الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرح سُنن النّسَائي
المُسَمَّى
ذَخِيْرَة العُقَبى في شَرْحِ المجْتَبَى
لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر
محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي
المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة
عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ
الجزْء التّاسع عَشر
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة
الطبعة الأولى
1424 هـ - 2003 م
دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع
المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بْ: 4145 - (تلفاكس 5211576 - جوّال 055541026)
شرح سُنن النّسائي
بسم الله الرحمن الرحيم
95 - الرُّكُوبُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْجَنَازَةِ
2026 -
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَلَى جَنَازَةِ أَبِي الدَّحْدَاحِ، فَلَمَّا رَجَعَ أُتِيَ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى، فَرَكِبَ، وَمَشَيْنَا مَعَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاويّ، ثقة حافظ [11] 38/ 42.
2 -
(أبو نُعيم) الفضل بن دُكين التيميّ مولاهم الأحول الْمُلَائيّ، ثقة ثبت [9] 11/ 516.
3 -
(يحيى بن آدم) بن سليمان، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل، من كبار [9]
1/ 451.
4 -
(مالك بن مغول) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار [7] 98/ 127.
5 -
(سماك) بن حرب الذهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق تغيّر بآخره، فربما تلقّن [4] 2/ 325.
6 -
(جابر بن سمرة) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما 28/ 816.
واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فرُهَاوِيٌّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَلَى جَنَازَةِ أَبِي الدَّحْدَاح) أي لأجلها، فـ"على" بمعنى اللام، كما في قوله تعالى:{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} الآية. أي لهدايته إياكم، وقول الشاعر [من الطويل]:
عَلَامَ تَقُولُ الرُّمْحَ يُثقِلُ عَاتِقِي
…
إِذَ أَنَا لَمْ أَطْعَنْ إِذَا الْخَيْلُ كَرَّتِ
و"أبو الدحداح" -بدالين، وحاءين مهملات- ويقال:"ابن الدحداح". قال الحافظ ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لا يُعرف اسمه. لكن قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في
"الإصابة": إنه ثابت بن الدحداح، وأفاد أن الذي لا يعرف اسمه هو أبو الدحداح الأنصاريّ، حليف لهِم، وأنه عاش إلى زمن معاوية. وقال في حرف الثاء: ثابت بن الدحداح بن نعيم بن غَنْم بن إياس، حليف الأنصار، وكان بَلَويّا، حالف بني عمرو بن عوف، ويقال: ثابت بن الدحداحة، ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة. وروى الطبرانيّ من طريق ابن إسحاق: حدثني ابن يسار، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: "رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في جنازة ثابت بن الدحداح
…
" الحديث. وهو في "صحيح مسلم" من حديث جابر بن سمرة، لكنه لم يسمه، قال: "صلينا على ابن الدحداح
…
"، وفي رواية: "على أبي الدحداح
…
". وروى الباورديّ من طريق ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي عدي، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ثابت بن الدحداحة، سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الآية [البقرة: 222]. وقال الواقديّ في "غزوة أحد": حدثني عبد اللَّه بن عمارة الخطميّ، قال: أقبل ثابت بن الدحداحة يوم أحد، فقال: يا معشر الأنصار، إن كان محمد قُتل، فإن اللَّه حيّ لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فحمل بمن معه من المسلمين، فطعنه خالد، فأنفذه، فوقع ميتًا. قال الواقديّ: وبعض أصحابنا يقول: إنه جُرح، ثم برأ من جراحته، ومات بعد ذلك على فراشه، مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية، فاللَّه أعلم انتهى.
(فَلَمَّا رَجَعَ أُتِيَ بِفَرَسِ) بالبناء للمفعول (مُغرَوْرًى) -بضم الميم، وسكون العين، وفتح الراء- أي بفرس عُرْيٍ، قال أهل اللغة: اعرَوْرَيتُ الفرسَ: إذا ركبته عُرْيًا، فهو مُعْرَوْرًى، قالوا: ولم يأتَ افعَوْلَى مُعَدًّى، إلا قولهم: اعرَوريت الفرسَ، واحْلَوْلَيتُ الشرابَ. قاله النوويّ.
وفي نسخة: "مُعْرَوْرِ" بصيغة اسم الفاعل، والظاهر أنه غلط، لأن "اعرورى" متعدّ، كما مرّ آنفًا، فلا يصحّ أن يوصف الفرسُ باسم فاعله، وإنما يوصف باسم مفعوله. واللَّه تعالى أعلم.
(فَرَكِبَ) صلى الله عليه وسلم (وَمَشَيْنَا مَعَهُ) وفي نسخة: "خلفه". وفي رواية لمسلم: "ونحن نمشي حوله". وفي رواية له، من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال:"صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح، ثم أُتي بفرس عُرْيٍ، فعقله له رجل، فركبه، فجعل يتوقّص به، ونحن نتبعه، نسعى خلفه، قال: فقال رجل من القوم: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "كم من عِذْق معلّق -أو- مُدَلًّى في الجنّة لابن الدحداح". أو قال شعبة: "لأبي الدحداح".
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قالوا: سببه أن يتيمًا خاصم أبا لبابة نخلة، فبكى الغلام، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم له:"أعطه إياها، ولك بها عَذْقٌ في الجنّة"، فقال" لا، فسمع بذلك أبو الدحداح، فاشتراها من أبي لبابة بحديقة له، ثم قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ألي بها عذق،
إن أعطيتها اليتيم؟ قال: "نعم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كم من عذق معلّق في الجنة لأبي الدحداح". قال: والعذق بكسر العين المهملة: هو الغصن من النخلة، وأما العَذْق بفتحها، فهو النخلة بكمالها، وليس مرادا هنا انتهى
(1)
.
وقد ذكر الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قصة أبي الدحداح في "مسنده" على غير هذا الوجه، فقال:
12073 -
حدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فأْمُره أن يعطيني، حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أعطها إياه بنخلة في الجنة"، فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللَّه، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "كم من عذق راح
(2)
، لأبي الدحداح، في الجنة"، قالها مرارا، قال: فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد بعته، بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن سمرة - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -95/ 2026 - وفي "الكبرى" 95/ 2154 - وأخرجه (م) 2235 و 2236 (ت) 1013 و 1014 (أحمد)20323. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى-، وهو جواز الركوب عند الانصراف من صلاة الجنازة. قال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه إباحة الركوب في الرجوع عن الجنازة، وإنما يكره الركوب في الذهاب معها انتهى
(3)
.
وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في حكم الركوب مع الجنازة في -55/ 1942 - باب "مكان الراكب من الجنازة"، وأن الراجح أنه لا يكره الركوب، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(1)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 37 - 38.
(2)
- هكذا نسخة "المسند"، والذي في "الإصابة" ج 11 ص 213 - :"رداح"، وكتب في هامشه:"رداح" -بفتح الراء، أي ثقيل مليء بالرطب.
(3)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 38 - 39.
ومنها: جواز ركوب الفرس العُرْي. ومنها: جواز مشي الجماعة مع كبيرهم، وهو راكب، وأنه لا كراهة فيه في حقّه، وَلا في حقهم، إذا لم يكن فيه مفسدة، وإنما يكره ذلك إذا حصل فيه انتهاك للتابعين، أو خيف إعجاب ونحوه في حقّ المتبوع، أو نحو ذلك من المفاسد (ومنها): أن في قوله في رواية مسلم: "فعقله له رجل، فركبه" -أي أمسكه له، وحبسه- إباحةَ ذلك، وأنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
96 - الزِّيَادَةُ عَلَى الْقَبْرِ
2027 -
أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ يُجَصَّصَ، زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى:"أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(هارون بن إسحاق) بن محمد بن مالك الهَمْدانيّ، أبو القاسم الكوفيّ، صدوق، من صغار [10] 13/ 346.
2 -
(حفص) بن غياث بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير قليلا في الآخر [8] 86/ 105.
3 -
(ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكيّ الفقيه الثقة الفاضل، يدلس [6] 28/ 32.
4 -
(سليمان بن موسى) الأمويّ مولاهم الدمشقيّ الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخُولط قبل موته بقليل [5] 7/ 504.
[تنبيه]: سيأتي قريبًا أن رواية سليمان بن موسى عن جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - منقطعة؛ لأنه لم يسمع منه، لكن الحديث صحيح متصل من رواية أبي الزبير، فتنبّه واللَّه تعالى أعلم. والباقيان تقدما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أن شيخه وحفصًا
كوفيان، وسليمان دمشقي، والباقون مكيون. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى - عنه من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه، وفي رواية لمسلم:"عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه، يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .... "، فصرّح كلٌّ من ابن جريج، وأبي الزبير بالسماع، فزال عنهما تهمة التدليس (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ) قيل: يحتمل أن المراد البناء على نفس القبر؛ ليُرفَع عن أن يُنال بالوطىء، كما يفعله كثير من الناس، أو البناء حوله. نقله السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في شرحه
(1)
.
وقال التوربشتيّ: البناء يحتمل وجهين: البناء على القبر بالحجارة، أو ما يجري مجراها. والآخر أن يُضرب عليها خباء، ونحوه، وكلاهما منهيّ عنه انتهى.
وقال الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي، وأصحابه، فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني، فمكروه، وإن كان في مَقْبَرَة مُسَبَّلَة فحرام، قال الشوكاني: ولا دليل على هذا التفصيل انتهى
(2)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اعتراض الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- المذكور في محلّه، فليس لنا دليل يخصص جواز بعض أنواع البناء، دون بعض، فالأرجح عدم جواز البناء مطلقًا، لإطلاق النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ) بأن يزاد على التراب الذي خرج منه، أو يزاد طولَا، وعرضًا عن قدر جسد الميت. وقيل: المراد بالزيادة عليه أن يقبر ميت على ميت آخر
(3)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأخير بعيد عن سياق الحديث، واللَّه تعالى أعلم.
(أوْ يُجَصَّصَ) قال في "المصباح": الْجِصّ بكسر الجيم معروف، وهو معرّب؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربيّة، ولهذا قيل: الإجّاص معرّب، وجَصّصت الدار عملتها بالجصّ، قال في "البارع": قال أبو حاتم: والعامّة تقول: الجَصّ بالفتح،
(1)
- "شرح السندي" ج 4 ص 86.
(2)
- "نيل الأوطار" ج 4 ص 104.
(3)
- انظر "نيل الأوطار" ج 4 ص 105.
والصواب الكسر، وهو كلام العرب، وقال ابن السّكّيت نحوه. وقال في مادّة "قصّ": والقَصّة بالفتح الجِصّ بلغة الحجاز، قاله في "البارع"، والفارابيّ انتهى ما في "المصباح".
لكن الذي في "الصحاح"، و"القاموس" أن الجصّ بفتح الجيم، وتكسر انتهى.
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: التجصيص، والتقصيص: هو البناء بالجصّ، وهو القصّ، والقصّة، والْجَصّاص، والْقَصّاص واحد، فإذا خُلِط الجصّ بالرماد، فهو الْجَيّار. وذكر معنى ذلك أبو عبيد، وابن الأعرابيّ. وبظاهر هذا الحديث قال مالك، فكره البناء، والجصّ على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه. ووجه النهي عن البناء، والتجصيص في القبور أن ذلك مُباهاةٌ، واستعمالُ زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبّه بمن كان يُعظِّم القبور، ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني، وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يُقال: هو حرام، كما قال به بعض أهل العلم انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ حسنٌ جدًّا، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى.
وقال الحافظ العراقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ذكر بعضهم أن الحكمة في النهي عن تجصيص القبور كون الجصّ أُحرق بالنار، وحينئذ، فلا بأس بالتطيين، كما نصّ عليه الشافعيّ.
قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: التطيين لا يناسب ما ورد من تسوية القبور المرتفعة، كما سبق، وكذا لا يناسب قوله:"أن يُبنَى عليه"، والظاهر أن المراد النهي عن الارتفاع، والبناء مطلقا، وإفراد التجصيص لأنه أتمّ في إحكام البناء، فخُصّ بالنهي مبالغة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدّا. واللَّه تعالى أعلم.
(زَادَ سُلَيمَانُ بْنُ مُوسَى: "أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ") أراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا أن سليمان بن موسى الأشدق الراوي الثاني عن جابر رضي الله عنه زاد في روايته على رواية أبي الزبير قوله: "أو يُكتب عليه"، وكلام المصنف هذا فيه نظر، سيأتي في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(1)
- "المفهم" ج 2 ص 626 - 627.
قال الحافظ العراقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن المراد مطلق الكتابة، ككتابة اسم صاحب القبر عليه، أو تاريخ وفاته، أو المراد كتابة شيء من القرآن، وأسماء اللَّه تعالى للتبرّك؛ لاحتمال أن يوطأ، أو يسقط على الأرض، فيصير تحت الأرجل انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن النهي عامّ لجميع أنواع الكتابة، فلا تجوز الكتابة عليه مطلقًا، فإن النصّ لم يقيده بنوع دون نوع، فلا يخصّص شيء منها بالجواز، وأما ما يأتي من قول الحاكم: إن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم. فسيأتي ردّ الذهبيِّ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -96/ 2027 و 97/ 2028 و 98/ 2029 - وفي "الكبرى" 96/ 2154 و 97/ 2155 و 98/ 2156. وأخرجه (م) 2242 و 2243 و 2244 (د) 3226 و 3225 (ت) 1052 (ق) 1562.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو النهي عن الزيادة على القبر. ومنها: النهي عن البناء على القبر. ومنها: عدم جواز تَجْصيص القبر. ومنها: عدم جواز الكتابة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: ذكر المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هنا أن زيادة الكتابة في الحديث من تفرّد سليمان بن موسى، وفيما قاله نظر؛ لأنها ثبتت من رواية أبي الزبير أيضًا، فقد أخرج الحديث الترمذيّ رقم -1052 - فقال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، أبو عمرو البصريّ، حدثنا محمد بن ربيعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:"نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن تجُصّص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن جابر انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أفادت رواية الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- تحريم وطء القبور، فلا يجوز وطؤها بالأقدام، واللَّه تعالى أعلم.
وأخرجه الحاكم أيضًا في "المستدرك" ج 1 ص 370 - من طريق سَلْم بن جُنَادة، ثنا حفص بن غياث النخعيّ، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:"نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُبنى على القبر، أو يَجَصَّصَ، أو يُقعد عليه، ونهى أن يُكتب عليه".
قال: هذا حديث على شرط مسلم، وقد أخرج بإسناده غير الكتابة، فإنها لفظة صحيحة غريبة.
قال الحاكم: وكذلك رواه أبو معاوية، عن ابن جريج، ثم أخرجه بسنده عن سعيد ابن منصور، ثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:"نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور، والكتاب فيها، والبناء عليها، والجلوس عليها". قال: هذه أسانيد صحيحة، وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أَخَذَ به الخلف عن السلف انتهى.
وتعقّبه الحافظ الذهبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "تلخيص المستدرك"، فقال: ما قلت طائلا، ولا نعلم صحابيّا فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين، فمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي انتهى كلام الذهبيّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن زيادة الكتابة في حديث جابر رضي الله عنه صحيحة ثابتة من طريق أبي الزبير أيضًا، فتدلّ على تحريم الكتابة على القبر.
ثم إن الحافظ الذهبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أحسن، وأجاد حيث تعقّب على الحاكم فيما قاله، فإن ما قاله مخالف لهذا الحديث الصحيح، ودعواه عمل المسلمين بخلافه غير صحيحة، فلم يصحّ ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وإنما هو أمر محدَث مخالف للسنة الصحيحة، فلا يجوز العمل به.
بل المنقول عن السلف كراهته عكس ما قاله الحاكم، فقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه" ج 3 ص 334 - 335 - بسند صحيح عن محمد -يعني ابن سيرين- أنه كره أن يُعَلَّم القبر. وأخرج عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون أن يعلَّم الرجل قبره. وأخرج عن القاسم، أنه أوصى، قال: يا بُنيّ لا تكتب على قبري، ولا تشرفنه، إلا قدر ما يردّ عني الماء. وأخرج عن الحسن، أنه كره أن يُجعل اللوح على القبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "تحفة الأشراف": سليمان لم يسمع من جابر، فلعلّ ابن جريج رواه عن سليمان، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مرسلاً، وعن أبي الزبير، عن جابر، مسندًا. ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد الأشجّ، عن حفص ابن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، قال: نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُكتب على القبر شيء. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت أن سليمان لم ينفرد بزيادة الكتابة، بل ثبتت في رواية أبي الزبير أيضًا، فلا يضرّ في صحتها الانقطاع الذي أشار إليه الحافظ
المزيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه آخر]: يجوز وضع الحجر علامة على القبر، ولا يكون من البناء المنهيّ عنه؛ لما أخرجه أبو داود في "سننه" بسنده، عن كثير بن زيد المدني، عن المطلب -هو ابن عبد اللَّه بن حنطب- قال: لما مات عثمان بن مظعون، أُخرج بجنازته، فدُفن فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا، أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وحسر عن ذراعيه، قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حين حسر عنهما، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال:"أتعلم بها قبر أخي، وأَدفِن إليه من مات من أهلي".
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإسناده حسنٌ، ليس فيه إلا كثير بن زيد، راويه عن المطّلب، وهو صدوق، وقد بيّن المطلب أن مخبرًا أخبره به، ولم يسمّه، ولا يضرّ إبهام الصحابيّ انتهى
(1)
.
قال في "المنهل ": دلّ الحديث على استحباب علامة على القبر بنحو حجر؛ ليعرف، لكن ليس على الهيئة التي اعتادها كثير من أهل زماننا، من المبالغة في تسويته، ونقشه، ورفعه، ورسم عمامة، أو قلنسوة أعلاه انتهى
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"
…
97 - الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ
2028 -
أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا، أَوْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث جابر رضي الله عنه، أورده المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-؛ استدلالاً على تحريم البناء على القبر، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي.
(1)
- "التلخيص الحبير" ج 2 ص 267.
(2)
- "المنهل" ج 9 ص 55.
و"يوسف بن سعيد": هو المصّيصيّ الحافظ الثقة [11] 131/ 198، وهو من أفراد المصنّف. و"حجاج": هو ابن محمد الأعور الحافظ الثبت المصّيصيّ [9] 28/ 32.
وقوله: "عن تقصيص القبور": التقصيص بالقاف، هو التجصيص، كما تقدّم.
وقوله: "أو يُبنى عليها" بالبناء للمفعول، عطف على "تقصيص" من عطف الفعل على المصدر بتقدير "أن"، وكذا ما بعده، أي وعن البناء عليها.
وقوله: "أو يَجلس عليها أحد" بالبناء للفاعل، وهو أيضًا عطف على "تقصيص"، أي ونهى عن جلوس أحد من الناس على القبور. ولفظ مسلم في "صحيحه": وأن يُقعَد عليه".
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه دليل على تحريم القعود على القبر، والمراد بالقعود الجلوس عليه، وهذا مذهب الشافعي، وجمهور العلماء. وقال مالك في "الموطإ": المراد بالقعود الحدث. قال النوويّ: وهذا تأويل ضعيف، أو باطل، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس، ومما يوضّحه الرواية التي ذكرها مسلم بعد هذا، من حديث أبي مَرْثَد الْغَنَويّ رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إليها"، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لأن يَجلس أحدكم على جمرة، فَتُحرِق ثيابه، فتخلُص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر". انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ببعض تصرّف
(1)
. وبقية الكلام على الحديث سبق في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
98 - تَجْصِيصُ الْقُبُورِ
2029 -
أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث جابر رضي الله عنه، أورده استدلالاً على تحريم تجصيص القبور، وقد تقدّم معناه مستوفى قبل باب.
(1)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 41. وراجع "نيل الأوطار" أيضا ج 4 ص 104.
و"عمران بن موسى" هو القَزّاز البصريّ، ثقة [10] 6/ 6. و"عبد الوارث": هو ابن سعيد العنبريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت [8] 6/ 6. و"أيوب": هو السختيانيّ البصريّ الفقيه الحجة الثبت [5] 42/ 48. وبقية مباحث الحديث تقدّمت قبل باب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
99 - تَسْوِيَةُ الْقُبُورِ إِذَا رُفِعَتْ
2030 -
أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيٍّ حَدَّثَهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، بِأَرْضِ الرُّومِ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ، فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(سليمان بن داود) بن حماد الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ثقة [11] 63/ 79.
2 -
(ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الحافظ الثبت العابد [9] 9/ 9.
3 -
(عمرو بن الحارث) بن يعقوب، أبو أيوب المصريّ الحافظ الثبت الفقيه [7] 63/ 79.
4 -
(ثُمامة بن شُفَيّ) -بمعجمة، بعدها فاء، مصغرًا- الهمدانيّ -بسكون الميم- أبو عليّ الأُحروجيّ
(1)
، ويقال: الأصبحيّ، أبو عليّ المصريّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [3].
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: توفي في خلافة هشام بن عبد الملك قبل العشرين ومائة. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
5 -
(فَضالة بن عُبيد) -بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة، وتصغير "عُبيد"- ابن
(1)
-بضم الهمزة، وسكون الحاء المهملة، وضم الراء: نسبة إلى أحروج بطن من همدان اهـ "لب اللباب".
ناقذ -بقاف، وذال معجمة- ابن قيس الأنصاريّ الأوسيّ، الصحابي الشهير رضي الله عنه أول ما شهد أحد، ثم نزل دمشق 48/ 1284. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو وأبي داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابي، فدمشقي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن ثمامة بن شُفيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه (قال: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ) رضي الله عنه (بِأَرْضِ الرُّومِ) زاد في رواية مسلم: "بِرُودِسَ". قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هو براء مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم دال مهملة مكسورة، ثم سين مهملة، هكذا ضبطناه في "صحيح مسلم"، وكذا نقله القاضي عياض في "المشارق" عن الأكثرين، ونقل عن بعضهم بفتح الراء، وعن بعضهم بفتح الدال، وعن بعضهم بالشين المعجمة، وفي رواية أبي داود في "السنن" بذال معجمة، وسين مهملة، وقال: هي جزيرة بأرض الروم انتهى.
وقال في "المنهل": هي جزيرة في البحر الأبيض المتوسط -بحر الروم- مقابل الإسكندرية على ليلة منها، فتحت سنة (53) من الهجرة، في عهد معاوية، وقام بها جماعة من المسلمين، كانوا أشدّاء على الكفّار، يعترضونهم في البحر، ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يُدرّ عليهم الأرزاق والعطايا، ولما تولى ابنه يزيد أخرجهم منها، ولم تزل تتقلّب عليها الأيدي حتى استولى عليها السلان سليم الثاني سنة (922) هجرية، وهي الآن تابعة لإيطاليا انتهى
(1)
.
(فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ) أي بتسوية قبره (فَسُوِّيَ) أي جُعلت متصلة بالأرض (ثُمَّ قَالَ) فَضالة رضي الله عنه (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا) أي جَعْلها متصلةً بالأرض، أو المراد عدم جعلها مسنّمةً بل تُجعل مسطّحةً، وإن ارتفع عن الأرض بقليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث فَضَالة بن عُبيد رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
(1)
- "المنهل العذب" ج 9 ص 72.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -99/ 2030 - وفي "الكبرى" 99/ 2157. وأخرجه (م) 2239 (د) 3219 (أحمد) 23439. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: دلّ حديث فضالة رضي الله عنه عنه هذا أن المشروع تسوية القبر، لا تسنيمه، وفيه حلاف بين أهل العلم:
قال في "الفتح": عند شرح ما أخرجه البخاريّ من طريق أبي بكر بن عياش، عن سفيان التمار أنه حدثه، "أنه رأى قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم مسنّما": ما نصّه: قوله: "مسنّمًا" أي مرتفعًا، زاد أبو نعيم في "المستخرج":"وقبر أبي بكر، وعمر كذلك".
واستدلّ به على أن المستحبّ تسنيم القبور، وهو قول أبي حنفية، ومالك، وأحمد، والمزنيّ، وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه. وتعقّب بأن جماعة من قدماء الشافعيّة استحبّوا التسطيح، كما نصّ عليه الشافعيّ، وبه جزم الماورديّ، وآخرون. وقول سفيان التمّار لا حجة فيه، كما قال البيهقيّ؛ لاحتمال أن قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأول مسنّمًا، فقد روى أبو داود، والحاكم من طريق القاسم ابن محمد بن أبي بكر، قال: "دخلتُ على عائشة رضي الله عنهما، فقلت: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور، لا مشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصَة
(1)
الحمراء"، زاد الحاكم: "فرأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مقدّمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا كان في خلافة معاوية رضي الله عنه فكأنها كانت في الأول مسطّحة، ثم لما بُني جدار القبر في إمارة عمر بن عبدالعزيز على المدينة من قِبَلِ الوليد بن عبد الملك صيّروها مرتفعة.
وقد روى أبو بكر الآجريّ في "كتاب صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم " من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند، عن غُنيم بن بسطام المدينيّ، قال: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبدالعزيز، فرأيته مرتفعًا، نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه.
ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل، لا في أصل الجواز، ورجّح المزنيّ التسنيم من حيث المعنى بأن السطيح يشبه ما يُصنع للجلوس، بخلاف المسنّم، ورجحه ابن قُدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو من شعار أهل الباع، فكان التسنيم أولى. ويرجّح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فَضَالة بن عُبيد أنه أمر بقبر فسويّ، ثم قال: "سمعت
(1)
- العرصة بفتح، فسكون البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء. اهـ "المصباح".
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها" انتهى ما في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أن التسطيح هو المتعيّن، لحديث فضالة رضي الله عنه المذكور في الباب، وأما ما حكاه سفيان التمّار، فلا حجة فيه؛ لما تقدّم في كلام البيهقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
2031 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ، قَالَ: قَالَ: عَلِيٌّ رضي الله عنه: "أَلَا أَبْعَثُكَ، عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَا تَدَعَنَّ قَبْرًا مُشْرِفًا، إِلاَّ سَوَّيْتَهُ، وَلَا صُورَةً فِي بَيْتٍ، إِلاَّ طَمَسْتَهَا".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ الحافظ الثبت [10] 4/ 4.
2 -
(يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد الإمام الثبت الحجة [9] 4/ 4.
3 -
(سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الثبت الحجة الفقيه [7] 33/ 37.
4 -
(حبيب) بن أبي ثابت، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة فقيه جليل، كثير الإرسال والتدليس [3] 121/ 170.
5 -
(أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقة مخضرم [2] 2/ 2.
6 -
(أبو الْهيّاج) الأسديّ، حيّان بن حُصين الكوفيّ، ثقة [3].
روى عن عليّ، وعمار. وعنه ابناه: جرير، ومنصور، وأبو ائل، والشعبيّ. قال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عبد البرّ: كان كاتب عمّار. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله ذكر في الترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
7 -
(عليّ) بن أبي طالب رضي الله عنه 74/ 91. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وشيخُهُ، ويحى بصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- "فتح" ج 3 ص 630 - 631.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ) بفتح الهاء، وتشديد الياء المثناة من تحت، وآخره جيم، قال السيوطِيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ليس له في الكتب إلا هذا الحديث انتهى
(1)
(قَالَ: قَالَ: عَليٌّ رضي الله عنه: "ألَا") أداة استفتاح، وتنبيه (أَبْعَثُكَ) أي أرسلك (عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي إلى مثل الذي أرسلني إليه صلى الله عليه وسلم (لَا تَدَعَنَّ) بنون التوكيد المشدّدة، أي لا تتركنّ، وهذه الجملة بيان لما بعث به عليّ رضي الله عنه أبا الهيّاج، ولفظ مسلم:"أن لا تدع"، وعليه تكون الجملة بيانا لما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه، و"أن" مصدرية، و"لا" نافية، فيكون خبرًا لمبتدإ محذوف، أي هو عدم تركي الخ. ويحتمل أن تكون "أن" تفسيرية، و"لا" ناهية (قَبْرًا مُشْرِفًا) اسم فاعل، من الإشراف، وهو الارتفاع، أي مرتفعًا عن الأرض.
قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قيل: المراد هو الذي بُني عليه حتى ارتفع، دون الذي أُعلم عليه بالرمل، والحصى، والحجر؛ ليعرف، فلا يوطأ، ولا فائدة في البناء عليه، فلذلك نُهي عنه. وذهب كثير إلى أن الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم على وجه يُعلم أنه قبر، والظاهر أن التسوية لا تُناسب التسنيم انتهى
(2)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أن معنى التسوية هو التسطيح، وهو غير التسنيم، فلا يُشرع التسنيم، لأنه مما لا يدلّ عليه دليل. واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا سَوَّيْتَهُ) أي ألصقته بالأرض، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه أن السنّة أن القبر لا يُرفع على الأرض رفعًا كثيرًا، ولا يُسنّم، بل يُرفع نحو شبر، ويسطّح، وهذا مذهب الشافعيّ، ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسويتها، وهو مذهب مالك انتهى
(3)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر الحديث على ما قاله القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وأما التسنيم، وكذا رفعه نحو شبر فمما لا دليل عليه، كما تقدم. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "المنهل العذب المورود": واتفق العلماء على استحباب رفع القبر نحو شبر؛ ليُعلم أنه قبر، فيتوقى، وُيترحّم على صاحبه، إلا أن يكون مسلما في دار الحرب، فيُخفى قبره مخافة أن يَتعرّض له الكفّار بالأذى انتهى
(4)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى اتفاق العلماء على استحباب رفع القبر شبرًا
(1)
- "زهر الربى" ج 4 ص 88.
(2)
- "شرح السندي" ج 4 ص 88.
(3)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 40.
(4)
- "المنهل العذب" ج 9 ص 75.
غير صحيحة؛ لما تقدّم من أن التسطيح هو قول مالك، وأكثر العلماء، فأين الاتفاق المزعوم؟ واستدلاله بما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي، من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رشّ على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء، ورفعه شبرًا"، غير صحيح، لأنه مرسل، فلا يصلح لردّ ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عليّ رضي الله عنه هذا، وحديث فضالة رضي الله عنه المتقدم.
وأما قوله: ليعلم أنه قبر الخ، فليس ذلك مما يبيح المحظور، من رفعه من الأرض، لأن كونه قبرًا يعلم من طريق آخر مأذون فيه شرعًا، وهو وضع الحجر عليه حتى يُعلم أنه قبر، كما وضع النبيّ صلى الله عليه وسلم على قبر عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا صُورَةً) أي صورة ذي روح (فِي بَيْتٍ) الظاهر أن ذكر البيت ليس قيدًا، فما كان خارج البيت مثله (إِلاَّ طَمَسْتَهَا") أي محوتها، أو غَيَّرْتَها من هيئتها، بقطع رأسها، أو نحو ذلك.
ولفظ مسلم: "ألا تدع تمثالا إلا طمسته".
قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والتِّمْثَال: مثال صورة ما فيه روح، وهو يعمّ ما كان متجسّدًا، وما كان مصوّرًا في رقم، أو نقش، لا سيّما وقد روي "صورة" مكان "تمثال". وقيل: إن المراد به هنا ما كان له شخص وجسد، دون ما كان في ثوب، أو حائط منقوشًا. قال: وطمسها: تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها، وتغيير وجوهها، وغير ذلك، مما يذهبها. انتهى كلام القرطبي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ تعميم طمس جميع أنواع الصور، فلا يستثنى منها شيء؛ لعموم النصوص الواردة في النهي عن اتخاذها، والأمر بتغييرها، وأن إبقاءها منكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عليّ رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 99/ 2031 - وفي "الكبرى" 99/ 2157. وأخرجه (م) 2240 و 2241 (د) 3218 (ت) 1049 (أحمد) 659 و 685 و 743 و 883 و 891 و 1067 و 1179 و 1243 و 1286. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- "المفهم" ج 2 ص 625.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بتسوية القبور إذا كانت مرتفعة. ومنها: شدة اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة المنكرات. ومنها: إزالة المنكر باليد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم. ومنها: عدم جواز رفع القبر عن وجه الأرض. ومنها: وجوب محو صور ذوات الأرواح، أو تغييرها عن هيئتها، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: قال العلامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: عند شرح حديث الباب: ما نصّه: فيه أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعًا كثيرًا، من غير فرق بين من كان فاضلًا، ومن كان غير فاضل.
والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة من أصحاب الشافعيّ، ومالك، والقول بأنه غير محظور؛ لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير -كما قال الإمام يحيى، والمهديّ في "الغيث"- لا يصحّ؛ لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلاً، إذا كان في الأمور الظنّيّة، وتحريم رفع القبور ظنّيّ.
ومِنْ رَفْعِ القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوّليّا الْقُبَبُ، والْمَشَاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبيّ صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك، وكم قد سَرَى عن تشييد أبنية القبور، وتحسينها، من مفاسد يَبكِي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفّار للأصنام، وعظم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضرّ، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يَدَعُوا شيئا، مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل زاد هؤلاء على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها في الرخاء، فإذا أصابتهم شدة أخلصوا التوحيد للَّه تعالى، والتجأوا إليه، وتركوها، كما قال اللَّه تعالى:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، وأما هؤلاء فالرخاء والشدة عندهم سواء، فلا يزالون يقولون في جميع أحوالهم: يا سيدي فلان أغثنا، أنقذنا مما نحن فيه، فانا للَّه، وإنا إليه راجعون.
قال: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع لا نجد مَن يغضب للَّه، ويَغَار، حميّة للدين الحنيف، لا عالمًا، ولا متعلمًا، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا.
وقد تواردت إلينا من الأخبار ما لا يُشكّ معه أن كثيرًا، من هؤلاء القبوريين
(1)
، أو أكثرهم إذا توجهتْ عليه يمين من جهة خصمه حلف باللَّه فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك، ومعتقدك الوليّ الفلانيّ تلعثم، وتلكّأ، وأبى، واعترف بالحقّ. وهذا من أبين الأدلّة الدالّة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة.
فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أيّ رَزْءٍ للإسلام أشدّ من الكفر؟، وأيّ بلاء لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير اللَّه؟ وأيّ مصيبة يُصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟، وأيّ منكر يجب إنكاره، إن لم يكن إنكار الشرك البيّن واجبًا؟.
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا
…
وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بَهِا أَضَاءَتْ
…
وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ
انتهى كلام العلامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، ولقد أحسن، وأجاد، وأفهم، وأفاد، فجزاه اللَّه تعالى على هذا التذكير العظيم وإنكار هذا المنكر الجسيم خير الجزاء، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم. ؤالفه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
100 - زِيارَةُ الْقُبُورِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الزيارة" -بكسر الزاي، وتخفيف الياء-: معناه القَصْدُ، يقال: زاره، زِيارةً، وزَوْرًا -بالفتح-: قصده، فهو زائرٌ، وزَوْرٌ -بفتح، فسكون-، وقَوم زَوْرٌ أيضًا، وزُوّارٌ، مثلُ سافرٍ، وسَفْرِ، وسُفّار، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّرٌ، وزائراتٌ،
(1)
- هكذا اشتهر على الألسنة، والصواب القبريين، لأنه إذا نسب إلى الجمع يرد إلى واحده، كما قال ابن مالك:
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلجَمْعِ
…
إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ
والْمَزَار -بفتح الميم- يكون مصدرًا، وموضعُ الزيارة، والزِّيَارةُ في الْعُرْف قَصْدُ المزور؛ إكرامًا له، واستئناسًا به. أفاده في "المصباح" واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2032 -
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ، إِلاَّ فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ، صدوق [10] 93/ 115.
2 -
(ابن فضيل) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارف، رمي بالتشيّع [9] 18/ 799.
3 -
(أبو سنان) الشيبانيّ الأكبر، ضِرَار -بكسر أوله، مخفّف الراء- ابن مُرّة، الكوفيّ، ثقة ثبت [6].
قال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: كان ثقة. وقال أبو طالب، عن أحمد: كوفيّ ثبت. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وقال النسائيّ: كوفيّ ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، مبرّز، صاحب سنّة، وهو في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث.
وقال ابن يونس، عن أبي بكر بن عيّاش: حدثنا أبو سنان ضِرَار بن مُرّة، وكان من خيار الناس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، حَفَر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، وكان يأتيه، فيختم فيه القرآن. ونقل ابن خلفون، عن ابن نُمير، أنه وثقه. وقال يعقوب بن سفيان: كان خيارًا ثقة. وفي موضع آخر: ثقة ثقة. وقال الدارقطنيّ: كوفيّ ثقة فاضل. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (132) وكذا أرّخه يعقوب بن سفيان، وخليفة، وابن قانع. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد" وأبو داود في "المراسيل"، والباقون، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وأعاده في "الأشربة" برقم (5654)، و 2213 حديث:"الصوم لي، وأنا أجزي به .. " الحديث، و 5444 حديث:"كان يتعوّذ من أربع .. " الحديث.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "ابن سنان" بدل "أبي سنان"، وهو غلط فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: ولهم أبو سنان الشيبانيّ الأصغر، وهو سعيد بن سِنَان الْبُرْجُميّ الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام، وهو أيضًا من الطبقة [6] وتقدّم في 11/ 1623.
4 -
(مُحارب بن دِثَار) السّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [4] 16/ 652.
5 -
(عبد اللَّه بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [3] 20/ 1399.
6 -
(أبوه) بُريدة بن الحُصَيب أبو سهل الأسلميّ الصحابيّ المشهور رضي الله عنه 10/ 133. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن شيخه مصّيصيّ، وبريدة وولده مروزيان، والباقون كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الحصيب رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) ولفظ الرواية التالية: "أنه كان في مجلسٍ فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: "إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي
…
" ("نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) قيل: سبب النهي عن زيارة القبور في أول الأمر أنهم كانوا حديث عهد بالجاهليّة، وقريب عهد بعبادة الأوثان، ودعاء الأصنام، فنهوا عن زيارة القبور، خشية أن يقولوا، أو يفعلوا عندها ما كانوا يعتادونه في الجاهلية، وخوفا من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور
(1)
. واللَّه تعالى أعلم.
(فَزُورُوهَا) وفي الرواية التالية: "فمن أراد أن يزورها، فليزرها، ولا تقولوا: هُجْرًا". بضم، فسكون: أي ما لا ينبغي من الكلام، ولفظ الرواية الآتية في "الأضاحي"-36/ 4429 - من طريق زُبيد بن الحارث، عن محارب:"فزروها ولْتَزدكم زيارتها خيرًا"، و 36/ 4430 - من طريق الزبير بن عديّ، عن ابن بُريدة:"ومن أراد زيارة القبور، فإنها تذكر الآخرة". وللحاكم من حديث أنس رضي الله عنه: "وتُرِقّ القلبَ، وتُدمِع العين، فلا تقولوا هُجْرًا"، وله من حديث ابن مسعود رضي الله عنه:"فإنها تزهد في الدنيا". ولمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا:"زُرُوا القبور، فإنها تذكّر الموت".
وفي قوله: "ومن أراد زيارة القبور الخ" بيان أن الأمر في زيارتها للاستحباب، لا
(1)
- راجع "المرعاة" ج 5 ص 510.
للوجوب، لأنه علّقه بالإرادة، ففيه الردّ على بعض من قال: إن زيارتها واجبة -كابن حزم- مستدلّا بلفظ الأمر، حيث إنه للوجوب. واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا من الأحاديث التي تَجمَع بين الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمعوا على أن زيارتها سنّة، وأما النساء ففيهنّ خلاف لأصحابنا انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي أن الراجح هو الجواز للنساء أيضًا؛ لقوة دليله. واللَّه تعالى أعلم.
(وَنَهَيتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ) أي عن أكل لحومها (فَوْقَ ثَلَاَثةِ أَيَّامٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ) ولفظ الرواية التَالية: "فكلوا، وأطعموا، وادخروا، ما بدا لكم".
وسبب نهيه صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، هو ما سيأتي للمصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "كتاب الأضاحي" برقم 4431 - من طريق عمرة، عن عائشة، رضي الله عنها قالت: دَفَّت دَافّة من أهل البادية، حضرةَ الأضحى، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"كلوا، وادخروا ثلاثا، فلما كان بعد ذلك، قالوا: يا رسول اللَّه، إن الناس كانوا ينتفعون من أضاحيهم، يُجَمِّلُون منها الوَدَكَ، ويتخذون منها الأسقية، قال: وما ذاك؟ قال: الذي نهيت من إمساك لحوم الأضاحي، قال: "إنما نهيت للدافّة التي دَفّت، كلوا، وادخروا، وتصدقوا".
والدّافّة بتشديد الفاء: الجماعة التي تسير سيرًا ليّنًا، وسيأتي تمام ما يتعلّق به هناك، إن شاء اللَّه تعالى
(وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) فعيل بمعنى مفعول، يقال: نَبَذْته نَبْذًا، من باب ضرب: ألقيتُهُ، فهو منبوذ، وصبيّ منبوذ: مطروح، ومنه سمي النبيذ؛ لأنه يُنبَذ، أي يُترك حتى يشتدّ. قاله في "المصباح".
والمعنى نهيتكم عن شرب النبيذ، في الظروف (إِلَّا) حالة كونه (فِي سِقَاءٍ) أي قِرْبَة. ولفظ الرواية التالية:"وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدبّاء، والمزفّت، والنقير، والحنتم"(فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا) ولفظ، "الكبرى":"في الأوعية كلها"، وهو بوزن "الأسقية" ومعناها. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي الظروف، وإلا لا يصحّ المقابلة انتهى (وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا") ولفظ الرواية التالية:"انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كلّ مسكر".
(1)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 50.
يعني أن الانتباذ في جميع الظروف جائز، وانما المنهيّ عنه هو شرب المسكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث بريدة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 100/ 2032 و 2033 و 4429/ 36 و4430 و40/ 5651 و 5652 و 5653 و 5654 و 5655 و 48/ 5678 - وفي "الكبرى" 100 و 2159 و 2160 و 37/ 4518 و 4519. وأخرجه (م) 2257 و 2258 و 5086 و 5087 و 5175 و 5176 و 5177 (د) 3698 (ت) 1054 و 1510 و 1869 (ق) 3405. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إباحة زيارة القبور، ونسخه بعد أن كان منهيّا عنه، بشرط أن لا يقولوا منكرا من القول، وأن لا يفعلوا فعلاً منكرا أيضًا. ومنها: نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، وسيأتي تمام الكلام عليه في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: نسخ النهي عن الانتباذ، إلا في الأسقية، وإباحته في كلّ وعاء، بشرط الاتقاء عن شرب المسكر، وسيأتي تمام الكلام فيه أيضًا في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكم زيارة القبور:
قال الإمام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "جامعه" بعد أن أخرج حديث الباب: ما نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بزيارة القبور بأسًا، وهو قول ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقال أيضًا بعد أن أخرج حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعنَ زَوّارات القبور". ما نصه: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخّص النبيّ صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهنّ، وكثرة جزعهنّ انتهى كلام الترمذيّ رحمه الله تعالى
(1)
.
وقال العلامة القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قوله: "فزروها" نصّ في النسخ للمنع
(1)
- انظر "جامع الترمذيّ" ج 3 ص 361 - 363.
المتقدّم، لكن اختلف العلماء، هل هذا النسخ عامّ للرجال وللنساء، أم هو خاصّ للرجال، دون النساء، والأول أظهر. وقد دلّ على صحة ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قد رأى امرأة تبكي عند قبر، فلم يُنكر عليها الزيارة، وإنما أنكر عليها البكاء.
وقال أيضًا عند قوله: "فإنها تذكّر الموت": ما نصّه: وتَذَكُّر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، على أن أصحّ ما في نهي النساء عن زيارة القبور ما خرّجه الترمذيّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "لعن زَوَّارات القبور"، صححه الترمذيّ على أن في إسناده عُمَر بن أبي سلمة، وهو ضعيف عندهم. ثم إن هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة، لأن زوّارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يُمنعن من إكثار الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج، والتبرّج، والشهرة، والتشبّه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولِمَا يُخاف عليها من الصُّرَاخ، وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يُفرّق بين الزائرات، والزّوّارت، والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء، كما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، هو الحقّ؛ لقوة دليله، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
وقال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الفتح": قال النوويّ تبعًا للعبدريّ، والحازميّ، وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر، لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، والشعبيّ الكراهة مطلقًا، حتى قال الشعبيّ: لولا نهي النبي صلى الله عليه وسلم لزرت قبر ابنتي. فلعلّ من أطلق أراد بالاتفاق ما استقرّ عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، واللَّه أعلم.
ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة، ولو مرّة واحدة في العمر، لورود الأمر به.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم أن الصواب كون الأمر للاستحباب؛ لصحة قوله صلى الله عليه وسلم في رواية المصنّف: "فمن أراد أن يزور فليزر"، ولعلّ ابن حزم لم يستحضر هذه الرواية حينما قال بالوجوب، واللَّه تعالى أعلم.
قال: واختُلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحلّه ما إذا أُمِنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب -يعني حديث أنس رضي الله عنه الذي أورده البخاريّ مستدلاًّ على مشروعية زيارة القبور، فقال في "صحيحه":
(1)
- "المفهم" ج2 ص 632 - 633.
1283 -
حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: مَرّ النبي صلى الله عليه وسلم، بامرأة تبكي عند قبر، فقال:"اتقي اللَّه، واصبري"، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت بابَ النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تجد عنده بَوّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال:"إنما الصبر، عند الصدمة الأولى".
وموضع الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريرُهُ صلى الله عليه وسلم حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة رضي الله عنها، فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة، أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فقيل لها: أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى، ثم أمر بزيارتها.
وقيل: الإذن خاصّ بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذّب"، واستدلّ بحديث عبد اللَّه بن عمرو الذي تقدم للمصنف في 27/ 1880 - عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: بينما نحن نسير مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إذ بصر بامرأة
…
" الحديث، وفيه: قال لها: "ما أخرجك من بيتك، يا فاطمة"، قالت: أتيت أهل هذا الميت، فترحمت إليهم، وعزيتهم بميتهم، قال: "لعلك بلغت معهم الكُدَى؟ " قالت: معاذ اللَّه أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، فقال لها: "لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك". لكن الحديث ضعيف كما تقدّم.
