدَ من أن يمسه العذاب. انتهى
(2)
(وأتوب إِليك) أي أرجع إلى طاعتك، وأنيب إليك. والتائب الراجع إلى طاعة ربه بعد معصيته وخطيئته. قاله الأزهري
(3)
.
وقال الراغب رحمه الله: التَّوْبُ: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لَمْ أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت، وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة. والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فَرَطَ منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة
(4)
، فمتى اجتمعت هذه الأربع، فقد كملت شرائط التوبة. انتهى
(5)
.
(1)
"لسان العرب" جـ 1 ص 266.
(2)
"مفردات ألفاظ القرآن" ص 609.
(3)
"شرح غريب ألفاظ الشافعي" ص 226.
(4)
هكذا نسخة مفردات الراغب، ولعل صواب العبارة بحذف قوله:"بالأعمال". فليتحرّر.
(5)
"مفردات ألفاظ القرآن" ص 169.
تنبيه: قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله: فإن قيل: هذا وعد بطلب المغفرة؛ لأن معنى "أستغفرك" أطلب من الله تعالى
المغفرة، لأن استفعل لطلب الفعل، فهذا وعد بأنَّا سنطلب منه، ولا يلزم من الوعد بالطلب حصول المطلوب الذي هو الطلب، وكذا "أتوب إليك" وعد بالتوبة، لا أنه توبة في نفسه.
فالجواب أن هذا ليس وعدًا، ولا خبرًا، بل هو إنشاء، والفرق بين الخبر والإنشاء أن الخبر هو الدّالّ على أن مدلوله قد وقع قبل صدوره، أو يقع بعد صدوره، والإنشاء هو اللفظ الدّالّ على أن مدلوله حصل مع آخر حرف منه، أو عقب آخر حرف منه على الخلاف بين العلماء في ذلك. انتهى كلام الشيخ ابن عبد السلام رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث علي رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -17/ 897 - وفي "الكبرى" -17/ 971 و 13/ 1050 من "المجتبى" بدعاء الركوع و -67 - / 1126 منه بدعاء السجود كله
(1)
نقله السيوطي في "زهر الربى" جـ 2 ص 131.
بالسند المذكور هنا.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن زهير بن حرب، عن عبد الرحمن بن مهدي- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي النضر- كلاهما عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه يعقوب الماجشون، وعن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن يوسف بن يعقوب الماجشون، عن أبيه، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي رضي الله عنه. وأبو داود عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن عمه به. والترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد العزيز به. وعن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن يوسف بن يعقوب الماجشون به. وعن الحسن بن علي الخلال، عن أبي الوليد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، ويوسف بن الماجشون، كلاهما عن يعقوب الماجشون به. وأحمد جـ 1 ص 102 و 103، والدارمي رقم 1241 و 1320، وابن خزيمة 462 و 612 و 743 و 723. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
898 -
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حِمْيَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَذَكَرَ آخَرَ قَبْلَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ
الأَعْرَجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا، قَالَ:"اللَّهُ أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، وَبِحَمْدِكَ". ثُمَّ يَقْرَأُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(يحيى بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي الحمصي، وهو أخو عمرو المذكور قبل باب، مات سنة 255، صدوق
عابد، من [10]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في 29/ 817.
2 -
(ابن حِمْيَرٍ) هو محمد بن حمير بن أنيس السَّلِيحِيّ، مات سنة 200، صدوق، من [9]، أخرج له البخاري، وأبو داود في مراسيله، والنسائي، وابن ماجَهْ، تقدم في 2/ 535.
3 -
(شعيب بن أبي حمزة) الحمصي، 4 - (محمد بن المنكدر) تقدما قبل باب.
5 -
(عبد الرحمن بن هرمز الأعرج) تقدم في الباب الماضي.
6 -
(محمد بن مسلمة) بن سَلَمَة بن حَرِيش بن خالد بن عَدِيّ ابن مجذعة
(1)
بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عد الرحمن، ويقال: أبو سعيد المدني، حليف بني عبد الأشهل، شهد بدراً، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة عام تبوك. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه ابنه محمود، والمسور بن مخرمة، وسهل بن أبي حثمة، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وقَبيصة بن ذؤيب، والأعرج، وضُبَيعة بن حصين، وعروة بن الزبير، وغيرهم.
قال ابن عبد البر: يقال: كان أسمر شديد السمرة، طويلاً أصلع ذا جُثَّة، وكان من فضلاء الصحابة، وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف، واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته على المدينة، قيل: استخلفه في غزوة قَرْقَرَةَ الكُدْر، وقيل: إنه استخلفه عام تبوك. واعتزل الفتنة، واتخذ سيفًا من خضب، وجعله في جفن، وذَكَرَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك، ولم يشهد الجَمَلَ، ولا صِفِّين، وأقام بالرَّبذَة، وكان له من الولد عشرة ذكور، وست بنات.
وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من حلفاء بني عبد الأشهل، قال: وأسلم على يدي مصعب بن عمير قبل أسَيد بن حُضَير، وسعد بن
(1)
هكذا في "تك"، وفي "تت" بن قحذمة.
معاذ، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح. قال ابن البَرْقِيّ: توفي سنة -42 - قال: وقال بعض أهل الحديث: توفي في صفر سنة -43 - جاء عنه ستة أحاديث. وقال المدائني وجماعة: مات سنة -3 - وهو ابن 77 سنة، وصلى عليه مروان. وقيل: مات سنة -6 - وقيل: سنة 47. وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه: أن شاميًا من أهل الأردن دخل عليه داره، فقتله. وقال ابن شاهين، عن ابن أبي داود: قتله أهل الشام، ولم يعين السنة، لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه. أخرج له الجماعة
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث محمد بن مسلمة رضي الله عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه غيره، أخرجه هنا -17/ 898 - و 14/ 1052 و 67/ 1128، وفي الكبرى -13/ 639 و 65/ 713 بسند الباب. وشرحه واضح يعلم من شرح حديث علي رضي الله عنه السابق، فلا حاجة إلى إعادته.
وقوله: "وذكر آخر قبله". القائل: "وذكر" هو محمد بن حِمْيَر.
يعني أن شعيب بن أبي حمزة حين حدث بهذا الحديث ذكر لهم قبل محمد بن المنكدر راويًا آخر معه، وكلاهما يرويان هذا الحديث عن عبد الرحمن الأعرج.
(قلت): لم أجد مَن ذكر الراوي الآخر، لكن محمد بن المنكدر
(1)
"تك" جـ 26 ص 456 - 459. "تت" جـ 9 ص 454 - 455.
ثقة لا يحتاج إلى متابعة فالحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
18 - نوعٌ آخرُ منَ الذِّكرِ بَيْنَ افْتِتَاح الصَّلاةِ وبَيْنَ القِراءَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية نوع آخر مما يقرأ بين التكبير وقراءة الفاتحة، وهو النوع السادس مما ذكره في الكتاب.
899 -
أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، قَالَ:"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(عبيد الله بن فَضَالة بن إِبراهيم) النسائي، أبو قُدَامة، مات سنة 241، ثقة ثبت، من [11]، تقدم في 17/ 798.
2 -
(عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، مات سنة 111، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر
عمره، فتغير، وكان يتشيع، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 61/ 77.
3 -
(جعفر بن سليمان) الضُّبَعي، أبو سليمان البصري، مات
سنة 178، صدوق زاهد يتشيع، من [8]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، تقدم في 14/ 14.
4 -
(علي بن علي) بن نِجَاد بن رفاعة الرِّفَاعي اليشكري
(1)
، أبو إسماعيل البصري، لا بأس به، ورمي بالقدر، وكان عابدًا، من [7].
قال حرب، عن أحمد: لم يكن به بأس. وفي رواية عن أحمد بن صالح. وقيل: إنه كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال ابن عمار: كان زعموا يصلي كل يوم ستمائة ركعة، وكانت تُشَبَّهُ عيناه بعيني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رجلاً عابداً، ما أرى يكون له عشرون حديثًا، قيل له: أثقة هو؟ قال: نعم. وقال ابن سعد: حدثنا الفضل بن دكين، وعفان، قالا: كان يُشبَّهُ بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ليس بحديثه بأس، قلت: يحتج به؟ قال: لا، ثم قال: حدث عنه وكيع، فقال: حدثنا علي بن علي وكان ثقة. قال أبو حاتم: وكان فاضلا في نفسه، وكان حسن الصوت بالقرآن. وقال الآجري: أثنى عليه أبو داود. وقال النسائي: لا بأس به. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان يرى القدر. وقال يعقوب الحضرمي: قدم علينا شعبة، فقال: اذهبوا بنا إلى سيدنا، وابن سيدنا علي بن علي الرفاعي. وعن مالك بن دينار أنه كان يسميه راهب
(1)
"نجاد" بنون، وجيم خفيفة. و"الرفاعي" بفاء. و"اليشكري" بتحتانية، ومعجمة ساكنة. اهـ "ت".
العرب، قال الترمذي: كان يحيى -يعني القطان- يتكلم فيه. وقال المرُّوذِيّ، عن أحمد: لم يكن به بأس، إلا أنه رفع أحاديث. وقال أبو بكر البزار: بصري ليس به بأس. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة. وليس له عند أبي داود، والنسائي إلا حديث الباب
(1)
.
5 -
(أبو المتوكِّل) الناجي، علي بن داود، ويقال: ابن دُؤاد البصري، مات سنة 108، ثقة، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في
169/ 262.
6 -
(أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان رضي الله عنه، تقدم في 169/ 262. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رواته موثقون، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وجعفر بن سليمان، فما أخرج له البخاري في "الصحيح"، وعلي بن علي، فما أخرج له الشيخان في "صحيحيهما"، وفيه أبو سعيد أحد المكثرين السبعة، روى 1170 حديثًا. والله تعالى أعلم.
(1)
"تك" جـ 21 ص 72 - 77. "تت" جـ 7 ص 366.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إِذا افتتح الصلاة)، ولفظ أبي داود:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم يقول:"لا إله إلا الله" ثلاثًا، ثم يقول:"الله أكبر كبيرًا" ثلاثًا، "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه"، ثم يقرأ.
(قال: سبحانك اللهم) قال الأزهري رحمه الله: معناه أسبحك، أي أنزهك عما يقول الظالمون فيك. وسبحان: مصدر أريد به الفعل. اهـ. وقال في اللسان: و (سبحان الله): معناه: تنزيهًا لله من الصاحبة والولد. وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف به. ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحًا له، تقول: سبحت الله تسبيحًا له، أي نزهته تنزيهًا.
وقال الزجاج في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] قال: منصوب على الصدر: المعنى أسبح الله تسبيحًا. قال: وسبحان الله في اللغة تنزيهُ الله عز وجل عن السوء. وقال ابن شميل: رأيت في المنام كأن إنسانًا فسر لي (سبحان الله)؛ فقال: أما ترى الفرس يَسْبَح في سُرْعَته؟ وقال: سبحان الله: السرعةُ إليه، والخفة في طاعته، وجمَاعُ معناه بُعْدُه تبارك وتعالى عن أن يكون له مِثْل، أو شريك، أو نِدّ، أو ضِدّ. وقال سيبويه: زعم أبو الخطاب أن
"سبحان الله" كقوله: "سبحانك" أي انزهك يا رب من كل سوء، وأبرِّئُك.
وروى الأزهري بإسناده أن ابن الْكَوَّاءِ سأل عليًا رضوان الله عليه عن "سبحان الله"، فقال: كلمة رضيها الله لنفسه، فأوصى بها. والعربُ تقول: سبحان من كذا: إذا تعجبت منه. وزعم أن قول الأعشى في معنى البراءة أيضًا:
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ
…
لسُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ
أي براءة منه، وكذلك تسبيحه تبعيده. انتهى المقصود من "اللسان" باختصار
(1)
.
(وبحمدك) قيل: الواو للحال، والتقدير: ونحن متلبسون بحمدك. وقيل: زائدة، والجار والمجرور حال، أي متلبسين بحمدك. أفاده السندي رحمه الله تعالى.
وقال القاري رحمه الله: الباء للملابسة، والواو زائدة. وقيل: الواو بمعنى "مع"، أي أسبحك مع التلبس بحمدك، وحاصله نفي الصفات السلبية، وإثبات النعوت الثبوتية، أو بحمدك سبحتك، أي اعتقدت نزاهتك، حال كوني متلبسًا بالثناء عليك، أو بسبب ثناء الجميل عليك اعتقدت نزاهتك، ويصح أن يكون صفة لمصدر محذوف: أي أسبحك تسبيحًا مقرونًا بشكرك؛ إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب توفيقًا إلهيًّا.
(1)
لسان العرب جـ 3 ص 1914.
وقال الخطابي: أخبرني ابن خلاد، قال: سألت الزجاج عن قوله في "وبحمدك"؟ فقال: معناه: سبحانك اللهم، وبحمدك سبحتك.
قيل: قول الزجاج يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الواو للحال. وثانيهما: أن تكون لعطف جملة فعلية على مثلها، إذ التقدير: أنزهك تنزيهًا، وأسبحك تسبيحًا مقيدًا بشكرك، وعلى التقديرين "اللهم" معترضة، والباء في "وبحمدك" إما سببية، والجار متصل بفعل مقدر، أو إلصاقية، والجار والجرور حال من فاعله. ذكره الطيبي. انتهى كلام القاري رحمه الله تعالى بتصرف
(1)
.
(وتبارك اسمك) البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وفيه إشارة إلى اختصاص أسمائه تعالى بالبركات. وقال القاري: أي كثرت بركة اسمك؛ إذ وُجِدَ كلُّ خير من ذكر اسمك. وقيل: تعاظم ذاتك، أو هو على حقيقته؛ لأن التعاظم إذا ثبت لأسمائه تعالى، فأولى لذاته، نظير قوله تعالى:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1].
(وتعالى جدك) وقع هنا في بعض النسخ بإسقاط العاطف، بخلافه في الحديث التالي، وهو الذي وقع في نسخة الكبرى في الموضعين. والله أعلم ..
والجَدُّ: العظمة، و"تعالى": تفاعَلَ، من العلوّ، أي علت عظمتك
(1)
المرقاة جـ 2 ص 537 - 538.
على عظمة كل أحد غيرك. قال ابن الأثير رحمه الله: معنى "تعالى جدك": علا جلالك وعظمتك. انتهى
(1)
.
(ولا إِلى غيرك) أي لا معبود بحق سواك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد رضي الله عنه هذا صحيح.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تكلم العلماء في هذا الحديث، فقال أبو داود بعد إخراجه عن عبد السلام بن مطهر، عن جعفر بن سليمان بإسناد المصنف - ما نصه: قال أبو داود: وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلاً، الوهم من جعفر. انتهى
(2)
.
وقال الترمذي بعد إخراجه عن محمد بن موسى البصري، عن جعفر المذكور- ما نصه: وقد تُكُلِّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان
يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. انتهى
(3)
.
(1)
النهاية في الحديث والأثر جـ 1 ص 244.
(2)
سنن أبي داود بنسخة المنهل جـ 5 ص 186.
(3)
جامع الترمذي بنسخة تحفة الأحوذي جـ 2 ص 50.
وقال الحافظ أبو بكر ابن خزيمة رحمه الله تعالى في صحيحه بعد ذكر حديث علي وأبي هريرة التقدمين في دعاء الاستفتاح، وحديث أنس الآتي في الباب التالي - ما نصه: أما ما يفتتح به العامة صلاتهم بخراسان من قولهم: "سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالي جدك، ولا إله غيرك"، فلا نعلم في هذا خبرًا ثابتًا عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل المعرفة بالحديث، وأحسن إسناد نعلمه روي في هذا خبر أبي المتوكل، عن أبي سعيد. ثم ساقه عن محمد بن موسى الحَرَشِي، عن جعفر بن سليمان الضبعي، بسند المصنف، بلفظ:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة كبر ثلاثًا، ثم يقولى: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم يقول:"لا إله إلا الله" ثلاث مرات، ثم يقول:"الله أكبر" ثلاثا، ثم يقول:"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه".
ثم قال: وهذا الخبر لم يسمع في الدعاء، لا في قديم الدهر، ولا في حديثه، استعمل هذا الخبر على وجه، ولا حكي لنا عمن لم نشاهده من العلماء أنه كان يكبر لافتتاح الصلاة ثلاث تكبيرات، ثم يقول:"سبحانك اللهم وبحمدك" - إلى قوله: ولا إله غيرك"، ثم يهلل ثلاث مرات، ثم يكبر ثلاثًا.
ثم أخرجه من حديث جبير بن مطعم، ثم قال: وعاصم العنزي، وعباد بن عاصم مجهولان. ثم أخرجه من حديث عائشة، ثم قال:
وحارثة بن محمد ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه. ثم صحح وقفه على عمر بن الخطاب أنه كان يستفتح الصلاة بمثله، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ولست أكره الافتتاح بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك -على ما ثبت عن الفاروق رضي الله عنه أنه كان يستفتح الصلاة به، غير أن الافتتاح بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وغيرهما بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه صلى الله عليه وسلم- أحب إلي، وأولى بالاستعمال، إذ اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وخير من غيرها. انتهى كلام الحافظ ابن خزيمة رحمه الله تعالى ملخصًا
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن الحديث بمجموع طرقه يتقوى، ويشهد له ما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو وإن كان موقوفًا، إلا أن كونه يجهر به بمحضر الصحابة يدل على أن له أصلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والحاصل أن الحديث صحيح بما ذكر. والله تعالى أعلم.
تنبيه: حديث عمر رضي الله عنه أخرجه مسلم في غير مظنته، في بحث عدم الجهر بالبسملة جـ 4 ص 111 - بنسخة شرح النووي. وفيه انقطاع، لأن عبدة بن أبي لبابة لم يسمع من عمر رضي الله عنه. لكنه صح موصولاً عنه؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة، والطحاوي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي من طرق عن الأسود بن يزيد، قال:
(1)
انظر: صحيح ابن خزيمة جـ 1 ص 238 - 240.
سمعت عمر افتتح الصلاة، وكبر، فقال: سبحانك اللهم
…
واللفظ لابن أبي شيبة، وزاد:"ثم يتعوذ". وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، والذهبي، وزاد الدارقطني، في رواية له: "كان عمر رضي الله عنه إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك
…
يسمعنا ذلك، ويعلمنا"، وإسناده صحيح
(1)
. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -18/ 899 - وفي "الكبرى" -18/ 972 - عن عُبيد الله ابن فَضَالَة بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن علي بن علي، عن أبي المتوكل، عنه. وفي 18/ 900 - والكبرى 18/ 973 - عن أحمد بن سليمان، عن زيد بن الحُباب، عن جعفر بن سليمان به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود عن عبد السلام بن مُطَهَّر، عن جعفر بن سليمان به. والترمذي عن محمد بن موسى البصري، عن جعفر به. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن جعفر به. وأحمد جـ 3 ص 50 و 69، والدارمي رقم 1242، وابن خزيمة 467. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
900 -
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ،
(1)
انظر ما كتبه الشيخ الألباني في إروائه جـ 2 ص 48 - 53.
قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهَاوِيّ، مات سنة 261، ثقة حافظ، من [11]، أخرج له النسائي، تقدم في 38/ 42.
2 -
(زيد بن الحُبَاب) أبو الحسين العُكْلي الكوفي، خراساني الأصل، مات سنة 203، صدوق يخطىء في حديث الثوري، من
[9]
، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في 33/ 37.
والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته. وبالله تعالى التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
19 - نوعٌ آخرُ منَ الذِّكْرِ بعد التَّكْبِيرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على مشروعية نوع آخر غير ما تقدم من الذكر الذي يقرأ بعد تكبيرة الإحرام، وهو النوع السابع من الأذكار التي ذكرت في الكتاب.
901 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَقَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِنَا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاتَهُ، قَالَ:"أَيُّكُمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ؟ " فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، قَالَ:"إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا". قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ، وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ، فَقُلْتُهَا، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَىْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا".
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، مات سنة 252، ثقة ثبت، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 64/ 80.
2 -
(حجاج) بن المِنْهَال -بكسر، فسكون- الأنماطي، أبو محمد السلمي، أو البرساني -بضم، فسكون- مولاهم البصري، ثقة فاضل، من [9].
قال أحمد: ثقة، ما أرى به بأساً. وقال أبو حاتم: ثقة فاضل. وقال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال النسائي: ثقة. وقال الفلاس: ما رأيت مثله فضلاً ودينًا. وقال أبو داود: إذا اختلفا، فعفان، وحجاج أفضل الرجلين. وقال ابن قانع: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن منده: ثنا علي بن الحسن، ثنا أبو حاتم، ثنا حجاج ابن المنهال، وكان من خيار الناس. وقال خلف بن محمد كردوس: مات سنة 216 وكان صاحب سنة يظهرها. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة 217 - وكذا أرخه البخاري، وابن قانع. روى عنه البخاري بدون واسطة، والباقون بواسطة
(1)
.
3 -
(حماد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، مات سنة 167، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار
[8]
، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في
(1)
"تت" جـ 2 ص 206 - 207.
181/ 288.
4 -
(ثابت) بن أسلم البُنَانِيّ، أبو محمد البصري، مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله 86 سنة، ثقة عابد، من [4]، أخرج له
الجماعة، تقدم في 45/ 57.
5 -
(قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، مات سنة بضع عشرة ومائة، ثقة ثبت مدلس، رأس الطبقة [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 30/ 34.
6 -
(حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، قيل: اسم أبيه تِير، وقيل: تيرويه، وقيل غير ذلك، مات سنة 142 وله 75 سنة، ثقة مَدلس، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 87/ 108.
7 -
(أنس) بن مالك بن النضر، أبو حمزة رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنهم من رجال الجماعة، فقد أورد البخاري حماد بن سلمة في التعاليق.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن حمادًا هنا، مهمل، وهو ابن سلمة، لكون الراوي عنه
حجاج بن المنهال، كما سيأتي قريبًا، كما قال السيوطي في "ألفية المصطلح":
وَتَارَةً فِي اسْمٍ فَقَطْ ثُمَّ السِّمَهْ
…
حَمَّادُ لابْن زَيْدِ وَابْنِ سَلَمَهْ
فَإِنْ أَتَى عَنِ ابْنِ حَرْبٍ مُهْمَلَا
…
أَوْ عَارِمٍ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ جُعِلَا
أَوْ هُدْبَةٍ أَوِ التَّبُوذَكيِّ أَوْ
…
حَجَّاجٍ اوْ عَفَّانَ فَالثَّانِي رَأَوْا
ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى -2286 - حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة 93، وقيل: 92، وقيل: غير ذلك، وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
فائدة: كثيرًا ما يقع الاشتباه بين حماد بن سلمة، وحماد بن زيد إذا وقعا في السند مهملين، ولا يميز بينهما إلا بالقرينة.
وقد عقد الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه "سير أعلام النبلاء" في آخر ترجمة حماد بن زيد فصلًا خاصًا بهذا مُهِمًّا جدًّا،
ألخصه هنا لغزارة فوائده، قال رحمه الله:
[فصل]: اشترك الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعًا جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه، فلا يعرف أيّ الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عَرِيَ السند من القرائن، -وذلك قليل- لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو نقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم؛ إذ مسلم قد احتج بهما جميعًا.
قال: والحفاظ المختصون بالإكثار من الرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحَبَّان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمرو بن عاصم.
والمختصون بحماد بن زيد الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر: كعلي بن المديني، وأحمد بن عَبْدَة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العَقَدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي، وسعيد بن منصور، وَأبي الربيع الزهراني، والقواريري، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ولُوَيْن، ومحمد ابن عيسى بن الطباع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى ابن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم.
فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن حماد وأبهمه، علمت أنه ابن زيد، وأن هذا لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما، فقال: حدثنا حماد، وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو؟ فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته بشيوخه المختصين به.
ثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن منهال، وهُدْبة ابن خالد، فأما سليمان بن حرب فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا: حدثنا حماد، فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التّبُوذكي: حدثنا حماد، فهو ابن سلمة، فهو راويته. والله أعلم.
ويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عيينة صغار، لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى، فقال: حدثنا سفيان وأبهم، فهو الثوري، وهم كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم، فإن روى واحد فنهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذي لم يلحق الثوري، وأدرك ابن عيينة، فلا يحتاج أن ينسبه لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس. انتهى كلام الحافظ الذهبي باختصار
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ الذهبي رحمه الله مهم جدًّا في بيان المهمل من الحمادين والسفيانين، فاحفظه متقنا تستفد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، إِذ جاء رجل) لم يعرف اسمه (فدخل المسجد) وفي رواية مسلم: "فدخل في الصف"(وقد حفزه النفس) بفتح الحاء المهملة، والفاء، والزاي المعجمة، من باب ضرب، أي أجهده وضاق به من شدة السعي إلى الصلاة لإدراكها، وأصل الحَفْز الدفع، وفي النهاية: الحفز الحثّ والإعجال
(2)
.
وقال النووي رحمه الله: قوله: "وقد حفزه النفس": بفتح
(1)
راجع سير أعلام النبلاء جـ 7 ص 464 - 466.
(2)
نهاية غريب الحديث جـ 1 ص 407.
حروفه، وتخفيفها: أي ضغطه لسرعته. انتهى
(1)
.
وقال ابن منظور رحمه الله: الحَفْزُ: حَثُّكَ الشيءَ من خلفه سَوْقًا وغير سوق، وكلُّ دفع حَفْزٌ، وقوسٌ حَفُوزٌ: شديد الحَفْز والدفعِ للسهم، وحَفَزَه: أي دفعه من خلفه يَحْفِزُه حَفْزًا. قال الراجز:
تُرِيحُ بَعْدَ النَّفَسِ
يُريد النفسَ الشديد المتتابعَ، كأنه يُحْفَزُ، أي يُدْفَعُ من سياق.
ورأيت فلانًا مَحْفُوزَ النفس: إذا اشتدّ به. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله باختصار
(2)
.
و"النَّفَسُ" -بفتحتين-: نسيم الهواء، وجمعه أنْفَاس. قاله في المصباح
(3)
.
والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "دخل".
وسبب شدة عَدْوه الحَذَرُ من أن تفوته الجماعة، كما قاله الطيبي.
واعترض عليه القاري بأنه ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".
وأجاب عنه ابن حجر الهيتمي بأنه محمول على ما ذهب إليه بعض أئمتنا من أن محل الكراهة فيمن علم أنه يدرك الجماعة لو لم يسعَ، أما
(1)
شرح مسلم جـ 5 ص 97.
(2)
"لسان العرب" جـ 2 ص 926.
(3)
"المصباح" جـ 2 ص 617.
من علم أنه لا يدركها إلا أن يسعى فلا يكره له السعي، ثم قال: والأرجح عندنا أنه لا فرق، وعدم إنكاره صلى الله عليه وسلم على تقدير علمه بالعَدْو، إنما يدل على الجواز، لا على نفي الكراهة، والكلام في غير الجمعة، أما هي فيجب السعي إذا توقف عليه إدراكها، وهو إنما يحصل بإدراك ركوع الركعة الثانية. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قول القاري رحمه الله: "ينافي الحديث المذكور" غير صحيح، لأن الظاهر من حال الرجل أنه لم يبلغه النهي، كما يدل عليه سياق الحديث.
وقول ابن حجر رحمه الله: "محمول على ما ذهب إليه بعض أئمتنا
…
" إلخ، غير صحيح أيضًا؛ لأن هذا القول باطل منابذ لصريح الحديث، فلا ينبغي الحمل عليه.
وقوله أيضًا: "وعدم إنكاره عليه الصلاة والسلام
…
" إلخ، غير صحيح، فقد صح أنه أنكر عليه، ففي مسند أحمد رحمه الله من رواية حميد عن أنس، زاد في آخر الحديث: ثم قال: "إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فلْيَمْشِ على هِينَتِهِ، فليصلّ ما أدرك، وليقض ما سبقه".
وقوله أيضًا: "والكلام في غير الجمعة
…
" إلخ، غير صحيح أيضًا؛ لأن النص لم يفرق بين الجمعة وغيرها، بل قال: "إذا أتيتم
(1)
"المرقاة شرح المشكاة" جـ 2 ص 536.
الصلاة، فلا تأتوها، وأنتم تسعون"
…
وأما الاستدلال بآية {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] فغير صحيح أيضًا، إذ المراد بها التوجه، والذهاب إليها، لا العَدْوُ، كما في قوله تعالى:{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19]. كما بينه البخاري رحمه الله في "كتاب الجمعة" من "صحيحه" جـ 3 ص 49 بنسخة الفتح، وقد تقدم تمام البحث في هذا برقم -57/ 861 - فراجعه تستفد. والله تعالى ولي التوفيق.
(فقال:) أي ذلك الرجل (الله أكبر) فيه تصريح بأنه قال هذا الذكر بعد دخوله في الصلاة (الحمد لله حمدًا كثيرًا) أي يترادف مَدَدُه، ولا تنتهي مُدَدُه (طيبًا) أي خالصًا لوجهه تعالى، لا للرياء والسمعة (مباركًا فيه) قال ابن الملك: أي حمدًا جُعلت البركة فيه، يعني حمدًا كثيرًا غاية الكثرة. وقيل: مباركًا بدوام ذاته، وكمال غاياته.
(فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته) أي أدَّى صلاته (قال: "أيكم الذي تكلم بكلمات") رواية المصنف بتنكير كلمات، ولعل التنكير للتقليل، وعند مسلم، وأبي داود:"أيكم المتكلم بالكلمات". (فأرَمَّ القوم) بفتح الراء وتشديد الميم: أي سكتوا، ولم يجيبوا. وقال القاضي عياض رحمه الله: ورواه بعضهم في غير "صحيح مسلم""فأزَمَ" بالزاي المفتوحة، وتخفيف اليم، من الأزْمِ، وهو الإمساك، وهو صحيح المعنى. انتهى
(1)
.
(1)
شرح مسلم للنووي رحمه الله جـ 5 ص 97.
(قال: "إِنه لم يقل بأسًا") أي قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا القائل لم يقل شيئًا يكون سببًا للخوف. وإنما قال ذلك لَمَّا رأى سكوتَ القوم، وعدمَ إجابتهم خوفًا من أن يغضب على المتكلم، ويواجهه بالتعنيف، فأزاله بقوله:"لم يقل بأسًا".
قال ابن منظور رحمه الله: والبأس: العذاب، والشدة في الحرب، وفي حديث علي رضي الله عنه: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يريد الخوف، ولا يكون إلا مع الشدة. قال ابن الأعرابي: البأس، والْبَئسُ على مثال فَعِلٍ: العذاب الشديد. وقال ابن سيدَهْ: البأس: الحرَب، ثم كثر حتى قيل: لا بأس عليك، ولا بأس، أَي لا خوف، قال قيس بن الْخَطِيم [من الطويل]:
يَقُولُ لِيَ الْحَدَّادُ وَهْوَ يَقُودُنِي
…
إِلى السِّجْنِ لا تَجْزَعْ فَمَا بِكَ مِنْ بَاسِ
أراد: فما بك من بأس، فخففها. انتهى كلام ابن منظور باختصار
(1)
.
وفي رواية أحمد، وابن خزيمة:"أيكم القائل كذا وكذا"، قال: فأرمّ القوم، قال: فأعادها ثلاث مرات.
(قال) الرجل (أنا يا رسول الله، جئت، وقد حفزني النفَسُ، فقلتها) أي الكلمات المذكورة، ثناء، وشكرًا لله تعالى حيث لم تفتني
(1)
"لسان العرب" جـ 1 ص 199.
صلاة الجماعة. وفي رواية أحمد، وابن خزيمة: فقال رجل: أنا قلتها، وما أردت بها إلا الخير (قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيت اثني عشر ملكًا) تخصيص العدد من الملائكة بالمقدار المذكور مفوض إلى علم الله تعالى.
وقال بعضهم: إن كلمات "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه" ست كلمات، فبعث الله لكل كلمة منها ملكين تعظيما لشأنها، وتكثيرًا لثواب قائلها. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ما تقدم من التفويض في مثل هذا أسلم، وأقوم. والله تعالى أعلم.
(يبتدرونها) أي يتسابقون فيها (أيهم يرفعها") مبتدأ وخبر، والجملة في موضع نصب على الحال من فاعل "يبتدرونها".
قال أبو البقاء في قوله تعالى: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44]: أيهم: مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يقترعون أيُّهُم، فالعامل ما دل عليه "يلقون". كذا ذكره الطيبي
(2)
.
وقال السمين الحلبي رحمه الله في هذه الآية: هذه الجملة منصوبة المحل، لأنها معلقة لفعل محذوف، وذلك الفعل في محل نصب على الحال، تقديره: يلقون أقلامهم، ينظرون أيُّهُم يكفل مريم، أو يعلمون،
(1)
أفاده في المنهل نقلًا عن العيني جـ 5 ص 174.
(2)
المرقاة جـ 2 ص 537.
وجوز الزمخشري أن يقدر "يقولون"، فيكون محكيًا به، ودلّ على ذلك قوله:"يلقون". انتهى
(1)
.
قال الجاء عفا الله عنه: ما قاله السمين أوضح، فيكون تقدير الكلام في الحديث: يبتدرونها، حال كونهم ينظرون أيهم يرفعها. يعني
أنهم يتسابقون في كتابتها، ورفعها إلى الله تعالى، لعظم شأنها، وكثرة ثوابها.
وقال السندي رحمه الله: "يبتدرونها": أي كل منهم يريد أن يسبق على غيره في رفعها إلى محل العرض، أو القبول، وجملة "أيهم
يرفعها" حال، أي قاصدين ظهور أيهم يرفعها. انتهى
(2)
.
زاد في رواية أحمد، وأبي داود من رواية حميد، عن أنس رضي الله عنه:"ثم قال: إذا جاء أحدكم إلى الصلاة، فليمش على هينَته، فليصل ما أدرك، وليقض ما سبقه". وقد تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
(1)
"الدر المصون في علوم الكتاب المكنون" جـ 2 ص 92.
(2)
"شرح السندي" جـ 2 ص 133.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -19/ 901 - وفي "الكبرى" -19/ 974 - عن محمد بن المثنى، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، وقتادة، وحميد، كلهم عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم عن زهير بن حرب، عن عفان بن مسلم، وأبو داود عن موسى بن إسماعيل- كلاهما عن حماد بن سلمة، به. وأحمد
3/ 252 و 106 و 188، وابن خزيمة رقم 466. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
20 - بَابُ البداءَةِ بِفاتِحةِ الْكتَابِ قَبْلَ السُّورَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الابتداء بقراءة فاتحة الكتاب قبل قراءة السورة التي تقرأ معها في الصلاة.
وأشار المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله في الحديث: "يستفتحون القراءة بـ"الحمد لله رب العالمين"" ليس هذا اللفظ، بل تمام السورة على الوجه الذي يقرأ، فكأنه قال: يستفتحون القراءة بالفاتحة، فدخلت فيه البسملة، عند من يقول: إنها جزء من السورة، فلا دليل في الحديث لمن يقول: لا يقرأ البسملة أصلًا، نعم بقي البحث أنها تقرأ سرًّا، أو جهرًا، وسيأتي الكلام عليه في الأبواب التالية إن شاء الله تعالى.
و"البداءة" -بالفتح، والضم: الابتداء. قال ابن منظور رحمه الله: والبَدْءُ- أي بفتح، فسكون- فعلُ الشيء أوّلُ. بدَأ به، وبَدَأه، يبدَؤه بَدْءأ، وأبدأه، وابتدأه. ويقال: لك الْبَدْءُ، والبَدْأةُ، والْبُدْأةُ، والبَديئَةُ، والْبَدَاءَةُ -بالفتح- والْبُدَاءَةُ -بالضم والمد، والبَدَاهَة على البدل، أي لك أن تبدأ قبل غيرك في الرمي وغيره. انتهى
(1)
.
وفي "ق" وشرحه: وحكى اللِّحْياني قولهم في الحكاية: "كان ذلك" الأمر "في بدأتنا مثلثة الباء" فتحًا وضمًا مع القصر والمد "وفي
بَدأتنَا" محركة. انتهى.
(1)
لسان العرب جـ 1 ص 223.
و"فاتحة الكتاب" اسم للسورة المعروفة، ولها أسماء كثيرة، سيأتي الكلام عليه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
902 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ رضي الله عنهما، يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} [الفاتحة: 2].
رجال هذا الإسناد: أربعة
1 -
(قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طَرِيف الثقفي، أبو رجاء البَغْلاني، قيل: اسمه يحيى، وقيل: علي، مات سنة 240، عن 90 سنة، ثقة ثبت، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
2 -
(أبو عوانة) الوضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، مات سنة 175 أو 176، ثقة ثبت، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 46.
3 -
(قتادة) بن دعامة، 4 - (أنس) بن مالك، تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله، وهو أعلى ما وقع له
من الأسانيد العالية، وهو 65 من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، نبلاء، وأنهم من رجال الجماعة.
ومنها: أن قتيبة بغلاني، وهي قرية من قرى بَلْخ، وأبو عوانة واسطي، والباقيان بصريان. وبالله التوفيق.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه، أنه (قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، رضي الله عنهما يستفتحون القراءة) أي يبتدئون قراءة القرآن في الصلاة (بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]) برفع "الحمدُ" على الحكاية. وقد تقدم في أول الباب أن المصنف رحمه الله بَيَّنَ المراد من الحديث بترجمته، حيث قال:[باب البَدَاءة بفاتحة الكتالب قبل السورة]. وهو المنقول عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
قال الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه: قال الشافعي رحمه الله: إنما معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وعثمان
(1)
، كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، معناه أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرءون "بسم الله الرحمن الرحيم". وكان الشافعي يرى أي يُبدَأ
(1)
زيادة "عثمان" في رواية الترمذي رحمه الله تعالى.
"بسم الله الرحمن الرحيم"، وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى
(1)
.
وقد اختلف العلماء في المراد من هذا الحديث، فقيل: المعنى: كانوا يفتتحون بالفاتحة، كما ذكر عن الشافعي آنفًا، وهذا قول من أثبت البسملة في أولها. وتعقبه بعضهم بأنها إنما تسمى "الحمد" فقط. وأجيب بمنع الحصر، فقد ثبت تسميتها بـ "الحمد لله رب العالمين" في صحيح البخاري، أخرجه في فضائل القرآن من حديث أبي سعيد بن الْمُعَلَّى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن"
…
فذكر الحديث، وفيه قال:" {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، هي السبع المثاني". وسيأتي للمصنف رحمه الله -26/ 913 - إن شاء الله تعالى.
وقيل: المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ، تمسكًا بظاهر الحديث، وهذا قول من نفى قراءة البسملة، لكن لا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بـ "الحمد" أنهم لم يقرءوا "بسم الله الرحمن الرحيم" سرًّا، فقد تقدم -15/ 895 - أن أبا هريرة رضي الله عنه أطلق السكوت على القراءة سرًا، حيث قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة.
(1)
جامع الترمذي بنسخة الشرح جـ 2 ص 59.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذكر أن الأرجح القول الأول، وهو ما ذهب إليه المصنف رحمه الله، ونقله الترمذي عن الإمام
الشافعي رحمهما الله تعالى، وحاصله أن المراد تقديم قراءة الفاتحة قبل السورة، وأما البحث عن قراءة البسملة وعدمها فسيأتي في الأبواب التالية إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -20/ 902 - وفي "الكبرى" -20/ 975 - عن قتيبة بن سعيد، عن أبي عوانة، عن قتادة، عنه. و 903 والكبرى 976 - عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن سفيان، عن أيوب، عن قتادة، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن قتادة، عنه. ومسلم عن محمد بن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن غندر، عن
شعبة، به. وعن محمد بن مِهْران، عن الوليد بن مسلم، عن
الأوزاعي، عن قتادة، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، كلاهما عن أنس رضي الله عنه. وأبو داود عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عنه. والترمذي بسند المصنف، وابن ماجه عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن قتادة، عنه.
والحميدي رقم 1199، وأحمد، 3/ 111 و 273 و 114 و 183 و 289 و 168 و 203، والبخاري في جزء القراءة رقم 127 و 118 و 125 و 121 و 124، والدارمي رقم 1243، وابن خزيمة 492. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: قد تقدم أن الفاتحة لها أسماء كثيرة، فلنذكرها هنا:
ذكر العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي رحمه الله في تفسيره اثني عشر اسمًا، فقال:
(الأول): "فاتحة الكتاب". وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وسميت بذلك، لأنه تفتتح بها قراءة القرآن لفظًا، وتفتتح بها الكتابة في
المصحف خطًّا، وتفتتح بها الصلوات.
(الثاني): "سورة الحمد"، لأن فيها ذكر الحمد، كما يقال:"سورة الأعراف"، و"الأنفال"، و"التوبة".
(الثالث): الصلاة. قال الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين
…
" الحديث، وسيأتي للمصنف-23/ 909.
(الرابع): "أم الكتاب". وفي هذا الاسم خلاف، جوزه الجمهور، وكرهه أنس، والحسن، وابن سيرين. قال الحسن:"أم الكتاب" الحلال والحرام، قال الله تعالى:{آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]. وقال أنس، وابن سيرين:"أم الكتاب" اسم اللوح المحفوظ، قال تعالى:{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ} [الزخرف: 4].
(الخامس): "أم القرآن"، واختلف فيه أيضًا، فجوزه الجمهور، وكرهه أنس، وابن سيرين، والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين.
روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني". قال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي البخاري: قال: وسميت "أم الكتاب" لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وقال يحيى بن يعمر: أم القرى مكة، وأم خراسان مَرْوُ، وأم القرآن سورة الحمد.
وقيل: سميت أم القرآن، لأنها أوله، ومتضمنة لجميع علومه، وبه سميت مكة أم القرى، لأنها أول الأرض، ومنها دُحيت، ومنه سميت الأم أُمًّا، لأنها أصل النسل، والأرض أُمًّا في قول أمَيَّةَ بن أبي الصَّلْتِ [من الكامل]:
فَالأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكانَتْ أُمَّنَا
…
فِيهَا مَقَابِرنَا وَفِيهَا نولَدُ
ويقال لراية الحرب: أمّ، لتقدمها، واتباع الجيش لها.
(السادس): "المثاني". سميت بذلك لأنها تُثَنَّى في كل ركعة. وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة، فلم تنزل على أحد قبلها ذُخْرًا لها.
(السابع): "القرآن العظيم"، سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن؛ وذلك لأنها تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف
كماله وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات، والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيانه عاقبة الجاحدين.
(الثامن): "الشفاء". روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاتحة الكتاب شفاء من كل سمّ"
(1)
.
(التاسع): "الرُّقْيَةُ". لما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي رَقَى سيد الحي:"وما يدريك أنها رقية".
(1)
أورده الحافظ السيوطي في "الجامع الصغير" بلفظ: "فاتحة الكتاب شفاء من السمّ"، ورمز له (ص، هب) أبي سعيد، (أبو الشيخ في الثواب) أبي هريرة، وأبي سعيد معًا. قال الشيخ الألباني: موضوع. وأورده أيضَا بلفظ: "فاتحة الكتاب شفاء من كل داء"(هب) عبد الملك بن عمير مرسلًا. قال الشيخ الألباني: ضعيف.
(العاشر): "الأساس". روى الشعبي عن ابن عباس أنه سماها "أساس القرآن"، وأساسها "بسم الله الرحمن الرحيم".
(الحادي عشر): "الوافية". قاله سفيان بن عيينة، لأنها لا تتنصف، ولا تحتمل الاختزال، فلو قرأ من سائر السور نصفها في
ركعة، ونصفها الآخر في ركعة لأجزأ، ولو نَصَّفَ الفاتحة في ركعتين لم تجزئ.
(الثاني عشر): "الكافية". قاله يحيى بن أبي كثير. لأنها تكفي عن غيرها، ولا يكفي عنها غيرها. انتهى كلام القرطبي باختصار
وتصرف
(1)
.
المسألة الخامسة: ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: أن الفاتحة مكية، قاله ابن عباس، وقتادة، وأبو العالية. وقيل: مدنية. قاله أبو هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار، والزهري. ويقال: إنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة. والأول أشبه، لقوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87]. والله تعالى أعلم.
وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة، ونصفها الآخر نزل بالمدينة، وهو غريب جدًّا، نقله القرطبي عنه.
وهي سبع آيات بلا خلاف. وقال عمرو بن عبيد: ثمان. وقال حسين الجعفي: ستة، وهذان القولان شاذان، وإنما اختلفوا في
(1)
"الجامع لأحكام القرآن" جـ1 ص 111 - 113.
البسملة، هل هي مستقلة من أولها، كما هو عند جمهور قراء الكوفة، وقول جماعة من الصحابة والتابعين، وخلق من الخلف. أو بعض آية، أو لا تعد من أولها بالكلية، كما هو قول أهل المدينة من القراء، والفقهاء، على ثلاثة أقوال، كما سيأتي تحريره بعد بابين، إن شاء الله تعالى.
قالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفًا. انتهى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى ببعض تصرف
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد اختلف الرواة في حديث أنس رضي الله عنه هذا على أوجه، وسيأتي بيان ذلك بعد باب، إن شاء الله
تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
903 -
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَافْتَتَحُوا بِـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} [الفاتحة: 2].
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري) البصري،
(1)
تفسير ابن كثير جـ 1 ص 9 - 10.
مات سنة 256، صدوق، من صغار [10]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 42/ 48.
2 -
(سفيان) بن عيينة، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، مات سنة 198، الإمام الحافظ الثبت الحجة، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
3 -
(أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، مات سنة 132، ثقة ثبت حجة فقيه، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 42/ 48.
والباقيان تقدما في السند السابق، وكذا تقدم هناك شرح الحديث، ومتعلقاته من المسائل، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادتها، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
21 - قِرَاءَةُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على استحباب قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول الفاتحة، وغيرها من السور.
قال الجامع عفا الله عنه: اعلم أنه اختلفت الآثار في قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" وعدم قراءتها، ومن ثَمَّ اختلف أهل العلم على أقوال: منهم من نفاها، ومنهم من أثبتها، ثم المثبتون اختلفوا فيما بينهم، هل يجهر بها أم يسر. والذي رجحه المحققون أن هذا من المباح المخير فيه، والظاهر أن المصنف رحمه الله يرى هذا؛ حيث ذكر ثلاثة أبواب فيها أدلة هذه المسائل، ولم يقتصر على ذكر بعضها، ولا على ترجيح بعض الأدلة، إشارة إلى أن هذا مما وسع فيه الشارع. وسيأتي تحقيق ذلك في المسائل آخر الباب الثالث، إن شاء الله تعالى.
904 -
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَيْنَمَا ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا -يُرِيدُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا لَهُ: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَزَلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُورَةُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ
هُوَ الْأَبْتَرُ} ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ". قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ، آنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْكَوَاكِبِ، تَرِدُهُ عَلَيَّ أُمَّتِي، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
1 -
(علي بن حُجْر) بن إياس السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، مات سنة 244، وقد قارب المائة، أو جاوزها، ثقة حافظ، من صغار [9]، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في 13/ 13.
2 -
(علي بن مُسْهِر) القرشي الكوفي، قاضي المَوْصِل، مات سنة 189، ثقة له غرائب بعدما أضرّ، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 52/ 66.
3 -
(المُخْتار بن فُلْفُل) -بفاءين مضمومتين، ولامين، الأولى ساكنة- المخزومي، مولى عمرو بن حُرَيث، صدوق له أوهام، من
[5]
.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال. ما أعلم إلا خيرًا.
