الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد بن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجزء الرابع عشر
دار آل بروم للنشر والتوزيع
بسم الله الرحمن الرحيم
شرح سنن النسائي
جميع الحقوق محفوظة الطعبة الأولى
1424 هـ-2003 م
دار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
ص ب: 4145 - (تلفاكس 5211576 - جوال 055541026)
168 - (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الله عز وجل
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان أقرب أحوال العبد من الله عز وجل. فـ"ما" مصدرية، كما يأتي بيان ذلك قريبا، إن شاء الله تعالى.
1137 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ عز وجل، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمَّد بن سلمة) المرادي الجَمَلي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [11] تقدم 19/ 20.
2 -
(ابن وهب) هو عبد الله، أبو محمَّد المصري، ثقة حافظ عابد [9] تقدم 9/ 9.
3 -
(عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم، أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ [7] تقدم 63/ 79.
4 -
(عُمَارة بن غَزِية) -بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة- ابن الحارث بن عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن غنم بن مازن بن النجّار الأنصاري المازني المدني، ثقة [6].
روى عن أنس، وأبيه غزية، وعباس بن سهل، وسُمَيّ، وغيرهم. وعنه عمرو بن الحارث، وسليمان بن بلال، ووهيب بن خالد، وغيرهم.
قال أحمد، وأبو زرعة: ثقة. وقال يحيى بن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، كان صدوقا. وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال البَرْقَاني عن الدارقطني: لم يلحق عمارةُ بن غزية أنسا، وهو ثقة، وكذا قال الترمذي: لم يلق أنسا. وذكره ابن حبان في "الثقات" في أتباع التابعين. وقال العجلي: أنصاري ثقة. وذكره العقيلي في "الضعفاء"، فلم يورد شيئًا يدلّ على وهنه. وقال ابن حزم: ضعيف. قال الحافظ رحمه الله: وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي فيما قرأت بخطه: ما علمت أحدا ضعفه غيره، ولهذا قال عبد الحق: ضعفه المتأخرون، ولم يقل العقيلي فيه شيئا، سوى قول ابن عيينة: جالسته كم من مرة، فلم نحفظ عنه شيئا. فهذا تغفل من العقيلي، إذ ظن أن هذه العبارة تليين، لا والله. انتهى.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة (140). علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (9) أحاديث.
5 -
(سُمَيّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدني، ثقة [6] تقدم 22/ 540.
6 -
(أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت [3] تقدم 36/ 40.
7 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن الثلاثة الأولين مصريون، والباقون مدنيون، وفيه قوله:"يعني ابن الحارث" العناية فيه من شيخ المصنف، أو منه. وقد تقدم غير مرة الكلام على مثل هذه العناية، وفيه أبو هريرة أكثر من روى الحديث في دهره، روى (5374) حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل، وهو ساجد) الأقرب أن "ما" مصدرية، و"كان" تامة، والجارّ والمجرور متعلق بـ"أقرب"، وليست "من" تفضيلية، فلا يرد أن اسم التفضيل لا يستعمل إلا بأحد أمور ثلاثة، لا بأمرين، كالإضافة، و"من"، فكيف استعمل ها هنا بأمرين. فافهم.
والأمور الثلاثة هي كونه بـ"من"، أو بـ"أل"، أو بالإضافة، وإلى هذه الأحوال أشار ابن مالك في "خلاصته" حيث قال:
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا
…
تَقْديرً اوْ لفْظًا بِمِنْ إِنْ جُرِّدَا
وإنْ لِمنكورٍ يُضَفْ أوْ جُرِّدَا
…
أُلْزِمَ تَذْكيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا
وَتِلْوَ أَلْ طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْ
…
أُضِيفَ ذو وَجْهَينِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ
وخبر "أقرب" محذوف، وجوبا، لسد الحال بعده مسدّه، كما قال ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة" عند ذكر مواضع حذف الخبر وجوبا:
وَقَبْلَ حَالِ لَا يَكُونُ خَبَرَا
…
عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا
كَضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأَتَمُّ
…
تَبْيِينِيَ الْحَقَّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ
والتقدير حاصل له، وجملة "وهو ساجد" حال من ضمير "حاصل"، أو من ضمير "له".
والمعنى أقرب أكوان العبد من ربه، تبارك وتعالى حاصل حين كونه ساجدا.
ولا يرد على الأول أن الحال لا بدّ أن يرتبط بصاحبه، ولا ارتباط ها هنا، لأن ضمير "هو ساجد" لـ"العبد"، لا لـ"أقرب"، لأنا نقول: يكفي في الارتباط وجود الواو من غير حاجة إلى الضمير، مثل "جاء زيد، والشمس طالعة". أفاده السندي رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ السيوطي رحمه الله في "عقود الزبرجد" نقلا عن ابن مالك رحمه الله: ما نصه: قوله: "وهو ساجد" جملة حالية سدت مسد خبر المبتدإ، ونظيره "ضربي زيدا قائما"، التزمت العرب حذف خبر المبتدإ، وتنكير "قائما"، وجعلت المبتدأ عاملا في ضمير صاحب الحال، ويشهد بأن "كان" المقدرة تامة، و"قائما" حال من فاعله التزامُ العرب تنكيرَ "قائما"، وإيقاعُ الجملة الاسمية المقرونة بواو الحال مَوْقعَه في هذا الحديث، والمبتدأ فيه مؤوّل يُفسِّرُ صاحب الحال، يعني بالمصدر المقدر، لأن لفظ "ما يكون" مؤول بـ"الكون"، والتقدير أقرب الكون كونُ. . . انتهى
(1)
.
وقال يس الحمْصِي رحمه الله: في قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائما: ما نصه: "ما" مصدرية عند الجمهور، التقدير: أخطب أكوان الأمير، وإنما قدرناه بالأكوان لأجل إضافة أفعل التفضيل، ضرورة أنه بعض ما يضاف إليه، فلابد من تعدده، ولا يقدر بين "ما" والمصدر شيء، وبعضهم يقدر بين "ما" والمصدر شيئا، وبعضهم يقدر محذوفا، أي أخطب أزمان كون الأمير قائما. وقيل:"ما" نكرة موصوفة بالجملة بعدها، وهي "يكون الأمير"، والضمير الرابط بين الصفة والموصوف محذوف، والتقدير: أخطب شيء يكون الأمير فيه خطيبا إذا كان قائما، فـ"فيه" الذي قدرته خبر "يكون"، والهاء من "فيه" هو العائد إلى الموصوف المذكور. انتهى كلام يس رحمه الله تعالى
(2)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما كان العبد في السجود أقرب إلى ربه من سائر أحوال الصلاة وغيرها، لأن العبد بقدر ما يبعد عن نفسه بمخالفتها يقرب من ربه، والسجودُ فيه غاية التواضع، وترك الكبر، وكسر النفس؛ لأنها لا تأمر صاحبها بالمذلة، ولا ترضى بها، ولا بالتواضع، فإذا سجد فقد خالف نفسه، وبعُدَ عنها، فإذا بعُد عن نفسه قرب من ربه.
وقال السندي رحمه الله تعالى: ما حاصله: قيل: وجه أقربية العبد من ربه في السجود، أن العبد داع دربه فيه، لكونه مأمورا به، والله تعالى قريب من السائدين، لقوله تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} الآية [البقرة: 186]. ولأن السجود
(1)
"عقود الزبرجد" ج 2 ص 257 - 258.
(2)
"حاشية مجيب النِّدَاعلى قطر النَّدى" ج 1 ص 259.
غاية في الذل والانكسار وتعفير الوجه، وهذه الحالة أحب أحوال العبد، كما رواه الطبراني في "الكبير" بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولأن السجود أول عبادة أمر الله تعالى بها بعد خلق آدم عليه السلام، فالمتقرب بها أقرب، ولأن فيه مخالفة إبليس في أول ذنب عصى الله به.
وقال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة، لا المسافة والمساحة، لأنه تعالى منزه عن المكان والزمان.
وقال البدر ابن الصاحب في "تذكرته": في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى، وأن العبد في الانخفاض يكون أقرب إلى الله تعالى. انتهى.
قال السندي. قلت: بني ذلك على أن الجهة المتوهم ثبوتها له تعالى جهة العلو، والحديث يدلّ على نفيها، وإلا فالجهة السفلى لا ينافيها هذا الحديث، بل يوهم ثبوتها، بل قد يبحث في نفي الجهة العليا بأن القرب إلى العالي يمكن حالة الانخفاض بنزول العالي إلى المنخفض، كما جاء نزوله تعالى كل ليلة إلى السماء، على أن المراد القرب مكانةً، ورتبةً، وكرامةً، لا مكانا، فلا تتم الدلالة أصلا، ثم الكلام في دلالة الحديث على نفي الجهة، وإلا فكونه تعالى منزها عن الجهة معلوم بأدلته. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي.
قال الجامع عفا الله تعالى عه: في قول السندي رحمه الله: فكونه تعالى منزها عن الجهة معلوم بأدلته. نظر، إذ الأدلة تدل على أنه تعالى في جهة العلو، كقوله صلى الله عليه وسلم للجارية:"أين الله؟ " قالت: في السماء. وقد حققت هذا الموضوع في غير موضع من هذا الشرح، فاستفد منه. والله تعالى أعلم.
(فأكثروا الدعاء) أي في السجود، وفيه الأمر بالإكثار من الدعاء في حال السجود، لكون العبد فيه أقرب من ربه، فيكون حقيقا بالإجابة، وقد تقدم في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا -152/ 1120 - :"وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قَمِنٌ أن يستجاب لكم".
وفيه دليل لمن يقول: إن كثرة السجود أفضل من طول القيام، وسائر الأركان، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -168/ 1137 - وفي "الكبرى" -75/ 723 - عن محمَّد ابن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي، عن أبي صالح، عنه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) عن هارون بن معروف، وعمرو بن سواد، كلاهما عن ابن وهب به. (د) عن أحمد بن صالح، وأحمد بن عمرو بن السرح، ومحمد بن سلمة، كلهم عن ابن وهب به.
وأخرجه (أحمد) 2/ 421. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم هل السجود أفضل من القيام، وسائر الأركان، أم العكس؟:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
(أحدها): أن تطويل السجود، وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بتفضيل تطويل السجود ابن عمر رضي الله عنهما.
(والمذهب الثاني): مذهب الشافعي رضي الله عنه وجماعة أن تطويل القيام أفضل، لحديث جابر رضي الله عنه في "صحيح مسلم": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الصلاة طول القنوت". والمراد بالقنوت القيامُ، ولأن ذكر القيام القراءةُ، وذكر السجود التسبيحُ، والقراءة أفضل، ولأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود.
(والمذهب الثالث): أنهما سواء. وتوقف أحمد بن حنبل رضي الله عنه في المسألة، ولم يقض فيها بشيء. وقال إسحاق بن راهويه رحمه الله: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فتطويل القيام، إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل؛ لأنه يقرأ جزءه، ويربح كثرة الركوع والسجود.
وقال الترمذي رحمه الله: إنما قال إسحاق هذا لأنهم وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل بطول القيام، ولم يوسف من تطويله بالنهار ما وصف بالليل. والله أعلم، انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى
(1)
.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في شرح حديث "أفضلُ الصلاة طولُ القنوت"، أي القيام: ما نصه: والحديث يدلّ على أن القيام أفضل من السجود والركوع
(1)
"شرح مسلم" ج 4 ص 200 - 201.
وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة منهم الشافعي، كما تقدم، وهو الظاهر، ولا يعارض حديث الباب، وما في معناه الأحاديث المتقدمة في فضل السجود؛ لأن صيغة "أفعل" الدالة على التفضيل إنما وردت في فضل طول القيام، ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام.
وأما حديث "ما تقرب العبد إلى الله بأفضل من سجود خفيّ" فإنه لا يصحّ لإرساله، كما قال العراقي، ولإن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. وكذلك أيضًا لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام؛ لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء.
وقال الحافظ العراقي رحمه الله: الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تشرع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإمام في الفرائض والنوافل فهو مأمور بالتخفيف المشروع، إلا إذأ علم من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صبي ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يحمل صلاته صلى الله عليه وسلم في المغرب بـ"الأعراف"، كما تقدم. انتهى "نيل الأوطار"
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الشوكاني رحمه الله تعالى من كون طول القيام أفضل من كثرة السجود هو الراجح عندي؛ لظاهو نصّ "أفضلُ الصلاة طولُ القنوت"، ولأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم موصوفة بطول القيام، لا بكثرة السجود، فقد صح عنه أنه كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة، ويقرأ في ركعة بـ"البقرة"، و"آل عمران"، و"النساء"، ومن المعلوم أنه لا يختار إلا الأفضل، فاتفق فعله مع قوله في ذلك، فكان هو الأفضلَ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
169 - (فَضْلُ السُّجُودِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل السجود.
1138 -
(أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ هِقْلِ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ،
(1)
"نيل" ج 3 ص 92.
قَالَ: حَدَّثَنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ آتِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِوَضُوئِهِ، وَبِحَاجَتِهِ، فَقَالَ:"سَلْنِي"، قُلْتُ: مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ:"أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ "، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ:"فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(هشام بن عَمَّار) السلمي الدمشقي، الخطيب، صدوق مقرىء، كبر، فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، من كبار [10] تقدم 134/ 201.
2 -
(هِقْل بن زياد) -بكسر أوله، وسكون القاف، ثم لام- ابن عبيد الله، ويقال: ابن عبيد، السَّكْسَكِي مولاهم، الدمشقي، نزيل بيروت، قيل: هو لقب، واسمه محمَّد، وقيل: عبد الله، وكان كاتب الأوزاعي، ثقة [9].
روى عن الأوزاعي، وحَرِيز بن عثمان، وخالد بن دُرَيك، وغيرهم. وعنه ابنه محمَّد، والليث بن سعد، وهو أكبر منه، وهشام بن عمار، وغيرهم.
قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد: لا يكتب حديث الأوزاعي عن أوثق من هقل. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان أبو مسهر يرضاه. وقال أبو زوعة الدمشقي: قال أبو مسهر: هو المقدَّم. وقال ابن معين: قال أبو مسهر: ما كان ها هنا أحد أثبت في الأوزاعي من هقل. وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: ثقة صدوق، وقال الغلابي، عن ابن معين: ما كان بالشام أوثق منه. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو صالح، حدثني الهقل بن زياد، وهو ثقة من الثقات من أعلى أصحاب الأوزاعي. وقال مروان بن محمد: كان أعلم الناس بالأوزاعي عشرة، أولهم هقل. وقال أبو زرعة الرازي، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن عمّار: الهقل من أثبت أصحاب الأوزاعي. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو سليمان بن زبر، عن أبيه، عن إسحاق بن خالد: سمعت أبا مسهر يقول: ومن أصحابه الأثبات الهقلُ بن زياد، وكان الأوزاعي أوصى إليه، وكان حافظا متقنا. مات سنة (179) ببيروت. وكذا قال ابن يونس في تاريخ وفاته. وقال ابن قانع: مات سنة (181) وهو ثبت. أخرج له الجماعة سوى البخاري، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
(فائدة): قوله: "الدمشقي" -بكسر الدال المهملة، وفتح الميم، وسكون الشين المعجمة: نسبة إلى دمشق، وهي أحسن مدينة بالشام. انتهى "لباب" جـ 1 ص 508.
(1)
وفي نسخة "عن" يحيى.
و"السَّكْسَكي" -بفتح المهملتين، وسكون الكاف الأولى-: نسبة إلى السكاسك، بطن من كندة. انتهى "لب اللباب" جـ 2 ص 21.
3 -
(الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل [7] تقدم 45/ 56.
4 -
"يحيى بن أبي كثير" الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل [5] تقدم 23/ 24.
5 -
(أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [3] تقدم 1/ 1.
6 -
(ربيعة بن كعب) بن مالك الأسلمي، أبو فراس المدني. كان من أهل الصُّفَّة، خَدَمَ النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل بعد موته على بريد من المدينة.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وحنظلة بن علي الأسلمي، ونعيم المجمر.
ويقال: إنه أبو فراس الذي روى عنه أبو عمران الجَوْني، وقد رُوِيَ عن أبي عمران، عن ربيعة.
قال الحافظ رحمه الله: قلت: وصوّب الحاكم أبو أحمد، وابن عبد البّر تبعا للبخاري أن ربيعة بن كعب غير أبي فراس الذي روى عنه أبو عمران.
وذكر مسلم، والحاكم في "علوم الحديث" أن ربيعة تفرّد بالرواية عنه أبو سلمة، وليس ذلك بجيد، لما تراه من ذكر رواية هؤلاء عنه، لكن قوله المزي: إن محمَّد بن عمرو بن عطاء روى عنه ليس بجيد، لأنه لم يأخذ عنه، وإنما روى عن نعيم المجمر عنه، كما هو في "مسند أحمد" وغيره. والله أعلم.
قال: هكذا تعقّبه شيخنا -يعني العراقي- في "النكت على ابن الصلاح"، وقد وردت رواية محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي فرأس الأسلمي عند ابن مندهْ في "المعرفة" وغيره، فمن قال: إن أبا فراس هو ربيعة، فوحدهما أثبت رواية محمَّد بن عمرو بن عطاء عنه بهذا، ومن زعم أنهما اثنان أمكن اثنان، قال الشيخ، لكن الحديث الذي أورده ابن مندهْ هو متن الحديث الذي أورده مسلم لربيعة بن كعب، وإن كان في ألفاظه اختلاف، فيقوى أنه واحد، وكذلك روى الحاكم في "المستدرك" من طريق المبارك بن فضالة، حدثني أبو عمران الجوني، حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي:"يا ربيعة، ألا تزوج"، وهذا هو الحديث الذي روي عن أبي عمران، عن أبي فراس، فيتجه أنه هو، والله تعالى أعلم.
ذكر غير واحد أنه مات سنة (63) بعد الحَرَّة.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، له عندهم حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله عندهم موثقون، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له مسلم، وهقل، فما أخرج له البخاري (ومنها): أن الثلاثة الأولين دمشقيون، ويحيى يمامي، والباقيان مدنيان (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. يحيى عن أبي سلمة (ومنها): أن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) أنه (قال: حدثني ربيعة بن كعب الأسلميُّ) رضي الله تعالى عنه (قال: كنت آتي رسول ال صلى الله عليه وسلم) وفي رواية مسلم: "كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه". . .
والحديث اختصره مسلم وأصحاب السنن، وقد ساقه في "مسند أحمد" مطولا، قال عبد الله بن أحمد رحمهما الله تعالى جـ 4 ص 59:
حدثني أبي، حدثنا يعقوب، يعني ابن إبراهيم بن سعد- قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم بن مجمر، عن ربيعة بن كعب، قال: كنت أَخدُم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقوم له في حوأئجه نهاري أجمعَ حتى يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الأخيرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةٌ، فما أزال أسمعه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، وبحمده" حتى أملَّ، فأرجع، أو تغلبني عيني، فأرقد، قال: فقال لي يوما لمَا يرى من خِفَّتي له، وخدمتي إياه:"سلني يا ربيعة، أعطك" قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله، ثم أعلمك ذلك، قال: ففكرت في نفسي، فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقًا سيكفيني، ويأتيني، قال: فقلت: أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لآخرتي، فإنه من الله عز وجل بالمنزل الذي هو به، قال: فجئت، فقال:"ما فعلت يا ربيعة؟ "، قال: فقلت: نعم يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار، قال: فقال: "من أمرك بهذا يا ربيعة؟ " قال: فقلت لا والله الذي بعثك بالحقّ ما أمرني به أحد، ولكنك لَمَّا قلت: سلني أعطك، وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به، نظرت في أمري، وعرفت أن الدنيا منقطعة، وزائلة، وأن لي فيها رزقا
سيأتيني، فقلت: أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لآخرتي، قال: فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلًا، ثم قال لي:"إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود".
(بوضوئه) بفتح الواو، أي بالماء الذي يتوضأ به (وبحاجته) أي بما يحتاج إليه في أمر الطهارة وغيرها، فهو من عطف العام على الخاص (فقال) صلى الله عليه وسلم -بفتح السين، وسكون اللام- فعل أمر من سالَ يَسَالُ لغة في سَأَلَ يسْأَلُ مهموز العين.
يقال: سال يسال من باب خافا يخاف، والأمر منه سَلْ، وفي المثنى والمجموع سَلَا، وسَلُوا على غير قياس، لأن القياس يقتضي أن يقال: سالا، وسالوا، كقولههم: خافا، وخافوا. انتهى "المصباح" بزيادة من هامشه.
أي اطلب مني حاجتك (قلت: مرافقتك في الجنة) بالنصب مفعول لفعل محذوف دلّ عليه قوله: "سلني"، أي أسألك مرافقتك وصحبتك في الجنة، والجملة في محل نصب مقول القول.
(قال) صلى الله عليه وسلم (أو غير ذلك) يحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام، دخلت على واو العطف، و"غير" مفعول لفعل مقدر، أي أتسأل غير ذلك من أمور الدنيا، كالغنى، ونحوه، ويحتمل أن تكون "أو" بسكون الواو للإضراب بمعنى "بل"، أي بل اسأل غير ذلك من الحوائج (قلت: هو ذاك) أي المسؤول الذي أطلبه هو الذي ذكرته لك من المرافقة لك في الجنة، لا غير، فـ"هو" مبتدأ، و"ذاك" خبره، والجملة مقول القول.
(قال) صلى الله عليه وسلم (فأعني) الفاء فصيحية، أي إذا كان مطلوبك ما ذكر فأعني (على نفسك بكثرة السجود) الجاران متعلقان بـ"أعني"، أي كن عونا لي على تحصيل مراد نفسك التي هي المرافقة لي في الجنة بكثرة الصلاة، وخص السجود بالذكر لأنه مُذلٌّ للنفس، وقاهر لها، لما فيه من وضع أشرف الأعضاء، وأعلاها على الأرض، وأيّ نفس خضعت لله تعالى استحقت رحمته وإحسانه.
ولأن الساجد أقرب إلى الله تعالى، لقول الله عز وجل:{وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] ولما تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور في الباب الماضي مرفوعًا: "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
وقال السندي رحمه الله تعالى: والمراد تعظيم تلك الحاجة، وأنها تحتاج إلى معاونة منك، ومجرد السؤال مني لا يكفي فيها.
أو المعنى: فوافقني بكثرة السجود قاهرا بها على نفسك. وقيل: أَعِنِّي على قهر نفسك بكثرة السجود، كأنه أشار إلى أن ما ذكرتَ لا يحصل إلا بقهر نفسك التي هي أعدى عدوك، فلابد لي من قهر نفسك بصرفها عن الشهوات، ولابد لك أن تعاونني فيه.
وقيل: معناه كن لي عونا في إصلاح نفسك، وجَعْلِها طاهرة مستحقة لما تطلب، فإني أطلب إصلاح نفسك من الله تعالى، وأطلب منك أيضا إصلاحها بكثرة السجود لله، فإن السجود كاسر للنفس، ومُذِلٌّ لها، وأيّ نفس انكسرت، وذلت استحقت الرحمة. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -169/ 1138 - وفي "الكبرى" -76/ 724 - عن هشام بن عمّار، عن هقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه. وفي -9/ 1618 - و"الكبرى" 16/ 1318 - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر والأوزاعي، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به بلفظ: كنت أبيت عند حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أسمعه إذا قام من الليل يقول: سبحان الله رب العالمين الهُوِيَّ
(1)
، ثم يقول:"سبحان الله وبحمده" الهُويّ.
وفي "عمل اليوم والليلة" رقم 862 - عن محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي به، بلفظ: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آتيه بوَضوئه، وبحاجته، فكان يقوم من الليل، في قوله:"سبحان الله وبحمده، سبحان ربي العظيم، وبحمده، سبحان ربي، وبحمده"، ثم يقول:"سبحان رب العالمين، سبحان رب العالمين". والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) عن الحكم بن موسى، عن هقل بن زياد به. (د) عن هشام بن عمار به. (ت) جزء التسبيح عن إسحاق بن منصور، عن النضر بن شميل، ووهب بن جرير، وأبي عامر العقدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، كلهم عن هشام الدستوائي، عن يحيى ابن أبي كثير به.
(ق) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن شيبان، عن يحيى به، بجزء التسبيح.
(1)
"الهوي" كغني، ويضم: الساعة. أفاده في "ق". ج 5 ص 3229.
وأخرجه (أحمد) 4/ 57 و 59. وقد تقدم لفظه بطوله. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): الحثُّ على كثرة السجود، والترغيب فيه، والمراد به السجود في الصلاة (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: كثرة السجود أفضل من إطالة القيام، وقد تقدم الخلاف في المسألة، وأن الراجح أن إطالة القيام أفضل من كثرة السجود في الباب الماضي (ومنها): اهتمام الرئيس بأمر مرؤوسيه، وسؤاله إياهم ما يحتاجون إليه (ومنها): جواز طلب الرُّتَب الرفيعة (ومنها): أن من عامة الناس من يكون مع الأنبياء في الجنة (ومنها): الحث على مجاهدة النفس، وقهرها بكثرة الطاعة، وعلى أن نيل المراتب العلية بمخالفة النفس الدَّنيَّة (ومنها): مزيد فضل الصلاة، وأن الإكثار منها سبب لعلو الدرجات، ومصاحبته صلى الله عليه وسلم في دار الكرامة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
170 - (بَابُ ثَوابِ مَن سَجَدَ للهِ عز وجل سَجْدَةَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على ثواب من سجد سجدة مخلصًا لله عز وجل.
1139 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ، يَنْفَعُنِي، أَوْ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ عَنِّي مَلِيًّا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"مَا مِنْ عَبْدٍ، يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ عز وجل بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً".
قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ ثَوْبَانَ؟ فَقَالَ لِي: عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"مَا مِنْ عَبْدِ، يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أبو عمّار الحسين بن حُرَيث) الخُزاعي مولاهم المروزي، ثقة [10] تقدم 44/ 52.
2 -
(الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية [8] تقدم 5/ 454.
3 -
(الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو المذكور في الباب الماضي.
4 -
(الوليد بن هشام) بن معاوية بن هشام بن عُقْبة بن أبي معيط -بالتصغير- الأموي، أبو يَعيش المُعَيطيّ، ثقة [6].
روى عن عمر بن عبد العزيز، وكان عامله على قنّسرين، وعن أبان بن الوليد بن عقبة، وعبد الله بن محيريز، ومعدان بن أبي طلحة، وأم الدرداء، وغيرهم. وعنه أبنه يعيش، والأوزاعي، والوليد بن سليمان، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجلي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس بحديثه، ثنا دُحَيم، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، حدثني الوليد بن هشام، وهو ثقة عدل. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن عساكر بلغني أنه عاش إلى دولة مروان بن محمد. أخرج له الجماعة، سوى البخاري، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
5 -
(معدان بن طلحة)، ويقال: ابن أبي طلحة اليعْمَري الشامي، ثقة [2] تقدم 17/ 708.
[تنبيه]: قوله: "اليعمري" بفتح أوله والميم، وسكون المهملة، آخره راء: نسبة إلى يعمَر بطن من كندة. اهـ "لب اللباب" ج 2 ص340.
6 -
(ثَوْبَان) بن بُجْدُد، ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن الهاشمي، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل السَّرَاة، والسَّرَاةُ: موضع بين مكة واليمن.
وقيل: إنه من حميَر. وقيل: من أَلْهَان. وقيل: من حَكَم بن سعد العشيرة. أصابه سباء، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه، فلم يزل معه في الحضر والسفر حتى توفي، فخرج إلى الشام، فنزل بالرَّمْلَة، ثم انتقل إلى حمص، فابتنى بها دارا، ولم يزل بها إلى أن مات.
وقال أحمد بن محمَّد بن عيسى صاحب "تاريخ حمص": ونزلها من موالي قريش: ثوبان بن جَحْدَر، ويقال: ابن بُجْدُد، يكنى أبا عبد الله، رجل من ألهان، أصابه السِّبَاء، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له:"يا ثوبان: إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، فعلت، فأنت منهم، وإن شئت أن تثبت، فأنت منا أهلَ البيت"، فثبت على ولاء رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى قُبض بحمص في إمارة عبد الله بن قُرْط.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه أبو أسماء الرَّحَبِيّ، ومعدان بن أبي طلحة اليَعْمَرى، وأبو حَيّ المؤذن، وراشد بن سعد، وجُبَير بن نُفَير،، وعبد الرحمن بن غنْم، وأبو عامر الألهاني، وأبو إدريس الخَوْلاني، وجماعة. قال صاحب "تاريخ حمص": بلغنا أن وفاته كانت سنة (54) وكذا قال ابن سعد، وغير واحد. أخرج له الجماعة، سوى البخاري، فأخرج له في "الأدب المفرد"، وله في هذا الكتاب (5) أحاديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله (ومنها). أن رجاله كلهم ثقات (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزي (ومنها): أنه مسلسل بالإخبار، والإنباء، والتحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن معدان بن طلحة اليَعْمَري -رحمه الله تعالى- أنه (قال: لقيت ثوبان) رضي الله عنه أي استقبلته، يقال: لَقِيتُهُ ألقاه، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضم مع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقْصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا، أو صادفه، فقد لقيه. ومنه لِقَاءُ البيتِ: وهو استقباله. قاله في "المصباح".
(مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت دُلَّني) فعل أمر، من دَلَّه على الشيء أو إليه، يدلُّهُ من باب قتل: إذا أرشده. أي أرشدني (على عمل) متعلق بـ"دُلَّني"(ينفعني) جملة في محل جرّ صفة لـ "عمل"(أو) للشك من بعض الرواة (يدخلني الجنة) أي أو قال: "ودلني على عمل يدخلني الجنة"(فسكت عني) أي صَمَتَ، وأمسك عن الكلام معي. وفي نسخة "فأسكت عني" بالألف، وهي لغة، قال الفيّومي رحمه الله: سكت سَكْتًا، وسُكُوتًا: صَمَتَ، ويتعدّى بالألف، والتضعيف، فيقال: أُسْكَتُّهُ، وسَكَّتُّهُ، واستعمال المهموز لازما لغةٌ. وبعضهم يجعله بمعنى أطرق، وانقطع. انتهى
(1)
.
(مليًّا) بفتح الميم، وتشديد الياء- قال في "النهاية": هي طائفة من الزمان لا حد لها. انتهى.
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: ومرّ مَلِيّ من الليل: وهو ما بين أوله إلى ثلثه.
وقيل: هو قطعة منه لم تحُدَّ، والجمع أَمْلاءٌ، وتكرر في الحديث. ومرّ عليه ملا من الدهر: أي قطعة، والمَليُّ: الْهُوِيّ من الدهر، يقال: أقام مَلِيًّا من الدهر، ومضى ملِيٌّ
(1)
"المصباح" ص 264.
من النهار: أي ساعة طويلة. انتهى.
والهوَي كغَنِيّ ويضم: الساعة.
والمعنى هنا أنه سكت عن رد الجواب علي مقدارا من الزمان.
(ثم التفت إليّ، فقال: عليك بالسجود) أي الزَم السجودَ، وأراد بذلك كثرة السجود.
فـ"عليك" اسم فعل أمر بمعنى "الزم"، كما قال في "الخلاصة":
وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا
…
وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إَلَيْكَا
وهو منقول من الجارّ والمجرور، ويتعدى بنفسه، نحو عليك زيدا، أي الزمه، فـ"زيدًا" منصوب على المفعولية، ويتعدى بالباء، كما في هذا الحديث، وكـ"عليك بذات الدين"، فيكون بمعنى استمسك مثلا، وقيل: إن الباء زائدة، لأنها تزاد كثيرا في مفعول اسم الفعل، لضعف عمله، وأما الكاف، فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب، كما هو مبسوط في محله من كتب النحو.
ثم ذكر دليله على الأمر بكثرة السجود، فقال (فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم) فالفاء تعليلية، أي لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقول: ما من عبد، يسجد لله سجدة، ألا رفعه الله عز وجل بها درجة) "ما" نافية، و"من" زائدة، كما قال في "الخلاصة":
وَزيدَ فِي نفْي وَشِبْهِهِ فَجَرُّ
…
نَكِرةً كمَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرُّ
و"عبدٍ" مبتدأ، وجملة "يسجد" الخ في محلّ جرّ صفة لـ"عبد"، و"سجدة" مفعول مطلق أريد به بيان الوحدة، أي سجدة واحدة و"إلا" أداة استثناء ملغاة، وجملة "رفعه الله" الخ خبر المبتدإ. و"درجة" منصوب على التمييز.
والمعنى أنه ليس عبد ساجد لله تعالى سجدة واحدة، إلا رفعه الله تعالى بسببها درجة، فإنه لما تواضع لله تعالى غاية التواضع، حيث وضع أشرف أعضائه على الأرض، وباعد نفسه من الكبر جازاه الله تعالى بأن رفعه درجة. والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وسبب الحث على السجود ما سبق في الحديث الماضي "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد"، وهو موافق لقول الله تعالى {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، ولأن السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى، وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان، وأعلاها، وهو وجهه من التراب الذي يُداسُ، ويُمتَهَن. والله تعالى أعلم. انتهى
(1)
.
(وحط عنه بها خطيئة) يقال: حط الرَّحْلَ وغيرَه حَطًّا من باب قتل: أنزله من علو إلى
(1)
"شرح صحيح مسلم" ج 5 ص 204.
سفل، وحططت من الدَّين: أسقطت منه. والمناسب هنا المعنى الثاني، أي أزال عنه بسببها ذنبه. و"خطيئة" مفعول "حط"، والجملة في محل رفع عطف على الخبر.
(قال معدان) بن طلحة (ثم لقيت أبا الدَّرداء) عُوَيمر بن قيس بن زيد، وقيل: غيره، الأنصاري، الصحابي المشهور، أول مشاهده أحد، وكان عابدا، مات في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما، وقيل: عاش بعد ذلك. تقدم 48/ 847.
أي استقبلت أبا الرداء رضي الله عنه بعد ما لقيت ثوبان رضي الله عنه، وجرى بيني وبينه ما تقدم (فسألته عما سألت عنه ثوبان) أي عن الشيء الذي سألت عنه ثوبان رضي الله عنه، وهو أن يدله على عمل ينفعه، أو يدخله الجنة (فقال لي) وسقطت لفظة "لي" في بعض النسخ. أي قال أبو الدرداء رضي الله عنه لمعدان (عليك بالسجود) أي الزم السجود، وأستكثر منه (فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من عبد، يسجد لله سجدة، إلا رفعه الله بها درجةً، وحط عنه بها خطيئةً") فاتفق جواب كلّ من الصحابيين رضي الله عنهما. وفيه فضل السجود، وأنه من أسباب رفع الدرجات، وحط الخطيئات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -170/ 1139 - وفي "الكبرى" -77/ 725 - عن الحسين بن حُرَيث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الوليد بن هشام المُعَيطِيّ، عن معدان بن طلحة، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم به. (ت) عن الحسين بن حريث به. (ق) عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن الوليد بن مسلم به.
وأخرجه (أحمد) 5/ 276 و 280 و 276 و 283. (ابن خزيمة) رقم 316. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ثواب من سجد لله تعالى.
ومنها: ما كان عليه السلف من الحرص على سؤال ما ينفعهم في آخرتهم، إذ هي الدار الباقية، وهي الحياة الأبدية الدائمة، قال الله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ
الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64].
ومنها: فضل ثوبان رضي الله تعالى عنه، حيث لم يستعجل في الجواب، بل تأخر حتى يستحضر الجواب المقرون بدليله، فينبغي للعالم إذا سئل عن مسألة أن لا يستعجل في الجواب، بل يتثبت حتى يستحضر الأدلة، فيجيب على ضوئها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
171 - (بَابُ مَوْضِعِ السُّجُودِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل مواضع السجود.
والمراد بـ"موضع السجود" الأعضاء التي يجب أن يسجد عليها، وهل المراد به الأعضاء السبعة كلها، أم الوجه فقط؟ فيه خلاف، والأول هو المختار، كما قال النووي رحمه الله، وعليه فـ"موضع" في كلام المصنف بمعنى المواضع، إذ هو مفرد مضاف، فيعم. وسيأتي تمام البحث فيه، إن شاء الله تعالى.
1140 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ بِالْمَصِّيصَةِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، فَحَدَّثَ أَحَدُهُمَا حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، وَالآخَرُ مُنْصِتٌ، قَالَ: فَتَأْتِي الْمَلَائِكَةُ، فَتَشْفَعُ، وَتَشْفَعُ الرُّسُلُ، وَذَكَرَ الصِّرَاطَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، فَإِذَا فَرَغَ اللَّهُ عز وجل مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَأَخْرَجَ مِنَ النَّارِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ، أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَالرُّسُلَ أَنْ تَشْفَعَ، فَيُعْرَفُونَ بِعَلَامَاتِهِمْ، إِنَّ النَّارَ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنِ ابْنِ آدَمَ، إِلاَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مَاءِ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(محمَّد بن سليمان لُوَيْن) بن حَبيب بن جبير الأسدي، أبو جعفر العلاّف الكوفي، ثم المصيصي، لقبه "لُوَين" بالتصغير، ثقة [10].
روى عن مالك، وابن أبي الزناد، وسليمان بن بلال، وحماد بن زيد، وغيرهم.
وعنه أبو داود، والنسائي، وروى النسائي عن أبي داود سليمان بن سيف الحرّاني، وعثمان بن خُرَّزاذ الأنطاكي عنه، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال البلاذُري: سمعت ابن جرير، يقول: إنما لقب بـ"لوين" لأنه كان يبيع الدّوابّ، فيقول: هذا الفرَس له لُوَين
(1)
، هذا الفرس له فديد، فلقّب بـ"لوين". وقال محمَّد بن القاسم الأزدي. قال لوين لقّبتني أمي لُوَينًا، وقد رضيتُ. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه صالح صدوق، وقيل له: ثقة؟ فقال: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو نعيم الأصفهاني: كان ممن يرابط بالثغور، وآثر المصِّميصَة، وكان لا يكره أن يُلَقَّبَ بـ"لوين"، وذكر أن له حلقة في "الفرائض" أيام ابن عيينة. وقال أحمد بن القاسم بن نصر: حدثنا محمَّد بن سليمان سنة (240) ثم قال: قال له أبي: كم لك؟ قال. مائة وثلاث عشرة. وقال أبو جعفر محمَّد بن علي الطرائفي: مات سنة (245) بالثغر، وكنت فيمن صلى عليه. وقال القاسم بن إبراهيم ابن أحمد المَلَطيّ: مات سنة (46) بأَذَنَةَ، وحمل إلى المصيصة، فدفن بها، وفيها أرّخه محمَّد بن يحيى الصَّولي. وقال مسلمة: كان ثقة. والله تعالى أعلم. أخرج له أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (3) أحاديث.
[تنبيه]: قوله: "بالمِصِّيصَة" متعلق بـ"أخبرنا". وهي بكسر الميم، وتشديد المهملة الأولى، وتخفيف الثانية: نسبة إلى المصيصة مدينة على ساحل البحر. اهـ "لب اللباب" ج 2 ص 261.
2 -
(حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل الجهضمي البصري، ثقة ثبت عابد [8] تقدم 3/ 3.
3 -
(معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت [7] تقدم 10/ 10.
4 -
(النعمان بن راشد) الجزري، أبو إسحاق الرَّقي مولى بني أمية، يقال: إنه أخو إسحاق بن راشد، وقال أبو حاتم: لم يصحّ عندىِ ذلك. صدوق سيء الحفظ [6].
روى عن الزهري، وأخيه عبد الله بن مسلم بن شهاب، وعبد الملك بن أبي محذورة، وميمون بن مهران. وعنه ابن جريج من أقرانه، ووهيب بن خالد، وحماد بن زيد، وغيرهم.
قال ابن المديني: ذكره يحيى القطان، فضعفه جدّا. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير. وقال ابن معين: ضعيف،
(1)
تصغير لَوْنٍ.
وقال مرة: ليس بشيء. وقال البخاري، وأبو حاتم: في حديثه وَهَم كثير، وهو في الأصل صدوق. وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في الضعفاء، فسمعت أبي يقول: يحول منه. وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائي: ضعيف كثير الغلط، وقال في موضع آخر: أحاديثه مقلوبة، وقال أيضا: صدوق، فيه ضعف، قال: وقال ابن معين مرةً: ضعيف مضطرب الحديث، وقال مرة: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العُقَيلي: ليس بالقوي، يعرف فيه الضعف. وقال ابن عديّ: احتمله الناس. علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (3) أحاديث.
[تنبيه]: قوله: "والنعمان بن راشده" مجرور عطفا على "معمر"، فما يوجد في النسخ المطبوعة مضبوطا بالرفع بضبط القلم فغلط، فتبصر.
فحماد بت زيد يروي عن معمر والنعمان كليهما، وهما يرويان عن الزهري، ولذا يقدر عند قراءة السند كلمة "كلاهما" قبل قوله:"عن الزهري"، كما هو مقرر في مصطلح الحديث، وقد تقدم بيان هذا غير مرة. فتنبه. والله تعالى ولى التوفيق.
5 -
(الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [4] تقدم 1/ 1.
6 -
(عطاء بن يزيد) الليثي الجُنْدَعي، المدني، نزيل الشام، ثقة [3] تقدم 20/ 21.
7 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم 1/ 1.
8 -
(أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم 169/ 262. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، سوى النعمان، فمتكلم فيه، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به وأبو داود.
ومنها: أن شيخه مصيصي، وحمادا بصري، ومعمرا بصري ثم يمني، والنعمان جزري، ثم رَقّي، وعطاء مدني، ثم شامي، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، عن صحابيين.
ومنها: أن صحابييه من المكثرين السبعة، فأبو هريرة روى (5374) حديثا، وأبو سعيد روى (1170) حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عطاء بن يزيد) الليثي رحمه الله، أنه (قال: كنت جالسا إلى أبي هريرة، وأبي
سعيد) رضي الله عنهما، أي في مكان يقرب من مكانهما، فـ"إلى" بمعنى "في"، ويحتمل أن تكون بمعنى "مع"، أي جلست معهما (فحدثا أحدهما حديث الشفاعة) وفي نسخة "بحديث الشفاعة". أي حدث أحد الصحابيين، وهو أبو هريرة رضي الله عنه -كما سيأتي التصريح به في الحديث الذي سأذكره- بالحديث المشتمل على ذكر الشفاعة، فإضافة "حديث" إلى "الشفاعة" لأدنى ملابسة، أو الإضافة بمعنى "في"، أي بالحديث الذي ورد في ذكر الشفاعة.
و"الشفاعة": مصدر "شفع": إذا طلب. قال ابن منظور رحمه الله تعالى: وشَفَعَ لي يشفَعُ شَفَاعَةً، وتشفْعَ: طلب، والشفيعُ: الشافع، والجمع شُفَعَاء، واستشفع بفلان على فلان، وتشفع له إليه، فشَفَّعَه فيه. وقال الفارسي: استشفعه: طلب منه الشفاعةَ، أي قال له: كن لي شافعاه وفي التنزيل: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} [النساء: 85].
وروي عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]: الشفاعة: الدعاء ها هنا والشفاعة: كلام الشفِيعِ للملك في حاجة يسألها لغيره. وشَفَعَ إليه: في معنى طَلبَ إليه. والشافعُ: الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال: تشفعت بفلان إلى فلان، فشَفَّعَنى فيه، واسم الطالب شَفيع، قال الأعشى:[من البسيط]
وَاسْتَشْفَعَتْ مِنْ سَرَاةِ الْحَيَّ ذَا ثِقَةٍ
…
فَقَدْ عَصَاهَا أَبُوها وَالَّذِي شَفَعَا
واستشفعته إلى فلان: أي سألته أن يشفع لي إليه، وتشفَّعت إليه في فلان، فشَفَّعَني فيه تشفيعًا، قال حاتم يخاطب النعمان:[من الطويل]
فَكَكْتَ عَدِيًّا كُلَّهَا مِنْ إِسَارِهَا
…
فَأَفْضلْ وَشَفَّعْنِي بِقَيْسِ بنِ جَحْدَرِ
وقد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجَرَائم، والمشفِّع بالكسر: الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع بالفتح: الذي تُقبَل شفاعته. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى.
وقال بعضهم: أصل الشفاعة من قولنا: شَفَعَ كذا بكذا: إذا ضمه إليه، وسمي الشافع شافعًا لأنه يضم طلبه ورجاءه إلى طلب المشفوع له.
[تنبيهان]:
الأول: قال في "الفتح": قال ابن بطال رحمه الله تعالى: أنكرت المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أدخل النار من المذنبين، وتمسكوا بقوله تعالى:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] وغير ذلك من الآيات.
وأجاب أهل السنة بأنها في الكفار، وجاءت الأحاديث في إثبات الشاعة المحمدية متواترة، ودلّ عليها قوله تعالى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، والجمهور على أن المراد به الشفاعة. وبالغ الواحدي، فنقل الإجماع، ولكنه أشار إلى ما جاء عن مجاهد، وزَيَّفَه، وقال الطبري رحمه الله: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذي يقومه النبي صلى الله عليه وسلم، ليريحهم من كرب الموقف. انتهم. ما في "الفتح" باختصار.
وقال بعضهم: والشفاعة من الأمور التي ثبتت بالكتاب والسنة، وأحاديثها متواترة. قال الله تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] فنفيُ الشفاعةِ بلا إذن إثباتٌ لها من بعد الإذن، قال تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26]، فبين الله تعالى أن الشفاعة الصحيحة هي التي تكون بإذنه، ولمن يرضى قوله وعمله.
وأما ما يتمسك به الخوارج، والمعتزلة في نفي الشفاعة من مثل قوله تعالى:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} ، وقوله:{وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 123]، وقوله:{فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} الآية [الشعراء: 100] فإن الشفاعة المنفية هنا هى الشفاعة في أهل الشرك، وكذلك الشفاعة الشركية التي يثبتها المشركون لأصنامهم، ويثبتها النصارى للمسيح والرهبان، وهي التي تكون بغير إذن الله ورضاه. انتهى
(1)
.
[الثاني]: أنه اختلف العلماء في عدد الشفاعة لاختلاف الآثار:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يُقضَى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء، آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، عن الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحقّ النار، وهذه الشفاعة له، ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها. انتهى
(2)
.
وقال في "الفتح": وقال النووي تبعا لعياض رحمهما الله تعالى: الشفاعة خمس: في الإراحة من هول الموقف، وفي إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي إدخال قوم
(1)
"فتح" ج 13 ص 248.
(2)
راجع "العقيدة الواسطية" ص 140 - 141.
حوسبوا، فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا، وفي إخراج من أُدخل النار من العصاة، وفي رفع الدرجات.
قال الحافظ رحمه الله: وأشار عياض إلى استدراك شفاعة سادسة، وهي التخفيف عن أبي طالب في العذاب. وزاد بعضهم شفاعة سابعة، وهي الشفاعة لأهل المدينة، لحديث سعد رضي الله عنه، رفعه:"لا يَثْبُتُ على لأوائها أحد إلا كنت له شهيدا، أو شفيعا". أخرجه مسلم، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه:"من استطاع أن يموت بالمدينة، فليفعل، فإني شفيع لمن مات بها". أخرجه الترمذي.
قال الحافظ: وهذه غير واردة لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأُوَل، ولو عُدَّ مثل ذلك لعدّ حديث عبد الملك بن عباد:"سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف". أخرجه البزار والطبراني، وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر رفعه:"أول من أشفع له أهل بيتي، ثم الأقرب، فالأقرب، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم".
وذكر القزويني في "العروة الوثقى" شفاعته لجماعة من الصلحاء في التجاوز عن تقصيرهم، ولم يذكر مستندها، ويظهر لي أنها تندرج في الخامسة.
وزاد القرطبي أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، وهذه أفردها النقّاش بالذكر، وهي واردة. وزاد النقاش أيضا شفاعته في أهل الكبائر من أمته، وليست واردة؛ لأنها تدخل في الثالثة، أو الرابعة.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيآته أن يدخل الجنة، ومستندها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت أن أرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيآتهم.
وشفاعة أخرى، وهي شفاعته فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرا قطّ، ومستندها رواية الحسن، عن أنس رضي الله عنه، وفيه:"فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله"، ولا يمنع مِنْ عَدِّها قول الله تعالى له:"ليس ذلك إليك". لأن النفي يتعلق بمباشرة الإخراج، وإلا فنفس الشفاعة منه قد صدرت، وقبولها قد وقع، وترتب عليها أثرها، فالوارد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يرد، كما ترد
(1)
الشفاعة في التخفيف
(1)
هكذا نسخة "الفتح""كما ترد الشفاعة" الخ، ولعل الصواب "كما لا ترد" الخ بزيادة "لا".
عن صاحبي القبرين، وغير ذلك، لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى ما في "الفتح" بنوع تصرف
(1)
.
(والآخر منصت) جملة في محل نصب على الحال من "أحدهما"، أي والحال أن الآخر، وهو أبو سعيد ساكت مستمع لتحديثه، ولا يعترض عليه.
و"المنصتُ" اسم فاعل من أنصت له رباعيًّا: إذا سكت مستمعًا، ويقال أيضًا: نصت له ثلاثيا من باب ضرب. كما في "المصباح".
(قال) أي أحدهما (فتأتي الملائكة، فتشع، وتشفع الرسل، وذكر الصراط) أي ذكر أحدهما ضرب الصراط على ظهراني جهنم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا اختصر المصنف رحمه الله تعالى حديث الشفاعة، وهو مذكور في "الصحيحين" وغيرهما بطوله، وأحببت أن أسوقه من "صحيح البخاري" تتميما للفائدة، قال رحمه الله تعالى في "باب فضل السجود" من "كتاب الصلاة":
حدثنا أبو اليمان، قال أخبرني شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال:"هل تُمَارُون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فهل تُمارُون في الشمس في ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم ترونه كذلك، يُحشَرُ الناس يوم القيامة، فيقول
(2)
: من كان يعبد شيئا فليتّبع، فمنهم من يتّبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها، فيأتيهم الله عز وجل، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم، فيُضرَب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكونُ أولَ من يَجُوزُ من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللَّهم سلم سلم، وفي جهنم كَلاليبُ مثل شَوك السَّعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: نعم، قال: "فإنها مثل شوك السعدان، غيرَ أنه لا يعلم قدر عِظَمِهَا إلا الله، تخَطَفُ الناسَ بأعمالهم، فمنهم من يوبَقُ بعمله، ومن يُخَردَلُ، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يُخرِجُوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرّم الله على النار أن تأكل أثَرَ السجود،
(1)
"فتح" ج 13 ص 250 - 251.
(2)
الفاعل ضمير يعود إلى الله، وفي رواية البخاري في "الرقاق""يجمع الله الناس، فيقول". . .
فيخرجون، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار، قد امتَحَشُوا، فيُصبُّ عليهم ماءُ الحياة، فينبتون كما تنبت الْحِبَّة في حَمِيل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار -وهو آخر أهل النار دخولًا الجنةَ- مقبلًا بوجهه قِبَلَ النار، فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، قد قَشَبَني
(1)
ريحها، وأحرقني ذَكَاؤها
(2)
، فيقول: هل عسيت إن فعلتُ ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا، وعزتك، فيعطى اللهَ ما يشاءُ من عَهْد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بَهْجَتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: ياربّ قَدِّمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكونُ أشقى خلقك، فيقول: فما عسيتَ إن أعطيت ذلك أن لا تسأل غيره، فيقول: لا، وعزتك، لا أسألُ غيرَ ذلك، فيعطي رَبَّهُ ما شاء من عهد وميثاق، فيقدّمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها، فرأى زَهْرَتها، وما فيها من النَّضْرَة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله تعالى: ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك؟ أليس قد أعطيت العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي أُعْطِيتَ؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله عز وجل منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول له: تَمَنَّ، فيتمنى، حتى إذا انقطع أُمنيّتُه قال الله عز وجل: زدْ من كذا وكذا، أقبل يذكّرُه ربُّه عز وجل، حتى إذا انتهت به الأمانيّ، قال الله تعالى: لك ذلك، ومثله معه".
قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: لك ذلك وعشرة أمثاله" قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: "لك ذلك، ومثله معه"، قال أبو سعيد الخدري: إني سمعته يقول: "لك ذلك، وعشرة أمثاله". انتهى
(3)
.
(قال) أي أحدهما، وفي نسخة بإسقاط لفظة "قال" (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأكون أول من يُجيز) من الإجازة، وفي رواية البخاري "فأكون أنا وأمتي أول من يجيز". قال في "الفتح": في رواية شعيب "يجوز بأمته"، وفي رواية إبراهيم بن سعد "يُجِيزها"، والضمير لجهنم.
قال الأصمعي رحمه الله: جاز الوادي مشى فيه، وأجازه قطعه. وقال غيره: جاز،
(1)
"قشبني" آذاني، وأهلكني.
(2)
"ذكاؤها" بالمد، واقصر، وهو الأشهر: أي لهبها، وشدة اشتعالها.
(3)
"صحيح البخاري"ج 2 ص 551 - 552. بنسخة الفتح.
وأجاز بمعنى واحد.
وقال النووي رحمه الله: المعنى أكون أنا وأمتي أولَ من يمضي على الصراط، ويقطعه، يقال: جاوز الوادي، وأجازه: إذا قطعه، وخَلَّفَه. وقال القرطبي: يحتمل أن تكون الهمزة هنا للتعدية، لأنه لما كان هو وأمته أوّل من يجوز على الصراط لزم تأخير غيرهم عنهم حتى يجوز، فإذا جاز هو وأمته، فكأنه أجاز بقيةَ الناس. انتهى.
ووقع في حديث عبد الله بن سلام عند الحاكم: "ثم ينادي مناد أين محمَّد وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته بَرُّها وفاجرها، فيأخذون الجِسْرَ، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون من يمين وشمال، وينجو النبي والصالحون".
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه "نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب"، وفيه "فتُفرِج لنا الأممُ عن طريقنا، فنمرّ غُرّا مُحَجلين من آثار الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن يكونوا أنبياء". انتهى
(1)
. .
(فإذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين خلقه) أي أتم القضاء بدخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. وفي نسخة "من القسط" بدل "القضاء". و"القسط": العدل (وأخرج من النار من أراد أن يُخرج) الظاهر أن معنى قوله: "أخرج" أراد أن يخرج من النار؛ لأن أمره بالشفاعة إنما يكون لأجل إخراج من أراد إخراجه من النار. والله تعالى أعلم.
فـ"مَنْ" من قوله: "من أراد" موصولة مفعول "أخرج".
(أمر الملائكة والرسل أن تشفع، فيعرفون) عطف على مقدر، أي فيشفعون، ويعرفون. وهو بالبناء للمفعول، والواو ضمير "مَنْ" في قوله:"من أراد أن يُخرج". ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والواو ضمير الملائكة والرسل، والمفعول محذوف، أي يعرفونهم.
(بعلاماتهم) متعلق بـ"يعرفون". وفي رواية البخاري "فيعرفونهم بعلامة آثار السجود"، وفي رواية له "فيعرفونهم في النار بأثر السجود".
قال الزين ابن المُنَيِّر: تُعْرَفُ صفةُ هذا الأثر مما ورد في قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]؛ لأن وجوههم لا تؤثر فيها النار، فتبقى صفتها باقية. وقال غيره: بل يعرفونهم بالغُرَّة. وفيه نظر، لأنها مختصة بهذه الأمة، والذين يخرجون أعم من ذلك
(2)
. .
(أن النار تأكل) بفتح "أن" بتقدير لام الجر، أي لأن النار تأكل الخ، أو بدل من
(1)
"فتح" ج 13 ص 280.
(2)
المصدر المذكور ج 13 ص 275.
"علاماتهم". ويحتمل أن يكون بكسر "إنَّ" على الاستئناف.
(كل شيء) بالنصب على أنه مفعول "تأكل"، أي تأكل جميع الأعضاء (من ابن آدم) متعلق بمحذوف صفة لـ"شيء"(إلا موضع السجود) الاستثناء متصل، والمراد من موضع السجود العضو الذي يقع عليه السجود، وهو الوجه، أو جميع الأعضاء السبعة، كما اختاره النووي رحمه الله تعالى، على ما سيأتي، وهو الراجح عندي، ولا يشكل على هذا إفراد "موضع"، لأنه مفرد مضاف، فيعمّ. وتسميته موضعَ السجود على سبيل المجاز، وذلك لأن السجود لا يتحقق إلا بوضع هذه الأعضاء، فكأنها مكان له. والله تعالى أعلم.
وفي رواية الشيخين: "فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود".
قال في "الفتح": قوله: "وحرم الله على النار" جواب عن سؤال مقدر تقديره كيف يُعرَف أثر السجود مع قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم "فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فَحْمًا أَذِنَ اللهُ بالشفاعة"، فإذا صاروا فَحْمًا كيف يتميز محل السجود من غيره حتى يعرف أثره.
وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السجود من عموم الأعضاء التي دلّ عليها هذا الخبر، وأن الله منع النار أن تحرق أثر السجود من المؤمن.
وهل المراد بأثر السجود نفس العضو الذي يسجد، أو المراد مَنْ سَجَدَ؟ فيه نظر، والثاني أظهر.
قال القاضي عياض رحمه الله: فيه دليل على أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب الكفار، وأنها لا تأتي على جميع أعضائهم، إما إكراما لموضع السجود، وعظم مكانهم من الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التي خُلِقَ آدم والبشر عليها، وفضلوا بها على سائر الخلق.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: الأول منصوص، والثاني محتمل، لكن يشكل عليه أن الصورة لا تختص بالمؤمنين، فلو كان الإكرام لأجلها لشاركهم الكفار، وليس كذلك.
قال النووي رحمه الله تعالى: وظاهر الحديث أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان. وبهذا جزم بعض العلماء.
وقال عياض رحمه الله: ذكر الصورة، ودارات الوجوه يدلّ على أن المراد بأثر السجود الوجه خاصة، خلافا لمن قال: يشمل الأعضاء السبعة، ويؤيد اختصاص الوجه أن في
بقية الحديث: "ان منهم من غاب في النار إلى نصف ساقيه"، وفي حديث سمرة رضي الله عنه عند مسلم "وإلى ركبتيه"، وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه "وإلى حقويه".
قال النووي رحمه الله: وما أنكره هو المختار، ولا يمنع من ذلك قوله في الحديث الآخر في مسلم:"إن قوما يخرجون من النار، يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم"، فإنه يحمل على أن هؤلاء قوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار، فيكون الحديث خاصًّا بهم، وغيره عامًّا، فيحمل على عمومه، إلا ما خُصَّ منه.
قال الحافظ رحمه الله: إن أراد أن هؤلاء يخصون بأن النار لا تأكل وجوههم كلها، وأن غيرهم لا تأكل منهم محل السجود خاصة، وهو في الجبهة، سَلِمَ من الاعتراض، وإلا يلزمه تسليم ما قال القاضي في حق الجميع إلا هؤلاء، وإن كانت علامتهم الغرّة كما تقدم النقل عمن قاله، وما تعقبه بأنها خاصة بهذه الأمة، فيضاف إليها التحجيل، وهو في اليدين والقدمين مما يصل إليه الوضوء، فيكون أشمل مما قاله النووي من جهة دخول جميع اليدين والرجلين، لا تخصيص الكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الركبتان.
وما استدل به القاضي من بقية الحديث لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع الانغمار، لأن تلك الأحوال الأخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا. ودلّ التنصيص على دارات الوجوه أن الوجه كله لا تؤثر فيه النار، إكراما لمحلّ السجود، ويحمل الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها.
وقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا أن من كان مسلما، ولكنه لا يصلي لا يخرج، إذ لا علامة له. لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة، لعموم قوله:"لم يعملوا خيرا قطّ" وهو مذكور في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أخرجه البخاري رحمه الله في "كتاب التوحيد".
وهل المراد بمن يسلم من الاحتراق من كان يسجد، أو أعمّ من أن يكون بالفعل، أو القوة؟ الثاني أظهر، ليدخل فيه من أسلم مثلا، وأخلص، فبغته الموت قبل أن يسجد.
قال الحافظ رحمه الله: ووجدت بخط أبي رحمه الله تعالى، ولم أسمعه من نظمه ما يوافق مختار النووي، وهو قوله [من الكامل]:
يَا رَبِّ أَعْضَاءُ السُّجُودِ عَتَقْتَها
(1)
…
مِنْ عَبْدِكَ الْجَانِي وَأَنْتَ الْوَاقِي
وَالْعِتْقُ يَسْرِي بِالْغِنَى يا ذا الْغِنَى
…
فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِتْقِ الْبَاقِي
انتهى ما في "الفتح"
(2)
.
(1)
قوله: "عتقها" هكذا في البيت عتق ثلاثِيًّا، وهو محل نظر؛ إذ لم يُثْبِتْ أهلُ اللغة عتق ثلاثيًا متعديًا، وإنما هو لازم، يتعدى بالهمزة، فليُتنَبُّه.
(2)
ج 13 ص 286.
(فيصب عليهم من ماء الجنة) ببناء الفعل للمجهول، وهو عطف على محذوف، أي فيُخرَجُون من النار، فيصب عليهم بعد الإخراج من ماء الجنة. وفي بعض النسخ "من ماء الحياة".
وفي رواية للبخاري: "فيُخرِجونهم، قد امتَحَشُوا، فيصب عليهم ماء، يقال له: ماء الحياة". وقوله: "امتحشوا" بفتح الحاء، وضم المعجمة، كاحتَرَقُوا وزنا ومعنى.
وظاهر قوله: "من ماء الجنة" أن الماء يصب من داخل الجنة.
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عند البخاري:"فيُلقَون في نهر بأفواه الجنة، يقال له ماء الحياة". وفي رواية لمسلم "على نهر، يقال له: الحيوان، أو الحياة"، وفي أخرى له:"فليقيهم في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة".
ولا تنافي بين هذه الروايات، لإمكان الجمع بكون أصل ذلك النهر من الجنة. والله تعالى أعلم.
قال في "الفتح": وفي تسمية ذلك النهر به إشارة إلى أنهم لا يحصل لهم الفناء بعد ذلك. انتهى
(1)
. .
(فينبتون) بفتح الياء، مضارع نَبَتَ، من باب قَتَلَ (كما تنبت الحِبَّة) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحدة: هي بُزُور الصحراء، والجمع حِبَبٌ بكسر المهملة، وفتح الموحدة، بعدها مثلها. وأما الحَبَّة بفتح أوله: هو ما يزرعه الناس، فجمعها حُبُوب بضمتين. ووقع في حديث أبي سعيد رضي الله عنه "فينبتون في حافتيه"، وفي رواية لمسلم "كما تنبت الغُثَاءة" بضم الغين المعجمة، بعدها مثلثة مفتوحة، وبعد الألف همزة، ثم هاء تأنيث، هو في الأصل كلُّ ما حمله السيل، من عيدان، وورق، وبزور، وغيرها، والمراد هنا ما حمله السيل من البزور خاصة. قاله في "الفتح".
(في حميل السيل) بالحاء المهملة المفتوحة، والميم المكسورة: أي ما يحمله السيل. وفي نسخة بإسقاط لفظة "حميل".
وفي رواية أبي سعيد عند البخاري: "إلى جانب السيل".
والمراد أن الغُثَاء الذي يجيء به السيل يكون فيه الحِبّة، فيقع في جانب الوادي، فتصبح من يومها نابتة.
ووقع في رواية لمسلم "حمئة السيل" بعد الميم همزة، ثم هاء، وقد تُشْبَع الميم، فيصير بوزن عظيمة، وهو: ما تغير لونه من الطين، وخُصَّ بالذكر، لأنه يقع فيه النبت غالبا.
(1)
"فتح" ج 13 ص 287.
قال ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى سرعة نباتهم؛ لأن الحبَّة أسرع في النبات من غيرها، وفي السيل أسرع، لما يجتمع فيه من الطين الرخْوِ الحادث مع الماء مع ما خالطه من حرارة الزبل المجذوب معه، قال: ويستفاد منه أنه صلى الله عليه وسلم كان عارفا بجميع أمور الدنيا بتعليم من الله تعالى، وإن لم يباشر ذلك.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: اقتصر المازَري رحمه الله على أن موقع التشبيه السرعة، وبقي عليه نوع آخر، دلّ عليه قوله في الطريق الأخرى "ألا ترونها تكون إلى الحجر ما يكون منها إلى الشمس أصفر وأخضر، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض". وفيه تنبيه على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة يسبق إليه البياض المستحسن، وما يكون منهم إلى جهة النار يتأخر النُّصُوع عنه، فيبقى أُصَيفِر وأُخَيضِر إلى أن يتلاحق البياض، ويستوي الحسن والنور، ونضارة النعمة عليهم.
قال: ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن الذي يباشر الماء، يعني الذي يُرَشّ عليهم يسرع نُصُوعه، وأن غيره يتأخر عنه النصوع، لكنه يسرع إليه. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح"
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة، وأبي سعيد رضي الله عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -171/ 1140 - وفي "الكبرى" -78/ 726 - عن محمد بن سليمان لُوَين، عن حماد بن زيد، عن معمر، والنعمان بن راشد، كلاهما عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عنهما.
وفي "التفسير" من "الكبرى" -1488 - عن عيسى بن حماد، عن ليث، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب به بأكثر الحديث عن أبي هريرة وحده. و-11637 - عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر ببعضه.
وفي "النعوت" منه -7763 - عن عمرو بن يزيد، عن سيف بن عبيد الله، قال: وكان ثقة، عن سلمة بن عَيَّار، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه، وليس فيه ذكر عطاء بن يزيد، وهو مختصر. والله تعالى أعلم.
(1)
ج 13 ص 287 - 288.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به. وعن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد به. وعن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر به. (م) عن أبي اليمان به. وعن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه به. (ق) عن محمد بن عبادة الواسطي، عن يعقوب بن محمد الزهري، عن إبراهيم بن سعد به.
وأخرجه (أحمد) 2/ 275 و 293 (الدارمي) برقم 2804. والله تعالي أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو فضل موضع السجود، حيث إن الله تعالى حرمه على النار، وكان علامةً يعرف بها المسلم عند الإذن بالشفاعة.
ومنها: ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من كمال الأدب، حيث ينصت بعضهم إلى تحديث الآخرين، وإن كانوا يعلمون ذلك الحديث.
ومنها: ثبوت الشفاعة للملائكة والرسل، وإن أنكر ذلك المعتزلة والخوارج.
ومنها: إثبات الصراط، وأن المؤمنين يَجُوزونه.
ومنها: بيان فضل النبي صلى الله عليه وسلم، وأمته حيث إنهم أول من يجيز على الصراط قبل سائر الأمم.
ومنها: أن بعض المؤمنين يعذبون بدخول النار، ثم يرحمهم الله تعالى بالخروج منها.
ومنها: أن عذاب المؤمن يخالف عذاب الكفار، حيث إنه لا يعم جميع أجسادهم، بل يسلم لهم أثر السجود، حتى يكون علامة لهم، فيعرفهم الشفعاء به، فيخرجونهم من النار.
ومنها: أن الذين يخرجون بالشفاعة يموتون في النار، ثم إذا خرجوا منها ألقوا في نهر الحياة، فينبتون كنبات البزور طَورًا بعد طور، حتى يتكامل خَلْقُهُم ثم يدخلون الجنة.
اللَّهم إنا نسألك الجنة، وما قرّب إليها من قول، أو عمل، ونعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول، أو عمل، برحمتك، يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
172 - (بَابٌ، هَلْ يَجْوزُ أَنْ تَكُونَ سَجْدَةٌ أَطْوَلَ مِنْ سَجْدَةٍ؟)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواب الاستفهام بـ"هل يجوز أن تطوّل سجدة على أخرى؟ ".
والحديث المذكور في الباب يدلّ على الجواز. والله تعالى أعلم.
1141 -
(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا، أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ؟، قَالَ: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عبد الرحمن بن محمد بن سلَّام) -بالتشديد- ابن ناصح البغدادي، ثم الطَّرَسُوسي، أبو القاسم مولى بني هاشم، وقد ينسب إلى جدّه، لا بأس به [11].
روى عن يزيد بن هارون، وحجاج الأعور، وزيد بن الحُبَاب، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، ومطَيَّن، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما خالف. وقال الدارقطني: طَرَسُوسي ثقة. وأرخ صاحب "الزهرة" وفاته سنة (231).
انفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (24) حديثًا.
2 -
(يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد [9] تقدم 153/ 244.
3 -
(جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله، الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه [6] ت
سنة (170) بعد ما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه، وتقدم في 1014/ 82.
4 -
(محمَّد بن أبي يعقوب) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي يعقوب، التيمي البصري، نسب لجده، ثقة [6].
روى عن عبد الله بن شداد، والحسن بن سعد، ورجاء بن حيوة، وغيرهم. وعنه جرير بن حازم، ومهدي بن ميمون، وهشام بن حسان، وشعبة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال شعبة في رواية: حدثنا محمَّد بن أبي يعقوب سيد بني تميم. وذكره ابن، حبّان في "الثقات". وقال العجلي: بصري ثقة. وقال ابن نمير: ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (6) أحاديث.
5 -
(عبد الله بن شدّاد) بن الهاد الليثي المدني، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثقة فقيه [2] تقدم 43/ 738.
6 -
(شداد بن الهاد) الليثي المدني، والد عبد الله بن شدّاد بن الهاد، من بني بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خُزَيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قيل: اسمه أسامة بن عمرو، وشداد لقبه، واسم الهاد عمرو. وقال خليفة بن خيّاط: اسم الهاد أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر بن بشر بن عتوارة بن عامر بن مالك بن ليث بن بكر.
وقال غيره: إنما قيل له: الهاد لأنه كان يوقد النار بالليل لمن سلك الطريق للأضياف.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن ابن مسعود. وعنه ابنه عبد الله، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمّار، وإبراهيم بن محمد بن طلحة. قال الآجري: قلت لأبي داود: عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبيه سمع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: قد رُويَ، وما أدري.
وقال غيره: كان سلفا
(1)
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبي بكر، كانت تحته سلمى بنت عميس، أخت أسماء بنت عميس، وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها. سكن المدينة، ثم تحول إلى الكوفة. وقال البخاري: له صحبة. وذكره ابن سعد فيمن شهد الخندق. انفرد به المصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا (1141) وحديث رقم (1953). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن شيخه بغدادي، ثم طرسوسي، ويزيد واسطي، وجرير، ومحمد بن أبي يعقوب بصريان، وعبد الله مدني،
(1)
سلف الرجل بفتح، فكسر، أو بكسر، فسكون: زوج امرأته. أفاده في "ق".
وأبوه مدني، سكن الكوفة، وأن صحابيه من المقلين، ليس له إلا ثلاثة أحاديث، وانفرد بإخراجها المصنف من بين أصحاب الأصول. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن شدّاد، عن أبيه) شدّاد بن الهاد رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء) أراد المغرب والعشاء، وفي نسخة "في إحدى صلاتي العشي".
و"العشي": قيل: ما بين الزوال إلى غروب الشمس، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العَشيّ. وقيل: هو آخر النهار. وقيل: العشي من الزوال إلى الصباح. وقيل: العشي والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة. قاله في "المصباح".
(وهو حامل حسنا، أو حسينا) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي خرج، والحال أنه حامل حسن بن علي بن أبي طالب، أو أخاه حسينا، رضي الله عنهما.
أما الحسن، فهو الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الهاشمي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته، أمير المؤمنين أبو محمَّد. وُلد في شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. وقيل: في شعبان منها. وقيل: سنة أربع. وقيل: سنة خمس، والأول أثبت، وقد صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظ عنه، مات بالسم سنه ع (49) وهو ابن (47) وقيل: بل مات سنة (50) وقيل: بعدها. وستأتى ترجمته مبسوطة في 1745 - إن شاء الله تعالى.
وأما الحسين، فهو ابن علي بن أبي طالب أخو الحسن أصغر منه، استشهد بكربلاء يوم عاشوراء سنة (61) وله (56) سنة، تقدمت ترجمته في -78/ 95.
(فتقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم) ليصلي بالناس (فوضعه) أي الحسن، أو الحسين، رضي الله عنهما (ثم كبر للصلاة، فصلى) أي شرع في الصلاة (فسجد بين ظهراني صلاته) أي أثناء صلاته. وفي نسخة "بين ظهري صلاته".
قال ابن منظور -رحمه الله تعالى-: وهو نازل بين ظَهْرَيهم، وظَهْرَانَيهم، بفتح النون، ولا يكسر: بين أَظْهُرهم. وفي الحديث: "فأقاموا بين ظهرانيهم"، و"بين أظهرهم". قال ابن الأثير رحمه الله: تكررت هذه اللفظة في الحديث، والمراد بها أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد لهم، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدا، ومعناه أن ظهرا منهم قُدّامه، وظهرا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه، إذا قيل: بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا. وكلّ ما كان في وسط شيء ومُعْظمه فهو بين ظهريه وظهرانيه.
وقال الأزهري عن الفرّاء: فلان بين ظَهْرَيْنَا، وظَهْرَانَيْنَا، وأظهُرِنا بمعنى واحد، قال: ولا يجوز بين ظهرانِينا بكسر النون، ويقال: رأيته بين ظهراني الليل، أي بين العشاء إلى الفجر. ويقال للشيء إذا كان في وسط شيء: هو بين ظَهْرَيه، وظَهْرَانَيه. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى باختصار.
(سجدة أطالها)"سجدة" منصوب على أنه مفعول مطلق مبين للنوع، وجملة "أطالها" في محل نصب صفة له.
يعني أنه طَوَّلَ من بين سجدات تلك الصلاة سجدة واحدة، وهذا هو محل الاستدلال من الحديث، حيث طول النبي صلى الله عليه وسلم السجدة من بين أخواتها، فدلّ على جواز ذلك.
(قال أبي) هو شدّاد بن الهاد رضي الله عنه (فرفعت وأسي) أي ظنا منه أنه صلى الله عليه وسلم رفع رأسه دون أن يسمع منه التكبير، أو فعل ذلك خوفا أن يحدث أمر، كما سيأتي قولهم:"حتى ظننا أنه قد حدث أمر".
(وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم)"إذا" هي الفجائية، و"الصبي" مبتدأ خبره الجار والمجرور بعده، أي ففجاءني كون الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(وهو ساجد) جملة في محل نصب على الحال (فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة) أي انتهى منها، وسلم (قال الناس) أي الذين صلوا معه (يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك) وفي نسخة "بين ظهري صلاتك" سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر) كناية عن الموت، أو المرض (أو أنه يوحى إليك) بباء الفعل للمفعول، وجملة "أن" عطف على "أمر"، أي أو حدث وَحْيٌ إليك.
(قال) صلى الله عليه وسلم (كلُّ ذلك) إشارة إلى المذكور من حدوث أمر، أو حدوث وحي، و"كل" مرفوع على الابتداء، وخبره جملة قوله (لم يكن) أي لم يحصل، فـ"يكن" تامة تكتفي بمرفوعها، ولا تحتاج إلى منصوب، كما قال ابن مالك رحمه الله في "خلاصته":
. . . . . . . . . .
…
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وقال الحريري رحمه في "ملحته":
وَإنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ
…
فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَها إِلَى خَبَرْ
والمعنى أنه لم يحصل، ولم يوجد شيء مما ظننتم من حدوث أمر، أو حدوث وحي، ثم بين لهم سبب الإطالة بقوله (ولكن ابني ارتحلني)"لكن" يحتمل أن تكون مشددة النون، فتكون من أخوات "إنّ" و"ابني" اسمها، و"ارتحلني" خبرها، أو بتخفيف النون حرف استدراك، وما بعدها جملة من مبتدإ وخبر.
والمراد بابنه هو الحسن، أو الحسين رضي الله تعالى عنهما، وفيه إطلاق الابن علي ابن البنت.
ومعنى "ارتحلني": أي جعلني كالراحلة، فركب على ظهري، يقال: ارتحل فلان فلانًا: إذا علا ظهره، وركبه. أفاده في "اللسان".
(فكرهت أن أعجله) من التعجيل، أو الإعجال. أي أحمله على العَجَلَة.
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: والاستعجال، والإعجال، والتعجُّلُ واحد: بمعنى الاستحثاث، وطلب العَجَلَة. وأعْجَلَه، وعَجَّلَه تعجيلا: إذا استَحَثَّه. انتهى.
(حتى يقضي حاجته) متعلق بـ"أعجله"، أي إلى أن ينتهي، من حاجته، وهي الركوب على ظهره صلى الله عليه وسلم.
وإنما قضى النبي صلى الله عليه وسلم حاجة الصبي، وإن كان فيه تطويل على المأمومين؛ لأن ذلك لا يضر بهم، إذ اشتهاء الصبيان للشيء سريع الزوال، فلا يكون التطويل بذلك القدر مضرًّا بالمأمومين، والله تعالى أعلم.
والحديث يدلّ على أن تطويل سجدة على سجدة لا يضرّ بالصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث شداد بن الهاد رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -172/ 1141 - وفي "الكبرى" -79/ 727 - بالسند المذكور. وأخرجه (أحمد) 3/ 493. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز كون سجدة أطول من سجدة.
ومنها: عدم بطلان صلاة المأموم برفع رأسه قبل الإمام ظنا منه أنه رفع، أو لغير ذلك، إذا عاد إلى المتابعة.
ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرحمة، وحسن الملاطفة للأطفال، حيث لم يقطع على الصبي قضاء وطره من الركوب عليه حتى يكون هو الذي ينزل باختياره.
ومنها: جواز تسمية ابن البنت ابنا من حيث القرابة، وإن لم يكن كالابن من حيث الإرث، وأما قول القائل:[من الطويل]:
يَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا
…
بَنُوهُن أَبْنَاءُ الرَّجالِ الأَبَاعِدِ
فأراد به أن أبناء البنات في الإرث ليسوا كالأبناء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
173 - (بَابُ التَكْبِيرِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية التكبير عند رفع الرأس من السجود.
1142 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما يَفْعَلَانِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الثقة الحجة [10] تقدم 2/ 2.
2 -
(الفضل بن دُكَين) أبو نعيم الكوفي، ثقة ثبت، من كبار شيوخ البخاري [9] تقدم 11/ 516.
3 -
(يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، أبو زكريا، ثقة حافظ فاضل، من كبار [9] تقدم 1/ 451.
4 -
(زهير) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [7] تقدم 38/ 42.
5 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخره [3] تقدم 38/ 42.
6 -
(عبد الرحمن بن الأسود) النخعي الكوفي، ثقة [3] تقدم 38/ 42.
7 -
(الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه [2] تقدم 29/ 33.
8 -
(علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [2] تقدم 61/ 77.
9 -
(عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم 35/ 39. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم للمصنف 124/ 1083 - أخرجه هناك عن عمرو بن علي، عن معاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطان كلاهما عن زهير به، استدلّ به هناك على "التكبير للسجود"، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادتها هنا، فمن شاء فليراجع هناك، والله تعالى ولي التوفيق.
وقوله: "يُرَى بياض خده": ببناء الفعل للمفعول، و"بياض" نائب فاعله. وسيأتي البحث عن جزء السلام في بابه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
174 - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ السَّجْدَةِ الأولى)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الباب، والذي بعده قد تقدم برقم -126 و 127 - بلفظ [باب رفع اليدين للسجود]، [ترك رفع اليدين للسجود] والأحاديث هي نفسها، سوى الاختلاف في بعض الأسانيد، فالترجمة هناك لرفع اليدين عند النزول للسجود، وهنا لرفعهما عند رفع الرأس من السجود، فلا تكرار. والله تعالى أعلم بالصواب.
1143 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ
(1)
رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلَّهُ
(2)
، يَعْنِي رَفْعَ يَدَيْهِ).
(1)
وفي نسخة "في الصلاة- يعني رفع".
(2)
وفي نسخة "كأنه" بدل "كله".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمَّد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة ثبت [10] تقدم 64/ 80.
2 -
(معاذ بن هشام) الدستوائي، البصري، سكن اليمن، صدوق ربما وهم [9] تقدم 30/ 34.
3 -
(هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي، أبو بكر البصري، ثقة ثبت [7] تقدم 30/ 34.
4 -
(قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت مدلس [4] تقدم 30/ 34.
5 -
(نصر بن عاصم) الليثي البصري، ثقة [3] تقدم 4/ 880.
6 -
(مالك بن الحُوَيرث) أبو سليمان الصحابي الشهير، نزيل البصرة رضي الله عنه تقدم 7/ 634. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، تقدم شرحه وبيان المسائل المتعلقة به في 4/ 880 - حيث أورده المصنف رحمه الله هناك محتجّا به على رفع اليدين حِيَال الأذنين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
175 - (تَرك ذلك بَينَ السَّجْدَتَينِ)
الإشارة إلى رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى.
1144 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَبَعْدَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه، تقدم قبل باب.
2 -
(سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [8] تقدم 1/ 1.
3 -
(الزهري) محمَّد بن مسلم، تقدم قبل بابين.
4 -
(سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدني، ثقة ثبت فقيه [3] تقدم 23/ 490.
5 -
(عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما، تقدم 12/ 12. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متفق عليه، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى -127/ 1088 - وتقدم الكلام عليه هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
176 - (بَابُ الدعَاءِ بَينَ السَّجْدَتَينِ)
1145 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْسٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ:"اللَّهُ أَكْبَرُ، ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ"، ثُمَّ قَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ:"سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"، وَقَالَ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ:"لِرَبِّيَ الْحَمْدُ، لِرَبِّيَ الْحَمْدُ"
(1)
، وَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ:"سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى"، وَكَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ:"رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمَّد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [10] تقدم 5/ 5.
2 -
(خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري ثقة ثبت [8] تقدم 42/ 47.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [7] تقدم 24/ 26.
4 -
(عمرو بن مرّة) الجَمَلِي المُرَادي الكوفي، ثقة عابد رمي بالإرجاء [5] تقدم 171/ 265.
5 -
(أبو حمزة) طلحة بن يزيد مولى الأنصار الكوفي، ثقة [3] تقدم 78/ 1009.
6 -
(رجل من عبس) قال النسائي رحمه الله تعالى: يشبه أن يكون صلَةَ بن زُفَرَ.
7 -
(حذيفة) بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، تقدم 2/ 2. والله تعالى أعلم.
(1)
في بعض النسخ لم تكرر جملة "لربي الحمد".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم للمصنف 77/ 1008 - وتكلمت هناك على المسائل المتعلقة به، وتقدم أيضا في 115/ 1069 - ومضى شرحه هناك. وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: أخرج المصنف رحمه الله تعالى حديثا حذيفة رضي الله عنه استدلالا على استحباب الدعاء بين السجدتين، وفيه:"رب اغفر لي، رب اغفر لي".
وقد ثبت الدعاء بين السجدتين أيضا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما بإسناد جيّد، وقال الحاكم صحيح الإسناد، ولفظ أبي داود "اللَّهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني". ولفظ الترمذي مثله، لكنه ذكر "واجبُرني، وعافني". وفي رواية ابن ماجهْ "وارفعني" بدل "واهدني"، وفي رواية البيهقي "رب اغفر لي، وارحمني، وأجبُرني، وارفعني، وارزقني، واهدني". أفاده النووي في "المجموع"
(1)
.
وقال الحافظ رحمه الله في "التلخيص": حديث ابن عباس رضي الله عنهما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: "اللَّهم اغفر لي، واجبرني، وعافني، وارزقني، واهدني -ويروى- وارحمني- بدل واجبرني". رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، واللفظ الأول للترمذي، إلا أنه لم يقل:"وعافني"، وأبو داود مثله، إلا أنه أثبتها، ولم يقل:"واجبرني"، وجمع ابن ماجهْ بين "ارحمني"، واجبرني"، وزاد "وارفعني"، ولم يقل: "اهدني"، ولا "عافني"، وجمع بينها الحاكم كلها، إلا أنه لم يقل: "وعافني"، وفيه كامل أبو العلاء، وهو مختلف فيه. انتهى
(2)
.
قال النووي رحمه الله تعالى: فالاحتياط والاختيار أن يجمع بين الروايات، ويأتي بجميع ألفاظها، وهي سبعة:"اللَّهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واجبُرني، وارفعني، واهدني، وارزقني". انتهى "المجموع"
(3)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي من اختيار الجمع بين هذه الألفاظ هنا حسن جدًّا، حيث إن الحديث واحد، وزاد فيه بعض الرواة بعض الألفاظ، حيث حفظ ما لم يحفظه الآخرون، فالجمع في مثل هذا هو المختار.
وأما إذا كان الحديث مرويا عن صحابيين، فأكثر، واختلفت الألفاظ، فلا يستحسن الجمع، بل يُعمل بكل صيغة كما وردت، ولا يصاغ منها صيغةٌ تجمع بين الاختلافات،
(1)
"المجموع" ج 3 ص 414.
(2)
"التلخيص" ج 2581.
(3)
"المجموع" ج 3 ص 414.
ويحمل على أنه صلى الله عليه وسلم قاله في أوقات مختلفة، وذلك كما في صيغ التشهد، وصيغ الصلاة الإبراهيمية، ونحوهما.
فما يستحسنه بعض أهل العلم من المتأخرين من الجمع بين صيغها، وصوغها صياغة واحدة، فغير مستحسن؛ لأن ذلك خروج عن تعليمات النبي صلى الله عليه وسلم إلى صيغ أُخرَى مخالفة لها، فليُتَنَبّه.
وسيأتي تحقيق ذلك في باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
177 - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ تِلْقَاءَ الْوَجْهِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه.
و"التلقاء" بالكسر: المُقَابل. والله تعالى أعلم بالصواب.
1146 -
(أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ كَثِيرٍ أَبُو سَهْلٍ الأَزْدِيُّ، قَالَ: صَلَّى إِلَى جَنْبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ بِمِنًى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الأُولَى، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا، رَفَعَ يَدَيْهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَأَنْكَرْتُ أَنَا ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِوُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ: إِنَّ هَذَا يَصْنَعُ شَيْئًا، لَمْ أَرَ أَحَدًا يَصْنَعُهُ، فَقَالَ لَهُ وُهَيْبٌ: تَصْنَعُ شَيْئًا، لَمْ نَرَ أَحَدًا يَصْنَعُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ: رَأَيْتُ أَبِي يَصْنَعُهُ، وَقَالَ أَبِي: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَصْنَعُهُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(موسى بن عبد الله بن موسى البصري) الخزاعي الطلحي، أبو طلحة، صدوق
(1)
[11].
(1)
قال في "ت": مقبول، والحق أنه صدوق كما قال الذهبي في "الكاشف"، فقد روى عنه جماعة، وقال المصنف: لا بأس به، ولم يجرحه أحد، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
روى عن أبيه، وعمته رقية بنت موسى، والنضر بن كثير البصري، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وبكر بن سليمان، وعيسى بن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي. وروى عنه النسائي، وقال: لا بأس به، وجعفر بن أحمد بن سنان القطان، وأحمد بن يحيى بن زُهَير التستري، ويحيى بن الحسن بن جعفر النسابة، ومحمد بن هارون الرويانى. وقال الذهبي: صدوق. تفرد به المصنف وروى عنه في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
2 -
(النضر بن كثير أبو سهل الأزدي) السعدي، ويقال: الضبي، البصري ضعيف عابد [8].
روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن عون، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن طاوس، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وعمرو بن علي، ومحمد بن أبان البلخي، وموسى بن عبد الله بن موسى البصري، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ، فيه نظر، وقال الدارقطني: فيه نظر، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به بحال. وقال عمرو بن علي: ثنا النضر ابن كثير، أبو سهل، وكان يعدّ من الأبدال. وضعفه علي بن الحسين بن الجنيد، والدولابي، والعقيلي، وغيرهم. تفرد به أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
3 -
(عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني، أبو محمَّد، ثقة فاضل عابد [6] تقدم 49/ 958.
4 -
(طاوس) بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، ثقة فقيه فاض [3] تقدم 27/ 31.
5 -
(ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما تقدم 27/ 31. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن النضر بن كثير أنه (قال: صلى إلي جنبى عباس الله بن طاوس بمنى) الباء بمعنى "في"، أي في مني.
وهو: الموضع المعروف بمكة، والغالب عليه التذكير، فيصرف. وقال ابن السرّاج: منىّ ذَكَرٌ، والشامُ ذَكَرٌ، وهَجَرٌ ذَكَرٌ، والعراق ذَكَرٌ، وإذا أُنِّثَ منع، ويقال. أمنى الرجل بالألف: إذا أتى مني، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسمي مني لما يُمنَى فيه من الدماء، أي يراق. أفاده في "المصباح".
وقد أشار الحريري رحمه الله تعالى إلى صرف بعض أسماء الأماكن سماعا، ومنها "منىّ"، فقال في "مُلحَة الإعراب":
وَلَيسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ
…
إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَينِ وَمِنًى وَبَدْرِ
…
وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرِ
(في مسجد الخيف) الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور قبله. و"الخيف" بفتح المعجمة، وسكون الياء: قال الفيومي رحمه الله: ما ارتفع من الوادي قليلا عن مسيل الماء، ومنه "مسجد الخيف" بمنى؛ لأنه بُنِيَ في خَيف الجبل، والأصل مسجد خيف مني، فخفف بالحذف، ولا يكون الخيف إلا بين الجبلين. انتهى.
(فكان) أي عبد الله بن طاوس (إذا سجد السجدة الأولى، فرفع رأسه منها، رفع يديه تلقاء وجهه) بكسر، فسكون: أي حذاء وجهه (فأنكرت أنا) الضمير المنفصل لتوكيد المتصل، ولا يلزم الإتيان به إلا عند وجود العطف، كقوله تعالى:{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} الآية [الأعراف: 19](ذلك) في محل نصب مفعول "أنكرت"، وهو إشارة إلى رفع يديه في السجود (فقلت لوُهَيب بن خالد) بن عَجْلان الباهلي مولاهم، أبي بكر البصري المتوفى سنة -165 - وقيل: بعدها، وتقدمت ترجمته في 21/ 427 (إن هذا) يشير إلى عبد الله بن طاوس (يصنع شيئا لم أر) وفي نسخة "لم نر" بنون الجمع (يصنعه) فيه الإنكار على من فعل شيئا في الصلاة بلا دليل، وفيه أن مثل هذا لا يكون غيبة، بل يكون من باب الشكوى، أو الاستفتاء.
(فقال له) أي لعبد الله بن طاوس (وهيب) بالرفع على الفاعلية (تصنع شيئا لم نر) وفي بعض النسخ "لم أر" بهمزة المتكلم (أحدا يصنعه) وإنما قال له وهيب ذلك إنكارا لما فعله، من رفع يديه في السجود (فقال عبد الله بن طاوس) ردًّا على إنكار وهيب عليه (رأيت أبي) يعني طاوسا (يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (يصنعه، وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه) يعني أنه إنما فعله اتباعا لما ثبت لديه من السنة، فمن فعل ما ثبت عنده من السنة لا يُنكَر عليه.
والحديث يدلّ على استحباب رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
فإن قلت: كيف يصحّ، وفي سنده النضر بن كثير، وهو ضعيف؟
قلت: يصح بشواهده، فقد تقدم في الباب -126 - أحاديث صحيحة في استحباب الرفع في السجود، تكون شواهد لحديثه، فيصح بها. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -177/ 1146 - وفي "الكبرى" -84/ 732 - عن موسى ابن عبد الله بن موسى البصري، عن النضر بن كثير، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عنه.
وأخرجه (د) عن قتيبة، ومحمد بن أبان البلخي، كلاهما عن النضر بن كثير به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو استحباب رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه.
ومنها: ما كان عليه السلف من الإنكار على من أحدث في الدين شيئا يخالف السنة فيما يظهر للمُنكِر، وإن لم يكن مخالفا لها في الحقيقة.
ومنها: أن من أُنكِرَ عليه شيء مما فعله من السنة لا ينبغي له أن يقابل ذلك بالغضب، والعنف، وإنما يقابله بإظهار الحجة، وتبيينه للمُنكِر حتى يعلم السنة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
178 - (بَابٌ كيفَ الْجُلُوسُ بَينَ السَّجْدَتَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على صفة الجلوس.
فـ"باب" بالتنوين، و"كيف" في محل رفع خبر مقدم وجوبا لكونه اسم استفهام، مبنيٌّ على الفتح، و"الجلوس" مبتدأ مؤخر، والظرف متعلق به. والله تعالى أعلم بالصواب.
1147 -
(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عبد الرحمن بن أبراهيم دُحَيم) الدمشقي، ثقة حافظ متقن [10] تقدم 45/ 56.
2 -
(مروان بن معاوية) الفزاري الكوفي، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، كان يدلس أسماء الشيوخ [8] تقدم 50/ 850.
3 -
(عبيد الله بن عبد الله بن الأصم) العامري، صدوق
(1)
[6] تقدم 50/ 850.
4 -
(يزيد بن الأصم) اسم أبيه عمرو بن عبيد، أبو عوف الكوفي، نزيل الرقة ابن أخت ميمونة، ثقة [3] تقدم 50/ 850.
5 -
(ميمونة) بنت الحارث، أم المؤمنين رضي الله عنهما، تقدمت 146/ 236. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف رحمه الله-142/ 1109 - حيث أورده هناك عن شيخه قتيبة، عن ابن عيينة، عن عبيد الله، محتجا به على مشروعية التجافي في السجود، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، وبالله تعالى التوفيق.
قوله: "خَوَّى بيديه" بمعجمة، وواو مشددة: إذا تجافى، وفَرَّج ما بين عضديه وجنبيه. أفاده في "ق". وقال في "المصباح": خوَّى الرجل في سجوده: رفع بطنه عن الأرض، وقيل: جافى بين عضديه. انتهى.
وقوله: "وضح إبطيه" بفتحتين: أي بياض ما تحتهما، وذلك للمبالغة في رفعهما، وتجافيهما عن الجنبين، والوَضَحُ: البيان من كل شيء.
وقوله: "وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى": أي جلس مطمئنًّا على فخذه اليسرى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الحديث دلالة على أن السنة في الجلوس أن يكون على الفخذ اليسرى، وهذا هو معنى الافتراش، وهو يشمل جلسات الصلاة كلها إلا ما خرج بالنص، وهو الجلوس للتشهد الأخير، فالسنة فيه التورك، كما سيأتي في موضعه. إن شاء الله تعالى.
(1)
قال في "ت": مقبول، والحق أنه صدوق، فقد رَوَى عنه جماعة، واحتج به مسلم، ووثقه ابن حبّان، ولم يجرحه أحد. فتنبّه.
فاستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على سنة الجلوس بين السجدتين واضح، إذ هو من جملة الجلسات التي لم يرد فيها نص مثل ما ورد في الجلوس الأخير. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: يشكل على حديث الباب ما أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وغيرهما عن طاوس، قال: قلنا لابن عباس رضي الله عنهما في الإقعاء على القدمين؟ فقال: هي السنة، فقلنا له: إنا لنراه جَفَاء بالرَّجُل
(1)
، فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، انتهى.
فقد حمله العلماء على الجلوس بين السجدتين، فيدل على أن السنة في الجلوس بين السجدتين الإقعاء، وهو أن يجعل أليتيه على عقبيه، فهذا يعارض حديث الباب.
ويجاب بحمله على الجواز، فإن شاء افترش ببن السجدتين، وإن شاء فعل الإقعاء المذكور، وليس هذا مثل التورك الوارد في التشهد الأخير، فإنه هو السنة فيه، ولا يسن فيه غيره.
والحاصل أن الجلوس بين السجدتين يخيّر فيه المصلي بين أن يفترش، وبين أن يجعل أليتيه على عقبيه، والأول أفضل؛ لأنه أكثر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حقّق ذلك النووي رحمه الله تعالى في "شرح صحيح مسلم"، حيث قال:
(اعلم): أن الإقعاء ورد فيه حديث ثان، ففي هذا الحديث -يعني حديث ابن عباس المذكور- أنه سنة، وفي حديثا آخر النهي عنه، رواه الترمذي، وغيره من رواية علي رضي الله عنه، وابن ماجه من رواية أنس، وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من رواية سمرة، وأبي هريرة، والبيهقي من رواية سمرة، وأسانيد كلها ضعيفة.
وقد اختلف العلماء في حكم الإقعاء، وفي تفسيره اختلافا كثيرا، لهذه الأحاديث، والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان:
أحدهما: أن يُلصق أَلْيَتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلَّام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي.
(1)
وقوله: "إنا لنراه جفاء بالرجل" قال النووي رحمه الله: ضبطناه بفتح الراء، وضم الجيم، أي بالإنسان، وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم، قال: وضبطه أبو عمر ابن عبد البرّ بكسر الراء، وسكون الجيم، قال أبو عمر: ومن ضم الجيم فقد غلط. وردّ الجمهورُ على ابن عبد البرّ، وقالوا: الصواب الضم، وهو الذي يليق به إضافة الجفاء إليه. والله تعالى أعلم. انتهى شرح "صحيح مسلم" ج -5 ص 19.
والنوع الثاني: أن يَجعَلَ أَلْيَتَيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم.
وقد نص الشافعي رحمه الله تعالى في "البويطي" و"الإملاء" على استحبابه في الجلوس بين السجدتين.
وحَمَلَ حديثَ ابن عباس رضي الله عنهما عليه جماعات من المحققين، منهم البيهقي، والقاضي عياض، وآخرون رحمهم الله تعالى، قال القاضي: وقد رُوي عن جماعات من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسرا عن ابن عباس رضي الله عنهما: من السنة أن تمس عقبيك أليتيك. هذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس، وقد ذكرنا أن الشافعي رحمه الله تعالى على استحبابه في الجلوس بين السجدتين.
وله نص آخر، وهو الأشهر أن السنة فيه الافتراشُ، وحاصله أنهما سنتان، وأيهما أفضل، فيه قولان.
وأما جلسة التشهد الأول، وجلسة الاستراحة، فسنتهما الافتراش، وجلسة التشهد الأخير السنة فيه التورك. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى. في "شرح صحيح مسلم".
وقال في "شرح المهذب": [فرع] في الإقعاء:
قد ذكرنا أن الأحاديث الواردة في النهي عنه مع كثرتها ليس فيها شيء ثابت، وبيَنّا رواتها، وثبت عن طاوس، قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: هي السنة، فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل، قال: بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم في "صحيحه". وفي رواية للبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"من سنة الصلاة أن تَمسَّ أليتاك عقبيك بين السجدتين".
وذكر البيهقي حديث ابن عباس هذا، ثم روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه، ويقول: إنه من السنة، ثم روى عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما كانا يُقعيان، ثم روى عن طاوس أنه كان يُقعي، وقال: رأيت العبادلة يفعلون ذلك: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم.
قال البيهقي: فهذا الإقعاء المرضي فيه والمسنون على ما روينا عن ابن عباس وابن عمر هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع أليتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه على الأرض.
ثم روى الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء بأسانيدها عن الصحابة الذين
ذكرناهم، ثم ضعفها كلها، وبين ضعفها، وقال: حديث ابن عباس وابن عمر صحيح، ثم روى عن أبي عبيد أنه حكى عن شيخه أبي عبيدة أنه قال: الإقعاء أن يلصق ألْيَتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض. قال: وقال في موضع آخر: الإقعاء جلوس الإنسان على أَلْيَتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع. قال البيهقي: وهذا النوع من الإقعاء غير ما رويناه عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، فهذا منهي عنه، وما رويناه عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم مسنون. قال: وأما حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان ينهى عن عقب الشيطان"، فيحتمل أن يكون واردا في الجلوس للتشهد الأخير، فلا يكون منافيا لما رواه ابن عباس وابن عمر في الجلوس بين السجدتين.
هذا آخر كلام البيهقي رحمه الله تعالى، ولقد أحسن، وأجاد، وأتقن، وأفاد، وأوضح إيضاحا شافيًا، وحرَّر تحريرا وافيا رحمه الله، وأجزل مثوبته. وقد تابعه على هذا الإمامُ المحققُ أبو عمر وابن الصلاح، فقال: بعد أن ذكر حديث النهي عن الإقعاء: هذا الإقعاء محمول على أن يضع أَلْيَتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، وهذا الإقعاء غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة، فذلك الإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه قاعدا عليها، وعلى أطرأف أصابع رجليه، وقد أستحبه الشافعي في الجلوس بين السجدتين في "الإملاء"، و"البويطي". قال: وقد خبط في الإقعاء من المصنفين من لا يعلم أنه نوعان كما ذكرنا، قال: وفيه في "المهذب" تخليط. هذا آخر كلام أبي عمرو رحمه الله.
وهذا الذي حكاه عن "البويطي" و"الإملاء" من نص الشافعي قد حكاه عنهما البيهقي في كتابه "معرفة السنن والآثار".