وبحديث: "لعن اللَّه زَوّارات القبور"، أخرجه الترمذيّ، وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس، ومن حديث حسان بن ثابت.
قال: واختلف من قال بالكراهة في حقّهنّ، هل هي كراهة تحريم، أو تنزيه؟. انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح في هذه المسألة هو ما عليه أكثر أهل العلم، من أن زيارة القبور جائزة للرجال والنساء؛ لصحّة الأحاديث بذلك:
فمنها: حديث الباب، فإن الخطاب، وإن كان للذكور، إلا أنه يشمل النساء بدليل الأحاديث الأخرى.
ومئها: حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه مسلم، من حديثها الطويل، وفيه: أنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول اللَّه؟: قال: "قولي: السلام على أهل الديار، من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منا، والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم للاحقون". فإنه صلى الله عليه وسلم علمها ما يُشرَع قوله عند زيارة القبور، ولم يمنعها من
(1)
- "فتح" ج 3 ص 492 - 493.
الزيارة، فدلّ على جوازه للنساء.
ومنها: ما أخرجه الحاكم بإسناد صحيح من طريق أبي التيّاح يزيد بن حميد، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة:"أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى، ثمّ أمر بزيارتها"
(1)
.
ومنها: حديث أنس رضي الله عنه عند البخاريّ، وقد تقدّم قريبًا، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها زيارتها للقبر، وإنما أنكر عليها البكاء، وعدمَ الصبر، ولذلك استدلّ به الإمام البخاريّ على جواز زيارة القبور، ولم يذكر من الأحاديث الدالّة على الجواز في "باب زيارة القبور" غيره، قال الحافظ في "الفتح": وكأنه لم تثبت على شرطه الأحاديث المصرّحة بالجواز.
والحاصل أن هذه الأحاديث الصحاح تدلّ دلالة واضحة على جواز زيارة القبور للنساء. ولم يأت المانعون بحجة تُعارض هذه الأحاديث الصحاح، فكلّ ما استدلّوا به من الأحاديث لا يخلو من كلام.
فمنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي تقدم: "أنه صلى الله عليه وسلم لعن زَوّرات القبور"، فهو وإن صححه الترمذيّ، إلا أن في سنده عُمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والأكثرون على تضعيفه.
ومنها: حديث حسان بن ثابت رضي الله عنه، أخرجه أحمد، وابن ماجه، واللفظ له:"لعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زوّارات القبور". وفي سنده عبد الرحمن بن بَهْمان، لم يرو عنه غير عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، وقال ابن المدينيّ: لا يعرف، ووثقه بعضهم.
ومنها: حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه أبو داود، والمصنف، كما سيأتي قريبًا، وابن ماجه، بلفظ:"لعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها السرج". وفي سنده أبو صالح باذان، أو باذام، مولى أم هانىء ضعفوه، ومنهم من كذّبه.
فهذه الأحاديث، وإن قيل: إنها يتقوّى بعضها ببعض، لكنها لا تعارض الأحاديث السابقة الصحيحة، لأمور:
أحدهما: رجحان تلك عليها، من حيث الصحّة.
الثاني: أن الظاهر كون النبي صلى الله عليه وسلم قالها قبل النسخ، كما بينته عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها، لما سألها ابن أبي مليكة، كما تقدّم.
الثالث: أنها محمولة على ما إذا كانت زيارتهنّ مشتملة على محظور، من النياحة،
(1)
- راجع "المستدرك" ج 1 ص 376.
والجزع، وتجديد الحزن، أو من التبرّج، والتزين الذي يتسبب للفتنة.
وقد تقدّم عن القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أن اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة، لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يُفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرّج، وما ينشأ من الصياح، وقد يقال: إذا أُمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى.
قال الشوكاني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر انتهى
(1)
.
والحاصل أن الصواب جواز زيارة القبور للنساء، لكن بشرط أن يكنّ ملتزمات ما أوجب الشرع عليهنّ عند الخروج إلى المساجد، ونحوها، بأن يكنّ محتجبات، غير متطيبات، وغير مُظهرات زينتهنّ، وغير قاصدات للمحظور المذكور، من النياحة، بل لمجرّد السلام، والدعاء للميت، وتذكر الآخرة، والاعتبار بأصحاب القبور، كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حينما أمر بزيارتها، بقوله:"إنها تذكر الآخرة"، وقوله:"تزهد في الدنيا"، و"تُرِقّ القلب، وتُدمع العين"، وأشار صلى الله عليه وسلم إلى اجتناب المحظورات بقوله:"فلا تقولوا هُجرا". واللَّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2033 -
أَخْبَرَنَا
(2)
مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ، أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ الأَضَاحِيِّ، إِلاَّ ثَلَاثًا، فَكُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا، مَا بَدَا لَكُمْ، وَذَكَرْتُ لَكُمْ، أَنْ لَا تَنْتَبِذُوا فِي الظُّرُوفِ: الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، انْتَبِذُوا فِيمَا رَأَيْتُمْ، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَزُورَ، فَلْيَزُرْ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن قُدامه) بن أعين الهاشميّ مولاهم، المصّيصيّ، ثقة [10] 19/ 528.
2 -
(جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرَّيّ، ثقة ثبت [8] 2/ 2.
3 -
(أبو فَرْوة) الأكبر عروة بن الحارث الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة [5].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له
(1)
- "نيل الأوطار" ج 4 ص 134 - 135.
(2)
- وفي نسخة: "أخبرني".
الجماعة سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا و 4993 حديث: "الإسلام أن تعبد اللَّه، ولا تشرك به شيئًا".
[تنبيه]: ولهم أبو فروة الأصغر، وهو مسلم بن سالم النَّهْديّ الكوفيّ، صدوق من [6] ، له في هذا الكتاب حديث واحد، وهو حديث:"لا تشربوا في إناء الذهب والفضّة .. ".
4 -
(المغيرة بن سُبيع) -بمهملة، وموحّدة، مصغّرًا- العجليّ، ثقة [5].
قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: "ما بدا لكم" بلا همز: أي ما ظهر لكم. وقوله: "الظروف" جمع ظرف، كفلس وفلوس: بمعنى الوعاء.
وقوله: "أن لا تنتبذوا": الانتباذ هو أن يجعل في الماء حبات من تمر، أو زبيب، أو نحو هما، ليحلو، ويُشرَب.
وقوله: "الدبّاء" بالجرّ بدل من "الظروف"، أو عطف بيان له، وهو بضم الدال، وتشديد الموحدة، وبالمدّ: القرع اليابس، أي الوعاء منه.
وقوله: "المزفّت" بضم الميم، وفتح الزاي، وتشديد الفاء، آخره مثناة فوقية: هو المطليّ بالزفت، وهو القار، وقيل: نوع من القار.
وقوله: "النّقير" بالنون المفتوحة، وبالقاف: جِذع يُنقر وسطه.
وقوله: "الحنتم": بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء مثناة من فوق، ثم ميم، الواحدة حنتمة، واختُلِف في تفسيرها، فقيل: إنها جِرَار خضر، وهو قول الأكثرين، وهو الأصحّ، وقيل: إنها الجرار كلها، وقيل: جرار يؤتى بها من مصر مُقَيَّرات الأجواف.
وقيل: جرار أعناقها في جنوبها، يجلب فيها الخمر من مصر. وقيل: جرار أفواهها في جنوبها، يجلب فيها الخمر من الطائف. وقيل: جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم.
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما خصت هذه الأربع بالنهي، لأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حراما نجسًا، وتبطل ماليته، فنُهي عنه، لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه، ولم يُنهَ عن الانتباذ في أسقية الأدم، بل أُذن فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخفَى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شقها غالبًا. انتهى
(1)
.
وقوله: "هُجْرًا" بضم الهاء، وسكون الجيم: أي كلاما فاحشًا، فإنه ينافي المطلوب
(1)
- "شرح مسلم" ج 1 ص 185.
من الزيارة الذي هو التذكير. وفي "النهاية": أي فُحْشًا، يقال: أهجر في منطقه، يُهجِرُ إهجارًا: إذا أفحش، وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، والاسم الْهُجْرُ بالضمّ، وهَجَرَ يَهْجُرُ، هَجْرًا بالفتح: إذا خل في كلامه، وإذا هَذَى انتهى
(1)
.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
101 - زِيَارَةُ قَبْرِ الْمُشْرِكِ
2034 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ:«اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي عز وجل، فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ» .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.
2 -
(محمد بن عُبيد) بن أبي أميّة الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [9] 48/ 1735.
3 -
(يزيد بن كيسان) اليشكريّ الكوفيّ، صدوق يخطىء [3] 171/ 270.
4 -
(أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [3] 110/ 149.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن أبا هريرة رضي الله عنه، رَأْسُ المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- ج5 ص 245.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمِّهِ) أي بالأبواء، بين مكة والمدينة، وذلك عام الفتح، قال القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: سبب زيارته صلى الله عليه وسلم قبرها أنه قصد الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث:"فزروا القبور، فإنها تذكر الموت". وقيل: زيارته صلى الله عليه وسلم قبرها مع أنها كافرة تعليم منه للأمة حقوق الوالدين، والأقارب، فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها (فَبَكَى) قال القاضي: بكاؤه صلى الله عليه وسلم على ما فاتها من إدراكه، والإيمان به. وقيل: على عذابها. وفيه دليل على جواز البكاء عند حضور المقابر (وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي عز وجل، فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن يكون هذا الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} الآية [التوبة:113]. وِيحتمل أن يكون بعد ذلك؛ وارتجى خصوصية أمه بذلك، واللَّه تعالى أعلم، وهذا التأويل الثاني أولى انتهى
(1)
.
(فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) بالبناء للمفعول، وفي نسخة:"فلم يأذن لي" بالبناء للفاعل. قال ابن الملك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لأنها كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن اللَّه لا يغفر لهم أبدًا. وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فيه النهي عن الاستغفار للكفّار. وقال الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه دليل على عدمِ جواز الاستغفار لمن مات على غير مدة الإسلام.
(وَاسْتَأذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي) بصيغة المجهول، مراعاة لقوله:"فلم يؤذن لي "، ويجوز أن يكون بصيغة المبنيّ للفاعل (فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ") أي وذكر الموت يزهّد في الدنيا، ويرغّب في العقبى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -101/ 2534 - وفي "الكبرى" 101/ 2161 - وأخرجه (م) 2255 و 2256 (د) 3234 (ق) 1569 و 1572 (أحمد)9395. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(1)
-: "المفهم" ج 2 ص 633 - 634.
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو جواز زيارة قبر المشرك. ومنها: أن فيه دلالةً على جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، وقد انقطع الأمل في إسلامهم ففي الحياة أولى؛ لأنه يمكن أن يُدعَوْا إلى الإسلام، ويشرح لهم محاسنه، وتكشف شبهاتهم، ويرغّبون في الدخول فيه، فيُرجَى بذلك إنقاذهم من النار، وقد ثبت في الصحيح أن غلاما يهوديّا كان يخدم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمرض، فعاده النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم. ومنها: جواز البكاء عند حضور المقابر. ومنها: النهي عن الاستغفار للمشركين، ومنها: تأكيد بِرِّ الوالدين، وأن إسلامهما ليس شرطًا في وجوب بِرّهما، بل يلزم برّهما ولو كانا مشركين، كما قال اللَّه تعالى:{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} الآية [لقمان: 15]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة:
قال صاحب "المرعاة شرح المرقاة": الحديث بظاهره يدلّ على أن أمه صلى الله عليه وسلم ماتت على غير الإسلام، وهو مذهب جمهور العلماء في شأن أبويه صلى الله عليه وسلم، وقد ترجم النسائيّ، وابن ماجه لهذا الحديث:"باب زيارة قبر المشرك".
قال السنديّ في حاشية النسائيّ: كأنه أخذ ما ذَكَرَ في الترجمة من المنع عن الاستغفار، أو من مجرّد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهليّة، لا من قوله:"فبكى، وأبكى"، إذ لا يلزم من البكاء عند الحضور في ذلك المحلّ العذاب، أو الكفر، بل يمكن تحققه مع النجاة، والإسلام أيضًا، لكن من يقول بنجاة الوالدين لهم ثلاث مسالك في ذلك:
مَسلَكُ أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة، لقوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] فلعلّ من سلك هذا المسلك يقول في تأويل الحديث: إن الاستغفار فرع تصوّر الذنب لهم، وذلك في أوان التكليف، ولا يُعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شُرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين. وأما من يقول بأنهما أُحييا له صلى الله عليه وسلم، فآمنا به، فيَحمِل هذا الحديث على أنه كان قبل الإحياء. وأما من يقول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهو يقول: بمنع الاستغفار لهما قطعًا، فلا حاجة له إلى تأويل، فاتضح وجه الحديث على جميع المسالك، واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ
(1)
.
قال صاحب "المرعاة ": ولا يخفى ما في الوجوه الثلاثة من الضعف، لأن حديث
(1)
- "شرح السندي" ج 4 ص 90.
إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم ضعيف جدًّا حتى حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، كالدارقطنيّ، والجوزقانيّ، وابن الجوزيّ، وابن دحية، وصرّح بضعفه فقط غير واحد، كابن شاهين، والخطيب، وابن عساكر، والسهيليّ، والمحبّ الطبريّ، وابن سيّد الناس، وقد اعترف بضعفه السيوطيّ أيضًا، حيث قال: وروى ابن شاهين حديثا مسندًا في ذلك، لكن الحديث مضعّف.
وأما الآية الكريمة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} فهي مكيّة، وزيارته صلى الله عليه وسلم لقبر أمه كانت عام الفتح، وقيل: عام الحديبية، سنة ستّ من الهجرة. وقيل: الآية في حقّ الأمم السالفة السابقة خاصّة. وقيل: المنفيّ فيها عذاب الاستئصال في الدنيا، لا عذاب الآخرة. وقيل: المراد: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بعد مجيء الشرع، من أنواع العبادات والحدود.
وأما القول بأنه تعالى يوفّقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهي دعوى مجرّدة، من غير برهان، فلا يُلتفت إليه.
قال النوويّ في شرحِ حديث أنس رضي الله عنه: أن رجلا قال: يا رسول اللَّه أين أبي؟ قال: "في النار"، قال: فلما قَفَّى دعاه، فقال:"إن أبي وأباك في النار": ما نصّه: فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء، صلوات اللَّه وسلامه عليهم انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
وهذا يدلّ على أن النوويّ يكتفي في وجوب الإيمان على كلّ أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلا إليه، وإلى هذا ذهب الْحَلِيميّ، كما صرّح به في "منهاجه".
وقال القاري: الجمهور على أن والديه صلى الله عليه وسلم ماتا كافرين، وهذا الحديث أصحّ ما ورد في حَقِّهما. وقول ابن حجر -يعني الهيتمي-: وحديث إحيائهما حتى آمنا به، ثم توفيا حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبيّ، والحافظ ابن ناصر الدين
(1)
. فعلى
(1)
- الظاهر أنه ابن ناصر الدين المعروف بابن المنيّر الآتي في كلام السيوطيّ، وليس هو المحدث الكبير الحافظ المشهور ابن ناصر الدين الدمشقيّ، بدليل أنه ضعّف الحديث، كما ذكر السيوطيّ عنه، ونصه: وقال الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقيّ في كتابه المسمى "مورد الصادي في مولد الهادي" بعد إيراده الحديث المذكور، منشدا لنفسه:
حَبَا اللَّهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ
…
عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَؤُوفَا
فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ
…
لإيمَانٍ بِهِ فَضْلاً لَطِيفاَ
فَسَلّم فَالقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ
…
وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفاَ
فبان بهذا أن الحافظ ابن ناصر الدين ممن ضعف الحديث، لا ممن صححه، فتنبه.
تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول ابن حجر: حديث صحيح، غير صحيح، وكذا نسبته التصحيح إلى القرطبيّ، وابن ناصر الدين غير صحيحة أيضًا، فقد ذكر السيوطيّ مَن مال إلى القول بإحيائهما، وإيمانهما من العلماء الخطيبَ، والسهيليّ، والقرطبيّ، والمحب الطبريّ، والعلامة ناصر الدين ابن المنيّر، وغيرهم، وذكر استدلالهم بالحديث المذكور، ثم قال هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، بل قيل: إنه موضوع الى آخر كلامه، والسيوطيّ من أشدّ من حاول في إثبات النجاة لهما، ولكن عمدته في ذلك عموم الآيات، كقوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} الآية، وغيرها، والأدلة العقلية، فلو كان أحد من حفاظ الحديث قال بصحة هذا الحديث لذكره، ونصره، وهو مع شدة بحثه للأدلة في المسألة لم يستطع إلى أن يصححه بكل ما أوتيه من العلم، وإنما دافع عن القول بوضعه فقط، ولم يبرهن على ذلك.
وبالجملة، فالحديث ما صححه عالم له عناية بالحديث، وإنما صححه من يعتمد على الرؤيا المنامية، والطرف الكشفية، التي لم يأذن اللَّه تعالى بها التشريع، وإنما غايتها إن كانت صحيحة أن يُستأنس بها في تثبيت ما ثبت شرعًا، لا في إثبات ما أبطله علماء الحديث، وغيرهم ممن أوجب اللَّه تعالى اتباعهم على الأمة، وجعلهم مرجعا لها في المعضلات، حيث قال:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقال القاري: ومنعوا جوازه أيضًا بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعًا، كما يدلّ عليه الكتاب والسنّة، وبان الإيمان المطلوب من المكلّف إنما هو الإيمان الغيبيّ، وقد قال اللَّه تعالى:{وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} الآية [الأنعام: 28]. وهذا الحديث الصحيح صريح أيضًا في ردّ ما تشبث به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة، ولا عذاب عليهم، مع اختلاف في المسألة
(1)
.
قال صاحب "المرعاة": واعلم أن هذه المسألة كثر النزاع والخلاف بين العلماء فيها، فمنهم من نصّ على عدم نجاة الوالدين، كما رأيت في كلام النوويّ، والقاري، وقد بسط الكلام في ذلك القاري في "شرح الفقه الأكبر"، وفي رسالة مستقلّة له. ومنهم من شهد لهما بالنجاة، كالسيوطيّ، وقد ألّف في هذه المسألة سبع رسائل
(2)
، بسط الكلام فيها، وذكر الأدلة من الجانبين، من شاء رجع إليها، والأسلم، والأحوط عندي هو
(1)
- "مرقاة المفاتيح" ج 4 ص 250 - 251.
(2)
- هكذا في "المرعاة"، والذي في كلام القاري في المرقاة "ثلاث رسائل"، فليحرّر.
التوقّف، والسكوت انتهى كلام صاحب "المرعاة"
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى، والأسلم الوقوف مع النصوص الصحيحة، كحديث الباب، وحديث مسلم المذكور:"إن أبي وأباك في النار"، مع عدم التوسع والخوض بزيادة ما ليس في النصوص، وأما تصحيح حديث إحياء أبوي النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن حجر الهيتميّ فمما لا يُلتفت إليه، فإن جلّ الحفّاظ من المحدثين على أنه موضوع، كما أشرت إليه فيما تقدّم.
ثم إن هذه المسألة ما رأيت للمتقدّمين فيها كلاما، بل إنما أثارها، وتنازع فيها، وخاض غَمْرَتهَا المتأخرون، من أمثال السيوطي، ومن سار على دَرْبه فما وَسِع الأولين من السكوت، وعدم الخوض، وترك التنازع، والتخاصم هو الصواب لمن كان حريصًا على دينه، فلو كان في هذا الخوض خير لكان المتقدّمون أسبق إليه، وأحرص من المتأخرين عليه، فسلوك سبيلهم فيه السلامة في الدنيا والآخرة، فالواجب الوقوف على ما صحّ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعدم التوسّع، ونصبِ الخلاف فيما وراءه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
102 - النَّهْيُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ
2035 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ ثَوْرٍ- عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا، عِنْدَ اللَّهِ عز وجل، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى كَانَ آخِرُ شَيْءٍ، كَلَّمَهُمْ بِهِ، عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَنَزَلَتْ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] وَنَزَلَتْ {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56].
(1)
- "المرعاة" ج 5 ص 512 - 513.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [10] 5/ 5.
2 -
(محمد بن ثَوْر) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه العابد، ثقة [9].
قال الحسين بن الحسن الرازيّ، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائيّ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: ما حالُ ابن ثور؟ قال: الفضل، والعبادة، والصدق، قلت: عبد اللَّه بن معاذ أحبّ إليك، أو ابن ثور؟ قال ابن ثور أحبّ إليّ. قال: وسألت أبا زرعة، عن ابن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق؟ فقال: ابن ثور أفضلهم. وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن موسى: قال لنا عبد الرزاق: محمد بن ثور صوّام قوّام، كذا قال. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (190) أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل. روى له أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب خمسة أحاديث.
3 -
(معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [7] 10/ 10.
4 -
(الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الثبت الحجة [4] 1/ 1.
5 -
(سعيد بن المسيّب) أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار من كبار [3] 9/ 9.
6 -
(أبوه) المسيّب بن حزن -بفتح المهملة، وسكون الزاي- ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزوميّ القرشيّ، أبو سعيد، له ولأبيه حَزْن صحبة، روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن أبيه، وأبي سفيان بن حرب. وعنه ابنه سعيد. قال ابن لهيعة، عن بُكير بن الأشجّ، عن سعيد: كان المسيب تاجرًا، فذكر قصّة. قال الحافظ: وزعم الواقديّ، ومصعب الزبيريّ أنه من مسلمة الفتح، ولم يصنعا شيئًا، فقد ثبت في "الصحيح" أنه شهد الحديبية. وقال ابن يونس: قدم المسيب مصر لغزو إفريقية، سنة (27). وفي "الثقات" لابن حبّان في التابعين: المسيّب بن حزن، فإن كان أراد هذا فقد وَهِمَ وَهَمًا قبيحًا. وعَدَّه الأزديّ وغيره فيمن لم يرو عنه إلا واحد، روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن ثور كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه من لم يرو عنه إلا واحد، وهو المسيّب، فإنه لم يرو عنه غير ابنه سعيد، كما مرّ آنفًا، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهو حديث اتفق البخاريّ، ومسلم على إخراجه في "صحيحيهما" من رواية سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم،
ولم يروه عن المسيب إلا ابنه سعيد، كذا قاله الحفّاظ، وفيه ردّ على الحاكم أبي عبد اللَّه بن البيَّعِ الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في قوله: لم يخرج البخاريّ، ولا مسلم -رحمهما اللَّه تعالى- عَن أحد ممن لم يرو عنه إلا راو واحد، ولعله أراد من غير الصحابة. واللَّه أعلم انتهى
(1)
. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بكسر الياء المشدّدة على الأرجح، ومنهم من يفتحها، كما قال السيوطيّ في "ألفية الحديث":
كُلُّ مُسَيَّبِ فَبِالْفَتْحِ سِوَى
…
أَبِي سَعِيدِ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى
والفتح هو الذي اشتهر على الألسنة، وكان سعيد يكره ذلك، ولذا رجحنا الكسر (عَنْ أَبِيهِ) المسيب بن حَزْن رضي الله عنهما (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) واسم أبي طالب عبد مناف، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: المراد قربت وفاته، وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإيمان لقول اللَّه تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18] ويدلّ على أنه قبل المعاينة محاورته للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ومع كفار قريش. قال القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته صلى الله عليه وسلم، قال القاضي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وليس هذا بصحيح؛ لما
قدّمناه انتهى
(2)
.
وقال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-بعد أن نقل نحو ما تقدّم عن النوويّ-: ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه إذا أقرّ بالتوحيد، ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه، بخصوصه، وتسوغ شفاعته صلى الله عليه وسلم لمكانه منه، ولهذا قال:"أجادل لك بها، وأشفع لك"، وسيأتي بيانه. ويؤيد الخصوصيّة أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال: هو على ملّة عبدالمطلب، ومات على ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يترك الشفاعة له، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقّه.
(دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشام، والجملة في محلّ نصب
(1)
- "شرح مسلم" ج 1 ص 161. "كتاب الإيمان".
(2)
- "شرح مسلم" ج 1 ص 162. "كتاب الإيمان".
على الحال، وفي رواية للبخاريّ: "فوجد عنده أبا جهل
…
" (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ)
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن يكون المسيّب حضر هذه القصّة، فإن المذكورَينِ من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضًا، وكان الثلاثة يومئذ كفارًا، فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران. وأما قول بعض الشرّاح: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، فمردود؛ لأنه استدلّ بأن المسيّب على قول مصعب من مسلمة الفتح، وعلى قول العسكريّ ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأيًّا ما كان، فلم يشهد وفاة أبي طالب؛ لأنه توفي هو وخديجة في أيام متقاربة، في عام واحد، وللنبيّ صلى الله عليه وسلم يومئذ نحو الخمسين انتهى.
ووجه الرّدّ أنه لا يلزم من كون المسيب تأخر إسلامه أن لا يشهد وفاة أبي طالب، كما شهدها عبد اللَّه بن أبي أميّة، وهو يومئذ كافر، ثم أسلم بعد ذلك، والعجب من هذا القائل، كيف يعزو كون المسيب كان ممن بايع تحت الشجرة إلى العسكريّ، ويغفل عن كون ذلك ثابتا في هذا الصحيح الذي شرحه، كما مرّ في "المغازي" واضحًا انتهى.
(فَقَالَ: "أَيْ عَمِّ)"أيْ" -بفتح الهمزة، وتخفيف المثنّاة التحتانيّة- حرف لنداء البعيد، أو كالبعيد، كالنائم، والساهي، كما عدّها ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الخلاصة"
بقوله:
وَلِلْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ يَا
…
وَأَيْ وَآ ثُمَّ أَيَا كَذَا هَيَا
و"عمّ" منادى مضاف إلى ياء المتكلم، يجوز فيه إثبات الياء، وحذفها، ثم يجوز فيه ستة أوجه، كما أشار ابن مالك إلى الخمسة بقوله:
وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِن يُضَفْ لِيَا
…
كَعَبْدِ عَبدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
والسادس ضمه، تشبيهًا له بالنكرة المقصودة.
(قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل من "لا إله إلا اللَّه"، أو منصوب على الاختصاص، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هي كلمة (أُحَاجُّ) بتشديد الجيم، من المحاجّة، وهي مفاعلة من الْحُجّة، والجيم مفتوحة بالجزم على أنه جواب الأمر، والتقدير إن تقل أحاجّ، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، وفي رواية للبخاريّ، من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ:"أشهد"، بدل "أحاجّ"، وفي رواية مجاهد عند الطبريّ:"أجادل عند اللَّه بها"، زاد الطبريّ من طريق سفيان بن حسين، عن الزهريّ، قال:"أي عمّ، إنك أعظم الناس عليّ حقا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل: كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة".
(لَكَ بِهَا، عِنْدَ اللَّهِ عز وجل) الجارّان، والظرف متعلقات بـ "أُحاجّ" (فَقَالَ لَهُ أَبُو
جَهْل، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ) أي تُعرض (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ) وفي رواية للبخاريّ: "فلم يزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَعْرِضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة
…
"، وفي رواية لمسلم: "فلم يزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَعرضها عليه، ويعيدان له بتلك المقالة"، والمراد قول أبي جهل، ورفيقه له: "أترغب عن ملة عبد المطّلب" (حَتَّى كَانَ آخِرُ شَيْءٍ، كَلَّمَهُمْ بِهِ) أي كلّم به الحاضرين لديه (عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) خبر لمحذوف، أي هو على ملة عبد المطلب، وفي رواية للبخاريّ: "هو على ملة عبد المطّلب"، وأراد بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال: "أنا"، فغيّرها الراوي آَنفَةً أن يحكي كلام أبي طالب، استقباحًا للفظ المذكور؛ وهي من التصرّفات الحسنة. ووقع في رواية مجاهد، قال: "يا ابن أخي ملة الأشياخ"، ووقع في حديث أبي حازم، عن أبي هريرة عند مسلم، والترمذيّ، والطبريّ: "قال: لولا أن تعيّرني قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت لأقررت بها عينك"، وفي رواية الشعبيّ عند الطبريّ: "قال: لولا أن يكون عليك عار، لم أبال أن أفعل".
زاد في رواية البخاريّ: "وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه"، وهو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يمكن اطلاعه عليه، ويحتمل أن يكون أطلعه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
قال النوويّ: وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل. قال ابن فارس: مات أبو طالب، ولرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تسع وأربعون سنة، وثمانية أشهر، وأحد عشر يومًا، وتوفيت خديجة، أم المؤمنين رضي الله عنها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام انتهى.
(قَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) بصيغة المتكلم المبنيّ للمفعول، من النهي، أي مدة عدم نهي اللَّه تعالى إياي عن الاستغفار لك.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ليس المراد طلب المغفرة العامة، والمسامحة بذنب الشرك، وإنما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مبيّنًا في حديث آخر.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذه غلفة شديدة منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم تُردّ، وطلبُها لم يُنْهَ عنه، وإنما وقع النهي عن طلب المغفرة العامّة، وإنما ساغ ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، اقتداءً بإبراهيم في ذلك، ثم ورد نسخ ذلك، كما سيأتي واضحًا انتهى
(1)
. (فَنَزَلَتْ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113]) أي
(1)
- "فتح" 9/ 458 "كتاب التفسير".
ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي، هكذا وقع في هذه الرواية، وروى الطبري، من طريق شِبْل، عن عمرو بن دينار، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني ربي"، فقال أصحابه: لنستغفرنّ لآبائنا، كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت.
وهذا فيه إشكال؛ لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة، اتفاقًا، وقد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربّه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرّر النزول.
وقد أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم، من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: "إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل عليّ:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} .
وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة، عن أبيه نحوه، وفيه:"نزل بنا، ونحن معه، قريب من ألف راكب"، ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبريّ من هذا الوجه:"لما قدم مكة أتى رسم قبر"، ومن طريق فضيل بن مرزوق، عن عطيّة:"لما قدم مكة وقف على قبر أمه، حتى سخنت عليه الشمس، رجاء أن يؤذن له، فيستغفر لها، فنزلت".
وللطبرانيّ من طريق عبد اللَّه بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود، وفيه:"لما هبط من ثنيّة عسفان"، وفيه نزول الآية في ذلك.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، وفيها دلالة على تأخير نزل الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد بعد أن شجّ وجهه:"رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصّا بالأحياء، وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر، وإن كان سببها تقدّم، ويكون لنزولها سببان، متقدّم، وهو أمر أبي طالب، ومتأخر، وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخير النزول ما تقدّم في تفسير براءة من استغفاره صلى الله عليه وسلم للمنافقين، حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول، وإن تقدّم السبب، ويشير إلى ذلك أيضًا قوله في حديث الباب:"وأنزل اللَّه في أبي طالب: {إنَّكّ لَا تهدِى مَنْ أَجبْتَ} "؛ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب، وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده. ويؤيّد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن عليّ رضي الله عنه، قال: سمعت رجلاً يستغفر لوالديه، وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللَّه: {مَا
كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية. وروى الطبريّ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، كما استغفر إبراهيم لأبيه؟، فنزلت. ومن طريق قتادة، قال: ذكرنا له أن رجالاً، فذكر نحوه انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
.
(وَنَزَلَتْ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ})[القصص: 56] قال النووي رحمه الله تعالى: أجمع المفسّرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج وغيره، وهي عامّة، فإنه لا يَهدي، ولا يُضلّ إلا اللَّه تعالى.
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي} الخ أي لا تقدر على توفيق من أراد اللَّه خذلانه، وكشف ذلك بأن الهداية الحقيقية هي خلق القدرة على الطاعة، وقبولها، وليس ذلك إلا للَّه تعالى، والهداية التي تصحّ نسبتها لغير اللَّه تعالى بوجهٍ مّا هي الإرشاد والدلالة، كما قال اللَّه تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] أي ترشد، وتبيّن، كما قال تعالى:{إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48] وقال: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
قال: وما ذكرناه هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي تدلّ عليه البراهين القاطعة انتهى.
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسأدة الأولى: في درجته: حديث المسيب بن حَزْن - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -102/ 2035 - وفي "الكبرى" 102/ 2162 - وفي "التفسير" 11230 "سورة التوبة" و 11383 "سورة القصص". وأخرجه (خ) 1360 و 3884 و 4675 و 4772 (م) 131 (أحمد) 132 و 1162. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهي عن الاستغفار للمشركين. ومنها: جواز زيارة قبر المشرك. ومنها: جواز البكاء عند القبر. ومنها: أن من لم يعمل خيرا قط، إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله إلا اللَّه حكم بإسلامه، وأجريت عليه أحكام
(1)
- "فتح" ج 9 ص 458 - 459 "كتاب التفسير" آخر "سورة القصص".
(2)
- "المفهم" ج 1 ص 196. "كتاب الإيمان".
المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عقد قلبه نفعه ذلك عند اللَّه تعالى، بشرط أن لا يكون وصل إلى حدّ انقطاع الأمل من الحياة، وعجز عن فهم الخطاب، وردّ الجواب، وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18]
(1)
. ومنها: أن الذي ينفع الإنسان عمله، لا نسبه، فإذا كان غير متبع للإسلام، فلا تنفعه شفاعة الشافعين. ومنها: جواز الحلف من غير استحلاف، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لأستغفرنّ لك"، وفي رواية مسلم:"أما واللَّه لأستغفرنّ لك"، قال النوويّ: وكأن الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار، وتطييبًا لنفس أبي طالب انتهى. ومنها: أن الهداية بمعنى التوفيق للخيرات، وكذا الضلال من اللَّه تعالى، ولا يقدر على ذلك أحد من الخلق، لا نبيّ مرسل، ولا ملك مقرّب، فهو الذي يَهدي من يشاء، وُيضلّ من يشاء، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
أَضَلَّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى
…
مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2036 -
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً، يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ، وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرُ لَهُمَا، وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ؟ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ:{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن منصور) الكَوْسَج المروزي، ثقة ثبت [11] 72/ 88.
2 -
(عبد الرحمن) بن مهديّ الحافظ الثبت الناقد البصريّ [9] 42/ 49.
3 -
(سفيان بن سعيد) الثوريّ الكوفيّ الإمام الثبت الحجة [7] 33/ 37.
4 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ العابد الثبت يدلس، واختلط بآخره [3] 38/ 42.
5 -
(أبو الخليل) عبد اللَّه بن الخديل، ويقال: ابن أبي الخديل، ويقال: عبد اللَّه بن الخليل بن أبي الخليل الحضرميّ الكوفيّ، مقبول [2].
روى عن عمر، وعليّ، وابن عباس، وزيد بن أرقم. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ،
(1)
- راجع "الفتح" ج 9 ص 459 "كتاب التفسير سورة القصص".
والشعبي، والأعمش، وإسماعيل بن رجاء. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وفرق بين عبد اللَّه بن الخديل الحضرميّ، روى عن زيد بن أرقم، وعنه الشعبيّ، وبين عبد اللَّه بن أبي الخليل، سمع عليا قوله، روى عنه أبو إسحاق، وكذا فرق بينهما البخاريّ، فقال في الراوي عن زيد بن أرقم: لا يُتابع عليه، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. روى له الأربعة، وله عند المصنف برقم 2036 و 3488 و3490.
6 -
(علي) بن أبي طالب رضي الله عنه 74/ 91. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي الخليل. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلِيٍّ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ، وَهُمَا مُشْرِكَانِ) جملة في محلّ نصب، أي والحال أنهما ماتا مشركين (فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرُ لَهُمَا، وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟) أي والشرك ينافي حصول المغفرة (فَقَالَ: أَوَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟) أي وهو مشرك (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا} [التوبة: 114]) أي مع الآية السابقة، وفي رواية أحمد من طريق وكيع، عن سفيان:"فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} إلى آخر الآيتين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث علي رضي الله عنه هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -102/ 2036 - وفي "الكبرى" 102/ 2163. وأخرجه (ت) 3101 (أحمد) 773 و 1088. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
103 - الأَمْرُ بِالاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ
2037 -
أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ
(1)
: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ، قَالَتْ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي، وَعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قُلْنَا: بَلَى. قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي، الَّتِي هُوَ عِنْدِي -تَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم انْقَلَبَ، فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ، عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ، إِلاَّ رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ، ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا، وَخَرَجَ رُوَيْدًا، وَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، وَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَطَالَ، ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ، فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ، فَأَحْضَرْتُ، وَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلاَّ أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ:«مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ، حَشْيَا، رَابِيَةً؟» ، قَالَتْ: لَا، قَالَ:«لَتُخْبِرِنِّي، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، قَالَ:«فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟» . قَالَتْ: نَعَمْ، فَلَهَزَنِي فِي صَدْرِي لَهْزَةً، أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ:«أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَرَسُولُهُ؟» ، قُلْتُ، مَهْمَا يَكْتُمُ النَّاسُ، فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، قَالَ:«فَإِنَّ جِبْرِيلَ، أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ، وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، فَنَادَانِي، فَأَخْفَى مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، فَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْبَقِيعَ، فَأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ» .
قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ، قَالَ:«قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عبد اللَّه بن أبي مليكة) هو عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مُليكة زُهير بن عبد اللَّه، نسب لجدّه المكيّ، ثقة فقيه [3] 101/ 132.
2 -
(محمد بن قيس بن مَخْرَمة) بن المطّلب بن عبد مناف المطّلبيّ، يقال: له رؤية، ثقة [2].
قال أبو داود. ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر العسكريّ أنه أدرك النبيّ
(1)
- سقطت لفظة "قال" من النسخة الهنديّة.
- صلى الله عليه وسلم، وهو صغير. روى له مسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والمصنّف، له عنده هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرّات برقم 2037 و 3963 و 3964.
والباقون تقدّموا قريبًا، وحجاج: هو ابن محمد الأعور. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو منسوب إلى جدّه، كما مرّ آنفًا (أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ يقول: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنهما. وفي رواية مسلم: "أنه قال يومًا: ألا أحدّثكم عنّي، وعن أمّي؟، قال: فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة .... "(تحدِّثُ، قَالَتْ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي، وَعَنِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) أي عن قصتي التي جرت لي معه صلى الله عليه وسلم (قُلْنَا: بَلَى، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيلَتِي) وفي نسخة: "لما كان ليلتي". و"كان" هنا تامّة، فلا تحتاج إلى خبر، أي لما جاءت، وحضرت ليلتي (الَّتِي هُوَ عِنْدِي) ولفظ مسلم:"التي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها عندي"(-تَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم انْقَلَبَ) أي تحوّل عن فراشه الذي اضطجع عليه. وقال السنديّ: أي رجع من صلاة العشاء (فَوَضَعَ نَعْلَيهِ، عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أي ليمكنه الانتعال عند قيامه للخروج (وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِراشِهِ) زاد في رواية مسلم: "فاضطجع"(فَلَمْ يَلْبَثْ) أي لم يتأخر في مكانه (إِلَّا رَيْثَمَا) بفتح الراء، وإسكان الياء، وبعدها ثاء مثلثة: أي قدر ما (ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ) أي نِمْت (ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيْدًا،) أي مترفّقًا متمهّلاً؟ لئلا ينَبّهها، وهو مصدر في موضع الحال. قاله القرطبيّ (وَأَخَذَ رِدَاءهُ رُوَيْدًا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا، وَخَرَجَ رُوَيْدًا) زاد في روايته في "عشرة النساء"، وهو في مسلم أيضًا:"ثم أجافه رويدًا"، أي أغلق الباب بلف؟ لئلَا تعلم بخروجه، وبقائها في الليل وحدها، فتستوحش، وتُذعَر (وَجَعَلْتُ) وفي رواية مسلم:"فجعلت" بالفاء (دِرْعِي) أي قميصي (فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ) أي لبست الخمار، وهو بكسر الخاء المعجمة: ثوب تُغطي به المرأة رأسها، والجمع خُمُرٌ، مثل كتاب، وكُتُب، قاله في "المصباح"(وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي) أي جعلت إزاري قِنَاعًا، والظاهر أنها تلففت به فوق خمارها.
وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قولها: "وتقنّعت إزاري"، هكذا هو في الأصول
"إزاري" بغير باء في أوله، وكأنه بمعنى لبست إزِاري، فلهذا عُدّي بنفسه انتهى.
(وَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ) أي بعده، يقال: تبعتُهُ في أثَرِهِ -بفتحتين- وِإثْرِه -بكسر الهمزة، وسكون المثلُثة-: أي تبعته عن قرب. أفاده في "المصباح". والذي حملها على خروجها خلفه، ومتابعتها لما صنعه الغيرة، ظنّت أنه خرج إلى بعض أزواجه (حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ) بفتح الموحّدة، كسر القاف، هو في الأصل المكان المتّسع، ويقال: الموضع الذي فيه شجر، والمراد هنا البقيع المعروف بالمدينة النبوية، وهو مقبرة أهلها، ويقال له: بقيعِ الغرقد، والغَرْقد: هو شجر الْعَوْسَج، كان فيه ذلك الشجر، وزال، فبقي الاسم (فرَفَعَ يَدَيْهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتِ) أي دعا ثلاث مرّات، رافعا يديه (فَأَطَالَ، ثُمَّ انْحَرَتَ) أي مال، راجعا إلى بيته (فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ) يقال: هَرْوَل هَرْولةً: أسرع في مشيه، دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي والْعَدْو، وجعل جماعة الواو أصلًا. قاله في "المصباح". وهو أشدّ من الإسراع (فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ، فَأَحْضَرْتُ) بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، من الإحضار، وهو العَدْوُ، ومثله الْحُضْر بالضمّ، أي عدا، فعدوت، يقال: عدا في مشيه عَدْوًا، من باب قال: قارب الهرولة، وهو دون الْجَرْيِ. قاله في "المصباح". أي زاد في الإسراع أشدّ من الذي قبله، فازددت أنا فيه (وَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ) أي ليس شيء بعد دخول البيت إلا اضطجاعي، وقال السنديّ: أي فليس بعد الدخول منّي إلا الاضطجاع، فالمذكور اسم "ليس"، وخبرها محذوف انتهى (فَدَخَلَ، فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ) وفي روايته في "عشرة النساء"، وهو في مسلم:"يا عائش" بالترخيم، ويجوز فيه فتح الشين، يسمى لغة من ينتظر الحرف، وضمها، ويسمى لغة من لا ينتظر الحرف، وهما وجهان جاريان في كل المرخمات، كما قال في "الخلاصة":
وَاِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ
…
فَالْبَاقِيَ استَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ
وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَخذُوفًا كَمَا
…
لَو كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا
فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ثَمُودَ يَا
…
ثَمُو وَيَا ثَمِي عَلَى الثَّانِي بِيَا
(حَشْيَا) منصوب على الحال، وهو بفتح الحاء المهملة، وإسكان الشين المعجمة، مقصورًا: أي مرتفعة النَّفَس، متواترته، كما يحصل للمسرع في المشي. وقال النوويّ: معناه: وقد وقع عليكِ الْحَشَا، وهو الربو، والتهيّج، الذي يَعرِض للمسرع في مشيه، والْمُحْتَدِّ في كلامه، من ارتفاع النفس، وتواتره، يقال: امرأة حَشْيا، وحَشْيَةٌ، ورجل حَشْيَان، وحَشِ، قيل: أصله من أصاب الربو حشاه انتهى. (رَابِيَةً") أي مرتفعة البطن (قَالَتْ: لَا) ولمسلم: "قلت: لا شيء"(قَالَ: "لَتُخبِرِنِّي) بفتح اللام وهي اللام الموطئة
للقسم، أي واللَّه لتُخبرنيّ بما صنعت، وقال السنديّ: بفتح لام، ونون ثقيلة، مضارع للواحدة المخاطبة، من الإخبار، فتكسر الراء هنا، وتفتح في الثاني انتهى (أَوْ لَيُخْبرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ") أي يوحي إليّ بذلك (قُلْتُ) وفي نسخة:"قالت"(يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِيِ أَنْتَ وَأُمِّي) مَتعلق بمحذوف، أي أفديك بأبي وأمي، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، أو "أنت" مبتدأ، والجار والمجرور متعلّق بالخبر المقدّر، أي مَفْديٌّ بأبي وأمِي (فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، قَالَ: "فَأَنْتِ السَّوَادُ) أي الشخص (الَّذِي) وفي نسخة: "التي"(رَأَيْتُ أمَامِي؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، فَلَهَزَنِي فِي صَدْرِي لَهْزَةً) بفتح الهاء، والزاي المعجمة، وفي رواية لمسلم:"فلهدني" بالدال المهملة، وهما متقاربان، قال النوويّ: قال أهل اللغة: لَهَدَه، ولَهَّدَه -بتخفيف الهاء، وتشديدها: أي دفعه. ولَهَزَه: إذا ضربه بجُمْع كفه في صدره.
ويقرب منهما لَكَزَه، وَوَكَزَه انتهى
(1)
وهذا كان تأديبا لها من سوء الظّنّ (أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَرَسُولُهُ؟) صلى الله عليه وسلم أي أن يظلماك، يقال: حاف يَحيف، حَيْفًا: جار، وظلم، فهو حائف، وجمعه حَافَةٌ، وحُيَّفٌ. أفاده في "المصباح".
وقال السنديّ: أي بأن يَدخُل الرسول في نوبتك على غيرك، وذكر "اللَّه" لتعظيم الرسول، والدلالةِ على أن الرسول لا يمكن أن يفعل بدون إذن من اللَّه تعالى، فلو كان منه جور لكان بإذن اللَّه تعالى له فيه، وهذا غير ممكن. وفيه دلالة على أن القَسْم عليه واجب، إذ لا يكون تركه جورًا إلا إذا كان واجبًا انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق أن القسم ليس واجبًا عليه، وسيأتي تحقيقه في محله إن شاء اللَّه تعالى.