وقال غيره عن أحمد: ثقة. وكذا قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، ومحمد بن عبد الله بن عمار، والنسائي. وقال أبو حاتم أيضًا: شيخ كوفي. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن مختار بن فلفل، وهو كوفي ثقة. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال داود بن عمرو، عن ابن إدريس: كان يحدثنا، وعيناه تدمعان. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطىء كثيرًا، ووقع ذكره في أثر علّقه البخاري في الشهادات عن أنس، ووصله ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عنه: سألت أنسًا عن شهادة العبيد؟ فقال: جائزة. وتكلم فيه السليماني، فعده في رواة المناكير عن أنس مع أبان بن أبي عياش، وغيره. وقال أبو بكر البزار: صالح الحديث، وقد احتملوا حديثه. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والمصنف
(1)
.
4 -
(أنس بن مالك) رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله، وهو -66 - من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزي، ثم
بغدادي؛ وهو شيخه، وكوفي؛ وهو علي بن مسهر، وبصريين؛ وهما
(1)
"تت" جـ 10 ص 68 - 69. "ت" ص 33.
المختار، وأنس، وأن أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم. والله تعالى أعلم.
(عن أنس بن مالك) رضي الله عنه، أنه (قال: بينما) هي "بين" زيدت عليها "ما" وهي ظرف بمعنى المفاجأة، ومثلها "بينا"، ويضافان إِلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدإ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه "إذ"، و"إذا"، وقد جاءا في الجواب كثيرًا، تقول: بينما زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه. أفاده ابن منظور
(1)
. وجوابها هنا مقرون بـ "إذ" وهو قوله: "إذ أغفى".
(ذات يوم)"ذات" هنا مقحمة، أي يومًا من الأيام. وقال الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى الاسم (بين أظهرنا) أي بيننا.
وفي التفسير في الكبرى -11702 - بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد"
…
ونحوه لمسلم.
يقال: هو نازل بين ظَهرَيهم، وبين ظَهرانَيهم، وبين أظهرهم: أي بينهم. قال ابن الأثير رحمه الله: تكررت هذه اللفظة في الحديث، والمراد به أنه أقام بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد لهم، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدًا، ومعناه أن ظهرًا منهم قُدَّامه، وظهرًا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهُرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم. أفاده ابن منظور رحمه الله تعالى
(2)
.
(1)
"لسان العرب" باختصار جـ 1 ص 405.
(2)
"لسان" جـ 1 ص 2767.
(يريد النبي صلى الله عليه وسلم) يعني أنه سقط لفظ "النبي صلى الله عليه وسلم" من الرواية، والأصل "بينما النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا". وقد ثبت في صحيح مسلم، ولفظه من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر: "بينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة
…
" الحديث.
ولعله سقط من شيخ المصنف، ويدل على ذلك أن مسلمًا رواه عن علي بن حجر شيخ المصنف، بسنده، ثم قال: ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ له، حدثنا علي بن مسهر
…
فعدل عن إيراد لفظ علي بن حجر مع أنه ساقه أولًا إلى لفظ أبي بكر بن أبي شيبة لهذا المعنى. والله تعالى أعلم.
(إِذ أغفى إِغفاءة) أي نام نومة خفيفة. يقال: أغفيت إِغْفَاءً، فأنا مُغْفٍ. إذا ثمتَ نومة خفيفة. قال ابن السكيت وغيره: ولا يقال:
غَفَوت. وقَال الأزهري: كلام العرب أغفيت، وقلما غَفَوْتُ. قاله في "المصباح"
(1)
.
وقال السندي رحمه الله: الإغفاء النوم القليل. وفي "المجمع": الإغفاء السِّنَة، وهي حالة الوحي غالبًا. ويحتمل أن يريد به الإعراض
عما كان عليه. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني بعيد. فتبصر. والله
(1)
"المصباح" جـ 2 ص 450.
(2)
"شرح السندي" جـ 2 ص 134.
تعالى أعلم.
(ثم رفع رأسه متبسمًا) يقال: بَسَمَ بَسْمًا، من باب ضرب: ضَحكَ قليلًا من غير صوت، وابْتَسَمَ، وتَبَسَّمَ كذلك، ويقال: هو دونَ الضحك. قاله الفيومي رحمه الله تعالى
(1)
، وهو منصوب على الحال من فاعل "رفع".
وهذه صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان يضحك تبسمًا، فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء رضي الله عنه، قال: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعنه قال: ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسمًا. وإلى هذا أشار الحافظ العراقي رحمه الله في "ألفية السيرة"، فقال:
لَمْ يُرَ ضَاحِكًا بِمِلْءِ فِيهِ
…
ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا يُبْدِيهِ
(فقلنا له) ولفظ الكبرى في التفسير: "فقلت له"(ما أضحكك يا رسول الله؟) سؤال عن سبب ضَحِكِهِ (قال: نزلت علي) وفي رواية مسلم "أنزلت"(آنفًا) بالمد: أي قريبًا (سورة، بسم الله الرحمن الرحيم) فـ "سورة" فاعل "نزلت"، وهو يحتمل أن يكون مضافًا إلى ما بعده، من إضافة العام إلى الخاص، كشجر أراك. ويحتمل أن يكون ما بعده بدلًا منه.
(1)
"المصباح" جـ 1 ص 49.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث دليل واضح لقول من قال: إن السورة مدنية، لأن أنسًا رضي الله عنه حضرها، وهو قول الحسن، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد. وقيل: مكية، وهو قول ابن عباس، والكلبي، ومقاتل. كما عزاه إليهم القرطبي في تفسيره، والأول أقوى حجة، فتبصر. والله تعالى أعلم.
واستدل به أيضًا على أن البسملة من السورة، وأنها تقرأ معها، كما ترجم عليه المصنف هنا حيث قال:"قراءة بسم الله الرحمن الرحيم". وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك بعد باب إن شاء الله تعالى.
{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} فَوْعَل، من الكثرة، مثل النَّوفَل من النفل، والجوهر، من الجهر، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرًا. قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنُك؟ قالت: بكوثر، أي بمال كثير، والكوثر من الرجال السيد الكثير الخير.
قال الكُمَيتُ [من الطويل]:
وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا بْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ
…
وَكَانَ أبُوكَ ابْنُ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا
والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأتباع. والكوثر من الغبار الكثير. وقد تكوثر: إذا كثر. قال حسان رضي الله عنه [من
الطويل]:
أَبَوْا أَنْ يُبِيحُوا جَارَهُمْ لِعَدُوِّهِمْ
…
وَقَدْ ثَارَ نَقْعُ المَوْتِ حَتَّى تَكَوْثَرَا
واختلف في تفسير الكوثر الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولًا:
(الأول): أنه نهر في الجنة. (الثاني): حوضه صلى الله عليه وسلم. قاله عطاء.
(الثالث): النبوة والكتاب. قاله عكرمة. (الرابع): القرآن. قاله الحسن. (الخامس): الإسلام. حكاه المغيرة. (السادس): تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع. قاله الحسين بن الفضل. (السابع): كثرة الأصحاب، والأمة، والأشياع. قاله أبو بكر بن عياش، ويمان بن رئاب. (الثامن): أنه الإيثار. قاله ابن كيسان. (التاسع): رفعة الذكر. حكاه الماوردي. (العاشر): نور في قلبك دلك علي، وقطعك عما سواي. (الحادي عشر): الشفاعة. (الثاني عشر): معجزات الرب هُدِيَ بها أهل الإجابة لدعوتك. حكاه الثعلبي. (الثالث عشر): هو لا إله إلا الله محمد رسول الله. قاله هلال بن يساف. (الرابع عشر): الفقه في الدين. (الخامس عشر): الصلوات الخمس. (السادس عشر): هو العظيم من الأمر. قاله ابن إسحاق.
قال العلامة القرطبي رحمه الله: أصح هذه الأقوال الأول، والثاني، لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص في الكوثر. وسمع أنس رضي الله عنه قومًا يتذاكرون الحوض، فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يَتَمَارون في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلي امرأة
منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
. وفي حوضه يقول الشاعر:
يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ مَنْ يُدَانِيكَا
…
وَأنْتَ حَقًّا حَبِيبُ بَارِيكَا
قال: وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة على حوضه. صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: يزاد على ما ذكره القرطبي ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة. فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. انتهى
(3)
.
وأصح هذه الأقوال هو تفسير النبي صلى الله عليه وسلم المذكور في هذا الحديث، وهو أنه نهر في الجنة وعده الله إياه، وهو لا ينافي تفسيره بالحوض، فإن الكوثر يصب في الحوض، كما بينته الروايات الأخرى.
وأما ما ذكر في الأقوال الأخرى، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أعطيه، لكن كونه هو المراد من الآية المذكورة غير صحيح، فلا ينبغي الالتفات إليه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1)
أخرج نحوه أبو يعلى بسند صحيح. كما قاله في "الفتح" جـ 13/ ص 299.
(2)
راجع "تفسير القرطبي" جـ 20 ص 216 - 218.
(3)
راجع "صحيح البخاري" جـ 9 ص 756 بنسخة "الفتح".
(فصل لربك) أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي وُعدته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة.
(وانحر) أي اذبح نسكَك. قال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحر البدن ونحوها، وكذا قال غير واحد من السلف. وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله، والذبح على اسمه، وقيل: المراد وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر. يروى هذا عن علي، ولا يصح، وعن الشعبي مثله. وعن أبي جعفر الباقر: يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. وقيل: استقبِلْ بنحرك القبلة. وعن عطاء الخراساني: ارفع صلبك بعد الركوع، واعتدل، وأبرز نحرك- يعني به الاعتدال.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وكل هذه الأقوال غريبة جدًّا، والصحيح القول الأول، وهو أن المراد بالنحر ذبح المناسك.
وقال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله: والضواب قول من قال: إن معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصًا، دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له، دون الأوثان، شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة، والخير الذي لا كفاء له، وخصك به. انتهى.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، وعطاء. انتهى.
(إِن شانئك هو الأبتر) أي إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما جئت به من الهدى، والحق، والبرهان الساطع، والنور المبين هو
الأبتر: الأقل الأذلّ المنقطع ذِكْره.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل. وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومانَ: قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دعوه، فإنه رجل أبتر، لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنزل الله هذه السورة. وقال شَمِر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط. وقال ابن عباس أيضًا، وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة من كفار قريش.
وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى الْمُنصَبِر الْمُنتَبِر
(1)
من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3]. قال الحافظ ابن كثير: وهكذا رواه البزار، وهو إسناد
(1)
وقع في نسخة ابن كثير النصبر بدون الميم، والإصلاح من نسخة من مختصر زوائد مسند البزار للحافظ ابن حجر رحمه الله. المنصبر: الذي لا عقب له. والمنتبر: الذي لا ولد له.
صحيح
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: أخرج المصنف رحمه الله أثر ابن عباس رضي الله عنهما هذا في "التفسير" من "الكبرى"، فقال: 11707 - حدثنا عمرو بن علي، نا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت قريش: أنت خير أهل الدينة، وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا المُنْتَبِر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن -يعني أهل الحجيجِ، وإهل السِّدانة- قال: أنتم خير منه، فنزلت. {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3]، ونزلت:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} إلى قوله: {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 51 - 52].
وعن عطاء: قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب أبو لهب إلى المشركين، فقال: بُتر محمد الليلة، فأنزل الله في ذلك:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوَثر: 3].
وقال ابن عباس: نزلت في أبي جهل. وعنه: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3]، يعني عدوك.
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذُكِرَ،
(1)
هكذا أورده ابن كثير عن البزار بهذا السند، وصححه، والذي في مختصر زوائد البزار للحافظ ابن حجر سنده هكذا: حدثنا الحسن بن علي الواسطي، ثنا يحيى بن راشد، عن داود
…
ثم قال: ضعيف. ولعل هذا الذي أورده ابن كثير سند آخر للبزار في كتاب له آخر. والله تعالى أعلم.
وغيرهم. وعن عكرمة: الأبتر الفرد.
وقال السديّ: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بُترَ، فلما مات أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: بُتِر، فأنزل الله:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3].
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكْره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا، وكلا، بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرًّا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد
(1)
.
(ثم قال) صلى الله عليه وسلم موضحًا لهم معنى ما أنزل عليه (أتدرون ما الكوثر؟) أي أتعلمون أيُّ شيء معنى الكوثر الذي أعطاني الله عز وجل؟ (قلنا: الله ورسوله أعلم) بذلك (قال: فإِنه نهر) بفتح، فسكون: الماء الجاري المتسع، والجمع نُهُر -بضمتين- وأنْهُرُ، والنَّهَر -بفتحتين- لغة، والجمع أنهار، مثل سبب، وأسباب
(2)
.
(وعدنيه ربي في الجنة) ولمسلم: "فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض، ترد عليه أمتي يوم القيامة"(آنيته أكثر من عدد الكواكب) امراد من الآنية الكيزان والأباريق، التي أعدت
(1)
راجع "تفسير ابن كثير" جـ 4 ص 595 - 598.
(2)
"المصباح" جـ 2 ص 627.
للشرب منها. وفي رواية لمسلم "كيزانه كنجوم السماء". وفي رواية: "فيه أباريق كنجوم السماء"، وفي رواية:"والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، وكواكبها"، وفي رواية:"وأن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء"، وفي رواية:"آنيته عدد نجوم السماء"، وفي رواية:"ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء"، وفي رواية:"كأن الأباريق فيه النجوم".
قال النووي رحمه الله: المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها أكثر عددًا من نجوم السماء، ولا مانع عقلي، ولا شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدًا، كما قال صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء".
وقال القاضي عياض رحمه الله: هذا إشارة إلى كثرة العدد، وغايتِه الكثيرة، من باب قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يضع العصا عن عاتقه". وهو باب مَن المبالغَة معروف في الشرع واللغة، ولا يعد كذبًا، إذا كان المخبر عنه في حيز الكثرة، والعظم، ومبلغ الغاية في بابه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك. قال: ومثله: كلمته ألف مرة، ولقيته مائة كرة، فهذا جائز، إذا كان كثيرًا، وإلا فلا. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى. قال النووي رحمه الله تعالى: والصواب الأول. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النووي رحمه الله حسن جدًا.
(1)
"شرح مسلم" جـ 15 ص 55 - 57.
والله تعالى أعلم.
(تَرِدُهُ عليَّ أمتي) أي تحضره لتشرب، يقال: وَرَدَ علينا زيدٌ: إذا حضر (فيُختَلَجُ العبدُ منهم) بالبناء للمجهول، أي ينتزع، ويقتطع من بينهم (فأقول: يارب إِنه من أمتي، فيقول لي:) أي الله سبحانه وتعالى: (إِنك لا تدري ما أحدثَ بعدك) أي إنك لا تعلم ما أحدث هذا الْمُختَلَجُ من المخالفات لسنتك، والابتداع في دينك.
وهذا فيه وعيد شديد لن يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبتدع فيها بأهوائه ما لم ينزل الله تعالى به من سلطان؛ حيث إنه يطرد عن ورود حوضه صلى الله عليه وسلم الذي من شرب منه مرة لم يظمأ بعده أبدًا، هذا هو الخسران المبين. فيا خسارة المبتدعين، ويا هلاك المتمردين المنحرفين بابتداع ما لم يأذن به الله من الدين {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} [آل عمران: 8]. اللهم ارزقنا الاتباع، وجنبنا الابتداع، إنك سميع قريب، مجيب الدعوات.
وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا المعنى:
فقد أخرج الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ أناس دوني، فأقول: يارب مني، ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم"، فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على
أعقابنا، أو أن نفتن في ديننا.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر، فقال:"إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض- وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم أن تنافسوها".
وفي لفظ لمسلم: قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالْمُوَدعِّ للأحياء والأموات، فقال:"إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلةَ إلى الجُحْفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم".
وعن أبي حازم قال: عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني فرطكم على الحوض، من مرَّ علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم".
قال أبو حازم: فسمعني النعمان ابن أبي عياش، فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لسمعته وهو يزيد فيها: فأقول: "إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا لمن غَيَّرَ بعدي".
وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"يَرِدُ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيُجْلَون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي"؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى".
وعنه رضي الله عن: عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"بينما أنا قائم، فإذا زمرة حَتَّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النَّعَم"
(1)
.
وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول- وهو بين ظهراني أصحابه: "إني على الحوض، أنتظر من يرد علي منكم، فو الله ليقتطعن دوني رجال، فلأقولن: أي رب مني، ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، ما زالوا يرجعودن على أعقابهم".
وعن أم سلمة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني فرطكم
(1)
الهمل بفتحتين: الإبل بلا راع، والمعنى أنه لا يرد منهم الحوض إلا القليل. أفاده في "الفتح" جـ 13 ص 308.
على الحوض، فإياي لا يأتين أحدكم، فيذبّ عني كما يذب البعير الضالّ، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك،
فأقول: سحقًا".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله"، قالوا: يا نبي الله أتعرفنا؟ قال: "نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون علي غُرًّا محجلين من آثار الوضوء، ولَيُصَدَّنَّ عني طائفة منكم، فلا يصلون، فأقول: هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟! "
(1)
.
قال النووي رحمه الله تعالى: هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
(أحدها): أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسِّيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
(الثاني): أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان
(1)
"صحيح مسلم" بنسخة "شرح النووي" جـ 15 ص 52 - 59. وجـ 3 ص 136 - 137.
يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
(الثالث): أن المراد بهم أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يُذَادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى، فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل. ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، لكن عرفهم بالسيما.
وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء. قال: وكذلك الظَّلَمة المسرفون في الجور، وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر. قال: وكل هؤلاء يُخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر. والله أعلم. انتهى كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى
(1)
. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
(1)
"شرح مسلم" جـ 3 ص 136 - 137.
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -21/ 904 - وفي "الكبرى" -21/ 977 - وفي التفسير منه -11702 - عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عنه. والله أعلم.
المسالة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم عن أبي كريب، عن محمد بن فضيل، عن المختار بن فُلْفُل، عنه. وعن علي بن حُجْر بسند المصنف. وأبو داود عن محمد بن فضيل به. وأحمد جـ 3 ص 102. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو مشروعية قراءة البسملة، لكونها من مسمى السورة، حيثما إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"نزلت علي سورة"، ثم بين أَنَّ السورة من جملتها "بسم الله الرحمن الرحيم"، وسيأتي تمام الكلام على هذا قريبًا، إن شاء الله تعالى.
ومنها: تفسير الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهو التفسير الذي يجب تقديمه على بقية الأقوال المتقدمة، وقد تقدم عن القرطبي رحمه الله أنه قال: أصح هذه الأقوال الأول والثاني -يعني القول بأنه نهر في الجنة، والقول بأنه الحوض- وهو كما قال، لثبوته عن
النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تنافي بين القولين، إذ النهر يكون في داخل الجنة، فيصب على الحوض خارجها، فالنهر أصل الحوض. والله تعالى أعلم.
ومنها: جواز النوم في المسجد، لأن هده القصة وقعت في المسجد، كما ثبت في رواية المصنف في "الكبرى" في "التفسير"، وكذا هو في بعض روايات مسلم.
ومنها: جواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه.
ومنها: أن التابع إذا رأى من متبوعه تبسمًا، أو غيره مما يقتضي حدوث أمر، يستحب له أن يسأل عن سببه.
ومنها: إثبات حوضه صلى الله عليه وسلم، وبيان سعته، وكثرة آنيته، والإيمان به واجب.
ومنها: كثرة عناية الله سبحانه وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:{وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113].
ومنها: الوعيد العظيم لمن بدل سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وابتدع فيها بدعة؛ حيث إنه يطرد عن هذا الحوض الذي يسع أمته صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك اليوم الشديد العطش. نسألك اللهم أن تجعلنا ممن يتقيد بسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وتجنبنا الابتداع في شريعتك، وتجمعنا معه في دار كرامتك، إنك سميع الدعاء. آمين.
والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
905 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَرَأَ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} [الفاتحة: 1]، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، فَقَالَ:"آمِينَ". فَقَالَ النَّاسُ: "آمِينَ"، وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ:"اللَّهُ أَكْبَرُ"، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَيْنِ، قَالَ:"اللهُ أَكْبَرُ"، وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(محمد بن عبد الله بن عبد الحكم) بن أعْيَن المصري الفقيه، مات سنة 268، وله 86 سنة، ثقة، من [11]، أخرج له
النسائي، تقدم في 120/ 166.
2 -
(شعيب) بن الليث بن سعد الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك المصري الفقيه، مات سنة 199، وله 64 سنة، ثقة نبيل فقيه، من كبار [10]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، تقدم في 120/ 166.
3 -
(الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، مات في شعبان سنة 175، من
[7]
، أخرج له الجماعة، تقدم في 31/ 35.
4 -
(خالد) بن يزيد الجُمَحي، ويقال: السَّكْسَكِيُّ، أبو عبد الرحيم المصري، مات سنة 139، ثقة فقيه، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 686.
5 -
(ابن أبي هلال) هو سَعيد الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، قيل: مدني الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، مات بعد
130، وقيل: قبلها، وقيل: قبل 150بسنة، صدوق، ليس لابن حزم في تضعيفه سلف، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 686.
تنبيه: وقع في هذا السند تحريف في سعيد بن أبي هلال، حيث كتب "عن أبي هلال"، وهو غلط، والصواب "عن ابن أبي هلال". وقد مرّ برقم 41/ 686 على الصواب. فتنبه.
6 -
(نعيم المجمر) ابن عبد الله، أبو عبد الله المدني، مولى آل عمر بن الخطاب، يعرف بالمجمر، هو وكذا أبوه، ثقة من [3]، أخرج له الجماعة.
قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال ابن أبي مريم، عن مالك: سمعت نعيمًا المجمر يقول:
جالست أبا هريرة عشرين سنة.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: إن المجمر لقب أبيه عبد الله، قال: لأنه كان يأخذ الْمِجْمَرَة قُدَّام عمر
(1)
.
تنبيه: قال في "صه": نعيم بن عبد الله المجمر -بإسكان الجيم- وفي هامشه: وكسرِ الميم، ويقال: بفتح الجيم، وتشديد الميم الثانية المكسورة، وقيل له: المجمر، لأنه كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي يُبَخِّرُه، والمجمر صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نعيم مجازًا. والله أعلم. وفي "ت": المجمر بسكون الجيم، وضم الميم الأولى، وكسر الثانية. انتهى.
7 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات فقهاء.
ومنها: أن الثلاثة الأولين مصريون، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
(1)
"تت" جـ 10 ص 465. "ت" ص 359. "صه" ص 403.
ومنها: أن أبا هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، روى -5374 - حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن نعيم المجمر) تقدم آنفًا أنه اسم فاعل من الإجمار، أو من التجمير، وأنه لقب له، ولأبيه أيضًا، أنه (قال: صليت وراء أبي هريرة) رضي الله عنه (فقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}) قال السندي رحمه الله: يدل على أن البسملة تقرأ في أول الفاتحة، ولا يدل على الجهر بها. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر السياق، يدل على أن قراءته للبسملة كان جهرًا، فدلالة الحديث على الجهر أظهر، وهو الذي أراده المصنف رحمه الله، حيث قابل بترجمة هذا الباب ترجمة الباب التالي، فقال هنا:[قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم "]، وقال في الآتي:[ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم].
وقال الحافظ رحمه الله تعالى ما حاصله: أن حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أصح ما ورد في هذا الباب، وقد تُعُقِّبَ الاستدلال به لاحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله:"أشبهكم" أي في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها، وقد رواه جماعة غير نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه بدون ذكر البسملة. والجواب أن نعيمًا ثقة، فتقبل
(1)
شرح السندي جـ 2 ص 135.
زيادته، والخبر ظاهر في جميع الأجزاء، فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصّصه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف
(1)
.
والحاصل أن استدلال المصنف رحمه الله بحديث أبي هريرة هذا على مشروعية الجهر أحيانًا قوي. والله تعالى أعلم.
(ثم قرأ بأم القرآن) أي الفاتحة، وقد تقدم أن لها اثني عشر اسمًا، فمنها "أم القرآن". وقد اختلف فيه، فجوزه الجمهور، وكرهه أنس، وابن سيرين، لكن الأحاديث الصحيحة ترد عليهما (حتى إِذا بلغ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة: 7] فقال: آمين، فقال الناس: آمين) أي قالوا ذلك جهرًا، ففيه دليل لاستحباب رفع الصوت بـ "آمين"، وبه يقول الجمهور، خلافًا للحنفية، وسيأتي تمام البحث فيه في محله -33/ 925 - إن شاء الله تعالى.
(ويقول) أي أبو هريرة رضي الله عنه (كلما سجد: "الله أكبر") وفي رواية المصنف هذه اختصار، بينته رواية ابن خزيمة من طريق حيوة بن شريح، عن خالد بن يزيد، وفيها:"فلما ركع قال: "الله أكبر"، فلما رفع رأسه قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم قال: "الله أكبر"، ثم استقبل قائمًا مع التكبير، فلما قام من الثنتين، قال: "الله أكبر"، فلما سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم"
(2)
.
(1)
"فتح" جـ 12 ص 519.
(2)
"صحيح ابن خزيمة" جـ 1 ص 342.
(وإِذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: "الله أكبر"، وإِذا سلم) وفي رواية ابن خزيمة: "فلما سلم"، وهي أوضح (قال: والذي نفسي بيده إِني لأشبهكم صلاة) منصوب على التمييز (برسول الله صلى الله عليه وسلم) متعلق بـ "أشبهكم". وهذا صريح في أدن هذه الكيفية مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه فعل هكذا.
وإنما حلف أبو هريرة رضي الله عنه تأكيدًا لكونه فعله تعليمًا للناس صلاته صلى الله عليه وسلم على هذه الكيفية التي يخالفه فيها بعضهم.
فقد أخرج البخاري من طريق أبي بشر، عن عكرمة، قال: رأيت رجلًا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام، وإذا وضع،
فأخبرت ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أو ليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، لَا أُمَّ لك؟
وأخرج من طريق قتادة، عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق،
فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
وقد بُين في رواية أخرى أن ذلك الرجل هو أبو هريرة. فقد أخرج أحمد، والطحاوي، والطبراني من طريق عبد الله الدَّانَاج، عن
عكرمة، قال: صلى بنا أبو هريرة
…
(1)
.
وحكى الطحاوي أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون
(1)
انظر "الفتح" جـ 2 ص 523 - 525.
الرفع، وكذلك كانت بنو أمية تفعل. وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر. وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام. وفرق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووجهه بأن التكبير شرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج إليها المنفرد. ذكره في "الفتح"
(1)
.
وكل هذه الأقوال منابذة للسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أبو هريرة رضي الله عنه إحياء هذه السنة، وإشاعتها بين الناس، وأكد ذلك بالقسم. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة هذا صحيح.
صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه البيهقي، وأبو عمر بن عبد البر، كما يأتي قريبًا. فتضعيف بعضهم له بسبب سعيد ابن أبي هلال غير صحيح، فإنه ثقة احتج به الشيخان، ووثقه ابن سعد، والعجلي، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، والخطيب، وابن عبد البر، وغيرهم، وقال ابن أبي حاصم: لا بأس به. وقال الساجي: صدوق، كان أحمد يقول: ما أدرى أي شيء يخلط في الأحاديث.
(1)
فتح الباري جـ 2 ص 522.
وأما تضعيف ابن حزم له فلا سلف له -كما قال الحافظ ابن حجر- إلا قول أحمد المذكور
(1)
.
وقال الذهبي في "الميزان": ثقة معروف، حديثه في الكتب الستة. قال ابن حزم وحده: ليس بالقوي. انتهى
(2)
.
فتبين بهذا أن تضعيف الحديث بسببه غير صحيح، فعبارة أحمد غير كافية لرد أحاديثه مطلقًا؛ لأن تخليطه في بعض الأحاديث لا يستلزم الرد مطلقًا؛ بل إذا ظهر التخليط بمخالفة الثقات الآخرين، وهنا لم يخالف أحدًا، فتبصر. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر الصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -21/ 905 - بالسند المذكور. وهو من أفراده، فلم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ 2 ص 497، وابن خزيمة رقم 499 و 688.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
(1)
انظر "تت" جـ 4 ص 95. "ت" ص 126.
[تنبيه]: وقع في "ت" أن أحمد قال فيه: اختلط، وهذا غير صحيح، بل عبارة أحمد كما في "تت":"ما أدري أي شيء يخلط في الأحاديث"، وهذه العبارة ليست بمعنى اختلط فتنبه. والله أعلم.
(2)
ميزان الاعتدال جـ 2 ص 162.
22 - تَرْكُ الْجَهْرِ بـ"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على ترك الجهر بقراءة "بسم الله الرحمن الرحيم".
906 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وَصَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُمَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(محمد بن علي بن الحسن بن شقيق) بن دينار، وقيل: شقيق بن دينار بن مشْعب العبدي مولاهم، أبو عبد الله بن أبي
عبد الرحمن المروزيَ، المُطَّوِّعِيُّ، ثقة صاحب حديث، من [11].
قال ابن عقدة عن محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، وداود ابن يحيى: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال الحاكم: كان محدث
مرو. وقال ابن قانع، والباشاني: مات سنة 250. وقال غيره: سنة 251.
وذكر الحاكم أن البخاري ومسلمًا رويا عنه، قال الحافظ: كأنه في غير الجامعين. روى عنه الترمذي، والنسائي
(1)
.
2 -
(علي بن الحسن بن شقيق) بن دينار بن مشعب، العبدي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، قدم من البصرة إلى خراسان، ثقة
حافظ، من كبار [10].
قال أبو داود عن أحمد: لم يكن به بأس، إلا أنهم يتكلمون فيه في الإرجاء، وقد رجع عنه. وقال ابن معين: قيل له في الإرجاء، فقال: لا أجعلكم في حل، ولا أعلم قدم علينا من خراسان أفضل منه، وكان عالمًا بابن المبارك. وقال الآجري عن أبي داود: وسمع الكتب من ابن المبارك أربع عشرة مرة.
وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من علي بن الحسين بن واقد. وقال أبو عمار الحسين بن حريث: قلت له: هل سمعت "كتاب الصلاة" من أبي حمزة السكري؟ فقال: نعم سمعت، ولكن نهق حمار يومًا، فاشتبه علي حديث، فلا أدري أي حديث هو، فتركت الكتاب كله.
وقال العباس بن مصعب: كان جامعًا، وكان من أحفظهم لكتب ابن المبارك، وقد شارك ابن المبارك في كثير من رجاله، مثل شريك،
وإبراهيم بن طهمان، وقيس بن الربيع، وكان من أروى الناس عن ابن
(1)
"تت" جـ 9 ص 349 - 350. "ت" 311.
عيينة، وكان أول أمره المنازعة مع أهل الكتاب، حتى كتب التوراة والإنجيل، وأربعة عشر كتابًا من كتب ابن المبارك، ثم صار شيخًا
ضعيفًا، لا يمكنه أن يقرأ، فكان يحدث كل إنسان الحديثين والثلاثة. وتوفي سنة 215، وكذا أرخ وفاته غير واحد.
زاد أبو رجاء ابن حمدويه، ويقال: ولد ليلة قتل أبي مسلم بالمدائن سنة -137 - وكان يسكن البهارة. وقال ابن حبان: مات سنة -211 - وقيل: سنة 212 - وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مولده -137 - ، وروى الحاكم في تاريخه عن عبد العزيز ابن حاتم: ولدت سنة -193 - واختلفت إلى علي بن الحسن بن شقيق من سنة -211 - إلى سنة 215 - وفيها توفي. وفي الزهرة: روى عنه البخاري حديثين. أخرج له الجماعة
(1)
.
3 -
(أبو حمزة) محمد بن ميمون السُّكَّري المروزي، ثقة فاضل، من [7].
قال الأثرم عن أحمد: ما بحديثه عندي بأس، وهو أحب إلي حديثًا من حسين بن واقد. وقال الدوري: كان من ثقات الناس، ولم يكن يبيع السكر، وإنما سمي السكري لحلاوة كلامه. وقال النسائي: ثقة. وقال حفص بن حميد، عن ابن المبارك: حسين بن واقد ليس بحافظ، ولا يترك حديثه، وأبو حمزة صاحب حديث، هذا أو نحوه. وقال
(1)
"تت" جـ 7 ص 298 - 299. "تك" جـ 20 ص 371 - 374. "ت" ص 244.
سفيان بن عبد الملك: قال ابن المبارك: السكري وابن طهمان صحيحا الكتاب.
وقال علي بن الحسن بن شقيق: سئل عبد الله، عن الأئمة الذين يقتدى بهم، فذكر أبا بكر، وعمر، حتى انتهى إلى أبي حمزة، وأبو حمزة يومئذ حي. وقال يحيى بن أكثم: سئل ابن المبارك عن الاتباع؟ فقال: الاتباع ما كان عليه حسين بن واقد، وأبو حمزة. وقال العباس بن مصعب: كان مستجاب الدعوة. وعن معاذ بن خالد قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: ما شبعت منذ ثلاثين سنة إلا أن يكون لي ضيف.
وقال إبراهيم الحربي، عن محمد بن الحسن بن شقيق: أراد جار لأبي حمزة السكري أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن
الدار، وألفين جوار أبي حمزة. فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجه إليه بأربعة آلاف، وقال: خذ هذا، ولا تبع دارك. قال ابن أبي رِزْمة، وغيره: مات سنة 167 - وقال بشر بن محمد السختياني: سنة 168. وقال ابن حبان: سنة 7 أو 8. وقال ابن عبد البر في "التمهيد": ليس بقوي، ذكره في ترجمة سُمَيّ. وقال النسائي: لا بأس بأبي حمزة، إلا أنه كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك، فحديثه جيد. وذكره ابن القطان الفاسي فيمن اختلط، أخرج له الجماعة
(1)
.
(1)
"تت" جـ 9 ص 486 - 487. "تك" جـ 26 ص 544 - 548. "ت" ص 321.
4 -
(منصور بن زاذان) الثقفي، أبو المغيرة الواسطي، مات سنة 129 على الصحيح، ثقة ثبت عابد، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 5/ 475.
5 -
(أنس بن مالك) رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وأنهم ما بين مروزيين؛ وهم الثلاثة الأولون، وواسطي؛ وهو منصور، ومدني ثم بصري؛ وهو الصحابي، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفيه الإخبار، والسماع، والإنباء، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال على الصحيح في "عن" من غير المدلس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) رضي الله عنه أنه (قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي صلى إمامًا لنا (فلم يسمعنا قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم") بضم حرف المضارعة، من الإسماع.
ثم إن ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم قرأ "بسم الله الرحمن الرحيم"، ولكنه لم يجهر بها، فعدم سماعهم لعدم جهره بها، لا لأنه لم يقرأها، وأصرح منه ما في الرواية الآتية "فلم أسممع أحدًا منهم يجهر بـ"بسم الله الرحمن
الرحيم" (وصلى بنا أبو بكر، وعمر فلم نسمعها منهما) بفتح حرف المضارعة، من السماع.
وهذا الحديث دليل على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، ووجه ذلك أنه أراد بعدم السماع منهم عدم جهرهم بها، وهذا، وإن
كان يحتمل عدم قراءتها أصلًا، لكن الظاهر الأول. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا من طريق منصور بن زاذان صحيح، وهو من أفراد المصنف، لم
يخرجه غيره، أخرجه هنا -22/ 906 - وفي "الكبرى" -22/ 978 - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
907 -
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، رضي الله عنهم، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(عبد الله بن سعيد) بن حُصَين الكندي، أبو سعيد الأشج
الكوفي، ثقة، من صغار [10].
قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس، ولكنه يروي عن قوم ضعفاء. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال مرة: الأشج إمام زمانه. وقال النسائي: صدوق، وقال مرة: ليس به بأس. وقال محمد ابن أحمد بن بلال الشطوي: ما رأيت أحفظ منه. وقال اللالكائي، وغيره: مات سنة 257 - وأرخه ابن قانع سنة -6 - ، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الخليلي، ومسلمة بن قاسم: ثقة. وفي "الزهرة": روى عنه البخاري ثمانية، ومسلم سبعين حديثًا. أخرج عنه الجماعة
(1)
.
2 -
(عقبة بن خالد) بن عقبة بن خالد السَّكُوني، أبو مسعود الكوفي الْمُجَدَّر -بفتح الجيم-، صدوق صاحب حديث.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، قلت: هو ثقة؟ قال: أرجو إن شاء الله. وقال أبو حاتم: من الثقات، صالح الحديث، لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الجارودي: شيخ كوفي صاحب حديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عقبة بن خالد، وما تعلمت ألفاظ الحديث إلا منه. وقال ابن شاهين في الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: هو عندي ثقة. قال ابن نمير، والترمذي: مات سنة -188 - ، أخرج له الجماعة
(2)
.
(1)
"تت" جـ 5 ص 236 - 237. "ت" ص 175.
(2)
"تت" جـ 7 ص 239 - 240. "ت" ص 241.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الثبت الحجة الواسطي، ثم البصري، مات سنة 160، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 26.
4 -
(ابن أبي عروبة) هو سعيد، واسم أبيه مِهْران، أبو النضر البصري، مات سنة 156، ثقة حافظ، كثير التدليس، واختلط، من
أثبت الناس في قتادة، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 34/ 38.
والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث واضح، يعلم مما سبق. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه بألفاظ مختلفة، سأذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: فى بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -22/ 907 - ، وفي "الكبرى" -22/ 979 - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن
قتادة، عن أنس رضي الله عنه، ومسلم فيه عن محمد بن المثنى، ومحمد ابن بشار، كلاهما عن غندر، عن شعبة به. وعن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به. وأحمد جـ 3 ص 176 و 273 و 179. وعبد بن حُمَيْد رقم 1191، وابن خزيمة 496. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف الرواة في هذا الحديث:
قد حقق الحافظ رحمه الله تعالى هذا الاختلاف، فأجاد، وأفاد، ودونك عبارته:
قال رحمه الله تعالى: وقد اختلف الرواة عن شعبة في لفظ هذا الحديث، فرواه جماعة من أصحابه عنه بلفظ:"كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]. ورواه آخرون عنه بلفظ: "فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم". كذا أخرجه مسلم من رواية أبي داود الطيالسي، ومحمد بن جعفر. وكذا أخرجه الخطيب من رواية أبي عمر الدوري
(1)
شيخ البخاري فيه. وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة.
ولا يقال: هذا اضطراب من شعبة، لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين، فأخرجه البخاري في "جزء القراءة"،
والنسائي
(2)
وابن ماجه، من طريق أيوب، وهؤلاء والترمذي من طريق
(1)
قوله: "الدوري" هكذا في الفتح، ولعل الصواب:"الحوضي"؛ لأن البخاري رواه عن أبي عمر الحوضي، لا الدوري. فتنبه.
(2)
هو الحديث الماضي -20/ 902 و 903.
أبي عوانة، والبخاري في "جزء القراءة"، وأبو داود من طريق هشام الدستوائي، والبخاري فيه، وابن حبان من طريق حماد بن سلمة،
والبخاري فيه، والسرّاج من طريق، همام كلهم عن قتادة باللفظ الأول، وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعي، عن قتادة بلفظ: لم يكونوا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم".
وقد قدح بعضهم في صحته بكون الأوزاعي رواه عن قتادة مكاتبةً، وفيه نظر، فإن الأوزاعي لم ينفرد به، فقد رواه أبو يعلى عن
أحمد الدورقي، والسرّاجُ عن يعقوب الدورقي، وعبدُ الله بنُ أحمد، عن أحمد بن عبد الله السلمي، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، بلفظ:"فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" قال شعبة: فقلت لقتادة: سمعته من أنس؟ قال: نحن سألناه.
لكن هذا النفي محمول على ما قدمناه أن المراد أنه لم يسمع منهم البسملة، فيحتمل أن يكونوا يقرؤونها سرًّا، ويؤيده رواية من رواه عنه بلفظ:"فلم يكونوا يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم". كذا رواه سعيد بن أبي عروبة عند النسائي، وابنِ حبان، وهمامٌ عند الدارقطني، وشيبانُ عند الطحاوي، وابنِ حبان، وشعبة أيضًا من طريق وكيع عنه عند أحمد، أربعتهم عن قتادة.
ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك. فرواه البخاري في "جزء القراءة"،
والسرّاج، وأبو عوانة في صحيحه، من طريق إسحاق بن أبي طلحة، والسراجُ من طريق ثابت البناني، والبخاري فيه من طريق مالك بن دينار، كلهم عن أنس رضي الله عنه باللفظ الأول.
ورواه الطبراني في الأوسط من طريق إسحاق أيضًا، وابن خُزيمة من طريق ثابت أيضًا، والنسائي من طريق منصور بن زاذان، وابن
حبان من طريق أبي قلابة، والطبراني من طريق أبي نعامة، كلهم عن أنس رضي الله عنه باللفظ النافي للجهر.
فطريق الجمع بين هذه الألفاظ حمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، ويؤيده أن لفظ رواية منصور بن زاذان:"فلم يُسمعنا قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم". وأصرح من ذلك رواية الحسن، عن إنس عند ابن خزيمة بلفظ: "كانوا يسرون "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ فاندفع بهذا تعليلُ من أعله بالاضطراب، كابن عبد البر؛ لأن الجمع إذا أمكن تعين المصير إليه.
وأما من قدح في صحته بأن أبا سلمة سعيد بن يزيد سأل أنسًا عن هذه المسألة، فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، ولا سألني عنه أحد قبلك، ودعوى أبي شامة أن أنسًا سئل عن ذلك سؤالين، فسؤال أبي سلمة: هل كان الافتتاح بالبسملة، أو الحمدلة؟ وسؤال قتادة: هل كان يبدأ بالفاتحة، أو غيرها؟ قال: ويدلّ عليه قول قتادة في صحيح مسلم: نحن سألناه. انتهى- فليس بجيد؛ لأن أحمد روى في مسنده
بإسناد "الصحيحين" أن سؤال قتادة نظير سؤال أبي سلمة، والذي في مسلم إنما قاله عقب رواية أبي داود الطيالسي، عن شعبة، ولم يبين مسلم صورة المسألة، وقد بينها أبو يعلى، والسراجُ، وعبد الله بن أحمد في رواياتهم التي ذكرناها عن أبي داود أن السؤال كان عن افتتاح القراءة بالبسملة، وأصرح من ذلك رواية ابن المنذر من طريق أبي جابر، عن شعبة، عن قتادة، قال: سألت أنسًا، أيقرأ الرجل في الصلاة "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ فقال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم". فظهر اتحاد سؤال أبي سلمة، وقتادة، وغايته أن أنسًا أجاب قتادة بالحكم،
دون أبي سلمة، فلعله تذكره لما سأله قتادة بدليل قوله في رواية أبي سلمة: ما سألني أحد قبلك، أو قاله لهما معًا، فحفظه قتادة، دون أبي سلمة، فإن قتادة أحفظ من أبي سلمة بلا نزاع.
وإذا انتهى البحث إلى أن مُحَصَّلَ حديث أنس رضي الله عنه نفي الجهر بالبسملة على ما ظهر من طريق الجمع بين مختلف الروايات عنه، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه، لا لمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأن أنسًا يبعد جدًّا أن يصحب النبي صلى الله عليه وسلم مدة عشر سنين، ثم يصحب أبا بكر، وعمر، وعثمان، خمسًا وعشرين سنة، فلم يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به، ثم تذكر من الجزم
بالافتتاح بالحمد جهرًا، ولم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحقيق من الحافظ رحمه الله تعالى حسن جدًّا، إلا قوله:"فيتعين الأخذ بحديث الجهر"؛ لأن الأولى، بل المتعين في مثل هذا سلوك طريقة الجمع بالعمل بالحديثين، بحمل حديث الجهر على بعض الأوقات، لأن العمل بالحديثين معًا أولى من إلغاء أحدهما بالترجيح، ولو سلكنا مسلك الترجيح لكان حديث أنس رضي الله عنه أولى، لقوته، وصراحته.
والحاصل أن طريقة الجمع بحمل حديث الجهر على بعض الأحيان أولى وأرجح مما قاله الحافظ، وهو الذي سلكه الحذاق من فقهاء المحدثين، كالمصنف، وابن خزيمة، وغيرهما. كما سيأتي تحقيق ذلك في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
908 -
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نُعَامَةَ
(2)
الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، إِذَا سَمِعَ أَحَدَنَا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللَّهِ
(1)
فتح جـ 2 ص 468 - 470.
(2)
بفتح النون، فما وقع في نسخة "المجتبى" بضم النون فتحريف فتنبّه.
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، يَقُولُ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَخَلْفَ عُمَرَ رضي الله عنهما، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَرَأَ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري، أبو مسعود البصري، مات سنة 248، ثقة من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 42/ 47.
2 -
(خالد) بن الحارث بن عبيد بن سليم الْهُجَيْمي، أبو عثمان البصري، مات سنة 186، ثقة ثبت من [8]، تقدم في 42/ 47.
3 -
(عثمان بن غِيَاث) -بمعجمة، ومثلثة- الراسبي، أو الزهراني البصري، ثقة رمي بالإرجاء، من [6].
قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو عشرة أحاديث. وقال أحمد: ثقة، كان يرى الإرجاء. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى -يعني القطان- يقول: عند عثمان بن غياث كتب عن عكرمة، فلم يصححها لنا. وذكره الآجري عن أبي داود في مرجئة أهل البصرة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الدوري عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه في التفسير. وقال العجلي. بصري ثقة. أخرج له البخاري،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي
(1)
.
4 -
(أبو نعامة الحنفي) الرماني، وقيل: الضبي، واسمه قيس ابن عَبَاية البصري
(2)
ثقة من [3]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والأربعة.
قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي نعامة الحنفي؟ فقال: اسمه قيس بن عباية بصري ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدا رماه بكذب، ولا ببدعة. وذكره البخاري في "الأوسط" فيمن مات ما بين عشرين ومائة. له عند الترمذي، والمصنف، حديث الباب فقط
(3)
.
قال الجامع عفا الله عنه: وقع في نسخ "المجتبى" هنا تصحيف في قوله: "الخيفي"، والصواب كما في كتب الرجال:"الحنفي"، وهو الذي وقع في "الكبرى". فتنبه. والله تعالى أعلم.
5 -
(ابن عبد الله بن مغفل) اسمه يزيد. قاله في "ت"، وفي "تت": ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه في ترك الجهر بالبسملة، وعنه
أبو نعامة الحنفي، قيل: اسمه يزيد. اهـ.
وقال الحافظ في "الدراية": وقع في رواية للطبراني: "عن يزيد بن
(1)
"تت" جـ 7 ص 146 - 147.
(2)
بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحدة، ثم تحتانية.
(3)
"تت" جـ 8 ص 400 - 401. "ت" ص 283.
عبد الله بن مغفل". وهو كذلك في مسند أبي حنيفة. اهـ
(1)
.
قمال الجامع عفا الله عنه: هو كذلك في مسند أحمد جـ 4 ص 85 يزيد بن عبد الله. وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
6 -
(عبد الله بن مغفل) بن عبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزني، صحابي بايع تحت الشجرة، نزل البصرة، مات سنة 57، وقيل: بعد ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 36.
وشرح الحديث واضح يعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مغفل هذا حسن.
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن. انتهى.
وقال النووي رحمه الله في "الخلاصة": وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة، وابن عبد البر، والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو
(1)
راجع "تحفة الأحوذي" جـ 2 ص 54 - 55.
مجهول. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تحسين الترمذي رحمه الله عندي هو الصحيح، إذ ابن عبد الله بن مغفل معروف، روى عنه ثلاثة كما يأتي
قريبًا في كلام الحافظ الزيلعي، ولم يرو ما ليس له أصل، بل روى ما له شواهد من حديث أنس رضي الله عنه، وغيره، فتحسين حديث مثله هو الصواب على ما هو مقرر في مصطلح المحدثين.