وأما كلام الخطابي فلم يحصل له ما حصل للبيهقي، وخالف في هذا الحديث عادته في حل المشكلات، والجمع بين الأحاديث المختلفة، بل ذكر حديث ابن عباس، ثم قال: وأكثر الأحاديث على النهي عن الإقعاء، وأنه عقب الشيطان.
وقد ثبت من حديث أبي حميد، ووائل بن حجر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى، قال: ورويت كراهة الإقعاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وكرهه النخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأهل الرأي، وعامة أهل العلم، قال: والإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه، ويقعد مستوفزا غير مطمئن إلى الأرض. وهذا إقعاء الكلب والسباع.
قال أحمد بن حنبل: وأهل مكة يستعملون الإقعاء.
قال الخطابي: ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخا، والعمل على الأحاديث
الثابتة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا آخر كلام الخطابي، وهو فاسد من أوجه:
مها: أنه اعتمد على أحاديث النهي فيه، وادعى أيضا نسخ حديث ابن عباس، والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وعلمنا التاريخ، ولم يتعذر هنا الجمع، بل أمكن كما ذكره البيهقي، ولم يعلم أيضا التاريخ، وجعل أيضا الإقعاء نوعا واحدا وإنما هو نوعان، فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الإقعاء نوعان كما ذكره البيهقي، وأبو عمرو:(أحدهما): مكروه. (والثاني): جائز وسنة.
وأما الجمع بين حديثي ابن عباس وابن عمر، وأحاديث أبي حميد ووائل، وغيرهما في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفهم الافتراش على قدمه اليسرى، فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له في الصلاة أحوال، حال يفعل فيها هذا، وحال يفعل فيها ذاك، كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها، وغير ذلك من أنواعها، وكما توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وكما طاف راكبًا وطاف ماشيا، وكما أوتر أول الليل، وآخره، وأوسطه، وانتهى وتره إلى السحر، وغير ذلك كما هو معلوم من أحواله صلى الله عليه وسلم، وكان يفعل العبادة على نوعين، أو أنواع في بين الرخصة، والجواز بمرة، أو مرات قليلة، ويواظب على الأفضل بينهما على أنه المختار والأولى.
فالحاصل أن الإقعاء الذي رواه ابن عباس وابن عمر فَعَله النبي صلى الله عليه وسلم على التفسير المختار الذي ذكره البيهقي، وفَعَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما رواه أبو حميد، وموافقوه من جهة الافتراش، وكلاهما سنة، لكن إحدى السنتين أكثر وأشهر، وهي رواية أبي حميد؛ لأنه رواها، وصدّقه عشرة من الصحابة، كما سبق، ورواها وائل بن حجر وغيره، وهذا يدلّ على مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها، وشهرتها عندهم، فهي أفضل وأرجح، مع أن الإقعاء سنة أيضا.
فهذا ما يسّر الله الكريم من تحقيق أمر الإقعاء، وهو من المهمات، لتكرر الحاجة إليه في كل يوم، مع تكرره في كتب الحديث والفقه، واستشكال أكثر الناس له من كل الطوائف، وقد منّ الله الكريم بإتقانه، ولله الحمد على جميع نعمه. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى في "المجموع"
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد النووي رحمه الله تعالى في جمعه وتحريره، وتحقيقه وتحبيره، فجزاه الله تعالى عن ذلك خيرا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
"المجموع شرح المهذب" ج-3 ص 415 - 418.
وسيأتي الكلام على بقية الجلسات في مواضعها حيث يذكرها المصنف رحمه الله تعالى، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
179 - (قَدْرُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجدَتَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان مقدار الجلوس بين السجدتين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الترجمة الردَّ على من يقول: إن الجلوس بين السجدتين، وكذا الاعتدال من الركوع ركن قصير لا يشرع تطويله، بل بالغ بعضهم فأبطل به الصلاة إن تعمده، وإلا سجد للسهو، وهذا مذهب باطل منابذ للسنة الصحيحة الصريحة.
وقد تقدم البحث في هذا في 114/ 1065 مستوفى بحمد الله تعالى، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب.
1148 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو قُدَامَةَ
(1)
، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رُكُوعُهُ، وَسُجُودُهُ، وَقِيَامُهُ
(2)
بَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا
(3)
مِنَ السَّوَاءِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عبيد الله بن يسعيد أبو قدامة) السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سني [10] تقدم 15/ 15.
2 -
(يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحافظ الحجة الناقد [9] تقدم 4/ 4.
3 -
(شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الإمام الناقد البصري الحجة الثبت [7] تقدم 24/ 26.
(1)
لفظة "أبو قدامة" ساقطة من بعض النسخ.
(2)
لفظة "قيامه" ساقطة من بعض النسخ.
(3)
وفي بعض النسخ "قريب" بالرفع.
4 -
(الحَكَم) بن عُتَيبة، أبو محمَّد الكوفي، ثقة ثبت فقيه ربما دلس [5] تقدم 86/ 104.
5 -
(ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة ثبت [2] تقدم 86/ 104.
6 -
(البراء) بن عازب الأنصاري، أبو عمارة الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما، تقدم 86/ 105. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث البراء رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى 114/ 1065 - أورده هناك استدلالا على قدر القيام بين الرفع من الركوع والسجود، رواه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن ابن علية، عن شعبة، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
180 - (بَابُ التَّكْبِيرِ لِلسُّجودِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالّين علي مشروعية التكبير لأجل السجود، أو عند السجود، فاللام تعليلية، أو بمعنى "عند".
وأراد بالسجود هنا السجود الثاني، لأن الأول تقدم بيانه برقم 124/ 1082 و 1083. والله تعالى أعلم بالصواب.
1149 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ الأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ، وَوَضْعٍ، وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، رضي الله عنهم).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [10] تقدم 1/ 1.
2 -
(أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفي الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث [7] تقدم 79/ 96.
3 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد مدلس اختلط بآخره [3] تقدم 38/ 42.
4 -
(عبد الرحمن بن الأسود) النخعي الكوفي، ثقة [3] تقدم 38/ 42.
5 -
(الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة مخضرم مكثر [2] تقدم 29/ 33.
6 -
(علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [2] تقدم 61/ 77.
7 -
(عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم 35/ 39.
وقوله: "في كل رفع" الخ تقدم أنه يُستثنى منه الرفع من الركوع فكان يقول فيه: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".
وقوله: "ووضع" أراد به النزول، وتقدم بلفظ "وخفض" والمعنى واحد.
وقوله: "وأبو بكر" الخ عطف على "رسول الله"، ويحتمل عطفه على الضمير الفاعل لـ"يكبر" للفصل بالجار والمجرور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى في 124/ 1083 - أورده هناك استدلالا على مشروعية التكبير للسجود الأول، رواه عن عمرو بن علي الفَلاّس، عن معاذ بن معاذ، ويحيى القطان كلاهما عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق.
وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك بحمد الله تعالى، فإن شئت فراجعه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1150 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ -وَهُوَ ابْنُ الْمُثَنَّى- قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمَّد بن رافع) القُشَيري النيسابوري، ثقة عابد [11] تقدم 92/ 114.
2 -
(حُجَين بن المُثَنَّى) -بحاء مهملة، ثم جيم مصغّرًا- أبو عُمَر اليمامي، نزيل بغداد، خُرَاساني الأصل ثقة [9] 180/ 1150.
[تنبيه]: القائل: "وهو ابن المثنى" هو المصنف، وقد تقدم الكلام على مثله غير مرّة.
3 -
(ليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصري [7] تقدم 31/ 35.
4 -
(عُقَيل) بن خالد الأيلي، ثقة ثبت [6] تقدم 125/ 187.
5 -
(ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري الإمام الحجة المشهور [4] تقدم 1/ 1.
6 -
(أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزومي المدني، قيل: اسمه محمَّد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، ثقة فقيه عابد [3] تقدم 51/ 963.
7 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم 1/ 1.
وقوله: "حين يرفع صُلبه من الركعة": أي حين يرفع ظهره من الركوع، فالركعة هنا بمعنى الركوع، من باب تسمية الشيء باسم الكلّ.
وقوله: "حين يهوي" بفتح الياء: أي ينزل إلى الأرض.
وقوله: "حتى يقضيها": أي يتمها، ويفرغ منها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى برقم 84/ 1023 - أورده هناك مستدلًّا على مشروعية التكبير للركوع، رواه عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه. وتقدم شرحه وبيان المسائل المتعلقة به هناك بحمد الله تعالى، فراجعها تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
181 - (بَابُ الاسْتِوَاءِ لِلْجُلُوسِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ السَّجْدَتَينِ)
أي باب ذكر الحديثين الدّالّين على مشروعية الاستواء للجلوس وقت رفع الرأس من السجدتين.
والمراد بالاستواء هنا أن يجلس مفترشا مستقيما بحيث لا يعتمد بيده على الأرض في جلوسه.
وهذا الجلوس هو المسمى بجلسة الاستراحة بكسر الجيم كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلسَهْ
…
وَفعْلَةٌ لهَيئَة كَجِلْسَهْ
وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في استحبابه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
1151 -
(أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: جَاءَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ إِلَى مَسْجِدِنَا، فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي؟ قَالَ: فَقَعَدَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(زياد بن أيوب) دَلُّويَهْ البغدادي، أبو هاشم الطوسي الأصل، ثقة حافظ [10] تقدم 101/ 132.
2 -
(إسماعيل) بن إبراهيم ابن عُلَيّة البصري، ثقة حافظ [8] تقدم 18/ 19.
3 -
(أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري، ثقة حجة فقيه [5] تقدم 42/ 48.
4 -
(أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الجَرْمي البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال [3] تقدم 203/ 322.
5 -
(أبو سليمان مالك بن الحُوَيرث) الليثي الصحابي نزيل البصرة رضي الله عنه، تقدم 7/ 634. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له مسلم، ولا ابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فبغدادي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، أيوب عن أبي قلابة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجَرْمي رحمه الله تعالى، أنه (قال: جاءنا مالك بن الحويرث) رضي الله تعالى عنه (إلي مسجدنا هذا) يريد مسجد قومه جَرْم بالبصرة (فقال: أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي) جملة "يصلي" في محل نصب على الحال من "رسول الله".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية المصنف لهذا الحديث فيها اختصار.
وقد ساقه أحمد مطولا بسنده، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث الليثي، أنه قال لأصحابه يوما: ألا أريكم كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وذلك في غير حين صلاة، فقام، فأمكن القيام، ثم ركع، فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه، وانتصب قائما هُنَيًّة، ثم سجد، ثم رفع رأسه، ويكبر في الجلوس، ثم انتظر هُنَيّة، ثم سجد.
قال أبو قلابة: فصلى صلاة كصلاة شيخنا هذا، يعني عمرو بن سَلِمةَ الجرمي، وكان يؤم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أيوب: فرأيت عمرو بن سلمة يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قاعدًا، ثم قام من الركعة الأولى والثالثة
(1)
.
(قال) أي أبو قلابة رحمه الله تعالى (فقعد) أي أبو سليمان مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه (في الركعهْ الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة) الجار والمجرور الأول، والظرف متعلقان بـ"قعد"، والثاني متعلق بـ"رفع".
الحديث يدلّ على ثبوت جلسة الاستراحة، وهو الصحيح من أقوال العلماء، ومن لا يقول بها حمل الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم فعله في آخر عمره حيث ثَقُلَ، ولم يفعله قصدا. وسيأتي الردّ عليه، وتحقيق المسألة بأدلتها في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -181/ 1151 - وفي "الكبرى" -88/ 737 - عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل ابن علية، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عنه. و 1152 - و"الكبرى" 738 - عن علي بن حُجْر، عن هُشيم، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة به. و 182/ 1153 - و"الكبرى" 89/ 1153 - عن محمَّد بن بشار، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء به. والله تعالى أعلم.
(1)
انظر "المسند" ج 3 ص 436 وج 5 ص 53.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب- وسليمان بن حرب، عن حماد بن زيد- وعن أبي النعمان، عن حماد- وعن معلي بن أسد، عن وهيب- كلاهما عن أيوب به. وعن محمَّد بن الصباح، عن هُشَيم به.
(د) عن مسدد، عن إسماعيل ابن علية به. وعن زياد بن أيوب به. وعن مسدد، عن هشيم به.
(ت) عن علي بن حجر به.
وأخرجه (أحمد) 3/ 436 و 5/ 53 (ابن خزيمة) برقم 686 و 687. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان مذاهب العلماء في جلسة الاستراحة:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: الصحيح المشهور في مذهب الشافعي رحمه الله أنها مستحبة، وبه قال مالك بن الحويرث، وأبو حميد الساعدي، وأبو قتادة، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وأبو قلابة، وغيره من التابعين.
قال الترمذي رحمه الله: وبه قال أصحابنا، وهو مذهب داود، ورواية عن أحمد.
وقال كثيرون، أو الأكثرون: لا تستحب، بل إذا وقع رأسه من السجود نهض. حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الزناد، ومالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق.
قال: قال النعمان بن أبي عياش. أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا. وقال أحمد بن حنبل: أكثر الأحاديث على هذا.
واحتج لهم بحديث المسيء صلاته، ولا ذكر لها فيه، وبحديث وائل بن حجر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من السجدة استوى قائما بتكبيرة.
قال الطحاوي: ولأنه لا دلالة في حديث أبي حميد رضي الله عنه، ولأنها لو كانت مشروعة لسن لها ذكر كغيرها.
واحتج الأولون بحديث مالك بن الحُويرث رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب، وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث المسيء صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا" رواه البخاري في "صحيحه" بهذا اللفظ في "كتاب السلام" جـ 8 ص 69
(1)
.
(1)
لكن أشار البخاري إلى أن قوله: "حتى تطمئن جالسا" وَهَم، فإنه عقبه بقوله: قال أبو أسامة =
وعن أبي حميد وغيره من الصحابة رضي الله عنهم أنه وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"ثم هَوَى ساجدا، ثم ثَنَى رجله، وقعد حتى رجع كلّ عظم موضعه، ثم نهض" وذكر الحديث، فقالوا: صدقت. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وإسناد أبي داود إسناد صحيح، على شرط مسلم.
والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علمه الواجبات دون المسنونات.
وأما حديث وائل رضي الله عنه، فلو صحّ وجب حمله على موافقة غيره في إثبات جلسة الاستراحة؛ لأنه ليس فيه تصريح بتركها، ولو كان صريحا لكان حديث مالك بن الحويرث، وأبي حميد، وأصحابه مقدما عليه لوجهين:
(أحدهما): صحة أسانيدها.
(والثانى): كثرة رواتها.
ويحتمل أن يكون حديث وائل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت، أو أوقات بيانا للجواز، وواظب على ما رواه الأكثرون، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث بعد أن قام يصلي معه، ويتحفظ العلم منه عشرين يوما، وأراد الانصراف من عنده إلى أهله:"اذهبوا إلى أهليكم، ومُرُوهم، وعلموهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي". وهذا كله ثابت في "صحيح البخاري" من طرق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هذا، وقد رآه يجلس الاستراحة، فلو لم يكن هذا هو المسنون لكل أحد لما أطلق صلى الله عليه وسلم قوله:"صلوا كما رأيتوني أصلي".
وبهذا يحصل الجواب عن فرق أبي إسحاق المروزي بين القوي والضعيف، ويجاب به أيضا عن قول من لا معرفة له: ليس تأويل حديث وائل وغيره بأولى من عكسه.
وأما قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إن أكثر الأحاديث على هذا، فمعناه أن أكثر الأحاديث ليس فيها ذكر الجلسة إثباتا، ولا نفيا، ولا يجوز أن يحمل كلامه على أن مراده أكثر الأحاديث تنفيها؛ لأن الموجود في كتب الحديث ليس كذلك، وهو أجلّ من أن يقول شيئا على سبيل الإخبار عن الأحاديث، ونجد فيها خلافه.
وإذا تقرر أن مراده أن أكثر الروايات ليس فيها إثباتها، ولا نفيها لم يلزم ردّ سنة ثابتة من جهات عن جماعات من الصحابة.
وأما قول الطحاوي: إنها ليست في حديث أبي حميد، فمن العجب الغريب!! فإنها
= في الأخير: "حتى تستوي قائما". قال الحافظ: ويمكن أن يحمل إن كان محفوظا على الجلوس للتشهد. انتهى "فتح" ج 2 ص 534.
مشهورة فيه في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما من كتب السنن والمسانيد للمتقدمين.
وأما قوله: لو شرعت لكان لها ذكر، فجوابه أن ذكرها التكبير، فإن الصحيح أنه يمدّ حتى يستوعبها، ويصل إلى القيام، كما سبق.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم أن مد التكبير حتى يصل إلى الركن التالي مما لا دليل عليه، بل الصواب أنه لا يزيد على المد المشروع. فتنبه. والله تعالى أعلم.
قال: ولو لم يكن فيها ذكر لم يجز ردّ السنن بهذا الاعتراض. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى ببعض تصرف
(1)
. .
وكتب العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في شرح حديث مالك بن الُحوَيرث رضي الله عنه المذكور في الباب: ما نصه:
الحديث فيه مشروعية جلسة الاستراحة، وهي بعد الفراغ من السجدة الثانية، وقبل النهوض إلى الركعة الثانية، والرابعة.
وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في المشهور عنه، وطائفة من أهل الحديث، وعن أحمد روايتان، وذكر الخلّال أن أحمد رجع إلى القول بها، ولم يستحبها الأكثر، واحتج لهم الطحاوي بحديث أبي حميد الساعدي المشتمل على وصف صلاته صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه هذه الجلسة، بل ثبت في بعض ألفاظه أنه قام، ولم يتورك، كما أخرجه أبو داود، قال: فيحتمل أن ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلّة كانت به، فقعد من أجلها، لا أن ذلك من سنة الصلاة، ثمّ قوّى ذلك بأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص.
وتعقب بأن الأصل عدم العلة، وبأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فحكايته لصفات صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة تحت هذا الأمر.
وحديث أبي حميد يستدلّ به على عدم وجوبها، وأنه تركها لبيان الجواز، لا على عدم مشروعيتها، على أنها لم تتفق الروايات عن أبي حُميد في نفي هذه الجلسة، بل أخرج أبو داود والترمذي وأحمد عنه من وجه آخر بإثباتها.
وأما الذكر المخصوص، فإنها جلسة خفيفة جدًّا، استغني فيها بالتكبير المشروع للقيام.
واحتج بعضهم على نفي كونها سنة بأنها لو كانت كذلك لذكرها كلُّ مَنْ وصف صلاته. وهو متَعَقَّبٌ بأن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وَصَفَ
(1)
"المجموع"ج-3 ص 421 - 423.
صلاته، إنما أُخذَ مجموعها عن مجموعهم.
واحتجوا أيضا على عدم مشروعيتها بما وقع من حديث وائل بن حجر عند البزار بلفظ: "كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائما"، وهذا الاحتجاج يَرُدُّ على من قال بالوجوب، لا من قال بالاستحباب لما عرفت.
على أن حديث وائل قد ذكره النووي في "الخلاصة" في "فصل الضعيف".
واحتجوا أيضا بما أخرجه الطبراني من حديث معاذ أنه كان يقوم كأنه السهم، وهذا لا ينفي الاستحباب المدَّعَى، على أن في إسناده متهما بالكذب.
وقد عرفت مما قدمنا في شرح حديث المسيء أن جلسة الاستراحة مذكورة فيه عند البخاري وغيره، لا كما زعمه النووي من أنها لم تذكر فيه
(1)
. وذكرها فيه يصلح للاستدلال به على وجوبها لولا ما ذكرنا فيما تقدم من إشارة البخاري إلى أن ذكر هذه الجلسة وَهَم، وما ذكرنا أيضا من أنه لم يقل بوجوبها أحد، وقد صرح بمثل ذلك الحافظ في "الفتح".
ومن جملة ما احتج به القائلون بنفي استحبابها حديث وائل بن حجر عند أبي داود، وما روى ابن المنذر عن النعمان بن أبي عياش، قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة، وفي الثالثة قام كما هو، ولم يجلس، وذلك لا ينافي القول بأنها سنة؛ لأن الترك لها من النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحالات إنما ينافي وجوبها فقط، وكذلك ترك بعض الصحابة لها لا يقدح في سنيتها، لأن ترك ما ليس بواجب جائز. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى
(2)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما تقدم من تحقيق النووي والشوكاني رحمهما الله تعالى أن القول باستحباب جلسة الاستراحة هو الراجح، لقوة دليله، وأن الأدلة التي تدل على عدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها محمولة على أنه تركها لبيان الجواز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1152 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وَتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِىَ جَالِسًا).
(1)
قد تقدم عن النووي في "مجموعه" أنه ذكر أنها مذكورة عند البخاري، ولعل الشوكاني رأى للنووي قولًا آخر بنفيها. فتأمل.
(2)
"نيل الأوطار" ج 2 ص 312 - 313.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(علي بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [9] تقدم 13/ 13.
2 -
(هُشَيم) بن بَشِير الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس [7] تقدم 88/ 109.
3 -
(خالد) بن مهران الحذاء البصري، ثقة يرسل [5] تقدم 7/ 634.
والباقيان تقدما في الحديث الماضي.
وكذا شرح الحديث، وبيان المسائل المتعلقة به تقدمت هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
182 - (بَابُ الاعْتِمَادِ عَلَى الأَرضِ عِنْدَ النُّهُوضِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية الاعتماد بيديه على الأرض عند القيام إلى الركعة الثانية، وكذا الرابعة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الغرض من الترجمة بيان استحباب الاعتماد عند القيام من السجود، أو الجلوس، والإشارة إلى ردّ ما روي بخلاف ذلك، فعند سعيد بن منصور بإسناد ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه، "أنه صلى الله عليه وسلم كان ينهض على صدور قدميه".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه مثله بإسناد صحيح. وعن إبراهيم أنه كره أن يعتمد على يديه إذا نهض. أفاده في "الفتح"
(1)
.
وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الآتية آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
1153 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يَأْتِينَا، فَيَقُولُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَيُصَلِّي فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ قَامَ، فَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ).
(1)
"فتح" ج 2 ص 562.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمَّد بن بشار) بُندَار أبو بكر البصري، ثقة ثبت [10] تقدم 24/ 27.
2 -
(عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقة تغير في الأخير [8] تقدم 42/ 48.
والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي رحمه الله (قال: كان مالك بن الحُوَيرث) رضي الله تعالى عنه (يأتينا) أي يأتي قومه في مساجدهم، كما تقدمت الإشارة في الراوية التي تقدمت في الباب الماضي (فيقول: ألا) أداة عرض وتحضيض، كما سبق غير مرّة (أحدثكم) بالرفع (عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي عن كيفيتها، وصفتها (فيصلي في غير وقت صلاة) وفي نسخة "وقت الصلاة" بالتعريف.
قال في "الفتح": أي في غير وقت صلاة من المفروضة، ويتعين حمله على ذلك حتى لا يدخل فيه أوقات المنع من النافلة، لتنزيه الصحابي عن التنفل حينئذ، وليس في اليوم والليلة وقت أُجمْعَ على أنه غير وقت لصلاة من الخمس إلا من طلوع الشمس إلى زوالها. انتهى.
(فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة) من إضافة الصفة للموصوف، أي في الركعة الأولى (استوى قاعدا) هذا القعود هو المسمى بجلسة الاستراحة (ثم قام) أي شرع في القيام إلى الركعة الثانية (فاعتمد على الأرض) ليست الفاء للترتيب، بل لمجرد العطف، إذ الاعتماد على الأرض في حالة الشروع في القيام، لا بعده.
قيل: يستفاد من الاعتماد أنه يكون باليد، لأنه افتعال من العماد، والمراد به الاتكاء، وهو باليد. وروى عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما. أفاده في "الفتح".
وفيه أن السنة في القيام أن يقوم معتمدا بيديه على الأرض، وهو المذهب الراجح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث مالك بن الحُوَيرث رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي مستَوْفًى، فلا حاجة إلى إعادته هنا، فإن شئت فارجع إليه تستفد، وإنما أتكلم فيما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في كيفية النهوض عن الجلوس:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى:
واختلفوا في اعتماد الرجل على يديه عند القيام، فروينا عن ابن عمر رضي الله تعالى
عنهما، أنه كان يعتمد على يديه إذا أراد القيام، وهكذا فعل مكحول، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي زكريا، والقاسم أبو عبد الرحمن، وأبو مخرمة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
ورأت طائفة أن لا يعتمد على يديه إلا أن يكون شيخا كبيرا، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال النخعي، والثوري. انتهى كلام ابن المنذر باختصار
(1)
. .
وقال النووي رحمه الله تعالى: مذهبنا أنه يستحب أن يقوم معتمدا على يديه، ثم ذكر القائلين بذلك من كلام ابن المنذر المذكور آنفا.
ثم قال: وقال أبو حنيفة، وداود: يقوم غير معتمد بيديه على الأرض، بل يعتمد على صدور قدميه. وهذا مذهب ابن مسعود رضي الله عنه، وحكاه ابن المنذر عن علي رضي الله عنه، والنخعي، والثوري.
واحتُجَّ لهم بحديث أبي شيبة، عن قتادة، عن أبي جحيفة، عن علي رضي الله عنه، قال:"من السنة إذا نهض الرجل في الصلاة المكتوبة من الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا، لا يستطيع". رواه البيهقي.
وعن خالد بن إلياس، ويقال: ابن إياس، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهض في الصلاة على صدور قدميه". رواه الترمذي، والبيهقي.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم في نهى أن يعتمد الرجل على يديه، إذا نهض في الصلاة". رواه أبو داود.
وعن وائل بن حجر رضي الله عنه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه". رواه أبو داود.
وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى ابن مسعود يقوم على قدميه في الصلاة. رواه البيهقي، وقال: هذا صحيح عن ابن مسعود.
وعن عطية العَوْفي، قال: رأيت ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا سعيد الخدري رضي الله عنهم يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة. رواه البيهقي.
واحْتَجَّ الأولون بحديث مالك بن الحُوَيرث رضي الله عنه المذكور في الباب.
قال الشافعي رحمه الله: ولأن ذلك أبلغ في الخشوع والتواضع، وأعون للمصلي، وأحرى أن لا ينقلب.
(1)
"النهاية" ج 3 ص 275 - 276.
والجواب عن أحاديثهم أنها كلها ليس فيها شيء صحيح، إلا الأثر الموقوف على ابن مسعود رضي الله عنه، ولا يجوز ترك السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول غيره، أو فعله.
فأما حديث علي رضي الله عنه، فضعيف، ضعفه البيهقي، وقال: أبو شيبة ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما.
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فضعيف، ضعفه الترمذي، والبيهقي، وغيرهما، لأن رواية خالد بن إلياس، وصالح ضعيفتان.
وأما حديث ابن عمر، فضعيف من وجهين:(أحدهما): أنه من رواية محمَّد بن عبد الملك الغَزّال، وهو مجهول.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "مجهول" فيه نظر، فإنه معروف وثقه النسائي، وغيره، وقال مسلمة بن القاسم: ثقة كثير الخطإ. انظر "تهذيب التهذيب" جـ 9 ص 315 - 316.
فالأولى في تضعيف روايته مخالفته لأحمد وغيره من الثقات، مع كونه كثير الخطإ، كما يأتي في الوجه الثاني، فتبصر.
قال: (الثاني): أنه مخالف لرواية الثقات؛ لأن أحمد بن حنبل رفيق الغرّال في الرواية لهذا الحديث عن عبد الرزاق قال فيه: "نهى أن يجلس الرجل في الصلاة، وهو معتمد على يده". ورواه آخرون عن عبد الرزاق خلاف ما رواه الغزّال. وقد ذكر أبو داود ذلك كله.
قال النووي رحمه الله: وقد علم من قاعدة المحدثين وغيرهم أن من خالف الثقات كان حديثه شاذا مردودا.
وأما حديث وائل فضعيف أيضا؛ لأنه من رواية ابنه عبد الجبار، عنه، واتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، ولم يدركه، وقيل: ولد بعد وفاته بستة أشهر.
وأما حكايته عطية، فمردودة، لأن عطية ضعيف. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى بتصرف
(1)
. .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصل مما ذكر أن الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة قول الأولين القائلين: إن السنة أن يعتمد المصلي بيديه على الأرض في القيام؛ لصحة حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه، وعدم صحة أدلة القائلين بخلافه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
"شرح مسلم" ج 4 ص 209.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
183 - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنِ الأَرْضِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية رفع اليدين عن الأرض قبل رفع الركبتين في النهوض للقيام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال المصنف رحمه الله تعالى بالحديث المذكور على الترجمة واضح، إلا أن الحديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب.
1154 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَقُلْ هَذَا عَنْ شَرِيكٍ غَيْرُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ)
(1)
.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن منصور) بن بهَرَام الكَوسَج، أبو يعقوب المروزي، ثقة ثبت [11] تقدم 72/ 88.
2 -
(يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن [9] تقدم 153/ 144.
3 -
(شريك) بن عبد الله النخعي القاضي الكوفي، صدوق يخطئ كثيرا، وتغير حفظه [8] تقدم 25/ 29.
4 -
(عاصم بن كليب) الجَرْميّ الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [5] تقدم 11/ 889.
5 -
(كُلَيب) بن شهاب الجرمي الكوفي، صدوق [2] ووَهِمَ من ذكره في الصحابة، تقدم 11/ 889.
6 -
(وائل بن حُجر) الحضرمي الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، تقدم 4/ 879.
(1)
سقط من بعض النسخ جملة "والله تعالى أعلم".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث وائل رضي الله تعالى عنه هذا ضعيف، تقدم الكلام عليه مستوفًى في 127/ 1089 - فإن أردت التحقيق، فراجعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
184 - (بَابُ التَّكْبِيرِ لِلنُّهُوضِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية التكبير للنهوض.
واللام للتعليل، أو بمعنى "عند".
و"النهوض" بالضم مصدر نَهَضَ، قال في "ق": نَهَضَ كمَنَعَ، نَهْضًا، ونُهوضًا: قام.
وقال الفَيُّوميّ: نَهضَ عن مكانه يَنهَضُ نُهُوضًا: ارتفع عنه، ونَهضَ إلى العدو: أسرع إليه، ونهضتُ إلى فلان، وله نَهضًا، ونهُوضًا: تحركت إليه بالقيام، وانتهضتُ أيضا، وكان منه نَهْضَة إلى كذا: أي حركة، والجمع نهَضَات، وأَنَهْضْتُهُ بالألف: أقمته. انتهى
(1)
.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه على الترجمة واضح. والله تعالى أعلم بالصواب.
1155 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ
(2)
، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ، وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [10] تقدم 1/ 1.
2 -
(مالك) بن أنس الإمام الثبت الحجة المدني [7] تقدم 7/ 7.
3 -
(ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدني [4] تقدم 1/ 1.
4 -
(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة فقيه [3] تقدم 1/ 1.
(1)
"المصباح المنير" ص 628.
(2)
قوله: "بن سعيد" ساقط من بعض النسخ.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم 1/ 1. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وتقدم للمصنف مطوّلا برقم -84/ 1023 - حيث استدلّ به هناك على مشروعية التكبير للركوع، رواه عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1156 -
(أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارٍ
(1)
، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا صَلَّيَا خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، فَلَمَّا رَكَعَ كَبَّرَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ، وَكَبَّرَ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ حِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مَا زَالَتْ هَذِهِ صَلَاتُهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. وَاللَّفْظُ لِسَوَّارٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(نصر بن علي) الجهضمي البصري، ثقة ثبت [10] تقدم 20/ 386.
2 -
(سوّار بن عبد الله بن سوّار) أبو عبد الله البصري، ثقة [10] تقدم 160/ 1129.
3 -
(عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة [8] تقدم 20/ 386.
4 -
(معمر) بن راشد، أبو عروة اليمني، ثقة ثبت [7] تقدم 10/ 10.
5 -
(أبو بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، ثقة فقيه عابد [3] تقدم 51/ 963.
والباقون تقدموا في السند الماضي، والحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، والكلام على مسائله في 1023/ 8، فراجعه تستفد، والله تعالى ولي التوفيق.
وقوله: "ما زالت هذه صلاته""ما نافية، و"زالت" من أخوات "كان" ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، كما قال في "الخلاصة":
تَرْفَعُ كَانَ الْمُبْتَدَا اسمًا وَالْخَبَرْ
…
تَنْصِبُهُ ككَانَ سَيِّدًا عُمَرْ
كَكَانَ ظَلَّ بَاتَ أَضْحَى أَصْبَحًا
…
أَمْسَى وَصَارَ لَيْسَ زَال بَرِحَا
فَتِىءَ وَانْفَكَّ هَذِى الأَرْبَعَهْ
…
لِشِبْهِ نَقي أَوْ لِنَفْيٍ مُتْبَعَهْ
(1)
"بن سوار" ساقط من بعض النسخ.
واسم الإشارة اسمها، و"صلاته" خبرها منصوب بها.
وقوله: "واللفظ لسوّار"، يعني أن لفظ الحديث المذكور لشيخه سوّار بن عبد الله، وأما شيخه نصر، فرواه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
185 - (بَابٌ كَيفَ الْجُلُوسُ لِلتشَهُّدِ الأَوَّلِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "باب" يحتمل الإضافة إلى جملة "كيف الجلوس"، ويحتمل التنوين. و"كيف" اسم استفهام خبر مقدم وجوبا؛ لوجوب تصدير أسماء الاستفهام مبني على الفتح، و"الجلوس" مبتدأ مؤخر وجوبا مرفوع، و"للتشهد" متعلق بـ"الجلوس"، واللام تعديدية، أو بمعنى "عند"، كما تقدم في الترجمة الماضية. والله تعالى أعلم.
واحترز بالتشهد الأول عن التشهد الأخير، فإن السنة في صفته التورُّك، لحديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه، كما سيأتي في 2 - [باب صفة الجلوس في الركعة التي يُقضى فيها الصلاة].
وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" بقوله: [باب سنة الجلوس في التشهد] وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جِلْسَةَ الرجل، وكانت فقيهة. انتهى
(1)
.
قال في "الفتح": أي السنة في الجلوس الهيئة الآتي ذكرها، ولم يرد أن نفس الجلوس سنة، ويحتمل إرادته على أن المراد بالسنة الطريقة الشرعية التي هي أعمّ من الواجب والمندوب.
وقال الزين ابن المُنَيّر رحمه الله: ضَمَّن الترجمة ستة أحكام، وهي أن هيئة الجلوس غير مطلق الجلوس، والتفرقة بين الجلوس للتشهد الأول، والأخير، وبينهما، وبين الجلوس بين السجدتين، وأن ذلك كله سنة، وأن لا فارق بين الرجال والنساء، وأن ذا العلم يُحتَجُّ بعمله. اهـ
(1)
"صحيح البخاري" ج 2 ص 566 بنسخة "الفتح".
قال الحافظ: وهذا الأخير إنما يتم إذا ضمّ أثر أم الدرداء إلى الترجمة، وقد تقدم تقرير ذلك.
وأثر أم الدرداء المذكور وصله البخاري في "التاريخ الصغير" من طريق مكحول. ورجح الحافظ أن القائل: "وكانت فقيهة" هو مكحول.
قال: ومن طريقة البخاري أن الدليل إذا كان عامّا، وعمل بعمومه بعض العلماء رجح به، وإن لم يحتجّ به بمجرده، وعرف من رواية مكحول أن المراد بأم الدرداء الصغرى التابعية، لا الكبرى الصحابية؛ لأنه أدرك الصغرى، ولم يدرك الكبرى، وعملُ التابعي بمفرده، ولو لم يُخَالَف لا يحتج به، وإنما وقع الاختلاف في العمل بقول الصحابي كذلك، ولم يورد البخاري أثر أم الدرداء ليحتجّ به، بل للتقوية. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض اختصار
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب.
1157 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تُضْجِعَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى، وَتَنْصِبَ الْيُمْنَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
2 -
(الليث) بن سعد، أبو الحارث المصري الإمام الحجة الثبت [7] تقدم 31/ 35.
3 -
(يحيى) بن سعيد الأنصاري المدني، ثقة ثبت [5] تقدم 22/ 23.
4 -
(القاسم بن محمَّد) بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقة فقيه من كبار [3] تقدم 120/ 166.
5 -
(عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب، أبو عبد الرحمن المدني، كان وَصيَّ أبيه، ثقة [3] ت 150 تقدم 44/ 52.
6 -
(عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما، تقدم 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله عندهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى عبد الله بن عبد الله، فما أخرج له ابن ماجه، وأنهم مدنيون، سوى شيخه، فبغلاني، والليث، فمصري.
(1)
"فتح" ج-2 ص 567 - 568.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، يحيى، والقاسم، وعبد الله بن عبد الله.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه القاسم بن محمَّد أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة.
ومنها: أن فيه عبد الله بن عبد الله بن عمر ممن سمي باسم أبيه، وكني بكنيته.
ومنها: أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (2630) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أنه قال: إن من سنة الصلاة) الجار والمجرور خبر "إن" مقدما على اسمها (أن تضجع) من الإضجاع رباعيًّا، أي تَفْرُش، والمصدر المؤول اسم "إن" مؤخرا (رجلك اليسرى) بالنصب مفعول "تُضجع".
وفي الرواية الآتية في الباب التالي من طريق عمرو بن الحارث، عن يحيى "والجلوس على اليسرى"، فأفادت الروايتان أن السنة أن يفرش اليسرى، ويجلس عليها (وتنصب اليمنى) بنصب "ينصب" عطفا على "يضجع". زاد في الرواية الآتية "واستقباله بأصابعها القبلة".
والحديث فيه قصة، وقد ساقه البخاري مع القصة من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، أنه أخبره أنه كان يرى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، يتربّعُ في الصلاة إذا جلس، ففعلته، وأنا يومئذ حديث السنّ، فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك، فقال: إن رجليّ لا تحملاني. انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
(1)
"صحيح البخاري"ج 2 ص 567 بنسخة "الفتح".
أخرجه هنا -185/ 1157 - وفي "الكبرى" 92/ 743 - عن قتيبة ابن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمَّد، عن عبد الله بن عبد الله، عنه. و 186/ 1158 - و"الكبرى" 93/ 744 - عن الربيع بن سليمان بن داود، عن إسحاق بن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد الأنصاري به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) عن القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله به. (د) عن القعنبي به. وعن ابن معاذ، عن عبد الوهّاب، عن يحيى بن سعيد به. وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن يحيى به.
وأخرجه مالك في (الموطإ) 77 (وابن خزيمة) برقم 678 و 679. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان كيفية الجلوس للتشهد الأول، وهو أن يفترش الرجل اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويستقبل القبلة بأطراف الأصابع، وأما التشهد الأخير فالسنة فيه التورّك، كما سيأتي في محله، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن قول الصحابي: "من السنة كذا" مرفوع حكما، عند جمهور أهل العلم، قال الحافظ السيوطي رحمه الله في "ألفية المصطلح":
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
…
نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في كيفية الجلوس للتشهد:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى:
افترق أهل العلم في صفة الجلوس في التشهد الأول والآخر ثلاث فرق، فسوّت فرقة بين الجلسة الأولى والأخيرة، فرأت أن ينصب الجالس رجله اليمنى، ويفترش اليسرى، فيجلس على بطن قدمه، هذا قوله سفيان الثوري، وقال أصحاب الرأي: يقعد الرجل في الصلاة إذا قعد في الثانية والرابعة يفترش رجله اليسرى، فيجعلها بين أليتيه، فيقعد عليها، وينصب اليمنى نصبًا، ويوجه أصابع رجله اليمنى نحو القبلة.
واحتج من هذا مذهبه بحيث وائل بن حجر رضي الله عنه، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لأنظرنّ إلى صلاته، كيف يصلي؟، فلما جلس افترش رجله اليسرى، ووضع يده على ركبته اليسرى، ووضع حدّ مرفقه على فخذه اليمنى. وتقدم للنسائي -11/ 889 - مطوّلًا.
وبحديث ابن عمر المذكور في الباب.
ورأت فرقة أن يجلس بين السجدتين كما يجلس في التشهد، ينصب رجله اليمنى، ويَثني اليسرى، ويقعد على وركه الأيسر حتى يستوي قاعدا، ويعتدل.
هذا قول مالك، قال: وهذا أحب ما سمعت إلى، وقال مالك: إذا نصب اليمنى جعل بطن الإبهام على الأرض.
واحتج بما رواه في "الموطإ" عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمَّد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب اليمنى، وثَنَى اليسرى، وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أياه كان يفعل ذلك.
ورأت فرقة ثالثة أن يجلس الجلسة الأولى كالذي ذكرناه عن الثوري، ويجلس في الرابعة على نحو ما حكيناه عن مالك.
هذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
واحتج هؤلاء بحديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار
(1)
.
وقال النووي رحمه الله تعالى: مذهبنا أنه يستحب أن يجلس في التشهد الأول مفترشا، وفي الثاني متوركا، فإن كانت الصلاة ركعتين جلس متوركا. وقال مالك: يجلس فيهما متوركا، وقال أبو حنيفة والثوري: يجلس فيهما مفترشا. وقال أحمد: إن كانت الصلاة ركعتين افترش، وإن كانت أربعا افترش في الأول، وتورك في الثاني.
واحتُجَّ لمن قال يفرش فيهما بحديث عائشة رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى، وينهى عن عقب الشيطان"، وفي رواية البيهقي "يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى".
وعن وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يفرش رجله اليسرى".
واحتُجّ للتورك بحديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى". رواه مسلم.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما "سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى". رواه البخاري.
وروى مالك بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما الجلوس على قدمه اليسرى.
(1)
"الأوسط" ج 3 ص 202 - 204.
واحتج أصحابنا
(1)
بحديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"فإذا جلس في الركعتين جلس علي رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته" رواه البخاري بهذا اللفظ.
قال الشافعي والأصحاب: فحديث أبي حميد وأصحابه صريح في الفرق بين التشهدين، وباقي الأحاديث مطلقة، فيجب حملها على موافقته. فمن روى التورك أراد الجلوس في التشهد الأخير، ومن روى الافتراش أراد الأول، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، لا سيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار الصحابة رضي الله عنهم. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى
(2)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي من هذه المذاهب كلها هو ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو أن التورّك يكون للصلاة التي يكون فيها تشهدان، وما عدا ذلك فالسنة فيه الافتراش، فهذا التفصيل هو الأرجح عندي، إذ هو أقرب للجمع بين الأحاديث، فإن حديث عائشة رضي الله عنهما نص صريح في أن السنة في كل تشهد هو الافتراش، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي الجَوْزاء عنها، في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: "وكان يقول في ركعتين التحيةَ، وكان يفرُش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عُقْبَة الشيطان
(3)
"
فإن هذا نص صريح في أن السنة في الجلوس للتشهد في كل ركعتين هو الافتراش.
لكن لما صح لدينا حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه، وكان فيه زيادة أخذنا بالزيادة، وهي أن السنة في التشهد الأخير فيما كان فيه تشهدان التورك، فبقي ما عداه على حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
والحاصل أن الافتراش هو السنة في الجلوس مطلقا، ما عدا الجلوس للتشهد الأخير في الصلاة الثلاثية، والرباعية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهان]:
الأول: أخرج مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" بسنده عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه".
(1)
أي الشافعية.
(2)
"المجموع شرح المهذّب" ج-3 ص 430 - 341.
(3)
"عقبة الشيطان" بضم، فسكون: هو إقعاء الكلب المنهي عنه، كما تقدم تفسيره.
قال النووي رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكره من صفة القعود هو التورك، لكن قوله. "وفرش قدمه اليمنى" مشكل؛ لأن السنة في القدم اليمنى أن تكون منصوبة باتفاق العلماء، وقد تظافرت الأحاديث الصحيحة على ذلك في "صحيح البخاري" وغيره.
قال القاضي عياض رحمه الله: قال الفقيه أبو محمَّد الخُشَني: صوابه "وفرش قدمه اليسرى"، ثم أنكر القاضي قوله؛ لأنه قد ذكر في هذه الرواية ما يفعل باليسرى، وأنه جعلها بين فخذه وساقه، قال: ولعل صوابه "ونصب قدمه اليمنى"، قال: وقد تكون الرواية صحيحة في اليمنى، ويكون معنى فرشها أنه لم ينصبها على أطراف أصابعه في هذه المرّة، ولا فتح أصابعها كما كان يفعل في غالب الأحوال. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى.
قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا التأويل الأخير الذي ذكره هو المختار، ويكون فعل هذا لبيان الجواز، وأن وضع أطراف الأصابع على الأرض، وإن كان مستحبا يجوز تركه، وهذا له نظائر كثيرة، لا سيما في باب الصلاة، وهو أولى من تغليط رواية ثابتة في الصحيح، وأتفق عليها جميع نسخ مسلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي رحمه الله تعالى حسن جدًّا. والله تعالى أعلم.
الثاني: أن الكيفيات المذكورة في التشهد ليست للوجوب، بل هي للاستحباب، فلو تورك في الأول، وافترش في الأخير جازت الصلاة. والله تعالى أعلم.
الثالث: أنه قيل: الحكمة في الافتراش في التشهد الأول، والتورك في الثاني أنه أقرب إلى تذكر الصلاة، وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول، فيجلس مفترشا ليكون أسهل للقيام، والسنة تطويل الثاني، ولا قيام بعده، فيجلس متوركا ليكون أعون له، وأمكن ليتوفر الدعاء، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أي التشهدين؟. ذكره النووي رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
(1)
"شرح صحيح مسلم" ج 5 ص 79 - 80.
186 - (بَابُ الاسْتِقْبَالِ بِأَطْرَافِ أَصَابعِ الْقَدَمِ الْقِبْلَةَ عِنْدَ الْقُعُودِ لِلتشَهُّدِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب استقبال القبلة بأطراف أصابع القدم عند القعود للتشهد.
1158 -
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَحْيَى، أَنَّ الْقَاسِمَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
(1)
، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:"مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ الْقَدَمَ الْيُمْنَى، وَاسْتِقْبَالُهُ بِأَصَابِعِهَا الْقِبْلَةَ، وَالْجُلُوسُ عَلَى الْيُسْرَى").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(الربيع بن سليمان بن داود) الجِيزي، أبو محمَّد المصري الأعرج، ثقة [11] تقدم 122/ 173.
2 -
(إسحاق بن بكر بن مضر) أبو يعقوب المصري، صدوق فقيه [10] تقدم 122/ 173.
3 -
(بكر بن مضر) بن محمَّد بن حكيم، أبو محمَّد، أو أبو عبد الملك المصري، ثقة ثبت [8] تقدم 122/ 173.
4 -
(عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم، أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ [7] تقدم 63/ 79.
والباقون تقدموا في الباب الماضي، والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، في الباب الماضي أيضًا، فراجعها تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
قوله. "أن تُنْصَبَ" أن مصدرية، "وتُنصَبَ" بالبناء للمفعول، و"القدم" نائب فاعله، وهي مؤنثة، ولذا لحق الفعل تاء التأنيث، والجملة في تأويل المصدر مبتدأ مؤخر، وخبره الجار والمجرور قبله.
وقوله: "واستقباله" الخ بالرفع عطفا على "أن تنصب" لأنه في تأويل المصدر، أي نصبه القدم اليمنى، واستقباله الخ. وإضافة "استقبال" إلى الضمير من إضافة المصدر إلى
(1)
في بعض النسخ "وهو عبد الله بن عبد الله بن عمر".
فاعله، والقبلة منصوب على المفعولية للمصدر، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَبَعْدَ جَرَّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ
…
كَمِّلْ بِنصَب أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَهْ
وقوله: "بأصابعها" متعلق بـ"استقبال".
وقوله: "والجلوس على اليسرى" معطوف أيضا على المصدر المؤوّل.
والحديث يدلّ على استحباب استقبال القبلة بأصابع القدم اليمنى.
والمراد به توجيه رؤوس الأصابع إليها، وذلك يكون بوضع باطن الأصابع على الأرض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
187 - (بَابُ مَوْضِعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْجُلُوسِ لِلتَشَهُّدِ الأَوَّلِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على محل وضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول.
والكيفية المذكورة في هذا الحديث لا تختص بالتشهد الأول، بل تعم الأخير أيضا، وإنما قيده بالأول؛ لأن هذه الأبواب معقودة للتشهد الأول، وسيأتي له ذكر كيفيته في الأخير بباب خاص في أبواب التشهد الأخير -32/ 1266 - إن شاء الله تعالى.
1159 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَأَيْتُهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَضْجَعَ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَنَصَبَ إِصْبُعَهُ لِلدُّعَاءِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ
(1)
الْيُسْرَى، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ مِنْ قَابِلٍ، فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الْبَرَانِسِ).
(1)
في النسخة الهندية "رجله" بدل "فخذه".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ) أبو يحيى المكي، ثقة [10] تقدم 11/ 11.
2 -
(سفيان) بن عيي0010نة الإمام الحجة الثبت [8] تقدم 1/ 1.
3 -
(عاصم بن كليب) الجَرْمي الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [5] تقدم 11/ 889.
4 -
(كُلَيب) بن شهاب الجرمي الكوفي، صدوق [2] تقدم 11/ 889. والله تعالى أعلم.
وقوله: "حتى يحاذي منكبيه" فيه أن السنة رفع اليدين بحذاء المنكبين.
[فإن قلت]: تقدم للمصنف رحمه الله من طريق زائدة، عن عاصم "ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه". وفيه مخالفة لما هنا لأنه يدلّ على أن السنة محاذاة اليدين للأذنين، فكيف التوفيق بينهما؟.
[أجيب]: بأنه لا تخالف بينهما؛ لأن المعنى أنه رفع يديه بحيث تكون الكفان بحذاء المنكبين، وأطراف الأصابع بحذاء الأذنين" (1).
أو يحمل على أنه رآه مرة يرفع بحذاء المنكبين، ومرة بحذاء الأذنين، بيانا للجواز، فلا تخالف، وهذا هو الأولى، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى" إلى قوله: "على فخذه اليسرى" هذا موضع الترجمة، فإنه يبين محل اليدين عند الجلوس للتشهد، فالسنة وضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى، والإشارة بالأصبع عند الدعاء، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى.
وقوله: "ونصب إصبعه للدعاء" أي رفع أصبعه، كما بينته الرواية السابقة من طريق زائدة عن عاصم "ثم رفع إصبعه".
وتقدم أن للأصبع عشر لغات، تثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة أصبوع بوزن أُسْبُوع.
والمراد بالأصبع السبابةُ،، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي في الباب التالي "وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام".
وقوله: "للدعاء" اللام تعليلية، أي رفعها لأجل أن يدعو بها، أو هي للتوقيت، كما في قوله تعالى {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] أي وقت الدعاء. أو
(1)
هذا الوجه فيه نظر، فالوجه الثاني هو الأولى.
بمعنى "عند".
وتقدم في رواية زائدة المذكورة "فرأيته يحركها، يدعو بها". قال الطيبي رحمه الله: إما أن يضمن "يدعو" معنى "يشير"، أي يشير بها إلى وحدانية الله بالإلهية، وإما أن يكون حالا، أي يدعو مشيرا بها.
وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: "يدعو بها": أي يتشهد بها، وإنما سمي التشهد دعاء لاشتماله عليه، إذ من جملته "السلام عليك أيها النبي" إلى "الصالحين"، وهذا كله دعاء، وإنما عبر عنه بلفظ الإخبار لمزيد التوكيد. انتهى
(1)
.
وقوله: "ثم أتيتهم من قابل" أي ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في العام الذي بعد ذلك العام.
فـ"من" بمعنى "في"، و"قابل" صفة لمحذوف، أي عام مقابل للعام الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه الصلاة على الكيفية المذكورة.
وقوله "فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس""البرانس" بفتح الموحدة جمع بُرْنُس -بضم، فسكون- قال ابن منظور رحمه الله: البُرْنُس: كل ثوب رأسه منه مُلتزق به، دَرَّاعةً كان، أو مِمْطَرًا، أو جُبَّةً. وقال الجوهري: البُرْنُس: قَلَنْسُوَة طويلة، وكان النُّسَّاك يلبسونها في صدر الإسلام، وقد تَبَرْنس الرجلُ إذا لبسه. قال: وهو من البرْس بكسر الباء، أي القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي. انتهى
(2)
.
والمعنى أنه رآهم يرفعون أيديهم وهي تحت ثيابهم، لكون الوقت وقت برد شديد، ففي رواية أبي داود من طريق أبي الوليد، عن زائدة "ثم جئتهم بعد ذلك في زمان، فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جُلُّ الثياب تحَرَّكُ أيديهم تحت الثياب". وله من طريق شريك، عن عاصم بن كليب "ثم أتيتهم، فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة، وعليهم برانس، وأكسية".
فتبين بهذا أن سبب رفعهم أيديهم تحت الثياب لعذر البرد، يعني أنه رآهم في الأول يرفعون أيديهم إلى المنكبين، ثم لما جاءهم في العام الذي بعده جاءهم في وقت شدة البرد، فرآهم يرفعون أيديهم تحت الثياب إلى صدورهم لعدم تمكنهم من الرفع إلى المنكبين، لثقل الثياب التي نبسوها لدفع البرد عنهم.
وفيه استحباب رفع اليدين إلى المنكبين، إن أمكن، وإلا فإلى حيث يمكن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
راجع "المرعاة شرح المشكاة" ج 3 ص 229.
(2)
"لسان العرب" 1/ 270.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث وائل بن حُجْر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، تقدم للمصنف رحمه الله في 11/ 889 - حيث استدل به هناك على بيان موضع اليمين من الشمال في الصلاة، رواه عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن زائدة، عن عاصم بن كُلَيب. . وأورده هنا استدلالا على بيان موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول. وقد استوفيت هناك شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، فإن أردت الاستفادة فارجع إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
188 - (بَابُ مَوْضِعِ الْبَصَرِ فِي التَّشَهُّدِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الموضع الذي ينظر إليه المصلي في تشهده.
1160 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَاوِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً، يُحَرِّكُ الْحَصَى بِيَدِهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَا تُحَرِّكِ الْحَصَى، وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَكِنِ اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ، قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَمَى بِبَصَرِهِ إِلَيْهَا، أَوْ نَحْوِهَا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(علي بن حُجْر) السعدي المروزي، ثقة حافظ من صغار [9] تقدم 13/ 13.
2 -
(إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري المدني، ثقة ثبت [8] تقدم 16/ 17.
3 -
(مسلم بن أبي مريم) يسار السَّلُولي المدني مولى الأنصار، وقيل في ولأئه: غير ذلك، ثقة [4].
روى عن ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن سرجس، وعلي بن عبد الرحمن المُعاوي، وغيرهم. وعنه إسماعيل بن جعفر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وشعبة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وهم ثلاثة إخوة: محمَّد، وعبد الله، ومسلم، بنو أبي مريم، ومسلم أعلاهم. وقال ابن سعد: ليس بأخيهما. وقال علي بن زَنْجَلَةَ، عن القعنبي: كان مالك يثني عليه، وقال: لا يكاد يرفع حديثا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو، وابن سعد: مات في ولاية أبي جعفر، زاد ابن سعد: وكان شديدا على القدرية، وكان ثقة قليل الحديث. روى له الجماعة، سوى الترمذي، وله في هذا الكتاب (3) أحاديث.
4 -
(علي بن عبد الرحمن الْمُعَاوي) الأنصاري المدني، ثقة [4].
روى عن ابن عمر، وجابر. وعنه مسلم بن أبي مريم، والزهري. قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
ذكر أبو عوانة في "صحيحه" أن شعبة روى حديثه عن مسلم بن أبي مريم، عنه، فقلبه، فقال: عبد الرحمن بن علي، قال أبو عوانة: وهو غلط.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي حديثا واحدا، وهو حديث الباب فقط.
[قوله]: "الْمُعَاويّ". هكذا في النسخة الهندية، و"تقريب التهذيب" ص 247 و"تهذيب التهذيب" ج 7 ص 361 و"الخلاصة" ج 2 ص 153، و"تهذيب الكمال" ج 21 ص 53 وهو الصواب.
ووقع "في النسخ المطبوعة من "المجتبى" "المعافري" بدل "المعاوي"، وهو الذي في "الكبرى"، وهو غلط؛ لأنه نسبة إلى معاوية بن مالك، قال في "تهذيب الكمال" جـ 21 ص 53: من ولد مُعاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، من الأوس. انتهى.
والصواب في ضبطه ضم الميم، وتخفيف العين المهملة، كما في "الخلاصة" ج 2 ص 253 و"لب اللباب" ج 2 ص 264. فما وقع في بعض نسخ "تقريب التهذيب" من ضبطه بفتح الميم فغلط، وقد وقع على الصواب في بعضها، وهي النسخة التي حققها أبو الأشبال صغير أحمد شاغف. الباكستاني. فتنبه. والله تعالى ولي التوفيق.
5 -
(عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما، تقدم 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم مدنيون، سوى شيخه، فمروزي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن فيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن علي بن عبد الرحمن الْمُعاوي، عن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أنه رأى رجلا) هو علي بن عبد الرحمن الراوي عن ابن عير، ففي الرواية الآتية -32/ 1266 - من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسلم بن أبي مريم، قال: سمعت علي بن عبد الرحمن يقول: صليت إلى جنب ابن عمر، فقلبت الحصى. . .
(يحرّك الحصى) جملة في محل نصب صفة لـ"رجلا"، أي يقلّب الحصى عَبَثًا (بيده) متعلق بـ"حرك"(وهو في الصلاة) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يحرك"، أي حال كونه كائنا في الصلاة.
وفي الرواية الآتية 33/ 1267 - من طريق مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي ابن عبد الرحمن، قال رآني ابن عمر، وأنا أعبث بالحصى في الصلاة". . .
والمراد أنه يعبث في جلوس الصلاة بدليل تعليم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فإنه اقتصر على بيان كيفية وضع اليدين في حال الجلوس (فلما انصرف) أي سلم الرجل من الصلاة (قال له عبد الله) بن عمر رضي الله عنهما (لا تحرك الحصى، وأنت في الصلاة) جملة حالية من فاعل "تحرك"(فإن ذلك من الشيطان) الفاء تعليلية، واسم الإشارة يعود إلى التحريك المفهوم من "تحرك" أي لأن ذلك التحريك من عمل الشيطان، أي من وسوسته للمصلي لئلا يُقبِلَ على ربه في صلاته (ولكن اصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع) أي كصنعه في جلوسه للصلاة.
(قال) أي الرجل لابن عمر لمّا أمره أن يصنع كما كان صلى الله عليه وسلم يصنع (وكيف كان يصنع) في محل نصب مقول القول، أي كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ حتى أقتدي به في صنعه، وفي رواية يحيى المذكورة "وكيف رأيتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يفعل؟ "(قال) الفاعل ضمير علي بن عبد الرحمن، وهو الرجل الذي أنكر عليه ابن عمر، كما تقدم (فوضع) أي ابن عمر رضي الله عنهما (يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه) تقدم ضبط الأصبع في الباب الماضي (التي تلي الإبهام) وفي رواية يحيى "وأشار بالسبّابة".
وفي رواية مالك "كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه، وقبض، يعني أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى".
قال ابن منظور رحمه الله: و"الإبهام" من الأصابع: الْعُظمَى معروفة مؤنثة. قال ابن سيده: وقد تكون في اليد والقدم، وحكى اللِّحْيَاني أنها تُذَكَّر وتؤنث. وقال الأزهري: وقيل للأصبع إبهام لأنها تُبْهم الكفَّ، أي تُطْبق عليها، قال: وبَهيم هي الإبهام للأصبع،
قال: ولا يقال البِهام -أي بالكسر-، وقال أيضا: الإبهام: الإِصبع الكبرى التي تلي المُسَبِّحَة، والجمع الأباهيم، ولها مَفْصِلان. انتهى
(1)
. .
والأصبع التي تلي الإبهام هي المُسَبّحة -بضم الميم، وكسر الباء المشددة- سميت بذلك لأن المصلي يشير بها إلى التوحيد والتنزيه لله سبحانه وتعالى عن الشرك. قاله النووي رحمه الله تعالى
(2)
. وتسمى السَّبَّابة أيضا لأنها يشار بها عند المخاصمة والسب
(3)
.
وسيأتي ما يتعلق بالإشارة في الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
(في القبلة) متعلق بـ"أشار"، و"في" بمعنى الباء، أي أشار بها إلى القبلة، و"أل" في القبلة للعهد، الذهني أي القبلة المعهودة التي توجه إليها المصلي، وهي الكعبة (ورمى ببصره إليها) أي نظر ببصره إلى الأصبع التي أشار بها، وهذا محل الترجمة، ففيه أن موضع البصر في حال التشهد هي الأصبع التي يشير بها إلى التوحيد، والحكمة في ذلك أن يتواطأ القلب واللسان والجوارح في توحيد الله سبحانه وتعالى.
(أو نحوها)"أو" للشك من بعض الراوة، ولذلك يقدر بعدها في حال القراءة لفظة "قال"، كما هو مقرر في "مصطلح الحديث"، أي أو قال: رمى ببصره نحوها،، أي جهةَ الأصبع التي أشار بها. فـ"نحوها" منصوب بالفعل المقدر، ويحتمل أن يكون مجرورا عطفا على الضمير المجرور بـ "إلى"، أي إلى نحوها، أي جهتها، والله تعالى أعلم.
(ثم قال) أي ابن عمر رضي الله عنهما (هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع) أي يصنع الكيفية المذكورة، من وضع اليمنى على الفخذ اليمنى، والإشارة بالإصبع التي تلي الإبهام، والنظر إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -188/ 1160 - و"الكبرى" 96/ 747 - عن علي بن حجر، عن
(1)
"لسان العرب" ج 1 ص 270.
(2)
"لسان العرب" ج 1 ص 378.
(3)
"تهذيب الأسماء واللغات" ج 4 ص 144.
إسماعيل بن جعفر، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن الْمُعَاويِّ، عنه.
وفي 32/ 166 - و"الكبرى" -67/ 189 - عن محمَّد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، قال. حدثنا يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، شيخٌ من أهل المدينة، ثم لقيت الشيخ، فقال: سمعت علي بن عبد الرحمن، يقول. . . وفي 33/ 1267 - و"الكبرى" 68/ 1190 - عن قتيبة، عن مالك، عن مسلم به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن ابن أبي عمر، عن سفيان به. (د) عن القعنبي، عن مالك به.
وأخرجه مالك في "الموطإ" 76 و (الحميدي) في "مسنده" رقم 648) (وأحمد) 2/ 10 و 45 و 65 و 73. و (ابن خزيمة) رقم 712 و 719. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو بيان موضع نظر المصلي في حال التشهد، وهي الإِصبع التي أشار بها، فيستحب للمصلي أن ينظر في حال التشهد إلى المسبحة، ولا يتجاوزها.
ومنها: استحباب الإشارة بالمسبحة، وتوجيهها إلى القبلة.
ومنها: الإنكار على من يلعب في الصلاة، وتعليمه السنة.
ومنها: فضل ابن عمر رضي الله عنهما، حيث قام بالإنكار على من يعبث في الصلاة، وتعليمه السنة، قال الله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
189 - (بَابُ الإِشَارَةِ بِالأصْبَعِ فِي التَّشَهدِ الأَوَّلِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب الإشارة بالأصبع في التشهد الأول،
وإنما قيده بالأول، وإن كان لا يخصه، لأن الكلام فيه، وإلا فالحكم في التشهد الأخير كذلك، وسيأتي له باب مفرد في محله، إن شاء الله تعالى.
1161 -
(أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السِّجْزِيُّ، يُعْرَفُ بِخَيَّاطِ السُّنَّةِ، نَزَلَ بِدِمَشْقَ، أَحَدُ الثِّقَاتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
(1)
الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ فِي الثِّنْتَيْنِ، أَوْ فِي الأَرْبَعِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(زكريا بن يحيى السجزي، يعرت بخياط السنّة، نزل بدمشق، أحد الثقات) هو زكريا بن يحيى بن إياس بن سلمة السجزي، أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ [12].
روى عن إسحاق بن راهويه، وبشر بن الحكم، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، والحسن بن عيسى، وغيرهم. وعنه النسائي، وهو من أقرانه، وابن صاعد، وأبو الحسن بن جُوصاء، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، وأبو القاسم الطبراني، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال عبد الغني بن سعيد: حافظ ثقة. وقال ابن يونس: قدم مصر، وكُتِبَ عنه، وخرج، وتوفي بدمشق بعد (280) وقال أبو علي بن هارون: كان مولده سنة (195)، وكانت وفاته سنة (289). انفرد به المصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (34) حديثًا.
قوله: "السِّجْزي" -بكسر المهملة، وسكون الجيم، بعدها زاي-: نسبة إلى "السِّجْز"، اسم لسجستان.
وقوله: "خياط السنة" إنما عرف به، لألْه كان يَخيط أكفان أهل السنة. قاله في "الخلاصة" ج 1 ص 338.
2 -
(الحسن بن عيسى) بن ما سَرْجس -بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- الماسرجسي، أبو علي النيسابوري، مولى ابن المبارك، ثقة [10].
روى عنه، وعن أبي بكر بن عياش، وعبد السلام، وجرير بن عبد الحميد، وابن عيينة، وغيرهم. وعنه مسلم، وأبو داود، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر الفقيه، وغيرهم.
قال الخطيب: كان من أهل بيت الثروة والقدم في النصرانية، ثم أسلم على يدي ابن
(1)
وفي نسخة "أنا".
(2)
وفي نسخة "ثنا". وفي أخرى "أخبرنا".
المبارك، ورحل في العلم، ولقي المشايخ، وكان ديّنا ورعا ثقة، ولم يزل من عقبه بنيسابور فقهاء ومحدثون. قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يحكي عن شيوخه أن ابن المبارك قد كان نزل مرّة رأس سكة عيسى، وكان الحسن بن عيسى يركب، فيجتاز به، وهو في المجلس، وكان الحسن من أحسن الشباب وجها، فسأل عنه ابن المبارك؟ فقيل له: إنه نصراني، فقال: اللَّهم ارزقه الإسلام، فاستجاب الله دعوته فيه. وقال السرّاج: كان عاقلا عُدّ في مجلسه بباب الطاق اثنا عشر ألف محبرة، ومات بالثَّعْلَبية في الْمُنصَرَف من مكة سنة (239) وقيل: سنة (240). قال أبو بكر بن المؤمل بن الحسن ابن عيسى: أنفق جدّي في حجته الأخيرة ثلثمائة ألف درهم. وقال الحاكم: خرجت مع أبي بكر بن المؤمل، وأخيه أبي القاسم، فلما بلغت الثعلبية زرت معهما قبر جدهما، فقرأت على لوح قبره: هذا قبر الحسن بن عيسى، توفي في صفو سنة (240).
وروى عنه ابن خزيمة في "صحيحه". وقال أحمد بن سيار في "تاريخ نيسابور": كان يظهر أمر الحديث، وُيسرّ الرأي جهدَهُ، ذكرته لإسحاق بن إبراهيم، فلم ينبسط بذكره.
وقال السرّاج: لمّا قدم بغداد هجره بعض أصحاب الحديث بقوله في الإيمان، ثم اجتمعوا إليه، وقالوا: بيّن لنا مذهبك، قال: الإيمان قوله وعمل، قالوا: يزيد وينقص؟ فقال: لي أستاذان، ابنُ المبارك، وابنُ حنبل، كان عبد الله يقول: يزيد، ويتوقف في النقصان، فإن قال أحمد: ينقص قلت بقوله، فأحضروا له خط أحمد يزيد وينقص، فقال الحسن: هو قولي، فرضوا بذلك، وكتبوا عنه. وقال الدارقطني: ثقة. انفرد به مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (3) أحاديث فقط.
3 -
(ابن المبارك) عبد الله الإمام الحافظ الحجة الثبت المروزي [8] تقدم 32/ 36.
4 -
(مخرمة بن بكير) بن عبد الله بن الأشج، أبو المسور المدني، صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا [7]. تقدم 28/ 438.
5 -
(عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني، ثقة عابد [4] تقدم 37/ 730.
6 -
(عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما، تقدم 40/ 44. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عامر بن عبد الله (عن أبيه) عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أنه (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الثنتين) أي في آخر الركعتين، من الصلاة الثنائية، أو الثلاثية، أو الرباعية (أو) جلس (في الأربع) أي في آخر الأربع من الصلاة الرباعية، ومثله الثالث في الثلاثية، للأدلة لأخرى (يضع يديه على ركبتيه) والمراد وضع باطن الكفين على الركبتين.
وفيه دلالة، على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس للتشهد، وهو مجمع عليه
(1)
.
والحكمة في وضعهما صونهما عن العبث في الصلاة.
(ثم أشار بإصبعه) تقدم في الباب الماضي أن المراد بالإصبع هي التي تلي الإبهام، وهي المسبّحة.
وفيه استحباب الإشارة بالمسبحة في التشهد.، وهو موضع استدلال المصنف لما ترجم له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -189/ 1161 - وفي "الكبرى" -94/ 745 - عن زكريا بن يحيى السجزي، عن الحسن بن عيسى، عن ابن المبارك، عن مخرمة بن بُكَير، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه. وفي 35/ 1270 - و"الكبرى" 70/ 1192 - عن أيوب بن محمَّد الوزّان، عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن محمَّد بن عجلان، عن عامر به. بلفظ:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحرّكها".
قال ابن جريج: وزاد عمرو قال: أخبرني عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كذلك، ويتحامل بيده اليسرى على رجله اليسرى".
وفي 39/ 1275 - و"الكبرى" 74/ 1198 - عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى، عن ابن عجلان به. بلفظ:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في التشهد وضع كله اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته". والله تعالى أعلم.
(1)
انظر "نيل الأوطار" ج 2 ص 328.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) عن قتيبة، عن ليث، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان به. وعن محمد بن معمر القيسي، عن أبي هشام المخزومي، عن عبد الواحد بن زياد، عن عثمان بن حكيم، عن عامر بن عبد الله به.
(د) عن إبراهيم بن الحسن المصيصي، عن حجاج الأعور به. وعن محمَّد بن بشار، عن يحيى القطان، عن ابن عجلان به. وعن محمَّد بن عبد الرحيم البزاز، عن عفان، عن عبد الواحد بن زياد به.
وأخرجه (الحميدي) برقم 879 (وأحمد) 4/ 3 (والدارمي) رقم 1344 (وابن خزيمة) رقم 696. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الإشارة بالإصبع، وهي المُسَبِّحَة في التشهد الأول، ومثله الأخير، وتقدم وجه تخصيصه بالأول في أول الباب.
ومنها: استحباب وضع اليدين على الركبتين. فأما اليمنى فالمستحب فيها القبض، والإشارة بالسبابة، وسيأتي هيئات قبضها قريبا، إن شاء الله تعالى.
وأما اليسرى فالمستحب فيها الوضع.
قال النووي رحمه الله تعالى: وقد أجمع العلماء على استحباب وضعها -يعني اليسرى- عند الركبة، أو على الركبة، وبعضهم يقول: يَعطف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله في رواية مسلم لحديث؛ الباب من طريق أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان:"ويلقم كفه اليسرى على ركبته". انتهى
(1)
. .
ثم إنه لا خلاف بين أهل العلم في وضع اليدين على الركبتين، والإشارة بمسبحة اليمنى.
قال صاحب "التعليق الممجد" من العلماء الحنفية: أصحابنا الثلاثة -يعني الإمام أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمد بن الحسن- اتفقوا على تجويز الإشارة
(2)
، لثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بروايات متعددة، وقد قال به غير واحد من العلماء، حتى قال ابن عبد البرّ: إنه لا خلاف في ذلك، وإلى الله المشتكى من صنيع سير من أصحابنا، أصحاب الفتاوى، كصاحب "الخلاصة" وغيره حيث ذكروا أن المختار عدم الإشارة، بل ذكر بعضهم أنها مكروهة، فالحذرَ الحذرَ من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة
(1)
"شرح صحيح مسلم" ج 5 ص 81.
(2)
كان حق التعبير أن يقول "على استحباب الإشارة". فتبصر.
مع كونه مخالفا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل وعن أئمتنا أيضا، بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفي، وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الإثبات لكان فعل الرسول وأصحابه أحقّ وألزم بالقبول، فكيف، وقال به أئمتنا أيضا؟. انتهى كلام صاحب "التعليق الممجد" باختصار
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: قد ورد في كيفية وضع اليد اليمني هيآت:
الأول: ما في حديث وائل بن حجر رضي الله عنه الآتي للمصنف 34/ 1268 - وفيه "وجعل حَدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّقَ حَلْقَة، ثم رفع إصبعه، في أيته يحركها، يدعو بها".
الثانية: ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة".
الثالثة: ما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام". . . الحديث. وسيأتي للمصنف نحوه 32/ 1267. إن شاء الله تعالى.
الرابعة: ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته".
الخامسة: وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض، والإشارة بالسبابة، وقد أخرج مسلم رواية أخرى عن ابن الزبير تدلّ على ذلك؛ لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة. وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عمر ما يدلّ على ذلك، وأخرج أبو داود، والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض، قال العلامة الشوكاني رحمه الله: اللَّهم إلا أن تحمل الرواية التي لم يُذكر فيها القبض على الروايات التي ذكر فيها القبض حمل المطلق على المقيد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحمل هو المتعين في المسألة؛ توفيقا بين الأدلة. والله تعالى أعلم.
وقد جعل العلامة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "الهدي" الروايات المذكورة كلها واحدة، قال: فإن من قال: قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوسطى كانت
(1)
"التعليق الممجد على موطإ محمَّد" ج 1 ص 464 - 465.
مضمومة، ولم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: قبض اثنتين أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر، بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى، وقد صرّح بذلك من قال: وعقد ثلاثا وخمسين، فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومة، ولا تكون مقبوضة مع البنصر.
وقد استشكل كثير من الفضلاء هذا، إذ عقد ثلاث وخمسين لا يلائم واحدة من الصفتين المذكورتين، فإن الخنصر لا بدّ أن تركب البنصر في هذا العقد.
وقد أجاب عن هذا بعض الفضلاء بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: قديمة، وهي التي ذكرت في حديث ابن عمر، تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومة مع تحليق الإبهام مع الوسطى، وحديثة، وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب. والله أعلم. انتهى كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في بيان معنى عقد ثلاث وخمسين الوارد في حديث التشهد:
أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة".
قال النووي رحمه الله: (واعلم): أن قوله: "وعقد ثلاثا وخمسين" شرطه عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادا ها هنا، بل المراد أن يضع الخنصر على الراحة، ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين. والله أعلم انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: (اعلم): أن للعرب طريقة مشهورة اصطلحوا عليها في عقود الحساب، وهي أنواع: آحاد، وعشرات، وألوف.
وقد بين ذلك العلامة الفقيه الحنفي محمَّد أمين المعروف بـ "ابن عابدين" رحمه الله تعالى، في رسالته "رفع التردد": وخلاصة ما قاله فيها:
أن للواحد: ضم الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف ضما مُحْكَمًا، وللاثنين: ضم البنصر معها كذلك، وللثلاثة: ضمهما مع الوسطى كذلك، وللأربعة: ضمهما، ورفع الخنصر، وللخمسة: ضم الوسطى فقط، وللستة: ضم البنصر فقط، وللسبعة: ضم الخنصر فقط مع مدها حتى تصل إلى لحمة أصل الإبهام، وللثمانية: ضم البنصر
(1)
"زاد المعاد في هدي خير العباد" ج 1 ص 255 - 256.
(2)
"شرح صحيح مسلم" ج 5 ص 80 - 82.
معها كذلك، وللتسعة: ضمهما مع الوسطى كذلك.
وللعشرة: جعل طرف السبابة على باطن نصف الإبهام، وللعشرين: إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى بحيث يكون ظفرها بين عقدتي السبابة، وللثلاثين: إلزاق طرف السبابة بطرف الإبهام، وللأربعين: وضع باطن الإبهام على ظاهر السبابة، وللخمسين: عطف الإبهام كأنها راكعة، وللستين: تحليق السبابة على طرف الإبهام الراكعة، وللسبعين: وضع طرف الإبهام على وسط السبابة مع عطف السبابة إليها قليلا، وللثمانين: مد الإبهام والسبابة كأنهما ملتصقتان خلقة، وللتسعين: ضم طرف السبابة إلى أصلها، وعطف الإبهام عليها.
ثم انقل الحساب إلى اليد اليسرى، واجعل المائة كعقد الواحد، وهكذا دواليك.
والحاصل أن عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى من اليد اليمنى للآحاد، والسبابة والإبهام للعشرات، بتبديل كيفية الوضع، وكذلك عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى من اليد اليسرى للمئات، والسبابة، والإبهام منها للألوف.
فغاية ما تجمعه اليمنى من العدد تسعة وتسعون، وما تجمعه اليسرى تسعمائة وتسعة آلاف. انتهى كلام ابن عابدين رحمه الله تعالى
(1)
. .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما حكم تحريك السبابة عند الإشارة فسيأتي الكلام عليه حيث يترجم له المصنف رحمه الله تعالى في 39/ 1275 - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
190 - (كَيْفَ التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لفظة "كيف" ساقطة من بعض النسخ، وفي بعضها "باب التشهد الأول".
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالّة على صيغ التشهد في الجلوس الأول، وإنما خص الأول، وإن كانت الكيفية المذكورة لا تخصه، لأن الكلام فيه، وأما التشهد الأخير فسيأتي له باب يخصه. والله أعلم بالصواب.
(1)
"رفع التردد" من مجموع رسائل ابن عابدين جـ 1 ص 129 - 103.
1162 -
(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، عَنِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَقُولَ إِذَا جَلَسْنَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يعقوب بن إبراهيم الدورقي) أبو يوسف البغدادي، ثقة [10] تقدم 21/ 22.
[تنبيه]: قوله: "الدَّوْرَقي" بفتح أوله، والراء، وقاف: نسبة إلى دَوْرق بلد بخُوزسْتَان، وإلى القلانس الدَّوْرقية. وإلى دَوْرَقَةَ بلد بالأندلس.
واختلف في نسبة يعقوب، وأخيه أحمد، فقيل: إن أصلهما من فارس، وقيل: نسبا إلى لبس القلانس الدورقية. انتهى "اللب" ج 1 ص، 325 واللباب" ج 1 ص 512. والله تعالى أعلم.
2 -
(الأشجعي) عبيد الله بن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة مأمون، أثبت الناس كتابا في الثوري، من كبار [9].
روى عن هشام بن عروة، ومالك بن مغول، وشعبة، والثوري، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، ويحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وابن معين، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وغيرهم.
قال الأشجعي: سمعت من الثوري ثلاثين ألف حديث. وقال ابن سعد: رَوَى كُتُبَ الثوري على وجهها، وروى عنه "الجامع"، وكان من أهل الكوفة، وقدم بغداد، فمات بها، وقال قَبيصة: لما مات الثوري أرادوا الأشجعي على أن يَقْعُدَ مكانه، فأبى. وقال أبو بكر الأعين: سألت أحمد عن أصحاب الثوري؟ فقال: يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، ثم الأشجعي. وقال أبو داود عن أحمد: كان يكتب في المجلس، فمن ثَمَّ صح حديثه. وقال ابن محرز عن ابن معين: ما كان بالكوفة أعلم بسفيان من الأشجعي. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة مأمون. وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا متقنا عالما بحديث الثوري رجلا صالحا أرفع من روى عن سفيان. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: كان أثبت الناس في الثوري إذا أخرج كتابه. وقال ابن سعد: أشجعي من أنفسهم، وكان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يغرب، وينفرد. قال أبو داود: مات سنة (182) في أولها. أخرج له الجماعة سوى أبي داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (1162) وحديث رقم (3186).
3 -
(سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحافظ الحجة الثبت [7] تقدم 33/ 37.
4 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد مدلس واختلط بآخره [3] تقدم 38/ 42.
5 -
(الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة فقيه مخضرم مكثر [2] تقدم 29/ 33.
6 -
(عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه تقدم 35/ 39. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى الأشجعي، فما أخرج له أبو داود.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فبغدادي.
ومنها: أن شيخه أحد من اتفق أصحاب الأصول الستة بالرواية عنهم بلا واسطة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، أبو إسحاق، عن الأسود. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: عَلَّمَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم) وفي راوية علقمة الآتية 1168 - كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول: السلام على الله، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله الخ". . .
(أن نقول) في تأويل الصدر مفعول ثان لـ"علم" و"نا" هو المفعول الأول (إذا جلسنا في الركعتين)"إذا" متعلق بـ"نقول"، والجار والمجرور متعلق بـ"جلس".
أي عَلَّمَنا القولَ وقت جلوسنا في رأس كل ركعتين من الصلاة الثنائية، أو الرباعية، وترك ذكر القعدة الأخيرة من الثلاثية لقلتها، وظهور أن حكمها كحكم غيرها من القَعَدَات في هذا الذكر، فلا يرد أن الحديث لا يشمل القعدة الأخيرة من الثلاثية.
ثم إن المصنف رحمه الله قدم تشهد ابن مسعود رضي الله عنه لما صرحوا به من أنه أصح التشهدات ثبوتا بالاتفاق، فهو أحق بالاعتناء به. والله تعالى أعلم. قاله السندي رحمه الله تعالى
(1)
.
(التحيات لله) جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب مقول القول.
و"التحيّات" جمع تحية: ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك. وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية
(1)
"شرح السندي" ج 2 ص 238.
الملكَ نفسه، لكنها الكلام الذي يُحَيَّا به الملك. وقال ابن قتيبة: لم يكن يُحَيّا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه، فلهذا جمُعَت، فكان المعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مُستَحَقَّةٌ لله. وقال الخطابي، ثم البغوي: ولم يكن في تحيتهم شيء يصلح للثناء على الله، فلهذا أبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي أنواع التعظيم له. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين المعاني المقدم ذكرها، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا. قاله في "الفتح"
(1)
.
وقال البدر العيني رحمه الله تعالى: وقال الخطابي رحمه الله: "التحيات" كلمات مخصوصة كانت العرب تحُيّى بها الملوك، نحو قولهم: أَبَيتَ اللعنَ، وقولهم: انعَم صباحا، وقول العجم: وزى ده هزار سال، أي عِشْ عشرةَ آلاف سنة
(2)
، ونحوها من عاداتهم في تحية الملوك عند الملاقات، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء على الله تعالى، فتُركَتْ أعيان تلك الألفاظ، واستعمل منها معنى التعظيم، فقيل: قولوا: "التحيات لله"، أي أنواع التعظيم لله، كما يستحقه، وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه في أسماء الله تعالى السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد، قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات، لا يُحَيّا بها غيره.
واللام في "لله" لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ، وللثاني أحسن. انتهى كلام البدر العيني رحمه الله تعالى
(3)
.
وقال ابن منظور رحمه الله: والتحيّة: السلام، وقد حيّاه تحيةً، وحكى اللِّحْياني: حيّاك الله تحيّةَ المؤمن، والتحيةُ: البقاء، والتحية: المُلك، وقول زُهير بن جناب الكَلْبي:[من مجزو الكامل]
وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى
…
قَدْ نِلْتُهُ إلَّا التَّحِيَّهْ
قيل: أراد الملك. وقال ابن الأعرابي: أراد البقاء؛ لأنه كان مَلكا في قومه. قال ابن بَرِّيّ: زهير هذا هو سيد كَلْب في زمانه، وكان كثير الغارات، وعُمِّر عمرًا طويلا، وهو القائل لمّا حضرته الوفاة:
أَبَنِيَّ إِنْ أَهلِكْ فَإِنْ
…
فِي قَدْ بَنَيتُ لَكُمْ بَنِيَّهْ
(1)
"فتح" ج 2 ص 577.
(2)
سيأتي في "عبارة اللسان" ما يخالف هذا، وأنه ألف عام، فلعله مما اختلف في معناه. والله تعالى أعلم.
(3)
"عمدة القاري" ج 6 ص 111.
وَتَرَكْتُكُمْ أَوْلَادَ سَا
…
دَاتٍ زِذْنَاكُمُ وَرِيَّهْ
وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى
…
قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَّهْ
قال: والمعروف بالتحية هنا إنما هي بمعنى البقاء، لا بمعنى الملك.
وقال سيبويه: تحيّة: تَفْعِلَة، والهاء لازمة، والمضاعف من الياء قليل؛ لأن الياء قد تُثَقَّلُ وحدها لاما، فإذا كان قبلها ياء كانت أثقل لها. وقال أبو عبيد: والتحية في غير هذا: السلام. وقال الأزهري: قال الليث: في قولهم في الحديث: "التحيات لله": معناه: البقاء لله، ويقال: الملك لله. وقيل: أراد بها السلام، يقال: حَيّاك الله: أي سلّم عليك، والتحية تفعلة من الحياة، وإنما أدغمت لاجتماع الأمثال، والهاء لازمة لها، والتاء زائدة. وقولهم: حيّاك الله، وبَيّاك: اعتَمَدَك بالملك، وقيل: أضحكك. وقال الفرّاء حياك الله: أبقاك الله، وحياك الله: أي ملّكَك الله، وحياك الله: أي سلَمَّ عَليك، قال: وقولنا في التشهد "التحيات لله" يُنْوَى بها البقاء لله، والسلام من الآفات، والملك لله، ونحو ذلك. وقال أبو عمرو: التحية: الملك، وأنشد قول عمرو بن مَعْديكَرِب:[من الوافر]
أَسِيرُ بِهِ إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى
…
أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
يعني على ملكه. وقال خالد بن يزيد: لو كانت التحيّة الملك لَمَا قيل: التحيات لله، والمعنى السلامات من الآفات كلِّها، وجَمَعَهَا لأنه أراد السلامة من كلّ آفة. وقال القُتَيبي: إنما قيل: التحيات لله على الجمع؛ لأنه كان في الأرض ملوك يُحَيَّونَ بتحيات مختلفة، يقال لبعضهم: أَبَيتَ اللّعْنَ، ولبعضهم: اسْلَمْ، وانْعَمْ، وعِشْ ألفَ سنة، ولبعضهم: انْعَمْ صَبَاحًا، فقيل لنا: قولوا: "التحيات لله". أي الألفاظ التي تَدُلُّ على الملك والبقاء، ويكنى بها عن الملك فهي لله عز وجل.
وروي عن أبي الْهَيْثَم أنه يقول: التحية في كلام العرب ما يُحَيِّي به بعضهم بعضا إذا تلاقَوا، قال: وتحية الله التي جعلها في الدنيا والآخرة لمؤمني عباده إذا تلاقوا، ودعا بعضهم لبعض بأجمع الدعاء أن يقولوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال الله عز وجل:{تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44] وقال في تحية الدنيا: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] وقيل في قوله:
قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَّهْ
يريد إلا السلامة من المَنيّة والآفات، فإن أحدا لا يسلم من الموت على طول البقاء، فجَعَلَ معنى التحيات لله: أي السلامُ له من جميع الآفات التي تلحق العباد من العناء، وسائر أسباب الفناء.
قال الأزهري: وهذا الذي قاله أبو الهيثم حسن، ودلائله واضحة، غير أن التحية، وإن كانت في الأصل سلاما، كما قال خالد، فجائز أن يسمى المُلْك في الدنيا تحية، كما قال الفراء وأبو عمرو، لأن المَلِكَ يُحَيّا بتحية المُلك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم، وكانت تحية ملوك العجم نحوا من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم: زِهْ هَزَارْ سَالْ: المعنى: عش سالما ألف عام، وجائز أن يقال للبقاء تحية؛ لأن من سلم من الآفات فهو باق، والباقي في صفة الله عز وجل من هذا؛ لأنه لا يموت أبدا. انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى
(1)
.
(والصلوات) قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعمّ من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة. وقيل: العبادات كلها. وقيل: الدعوات. وقيل: الرحمة. وقيل: "التحيات" العبادات القولية، و"الصلوات": العبادات الفعلية، و"الطيبات": العبادات المالية
(2)
. .
(والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحَسُنَ أن يُثنَى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به. وقيل: الطيبات ذكرُ الله. وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء. وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعمّ.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: إذا حمل التحية على السلام، فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مثلا مُستَحَقَّةٌ لله تعالى، وإذا حمل على البقاء، فلا شك في اختصاص الله به، وإذا حمل على الملك والعظمة، فيكون معناه الملك الحقيقي التامّ لله، والعظمة الكاملة لله، لأن ما سوى ملكه وعظمته تعالى فهو ناقص.
قال: و"الصلوات" يحتمل أن يراد بها الصلوات المعهودة، ويكون التقرير أنها واجبة لله تعالى، لا يجوز أن يُقصَدَ بها غيره، أو يكون ذلك إخبارا عن إخلاصنا الصلوات له، أي إن صلواتنا مخلصة له، لا لغيره، ويحتمل أن يراد بالصلوات الرحمة، ويكون معنى قوله:"لله" أي المتفضل بها، والمعطي لها هو الله لأن الرحمة التامة لله تعالى، لا لغيره. يؤتيها من يشاء. وإذا حملت على الدعاء فظاهر.
وقرر بعض المتكلمين في هذا فصل، بأن قال: ما معناه: إن كل من رحم أحدا، فرحمته له بسبب ما حصل له عليه من الرقة، فهو برحمته دافع لألم الرقّة عن نفسه، بخلاف رحمة الله تعالى، فإنها لمجرد إيصال النفع إلى العبد.
وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال الطيبات، ولعل تفسيرها بما هو أعمّ أولى، أعني
(1)
"لسان العرب" ج 2 ص 1078 - 1079.
(2)
انظر "الفتح" ج 2 ص 577.
الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف، وطيبُ الأوصاف كونها بصفة الكمال، وخلوصها عن شوائب النقص. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى
(1)
.
وقال القرطبي: قوله: "لله" فيه تنبيه على الإخلاص في العبادة، أي أن ذلك لا يُفعَل إلا لله. ويحتمل أن يراد به الاعتراف بأن مُلكَ الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في الحقيقة لله تعالى.
وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون "والصلوات"، "والطيبات" عطفا على "التحيات"، ويحتمل أن تكون "الصلوات" مبتدأ، وخبره محذوف، و"الطيبات" معطوفة عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على الجملة.
وقال ابن مالك: إن جعلت "التحيات" مبتدأ، ولم تكن صفة لموصوف محذوف كان قولك:"والصلوات" مبتدأ، لئلا يعطف نعت على منعوته، فيكون متن باب عطف الجمل بعضها على بعض، وكلّ جملة مستقلّة بفائدتها، وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو
(2)
.
(السلام عليك أيها النبي) قيل: معناه التعويذ بالله، والتحصين به سبحانه وتعالى، فإن "السلام" اسم له سبحانه وتعالى، تقديره: الله حفيظ عليك وكفيل، كما يقال: الله معك، أي بالحفظ والمعونة واللطف. وقيل: معناه السلامة والنجاة لك، ويكون مصدرا كاللذاذة واللذاذ كما قال الله تعالى:{فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 91]
(3)
. وقيل: الانقياد لك، كما في قوله تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: وليس يخلو بعض هذا من ضعف؛ لأنه لا يتعدى السلام ببعض هذه المعاني بكلمة "على". انتهى
(4)
.
وقال النووي رحمه الله تعالى: (واعلم): أن "السلام " الذي في قوله: "السلام عليك أيها النبي""السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" يجوز فيه حذف الألف واللام، فيقال:"سلام عليك أيها النبي"، و"سلام علينا"، ولا خلاف في جواز الأمرين هنا، ولكن الألف واللام أفضل، وهو الموجود في روايات صحيحي البخاري ومسلم،
(1)
"إحكام الأحكام" ج 3 ص 8 - 10 زيادة من "الفتح".
(2)
راجع "الفتح" ج 2 ص 577.
(3)
انظر "شرح النووي على صحيح مسلم" ج 4 ص 117.
(4)
"إحكام الأحكام" ج 3 ص 11 - 12. بنسخة الحاشية.
وأما الذي في آخر الصلاة، وهو سلام التحلل، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من جوّز الأمرين فيه هكذا، ويقول: الألف واللام أفضل، ومنهم من أوجب الألف واللام؛ لأنه لم ينقل إلا بالألف واللام، ولأنه تقدم ذكره في التشهد، فينبغي أن يعيده بالألف واللام، ليعود التعريف إلى سابق كلامه، كما يقول: جاءني رجل، فأكرمت الرجل. انتهى
(1)
.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود رضي الله عنه بحذف الألف واللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو من أفراد مسلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا ينقضي عجبي من النووي رحمه الله، كيف ذكر الخلاف في جواز الحذف المذكور، وهو يعلم أنه لم يثبت في شيء من الروايات إلا معرفا، ثم لا يتعقبه؟ إن هذا لشيء عجيب!.
اللَّهم إلا أن يكون مراه حديث ابن عباس رضي الله عنهما، لكن ظاهر عبارته يأبى ذلك!.
والحاصل أن القول بالحذف المذكور مخالف للتعليم النبوي، ومنابذ للسنة، فلا يجوز القول به. فتبصر، ولا تتحير، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال الطيبي رحمه الله: أصل سلام عليك سلَّمتُ عليك سلاما، ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعُدلَ عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره.
ثم التعريف إما للعهد التقديري، أي ذلك السلام الذي وُجِّهَ إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وُجِّهَ إلى الأمم السالفة علينا، وعلى إخواننا.
وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كلّ واحد عمن يصدر، وعلى من ينزل عليك وعلينا.
ويجوز أن يكون للعهد الخارجي، إشارة إلى قوله تعالى:{وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة. انتهى.
وحكى صاحب "الإقليد" عن أبي حامد أن التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، لا يقصر عن الوجوه المتقدمة.
وقال البيضاوي: علمهم أن يفردوه صلى الله عليه وسلم بالذكر، لشرفه، ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصصوا أنفسهم أوّلًا، لأن الاهتمام بها أهمّ، ثم أمرهم بتعميم السلام على
(1)
"شرح صحيح مسلم" ج 4 ص 117.
الصالحين إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم.
وقال التوربشتي: السلام بمعنى السلامة، كالمقام والمقامة، والسلامُ من أسماء الله تعالى وُضعَ المصدر موضع الأصم مبالغة، والمعنى أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد، ومعنى قولنا: السلام عليك الدعاء، أي سلمت من المكاره، وقيل: معناه اسم السلام عليك، كأنه تبرك عليه باسم الله تعالى.
[فإن قيل]: كيف شرع هذا اللفظ، وهو خطابُ بَشَرٍ، مع كونه منهيّا عنه في الصلاة؟
[فالجواب]: أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
[فإن قيل]: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: "عليك أيها النبي"، مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى الصالحين؟
أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة.
ويحتمل أن يقال على طريقة أهل العرفان: إن المصلين لمّا استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرّت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة، وبركات متابعته، فالتفتوا، فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين:"السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله، وبركاته".
وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه صلى الله عليه وسلم، فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده، فيقال بلفظ الغيبة، وهو مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور. ففي "الاستئذان" من "صحيح البخاريّ" من طريق أبي معمر، عن ابن مسعود رضي الله عنه بعد أن ساق حديث التشهد، قال: وهو بين ظهرانينا، فلمّا قبض قلنا:"السلام" -يعني- "على النبي". كذا وقع في البخاريّ، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والسّرّاج، والجوزقي، وأبو نعيم الأصبهاني، والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ "فلما قبض قلنا: السلام على النبي" بحذف لفظ "يعني". وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم.
قال السبكي في "شرح المنهاج" بعد ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده: إن صح هذا عن الصحابة دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير واجب، فيقال: السلام على النبي.
قال الحافظ: قد صح بلا ريب، وقد وجدت له متابعا قويّا، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون، والنبي صلى الله عليه وسلم حيّ: "السلام عليك
أيها النبي"، فلما مات قالوا: "السلام على النبي". وهذا إسناد صحيح.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه من أنهم كانوا يقولون بلفظ الخطاب، والنبي صلى الله عليه وسلم حي، فلما مات قالوه بلفظ الغيبة، إنما قالوه اجتهادًا منهم، لا من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فلا يكون دليلا يُعمل به، بل التعليم النبوي باق أبدا؛ لعدم وجود ما ينسخه، ولو كان يتغير الحكم بموته صلى الله عليه وسلم لما أغفله، {وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64]، ولا يقتضي قول ابن مسعود رضي الله عنه:"قلنا" كونه إجماعا من الصحابة، بل هو لبعضهم، بدليل أن الصحابة الآخرين ما زالوا يعلمون التابعين بلفظ الخطاب، كما يأتي في حديث أبي موسى الأشعري، وغيره، فدلّ على أن ما قاله ابن مسعود ليس محل إجماع، بل هو رأي لبعضهم، وكذا الكلام فيما قاله عطاء، ولأن الكثيرين من الصحابة في زمنه صلى الله عليه وسلم يغيبون في البلدان النائية عنه صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عنه أنه علمهم خلاف ما علم الحاضرين لديه.
والحاصل أن التعليم النبوي لا يُترك بما قاله بعض الصحابة اجتهادًا. والله تعالى أعلم.
وأما ما رَوَى سعيد بن منصور من طريق أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد، فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا ن قوله: "السلام عليك أيها النبي" إذ كان حيّا، فقال ابن مسعود: هكذا علمنا، وهكذا نعلم، فظاهر أن ابن عباس قاله اجتهادًا، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصحّ، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد إليه مع ذلك ضعيف.
[فإن قيل]: لم عدل عن الوصف بالرسالة إلى الوصف بالنبوة، مع أن الوصف بالرسالة أعمّ في حق البشر؟.
أجاب بعضهم بأن الحكمة في ذلك أن يجمع له الوصفين، لكونه وصفه بالرسالة في آخر التشهد، وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوّة، لكن التصريح بهما أبلغ.
[قيل]: الحكمة في تقديم الوصف بالنبوة أنها كذا وجدت في الخارج، لنزول قوله تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] قبل قوله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} [المدثر: 1، 2] والله تعالى أعلم
(1)
.
(ورحمة الله) قال العيني: الرحمة عبارة عن إنعامه عليه، وهو المعنى الغائي؛ لأن معناها اللغوي الحُنُوّ والعطف، فلا يجوز أن يوصف الله به. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العيني من أن الله لا يوصف بالرحمة بمعناها
(1)
"فتح" ج 2 ص 578 - 579.
(2)
"عمدة القاري" ج 6 ص 112.
اللغوي غير صحيح، فإن تفسير الرحمة بما ذكره إنما هو إذا وصف بها المخلوق، وأما إذا وصف بها الرب سبحانه وتعالى، فلها المعنى اللائق بجلاله. فالصواب أنه تعالى يوصف بالرحمة اللغوية بالمعنى الذي يليق بجلاله، لا بالمعنى الذي يكون للمخلوقين، فلا يلزم عليه تشبيه ولا تمثيل. فتبصر، ولا تتحير، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(وبركاته) جمع بركة، وهو الخير الكثير من كل شيء، واشتقاقه من البَرْك -بفتح، فسكون-: وهو صدر البعير، وبَرَك البعيرُ: ألقى بَرْكه، واعتبر منه معنى اللزوم، وسمي محبس الماء بركة -أي بكسر، فسكون- للزوم الماء فيها.
وقال الطيبي: البَرَكَة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوتَ الماء في البركة، والْمُبَارَك: ما فيه ذلك الخير، قال الله تعالى:{وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} الآية [الأنبياء: 50] تنبيها على ما يَفيض منه من الخيرات الإلهية، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يُحتَسَبُ، وعلى وجه لا يُحصى قيل لكل ما يُشاهد فيه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، أو فيه بركة. انتهى
(1)
. .
(السلام علينا) مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة أريد بها إنشاء الدعاء.
وأراد بالضمير الحاضرين من الإمام والمأمومين، والملائكة عليهم الصلاة والسلام.
قال الحافظ رحمه الله: واستدلّ به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي الترمذي مُصَحَّحًا من حديث أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر أحدًا، فدعا له بدأ بنفسه". وأصله في مسلم، ومنه قوله نوح عليه السلام {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} الآية [نوح: 28]. وقول إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} الآية [إبراهيم: 41].
(وعلى عباد الله الصالحين) عطف على الجار والمجرور قبله.
والأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله تعالى، وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته.
قال الترمذي الحكيم: من نظر أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدا صالحا، وإلا حُرم هذا الفضل العظيم.
وقال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين. يعني ليتوافق لفظه مع قصده
(2)
. .
[تنبيه]: زاد البخاري من رواية أبي وائل عن عبد الله: "فإنكم إذا قلتموها أصابت كل
(1)
"عمدة" ج 6 ص 112.
(2)
انظر "الفتح" ج 2 ص 579.
عبد صالح في السماء والأرض". . ونحوه لمسلم.