(قُلْتُ) وفي نسخة: "قالت"(مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ)"مهما" شرطية، ولذا جزم الفعل بعدها، وجوابها قوله (فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ) ولمسلم" مهما يكتم الناس يعلمه اللَّه". قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هكذا هو في جميع الأصول، وهو صحيح، وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس، يعلمه اللَّه" صدّقت نفسها، فقالت: نعم (قَالَ: "فَإِنَّ جبْرِيلَ) عليه السلام (أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ) مفعوله محذوف، أي ما صنعته من وضع ردائي، فمَا بعده (وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ، وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ) بكسر التاء لخطاب المرأة، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (فَنَادَانِي، فَأَخْفَى مِنْكِ) أي لئلا تفزع، وتنزعج (فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، فَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ) أي إنما فعلت كذلك لظني نومك (وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي) من عطف العلة على المعلول، أي إنما كرهت إيقاظك، خشيةً من استيحاشك (فَأَمَرَنِي أَنْ آتيَ البَقِيعَ) على حذف مضاف، كما يدلّ عليه ما بعده، أي أهل البقيع (فَأَسْتَغفِرَ لَهُمْ) وفي رواية مسلم:"فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم".
(1)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 47.
قال القرطبيّ: يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع، واستغفر، وأن هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى:"يصلي"، وقد قيل: إنه صلى عليهم صلاته على الجنازة، ويؤيّد هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك:"فأصلي عليهم". ثم الذي يقول بهذا يرى أن ذلك خاصّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وهذا محتمل انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني بعيد جدًا، ومما يبعده قولها:"ثم رفع يديه ثلاث مرار"، فالصواب أنه استغفر، ودعا لهم. واللَّه تعالى أعلم.
(قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) ولمسلم: "كيف أقول لهم"، والمراد أهل القبور مطلقًا، لا خصوص أهل البقيع، أي كيف أقول من الذكر والدعاء عند زيارة القبور؟ (قَالَ:"قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ) أي القبور، تشبيهًا للقبر بالدار في كونه مسكنًا (مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا يدلّ على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء؛ خلافا لمن قال: إن تحية الميت: عليك السلام، بتقديم عليك، تمسكًا بما رُوي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سلم رجل عليه، فقال: عليك السلام يا رسول اللَّه، فقال: "لا تقل: عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحيّة الموتى"
(2)
، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى، كما قال شاعرهم:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ
…
وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
ومقصوده صلى الله عليه وسلم أن سلام المؤمنين على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهليّة تفعله، وتقوله، واللَّه أعلم انتهى
(3)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي أشار إليه أخرجه أحمد، وأبو داود في "سننه" والترمذيّ، وصححه، والنسائيّ، وصححه الحاكم، عن أبي تميمة الْهُجَيميّ، عن أبي جُرَيّ -بالجيم، والراء، مصغرًا- قال: أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقلت: عليك السلام يا رسول اللَّه، قال:"لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحيّة الموتى".
وقد اعترض الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كون البيت المذكور من شعر أهل الجاهلية، فإن قيس بن عاصم صحابيّ مشهور، عاش بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمرثية المذكورة لمسلم معروف، قالها لما مات قيس، ومثله ما أخرج ابن سعد وغيره أن الجنّ رثوا عمر بن الخطاب بأبيات، منها:
(1)
- "المفهم" بتصرف ج 2 ص 635 - 636.
(2)
- رواه أحمد 5/ 63 وأبو داود رقم 4084 والترمذيّ 2721 وابن حبان 522.
(3)
- المصدر المذكور.
عَلَيكَ سَّلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ
…
يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
وقال ابن العربيّ في السلام على أهل البقيع: لا يعارض النهي في حديث أبي جُرَيّ؛ لاحتمال أن يكون اللَّه أحياهم لنبيّه صلى الله عليه وسلم، فسلم عليهم سلام الأحياء، كذا قال. قال الحافظ: ويردّه حديث عائشة المذكور
(1)
.
وقال النوويّ: فيه ترجيح لقول من قال في قوله: "سلام عليكم دار قوم مؤمنين": إن معناه أهل دار قوم مؤمنين، وفيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى:{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 - 36] ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقًا لا يجوز السلام عليه، والترحّم انتهى
(2)
.
(يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنّا) أي المتقدّمين إلى الآخرة، فالسين والتاء فيه، وفي "المستاخرين ليستا للطلب، بل زائدتان للتوكيد (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) أي المتأخرين في الدنيا، وهم الأحياء، ففيه الدعاء بالرحمة للأحياء والأموات (وَإنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ") اختُلف في إتيانه بالاستثناء مع أن الموت لا شكّ فيه على أقوال:
"أحدها"، وهو أظهرها: أنه ليس للشكّ، وإنما هو للتبرّك، وامتثال أمر اللَّه له بقوله:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 - 24].
قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الاستثناء قد يكون في الواجب، لا شكّا، كقوله تعالى:{لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الفتح: 27]، ولا يُضاف الشك إلى اللَّه تعالى. "والثاني": أنه عادة المتكلّم، يُحسّن به كلامَهُ. "والثالث": أنه عائد إلى اللحوق في هذا المكان، والموتِ بالمدينة. "والرابع": أن "إن" بمعنى "إذ".
"والخامس": أنه راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه. "والسادس": أنه كان معه من يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم.
وحكى الحافظ أبو عمر أنه عائد إلى معنى "مؤمنين"، أي لاحقون في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها أحد، ألا ترى قول إبراهيم عليه السلام:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] وقول يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، ولأن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يقول:
(1)
-يعني قولها: كيف أقول؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين".
(2)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 47 - 48. "كتاب الجنائز".
"اللَّهم اقبضني إليك غير مفتون". واستبعد الأبّيّ الثالث بقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار: "المحيا محياكم، والممات مماتكم". قال: إلا أن يكون قال ذلك قبلُ. انتهى.
وقال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعد ذكر الأقوال الأربعة الأُوَل: ما نصّه: وقيل: أقوال أُخَر ضعيفة جدًّا، تركتها لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها قول من قال: الاستثناء منقطع، راجع إلى استصحاب الإيمان. وقول من قال: كان معه صلى الله عليه وسلم مؤمنون حقيقة، وآخرون يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورين، فهما خطأ ظاهر انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الراجح عندي هو الأول، فالاستثناء للتبرّك، وقد ذكرتُ هذه الأقوال في "كتاب الوضوء" 110/ 150 - باب "حلية المؤمن"، ولكن أعدتها هنا، تذكيرًا؛ لطول العهد بها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -103/ 2037 و 2039 وفي "الكبرى" 103/ 2164 وفي باب "الغيرة" من "عشرة النساء" 8911 و 8912.
أخرجه هناك أوّلا عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبد اللَّه ابن كثير، عن محمد بن قيس، وساقه، ثم قال: خالفه حجاج، فقال: عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن محمد بن قيس، فساقه بسند الباب، ولفظِهِ، ثم قال: قال أبو عبد الرحمن: رواية عاصم
(1)
، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن عائشة على غير هذا اللفظ، قالت: فقدته من الليل، فتبعته، فإذا هو بالبقيع، قال:"سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، وإنا لاحقون، اللَّهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم". قالت: ثم التفت إليّ، فقال:"ويحها، لو تستطيع ما فعلت" انتهى
(2)
.
وأخرجه (م) 2253 (ت) 739 (ق) 1389 (أحمد) 24280 و 24943 و 25327 و 25487. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- وطريق عاصم أخرجها أحمد رقم 23904 وابن ماجه رقم 1546 وهي رواية ضعيفة، لأن في سندها عاصم، وهو ابن عبيد اللَّه بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ضعيف.
(2)
- راجع "السنن الكبرى" ج 5 ص 288 - 290. "كتاب عشرة النساء".
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالاستغفار للمؤمنين. ومنها: مشروعية القَسْم بين الزوجات في المبيت، وغيره. ومنها: ما جُبلت عليه النساء، من الغيرة. ومنها: حسن أخلاق النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورأفته بأهل بيته، حيث إنه لم يفعل ما يُدخل على عائشة الوحشة، بل تلطّف في الخروج. ومنها: كون الملائكة لا تدخل بيتا، فيه امرأة وضعت ثيابها. ومنها: رأفة اللَّه تعالى، ورحمته بأهل البقيع حيث أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم. ومنها: جواز ترخيم الاسم، إذا لم يكن فيه إيذاء للمرخّم. ومنها: مشروعية تأديب الزوج زوجته بالضرب باليد ونحوه، ولو أوجعها ذلك. ومنها: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يظلم أحدًا، لأن اللَّه سبحانه وتعالى يكرمه بالوحي، ويرشده إلى ما هو الصواب، فلا يقع في الحيف والظلم. ومنها: استحباب إطالة الدعاء، وتكريره، ورفع اليدين فيه. ومنها: أن دعاء القائم أكمل من دعاء الجالس في القبور. ومنها: جواز زيارة القبور للنساء، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك قريبًا. ومنها: استدلّ بعضهم بقوله: "أن يحيف اللَّه عليك، ورسوله" على أن القَسْم واجب على النبيّ صلى الله عليه وسلم، لكن الراجح من أقوال أهل العلم في ذلك عدم وجوب القسم عليه صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} الآية [الأحزاب: 51]، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يَقسِم لكريم أخلاقه، وحسن عشرته صلى الله عليه وسلم. ومنها: استحباب هذا الدعاء في زيارة القبور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2038 -
أَخْبَرَنِي
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ، قَالَتْ: فَأَمَرْتُ
(2)
جَارِيَتِي، بَرِيرَةَ، تَتْبَعُهُ، فَتَبِعَتْهُ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ، فَأَخْبَرَتْنِي فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا، حَتَّى أَصْبَحْتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:«إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ، لأُصَلِّىَ عَلَيْهِمْ» .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20.
2 -
(الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [10] 9/ 9.
(1)
- وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
- وفي نسخة: "وأمرت" بالواو.
3 -
(ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [10] 19/ 20.
4 -
(مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الثبت الحجة [7] 7/ 7.
5 -
(علقمة بن أبي علقمة) بلال المدنيّ، مولى عائشة، وهو علقمة بن أم علقمة، واسمها مرجانة، ثقة علاّمة [5].
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: مات في آخر خلافة أبي جعفر، وقد روى عن أنس أحرفًا، فلا أدري أدلّسها، أو سمعها منه. وقال ابن سعد: مات في خلافة المنصور، وله أحاديث صالحة، وكان له كُتَّاب يُعلّم النحو، والعربيّة، والعروض.
وقال ابن عبد البرّ: كان ثقة مأمونًا، واسم أمه مَرْجانة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث.
6 -
(أم علقمة) اسمها مَرْجانة، مقبولة [3].
روت عن معاوية، وعائشة. وعنها ابنها علقمة. قال العجليّ: مدنيّة، تابعية، ثقة. وذكرها ابن حبّان في "الثقات". علّق لها البخاريّ في "الصحيح"، وأخرج لها في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، ولها عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، و 2912 حديث:"إذا أردت دخول البيت فصلي ههنا .. ".
7 -
(عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رواته كلهم رواة الصحيح، غير شيخه الحارث، وأم علقمة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنين، من مالك. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) اسم أبيه بلال (عَنْ أُمِّهِ) مَرْجانة، وتكنى بابنها، تابعية ثقة، وهي مولاة عائشة بلا خلاف
(1)
(أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ، قَالَتْ: فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي، بَرِيرَةَ) -بموحدة مفتوحة، وراءين، بينهما تحتانيّة ساكنة، ثم هاء- صحابية مشهورة، عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية (تَتْبَعُهُ) يحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها فعلت ذلك مراعاة لأحواله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل
(1)
- "شرح الزرقاني" ج 2 ص 91.
أن يكون مخافة أن يأتي بعض حُجَر نسائه، والأول أظهر، لأنه لم يعنفها هنا، كما عنفها فيما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم
(فَتَبِعَتْهُ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ) أي أقرب جهاته إلى بيته (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ، فَأخبَرَتْنِي) أي بما فعل في البقيع، من الدعاء والاستغفار لهم (فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيئًا، حَتَّى أَصْبَحْتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ، لِأُصلِّيَ عَلَيْهِمْ") أي لأدعو، وأستغفر لهم. هذا محل استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لترجمته، "الأمر بالاستغفار للمؤمنين"، ووجهه أن المراد بالصلاة هو الاستغفار، وهذا هو المعنى الظاهر الذي يؤيده حديث عائشة السابق رضي الله عنها، وغيره، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن تكون الصلاة ههنا الدعاء، فإن كان ذلك، ففيه دليل على أن زيارة القبور، والدعاء لأهلها عندها أفضل، وأرجى لقبول الدعاء، فكأنه أُمر أن يستغفر لهم، ويدعو بالرحمة، كما قيل له:{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [سورة محمد: 19]. ويحتمل أن تكون الصلاة ههنا الصلاة على الموتى، فإن كان ذلك فهو خصوص لهم، فإجماع المسلمين على أنه لا يصلِّي أحد على قبر مرتين، ولا يصلي أحد على قبر مَن لم يُصلَّ عليه إلا أن يكون بحِدْثَان ذلك، وأكثر ما قالوا في ذلك ستة أشهر.
ويحتمل أن يكون هذا ليعلمهم بالصلاة منه عليهم؛ لأنه ربما دُفن من لم يصلّ عليه؛ كالمسكينة ومثلها؛ ليكون مساويا بينهم في الصلاة عليهم، ولا يؤثر بعضهم بذلك ليتمّ عدله فيهم؛ لأن صلاته على من صلى عليه رحمة، وبركة، ورفعة.
ومن هذا المعنى قسم صلاة الخوف بالطائفتين، ولم يقدّم أحدًا من أصحابه، يصلي بالطائفة الأخرى؛ ليشملهم عدله، ولا يؤثر بعضهم لنفسه.
وقد قيل: إن خروجه للبقيع للصلاة على أهله كان كالمودّع للأحياء والأموات.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الاحتمال الأول هو الظاهر، كما هو رأي المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كما ذكرته قريبًا، فإنه يؤيّده حديث عائشة رضي الله عنها الذي قبل هذا، فالمراد بالصلاة هنا هو الدعاء، والاستغفار لهم. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وقوله: "إني بعثت إلى أهل البقيع لآصلي عليهم"، فهو عندي كلام خرج مخرج العموم، ومعناه الخصوص، كانه قال: بُعثت إلى البقيع لأصلي على من لم أصل عليه من أصحابي ليعمّهم بذلك.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فيه نظر،
بل الظاهر أن الصلاة هنا هي الاستغفار، وأنها للجميع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي الله عنها هذا صحيح.
فإن قلت: في سنده أم علقمة، ولم تسمّ، فكيف يصح؟
قلت: أم علقمة اسمها مرجانة، مولاة عائشة رضي الله عنها، تابعيّة، ثقة، وقد تقدّم ذكر من وثقها، فلا يضرّ عدم تسميتها هنا، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -201/ 2037 - وفي "الكبرى" 103/ 2165. وأخرجه مالك في "الموطإ" 573. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالاستغفار للمؤمنين. ومنها: أن فيه بيان فضيلة بريرة رضي الله عنها، حيث كانت تخدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها. ومنها: جواز الاستخدام بعد العتق، وأنه لا يمنع من الاستخدام، لكن برضا المعتق. ومنها: جواز الاستخدام بالليل، وذلك فيما هو خفيف، أو فيه طاعة للَّه سبحانه وتعالى. ومنهات ما كانوا عليه من مراعاة أحوال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلًا ونهارًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2039 -
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ- عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كُلَّمَا كَانَتْ لَيْلَتُهَا، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَخْرُجُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ:«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ، مُتَوَاعِدُونَ غَدًا، أَوْ مُوَاكِلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عليّ بن حُجْر) المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [9] 13/ 13.
2 -
(إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [8] 16/ 17.
39 (شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر) أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق يخطىء [5] 52/ 1290.
4 -
(عطاء) بن يسار الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [3] 64/ 80.
5 -
(عائشة) رضي الله عنها 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كُلَّمَا كَانَتْ لَيْلَتُهَا) الظاهر أنه يخرج كلّ ليلة من ليالي عائشة رضي الله عنها، وقال السنديّ: أي في آخر عمره بعد حجة الوداع انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم يذكر السنديّ مستنده في تحديد الوقت بكونه بعد حجة الوداع، فاللَّه تعالى أعلم (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) الجارّ والمجرور متعلق بصفة لـ"ليلتها"، أو بحال منه.
قال الطيبيّ "كلما" ظرف فيه معنى الشرط، والعموم، وجوابه قوله (يَخْرُجُ) وهو العامل فيه، وهذا حكاية معنى قول عائشة، لا لفظها، أي كان من عادته صلى الله عليه وسلم أنه إذا بات عندها أن يخرج (فِي آخِرِ اللَّيْلِ، إِلَى الْبَقِيعِ) أي بقيع الغرقد، وفيه فضلية الدعاء آخر الليل، وفضيلة زيارة قبور البقيع. (فَيَقُولُ:"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) "دار" منصوب على النداء، والتقدير يا أهل دار قوم، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: منصوب على الاختصاص. قال صاحب "المطالع": ويجوز جرّه على البدل من الضمير في "عليكم". وقيل: الدار مقحم. وقال الخطابيّ: وفيه أن اسم الدار يقع على المقابر، قال: وهو صحيح، فإن الدار في اللغة يقع على الرَّبْع المسكون، وعلى الخراب غير المأهول انتهى (وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ، مُتَوَاعِدُونَ غَدًا) أي كلّ منا ومنكم وعد صاحبه حضور غد، أي يوم القيامة. قاله السنديّ (أَوْ مُوَاكِلُونَ) وفي نسخة: "ومتواكلون"، أي متكل بعضنا على بعض في الشفاعة والشهادة. واللَّه تعالى أعلم.
قاله السنديّ أيضًا. ولفظ "الكبرى": "وإنا أو إياكم مُواعَدون غدًا، ومؤجلون". ولفظ مسلم: "وأتاكم ما توعدون غدًا، مؤجلون"(وإنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) تقدم فائدة تقييده بالمشيئة قريبًا (اللَّهُمَّ اغفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ") وهو موضع بظاهر المدينة، فيه قبور أهلها، قال في "النهاية": هو المكان المتسع، ولا يسمّى بقيعًا إلا وفيه شجر، أو أصولها، والغرقد شجر، والآن بقيت الإضافة، دون الشجر. وقال النوويّ: سمي بقيع
الغرقد، لغرقد كان فيه، وهو ما عظم من العَوْسج
(1)
وفيه إطلاق الأهل على ساكن المكان، من حيّ وميت انتهى
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -103/ 2539 - وفي "الكبرى" 103/ 2166. وأخرجه (م) 2252.
وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، فلتراجَع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2040 -
أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَقَابِرِ، فَقَالَ:«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، لَنَا وَلَكُمْ» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنيّ [10] 15/ 15.
2 -
(حرميّ بن عُمارة) بن أبي حفصة نابت بنون، وموحّدة، ثم مثناة، وقيل: ثابت كالجادّة، العَتَكيّ مولاهم، أبو رَوْح البصريّ، صدوق يهم [9] 122/ 177.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور.
4 -
(ملقمة بن مرثد) -بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلّثة- الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [6] 101/ 133.
5 -
(سليمان بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقة [3] 101/ 133.
6 -
(أبوه) بُرَيدة بن الحصيب رضي الله عنه تقدّم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- العوسج شجر الغرقد العظيم، وهو كثير الشوك، عديم الثمر.
(2)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 45.
شرح الحديث
(عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ،) بريدة بن الحصيب رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا أتى عَلَى الْمَقَابِرِ) ولفظ مسلم، من طريق سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر
…
" (فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيكُمْ، أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ) بفتحتين: أي متقدّمون علينا إلى الدار الآخرة، وأصل الفرط هو المتقدّم في طلب الماء، يُهَيّء الدِّلَاء، والأَرْشاء، يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطًا، من باب قَعَد: إذا تقدّم لذلك، يستوي فيه الواحد، والجمع، يقال: رجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ. أفاده في "المصباح". (وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ) أي متبعون لكم، وآتون إلى الآخرة بعدكم، فـ"التبع" بفتحتين يستوي فيه الواحد، وغيره، يقال: تَبع زيد عمرًا، من باب تَعِبَ: مشى خلفه، أو مَرَّ به، فمضى معه، والمصلي تبع لإمامه، والناس تبعٌ له، ويكون واحدًا، وجمعًا، ويجوز جمعه على أتباع، مثلُ سبب وأسباب. قاله في "المصباح"(أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) أي محوَ الذنوب عنا، يقال: عفا اللَّه عنك: أي محا ذنوبَك، وعفوتُ عن الحقّ: أسقطتُهُ، كأنك محوتَهُ عن الذي هو عليه، وعافاه اللَّه: محا عنه الأسقام. و"العافية": اسم منه، وهي مصدر جاءت على فاعلة، ومثله ناشئةُ الليل، بمعنى نُشُوء الليل، والخاتمةُ: بمعنى الختم، والعاقبة: بمعنى الْعُقُب، و {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 2]. قاله الفيّوميّ (لَنَا وَلَكُمْ") متعلّق بـ "أسأل"، أو بالعافية، أو بمحذوف صفة لـ"العافية"، أو حال منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة بن الحصيب: رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -103/ 2040 - وفي "الكبرى" 103/ 2167. وأخرجه (م) 2254 (ق) 1547 (أحمد) 22476 و 22530. وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت قريبًا، فلا حاجة إلى إعادتها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2041 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«اسْتَغْفِرُوا لَهُ» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه
اللَّه تعالى-، في باب "الصفوف على الجنازة " -72/ 1971 - رواه هناك عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن مالك، عن ابن شهاب به، وتقدّم الكلام عليه هناك، أورده هنا استدلالاً على الأمر بالاستغفار للمؤمنين، واستدلاله به واضح، و"سفيان": هو ابن عيينة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2042 -
أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ، صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ:«اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد مرّ بيانه في الذي قبله. و"أبو داود": هو سليمان بن سيف الحرانيّ الثقة الحافظ [11] 103/ 136 و"يعقوب بن إبراهيم": هو الزهريّ المدنيّ، ثم البغداديّ، ثقة فاضل [9] 196/ 314. و"أبوه": هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة [8] 196/ 314. و"صالح": هو ابن كيسان المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [4] 196/ 314.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى""عن أبي صالح"، وهو غلط فاحشٌ، والصواب "عن صالح"، وهو ابن كيسان، كما ذكرنا، وعلى الصواب وقع في "الكبرى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
104 - التَّغْلِيظُ فِي اتخِّاذِ السُّرُجِ عَلَى الْقَبُورِ
" السرُج" بضمتين: جمع سراج، وهو المصباح. قاله الفيّوميّ.
2043 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ، وَالسُّرُجَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا.
2 -
(عبد الوارث بن سعيد) البصريّ، ثقة ثبت [8] 6/ 6.
3 -
(محمد بن جُحَادة) -بضم الجيم، وتخفيف الحاء المهملة- الكوفيّ ثقة [5] 48/ 1736.
4 -
(أبو صالح) باذام -بالذال المعجمة، ويقال: آخره نون- مولى أم هانىء بنت أبي طالب، ضعيف، مدلّس [3].
قال ابن المدينيّ، عن القطان: لم أر أحدًا من أصحابنا تركه، وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا. وقال أحمد: كان ابن مهديّ ترك حديث أبي صالح. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبيّ، فليس بشيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: عافة ما يرويه تفسير، وما أقلّ ما له من المسند، وفي ذلك التفسير ما لم يُتابعه عليه أهل التفسير، ولم أعلم أحدًا من المتقدّمين رضيه.
وقال زكريا بن أبي زائدة: كان الشعبيّ يمرّ بأبي صالح، فيأخذ بأذنه، فيَهُزُّها، ويقول: ويلك، تفسّر القرآن، وأنت لا تحفظ القرآن. وقال ابن المدينيّ، عن القطان، عن الثوريّ، قال الكلبيّ: قال لي أبو صالح: كلّ ما حدثتك كذب. وقال العقيليّ: قال مغيرة: إنما كان أبو صالح يُعلّم الصبيان، وكان يضعّف تفسيره، وقال: كتب أصابها.
ولما قال عبد الحقّ في "الأحكام": إن أبا صالح ضعيف جدًّا، أنكر عليه ذلك ابن القطان في كتابه، وقد قال الجوزقانيّ: إنه متروك. ونقل ابن الجوزيّ، عن الأزديّ أنه قال: كذّاب. وقال الجُوزجانيّ: كان يقال له: دروغْ زَنْ
(1)
، غير محمود. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وقال ابن حبّان: يحدث عن ابن عباس، ولم يسمع منه. ووثقه العجليّ وحده. روى له الأربعة.
5 -
(ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، زَائِرَاتِ
(1)
- كلمة فارسية تعني: كذاب انظر المعجم الذبي ص 264، وقد اضطربت المصادر في رسم الكلمة. اهـ من هامش "تت" ج 1 ص 211.
الْقُبُورِ) تقدّم الكلام عليه (وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ) أي الذين يبنون المساجد على القبور، وهذا يشمل البناء عليها، أو حولها، أو بينها، وما قاله السنديّ، مما حاصله: أن المراد من اتخاذ المساجد عليها أن يجعلها قبلة يسجد إليها كالوثن، وأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، أو صلى في مقبرة من غير قصد التوجّه نحوه، فلا حرج فيه. فكلام باطل، فإن اليهود، والنصارى الذين أخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بلعنهم بقوله:"لعن اللَّه اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ما أُتُوا في أول أمرهم إلا من هذا الباب، فإنهم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا عليه مسجدًا، وصوروا صورة ذلك الرجل، ليتذكروا عبادته، وصلاحه، ثم بعد فترة عبدوا تلك الصور.
فمن يشاهد اليوم ما وقع في العالم الإسلاميّ من تعظيم القبور، واتخاذ الأولياء أربابا من دون اللَّه تعالى، بالتوجّه إليهم بالنداء، وطلب الحوائج منهم، وجلب النذور إليهم، لرأى العجب العجاب، مما يبكي له من له غَيرة على الدين، فلا حول، ولا قوّة إلا باللَّه، وأشدّ من ذلك سكوت أهل العلم عن هذا المنكر الفظيع، بل ربما استحسن بعضهم للعوام فعلهم ذلك، وشكر سعيهم فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون.
وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في "كتاب المساجد"، باب "النهي عن اتخاذ القبور مساجد" -13/ 703 - فراجعه تستفد (وَالسُّرُجَ") بضمتين: جمع سراج، كما تقدّم ضبطه في أول الباب. وإنما لُعِن من اتخذها؛ لأنه فيه تضييعًا للمال بلا نفع، ويشبه تعظيم القبور، كاتخاذها مساجد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف، من أجل أبي صالح باذام، كما تقدم الكلام عليه قريبًا.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -104/ 2043 - وفي "الكبرى" - 104/ 2170. وأخرجه (د) 3236 (ت) 320 (ق) 1575 (أحمد) 2031 و 2598 و 2977 و 3108. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
105 - التَّشْدِيدُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ
2044 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ، حَتَّى تَحْرِقَ ثِيَابَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [11] 43/ 50.
2 -
(وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح، أبو سفيان الرُّؤَاسيّ الكوفيّ الحافظ الثبت [9] 23/ 25.
3 -
(سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام المشهور تقدم قريبًا.
4 -
(سُهيل) بن أبي صالح المدنيّ، صدوق تغير بآخره [6] 32/ 820.
5 -
(أبو صالح) ذكوان السمّان المدني، ثقة ثبت [3] 36/ 40.
6 -
(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سفيان، ومن بعده مدنيون. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه رَأسَ المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ) بفتح اللام، وهي لام الابتداء، والمصدر المؤول بعدها مبتدأ، وخبره قوله: "خير" (عَلَى جَمْرَةِ) -بفتح، فسكون-: القطعة الملتهبة من النار، والجمع جَمْر، مثلُ تمرة وتمر (حَتَّى تحُرِقَ) من الإحراق، يقال: أحرقتْهُ النارُ، إحراقًا، ويتعدّى بالحرف، فيقال: أحترقته بالنار، فهو مُحرَقٌ، وحَرِيق. قاله في "المصباح"، والضمير للجمرة (ثِيَابَهُ) بالنصب على المفعوليّة زاد في رواية مسلم: "فتخلُص إلى جلده". و"تخلص" بضم اللام: أي تصل. قال الطيبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: جعل الجلوس على القبر، وسِرَاية
مضرّته إلى قلبه، وهو لا يشعُر بمنزلة سراية النار من الثوب إلى الجلد انتهى (خَيْرٌ لَهُ) أي أحسن، وأهون عليه (مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ") فيه أنه لا يجوز الجلوس على القبر مطلقًا، وأن المراد الجلوس على حقيقته، وليس كناية عن البول والغائط، كما قيل.
وإلى التحريم ذهب الجمهور، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في هذا الحديث تحريم القعود، والمراد الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-، وقال أيضًا: والقعود عليه حرام، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه انتهى
(1)
.
وأما ما رواه الطحاويّ من طريق محمد بن كعب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا:"من جلس على قبر، يبول عليه، أو يتغوّط، فكأنما جلس على جمر"، فإسناده ضعيف. وما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يجلس على القبر يحمل على أنه لم يبلغه النهي
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -105/ 2044 - وفي "الكبرى" 105/ 2171. وأخرجه (م) 2245 و 2246 (د) 3228 (ق) 1566 (أحمد) 8046 و 8811 و 9439 و 10451. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في أقوال أهل العلم في حكم الجلوس على القبر:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الآثار مروية من طرق عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن القعود على القبور، من حديث عقبة بن عامر، وجابر، وأبي هريرة، وغيرهم، ومن الرواة من يوقف حديث عقبة، وحديث أبي هريرة، ويجعله من حديثهما. وأما حديث جابر، فذكر عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرنا ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينهى أن يقعد الرجل على القبر، ويُقصّص، أو يبنى عليه. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن جابر، قال: نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُقعَد عليها. يعني القبور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أطأ على جمرة حتى تُطفأ أحبّ إليّ من أقعد على قبر. وعن أبي بكرة مثله سواءً. وعن أبي هريرة، قال: لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق رداءه،
(1)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 41 "كتاب الجنائز".
(2)
- راجع "المرعاة" ج 5 ص 434.
ثم قميصه، ثم إزاره، حتى تخلُص إلى جلده أحبّ إليّ من أن يجلس على قبر.
وروى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه أن عقبة بن عامر قال: لأن أطأ على جمرة، أو على حدّ سيف حتى يخطف رجلي أحبّ إليّ من أن أمشي على مسلم، وما أبالي في القبور قضيت حاجتي، أو في السوق، والناس ينظرون. وقال مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما نهي عن القعود على القبور، فيما نُرى للمذاهب، يريد حاجة الإنسان. وحجته أن علي بن أبي طالب كان يتوسّد القبور، ويضطجع عليها.
وروى أبو أمامة بن سهل بن حُنيف أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال له: هلمّ يا ابن أخي إنما نَهَى رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبر لحدثِ بولٍ، أو غائط. انتهى كلام أبي عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، بتصرّف، واختصار
(1)
.
وقال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث. وهو تأويل ضعيف، أو باطل انتهى.
قال في "الفتح": وهو يوهم انفراد مالك بذلك، وكذا أوهمه كلام ابن الجوزيّ، حيث قال: جمهور الفقهاء على الكراهة، خلافًا لمالك. وصرّح النوويّ في "شرح المهذّب" بأن مذهب أبي حنيفة كالجمهور، وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة، وأصحابه كقول مالك، كما نقله عنهم الطحاويّ، واحتجّ له بما أخرجه من طريق بكير ابن عبد اللَّه بن الأشجّ، أن نافعًا حدثه: أنّ عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما كان يجلس على القبور. وأخرج عن عليّ نحوه. وعن زيد بن ثابت، مرفوعًا:"إنما نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبور لحدث غائط، أو بول". ورجال إسناده ثقات.
ويؤيّد قول الجمهور ما أخرجه أحمد، من حديث عمرو بن حزم الأنصاريّ، مرفوعًا:"لا تقعدوا على القبور"، وفي رواية له، عنه:"رآني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنا متكئ على قبر، فقال: "لا تؤذ صاحب القبر". وإسناده صحيح
(2)
. وهو دالّ على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته. وردّ ابن حزم التأويل المتقدّم بأن لفظ حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق ثيابه، فتخلُص إلى جلده
…
"، قال: وما عهدنا أحدًا يقعد على ثيابه للغائط، فدلّ على أن المراد القعود على حقيقته. وقال ابن بطّال: التأويل المذكور بعيد؛ لأن الحدث على القبر أقبح من أن يُكرَه، وإنما
(1)
- "الاستذكار" ج 8 ص 306 - 308.
(2)
- ليس كما قال، بل في إسناد الحديث الأول النضر بن عبد اللَّه السلمي، وهو مجهول، وفي إسناد الثاني عبد اللَّه بن لهيعة، والكلام فيه معروف. لكن متن الحديث صحيح بشواهده، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى.
يُكره الجلوس المتعارف انتهى ما في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريم الجلوس على القبور هو الصواب، للأحاديث الصحاح التي تقدّمت. وأما ما احتجّ به الذين قالوا إن المراد بالجلوس قضاء الحاجة عليها، كما نُقل عن مالك، وغيره، من الآثار التي رويت عن عليّ، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة رضي الله عنهم، فالجواب عنها، أن نقول: أما أثر عليّ رضي الله عنه فضعيف، لأن في سنده مولى لآل علي رضي الله عنه، ولم يسمّ، وأما أثر ابن عمر رضي الله عنهما، وإن كان صحيحًا، فلا يعارض الثابت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، بل يحمل على أنه لم يبلغه النهي. وأما أثر زيد بن ثابت رضي الله عنه، وإن كان صحيحا، فلا يعارض الأحاديث الصحاح الصريحة بالنهي عن الجلوس، بل هو حديث آخر، سمعه زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ينهى عن الجلوس لقضاء الحاجة، كما سمعه الآخرون ينهى عن مطلق الجلوس، فهذا هو وجه العمل بالحديثين، وإن سلكنا مسلك الترجيح، فالأحاديث الأخرى ترجّح عليه، لكونها أقوى منه، فقد أخرجها مسلم في "صحيحه"، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومن حديث أبي مَرْثَد الغنويّ رضي الله عنه، وصح أيضًا من حديث جابر رضي الله عنه، وورد أيضًا من حديث عمرو بن حزم رضي الله عنه، وهو الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، فهذه الأحاديث أرجح من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، وأقوى، فترجّح عليه، لكن الجمع أولى، كما أسلفناه آنفًا. وأما أثر أبي هريرة رضي الله عنه فضعيف، لأن في سنده محمد بن أبي حميد الأنصاريّ الزرقي المدنيّ، لقبه حماد، ضعيف، فالصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع، وهو النهي عن الجلوس.
فتبيّن بهذا أن الصواب هو ما عليه الجمهور من المنع عن الجلوس على القبور مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2045 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«لَا تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ» .
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم) المصريّ الفقيه، ثقة [11] 120/ 166.
2 -
(شعيب) بن الليث الفَهْميّ، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة فقيه نبيل، من كبار
(1)
- "فتح" ج 3 ص 589 - 590. "كتاب الجنائز".
[10]
120/ 166
3 -
(الليث) بن سعد الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام الفقيه الثبت الحجة [7] 31/ 35.
4 -
(خالد) بن يزيد الْجُمَحيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقة فقيه [6] 41/ 686.
5 -
(ابن أبي هلال) هو سعيد بن أبي هلال الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، صدوق [6] 41/ 686.
6 -
(أبو بكر بن حزم) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد [5] 118/ 163.
7 -
(النضر بن عبد اللَّه السلميّ) المدنيّ، مجهول، ويقال: عبد اللَّه بن النضر [4].
روى عن ابن حزم حديث الباب فقط، وعن عمرو بن مُسَاحق المدنيّ. وعنه أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم. قال الذهبيّ: لا يُعرف. انفرد به المصنّف.
8 -
(عمرو بن حزم) بن زيد بن لَوْذَان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ، أبو الضحّاك، وقيل: غير ذلك في نسبه. صحابيّ شهد الخندق، وهو ابن (15) سنة، واستعمله النبيّ صلى الله عليه وسلم على أهل نجران، وهو ابن (18) سنة. قال خليفة: مات سنة (1) أو (52) وقال سعيد بن عُفير: سنة (53) وقال ابن إسحاق، وغيره: سنة (3) وقال الحافظ أبو نعيم: توفي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويقال: بل توفي سنة (54). روى له أبو داود في "المراسيل"، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديثان فقط، هذا، وحديث:"كتب إلى أهل اليمن كتابًا .. " الحديث برقم 4855 و 4856.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث، ضعيف الإسناد؛ لجهالة النضر بن عبد اللَّه السلميّ، لكن متنه صحيح؛ لأنه يشهد له ما قبله، وغيره من الأحاديث التي ذكرناها في شرح الحديث الماضي. وشرحه واضح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -105/ 2045 - وفي "الكبرى" 105/ 2172. وأخرجه (أحمد) 27914. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
106 - اتَخِّاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ
2046 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ الحافظ الثبت [10] 4/ 4.
2 -
(خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ الحافظ الثبت [8] 42/ 47.
3 -
(قتادة) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ الحافظ الحجة [4] 30/ 34.
والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى سعيد (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ) وفي حديث عائشة، وابن عبّاس رضي الله عنهم المتقدمين في- 13/ 703 - قالا: لَمّا نُزل برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم طَفِق يَطرَح خَمِيصة له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، قال: -وهو كذلك-: لعنة اللَّه على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (لَعَنَ اللَّهُ) اللعن معناه الطرد، والإبعاد عن الرحمة، أي أبعد اللَّه عن رحمته (قَوْمًا) هم اليهود والنصارى، كما بيّن في الرواية المذكورة (اتَخَّذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ") جملة مستأنفة، جواب سؤال مقدّر، فكأن سائلاً سأله عن سبب لعنهم، فأجابه بقوله:"اتخذوا". وزاد في "الكبرى" في "الوفاة": "يُحذّر ما صنعوا"، ونحوه عند الشيخين، وهو مستأنف من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكره صلى الله عليه وسلم ذلك في تلك الحالة، فأجاب بأنه لتحذير أمته؛ لئلا تقع فيما وقعوا فيه، من تعظيم قبور الأنبياء، وإشراكهم باللَّه سبحانه وتعالى.
[تنبيه]: ذكر البيضاويّ أنه لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم؛
تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة، يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا لعنهم، ومنع المسلمين من مثل ذلك، فاما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرّك بالقرب منه، لا التعظيم له، ولا التوجه نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد انتهى.
ونقل هذا القول السيوطيّ، والسنديّ، وذكر في "الفتح" نحوه، وكلهم أقرّوه عليه، وهذا عجيب من مثل هؤلاء الأكابر، كيف جاز لهم إقرار مثل هذا القول الشنيع، المنابذ للسنة، والمعارض للنصوص الصريحة، وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب؟، فإن أول بداية ضلالهم هذا هو التبرّك بقبور أنبيائهم، وصالحيهم، فآل بهم الحال إلى أن عبدوهم، وقد وقع من كثير ممن يدعي الإسلام في كثير من بلدان الإسلام اليوم ما وقع منهم حذو النعل بالنعل، فمن يرى حال كثير من الناس فيما يفعلونه عند قبور الصالحين، من أنواع الشرك والضلالات لا يشك أنه عين ما وقع لليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون.
ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك، بل بعضهم يشاركونهم فيه، ويزيّنون لهم، قبيح فعلهم، فإلى اللَّه المشتكى، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه العليّ العظيم.
وهذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم في "كتاب المساجد" باب "النهي عن اتخاذ القبور مساجد" رقم 13/ 703 - وتقدم تمام شرحه، وبيان ما يتعلّق به من المسائل هناك، فراجه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2047 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَبُو يَحْيَى، صَاعِقَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمد بن عبد الرحيم) بن أبي زُهير العَدَويّ، مولى آل عمر البغداديّ البزّاز، فارسيّ الأصل، أبو يحيى، المعروف بـ "صاعقة"، ثقة حافظ [11].
قال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي بمكة، وسئل عنه؟ فقال: صدوق. وقال عبد اللَّه ابن أحمد، والنسائيّ: ثقة. وقال أحمد بن صاعد: حدثنا أبو يحيى الثقة العدل. وقال ابن عقدة، عن نصر بن أحمد الكنانيّ: كان من أصحاب الحديث المأمونين. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان صاحب حديث يحفظ. وقال محمد بن محمد بن داود الْكَرَجيّ: سمي صاعة؛ لأنه كان جيد الحفظ. وقال الخطيب: كان متقنًا، ضابطًا،
عالمًا، حافظًا. ووثقه القرّاب، ومسلمة. وقال الدارقطنيّ: حافظ ثبت. وقال أبو بكر الخلال: عنده عن أبي عبد اللَّه مسائل حسان، لم يجيء بها غيره، وقيل له: صاعقة لجودة حفظه، وقيل: لغير ذلك. وقال محمد بن إسحاق السرّاج: محمد بن عبد الرحيم البزّاز مولى آل عمر، ثقة، قال لي: وُلِدتُ سنة (185) ومات في شعبان سنة (255). روى له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ (36) حديثًا، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
2 -
(أبو سلمة الْخُزَاعيّ) منصور بن سَلَمة بن عبد العزيز البغداديّ، ثقة ثبت حافظ، من كبار [10] 87/ 1344.
3 -
(يزيد بن الهاد) هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة مُكثر [5] 73/ 90.
والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا شرح الحديث يعلم مما سبق.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه. أخرجه المصنّف هنا - 106/ 2047 - وفي "الكبرى" 106/ 2173. وأخرجه (خ) 437 (م) 530 (د) 3227 (أحمد) 7767. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
107 - كَرَاهِيَةُ الْمَشْي بَيْنَ الْقُبُورِ فِي النِّعَالِ السِّبْتِيِّةِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الجمعُ بين حديث هذا الباب الدّالّ على النهي عن لبس النعال بين القبور، وحديث الباب التالي الدالّ على جوازه، بحمل النهي على خصوص النعال السبتيّة، والجواز على غيرها، وقد تبعه على هذا أبو محمد ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وسيأتي أن الأرجح هو القول بالنهي عن لبس النعال بين القبور مطلقًا، في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2048 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ، وَكَانَ ثِقَةً، عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، أَنَّ بَشِيرَ ابْنَ الْخَصَاصِيَّةِ،
قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ:«لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ شَرًّا كَثِيرًا» ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ:«لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ، فَرَأَى رَجُلاً، يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ، فِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ:«يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، أَلْقِهِمَا» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(الأسود بن شَيبان) السدوسيّ، أبو شَيبان البصريّ، ثقة عابد [6].
قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الأثرم، عن أحمد: ثقة. ووثقه النسائيّ في "التمييز". وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات" في الطبقة الرابعة. وقال محمد بن عوف: كان من عباد اللَّه الصالحين، كان يحجّ على ناقة له، ولا يتزوّد شيئًا، يشرب من لبنها حتى يرجع، ويرسلها ترعى. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: مات سنة (165). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى الترمذيّ، له في هذا الكتاب ثلاية أحاديث فقط: هذا، و 2432 حديث:"صم يومًا من الشهر .. "، وأعاده برقم 2433 و 555 حديث:"كلّ مسكر حرام .. ".
[تنبيه]: قوله هنا: "وكان ثقة" يحتمل أن يكون من كلام وكيع، وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون ممن دونه. واللَّه تعالى أعلم.
2 -
(خالد بن سُمير) -بالسين المهملة
(1)
، مصغّرًا- السدوسيّ البصريّ، صدوق يَهِم قليلاً [3].
روى عن ابن عمر، وأنس، وعبد اللَّه بن رباح الأنصاريّ، وبَشِير بن نَهِيك، ومضارب بن حَزْن. وعنه الأسود بن شيبان. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر له ابن جرير الطبريّ، وابن عبد البرّ، والبيهقيّ
حديثًا واحدًا أخطأ في لفظة منه، وهي قوله في الحديث: كنا في جيش الأمراء -يعني مؤتة- والنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يحضرها. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
3 -
(بشير بن نَهيك) -بفتح أول الاسمين، وكسر ثانيهما -السدوسيّ، أبو الشعثاء البصريّ، ثقة [3] 141/ 1107.
4 -
(بَشير ابن الخصاصيّة) هو بشير بن مَعْبَد، وقيل: ابن زيد بن معبد بن ضَبَارَى بن سبع بن سدوس، وقيل: ابن شراحيل بن سبع السدوسيّ، المعروف بـ "ابن الْخَصَاصيّة"، وكان اسمه زَحْمًا، فسماه النبيّ صلى الله عليه وسلم بشيرًا، نزل البصرة.
(1)
- فما وقع في بعض الكتب "شمير" بالشين المعجمة، فتصحيف، فتنبّه.
وفرّق أبو حاتم بين ابن الخصاصية السدوسيّ، وبين بشير بن معبد الأسلميّ، وقال في الأسلميّ: روى عنه ابنه بشر، وجعلهما غيره واحدًا. وكذا فرق بينهما البخاريّ، وابن حبّان، وابن أبي خيثمة، وابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم.
وجزم ابن عبد البرّ، وغيره أن الخصاصيّة أمه، وليس كذلك، بل هي إحدى جدّاته، وهي والدة جده الأعلى ضَبَارى بن سدوس، واسمها كبشة، ويقال: مارية بنت إلاءة بن عمرو بن كعب ابن الحارث بن الغطريف الأزديّ، حرر من أمره الرُّشاطيّ، وبرهن على ذلك.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وأما الباقيان فتقدّما قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من الأسود بن شيبان، وشيخه بغداديّ، ووكيع كوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح الباء الموحّدة، وكسر الشين المعجمة، وبفتح النون، وكسر الهاء (أَنَّ بَشِيرَ ابْنَ الْخَصَاصِيّةِ) هو ابن معبد، وتقدم قريبًا الخلاف، هل الخصاصية أمه، أم جدته؟.