قال الحافظ الزيلعي رحمه الله في "نصب الراية" بعد ذكر كلام النووي هذا ما نصه: رواه أحمد في مسنده من حديث أبي نعامة، عن بني عبد الله بن مغفل، قالوا: كان أبونا إذا سمع أحمدًا منا يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" يقول: أيْ بَنِيّ صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يقول:"بسم الله الرحمن الرحيم". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بَنِيّ، هكذا عنده بصيغة الجمع، وكذا قوله:"قالوا"، وقوله:"أبونا إذا سمع أحدًا منا". والذي في نسخة المسند التي بين أيدينا بالإفراد في كلها. فليحرر. والله تعالى أعلم.
قال: ورواه الطبراني في "معجمه" عن عبد الله بن بريدة، عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه مثله. ثم أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه، قال: صليت خلف
إمام، فجهر "بسم الله الرحمن الرحيم"، فلما فرغ من صلاته، قلت: ما هذا؟ غَيِّبْ عنا هذه التي أراك تجهر بها، فإني قد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، وعمر، فلم يجهروا بها. انتهى.
فهؤلاء ثلاثة رووا هذا الحديث عن ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه، وهم أبو نعامة الحنفي: قيس بن عباية، وقد وثقه ابن معين، وغيره، وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدًا رماه ببدعة في دينه، ولا كَذب في روايته. وعبد الله بن بريدة، وهو أشهر من أن يثنى عليه، وأبوَ سفيان السعدي، وهو وإن تُكُلِّمَ فيه، ولكنه يعتبر به ما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل يزيد، كما هو عند الطبراني فقط.
قال الجامع عفا الله عنه: بل ثبت تسميته يزيد عند أحمد أيضًا 4/ 85 من طريق إسماعيل، عن سعيد الجريري، عن قيس بن عباية، عن ابن عبد الله بن مغفل، يزيد بن عبد الله، قال: سمعني أبي
…
راجع "المسند" جـ 4 ص 85. وكذا ثبت في مسند أبي حنيفة رحمه الله كما قاله الحافظ في "تت" جـ 12 ص 302، والحافظ المزي في "تحفته" كما يأتي قريبًا. والله تعالى أعلم.
قال: فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه.
قال: وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالتسمية، وهو وإن لم يكن فن أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به، لا سيما إذا تعددت شواهده، وكثرت متابعاته. والذين تكلموا فيه، وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل، قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يَعلَم هو أنه موضوع، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث؛ إذ قال بعد أن رواه في كتاب "المعرفة" من حديث أبي نعامة بسنده المتقدم، ومتن السنن: هذا حديث تفرد به أبو نعامة قيس ابن عباية، وأبو نعامة، وابن عبد الله بن مغفل، لم يحتج بهما صاحبا الصحيح.
فقوله: تفرد به أبو نعامة ليس بصحيح، فقد تابعه عبد الله بن بريدة، وأبو سفيان، كما قدمناه، وقوله: وأبو نعامة، وابن عبد الله بن مغفل، لم يحتج بهما صاحبا الصحيح. ليس هذا لازمًا في صحة الإسناد، ولئن سلمنا، فقد قلنا: إنه حسن، والحسن يحتج به. انتهى كلام الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى ببعض اختصار
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ الزيلعي رحمه الله من تحسين حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه حسن جدًّا.
وحاصله أن ابن عبد الله بن مغفل معروف، فقد روى عنه ثلاثة،
(1)
راجع "نصب الراية" جـ 1 ص 232 - 233.
وقد روى ما تشهد له الأحاديث الصحاح، من حديث أنس وغيره، فتحسين حديثه بشواهده هو الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -22/ 908 - وفي "الكبرى" -22/ 980 - بالسند المذكور. وأخرجه الترمذي في الصلاة عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد الجريري، عن قيس بن عباية، وهو أبو نعامة الحنفي، عن ابن عبد الله بن مغفل، عنه. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، نحوه. قال الحافظ المزي من زياداته: رواه أبو حنيفة، عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه. انتهى
(1)
.
وأخرجه أحمد 4/ 85 بسنده عن عباية بن رفاعة، عن ابن عبد الله ابن مغفل يزيد بن عبد الله، قال: سمعني أبي، وأنا أقول:"بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال: أي بني إياك، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه حدثًا
(2)
في الإسلام منه، فإني قد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا قرأت، فقل:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2].
(1)
تحفة الأشراف جـ 7 ص 181.
(2)
هكذا نسخة المسند "حدثا" بالنصب، ولعل الصواب "حدث" بالرفع فليحرر.
وأخرجه في 5/ 55 بسنده عن قيس بن عباية، حدثني ابن عبد الله ابن مغفل، قال: سمعني أبي، وأنا أقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] فلما انصرف قال: يا بُنَيّ! إياك والحدث في الإسلام، فإني صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر، وخلف عمر، وعثمان رضي الله تعالى عنهم، فكانوا لا يستفتحون القراءة بـ "بسم الله الرحمن الرحيم". ولم أر رجلًا قط أبغض إليه الحدث منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
23 - تَرْكُ قِرَاءة "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فِي فَاتِحَةِ الكتَابِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواز ترك قراءة البسملة في "الفاتحة"، ومثل الفاتحة في ذلك غيرها، إلا في وسط سورة النمل، فإنه منها بالإجماع، كما سيأتي في المسائل إن شاء الله تعالى.
909 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بـ"أُمِّ الْقُرْآنِ"، فَهِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ.
فَقُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ؟، فَغَمَزَ ذِرَاعِي، وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]،
يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: حَمِدَنِي عَبْدِي. يَقُولُ الْعَبْدُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} [الفاتحة: 3]، يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]، يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: مَجَّدَنِي عَبْدِي. يَقُولُ الْعَبْدُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فَهَذِهِ الآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. يَقُولُ الْعَبْدُ {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7]، فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
2 -
(مالك) بن أنس، الإمام الحجة الفقيه المدني، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 7/ 7.
3 -
(العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقي، أبو شِبْل المدني، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، صدوق، ربما وهم، من [5]،
أخرج الجماعة، تقدم في 107/ 143.
4 -
(أبو السائب مولى هشام بن زُهرة) ويقال: مولى عبد الله ابن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة الأنصاري المدني، يقال: اسمه عبد الله بن السائب، ثقة من [3]، روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي وقاص. وعنه العلاء بن عبد الرحمن، وصيفي مولى أفلح، وأسماء بن عبيد، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل. أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون
(1)
.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا أبا السائب، فما أخرج له البخاري في "صحيحه".
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل المدينة، فقد روى عن مالك وغيره من علماء المدينة كثيرًا.
ومنها: رواية تابعي، عن تابعي؛ العلاء، عن أبي السائب. والله
(1)
"تت" جـ 12 ص 104.
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن العلاء بن عبد الرحمن) الْحُرَقي المدني (أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زُهرة) بضم الزاي، الأنصاري المدني (يقول: لسمعت أبا هريرة) رضي الله عنه (يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة) عام يشمل الفرض والنفل (لم يقرأ فيها بأم القرآن) أي الفاتحة، وسميت بأم القرآن لاشتمالها على مقاصده من الثناء على الله تعالى بما هو أهله، والتعبد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولاشتمالها على أحوال المعاش والمعاد، وعلى مدح المهتدين، وذم المفرطين، وغير ذلك (فهي) أي الصلاة التي لم يقرأ فيها بأم القرآن (خداج، هي خداج، هي خداج) أي ناقصة نقص فساد وبطلان. قال في "النهاية": الخِدَاج: النقصان، وإنما قال:"فهي خداج"، والخداج مصدر على حذف المضاف، أي ذات خداج، أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه مبالغةً، كقوله: فإنما هي إقبالٌ وإدبارٌ. انتهى
(1)
.
والتكرار فيه للتأكيد. والخِدَاج -بالكسر-: النقصان.
وفي "ق": الخِدَاج، ككتاب: إلقاء الناقة ولدها قبل تمام الأيام، والفعلُ: كنصر، وضرب. انتهى
(2)
.
(1)
"نهاية ابن الأثير" جـ 2 ص 12.
(2)
"ق" بزيادة يسيرة ص 237.
وقال ابن منظور رحمه الله: خَدَجَت الناقةُ، وكلّ ذات ظِلْفٍ وحافرٍ، تَخْدُجُ، وتَخْدِج خداجًا، وهي خَدُوجٌ، وخادجٌ، وخَدَجَتْ، وخَدَّجَت: ألقت ولدها قبلَ أوانه لغير تمام الأيام، وإن كان تام الخلق. قال الحسين بن مُطَير [من البسيط]:
لَمَّا لَقِحْنَ لِمَاءِ الْفَحْلِ أَعْجَلَهَا
…
وَقْتَ النِّكَاحِ فَلَمْ يُتْمِمْنَ تَخْدِيجُ
وقد يكون الخِداج لغير الناقة؛ أنشد ثَعْلَب [من الرجز]:
يَوْمَ تَرَى مُرْضِعَةً خَلُوجَا
…
وَكُلَّ أُنْثَى حَمَلَمت خَدُوجَا
أفلا تراه عم به؟. وفي الحديث: "كل صلاة، لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خدَاجٌ"، أي ذات خداجٍ، وهو النُقْصَانُ، وهذا مذهبهم في الاختصار للكلام، كما قالواَ: عبدُ الله إِقبال وإِدبار، أي مُقبِل، ومُدبر، أحَلُّوا المصدر محل الفعل. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله باختصار
(1)
.
وقال الإمام الخطابي رحمه الله في "المعالم": "فهي خداج"، أي ناقصة نقص فساد وبطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة: إذا ألقت
ولدها، وهو دم لم يستبن خلقه، فهي مُخدِجٌ، والخِداج اسم مبني منه. انتهى.
وقال النووي رحمه الله: قال الخليل بن أحمد، والأصمعي،
(1)
لسان العرب جـ 2 ص 1108.
وأبو حاتم السجستاني، والهروي رحمهم الله تعالى، وآخرون: الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوان
النتاج، وإن كان تام الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقصًا، وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي اليُدَيَّة: مُخْدَجُ اليد، أي ناقصها. قالوا: فقوله صلى الله عليه وسلم: "خداج"، أي ذات خداج. وقال جماعة من أهل اللغة: خدجت، وأخدجت: إذا ولدت لغير تمام. انتهى
(1)
.
وفيه فرضية قراءة الفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم تقرأ فيها الفاتحة فهي ناقصة نقص فساد وبطلان؛ لأن الخداج: النقصان
والفساد، ومن ذلك قولهم: أخدجت الناقة، وخدجت: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلق، وذلك نتاج فاسد. وقد زعمت
الحنفية أن قوله: "خداج" يدل على جواز الصلاة، لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا حكم فاسد
(2)
.
(غير تمام) أي غير تامة أجزاؤها، وهو بدل من "خداج"، أو عطف بيان له. وفي "المنهل": هو من كلامه صلى الله عليه وسلم، ذكره بيانًا لمعنى "الخداج"، أو تأكيدًا له. ويحتمل أن يكون من كلام الراوي قد أدرجه في الحديث. انتهى
(3)
.
(1)
شرح مسلم جـ 4 ص 101.
(2)
عون المعبود جـ 3 ص 38 - 39.
(3)
المنهل جـ 5 ص 247.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الإدراج بدون دليل غير صحيح. والله تعالى أعلم.
وفي هذا حجة للجمهور القائلين بفرضية قراءة الفاتحة في الصلاة. وما قيل من أن النقص لا يستلزم البطلان محله ما لم تقم قرينة على أن المراد به النقصان المؤدي إلى البطلان كما هنا، وهنا القرينة قائمة، وهي ما ذ كره أبو هريرة رضي الله عنه حجةً على عدم الإجزاء، من قوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة
…
".
وقال الباجي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج" يعني ناقصة عما يجب فيها، وكذلك قال عيسى بن دينار، وابن نافع: إن الخداج الناقص الذي لا يتم، وذلك يقتضي ألا تكون مجزئة.
وقد تعلق بعض من تكلم في ذلك بهذا اللفظ، وجعله دليلًا على الإجزاء؛ لأنه سماها صلاة، ووصفها بالنقصان، وذلك يقتضي أن يثبت لها حكم الصلاة، وإن نقصت فضيلتها، أو صفة من صفاتها، لا تخرج بعدمها عن كونها صلاة. وليس هذا بصحيح؛ لأن اسم الصلاة يطلق على المجزئ منها، وغير المجزئ، يقال: صلاة فاسدة، وصلاة غير مجزئة، كما يقال: صلاة صحيحة، وصلاة مجزئة، وإطلاق اسم النقصان عليها يقتضي نقصان أجزائها، والصلاة لا تتبعض، فإذا بطل بعضها بطل جميعها، ولا يجوز أن يطلق اسم النقصان على عدم
الفضيلة لمن كملت أجزاؤه. انتهى
(1)
.
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله: وقد زعم من لم يوجب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، وقال: هي وغيرها سواء، أن
قوله: "خداج" يدل على جواز الصلاة، لأنه نقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاة قبل أن يتمها فعليه إعادتها تامة كما أمر على حسب حكمها، ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصانها فعليه الدليل، ولاسبيل إليه من وجه يلزم. والله أعلم. انتهى
(2)
.
قال أبو السائب: (فقلت: إِني أحيانًا أكون وراء الإِمام) أي أكون في بعض الأوقات مقتديًا بالإمام، فهل علي من حرج في عدم
قراءتها؟ (فغمز ذراعي) من باب ضرب: أي عَصَرَ ساعدي، والغَمْز: العَصْرُ، قال زِيَادٌ الْعَجَمُ [من الطويل]:
وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ
…
كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا
وغَمَزْتُ الناقة، أغْمِزُها غَمْزًا: إذا وضعت يدك على ظهرها، لتنظر أبها طِرْقٌ
(3)
أم لا؟. أفاده في "اللسان"
(4)
.
(1)
المنهل العذب المورود جـ 5 ص 247.
(2)
الاستذكار جـ 4 ص 193.
(3)
"الطِّرق" بالكسر: الشحم، والقوة، والسِّمَن. قاله في "ق" ص 1166.
(4)
لسان باختصار، وزيادة جـ 5 ص 3296.
و"الذراع": اليد من كل حيوان، لكنها من الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع، وهو أنثى، وبعض العرب يذكره، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس، عن سلمة، عن الفراء شاهدًا على التأنيث قولَ الشاعر [من الرجز]:
أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْي فَرْعٌ أَجْمَعُ
…
وَهْيَ ثَلاثُ أَذْرُعٍ وَإِصْبَعُ
وعن الفراء أيضًا: الذراع أنثى، وبعض عُكْلٍ يذكر، فيقول: خمسة أذرع. قال ابن الأنباري: ولم يَعرف الأصمعيُّ التذكيرَ. وقال
الزجاج: التذكير شاذ غير مختار. وجمعها: أذْرعٌ، وذُرْعَانٌ. حكاه في "العُبَاب"
(1)
.
وإنما غمز أبو هريرة رضي الله عنه ذراعه على معنى التأنيس له، والتنبيه على فهم مراده، والبَعْثِ له على جمع ذهنه، وفهمِ جوابه. قاله الباجي رحمه الله تعالى.
(وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي) معناه: اقرأ بفاتحة الكتاب سّرًا في نفسك. وفيه حجة للمذهب الراجح أن المأموم يقرأ الفاتحة
خلف الإمام مطلقًا، سرية كانت أو جهرية. وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
قال النووي رحمه الله: وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم
(1)
"المصباح المنير" جـ 1 ص 207 - 208.
أن المراد تَدَبَّرْ ذلك، وتذكره، فلا يقبل، لأن القراءة لا تطلق إلا على حرجة اللسان بحيث يسمع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة. انتهى.
ولعل أبا السائب كان أصله من فارس، فلهذا قال له أبو هريرة رضي الله عنه: يا فارسي. والله تعالى أعلم.
(فإِني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم) هذا استدلال من أبي هريرة رضي الله عنه على أمره بقراءة الفاتحة وراء الإمام، وأنه لا يعذر المأموم بكونه وراء الإمام في ترك قراءتها، ووجه الاستدلال أن الله تعالى سمى الفاتحة صلاة، وقسمها بينه وبين عبده نصفين، فمن لم يقرأها في صلاته كان غير مصلّ، فلابد لكل مصلّ أن يقرأها، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا. والله تعالى أعلم.
(يقول: يقول الله عز وجل ولفظ الكبرى "قال الله تعالى" بصيغة الماضي، وكذا في مسلم، ولأبي داود: "قال الله، عز وجل" (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) أراد بالصلاة الفاتحة، كما يدلّ عليه تمام الحديث، وسميت صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، ففيه إطلاق اسم الكل على الجزء، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم:"الحج عرفة".
وقال الخطابي رحمه الله: يريد بالصلاة القراءة. يدل على ذلك
قوله عند التفسير له، والتفصيل للمراد منه: "إذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] يقول الله: حمدني عبدي
…
" إلى آخر السورة. وقد تسمى القراءة صلاة لوقوعها في الصلاة، وكونها جزءًا من أجزائها، كقوله تعالى:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110]. قيل: معناه القراءة، وقال:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] أراد صلاة الفجر، فسمى الصلاة مرة قرآنًا، والقرآن مرة صلاة، لانتظام أحدهما بالآخر.
يدل على صحة ما قلناه قوله: "بيني وبين عبدي نصفين"، والصلاة خالصة لله، لا شِرْك فيها لأحد، فعُقِلَ أن المراد به القراءة.
وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى لا إلى متلو اللفظ؛ وذلك أن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء، ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وهو تمام الشطر الأول من السورة، وباقي الآية، وهو قوله:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} من قسم الدعاء والمسألة، ولذلك قال:"وهذه بيني وبين عبدي".
ولو كان المراد به قسم الألفاظ والحروف لكان النصف الأخير يزيد على الأول زيادة بينة، فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني، كما ذكرته لك، وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يريد به انقسام أيام السنة مدة للسفر، ومدة للإقامة، لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء، لا يزيد أحدهما على
الآخر. وقيل لشُرَيح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت، ونصف الناس علي غضَاب. يريد أن الناس محكوم له، ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غَضبان عليّ لاستخراجي الحقَّ منه، وإكراهي إياه عليه. وكقول الشاعر [من الطويل]:
إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَيْنِ شَامِتٌ
…
بِمَوْتِي وَمُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ
انتهى كلام الخطابي رحمه الله تعالى
(1)
.
(فنصفها لي) مبتدأ وخبر، أي نصف الفاتحة خاص بي، وهو الثلاث الآيات الأول {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 2 - 3 - 4]، (ونصفها لعبدي) أي خاص به، وهو من:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخر السورة.
والإضافة في قوله: "عبدي" إضافة تشريف وتكريم، حيث تحقق بصفات العبودية، والقيام بحقوق الربوبية، وشهوده آثارهما، وأسرارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح، وروح الأشباح، وغرس تجليات الأسرار التي يتخلى بها العبد عن الأغيار. ولما كان وصف العبودية غايةَ الكمال؛ إذ به ينصرف الإنسان من الخلق إلى الحق وَصَفَ به الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم في مقام الكرامة، فقال:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] الآية، وقال:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] الآية، وقال:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10]
(2)
.
(1)
"معالم السنن" جـ 1 ص 388 - 389.
(2)
"المنهل العذب المورود" بتصرف جـ 5 ص 248.
(ولعبدي ما سأل) وعد من الله سبحانه وتعالى لعبده أن يجيب دعاءه.
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا) أي اقرؤوا الفاتحة، فيه إيجاب قراءتها على جميع المصلين؛ لكونها أعظم أركانها حتى سماها الله تعالى صلاة، فمن لم يقرأها لم يصل صلاة صحيحة. وليست هذه اللفظة عند مسلم.
(يقول العبد): وفي رواية مسلم: "فإذا قال العبد". وهذا بيان للصلاة التي قسمها الله تعالى بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر صلى الله عليه وسلم ما يقوله الله تعالى عند قراءة العبد كل آية منها، وأعلم العبد أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه عليه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته إليه، حَضًّا للعبد على الخشوع عند قراءة هذه السورة المختصة بهذه المعاني الجليلة التي لا تكاد تجتمع في غيرها من السور.
وفيه حجة لمن قال: إن البسملة ليست من الفاتحة، ولو كانت منها لبدأ بها، وذكر فضلها كما ذكر فضل كل آية منها
(1)
.
({الْحَمْدُ لِلَّهِ}) القراء السبعة على ضم الدال، وهو مبتدأ وخبر، وروي عن سفيان بن عيينة، ورؤبة بن العجاج، أنهما قرءا بالنصب، وهو على إضمار فعل، وقرأ ابن أبي عبلة بضم الدال واللام، إتباعًا
(1)
أفاده في المنهل جـ 5 ص 248.
للثاني الأول، وله شواهد، لكنه شاذ، وعن الحسن، وزيد بن علي بكسر الدال، إتباعا للأول الثاني.
قال الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله: معنى {الْحَمْدُ لِلَّهِ} الشكر لله خالصًا، دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذّاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه، ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله، أولًا وآخرًا.
قال رحمه الله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ثنأء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} .
قال: وقد قيل: إن قول القائل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ثناء عليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وقوله:"الشكر لله" ثناء عليه بنعمه، وأياديه.
ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلًا من الحمد والشكر مكان الآخر. وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق، وابن عطاء من الصوفية، وقال ابن عباس رضي الله عنهما:"الحمد لله" كلمة كل شاكر. وقد استدل
له القرطبي بصحة قول القائل: "الحمد لله شكرًا".
واعترض الحافظ ابن كثير على قول ابن جرير، بأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين، أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان، واللسان، والأركان، إلى آخر كلامه
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي في رد ابن كثير هذا نظر؛ لأن ابن جرير رحمه الله نقل عن التقدمين، كابن عباس، وجعفر الصادق،
فكيف يرد عليه بما اشتهر عند المتأخرين؟ فتبصر.
({رَبِّ الْعَالَمِينَ}) أي مالك الخلائق أجمعين، الواحد عالم، وهو اسم يجمع أشياء مختلفة، ومن جعل "العالمين" الجن والإنس جعل
العالم جمعًا لأشياء متفقة. قاله الأزهري رحمه الله تعالى
(2)
.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى، ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة، تقول: رب الدار كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل.
وقد قيل: إنه الاسم الأعظم.
"والعالمين" جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله عز وجل،
(1)
راجع تفسير ابن كثير جـ 1 ص 24.
(2)
شرح غريب ألفاظ الشافعي ص 228.
والعالم جمع لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات في السموات، وفي البر، والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا
أيضا. انتهى.
يقول الله تعالى: حمدني عبدي أي أثنى عليّ بما أنا أهله (يقول العبد: ({الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}) صفتان من صفات الله عز وجل، ولا
يوصف بـ "الرحمن" غير الله تعالى، وأما "الرحيم" فجائز أن يقال: فلان رحيم، وهو أبلغ من الراحم. قاله الأزهري رحمه الله.
وقال ابن كثير رحمه الله: هما اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، و"رحمن" أشد مبالغة من "رحيم"، وفي كلام ابن جرير
ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك. وزعم بعضهم أنه غير مشتق.
وقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما أخرجه الترمذي، وصححه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته". قال: وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله، وبما وجب له.
وقال أيضًا: ثم قيل: هما بمعنى واحد، كَنَدْمان ونَديم، قاله أبو عبيد. وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقعَ إلا على
مبالغة الفعل، نحو رجل غضبان، للرجل الممتلىء غضبًا، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال أبو علي الفارسي:"الرحمن" عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله تعالى، و"الرحيم" إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43]
(1)
.
وقال أيضا: وصف نفسه تعالى بعد {رَبِّ الْعَالَمِينَ} بأنه {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} لأنه لما كان في اتصافه بـ {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ترهيب قَرَنَه بـ {الرَّحْمَنِ الرَحِيمِ} لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته، وأمنع، كما قال:{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)} [الحجر: 49 - 50]، وقال:{غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} [غافر: 3]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنِطَ من جنته أحد". انتهى كلام القرطبي بنوع تصرف
(2)
.
(يقول الله عز وجل: أثنى علي عبدي) حيث اعترف لي بعموم الإنعام على خلقي. (يقول العبد: ({مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}) أي يوم الجزاء
بالثواب للطائعين، والعقاب للعاصين، وهو يوم القيامة، وخص يوم
(1)
تفسير القرطبي باختصار جـ 1 ص 106.
(2)
المصدر السابق جـ 1 ص 139.
الدين بالذكر، لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا الله تعالى.
و"مالك" اسم فاعل، صفة لله تعالى، ولا يقال: إن اسم الفاعل إضافته لفظية، فلا تفيده التعريف، فكيف توصف المعرفة بالنكرة؛ لأن محل كون إضافته لفظية إذا كان للحال، أو الاستقبال، فإن قصد به المضي، أو الدوام كما هنا، فإضافته حقيقية، فتوصف به المعرفة.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: قرأ بعض القراء "ملك"، وقرأ آخرون "مالك"، وكلاهما صحيح متواتر في السبع. انتهى.
وقال العلامة القرطبي رحمه الله: اختلف العلماء أيما أبلغ، "ملك"، أو "مالك"؟ والقراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، ذكرهما الترمذي، فقيل:"ملك" أعم، وأبلغ من "مالك"؛ إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك. قاله أبو عبيدة، والمبرد. وَقيل:"مالك" أبلغ، لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفًا، وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. إلى آخر ما ذكره القرطبي رحمه الله من الأقوال في تفسيره.
(يقول الله عز وجل: مجدني عبدي) أي عظمني، وأثنى علي بصفات الجلال.
قال النووي رحمه الله: وقوله تعالى: "حمدني عبدي"، و "أثنى
علي"، و"مجدني"، إنما قاله لأن التحميد: الثناء بجميل الفعال، والتمجيد: الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كله،
ولهذا جاء جوابًا لـ"الرحمن الرحيم"، لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية.
وفي رواية مسلم: "وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: "مجدني عبدي"، وقال مرة: "فوَّضَ إلي عبدي". وقوله: "فوض إليّ عبدي" وجه مطابقة هذا لقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم، والدين: الحساب، وقيل: الجزاء، ولا دعوى لأحد ذلك اليوم، ولو مجازًا، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي، ويَدَّعِي بعضهم دعوى باطلة، وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم، هذا معناه، وإلا فالله سبحانه وتعالى هو المالك، والملك على الحقيقة للدارين، وما فيهما، ومن فيهما، وكل من سواه مربوب له، عبد مسخر، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد، وتفويض الأمر، ما لا يخفى. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى
(1)
.
(يقول العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}) قرأ السبعة بتشديد الياء، من "إياك"، وقرأ عمرو بن فائد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مردودة، لأن "إيا" ضوء الشمس. وقرأ بعضهم "أياك" بفتح الهمزة،
(1)
شرح مسلم جـ 4 ص 104.
وتشديد الياء، وقرأ بعضهم "هياك" بالهاء بدل الهمزة.
قال العلامة القرطبي رحمه الله: رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين؛ لأنه من أول السورة إلى هنا خبر عن الله تعالى، وثناء عليه. و"نعبد": معناه نطيع، والعبادة: الطاعة والتذلل، وطريق معبد إذا كان مذللًا للسالكين. قاله الهروي. ونطقُ المكلف به إقرار بالربوبية، وتحقيق لعبادة الله تعالى؛ إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: والعبادة في اللغة من الذل، يقال: طريق معبد، أي مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال
المحبة والخضوع والخوف. انتهى.
({وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}) بفتح النون في قراءة الجميع إلا يحيى بن وثّاب، والأعمش، فإنهما كسراها، وهي لغة بني أسد، وربيعة، وبني
تميم. أي نطلب العون والتأييد والتوفيق.
وقدم المفعول، وهو "إياك"، وكرر للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا كمال الطاعة، والدينُ كله يرجع
إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، وتفويض إلى الله عز وجل. قاله ابن كثير رحمه الله تعالى.
وقال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله: تأويل قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} : لك اللهم نخشع، ونذل، ونستكين، إقرار لك يا ربنا بالربوبية، لا لغيرك. ومعنى قوله:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} : وإياك ربنا نستعين على عبادتنا إياك، وطاعتنا لك، وفي أمورنا كلها، لا أحد سواك، إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره معبوده الذي يعبده من الأوثان دونك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذه الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، ووجه حسنه فيها أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب
كان أحسن تجديدًا لنشاط السامع، وكان أكثر إيقاظًا للإصغاء إليه.
وألطفُ من ذلك أن العبد إذا ذكر الحقيقَ بالحمد عن قلب حاضر يجد من نفسه محركًا للإقبال عليه، وكلما أجرَى عليه صفةً من تلك الصفات العظام قَويَ ذلك المحرك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمة تلك الصفات المفيدة أنه مالك الأمر كله يوم الجزاء، فحينئذ يوجب الإقبال عليه، والخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع، والاستعانة في المهمات. أفاده بعض المحققين
(2)
.
(1)
تفسير ابن جرير الطبري جـ 1 ص 69.
(2)
وهو العلامة محمد بن عبد الرحمن القزويني، صاحب "تلخيص المفتاح" في علوم البلاغة جـ 1 ص 471 - 475. بنسخة حاشية الدسوقي.
(فهذه الآية بيني وبين عبدي) وفي رواية مسلم: "هذا بيني وبين عبدي"، ولأبي داود:"فهذه بيني وبين عبدي"، وإنما كانت بين الله عز وجل وبين عبده، لأن بعضها تعظيم لله، وهو:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وبعضها استعانة للعبد بربه على أموره، وهو:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
(ولعبدي ما سأل) هذا وعد من الله تعالى لعبده أن يعطيه ما سأله من العون على أموره.
(يقول العبد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قراءة الجمهور بالصاد، وقرئ "السراط" بالسين، وقرئ بالزاي. قال الفراء: وهي لغة
بني عُذْرةَ، وبني كَلْب
(1)
.
قال العلامة القرطبي رحمه الله: "اهدنا": دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب، والمعنى: دُلَّنا على الصراط المستقيم، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك. قال بعض العلماء: فجعل الله جل وعز عُظْم الدعاء، وجملته موضوعًا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي، لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به.
وفي الحديث: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء"
(2)
. وقيل:
(1)
"تفسير ابن كثير" جـ 1 ص 28.
(2)
حديث حسن، أخرجه أحمد، والترمذي، والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
المعنى: أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك. وقيل: الأصل فيه الإمالة، منه قوله تعالى:{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أي ملْنا. و"خرج صلى الله عليه وسلم في مرضه، يهادي بين رجلين"، أي يتمايل. ومنه الهَدَيَّة؛ لأنها تُمال من مِلْك إلى مِلْك. ومنه الهَدْي للحيوان الذي يساق إلى الحرم، فالمعنى: مِلْ بقلوبنا إلى الحق. وقال الفضيل بن عياض: الصراط المستقيم طريق الحج، وهذا خاص، والعموم أولى. وقال محمد ابن الحنفية: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. وقال عاصم الأحول، عن أبي العالية:"الصراط المستقيم": هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحباه من بعده، قال عاصم: فذكرت للحسن، فقال: صدق، ونصح. انتهى كلام القرطبي ببعض اختصار
(1)
.
وقال الإمام ابن جرير رحمه الله: الذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أن يكون معنيًا به وَفِّقْنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول، وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وُفِّقَ لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجر عنه، واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم. انتهى.
(1)
جامع الأحكام جـ 1 ص 147.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أن يعقب بالسؤال، كما قال:"فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل، واحتياجه، كما قال موسى عليه السلام:{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول، كقول ذي النون:{لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، وقد يكون بمجرد الثناء على السؤول، كقول الشاعر [من الطويل]:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي
…
حِبَاؤُكَ إن شِيمَتَكَ الْحِبَاءُ
إذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمَا
…
كفَاهُ مِنْ تَعَرُّضكَ الثَّنَاءُ
والهداية ها هنا الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها، كما هنا، وقد تعدى بـ"إلى"، كقوله تعالى:{اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 121]، وقد تعدى باللام، كقوله:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43].
وأما الصراط المستقيم، فقال أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن
عطية الخطفي [من الوافر]:
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِراطِ
…
إذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ
قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثم تستعير العرب الصراط، فتستعمله في كل قول، وعمل، وُصِفَ باستقامة، أو
اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله، وللرسول صلى الله عليه وسلم فقيل: إنه كتاب الله. وقيل: الإسلام. وقيل: الحق. وذكر ما تقدم في كلام القرطبي، إلا قول فضيل:"إنه طريق الحج"، ثم قال: وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم، واقتدى باللذين من بعده، أبي بكر، وعمر، فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق، فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام، فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة، يصدق بعضها بعضًا، ولله الحمد.
فإن قيل: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل، أم
لا؟.
فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما
أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها.
فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل، وأطراف النهار، وقد قال الله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 136] الآية.
فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات، والاستمرار، والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك. والله أعلم. وقال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا:{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} [آل عمران: 8].
فمعنى قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} استمرَّ بنا عليه، ولا تعدل بنا إلى غيره. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى
(1)
.
({صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}) مفسر للصراط المستقيم، وهو بدل منه بدل الشيء من الشيء، ويجوز أن يكون عطف بيان. ومعناه: أدمْ هدايتنا، فإن الإنسان قد يُهدَى إلى الطريق، ثم يقطع به. والله أعلم.
(1)
"تفسير ابن كثير" جـ 1 ص 30.
واختلف في المراد بهم، فقال الجمهور من المفسرين: أنه أراد صراط النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. وانتزعوا ذلك من قوله تعالى:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]. فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد، وجميع ما قيل فيه يرجع إلى هذا، فلا معنى لتعديد الأقوال.
وفي هذه الآية ردّ على القدرية، والمعتزلة، والإمامية؛ لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه، طاعة كانت، أو معصية؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه، وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية، إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم.
فلو كان الأمر إليهم، والاختيار بيدهم دون ربهم لا سألوه الهداية، ولا كرر السؤال في كل صلاة، وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه، وهو ما يناقض الهداية، حيث قالوا:{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} .
فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم، وكذلك يدعون، فيقولون:{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} [آل عمران: 8]. قاله القرطبي رحمه الله تعالى
(1)
.
(1)
"الجامع لأحكام القرآن" جـ 1 ص 148 - 149.
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} قرأ الجمهور "غيرِ" بالجر على النعت، قال الزمخشري: وقرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في "عليهم"، والعامل "أنعمت عليهم" ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية، والاستقامة، والطاعة لله ورسله، وامتثال أمره، وترك نواهيه، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق، وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ "لا" ليدل على أن ثَمَّ مسلكين قاصدين، وهما طريقة اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النحاة أن "غير" هنا استثنائية، فيكون هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم، وما تقدم أولى. وزعم
بعضهم أن "لا" في قوله تعالى: {وَلَا الضَّالِّينَ} زائدة، والصحيح ما تقدم. أفاده ابن كثير رحمه الله تعالى.
اختلف في "المغضوب عليهم" و "الضالين" من هم؟، فالجمهور أن "المغضوب عليهم" هم اليهود، و"الضالين" هم النصارى. وجاء ذلك مفسرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، والترمذي في جامعه، ويشهد لهذا التفسير قوله سبحانه في اليهود: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ
مِّنَ اللَّهِ} [البقرة: 61]، وقوله:{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} . وقال في النصارى: {قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77]. وقيل: "المغضوب عليهم": المشركون. و"الضالين": المنافقون. وقيل غير ذلك
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: القول الأول هو الأصح الأحق بالاتباع؛ لأنه تفسير ممن قال الله تعالى له: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]صلى الله عليه وسلم، {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]. والله تَعَالَى أعلم بالصواب.
(فهؤلاء لعبدي) أي هذه الآيات مختصة بالعبد؛ لأنها دعاء بالتوفيق إلى صراط من أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، والعصمة من صراط من غَضبَ الله عليهم، ولعنهم، وجعل منهم القردة والخنازير، وصراط منَ أضلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل.
(ولعبدي مما سأل) وعد من الله الكريم سبحانه وتعالى أن يجيب عبده بإعطاء ما سأله، وقد قال سبحانه وتعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، فهنيئا للعبد الموفق لهذا الفضل {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105]. اللهم اجعلنا هداة مهديين، غير ضالين، ولا مضلين. آمين. والله تعالى
(1)
المصدر السابق.
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -23/ 909 - وفي "الكبرى" -23/ 981 - وفي "فضائل القرآن" منه 16/ 8012 - عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عنه. و -8013 - عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. قال سفيان: دخلت على العلاء بن عبد الرحمن في بيته، وهو مريض، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني به. وفي "التفسير" 10982 - عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك - وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم - كلاهما عن مالك به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة، عن مالك -وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج- كلاهما عن العلاء بن
عبد الرحمن به. وعن أحمد بن جعفر الْمَعْقِري، عن النَّضْرِ بن محمد، عن أبي أويس، عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب، وكانا جليسين لأبي هريرة، عن أبي هريرة.
وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به.
والترمذي في "التفسير" عن محمد بن يحيى، ويعقوب بن سفيان الفارسي، كلاهما عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه به عنهما
مختصرا. وقال: حسن، وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: كلا الحديثين صحيح - يعني حديث من قال: عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، وحديث من قال: عن العلاء، عن أبي السائب، عن أبي هريرة.
وابن ماجه في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية، عن ابن جريج به.
وأخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 84 - 85. وأحمد 2/ 460.
والطيالسي رقم 2561. وابن خزيمة رقم 502. والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 215. و"مشكل الآثار" 2/ 23. وأبو عوانة 2/ 126 و 127. والبيهقي 2/ 166 و 167.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو ترك قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في فاتحة الكتاب، وهذا كما تقدم من الأمور الواسعة التي وسع الشرع فيها.
وقد بوب المصنف رحمه الله ثلاثة أبواب: باب للقراءة بها جهرًا، وباب لترك الجهر بها، وباب لترك قراءتها أصلًا، فبين أن كل ذلك جائز لصحة الأدلة بذلك.
ومنها: وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب الآتي، إن شاء الله تعالى.
ومنها: عظم شأن الفاتحة حتى سماها الله تعالى صلاةً.
ومنها: بيان عناية الله تعالى بعبده حيث مدحه بسبب حمده، وثنائه، وتمجيده، ووعده أن يعطيه ما سأله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في بيان مذاهب أهل العلم في حكم البسملة:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى: اختلف علماء السلف والخلف في قراءة: "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول فاتحة الكتاب، وهل هي آية منها:
فذهب مالك، وأصحابه إلى أنها لا تقرأ في أول فاتحة الكتاب في شيء من الصلوات المكتوبات سرًّا، ولا جهرًا، وليست عندهم آية من أم القرآن، ولا من غيرها من سور القرآن إلا في النمل في قوله عز وجل:{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 30] وأن الله لم ينزلها في كتابه في غير هذا الموضع من سورة النمل، وروي مثل قول مالك في ذلك كله عن الأوزاعي، وبذلك قال أبو جعفر محمد بن جرير ابن يزيد الطبري. وأجاز مالك، وأصحابه قراءة:"بسم الله الرحمن الرحيم" في الصلاة النافلة في أول فاتحة الكتاب، وفي سائر سور القرآن للمتهجدين، ولمن يعرض القرآن عرضًا على
المقرئين، وأم القرآن عندهم سبع آيات، يعدون {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آية، وهو عدّ أهل المدينة من القراء، وأهل الشام، وأهل البصرة.
وقال أهل العراق، والمشرق، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق
ابن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام: يقرأ الإمام في أول فاتحة الكتاب "بسم الله الرحمن الرحيم"، ويخفيها عمن خلفه.
وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، على اختلاف في ذلك عن عمر، وعلي، ولم يختلف عن ابن مسعود في أنه كان يخفيها، وهو قول إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم. وهي آية من أول فاتحة الكتاب عند جماعة قرّاء الكوفيين، وجمهور فقهائهم إلا أن السنة عندهم فيها إخفاؤها في صلاة الجهر تسليمًا، واتباعًا للآثار المرفوعة في ذلك.
وقال الكرخي، وغيره من أصحاب أبي حنيفة: إنه لا يحفظ عنه، هل هي آية من فاتحة الكتاب، أو لا؟ قالوا: ومذهبه يقتضي أنها ليست آية من فاتحة الكتاب؛ لأنه يسر بها في صلاة الجهر.
وقال داود بن علي: هي آية من القرآن منفردة في كل موضع كتبت فيه في المصحف في أول فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة من القرآن، وليست من شيء من السور إلا في سورة النمل، وإنما هي آية مفردة غير لاحقة بالسورة. وزعم الرازي أن مذهب أبي حنيفة يقتضي عنده ما قال
داود.
وذهب الشافعي، وأصحابه إلى قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول فاتحة الكتاب جهرًا في صلاة الجهر، وسرًّا في صلاة السر، وقال: هي آية من فاتحة الكتاب أول آياتها، ولا تتم سبع آيات إلا بها، ولا تجزئ صلاة لمن لم يقرأها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعني: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، وقوله عليه الصلاة والسلام:"كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجَ"، ومن لم يقرأها كلها فلم يقرأها. وقول أبي ثور في ذلك كله كقوَل الشافعي.
وروي الجهر بها عن عمر، وعلي رضي الله عنهما على اختلاف عنهما. وروي ذلك عن عمار، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن الزبير، ولم يختلف في الجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" عن ابن عمر، وهو الصحيح عن ابن عباس أيضًا. وعليه جماعة أصحاب سعيد ابن جبير، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وهو مذهب ابن شهاب الزهري، وعمرو بن دينار، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وسائر أهل مكة.
واختلف قول الشافعي، وكذلك اختلف أصحابه في "بسم الله الرحمن الرحيم" في غير فاتحة الكتاب، هل هي من أوائل السور مضافة إلى كل سورة أو لا؟ ومحصل مذهبه أنها آية من أول كل سورة على قول ابن عباس:"ما كنا نعلم انقضاء السورة إلا بنزول "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول غيرها". وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس، ومكحول. وإليه ذهب ابن المبارك،
وطائفة، ووافق الشافعيَّ على أنها آية من فاتحة الكتاب - أحمدُ، وإسحاق، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الكوفة، وأهل مكة، وأكثر
أهل العراق، إلا أن أحمد، وإسحاق، وأبا عبيد يخفونها في صلاة الجهر، فذهب سفيان، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، وابن شُبْرُمَة، وجماعة أهل الكوفة على ما ذكرنا عنهم، والحمد لله.
قال أبو عمر: لكل فرقة من فرق الفقهاء المذكورين آثار رووها، وصاروا إليها فيما ذهبوا إليه من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه، والتابعين، ثم ذكر أدلة كل فريق، وما لها وما عليها، فأفاد، وأجاد. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر باختصار
(1)
.
قال الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى في كتابه "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية"؛ ما ملخصه:
والذاهب في كونها من القرآن ثلاثة: طرفان، ووسط:
فالطرف الأول: قوله من يقول: إنها ليست من القرآن، إلا في سورة النمل، كما قاله مالك، وطائفة من الحنفية، وقاله بعض أصحاب أحمد مدعيًا أنه مذهبه، أو ناقلًا لذلك رواية عنه.
والطرف الثاني: المقابل له قول من يقول: إنها آية من كل سورة، أو
(1)
"الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" من الاختلاف". وهي رسالة مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية التي عنيت بنشرها، وتصحيحها إدارة الطباعة المنيرية، سنة 1343 هـ لصاحبها ومديرها محمد منير عبده أغا الدمشقي بمصر بشارع الكحكيين نمرة 1.
بعض آية، كما هو المشهور عن الشافعي، ومن وافقه، فقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة، وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها.
والقول الوسط: إنها من القرآن حيث كتبت، وإنها مع ذلك ليست من السور، بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة، كما تلاها النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت عليه:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] رواه مسلم.
وكما في قوله: "إن سورة من القرآن، هي ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] ".
وهذا قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل، وبه قال جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة، وهذا قول المحققين من أهل العلم، فإن في هذا القول الجمع بين الأدلة، وكتابتها سطرًا مفصلًا عن السورة يؤيد ذلك.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه "بسم الله الرحمن الرحيم". وفي رواية: "لا يعرف انقضاء السورة"، رواه أبو داود، والحاكم، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين. ثم لأصحاب هذا القول في "الفاتحة" قولان، هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: أنها من الفاتحة، دون غيرها، تجب قراءتها حيث تجب
قراءة الفاتحة.
والثاني: -وهو الأصح- أنه لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك، وأن قراءتها قي أول الفاتحة كقراءتها في أول السور، والأحاديث
الصحيحة توافق هذا القول.
وحينئذ الأقوال في قراءتها في الصلاة أيضا ثلاثة:
أحدها: أنها واجبة وجوب الفاتحة، كمذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، وطائفة من أهل الحديث، بناء على أنها من
الفاتحة.
والثاني: أنها مكروهة سرًّا وجهرًا، وهو المشهور عن مالك.
والثالث: أنها جائزة، بل مستحبة، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور عن أحمد، وأكثر أهل الحديث. ثم مع قراءتها هل يسن
الجهر بها، أولا؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: يسن الجهر، وبه قال الشافعي، ومن وافقه.
والثاني: لا يسن، وبه قال أبو حنيفة، وجمهور أهل الحديث، والرأي، وفقهاء الأمصار، وجماعة من أصحاب الشافعي. وقيل: يتخير بينهما، وهو قول إسحاق بن راهويه، وابن حزم، وكان بعض العلماء
(1)
يقول بالجهر سدًّا للذريعة، قال: ويسوغ للإنسان أن يترك الأفضل لأجل تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، خوفًا من التنفير، كما
(1)
هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في "الفتاوى الكبرى" جـ 1 ص 86 - 87.
ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم، لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى تقديم مصلحة الاجتماع على ذلك، ولما أنكر الربيع على ابن مسعود إكماله الصلاة خلف عثمان، قال: الخلاف شر. وقد نص أحمد وغيره على ذلك في البسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك، مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول، مراعاة لائتلاف المأمومين، أو لتعريفهم السنة، وأمثال ذلك، وهذا أصل كبير في سد الذرائع، هذا تحرير أقوال العلماء في هذه المسألة. انتهى كلام الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى
(1)
.
واحتج القائلون بالإسرار بها بحديث أنس، وحديث عبد الله بن مغفل السابقين في الباب الماضي، وغيرهما.
واحتج القائلون بالجهر بها في الصلاة بأحاديث:
منها -وهو أقواها-: حديث أبي هريرة المذكور في الباب: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" وقد صححه ابن خزيمة، وابن
حبان، والحاكم، والبيهقي، قال: وله شواهد، وقال أبو بكر الخطيب: ثابت صحيح لا يتوجه إليه تعليل.
ومنها: حديث ابن عباس عند الترمذي، والدارقطني بلفظ:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" قال الترمذي: هذا حديث وليس إسناده بذاك، وفي إسناده إسماعيل بن حماد، قال
(1)
"نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" جـ 1 ص 327 - 328.
البزار: إسماعيل لم يكن بالقوي. وقال العقيلي: غير محفوظ. وقد وثق إسماعيل يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وفي إسناده أبو خالد الوالبي، اسمه هرمز، وقيل: هرم، قال الحافظ: مجهول، وقال أبو زرعة: لا أعرف من هو؟. وقالى أبو حاتم: صالح الحديث. وقد ضعف أبو داود هذا الحديث، وروى ذلك عنه الحافظ في "التلخيص". وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس، رواها الحاكم بلفظ:"كان يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم". وصَحَّحَ الحاكم هذا الطريق، وخطأه الحافظ في ذلك؛ لأن في إسنادها عبد الله ابن عمرو بن حسان، وقد نسبه ابن المديني إلى الوضع للحديث، وقد رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم، عن شريك، ولم يذكر ابن عباس في إسناده، بل أرسله، وهو الصواب من هذا الوجه. قاله الحافظ. وقال أبو عمر: الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن عباس من فعله، لا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم". وفي إسناده عمر بن حفص المكي، وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا عنه من طريق أخرى وفيها أحمد بن رشد بن خثيم، عن عمه سعيد بن خثيم، وهما ضعيفان.