أي إذا قلتم "وعلى عباد الله الصالحين" أصابت الدعوة كل عبد صالح الخ. وهو كلام معترض بين قوله: "الصالحين"، وبين قوله: أشهد الخ"، وإنما قدم للاهتمام به لكونه أنكر عليهم عدّ الملائكة واحدا واحدا، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك، فعلمهم لفظا يشمل الجميع مع غير الملائكة، من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى ذلك الإشارة بقول ابن مسعود رضي الله عنه الآتي في الرواية التالية "وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عَلَّمَ فواتح الخير وخواتمه"، وفي الرواية الآتية -1167 - "فعلمنا نبي الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم".
وقوله: "كل عبد صالح". استدل به على أن الجمع المضاف، والجمع المحلَّى بالألف واللام يعمّ، لقوله أوّلًا "عباد الله الصالحين"، ثم قال:"أصابت كل عبد صالح"
(1)
.
وقال القرطبي: فيه دليل أن جمع التكسير للعموم. قال الحافظ: وفي هذه العبارة نظر.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: وفي قوله عليه السلام: "فإذا قال ذلك أصابت كل عبد صالح" دليل على أن للعموم صيغة، وأن هذه الصيغة للعموم، كما هو مذهب الفقهاء، خلافا لمن توقف في ذلك من الأصوليين، وهو مقطوع به من لسان العرب، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة عندنا، ومن تتبع ذلك وجده، واستدلالنا بهذا الحديث ذكر لفرد من أفراد لا يُحصَى الجمع لأمثالها، لا للاقتصار عليه، وإنما خص "العباد الصالحين"، لأنه كلام ثناء وتعظيم. انتهى
(2)
(أشهد أن لا إله إلا الله) زاد في الرواية الآتية -1168 - من طريق حارث بن عطية، عن هشام الدستوائي:"وحده لا شريك له"، وهي زيادة شاذة، لمخالفة حارث بن عطية بها، وهو صدوق يهم لروايات الحفاظ.
وقال في "الفتح": زاد في رواية ابن أبي شيبة من رواية أبي عُبيدة، عن أبيه "وحده لا شريك له". وسنده ضعيف، لكن ثبتت الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في "الموطإ". وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني، إلا أن سنده ضعيف.
(1)
"فتح" ج 2 ص 579 - 580.
(2)
قوله: "على أن للعموم صيغة" هو هنا الجمع المضاف، والجمع المُحَلَّى باللام، فإن قوله:"أصابت كل عبد" دلّ على أن "عباد الله" وهو الأول عام، وقوله:"صالح" دلّ على أن الصالحين، وهو الثاني عام. قاله الصنعاني في "العدّة" ج 3 ص 13.
وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح عن ابن عمر في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله"، قال ابن عمر: زدت فيها "وحده لا شريك له"، وهذا ظاهره الوقف. انتهى
(1)
ومعنى "أشهد": أعلم وأتيقن.
(وأن محمدا عبده ورسوله) قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم تختلف الطرق عن ابن مسعود رضي الله عنه في ذلك، وكذا هو في حديث أبي موسى، وابن عمر، وعائشة المذكور، وجابر، وابن الزبير عند الطحاوي وغيره.
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال:"بينا النبي صلى الله عليه وسلم يعلِّمُ التشهد، إذ قال رجل: وأشهد أن محمدا رسوله وعبده، فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد كنت عبدا قبل أن أكون رسولًا، قل: عبده ورسوله". ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند مسلم وأصحاب السنن: "وأشهد أن محمدا رسول الله"، ومنهم من حذف "وأشهد". ورواه ابن ماجه بلفظ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. قاله في "الفتح"
(2)
. .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي عزاه في "الفتح" إلى ابن ماجه من كون لفظ ابن عباس كلفظ ابن مسعود رضي الله عنهم هو الذي عند المصنف رحمه الله في -193/ 1174. ولفظه "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"، كما هو لفظ ابن مسعود رضي الله عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -190/ 1162 - وفي "الكبرى" 97/ 748 - عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عنه. و 1163 - و"الكبرى" 749 - عن محمَّد ابن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عنه. و 1164 - و"الكبرى" 750 - عن قتيبة، عن عَبْثَر، عن الأعمش، عن أبي إسحاق به. و 1165 - و"الكبرى" 751 - عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن سفيان
(1)
إحكام الأحكام ج 3 ص 12 - 13 بنسخة العدة.
(2)
"فتح" ج 5802.
الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عنه. ح وعن منصور، وحماد، كلاهما عن أبي وائل، عنه. و 1166 - و"الكبرى" 754 عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن زيد بن أبي أنيسة الجَزَري، عن أبي إسحاق، عن الأسود، وعلقمة، كلاهما عنه. و 1167 - و"الكبرى" 755 - عن محمَّد بن جبلة الرّافقي، عن العلاء بن هلال، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن حماد -وهو ابن أبي سليمان- عن إبراهيم، عن علقمة، عنه. و 1168 - و"الكبرى" 756 - عن عبد الرحمن بن خالد الرّقيّ، عن حارث بن عطية، عن هشام، عن حماد به. و 1169 - و"الكبرى" 757 - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد الهُجَيمي، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن أبي وائل، عنه. و 1170 - و"الكبرى" 758 - عن بشر بن خالد العسكري، عن غندر، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، ومنصور، وحماد، ومغيرة، وأبي هاشم، كلهم عن أبي وائل عنه. و 1171 - و"الكبرى" 1159 - عن إسحاق بن إبراهيم، عن الفَضْل بن دُكَين، عن سَيْف المكي، عن مجاهد، عن أبي معمر، عنه. و 41/ 1277 - و"الكبرى" 76/ 1200 - عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان، عن الأعمش، ومنصور، كلاهما عن شقيق، عنه. و 43/ 1279 - و"الكبرى" 78/ 1202 - عن قتيبة، عن الفضيل بن عياض، عن الأعمش به. و 56/ 1298 - و"الكبرى" 90/ 1221 - عن يعقوب الدَّوْرقي، وعمر وابن علي، كلاهما عن يحيى، عن الأعمش، به.
وألفاظهم فيها بعض اختلاف بالزيادة والنقص، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) عن أبي نعيم- وعن مسدد، عن يحيى القطان- كلاهما عن الأعمش به.
وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور به. وعن عمرو بن عيسى، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن شقيق بن سلمة به. وعن أحمد بن يونس، عن زهير، عن المغيرة به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن عبد الله بن سَخْبَرة به.
و (م) عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. وعن زهير بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلهم عن جرير به. وعن محمَّد بن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن محمَّد بن جعفر به. وعبد بن حميد، عن حسين الجُعفي، عن زائدة، عن منصور به.
(د) عن مسدد به. وعن عبد الله بن محمَّد النُّفَيلي، عن زهير، عن الحسن بن الحُرّ، عن القاسم بن مُخَيمرة، عن علقمة به. وعن تميم بن المنتصر، عن إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، به.
(ت) عن قتيبة، عن عبثر بن القاسم به. وعن يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي، عن عبيد الله الأشجعي به.
(ق) عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن الأعمش به. وعن أبي بكر بن خلاد الباهلي، عن يحيى بن سعيد به. وعن محمَّد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، والأعمش، وحُصَين، وأبي هاشم، وحماد به. وعن هشام بن عَمَّار، عن عيسى بن يونس، عن أبيه، عن أبي إسحاق به. وعن محمَّد بن معمر، عن قبيصة، عن سفيان به.
وأخرجه (أحمد) 1/ 382 و 427 و 413 و 431 و 394، و 418 و 423 و 464 و 414 و 422 و 450 و 408 و 437 و 459 و 376.
(الدارمى) رقم 1346. (وابن خزيمة) 704. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في بيان الخلاف في اختيار ألفاظ التشهد:
اختلف الفقهاء في المختار من ألفاظ التشهد، فإن الروايات اختلفت فيه:
فذهب أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله إلى اختيار تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب، وهو أصح ما روي في التشهد.
وذهب الشافعي رحمه الله إلى اختيار تشهد ابن عباس رضي الله عنهما الآتي -193/ 1174.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: ورجح من اختار تشهد ابن مسعود -بعد كونه متفقا عليه في "الصحيحين"- بأن واو العطف تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلا، وإذا أسقطت واو العطف، كان ماعدا اللفظ الأول صفة له، فيكون جملة واحدة في الثناء، والأول أبلغ، فكان أولى.
وزاد بعض الحنفية في تقرير هذا بأن قال: لو قال: "والله، والرحمن، والرحيم" لكانت أيمانا متعددة تتعدد بها الكفارة، ولو قال:"والله الرحمن الرحيم" لكانت يمينا واحدة فيها كفارة واحدة، هذا، أو معناه.
ورأيت بعض من رجح مذهب الشافعي -في اختيار تشهد ابن عباس- أجاب عن هذا بأن واو العطف قد تسقط، وأنشد في ذلك [من الخفيف]:
كَيفَ أَصْبَحْتَ كَيفَ أَمْسَيتَ مِمَّا
…
يُنْبِتُ الْوُدَّ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ
والمراد بذلك كيف أصبحت، وكيف أمسيت. وهذا أوّلًا إسقاط للواو العاطفة في عطف الجملة، ومسألتنا في إسقاطها في عطف المفردات، وهو أضعف من إسقاطها في عطف الجمل، ولو كان غير ضعيف لم يمتنع الترجيح بوقوع التصريح بما يقتضي تعدد الثناء، بخلاف ما لم يصرّح به فيه.
وترجيح آخر لتشهد ابن مسعود، وهو أن "السلام" معرّف في تشهد، ابن مسعود وُنَكِّر في تشهد ابن عباس، والتعريف أعمّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفيه أن تنكيره في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ليس في جميع الروايات، بل في بعضها، فقد وقع في "صحيح مسلم" معرّفًا. والله تعالى أعلم.
وذهب مالك إلى اختيار تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي علمه الناس على المنبر، ورجحه أصحابه بشهرة هذا التعليم، ووقوعه على رؤوس الصحابة من غير نكير، فيكون كالإجماع.
ويترجح عليه تشهد ابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم بأن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصرح به، ورفع تشهد عمر بطريق استدلالي.
انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى
(1)
.
وقال الترمذي رحمه الله تعالى: حديث ابن مسعود رضي الله عنه روي من غير وجه، وهو أصح حديث روي في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة، ومن بعدهم. قال: وذهب الشافعي إلى حديث ابن عباس رضي الله عنهما في التشهد.
وقال البزار لمّا سئل عن أصح حديث في التشهد، قال: هو عندي حديث ابن مسعود، وروي من نيف وعشرين طريقا، ثم سرد أكثرها، وقال: لا أعلم في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالا. اهـ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم بذلك البغوي في "شرح السنة"، ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره، وأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره، وأنه تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقينا، فروى الطحاوي من طريق الأسود بن يزيد عنه، قال:"أخذت التشهد من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقننيه كلمة كلمة"، وقد تقدم أن في رواية أبي معمر عنه "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفي بين كفيه"، ولابن أبي شيبة وغيره من رواية جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عنه، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن". وقد وافقه
(1)
"إحكام الأحكام" ج 3 ص 5 - 7.
على هذا اللفظ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وساقه بلفظ ابن مسعود. أخرجه الطحاوي، لكن هذا الأخير ثبت مثله في حديث ابن عباس عند مسلم.
ورُجِّحَ أيضا بثبوت الواو في "الصلوات" و"الطيبات"، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف، والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلا، بخلاف ما إذا حذفت، فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء في الأول صريح، فيكون أولى، ولو قيل: إن الواو مقدرة في الثاني.
ورُجِّحَ بأنه ورد بصيغة الأمر، بخلاف غيره، فإنه مجرد حكايته. ولأحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَّمَه التشهد، وأمره أن يعلمه الناس، ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته.
وقال الشافعي رحمه الله بعد أن أخرج حديث ابن عباس رضي الله عنهما: رويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان هذا أحب إلى لأنه أكملها. وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن عباس صحيحًا كان عندي أجمع، وأكثر لفظا من غيره، وأخذت به، غيرَ مُعَنِّفٍ لمن يأخذ بغيره مما صحّ.
ورجحه بعضهم بكونه مناسبا للفظ القرآن في قوله تعالى: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61].
وأما من رجحه بأن ابن عباس من أحداث الصحابة، فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو يكون إسناد حديثه حجازيّا، وإسناد ابن مسعود كوفيًّا، وهو مما يُرَجّح به، فلا طائل فيه لمن أنصف، نعم يمكن أن يقال إن الزيادة التي في حديث ابن عباس، وهي "المباركات" لا تنافي رواية ابن مسعود، ورجح الأخذ بها، لكون أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الأخير.
وقد اختار مالك وأصحابه تشهد عمر رضي الله عنه، لكونه علمه للناس، وهو على المنبر، ولم ينكروه، فيكون إجماعا، ولفظه نحو حديث ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أنه قال:"الزاكيات" بدل "المباركات"، وكأنه بالمعنى، لكن أورد على الشافعي زيادة "بسم الله" في أول التشهد، ووقع ذاك في رواية عمر المذكورة، لكن من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، لا من طريق الزهري، عن عروة التي أخرجها مالك، أخرجه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغيرهما، وصححه الحاكم مع كونه موقوفا. وثبت في "الموطإ" أيضا عن ابن عمر موقوفا، ووقع أيضا في حديث جابر المرفوع، تفرد به أيمن بن نابل -بالنون، ثم الموحدة- عن أبي الزبير، عنه.
وحكم الحفاظ -البخاري، وغيره- على أنه أخطأ في إسناده، وأن الصواب رواية
أبي الزبير، عن طاوس وغيره، عن ابن عباس.
وفي الجملة لم تصح هذه الزيادة. وقد ترجم البيهقي عليها "من استحب، أو أباح التسمية قبل التحية"، وهو وجه لبعض الشافعية وضُعِّفَ، ويدلّ على عدم اعتبارها أنه ثبت في حديث أبي موسى المرفوع في التشهد وغيره:"فإذا قعد أحدكم، فليكن أول قوله: التحيات لله". . . الحديث، كذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة بسنده.
وأخرج مسلم من طريق عبد الرزاق هذه، وقد أنكر ابن مسعود وابن عباس وغيرهما على من زادها، أخرجه البيهقي وغيره.
ثم إن هذا الاختلاف إنما هو في الأفضل، وكلام الشافعي المتقدم يدلّ على ذلك، ونقل جماعة من العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت، لكن كلام الطحاوي يشعر بأن بعض العلماء يقول بوجوب التشهد المروي عن عمر رضي الله عنه. وذهب جماعة من محدثي الشافعية، كابن المنذر إلى اختيار تشهد ابن مسعود. وذهب بعضهم، كابن خزيمة إلى عدم الترجيح
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القوله باختيار تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مع جواز غيره، كما ذهب إليه ابن المنذر رحمه الله هو الراجح عندي، لما ذكر من المرجّحات.
قال ابن المنذر رحمه الله: ما حاصله: فأي تشهد تشهد به المصلي مما ذكرناه، فصلاته مجزئة. والذي آخذ به التشهد الذي بدأتُ به -يعني تشهد ابن مسعود رضي الله عنه -انتهى
(2)
.
والحاصل أنه يجوز أن يتشهد بأيّ نوع من أنواع التشهد مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن الأفضل أن يتشهد بتشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لما ذكر من وجوه الترجيحات له. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذهب المالكية إلى أن التشهد مطلقا غير واجب. والمعروف عند الحنفية أنه وأجب، لا فرض، بخلاف ما يوجد عنهم في كتب مخالفيهم. وقال الشافعي: هو فرض، لكن قال: لو لم يزد رجل على قوله: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي" الخ كرهت ذلك له، ولم أر عليه إعادة. هذا لفظه في "الأم". وقال صاحب "الروضة" تبعا لأصله: وأما أقل التشهد فنص الشافعي وأكثر الأصحاب إلى أنه. . . فذكره، لكنه قال:"وأن محمَّد رسول الله"، قال: ونقله ابن كج والصيدلاني، فقال:"وأشهد أن محمدا رسول الله"، لكن أسقطا "وبركاته" اهـ.
(1)
"فتح" ج 2 ص 581.
(2)
"الأوسط" ج 3 ص 209.
وقد استشكل جواز حذف "الصلوات" مع ثبوتها في جميع الروايات الصحيحة، وكذلك "الطيبات" مع جزم جماعة من الشافعية بأن المقتصر عليه هو الثابت في جميع الروايات، ومنهم من وجه الحذف بكونهما صفتين كما هو الظاهر من سياق ابن عباس، لكن يعكر على هذا ما تقدم من البحث في ثبوت العطف فيهما في سياق غيره، وهو يقتضي المغايرة. أفاده في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القوله بجواز حذف شيء من ألفاظ التشهد مما لا دليل عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قولوا: "التحيات" الخ فعلمهم التشهد بألفاظ مخصوصة، وأمرهم أن يقولوها، وأمره للوجوب، فكيف يجوز تركها، أو ترك شيء منها؟.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة]: قال القفال رحمه الله في "فتاويه": ترك الصلاة يضرّ جميع المسلمين، لأن المصلي يقول: اللَّهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولابد أن يقول في التشهد "السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين"، فيكون مقصرا في خدمة الله، وفي حق رسوله، وفي حق نفسه، وفي حق كافّة المسلمين، ولذلك عظمت المعصية بتركها.
واستنبط منه السبكي أن في الصلاة حقّا للعباد مع حق الله، وأن من تركها أخلّ بحق جميع المؤمنين، من مضى، ومن يجيء إلى يوم القيامة لوجوب قوله فيها:"السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين". انتهى
(2)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1163 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، غَيْرَ أَنْ نُسَبِّحَ، وَنُكَبِّرَ، وَنَحْمَدَ رَبَّنَا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم عُلِّمَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وَخَوَاتِمَهُ، فَقَالَ: "إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلْيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَلْيَدْعُ اللَّهَ عز وجل").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيّ البصري، ثقة حافظ [10] تقدم 64/ 80.
(1)
"فتح" ج 2 ص 580 - 582.
(2)
المصدر المذكور ج 2 ص 582.
2 -
(محمَّد) بن جعفر، أبو عبد الله البصري، المعروف بغُنْدَر، ثقة صحيح الكتاب [9] تقدم 21/ 22.
3 -
(شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [7] تقدم 24/ 26.
4 -
(أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلَة الجُشَمّي الكوفي، ثقة [3] تقدم 50/ 849.
والباقيان تقدما في السند الماضي.
وقوله: "في كل ركعتين"، أي في آخر كلّ ركعتين.
وقوله: "ما نقول""ما" اسم موصول مفعول "نقول"، والعائد محذوف، أي الشيء الذي نقوله.
وقوله: "غير أن نسبح" بنصب "غير" على البدلية لـ"ما نقول". أي كنا لا نعلم الشيء الذي نقوله في الصلاة غير التسبيح، والتحميد.
وقوله: "وأن محمدا صلى الله عليه وسلم الخ". ضبط بالقلم بفتح همزة "إن"، ولا وجه له، بن الصواب كسرها، فتكون جملتها عطفا على جمله "كنا لا ندري"، فيكون مقولا لـ"قال".
وقوله: "علم" الظاهر أنه بالبناء للفاعل، من التعليم، أي علّمَ أمته، ويحتمل أن يكون "عُلِّمَ" بالبناء للمفعول، من التعليم أيضا، أي عَلَّمَهُ الله تعالى، ويحتمل أن يكون عَلِمَ بالبناء للفاعل، من العلم ثلاثيا، أي علم بتعليم من الله عز وجل.
وقوله: "فواتح الخير، وخواتمه" جمع فاتحة، والإضافة بمعنى اللام، فواتح كل خير وخواتمها، وهو كناية عن الخير، يعني أنه صلى الله عليه وسلم علم أمته كلَّ خي، أو علّمه الله تعالى كلَّ خير.
وقوله: "وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه". أي أحسن الدعاء إلى المصلي، وأحبه إليه.
وفي الرواية الآتية 43/ 1279 - من رواية شقيق، عن عبد الله:"ثم ليتخير بعد ذلك من الكلام ما شاء". والمراد بالكلام الدعاء بدليل الرواية السابقة، وغيرها. وفي رواية البخاري:"ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو"، وفي رواية "ثم ليتخير من الدعاء ما أحبّ"، وفي رواية "ثم ليتخير من الثناء ما شاء"، ونحوه لمسلم بلفظ "من المسألة".
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان ما يتعلق به من المسائل في الحديث الذي قبله، وأذكر هنا بعض ما لم يذكر هناك، تتميما للفائدة:
(مسألة): استُدِلَّ بهذا الحديث على جواز الدعاء في الصلاة بما اختاره المصلي من أمر الدنيا والآخرة.
قال ابن بطال رحمه الله تعالى: خالف في ذلك النخعي، وطاوس، وأبو حنيفة، فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن، أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مأثورا، قال قائلهم: والمأثور أعمّ من أن يكون مرفوعا، أو غير مرفوع، لكن ظاهر حديث الباب يردّ عليهم، وكذا يردّ على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة.
واستثنى بعض الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا، فإن أراد الفاحش من اللفظ، فمحتمل، وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرّمة مطلقا لا يجوز. انتهى
(1)
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: قال الله جلّ ذكره: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم} الآية [غافر: 60] وثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أما الركوع، فعظموا فيه الربّ، وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم"، فقد ندب الله جل ذكره عباده إلى دعائه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الساجد بالاجتهاد في الدعاء، ولم يخصّ دعاء دون دعاء، فللمرء أن يدعو الله في صلاته بما أحب، ما لم يكن معصية، وجاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دالّة على صحة هذا القول.
قال: وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تشهد أحدكم، فليتعوذ من أربع، ثم ليدع ما بدا له"
(2)
.
قال: وفي قوله: "ثم ليدع ما بدا له" إباحة للدعاء مما في القرآن، ومما ليس في القرآن، مما يخاطب به العبد ربه من أمر دينه ودنياه، غيرُ جائز حظر شيء من الدعاء بغير حجة.
وقال أيضا في موضح آخر: ندب الله جلّ ذكره إلى الدعاء في كتابه، وثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دعا في صلاته، وعلمهم الدعاء في الصلاة، وثبت عنه أنه قنت، فدعا لقوم، وعلى قوم بالدعاء، فالدعاء بالخير مباح في الصلاة بما أحب المرء من أمر
(1)
"فتح" ج 2 ص 587 - 588.
(2)
سيأتي للمصنف 64/ 1310 - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ "إذا تشهد أحدكم، فليتعوذ بالله من أربع، من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وشر فتنة المسيح الدجّال، ثم يدعو لنفسه بما بدا له".
دينه ودنياه، ويدعو لوالديه، ولمن أحب من إخوانه، يسميهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم، والسنن الثابتة دالّة على ذلك.
وقد روينا عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: إني لأدعو لسبعين أخا من إخواني، وأنا في الصلاة، أسميهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وكان عروة بن الزبير يقول في سجوده: اللَّهم اغفر للزبير، اللَّهم اغفر لأسماء. وقال الشعبي: ادع في الصلاة بكل حاجة لك. ودعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قنوته في الصلاة على قوم سماهم. ودعا أبو عبد الرحمن السلمي على قَطَرِيّ -يعني ابن فُجَاءة، من رؤوس الأزارقة الخوارخ-.
قال: وممن كان لا يرى بالدعاء في الصلاة بأسا: مالك بن أنس، قال: لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه في المكتوبة، حوائج دنياه وآخرته، وهذا مذهب الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى ملخصا
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى هو الراجح عندي فيُشرَع الدعاء في الصلاة بكل مباح يحتاج إليه المصلي، ويجوز أن يطلبه من ربه عز وجل.
والحاصل أن المذهب الراجح جواز الدعاء في الصلاة بالأشياء المباحة من الأمور الدنيوية والأخروية، لإطلاق النصوص في ذلك، قولا وفعلا.
وأما استدلال الحنفية وغيرهم على ما ذهبوا إليه بالحديث الآتي -20/ 1218 - "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"، فغير صحيح؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم، وهو قوله:"إنما هو التسبيح والتكبير، وتلاوة القرآن"، وفي الرواية الآتية 20/ 1220 - :"إن الله عز وجل أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين".
فبين آخر الحديث أن ذكر الله تعالى ليس ممنوعا، والدعاء من ذكر الله تعالى، وإنما الممنوع هو ما كان من كلام الناس، كأن ينادي رجلا، وهو في الصلاة، أو يطلب حاجة من الناس، وهو فيها.
ويدل على ذلك حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه الآتي 20/ 1219 - قال: "كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزلت الآية: {حَافِظُوا
(1)
"الأوسط" ج 3 ص 244242.
عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، فأمرنا بالسكوت".
وسنتكلم على تمام البحث في هذه المسألة في موضعها، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1164 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ، فَأَمَّا التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ، أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [10] تقدم 1/ 1.
2 -
(عَبْثَرٌ) -بفتح أوله، وسكون المثلثة- ابن القاسم الزُّبَيدي -بالضم- أبو زُبَيد -بالضم أيضا- الكوفي، ثقة [8] تقدم 846/ 47.
[فائدة]: ليس في الكتب من يسمى عَبْثَرًا غير عبثر بن القاسم هذا، وأما جدّ محمَّد بن سَوَاء، فهو عنبر -بمهملة، ثم نون، ثم باء موحدة- وقد أشار إلى ذلك الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في "ألفية المصطلح" حيث قال:
وَوَلَدُ القَاسِمِ فهوَ عَبْثَرُ
…
وَابْن سَوَاءٍ السَّدوسِي عَنْبَرُ
3 -
(الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحافظ الحجة [5] تقدم 17/ 18. والباقون تقدموا قريبًا.
وقوله: "والتشهد في الحاجة" لم يذكر التشهد في الحاجة هنا، وذكره في "كتاب الجمعة" -24/ 1404 - [باب كيفية الخطبة] من رواية أبي عبيدة، عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: عَلَّمَنَا خطبةَ الحاجة: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره" الخ، وسنتكلم عليه هناك، إن شاء الله تعالى.
وقوله: "فأما التشهد في الصلاة، "التحيات لله، والصلوات، والطيبات"، وهكذا ساقه إلى قوله: "عبده ورسوله" في النسخة الهندية.
وفي النسخ المطبوعة زاد في آخره: ما لفظه: "إلى آخر التشهد"، وأشار في هامش بعض النسخ إلى أنه سقط من بعض النسخ النظامية من قوله:"أشهد أن لا إله إلا الله" إلى قوله: "ورسوله".
والظاهر أن ما في النسخة الهندية هو الصحيح، وكذا ما في النسخة التي أسقطت ما بعد "الصالحين"، وزادت قوله:"إلى آخر التشهد" صحيحة أيضا، وأما الجمع بين
سوق جميعه، وزيادة "إلى آخر التشهد" فلا يظهر له وجه. والله تعالى أعلم.
وجوابُ "أما" في قوله: "فأما التشهد الخ": قولُه: "التحيات" الخ، حذفت منه الفاء على قلة، أو حذفت مع القول، وهو كثير، كما قال في "الخلاصة":
أَمَّا كَمَهْما يَكُ مِنْ شيءٍ وَفا
…
لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا
وَحَذفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثرٍ إذا
…
لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبذَا
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1165 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ
(1)
ابْنُ آدَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَتَشَهَّدُ بِهَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالتَّطَوُّعِ، وَيَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
ح وَحَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، وَحَمَّادٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم).
رجال الإسناد: تسعة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه، ثقة ثبت [10] تقدم 2/ 2.
2 -
(يحيى بن آدم) الكوفي، ثقة حافظ فاضل من كبار [9] تقدم 1/ 451.
[تنبيه]: "سفيان" في السند هو الثوري.
3 -
(منصور) بن المعتمر الكوفي، أبو عَتَّاب، ثقة ثبت [6] تقدم 2/ 2.
4 -
(حماد) بن أبي سليمان مسلم الأشعري مولاهم، أبو إسماعيل الكوفي الفقيه، صدوق له أوهام [5].
روى عن أنس، وزيد بن وهب، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وغيرهم. وعنه ابنه إسماعيل، وعاصم الأحول، وشعبة، والثوري، وهشام الدستوائي، وغيرهم.
قال أحمد: مقارب ما روى عنه القدماء، سفيان، وشعبة، وقال أيضا: سماع هشام منه صالح، قال: ولكن حماد -يعني ابن سلمة- عنده عنه تخليط كثير، وقال أيضا: كان يُرمَى بالإرجاء، وهو أصح حديثا من أبي معشر -يعني زياد بن كليب-. وقال مغيرة: قلت لإبراهيم: إن حمادا قد قعد يفتي، فقال: وما يمنعه من أن يفتي، وقد سألني هو وحده عما لم تسألوني كلكم عن عُشْره. وقال ابن شبْرُمة: ما رأيت أحدا أَمَنَّ عَليَّ من
(1)
وفي نسخة "يعني ابن آدم".
حماد. وقال معمر: ما رأيت أفقه من هؤلاء: الزهري، وحماد، وقتادة. وقال بقيّة: قلت لشعبة: حماد بن أبي سليمان؟ قال: كان صدوق اللسان. وقال ابن المبارك، عن شعبة: كان لا يحفظ. وقال القطان: حماد أحبّ إليّ من مغيرة، وكذا قال ابن معين، وقال: حماد ثقة. وقال أبو حاتم: حماد صدوق لا يحتج بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، فإذا جاء الأثر شوّش. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان أفقه أصحاب إبراهيم. وقال النسائي: ثقة إلا أنه مرجئي. وقال داود الطائي: كان سخيا على الطعام، جوادا بالدنانير والدراهم. وقال حماد بن سلمة: قلت له: قل: سمعتُ إبراهيم، فكان يقول: إن العهد قد طال بإبراهيم. وقال أبو نعيم، عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت أبي يقول: كان حماد يقول: قال إبراهيم، فقلت: والله إنك لتكذب على إبراهيم، أو إن إبراهيم ليخطىء. وقال ابن عدي: حماد كثير الرواية خاصة عن إبراهيم، ويقع في حديثه أفراد وغرائب، وهو متماسك في الحديث، لا بأس به، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: مات سخة (120) وقال البخاري: مات سنة (19) وهو قول ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، وكان مرجئا، وكان لا يقول بخلق القرآن، وينكر على من يقوله ونقل ابن سعد أنهم أجمعوا على أنه مات سنة (20) وقال أبو حذيفة: ثنا الثوري، قال: كان الأعمش يَلقَى حمادا حين تكلم في الإرجاء، فلم يكن يسلم عليه. وقال أبو بكر بن عياش، عن الأعمش: حدثنا حماد، عن إبراهيم بحديث، وكان غير ثقة. وقال أبو أحمد الحاكم في "الكنى": وكان الأعمش سيء الرأي فيه. وقال جرير، عن مغيرة: حج حماد بن أبي سليمان، فلما قدم أتيناه، فقال: أبشروا يا أهل الكوفة، رأيت عطاء، وطاوسا، ومجاهدا، فصبيانكم، بل صبيان صبيانكم أفقه منهم، قال مغيرة: فرأينا ذلك بَغْيًا منه. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، واختلط في آخر أمره، وكان مرجئا، وكان كثير الحديث، إذا قال برأيه أصاب، وإذا قال عن غير إبراهيم أخطأ. وقال الذهلي: كثير الخطإ والوهم. وقال شعبة: كنت مع زُبَيد، فمررنا بحماد، فقال: تَنَحَّ عن هذا، فإنه قد أحدث. وقال مالك بن أنس: كان الناس عندنا هم أهلَ العراق، حتى وَثَبَ إنسان، يقال له: حماد، فاعترض هذا الدين، فقال فيه برأيه. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (11) حديثًا.
5 -
(أبو وائل) شقيق بن سلمة الكوفي المخضرم، ثقة ثبت [2] تقدم 2/ 2. والباقون تقدموا قريبا.
قوله: "سمعت سفيان" يعني الثوري (يتشهد بهذا الخ) الإشارة إلى ما تقدم من صيغ الألفاظ المذكورة في الحديث الذي قبله، يعني أنه كان يقرأ التشهد المذكور في الصلاة
المكتوبة وصلاة التطوع.
وقوله: "وحدثنا منصور، وحماد الخ عطف على قوله: "حدثنا أبو إسحاق" الخ، وقائل "حدثنا" هو سفيان، فلسفيان فيه ثلاثة أشياخ: أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله. ومنصور، وحماد، وكلاهما عن أبي وائل، عن عبد الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1166 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
(1)
ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ
(2)
، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ الْجَزَرِيَّ، حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ حَدَّثَهُ، عَنِ الأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"قُولُوا فِي كُلِّ جَلْسَةٍ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصري، ثقة [10] تقدم 35/ 39.
2 -
(ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [9] تقدم 9/ 9.
3 -
(عمرو بن الحارث) المصري، ثقة فقيه حافظ [7] تقدم 63/ 79.
4 -
(زيد بن أبي أُنَيسة) الجَزَري، أبو أسامة كوفي الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة، له أفراد [6] تقدم 191/ 306.
[فائدة]: "الجزَري" -بفتحتين- نسبة إلى الجزيرة، وهي عدة بلاد من ديار بكر، واسم خاص لبلدة واحدة، يقال لها: جَزيرة ابن عمر، وعدة بلاد، منها: الموصل، وسنجار، وحرّان، والرَّقَّة، ورأس العين، وآمد، وميافارقين، وهي بلاد بين الدجلة والفرات. اهـ "الأنساب" ج 2 ص 55 - 56. و"اللباب" ج 1 ص 277.
5 -
(علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [2] تقدم 61/ 77.
والباقون تقدموا في الذي قبله، والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به قريبًا.
قوله: "لا نعلم شيئا" تقدم بيان المراد به في قوله: "كنا لا ندري ما نقول في كل
(1)
وفي نسخة "أنا"
(2)
وفي نسخة "وهو ابن الحارث".
ركعتين" الخ، فالعلم المنفي هو الذي يقال في آخر كل ركعتين، ويدل عليه أيضا قوله: "قولوا في كل جلسة: التحيات لله" الخ.
وقوله: "في كل جلسة" -بفتح الجيم- لأن المراد المرة من الجلوس، لا الهيئة، قال في "الخلاصة":
وَفعْلَةٌ لِمَرَّةِ كَجَلْسَهْ
…
وَفِعْلَةٌ لِهَيئَةٍ كَجِلْسَهْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1167 -
(أَخْبَرَنِا مُحَمَّدُ بْنُ جَبَلَةَ الرَّافِقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ
(1)
، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ إِذَا صَلَّيْنَا، فَعَلَّمَنَا نَبِيُّ اللَّهِ
(2)
صلى الله عليه وسلم جَوَامِعَ الْكَلِمِ، فَقَالَ لَنَا:"قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّه، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: قَالَ زَيْدٌ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(محمَّد بن جَبَلَة الرَّافقيّ) وقيل: ابن خالد بن جبلة، أبو بكر، ويقال: أبو عمر، خراساني الأصل، صدوق [11].
روى عن عبد الله بن جعفر الرَّقِّيّ، والعلاء بن هلال، والمعافى بن سليمان، وغيرهم. وعنه النسائي، وأبو الآذان عمر بن إبراهيم البغدادي، وأحمد بن عبد الله الشعراني، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: كتب إلى أبي، وإلى أبي زرعة، وإلَيَّ بأحاديث من فوائده. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو علي محمَّد بن سعيد الحرّاني: مات بالرَّافقة سنة (255). وروى البخاري حديثا عن محمَّد بن خالد، عن محمَّد بن موسى، فقيل: إنه الرافقي هذا، وقيل: إنه محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهلي، وهو الأشبه. وذكر ابن عدي محمَّد بن خالد بن جبلة في شيوخ البخاري، وتبعه صاحب "الزهرة"، فقال: روى عنه حديثين. انتهى. انفرد به المصنف، روى عنه في هذا الكتاب (5) أحاديث.
(1)
"ابن أبي أنيسة" ساقط من بعض النسخ.
(2)
وفي نسخة "رسول الله"
[فائدة]: "الرافقي" بفتح الراء، وكسر الفاء، آخره القاف: نسبة إلى الرافقة، وهي بلدة على الفرات، يقال لها الآن الرَّقَّة. أفاده في "اللباب" ج 2 ص 8.
2 -
(العلاء بن هلال) بن عمر بن هلال بن أبي عطية الباهلي، أبو محمَّد الرّقّيّ، فيه لين [9].
روى عن أبيه، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وخلف بن خليفة،؛ غيرهم. وعنه ابنه هلال، ومحمد بن جبلة، وإبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني، وغيرهم.
قال أبو حاتم: منكر الحديث ضعيف الحديث، عنده عن يزيد بن زريع أحاديث موضوعة. وقال النسائي: هلال بن العلاء روى عن أبيه غير حديث منكر، فلا أدري منه أَتَى، أو من أبيه. وقال الخطيب: في بعض حديثه نكرة. وذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وقال: يقلب الأسانيد، ويغير الأسماء، فلا يجوز الاحتجاج به. قال هلال: وُلد أبي سنة (150) ومات سنة (215). انفرد به المصنف، وله في هذا الكتاب (8) أحاديث.
3 -
(عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي مولاهم، أبو وهب الجزري الرّقي، ثقة فقيه، ربما وهم [8] تقدم في 280/ 177.
والباقون تقدموا في هذا الباب.
وقوله: "قال عبيد الله" هو ابن عمرو المذكور، وهو موصول بالسند المذكور. وليس معلقا، و"زيد" هو ابن أبي أنيسة. و"حماد" هو ابن أبي سليمان.
وقوله: "جوامع الكلم" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الكلم الجوامع للخيرات.
وقوله: "هؤلاء الكلمات" إشارة إلى ألفاظ التشهد المذكور.
وقوله: "كما يعلمنا السورة" أي كان يهتم بتعليمنا ألفاظ التشهد، كاهتمامه بتعليمنا القرآن، وفيه تعظيم شأن التشهد؛ لأنه جزء من أجزاء الصلاة، فينبغي الاهتمام بتعلمه وتعليمه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح
(1)
، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1168 -
(أَخْبَرَنِا
(2)
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ الرَّقِّيُّ
(3)
، قَالَ: حَدَّثَنَا حَارِثُ بْنُ عَطِيَّةَ، وَكَانَ مِنْ زُهَّادِ النَّاسِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ
(1)
لا يقال: في سنده العلاء بن هلال، وهو متكلم فيه؛ لأنه تشهد له الروايات السابقة واللاحقة. والله تعالى أعلم.
(2)
وفي نسخة: "أخبرني".
(3)
وفي نسخة "القطان".
مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ
(1)
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عبد الرحمن بن خالد) بن يزيد القطان الواسطي، ثم الرقي، صدوق [11] تقدم 7/ 753.
2 -
(حارث بن عطية) البصري، نزل المصِّيصَة، صدوق يهم [9].
روى عن الأوزاعي، وهشام الدستوائي، وهشام بن حسان، وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن خالد القطان الرقي، وقال: كان من الزهاد، والحسن بن الربيع البُوراني، وإبراهيم بن الحسن المصيصي، وغيرهم.
قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن سعد: يكنى أبا عبد الله، توفي سنة (199) وقال الدارقطني: من الثقات. وقال الساجي في "الضعفاء": قال أحمد بن حنبل: جلست إليه، فلم أكتب عنه، وقال: عنده عن الأوزاعي مسائل. انفرد به المصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (1168) وحديث رقم (2373).
3 -
(هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي البصري، ثقة ثبت [7] تقدم 30/، 34 والباقون تقدموا.
وقوله: "السلام على جبريل، السلام على ميكائيل". زاد في رواية البخاري "السلام على فلان وفلان"، وفي رواية عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عند ابن ماجه "يعنون الملائكة"، وللإِسماعيلي من رواية علي ابن مُسهر "فنعدّ الملائكة"، ومثله للسرّاج من رواية محمَّد بن فضيل، عن الأعمش بلفظ "فنعد من الملائكة ما شاء الله". قاله في "الفتح".
قوله: "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ". وفي رواية للبخاري "فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال. . ."
قال في "الفتح": ظاهره أنه كلمهم بذلك في أثناء الصلاة، ونحوُهُ في رواية حُصين،
(1)
كلمة "وأشهد" سقطت من بعض النسخ.
عن أبي وائل، عند البخاري، بلفظ "فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قولوا"، لكن بيّن حفص ابن غياث في روايته المحلّ الذي خاطبهم بذلك فيه، وأنه بعد الفراغ من الصلاة، ولفظه "فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه"، وفي رواية عيسى بن يونس أيضا "فلما انصرف من الصلاة قال". انتهى بتصرف
(1)
.
قوله: "إن الله هو السلام". قال البيضاوي رحمه الله: ما حاصله: أنه صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم التسليم على الله، وبيَّنَ أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له، ومنه، وهو مالكها ومعطيها.
وقال التوربشتي رحمه الله: وجه النهي عن السلام على الله لأنه المرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني المذكورة، فكيف يُدعَى له، وهو المدعوّ على الحالات.
وقال الخطابي رحمه الله: المراد أن الله هو ذو السلام، فلا تقولوا: السلام على الله، فإن السلام منه بدأ، وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب.
ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك.
وقال النووي رحمه الله: معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني أنه السالم من النقائص، ويقال: المُسلِّمُ أولياءه، وقيل: المسلم عليهم. قال ابن الأنباري رحمه الله: أَمَرَهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة، وغناه سبحانه وتعالى عنها. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: زيادة "وحده لا شريك له" في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، زيادة شاذة مردودة، لاتفاق جميع الحفاظ على عدم الزيادة، وإنما هي في هذا الطريق، من رواية حارث بن عطية، وهو كما تقدم صدوق يهم، فتكون هذه الزيادة من أوهامه.
وإنما تصح هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، كما سيأتي -192/ 1173 - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1169 -
(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ-
(3)
عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ
(1)
"فتح" ج 2 ص 576.
(2)
"فتح" ج 2 ص 576.
(3)
"هو الدستوائي" ساقط من بعض النسخ.
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسماعيل بن مسعود) الجَحْدري البصري، ثقة [0] تقدم 42/ 47.
2 -
(خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [8] تقدم 42/ 47.
والباقون تقدموا، والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه، والمسائل المتعلقة به.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1170 -
(أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، وَمَنْصُورٍ، وَحَمَّادٍ، وَمُغِيرَةَ، وَأَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ فِي التَّشَهُّدِ:"التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو هَاشِمٍ غَرِيبٌ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(بشر بن خالد العَسْكَري) أبو محمَّد الفرائضي البصري، ثقة يُغْرب [10] تقدم 26/ 812.
2 -
(مغيرة) بن مقسم الضبي مولاهم، أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس [6] تقدم 188/ 301.
3 -
(أبو هاشم) الرُّمَّاني الواسطي، اسمه يحيى بن دينار، وقيل: غيره، ثقة [6] تقدم 188/ 296.
والباقون تقدموا قريبا، والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله.
و"سليمان" هو الأعمش. و"حماد" هو ابن أبي سليمان.
وقوله: "في التشهد"، أي في بيان ألفاظ التشهد، وسمي التشهد به، لما فيه من النطق بالشهادتين.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: أبو هاشم غريب" ساقط من بعض النسخ.
وأبو عبد الرحمن هو النسائي، ومعنى كلامه أن المشهور رواية شعبة لهذا الحديث عن
الأعمش، ومنصور، وحماد بن أبي سليمان، ومغيرة، كلهم عن أبي وائل، وأما زيادة "أبي هاشم" معهم في السند فغريب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1171 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ الْمَكِّيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَكَفُّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي ابن راهويه، ثقة ثبت حجة [10] تقدم 2/ 2.
2 -
(الفضل بن دُكَين) أبو نعيم الكوفي، ثقة ثبت [9] تقدم 11/ 516.
3 -
(سيف المكى) هو سيف بن سليمان، أو ابن أبي سليمان، أبو سليمان المخزومي، ثقة ثبت رمي بالقدر، سكن البصرة أخيرا [6].
روى عن مجاهد، وقيس بن سعد، وأبي أمية، وغيرهم. وعنه الثوري، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم.
قال أحمد: ثقة. وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان عندنا ثبتا ممن يصدق ويحفظ. وقال أبو زرعة الدمشقي: ثبت. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال الآجري، عن أبي داود: ثقة يُرْمَى بالقدر. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال ابن عديّ: حديثه ليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة (156) وكان يسكن البصرة في آخر عمره. وقال ابن سعد: توفي بمكة سنة (55) وكان ثقة كثير الحديث. وقال الساجي: أجمعوا على أنه صدوق ثقة، غير أنه اتهم بالقدر.
وقال الآجري: قلت لأبي داود: رمي بالقدر؟ قال: ما أعلمه. وقال العجلي، وأبو بكر البزار: ثقة. روى له الجماعة، سوى الترمذي، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (1171) وحديث (2908).
4 -
(مجاهد) بن جبر المخزومي، أبو الحجاج المكي، ثقة إمام [3] تقدم 27/ 31.
5 -
(أبو معمر) عبد الله بن سَخْبَرَة الكوفي، ثقة [2] تقدم 23/ 807.
وعبد الله هو ابن مسعود المذكور رضي الله تعالى عنه. والحديث متفق عليه.
[تَتِمَّة]: جملة ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من الطرق لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في التشهد عشرة.
قال الحافظ رحمه الله في "التلخيص الحبير": حديث ابن مسعود رضي الله عنه في التشهد متفق على صحته وثبوته.
وقال الترمذي: هو أصح حديث روي في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، ثم رَوَى بسنده عن خُصَيف، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن الناس قد اختلفوا في التشهد، فقال: عليك بتشهد ابن مسعود.
وقال البزار: أصح حديث في التشهد عندي حديث ابن مسعود، رُوي عنه من نيف وعشرين طريقا، ولا نعلم رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد أثبت منه، ولا أصحّ أسانيد، ولا أشهر رجالا، ولا أشدّ تضافرا بكثرة الأسانيد والطرق.
وقال مسلم: إنما اجتمع الناس على تشهد ابن مسعود؛ لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا، وغيره قد اختلف أصحابه.
وقال محمَّد بن يحيى الذهلي: حديث ابن مسعود أصح ما روي في التشهد.
وروى الطبراني في الكبير من طريق عبد الله بن بريدة بن الحصيب، عن أبيه، قال: ما سمعت في التشهد أحسن من تشهد ابن مسعود.
وقال الشافعي لمَّا قيل له: كيف صرت إلى اختيار حديث ابن عباس في التشهد؟ قال لَمَّا رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن عباس صحيحًا كان عندي أجمع، وأكثر لفظا من غيره، فأخذت به، غير مُعَنِّف لمن يأخذ بغيره مما صحّ.
ورجّح غيره تشهد ابن مسعود بما تقدم، وبكون رواته لم يختلفوا في حرف منه، بل نقلوه مرفوعًا على صفة واحدة بخلاف غيره. انتهى ما في "التلخيص". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
191 - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّشَهُّدِ)
1172 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو قُدَامَةَ السَّرْخَسِيُّ
(1)
، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(2)
قَتَادَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ
(1)
"أبو قدامة السرخسي" ساقط من بعض النسخ.
(2)
وفي نسخة "حدثنِي".
عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الأَشْعَرِيَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَنَا، فَعَلَّمَنَا سُنَّتَنَا، وَبَيَّنَ لَنَا صَلَاتَنَا، قَالَ
(1)
: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: {وَلَا الضَّالِّينَ} فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ، وَإِذَا كَبَّرَ الإِمَامُ، وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا، وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ"، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ
(2)
، يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ إِذَا كَبَّرَ الإِمَامُ، وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا، وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ"، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَتِلْكَ بِتِلْكَ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عبيد الله بن سعيد، أبو قدامة السرخسي) نزيل نيسابور، ثقة ثبت سني [10] تقدم 15/ 15.
2 -
(يحيى بن سعيد) القطان البصري الإمام الحافظ الحجة الناقد [9] تقدم 4/ 4.
3 -
(هشام) بن أبى عبد الله الدستوائي تقدم في الباب الماضي.
4 -
(قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري ثقة ثبت يلس من رؤوس (4) تقدم 30/ 34.
5 -
(يونس بن جُبَير) الباهلي، أبو غلاب البصري، ثقة [3] تقدم 38/ 830.
6 -
(حِطّان بن عبد الله) الرقاشي البصري، ثقة [2] تقدم 38/ 830.
7 -
(الأشعري) هو: عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار أبو موسى الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم 3/ 3.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى في 38/ 830 - أورده هناك استدلالا على تحريم مبادرة الإمام بأفعال الصلاة، رواه عن مُؤَمَّل بن هشام، عن إسماعيل ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به. وذكر في أوله قصة، ولم يذكر جزء التشهد، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك.
(1)
وفي بعض النسخ "فقال". بزيادة الفاء.
(2)
وفي نسخة "لك الحمد" بإسقاط الواو.
وأخرجه في 113/ 1064 - بتمامه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد الهُجَيمي، عن سعيد به. أورده استدلالا على قول المأموم ربنا ولك الحمد.
وقوله: "يجبكم الله" مجزوم على أنه جواب الأمر. وكذا قوله: "يسمع الله لكم"، غير أنه كُسر للتقاء الساكنين.
وقوله: "فتلك بتلك"، أي إن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه في الأركان تُقابَلُ لكم بتأخركم في الركن قليلا بعد انتقاله هو إلى الذي يليه، فتلك اللحظة بتلك اللحظة.
وقوله: "فإن الله عز وجل قال على لسان بنيه صلى الله عليه وسلم الخ" تعليل للأمر بالتحميد.
وقوله: "فإذا كان عند القعدة""كان" هنا تامّة، بمعنى بلغ، والفاعل ضمير يعود إلى المصلي المفهوم، أي إذا بلغ المصلى إلى القعود الأول أو الأخير.
و"القعدة" هنا -بفتح القاف- لأن المراد به المرة من القعود.
وقوله: "فليكن من أول الخ" الظاهر أن "من" زائدة، والظرف متعلق بخبر "يكن" مقدما على اسمها، وهو قوله:"أن يقول الخ" في تأويل المصدر.
وإنما قلت: إن زيادة "من" هو الظاهر لأن ما تقدم من حديث ابن مسعود يؤيد ذلك، حيث قال:"إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات الخ". فإنه ظاهر في كونه لا يتقدمه شىء من الذكر كالبسملة.
فقول النووي رحمه الله تعالى: استدلّ جماعة بهذا -يعني قوله: "من أول الخ"- على أنه يقول في أول جلوسه: "التحيات"، ولا يقول:"بسم الله"، وليس هذا الاستدلال بواضح؛ لأنه قال:"فليكن من أول"، ولم يقل:"أول". والله أعلم. انتهى
(1)
.
مبني على جعل "من" تبعيضية، والأولى جعلها زائدة، لما ذكرناه، فيتم الاستدلال. والله تعالى أعلم.
وقوله: "السلام عليك الخ"، "السلام علينا" الرواية هنا وفي الباب التالي بالتعريف في الموضعين، وتقدم في 113/ 1064 - من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بالتنكير فيهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
(1)
"شرح مسلم" ج 4 ص 121 - 122.
192 - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّشَهُّدِ)
1173 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ الْبَصْرِيُّ
(1)
، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي غَلاَّبٍ -وَهُوَ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ- عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُمْ صَلَّوْا مَعَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمُ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي البصري) صدوق صاحب حديث [10] تقدم 138/ 219.
2 -
(المعتمر) بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري، ثقة، من كبار [9] تقدم 10/ 10.
3 -
(سليمان) بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري، ثقة عابد [4] تقدم 87/ 107.
والباقون تقدموا في الباب الماضي، والحديث أخرجه مسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
193 - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّشَهُّدِ
(2)
)
1174 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ، وَكَانَ يَقُولُ: "التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ
(1)
"البصري" ساقط من بعض النسخ.
(2)
"من التشهد" ساقط من بعض النسخ.
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [10] تقدم 1/ 1.
2 -
(الليث بن سعد) الإمام الحافظ الحجة الفقيه المصري [7] تقدم 31/ 35.
3 -
(أبو الزبير) محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم المكي، صدوق يدلس [4] تقدم 31/ 35.
4 -
(سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [3] تقدم 28/ 436.
5 -
(طاوس) بن كيسان الحميري مولام، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاضل [3] التقدم 27/ 31.
6 -
(ابن عباس) عبد الله البحر رضى الله تعالى عنهما تقدم 27/ 31.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعيين، وفيه ابن عباس رضي الله عنهما أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) رضي الله عنهما، أنه (قال: كان رسول الله صلى يعلمنا التشهد) سمي التشهدَ للنطق بالشهادة بالوحدانية والرسالة، فسمى باسم جزئه الأشرف، كما هو القاعدة عند البلغاء في تسمية الكلّ باسم البعض
(1)
(كما يعلمنا القرآن) وفي رواية لمسلم "كما يعلمنا السورة من القرآن"، أي يهتم بتعليمنا إياه اهتماما كاملا، لتوقف إجزاء الصلاة عليه، ففيه دلالة ظاهرة على اهتمامه، وإشارة إلى وجوبه (التحيات المباركات الصلوات الطيبات) قال النووي رحمه الله: تقديره: "والمباركات" و"الصلوات" و"الطيبات" كما في حديث ابن مسعود وغيره، ولكن حذفت اختصارا، وهو جائز معروف في اللغة.
و"المباركات" جمع مباركة، من البركة، وهي كثرة الخير، وقيل: النماء.
وهذه زيادة اشتمل عليها حديث ابن عباس رضي الله عنهما، كما اشتمل حديث ابن مسعود رضي الله عنه على زيادة الواو، ولولا وقوع الإجماع كما قدمنا على جواز كل تشهد من
(1)
انظر "المرعاة" ج 3 ص 237.
التشهدات الصحيحة لكان اللازم الأخذ بالزائد، فالزائد من ألفاظها. قاله الشوكاني رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن لا يقدر الواو، فتكون "المباركات" وما بعدها صفات لـ"لتحيات"(لله) جار ومجرور خبر عن "التحيات"(سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) هكذا عند المصنف هنا بتنكير "سلام" في الموضعين، وسيأتي في 45/ 1281 - من طريق أيمن بن نابل، عن أبي الزبير بتعريفهما، وكذا هو عند مسلم في "صحيحه".
(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) هكذا عند المصنف، وكذا عند ابن ماجه. ووقع في "صحيح مسلم":"وأشهد أن محمدا رسول الله". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسأله الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -193/ 1174 - وفي "الكبرى" -100/ 762 - عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جُبَير، وطاوس، كلاهما عنه. وفي -42/ 1278 - وفي "الكبرى" -77/ 1021 - عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبي الزبير به، مختصرا على قوله:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) 2/ 14 - عن قتيبة، وعن محمَّد بن رمح بن المهاجر، كلاهما عن الليث به. و 2/ 14 - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم به.
(د) 974 - عن عن قتيبة به. (ت) 290 - عن قتيبة به. (ق) 900 - عن محمد بن رمح بن المهاجر به.
(أحمد) 1/ 292 و 315 (ابن خزيمة) رقم 705. والله تعالى أعلم بالصوأب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
(1)
راجع "نيل الأوطار" ج 3 ص 325.
194 - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّشَهُّدِ)
1175 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَيْمَنَ، وَهُوَ ابْنُ نَابِلٍ
(1)
، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، "بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمد بن عبد الأعلى) البصري، ثقة [10] تقدم 5/ 5.
2 -
(المعتمر) بن سليمان التيمى، تقدم قبل باب.
3 -
(أيمن بن نابل) -بنون وموحدة- أبو عمران، ويقال: أبو عمرو الحبشي مولى آل أبي بكر، المكي، نزيل عسقلان، صدوق يهم [5].
روى عن قدامة بن عبد الله العامري، وأبيه نابل، وأبي الزبير، وغيرهم. وعنه موسى ابن عقبة، والمعتمر بن سليمان، ووكيع، وغيرهم.
قال الفضل بن موسى: دلني الثوري على أيمن، فقال: هل لك في أبي عمران، فإنه ثقة؟. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن عبد العزيز بن أبي روَّاد، وأيمن بن نابل -يعني وغيرهما- فقال: هؤلاء قوم صالحون. وقال ابن معين، وابن عمار، والحسن ابن علي بن نصر الطوسي، والحاكم: ثقة. وقال الدوري: كان عابدا فاضلا، وسمعت يحيى يقول: هو ثقة، وكان لا يُفصح، وكانت فيه لُكْنَة. وقال يعقوب بن شيبة: مكي صدوق، وإلى ضعفٍ ما هو، وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الدارقطني: ليس بالقوي، خالف الناسَ، ولو لم يكن إلا حديث التشهد. وقال ابن عديّ: له أحاديث، وهو لا بأس به فيما يرويه، ولم أر أحدا ضعفه ممن تكلم في الرجال، وأرجو أن أحاديثه صالحة، لا بأس بها، وحديثه في البخاري متابعة. وقال الترمذي في حديثه عن قُدَامة: أيمنُ ثقة عند أهل الحديث. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن حبان: كان يخطئ، ويتفرد بما لا يتابع عليه. وفي ترجمة سفيان الثوري من "حلية
(1)
"وهو ابن نابل" ساقط من بعض النسخ.
أبي نعيم" ما يدلّ على أن أيمن هذا عاش إلى خلافة المهدي.
أخرج له البخري متابعة، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط.
4 -
(أبو الزبير) محمَّد بن مسلم تقدم في الباب الماضي.
5 -
(جابر) بن عبد الله الأنصارى، رضي الله عنهما تقدم 31/ 35.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جابر هذا ضعيف، كما دلّ عليه كلام المصنف رحمه الله تعالى الآتي.
أخرجه المصنف هنا -194/ 1175 - وفي "الكبرى" 101/ 763 - عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أيمن بن نابل، عن أبي الزبير، عنه. وفي 45/ 281 - وفي "الكبرى" -80/ 1204 - عن عمرو بن علي، عن أبي عاصم، عن أيمن به.
وأخرجه (ق) رقم 902 - عن محمَّد بن زياد، عن المعتمر- وعن يحيى بن حكيم، عن محمَّد بن بكر- كلاهما عن أيمن به.
وشرحه يعلم مما سبق في شرح حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
[تنبيه]: قال المصنف رحمه الله تعالى في 45/ 1281 - بعد أن أخرج حديث جابر رضي الله عنه هذا: ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحدا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ. وبالله التوفيق. انتهى.
يعني أن الصواب رواية أبي الزبير عن سعيد بن جبير، وطاوس، كلاهما عن عباس رضي الله عنهما المذكور في الباب الماضي.
قال الحافظ رحمه الله تعالى في "التلخيص الحبير" في الكلام على حديث جابر رضي الله عنه هذا: ما نصه:
كذا رواه النسائي، وابن ماجه، والترمذي في "العلل"، والحاكم، ورجاله ثقات إلا أن أيمن بن نابل راويه عن أبي الزبير أخطأ في إسناده، وخالفه الليث، وهو من أوثق الناس في أبي الزبير، فقال: عن أبي الزبير، عن طاوس، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس.
قال حمزة الكناني: قوله: عن جابر خطأ، ولا أعلم أحدا قال في التشهد:"بسم الله، وبالله" إلا أيمن.
وقال الدارقطني: ليس بالقوي، خالف الناس، ولو لم يكن إلا حديث التشهد. وقال يعقوب بن شيبة: فيه ضعف. وقال الترمذي: سألت البخاري عنه؟ فقال: خطأ. وقال الترمذي: وهو غير محفوظ. ثم ذكر الحافظ كلام النسائي المذكور.
قال: وقال البيهقي: هوضعيف. وقال عبد الحق: أحسن حديث أبي الزبير ما ذكر فيه سماعه، ولم يذكر السماع في هذا.
قال الحافظ: قلت: ليست العلة فيه من أبي الزبير، فأبو الزبير إنما حدث به عن طاوس، وسعيد بن جبير، لا عن جابر، ولكن أيمن بن نابل كأنه سلك الجادّة، فأخطأ.
وقد جمع أبو الشيخ ابن حيان الحافظ جزءا فيما رواه أبو الزبير عن غير جابر، يتبين للناظر فيه أن جلّ رواية أبي الزبير إنما هي عن جابر.
وأورد الحاكم في "المستدرك" حديثا ظاهره أن أيمن توبع عن أبي الزبير، فقال: حدّثنا أبو علي الحافظ، ثنا عبد الله بن قحطبة، ثنا محمَّد بن عبد الأعلى، ثنا معتمر، ثنا أبي، عن أبي الزبير به. قال الحاكم: سمعت أبا علي يوثق ابن قحطبة، إلا أنه أخطأ فيه؛ لأن المعتمر لم يسمعه من أبيه، إنما سمعه من أيمن. انتهى.
وقال أبو محمَّد البغوي، والشيخ -أبو إسحاق- في "المهذب": ذكر التسمية في التشهد غير صحيح. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما ذكر أن حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه في التشهد غلط، وإنما الصواب من حديثه ما رواه عن سعيد بن جبير، وطاوس، كلاهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما تقدم في الباب الماضي.
فظهر بهذا أن زيادة "بسم الله، وبالله" في أوله، و"أسال الله الجنة، وأعوذ بالله من النار" في آخره غير صحيحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تَتِمَّةٌ]: (اعلم): أن المصنف رحمه الله تعالى ذكر أنواعا من التشهد، فرواه من حديث ابن مسعود، وأبي موسى، وابن عباس، وجابر رضي الله تعالى عنهم، وقد ترك اختصارا ما روي عن الصحابة الآخرين رضي الله عنهم.
فجملة من روُي عنه التشهد أربع وعشرون صحابيا، وهم:
ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهم، وقد أخرج أحاديثهم المصنف رحمه الله.
وعمر، وابن عمر، وعائشة، وسمرة بن جندب، وعلي، وابن الزبير، ومعاوية، وسلمان، وأبو حميد، وأبو بكر، والحسين بن علي، وطلحة بن عبيد الله، وأنس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، والفضل بن عباس، وأم سلمة، وحذيفة، والمطلب بن ربيعة، وابن أبي أوفى، رضي الله تعالى عنهم.
فأحببت أن أذكر أحاديث هؤلاء كما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى في "التلخيص الحبير" تتميما للفائدة، ونشرا للعائدة:
(1)
"التلخيص الحبير" ج 1 ص 265 - 266.
فأما حديث عمر رضي الله عنه، فأخرجه الطحاوي، بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلم الناس التشهد على المنبر، وهو يقول: قولوا: "التحيات لله الزاكيات، الطيبات، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي صلى الله عليه وسلم ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا عبده ورسوله".
ورواه الحاكم، والبيهقي، وروياه من طريق أخرى عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر، فذكره، وأوله "باسم الله خير الأسماء"، وهذه الرواية منقطعة.
وفي رواية للبيهقي تقديم الشهادتين على كلمتي السلام، ومعظم الروايات على خلافه. وقال الدارقطني في "العلل": لم يختلفوا في أن هذا الحديث موقوف على عمر، ورواه بعض المتأخرين عن ابن أبي أويس، عن مالك مرفوعا، وهو وهم.
وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فأخرجه أبو داود: حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، سمحت مجاهدا، يحدث عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد:"التحيات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، قال قال ابن عمر: زدت فيها "وبركاته"، "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله"، قال ابن عمر: زدت فيها "وحده لا شريك له"، و"أشهد أن محمدا عبده ورسوله".
وأخرجه الدارقطني عن ابن أبي داود، عن نصر بن علي، وقال: إسناده صحيح. وقد تابعه على رفعه ابنُ أبي عدي، عن شعبة، ووقفه غيرهما. ورواه ابن عدي عن أحمد بن المثنى، عن نصر بن علي، وغيّرَ بعض ألفاظه، ورواه البزار عن نصر بن علي أيضا، وقال: رواه غير واحد عن ابن عمر، ولا أعلم أحدا رفعه عن شعبة إلا علي بن نصر، كذا قال. قال الحافظ: وقول الدارقطني السابق يرد عليه.
وقال أبو طالب: سألت أحمد؟ فأنكره، وقال: لا أعرفه. وقال يحيى بن معين: كان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد، وقال: ما سمع منه شيئا، إنما رواه ابن عمر عن أبي بكر الصديق موقوفا.
وأما حديث عائشة رضي الله عنهما، فرواه الحسن بن سفيان في "مسنده"، والبيهقي من حديث القاسم بن محمَّد، قال: علّمتني عائشة، قالت: هذا تشهد النبي صلى الله عليه وسلم: "التحيات لله، والصلوات والطيبات". . . الحديث، ووقفه مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، ورجح الدارقطني في "العلل" وقفه، ورواه البيهقي من وجه آخر، وفيه التسمية، وفيه ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث، لكن ضعفها البيهقي لمخالفته من هو أحفظ منه. قال: وروى ثابت بن زهير عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وفيه التسمية، وثابت ضعيف، ورواه ثابت أيضا عن نافع، عن ابن عمر، رواه ابن عدي، وابن حبان في "الضعفاء" في ترجمة ثابت بن زهير.
وأما حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، فرواه أبو داود، ولفظه:"قولوا: التحيات لله الطيبات والصلوات والملك لله، ثم سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم، وسلمو على قارئكم، وعلى أنفسكم". وإسناده ضعيف. ففي سنده جعفر بن سعد ليس بالقوي، وسليمان بن سمرة مجهول.
وأما حديث علي رضي الله عنه، فرواه الطبراني في "الأوسط" من حديث عبد الله بن عطاء، حدثني النهدي، سألت الحسين بن علي، عن تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"التحيات لله، والصلوات والطيبات، والغاديات، والرائحات، والزاكيات، والناعمات السابغات الطاهرات لله". وإسناده ضعيف.
وله طريق أخرى عن علي رواها ابن مردويه من طريق أبي إسحاق، عن الحارث، عنه، ولم يرفعه، وفيه من الزيادة "ما طاب فهو لله، وما خبث فلغيره". والحارث ضعيف.
وأما حديث عبد الله بن الزبير، فرواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" من حديث ابن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد، سمعت أبا الورد، سمعت ابن الزبير يقول: إن تشهد النبي صلى الله عليه وسلم "باسم الله، وبالله خير الأسماء، التحيات لله، الصلوات الطيبات، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللَّهم اغفر لي، واهدني". هذا في الركعتين الأوليين. قال الطبراني: تفرد به ابن لهيعة. قال الحافظ: وهو ضعيف، ولا سيما، وقد خالف.
وأما حديث معاوية رضي الله عنه، فرواه الطبراني في "الكبير"، وهو مثل حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وإسناده حسن.
وأما حديث سلمان رضي الله عنه، فرواه أيضا الطبراني، والبزار، وهو مثل حديث ابن مسعود، لكن زاد "لله" بعد "والطيبات"، وقال في آخره:"قلها في صلاتك، ولا تزد فيها حرفا، ولا تنقص منها حرفا". وإسناده ضعيف.
وأما حديث أبي حميد رضي الله عنه، فرواه الطبراني، ولكن زاد "الزاكيات لله" بعد "الطيبات"، وأسقط واو "والطيبات". وإسناده ضعيف.
وأما حديث أبي بكر الموقوف، فرواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن الفضل بن دُكين، عن سفيان، عن زيد العَمّي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر: أن أبا بكر كان يعلمهم التشهد على المنبر، كما يعلم الصبيان في المكتب "التحيات لله، والصلوات والطيبات"، فذكر مثل حديث ابن مسعود سواءً. وزيد العمي ضعيف.
قال الحافظ رحمه الله: ورواه أبو بكر بن مردويه في "كتاب التشهد" له من رواية أبي بكر
مرفوعا أيضا، وإسناده حسن.
ومن رواية عمر أيضا مرفوعا، وإسناده ضعيف، فيه إسحاق بن أبي فروة.
ومن حديث الحسين بن علي من طريق عبد الله بن عطاء أيضا، عن الزهري، قال: سألت حسينا عن تشهد علي، فقال: هو تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فساقه.
ومن حديث طلحة بن عبيد الله، وإسناده حسن.
ومن حديث أنس رضي الله عنه. وإسناده صحيح.
ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وإسناده صحيح أيضا.
ومن حديث أبي سعيد رضي الله عنه. وإسناده صحيح أيضا.
ومن حديث الفضل بن عباس، وأم سلمة، وحذيفة، والمطلب بن ربيعة، وابن أبي أوفى رضي الله عنهم.
قال الحافظ رحمه الله: وفي أسانيدهم مقال، وبعضها مقارب.
فجملة من رواه أربعة وعشرون صحابيا، رضي الله تعالى عنهم. انتهى "التلخيص الحبير" بتصرف
(1)
. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
195 - (بَابُ التَّخْفِيفِ فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب التخفيف في التشهد الأول.
1176 -
(أَخْبَرَنَا
(2)
الْهَيْثَمُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّالْقَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
(3)
، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ، قُلْتُ: حَتَّى يَقُومَ؟ قَالَ: ذَلِكَ يُرِيدُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(الهيثم بن أيوب الطالقاني) أبو عمران السلمي، ثقة [10] تقدم 84/ 101.
(1)
راجع "التلخيص الحبير" ج 1 ص 266 - 268. و"عمدة القاري" ج 6 ص 112 - 114.
(2)
وفي نسخة "أخبرني".
(3)
وفي بعض النسخ "عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه".
2 -
(إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة [8] تقدم 196/ 314.
3 -
(سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قاضي المدينة، ثقة فاضل عابد [5] تقدم 11/ 518.
4 -
(أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود) مشهور بكيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي ثقة، من كبار [3] تقدم في 55/ 622.
5 -
(عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه أنه (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كل في الركعتين) على حذف مضاف، أي في جلوس الركعتين. زاد أبو داود، والترمذيّ من طريق شبعة، عن سعد بن إبراهيم "الأوليين". وأراد بالركعتين الركعتين اللتين في غير الثنائية بدليل قوله:"حتى يقوم"؛ لأن الثنائية لا قيام بعدها.
(كأنه على الرَّضْف) براء مفتوحة، فضاد معجمة ساكنة آخره فاء: الحجارة المحماةُ على النار، أو الشمس، واحدها رَضْفَة. وقال أبو عمرو: الرَّضْف: حجارة يوقد عليها حتى إذا صارت لهيبًا أُلْقِيَت في القدر مع اللحم، فأنضجته
(1)
. وكنَىَ بقوله: "كأنه على الرَّضْف" عن تخفيف الجلوس. يعني أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس للتشهد الأول في آخر الركتعتين الأُوليين خَفَّفَ الجلوس كأنه جالس على الحجارة المحماة بالنار.
قال السندي رحمه الله: و"حتى" في قوله: "حتى يقوم" للتعليل بقرينة الجواب بقوله: "ذلك يريد"، ولا يناسب هذا الجواب كون "حتى" للغاية، فلْيُتَأمَّل. انتهى
(2)
.
وقوله: (قلت) لم يتبين في رواية المصنف مَنْ هو وبينه أحمد في روايته أنه سعد بن إبراهيم فقد رواه عن سعد بن إبراهيم قال: أخبرنا أبي، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن أبيه:"أن النبي- صلى الله عليه وسلم كان في الركعتين كأنه على الرَّضْف"، قال سعد: قلت لأبي: حتى يقوم؟ قال: حتى يقوم. ولا يعارضه ما أخرجه الترمذي من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف"، قال شعبة: ثم حرّك سعد شفتيه بشيء، فأقول: حتى يقوم؟ فيقول: حتى يقوم، لإمكان الجمع بينهما بأن السؤال وقع من كل منهما، فسأل سعد أباه مستفسرًا المعنى المراد من قوله:"كأنه على الرضف"، وسأل شعبة أيضًا سعدًا لَمَّا لم يسمع كلامه؛ لإخفائه. والله تعالى أعلم.
(حتى يقوم) مقول "قلت"، يعني: هل أراد ابن مسعود بقوله: "كأنه على الرّضف"
(1)
قاله في "اللسان".
(2)
"شرح السندي" جـ 2 ص 244.
قيامه مسرعًا؟ (قال) إبراهيم (ذلك يريد) مسند أوجز، أي يزيد ابن مسعود بقوله:"كأنه على الرضف" قيامه مسرعًا، فاسم الإشارة يعود إلى القيام المفهوم من قوله:"حتى يقوم". وفي الحديث أن السنة تخفيف الجلوس الأول بحيث لا يزيد فيه على التشهد، وفيه اختلاف بين أهل العلم سنذكره في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قيل:] كيف يصح وفي سنده انقطاع بين أبي عبيدة وبين أبيه؟
[أجيب]: بأنه إنما صح بغيره، فقد أخرج أحمد رحمه الله ما يشهد له.
فقال في "مسنده": حدثنا يعقوب، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عن تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط الصلاة، وفي آخرها عبدُ الرحمن بن الأسود ابن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في وسط الصلاة، وفي آخرها، فكنا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه إياه، قال: فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة، وفي آخرها على وركه اليسرى:"التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".
قال: ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء أن يدعو، ثم يسلم
(1)
.
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه". ثم قال: قوله: "وفي آخرها على وركه اليسرى" إنما كان يجلسها في آخر صلاته، لا في وسط صلاته، وفي آخرها
(2)
، كما رواه عبد الأعلى عن محمَّد بن إسحاق، وإبراهيم بن سعيد الجوهري عن يعقوب بن إبراهيم. انتهى
(3)
.
فهذا حديث صحيح، يدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد على التشهد في الجلوس الأول، فهو شاهد لحديث أبي عبيدة، عن أبيه؛ لأن المراد بقوله:"كأنه على الرضف" التخفيف في الجلوس، وذلك بأن لا يزيد على التشهد.
والحاصل أن حديث الباب صحيح. وقد حسنه الترمذي رحمه الله مع حكمه بالانقطاع المذكور، وإنما أراد هذا المعنى، لا أنه حسنه مع انقطاعه.
(1)
راجع "المسند" ج 1 ص 459.
(2)
هكذا نسخة "صحيح ابن خزيمة" وفي آخرها بالواو، ولعل الصواب "بل في آخرها". فليتأمل.
(3)
"صحيح ابن خزيمة" ج 1 ص 350 - 351.
ويحتمل أنه إنما حسنه لما اشتهر أن أبا عبيدة يروي عن ثقاة أصحاب أبيه، ولذا قال ابن المديني في حديثه عن أبيه: هو منقطع، وهو حديث ثَبْتٌ. وقال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يُدخِلُوا حديثَ أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -195/ 1176 - وفي "الكبرى" 102/ 764 - عن الهيثم بن أيوب الطالقاني، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن أبيه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) 995 عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم به. (ت) 366 عن محمَّد بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به.
وأخرجه (أحمد) 1/ 386 و 410 و 428 و 436 و460. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في تطويل الجلوس للتشهد الأول:
أخرج الإمام عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله في "مصنفه": عن تميم ابن سلمة، قال: كان أبو بكر إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف، يعني حتى يقوم.
وأخرج عن إبراهيم أنه كان يجلس في التشهد في الركعتين قدر التشهد مترسلا، ثم يقوم. وأخرج عن عياض بن مسلم، عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: ما جُعلت الراحة في الركعتين إلا للتشهد.
وأخرج عن الحسن أنه كان يقول: لا يزيد في الركعتين الأوليين على التشهد.
وأخرج عن الشعبي، قال: من زاد في الركعتين الأوليين على التشهد فعليه سجدتا السهو. انتهى كلام عبد الرزاق
(2)
.
وقال الإمام الترمذي رحمه الله بعد أن أخرج حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا: ما نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين، ولا يزيد على التشهد شيئًا في الركعتين الأوليين، وقالوا: إن زاد على التشهد فعليه سجدتا السهو، هكذا روي عن الشعبي وغيره. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى
(3)
.
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى بعد إخراجه لحديث الباب: ما نصه:
فكره بعضهم الزيادة على التشهد في الركعتين الأوليين، فكان عطاء يقول في المثنى الأول: إنما هو التشهد. وقال طاوس في المثنى الأول: ما أعلمه إلا التشهد قط.
وهذا مذهب النخعي، وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم من أصحابنا.
(1)
راجع "شرح علل الترمذي" لابن رجب ج -1 ص 298.
(2)
مصنف عبد الرزاق ج 1 ص 295 - 296.
(3)
جامع الترمذي ج 2 ص 362. بنسخة الشرح.
وكان الشعبي يقول: من زاد في الركعتين الأوليين على التشهد فعليه سجدتا السهو. وكان الشافعي يقول: لا تزد في الجلوس الأول على التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد روينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أباح أن يدعو في الركعتين الأوليين إذا قضى تشهده بما بدا له. وقال مالك: ذاك واسع، ودين الله يسر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم في كلام عبد الرزاق عن ابن عمر ما يخالف هذا، ولعله له مذهبان. والله تعالى أعلم.
قال أبو بكر: القول الأول أحب إلى. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما ذكر أن المذهب الراجح هو عدم الزياد على التشهد في جلوس التشهد الأول، لصحة حديث ابن مسعود رضي الله عنه المذكور في الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
196 - (بَابُ تَرْكِ التَّشَهُّدِ الأوَّلِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز ترك التشهد الأول، والقيام إلى الثالثة.
وترجم الإمام البخاري رحمه الله بقوله: "باب من لم ير التشهد الأول واجبا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الركعتين، ولم يرجع". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
1177 -
(أَخْبَرَنِا
(2)
يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ الْبَصْرِيُّ
(3)
، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى، فَقَامَ فِي الشَّفْعِ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يحيى بن بن حبيب بن عربي البصري) ثقة [10] تقدم 60/ 75.
2 -
(حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار [8] تقدم 3/ 3.
(1)
"الأوسط" ج 3 ص 299 - 210.
(2)
وفي نسخة "أخبرني".
(3)
قوله: "البصري" سقط من بعض النسخ.
3 -
(يحيى) بن سعيد الأنصاري المدني، ثقة ثبت [5] تقدم 22/ 23.
4 -
(عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز المدني، ثقة ثبت عالم [3] تقدم 7/ 7.
5 -
(ابن بحينة) هو عبد الله بن مالك بن القِشْب الأزدي الصحابي رضي الله عنه، و"بُحينة" أمه، تقدم 141/ 1106. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري، وزن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أكثر من روى الحديث في دهره، روى (5374) حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الرحمن الأعرج) وفي رواية البخاري: حدثني عبد الرحمن بن هُرمز مولى بني عبد المطلب، وقال مرة: مولى ربيعة بن الحارث انتهى.
قال في "الفتح": ولا تنافي بينهما؛ لأنه مولى ربيعة بن عبد المطلب، فذكره أولا بجد مواليه الأعلى، وثانيًا بمولاه الحقيقي. انتهى.
(عن ابن بُحَينة) وفي رواية للبخاري: "أن عبد الله ابن بحينة، وهو من أَزْدَ شَنُوءة
(1)
، وهو حليف لبني عبد مناف، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
(أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى) أي دخل في الصلاة، وهي الظهر، لما في الرواية الآتية -28/ 1261 - من طريق ابن شهاب، عن الأعرج:"قام في الثنتين من الظهر، فلم يجلس"(فقام في الشفع الذي يريد أن يجلس فيه) أي في الركعة الثانية (فمضى في صلاته) أي لم يرجع إلى الجلوس بعد ما سبحوا عليه، ففي الرواية التالية "فسبحوا، فمضى في صلاته"(حتى إذا كان في آخر صلاته سجد سجدتين) زاد في الرواية المذكورة "كبر في كل سجدة، وهو جالس".
"حتى" غاية لمضيه، واسم "كان" ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، والجار والمجرور خبرها، وسجد جواب "إذا" (قبل أن يسلم) زاد في الرواية المذكورة:"وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس".
(ثم سلم) وفي رواية للبخاري "ثم سلم بعد ذلك". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
(1)
"أزد شنوءة" بفتح الهمزة، وسكون الزاي، بعدها مهملة، ثم معجمة مفتوحة، ثم نون مضمومة، وهمزة مفتوحة، وزان فَعُولة: قبيلة مشهورة. قاله في "الفتح" ج 2 ص 574.
حديث ابن بُحينة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -196/ 1177 - وفي "الكبرى" 103/ 765 - عن يحيى بن حبيب، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن الأعرج، عنه. وفي 1178 - و"الكبرى" 766 - عن سليمان بن سيف، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن يحيى به. وفي 21/ 1222 - و"الكبرى" 56/ 1145 - عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج به، وفي 1223 - و"الكبرى" -1146 - عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى به. وفي 28/ 1261 - و"الكبرى" 63/ 1184 - عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، والليث، ثلاثتهم عن ابن شهاب به.
وفي "الكبرى" عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك- وعن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن هشام- وعن سليمان بن سلم البلخي، عن النضر بن شُمَيل، عن هشام- كلهم عن يحيى بن سعيد به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) 1/ 210 - عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة- و 2/ 85 عن عبد الله بن يوسف، عن مالك- و 2/ 87 عن قتيبة، عن الليث- و 8/ 170 عن آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب- كلهم عن ابن شهاب به. و 1/ 210 عن قتيبة، عن بكر، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج به.
(م) 2/ 83 عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن قتيبة، عن الليث به. ومحمد ابن رمح، عن الليث به. وعن أبي الربيع الزهراني، عن حماد به.
(د) 1034 - عن القعنبي، عن مالك به و 1035 - عن عمرو بن عثمان، عن أبيه، وبقية، كلاهما عن شعيب به.
(ت) 391 - عن قتيبة، عن الليث به.
(ق) 1206 عن عثمان، وأبي بكر ابني أبي شيبة، وهشام بن عمار، كلهم عن ابن عيينة، عن ابن شهاب به. و 1207 عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن نمير، وابن فُضيل، ويزيد بن هارون، كلهم عن يحيى بن سعيد به. وعن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، ويزيد بن هارون، وأبي معاوية، كلهم عن يحيى به.
وأخرجه مالك في "الموطإ" 81 (الحميدي) 903 (أحمد) 5/ 345 و 346 (الدارمي) 1507 و 1508 (ابن خزيمة) 1029 و 1031 و 1030. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز ترك التشهد الأول، وأنه لا يبطل الصلاة، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه استدلّ به على أن سجود السهو قبل السلام، قال في "الفتح": ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك، نعم يَرُدُّ على من زعم أن جميعه بعد السلام، كالحنفية، وسيأتي ذكر مستندهم في محله، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه استدلّ بقوله: "مكان ما نسي من الجلوس" على أن السجود خاص بالسهو، فلو تعمد ترك شيء مما يجبر بسجود السهو لا يسجد، وهو قول الجمهور، ورجحه الغزالي، وناس من الشافعية.
ومنها: أنه استدل به على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يَسْهُ المأموم، ونقل ابن حزم فيه الإجماع، لكن استثنَى غيره ما إذا ظن الإمام أنه سها، فسجد، وتحقق المأموم أن الإمام لم يسه فيما سجد له، وفي تصويرها عسر، وما إذا تبين أن الإمام محدث، ونقل أبو الطيب الطبري أن ابن سيرين استثنى المأموم أيضا. قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الاستثناآت محل نظر، لمن تأمل. والله أعلم.
ومنها: أن سجود السهو لا تشهد بعده إذا كان قبل السلام.
ومنها: أن من سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الثالثة، ثم ذكر لا يرجع، فقد سبحوا به صلى الله عليه وسلم، فلم يرجع، فلو تعمد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي، خلافا للجمهور.
ومنها: أن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما طريقه التشريع.
ومنها: أن محلّ سجود السهو آخر الصلاة، فلو سجد للسهو قبل أن يتشهد ساهيا أعاد عند من يوجب التشهد الأخير، وهم الجمهور
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم التشهد الأول:
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب من لم ير التشهد الأول واجبا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الركعتين، ولم يرجع". انتهى.
قال الزين ابن المُنَيِّرِ رحمه الله: ذكر في هذه الترجمة الحكم ودليله، ولم يَبُتَّ الحكم مع ذلك، كأن يقول باب لا يجب التشهد الأول، وسببه ما يطرق الدليل المذكور من الاحتمال. انتهى.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: ووجه الدلالة من حديث الباب أنه لو كان واجبا لرجع إليه لمّا سبحوا به بعد أن قام.
وقال ابن بطال رحمه الله: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب أنه لو
(1)
راجع "الفتح" ج 3 ص 423.
نسي تكبيرة الإحرام لم تجبر، فكذلك التشهد، ولأنه ذكر لا يجهر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح.
واحتج غيره بتقريره صلى الله عليه وسلم الناس على متابعته بعد أن علم أنهم تعمدوا تركه. وفيه نظر. وممن قال بوجوبه الليث، وإسحاق، وأحمد في المشهور، وهو قول للشافعي، وفي رواية عند الحنفية.
واحتج الطبري لوجوبه بأن الصلاة فرضت أولا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبا، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب.
وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخيرتين، بل يحتمل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأولتان بتشهدهما، ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان.
وإحتج أيضا بأن متن تعمد ترك الجلوس الأول بطلت صلاته. وهذا لا يَردُ؛ لأن من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه. انتهى ما في "الفتح" ملخصا
(1)
. .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي ما ذهب إليه من قال بوجوب التشهد الأول؛ للأمر به في حديث رفاعة بن رافع رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهّد"، رواه أبو داود، والأمر للوجوب، ولمواظبته صلى الله عليه وسلم عليه، ولحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الآتي في 1277/ 41:"كنا ن قوله في الصلاة قبل أن يُفرض التشهد. . ." الحديث. والحاصل أن التشهد الأول واجب كالأخير؛ لما ذكرنا، فتبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد للسهو إن تركه سهوًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1178 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ
(2)
، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَسَبَّحُوا، فَمَضَى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أبو داود سليمان بن سيف) الحرّاني، ثقة حافظ [11] تقدم 103/ 136.
(1)
"فتح" ج 2 ص 573.
(2)
"سليمان بن سيف" ساقط من بعض النسخ.
2 -
(وهب بن جرير) بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي، أبو العباس، أو أبو عبد الله البصري، ثقة [9].
روى عن أبيه، وعكرمة بن عمار، وهشام بن حسان، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وابن معين، وسيف بن سليمان، وغيرهم.
قال سليمان بن داود القزاز: قلت لأحمد: أريد البصرة عمن أكتب؟ قال: عن وهب ابن جرير، وأبي عامر العقدي. وقال عثمان الدارمي عن معين: ثقة. وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صدوق، قيل له: وهب بن جرير، وروح بن عبادة، وعثمان بن عمر؟ قال: وهب أحب إلى منهما، وهب صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ. وقال العجلي: بصري ثقة، كان عفان يتكلم فيه. وقال ابن سعد: مات سنة (206) وقال: كان ثقة. وعن هارون بن عبد الله: مات في المحرم سنة سبع، وفيها أرخه غير واحد.
وقال العقيلي: قال أحمد: قال ابن مهدي: ها هنا قوم يحدثون عن شعبة، وما رأيناهم عنده، يُعَرِّضُ بوهب. وقال أحمد: ما روى وهب قط عن شعبة، ولكن كان وهب صاحب سنة، حدث زعموا عن شعبة أربعة آلاف حديث، قال عفان: هذه أحاديث عبد الرحمن الرصاصي شيخ سمع من شعبة كثيرا، ثم وقع إلى مصر. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (15) حديثًا.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [7] تقدم 24/ 26.
والباقون تقدموا في السند الماضي، والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
12 - (كِتَابُ السَّهْوِ)
أي هذا كتاب مشتمل على الأحاديث المبينة لأحكام السهو في الصلاة.
وأشار في النسخة الهندية إلى أن هذه الترجمة ساقطة من بعض النسخ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه النسخة عندي هي الصحيحة؛ لأن ذكر هذه الترجمة في هذا الموضع لا وجه له؛ إذ الأبواب الآتية ليست من أبواب السهو، فالأبواب
الثلاثة الأُوَلُ لبيان التكبير إذا قال من الركعتين، ورفع اليدين في القيام إلى الركعتين الأخريين، فهي من جمله الأبواب السابقة، وأما الأبواب التي بعدها فهي لبيان ما لا يبطل الصلاة، وما يبطلها. فالمحل المناسب لذكر هذه الترجمة [كتاب السهو] إنما هو قبل الأبواب الآتية برقم 21 و 22 و 23 و 24 و 25 و 26 و 27 و 28. فإن تلك الأبواب هي التي وضعت لبيان ما يتعلق بالسهو، والله تعالى أعلم بالصواب.
والسهو -بفتح، فسكون- مصدر"سها""يسهو"، يقال: سها عن الشيء يسْهُوُ سهَوْا. قال في "اللسان": السَّهْو، والسَّهْوَة: نسيان الشيء، والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره، سَهَا يَسْهُو سَهْوًا، وسُهُوًّا، فهو سَاهٍ، وسَهْوَان، وإنه لساه بَيِّن السَّهْو، والسُّهوّ. والسهو في الصلاة: الغفلة عن شيء منها. وقال ابن الأثير: السهو في الشيء: تركه عن غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى:{الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)} [الماعون: 5]. انتهى المقصود من "اللسان".
وقال أبو البقاء الكَفَويّ في "الكليات": السهو: هو غفلة القلب عن الشيء بحيث يحتاج إلى تحصيل جديد. قال بعضهم: النسيان: زوال الصورة عن القوّة المدركة مع بقائها في الحافظة، والسهو زوالها عنهما معا. وقيل: غفلتك عما أنت عليه لتفقده سهو، وغفلتك عما أثبت عليه لتفقد غيره نسيان. وقيل: السهو يكون لما علمه الإنسان، ولما لا يعلمه، والنسيان لما غَرُبَ بعد حضوره، والمعتمد أنهما مترادفان. انتهى المقصود من "الكليات"
(1)
. .
قال في "مراقي السعود" مبينا الفرق بينهما:
زوَالُ مَا عُلِمَ قُلْ نِسْيَانُ
…
وَالْعِلْمُ فِي السَّهْوِ لهُ اكْتِتَانُ
قال شارحه: يعني أن النسيان هو زوال المعلوم من القوّة الحافظة، والقوّة المدركة، فيُستأنَفُ تحصيله لأنه غير حاصل لزواله، والسهو هو اكتنان المعلوم، أي غيبته عن القوّة الحافظة مع أنه غير غائب عن القوة المدركة، فهو الذهول عن المعلوم الحاصل، فيتنبه له بأدنى تنبيه. وقيل: النسيان غفلة عن المذكور، والسهو غفلة عن المذكور وغيره. وقيل: هما مترادفان. انتهى
(2)
..
وقال السيوطي في "الكوكب الساطع" مشيرًا إلى القول بأن بينهما عموما وخصوصا مطلقًا:
(1)
ص 506.
(2)
"شرح الشيخ محمَّد أمين الشنقيطي" ج 1 ص 75.
وَالسَّهْوُ أَنْ يَذْهَلَ عَنْ مَعْلُومِهِ
…
وَفَارَقَ النِّسْيَانَ فِي عُمُومِهِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
…
1 - (التَّكْبِيرُ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكعَتَيْنِ)
وفي بعض النسخ: "التكبير للقيام إلى الركعتين الأخريين".
1179 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصَمِّ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: يُكَبِّرُ إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَالَ حُطَيْمٌ: عَمَّنْ تَحْفَظُ هَذَا؟ فَقَالَ: عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، رضي الله عنهما، ثُمَّ سَكَتَ، فَقَالَ لَهُ حُطَيْمٌ: وَعُثْمَانُ؟ قَالَ: وَعُثْمَانُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(قتيبة بن سعيد) أبو رجاء، ثقة ثبت [10] تقدم 1/ 1.
2 -
(أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت [7] تقدم 41/ 46.
3 -
(عبد الرحمن بن الأصم) ويقال: اسم الأصم عبد الله، وقيل: عمرو، أبو بكر العبدي، ويقال: الثقفي المدائني، مؤذن الحجاج، وأصله من البصرة، صدوق [3].
روى عن أبي هريرة، وأنس. وعنه الثوري، وخلف أبو الربيع، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة كان يرى القدر. وقال أبو حاتم: صدوق ما بحديثه بأس. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصم، وكان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". روى له مسلم حديثا واحدا، والمصنف هذا الحديث فقط.
4 -
(أنس بن مالك) الأنصاري الخادم رضي الله عنه تقدم 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله، وهو (74) من رباعيات الكتاب. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى عبد الرحمن بن الأصم، فانفرد به هو ومسلم.
ومنها: أن عبد الرحمن من المقلين، ليس له في الكتابين إلا حديثان.
ومنها: أن فيه أنسا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن
أكثر الناس خدمة للنبي صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الرحمن بن الأصم) أنه (قال: سئل أنس مالك) رضي الله تعالى عنه (عن التكبير في الصلاة؟) أي عن مواضع التكبير في الصلاة (فقال: يكبّر أذا سجد) أي إذا أراد السجود (وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا قام من الركعتين) أي إلى الركعة الثالثة (فقال حُطَيم) لم أجد ترجمته، إلا أن في شرح السيوطي: ما نصّه: بضم الحاء والطاء المهملتين، شيخ كان يجالس أنس بن مالك. انتهى.
والذي في مسند أحمد جـ 3 ص 151 و 157 فقال له حكيم. بالكاف بدل الطاء، فليحرر.
(عمن تحفظ هذا؟) أي الذي ذكرته متن التكبير في هذه المواضع الأربعة (فقال) أي أنس بن مالك رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم) متعلق بمحذوف دل عليه السؤال، أي أحفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم (وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، ثم سكت) أي أنس رضي الله عنه (فقال له حطيم: وعثمان) بالرفع مبتدأ حذف خبره، أي تحفظ عنه؟، ويحتمل الجر عطفا على سابقيه (قال) أي أنس (وعثمان) بالرفع أيضا على الابتداء، والخبر محذوف، أي أحفظ عنه كذلك.
وفي الحديث مشروعية التكبير في المواضع المذكورة، وقد تقدمت أحاديث صحاح بمعنى هذا الحديث؛ في مواضعها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -1/ 1179 - وفي "الكبرى" 37/ 1102 - بالإسناد المذكور.
وأخرجه (أحمد) 3/ 251 و 157 و 132 و 262. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1180 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، فَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عمرو بن علي) الفلاس البصري، ثقة حافظ [10] تقدم 4/ 4.
2 -
(يحيى بن سعيد) القطان البصري الإمام الحجة الثبت [9] تقدم 4/ 4.
3 -
(حماد بن زيد) أبو إسماعيل البصري تقدم في الباب الماضي.
4 -
(غيلان بن جرير) المِعْوَلي الأزدي البصري، ثقة [5] تقدم 124/ 1082.
5 -
(مطرف بن عبد الله) بن الشِّخِّير العامري، أبو عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل [2] تقدم 53/ 67.
6 -
(عمران بن حُصَين) بن عبيد بن خَلَف الخُزَاعي، أبو نجد الصحابي رضي الله عنه، تقدم 201/ 321.
وقوله: "يتم التكبير" الظاهر أن معناه يبدأ به من أول الركن، ثم يمده، وليس المراد مده حتى يصل إلى الركن الذي يليه كما قيل، لأنه ربما يلزم منه الخروج عن المد المطلوب للحرف. فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عمران بن حُصَين رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه، وقد تقدم للمصنف -رحمه الله تعالى- -124/ 1082 - أورده هناك مستدلًا به على مشروعية التكبير للسجود، رواه عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، وقد تقدم شرحه مستوفىً هناك، وكذا بيان المسائل المتعلقة به.
وأورده هنا استدلالا على مشروعية التكبير إذا قام من الركعتين، واستدلاله به واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
2 - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقِيَامْ
(1)
فإِلَى الرَّكْعَتَيْنِ الأُخرَيَيْنِ)
1181 -
(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ
(1)
وفي نسخة "للقيامِ" بدل "في القيام".
مِنَ السَّجْدَتَيْنِ كَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، كَمَا صَنَعَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي) البغدادي، ثقة حافظ [10] تقدم 21/ 22.
2 -
(محمد بن بشار) أبو بكر بُنْدَار البصري، ثقة حافظ [10] تقدم 24/ 27.
3 -
(يحيى بن سعيد) القطان المذكور في الباب الماضي.
4 -
(عبد الحميد بن جعفر) الأنصاري المدني، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم [6] تقدم 26/ 914.
5 -
(محمَّد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني، ثقة [3] تقدم 96/ 1039.
6 -
(أبو حميد الساعدي) المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقيل: غير ذلك الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه تقدم 36/ 729. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وهم ما بين بغدادي، وهو يعقوب، وبصريين، وهما ابن بشار، ويحيى، ومدنيين، وهم الباقون. ومنها: أنه مسلسل بالتحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي حميد الساعدي) نسبة إلى ساعدة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة الأنصاري
(1)
والجار والمجرور متعلق بحال محذوف، أي حال كونه راويا عن أبي حميد (قال) الضمير يعود إلى محمَّد بن عمرو، أي قال محمد ابن عمرو (سمعته) الضمير المرفوع لمحمد، والمنصوب لأبي حميد، أي سمعت أبا حميد الساعدي (يحدث) جملة حالية من الضمير المنصوب، أي حال كونه محدثا (قال) أي أبو حميد (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال من السجدتين) أي من ثانيتهما (كبر) فيه مشروعية التكبير عند القيام بعد السجدتين (ورفع يديه حتى يحاذي بهما) أي بيديه (منكبيه) هذا محل الاستدلال للترجمة، فإنه يدلّ على استحباب رفع اليدين في حالة القيام إلى الركعتين الأخريين (كما صنع حين افتتح الصلاة) أي كالرفع الذي صنعه في حال افتتاح الصلاة.
(1)
قاله في "اللباب" ج 2 ص 92.
وحديث أبي حميد رضي الله عنه هذا يدلّ على أن حد الرفع إلى المنكبين، ومثله حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم في 3/ 878.
لكن تقدم حديث وائل بن حُجر رضي الله عنه في 4/ 879 أنه صلى الله عليه وسلم رفع حذاء أذنيه، وقد تقدم الجمع بينهما، إما بأنه جعل كفيه بحذاء منكبيه، وأصابعه بحذاء أذنيه، كما نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله، وإما بالحمل على التخيير، فعمل بهذا أحيانا، وبهذا أحيانا، فيكون من العمل المخير، وقدمت هناك أن الأرجح عندي التخيير، فيكون العمل موسعا، لكن الرفع إلى المنكبين يكون أكثر، لكونه أقوى دليلا، فإن أردت تحقيق تفاصيل المسألة، فراجع ما تقدم بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري، وقد تقدم الكلام على المسائل المتعلقة به في -96/ 1039 - فلتُرَاجَعْ هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
3 - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ لِلْقِيَامِ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَينِ)
1182 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ
(1)
، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ
(2)
، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ كَذَلِكَ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ
(3)
).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمَّد بن عبد الأعلى الصنعاني) ثقة [10] تقدم 5/ 5.
(1)
"الصنعاني" ساقط من بعض النسخ.
(2)
"وهو ابن عمر" ساقط من بعض النسخ.
(3)
وفي بعض النسخ "حذو المنكبين".
2 -
(المعتمر) بن سليمان البصري، ثقة، من كبار [9] تقدم 10/ 10.
3 -
(عبيد الله بن عمر) العُمَري المدني، ثقة ثبت [5] تقدم 15/ 15.
4 -
(ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [4] تقدم 1/ 1.
5 -
(سالم) بن عبد الله بن عمر المني، ثقة ثبت فقيه [3] تقدم 23/ 490.
6 -
(ابن عمر) هو عبد الله رضي الله تعالى عنهما تقدم 12/ 12. والله تعالى أعلم.
وقوله: "يرفع يديه" توكيد للأول، جيء به لطول الفصل بين الظرف وعامله، ونظيره في كلام العرب كثير، كما في قوله تعالى:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} الآية [البقرة: 89].
وقوله: "كذلك" الظاهر أن الكاف تعليلية، أي يرفع يديه لأجل ما ذكر، من دخوله في الصلاة، وإرادته الركوع الخ.
وقوله: "حَذْوَ المنكبين" ظرف متعلق بـ"يرفع"، وفي نسخة "حِذَاء المنكبين"، والمعنى واحد، أي يرفع مقابل المنكبين. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى في 1/ 876 - ومضى شرحه مستوفى هناك، وكذا بيان مسائله، فإن شئت فراجعه.
ومحل الاستدلال هنا قوله: "وإذا قام من الركعتين". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
4 - (بَابُ رَفْعِ الْيدَيْنِ، وَحَمْد اللهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز رفع اليدين، وحمدِ الله سبحانه، والثناءِ عليه في أثناء الصلاة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى ذكر بعض الأفعال التي لا تبطل الصلاة، فمنها رفع اليدين، وحمد الله، والثناء عليه في أثناء الصلاة؛ لأن أبا بكر رضي الله، تعالى عنه رفع يديه، فحمد الله، وأثنى عليه لَمَّا أشار
إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يثبت على كونه إماما، فأقره صلى الله عليه وسلم على ما فعل، فدل على أن هذه الأشياء مما لا يبطل الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب.