وفي "سنن أبي داود": عن بشير، مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
(1)
، وكان اسمه في الجاهليّة زَحْمَ بن معبد، فهاجر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما اسمك؟ "، فقال: زحم، فقال: "بل أنت بشير
…
".
(قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبي داود: "بينما أنا أُماشي رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم".
وقد ساق الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الحديث مطوّلا، فقال في "المسند":
20263 -
حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أسود بن شيبان، عن خالد بن سُمَير، عن بَشِير بن نهيك، عن بشير ابن الخصاصية، بشير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: كنت أُماشي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، آخذا بيده، فقال لي:"يا ابن الخصاصية، ما أصبحت تَنقِم على اللَّه تبارك وتعالى، أصبحتَ تماشي رسوله"، قال: أحسبه قال: "آخذا بيده"، قال: قلت:
(1)
- قوله: "مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم" لم يُذكر في كتب الرجال أنه مولاه، فاللَّه أعلم.
ما أصبحت أنقم على اللَّه شيئا، قد أعطاني اللَّه تبارك وتعالى، كل خير، قال: فأتينا على قبور المشركين، فقال:"لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا"، ثلاث مرات " ثم أتينا على قبور المسلمين، فقال: "لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا"، ثلاث مرات، يقولها، قال: فبَصَرَ برجل يمشي بين المقابر في نعليه، فقال: "ويحك، يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك"، مرتين، أو ثلاثا، فنظر الرجل، فلما رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، خلع نعليه.
حدثنا عبد الصمد، حدثنا الأسود، حدثنا خالد بن سمير، حدثنا بشير بن نهيك، قال: حدثني بشيرُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكان اسمه في الجاهلية زَحْمَ بن معبد- فهاجر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال:"ما اسمك؟ قال: زَحْمٌ قال: لا بل أنت بشير، فكان اسمَهُ، قال: بينا أنا أماشي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إذ قال: يا ابن الخصاصية، "ما أصبحت تنقم، على اللَّه تبارك وتعالى، أصبحت تماشي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"، قال أبو شيبان -وهو الأسود بن شيبان-: أحسبه قال""آخذا بيده"، فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي وأمي، ما أنقم على اللَّه عز وجل شيئا
…
" فذكر الحديث، وقال: "يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك
…
".
(فَمَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ شَرًّا كَثِيرًا) أي تقدّموا شرّا كثيرًا، وحادوا عنه، حتى جعلوه خلف ظهورهم، وفي رواية أبي داود:"لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا"(ثُمَّ مَرَّ عَلَى قُبُورِ المُشرِكِينَ، فَقَالَ: "لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا") أي تقدّموا على الخير، وجعلوه خلف ظهورهم. زاد في رواية أبي داود:"ثلاثا"، أي كرر الكلام ثلاث مرات (فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ) أي قرُبت منه التفاتة. وفي رواية أبي داود:"ثم حانت من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نظرةٌ"(فَرَأَى رَجُلًا) هو بشير الراوي، كما بُيِّنَ في رواية ابن حزم في "المحلى" من طريق سليمان بن حرب، عن الأسود بن شيبان، قال: بينما أنا أمشي بين المقابر، وعليّ نعلان، إذ ناداني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يا صاحب السبتيتين، يا صاحب السبتيتين، إذا كنت في مثل هذا المكان، فاخلع نعليك، قال: فخلعتهما".
فتبيّن بهذه الرواية أن الرجل المبهم في رواية المصنّف هو بشير بن الخصاصية رضي الله عنه نفسه. واللَّه تعالى أعلم.
(يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ، فِي نَعْلَيْهِ) أي وهما سبتيتان (فَقَالَ: "يَا صَاحِبَ البْتِيَّتَيْنِ) وفي رواية أبي داود: "فقال: "يا صاحب السبتيّتين، ويحك ألق سبتيتيك".
قال ابن منظور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: السِّبْتُ بالكسر: كلّ جلد مدبوغ. وقيل: هو المدبوغ بالقَرَظ خاصّة؛ وخصّ بعضهم به جلود البقر، مدبوغة كانت، أم غير مدبوغة.
ونعالٌ سِبْتِيّةٌ: لا شعر عليها. وقال الجوهريّ: السِّبْت بالكسر: جلود البقر المدبوغة
بالقرظ، تحُذَى منه النعال السبتيّة. وقال الأصمعيّ: السِّبتُ الجلد المدبوغ، قال: فإن كان عليه شَعَرٌ، أو صوفٌ، أو وَبَرَ، فهو مُصْحَبٌ. وقال أبو عمرو: النعال السبتيّة: هي المدبوغة بالقَرَظ. وقال الأزهريّ: وحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم يدلّ على أن السِّبْت ما لا شعر عليه، وفي الحديث:"أن عُبيد ابن جُريج قال لابن عمر: رأيتك تَلبسُ النعال السبتيّة، فقال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس عليها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أُحبّ أن ألبسها". قال: إنما اعترض عليه؛ لأنها نعال أهل النعمة والسَّعَة، قال الأزهريّ: كأنها سمّيت سبتيّة؛ لأن شعرها قد سُبِتَ عنها، أي حُلق، وأزيل بعلاج من الدباغ، معلومٍ عند دبّاغها. وقال ابن الأعرابيّ: سميت النعال المدبوغة سِبْتِيّةً
(1)
؛ لأنها انسبتت بالدباغ، أي لانت. وفي تسمية النعل المتخذة من السَّبْت سِبْتًا اتساعٌ، مثل قولهم: فلانٌ يلبس الصوف، والقطن، والإبرَيْسَمَ، أي الثياب المتخذة منها، ويروى سبتيّتين، على النسب. انتهى كلام ابن منظور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ببعض تصرف
(2)
.
وقال في "الفتح": "السبتيّة": بكسر السين المهملة، وسكون الموحّدة: هي التي لا شعر فيها، مشتقّة من السَّبْت، وهي الحلق. قاله في "التهذيب". وقيل: السبت جلد البقر المدبوغ بالقَرَظ. وقيل: بالسَّبْت -بضم أوله- وهو نبت يُدبغ به. قاله صاحب "المنتهى". وقال الهَرَويّ: قيل لها: سبتيّة لأنها انسبتت بالدباغ: أي لانت به، يقال: رطبة منسبتة: أي ليّنة انتهى
(3)
.
(أَلْقِهِمَا) أي ارم سبتيّتيك، زافي رواية أبي داود:"فنظر الرجل، فلما عرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خلعهما، فرمى بهما". وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بخلعهما، احتراما للمقابر، ولذا قال الإمام أحمد، وصاحب الحاوي، من الشافعيّة: يكره المشي في المقابر بالنعل، مطلقًا، ويسنّ خلعه، إذا دخلها، إلا لضرورة، كخوف نجاسة، أو شوك، أو حرارة أرض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث بشير ابن الخصاصية - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح
(4)
.
(1)
- لعل الصواب "سِبْتًا" كما يدلّ عليه كلامه الآتي. واللَّه أعلم.
(2)
- "لسان العرب" في مادة سبت.
(3)
- "فتح" ج 1 ص 361 "كتاب الوضوء" رقم الحديث 166.
(4)
- وأما تحسين بعضهم له فمن أجل خالد بن سُمير، حيث قال في:"ت" عنه: صدوق يهم قليلا. والصواب أنه صحيح، فقد وثّقه النسائيّ، وغيره، ممن يتشدّد في التوثيق، وأما وهمه فقد بينه في "تت" بأنه أخطأ في لفظة واحدة، فتنبّه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -107/ 2048 - وفي "الكبرى" 107/ 2175. وأخرجه (د) 3230 (ق) 1568 (أحمد) 21446 و 20260 و 20263.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم المشي بين القبور بالنعال:
قال ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "المغني": قال أحمد: إسناد حديث بشير ابن الخصاصية جيّد، أذهب إليه؛ إلا من علة. وتقدم أن صاحب الحاوي من الشافعية قال بمثله. وذهب المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إلى أن النهي عن المشي بين القبور بالنعال خاصّ بالسبتيتين، فقط، جمعا بين حديث الباب، وحديث الباب التالي، وبنحو قوله هذا قال أبو محمد ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فقال في كتابه "المحلّى": لا يحلّ لأحد أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيّتين، وساق حديث الباب، من طريق المصنّف بلفظه، وساقه أيضًا من طريق سليمان بن حرب، عن الأسود بن شيبان، كما تقدم قال: "إذا كنت في مثل هذا المكان، فاخلع نعليك
…
".
قال: فإن قيل: هلّا منعتم من كل نعل؟ لعموم قوله: "فاخلع نعليك". قلنا: منع من ذلك وجهان:
"أحدهما": أنه عليه السلام إنما دعا صاحب السبتيّتين بنصّ كلامه، ثم أمره بخلع نعليه. "والثاني": ما حدثناه عبد اللَّه بن ربيع، ثم ساق بسنده حديث الباب التالي، من طريق المصنّف، قال: فهذا إخبار منه عليه السلام بما يكون بعده، وأن الناس من المسلمين، سيلبسون النعال في مدافن الموتى إلى يوم القيامة، ولم ينه عنه، والأخبار لا تُنسخ أصلا، فصحّ إباحة لباس النعال في المقابر، ووجب استثناء السبتية منها لنصه عليه السلام عليها انتهى
(1)
.
وذهب الجمهور إلى عدم كراهة لبس النعال مطلقًا، محتجّين بحدث أنس رضي الله عنه الآتي في الباب التالي، وأجابوا عن حديث الباب بأنه إنما أمره بالخلع لاحتمال أن يكون بهما قَذَر، أو لاختياله بهما؛ لأن النعال السبتية إنما يلبسها أهل الترفه، والتنعّم، فأحبّ صلى الله عليه وسلم أن يكون دخول المقابر على زيّ التواضع.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي أن لا يُمشَى بين القبور بالنعال مطلقا، لعموم النصّ، وأما ما ذهب إليه المصنّف، وابن حزم من تخصيص السبتية، تعلّقًا بلفظ "يا صاحب السبتيتين"، فجعلا علة النهي كونهما سبتيتين، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن
(1)
- انظر "المحلى" ج 5 ص 136 - 137.
الظاهر أن العلة كونهما نعلين، لا سبتيتين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علق الأمر به، حيث قال:"فاخلع نعليك "، فهو أقرب علة مذكورة مع الحكم، فالعدول عنها إلى التعليل بالسبتية عدول إلى خلاف الظاهر، وما ذكره ابن حزم من الوجهين للمنع عن التعليل به، ففيه بُعدٌ. فتبصّر.
وأما ما أوّل به الجمهور، من أن أمره صلى الله عليه وسلم بالخلع لاحتمال أنه كان بهما قَذَر، فبعيد؛ لأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أمره من رأى القذر في نعليه أن يمسح نعليه، ويصلي بهما، ولا يخلعهما، فكيف يأمره هنا بالخلع لذلك. وكذا قولهم: إنما أمره بذلك لاختياله، لأن النعال السبتية إنما يلبسها أهل الترفّه والتنعّم غير صحيح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية، كما ثبت في "الصحيح" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وأما استدلالهم على جواز المشي بالنعال بين القبور مطلقًا بحديث أنس رضي الله عنه الآتي في الباب التالي: "إنه ليسمع قرع نعالهم"، ففيه نظر لا يخفى أيضًا، إذ يبعده قوله:"وتولَّى عنه أصحابه"، إذ نصّ الحديث:"إذا وُضع الميت في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم"، فظاهره كون لبسهم النعال عند توليهم عن دفنه، لا بين القبور، فلا يصلح الاستدلال به على الجواز.
والحاصل أن الأرجح أن لا تُلبَس النعال مطلقًا بين القبور، إلا للضرورة، فأما إذا دعت ضرورة إلى ذلك، بأن كانت الأرض ذات شوك، أو حرارة، أو نحوهما فلا ينهى عنه، لقول اللَّه تعالى:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الآية [الأنعام: 119]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
108 - التَّسْهِيلُ فِي غَيْرِ السِّبْتِيَّةِ
2049 -
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أحمد بن أبي عبيد اللَّه) بشر السَّلِيميّ -بفتح المهملة، وكسر اللام- الأزديّ
الورّاق، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة [10].
قال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: لا بأس به. مات بعد (24). روى عنه الترمذيّ، والمصنف هذا الحديث فقط، وأعاده بعد باب.
2 -
(يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [8] 5/ 5.
3 -
(سعيد) بن أبي عروبة مهران، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، يدلس، واختلط بآخره [6] 34/ 38.
4 -
(قتادة) بن دعامة المذكور قبل باب.
5 -
(أنس) بن مالك رضي الله عنه 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أنَسٍ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ) هذا الحديث اختصره المصنّف رحمه الله تعالى، وسيأتي له في الباب التالي، والذي بعده بأتمّ من هذا، وقد ساقه مطوّلاً الإمام أحمد، وأبو داود، واللفظ له، فقال في "كتاب السنّة" من "سننه":
4751 -
حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخَفَّاف، أبو نصر، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: إن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم، دخل نخلا لبني النجار، فسمع صوتا، ففزع، فقال:"مَن أصحاب هذه القبور؟ "، قالوا: يا رسول اللَّه، ناس ماتوا في الجاهلية، فقال:"تعوذوا باللَّه، من عذاب النار، ومن فتنة الدجال"، قالوا: ومم ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: "إن المؤمن إذا وضع في قبره، أتاه ملك، فيقول له: "ما كنت تعبد؟ فإنِ اللَّهُ هداه، قال: كنت أعبد اللَّه، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟، فيقول: هو عبد اللَّه ورسوله، فما يسأل عن شيء غيرها، فيُنطلَق به إلى بيت، كان له في النار، فيقال له: هذا بيتك، كان لك في النار، ولكن اللَّه عصمك، ورحمك، فأبدلك به بيتا في الجنة، فيقول: دعوني، حتى أذهب، فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وإن الكافر، إذا وضع في قبره، أتاه ملك، فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟، فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت، ولا تليت، فيقال له: فما
كنت تقول في هذا الرجل؟، فيقول: كنت أقول: ما يقول الناس، فيضربه بمطراق، من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة، يسمعها الخلق، غير الثقلين".
حدثنا محمد بن سليمان حدثنا عبد الوهاب بمثل هذا الإسناد نحوه قال: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان، فيقولان له
…
"، فذكر قريبًا من حديث الأول، قال فيه: "وأما الكافر، والمنافق، فيقولان له"، زاد المنافق، وقال: "يسمعها من وليه، غير الثقلين
…
".
(إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ) بالبناء للمفعول (فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ) أي القوم الذين يتولّون دفنه (إِنَّهُ لَيَسْمَعُ) ظاهره أن هذه الجملة خبر "إن" الأولى، وجواب "إذا" دلّ عليه السابق واللاحق، لكن الذي تدلّ عليه الرواية الآتية، أن جواب "إذا" محذوف، أي "أتاه ملكان"، وموضع "إنه ليسمع الخ" نصب على الحال.
وفي رواية البخاريّ: "حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان"، وفي رواية له:"وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان"(قَرْعَ نِعَالِهِمْ") أي تصويتها، وفي حديث البراء رضي الله عنه عند أحمد، وأبي داود، في أثناء حديث طويل:"وإنه ليسمع خَفْق نعالهم"، وخَفْقُ النعال: تصويتها، فهو بمعنى قرع النعال.
وهذا محل استدلال المصنّف على ترجمته، لكن في استدلاله به نظر؛ لأنه لا يستلزم أن يكون قرع النعال على القبور، بل الظاهر أنه بعد توليهم عنه، وأصرح منه ما أخرجه البزّار، وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الميت ليسمع خفق نعالهم، إذا ولّوا مدبرين"، وقد تقدم تمام البحث في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث سيأتي بأتمّ مما هنا في الباب التالي، والذي بعده، وسيأتي ذكر مسائده هناك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
109 - الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد به مسألة المسلم، بدليل الترجمة التالية، وقد صرّح به في "الكبرى"، فقال:"مسألة المسلم في القبر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2050 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنْبَأَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» -قَالَ-: «فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ، مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ، مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ» ، قَالَ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المخرِّميّ المذكور قبل باب.
2 -
(إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق) الْجُوزَجَانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ، رُمي بالنصب [11] 122/ 174.
3 -
(يونس بن محمد) بن مسلم المؤدّب، أبو محمد البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار [9] 15/ 1632.
4 -
(شيبان بن عبد الرحمن) التميميّ مولاهم، أبو معاوية النحويّ البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب [7] 13/ 347.
والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة السدوسيّ البصريّ، أنه قال (أَنْبَأَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ: نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ) وفي رواية للبخاريّ: "وإنه ليسمع قرِع نعالهم" بالواو. زاد في رواية مسلم: "إذا انصرفوا" (قَرْعَ نِعَالِهِمْ" -قَالَ:-: فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ) وفي الرواية التالية: "أتاه ملكان"، زاد ابن حبّان، والترمذيّ، من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه:"أسودان، أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير"، وفي رواية ابن حبّان:"يقال لهما: منكر ونكير"، زاد الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق أخرى، عن أبي هريرة: "أعينهما مثل قِدْر النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر
(1)
، وأصواتهما مثل الرعد"، ونحوه لعبد الرزاق،
(1)
- جمع صِيصة بالكسر: قرن البقر، والظباء. "ق".
من مرسل عمرو بن دينار، وزاد:"يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، معهما مِرْزبة، لو اجتمع عليها أهل منى لم يُقلّوها". وأرود ابن الجوزيّ في "الموضوعات" حديثًا، فيه "أن فيهم رومان، وهو كبيرهم".
وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذَينِ يسألان المذنب منكر ونكير، وأن اسم اللذَينِ يسالان المطيع مبشّر وبشير
(1)
(فَيُقْعِدَانِهِ) بضم الياء، من الإقعاد، زاد في حديث البراء، فتعاد روحه في جسده"، وزاد ابن حبّان من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: "فإذا كان مؤمنًا، كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: اجلس، فيجلس، وقد مثّلت له الشمس عند الغروب"، زاد ابن ماجه، من حديث البراء: "فيجلس، فيمسح عينيه، ويقول: دعوني أصلي".
(فَيَقُولَانِ لَهُ، مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟) أي في الرجل المشهور بين أظهركم، ولا يلزم منه الحضور، وئركهما ما يشعر بالتعظيم؛ لئلا يصير تلقينا، وهو لا يناسب موضع الاختبار. قاله السنديّ. زاد في الرواية التالية:"محمد صلى الله عليه وسلم "، وزاد أبو داود في أوده:"ما كنت تعبد؟، فإن هداه اللَّه، قال: كنت أعبد اللَّه، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ "، ولأحمد من حديث عائشة رضي الله عنها:"ما هذا الرجل الذي كان فيكم".
(فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ،) ولأحمد من حديث أبي سعيد رضي الله عنه. "فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقال له: صدقت". زاد أبو داود: "فلا يسألانه عن شيء غيرهما"، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند البخاريّ:"فأما المؤمن، أو الموقن، فيقول: محمد رسول اللَّه، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وآمنّا، واتبعنا، فيقال له: نَمْ صالحا". وفي حديث أبي سعيد، عند سعيد بن منصور:"فيقال له: نَمْ نَوْمة العروس، فيكون في أحلى نومة نامها أحد، حتى يُبعث". وللترمذيّ في حديث أبي هريرة: "ويقال له: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه، حتى يبعثه اللَّه من مضجعه ذلك". ولابن حبّان، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة، وأحمد من حديث عائشة:"ويقال له: على اليقين كنت، وعليه متّ، وعليه تبعث إن شاء اللَّه".
(فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بهِ، مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ") وفي رواية أبي داود: فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن اللَّهَ عز وجل عصمك، ورحمك، فأبدلك به بيتًا في الجنّة، فيقول: دعوني حتى أذهب، فأبشّر أهلي، فيقال له:
(1)
- راجع "الفتح" ج 3 ص 606. "كتاب الجنائز".
اسكت". وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: "كان هذا منزلك لو كفرت بربك". ولابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد صحيح: "فيقال له: هل رأيت اللَّه؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه، فتُفرَج له فرجة قِبَل النار، فينظر إليها، يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر ما وقاك اللَّه". وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة: "لا يدخل أحد الجنة إلا أُري مقعده من النار، لو أساء؛ ليزداد شكرًا"، وذكر عكسه
(1)
(قَالَ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا") أي يرى مقعده من النار، ومقعده من الجنة.
[تنبيه]: ذكر في رواية البخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة: ما نصه: "قال قتادة: وذكر لنا أنه يُفسح له في قبره"، قال في "الفتح": زاد مسلم من طريق شيبان، عن قتادة:"سبعون ذراعًا، ويُملأ خضرًا إلى يوم يبعثون". قال الحافظ: ولم أقف على هذه الزيادة موصولة من حديث قتادة. وفي حديث أبي سعيد، من وجه آخر عند أحمد:"ويُفسح له في قبره". وللترمذيّ، وابن حبان من حديث أبي هريرة: "فيفسح له في قبره
سبعين ذراعا"، زاد ابن حبان "في سبعين ذراعًا". وله من وجه آخر عن أبي هريرة "ويرحب له في قبره سبعون ذراعا، وينوّر له كالقمر ليلة البدر". وفي حديث البراء الطويل:"فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فياتيه من رَوْحها، وطيبها، ويفسح له فيها مدّ بصره". زاد ابن حبّان من وجه آخر، عن أبي هريرة "فيزداد غِبْطةً وسرورًا، فيعاد الجلد إلى ما بدأ منه، وتجعل روحه في نسم طائر يَعْلُقُ
(2)
في شجر الجنّة". وسيأتي للمصنف
من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إنما نسمة المؤمن طائر في شجر الجنة، حتى يبعثه اللَّه عز وجل إلى جسده يوم القيامة". وفي "صحيح مسلم" من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "أرواح الشهداء في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل
…
" الحديث.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المسائل المتعلقة بهذا الحديث ستأتي إن شاء اللَّه تعالى في الباب التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
(1)
- راجع "الفتح" ج 3 ص 606 - 607.
(2)
- من باب قتل، أي تأكل، أو من باب تعب، أي تسرح.
110 - مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ
2051 -
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ، مُحَمَّدٍ؟ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ، مَقْعَدًا خَيْرًا مِنْهُ» . قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا".
وَأَمَّا الْكَافِرُ، أَوِ الْمُنَافِقُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً، بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً، يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ، غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم سندًا ومتنًا قبل باب، وتقدم شرحه، غير ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الجزء الذي يتعلق بالكافر، فهذا موضع شرحه، فأقول: مستعينًا باللَّه تعالى:
قوله (وَأمَّا الْكَافِرُ، أَوِ المُنَافِقُ) هكذا في رواية المصنّف بالشك، وهي رواية للبخاريّ أيضًا، وفي رواية له:"وأما الكافر، والمنافق" بواو العطف. وفي رواية أبي داود المتقدمة قبل باب: "وأن الكافر إذا وضع"، وكذا لابن حبّان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وكذا في حديث البراء الطويل، وقد تقدم، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد:"وإن كان كافرًا، أو منافقًا" بالشكّ، وله في حديث أسماء:"فإن كان فاجرًا، أو كافرًا"، وفي "الصحيحين" من حديثها:"وأما المنافق، أو المرتاب"، وفي حديث جابر عند عبد الرزاف، وحديث أبي هريرة عند الترمذيّ:"وأما المنافق"، وفي حديث عائشة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن ماجه:"وأما الرجل السوء". وللطبرانيّ من حديث أبي هريرة: "وإن كان من أهل الشكّ".
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فاختلفت هذه الروايات لفظًا، وهي مجتمعة على أن كُلًّا من الكافر والمنافق يُسأل، ففيه تعقّب على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدّعي الإيمان، إن محقّا، وإن مبطلًا، ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزّاق من طريق عُبيد بن عُمير، أحد كبار التابعين، قال:"إنما يُفتن رجلان: مؤمن، ومنافق، وأما الكافر فلا يُسأل عن محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يعرفه". وهذا موقوف، والأحاديث الناصّة على أن
الكافر يُسأل مرفوعةٌ، مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول.
وجزم الترمذيّ الحكيم بأن الكافر يُسأل، واختلف في الطفل، غير المميّز، فجزم القرطبيّ في "التذكرة" بأنه يُسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعيّة بأنه لا يسأل، ومن ثمّ قالوا: لا يُستحبّ أن يُلقّن. واختلف أيضًا في النبيّ، هل يسأل، وأما الملك، فلا أعرف أحدًا ذكره، والذي يظهر أنه لا يسأل؟ لأن السؤال يختصّ بمن شانه أن يُفتن.
وقد مال ابن عبد البرّ إلى الأول، وقال: الآثار تدلّ على أن الفتنة لمن كان منسوبًا إلى أهل القبلة، وأما الكافر الجاحد، فلا يسأل عن دينه. وتعقّبه ابن القيّم في "كتاب الروح"، وقال: في الكتاب والسنّة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم، قال اللَّه تعالى:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} الآية [سورة إبراهيم عليه السلام: 27]، وفي حديث أنس رضي الله عنه في البخاريّ:"وأما المنافق والكافر" بواو العطف. وفي حديث أبي سعيد: "فإن كان مؤمنا -فذكره، وفيه-: فيأتيه منكر ونكير
…
" الحديث، أخرجه أحمد هكذا، قال: وأما قول أبي عمر: فأما الكافر الجاحد، فليس ممن يُسال عن دينه. فجوابه أنه نفي بلا دليل، بل في الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يسأل عن دينه، قال اللَّه تعالى:{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6]، وقال تعالى:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} .
قال الحافظ: لكن للنافي أن يقول: إن هذا السؤال يكون يوم القيامة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تخصيص هذا السؤال بيوم القيامة مما لا دليل عليه، بل السؤال يكون في القبر، وفي القيامة، فالصواب ما قاله ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم.
(فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) وفي رواية أبي داود المتقدّمة: وإن الكافر إذا وُضع في قبره أتاه ملك، فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟ "، وفي أكثر الأحاديث: "فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ". وفي حديث البراء المتقدّم: "فيقولان له: مَن ربّك؟، فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري"، وهو أتمّ الأحاديث سياقًا.
(كُنْتُ أَقُولُ: كَمَا يَقُولُ النَّاسُ) وفي رواية للبخاريّ: "كنت أقول: ما يقول الناس"، وفي حديث أسماء عنه:"سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته"، وكذا في أكثر الأحاديث.
وأراد بذلك أنه كان مقلّدًا في دينه، فلم يكن منفردًا عنهم بمذهب، فلا اعتراض عليه حقّا، كان ما عليه، أو باطلاً. وفيه ذمّ التقليد في الاعتقاد، بل يجب أن يعتقد عالما جازمًا.
(فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ) أي لا حققت بنفسك أمر الدين (وَلَا تَلَيْتَ) أي ولا تبعت مَن حقّق الأمر على وجهه. قيل: أصله: تلوت بالواو، بمعنى قرأت، إلا أنه قُلبت الواو للازدواج.
وقال في "الفتح": قوله: "ولا تليت" كذا في أكثر الروايات بمثناة مفتوحة، بعدها لام مفتوحة، وتحتانيّة ساكنة. قال ثعلب: قوله: "تليت" أصله تلوت، أي لا فهمت، ولا قرأت القرآن، والمعنى لا دريت، ولا اتبعت من يدري، وإنما قاله بالياء لمؤاخاة "دريت". وقال ابن السّكّيت: قوله: "تليت" إتباع، ولا معنى لها. وقيل: صوابه: ولا ائتليت، بزيادة همزتين، قبل المثناة بوزن افتعلت، من قولهم: ما ألوت، أي ما استطعت، حُكِيَ ذلك عن الأصمعيّ، وبه جزم الخطّابيّ. وقال الفرّاء: أي قصرت، كأنه قيل له: لا دريت، ولا قصرت في طلب الدراية، ثم أنت لا تدري. وقال الأزهريّ: الألَوُ يكون بمعنى الجهد، وبمعنى التقصير، وبمعنى الاستطاعة. وحكى ابن قتيبة، عن يونس بن حبيب أن صواب الرواية "لا دريت، ولا أتليت" بزيادة ألف، وتسكين المثنّاة، كأنه يدعو عليه بأن لا يكون له من يتبعه، وهو من الإتلاء، يقال: ما أتلت إبلُهُ، أي لم تلد أولادًا يتبعونها. وقال: قول الأصمعيّ أشبه بالمعنى، أي لا دريت، ولا استطعت أن تدري. ووقع عند أحمد، من حديث أبي سعيد:"لا دريت، ولا اهتديت"، وفي مرسل عبيد بن عمير، عند عبد الرزاق:"لا دريت، ولا أفلحت". (ثُمَّ يُضْرَبُ) بالبناء للمفعول. زاد في رواية البخاريّ: "بمطارق من حديد". وفي حديث البراء "لو ضرب بها جبل لصار ترابا". وحديث أسماء: "ويسلّط عليه دابّة في قبره، معها سوط، ثمرته جمرة، مثل غرب البعير، تضربه ما شاء اللَّه، صمّاء، لا تسمع صوته، فترحمه". وزاد في أحاديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وعائشة التي أشرنا إليها:"ثم يُفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت، فإن اللَّه أبدلك هذا، ويفتح له باب إلى النار". زاد في حديث أبي هريرة: "فيزداد حسرة، وثبورا، ويضيّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه". وفي حديث البراء: "فينادي مناد من السماء: أفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرّها، وسَمُومها".
(ضَرْبَةً، بَيْنَ أُذُنَيْهِ) أي على وجهه (فَيَصِيحُ صَيْحَةً، يَسْمَعُهَا مَن يَلِيهِ، غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ")
أي الإنس، والجنّ، قيل لهم: ذلك، كالثقل على وجه الأرض. وفي حديث البراء:"يسمعه من بين المشرق والمغرب". وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد:"يسمعه خلق اللَّه كلهم غير الثقلين، وهذا يُدخل الحيوان والجماد، لكن يمكن أن يُخصّ منه الجماد، ويؤيده أن في حديث أبي هريرة عند البزّار: "يسمعه كلّ دابة إلا الثقلين".
قال المهلّب: الحكمة في أن اللَّه يُسمع الجن قول الميت قدِّموني، ولا يُسمعهم صوته إذا عذّب، أن كلامه قبل الدفن متعلّق بأحكام الدنيا، وصوته إذا عذّب في القبر متعلّق بأحكام الآخرة، وقد أخفى اللَّه على المكلفين أحوال الآخرة، إلا من شاء اللَّه، إبقاءً عليهم، كما تقدم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -110/ 2051 - 108/ 2049 و 109/ 2050 وفي " الكبرى" 108/ 2176 و 19/ 2177 و 110/ 2178. وأخرجه (خ) 1338 و 1374 (م) 2871 (د) 3231 و 4751 (أحمد) 1186 و 13034. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فى فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات سؤال الكافر في القبر، وهذا القول هو الراجح، كما تقدّم قريبًا. ومنها: إثبات سؤال المؤمن في القبر، وهذا مما لا خلاف فيه. ومنها: إثبات سماع الميت قرع نعال من يدفنه، إذا انصرفوا من دفنه. ومنها: أن الذي يَسأل في القبر ملكان، اسم أحدهما منكر، واسم الآخر نكير. ومنها؟ أن سؤال القبر يكون عن التوحيد، ففيه بيان عظم شأن التوحيد. ومنها: أن من يُسال في قبره ينقسم إلى فسمين: مؤمن مخلص موفّق للإجابة، فيبشر برحمة اللَّه، وجنته، وغير مؤمن، فيَضِلّ عن الجواب، فيبشر بعذاب اللَّه، وسوء عاقبته، نسأل اللَّه تعالى أن يثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، إنه بعباده لرؤوف رحيم. ومنها: أن فيه ذمّ التقليد في أمور الدين، ولا سيما باب العقائد؛ لمعاقبة من قال:"كنت أسمع الناس، يقولون شيئًا، فقلته"، فالواجب على المكلّف الاتباع، لا التقليد.
وليُعلَم الفرق بين الاتباع والتقليد، فإن الأول الاقتداء عن جزم، ويقين، وهو الذي أمر اللَّه تعالى به من لا يعلم، فقال:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ومن علامته أن المتبع إذا بُيِّنَ له أن العالم الذي أفتاه قد أخطأ في هذه
المسألة، يتركه، ويسأل من هو أعلم منه، وما هو الصواب فيها، فيتبعه، ولا يعاند.
وأما التقليد فهو الأخذ بقول الغير، من غير معرفة دليله، بل هو مجرّد اتباع للرأي المحض، سواء أصاب، أو أخطأ، ومن علامته أنه يعتقد أن خطأه أفضل من صواب غيره، بدليل أنه إذا ذُكر له أن مقلّده مخطئ مخالف للنصوص في هذه المسألة لا يتراجع عنه، بل يتمادى، ويعارض النصوص بدعوى أن مُقلَّدَه أعلم من غيره بالنصوص، وهذه هي الطامّة الكبرى التي حلّت بالمسلمين بعد القرون المفضّلة، ومن العجب العُجاب أن ترى هذه الصفة فيمن ينتسب إلى العلم، بل ربما يدّعي معرفة الأحاديث، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون.
ومنها: أن الميت يحيا في قبره للمسألة؛ خلافًا لمن ردّه، واحتجّ بقوله تعالى:{قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} الآية [غافر: 11]، قال: فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرّات، ويموت ثلاثًا، وهذا خلاف النصّ.
والجواب عنه أن المراد بالحياة في القبر للمسألة، ليست الحياة المستقرّة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبيره، وتصرّفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرّد إعادة لفائدة الامتحان، الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حيي خلق لكثير من الأنبياء؛ لمسألتهم لهم عن أشياء، ثم عادوا موتى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: قال في "الفتح": ما حاصله: هل تختصّ مسألة القبر بهذه الأمة، أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأَوّلُ، وبه جزم الحكيم الترمذيّ، وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة، تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا، فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل اللَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين أُمسك عنهم العذاب، وقُبل الإسلام ممن أظهره، سواء أسرّ الكفر، أولا، فلما ماتوا قيّض اللَّه لهم، فَتَّاني القبر؛ ليستخرج سرّهم بالسؤال، وليميّز اللَّه الخبيث من الطيب، ويُثَبِّت اللَّه الذين آمنوا، وُيضلّ اللَّه الظالمين انتهى.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ويؤيّده حديث زيد بن ثابت، مرفوعًا: "إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها
…
" الحديث. أخرجه مسلم. ومثله عند أحمد، عن أبي سعيد، في أثناء حديث. ويؤيده أيضًا قول الملكين: "ما تقول في هذا الرجل محمدٍ". وحديث عائشة عند أحمد أيضًا، بلفظ: "وأما فتنة القبر فبي تُفتتنون، وعنّي تسألون".
وجنح ابن القيّم إلى الثاني، وقال: وليس في الأحاديث ما ينفي المسألة عمن تقدّم من الأمم، وإنما أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك عن
غيرهم، قال: والذي يظهر أن كلّ نبيّ مع أمته كذلك، فتعذّب كفارهم في قبورهم، بعد سؤالهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يُعذّبون في الآخرة بعد السؤال، وإقامة الحجة انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول الأوّل أرجح، لظواهر الأحاديث، وأَمَّا إثباته للأمم السابقة، فيحتاج إلى دليل خاصّ، وأما ثبوت العذاب لهم في القبر، وما بعده، فهذا مما لا ينكر، للنصوص الدالة عليه، كقوله تعالى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، لكن لا يلزم منه أن يكون هناك سؤال على الكيفية التي ثبتت لهذه الأمة، كما تقدّم بيانه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
111 - مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد به بيان فضل من مات بمرض بطنه، كالإسهال، ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2052 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَسَارٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا، وَسُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ، فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلاً، تُوُفِّيَ مَاتَ بِبَطْنِهِ، فَإِذَا هُمَا يَشْتَهِيَانِ، أَنْ يَكُونَا شُهَدَاءَ جَنَازَتِهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَقْتُلْهُ بَطْنُهُ، فَلَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ» ؟ ، فَقَالَ الآخَرُ: بَلَى.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(جامع بن شدّاد) أبو صخرة المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [5] 108/ 145.
2 -
(عبد اللَّه بن يسار) الجهنيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [3].
روى عن حذيفة، وعليّ، وسليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطَة، وغيرهم. وعنه ابنه عمار، والأعمش، ومنصور، وجامع بن شدّاد، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وذكره
(1)
- "فتح" ج 3 ص 609 - 610.
ابن حبّان في "الثقات". روى له أبو داود، والمصنف، وله عنده حديثان فقط، هذا، و 3773 حديث:"فأمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا .. " الحديث.
3 -
(سليمان بن صُرَد) -بضم المهملة، وفتح الراء- ابن الْجون الخزاعيّ، أبو مطرّف الكوفيّ، صحابيّ قُتل بعين الوردة سنة (65) 158/ 250.
4 -
(خالد بن عُرْفُطة) بن أبرهة، ويقال: أبرة بن سنان القُضاعيّ الْعُذريّ، صحابيّ، روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن عمر. وعنه أبو عثمان النهديّ، وأبو إسحاق السبيعيّ، وعبد اللَّه بن يسار الجهنيّ، وغيرهم. قال الطبرانيّ: كان خليفة سعد بن أبي وقّاص على الكوفة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (61). قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وذكر الدولابيّ أن المختار بن أبي عُبيد قتله بعد موت يزيد بن معاوية، فيكون ذلك بعد سنة (64). واللَّه أعلم.
روى له الترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط.
و"محمد بن عبد الأعلى": هو الصنعانيّ البصريّ. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ، و"شعبة": هو ابن الحجاج الإمام المشهور، وكلهم تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبد اللَّه بن يسار الجهني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه (قال: كُنْتُ جَالِسًا، وَسُلَيمَانُ بْنُ صُرَدٍ) بالرفع عطفا على الضمير؛ لوجود فاصل، كما قال ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "خلاصته":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ
…
عَطَفْتَ فَاقصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلً مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ
…
فِي النَّظمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
ويحتمل أن ينصب على أنه مفعول معه، كما قال ابن مالك أيضًا:
يُنْصَبُ تَالِي الوَاوِ مَفْعُولاً مَعَهْ
…
فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ
…
ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقُّ
ويؤيد هذا الوجه ما في "الكبرى" بلفظ: "مع سليمان بن صرد الخ".
(وخَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء، وإعرابه كسابقه (فَذَكَرُوا) أي ذكر القوم الحاضرون في المجلس (أَنَّ رَجُلًا، تُوُفِّيَ مَاتَ) بدل من "تُوفّى"(بِبَطْنِهِ) أي بسبب مرض بطنه (فَإِذَا هُمَا يَشْتَهِيَانِ)"إذا" فجائيّة، أي ففاجأ اشتهاؤهما (أَنْ يَكُونَا شَهِدَا جَنَازَتَهُ) بصيغة الماضي المسند لضمير الاثنين، ونصب "جنازته" على المفعولية، هكذا في النسخة "الهندية"، و"الكبرى"، ووقع في النسخ المطبوعة:"شُهداء جنازته"، بصيغة جمع شهيد، وإضافته إلى "جنازته"، والأول أوضح، وللثاني وجه أيضًا، وهو أن تقدّر "من"، أي من شهداء جنازته (فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَقْتُلْهُ) "من" شرطيّة، فلذا جزم فعل شرطها، ودخلت الفاء في جوابها، ويحتمل أن تكون موصولة، والفعل مرفوع، ودخلت الفاء في خبرها لشبهها بالشرطية (بَطْنُهُ) قال ابن الأثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي الذي يموت بمرض بطنه؛ كالاستسقاء، ونحوه انتهى
(1)
.
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "التذكرة": فيه قولان:
أحدهما: أنه الذي يصيبه الذّرَب، وهو الإسهال، تقول العرب: أخذه البطن، إذا أصابه الداء، وذَرِب الجرحُ: إذا لم يقبل الدواء، وذربت معدته: فسدت.
والثاني: أنه الاستسقاء، وهو أظهر القولين فيه؛ لأن العرب تنسب موته إلى بطنه، تقول: قتله بطنه، يعنون الداء الذي أصابه في جوفه، وصاحب الاستسقاء قلّ أن يموت إلا بالذّرب، فكأنه قد جمع الوصفين، وغيرهما من الأمراض، والوجود شاهد للميت بالبطن أن عقله لا يزال حاضرًا، وذهنه باقيًا إلى حين موته؛ ومثل ذلك صاحب السّلّ، إذ موت الآخر إنما يكون بالذرب، وليست حالة هؤلاء كحالة من يموت فجأة، أو يموت بالسام، والبرسام، والحمّيات المطبقة، أو القولنج، أو الحصاة، فتغيب عقولهم؛
لشدّة الآلام، ولزوم أدمِغَتهم، ولفساد أمزجتها، فإذا كان الحال هكذا، فالميت يموت، وذهنه حاضر، وهو عارف باللَّه انتهى
(2)
.
(فَلَنْ يُعَذَّبَ) وفي نسخة: "لم يُعذب"، وفي أخرى:"فلم يعذّب"، وهذه الظاهر أنها غير صحيحة، لأن الجواب إذا كان منفيا بـ"لم" لا يحتاج إلى الربط بالفاء، اللَّهم إلا أن يقدر فيه مبتدأ، والجملة خبره، أي فهو لم يُعذّب. واللَّه أعلم "فِي قَبْرِهِ"؟) فيه فضل الموت بمرض البطن، حيث إنه يرفع عنه عذاب القبر. والظاهر أن المصنّف أراد بالعذاب فتنة القبر، حيث إنه أورد هذا الباب بعد سؤال القبر، ولم يورده بعد عذاب
(1)
- "النهاية" ج 1 ص 136.
(2)
- "التذكرة في أحوال الموتى، وأمور الآخرة" ج 172.
القبر الآتي. لكن الذي يظهر أن العذاب أخصّ من فتنة القبر، لأنه لا يلزم من الفتنة التعذيب بالنار مثلا. واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالَ الْآخَرُ: بَلَى) أي قال صلى الله عليه وسلم ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث سليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطَة رضي الله عنهما هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -111/ 2052 - وفي " الكبرى" 111/ 2179. وأخرجه (ت) 1064 (أحمد) 17846. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
112 - الشَّهِيدُ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ال" فيه للجنس، والظاهر أن غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- منه أن الشهيد مطلقًا لا يفتن في قبره، أما شهيد المعركة فظاهر، وأما بقية الشهداء فليس في الحديث ما يدلّ على أنهم لا يفتنون في قبورهم، وقياسهم على شهيد المعركة قياس مع الفارق، لأن النصّ بَيّنَ سبب رفع الفتنة عنه، بأن بارقة السيوف أغنت عن افتتانه في قبره، فليس بقيةُ الشهداء بهذا المعنى، إلا أن المبطون تقدّم في الباب الماضي أنه لا يعذّب في قبره، والتعذيب أخصّ من الفتنة.
والحاصل أن عدم فتنة غير شهيد المعركة يحتاج إلى دليل صريح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2053 -
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ رَجُلاً، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ، يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، إِلاَّ الشَّهِيدَ؟ ، قَالَ:«كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ، عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً» .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ، ثقة [10] 51/ 64.
2 -
(حجاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت [9] 28/ 32.
3 -
(الليث بن سعد) الإمام المصريّ الحجة المشهور [7] 31/ 35.
4 -
(معاوية بن صالح) بن حُدَير الحمصيّ، صدوق له أوهام [7] 50/ 62.
5 -
(صفوان بن عمرو) بن هَرِم السَّكْسكِيُّ، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة [5].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين، عنه؟ فأثنى عليه خيرًا. وقال عمرو بن عليّ: ثَبْتٌ في الحديث. وقال عليّ بن المدينيّ: كان عند يحيى القطّان أرفع من عبد الرحمن بن يزيد.
وقال العجليّ، ودُحيم، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس به.
وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونّا. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قلت لدحيم: من الثبتُ بحمص؟ قال: صفوان، وسمّى جماعة. وقال أبو حاتم: سمعت دُحَيمًا يقول: صفوان أكبر من حَرِيز، وقدّمه. وقال ابن خراش: كان ابن المبارك وغيره يوثّقه. وقال أبو اليمان، عن صفوان: أدركت من خلافة عبد الملك، وخرجنا في بعث سنة (94). وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال النسائيّ في "التمييز": له حديث منكر في عمّار بن ياسر. وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (155) وقال سليمان بن سلمة: مات سنة (258).
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وعلق له أثرًا في "الصحيح"، وروى له الباقون، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط برقم 2053 و 3142 و 4874.
6 -
(راشد بن سعد) الْمَقرَئيّ -بفتح الميم، وسكون القاف، وفتح الراء، بعدها همزة، ثم ياء النسب
(1)
ويقال: الْحُبْرَانيّ، الحمصيّ، ثقة كثير الإرسال [3].
قال الأثرم، عن أحمد: لا بأس به. وقال الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو حاتم، والعجليّ، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: هو أحبّ إليّ من مكحول. وقال المفضّل الغلّابيّ: من أثبت أهل الشام. وقال أبو حاتم، والحربيّ: لم يسمع من ثوبان. وقال الخلال، عن أحمد: لا ينبغي أن يكون سمع منه. وقال أبو زرعة: راشد بن سعد، عن سعد بن أبي وقّاص مرسل. قال
(1)
- وفي "اللبّ": المقرائيّ بالضم، والسكون، و"فتح" الراء، وهمزة، ثم ياء النسب، إلى مُقرا، قرية بدمشق. اهـ.
الحافظ: وفي روايته عن أبي الدرداء نظر. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، إذا لم يحدّث عنه متروك. وقال ابن سعد: كان ثقة، مات سنة (108). وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (113) وكذا أرّخه أبو عبيد، وخليفة، والحربيّ، وابن قانع. وذكر الحاكم أن الدارقطنيّ ضعّفه. وكذا ضعّفه ابن حزم. وقد ذكر البخاريّ أنه شهد صفّين مع معاوية.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وله ذكر في "الجهاد" من "صحيحه"، وروى له الأربعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط.