ومنها: ما أخرجه الدارقطني، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"كان إذا قرأ، وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم". قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات. انتهى. وفي إسناده عبد الله بن
عبد الله أبو أويس الأصبحي، روي عن ابن معين توثيقه، وتضعيفه. وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وقد تكلم فيه غير واحد.
ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الدارقطني أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأتم الحمد، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آيها".
قال اليعمري: وجميع رواته ثقات، إلا أن نوح بن أبي بلال الراوي له عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة تردد فيه، فرفعه تارة، ووقفه أخرى. وقال الحافظ: هذا الإسناد رجاله ثقات، وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه، وأعله ابن القطان بتردد نوح المذكور، وتكلم فيه ابن الجوزي من أجل عبد الحميد بن جعفر، فإن فيه مقالًا، ولكن متابعة نوح له مما تقويه.
ومنها: عن علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم". أخرجه الدارقطني، وفي إسناده جابر الجعفي، وإبراهيم بن الحكم بن ظهير، وغيرهما ممن لا يعول عليه.
ومنها: عن علي بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته". أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد علوي، لا بأس به. وله طريق أخرى عنده بلفظ: "أنه سئل عن السبع المثاني؟
فقال: "الحمد لله رب العالمين"، قيل: إنما هي ست؟ فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم". وإسناده كلهم ثقات. وقال الحافظ: في الحديث الأول الذي قال: "إنه لا بأس به": إنه بين ضعيف ومجهول.
ومنها: عن عمر رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة، فأراد أن يقرأ قال: بسم الله الرحمن الرحيم". رواه ابن عبد البر، قال: ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف.
ومنها: عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة؟ " قلت: أقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال: قل: "بسم الله الرحمن الرحيم". رواه الشيخ أبو الحسن، وفي إسناده الجهم بن عثمان، قال أبو حاتم: مجهول.
ومنها: عن سمرة رضي الله عنه، قال:"كان للنبي صلى الله عليه وسلم سكتتان؛ سكتة إذا قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، وسكتة إذا فرغ من القراءة" فأنكر ذلك عمران بن الحصين، فكتبوا إلى أُبَيّ بن كعب، فكتب أن صدق سمرة". أخرجه الدارقطني، وإسناده جيد، غير أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي، وغيرهما بلفظ: "سكتة حين يفتتح، وسكتة إذا فرغ من السورة".
ومنها: عن أنس رضي الله عنه، قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". أخرجه الدارقطني أيضًا. وله طريق أخرى عن أنس عند الدارقطني، والحكم بمعناه.
ومنها: عن أنس أيضًا بلفظ: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". أخرجه الحاكم، قال: ورواته كلهم ثقات.
ومنها: عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي، وفي إسناده الحكم بن عبد الله بن سعد، وقد تكلم فيه غير واحد.
ومنها: عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه بنحو حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه جابر الجعفي، وليس بشيء، وله طريق أخرى
فيها سلمة بن صالح، وهو ذاهب الحديث.
ومنها: عن الحكم بن عمرو وغيره من طرق لا يعول عليها.
ومنها: عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال:"صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم". أخرجه الدارقطني. قال الحافظ: وفيه أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي العلوي، وقد كذبه أبو حاتم وغيره، ومن دونه أيضًا ضعيف ومجهول، ورواه الخطيب عن ابن عمر من وجه آخر، وفيه مسلم بن حبان، وهو مجهول، قال: والصواب أن ذلك عن ابن عمر غير مرفوع.
قال الشوكاني رحمه الله: فهذه الأحاديث فيها القوي
(1)
،
(1)
قلت: بل كلها فيها مقال، غير حديث أبي هريرة المذكور في الباب، فلا يعارض بها ما ثبت من الأحاديث الصحاح في عدم الجهر، فتأمل.
والضعيف كما عرفت، وقد عارضتها الأحاديث الدالة على ترك البسملة التي قدمناها، وقد حملت روايات حديث أنس السابقة على ترك الجهر، لا ترك البسملة مطلقًا، لما في تلك الرواية التي قدمناها في حديثه بلفظ:"فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم"، وكذلك حملت رواية حديث عبد الله بن مغفل، وغيرهما حملًا لما أطلقته أحاديث نفي قراءة البسملة على تلك الرواية المقيدة بنفي الجهر فقط، وإذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه.
قال الحافظ: لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأن أنسًا يبعد جدّا أن يصحب النبي صلى الله عليه وسلم مدة عشر سنين، ويصحب أبا بكر، وعمر، وعثمان خمسًا وعشرين سنة، فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرًا، فلم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر. اهـ.
ويؤيد ما قاله الحافظ من عدم استحضار أنس لذلك ما أخرجه الدارقطني عن أبي سلمة، قال: سألت أنس بن مالك: "أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، أو بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك، فقلت: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في النعلين؟ قال:
نعم". قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله الحافظ من تقديم أحاديث الجهر نظر، وقد تقدم الكلام عليه. والله تعالى أعلم.
وقال الحازمي رحمه الله بعد ذكر الاختلاف في أحاديث أنس رضي الله عنه، وأنها كلها صحيحة مخرجة في كتب الأئمة، ما نصه: وغير مستبعد وقوع الاختلاف في مثل ذلك، وكم من شخص يتغافل عن أمر هو من لوازمه حتى لا يلقي إليه بالًا البتة، ويتنبه لأمر ليس من لوازمه، ويلقي إليه باله بالكلية، ومن أعجب ما اتفق لي أني دخلت جامعًا في بعض البلاد لقراءة شيء من الحديث، فحضر إليّ جماعة من أهل العلم، من المواظبين على الجماعة في الجامع، وكان إمامهم صَيّتًا يملأ الجامع صوته، فسألتهم عنه، هل كان يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" أو يخفيها؟، فاختلفوا عليّ في ذلك، فقال بعضهم: يجهر بها، وقال بعضهم: يخفيها، وتوقف آخرون. قال: والحق أن كل من ذهب إلى أي من هذه الروايات فهو متمسك بالسنة. والله أعلم انتهى
(1)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: ولكنه لا يخفى عليك أن هذه الأحاديث التي استدل بها القائلون بالجهر، منها ما لا يدل على
(1)
اهـ كلام الحازمي في "الناسخ والمنسوخ" منقولًا عن "نصب الراية" جـ 1 ص 363.
المطلوب، وهو ما كان فيه ذكر أنها آية من الفاتحة، أو ذكر القراءة لها، أو ذكر الأمر بقراءتها من دون تقييد بالجهر بها في الصلاة؛ لأنه لا ملازمة بين ذلك وبين المطلوب، وهو الجهر بها في الصلاة، وكذا ما كان مقيدًا بالجهر بها دون ذكر الصلاة؛ لأنه لا نزاع في الجهر بهما خارج الصلاة.
فإن قلت: أما ذكر أنها آية، أو ذكر الأمر بقراءتها بدون تقييد بالجهر، فعدم الاستلزام مسلم، وأما ذكر قراءته صلى الله عليه وسلم في الصلاة لها فالظاهر أنه يستلزم الجهر، لأن الطريق إلى نقله إنما هو السماع، وما يسمع جهر، وهو المطلوب.
قلت: يمكن أن يكون الطريق إلى ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بها في الصلاة، فلا ملازمة، والذي يدل على المطلوب منها هو ما صرح فيه بالجهر بها في الصلاة، وهي أحاديث لا ينتهض الاحتجاج بها كما عرفت، ولهذا قال الدارقطني: إنه لم يصح في الجهر بها حديث. ولو سلمنا أن ذكر القراءة في الصلاة يستلزم الجهر بها لم يثبت بذلك مطلوب القائلين بالجهر؛ لأن أنهض الأحاديث الواردة بذلك حديث أبي هريرة المتقدم، وقد تعقب باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها، على أنه قد رواه جماعة عن نعيم، عن أبي هريرة، بدون ذكر البسملة، كما قال الحافظ في "الفتح".
وقد جمع القرطبي بما حاصله: أن المشركين كانوا يحضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: إنه يذكر رحمن اليمامة -يعنون مسيلمة- فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزلت:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] قال الحكيم الترمذي: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذ كر الرسم، وإن زالت العلة، وقد روى هذا الحديثَ الطبرانيُّ في "الكبير"، و"الأوسط".
وعن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان المشركون يهزءون بمكاء وتصدية، ويقولون: محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة الكذاب يسمى رَحْمَانًا، فأنزل الله:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} فتسمع المشركين، فيهزءوا بك، {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} عن أصحابك، فلا تسمعهم. رواه ابن جبير، عن ابن عباس، ذكره النيسابوري في "التيسير".
وهذا جمع حسن إن صح أن هذا كان سببًا في ترك الجهر، وقد قال في "مجمع الزوائد": إن رجاله موثقون.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" وكان -أي النبي صلى الله عليه وسلم- يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى
يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح. انتهى
(1)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون، فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع، فلا يهولنك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة، والخلاف فيها، ولقد بالغ بعضهم حتى عدها من مسائل الاعتقاد. انتهى المقصود من كلام الشوكاني رحمه الله تعالى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخص مما تقدم من أقوال هؤلاء الأئمة من النظر في أدلة الفريقين أن الأرجح الإسرار بالبسملة لقوة أدلته، وأما أحاديث الجهر فصريحها غير صحيح، وصحيحها غير صريح، فلا تعارض بها الأحاديث الصحيحة الصريحة، لكن مجموعها يفيد قوة، فتصلح للاحتجاج بها، لتحمل على بعض الأوقات، وبهذا تجتمع الأدلة.
وخلاصة ذلك أن الإسرار بالبسملة هو الأولى، ولكن يستحسن الجهر بها أحيانًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وإن أردت تحقيق الكلام على أدلة الفريقين فراجع "الفتاوى
(1)
"زاد المعاد" جـ 1 ص 206 - 207.
(2)
"نيل الأوطار" جـ 3 ص 42 - 48.
الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى جـ 1 ص 77 - 87. فلقد حقق المسألة حق التحقيق، ودقق نظره فيها غاية التدقيق. وكتاب "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى جـ 1 ص 323 - 363. فلقد جمع، وأفاد، وأحسن، وأجاد. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله: ومن كان يقرأ برواية من عدّ "بسم الله الرحمن الرحيم" آية من القرآن لم تجزه الصلاة إلا
بالبسملة، وهم عاصم بن أبي النجود، وحمزة، والكسائي، وعبد الله ابن كثير، وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من القرآن فهو مخير بين أن يبسمل، وبين أن لا يبسمل، وهم ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب،
وفي بعض الروايات عن نافع. انتهى.
واعترض عليه المحقق أحمد محمد شاكر رحمه الله، فقال: هكذا أطلق المؤلف الرواية في البسملة عن القراء، وهو خطأ، فإن الذين
قرؤوا منهم بترك البسملة إنما قرؤوا بذلك عند الوصل فقط، أي إذا وصل القارىء سورة بالتي قبلها، على أن كل من روي عنه تركها منهم روي عنه إثباتها، ولم يرد عن واحد منهم في حذفها رواية واحدة قط.
ثم إن هذا الخلاف بينهم إنما هو في غير الفاتحة. قال إمام القرّاء أبو الخير بن الجزري في كتاب "النشر في القراءات العشر" جـ 1 ص 262: "إن كلًا من الفاصلين بالبسملة والواصلين والساكتين إذا ابتدؤوا سورة من السور بسمل بلا خلاف عن واحد منهم، إلا إذا ابتدأ براءة".
ثم قال: "لم يكن بينهم خلاف في إثبات البسملة أول الفاتحة، سواء وصلت بسورة الناس قبلها، أو ابتدئ بها، لأنها ولو وصلت
لفظًا، فإنها مبتدأ بها حكمًا، ولذلك كان الواصل هنا حالًا مُرْتَحِلًا".
والحق أن قراءة من قرأ بحذفها في الوصل قراءة شاذة غير صحيحة، وإن كانت من السبعة أو العشرة؛ لأن من شرط صحة القراءة موافقة رسم المصحف، كما اتفق عليه عامة القراء بغير خلاف، بل هو اتفاق جميع العلماء، وما كان الصحابة رضي الله عنهم ليزيدوا في المصاحف مائة وعشرين بسملة من غير أن تكون نزلت في المواضع التي كتبت فيها ولو شككنا في هذا لفتحنا بابًا عريضًا للملاحدة اللاعبين بالنار، وقد كان الصحابة أحرص على كتاب الله من أن يتطرق إليه شك أو وهم، ولذلك جردوا المصاحف من أسماء السور، ولم يكتبوا "آمين"، وامتنع عمر من كتابة شهادته هو وبعض كبار الصحابة بالرجم خشية أن يتوهم أنها زيادة على الكتاب، وصدع بذلك على المنبر.
وأما من أجاز قراءة الفاتحة في الصلاة بدون بسملة فإنه لا دليل له أصلًا، والأحاديث التي استدلوا بها بعضها ضعيف، وبعضها لا يدل
صراحة على ذلك، ولا تعارض اتفاق القراء من غير خلاف على البسملة في أول الفاتحة مع تأيد هذا برسم المصحف، وهو الحجة
الأولى القاطعة لكل النزاع.
وقد حققنا هذا الموضوع في شرحنا على التحقيق لابن الجوزي بما لا تجده في كتاب آخر، والحمد لله رب العالمين.
انتهى كلام المحقق أحمد شاكر رحمه الله تعالى
(1)
. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(1)
راجع "المحلى" جـ 3 ص 251 - 232.
24 - إِيجابُ قِرَاءَةِ فَاتِحةِ الْكتَابِ فِي الصَّلاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على إيجاب قراءة الفاتحة على كل مصل إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا في صلاته.
وقد ترجم البخاري رحمه الله تعالى بما فيه تفصيل حيث قال: [باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر
والسفر، وما يجهر فيها، وما يخافت].
قال في الفتح: لم يذكر المنفرد؛ لأن حكمه حكم الإمام، وذكر السفر لئلا يتخيل أنه يترخص فيه بترك القراءة كما رخص فيه بعض
الركعات. انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم.
910 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخُزاعي الجَوَّاز المكي، ثقة، مات سنة 252، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم
(1)
فتح جـ 2 ص 479 - 480.
في 20/ 21.
2 -
(سفيان) بن عيينة، أبو محمد الهلالي مولاهم، الكوفي، ثم المكي، ثقة حافظ حجة فقيه إمام، مات سنة 198، من كبار [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
3 -
(الزهري) محمد بن مسلم القرشي الإمام الحجة الفقيه الثبت، مات سنة 125، من كبار [4]، أخرج له الجماعة، تقدم
في 1/ 1.
4 -
(محمود بن الربيع) بن سُراقة بن عمرو الخزرجي، أبو نعيم، أو أبو محمد المدني، صحابي صغير، وجل روايته عن الصحابة، أخرج له الجماعة، تقدم في 10/ 788.
5 -
(عبادة بن الصامت) بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أخو أوس ابن الصامت، شهد العقبة الأولى والثانية، وهو أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، وشهد بدرًا، فما بعدها، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه أبناؤه، الوليد، وداود، وعبيد الله، وحفيداه: يحيى، وعبادة ابنا الوليد، وإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يدركه، ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورفاعة بن رافع، وشرحبيل بن حسنة، وسلمة بن المحبق، وأبو أمامة،
وعبد الرحمن بن غنم، وفضالة بن عبيد، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة، والأسود بن ثعلبة، وجبير بن نفير، وجنادة بن أبي أمية، وحطَّان بن عبد الله الرَّقاشي، وغيرهم. قال ابن سعد: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي مَرْثَد". وقال محمد بن كعب القرظي: هو أحد من جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري في تاريخه الصغير، قال: وأرسله عمر إلى فلسطين ليعلم أهلها القرآن، فأقام بها إلى أن مات. وقال ابن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه: مات بالرملة سنة -34 - وهو ابن -77 - سنة، قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى توفي في خلافة معاوية، وكذا قال الهيثم بن عدي. وقال دُحَيم: توفي ببيت المقدس. وقال ابن حبان: هو أول من ولي القضاء بفلسطين. وقال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. أخرج له الجماعة
(1)
. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فقد انفرد هو به.
ومنها: أن شيخه، وسفيان مكيان، والباقون مدنيون، وعبادة،
(1)
"تك" جـ 14 ص 183 - 189. "تت" جـ 5 ص 109 - 110.
وإن سكن فلسطين، إلا أنه مدني.
ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي.
ومنها: أن فيه الإخبار في أوله، والعنعنة في باقيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محمود بن الربيع) قال في الفتح: في رواية الحميدي، عن سفيان، حدثنا الزهري، سمعت محمود بن الربيع. ولابن أبي عمر عن سفيان بهذا الإسناد عند الإسماعيلي: سمعت عبادة بن الصامت. ولمسلم من رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أن محمود بن الربيع أخبره، أن عبادة بن الصامت أخبره. وبهذا التصريح بالإخبار يندفع تعليل من أعله بالانقطاع لكون بعض الرواة أدخل بين محمود، وعبادة رجلًا، وهي رواية ضعيفة عند الدارقطني. انتهى
(1)
.
(عن عبادة بن الصامت) رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم) أنه (قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب") زاد الحميدي عن سفيان: "فيها"، كذا في مسنده، وهكذا رواه يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، أخرجه البيهقي، وكذا لابن أبي عمر، عند الإسماعيلي، ولقتيبة، وعثمان بن أبي شيبة، عند أبي نعيم في المستخرج، وهذا يعين أن المراد القراءة في نفس الصلاة.
(1)
فتح جـ 2 ص 486.
قال العلامة السندي رحمه الله: ليس معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب في عمره قط، أو لمن لم يقرأ في شيء من الصلوات قط، حتى لا يقال: لازم الأول افتراض الفاتحة في عمره مرة ولو خارج الصلاة، ولازم الثاني افتراضها مرة في صلاة من الصلوات، فلا يلزم منه الافتراض لكل صلاة، وكذا ليس معناه لا صلاة لمن ترك الفاتحة، ولو في بعض الصلوات، إذ لازمه أنه بترك الفاتحة في بعض الصلوات تفسد الصلوات كلها، ما ترك فيها، وما لم يترك فيها، إذ كلمة "لا" لنفي الجنس، ولا قائل به، بل معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة من الصلوات التي لم يقرأ فيها، فهذا عموم محمول على الخصو بشهادة العقل، وهذا الخصوص هو الظاهر المتبادر إلى الأفهام من مثل هذا العموم، وهذا الخصوص لايضر بعموم النفي للجنس، لشمول النفي بعدُ لكل صلاة ترك فيها الفاتحة، وهذا يكفي في عموم النفي.
ثم قد قرروا أن النفي لا يعقل إلا مع نسبة بين أمرين، فيقتضي نفي الجنس أمرًا مستندًا إلى الجنس ليتعقل النفي مع نسبته، فإن كان ذلك الأمر مذكورًا في الكلام فذاك، وإلا يقدر من الأمور العامة، كالكون، والوجود.
أما الكمال، فقد حقق الكمال
(1)
ضعفه؛ لأنه مخالف للقاعدة، لا يصار إليه إلا بدليل، والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي دون الحسي، فمفاد الحديث نفي الوجود الشرعي للصلاة التي
(1)
يريد به الكمال بن الهمام، صاحب "فتح القدير شرح الهداية" في الفقه الحنفي.
لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وهو عين نفي الصحة. وما قاله أصحابنا -يعني الحنفية- إنه من حديث الآحاد، وهو ظني، لا يفيد العلم، وإنما يوجب العمل، فلا يلزم منه الافتراض، ففيه أنه يكفي في المطلوب أنه يوجب العمل ضرورة أنه يوجب العمل بمدلوله، لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة، وهو المطلوب.
فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي، كما ورد به بعض الأحاديث، فلا يلزم بطلان صلاة المقتدي إذا ترك الفاتحة، وقرأها
الإمام.
بقي أن الحديث يوجب قراءة الفاتحة في تمام الصلاة، لا في كل ركعة، لكن إذا ضم إليه قوله صلى الله عليه وسلم:"وافعل في صلاتك كلها" للأعرابي المسيء صلاته يلزم افتراضها في كل ركعة، ولذا عقب هذا الحديث بحديث الأعرابي في صحيح البخاري، فلله درّهُ ما أدقه. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه العلامة السندي
(1)
شرح السندي جـ 2 ص 137 - 138.
رحمه الله من بطلان صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب عملًا بالأحاديث الصحيحة حسن جدًّا، وهو يدل على إنصافه، وبُعده عن التعصب المذهبي الذي يغطي كثيرًا من الحق، وهذا أمر نادر عند المذهبيين، ولا سيما الذين ينتسبون إلى مذهبه، فإن هذه المسألة، وأشباهها مما زلت فيه أقدام الذين يُظَنُّ فيهم البراعة والتقدم في المذهب، بل وفي سائر العلوم.
غير أن قوله: نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي .. إلخ، فيه نظر، فإن الأحاديث الواردة فيه غير ثابتة، فلا تصلح لتخصيص عموم:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وعلى تقدير صحتها تحمل على ما عدا الفاتحة. وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قيل: يحمل على نفي الذات وصفاتها، لكن الذات غير منتفية، فيخص بدليل خارج، ونوزع في تسليم عدم نفي الذات على الإطلاق؛ لأنه إن ادعى أن المراد بالصلاة معناها اللغوي فغير مسلم؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه لكونه بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام دعوى نفي الذات، فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا الكمال؛ لأنه يؤدي إلى الإجمال، كما نقل عن القاضي أبي بكر وغيره حتى مال إلى التوقف؛ لأن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء، فلو قدر الإجزاء
منتفيًا لأجل العموم قدر ثابتًا لأجل إشعار نفي الكمال بثبوته، فيتناقض، ولا سبيل إلى إضمارهما معًا؛ لأن الإضمار إنما احتيج إليه
للضرورة، وهي مندفعة بإضمار فرد فلا حاجة إلى أكثر منه، ودعوى إضمار أحدهما ليست بأولى من الآخر. قاله ابن دقيق العيد.
قال الحافظ: وفي هذا الأخير نظر؛ لأنا إن سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، وهو السابق إلى الفهم؛ ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس، فيكون أولى.
ويؤيده رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النَّرْسِيّ -أحد شيوخ البخاري- عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: "لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بقاتحة الكتاب". وتابعه على ذلك زياد بن أيوب، أحد الأثبات، أخرجه الدارقطني، وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ، أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما، ولأحمد من طريق عبد الله بن سَوَادة القشيري، عن رجل، عن أبيه مرفوعًا:"لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن". وقد أخرج ابن خزيمة عن محمد بن الوليد القرشي، عن سفيان حديث الباب بلفظ:"لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"، فلا يمتنع أن يقال: إن قوله: "لا صلاة" نفي بمعنى النهي، أي لا تصلوا إلا بقراءة
فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم
(1)
، عن عائشة مرفوعًا:"لا صلاة بحضرة الطعام"، فإنه في صحيح ابن حبان بلفظ:"لا يُصَلِّ أحدكم بحضرة الطعام". أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، وغيره عن يعقوب بن مجاهد، عن القاسم
(2)
. وابن حبان من طريق حسين بن علي وغيره، عن يعقوب به، وأخرج له ابن حبان أيضًا شاهدًا من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى
(3)
. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسالة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -24/ 910 - وفي "الكبرى" -24/ 982 - وفي "فضائل القرآن" جـ 5 ص 11 عن محمد بن منصور، عن سفيان بن
(1)
هكذا قال في الفتح، لكن الذي في صحيح مسلم أن الحديث من طريق عبد الله بن أبي عتيق، لا من طريق القاسم، وإنما القاسم له قصة جرت بينه وبين عائشة حتى حدثت بسببها بهذا الحديث. فيتأمل، وليراجع صحيح مسلم جـ 2 ص 78 - 79. بالنسخة التي صححها، وحشى عليها محمد ذهني.
(2)
لا، بل هو عن ابن أبيَ عتيق، وأما القاسم، فهو صاحب القصة. فتنبه.
(3)
فتح جـ 2 ص 486 - 487.
عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عنه. وفي 24/ 911 - وفي "الكبرى" -24983 - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن علي بن عبد الله، عن سفيان بن عيينة.
ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن سفيان- وعن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس- وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر- وعن الحسن الحلواني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان - أربعتهم عن الزهري، به.
وأبو داود فيه عن قتيبة، وأبي الطاهر بن السرح، كلاهما عن سفيان، به.
والترمذي فيه عن ابن أبي عمر، وعلي بن حجر، كلاهما عن سفيان به، وقال: حسن صحيح.
وابن ماجه فيه عن هشام بن عمار، وسهل بن أبي سهل، وإسحاق ابن إسماعيل الأيلي، ثلاثتهم، عن سفيان، به.
وأخرجه الحميدي في "مسنده" رقم 386. وأحمد 5/ 314 و 321
و 322.
والبخاري في "خلق أفعال العباد" رقم 66، وفي "جزء القراءة" 2 و5. والدارمي رقم 1245. وابن خزيمة 488. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان وجوب القراءة في الصلاة:
مذهب العلماء كافة وجوب القراءة في الصلاة، وأنها لا تصح إلا بها، قال النووي، رحمه الله في "المجموع": ولا خلاف في ذلك إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب ومتابعوه عن الحسن بن صالح، وأبي بكر الأصم أنهما قالا: لا تجب القراءة، بل هي مستحبة، واحتُجّ لهما بما رواه أبو سلمة، ومحمد بن علي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى المغرب، فلم يقرأ، فقيل له: فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنًا، قال: فلا بأس. رواه الشافعي في "الأم"، وغيره.
وعن الحارث الأعور أن رجلًا قال لعلي رضي الله عنه: إني أصلي، ولم أقرأ؟ قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم. قال: تمت صلاتك. رواه الشافعي، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: القراءة سنة. رواه البيهقي.
وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة، الآتية في المسألة التالية، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة إلا بقراءة". رواه مسلم
(1)
.
(1)
انظر صحيح مسلم جـ 2 ص 10.
وأجابوا عن أثر عمر رضي الله عنه بثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ضعيف، لأن أبا سلمة، ومحمد بن علي لم يدركا عمر.
الثاني: أنه محمول على أنه أسر بالقراءة.
الثالث: أن البيهقي رواه من طريقين موصولين عن عمر رضي الله عنه أنه صلى المغرب، ولم يقرأ، فأعاد. قال البيهقي: وهذه الرواية
موصولة موافقة للسنة في وجوب القراءة، وللقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان.
وأما أثر علي رضي الله عنه فضعيف أيضًا؛ لأن الحارث الأعور متفق على ضعفه، وترك الاحتجاج به.
وأما أثر زيد رضي الله عنه، فقال البيهقي وغيره: مراده أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في المصحف، فلا تجوز مخالفته، وإن كان على مقاييس العربية، بل حروف القراءة سنة متبعة، أي طريق يتبع، ولا يُغَيَّر والله أعلم. انتهى
(1)
.
وقال في شرح مسلم: وحكى القاضي عياض عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وربيعة، ومحمد بن أبي صفرة من أصحاب
مالك أنه لا تجب قراءة أصلًا، وهي رواية شاذة عن مالك. انتهى
(2)
.
(1)
أفاده في المجموع جـ 3 ص 330.
(2)
شرح مسلم جـ 4 ص 103.
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب ما عليه الجمهور من وجوب القراءة في الصلاة، وأنه لا تصح إلا بها، والأقوال المخالفة لهذا إما غير صحيحة عمن نسبت إليه، وإما شاذة لا يلتفت إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة:
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم إلى أن الفاتحة متعينة، لا تصح الصلاة للقادر عليها إلا بها. وقد حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وخَوَّات بن جُبَير، والزهري، وابن عَوْن، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. قال النووي: وحكاه أصحابنا عن الثوري، وداود.
وقال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة، لكن تستحب، وفي رواية عنه: تجب، ولا تشترط، ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه، وفي قدر الواجب ثلاث روايات:
إحداها: آية تامة.
الثانية: ما يتناوله الاسم، قال الرازي: وهذا هو الصحيح عندهم.
الثالثة: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وبهذا قال أبو حنيفة،
ومحمد بن الحسن.
واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة، كحديث عبادة المذكور في الباب:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"؛ لأن النفي يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤه، وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات، وهو الصحة، لا إلى الكمال؛ لأن الصحة أقرب المجازين، والكمال أبعدهما، والحمل على أقرب المجازين واجب، وتوجه النفي ههنا إلى الذات ممكن، كما قال الحافظ في "الفتح"؛ لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي، لا اللغوي، لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه، لكونه بعث لتعريف الشرعيات، لا لتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات؛ لأن المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها، فلا يحتاج إلى إضمار الصحة، ولا الإجزاء، ولا الكمال -كما روي عن جماعات- لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة، وهي عدم إمكان انتفاء الذات، ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى ذاتها؛ لأنها قد وجدت في الخارج -كما قاله البعض- لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الإجزاء، لا إلى الكمال، أما أوّلًا فلما ذكرنا من أن ذلك أقرب المجاز، وأما ثانيًا فلرواية الدارقطني المذكورة في الحديث، فإنها مصرحة بالإجزاء، فيتعين تقديره.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: إذا تقرر هذا فالحديث صالح
للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط الصلاة، لا من واجباتها فقط، لأن عدمها قد استلزم عدم الصلاة، وهذا شأن الشرط.
وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب، بل الواجب آية من القرآن. هكذا قال النووي. والصواب ما قاله الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءة الفاتحة
(1)
لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطًا في صحة الصلاة، لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة، والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن، وقد قال الله تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} الآية [20من المزمل]، فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث، فيكون واجبًا يأثم من يتركه، وتجزئ الصلاة بدونه.
قال الحافظ رحمه الله: وإذا تقرر ذلك لا ينقضي عجبي ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة منهم، ويترك الطمأنينة، فيصلي صلاة يريد أن
يتقرب بها إلى الله تعالى، وهو يتعمد ارتكاب الإثم فيها مبالغة في تحقيق مخالفته لمذهب غيره. انتهى
(2)
.
(1)
قال الجامع عفا الله عنه: بل ما قاله النووي صواب أيضًا، ونص عبارة الوقاية: "فرض القراءة آية، والمكتفي بها مسيء، وسنتها عَجَلَةً الفاتحة، وأمَنَةً نحو البروج، وانشقت
…
إلخ". راجع السعاية للعلامة محمد عبد الحي اللكنوي جـ 2 ص 274. ولهم أقوال أخرى، فنقل النووي بعضها، ونقل الحافظ بعضها، فلا وجه للتخطئة. فتبصر.
(2)
فتح جـ 2ص 487.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله في قولهم: "وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث
…
إلخ" ما حاصله: وهذا تعويل على رأي فاسد،
حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان، ولا حجة نيِّرة، فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع: لا يجزئ كذا، لا يقبل كذا، لا يصح كذا. ويقول المتمسكون بهذا الرأي: يجزئ، ويقبل، ويصح، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي.
ومن جملة ما أشادوا به هذه القاعدة أن الآية مصرحة بما تيسر، وهو تخيير، فلو تعينت الفاتحة لكان التعيين نسخًا للتخيير، والقطعي لا ينسخ بالظني، فيجب توجيه النفي إلى الكمال، وهذه الكلية ممنوعة، والسند ما تقدم من تحول أهل قباء إلى الكعبة بخبر واحد، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل مدحهم، كما تقدم ذلك في باب الاستقبال، ولو سلمت لكان محل النزاع خارجًا عنها؛ لأن المنسوخ إنما هو استمرار التخيير، وهو ظني.
وأيضًا الآية نزلت في قيام الليل، فليست مما نحن فيه.
وأما قولهم: إن الحمل على توجه النفي إلى الصحة إثبات للغة بالترجيح، وأن الصحة عرف متجدد لأهل الشرع، فلا يحمل خطاب الشارع عليه، وأن تصحيح الكلام ممكن بتقدير الكمال، فيكفي؛ لأن الواجب التقدير بحسب الحاجة. فيرده تصريح الشارع بلفظ الإجزاء، وكونه من إثبات اللغة بالترجيح ممنوع، بل هو من إلحاق الفرد المجهول
بالأعم الأغلب المعلوم.
ومن جملة ما استظهروا به على توجه النفي إلى الكمال أن الفاتحة لو كانت فرضًا لوجب تعلمها، واللازم باطل، فالملزوم مثله، لما في حديث المسيء صلاته بلفظ:"فإن كان معك قرآن، وإلا فاحمد الله وكبره، وهلله" عند النسائي، وأبي داود، والترمذي، وهذا ملتزم، فإن أحاديث فرضيتها تستلزم وجوب تعلمها؛ لأن مالا يتم الواجب إلا به، واجب، كما تقرر في الأصول، وأما في حديث المسيء لا يدل على بطلان اللازم؛ لأن ذلك فرضه حين لا قرآن معه، على أنه يمكن تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن، كما في حديث ابن أبي أوفى عند أبي داود، والنسائي، وأحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال:"قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
ولا شك أن غير المستطيع لا يكلف؛ لأن الاستطاعة شرط في التكليف، فالعدول ها هنا إلى البدل عند تعذر المبدل غير قادح في
فرضيته، أو شرطيته.
ومن أدلتهم ما في حديث المسيء بلفظ: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". والجواب عنه أنه قد ورد في حديث المسيء أيضًا عند أحمد،
وأبي داود، وابن حبان بلفظ:"ثم اقرأ بأم القرآن"، فقوله:"ما تيسر" مجمل مبين، أو مطلق مقيد، أو مبهم مفسر بذلك، لأن الفاتحة كانت هي المتيسرة لحفظ المسلمين لها.
وقد قيل: إن المراد بما تيسر فيما زاد على الفاتحة، جمعًا بين الأدلة؛ لأن حديث الفاتحة زيادة وقعت غير معارضة، وهذا حسن. وقيل: إن ذلك منسوخ. بحديث تعيين الفاتحة، وقد تعقب القول بالإجمال، والإطلاق، والنسخ، والظاهرُ الإبهام والتفسير.
وهذا الكلام إنما يحتاج إليه على القول بأن حديث المسيء يصرف ما ورد في غيره من الأدلة المقتضية للفرضية، وأما على القول بأنه يؤخذ بالزائد فالزائد، فلا إشكال في تحتم المصير إلى القول بالفرضية، بل القول بالشرطية، لما عرفت.
ومن أدلتهم أيضًا حديث أبي سعيد بلفظ: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو غيرها". قال ابن سيد الناس: لا يدرى بهذا اللفظ من أين
جاء، وقد صح عن أبي سعيد عند أبي داود أنه قال:"أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر". وإسناده صحيح، ورواته ثقات.
ومن أدلتهم أيضًا حديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ: "لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب". ويجاب عنه بأنه من رواية جعفر بن ميمون، وليس بثقة، كما قال النسائي، وقال أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال ابن عدي: يكتب حديثه في الضعفاء. وأيضا قد روى
أبو داود هذا الحديث من طريقه عن أبي هريرة بلفظ: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي: إنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد"، فليست الرواية الأولى بأولى من هذه، وأيضًا أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب، وعدم إجزاء الصلاة بدونها؟.
ومن أدلتهم أيضًا ما روى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديث صلاة أبي بكر بالناس، ومجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وفيه:"فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم، والناس يأتمون بأبي بكر". قال ابن عباس: "وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر". ويجاب عنه بأنه روي بإسناد فيه قيس بن الربيع، قال البزار: لا نعلم رُوي هذا الكلام إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقيس قال ابن سيد الناس: هو ممن اعتراه من ضعف الرواية، وسوء الحفظ بولاية القضاء ما اعترى ابن أبي ليلى، فشريكًا، وقد وثقه قوم، وضعفه آخرون. على أنه لا مانع من قراءته صلى الله عليه وسلم الفاتحة بكمالها في غير هذه الركعة التي أدرك أبا بكر فيها، لأن النزاع إنما هو في وجوب الفاتحة في جملة الصلاة، لا في وجوبها في كل ركعة.
هذا خلاصة ما في المسألة من المعارضات
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قول الشوكاني: لأن النزاع إنما هو في
(1)
نيل الأوطار جـ 2 ص 244 - 246.
وجوب الفاتحة في جملة الصلاة
…
إلخ. فيه نظر؛ لأن الراجح وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، كما سيأتي، بل الأولى أن يقال: لا مانع من قراءته صلى الله عليه وسلم الفاتحة، ثم أخذه بعدها من حيث بلغ أبو بكر رضي الله عنه فتأمل. والله تعالى أعلم.
ثم إن خلاصة القول في هذه المسألة -مسألة فرضية قراءة الفاتحة على كل مصل، وعدم إجزاء غيرها عنها- أن الحق هو ما ذهب إليه الجمهور من فرضية قراءة الفاتحة على كل مصل، وعدم إجزاء غيرها عنها، لكون أدلتهم واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ومن خالفهم ما أتى بدليل له اعتبار، بل بما هو أوهن من بيت العنكبوت، حيث رد الأحاديث الصحيحة بمجمل آية:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} التي بيانها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى له: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وقد بينها بأنها الفاتحة، حيث قال:"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". متفق عليه، وقال:"لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب" .. رواه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما.
قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البُسْتِيُّ رحمه الله في "صحيحه"، ما حاصله: إن خطاب الكتاب قد يستقل بنفسه في حالة
دون حالة حتى يُستعمل على عموم ما ورد الخطاب فيه، وقد لا يستقل في بعض الأحوال حتى يُستعمل على كيفية اللفظ المجمل الذي هو
مطلق الخطاب في الكتاب، دون أن تبينها السنن، وسنن المصطفى صلى الله عليه وسلم كلها مستقلة بأنفسها، لا حاجة بها إلى الكتاب، المبيِّنةُ لمجمل الكتاب، والمفسرةُ لمبهمه، قال الله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]، فأخبر جل وعلا أن المفسر لقوله:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، وما أشبهها من مجمل الألفاظ في الكتاب رسولُه صلى الله عليه وسلم، ومُحَالٌ أن يكون الشيء المفسِّر له الحاجة إلى الشيء المجمل، وإنما الحاجة تكون للمجمل إلى المفسر، ضدَّ قول من زعم أن السنن يجب عَرْضُها على الكتاب، فأتى بما لا يوافقه الخبر، ويدفع صحته النظر. انتهى كلام ابن حبان رحمه الله تعالى
(1)
.
وأيضًا ردوها بالروايات الضعيفة، وقد مر بعضها. فقد تبين بهذا الحقُّ الذي لا خفاء فيه، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} ، اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في بيان اختلاف العلماء في وجوب الفاتحة في كل ركعة:
ذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب الفاتحة في كل ركعة.
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله، ما حاصله: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كاق يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر
(1)
ترتيب صحيح ابن حبان جـ 5 ص 92.
بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. ثم أخرج ذلك بسنده عن أبي قتادة رضي الله عنه.
وممن نقل عنه هذا القول أبو بكر، وعمر، وعلي، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وعائشة رضي الله عنهم. وبه قال الحسن، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقالت طائفة: يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وما تيسر، وفي الأخريين إن شاء سبح، وإن لم يسبح جازت صلاته. هذا قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار
(1)
.
وقال النووي رحمه الله: مذهبنا وجوب الفاتحة في كل ركعة، وبه قال أكثر العلماء، وبه قال أصحابنا عن علي، وجابر رضي الله عنهما، وهو مذهب أحمد، وحكاه ابن المنذر عن ابن عون، والأوزاعي، وأبي ثور، وهو الصحيح عن مالك.
وقال أبو حنيفة: تجب القراءة في الركعتين الأوليين، وأما الأخريان فلا تجب فيهما قراءة، بل إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت. وقال الحسن البصري، وبعض أصحاب داود: لا تجب القراءة إلا في
(1)
الأوسط جـ 3 ص 111 - 114.
ركعة من كل الصلوات. وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه: إن قرأ في أكثر الركعات أجزأ. وعن الثوري: إن قرأ في ركعة من الصبح، أو الرباعية فقط لم يجزه. وعن مالك: إن ترك القراءة في ركعة من الصبح لم تجزه، وإن تركها في ركعة من غيرها أجزأه.
واحتُجَّ لمن لِم يوجب القراءة في الأخريين بقول الله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ، وبحديث عبد الله بن عبيد الله بن العباس، قال:"دخلنا على ابن عباس، فقلنا لشابّ: سَلِ ابنَ عباس، أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا لا. فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؟ فقال: خَمْشًا، هذه شر من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بلَّغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء، إلا بثلاث خصال: أمَرَنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا نُنزِي الحمار على الفرس". رواه أبو داود بإسناد صحيح
(1)
.
وقوله: "خمشًا": هو بالخاء، والشين المعجمتين: أي خمش وجهه وجلده خمشًا، كقولهم: عقرى حلقى.
وعن عكرمة، عن ابن عباس، قال:"لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر، أم لا". رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وبحديث عبادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". رواه البخاري ومسلم. قالوا: وهذا لا يقتضي أكثر من
(1)
تقدم للمصنف برقم 106/ 141.
مرة. وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب". وعن علي رضي الله عنه "قرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين".
واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة السابق في حديث المسيء صلاته، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". وفي رواية ذكرها البيهقي بإسناد صحيح: "ثم افعل ذلك في كل ركعة".
وبحديث مالك بن الحويرث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". رواه البخاري. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في كل الركعات:
وعن أبي قتادة رضي الله عنه، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب". رواه مسلم. وأصله في صحيحي البخاري ومسلم، لكن قوله:"يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب" انفرد به مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين، في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين، في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة، وفي الأخريين قدر نصف ذلك". رواه مسلم.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فهو أنها وردت في قيام الليل.
وعن حديث ابن عباس أنه نَفَى، وغيره أثبت، والمثبت ما قدم على النافي، وكيف وهم أكثر منه، وأكبر سنًا، وأقدم صحبة، وأكثر اختلاطًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما أبو هريرة، وأبو قتادة، وأبو سعيد، فتعين تقديم أحاديثهم على حديثه، والرواية الثانية عن ابن عباس تبين أن نفيه في الرواية الأولى كان على سبيل التخمين والظن، لا عن تحقيق، فلا يعارض الأكثرين الجازمين بإثبات القراءة.
وعن حديث عبادة أن المراد قراءة الفاتحة في كل ركعة بدليل ما ذكرنا من الأحاديث.
وعن حديث أبي هريرة جوابان:
أحدهما: أنه ضعيف.
الثاني: أن المراد في كل ركعة، جمعًا بين الأدلة.
وعن حديث علي أنه ضعيف، لأنه من رواية الحارث الأعور، وهو كذاب مشهور بالضعف عند الحفاظ. وقد روي عن علي كرم الله وجهه خلافُهُ. والله تعالى أعلم.
انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى
(1)
.
(1)
المجموع جـ 3 ص 361 - 363.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن القول بوجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة هو المذهب الراجح لقوة دليله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
911 -
أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، من [10]، تقدم في 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك، الإمام الحجة الثبت، المروزي، من [8]، تقدم في 32/ 36.
3 -
(معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت، من [7]، تقدم في 10/ 10.
والباقون تقدموا في السند السابق. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث تقدم الكلام عليه فيما قبله، إلا الزيادة، وهي قوله:"فصاعدًا"، فبقي الكلام عليها، وفيها مسائل:
المسألة الأولى: في حكم هذه الزيادة:
اعلم أن هذه الزيادة زيادة صحيحة، أخرجها المصنف هنا -24/ 911 - وفي "الكبرى" -24/ 983 - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة رضي الله عنه.
وأخرجها مسلم عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، به. وأبو داود عن قتيبة،
وأحمد بن عمرو بن السرح، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، به.
وأحمد جـ 5 ص 322. والبيهقي في "السنن الكبرى" 2/ 374. والبغوي في "شرح السنة" رقم 576 و 577.
وقد ادعى ابن حبان رحمه الله أنه تفرد بها معمر، عن الزهري، دون أصحابه
(1)
.
ورد عليه بأن سفيان بن عيينة تابعه عليها، كما مر آنفًا في رواية أبي داود، فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في معنى قوله: "فصاعدًا"، وإعرابها:
فأما معناها: فزائدًا على الفاتحة. يعني أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
(1)
الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان جـ 5 ص 87.
الكتاب، فما زاد عليها، على حد قولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا.
وأما إعرابها: فهي منصوبة على الحال، وهي من الأحوال التي يجب حذف عاملها وصاحبها، وهي كل حال تُفهِمُ ازديادًا، أو نقصًا
بتدريج، ويجب اقترانها بالفاء، أو بـ"ثم"، كقولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا، وتصدقت بدينار، فسافلًا.
فـ "صاعدًا"، و"سافلًا" حالان، عاملهما وصاحبهما محذوفان وجوبًا، والتقدير: فذهب الثمن صاعدًا، وذهب المتصدق به سافلًا. هكذا حققه شُرَّاح ألفية ابن مالك رحمه الله عند قوله:
وَالْحَالُ قَدْ يُحذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ
…
وَبَعْض يُحذَفُ ذِكرُهُ حُظِلْ
وقال ابن منظور رحمه الله: وقولهم: صَنَعَ، أو بَلَغَ كذا وكذا، فصاعدًا، أي فما فوق ذلك. وفي الحديث:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فصاعدًا"، أي فما زاد عليها. كقولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا.
قال سيبويه: وقالوا: أخذته بدرهم، فصاعدًا، حذفوا الفعل، لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أمِنُوا أن يكون على الباء؛ لأنك لو قلت: أخذته بصاعد كان قبيحًا؛ لأنه صفة، ولا يكون في موضع الاسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب صاعدًا. ولا يجوز أن تقول:"وصاعدًا"، لأنك لا تريد أن تخبر أن
الدرهم مع صعد ثمن لشيء، كقولك: بدرهم وزيادة، ولكنك أخبرت بأدنى الثمن، فجعلته أوّلًا، ثم قررت شيئًا بعد شيء لأثمان
شتى؛ قال: ولم يُرَدْ فيها هذا المعنى، ولم يُلْزِمِ الواوُ الشيئين، أن يكون أحدهما بعد الآخر، و"صاعدٌ" بدل من "زادَ" و "يزيد"، و "ثم" مثل الفاء، إلا أن الفاء أكثر في كلامهم.
وقال ابن جني: و"صاعدًا" حال مؤكدة، ألا ترى أن تقديره "فزاد الثمن صاعدًا"، ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يمكن إلا صاعدًا. انتهى
المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى
(1)
.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في حكم ما زاد على الفاتحة:
قال في "الفتح": واستُدلّ به -أي بقوله: "فصاعدًا"- على وجوب قدر زائد على الفاتحة. وتعقب بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة، قال البخاري في "جزء القراءة": هو نظير قوله: "تقطع اليد في ربع دينار، فصاعدًا".
وادعى ابن حبان، والقرطبي، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها، وفيه نظر، لثبوته عن بعض الصحابة، ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر وغيره، ولعلهم أرادوا أن الأمر استقر على ذلك.
(1)
لسان العرب جـ 4 ص 2446.
انتهى
(1)
.