1183 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ، وَيَؤُمَّهُمْ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَصَفَّحَ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ، لِيُؤْذِنُوهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَابَهُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِمْ، فَالْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيْ كَمَا أَنْتَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: "مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: مَا بَالُكُمْ صَفَّحْتُمْ؟، إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَسَبِّحُوا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمَّد بن عبد الله بن بَزِيعٍ) -بفتح الموحدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة- البصري، ثقة [10] تقدم 43/ 588.
2 -
(عبد الأعلي بن عبد الأعلى) السامي، أبو محمَّد البصري، ثقة [8] تقدم 20/ 386.
3 -
(عُبَيد الله بن عمر) العمري المدني، تقدم في الباب الماضي.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة "عبد الله" مكبرا، وهو خطأ، والصواب "عبيد الله" مصغرا، كما في الهندية. فتبصر.
4 -
(أبو حازم) سلمة بن دينار التمار الأعرج الزاهد المدني، ثقة عابد [5] تقدم 40/ 44.
5 -
(سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبو العباس، الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما تقدم. 40/ 734. والله تعالى أعلم.
وقوله: "بني عمرو بن عوف" هم بطن كثير من الأوس، فيه عدة أحياء، وكانت منازلهم بقباء.
وقوله: "فحضرت الصلاة": هي العصر، كما مرّ بيانه في 7/ 784.
وقوله: "فجاء المؤذن": هو بلال رضي الله عنه.
وقوله: "فصَفَّحَ الناسُ" من التصفيح بالحاء المهملة: وهو ضرب الكف على صفحة الكف الأخرى. وتقدم بالرقم المذكور "فأخذ الناس في التصفيق" -بالقاف-
والتصفيق، والتصفيح بمعنى واحد.
وقوله: "ليؤذنوه برسول الله صلى الله عليه وسلم" من الإيذان، وهو الإعلام، أي ليُعْلِموه بحضوره صلى الله عليه وسلم في الصف.
وقوله: "فإذا هو الخ""إذا" هذه تسمَّى الفجائية، لدلالتها على مفاجأة ما بعدها لما قبلها.
وقوله: "فأومأ إليه الخ" معطوف على مقدر، أي فأخذ أبو بكر في التأخر، ليتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إليه، أي أشار صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
وقوله: "أي كما أنت" الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لـ"كان" المحذوفة مع اسمها، أي كن كما أنت، والكاف بمعنى "على"، أي على الحال التي أنت عليها من كونك إماما، فـ"أي" تفسيرية لمعنى "أومأ".
هذا هو الذي في نسخ النسائي "المجتبى" و"الكبرى" التي بين يديّ بـ"أي" التفسيرية، وفي "شرح السندي":"أن كما أنت"، وقال: فـ"أن" تفسيرية لما في الإيماء من معنى القول. انتهى. ولعله وجد نسخة أخرى، والله تعالى أعلم.
وقوله: "فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله، وأثنى عليه" هذا موضع استدلال المصنف رحمه الله على الترجمة، ووجهه أن أبا بكر رضي الله عنه رفع يديه، وحمد الله، وأثنى عليه، فقرره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فدلّ على جوازه.
واستدل به على جواز رفع اليدين للدعاء في الصلاة. والله تعالى أعلم
وقوله: "لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم" تنازعاه الأفعال الثلاثة قبله، فهو تعليل لرفع يديه، وحمده، وثنائه على الله تعالى.
وقوله: "لابن أبي قحافة الخ""أبو قحافة" هو والد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، واسمه عثمان بن عامر، أسلم عام الفتح، ومات سنة (14 هـ).
وإنما قال أبو بكر رضي الله عنه: "لابن أبي قحافة"، ولم يقل: لأبي بكر، تواضعا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "ما بالكم": أي ما شأنكم، وقوله:"إذا نابكم": أي أصابكم. والله تعالي أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وتقدم للمصنف -7/ 784 - أورده هناك مستدلًا على حكم ما إذا تقدم أحد الرعية، ثم حضر الوالي، هل يتأخر.
وتقدم شرحه مستوفى هناك، وكذا بيان المسائل المتعلقة به، فمن أراد الاستفادة فليرجع إلى الرقم المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
5 - (بَابُ السَّلَامِ بِالأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على النهي عن الإشاره بالسلام في الصلاة.
1184 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ رَافِعُو أَيْدِينَا فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مَا بَالُهُمْ رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ الْخَيْلِ الشُّمُسِ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قتيبة بن سعيد) البغلاني، ثقة ثبت [10] تقدم 1/ 1.
2 -
(عَبْثَر) بن القاسم الزُّبَيدي الكوفي، ثقة [8] تقدم 190/ 1164.
3 -
(الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي الإمام الحجة الثبت [5] تقدم 17/ 18.
4 -
(المسيَّب بن رافع) الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأعمى، ثقة [4] تقدم 816/ 28.
[فائدة]: "المُسَيَّبُ" بفتح الياء المشددة بصيغة اسم المفعول، قال الحافظ السيوطي رحمه الله في "ألفية المصطلح":
كُلُّ مُسَيَّبٍ فَبِالْفَتْحِ سِوَى
…
أَبِي سَعِيدِ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى
5 -
(تميم بن طَرَفَةَ) المُسْلِيُّ، ثقة [3] تقدم 28/ 816.
[تنبيه]: قوله: "المسلي" بضم الميم، وسكون المهملة: نسبة إلى مُسْلِيةَ قبيلة من مَذْحِج، ومحلة لهم بالكوفة. قاله في "لب اللباب" ج 2 ص 256.
6 -
(جابر بن سمرة) بن جُنَادة السُّوَائِي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة، تقدم 28/ 816. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فبغلاني، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر بن سمرة) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن رافعوا أيدينا) جملة اسمية في محل نصب على الحال من الضمير المجرور، والرابط الواو والضمير، كما قال في "الخلاصة" بعد ذكر الجملة التي تربط بالواو:
وَجملَةُ الْحَالِ سوَى مَا قُدِّمَا
…
بواو اوْ بمُضْمَرٍ أَوْ بِهمَا
و"رافعوا" جمع مذكر مرفوع بالواو، ومضاف إلى "أيدينا"، ولذا سقطت نونه للإضافة، كما قال في "الخلاصة" أيضًا:
نُونًا تَلِى الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا
…
مِمَّا تُضِيفُ احْذِف كَطُورِ سِينَا
(في الصلاة) متعلق بـ"رافعوا"، والمراد السلام في الصلاة، كما تبينه الرواية التالية "فنسلم بأيدينا"، ولذا عقّبه المصنف رحمه الله تعالى بها، فلا يكون دليلا للحنفية في دعواهم عدم مشروعية الرفع فيما عدا الإحرام.
(فقال) صلى الله عليه وسلم (ما بالهم)"ما" استفهامية، والاستفهام هنا إنكاري، و"البال": الحال، أي ما حالهم، وما شأنهم (رافعين) منصوب على الحال من الضمير المجرور (أيديهم) بالنصب مفعول "رافعين" (في الصلاة) متعلق بـ"رافعين" وفي الرواية التالية:"كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فنسلم بأيدينا، فقال: ما بال هؤلاء؟ يسلمون بأيديهم، كأنها أذناب خيل شُمْس، أما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه، ثم يقول: السلام عليكم، السلام عليكم".
(كأنها أذناب الخيل الشُّمْس)"الأذناب" جمع "ذَنَب". قال في "المصباح": وذنب الفرس، والطائر، وغيره جمعه أذناب، مثل سَبَب وأسباب، والذُّنَابى وزان الخُزَامَى لغة في الذنَب، ويقال: هو في الطائر أفصح من الذَّنَبِ. انتهى.
و"الخيل" -بفتح، فسكون- جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده خائل، لأنه يختال، جمعه أَخْيَال، وخُيُول -بالضم، ويكسر. أفاده في "ق".
و"الشُّمْس" -بضم، فسكون، أو بضمتين- جمع شَمُوس: وهي النَّفُور من الدواب، الذي لا يستقرّ لشَغَبِه، وحِدَّته، وأذنابها كثيرة الاضطراب.
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: والشّمِسُ -أي بكسر الميم- والشَّمُوسُ من الدوابّ الذي إذا نُخِسَ لم يستقرّ، وشَمَسَت الدّابة والفرس تَشْمُسُ شِمَاسًا -أي بالكسر-
وشُمُوسًا -أي بضمتين- وهي شَمُوس: شَرَدَت، وجَمَحَت، ومَنَعَت ظهرها. انتهى
(1)
.
وقال النووي رحمه الله تعالى: "شُمس" هو بإسكان الميم وضمها، وهي التي لا تستقرّ، بل تضطرب، وتتحرك بأذنابها وأرجلها، والمراد بالرفع المنهي عنه هنا رفعهم أيديهم عند السلام، مشيرين إلى السلام من الجانبين، كما صرح به في الرواية الثانية. انتهى
(2)
.
(اسكنوا في الصلاة) فيه الأمر بالسكون في الصلاة، فيلزم منه النهي عن الحركة فيها، وهو محمول على الحركات الكثيرة، كما يدل عليه تشبيهه صلى الله عليه وسلم باضطراب أذناب الخيل الشمس.
ولا دليل فيه للحنفية القائلين بعدم مشروعية رفع اليدين في غير الإحرام، وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درحته:
حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -5/ 1184 - وفي "الكبرى" 41/ 1107 - عن قتيبة، عن عبثر، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَة، عنه. وفي 1185 - و"الكبرى" -1108 - عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن مسعر، عن عُبَيد الله بن القبطية، عنه. وفي 69/ 1381 - و"الكبرى" 103/ 1241 - عن عمرو بن علي
(3)
، عن أبي نعيم، عن مسعر به. وفي 72/ 1326 - وفي "الكبرى" -106/ 1249 - عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن فُرَات القَزَّاز، عن عبيد الله بن القبطية به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) 2/ 29 - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية-
(1)
"لسان العرب" ج 4 ص 2344 ..
(2)
"شرح صحيح مسلم" ج 4 ص 152 - 153.
(3)
وفي "الكبرى" عمرو بن منصور، بدل عمرو بن علي، وهو الذي مشى عليه المزي في "تحفة الأشراف" ج 2 ص 163 - ولعل النسائي رواه عنهما، فليحرر. والله أعلم.
وإسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس- كلاهما عن الأعمش به. و 2/ 29 عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن أبي كريب، عن ابن أبي زائدة- كلاهما عن مسعر به. وفي 2/ 30 عن القاسم بن زكريا، عن عبيد الله بن موسى به.
(د) 912 - عن مسدد، عن أبي معاوية- وعثمان بن أبي شيبة، عن جرير- وفي 1000 عن عبد الله بن محمَّد النُّفَيلي، عن زهير- ثلاثتهم عن الأعمش به. وفي 998 - عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، ووكيع - وفي 999 - عن محمَّد بن سليمان الأنباري، عن أبي نعيم- كلاهما عن مسعر به.
وأخرجه (الحميدي) رقم 896. و (أحمد) 5/ 93 و 101 و 107 و 86 و 88 و 102 والبخاري في (جزء رفع اليدين) رقم36. و (ابن خزيمة) رقم 733 و 1708. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو حكم الإشارة بالأيدي عند التسليم من الصلاة، وهو المنع.
ومنها: الأمر بالسكون في الصلاة.
ومنها: الإنكار على من أحدث في الصلاة شيئا لم يُشرع.
ومنها: أن المشروع في جلوس التشهد وضع اليد على الفخذ إلى أن ينتهي من السلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: استدل الحنفية بهذا الحديث على عدم مشروعية رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام.
ورُدَّ عليهم بأنه لا دليل لهم فيه، لأنه مختصر من الحديث التالي، ولفظ مسلم "كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم على م تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس؟، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه مَنْ عن يمينه، ومَن عن شماله".
وفي رواية "إذا سلم أحدكم فليتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيديه".
وقال ابن حبان: "ذكرُ الخبر المتقصي للقصة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع" ثم رواه كنحو رواية مسلم.
قال الإمام البخاري رحمه الله: من احتج بحديثا جابر بن سمرة على منع الرفع عند
الركوع، فليس له حظ من العلم، هذا مشهور لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهد. كذا في "التلخيص الحبير".
وقال الزيلعي في "نصب الراية" بعد ذكر حديث جابر بن سمره المختصر المذكور: ما ملخصه: واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في "رفع اليدين"، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة، فذكر حديثه المختصر، وقال: وهذا إنما كان في التشهد لا في القيام، ففسره رواية عبيد الله بن القبطية، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثه الطويل المذكور، ثم قال البخاري، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه؛ لأنه لم يستثن رفعا دون رفع، بل أطلق. انتهى.
قال الزيلعي: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر، كما في لفظ الحديث الأول:"اسكنوا في الصلاة"، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده، وروى الآخر في وقت آخر كما شاهده، وليس في ذلك بُعد انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله الزيلعي نظر، وعلى تقدير تسليمه نقول: إن النهي لا يتناول الرفع المشروع عند الركوع ونحوه، وإنما هو في الرفع الذي ليس مشروعا، بدليل أن الحنفية أنفسهم يستثنون من هذا النهي الرفع في تكبيرات العيدين بدعوى أنها ثبتت بالنص، فما أجابوا به هناك فهو جوابنا هنا من غير فرق.
والحاصل أن الرفع عند الركوع وعند الرفع منه ونحو ذلك ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها، فيقدم خصوصها على عموم حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما.
ولذا قال السندي رحمه الله عند قوله: "فنسلم بأيدينا الخ": ما نصه: وبهذه الرواية تبين أن الحديث مسوق للنهي عن رفع الأيدي عند السلام إشارةً إلى الجانبين، ولا دلالة فيه على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، ولذلك قال النووي: الاستدلال به على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه جهل قبيح. وقد يقال: العبرة بعموم اللفظ، ولفظ "ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة" إلى قوله:"اسكنوا في الصلاة" تمام، فصح بناء الاستدلال عليه، وخصوص المورد لا عبرة به، إلا أن يقال: ذلك إذا لم يعارضه عن العموم عارض، وإلا يحمل على خصوص المورد، وها هنا قد صح وثبت الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه ثبوتا لا مردّ له، فيجب حمل هذا اللفظ على
خصوص المورد، توفيقا، ودفعا للتعارض. انتهى المقصود من كلام السندي رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرره السندي رحمه الله تعالى أخيرا تقرير حسن جدًّا، وهو من إنصافه رحمه الله للحق، وعدم تعصبه لمذهبه الحنفي كما تعصب، وتفلسف في هذا الموضع من أعماه التقليد عن اتباع الحق
(2)
..
ومن العجب الغريب أنه إذا أورد عليهم تناقضهم في المسألة، وقيل لهم: إنكم تقولون: إن الرفع في تكبيرات العيدين مشروعة بالنص، فلا يتناولها هذا النهي، فهلا قلتم مثله في الرفع عند الركوع ونحوه: إنه ثابت بالنص، فلا يتناوله هذا النهي، فما الفرق بينهما؟ على أن أدلتهم في ثبوت الرفع في العيدين لا تصح عند أهل الحديث
(3)
، وأدلة الرفع عند الركوع ونحوه صحيحة ثابتة بلا خلاف بين أهل الحديث، سكتوا، وانقطعوا عن الجواب، إن هذا لهو العجب العجاب!. اللَّهم أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، إنك تهدي من تشاء إلى سواء السبيل، وأنت حسبنا، ونعم الوكيل.
1185 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنُسَلِّمُ بِأَيْدِينَا، فَقَالَ: مَا بَالُ هَؤُلَاءِ يُسَلِّمُونَ بِأَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، أَمَا يَكْفِي أَحَدَهُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ [11] تقدم 38/ 42.
2 -
(يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، أبو زكريا مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار [9] تقدم 1/ 451.
3 -
(مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل [7] تقدم 8/ 8.
4 -
(عبيد الله بن القبطية) الكوفي، ثقة [4].
(1)
"شرح السندي" ج 3 ص 5.
(2)
انظر ما كتبه محقق "نصب الراية" ج 1 ص 393 - 394. ترى العجب العجاب.
(3)
انظر تحقيقه في "نصب الراية" ج 1 ص 389 - 392.
روى عن جابر بن سمرة، وأم سلمة، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وغيرهم. وعنه مسعر، وفرات القزاز، وبحر بن كنيز السقّاء، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وحكى الدارقطني في "العلل" أنه كان يلقب المهاجر.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، له عندهم حديثان فقط، أحدهما في الزجر عن الإشارة بالسلام في الصلاة، وهو حديث الباب، والآخر عند مسلم وأبي داود في الخمس.
5 -
(جابر بن سَمُرة) رضي الله تعالى عنهما. المتقدم في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
وقوله: "فنسلم بأيدينا" أي نشير بأيدينا عند السلام.
وقوله: "أحدهم" بالنصب مفعول "يكفي". وفاعله قوله: "أن يضع يده" في تأويل المصدر، أي وضعُ يده على فخذه. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
6 - (بَابُ رَدِّ السَّلَامِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلاةِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على جواز رد السلام بالإشارة باليد في حال الصلاة.
1186 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَابِلٍ صَاحِبِ الْعَبَاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ صُهَيْبٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ إِشَارَةً، وَلَا أَعْلَمُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: بِإِصْبَعِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
2 -
(الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهمي المصري الإمام الفقيه الحافظ الحجة [7]
تقدم 31/ 35.
3 -
(بكير) بن عبد الله بن الأشج المدني نزيل مصر، ثقة [5] تقدم 135/ 211.
4 -
(نابل صاحب العباء) والأكسية، والشِّمَال -بكسر المعجمة- الحجازي، صدوق
(1)
[3].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر. وعنه بكير بن الأشج، وصالح بن عبيد. قال النسائي: ليس بالمشهور، وقال في موضع آخر: ثقة. وقال البرقاني: قلت للدارقطني: نابل صاحب العباء ثقة؟ فأشار بيده أن لا.
وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. وقال الذهبي: ثقة
(2)
..
أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
5 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله عنهما تقدم 12/ 12.
6 -
(صهيب) بن سنان، أبو يحيى، وقيل: أبو غَسّان النَّمَريّ المعروف بالرومي، أصله من النمر بن قاسط، سَبَتْه الرومُ، من نينوى، وزعم عمارة بن وثيمة أن اسمه عبد الملك. وقال ابن سعد: كان أبوه، أو عمه عاملا لكسرى على الأَيْلَة، فسبت الروم صهيبا، وهو غلام، فنشأ بينهم، فابتاعه كلب منهم، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التميمي منهم، فأعتقه، ويقال: بل هرب من الروم إلى مكة، فحالف عبد الله بن جدعان، وأسلم قديما، وهاجر، فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم بقباء، وشهد بدرا، والمشاهد بعدها.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عمر، وعلي. وعنه بنوه: حبيب، وضمرة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد، وابن عمر، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وغيرهم.
قال ابن سعد: مات بالمدينة في شوال سنة (38) وقيل: بلغ (73) سنة. وقال يعقوب بن سفيان: وهو ابن (84) سنة، وصلى عليه سعد ابن أبي وقاص. وقال أبو زكرياء الموصلي: كان من المستضعفين بمكة، والمعذبين في الله، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلا. وقيل: فيه نزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207]. ولما مات عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس حتى يجتمع أهل الشورى على إمام. رواه البخاري في "تاريخه". أخرج له الجماعة،
(1)
قال في "ت": مقبول، والظاهر أنه صدوق؛ لأنه روى عنه اثنان، ووثقه النسائي، وابن حبان، والذهبي، فتأمل.
(2)
انظر "الكاشف" ج 3 ص 195.
وله في هذا الكتاب (4) أحاديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي، عن صحابي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن صُهَيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم) بجرّ "صاحب" صفةً لـ"صهيب"، أنه (قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي اجْتَزْتُ عليهْ يقال: مررت بزيد، وعليه، مرًّا ومُرُورًا: اجتَزْتُ. قاله الفيومي (وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال من "رسول الله"، والرابط الواو والضمير، أي حال كونه مصليا (فسلمت عليه) فيه جواز السلام على من يصلي (فرد عليّ إشارةً) بالنصب على أنه مفعول مطلق لـ"ردّ" على حذف مضاف، أي رد إشارة، ويحتمل أن يكون منصوبا على الحال، لأن المصدر المنكر سمع حالا بكثرة، كما قال في "الخلاصة":
وَمَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ حَالًا يَقَعْ
…
بِكَثرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ
أي رد عليّ حال كونه مشيرا.
وفيه أن رد السلام من المصلي يكون بالإشارة، لا بالكلام، فلو تكلم بطلت صلاته (ولا أعلمه) لم يتبين لي قائل "ولا أعلمه"، وصرح في "تحفة الأحوذي" بأنه نابل، وذكر صاحب "المنهل" أنه قتيبة، ولم يذكر كل منهما حجة لما قاله، فالله تعالى أعلم.
(إلا أنه قال: بإصبعه) ولفظ أبي داود، والترمذي "إشارة بإصبعه". أي قال: فرد علي إشارة بإصبعه، يعني أنه ردّ السلام عليه بإصبعه، لا بالكلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث صهيب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -6/ 1186 - وفي "الكبرى" -42/ 1109 - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) 925 - عن يزيد بن خالد بن موهب، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن الليث
ابن سعد به. (ت) 367 - بسند المصنف.
وأخرجه (أحمد) 4/ 332 (والدارمي)1368. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الإشارة برد السلام في الصلاة، وهو مذهب الجمهور، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
ومنها: جواز السلام على من يصلي.
ومنها: أن المصلي لا يرد السلام بالقول، فلو رد عمدا بطلت صلاته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في حكم السلام على المصلي، وحكم رده السلام على من سلم عليه:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في السلام على المصلي:
فكرهت طائفة ذلك، وممن كره ذلك عطاء بن أبي رباح، وأبو مِجْلَز، وعامر الشعبي، وإسحاق بن راهويه، وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لو دخلتُ على قوم، وهم يصلون ما سلمتُ عليهم.
ورخصت طائفة في السلام على المصلي، وممن ثبت عنه أنه سلم على المصلي ابنُ عمر، وقال ابن القاسم: لم يكن مالك يكره السلام على المصلي، وحَكَى عنه ابنُ وهب أنه لم يكن يعجبه أن يسلم الرجل على المصلي، وكان أحمد بن حنبل لا يرى به بأسا، وقال الأثرم: رأيت أبا عبد الله دخل مسجده، وليس فيه إلا مصل، فسلم.
واختلف أهل العلم في رد المصلي السلام إذا سُلِّم عليه، فرخصت طائفة في ذلك، وممن كان لا يرى به بأسا سعيدُ بنُ المسيّب، والحسن البصري، وقتادة، وقال إسحاق: إن ردّ السلام متأوِّلا يرى أن ذلك جائز، فصلاته مجزية، وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: إذا سُلِّمَ عليك، وأنت في الصلاة فردّ. وعن جابر رضي الله عنه قال: لو سلم عليّ، وأنا أصلي لرددت.
وكرهت طائفة رَدَّ المصلي السلامَ، وممن كان لا يرى ذلك ابنُ عمر، وابنُ عباس، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول ثالث: وهو أن يرده عليه إذا فرغ من صلاته، روي هذا القول عن أبي ذرّ، وعطاء، والنخعي، وقال النخعي، وسفيان الثوري: إذا انصرفت، فإن كان قريبا، فاردد عليه، وإلا فأتبعه السلام، وكره الأوزاعي المصافحة في الصلاة.
وقد روينا عن النخعي قولا رابعا: وهو أن يردّ في نفسه، وقال النعمان: لا يردّ السلام، ولا أحب أن يشير.
فاستحب خلافَ ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سَنَّ للمصلي أن يرد السلام بإشارة، وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة في الصلاة في غير موضع، من ذلك إشارته إلى الذين صلوا خلفه قياما أن اجلسوا، وأومأ إلى أبي بكر يوم خرج إلى بني عمرو بن عوف أن امضهْ. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار
(1)
.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: والأحاديث المذكورة تدل على أنه لا بأس أن يسلم غير المصلي على المصلي لتقريره صلى الله عليه وسلم مَن سلم عليه على ذلك، وجواز تكليم المصلي بالغرض الذي يعرض لذلك، وجواز الردّ بالإشارة.
وقد استدل القائلون بالاستحباب بالأحاديث المذكورة في هذا الباب، واستدل المانعون بحديث ابن مسعود رضي الله عنه:"كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا؟ فقال: "إن في الصلاة لشغلا"، متفق عليه.
ولكنه ينبغي أن يحمل الردّ المنفي ها هنا على الردّ بالكلام، لا الرد بالإشارة؛ لأن ابن مسعود نفسه قد رَوَى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ردّ عليه بالإشارة، ولو لم تَرِدْ عنه هذه الرواية لكان الواجب هو ذلك، جمعا بين الأحاديث.
واستدلوا أيضا بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا غِرَار في صلاةٍ، ولا تسليمٍ". والغرار -بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الراء-: هو في الأصل النقص. قال أحمد بن حنبل رحمه الله: يعني -فيما أُرَى- أن لا تسلم، ولا يسلم عليك، ويُغَرِّرُ الرجلُ بصلاته، فينصرف، وهو فيها شاكّ.
واستدلوا أيضا بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تُفْهَم عنه، فليُعدْ لها". يعني الصلاة. ورواه البزار، والدارقطني.
ويجاب عن الحديث الأول بأنه لا يدل على المطلوب من عدم جواز ردّ السلام بالإشارة؛ لأنه ظاهر في التسليم على المصلي، لا في الردّ منه، ولو سلم شموله للإشارة لكان غايته المنع من التسليم على المصلي باللفظ والإشارة، وليس فيه تعرّض للرّدّ، ولو سلم شموله للردّ لكان الواجب حمل ذلك على الردّ باللفظ، جمعا بين الأحاديث.
(1)
"الأوسط" ج 3 ص 249 - 253.
وأما الحديث الثاني، فقال أبو داود: إنه وَهَم اهـ. وفي إسناده أبو غطفان، قال ابن أبي داود: هو رجل مجهول، قال: وآخر الحديث زيادة، والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشير في الصلاة.
قال العراقي: قلت: وليس بمجهول، فقد روى عنه جماعة، ووثقه النسائي، وابن حبّان، وهو أبو غطفان المرّي، قيل: اسمه سعيد. انتهى.
وفيه محمَّد بن إسحاق، فقد عنعنه، وهو مدلس، فالحديث ضعيف.
وعلى فرض صحته ينبغي أن تحمل الإشارة المذكورة في الحديث على الإشارة لغير ردّ السلام والحاجة، جمعًا بين الأدلة. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى بتصرف
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما تقدم أن المذهب الراجح هو القول بجواز السلام على المصلي، وجواز رده السلام بالإشارة، لا بالكلام، فلو رد بالكلام بطلت صلاته، وبهذا تجمع الأدله من دون تعارض.
وأما الذين قالوا بجواز الرد باللفظ في الصلاة فيعتذر عنهم بأنهم لم يبلغهم نسخ جواز الكلام في الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1187 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ، دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَسْجِدَ قُبَاءَ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالٌ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُ صُهَيْبًا، وَكَانَ مَعَهُ، كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ، إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ، قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ
(2)
).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(محمَّد بن منصور المكي) الجَوَّاز، ثقة [10] تقدم 20/ 21.
2 -
(سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [8] تقدم 1/ 1.
3 -
(زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني ثقة عالم [3] تقدم 64/ 80.
4 -
(ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (75) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم
(1)
"نيل الأوطار" ج 2 ص 383 - 384.
(2)
وفي نسخة "بيديه".
ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به، وأن شيخه، وسفيان مكيان، والباقيان مدنيان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن زيد بن أسلم) أنه (قال: قال ابن عمر) رضي الله عنهما (دخل النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء) بالمد، والقصر، وبالتنوين، وعدمه، أربع لغات (ليصلي فيه، فدخل عليه رجال، يسلمون عليه) جملة في محل جرّ صفة لـ"رجال". وفي رواية ابن ماجه: "فجاءت رجال من الأنصار يسلمون عليه". قال ابن عمر رضي الله عنهما (فسألت صهيبا) رضي الله عنه (وكان معه) جملة معترضة بين العامل ومعموله، أتى به تعليلا لسؤاله إياه، فكأنه قال: إنما سألته لكونه كان معه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فإن قلت: يعارض هذا ما وقع في رواية أبي داود من أن الذي سأله ابن عمر هو بلال، ولفظه من طريق جعفر بن عون، عن هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال:"فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم. . .".
قلت: لا تنافي بين الروايتين، لاحتمال أن يكون ابن عمر سأل كلّا من صُهيب، وبلال رضي الله عنهما للتأكد.
ولذا قال الترمذي رحمه الله في "جامعه" بعد أن أخرج حديث صهيب: ما نصّه: وحديث صهيب حسن، لا نعرفه إلا من حديث الليث، عن بُكير، وقد روي عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: قلت لبلال: "كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حيث كانوا يسلمون عليه في مسجد بني عمرو بن عوف؟ قال: كان يرد عليهم إشارة". وكلا الحديثين عندي صحيح، لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما، فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعا. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى
(1)
..
(كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع)"كيف" استفهامية مفعول مطلق لـ"يصنع"، أي أَيَّ صنع يصنع، والجملة مفعول "سأل" مُعَلَّق عنها العامل. وفي رواية ابن ماجه:"كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم؟ "(إذا سُلم عليه) ببناء الفعل للمفعول، والظرف متعلق بـ"يصنع"(قال) أي صُهَيب (كان) صلى الله عليه وسلم (يشير بيده) وأشار في "الهندية" إلى أنه وقع في بعض النسخ "بيديه" بالتثنية، والظاهر أن هذه النسخة غير صحيحة؛ لأن الثابت أنه صلى الله عليه وسلم كان يشير بيد واحدة، لا باليدين، كما يدل عليه أحاديث الباب وغيرها. والله تعالى أعلم.
(1)
"جامع الترمذي" ج 2 ص 365. بنسخة الشرح "تحفة الأحوذي".
[تنبيه]: لم يقع في هذه الرواية كيفية الرد بالإشارة، ووقع في رواية أبي داود المذكورة، ولفظه: قال: "يقول: هكذا، وبسط كله، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق".
ففيه أن الإشارة تكون بجعل ظهر الكف إلى فوقُ وبطنها إلى أسفل. وقد تقدم في حديث صُهيب رضي الله عنه أنه أشار بإصبعه، وعند البيهقي ج 2 ص 260 - من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم أومأ برأسه. ولا منافاة بين هذه الروايات لأنه يحمل على أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كله لبيان الجواز، فلا حرج على من فعل أيَّ إشارة منها
(1)
. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: وقع في رواية الحميدي رقم 148 - وأحمد ج 2 ص 10 - من رواية سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم: ما نصه: قال سفيان: قلت لرجل: سل زيدا أسمعته من عبد الله، وهبت أن أسأله، فقال: يا أبا أسامة: سمعته من عبد الله بن عمر؟، قال: أمّا أنا فقد رأيته، فكلمته. انتهى.
ولفظ الحميدى: "فقال: أما أنا، فقد كلمته، وكلمني، ولم يقل: سمعته".
لكن وقع التصريح بسماعه عند ابن خزيمة جـ 2 ص 49 - من رواية عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، ولفظه:
نا عبد الجبار بن العلاء، ثنا سفيان، نا زيد بن أسلم، قال: سمعت عبد الله بن عمر (ح) وثنا علي بن خشرم، وأبو عمار، قال أبو عمار: ثنا سفيان، وقال علي: أخبرنا ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، قال: قال ابن عمر:
"دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، ودخل عليه رجال من الأنصار، يسلمون عليه، فسألت صهيبا، كيف كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يسلم عليه، وهو يصلي؟ قال: كان يشير بيده".
قال أبو بكر: هذا حديث أبي عمار، وزاد عبد الجبار، قال سفيان، قلت لزيد: سمعت هذا من ابن عمر؟ قال: نعم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا تنافي بين القصتين، لإمكان الجمع بينهما يكون سفيان أوّلًا هاب أن يسأل زيدا، فأمر رجلًا أن يسأل له، فسأله؟ فأجابه بما ليس صريحا في السماع، ثم سأله ابن عيينة بنفسه ليتبين السماع، فأجابه بسماعه صريحا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
انظر "المنهل العذب" ج 6 ص 27.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث صهيب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -6/ 1187 - وفي "الكبرى" 42/ 1110 عن محمَّد بن منصور المكي، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر رضي الله عنه، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ق) 1017 - عن علي بن محمَّد الطنافسي، عن ابن عيينة به.
وأخرجه (الحميدي) 148 - و (أحمد) 2/ 10 (والدارمي) 1369 و (ابن خزيمة) 888، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1188 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ -يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يُصَلِّي، فَرَدَّ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمَّد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ [10] تقدم 24/ 27.
2 -
(وهب بن جرير) بن حازم الأزدي، أبو عبد الله البصري، ثقة [9] تقدم 196/ 1178.
3 -
(جرير بن حازم) بن زيد الأزدي، أبو النضر البصري، ثقة، إلا في قتادة، وله أوهام إذا حدث من حفظه [6] تقدم 172/ 1141.
4 -
(قيس بن سعد) المكي، ثقة [6] تقدم 115/ 1066.
5 -
(عطاء) بن أبي رباح الإمام الحجة الثبت المكي [3] تقدم 112/ 154.
6 -
(محمَّد بن علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم ابن الحنفية المدني، ثقة عالم [2] تقدم 112/ 157.
7 -
(عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك العَنسي، أبو اليقظان الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم 195/ 312. والله تعالى أعلم.
وقوله: "وهو يصلي" جملة في محل نصب على الحال من "رسول الله".
وقوله: "فرد عليه" الظاهر أنه ردّ عليه بالإشارة، وهو الذي يدل عليه صنيع المصنف رحمه الله، حيث أورده تحت ترجمة "باب رد السلام بالإشارة في الصلاة"، ويحتمل أن يكون ردّ عليه بالكلام، وذلك قبل نسخ الكلام في الصلاة، كما يأتي في حديث ابن
مسعود رضي الله عنه 20/ 1221 - قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فيرد علينا السلام، حتى قدمنا من أرض الحبشة، فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فأخذني ما قرُبَ، وما بَعُدَ، فجلست حتى إذا قضى صلاته قال:"إن الله عز وجل يُحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يُتَكَلَّم في الصلاة". والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عمار رضي الله تعالى عنه هذا صحيح
(1)
، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا 6/ 1188 - وفي "الكبرى" 42/ 1111 - بالسند المذكور، وأخرجه أحمد 4/ 263 قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو الزبير، عن محمَّد بن علي، به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1189 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: "إِنَّكَ سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا، وَأَنَا أُصَلِّي"،. وَإِنَّمَا هُوَ مُوَجَّهٌ يَوْمَئِذٍ إِلَى الْمَشْرِقِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد تقدم أول الباب.
2 -
(الليث) بن سعد تقدم أول الباب أيضا.
3 -
(أبو الزبير) محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، صدوق يدلس [4] تقدم 31/ 35.
4 -
(جابر) بن عبد الله بن حرام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنها، تقدم 31/ 35. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله، وهو (76) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وفيه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة) أي لقضائها. وفي رواية لمسلم من طريق زهير، عن أبي الزبير: "قال: أرسلني
(1)
فما كتبه بعض من حقق "السنن الكبرى" للمصنف من تضعيفه بسبب رواية وهب عن أبيه؛ لأنها لا تثبت غير صحيح. فقوله: رواية وهب عن أبيه لا تثبت كلام ساقط، ولو سلم، فلم يتفرد برواية هذا الحديث، فقد رواه عفان بن مسلم، كما عند أحمد. فتبصر.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته، وهو يصلي. . ." ولأبي داود:"أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق. . .".
وفي رواية البخاري: قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة له، فانطلقت، ثم رجعت، وقد قضيتها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد عليّ أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي أشدّ من المرّة الأولى، ثم سلمت عليه، فردّ علي، فقال:"إنما منعني أن أردّ عليك أني كنت أصلي". وكان على راحلته، متوجها إلى غير القبلة.
(ثم أدركته، وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال من المفعول. زاد في رواية مسلم، وأبي داود "على بعيره"(فسلمت عليه) فيه جواز السلام على المصلي، وقد تقدم بيان الخلاف فيه في الكلام على حديث صهيب رضي الله عنه ..
(فأشار إليّ) أي أشار برد السلام عليّ. وفي الرواية التالية "فأشار بيده إليّ. وفي رواية مسلم "فكلمته، فقال بيده هكذا، وأومأ زهير بيده، ثم كلمته، فقال لي هكذا، فأومأ زهير أيضا بيده له نحو الأرض، وأنا سمعته يقرأ، يومئ برأسه. . ."
وفيه جواز رد السلام بالإشارة، وهو محل الترجمة، وقد تقدم الكلام عليه في حديث صهيب رضي الله عنه أيضًا.
(فلما فرغ) أي انتهى من صلاته، وسلم (دعاني) وفي الرواية التالية "فانصرفت، فناداني يا جابر، فناداني الناس يا جابر، فأتيته"(فقال: إنك سلمت عليّ آنفا) أي الآن. قال في "اللسان": قال الزجاج في قوله تعالى: {مَاذَا قَالَ آنِفًا} الآية [سورة محمد: 16] أي ما قال الساعة في أول وقت يقرُب منّا، ومعنى "آنفا" من قولك: استأنف الشيءَ: إذا ابتدأه. انتهى.
(وأنا أصلي) جملة حالية من الضمير المجرور، يعني أنه إنما لم يردّ عليه سلامه لكونه مشغولا بالصلاة. وفي الرواية التالية: فقلت: يا رسول الله سلمت عليك، فلم تردّ عليّ؟ قال:"إني كنت أصلي".
وفي رواية لمسلم: فلما فرغ قال: "ماذا فعلتَ في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي".
ففيه أن ردّ السلام بالقول يعتبر كلاما، فلو رد عالمًا متعمدا بطلت صلاته.
وفيه استحباب الاعتذار لمن سلم في الصلاة، وإن رد عليه بالإشارة، لاحتمال عدم علمه بذلك، فيتغير خاطره بعدم الردّ عليه. والله أعلم.
(وهو موجه يومئذ إلى المشرق) بصيغة اسم الفاعل، أي متو جه إلى جهة طلوع الشمس، يقال: وَجَّهتُ إليه توجيها: بمعنى توجهت. أفاده في "القاموس". ويحتمل أن يكون بصيغة اسم المفعول، بمعنى أن الله تعالى وجهه، أي أمره بأن يصلي إلى تلك الجهة. وإنما توجه نحو المشرق لكون بني المصطلق الذين يريد غزوهم كانوا جهة الشرق لأهل المدينة.
والمقصود منه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن في صلاته تلك متوجها إلى الكعبة، وذلك لأن تلك الصلاة نافلة، ففي حديث جابر رضي الله عنه عند البخاري: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل، فاستقبل القبلة".
وفيه جواز النافلة على الدابة إلى أيّ جهة توجهت به دابته، وهو مجمع عليه. كما قاله النووي رحمه الله
(1)
. وأما الفريضة فلا تصح إلا على الأرض متوجها إلى القبلة، وقد تقدم بيان ذلك في "كتاب القبلة" مستوفًى بحمد الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -6/ 1189 - وفي "الكبرى"-42/ 1112 - عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه. وفي 1190 - و"الكبرى"-1113 - عن محمَّد بن هاشم البَعْلَبَكيّ، عن محمَّد بن شعيب بن شابور، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير به.
زاد في "الكبرى": "قال أبو عبد الرحمن: زعموا أنه ليس هذا الحديث بمصر من حديث عمرو بن الحارث." انتهى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) 2/ 83 - عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن كَثِير بن شِنْظِير، عن عطاء ابن أبي رباح، عنه.
(م) 2/ 71 عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير به. و 2/ 71 عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث به. و 2/ 72 عن أبي كامل الجحدري، عن حماد بن زيد- وعن محمَّد بن حاتم، عن معلي بن منصور، عن عبد
(1)
"شرح مسلم" ج 5 ص 27 - 28.
الوارث بن سعيد- كلاهما عن كثير بن شِنظِير به.
(د) 926 - عن عبد الله بن محمَّد النفيلي، عن زهير به. و 1227 - عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير به.
(ت) 351 - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، ويحيى بن آدم، كلاهما عن الثوري به.
(ق) 1018 - عن محمَّد بن رُمْح المصري، عن الليث به.
وأخرجه (أحمد) 3/ 296 و 380 و 312 و 238 و 332 و 379 و 388 و 334 و 351 و 363 و 350 و 388. (وعبد بن حميد) رقم 1007 (وابن خزيمة) 1270 و 889. والله تعالى أعلم.
وبقية المسائل تقدمت في الكلام على حديث صهيب رضي الله تعالى عنه في أول الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1190 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(1)
أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ يَسِيرُ مُشَرِّقًا، أَوْ مُغَرِّبًا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَانْصَرَفْتُ، فَنَادَانِي يَا جَابِرُ، فَنَادَانِي النَّاسُ يَا جَابِرُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَلَّمْتُ عَلَيْكَ، فَلَمْ تَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ:"إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمَّد بن هاشم) بن سعيد القرشي البعلبكي، صدوق، من صغار [10] من أفراد المصنف تقدم 3/ 454.
2 -
(محمَّد بن شعيب بن شابور) -بالمعجمة، والموحدة- الأموي مولاهم، أبو عبد الله الدمشقي نزيل بيروت، أحد الكبار، صدوق صحيح الكتاب، من كبار [9].
روى عن الأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، والوليد بن مسلم، ومحمد بن هاشم البعلبكي، وغيرهم
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ما أرى به بأسا، وما علمت إلا خيرا. وقال عبد الله ابن أحمد، عن أبيه: نحوه، وزاد: كان رجلا عاقلا. وقال هشام بن مرثد: سمعت ابن معين يقول: كان مرجئا، وليس به في الحديث بأس. وقال إسحاق بن راهويه: روى
(1)
وفي نسخة "أخبرني".
ابن المبارك، عن محمَّد بن شعيب بن شابور، فقال: أنا الثقة من أهل العلم محمَّد بن شعيب، وكان يسكن بيروت. وقال ابن عمار، ودُحَيم: ثقة، زاد دحيم: والوليد كان أحفظ منه، وكان محمَّد إذا حدّث بالشيء من كتبه كان حديثًا صحيحًا. وقال أبو حاتم: هو أثبت من محمَّد بن حرب، ومحمد بن حمير، وبقيّةَ. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: محمَّد بن شعيب في الأوزاعيّ ثبت. وقال ابن عديّ: "الثقات من أهل الشام"، فعدّه فيهم. وقال العجليّ: شاميّ ثقة. وقال الذهبي في "الميزان": ما علمت به بأسًا.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ولد سنة (116) ومات سنة (200)، وكذا قال ابن أبي عاصم، عن دحيم في سنة وفاته. وقال الحسن بن محمَّد بن بكّار: مات سنة (6) أو (97) وقال هشام بن عمار: مات سنة (98) وقال محمَّد بن مصفّى: مات سنة (199). أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (7) أحاديث.
3 -
(عمرو بن الحارث) أبو أيوب المصري، ثقة ثبت [7] تقدم 63/ 79.
والباقيان تقدما في السند الماضي، والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي. وبالله تعالى التوفيق.
قوله: "مشرّقا" اسم فاعل من التشريق، أي متوجها إلى جهة الشرق، وقوله:"أو مغرّبا". و"أو" للشك من بعض الرواة. والروايات الصحيحة على معنى التشريق، كما تقدم بيانها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
7 - (النَّهْيُ عَنْ مَسْحِ الحَصَى فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن مسح المصلي الحصى، وهو في الصلاة.
1191 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قتيبة بن سعيد) تقدم قريبا.
2 -
(الحسين بن حُرَيث) الخُزَاعي مولاهم، أبو عمّار المروزي، ثقة [10] تقدم 44/ 52.
3 -
(سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [8] تقدم 1/ 1.
4 -
(الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الثبت تقدم 1/ 1.
5 -
(أبو الأحوص) مولى بني ليث، أو غفار، إمام مسجد بني ليث، مقبول [3] لم يرو عنه غير الزهري.
روى عن أبي ذرّ، وأبي هريرة، وأبي أيوب. وعنه الزهري وحده.
قال النسائي: لم نقف على اسمه، ولا نعرفه، ولا نعلم أحدا روى عنه غير ابن شهاب. وقال الدُّوري، عن ابن معين: ليس بشيء. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عيينة: لما روى الزهري هذا الحديث -يعني حديث مسح الحصى- قال له سعد بن إبراهيم: مَنْ أبو الأحوص؟ كالْمُغضَب حين حدث عن رجل مجهول، فقال له الزهري: أما تعرف الشيخ مولى بني غفار المدني، كان يصلي في الروضة الذي والذي، وجعل يصفه له، وسعد لا يعرفه. وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري: سمعت أبا الأحوص مولى لبني ليث في مجلس ابن المسيب.
قال ابن عبد البرّ: قد تناقض ابن معين في هذا، فإنه سئل عن ابن أُكَيمة؟ وقيل له: إنه لم يرو عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قول ابن شهاب: حدثني ابن أُكيمة، فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص. وأخرج حديثه ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما". وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم.
أخرج له الأربعة، ليس له عندهم إلا حديثان، حديث الباب، وحديث أبي ذرّ رضي الله عنه الآتي في -10/ 1195 - "لا يزال الله عز وجل مقبلا على العبد. . .". وأخرجه أبو داود رقم 909. والله تعالى أعلم.
6 -
(أبو ذرّ) جندب بن جُنَادة الغفاري الصحابي رضي الله عنه، تقدم 203/ 322. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير أبي الأحوص فقد تقدم الكلام عليه.
(ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له". يعني أن لفظ الحديث الآتي للحسين بن
حُرَيث، وأما قتيبة، فرواه بالمعنى، وتقدم بيان هذا غير مرة.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله: "عن سفيان" لفظ "كلاهما"، أي أن كلا من قتيبة، والحسين روياه عن سفيان بن عيينة، كما تقدم بيانه غير مرة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي ذر) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قام أحدكم في الصلاة) أي إذا دخل فيها، فلا يمنع مسح الحصى قبل الدخول فيها، ويحتمل أن المراد قبل الدخول حتى لا يشتغل عند إرادة الصلاة إلا بالدخول فيها، قال العراقي رحمه الله: والأول أظهر، ويرجحه حديث معيقيب رضي الله عنه، فإنه سأل عن مسح الحصى في الصلاة دون مسحه عند القيام، كما في رواية الترمذي. قاله الشوكاني رحمه الله تعالى
(1)
.
(فلا يمسح الحصى)"لا" ناهية، ولذا جزم الفعل بعدها، ولكنه يكسر في مثل هذا لالتقاء الساكنين.
و"الحصى" مقصورا: في الحجارة الصغار، والتقييد بالحصى خرج مخرج الغالب، لكونه كان الغالب على فُرُش مساجدهم، وإلا فلا فرق بينه وبين التراب والرمل على قول الجمهور. ويدل على ذلك قوله في حديث مُعَيقيب رضي الله عنه عند البخاري وغيره في الرجل يسوّي التراب
وقال في "الفتح": التقييد بالحصى، وبالتراب خرج للغالب، لكونه كان الموجودَ في فُرُش المساجد إذ ذاك، فلا يدلّ تعليق الحكم به على نفيه عن غيره مما يصلَّى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك. انتهى
(2)
.
وقال الخطابي رحمه الله في "المعالم": يريد بمسح الحصى تسويته ليسجد عليه، وكان كثير من العلماء يكرهون ذلك، وكان مالك بن أنس لا يرى به بأسا، ويسوى في صلاته غير مرّة. انتهى.
(فإن الرحمة تواجهه) أي تنزل عليه، وتقبل إليه. وهذا التعليل يدلّ على أن الحكمة في النهي عن المسح أن لا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه منها.
وقد رُوي أن حكمة ذلك أن لا يغطي شيئا من الحصى بمسحه، فيفوته السجود
(1)
"نيل الأوطار" ج 2 ص 391 - 392.
(2)
"فتح" ج 2 ص 404.
عليه. رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" عن أبي صالح، قال: إذا سجدت فلا تمسح الحصى، فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها
(1)
.. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه هذا حسن.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فإن قيل: كيف يحسن حديثه، وفيه أبو الأحوص، وهو متكلم فيه؟.
قلت: نعم هو متكلم فيه، لكن القلب يميل إلى توثيقه، فقد قال الذهبي في "الميزان" جـ 4 ص 487: وثقه بعض الكبار. وقال أيضا: قيل: وثقه الزهري. انتهى. وذكره الذهبي أيضا في "جزء من تكلم فيه، وهو موثق". وذكره ابن حبان في "الثقات". ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم 9/ 335 جرحا ولا تعديلا.
وقد تقدم قول ابن شهاب لما أنكر عليه سعد بن إبراهيم روايته عنه: أما تعرف الشيخ مولى بني غفار المدني، كان يصلي في الروضة الذي، والذي، يصفه له.
فمن عرفه ابن شهاب هذه المعرفة، ورد على إنكار سعد بن إبراهيم روايته عنه بمثل هذا الردّ لا يكون مجهول، ولذا لما ضعفه ابن معين، اعترضه ابن عبد البرّ، فقال: "تناقض ابن معين في هذا، فإنه سئل عن ابن أكيمة؟ وقيل له: لم يرو عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قوله ابن شهاب: حدثني ابن أكيمة، فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص. انتهى.
وحسن حديثه هذا الترمذيُّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وهو ظاهر صنيع المصنف حيث قال في الترجمة التالية "باب الرخصة فيه مرة"، فإنه يقتضي أن حديث الباب الأول يصلح للاحتجاج به على النهي عن مسح الحصى.
والحاصل أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -7/ 1191 - وفي "الكبرى" -43/ 1114 - عن قتيبة، والحسين بن حريث، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عنه. والله تعالى أعلم.
(1)
"مصنف ابن أبي شيبة" ج 2 ص 114.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) 945 عن مسدد، عن ابن عيينة به. (ت) 379 - عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن ابن عيينة به. (ق) 1027 - عن هشام بن عمار، ومحمد ابن الصباح، كلاهما عن ابن عيينة به.
وأخرجه (الحميدي) رقم 128 (وأحمد) 5/ 149 و 150 و 163 و 179 (والدارمي) رقم 1395 (وابن خزيمة) 913 و 914. (وابن أبي شيبة) 2/ 410 - 411 (والبغوي) 662 (والبيهقي) 2/ 284. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو النهي عن مسح الحصى في الصلاة، فلا ينبغي مسح الحصى في الصلاة، إلا مرة واحدة، كما يدل عليه حديث الباب الآتي.
ومنها: أن المصلي إذا دخل في الصلاة واجهته الرحمة، فلا ينبغي أن يتشاغل عن صلاته بما يلهيه، كمسح الحصى ونحوه، لئلا تنقطع الرحمة المواجهة له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم مسح الحصى ونحوه في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في مس الحصى في الصلاة، فرخصت فيه طائفة، كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يصلي، فيمسح الحصى برجله، وروي عن ابن مسعود أنه كان يسوّي الحصى بيده مرّة واحدة إذا أراد أن يسجد.
وكان مالك يفعل ذلك أكثر من مرّة واحدة في صلاة واحدة، قال: وكان لا يرى بالشيء الخفيف منه بأسا عند العذر، وممن كان لا يرى بمسه بأسا مرة واحدة أبو هريرة، وأبو ذرّ.
وكرهت طائفة مسح الحصى في الصلاة، روي عن ابن عمر، وعلي، وابن عباس رضي الله عنهم.
وكره ذلك الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: فإن كان الحصى لا يمكنه من السجود، فإن سوّاه مرّة واحدة، فلا بأس بذلك، وتركه أحب إلينا.
قال ابن المنذر رحمه الله: ما أحب مسح الحصى في الصلاة لحديث أبي ذرّ رضي الله عنه، ولا يخرج عندي إن مسح الحصى مرة، لحديث معيقيب رضي الله عنه.
وأحب أن يمسح الحصى لموضع سجوده قبل أن يدخل في الصلاة، كان عثمان بن
عفان، وابن عمر رضي الله عنهم يفعلان ذلك. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى ملخصا
(1)
.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: والأحاديث المذكورة في الباب تدلّ على كراهة المسح على الحصى، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة عمر بن الخطّاب، وجابر، ومن التابعين مسروق، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وجمهور العلماء بعدهم. وحكى النووي في "شرح مسلم" اتفاق العلماء على كراهته، وفي حكايته الاتفاق نظر، فإن مالكا لم ير به بأسا، وكان يفعله في الصلاة، كما حكاه الخطابي في "المعالم"، وابن العربي.
وقال العراقي في شرح الترمذي: وكان ابن مسعود، وابن عمر يفعلانه في الصلاة، وعن ابن مسعود أيضا أنه كان يفعله في الصلاة مرة واحدة. قال: وممن رخص فيه في الصلاة مرة واحدة أبو ذر، وأبو هريرة، وحذيفة، ومن التابعين إبراهيم النخعي، وأبو صالح. وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرّة. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن مسح الحصى ونحوه في الصلاة لا يجوز، لحديث الباب، لأن النهي للتحريم، إلامرّة واحدة، لحديث مُعيقيب الآتي في الباب التالي.
لكن إن تضرر به يجوز له أن يمسح، ولو أكثر من مرة، لقول الله جلّ ذكره:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الآية [الأنعام: 119]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
8 - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِيهِ مَرَّةً)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الرخصة في جواز مسح الحصى في الصلاة مرّة واحدة.
(1)
"الأوسط" ج 3 ص 258 - 261.
(2)
انظر "نيل الأوطار" ج 2 ص 391.
1192 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ
(1)
، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلاً، فَمَرَّةً").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(سويد بن نصر) المروزي، ثقة [10] تقدم 45/ 55.
2 -
(عبد الله بن المبارك) المروزي الإمام الحجة الثبت [8] تقدم 32/ 36.
3 -
(الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الإمام الحجة الثبت [7] تقدم 45/ 56.
4 -
(يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي ثقة ثبت يدلس [5] تقدم 23/ 24.
5 -
(أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف المدني، ثقة ثبت فقيه [3] تقدم 1/ 1.
6 -
(مُعَيقيب) بن أبي فاطمة الدَّوْسي، حليف بني عبد شمس، أسلم قديما بمكة، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وكان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم، واستعمله أبو بكر، وعمر على بيت المال.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه ابنه محمَّد، وابن ابنه إياس بن الحارث بن معيقيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام، فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل، فتوقف، وتوفي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة علي سنة (40) ف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا (1192) وحديث (5207). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، والترمذي.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
(ومنها): أن صحابيه ليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب، وآخر عند المصنف ج 8/ ص، 175 وأبي داود رقم 4224 - من رواية إياس ابن الحارث بن المعيقيب، عن
(1)
وفي الهندية "عن عبد الله".
جده معيقيب، "أنه قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم حديدا مَلْويّا عليه فضة، قال: وربما كان في يدي، فكان معيقيب على خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم". والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه (قال: حدثني مُعيقيب) رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن كنت لا بُدَّ فاعلا، فمرةً).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث مختصر من أوله، ولفظه عند الشيخين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يُسوّي التراب حيث يسجد، قال:"إن كنت فاعلا فواحدة".
وفي رواية لمسلم: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المسح في المسجد -يعني الحصى- قال: "إن كنت لابدّ فاعلا، فواحدة".
وفي لفظ: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسح في الصلاة، فقال:"واحدة".
فقوله: "لابد""لا" هي النافية للجنس، و"بُدّ" -بضم الموحدة، وتشديد الدال المهملة- اسمها في محل تصب مبني على الفتح، لتركبه معها تركيبَ خمسة عشر.
قال في "اللسان": "ولابُدّ منه": أي لا مَحَالَة، وليس لهذا الأمر بُدّ: أي لا مَحَالَة، و"البُدّ": الفراق، تقول: لا بُدّ اليومَ من قضاء حاجتي، أي لا فراق منه. انتهى
(1)
.
والجملة معترضة بين "كان" وخبرها.
وقوله: "فمرة" الفاء رابطة لجواب الشرط، و"مرة" بالنصب، أي فافعل مرّة، ولا تزد عليها لإصلاح محل السجود.
ولفظ البخاري "فواحدة" بالنصب على إضمار فعل، أي فامسح واحدة، أو على النعت لمصدر محذوف، ويجوز الرفع على إضمار الخبر، أي فواحدةٌ تكفي، أو إضمار المبتدإ، أي فالمشروع واحدةٌ. قاله في "الفتح".
وقال النووي رحمه الله: معناه: لا تفعل، وإن فعلت فافعل واحدة لا تزد. انتهى
(2)
..
وقوله: "في الرجل" أي حكم الرجل، وذُكر للغالب، وإلا فالحكم جار في جميع المكلفين.
وحكى النووي اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة، قال الحافظ: وفيه نظر، فقد حكى الخطابي في "المعالم" عن مالك أنه لم ير به بأسا، وكان يفعله، فكأنه لم يبلغه الخبر.
(1)
"لسان العرب" ج 1 ص 227.
(2)
"شرح مسلم" ج 5 ص 37.
وأفرط بعض أهل الظاهر، فقال: إنه حرام إذا زاد على واحدة، لظاهر النهي، ولم يفرق بين ما إذا توالى، أو لا، مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع.
والذي يظهر أن علة كراهيته المحافظة على الخشوع، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة، لكن حديث أبي ذرّ رضي الله عنه المتقدم يدلّ على أن العلة فيه أن يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلا. وروى ابن أبي شيبة عن أبي صالح السمان، قال:"إذا سجدت فلا تمسح الحصى، فإن كل حصاة تحب أن تسجد عليها"، فهذا تعليل آخر. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في دعواه الإفراط فيما قاله بعض أهل الظاهر إفراط لا يخفى، فإن من كان معه ظاهر النص كيف يوسم بالإفراط، دون بينة وأضحة؟، ومن الواضح أنه ليس هناك صارف للنهي عن التحريم إلى التنزيه، وأنه لم يفرق بين المتوالي وغيره، فما هي الحجة الملزمة لذلك؟ والحاصل أن ما قاله هو الظاهر فلا ينبغي العدول عنه دون دليل صارف، فتبصر، ولا تتحير، والله تعالى يتولى هداك.
وقوله: "حيث يسجد" أي مكان السجود، وهل يتناول العضو الساجد؟ لا يبعد ذلك. وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قال:"ما أحب أن لي حُمْر النَّعَم، وأني مسحت مكان جبيني من الحصى". وقال القاضي عياض: كره السلف مسح الجبهة في الصلاة قبل الانصراف. قاله في "الفتح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث معيقيب رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -8/ 1192 - وفي "الكبرى" -44/ 115 - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) 2/ 80 عن أبي نعيم، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير به.
(1)
"فتح" ج 2 ص 404.
(م) 2/ 75 - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى، عن شيبان به. و 2/ 74 - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- و 2/ 75 - عن محمَّد بن المثنى، عن يحيى ابن سعيد،- ح وعن عبيد الله بن عمر القواريري، عن خالد بن الحارث- ثلاثتهم عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير به.
(د) 946 - عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام به.
(ت) 380 - عن الحُسين بن الحُرَيث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي به.
(ق) 1026 - عن محمَّد بن الصباح، وعبد الرحمن بن إبراهيم، كلاهما عن الوليد بن مسلم به.
وأخرجه (أحمد) 3/ 426 و 5/ 425. (والدارمي) رقم 1394 (وابن خزيمة) 895 و 896. والله تعالى أعلم.
والأحكام المتعلقة به قد تقدم الكلام عليها في الباب السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
9 - (النَّهْيُ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى الَسَّماَءِ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على النهي عن رفع المصلي بصره إلى السماء، وهو في الصلاة.
1193 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ، يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ؟ ". فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ: "لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عبيد الله بن سعيد) اليشكري، أبو قدامة السرخسي نزيل نيسابور، ثقة ثبت سني [10] تقدم 15/ 15.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة "عبد الله بن سعيد" مكبرا، وهو تصحيف،
والصواب "عبيد الله" مصغرا، كما في "الهندية". فتنبه.
2 -
(شعيب بن يوسف) النسائي، ثقة [10] تقدم 42/ 49.
3 -
(يحيى بن سعيد القطان) البصري الإمام الحافظ الحجة الثبت [9] تقدم 4/ 4.
[تنبيه]: هكذا في "النسخة الهندية"، والذي في المطبوعة "يحيى -وهو ابن سعيد القطان-"، وأشار في "الهندية "إلى أن لفظ "القطان" ساقط من بعض النسخ. والله تعالى أعلم.
4 -
(ابن أبي عروبة) هو سعيد، أبو النضر البصري، ثقة حافظ كثير التدليس، واختلط، من أثبت الناس في قتادة [6] تقدم 34/ 38.
5 -
(قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت يدلس، رأس [4] تقدم 30/ 34.
6 -
(أنس بن مالك) الصحابي الشهير رضي الله عنه تقدم 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه عبيد الله، فانفرد به الشيخان والمصنف، وشيخه شعيب، فانفرد به هو.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا عبيد الله، فسرخسي، ثم نيسابوري، وشعيبا، فنسائي.
ومنها: أن أنسا أحد المكثرين السبعة، روى (2286) حديثا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، مات سنة (2) أو (93) وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن قتادة) وفي رواية البخاري: "حدثنا قتادة". قال في "الفتح": فيه دفع ما أخرجه ابن عدي في "الكامل"، فأدخل بين سعيد بن أبي عروبة، وقتادة رجلا.
وقد أخرجه ابن ماجة من رواية عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن سعيد، وهو من أثبت أصحابه، وزاد في أوله بيان سبب هذا الحديث، ولفظه "صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بأصحابه، فلما قضى الصلاة أقبل عليهم بوجهه"، فذكره.
وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، مرسلًا، لم يذكر أنسا، وهي علة غير قادحة؛ لأن سعيدا أعلم بحديث قتادة من معمر، وقد تابعه همَّام على وصله عن قتادة. أخرجه السّرّاج. انتهى
(1)
.
(1)
"فتح" ج 2 ص 475 - 476.
(عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم) أي ما حالهم وشأنهم. فـ"ما" استفهامية مبتدأ، و"بال أقوام" مضاف ومضاف إليه خبره، أو بالعكس، والاستفهام إنكاري، وجملة "يرفعون" في حل جرّ صفة لـ"أقوام"، أو حال منه، وإن كان، نكرة؛ لوقوعه بعد استفهام إنكاريّ، كما قال في "الخلاصة":
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُ الْحَالِ إِنْ
…
لَمْ يَتَأَخَرْ أَوْ يُخصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَلَا
…
يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءِ مُسْتَسْهِلَا
وإنما جاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لكون المضاف كالجزء له، قال في "الخلاصة":
وَلَا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَه
…
إِلَّا إِذًا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ
أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أُضِيفَا
…
أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلَا تَحَيفَا.
وإنما لم يُعَيِّن الشخص الذي وقع منه الرفع؛ لئلا ينكسر خاطره، إذ النصحية على رؤوس الأشهاد فضيحة.
(إلى السماء) متعلق بـ"يرفعون"(في صلاتهم) متعلق به أيضًا، أو بحال مقدر: أي حال كنهم كائنين في صلاتهم. وفي نسخة: "في الصلاة".
وسيأتي للمصنف من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بزيادة "عند الدعاء"، فإن حُمِلَ المطلقُ على المقيد اقتضى اختصاص الكراهة بالدعاء الواقع في الصلاة. وقد أخرجه ابن ماجه، وابن حبان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بغير تقييد، ولفظه:"لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء" يعني في الصلاة. وأخرجه بغير تقييد أيضًا مسلم من حديث جابر ابن سمرة، والطبراني من حديث أبي سعيد الخدري، وكعب بن مالك. وأخرج ابن أبي شيبة من رواية هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين:"كانوا يلتفتون في صلاتهم حتى نزلت: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2]، فأقبلوا على صلاتهم، ونظروا أمامهم، وكانوا يستحبون أن لا يجاوز بصر أحدهم موضع سجوده".
ووصله الحاكم في "المستدرك " بذكر أبي هريرة، ولفظه:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، فطأطأ رأسه". قال: إنه على شرط الشيخين
(1)
.
(فاشتد قوله في ذلك) أي زاد شدة قول النبي صلى الله عليه وسلم في شأن رفع البصر إلى السماء، إما بتكرير هذا القول، أو غيره مما يفيد الزجر (وقال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك) اللام هي الموطئة
(1)
"فتح" ج-2 ص 476: و"نيل الأوطار" ج-2 ص 220 - 221.
للقسم المقدر، أي: والله لَينْتَهُنَّ، وهو بفتح الياء، وضم الهاء مبنيّا للفاعل، والفاعلُ واو الجماعة المحذوفةُ للالتقاء الساكنين إذ أصله لَيَنْتَهُونَنَّ، ثم ذف نون الرفع؛ لتوالي الأمثال، وواو الجماعة لالتقاء الساكنين. وفي رواية أبي داود "لَيُنْتَهَيَنَّ" وفيه روايتان للبخاري، والأكثرون بفتح أوله، وضم الهاء، وحذف الياء المثناة، وتشديد النون على البناء للفاعل، والثانية بضم الياء، وسكون النون، وفتح الفوقية والهاء والتحتانية، وتشديد النون للتأكيد على البناء للمفعول (عن ذلك) متعلق بما قبله، أي عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة (أو لَتُخْطَفَنّ أبصارهم) بضم حرف المضارعة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الطاء المهملة والفاء والنون المشددة، مبنيًا للمفعول، و"أبصارُهم" نائب فاعله.
والمعنى: لَتُسْلَبَنَّ أبصارهم بسرعة، أي: إن أحد الأمرين واقع لا مَحَالَةَ، إما الانتهاء منهم، أو خَطْفُ أبصارهم من الله عقوبةً على فعلهم. وفي رواية لمسلم من حديث جابر بن سَمُرة رضي الله عنهما:"لَيَنْتَهِيَنَّ أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم".
قال النووي رحمه الله: فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نُقِلَ الإجماعُ في النهي عن ذلك، قال القاضي عياض رحمه الله: واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى السماء في الدعاء في غير الصلاه، فكرهه شُرَيح وآخرون، وجوزه الأكثرون، وقالوا: لأن السماء قبله الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ولا ينكر رفع الأبصار إليها كما لا يكره رفع اليد، قال الله تعالى:{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22]. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قولهم: "لأن السماء قبلة الدعاء" نظر لا يخفى؛ فإن الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكعبة هي قبلة الصلاة والدعاء، فقد ثبت عنه في كثير من المواطن أنه كان يتوجّه إلى القبلة في الدعاء، وتشبيهُهُ برفع اليد غير صحيح، فإن رفع اليد في الدعاء ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة، وأما رفع البصر إلى السماء في الدعاء فلم يرد، وأما الآية فليس فيها بيان كون السماء قبلة للدعاء، كما لا يخفى على من تأمل.
والحاصل أن السنة في الدعاء هو التوجه إلى القبلة، لا إلى السماء. والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": واختلف في المراد بذلك، فقيل: هو وعيد، وعلى هذا، فالفعل المذكور حرام، وأفرط ابن حزم، فقال: يبطل الصلاة، وقيل: المعنى أنه يُخشى على
(1)
"شرح مسلم" ج / 4 ص 152.
الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلين، كما في قصة أُسَيد بن حُضَير رضي الله عنه في نزول السكينة حين قرأ القرآن في صلاة، وهي في "الصحيحين" وغيرهما، أشار إلى ذلك الداودي، ونحوه في "جامع حماد بن سلمة"، عن أبي مجلز أحد التابعين.
و"أو" في قوله: "أو لتُخْطَفَنَّ" للتخيير، نظير قوله تعالى:{تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]، أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، وإما الإسلام، وهو خبر في معنى الأمر. انتهى ما في "الفتح" بتصرف
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي أن رفع البصر إلى السماء في الصلاة حرام لهذا الوعيد الشديد، فإنه لا يكون إلا على فعل محرم، وسواء كان الرفع في حالة الدعاء، أم في غيره.
وأما الرفع في الدعاء خارج الصلاة فمكروه، لمخالفته هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في غير حديث أنه كان يستقبل القبلة في الدعاء، فلا ينبغي مخالفة هديه.
وأما رفع البصر في غير الدعاء فجائز؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع بصره إلى السماء، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، حين بات عند خالته ميمونة رضي الله عنها، أنه صلى الله عليه وسلم قام من آخر الليل، فخرج، فنظر في السماء، ثم تلا هذه الآية في آل عمران {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآيات [آل عمران: 190]، متفق عليه، وغير ذلك من الأحاديث التي تدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره إلى السماء، وإن كان أكثر نظره إلى الأرض كما ذكر ذلك الحافظ العراقي رحمه الله في "ألفية السيرة" حيث قال:
نَظَرُهُ لِلْأَرْضِ منه أَكْثَرُ
…
إِلَى السَّمَاءِ خَافِضٌ اِذْ يَنْظُرُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -9/ 1193 - وفي "الكبرى" -45/ 1116 - عن عبيد الله بن سعيد، وشعيب بن يوسف، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
(خ) 1/ 191 - عن علي بن عبد الله، عن يحيى القطان به.
(1)
"فتح" ج 2 ص 476.
(د) 913 - عن مسدد، عن يحيى به (ق) 1044 - عن نصر بن علي الجهضمي، عن عبد الأعلى، عن ابن أبي عروبة به ..
وأخرجه (م) ج 2/ ص 28 - من حديث جابر بن سمرة، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهما.
وأخرجه (أحمد) 3/ 109 و 112 و 115 و 116 و 140 و 258. (وعبد بن حميد) رقم 1196 (والدارمي) 1307. (وابن خزيمة) 475 و 476. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة.
ومنها: بيان الوعيد الشديد لمن رفع بصره إليها بخطف بصره.
ومنها: تغليظ القول في زجر مرتكب المنكر ليرتدع عن ذلك.
ومنها: عدم التصريح بذكر اسم المرتكب عند الزجر، بل يكون بالإجمال،- كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما بال أقوام"، وذلك لئلا يكون فضيحة له، فربما حمله ذلك على عدم قبول النصح، أو ارتكاب ما هو أشدّ من ذلك، فينبغي لمن ينهى عن المنكر أن يسلك مسلك الستر ما أمكن، فإن ذلك أدعى إلى قبول قوله، والانتفاع بإرشاده، فكثير ممن يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسلكون هذا المسلك، فيفسدون أكثر مما يصلحون، وقد قال الله تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الآية [النحل: 125]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1194 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَرْفَعْ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، أَنْ يُلْتَمَعَ بَصَرُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(سويد بن نصر) تقدم في الباب الماضي.
2 -
(عبد الله) بن المبارك تقدم أيضا فيه.
3 -
(يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت [7] تقدم 9/ 9.
4 -
(ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [4] تقدم 1/ 1
5 -
(عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه [3] تقدم 45/ 56.
6 -
(رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) رضي الله عنه، لم يعرف اسمه، وفي نسخة "من أصحاب رسل الله صلى الله عليه وسلم".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -9/ 1194 - وفي "الكبرى" -45/ 1117 بالإسناد المذكور.
وأخرجه (أحمد) 3/ 441 و 5/ 295.
وقوله: "أن يُلْتَمَعَ بصره" بالبناء للمفعول، أي لئلا يُختلس، ويُتخطف بسرعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
10 - (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي الالْتَفَاتِ فِي الصَّلاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على التشديد في الالتفات في الصلاة.
قال في "الفتح": حديث الباب يدلس على كراهة الالتفات في الصلاة، لكن الجمهور على أنها للتنزيه، وقال المتولي: يحرم إلا للضرورة، وهو قول أهل الظاهر.
والمراد بالالتفات المذكور ما لم يستدبر القبلة بصدره، أو عنقه كله. وسبب كراهة الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع، أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن. انتهى بتصرف يسير
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله المتولي، وأهل الظاهر هو الظاهر؛ لأنه ورد بصيغة النهي، والنهي للتحريم، اللَّهم إلا إذا قلنا: إن أحاديث الباب التالي صالحة لصرفه إلى التنزيه، فيتجه ما قاله الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب.
1195 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ، يُحَدِّثُنَا فِي مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ جَالِسٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزَالُ اللَّهُ عز وجل مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
كلهم تقدموا في الباب الماضي، غير أبي الأحوص، وأبي ذرّ رضي الله عنهما، فتقدما قبل بابين. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن الزهرى) أنه (قال: سمعته أبا الأحوص) الليثي، لا يعرف اسمه (يحدثنا) جملة في محلّ نصبْ على الحال متن المفعول (في مجلس سعيد بن المسيب) ومتعلق بـ "يحدث". في "الهندية":"في مجلس ابن المسيب"(وابن المسيب جالس) جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي والحال أن سعيد بن المسيب جالس في مجلس التحديث (أنه سمع أبا ذرّ) جندب بن جُنَادة، وقيل: غيره، رضي الله عنه (يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الله) "لا" نافية، "يزال" من الأفعال الناقصة التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وقوله عز وجل ساقط من بعض النسخ (مقبلا على العبد) إقبالا يليق بجلاله وعظمته، وقيل: بالرحمات والإحسان والغفران، لا يقطع عنه ذلك، والمعنى الأول هو الأولى (قائما في صلاته)"قائما" حال من "العبد"، وسقط من بعض النسخ (ما لم يلتفت) أي ما لم يتعمد الالتفات، فـ"ما" مصدرية ظرفية، أي مدة عدم التفاته، والظرف متعلق بـ"مقبلا"(فإذا صرف وجهه) أي حوّل العبس وجهه بالتفاته إلى ما لا يتعلق بالصلاة (انصرف عنه) أي انصرف الله عز وجل عن ذلك العبد حيث أعرض عنه بالالتفات إلى ما لا ينبغي الالتفات إليه بلا ضرووة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
قال الجامع عفا الله عنه: [فإن قلت]: تقدم حديث أبي ذرّ رضي الله عنه -7/ 1191 - من رواية أبي الأحوص عنه، فحسنته، وهذا الحديث بنفس ذلك السند، فكيف تصححه؟
[قلت]: إنما صححته هنا لأن له شاهدا من حديث الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه، أخرجه أحمد 4/ 130والترمذي رقم 2863 - بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة، وهو حديث طويل، وفيه "وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت". . . فتفطن. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 10/ 1195 - وفي "الكبرى" 46/ 1118 - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي الأحوص، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) 909 - عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس به.
وأخرجه (أحمد) 5/ 172 (والدارمي) رقم 1430 (وابن خزيمة) 481 و 482. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها. ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو التشديد في الالتفات في الصلاة.
ومنها: فضل الصلاة حيث إنها سبب لإقبال الله تعالى على عبده، وهو الغاية القصوى.
ومنها: أن الله تعالى يكرم عبده إذا أقبل عليه بالإقبال عليه، فإن الجزاء من جنس العمل.
ومنها: أن الالتفات في الصلاة إعراض عن الله تعالى، يكون سببا لإعراض الله عز وجل عن المصلي، وهذا فيما إذا كان لغير حاجة، فأما إذا كان لحاجة فلا بأس به، كما يأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في أقوال أهل العلم في حكم الالتفات في الصلاة: تقدم أن الجمهور على أن النهي عن الالتفات في الصلاة للتنزيه، وقال المتولي من الشافعية: إنه للتحريم إلا للضرورة، وهو قول هل الظاهر، وقلنا: هذا القول هو الظاهر، لظواهر النصوص.
قال البدر العيني رحمه الله: وقال الحكم: من تأمل مَن عن يمينه أو شماله، في الصلاة حتى يعرفه، فليست له صلاة. وقال أبو ثور: إن التفت ببدنه كله أفسد صلاته، وإذا التفت عن يمينه، أو شماله مضى في صلاته.
ورخص فيه طائفة، فقال ابن سيرين: رأيت أنس بن مالك يُشرف إلى الشيء في صلاته، ينظر إليه. وقال معاوية بن قُرَّة: قيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة لم يتحرك، ولم يلتفت، قال: لكنا نتحرك، ونلتفت. وكان إبراهيم يلتفت يمينا وشمالًا. وكان ابن مغفل يفعله.
قال مالك: الالتفات لا يقطع الصلاة، وهو قول الكوفيين، وقول عطاء،
والأوزاعي، وقال ابن القاسم: فإن التفت بجيع بدنه لا يقطع الصلاة، ووجهُهُ أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالإعادة حين أخبرَ أنه اختلاس من الشيطان، ولو وجبت فيه الإعادة لأمرنا بها، لأنه نصب معلما، كما أمر الأعرابي بالإعادة مرة بعد أخرى.
وقال القفال في "فتاويه": وإذا التفت في صلاته التفاتا كثيرًا في حال قيامه، إن كان جميع قيامه كذلك بطلت صلاته، وإن كان في بعضه فلا، لأنه عمل يسير، قال: وكذا في الركوع والسجود لو صرف وجهه وجبهته عن القبلة لم يجز، لأنه مأمور بالتوجه إلى الكعبة في ركوعه وسجوده، قال: ولو حول أحد شقيه عن القبلة بطلت صلاته، لأنه عمل كثير.
وممن كان لا يلتفت فيها: الصديق، والفاروق رضي الله عنهما، ونهى عنه أبو الدرداء، وأبو هريرة رضي الله عنه، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الله لا يزال ملتفتًا إلى العبد ما دام في صلاته ما لم يحدث، أو يلتفت. وقال عمرو بن دينار: رأيت ابن الزبير يصلي في الحجر، فجاءه حجر قدامه، فذهب بطرف ثوبه، فما التفت. وقال ابن أبي مليكة: إن ابن الزبير كان يصلي بالناس، فدخل سيل في المسجد، فما أنكر الناس من صلاته شيئًا حتى فرغ. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الالتفات في الصلاة حرام، لأحاديث الباب، ولما أخرجه أحمد، في "مسنده" ج 4 ص 202 وصححه ابن خزيمة ج 2 ص 64 - 65 من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه مرفوعًا:"إن الله عز وجل أمركم بالصلاة، فإذا نصبتم وجوهكم، فلا تلتفتوا. . ." الحديث قد تقدم بيانه.
إلا أن يلتفت يمنة ويسرة، دون أن يلوي عنقه، لأحاديث الباب التالي.
وأما من التفت عن القبلة بجميع بدنه فقد بطلت صلاته، لتركه ما وجب عليه من استقبال القبلة. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1196 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الصَّلَاةِ".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عمرو بن علي) الفلاس البصري، ثقة حافظ [10] تقدم 4/ 4.
2 -
(عبد الرحمن) بن مهدي البصري، ثقة ثبت حجة [9] تقدم 42/ 49.
3 -
(زائدة) بن قُدَامة الكوفي، ثقة ثبت سني [7] تقدم 74/ 91.
(1)
راجع "عمدة القاري" ج 5 ص 310 - 311.
4 -
(أشعث بن أبي الشعثاء) المحاربي الكوفي، ثقة [6] تقدم 90/ 112.
5 -
(أبو الشعثاء) سُلَيم بن الأسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، ثقة من كبار [3] تقدم 90/ 112.
[تنبيه]: قوله: "عن أبيه" تابع زائدةَ على هذا الإسناد أبو الأحوص، كما في الرواية التالية، وشيبان عند ابن خزيمة، ومسعر عند ابن حبّان، وخالفهم إسرائيل، فرواه عن أشعث، عن أبي عطية، عن مسروق، كما في الرواية الآتية -10/ 1198 - ووقع عند البيهقي من رواية مسعر، عن أشعث، عن أبي وائل، فهذا اختلاف على أشعث، والراجح رواية زائدة، وقد رواه المصنف -10/ 1199 - من طريق عمارة بن عمير، عن أبي عطية، عن عائشة موقوفًا عليها، وليس بينهما مسروق.
قال الحافظ رحمه الله تَعَالَى-: يحتمل أن يكون للأشعث فيه شيخان، أبوه، وأبو عطية، بناء على أن يكون أبو عطية حمله عن مسروق، ثم لقي عائشة، فحمله عنها، وأما الرواية عن أبي وائل، فشاذة؛ لأنه لا يعرف من حديثه. والله أعلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ رحمه الله حسن، إلا قوله: بناء على أن يكون أبو عطية حمله عن مسروق الخ، فإنه محل نظر؛ لأن رواية مسروق مرفوعة، ورواية أبي عطية موقوفة، وهي وإن كانت في حكم الرفع، إلا أن الظاهر يُبعِدُ الحملَ المذكور.
فالأولى أن نقول: إن كُلا من مسروق، وأبي عطية حملاه عنها والله -تَعَالَى- أعلم.
6 -
(مسروق) بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفي، ثقة مخضرم فقيه عابد [2] تقدم 9/ 112.
7 -
(عائشة رضي الله عنها) تقدمت 5/ 5. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله -تَعَالَى-.
ومنها: أنه رجال كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة.
ومنها: أن مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان.
ومنها: أن شيخه أحد التسعة الذين روى الأئمة الستة عنهم دون واسطة.
(1)
"فتح" ج 2 ص 477.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي.
ومنها: أن عائشة -رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا- من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي نسخة "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم"(عن الالتفات في الصلاة؟) أي عن حكمه (فقال: اختلاس، يختلسه الشيطان)"اختلاس" بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هو اختلاس. وجملة "يختسله الشيطان" في محل رفع صفة لـ"اختلاس".
يعني أن الالتفات في الصلاة اختطاف بسرعة، يختطفه الشيطان من صلاة العبد.
و"الاختلاس": افتعال من اختلسه. قال في "المصباح". خَلَستُ الشيء خَلْسَةً، من باب ضرب: اختطفتُهُ بسرعة على غفلة، واختلسته كذلك، والخلْسَة بالفتح المرة، والخُلْسَة بالضمّ ما يُخْلَس. انتهى.
وفي "النيل": الاختلاس: أخذ الشيء بسرعة، يقال: اختلس الشيء: إذا استلبه، وفي الحديث: النهي عن الخَلْسَة بفتح الخاء، وهو ما يستخلص من السَّبُع، فيموت قبل أن يذكّى. وفي "النهاية": الاختلاس: افتعال من الخلسة، وهو ما يؤخذ سلبا، وقيل: المختلس الذي يخطف الشيء من غير غلبة ويهرب، ونسب إلى الشيطان لأنه سبب له لوسوسته به، وإطلاق اسم الاختلاس على الالتفات مبالغة. انتهى
(1)
.
قال في "الفتح": المختلس الذي يخطف من غير غلبة، ويهرب، ولو مع معاينة المالك له، والناهبُ يأخذ بقوة، والسارق يأخذ في خُفْية، فلما كان الشيطان قد يشغل المصلي عن صلاته بالالتفات إلى شيء ما بغير حجة يقيمها أشبه المختلس. وقال ابن بزيزة: أضيف إلى الشيطان لأن فيه انقطاعًا من ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه. وقال الطيبي: سمي اختلاسًا تصويرًا لقبح تلك الفعلة بالمختلس؛ لأن المصلي يقبل عليه الرب سبحانه وتعالى، والشيطان مرتصد له، ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة، فيسلبه تلك الحالة. انتهى.
(من الصلاة) متعلق بـ"يختطفه"، وفي رواية البخاري:"من صلاة العبد".
قال في "الفتح": قيل: الحكمة في جعل سجود السهو جابرا للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره مما ينقص الخشوع؛ لأن السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر،
(1)
"نيل الأوطار" ج 2 ص 385.
دون العمد، ليتيقظ العبد له، فيجتنبه. انتهى. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي الله عنها هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضح ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -10/ 1196 - وفي "الكبرى" -46/ 1119 - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروقا، عنها. -1197 - و"الكبرى" -1120 - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن أبي الأحوص، عن أشعث به بمثله. و-1198 - و"الكبرى" -1121 - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن- وفي "الكبرى"-90/ 526 - عن أحمد بن بكّار الحرّاني، عن مَخْلَد بن يزيد الحرّاني- كلاهما عن إسرائيل، عن أشعث ابن أبي الشعثاء، عن أبي عطية، عن مسروق، عنها بمثله. و 1199 - و"الكبرى"-1122 - عن هلال بن العلاء، عن المعافى بن سليمان، عن القاسم بن معن، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية، عنها، موقوفا. والله -تَعَالى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه 1/ 191 - عن مسدد، عن أبي الأحوص به. و 4/ 152 - عن الحسن بن الربيع، عن أبي الحوص به.
د-910 - عن مسدد به. ت-590 - عن صالح بن عبد الله، عن أبي الأحوص به.
وأخرجه (أحمد) 6/ 106 و 6/ 70. (وابن خزيمة) رقم 484 و 931. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو النهي عن الالتفات في الصلاة.
ومنها: ذم الالتفات في الصلاة، وكراهته، إذا لم يكن لحاجة.
ومنها: تسلط الشيطان على المصلي حتى يفسد صلاته، أو ينتقص شيئًا منها. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1197 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة، كلهم تقدموا، إلا واحدا، وهو:
1 -
(أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفي، الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث [7] تقدم 79/ 96.
قوله: "بمثله"، أي بمثل الحديث الماضي من رواية زائدة بن قُدَامة، ولفظه كما في "صحيح البخاري": عن عائشة، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاه؟ فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
وقد تقدم الفرق بين قوله: "مثله"، وقوله:"نحوه"، وذلك أن قوله:"مثله" يقتضي الاتحاد في اللفظ، وقوله:"نحوه" يقتضي الاتحاد في المعنى فقط، عند بعض أهل الحديث، كما قاله أبو عبد الله الحاكم رحمه الله في معرفة علوم الحديث
(1)
. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1198 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة، كلهم، تقدموا في الماضي، إلا اثنين:
1 -
(إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، ثقة تكلم فيه بلا حجة [7] تقدم 75/ 1006.
2 -
(أبو عطية) الوادعي الهمداني، اسمه مالك بن عامر، وقيل: ابن أبي عامر، ابن عوف، أو ابن حمزة
(2)
، أو ابن أبي حمزة، وقيل: اسمه عمرو بن جندب، ويقال: ابن أبي جندب، وقيل: إنهما اثنان، قال: جاءنا كتاب عمر، ثقة [2].
روى عن ابن مسعود، وأبي موسى، وعائشة، ومسروق بن الأجدع، وعنه عمارة بن عمير، ومحمد بن سيرين وأشعث بن أبي الشعثاء، وغيرهم.
قال الأثرم: قلت لأحمد: الأعمش، عن أبي عطية، ما اسم أبي عطية؟ قال: مالك ابن أبي حمزة، وهو مالك بن عامر، قلت: هو الذي روى عنه ابن سيرين؟ فأنكر ذلك جدًا. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو عطية الذي روى عنه ابن سيرين مالك بن عامر، وأبو عطية الوادعي عمرو بن أبي جندب. وقال في موضع آخر: أبو عطية الوادعي: مالك بن عامر، وهو الهمداني. وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي عطية؟ فقال: ثقة. وقال الواقدي: أبو عطية عمرو بن جندب، ويقال: مالك بن عامر الهمداني من أصحاب عبد الله، وشهد مشاهد علي، ومات في ولاية عبد الملك.
(1)
انظر تفاصيل ذلك في "التدريب" ج 2 ص 119 - 120.
(2)
وقع في "التقريب" و"تهذيب التهذيب" ج 12 ص 169 - حمزة بالزاي كله، ووقع في "تهذيب الكمال" ج 34 ص 90 - 91 حمرة بالراء المهملة كله، فليحرر.
وقال ابن سعد: أبو عطية اسمه مالك بن عامر الهمداني، ثم الوادعي، توفي في ولاية مصعب على الكوفة، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة. وقال الآجري: قلت لأبي داود: أبو عطية الوادعي؟ قال عمرو بن جندب ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي تفسير "سورة البقرة" من "صحيح البخاري" عن ابن سيرين: فلقيت أبا عطية مالك بن عامر، أو مالك بن عوف. انتهى.
روى له الجماعة إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث.
وقد تقدم الكلام على الحديث قريبًا. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1199 -
(أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ
(1)
، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ -وَهُوَ ابْنُ مَعْنٍ- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "إِنَّ الاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ اخْتِلَاسٌ، يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(هلال بن العلاء بن هلال) بن عمرو بن هلال بن أبي عطية الباهلي مولاهم، أبو عمرو الرّفين صدوق [11].
روى عن أبيه، وحجاج بن محمَّد، والمعافى بن سليمان، وغيرهم. وعنه النسائي، وإبراهيم الحربي، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: صالح، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، روى أحاديث منكرة، عن أبيه، فلا أدري الريب منه، أو من أبيه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بالرَّقّة في ثالث المحرم سنة (280) وقال أبو الشيخ: مات في ذي الحجة. وقال أبو علي الرقي: سمعته يقول: ولدت في رجب سنة (184)، ومات يوم النحر، وفيه أرخه أبو عروبة، وقال غيره: مات في ربيع الأول سنة (280).
انفرد به المصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (20) حديثًا.
2 -
(المُعافَى بن سليمان) الجزري، أبو محمَّد الرَّسْعَني -بفتح الراء، والعين، بينهما سين ساكنة مهملات، ثم نون-
(2)
صدوق [10].
روى عن أبيه، وموسى بن أعين، والقاسم بن معن، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الكبير، وهلال بن العلاء، وعلي بن عثمان النفيلي، وغيرهم.
(1)
"بن سليمان" سقط من بعض النسخ.
(2)
وفي "لب اللباب": "الرسعني" بفتح الراء، والعين، وسكون المهملة: نسبة إلى رأس عين، مدينة بالجيزرة، وقرية بفلسطين. اهـ- ج 1 ص 352.
قال أبو بكر بن المقرئ: حدثنا محمد بن محمَّد بن بدر بن النّفّاخ الباهلي بمصر، حدثنا الحسن بن سليمان قُبَّيطة، حدثنا المعافى بن سليمان الجزري ثقة، فذكر حديثا. قيل: مات سنة (234).
انفرد به المصنف، روى له في هذا الكتاب خمسة أحاديث.
3 -
(القاسم بن مَعْن) بفتح الميم، وسكون المهملة- ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، أبو عبد الله القاضي، ثقة فاضل [7].
روى عن الأعمش، وعاصم الأحول، وعبد الملك بن عمير، وغيرهم. وعند ابن مهدي، وعلي بن نصر الجهضمي الكبير، والمعافى بن سليمان، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة، روى عنه أبن مهدي، وكان على قضاء الكوفة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرا، وكان رجلًا صاحب شعر ونحو، وذكر خيرا. وقال الدوري، عن ابن معين: كان رجلا نبيلا. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وكان أروى الناس للحديث والشعر، وأعلمهم بالعربية، والفقه. وقال الآجري، عن أبي داود: كان ثقة، يذهب إلى شيء من الإرجاء، سمعت قتيبة يقول. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الحضرمي: مات سنة (175) وقيل ابن سعد: كان ثقة عالما بالحديث والفقه والشعر وأيام الناس، وكان يقال شعبي زمانه، وولي قضاء الكوفة، ولم يرتزق عليه شيئًا حتى مات، وكان سخيا.
أخرج له أبو داود، والمصنف، وأخرج له في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث.
4 -
(الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحجة الثبت [5] تقدم 17/ 18.
5 -
(عمارة) بن عمير التيمي الكوفي، ثقة ثبت [4] تقدم 49/ 608.
والباقيات تقدما في الماضي، وكذا الكلام على الحديث، وبالله -تَعَالى- التوفيق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية أبي عطية هذه موقوفة، والتي قبلها مرفوعة، ولا تنافي بينهما؛ لأن الموقوف في مثل هذا له حكم المرفوع، إذ لا يقال من قبل الرأي. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".
11 - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الالْتفَاتِ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وشِمَالًا)
أي ذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على الرخصة في الالتفات في الصلاة إلى جهة اليمين والشمال للحاجة.
1200 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ، وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكَبِّرُ، يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ: "إِنْ كُنْتُمْ آنِفًا تَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ، وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَصَلُّوا قُعُودًا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [10] تقدم 1/ 1.
2 -
(الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت الفقيه المصري [7] تقدم 31/ 35.
3 -
(أبو الزبير) محمَّد بن مسلم المكي، صدوق، يدلس [4] تقدم 31/ 35.
4 -
(جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهما - تقدم 31/ 35. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله -تَعَالَى-، وهو (77) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وأن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (1540) حديثا. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) بن عبد الله - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (أنه قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي مرض، قال في "اللسان": والشَّكْوُ، والشَّكْوَى، والشَّكاةُ، والشَّكَاءُ كله: المرض، تقول: شَكَا يَشْكُو شَكَاةً: يستعمل في الموجدَة والمرض، ويقال: هو شاك: مريض، واشتكى عضوا من أعضائه، وتشكّى بمعنى. انتهى باختصار
(1)
.
(فصلينا وراءه) عطف على مقدر، أي فصلى بنا، فصلينا وراءه. والصلاة التي صلى
(1)
"لسان العرب" ج 4 ص 2314.
بهم هي الظهر، كما تقدم بيانها في حديث جابر رضي الله عنه من طريق حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير، عنه، قال:"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر يسمعنا".
(وهو قاعد) جملة اسمية في محل نصب على الحال من الفاعل (وأبو بكر يسمع الناس تكبيره) جملة حالية أيضا معطوفة على الأولى، أي والحال أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه يسمع تكبير النبي صلى الله عليه وسلم للناس، لضعف صوته بسبب مرضه (إذ التفت إلينا) هذا محل الترجمة، إذ فيه جواز الالتفات في الصلاة.
وإنما التفت إليهم لبيان الجواز، ولِيَطَّلِعَ على حالهم، فيرشدهم إلى الصواب، مع دوام توجه قلبه إلى الله -تَعَالَى-.
قال السندي رحمه الله: لكن هذا يقتضي أن رؤيته من ورائه ما كانت على الدوام. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر، إذ لا يستلزم ذلك، لاحتمال أن يكون ما انتبه لهم أوّلًا حتى يراهم من وراء ظهره، لاشتغاله بشأن الصلاة، فلما انتبه لحالهم رآهم. والله أعلم.
(فرآنا قيامًا) أي قائمين للصلاة، فـ"قيامًا" مصدر بمعنى القائمين (فأشار إلينا) أي بالقعود (فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا) جمع قاعد، أي حال كوننا قاعدين.
(فلما سلم قال: إن كنتم تفعلون)"إن" مخففة من الثقيلة، أي إنكم كنتم، رواية مسلم "إن كدتم" بالدال، وهو الذي في "الكبرى"، أي قاربتم.
وحذفت اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية من خبرها في رواية المصنف، لجواز ذلك للقرينة، كما في قول الشاعر:[من الطويل].
أنا ابْنُ الضَّيمِ مِن آل مَالِكِ
…
وَإنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ
والقرينة في الحديث كونه صلى الله عليه وسلم ذكر الكلام إنكارا لفعلهم ذلك، وفي قول الشاعر كون الكلام سيق للمدح.
وقد أشار في "الخلاصة" إلى هذه القاعدة حيث قال:
وَخُفَّفَتْ إنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ
…
وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّما اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا
…
مَا نَاطِقٌ أرَادَهُ مُعْتَمِدَا
(تفعلون فعل فارس والروم) جيلان من الناس معروفان (يقومون على ملوكهم) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، وهو الذي وقع جوابا لسؤال مقدر، فكأنهم قالوا له: ماذا يفعلون؟ فقال: "يقومون على ملوكهم" أي بين أيديهم (وهم قعود) الضمير للملوك،
والجملة حالية، أي والحال أن الملوك قاعدون (فلا تفعلوا) حذف مفعوله لدلالة السياق عليه، أي لا تفعلوا فعلهم.
قال السندي رحمه الله -تَعَالَى-: يريد أن القيام مع قعود الإمام يشبه تعظيم الإمام فيما شرع لتعظيم الله وحده، فلا يجوز، ولا يخفى دوام هذه العلة، فينبغي أن يدوم هذا الحكم، فالقول بنسخه، كما عليه الجمهور خفيّ جدًا. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم ترجيح القول بعدم النسخ، وأن القيام جائز، وإن كان الأولى القعود، للأمر به. والله -تَعَالَى- أعلم.
(ائتموا بأئمتكم) أي اقتدوا بهم فيما يفعلون، ثم بين بعض ما يأتمون به، بقوله (إن صلى) أي الإمام (قائمًا، فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدا، فصلوا قعودا) فيه جواز الصلاة قاعدا بلا مرض، خلف من يصلي قاعدا لمرض، وقد تقدم اختلاف أهل العلم في هذه المسألة، وترجيح القول بالجواز، في "باب الائتمام بالإمام يصلي قاعدا" -40/ 832 و 834 - فراجعه تستفد: والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر - رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْهُ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -11/ 1200 - وفي "الكبرى" -47/ 1123 - عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه. وفي 17/ 798 - وفي "الكبرى" -17/ 873 - عن عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، عن يحيى بن يحيى، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) 19/ 2 - عن قتيبة- (ح) وعن محمَّد بن رمح- كلاهما عن الليث به. و 2/ 19 - عن عبيد الله بن فضالة به.
د-606 - عن قتيبة، ويزيد بن خالد بن موهب، كلاهما عن الليث به. (ق) 1240 - عن محمَّد بن رمح المصري، به.
وأخرجه (أحمد) 3/ 334. والبخاري في (الأدب المفرد) رقم 948 - (وابن خزيمة) 486 و 873 و 886. والله -تَعَالَى- أعلم.
وفوائد الحديث، واختلاف العلماء فيه تقدم الكلام فيها مستوفى في 40/ 832 و 834. فَلْتُرَاجَعْ هناك، وبالله -تَعَالَى- التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1201 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالاً، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أبو عَمّار الحسين بن حريث) الخُزَاعي مولاهم المروزي، ثقة [10] تقدم 44/ 52.
2 -
(الفضل بن موسى) السِّنَاني، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، وربما أغرب، من كبار [9] تقدم 83/ 100.
2 -
(عبد الله بن سعيد بن أبي هند) الفزارى مولاهم، أبو بكر المدني، صدوق ربما وهم [6] تقدم 28/ 550.
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى""عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند"، وهو الصواب، وأما ما وقع في كثير من النسخ "عن عبد الله بن سعيد، عن أبي هند"، فخطأ، ووقع في "الكبرى" عن عبد الله بن سعيد"، مختصرًا، وهو أيضًا صحيح. فتنبه. وبالله -تَعَالَى- التوفيق.
4 -
(ثور بن زيد) الدِّيلي -بالكسر- مولاهم، المدني، ثقة [6].
روى عن سالم بن أبي الغيث، وعكرمة، وأبي الزناد، وغيرهم. وعنه مالك، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وسليمان بن بلال، وغيرهم.
قال أحمد، وأبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: مات سنة (135) لا يختلفون في ذلك، قال: وهو صدوق، ولم يتهمه أحد بكذب، وكان ينسب إلى رأي الخوارج، والقول بالقدر، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الآجري: سئل أبو داود عنه؟ فقال: هو نحو شريك، يعني ابن أبي نمر.
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في "الميزان": اتهمه ابن البَرْقي بالقدر، ولعله شُبِّهَ عليه بثور بن يزيد: انتهى. والبرقي لم يتهمه، بل حكى في "الطبقات" أن مالكا سئل كيف رويت عن داود بن الحصين، وثور بن زيد، وذكر غيرهما، وكانوا يُرمون بالقدر؟ فقال: كانوا لأن يخرُّوا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا كذبة. وقد
ذكر المزي أن مالكا روى أيضًا عن ثور بن يزيد الشامي، فلعله الذي سئل عنه. وذكره ابن المديني في الطبقة التاسعة من الرواة عن نافع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (4) أحاديث.
5 -
(عكرمة) مولى ابن عباس، بربري الأصل، ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة [3] تقدم 2/ 325.
6 -
(ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله عنهما، تقدم 27/ 31. والله تعالى أعلم
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله -تَعَالَى-، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وأنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، وشتى شيخه، فمروزيان، وفيه ابن عباس رضي الله عنهما أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت في صلاته) ولفظ "الكبرى" من رواية إسحاق بن إبراهيم، عن الفضل بن موسى:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينًا شمالًا". و"يلحظ" بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة: أي ينظر بِمُؤْخِرِ عينه عن يمينه ويساره، وهو أشد التفاتًا من الشَّزْر. واللحاظُ -بالكسر-: هو مُؤْخِرُ العين مما يلي الصدغ. وقال الجوهري: بالفتح. قاله في "المصباح".
فتبين بهذه الرواية أن المراد بالالتفات هو النظر بمُؤْخِرِ العين يمينًا وشمالًا، لا الالتفات بتحويل الوجه عن القبلة، ويؤيد هذا قوله:"ولا يلوي عنقه".
(يمينًا وشمالًا) أي تارة إلى جهة اليمين، وتارة إلى جهة الشمال.
(ولا يلوي) من باب رمى: أي لا يُميل، يقال: لوى رأسه، وبرأسه: أماله (عنقه) بالنصب مفعول "يلوي".