7 -
(رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم) رضي الله عنه. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وراشد. (ومنها): أن فيه رواية تابعين عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) لم يسمّ، لكن جهالة الصحابي لا تضرّ، لأنهم كلهم عدولَ رضي الله عنهم (أَنَّ رَجُلًا) لم أر من سمّاه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤمِنِينَ، يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ) أي يمتحنون بسؤال الملكين لهم عن ربهم عز وجل، وعن نبيهم صلى الله عليه وسلم (إِلَّا الشَّهِيدَ؟) معنى هذا أن هذا الصحابيّ سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: يفتن المؤمنون إلا الشهيد، فأراد أن يعلم سبب استثناء الشهيد عن المفتونين في قبورهم (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي بالسيوف البارقة، من البروق، وهو اللمعان (عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً") منصوب على التمييز، أي من حيث الفتنة.
يعني أن ثباتهم عند السيوف البارقة فوق رؤوسهم، وبذلهم أرواحهم للَّه تعالى دليل على صدق إيمانهم، فلا حاجة إلى امتحانهم بالسؤال في قبورهم، إذ السؤال في القبر لاختبار صدق الإيمان، وكذبه، وهؤلاء ظهر صدقهم في الدنيا. واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ في "التذكرة" نقلاً عن الترمذيّ الحكيم -رحمهما اللَّه تعالى-: معناه أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان، وبرقت السيوف فرّوا؛ لأن من شأن المنافق الفرارَ، والرَّوَغَان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل، والتسليم للَّه تعالى نفسًا، وهَيَجَان حميّة اللَّه، والتعصّب له، لإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل؛ فلماذا يُعاد عليه السؤال في القبر؟. انتهى
(1)
.
(1)
- "التذكرة في أحوال الموتى، وأمور الآخرة" ص 171 - 172.
قال القرطبيّ: وإذا كان الشهيد لا يُفتن، فالصدّيق أجلّ خَطَرًا، وأعظم أجرًا، فهو أحرى أن لا يُفتن؛ لأنه المقدّم ذكره في التنزيل على الشهداء، في قوله تعالى:{فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} الآية [النساء: 69]، قال: وقد جاء في المرابط الذي هو أقلّ مرتبة من الشهداء أن لا يُفتن فكيف بمن هو أعلى رتبة منه ومن الشهيد. انتهى.
قال السيوطيّ: قد صرّح الحكيم الترمذيّ بأن الصدّيقين لا يُسألون، وعبارته: ثم قال تعالى: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] وتأويله عندنا -واللَّه أعلم- أن من مشيئته أن يرفع مرتبة أقوام من السؤال، وهم الصدّيقون، والشهداء.
وما نقله القرطبيّ، عن الحكيم في توجيه حديث الشهيد يقتضي اختصاص ذلك بشهيد المعركة، لكن قضيّة أحاديث الرباط التعميم في كلّ شهيد، وقد جزم الحافظ ابن حجر في كتابه "بذل الماعون في فضل الطاعون" بأن الميت بالطعن لا يُسأل؛ لأنه نظير المقتول في المعركة، وبأن الصابر بالاعون محتسبًا يَعلَم أنه لا يُصيبه إلا ما كتب اللَّه له، إذا مات فيه بغير الطعن، لا يُفتن أيضًا؛ لأنه نظير المرابط. وقد قال الحكيم في توجيه حديث المرابط: إنه قد ربط نفسه، وسجنها، وصيّرها جيشًا في سبيل اللَّه؛ لمحاربة أعدائه، فإذا مات على هذا، فقد ظهر صدق ما في ضميره، فوُقِي فتنة القبر انتهى ما ذكره السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قياس غير الشهداء عليهم نظر لا يخفى؛ لأن هذا من الأمور الغيبية التي لا ينالها العقل، فلا يقبل فيها القياس، ولا يلزم من رفعة الدرجة أن لا يسألوا في قبورهم، فالأولى عدم الخوض في مثل هذا الباب إلا فيما جاءت فيه النصوص الصحيحة الصريحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -112/ 2053 - وفي "الكبرى" 112/ 2180. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في فوائده:
(1)
- "زهر الربى" ج4 ص 99 - 101.
منها: بيان فضل الشهيد، حيث أكرمه اللَّه تعالى برفع فتنة القبر عنه. ومنها: إثبات فتنة المؤمنين في قبورهم. ومنها: فضل الصبر عند لقاء الأعداء في المعركة، وعدم الفرار منهم. ومنها: بيان سبب ما أكرم اللَّه تعالى به الشهيد برفع فتنة القبر عنه، وهو بذله نفسه، وصبره تحت بارقة السيوف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2054 -
أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: الطَّاعُونُ، وَالْبَطُنُ، وَالْغَرَقُ
(1)
، وَالنُّفَسَاءُ، شَهَادَةٌ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، مِرَارًا، وَرَفَعَهُ مَرَّةً إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، تقدّم قريبًا.
2 -
(يحيى) بن سعيد القطان البصريّ الثبت الحجة المشهور [9] 4/ 4.
3 -
(التيميّ) سليمان بن طَرْخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [4] 87/ 107.
4 -
(أبو عثمان) النَّهْديّ -بفتح، فسكون- عبد الرحمن بن ملّ -مثلث الميم، ومشدد اللام- مخضرم ثقة ثبت عابد، من كبار [2] 11/ 641.
5 -
(عامر بن مالك) البصريّ، مقبول [3].
روى عن صفوان بن أمية، وعنه أبو عثمان النهديّ، ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن المدينيّ: لا أعرفه، ولا أعلم روى عنه غير أبي عثمان.
انفرد به المصنّف، روى له حديث الباب فقط.
6 -
(صفوان بن أميّة) بن خَلَف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح القرشيّ الجُمَحيّ، أبو وهب، وقيل: أبو أميّة. قتل أبوه يوم بدر كافرًا، وأسلم هو بعد الفتح، وكان من المؤلفة، وشَهِد الْيَرْموك، روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام، وقيل: إنه مات أيام قتل عثمان، وقال المدائنيّ: مات سنة (41) وقال خليفة: سنة (42).
علّق له البخاريّ، وروى له الباقون، وله عند المصنف ثلاثة أحاديث فقط: هذا، و 4171 حديث: "لا هجرة بعد فتح مكة
…
"، وحديث قصة سارق ردائه، كرره خمس مرّات في "كتاب قطع السارق". واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- وفي نسخة: "والمبطون، والغريق".
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عامر بن مالك. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. (ومنه): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الخمسة المشار إليها في ترجمته إلا ثمانية أحاديث، راجع "تحفة الأشراف" جـ4 ص 187 - 191. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: الطَّاعُونُ) هو -كما قال في "المصباح- الموت من الوباء، وجمعه الطواعين، وطُعِن الإنسان بالبناء للمفعول: أصابه الطاعون، فهو مطعون. وقال ابن الأثير: الطاعون: المرض العامّ، والوباء الذي يفسد له الهواء، فتفسد الأمزجة، والأبدان انتهى
(1)
(وَالْبَطْنُ) تقدم شرحه في الباب الماضي (وَالْغَرَقُ) أي الموت بسسب الماء، هكذا في النسخة "الهندية"، وهو الذي ذكره الحافظ المزّي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، في "تحفة الأشراف"[ج 4 ص 191] وهو الذي في "الكبرى"، ووقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" بلفظ:"والمبطون، والغريق"، وعليها فيكون الكلام على حذف مضاف، أي موت المبطون، والغريق، كما يقدر في قوله (وَالنُّفَسَاءُ) أي موت المرأة النفساء، وهي التي ماتت بسبب الولادة. وقوله (شَهَادَةٌ) خبر "الطاعون"، وما عُطف عليه، على حذف مضاف، أي أسباب شهادة.
(قَالَ) أي سليمان التيميّ (وَحَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) أي النهديّ (مِرَارًا) أي تحديثا متكررًا (وَرَفَعَهُ مَرَّةً إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) يعني أن أبا عثمان النهديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حدّث بهذا الحديث، عن صفوان ابن أمية رضي الله عنه عدة مرّات موقوفًا عليه، وحدث به عنه مرةً، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرفوعًا.
ولا تعارض بين رفع مثل هذا الحديث، ووقفه؛ لأن الموقوف في مثله له حكم الرفع؛ إذ لا يقال من قبل الرأي. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث صفوان بن أميّة رضي الله عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -112/ 2054 - وفي "الكبرى" 112/ 2181. وأخرجه (أحمد) 14877 و 14883 و 27088 و 27094 (الدارمي) 2413. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
(1)
- "النهاية" ج3 ص 127.
113 - ضَمَّةُ القَبْرِ، وَضَغْطَتُهُ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الضغطة" بفتح الضاد المعجمة، وسكون الغين المعجمة، قال في "المصباح": ضَغَطَه، ضَغْطًا، من باب نفِع: زَحَمَه إلى حائط، وعصَرَه، ومنه: ضغطة القبر؛ لأنه يَضِيق على الميت، والضُّغْطَة بالضمّ الشدّة انتهى.
قيل: والمراد بضغطة القبر التقاء جانبيه على جسد الميت. وقال النسفيّ في "بحر الكلام": المؤمن المطيع لا يكون له عذاب القبر، ويكون له ضغطة القبر، فيجد هول ذلك، وخوفه؛ لما أنه تنعّم بنعمة اللَّه، ولم يشكر النعمة. ورَوى ابن أبي الدنيا عن محمد التيميّ قال: كان يقال
(1)
: إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم، ومنها خُلقوا، فغابوا عنها الغيبة الويلة، فلما رُدّ إليها أولادها ضمّتهم ضمة الوالدة غاب عنها ولدها، ثم قَدِم عليها، فمَن كان للَّه مطيعًا ضمًته برأفة ورفق، ومن كان عاصيًا ضمّته بعنف سخطا منها عليه لربها انتهى
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2055 -
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا، مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الحجة [10] 2/ 2.
2 -
(عمرو بن محمد العَنْقَرْيّ) أبو سعيد الكوفيّ، ثقة [9] 60/ 1782.
3 -
(ابن إدريس) هو: عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [8] 85/ 102.
4 -
(عبيد اللَّه) بن عمر العمريّ المدني، ثقة ثبت [5] 15/ 15.
5 -
(نافع) مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [3] 12/ 12.
6 -
(ابن عمر) عبد اللَّه رضي الله عنهما 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي. (ومنها): أن فيه ابن عمر -رضي اللَّه
(1)
هذا الذي نُقِلَ عن محمد التيمي يحتاج إلى دليل صحيح، وأين هو؟ واللَّه تعالى أعلم.
(2)
- راجع "زهر الربى" ج4 ص 201 - 103.
تعالى عنهما، أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ) زاد البيهقيّ في "كتاب عذاب القبر": يعني سعد بن معاذ، وزاد في "دلائل النبوّة": قال الحسن: "تحرك له العرش فَرَحًا بروحه"(وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) أي فرحا بقدومه أيضًا (وَشَهِدَهُ سَبعُونَ أَلْفًا، مِنَ الْمَلَاِئِكَةِ) أي لتشييع جنازته (لَقَدْ ضُمَّ) بالبناء للمفعول (ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ") وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث جابر رضي الله عنه، مرفوعًا:"لَهَذا العبدُ الصالح، الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، شُدِّدَ عليه، ففرج اللَّه عنه". وقال مرة: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لسعد، يوم مات، وهو يدفن
…
وأخرج أحمد، من حديث عائشة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"إن للقبر ضغطة، لو كان أحد ناجيًا منها، لنجا منها سعد بن معاذ". ورجاله رجال الصحيح غير الراوي عن عائشة رضي الله عنها، فلم يسمّ. قال أبو القاسم السعديّ: لا ينجو من ضغطة القبر صالح، ولا طالح، غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره، ثم يعود إلى الانفساح له.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يؤيده ما تقدّم في حديث البراء رضي الله عنه الطويل عند إجابته لسؤال الملكين: "فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فأَفرِشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها، وطيبها، ويفسح له فيها مدّ بصره". واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحكيم الترمذيّ: سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألمّ بذنبٍ ما، فتدركه هذه الضطغة جزاء لها، ثم تدركه الرحمة، وكذلك ضغطة سعد بن معاذ في التقصير من البول.
قال السيوطيّ: يشير إلى ما أخرجه البيهقيّ، من طريق ابن إسحاق، حدثني أمية بن عبد اللَّه، أنه سأل بعض أهل سعد، ما بلغكم من قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في هذا؟، فقالوا: ذُكر لنا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك؟ فقال: "كان يقصّر في بعض الطهور من البول". وقال ابن سعد في "طبقاته": أخبرني شبابة بن سوّار، أخبرني أبو معشر، عن سعيد المقبريّ، قال: لما دفن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سعدًا قال: "لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضُمّ ضمةً، اختلفت منها أضلاعه، من أثر البول". وأخرج البيهقيّ عن الحسن: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال حين دفن سعد بن معاذ: "إنه ضُمّ في القبر ضمّةً حتى
صار مثل الشعرة، فدعوت اللَّه أن يرفعه عنه، وذلك بأنه كان لا يستبرئ من البول".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأحاديث كلها مراسيل، إلا أنه ربما يكون لمجموعها قوة، فتصلح لبيان سبب ضغطة سعد رضي الله عنه. واللَّه تعالى أعلم.
قال الحكيم الترمذيّ: وأما الأنبياء، فلا يُعلم أن لهم في القبور ضمّة، ولا سؤالاً؛ لعصمتهم انتهى
(1)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -114/ 2057 - وفي "الكبرى" 114/ 2182. وأخرجه (أحمد) 14096.
وفي الحديث إثبات ضمة القبر، وضغطته، وفيه بيان عظم مرتبة سعد بن معاذ رضي الله عنه عند اللَّه تعالى، حيث إنه تحرّك العرش لموته، وأن السماء فتحت لقدومه، وأنه شيعه سبعون ألفا، من الملائكة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
114 - عَذَابُ الْقَبْرِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة، وبما أورده تحتها من الأحاديث الردّ على من أنكر عذاب القبر.
وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه" بقوله: "باب ما جاء في عذاب القبر".
فقال في "الفتح": لم يتعرّض المصنف في الترجمة لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط، أو عليها، وعلى الجسد، وفيه خلاف شهير عند المتكلّمين، وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين، فلم يتقلّد الحكم في ذلك، واكتفى بإثبات وجوده، خلافًا لمن نفاه مطلقًا، من الخوارج، وبعض المعتزلة، كضِرَار بن عمرو، وبشر المريسيّ، ومن وافقهما، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة، وجميع أهل
(1)
- المصدر السابق.
السنّة، وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة، كالجبّائيّ إلى أنه يقع على الكفّار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية تردّ عليهم أيضًا انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2056 -
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن منصور) الكوسَج المروزيّ ثقة ثبت [11] 72/ 88.
2 -
(عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ الثبت الحجة [9] 42/ 49.
3 -
(سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة المشهور [17] 33/ 37.
4 -
(أبوه) سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ الكوفيّ والد سفيان الراوي عنه، ثقة [6] 153/ 1121.
5 -
(خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- واسم أبي سبرة يزيد بن مالك بن عبد اللَّه بن ذؤيب، الجعفيّ الكوفيّ، ثقة، يرسل [3].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة، وكان رجلاً صالحًا، وكان سخيّا، ولم ينج من فتنة ابن الأشعث إلا هو، وإبراهيم النخعيّ. وقال مالك بن مِغْوَل، عن طلحة بن مصرّف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إليّ منهما. قال البخاريّ: مات قبل أبي وائل. وقال غيره: مات بعد سنة (80) وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وساق بسنده إلى نعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط.
6 -
(البراء) بن عازب رضي الله عنهما 86/ 105.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث بهذا السند صورته صورة الموقوف، لكن سيأتي في الحديث التالي مرفوعًا، وسيأتي شرحه هناك، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2057 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] قَالَ: نَزَلَتْ فِي
(1)
- "فتح" ج 3 ص 600 "كتاب الجنائز" رقم 1369.
عَذَابِ الْقَبْرِ، يُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن بشار) بُندار البصريّ الحافظ الثبت [10] 24/ 27.
2 -
(محمد) بن جعفر، غُندر البصريّ الحافظ الثقة [9] 21/ 22.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور تقدّم قريبًا.
4 -
(علقمة بن مَرْثَد) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [6] 103/ 2040.
5 -
(سعد بن عُبيدة) السلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [3] 77/ 1008.
6 -
(البراء بن عازب) - رضي اللَّه تعالى عنهما - 86/ 105. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شبعة، ومن بعده كوفيون. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنهما (عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] قَالَ) تأكيد لـ"قال" الأول، وقوله:{يُثَبِّتُ اللَّهُ} الآية مبتدأ محكيّ، خبره جملة قوله:(نَزَلَتْ فِي عَذَاب الْقَبْرِ) أي هذه الآية نزلت في إثبات عذاب القبر، أي في السؤال في القبر، ولما كان السؤال يكون سببا للعذاب في الجملة، ولو في حقّ بعضٍ، عبّر عنه باسم العذاب، فالمراد بالتثبيت في الآخرة هو تثبيت المؤمن في القبر عند سؤال الملكين إياه.
ثم بيّن كيفية السؤال، وتثبيت المؤمن عنده بقوله (يُقَالُ لَهُ) أي للمؤمن المفهوم من قوله:"الذين آمنوا"(مَنْ رَبُّكَ؟، فَيَقُولُ: رَبَّيَ اللَّهُ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) وفي نسخة: "ونبيي محمد". أي ويسأل عن دينه، كما بيّن في رواية آخرى، فيقول: ديني دين محمد صلى الله عليه وسلم. وفي رواية للبخاريّ: "قال: إذا أُقعِد المؤمن في قبره، أُتي، ثم شهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه"(فَذَلِكَ قَوْلُهُ) أي هذا الجواب هو معنى قوله تعالى ({يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]) يعني أنه يُوَفِّقُه للإجابة المذكورة.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختصر سعد -يعني ابن عبيدة- وخيثمة -يعني ابن عبد الرحمن- هذا الحديث جدًّا، لكن أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن خيثمة، فزاد فيه:"إن كان صالحًا وُفّق، وإن كان لا خير فيه، وُجد أبله"، وفيه اختصار أيضًا، وقد رواه زاذان أبو عمر، عن البراء مطوّلاً، مبيّنًا، أخرجه أصحاب السنن، وصححه أبو عوانة، وغيره، وفيه من الزيادة في أوله:"استعيذوا باللَّه من عذاب القبر"، وفيه "فتُردّ روحه في جسده"، وفيه "فيأتيه ملكان، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟، فيقول: ربي اللَّه، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول اللَّه، فيقولان له: وما يُدريك؟ فيقول: قرأت القرآن، كتابَ اللَّه، فآمنت به، وصدّقت، فذلك قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}، وفيه، "وأن الكافر تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري
…
" الحديث انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم ذكر حديث البراء رضي الله عنه بطوله من رواية أبي داود، في باب "التسهيل في غير السِّبتِيّة" 108/ 2040 - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -114/ 2056 و 2057 وفي "الكبرى" 114/ 2183 و 2184. وأخرجه (خ) 1369 و 4699 (م) 2871 (د) 4750 (ت) 3120 (ق) 4296. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات عذاب القبر، ووجه ذلك أن الحديث كما تقدم فيه اختصار، وقد تقدم من طريق زاذان، عن البراء مطوّلاً، وفيه تعذيب الكافر عند عدم إجابته عن سؤال الملكين، ففيه إثبات عذاب القبر، أو من إطلاق السبب على المسبب، فإن في رواية المصنّف إثبات سؤال الملكين، وهو سبب لثبوت العذاب، لكن في بعض المسؤولين دون بعض. واللَّه تعالى أعلم.
ومنها: بيان سبب نزول هذه الآية. ومنها: إثبات سؤال الملكين لكلّ مقبور. ومنها: رأفة اللَّه تعالى بعباده المؤمنين، حيث يُثَبِّتُهُم عند سؤال الملكين، مع أن جنسهم غير جنس بني آدم، ومع انفراد كلّ مسؤول عمن يستأنس به في مثل ذلك الموقف، وهذا
فضل عظيم، ولف جسيم من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين. ومنها: أنه يستفاد منه أهمية التوحيد، حيث إنه هو المسؤول عنه في أول منزل من منازل الآخرة، فينبغي للعبد أن يخلص في توحيده، ولا يدنسه بالمعاصي، ولا سيما المعاصي التي تؤدي إلى الشرك، وإن كان خفيا. نسأل اللَّه تعالى أن يحيينا على التوحيد، وأن يميتنا عليه، ويبعثنا عليه، إنه بعباده لرؤوف رحيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في عذاب القبر:
قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: إثبات عذاب القبر مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت عليه أدلّة الكتاب والسنّة، ولا يمتنع في العقل أن يعيد اللَّه تعالى الحياة في جزء من الجسد، ويعذّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشرع وجب قبوله، وقد خالف في ذلك الخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض المرجئة، ونفوا ذلك.
ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه، أو بعضه، بعد إعادة الروح إليه، أو إلى جزء منه، وخالف محمد بن جرير الطبريّ، وعبد اللَّه بن كرام، وطائفة، فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، قال أصحابنا: وهذا فاسد؛ لأن الألم، والإحساس، إنما يكون في الحيّ، قال أصحابنا: ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرّقت أجزاؤه، كما نشاهد في العادة، أو أكلته السباع، أو حيتان البحر، أو نحو ذلك، فكما أن اللَّه تعالى يُعيده للحشر، وهو عز وجل قادر على ذلك، فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه، أو أجزاء، وإن أكلته السباع، والحيتان.
فإن قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يُسأل، ويُقعد، وُيضرَب بمطارق من حديد، ويعذّب، ولا يظهر له أثر؟.
فالجواب: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذّة، وآلامًا، لا نُحسّ نحن شيئًا منها، وكذا يجد اليقظان لذّةً، وألمًا لما يسمعه، أو يفكّر فيه، ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبريل عليه السلام كان يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيخبره بالوحي الكريم، ولا يدركه الحاضرون، وكلّ هذا واضح، ظاهر، جليّ انتهى كلام وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم بيان الاختلاف في عذاب القبر في "أبواب الطهارة" -27/ 31 - بأتم مما هنا، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(1)
- "طرح التثريب" ج 3 ص 306.
2058 -
أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، سَمِعَ صَوْتًا، مِنْ قَبْرٍ، فَقَالَ:«مَتَى مَاتَ هَذَا؟» . قَالُوا: مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ:«لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ، أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ» .
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحجة المروزيّ [8] 32/ 36.
3 -
(حميد) بن أبي حميد الطويل البصريّ الثقة العابد [5] 87/ 108.
4 -
(أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (119) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أن شيخه وعبد اللَّه مروزيان، وحميدًا وأنسًا بصريان. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، روى (2286) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، سَمِعَ صَوْتًا، مِنْ قَبْرٍ) أي من ميت مدفون في قبر (فَقَالَ: "مَتَى مَاتَ هَذَا؟) أي صاحب القبر (قَالُوا: مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في الأيام التي قبل الإسلام (فَسُرَّ بِذَلِكَ) بالبناء للمفعول، من السرور، أي استبشر النبي صلى الله عليه وسلم بكون ذلك المدفون ممن مات قبل الإسلام، حيث لم يكن من أمته.
وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والمراد أنه أزيل عنه ما لحقه من الغمّ والحزن باحتمال أن يكون الميت مؤمنًا معذّبًا في القبر. ويحتمل أن يقال: بجواز السرور بعذاب عدوّ اللَّه، من حيثية عداوته مع اللَّه تعالى انتهى
(1)
.
(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا) أي لولا خشية أن يفضي سماعكم إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضًا (لَدَعَوْتُ اللَّهَ، أَنْ يُسْمِعَكُمْ) من الإسماع (عَذَابَ الْقَبْرِ) قال السنديّ - رحمه اللَّه تعالى -: أي الصوت الذي هو أثره، وإلا فالعذاب لا يسمع، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا مانع من سماع العذاب نفسه، كما تقدم في حديث
(1)
- "شرح السندي" ج 4 ص 102.
البراء رضي الله عنه: "فيُضرَب بمطارق من حديد، ضربة، فيصيح صيحة، يسمعها من يليه من الثقلين". فلا يُستغرب أن يُسمع ضربُهُم بالمطارق، كما تُسمع صيحته. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث قد رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدريّ، عن زبد بن ثابت، رضي الله عنهما، مطوّلاً، فقال:
2867 -
حدثنا يحيى بن أيوب، وأبو بكر بن أبي شيبة جميعا، عن ابن علية، قال ابن أيوب: حدثنا ابن علية، قال: وأخبرنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن زيد بن ثابت، قال أبو سعيد: ولم أشهده من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن حدثنيه زيد بن ثابت، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم، في حائط لبني النجار، على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أَقْبُرٌ ستة، أو خمسة، أو أربعة، قال: كذا كان يقول الجريري، فقال:"من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ "، فقال رجل: أنا، قال:"فمتى مات هؤلاء؟ "، قال: ماتوا في الإشراك، فقال:"إن هذه الأمة تبتلى، في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت اللَّه أن يسمعكم، من عذاب القبر، الذي أسمع منه"، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال:"تعوذوا باللَّه من عذاب النار"، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب النار، فقال:"تعوذوا باللَّه من عذاب القبر"، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب القبر، قال:"تعوذوا باللَّه من الفتن، ما ظهر منها وما بطن"، قالوا: نعوذ باللَّه من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، قال:"تعوذوا باللَّه من فتنة الدجال"، قالوا: نعوذ باللَّه من فتنة الدجال انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 114/ 2058 - وفي "الكبرى" 114/ 2185. وأخرجه (م) 2867 و 2868 (أحمد) 11713 و 12143 و 13476. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: أن فيه معجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، حيث كان يسمع عذاب من يعذّب في قبره. ومنها: بيان لطف اللَّه تعالى بعباده، حيث أخفى عنهم عذاب القبر، مع أنه يسمعه سائر الحيوانات، وذلك رأفة بهم، وبمن يموت، إذ لولا ذلك لتعطل دفن الموتى، ولأهينت جُثث الأموات، وصارت كجُثث سائر البهائم. ومنها: بيان شدّة رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، حيث لم يدع اللَّه
أن يسمعهم عذاب القبر؛ لما ذكره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2059 -
أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ:«يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا» .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عون بن أبي جحيفة) السُّوَائيّ الكوفيّ، ثقة [4] 103/ 137.
2 -
(أبوه) أبو جُحَيفة وهب بن عبد اللَّه السُّوائيّ، ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا، يقال له: وهب الخير، صحابيّ معروف، وصحب عليّا رضي الله عنهما 103/ 137.
3 -
(أبو أيوب) الأنصاريّ، خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة رضي الله عنهم، شهد بدرًا، ونزل عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قَدِمَ المدينة، ومات غازيا بالروم، سنة (50) أو بعدها 20/ 20.
والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية ثلاثة من الصحابة بعضهم عن بعض، ورواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) بهنى، أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) ولفظ البخاريّ:"وقد وجبت الشمس"، وهو بمعنى غربت (فَسَمِعَ صَوْتًا) قال في "الفتح": قيل: يحتمل أن يكون صوت ملائكة العذاب، أو صوت اليهود المعذّبين، أو صوت وَقْع العذاب. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد وقع عند الطبرانيّ، من طريق عبد الجبّار بن العبّاس، عن عون، مفسّرًا، ولفظه:، "خرجتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس، ومعي كوز، من ماء، فانطلق لحاجته، حتى جاء، فوضّأته، فقال: "أتسمع ما أسمع؟ "، قلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "أسمع أصوات اليهود، يعذّبون في قبورهم" انتهى
(1)
(فَقَالَ: "يُهودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا")"يهود" خبر لمحذوف، أي هذه يهود،
(1)
- "فتح" ج 3 ص 611.
والجملة الفعلية في محلّ نصب على الحال، أو "يهود" مبتدأ، والجملة بعده خبره.
قال الجوهريّ: اليهود قبيلة، والأصل اليهوديّون، فحذفت ياء الإضافة، مثل زنج، وزنجيّ، ثم عُرِّفَ على هذا الحدّ، فجمع على قياس شعير وشعيرة، ثم عُرِّفَ الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام؛ لأنه معرفة مؤنث، فجرى مجرى القبيلة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -114/ 2059 - وفي "الكبرى" 114/ 2186 - . وأخرجه (خ) 1375 (م) 2869 (أحمد) 23028 و 33043. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الئالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: إثبات معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث إن اللَّه عز وجل أطلعه على ما في عالم البرزخ، فأخبر بذلك. ومنها: أن اليهود تعذّب في قبرها قبل يوم القيامة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
115 - التَّعَوُّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
2060 -
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ، حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا، وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يحيى بن دُرُسْت) البصريّ، ثقة [10] 23/ 24.
2 -
(أبو إسماعيل) القّنّاد، إبراهيم بن عبد الملك البصريّ، صدوق، في حفظه شيء [7] 23/ 24.
3 -
(يحيى بن أبي كلثير) اليماميّ البصريّ، ثقة ثبت، مدلس [5] 23/ 24.
4 -
(أبو سلمة) بن عبد الرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة [3] 1/ 1.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذيُّ، وابن ماجه، وشيخ شيخه، فتفرد به هو والترمذُّي. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيان.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أنَهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) الإضافة بمعنى "في" أي من عذاب في القبر (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا، وَالمَمَاتِ)"المحيا" بالقصر مَفْعَل كـ"الممات"، والمراد الحياة، والموت، ويحتمل أن يريد زمان ذلك، ويريد بذلك محنة الدنيا، وما بعدها، ويحتمل أن يريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما. قاله القرطبيّ، وقد تقدّم أقوال تتعلق بتفسير هاتين الكلمتين في "كتاب الصلاة"[64/ 1309] فراجعه تستفد (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ") أي من الامتحان، والاختبار بسببه، وقد تقدّم تفسير المسيح الدجّال في شرح الحديث المذكور. والمراد بفتنته ما يظهر على يديه من الخوارق للعادات التي يُضلّ بها من ضعف إيمانه، كما اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بيّنت خروجه في آخر الزمان، وما يظهر معه من تلك الأمور، أعاذنا اللَّه تعالى من شرّ فتنبّه، بمنه، وكرمه آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -115/ 2060 و 2061 و5505 و 5506 و 5508 و 5509 و5510
و 5511 و 5513 و5515 و 5516 و 5517 و 5518 و 5520 وفي "الكبرى" 115/ 2187 و 2188 و 7942 و 7943 و 7945 و 7946 و 7947 و 7948 و 7953 و 7954. وأخرجه (خ) 1377 (م) 588 (د) 983 (أحمد) 71196 و 7290 و 7386 و 7600 و 7810. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالتعوّذ من عذاب القبر. ومنها: التعوّذ من عذاب النار. ومنها: التعوّذ من فتنة المحيا والممات. ومنها: التعوّذ من فتنة المسيح الدجّال. ومنها: أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه سيأتي الدجال في آخر الزمان. ومنها: إثبات عذاب القبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2061 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بَعْدَ ذَلِكَ، يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عمرو بن سوّاد بن الأسود) أبو محمد المصريّ، ثقة [11] 45/ 594.
2 -
(حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [3] 32/ 725.
والباقون تقدّموا غير مرّة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: شرح الحديث واضح. وقوله: "بعد ذلك" هكذا في رواية مسلم أيضًا، ولعل اسم الإشارة يعود إلى وقت الوحي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بفتنة القبر، كما سيأتي في حديث أسماء رضي الله عنها التالي.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -115/ 2061 - وفي "الكبرى" 115/ 2188. وأخرجه (م) 124. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2062 -
أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ الْفِتْنَةَ، الَّتِي يُفْتَنُ بِهَا الْمَرْءُ فِي قَبْرِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ، ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً، حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ، كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ، قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ ، قَالَ:«قَدْ أُوحِىَ إِلَيَّ، أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(سليمان بن داود) بن حمّاد، أبو الربيع المصريّ، ثقة [11] 63/ 79.
2 -
(عروة بن الزبير) بن العوّام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 40/ 44.
3 -
(أسماء بنت أبي بكر) الصدّيق رضي الله عنهما -185/ 293.
والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه. (ومنها): أن الثلاثة الأولين مصريون، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والابن عن أمه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنه قال (أَخبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنهما (تَقُولُ: قَامً رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ الْفِتْنَةَ، الَّتِي) ووقع في نسخة: "الذي"، والظاهر أنه تصحيف (يُفْتَنُ بَهِا الْمَرْءُ فِي قَبْرِهِ) أي ذكر الامتحان الذي يمتحنه العبد في قبره، وهو سؤال الملكين. روى الامام أحمد في "كتاب الزهد"، وأبو نعيم في "الحلية"، عن طاوس، قال:"إن الموتى يُفتنون في قبورهم سبعًا، وكانوا يستحبّون أن يطعموا عنهم تلك الأيام".
وروى ابن جريج في "مصنّفه" عن الحارث بن أبي الحارث، عن عبيد بن عمير، قال: يُفتن رجلان: مؤمن، ومنافق، فأما المؤمن، فيفتن سبعًا، وأما المنافق، فيفتن أربعين صباحًا". انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الأثران هكذا نقلهما السيوطيّ في شرحه، وهما موقوفان، وُيحتاج إلى النظر في أسانيدهما فاللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ) أي فتنة المرء في قبره (ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً) أي صاحوا صيحة (حَالَتْ بَيْني وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ، كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وجملة "حالت الخ" في محلّ نصب صفة لـ"صيحة"، أي صيحةً مانعةً من فهم كلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (فَلَمَّا سَكَنَتْ) بالنون بعد الكاف، أي هدأت. وفي "الكبرى":"سكتت" بالتاء بعد الكاف، وهو قريب من معنى الأول (ضَجَّتُهُمْ، قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي) وفي رواية فاطمة بنت المنذر، عن أسماء عند
(1)
- راجع "زهر الربى" ج 4 ص 103 - 104.
البخاريّ في "الجمعة": "لما قال: أما بعد، لغط نسوة من الأنصار، وأنها ذهبت لتسكتهن، فاستفهمت عائشة عما قال".
قال الحافظ رحمه الله: يجمع بين مختلف الروايات أنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين، وأنه لما حدثت فاطمةَ لم تبيّن لها الاستفهام الثاني. قال: ولم أقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه عن ذلك إلى الآن.
ولأحمد من طريق محمد بن المنكدر، عن أسماء، مرفوعًا: "إذا دخل الإنسان قبره، فإن كان مؤمنًا، احتَفَّ به عمله، فيأتيه الملك، فتردّه الصلاة، والصيام، فيناديه الملك: اجلس، فيجلس، فيقول: ما تقول في هذا الرجل محمد؟ قال: أشهد أنه رسول اللَّه، قال: على ذلك عشتَ، وعليه متّ، وعليه تُبعث
…
" الحديث.
(أَيْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ) وفي "الكبرى": "أن بارك اللَّه فيك"، وإنما دعت له بالبركة؛ تبجيلاً له، وتمهيدًا لسؤالها، وهكذا ينبغي للسائل أن يقدّم قبل سؤاله ما يدلّ على تبجيل العالم، وتعظيمه، من الدعاء له، وندائه بما يُحبّ أن ينادى به. واللَّه تعالى أعلم.
(مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:، فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ قَالَ) حذف منه أحد القولين، أي قال ذلك الرجل: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ، أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ) قال في "النهاية": يريد مسألة منكر ونكير، من الفتنة، وهي الامتحان، والاختبار انتهى
(1)
.
(قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ") قال الكرمانيّ: وجه التشبيه بين الفتنتين الشدّة، والهول، والعموم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -115/ 2563 - وفي "الكبرى" 115/ 2189. وأخرجه (خ) 86 و 1054 و 1373 و 7287 (م) 905 (أحمد) 26385 و 26452 (الموطأ) 447. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2063 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ، كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ، مِنَ الْقُرْآنِ،
(1)
- "النهاية" ج 3 ص 410.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد تقدّموا غير مرّة، وشرح الحديث يعلم من شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -115/ 2063 و 5512 - وفي "الكبرى" 115/ 2190. وأخرجه (م) 590 (د) 984 (ت) 3494 (ق) 3840 (أحمد) 2169 و 2774 و 2834 (الموطأ) 499. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2064 -
أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ «إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ» ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ، أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ» . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ، يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
رجال هذا الإسناد: ستة، تقدموا كلهم قبل حديثين، وذكرت هناك لطائف الإسناد أيضًا، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عائشة رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، مِنَ الْيَهُودِ) وفي الرواية الآتية بعد حديث: "دخلت يهودية عليها، فاستوهبتها شيئًا، فوهبت لها عائشة
…
"، وفي الرواية التي بعدها: "قالت: دخلت عليّ عجوزتان من عجوز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم
…
"، ولا تنافي بين الروايتين، إذ يمكن أن إحداهما تكلمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فنسبت القول إليهما مجازًا، والإفراد يُحمل على المتكلّمة، أفاده الحافظ، وقال: لم أقف على اسم واحدة منهما. (وَهِيَ تَقُولُ: إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) من الارتياع: وهو الفزع، والمراد أنه صار ذلك الكلام عنده بمنزلة خبر، لم يَسبِق له به علم، ويكون شنيعًا منكرًا، ثم ردّه بقوله: "إنما تُفتن اليهود الخ" بناءً على أنه ما أوحي إليه قبل ذلك، ومقتضى الظاهر أنه لو كان لأوحي إليه، فليس هذا من باب الإنكار بمجرد عدم الدليل، بل لقيام أمارةٍ مّا على العدم أيضًا، وفيه أنه يجوز إنكار ما لا يثبت إلا بدليل، إذا لم يقم
عليه دليل، وظهر أمارةٌ مّا على عدمه، وإن كان حقّا، ولا إثم بإنكاره. قاله السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (وَقَالَ:"إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ) أي إنما تُفتن في قبورها يهود، لا المسلمون. وفي هذه الرواية أنكر النبيّ صلى الله عليه وسلم على اليهودية، وفي الرواية السابقة -64/ 1308 - من رواية مسروق عن عائشة: "فقال: نعم عذاب القبر حقّ"، أقرّها على ما قالت، وبين الروايتين اختلاف.
وأجاب النووي تبعا للحاويّ وغيره، بأنهما قصتان، فأنكر النبيّ صلى الله عليه وسلم قول اليهودية في الأولى، ثم أُعلِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك، ولم يُعلِم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن الوحي نزل بإثباته انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وبهذا يجاب أيضا ما سيأتي في قصة العجوزين أنه قال: "صدقتا الخ". وأصرح من رواية الباب في إنكار النبيّ صلى الله عليه وسلم على اليهودية عذاب القبر، ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد، بن عمرو سعيد الأمويّ، عن عائشة، أن يهودية كانت تخدُمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئا، من المعروف إلا قالت لها اليهودية، وقاك اللَّه عذاب القبر، قالت: فدخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عليّ، فقلت: يا رسول اللَّه، هل للقبر عذاب، قبل يوم القيامة؟، قال:"لا، وعَمَّ ذاك؟ "، قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها من المعروف شيئا، إلا قالت: وقاك اللَّه عذاب القبر، قال:"كذبت يهود، وهم على اللَّه عز وجل كُذُبٌ، لا عذاب دون يوم القيامة"، قالت: ثم مكث بعد ذاك، ما شاء اللَّه أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، مشتملا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته:"أيها الناس أظلتكم الفتن، كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرا، وضحكتم قليلا، أيها الناس، استعيذوا باللَّه، من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق".
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وفي هذا كله أنه صلى الله عليه وسلم إنما علم بحكم عذاب القبر، إذ هو بالمدينة في آخر الأمر، كما تقدّم تاريخ صلاة الكسوف في موضعه.
وقد استشكل ذلك بأن الآية المتقدّمة مكيّة، وهي قوله تعالى:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} الآية [إبراهيم: 27]، وكذلك الآية الأخرى المتقدمة، وهي قوله تعالى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} الآية [غافر: 46].
والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم، من حقّ من لم يتّصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حقّ آل فرعون، وإن التحق بهم من كان في حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما هو وقوع عذاب القبر على
الموحّدين، ثم عَلِم صلى الله عليه وسلم أن ذلك قد يقع على من يشاء اللَّه منهم، فجزم به، وحذّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه، تعليمًا لأمته، وإرشادًا، فانتفى التعارض- بحمد اللَّه تعالى- انتهى
(1)
.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَلَبثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ) وفي "الكبرى": "هل شَعَرتِ أنه أَوحي إليّ (أَنَّكمْ) أيها المسلمون (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ") أي كما تفتن اليهود في قبورها (قَالَتْ: عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ) أي بعد الواقعة المذكورة، وبعد أن أوحي إليه (يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ) أي يطلب من اللَّه تعالى أي يعصمه من عذاب القبر، وهذا في حقّه صلى الله عليه وسلم تعبّد لربه، وتعليم لأمته، لأنه معصوم من جميع أنواع العذاب، حيث إن اللَّه صلى الله عليه وسلم غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفقٌ عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -115 و 2064 و2055 و 2066 و 2067 و 64/ 1308 و 5504 - وفي "الكبرى" 115/ 2191 و 2192 و 2193 و 2194 و 98/ 1231 وأخرجه (خ) 1050 و 156 و 2366 (م) 584 و 586 (أحمد) 23747 و 24061 و 25477 و 25574 و 25801. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: أن عذاب القبر ليس خاصًّا باليهود، بل يعم غيرها من الأمم. ومنها: مشروعية الاستعاذة من عذاب القبر. ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من شدّة الخوف من اللَّه تعالى، فكان يستعيذ به من عذاب القبر، وعذاب النار، مع أنه صلى الله عليه وسلم غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر. ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، إلا ما أطلعه اللَّه تعالى بالوحي، ولذا أنكر على اليهودية عذاب القبر؛ لأنه لم يوح إليه به في ذلك الوقت، ثم لما أوحي إليه به صدّقها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2065 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَقَالَ:«إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ» .
(1)
- "فتح" ج 3 ص 604 - 605.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ. و"عمرة": هي بنت عبد الرحمن الأنصارية. وتقدم تمام الكلام في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2066 -
أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، دَخَلَتْ يَهُودِيَّةٌ عَلَيْهَا، فَاسْتَوْهَبَتْهَا شَيْئًا، فَوَهَبَتْ لَهَا عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: أَجَارَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ: عَائِشَةُ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:: «إِنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر أيضًا لحديث عائشة رضي الله عنها وهو صحيح أيضًا.
فقولها: "دخلت يهودية عليها". قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الظاهر أن هذه الواقعة غير الأولى، وهي متأخرة عنها، فهذه الواقعة كانت بعد أن أوحي إليه، وأما قولها:"دخلت عليها عجوزتان الخ" فذاك عين هذه الواقعة، إلا أنه وقع الاقتصار على ذكر الواحدة أحيانًا، وجاء ذكرهما أخرى انتهى
(1)
. وقولها: "أجارك اللَّه الخ": أي حفظك اللَّه تعالى. وقولها: قي فوقع في نفسي شيء": أي إنكار لما قالته.
وقوله: "إنهم ليعذّبون الخ" هذا يحتمل أنه قاله قبل أن يوحى إليه، فالضمير لليهود، ويحتمل أن يكون لأهل القبور، قاله بعد ما أحي إليه صلى الله عليه وسلم، وهذا الاحتمال هو الذي أشار إليه السنديّ في كلامه المذكور آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2067 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَتَانِ، مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ، يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أَنْعَمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَتَيْنِ، مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، قَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ، يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، قَالَ:«صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا، تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا» ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً، إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر أيضًا لحديث عائشة رضي الله عنها أخرجه البخاريّ. و "محمد ابن قدامة": هو المصيصيّ الثقة. و"جربر": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر.
(1)
- "شرح السنديّ" ج 3 ص 105.
وقولها: "دخلت علي عجوزتان" هكذا نسخ "المجتبى""عجوزتان"، بتاء التأنيث، وفي "الكبرى":"عجوزان"، وهو الذي في "الصحيحين". وهو المشهور عند اللغويين، قال ابن السّكّيت: العَجُوز: المرأة المسنّة، ولا يؤنّث بالهاء.
والأُولى أيضًا جائزة عند بعض اللغويين، فقد قال ابن الأنباريّ: ويقال أيضًا: عَجوزة بالهاء، لتحقيق التأنيث، وروي عن يونس أنه قال: سمعت العرب، تقول: عَجُوزة بالهاء. قاله في "المصباح".