وقال النووي رحمه الله: إن قراءة السورة بعد الفاتحة سنة، فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته الصلاة، وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وكافة العلماء، إلا ما حكاه أبو الطيب عن عثمان ابن أبي العاص الصحابي رضي الله عنه وطائفة، أنه تجب مع الفاتحة سورة أقلها ثلاث آيات، وحكاه صاحب البيان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ويُحتجّ لهم بأنه المعتاد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، مع قوله صلى الله عليه وسلم:"صلوا كما رأيتموني أصلي".
ودليل الأولين قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"؛ لأن ظاهره الاكتفاء بها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:"في كل صلاة يُقرأ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أحفى عنا أخفينا، وإن لم تزد على أم القرآن أجزت، وإن زدت فهو خير لك". رواه البخاري ومسلم.
واستدل البيهقي وغيره في هذه المسألة بهذا الأثر عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولا دلالة فيه لمسألتنا، فإن الصحابة رضي الله عنهم، لا
(1)
فتح جـ 2 ص 488.
يحتج على بعضهم بقول بعض. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، ولم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى بتصرف
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن استدلال البيهقي صحيح؛ لأنه ثبت مرفوعًا ما يؤيده، وذلك فيما أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، والبيهقي بسند صحيح، عن جابر رضي الله عنه، قال: كان معاذ يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة، ثم يرجع، فيصلي بأصحابه، فرجع ذات ليلة، فصلى بهم، وصلى فتى من قومه، فلما طال على الفتى انصرف، فصلى في ناحية المسجد، وخرج، وأخذ بخطام بعيره، وانطلق، فلما صلى معاذ، ذكر ذلك له، فقال: إن هذا به لنفاق! لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي صنع، وقال الفتى: وأنا لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي صنع.
فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر معاذ بالذي صنع الفتى، فقال الفتى: يا رسول الله! يطيل المكث عندك، ثم يرجع، فيطيل علينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفتان أنت يا معاذ؟! "، وقال للفتى:"كيف تصنع أنت يا ابن أخي إذا صليت؟ " قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك، ودندنة معاذ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني ومعاذ حول هاتين، أو نحو ذا"، قال: فقال
(1)
المجموع جـ 3 ص 388 - 389.
الفتى: ولكن. سيعلم معاذ إذا قدم القوم، وقد خُبِّرُوا أن العدو قد أتَوْا، قال: فقدموا، فاستُشهِدَ الفتى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لمعاذ:"ما فعل خصمي وخصمك؟ " قال: يا رسول الله صدق الله، وكذبتُ، استشهد.
ففي هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أقر الفتى في قوله: "أقرأ بفاتحة الكتاب"، ولم يأمره بالزيادة عليها، فدلّ على أن الزيادة ليست بواجبة، وإنما هي مستحبة.
والحاصل أن الراجح هو قول من قال بعدم وجوب ما زاد على الفاتحة لقوة دليله، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
25 - فَضْلُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل فاتحة الكتاب.
والفضل معناه: الزيادة، يقال: فَضَلَ يفْضُلُ، من باب نَصَرَ، وعَلمَ: إذا زاد. والفَضْلُ: الزيادة، والجمع فُضُول، مثل فَلْسٍ، وفُلُوَسٍ. أفاده المجد والفيومي
(1)
.
912 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام، إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَوْقَهُ، فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عليه السلام بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ، مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ
(1)
"ق" ص 1348. المصباح جـ 2 ص 475.
الْبَقَرَةِ لَمْ تَقْرَأْ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلاَّ أُعْطِيتَهُ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(محمد بن عبد الله بن المبارك الْمُخَرِّمي
(1)
) أبو جعفر البغدادي، مات سنة بضع وخمسين ومائتين، ثقة، حافظ، من [11]، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، تقدم في 43/ 50.
2 -
(يحيى بن آدم) بن سليمان أبو زكريا الكوفي، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، مات سنة 203، من كبار [9]، أخرج له
الجماعة، تقدم في 1/ 451.
3 -
(أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، مات سنة 179، من [7]، تقدم في 79/ 96.
4 -
(عمار بن رُزَيق) -بتقديم الراء مصغرًا- الضبي، أو التميمي، أبو الأحوص الكوفي، لا بأس به، مات سنة 159، من
[8]
، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في 102/ 135.
5 -
(عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، أبو محمد الكوفي، كان أكبر من عمه محمد، وأفضل منه،
(1)
"الخرمي" -بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المشددة، نسبة إلى محلة ببغداد. كما أفاده في اللب جـ 2 ص 244.
ثقة، فيه تشيع، من [6].
قال علي بن حكيم: سمعت شريكًا يثني على عبد الله بن عيسى، وقال في رواية: كان رجل صدق، وكان يُعَلِّم مُحْتَسبًا. وقال ابن عيينة: ثنا عمارة بن القعقاع ابن أخي ابن شُبْرُمة، وعبد الله بن عيسى ابن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكانوا يقولون: هما أفضل من عميهما. وقال غيره: ثلاثة أفضل من عمومتهم، فذكرهما، وزاد: وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ابن أخي إبراهيم بن جرير. وقال ابن معين: ثقة، وقال في رواية: كان يتشيع. وقال أبو الحسن بن البرّاء عن ابن المديني: هو عندي منكر الحديث. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن خراش: هو أوثق ولد أبي ليلى. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال العجلي: ثقة. وقال الحاكم: هو أوثق من آل أبي ليلى. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي عن ابن معين: مات سنة 130.
وذكر أبو إسحاق الحربي في "العلل": إنه لم يسمع من جده. قال الحافظ: وهو قول مردود أوردته لأنبه عليه، فحديثه عن جده في
الصحيح. انتهى. أخرج له الجماعة
(1)
.
6 -
(سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت. فقيه، قتل بين يدي الحجاج سنة 95، ولم يكمل الخمسين، من [3]، أخرج
(1)
"تك" جـ 15 ص 412 - 415. "تت" جـ 5 ص 352 - 353. "ت" ص 184.
له الجماعة، تقدم في 28/ 436.
7 -
(ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما، تقدم 27/ 31، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، والبخاري، وأبو داود، وإلا عمار بن رزيق، فما
أخرج له البخاري، والترمذي، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، فبغدادي.
ومنها: أن فيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وقد تقدم غير مرة.
ومنها: أن فيه الإخبار في موضع، والتحديث في موضعين، والعنعنة فيما بقي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) رضي الله عنهما، أنه (قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم)، تقدم الكلام على "بينما" غير مرة، وهي "بين" زيدت عليها "ما"، وتضاف إلى جملة، وتحتاج إلى جواب يتم به معناها، وهو قوله:"إذ سمع نقيضا". فقوله: "رسول الله" مبتدأ، خبره محذوف،
أي جالس. وعند مسلم: "بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم، سمع نقيضًا"(وعنده جبريل عليه السلام جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أن جبريل قاعد عنده صلى الله عليه وسلم (إِذ سمع) الظاهر أن ضمير "سمع" للنبي صلى الله عليه وسلم، وظاهر رواية مسلم أنه لجبريل، ولكن لا تنافي بينهما لإمكان أن يسمعه كل منهما (نقيضًا) بالقاف والضاد المعجمتين- أي صوتًا كصوت الباب إذا فتح. قاله النووي
(1)
.
وقال ابن. منظور: وكل صوت لمِفْصَل، وإصبع، فهو نقيض، وقد أنقض ظهرُ فلان: إذا سُمِعَ له نَقِيضٌ ، قال [من الوافر]:
وَحُزْنٍ تُنْقِضُ الأضْلاعُ مِنْهُ
…
مُقِيمٍ فِي الْجَوَانِحِ لَنْ يَزُولا
ونَقِيضُ الْمحْجَمَة: صوتُها، إذا شدّها الحجامُ بِمَصِّهِ، يقال: أنقض المِحْجَمَةَ؛ قال الأعشى [من الطويل]:
زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ نَقِيضُ الْمَحَاجِمِ
وأنقض الرَّحْلُ: إذا أطَّ. انتهى
(2)
.
(فوقه) ولمسلم: "من فوقه"، وهو ظرف متعلق بمحذوف صفةٍ لـ "نقيضًا"، أي كائنًا فوقه (فرفع جبريل عليه السلام بصره إِلى السماء) أي. لينظر إلى سبب النقيض المسموع (فقال: هذا باب قد فتح) بالبناء للمفعول، والجملة في محل رفع صفة لـ"باب" (من
(1)
شرح مسلم جـ 6 ص 91.
(2)
لسان العرب جـ 6 ص 4525.
السماء) جار ومجرور صفة لـ "باب". ولفظ مسلم: "هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قطّ إلا اليوم".
(ما فتح قطّ) أي في الزمان الماضي. وفيها لغات، يقال: ما رأيته قَطُّ -بفتح القاف، وضمها، وضم الطاء المشددة، ويخففان، وقَطٍّ -بفتح القاف، وكسر الطاء الشددة: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري. أفاده المجد في "ق"
(1)
.
وقد نظم شيخنا عبد الباسط بن محمد البُورَنِيّ الْمِنَاسِيّ رحمه الله لغاتها، فقال:
وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ
…
قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قُطُ قَطْ
(قال: فنزل منه ملك) أي نزل من ذلك الباب الذي لم يفتح قبل ذلك الوقت ملك. ولمسلم: "قال: فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قطّ إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر
…
" (فقال) أي ذلك الملك (أبشر) من الإبشار رباعيًا (بنورين أوتيتهما) بالبناء للمفعول، ومثله "لم يؤتهما"، أي افَرحْ بسبب نورين أعطيتهما (لم يؤتهما نبي قبلك؛ فاتحة الكتاب) بالرفع بدل من "نورين"، أو خبر لمحذوف، أي أحدهما فاتحة الكتاب،
(1)
"ق" ص 882. وعبارته فيه: وما رأيته قَطُّ، ويضم، يخففان، وقَطٍّ مشددة مجرورة: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري. اهـ.
(وخواتيم سورة البقرة) جمع خاتمة، أي أواخرها، وهي من قوله تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} إلى آخر السورة (لم تقرأ حرفًا منهما) أي فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة. قال السندي رحمه الله: أي مما فيه من الدعاء (إِلا أعطيته) أي أعطيت مقتضاه، من العون، والهداية إلى الصراط المستقيم، في الفاتحة، ومن المغفرة، وعدم المؤاخذة في النسيان، والخطأ، وعدم تحميل الإصر، وما لا يطاق، والعفو، والرحمة، والنصر على الكفار، في خواتيم سورة البقرة.
ثم إن هذا العطاء ليس خاصًا به صلى الله عليه وسلم، بل يعم أمته أيضًا بسببه، فقد تقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل"، فإنه عام لكل مصل.
وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} قال: دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"قولوا: سمعنا، وأطعنا، وسلمنا" قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: "قد فعلت"{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال: "قد فعلت"{وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا} قال: "قد فعلت".
ونحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عند مسلم أيضًا
(1)
. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -25/ 912 - وفي "الكبرى" 25/ 984 - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم 722 وفي "فضائل القرآن" جـ 5 ص 14 - 15 عن محمد بن عبد الله بن المبارك المُخَرِّمي، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، عن عمار بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن سعيد بن جبير، عنه. وفي "فضائل القرآن" جـ 5 ص 12 - 13 أيضا عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، عن أبي الأحوص، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في الصلاة عن حسن بن الربيع، وأحمد بن جَوَّاس الحنفي، كلاهما عن أبي الأحوص به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
(1)
صحيح مسلم جـ 1 ص 80 - 81.
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو بيان فضل فاتحة الكتاب.
ومنها: بيان فضل خواتيم سورة البقرة.
ومنها: بيان كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على ربه، حيث أكرمه بما لم يكرم الأنبياء الذين قبله حيث أعطاه هذين النورين.
ومنها: إثبات الأبواب للسماء، وأنها تفتح، وتغلق، وأن بعض الملائكة لا ينزل إلى الأرض إلا لمثل هذه البشارة. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في ذكر ما ورد من فضائل فاتحة الكتاب غير حديث الباب:
فمنها: ما تقدم للمصنف -23/ 909 - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" الحديث.
ومنها: حديث أبي سعيد بن الْمُعَلَّى رضي الله عنه الآتي -26/ 913.
ومنها: حديث أبي بن كعب رضي الله عنه الآتي 26/ 914.
ومنها: ما أخرجه الشيخان، وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سَليم، وإن نفرنا غَيْب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كُنَّا نَأبُنُهُ
(1)
برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا
(1)
أبَنَه يأبِنه، ويأبُنه من بابي ضرب، ونصر: اتهمه. أفاده في "ق".
لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تُحْدِثوا شيئًا حتى نأتي، ونسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا المدينة ذكرَنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"وما كان يُدريه أنها رقية، اقسموا لي بسهم" وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم. يعني اللديغ،
يسمونه بذلك تفاؤلًا.
ومنها: ما أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن جابر، رضي الله عنه، قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا خلفه، حتى دخل على رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيبًا حزينًا، فخرج عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تطهر، فقال: عليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله"، ثم قال: "ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بخير سورة في القرآن؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها". قال الحافظ ابن كثير: هذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا احتج به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر هذا الصحابي ذكر ابن
الجوزي أنه هو العبدي. والله أعلم، ويقال: إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر. اهـ
(1)
. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: قال العلامة القرطبي رحمه الله: اختلف العلماء في تفضيل بعض السور والآي على بعض، وتفضيل بعض أسماء الله تعالى الحسنى على بعض:
فقال قوم: لا فضل لبعض على بعض، لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها. وذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر بن الطيب، وأبو حاتم محمد بن حبان البُسْتيّ، وجماعة من الفقهاء، وروي معناه عن مالك، قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ؛ وكذلك كره مالك أن تعاد سورة، أو تردد دون غيرها، وقال عن مالك في قول الله تعالى:{نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، قال: محكمة مكان منسوخة. وروى ابن كنانة مثل ذلك كله عن مالك.
واحتج هؤلاء بأن قالوا: إن الأفضل يشعر بنقص المفضول، والذاتية في الكل واحدة، وهي كلام الله، وكلام الله تعالى لا نقص
فيه. قال البُسْتِيّ: ومعنى هذه اللفظة: "ما في التوراة، ولا في الإنجيل، مثل أم القرآن" أن الله تعالى لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل
(1)
تفسير ابن كثير جـ 1 ص 11 - 12.
من الثواب مثل ما يعطي لقارئ أم القرآن، إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأم، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه، وهو فضل منه لهذه الأمة. قال: ومعنى "قوله: "أعظم سورة" أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض.
وقال قوم: بالتفضيل، وأن ما تضمنه قوله تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته، وصفاته ليس موجودًا مثلًا في {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] وما كان مثلها. والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق.
وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه، وغيره من العلماء والمتكلمين، وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، وابن الحصار، لحديث أبي سعيد بن المُعَلَّى، وحديث أبَيّ بن كعب الآتيين في الباب الآتي.
قال ابن الحصار: عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص.
وقال ابن العربي: قوله: "ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها" وسكت عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة، والزبور وغيرها، لأن هذه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل صار أفضل الكلّ، كقولك: زيد أفضل العلماء، فهو أفضل الناس.
وفي الفاتحة من الصفات ما ليس في غيرها، حتى قيل: إن جميع القرآن فيها. وهي خمس وعشرون كلمة، تضمنت جميع علوم القرآن، ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده، ولا تصح القُربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم، كما صارت {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن، إذ القرآن توحيد، وأحكام، ووعظ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فيها التوحيد كله، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله صلى الله عليه وسلم لأبي:"أي آية في القرآن أعظم" قال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} ، وإنما كانت أعظم آية، لأنها توحيد كلها، كما صار قوله:"أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له" أفضل الذكر، لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد، والعبادة، والوعظ، والتذكير، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(1)
"الجامع لأحكام القرآن" جـ 1 ص 109 - 111.
26 - تَأوِيلُ قَوْلِ اللهِ عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالة على بيان معنى هذه الآية.
والتأويل: مصدر أوّل، يقال: أوّل الكلام تأويلًا، وتأوله: دبّره، وقدره، وفسره. قاله في "ق".
وفي العباب: التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشيء. وقال الراغب: التأويل رد الشيء إلى الغاية المرادة منه، قولًا، أو فعلًا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ما خلاصته: إن لفظ التاويل يستعمل في ثلاثة معان:
أحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه، وأصوله: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به.
الثاني: أن التأويل هو التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن، كما يقول ابن جرير، وأمثاله من المصنفين في
التفسر: واختلف علماء التأويل.
الثالث: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال الله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ
{قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53] فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه مما يكون من القيامة، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، كما قال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام لما سجد له أبواه، وإخوته، قال:{وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 100] فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا. اهـ كلام ابن تيمية رحمه الله باختصار
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: المعنى المناسب هنا هو التفسير، وقد تقدم الكلام بأطول من هذا في أوائل هذا الشرح، فراجعه تزدد علمًا. وبالله تعالى التوفيق.
913 -
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَدَعَاهُ، قَالَ: فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ:"مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟ " قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: "أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عز وجل {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]
(1)
الرسالة الحموية ص 37.
أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ"، قَالَ: فَذَهَبَ لِيَخْرُجَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْلَكَ. قَالَ: "{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّذِي أُوتِيتُ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَرَيّ البصري، ثقة، مات سنة 248، من [10]، تقدم في 42/ 47.
2 -
(خالد) بن الحارث الهُجَيْمِيُّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من [8]، تقدم في 42/ 47.
3 -
(شعبة) بن الحجاج البصري، ثقة ثبت حجة، من [7]، تقدم في 24/ 26.
4 -
(خُبيب بن عبد الرحمن) بن خبيب بن يساف الأنصاري، أبو الحارث المدني، ثقة، مات سنة 132، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 10/ 640.
5 -
(حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ثقة، من [3] ، أخرج له الجماعة، تقدم في 60/ 867.
6 -
(أبو سعيد بن الْمُعَلَّى)
(1)
الأنصاري المدني، له صحبة، يقال: اسمه رافع بن أوس بن المعلَّى، ويقال: الحارث بن أوس بن
المعلى، ويقال: الحارث بن نُفَيع بن المعلى بن لَوْذان بن حارثة بن عدي ابن زيد بن ثعلبة بن عدي بن مالك بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة ابن مالك بن عَضْب بن جُشَم بن الخَزْرجَ.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه حفص بن عاصم، وعبيد بن حنين. قال أبو حسان الزيادي: توفي سنة 73، وهو ابن 64، وقال غيره: توفي سنة 94، بتقديم التاء على السين. وقال ابن حبان: اسمه رافع بن المعلى. وقال ابن عبد البر: من قال فيه: رافع بن المعلى، فقد وهم؛ لأن رافع بن المعلى قتل ببدر، وأصح ما قيل فيه: الحارث بن نفيع بن المعلى، توفي سنة 74، وهو ابن 84 سنة. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه
(2)
. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه فممن انفرد هو به، والصحابي، فما
(1)
قد سبقت ترجمة أبي سعيد المعلي برقم 39/ 732، وأعدته هنا سهوًا، لكن لما قابلت بين الترجمتين وجدت في الثانية زيادات وفوائد، فأبقيتهما على حالهما محافظة على الفائدة. سبحان من لا يضل، ولا ينسى.
(2)
"تك" جـ 33 ص 348 - 350. "ت" جـ 12 ص 107 - 108.
أخرج له مسلم، والترمذي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، خبيب، عن حفص.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع، وكلها من صيغ الاتصال، على الراجح في العنعنة من غير المدلس.
ومنها: أن صحابيه قليل الرواية، ليس له عندهم إلا هذا الحديث، وآخر عند المصنف، تقدم في -39/ 732 - مختصرًا، وقد ساقه مطولًا في تفسير سورة البقرة من "الكبرى" جـ 6 ص 291 عن محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، عن عُبيد بن حُنين، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنا نَغْدُو للسوق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنمر على المسجد، فنصلي فيه، فمررنا يومًا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] حتى فرغ من الآية، قلت لصاحبي: تعالَ نركعْ ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكون أول من صلى، فتوارينا، فصلينا، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى للناس الظهر يومئذ.
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث ضعيف، لضعف مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى، وقد تقدم الكلام عليه في 39/ 732. والله تعالى أعلم.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: لا يعرف في الصحابة إلا بحديثين، وذكر هذين الحديثين
(1)
. والله تعالى أعلم.
تنبيهان:
يتعلقان بإسناد هذا الحديث، ذكرهما الحافظ رحمه الله في الفتح:
أحدهما: نسب الغزالي، والفخر الرازي، وتبعهما البيضاوي هذه القصة لأبي سعيد الخدري، وهو وَهَمٌ، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى.
ثانيهما: روى الواقدي هذا الحديث عن محمد بن معاذ، عن خبيب بن عبد الرحمن بهذا الإسناد، فزاد في إسناده عن أبي سعيد بن
المعلى، عن أبي بن كعب، والذي في الصحيح أصح، والواقدي شديد الضعف إذا انفرد، فكيف إذا خالف، وشيخه مجهول.
قال: وأظن الواقدي دخل عليه حديث في حديث، فإن مالكًا أخرج نحو الحديث المذكور من وجه آخر فيه ذكر أبَيّ بن كعب، فقال: "عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أبيّ بن كعب
…
"، ومن الرواة عن مالك من قال: عن أبي سعيد، عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم ناداه
…
وكذلك أخرجه الحاكم.
ووَهِمَ ابنُ الأثير جيث ظن أن أبا سعيد، شيخ العلاء، هو أبو سعيد
(1)
"الاستيعاب" جـ 4 ص 1670.
ابن المعلى، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري من أنفسهم مدني، وذلك تابعي مكي من موالي قريش.
وقد اختلف فيه على العلاء، أخرجه الترمذي من طريق الدراوردي، والنسائي من طريق روح بن القاسم، وأحمد من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم، وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة، كلهم عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب
…
" فذكر الحديث.
وأخرجه الترمذي، وابن خزيمة من طريق عبد الحميد بن جعفر، والحاكم من طريق شعبة، كلاهما عن العلاء مثله، لكن قال: عن
أبي هريرة رضي الله عنه
(1)
.
ورجح الترمذي كونه من مسند أبي هريرة. وقد أخرجه الحاكم أيضًا من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أبيّ بن كعب، وهو بما يقوّي ما رجحه الترمذي. ورجح البيهقي بأن القصة وقعت لأبيّ بن كعب، ولأبي سعيد بن المعلى، ويتعين المصير إلى ذلك
(1)
هكذا في "الفتح"، ولعل فيه تحريفًا، والأصل:"لكن ما قال: عن أبي هريرة" كما يدل عليه ما في مستدرك الحاكم جـ 1 ص 558، ونصه:
ثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى ختمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت"، فدل على أنه ليس لأبي هريرة في رواية شعبة ذكر، فتنبه. والله أعلم.
لاختلاف مخرج الحديثين، واختلاف سياقهما، كما سيتبين قريبًا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف يسير
(1)
.
والله تعالى ولي التوفيق، وهو الستعان، وعليه التكلان.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد بن المعلَّى) رضي الله عنه، تقدم الخلاف في اسمه قريبًا، والأصح أنه الحارث بن نُفَيعْ، كما تقدم قريبًا (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به)، وللبخاري: قال: "كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
" (وهو يصلي) جملة حالجة من الضمير في "به" (فدعاه، قال) أبو سعيد (فصليت، ثم أتيته) وفي رواية البخاري: "فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجبه"، زاد في رواية: "فلم آته حتى صليت، ثم أتيته" (فقال) صلى الله عليه وسلم (ما منعك أن تجيبني؟) "ما" استفهامية، أي أيُّ شيء منعك من إجابتي حين دعوتك؟.
(قال) أبو سعيد (كنت أصلي) يعني أن الذي منعني عن إجابتك هي الصلاة. فبين له النبي صلى الله عليه وسلم كون الصلاة لا تمنع من الإجابة، فـ (قال: ألم يقل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وفي حديث أبي هريرة: "أوليس تجد فيما أوحى الله إلي أن {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الآية؟، فقلت:
(1)
فتح جـ 9 ص 6، كتاب التفسير.
بلى يا رسول الله، لا أعود إن شاء الله".
تنبيه:
نقل ابن التين عن الداودي أن في حديث الباب تقديمًا وتأخيرًا، وهو قوله:"ألم يقل الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} " قبل قول أبي سعيد: "كنت أصلي"، قال: فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب، قال: وتأول القاضيان: عبد الوهاب، وأبو الوليد أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض، يعصي المرء بتركه، وأنه حكم يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ: وما ادعاه الداودي لا دليل عليه، وما جنح إليه القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلاف عندهم بعد قولهم بوجوب الإجابة، هل تبطل الصلاة، أولا؟. انتهى فتح
(1)
.
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة: الإجابة. قال
أبو عبيدة: معنى "استجيبوا": أجيبوا، ولكن عُرْف الكلام أن يتعدى "استجاب" بلام، ويتعدى "أجاب" دون لام، قال الله تعالى:{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} وقد يتعدى "استجاب" بغير لام، كقوله [من الطويل]:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلى النِّدَا
…
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
(1)
المصدر المذكور جـ 9 ص 6 - 7
تقول: أجابه، وأجاب عن سؤاله، والمصدر الإجابة، والاسم الْجَابَة، كالطاقة، والطاعة، تقول: أساء سَمْعًا، فأساء جَابَةً.
وقوله: {إِذَا دَعَاكُمْ} الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر الله للتنبيه على أن دعاءه دعاء الله تعالى، واستجابته استجابته له تعالى.
قال السندي: لا يلزم من وجوب استجابته في الصلاة بقاء الصلاة، وإنما لازمه رفع إثم الفساد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى فساد الصلاة بإجابته صلى الله عليه وسلم لا دليل عليه، فالراجح أنها لا تبطل، لعدم بيانه صلى الله عليه وسلم ذلك مع كون المقام يقتضي ذلك. فتبصر. والله تعالى أعلم.
وقوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} متعلق بقوله: {اسْتَجِيبُوا} وأصل "يحييكم" يُحْيِيُكُمْ، حذفت الضمة من الياء لثقلها، ولا يجوز الإدغام. والمعنى: استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم. وقيل: اللام بمعنى "إلى"، أي إلى ما يحييكم، أي يحيي دينكم، ويعلمكم. وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم، فتوحدوه، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد، والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة؛ وما تضمنه القرآن من أوامر، ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية. وقيل: المراد بقوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} الجهاد، فإنه سبب
الحياة في الظاهر لأن العدو إذا لم يُغْزَ غزا؛ وفي غزوه الموت، والموت في الجهاد الحياة الأبدية؛ قال الله عز وجل:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ} [آل عمران: 169] الآية. قال القرطبي رحمه الله: والصحيح على العموم كما قال الجمهور. انتهى
(1)
.
(ألا) هي أداة حثّ وتحضيض (أعلمك أعظم سورة) وفي رواية شعبة في فضائل القرآن من "الكبرى" جـ 5 ص 11: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن"، وفي حديث أبي هريرة جـ 6 ص 351:"أتحب أن أعلمك سورة، لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها".
قال في "الفتح": قال ابن التين: معناه أن ثوابها أعظم من غيرها. واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، وقد منع ذلك الأشعري، وجماعة؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل، وأسماء الله، وصفاته، وكلامه لا نقص فيها. وأجابوا عن ذلك بأن معنى التفاضل أن ثواب بعضه أعظم من ثواب بعض، فالتفضيل إنما هو من حيث المعاني، لا من حيث الصفة، ويؤيد التفضيل قوله تعالى:{نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]. وقد روى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ
(1)
الجامع لأحكام القرآن جـ 7 ص 389 - 390.
مِّنْها} أي في المنفعة، والرفق، والرفعة. وفي هذا تعقب على من قال: فيه تقديم وتأخير، والتقدير "نأت منها بخير". وهو كما قيل في قوله تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل: 89] لكن قوله في آية الباب: {أَوْ مِثْلِهَا} يرجح الاحتمال الأول، فهو المعتمد. والله أعلم. انتهى
(1)
.
(قبل أن أخرج من المسجد) أي النبوي (قال: فذهب ليخرج) وللبخاري: "ثم أخذ بيدي". زاد في حديث أبي هريرة: "يحدثني، وأنا أتباطأ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث"(قلت: يا رسول الله قولك) بالنصب مفعول لفعل محذوف، أي اذكر قولَك، أو أنتَظرُ قولَك، ويحتمل الرفع خبرًا لمحذوف، أي قولك مطلوبي، ويحتمَل العكس، أي المطلوب قولُك. وفي رواية البخاري من طريق شعبة:"فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن". وفي رواية أبي هريرة: "قلت: يا رسول الله ما السورة التي قد وعدتني؟ قال: كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأت عليه أم القرآن".
(قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هي السبع المثاني الذي أوتيته)"الحمد لله" إلخ، مبتدأ محكي لقصد لفظه، و"هي" ضمير فصل، و"السبع" خبر المبتدأ، و"المثاني"، صفته، و"الذي" صفة بعد الصفة.
و"المثاني": جمع مَثْنًى بمعنى مُرَدَّد، ومُكَرَّر، ويجوز أن يكون
(1)
فتح جـ 9 ص 7.
"مثنى" مَفْعَل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4]، أي كرة بعد كرة، ونحو قولهم: لبيك، وسعديك. أي أنه جُمِعَ لمعنى التكرير والإعادة، كما ثني لذلك، لكن استعمال الْمُثَنَّى في هذا المعنى أكثر، لأنه أول مراتب التكرار. قاله الألوسي في تفسيره
(1)
.
وسميت بـ "المثاني" من التثنية، بمعنى التكرار، لأنها تثنى في كل ركعة، أو من الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى. ويأتي بيان اختلاف العلماء في المرادب "المثاني" في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
(والقرآن العظيم) وعند البخاري في تفسيره سورة الأنفال من رواية معاذ بن معاذ: "هي الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني،
والقرآن العظيم الذي أوتيته". وفي حديث أبي هريرة: فقال: "إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته".
قال الخطابي رحمه الله: يعني بـ"العظيم" عظَمَ المثوبة على قراءتها، وذلك لما تجمع هذه السورة من الثناء، والدعاء، والسؤال.
والواو فيه ليست للعطف الموجب للفصل بين الشيئين، وإنما هي الواو التي تجيء بمعنى التخصيص، كقوله تعالى:{وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} [البقرة: 98] وقوله: {فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68].
(1)
روح المعاني جـ 14 ص 78 - 79.
وقال الكرماني رحمه الله: المشهور بين النحاة أن هذه الواو للجمع بين الوصفين، فمعنى:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87] أي ما يقال له: السبع المثاني، والقرآن العظيم، وما يوصف بهما. انتهى
(1)
.
وفي هذا تصريح بأن المراد بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} هي الفاتحة. وهو الراجح من الأقوال في معنى هذه الآية،
وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد بن الْمُعَلَّى رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -26/ 913 - وفي "الكبرى" -26/ 985 - وفي "التفسير" منه جـ 6 ص 283 - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث الْهُجَيمي، عن شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عنه. وفي "فضائل القرآن" -من "الكبرى" - جـ 5 ص 11 عن
(1)
راجع عمدة القاري جـ 14 ص 418. وللعيني اعتراض على كلام الخطابي تركته؛ لعدم جدواه، إذ حاصله يرجع إلى نفس ما قاله الخطابي، فلو أمعن النظر لما اعترض عليه. فتنبه. والله تعالى ولي التوفيق.
محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر غندر، كلاهما عن شعبة، به. وفي "التفسير" منه جـ 6 ص 375 - عن محمد ابن بشار، عن يحيى القطان، عن شعبة، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في تفسير سورة الأنفال عن مسدد، وفي فضائل القرآن عن علي بن عبد الله، كلاهما عن يحيى القطان - وفي تفسير سورة الحجر عن إسحاق بن منصور، عن روح بن عبادة - وعن بندار، عن غندر- وتعليقًا، قال معاذ -يعني ابن معاذ- أربعتهم عن شعبة، به.
وأبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ، عن خالد الهجيمي، عن شعبة، به.
وابن ماجه، في ثواب التسابيح من كتاب الأدب عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر به، بقصة فضل الفاتحة. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان معنى قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} ، وأن المراد له الفاتحة، وهذا هو الراجح، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
ومنها: ما قاله بعضهم: فيه دليل على أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست آية من القرآن، كذا قال، وعكس غيره؛ لأنه أراد
السورة، ويؤيده أنه لو أراد بـ"الحمد لله رب العالمين" الآية لم يقل هي السبع المثاني، لأن الواحدة لا يقال لها: سبع، فدل على أنه أراد بها السورة، و"الحمد لله رب العالمين" من أسمائها، وفيه قوة لتأويل الشافعي رحمه الله في حديث أنس، قال: كانوا يفتتحون الصلاة بـ "الحمد لله رب العالمين".
قال الشافعي رحمه الله: أراد السورة، وتعقب بأن هذه السورة تسمى سورة "الحمد لله"، ولا تسمى "الحمد لله رب العالمين"، وهذا التعقيب مردود بهذا الحديث، فإنه نص صريح في كونها تسمى بـ "الحمد لله رب العالمين" أيضًا.
ومنها: أن الأمر يقتضي الفور، لأنه صلى الله عليه وسلم عاتب هذا الصحابي على تأخير إجابته.
ومنها: أن فيه استعمال صيغة العموم في الأحوال كلها، قال الخطابي: فيه أن حكم لفظ العموم أن يجري على جميع مقتضاه، وأن
الخاص والعام إذا تقابلا كان العام منزلًا على الخاص؛ لأن الشارع حرّم الكلام في الصلاة على العموم، ثم استثنى منه إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة.
ومنها: أن إجابة علي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا تفسد الصلاة، هكذا صرح به جماعة من الشافعية، وغيرهم. قال في الفتح: وفيه بحث، لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخاطب مصليًا، أو
غير مصل، أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة، أو لا يخرج، فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة، ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى هذا جنح بعض الشافعية. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أسمج هذا القول! فهل من المعقول أن يُعَنِّفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصحابيَّ الذي اعتذر إليه كونه في الصلاة، إذ هي لا يصلح فيها شيء من الكلام، ثم لا يقول له: أجب دعوتي، ثم أعد صلاتك، لبطلانها، ولا يشير أدنى إشارة، مع كون هذا الصحابي شديد الحرص على أن لا تبطل صلاته؟، إن هذا لشيء عجيب!.
فالقول الصحيح الذي لا غبار عليه هو القول الأول، فلا تبطل الصلاة بإجابته صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال: وهل يختص هذا الحكم بالنداء، أو يشمل ما هو أعم، حتى تجب إجابته إذا سأل؟ فيه بحث. وقد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة في قصة ذي اليدين كان كذلك. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالعموم هو الراجح، كما أشار إليه ابن حبان رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في المراد بـ "السبع المثاني": قال العلامة أبو عبد الله القرطبي رحمه الله: اختلف العلماء في
(1)
فتح جـ 9 ص 7 - 8.
"السبع المثاني":
فقيل: الفاتحة. قاله علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن، وغيرهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة، من حديث أبي بن كعب، وأبي سعيد بن المعلى، وأخرج الترمذي، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني". قال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نص. وقال الشاعر [من الرجز]:
نَشَدتُكُمْ بِمُنْزِلِ الْقُرْآنِ
…
أُم الْكِتَابِ السَّبعِ مِنْ مَثَانِي
وقال ابن عباس رضي الله عنه: هي السبع الطُّوَل: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معًا، إذ ليس بينهما التسمية. وسيأتي للمصنف -26/ 916 - عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل:{سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} قال: السبع الطُّوَل، وسميت مثاني، لأن العِبَرَ، والأحكام، والحدود ثنيت فيها.
وأنكر قوم هذا، وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من الطول شيء إذ ذاك. وأجيب بأن الله تعالى أنزل القرآن إلى السماء الدنيا، ثم أنزله منها منجمًا، فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما آتاه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وإن لم ينزل عليه بعدُ. وممن قال: إنها السبع الطول:
عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد. وقال جرير [من الوافر]:
جَزَى الله الْفَرَزْدَقَ حِينَ يُمْسِي
…
مُضِيعًا لِلْمُفَصَّلِ وَالْمَثَانِي
وقيل: المثاني القرآن كله، قال الله تعالى:{كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} .
وهذا قاله الضحاك، وطاوس، وأبو مالك، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثاني؛ لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه. وقالت صفية بنت عبد المطلب، ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم[من الطويل]:
فَقَدْ كَانَ نُورًا سَاطِعًا يُهْتَدَى بِهِ
…
يُخَصُّ بِتَنْزِلِ الْمَثَانِي اْلْمُعَظَّمِ
أي القرآن. وقيل: المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن، من الأمر، والنهي، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعديد نِعَم، وأنباء
قرون. قاله زياد بن أبي مريم.
قال القرطبي رحمه الله: والصحيح الأول؛ لأنه نص، وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا إذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت عنه نص في شيء، لا يحتمل التأويل كان الوقوف عنده. انتهى بتصرف يسير
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه العلامة القرطبي رحمه الله تعالى، هو الراجح عندي.
(1)
الجامع لأحكام القرآن جـ 10 ص 54 - 55.
وحاصله أن "السبع المثاني، والقرآن العظيم" هي الفاتحة، للنصوص الصحيحة الصريحة، ولكن هذا لا ينافي أن يوصف غيرها بهذا الوصف، كوصف القرآن بأنه مثاني، حيث وصفه الله به في قوله:{كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد ذكر ما أخرجه البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم"، ما نصه: فهذا نص في أن الفاتحة السبعُ المثاني، والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطُّوَل بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضًا، كما قال تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} فهو مثان من وجه، ومتشابهٌ من وجه، وهو القرآن العظيم أيضًا، كما أنه صلى الله عليه وسلم لَمَّا سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
914 -
أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ
(1)
تفسير ابن كثير جـ 1 ص 578.
مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 -
(الحسين بن الحريث) الخُزاعي مولاهم، أبو عَمَّار المروزي، ثقة، مات سنة 244، من [10]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في 44/ 52.
2 -
(الفضل بن موسى) السِّينَاني، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، وربما أغرب، مات سنة 192، من كبار [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 83/ 100.
3 -
(عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي، أبو الفضل، ويقال: أبو حفص، ويقال: إن
رافع بن سنان جده لأمه، صدوق رمي بالقدر، وربما وَهِمَ، من [6].
قال أحمد: ثقة، ليس به بأس، سمعت يحيى بن سعيد، يقول:
كان سفيان يضعفه، من أجل القدر. وقال الدوري، عن ابن معين: ثقة، ليس فيه بأس، كان يحيى بن سعيد يضعفه، قلت ليحيى: قد روى عنه يحيى بن سعيد؟، قال: قد روى عنه، وكان يضعفه، وكان يروي عن قوم ما كانوا يساوون عنده شيئًا. قال ابن معين: وكان يرى القدر. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يوثقه، وكان الثوري يضعفه، قلت: ما تقول أنت فيه؟ ليس بحديثه بأس، وهو صالح. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان سفيان يحمل عليه، وما أدري ما كان شأنه وشأنه. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال الساجي: ثقة صدوق. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة -153 - وهو ابن 70 سنة. وقال الفضل بن موسى: كان ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن العلوي. استشهد به البخاري في "الصحيح"، وروى له في كتاب "جزء رفع اليدين"، وغيره، وأخرج له الباقون
(1)
.
4 -
(العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقيّ، أبو شبل المدني، صدوق ربما وهم، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، من [5]،
أخرج له الجماعة، تقدم في 107/ 143.
(1)
"تك" جـ 16 ص 416 - 420. "تت" جـ 6 ص 111 - 112. "ت" ص 196.
5 -
(عبد الرحمن بن يعقوب) الجُهَني المدني، مولى الحُرَقَة، ثقة من [3]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة،
تقدم في 107/ 143.
6 -
(أبو هريرة) الدَّوْسِيُّ الصحابي الشهير رضي الله عنه، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
7 -
(أُبَيّ بن كعب) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، وأبو الطفيل، سيد القراء، الصحابي الشهير رضي الله عنه،
أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 808. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وعبد الحميد،
فعلق له البخاري، وأخرج له الباقون.
ومنها: أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعي، عن تابعي؛ العلاء، عن أبيه.
ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي؛ أبو هريرة، عن أُبيّ رضي الله عنهما.
ومنها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبَيّ بن كعب) رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنزل الله عز وجل في التوراة) هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه الصلاة والسلام.
وقد اختلف اللغويون في أصل اشتقاق "التوراة" على أقوال كثيرة، مذكورة في كتب اللغة، وقد استوفاها المرتضى الزبيدي رحمه الله في شرح "ق"، وقال في آخره نقلًا عن شيخه، ما نصه: وقد تعقب المحققون كلامهم بأسره، وقالوا: هو لفظ غير عربي، بل هو عبراني اتفاقًا، وإذا لم يكن عربيًا، فلا يعرف له أصل من غيره، إلا أن يقال: إنهم أجروه بعد التعريب مجرى الكلم العربية، وتصرفوا فيه بما تصرفوا فيها. والله أعلم. انتهى كلام المرتضى رحمه الله تعالى
(1)
.
(ولا في الإِنجيل) هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى عليه الصلاة والسلام. قال ابن منظور رحمه الله: يُؤنَّث، ويُذَكَّر، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذَكَّرَ أراد الكتاب. وفي صفة الصحابة رضي الله عنهم:"معه قوم صدورهم أناجيلهم"؛ هو جمع إنجيل، وهو اسم كتاب الله المنزل على عيسى عليه السلام، وهو اسم عبْرَاني، أو سرياني. وقيل: هو عربي. يريد أنهم يقرءون كتاب اللهَ عن ظهر قلوبهم، ويجمعونه في صدورهم حفظًا، وكان أهل الكتاب إنما يقرءون كتبهم في الصحف، ولا يكاد أحدهم يجمعها حفظًا، إلا القليل، وفي
(1)
تاج العروس جـ 10 ص 389.
رواية: "وأناجيلهم في صدورهم"، أي إن كتبهم محفوظة فيها.
والإنجيل: مثلُ الإكليل، والإخْريط، وقيل: اشتقاقه من النَّجْلِ الذي هو الأصل، يقال: هو كريمَ النَّجْلَ، أي الأصل، والطَّبْعِ، وهو من الفعل إِفعيلٌ، وقرأ الحسن:"وليحكم أهل الأنْجيل" بفتح الهمزة، وليس هذا المثال من كلام العرب، قال الزَّجَّاج: وللقَائل أن يقول: هو اسم أعجمي، فلا يُنكَر أن يقع بفتح الهمزة، لأن كثيرًا من الأمثلة العجمية يخالفُ الأمثلة العربية، نحو آجَر، وإبراهيمَ، وهابيل، وقابيل. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: التحقيق أن التوراة والإنجيل اسمان أعجميان، لا أصل لهما في العربية، فلا وجه للاشتغال بأصل اشتقاقهما، بل مثل هذا يعدّ من فضول الكلام، ومما لا يعني الإنسان. وقد أخرج أحمد، والترمذي، وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". والله تعالى أعلم.
(مثل أم القرآن) بالنصب مفعولًا لـ"أنزل"، وقد تقدم وجه كون الفاتحة أم القرآن (وهي السبع المثاني) تقدم تفسيره في الحديث السابق أيضًا (وهي مقسومة بيني وبين عبدي) أي لأن نصفها ثناء وتمجيد، ونصفها سؤال وابتهال (ولعبدي ما سأل) وعد من الله سبحانه لعبده أن يوفقه لنيل ما طلبه منه، والله لا يخلف الميعاد. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
لسان العرب جـ 6 ص 4356.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بن كعب رضي الله عنه هذا صحيح، إلا أن في إسناده علة، سأذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -26/ 914 - وفي "الكبرى" -26/ 986 - عن الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه الترمذي في "التفسير" بسند المصنف، فكلاهما يرويانه عن شيخ واحد، وهو الحسين بن حريث. وعبد بن حميد في مسنده رقم 165. والدارمي 3375. وعبد الله بن أحمد جـ 5 ص 114. وابن خزيمة رقم 500 و 501.
المسألة الرابعة: أنه اختلف في إسناد هذا الحديث:
فأخرجه الترمذي في تفسير "سورة الحِجْر" كما ذكرنا آنفًا، عن الحسين بن حريث، بسند المصنف، ومتنه.
ثم ساقه عن قتيبة، عن عبدالعزيز بن محمد، عن العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أبَيّ، وهو يصلي، فذكر نحوه بمعناه. قال: حديث عبد العزيز بن محمد أطول، وأصم، وهذا أصح من حديث عبد الحميد بن جعفر، وهكذا روى غير واحد، عن العلاء بن عبد الرحمن.
وقد ساقه مطولًا في "فضائل القرآن"، فقال: حدثنا قتيبة، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبيِّ بن كعب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أبَيِّ" -وهو يصلي- فالتفت أبَيّ، فلم يجبه، وصلى أبيّ، فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وعليك السلام، ما منعك يا أبيّ أن تجيبني، إذ دعوتك؟ " فقال: يا رسول الله، إني كنت في الصلاة، قال:"أفلم تجد فيما أوحي إلي أن: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]؟ " قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله، قال:"أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها؟ " قال: نعم يا رسول الله، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف تقرأ في الصلاة؟ " قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، وإنها سبع من
المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته". هذا حديث حسن صحيح. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: فقد بيَّن الترمذي رحمه الله أن كونه من مسند أبي هريرة رضي الله عنه. وهي رواية عبد العزيز الدراوردي- أصح من كونه من مسند أبَيِّ بن كعب رضي الله عنه وهي رواية عبد الحميد بن جعفر- وذلك لكثرة من تابع عبد العزيز في روايته، فقد تابعه روح بن القاسم، عند النسائي -كما عزاه إليه في "الفتح"
(2)
- وعبد الرحمن بن إبراهيم عند أحمد، وحفص بن ميسرة عند ابن خزيمة، كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أبيِّ بن كعب
…
فذكر الحديث.
وقد مال إلى ترجيح الترمذي الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى، كما في "تحفة الأشراف" جـ 1 ص 40.
وقال الحافظ في "الفتح" جـ 9 ص 6: وقد أخرج الحاكم أيضًا من
(1)
جامع الترمذي جـ 8 ص 553 - 554 بنسخة تحفة الأحوذي.
(2)
هكذا عزا في "الفتح" رواية روح إلى النسائي، ولم أجدها، وقد عزا أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في "التمهيد" رواية روح بن القاسم إلى محمد بن إسحاق السرّاج في تاريخه، وساقه، ولعل "السَّرّاج" تصحف إلى "النسائي" من بعض نساخ "الفتح"، والله أعلم.
طريق الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أبَيّ بن كعب
…
وهذا مما يقوي ما رجحه الترمذي. انتهى.
وأخرجه مالك في الموطأ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز، أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبَيَّ بن كعب، وهو يصلي
…
الحديث.
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله: ولم يختلف الرواة على مالك، عن العلاء في إسناد هذا الحديث، وخالفه فيه غيره عن العلاء:
فرواه ابن جريج، وابن عجلان، ومحمد بن إسحاق، عن العلاء مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه إسماعيل ومحمد ابنا جعفر بن أبي كثير، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وروح بن القاسم، وعبد السلام بن حفص، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندًا.
ورواه عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبيّ بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأشبه عندي. والله أعلم. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع: الظاهر أن ابن عبد البر يميل إلي ترجيح كونه من مسند أبيِّ بن كعب رضي الله عنه.
والذي يظهر لي أن ما رجحه الأولون، من كونه من مسند أبي
(1)
التمهيد جـ 20 ص 217 - 218.
هريرة رضي الله عنه بدون واسطة أبَيّ، هو الأصح، لعدم متابع لعبد الحميد بن جعفر في جعله من مسند أبَيَ بن كعب، مخالفًا للحفاظ ممن رووه عن العلاء بن عبد الرحمن، وهم جماعة مع أنه مختلف فيه كما تقدم في ترجمته.