قال الفيومي رحمه الله: "العنق": الرَّقَبَة، وهو مذكر، وفي الحجازِ يُؤَنَّث، فيقال: هي العنق، والنون مضمومة للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع أعناق. انتهى.
(خلف ظهره) ظرف متعلق بـ"يلوي"، أي إلى جهة ظهره.
والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان يلحظ في صلاته يمينًا وشمالًا، ولكن لا يحوّل عنقه عن القبلة بحيث يستدبرها.
قيل: لعل هذا الالتفات كان منه في التطوع، فإنه أسهل. وقيل: التفاته مرة، أو مرارا قليلة لبيان أنه غير مبطل، أو كان لشيء ضروري
(1)
. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا صحيح.
[فإن قيل]: قد خالف وكيعٌ الفضلَ بنَ موسى، فأرسله كما يأتي في رواية أبي داود، والترمذي، وقال أبو داود: هذا أصح، فكيف يصحّ؟
قلت: الفضل بن موسى ثقة حافظ، فلا يضرّه مخالفة وكيع له بالإرسال، فتقدم روايته لأنها من ثقة حافظ. فتبصر. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -11/ 1201 - وفي "الكبرى" -47/ 1124 - عن الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عنه وفي "الكبرى"-92/ 529 - عن إسحاق بن إبراهيم، عن الفضل بن موسى به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) عن أحمد بن محمَّد بن ثابت المروزي، عن الفضل بن موسى به. وعن هناد، عن وكيع، عن عبد الله بن سعيد، عن رجل، عن عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو داود: وهذا أصح.
قال الحافظ المزي رحمه الله -تَعَالَى-: وحديث أبي داود في رواية أبى الطيب بن الأشناني. انتهى.
(ت) - 587 عن محمود بن غيلان، وغير واحد، عن الفضل به. و 588 - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن عبد الله بن سعيد، عن رجل من أصحاب عكرمة:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته من غير أن يلوي عنقه".
وأخرجه (أحمد) 1/ 275. (وابن خزيمة) 485 و 871. والله -تَعَالَى- أعلم
(1)
انظر "تحفة الأحوذي" ج 3 ص 195 - 196.
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
12 - (بَابُ
(1)
قَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحية": الأفعى، تذكّر وتؤنث، فيقال: هو الحية، وهي الحية.
و"العقرب": بفتح، فسكون، ففتح: تطلق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تأكيد التذكير قيل: عُقْرُبان -بضم العين والراء- وقيل: يقال: إلا عقرب للذكر والأنثى، والغالب عليها التأنيث، ويقال للذكر: عقربان، وربما قيل: عَقْرَبة بالهاء، قال الشاعر:
كَأنَّ مَرْعَى أمِّكُمْ إِذْ غَدَتْ
…
عَقْرَبَةٌ يَكُومُها عُقْرُبَانُ
فجمع بين اسم الذكر الخاص، وأنث المؤنثة بالهاء. قاله الفيومي. والله تعالى أعلم بالصواب.
1202 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَيَزِيدَ، وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ
(2)
، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
2 -
(سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الثبت [8] تقدم 1/ 1.
3 -
(يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [8] تقدم 5/ 5.
4 -
(معمر) بن راشد، أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل [7] تقدم 10/ 10.
5 -
(يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليمامي، ثقة يدلس ويرسل [5] تقدم 23/ 24.
(1)
سقط من بعض النسخ لفظ "باب".
(2)
وفي بعض النسخ "هو ابن جوس".
6 -
(ضمضم بن جَوْس) -بفتح الجيم، وسكون الواو، ثم مهملة- ويقال: ابن الحارث بن جوس الهفَّاني اليمامي، ثقة [3].
روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن حنظلة، الأنصارى. وعنه يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار. قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ومن قال: ضمضم بن جوس، فقد نسبه إلى جده، وكذا قال ابن أبي خيثمة، عن القواريري: جوس جده، واسم أبيه الحارث. وذكره ابن سعد في فقهاء أهل اليمامة.
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث.
7 -
(أبو هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - تقدم 1/ 1. والله -تَعَالَى- أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله -تَعَالَى-، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا ضمضما، فمن رجال الأربعة، وفيه ضمضم من المقلين روى له أبو داود- رقم 921 - ، والترمذي-390 ت والمصنف-12/ 1202 - ، وابن ماجه- رقم 1245 - حديث الباب، وله عند أبي داود،- رقم 1016 - والمصنف 76/ 1330 - حديث في سجود السهو.
وله حديث آخر عند أبي داود رقم 4901 - حديث طويل "كان رجلان من بني إسرائيل متآخيين، كان أحدهما مجتهدا، والآخر مذنبًا. . ." الحديث، هذا جميع ما له عندهم.
وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة حديثا. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسودين) ولفظ أبي داود: "اقتلوا الأسودين في الصلاة، الحية والعقرب". وقوله: "الحية والعقرب" بيان للأسودين. وتسميتهما بالأسودين من باب التغليب؛ لأن المسمى بالأسود في الأصل هي الحية. وقال السندي رحمه الله: وإطلاق الأسودين إما لتغليب الحية على العقرب، أو لأن عقرب المدينة يميل إلى السواد. انتهى.
(في الصلاة) متعلق بـ"قتل". وفيه جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة، وإن أدى إلى عمل كثير.
وقال السندي رحمه الله: وأخذ كثير من الرخصة في القتل أن القتل لا يفسد الصلاة، لكن قد يقال: يكفي في الرخصة انتفاء الإثم في إفساد الصلاة، وأما بقاء الصلاة بعد هذا الفعل، فلا يدل عليه الرخصة، فتأمل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام السندي هذا نظر لا يخفى، فما قاله الكثير من أن الصلاة لا تفسد هو الصواب، وهو قول جمهور أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء الله -تَعَالَى-.
(ثم اعلم): أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة، أو ضربتين، وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفاك الحيةَ ضربةٌ بالسوط، أصابتها، أم أخطأتها". وهذا يوهم التقييد بالضربة. قال البيهقي: وهذا، وإن صح، فإنما أراد -والله أعلم- وقوع الكفاية بها في الإتيان بالمأمور، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها، وأراد -والله أعلم- إذا امتنعت بنفسها عند الخطإ، ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة واحدة.
ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: "من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية". انتهى
(1)
.
وقال في "شرح السنة": وفي معنى الحية والعقرب كل ضرّار مباح القتل، كالزنابير ونحوه. انتهى
(2)
والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -12/ 1252 - وفي "الكبرى" -48/ 1125 عن قتيبة بن سعيد، عن ابن عيينة، ويزيد بن زريع، كلاهما عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم بن جَوْس، عنه. وفي -1203 - و"الكبرى" -1126 - عن محمَّد بن رافع، عن سليمان ابن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن معمر به. والله -تَعَالَى- أعلم.
(1)
"السنن الكبرى" للبيهقي ج 2 ص 266 - 267.
(2)
ج 3 ص 267 - 268.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) رقم 921 - عن مسلم بن إبراهيم، عن علي بن المبارك، عن يحيى ابن أبي كثير به. (ت) -388 - عن علي بن حجر، عن إسماعيل ابن علية، عن علي ابن المبارك به. وقال: حسن صحيح. (ق) -1245 - عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح، كلاهما عن سفيان به. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائدة:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله -تَعَالَى-، وهو جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهة، ولو كان بضربات، ويجوز في غيرها بالطريق الأولى.
ومنها: جواز العمل في الصلاة إذا دعت الضرورة إليه.
ومنها: مشروعية دفع الضرر عن النفس، ولو في حال الصلاة.
والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في قتل الحية والعقوب في الصلاة:
قال الإمام الترمذي رحمه الله -تَعَالَى-: بعد أن أخرج حديث الباب: ما نصه: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وبه يقول أحمد، وإسحاق. وكره بعض أهل العلم قتل الحية والعقرب في الصلاة، قال إبراهيم: إن في الصلاة لشغلا، والقول الأول أصح. انتهى
(1)
.
وقال أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: قتل الحية والعقرب في الصلاة مباح، وبه يقول عوام أهل العلم، رأى ابن عمر رضي الله عنهما ريشة، وهو يصلي، فحسب أنها عقرب، فضربها بنعله.
وممن رخص في قتل الحقرب في الصلاة: الحسن البصري، ورخص في قتل الحية والعقرب في الصلاة: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، وأصحابه.
وكره قتل العقرب في الصلاة النخعي، ولا معنى لقوله، مع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، ثم هو بنفسه قول شاذ لا نعلم أحدا قال به. انتهى
(2)
.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله في شرح حديث الباب: ما نصه: والحديث يدلّ على قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهية.
وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، كما قال العراقي، وحكى الترمذي عن جماعة كراهة ذلك، ومنهم إبراهيم النخعي، وكذا رَوَى ذلك عن إبراهيم بن أبي شيبة في
(1)
"جامع الترمذي" ج 2 ص 402 بنسخة "تحفة الأحوذي".
(2)
"الأوسط" ج 3 ص 270 - 271.
"المصنف"، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن قتادة أنه قال: إذا لم تتعرض لك فلا تقتلها.
قال العراقي: وأما من قتلها في الصلاة، أو هَمَّ بقتلها، فعليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وروى ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح أنه رأى ريشة، وهو يصلي، فحسب أنها عقرب، فضربها بنعله. ورواه البيهقي أيضًا، وقال: فضربها برجله، وقال: حسبت أنها عقرب.
ومن التابعين الحسن البصري: وأبو العالية، وعطاء، ومورّق العجلي، وغيرهم انتهى.
واستدلّ المانعون من ذلك إذا بلغ إلى حد الفعل الكثير، كالهادوية، والكارهون له، كالنخعي، بحديث "إن في الصلاة لشغلا"، وبحديث "اسكنوا في الصلاة".
ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب خاص، فلا يعارض ما ذكروه، وهكذا يقال في كل فعل كثير ورد الإذن به، كحديث حمله صلى الله عليه وسلم لأمامة، وحديث خلعه للنعل، وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر، ونزوله للسجود، ورجوعه بعد ذلك، وحديث أمره صلى الله عليه وسلم بدرء المارّ، وإن أفضى إلى المقاتلة، وحديث مشيه لفتح الباب الآتي بعد باب، وكل ما كان كذلك ينبغي أن يكون مخصصًا لعموم أدلة المنع. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله -تَعَالَى-
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكاني رحمه الله -تَعَالَى- حسن جدا.
والحاصل أن القول بجواز قتل الحية والعقرب في الصلاة هو الحق؛ لوضوح دليله. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1203 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ- عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ ضَمْضَمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِقَتْلِ الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمَّد بن رافع) النيسابوري، ثقة عابد [11] تقدم 92/ 114.
2 -
(سليمان بن داود) أبو داود الطيالسي البصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث [9] تقدم 13/ 343.
3 -
(هشام بن أبي عبد الله) سَنْبَر الدستوائي البصري، ثقة ثبت من كبار [7] تقدم 30/ 34.
والباقون تقدموا في السند الماضي، والحديث صحيح كما سبق بيانه. والله -تَعَالَى-
(1)
"نيل الأوطار" ج 2 ص 396.
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
13 - (حَمْلُ الصّبْيَانِ فِي الصَّلَاةِ، وَوَضْعُهُنَّ فِي الصَّلَاةِ)
وفي بعض النسخ "حملُ الصَّبَايَا في الصلاة الخ".
أي هذل باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز حمل المصلي الصبيانَ في حال الصلاة، ووضعهن على الأرض فيها.
وكان الأولى للمصنف أن يقول: "ووضعهن فيها" بالضمير.
و"الصبيان" بكسر الصاد، وضمها: جمع صَبيّ، وهو من لم يفطم بعدُ، ويجمع على أصْبية، وأصْبٍ، وصبوة بالكسر، وصبية بالفتح، وصبية بالكسر، وصبوان بالكسر أيضًا، ويضم الأخيران. أفاده في "ق".
وأما "الصبايا" بفتح الصاد، كما في النسخة الأخرى، فجمع صبية، كمَطيَّة ومطايا. أفاده في "اللسان" ج 4 ص 2398. والله تعالى أعلم بالصواب.
1204 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ رَفَعَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
2 -
(مالك) بن أنس الإمام الفقيه الحجة الثبت المدن [7] تقدم 7/ 7.
3 -
(عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني، وأمه حنتمة بنت عبد الرحمن بن هشام، ثقة عابد [4] تقدم في 37/ 730.
4 -
(عمرو بن سُلَيم) الأنصاري الزُّرَقيّ المدني، ثقة من كبار التابعين، تقدم 37/ 730.
5 -
(أبو قتادة) الأنصاري، الحارث بن ربعي، وقيل: غيره الصحابي الشهير - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، تقدم 23/ 24 والله -تَعَالَى- أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في -19/ 711 - حيث أورده المصنف هناك مستدلّا به على جواز إدخال الصبيان المساجد، ورواه عن قتيبة عن الليث، عن سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم به.
وقد بقي الكلام على ما بوّب له المصنف رحمه الله -تَعَالَى- هنا، وهو جواز حمل الصبيان في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله -تَعَالَى-:
وللمرء أن يحمل الصبي في الصلاة المكتوبة والتطوع، ثبت أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حمل أمامة ابنة أبي العاص في الصلاة. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. وحكى أبو ثور عن الكوفي أنه قال المصلي يحمل في الصلاة، أو يفتح بابا، أو مضى خلف دابة، قال: صلاته فاسدة.
قال ابن المنذر رحمه الله: والسنة مستغنى بها. انتهى
(1)
.
وقال في "الفتح" عند شرح قوله "فإذا سجد وضعها": ما حاصله- كذا لمالك أيضًا، ورواه مسلم أيضًا من طريق عثمان بن أبي سليمان، ومحمد بن عجلان، والنسائي من طريق الزبيدي، وأحمد من طريق ابن جريج، وابن حبان من طريق أبي العميس، كلهم عن عامر بن عبد الله شيخ مالك، فقالوا:"إذا ركع وضعها"، ولأبي داود من طريق المقبري، عن عمرو بن سليم "حتى إذا أراد أن يركع أخذها، فوضعها، ثم ركع، وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده قام، وأخذها، فردها في مكانها".
وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه، لا منها.
وهو يردّ تأويل الخطابي، حيث قال: يشبه أن تكون الصبية قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه، والتزمته، فينهض من سجوده، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع، فيرسلها، قال: هذا وجه عندي.
ويردّ أيضًا قول ابن دقيق العيد: إن لفظ "حمل" لا يساوي لفظ "وضع" في اقتضاء فعل الفاعل، لأنا نقول: فلان حمل كذا، ولو كان غيره حمّله، بخلاف وضع، فعلى هذا فالفعل الصادر منه هو الوضع، لا الرفع، فيقل العمل. انتهى.
لأن قوله: "حتى إذا فرغ من سجوده قام، وأخذها، فردها في مكانها" صريح في أن الرفع صادر منه صلى الله عليه وسلم، وقد رجع ابن دقيق العيد إلى هذا، فقال: وقد كُنْتُ أحسب هذا -يعني الفرق بين "حمل" و"وضع"- وأن الصادر منه الوضع، لا الرفع حسنًا إلى أن
(1)
"الأوسط" ج 3 ص 277 - 278.
رأيت في بعض طرقه الصحيحة "فإذا قام أعادها" انتهى.
وهذه الرواية في "صحيح مسلم"، ولأحمد "فإذا قال حملها، فوضعها على رقبته".
والحديث يدلّ على أن مثل هذا الفعل معفوّ عنه من غير فرق بين الفريضة والنافلة، والمنفرد والمؤتم والإمام، لما في "صحيح مسلم" من زيادة "وهو يؤم الناس في المسجد"، وإذا جاز ذلك في حال الإمامة في صلاة الفريضة جاز في غيرها بالأولى.
قال القرطبي: وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، واستبعده المازري، وعياض، وابن القاسم، لما ثبت في مسلم:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس، وأمامة على عاتقه". قال المازري: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة، وأصرح من هذا ما أخرجه أبو داود بلفظ "بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر، أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقة، فقام في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر، فكبرنا، وهي في مكانها". وعند الزبير بن بكار. وتبعه السهيلي "الصبح". ووهم من عزاه إلى "الصحيحين".
قال القرطبي: وروى أشهب، وعبد الله بن نافع عن مالك أن ذلك للضرووة، حيث لم يجد من يكفيه أمرها.
وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت، وشغلت سرّه في صلاته أكثر من شغله بحملها. وفرق بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما.
قال القرطبي: وروَى عبدُ الله بن يوسف التنيسي، عن مالك أن الحديث منسوخ. روى ذلك الإسماعيلي، عقب روايته للحديث من طريقه، لكنه غير صريح، ولفظه: قال التنيسي: قال مالك: من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا. وقال ابن عبد البرّ: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة.
وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد قوله صلى الله عليه وسلم:"إن في الصلاة لشغلا"؛ لأن ذلك كان قبل الهجرة
(1)
، وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة. قاله الحافظ رحمه الله -تَعَالَى-.
وذكر عياض عن بعضهم: أن ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم، لكونه معصومًا من أن تبول، وهو حاملها. وردّ بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك.
(1)
قوله: "قبل الهجرة" فيه نظر قد سبق تحقيقه.
وحَمَلَ أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال، لوجود الطمأنينة في أركان صلاته. انتهى.
وقال النووي رحمه الله -تَعَالَى-: ادعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه للضرورة، وكل ذلك دعاوي باطلة مردودة لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفوّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعم الذي الصلاة لا تبطلها إذا قلت، أو تفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لبيان الجواز انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي رحمه الله -تَعَالَى- حسن جدًا.
وحاصله: جواز حمل الصبيان في الصلاة مطلقا، وأن ذلك ليس بعمل كثير يبطل الصلاة، لعدم تواليه، وإنما يبطل العمل الكثير إذا توالى. فكل عمل غير متوال لا يبطل الصلاة.
وبهذا يحصل الجمع بين حديث الباب، وحديث "إن في الصلاة لشغلا". والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1205 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ أَعَادَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا إلا:
1 -
(سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة [8] تقدم في 1/ 1.
2 -
(عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم القرشي النوفلي المكي قاضيها ثقة [6] تقدم في 37/ 827.
والحديث متفق عليه، وتمام البحث فيه قد تقدم في الذي قبله. وبالله تَعَالَى التوفيق.
قوله: "أمامة" بضم الهمزة، بضم الهمزة، وتخفيف الميمين، هي بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت صغيرة على عهده صلى الله عليه وسلم، وتزوجها علي رضي الله عنه بعد موت فاطمة رضي الله عنها بوصية منها، ولم تعقب.
وقوله: "بنت أبي العاص" هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، واختلف في اسمه، فقيل: لقيط، وقيل: مقسم، وقيل: القاسم، وقيل: مِهْشَم، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، وهو مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وهاجر، ورد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته، وكانت وفاته في خلافة
(1)
"فتح" ج 2 ص 176 - 177 بزيادة من "نيل الأوطار" ج 2 ص 142 - 143.
أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قاله في "الفتح"
(1)
.
وقوله: "فإذا ركع وضعها" لا تنافي بينه وبين قوله في الرواية السابقة: "فإذا سجد وضعها"؛ لأن هذه الرواية موضحة لتلك، ومعنى ذلك أنه يضعها عند الركوع، ثم يستمرّ على ذلك حتى نهاية سجوده، فإذا فرغ منه رفعها، كما بينه قوله:"فإذا فرغ من سجوده أعادها". والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
14 - (بَابُ الْمَشْي أَمَامَ الْقِبْلَةِ خُطًى يَسِيرَةً)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز المشي في الصلاة إلى جهة القبلة خطوات يسيرة.
و"الخُطَى" بالضم والقصر: جمع خُطْوة بضم، فسكون، وهو: ما بين الرجلين: يقال: خَطَوت أخْطُو خَطْوًا، مشيتُ، الواحدة خَطْوَة، مثل ضرْب وضربة، والخُطْوَة، بضم، فسكون: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات، على لفظه، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطًى، وخُطُوَات، مثل غُرَف وغُرُفات، ويجوز في طاء الجمع الضم، والفتح، والتسكين، أفاده في "المصباح"
(2)
. والله تعالى أعلم بالصواب.
1206 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرْدُ بْنُ سِنَانَ -أَبُو الْعَلَاءِ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: اسْتَفْتَحْتُ الْبَابَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي تَطَوُّعًا، وَالْبَابُ عَلَى الْقِبْلَةِ، فَمَشَى عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلاَّهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) الحنظي المروزي نزيل نيسابور، المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت فقيه [10] تقدم 2/ 2.
2 -
(حاتم بن وردان) بن مروان
(3)
السعدي، أبو صالح البصري، إمام مسجد أيوب
(1)
"فتح" ج 2 ص 176.
(2)
"المصباح" ص 174.
(3)
هكذا في "تت" و"ت" وفي "تك""بن مهران"، فليحرر.
السختياني، ثقة [8].
روى عن أيوب، وابن عون، وبُرْد بن سنان، وغيرهم. وعنه عفان، وإسحاق بن راهويه، وابن المديني، وغيرهم. قال ابن خيثمة، عن ابن معين. ثقة. وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاري عن عمرو بن محمد: مات سنة (148).
أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (3) أحاديث.
3 -
(بُرْد بن سنان أبو العلاء) الدمشقي، نزيل البصرة، مولى قريش، صدوق رمي بالقدر [5] تقدم 141/ 222.
4 -
(الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [4] تقدم 1/ 1.
5 -
(عروة) بن الزبير المدني، ثقة ثبت فقيه [3] تقدم 40/ 44.
6 -
(عائشة) - رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - تقدمت 5/ 5 والله -تَعَالَى- أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله -تَعَالَى-، وأن رواته كلهم ثقات، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: استفتحت الباب) أي طلبت فتحه، فالسين والتاء للطلب.
قال في "المنهل": والظاهر أنها ظنت أنه ليس في صلاة، وإلا لم تطلب منه الفتح، كما هو اللائق بأدبها وعلمها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره صاحب "المنهل" ليس لازمًا، إِذْ يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أعلمها قبل ذلك جواز فتح الباب في الصلاة. والله -تَعَالَى- أعلم.
(ورسوله صلى الله عليه وسلم يصلي) جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي والحال أنه صلى الله عليه وسلم يصلي في داخل البيت.
ولفظ أبي داود من طريق بشر بن المفضل، عن برد بن سنان:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، والباب عليه مغلق، فجئت، فاستفتحت. . ." ولفظ الترمذي من طريق بشر بن المفضل، عن برد أيضًا:"جئتُ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في البيت، والباب عليه مغلق. . .".
(تطوعا) مفعول "يصلي"، أي كان يصلي صلاة تطوع.
(والباب على القبلة) مبتدأ وخبر، والجملة حال من فاعل "يصلي"، أي والحال أن الباب في جهة القبلة.
وأرادت عائشة رضي الله عنها بذلك قطع توهم من يتوهم أن هذا الفعل يستلزم ترك استقبال القبلة، فذكرت أن الباب كان في جهة القبلة، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يستدبر القبلة في حال مجيئه، إليها، وفتحه الباب لها، ثم رجوعه إلى مكان صلاته (فمشى عن يمينه، أو عن يساره) الظاهر أن "أو" للشك من بعض الرواة، ولا ينافي هذا قولَهَا:"والباب على القبلة"، لأن المراد به أن الباب ليس في دبر القبلة بحيث يؤدي فتحه إلى استدبارها، بل هو في جهتها، إلا أنه يميل إلى اليمين أو اليسار، بحيث لا يستلزم فتحه استدبارَها، بل يميل قليلًا، وهذا لا ينافي الصلاة.
ويؤيد ذلك ما رواه الدارقطني في "سننه" ج 2 ص 80 بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا استفتح إنسان الباب فتح له ما كان في قبلته، أو عن يمينه، أو عن يساره، ولا يستدبر القبلة". وفي سنده محمَّد بن حميد الرازي متكلم فيه، وكان ابن معين حسن الرأي فيه. والله -تَعَالَى- أعلم.
(ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه) أي رجع وراءه على عقبيه إلى مكان صلاته. فيه دليل على إباحة المشي في صلاة التطوع لحاجة قلّ أو أكثر.
قال ابن الملك: مشيه صلى الله عليه وسلم، وفتحه الباب، ثم رجوعه إلى الصلاة يدلّ على أن الأفعال الكثيرة إذا توالت لا تبطل الصلاة، وإليه ذهب بعضهم. انتهى.
وقال ابن رسلان: هذا المشي محمول على أنه مشي خطوة، أو خطوتين، أو مشي أكثر من ذلك متفرّقًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن رسلان تقيد للحديث بالمذهب، ولا يخفى فساده، كما قال الشوكاني رحمه الله، فإن الحديث يدلّ على إباحة المشي في صلاة التطوع للحاجة، إذا كان في جهة القبلة. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة - رَضيَ اللَهُ تَعَالَى عَنْهَا - هذا حسن من أجل الكلام في برد بن سنان. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -14/ 1206 - وفي "الكبرى" -49/ 1129 - عن إسحاق بن إبراهيم، عن حاتم بن وردان، عن برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عنها والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) 922 عن أحمد بن حنبل: ومسدد، كلاهما عن بشر بن المفضل، عن برد به. (ت) 601 - عن يحيى بن خلف، عن بشر به. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو جواز المشى أمام القبلة خُطى يسيرة.
ومنها: جواز افتتاح المصلي الباب، وهو في الصلاة.
ومنها: أنه يستحب لمن صَلَّى في البيت أن يغلق عليه الباب، لقوله في رواية الترمذي:"والباب مغلق عليه"، وذلك ليكون سترة له عن المارة بين يديه. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
15 - (بَابُ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز التصفيق في الصلاة لمن نابه شيء فيها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "التصفيق" -بالقاف-: مصدر صَفَّقَ يُصَفّق: وهو التصويت، ويقال فيه:"التصفيح" بالحاء المهملة.
قال الحافظ العراقى رحمه الله -تَعَالَى-: والمشهور أن معناهما واحد، قال عقبة: والتصفيح: التصفيق، وكذا قال أبو علي البغدادي، والخطابي، والجوهري، وقال ابن حزم: لا خلاف في أن التصفيح والتصفيق بمعنى واحد، وهو الضرب بإحدى صفحتي الكف على الأخرى.
قال العراقي: وما ادعاه من نفي الخلاف ليس بجيد، بل فيه قولان آخران أنهما مختلفًا المعنى:
أحدهما: أن التصفيح: الضرب بظهر إحداهما على الأخرى، والتصفيق: الضرب
بباطن إحداهما على باطن الأخرى. حكاه صاحب "الإكمال"، وصاحب "المفهم".
والقول الثاني: أن التصفيح: الضرب بإصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف بالجميع للَّهو واللعب. وروى أبو داود في "سننه" عن عيسى بن أيوب أن التصفيح: الضرب بإصبعين من اليمين على باطن الكف اليسرى. انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب.
1207 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ". -زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى-: "فِي الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب.
2 -
(محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة ثبت [10] تقدم 64/ 80.
3 -
(سفيان بن عيينة) تقدم قبل باب.
4 -
(الزهري) محمَّد إن مسلم تقدم قريبًا.
5 -
(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه [3] تقدم 1/ 1.
6 -
(أبو هريرة) - رَضِيَ اللَهُ تَعَالَى عَنْهُ - تقدم 1/ 1. والله -تَعَالَى- أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وأن شيخه ابن المثنى أحد مشايخ الأئمة الستة بدون وسطة، وفيه قوله:"واللفظ له": يعني أن لفظ الحديث لمحمد بن المثنى، وأما قتيبة فرواه بالمعنى، وقد تقدم بيانه غير مرة، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وأن فيه أبا هريرة أكثر الصحابة رواية. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عن النب صلى الله عليه وسلم) أنه قال (قال: التسبيح للرجال) مبتدأ وخبر. يعني أنه إذا نابهم وهم في الصلاة شيء كالإذن للداخل، وإنذار الأعمى، وتنبيه الساهي، فالمشروع لهم أن يقولوا: سبحان الله (والتصفيق للنساء) يعني أنه إذا نابهن شيء في الصلاة فالمشروع لهن أن يصفق، وإنما النساء بالتصفيق، لأنهن مأمورات بخفض أصواتهن، لما يخشى من الافتتان بهن، ولم يجعل التصفيق
(1)
"نيل الأوطار" ج 2 ص 378.
للرجال؛ لأنه من شأن النساء.
والحديث يَرُدُّ على ما ذهب إليه مالك في المشهور عنه أن المشروع في حق الجميع التسبيح دون التصفيق، وعلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من فساد صلاة المرأة إذا صفقت في صلاتها. قاله الشوكاني رحمه الله -تَعَالَى-
(1)
.
وقال في "المنهل": وبظاهر هذا الحديث أخذت الشافعية والحنابلة، وقالوا: لا يضرّ التسبيح ولو كثر، لأنه قول من جنس الصلاة، وإن أكثر التصفيق أبطلها، لأنه عمل من غير جنس الصلاة.
وقالت المالكية والحنفية: التسبيح للرجال والنساء، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"من نابه شيء في صلاته، فليسبح"، ولم يخص رجالا من نساء.
قال الزرقاني: هكذا تأوله مالك وأصحابه، ومن وافقهم على كراهة التصفيق للنساء. وتعقبه ابن عبد البر بزيادة أبي داود وغيره عن حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل في آخر الحديث:"إذا نابكم شيء في الصلاة، فليسبح الرجال، وليصفح النساء". قال: فهذا قاطع في موضع الخلاف، يرفع الإشكال؛ لأنه فرق بين حكم الرجال والنساء.
وقال القرطبي: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصححيح خبرا ونظرا؛ لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا، لما يخشى من الافتتان، ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء. انتهى.
وزادت الحنفية: إن صفقت المرأة بطلت صلاتها. لكن يردّ ما ذكر أحاديثُ الباب.
فالراجح ما ذهبت إليه الشافعية والحنابلة. لأحاديث الباب، ولما ذكره ابن عبد البرّ والقرطبي. انتهى ما قاله في "المنهل"
(2)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه في "المنهل" هو الصواب. وقد استوفيت البحث فيما يتعلق بالتسبيح والتصفيق في -7/ 784 - بما فيه الكفاية، فمن أراد الاستفادة فليرجع إليه. وبالله -تَعَالَى- التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -15/ 1207 - وفي "الكبرى" -50/ 1130 - عن قتيبة، ومحمد بن
(1)
"نيل الأوطار" ج 2 ص 378.
(2)
"المنهل العذب المورود" ج 6 ص 43 - 44.
المثنى، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنه. وفي -1208 - و"الكبرى" -1131 - عن محمَّد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، كلاهما عنه. و-16/ 1209 - و"الكبرى" -51/ 1132 - عن قتيبة، عن الفضيل بن عياض- وعن سويد بن نصر، عن ابن المبارك - كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عنه. و-1210 - و"الكبرى" -1133 - عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن عوف الأعرابي، عن محمَّد بن سيرين، عنه. والله -تَعَالَى- أعلم.
أخرجه (خ) 2/ 79 - عن علي بن عبد الله، عن ابن عيينة به.
(م) 2/ 27 - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلهم عن ابن عيينة به، و 2/ 27 عن هارون بن معروف، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به. و 2/ 27 عن قتيبة بن سعيدن عن الفضيل بن عياض- (ح) وعن أبي كريب، عن أبي معاوية- (ح) وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس- كلهم عن الأعمش به. و 2/ 27 - عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه عنه.
(د) 939 - عن قتيبة، عن ابن عيينة به. و 944 - عن عبد الله بن سعيد، عن يونس بن بكير، عن محمَّد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس، عن أبي غطفان، عنه. ثم قال أبو داود: هذا الحديث وهم.
(ت) 369 - عن هناد بن السري، عن أبي معاوية به.
(ق) 1034 - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، كلاهما عن ابن عيينة به.
وأخرجه (الحميدي) رقم 948 - (وأحمد) 2/ 241 و 261 و 440 و 479 و 290 و 432 و 473 و 507 و 317 و 376 و 492. (والدارمي) رقم 1370 (وابن خزيمة) 894. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله -تَعَالَى-، وهو مشروعية التصفيق للنساء إذا نابهن شيء في الصلاة.
ومنها: مشروعية التسبيح للرجال إذا نابهم شيء في الصلاة.
ومنها: بيان الفرق بين الرجال والنساء في هذه المسألة، فلا يجوز للرجال أن يصفقوا، ولا للنساء أن يسبحن. وقد تقدم بيان اختلاف أهل العلم فيما إذا خالف كل منهما ما أمر به في 7/ 784 - مفصلًا محققًا، فمن أراد ذلك، فليرجع إليه. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1208 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا
(1)
سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمَّد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي المصري، ثقة ثبت [11] تقدم 19/ 20.
2 -
(ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [9] تقدم 9/ 9.
3 -
(يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت [7] تقدم 9/ 9.
4 -
(سعيد بن المسيب) الإمام الحجة الثبت الفقيه من كبار [3] تقدم 9/ 9.
والباقون تقدموا في الذي قبله، والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وماِه توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
…
16 - (بَابُ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز تسبيح الرجال في الصلاة إذا نابهم فيها شيء.
1209 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الأَعْمَشِ ح وَأَنْبَأَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب السابق.
2 -
(الفضيل بن عياض) بن مسعود التيمي، أبو علي الزاهد المشهور، خراساني الأصل نزيل مكة، ثقة عابد إمام [8] تقدم 21/ 388.
3 -
(سُوَيد بن نصر) المروزي، ثقة [10] تقدم 45/ 55.
4 -
(عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [8] تقدم 32/ 36.
(1)
وفي بعض النسخ: "قالا: إنهما سمعا".
5 -
(الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحافظ الحجة [5] تقدم 17/ 18.
6 -
(أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت [3] تقدم 36/ 40.
7 -
(أبو هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، تقدم 1/ 1.
والحديث متفق عليه كما سبق في الباب الماضي والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1210 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عبيد الله بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسى نزيل نيسابور، ثقة ثبت [10] تقدم 15/ 15.
2 -
(يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الثبت الناقد [9] تقدم 4/ 4.
3 -
(عوف) بن أبي جميلة بَندَويه الأعرابي البصري، ثقة رمي بالقدر والشيع [6] تقدم 46/ 57.
4 -
(محمَّد) بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر [3] تقدم 46/ 57.
5 -
(أبو هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - 1/ 1.
قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله -تَعَالَى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وقد أخرجه أحمد، كما تقدم الكلام عليه في الباب الماضي. والله -تَعَالَى- أعان بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".
…
17 - (التَّنَحْنُحُ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز التنحنح في الصلاة للحاجة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "التنحنُحُ": مصدر تَنحْنَح، قال المجد اللغوي: نَحَّ يَنِحُّ نَحِيحًا: تردّد صوتُهُ في جوفه، كنَحْنَحَ، وتنحنح. انتهى.
وقال الأزهري عن الليث: النَّحْنَحَة: التنحنحُ، وهو أسهل من السعال، وهي علة
البخيل، وأنشدت [من الرجز].
يَكَادُ مِنْ نَحْنَحَةٍ وَأَحِّ
…
يَحْكِي سُعَالَ الشَّرِقِ الْأَبَحِّ
ذكره في "اللسان". والله تعالى أعلم بالصواب.
1211 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ، إِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَتَنَحْنَحَ، دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْتُهُ فَارِغًا أَذِنَ لِي).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمَّد بن قُدَامة المصِّيصي) ثقة [10] تقدم 19/ 528.
2 -
(جرير) بن عبد الحميد الكوفي نزيل الرَّيِّ، ثقة صحيح الكتاب [8] تقدم 2/ 2.
3 -
(المغيرة) بن مقسم الضبي مولاهم أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، مدلس [6] تقدم 188/ 301.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ "عن مغيرة" بحذف "ال"، وهي للمح الأصل، فيجوز إثباتها وحذفها، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيهِ دَخَلَا
…
للَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقلَا
كَالفَضْلِ وَالحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ
…
فَذكْرُ ذَا وَحَذفُهُ سِيَّانِ
4 -
(الحارث) بن يزيد التيمي العُكْلي الكوفي، ثقة فقيه [6] إلا أنه قديم الموت.
روى عن أبي زرعة بن عمرو، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وعنه عمارة ابن القعقاع من أقرانه، وابن عجلان، ومغيرة بن مقسم، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كان فقيها من أصحاب إبراهيم، من عُلِّيَّتهم، وكان ثقة في الحديث قديم الموت، لم يرو عنه إلا الشيوخ. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة ثقة، لا يسئل عنه. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال الحاكم: قلت للدارقطني: فالحارث بن يزيد العكلي؟ قال: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم 1212.
5 -
(أبو زرعة بن عمرو بن جرير) البجلي الكوفي، قيل: اسمه هرم، وقيل: غيره، ثقة [3] تقدم 43/ 50.
6 -
(عبد الله بنُ نُجَيّ) -بنون وجيم مصغرا- ابن سلمة بن حشْم -بكسر الحاء المهملة، وسكون الشين المعجمة- ابن أسد بن خُلَيبة -بَضم الخاء المعجمة- الحضرمي، أبو لقمان الكوفي، صدوق [3] تقدم في 168/ 261.
7 -
(علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسن المدني، رابع الخلفاء الراشدين رضي الله عنه تقدم 74/ 91 والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن علي) - رَضِيَ اللَهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة) وفي الرواية التالية من طريق أبي بكر بن عياش، عن المغيرة:"كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان، مدخل بالليل، ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي".
وفي الرواية التي بعدها من رواية عبد الله بن نجي، عن أبيه:"قالا: قال لي علي كانت لي منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تكن لأحد من الخلائق، فكنت آتيه كلَّ سحر، فأقول: السلام عليك يا نبي الله، فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلا دخلت عليه".
(آتيه فيها) بالجر صفة لـ"ساعة"(فإذا أتيته استأذنت) فيه مشروعية الإستئذان لمن كان بينه وبين صاحب البيت وقت معين، أذن له بالدخول عليه فيه، لاحتمال أن ينسى ذلك، ويغفل عنه، فيدخل عليه، وهو في حالة لا يرضي أن يراه فيها أحد.
(إن وجدته يصلي) جملة "يصلي" حال من المفعول، أي إن صادفته مصليًا (فتنحنح) تقدم في أول الباب معنى التنحنح، ولفظ "الكبرى":"فسبح"(دخلت) جواب "إن"، ومُتَعَلَّقهُ محذوف، أي عليه، وهذا صريح في أن تنحنحه صلى الله عليه وسلم علامة إذنه، ولكن الرواية الآتية "فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي" صريحة في العكس، فبينهما تخالف، على أنه يمكن أن يجمع بينهما بأن يكون له في التنحنح حالتان: إحداهما علامة للإذن، والأخرى علامة لعدمه، وكان علي رضي الله عنه يميز بينهما بالقرينة، لكن الحديث ضعيف -كما يأتي بيانه- فلا حاجة إلى التكلف في الجمع بينهما؛ لأن الجمع فرع الصحة. والله -تَعَالَى- أعلم.
(وإن وجدته فارغا) أي خاليا من الصلاة (أذن لي) بالبناء للفاعل، وهو من باب عَلِمَ: أي أذن لي النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم بصريح قوله. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث علي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا ضعيف، للانقطاع بينه وبين عبد الله بن نُجيّ، على ما قال ابن معين وغيره، كما تقدم، وللاضطراب في سنده ومتنه.
قال البيهقي رحمه الله -كما في "التلخيص الحبير"-: هذا مختلف في إسناده ومتنه، قيل:"سبح"، وقيل:"تنحنح"، قال: ومداره على عبد الله بن نُجَيّ. انتهى.
وقال الحافظ رحمه الله -تَعَالَى-: قلت: واختلف عليه فيه، فقيل: عنه، عن علي، وقيل: عنه، عن أبيه، عن علي. وقال يحيى بن معين: لم يسمعه عبد الله من علي، بينه وبين علي أبوه. انتهى
(1)
.
وقال ابن خزيمة رحمه الله -تَعَالَى-: في "صحيحه" ج 2 ص 54.
"باب الرخصة في التنحنح في الصلاة عند الاستئذان على المصلي، إن صحت هذه اللفظة، فقد اختلفوا فيها".
ثم أخرجه من طريق شرحبيل بن مدرك، عن عبد الله بن نُجي، عن أبيه، عن علي. . . وهو الحديث الآتي بعد حديث عند المصنف.
ثم قال: قال أبو بكر: قد اختلفوا في هذا الخبر، عن عبد الله بن نُجي، فلست أحفظ أحدا قال:"عن أبيه" غير شرحبيل بن مدرك هذا.
ورواه عمارة بن القعقاع، ومغيرة بن مقسم جميعًا عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة ابن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن بني، عن علي.
وقال جرير، عن المغيرة، عن الحارث، وعمارة عن الحارث:"يسبح". وقال أبو بكر بن عياش، عن المغيرة:"يتنحنح". انتهى.
والحاصل أن هذا الحديث مضطرب سندا ومتنا، فلا يصح، وإن نقل تصحيحه في "التلخيص الحبير" عن ابن السكن. والله -تَعَالَى- أعلم.
[تنبيه]: أخرج أحمد في "مسنده" 1/ 98 و 79 و 112 بسنده عن أبي أمامة، عن علي رضي الله عنه، قال:"كنت إذا استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كان في صلاة سبح، وإن كان في غير ذلك أذن". انتهى. وهذا أيضًا لا يصحّ لأن في سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثانية: في مواضع ذكر المصنف له:
(1)
"التلخيص الحبير" ج 1 ص 283.
أخرجه هنا -17/ 1211 - وفي "الكبرى" 52/ 1234 - عن محمَّد بن قدامة، عن جرير، عن مغيرة، عن الحارث العُكْلي، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نُجَيّ، عنه.
وفي 1212 - و"الكبرى" 1136 - عن محمَّد بن عبيد المحاربي، عن أبي بكر بن عياش، عن مغيرة، عن الحارث العكلي، عن عبد الله بن نجي، ليس فيه ذكر "عن أبي زرعة". وفي 1213 - و"الكبرى" 1137 - عن القاسم بن زكريا، عن أبي أسامة، عن شرحبيل بن مدرك، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه. زاد "عن أبيه". والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ق) 3708 - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عياش به.
وأخرجه (أحمد) 1/ 77 و 80 و 107 و 85 (والدارمي) رقم 2666. (وابن خزيمة) 902 و 904. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: دلّ الحديث على أن التنحنح في الصلاة غير مفسد، قال الشوكاني رحمه الله -تَعَالَى-: وقد ذهب إلى ذلك الإمام يحيى، والشافعي، وأبو يوسف، كما في البحر، وروي عن الناصر، وقال المنصور بالله: إذا كان لإصلاح الصلاة لم يفسد به. وذهب أبو حنيفة، ومحمد، والهادوية إلى أن التنحنح مفسد؛ لأن الكلام لغة ما تركب من حرفين، وإن لم يكن مفيدا. وردّ بأن الحرف ما اعتمد على مخرجه المعين، وليس في التنحنح اعتماد.
وقد أجاب المهدي عن الحديث بقوله: ولعله قبل نسخ الكلام، ثم دليل التحريم أرجح للحظر.
قال الشوكاني رحمه الله -تَعَالَى-: وقد عرفناك أن تحريم الكلام كان بمكة، والاتكال على مثل هذه العبارة التي ليس فيها إلا مجرد الترجي من دون علم ولا ظن، لو جاز التعويل على مثلها لردَّ من شاء ما شاء من الشريعة المطهرة، وهو باطل بالإجماع.
وأما ترجيح دليل تحريم الكلام، فمع كونه من ترجيح العام على الخاص قد عرفت أن العام غير صادق على محل النزاع. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم فساد الصلاة بالتنحنح هو الراجح عندي، لا لصحة حديث الباب، بل لأن التنحنح ليس كلاما يشمله دليل تحريم الكلام، كما بينه
(1)
"نيل الأوطار" ج 2 ص 373.
العلامة الشوكاني رحمه الله آنفًا.
والحاصل أن التنحنح لا يبطل الصلاة، لعدم وجود دليل على إبطاله، والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1212 -
(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، عَنِ ابْنِ نُجَيٍّ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَدْخَلَانِ، مَدْخَلٌ بِاللَّيْلِ، وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ، فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ تَنَحْنَحَ لِي).
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا، إلا:
1 -
(محمَّد بن عبيد) المحاربي الكوفي، صدوق [10] تقدم 144/ 226.
2 -
(ابن عياش) أبو بكر الأسدي الكوفى المقرئ، اختلف في اسمه على عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [7] تقدم 98/ 127.
والحديت ضعيف، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله، وبالله -تَعَالَى- التوفيق.
قوله: "مدخلان" -بفتح الميم، والخاء المعجمة-: ظرف زمان، من الدخول ثلاثيا، ويحتمل أن يكون بضم الميم، وفتح الخاء ظرف زمان أيضًا من الإدخال رباعيًا، والمعنى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لي وقتين للدخول عليه، وقت بالليل، ووقت بالنهار. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1213 -
(أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ -يَعْنِي ابْنَ مُدْرِكٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: "كَانَتْ لِي مَنْزِلَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَمْ تَكُنْ لأَحَدٍ مِنَ الْخَلَائِقِ، فَكُنْتُ آتِيهِ كُلَّ سَحَرٍ
(1)
، فَأَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَإِنْ تَنَحْنَحَ انْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي، وَإِلاَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(القاسم بن زكريا بن دينار) القرشي أبو محمَّد الكوفي الطحان، وربما نسب إلى جده، ثقة [11] تقدم 8/ 410.
2 -
(أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت ربما دلس [9] تقدم 44/ 52.
3 -
(شُرَحْبيل بن مدرك) الجعفي الكوفى ثقة [5].
(1)
"كل سحر" منصوب على الظرفية متعلق ب-"أتيه"، وفي بعض النسخ "أعلى السحر".
روى عن أبيه، وابن عباس: وعبد الله بن نجيّ. وعنه أبو أسامة، ومحمد بن عُبيد الطنافسي. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات" في الطبقة الثالثة، وقال: يروي عن أبيه، عن ابن عباس.
انفرد به المصنف رحمه الله -تَعَالَى- بهذا الحديث فقط، قال الحافظ رحمه الله -تَعَالَى-: وزعم الصريفيني أن أبا داود روى له.
والباقيان تقدما في الذي قبله، والحديث ضعيف كما سبق بيانه قريبًا. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
18 - (بَابُ الْبُكَاءِ فِي الصَّلاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز البكاء في الصلاة.
1214 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "أَتَيْتُ النّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ- يَعْنِي يَبْكِي").
رجال ذا الإسناد: ستة:
1 -
(سويد بن نصر) المروزي، ثقة [10] تقدم 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك الإمام المشهور، تقدم 32/ 36.
3 -
(حماد بن سلمة) بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [8] تقدم 181/ 288.
[تنبيه]: يوجد في النسخ المطبوعة زيادة "عن سلمة" بعد "عن حماد بن سلمة"، وهو غلط. فتنبه. والله -تَعَالَى- الهادي إلى سواء السبيل.
4 -
(ثابت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمَّد البصري، ثقة عابد [4] تقدم 45/ 53.
5 -
(مطرِّف) بن عبد الله بن الشخير العامري الحرشي، أبو عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل [2] تقدم 53/ 67.
6 -
(أبوه) عبد الله بن الشخير -بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين- ابن عوف ابن كعب بن وقدان بن الحَريش، وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة
الحَرَشي العَامري صحابي من مسلمة الفتح، تقدم في 34/ 727.
لطائف هذا الإسناد:
منها: من سداسيات المصنف رحمه الله -تَعَالَى-، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وإلا الصحابي، فما أخرج له البخاري، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، وابن المبارك فمروزيان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وراوية تابعي، عن تابعي والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن الشّخّير) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم) ولفظ أبي داود من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. (وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، أي والحال أنه صلى الله عليه وسلم يصلي (ولجوفه أزيز) جملة من مبتدإ وخبر، في محل نصب على الحال أيضًا، من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة.
و"الأزيز" بزابين وزان كريم: الخنين من الخوف -بالخاء فيهما-، وهو صوت البكاء، وَقِيل: أن يَجيش جوفُه، ويَغلَى بالبكاء. قاله في "النهاية"
(1)
.
وفي "اللسان". أزَّت القدرُ تَؤُزّ، وتئزُّ أزا، وأزيزًا، وأزَازا، وائْتَزَّت ائتزازا. إذا اشتدّ غَلَيانها، وقيل: هو غليان ليس بالشديد. انتهى. وقال أبو عبيد رحمه الله: الأزيز: غليان جوفه بالبكاء، وأصل الأزيز: الالتهاب والحركة، وكأن قوله -تَعَالَى-:{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم، آية: 83] من هذا، أي تدفعهم وتسوقهم، وهو من التحرك. نقله ابن المنذر في "الأوسط" ج 3 ص 255.
(كأزيز المرجل) بكسر الميم: الإناء الذي يُغَلَى فيه الماء، سواء كان من حديد، أو صفر، أو حجارة، أو خزف، والميم زائدة، قيل: لأنه إذا نصب كأنه أقيم على أرْجُل. قاله في "النهاية"
(2)
.
(يعني يبكي) العناية من بعض الرواة، ولم يتبين، لي مَن هو؟ أي يقصد بقوله:"ولجوفه أزيز كأزيز المرجل" أنه يبكي في صلاته بحيث يسمع له صوت كصوت القدر إذا غَلَى. ولفظ أبي داود: "وفي صدره أزيز كأزيز الرَّحَى من البكاء"، أي لصدره
(1)
"نهاية ابن الأثير" ج 1 ص 45.
(2)
"النهاية" ج 4 ص 315.
صَوْتٌ كصوت الطاحون من أجل بكائه.
والحديث دليل على جواز رفع الصوت بالبكاء في الصلاة، وأنه لا يبطلها، وفيه خلاف بين أهل العلم.
فعن الشعبي والثوري أن البكاء والأنين يفسد الصلاة. وعن المالكية والحنفية إن كان لذكر النار والخوف لم يفسد.
وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه: أصحها إن ظهر منه حرفان أفسد، وإلا فلا.
ثانيها: -وحكي عن نصه في "الإملاء"-: أنه لا يفسد مطلقًا، لأنه ليس من جنس الكلام، ولا يكاد يبين منه حرف محقق، فأشبه الصوت الغُفْل. ثالثها: عن القفال إن كان فمه مطبقًا لم يُفسد، وإلا أفسد، إن ظهر منه حرفان، وبه قطع المتولي.
قال الحافظ رحمه الله: والوجه الثاني أقوى دليلًا. قاله في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي بسط المسألة وتحقيق الأقوال فيها في المسألة الخامسة إن شاء الله -تَعَالَى- والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن الشِّخِّير - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -18/ 1214 - وفي "الكبرى" -53/ 1135 و 102/ 544 - عن سويد ابن نصر، عن ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه. وفي "الكبرى" -102/ 545 - عن عيسى بن يونس، عن ضمرة، عن السريّ بن يحيى، عن عبد الكريم بن راشد، عن ابن الشّخّير، عن أبيه، ولفظه:"قال: كان يسمع للنبي صلى الله عليه وسلم أزيز بالدعاء، وهو ساجد، كأزيز المرجل". والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) 904 - عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة به.
(الترمذي في الشمائل) 322 - عن سويد بن نصر به.
(1)
"فتح" ج 2 ص 441.
وأخرجه (أحمد) 4/ 25 و 4/ 26 (وعبد بن حميد) رقم-514 (وابن خزيمة)900. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف، وهو جواز البكاء في الصلاة. وأنه لا يبطلها.
ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الخوف والبكاء مع أن الله -تَعَالَى- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ومنها: أنه ينبغي للمسلم أن يكون دائم الخوف من الله -تَعَالَى- حتى في الصلاة التي هي من أعظم القربات، فإنها إنما تنفع إذا كانت بالخشوع والخوف من الله سبحانه، قال الله -تَعَالَى-:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: الآيتان:1، 2]. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم البكاء في الصلاة:
ذهبت الحنفية إلى أن البكاء غير مبطل للصلاة إذا كان من خشية الله -تَعَالَى-، أو لذكر الجنة والنار، قالوا: لأنه يدل على زيادة الخشوع، وهو المقصود في الصلاة، فكان بمنزلة التسبيح والدعاء، واستدلوا بحديث الباب، فإن كان البكاء لغير ذلك، كأن كان لِوَجَعٍ، أو مصيبة بطلت الصلاة، لأن فيه إظهار الأسف والجزع، فكأنه قال: أعينوني، فإني متوجع، والأنين والتأوه كالبكاء عندهم. وعن أبي يوسف أن هذا التفصيل إذا كان البكاء على أكثر من حرفين، أو حرفين أصليين، أما إذا كان على حرفين من حروف الزيادة، أو أحدهما من حروف الزيادة والآخر أصلي، فلا تفسد.
وذهبت المالكية إلى أن البكاء لخوف الله والدار الآخرة غير مبطل للصلاة، ولو بصوت وإن كان لغير ذلك، فإن كان بلا صوت فيغتفر، وإن كان بصوت فكالكلام، فإن كان عمدا أبطل قليله وكثيره، وإن كان سهوا أبطل كثيره دون يسيره.
وذهبت الشافعية إلى أنه إن ظهر من البكاء حرفان فمبطل مطلقًا، سواء كان لخشية الله -تَعَالَى- أم لا.
وذهبت الحنابلة إلى أنه إن كان لخشية الله -تَعَالَى- فغير مبطل، ظهر منه حرفان أم لا، وإن كان لغيره، فإن ظهر منه حرفان أبطل ما لم يكن غلبة، وإلا فلا
(1)
.
قال أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: البكاء في الصلاة مباح يدلّ على إباحته غير خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك حديث علي رضي الله عنه، المذكور في الباب، وحديثه: "ما
(1)
انظر "المنهل" ج 5 ص 353 - 354.
كان فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا، وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي، ويبكي حتى أصبح". راه أحمد وابن خزيمة في "صحيحه".
وحديث عائشة في قصة أبي بكر بمكة قبل الهجرة، قالت:"وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن". وهو في "صحيح البخاري".
وعن عبد الله بن شداد، قال: سمعت نشيج عمر، وأنا في آخر الصفوف في الصلاة، وهو يقول:{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: آية: 86] علقه البخاري في "الصحيح"، ووصله سعيد بن منصور في "سننه".
والنشيج: صوت معه ترجيع كما يرد الصبي بكاءه في صدره، وقيل، هو أشد البكاء.
وعن عبيد بن عمير، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة الصبح، فافتتح سورة يوسف، فقرأها حتى بلغ:{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} الآية [يوسف: 84] بكى حتى انقطع، فركع. انتهى كلام ابن المنذر بتصرف
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله -تعَالَى- من كون البكاء في الصلاة مباحًا هو الراجح عندي.
وحاصله أن البكاء في الصلاة لا يبطلها، قليلًا كان أو كثيرًا، ظهر منه حرفان، أم لا؛ للأحاديث المذكورة، ولحديث عائشة رضي الله عنها في قصة إمامة أبي بكر رضي الله عنه:"إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء". . . الحديث. ولأن الله -تَعَالَى- مدح البكائين في كتابه، فقال:{وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ} [الإسراء: الآيات: 107 - 109] الآية. وقال: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: الآية: 58] وأفضل أركان الصلاة تلاوة القرآن، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أفضل الصلاة طول القنوت". أي القيام. فالبكاء في تلاوة القرآن مطلوب في الصلاة وخارجها، فلو كان مبطلا لها لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، بل ثبت عنه ما يقرره، فكان يبكي في صلاته، كما بينته أحاديث الباب. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
(1)
"الأوسط" ج 3 ص 256 - 257.
19 - (بَابُ لَعْنِ إِبْليسَ، وَالتَّعَوُّذِ بِاللهِ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز لعن إبليس، وجواز التعوذ منه في الصلاة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "اللعن": مصدر لَعَنَه. يقال: لعنه لعنًا من باب نَفَعَ: طرده، وأبعده، أو سَبَّه، فهو لعين، وملعون. قاله في "المصباح".
وإضافة "لعن" إلى ما بعده من إضافة المصدر إلى مفعوله.
و"إبليس" -بكسر الهمزة- اسم أعجمي، ولهذا لم ينصرف، للعجمية والعلمية، وقيل: عربي مشتق من الإبلاس، وهو اليأس، ورُدَّ بأنه لو كان عربيًا لانصرف، كما ينصرف نظائره، نحو إجفيل، وإخريط. قاله في "المصباح" أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
1215 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ"، ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ"، ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قُلْتُ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ آخُذَهُ وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا بِهَا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن سلمة) المرادي المصري، تقدم قبل بابين:
2 -
(ابن وهب) عبد الله المصري تقدم قبل بابين أيضًا.
3 -
(معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، صدوق له أوهام [7] تقدم 50/ 62.
4 -
(ربيعة بن يزيد) الدمشقي، أبو شعيب الإيادي القصير، ثقة عابد [4] تقدم 109/ 148.
5 -
(أبو إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وسمع
من كبار الصحابة، وكان عالم الشام بعد أبي الدرداء، ومات سنة (80)[2] تقدم 72/ 88.
6 -
(أبو الدرداء) عُوَيمر بن زيد بن قيس، وقيل: غيره الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم 48/ 848 والله -تَعَالَى- أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله -تَعَالَى-.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، والترمذي، وإلا معاوية بن صالح، فما أخرج له البخاري.
ومنها: أنه مسلسل بالشاميين، إلا شيخه، وابن وهب، فمصريان.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي الدرداء) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي) أي حال كونه مصليًا (فسمعناه) وفي نسخة "سمعناه"(يقول: أعوذ بالله منك) أي أعتصم، وأتحصن من شرك بالله الذي بيده ناصية كل شيء (ثم قال: ألعنك بلعنة الله) أي أدعو عليك بأن يطردك الله من رحمته، ويبعدك من خيراته (ثلاثًا) أي قال ذلك ثلاث مرات (وبسط يده) أي مدّ صلى الله عليه وسلم يده الشريفة (كأنه يتناول شيئًا) أي كأنه يتعاطى شيئًا أمامه (فلما فرغ من الصلاة) أي انتهى من صلاته، وسلم منها (قلنا) أي قال الصحابة الحاضرون تلك الصلاة، والسامعون ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، والمشاهدون ما فعله من الأمر الغريب (يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا) من القول الغريب الذي (لم نسمعك تقوله قبل ذلك) الوقت (ورأيناك بسطت يدك) الجملة في محل نصب على الحال من المفعول، لأن "رأى" هنا بصرية لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، أي أبصرناك حال كونك باسطا يدك كأنك تتناول شيئًا (قال) صلى الله عليه وسلم (إن عدو الله إبليس) بالنصب بدل من "عدو الله"، وتقدم في أول الباب هل هو عجمي، أو عربي (جاء بشهاب) بكسر الشين المعجمة: شُعْلَةُ نار ساطعة، والجمع شُهُبٌ وأَشهَبُ -بفتح الهمزة والهاء-، قال ابن منظور: وأظنه -أي الأخير- اسمًا لِلْجَمْعِ، قال:[من الطويل]:
تُرِكْنَا وَخَلَّى ذُو الْهَوَادَةِ بَيْنَنَاَ
…
بِأشْهَبِ نَارِينَا لَدَى الْقَوْمِ نَرْتَمِي
وفي التنزيل العزيز: {أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} [النمل، الآية: 7]. قال الفرّاء: نَوّن عاصم والأعمش فيها، قال: وأضافه أهل المدينة {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} ، قال: وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه، كما قالوا: حبَّةُ الخضراء، ومسجد الجامع، يضاف الشيء إلى نفسه،
ويضاف أوائلها إلى ثوانيها، وهي هي في المعنى، ومنه قوله -تَعَالَى-:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: الآية 95]. وروى الأزهري عن ابن السكِّيت، قال: الشهاب: العُودُ الذي فيه نار، قال: وقال أبو الهيثم: الشهاب أصل خشبة، أو عود فيها نار ساطعة. قاله في "لسان العرب".
(من نار) جار ومجرور متعلق بصفة لـ"شهاب"، أي كائن من نار. وهو من الصفة الكاشفة، لأن الشهاب هي شُعْلَة نار، كما تقدم آنفًا في عبارة "اللسان".
(ليجعله في وجهي) أي ليجعل ذلك الشهاب في وجهه صلى الله عليه وسلم حتى يحرقه به (فقلت: أعوذ باللَّه منك ثلاثًا) أي قلت: هذا الدعاء ثلاث مرات تحصنا بالله -تَعَالَى- الذي قال له: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: آية: 65](ثم قلت: ألعنك بلعنة الله) ولفظ مسلم: "بلعنة الله التامّة". قال القاضي عياض رحمه الله: يحتمل تسميتها تامّة، أي لا نقص فيها، ويحتمل الواجبة له المستحقة عليه، أو الموجبة عليه العذاب سرمدا.
قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: "أَلْعَنُكَ بلعنة الله"، و"أعوذ باللَّه منك" دليل جواز الدعاء لغيره، وعلى غيره بصيغة المخاطبة في الصلاة، خلافًا لابن شعبان من أصحاب مالك في قوله. إن الصلاة تبطل بذلك.
قال النووي رحمه الله -تَعَالَى-: وكذا قال أصحابنا: تبطل الصلاة بالدعاء لغيره بصيغة المخاطبة، كقوله للعاطس "رحمك اللَّه" أو "يرحمك الله"، ولمن يسلم عليه "وعليك السلام"، وأشباهه، والأحاديث السابقة في السلام على المصلي تؤيد ما قاله أصحابنا، فيتأول هذا الحديث، أو يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو غير ذلك. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الدعاء على إبليس بالخطاب خاص، فيقتصر عليه، فيكون مخصوصًا من عموم النهي عن الدعاء بالخطاب كالسلام، وتشميت العاطس، وأما حمله على أنه كان قبل تحريم الكلام فغير صحيح؛ لعدم العلم بالتاريخ، واللَّه -تَعَالَى- أعلم بالصواب.
(فلم يستأخر) وفي نسخة "فلم يتأخر". أي لم يتأخر عن ما أراده، بل تمادى عليه (ثلاث مرات) الظاهر أنه ظرف لقوله:"قلت: ألعنك بلعنة الله"، أي قلت. هذا الدعاء ثلاث مرّات (ثم أردت أن آخذه) يعني أنه لما تمادى على غيّه، ولم يتراجع أراد صلى الله عليه وسلم أن
(1)
"شرح صحيح مسلم" ج 5 ص 30.
يمكسه، ويعاقبه.
وفيه أن الله -تَعَالَى- أقدره على ذلك، وأمكنه منه، ويؤيد ذلك ما حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الشيخين وغيرهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عفريتا من الجنّ جعل يَفْتكُ عليّ البارحةَ ليقطع عليّ الصلاةَ، وإن الله أمكنني منه، فَذَعَتُّهُ، فَلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون -أو كلكم- ثم ذكرت أخي سليمان: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: آية 35] فرده الله خاسئًا". لفظ مسلم.
وقوله: "فذعته" بالذال المعجمة: أي خنقته. وفي رواية "فدعته" بالدال المهملة: أي دفعته دفعًا شديدًا.
وكتب السندي على قوله: "ثم أردت أن آخذه": ما نصه: لا يلزم منه أنّ أخذه وربطه غير مفسد، لجواز أن يكون مفسدًا، ويحمل له ذلك لضرورة، أو بلا ضرورة، نعم يلزم أن تكون إرادته غير مفسدة، فليفهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قول السندي هذا نظر لا يخفى، فمن أين له أن أخذه، وربطه يفسد الصلاة؟، والنص الذي معنا يدلّ على عدم الفساد، وهل يريد صلى الله عليه وسلم أن يفعل في الصلاة ما يفسدها، ثم لا يبينه للناس؟ بل يعلل تركه لأخذه وربطه بما ذكره من قصة سليمان عليه السلام، إن هذا فهم بعيد عن الصواب، فتأمله بإنصاف، ولا تتحير باعتساف، والله -تَعَالَى- الهادي إلى سواء السبيل.
(والله) فيه جواز الحلف من غير استحلاف، لتفخيم ما يخبر به الإنسان، وتعظيمه، والمبالغة في صحته وصدقه، وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا. قاله النووي رحمه الله -تَعَالَى-
(1)
.
(لولا دعوة أخينا سليمان) عليه الصلاة والسلام بقوله: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} الآية [ص: 35].
قال القاضي عياض رحمه الله: معناه أنه مختص بهذا، فامتنع نبينا صلى الله عليه وسلم من ربطه، إما لأنه لم يقدر عليه لذلك، وإما لكونه لمّا تذكر ذلك لم يتعاط ذلك لظنه أنه لم يقدر عليه، أو تواضعًا وتأدبًا انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تركه تواضعًا وتأدبًا هو الظاهر. والله -تَعَالَى- أعلم.
(1)
"شرح مسلم" ج 5 ص 31.
(2)
"شرح مسلم" ج 5 ص 29.
وقال السندي رحمه الله -تَعَالَى-: والمراد لولا توهم عدم استجابة هذه الدعوة لأخذته، لا أنه بالأخذ يلزم عدم إستجابتها، إذ لا يبطل اختصاص تمام الملك لسليمان بهذا القدر. فليتأمل. والله -تَعَالَى-. انتهى
(1)
.
(لأصبح موثقًا) أي مربوطًا.
والظاهر أن هذه الواقعة كانت بالليل، فلذلك قال:"لأصبح"، ويحتمل أن تكون "أصبح" بمعنى "صار"، أي لصار "موثقًا".
(بها) هكذا وقع زيادة لفظة "بها" في رواية المصنف في "المجتبى"، وليست في "الكبرى"، ولا في "صحيح مسلم "، والذي يظهر أن الضمير للمدينة بدلالة ما بعده، أي لأصبح مربوطا بالمدينة.
(يلعب به ولدان أهل المدينة)"الولدان" بكسر فسكون جمع ولد: الصبيان، والجملة حال من ضمير "أصبح". والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي الدرداء - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -19/ 1215 - وفي "الكبرى" -54/ 1138 - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عنه. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) 2/ 72 - عن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب به.
وأخرجه (ابن خزيمة) رقم 891. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله -تَعَالَى-، وهو جواز لعن إبليس، والتعوذ منه في الصلاة.
ومنها: ما قاله الخطابي رحمه الله -تَعَالَى-: فيه دليل على أن رؤية الجن غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم، وإن لطف، فَدَرْكه غير ممتنع أصلًا، وأما
(1)
"شرح السندي" ج 3 ص 586.
قوله -تَعَالَى-: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: آية: 27]، فإن ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله بذلك، وابتلاهم، ليفزعوا إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبون الأمان من غائلتهم، ولا يُنكَر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفَين من عباده بخلاف ذلك.
وقال الكرماني رحمه الله -تعَالَى-: لا حاجة إلى هذا التأويل، إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، إذ المستفاد منها أن رؤيته إيانا مقيدة من هذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا قط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت.
ومنها: أنه يدل على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم الناري، لأنه صلى الله عليه وسلم قال:"إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعهله في وجهي". ولو كانوا باقين على عنصرهم الناري، وأنهم نار محرقة لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان بشعلة من نار، ولكانت يده، أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما تحرق النار الحقيقية الآدمي بمجرد اللمس، فدلّ على أن تلك النارية انغمرت في سائر العناصر حتى صار إلى البرد، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"حتى وجدت برد لسانه على يدي"، وفي رواية "برد لعابه".
ومنها: ما قيل: إن أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام كانوا يرون الجن، وهو من دلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إياهم لم تكن تقوم الحجة له لمكانته عليهم.
ومنها: ما قاله ابن بطال رحمه الله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي تقدم: إن رؤيته صلى الله عليه وسلم للعفريت هو مما خص به، كما خص برؤية الملائكة، وقد أخبر أن جبريل عليه السلام له ستمائة جناح، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم الشيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسمه، لأن الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنه ألقي في رُوعه ما وُهب سليمانُ عليه السلام، فلم ينفذ ما قوي عليه من حبسه، رغبةً عما أراد سليمانُ الانفراد به، وحرصا على إجابة الله -تَعَالَى- دعوته، وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم من الناس فلا يُمَكَّنُ منه، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره صلى الله عليه وسلم، لقوله -تَعَالَى-:{إِنَّهُ يَرَاكُمْ} الآية. لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة حية، فقتله، فمات الرجل به، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله:"إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوامّ شيئًا، فآذنوه ثلاثا، فإن بدا لكم فاقتلوه". رواه الترمذي، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" من حديث أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-.
ومنها: مشروعية ربط من يُخشى هروبه بحق، أو دين، والتوثيق منه، لئلا يضيّع حقوق المسلمين.
ومنها: إباحة ربط الأسير في المسجد، لأن إرادته صلى الله عليه وسلم ربطه يشمل المسجد وغيره، بل جاء التصريح في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن الشيخين، ولفظه:"فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد". . . ولهذا بوّب البخاري بقوله: "باب الأسير والغريم يُربَط في المسجد". والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[خاتمة]: أسأل الله -تَعَالَى- حسنها- في بحث نفيس يتعلق بالجن أختم بها هذا الباب.
كتب الحافظ رحمه الله -تَعَالَى- في شرحه الحافل الكافل "فتح الباري" عند قول الإمام البخاري رحمه الله -تَعَالَى-[باب ذكر الجن، وثوابهم وعقابهم]: ما نصه: أشار بهذه الترجمة إلى إثبات وجود الجن، وإلى كونهم مكلفين.
فأما إثبات وجودهم، فقد نقل إمام الحرمين في "الشامل" عن كثير من الفلاسفة والزنادقة والقدرية أنهم أنكروا وجودهم رأسًا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المتشرعين، إنما العجب من المتشرعين، مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة، قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، قال: وأكثر ما استروح إليه من نفاهم حضورهم عند الإنس بحيث لا يرونهم، ولو شاءوا لأبدوا أنفسهم، قال: وإنما يستبعد ذلك من لم يُحط علما بعجائب المقدورات.
وقال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم، وينفونه الآن، ومنهم من يثبتهم، وينفي تسلطهم على الإنس. وقال عبد الجبار المعتزلي: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل، إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة، لأن الشيء لا يدلّ على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق، ولو كان إثباتهم باضطرار لما وقع الاختلاف فيه، إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتدين بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده.
واختلف في صفتهم، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: قال بعض المعتزلة: الجن أجسام رقيقة بسيطة، قال: وهذا عندنا غير ممتنع إن ثبت به سمع. وقال أبو يعلى بن الفرّاء: الجن أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة، وأن تكون كثيفة، خلافًا للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها، وهو مردود، فإن الرقة ليست بمانعة عن الرؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكا.
وروى البيهقي في "مناقب الشافعي" بإسناد صحيح عن الربيع، سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبيا. انتهى.
وهذا محمول على من يَدَّعي رؤيتهم على صورتهم التي خلقوا عليها، وأما من ادّعى أنه يرى شيئًا منهم بعد أن يتطور على صور شتى من الحيوان، فلا يقدح فيه.
وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور. واختلف أهل الكلام في ذلك، فقيل: هو تخييل، فقط، ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية. وقيل: بل ينتقلون، لكن لا باقتدارهم على ذلك، بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر، وهذا قد يرجع إلى الأَوَّلِ، وفيه أثر عن عمر رضي الله عنه، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. "إن الغيلان ذُكرُوا عند عمر، فقال: إن أحدًا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذّنوا".
وإذا ثبت وجودهم فقد اختلف في أصلهم، فقيل: إن أصلهم من ولد إبليس، فمن كان منهم كافرًا سمي شيطانًا، وقيل: إن الشياطين خاصة أولاد إبليس، ومن عداهم ليسوا من ولده، وحديث ابن عباس
(1)
يقوي أنهم نوع واحد من أصل واحد، واختلف صنفه، فمن كان كافرًا سمي شيطانًا، وإلا قيل له جنيّ.
وأما كونهم مكلفين، فقال ابن عبد البرّ: الجن عند الجماعة مكلفون. وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكَى زرقان عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين، قال: والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين، والتحذير من شرهم، وما أعدّ لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر، وارتكب النهي مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدّالّة على ذلك كثيرة جدا.
وإذا تقرر كونهم مكلفين، فقد اختلفوا هل كان فيهم نبي منهم، أم لا؟ فروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، قال: ومن قال بقول الضحّاك احتج بأن الله -تَعَالَى- أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز عكسه، وهو فاسد. انتهى.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قبل الله إليهم، ورسل الجن بثهم الله في الأرض، فسمعوا كلام الرسل من الإنس، وبلغوا قومهم، ولهذا قال قائلهم:{إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} الآية [الأحقاف: آية:30].
واحتج ابن حزم بأنه صلى الله عليه وسلم قال: "وكان النبي يبعث إلى قومه"، قال: وليس الجن من
(1)
يريد حديث الطويل عند الشيخين وغيرهما "انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل، بين الشياطين وبين خبر السماء. . ." الحديث ذكره البخاري في "تفسير سورة الجن".
قوم الإنس، فثبت أنه كان منهم أنبياء إليهم، قال: ولم يُبعث إلى الجن من الإنس نبي إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، لعموم بعثته إلى الجن والإنس باتفاق. انتهى.
وقال ابن عبد البرّ: لا يختلفون أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس والجن، وهذا مما فُضِّل به على الأنبياء، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله -تَعَالى-:{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر: الآية: 34] الآية. قال: هو رسول الجنّ.
وقال إمام الحرمين في "الإرشاد" في أثناء الكلام مع العيسوية: وقد علمنا ضرورة أنه صلى الله عليه وسلم ادعى كونه مبعوثًا إلى الثقلين. وقال ابن تيمية: اتفق على ذلك علماء السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين.
قال الحافظ: وثبت التصريح بذلك في حديث "وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الإنس والجن". فيما أخرجه البزار بلفظ: وعن ابن الكلبي "كان النبي يبعث إلى الإنس فقط، وبعث محمد إلى الإنس والجن".
وإذا تقرر كونهم مكلفين، فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام، وأما ما عداه من الفروع، فاختلف فيه، لما ثبت من النهي عن الروث والعظم، وأنهما زاد الجن" وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: فقلت: ما بال الروث والعظم؟ "هما طعام الجن". . . الحديث. فدل على جواز تناولهم للروث، وذلك حرام على الإنس، وكذلك روى أحمد والحاكم من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال:"خرج رجل من خيبر، فتبعه رجلان، وآخر يتلوهما، يقول: ارجعا حتى ردهما، ثم لحقه، فقال له: إن هذين شيطانان، فإذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقرأ عليه السلام، وأخبره أنا في جمع صدقاتنا، ولو كانت تصلح له لبعثنا بها إليه، فلما قدم الرجل المدين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فنهى عن الخلوة -أي السفر- منفردًا".
واختلف أيضا، هل يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، أم لا؟
فقيل: بالنفي، وقيل: بمقابله، ثم اختلفوا، فقيل: أكلهم وشربهم تشمم، واسترواح، لا مضغ ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود من حديث أمية بن مخشيّ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا، ورجل يأكل، ولم يسمّ، ثم سمى في آخره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما زال الشيطان يأكل معه، فلما سَمَّى استقاء ما في بطنه".
وروى مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يأكلنّ أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله".
وروى ابن عبد البرّ عن وهب بن منبه: أن الجن أصناف، فخالصهم ريح، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك، ومنهم السعالى
والغول والقطرب، وهذا إن ثبت كان جامعًا للقولين الأولين، ويؤيده ما روى ابن حبان والحاكم من حديث أبي ثعلبة الخُشَنيّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجن ثلاثة أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلون، ويظعنون".
وروى ابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث:"وصنف عليهم الحساب والعقاب".
وروى ابن أبي الدنيا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر أحد ثقات الشاميين من صغار التابعين، قال: ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من الجن، وإذا وضع الغداء نزلوا فتغدوا معهم، والعَشَاء كذلك.
واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله -تَعَالَى-: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن، الآية: 56] وبقوله: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} [الكهف، الآية 50] والدلالة من ذلك ظاهرة.
واعتلّ من أنكر ذلك بأن الله -تَعَالَى- أخبر أن الجانّ خلق من نار، وفي النار من اليبوسة والخفة ما يمنع التوالد.
والجواب أن أصلهم من النار كما أن أصل الآدمي من التراب، وكما أن الآدمي ليس طينًا حقيقة كذلك الجني ليس نارا حقيقة.
وقد وقع في "الصحيح" في قصة تعرض الشيطان للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فأخذته، فخنقته حتى وجدت برد ريقه على يدي".
وبهذه يندفع إيراد من استشكل قوله -تَعَالَى-: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات، الآية: 10]، فقال: كيف تحرق النار النار؟.
وأما قول البخاري: "وثوابهم وعقابهم". فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختلف هل يثابون؟ فروى الطبري، وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفًا، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال الله لمؤمن الجن، وسائر الأمم -أي من غير الإنس-: كونوا ترابا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا.
ورُوي عن أبي حنيفة نحو هذا القول.
وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة، والأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم.
ثم اختلفوا، هل يدخلون مدخل الإنس؟ على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول الأكثرين.
وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك، وطائفة. وثالثها: إنهم أصحاب الأعراف.
ورابعها: التوقف عن الجواب في هذا.
وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي يوسف، قال: قال ابن أبي ليلى في هذا: لهم ثواب قال: فوجدنا مصداق ذلك في كتاب الله -تَعَالَى- {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام، الآية: 132].
قال الحافظ: وإلى هذا أشار البخاري بقوله قبلها. {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام، الآية: 130]، فإن قوله:{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} يلي الآية التي بعد هذه الآية.
واستدلّ بهذه الآية أيضًا ابن عبد الحكم. واستدل ابن وهب بمثل ذلك بقوله -تَعَالَى-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الأحقاف، الآية: 18] الآية. فإن الآية بعدها أيضًا: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} .
وروى أبو الشيخ في تفسيره عن مغيث بن سُميّ أحد التابعين، قال: ما من شيء إلا وهو بسمع زفير جهنم، إلا الثقلين الذين عليهم الحساب والعقاب.
ونقل عن مالك أنه استدلّ على أن عليهم العقاب، ولهم الثواب بقوله -تَعالَى-:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن، الآيتان 46، 47]، ثم قال:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، والخطاب للإنس والجن.
فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين، والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب. واللَّه -تَعَالَى- أعلم. انتهى ما كتبه الحافظ رحمه الله -تَعَالَى- بتصرف يسير وهو بحث نفيس جدّا
(1)
. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
(1)
راجع "فتح الباري" ج 6 ص 497 - 500.
20 - (الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم الكلام في حال الصلاة.
1216 -
(أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الصَّلَاةِ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ: "لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا"، يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ عز وجل).
رجال هذا الإسناد ستة:
1 -
(كثير بن عُبَيد) بن نُمَير المَذْحجي، أبو الحسن الحمصي الحذَّاء المقرئ، ثقة [10] تقدم 5/ 486.
2 -
(محمد بن حَرْب) الخَوْلاني الحمصي الأبْرَش، ثقة (9) تقدم 122/ 172.
3 -
(الزُّبَيدي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهُذَيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت من كبار أصحاب الزهري (7) تقدم 45/ 56.
4 -
(الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الشهير [4] تقدم 1/ 1.
5 -
(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة ثبت فقيه [3] تقدم 1/ 1.
6 -
(أبو هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - تقدم 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وأحد المكثرين السبعة. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن أبا هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قال: قام رسول اللَه صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي) -بفتح الهمزة-: واحدُ أعراب -بالفتح أيضا- وهم أهل البدو من العرب، وهم أصحاب ارتياد الكلإ، سواء كانوا من العرب، أو من مواليهم، فَمَنُ نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بظَعْنهم، فهم أعراب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن الْمُدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فُصَحاء. أفاده في "المصباح".
واسم الأعرابي المذكور قيل: ذو الخويصرة، وقيل الأقرع بن حابس، وقيل: عيينة ابن حصن.
(وهو في الصلاة) جملة حالية من "أعرابي"(اللَّهم ارحمني) في محل نصب مقول القول.
قال السندي: ليس هذا من كلام الناس، نعم هو دعاء بما لا يليق، فكأنه لهذا ذكره ههنا. انتهى (ومحمدا) عطف على الضمير المنصوب، أي وارحم محمدا (ولا ترحم معنا أحدا) أي لا تشرك في رحمتك لي وله أحدا غيرنا.
وفي رواية لأحمد- ج-2 ص 503 - بإسناد صحيح عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: دخل الأعرابي المسجد، فقال: اللَّهُمَّ اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:"لقد احتظرتَ واسعا"، ثم وَلَّى حتى إذا كان في ناحية المسجد، فَشَجَ يبول، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"إنما بُني هذا البيتُ لذكر الله، والصلاة، وإنه لا يُبَالُ فيه"، ثم دعا بسَجْل من ماء، فأفرغه عليه، قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: فقام النبي صلى الله عليه وسلم إليّ، بأبي هو وأمي، فلم يسُبَّ، ولم يُؤنّب، ولم يضرب.
وفي رواية لابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع قال: اللَّهُمَّ ارحمني ومحمدا، ولا تشرك في رحمتك معنا أحدا.
وقوله: "فشَجَ"، يقال: فَشَجَ يفشج من باب ضرب: إذا فرّج بين رجليه ليبول.
وقوله: "احتظرتَ": -بحاء مهملة وظاء معجمة-: أي اتخذت حَظيرة لرحمة الله الواسعة، والحَظيرة اسم لما يُحْظَر به على الغنم وغيرها من الشجر، ليمنعها، ويحفظها.
والمراد أنه جعل الرحمة الواسعة محجوزة فيه وفي محمد صلى الله عليه وسلم، مع أنها وسعت كل شيء.
(فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي) رواية المصنف هذه كرواية البخاري تقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس، وقال ذلك الأعرابي ما قاله، وهو يصلي معه.
ولكن يخالف هذا ما يأتي للمصنف في الرواية التالية، وكذا ما في رواية أبي داود، ولفظه: أن أعرابيا دخل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فصلى ركعتين، ثم قال: اللَّهُمَّ ارحمني ومحمدا .. الحديث.
فإنه ظاهر في كون الأعرابي صلى لنفسه، ودعاء، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس.
ويمكن أن يجمع بينهما بحمل الواقعة على التعدد، والله -تَعَالَى- أعلم.
(لقد تحجرت واسعا) أي ضيّقت شيئا واسعا، وقال السندي: أي قصدت أن تضيق ما
وسعه الله رحمته، أو اعتقدته ضيقا، لأن هذا الكلام نشأ من ذلك الاعتقاد. انتهى.
وأصل الحَجْر: المنع، ومنه الحَجْر على السفيه، وهو منعه من التصرف في ماله، وقبضُ يديه عنه. وذكره بصيغة التفَعُّل إشارة إلى أنه قد تكلف في تضييق ما وسعه الله -تَعَالى-، وعَمَّ كلَّ شيء، فقال -تَعَالى-:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فقصره عليه وعلى محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية البخاري: "لقد حجّرت واسعا". قال في "الفتح": "حجّرت" -بمهملة، ثم جيم ثقيلة، ثم راء-: أي ضيقت وزنا ومعنى، ورحمة الله واسعة، كما قال -تَعَالَى-. واتفقت الروايات على أن "حجّرت" بالراء، لكن نقل ابن التين أنها في رواية أبي ذرّ بالزاي، قال: وهما بمعنى.
قال ابن بطال: أنكر صلى الله عليه وسلم على الأعرابي لكونه بخل برحمة الله على خلقه، وقد أثنى الله -تَعَالَى- على من فعل خلاف ذلك، حيث قال:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10]. انتهى
(1)
.
وزاد في رواية أبي داود من طريق ابن عيينة عن الزهري بعد قوله: "لقد تحجّرت واسعًا": ما لفظه: ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:"إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، صُبُّوا عليه سَجْلًا من ماء"، أو قال:"ذَنُوبا من ماء".
وتقدم للمصنف 45/ 56 - من طريق الأوزاعي، عن محمد بن الوليد بقصة البول فقط.
وتقدم له من حديث أنس رضي الله عنه 45/ 53 و 45/ 54 و 45/ 55 بقصة البول أيضا. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -20/ 1216 - وفي "الكبرى" -55/ 1139 - عن كثير بن عُبَيد، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنه. وفي 20/ 1217 - و"الكبرى" -55/ 1140 - عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن ابن
(1)
"فتح" ج 12 ص 51.
عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه. وفي -45/ 56 - و-2/ 330 - و"الكبرى" -38/ 54 - عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد اللَّه بن عتبة، عنه. واللَّه -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) 1/ 65 و 8/ 11 عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة به. و 8/ 37 عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله به.
(د) 380 - عن أحمد بن عمرو بن السرح، وابن عبدة في آخرين، كلهم عن سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب به. و 882 عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة به.
(ت) 147 - عن ابن أبي عمر، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي كلاهما عن ابن عيينة به.
وأخرجه (الحميدي) 938 - (وأحمد) 2/ 282 و 283 و 2/ 239 و 2/ 503 (وابن خزيمة) رقم 297 و 298 و 864. واللَّه -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف، وهو بيان حكم الكلام في الصلاة، وهو عدم بطلانها، إذا كان جهلا.
فإن قلت: ما وجه الدلالة على الحكم المذكور من هذا الحديث؟.
قلت: وجهه أنه صلى الله عليه وسلم أنكر على الأعرابي دعاءه المذكور، وهو، وإن كان دعاء، إلا أنه لا يليق بالصلاة، حيث إنه دعاء غير مشروع، فأشبه كلام الناس الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. ."، كما سيأتي في الحديث الثالث. ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالإعادة، كما أمر المسيء صلاته بالإعادة، حيث قال له:"صل، فإنك لم تصل"، فدلّ على أن الكلام لا يبطل الصلاة إذا كان عن جهل، أو نسيان. والله -تَعَالَى- أعلم.
ومنها: ما كان عليه الأعراب من الْجَفَاء عن معرفة أحكام الشرع، كما أخبر الله -تَعَالَى- عنهم بقوله:{الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} الآية [التوبة: 97].
ومنها: أن مثل هذا الدعاء غير مشروع، فلا يجوز لأحد أن يقول: اللَّهُمَّ ارحمني، ولا
ترحم معي أحدا، فإنه تضييق لرحمة الله الواسعة التي قال الله -تَعَالَى- فيها:{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} الآية [الأعراف: 156].
بل يقول: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]، {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 28]، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
واللَّه سبحانه وتعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1217 -
(أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَحْفَظُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري) البصري، صدوق، من صغار [10] تقدم 42/ 48.
2 -
(سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المشهور [8] تقدم 1/ 1.
3 -
(سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة الثبت من كبار [3] تقدم 9/ 9.
والباقيان تقدما في السند الماضي، والحديث صحيح وقد سبق في الحديث الماضي شرحه، وبيان متعلقاته من المسائل.
وقوله: "قال: أحفظه من الزهري"، أي قال ابن عيينة: أحفظ هذا الحديث من الزهري، عن سعيد بن المسيب، وقد تابعه فيه سفيان بن حسين، إلا أنه ضعيف في الزهري.
وإنما قال سفيان ذلك لأن غيره من أصحاب الزهري، يخالفونه فيه فقدرووه عن الزهري عن غير سعيد.
فقد رواه معمر، ويونس، وشعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد، أربعتهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود- وعن الزهري، عن أبي سلمة- كلاهما عن أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وقد تقدم تفاصيل ذلك في المسألة الثانية، والثالثة من الحديث الذي قبل هذا.
ولكن المخالفة في مثل هذا لا تضرّ، لأن سفيان حافظ ثبت، فيحمل على أن الزهري رواه عن سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1218 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، فَجَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ رِجَالاً مِنَّا يَتَطَيَّرُونَ؟، قَالَ:"ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ"، وَرِجَالٌ مِنَّا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟، قَالَ:"فَلَا تَأْتُوهُمْ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرِجَالٌ مِنَّا يَخُطُّونَ؟، قَالَ:"كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ فَذَاكَ". قَالَ: وَبَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّلَاةِ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، قَالَ: فَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسَكِّتُونِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَانِي، بِأَبِي وَأُمِّي هُوَ مَا ضَرَبَنِي، وَلَا كَهَرَنِي، وَلَا سَبَّنِي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، قَالَ:"إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ".
قَالَ: ثُمَّ اطَّلَعْتُ إِلَى غُنَيْمَةٍ لِي، تَرْعَاهَا جَارِيَةٌ لِي فِي قِبَلِ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، وَإِنِّي اطَّلَعْتُ فَوَجَدْتُ الذِّئْبَ قَدْ ذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أَعْتِقُهَا؟ قَالَ:"ادْعُهَا"، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" أَيْنَ اللَّهُ عز وجل؟، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: "فَمَنْ أَنَا"، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، فَأعْتِقْهَا".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الكَوْسَج، أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت [11] تقدم 72/ 88.
2 -
(محمد بن يوسف) بن واقد بن عثمان الضَّبّيّ مولاهم الفرياني، نزيل قَيْسَارية من الشام، ثقة فاضل، يقال: أخطأ في حديث سفيان، وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق [9] ت (212) تقدم 14/ 418.
3 -
(الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة نبيل فقيه [7] ت (157) تقدم 45/ 56.
4 -
(يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلّس ويرسل [5] ت (132) تقدم 23/ 24.
5 -
(هلال بن أبي ميمونة) هو هلال بن علي بن أسامة، ويقال: هلال بن أبي هلال، العامري المدني، وينسب إلى جدّه، فيقال: هلال ابن أسامة، ثقة [5] تقدم 51/ 65.
6 -
(عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [3] ت (94) وقيل: بعد ذلك، تقدم 64/ 80.
7 -
(معاوية بن الحَكَم السُّلَمي) الصحابي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه ابنه كثير، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. قال أبو عمر بن عبد البرّ: كان ينزل المدينة، ويسكن في بنى سُلَيم، له عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في الكهانة، والطيرة، والخط، وتشميت العاطس، وعتق الجارية، أحسنُ الناس له سياقةً يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار عنه، ومنهم من يقطّعه، فيجعله أحاديث.
قال الحافظ رحمه الله: وله حديث آخر من طريق ابنه كثير بن معاوية عنه. انتهى. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه فما أخرج له أبو داود، وإلا الصحابي، فما أخرج له الترمذي، وابن ماجه، وأخرج له البخاري في "جزء القراءة"، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، يحيى، وهلال، وعطاء، وفيه أن صحابيه رضي الله عنه من المقلين ليس له إلا حديث الباب، وحديث آخر على ما تقدم عن الحافظ رحمه الله والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن معاوية بن الحكم السُّلَمي) بضم السين، وفتح اللام: نسبة إلى بني سُلَيم (قال: قلت: يا رسول الله أنا) وقع في النسخ المخطوطة "إنّا" بكسر همزة "إنّ" وإدغام نونها في نون "نا" ضمير جماعة المتكلم، وهو خطأ؛ لأنه لا يطابق الخبر، وهو قوله:"حديث عهد" بالإفراد، فالصواب كونه بصيغة "أنا" بفتح الهمزة ضميرا للمتكلم المفرد.
ولفظ مسلم "إني حديث عهد"، ولفظ أبي داود:"إنا قوم حديثو عهد بجاهلية" وكلاهما واضحان.
فقوله: "أنا" مبتدأ، خبره قوله (حديثُ عهد بجاهلية) ذكر المجد في "ق" من معاني "العهد": المعرفة، والزمان. فالمعنى هنا: قريب الوقت من الأمور الجاهلية، أو قريب المعرفة بها. وقال الفيومي: هو قريب العهد بكذا: أي قريب العلم والحال: انتهى.
و"الجاهلية": قال النووي رحمه الله: قال العلماء: الجاهلية ما قبل ورود الشرع، سموا جاهلية لكثرة جهالاتهم وفُحْشهم. انتهى
(1)
.
والمراد أنه أسلم قريبا، ولم يعرف أحكام الدين.
(1)
"شرح صحيح مسلم" ج 5 ص 22.
(فجاء الله بالإسلام) قال السندي رحمه الله: عطف على مقدر، أي كنا فيها، فجاء الله، انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا التقدير، فإن الكلام مستقيم، لا يحتاج إلى تقدير شيء. والله -تَعَالى- أعلم.
وإنما ذكر معاوية بن الحكم رضي الله عنه هذا تمهيدا لأسئلته التالية (وإن رجالا منا يتطيّرون) أي يتشاءمون بالطيور، يقال: تطيّر من الشيء، واطّيّر منه، والاسم الطِّيَرَة، وزان عنبة، وهي التشاؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضي لمهمّ مرّت بمَجَاثم الطير، وأثارتها، لتستفيد هل تمضي، أو ترجع، فنهى الشرع عن ذلك. قاله في "المصباح".
وقال في "النهاية": "الطِّيَرَة" -بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تسكن-: التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير، يقال: تَطَيَّرَ طِيَرَةً، وتخيّر خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما.
وأصل التطيّر: التفاؤل بالطير، واستعمل لكلّ ما يُتَفاءل به، ويُتَشاءم، وكانت العرب تتطير بالطيور والظباء، فيستبشرون بالسَّوَانح، وهي أن يَمُرّ الطير والصيد من اليسار إلى اليمين، ويتشاءمون بالبَوَارح، وهي مرور الطير والصيد من اليمين إلى اليسار، وكانت ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، ويمنعهم من السير إلى مطالبهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، أو دفع ضرر. انتهى بتصرف
(1)
.
(قال) النبي صلى الله عليه وسلم جوابًا على سؤاله هذا (ذاك) إشارة إلى التَّطَيُّر المفهوم من "يتطير"(شيء يجدونه في صدورهم) أي ليس له أصل يُسْتَنَدُ إليه، ولا له برهان يُعْتَمَدُ عليه، ولا هو في كتاب نازل من عند الله -تَعَالَى-. وقيل: معناه أنه معفوّ، لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نعم المشي على وفقه منهي عنه، فلذا قال (فلا يصدّنّهم) أي لا يمنعنّهم عما هم فيه. قال السندي رحمه الله: ولا يخفى أن التفريع على هذا المعنى يكون بعيدا. انتهى.
وقال النووي رحمه الله: قال العلماء: معناه أن التطير شيء تجدونه في نفوسكم، ضرورةً، ولا عَتْبَ عليكم في ذلك، فإنه غير مكتسب لكم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه عن التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون عليه، وهو مكتسب لكم، فيقع به التكليف، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن العمل بالطِّيَرَة، والامتناع عن تصرفاتهم بسببها. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير، وهو محمول على العمل بها،
(1)
"النهاية في غريب الحديث" ج 3 ص 152.
لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم. انتهى
(1)
.
(ورجال منا) مبتدأ سوغه التفصيل، أو الوصف بالجار والمجرور، وخبره جملة قوله (يأتون الكهان) -بضم الكاف، وتشديد الهاء- جمع كاهن. يقال: كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ، كَهَانَةً بالفتح، وتكهّن تكهُّنًا: قَضَى له بالغيب، فهو كاهن، جمعه كَهَنَة، وكُهّان، ككافر وكَفَرَة، وكُفَّار، وحرفته: الكهانة بالكسر. أفاده في "ق".
قال الخطابي رحمه الله: كان في العرب كَهَنَة يدّعون كثيرا من الأمور، فمنهم من يزعم أن له رَئيًا من الجن، يُلقي إليه الإخبار. ومنهم من يدّعي استدراك ذلك بفهم أعطيه. ومنهم من يُسَمَّى عرّافا، وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات أسباب، يستدلّ بها لِمَعْرِفَةِ من سرق الشيء الفلانيّ، ومعرفة من يتهم بالمرأة، ونحو ذلك، ومنهم من يُسَمِّي المنجم كاهنا. قال: والحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم، والرجوع إلى قولهم، وتصديقهم فيما يدّعونه. انتهى.
(قال) صلى الله عليه وسلم (فلا تأتوهم) فيه النهي عن إتيان الكهان، والنهي فيه للتحريم.
قال النووي رحمه الله: قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكُهّان لأنهم قد يتكلمون في مغيبات، قد يُصادف بعضُها الإصابةَ، فَيُخاف الفتنةُ على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يُلبسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهَّانِ، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَون من الحُلْوَان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم أبو محمد البغوي رحمهم الله -تَعَالَى-: قال البغوي: اتفق أهل العلم على تحريم حُلْوان الكاهن، وهو ما أخذه المتكهن على كهانته، لأن فعل الكهانة باطل لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
وقال الماوردي رحمه الله -تَعَالَى- في "الأحكام السلطانية": ويَمْنَعُ المحتسبُ الناسَ من التكسب بالكهانة واللَّهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي.
وقال الخطابي رحمه الله -تَعَالَى-: حُلْوَان الكاهن ما يأخذه المتكهن على كهانته، وهو محرم، وفعله باطل، قال: وحُلْوَان العَرَّاف حرام أيضا.
قال: والفرق بين العرّاف والكاهن أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدّعى الأسرار، والعَرّاف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالّة، ونحوهما. انتهى
(2)
.
(قال) معاوية بن الحكم رضي الله عنه (يا رسول الله ورجال منّا يخُطُّون) أي يستعملون خطّا
(1)
"شرح مسلم" ج 5 ص 22 - 23.
(2)
راجع "شرح مسلم" للنووي رحمه الله ج 5 ص 23.
معروفا عندهم يدّعون به التوصل إلى معرفة النجاح والخيبة في قضاء الحاجة.
قال ابن منظور رحمه الله: والخط الكتابة ونحوُها مما يُخَطّ، وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه قال في الطَّرْق: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الخطّ الذي يخطُّه الحازي -يعني الكاهن- وهو علم قديم تركه الناس، قال. يأتي صاحبُ الحاجة إلى الحازي، فيعطيه حُلْوَانا، فيقول له: اقعُد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة، فيخط الأستاذ خطوطّا كثيرة بالعَجَلة؛ لئلا يَلْحَقها العَدَدُ، ثم يرجع، فيمحو منها على مَهَل خطين خطين، فإن بقي من الخطوط خطان فهما علامة قضاء الحاجة والنُّجْح، قال: والحازي يمحو، وغلامه يقول للتفاؤل: ابنَيْ عيان، أسْرعا البيان، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فإذا محا الحازي الخطوط، فبقي منها خط واحد، فهي علامة الخيبة في قضاء الحاجة.
قال: وكانت العرب تسمي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي الأسْحَمَ، وكان هذا الْخَطُّ عندهم مشؤومًا.
وقال الحربي: الخط هو أن يخط ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهنّ بشَعير، أو نَوّى، ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة.
وقال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن، ولهم فيه أوضاع، واصطلاح، وأسَام، ويستخرجون به الضمير وغيره، وكثيرا ما يصيبون. انتهى كلام ابن منظور
(1)
.
(قال) صلى الله عليه وسلم (كان نبي من الأنبياء) قيل: المراد به إدريس، وقيل: دانيال (يخط) أي يستعمل الخط معجزةً له (فمن وافق خطه) يحتمل الرفع، والمفعول محذوف، والنصبّ والفاعل الضمير المستتر في "وافق" على حذف مضاف، أي من وافق من الناس خطُّه خط ذلك النبي (فذاك) مبتدأ حذف خبره، واختلف في تقديره، فقيل: فذاك مباح، وقيل: فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول: والجملة جواب الشرط.
وقال في "المنهل". قوله: "فذاك"، أي فهو مصيب وعالم بمثل ذلك النبي، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، وامتنعت الموافقة لأن خطه كان معجزةً، ولأنه كان يعرف بالفراسة بواسطة تلك الخطوط، فلا يُلْحَقُ به أحدٌ من غير الأنبياء في صفة ذلك الخط لقوة فراسته، وكما علمه وورعه.
وقال النووي رحمه الله: اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق خطَّه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود
(1)
"لسان العرب" ج 2 ص 1198.
أنه حرام، لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها.
وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن وافق خطه فذاك"، ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخطّ، فحافظ النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا.
فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها.
وقال القاضي عياض رحمه الله: المختار أن معناه أن من وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول، لا أنه أباح ذلك لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا منسوخ في شرعنا.
فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن
(1)
.
وقال الخطابي رحمه الله في "المعالم" ج-2 ص 437: وقوله: "فمن وافق خطه فذاك" يشبه أن يكون أراد به الزجر عنه، وترك التعاطي له، إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي، لأن خطه كان علمًا لنبوته، وقد انقطعت نبوته، فذهبت معالمها. انتهى.
وقال في "المنهل" بعد نقل كلام الخطابي المذكور: ما نصه: ولذا قال المحرّمون لعلم الرمل، وهم أكثر العلماء: لا يُستَدَلُّ بهذا الحديث على إباحته، لأنه علق الإذن فيه على موافقة خط ذلك النبي، وموافقته غير معلومة، إذ لا تُعْلَمُ إلا من تواتر، أو نص منه صلى الله عليه وسلم، أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت لذلك النبي، ولم يوجد ذلك، فاتضح تحريمه. انتهى
(2)
.