وقولها: "من عُجُز يهود المدينة" بضم العين المهملة، والجيم، بعدها زاي، جمع عجوز، مثل عمود، وعُمُد، ويجمع أيضًا على عجائز. وقوله:"ولم أُنعِم الخ" بضم الهمزة، من الإنعام، رباعيّا، يقال: أنعمت له بالألف: إذا قلتَ له: نعم، والمراد أنها لم تصدّقهما أوّلًا. يعني أنها لم تطب نفسها بذلك؛ لظهور كذب اليهود، وافترائهم في الدين، وتحريفهم الكتاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
116 - وَضْعُ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ
قال الجامع عفا اللُّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يرى مشروعية وضع الجريد على القبر، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "أبواب الطهارة" -27/ 31 - ورجّحت هناك عدم المشروعية، وذكرت الأدلة على ذلك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
2068 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحَائِطٍ، مِنْ حِيطَانِ مَكَّةَ، أَوِ الْمَدِينَةِ، سَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ، يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ، ثُمَّ قَالَ:«بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا، لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» ، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ، مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ ، قَالَ:"لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا"، أَوْ "أَنْ يَيْبَسَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
تقدم الثلاثة الأولون في السند الماضي، وابن عباس تقدم في الباب الماضي،
ومجاهد بن جبر تقدّم أيضًا غير مرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُجَاهِدٍ،) بن جَبْر المكيّ الإمام الثقة الثبت (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وفي الرواية التالية أدخل بين مجاهد، وابن عباس طاوسًا، وكلاهما محفوظ، ولذا أخرج البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الحديث بكلتا الريقين، كما تقدّم البحث عن ذلك في 27/ 31 (قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بحَائِطٍ) أي ببستان (مِنْ حِيطَانِ مَكَّةَ، أَوِ الْمَدِينَةِ) هكذا في رواية البخاريّ أيضًا بالشكّ، قال الحافظ: والشكّ في قوله: "أو مكّة" من جرير. وفي "الأدب المفرد" له: "خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من بعض حيطان المدينة". قال في "الفتح": فيحمل أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرّ به انتهى (سَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ، يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ) أي بسبب أمر كبير يشقّ عليهما تركه (ثُمَّ قَالَ: "بَلَى") أي إنه لكبير، وفي رواية:"وما يعذّبان في كبير، وإنه لكبير"(كَانَ أَحَدُهُمَا، لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ) أي لا يتطهّر منه، وفي الرواية المتقدمة:"فكان لا يستنزه من بوله"(وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ") أي يسعى بالفساد بين القوم، بأن ينقل لكل واحد منهم ما يقوله الآخر، من الشتم، والأذى (ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ) أي طلب من الصحابة أن يأتوه بجريدة. وهي فعلية بمعنى مفعولة، وهى واحدة الجريد، وهو سَعَفُ النخل، وإنما تسمّى جريدة إذا جُرِّدَ عنها خُوصها. قاله في "المصباح"(فَكَسَرَهَا كِسْرَتَينِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ، مِنْهُمَا كِسْرَةً) وفي الرواية التالية: "ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة". وفي رواية عبد بن حميد: "ثم غرز عند رأس كلّ واحدة منهما قطعة"(فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟، قَالَ:؟ "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) أي يخفف العذاب عن المقبورين (مَا) مصدرية ظرفية (لَمْ يَيْبَسَا") أي مدة عدم جفاف العودين (أَوْ) للشكّ من الراوي (إِلَى أَنْ يَيْبَسَا) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -116/ 2068 و 2069 و 27/ 31 وفي "الكبرى" 116/ 2195 و 2196. وأخرجه (خ) 216 و 218 و 1361 و 1378 و 6052 و6055 (م) 292 (د) 20 (ت) 70 (ق) 347 (أحمد) 1981 (الدارمي) 739. واللَّه تعالى أعلم.
وسائر ما يتعلّق بالحديث قد تقدّم في "الطهارة" -27/ 31 - فارجع إليه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2069 -
أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ،، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ:: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا، فَقَالَ:: «لَعَلَّهُمَا أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث ابن عباس رضي الله عنها، وقد خالف الأعمش منصورًا، فادخل طاوسًا بين مجاهد، وبين ابن عباس رضي الله عنهما، وقد قدمنا أن كِلَا الطريقين صحيحان، ولذا أخرجهما الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه"، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد في "الكبرى" بعد هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: بعض حروف أبى معاوية لم أفهمه، كما أردت انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن مراده أنه لم يتبين له حينما سمع هذا الحديث من هناد بعض الحروف التي اشتمل عليها "أبو معاوية" يعني كلمة "أبى" وكلمة "معاوية" ويحتمل أن يكون المعنى أن بعض حروف الحديث من رواية أبي معاوية لم يتبينَ له حينما سمع من هناد، والاحتمال الأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2070 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«أَلَا إِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ، بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: منا سبة حديث ابن عمر رضي الله عنهما للترجمة غير واضحة، فإنه ليس لوضع الجريدة على القبر فيه ذكر، ولعله سقط من النسّاخ ترجمة هذا الحديث، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه" لهذا الحديث بقوله:"بابٌ الميتُ يُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشيّ". واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- راجع: "الكبرى" ج 1 ص 664 رقم الحديث 2196.
ورجال هذا الاسناد: أربعة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني ثقة، ثبت [10] 1/ 1.
2 -
(الليث) بن سعد الإمام المصري الحجه الثبت [7] 31/ 35.
3 -
(نافع) العدويّ مولى ابن عمر المدني الفقيه الثقة الثبت [3] 12/ 12.
4 -
(ابن عمر) عبد اللَّه رضي الله عنهما 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (120) من رباعيات الكتاب.
ومنها: أنه فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن مشاهير الصحابة في الفتوى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "أَلَا) أداة استفتاح،. وتنبيه (إِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ، بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن الميت يُعرَض عليه في قبره بالغداة والعشيّ مقعده من الجنّة، وفي هذا تنعيم لمن هو من أهل الجنّة، وتعذيب لمن هو من أهل النار بمعاينة ما أعدّ له، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود، ويوافق هذا في أحد الشّقّين قوله تعالى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46].
وقال ابن التين: يحتمل أن يريد بالغداة والعشيّ غداة واحدة، وعشيّة واحدة، يكون العرض فيها. ومعنى قوله:"حتى يبعثك اللَّه" أي لا تصل إليه إلى يوم البعث. ويحتمل أن يريد كلّ غداة، وكلّ عشيّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الأقرب، كما تؤيد الآية المذكورة أَحَد شقيه، فالشقّ الآخر مثله، فَيُعرَض على كل فريق مقعده كلّ غداة، وكلّ عشيّ، ولا يعارضه ما تقدّم من عرض المقعد عند السؤال، فذاك عرضٌ غير هذا. واللَّه تعالى أعلم.
وقال أبو العباس القرطبيّ: ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح وحدها، ويجوز أن يكون عليها مع جزء من البدن، واللَّه أعلم بحقيقة الحال. قال وليّ الدين: ظاهر الحديث عرض هذا على جملته، ولا مانع من إعادة الروح إلى الجسد، أو إلى البعض الذي يدرك منه حالة العرض.
فإن قلت: وهل في القبر غداة وعشيّ، وليلٌ ونهار؟.
قلت: المراد في وقت الغداة والعشيّ عند الأحياء، ويحتمل أن يمثّل له وقت الغداة والعشيّ في حال عرض المقعد عليه، وقد ورد في سؤال الملكين أنه يُمثّل له وقت صلاة العصر، ودنوّ الشمس للغروب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاستشكال من أصله فيه إشكال، فأين النصوص التي تنفي الغداة والعشيّ، والليل والنهار عن أهل القبور، حتى نستشكل؟ بل ظواهر النصوص على إثبات ذلك، فلا داعي إلى ردّ مثل هذا الاستشكال الذي لا ينبني على دليل صحيح. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وحكى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن معنى العرض هنا الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم، والجزاء لها عند اللَّه تعالى، قال: وأريد بالتكرير بالغداة والعشيّ تذكارهم بذلك، قال: ولسنا نشكّ أن الأجساد بعد الموت، والمسألة هي في الذهاب، وأكل التراب لها، والفناء، ولا يُعرَض شيء على فان، فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الروح خاصّة، وذلك أن الأرواح لا تفنى، وهي باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة، أو النار انتهى.
قال وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وما ذكره أولاً من أن معنى العرض هنا الإخبار قد يقتضي عدم معاينة المقعد حقيقةً، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، ولا مانع من حمل الحديث، والآية كلى ظاهرهما، وإذا لم يَصرِف عن الظاهر صارف فالإيمان به واجبٌ، وما ذكره من أن العرض على الأرواح خاصّة هو أحد احتمالي القرطبيّ، وظاهر الحديث خلافه، واللَّه أعلم انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما دلّ عليه ظواهر النصوص هو الحق الذي يجب التمسك به، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات العقلية التي تخالف هذه الظواهر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف. واللَّه تعالى أعلم.
(إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) اتحد فيه الشرط والجزاء لفظًا، ولا بدّ فيه من تقدير. قال التوربشتيّ: التقدير إن كان من أهل الجنّة، فمقعده، من مقاعد أهل الجنة يُعرض عليه. وقال الطيبيّ: الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظًا دلّ على الفخامة، والمراد أنه يرى بعد البعث من كرامة اللَّه تعالى ما يُنسيه هذا المقعد انتهى. ووقع عند
(1)
- "طرح التثريب" ج 3 ص 304 - 305.
مسلم بلفظ: "إن كان من أهل الجنّة فالجنّة"، أي فالمعروض الجنّة
(1)
.
(وِإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ) التقدير فيه كالتقدير في سابقه (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ") وفي الرواية التالية: "حتى يبعثك اللَّه عز وجل يوم القيامة"، بكاف الخطاب. وعند مسلم:"حتى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة".
وحكى ابن عبد البرّ فيه الاختلاف بين أصحاب مالك، وأن الأكثر رووه كرواية البخاريّ-يعني حتى يبعثك اللَّه يوم القيامة- وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم، قال: والمعنى حتى يبعثك اللَّه إلى ذلك المقعد. ويحتمل أن يعود الضمير إلى اللَّه، فإلى اللَّه ترجع الأمور، والأول أظهر انتهى.
قال الحافظ: ويؤيده رواية الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، بلفظ:"ثم يقال: هذا مقعدك الذي تُبعث إليه يوم القيامة". أخرجه مسلم. وقد أخرج النسائيّ
(2)
رواية ابن القاسم، لكن لفظه كلفظ البخاريّ انتهى
(3)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -116/ 2070 و 2071 و 2072 وفي "الكبرى" 116/ 2197 و 2198 و 2199. وأخرجه (خ) 1379 و 324 و 6515 (م) 2866 (ت) 1072 (ق) 4270 (أحمد) 4644 و 5098 و 5890 و 6023 (الموطأ) 564. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: إثبات عذا القبر، لأن عرض مقعده من النار عليه نوع عظيم من العذاب. ومنها: أن الروح لا تفنى بفناء الجسد، لأن العرض لا يمكن إلا على الحيّ. قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا الحديث، وما في معناه يدلّ على أن الموت ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ومفارقة الروح للبدن.
وقال بعضهم: ومما يدلّ على حياة الروح، وأنها لا تفنى قوله عز وجل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ
(1)
- "فتح" ج 3 ص 613.
(2)
- هو الحديث الآتي بعد حديث.
(3)
- "فتح" ج 3 ص 614.
الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} الآية [الزمر: 41]
(1)
.
ومنها: أن ابن عبد البرّ استدلّ به على أن الروح على أفنية القبور. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها، لا أنها لا تفارق الأفنية، بل هي كما قال مالك: إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت انتهى
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: ما تقدّم من ذكر عرض المقعد على الميت في قبره واضح في الكافر، والمؤمن المخلص، أما المخلّط الذي له ذنوب هو مؤاخذ بها، غير معفوّ عنها، فماذا يُعرض عليه؟. قال وليّ الدين: الذي يظهر أن المعروض عليه مقعده من الجنة، وأما النار، فليس له بها مقعد مستقرّ، وإنما يدخلها لعارض، ليُنقّى، ويطهّر، ويُمحّص، ثم يدخل مقعده من الجنّة، نقيّا، مخلصًا. وذكر أبو العباس القرطبيّ في ذلك تردّدًا، فقال: وأما المؤمن المؤاخذ بذنوبه، فله مقعدان، مقعد في النار زمن تعذيبه، ومقعد في الجنّة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يُعرضا عليه بالغداة والعشيّ، إلا إن قلنا: إنه أراد بأهل الجنّة كلّ من يدخلها، كيفما كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير، واللَّه أعلم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ أخيرًا هو الأرجح، كما مال إليه وليّ الدين، كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: قال أبو العباس القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا إخبار عن غير الشهداء، فإن أرواحهم في حواصل طير، تسرح في الجنّة، وتأكل من ثمارها.
قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا مبنيّ على أن عرض المقعد على الأرواح خاصّة، فلا يحتاج إلى عرضه عليها؛ لأنها في الجنة، وقد يقال: فائدة ذلك تبشيرها باستقرارها في الجنّة، مقترنة بجسدها في ذلك المحلّ المخصوص على التأبيد، وهذا قدر زائد على ما هي فيه، وأما إذا كان عرض المقعد على الأجساد، فلا مانع من أن الشهداء حينئذ كغيرهم، لأن الذي في الجنة إنما هو أرواحهم، وأما أجسادهم فهي في قبورهم، فتنعّم بعرض المقعد عليها بكرة وعشيّا.
(1)
- أفاده في "الطرح" ونقلته بتصرف ج 3 ص 307.
(2)
- "فتح" ج 3 ص 613، وسيأتي في المسألة الرابعة في الحديث الأول من الباب التالي بحث نفيس في مستقر الأرواح، إن شاء اللَّه تعالى.
على أن ذلك قد ورد في أرواح المؤمنين مطلقًا، رواه النسائيّ، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:"إنما نسمة المؤمن طائر في شجر الجنة، حتى يبعثه اللَّه إلى جسده يوم القيامة". ورواه ابن ماجه بلفظ: "إن أرواح المؤمنين في طير خضر، يعلُقُ بشجر الجنة". وهو عند الترمذيّ بلفظ: "إن أرواح الشهداء". انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2071 -
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، يُحَدِّثُ عَنْ نَافِعٍ،، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«يُعْرَضُ عَلَى أَحَدِكُمْ، إِذَا مَاتَ، مَقْعَدُهُ مِنَ الْغَدَاةِ، وَالْعَشِيِّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، قِيلَ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، متفق عليه، وهو أنزل من سابقه، بدرجة، وتقدم الكلام عليه في الذي قبله.
و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"المعتمر": هو ابن سليمان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ.
وقوله: "من الغداة". "من" بمعنى "في"، فإنها تأتي بمعناها، كما بيّنه الرضيّ، أي في الغداة والعشيّ. وقوله:"فإن كان من أهل النار الخ" فيه اختصار، تبيّنه الرواية السابقة، واللاحقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2072 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ، عُرِضَ عَلَى مَقْعَدِهِ، بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ، عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، متفق عليه، وهو خماسيّ، كسابقه، والكلام عليه كسابقه. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن بن القاسم الْعُتَقيّ الفقيه الثبت المصريّ، تلميذ الإمام مالك -رحمهما اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
- "طرح" ج 3 ص 305 - 306.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
117 - أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا في "الكبرى" أيضًا، ووقع في بعض نسخ "المجتبى" زيادة:"وغيرهم".
اعلم: أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أورد في هذا الباب ثمانية أحاديث، ومطابقة الحديث الأول للترجمة واضحة، حيث بين أن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، وأما الحديث الثاني، والثالث، والرابع فمطابقتها على هذه النسخة واضحة، من حيث إنها تدلّ على أن أرواح الكفّار معذّبة، خلاف أرواح المؤمنين، وأما على النسخة الأولى، فيكون من حذف الواو مع ما عطفت، أي "وغيرهم"، وأما بقية الأحاديث، فالظاهر كونها من أحاديث الباب التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2073 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، كَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ، طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عز وجل، إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
رجال هذا الإسناد: خمسة، مشهورون، تقدّموا، غير مرّة:
1 -
(عبد الرحمن بن كعب) بن مالك الأنصاريّ، أبو الخطاب المدنيّ، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: وُلد في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم[2] 38/ 731.
2 -
(كعب بن مالك) بن أبي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ المدني الصحابيّ المشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا رضي الله عنه 38/ 731. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي أنّ عبدَ الرحمن أخبر ابنَ شهاب.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في رواية مالك هذه بيان سماع الزهريّ لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكذلك رواه يونس، عن الزهريّ، قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك، يحدّث، عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعيّ، عن الزهريّ، حدثني عبد الرحمن بن كعب.
ورواه محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فُضيل، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. فاتفق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، والحارث ابن فُضيل على رواية هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه.
ورواه شُعيب بن أبي حمزة، ومحمد ابن أخي الزهريّ، وصالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك.
فاتفق هؤلاء على أن جعلوا الحديث لعبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جدّه كعب بن مالك. وذكره إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، أنه بلغه أن كعب بن مالك كان يحدّث.
وذكر أبو اليمان: حدثنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه ابن كعب، أن كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، مثل حديث مالك سواءً.
ورواه معمر، وعُقيل، وعمرو بن دينار، عن الزهريّ، عن ابن كعب، لم يقولوا: عبد اللَّه، ولا عبد الرحمن. ذكره عبد الرزّاق، عن معمر، وذكره الليث، عن عُقيل، وذكره ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهريّ، كلهم عن ابن كعب بن مالك، في حديث "نسمة المؤمن"، كلّ هذا.
وقال محمدُ بن يحيى -يعني الذُّهليّ-: المحفوظ عندنا -واللَّه أعلم- هذا، وهو الذي يشبه حديث صالح بن كيسان، وشعيب، وابن أخي ابن شهاب.
قال أبو عمر: لا وجه عندي لما قاله محمد بن يحيى، من ذلك، ولا دليل عليه، واتفاق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفس إلى قولهم، وروايتهم أسكن، وهم من الحفظ، والإتقان بحيث لا يقاس بهم
من خالف في هذا الحديث. وباللَّه تعالى التوفيق. انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الحديث موصولاً صحيح، ولا يضرّه كونه منقطعا عند هؤلاء؛ لأن الذين وصلوه ليسوا بدون الذين رووه منقطعًا، بل هم أعلى منهم، كما قال أبو عمر، فإن مالكًا مقدّم على غيره في الزهريّ. واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَّ أَبّاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (كانَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ) بفتحتين: أي روحه. قال أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: النسمة ههنا الروح، يدلّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه:"حتى يرجعه اللَّه إلى جسده، يوم القيامة". وقيل: النسمة: الروح والنفس، والبدن، وأصل هذه اللفظة -أعني النسمة- الإنسان بعينه، وإنما قيل للروح نسمة -اللَّه أعلم- لأن حياة الإنسان بروحه، وإذا فارقه عُدم، أو صار كالمعدوم. والدليل على أن النسمة الإنسان قوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق نسمة
مؤمنة
…
". وقول عليّ رضي الله عنه: "والذي فَلَق الحبّة، وبرأ النسمة
…
". وقول الشاعر [من المتقارب]:
بِأَعْظَمَ مِنْكَ تُقًى
(2)
فِي الحِسَابِ
…
إِذَا النَّسَمَاتُ نَفَضْنَ الْغُبَارَا
يعني إذا بعث الناس من قبورهم يوم القيامة. وقال الخليل بن أحمد: النسمة الإنسان، قال: والنسمة نفس الروح، والنسيم هبوب الريح. انتهى
(3)
.
قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: هذا العموم محمول على المجاهدين انتهى.
وقال القرطبيّ: هذا الحديث ونحوه محمول على الشهداء، وأما غيرهم، فتارة تكون في السماء، لا في الجّنة، وتارة تكون على أفنية القبور، قال: ولا يتعجل الأكل، والنعيم لأحد إلا للشهيد في سبيل اللَّه، بإجماع من الأمة، حكاه القاضي أبو بكر بن العربيّ في "شرح الترمذيّ"، وغير الشهداء بخلاف هذا الوصف، إنما يُملأ عليه قبره، وُيفسح له فيه انتهى.
وقال السيوطي في "شرحه": وقد ورد التصريح بأن هذا الحديث في الشهداء في
(1)
- "التمهيد" ج 11/ 56 - 58 ..
(2)
- وفي "التمهيد""يقي الحساب"، وفي نسخة منه "تقي في الحساب"، وما هنا هو الذي في "لسان العرب".
(3)
- "التمهيد" 11 ص 58 - 59.
بعض طرقه عند الطبرانيّ
(1)
، فأخرج من طريق سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق حيث شاءت". انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى أن تحمل رواية مالك هذه على أرواح جميع المؤمنين غير الشهداء، ورواية سفيان بن عيينة على أرواح الشهداء، فرواية سفيان، غير رواية مالك، بل هي رواية مستقلّة حدث فيها كعب بن مالك رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أرواح الشهداء، كما ثبت في حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ رضي الله عنهم في أرواح الشهداء، كما سيأتي، ولا غرابة في أن يحدث صحابيّ واحد حديثين مختلفين، سمعهما من النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك اختلاف ألفاظهما، فلفظ حديث مالك: "إنما
نسمة المؤمن طائر، يعدق في الجنّة حتى يبعثه اللَّه إلى جسده يوم القيامة"، ودفظ ابن
عيينة: "إن أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق من ثمر الجنة".
والحاصل أن الحديثين صحيحان، أحدهما بَيَّنَ كون روح المؤمن طيرًا تعلق في الجنة، والآخر بَيَّنَ أن أرواح الشهداء تكون في جوف طير خضر تعلق في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلّقة بالعرش، فهم متيمِّزون عن سائر المؤمنين. وسيأتي تمام هذا البحث في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
(طَائِرٌ) ظاهر أن الروح يتشكّل، ويتمثل بأمر اللَّه تعالى طائرًا، كتمثل الملك بشرًا.
وقيل: يحتمل أن المراد أن الروح يدخل في بدن طائر، كما في روايات أخرى، وقد عرفت أن هذا في الشهداء، فالأول هو الصواب.
قال السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "حاشية سنن أبي داود": إذا فسّرنا الحديث بأن الروح تتشكّل طيرًا، فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط، لا في صورة الخلقة، لأن شكل الإنسان أفضل الأشكال.
قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا إذا كان الروح الإنسانيّ له شكل في نفسه، ويكون على شكل الإنسان، وأما إذا كان في نفسه لا شكل له، بل يكون مجرّدًا، وأراد اللَّه تعالى أن يتشكّل ذلك المجرّد؛ لحكمة مّا، فلا يبعد أن يتشكّل أوّل الأمر على شكل الطائر، وأما على الثاني، فقد أورد عليه الشيخ علم الدين العراقيّ أنه لا يخلو، إما أن يحصل للطير الحياة بتلك الأرواح، أوّلا، والأول عين ما تقوله التناسخيّة،
(1)
- هذا الحديث أخرجه الترمذيّ في "جامعه" عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار .... ج 4 ص 176 رقم الحديث 1641 - ولفظه:"إن أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق من ثمر الجنة، أو شجر الجنّة". فكان الأولى للسيوطيّ أن يعزوه إليه.
والثاني مجرّد حبس للأرواح، وتسجين. وأجاب السبكيّ باختيار الثاني، ومنع كونه حبسًا، وتسجينًا؛ لجواز أن يقدّر اللَّه تعالى في تلك الأجواف، من السرور، والنعيم ما لا يجده في الفضاء الواسع
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السبكي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.
(فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ) هكذا نسخ "المجتبى"، ووقع في "الكبرى"، وشرح السنديّ:"تعلق في شجر الجنة". قال السنديّ: هكذا في بعض النسخ بثبوت قوله: "تعلق"، وسقط في بعضها، وهو بضمّ اللام، وقيل: أو بفتحها
(2)
، ومعناه تأكل، وترعى انتهى
(3)
وقال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقوله: "تعلق في شجر الجنّة"، يروى بفتح اللام، وهو الأكثر، ويروى بضم اللام، والمعنى واحد، وهو الأكل، والرَّعْيُ، يقول: تأكل من ثمار الجنّة، وتسرح بين أشجارها، والعلوقة، والعلوق: الأكل، والرعي، تقول العرب: ما ذاق اليوم عُلوقًا، أي طعامًا، قال الربيع بن زياد، يصف الخيل:[من الكامل]:
وَمُجَنَّبَاتٍ لَا يَذُقْنَ عُلُوقَةَ
…
يَمْصَعْنَ بِالْمُهْرَاتِ والأَمْهَارِ
يعني ما يرعين، ولا يذقن شيئا. وقال الأعشى [من الخفيف]:
وَفَلَاةٍ كَأَنَها ظَهْرُ تُرْسِ
…
لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الرَّجِيعَ عَلَاقُ
(4)
(حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عز وجل، إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ") وفي "الكبرى" حتى يرجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه". وذكر الضمير مع أنه يعود إلى "نسمة"، باعتبار معنى "طائر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث كعب بن مالك رضي الله عنه هذاصحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -117/ 2573 - وفي "الكبرى، 117/ 2200. وأخرجه (ت) 1641 (ق) 1449 و 4271 (أحمد) 15349 و15360 و 15365 و 26625 (الموطأ) 566. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- "شرح السنديّ" ج 3 ص 108.
(2)
- في "ق" أنه من بابي نصر، وسمع.
(3)
- المصدر السابق.
(4)
- والعَلاق بـ "الفتح" الأكل، والرجيع الْجِرَّةُ، يقول: لا تجد الإبل فيها علاقًا، إلا ما تردّه من جِرَّتها. اهـ "لسان".
المسألة الثالثة: في ذكر أقوال أهل العلم في معنى هذا الحديث:
قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: واختدف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال قائلون منهم: أرواح المؤمنين عند اللَّه في الجنّة، شهداءَ كانوا، أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنّة كبيرة، ولا دَين، وتلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم. قال: واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخصّ فيه شهيدًا من غير شهيد. واحتجّوا أيضًا بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أرواح الأبرار في علّيّين، وأرواح الفجّار في سجّين، وعن عبد اللَّه بن عمرو مثل ذلك.
قال أبو عمر: وهذا قول يُعارضه من السنّة ما لا مدفع في صحّة نقله، وهو قوله:"إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة". وقال آخرون: إنما معنى هذا الحديث في الشهداء، دون غيرهم؛ لأن القرآن، والسنة إنما يدلاّن على ذلك:
أما القرآن، فقوله تعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الآية [آل عمران: 169 - 170].
وأما الآثار، فذكر حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه طريق بقيّ بن مخلد، مرفوعًا:"الشهداء يغدون، ويروحون، ثم يكون مأماهم إلى قناديل معلّقة بالعرش، فيقول لهم الربّ تبارك، وتعالى: هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أُكرمتموها؟ فيقولون: لا، غيرَ أنا ودِدنا أنك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى، فنقتل في سبيلك". رواه عن هناد، عن إسماعيل بن المختار، عن المختار، عن عطيّة العوفي، عنه. وفيه عطيّة، وهو كثير الخطأ والتدليس.
ثم ساق حديث ابن عباس رضي الله عنهما، من طريق سعيد بن جبير، عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل اللَّه أرواحهم، في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل، من ذهب، معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا، أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكُلُوا عند الحرب، فقال اللَّه سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل اللَّه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ} إلى آخر الآية رواه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح.
ثم ذكر حديث الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد اللَّه رضي الله عنه عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ} قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فقال: "أرواحهم في جوف طير، خضر، لها قناديل، معلقة بالعرش، تَسرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع إليهم ربهم اطّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة، حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا، من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا، في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا". رواه مسلم في "صحيحه".
ثم ساق من طريق بقيّ بن مخلد، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا ابن عيينة، عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول:"أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة".
ومن طريق أبي عاصم النبيل، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد اللَّه ابن عمرو: "أرواح الشهداء، في طير كالزرازير
(1)
، يتعارفون، ويرزقون من ثمر الجنّة".
قال أبو عمر: هذه الآثار كلها تدلّ على أنهم الشهداء، دون غيرهم، وفي بعضها "في صورة طير"، وفي بعضها:"في أجواف طير"، وفي بعضها "كطير"، قال": والذي يشبه عندي -واللَّه أعلم- أن يكون القول قول من قال: "كطير"، أو "صور طير"، لمطابقته لحديثنا المذكور -يعني حديث كعب بن مالك- وليس هذا موضع نظر، ولا قياس؛ لأن القياس إنما يكون فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ولا مدخل للاجتهاد في هذا الباب، وإنما نسلّم فيه لما صحّ من الخبر عمن يجب التسليم له. قال: أبو عمر: فعلى هذا التأويل، كأنه صلى الله عليه وسلم قال: إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر، يعلق في شجر الجنّة. انتهى كلام أبي عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار
(2)
.
قال الإمام شمس الدين ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لا تنافي بين قوله صلى الله عليه وسلم: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة"، وبين قوله:"إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة، فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار". وهذا الخطاب يتناول الميت على فراشه، والشهيدَ، كما أن قوله:"نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة"، يتناول الشهيد وغيره، ومع كونه يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، تَرِدُ روحه أنهار الجنّة، وتأكل من ثمارها.
(1)
- جمع زُرزُ، نوع من العصافير. اهـ "المصباح".
(2)
- "التمهيد" 59 - 64.
وأما المقعد الخاصّ به، والبيت الذي أعدّ له، فإنه إنما يدخله يوم القيامة، ويدلّ عليه أن منازل الشهداء، ودورهم، وقصورهم التي أعدّ اللَّه لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعًا، فهم يرون منازلهم، ومقاعدهم من الجنة، ويكون مستقرّهم في تلك القناديل المعلّقة بالعرش، فإن الدخول التامّ الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك.
ونظير هذا أهل الشقاء تُعرض أرواحهم على النار غدوّا وعشيا، فإذا كان يوم القيامة دخلوا منازلهم، ومقاعدهم التي كانوا يُعرضون عليها في البرزخ، فتنعم الأرواح بالجنة في البرزخ شيء، وتنعمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر، فغذاء الروح من الجنّة في البرزخ دون غذائها مع بدنها يوم البعث، ولهذا قال:"تعلق في شجر الجنّة"، أي تأكل الْعُلْقة، وتمام الأكل والشرب، واللبس، والتمتع، فإنما يكون إذا رُدّت إلى أجسادها يوم القيامة، فظهر أنه لا يعارض هذا القولَ من السنن شيء، وإنما تعاضده السنّة، وتوافقه. وأما قول من قال: إن حديث كعب في الشهداء، دون غيرهم، فتخصيص، ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، وهو محلّ اللفظ العامّ على أقلّ مسمياته، فإن الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين، قليل جدًّا والنبي صلى الله عليه وسلم علّق هذا الجزاء بوصف الإيمان، فهو المقتضي له، ولم يُعلّقه بوصف الشهادة، ألا ترى أن الحكم الذي اختصّ بالشهداء علّق بوصف الشهادة، كقوله فيما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، واللفظ لأحمد من حديث المقدام بن معديكرب رضي الله عنه: قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن للشهيد عند اللَّه عز وجل، ست خصال، أن يُغفر له في أول دَفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن يوم الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتةُ منه خير من الدنيا، وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة، من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه"
(1)
.
قال: فلما كان هذا يختصّ بالشهيد، قال:"إن للشهيد"، ولم يقل: إن للمؤمن.
وكذلك ما أخرجه أحمد بإسناد صحيح، من حديث قيس الجُذَاميّ، -رجل كانت له صحبة- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يعطى الشهيد ست خصال، عند أول قطرة من دمه، يكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويُؤَمَّن من
(1)
- أخرجه أحمد رقم 16730 - والترمذيّ 1663 وابن ماجه 3799. وهو من رواية إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، وهو شاميّ، فالحديث صحيح.
الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان"
(1)
.
قال: وأما ما علّق فيه الجزاء بالإيمان، فإنه يتناول كلّ مؤمن، شهيدًا كان، أو غير شهيد. وأما النصوص، والآثار التي ذُكرت في رزق الشهداء، وكون أرواحهم في الجنّة، فكلّها حقّ، وهي لا تدلّ على انتفاء دخول أرواح المؤمنين الجنّة، ولا سيّما للصدّيقين الذين هم أفضل من الشهداء، بلا نزاع بين الناس، فيقال لهؤلاء: ما تقولون، أرواح الصدّيقين، هل هي في الجنّة، أم لا؟، فإن قالوا: إنها في الجنة -لا يسوغ لهم غير هذا القول- فثبت أن هذه النصوص لا تدلّ على اختصاص أرواح الشهداء بذلك، وإن قالوا: ليست في الجنّة، لزمهم من ذلك أن تكون أرواح سادات الصحابة، كأبي بكر الصديق، وأبي بن كعب، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبي الدرداء، وحذيفة بن اليمان، وأشباههم رضي الله عنهم ليست في الجنة، وأرواح شهداء زماننا في الجنّة، وهذا معلوم البطلان؛ ضرورة.
فإن قيل: فإذا كان هذا الحكم لا يختصّ بالشهداء، فما الموجب لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص؟.
قلت: التنبيه على فضل الشهادة، وعلوّ درجتها، وأن هذا مضمون لأهلها، ولا بدّ، وأن لهم منه أوفر نصيب، فنصيبهم من هذا النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم، من الأموات على فراشهم، وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة منهم، فله نعيم يختصّ به، لا يشاركه فيه من هو دونه. ويدلّ على هذا أن اللَّه عز وجل جعل أرواح الشهداء، في أجواف طير خُضْر، فإنهم لما بذلوا أنفسهم للَّه، حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرًا منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجرّدة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمّل لفظ الحديثين، فإنه قال:"نسمة المؤمن طير"، فهذا يعمّ الشهيد وغيره، ثم خصّ الشهيد بأن قال:"هي في جوف طير"، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فصلوات اللَّه، وسلامه على من يصدّق كلامه بعضه بعضًا، ويدلّ على أنه حقّ، من عند اللَّه.
وهذا الجمع أحسن من جمع أبي عمر، وترجيحه رواية من روى "أرواحهم كطير خضر"، بل الروايتان حقّ، وصواب، فهي كطير خضر، وفي أجواف طير خضر انتهى كلام العلامة ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(2)
.
(1)
- أخرجه أحمد رقم 17329.
(2)
- "كتاب الروح" ص 152 - 157.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مستقرّ الأرواح:
اعلم: أنه قد فصّل هذه المسألة الإمامُ ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كتابه النافعِ: "الروح"، وسرد الأقوال، وذكر أدلة كل قول، وناقشها، وبيّن ما لها، وما عليها، أحببت ذكر المهمّ منه، تكميلاً للفائدة، فدونك خلاصته:
قال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذه مسألة عظيمة، تكلّم الناس فيها، واختلفوا فيها، وهي إنما تُتَلقّى من السمع فقط، واختلف في ذلك: فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند اللَّه في الجنّة شهداء كانوا، أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة، ولا دَين، وتلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم، وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهم.
وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها، يأتيهم، من رَوحها، ونعيمها، ورزقها.
وقالت طائفة: الأرواح على أفنية قبورها. وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، حيث شاءت. وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه: أرواح الكفّار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة. وقال أبو عبد اللَّه ابن منده: وقالت طائفة، من الصحابة، والتابعين: أرواح المؤمنين عند اللَّه عز وجل، ولم يزيدوا على ذلك، قال: روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أن أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفّار ببرهوت، بئر بحضرموت. وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد اللَّه، أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟ فقال: إن الأرض التي يقول اللَّه تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] قال: هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وقالوا: هي الأرض التي يورثها اللَّه المؤمنين في الدنيا. وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليّين، في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجّين في الأرض السابعة تحت جند إبليس. وقالت طائفة: أروح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفّار ببئر برهوت. وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض، تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفّار في سجّين، وفي لفظ عنه: نسمة المؤمن تذهب في الأرض حيث شاءت. وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله. وقالت طائفة أخرى، منهم ابن حزم: مستقرّها حيث كانت قبل خلق أجسادها، قال: والذي نقول به في مستقرّ الأرواح هو ما قاله اللَّه عز وجل، ونبيّه صلى الله عليه وسلم لا نتعدّاه، فهو البرهان الواضح، وهو أن اللَّه عز وجل-
قال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} الآية [الأعراف: 11]. فصحّ أن اللَّه تعالى خلق الأرواح جملة، وكذلك أخبر صلى الله عليه وسلم "أن الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". وأخذ اللَّه عهدها، وشهادتها له بالربوبيّة، وهي مخلوقة، مصوّرة، عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يدخلها في الأجساد، والأجساد يومئذ تراب، وماء، ثم أقرّها حيث شاء، هو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت، ثم لا تزال يبعث منها الجملة بعد الجملة، فينفخها في الأجساد المتولّدة من المنيّ، إلى أن قال: فصحّ أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من التعارف، والتناكر، وأنها عارفة مميّزة، فيبدوهم اللَّه في الدنيا، كما يشاء، ثم يتوفّاهم، فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به عند سماء الدنيا، أرواح أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره، وذلك عند منقطع العناصر، ويعجّل أرواح الأنبياء، والشهداء إلى الجنّة.
قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزيّ، عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه، قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم.
قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام، قال: وهذا قول اللَّه تعالى: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 8 - 14]، وقوله تعالى:{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} إلى آخرها [الواقعة: 88 - 89]، فلا تزال الأرواح هنالك حتى يتمّ عدد الأرواح كلها بنفخها في الأجساد، ثم برجوعها إلى البرزخ، فتقوم الساعة، ويُعيد اللَّه عز وجل الأرواح إلى أجسادها ثانية، وهي الحياة الثانية، يُحاسب الخلق، فريق في الجنّة، وفريق في السعير انتهى.
وقال أبو عمر ابن عبد البرّ: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم. وقال ابن المبارك، عن ابن جُريج، فيما قُرئ عليه، عن مجاهد: ليس هي في الجنة، ولكن يأكلون من ثمارها، ويجدون ريحها. وذكر معاوية بن صالح، عن سعيد بن سُويد، أنه سأل ابن شهاب، عن أرواح المؤمنين؟ فقال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خُضْر، معلقة بالعرش، تغدو، وتروح إلى رياض الجنّة، تأتي ربها في كلّ يوم، تسلّم عليه.
وقال أبو عمر ابن عبد البرّ في شرح حديث ابن عمر: "إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ .... " الحديث. قال: وقد استدلّ به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، وهو أصحّ ما ذهب إليه في ذلك، واللَّه أعلم؛ لأن الأحاديث بذلك أحسن مجيئا، وأثبت نقلاً من غيرها. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها، لا على أنها تلزم، ولا تفارق أفنية القبور، كما قال مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أنه بلغه أن الأرواح تَسرَح حيث شاءت. قال: وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت، لا تفارق ذلك، واللَّه أعلم.
وقالت فرقة: مستقرّها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض، من أعراض البدن، كحياته، وإدراكه، فتعدم بموت البدن، كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته. وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنة، وإجماع الصحابة، والتابعين.
وقالت فرقة: مستقرّها بعد الموت أرواح أُخَر، تناسب أخلاقها، وصفاتها التي اكتسبتها في حيال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح، فتصير النفس السَّبُعِيّة إلى أبدان السباع، والكلبية إلى أبدان الكلاب، والبهيمية إلى أبدان البهائم، والدنيّة، والسفليّة إلى أبدان الحشرات. وهذا قول المتناسخة، منكري المعاد، وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلهم.
ثم ذكر الإمام ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أدلة هذه الأقوال، وما لها، وعليها، بما لا تجده في كتاب غير كتابه هذا. ثم قال: فإن قيل: فقد ذكرتم أقوال الناس في مستقرّ الأرواح، ومأخذهم، فما هو الراجح من هذه الأقوال حتى نعتقده؟
قيل: الأرواح متفاوتة في مستقرّها في البرزخ أعظمَ تفاوت:
فمنها: أرواح في أعلى علّيّين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء، صلوات اللَّه، وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء. ومنها: أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنّة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا جميعهم، بل من الشهداء من تُحبس روحه عن دخول الجنة لدَيْنٍ عليه، أو غيره، كما في "المسند"، عن محمد بن عبد اللَّه بن جحش، أن رجلا جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللَّه، مالي إن قتلتُ في سبيل اللَّه؟ قال:"الجنة"، فلما ولى قال:"إلا الدين، سارني به جبريل آنفًا".
ومنهم: من يكون محبوسًا على باب الجنّة، كما في الحديث الآخر:"رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنّة".
ومنهم: من يكون محبوسا في قبره، كحديث صاحب الشملة التي غَلّها، ثم استشهد، فقال الناس: هنيئا له الجنّة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارًا في قبره". ومنهم: من يكون مَقرّه باب الجنّة، كما في حديث ابن عباس:"الشهداء على بارق نهر الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنّة بكرةً وعشيّة". رواه أحمد. وهذا بخلاف جعفر بن أبي طالب، حيث أبدله اللَّه من يديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء.
ومنهم: من يكون محبوسًا في الأرض، لم تَعْلُ روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحا سفلية أرضيّة، فإن الأنفس الأرضيّة لا تُجامع الأنفس السماوية، كما تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها، ومحبته، وذكره، والأنس به، والتقرّب إليه، بل هي أرضيّة سفليّة، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة اللَّه، وذكره، والتقرّب إليه، والأنس به، تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها، فالمرء مع من أحبّ، في البرزخ، ويوم القيامة، واللَّه تعالى يزوّج النفوس بعضها ببعض في البرزخ، ويوم المعاد، كما تقدّم في الحديث:"ويجعل روحه -يعني المؤمن- مع النسيم الطيّب". أي الأرواح الطيّبة المشاكلة، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها، وإخوانها، وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك.
ومنها: أرواح تكون في تنّور، الزناةُ، والزواني. وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتُلقم الحجارة، فليس للأرواح سعيدِها، وشقيِّها مستقرّ واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية، لا تصعد عن الأرض.
وأنت إذا تأملت السنن، والآثار، في هذا الباب، وكان لك بها فضل اعتناء، عرفت حجة ذلك، ولا تظنّ أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضًا، فإنها كلها حقّ، يصدّق بعضها بعضًا، لكن الشأن في فهمها، ومعرفة النفس، وأحكامها، وأن لها شأنا غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنّة فهي في السماء، وتنفعل بفِنَاء القبر، وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركة، وانتقالاً، وصعودًا، وهبوطًا، وأنها تنقسم إلى مرسلة، ومحبوسة، وعلويّة، وسُفليّة، ولها بعد المفارقة صحة، ومرض، ولذّة، ونعيم، وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس، والألم، والعذاب، والمرض، والحسرة، وهنالك اللذّة، والراحة، والنعيم، والإطلاق، وما أشبه حالها في هذا البدن بحال ولد في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار.
فلهذه الأنفس أربع دُور، كلّ دار أعظم من التي قبلها:
الدار الأولى: في بطن الأم، وذلك الحصر، والضيق، والغمّ، والظلمات الثلاث.
والدار الثانية: هي الدار التي نشأت فيها، وألفتها، واكتسبت فيها الخير والشرّ، أسباب السعادة والشقاوة.
والدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع من هذه الدار، وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة هذه الدار إلى الأولى.
والدار الرابعة: دار القرار، وهي الجنة، أو النار، فلا دار بعدها، واللَّه ينقلها في هذه الدار طبقًا بعد طبق، حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها، ولا يليق بها سواها، وهي التي خُلقت لها، وهُيّئت للعمل الموصل إليها، ولها في كلّ دار من هذه الدور حكم، وشأن، غير شأن الدار الأخرى، فتبارك اللَّه، فاطرها، ومنشوّها، ومميتها، ومحييها، ومسعدها، ومشقيها الذي فاوت بينها في درجات سعادتها، وشقاوتها، كما فاوت بينها في مراتب علومها، وأعمالها، وقواها، وأخلاقها.
فمن عرفها كما ينبغي شهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده، لا شريك له، له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، وله القوّة كلها، والقدرة كلها، والعزّ كله، والحكمة كلها، والكمال المطلق من جميع الوجوه، وعرف بمعرفة نفسه صدقَ أنبيائه، ورسله، وأن الذي جاءوا به هو الحقّ الذي تشهد به العقول، وتقرّ به الفِطَرُ، وما خالفه فهو الباطل، وباللَّه التوفيق انتهى كلام ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو كلام نفيس وبحث أنيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم انتفاع الأموات بعمل الأحياء: قد حقّق هذا الموضوع الإمام ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أيضًا، وطوّل النفَسَ في تحقيقه، ودونك مختصره: قال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سَعْي الأحياء أم لا؟.
وَالجواب: أنها تنتفع من سعي الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من الفقهاء، وأهل الحديث، والتفسير:
أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته.
والثاني: دعاء المسلمين، واستغفارهم له، والصدقة، والحجّ على نزاع ما الذي يصل من ثوابه، هل ثواب الإنفاق، أو ثواب العمل؟.
فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه، وعند بعض الحنفيّة إنما يصل ثواب الإنفاق.
واختلفوا في العبادة البدنيّة؛ كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، فمذهب الإمام أحمد، وجمهور السلف وصولها، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، نصّ على هذا الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، قال: قيل لأبي عبد اللَّه: الرجل يعمل الشيء من الخير، من صلاة، أو صدقة، أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه، أو لأمه؟ قال: أرجو، أو قال: الميت يصل إليه كل شيء، من صدقة، أو غيرها. وقال أيضًا: اقرأ آية الكرسيّ ثلاث مرّات، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، وقل: اللَّهمّ إن فضله لأهل المقابر. والمشهور من مذهب الشافعيّ، ومالك أن ذلك لا يصل.
وذهب بعض أهل البدع، من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة، لا دعاء، ولا غيره.
(فالدليل على انتفاعه بما تسبب إليه في حياته): ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فاستثناء هذه الثلاث من عمله يدلّ على أنها منه، فإنه هو الذي تسبب إليها.
وفي "سنن ابن ماجه"، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن مما يَلحَق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته علمًا علّمه ونشره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أكراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته، تلحقه من بعد موته".
وفي "صحيح مسلم" أيضًا من حديث جرير بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". وهذا المعنى روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من عدّة وجوه، صحاح، وحسان.
وفي "المسند": عن حذيفة رضي الله عنه قال: سأل رجل على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأمسك القوم، ثم إن رجلاً أعطاه، فأعطى القوم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"من سنّ خيرًا، فاستُنّ به، كان له أجره، ومن أجور من تبعه، غير منتقص من أجورهم شيئًا، ومن سنّ شرّا، فاستُنّ به، كان عليه وزره، ومن أوزار من تبعه، غير منتقص من أوزارهم شيئًا".
وقد دلّ على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تُقتَل نفسٌ ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أوّل من سنّ القتل"، فإذا كان هذا في العذاب والعقاب، ففي الفضل والثواب أولى، وأحرى.
قال: والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه القرآن، والسنّة، والإجماع، وقواعد الشرع:
أما القرآن، فقوله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: آية 10]. فأثنى اللَّه سبحانه عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدلّ على انتفاعهم باستغفار الأحياء.
وقد يمكن أن يقال: إنما انتفعوا باستغفارهم لأنهم سنّوا لهم الإيمان بسبقهم إليه، فلما اتبعوهم فيه كانوا كالمستنين في حصوله لهم، لكن قد دلّ على انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة. وفي "السنن" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء".