والحاصل أن الحديث صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بدون واسطة أبيّ بن كعب رضي الله عنه. فتبصر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
915 -
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُوتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي، السَّبْعَ الطُّوَلَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(محمد بن قُدَامَة) بن أَعْيَنَ الهاشمي مولاهم المصيصي، ثقة، مات سنة 250 تقريبًا، من [10]، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في 19/ 528.
2 -
(جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، أبو عبد الله الكوفي، نزيل الرَّيِّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في
آخر عمره يَهِمُ من حفظه، مات سنة 188، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 2.
3 -
(الأعمش) سليمان بن مِهران الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة 147، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 17/ 18.
4 -
(مسلم) بن عمران البَطِين، ويقال: ابن أبي عمران، ويقال: ابن أبي عبد الله، أبو عبد الله الكوفَي، ثقة، من [6].
روى عن عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وإبراهيم التيمي، وعلي بن الحسين، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي عبد الله الجَدَلِيّ، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وأبي عمرو الشيباني، وأبي العبيد بن الأعمى، وغيرهم. وعنه ابنه شبة
(1)
بن مسلم، وسلمة بن كهيل، وأبو إسحاق السبيعي، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن سُمَيع، وعبد الله بن عون، ومُخَوَّل بن راشد، وأبو فَزَارة العبسي، والمسعودي، وأبو العميس، وغيرهم.
قال أحمد، وأبو حاسم، والنسائي: ثقة. زاد أبو حاتم: لم يدركه شعبة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة
(2)
.
5 -
(سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه،
(1)
هكذا في "تت": شبة، بالشين والباء، وفي "تك": سنة بالمهملة والنون، فليحرر.
(2)
"تك" جـ 27 ص 526 - 528. "تت" جـ 1 ص 134.
قتل سنة 95 ولم يكمل الخمسين، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 28/ 436.
6 -
(ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله عنهما، تقدم في 27/ 31. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمِصِّيصِيّ، وابن عباس، فمدني، ثم بصري، ثم مكي، ثم طائفي.
ومنها: أن فيه رواية من هو من الأكابر، عمن هو من الأصاغر، فالأعمش تابعي، رأى أنسًا، وشيخه مسلم لم يلق صحابيًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) رضي الله عنهما، أنه (قال: أوتي النبي صلى الله عليه وسلم) أي أعطاه الله تعالى (سبعًا) أي سبع سور (من المثاني) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لـ "سبعًا"(السبع الطُّوَل) بالنصب بدل
من "سبعًا"، أي السور السبع، و"الطول" -بضم الطاء، وفتح الواو- جمع الطولى، كالكُبْرَى، والكُبَر، والفُضْلَى والفُضَل.
وما قاله ابن عباس في تفسير السبع المثاني بالسبع الطول قاله ابن مسعود، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم.
وهي البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. نص عليه ابن عباس، وسعيد بن جبير، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بُيِّنَ فيهن الأمثال، والخبر، والعبَر. وقال سعيد: بُيّنَ فيهن الفرائض، والحدود، والقصص، والأحكامَ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان: المثاني: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال وبراءة سورة واحدة. وعن ابن عباس قال: هن السبع الطول، ولم يعطهن أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن اثنتين.
رواه هشيم، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار، عن سعيد بن جبير، عنه. وعنه قال: أوتي النبي صلى الله عليه وسلم سبعًا من المثاني الطول، وأوتي موسى ستًا، فلما ألقى الألواح رفعت اثنتان، وبقيت أربع. أخرج هذه الآثار ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير سورة الحجر جـ 14ص
51 -
54. وذكرها ابن كثير أيضًا في تفسيره جـ 2 ص 577.
قال الجامع عفا الله عنه: قد صح عن ابن عباس، وغيره من الصحابة، والتابعين تفسير السبع المثاني بالسبع الطُوَل، لكن الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بتقديمه على غيره، على أنَ كونها هي الفاتحة لا ينافي وصف غيرها بها كما تقدم تمام البحث في ذلك في شرح حديث سعيد بن المعلى رضي الله عنه. فتفطن.
والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 26/ 915 - وفي "الكبرى" 26/ 978 - عن محمد بن قُدَامة، عن جرير، عن الأعمش، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جبير، عنه. وفي 26/ 916 - وفي "الكبرى" 26/ 988 - عن علي بن حجر، عن شريك، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد، به. وفي "الكبرى" -11276 - عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير به. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
916 -
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عز وجل:{سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} قَالَ: السَّبْعُ الطُّوَلُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(علي بن حُجْر) المروزي البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة 244 وقد قارب100، من صغار [9]، أخرج له البخاري ومسلم
والترمذي والنسائي، تقدم في 13/ 13.
2 -
(شريك) بن عبد الله النخعي أبو عبد الله الكوفي القاضي، صدوق يخطىء كثيرًا، مات سنة 177، من [8]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة، تقدم في 25/ 29.
3 -
(أبو إِسحاق) السبيعي، عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، ثقة عابد، اختلط بآخره، يدلس، مات سنة 129، من [3]،
أخرج له الجماعة، تقدم في 38/ 42.
والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وما يتعلق
به. وبالله تعالى التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
27 - تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْف الإِمَام فِيمَا لَمْ يَجهرْ فِيهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على ترك قراءة المأموم وراء الإمام في الصلاة التي لا يجهر فيها الإمام.
اعلم أنه اختلف أهل العلم في قراءة المأموم وراء الإمام على أقوال:
منهم من ذهب إلى عدم مشروعية القراءة له أصلًا.
ومنهم من قال: يقرأ إذا لم يسمع قراءة الإمام، ولا يقرأ إذا سمعها.
ومنهم من قال: لابد من قراءة فاتحة الكتاب مطلقًا، وهو ظاهر مذهب المصنف رحمه الله تعالى، حيث ترجم لترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه، ثم لترك القراءة خلفه فيما جهر فيه، ثم ترجم بعدهما لوجوب قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام، فدل على أنه يرى أن النهي عن القراءة محمول على ما عدا الفاتحةَ. وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
917 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ، فَقَرَأَ رَجُلٌ
خَلْفَهُ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: مَنْ قَرَأَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ؟ "، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَدْ خَالَجَنِيهَا".
رجال هذا الإسناه: ستة
1 -
(محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيّ البصري، ثقة حافظ، مات سنة 252، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 64/ 80.
2 -
(يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، مات سنة 198، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 2.
3 -
(شعبة) بن الحجاج، تقدم في الباب الماضي.
4 -
(قتادة) بن دِعامة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مات سنة بضع وعشرون ومائة، رأس الطبقة [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 30/ 34.
5 -
(زُرَارة) -بضم أوله- بن أوْفَى العامري الحَرَشيّ -بمهملة، وراء مفتوحتين، ثم معجمة- أبو حاجب البصري، قاضَيها، ثقة عابد
من [3].
روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن سلام، وتميم الداري، وابن عباس، وعمران بن حصين، وعائشة، رضي الله عنهم، والمحفوظ أن
بينهما سعد بن هشام، والمغيرة بن شعبة، وأنس، وأسير بن جابر، وعبد الرحمن بن أبي نُغْم، ومسروق. وعنه قتادة، وداود بن أبي هند، وعوف، وبهز بن حكيم، وأيوب، وغيرهم.
قال أبو داود الطيالسي: لم يسمع من ابن مسعود. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العباد. وقال أبو جناب القصاب: صلى بنا زرارة الفجرَ، ولما بلغ:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدثر:8، 9] شهق شهقة، فمات. وقال ابن سعد: مات فجأة سنة 93، وكان ثقة، وله أحاديث. وذكر ابن حبان أنه مات في أول قدوم الحجاج العراق في ولاية عبد الملك. وقال العجلي: بصري ثقة رجل صالح. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي: هل سمع زرارة من ابن سلام، قال: ما أراه، ولكن يدخل في المسند، وقد سمع من عمران، وأبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهم. أخرج له الجماعة
(1)
.
6 -
(عمران بن حصين) بن عُبيد بن خَلَف الخُزاعي، أبو نُجَيد أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلًا، وقضي بالكوفة، مات سنة
52 بالبصرة، أخرج له الجماعة، تقدم في 201/ 321. والله تعالى أعلم.
(1)
"تت" جـ 3 ص 321 - 322. "تك"ج 9 ص 339 - 340. "ت" ص 106.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنهم من رجال الجماعة.
ومنها: أن شيخه هو أحد التسعة الذين روى الستة عنهم بدون واسطة.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ قتادة، عن زرارة.
ومنها: أن فيه قتادة، وهو مدلس، لكن الراوي عنه شعبة، وهو لا يروي عن شيوخه المدلسين، مثل قتادة، والأعمش، وأبي إسحاق
السبيعي، إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقد وقع التصريح لقتادة في هذا الحديث من طريق شعبة، في رواية لمسلم، فقال:"سمعت زرارة بن أوفى". والله تعالى أعلم
(1)
.
شرح الحديث
(عن عمران بن حصين) رضي الله عنهما، أنه (قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر) هكذا في رواية المصنف، ومسلم، وأبي داود "الظهر" بدون شك، وفي الرواية التالية، وهي رواية لمسلم من طريق
أبي عوانة، عن قتادة:"صلى الظهر، أو العصر" بالشك (فقرأ رجل خلفه) صلى الله عليه وسلم ({سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}) مفعول "قرأ" محكي لقصد لفظه (فلما صلى) أي لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته (قال: من قرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟) وفي رواية أبي عوانة التالية: "أيكم قرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} " ونحوه في رواية مسلم.
وهذا ظاهر في أن الرجل جهر حتى سمع منه صلى الله عليه وسلم (قال رجل: أنا) وفي رواية أبي عوانة: "فقال رجل من القوم: أنا، ولم أرد بها إلا الخير"(قال) النبي صلى الله عليه وسلم (قد علمت أن بعضكم خالجنيها) أي نازعني السورة المذكورة. وأراد بهذا الكلام الإنكار على الرجل في جهره بالقراءة، حيث أسمع غيره، فخلط عليه، لا عن أصل القراءة؛ لأن الجهر هو الذي يقع به المخالجة والمنازعة، وهذا الإنكار لما سوى الفاتحة، كما هو الظاهر من الحديث، وللأدلة الأخرى، كما يأتي بيانها، إن شاء الله تعالى.
وقال النووي رحمه الله: ومعنى هذا الكلام الإنكارُ في جهره، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرءون السورة في الصلاة السرية. وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم، وهذا الحكمُ عندنا، ولنا وجه شاذ ضعيف أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية، كما لا يقرؤها في الجهرية، وهذا غلط؛ لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات، وهنا لا يسمع، فلا معنى لسكوته من غير
استماع، ولو كان في الجهرية بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته، فالأصح أنه يقرأ السورة، لما ذكرناه. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -27/ 917، 50/ 1744 - وفي "الكبرى" -27/ 989 - عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرَارَة بن أوفَى، عنه. وفي 27/ 918، و"الكبرى" 27990 عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، به. وعن سعيد بن منصور، وقتيبة، كلاهما، عن أبي عوانة، به.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية - وعن محمد بن المثنى، عن محمد بن أبي عدي - كلاهما عن ابن أبي عروبة، عن
(1)
شرح مسلم جـ 4 ص 109 - 110.
قتادة، به.
وأبو داود فيه عن أبي الوليد الطياليسي، ومحمد بن كثير العبدي، كلاهما عن شعبة، به. وعن ابن المثنى، عن ابن أبي عدي، به.
وأخرجه الحميدي رقم 835. وأحمد 4/ 426 و 431 و 433 و 441. والبخاري في "جزء القراءة" رقم 82 و 88 و 90 و 91 و 92 و 93 و 94 و 100 و 259 و 260.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم القراءة خلف الإمام:
قال النووي رحمه الله في "المجموع ": قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في "جامعه": القراءة خلف الإمام هي قول أكثر أهل
العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعين، قال: وبه يقول مالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال ابن المنذر رحمه الله: قال الثوري، وابن عيينة، وجماعة من أهل الكوفة: لا قراءة على المأموم. وقال الزهري، ومالك، وابن
المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يقرأ في الجهرية، وتجب القراءة في السرية. وقال ابن عون، والأوزاعي، وأبو ثور، وغيره من أصحاب
الشافعي: تجب القراءة على المأموم في السرية والجهرية.
وقال الخطابي: قالت طائفة من الصحابة رضي الله عنهم: تجب
على المأموم، وكانت طائفة منهم لا تقرأ. واختلف الفقهاء بعدهم على ثلاثة مذاهب، فذكر المذاهب التي حكاها ابن المنذر، وحكى الإيجاب مطلقًا عن مكحول. وحكاه أبو الطيب عن الليث بن سعد، وحكى العبدري عن أحمد أنه يستحب له أن يقرأ في سكتات الإمام، ولا يجب عليه، فإن كانت جهرية، ولم يسكت لم يقرأ، وإن كانت سرية استحب الفاتحة وسورة.
وقال أبو حنيفة: لا تجب على المأموم. ونقل القاضي أبو الطيب، والعبدري عن أبي حنيفة: إن قراءة المأموم معصية.
والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية.
قال البيهقي: وهو أصح الأقوال على السنة، وأحوطها، ثم روى الأحاديث فيه، ثم رواه بأسانيده المتعددة عن عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وهشام بن عامر، وعمران، وعبد الله بن مغفل، وعائشة، رضي الله عنهم. قال: ورويناه عن جماعة من التابعين، فرواه عن عروة بن الزبير، ومكحول، والشعبي، وسعيد بن جبير، والحسن البصري رحمهم الله
(1)
.
(1)
المجموع جـ 3 ص 364 - 365.
أدلة الموجبين للقراءة خلف الإمام
قد ذكر العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى في كتابه "تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام"
(1)
عشرة أحاديث، وتكلم عليها، فأحسن، وأجاد، وأسهب، وأعاد، أذكر هنا معظمها بالاختصار:
الحديث الأول: عن عبادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". أخرجه الجماعة. وتقدم 24/ 910.
فقد ثبت بهذا الحديث وجوب قراءة الفاتحة على كل مصل، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، حيث عبر بـ "من" التي هي من صيغ العموم. قال الحافظ أبو عمر رحمه الله: حديث عبادة عام لا يخصه شيء؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص بقوله ذلك مصليًا من مصل. يعني أنه يعم الإمام، والمأموم، والمنفرد. اهـ
(2)
.
(1)
وهو العلامة المحدث، أبو العلَى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري -1283 - 1353 هـ. صاحب "تحفة الأحوذي" رحمه الله تعالى، وكتابه "تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام" كتاب لا نظير له في بابه، قد حقق هذا الموضوع تحقيقًا بالغًا، لا يرى مثله في كتب من ألف في هذا الشأن، وهو بلغة "أردو" وقد ترجمه إلى اللغة العربية، وعلق عليه الدكتور وصي الله بن محمد عباس الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى جزاه الله تعالى على ما بذل من الجهد في ذلك خير الجزاء، طبع سنة 1414 هـ.
(2)
التمهيد جـ 11 ص 38، 43. بتصرف.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج -ثلاثا- غير تمام". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: "اقرأ بها في نفسك
…
" الحديث. أخرجه الجماعة إلا البخاري. تقدم للمصنف 23/ 909.
قال العلامة المباركفوري رحمه الله: والخداج يطلق على النقص الذاتي، أي النقص الحاصل بفوات ركن الشيء وجزئه، لا على النقص الوصفي، أي الحاصل بفوات وصف من أوصاف الشيء. وظاهر أن الصلاة إذا صارت خداجًا صارت باطلة، غير صحيحة بالضرورة.
وهذا الحديث عام لكل مصل، فإن كلمة "من" من ألفاظ العموم، فمعنى الحديث أن أيَّ مصل مأمومًا كان أو غيره لم يقرأ في الصلاة بفاتحة الكتاب فصلاته باطلة.
وقال الحافظ أبو عمر في "الاستذكار": في حديث أبي هريرة هذا من الفقه إيجاب القراءة بالفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، والخداج النقصان، والفساد، ومن ذلك قولهم: خَدَجَت الناقة: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلقة، وذلك نتاج فاسد. اهـ
(1)
.
(1)
راجع تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام للعلامة المباركفوري رحمه الله تعالى ص 114 - 115.
الحديث الثالث: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال:"إني أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ " قال: قلنا: يا رسول الله! إي والله، قال:"لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم.
قال الخطابي رحمه الله: هذا الحديث صريح بأن قراءة الفاتحة واجبة على من خلف الإمام سواء جهر الإمام بالقراءة، أو خافت بها، وإسناده جيد، لا مطعن فيه. اهـ.
وحسنه الترمذي، والدارقطني، وصححه البيهقي، وقال عبد الحي اللكنوي في "السعاية": وقد ثبت بحديث عبادة، وهو حديث صحيح قوي السند أمره صلى الله عليه وسلم بقراءة الفاتحة للمقتدي. اهـ
(1)
.
الحديث الرابع. عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، ومكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع، أنه سمع عبادة بن الصامت رضي الله عنه يقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فقلت: رأيتك صنعت في صلاتك شيئًا؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، قال: نعم، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فلما انصرف، قال: "منكم
(1)
تحقيق الكلام ص 136 - 137.
من أحد يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة؟ " قلنا: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أقول: ما لي أنازع القرآن؟ فلا يَقْرآَنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقرآن إلا بأم القرآن".
أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم. اهـ.
وقد طعن بعض الحنفية فيه بنافع بن محمود؛ لأنه مستور كما في "التقريب" ورُدّ عليه، بأنه وثقه ابن حبان، والدارقطني، والذهبي،
وانظر تمام الكلام في "تحقيق الكلام" ص 166 - 177.
الحديث الخامس: عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلكم تقرءون، والإمام يقرأ؟ " قالوا: إنا لنفعل، قال:"لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب". رواه أحمد، والبيهقي، والبخاري في "جزئه"، وفي رواية البخاري:"إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه"، ونحوه في رواية البيهقي، وقال: هذا إسناده صحيح. وقال الحافظ في "التلخيص": إسناده حسن.
الحديث السادس: عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال:"أتقرءون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ " فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل، أو
قائلون: إنا لنفعل، قال:"فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". رواه البخاري في "جزئه" وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى، والطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
الحديث السابع: هو ما أخرجه البخاري في "جزء القراءة" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تقرءون خلفي؟ " قالوا: نعم، إنا لنهذّ هذًّا، قال:"فلا تفعلوا إلا بأم القرآن". وهو حديث حسن، فإن الراجح من أقوال أهل الحديث في "عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده" أنه في درجة الحسن كما قال الذهبي رحمه الله. وقال في الألفية السيوطية:
وَمَا لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهْ
…
عَنْ جَدهِ فَالأَكثَرُونَ احْتَجَّ بِهْ
حَمْلًا لِجَدهِ عَلَى الصَّحَابِي
…
وَقِيِلَ بِالإِفْصَاحِ وَاستيعَابِ
وقد استوعب العلامةُ المباركفوري رحمه الله تعالى الكلامَ على هذه الأحاديث مع مناقشة الحنفية فيما يوردونه على هذه الأحاديث، وتفنيد شبههم بحيث لا يُبقِي، ولا يَذَر، في الكتاب المذكور، فمن أراد الاستفادة منه فليراجعه من ص 59 - 200.
أدلة القائلين بعدم مشروعية القراءة خلف الإمام
قد ذكر العلامة المباركفوري رحمه الله لهم سبعة عشر أدلة، وتكلم عليها، وفنّدها كلها بما لا تجده مجموعًا في كلام غيره، وأنا أذكر بعضها هنا لأهميته، مع اختصار الأجوبة:
الدليل الأول: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]. وسيأتي الجواب عنه بعد بابين إن شاء الله تعالى.
(الدليل الثاني): حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". أخرجه مسلم. وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال العيني بعد إيراده: وهذا حجة صريحة في أن المقتدي لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإمام أصلًا؛ على الشافعي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر. اهـ
(1)
.
والجواب عنه أن يحمل قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" على ماعدا الفاتحة عملًا بالحديثين، فيجب على المأموم قراءة الفاتحة عملًا بحديث الخداج، ولا يجوز له أن يقرأ غيرها عملًا بحديث:"فأنصتوا".
ويدل على هذا الجمع حديث عبادة رضي الله عنه: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن" الآتي بعد باب.
وأيضًا يُرَدُّ عليهم بأن أصولهم أن الصحابي إذا أفتى بخلاف روايته تكون روايته منسوخه؛ لأنه ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لأبي
(1)
عمدة القاري جـ 6 ص 15.
السائب: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، كما تقدم 23/ 909. وسيأتي تمام البحث على هذا الحديث برقم 30/ 921 إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث: حديث ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة رضي الله عنه الآتي في الباب التالي، وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
الدليل الرابع: حديث جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". رواه ابن ماجه.
هذا دليل مشهور لدى الحنفية، يثبتون به نسخ جميع الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام.
ولقد أجاب العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى عن هذا الدليل بعشرة أجوبة، فأسهب، وأعاد، وأفاد، وأجاد، وأنا ألخص بعض تلك الأجوبة باختصار:
فمنها: أن حديث جابر ضعيف؛ لأنه من رواية جابر الجعفي، وقد قال فيه الإمام أبو حنيفة: ما لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأي قط إلا جاءني بحديث.
وقال الحافظ رحمه الله في "الفتح": واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقًا كالحنفية بحديث: "من صلى خلف إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، لكنه ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله
الدارقطني وغيره. اهـ. وقال في "التلخيص": مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، وكلها معلولة. اهـ
(1)
.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: في إسناده ضعف، ورواه مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر من كلامه، وقد روي هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ
(2)
.
وروى ابن الجوزي هذا الحديث في "العلل المتناهية" من طرق الدارقطني، وقال: هذا حديث لا يصح. ولهذا الحديث طرق عن
جابر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وعمران بن حصين، ليس فيها ما يثبت. اهـ.
ومنها: أن حديث جابر يعارض قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل:20]؛ لأن هذه الآية تشمل بعمومها المأموم وغيره، فعلم منها أن الواجب على المأموم أيضًا أن يقرأ شيئًا كالإمام والمنفرد، ويثبت من حديث:"من كان له إمام" أنه لا تجوز القراءة للمأموم، أو لا تجب عليه، بل تجزئه قراءة الإمام، فلا يجوز عند الحنفية العمل بهذا الحديث، لأنه مخالف للآية، وإلا لزم ترك الآية بخبر الواحد، وهو لا يجوز عندهم.
ومنها: أن هذا الحديث، وإن دل على حرمة القراءة، ومنعها خلف
(1)
تلخيص الحبير جـ 1 ص 232.
(2)
تفسير ابن كثير جـ 1 ص 12.
الإمام مطلقًا، فلا يجوز الاستدلال به على المنع عند الحنفية على أصولهم؛ لأنه رواه مع جابر أبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وعلي، وعمران بن حصين، وابن عمر أيضًا، وهؤلاء كلهم أفتوا بقراءة الفاتحة خلف الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقرر في أصول الحنفية أن الراوي الصحابي إذا أفتى، أو عمل خلاف حديثه، يعتبر حديثه منسوخًا، فظهر أن هذا الحديث منسوخ عندهم، فلا يصلح الاستدلال به. وقد ذكر المباركفوري رحمه الله فتاوى هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، وتكلم عليها، فأجاد، وأفاد. راجعه ص 434 - 441.
ومنها: أن حديث "من كان له إمام" على تقدير صحته ليس نصًا في ترك قراءة الفاتحة، وحديث عبادة، وغيره نص في وجوب قراءتها، والقاعدة أن النص إذا تعارض مع الظاهر قدم عليه، فيقدم حديث "لا صلاة إلا بأم القرآن" على حديث "من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له".
الدليل الخامس: ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وفيه: فخرج أبو بكر، فصلى بالناس، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين
…
الحديث، وفيه: قال ابن عباس: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر
(1)
.
(1)
سنن ابن ماجه جـ 1 ص 391.
قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم بدأ في القراءة من حيث أنهى أبو بكر، فلا أقل من أن يكون فاته شطر من الفاتحة، وهو لم يعد تلك الركعة، فدل على عدم وجوب الفاتحة.
والجواب عنه: أن زيادة: "وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراءة من حيث بلغ أبو بكر" غير صحيحة، فقد وردت قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته في الصحيحين، وغيرهما مطولة ومختصرة، بدون هذه الزيادة.
الدليل السادس: حديث الحارث، عن علي رضي الله عنه، قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: أقرأ خلف الإمام، أم أنصت؟ قال:"لا، بل أنصت، فإنه يكفيك". رواه البيهقي في "كتاب القراءة" ص 163.
والجواب عنه: أنه حديث ضعيف جدًّا، لأن في سنده الحارث الأعور، وهو كذاب، ومحمد بن سالم ضعيف جدًا؛ وقيس بن الربيع، ضعيف تغير بآخره.
الدليل السابع: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: "ما لي أنازع القرآن؟ إذا صلى أحدكم خلف الإمام، فليصمت، فإن
قراءته له قراءة، وصلاته له صلاة". رواه الطبراني في الأوسط، والخطيب البغدادي في تاريخه.
والجواب عنه: أنه لا يصح؛ لأن في سنده أحمد بن عبد الله بن ربيعة بن العجلان، وهو شيخ مجهول، قال الذهبي في الميزان جـ1
ص 109: هذا حديث منكر بهذا السياق.
الدليل الثامن: حديث أنس مرفوعًا: "من قرأ خلف الإمام مُلىء فُوه نارًا". أخرجه ابن حبان في الضعفاء جـ 3 ص 46.
والجواب عنه: أنه موضوع، وضعه مأمون بن أحمد، قال ابن حبان: كان دَجَّالًا من الدجاجلة.
الدليل التاسع: حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعًا: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له". أخرجه ابن حبان في الضعفاء.
والجواب عنه: أنه موضوع، فيه أحمد بن علي بن سلمان الوضاع. قال الحافظ في "الدراية": واتهم فيه أحمد بن علي. اهـ. جـ 1 ص 165.
الدليل العاشر: حديث: "من قرأ خلف الإمام ففي فيه جمرة".
والجواب عنه: أنه حديث باطل، لا أصل له مرفوعًا، ولا ذكر له في دواوين السنة.
وسائر أدلة الحنفية التي استدلوا بها قد استوفى ذكرها العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى، وأجاد في ردها وتفنيدها، فمن أراد
التحقيق فليراجع "تحقيق الكلام" ص 467 - 493. فجزاه الله تعالى عن إحسانه حيث دافع عن السنة الغراء خير الجزاء، فـ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120].
تنبيه:
ذكر الحنفية آثارًا كثيرة من الصحابة للاستدلال على منع القراءة خلف الإمام، قد استوفى ذكرها المباركفوري رحمه الله، وفندها كلها، أذكر منها هنا أثرين مع أجوبتهما باختصار، لشهرتهما، وكثرة من يتمسك، ويجادل بهما:
الأثر الأول: ما ذكره العيني في شرح البخاري، عن عبد الله بن يعقوب الحازمي السُّبَذْمُوني في "كشف الأسرار"، عن عبد الله بن زيد ابن أسلم، عن أبيه، قال: كان عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم
(1)
.
والجواب عنه: أن هذا الأثر لا يصح؛ لأنه من صنع عبد الله بن يعقوب، وهو متهم بوضع الحديث. انظر:"ميزان الاعتدال" جـ 2
(1)
عمدة القاري جـ 6 ص 13.
ص 496.
الأثر الثاني: قال العيني: روي منع القراءة خلف الإمام عن ثمانين من الصحابة الكبار، منهم المرتضى، والعبادلة الثلاثة. وقال الفقيه
السرخسي: إن فساد الصلاة مروي عن عدة من الصحابة بالقراءة.
والجواب عنه: أن قوليهما لا أصل لهما، أما السرخسي فهو فقيه محض، لا علم له بفن الحديث، فلا عَجَبَ أن يصدر منه هذا القول، ولكن العجب من العيني، كيف اجترأ على ذكر هذا القول الباطل؟ فهل يقدر أن يثبت بأسانيد صحيحة عن علي، والعبادلة الثلاثة، فضلًا عن عشرة من الذين ذُكروا في هذا الأثر؟ كَلا، لا يقدر عليه أبدًا. قاله المباركفوري رحمه الله تعالى.
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي رحمه الله: وما ذكره السرخسي، ومن تبعه أن فساد الصلاة مذهب عدة من الصحابة، يقال له: أيّ صحابي قال بهذا؟، وأيّ مخرّج خرّج هذا؟، وأيّ راو روى هذا؟ ومجرد نسبته إليهم -حاشاهم عنه- من دون سند مسلسل محتج برواته مما لا يعتد به. اهـ
(1)
. وبقية الآثار مع أجوبتها يراجع "تحقيق الكلام" ص 504 - 520.
(1)
إمام الكلام ص 50.
أدلة من قال بالقراءة في السرية دون الجهرية
استدل القائلون بالقراءة في السرية، دون الجهرية بأدلة:
الأول: قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] الآية.
والجواب عنه: هو الجواب عن استدلال القائلين بعدم القراءة مطلقًا، وسيأتي بعد بابين إن شاء الله تعالى.
الثاني: ما أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه مرفوعًا: "وإذا قرأ فأنصتوا".
والجواب عنه: سيأتي أيضًا بعد بابين إن شاء الله تعالى.
الثالث: حديث ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة رضي الله عنه الآتي في الباب التالي مع أجوبته، إن شاء الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيَّنَ لك الحق، واتضح كالشمس في رابعة النهار بما تقدم من الأدلة أن المذهب الراجح مذهب من قال بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام مطلقًا، سواء كانت الصلاة جهرية، أو سرية، وسواء كان يسمع قراءة الإمام، أولا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
918 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلَاةَ الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ، وَرَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "أَيُّكُمْ قَرَأَ بِـ {سَبِّحِ
(1)
اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}؟ "، فَقَالَ
(2)
رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلاَّ الْخَيْرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَدْ خَالَجَنِيهَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة 240، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
2 -
(أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة 175، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 46.
والباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به، وبالله تعالى التوفيق.
(1)
وفي بعض النسخ: {سَبِّحِ} بحذف الجار.
(2)
وفي نسخة: "قال".
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وماتوفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
28 - تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك قراءة المأموم خلف إمامه في الصلاة التي جهر فيها الإمام.
والمراد به قراءة غير الفاتحة، كما هو المذهب الراجح، للحديث الآتي في الباب التالي، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
919 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ:"هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟ "قَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"أَقُولُ: مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ". قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَاةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 -
(قتيبة) بن سعيد المتقدم في الباب الماضي.
2 -
(مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة، من [7]، تقدم في 7/ 7.
3 -
(ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة
الثبت، من [4]، تقدم في 1/ 1.
4 -
(ابن أكيمة الليثي) بصيغة التصغير -وهو عمارة- بضم أوله، وتخفيف ثانيه- الليثي، ثم الجُندَعي من أنفسهم، أبو الوليد
المدني، وقيل: اسمه عَمَّار، وقيل: عمرو، وقيل: عامر، يأتي غير مسمى، ثقة، من [3].
روى عن أبي هريرة في القراءة خلف الإمام، وعن ابن أخي أبي رُهْم الغفاري. روى عنه الزهري. قال أبو حاصم: صالح الحديث،
مقبول. وقال ابن سعد: توفي سنة 101 وهو ابن 79 سنة، وروى عنه الزهري حديثًا واحدًا، ومنهم من لا يحتج بحديثه، ويقول: هو شيخ مجهول. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن خزيمة: قال لنا محمد بن يحيى الذهلي: ابن أكيمة، هو عمار، ويقال: عامر، والمحفوظ عندنا عمار، وهو جد عمرو بن مسلم الذي روى عنه مالك بن أنس، ومحمد بن عمرو بن علقمة حديث أم سلمة: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي
…
".
قال ابن البرقي في باب من لم تشتهر عنه الرواية، واحتملت روايته لرواية الثقات عنه: ولم يغمز ابن أكيمة الليثي. قال يحيى بن معين: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وقد روى عنه غير الزهري محمد بن عمرو، وروى الزهري عنه حديثين: أحدهما في القراءة خلف الإمام، وهو مشهور، والآخر في المغازي.
انتهى.
قال الحافظ: كأنه يشير إلى حديثه عن ابن أخي رُهْم، وأما قوله: محمد بن عمرو روى عنه، فخطأ، وقد وضح من كلام الذهلي كما تقدم، وقد ذكره مسلم، وغير واحد في الوُحْدان، وقالوا: لم يرو عنه غير الزهري. وقال الدوري، عن يحيى بن سعيد: عمارة بن أكيمة ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: هو من مشاهير التابعين بالمدينة. وقال أبو بكر البزار: ابن أكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدث عنه إلا الزهري. وقال الحميدي: هو رجل مجهول، وكذا قال البيهقي، قال: واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة، وقيل: عَمَّار.
وقال ابن عبد البر: إصغاء سعيد بن المسيب إلى حديثه دليل على جلالته عندهم، وكأنه تلقى ذلك من كلام ابن معين المتقدم. وقال ابن حبان في "الثقات": يشبه أن يكون المحفوظ أن اسمه عمار. أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام"، والباقون سوى مسلم.
5 -
(أبو هريرة) الدوسي الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا ابن أكيمة، فما أخرج له مسلم، وأخرج له البخاري في "جزء القراءة"، وأنه مسلسل بالمدنيين، وفيه رواية تابعي، عن تابعي،
وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة حديثًا، روى 5374 حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة، جهر فيها بالقراءة) جملة "جهر" في محل جر صفة لـ"صلاة". وفي رواية أبي داود من طريق ابن عيينة، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيدَ بنَ المسيب، قال: "سمعت أبا هريرة يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة نظن أنها الصبح
…
".
(فقال: "هل قرأ معي أحد منكم آنِفًا) أي قريبا.
قال العلامة السمين الحلبي رحمه الله: عند تفسير قوله تعالى: {مَاذَا قَالَ آنِفًا} [محمد: 16]: فيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الحال، فقدره أبو البقاء: ما قال مؤتنفًا، وقدره غيره: مبتدئًا، أي القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصاله
عنه.
الثاني: أنه منصوب على الظرف، أي ماذا قال الساعةَ، قاله الزمخشري، وأنكره أبو حيان، قال: لأنا لم نعلم أحدًا عدّه من الظروف.
واختلفت عباراتهم في معناه، فظاهر عبارة الزمخشري أنه ظرف
حالي، كالآن، ولذلك فسره بالساعة. وقال ابن عطية: والمفسرون يقولون: آنفًا، معناه: الساعة الماضية القريبة منا. وهذا تفسير بالمعنى، وقرأ البَزيُّ بخلاف عنه:{أنِفًا} بالقصر، والباقون بالمدّ، وهما لغتان بمعنى، وهما اسمً فاعل، كحاذر، وحَذر، وآسنٍ، وأسنٍ، إلا أنه لم يستعمل لهما فعل مجرد، بل المستعمل ائتنف يأتنف، واستأنف يستأنف، والائتناف، والاستئناف: الابتداء. قال الزجاج: هو من استأنفت الشيء: إذا ابتدأته، أي ماذا قال في أول وقت يقرب منا. انتهى كلام السمين
(1)
.
(قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: أقول) أي في نفسي (ما لي أنازع القرآن؟) بالبناء للمفعول، و"القرآن" منصوب بنزع الخافض، أي أجاذَب، وأغَالَب في قراءته، كأني أجذبه إليّ من غيري، ويجذبه غيري مني إليه.
قال السندي رحمه الله: يحتمل أنهم جهروا بالقراءة خلفه، فشغلوه، والمنع مخصوص به، ويحتمل أنه ورد في غير الفاتحة كما تقدم، ويحتمل العموم، فلا يقرأ فيما يجهر فيه الإمام أصلًا؛ لا الفاتحة، ولا غيرها، لا سرًّا، ولا جهرًا، وما جاء عن أبي هريرة من قوله:"اقرأ بها في نفسك يا فارسي" يحمل على السرّ. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى
(2)
.
(1)
"الدر المصون في علوم الكتاب المكنون" جـ 6 ص 152.
(2)
شرح السندي جـ 2 ص 141.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير غير صحيح، لما سنذكره من الأدلة في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى، فالمتعين هو الاحتمال الأول، ويدل عليه قوله:"مالي أنازع"، فإن المنازعة لا تكون إلا عند جهر القارئ. والله تعالى أعلم.
(قال) أي الزهري، كما هو قول أكثر الحفاظ، وهو الراجح، أو أبو هريرة، كما قال بعضهم (فانتهى الناس عن القراءة) أي امتنعوا
عنها، وتركوها (فيما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك) أي قوله:"مالي أنازع القرآن؟ "، إذ أراد به الإنكار عليهم.
يعني أنهم لما سمعوا قوله صلى الله عليه وسلم: "مالي أنازع القران" منكرًا عليهم مشاركته في القراءة، وتلبيسها عليه تركوا القراءة خلفه.
قيل: فيه دليل لمن قال: إن المأموم لا يقرأ خلف الإمام في الجهرية، ورد بأن الحديث خارج عن محل النزاع؛ لأن الإنكار فيه على الجهر بالقراءة خلف الإمام وهو الذي تقع به منازعة الإمام، ومحل الخلاف قراءة المأموم سرًّا.
ولو سلمنا فهو محمول عَلَى ما عدا الفاتحة؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه، أفتى أبا السائب بعد النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب قراءتها خلف الإمام مطلقًا، فقد تقدم في رواية المصنف 23/ 909 بلفظ:"فقلت: يا أبا هريرة: إني أحيانًا أكون وراء الإمام؟ فغمز ذراعي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي". وفي رواية أبي عوانة في "صحيحه": "فقلت لأبي
هريرة: فإني أسمع قراءة القرآن؟ فغمزني بيده، فقال: يا فارسي، أو ابن فارسي، اقرأ بها في نفسك"
(1)
.
وفي رواية الحميدي بلفظ: "فقلت لأبي هريرة: فإني أسمع قراءة الإمام
…
" الحديث.
فقد تبين بهذه الروايات أن أبا هريرة أفتى بوجوب قراءة فاتحة الكتاب على المأموم، وإن كان يسمع قراءة الإمام. وسيأتي تحقيقه
قريبًا، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح
(2)
.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 28/ 919، وفي "الكبرى" 28/ 991 عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
(1)
مسند أبي عوانة جـ 2 ص 141.
(2)
وطعن بعضهم بجهالة ابن أكيمة غير صحيح، بل هو معروف ثقة عند الأكثرين، فالحديث صحيح.
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن القعنبي، عن مالك، به. وعن مسدد، وأحمد بن محمد المروزي، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف،
وعبد الله بن محمد الزهري، وأبي الطاهر بن السرح، خمستهم عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة، يحدث سعيد ابن المسيب، قال: "سمعت أبا هريرة
…
" فذكره.
والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك، به. وقال: حسن.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، كلاهما عن سفيان نحوه. وعن جميل بن الحسن، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري نحوه.
ومالك في الموطأ رقم 75. والحميدي 953. وأحمد جـ 2 ص 284 و 285 و 301 و 487. والبخاري في "جزء القراءة" رقم 95 و 96 و 98 و 262. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: أنه استدل بهذا الحديث من قال: لا يقرأ المأموم في الجهرية، ويقرأ في السرية، وروي هذا القول عن الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
وقد ذكر العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى لرد هذا الاستدلال أوجهًا، وأذكر منها هنا وجهين باختصار:
الأول: أن قوله: "فانتهى الناس
…
إلخ" من قول الزهري مدرج في الحديث، كما صرح بذلك الحفاظ:
قال البخاري رحمه الله في "جزء القراءة": وقوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري، وقد بينه لي الحسن بن الصباح، قال: ثنا مُبَشر، عن الأوزاعي، قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرءون فيما جهر.
وقال مالك: قال ربيعة: إذا حدثت فبيّن كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى كلام البخاري رحمه الله تعالى
(1)
.
وقال الترمذي رحمه الله: وروى بعض أصحاب الزهري، وذكروا هذا الحرف، قال: قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى
(2)
.
وقال البيهقي في "معرفة السنن": قوله: "فانتهى الناس من القراءة" من قول الزهري، قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب "الزهريات"، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو داود السجستاني، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميّزه من الحديث، وجعله من قول الزهري. وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة، وأبو هريرة كان يأمر بالقراءة خلف
(1)
جزء القراءة ص 24.
(2)
"جامع الترمذي" جـ 2 ص 232 بنسخة الشرح.
الإمام فيما جهر بها، وفيما خافت. اهـ
(1)
.
وقال في "كتاب القراءة": رواية ابن عيينة، عن معمر دالة على كونه من قول الزهري، وكذلك انتهاء الليث، وهو من الحفاظ الأثبات
الفقهاء مع ابن جريج برواية الحديث عن الزهري إلى قوله: "مالي أنازع القرآن" دليل على أن ما بعده ليس في الحديث، وأنه من قول الزهري، وقد رواه الأوزاعي، عن الزهري، ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر، غير أنه غلط في إسناد الحديث. انتهى
(2)
.
وقال الحافظ في "التلخيص": وقوله: "فانتهى الناس" إلى آخره، مدرج في الخبر من كلام الزهري بَيَّنَهُ الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والذهلي، والخطابي، وغيرهم. انتهى
(3)
.
الثاني: أنه لو قدر ثبوت منع القراءة بحديث أبي هريرة هذا لوجب حمل منع القراءة على ما عدا الفاتحة، ويدل على هذا الحمل حديث أبي هريرة نفسه في الأمر بالقراءة، وحديث الخداج، كما يدل عليه فتواه أيضًا، وكما يدل عليه حديث عبادة، وغيره.
قال الحازمي رحمه الله: إنما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "مالي أنازع
(1)
معرفة السنهن والآثار جـ 2 ص 47 - 48.
(2)
جزء القراءة ص 119.
(3)
"تلخيص الحبير" جـ 1 ص 231.
القرآن" فاحتمل أن يكون عَنَى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ خلفه سوى فاتحة الكتاب؛ لأنا وجدنا عمران بن حصين، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل قرأ خلفه بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}: "هل قرأ أحد منكم بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ؟ " فقال رجل: نعم أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدقت، قد علمت أن بعضكم خالجنيها".
وقوله: "أنازع" مثل "أخَالَجُ"، فلا يحتمل أن يكون عَنَى في حديث ابن أكيمة أن يقول:"مالي أنازع القرآن" يعني فاتحة الكتاب،
وهو يقول: لا صلاة إلا بها. انتهى
(1)
.
وقال البيهقي رحمه الله: ولا يترك الثابت عن أبي هريرة في الأمر بقراءة فاتحة الكتاب وراء الإمام برواية رجل مجهول، مع احتمال روايته أن يكون المراد بها ما بعد الفاتحة من القرآن كما سبق ذكرنا له. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: أما قوله: برواية رجل مجهول. فقد قاله غيره، كما تقدم في ترجمته عن الحميدي أنه قال: هو رجل
مجهول، ووثقه بعضهم، نقل ذلك عن يحيى بن سعيد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مقبول. وقال ابن معين: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال في "ت": ثقة. فإطلاق الجهالة عليه محل نظر، بل الصواب أنه
(1)
الاعتبار ص 102.
(2)
كتاب القراءة ص 122.
يحتج بحديثه، بل الجواب الصحيح أن تحمل روايته على ما عدا الفاتحة بدليل الأحاديث الأخرى، كما ذكره البيهقي احتمالًا. والله أعلم.
وقال الترمذي رحمه الله: وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام، لأن أبا هريرة هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام"، فقال حامل الحديث: إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك. وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة، قال:"أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب" انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الراجح تقييد قوله: "فانتهى الناس
…
إلخ" على تقدير كونه من كلام أبي هريرة رضي الله عنه
بغير الفاتحة، عملًا بالدليلين.
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: واحتج من رأى أن لا يقرأ المأموم خلف الإمام الجاهر بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} .
قال: وتمام الآية حجة عليهم، لأن الله تعالى قال: {وَإِذَا قُرِئَ
(1)
جامع الترمذي جـ 2 ص 121 - 122. وحديث أبي عثمان أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما بإسناد صحيح، وصححه ابن القطان. انظر ما كتبه أحمد شاكر على الترمذي جـ 2 ص 122.
الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 204،205].
قال: فإن كان أول الآية في الصلاة، فآخرها في الصلاة، وإن كان آخرها ليس في الصلاة، فأولها ليس في الصلاة، وليس فيها إلا الأمر بالذكر سرًّا، وترك الجهر، فقط، وهكذا نقول
(1)
.
وذكروا حديث ابن أكيمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما لي أنازع القرآن". وفيه من قول الزهري: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراءة".
وهذا حديث انفرد به ابن أكيمة، وقالوا: هو مجهول
(2)
. ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة؛ لأن الأخبار واجب أن يُضم بعضها إلى بعض، وحرام أن يضرب بعضها ببعض؛ لأن كل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كله حق، يصدق بعضه بعضًا، ولا يخالف بعضه بعضًا، فالواجب أن يؤخذ كلامه عليه الصلاة والسلام كله بظاهره، كما هو، كما قاله عليه السلام، لا يزاد فيه شيء، ولا ينقص منه شيء، فلا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، ولا ينازع القرآن، وهذا نص قولنا، ولله الحمد،
(1)
قال الجامع: فيما قاله أبو محمد ابن حزم في الآية نظر، وسيأتي ما يتعلق بالآية بعد باب إن شاء الله تعالى.
(2)
قلت: تقدم أن الراجح كونه معروفًا ثقة. فتنبه.
وما عدا هذا فزيادة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقصان منه.
وذكروا أيضًا حديثًا آخر صحيحًا من طريق ابن عجلان، فيه:"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
فهذا خبر أولى من ينبغي أن يستغفر الله تعالى عند ذكره من مخالفة هذا الحديث الحنفيون، والمالكيون؛ لأنهم مخالفون لأكثر ما فيه، فإنهم يرون التكبير إثر تكبير الإمام، لا معه للإحرام خاصة، ثم يرون سائر التكبير، والرفع، والخفض مع الإمام، لا قبله
(1)
، ولا بعده، وهذا خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وفيه:"إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" فخالفوه إلى خبر كاذب، لا يصح، وإلى ظن غير موجود، فمن العجب أن يحتجوا بقضية واحدة من قضاياه، لا حجة لهم فيها، ويتركون
(2)
سائر قضاياه التي لا يحل خلافها!!.
وأما نحن فانه عندنا صحيح، وبه كلِّه نأخذ؛ لأن تأليف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضم بعضه إلى بعض، والَأخذ بجميعه فرض، لا يحل سواه. وقد قال عليه السلام:"وإذا قرأ فأنصتوا"، و"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". فلابد في جميع هذه الأوامر من أحد وجهين، لا
(1)
قلت: ذكر "لا قبله" لا وجه له فتأمل.
(2)
هكذا نسخة "المحلّى" بإثبات نون الرفع، ووجهه أنه حال بتقدير مبتدأ، أي: وهم يتركون
…
إلخ.
ثالث لهما
(1)
:
إما أن يكون وجه ذلك أن يقول: إذا قرأ فأنصتوا إلا عن أم القرآن -كما قلنا نحن- وإما أن يكون وجه ذلك أن يقول: لا صلاة
لمن لم يقرأ بأم لقرآن إلا إن قرأ الإمام -كما يقول بعض القائلين-.
وإما أن يكون وجه ذلك أن يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن إلا أن يجهر الإمام- كما يقول آخرون.