(قال) معاوية رضي الله عنه (وبينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذ عطس) من بابي ضرب، ونصر (رجل من القوم) بالرفع على الفاعلية (فقلت: يرحمك الله) إنما قال له ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أمره به، ففي رواية أبي داود: قال: "لما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عُلِّمت أمورًا من أمور الإسلام، فكان فيما عُلِّمت أن قيل لي: إذا عطس العاطس، فحمد الله، فقل: يرحمك الله، قال: فبينما أنا قائم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، إذ عَطَسَ رجل، فحمد الله، فقلت: يرحمك الله، رافعًا بها صوتي .. " الحديث.
(فحدّقني القوم بأبصارهم) من التحديق، وهو شدة النظر، يقال: حدّق إليه بالنظر تحديقًا: شدد النظر إليه.
(1)
"المنهل العذب المورود" ج-6 ص 32 - 33.
(2)
"المنهل العذب المورود" ج 6 ص 33.
والمعنى أنهم نظروا إليه نظرة منكرة حيث شَمَّتَ العاطسَ في الصلاة، وهو لا يجوز.
(فقلت: واثكل أمياه)"وا" نُدْبة ونداء، والنُّدْبَةُ: نداء المتفَجَّع عليه، نحو وازيداهْ، أو المتوجع منه، نحو وا ظهراهْ.
و"الثكل" بضم المثلّثة، وسكون الكاف، وبفتحهما، لغتان، كالبُخْل، والبَخَل، حكاهما الجوهري، وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها، يقال: ثكلته أمه -بكسر الكاف- من باب تعب: فقدته، وأثكله الله -تَعَالَى- أمَّهُ، وامرأة ثَكْلَى، وثاكل.
و"ثكل" مناد مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة.
و"أمياه" -بضم الهمزة، وتشديد الميم- أصله أُمِّي، وهو مضاف إليه "ثُكْل"، ومضاف إلى ياء المتكلم المفتوحة، وزيدت الألف لمد الصوت، وأُردفَ بهاء السكت الساكنة، الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل.
فكأنه قال: وافُقْدان أمي وَلَدَهَا -يعني نفسه-، وذلك لعلمه أنه فعل في الصلاة فعلا منافيًا لها.
(ما لكم تنظرون إليّ)"ما" استفهامية، أي أيُّ شيء ثبت لكم في نظركم إلي. وفي رواية مسلم، وأبي داود "ما شأنكم تنظورن إلي؟ ".
(قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم) وفي رواية مسلم، وأبي داود:"فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم". وإنما فعلوا ذلك زيادة في الإنكار حتى يسكتَ.
قال القرطبي رحمه الله: يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التصفيق، والأمر بالتسبيح. ويحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيق المنهيّ عنه إنما هو ضرب الكفّ على الكفّ، أو الأصابع على الكفّ، ويبعد أن يسمى مَنْ ضَرَب على فخذه، وعليها ثوبه مصفِّقًا، ولهذا قال:"فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم"، ولو كان يسمَّى تصفيقًا لكان الأقرب في اللفظ أن يقول. يصفقون، لا غير. انتهى
(1)
.
وقال النووي رحمه الله -تَعَالَى-. وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه لا يبطل الصلاةَ، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. (فلمّا رأيتهم يسكّتوني) من التسكيت، أو الإسكات.
وفي رواية مسلم: "فلمّا رأيتهم يُصمّتونني"(لكني سكت) استدراك على محذوف جواب "لمّا" أي لمّا رأيتهم يسكتوني أردت أن أخاصمهم، لكني سكت عن ذلك.
وقال الشوكاني رحمه الله في "النيل" ج-2 ص 371 - : قال المنذري رحمه الله:
(1)
"المفهم" ج-2 ص 138.
يريد لم أتكلم، لكني سكت، وورود "لكن" هنا مشكل، لأنه لابدّ أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها، نحو ما هذا ساكنًا، لكنه متحرك، أو ضد له، نحو ما هو أبيض، لكنه أسود.
ويحتمل أن يكون التقدير هنا: فلما رأيتهم يسكتوني لم أكلمهم، لكني سكت، فيكون الاستدراك لرفع ما توهم ثبوته، مثل ما زيد شجاعًا، لكنه كريم، لأن الشجاعة
والكرم لا يكادان يفترقان، فالاستدراك من توهم نفي كرمه.
ويحتمل أن تكون "لكن" هنا للتوكيد، نحو: لو جاءني أكرمته، لكنه لم يجئ، فأكدت "لكن" ما أفادته "لو" من الامتناع، وكذا في الحديث أكّدت "لكن" ما أفاده ضربهم من ترك الكلام. انتهى.
(فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي سَلَّمَ من صلاته (دعاني، بأبي وأمي هو) الجارّ والمجرور متعلق بمحذوف خبر لـ"هو" مقامًا عليه، أي هو: مَفْديٌّ بأبي وأمي.
(ما ضربني) تأديبا على ما أسأت في صلاتي بقولي: يرحمك الله (ولا كهرني) من باب منع، قال أبو عبيد: الكَهْر: الانتهار، وقيل: العُبُوس في وجه من يلقاه. انتهى. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} [الضحى: 9].
والمعنى أنه أي لم ينتهوني، ولا أغلظ لي في القول، ولا استقبلني بوجه عَبُوس على ما فعلت من المخالفة في الصلاة.
(ولا سبني) أي لم يُعَيّرني على ما جنيت (ما رأيت معلّما قيله، ولا بعده أحسن) بالنصب مفعول ثان لـ"رأيت"، إن كانت علمية، أو منصوب على الحال، إن كانت بصرية، أي ما علمت، أو ما أبصرت قلبه صلى الله عليه وسلم، ولا بعده مُعَلِّمًا أحسن (تعليما) منصوب على التمييز، أي من حيث التعليم (منه) أي من النبي صلى الله عليه وسلم.
(قال) صلى الله عليه وسلم: (إن صلاتنا هذه) يعني مطلقَ الصلاة، فيشمل الفرائض والنوافل (لا يصلح فيها شيء) وفي رواية "لا يحلّ". و"يصلح" -بضم اللام، وفتحها-، يقال: صلَحَ الشيءُ صُلُوحًا، من باب قَعَدَ، وصَلَاحًا أيضا، وصَلُحَ يصلحُ -بضم اللام فيهما- لغةٌ، وهو خلاف فسد، وصلَحَ يصلَح -بفتحتين- لغةٌ ثالثة. أفاده في "المصباح".
(من كلام الناس) بيان لـ"شيء"، أي ما يجري في مخاطباتهم ومحاوراتهم.
قال الشوكاني رحمه الله: و"كلام الناس" اسم مصدر يراد به تارةً ما يُتكلّم به، على أنه مصدر بمعنى المفعول، وتارةً يراد به التكليم للغير، وهو الخطاب للناس، والظاهر أن المراد به ها هنا الثاني بشهادة السبب. انتهى
(1)
.
(1)
"نيل الأوطار" ج-3 ص 211.
وقال السيوطي رحمه الله في "شرحه" ج-3 ص 17 - : هذا من خصائص هذه الشريعة.
ذكر القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله أن شريعة بني إسرائيل كان يباح فيها الكلام في الصلاة، دون الصوم، فجاءت شريعتنا بعكس ذلك.
وقال ابن بطال رحمه الله: إنما عيب على جُرَيج عدم إجابته لأمه، وهو في الصلاة، لأن الكلام في الصلاة كان مباحًا في شرعهم، وفي شرعنا لا يجوز قطع الصلاة لإجابة الأم، إذ لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. انتهى.
وقال النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة، وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة، وتفسد به، إذا أتى به عالما عامدا.
قال أصحابنا -يعني الشافعية-: إن قال: يرحمه الله، أو اللَّهُمَّ ارحمه، أو رحم الله فلانا لم تبطل صلاته، لأنه ليس بخطاب.
وأما العاطس فيستحب له أن يحمد الله -تَعَالَى- سرّا. هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وغيره، وعن ابن عمر، والنخعي رضي الله عنهم أنه يجهر به، والأول أظهر، لأنه ذكر، والسنة في الأذكار في الصلاة الإسرار، إلا ما استثني، من القراءة في بعضها، ونحوها. انتهى "شرح مسلم"ج -5 ص 21.
(إنما هو التسبيح، والتكبير، وتلاوة القرآن)"هو" ضمير يعود إلى الشيء الذي يصلح في الصلاة، وهو مبتدأ خبره "التسبيح" الخ.
زاد في رواية مسلم، وأبي داود:"أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". وهو شك من معاوية ابن الحكم - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أو من أحد الرواة، أتى بها تحريا، واحتياطا في الألفاظ النبوية. والله -تَعَالَى- أعلم.
قال النووي رحمه الله -تَعَالَى-: في هذا الحديث تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان لحاجة، أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة، أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه، أو إذن لداخل، ونحوه سبّح، إن كان رجلًا، وصفقت إن كانت أمرأة، هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة رحمهم الله، والجمهور من السلف والخلف.
وقالت طائفة، منهم الأوزاعي: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة، لحديث ذي اليدين، وسنوضحه في موضعه، إن شاء الله -تَعَالَى-.
وهذا في كلام العامد العالم، أما الناسي، فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، والجمهور.
وقال أبو حنيفة رحمه الله، والكوفيون: تبطل.
دليلنا حديث ذي اليدين، فإن كثر كلام الناسي، ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا، أصحهما تبطل صلاته، لأنه نادر.
وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام، فهو ككلام الناس، فلا تبطل الصلاة بقليله، لحديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه هذا الذي نحن فيه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة الصلاة، لكن علّمه تحريم الكلام فيما يستقبل.
قال الجامع عفا الله تعَالَى عنه: سيأتي البحث عن حكم الكلام في الصلاة مستوفى في المسألة الخامسة، إن شاء الله -تَعَالَى-.
قال: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، فمعناه هذا ونحوُهُ، فإن التشهد، والدعاء، والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها، فمعناه: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح، وما في معناه من الذكر، والدعاء، وأشباههما، مما ورد به الشرع. انتهى "شرح مسلم" ببعض تصرف ج-5 ص 21.
وقال الشوكاني رحمه الله: قوله: "إنما هو التسبيح الخ" هذا الحصر يدلّ بمفهومه على منع التكلم في الصلاة بغير الثلاثة.
وقد تمسكت به الطائفة القائلة بمنع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن، من الحنفية والهادوية.
ويجاب عنهم بأن الأحاديث المثبتة لأدعية وأذكار مخصوصة في الصلاة مُخَصِّصَةٌ لعموم هذا المفهوم، وبناءُ العامّ على الخاصّ متعين، لا سيما بعد ما تقرّر أن تحريم الكلام كان بمكة
(1)
، كما قدّمنا، وأكثر الأدعية والأذكار في الصلاة كانت بالمدينة، وقد خَصَّصوا هذا المفهوم بالتشهد، فما وجه امتناعهم من التخصيص بغيره، وهذا واضح، لا يلتبس على من له أدنى نظر في العلم، ولكن المتعصب أعمى، وكم من حديث صحيح، وسنة صريحة قد نصبوا هذا المفهوم العامّ في مقابلتها، وجعلوه معارضا لها، وردّوها به، وغفلوا عن بطلان معارضة العامّ بالخاصّ، وعن رُجْحان المنطوق على المفهوم، إن سُلِّمَ التعارُضُ. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله -تَعَالَى
(2)
-، وهو كلام حسن جدًا.
وقال النووي رحمه الله: وفيه دليل على أن من حلف لا يتكلم، فسبح، أو كبر، أو قرأ القرآن لا يحنث، وهذا هو الصحيح في مذهبنا.
قال: وفيه دلالة لِمَذْهَبِ الشافعي رحمه الله -تَعَالَى- والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة، وجزء منها.
(1)
الراجح أن نسخ الكلام كان بالمدينة، لا بمكة، كما سيأتي في الكلام على حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه بعد هذا الحديث، إن شاء الله تَعَالَى.
(2)
"نيل الأوطار" ج-3 ص 211.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ليست منها، بل هي شرط خارج عنها، مُتَقَدِّم عليها. انتهى "شرح مسلم" ج-5 ص 21.
(قال) معاوية بن الحكم رضي الله عنه (ثم اطلعت) -بتشديد الطاء- يقال: طَلَع فلان علينا، كمنع، ونصر: أتانا، كاطَّلَع، قاله في "ق". أي أتيت (إلى غُنَيمةٍ لي) تصغير غَنَم. قال الفيّومي رحمه الله: و"الغَنَمُ": اسم جنس، يطلق على الضأن والمعز، وقد تُجمَع على أغنام، على معنى قُطْعَانَات من الغَنَم، ولا واحد للغنم من لفظها، قاله ابن الأنباري.
وقال الأزهري أيضا الغَنَم: الشاءُ، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح على فلان غَنَمَانِ، أي قَطِيعان من الغنم، كلّ قَطيع منفرد بمرعًى وراع. وقال الجوريَ. الغنم اسم مؤنث موضوع لجنس الشاء، يقع علي الذكور والإناث، وعليهما، ويُصغَّر، فتدخل الهاء، فيقال: غُنَيمة، لأن أسماء الجُمُوع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغِّرَت، فالتأنيث لازم لها. انتهى.
(ترعاها جارية لي) أي تحفظ تلك الغُنَيمَة أمة لي، وسميت الأمةُ جاريةً تشبيها لها بالسفينة الجارية في البحر، لجريها مُسَخَّرَةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشَّابَّةُ لخفتها، ثم توسعوا حتى سمَّوْا كُلَّ أمة جاريهً، وإن كانت عجوزًا، لا تقدر على السعي، تسمية بما كانت عليه، وجمعها جَوَارِي. أفاده في "المصباح".
(في قِبَلِ أُحُدٍ) -بكسر القاف، وفتح الموحدة- أي في جهة أُحُد، وهو -بضمتين- جبل بقرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الشام، وكان به الوَقْعَة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيمنع، وليس بالقويّ. أفاده الفيومي.
(والجَوّانيّة) -بفتح الجيم، وتشديد الواو، وبعد الألف نون مكسورة، ثم ياء مشدودة- قال النووي رحمه الله: هكذا ضبطناه، وكذا ذكر أبو عُبيد البكري، والمحققون، وحكى القاضي عياض عن بعضهم تخفيف الياء والمختار التشديد.
و"الجَوّانيّة": موضع بقرب أُحُد في شمالي المدينة. وأما قول القاضي عياض: إنها من عَمَل الفُرْع، فليس بمقبول، لأن الفُرْع -بضم، فسكون-: بين مكة والمدينة بعيد من المدينة، وأُحُدٌ في شام المدينة
(1)
، وقد قال في الحديث:"في قبل أحد والجَوَّانية"، فكيف يكون عند الفُرْع.
قال: وفيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرَّعْي، وإن كانت تنفرد في
(1)
هكذا نسخة شرح النووي، في "شام" ولعله في "شمالي" كما سبق آنفًا. والله أعلم.
المَرْعَى، وإنما حرّم الشرع مسافرة المرأة وحدها، لأن السفر مظنة الطمع فيها، وانقطاع ناصرها، والذّابّ عنها، وبُعْدها منه، بخلاف الراعية، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها، أو لفساد من يكون في الناحية التي ترعى فيها، أو نحو ذلك لم يسترعها، ولم تمكن الحرّة ولا الأمة من الرعي حينئذ، لأنه يصير في معنى السفر الذي حرّمه الشرع على المرأة، فإن كان معها محرم، أو نحوه ممن تأمن معه على نفسها، فلا يمنع، كما لا يمنع من المسافرة في هذا الحال. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى "شرح مسلم" ج-5/ 23 - 34.
(وإني اطّلعت) -بشديد الطاء- من الاطلاع، يقال: اطّلعت على الشيء، إذا أشرفت عليه، وعلمته. أي أشرفت على تلك الغُنَيمة (فوجدت الذئب) -بكسر، فسكون-: كلب البرّ والجمع أذْؤُب في القليل، وذِئَابٌ وذُؤْبَان، والأنثى ذئبة بالكسر، يْهُمَز، ولا يهمز، وأصله الهمز. أفاده في "اللسان". وفي "المصباح":"الذئب": يهُمز، ولا يهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمع القليل أذؤب، مثل أفْلُس، وجمع الكثير ذئاب، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال: ذياب بالياء لوجود الكسرة. انتهى.
(قد ذهب منها بشاة) وفي رواية مسلم: "فاطّلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها"(وأنا رجل من بني آدم آسف) بمدّ الهمزة، وفتح السين، أي أغضب، يقال: أسِفَ آسفًا، من باب تعب: حَزِنَ وتَلَهّف، فهو أسف، مثل تعب، وأسفَ مثل غضب وزنا ومعنى، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آسفته. قاله في "المصباح".
(كما يأسفون) أي كما يغضب بنو آدم إذا أصيب ما لهم (فصككتها صكّة) أي لطمتها لطمةً. يقال: صَكّة صكًا: إذا ضرب قفاه ووجهه بيده مبسوطة.
(ثم انصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته) أي ما فعله بالجارية (فعظّم) من التعظيم (ذلك عليّ) أي جعل ما فعلته بها فعلا عظيمًا منكرًا (فقلت: يا رسول الله أفلا أُعْتقها؟) بهمزة الاستفهام، وهذا العتق لأجل كفارة عليه، من نذر ونحوه، كما بينه مالك في "الموطإ"، ولفظه:"وعليّ رقبة أَفَأُعْتِقُهَا".
ويحتمل أن يكون كفارة عن جنايته عليها بالصكّ، فكأنه لمّا عظّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عليه أراد أن يكفره بِعِتْقِ رقبة، فسأل، هل تكفي تلك الجارية عن كفّارته؟.
(قال) صلى الله عليه وسلم (ادعها) وفي رواية مسلم: "قال: ائتني بها، فأتيته بها". وإنما أمره صلى الله عليه وسلم بالإتيان بها، ليتبين كونَها مؤمنةً يُعتقها صاحبها عن الرقبة التي عليه.
(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) عطف على مقدر، كما بينته رواية مسلم المذكورة، أي دعوتها له صلى الله عليه وسلم، فأتت، فقال لها (أين الله عز وجل؟، قالت: في السماء) قال النووي
رحمه الله: هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان:
أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه
(1)
، مع اعتقاد أن الله -تَعَالَى- ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات.
والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كأن المراد امتحانها، هل هي موحّدة، تُقرّ بأن الخالق المدبر الفعّال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء، كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين
(2)
أم هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت:"في السماء" علم أنها موحدّة، وليست عابدة للأوثان
(3)
.
قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: ما أبعد هذا التأويل عن معنى هذا النص، وما أسمجه، وأسخفه!! فهل من عاقل يفهم لغة العرب إذا سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أين الله؟ "، وجواب الأمة بقولها:"في السماء" يفهم هذا التأويل منه، إن هذا لهو العجب العُجاب.
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَا
…
شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
وبالجملة فهذا تأويل ما أنزل الله به من سلطان، ولا ذهب إليه أولوا الهداية والعرفان، فالصواب الذي عليه المُعوّل هو المذهب الأوّل، وهو الذي كان عليه سلف الأمة، الذين كان الأسوةُ بهم عينَ الرحمة، ومخالفتهم سبب الضلال والنقمة،- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أجمعين، وسلك بنا مسلكهم الأمين. آمين آمين آمين.
وقال القاضي عياض رحمه الله: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم، ومحدثهم، ومتكلميهم، ونظارهم، ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله -تَعَالَى- في السماء، كقوله -تَعَالَى-:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: 16]، ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم، فمن قال بإثبات جهة فوقُ من غير تحديد، ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول "في السماء" أي على السماء، ومن قال من دُهَماء النظار والمتكلمين، وأصحاب التنزيه بنفي الحدّ، واستحالة الجهة في حقه سبحانه وتعالى
(1)
إن أراد عدم الخوض في الكيفية فذاك، وإن أراد الخوض في معرفة معناه اللغوي، فغير صحيح؛ لأن مذهب السلف أنهم يعرفون معناه اللغوي، ثم يثبتون ذلك لله سبحانه على معنى يليق بجلاله، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. فتفطن، والله تعالى أعلم.
(2)
في كون السماء قبلة الدعاء نظر، إذ لا دليل عليه، بل الأدلة الكثيرة على أن الكعبة هي القبلة للصلاة والدعاء، فقد وردت أحاديث كثيرة، ستأتي في محلها أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا استقبل القبلة فتبصر. والله -تَعَالَى- أعلم.
(3)
انظر "شرح مسلم" للنووي ج 5 ص 24 - 25.
تأولها تأويلات بحسب مقتضاها، وذكر نحو ما تقدم عن النووي.
قال: وياليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كُلَّهُمْ على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا، وسكتوا، لحيرة العقل، واتفقوا على تحريم التكييف، والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم، وإمساكهم غير شاك في الوجود والموجود، وغير قادح في التوحيد، بل هو حقيقته، ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشيا من مثل هذا التسامح، وهل بين التكييف، وإثبات الجهة فرق؟، لكن إطلاق ما أطلقه الشرع من أنه القاهر فوق عباده، وأنه استوى على العرش، مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في المعقول غيره، وهو قوله -تَعَالَى-:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] عصمة لمن وفقه الله -تَعَالَى-. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: كلام القاضي رحمه الله -تَعَالَى- الأخير هو الذي نعوّل عليه، فنثبت لله -تَعَالَى- ما أثبته، فلا نعطل، وننفي عنه التشبيه، فلا نمثل، وأما قوله: ويا ليت شعري إلى قوله: وهل بين التكييف وإثبات الجهة فوق؟ فكلام غير صحيح، إذ الفرق بينهما واضح حيث إن التكييف غير جائز، لقوله تَعَالَى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وأما إثبات الجهة بمعنى أنه -تَعَالَى- فوق العرش، وفوق مخلوقاته فوقية تليق بجلاله سبحانه وتعالى، فصحيح جائز الإطلاق، لقوله -تَعَالَى-:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، وقوله:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} الآية [النحل: 50]، وقوله:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] الآية، ولحديث الباب:"أين الله؟ قالت: في السماء". . . إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة التي تثبت الفوقية لله سبحانه وتعالى. والله -تَعَالَى- أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله -تَعَالَى- في "الاستذكار" ج-23 ص 167 - 168 - في شرح هذا الحديث: ما نصه: وأما قوله في هذا الحديث للجارية: "أين الله؟ " فعلى ذلك جماعة أهل السنة، وهم أهل الحديث، ورواته المتفقون فيه، وسائر نقلته كلهم يقولون ما قال الله -تَعَالَى- في كتابه:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وأن الله عز وجل في السماء، وعلمه في كل مكان، وهو ظاهر القرآن في قوله عز وجل:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16] وبقوله عز وجل: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] وقوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4].
ومثل هذا كثير في القرآن. ولم يزل المسلمون إذا دَهَمَهم أمر، يُقْلقهم، فزعوا إلى
(1)
راجع شرح النووي على "صحيح مسلم" ج 5 ص 24 - 25.
ربهم، فرفعوا أيديهم، وأوجههم نحو السماء، يدعونه، ومخالفونا ينسبونا في ذلك إلى التشبيه، والله المستعان، ومن قال بما نطق به القرآن، فلا عيب عليه عند ذوي الألباب انتهى.
قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: هذا الذي قاله الحافظ أبو عمر رحمه الله -تَعَالَى- هو عين التحقيق، وما عداه انحراف عن الصواب سحيق، وستكون لي عودة إلى إتمام كلام الحافظ أبي عمر رحمه الله -تَعَالَى- في المسألة السادسة، إن شاء الله -تَعَالى-.
(قال) صلى الله عليه وسلم (فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إنها مؤمنة") جملة تعليلية مقدمة على معلولها، وهو قوله (فأعتقها) أي أعتقها لأنها مؤمنة، فتجزيك عن الرقبة التي عليك.
قال النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث دلالة على أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر، وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر في غير الكفارات، وأجمعوا على أنه لا يجزئ الكافر في كفارة القتل، كما ورد به القرآن، واختلفوا في كفارة الظهار، واليمين، والجماع في رمضان.
فقال الشافعي، ومالك، والجمهور: لا يجزئه إلا مؤمنة، حملا للمطلق على المقيد في كفارة القتل.
وقال أبو حنيفة رحمه الله، والكوفيون: يجزئه الكافر، للإطلاق، فإنها تسمى رقبة: انتهى شرح مسلم ج-5 ص 25.
قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المواضع المناسبة لها، إن شاء الله -تَعَالَى-. وبالله -تَعَالَى- التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث معاوية بن الحكم السُّلَمي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -20/ 1218 - وفي "الكبرى" -55/ 1141 - عن إسحاق بن منصور، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عنه.
وفي "السير" من "الكبرى" -7/ 8589 - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن
حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير به، بقصة الجارية فقط. وفي "التفسير" منه -كما قال الحافظ المزيّ- عن قتيبة، عن مالك، عن هلال بن أسامة -وهو ابن أبي ميمونة- عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم به. كذا يقول مالك: عمر بن الحكم. وفي "النعوت" منه -52/ 7746 - عن قتيبة- والحارث بن مسكين، عن عبد الرحمن بن القاسم - كلاهما عن مالك به. بقصة الجارية. والله -تَعَالَى- أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر رحمه الله -تَعَالَى- في "الاستذكار" ج 23 ص 166: ما حاصله: هكذا رواه جماعة رواة "الموطإ" عن مالك، كلهم قال فيه:"عن عمر بن الحكم"، وهو غلط، ووهَمٌ منه، وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم السُّلَمي، وكذلك قال فيه كل من روى هذا الحديث عن هلال هذا، وهو هلال بن علي بن أبي ميمونة، وأبو ميمونة اسمه أسامة، فربما قال: هلال بن أسامة، وربما قال: هلال بن أبي ميمونة، ينسبونه كله
(1)
إلى ذلك، وربما قالوا: هلال بن علي بن أبي ميمونة، وهو مولى عامر بن لؤي.
وأما معاوية بن الحكم، فمعروف في الصحابة، والحديث له محفوظ.
وقد يمكن أن يكون الغلط في اسمه جاء من قبل هلال شيخ مالك، لا من مالك، والدليل على ذلك رواية مالك في هذا الحديث عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن معاوية بن الحكم في غير "الموطإ"، ولم يقل:"عمر بن الحكم"، وقال فيه معاوية بن الحكم، إلا أن مالكا لم يذكر في روايته لهذا الحديث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن معاوية بن الحكم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا قصة إتيان الكُهّان، والطيرة، لا غير، وكذلك رواه سائر أصحاب ابن شهاب. انتهى المقصود من "الاستذكار".
وقال في "التمهيد" ج-22 ص 78 - بعد ذكر نحو ما تقدم: ما نصه: قال الطحاوي: سمعت، الْمُزَنِي يقول: قال الشافعي: مالك بن أنس يسمي هذا الرجل "عمر بن الحكم"، وإنما هو "معاوية بن الحكم"، قال الطحاوي: وهو كما قال الشافعي، وقال الطحاوي: وقال مالك: هلال بن أسامة، وإنما هو هلال بن علي، غير أن قائلا قال: هو هلال بن علي بن أسامة، فإن كان كذلك، فإنما نسبه مالك إلى جده. انتهى.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) 2/ 70 و 71 و 7/ 35 عن أبي جعفر محمد بن الصباح، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن إسماعيل ابن علية، عن حجاج الصوّاف به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي به.
(1)
هكذا نسخة "الاستذكار" ولعل الصواب "كلهم" فليحرر.
(د) 930 و 3282 و 3959 - عن مسدد، عن يحيى القطان به وفي 930 - عن عثمان بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية به.
وأخرجه مالك في (الموطإ) ص 485 (وأحمد) 5/ 447 و 5/ 448 (والدارمي) رقم 1510 و 1511. والبخاري في (خلق أفعال العباد) 26 وفي (جزء القراءة) 69 و70. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله، وهو بيان حكم الكلام في الصلاة، وهو تحريم كلام الناس، وإنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، ونحوها من الأذكار والدعوات.
ومنها: تحريم التطيّر، والتشاؤم بالأشياء.
ومنها: تحريم الكهانة، وتحريم إتيان الكهان.
ومنها: تحريم الخطّ المسمّى بضرب الرمل، وبيان أنه كان نبي من الأنبياء يفعله، فهو علم خاص به، لا يجوز لأحد أن يتعاطاه، لأنه لا يعلم، هل يصيب خطه، أم لا؟
ومنها: أن تشميت العاطس من جملة كلام الناس الذي لا يجوز في الصلاة، فلو شمت عاطسًا، وهو في الصلاة بطلت صلاته، إن كان عالمًا عامدًا.
ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، والملاطفة في التعليم، فلا يضرب من يعلمه إذا أساء، ولا يعنّفه، ولا يسبه، ولا يعبّس وجهه في وجه عليه، بل يرشده بلطف، وحكمة، فكان المثل الأعلى في الخلق العظيم، كما قال الله تَعَالَى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وكان لين الجانب، كما قال -تَعَالَى-:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] الآية، وكان رحمة للعالمين، كما قال -تَعَالَى-:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:[من الخفيف]:
رَحْمَةٌ كلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ
…
وَعِصْمَةٌ وَوَقَارٌ وَحَيَاءُ
فينبغي التخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه.
ومنها: جواز استخدام الجارية في رعي الأغنام، ونحوه.
ومنها: تعظيم ضرب الخادمة إذا ضاع منها شيء بغير تعديها.
ومنها: الترغيب في الرأفة والرفق بالخادم، والتنفير من إهانتهم.
ومنها: تعظيم شأن المؤمن وإكرامه والإحسان إليه.
ومنها: أن الكافر لا يصير مؤمنًا إلا بالإقرار بالله -تَعَالَى-، وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أن من أقرّ بالشهادتين، واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة، ولا يكلف مع هذا إقامة الدليل والبرهان على ذلك، ولا يلزمه معرفة الدليل، وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور، كما قاله النووي رحمه الله -تَعَالَى-. والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف العلماء في حكم الكلام في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله -تَعَالَى-: أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا لكلامه، وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أن صلاته فاسدة.
واختلفوا فيمن تكلم في صلاته عامدا يريد إصلاح صلاته، فقالت طائفة: عليه الإعادة، وممن هذا قولُهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: من تكلم في صلاته في أمر عذر، فليس عليه شيء، فلو أن رجلا قال للإمام، وقد جهر بالصلاة بالقراءة في صلاة العصر: إنها العصر، لم يكن عليه شيء، ولو نظر إلى غلام يريد أن يسقط في بئر، أو مكان، فصاح به، أو انصرف إليه، أو انتهره، لم يكن عليه بذلك شيء. هذا قول الأوزاعي، واحتجّ بأن ذا الشمالين قد تكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تكلم عمر بن الخطاب مع النبي- صلى الله عليه وسلم.
وقد حُكي عن مالك أنه سئل عمن صنع في صلاته مثل ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم ذي اليدين حين كلم الناس، وكلموه؟ قال: أرى أن يصنع في ذلك كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يخالف فيمن سن فيه، فإنه قال:"أنس لأسُنَّ"
(1)
، فقد سنّ، فأرى أن يبني هو ومن كلمه على ما صلّوا، ولا ينبذوا صلاتهم، ولا يخالفوا ما صنع رسول صلى الله عليه وسلم.
قال ابن المنذر رحمه الله: أما الإمام فإذا تكلم، وهو عند نفسه أنه خارج عن صلاته، وقد أكملها، فصلاته تامّة إذا أكملها، وأما القوم الذين خلفه، فإن كانوا قد علموا أن إمامهم لم يكمل صلاته، فكلموه، وهم يعلمون أنهم في بقية من صلاتهم، فعليهم الإعادة، لأن حالهم خلاف من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين:
أحدهما: أن الفرائض قد كان يزاد، وينقص منها، ويُنقَلون من حال إلى حال، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ألا ترى إلى قول ذي اليدين:"أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ " فلم يكن من كلام
(2)
رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت مستيقن أنه متكلم في الصلاة،
(1)
هو ما رواه مالك في "الموطإ" أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأنسى، أو أنسّى لأسنّ". قال السيوطي: قال ابن عبد البرّ: لا أعلم هذا الحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا، ولا مقطوعا من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي في "الموطإ" التي لا توجد في غيره مسندة، ولا مرسلة، ومعناه صحيح في الأصول. انتهى "تنوير الْحَوَالِك".
(2)
هكذا نسخة "الأوسط" ولعل الصواب "فلم يكن مَنْ كَلَّم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت مستيقنًا إلخ".
لاحتمال أن تكون قصرت، وليست الحال اليوم كذلك، لأن الفرائض قد تناهت، فلا يزاد فيها، ولا ينقص إلى يوم القيامة.
والوجه الثاني: أن القوم الذين كانوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيّ فيهم، قد أُوجب عليهم أن يستجيوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، يدلّ على ذلك حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد بن المعَلَّى.
قال الجامع عفا الله عنه: أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فسيأتي بعد باب، وأما حديث أبي سعيد بن المعلّى فقد تقدم في-26/ 913.
قال ابن المنذر رحمه الله: وليست كذلك الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس لأحد أن يجيب إمامًا يدعوه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل على من أجاب إمامه، وهو يعلم أنه في بقية من صلاته الإعادةُ.
قال: واختلف أهل العلم في المصلي يتكلم في صلاته ساهيا، أو سلم قبل أن يكمل الصلاة، وهو ساه، فقالت طائفة: يبني على صلاته، ولا إعادة عليه، وممن صلى، فسلم في ركعتين، وبنى عليها، وسجد سجدتي السهو عبد الله بن الزبير، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أصاب ورُوي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وفعل ذلك عروة بن الزبير.
وبه قال عطاء، والحسن البصري، وقتادة، وسلّم أنس بن مالك في الظهر، أو العصر في ثلاث ركعات، ثم قام، فأتم صلاته، وسجد سجدتي السهو.
وهذا قول عوامّ أهل الفُتْيا من علماء الأمصار، منهم سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وحكي ذلك عن أبي الزناد، وابن أبي ليلى، وقال الشعبي: إذا تكلم في صلاته بَنَى على ما مضى، ومين رأى أن يبني على صلاته إذا تكلم ساهيا أو جاهلا: يحيى الأنصاري، والأوزاعي، وبه قال أبو ثور، وحكي ذلك عن مالك والشافعي.
وقالت طائفة: إذا تكلم ساهيا يستقبل صلاته، كذلك قال النخعي، وقتادة، وحماد ابن أبي سليمان، والنعمان، وأصحابه.
قال ابن المنذر رحمه الله: واحتج الذين قالوا: لا إعادة على من تكلم في صلاته بحديث ذي اليدين -يعني الآتي بعد باب- وأما ما ادعاه بعضهم من نسخ الكلام، فإنما نسخ منه عمد الكلام، وكان النسخ بمكة
(1)
، وإسلام أبي هريرة بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بسبع سنين أو نحوها، وأبو هريرة يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(1)
سيأتي أن الراجح كون نسخ الكلام بالمدينة، ولكنه قبل إسلام أبي هريرة بزمان، كما قال ابن المنذر رحمه الله تَعَالَى.
والكلام ساهيًا في الصلاة ليس من هذا الباب بسبيل.
فلو أن إمامًا سأل الناس اليوم، وهو عند نفسه أنه قد أكمل الصلاة، ثم تبين له أنه لم يكملها بنى على صلاته، وإذا سأل أصحابه، فكانوا في السهو مثله، فسبيلهم سبيله، وإن علموا أنهم لم يكملوا صلاتهم، فأجابوا إمامهم كانوا مفسدين لصلاتهم، وعليهم الإعادة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تَعَالى ملخصًا
(1)
. وهو بحث نفيس جدًا.
وقد حقق بحث الكلام في الصلاة الإمام النووي رحمه الله -تَعَالَى- في كتابه الحافل الكافل "المجموع"، بتفصيل مستوعب مفيد، فقال: هو ثلاثة أقسام:
(أحدها): أن يتكلم عامدًا، لا لمصلحة الصلاة، فتبطل صلاته بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره، لحديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه يعني حديث الباب- وحديث ابن مسعود، وحديث جابر، وحديث زيد بن أرقم رضي الله عنهم وغيرها من الأحاديث التي سنذكرها، إن شاء الله -تَعَالَى-.
(الثاني): أن يتكلم لمصلحة الصلاة بأن يقوم الإمام إلى خامسة، فيقول: قد صلّيت أربعًا، أو نحو ذلك، فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه تبطل الصلاة به، وقال الأوزاعي: لا تبطل، وهي رواية مالك، وأحمد، لحديث ذي اليدين.
ودليل الجمهور عموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن الكلام، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال، وليصفق النساء"، ولو كان الكلام مباحًا لمصلحتها لكان أسهل وأبين، وحديث ذي اليدين جوابه ما سنذكره، إن شاء الله -تَعَالَى-.
(الثالث): أن يتكلم ناسيًا، ولا يطول كلامه، فمذهبنا أنه لا تبطل صلاته، وبه قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصري، والشعبي، وقتادة، وجميع المحدثين، ومالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم، رضي الله عنهم.
وقال النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية: تبطل، ووافقنا أبو حنيفة أن سلام الناسي لا يبطلها.
واحتُجَّ لمن قال تبطل بحديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه، فلم يردّ علي، فقلت: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا؟ فقال:"إن في الصلاة شغلًا". رواه الشيخان. وفي رواية أبي داود وغيره زيادة: "وإن الله يحدث من
(1)
"الأوسط" ج 3 ص 234 - 239.
أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة"
(1)
.
وعن جابر رضي الله عنه، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، فانطلقت، ثم رجعت، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، ثم سلمت، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم سلمت عليه، فقال:"إنما منعني أن أردّ عليك أني كنت أصلي"، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة. رواه الشيخان.
وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال:"إن كنّا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام". رواه الشيخان
(2)
. وليس في رواية البخاري "ونهينا عن الكلام"، وفي رواية الترمذي:"كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وبحديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه، "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس". رواه مسلم. -يعني الحديث المذكور في هذا الباب- وبحديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا "الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء". وهو حديث ضعيف. وبحديث "من قاء في الصلاة، أو قَلَسَ فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم". وهو ضعيف أيضًا.
واحتَجَّ أصحابنا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال:"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، أو العصر، فسلم، فقال له ذو اليدين: أقُصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحقّ ما يقول؟ " قالوا: نعم، فصلى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين". رواه الشيخان من طرق كثيرة جدًا، وهكذا هو في مسلم، وفي مواضع من البخاري "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم". وفي رواية لمسلم "صلى لنا"
(3)
.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر، فسلم في ثلاث، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل، يقال له الخرباق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله"، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرّ رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال:"أصدق هذا؟ " قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم". رواه مسلم
(4)
.
قال أصحابنا: ومن الدليل لنا أيضا حديث معاوية بن الحكم، فإنه تكلم جاهلا
(1)
هو الحديث الآتي للمصنف بعد حديثين.
(2)
هو الحديث التالي لهذا الحديث عند المصنف.
(3)
سيأتي للمصنف بعد باب.
(4)
سيأتي للمصنف بعد بابين.
بالحكم، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، قالوا: وقياسًا على السلام سهوا، وعمدة المذهب حديث ذي اليدين.
واعترض القائلون بالبطلان عليه أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن مسعود، وزيد ابن أرقم رضي الله عنهما، قالوا: لأن ذا اليدين قتل يوم بدر، ونقلوا عن الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه، وهو متأخر الإسلام عن بدر، لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره، بأن يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، أو صحابي.
وأجاب أصحابنا وغيرهم من العلماء عن هذا بأجوبة صحيحة حسنة مشهورة، أحسنها، وأتقنها ما ذكره الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في "التمهيد"، قال: أما دعواهم أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث ابن مسعود، فغلط، لأنه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث أبن مسعود رضي الله عنه كان بمكة حين رجع من الحبشة قبل الهجرة
(1)
، وأن حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة ذي اليدين كان بالمدينة، وإنما أسلم أبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا خلاف.
وأما حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه، فليس فيه أنه قبل حديث أبي هريرة، أو بعده، والنظر يشهد أنه قبله.
قال: وأما قولهم: إن أبا هريرة لم يشهد ذلك، فغلط، بل شهوده له محفوظ من روايات الثقات الحفاظ، ثم ذكر بأسانيده الروايات الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا هريرة قال:"صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية "صلى بنا"، وفي رواية صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة، قال:"بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الركعتين، فقال رجل من بني سليم. . ."، وذكر الحديث.
قال ابن عبد البرّ رحمه الله: وقد روى قصة ذي اليدين مع أبي هريرة ابنُ عمر، وعمرانُ بن الحُصَين، ومعاوية بن حُدَيج -بضم الحاء المهملة- وابن مسعدة، رجل من الصحابة، وكلهم لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا صَحبَه إلا بالمدينة متأخرا، ثم ذكر أحاديثهم بطرقها، قال: وابن مسعدة هذا يقال له صاحب الجيوش، اسمه عبد الله، معروف في الصحابة، له رواية.
قال: وأما قولهم: إن ذا اليدين قتل يوم بدر، فغلط، وإنما المقتول يوم بدر ذو
(1)
فيه نظر، بل الخلاف قائم، وسيأتي ترجيح كون حديث ابن مسعود بعد الهجرة، إن شاء الله -تَعَالَى-.
الشمالين، ولا ننازعهم في أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، لأن ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي ذكروه فيمن قتل ببدر.
قال ابن إسحاق: ذو الشمالين. عمير بن عمرو بن غبشان، من خزاعة.
فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر، لأن ذا اليدين اسمه الخرباق بن عمرو، ذكره مسلم في رواية، وهو من بني سُلَيم، كما ذكره مسلم في "صحيحه".
وقال غير ابن عبد البرّ: وقد عاش ذو اليدين الخرباق بن عمرو بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم زمانا.
قال ابن عبد البرّ: فذو اليدين المذكور في حديث السهو غير المقتول ببدر، هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه.
قال: وأما قول الزهري: إن المتكلم في حديث السهو ذو الشمالين، فلم يتابع عليه، قال: وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة.
ثم ذكر طرقه، وبيّن اضطرابها في المتن والإسناد، وذكر عن مسلم بن الحجاج تغليطه الزهري في هذا الحديث.
قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث الزهري في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه لاضطرابه، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر، وكل أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فقول الزهري: إنه قتل يوم بدر متروك، لتحقق غلطه فيه.
قال النووي رحمه الله: هذا مختصر قول ابن عبد البرّ، وقد بسط رحمه الله شرح هذا الحديث بسطا لم يبسطه غيره مشتملًا على التحقيق والإتقان والفوائد الجمّة رحمه الله، ورضي عنه.
وذكر البيهقي رحمه الله بعض هذا مختصرًا، فمما قال: إنه لا يجوز أن يكون حديث أبي هريرة رضي الله عنه منسوخًا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه، لتقدم حديث ابن مسعود، فإنه كان حين رجع من الحبشة، ووجوعُهُ منها كان قبل هجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، فحديثه في التسليم كان قبل الهجرة، ثم روى البيهقي ذلك بأسانيده.
ثم نقل اتفاق أهل المغازي على أن ابن مسعود رضي الله عنه قدم مكة من هجرة الحبشة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأنه شهد بدرًا بعد ذلك.
ثم روى البيهقي بإسناده عن الحميدي شيخ البخاري أنه حمل حديث ابن مسعود
- رضي الله عنه على النهي عن الكلام عامدا، قال: لأنه قدم من الحبشة قبل بدر، وإسلام أبي هريرة رضي الله عنه سنة سبع من الهجرة، وإسلام عمران بن الحُصَين رضي الله عنهما بعد بدر، وقد حضرا قصة ذي اليدين، وحضرها معاوية بن حُدَيج، وكان إسلامه قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين، وذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضا، ثم قال: فعلمنا أن حديث ابن مسعود في العمد، ولو كان في السهو لكانت صلوات رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ناسخة له، لأنها بعده.
ثم روى البيهقي عن الأوزاعي، قال: كان إسلام معاوية بن الحكم رضي الله عنه في آخر الأمر، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة، وقد تكلم جاهلًا.
وذكر الشافعي رحمه الله في "كتاب اختلاف الأحاديث" نحو ما سبق من كلام الأئمة، قال: ذو الشمالين المقتول ببدر غير ذي اليدين. قال البيهقي رحمه الله: ذو اليدين بقي حيّا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: كيف تكلم ذو اليدين، والقوم، وهم بعدُ في الصلاة؟
فجوابه من وجهين:
(أحدهما): أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في صلاة لأنهم كانوا مجوّزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟
(والثاني): أن هذا خطاب وجواب للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لا يبطل الصلاة، وفي رواية لأبي داود وغيره: إن القوم لم يتكلموا، وتحمل رواية "نعم" عليها. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله -تَعَالَى- في "المجموع" بتغيير يسير.
قال الجامع عفا الله -تَعَالَى- عنه: قد تبين مما ذكر من الأدّلة أن المذهب الراجح هو ما عليه الجمهور، وهو أن من تكلم ساهيًا، أو جاهلًا، لم تبطل صلاته، وأما من تكلم عامدًا، وهو يعلم بتحريم الكلام في الصلاة فقد بطلت صلاته. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في الكلام على قول الجارية: "في السماء"، ومثله قوله -تَعَالَى-:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:"ينزل ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا. ." الحديث.
لقد حقق الحافظ الناقد البصير أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله -تَعَالَى- هذا الموضوع في كتابه "التمهيد" أتم تحقيق، وبينه أحسن تبيين، فأطال وأعاد، وأسهب وأجاد، وأجمل وأفاد، أحببت إيراد خلاصته هنا تتميمًا للفوائد، ونشر للعوائد.
قال رحمه الله -تَعَالَى- عند شرح حديث النزول، وهو حديث رواه مالك في "الموطإ" عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر جميعًا عن
أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول: من يدعوني، فأستجيب له؟ من يسألني، فأعطيه،؟ من يستغفرني، فأغفر له؟ ".
قال أبو عمر رحمه الله: وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله عز وجل في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحقّ في ذلك قول الله عز وجل:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وقوله عز وجل:{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4]، وقوله:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11]، وقوله:{إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42]، وقوله تبارك اسمه {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقوله -تَعَالَى-:{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143] وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: 16]، وقال جلّ ذكره:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، وهذا هو العلوّ، وكذلك قوله:{الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9]، {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} [غافر: 15]، {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]. والجهمي يزعم أنه أسفل. وقوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، وقال لعيسى عليه السلام:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ} [آل عمران: 55]، وقال:{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقال:{فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [فصلت: 38]، وقال. {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19]، وقال:{مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} [المعارج:2 - 3]، والعروج هو الصعود.
وأما قوله -تَعَالَى-: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} ، فمعناه من على السماء، يعني على العرش، وقد يكون "في" بمعنى "على"، ألا ترى إلى قوله تَعَالَى:{فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2]، أي على الأرض، وكذلك قوله:{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]، وهذا كله يعضده قوله -تَعَالى-:{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} ، وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب.
قال: وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما ادعاء المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل "استوى" استولى، فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغالبه، ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ
لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مبتدع ما ثبت شيء من العبارات، وجَلَّ الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه الرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة، ومفهوم، وهو العُلُوُّ والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عُبيدة في قوله -تَعَالَى-:{اسْتَوَى} قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابّة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه، واستقرّ، فلم يكن في شبابه مزيد.
قال أبو عمر: الاستواء: الاستقرار في العُلُوِّ، وبهذا خاطبنا الله عز وجل، وقال:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [الزخرف: 13]، وقال:{وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44]، وقال:{فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [المؤمنون: 28]، وقال الشاعر:[من الطويل]:
فَأوْرَدْتُهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ
(1)
…
وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى
وهذا لا يجوز أن يَتَأوّل فيه أحدٌ استولى، لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النضر بن شميل، وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة، قال: حدثني الخليل، وحسبك بالخليل، قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فردّ علينا السلام، وقال لنا: استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال، قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه يأمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11]، فصعدنا إليه، فقال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هَجير، وماء نَمير
(2)
فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاما، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي: إنه سالمكم متاركةً، لا خير فيها، ولا شرّ، قال الخليل: هو من قول الله عز وجل: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].
وأما من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن واقد الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله -تَعَالَى-:{عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان، فالجواب عن هذا أن هذا حديث منكر عن ابن عباس، ونَقَلَتُهُ مجهولون ضعفاء، فأما عبد الله بن داود
(1)
الفيفاء كصحراء وزنا ومعنى.
(2)
الهجير: الخاثر، والنمير: العذب.
الواسطي، وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول، لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث؟، لو عقلوا، أو أنصفوا، أمَا سمعوا الله عز وجل حيث يقول:{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36 - 37]، فدل على أن موسى عليه السلام كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا. [من الطويل]:
فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ قَدْرَهُ
…
وَمَنْ هُوَ فَوْقَ الّعَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ الْسَّمَاءِ مُهَيْمِنُ
…
لِعِزتَّه تَعْنُو الْوُهُ وَتَسْجُدُ
وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت، وفيه يقول في وصف الملائكة:
فَمنْ حَاملٍ إحْدَى قوَائم عَرْشِهِ
…
وَلَوْلَا إِلَهُ الْخَلقِ كَلُّوا وَأَبْلَدُوا
قيَامٌ عَلَى الأقْدَام عَانُونَ تحَتَهُ
…
فَرَائصُهُمْ مِنْ شَدَّة الْخَوْف تَرْعَدُ
قال أبو عمر: فإن احتجّوا بقول الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]، وبقوله:{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3]، وبقوله:{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية [المجادلة: 7]، وزعموا أن الله تبارك وتعالى في كلّ مكان بنفسه وذاته تبارك وتعالى، قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير.
فظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش، والاختلاف في ذلك بيننا فقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر.
وأما قوله في الآية الأخرى {وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} ، فالإجماع والاتفاق قد بين المراد بأنه معبود من أهل الأرض، فتدبر هذا، فإنه قاطع إن شاء الله.
ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كَرَبهُم أمر، أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر، وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكاية، لأنه اضطرار لم يؤنّبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم.
وقد قال صلى الله عليه وسلم للأَمَة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة، فاختبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم -
بأن قال لها: "أين الله؟ "، فأشارت إلى السماء، ثم قال لها:"من أنا؟ "، قالت: رسول الله، قال:"أعتقها، فإنها مؤمنة"، فاكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها برفع رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه.
وأما احجاجهم لو كان في مكان لأشبه المخلوقات، لأن ما أحاطت به الأمكنة، واحتوته مخلوق. فشيء لا يلزم، ولا معنى له، لأنه عز وجل ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، لا يدرك بالقياس، ولا يقاس بالناس، لا إله إلا هو، كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة، والسموات والأرض وما بينهما، وهو الباقي بعد كل شيء، وخالق كل شيء، لا شريك له، وقد قال المسلمون، وكل ذي عقل: إنه لا يعقل كائن لا في مكان منا، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في المعقول، وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه؟ أوْ يجري بينه وبينهم تمثيل، أو تشبيه؟ -تَعَالَى- الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، الذي لا يبلغ من وصفه إلا إلى ما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية.
فإن قال قائل منهم: إنا وصفنا ربنا أنه كان لا في مكان، ثم خلق الأماكن، فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منا بالتغير والانتقال، إذ زال عن صفته في الأزل، وصار في مكان دون مكان.
قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان، وانتقل إلى صفة هي الكون في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى مكان، وهذا لا ينفكّ منه، لأنه إن زعم أنه في الأزل في كلّ مكان كما هو الآن، فقد أوجب الأماكن والأشياء موجودة معه في أزله، وهذا فاسد.
فإن قيل: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان؟
قيل له: أما الانتقال، وتغيُّرُ الحال، فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه، لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانًا، وكذلك نُقْلَتُهُ لا يوجب مكانًا، وليس في ذلك كالخلق، لأن كَوْن ما كوّنه يوجب مكانًا من الخلق، ونقلته توجب مكانًا، ويصير منتقلًا من مكان إلى مكان، والله عز وجل ليس كذلك، لأنه في الأزل غير كائن في مكان، وكذلك نُقْلته لا توجب مكانًا، وهذا ما لا تقدر العقول على دفعه، ولكنا نقول: استوى منْ لا مكان إلى مكان، ولا نقول: انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحدا، ألا ترى أنا نقول: له عرش، ولا نقول: له سرير، ومعناهما واحد، ونقول: هو الحكيم، ولا نقول: هو العاقل، ونقول: خليلُ إبراهيم، ولا نقول: صَديقُ إبراهيم، وإن كان المعنى
في ذلك كله واحدًا، لا نسميه، ولا نصفه، ولا نطلق عليه إلا ما سمّى به نفسه على ما تقدم ذكرنا له من وصفه لنفسه، لا شريك له، ولا ندفع ما وصف به نفسه، لأنه دَفْعٌ للقرآن، وقد قال الله عز وجل:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، وليس مجيئه حركة، ولا زوالا، ولا انتقالًا، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما، أو جوهرًا، فلمّا ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة، ولا نقلة، ولو اعتبرت ذلك بقولهم: جاءت فلانًا قيامته، وجاءه الموت، وجاءه المرض، وشبه ذلك مما هو موجود نازل به، ولا مجيء، لبان لك. وبالله العصمة والتوفيق.
قال الجامع عفا الله عنه: لم يرد نص في إطلاق الجسم، والجوهر على الله -تَعَالَى-، لا إثباتًا، ولا نفيًا، فالأولى عدم الخوض في ذلك حتى يثبت لدينا نص نعتمد عليه. والله -تَعَالَى- أعلم.
قال أبو عمر رحمه الله: فإن قال: إنه لا يكون مستويًا على مكان إلا مقرونًا بالتكييف.
قيل: قد يكون الاستواء واجبًا، والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه لا يكون كائن في مكان إلا مقرونًا بالتكييف، وقد عقلنا، وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في أبداننا، ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية استوائه على عرشه يوجب أن ليس على عرشه.
ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن نافع، قال: قال مالك بن أنس: الله عز وجل في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان، قال: وقيل لمالك: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فقال مالك رحمه الله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجلَ سوءٍ.
قال: وقد روينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال في قوله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} مثل قول مالك هذا سواءً.
وأما احتجاجهم بقوله عز وجل: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذي حُملَ عنهم التأويلُ في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وَعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.
قال: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا". فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم، ويصدقون بهذا الحديث، ولا يُكيّفون، والقول في كيفية النزول كالقول في كيفية الاستواء، والمجيء، والحجةُ في ذلك واحدة.
وقد قال قوم من أهل الأثر أيضا أنه ينزل أمره، وتنزل رحمته، وروي ذلك عن حبيب كاتب مالك وغيره، وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء، لأن أمره ورحمته لا يزالان أبدًا في الليل والنهار، وتعال الملك الجبّار الذي إذا أراد أمرًا قال له: كن فيكون في أي وقت شاء، ويختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال.
وقد روى محمد بن علي الجبلي، وكان من ثقات المسلمين بالقيروان، قال: حدّثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدثنا مطرّف، عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث "إن الله ينزل في الليل إلى السماء الدنيا"، فقال: مالك: يتنزل أمره.
وقد يحتمل أن يكون كما قال مالك رحمه الله على معنى أنه تتنزل رحمته وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك من أمره، أي أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت. والله أعلم.
ولذلك جاء فيه الترغيب في الدعاء، وقد روي من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله أيّ الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الغابر". يعني الآخر، وهذ على معنى ما ذكرنا، ويكون ذلك الوقت مندوبًا فيه إلى الدعاء، كما ندب إلى الدعاء عند الزوال، وعند النداء، وعند نزول غيث السماء، وما كان مثله من الساعات المستجاب فيها الدعاء، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره أبو عمر رحمه الله من تأويل "ينزل ربنا" بتنزل رحمته الخ فيه نظر، إذ يرده قوله في تمام الحديث، "مَنْ يدعوني فأستجيب له؟ الخ"، فإن الرحمة لا يمكن أن تقول: من يدعوني الخ، وكذا ما نقله عن مالك في هذا المعنى يُردُ بمثل ما رَدَّ به أبو عمر نفسهُ على مجاهد في تفسيره قولَه -تَعَالَى-:{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] بقوله: إلى ثواب ربها.
فقد ردّ عليه بما حاصله: قول مجاهد هذا مردود بالسنَّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأقاويل الصحابة، وجمهور السلف، وهو عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وليس من العلماء أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومجاهد، وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل آيتين، هما مهجوران عند العلماء، مرغوب عنهما:
أحدهما هذا، والآخر قوله في قول الله عز وجل: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
مَحْمُودًا}، قال: يوسع له على العرش، فيُجلسه معه، وهذا قول مخالف للجماعة من الصحابة، ومن بعدهم، فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود الشفاعةُ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فنحن نقول هنا فيما نُقل عن مالك رحمه الله -إن صح عنه-: إنه مردود بالسنة الصحيحة، وبما ثبت عن السلف في هذا الباب.
والحاصل أن المعنى الصحيح أن نزول الرب سبحانه وتعالى على ظاهره، فينزل ربنا سبحانه كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير حقيقةً، نزولًا يليق بجلاله، والله -تَعَالَى- أعلم.
قال أبو عمر رحمه الله: وقال آخرون: ينزل بذاته، ثم أخرج عن نعيم بن حماد، قال: ينزل بذاته، وهو على كرسيه.
قال أبو عمر: ليس هذا بشيء عند أهل الفهم من أهل السنة، لأن هذا كيفية، وهم يفزعون منها، لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانا، وقد جلّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون، فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا نتعدّى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
وقال أبو عمر رحمه الله أيضًا: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة.
وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرّ بها مشبّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود.
والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم أئمة الجماعة، والحمد لله.
روى حرملة بن يحيى، قال: سمعت عبد الله بن وهب، يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول: من وصف شيئًا من ذات الله، مثل قوله:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} الآية [المائدة: 64]، وأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله:{وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، فأشار إلى عينيه، أو أذنيه، أو شيئا من بدنه، قُطع ذلك منه، لأنه شبه الله بنفسه، ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء رضي الله عنه حين حدّث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُضَحَّى بأربع من الضحايا"، وأشار البراء بيده، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده، قال البراء: ويدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكره البراء أن يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له، وهو مخلوق، فكيف
الخالق في ليس كمثله شيء؟.
ثم أخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا خَلَق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا، فليقل: آمنت بالله". -متفق عليه-.
وفي رواية: "فإذا قالوا ذلك، فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ثم ليتفل عن يساره، ثلاثا، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم". -رواه أحمد، وأبو داود بسند حسن-.
قال: وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال: لا تقوم الساعة حتى تكون خصومة الناس في ربهم. وقد روي ذلك مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال سحنون: من العلم بالله الجهلُ بما لم يخبر به عن نفسه.
وهذا الكلام أخذه سحنون عن ابن الماجشون، قال: أخبرني الثقة عن الثقة، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لقد تكلم مطرّف بن عبد الله بن الشخير على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله ولا يقال بعده، قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: قال: الحمد لله الذي من الإيمان به الجهل بغير ما وصف من نفسه.
ثم أخرج عن سحنون بن منصور، قال: قلت لأحمد بن حنبل: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا"، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويرى أهل الجنة ربهم، وبحديث "لا تقبحوا الوجوه، فإن الله خلق آدم على صورته"، واشتكت النار إلى ربها حتى يضع الله فيها قدمه، وأن موسى عليه السلام لطم ملك الموت صلوات الله عليه؟ قال أحمد: كل هذا صحيح. وقال إسحاق كل هذا صحيح، ولا يدَعَهُ إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي.
وقال أبو عمر أيضا: الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة، وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه.
ثم أخرج عن أحمد بن نصر أنه سأل سفيان بن عيينة، قال: حديث عبد الله: "إن الله عز وجل يجعل السماء على إصبع"، وحديث "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن"، و"إن الله يعجب، أو يضحك ممن يذكره في الأسواق"، وإنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، ونحو هذه الأحاديث؟
فقال: هذه الأحاديث نرويها، ونُقرّبها كما جاءت بلا كيف.
وعن الوليد بن مسلم، قال سألت الأوزاعي، وسفيان الثوريّ، ومالك بن أنس،
والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيف.
وذكر عباس الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت زكريا بن عديّ سأل وكيع بن الجرّاح، فقال: يا أبا سفيان هذه الأحاديث، يعني مثل الكرسى موضع القدمين، ونحو ذلك؟ فقال: أدركت إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعرًا يحدثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئًا.
قال عباس بن محمد الدُّوري: وسمعت أبا عبُيد القاسم بن سَلّام، وذُكر له عن رجل من أهل السنة أنه كان يقول: هذه الأحاديث التي تروى في الروية، والكرسيُّ موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ، وأشباه هذه الأحاديث، وقالوا: إن فلانًا يقول: يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حق، فقال: ضَعَّفْتم عندي أمره، هذه الأحاديثُ حق، لا شك فيها، رواها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنّا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرّها، ولم نذكر أحدًا يفسرها.
وقد كان مالك ينكر على من حدث بمثل هذه الأحاديث، ذكره أصبغ، وعيسى، عن القاسم، قال: سألت مالكًا عمن يحدّث الحديثَ "إن الله خلق آدم على صورته"، والحديث "إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة"، وإنه يدخل في النار يده حتى يخرج من أراد، فأنكر إنكارًا شديدًا، ونهى أن يحدث به أحدًا.
وإنما كره ذلك مالك خشية الخوض في التشبيه بكيف ها هنا.
وأخرج عن ابن وضاح، أنه سأل يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أقرَّ به، ولا تحدّ بقول، كلُّ من لقيت من أهل السنة يصدّق بحديث التَّنَزُّلِ، قال: وقال لي ابن معين صَدِّقْ، ولا تصفه.
وأخرج عن مهديّ بن جعفر، عن مالك بن أنس أنه سأله عن قول الله عز وجل:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ قال: فأطرق مالك، ثم قال: استواءه مجهول
(1)
، والفعل منه غير معقول، والمسألة عن هذه بدعة.
وأخرج عن أيوب بن صلاح المخزومي، قال: كنا عند مالك، إذ جاءه عراقي، فقال له: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ قال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، إنك امرؤ سوء، أخرجوه، فأخذوا بضبعيه، فأخرجوه.
(1)
هكذا نسخة "التمهيد""استوؤه مجهول"، والظاهر أن الصواب "الاستواء غير مجهول" بدليل الرواية التالية. والله أعلم.
وقال يحيى بن إبراهيم بن مزين: إنما كره مالك أن يتحدث بتلك الأحاديث لأنها فيها حدًّا، وصفةً، وتشبيهًا، والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قاله الله عز وجل، ووصف به نفسه بوجه، ويدين، وبسط، واستواء، وكلام، فقال:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، وقال:{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وقال:{وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، وقال:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، فليقل قائل بما قاله الله، ولينته إليه، ولا يعدوه، ولا يفسره، ولا يقل: كيف؟، فإن في ذلك الهلاك، لأن الله كلّف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم الخوض في التأويل الذي لا يعلمه غيره.
وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأسًا برواية الحديث: إن الله ضحك، وذلك لأن الضحك من الله، والتنزل، والملالة، والتعجب منه ليست على جهة ما يكون من عباده.
قال أبو عمر: الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا فى دين الله أفواجًا علم أن الله عز وجل لم يعرفه أحد منهم إلا بتصديق النيين بأعلام النبوّة، ودلائل الرسالة، لا من قبيل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم، وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من علمهم مشهورًا، أو من أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم، ولشهروا به، كما شهروا بالقرآن والروايات.
وقولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" عندهم مثل قول الله عز وجل: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143]، ومثل قوله:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء؟، وكيف يتجلّى؟، وكيف ينزل؟، ولا من أين جاء؟، ولا من أين تجلى؟، ولا من أين ينزل؟، لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له.
وفي قول الله عز وجل: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجليًا للجبل، وفي ذلك ما يفسر حديث التنزل، ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله عز وجل:{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} ، فلينظر في تفسير بَقيّ بن مخلد، ومحمد بن جرير، وليقف على ما ذكرا من ذلك، ففيما ذكرا منه كفاية، وبالله العصمة والتوفيق.
انتهى كلام الحافظ أبي عمر بن عبد البر رحمه الله -تَعَالَى- بتصرف واختصار.
ولقد أجاد في هذا الموضوع، وأفاد، لمن أراد الله -تَعَالَى- له السعادة بفهم النصوص كما فهمه السلف- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، ووفقه لاتباع منهجهم.
فإن أردت زيادة الاستفادة فراجع كتاب "التمهيد" ج-7 ص 128 - 159. وبالله -تَعَالَى- التوفيق، ومنه الهداية لأقوم الطريق.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} ، اللَّهُمَّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. اللَّهُمَّ أرنا الحق حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، برحمتك يا أرحم الراحمين، وأنت حسبنا، ونعم الوكيل.
1219 -
(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْحَاجَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)} [البقرة: 238]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدري البصري، ثقة [10] تقدم 42/ 47.
2 -
(يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الناقد الثبت البصري [9] تقدم 4/ 4.
3 -
(إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت [4] تقدم 13/ 471.
4 -
(الحارث بن شُبيل) -بالمعجمة واللام مصغرًا- ابن عوف البجلي، أبو الطفيل، ويقال: الكوفي، ثقة [5].
روى عن أبي عمرو الشيباني، وعبد الله بن شداد، وطارق بن شهاب. وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق، والأعمش.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: لا يُسأل عن مثله، يعني لجلته. وقال النسائي: ثقة. وحديثه عن علي مرسل، لم يدركه.
أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قال في "ت" بعد ذكر ترجمة الحارث بن شُبَيل هذا: ما نصه. الحارث بن شبل كالأول، لكن بلا تصغير، بصري ضعيف من [6] أخطأ الكلاباذي في خلطه بالذي قبله، وردّ ذلك الباجي، وحرّر القول فيه في "رجال البخاري". انتهى.
5 -
(أبو عمرو الشيباني) سعد بن إياس الكوفي، ثقة مخضرم [2] تقدم 51/ 610.
6 -
(زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله -تَعَالَى- تصديقه في "سورة المنافقين" تقدم 13/ 13. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده، والحارث شُبيل، فما أخرج له ابن ماجه، وأن شيخه والقطان بصريان، والباقون كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، إسماعيل، عن الحارث، عن أبي عمرو. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن زيد بن أرقم) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وفي رواية البخاري "عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم"، فصرّح بالسماع من زيد رضي الله عنه.
(قال: كان الرجل يكلم صاحبه) وفي رواية البخاري: "إن كنا لنتكلم"، قال في "الفتح" ج -3 ص 397؛ وهذا حكمه الرفع، وكذا قوله:"وأمرنا" لقوله: "على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، حتى ولو لم يقيد بذلك لكان ذكر نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعًا.
انتهى (في الصلاة بالحاجة) قال في "الفتح": والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التقييد يحتاج إلى دليل، بل الذي يظهر أنه على عمومه، في كلّ حاجة. فتأمل. والله -تَعَالَى- أعلم.
(على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي في زمانه (حتى نزلت هذه الآية) هذا ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ كان بالمدينة، لأن الآية مدنية باتفاق، فيشكل على قول ابن مسعود رضي الله عنه: إن ذلك وقع لمّا رجعوا من عند النجاشي، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتدّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضا، فكانوا في المرّة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين.
واختلف في المراد بقوله: "فلما رجعنا"، هل أراد الرجوع الأول، أو الثاني؟.
فجنح القاضي أبو الطيب الطبري وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام
بمكة، وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه.
وجنح آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود رضي الله عنه بأنه حكى لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف زيد بن أرقم رضي الله عنه، فلم يحكه.
وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى بدر، وفي "مستدرك الحاكم" من طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال:"بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ثمانين رجلا" .. فذكر الحديث بطوله، وفي آخره "فتعجل عبد الله بن مسعود، فشهد بدرا".
وفي السير لابن إسحاق: "إن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا، فشهدوا بدرًا".
فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه كان بالمدينة. وإلى هذا الجمع نحا الخطابي، ولم يقف من تعقب كلامه على مستنده.
ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم الخزاعي لحديث ابن مسعود الآتي بعد هذا، فإنها ظاهرة في أن كلا من ابن مسعود، وزيد بن أرقم حكَى أن الناسخ قوله -تَعَالَى-:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} .
وأما قول ابن حبان: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى قول زيد بن أرقم "كنا نتكلم" أي كان قومي يتكلمون، لأن قومه كانوا يصلون قبل الهجرة مع مصعب بن عمير الذي كان يعلمهم القرآن، فلما نسخ تحريم الكلام بمكة بلغ ذلك أهل المدينة، فتركوه، فهو متعقَّب بأن الآية مدنية باتفاق، وبأن إسلام الأنصار، وتوجه مصعب بن عمير إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث زيد بن أرقم "كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وكذا أخرجه الترمذي، فانتفى أن يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم.
وأجاب ابن حبان في موضع آخر بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: "كنا نتكلم" مَنْ كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم بمكة من المسلمين.
وهو متعقب أيضا بأنهم ما كانوا بمكة يجتمعون إلا نادرًا، وبما روى الطبراني من حديث أبي أمامة، قال:"كان الرجل إذا دخل المسجد، فوجدهم يصلون، سأل الذي إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضي، ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ يوما، فدخل في الصلاة"، فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعا، لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما
أسلما بها.
قال الجامع عفا الله -تَعَالَى- عنه: قد تبين مما ذكر أن الراجح أن نسخ الكلام كان بالمدينة، لا بمكة. والله -تَعَالَى- أعلم.
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} بدل من اسم الإشارة، أو خبر لمحذوف، أي هي "حافظوا الخ"، أو مفعول لفعل محذوف، أي "أعني".
أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالمحافظة على الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها، وحفظ حدودها وآدابها (والصلاة الوسطى) بالجرّ عطفًا على "الصلوات" من عطف الخاصّ على العامّ، تنبيها بشأنها.
و"الوُسْطى" فُعْلى مؤنثة الأوسط، وهي من الوَسَط الذي هو خيار الشيء، لا من الوَسَط بمعنى متوسط بين شيئين، لأن فُعلى هنا للتفضيل، ولا يبنى التفضيل إلا مما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى الخيار هو الذي يقبل ذلك، لا الذي بمعنى المتوسط بين شيئين. وقد تقدم تحقيق ذلك في أوائل الصلاة -14/ 472 - فراجعه تستفد، وبالله -تَعَالَى- التوفيق.
(وقوموا لله قانتين) اختلف في معنى القنوت في هذه الآية على أقوال، أرجحها ما دلّ عليه حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه هذا، وهو السكوت، وقد استوفيت الكلام على اختلاف العلماء في معنى القنوت بالرقم المذكور.
(فَأُمِرْنَا بالسكوت) ببناء الفعل للمفعول، أي أمرنا الله -تَعَالَى- بأن نَسْكُتَ عن كلام الناس، لا عن مطلق الكلام، فإن الصلاة ليست محل سكوت، بل فيها قراءة القرآن، والتسبيح، والتكبير، والدعاء ونحو ذلك.
زاد في رواية مسلم: "ونهينا عن الكلام". قال في "الفتح" ج-3 ص 399: استُدلّ بهذه الزيادة على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضدّه، إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله:"ونهينا عن الكلام"، وأجيب بأن دلالته على ضدّه دلالة التزام، ومن ثَمَّ وقع الخلاف، فلعله ذكر لكونه أصرح. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى. والله -تَعَالَى- ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -25/ 1219 - و"الكبرى" 55/ 1142 - عن إسماعيل بن مسعود، عن
يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عنه. وفي "الكبرى" في "التفسير" رقم 11047 - عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد به. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) 2/ 72 - وفي "جزء القراءة" رقم 242 - عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، وفي 6/ 38 - وفي "جزء القراءة" -241 - عن مسدد، عن يحيى القطان به.
(م) 2/ 71 - عن يحيى بن يحيى، عن هُشَيم- (ح) وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، ووكيع- (ح) وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس- أربعتهم عن إسماعيل به.
(د) 949 - عن محمد بن عيسى، عن هشيم به. (ت) 405 و 2986 - عن أحمد بن منيع، عن هُشيم به. و 2986 - عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، كلهم عن إسماعيل به.
وأخرجه (أحمد) 4/ 368 (وعبد بن حميد) رقم 260 (وابن خزيمة) 856 و 857. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو تحريم الكلام في الصلاة.
ومنها: بيان أن هذه الآية نزلت في النهي عن الكلام في الصلاة بعد أن كان مباحًا.
ومنها: ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: إن هذا اللفظ أحد ما يستدلّ به على الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر الراوي تقدمَ أحَدِ الحكمين على الآخر، وهذا لا شك فيه، وليس كقوله: هذا منسوخ من غير بيان التاريخ، فإن ذلك قد ذكروا فيه أنه لا يكون دليلًا، لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهادي منه.
ومنها: أن لفظ الراوي يشعر بأن المراد بالقنوت في الآية السكوت، لما دلّ عليه لفظ "حتى" التي للغاية، والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها.
ومنها: أن قوله: "ونهينا عن الكلام" يقتضي أن كل ما يسمى كلامًا فهو منهي عنه، وما لا يسمى كلامًا فدلالة الحديث قاصرة عنه.
وقد اختلف الفقهاء في أشياء، هل تبطل الصلاة أم لا؟ كالنفخ، والتنحنح بغير علة وحاجة، وكالبكاء.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: والذي يقتضيه القياس أن ما يسمى كلامًا، فهو داخل
تحت اللفظ، وما لا يسمى كلامًا، فمن أراد إلحاقه به كان ذلك بطريق القياس، فلْيُرَاعَ شرطُهُ في مساواة الفرع للأصل، أو زيادته عليه، واعتبر أصحاب الشافعي ظهور حرفين، وإن لم يكونا مُفهمين، فإن أقلّ الكلام حرفان.
ولقائل أن يقول: ليس يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام أن يكون كل حرفين كلامًا، وإذا لم يكن كلامًا فالإبطال به لا يكون بالنصّ، بل بالقياس على ما ذكرنا، فليراع شرطه، اللَّهُمَّ إلا أن يريد بالكلام كل مركب، مفهمًا كان، أو غير مفهم، فحينئذ يندرج المتنازع فيه تحت اللفظ، إلا أن فيه بحثًا
(1)
.
والأقرب أن ينظر إلى مواقع الإجماع والخلاف حيث لا يسمى الملفوظ به كلامًا، فما أجمع على إلحاقه بالكلام ألحقناه به، وما لم يجمع عليه مع كونه لا يسمى كلامًا فيقوى فيه عدم الإبطال.
ومن هذا استُبْعد القولُ بإلحاق النفخ بالكلام، ومن ضعيف التعليل فيه قولُ من علّل البطلان به بأنه يشبه الكلام، وهذا ركيك، مع ثبوت السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم نفخ في صلاة الكسوف في سجوده. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله -تَعَالَى- عنه: الراجح أن المراد بالكلام هو التخاطب الذي يجري بين الناس، إذ قول الراوي:"يخاطب بعضنا بعضًا"، وكذا الحديث الآتي:"لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" ظاهران في كون المراد مخاطبة بعضهم لبعض، فلا يدخل فيه التنحنح، والأنين، والتأوه والنفخ، لأنها ليست من هذا الجنس. فتبصر. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1220 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ -وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ- وَالْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ كُلْثُومٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهَذَا حَدِيثُ الْقَاسِمِ، قَالَ: كُنْتُ آتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يُصَلِّي، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَشَارَ إِلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عز وجل-يَعْنِي أَحْدَثَ- فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا إِلاَّ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ، وَأَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمد بن عبد الله بن عَمَّار) بن سوادة الأزدي الغامدي، أبو جعفر البغدادي
(1)
قال الصنعاني رحمه الله: كأنه يريد اْن غير المفهم لا يُسلَّمُ دخوله تحت قوله: "ونهينا عن الكلام"، إذ المتبادر منه الظاهر هو الكلام المعروف. اهـ عدة ج 2 ص 480.
(2)
"إحكام الأحكام" ج 2 ص 477 - 481. بنسخة الحاشية "العدة".
الْمُخَرِّمي
(1)
نزيل الموصل، ثقة حافظ [10].
روى عن عيسى بن يونس، وعبد الله بن إدريس، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غَنية، وغيرهم. وعنه النسائي، وعلي بن حرب الموصلي، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم.
قال علي بن أحمد بن النضر الأزدي: رأيت علي بن المديني يقدمه. وقال ابن عُقدة: سمعت محمد بن غالب يقول: حدثني محمد بن عبد الله بن عمّار الثقة، كان من أهل الحديث. قال ابن عقدة: وسألت عبد الله بن أحمد عنه؟، فقال: كان ثقة. وقال أبو زكرياء يزيد بن محمد بن إياس الأزدي في "تاريخ الموصل": كان ابن عمّار فهما بالحديث وعِلَلِهِ، رحّالا فيه، ثم قال: حدثني عُبيدٌ العجْلُ، قال: سمعت أبا يوسف القُلُوسي، يقول لإسماعيل القاضي: ابنُ عمار مثلُ علي بن المديني، يعني في علم الحديث، قال: ورأيت عُبيدا يعظم أمره، ويرفع قدره. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال صالح بن محمد: ثقة كيس. وقال النسائي: ثقة صاحب حديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره أبن حبان في "الثقات". وقال ابن عديّ: رأيت أبا يعلى يُسيء القول فيه، وكان يشتد عليه إذا قرئ عليه عنه بشيء، ويقول: شهد على خالي بالزور، قال ابن عديّ: وابن عَمَّار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل: مُعَافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحدًا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة. وقال الخطيب: كان من أهل الفضل المتحققين بالعلْمِ، حسن الحفظ، كثير الحديث، وكان تاجرًا. وقال الدارقطني: ثقة. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة صاحب حديث.
قال الحسين بن إدريس عنه: ولدت سنة (162) وقال أبو زكرياء الأزدي: توفي سنة (242).
انفرد به النسائي روى عنه في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
2 -
(ابن أبي غنية) -بفتح المعجمة، وكسر النون، وتشديد التحتانية- هو يحيى بن عبد الملك بن حُميد بن أبي غنية الخزاعي، أبو زكرياء الكوفي، أصله من أصفهان، صدوق له أفراد، من كبار [9].
روى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وسفيان الثوري، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن المديني، ومحمد بن عبد الله بن عمّار، وغيرهم.
(1)
بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم المشددة: نسبة إلى مُخَرِّم محلة ببغداد. قاله في "ق".
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان شيخا ثقة، له هيبة، رجلًا صالحًا. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة رجل صالح، حدثني أبي، قال: قيل ليحيى بن عبد الملك: دواء عينيك ترك البكاء، قال: فما خيرهما إذا؟. قال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: ثقة، وأبوه ثقة. وقال ابن عديّ: بعض حديثه لا يتابع عليه، وهو ممن يكتب حديثه.
قال الواقدي: مات سنة (6) أو (187) وقال مطيّن: مات سنة (188).
أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، فأخرج له في "المراسيل"، وله في هذا الكتاب حديثان هذا و 5670 حديث "من شرب الخمر. . .".
3 -
(القاسم بن يزيد الجَرْمي) أبو يزيد الموصلي، ثقة عابد [9] تقدم 102/ 135.
4 -
(سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة الثبت [7] تقدم 33/ 37.
5 -
(الزبير بن عديّ) الهَمْداني اليامي، أبو عدي الكوفي، ولي قضاء الرّيّ، ثقة [5] تقدم 1/ 451.
6 -
(كُلْثوم) بن علقمة بن ناجية بن المصطلق الخزاعي، وقد ينسب إلى جد أبيه، ويقال: هما اثنان، ثقة [2] ويقال: له صحبة. قاله في "ت".
وفي "تهذيب الكمال": (كلثوم) بن المصطلق، وهو كلثوم بن علقمة بن ناجية بن المصطلق، ويقال: كلثوم بن الأقمر، ويقال: كلثوم بن عامر بن الحارث بن أبي ضرار ابن المصطلق الخزاعي المصطلقي الكوفي، يقال: له صحبة.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أسامة بن زيد، وعبد الله بن مسعود، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن المصطلق، ويقال: إنها عمته، وزينب بنت جحش، وابن مسعود، وأم سلمة، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
روى عنه أبو صخرة جامع بن شدّاد، والزبير بن عديّ، وعمران بن عُمير، ومهاجر أبو الحسن. ذكره ابن حبان في التابعين من كتاب "الثقات". انتهى.
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قلت: ذكر ابن حبان في ثقات التابعين ثلاثة:
(كلثوم) بن المصطلق الخزاعي، وهو الراوي عن ابن مسعود، وعنه الزبير بن عدي، وعمران بن عمير.
(وكثلوم) بن عامر، وهو الراوي عن عمته جويرية بنت الحارث، وعنه مهاجر، أبو الحسن.
(وكلثوم) بن الأقمر، روى عن زرّ بن حُبَيش، وعنه الأسود بن قيس. وكذا فرق بينهم البخاري في "تاريخه"، وابن أبي خيثمة، وابن أبي حاتم.
والذي يظهر أن كلثوم بن المصطلق هو كلثوم بن عامر، وإنما نسب إلى جد أبيه.
وأما كلثوم بن الأقمر، فهو غيره قطعًا، فقد ذكره عمران بن محمد الهمداني في الطبقة الثالثة من الهمدانيين، وقال: له أحاديث صالحة.
وأما كلثوم بن علقمة بن ناجية، فذكره أبو نعيم في "الصحابة"، وقال: لا تصح له صحبة، وأحاديثه مرسلة، والصحبة لأبيه علقمة. انتهى.
أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
7 -
(عبد الله بن مسعود) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، تقدم 35/ 39. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف، رحمه الله -تَعَالَى-، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية تابعي عن تابعي، أو صحابي عن صحابي، إن ثبت كون كلثوم صحابيًا.
ومنها: أنه يُقَدَّر قبل قوله: "عن سفيان" لفظ "كلاهما"، أي أن كلا من ابن أبي غَنيّة، والقاسم بن يزيد يرويان عن سفيان الثوري. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه (وهذا حديث القاسم) جملة معترضة بيّن بها أن اللفظ الآتي للقاسم بن يزيد، وأما ابن أبي غنية فرواه بالمعنى (قال) أي عبد الله بن مسعود (كنت آتي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي) جملة حالية من المفعول، أي حال كونه مصليًا (فأُسَلِّم عليه، فيردّ علي) أي بالقول، وهذا قبل هجرته إلى الحبشة، حين كان الكلام مباحًا كما ترشد إليه الرواية التالية (فأتيته، فسلّمت عليه، وهو يصلي، فلم يردّ علي) أي لكون الكلام ممنوعًا إذ ذاك (فلما سلّم أشار إلى القوم) أي الحاضرين لديه بالإصغاء إلى ما يُبَيِّن لهم من حكم الكلام في الصلاة (فقال: إن الله عز وجل -يعني أحدث في الصلاة-) هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبين لي من هو؟ (أن لا تكلموا) في تأويل المصدر مفعول "أحدث"، يعني أنه أحدث عدم الكلام في الصلاة و"تكلموا" بفتح التاء، مضارع "تكلم" بحذف إحدى التاءين، ويَحتمل أن يكون بضم التاء مضارع "كلّمَ"، ومفعوله محذوف، أي: أحدا (إلا بذكر الله) من التكبير، والتسبيح، والتحميد، وقراءة القرآن (وما ينبغي لكم) من عطف العام على الخاص، أي وإلا بما ينبغي لكم أن تتكلموا به في الصلاة، كالدعاء (وأن تقوموا لله) عطف على "أن لا تكلموا"، أي وأحدث أن تقوموا في صلاتكم لله (قانتين) أي ساكتين عما لا ينبغي لكم من الكلام، وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، وقد قدمنا أن أصح الأقوال في معنى القنوت هو السكوت لحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه المتقدم، ولهذا الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -20/ 1220 - وفي "الكبرى" 55/ 1143 - بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1221 -
(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا السَّلَامَ، حَتَّى قَدِمْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ، وَمَا بَعُدَ، فَجَلَسْتُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عز وجل يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(الحسين بن حُرَيث) المروزي، ثقة [10] تقدم 44/ 52.
2 -
(سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [8] تقدم 1/ 1.
3 -
(عاصم) بن أبي النَّجُود الأَسَدي مولاهم، وهو ابن بَهْدَلة الكوفي، أبو بكر المقرىء، صدوق له أوهام، [6] تقدم 98/ 126.
4 -
(أبو وائل) شقيق بن سَلَمَة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم [2] تقدم 2/ 2.
5 -
(ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنهم كوفيون، غير شيخه، فمروزي، وسفيان، فمكي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فيردّ علينا السلامَ حتى قدمنا) بكسر الدال المهملة، يقال: قدم الرجلُ البلدَة يقدَمها، من باب تعب قُدُومًا، ومَقْدَمًا -بفتح الميم والدال-: إذا دخلها (من أرض الحبشة) من إضافة العام إلى الخاص، كشجر أرَاك، إن كان المراد بـ"الحبشة" البلدَ، أو بمعنى اللام، إن كان المراد الجيلَ.
قال الفيومي رحمه الله: الحبشُ -أي بالتحريك- جيل من السُّودان، وهو اسم جنس، ولهذا صغّر على حُبَيش، والحبشة لغة فاشية، الواحد حبشي. انتهى بتصرف.
(فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فأخذني ما قَرُبَ، وما بعدَ) -بضم عين الفعل فيهما- أي تفكرت فيما يصلح للمنع من الوجوه القريبة، أو البعيدة أَيُّها كان سببًا لترك ردّ السلام.
وفي رواية أبي داود من طريق أبان العَطّار، عن عاصم:"فأخذني ما قَدُم وما حَدُث" -بضم الدال فيهما، مراده غلب علي التفكر في أحوالي السابقة واللاحقة، أيها كان سببا لتركه صلى الله عليه وسلم ردّ السلام عليّ.
ويحتمل أن يكون المراد أخذني ما تقدم من التكلم في الصلاة، وما حدث فيها من عدم التكلم. قاله في "المنهل"
(1)
.
(فجلست، حتى إذا قضى الصلاةَ قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله عز وجل يحدث) -بضم الياء- من الإحداث، أي يُظهر ويُجَدِّد (من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يُتَكَلَّمَ في الصلاة) ببناء الفعل للمفعول، وهو في تأويل المصدر مفعول "أحدث".
يعني أن لله سبحانه وتعالى تجديدَ الأحكام بحسب ما اقتضته حكمته، وإن مما أحدثه من الأحكام عدم جواز الكلام في الصلاة.
وفي رواية الشيخين: "إن في الصلاة شُغلا".
قال في "الفتح": والتنكير في "شغلا" للتنويع، أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء، أو للتعظيم، أي شغلًا، وأيَّ شغل، لأنها مناجاة مع الله، تستدعي الاستغراق بخدمته، فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره.
وقال النووي: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته، وتدبر ما يقوله، فلا ينبغي أن يعرّج على غيرها، من ردّ السلام ونحوه. انتهى
(2)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -20/ 1221 - وفي "الكبرى" 55/ 1144 - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
(1)
"المنهل العذب المورود" جـ 6 ص 21.
(2)
"فتح" جـ 3 ص 397.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) -924 - عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد العطار، عن عاصم به.
وأخرجه الشيخان من رواية علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه، فلم يردّ علينا، وقال:"إن في الصلاة شُغْلًا".
وأخرجه (الحميدي) 94 - (وأحمد) -1/ 377 - و 1/ 435 و 1/ 463. والله تعالى أعلم.
وبقية المسائل تقدمت في الكلام على حديث معاوية بن الحكم السَّلَميّ رضي الله تعالى عنه، فلترَاجَعْ هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
21 - (مَا يَفْعَلُ مَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ نَاسِيًا، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الفعل الذي يفعله الشخص الذي نسي التشهد الأول، فقال إلى أداء الركعة الثالثة.
فقوله: "من اثنتين" على حذف مضاف، أي من ثانية اثنتين، يعنى الركعة الثانية. والله أعلم بالصواب.
1222 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ
(1)
، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا
(2)
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَنَظَرْنَا
(3)
تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ).
(1)
"ابن سعيد" ساقط من بعض.
(2)
وفي بعض النسخ "صلى بنا".
(3)
وفي بعض النسخ "فنظرنا".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [10] تقدم 1/ 1.
2 -
(مالك) بن أنس الإمام الحجة المشهور، أبو عبد الله المدني [7] تقدم 7/ 7.
3 -
(ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الثبت، أبو بكر المدني [4] تقدم 1/ 1.
4 -
(عبد الرحمن الأعرج) هو ابن هرمز المدني، ثقة ثبت [3] تقدم 7/ 7.
5 -
(عبد الله ابن بحينة) هو عبد الله بن مالك بن القشب الأزدي الصحابي رضي الله عنه، و"بُحَينة" أمه، تقدم 141/ 1106. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به برقم 196/ 1177 - حيث رواه المصنف رحمه الله هناك عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن الأعرج، عنه.
ومعنى قوله: "ونظرنا"، أي انتظرنا.
وموضع الترجمة قوله: "كبر، فسجد الخ"، ففيه بيان ما يفعله من قام من الركعة الثانية إلى الثالثة تاركا للتشهد نسيانا، وهو أن يكبر في آخر صلاته قبل أن يسلم، فيسجد سجدتي السهو، وهو جالس، ثم يسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[مسألة]: في مذاهب العلماء فيمن نسي التشهد الأول:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى في كتابه "الأوسط":
الذي عليه أكثر أهل العلم اتباع ظاهر خبر ابن بُحَينة، يقولون: إذا قام المصلي من الركعتين الأوليين، فإن ذكر بعد أن يستوى قائمًا لم يرجع إلى الجلوس، ومضى في صلاته، وسجد سجدتي السهو.
وممن روينا عنه أنه فعل ذلك عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وابن الزبير، والضحّاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وابن مسعود رضي الله عنهم.
وقد اختلف أهل العلم فيمن فعل ذلك:
فقالت طائفة: إذا ذكر، ولم يستتمّ قائمًا جلس، هذا قول علقمة، والضحّاك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي، وروي ذلك عن مكحول، وعمر بن عبد العزيز، غير أن الشافعي يرى إذا رجع إلى الجلوس أن يسجد سجدتي السهو، وفي قول علقمة،
والأوزاعي لا يسجد.
وقالت طائفة: إن ذكر ساعةً يقوم جلس، كذلك قال حمّاد بن أبي سليمان، وقال النخعي: يقعد ما لم يستفتح بالقراءة.
وقالت طائفة: إن المصلي إذا فارقت أَلْيَتُهُ الأرضَ، ونأ للقيام مضى كما هو، ولا يرجع حتى يجلس في الرابع، ثمّ يسجد سجدتي السهو قبل السلام، كذلك قال مالك ابن أنس، وقال حسّان بن عطيّة: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى.
وقالت طائفة: يقعد، وإن قرأ ما لم يركع، قال الحسن البصري: يقعد، وإن قرأ ثمانين آية، ما لم يركع. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي هو ما عليه الجمهور، وهو أن من قام من الركعتين الأوليين، وعليه جلوس لا يرجع إلى الجلوس، بل يمضي في صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام، ثم يسلم، لصحة حديث عبد الله ابن بحينة رضي الله عنه المذكور في الباب في ذلك. والله تعالى أعلم.
قال ابن المنذر رحمه الله: وقد اختُلف فيمن ذَكَرَ، وقد نهض للقيام قبل أن يستوي قائمًا، فجلس:
فرأت طائفة أن، يسجد سجود السهو، رُوي ذلك عن النعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وبه قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وأسقطت طائفة عنه سجود السهو، كان علقمة، والنخعي، والأوزاعي لا يرون عليه سجود السهو. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الراجح المذهب الأول، وهو أنه يسجد للسهو، لحديث معاوية رضي الله عنه مرفوعًا:"من نسي من صلاته شيئًا، فليسجد مثل هاتين السجدتين" رواه أحمد في "مسنده" جـ 4 ص 100 بإسناد حسن.
فقوله: "شيئًا" نكرة في سياق الشرط، فيعمّ قليل السهو وكثيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1223 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ).
(1)
"الأوسط" جـ 3 ص 287 - 291.
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا في السند السابق، إلا:
1 -
(الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة [7] تقدم 31/ 35.
2 -
(يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني القاضي، ثقة ثبت [5] تقدم 22/ 23.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
22 - (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكعَتَيْنِ نَاسِيًّا، وَتَكَلَّمَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سقط من بعض النسخ لفظ "ما يفعل".
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الفعل الذي يفعله الشخص الذي سلم على رأس الركعتين من الصلاة الرباعية، أو الثلاثية، وتكلم، ناسيًا.
فـ"ما" موصولة، ويحتمل أن تكون استفهامية، أي أي شيء يفعل من سلم من ركعتين، وتكلم ناسيًا؟.
و"ناسيًا" حال من فاعل سلّم، وحذف نظيره من "تكلم". والله تعالى أعلم بالصواب.
1224 -
(أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَلَكِنِّي نَسِيتُ، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ رضي الله عنهما، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، قَالَ: كَانَ يُسَمَّى ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ، أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟، قَالَ:"لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرِ الصَّلَاةُ"، قَالَ: وَقَالَ: "أَكَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَجَاءَ، فَصَلَّى الَّذِي كَانَ تَرَكَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَكَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ
أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(حُمَيد بن مَسْعَدَة) بن المبارك السّاميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [10] تقدم 5/ 5.
2 -
(يزيد بن زُرَيع) أبو مُعاوية البصري، ثقة ثبت [8] تقدم 5/ 5.
3 -
(ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان، أبو عون البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ [5] تقدم 29/ 33.
4 -
(محمد بن سيرين) أبو بكر بن أبي عَمْرة الأنصاري مولاهم البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر [3] تقدم 46/ 57.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه تقدم 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أثبات، غير شيخه، فصدوق.
ومنها: أنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابي، فمدني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة حديثًا، روى (5374) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه (صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم) وفي نسخة "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قال في "الفتح": ظاهر في أن أبا هريرة رضي الله عنه حضر القصة، وحمله الطحاوي على المجاز، فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين، وسبب ذلك قول الزهري: إن صاحب القصة استُشْهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون القضة وقعت قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين
(1)
لكن اتفق أئمة الحديث -كما نقله ابن عبد البرّ وغيره- على أن الزهري وَهمَ في ذلك، وسببه أنه جعل القصّة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعي، واسمه عُمَير بن عبد عمرو بن نَضْلَة، وأما ذو اليدين،
(1)
قال بعضهم: صوابه بأكثر من أربع سنين؛ لأن غزوة بدر وقعت في رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وإسلام أبي هريرة وقع عام خيبر في أول سنة سبع. فتأمل. والله تعالى أعلم.
فتأخر بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمدّة، لأنه حدّث بهذا الحديث بعد النبي صلى الله عليه وسلم، كما أخرجه الطبراني وغيره، وهو سُلَميّ، واسمه الخرْبَاق، على ما سيأتي البحث فيه.
وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه:"فقام رجل من بني سُلَيم"، فلما وقع عند الزهري بلفظ "فقام ذو الشمالين"، وهو يَعرف أنه قتل ببدر، قال لأجل ذلك: إن القصّة وقعت قبل بدر.
وقد جوّز بعض الأئمة أن تكون القصّة وقعت لكلّ من ذي الشمالين، وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين، فأرسل إحداهما، وهي قصّة ذي الشمالين، وشَاهَدَ الأُخرى، وهي قصّة ذي اليدين. وهذا مُحتمل من طريق الجمع.
وقيل: يُحمَل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضا: ذو اليدين، وبالعكس، فكان ذلك سببًا للاشتباه.
ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاويّ ما رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ "بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونصّ على ذلك الشافعي رحمه الله في "اختلاف الحديث"
(1)
.
(إحدى صلاتي العشي)"العشي" -بفتح العين المهملة، وكسر السين، وتشديد الياء، أصله من العشاء، وهي الظلمة، واختلف في تحديد وقت العشي، فالذي اختاره الأزهري أنه من زوال الشمس إلى غروبها، وقيل: من صلاة المغرب إلى العَتَمَة، وقال ابن الأثير: ما بعد الزوال إلى المغرب عشي، وقيل: العشي من زوال الشمس إلى الصباح. واختار الحافظ العلائي هذا القول، قال: وبه يحصل الجمع بين الأقوال كلها
(2)
.
(قال) ابن سيرين (قال أبو هريرة) رضي الله عنه (ولكني نسيت) أي تعيين تلك الصلاة، وهذا ظاهر في أن الشكّ من أبي هريرة رضي الله عنه، لكن وقع عند البخاري بلفظ:"إحدى صلاتي العشي"، قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا، فهذا صريح في أن الناسي هو ابن سيرين. وفي الرواية الآتية 1226 - من رواية أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة "صلاة العصر"، من غير شك، وفي رواية أبي سلمة -1227 - عنه "صلاة العصر" من غير شك أيضا، وفي رواية للبخاري:"الظهر، أو العصر"
(1)
"فتح" جـ 3 ص 327.
(2)
"نظم الفرائد" ص 123 - 124.
بالشك، وفي رواية له قال محمد:"وأكثر ظني أنها العصر". ولمسلم "إحدى صلاتي العشي، إما الظهر، وإما العصر".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعدَ من قال: يُحمل على أن القصة وقعت مرتين، بل الظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر، فجزم بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضا على ابن سيرين، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصّهَ من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة فىِ حديث عمران في قصة الخرباق أنها العصر، فإن قلنا: إنهما قصة واحدة، فيترجح رواية مَنْ عَيّنَ العصرَ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه. انتهى
(1)
.
(قال) أبو هريرة رضي الله عنه (فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فانطلق) أي ذهب (إلى خشبة معروضة في المسجد) أي موضوعة بالعَرْض، وفي رواية للبخاري:"ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد"، ولمسلم من طريق ابن عيينة، عن أيوب "ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد، فاستند إليها مغضبًا".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا تنافي بين هذه الروايات، لأنها تحمل على أن الجذع قبل اتخاذ المنبر كان ممتدّا بالعرض، وكأنه الجذع الذي كان صلى الله عليه وسلم يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشرّاح. انتهى.
(فقال بيده عليها) أي اتكأ بيده على تلك الخشبة، وفيه إطلاق القول على الفعل، لأن مادة القول تستعملها العرب لعدة معان، قال ابن الأنباري رحمه الله:"قال" تجيء بمعنى "تكلم"، و"ضرب"، و"غلب"، و"مات"، و"مال"، و"استراح"، و"أقبل"، ويعبّر بها عن التهيؤ للأفعال، والاستعداد لها، يقال: قال، فأكل، وقال، فضرب، وقال، فتكلم، ونحوه. ذكره المجد اللغوي رحمه الله في "ق". ونظمت ذلك بقولي:
تجَيءُ "قَالَ" لِمَعَانٍ تُجتَلَى
…
تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَاتَ أَقْبَلَا
وَمَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلَبَا
…
وَلِلتَّهَيُّؤ لِفِعْلٍ يُجْتَبَى
فَجُمْلَةُ الْمَعَانِ قُلْ ثَمَانِيَهْ
…
فَاحْفَظْ فَإِنَّها مَعَانٍ سَامِيَهْ
(2)
(كأنه غضبان) أي كأن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة مشابه لحالة من غضب بسبب شىء رآه، أو سمعه.
(1)
"فتح" جـ 3 ص 427 - 428.
(2)
هذه الأبيات تقدمت في هذا الشرح، وإنما أعيدت تذكيرًا لطول العهد بها. فتنبه.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حال الصلاة مشغول البال بأمر أوجب له ذلك الغضب، وهو الذي حمله على أن صلى ركعتين، وسلم، ولم يشعر بذلك. انتهى
(1)
.
(وخرجت السَّرَعَانُ) هم أوائل الناس خروجا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبا.
وقال ابن الأثير: هم أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء، ويُقبلون عليه بسرعة.
وقال الحافظ ابن رجب: وسرعان الناس: هم الذين أسرعوا الخروج من المسجد، فظنوا أن الصلاة قصرت، فتحدثوا بذلك، وهذا يدلّ على أنه لم يخف ذلك على عامّة من كان في المسجد أو كلّهم. انتهى
(2)
.
قال القاضي عياض: رويناه بفتح السين والراء عن مُتقني شيوخنا، وهو قول الكسائي، وغيرُهُ يسكن الراء.
وقال الخطابي: ويقال لهم: سرعان -بكسر السين، وسكون الراء- وهو جمع سريع، كقولهم: رَعيل ورعلان
(3)
.