وفي "صحيح مسلم" من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على جنازة، فحفظت من دعائه، وهو يقول:"اللَّهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء، والثلج، والبرد، ونقّه من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس"، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنّة، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار".
وفي "السنن" عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين، فسمعته، يقول:"اللَّهم إن فلان ابن فلان في ذمّتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء، والحقّ، فاغفر له، وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم"
(1)
.
وهذا كثير في الأحاديث، بل هو المقصود بالصلاة على الميت، وكذلك الدعاء له بعد الدفن.
وفي "السنن" من حديث عثمان بن عفّان رضي الله عنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال:"استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل".
وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم، كما في "صحيح مسلم" من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، والمسلمين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، نسأل اللَّه لنا، ولكم العافية".
وفي "صحيح مسلم" أيضًا أن عائشة رضي الله عنها، سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كيف تقول، إذا
(1)
- أخرجه أحمد، وابن ماجه بسند رجاله ثقات.
استغفرت لأهل القبور؟ قال: "قولى: السلام على أهل الديار من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منّا، والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون ".
وفي "صحيحه" عنها أيضًا: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج في ليلتها من آخر الليل إلى البقيع، فقال:"السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجّلون، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد".
ودعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم للأموات فعلاً، وتعليمًا، ودعاء الصحابة، والتابعين؛ عصرًا بعد عصر أكثر من أن يذكر، وأشهر من أن ينكر. وقد جاء أن اللَّه يرفع درجة العبد في الجنّة، فيقول: أَنَّى لي هذا؟ فيقال: بدعاء ولدك لك.
قال: وأما وصول ثواب الصدقة، ففي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها، أن رجلا أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللَّه إن أمي افتُلِتت نفسها، ولم توص، وأظنّها لو تكلّمت تصدّقت، أفلها أجر إن تصدّقت عنها؟ قال:"نعم". وفي "صحيح البخاريّ" عن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة توفّيت أمه، وهو غائب عنها، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمي توفّيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال:"نعم"، قال: فإني أشهدك أن حائطي الْمِخْرَاف صدقة عنها. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم، إن أبي مات، وترك مالاً، ولم يوص، فهل يكفي عنه أن أتصدّق عنه؟ قال:"نعم". وفي "السنن"، و"مسند أحمد" عن سعد ابن عبادة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول اللَّه إن أم سعد ماتت، فأيّ الصدقة أفضل؟ قال:"الماء"، فحفر بئرًا، وقال: هذه لأم سعد. وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن العاص ابن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة، وأن هشام بن العاص نحر حصّته خمسين، وأن عمرًا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال:"أما أبوك فلو أقرّ بالتوحيد، فصُمتَ، وتصدّقت عنه نفعه ذلك". رواه الإمام أحمد بسند حسن.
قال: وأما وصول ثواب الصوم، ففي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من مات، وعليه صيام صام عنه وليّه". وفي "الصحيحين" أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟، قال:"نعم، فدَينُ اللَّه أحقّ أن يُقضى". وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته، أكان يؤدي عنه؟ "، قال: نعم، قال: "فصومي عن أمك". وهذا اللفظ للبخاري وحده تعليقًا. وعن
بريدة رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدّقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال:"وجب أجرك، وردها عليك الميراث"، فقالت: يا رسول اللَّه إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال:"صومي عنها"، قالت: إنها لم تحجّ قط، أفأحج عنها؟ قال:"حجي عنها". رواه مسلم، وفي لفظ:"شهرين". وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نجاها اللَّه أن تصوم شهرًا، فنجاها اللَّه، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت بنتها، أو أختها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأمرها
أن تصوم عنها. رواه أهل السنن، والإمام أحمد.
وكذلك رُوي عنه صلى الله عليه وسلم وصول ثواب بدل الصوم، وهو الإطعام. ففي السنن عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من مات، وعليه صيام شهر، فليطعم عنه لكلّ يوم مسكين". رواه الترمذيّ، وابن ماجه، قال الترمذيّ، ولا نعرفه، مرفوعا إلا من هذا الوجه
(1)
، والصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله موقوفًا.
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"إذا مرض الرجل في رمضان، ولم يصم أطعم عنه، ولم يكن عنه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليّه".
قال: وأما وصول ثواب الحجّ، ففي "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ، فلم تحجّ حتى ماتت، أفأحجّ عنها؟ قال:"حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟، اقضوا اللَّه، فاللَّه أحقّ بالقضاء". وقد تقدّم حديث بُريدة، وفيه أن أمي لم تحجّ، أفأحج عنها؟ قال:"حجي عنها". وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنَّ امرأة سنان بن سلمة الجهنيّ سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أمها ماتت، ولم تحجّ، أفيجزىء أن تحج عنها؟ قال:"نعم، لو كان على أمها دين، فقضته عنها ألم يجزىء عنها؟ ". رواه النسائيّ. وروى أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ابنها مات، ولم يحجّ، قال:"حجي عن ابنك". وروى أيضًا عنه، قال: قال رجل: يا نبيّ اللَّه إن أبي مات، ولم يحجّ، أفأحج عنه؟ قال:"أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال:"فدين اللَّه أحقّ".
وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته، ولو كان من أجنبيّ، أو غير تركته. وقد دلّ عليه حديث أبي قتادة حيث ضَمِنَ الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"الآن بردت جلدته".
(1)
- وفي سنده أشعث بن سوّار مختلف فيه، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيء الحفظ. والحاصل أن الحديث مرفوعًا لا يصح. واللَّه تعالى أعلم.
وأجعوا على أن الحيّ إذا كان له في ذمة الميت حقّ من الحقوق، فأحله منه أنه ينفعه، ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحيّ. فإذا سقط من ذمة الحيّ بالنصّ، والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرض به، بل رده، فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يمكن من أدائه أولى وأحرى، وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط، فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء، ولا فرق بينهما، فإن ثواب العمل حقّ المهدي الواهب، فإذا جعله للميت انتقل إليه، كما أن ما على الميت من الحقوق من الدين وغيره، وهو محض حقّ الحيّ، فإذا أبرأه وصل الإبراء إليه، وسقط من ذمته، فكلاهما حقّ للحيّ، فأي نصّ، أو قياس، أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما، ويمنع وصول الآخر.
هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحيّ عنه، وهذا محض القياس، فإن الثواب حقّ العامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك كما لم يمنع من هبة ماله في حياته، وإبرائه له من بعد موته.
وقد نبّه النبيّ صلى الله عليه وسلم بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك، ونيّة تقوم بالقلب لا يطّلع عليه إلا اللَّه، وليس بعمل الجوارح على وصول ثواب القراءة التي هي عمل باللسان تسمعه الأذن، وتراه العين بطريق الأولى.
ويوضحه أن الصوم نية محضة، وكفّ النفس عن المفطرات، وقد أوصل اللَّه ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونيّة، بل لا تفتقر إلى النية، فوصول ثواب الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال.
والعبادات قسمان: مالية، وبدنيّة، وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحجّ المركّب من المالية والبدنيّة، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنصّ والاعتبار. وباللَّه التوفيق. انتهى المقصود من كلام ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-
(1)
.
وهذا الذي قرره ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من وصول ثواب جميع أعمال البر إلى الميت هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فقد سئل عن قراءة أهل الميت، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، هل تصل إذا أهديت إلى الميت؟ فأجاب: بأنه يصل إلى الميت قراءة أهله، وتسبيحهم، وتكبيرهم، وسائر ذكر اللَّه تعالى، إذا أهدوه إليه
(2)
.
(1)
- "الروح" ج 187 - 195.
(2)
- "مجموع الفتاوى" ج 24 ص 324.
وقال أيضًا: وأما القراءة، والصدقة، وغيرهما من أعمال البرّ، فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية، كالصدقة، والعتق، كما يصل أيضا الدعاء، والاستغفار، والصلاة عليه صلاة الجنازة، والدعاء عند قبره. وتنازعوا في وصول الأعمال البدنيّة، كالصوم والصلاة، والقراءة، والصواب أن الجميع يصل إليه. انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجحه الإمامان: ابن تيمية وابن القيم -رحمهما اللَّه تعالى- من وصول ثواب جميع الأعمال إلى الميت هو الصواب عندي، إلا أني متوقف في قراءة القرآن والتسبيح والتكبير ونحوها؛ لعدم ورود النصّ بذلك، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أحرص الناس على الخير، وكان القرآن أعظم شيء عندهم، فما كانوا يقرءونه للأموات، ولا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه. ولا أرشدهم هو إليه، فهذا كله مما يحمل على التوقف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أقوى ما استدلّ به المانعون عن انتفاع الميت بعمل غيره مطلقًا قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] وقد أجاب المحققون عن الآية بأجوبة: فقيل: المراد بالإنسان الكافر، وقيل: إن الآية إخبار بشرع من قبلنا. وقيل: اللام بمعنى "على"، أي وليس على الإنسان إلا ما سعى. وقيل: في الكلام حذف تقديره: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، أو سُعي له. وقيل: الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية [الطور: 21]. وقيل: المراد بالإنسان ههنا الحيّ، دون الميت.
وقالت طائفة أخرى، وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل، قال: الجواب الجيّد عندي أن يقال: الإنسان بسعيه، وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأَولَدَ الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودّد إلى الناس، فترحموا عليه، وأهدوا له العبادات، وكان ذلك أثر سعيه. كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه". ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر: "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم يُنتفع به من بعده، وصدقة جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له".
قال ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا جواب متوسط، يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه، وطاعته للَّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره كما أن
(1)
- "مجموع الفتاوى" ج 24 ص 366.
عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعدد المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد، والحجّ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البرّ والتقوى، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، وشبّك بين أصابعه". ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته، وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم.
وقد أخبر اللَّه عز وجل عن حملة العرش، ومن حولهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، ويدعون لهم، وأخبر عن دعاء رسله، واستغفارهم للمؤمنين، كنوح، وإبراهيم، ومحمد صلى اللَّه عليهم وسلم، فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه، فكأنه من سعيه.
يوضّحه أن اللَّه عز وجل جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين، وسعيهم، فإذا أتى به، فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دلّ على ذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص:"إن أباك لو كان أقرّ بالتوحيد نفعه ذلك"، يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته، فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة حسنةٌ جدًا.
وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-، ورجحه.
فقد قال -كما في مجموع الفتاوى-: وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعدّدة، كما قيل: إنها تختصّ بشرع من قبلنا. وقيل: إنها مخصوصة. وقيل: إنها منسوخة. وقيل: إنها تنال السعي
(1)
مباشرة، وسببًا، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه. ولا يحتاج إلى شيء من ذلك، بل ظاهر الآية حقّ، لا يخالف بقية النصوص، فإنه قال:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وهذا حقّ، فإنه إنما يستحقّ سعيه، فهو الذي يملكه، وسيتحقّه، كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو
(1)
- هكذا النسخة، ولعله لا تُنَافي السعي الخ. أو نحو ذلك، فليحرر.
حقّ، وملك الذلك الغير، لا له، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره، كما ينتفع الرجل بكسب غيره انتهى
(1)
.
وقال أيضًا: وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] فيقال له: قد ثبت بالسنة المتواترة، وإجماع الأمة أنه يصلى عليه، ويُدعى له، ويستغفر له، وهذا من سعي غيره، وكذلك قد ثبت ما سلف من أنه ينتفع بالصدقة عنه، والعتق، وهو من سعي غيره، وما كان من جوابهم في موارد الإجماع فهو جواب الباقين في مواقع النزاع انتهى
(2)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله شيخ الإسلام -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2074 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، أَخَذَ يُحَدِّثُنَا، عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَيُرِينَا مَصَارِعَهُمْ بِالأَمْسِ، قَالَ:«هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا» . قَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، مَا أَخْطَئُوا تِيكَ، فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ، فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَنَادَى:«يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا» ، فَقَالَ عُمَرُ: تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة ثبت [10] 4/ 4.
2 -
(يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد البصري ثقة ثبت حجة [9] 4/ 4.
3 -
(سليمان بن المغيرة) القيسيُّ مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة [7] 53/ 616.
4 -
(ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، ثقة عابد [4] 45/ 53.
5 -
(أنس) بن مالك الصحابي الجليل رضي الله عنه 6/ 6، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وفيه أنس رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، من الصحابة رضي الله عنهم، روى (2286) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- مجموع الفتاوى ج 24 ص 312.
(2)
- مجموع الفتاوى ج 24 ص 366 - 367.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ) رضي الله عنه (بَينَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، أَخَذَ) أي شرع، وبدأ (يُحَدِّثُنَا، عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ) أي شأن كفّار قريش الذين قُتلوا في معركة بدر الكبرى.
وقد ساق البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذه القصّة من حديث أنس رضي الله عنه مطوّلاً، فقال:
3976 -
حدثني عبد اللَّه بن محمد، سمع روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة، أن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم، أمر يوم بدر، بأربعة وعشرين رجلا، من صناديد قريش، فقُذِفُوا في طَوِيّ، من أطواء بدر
(1)
، خَبِيثٍ مُخبِثٍ، وكان إذا ظهر على قوم، أقام بالعرصة، ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث، أَمر براحلته، فشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى، واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نُرَى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَة الرَّكِيّ
(2)
، فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم، أنكم أطعتم اللَّه ورسوله، فإنا قد وجدنا، ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قال: فقال عمر: يا رسول اللَّه، ما تكلم من أجساد، لا أرواح لها، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". قال قتادة: أحياهم اللَّه، حتى أسمعهم قوله، توبيخا، وتصغيرا، ونقيمة، وحسرة، وندما. انتهى
(3)
.
(فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَيُرِينَا) بفتح اللام، وهي لام الابتداء التي تقع بعد "إنّ" المكسورة الهمزة، كما قال ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "خلاصته":
يوَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ
…
لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ
(مَصَارِعَهُمْ) جمع مَصْرَع، كمَقْعَد: محلّ الصَّرْع، أي الرح على الأرض، والمراد هنا مواضع قتلهم، أي المواضع التي قُتلوا فيها، والضمير للكفار (بِالْأَمْسِ) أي أمس يوم القتل، يعني اليوم الذي قبل يوم قتلهم (قَالَ:"هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا"، قَالَ: عُمَرُ) بن الخطّاب صلى الله عليه وسلم (وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ) أي أرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو اللَّه عز وجل
(1)
- الأطواء جمع طَويّ، وهي البئر التي طُويت، وبنيت بالحجارة، لتثبت، ولا تنهار.
(2)
- الركيّ بفتح الراء، وكسر الكاف، وتشديد آخره: البئر قبل أن تُطوى. ويجمع بينه، وبين ما تقدم، من أنها طَوِيّ بأنها كانت مطوية، فاستهدمت، فصارت كالركيّ. اهـ "فتح" ج 8 ص 32. "كتاب المغازي".
(3)
- "صحيح البخاري" ج 8 ص 31 بنسخة "الفتح"، "كتاب المغازي"، رقم 3976.
(مَا أَخْطَئؤوا تِيكَ) اسم إشارة للمؤنثة البعيدة، أي تلك المواضع التي أشار إليها النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها مصارعهم (فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ) بالبناء للمفعول، وفي رواية مسلم، من طريق حماد ابن سلمة، عن ثابت:"ثم أَمَرَ بهم فسُحِبُوا فأُلْقُوا في قليب بدر"(فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَنَادَى: "يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانِ، يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ) برفع "فلان" الأول؛ لأنه نكرة مقصودة، وأما لفظة "ابن" فمنصوبة لا غير؛ لكونها مضافة، وقد أشار ابن مالك إلى هذا في "الخلاصة" حيث قال:
وَنَحْوَ "زَيْدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ
…
نَحْوِ "أَزَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ"
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا
…
أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
(هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا) أي من الذلّ، والهوان، والكآبة، والخيبة، والخسران، والعذاب الأليم، حيث قال تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 12].
وفي رواية حميد التالية، عن أنس رضي الله عنه، قال: سمع المسلمون من الليل ببئر بدر، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائم، ينادي:"يا أبا جهل بن هشام، ويا شيبة بن ربيعة، ويا عُتبة بن ربيعة، ويا أميّة بن خلف". وأخرجه ابن إسحاق، وأحمد، وغيرهما، وكذا وقع عند أحمد، ومسلم، من طريق ثابت، عن أنس، فسمّى الأربعة، لكن قدّم، وأخّر، وسياقه أتم، قال في أوله:"تركتهم ثلاثة أيام حتى جيّفوا"، فذكره، وفيه من الزيادة:"فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول اللَّه، أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون، ويقول اللَّه تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80]، فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكن لا يستطيعون أن يُجيبوا".
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وفي بعضه نظر، لأن أميّة بن خلف لم يكن في القليب؛ لأنه كان ضخما، فانتفخ، فأَلقَوا عليه من الحجارة، والتراب ما غيّبه. وقد أخرج ذلك ابن إسحاق من حديث عائشة رضي الله عنها، لكن يُجمع بينهما بأنه كان قريبًا من القليب، فنودي فيمن نودي؛ لكونه كان من جملة رؤسائهم.
ومن رؤساء قريش، ممن يصحّ إلحاقه بمن سُمّي، من بني عبد شمس بن عبد مناف: عبيدة، والعاص، والد أحيحة، وسعيد بن العاص بن أُميّة، وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد ابن عتبة بن ربيعة. ومن بني نوفل بن عبد مناف: الحارث بن عامر بن نوفل، وطُعيمة بن عديّ. ومن سائر قريش: نوفل بن خُويلد بن أسد، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وأخوه عقيل، والعاصي بن هشام، أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد، أخو خالد، ونُبيه، ومنبّه ابنا الحجّاج السهميّ، وعليّ بن أميّة بن خلَف، وعمرو بن عثمان، عم طلحة أحد
العشرة، ومسعود بن أبي أمية، أخو أم سلمة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، والأسود بن عبد الأسود، أخو أبي سلمة، وأبو العاص بن قيس بن عديّ السهميّ، وأُميمة بن رفاعة بن أبي رفاعة. فهؤلاء العشرون، تنضم إلى الأربعة، فتكمل العدّة.
ومن جملة مخاطبتهم ما ذكره ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أهل القليب بئس عشيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم كنتم، كذّبتموني، وصدّقني الناس
…
" الحديث
(1)
.
(فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ) وفي نسخة: "ربي"(حَقًّا") أي من النصر، والفتح،
والعزّ، والتمكين في الأرض، حيث قال تعالى:{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173]، وقال تعالى:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] وقال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [سورة المجادلة: 21]، وقال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} الآية [سورة النور: 55]، (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله عنه (تكَلَّمُ) من التكليم (أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) زاد في الرواية التالية:"ولكنهم لا يستطيعون أن يُجيبوا". أي لستم أنتم باكثر منهم سماعًا لما أقول، يعني أنهم يسمعون كسماعكم، ولكنهم لا يستطيعون الإجابة، كاستطاعتكم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -117/ 2074 و 2075 - وفي "الكبرى" 117/ 2201 و 2202 وأخرجه (م) 2873 و 2875 (د) 2681 (أحمد) 183 و 11609 و 12062 و 12463 و 12883 و 13292 و13650. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
مئها: أن فيه معجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بمصارع المشركين، فوقع ما أخبر به كما أخبر به. ومنها: إنجاز اللَّه عز وجل ما وعده نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من النصر. ومنها: سماع الموتى لكلام الأحياء ومنها: إثبات عذاب القبر. ومنها: استفهام التابع متبوعه إذا لم يظهر له وجه ما فعله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(1)
- "فتح" ج 8 ص 33. "كتاب المغازي".
2075 -
أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ، مِنَ اللَّيْلِ بِبِئْرِ بَدْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَائِمٌ يُنَادِي:«يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَتُنَادِي قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا؟ ، فَقَالَ:: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ، لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا» .
قال الجامع عفا اللَّه تعَالى عنه: هذا طريق آخر لحديث أنس رضي الله عنه، وهو حديث صحيح. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و"حميد": هو الطويل. وقوله: "من الليل" أي في الليل، فـ "من" بمعنى "في"، وقوله:"ببئر بدر" متعلّق بـ "سمع"، والإضافة بمعنى "في". وقوله:"يا أبا جهل الخ" مقول لقول مقدّر، حال من فاعل "ينادي"، أي قائلاً: يا أبا جهل الخ. وقوله: "قد جيّفوا" بتشديد الياء، وبناء الفعل للفاعل، أي صاروا جُثَثًا منتنة، يقال: جافَتِ الجيفةُ، تَجِيف: أنتنت، كَجَيَّفَت، واجتَافَتْ، قاله في "القاموس"، وفي "المصباح ": والجيفة بكسر الجيم: الميتة، من الدوابّ، والمواشي، إذا أنتنت، والجمع جِيَف، مثل سدرة، وسِدَر، سميت بذلك؛ لتغير ما في جوفها انتهى.
وتمام شرح الحديث، والكلام على مسائله تقدما في الذي قبله، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2076 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقَالَ:"هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ "، قَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الآنَ، مَا أَقُولُ لَهُمْ» ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: وَهَلَ ابْنُ عُمَرَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّهُمُ الآنَ يَعْلَمُونَ، أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ» ، ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} حَتَّى قَرَأَتِ الآيَةَ [النمل: 80].
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمد بن آدم) الجهني المصيصي، صدوق [10] 93/ 115.
2 -
(عبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت من صغار [8] 7/ 339
3 -
(هشام) بن عروة، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلّس [5] 49/ 61.
4 -
(أبوه) عروة بن الزبير الفقيه المدني، ثقة ثبت [3] 40/ 44.
5 -
(ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فَتَفَرَّدَ به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن
أبيه، وتابعي، عن تابعي وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ) بفتح القاف، وكسر اللام: البئر، وهو مذكّر، قال الأزهريّ: القَلِيب عند العرب البئر العاديّة القديمة، مطويّةً، كانت، أو غير مطويّة، والجمع قُلُبٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد. قاله في "المصباح" (فَقَالَ:: "هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟) أي من العذاب (قَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الآنَ) أي في الوقت الحاضر (مَا أَقُولُ لَهُمْ) أي من التوحيد، وشرائع الإسلام (فَذُكرَ ذَلِكَ) أي ما قاله ابن عمر رضي الله عنهما، مما نقله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم (لِعَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى - عنها (فَقَالَتْ: وَهِلَ ابْنُ عُمَرَ) بفتح الواو، وكسر الهاء، يقال: وَهِلِ عن الشيء، وفيه، من باب تَعِب: إذا غلِطَ فيه. وأما وَهَلَ إليه، بفتح الهاء، من باب وَعَد: إذا ذهب وَهْمُهُ إليه، وهو يريد غيره، فلا يناسب هنا. واللَّه تعالى أعلم (إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهُمُ الْآنَ يَعْلَمُونَ، أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ، هُوَ الحَقُّ) تعني بذلك نفي سماع الموتى كلام الأحياء، ولذا استدلت بالآية، كما قال (ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} حَتَّى قَرَأَتِ الْآيَةَ) أي حتى قرأت الآية المذكورة بتمامها.
قال في "الفتح": وهذا مصير من عائشة إلى ردّ رواية ابن عمر المذكورة، وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر؛ لموافقة من رواه غيره عليه. وأما استدلالها بقوله تعالى:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} فقالوا: معناها لا تُسمِعهم سماعًا ينفعهم، أو لا تُسمعهم إلا أن يشاء اللَّه.
وقال السهيليّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: عائشة رضي الله عنها لم تحضر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد قالوا له: يا رسول اللَّه أتخاطب قومًا قد جَيَّفُوا؟، فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. قال: واذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤوسهم، كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح على رأي من يوجّه السؤال إلى الروح، من غير رجوع إلى الجسد. قال: وأما الآية، فإنها كقوله تعالى:{أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي} [الزخرف: 40]: أي إن اللَّه هو الذي يسمع، ويهدي انتهى.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقوله: إنها لم تحضر صحيح، لكن لا يقدح ذلك في روايتها؛ لأنه مرسل صحابيّ، وهو محمول على أنها سمعت ذلك ممن حضره، أو من النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدُ، ولو كان ذلك قادحًا في روايتها لقدح في رواية ابن عمر، فإنه لم يحضر
أيضًا. ولا مانع أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم قال اللفظين معًا، فإنه لا تعارض بينهما.
وقال ابن التين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لا معارضة بين حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والآية؛ لأن الموتى لا يسمعون بلا شكّ، لكن إذا أرد اللَّه إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الآية [الأحزاب: 72]، وقوله:{فَقَالَ: لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} الآية [فصّلت: 11].
وقال البيهقيّ: العلم لا يمنع من السمع، والجواب عن الآية أنه لا يُسمعهم، وهم موتى، ولكن اللَّه أحياهم حتى سمعوا، كما قال قتادة. ولم ينفرد عمر، ولا ابنه بحكاية ذلك، بل وافقهما أبو طلحة، وللطبرانيّ من حديث ابن مسعود مثله، بإسناد صحيح. ومن حديث عبد اللَّه بن سِيدان نحوه، وفيه: قالوا: يا رسول اللَّه، وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون". وفي حديث ابن مسعود:"ولكنهم اليوم لا يُجيبون".
ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق روايةِ يونس بن بُكير بإسناد جيّد عن عائشة مثلُ حديث أبي طلحة، وفيه:"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا، فكأنها رجعت عن الإنكار لَمَّا ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة؛ لكونها لم تشهد القصّة.
وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم، والذكاء، وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلا بنصّ مثله، يدلّ على نسخه، أو تخصيصه، أو استحالته، فكيف، والجمع بين الذي أنكرته، وأثبته غيرها ممكن؛ لأن قوله تعالى:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: "إنهم الآن يسمعون "، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فاللَّه تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت نبيّه صلى الله عليه وسلم بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: إنهم ليعلمون، فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية "يسمعون"، بل يؤيدها.
وقد اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى في الآية المذكورة، وكذلك في المراد بـ "مَنْ في القبور"، فحملته عائشة على الحقيقة، وجعلته أصلاً احتاجت معه إلى تأويل قوله:"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، وهذا قول الأكثر. وقيل: هو مجاز، والمراد بالموتى، وبمن في القبور الكفّار، شُبّهوا بالموتى، وهم أحياء، والمعنى من هم في حال الموتى، أو في حال من سكن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة رضي الله عنها. واللَّه تعالى أعلم. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف
(1)
. واللَّه تعالى أعلم
(1)
- "فتح" ج 3 ص 602 - 603. "كتاب الجنائز" - "باب ما جاء في عذاب القبر" وج 8 ص 35 "كتاب المغازي" - "باب قتل أبي جهل".
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -117/ 2076 - وفي "الكبرى" 117/ 2253. وأخرجه (خ) 1370 و 398 و 4026 (م) 932 (أحمد) 4849 و 4938 و 6110. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: دل هذا الحديث على أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، وأنكرت ذلك عائشة رضي الله عنها، محتجّة بآية:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، وقد عرفت جواب أهل العلم عن هذه الآية، فالحقّ أنهم يسمعون كلامهم سماعًا حقيقيّا.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هل يسمع الميت كلام زائره؟ فأجاب قائلاً: نعم يسمع الميت في الجملة، كما ثبت في "الصحيحين" عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه". وثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ترك قتلى بدر ثلاثا، ثم أتاهم، فقال: يا أبا جهل بن هشام .... الحديث، وفيه:"والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا". قال: وقد ثبت في "الصحيحين" من غير وجه أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالسلام على أهل القبور، ويقول:"قولوا: السلام عليكم أهل الديار .... الحديث. قال: فهذا خطاب لهم، وإنما يُخاطب من يسمع. ورَوَى ابن عبد البرّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من رجل يمرّ بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا ردّ اللَّه عليه روحه حتى يردّ عليه السلام". قال: وفي "السنن" أنه صلى الله عليه وسلم قال: أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ .... " الحديث.
قال: فهذه النصوص، وأمثالها تبيّن أن الميت يسمع في الجملة كلام الحيّ، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يَعرض للحيّ، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يَعرِض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتّب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفيّ بقوله تعالى:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن اللَّه جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت، وإن سمع الكلام، وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أُمِر به، ونُهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى:{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} الآية [الأنفال: 23]. انتهى كلام شيخ
الإسلام -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار
(1)
. وهو كلام نفيس جدًّا.
وسئل أيضًا عن الأحياء إذا زاروا الأموات، هل يعلمون بزيارتهم؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم، أو غيره؟.
فأجاب: الحمد للَّه، نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم، وتساؤلهم، وعرض أعمال الأحياء على الأموات، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: "إذا قُبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة
(2)
من عباد اللَّه، كما يتلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه، ويسألونه، فيقول بعضهم لبعض: أَنظِروا أخاكم يستريح، فإنه كان في كرب شديد، قال: فيقبلون عليه، ويسألونه ما فعل فلان، وما فعلت فلانة، هل تزوّجت" الحديث. وأما علم الميت بالحيّ إذا زاره، وسلم عليه، ففي حديث ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا عرفه، وردّ عليه السلام ". قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وصححه عبد الحقّ صاحب "الأحكام".
وأما ما أخبر اللَّه به من حياة الشهيد، ورزقه. وما جاء في الحديث الصحيح، من دخول أرواحهم الجنّة، فذهب طوائف إلى أن ذلك مختصّ بهم دون الصدّيقين، وغيرهم، والصحيح الذي عليه الأئمة، وجماهير أهل السنة أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة ليس مختصّا بالشهيد، كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، ويختصّ الشهيد
(3)
بالذكر؛ لكون الظانّ يظنّ أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة، كما نهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق؛ لأنه هو الواقع، وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق انتهى كلامه -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(4)
وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2077 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، وَمُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ بَنِي آدَمَ" -وَفِي حَدِيثِ مُغِيرَةَ- كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفيُّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [10] 1/ 1.
2 -
(مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [7] 7/ 7.
(1)
- "مجموع الفتاوى" ج 24 ص 362 - 365.
(2)
- هكذا النسخة، ولعله "الترحيب من عباد اللَّه"، أو نحو ذلك. وليحرر.
(3)
- هكذا النسخة، ولعل الأولى: وخُصّ الشهيد الخ.
(4)
- راجع "مجموع الفتاوى" ج 24 ص 330 - 332.
3 -
(مغيرة) بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الحِزَاميُّ المدني، لقبه قُصّيّ، ثقة، له غرائب [7] 10/ 1835.
4 -
(أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان، القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه [5] 7/ 7.
5 -
(الأعرج) عبد الرحمن بن هُزمُز، أبو داود المدني، ثقة ثبت [3] 7/ 7.
6 -
(أبو هريرة) الدَّوسي - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين إلا شيخه، فبغلاني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. ومنها: أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (5374) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ بَنِي آدَمَ") أي جميع أجزائه، وأعضائه، قال السنديّ: والقضية جزئيّة بالنظر إلى أفراد ابن آدم، ضرورة أن اللَّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء انتهى. وسيأتي تمام الكلام على هذا في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى (وَفِي حَدِيثِ مُغِيرَةَ- كُلُّ ابْنِ آدَمَ) يعني أن لفظ رواية مالك بن أنس -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- "كلّ بني آدم" بلفظ الجمع، ولفظ مغيرة بن عبد الرحمن "كل ابن آدم" بلفظ الإفراد.
والحديث أخرجه الشيخان من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"ليس من الإنسان شيء إلّا يبلى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يُركّب الخلق يوم القيامة"، وفي لفظ للبخاريّ:"يَبْلَى كلُّ شيء من الإنسان، إلا عجبَ ذنبه، فيه يُركّب الخلق". أورده في أثناء حديث.
(يَأْكُلُهُ التُّرَابُ) قال وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن تُعدَم أجزاؤه بالكليّة. ويحتمل أنها باقية، لكن زالت أعراضها المعهودة، وقد جوّز إمام الحرمين في "الإرشاد" كلا الأمرين عقلاً، قال: ولم يدلّ قاطع سمعيّ على نفي أحدهما، فلا يبعد أن تصير أجسام العباد على صفة أجسام التراب، ثم تعاد بتركيبها إلى ما عُهد، ولا يُحيل أن يعدم منها شيء، ثم يعاد انتهى
(1)
(إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ)"إلا" استثنائيّة، كما هو مذهب الجمهور، فالمعنى أن عجب الذنب لا يبلى، ولا يأكله التراب. وقيل:"إلا" عاطفة،
(1)
- "طرح التثريب" ج 3 ص 308.
بمعنى الواو، والمعنى عليه أن عجب الذنب يبلى أيضًا، وهو قول ضعيف، سيأتى الردُّ عليه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
"وعَجْبُ الذّنَب": بفتح العين المهملة، وحَكَى صاحب "المحكم" ضمها أيضًا، وإسكان الجيم، وآخره باء موحدة، ويقال له:"عَجْمُ الذنب" بالميم أيضًا، وفي عينه الوجهان، وحكى في "المحكم" عن اللحيانيّ، أن الميم بدل من الباء، قال في "المشارق": رواه بعض رواة القعنبيّ في "الموطإ"، وهو العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب، وأعلى ما بين الأليتين، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب، من ذوات الأربع، من الحيوان، وكانه لهذا أضيف إلى الذنَبِ. وروى أبو بكر بن أبي داود في "كتاب البعث والنشور" من حديث أبي سعيد، أنه قيل: وما هو يا رسول اللَّه؟ قال: "مثل حبّة خردل، منه تنشأون". وعزاه أبو العباس القرطبيّ لـ"كتاب البعث" لابن أبي الدنيا، وهذا يدلّ على صغره جدًّا. قاله وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
.
وقال في "الفتح": قال ابن الجوزيّ: قال ابن عقيل: للَّه في هذا سرّ، لا يعلمه إلا اللَّه، لأن من يُظهِر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يَبنِي عليه. ويحتمل أن يكون ذلك علامة للملائكة على إحياء كلّ إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كلّ شخص؛ ليعلم أنه ربما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منها لجوّزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد، لا إلى نفس الأجساد. انتهى.
وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وظاهر الحديث أنه -يعني عجب الذنب- يبقى، قيل: هو عظم لطيف، هو أول ما يخلق من الآدميّ، ويبقى منه؛ ليعاد تركيب الخلق عليه، وهذا هو الموافق لما روى ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، قيل: يا رسول اللَّه، وما هو؟، قال:"مثل حبة خردل". وقال المظهريّ: أراد طول بقائه، لا أنه لا يبلى أصلًا؛ لأنه خلاف المحسوس. وقيل: أمر العَجَب عَجَبٌ، فإنه آخر ما يَخلُقُ، وأول ما يُخلَقُ، الأول بفتح الياء، أي يصير خَلَقًا، والثاني بضمها انتهى
(2)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نقله السنديّ عن المظهريّ، من أن عجب الذنب يبلى قول مخالف للحديث الصحيح الذي معنا، حيث بين أنه لا يبلى، فلا يُلفت إليه. واللَّه تعالى أعلم.
(مِنْهُ خُلِقَ) أي أنَّ أول ما خُلِقَ من الإنسان هو (وَفِيهِ يُرَكَّبُ) أي إن اللَّه عز وجل يبقيه إلى أن يُرَكّب الخلق منه تارة أخرى، يعني أنه يعيد خلقه في الآخرة من عجب
(1)
- المصدر السابق.
(2)
- "شرح السندي" ج 3 ص 112.
ذنبه، كما أنشأ خلقه منه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -117/ 2077 - وفي "الكبرى" 117/ 2204. وأخرجه (خ) 4814 و 4935 (م) 2955 (د) 4743 (ق) 4266 (أحمد) 8084 و 9244 و 10099 (الموطأ) 565. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كون ابن آدم يأكله التراب عامّ مخصوص، فإن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، لا تبلى أجسامهم الكريمة، وقد قال النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -:"إن اللَّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". واستثنى ابن عبد البرّ معهم الشهداء، قال: وحسبك ما جاء في شهداء أحد، وغيرهم، ثم ذكر حديث جابر لما نَقَلَ أباه في خلافة معاوية حين أراد إجراء العين التي في أسفل أُحُد، وقوله:"فأخرجناهم رطابًا، يتسنّون، فأصابت الْمِسْحَاة أصبع رجل منهم، فتقطّر الدم". واقتصر القاضي عياض على قوله: وكثير من الشهداء، فدلّ على أنه يرى أن بعض الشهداء قد تأكل الأرض جسده، ولعله أشار بذلك إلى المبطون، ونحوه، من الملحقين بالشهداء. وضمّ أبو العباس القرطبيّ إلى الصنفين المؤذّن المحتسب، لقوله صلى الله عليه وسلم:"المؤذّن المحتسب كالمتشحّط في دمه، وإن مات لم يدود في قبره"
(1)
. قال: وظاهر هذا أن الأرض لا تأكل أجساد المؤذّنين المحتسبين، فللحديث إذًا تأويلان:
أحدهما: قال ابن عبد البر: كأنه قال: كلّ من تأكله الأرض، فإنه لا تأكل منه عجب الذنب، قال: وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب جاز أن لا تأكل الشهداء.
الثاني: قال القاضي عياض: يريد أن جميع الإنسان مما تأكله الأرض، وإن كانت لا تأكل أجسامًا كثيرةً، كالأنبياء، وكثير من الشهداء. انتهى
(2)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي صحّ لدينا ممن لا يبلى جسده هم الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وأما الشهداء، فليس عليه دليل مرفوع يُستَنَد إليه، وإنما صحّ بما أخبر به جابر من خبر أبيه، ومَن دفن معه، ونحو ذلك، ولا يستبعد أن يكرم اللَّه تعالى الشهداء بذلك.
(1)
- ضعيف أخرجه الطبراني في "الأوسط"، وفي سنده إبراهيم بن رستم، عن قيس بن الربيع، وكلاهما ضعيفان. انظر "سلسلة الضعيفة" للشيخ الألباني رقم 852 - 853.
(2)
- المصدر المذكور ج 3 ص 308.
بل قد يحصل لغيرهم من أهل الصلاح، والتقوى، فقد سمعتُ أخبارًا ممن لا أشك في كونهم ثقات أنهم وجدوا بعض أهل العلم، والصلاح، والزهد في قبورهم، كيوم موتهم. {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: استدل جمهور أهل العلم بظاهر قوله: "إلا عجب الذنب" على أنّ عجب الذنب لا يبلى، ولا تأكله الأرض، بل يبقى على حاله، وإن بلي جميع جسد الميت، وخالف في ذلك المزنيّ، فقال: إن عجب الذنب يبلى أيضًا، فلم يجعل "إلّا" للاستثناء، بل هي عاطفة، كالواو، فكأنه قال: وعجب الذنب، وقد حُكي إثبات هذا المعنى لـ "إلا" عن الأخفش، والفرّاء، وأبي عبيدة، وأنكره الجمهور، وأوّلوا ما استدلّوا به، ويردّه في هذا الموضع كونه عقّب ذلك بقوله:"منه خُلق، وفيه يركّب"، أي أنه أول ما يُخلَقُ من الآدميّ، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه، فلو ساوى عجب الذنب غيره في البلاء لم يبق لهذا الكلام محلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
(1)
.
المسألة الخامسة: ظاهر هذا الحديث أن عجب الذنب أول مخلوق من الآدميّ، وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال:"أول ما خلق اللَّه من آدم رأسه، فجعل ينظر، وهو يُخلَق". ذكره ابن عبد البرّ بإسناد منقطع، فلم يصحّ هذا، ولو صحّ عنه، فاتباع الحديث أولى، وقد يقال: لا منافاة بينهما؛ لأن الحديث في ابن آدم، والأثر عن سلمان رضي الله عنه في آدم نفسه، فيمكن أن يكون أول مخلوق من آدم رأسه، ومن بنيه عجب الذنب. ويحتمل أن يكون أول مخلوق من آدم عجب الذنب كبنيه، ويكون معنى كلام سلمان إن صحّ عنه أن أول ما نفخ فيه الروح من آدم رأسه، ويوافق ذلك قول ابن جريج: يقولون: إن أول ما نُفخ في يافوخ آدم. أفاده ولي الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(2)
وهو بحث نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2078 -
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، «قَالَ اللَّهُ عز وجل: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ، أَنْ يُكَذِّبَنِي، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: إِنِّي لَا أُعِيدُهُ، كَمَا بَدَأْتُهُ، وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَعَزَّ عَلَيَّ مِنْ أَوَّلِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا اللَّهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ، وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ».
(1)
- راجع المصدر المذكور.
(2)
- المصدر السابق.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(اليبيع بن سليمان) المرادي المصري، صاحب الشافعي، ثقة [11] 95/ 311.
2 -
(شعيب بن الليث) بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة فقيه نيل، من كبار [10] 120/ 166.
3 -
(الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه مشهور [7] 31/ 35.
4 -
(ابن عجلان) هو: محمد القرشي مولاهم المدني صدوق، اختلت عليه أحاديث أبي هريرة [5] 36/ 40.
والباقون تقدموا في السند الماضي واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى الليث، وبعده مدنييون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه (قَالَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، "قَالَ: اللَّهُ عز وجل: كَذَّبَني ابْنُ آدَمَ) من التكذيب، أي أنكر ما أخبرت به من البعث، وأنكر قدرتي عليه. وفي رواية أحمد:"كذّبني عبدي". والمراد به بعض بني آدم، وهم من أنكر البعث، من العرب، وغيرهم من عُبّاد الأوثان، والدهريّة، ومن ادعى أن للَّه تعالى ولدًا، من العرب أيضًا، ومن اليهود، والنصارى. (وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ) أي ما كان يستقيم، وما يجوز له، قال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: واستعمال ماضيه مهجور، وقد عَدّوا "ينبغي" من الأفعال التي لا تتصرّف، فلا يقال:"انبغى"، وقيل في توجيهه: إن انبغى مطاوع "بَغَى"، ولا يستعمل انفعل في المطاوعة، إلا إذا كان فيه علاجٌ، وانفعال، مثلُ كسرته، فانكسر، وكما لا يقال: طلبته، فانطلب، وقصدته، فانقصد، لا يقال: بغيته، فانبغى؛ لأنه لا علاج فيه، وأجازه بعضهم، وحكي عن الكسائيّ أنه سمعه من العرب، وما ينبغي أن يكون كذا، أي ما يستقيم، أو ما يحسن. انتهى
(1)
.
(أَنْ يُكَذِّبَني، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ) من باب ضرب، وقتل: أي سبني، والشتم: هو الوصف بما يقتضي النقص، ولا شكّ أن دعوى الولد للَّه، يستلزم الإمكان المستدعي للحدوث،
(1)
- "المصباح المنير".
وذلك غاية النقص في حقّ الباري عز وجل (وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، أَمَّا يكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: إِنِّي لَا أُعِيدُهُ، كَمَا بَدَأْتُهُ) وفي رواية أحمد: "فأما تكذيبه إياي أن يقول: فليُعِدْنَا كما بَدَأَنَا"، قال في "الفتح": وهي من شواهد ورود صيغة افعَلْ بمعنى التكذيب انتهى
(1)
. وقال وليّ الدين: لفظه طلب، ومعناه التكذيب، كما قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسيّ، من قدماء الشافعيّة، فيما ذكره العبّادي في "طبقاته" في قوله:{قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] إن صيغة افعل للتكذيب. انتهى
(2)
.
(وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَعَزَّ عَلَيَّ) أي بأثقل عليّ (مِنْ أَوَّلِهِ) يعني أن إعادة الخلق، وهو بعثه بعد موته يوم القيامة، ليس بأشقّ على اللَّه عز وجل من بداية خلقه من العدم، بل الكل سواء، يوجد بكلمة "كن"، وهذا بالنظر إليه تعالى، وأما بالنظر إلى عقولهم، وعادتهم، فآخر الخلق أسهل من أوله، كما قال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم: 27]، فلا وجه للتكذيب أصلًا (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ) أي ذكرُهُ أسوأ كلام، وأشنعه في حقّي، وإن كانت الشناعة موجودة في الأول أيضًا بنسبة الكذب إلى إخباره، والعجز إليه، تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرًا، لكنها دون الشناعة في هذا، ويظهر ذلك إذا نظر الناظر إلى كيفية تحصيل الولد، والمباشرة بأسبابه، مع النظر إلى غاية نزاهته تعالى، ولذلك قال تعالى:{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 90 - 91] واللَّه تعالى أعلم
(3)
.
(فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) القائلون بذلك هم من قال من اليهود: عزيرٌ ابن اللَّه، ومن قال من النصارى: المسيح ابن اللَّه، ومن قال من العرب: الملائكة بنات اللَّه، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرًا. (وَأَنا اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ) وفي "الكبرى":"وأنا اللَّه أحد، اللَّه الصمد".
قال البخاريّ في "صحيحه": العرب تسمي أشرافها الصمد. وقال أبو وائل: هو السيدّ الذي انتهى سؤدده انتهى.
وقال أبو عبيدة: الصمد السيد الذي يُصمد إليه ليس فوقه أحد، فعلى هذا هو فَعَلٌ- بفتحتين- بمعنى مفعول، ومن ذلك قول الشاعر:[من الطويل]:
أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ
…
بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
(4)
وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": قال عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم، ومسائلهم. وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس:
(1)
- "فتح" ج 9 ص 767. "كتاب التفسير" - تفسير سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
(2)
- "طرح التثريب" ج 8 ص 161 - 162.
(3)
- راجع "شرح السندي" ج 3 ص 112 - 113.
(4)
- "فتح" ج 9 ص 767. في تفسير "سورة الإخلاص".