فإذ لابد من أحد هذه الوجوه، فليس بعضها أولى من بعض إلا ببرهان، وأما بدعوى فلا، فنظرنا في ذلك، فوجدنا الحديث الذي قد ذكرناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاة الفجر، وهي صلاة جهر، فقال:"أتقرؤون خلفي؟ " قالوا: نعم، هذًّا يا رسول الله، قال:"لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها". فكان هذا كافيًا في تأليف أوامره صلى الله عليه وسلم، لا يسع أحدًا الخروج عنه.
وقد مَوَّهَ قوم بأن قالوا: هذا خبر من رواية ابن إسحاق، ورواه مكحول مرة عن محمد بن الربيع، عن عبادة، ومرة عن نافع بن
محمود بن الربيع، عن عبادة.
قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن محمد بن إسحاق أحد الأئمة، وثقه الزهري، وفضله على من بالمدينة في عصره، وشعبة، والسفيانان،
(1)
فيه نظر، فإن الأوجه ثلاثة، لا وجهان، كما يأتي في كلامه، فتأمل.
والحمادان، واليزيدان
(1)
، وإبراهيم بن سعد، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم، قال فيه شعبة: محمد بن إسحاق أمير المحدثين، هو أمير المؤمنين في الحديث.
والعجب أن الطاعنين عليه ههنا هم الذين احتجوا بروايته التي لم يروها غيره في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّ زينب على أبي العاصي بالنكاح الأوَّل بعد إسلامه، فإذا روى ما يظنون أنه يوافق تقليدهم صار ثقة، وصار حديثه حجة، وإذا روى ما يخالفهم صار مجروحًا!! وحسبنا الله، ونعم الوكيل.
وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود، ومرة عن نافع بن محمود، فهذا قوة للحديث، لا وهن؛ لأن كليهما ثقة، وحتى لو لم يأت هذا الخبر لَمَا وجب بقوله عليه الصلاة والسلام:"إذا قرأ فأنصتوا" إلا ترك القراءة حين قراءته، ويبقى وجوب قراءتها في سكتات الإمام، فكيف وهذه اللفظة -يعني "وإذا قرأ فأنصتوا"- قد أنكرها كثير من أئمة الحديث، وقالوا: إن محمد بن عجلان
(2)
أخطأ في إيرادها، وليست من الحديث، قال ذلك ابن معين، وغيره.
(1)
سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ويزيد بن زريع، ويزيد بن هارون.
(2)
وقع في المحلَّى: "محمد بن غيلان"، والصواب: محمد بن عجلان. انظر "تحقيق الكلام" ص 337 - 338.
قال: وأما نحن فلا نقول فيما رواه الثقة إنه خطأ، إلا ببرهان واضح، لكن وجه العمل هو ما أوردنا. وبالله تعالى التوفيق. انتهى
كلام ابن حزم رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره أبو محمد رحمه الله تعالى في وجه الجمع بين أحاديث إيجاب الفاتحة على المأموم، وبين حديث:"ما لي أنازع القرآن" تحقيق حسن جدًّا. والله تعالى أعلم.
وقال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه على "جامع التومذي":
هذه المسألة -مسألة قراءة المأموم الفاتحة- من أهم مسائل الخلاف بين الفقهاء، والمحدثين، وغيرهم، وقد ألفوا فيها كتبا مستقلة.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في "العارضة" 108:-111 اختلف الناس في صلاة المأموم على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يقرأ إذا أسرّ ولا يقرأ إذا جهر.
الثاني: يقرأ في الحالين.
الثالث: لا يقرأ في الحالين.
قال بالأول مالك، وابن القاسم. وقال بالثاني الشافعي، وغيره، لكنه قال: إذا جهر الإمام قرأ هو في سكتاته.
(1)
المحلى جـ 3 ص 239 - 242.
وقال بالثالث ابن حبيب، وأشهب، وابن عبد الحكم.
والصحيح وجوب القراءة عند السرّ، لقوله:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". ولقوله للأعرابي: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن". وتركه في الجهر بقوله تبارك، وتعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} . وفي صحيح مسلم: "إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعو، وإذا قرأ فأنصتوا". ولو لم يذكر هذا الحديث لكان نص القرآن به أولى.
ويقال للشافعي: عجبًا لك! كيف يقدر المأموم في الجهر على القراءة؟ أينازع القرآن الإمام، أم يعرض عن استماعه، أم يقرأ إذا سكت؟ قال: فإن قال: يقرأ إذا سكت، قيل له: فإن لم يسكت الإمام -وقد أجمعت الأمة على أن سكوت الإمام غير واجب- متى يقرأ؟ ويقال له: أليس في استماعه لقراءة الإمام قراءة منه؟ وهذا كاف لمن أنصفه، وفهمه. وقد كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام، وكان أعظمَ الناس اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
قال ابن شاكر رحمه الله: والمسألة أدقُّ من هذا التسهيل الذي
(1)
قال الجامع: فيما قاله ابن العربي في الاعتراض على الشافعي نظر، أما قوله: فإن لم يسكت متى يقرأ؟ فإن الشافعي إنما يقول ذلك فيما إذا كان للإمام سكتات، وأما إذا لم يكن له سكتات، فيقرأ متى شاء. وأما ما ذكره من مذهب ابن عمر فيقال له: المرفوع
الصحيح يقدم على مذهب ابن عمر، فإنه لا رأي، ولا قول مع قوله صلى الله عليه وسلم.
صوّرها به ابن العربي، وقد تعارضت فيها الأدلة تعارضًا شديدًا، فإن كتاب الله صريح في الأمر بالإنصات لقراءة القرآن، وهو يشمل الصلاة وغيرها، ثم ورد الأمر بالإنصات للإمام أيضًا، وجاءت أحاديث صحاح متواترة أنه "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وكل ركعة صلاة، وكل مصل داخل تحت هذا العموم الصريح، إمامًا كان أو مأمومًا، أو منفردًا، وورد حديث مرسل عن عبد الله بن شداد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة". رواه الدارقطني، وغيره.
قال المجد ابن تيمية في "المنتقى": وقد روي مسندًا من طرق كلها ضعاف، والصحيح أنه مرسل. وقال البخاري في "جزء القراءة": هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز، وأهل العراق لإرساله وانقطاعه. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ضعيف عند جميع الحفاظ، وقد استوعب طرقه، وعلله الدارقطني وغيره.
وهذا الحديث أثار عصبية شديدة بين علماء الحنفية، وعلماء الشافعية؛ لأنه ورد في بعض أسانيده من رواية أبي حنيفة موصولًا مسندًا عن جابر، فلم يتردد بعض المحدثين، والشافعية في الحكم بضعف أبي حنيفة من جهة حفظه، ثم غلوا، فطعنوا طعنًا، لا نرضاه. وانظر نصب الراية جـ 2 ص 7 ت 12، وإنما جاء ضعف الحديث من أن كل رواته رووه مرسلًا، لم يذكروا فيه جابرًا، وأين صحة الإسناد إلى
أبي حنيفة بروايته موصولًا؟!.
ثم الصحابة اختلفوا في هذا المقام كما ترى، فأبو هريرة وغيره يقيمون الأحاديث على ظاهرها، فيوجبون على المأموم قراءة الفاتحة في الجهر والسرّ على السواء، وأن يقرأ في نفسه، وجابر بن عبد الله يذهب إلى أن المأموم ليس عليه قراءة، فكأنه يتأول الحديث، كما قال الترمذي.
والواجب في مثل هذا المقام، إذا تعارضت الأدلة الرجوع إلى القواعد الصحيحة السليمة في الجمع بينهما، إذا لم نعرف الناسخ منها من المنسوخ، كما هنا، فإنه لا دليل في شيء منها على أن بعضها ناسخ لبعض، وإن زعم الحازمي في "الاعتبار" ص 72 - 75 أن أحاديث الوجوب ناسخة لأحاديث النهي عن القراءة خلف الإمام، وليس له على ذلك دليل.
أما نحن فإنا نذهب إلى أنه ليس شيء منها منسوخًا، ونذهب إلى الجمع بينها مع الترجيح.
أما الآية فإنها عامة تشمل المصلي وغيره، وأحاديث وجوب القراءة عامة أيضًا تشمل الإمام والأموم والمنفرد، وحديث "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" خاص بالمأموم، ولكنه عام في قراءة أي شيء من القرآن؛ الفاتحة، أو غيرها، وليس إسناده مما يحتج به أهل العلم بالحديث، فلو كان هذا الحديث صحيحًا، ولم يأت معارض له أقوى
منه كان خصوصه حاكمًا على عموم غيره، مما يوجب قراءة الفاتحة على المأموم، فإن الخاص حاكم على العام، ومُقيد له، ولكن حديث عبادة ابن الصامت أقوى منه، وأخص، أما قوته وصحته فقد بيناها في موضعها، وأما خصوصه فإنه نص في معناه، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمأمومين نهيًا لهم عن القراءة خلف الإمام:"فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". وقد تأيد هذا النص بأحاديث أخرى، هي نص مثله خاص، فقد روى البخاري في "جزء القراءة" ص 55:
"حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا عبد الله، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: "أتقرؤون في صلاتكم، والإمام يقرأ؟ " فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل، أو قائلون: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". ونقله الهيثمي في "مجمع الزوائد" جـ 2 ص 11 وقال: رواه أبو يعلى، والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.
ونقل أيضًا 7: 111 - عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ خلف الإمام، فليقرأ بفاتحة الكتاب". رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون.
ونقل أيضًا عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلكم تقرؤون، والإمام يقرأ؟ "، قالها ثلاثًا، قالوا: إنا لنفعل
ذلك، قال:"فلا تفعلوا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
فهذه الأحاديث الصحاح، أو الحسان هي نص في موضوعها، وهي من الخاص الصريح بالنسبة إلى الأدلة الأخرى، فلو كان حديث:"من كان له إمام" حديثًا صحيحًا، لكانت هذه الروايات دالة على أن المراد به أن قراءة الإمام له قراءة في غير الفاتحة، وأن على المأموم أن يقرأ أم القرآن التي وجبت عليه ركنًا من أركان صلاته، ثم يكف عن القراءة، وينصت لإمامه، فلا ينازعه القرآن، وهي تدل أيضا على تخصيص الآية، وحديث:"وإذا قرأ فأنصتوا" بما عدا حالة قراءة المأموم الفاتحة.
وهذا هو الجمع الصحيح بين الأدلة، فنُعمِلُها جميعًا، ولا نهْمِل شيئًا منها، ولا نضرب بعضها ببعض. وانظر المحلى لابن حزم في
المسألة رقم 36 جـ 3 ص 236 - 243.
انتهى كلام العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى في الجمع بين أدلة الباب تحقيق حقيق بالقبول، لكونه
مؤيدًا بالمنقول والمعقول، وما عداه رأي مَرْذُول، لا ينبغي أن يَلتَفِتَ إليه
(1)
تعليق أحمد شاكر على جامع الترمذي جـ 2 ص 124 - 127.
من كان من الفحول.
وبهذا يتبين لك ضعف ما رجحه بعض أهل العلم من أهل عصرنا من وجوب قراءة القراءة على المأموم في الصلاة السرية فقط، مدعيًا النسخ للوجوب في الجهرية
(1)
، بلا بينة واضحة، ولا حجة مقنعة، فتنبه لذلك، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد.
والحاصل أن الراجح قول من قال بوجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا، سواء كانت الصلاة سرية، أو جهرية، وسواء كان يسمع قراءة الإمام، أم لا، لكن استحب بعض أهل العلم فيما إذا كان للإمام سكتات أن يقرأها المأموم في سكتاته، وإلا قرأها معه، أو قبله، أو بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(1)
وذكر هذا القائل حديث أبي هريرة: "فانتهى الناس
…
إلخ" دليلًا على النسخ، وقد تقدم الكلام على هذه الجملة، هل هي من قول أبي هريرة، أم من قول الزهري، وعلى تقدير كونها لأبي هريرة، فدعوى النسخ بها دونه خرط قتاد، وقد تقدم إبطال ذلك فيما قاله المباركفوري، وابن حزم، وأحمد محمد شاكر، وغيرهم، فلا حاجة إلَى إعادته. فتأمل بإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. والله تعالى ولي التوفيق.
29 - قِرَاءَة أمّ القُرْآنِ خَلْفَ الإِمَامِ فِيماَ جَهَرَ بهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدَّال على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم خلف إمامه في الصلاة الجهرية.
أراد المصنف رحمه الله تعالى أن ما تقدم في حديث الباب الماضي من إنكاره صلى الله عليه وسلم على من نازعه القرآن محمول على ما عدا أم القرآن، لحديث الباب، فإنه خاص، فيقدم على العام، وهذا كما ذكرناه في الباب الماضي هو المذهب الحقّ الذي لا مرية فيه. والله تعالى أعلم.
920 -
أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ صَدَقَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ:"لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ، إِلاَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(هشام بن عمار) بن نُصَير السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، مات سنة
245، من كبار [10]، أخرج له البخاري، والأربعة، تقدم في
134/ 202.
2 -
(صدقة) بن خالد القرشي الأموي، أبو العباس الدمشقي، مولى أم البنين أخت معاوية بن أبي سفيان، قاله البخاري، وأبو حاتم،
وقيل: أخت عمر بن عبد العزيز، قاله هشام بن عمار، ثقة من [8].
ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، وذكره خليفة بن خياط في الطبقة السادسة.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم، صالح الحديث. وقال ابن معين، ودُحَيم، وابن نمير، والعجلي، ومحمد بن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. زاد ابن نمير: وهو أوثق من صدقة بن عبد الله، وصدقة بن يزيد. وقال ابن معين: كان صدقة أحب إلى أبي مسهر من الوليد، وكان يحيى بن حمزة قَدَريًّا، وصدقة أحب إليّ منه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يقول: صدقة صحيح الأخذ، صحيح الإعطاء. وقال الآجري، عن أبي داود: من الثقات، هو أثبت من الوليد بن مسلم، روى الوليد عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها عن نافع أربعة. قال دُحيم، وغيره: مولده سنة 118، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة توفي سنة 170 أو 171، وقال هشام بن عمار، وغيره: مات سنة 180 وقال دحيم: مات سنة 184، وكان كاتبًا لشعيب.
وذكره ابن حبان، وهو مولى أم البنين أخت معاوية بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان، وقال النسائي في الكنى، وابن عمار: ثقة. أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، والترمذي
(1)
.
3 -
(زيد بن واقد) القرشي أبو عُمَر، ويقال: أبو عمرو الشامي الدمشقي، ثقة، من [6].
قال أحمد، وابن معين، ودحيم، والعجلي، والدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم -يعني دُحَيما -أيُّ أصحاب مكحول أعلى، فذكر جماعة، ثم قال: لكن زيد بن واقد من كبارهم. وقال أبو حاتم: لا باس به، محله الصدق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال عبد الله بن يوسف التنيسي: كان يتهم بالقدر.
قال الحسن بن محمد بن بكار: مات في سنة 138. له في صحيح البخاري حديث واحد في فضل أبي بكر رضي الله عنه. وقال ابن حبان في "الثقات": يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عبد الخالق. وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس، يجمع حديثه. أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، والترمذي
(2)
.
4 -
(حرام بن حكيم) -بمهملتين مفتوحتين- بن خالد بن سعد
(1)
"تك" جـ 13 ص 128 - 132. "تت" جـ 4 ص 414 - 415.
(2)
"تك" جـ 10 ص 108 - 111. "تت" جـ 3 ص 426 - 427.
ابن الحكم الأنصاري، ويقال: الْعَبْثَمِيُّ، ويقال: العنسي -بالنون- الدمشقي، وهو حرام بن معاوية، كان معاوية بن صالح يقوله على
الوجهين، ووَهِمَ من جعلهما اثنين، وهو ثقة، من [3].
روَى عن عمه عبد الله بن سعد، وله صحبة، وأبي ذرّ، ونافع بن محمود بن ربيع، وقيل: ربيعة الأنصاري، وأنس، وأبي مسلم الخولاني. وعنه العلاء بن الحارث، وزيد بن واقد، وعبد الله بن العلاء ابن زَبْر، وزيد بن رفيع، وعدّة.
قال دُحَيم، والعجلي: ثقة. وقال البخاري: حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد، وغيره، وعنه زيد بن واقد وغيره، ثم ذكر بعد تَرْجَمَةٍ: حَرَامُ بنُ معاويةَ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ، قاله معمر، عن زيد ابن رفيع. قال الخطيب: وهم البخاري في فصله بين حرام بن حكيم، وبين حرام بن معاوية؛ لأنه رجل واحد، اختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه، ثم قال الخطيب: وقيل: إنه يرسل الرواية عن أبي ذرّ، وعن أبي هريرة، وذكره الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" كما ذكره البخاري، وكأنه اعتمد على قوله، ونَقَلَه من تاريخه.
وقد تبع البخاري ابنُ أبي حاتم، وابن ماكولا، وأبو أحمد العسكري، وغيرهم. وفي "الثقات" لابن حبان: حرام بن حكيم المذكور في التابعين، وذكر أبو موسى المديني حرامَ بن معاوية في
الصحابة، وأورد له حديثه المرسل، ونقل بعض الحفاظ عن الدارقطني أنه وثق حرام بن حكيم، وقد ضعفه ابن حزم في "المحلى" بغير مستند، وقال عبد الحق عقب حديثه: لا يصح هذا، وقال في موضع آخر: حرام ضعيف، فكأنه تبع ابن حزم، وأنكر عليه ذلك ابن القطان الفاسي، فقال: بل مجهول الحال، وليس كما قالوا: ثقة، كما قال العجلي وغيره. أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون إلا مسلمًا
(1)
.
5 -
(نافع بن محمود بن ربيعة) ويقال: اسم جده ربيع الأنصاري المدني، نزيل بيت المقدس، ثقة
(2)
من [3].
روى عن عبادة بن الصامت في القراءة خلف الإمام. وعنه مكحول الشامي، وحرام بن حكيم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: متن خبره في القراءة خلف الإمام يخالف متن خبر محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، كأنهما حديثان، وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع، وعن نافع بن محمود بن ربيعة، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصر غير مستقصى. انتهى
(3)
.
(1)
"تت" جـ 2 ص 222 - 223. "تك" جـ 5 ص 517 - 525.
(2)
قال عنه في "ت": مستور. قلت: الأولى توثيقه، فقد وثقه الدارقطني، وابن حبان، وابن حزم، والذهبي في الكاشف، وإنما انفرد ابن عبد البر بقوله: مجهول. فتنبه. والله تعالى أعلم.
(3)
ثقات ابن حبان جـ 5 ص 47.
وقال الدارقطني لمَّا أخرج الحديثَ: هذا حديث حسن، ورجاله ثقات. وقال ابن عبد البر: نافع مجهول. اهـ. وقال الحافظ الذهبي في "الكاشف": ثقة. اهـ. جـ 3 ص 197.
وقال في "الميزان": ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: حديثه معلل اهـ. جـ 4 ص 242.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وقال: حديثه معلل. فيه نظر، فإن ابن حبان لم يقل: حديثه معلل. وعبارته في "الثقات"، كما مر
آنفًا: "متن خبره يخالف متن خبر محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، كأنهما حديثان".
وهذا لا يدلّ على التعليل، وإنما يدلّ على عكسه، فإن قوله: كأنهما حديثان إشارة إلى كونهما محفوظين، وقد صرح الحافظ بأن ابن حبان قال: إن الطريقين محفوظان. وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى.
أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، وأبو داود، والنسائي
(1)
.
6 -
(عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، أحد النقباء ليلة العقبة، بدري مشهور، مات بالرملة سنة 34، وله 72 سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في 24/ 910. والله تعالى أعلم.
(1)
"تت" جـ 10 ص 410.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، على الراجح، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه من صيغ الأداء الإخبار،
والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبادة بن الصامت) رضي الله عنه، أنه (قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات) ورواية الصنف لهذا الحديث مختصرة، وقد أخرجه أبو داود في سننه مُطَوَّلًا، فقال:
حدثنا الربيع بن سليمان الأزدي، نا عبد الله بن يوسف، نا الهيثم ابن حميد، أخبرني زيد بن واقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، قال نافع: أبطأ عبادة بن الصامت، عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة بن الصامت، وأنا معه، حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن، فلما انصرف قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر، قال: أجل، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يُجهَر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، فقال:"هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ "، فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: "فلا، وأنا
أقول: مالي يُنازَعُني القرآن، فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت، إلا بأم القرآن". انتهى
(1)
.
(التي يجهر فيها بالقراءة) ببناء الفعل للمفعول، والجار والمجرور الأول نائب الفاعل، والثاني متعلق به (فقال) صلى الله عليه وسلم (لا يقرأنّ أحد منكم)"لا" ناهية، والفعل مبني لأجل نون التوكيد (إذا جهرت بالقراءة) هذا القيد يفيد أن المأموم يقرأ غير الفاتحة معها في الصلاة السرية (إِلا بأم القرآن) أي سورة الفاتحة، وتقدم سبب تسميتها بـ "أم القرآن".
وفيه أن المأموم يقرأ أم القرآن، وإن كانت الصلاة جهرية، وقد تقدم أن هذا هو المذهب الراجح.
وقال الشيخ الألباني في تعليقه على "المشكاة" عند قوله: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب"، ما نصه: هذا لا يدلّ على وجوب الفاتحة وراء الإمام، كما يُظَنّ، بل على الجواز؛ لأن الاستثناء جاء بعد النهي، وذلك لا يفيد إلا الجواز، وله أمثلة في الاستعمال القرآني، وتفصيل ذلك لا يتسع له المقام، فمن شاء التحقيق، فليرجع إلى كتاب:"فيض القدير" للشيخ أنور الكشميري، ويشهد لذلك ما في رواية ثابتة في الحديث بلفظ:"لا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب"، فهذا
(1)
"سنن أبي داود" بنسخة "المنهل العذب المورود" جـ 5 ص 255.
كالنص على عدم الوجوب. فتأمل. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا عجيب من الشيخ، فإن الأحاديث الصحيحة صريحة في الوجوب، ففي حديث عبادة رضي الله عنه:
"فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". صححه ابن خزيمة جـ 3 ص 36 - 37، وابن حبان جـ 5 ص 86. فإن هذا نص صريح الدلالة على الوجوب. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى.
والحاصل أن وجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا هو الحق. فتبصر والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه هذا صحيح، وسيأتي الكلام على تضعيف الشيخ الألباني له، إن شاء الله تعالى.
اعلم أن هذا الحديث قد صححه ابن خزيمة، انظر "صحيحه" جـ 3 ص 36 - 37، وابن حبان؛ انظر "صحيحه" جـ 5 ص 86 - 87 و 95 و 156 - 157. وحسنه الترمذي، وقال الدارقطني بعد إخراجه: هذا إسناد حسن، ورجاله كلهم ثقات. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح،
(1)
انظر تعليقه على المشكاة جـ 1 ص 27.
ورواته ثقات.
وقال الحافظ في "التلخيص": رواه أحمد، والبخاري في "جزء القراءة"، وصححه أبو داود، والترمذي، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من طريق ابن إسحاق، حدثني مكحول، عن محمود ابن ربيعة، عن عبادة. وتابعه زيد بن واقد وغيره، عن مكحول.
ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلكم تقرءون، والإمام يقرأ؟ " قالوا: إنا لنفعل، قال:"لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب". إسناده حسن.
ورواه ابن حبان من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس. وزعم أن الطريقين محفوظان، وخالفه البيهقي، فقال: إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست محفوظة. انتهى
(1)
.
وأخرج في أمالي "الأذكار" بسنده عن الإمام أحمد، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، ثنا ابن إسحاق، حدثني مكحول، عن محمود بن
ربيعة الأنصاري، عن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف من الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال:"إني لأراكم تقرءون خلف إمامكم إذا جهر؟ "
(1)
تلخيص الحبير جـ 1 ص 231.
قالوا: إنا لنفعل ذلك قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
قال: هذا حديث حسن، أخرجه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن محمد بن سلمة، وأخرجه الترمذي من رواية عبدة بن
سليمان، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، من رواية عبد الأعلى، والدارقطني من رواية إسماعيل بن عُليّة، ثلاثتهم عن محمد بن
إسحاق.
ولم ينفرد به محمد بن إسحاق، بل تابعه عليه زيد بن واقد، أحد الثقات من أهل الشام. ثم أخرجه من طريق النسائي لحديث الباب.
قال: وله شاهد من حديث أنس، أخرجه ابن حبان في "صحيحه" عن أبي يعلى، وهو في مسنده
(1)
من رواية أيوب، عن أبي قلابة، عنه.
وهو في "مسند أحمد"، و"جزء القراءة خلف الإمام" للبخاري
(2)
من رواية خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عمن شهد النبي صلى الله عليه وسلم. فذكر ابن حبان أن الطريقين محفوظان. وقال البيهقي: رواية خالد الحذاء هي المحفوظة
(3)
، وهكذا قال غيره. والله
(1)
مسند أبي يعلى 141/ 1 وعنه ابن حبان 1835، 1843.
(2)
مسند أحمد جـ 5 ص 81. جزء القراءة ص 19.
(3)
السنن الكبرى جـ 2 ص 166 وقال: هذا إسناد جيد، وقد قيل: عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، وليس بمحفوظ.
أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى باختصار
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بما ذكر أن حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه من طريق ابن إسحاق صحيح أيضًا، فمحمد ابن إسحاق صرح بالتحديث، وتابعه زيد بن واقد، -كما هو عند المصنف هنا -وهو ثقة، ومكحول تابعه حَرَام بن حكيم- كما هو عند المصنف أيضًا- وهو أيضًا ثقة، وقد تقدم عن ابن حبان أنه أشار إلى أن مكحولًا أخذ الحديث عن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود بن ربيعة.
وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله في الرد على من ضعف الحديث ما حاصله: وقد مَوَّهَ قوم بأن قالوا: هذا خبر من رواية ابن إسحاق، ورواه مكحول مرة عن محمود بن الربيع، عن عبادة، ومرة عن نافع ابن محمود بن الربيع، عن عبادة.
قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن محمد بن إسحاق أحد الأئمة.
ثم ذكر أبو محمد من وثق ابن إسحاق من الأئمة. وقد تقدم نقله بتمامه في المسألة الرابعة من الباب الماضي.
ثم قال: وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود، ومرة عن نافع بن محمود، فهذا قوة للحديث، لا وَهْن، لأن كليهما ثقتان.
(1)
"نتائج الأفكار في تخريج الأذكار" جـ 1 ص 432 - 434.
انتهى. المقصود من كلام ابن حزم رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: إذا تحقق ما تقدم من كون حديث الباب صحيحًا دون شك، فلنذكر أن الشيخ الألباني ضعف حديث الباب من رواية نافع بن محمود التي عند المصنف، وغيره، ومن رواية مكحول التي عند أبي داود وغيره، فأما تضعيفه لرواية نافع، ففي ضعيف النسائي 39، وضعيف أبي داود 177.
وقال في تعليقه على "المشكاة"، ما نصه: هذه الرواية لا تصح؛ لأن في سندها نافع بن محمود بن الربيع، قال الذهبي: لا يعرف. اهـ. جـ 1 ص 270.
والجواب عن هذا: أن عبارة الذهبي هذه وإن ذكرها في "ميزان الاعتدال"
(2)
إلا أنها غير محررة، فلا تصلح لتضعيف الحديث
الصحيح، وسيأتي تمام الكلام عليها في كلام العلامة المباركفوري رحمه الله، إن شاء الله تعالى.
وقد صح أن الذهبي وثقه، فقال في "الكاشف" جـ 3 ص 197: نافع ابن محمود المقدسي، عن عبادة بن الصامت، وعنه مكحول،
وحرام ابن حكيم: ثقة. اهـ.
وقد تقدم أنه وثقه الدارقطني، وابن حبان، وابن حزم،. وقد تابعه
(1)
المحلى جـ 3 ص 241 - 242.
(2)
ميزان الاعتدال جـ 4 ص 242.
على روايته عن عبادة هذا الحديث محمود بن الربيع، فتضعيفه الحديث بما في عبارة "الميزان" التي ليست محررة غير صحيح.
ولقد أحسن العلامة المباركفوري رحمه الله حيث فَنَّد الإعلال بنافع ابن محمود، المذكور، فأجاد، وأفاد، وأسهب، وأعاد، وهاك خلاصة عبارته:
قال: وقال بعض الحنفية: إن هذا الحديث لا يصح، فإن في إسناده نافع بن محمود، وقال ابن حجر فيه:"مستور".
والجواب عنه: أن نافع بن محمود وثقه الذهبي الذي قال فيه ابن حجر في "شرح نخبة الفكر": وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال، مقد قال في "الكاشف": نافع بن محمود المقدسي، عن عبادة ابن الصامت، وعنه مكحول، وحرام بن حكيم: ثقة. ووثقه ابن حبان، والدارقطني أيضًا، وابن حزم، فلما اتفق الدارقطني، وابن حبان، وابن حزم، والذهبي على توثيقه، فلا يكون مستورًا أبدًا، فإن المستور يطلقونه على من روى عنه اثنان فصاعدًا، ولم يوثقه أحد.
وقال الشيخ عبد الحي في "غيث الغمام" ما خلاصته: ومن وجوه الإيراد والجواب عن حديث عبادة أن من رواة ذلك الحديث في بعض الأسانيد المخرجة في "سق أبي داود" وغيره، نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، وهو مجهول، كما نقله في تهذيب التهذيب عن ابن عبد البر.
وجوابه أن هذا الحديث قد أخرجه الدارقطني، وقال: حديث حسن، ورجاله ثقات، وذكره ابن حبان في الثقات. انتهى باختصار
(1)
.
زد على ذلك أن حديث نافع ورد من طرق عِدَّة، فلو فرضنا أن نافعًا مستور، فحديثه مقبول لكثرة طرقه، ولا يقدح كونه مستورًا في قبول حديثه في شيء.
قال بعض علماء الحنفية: إن نافع بن محمود، وإن وثقه الدارقطني، إلا أن توثيقه لم يثبت لدى الجمهور، فإن نافعًا مجهول الوصف، لا مجهول العين؛ لأنه روى عنه اثنان: حرام بن حكيم، ومكحول، ومذهب الدارقطني -كما قال السخاوي في "فتح المغيث"-: أن من روى عنه ثقتان، فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته
(2)
. فيمكن أن نافعًا وثقه الدارقطني على مذهبه هذا.
والجواب عنه: قد مر آنفًا أن الدارقطني لم يتفرد بتوثيقه، بل وافقه عليه ابن حبان، وابن حزم والذهبي أيضًا.
فالقول باحتمال أن الدارقطني وثقه على مذهبه في توثيق مجهول الوصف لا يلتفت إليه.
زد على ذلك أن الدارقطني قال فيه: ثقة، وكلمة "ثقة" تطلق على
(1)
غيث الغمام ص 260.
(2)
فتح المغيث جـ 1 ص 298.
من كان عدلًا ضابطًا، فمن كان عدلًا غير ضابط، أو ضابطًا غير عدل لا يقال له ثقة.
فإن قيل: قال بعض العلماء الحنفية: إن ابن حبان متساهل في التوثيق، وقد تساهل في كتاب الثقات كثيرًا، وأدخل فيه كثيرًا من
الضعفاء، فلا اعتداد بما ذكره في الثقات، فلا ترتفع جهالة نافع بن محمود بتوثيق ابن حبان
(1)
.
فالجواب عنه: أن قائل هذا القول غافل عن علم الحديث، وجعله كتاب الثقات غير معتبر دليل على جهله وغفلته. ولا شك أن ابن حبان متساهل، لكن توثيقه الذي لم يتكلم فيه أيُّ ناقدٍ معتبرٌ، ومقبولٌ بلا ريب، وترتفع به جهالة الراوي. كيف، وقد وافقه هنا الدارقطني، وابن حزم والذهبي؟
والحاصل أنه لا شك في كون رواية نافع بن محمود المذكورة صحيحة مقبولة.
فإن قيل: قال في "ميزان الاعتدال": قال ابن حبان في ترجمة نافع ابن محمود في كتاب "الثقات": وحديثه معلل.
قلنا: لا شك أن ترجمة نافع بن محمود في "ميزان الاعتدال" المطبوع بمطبعة الأنوار المحمدية هكذا: ذكره ابن حبان في "الثقات"،
وقال: حديثه معلل، وروى عنه مكحول أيضًا.
(1)
قاله صاحب آثار السنن فيه ص100 في التعليق.
لكن ينبغي أن يعلم أن جملة "وحديثه معلل" لا وجود لها في أصل كتاب الثقات لابن حبان، ودونك نص كتابه:
نافع بن محمود بن ربيعة من أهل إيلياء، يروي عن عبادة بن الصامت، روى عنه حرام بن حكيم، ومكحود، متنُ خبره في القراءة
خلف الإمام يخالف متن خبر محمود بن الربيع، عن عبادة، كأنهما حديثان، أحدهما أتم من الاخر، وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود بن ربيعة، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربَيع، عَنَ عبادة، مختصر غير مستقصى. انتهى كلام ابن حبان
(1)
.
فانظر أنه لا وجود لهذه الجملة فيه.
وقد نقل ترجمته الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، وبرهان الدين سبط ابن العجمي في "نهاية السول في رواة الستة الأصول"، والشيخ عبد الحي اللكنوي في "غيث الغمام" من "كتاب الثقات"، فلم توجد عند أحد منهم هذه الجملة.
وخلاصة القول أنه لا وجود لهذه الجملة في كتاب ابن حبان البتة، فإن كانت في نسخ الميزان المخطوطة المصححة، فهو وهم من الذهبي، وإن لم تكن موجودة فيها، فهو خطأ مطبعي بدون شك، فذكر هذه اللفظة في تضعيف حديث نافع بن محمود غفلة، وقصور نظر. انتهى
(1)
الثقات جـ 5 ص 470.
المقصود من كلام المباركفوري رحمه الله تعالى بتصرف واختصار، وزيادة يسيرة
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: فقد تبين بهذا أن ما ضعيف به الشيخ الألباني حديث الباب، بما نقله عن الذهبي غير صحيح، فتبصر
بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف.
وأما تضعيفه لرواية مكحول: فقال في تعليقه على صحيح ابن خزيمة: إسناده ضعيف، فيه عِلَل، منها عنعنة مكحول، والاضطراب
في إسناده. اهـ.
وقد أحسن العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى في الجواب عن الإعلال بما ذكر، فأجاد، وأفاد، وأسهب، وأعاد، وهاك خلاصة ما
قاله رحمه الله تعالى:
قال بعض العلماء الحنفية: إن حديث عُبادة معلول بثلاثة وجوه:
أحدها: أن فيه مكحولًا، وهو يدلس، ورواه معنعنًا.
الثاني: أن في إسناده اضطرابًا، فقد رواه مرة عن عبادة بن الصامت مرسلًا، وأخرى عن نافع بن محمود، عن عبادة، وتارة عن
محمود، عن عبادة، وآونة عن محمود، عن أبي نعيم أنه سمع عبادة ابن الصامت، فأدخل بين محمود، وعبادة رجلًا آخر، وهو أبو نعيم، فاضطرب إسناده، والاضطراب مورث للضعف.
(1)
تحقيق الكلام ص 177.
الثالث: أنه تفرد بذكر محمود بن الربيع، عن عبادة في طريق مكحول محمد بن إسحاق، وهو لا يحتج بما انفرد به.
قال ابن حجر في "الدراية" في كتاب الحج: وابن إسحاق لا يحتج بما انفرد به من الأحكام، فضلًا عما إذا خالفه من هو أثبت منه. اهـ.
وخالفه زيد بن واقد من أصحاب مكحول، فرواه عن مكحول، عن نافع، عن عبادة، وهو أثبت منه، فصارت طريقته شاذة غير
محفوظة.
فالجواب عليه: أن حديث عبادة هذا صحيح، كما شهد على صحته أئمة الحديث، ومن أعله بالوجوه المذكورة، فقد تعصب، أو
جهل علم الحديث، وإليكم الجواب مفصلًا:
والجواب عن الوجه الأول: أن محمود بن الربيع الذي روى عنه مكحول هذا الحديث صحابي صغير، ومكحول لا يدلس عن صغار
الصحابة، فلا تضر عنعنته هنا في شيء.
قال الحافظ في "ت": محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو الخزرجي، أبو نعيم، أو أبو محمد المدني صحابي صغير، وجلّ روايته
عن الصحابة. اهـ.
وقال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" في ترجمة مكحول: إنه يرسل كثيرًا، ويدلس عن أبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، وعائشة،
والكبار. وروى عن أبي أمامة الباهلي، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبي إدريس
الخولاني، وأبي سَلاّم ممطور، وخلق. انتهى
(1)
.
على أن عبد الله بن عمرو بن الحارث تابع مكحولًا، قال البيهقي في "كتاب القراءة" ص 48:
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، نا أحمد بن عبيد الصفار، نا الحسن بن علي الحميرىِ، نا عمرو بن عثمان، نا محمد بن حمير، نا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، فذكر نحوه.
وأشار البخاري إلى أنه تابع مكحولًا حرامُ بن معاوية، ورجاءُ بن حيوة أيضًا
(2)
.
والجواب عن الوجه الثاني: أن الاضطراب في الحديث هو الذي تختلف الرواة فيه، فيروية بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر، أو يرويه راو واحد تارة من وجه، وتارة من وجه آخر، ولا يمكن ترجيح أحد الوجوه على الأخرى، ولا التوفيق بينهما على قواعد المحدثين.
وهذا النوع من الاضطراب هو الذي يورث ضعف الحديث،
(1)
تذكرة الحفاظ جـ 1 ص 106.
(2)
رواية رجاء أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 375 بإسناد صحيح، قال: حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن رجاء، عن محمود بن ربيع، فذكرها. قاله محقق:"تحقيق الكلام" ص 151.
والحديث الذي وقع فيه هذا الاضطراب يسمى مضطربًا.
ولَمَّا تقرر هذا، فليعلم أن زيادة "أبي نعيم" في رواية مكحول التي وردت من طريق محمود، عن أبي نعيم، عن عبادة غير محفوظة، ففي سنن الدارقطني: وقال ابن صاعد: قوله: عن أبي نعيم إنما كان أبو نعيم المؤذن، وليس هو كما قال الوليد: عن أبي نعيم، عن عبادة. اهـ.
ورواية مكحول التي رواها مرسلة عن عبادة مرجوحة بالروايتين المذكورتين، فإن في إسنادها بقية، قال فيه أبو مسعود الغساني: بقية
ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية.
وأما الروايتان الأخريان، أي التي جاءت عن محمود، عن عبادة، والتي جاءت عن نافع بن محمود، عن عبادة، فهما قصتان مختلفتان، وليستا بواحدة، فروى مكحول إحداهما بواسطة محمود، وأخراهما بواسطة نافع بن محمود، إلا أن قصة رواية محمود ذكرت استشهادًا في آخر رواية نافع بن محمود، فلما لم تتحد القصتان لم يحصل الاضطراب بينهما.
وإن سلمنا اتحاد قصتهما، فمع ذلك لا يكون هذا الحديث مضطربًا، فإن التوفيق بينهما ممكن، ووجه التوفيق ظاهر، وهو أن
مكحولًا سمع هذا الحديث من محمود، ومن ابنه نافع
(1)
كِليهِما، وهما سمعاه من عبادة رضي الله عنه.
(1)
فيه تصريح بأن نافعًا هذا ولد محمود بن الربيع، وهذا هو الذي صرح به البيهقي فيما =
قال البيهقي في "معرفة السنن والآثار": ورواه أيضًا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن مكحول، ومكحول سمع هذا الحديث
من محمود بن الربيع، ومن ابنه نافع بن محمود، ونافع وأبوه محمود بن الربيع سمعا عبادة بن الصامت. انتهى
(1)
.
وقال ابن حبان في "الثقات": نافع بن محمود بن ربيعة من أهل إيلياء، يروي عن عبادة بن الصامت، روى عن حرام بن حكيم، ومكحول، متنُ خبره في القراءة خلف الإمام يخالف متن خبر محمود ابن الربيع، عن عبادة، كأنهما حديثان؛ أحدهما أتم من الآخر، وعند مكحول الخبران جميعًا، عن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود بن ربيعة. وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصر غير مستقصى. انتهى
(2)
.
= يأتي من كلامه، وذكره الحافظ في "الإصابة" احتمالًا، حيث قال بعد ترجمة محمود ابن الربيع ما نصه: محمود بن ربيعة، رجل من الأنصار، مُخرّج حديثه عن أهل مصر، وخراسان في كالىء المرأة، والدَّين الذي لا يؤدى، هكذا ذكره ابن عبد البر، ولم يزد، وهذا أظنه محمود بن الربيع، فإن الدارقطني أخرج في بعض طرق حديث مكحول، عن نافع، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، في القراءة خلف الإمام رواية، قال الراوي فيها: عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت. وفي رواية أخرى: عن نافع بن محمود بن ربيعة، فإن يكن كذلك فهو الذي قبله، كما يحتمل أن يكون غيره. انتهى الإصابة جـ 9 ص 137 - 138.
(1)
معرفة السنن والآثار جـ 2 ص 53.
(2)
الثقات جـ 5 ص 47.
وأما الوجه الثالث: فالجواب عنه أنه لم يتفرد ابن إسحاق بذكر محمود في طريق مكحول، عن محمود، عن عبادة، بل تابعه على
ذلك سعيد بن عبد العزيز وغيره، فقد روى الدارقطني، قال: حدثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بدمشق، ثنا الوليد بن عتبة، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني غير واحد، منهم سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود، عن أبي نعيم
(1)
أنه سمع عبادة ابن الصامت، فذكره
(2)
.
وتابع الزهري مكحولًا، روى البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". ورواه مسلم، والأربعة.
فلما تابع الزهري مكحولًا في ذكر محمود، وتابع سعيد بن عبد العزيز، وغيره محمد بن إسحاق، فكيف يبقى طريق مكحول شاذًا، أو غير محفوظ؟!
وذكر الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" حديث عبادة بهذا
(1)
تقدم أن زيادة "أبي نعيم" بين محمود وعبادة وهم من الوليد، بل هو عن محمود، عن عبادة. فتنبه.
(2)
سنن الدارقطني جـ 1 ص 319.
الطريق، وقال: هذا حديث حسن
(1)
.
فلو كان طريق مكحول هذا شاذًا غير محفوظ، تفرد به ابن إسحاق بذكر محمود لما قال فيه ابن حجر: هذا حديث حسن، وهو القائل في ابن إسحاق: لا يحتج بما انفرد به من الأحكام
(2)
.
فالحاصل أن الوجوه الثلاثة المذكورة لتعليل حديث عبادة باطلة. انتهى خلاصة كلام العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى بتصرف
(3)
.
قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل مما حرره العلامة المذكور أن حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه من طريق مكحول صحيح
أيضًا، ومن قال بضعفه فقد أغرب.
ومن الغريب أن الشيخ ضعف حديث عبادة هذا مع وضوح صحته، وحاول تحسين حديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له
قراءة"، مع اعترافه بأن طرقه كلها لا تخلو من ضعف، وجعله صالحًا للاحتجاج به
(4)
.
وخلاصة القول أن الصواب تصحيح حديث الباب، وصحة الاحتجاج به على وجوب القراءة خلف الإمام مطلقًا، سواء كانت
(1)
نتائج الأفكار جـ 1 ص 435 - 436.
(2)
الدراية جـ 2 ص 19.
(3)
تحقيق الكلام ص 148 - 155.
(4)
انظر الإرواء جـ 2 ص 268 - 277.
الصلاة جهرية، أم سرية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 29/ 920، وفي "الكبرى" 29/ 992، عن هشام بن عمار، عن صدقة، عن زيد بن واقد، عن نافع بن محمود بن ربيعة، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن الربيع بن سليمان الأزدي، عن عبد الله بن يوسف، عن الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، به.
وأخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" رقم 67، وفي "جزء القراءة" ص 65.
وأخرجه الدارقطني جـ 1 ص 319 و 320.
وأخرجه البيهقي في "القراءة خلف الإمام" ص 36 و 37، وفي "السنن الكبرى" 2/ 164. والله تعالى ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
30 - تَأوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على بيان المراد من هذه الآية الكريمة.
أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة الإشارة إلى أن حديث الباب بيان للمعنى المراد من هذه الآية، فيحمل عموم قوله:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} على خصوص قراءة الإمام.
ثم إنه لابد من تقييده بما عدا الفاتحة، فإنها مستثناة من العموم بالحديث المتقدم في الباب الماضي.
وقد اختلف أهل العلم في المعنى المراد من هذه الآية على أقوال، وسأذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى.
معنى الآية الكريمة
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به، المصدقين بكتابه، الذين القرآن لهم هدى
ورحمة: {وَإِذَا قُرِئَ} عليكم أيها المؤمنون {الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} ، يقول: أصغوا له سمعكم، لتتفهّموا آياته، وتعتبروا لمواعظه،
{وَأَنْصِتُوا} إليه لتعقلوه، وتتدبروه، ولا تَلْغَوْا فيه، فلا تعقلوه
{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقول: ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعِبَره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيِهِ
(1)
.
بيان اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بهذه الآية الكريمة
قال العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره:
قيل: نزلت في الصلاة، روي عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وجابر، والزهري، وعبيد بن عمير، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب. قال سعيد: كان المشركون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض بمكة: لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه. فأنزل الله جل وعزّ جوابًا لهم:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} .
وقيل: نزلت في الخطبة، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وزيد بن أسلم، والقاسم بن مخيمرة، ومسلم بن يسار، وشهر بن حوشب، وعبد الله بن المبارك. وهذا ضعيف؛ لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها. قاله ابن العربي، والنقاش
(2)
: والآية مكية، ولم يكن بمكة خطبة، ولا جمعة.
(1)
راجع تفسير ابن جرير جـ 9 ص 162.
(2)
هكذا عبارة القرطبي، وهو صحيح، والتقدير وقال النقاش
…
إلخ، أو وزاد النقاش
…
إلخ وكذا التقدير في قوله الآتي: النحاس، أي قال النحاس.
وذكر الطبري عن سعيد بن جبير أيضًا أن هذا في الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام، فهو عامّ، وهو الصحيح؛ لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية، وغيرها من السنة في الإنصات. قال النقاش: أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة، وغير المكتوبة.
النحاس: وفي اللغة يجب أن يكون في كل شيء، إلا أن يدل على اختصاص شيء. وقال الزجاج: يجوز أن يكون: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} اعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه. والإنصات السكوت للاستماع، والإصغاء والمراعاة. أنصت يُنصت إنصاتًا، ونَصَتَ أيضًا، قال الشاعر [من الطويل]:
قَالَ الإمَامُ عَلَيْكُمْ أَمْرَ سيِّدِكمْ
…
فَلَمْ نُخَالِفْ وَأَنْصَتْنَا كَمَا قَالا
ويقال: أنصتوه، وأنصتوا له؛ قال الشاعر [من الوافر]:
إذا قَالَتْ حَذَامِ فَأنْصِتُوهَا
…
فَإِن الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
وقال بعضهم في قوله: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصًا، ليعيه أصحابه.
قال القرطبي رحمه الله: هذا فيه بُعد، والصحيح القول بالعموم؛ لقوله:{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، والتخصيص يحتاج إلى دليل.
قال عبد الجبار بن أحمد في فوائد القرآن له: إن المشركين كانوا
يكثرون اللغط والشذب تعنتًا وعنادًا؛ على ما حكاه الله عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26]، فأمر الله المسلمين حالة أداء الوحي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة، وأن يستمعوا، ومدح الجن على ذلك، فقال:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} [الأحقاف: 29] الآية.
وقال محمد بن كعب القرظي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة أجابه مَنْ وراءه، إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا مثل قوله، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث؛ فنزل:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، فأنصَتُوا.
وهذا يدلّ على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال قتادة في هذه الآية: كان الرجل يأتي، وهم في الصلاة، فيسألهم كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} .