وقال عياض: ورويناه في البخاري من طريق الأصيلي بضم السين، وإسكان الراء، وكذا وجدته بخطه في أصله. ووجهه أنه جمع سريع، كقفيز وقُفْزان، وكَثيب وكُثبان.
قال الحافظ العلائي: الذي قاله جمهور أهل اللغة هو القول الأول، بفتح السين والراء معًا. لكن فرق أبو العباس المبرّد، فقال: إذا كان السَّرَعان من الناس قيل: بفتح الراء وسكونها، وإن كان من غيرهم فالفتح أفصح، ويجوز الإسكان
(4)
.
(فقالوا: أقصرت الصلاة؟) بهمزة الاستفهام، وفي نسخة "قصرت الصلاة؟ " بدون الهمزة، فتكون مقدّرة.
وفيه دليل على ورعهم، إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم، وهابوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوه، وإنما استفهموا، لأن الزمان زمان النسخ.
و"قصرت" -بضم القاف، وكسر المهملة- على البناء للمفعول، أي إن الله قَصَرَها،
(1)
انظر "فتح الباري في شرح البخاري" للحافظ ابن رجب جـ 9 ص 442.
(2)
"شرح البخاري" جـ 9 ص 442 - 443.
(3)
هكذا قال الخطابي في "معالم السنن" جـ 1 ص 334 لكن قال في "غريب الحديث" جـ 3 ص 226 - 227 يرويه العامة سرعان الناس -مكسورة السين، ساكنة الراء- وهو غلط، والصواب سرعان الناس -بنصب السين، وفتح الراء- هكذا يقول الكسائي، وقال غيره: سرعان -ساكنة الراء- والأول أجود. انتهى.
(4)
راجع "نظم الفرائد" ص 127 - 128.
و-بفتح، ثم ضم- على البناء للفاعل، أي صارت قصيرة. قال النووي رحمه الله: هذا أكثر وأرجح. انتهى
(1)
.
وقال الحافظ العلائي: وقوله: "أقصرت الصلاة" فيه روايتان، إحداهما بضم القاف، وكسر الصاد على البناء لما لم يسم فاعله. والثانية: بفتح القاف، وضم الصاد، والفعل لازم ومتعدّ، فاللازم مضموم الصاد التي هي عين الكلمة، لأنه من الأمور الخَلْقيّة، كحَسُنَ وقَبُحَ، والمتعدي بفتح الصاد، ومنه قَصَرَ الصلاةَ وقَصَّرَها، وأقصرها على السواء. حكاه الأزهري.
ولا يقال: إن "قَصَرَ" إذا كان مخففًا لا يتعدّى إلا بحرف الجرّ، كقوله تعالى:{أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101] لأنا نقول تعديه بنفسه ثابت ومنقول، حكاه أيضا الجوهري وغيره.
وأما "من" في الآية فزائدة عند الأخفش، وصفة لمحذوف عند سيبويه، تقديره "شيئًا من الصلاة". انتهى بتصرف.
(وفي القوم أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما) أي وكان مع القوم الذين صلَّوّا مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما (فهاباه أن يكلماه) وفي بعض النسخ "فهابا" بإسقاط الضمير المنصوب.
و"الهيبة": إجلالٌ ومخافةٌ ناشئة عن إعظام.
والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه، وتعظيمه عن الاعتراض عليه، وأما ذو اليدين، فغلب عليه حرصه على تعلم العلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وأما هيبة أبي بكر وعمر أن يكلماه مع قربهما منه، واختصاصهما به فلشدّة معرفتهما بعظمته وحقوقه، وقوةُ المعرفة توجب الهيبة، كما أن أشد الناس معرفة بالله أشدهم له خشيةً وهيبةً وإجلالًا، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. انتهى.
وقال الحافظ العلائي رحمه الله: معنى الحديث: أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لما غَلَبَ عليهما من احترام النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف امتنعا من تكليمه.
هذا مع ما روَى الترمذي في "جامعه" بسند جيّد عن أنس رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج على أصحابه، فلا ينظر إليه أحد سوى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما، ويبتسمان إليه، ويبتسم إليهما.
(1)
"فتح" جـ 3 ص 431.
ففي هذا المقام غلبت عليهما الهيبة له صلى الله عليه وسلم مع علمهما بأنه سيتبين أمرُ مَا وقع.
وأما إقدام ذي اليدين على السؤال والفحص ابتداءً، فهو لشدة حرصه على تعلم العلم، واعتنائه بأمر الصلاة. انتهى
(1)
.
وقوله: "أن يكلماه" في موضع نصب بدل من الهاء في "هاباه"، بدل ظاهر من مضمر، وهو بدل اشتمال، والتقدير "فهاباه تكليمه"، والمعنى "هابا تكليمه"، لأن البدل هو المقصود بالنسبة. أفاده العلائي رحمه الله تعالى.
(وفي القول رجل) مبتدأ وخبر (في يديه طول) مبتدأ وخبر أيضًا، والجملة في محلّ رفع صفة "رجل"، أو في محلّ نصب حال منه، وإن كان نكرة، لتقدم الخبر، الجارّ والمجرور عليه.
والمعنى: أنه كان مع القوم رجل موصوف بطول اليدين. وهو محمول على الحقيقة، ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل، أو بالبذل. قاله القرطبي. وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعًا. وحكي عن بعض شُرّاح "التنبيه" أنه قال: كان قصير اليدين، فكأنه ظن أنه حميد الطويل، فهو الذي فيه الخلاف.
والصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق -بكسر المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، وآخره قاف- اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما عند مسلم، ولفظه "فقام رجل، يقال له: الخرباق، وكان فى يده طول"، وهذا صنيع من يُوَحِّدُ حديثَ أبي هريرة بحديث عمران، قال الحافظ: وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة، ومن تبعه جَنَحُوا إلى التعدد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه صلى الله عليه وسلم قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله لمّا فرغ من الصلاة.
فأما الأول: فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلّم في ابتداء الركعة الثالثة، واستبعده. ولكن طريق الجمع يُكتفى فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصّة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كلّ مرّة استفهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، واستفهم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابةَ عن صحّة قوله.
وأما الثاني: فلعلّ الراوي لمّا رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله، لكون الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة
(1)
"نظم الفرائد" ص 126 - 127.
أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعي، وأبو داود، وابن ماجه، وأبن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه، كما أخرجه أبو بكر الأثرم، وعبد الله بن أحمد في زيادات "المسند"، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وغيرهم.
وقد ورد ما يدلّ على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة:"نُبِّئت أن عمران بن حُصَين قال: ثم سلّم". انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرف
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ رحمه الله تعالى من دعوى الاتحاد بين حديث أبي هريرة، وحديث عمران بن حُصين رضي الله عنهم فيه نظر، والذي ذكره في وجه الجمع ظاهر التكلف، فالذي يظهر أن ما رجحه ابن خزيمة، ومن تبعه هو الصواب، إذ لا تكلف فيه. فتأمل. وسيأتي تمام الكلام عند ذكر كلام الحافظ العلائي رحمه الله تعالى في المسائل. إن شاء الله تعالى.
(قال) أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (كان يسمّى ذا اليدين) فيه دليل على أنه يجوز دعاء الإنسان بغير اسمه، ولا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة، وربما كان يُدعى بذلك من باب الفكاهة والمزاح، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم لرجل:"يا ذا الأذنين" قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى.
(فقال: يا رسول الله أنسيت، أم قصرت الصلاة؟) استفهام عن سبب تسليمه على رأس الركعتين.
(قال) صلى الله عليه وسلم (لم أنس، ولم تقصر الصلاة) قال في "الفتح"
(2)
: كذا في أكثر الطرق، وهو صريح في نفي النسيان، ونفي القصر، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان، عن أبي هريرة:"كل ذلك لم يكن"، وتأييد لما قاله أصحاب المعاني: إن لفظة "كلّ" إذا تقدمت، وعقبها النفي كان نفيًا لكلّ فرد، لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كلّ ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله:"قد كان بعض ذلك"، وأجابه في رواية بقوله:"بلى قد نسيتَ"، لأنه لمّا نفى الأمرين، وكان مقرّرًا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان، لا القصر.
وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وإن كان عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف
(1)
"فتح" جـ 3 ص 432.
(2)
راجع "الفتح" جـ 3 ص 432 - 433.
بالأفعال، لكنهم تعقبوه.
نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يُقَرُّ عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلًا بالفعل، أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله:"لم أنسَ، ولم تُقصَر"، ثم تبيّن أنه نسي.
ومعنى قوله: لم أنس، أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر. ويستفاد منه أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين. وفائدة جواز السهو في مثل هذا بيانُ الحكم الشرعي، إذا وقع مثله لغيره.
وأمّا من منع السهو مطلقًا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:
فقيل: قوله: "لم أنس" نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وهو مردود، ويكفي في ردّه قوله في الحديث:"بلى قد نسيتَ"، وأقرّه على ذلك.
وقيل: قوله. "لم أنسَ" على ظاهره، وحقيقته، وكان يتعمّد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول، وتُعُقّب بحديث ابن مسعود رضي الله عنه الآتي عند النسائي -26/ 1256 - ففيه:"إنما أنا بشر أنسى كما تنسون"، فأثبت العلة قبل الحكم، وقيد الحكم بقوله:"إنما أنا بشر"، ولم يكتف بإثبات وصف النسيان حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا، فقال:"كما تنسون".
وبهذا الحديث يردّ أيضًا قول من قال: معنى قوله: "لم أنسَ" إنكارٌ للّفظ الذي نفاه عن نفسه، حيث قال:"إني لا أنسى، ولكن أُنَسَّى"، وإنكارٌ للّفظ الذي أنكره على غيره، حيث قال:"بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا".
وقد تعقبوا هذا أيضا بأن حديث "إني لا أنسى"، لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وأما الآخر فلا يلزم من ذمّ إضافة نسيان الآية ذمّ إضافة نسيان كلّ شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدّا.
وقيل: إن قوله: "لم أنسَ" راجع إلى السلام، أي سلّمت قصدًا بانيًا على ما في اعتقادي أني صليت أربعًا، وهذا جيّد، وكأن ذا اليدين فهم العموم، فقال:"بلى قد نسيت"، وكأن هذا القول أوقع شكّا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين.
وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلًا، ولم يُقبَل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسؤول، مغاير لما في اعتقاده.
وبهذا يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسّي بحضرة جمع، لا يَخفَى عليهم، ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حاملَ لهم على السكوت عنه، ثم لم يُكَذِّبُوه أنه لا يقطع
بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارَضًا باعتقاد المسؤول خلاف ما أخبر به.
(قال) أي أبو هريرة رضي الله عنه (وقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (أكما قال ذو اليدين) الهمزة للاستفهام، أي هل الأمر كما قال ذو اليدين من وقوع الخلل في هذه الصلاة؟. (قالوا: نعم) وفي رواية أبي داود: فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأو مأوا، أي نعم. وفي رواية لمسلم: نظر صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالا، فقال:"ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين.
قيل: ولا منافاة بين هذه الروايات، لإمكان الجمع بينها بأن بعض الرواة جمع بين الإشارة والكلام، وبعضهم أشار، وبعضهم تكلم.
(فجاء) صلى الله عليه وسلم من عند الخشبة المعترضة إلى مصلاه (فصلى الذي كان تركه) وفي رواية أبي داود: "فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقامه، فصلى الركعتين الباقيتين".
(ثم سلم) قال الحافظ العلائي رحمه الله: جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شيء منها أن السجود بعد السلام. كذا في شرح ابن رسلان لسنن أبي داود، وهذا يهدم قاعدة المالكية، ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل السلام.
(ثم كبر) أي بعد السلام للسجود. قال في "الفتح": اختلف في سجود السهو بعد السلام، هل يشترط له تكبيرة الإحرام، أو يُكتفَى بتكبيرة السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث.
وحكى القرطبي أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام، لابدّ له من تكبيرة إحرام، ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين في هذا الحديث، قال:"فكبر، ثم كبر، وسجد للسهو". قال أبو داود: لم يقل أحد: "فكبر، ثم كبر" إلا حماد ابن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة.
وقال القرطبي أيضًا: قوله -يعني في رواية مالك-: "فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد" يدلّ على التكبيرة للإحرام، لأنه أتى بـ"ثمّ" التي تقتضي التراخي، فلو كان التكبير للسجود لكان معه.
وتعقّب بأن ذلك من تصرّف الرواة، فقد رواه ابن عون، عن ابن سيرين بلفظ:"فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر، وسجد"، فأتى بواو المصاحبة التي تقتضي المعية. والله أعلم. انتهى
(1)
.
(1)
"فتح" جـ 3 ص 430 - 431.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي قول الجمهور، وهو أنه لا يحتاج لتكبيرة الإحرام، بل التكبير للسجود فقط، لظاهر هذه الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم.
(فسجد) أي للسهو (مثل سجوده) الذي يسجله للصلاة (أو أطول) منه (ثم رفع رأسه، وكبر) أي للرفع من السجود (ثم كبر) أي للسجود الثاني (ثم سجد) ثانيًا (مثل سجوده) الأول، أو مثل سجوده للصلاة، والأول أقرب لفظا، والثاني معنى (أو أطول) منه (ثم رفع رأسه) أي من السجدة الثانية (ثم كبر)"ثم" بمعنى الواو، وفي "الكبرى""فكبر" بالفاء، وفي رواية البخاري:"وكبر" بالواو.
وفي رواية الشيخين: فربما سألوه -أي ابن سيرين- "ثم سلّم"؟ قال: نُبِّئت عن عمران بن حصين أنه قال: "وسلّم".
وأخرج البخاري عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة.
قال في "الفتح": وقد يفهم من قوله: ليس في حديث أبي هريرة أنه ورد في حديث غيره، وهو كذلك، فقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، عن عمران بن حُصين، "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم". قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وضعفه البيهقي، وابن عبد البرّ، وغيرهما، وسيأتي تمام الكلام عليه في كلام الحافظ العلائي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -22/ 1224 - وفي "الكبرى" -1147 - عن حُمَيد بن مسعدة، عن يزيد بن زيع، عن عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، عنه. وفي -1225 - و"الكبرى" -1148 - عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن أيوب، عن ابن سيرين به، عنه. وفي -1226 - "الكبرى" -1149 - عن قتيبة، عن مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد، عنه. وفي -1227 -
و"الكبرى" -560 و 1150 - عن سليمان بن عبيد الله، عن بهز بن أسد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عنه.
زاد في "الكبرى": "قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا ذكر عن أبي سلمة في هذا. الحديث "ثم سجد سجدتين" غير سعد.
وفي -1228 - و"الكبرى" -561 و 1151 - عن عيسى بن حماد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عنه. وفي -1229 - و"الكبرى" -564 و 1152 - عن هارون بن موسى الفَرَوي، عن أبي ضمرة أنس بن عياض، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عنه. وفي -1230 - و"الكبرى" -565 و 1153 - عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، وأبي بكر بن سليمان، بن أبي حثمة، كلاهما عنه. وفي -1231 - و"الكبرى" -566 و 1154 - عن أبي داود الحرّاني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، أنه بلغه، فذكره مرسلًا. وفي 23/ 1232 - و"الكبرى" -568 و 1155 - عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن أبي حثمة، كلهم عنه. وفي -1233 - و"الكبرى" -571 و 1156 - عن عمرو بن سَوَّاد، عن عبد الله بن وهب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عنه. وفي -1234 - و"الكبرى" -572 و 1157 - عن عمرو بن سوّاد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عنه. وفي -1235 - و"الكبرى" -1158 - عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن بقية بن الوليد، عن شعبة، عن ابن عون، وخالد الحذّاء، كلاهما عن ابن سيرين عنه. وفي "الكبرى" 114/ 562 - عن إبراهيم بن يعقوب، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه. وفي -563 - من "الكبرى" عن أحمد بن سعيد، عن حَبَّان بن هلال، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير به. وفي -76/ 1330 - و"الكبرى" -569 - عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن عكرمة بن عَمّار، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) 1/ 183 عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك به. و 1/ 129 - عن إسحاق، عن النضر بن شُميل، عن ابن عون به. و 2/ 86 - عن إسماعيل، عن مالك
به. و 8/ 20 - عن حفص بن عمر، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين به. و 2/ 86 - عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. و 1/ 183 - عن أبي الوليد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، به. و 2/ 85 - عن آدم، عن شعبة به.
(م) 2/ 86 - عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، جميعا عن ابن عيينة- (ح) وعن أبي الرَّبيع الزَّهْراني، عن حماد بن زيد - كلاهما عن أيوب به. و-2/ 87 - عن قتيبة، عن مالك يه. وعن حجاج بن الشاعر، عن هارون بن إسماعيل الخزّاز، عن علي بن المبارك- (ح) وعن إسحاق بن منصور، عن عُبيد الله بن موسى، عن شيبان - كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به.
(د) رقم 1008 - عن محمد بن عُبيد، عن حماد بن زيد -1009 - عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك - كلاهما عن أيوب به. و 1010 - عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن سلمة بن علقمة به. و-1011 - عن علي بن نصر، عن سليمان بن حرب، عن حماد ابن زيد، عن أيوب، وهشام، ويحيى بن عتيق، وابن عون، كلهم عن ابن سيرين به. و-1012 - عن محمد بن يحيى بن فارس، عن محمد ابن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله، كلهم عنه.
و-1013 - عن حجاج بن أبي يعقوب، عن يعقوب بن إبراهيم به. و-1014 - عن ابن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. و-1015 - عن إسماعيل بن أسد، عن شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري به. و-1016 - عن هارون بن عبد الله، عن هاشم بن القاسم، عن عكرمة بن عمّار به.
(ت) رقم -399 - عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن بن عيسى، عن مالك به.
(ق) رقم -1214 - عن علي بن محمد، عن أبي أسامة، عن ابن عون به.
وأخرجه مالك في "الموطإ" ص 79 و80 (والحميدي) رقم 983 و 984 (وأحمد) 2/ 247 و 2/ 284 و 2/ 234 و 2/ 447 و 2/ 459 و 2/ 532 و 2/ 386 و 2/ 423 و 2/ 271 و 2/ 468 و 2/ 423 (والدارمي) رقم 1504 و 1505 (وابن خزيمة) رقم 860 و 1035 و 1036 و 1038 و 1042 و 1043 و 1051 و 1046 و 1040 و 1044 و 1045 و 1047 و 1048 و 1049 و 1041. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في ذكر فوائد الحديث، وإن كان تقدم ذكر بعضها، إلا أن ذكرها مجموعة في موضع واحد أنفع:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان الفعل الذي يفعله من سلّم من الركعتين، وتكلم ناسيًا، وذلك أن يكمل ما بقي من صلاته، ثم يسجد سجدتين لسهوه.
ومنها: أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر، وكان المجلس متحدًا، ومنعت العادة غفلتهم عن ذلك أن لا يقبل خبره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل خبر ذي اليدين، بل سأل الصحابة، "أصدق ذو اليدين؟ "، فلما وافقوه رجع إلى قولهم.
ومنها: العمل بالاستصحاب، لأن ذا اليدين استصحب حكم الإتمام، فسأل، مع كون أفعال النبي صلى الله عليه وسلم للتشريع، والأصل عدم السهو، والوقتُ قابل للنسخ، وبقية الصحابة ترددوا بين الاستصحاب، وتجويز النسخ، فسكتوا، والسرعان هم الذين بنوا على النسخ، فجزموا بأن الصلاة قصرت، فيؤخذ منه جواز الاجتهاد في الأحكام.
ومنها: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا، قال سحنون: إنما يبني من سلّمَ من ركعتين، كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيُقتصر به على مورد النصّ، وأُلزمَ بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشيّ، فيمنعه مثلًا في الصبح. والذين قالوا: يجوز البناء مطلقًا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل، واختلفوا في قدر الطول، فحدّه الشافعي رحمه الله في "الأمّ" بالعرف، وفي "البويطي" بقدر ركعة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قدر الصلاة التي يقع السهو فيها.
ومنها: أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام، ونيةَ الخروج من الصلاة سهوًا لا يقطع الصلاة.
ومنها: أن سجود السهو يكون بعد السلام، وسيأتي تمام البحث فيه، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن سجود السهو سجدتان كسجدتي الصلاة، وبينهما جلسة فاصلة، وهذا أمر مجمع عليه.
ومنها: أن سجود السهو لا يكون إلا في آخر الصلاة، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد إلا في آخرها. وقد قيل: الحكمة في ذلك أنه شُرع جابرًا لما يقع في الصلاة من الخلل، إما بزيادة أو نقص، فاقتضت الحكمة كونَه آخرًا ليجبر جميع ما تقدمه من الخلل، إذ لو فُعل في الوسط ربما تجدد بعده سهو آخر، فيستدعي تكرار سجود السهو، ولم يُشرع إلا سجدتان، ولو تعدد السهو. والله تعالى أعلم.
ومنها: مشروعية التكبير لسجود السهو في الهُويّ والرفع منه، كما في سجود الصلاة.
ومنها: مشروعية الجهر بتكبير سجود السهو، ليعلم المأمومون بانتقالات الإمام،
فيأتموا به.
ومنها: أن الكلام سهوًا لا يبطل الصلاة، خلافًا للحنفية.
قال الحافظ رحمه الله تعالى
(1)
: وأما قول بعضهم: إن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة، فضعيف؛ لأنه اعتمد على قول الزهري: إنها كانت قبل بدر، وقد قدمنا أنه إما من وهم الزهري في ذلك، أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت شهود أبي هريرة رضي الله عنه للقصة، كما تقدم، وشهدها عمران بن حُصين، وإسلامه متأخر أيضًا، وروى معاوية بن حُدَيج -بمهملة وجيم مصغرًا- قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام، ثم البناء، أخرجها أبو داود، وابن خزيمة، وغيرهما، وكان إسلامه قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين.
وقال ابن بطال رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم رضي الله عنه: "ونهينا عن الكلام" أي إلا إذا وقع سهوًا، أو عمدًا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي اليدين. انتهى.
ومنها: أنه يستدلّ به على أن المقدّر في حديث "رُفعَ عن أمتي الخطأ والنسيان"، أي إثمهما وحكمهما، خلافا لمن قصره على الإثم.
ومنها: أنه استَدَلّ به من قال: إن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتكلم إلا ناسيًا، وأما قول ذي اليدين له:"بلى قد نسيت"، وقول الصحابة له:"صدق ذو اليدين"، فإنهم تكلموا معتقدين النسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، فتكلموا ظنًّا أنهم ليسوا في صلاة، كذا قيل، وهو فاسد، لأنهم كلموه بعد قوله صلى الله عليه وسلم:"لم تُقصر".
وأجيب بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومأوا، كما عند أبي داود في رواية، ساق مسلم إسنادها، وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حملُ القول على الإشارة مجازًا سائغٌ، بخلاف عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه.
قال الحافظ: وهو قويّ، وهو أقوى من قول غيره: يُحمَلُ على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم بالإشارة، لكن يبقى قول ذي اليدين:"بلى قد نسيت"، ويجاب عنه، وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا بأن كلامهم كان جوابًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وجوابه لا يقطع الصلاة، كما تقدم في حديث أبي سعيد بن المعَلَّى رضي الله عنه 26/ 913.
وتعقب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدمُ قطع الصلاة.
(1)
راجع "الفتح" جـ 3 ص 434.
وأجيب بأنه ثبت مخاطبته صلى الله عليه وسلم في التشهد، وهو حيّ بقولهم:"السلام عليك أيها النبي"، ولم تفسد الصلاة. والظاهر أن ذلك من خصائصه.
ويَحتَمل أن يقال: ما دام النبي صلى الله عليه وسلم يراجع المصلي، فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب، لقول ذي اليدين:"بلى قد نسيتَ"، ولم تبطل صلاته. والله تعالى أعلم.
ومنها: أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس، خلافًا للأوزاعي، ورَوَى ابن أبي شيبة عن النخعي أن لكلّ سهو سجدتين، وَوَرَدَ على وفقه حديثُ ثوبان رضي الله عنه عند أحمد، وإسناده منقطع، وحمل على أن معناه أن من سها بأي سهو كان شُرع له السجود، أي لا يختصّ بما سجد فيه الشارع. وروى البيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها:"سجدتا السهو تُجزئان من كلّ زيادة ونقصان". وفيه أنه انفرد به حكيم بن نافع الرّقّي، وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: ليس بشيء. قال العلائي: هو شاذّ بمرة لتفرد حكيم به من بين أصحاب هشام بن عروة، ولا يُحتمل منه مثل هذا التفرّد. انتهى
(1)
.
ومنها: أنه لا فرق بين الفرض والنفل في سجود السهو، لأن الذي يحتاج إليه الفرض من الجبر يحتاج إليه النفل، وهذا مذهب الجمهور، وذهب ابن سيرين، وقتادة إلى أن التطوع لا يُسجَد للسهو فيه. واختلف القول عن عطاء بن أبي رباح، وقد نقل هذا جماعة من الشافعية قولًا قديمًا للشافعي.
ومنها: أن المأموم يلزمه السجود مع الإمام بسهو الإمام، وإن لم يسهُ هو، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سها وسجد، وسجد القوم معه. وهذا مذهب كافة العلماء، إلا ابن سيرين، فقد حُكي عنه أنه قال: لا يسجد معه. وقيل: المنقول عنه أنه إذا أدرك المأموم بعضَ صلاة الإمام، ثم سها الإمام، فسجد للسهو لم يلزم المأموم متابعته، لأنه ليس موضع سجود المأموم
(2)
.
ومنها: أن اليقين لا يُترك إلا باليقين، لأن ذا اليدين كان على يقين أن فرضهم الأربع، فلما اقتصر فيها على اثنتين سأل عن ذلك، ولم ينكر عليه سؤاله.
ومنها: أن الظن قد يصير يقينًا بخبر أهل الصدق، وهذا مبني على أنه صلى الله عليه وسلم رجع لخبر الجماعة.
وبه قال مالك، وأحمد، وغيرهما، ومنهم من قيده بما إذا كان الإمام مجوّزًا لوقوع
(1)
"نظم الفرائد" ص 375.
(2)
"نظم الفرائد" ص 380 - 381.
السهو منه، بخلاف ما إذا كان متحققًا لخلاف ذلك، أخذًا من ترك رجوعه صلى الله عليه وسلم لذي اليدين، ورجوعه للصحابة، ومن حجتهم قوله في حديث ابن مسعود رضي الله عنه:"فإذا نسيت فذكّروني".
وقال الشافعي رحمه الله: معنى قوله: "فذكروني"، أي لأتذكّر، ولا يلزم منه أن يرجع لمجرّد إخبارهم، واحتمال كونه تذكّر عند إخبارهم لا يُدفَعُ.
وفرق بعض المالكية والشافعية بين ما إذا كان المخبرون ممن يحصل العلم بخبرهم، فيقبل، ويقدم على ظن الإمام أنه قد كمّل الصلاة، بخلاف غيرهم.
قال الجامع عفا الله عنه تعالى: الذي يظهر لي أن الراجح ما ذهب إليه مالك، وأحمد رحمهما الله من رجوع الإمام إلى قول المأمومين مطلقًا، ولو لم يتذكر، لظاهر حديث الباب، وعدم ورود ما يدلّ على اشتراط التذكر، وهو مذهب الإمام البخاري رحمه الله في "صحيحه". والله تعالى أعلم.
ومنها: أنه استنبط منه بعض العلماء القائلين بالرجوع إلى قول المأمومين اشتراط العدد في مثل هذا، وألحقوه بالشهادة، وفزعوا عليه أن الحاكم إذا نسي حكمه، وشهد به شاهدان أنه يعتمد عليهما.
ومنها: أنه استدلّ به الحنفية على أن الهلال لا يُقبَل بشهادة الآحاد، إذا كانت السماء مصحيةً، بل لابدّ فيه من عدد الاستفاضة.
وتعقب بأن سبب الاستثبات كونه أخبر عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف رؤية الهلال، فإن الأبصار ليست متساوية في رؤيته، بل متفاوتة قطعًا.
ومنها: أن من سلّم معتقدًا أنه أتم، ثم طرأ عليه شكّ، هل أتمّ، أو نقص أنه يكتفي باعتقاده الأول، ولا يجب عليه الأخذ باليقين، ووجهه أن ذا اليدين لمّا أخبر أثار خبره شكًا، ومع ذلك لم يرجع النبي صلى الله عليه وسلم حتى استثبت.
ومنها: أن البخاري رحمه الله استدل به على جواز تشبيك الأصابع في المسجد، وعلى أن الإمام يرجع لقول المأمومين إذا شك، وعلى جواز التعريف باللقب، وعلى الترجيح بكثرة الرواة.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المقصود كان تقوية الأمر المسؤول عنه، لا ترجيح خبر على خبر.
ومنها: قوله: "أكما يقول ذو اليدين" فيه جواز التلقيب بما لا يراد به الشين والعيب.
قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري رحمه الله في "صحيحه":
"باب ما يجوز من ذكر الناس، نحو قولهم: الطويل والقصير، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما
يقول ذو اليدين؟ "، وما لا يُراد به شَيْنُ الرجل، ثم ساق حديث ذي اليدين بسنده، مشيرًا به إلى أن مثل هذه الألقاب والصفات التي لا يُراد بها وصف الرجل بما فيه نقص عليه، ولا يتأذّى منه يجوز، وأن قوله تعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [الحجرات: 11] عامّ مخصوص بما لا يتأذّى به الملقَّبُ كما في هذا الحديث، وكقوله صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه: "قم أبا تراب"، ونحو ذلك، أو هو عامّ أريد به الخصوص بدليل قوله تعالى عَقب ذلك:{بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} الآية [الحجرات: 11].
ففي الآية إشارة إلى أن المنهيّ عنه التلقيب بالفسق ونحو ذلك، وهكذا قال قتادة وعكرمة في تفسير الآية: هو الرجل يقول للرجل: يا فاسق، يا منافق، يا كافر.
وقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يسلم، فيُقال له بعد إسلامه: يا يهوديّ، يا نصراني، فنُهُوا عن ذلك.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عملَ بالسيّآت، ثم تاب منها، وراجَعَ الحقَّ، فنهى الله تعالى أن يُعير بما سلف من عمله
(1)
.
وكلّ هذه التفاسير راجعة إلى ما دلّت عليه تمام الآية.
وروى الإمام الترمذي رحمه الله في "جامعه" عن أبي جُبَيرة بن الضحاك الأنصاري رضي الله عنه، قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيُدعا ببعضها، فعسى أن يكره، فنزلت هذه الآية:{وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}
(2)
.
والحاصل: أن الألقاب على ثلاثة أقسام:
قسم منها لا يُشعر بذمّ ولا نقص، ولا يَكره صاحبه تسميته به، فلا رَيبَ في جوازه، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أصدق ذو اليدين؟ "، فقد تقدم أن هذا الصحابي رضي الله عنه كانت يداه طويلتين، وأنه يَحتمل أن يكون ذلك كنايةً عن طولهما بالبذل والعمل، وأيًّا ما كان، فليس ذلك مما يقتضي ذمًا ولا نقصًا.
وثانيهما: يُشعر بتنقيص المسمّى به وذمّه، وليس ذلك بوصف خَلْقيّ، فلا ريب في تحريم ذلك، لدلالة الآية الكريمة، ولا يزول التحريم برضى المُسمى به بذلك، كما لا يرتفع تحريم القذف والكذب برضى المقول فيه بذلك، واستدعائه من قائله.
وثالثها: ما يشعر بوصف خَلْقي، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأشلّ، والأثرم، وأشباه ذلك، فما غلب منه على صاحبه حتى صار كالعلم له بحيث أنه يَنفكّ عنه قصد التنقص عند الإطلاق غالبًا، فليس بمحرّم، ولعلّ إجماع أهل الحديث قديمًا
(1)
أخرجه ابن جرير، وإسناده ضعيف جدًّا.
(2)
قال الترمذيّ رقم 3268: هذا حديث حسن صحيح.
وحديثًا على استعمال مثل ذلك، ولا يضرّ كون المقول فيه يكرهه، لأن القائل لذلك لم يقصد تنقّصه، وإنما قصد تعريفه، فجاز هذا للحاجة، كما جاز جرح الرواة، وذكر مثالبهم للحاجة إليه، وما كان غير غالب على صاحبه، ولا يُقصد به العلميةُ والتعريفُ له، فلا يسمّى لقبًا، ولكنه إذا علم رضى المقول فيه بذلك، ولم يُقصَد تنقّصه بهذا الوصف لم يحرم، ومتى وُجد أحد هذين كان حرامًا والله تعالى أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في بيان ما يتعلق بذي اليدين:
لقد أجاد البحثَ في هذا الموصوع الحافظُ أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي -664 - 763 هـ- في مؤلف لا نظير له في بابه، سماه "نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد"، فأتى فيه بالعجب العُجاب، فلذا أحببت إيراد هذا البحث مما كتبه رحمه الله، تتميمًا للفائدة، ونشرا للعائدة. قال رحمه الله تعالى:
للناس فيه خلاف في موضعين:
أحدهما: في أنه ذو الشمالين، أو غيره.
والثاني: في أن ذا اليدين هل هو الخرباق المذكور في حديث عمران بن حصين، أم هما اثنان؟.
أما الأول فجمهور العلماء على أن ذا اليدين المذكور في حديث السهو هذا من رواية أبي هريرة رضي الله عنه غير ذي الشمالين، وهذا هو الصحيح الراجح إن شاء الله.
والحجة لذلك: ما ثبت من طرق كثيرة أن أبا هريرة رضي الله عنه كان حاضرًا هذه القصة يومئذ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذلك رواه حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشيّ. أخرجه مسلم.
وكذلك رواه سفيان بن عيينة، عن أيوب. أخرجه ابن الجارود في "المنتقى".
وكذلك رواه ابن عون عن محمد بن سيرين بهذا اللفظ. أخرجه النسائي، وابن خزيمة في "صحيحه".
وكذلك أيضًا رواه هشام بن حسّان، عن ابن سيرين. رواه الأثرم في "سننه" عن عبد الله بن بكر السهمي عنه.
ورواه ابن خزيمة، وأبو داود أيضًا كذلك من حديث سلمة بن علقمة، عن ابن
(1)
"نظم الفرائد" ص 418 - 421.
سيرين به.
ورواه مالك في "الموطإ" عن داود بن الحُصَين، عن أبى سفيان مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟. . . وذكر الحديث.
وأخرجه من هذا الوجه مسلم، والنسائي بهذا اللفظ.
وأخرجه مسلم أيضًا من حديث شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بينا أنا أُصلي مع رسول صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر سلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الركعتين، فقام رجل من بني سُلَيم. . . واقتص الحديث.
وأخرجه البخاري في "صحيحه" من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة" عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، أو العصر، فسلم، فقال ذو اليدين:. . . وذكر الحديث.
وروى عكرمة بن عمّار، ويحيى بن أبي كثير، عن ضَمْضَم بن جَوْس، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشيّ، وذكر الحديث.
رواه ابن عبد البرّ في "التمهيد".
ثم قال: وكذا رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وابنُ أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه هذا الحديث: صلى بنا رسول صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ العلائي رحمه الله: فهذه طرق صحيحة ثابتة، يفيد مجموعها العلم النظريّ، أن أبا هريرة رضي الله عنه كان حاضرًا القصّةَ يومئذ.
ولا خلاف أن إسلامه كان سنة سبع، أيام خيبر، ثم لا خلاف بين أهل السير أن ذا الشمالين استُشهدَ يوم بدر سنة اثنتين رضي الله عنه. كذلك قاله سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وموسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وغيرهم.
قال ابن إسحاق: ذو الشمالين هو عُمير بن عبد عمرو بن نَضْلَة بن عمرو بن غَبشان ابن سليم بن مالك بن أفصى بن خزاعة، حليف بني زُهرة.
قال أبو بكر الأثرم: سمعت مسدد بن مسرهد يقول: الذي قُتل ببدر هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو، حليف لبني زهرة، وذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية، فيجيء، فيصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر بن عبد البرّ: قول مسدد هذا هو قول أئمة الحديث والسير، وأهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه.
قال العلائي رحمه الله: وثبت أيضا عن أبي هريرة من طرق في الحديث: فقام رجل من بني سُليم، يقال له: ذو اليدين. وذو الشمالين خُزَاعيّ، كما قال ابن إسحاق.
وأيضًا فقد جاء ما يدلّ على تأخر وفاة ذي اليدين، وروايته هذه القصةَ نفسها.
قال أبو بكر الأثرم: وأخبرني زُهير
(1)
، والحسن بن عليّ بن بحر جميعًا، حدثنا علي بن بحر بن برّيّ، وهو والد الحسن، قال: حدثنا مَعْديّ بن سُليمان السَّعْديّ البصري، حدثني شُعَيث بن مُطير -ومطيرٌ حاضر يصدّقه بمقالته- قال: يا أبتاه أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خُشُب
(2)
فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم إحدى صلاتي العشيّ، وهي العصر، فصلى ركعتين، ثم سلّم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبعه أبو بكر وعمر، وخرج سرعان الناس، فلحقه ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟، قال:"ما قصرت الصلاة، ولا نسيتُ"، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر وعمر، فقال:"ما يقول ذو اليدين؟ "، قالا: صدق يا رسول الله، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاب الناس، فصلى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو.
تابعه محمد بن بشار بُندار، والعباس بن يزيد البصري، عن معدي بن سليمان.
ومعدي هذا هو صاحب الطعام، بصري، يكنى أبا سليمان، روى عنه أيضا نصر بن علي الجهضمي، وأبو موسى محمد بن المثنى، وقال فيه سليمان الشاذكوني: كان من أفضل الناس، وكان يُعدّ من الأبدال.
وقد ضعفه أبو زرعة، وأبو حاتم، الرازيّان، وأبو حاتم ابن حبّان.
ومُطير بن سُلَيم من أهل وادي القرى، قال ابن عبد البرّ: روى عن ذي اليدين، وذي الزوائد، وأبي الشموس البلوي، وغيرهم، وروى عنه ابناه: شُعيث، وسُليم، وهو معروف عند أهل العلم، لم يذكره أحد بجرحة.
قال العلائي: وذكره ابن حبّان في كتاب "الثقات". فهذا السند حسن لا بأس به، وهو يقتضي تأخر ذي اليدين صاحب القصّة، وأنه ليس ذا الشمالين المقتول يوم بدر وفي كلام البيهقي ما يقتضي أن الحاكم أبا عبد الله الحافظ صحح هذا الحديث من رواية ذي اليدين، واحتج به.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تحسين هذا الإسناد، أو تصحيح هذا الحديث نظر لا يخفى، فإن مُطيرا هذا قال عنه في "ت": مجهول الحال، وقال الذهبي رحمه الله في "الكاشف" جـ 3 ص 151: لم يصح حديثه. وقال ابن التركماني رحمه الله: وشعيث لم
(1)
لعله أحمد بن زهير. انظر ما كتبه محقق "نظم الفرائد" ص 67.
(2)
اسم وادٍ على مسير ليلة من المدينة. قاله في "معجم البلدان" جـ 2 ص 372.
أقف على حاله. انتهى. والله تعالى أعلم.
قال العلائي: وقد قال الترمذي في "جامعه" بعد سياقه حديث أبي هريرة المتقدّم: وفي الباب عن ابن عمر، ومعاوية بن حُديج، وذي اليدين.
قال ابن عبد البرّ رحمه الله: وقد قيل: إن ذا اليدين عمّر إلى خلافة معاوية، وأنه توفي بذي خُشب. والله أعلم.
فأما رواية الزهري الحديث، وتسميته فيه ذا الشمالين بن عبد عمرو، فللعلماء في ذلك طريقان:
أحدهما: تغليط الزهري في ذلك، لأنه اضطرب في هذا الحديث كثيرًا، فقال معمر عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، أو العصر، فسها في ركعتين، وانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو، وكان حليفا لبني زهرة: أخُفّفَت الصلاة، أم نسيت؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق يا نبي الله، فأتمّ بهم الركعتين اللتين نقص.
قال الزهري: وكان ذلك قبل بدر، ثم استحكمت الأمور. رواه عبد الرزاق في "جامعه" عن معمر. وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن عبد الرزاق دون قول الزهري الذي في آخره.
وروى الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركعتين، فقال له ذو الشمالين من خُزاعة، حليف لبني زُهْرة: أقصرت الصلاةُ. . .؟ فذكره بنحوه.
وفي آخره: ولم يسجد سجدتي السهو حين يَقَّنَه الناس. أخرجه ابن خزيمة هكذا من حديث محمد بن يوسف الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بالقصة مرسلة، وليس في آخرها نفي سجود السهو.
وكذلك رواه عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي أيضًا مرسلًا. ذكره ابن عبد البرّ في "التمهيد".
ورواه مالك في "الموطإ" عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار، الظهر، أو العصر، فسلّم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين رجل من بني زُهرة بن كلاب: أقصرت
الصلاة؟. . . فذكر الحديث.
ثم رواه مالك أيضا عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، مثل ذلك مرسلًا.
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث شُعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا كرواية مالك.
وكذلك رواه أبو داود، والنسائي من حديث صالح بن كيسان، وزادا في آخره: قال ابن شهاب. أخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله لم يزيدا على ذلك، فكأنه مرسل.
قال أبو داود: ورواه الزُّبَيديّ، عن الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال العلائي: ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعُبيد الله بن عبد الله، أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . فذكره، وفيه: فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نَضْلَة الخُزَاعي، حليف بني زهرة: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ ". . . الحديث. وفي آخره: قال الزهري: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نرى -والله أعلم- من أجل أن الناس يَقَّنُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استيقن. رواه ابن خزيمة أيضا.
ورواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: كلٌّ حدثني بذلك، قالوا: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . فذكر الحديث نحو رواية يونس بما في آخره. ذكره ابن عبد البرّ.
وفي "جامع عبد الرزاق" عن ابن جريج: حدثني ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان ابن أبي حثمة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عمن يَقْتَنعان بحديثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم. . . فذكره.
فهذه الروايات كلها تدلّ على اضطراب عظيم من الزهري في هذا الحديث، وعلى أنه لم يتقن حفظه.
قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه، لاضطرابه فيه، وأنه لم يقم إسنادا
ولا متنا، والغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق، وكلّ أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا قول النبي صلى الله عليه، فليس قول ابن شهاب أنه المقتول يوم بدر بحجة، لأنه قد تبين غلطه في ذلك.
قال العلائي: وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" عن محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا أبو سعيد الجُعْفي، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال: صلى بنا رسول الله عليه وسلم الظهر، أو العصر، فذكر الحديث.
وكذلك رواه البيهقي عن الحاكم أبي عبد الله، عن الحسن بن سفيان، عن حرملة، عن ابن وهب.
فكيف يمكن الجمع بين قول الزهري: إن هذه القصة كانت قبل بدر، وإن ذا الشمالين الذي أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالسهو قُتل يوم بدر، وبين حضور أبي هريرة رضي الله عنه لها، كما ذكره هو في هذه الرواية، وإنما كان إسلام أبي هريرة بعد بدر بخمس سنين، أو نحوها؟!!.
فإن قيل: لم ينفرد الزهري بتسميته ذا الشمالين، بل قد رواه غيره.
أخرج عبد الرزاق في "جامعه" عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، أو العصر، فسلّم في ركعتين، ثم انصرف، وخرج سرعان الناس، فقالوا: خُففت الصلاة، فقال ذو الشمالين: يا رسول الله أخففت الصلاة، أم نسيت؟ وذكر بقيته.
ورواه أحمد بن حنبل في "المسند" عن عبد الرزاق هكذا.
وأخرج النسائي في "سننه" من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يومًا، فسلم في ركعتين، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله أنقصت الصلاة، أم نسيت؟. . . الحديث
(1)
.
قلت
(2)
: هذه الروايات وَهَم -والله أعلم- لكثرة الرواة الحفاظ الذين رووا هذا الحديث من طرق متعددة، وكلهم يقول فيه: ذو اليدين، وكأن معمرًا اشتبه عليه رواية أيوب برواية الزهري، لأنه روى الحديث عنهما جميعًا، وفي حديث الزهري: ذو الشمالين كما تقدم، فحمل معمر عليها رواية أيوب، وخصوصًا رواية سفيان بن
(1)
يأتي للنسائي رقم 1228.
(2)
القائل هو العلائي رحمه الله تعالى.
حسين، فإنه كثير الغلط والوهم، لا يعتدّ بخلافه.
ومما يدلّ على ذلك أن في كل واحدة من هاتين الروايتين أعني حديث معمر عن أيوب، وحديث عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصدق ذو اليدين؟ "، فعاد إلى الصواب في تسميته في الحديث نفسه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
الطريق الثاني:
الجمع بين هذه الروايات كلها بجعلها واقعتين:
إحداهما: قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة رضي الله عنه، بل أرسل روايتها.
والثانية: كان حاضرًا فيها، والمتكلم يومئذ ذو اليدين، وهذه الطريق حكاها القاضي عياض رحمه الله في "الإكمال"، واختارها لما فيها من الجمع بين الروايات كلها، ونفي الغلط والوهم عن مثل الزهري، وفيهما نظر من جهة ما تقدم في رواية يونس عن ابن شهاب: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال فيها: فقال ذو الشمالين، فإنه لا يمكن الجمع بين هاتين اللفظتين، كما تقدم من قتل ذي الشمالين ببدر، وإسلام أبي هريرة بعد ذلك بسنين كثيرة، اللَّهم إلا أن يكون الوهم في هذه الرواية جاء في قوله: صلى بنا من بعض الرواة.
وعلى كلّ تقدير فذو اليدين الذي كان حاضرًا مع أبي هريرة قصة السهو غير ذي الشمالين هذا بلا ريب فيه، بقي النظر في أنه هل هو الخرباق المتكلم في حديث عمران ابن حُصين أو غيره؟.
الذي اختاره القاضي عياض، وابن الأثير في "شرح مسند الشافعي"، والشيخ محيي الدين في غير ما موضع أنهما واحد.
وأما أبو حاتم ابن حبان، فإنه جعلهما اثنين، فقال في "معجم الصحابة" من كتابه "الثقات": الخرباق صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث سها، وهو غير ذي اليدين، وقال بعد ذلك: ذو اليدين صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث سها، لم يزد.
وأما ابن عبد البرّ، فقال في كتابيه: يحتمل أن يكون الخرباق ذا اليدين، ويحتمل أن يكون غيره، فيكونان اثنين. وكذلك قال أبو العباس القرطبي وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة:
في بيان طرق هذا الحديث، وما اشتمل عليه من الألفاظ، وبيان من تابع أبا هريرة، وعمران بن حصين رضي الله عنهما على هذه القصة، وبيان تعددها، وأنها ليست واقعة واحدة
على الراجح.
لقد أجاد البحث في هذا الحافظ العلائي المذكور رحمه الله تعالى في مؤلفه المذكور، فقال:
حديث ذي اليدين مشهور جدًّا، وخصوصا رواية أبي هريرة رضي الله عنه.
قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ: ليس في أخبار الآحاد أكثر طرقًا من حديث ذي اليدين هذا إلا قليلًا
(1)
. وهو كما قال.
ثم ذكر طرقه ملخصة، فقال: رواه مالك في "الموطإ" عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه من جهته البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
ورواه عن أيوب السختياني أيضا سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد. أخرجه مسلم من طريقهما. ورواه أبو داود أيضا من حديث حماد بن زيد، وهو في "جامع عبد الرزاق" عن معمر، عن أيوب.
ورواه البزار دي "مسنده" من حديث عبد الوهّاب الثقفي، عن أيوب، ومن حديث حماد بن سلمة، عنه أيضًا. كما سيأتي.
وتابع أيوب على روايته عن ابن سيرين جماعة كثيرة، منهم يزيد بن إبراهيم التستري. أخرجه البخاري من جهته. وابن عون، وهشام بن حسّان، ويحيى بن عتيق. رواه أبو داود من حديث حماد بن زيد عنهم. وأخرجه البخاري من حديث النضر بن شُمَيل، وابن ماجه من حديث أبي أسامة، كلاهما عن ابن عون.
ثم ذكر أبو داود أن هشام بن حسان زاد فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر، ثم كبّر، وسجد -يعني للسهو-، ثم قال أبو داود:"وروى هذا الحديث أيضًا عن محمد بن سيرين حبيب ابن الشهيد، وحُميد -يعني الطويل- ويونس -يعني ابن عُبيد- وعاصم الأحول، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر حمّاد بن زيد، عن هشام: أنه كبر، ثم كبر". قال: وروى حماد ابن سلمة، وأبو بكر بن عياش هذا الحديث، عن هشام -يعني ابن حسان- لم يذكرا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد أنه كبر، ثم كبر".
قال العلائي: ورواه أيضا عن ابن سيرين سلمة بن علقمة، وقتادة بن دعامة، أخرجه من جهتهما ابن خزيمة في "صحيحه". ورواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن يونس، وهشام، وأيوب، ومن حديث عاصم الأحول، عن ابن سيرين بنحوه.
(1)
"الاستذكار" جـ 2 ص 231.
فهؤلاء عشرة من الحفْاظ الأثبات تابعوا أيوب السختياني على روايته عن ابن سيرين.
ورواه البزار أيضا من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن محمد بن سيرين به، ومن حديث سفيان بن حسين، عن ابن سيرين أيضا، ومن حديث أشعث بن سَوّار، وقرّة بن خالد، عن ابن سيرين أيضًا.
وتابع محمد بن سيرين على روايته عن أبي هريرة جماعة آخرون، منهم: أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد. رواه مالك في "الموطإ" عن داود بن الحُصين، عنه. ورواه من طريق مالك مسلم، وأبو داود، والنسائي.
وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي من طرق عنه.
وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير، من رواية الزهري عنهم.
وسعيد المقبري، وضمضم بن جَوْس، رواه أبو داود من طريقهما.
وعبد الرحمن بن يعقوب مولى الْحُرَقَة. ذكره ابن عبد البرّ.
فهؤلاء عشرة آخرون من الكبار الثقات، رووه عن أبي هريرة رضي الله عنه غير محمد بن سيرين، على ما بينهم من الاختلاف في ألفاظه.
أما طرق الزهري فقد خالف فيها سائر الرواة في موضعين:
أحدهما: في تسميته ذا الشمالين.
والثاني: في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد يومئذ سجدتي السهو، وقد غلّطه الأئمة كلهم في ذلك أيضًا، وسيأتي ما يتعلق بهذا الشأن، إن شاء الله تعالى.
وفي حديث أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عند مالك، ومسلم: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلّ ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، فقال:"أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم. هذا لفظ مسلم.
وفي حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: أن رسول صلى الله عليه وسلم صلّى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلّم، فقام رجل من بني سُلَيم، واقتص الحديث. كذلك رواه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة.
وأخرجه البخاري من حديث سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، ولفظه: قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، أو العصر، فسلّم، فقال له ذو اليدين: الصلاةُ يا رسول الله أنقصت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أحقّ ما يقول؟ " قالوا: نعم، فصلى ركعتين أُخريين، ثم سجد سجدتين.
وعند مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب: فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يمينًا وشمالًا، فقال:"ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق، لم تُصلّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين، وذكر بقيته.
وعند أبي داود في حديث حماد بن زيد، عن أيوب: فقام رجلٌ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمّيه "ذا اليدين"، فقال: يا رسول الله! أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ فقال:"لم أنسَ، ولم تقصر الصلاة"، قال: بلى قد نسيت يا رسول الله! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم، فقال:"أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا، أي نعم، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقامه، فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلّم، وذكر سجدتي السهو.
وقد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، لكن لم يذكر سياقه، بل أحال على حديث سفيان بن عيينة، وقال:"بمعناه". وقال أبو داود: لم يذكر فيه "فأومؤوا" ألا حماد بن زيد.
وفي حديث ضَمْضَم بن جَوْس، عن أبي هريرة: فلمّا قضى الصلاة سجد سجدتين، ثم سلم. كذلك أخرجه البزّار من حديث عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عنه، ثم استغربه. وفي حديث حماد بن سلمة عنده، قال:"لم تقصر، ولم أنس"، قال: إنك سلّمت في الركعتين. وهكذا هو عنده أيضا من روايته عن حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وهشام، وأيوب، كلهم عن ابن سيرين. وكذا هو عند ابن ماجه من حديث أبي أُسامة، عن ابن عون، عن ابن سيرين. والله أعلم.
وقد تابع أبا هريرة رضي الله عنه على هذه القصّة عمران بن حُصَين، وعبد الله بن عمر، ومعاوية بن حُدَيج، وابن مسعدة صاحب الجيوش، وأبو العريان، قيل: إنه أبو هريرة، وذو اليدين، وابن عباس رضي الله عنهم.
أما حديث عمران بن حصين، فقد أخرجه مسلم، وأحمد في "مسنده"، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، كلهم من طريق أبي قلابة الجرمي، عن عمه أبي المهلب
(1)
، عن عمران رضي الله عنه. وجاء في بعض طرقه في "السنن" زيادة التشهّد بعد سجدتي السهو.
(1)
أبو قلابة اسمه عبد الله بن زيد، وأبو المهلّب اسمه معاوية بن عمرو، وقيل: غير ذلك.
وسيأتي الكلام في ذلك، إن شاء الله تعالى.
وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فرواه الإمام الشافعي في "مسنده"، وابن أبي شيبة في "مصنّفه"، قالا: حدثنا أبو أسامة.
وقال ابن خزيمة في "صحيحه": حدثنا أبو كريب الهمداني، وبشر بن خالد العسكري -وهذا حديث أبي كريب- قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى، فسها، فسلّم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ قال:"ما قصرت الصلاة، وما نسيت"، فقال:"أكما يقول ذو اليدين؟ " فقام، فصلى، ثم سجد سجدتين. وهذا لفظ ابن خزيمة.
ورواه أبو داود في "سننه" عن أحمد بن محمد بن ثابت، وابن ماجه عن علي بن محمد، وأبي كريب، وأحمد بن سنان، كلهم عن أبي أسامة به.
ولفظ ابن ماجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سها، فسلّم في الركعتين، فقال له رجل، يقال له: ذو اليدين: يا رسول الله! قصرت الصلاة، أم نسيت؟! قال:"ما قصرت، وما نسيت"، قال: إنك صليت ركعتين، قال:"أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، فتقدم، فصلى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو.
قال البيهقي: تفرّد به أبو أسامة حماد بن أسامة.
قال العلائي: قلت: وهو من رجال "الصحيحين"، ومن الحفاظ الذين يُحتجّ بما انفردوا به، ويُصحح، وبقية إسناده على شرط "الصحيحين" أيضا.
وأما حديث معاوية بن حُديج
(1)
، فرواه أبو داود، والبيهقي في "سننهما"، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، وغيرهم من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن قيس، أخبره عن معاوية بن حُديج رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يومًا، فانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعةً، فأدركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة ركعةٌ، فرجع، فدخل المسجد، فأَمَرَ بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بالناس ركعة، فأخبرت
(1)
معاوية بن حُدَيج -بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وإسكان الياء آخر الحروف، وبعدها جيم- ابن حَفْنَة بن قَتِير -بفتح القاف، وكسر التاء المثناة من فوق، وبعدها ياء ساكنة، ثم راء مفتوحة- ابن حارثة الكنديّ التُّجِيبِيُّ، كنيته أبو عبد الرحمن، وأبو نعيم أيضًا، صحبته ثابتة. قاله البخاري وغيره، وعَدَّه بعضهم في التابعين، وليس بشيء، عداده في المصريين. قال أبو بكر الحميديّ: كان إسلامه قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين، وقال ابن يونس: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر، وقدم على عمر رضي الله عنه مبشرًا بفتح الإسكندرية، وولي غزو المغرب غير مرّة، وكانت وفاته سنة (52 هـ) وحديثه في سنن أبي داود والنسائي، وابن ماجه، وفي "كتاب الأدب" للبخاري أيضًا.
بذلك الناس، فقالوا: وتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي، فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
ورواه الشافعي فى كتابه القديم عن بعض أصحابه، عن الليث بن سعد. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من هذا الوجه. ثم رواه من حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب المصري، عن يزيد بن أبي حبيب به، ولفظه: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، فسها، فسلم في ركعتين، ثم انصرف. . .فذكره، وقال فيه: وسألت الناس عن الرجل الذي قال: يا رسول الله! إنك سهوت، فقيل لي: تعرفه؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي رجل، فقلت: هو هذا، قالوا: هذا طلحة بن عبيد الله.
ورواه الحاكم في "المستدرك" مصححًا له أيضا من هذا الوجه.
وأما حديث ابن مسعدة، فذكره ابن عبد البرّ في "التمهيد"، قال: رواه عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن مسعدة -صاحب الجيوش- أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر، أو العصر، فسلم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أخُفّفت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق يا رسول الله، فأتمّ لهم الركعتين، ثم سجد سجدتي السهو، وهو جالس بعد ما سلّم
(1)
.
ثم قال ابن عبد البرّ: وابن مسعدة هذا اسمه عبد الله، معروف في الصحابة، قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول:"قد بدّنتُ، فمن فاته ركوعي أدركه في بطء قيامي". وروى حديث ذي اليدين، وهو معدود في المكيين.
قال العلائي: نسبه ابن حبان، فقال في "معجم الصحابة": عبد الله بن مسعدة بن مسعود بن قيس الفزاري صاحب الجيوش.
وعثمان بن أبي سليمان الراوي عنه وثقه ابن حبان، وروى عنه أيضا الأوزاعي، وعبد الملك بن عمير.
وأما حديث أبي العُرْيَان، فقال ابن عبد البرّ: ذكره أبو جعفر العقيلي، قال: حدثنا محمد بن عُبيد بن أسباط، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو خَلْدَة، قال: سألت محمد بن سيرين، فقلت: أصلي، وما أدري أركعتين صليت، أم أربعًا؟ فقال: حدثني أبو العريان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يومًا، ودخل البيت، وكان في القوم رجل طويل اليدين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميه ذو اليدين، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول
(1)
قال في "الإصابة": فيه انقطاع بين عثمان وابن مسعدة. انتهى جـ 6 ص 211.
الله؟ وذكر الحديث.
ثم قال ابن عبد البرّ: وقد قيل: إن أبا العريان المذكور في هذا الحديث هو أبو هريرة.
قال العلائي: أبو خلدة هذا اسمه خالد بن دينار، احتج به البخاري في "الصحيح"، وأبو نعيم هو الحافظ المشهور شيخ البخاري، وأحمد، والجماعة.
وأما حديث ذي اليدين فسيأتي سياقه، والكلام عليه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
وأما حديث أبن عباس، فرواه الأثرم في "سننه": حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان، عن عسل، عن عطاء، قال: صلى بنا ابن الزبير صلاة المغرب، فسلم من ركعتين، ثم قام إلى الحَجَر ليستلمه، فسبحنا به، فالتفت إلينا، فقال: ما أتممتم الصلاة؟، فقلنا برؤوسنا: سبحان الله، أي لا، فرجع، فصلى الركعة الباقية، ثمّ سلم، ثم سجد سجدتين، وهو جالس. قال عطاء: فلم أدر ما ذاك، فخرجت من فَوْري حتى دخلت على ابن عباس، فأخبرته بصنيعه، فقال: ما أماط عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ورواه البيهقي في "سننه" من حديث أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن عسل بن سفيان، عن عطاء به.
وعسل بن سفيان هذا متكلم فيه، ضعفه النسائي وغيره، وقال البخاري: عنده مناكير.
ورواه البيهقي أيضا من حديث مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإياديّ، حدَّثَنا عامر، عن عطاء، قال: صلى ابن الزبير، فذكره بمثله سواءً، وقول ابن عباس: ما أماط عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وعامر هذا إن كان الشعبي فالحديث صحيح
(1)
، وإن كان غيره فلا أعرفه.
وذكره عبد الرزاق في "مصنفه"، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال لي عطاء: صلى ابن الزبير ذات ليلة المغرب، قلت: وحضرت ذلك؟ قال: نعم، فسلّم في ركعتين، فقال الناس: سبحان الله، فقام فصلى الثالثة، فلما سلم سجد سجدتي السهو، وسجدهما الناس معه، قال: فدخل أصحاب لنا على ابن عباس، فذكر ذلك له بعضهم، كأنه يريد أن يعيب بذلك ابن الزبير، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أصاب، وأصابوا.
(1)
لكن في سنده أبو قدامة الإياديّ تكلم فيه العلماء، إلا أن تكون الصحة بمجموع الطرق، فقد تابعه أشعث بن سَوَّار، ومطر الورّاق في روايته عن عطاء، انظر ما قاله محقق "نظم الفرائد" ص 94.
وهذا أصحّ إسناد لهذه الرواية، وليس فيه رفع ابن عباس ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
[تَتمَّةٌ]:
قال الإمام أبو بكر بن خزيمة رحمه الله في "صحيحه" بعد سياقه حديث معاوية بن حُدَيج المتقدم:
هذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سها في هذه القصة طلحة ابن عبيد الله، ومُخبر النبي صلى الله عليه وسلم في تلك القصة ذو اليدين، والسهو من النبي صلى الله عليه وسلم في قصّة ذي اليدين إنما كان في الظهر، أو العصر، وفي هذه القصّة إنما كان السهو في المغرب، لا في الظهر، ولا في العصر.
وقصة عمران بن حصين قصة، والخرباق قصة ثالثة، لأن التسليم في خبر عمران من الركعة الثالثة، وفي قصة ذي اليدين من الركعتين، وفي خبر عمران: دخل النبي صلى الله وسلم حجرته، ثم خرج من الحجرة، وفي خبر أبي هريرة: قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى خشبة معروضة في المسجد، فكلّ هذه أدلة على أن هذه القصص ثلاث قصص، سها النبي صلى الله عليه وسلم مرّة، فسلم من الركعتين، وسها مرة أخرى، فسلم في ثلاث ركعات، وسها مرة ثالثة، فسلم في الركعتين من المغرب، وتكلم في المرّات الثلاث، ثم أتمّ صلاته. انتهى كلامه.
وكذلك قال الشيخ محيي الدين -يعني النووي-رحمه الله في حديث أبي هريرة وعمران: إنهما واقعتان، لكنه زاد شيئا آخر، فجعل حديث أبي هريرة أيضا واقعتين، كان السهو في إحداهما في صلاة الظهر، وفي الأخرى في صلاة العصر، وجمع بذلك بين الروايات المختلفة فيه في تعيين الصلاة المسهوّ فيها، ونقل هذا عن المحققين.
قال العلائي: وفي ذلك نظر، بل الظاهر الذي يقتضيه كلام ابن عبد البرّ، والقاضي عياض، وغيرهما أن حديث أبي هريرة قضية واحدة، ولكن اختلف رواتها، فمنهم من تردد في تعيين الصلاة، هل هي الظهر، أو العصر، ومنهم من جزم بإحداهما، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.
ورأيت فيما علقه بعض شيوخنا من أهل الحديث يذكر أن حديثي أبي هريرة وعمران قصة واحدة، وتأول قوله في حديث عمران:"سلّم في ثلاث" أي في ابتداء ثلاث ركعات، وتأول قوله:"فقضى تلك الركعة" على أنه أراد أكثر منها، كما يقال:"كلمة" للخطبة، والقصيدة. وفي ذلك كله نظر لا يخفى، بل الظاهر أنهما قضيتان، كما قال الجمهور، وما ذكره من الجمع بينهما فبعيد، لا اتجاه له. انتهى كلام العلائي رحمه الله، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة:
تقدم في ألفاظ طرق حديث أبي هريرة رضي الله عنه تباينٌ في مواضع عديدة، لا يمكن الجمع بينها، والكلّ في الصحيح، وترتب عليها فوائد فقهية مما اختلف فيه العلماء.
ففي بعض الطرق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لذي اليدين: "لم أَنْسَ، ولم تُقصَر"، فقال ذو اليدين بعد ذلك: بلى قد نسيتَ، ولم تُذكَر هذه الزيادة في كثير من الروايات.
وفي رواية أخرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كل ذلك لم يكن"، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله.
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق يا رسول الله، لم تُصلِّ إلا ركعتين.
وفي رواية أخرى: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، فقال:"أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول الله. وفي رواية أخرى: فأومؤوا: أي نعم.
وقد جمع بعض الأئمة بين هاتين الروايتين بأن بعض الناس أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقول "نعم" باللفظ، وبعضهم أجابه بالإيماء.
وهذا الجمع إنما يقوى إذا كان الاختلاف واقعًا من رواية صحابيين،، فنقول سمع أحدهما الإجابة باللفظ، والآخر رأى الذين أومأوا ولم يسمع المجيب باللفظ، وهذا الحديث بهذه الألفاظ مداره على أبي هريرة رضي الله عنه.
والظاهر أن القصة واحدة، ولكن الرواة تصرّفوا فيها، فرواه بعضهم بالمعنى على نحو مما سمع، فحصلت هذه الاختلافات.
فيتعين حينئذ إما الجمع بينها بوجه مّا، وإما الترجيح، وهذا يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجَدْوَى في علم الحديث، وهي: الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرق، وردّ بعضها إلى بعض، إما بتقييد الإطلاق، أو تفسير المجمل، أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع، أو اعتقاد كونها وقائع متعددة.
قال العلائي رحمه الله تعالى: ولم أجد إلى الآن أحدًا من الأئمة الماضين شفَى النفس في هذا الموضع بكلام جامع يُرجَع إليه، بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرّقة، وللبحث فيها مجال طويل.
فنقول -وبالله التوفيق-: إذا اختلفت مخارج الحديث، وتباعدت ألفاظه، فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين، وذلك كحديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُدَيج في هذا الباب، كما سبق بيانه، وهذا لا إشكال فيه.
وأما إذا اتحد مخرج الحديث، وتقاربت ألفاظه، فالغالب حينئذ على الظنّ أنه حديث
واحد، وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة، لا سيما إذا كان ذلك في سياقة واقعة يبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع، كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو.
فالذي يسلكه كثير من الفقهاء أن يحمل اختلاف الألفاظ على تعدد الوقائع، ويُجعل كلُّ لفظ بمنزلة حديث مستقلّ، وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محيي الدين رحمه الله في كتبه كثيرًا، كما تقدم عنه من جعله حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه وقع مرتين للنبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما في صلاة الظهر، والآخر في العصر من أجل صحة كلّ من اللفظين، حتى إنه قال في حديث ابن عمر: أن عمر رضي الله عنه كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فأمره أن يفي بنذره، وجاء في رواية: اعتكاف يوم، وكلاهما في الصحيح.
فقال الشيخ محيي الدين رحمه الله: هما واقعتان، وكان على عمر رضي الله عنه نذران، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا مرّة، وعن الآخر مرّة أخرى، واستدلّ بذلك على صحة الاعتكاف بغير الصوم، لأن عمر رضي الله عنه اعتكف ليلة وحدها.
قال العلائي: وفي هذا القول نظر لا يخفى، لأنه من البعيد جدًا أن يستفتي عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا ينسى في مثلها، لأن في كل من القصتين أن ذلك كان عقب غزوة حُنين، أيام تفرقة السبي، ثم إعتاقهم.
وإلحاق اليوم بالليلة فى حكم الاعتكاف المنذور من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق، كما في الأمة والعبد في العتق، ولا يظن بعمر رضي الله عنه أنه يخفى عليه ذلك.
والذي يقتضيه التحقيق ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، بأن كل من قال لفظًا عبّر به عن المجموع، وهو أمر يُستَعمَل كثيرًا في كلام العرب أن تُطلق اليوم، وتريد به بلليلته، وبالعكس.
فكان على عمر رضي الله عنه اعتكاف يوم وليلة، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فأمره بالوفاء به، عبّر عنه بعض الرواة بيوم، وأراد بليلته، والآخر بليلة وأراد بيومها.
وأغرب من ذلك ما ذكره الشيخ محيي الدين رحمه الله أيضا في حديث: "بني الإسلام على خمس"، لأنه جاء في "الصحيح" أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"، فقال رجل:"وحج البيت، وصوم رمضان"؟، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: لا، "وصوم رمضان، وحج البيت"، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم جاء الحديث في "الصحيح" أيضا من رواية ابن عمر، ولفظه:"وحج البيت، وصوم رمضان".
فقال الشيخ محيي الدين: هذا محمول على أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع الحديث من
النبي صلى الله عليه وسلم على الوجهين. وهذا بعيد جدًّا، لأنه لو سمع على الوجهين لم ينكر على من قاله بأحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسيًا لكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله على ذلك الوجه الذي أنكره. والظاهر القويّ أن أحد رواة هذه الطرق رواه على المعنى، فقدّم وأخّر، ولم يبلغه نهي ابن عمر عن هذا التصرف، وغفل هذا الراوي عن المناسب المقتضي لتقدم صوم رمضان على الحج، وكونه وجب قبله، وكونه يتكرّر كلّ سنة بخلاف الحجّ، وكونه يعم جميع المكلفين، والحج يتخلف عن كثير منهم لعدم الاستطاعة، وهذا الاحتمال أولى من تطرّق النسيان إلى ابن عمر رضي الله عنهما، أو الإنكار والرّدّ لشيء سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا عرف ضعف هذه الطريقة، فنقول:
إذا اتحد مخرج الحديث، واختلفت ألفاظه، فإما أن يمكن ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، أو يتعذر ذلك، فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه.
ولهذا القسم أمثلة:
أحدها: ما تقدم في حديث اعتكاف عمر رضي الله عنه، وردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى على عادة العرب.
الثاني: رد إحداهما إلى الأخرى بتقييد الإطلاق، كما في حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في النهي عن مس الذكر باليمين، فإن الروايات ترجع إلى يحيى بن أبي كثير فيه.
فقال فيه بعضهم: "ولا يمسنّ ذكره بيمينه" مطلقًا، وغيره قيد النهي بحالة الاستنجاء، فهذا يمكن أن يكونا جميعًا ملفوظًا بهما، فيحمل رواية من تركه على رواية من ذكره، ويجعلا دليلًا على تقييد النهي بحالة البول والاستنجاء منه.
ولو جعلنا ذلك كالحديثين المستقلّين لم نحكم بتقيُّد النهي بحالة الاستنجاء والبول، لأن الحديث الذي تضمّن النهي مطلقًا لا يعارض الذي فيه النهي مقيّدًا بالاستنجاء أو البول، فهو من باب ذكر بعض أفراد العام، وإنما يُردّ أحد اللفظين إلى الآخر في العموم إلى الخصوص، والإطلاق إلى التقييد عند التعارض، والتنافي في بعض المدلولات.
اللَّهمّ إلّا أن يكون مفهوم التقييد يقتضي مخالفةَ المطلق، وكذلك مفهوم الخاصّ يُخالف حكم العامّ، فَيُقَيَّدُ، ويُخَصَّص بالمفهوم عند من يرى ذلك.
الثالث: ردّ إحداهما إلى الأخرى بتخصيص العامّ، ويمثّل هذا بزيادة مالك ومن تابعه عن نافع، عن ابن عمر في حديث:"صدقةُ الفطر على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين"، فإن مخرج الحديث واحدٌ، فيتخصص إيجاب إخراج زكاة الفطر
بكونه عن كلّ مسلم، عملًا بهذه القاعدة.
وهذا كلّه إذا لم تكن الرواية المتضمنة للتقييد، أو التخصيص شاذّة مخالفة لبقية الروايات، بل يكون الذي جاء بها حافظًا متقنًا، يُقبل تفرّده وزيادته.
فأما إذا كان سيء الحفظ قليل الضبط، وكانت الروايات الأخرى من طرق أهل الضبط والإتقان، وهم أكثر منه عددا، فالحكم لروايتهم، ولا نظر إلى رواية ذاك الذي هو دونهم.
المثال الرابع: ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى بتفسير المبهم، وتبيين المجمل، وذلك مثل حديث كفارة الوقاع في رمضان، فإن مدار الحديث على الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، واختلفوا على الزهري فيه:
فقال عنه الإمام مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وجماعة آخرون: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، فقال: لا أجد. . .وذكروا الحديث.
وقالت فيه طائفة آخرون أكثر منهم عددا، منهم: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، معمر، وشعيب بن أبي حمزة، وعُقَيل، وإبراهيم بن سعد، والليث، والأوزاعي، وغيرهم: أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وقعت على امرأتي في شهر رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"تجد ما تُعتقُ رقبةً؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ " قال: لا. . . الحديث.
فهذا يَقْوَى فيه القولُ بأن تجعل رواية هؤلاء مفسّرة لما أبهُمَ في رواية أولئك من جهة المفطِّر، ومقيّدًا للكفّارة بالترتيب، لا بالتخيير، كما هو ظاهر هذه الرواية الثانية، لأن الحديث واحد، اتحد مخرجه.
وأما إذا لم يتَأَتَّ الجمع بين الروايات، وتعذّر ردّ إحداهما إلى الأخرى، فهذا محلّ النظر، ومجال الترجيح.
ومثال ذلك حديث الواهبة نفسها، فإنه قصّة واحدةٌ، ومداره على أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، واختلف الرواة فيه على أبي حازم:
فقال فيه مالك بن أنس، وحمّاد بن زيد، وفُضَيل بن سُليمان، وعبد العزيز الدّراورْديّ، وزائدة:"فقد زوّجتكها على ما معك من القرآن".
وقال فيه سفيان بن عيينة عنه: "فقد أنكحتكها".
وقال فيه يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه:"فقد ملكتكها".
وقال فيه معمر، وسفيان الثوري:"أملكتكها".
وقال أبو غَسّان: "أمكناكها بما معك من القرآن".
وأكثر هذه الروايات في "الصحيحين"، أو أحدهما، فهذا لا يتأتّى أن تكون هذه الألفاظ كلها قالها النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الواقعة، وتلك الساعة إلا على سبيل التجويز العقلي المخالف للظنّ القويّ جدًّا، فلم يبقَ إلا أنه صلى الله عليه وسلم قال لفظًا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى.
فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، وأنه من صرائحه يَحتَجّ بمجيئه في هذا الحديث الصحيح.
فإذا عُورض ببقية الألفاظ التي في بقية الروايات لم ينتهض احتجاجه.
فإن قال: إنّ النكاح في القصة انعقد بلفظ التمليك، ومن قال غيرَه عبّر بالمعنى، يقلبه خصمه عليه، ويقول مثل ذلك في التزويج، والإنكاح، فلم يبقَ حينئذ إلا الترجيح بأمر خارجيّ، وليس هذا موضع ذكره
(1)
.
ولا سبيل إلى القول بتعدد القصة، لأنه وإن كان العقل يُجوّزه فهو مخالف للظنّ القويّ القريب من القاطع.
ولهذا الضرب أمثلة كثيرة، منها:
حديث ترك الجهر بالبسملة، وحديث نزول آية التيمم، وقصة الرجلين الذين ذهبا نحو عقد عائشة رضي الله عنها، وحديث فَضَالة في القلادة من الذهب، وغيره المبيعة يوم خيبر.
لكن أكثر الأحاديث المختلفة لا يتضمن اختلافُها اختلافَ حكم شرعيّ، وبعضها يتضمّن.
ومنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة ذي اليدين هذا، فإن من قال من العلماء بأن الكلام في الصلاة فيما يتعلق بمصلحتها لا يُبطله يحتجّ بما جاء في بعض الروايات الصحيحة من قول ذي اليدين: بلى قد نسيت يا رسول الله بعد قوله صلى الله عليه وسلم: "لم أنس، ولم تُقصَر".
قالوا: فقد تحقق ذو اليدين أن حكم الصلاة باق بعدُ لتحققه عدم القصر، وتكلّمَ بعد ذلك، وأقرّه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبطل صلاته، وكذلك قول الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد قوله:"لم أنسَ، ولم تقصر": صدق يا رسول الله، لم تصلّ إلا ركعتين.
(1)
ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله الكلام في ترجيح بعض هذه الألفاظ على بعض، ورجح لفظ "التزويج"، ونقله عن الدَّارقطني، وتوسع في ذلك، فراجع "الفتح" جـ 9 ص 214 - 215.
وأما من قال بأن الكلام لمصلحة الصلاة فيها لا يجوز، ويبطلها، فيحتجّون بالرواية الأخرى من طريق حمّاد بن زيد: فأومأوا، أي نعم، ويقولون: لم يقع كلام من الصحابة بعد تحققهم عدم القصر، ويجيبون عن قول ذي اليدين ثانيًا: بلى قد نسيت يا رسول الله. انتهى كلام العلائي، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة:
قال الحافظ العلائي رحمه الله: دلت هذه الأحاديث على مشروعية سجود السهو في مثل هذه الصورة، ودلالتها على مشروعيته من حيث الجملة بطريق الأولى.
وقد اتفقت المذاهب على مشروعية سجود السهو لمن وقع له في الصلاة ما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم، أو نحوه على وجه السهو، عملًا بهذه الأحاديث في الصورة الخاصّة، وقياسًا عليها في غيرها، لتحقق المقتضي الذي شرع سجود السهو له فيها، وقد تقدم أن روايات الزهري لحديث ذي اليدين نفى فيها كون النبي صلى الله عليه وسلم سجد يومئذ للسهو، إما جزمًا، كما قال في رواية الأوزاعي عنه في آخر الحديث: ولم يسجد سجدتي السهو حين يقّنه الناس، وإما نفيًا للعلم، كما في رواية يونس بن يزيد عنه، عن سعيد المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه بحديث ذي اليدين، وسمّاه ذا الشمالين، وفي آخره: قال الزهري: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نرى -والله أعلم- من أجل أن الناس يقّنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استيقن.
وهاتان الروايتان في "صحيح ابن خزيمة" كما تقدم.
وكان ابن شهاب يقول: إذا عَرَفَ الرجلُ ما نسي من صلاته، فأتمّها، فليس عليه سجود سهو.
قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رحمه الله في كتابه "التمييز" له: قول ابن شهاب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو خطأ وغَلَطٌ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد سجدتي السهو ذلك اليوم من أحاديث الثقات، كابن سيرين وغيره.
وقال ابن عبد البرّ رحمه الله: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه، لاضطرابه فيه، وأنه لم يقمه إسنادًا ولا متنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحد،
والكمال ليس لمخلوق.
قال العلائي رحمه الله: وعلى تقدير قبول هذا الحديث من الزهري، والحكم بتصحيحه، فإما أن نعتبر روايته التي نفى فيها عدمَ العلم بوقوع سجود السهو من النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين، أو نعتبر الرواية التي جزم فيها بعدمه.
فعلى التقدير الأول لا تعارض بينه وبين بقية الروايات، لأنه لم ينف ما أثبتوه، بل ذكر أن أحدًا من شيوخه لم يروه له، فلا يرد مثل هذا على من حفظ ذلك، ورواه إجماعًا.
وأما على التقدير الثاني، فهو يَتَخرّج على تعارض المثبت والنافي، وجمهور العلماء على ترجيح المثبت على النافي، لما عنده من زيادة العلم، ونُسب الخلافُ في ذلك إلى القاضي عبد الجبار من المعتزلة وغيره، فقالوا: هما متعارضان، وهو ضعيف، لما ذكرنا من أن المثبت معه زيادة علم، وقد حفظها، وقصر النافي عنها.
وقد ذكر بعض المتأخرين من الأئمة أن هذا التقديم إنما يكون في نفي مطلق، وإثبات مطلق، فأما متى كانا محصورين في قضية واحدة، فإنهما يكونان متعارضين.
ومثَّل ذلك باختلاف بلال وأسامة رضي الله عنهما حيث دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، فنفى أسامة أن يكون صلى فيها، وأثبت ذلك بلال، وحديثُ ذي اليدين قريب من هذا.
والجواب عن هذا أن غاية الأمر بعد تسليم أن الزهري اتصلت له الرواية جازمة بعدم سجود السهو يومئذ، وأنه ما غلط في ذلك أن يكونا متعارضين، وحينئذ يُرجع إلى الترجيح.
والترجيح هنا للروايات المثبتة لسجود السهو، لكثرتها، وتعدد الثقات الحفّاظ الناقلين لها، كما تقدم سياق ذلك، فالأخذ بها هو المتعيّن.
ثم نلزم الحنفية القائلين بتصحيح حديث الزهري، والاحتجاج على أن القصة قبل بدر، وأن المتكلم ذو الشمالين أن يقبلوا نفيه لسجود السهو يومئذ، ولا يقولون بمشروعيته في هذه الصورة. انتهى كلام العلائي، وهو بحث مفيد جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة:
في بيان مذاهب أهل العلم في محل سجود السهو:
(اعلم): أنه اختلف في محل سجود السهو، هل هو قبل السلام، أم بعده على أقوال، أوصلها الحافظ العراقي في شرح الترمذي -على ما نقله الشوكاني في "نيله" جـ 3 ص 132 - 135 - ثمانية:
الأول: أن سجود السهو كله محله بعد السلام.
الثاني: أنه قبل السلام.
الثالث: التفرقة بين الزيادة والنقص، فيسجد للزيادة بعد السلام، وللنقص قبله.
الرابع: أنه يستعمل كلّ حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء سجد قبل السلام.
الخامس: أنه يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فما كان نقصًّا سجد له قبل السلام، وما كان زيادة فبعد السلام.
السادس: أن الباني على الأقلّ في صلاته عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الآتي، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود الآتي أيضًا.
السابع: أنه يتخيّر الساهي بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص.
الثامن: أن محله كله بعد السلام، إلا في موضعين، فإن الساهي فيهما مخير، أحدهما من قام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد. والثاني: أن لا يدري أصلى ركعة، أم ثلاثًا، أم أربعًا، فيبني على الأقل، ويتخير في السجود، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال ابن حزم، كما في "نيل الأوطار".
وزاد الشوكاني تاسعا: وهو أنه يستعمل كلّ ما ورد كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فيتخير. وسيأتي أن هذا القول هو الراجح، إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر في "النيل" القائلين بهذه الأقوال وأدلتهم، تركت نقله هنا استغناءً بما يأتي في كلام الحافظ العلائي مفصلًا مبسوطًا، إن شاء الله تعالى.
فلقد حقق رحمه الله أدلة معظم هذه الأقول، وناقشها، وبيّن ما لها وما عليها، وتوسع في ذلك، فأجاد وأفاد، فقال:
احتج الحنفية بهذه الأحاديث على أن محل سجود السهو بعد السلام على الإطلاق. والمالكية على أن السهو إذا كان زيادة، فالسجود بعد السلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم، وسلم، ومشى في صلاته هذه سهوًا، ثم سجد لذلك بعد السلام.
والعلماء مختلفون في هذه المسألة قديمًا وحديثًا، فالمشهور من مذهب الشافعي أن سجود السهو قبل السلام على الإطلاق، سواءٌ كان عن نقص، أو زيادة.
قال ابن عبد البرّ رحمه الله: روي هذا القولُ عن أبي هريرة، والسائب بن أبي السائب، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وبه قال مكحول، وابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، والأوزاعي، والليث بن سعد.
قال العلائي: ونقله ابن الصبّاغ في "الشامل" أيضًا عن أبي سعيد الخدري من الصحابة، وسعيد بن المسيب من التابعين.
وقد روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيدة أنهما كانا إذا وهما في صلاتهما، فلم يدريا ثلاثًا صليا، أم أربعًا سجَدَا سجدتين قبل أن يسلما.
وقال أبو حنيفة وأصحابه جميعًا: سجود السهو كله بعد السلام، سواءٌ كان عن نقص أو زيادة، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعمران بن حصين، والضحاك بن قيس، والمغيرة بن شعبة، نقله ابن عبد البرّ عنهم، ثم قال: واختلُف فيه عن معاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، وابن الزبير رضي الله عنهم.
قال العلائي رحمه الله: ورواه ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك، وأبي هريرة، والسائب القاري.
والذي روى الترمذي في "جامعه" عن أبي هريرة والسائب القاريّ بإسناد متصل أيضًا أن السجود قبل السلام، والإسناد واحد، فأحدهما وهم.
وهو في "جامع عبد الرزاق" عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهما جميعًا، لكن بإسناد مرسل.
وبه قال الحسن البصري، وقتادة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح بن حيّ، وأبن أبي ليلى.
وقال مالك، وجماعة من أصحابه: إن كان السهو بزيادة، فالسجود له بعد السلام، وإن كان بنقصان، فالسجود قبل السلام، وهو قول أبي ثور، والمزني من أصحاب الشافعي، ونقله الشيخ أبو إسحاق، وجماعة عن القديم من مذهب الشافعي.
وقال القاضي الماوردي في "الحاوي": أشار إليه الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك"، والمشهور من مذهبه في القديم والجديد أنه قبل السلام في الزيادات والنقصان. وكذلك قال صاحب "الشامل".
وعن مالك قول آخر أن الكلّ سواءٌ. ما قبل السلام وما بعده في الزيادة والنقص، لورود الأحاديث بذلك، حكاه في "المجموعة" فيما نقله القرطبي.
وهذا كله حيث تحقق الزيادة والنقصان، فأما في صورة الشكّ، فقال الاودي: اختلف قول مالك في الذي لا يدري صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فقال: يسجد قبل السلام، وقال: يسجد بعد السلام.
فتحصل بذلك ثلاثة أقوال في مذهب مالك رحمه الله.
وأما أحمد بن حنبل رحمه الله فإنه قال باستعمال الأحاديث كلها، فحكى الأثرم أنه سمعه يقول: كل سهو سجد له النبي صلى الله عليه وسلم قبل السلام أو بعده، فمحله حيث سجد النبي صلى الله عليه وسلم، وما سوى المواضع التي ورد السهو فيها عنه صلى الله عليه وسلم، فالسجود لها قبل السلام، لأنه يُتم ما نقص من صلاته، قال: ولولا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لرأيت السجود كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة أن يقضيها قبل السلام، ولكن أقول: كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيه بعد السلام، فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام.
وقال داود الظاهري نحوًا من هذا القول، لكنه اقتصر في مشروعية سجود السهو على المواضع التي ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها، ولم يقل به فيما عداها جريًا على طريقته المعروفة من الجمود، وعدم الإلحاق مع فهم المعنى.
وعن أحمد أيضًا روايتان أخريان: إحداهما كمشهور مذهب الشافعي، والأخرى كقول مالك.
وقول إسحاق بن راهويه كقول أحمد المتقدم في تبعية الأحاديث، وفيما عداها يُفرّق بين الزيادة والنقصان كمذهب مالك.
ثم هذا الخلاف، هل هو في الأولوية مع جواز الأمرين، أم في الاستحقاق؟
صرّح ابن عبد البرّ بأن الخلاف إنما هو في الأولوية، وأن كل من قال بأنه بعد السلام، فسجد قبل السلام، أو بالعكس، فلا شيء عليه.
وكذلك قال الماوردي في كتابه "الحاوي": ولا خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون.
وحكى إمام الحرمين أبو المعالي رحمه الله في مذهب الشافعي طريقين: أحدهما: نقل ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الصحيح من المذهب أن السجود قبل السلام، ولو أوقع بعده لم يُعتدّ به.
والثاني: الفصل بين الزيادة والنقصان كما تقدّم، وعزاه إلى القديم.
والثالث: أن الساهي بالخيار، إن شاء قدّم، وإن شاء أخّر، فهما سواء -يعني في حالتي الزيادة والنقص.
قال العلا الحافظ العلائي: وهذا القول غريب في المذهب، وقد عزاه الحازمي إلى القديم، وهو موافق للمقول المحكي عن مالك فيما تقدّم عن "المجموعة"، وهو قول محمد بن جرير الطبريّ، حكاه عنه القاضي عياض رحمه الله تعالى.
ثم قال الإمام: وقال بعض أئمتنا: لا خلاف أنه يُجزىء التقديم والتأخير، وإنما التردد في بيان الأولى والأفضل، ففي قول يقول: الأفضل التقديم، وفي قول: لا نفضل، ولا نفرّق، ونجوز الأمرين جميعًا، وفي قول: نفرّق بين الزيادة والنقصان في الأفضل لا في الإجزاء، فإن الأمرين جميعًا جائزان مجزيان، ووجّه هذه الطريقة بصحة الإخبار في التقديم والتأخير جميعًا.
ثم قال: والطريقة المشهورة ردّ التردد إلى الإجزاء والجواز كما تقدّم، ويظهر توجيهها من جهة المعنى، فإن السجود إذا وقع قبل السلام كان زيادة في الصلاة، وإذا وقع وراء التحلل كان منفصلًا عن حكم الصلاة، وهما أمران متباعدان، والتخيير بينهما بعيد.
وكذلك قال الرّافعي بعد حكاية الأقوال الثلاثة التي ذكرناها آنفًا: ثم هذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور بين الأصحاب، وحكى القاضي ابن كج، وإمام الحرمين طريقة أخرى أنه في الأفضل.
وقد تقدم نقل ابن عبد البرّ عن الفقهاء أن الاختلاف في الأولوية، وكذلك صرّح به عن مذهبه.
فقال: جملة مذهب مالك: أن من وضع السجود الذي قلنا: إنه قبلُ بعدُ، أو وضع السجود الذي قلنا بعدُ قبلُ، فلا شيء عليه، إلا أنهم أشدّ استثقالًا لمن وضع السجود الذي بعد السلام قبل السلام.
وقال القرطبي في "شرح مسلم": وهل هذا الترتيب هو الواجب، أو هو الأولى؟ قولان للأصحاب.
وصرّح صاحب "الهداية" عن مذهب الحنفية أن الكلام في الأولوية، لا في التعيُّن.
وظاهر مذهب أحمد أن الخلاف في الإجزاء والتعيّن، لأن سجود السهو عندهم واجب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ونصّ الشيخ موفق الدين في "المقنع" على أن من ترك سجود السهو الذي محله قبل السلام عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا قضاه بعد السلام ما لم يتطاول الفصل، قال: وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل صلاته.
قال العلائي: فدلّ هذا على أن الخلاف يرجع عندهم إلى التعيين، وهو أقوى في ذلك من الراجح عند إمام الحرمين والرافعي، لأن أحدًا من أصحابنا لم يقل ببطلان الصلاة إذا تعمّد ترك سجود السهو الذي قبل السلام.
ولكن فائدة القول بالتعيين أنه إذا سلّم قبل السجود، فقد فات محلّه، فلا يتدارك،
بخلاف الطريقة الأخرى. فهذا نقل المذهب في المسألة.
وأما بيان ما احتجّ به كلّ فريق، فذلك يستدعي تقديم الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع سجود السهو قولًا وفعلًا، ثم بيان تمسكهم بها.
قال الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله: أحاديث السهو كثيرة، والثابت منها خمسة أحاديث، وهي حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري، وهما جميعًا فيمن شكّ كم صلى، وذكر في حديث أبي هريرة أنه سجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما، وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه سجد قبل السلام، وحديث ابن مسعود، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه سجد بعد السلام، وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من اثنتين، والسجود بعد السلام، وحديث ابن بُحَينة، وفيه القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام، ثم ذكر كيفية أخذ الأئمة بهذه الأحاديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال الشيخ محيي الدين رحمه الله في "شرح المهذب": الأحاديث الصحيحة التي عليها مدار باب سجود السهو، وعنها تشعّبت مذاهب العلماء ستة أحاديث، فذكر هذه الخمسة، وحديث عبد الرحمن بن عوف الذي أخرجه الترمذي، وفيه الأمر بالسجود قبل التسليم.
قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: حديث ذي اليدين تقدم بجميع طرقه، وأما حديث أبي هريرة، فهو في "الصحيحين" من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان. له ضُراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قُضي الأذان أقبل، فإذا ثوب بها أدبر. فإذا قُضي التثويب أقبل، حتى يَخْطر بين المرء ونفسه، فيقول اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظلّ الرجل إن يدر كم صلى، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى، فليسجد سجدتين، وهو جالس".
وأخرجاه أيضًا من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مختصرًا، لم يذكر قصة الأذان، بل لفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس".
ثم رواه مسلم من حديث سفيان بن عُيينة، والليث بن سعد، عن الزهري، كذلك.
وكذلك رواه أبو داود، والنسائي من حديث مالك. وكذلك رواه أيضًا معمر عن الزهري. ثم رواه أبو داود من حديث ابن أخي الزهري، عن عمه، قال بهذا الحديث بإسناده، وزاد:"وهو جالس قبل التسليم".
وإلى هذه الرواية أشار الشيخ محيي الدين رحمه الله.
ومحمد بن عبد الله ابن أخي الزهري احتجّ به الشيخان، وقد تكلم في حفظه، وضعفّه ابن معين، وقال مرّةً: ليس بالقويّ، وذكر الذهلي أنه روى عن عمه ثلاثة أحاديث ليس لها أصل.
وقد تابعه على ذكر هذه الزيادة ابن إسحاق، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، من حديثه، قال: حدثنا الزهري، فذكره.
ورواه ابن ماجه، والبيهقي أيضًا من حديث ابن إسحاق، حدّثنا سلمة بن صفوان بن سلمة الأنصاريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. . .الحديث، وفيه:"إذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلم، ثم يسلم".
ثم رواه البيهقيّ هكذا أيضًا من مسند الحسن بن سفيان، حدّثنا عبد الله بن الرومي، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سها أحدكم، فلم يدر أزاد، أم نقص، فليسجد سجدتين، وهو جالس، ثم يسلم".
قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن مرزوق، عن عمر بن يونس.
قال العلائي رحمه الله: فقويت هذه الزيادة حينئذ بمجموع هذه الروايات. والله تعالى أعلم.
وأما حديث أبي سعيد رضي الله عنه، فأخرجه مسلم في "الصحيح" عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى، ثلاثًا، أو أربعًا، فليطرح الشكّ، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن صلى إتماما لأربع كانت ترغيمًا للشيطان".
هكذا رواه من حديث سليمان بن بلال، وداود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد به.
ورواه أبو داود، والنسائي
(1)
من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم.
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم مسندًا، كما رواه مسلم. وكذلك رواه أيضًا محمد بن مطرّف أبو غسان، وفليح بن سليمان، عن زيد بن أسلم. ورواه مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:. . . فذكره مرسلًا. وكذلك رواه سفيان بن عُيينة، وحفص بن ميسرة، ومحمد جعفر بن أبي كثير،
(1)
سيأتي للمصنف برقم (1238).
عن زيد بن أسلم مرسلًا.
واتفق الحُفّاظ على تصحيح المسند، وقبوله ممن حفظه، ولذلك أخرجه مسلم في "صحيحه"، قال ابن عبد البرّ: الحديث متصل مسند صحيح، ولا يضره تقصير من قصّر به، لأن الذين وصلوه حُفّاظ مقبولة زيادتهم.
وقال المازري رحمه الله: إرسال مالك للحديث غير قادح، لأنه قد عُلم من عادته ذلك، ثقةً منه مما علم من عادته، وأن ذلك لا يوقع في النفوس منه استرابة. وكذلك قال البزّار: الحديث صحيح، وإن كان مالك أرسله.
قال العلائي رحمه الله: وقد رواه الوليد بن مسلم، عن مالك مسندًا كما رواه سليمان بن بلال ومن تابعه، فكأن مالكًا رحمه الله أسنده في وقت فحفظه عنه الوليد بن مسلم. والله أعلم.
وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه، فروى الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسًا، فقيل: أزيد في الصلاة؟ فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم. أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي بهذا اللفظ، إلا أن مسلما لم يقل فيه: بعد ما سلم.
وأخرج مسلم أيضًا من حديث الأعمش، ومنصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال إبراهيم: زاد أو نقص، الشك مني- فلما سلم، قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك؟ "، قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال:"إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني، وإذا شكّ أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين". هذه رواية منصور.
وفي رواية الأعمش ذكر هذا الكلام أولًا، ثم ذكر أن سجود السهو جرى بعده.
وكذلك أخرجه مسلم أيضًا مختصرًا من جهة الأعمش بهذا السند عن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام.
ورواه مسلم من حديث الأسود، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا، فقلنا: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسًا، قال:"إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون"، ثم سجد سجدتي السهو.
فجميع روايات مسلم لم يُقيّد فيها الأمرَ بسجود السهو بعد التسليم. وكذلك رواه البزار في "مسنده" من طريق حُصَين بن عبد الرحمن، عن إبراهيم، عن علقمة بالحديث.
ورواه البخاري من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، ولفظه:"وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين". وأخرجه أبو داود بهذا اللفظ أيضًا من حديث جرير بهذا السند، وكذلك ابن خزيمة في "صحيحه". وكذلك رواه ابن خزيمة أيضًا، والنسائي في "سننه" من حديث فُضَيل بن عياض، عن منصور، وهو عند النسائي أيضًا من رواية ابن المبارك، وعند ابن خزيمة أيضًا من حديث زائدة، كلاهما عن منصور، وكلهم قال فيه:"ثم ليسلّم، ثم ليسجد سجدتين".
وهو عند مسلم من حديث جرير بن عبد الحميد بدون هذه الزيادة كما تقدّم، ومن طرق أُخَرَ كثيرة أيضًا بدونها.
قال البيهقي رحمه الله: حفظ هذه اللفظة -يعني ثم ليسلم- سفيان الثوريّ، وشعبة، وووهيب بن خالد أيضًا، عن منصور. ورواه عبد العزيز بن عبد الصمد، ومسعر، وكذا روى غيرهما عن منصور، فلم يذكروا هذه اللفظة.
ورواه جماعة عن إبراهيم، منهم الحكم بن عُتَيبة، والأعمش، فلم يذكروها، وكذلك رواه إبراهيم بن سُويد النخعي، عن علقمة، فلم يذكرها، وهو غير إبراهيم بن يزيد النخعي. وكذلك لم يذكرها الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود. والله أعلم.
قال أبو داود في "السنن": حدثنا النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن خصيف، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكبر ظنك على أربع، تشهّدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس، قبل أن تسلم، ثم تشهّد أيضًا، ثم تسلّم".
ثم قال أبو داود: ورواه عبد الواحد، عن خُصيف، ولم يرفعه، ووافق عبد الواحد أيضًا سفيان، وشريك، وإسرائيل، واختلفوا في الكلام في متن الحديث، ولم يسندوه.
قال العلائي رحمه الله: فالراجح حينئذ أنه موقوف، وأبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه باتفاق. وخُصيف الجَزَري ضعفه أحمد بن حنبل، وقَبِلَه غيره، وقال أبو حاتم: تُكُلِّمَ في سوء حفظه.
وأما حديث ابن بُحَينة رضي الله عنه، فهو عند مالك، والجماعة كلهم بإسناد متصل عن عبد الله بن مالك الأسدي،، ابن بُحينة، حليف بني المطلب، قال: صلى لنا رسول الله
- صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم قام، ولم يجلس، وقام الناس معه، فلما قضى صلاته، ونظرنا تسليمه، كبّر، وسجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم، ثم سلم. هذا لفظ "الموطأ" و"الصحيحين".
وعند مسلم أيضًا في رواية أخرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في صلاة الظهر، وعليه جلوس، فلما أتمّ صلاته سجد سجدتين، فكبّر في كل سجدة، وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس.
وروى النسائي من حديث الليث، عن ابن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه يوسف: أن معاوية رضي الله عنه صلى إمامهم، فقام في الصلاة، وعليه جلوس، فسبّح الناس، فتمّ على قيامه، ثم سجد بنا سجدتين، وهو جالس بعد أن أتمّ الصلاة، ثم قعد على المنبر، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من نسي من صلاته، فليسجد مثل هاتين السجدتين
(1)
. ورجال هذا الحديث ثقات.
ورواه الطبراني في "معجمه" من حديث يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، ولفظه: فلما كان آخر صلاته سجد سجدتين قبل التسليم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع.
وقد أخرجه البيهقي من حديث عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ، عن العجلان مولى فاطمة حدثه أن محمد بن يوسف حدثه عن أبيه، فذكر القصة، وقال فيه: فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل السلام، قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع.
وإسناد هذه الرواية صحيح أيضًا
(2)
، وقال بيّن فيه ما أبهم في رواية النسائي، لأن قوله: بعد أن أتمّ الصلاة يَحتَملُ أن يكون أتمها بالكلية، فيكون ذلك بعد التسليم، وأن يكون أتم أفعالها، فيكون السجود قبل السلام.
ففي رواية البيهقي تَبَيّن أن المراد المعنى الثاني، كما صرّح به في حديث ابن بُحينة، وعلى ذلك أيضًا ينبغي حمل حديث سعد بن أبي وقّاص الذي أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، كلاهما من حديث أبي مُعاوية الضرير، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد رضي الله عنه أنه نهض في الركعتين، فسبحوا به، فاستتمّ قائمًا، ثم سجد سجدتي السهو حين انصرف، ثم قال: أكنتم تروني
(1)
سيأتي للمصنف برقم (1260).
(2)
فيه يوسف والد محمد لم يوثقه غير ابن حبان، وقال النسائي: ليس بالمشهور، وقال في "ت": مقبول. فتنبّه.