وعن مجاهد أيضًا: كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم، فنزل قوله تعالى:{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
(1)
انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى
(2)
.
(1)
هكذا في تفسير القرطبي، ولعل الصواب إيراد الآية بتمامها. فليتأمل.
(2)
جامع أحكام القرآن، جـ 7 ص 353 - 355.
وقال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله بعد إخراج هذه الآثار بأسانيدها، ما نصه: قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب
قول من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه، وفي الخطبة.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا قرأ الإمام فأنصتوا"، وإجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة الاستماع
(1)
، والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن، والإنصات لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين، على خلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به.
وقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا من قوله: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا"، فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتمًا سامعًا قراءته بعموم ظاهر القرآن، والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى كلام ابن جرير رحمه الله تعالى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى من ترجيح حمل الآية الكريمة على القراءة في الصلاة حسن جدًّا.
(1)
هكذا نسخة تفسير الطبري، ولعل الصواب "عليه الاستماع" بزيادة لفظة "عليه" فليتأمل.
(2)
تفسير ابن جرير جـ 9 ص 166.
وأما الخطبة، فمحل نظر، إذ ما ادعاه من الإجماع على وجوب الاستماع غير صحيح، بل الخلاف فيه موجود، كما سيأتي في محله، إن شاء الله تعالى.
وحاصله أنه لا يجب استماع قراءة القارئ في غير الصلاة، ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود جـ 2 ص 38، والمصنف في "فضائل القرآن" من "الكبرى" جـ 5 ص 32، بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال:"ألا إن كلكم مُناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة".
فهذا الحديث دليل على أنه لا يجب الاستماع لقراءة القارئ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أقرّ الصحابة على قراءة كل واحد لنفسه، وعدم استماع بعضهم لبعض، وإنما أنكر عليهم رفع الصوت المؤدي لتشويش بعضهم على بعض، فصح تخصيص الآية بحالة الصلاة بحديث:"وإذا قرأ فأنصتوا"، وبقي ما عداها على الاستحباب.
لكن لابد من تقييد ذلك بالنسبة للمأموم بما عدا فاتحة الكتاب، جمعًا بين الأدلة، حيث صحت الأخبار بوجوبها عليه كما تقدم تحقيقه، فتبصر بإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
921 -
أَخْبَرَنَا الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(الجارود بن معاذ) السلمي أبو داود، ويقال: أبو معاذ الترمذي، ثقة رمي بالإرجاء، من [10].
روى عن الوليد بن مسلم، وابن عيينة، وجرير، وأبي أسامة، وأبي سفيان المعمري، وأبي خالد الأحمر، وأبي ضمرة، والفضل بن موسى، ووكيع وغيرهم.
وعنه الترمذي، والنسائي، وأحمد بن علي الأبّار، وابنه أبو عَمْرو محمد بن الجارود، ومحمد بن علي الحكيم الترمذي، ومحمد بن
الليث المروزي، ومحمد بن صالح التميمي، وغيرهم. قال النسائي: ثقة، وقال في أسامي شيوخه: ثقة، إلا أنه يميل إلى الإرجاء، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. وقال مسلمة بن القاسم
الأندلسي في كتاب "الصلة": كان يميل إلى الإرجاء، وليس بذاك. قال أبو القاسم بن عساكر: مات سنة 244. انفرد به الترمذي، والنسائي.
تنبيه:
"الترمذي" بكسر أوله، أو فتحه، أو ضمه، أقوال، وكسر الميم، أو ضمه، قولان، وذاله معجمة، نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بَلْخَ الذي يقال له: جيحون. انتهى "لب اللباب" بزيادة جـ 1 ص 169.
2 -
(أبو خَالِدٍ الأحمرُ) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي الجَعْفَري، نزل فيهم، وُلِدَ بجرجان، صدوق يخطئ، من [8].
روى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. وعنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، والجارود بن معاذ،
وغيرهم.
قال إسحاق بن راهويه: سألت وكيعًا عن أبي خالد؟ فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟ وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال ابن المديني. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال عباس الدّوري، عن ابن معين: صدوق، وليس بحجة. وقال أبو هشام الرفاعي: ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الخطيب: كان سفيان يعيب أبا خالد، لخروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأما أمر
الحديث فلم يكن يطعن عليه فيه. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وإنما أتي من سوء حفظه، فيغلط، ويخطىء، وهو في الأصل، كما قال ابن معين: صدوق، وليس بحجة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: ثقة ثبت صاحب سنة، وكان مُحْتَرِفًا يؤاجر نفسه من التجار، وكان أصله شاميًا، إلا أنه نشأ بالكوفة، وقال أبو بكر البزار في "كتاب السنن": ليس ممن تُلْزِمُ زيادتُهُ حُجَّةً، لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد روى أحاديث عن الأعمش، وغيره، لم يتابع عليها.
قال هارون بن حاتم: سألت أبا خالد متى ولدت؟ قال: سنة 114 قال هارون: ومات سنة 190 وقال ابن سعد، وخليفة: مات سنة 189.
قال الخطيب: حدث عنه محمد بن إسحاق بن يسار، وحميد بن الربيع، وبين وفاتيهما 106، وقيل:108. اهـ. أخرج له الجماعة
(1)
.
3 -
(محمد بن عجلان) مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة المدنيُّ، صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، مات سنة 148، من [5]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة، تقدم في 36/ 40.
4 -
(زيد بن أسلم) العدوي، مَوْلَى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، مات سنة 136، من [3]، أخرج
(1)
"تك" جـ 11 ص 394 - 398. "تت" جـ 4 ص 181 - 182.
له الجماعة، تقدم في 64/ 80.
5 -
(أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدني، ثقة ثبت، كان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة 101، من [3]، تقدم في
36/ 40.
6 -
(أبو هريرة) الدَّوْسِيُ الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، والترمذي، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فترمذي، وأبا خالد، فكوفي، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض؛ محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة حديثًا؛ روى 5374 حديثًا، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى ولي التوفيق.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإِذا كبر فكبروا) أي إذا كبر للإحرام بالصلاة، فاتبعوه فيه. زاد في رواية أبي داود:"ولا تكبروا حتى يكبر". وهو توضيح وتأكيد لمعنى "إذا كبر فكبروا".
وفيه تصريح بوجوب تأخير تكبير المأموم للإحرام عن تكبير الإمام. وبهذا قالت المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، من الحنفية، رحمهم الله تعالى، قالوا: فلو أحرم معه، أو قبله بطلت صلاته؛ لأنه ائتم بمن لم تنعقد صلاته، واستدلوا بقوله في هذا الحديث:"فإذا كبر، فكبروا"، قالوا: إن الفاء فيه للتعقيب، فيكون أمرًا بالتكبير بعد تكبير الإمام، فإذا أتى به مقارنًا، فقد أتى به قبل أوانه، فلا يجوز كالصلاة قبل وقتها؛ ولأن الاقتداء بناء صلاته على صلاة الإمام، فلابد من شروع الإمام في الصلاة حتى يتحقق البناء على صلاته، وإلا لزم البناء على المعدوم، وهو لا يجوز.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يكبر المأموم للإحرام، مقارنًا لتكبير الإمام، لا يتقدم، ولا يتأخر عنه. وهذا الحديث يرد عليه؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر" صريح في وجوب تأخير تكبير المأموم عن تكبير الإمام
(1)
.
(وإِذا قرأ الإِمام فأنصتوا) أي إذا قرأ الإمام جهرًا، فاستمعوا لقراءته، وفيه وجوب الاستماع لقراءة الإمام، وهو محمول على ما عدا
الفاتحة، كما مر تحقيقه.
ثم إن هذه الجملة زادها محمد بن عجلان، واختلف الحفاظ فيها، وسنحققه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(1)
راجع المنهل جـ 4 ص 331.
(وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) فيه أن المأموم لا يجمع بين التسميع، والتحميد، بل يكتفي بالتحميد فقط، وهو القول الراجح من أقوال العلماء، وسيأتي تحقيقه بأدلته في [باب ما يقول المأموم] 22/ 1061 إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 30/ 921، وفي "الكبرى" 30/ 994، عن الجارود بن معاذ الترمذي، عن أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن أبي صالح، عنه. وفي 922، و"الكبرى" 995، عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن سعد الأنصاري، عن ابن عجلان به، بلفظ:"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أن أحدًا تابع ابن عجلان على قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا".
وفي "الملائكة" من "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" جـ 9 ص 367، عن محمد بن المثنى، عن محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن
أبي صالح عنه، "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن لا تبادروا الإمام بالركوع، فإذا كبر فكبروا
…
" الحديث. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن محمد بن آدم المصيصي، عن أبي خالد، له. وزاد: قال أبو داود: وهذه الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد. انتهى.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، به.
وأخرجه بدون هذه الزيادة مسلم في "الصلاة" عن إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم، كلاهما عن عيسى بن يونس، عن الأعمش،
عن أبي صالح، عنه، بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا، يقول:"لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا، وإذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد". وعن قتيبة، عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْديِّ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عنه بنحوه إلا قوله:" {وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين"، وزاد:"ولا ترفعوا قبله".
وأبو داود فيه عن سليمان بن حرب، ومسلم بن إبراهيم، كلاهما عن وهُيب بن خالد، عن مصعب بن محمد، عن أبي صالح، عنه،
ولفظه: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى
يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإن صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن عبيد، عن الأعمش به مختصرًا.
وأخرجه أحمد جـ 2 ص 320 و 341 و 440. وابن خزيمة رقم 1575 و 1576 و 1582. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: اختلف الحفاظ في قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا".
قال البيهقي رحمه الله تعالى في "المعرفة": وروينا عن أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". وقد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث، أنها ليست بمحفوظة: يحيى بن معين، وأبو داود السجستاني، وأبو حاتم الرازي، وأبو علي الحافظ، وعلي بن عمر الحافظ، وأبو عبد الله الحافظ.
وفي الحديث الثابت عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر سكت هنيئة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد، اللهم نقني
من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض الدنس".
ففي هذا دلالة على أن من ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام سمي ساكتًا منصتًا لقراءة الإمام، وإن كان يقرأ في نفسه. انتهى.
وقال الحافظ الزيلعي رحمه الله في "نصب الراية": روي: "وإذا قرأ فأنصتوا" من حديث أبي موسى، ومن حديث أبي هريرة رضي الله
عنهما.
أما حديث أبي موسى فرواه مسلم في "صحيحه"، فقال: حدثنا أبو غسان المِسْمَعي، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة بهذا الإسناد مثله. يعني حديث قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطَّان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديث:"إذا كبر الإمام فكبروا"، وفيه قصة.
قال مسلم: وفي حديث جرير من الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ثم قال: قال أبو إسحاق -يعني صاحب مسلم-: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث -أي طعن فيه- فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان التيمي؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة -يعني "وإذا قرأ فأنصتوا"؟ فقال مسلم: هو عندي صحيح، فقال: لمَ لم تضعه ها هنا؟ فقال: ليس كل شيء صحيح عندي وضعته ها هنا، إنَما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه. انتهى كلام مسلم.
وأخرجه أبو داود في "سننه" عن سليمان التيمي، ثنا قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان بن عبد الله الرقاشي بهذا الحديث، وزاد:"وإذا قرأ فأنصتوا". قال أبو داود: "وإذا قرأ فأنصتوا" ليس بشيء. انتهى.
ورواه ابن ماجه في "سننه" بسند أبي داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا، فإذا كان عند القعدة، فليكن أول ذكر أحدكم التشهد". انتهى.
وأخرجه البزار في "مسنده " كذلك، وقال: لا نعلم أحدًا قال فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا"، إلا سليمان التيمي إلا ما حدثناه محمد بن يحيى القطيعي، ثنا سالم بن نوح، عن عمر بن عامر، عن قتادة، عن يونس ابن جبير، عن حطان بن عبد الله، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث سليمان التيمي:"وإذا قرأ فأنصتوا". انتهى.
وبهذا السند رواه ابن عدي في "الكامل" عن سالم بن نوح العطار، عن عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به، ولم يعله، وإنما قال: وهذا الحديث سليمان التيمي أشهر من عمر بن عامر، وابن أبي عروبة. انتهى.
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فرواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن
زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد". انتهى.
قال: وهذه الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد. انتهى.
وتعقبه المنذري في مختصره، فقال: وهذا فيه نظر، فإن أبا خالد الأحمر هذا هو سليمان بن حيان، وهو من الثقات الذين احتج بهم
البخاري، ومسلم، ومع هذا فلم ينفرد بهذه الزيادة، بل تابعه عليها أبو سعيد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني، نزيل بغداد، وقد سمع من ابن عجلان، وهو ثقة، وثقه النسائي، وابن معين، وغيرهما.
وقد أخرج مسلم هذه الزيادة في "صحيحه" في حديث أبي موسى الأشعري من حديث سليمان التيمي، عن قتادة، وضعفها أبو داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم، لتفرد سليمان التيمي بها.
قال الدارقطني: وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ عنه: منهم هشام الدستوائي، وسعيد، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، وأبان، وعدي بن
أبي عمارة، فلم يقل أحد منهم:"وإذا قرأ فأنصتوا"، قال: وإجماعهم يدل على وَهَم. انتهى.
ولم يؤثر عند مسلم تفرده بها، لثقته، وحفظه، وصححها من حديث أبي موسى، وأبي هريرة. انتهى كلامه.
ومتابعة محمد بن سعد لأبي خالد الأحمر التي أشار إليها المنذري أخرجها النسائي في "سننه"، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، ثنا محمد بن سعد الأنصاري، حدثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا".
قال أبو عبد الرحمن: كان المخَرِّمي يقول: هو ثقة - يعني محمد بن سعد الأنصاري. انتهى.
ولسليمان التيمي متابعان آخران غير محمد بن سعد، أخرج الدارقطني في "سننه" حديثهما، وضعفهما، أحدهما: إسماعيل بن أبان
الغنوي، ثنا محمد بن عجلان، والآخر محمد بن ميسر أبو سعد الصغاني ثنا ابن عجلان به، قال: وإسماعيل بن أبان، ومحمد بن ميسر ضعيفان. انتهى. انتهى كلام الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى ببعض تصرف
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخص مما تقدم أن أكثر الحفاظ رحمهم الله على أن زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" زيادة لا تصح، لكن
(1)
نصب الراية جـ 2 ص 114 - 117.
الذي يظهر أن من قال بصحتها، كمسلم، هو الذي يرجح قوله؛ لأنها ثبتت من حديث أبي موسى الأشعري، من رواية سليمان التيمي، وهو ثقة، وتابعه عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، أخرجه الدارقطني، من طريق سالم بن نوح، وأعله، فقال: سالم بن نوح ليس بالقوي. انتهى.
قلت: الظاهر أن مثله يصلح للمتابعة، فإنه صدوق له أوهام، كما في "ت".
ومن حديث أبي هريرة كما في رواية المصنف، وأعلوه بمحمد بن عجلان، لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه عليه محمد بن سعد الأنصاري- كما في الرواية الآتية، وهو ثقة، فلا وجه للإعلال به.
والحاصل أنها زيادة مقبولة، وليست منافية للأحاديث التي توجب الفاتحة على المأموم، لأنها تحمل على ما عداها، كما تقدم تحقيقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في ذكر ملخص كلام الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "الجزء الذي وضعه في القراءة خلف الإمام": قال رحمه الله: واحتج هذا القائل -يعني الإمام أبا حنيفة رحمه الله بقوله تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} ثم قال: وهذا معترض بالثناء مع أنه تطوع، والقراءة فرض، فأوجب عليه الإنصات
بترك فرض، ولم يوجبه بترك سنة، فحينئذ يكون الفرض عنده أهون من التطوع.
واعترضه أيضًا بفرع، وهو أن المصلي لو جاء، والإمام في الركعة الأولى من الفجر، فإنه يصلي عنده ركعتي الفجر، ويترك الاستماع
والإنصات، مع أنه عليه الصلاة والسلام، قال:"إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". قال: ويقال له: أرأيت إذا لم يجهر الإمام أيقرأ خلفه؟ فإن قال: لا، فقد بطل دعواه؛ لأن الاستماع إنما يكون لما يجهر به.
ثم ذكر عن ابن عباس من غير سند: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} قال: في الخطبة.
ثم قال: ولو أريد به في الصلاة، فنحن نقول: إنما يقرأ خلف الإمام عند سكوته، وقد رَوَى سمرةُ، قال:"كان للنبي صلى الله عليه وسلم سكتتان، سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته".
قال: وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن، وميمون بن مهران، وسعيد ابن جبير، وغيرهم يرون القراءةَ عند سكوت الإمام، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". والإنصاتَ إذا قرأ الإمام، عملًا بالآية.
واحتج أيضًا بقول صلى الله عليه وسلم: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". قال: وهذا حديث لم يثبت عند أهل العلم، من أهل الحجاز، والعراق، لإرساله، وانقطاعه.
أما إرساله، فرواه عبد الله بن شداد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما انقطاعه، فرواه الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير، عن جابر، ولا يدرى أسمع جابر من أبي الزبير، أم لا؟ قال: ولو ثبت، فتكون الفاتحة مستثناة منه، أي من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة بعد الفاتحة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا". وقال في حديث آخر: "إلا المقبرة"، مع انقطاعه.
قال: نظير هذا قوله عليه السلام لسُلَيك الغَطَفَاني، حين جاء، وهو يخطب:"قم، فاركع"، مع أنه أمر بالإنصات للخطبة، فقال:"إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت"، ولكنه أخرج الصلاة من هذا الإطلاق.
قال: واحتج أيضًا بخبر روي عن داود بن قيس، عن ابن نجاد -رجل من ولد سعد- عن سعد، قال: "وددت أن الذي يقرأ خلف
الإمام في فيه جمرة"، قال: وهذا مرسل، فإن ابن نجاد لم يعرف، ولا سُمِّي.
قال: واحتج أيضًا بحديث رواه أبو حباب، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام
مُلِئَ فُوهُ نتنًا". قال: وهذا مرسل، لا يحتج به، وخالفه ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، وقال: "رَضْفًا".
وهذا كله ليس من كلام أهل العلم، لوجهين:
أحدهما: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تَلاعَنُوا بلعنة الله، ولا بالنار، ولا تعذبوا بعذاب الله"، فكيف يجوز لأحد أن يقول: في فيِّ الذي يقرأ خلف الإمام جمرة، والجمرة من عذاب الله؟!
الثاني: أنه لا يحلّ لأحد أن يتمنى أن تملأ أفواه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وحذيفة، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعائشة، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وفي جماعة آخرين ممن روي عنهم القراءة خلف الإمام رَضْفًا، ولا نتنًا، ولا ترابًا. ثم روى أحاديث هؤلاء في مواضع متفرقة من الجزء المذكور.
قال: واحتج أيضًا بخبر رواه عمر بن موسى بن سعد، عن زيد بن ثابت، قال:"من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له". قال: ولا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله.
قال: وروى سليمان التيمي، وعُمَرُ بن عامر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطَّان عن أبي موسى -في حديثه الطويل- عن
النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه:"وإذا قرأ فأنصتوا"، ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير، وروى هشام، وسعيد، وأبو عوانة، وهمام، وأبان بن يزيد، وغيرهم عن قتادة، فلم
يقولوا فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولو صح لحمل على ما سوى الفاتحة.
وروى أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وزاد فيه:"وإذا قرأ فأنصتوا"، ولا يعرف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر.
قال أحمد: أراه كان يدلس، وقد رواه الليث، وبكير، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ورواه الليث أيضًا عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، وعن ابن عجلان، عن مصعب بن محمد، وزيد بن أسلم، والقعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فلم يقولوا:"وإذا قرأ فأنصتوا". ورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُتَابَعْ أبو خالد في زيادته.
قال: ويقال لهذا القائل: قد أجمع أهل العلم، وأنت، على أن الإمام لا يتحمل عن القوم فرضًا، ثم قلت: إن الإمام يتحمل عن القوم
هذا الفرض، مع أنك قلت: إنه لا يتحمل عنهم شيئًا من السنن، كالثناء، والتسبيح، ونحو ذلك، فثبت أن الفرض عندك أهون حالًا من التطوع. انتهى كلام الإمام البخاري ملخصًا محررًا، منقولًا من "نصب الراية" للحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى
(1)
.
(1)
"نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" جـ 2 ص 19 - 21.
والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.
المسألة السادسة: في ذكر ما كتبه العلامة محمد بن عبد الرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى في الرد على من استدل بالآية المذكورة على منع القراءة خلف الإمام في كتابه "تحفة الأحوذي"، فلقد حقق، وأجاد، وأسهب، وأعاد، وأمعن، وأفاد، حيث قال:
اعلم أن مذهب الإمام أبي حنيفة أن لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا، جهر الإمام، أو أسرّ، قال محمد في موطئه: لا قراءة خلف الإمام فيما جهر فيه، ولا فيما لم يجهر، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. انتهى.
هذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وأما أكثر الحنفية، فيقولون: إن القراءة خلف الإمام مكروهة كراهة تحريم، ويستدلون على مذهبهم بدلائل، لا يثبت بواحد منها مطلوبهم، وكان أعلى دلائلهم، وأجلها عند أجلة علمائهم، كالشيخ ابن الهمام، وغيره هو قوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
فكانوا يحتجون بقوله: {فَاسْتَمِعُوا} على منع القراءة خلف الإمام في الصلوات الجهرية، وبقوله:{وَأَنْصِتُوا} على المنع في الصلوات السرية.
والآن حصحص الحق لهم، فاعترفوا: بما في هذا الاستدلال من الاختلال.
فقال قائل منهم في رسالته "إمام الكلام": الإنصاف الذي لا يقبله من يميل إلى الاعتساف أن الآية التي استدل بها أصحابنا على مذهبهم لا تدل على عدم جواز القراءة في السرية، ولا على عدم جواز القراءة في الجهرية حال السكتة. انتهى.
وقال قائل منهم في رسالته "الفرقان": إن كثيرًا من العلماء الحنفية قد ادعوا أن قراءة المقتدي منسوخة بقوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} ، واجتهدوا في إثبات النسخ به، والحق أن هذا ادعاء محض، لا يساعده الدليل.
والعجب من أكابر العلماء -يعني الحنفية- الذين كانوا في العلوم الدينية كالبحر الزخّار، كيف تَصَدَّوا لإثبات النسخ بهذه الآية. انتهى كلامه مترجمًا.
وقال قائل منهم بعد ذكر وجوه عديدة تخدش الاستدلال بهذه الآية، ما لفظه: غاية ما في الباب أن الآية لما احتملت هذه الوجوه كان الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، كما تمسك به صاحب "الهداية" أوضح من الاستدلال بهذه الآية. انتهى.
ثم ذكر المباركفوري رحمه الله خمسة أوجه لإبطال الاستدلال بهذه الآية، فقال:
الأول: أن هذه الآية ساقطة عن الاستدلال عند الفقهاء الحنفية، لا
يجوز الاستدلال بها، وقد صُرِّحَ بذلك في كتب أصولهم، قال في "التلويح" في باب المعارضة والترجيح: مثال المصير إلى السنة عند تعارض الآيتين قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} ، وقوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، تعارضا، فصرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". انتهى.
وكذا في "نور الأنوار"، وزاد فيه: فالأول بعمومه يوجب القراءة على المقتدي، والثاني بخصوصه ينفيه، وقد وردا في الصلاة جميعًا،
فتساقطا فيصار إلى حديث بعده، وهو قوله عليه السلام: "من كان له إمام
…
إلخ".
فالعجب من العلماء الحنفية أنهم مع وجود هذا التصريح في كتب أصولهم كيف استدلوا بهذه الآية.
والثاني: أن قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} إنما ينفي القراءة خلف الإمام جهرًا، وبرفع صوت، فإنها تشغل عن استماع القرآن، وأما القراءة خلفه في النفس، وبالسر فلا ينفيها، فإنها لا تشغل عن الاستماع، فنحن نقرأ الفاتحة خلف الإمام عملًا بأحاديث القراءة خلف الإمام في النفس، وسرًّا، ونستمع عملًا بقوله:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} ، والاشتغال بأحدهما لا يفوت الآخر.
ألا ترى أن الفقهاء الحنفية يقولون: استماع الخطبة يوم الجمعة
واجب، لقوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} ومع هذا يقولون: إذا قرأ الخطيب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، فيصلي السامع سرًا في نفسه، قال في "الهداية": إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} الآية، فيصلي السامع في نفسه. انتهى.
وقال العيني في "البناية": فإن قلت: توجه عليه أمران: أحدهما: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} ، والآخر قوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} ، قال مجاهد: نزلت في الخطبة، والاشتغال بأحدهما يفَوِّتُ الآخر. قلت: إذا صلى في نفسه، وأنصت، وسكت يكون آتيًا بموجب الأمرين. انتهى.
وقال الشيخ ابن الهمام في "فتح القدير": وعن أبي يوسف ينبغي أن يصلي في نفسه؛ لأن ذلك مما لا يشغله عن سماع الخطبة، فكان إحرازًا للفضيلتين. انتهى.
والثالث: قال الرازي في تفسيره: السؤال الثالث: وهو المعتمد أن نقول: الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، فَهَبْ أن عموم قوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام، إلا أن قوله عليه السلام:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وقوله:"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، أخص من ذلك العموم، وثبت أن تخصيص عموم
القرآن بخبر الواحد لازم، فوجب المصير إلى تخصيص هذه الآية بهذا الخبر، وهذا السؤال حسن. انتهى.
وفي تفسير النيسابوري: وقد سَلَّمَ كثير من الفقهاء عموم اللفظ، إلا أنهم جوزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وذلك ها هنا
قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" انتهى.
وقال صاحب "غيث الغمام حاشية إمام الكلام": ذكر ابن الحاجب في مختصره الأصول، والعضد في شرحه: أن تخصيص عام القرآن بالمتواتر جائز، وأما بخبر الواحد، فقال بجوازه الأئمة الأربعة، وقال ابن أبان من الحنفية: إنما يجوز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل قطعي، منفصلًا كان، أو متصلًا. وقال الكرخي: إنما يجوز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل منفصل قطعيًا كان، أو ظنيًا. انتهى.
والرابع: أنه لو سلم أن هذه الآية تدل على منع القراءة خلف الإمام، فإنما تدل على المنع إذا جهر الإمام، فإن الاستماع والإنصات لا يمكن إلا إذا جهر، وقد اعترف به العلماء الحنفية أيضًا.
فنحن نقرأ خلف الإمام في الصلوات السرية، وفي الجهرية أيضًا عند سكتات الإمام، فإن الآية لا تدل على المنع إلا إذا جهر.
قال الإمام البخاري في "جزء القراءة": قيل له: احتجاجك بقول الله تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} أرأيت إذا لم يجهر الإمام يقرأ مَن
خلفه؟ فإن قال: لا، بطل دعواه، لأن الله تعالى قال:{فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وإنما يستمع لما يجهر، مع أنا نستعمل قول الله تعالى:
{فَاسْتَمِعُوا لَهُ} نقول: نقرأ خلف الإمام عند السكتات. انتهى.
الخامس: أن هذه الآية لا تعلق لها بالقراءة خلف الإمام، فإنه ليس فيها خطاب المسلمين، بل فيها خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ.
قال الرازي في تفسيره: وللناس فيه أقوال:
الأول: قول الحسن، وهو قول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على عمومها، ففي أيّ موضع قرأ الإنسان وجب على كل أحد استماعه.
والقول الثاني: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة.
والقول الثالث: أنها نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام، وهو قول أبي حنيف وأصحابه.
والقول الرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة.
وفي الآية قول خامس: وهو أنه خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ، وليس خطابًا مع المسلمين، وهذا قول حسن مناسب.
وتقريره أن الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقوامًا من الكفار يطلبون آيات مخصوصة، ومعجزات مخصوصة، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتيهم بها قالوا: لولا اجتبيتها، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول جوابًا عن كلامهم: إنه ليس لي أن أقترح على ربي، وليس لي إلا أن أنتظر
الوحي، ثم بين أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة، لأن القرآن معجزة تامة كافية في إتيان النبوة، وعَبَّرَ الله تعالى عن هذا المعنى بقوله:{هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
فلو قلنا: إن قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الآية، وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه، وانقطع النظم، وحصل فساد التركيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، فوجب أن يكون المراد منه شيئًا آخر سوى هذا الوجه.
وتقريره أنّه لما ادعى
(1)
كون القرآن بصائر وهدى ورحمة من حيث إنه معجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وكونه كذلك ، لا يظهر إلا بشرط خصوص، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له، وأنصتوا، حتى يقفوا على فصاحته، ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزًا دالًا على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيستغنوا بهذا القرآن عن طلب سائر المعجزات، ويظهر لهم صدق قوله تعالى في صفة القرآن:{بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} ، فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم، وحصل الترتيب، فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى.
(1)
هكذا العبارة "ادّعى"، ولو قال "أخبر" لكان أنسب، والله تعالى أعلم.
وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج، وبكونه معجزات على صدق نبوته، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه.
ومما يقوي أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى، وجوه:
الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} ، فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع، والسكوت حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز.
الوجه الثاني: أنه قال قبل هذه الآية: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فحكم بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم، ثم قال:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} الآية. ولو كان المخاطبون بقوله: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} هم المؤمنين لما قال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ؛ لأنه جزم قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعًا، فكيف يقول بعده من غير فصل: لعله يكون القرآن رحمة للمؤمنين، أما إذا قلنا إن المخاطبين به هم الكافرون صح حينئذ قوله:{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} انتهى كلام الرازي ملخصًا.
تنبيه:
علق الشيخ عبد الحي اللكنوي على تقرير الرازي هذا بقوله:
"وذلك لأنه وإن كان في الظاهر تأويلًا لطيفًا، لكنه ليس بمنقول عن أئمة المسلمين". ورد عليه العلامة المباركفوري رحمه الله قائلًا:
ما مراد الشيخ بأئمة المسلمين؟ إن كان يريد الصحابة والتابعين فهذا أمر مُسَلَّم، لم ينقل عن أحد منهم هذا التأويل، ولكن مادام نظم القرآن يدل عليه، ووافقته لغة العرب، ويرتفع به التعارض بين الآيتين، فلا وجه لرد مثل هذا التأويل.
وانظر إلى تأويل ابن الهمام للآية نفسها، فإنه ليس بمنقول عن الصحابة والتابعين، ولكن قبله العلماء الحنفية، مع أنه لا يدل عليه نظم القرآن، ولا لغة العرب، فلا يقبل قول الشيخ عبد الحي في رد تأويل الرازي.
وإن كان يرى به غير الصحابة والتابعين، فليس بصحيح؛ لأنه قول من جملة أقوال الأئمة المنقولة في تأويل الآية. انتهى
(1)
.
فإِن قلت: قال الزيلعي: قد أخرج البيهقي عن الإمام أحمد، قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة. انتهى. فمع إجماع الناس على أن هذه الآية في الصلاة كيف يصح قول من قال: إن فيها خطابًا مع الكفار، وليس فيها خطاب مع المسلمين.
قلت: لم يذكر الزيلعي إسناد قول أحمد هذا، ولم يبين أن البيهقي
(1)
تحقيق الكلام ص 302 - 303.
في أيّ كتاب أخرجه، وقد طالعت "كتاب القراءة" له من أوله إلى آخره، فلم أجد فيه قول أحمد هذا، وكذا طالعت (باب القراءة خلف الإمام) في كتاب "معرفة السنن" ولم أجد فيه أيضًا هذا القول، فالله أعلم أن البيهقي في أيّ كتاب أخرجه؟، وكيف إسناده؟.
ثم هذا القول ليس بصحيح في نفسه، فإن في شأن نزول هذه الآية أقوالًا:
منها: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة، وأيضًا يدل على عدم صحته قول ابن المبارك: أنا أقرأ خلف الإمام، والناس يقرأون، إلا قومًا من الكوفيين.
وأيضًا يدل على عدم صحته أن الإمام أحمد اختار القراءة خلف الإمام، وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب، وإن كان خلف الإمام، كما ذكره الترمذي، فتفكر.
وأيضًا يدل على عدم صحته أن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام، وقد قال بها أكثر أهل العلم، كما صرح به الترمذي. فتفكر.
فإِن قلت: الخطاب في هذه الآية، وإن كان مع الكفار لكن قد تقرر في مقره أن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب.
قلت: لا شك في أن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب،
لكن قد تقرر أيضًا في مقره أن اللفظ لو يحمل على عمومه يلزم التعارض والتناقض، ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينئذ يحمل على خصوص السبب.
قال الشيخ ابن الهمام في "فتح القدير": وما روي في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام كان في سفر، فرأى زحامًا، ورجل قد ظلل عليه، قال:"ما هذا؟ " فقالوا: صائم، فقال:"ليس من البر الصيام في السفر" محمول على أنهم استضروا به، بدليل ما ورد في صحيح مسلم بلفظ: إن الناس قد شق عليهم الصوم، والعبرة، وإن كان لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، لكن يحمل عليه، دفعًا للمعارضة بين الأحاديث
…
إلخ.
فإذا عرفت هذا، فاعلم أنه لو يحمل قوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} على عمومه لزم التعارض، والتناقض بينه وبين قوله تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} ، وأحاديث القراءة خلف الإمام، ولو حمل على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينئذ يحمل على خصوص السبب.
هذا، وإن شئت الوقوف على الوجوه الأخرى فارجع إلى كتابنا "تحقيق الكلام". انتهى كلام العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد العلامة المباركفوري رحمه الله
(1)
تحفة الأحوذي جـ 2 ص 243 - 247.
تعالى في تحقيق القول في إيجاب القراءة على المأموم عملًا بالأحاديث الصحيحة، وتفنيد ما مرّه به مَنْ أعمَى التعصبُ عينه، من الاستدلال بهذه الآية البعيدة كُلّ البعد عما أراده من رد الأحاديث الصحيحة، وتقوية الأحاديث الضعيفة محاماة للمذهب. فجزاه الله تعالى عن السنة المطهرة خير الجزاء.
وأسأل الله تعالى أن يهدي الجميع إلى التمسك بالسنة، والتجنب عن التعصب للهوى.
اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك سميع عليم، وبعبادك رؤوف رحيم. وأنت حسبنا ونعم
الوكيل.
922 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ الْمُخَرِّمِيُّ، يَقُولُ: هُوَ ثِقَةٌ- يَعْنِى مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(محمد بن عبد الله بن المبارك) الْمُخَرِّمِيّ، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة بضع وخمسين ومائتين، من [11]،
أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في 43/ 50.
2 -
(محمد بن سعد الأنصاري) الأشهلي، أبو سعد المدني، نزيل بغداد، صدوق، من [9].
روى عن ابن عجلان. وروى عنه أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، ومحمد بن عبد الله بن المبارك المخرِّمي، وقال: كان سيدًا من السادات. قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن محمد بن سعد الأنصاري؟ فقال: ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بمشهور. قال البخاري: مات قبل المائتين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد المائتين.
وهو من أفراد المصنف، له عنده حديث الباب فقط
(1)
.
والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته من المسائل، فراجعها تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
(1)
"تك" جـ 25 ص 363 - 364، "تت" جـ 9 ص 184.
31 - اكْتِفَاءُ الْمَأمُومِ بِقِرَاءَةِ الإِمَامِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على اكتفاء المأموم بقراءة إمامه.
اعلم: أن حديث الباب ليس مما يستدل به على ما ترجم له المصنف رحمه الله، لأنه موقوف، كما بينه هو أخيرًا، حيث قال:"هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء".
فلعله أشار بذلك إلى بيان كون الحديث موقوفًا لا يصلح للاحتجاج به على هذه المسألة، فكأنه قال: دليل اكتفاء المأموم بقراءة إمامه هو هذا الحديثُ، وهو لا يصلح للاحتجاج به، لكونه موقوفًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة المرفوعة التقدم بيانها. والله تعالى أعلم.
923 -
أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، سَمِعَهُ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَفِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ؟ قَالَ:"نَعَمْ". قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَجَبَتْ هَذِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ، وَكُنْتُ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِنْهُ، فَقَالَ: مَا أَرَى الإِمَامَ إِذَا أَمَّ الْقَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَفَاهُمْ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلَمْ يُقْرَأْ هَذَا مَعَ الْكِتَابِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 -
(هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، أبو موسى الحَمَّال البزاز، ثقة، مات سنة 243، من [10]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 50/ 62.
2 -
(زيد بن الحُبَاب) أبو الحسين العُكْلي، الكوفي، خراساني الأصل، وهو صدوق يخطىء في حديث الثوري، مات سنة 203، من [9]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 33/ 37.
3 -
(معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرمي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الحمصي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، مات سنة 158، من [7]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 50/ 62.
4 -
(أبو الزاهرية) حُدَير بن كُرَيب الحضرمي، ويقال: الحميري الحمصي، صندوق، من [3]، وكان أميًّا لا يكتب.
روى عن حذيفة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي أمامة، وغيرهم. وعنه ابنه حميد، ومعاوية بن صالح، وسعيد بن
سنان، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن سفيان، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال الدارقطني: لا بأس به، إذا روى عنه
ثقة. وقال ابن سعد: توفي سنة 129، وكان ثقة، إن شاء الله، كثير الحديث. وقال البخاري، عن عمرو بن علي: مات سنة مائة،
وقال: أخشى أن لا يكون محفوظًا، وكذا قال أبو عبيد. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون، سوى الترمذي
(1)
.
5 -
(كثير بن مرة الحضرمي) الحمصي ثقة، من [2]، ووهم من عده في الصحابة، أخرج له البخاري في "جزء القراءة" والأربعة، تقدم في 1/ 688.
6 -
(أبو الدرداء) عويمر بن قيس الأنصاري، مختلف في اسم أبيه، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقبه، صحابي مشهور، أول مشاهده أحد، وكان عابدًا، مات في آخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في 48/ 847. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم موثقون، وأنهم شاميون، إلا شيخه، فبغدادي، وزيد بن الحباب،
(1)
"تك" جـ 5 ص 491 - 492. "تت" جـ 2 ص 218 - 219. "ت" ص 65.
فخراساني، ثم كوفي، وفيه رواية تابعي عن تابعي، أبو الزاهرية، عن كثير بن مرة، وأن صحابيه أسلم يوم بدر، وشهد أحدًا، وألحقه عمر بالبدريين، وولي قضاء دمشق، وله 179 حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي الدرداء) عويمر بن قيس، وقيل: غير ذلك، رضي الله تعالى عنه، أنه (سمعه) ضمير الفاعل لكثير بن مرة، وضمير المفعول لأبي الدرداء، أي سمع كثيرُ بن مرّة أبا الدرداء (يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم) السائل هو أبو الدرداء ففي رواية أحمد: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفي كل صلاة قراءةٌ
…
" (أفي كل صلاة قراءة؟) أي أتجب القراءة على المصلي في كل صلاته؟ (قال) صلى الله عليه وسلم (نعم) أي في كل صلاة قراءه، فـ "نعم" حرف جواب، تبقي الكلام على ما هو عليه من إيجاب، أو نفي، بخلاف "بلى"، فإنها للإيجاب بعد النفي. وقد تقدم الكلام عليها غير مرة.
(قال رجل من الأنصار: وجبت هذه) أي صارت هذه القراءة واجبة على المصلي في كل صلاة (فالتفت إِليّ) الظاهر أن الفاعل هو
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بينه في رواية "الكبرى"، ولفظُهُ: "فالتفت
رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ
…
"، وهذا من وهم زيد بن الحُباب، فالصواب أن الملتفت هو أبو الدرداء، كما سينبه عليه المصنف رحمه الله تعالى (وكنت أقرب القوم منه) هذه الجملة بمنزلة التعليل للالتفات، إليه، فكأنه قال: وإنما التفت إليه لكوني أقرب الناس إليه (فقال: مما أرى الإِمام) أي ما أعتقده (إِذا أم القوم) أي صار إمامًا لهم (إِلا قد كفاهم) أي أغناهم بقراءته عن القراءة خلفه.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي (هذا) إشارة إلى قوله: "ما أرى الإمام
…
إلخ"، وهو مبتدأ (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) الجار والمجرور متعلق بحال محذوف، أي حال كونه مرويًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (خطأ) بالرفع خبر المبتدأ، يعني أن رفع هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ؛ لأنه ليس مرفوعًا إليه (إِنما هو قول أبي الدرداء) رضي الله عنه، فهو موقوف (ولم يقرأ هذا مع الكتاب) ببناء الفعل للمفعول، أي لم يقرأ هذا الكلام مع الحديث المرفوع فيما قرئ من الكتاب، والظاهر أن المصنف أخذ هذا الحديث سماعًا من لفظ شيخه، وقراءةً من الكتاب -كما يدلّ عليه قوله: أخبرني هارون بن عبد الله- فلم يقرأه في الكتاب، وإنما سمعه من لفظ شيخه. والله تعالى أعلم.
ونصه في "الكبرى": قال أبو عبد الرحمن: خولف زيد بن الحباب في قوله: "فالتفت إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقد وافق المصنف رحمه الله تعالى في تخطئة زيد بن الحباب في رفعه هذا الكلام الدارقطنيُّ، والبيهقيُّ. وسيأتي بيان ما قالاه في ذلك، في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي الدرداء رضي الله عنه هذا صحيح، إلا الجملة الأخيرة التي أشار إليها المصنف رحمه الله، فإن رفعها غير صحيح، بل هي من قول أبي الدرداء موقوفًا عليه. والله تعالى أعلم.
والمسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 31/ 923، وفي "الكبرى" 31/ 995، عن هارون بن عبد الله، عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية -حدير بن كريب- عن كثير بن مرة الحضرمي، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن على بن محمد، عن إسحاق بن سليمان، عن معاوية بن يحيى، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء رضي الله عنه. ولفظه: قال: سأله رجل،
فقال: أقرأ، والإمام يقرأ؟ قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم، أفي كل صلاة قراءة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم"، فقال رجل من القوم: وجب هذا. انتهى
(1)
.
وأخرجه أحمد جـ 5 ص 197 وجـ 6 وص 448. والبخاري في "خلق أفعال ألعباد" ص 65، وفي "جزء القراءة" رقم 16 و 17 و 83 و 294.
المسألة الرابعة: قد أشرت فيما سبق أن الدارقطني، والبيهقي وافقا المصنف في قوله: هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ، إلخ. ووعدت أن أذكر ذلك في هذه المسألة، فهاك نصهما:
فأما الدارقطني، فقال في سننه جـ 1 ص 332 - 333: حدثنا محمد بن مخلد، ثنا شعيب بن أيوب، وغيره، قالوا: نا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، ثنا أبو الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفي كل صلاة قراءة؟ قال: "نعم"، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أقرب القوم إليه:"ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا كفاهم".
كذا قال، وهو وَهَمٌ من زيد بن الحباب، والصواب: فقال أبو الدرداء: ما أرى الإمام إلا قد كفاهم.
(1)
سنن ابن ماجه جـ 1 ص 274 - 275.
حدثنا عبد الملك بن أحمد الدقّاق، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، حدثني معاوية بهذا، وقال أبو الدرداء: يا كثير ما أرى الإمام إلا قد كفاهم. انتهى كلام الدارقطني رحمه الله تعالى
(1)
.
وأما البيهقي، فقال في "السنن الكبرى": أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، حدثني أبو الزاهرية، حدثني كثير بن مرة الحضرمي، قال سمعت أبا الدرداء، يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفي كل صلاة قراءة؟ قال:"نعم"، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أقرب القوم إليه:"ما أرى الإمام إذا أم القوم، إلا قد كفاهم".
كذا رواه أبو صالح كاتب الليث، وغَلِطَ فيه، وكذلك رواه زيد بن الحباب في إحدى الروايتين عنه، وأخطأ فَيه، والصواب أن أبا الدرداء قال ذلك لكثير بن مرّة.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا عبد الله بن محمد بن زياد، وعبد الملك بن أحمد الدقّاق، قالا: ثنا بحر بن نصر، ثنا عبد الله بن وهب، حدثني معاوية ابن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء، قال: قام رجل، فقال: يا رسول الله، أفي كل صلاة قرآن، قال:"نعم"،
(1)
سنن الدارقطني جـ 1 ص 332 - 333.
فقال رجل من القوم: وجب هذا، فقال أبو الدرداء: يا كثير، وأنا إلى جنبه لا أرى الإمام إذا أمّ القوم إلا قد كفاهم.
قال عليّ: الصواب أنه من قول أبي الدرداء، كما قال ابن وهب، وَهِمَ فيه زيد بن الحباب، قال الشيخ: وقد روى زيد، كما رواه ابن
وهب، ورواه عبد الرحمن بن مهدي، وهو إمام حافظ، عن معاوية بن صالح، فجعله من قول أبي الدرداء. وروينا عن أبي الدرداء أنه كان يرى القراءة خلف الإمام، وزيد بن ثابت كان لا يراها مع الإمام. انتهى. السنن الكبرى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: رواية زيد بن الحباب التي أشار البيهقي إلى أنه وافق فيها الحفاظ في مسند أحمد، ونصها: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، حدثني أبو الزاهرية، حُدَير بن كُرَيب، عن كثير بن مرة الحضرمي، قال: سمعت أبا الدرداء، يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفي كل صلاة قراءة؟ قال: "نعم"، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إلي أبو الدرداء، وكنت أقرب القوم منه، فقال: يا ابن أخي ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم
(2)
. انتهى.
فتبين بما ذكر أن الصحيح أن قوله: "ما أرى الإمام إذا أم القوم، إلا قد كفاهم" من قول أبي الدرداء موقوفًا عليه، فقد اتفق ابن وهب،
(1)
السنن الكبرى جـ 2 ص 162 - 163.
(2)
المسند جـ 6 ص 148.
وعبد الرحمن بن مهديّ -كما قال البيهقي- وزيد بن الحباب في رواية عنه على هذا.
وإنما رفعه أبو صالح كاتب الليث، وهو صدوق كثير الغلط، كما في "ت"، وزيد بن الحباب، وهو -كما قال أحمد-: كان صدوقًا، وكان يضبط الألفاظ عن معاوية بن صالح، لكنه كثير الخطأ- انظر "تت"جـ 3 ص 403 - 404 فقد ظهر غلطهما، حيث رفعا ما وقفه غيرهما من الحفاظ، فصارت روايتهما شاذة مردودة.
والحاصل أن حديث الباب موقوف، لا يصلح للاحتجاج به على ما ترجم له المصنف، رحمه الله تعالى، وهو [اكتفاء المأموم بقراءة الإمام] فلا يعارض الأحاديث الصحيحة المتقدمة في إيجاب قراءة الفاتحة عليه مطلقًا، سواء كان في الصلاة السرية، أم الجهرية، وسواء كان يسمع قراءة الإمام، أم لا؟.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} .
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
السلام على النبي، ورحمة الله، وبركاته.
سبحانك اللهم، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك.
قال الجامع الفقير إِلى مولاه الغني القدير: محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإِتْيُوبي الولوي نزيل مكة عفا الله
تعالى عنه، وعن والديه آمين:
هذا آخر الجزء الحادي عشر من شرح سنن النسائي، المسمى [ذخيرة العقبى في شرح المجتبى] أو [غاية المنى في شرح المجتنى].
تم بحمد الله تعالى، وحسن عونه، وتوفيقه يوم الخميس 16/ 6/ 1416 هـ الموافق 9 نوفمبر 1995.
وكان ذلك في مكة المكرمة زادها الله تعالى عزًا وكرامة، في المحلة المسماة بالهنداوية.
ويليه الجزء الثاني عشر مفتتحًا 32/ 924 بباب: [ما يجزئ من القرآن لمن لا يحسن القرآن].