أجلس؟ إنما أصنع كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع.
وقال فيه الحاكم: على شرط الشيخين، قال العلائي. وهو كما ذكر.
وحمل أبو داود هذا الحديث على أن السجود كان بعد السلام، لقوله: حين انصرف، وهذا هو الظاهر.
وقد صرّح به المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في حديثه، أخرجه أبو داود من حديث المسعودي، عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في الركعتين، قلنا: سبحان الله، قال: سبحان الله، ومضى، فلما أتم صلاته، وسلّم سجد سجدتي السهو، فلما انصرف، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع كما صنعت. قال أبو داود: وكذلك رواه ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، ورفعه. ورواه أبو عُمَيس -أخو المسعودي- عن ثابت بن عبيد، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، مثل حديث زياد بن علاقة.
قال العلائي: أما السند الأول، فالمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي، وثقه أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومحمد بن سعد، وغيرهم، وكلهم اتفقوا على أنه اختلط في آخر عمره، وغلط في كثير من حديثه.
فعلى هذا لا يعلم، هل هذا الحديث مما رواه قبل الاختلاط أو بعده، ولم يخرج له الشيخان شيئًا لذلك المعنى.
وأما الطريق الثاني، فهي عند عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، أنه قام في الركعتين الأوليين، فسبحوا به، فلم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين بعد التسليم، ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وابن أبي ليلى ضعيف متكلم فيه من قبل حفظه.
وقد رواه ابن عبد البرّ في "التمهيد" من حديث أبي قلابة الرّقاشي، عن بكر بن بكار، عن علي بن مالك، عن عامر الشعبي، عن المغيرة بن شعبة به، هكذا.
وعلي بن مالك هذا إن كان العبدي، فقد قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء.
وقال البيهقي بعد ذكر حديث معاوية المتقدم: وكذلك فعل عقبة ابن عامر الجُهَني.
وحديث عقبة هذا رواه ابن عبد البرّ من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه أن عقبة بن عامر قام في صلاته، وعليه جلوس، فقال الناس: سبحان الله، فعرف الذي يريدون، فلما أتم صلاته سجد سجدتين، وهو جالس، ثم قال إني سمعت قولكم، وهذه السنة.
قال العلائي: وإسناد هذه الرواية صحيح، وحملها البيهقي على الرواية التي رواها
عن معاوية مفسرةً أن سجود السهو كان قبل التسليم.
والحاصل: أن هذه الروايات بعضها محتمل لا يُحمل على ذلك، والذي صرّح فيها بأن السجود كان بعد التسليم، كحديث المغيرة بن شعبة لا يقاوم حديث ابن بُحينة المتفق على صحته وثبوته. والله سبحانه أعلم.
وأما حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الذي أشار إليه الشيخ محيى الدين رحمه الله، فأخرجه الترمذي من حديث إبراهيم بن سعد، وابن ماجه من حديث أبي سلمة، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنهم، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى، أو اثنتين، فليبن على واحدة، وإن لم يدر اثنتين صلى، أو ثلاثًا، فليبن على اثنتين، وإن لم يدر ثلاثًا صلى، أو أربعًا، فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلّم". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف من غير هذا الوجه، رواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف. انتهى كلامه.
ورواه ابن عبد البرّ في "التمهيد" من حديث أحمد بن خالد الوهبي، عن ابن إسحاق، عن مكحول به، وفيه زيادة قصة أن عمر بن الخطاب سأل ابن عباس عن هذا الحكم، وذكر أنه لم يسمع فيه شيئًا، فدخل عليهما عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فقال: لكني عندي منه علم، سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر رضي الله عنه: فأنت العدل الرضى، فماذا سمعت؟ فذكر الحديث كما تقدّم، وفي آخره:"حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم".
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" بهذه القصة من حديث ابن إسحاق هكذا، وقال فيه: على شرط مسلم.
قال الحافظ العلائي رحمه الله: وفيما قال نظر من وجهين:
أحدهما: أن مسلمًا رحمه الله لم يحتج بابن إسحاق في الأصول، بل في المتابعات في مواضع يسيرة، فليس على شرطه في الأصول.
الثاني: أنه لو احتجّ به في الأصول لم يكن هذا على شرطه، بل ولا صحيحًا، كما قال الترمذي، لأن ابن إسحاق مدلس عن الضعفاء، وقد قال هنا: عن مكحول، فلا يُحتَجّ به على القاعدة المعروفة في مثله من المدلسين.
وهذا الحديث مما دلّسه، فقد رواه البزّار في "مسنده" من حديث عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن إسحاق، حدثنا حُسين بن عبد الله، عن مكحول، عن
كريب، عن ابن عباس به.
وبين ذلك إسماعيل ابن عُليّة، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن ابن عبّاس، قال: كنّا عند عمر، فذكر الحديث.
قال محمد بن إسحاق: فلقيت حُسين بن عبد الله، فذاكرته هذا الحديث، فقال لي: هل أسنده لك؟ فقلت لا، فقال: لكن حدثني مكحول عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، فذكر الحديث. أخرجه البيهقي هكذا من حديث إسماعيل ابن علية، وكذلك رواه البزّار أيضًا من طريقه. وكذلك رواه ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن ابن إسحاق، عن مكحول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره مرسلًا، ثم أسنده عن حسين بن عبد الله، كما قال ابن عُلية، والمحاربي.
فتبين أن ابن إسحاق لم يسمع الحديث متصلًا، إلا من حسين بن عبد الله، عن مكحول، لا من مكحول نفسه.
وحسين هذا ضعيف باتفاقهم، قال علي بن المديني: تركت حديثه. وقال النسائي: متروك. وقال أحمد بن حنبل: له أشياء منكرة.
قال العلائي: والعجب من تصحيح الترمذي الحديث مع هذه العلة!!.
وأما الرواية التي أشار إليها الترمذي من طريق الزهري، فهي من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، عنه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف.
قال البيهقي: ورواها أيضًا بقية، عن بحر بن كنيز السقاء، وكذلك روي عن سفيان ابن حسين، عن الزهري.
قال العلائي: إسماعيل بن مسلم المكي متروك، قاله النسائي، وقال الجُوزجاني: واه جدًّا، واتفقوا على ضعفه.
وبحر بن كنيز السقاء متروك باتفاقهم، لم يُخرّجوا له.
وطريق سفيان بن حسين لا أراها تصحّ إليه.
وللحديث طريق أخرى، رواها البيهقي من حديث عبد الله بن واقد الحَرّاني، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، كرواية ابن إسحاق.
وعبد الله بن واقد هذا وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف، لا يُحدَّث عنه. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ذهب حديثه. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: ليس بثقة.
فهذه طرق حديث عبد الرحمن بن عوف، وليس شيء منها مما يُحتجّ به، فلا يُغتَرّ
بتصحيح الترمذي، والحاكم له، كما قلدهما الشيخ محيي الدين -يعني النووي في "مجموعه" جـ 4 ص 109 - في ذلك. وبالله التوفيق.
فإذا عرفت هذه الأحاديث، فالكلام الآن في مآخذ الأئمة في العمل بها.
أما داود فلم يَتَعَدَّها، ولم يقل بمشروعية سجود السهو في غير ما ورد في الأحاديث كما تقدم، جريًا على عادته في الظاهرية، وفصّل السجودَ فيها قبل السلام وبعده حسبما ورد في الأحاديث المتقدمة.
وأما باقي الأئمة، فإنهم عَدَّوُا الحكمَ إلى غيرها، لعدم الفارق، وقوة المقتضي للإلحاق، بل لو قيل بأن ذلك من باب الأمة والعبد في العتقال في قُطع فيه بنفي الفارق لم يكن بعيدًا لأنه من المعلوم أنه لا فرق بين زيادة فعل وفعل في الصلاة، ولا بين السلام من اثنتين، والسلام من ثلاث في الرباعية، ولا بين السهو في الصبح والظهر، فالاقتصار على ما ورد في الحديث ظاهر البطلان.
ثم اختلف الأئمّة في كيفية العمل بهذه الأحاديث:
فأبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله سلكا مسلك الترجيح بينها، وردّ بعضها إلى بعض.
ومالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه سلكوا مسلك الجمع بين جميع الأحاديث، والعمل بكلها.
فأما أبو حنيفة رحمه الله، فإنه اعتمد حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين".
وقد تقدم الحديث، وأنه صحيح بهذه الزيادة، وانضمّ إلى ذلك فعله صلى الله عليه وسلم في أحاديث ذي اليدين، وما تابعها من رواية أبي هريرة، وعمران بن حصين، وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بعد التسليم، واحْتُجّ له أيضًا بأحاديث أُخر قولية صرّح فيها بالسجود بعد التسليم.
منها: حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من شكّ في صلاه، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم". أخرجه أبو داود، والنسائي من حديث ابن جريج، عن عبد الله بن مسافع، عن مُصعب بن شيبة، عن عُتبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر.
وعُتبة هذا ذكره ابن حبان في "الثقات"، ولم يضعّفه أحد.
قال العلائي: وكذلك لم أر أحدًا ضعف عبدَ الله بن مسافع، ولا من وثّقه، ولكنه
معروف روى عنه جماعة، وهو مقلّ.
وأما مصعب بن شيبة، فقد احتجّ به مسلم، ووثقه يحيى بن معين، وقال فيه أحمد ابن حنبل: روى مناكير، وقال أبو حاتم الراوي: ليس بقوي، وقال النسائي: منكر الحديث.
ومنها: حديثُ ثوبان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لكل سهو سجدتان بعد ما تُسلّمُ". أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
وهذا أقوى ما يحتجّون به لتعميم محالّ السهو بصيغة "كل"، ولأن أبا داود أخرجه، وسكت عنه، والقاعدة التي يسلكها الشيخ محيي الدين رحمه الله كثيرًا بأن كلّ ما سكت عنه أبو داود فهو حجة لا زمة له هنا، لكنه قال في "شرح المهذب": هذا حديث ضعيف ظاهر الضعف، ولم يُبيّن ضعفه من أي وجه.
والحديث مداره على إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير بن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان رضي الله عنه.
وعبيد الله بن عُبيد، وزُهير بن سالم، وثقهما ابن حبان، ولم يُتَكَلَّم فيهما ما علمتُ. وعبد الرحمن بن جُبير، وأبوه احتجّ بهما مسلم.
فالذي يُتَعَلَّق عليه في هذا الحديث هو إسماعيل بن عياش، فقد ضعفه النسائي وجماعة، وقال ابن حبان: لا يُحتجّ به.
وفي هذا التعلق نظر، فقد وثقه ابن معين، ويعقوب بن سُفيان، وجماعة. وقال يزيد ابن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، وقال أحمد بن حنبل والبخاري: إذا حدّث عن أهل بلده -يعني الشاميين- فصحيح، وإذا حدّث عن غيرهم ففيه نظر، وكذلك قال يحيى بن معين في رواية: ليس به بأس في أهل الشام، وقال دُحَيم: هو في الشاميين غاية. وهكذا ابن عديّ بعد ذكر ما قيل فيه: وفي الجملة هو ممن يُحتجّ به في الشاميين خاصّةً.
فهذا القول هو الصحيح الذي استقرّ عليه العمل، وهذا الحديث من روايته عن أهل الشام، فتضعيفه فيه نظر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الذي يظهر -كما قال بعض المحققين- أن إعلال هذا الحديث ليس من جهة إسماعيل، بل من جهة زهير بن سالم، فإنه -وإن وثقه ابن حبان- قال فيه الدارقطني: حمصي منكر الحديث، روى عن ثوبان، ولم يسمع منه. انظر "تهذيب التهذيب" جـ 3 ص 344.
فتين بهذا أن الحديث فيه زهير بن سالم منكر الحديث، وسيأتي عن العلائي أن فيه علةً أخرى، وهو الانقطاع، فلا يصحّ. فتنبه. والله تعالى أعلم.
قال العلائي رحمه الله تعالى: والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث بعد ما ضعّفه: الروايات المستفيضة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سلم، وتكلّم، ومشى، واقتصر على سجدتين، مع تعدد السهو، كما تقدم ذلك في أحاديث ذي اليدين، وسيأتي ما يتعلق بهذه المسألة إن شاء الله تعالى، وأن هذا الحديث لا يلزم منه الدلالة على تعدد السجود بتعدد السهو.
وإذا ردّ هذا الفصل لمعارضته ما هو أرجح منه وأثبت، وأكثر طرقًا، وأصحّ، لا يلزم منه ردّ الأمر الآخر، أعني تعيّن السجود بعد السلام، لأنه معتضد بحديث ابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وبفعل النبي صلى الله عليه وسلم غير مرّة.
فهذا معتمد القائلين بأن سجود السهو بعد السلام على الإطلاق، ويَردّ عليهم حديثُ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي عَيَّن فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأمر بسجود السهو قبل السلام، وهو صحيح أخرجه مسلم كما تقدم.
وكذلك الروايات التي تقدمت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه بتعيين سجود السهو قبل السلام، وهي مما يحتجّ بها، وحديث عبد الله ابن بُحَينة المتفق على صحته، ولم يُختلف فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد قبل السلام.
فأجابوا عن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بأن مالكًا وجماعةً أرسلوه، وهو جواب ضعيف، لأن وصله، وإسناده ثابت محكوم بصحته كما تقدم، ثم هو أرجح من جهة السند من حديث عبد الله بن جعفر، ومن حديث ثوبان، لخلوّ إسناد أبي سعيد عن متكلم فيه، واشتمال حديث ابن جعفر على مصعب بن شيبة، وهو متكلم فيه، وهذا، وإن كان مندفعًا باحتجاج مسلم به، ولكن يظهر فائدته في الترجيح عند التعارض، كما صرّح به الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث".
وحديث ثوبان فيه إسماعيل بن عيّاش، وقد تُكُلِّم فيه كثيرًا، وقال فيه أبو إسحاق الفزاري: لا تأخذوا عن إسماعيل بن عيّاش شيئًا، لا ما روى عن المعروفين، ولا غيرهم، ثم لو قبلناه على قول أحمد والبخاري، فحديث أبي سعيد الخدري أصحّ منه.
ثم لحديث ثوبان علة أخرى غيرُ إسماعيل بن عيّاش، وهي أنه اختلف فيه عليه، فرواه هكذا عنه عمرو بن عثمان الحمصي وحده متصلًا، وخالفه عثمان بن أبي شيبة، وشُجاع بن مخلد، وأبو توبة الربيع بن نافع، فرووه عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عُبيد، عن زهير بن سالم، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير، عن ثوبان،
ولم يقولوا فيه: "عن أبيه"، وعبد الرحمن بن جُبير لم يدرك ثوبان، فالراجح أنه منقطع، لقول الجماعة.
ولا يبقى النظر إلا في الترجيح بين حديث ابن مسعود، وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، وما تابعه في بعض طرق حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد تقدم أن حديث ابن مسعود لم تتفق الروايات فيه على قوله: "ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين"، ولكنها زيادة صحيحة.
وحديث أبي سعيد اتفقت الروايات فيه على تعيين السجود قبل التسليم، ففي تقديم أحدهما على الآخر نظر من حيث الإسناد، بل إن اتفق أمر خارجيٌّ رُجح به، وإلا فلا.
وأما حديث ابن بُحينة فقد أجاب عنه الطحاوي وغيره بأن حديث المغيرة بن شعبة قد عارضه، وفيه السجود بعد السلام في صورة النقص التي انتفت في حديث ابن بُحينة بعينها.
وتأول بعضهم حديث ابن بُحينة بأن المراد بالسجود هنا سجود الصلاة الذي من صُلب الركعة، أو بأن المراد بقوله:"قبل السلام" السلام الثاني.
وقال بعضهم: يَحتَملُ أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم سجد في قصة ابن بحينة قبل السلام سهوًا.
قال العلائي رحمه الله: وهذه كلها خلاف الظاهر، أو باطلة، وكيف يُحمل السجود هنا على ركن الصلاة، وقد قال عبدُ الله ابن بحينة: فلمّا قضى الصلاة، وانتظرنا تسليمه سجد سجدتين، ثم سلّم؟!!
وكذلك حملُ السلام على التسليمة الثانية، فإن سجود السهو لا يكون إلا بعد التسليمتين اتفاقًا، وأما السهو فالأصل عدمه، وتطريقه إلى الأفعال الشرعية من غير دليل يدل على ذلك الفعل لا يجوز، ثم إنه مقابل بعكسه، فقد قال جماعة من أصحابنا: إن سجود النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين بعد السلام محمول على أنه أخّره سهوًا.
وفي كلام الشافعي إشارة إليه، بل هذا الاحتمال أولى، لأن نقل ما ليس من نفس الصلاة إليها بعيد، بخلاف سجود السهو من قبل السلام إلى ما بعده.
والحقّ أنه لا يُحمل شيء من هذين الفعلين على السهو، لمخالفته للأصل من غير دليل، وتطرق ذلك إلى ما لا يسوغ في الاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم.
وأما معارضة حديث المغيرة بن شعبة لحديث ابن بُحينة رضي الله عنهما، فقد تقدم أن إسناد حديث المغيرة ليس بالقويّ، وأن حديث ابن بحينة أصح منه، وقد اعتضد بحديث معاوية رضي الله عنه. وحكى أنه شاهد هذا من النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاوية متأخر الإسلام من مسلمة الفتح.
فالترجيح ظاهر لحديث ابن بحينة، ومن تابعه هذا فلا ريب فيه
(1)
.
وحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يُمكن ردّه إلى حديث ابن بحينة كما تقدم.
قال ابن عبد البرّ رحمه الله: ويكفي حجةً في ذلك أن الإمام أحمد من أكبر أئمة الحديث المعتبر قولهم المطلعين على جميع طرقه، قد قال بأنه في النهوض من الركعتين، والسهو عن التشهد الأول يسجد قبل السلام لا غير، فدلّ ذلك على ترجيحه حديث ابن بُحينة، وأنه لم يَعتبر حديث المغيرة بن شعبة.
واحتج الطحاوي بما رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى صلاة المغرب، فلم يقرأ في الركعة الأولى شيئًا، فلمّا كان في الثانية قرأ فيها بفاتحة الكتاب، وسورة مرتين، فلما سلم سجد سجدتي السهو، وهو عنده من رواية شعبة، عن عكرمة بن عمّار، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبد الرحمن بن حنظلة بن الراهب، أن عمر رضي الله عنه، فذكره.
وأشار بذلك إلى أن عمر رضي الله عنه لم يسجد بعد السلام في النقص إلا وقد علم من النبي صلى الله عليه وسلم أن فاعله في حديث ابن بُحينة قد نُسخ.
قال الحافظ العلائي رحمه الله: وجواب هذا أنه لا يلزم منه النسخ، ولا يعارض فعل النبي صلى الله عليه وسلم بفعل غيره، وما الذي يدلّ على أن عمر رضي الله عنه اطلع على سجود النبي صلى الله عليه وسلم يوم ابن بُحينة قبل السلام، ثم خالفه حتى تعذر اطلاعه على ناسخ؟
ثم روى عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: سجود السهو بعد التسليم، ولم يفرّقوا، منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وآخرون.
وجوابه ما تقدم أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وما ثبت عنه أمرًا وفعلًا لا يُعارضه غيره من عمل الصحابة، ولو قدر اطلاعهم على سجود النبي صلى الله عليه وسلم قبل السلام، فما المانع من اعتقادهم تسويغ كل واحد من الأمرين.
وهذا هو الأولى كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
ويدلّ على ذلك اختلاف الرواية عنهم، فقد اختلف عن ابن عباس، وابن الزبير رضي الله عنهم كما تقدّم.
ثم قال الطحاوي: وأما من جهة النظر، فإنا رأينا سجود السهو يُؤخر عن موضع السهو بخلاف سجود التلاوة، ومن نسي سجدة من صلاته إلى آخر الصلاة، فإنه اختلف في تقديمه على السجود، أو تقديم السجود عليه، فكان النظر أن يكون حكمه في تقديمه على السجود حكم ما قبله من الصلاة المتفق على تقديمه عليه.
(1)
هكذا نسخة "نظم الفرائد" ص 334 "ومن تابعه هذا فلا ريب فيه" وفيها ركاكة فليحرر.
وجواب هذا أنه ليس بقياس صحيح، ولو كان قياسًا معتبرًا فهو في مقابلة النصوص الصحيحة، فلا يُقبل.
ثم هو معارض بقياس أقوى منه، وهو أن سجود السهو شُرع جبرًا لما وقع في الصلاة من الخلل، إما بزيادة، أو نقص، والأصل أن الجابر يقع في المجبور لينجبر باتصاله به، لأن الإصلاح والجبر بعد الانفصال عن الصلاة بعيد، فالقياس يقتضي أن يكون قبل السلام مطلقًا، وإذا كان لا بدّ من اعتبار القياس، فهذا أولى، والله أعلم.
وأما الشافعية على المشهور عندهم من أقوال الشافعي رحمه الله، فإنهم رأوا أن تقديم حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أولى من حديث ابن مسعود رضي الله عنه من جهة اتفاق الرواة في الأول على التصريح بكون السجود قبل السلام، واختلافهم في ذلك في حديث ابن مسعود، كما تقدم، ومن جهة أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه من أحداث الصحابة، فتشعر روايته بالتأخر بخلاف ابن مسعود، ومن جهة اعتضاد حديث أبي سعيد بما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من التصريح بكونه قبل السلام، وهو متأخر الإسلام كما تقدّم.
قالوا: وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه شمل القسمين الزيادة والنقص على كلا التقديرين، لقوله صلى الله عليه وسلم:"فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا لأربع كانت السجدتان ترغيمًا للشيطان"، وقال في كلّ منهما:"ثم يسجد قبل أن يسلم"، والزيادة المقدّرة كالمحققة، فكانت دلالة الحديث تقتضي أن السجود قبل السلام مطلقًا في حالتي السهو بالزيادة والنقص.
قالوا: وهذا أولى بالأخذ من أحاديث ذي اليدين، لأن دلالة حديث أبي سعيد قولية لا تحتمل تأويلًا، ودلالة حديث ذي اليدين فعلية تحتمل أنه كان عن سهو منه صلى الله عليه وسلم -أعني تأخير السجود إلى بعد السلام- وقد تقدم الاعتراض على تقدير السهو في تأخير السجود إلى بعد السلام في حديث ذي اليدين، إذ لا دليل عليه، بل كيف يقال ذلك، وقد تكرر هذا منه صلى الله عليه وسلم غير مرة كما تقدم في أحاديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُديج رضي الله عنهم، وأنها وقائع متعددة، فاحتمال السهو فيها بعيد، أو باطل لا وجه له.
وقد اعترض بعض المالكية على حديث أبي سعيد بالإرسال فيه، وتقدّم أن هذا اعتراض ضعيف، فالحديث صحيح لا ريب فيه.
ومنع بعضهم إلحاق الزيادة المتوَهَّمَة بالمتحققة، فقال: إنما نقول بسجود السهو بعد السلام حيث تتحقق الزيادة، كما في قصة ذي اليدين، وإذا كانت الزيادة متوهمة، فالسجود لها قبل السلام، وهذا إنما يتمشّى على القول الذي حكاه الداودي عن مالك:
أن السجود في صورة الشك يكون قبل السلام كما دل عليه حديث أبي سعيد، وليس هذا الراجح عند المالكية، بل الصحيح عندهم أن توهم الزيادة كتحققها في كونها تقتضي السجود بعد السلام.
ثم قال أصحاب الشافعي: أحاديث ذي اليدين على أن المراد بالسلام الذي وقع السجود بعده هو السلام على النبي صلى الله عليه وسلم الذي في التشهد، وهذا تأويل بعيد، لأن السابق إلى الفهم عند إطلاق السلام في سياق ذكر الصلاة هو الذي به التحلل.
وأشار الشافعي في القديم إلى شيء آخر، فقال: أخبرنا مطرّف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، قال: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتي السهو قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام.
فاعتمد كثير من الشافعية هذا، وقالوا: السجود بعد السلام منسوخ، وهذا فيه نظر من وجوه:
أحدها: من جهة مطرّف بن مازن، فقد ضعفه الجماعة كلهم، وقال فيه ابن معين: كذاب.
الثاني: أن هذا قول من الزهري غير مسند، بل مرسل، أو منقطع، فكيف يثبت بمثله النسخ؟!!
الثالث: أنه لو كان مسندًا صحيحًا لم يلزم منه النسخ لو جهين:
أحدهما: ما ذكره إمام الحرمين: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يتضمّن الإيجاب عند المحققين، ولكنه يتضمن الجواز والإجزاء، فلئن صحّ ما ذكره الزهري أنه سجد آخرًا فهذا لا يعين ذلك، ولا ينفي جواز ما تقدم.
الثاني: ما ذكره تقي الدين ابن دقيق العيد: أن شرط النسخ التعارض باتحاد المحلّ، ولم يقع ذلك مصرحًا به في رواية الزهريّ، فيحتمل أن يكون الأخير هو السجود قبل السلام، لكن في محلّ النقص، وإنما يقع التعارض المحوج إلى النسخ لو تبين أن المحلّ واحد، ولم يتبّين ذلك.
قال الحافظ العلائي: وهذا بخلاف قول جابر رضي الله عنه: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، إذ هما متعارضان من كلّ وجه، لتحريم الصلاة بدون الوضوء إذا كان أكله ناقضًا للوضوء، فدلّ تركه، والصلاة بدونه على النسخ.
وسلك بعض أصحاب الشافعي في هذه الأحاديث مسلكًا آخر، وهو الترجيح، فجعله من جانب مَنْ قال بأنه على الإطلاق قبل السلام لكثرة الرواة، وهذا أيضًا فيه نظر من وجهين:
أحدهما: منع كثرة الرواة من هذا الجانب، بل الظاهر أن الأكثر رواةً هو ما يدلّ عن تأخره بعد السلام، بدليل أحاديث ذي اليدين المتقدمة، وتعدد طرقها وصحتها.
الثاني: أن الترجيح إنما يُصار إليه عند تعذر إمكان الجمع والتعارض في محلّ واحد، وذلك كله ممنوع هنا. فهذا ما يتعلق بهذه الطريق. والعلم عند الله سبحانه وتعالى.
وقد روى عبد الرزاق في "مصنفه": أخبرنا معمر وابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"التسليم بعد سجدتي السهو".
وهذا حديث غريب بهذا اللفظ، ويمكن حمله على السلام الذي بعد سجود السهو، لا على سلام التحلل من الصلاة. والله أعلم.
وأما الطريق الثاني: وهو الجمع بين الروايات، والعمل بها فقد تقدم أنها تشتمل على ثلاث مذاهب:
أحدها: قول مالك رحمه الله المشهور عند أصحابه أن ما كان السهو فيه بزيادة، فمحلّ السجود له بعد السلام، وما كان بنقص، فمحله قبل السلام، وهو القول القديم للشافعي، واختيار المزني كما تقدم.
قال المالكية: وبهذا يحصل الجمع بين حديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة، وأيدوا ذلك من حيث المعنى بأن السجود في النقصان لصلاح الصلاة وجبرها، والإصلاح والجر لا يكونان بعد الخروج من الصلاة، وأما السجود في الزيادة، فإنما هو ترغيم للشيطان، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ، هكذا قاله ابن عبد البرّ.
ولقائل أن يمنع أن السجود في سهو الزيادة ترغيم للشيطان، بل هو أيضًا جبر لما حصل في الصلاة من النقص والخلل بالزيادة فيها، فإنه نقص في المعنى، وخلل يحتاج إلى جبر، وإنما السجود الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم ترغيمًا للشيطان هو السجود للشكّ إذا أخذ المصلي بالاحتياط، وبنى الأمر على اليقين، وهو الأقلّ، ثم كان الأمر كذلك في نفس الأمر، فإن صلاته، والحالة هذه تامّة، لا نقص فيها ولا زيادة، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن السجود في هذه الصورة ترغيم للشيطان، لئلا يوسوس له أن في صلاته خللًا، فإنه حينئذ يخيّبه بأن الخلل قد انجبر بسجود السهو، وهذا ظاهر من لفظ الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا لأربع كانت السجدتان ترغيمًا للشيطان.
فيحتاج من يقول: إن سجود السهو في حال الزيادة ترغيم للشيطان إلى دليل على
ذلك، ثم إن المشهور من قول مالك رحمه الله في صورة الشك أنه يسجد بعد السلام سواءٌ توهم الزيادة أو النقص كذلك قال القرطبي وغيره: إنه الصحيح من مذهبه.
فعلى هذا لم يحصل الجمع بين الأحاديث، لأنه ألغى حديث أبي سعيد بالكلية الذي صرّح فيه بالسجود قبل السلام، وهو ثابت مجمع على صحته كما تقدم، فلم يجمع مالك رحمه الله إلا بين أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة فقط.
وطريق أحمد بن حنبل رحمه الله في الجمع بين الأحاديث أقوى من جهة أنه جمع حديثي ابن مسعود وأبي سعيد الخدري، فقال: إذا شك في عدد الركعات فله حالتان:
إحداهما: أن يبني على اليقين، وهو الأقلّ، ويأتي بما بقي، فحينئذ يسجد قبل السلام، عملًا بحديث أبي سعيد الخدري.
والثانية: أن يتحرى، ويعمل بما غلب على ظنه أنه أقرب إلى الصواب، فحينئذ يسجد بعد السلام، عملًا بحديث ابن مسعود، وظاهر مذهبه أن المنفرد يبني على اليقين، والإمام يبني على غالب ظنه، كذلك قاله في "المقنع"، فكأنه حمل حديث أبي سعيد على المنفرد، وحديث ابن مسعود على الإمام، ورأى أن ذلك أولى من تعطيل أحدهما، وتقديم الآخر عليه.
وقال فيمن نسي التشهد الأول، ونهض من الركعتين: إنه يسجد قبل السلام، عملًا بحديث ابن بحينة، وتقديمًا له على غيره كما تقدم لصحته. وفيين سلّم من ركعتين، أو من ثلاث، وتكلم، أو مشى: يسجد بعد السلام، عملًا بأحاديث ذي اليدين، ثم قال فيما سوى ذلك من أنواع السهو: إنه يسجد له قبل السلام، لأن جبر الخلل الواقع في الصلاة إنما يكون في صلبها، لا خارجًا عنها، وقد تقدّم قوله: لولا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لرأيت السجود كله قبل السلام.
وقد اعترض بعض الأئمة على هذا القول، وجعل اختصاص السجود بما بعد السلام بالمواضع التي وردت في حديث ذي اليدين، وما تابعه نوعَ ظاهرية.
وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله: يترجح قول مالك بأن تُذكر المناسبة في كون سجود السهو قبل السلام عند النقص، وبعده عند الزيادة، وإذا ظهرت المناسبة، وكان الحكم على وفقها كانت علة، وإذا كانت علةً عم الحكم جميع محالها، فلا يتخصص ذلك بمورد النصّ.
قال العلائي: ولقائل أن يقول: إن كانت المناسبة المشار إليها هي ما تقدم عن ابن عبد البرّ، ففي كونها مناسبة نظر، وقد مضى الكلام عليها، وإن كانت غيرَها فلتُبَيَّن، بل الذي تقتضيه المناسبة أن يكون سجود السهو قبل السلام مطلقًا كما تقدم.
وأما إسحاق بن راهويه فكأنه اعتبر هذه المناسبة، فقال بالأحاديث كلها على نحو مما قاله الإمام أحمد، ثم فرق فيما عداها بين الزيادة والنقص، فقال كقول الإمام مالك، ويرُدُّ عليهما جميعًا أن اختصاص الإمام بالتحرّي والاجتهاد في حالة الشكّ، واختصاص المنفرد بالبناء على اليقين يحتاج إلى دليل،، فإن كان ذلك للجمع بين الحديثين، فلم لا قيل العكس؟
فإن أبدوا مناسبة ذلك بأن المنفرد ليس له من يذكّره، فيحتاج إلى البناء على اليقين بخلاف الإمام، فإنه يتحرى لأنه يرجع إلى قول المأمومين، قلنا: لا نسلّم أن الإمام يلزمه الرجوع إلى قول المأمومين ما لم يتذكر، بل لا فرق بين الإمام والمنفرد، وقد قال الخطابي: إن حقيقة التحرّي هو طلب أحرى الأمرين، وأولاهما بالصواب، وأحراهما ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه من البناء على اليقين، لما فيه من كمال الصلاة، وللاحتياط لها، قال: ويدلّ على أن التحرّي قد يكون بمعنى اليقين قوله تعالى: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} [الجن: 14].
قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: فهذا ما يتعلق بهذه الأقوال الخمسة في موضع سجود السهو.
والقول السادس لعله أقربها إلى الصواب، وهو ردّ الأمر إلى التخيير، واستواء الأمرين، لثبوت الأحاديث فيها من كل جهة، وبُعْد الجمع بينها على وجه يعم جميعها، وبُعْد المناسبة الفارقة بين الزيادة والنقصان، ولا ينافي القولُ بهذا القول بالأولوية في بعض الصور، إما قبل السلام أو بعده حسب ما ثبت في الأحاديث، وقد اختار هذا القول الشيخ أبو حامد الإسفرايني من أصحاب الشافعي. والله سبحانه أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره الحافظ العلائي رحمه الله، وهو ردّ الأمر إلى التخيير فيما لا نص فيه هو الأرجح عندي.
وحاصله أن ما نُصّ فيه بأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيه قبل السلام فهو قبل السلام، وما كان فيه أنه سجد فيه بعد السلام فهو بعد السلام، وما ليس فيه نص فهو بالتخيير.
وقد اختار هذا القول العلامة الشوكاني رحمه الله في "نيل الأوطار" جـ 3 صلى الله عليه وسلم، 134 وعبارته هناك: وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب السجود مقيدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيّدًا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيّرًا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص، لما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد
سجدتين". وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصًا، أو مجموعهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة العاشرة: في اختلاف أهل العلم في حكم التشهد والسلام بعد سجدتي السهو:
(اعلم): أنهم اختلفلوا أيضا في سجود السهو، هل يعقبه تشهد وسلام، أم لا؟، أم أحدهما؟ وهل يحتاج إذا وقع بعد السلام إلى تكبيرة الإحرام، أم لا؟
فروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه يتشهد فيها، ويسلم. وعن حماد بن أبي سليمان، والحكم كذلك، وعن إبراهيم النخعي أيضًا، ورواه عبد الرزاق عن قتادة.
وقال آخرون: لا تشهد بعدها، ولا تسليم، روى ابن أبي شيبة ذلك عن أنس بن مالك، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح على خلاف عنه.
وقال آخرون: يُسلّم بعدها، ولا يتشهد، روي هذا عن سعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن إبراهيم النخعي، والحسن البصري أيضًا، وحكاه ابن عبد البرّ عن ابن سيرين. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحبّ إلي أن يتشهد فيهما. وحكى ابن عبد البرّ أيضًا عن يزيد بن قُسيط أنه يتشهّد بعدهما، ولا يسلم، قال: وهو رواية أيضًا عن الحكم بن عُتيبة، وحماد، والنخعي. فهذه أقوال المتقدمين.
وأما الأئمة الأربعة، فقال القاضي عياض رحمه الله: مذهب مالك رحمه الله أنه إذا كانتا -يعني السجدتين- بعد السلام، فيتشهد لهما، ثم يسلم، ثم اختُلفَ عنه، هل يجهر بسلامهما الإمام كسائر الصلوات، أم يسرّ، ولا يجهر؟، واختُلف عنه، هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟، واختلف عنه، هل يتشهد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟.
وأشار القرطبي إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام، لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يُتحلل منه بسلام لابدّ من تكبير يُتَحرّم به كسائر الصلوات.
ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهد بعد سجدتي السهو، ثم يسلم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام، لأنه لم يخرج بالسلام الذي قبل سجود السهو من الصلاة أصلًا.
هذا قول محمد بن الحسن، حتى قال: يجوز للمقتدي أن يأتمّ به ابتداء بعد ما سلّم، ويكون كالمسبوق.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن سجد للسهو بعد ما سلم لم يكن خارجًا من الصلاة بسلامه ذلك، وجاز أن يُؤتمّ به، وإن أعرض عن السجود، وكان بذلك السلام خارجًا
من الصلاة، فلم يجز ربط القدوة به. ويظهر فائدة الخلاف بينهم في انتقاض الطهارة بالقهقهة على أصلهم، واتفقوا على أنه لو سلّم يريد به قطع الصلاة لَغَت هذه الإرادة، وأتى بسجود السهو الذي عليه، لأن نيته تغيير للمشروع.
وقال أحمد رحمه الله: متى سجد قبل السلام لم يَحتج إلى تشهد، وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة، ليس معلقًا بسجود السهو، وأما إذا سجد بعد السلام، فإنه يتشهد بعده، ثم يسلّم، ولم يذكر تكبيرة إحرام.
وأما مذهب الشافعي، رحمه الله، فإن سجد قبل السلام، فلا تشهد، ولا تسليم قطعًا، وإن سجد بعده ففيه تفاصيل لأصحابه قد ذكرها العلائي رحمه الله، وتركتها اختصارًا، فراجعه ص 347 - 350.
وقد ذكر العلائي رحمه الله أدلتهم بعد ذكر أقوالهم، فقال:
أما تكبيرة التحريم فلم يأت ذكرها في حديث صريحًا، إلا ما تقدم أن حمّاد بن زيد روى عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث ذي اليدين أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا أتم الصلاة، وسلم منها كبّر، ثم كبّر، وسجد للسهو. أخرجه أبو داود، وقال: إنها تفرّد بها هشام بن حسان من رواية حماد بن زيد عنه، وقد رواه حماد ابن سلمة، وأبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان لم يذكروا هذه اللفظة- أعني قوله:"كبّر، ثم كبّر".
وكذلك رواه عن ابن سيرين جماعة كثيرون فوق العشرة بدونها.
فالحاصل: أن هذه الزيادة شاذّة، وإن كان راويها ثقةً، ولكنه خالف فيها جماعة حُفّاظًا أكثر عددا منه، فكانت مردودة.
والذي اعتمده القرطبي في اشتراط تكبيرة التحريم ما تكرر في روايات حديث ذي اليدين في "الصحيح" من قول أبي هريرة رضي الله عنه: فصلى ركعتين، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر ورفع، ثم كبّر وسجد، ثم كبر فرفع.
قال: فعَطَفَ السجود على التكبير الأول بـ "ثم" التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه مصاحبًا له، ولأتى الراوي به بالواو المتقتضية للجمع، كما فعل في بقية انتقالات السجود.
قال العلائي: وهذا الاستدلال ليس بالظاهري القويّ، بل هو مُحتمل، أو قريب من الظهور.
وأقوى ما يُستدَلُّ به لذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من التسليم بعد سجود السهو الذي فعله بعد السلام، كما ثبت هذا من حديث عمران بن حُصين رضي الله عنهما عند مسلم.
والقاعدة تقتضي أن السلام لا يُتحلّل به إلا من عَقْد انعقد قبله بتحرّم، فهذا إذا انضمّ إلى ما قاله القرطبي أفاد قوّةً في تكبيرة الإحرام.
ولكن هذا إذا قلنا بأنه ليس في الصلاة الأولى، أما إذا جعلناه عائدًا إليها كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا سلم ناسيًا سجود السهو، وكمذهب أبي حنيفة في أن السلام الأول لم يُخرج به من الصلاة، إذ كان عليه سجودُ سهو، فلا معنى هنا لتكببرة الإحرام، لكن القول بأنه لم يخرج من الصلاة بالتسليم الذي أَتَى به قصدًا بعيدٌ لا وجه له، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"وتحليلها بالتسليم"، فيحتاج من يقول بأنه لا يخرج من الصلاة إذا تعمد التسليم إلى دليل.
وأما التشهد، فقد روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه جميعًا عن محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرني أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبى قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلّم. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قال العلائي: أشعث هذا هو ابن عبد الملك الحُمراني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، والنسائي وغيرهما. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: خرج حفص بن غياث إلى عَبّادان، فاجتمع إليه البصريون، فقالوا: لا تحدّثنا عن أشعث بن عبد الملك.
ولم يخرّج الشيخان له شيئا في كتابيهما، لكن البخاري ذكره تعليقًا، وقد ذكره ابن عديّ في كتابه "الكامل في الضعفاء"، لكنه لم يذكر شيئًا يدلّ على تليينه أكثر من قول أهل البصرة هذا، وفي كونه تضعيفًا نظر، لو انفرد، فكيف به مع توثيق يحيى بن سعيد القطان وغيره؟.
والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث أنه تفرّد به أشعث هذا، وقد رواه شعبة بن الحجاج، ووهيب بن خالد، وإسماعيل ابن عُلية، وحماد بن زيد، وهُشيم بن بَشير، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي، كلهم عن خالد الحذّاء، من حديث عمران بن حُصين مطوّلًا ومختصرًا، ولم يذكر أحد منهم التشهّد بعد سجدتي السهو، فهذه الزيادة شاذّة مخالفة للثقات الحُفّاظ المتقنين، فكانت مردودة، هذا لو كان أشعث مقاومًا لمن ذكر، فكيف، وهو دونهم في الإتقان والحفظ بكثير؟، وقد مُسّ أيضًا، وهذا وحده كاف في ردّ زيادة التشهد.
ويدلّ عليه أيضًا ما ثبت من طُرُق عديدة عن ابن سيرين في حديث ذي اليدين بعد
سياقه حديث أبي هرير رضي الله عنه، قال: ونُبِّئتُ عن عمران بن حصين أنه قال: ثم سلم.
فلم يذكر مع السلام تشهدًا، وهو هنا راوي هذا الحديث، فلو كان محفوظًا عنده لذكره ولو مرّةً واحدة.
وفي "صحيح البخاري" عن حماد بن زيد قال سلمة بن علقمة: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. ولفظ الإسماعيلي: لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئًا، وأحبّ إليّ أن يتشهد.
وفي سنن البيهقي من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثني الشعبي، عن المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم تشهّد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو.
قال البيهقي: وهذا تفرّد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الشعبي، ولا يُفرح بما تفرد به.
ثمّ روى من حديث محمد بن سلمة، عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلّم، ثم تشهّدت أيضًا، ثم سلّمت".
ثم قال البيهقي: وهذا غير قويّ، ومختلف في رفعه ووقفه.
قال العلائي: خُصيف الجزري تقدم أن أحمد بن حنبل ضعّفه، وقال مرّةً: ليس بقويّ، وقال أبو حاتم: تُكُلّم في سوء حفظه.
وتقدّم أيضًا أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئًا، لأنه كان صغيرًا جدًا في حياته، قال عمرو بن مرّة: سألت أبا عُبيدة هل تذكر من عبد الله شيئًا؟، قال: لا.
وأما حديث المغيرة، ففيه ابن أبي ليلى، كما قال البيهقي، وهو القاضي الفقيه محمد بن عبد الرحمن كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وقال فيه أحمد بن حنبل: سيء الحفظ مضطرب الحديث، وفقهه أحبّ إلينا من حديثه، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: كان سيء الحفظ شُغل بالقضاء، فساء حفظه، ومع ذلك فقال فيه: محله الصدق، وكذلك قال فيه العجلي: كان صدوقًا جائز الحديث، وقد أثنى عليه جماعة.
قال العلائي: فقد يقال: إن هذه الأحاديث الثلاثة باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، ويُحتجّ بها، وهذا ليس ببعيد، ولكن قال ابن عبد البرّ: أما التشهّد في سجدتي
السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال النووي: إنه لا يثبت في التشهد حديث. فالله أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي في تضعيف هذه الأحاديث نظر، ولا سيما رواية أشعث الحمراني، فقد قال ابن التركماني رحمه الله تعال بعد ذكر من وثقه من أهل العلم: ما حاصله: وإذا كان كذلك، فلا يضرّه تفرّده بذلك، ولا يصير سكوت من سكت عن ذكره حجةً على من ذكره وحفظه، لأنه زيادة ثقة، كيف، وقد جاء له الشاهدان اللذان ذكرهما البيهقي. انتهى "الجوهر النقي" جـ 2 ص 355. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الحادية عشرة: في اختلاف أهل العلم في حكم سجود السهو:
(اعلم): أنهم اختلفوا في سجود السهو، هل هو واجب لابدّ منه، أو سنة؟:
فمذهب الشافعي رحمه الله، وكافة أصحابه أنه سنة، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جمهور العلماء.
وقال القاضي عبد الوهّاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو النقصان.
وقال القرطبي: من أصحابنا من قال: سجود السهو مندوب، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ئم اختلفوا هل ذلك في كلّ نقص، أو يختص الوجوب بما كان المسقط فعلًا، ولم يكن قولًا روايتان.
والصحيح من مذهب الحنفية: أن سجود السهو واجب كذلك، قاله في "الهداية"، وكذلك حكاه الشيخ أبو حامد الاسفرايني وغيره عنهم أنه واجب يأثم بتركه، وليس بشرط لصحّة الصلاة، وهو اختيار الكرخي منهم، وبعض أصحابهم قال: إنه سنة كمذهب الشافعي.
وأما مذهب أحمد رحمه الله، فأفعال الصلاة منقسمة عندهم على ثلائة أنواع:
أحدها: أركان يُبطل الصلاةَ الإخلال بها عمدًا، ويجب تداركها إذا تركت سهوًا، كتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود ونحوها.
وثانيها: واجبات، من ترك منها شيئًا عمدًا بطلت صلاته، ومن تركه سهوا لم تبطل، ولم يتداركه، بل يسجد للسهو، كتكبيرات الانتقالات، والتشهد الأول، والجلوس له، والتسبيح في الركوع، وفي السجود وأشباهها.
وثالثها: سننٌ قوليةٌ، كالاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، ونحو ذلك، فهل يُشرَع سجود السهو لتداركها؟ فيه روايتان، وليس سجود
السهو واجبًا في هذا القسم الأخير قطعًا.
وأما في الثاني: فسجود السهو له واجب قطعًا، وكذلك هو أيضًا واجب إذا سها بزيادة فعل في الصلاة، يُبطلها عمدُهُ، كالكلام والسلام، ونحو ذلك، فإن تعمّد ترك سجود عن واجب محله قبل السلام بطلت صلاته عندهم، وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل، وإذا شكّ في ترك واجب، فهل يلزمه السجود؟ فعلى وجهين، وإن شكّ في زيادة لم يسجد.
واحتجّ أصحاب الشافعي رحمه الله على أن سجود السهو سنة، وليس بواجب بما روى أبو داود في "سننه" من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شكّ أحدكم في صلاته فليُلق الشكّ، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلة، والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مُرغمتي الشيطان".
قالوا: فهذا الحديث يدلّ على أن السجدتين نافلة، والحديث حسن، لأن ابن عجلان روى عنه مالك، وشعبة، ووثقه الجمهور، وأخرج له مسلم في مواضع من كتابه، لكن يَردُ على هذا أن الحديث رواه جماعة عن زيد بن أسلم، لم يذكروا هذه الزيادة، وقد تقدم ذلك، وابن عجلان متكلّم في حفظه، وقد أدخله البخاريّ في "كتاب الضعفاء"، فعلى تقدير قبوله إذا خالف من هو أوثق منه، وأحفظ، وأكثر عددًا في قبوله نظر.
وأما القائلون بوجوب سجود السهو، فلهم ثلاث مسالك:
الأول: الأمر بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم ليسجد سجدتين"، وهو صحيح ثابت في حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما رضي الله عنهم.
والثاني: التمسك بفعله صلى الله عليه وسلم، وسجوده له كما ثبت في أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة.
قال العلائي رحمه الله: وهذا إما على القول بأن فعله صلى الله عليه وسلم يدلّ على الوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة، وإما على القول بأن فعله صلى الله عليه وسلم وقع هنا بيانًا لأفعال الصلاة الواجبة، لأنها مُجملة فيما يتعلق بالسهو فيها أيضًا، لم يتبين ذلك إلا بفعله صلى الله عليه وسلم، وبيان الواجب واجب، وهذا فيما إذا كان قبل السلام واضح.
وأما فيما إذا كان بعد السلام فهو على قول من يقول: إن هذا السلام يحصل به التحلل من الصلاة، كالحنفية، وبعض المالكية.
وأما على طريق الجمع بأن يُضمّ إلى سجوده صلى الله عليه وسلم قوله: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وهو كالذي قبله فيما كان منه قبل السلام أو بعده.
والمسلك الثالث: اعتبار سجود السهو بالمقتضي له الذي يُجبر به.
وقد ناقش هذه المسالك الحافظ العلائي، فانظر كلامه في "نظم الفرائد" ص 364 - 365.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن قول من قال بالوجوب هو الراجح؛ لوروده بصيغة الأمر، كما مر بيانه والأمر للوجوب إلا إذا وُجد ما يصرفه، ولم يذكروا هنا ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية عشرة: في اختلاف أهل العلم في تدارك سجود السهو:
روى ابن أبي شيبة عن سلمة بن نُبيط، قال: قلت للضحّاك بن مُزاحم: إني سهوت، ولم أسجد، قال: ها هنا فاسجد، وعن وضّاح، قال: سألت قتادة؟ فقال: يُعيد سجدتي السهو. وعن الحسن، وابن سيرين قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد سجدتي السهو. وعن إبراهيم النخعي، قال: هما عليه حتى يخرج، أو يتكلّم. وعن حماد بن أبي سليمان في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد قال: لا يعيد. وقال ابن شُبرُمة: يعيد الصلاة. وعن الحكم أنه لقي ذلك، فأعاد الصلاة.
وروى عبد الرزاق عن الحسن في رجل نسي سجدتي السهو، قال: إذا لم يذكرهما حتى ينصرف لم يسجدهما، وقد مضت صلاته على الصحّة، وإن ذكرهما وهو قاعد لم يقم سَجَدَهما.
وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نسيت سجدتي السهو، فتحدثتُ أو تكلمت، ولم أقم؟ قال: فاسجدهما، قلت: فإن قمتُ حين فرغت، ولم أتكلم، ثم ذكرت؟ قال: فاجلس فاسجدهما.
وعن علقمة أنه صلى، فسها، ثم انفتل عن القبلة، فقال له رجل: إنك لم تسجد سجدتي السهو، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فانحرف إلى القبلة، فسجدهما.
وأما الأئمة الأربعة ففي مذاهبهم تفاصيل قد استوعبها العلائي رحمه الله في كتابه المذكور ص 367 - 370.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن المصلي يَتدارَك سجود السهو، وإن انحرف عن القبلة، أو تكلم، أو خرج من المسجد، ناسيًا؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد للسهو بعد ما انحرف عن القبلة، وتكلم، ودخل حجرته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة عشرة:
تضمنت هذه الأحاديث أن الأفعال المنافية للعبادات التي تقتضي بُطلانها إذا وقعت سهوًا ونسيانًا لا تبطلها، فيؤخذ من ذلك مسألة أصولية، وهي أن المقتضي، وهو اللفظ الذي لابد فيه من أحد تقديرات ليستقيم الكلام، هل له عموم في جميعها أم لا؟، ويُمثّل ذلك بقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] فإن التحريم لا يضاف إلى الأعيان، فلا بُد من محذوف مقدر، يتم به الكلام.
فيَحتَمل أن يكون المقدّر: حرم عليكم أكل الميتة، وأن يكون بيع الميتة إلى غير ذلك، فهل يضمر جميع هذه المقدرات أم لا؟
الذي اختاره الإمام فخر الدين أنه لا يقدّر الكلِّ، للاستغناء عنه، وكثرة مخالفته للأصل، إذ الضرورة تندفع بواحد، ثم أورد على ذلك أنه ليس إضمار أحد الحكمين أولى من الآخر، فإما أن لا يضمر شيء أصلا، وهو باطل، أو يضمر الكلّ، وهو المطلوب.
وتوقف الآمدي في المسألة لتعارض المحذورين، أحدهما تكثير الإضمار إذا قيل بالتعميم، والآخر الإجمال إذا قيل بإضمار حكم مّا.
واختار ابن الحاجب عدم التعميم، ورأى أن التزام الإجمال أقرب من مخالفة الأصل بتكثير الإضمار، وهذا بعينه اختيار الكرخي في مثل قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} أي تكون مجملة.
قال العلائي رحمه الله: والراجح من جهة الدليل القولُ بالتعميم، وأن التزام تكثير الإضمار أولى من التزام الإجمال، لأن المحذور فيه أقوى من الإضمار، لكثرة وجود الإضمار في اللغة، وقلّة المجمل، وللإجماع على التزام الإضمار في مواضع، والاختلاف في وجود المجمل، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها". متفق عليه.
وهو يدلّ على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم في التحريم، وإلا لما لزمهم الذمّ ببيعها.
وفي كلام الشافعي رضي الله عنه ما يقتضي اختلاف قول في أن المقتضي له عموم أو لا؟، فقد حكى صاحب "الحاوي" عنه أنه قال في "الأم" في قوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] أن يقدر الآية: فمن كان منكم مريضًا، فتطيب، أو لبس، أو أخذ ظفره لأجل مرضه، أو به أذى من رأسه، فحلقه، ففدية من صيام. فقدّر جميع ما يضمر في الآية مما يصح الكلام بإضمار واحد منها.
وقال في "الإملاء": ليس هذا كله مضمرًا في الآية، وإنما الذي تضمنته حلق الرأس، والبقية مقيس عليه.
والذي يتعلق بهذه المسألة في هذا الحديث الكلامُ في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه". أخرجه ابن ماجه، والبيهقي في "سننهما" من حديث بشر بن بكر التنيسي، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رَباح، عن عبيد بن عُمير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عنه صلى الله عليه وسلم. وقال فيه البيهقي: إسناده مستقيم، ورواته ثقات.
قال العلائي رحمه الله تعالى: وهذا الإسناد على شرط "الصحيحين" سوى بشر بن بكر، فإنه من أفراد البخاري، والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" مصححًا له.
وذكر ابن أبي حاتم في "كتاب العلل" عن أبيه أن محمد بن المصفّى رواه عن الوليد ابن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس من غير ذكر عُبيد بن عُمير، ثم ذكر له طرقًا أُخَرَ وضعفها.
ولفظه عند ابن أبي حاتم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان".
فاختلف العلماء في هذا الحديث، هل المقدر فيه حكم الخطإ، أو إثمه، أو كلّ منهما جميعًا.
فأبو حنيفة رحمه الله قدّر المضمر الإثم فقط لمّا ذهب إلى أن الكلام ناسيًا في الصلاة يُبطلها.
والشافعي رحمه الله قدر المجموع من الإثم والحكم، ورأى أن الكلام ناسيًا لا يبطل الصلاة، وكذلك سلام التحلّل، ونية الخروج منها، وكذلك الأكل في الصوم ناسيًا.
فيؤخذ من أحاديث ذي اليدين هذه صحة ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله من تقدير الجميع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بني على صلاته غير مرّة بعد ما. سلّم منها، وتكلم، وفعل أفعالًا ناسيًا في ذلك كله، فدلّ على أن المقدّر حكم الخطإ والنسيان وإثمهما أيضًا، إذ لا خلاف في رفع الإثم، لأن فائدة التكليف، وغايته تَمَيُّزُ المطيع عن العاصي ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة.
والطاعة والمعصية تستدعيان قصدًا وإرادةً لإيقاعهما، وعليه يترتب الثواب والعقاب، والمخطىء والناسي لا قصدَ لهما، وكذلك المكره أيضًا، لأنه كالآلة لمن أكرهه.
ثم هنا تفصيل حسن لأقسام المنسي ينبغي ذكره لما فيه من الفائدة، وهو أن الشيء المنسي على أقسام:
الأول: نسيان العبادات المأمور بها رأسًا، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن تفوت المصلحة التي شُرعت لها العبادةُ، ولا تَقبَلُ التدارك، كالجهاد، والجمعات، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة في بعض الصور، فهذه وأمثالها تسقط بالفوات، ولا يشرع تداركها.
وثانيهما: ما يَقبل التدارك لأن غرض الشرع تحصيل مصلحته، كمن نسي صلاة أو صومًا أو حجًا أو عمرة أو نذرًا أو كفارة، فيجب عليه تداركها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها". وهذا لا خلاف فيه بين الأمة.
القسم الثاني: نسيان المنهيات عنها لذواتها إذا فعلت على وجه النسيان، وهو على ضربين أيضًا:
أحدها: ما لا يتضمن إتلاف حقّ للغير، كمن نسي نجاسة الطعام فأكله، أو كون هذا الشراب خمرًا فشربه، ونحو ذلك، فلا شكّ أنه لا يتعلق هنا إثم ولا حدّ، ولا تعزير لنسيانه، ولا تدارك هنا، لأن المنهي إذا وقع، وتحققت مفسدته لم يمكن رفعها، وما شرع في معاملته من الحدّ أو التعزير إنما شُرع زاجرًا عن المعاودة، وذلك إنما يكون في حالة الذكر دون النسيان.
والضرب الثاني: ما يتضمن إتلافًا لملك الغير، كمن باع طعامًا، ثم نسي أنه باعه، فأكله، فلا إثم عليه في ذلك، ولكنه يلزمه ضمانه، إما بالمثل، أو بالقيمة لمالكه، لأن الضمان من الجوابر، والجوابر لا تسقط بالنسيان.
وينشأ من هذين الضربين ما كان من المنهيات له جهتان، ويتعلق به حقٌّ لله، وحقٌّ للعباد، كالقتل والزنا، فإذا قتل خطأ فهو كالنسيان، فلا إثم، والقصاص الذي هو زاجر سقط لنسيانه، والضمان بالدية لا يسقط، فإنها كبدل المتلف الذي فوّته، وهو حقّ للآدمي، وكذلك الكفّارة لا تسقط لأنها شرعت جابرة لعدم التحفظ، لا مكفّرة للإثم، إذ لا إثم هنا.
ومثل هذا الزنا، فإذا أبان زوجته، ثم نسي طلاقها، فوطئها، أو باع جاريته، أو أعتقها، ثم نسي ذلك فوطئها، فلا إثم لنسيانه، ولا حدّ أيضًا لما تقدّم أن الزجر إنما يصلح للذكر، ولكن يلزمه ضمان ما أتلف من البضع بمهر المثل، لأنه حق للآدمي جابر لما أتلفه، ولا يسقط بالنسيان.
القسم الثالث: نسيان الشروط المصححة للعبادة بالترك، أو المفسدة لها بالفعل، وهذا أيضًا على ضربين:
أحدهما: نسيان المأمورات التي وجودها شرط في صحة العبادة، كالوضوء مثلًا،
فالذي يُسقطه النسيان هنا الإثم، والعقوبة في الإقدام على العبادة من غير شرطها، ويجب عليه إعادة الصلاة تداركًا للمأمور، لأن الغرض من تحصيل مصلحته لم يوجد.
وثانيهما: نسيان المنهيات المنافية، كالكلام في الصلاة، والأكل والأفعال فيها، والأكل في الصوم، وغير ذلك من منافيات العبادات، فلا يبطلها الإتيان بهذه الأشياء على وجه النسيان، لأنه لم يقصد إفسادها، وبالأدلة الدّالّة على مفردات ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من نسي، وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، على ما تقدّم من تعميم الإضمار المقدّر، وبنائه صلى الله عليه وسلم في أحاديث ذي اليدين هذه على صلاته، مع كلامه وأفعاله المنافية على وجه النسيان، هذا إذا لم يكثر ذلك، فإن كثر ففيه خلاف يأتي ذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
أما إذا كان ذلك من قببل الإتلاف، كقتل الصيد في الإحرام، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، فلا تسقط كفّارته، لما تقدمت الإشارة إليه أنها جابرة، والجوابر لا تسقط مع النسيان. ولو صلّى ناسيا لنجاسة لا يعفى عن مثلها في حال الاختيار، ففي بطلان صلاته قولان للعلماء، مأخذهما أن الطهارة عن النجس، هل هي من قبيل المأمورات كالطهارة عن الحدث، أو أن استصحاب النجاسة في الصلاة من قبيل المنهيات؟
والجديد من قولي الشافعي هو القول الأول، والقديم هو الثاني، وهو مذهب مالك رحمه الله.
فإن قيل: هذا التفصيل يُنافي القول المتقدّم في تعميم الإضمارات المقدّرة في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان" لإيجاب التدارك في صور كثيرة من نسيان المأمورات، وكذلك إيجاب ضمان المتلفات من الأبضاع والأموال، وكذلك إيجاب الكفّارات، فكلّ هذا ينافي القول بإضمار حكم الخطأ والنسيان، فيتعين إضمار الإثم في الحديث ليعمّ جميع الصور، ولا تختلف.
قلنا: ليس كذلك، فإن الحكم المتعلق بالمأمورات إذا تركت عمدًا هو المؤخذة والعقاب المترتّب عليها، إما حدًا، كقتل تارك الصلاة، أو تعزيرًا كتأديب تارك الصوم ونحوه، وكلّ ذلك ساقط مع النسيان، ولا يترتّب إلا في حال تعمّد الترك، وأما التدارك وإيجاب القضاء، فغير مأخوذ من النسيان، بل من أمر آخر، وهو تدارك المصلحة التي شُرع لها ذلك الفعل، وكذلك ضمان الإتلافات، إما بالغرامات، أو بالمهر، أو بالدية، ونحو ذلك لأمر خارجيّ، لا تعلق له بالنسيان، بل هو من خطاب الوضع، وربط الحكم بالأسباب، بدليل وجوب ذلك في مال الصبي والمجنون الذين هما غير
مكلفين.
فثبت أن الأحكام المتعلقة بترك الفعل في حال العمدية مرفوعة حالة النسيان. والله سبحانه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة عشرة:
في الكلام على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو يتضمن بحثين:
أحدهما: جواز السهو عليهم في الأفعال الدينية.
والثاني: ما يتعلق بالأقوال، والعصمة فيها.
والمذكور في هذه المسألة هو البحث الأول:
قال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه "الفصل" جـ 4 ص 2 - 3: ذهب جميع أهل الإسلام من أهل السنة، والمعتزلة، والنجارية، والخوارج، والشيعة إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلًا معصيةٌ بعمد، لا صغيرة، ولا كبيرة، وهو قول ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فورك والباقلاّني.
وهذا القول الذي ندين الله تعالى به، ولا يحلّ لأحد أن يدين الله بسواه، ونقول: إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم أيضًا قصد الشيء يريدون وجه الله تعالى، والتقرّب منه، فيوافق خلاف مراد الله تعالى، إلا أنه تعالى لا يُقرّهم على شيء من هذين الوجهين أصلًا، بل ينبههم على ذلك، ولا يكثر وقوعه منهم، وُيظهر عز وجل ذلك لعباده، ويبين لهم، كما فعل نبيه صلى الله عليه وسلم في سلامه من اثنتين، وقيامه من اثنتين، وربما عاتبهم على ذلك بالكلام، كما فعل بنبيه عليه السلام في أمر زينب أم المؤمنين، وطلاق زيد لها رضي الله عنهما، وفي قصة ابن أم مكتوم رضي الله عنه. انتهى كلام أبي محمد رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى:
اتفق جميع أهل الملل والشرائع على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن تعمد الكذب فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه، وذلك مما طريقه التبليغ عن الله سبحانه وتعالى من دعوى الرسالة، وما يُنَزَّل عليهم من الكتب الإلهية، إذ لو جاز خلاف ذلك لأدَّى إلى إبطال دلالة المعجزة، وهو محال.
وأما السهو والنسيان، فقال سيف الدين الآمديّ: اختلف الناس فيه، فذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وكثير من الأئمة إلى امتناعه.
وذهب القاضي أبو بكر الباقلّاني إلى جوازه، وادعى الإمام فخر الدين الرازي في بعض كتبه الإجماع على امتناعه، ونقل الخلاف فيه في بعضها.
وحاصل الخلاف: يرجع إلى أن ذلك، هل هو داخل تحت دلالة المعجزة على التصديق؟ فمن جعله غير داخل فيها جوّزه لعدم انتقاض الدلالة.
وفي كلام إمام الحرمين رحمه الله أن ذلك فيما يتعلق ببيان الشرائع، سواءٌ كان قولًا أو فعلًا نازلًا منزلة قول في اقتضاء البيان.
وميل كلامه إلى جواز السهو في ذلك، واحتجّ عليه بقصة ذي اليدين.
قال العلائي: وقال شيخنا إمام الأئمة أبو المعالي ابن الزملكاني رحمه الله: الذي يظهر أن ما طريقه التبليغ فيه ما يُقطع بدخوله تحت دلالة المعجزة على الصدق، فهذا لا نزاع في أنه لا يجوز فيه التحريف، ولا الخيانة، ولا الكذب، ولا السهو، وما لا يكون كذلك، وهو مما طريقه التبليغ والبيان للشرائع، فهل يجوز فيه النسيان؟ هذا محلّ الخلاف.
ويُحمل إطلاق فخر الديق الإجماع في بعض كتبه على القسم الأول، وذكره الخلاف في بعض كتبه على القسم الثاني، فإنه والآمديّ نَقَلا الخلاف مطلقًا، وهو محمول على التفصيل الذي أشار إليه إمام الحرمين.
وقد قال القاضي أبو بكر الباقلّاني في كتابه "الانتصار": المعجزة تدلّ على صدق النبي فيما هو متفكر فيه عامد له، وذهول النفس، وطريان النسيان، وبوادر اللسان لا تدخل تحت الصدق المقصود الذي هو مدلول المعجزة.
قال: وأما من زعم أن في تجويز ذلك القدحَ في الثقة بتبليغ الأنبياء، فهو قول عري عن التحصيل، وإنما يلزم هذا إذا جوّز تقريرهم عليه معنى، وذلك ممتنع.
ثم قال: وأما الحديث المشهور في تحللَّه عن اثنتين، فالنسيان فيه ظاهر، وهو حكمة من الله تعالى لظهور السنة فيه.
وأما القاضي عياض رحمه الله، فإنه نقل الإجماع على عدم جواز السهو والنسيان في الأقوال البلاغية، كما سيأتي ذكره، وخصّ الخلاف بالأفعال.
وحاصل الخلاف يرجع إلى اندراجها تحت دلالة المعجزة، كما ذكرناه.
قال القاضي عياض: ذهب الأكثرون من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوًا، وعن غير قصد منه جائز عليه صلى الله عليه وسلم كما تقرر من أحاديث السهو في الصلاة، وفرقوا بين ذلك، وبين الأقوال البلاغية بقيام دلالة المعجزة على الصدق في القول، ومخالفةُ ذلك يُناقضها.
وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها، ولا قادح في النبوّة، بل غلطات الفعل، وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا
نسيت، فذكروني"، نعم، بل حالة النسيان والسهو هنا في حقه صلى الله عليه وسلم لإفادة علم، وتقرير شرع، وهي زيادة له في التبليغ، وتمام عليه في النعمة، بعيدة عن سمات النقص، وأغراض الطعن، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول، وأرفع للاحتمال.
ثم حكى عن طائفة أنهم قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في الصلاة، ولا ينسى، لأن النسيان ذهول وغفلة وآفة، والنبي صلى الله عليه وسلم منزّه عنها، والسهو شغلٌ، فكان يسهو في الصلاة، ويَشغله عن حركتها ما في الصلاة شغلًا بها، لا غفلة عنها.
ثم نقل القاضي عياض عن الإمام أبي المظفّر الإسفرايني وغيره أنهم قالوا: لا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم السهو أصلًا، وحملوا جميع أحاديث السهو على أنه صلى الله عليه وسلم تعمّد ذلك ليقع البيان فيه بالفعل.
وهذا قول ضعيف، بل باطل لوجوه:
أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم صرّح عن نفسه بالنسيان، فقال في حديث ابن مسعود رضي الله عنه المتفق عليه:"إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكّروني".
وثانيها: أن الأفعال العمدية تبطل الصلاة.
وثالثها: أن صورة الفعل العمدي والنسياني سواء، وإنما يتميز للغير بالإخبار بذلك.
ورابعها: أن البيان كاف بالقول، فلا ضرورة إلى تعمّد الفعل.
فالحاصل أن الراجح الذي ذهب إليه جمهور العلماء جواز السهو والنسيان على الأنبياء صلوات الله عليهم في الأفعال، كما دلت عليه هذه الأحاديث، ولكن شرط ذلك بالاتفاق أن لا يقرّ عليه فيما طريقه البلاغ، لما يؤدي ذلك إليه من فوات المقصود بالتشريع.
نعم اختلفوا في أنه هل يُشترط التنبيه على ذلك متصلًا بالفعل، أو لا يشترط ذلك، بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة التبليغ، وهو العمر؟ على قولين، ليس هذا موضع بسطهما.
والجمهور شرطوا أن يتصل التنبيه بالواقعة، وميل إمام الحرمين إلى جواز التأخير، ولا شكّ أن أحاديث السهو كلها قد وقع فيها البيان على الاتصال.
قال القاضي عياض رحمه الله: وأما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من أفعاله صلى الله عليه وسلم، وما يختصّ به من أمور دينه، وأذكار قلبه، مما لم يفعله ليُتَّبَعَ فيه، فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه في ذلك، لما كُلَّفَه من مقاسات الخلق، وسياسات الأمة، ولكن يكون ذلك على سبيل الندور، لا على سبيل التكرار.
ثم حكى عن طائفة أنهم ذهبوا إلى منع السهو والنسيان، والغفلات في هذا أيضًا جملة.
وذكر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله أن بعض العلماء خالف القاضي عياضًا في تقسيمه الفعل إلى ما طريقه البلاغ، وما ليس طريقه البلاغ، وقال: إن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وتقريراته كلها بلاغ، واستنتج بذلك العصمة في الكلِّ، بناءً على أن المعجزة تدلّ على العصمة فيما طريقه البلاغ، وهذه كلها بلاغ، فهذه كلها تتعلق بها العصمة، أعني القول والفعل والتقرير.
قال الشيخ تقي الدين: ولم يُصرّح في ذلك بالفرق بين عمد وسهو، فإن كان يقول: إن العمد والسهو سواءٌ في الأفعال، فهذا الحديث يردّ عليه. والله تعالى أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخص مما ذكر أن الراجح هو ما عليه جمهور أهل العلم من جواز السهو والنسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال، لوضوح الأدلة وصراحتها في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة عشرة:
في الكلام على البحث الثاني، وهو ما يتعلق بأقواله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأما أقواله صلى الله عليه وسلم، فقامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدًا، وعمدًا، ولا سهوًا وغلطًا.
أما تعمّد الخُلْف في ذلك فمنتف، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله تعالى: صدقت، اتفاقًا بإطباق أهل الملّة إجماعًا.
وأما وقوعه على جهة الغلط فى ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، ومن قال بقوله، ومن جهة الإجماع فقط، وورود الشرع بانتفاء ذلك، عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلّاني، ومن وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة.
فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين أنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ الشريعة، والإعلام بما أخبر عن ربه، وما أوحاه إليه من وحيه، لا على وجه العمد، ولا غير وجه العمد، ولا في حال الرضا والسخط، والصحة والمرض.
ثم احتجّ على ذلك بقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: يا رسول الله أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: "نعم"، قال: في الرضا والغضب؟ قال: "نعم"، فإني لا
أقول إلا حقّا
(1)
.
ثم قرّر أن المعجزة دالّة على صدقه صلى الله عليه وسلم فيما يدّعيه، ويبلّغه عن الله تعالى، وأنه لا يقول إلا حقّا، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله تعالى له:"صدقت"، فلو جوّزنا عليه الغلط والسهو فيما يبلغه عن الله لاختلط الحق بالباطل، وحصل ضد المقصود من البعثة الذي دلّت عليه المعجزة، فتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله واجب شرعًا، وإجماعًا، كما قال الأستاذ.
قال العلائي رحمه الله: وفي كلام إمام الحرمين ما يشعر بخلاف في ذلك، وهو مؤول على إرادة القسم الثاني الذي ليس طريقه البلاغ، كما سيأتي.
وكذلك قال فخر الدين في "تفسيره": أما ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على عصمتهم فيه عن الكذب والتحريف، لا عمدًا ولا سهوًا، ومن الناس من جوّز ذلك سهوًا.
قال العلائي: وهذا كلام متناقض كما تراه، لأن هذا القائل إن كان ممن يعتدّ بخلافه، فكيف يكون إجماعًا؟، وإن لم يُعتدّ بخلافه، فلا أثر لقوله، وهو محجوج بالإجماع، فالصواب ما قاله القاضي عياض رحمه الله.
ثم قال القاضي عياض بعد ذلك: أما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التي لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحي، بل في أمور الدنيا، وأحوال نفسه، فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقع خبره في شيء من ذلك بخلاف مُخْبَره، لا عمدًا ولا سهوًا، ولا غلطًا، وإنه صلى الله عليه وسلم معصوم من ذلك في حال رضاه وغضبه، وجدّه ومزاحه.
ودليل ذلك اتفاق المسلمين، وإجماعهم عليه، وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت، وعن أي شيء وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد في شيء منها، ولا استثبات عن حالة ما، هل وقع فيها سهو، أم لا؟.
وأيضًا فإن أخباره صلى الله عليه وسلم، وآثاره، وسيره، وشمائله معتنى بها، مستقصّى تفاصيلها، ولم يرد أصلًا في شيء منها استدراكه عليه الصلاة والسلام لغلط في قول قاله، ولا اعترافه بوهم في شيء أخبر به، ولو كان ذلك لنُقل كما نقل من قصته عليه السلام في رجوعه عما كان أشار به في تلقيح النخل، وكان ذلك رأيًا دنيويًا، لا خبرًا، ولا تشريعًا،
(1)
أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وغيرهم بإسناد صحيح.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفّرت عن يميني، وفعلت الذي هو خير".
وأيضًا فإن الكذب متى عُرف من أحد في شيء من الأخبار حصلت الريبة به، واتهم في حديثه، ولم يقع قوله في النفوس موقعًا، ولهذا ما ترك المحدثون الحديث عمن عرف بالوهم والغفلة، وسوء الحفظ، وكثرة الغلط مع ثقته في التعمد.
وأيضًا فإن تعمّد الكذب في أمور الدنيا معصية، والإكثار منه كبيرة بإجماع، مسقط للمروءة، وكلّ هذا مما يُنزّه عنه منصب النبوّة، وأما المرّة الواحدة منه فما كانت شنيعةً يُستبشع صاحبها، وتُخلّ به، فهي كذلك أيضًا، وما لا تقع هذا الموقع، فإن عددناها من الصغائر فهل تجري على حكمها من الخلاف؟ هذا مختلف فيه.
ثم قال رحمه الله تعالى: والصواب تنزيه النبوّة عن قليله وكثيره، سهوه وعمده، إذ عمدة النبوّة الإبلاغ، والإعلام، والتبيين، وتصديق ما جاء به، وتجويز شيء من هذا قادح في ذلك، ومشكك فيه، ومناقض للمعجزة، فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خلف في القول في وجه من الوجوه، لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا نتسامح مع من تسامح في تجويز ذلك عليهم في حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ.
هذا كله كلام القاضي عياض. قال العلائي: وهو الصواب الحقّ، إن شاء الله تعالى.
وحينئذ فيشكل على ذلك حديث ذي اليدين هذا، وقوله صلى الله عليه وسلم له:"كل ذلك لم يكن" نافيًا لما كان قد وقع، وقد ذكر الأئمة عن هذا أجوبةً كثيرةً.
أحدها: التزام تجويز السهو والنسيان فيما ليس طريقه الإبلاع من الأقوال، وهو القول الذي أشار إليه القاضي عياض وضعفه، فلا تفريع عليه.
ثانيها: أن المراد أن القصر والنسيان لم يكونا معًا، بل كان أحدهما، فيكون النفي للمجموع، لا للأفراد، أو لا يلزم من نفي الكلية نفي كلّ جزء من أجزائها. وهذا حكاه النووي رحمه الله عن جماعة من الشافعية، وهو ضعيف لوجهين:
أحدهما: القاعدة المستقرّة عند أرباب المعاني والبيان أن "كلًّا" إذا تقدمت، وخرجت من حيّز النفي، ثم كان بعدها، فإنها تقتضي نفي كلّ فرد فرد، لا نفي المجموع، ويدل عليه جواب ذي اليدين رضي الله عنه بقوله: قد كان بعض ذلك. فدلّ على أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى كل فرد، لا الكلية.
وثانيهما: أن قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية: "لم أنس، ولم تقصر" يبطل هذا الوجه، فإنه
صريح في نفي كلّ منهما، وهو صحيح ثابت كما تقدّم.
ثالثها: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "لم أنس" راجع إلى السلام، أي سلّمت قصدًا، وسهوت عن العدد، فكأنه نفى السهو فى نفس السلام، لا في غيره. ولا شكّ أن هذا كلام صحيح، وهذا وجه محتمل، ولكنه بعيد من جهة أن مقتضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: هذا مُريدًا لهذا المعنى كان عالمًا بسهوه في العدد، ولو كان كذلك لم يسأل القوم الحاضرين مُستثبتًا منهم، هل سها، أم لا؟.
رابعها: الفرق بين السهو والنسيان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو، ولا ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان، وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول، وأن الفرق بين السهو والنسيان من حيث اللغة بعيد.
وحاصل ما يقول هذا القائل أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها، أو نقول: النسيان الإعراض عن تفقد أمور الصلاة حتى يحصل عدم الذكر، والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض.
وكل من هذين تخصيص للّفظ بلا دليل، ثم إنه يبطل من أصله بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت، فذكّروني".
خامسها: ذكره القاضي عياض، وقال: ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه أن قوله صلى الله عليه وسلم: "لم أنس" إنكار منه للّفظ الذي نفاه عن نفسه، وأنكره على غيره بقوله:"بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو أُنسي"، فلمّا قال له السائل: أقصرت الصلاةُ أم نسيتَ؟ " أنكر قصرها كما كان، ونسيانه هو من قبل نفسه، وإنه وإن كان جرى شيء من ذلك، فقد نُسّي، حتى سأل غيره، فتحقق أنه نُسّي، فكأنه قال: لم أنس حقيقةً، ولكن الله نَسّانِي لأَسُنَّ.
وأيد هذا القول بما رُوي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لستُ أنسى، ولكن أُنَسّى لأسنّ".
فقوله صلى الله عليه وسلم هنا: "كلُّ ذلك لم يكن"، أو "لم أنس، ولم تقصر" حقٌّ وصدقٌ، لا خلف فيه أصلًا، فإن الصلاة لم تقصر حقيقة، ولم ينس هو صلى الله عليه وسلم حقيقة، ولكنه نسي.
وهذا الوجه أيضًا فيه نظر من وجوه:
أحدها: ما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ، فذكّروني"، فقد أضاف هنا النسيان إلى نفسه.
وثانيهما: أن هذا القول لم يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم على جهة الزجر والإنكار، بل على جهة النفي لما قال ذو اليدين، ولذلك سأل الصحابة رضي الله عنهم، واستثبت منهم، ولو كان هذا الكلام منه على جهة الزجر عن إضافة النسيان إليه، أو الإنكار لذلك لم يكن ذلك
جوابًا لذي اليدين.
وثالثها: أن الذي ذمّه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "بئسما لأحدهم" ونهى عنه هو إضافة نسيان الآية من القرآن إلى نفسه، وليس يلزم من النهي عن إضافة النسيان للآية إلى نفسه النهي عن إضافته إلى كلّ شيء، فإن الآية من كلام الله المعظم، ويقبُحُ بالمرء أن يضيف نسيان كلام الله تعالى إلى نفسه، ولا يلزم من ذلك تعديه إلى غير كلام الله، لأنه لا يلزم من النهي عن الخاصّ النهي عن العامّ مع قيام الفرق بينهما، لأن إضافة نسيان الآية إلى نفسه يُشعر بتهاونه في استذكاره وبحفظه، ولذلك أتبع النبي صلى الله عليه وسلم قوله:"بئسما لأحدهم أن يقول: نسيتُ آية كيتَ وكَيتَ، بل هو نُسي" بقوله: "استذكروا القرآن، فو الذي نفسي بيده، لهو أشدُّ تفلُّتًا من صدور الرجال من النَّعَم من عُقُلها".
فلا يلتحق غير القرآن به في كراهة إضافة النسيان إليه.
وسادسها: وهو الأصح الذي اختاره المحققون: أن نفيه صلى الله عليه وسلم إنما كان بناءً على ما في اعتقاده وظنه، وهو أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، فأخبر بحقّ، إذ خبره موافق لما في نفسه صلى الله عليه وسلم، وكأنّ النطق مقدّر بذلك، وإن كان محذوفًا، لأنه لو صرّح به، وقال: لم تقصر الصلاة، وليس في ظني أني نسيتُ، ثمّ تبين أنه كان في خلافه في نفس الأمر كان إخباره صدقًا، ولم يقتض ذلك أن يكون خلافه في ظنه، فكذلك إذا كان مقدّرًا مُرادًا ليس فيه خُلف ولا كذبٌ.
وهذا أولى الأوجه بالصواب، وأحسنها، وهو خارج على مذهب من يقول: إن مدلول اللفظ الخَبَريّ هو الأمور الذهنية، فإنه وإن لم يُذكر في اللفظ، فهو الثابت في نفس الأمر.
ولهذا ذهب أكثر العلماء إلى عدم تحنيث الجاهل، ومن جملة صوره أن يحلف على شيء يعتقده، فيظهر أنه بخلاف ما حلف عليه، فتلك اليمين لا غية لا حنث فيها، لأنه لم يقصد انتهاك الاسم المعظم بالمخالفة مع القسم به، وهي التي لم يُضفها الله إلى كسب القلب، حيث قال:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} الآية [البقرة: 225]
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما أطلت الكلام في هذا الحديث، لكثرة فوائده، وغزارة عوائده، ولقد أحسن من قال، وأجاد فى المقال:[من البسيط]
لَقَدْ أَطَالَ ثَنَائِي طُولُ لَابِسِهِ
…
إِنَّ الثنَاءَ عَلَى التِّنْبَالِ تِنْبَالُ
والتنبال بالكسر: القصير. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
(1)
راجع "نظم الفرائد" ص 171 - 185.
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1225 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن سلمة) المرادي الجَمَلي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [11] تقدم 19/ 20.
2 -
(ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقي المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [10] تقدم 19/ 20.
3 -
(مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه المشهور [7] تقدم 7/ 7.
4 -
(أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العُبّاد [5] تقدم 42/ 48.
والباقيان تقدما في السند الماضي.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي، فلا حاجة إلى إعادتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1226 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ. فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [10] تقدم 1/ 1.
2 -
(داود بن الحُصين) الأموي مولاهم، أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة،
ورمي برأي الخوارج [6].
روى عن أبيه، وعكرمة، وأبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، وغيرهم. وعنه مالك، وابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال علي بن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر. قال: وقال ابن عُيينة: كنا نتقي حديث داود، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولولا أن مالكًا روى عنه لَتُرك حديثه. وقال أبو داود: أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: صالح الحديث إذا روى عنه ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يذهب مذهب الشُّرَاةُ
(1)
وكلُّ مَنْ تَرَكَ حديثَهُ على الإطلاق وَهِمَ؛ لأنه لم يكن بداعية. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة. وقال الساجي: منكر الحديث، يُتّهم برأي الخوارج. وقال العُقَيليّ: قال ابن المديني: مرسل الشعبي أحبّ إلى من داود، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد ابن صالح: هو من أهل الثقة والصدق. وقال الجوزقاني: لا يَحْمَدُ الناس حديثَه، وقال ابن أبي خيثمة: حدثني أبي، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، وكان ثقة. وعاب غير واحد على مالك الرواية عنه، وتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم. وذكره ابن المديني في الطبقة الرابعة من أصحاب نافع. قال ابن نُمَير، وغير واحد: مات سنة (135). زاد الواقدي: وهو ابن (72) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (5) أحاديث.
3 -
(أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد) الأسدي، هو مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، وقيل: كان مولى بني عبد الأشهل، وانقطع إلى ابن أبي أحمد، فنسب إليه، ثقة [3].
قال الدارقطني: اسمه وهب، وقال غيره: اسمه قُزْمان -بضم القاف، وسكون الزاي-.
روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الله، وداود بن الحُصين، وخالد بن رباح.
قال إبراهيم بن أبي حبيب، عن داود بن الحُصين: كان أبو سفيان يؤم بني
(1)
الشُّرَاةُ بالضم: جمع شَارٍ من شَرَى يَشْرِي: إذا باع، وهم فرقة من الخوارج سموا بذلك لأنهم زعموا أنهم شَرَوْا دنياهم بالآخرة: أي باعُوها. ويجوز أن يكون من الْمُشَارَّةِ: أي المُلَاجَّة: أفاده في "النهاية" جـ 2 ص 469.
عبد الأشهل، وفيهم ناس من الصحابة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: قيل: اسمه قُزْمان، ولا يصحّ له اسم غير كنية. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم (4543).
ومالك، وأبو هريرة تقدما في السند الماضي.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الذي قبله. وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
[فائدة]: قوله صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن"، وجواب ذي اليدين رضي الله عنه له بقوله: قد كان بعض ذلك، فيه دليلٌ لقاعدة اتفق عليها أهل "المعاني والبيان"، وهي:
أن النفي إذا تسلط على "كلّ"، أو كانت في حَيّزه تكون "كلّ" حينئذ لنفي الشمول عن المجموع، لا لنفي الحكم عن كلّ فرد فرد.
وإن أخرجت "كل" من حيّز النفي، بأن قدّمت عليه لفظًا، ولم تكن معمولةً للفعل المنفي توجه النفي إلى أصل الفعل، وعمّ كل ما أضيفت إليه "كل"، فكان السلب عن كل فرد فرد.
قال العلائي رحمه الله: والاحتجاج لهذه القاعدة بهذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أن السؤال بـ"أم" عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم على وجه الإبهام، فجوابه إما بالتعيين، أو بنفي كل واحد منهما، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كل ذلك لم يكن" كان جوابه لنفي كل واحد منهما بالنسبة إلى ظنه صلى الله عليه وسلم، فلو كان تقديم "كلّ" على المنفي إنما يفيد نفي الكلية، لا نفي الحكم عن كل فرد فرد لكان قوله صلى الله عليه وسلم:"كل ذلك لم يكن" غير مطابق للسؤال، ولا ريب في بطلانه.
والوجه الثاني: قول ذي اليدين في جواب هذا الكلام. "قد كان بعض ذلك"، وهو من العرب الفصحاء، فدل على أن المراد بـ "كل ذلك لم يكن" سلب الحكم عن كلّ فرد فرد، لا عن المجموع، لأن الإيجاب الجزئي يقتضيه السلب الكلي
(1)
. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1227 -
(أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
هكذا نسخة "نظم الفرائد""يقتضيه السلب الكلي"، ولعل الصواب:"نقيضه السلبُ الكليُّ"، فليتأمل.
صَلَّى صَلَاةَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْن، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالُوا: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟
(1)
، فَقَامَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(سليمان بن عُبيد الله) بن عمرو بن جابر الغَيْلانيّ المازني، أبو أيوب البصري، صدوق [11] تقدم 36/ 729.
2 -
(بهز بن أسد) العَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [9] تقدم 24/ 28.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [7] تقدم 24/ 26.
4 -
(سَعْد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني القاضي، ثقة فاضل عابد [5] تقدم 11/ 518.
5 -
(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة ثبت فقيه [3] تقدم 1/ 1.
6 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه. تقدم في السند الماضي.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" في هذا السند خطأ في موضعين:
أحدهما: قوله: "سليمان ابن عَبْد الله"، والصواب:"سليمان بن عُبيد الله" بتصغير الاسم الثاني، كما في "الهندية" و"السنن الكبرى".
الثاني: قوله: "سعيد بن إبراهيم"، والصواب:"سَعْد بن إبراهيم"، كما في "الهندية"، و"السنن الكبرى" أيضًا. فليُتنبه. والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، والمسائل المتعلقة به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1228 -
(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى يَوْمًا، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَدْرَكَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُقِصَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ، فَقَالَ: "لَمْ تُنْقَصِ الصَّلَاةُ، وَلَمْ أَنْسَ"، قَالَ: بَلَى، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عيسى بن حمّاد) أبو موسى التجيبي المصري الملقّب زُغّبَة، ثقة [10] تقدم
(1)
وفي نسخة: "قصرت الصلاة" بحذف همزة الاستفهام.
135/ 211.
2 -
(الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة الفقيه المصري [7] تقدم 31/ 35.
3 -
(يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصري، ثقة فقيه يرسل [5] تقدم 134/ 207.
4 -
(عمران بن أبي أنس) القُرشي العامري المدني نزيل الإسكندرية، ثقة [5] تقدم 8/ 697.
والباقيان تقدما في السند الماضي.
وقوله: "ذو الشمالين" اختلف العلماء، هل هو ذو اليدين المتقدّم، أم غيره؟، والأكثرون على أن قوله "ذو الشمالين" وَهَمٌ، والصواب "ذو اليدين".
قال الجامع: عندي أن دعوى الوَهَم في هذا محلّ نظر، لاتفاق كلِّ من الزهري كما يأتي قريبًا، وعمران بن أبي أنس، كما في هذه الرواية، ومعمر، كما رواه عبد الرزاق في "جامعه"، عنه، عن أيوب، عن ابن سيرين، وسفيان بن حسين، عن ابن سيرين، فكلهم قالوا:"ذو الشمالين".
فتغليط هؤلاء الرواة غير صحيح، بل الذي يظهر لي أن ذا اليدين يسمى بذي الشمالين، ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث:"أصدق ذو اليدين"، بعد أن سماه أبو هريرة ذا الشمالين، فدلّ على أنه كان يسمى بالاسمين معا. وقد تقدم البحث في هذا مستوفًى في المسألة الخامسة في الحديث الأول من هذا الباب، فمن أراد الاستفادة فليُراجع هناك. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "أَنُقصت الصلاة"، وقوله:"لم تنقص الصلاة" يحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، و"الصلاة" مرفوع على الفاعلية، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، و"الصلاة" نائب فاعله.
وذلك لأن "نَقَصَ" يتعدى، ويلزم، قال الفيّومي رحمه الله: نقَصَ نَقّصًا، من باب قتل، ونُقْصانًا، وانتقص: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصتُهُ، يتعدّى، ولا يتعدّى، هذه اللغةُ الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى:{نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41]، وقوله:{غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود: 109]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال. نَقَصتُ زيدًا حقهُ، وانتقصتُهُ مثلُهُ. انتهى.
وقوله: "بلى" حرف جواب تأتي بعد نفي، فترفع حكم النفي، وتثبت نقيضه، وهو الإثبات، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب:"بلى"، فمعناه إثبات القيام لزيد،
فالمعنى هنا: إثبات أحد الأمرين، وهو النسيان.
وقوله: "والذي بعثك بالحق" قسم ذُكر تأكيدًا لوقوع النسيان.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1229 -
(أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى الْفَرْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَلَّمَ فِي سَجْدَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(هارون بن موسى الفَرْوي) بن أبي علقمة عبد الله بن محمد بن أبي فَرْوة، أبو موسى المدني، مولى آل عثمان، لا بأس به من صغار [10].
روى عن أبيه، وجدّه، وأخيه، وأبي ضمرة، وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال مسلمة: ثقة. وقال الدارقطني: هو وأبوه ثقتان. قال ابن عساكر: مات سنة (2) ويقال: سنة (253). وقال ابن منده: كان مولده سنة (174).
انفرد به الترمذي، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (1229) وحديث رقم (3838).
[تنبيه]: "الْفَرْوي" -بفتح الفاء، وسكون الراء المهملة-: نسبة إلى جده.
2 -
(أبو ضمرة) أنس بن عياض بن ضمرة، ويقال: أنس بن عياض بن جُعْدُبَة، ويقال: أنس بن عياض بن عبد الرحمن الليثي، المدني، ثقة [8].
روى عن شريك بن أبي نمر، وأبي حازم، وربيعة، وهشام بن عروة، ويونس بن يزيد، وغيرهم. وعنه ابن وهب، وبقية بن الوليد، وابن جريج، وهارون بن موسى الفَرْويّ.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الخطإ. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة. وقال إسحاق ابن منصور عنه: صويلح. وقال أبو زرعة، والنسائي: لا بأس به. وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أحدًا ممن لقينا أحسن منه خلقًا، ولا أسمح بعلمه منه، ولقد قال لنا مرّة: والله لو تهيّأ لي أن أحدثكم بكلّ ما عندي في مجلس واحد لحدثتكموه.
وحكى ابن شاهين في "الثقات" من طريق يوسف بن عديّ، ثنا إسماعيل بن رشيد، قال: كنا عند مالك في المسجد، فأقبل أبو ضمرة، فأقبل مالك يُثني عليه، ويقول فيه الخيرَ، وإنه، وإنه، وقد سمع، وكتب، وقال الآجري عن أبي داود، عن أحمد بن صالح، قال: ذُكر أبو ضمرة عند مالك، فقال: لم أر عند المحدثين غيره، ولكنه أحمق يدفع كتبه إلى هؤلاء العراقيين. قال أبو داود: وحدثنا محمود، ثنا مروان، وذكر أبا ضمرة، فقال: كانت فيه غفلة الشاميين، ووثقه، ولكنه كان يعرض كتبه على الناس.
قال أبو داود: وسمعت الأشجّ يقول: سمعت أبا ضمرة وقيل له شيء؟ فقال: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، كلّ شيء في هذا البيت عَرْض، يعني أحاديثه. وقال ابن حبّان في "الثقات": من زعم أنه أخو يزيد بن عياض بن جُعْدُبة، فقد وهم، نعم هما جميعًا من بني ليث من أهل المدينة.
قال دُحَيم: سمعته يقول: ولدت سنة (104) وقال البخاري عن عبد الرحمن بن شيبة. مات سنة (200) وقال ابن منجويه: سنة (180) والصحيح الأول. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (5) أحاديث
(1)
.
3 -
(يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت [7] تقدم 9/ 9.
4 -
(ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [4] تقدم 1/ 1.
والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث يعلم مما تقدم. وهو حديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1230 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ، أَوِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَانْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ بْنُ عَمْرٍو: أَنُقِصَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَتَمَّ بِهِمُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نَقَصَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد [11] تقدم 92/ 114.
2 -
(عبد الرزّاق) بن همّام الصنعاني، ثقة حافظ، تغير في الآخر، وكان يتشيع [9] تقدم 61/ 77.
(1)
"تهذيب الكمال" جـ 3 ص 349 - 353، و"تهذيب التهذيب" جـ 1 ص 375 - 376.
3 -
(مَعْمَر) بن راشد الصنعاني، ئقة ئبت فاضل [7] تقدم 10/ 10.
4 -
(أبو بكر بن سُليمان بن أَبِي حَثْمَة) واسم أبي حثمة عبد الله بن حُذَيفة، وقيل: عديّ بن كعب بن حذيفة بن تمام بن عبد الله بن عُبيد بن عُوَيج بن عديّ بن كعب العدويّ المدني، ثقة عارف بالنسب [4].
روى عن أبيه، وجدّته الشفاء، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه الزهري، وابن المنكدر، وصالح بن كيسان، وغيرهم.
قال الزهري: كان من علماء قريش، وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث (1230) وحديث (1232). والباقون تقدّموا قريبًا.
وقد تقدّم الكلام في قول الزهري: "ذو الشمالين بن عمرو"، وأن أكثر الحُفّاظ على أنه أخطأ في ذلك، وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لم يتابع الزهري في ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: "لم يتابع" نظر لا يخفى، فقد تابعه عمران بن أبي أنس، كما تقدم للمصنف قبل حديث، وتابعه أيضا أيوب، كما تقدم عن "جامع عبد الرّزّاق". والله تعالى أعلم.
وقوله: "أنقصت" يحتمل كونه بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول، كما تقدم قبل حديث. وأما قوله:"نقص" في الأخير فهو بالبناء للفاعل، وهو متعدّ، وفاعله ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، ومفعوله محذوف لكونه فضلة، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ
…
كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوابًا أَوْ حُصِرْ
أي نقصهما.
والحديث صحيح، وقد مضى شرحه، والمسائل المتعلقة به قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1231 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ:
(1)
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ نَحْوَهُ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي هَذَا الْخَبَرَ
(2)
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
(1)
سقط من بعض النسخ لفظة "قال".
(2)
وفي بعض النسخ "الحديث".
وَأَخْبَرَنِيهِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أبو داود) سليمان بن سيف الحرّاني، ثقة حافظ [11] تقدم 103/ 136.
2 -
(يعقوب) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري، أبو يوسف المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [9] تقدم 196/ 314.
3 -
(إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، ثقة ثبت [8] تقدم 196/ 314.
4 -
(صالح) بن كَيْسَان، أبو محمد المدني، ثقة ثبت فقيه [4] تقدم 196/ 314.
والباقيان تقدّما في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فحرّاني. ومنها: ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، وابن شهاب، وأبو بكر بن سليمان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن شهاب) الزهري (أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَةَ أخبره) أي أخبر الزهري (أنه بلغه) أي بلغ أبا بكر، وقوله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين) في تأويل المصدر فاعل "بلغ"، أي بلغه صلاةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من الصلاة غير الثنائية.
(فقال له ذو الشمالين نحوه) أي ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم نحو ما تقدم في رواية معمر عن الزهري.
ولفظه -كما في "السنن الكبرى" للبيهقي جـ 2 ص 359 من طريق أبي صالح، عن ابن شهاب:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين، ثم سلم، فقال ذو الشمالين بن عبد: يا رسول الله، أقصرت الصلاة، أم نسيتَ؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم تقصر الصلاة، ولم أَنْسَ"، فقال ذو الشمالين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم، فقال: "أصدق ذو الشمالين؟ "، فقالوا نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتمّ ما بقي من الصلاة، ولم يسجد السجدتين اللتين تُسجَدان إذا شكّ الرجل في صلاته حين لقّاه الناس. انتهى.
وهذه الرواية مرسلة، وكذا رواه مالك في "الموطإ" عن ابن شهاب مرسلًا مثلَ رواية
صالح بن كيسان هذه، وكذا رواه شعيب بن أبي حمزة، عن ابن شهاب مرسلا أيضًا. أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" جـ 2 ص 126.
(قال ابن شهاب) الزهري (أخبرني هذا الخبر) وفي نسخة "هذا الحديث"(سعيد بن المسيب) القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [3] تقدم 9/ 9 (عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أي موصولًا بذكر أبي هريرة رضي الله عنه.
(قال) أي ابن شهاب (وأخبرنيه) عطف على "أخبرني" السابق (أبو سلمة بن عبد الرحمن) المتقدّم (وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث) بن هشام المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، ثقة فقيه عابد [3] تقدّم 51/ 963 (وعبيد الله بن عبد الله) بن عُتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه من [3] تقدم 45/ 56.
والمعنى أن كلًّا من أبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله أخبره عن أبي هريرة رضي الله عنه، فيكون الحديث متصلًا، كرواية سعيد بن المسيب.
ولفظ البيهقي رحمه الله: "قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان الاختلاف على الزهري في هذا الحديث وصلًا وإرسالًا.
قال الإمام أبو بكر البيهقي رحمه الله جـ 2 ص 358 - بعد ذكر طريق صالح بن كيسان المذكورة: ما نصه: وهذا حديث مختلف فيه على الزهري، فرواه صالح بن كيسان هكذا، وهو أصح الروايات فيما نُرى حديثه عن ابن أبي حَثْمَة، مرسل، وحديثه عن الباقين موصول، وأرسله مالك بن أنس عنه، عن ابن أبي حثمة، وابن المسيب، وأبي سلمة، وأسنده يونس بن يزيد عنه، عن جماعتهم، دون روايته عن ابن أبي حَثْمَة، وأسنده معمر عنه، عن أبي سلمة، وأبي بكر بن أبي سليمان بن أبي حَثْمَة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية معمر تقدمت قبل حديث، رواها المصنف عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق، عنه.
وقال الحافظ أبو بكر ابن خزيمة رحمه الله في "صحيحه" جـ 2 ص 127: سمعت محمد ابن يحيى يقول: وهذه الأسانيد عندنا محفوظة عن أبي هريرة، إلا حديث أبي بكر بن سليمان بن حثمة، فإنه يتخالج في النفس منه أن يكون مرسلًا، لرواية مالك، وشعيب، وصالح بن كيسان، وقد عارضهم معمر، فذكر في الحديث أبا هريرة. والله أعلم. انتهى.
والحاصل أن الراجح في رواية الزهري عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة كونها مرسلة، ليس فيها ذكر أبي هريرة، وروايته عن كل من سعيد بن المسيب، وأبي سلمة ابن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة موصولة بذكر أبي هريرة رضي الله عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنّي القدير، محمد ابن الشيخ علي بن آدم بن موسى الإِتْيُوبي الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت من كتابة الجزء الرابع عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله تعالى، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، فى مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعظِمْ به تكريمًا.
{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} .
"اللَّهمَّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللَّهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته".
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الخامس عشر مفتتحًا بالباب 23 "ذكرُ الاختلاف على أبي هريرة رضي الله عنه في السجدتين" الحديث رقم 1232.
"سبحانك اللَّهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".