هو السيّد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو اللَّه سبحانه، هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء سبحان اللَّه الواحد القهار. وقال الأعمش، عن سفيان، عن أبى وائل: الصمد السيّد الذي انتهى سؤدده. رواه عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: الصمد السيد. وقال الحسن، وقتادة: هو الباقي بعد خلقه. وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد، ولم يولد، كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص: 3]، وهو تفسير جيّد. وقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد اللَّه بن بريدة، وعكرمة أيضًا، وسعيد ابن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطيّة العَوْفيّ، والضحّاك، والسدّيّ: الصمد الذي لا جوف له. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: الصمد المصمت الذي لا جوف له. وقال الشعبيّ: هو الذي لا يأكل العام، ولا يشرب الشراب. وقال عبد اللَّه بن بريدة أيضًا: الصمد نور يتلألأ. رَوَى ذلك كله، وحكاه ابن أبي حاتم، والبيهقيّ، والطبراني، وكذا أبو جعفر ابن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده. وقال الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ في "كتاب السنة" له بعد إيراده كثيرًا، من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا عز وجل، هو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقيّ نحو ذلك انتهى
(1)
.
(لَمْ أَلِدْ) أي لأنه لا يجانس حتى يكون له من جنسه صاحبة، فيتوالدا، وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى:{أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101](وَلَمْ أُولَدْ) أي لأن كل مولود مُحدَث، وهو قديم، لا أوّل لوجوده ("وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أحَدٌ") يعني أنه لم يماثله أحد، ولم يشاكله، أو المراد نفي الكفاءة في النكاح، نفيًا للصاحبة، والأول أولى، لأن سياق الكلام لنفي المكافأة عن ذاته عز وجل، وهذا المعنى مَصَبّه، ومركزه هذا الرف، فلذا قدم
(2)
.
وقرئ {كُفُؤا} بضم الكاف، والفاء، وهي قراءة الأكثرين، وقرأ حفص بضم الفاء، وفتح الواو، من غير همز، وقرأ حمزة بإسكان الفاء، مع الهمزة في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واوًا مفتوحة، اتباعًا للخطّ، والقياس أن تلقى حركتها على الفاء، وقرىء في غير المشهور بكسر الكاف، وإسكان الفاء
(3)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
(1)
- تفسير ابن كثير في تفسير {سورة الإخلاص} .
(2)
- طرح ج 8 ص 162. و"فتح" ج 9 ص 768.
(3)
- طرح ج8 ص 162.
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -117/ 2078 - وفي "الكبرى" 117/ 2205. وأخرجه (خ) 3193 و 4974 و 4975 (أحمد) 2744 و 8870. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: وجوب الإيمان بالبعث، وأن إنكاره يكون تكذيبًا للَّه عز وجل. ومنها: وجوب تنزيه اللَّه تعالى عن أن يتّخذ ولدًا، وأن اعتقاد خلافه يكون شتما له، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرًا. ومنها: أن اللَّه تعالى متصف بأنه الأحد، الصمد، الذي لم يدد، ولم يولد، ودم يكن له كفوا أحد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2079 -
أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:«أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ، حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ، فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ، لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا، لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا، مِنْ خَلْقِهِ، قَالَ: فَفَعَلَ أَهْلُهُ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ عز وجل، لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا أَخَذْتَ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ عز وجل مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ، قَالَ: خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(كثير بن عُبيد) بن نُمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ، ثقة [10] 5/ 486.
2 -
(محمد بن حرب) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [9] 122/ 172.
3 -
(الزُّبَيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت [7] 45/ 56.
4 -
(حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ، المدنيّ، ثقة [2] 32/ 725.
والباقيان تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه. (ومئها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى الزهري، ومنه مدنيون. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) ذكر الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى أن أكثر رواة "الموطإ" رفعوا هذا الحديث، ووقفه القعنبيّ، ومصعب الزبيريّ، على أبي هريرة. قال وليّ الدين: والمراد وقف لفظه، وأما حكمه فهو الرفع؛ لأنه لا يقال مثله، من قبل الرأي، فهو مرفوع على كلّ حال انتهى.
(يَقُولُ: "أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ) وفي حديث حذيفة رضي الله عنه الآتي بعد هذا: "كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظنّ بعمله"، وللبخاريّ من حديث أبي مسعود: أن هذا الرجل كان نبّاشًا. وفي رواية للطبراني: بينما حذيفة، وأبو مسعود جالسين، فقال أحدهما: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول:"إن رجلا من بني إسرائيل، كان ينبش القبور"
(1)
. ولمسلم: "لم يعمل حسنة قط". ولأحمد، من حديث ابن مسعود:"أنه لم يعمل شيئًا قط إلا التوحيد"
(2)
.
وظاهر قوله: أنه لم يعمل خيرا قط، أنه لم يكن موحدًا؛ لأن التوحيد أعظم الخير، لكن إخباره بأنه فعل هذا من خشية اللَّه تعالى يدلّ على توحيده، وكيف يخشى اللَّه من لا يعرفه، بل يدلّ على علمه؛ لقوله تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} الآية [فاطر: 28]، وقد رفعت رواية أحمد المذكورة هذا الإشكال، حيث استثنت من الخير التوحيد.
قال الحافظ ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا الرجل، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال أن يُغفر للذين يموتون،
(1)
- راجع، "الفتح" ج 7 ص 173 "كتاب أحاديث الأنبياء"-، "باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم 3452.
(2)
- ونصّ أحمد في "المسند" رقم 3776 حدثنا يحيى بن إسحاق، أنبأنا حماد بن سلمة، عن عاصم ابن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود، رضي الله عنه، أن رجلا لم يعمل من الخير شيئا قط، إلا التوحيد، فلما حضرته الوفاة، قال لأهله: إذا أنا مت، فخذوني، واحرقوني، حتى تدعوني حممة، ثم اطحنوني، ثم اذروني في البحر، في يوم راح، قال: ففعلوا به ذلك، قال: فإذا هو في قبضة اللَّه، قال: فقال اللَّه عز وجل له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك، قال: فغفر اللَّه له.
قال يحيى: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.
وهم كفّار، لأن اللَّه عز وجل قد أخبر أنه لا يغفر أن يُشرك به، وقال:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] فمن لم ينته عن شركه، ومات على كفره، لم يك مغفورا له، قال اللَّه تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18].
قال: وهذا سائغ في لسان العرب أن يؤتى بلفظ الكلّ، والمراد البعض، فتقول العرب: لم يفعل كذا قطّ، يريد الأكثر من فعله. ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يضع عصاه عن عاتقه" يريد أن الضرب للنساء كان منه كثيرًا، لا أنّ عصاه كانت ليلاً ونهارًا على عاتقه. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي أخرجه أحمد، رجاله ثقات. واللَّه تعالى أعلم.
(حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) ظرف للقول الذي بعده، لا للإسراف المتقدّم، وفي "الكبرى": "فحين حضرته الوفاة قال لأهله
…
"، وفي حديث حذيفة التالي: "فلما حضرته الوفاة قال لأهله
…
" (قَالَ: لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ) بكسر الميم، وضمها، من مات يَمَاتُ، كخاف يخاف، ومات يموت، كقال يقول.
وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند البخاريّ: "أن رجلاً كان قبلكم رَغَسَه
(1)
اللَّه مالاً، فقال لبنيه لما حُضِر: أيَّ أَبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا أنا متّ
…
". ولهَ من حديث حذيفة رضي الله عنه: "إن رجلاً حضره الموت، لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ، فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أَوْرُوا نارًا، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فخذوها، فاطحنوها، فذرّوني في اليمّ، في يوم حارّ
…
".
(فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي) بفتح الحاء المهملة، أمر من سحق يسحق، كمنع يمنع، قيل: روي "اسحكوني"، واسهكوني"، والكل بمعنى واحد، وهو الدّقّ والطحن (ثُمَّ اذْرُوْنِي) بالذال المعجمة، ويجوز في همزه الوصل والقطع، يقال: ذرتْهُ الريحُ، وأذرتْهُ، تذرُوه، وتذرِيه: إذا أَطارته، ومنه تذرية العام. كذا ذكر في "المشارق"، و"النهاية": ذريت، وأذريت، بمعنىً. وقال في "الصحاح": ذريته: طيّرته، وأذهبته، وذَرَت الريحُ الترابَ، وغيره تذروه ذَرْوًا، وذَرْيًا: أي سَفَتْهُ، ومنه قولهم: ذَرَى الناسُ الحنطةَ، ثم قال: وأذريت الشيءَ: إذا ألقيته كإلقائك الحبّ للزرع، وطعنَهُ، فأذراه عن
(1)
- أي كثر اللَّه ماله.
ظهر دابّته: أي ألقاه انتهى. وذكر في "المحكم" نحوه، وهذا يقتضي الفرق بين الثلاثيّ، والرباعيّ، وأن ما يُلقَى في غير محلّ معيّن، يستعمل فيه الثلاثيّ، كما في هذا الحديث، وما يُلقَى في محلّ معيّن يُستعمل فيه الرباعيّ. قاله الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
.
(فِي الرِّيحِ، فِي الْبَحْرِ) الجار الأول متعلّق بالفعل قبله، والثاني متعلق بحال مقدّر من "الريح"، أي حال كون ذلك الريح كائنا في البحر، وإنما لم يتعلّق بما تعلّق به ما قبله؛ لئلا يتعلق حرفا جرّ بلفظ ومعنى واحد بفعل واحد، وهو ممنوع، كما هو معروف في محله.
وفي حديث أبي سعيد: "في يوم عاصف"، أي عاصف ريحه. وفي رواية مسلم:"في ريح عاصف". وإنما أمرهم بهذا لتتفرّق أجزؤه، بحيث لا يكون هناك سبيل إلى جمعها في ظنّه، كما بَيَّنَ ذلك بقوله:
(فَوَاللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) من باب نصر، وضرب، وفرِحَ، يقال: قدرتُ على الشيء: إذا قَوِيتَ عليه، وتمكنتَ منه، والاسم القدرة.
قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما معناه: يحتمل أنه رأى أن جمعه يكون مستحيلًا، والقدرة لا تتعلّق بالمستحيل، فلذلك قال:"فوالله لئن قَدَر اللَّه"، فلا يلزم أنه نَفَى القدرة، فصار بذلك كافرًا، فكيف يُغفر له؟، وذلك أنه ما نفى القدرة على ممكن، وإنما فرض غيرَ المستحيل مستحيلاً فيما لم يثبت عنده أنه ممكن من الدين بالضرورة، والكفر هو الأول، لا الثاني. ويحتمل أن شدّة الخوف طيّرت عقله، فما التفت إلى ما يقول، وما يفعل، وأنه هل ينفعه، أم لا؟، كما هو المشاهد في الواقع في مهلكة، فإنه قد يتمسّك بأدنى شيء؛ لاحتمال أنه لعله ينفعه، فهو فيما قال، وفعل في حكم المجنون. وأجاب بعضهم بأن هذا رجل لم تبلغه الدعوة، وهذا بعيد. واللَّه تعالى أعلم انتهى
(2)
. وسيأتي هذا البحث مستوفًى في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(لَيُعَذِّبَنِّي) جواب القسم، والفعل مبنيّ على الفتح لاتصال نون التوكيد به (عذابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا، مِنْ خَلْقِهِ، قَالَ: فَفَعَلَ أَهْلُهُ ذَلِكَ) أي جميع ما أوصاهم به (قَالَ: اللَّهُ عز وجل لِكُلِّ شَيْءِ أَخَذَ مِنْهُ شيْئًا) أي من أجزاء هذا الميت (أَدِّ) فعل أمر من التأدية (مَا أَخَذْتَ) وفي رواية البخاريّ: "فأمر اللَّه الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت
…
". (فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ) "إذا فُجائيّة، أي ففاجأ قيامه، وفيه سرعة اجتماع أجزائه، وفي حديث سلمان رضي الله عنه عند أبي عوانة في "صحيحه":"فقال اللَّه له: كن، فكان كأسرع من طرفة العين".
قال في "الفتح": وهذا جميعه -كما قال ابن عقيل-: إخبار عما سيقع له يوم القيامة،
(1)
- "طرح" ج 3 ص 266 - 267.
(2)
- "شرح السندي" ج 3 ص 113.
وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله:"فجمعه اللَّه"؛ لأن التحريق، والتفريق، إنما وقع على الجسد، وهو الذي يُجمع، ويعاد عند البعث انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله في "الفتح" نقلاً عن ابن عقيل من أنه إخبار عما سيقع إلخ فيه نظر لا يخفى؛ إذ سياق الحديث يأباه، وهذا الذي نفاه من الوقوع قبل ذلك ليس ببعيد، {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} . فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: اللَّهُ عز وجل: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟) أي أيُّ شيء حملك على هذه الوصيّة الجائرة؟ (قَالَ) ذلك الرجل (خَشْيَتُكَ) مرفوع على أنه فاعل لمقدّر، يدلّ عليه السؤال، كما أشار إلى ذلك ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "خلاصته"، حيث قال:
وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا
…
كَمِثْلِ "زَيْدٌ" فِي جَوَابِ "مَنْ قَرَا"
أي حملني على ذلك خشيتك. وفي رواية "مخافتك"(فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ") وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه: "فتلقّاه برحمته".
قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إن قلت: في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن اللَّه تعالى:"أنا عند ظنّ عبدي بي"، وهذا قد ظنّ بربه تعذيبه، وعدم المغفرة له، فكيف غفر له؟.
قلت: قد اختلفوا في معنى هذا الحديث، فقيل: المراد به الرجاء، وتأميل العفو.
وقيل: معناه بالغفران له إذا استغفر، والقبول له إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية. فإن قلنا بالثاني، فالجمع واضح؛ لأن هذا قد ندم على ما فَرَطَ منه، ولولا ندمه لما أمر أن يُفعل به ذلك، فكان تائبًا، فقبلت توبته، وغُفر له. وإن قلنا بالأوّل، فقد حكى القاضي عياض، والنوويّ في "شرح مسلم" أنه قيل: إنما أوصى بذلك تحقيرًا لنفسه، وعقوبة لها؛ لعصيانها، وإسرافها، رجاء أن -يرحمه اللَّه تعالى-، فهو حينئذ قد رجا العفو، وأمّله، فكان اللَّه عند ظنّه به، فعفا عنه، وهذا بعيد من قوله:"إن قدر اللَّه عليّ"، إن لم يؤوّله بما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى
(2)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله القاضي عياض، والنووي -رحمهما اللَّه تعالى- جواب سليم، وتوجيه مستقيم، وبه يزول الإشكال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
(1)
- "فتح" ج 7 ص 206 - 207. "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم 3478.
(2)
- المصدر السابق ج 3 ص 269.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -117/ 2079 - وفي "الكبرى" - 117/ 2206. وأخرجه (خ) 3481 و 7506 (م) 2756 (ق) 4255 (أحمد) 7591 و 7980 (الموطأ) 568. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: إثبات البعث بعد الموت، وإن تفرقت الأجزاء، وتلاشت. ومنها: عظمة قدرة اللَّه تعالى. ومنها: فضيلة الخوف من اللَّه تعالى، وغلبتها على العبد، وأنها من مقامات الإيمان، وأركان الإسلام، وبها انتفع هذا المسرف، وحصلت له المغفرة. ومنها: أنه لا ضرر على العبد في غلبة الخوف، وإن كانت بقرب الوفاة، وإن كان المطلوب من العبد في تلك الحالة أن يُحسن ظنه بربّه، لما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قبل موته بثلاثة أيام، يقول:"لا يموتنّ أحدكم، إلا وهو يحسن الظن باللَّه عز وجل ". ومنها: أنه يدلّ على أن خوف العبد من ذنبه، ليس كراهية للقاء اللَّه تعالى؛ لأن الخائف من ذنبه يطلب أن يكون مصيره إلى الدار الآخرة على وجه مرضيّ، يقربه إلى اللَّه، فكره حالة نفسه التي هو عليها، ولم يكره لقاء اللَّه تعالى مطلقا، بل أحبّ لقاءه على غير تلك الحالة. قاله وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أن الأعمال بالنيّات، والمقاصد، فإن اللَّه تعالى لم ينظر إلى هذا العمل، بل إلى القصد، فقال له: "لم فعلت هذا؟، ولما كان الحامل عليه الخشية، كان سبب المغفرة، ولو حمل عليه سبب آخر فاسد، لكان الأمر بخلاف ذلك، فيما يظهر، واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أن فيه بيانَ سعة رحمة اللَّه تعالى، ومغفرته، وأن المسرف على نفسه لا ييأس من ذلك، وقد قال اللَّه تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]. وقد قيل: إن هذه الآية أرجى آية في كتاب اللَّه تعالى. القَهم اغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنّا سيّآتنا، وأدخلنا الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: أنه استشكل قوله: "لئن قدر اللَّه عليّ، ليعذّبنّي" لأن ظاهره نفي قدرة اللَّه تعالى على إحيائه، وإعادته، والشاكّ في قدرة اللَّه تعالى كافر، مع أن الحديث يدلّ على إسلامه من وجهين:
أحدهما: إخباره بأنه إنما فعل هذا من خشية اللَّه تعالى، والكافر لا يخشى اللَّه تعالى. الثاني: إخباره صلى الله عليه وسلم بأن اللَّه تعالى غفر له، والكافر لا يغفر له، مع ما انضمّ إلى ذلك
من الرواية التي في "مسند أحمد" الصريحة في أنه كان موحّدًا، فاختلف العلماء في تأويله:
فقالت طائفة: لا يصحّ حمله على ظاهره؛ لما ذكرناه، فيكون له تأويلان:
أحدهما: أن معناه لئن قدر اللَّه عليّ العذاب، أي قضاه، يقال منه: قَدَرَ -بالتخفيف- وقَدَّر -بالتشديد- بمعنى واحد.
الثاني: أن "قدَرَ" بمعنى ضَيّق، فقوله:"لئن قدر اللَّه عليّ"، أي لئن ضيّق اللَّه، ومنه قوله تعالى:{فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: 16]، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى:{فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87].
وقال الآخرون: اللفظ على ظاهره، وذكروا له تأويلات:
أحدها: أن هذا الرجل قال هذا الكلام، وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه، ومعتقد لها، بل قاله في حالةٍ غلب عليه فيها الدّهْشُ، والخوف، والجزَع الشديد، بحيث ذهب تيقّظه، وتدبّره، ما يقوله، فصار في معنى الغافل، والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرَح حين وجد راحلته:"أنت عبدي، وأنا ربّك"، فلم يُكفر بذلك، للدهش، والغلبة، والسهو. وقد ورد في غير "الصحيحين":"فلعلي أضلّ اللَّه"، أي أغيب عنه، وهذا يدلّ على أن قوله:"لئن قدر اللَّه" على ظاهره، كما ذكرنا.
الثاني: أن هذا من مجاز كلام العرب، وبديع استعمالها، يسمّونه مزج الشكّ باليقين، وسماه بعضهم تجاهل العارف، ومنه قوله تعالى:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24]، فصورته صورة شكّ، والمراد به اليقين.
الثالث: أن غاية ما فيه أن هذا رجل جهل صفة من صفات اللَّه تعالى، وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة، فممن كفّره بذلك محمد بن جرير الطبريّ، وقاله الشيخ أبو الحسن الأشعريّ أوّلًا. وقال آخرون: لا يكقر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعريّ، وعليه استقرّ قوله، قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا نقطع بصوابه، ويراه دينا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حقّ؛ قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات، لوجد العالم بها قليلاً.
وحكاه ابن عبد البرّ عن المتقدّمين، من العلماء، ومن سلك سبيلهم، من المتاخرين، واستدلّ عليه بأن عمر، وعمران بن حُصين، وجماعة من الصحابة، سألوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن القدَر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك، وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين انتهى.
الرابع: أنه كان في زمن فترة، حين ينفع مجرّد التوحيد، ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح، لقوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
الخامس: أنه يجوز أنه كان متمسّكًا بشريعة فيها جواز العفو عن الكافر، وإن كان ذلك غير جائز في شرعنا، فإنه من مجوّزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} اللآية [النساء: 116]. وغير ذلك من الأدلّة. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي القول بأنه تكلم بهذا الكلام في حال شدة خوفه، فعذره اللَّه تعالى في خطئه بسبب ذلك، كما عذر من أخطأ في شدة الفرح بقوله:"اللَّهم أنت عبدي، وأنا ربّك". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إن قلت: ظاهر حال هذا الرجل أنه وقع في كبيرة، وهو اليأس من رحمة اللَّه، وكان هذا خاتمة أمره، فكيف كانت هذه الكبيرة سبب المغفرة؟.
قلت: إن صرفنا اللفظ عن ظاهره، بحمل "قَدَرَ" على "قضى"، أو "ضيّق"، فليس فيه اليأس من رحمة اللَّه، فإنه يرجو الرحمة بتقدير أن لا يقضي عليه بالعذاب، أو لا يضيّق عليه على اختلاف القولين.
وإن أخذناه على ظاهره، فالجواب عن هذا أن شدّة الخوف اصطلمته، وأذهلته، حتى خرج عن حدّ التكليف، فنفعه خوفه، ونَجّاه مع التوحيد، ولم يضرّه يأسه؛ لأنه حصل له في حالة انقطع عنه فيها التكليف، وبتقدير أنه لم يصل إلى حالة أخرجته عن حيز المكلّفين، فالخوف الحاصل له كفّر عنه سيّئته التي هي اليأس من رحمة اللَّه، بل كفر عنه سيئآته التي كان يرتكبها طول عمره، وقد يشتمل الفعل الواحد على طاعة من وجه، ومعصية من وجه، فربما غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية، وربما غلبت المعصية، فأحبطت ثواب الطاعة، وفي هذا المحلّ غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية.
وعن الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام أنه قال فيمن سمع بآلة محرّمة، فأحدثت له أحوالاً صالحة، يحصل له إثم السماع المحرّم، وثواب الأعمال الصالحة، فإن غلب الثواب ربح، وإن غلب الإثم خسر، وإن استويا تكافأ. هذا معناه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره وليّ الدين من كلام الشيخ عز الدين ابن عبدالسلام، غير صحيح، فإن السماع المحرّم لا تحصل منه أحوال صالحة، وإن
تخيّل صاحبه ذلك، وادعاه، فإن الأحوال الصالحة، إنما تحصل بطاعة اللَّه تعالى، وأما المحرّمات، فلا يحصل بها إلا الأحوال الشيطانية، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وروى الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"، وغيرُهُ بإسناد جيّد، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "فعلتَ كذا وكذا"، قال: لا، والذي لا إله إلا هو، يا رسول اللَّه، ما فعلت، فقال:"بلى، ولكن غُفر لك بالإخلاص". وروي هذا المعنى أيضّا من حديث ابن عباس، وأنس، وابن الزبير رضي الله عنهم انتهى كلام وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2080 -
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، يُسِيءُ الظَّنَّ
(2)
بِعَمَلِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنْ يَقْدِرْ عَلَيَّ، لَمْ يَغْفِرْ لِي. قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ عز وجل الْمَلَائِكَةَ، فَتَلَقَّتْ رُوحَهُ، قَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ، قَالَ: يَا رَبِّ، مَا فَعَلْتُ إِلاَّ مِنْ مَخَافَتِكَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ».
"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"ربعيّ: هو ابن حِرَاش، أبو مريم العبسيّ الكوفيّ الثقة العابد المخضرم. و"حُذيفة": هو ابن اليمان رضي الله عنهما.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -117/ 2080 وفي "الكبرى" 117/ 2207.
وأخرجه (خ) 3479 و 6480 (أحمد) 22742 و 22843 و 22953. وشرحه يعلم مما قبله. واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
118 - الْبَعْثُ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالبعث هو المعاد الجسمانيّ في الآخرة. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: "باب الحشر". قال القرطبيّ
(1)
- "طرح" ج3 ص 268 - 269.
(2)
- وفي نسخة "سيء الظنّ".
-رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الحشر الجمع، وهو أربعة: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة، فاللذان في الدنيا:
أحدهما: المذكور في سورة الحشر في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} [الحشر: 2].
والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة الذي أخرجه مسلم، من حديث حُذيفة ابن أَسِيد، رفعه:"إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات"، فذكرها. وفي حديث ابن عمر عند أحمد، وأبي يعلى:"تخرج نار قبل يوم القيامة من حضر موت، فتسوق الناس" الحديث، وفيه "فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام". وفي لفظ آخر "ذلك نار تخرج من قَعْرِ عَدَن، تُرَحِّل الناس إلى المحشر".
وفي حديث أنس في مسائل عبد اللَّه بن سلام لما أسلم "أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب". وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو عند الحاكم، رفعه:"تُبْعَث نار على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب، تَبِيت معهم حيث باتوا، وتَقِيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم، وتخلّف، تسوقهم سوق الجمل الكسير".
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد أشكل الجمع بين هذه الأخبار، وظهر لي في وجه الجمع أن كونها تخرج من قعر عدن، لا ينافي حشر الناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها. والمراد بقوله:"تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" إرادة تعميم الحشر، لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق، ويؤيد ذلك أن ابتداء الفتن دائمًا من المشرق، وأما جعل الغاية إلى المغرب، فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب. ويحتمل أن تكون النار في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التي أثارت الشرّ العظيم، والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل المشرق حتى خرب معظمه، وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام، ومصر، وهما من جهة المغرب، كما شوهد ذلك مرارًا من المغل من عهد جنكيز خان، ومن بعده، والنار التي في الحديث الآخر على حقيقتها. واللَّه أعلم.
والحشر الثالث: حشر الأموات من قبورهم، وغيرها بعد البعث جميعا إلى الموقف، قال اللَّه تعالى:{وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 47].
والرابع: حشرهم إلى الجنّة، أو النار انتهى ملخصًا بزيادات.
قال الحافظ: الأول ليس حشرًا مستقلّا، فإن المراد حشر كلّ موجود يومئذ، والأول
إنما وقع لفرقة مخصوصة، وقد وقع نظيره مرارًا، تخرج طائفة من بلدها بغير اختيارها إلى جهة الشام، كما وقع لبني أميّة أولَ ما تولّى ابن الزبير الخلافة، فأخرجهم من المدينة إلى جهة الشام، ولم يَعُدّ ذلك أحدٌ حشرًا انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2081 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ،،، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ:«إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ عز وجل، حُفَاةً عُرَاةً، غُرْلاً» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وسيأتي مطولاً في الباب التالي، ويأتي شرحه هناك، إن شاء اللَّه تعالى. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار.
وقوله: "حُفاة" بضم، ففتح، جمع حاف، وهو الذي يمشي بلا نعل، ولا خفّ. وقوله:"عُراة" بضم، ففتح، جمع عار، وهو الذي لا ثوب عليه. وقوله:"غُرلًا" بضم، فسكون، جمع أغرل، وهو الأقلف، أي غير مختونين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2082 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عُرَاةً، غُرْلاً، وَأَوَّلُ الْخَلَائِقِ، يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ عليه السلام، ثُمَّ قَرَأَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ}» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث، متفق عليه، وسيأتي البحث عنه أيضًا في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. و"المغيرة بن النعمان": هو النخعيّ الكوفيّ، ثقة [6]. وثقه ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان، وابن حبّان. وقال أبو حاتم مرة: صالح. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه. وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا وأعاده في (2087)، و (4000) وأعاده في (4864). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2083 -
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلاً» ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ قَالَ: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37].
(1)
- "فتح" ج 13 ص 188 - 189. "كتاب الرقاق" - "باب كيف الحشر؟ " رقم 6522.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشيّ مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [10] 21/ 535.
2 -
(بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلَاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 55.
3 -
(الزبيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي الثقة الثبت [7] 45/ 56.
4 -
(الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور [4] 1/ 1.
5 -
(عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه الثبت [3] 40/ 44.
6 -
(عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وسيأتي الكلام على بقية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين، إلى الزهري، ومنه مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيٍّ عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ) ولابن ماجه: "قلت: يا رسول اللَّه، كيف يحشر الناس يوم القيامة؟، قال: حُفاة، عراة"(يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ووقع في حديث عبد اللَّه بن أُنيس، عند أحمد، والحاكم، بلفظ:"يُحشر العباد -وأومأ بيده نحو الشام- عراة، حفاة، غرلا، بهما -بضم الموحدة، وسكون الهاء- قلنا: وما بهمًا؟ قال: ليس معهم شيء"(حُفَاةً) بضم المهملة، وتخفيف الفاء- جمع حاف، أي بلا خفّ، ولا نعل (عُرَاةً) بضم المهملة، وتخفيف الراء- جمع عار، وهو الذي لا ثوب عليه (غُرْلاً) - بضم المعجمة، وسكون الراء- جمع أغرل، وهو الأقلف وزنًا ومعنى، وهو الذي لم يُختن، أي يحشرون كما خلقوا، لا يفقد منهم شيء (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَكَيفَ بالْعَوْرَاتِ؟) وفي الرواية التالية:"قلت: الرجال والنساء، ينظر بعضهم إلى بعض؟ "(قَالَ: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}) أي حال يَشغَلُه عن النظر إلى غيره، فضلاً عن العورة. وفي الرواية التالية:"قال: إن الأمر أشدّ من أن يهُمّهم ذلك". قال في "الفتح":
"يهمهم" بضم أوله، وكسر الهاء، من الرباعيّ، يقال: أهمه الأمر. وجوز ابن التين فتح أوله، وضمّ ثانيه، من همّه الشيء: إذا آذاه، والأول أولى. ووقع عند مسلم:"قال: يا عائش الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض". وفي رواية له: "قلت: يا رسول اللَّه، فما نستحيي؟ قال: يا عائشة الأمر أهمّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض". وللترمذي، والحاكم:"قرأت عائشة: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الآية [الأنعام: 94]، فقالت: وا سوأتاه، الرجال والنساء يُحشرون جميعًا، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ} الآية، وزاد: ولا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شُغِل بعضهم عن بعض" انتهى مختصرًا
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فإن قيل: كيف يصحّ، وفيه بقية، وهو معروف بالتدليس عن الضعفاء، وكان أيضًا معروفا بتدليس التسوية؟.
أجيب: إنه لم ينفرد بهذا الحديث، بل تابعه عليه غيره، كما هو في "الصحيحين"، وغيرهما. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 118/ 2083 و 2084 - وفي "الكبرى" 118/ 2210 و 2211.
وأخرجه (خ) 6527 (م) 2859 (ق) 4276 (أحمد) 23744 و 24067. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات البعث بعد الموت. ومنها: أن فيه بيان معنى قوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء: 104]، وذلك أن الناس يبعثون حُفَاةً، ليس لهم خفّ، ولا نعل، عُرَاة، ليس لهم لباس تستر العورات، غُرْلاً، ليسوا مختونين. ومنها: بيان شدّة هول ذلك اليوم، حيث إن بعضهم لا يشعر بانكشاف عورته، ولا عورة غيره، بل هو مشغول بشأن نفسه، ومهتمّ بها، أينجو من النار، أم لا؟ ومنها: أن فيه حجة للقول الراجح: إن النساء يدخلن في خطاب الرجال، فإن قوله:"إنكم تحُشرون" خطاب للذكور، ولكنه شامل للنساء أيضًا، فإن
(1)
- "فتح" ج 13 ص 199. "كتاب الرقائق". رقم الحديث 6527.
عائشة من أهل اللغة، فهمت من هذا الخطاب دخول النساء، فقالت: الرجال، والنساء، ينظر بعضهم إلى بعض"، وأقرّها النبيّ صلى الله عليه وسلم على فهمها ذلك، ولكن بيّن لها أن هناك مانعًا من هذا النظر، وهو اشتغال كل أحد بنفسه، وهذا الاستدلال قويّ جدًا، وتؤيده الآية المذكورة، حيث إنها بلفظ الذكور، {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: قال شارح "العقيدة الطحاوية" -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عند قول الطحاويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "ونؤمن بالبعث": ما مختصره: الإيمان بالمعاد مما دلّ عليه الكتاب والسنّة، والعقل، والفطرة السليمة، فأخبر اللَّه عز وجل عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليلَ عليه، وردّ على منكريه في غالب سور القرآن، وذلك أن الأنبياء عليهم السلام كلهم متفقون على الإيمان باللَّه، فإن الإقرار بالربّ عامّ في بني آدم، وهو فطريّ، كلهم يقرّ بالربّ إلا من عاند، كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد صلى الله عليه وسلم لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المُقَفَّى بَيَّنَ تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظنّ طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد صلى الله عليه وسلم، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل، والخطاب الجمهوريّ.
والقرآن بيّن معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع، وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد صلى الله عليه وسلم على طريق التخييل، وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم، وموسى، وعيسى، وغيرهم عليهم السلام.
ثم ذكر الآيات التي أثبتت المعاد، وبيّن وجه إثباتها أتمّ تبيين، إلى أن قال: والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط، واضطراب، وهم فيه على قولين: منهم من يقول: تعدم الجواهر، ثم تعاد، ومنهم من يقول: تفرّق الأجزاء، ثم تجمع، فأُورِد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تُعَد من هذا، وأورد عليهم أن الإنسان يتحلل دائما، فماذا الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض، فادعى بعضهم أن في الانسان أجزاء أصليّة، لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله
يتحلّل، ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوّى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان.
والقول الذي عليه السلف، وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل ترابًا، ثم ينشئها اللَّه نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة، ثم صار عَلَقَة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاما ولحما، ثم أنشاه خلقا سَويّا، كذلك الإعادة، يعيده اللَّه تعالى بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب، كما ثبت في "الصحيح " عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق، ومنه يركب". وفي حديث آخر: "إن السماء تُمطر مطرًا كمنيّ الرجال، ينبتون في القبور، كما ينبت النبات"
(1)
.
فالنشأتان نوعان تحت جنس، يتفقان، ويتماثلان من وجه، ويفترقان، ويتنوعان من وجه، والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة، ولوازم البداءة فرقٌ، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره، فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصًا، وهو صغير، ثم رآه، وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائما في تحلل، واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى شجرة، وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال: إن الصفات هي الْمُغَيَّرة، لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها، فإنهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ستون ذراعًا، كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما، وروي أن عرضه سبعة أذرع، وتلك نشأة باقية، غير معرّضة
للآفات، وهذه النشأة فانية، معرّضة للآفات انتهى ما كتبه شارح "الطحاوية" باختصار
(2)
، وهو بحث نفيس جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2084 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ، حُفَاةً، عُرَاةً» ، قُلْتُ: الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ:«إِنَّ الأَمْرَ أَشَدُّ، مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وهو متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي.
(1)
- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ج 1 ص 1 - 2. وهو ضعيف، لأن فيه انقطاعًا.
(2)
- "شرح العقيدة الطحاوية" ص 404 - 411.
و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو القطّان. و"أبو يونس القُشيريّ": هو حاتم بن أبي صَغِيرة واسمه مسلم، جدُّهُ لأمه، وقيل: زوج أمه، بصريّ، ثقة [6] 66/ 1800.
و"ابن أبي مليكة": هو عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مليكة زهير بن عبد اللَّه المكيّ، ثقة فقيه [3] 101/ 132. و"القاسم بن محمد": هو حفيد أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، أبو عبد الرحمن المدني الفقيه الثبت، من كبار [3] 120/ 166. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2085 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ
(1)
بْنُ خَالِدٍ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ، اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا» .
رجال هذا الإسناد ستة:
1 -
(محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المخرّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [11] 43/ 50.
2 -
(أبو هشام) المغيرة بن سلمة المخزومي البصري، ثقة ثبت، من صغار [9] 28/ 815.
3 -
(وُهيب بن خالد، أبو بكر) الباهلي مولاهم البصري، ثقة ثبت لكنه تغير قليلًا بآخره [7] 21/ 427.
4 -
(ابن طاوس) هو: عبد اللَّه اليماني، أبو محمد، ثقة فاضل عابد [6] 11/ 514.
5 -
(أبوه) طاوس بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاظل [3] 27/ 31.
6 -
(أبو هريرة) رضي الله عنه 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
(1)
- وقع في النسخة الهندية "وهب"، وهو تصحيف.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه.
ومنها: أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (5374) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُحْشَرُ النَّاسُ) ببناء الفعل للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظاهره أنه حشر الآخرة، لكن أكثر أهل العلم على أنه حشر في الدنيا، وهو آخر أشراط الساعة، وهذا هو المناسب لما يأتي من قوله: "تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم إذا باتوا الخ"، فالأولى أن يحمل قوله: "يوم القيامة" على معنى قرب يوم القيامة، من إعطاء ما قرب إلى الشيء حكم ذلك الشيء، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
(عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ) وفي رواية لمسلم: "على ثلاثة طرائق"، و"الطرائق" جمع طريق، وهي تذكّر، وتؤنّث، فيجوز تذكير العدد معه، وتأنيثه بالاعتبارين (رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ) وللبخاريّ: "وراهبين" بواو العطف، وعلى الروايتين فهي الطريقة الأَولى (اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَة عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ) وفي رواية البخاريّ الأولى بالواو، والبواقي بلا عاطف، وفي رواية مسلم، والإسماعيليّ بالواو في الجميع، وعلى كلّ، فهذه هي الطريقة الثانية (وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ) ببناء الفعل للفاعل، و"بقيتهم" بالنصب مفعول مقدّم، و"النار" فاعل مؤخّر.
قال في "الفتح": هذه هي النار المذكورة في حديث حُذيفة بن أَسِيد -بفتح الهمزة-. عند مسلم في حديث فيه ذكر الآيات الكائنة قبل قيام الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، ففيه:"وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن، تُرَحِّل الناس لا، وفي رواية له: "تَطْرُدُ الناس إلى حشرهم".
(تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا) أي تستريح معهم إذا استراحوا، والقيلولة النوم نصف النهار، يقال: قال يَقيل قَيلاً، من باب باع، وقَيْلُولةً: إذا نام نصف النهار (وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا") فيه إشارة إلى ملازمة النار لهم إلى أن يصلوا إلى مكان الحشر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجِه هنا -118/ 2085 - وفي "الكبرى" 118/ 2212. وأخرجه (خ) 6522 (م) 2861. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في المراد بالحشر المذكور في هذا الحديث:
قال الخطابيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة، تحشر الناسَ الأحياءَ إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف، فهو على خلاف هذه الصورة، من الركوب على الإبل، والتعاقب عليها، وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الباب:"حفاة، عراة، مشاة". قال وقوله: "واثنان على بعير، وثلاثة على بعير الخ" يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضٌ، ويمشي بعض.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما لم يذكر الخمسة، والستّة، إلى العشرة، إيجازًا، واكتفاء بما ذكر من الأعداد، مع أن الاعتقاب ليس مجزوما به، ولا مانع أن يجعل اللَّه في البعير ما يقوى به على حمل العشرة.
ومال الْحَلِيميّ إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور. وجزم به الغزاليّ.
وقال الإسماعيليّ: ظاهر حديث أبي هريرة يخالف حديث ابن عباس رضي الله عنهم المذكور بعدُ أنهم يحشرون حُفَاة، عُرَاة، مُشَاة. قال: ويجمع بينهما بأن الحشر يعبّر به عن النشر؛ لاتصاله به، وهو إخراج الخلق من القبور حفاة، عراة، فيساقون، ويجمعون إلى الموقف للحساب، فحينئذ يحشر المتقون رُكبانًا على الإبل.
وجمع غيره بأنهم يخرجون من القبور بالوصف الذي في حديث ابن عباس، ثم يفترق حالهم من ثَمّ إلى الموقف على ما في حديث أبي هريرة، ويؤيده حديث أبي ذرّ الآتي بعد هذا.
وصوّب عياض ما ذهب إليه الخطابيّ، وقوّاه بحديث حذيفة بن أسِيد، وبقوله في آخر حديث الباب:"تقيل معهم، وتبيت، وتصبح، وتمسي"، فإن هذه الأوصاف مختصّة بالدنيا.
وقال بعض شرّاح "المصابيح"
(1)
: حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه:
أحدها: أن الحشر إذا أطلق في عرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور، ما لم يخصّه دليل.
ثانيها: أن هذا التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المهاجر لا بدّ أن يكون راغبًا، أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبًا راهبًا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة، لا ثاني لها من جنسها فلا.
ثالثها: حشر البقيّة على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لا تفارقهم قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشقاوة في هذه الدار من غير توقيف.
رابعها: أن الحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف". وأخرجه البيهقيّ من وجه آخر عن عليّ بن زيد، عن أوس بن أبي أوس، عن أبي هريرة، بلفظ:"ثلاثًا على الدوابّ، وثلاثا يَنسِلُون على أقدامهم، وثلاثا على وجوههم". قال: ونرى هذا التقسيم الذي وقع في هذا الحديث نظير التقسيم الذي في تفسير الواقعة في قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} الآيات.
فقوله: "راغبين راهبين" يريد به عوامّ المؤمنين، وهم من خَلَطَ عملاً صالحًا، وآخر سيّئا، فيتردّدون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئآتهم، ويرجون رحمة اللَّه بإيمانهم، وهؤلآء أصحاب الميمنة. وقوله:"واثنان على بعير الخ" يريد به السابقين، وهم أفاضل المؤمنين، يُحشرون ركبانًا. وقوله:"وتَحشر بقيتهم النار" يريد به أصحاب المشأمة، وركوب السابقين في الحديث يحتمل الحمل دفعة واحدة، تنبيهًا على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة اللَّه تعالى حتى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من الْبِعْرَان. ويحتمل أن يراد به التعاقب.
قال الخطابيّ: إنما سكت عن الواحد إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم في المرتبة، كالأنبياء؛ ليقع الامتياز بين النبيّ ومن دونه من السابقين في الراكب؛ كما وقع في المراتب انتهى مُلَخّصًا.
وتعقّبه الطيبيّ، ورجّح ما ذهب إليه الخطابيّ.
وأجاب عن الأول: بأن الدليل ثابت، فقد ورد في عدّة أحاديث وقوع الحشر في
(1)
- هو التوربشتيّ، كما صرح به القاري في "المرقاة" ج 9 ص 471.
الدنيا إلى جهة الشام، وذكر حديث حذيفة بن أسيد الذي نبّهت عليه قبل، وحديث معاولة بن حَيْدَة، جدّ بَهْز بن حكيم، رفعه "إنكم محشورون، ونحا بيده نحو الشام رجالا، وركبانًا، وتُجرّون على وجوهكم". أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وسنده قويّ، وحديث "ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام، ولا يبقى في الأرض إلا شرارها، تلفظهم أَرَضُوهم، وتحشرهم النار مع القردة، والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتَقيل معهم إذا قالوا". أخرجه أحمد، وسنده لا بأس به. وأخرج عبدالرزاق، عن النعمان بن المنذر، عن وهب بن منبّه، قال: قال اللَّه تعالى لصخرة بيت المقدس: "لأضعنّ عليك عرشي، ولأحشُرنّ عليك خلقي".
وفي تفسير ابن عيينة، عن ابن عباس: من شكّ أن المحشر ههنا -يعني الشام- فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومئذ:"اخرجوا"، قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر". وحديث "ستخرج نار من حضرموت، تحشر الناس"، قالوا: فما تأمرنا يا رسول اللَّه؟ قال: "عليكم بالشام". ثم حكى خلافا، هل المراد بالنار نار على الحقيقة، أو هو كناية عن الفتنة الشديدة؛ كما يقال: نار الحرب لشدة ما يقع في الحرب، قال تعالى:{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} الآية [المائدة: 64]، وعلى كلّ حال، فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نار الآخرة، ولو أريد المعنى الذي زعمه المعترض لقيل: تحُشَر بيقتُهُم إلى النار، وقد أضاف الحشر إلى النار؛ لكونها هي التي تحشرهم، وتختطف من تخلّف منهم؛ كما ورد في حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد، عند أحمد، وغيره؛ وعلى تقدير أن تكون النار كناية عن الفتنة، فنسبة الحشر إليها سببيّة؛ كأنها تفشوا في كلّ جهة، وتكون في جهة الشام أخفّ منها في غيرها، فكلّ من عرف ازديادها في الجهة التي هو فيها أحبّ التحوّل منها إلى المكان الذي ليست فيه شديدة، فتتوفّر الدواعي على الرحيل إلى الشام، ولا يمتنع اجتماع الأمرين، وإطلاق النار على الحقيقة التي تخرج من قعر عدن، وعلى المجازية، وهي الفتنة، إذ لا تنافي بينهما، ويؤيد الحمل على الحقيقة ظاهر الحديث الأخير.
والجواب عن الاعتراض الثاني: أن التقسيم المذكور في آيات "سورة الواقعة" لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر، ويسرة
في الزاد، راغبًا فيما يستقبله، راهبا فيما يستدبره، وهؤلاء هم الصنف الأول في الحديث، ومن توانى حتى قلّ الظهر، وضاق عن أن يسعهم لركوبهم اشتركوا، وركبوا عقبةً، فيحصل اشتراك الاثنين في البعير الواحد، وكذا الثلاثة، ويمكنهم كل من الأمرين، وأما الأربعة في الواحد، فالظاهر من حالهم التعاقب، وقد يمكنهم إذا كانوا خفافا، أو أطفالاً، وأما العشرة فبالتعاقب، وسكت عما فوقها إشارة إلى أنها المنتهى في ذلك، وعما بينها وبين الأربعة؛ إيجارًا واختصارًا، وهؤلاء هم الصنف الثاني في الحديث.
وأما الصنف الثالث فعبّر عنه بقوله: "وتحشر بقيتهم النار" إشارةً إلى أنهم عجزوا عن تحصيل ما يركبونه، ولم يقع في الحديث بيان حالهم، بل يحتمل أنهم يمشون، أو يسحبون، فرارًا من النار التي تحشرهم، ويؤيد ذلك ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام المعترض، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال:"يلقي اللَّه الآفة على الظهر، حتى لا يبقى ذات ظهر، حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب" أي يشتري الناقة المسنّة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه، وعزّة الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائق بأحوال الدنيا، ومؤكّد لما ذهب إليه الخطابيّ، ويتنزّل على وفق حديث الباب -يعني من "المصابيح" -، وهو أن قوله:"فوج طاعمين كاسين راكبين" موافق لقوله: "راغبين راهبين". وقوله: "وفوج يمشون" موافق للصنف الذين يتعاقبون على البعير، فإن صفة المشي لازمة لهم، وأما الصنف الذين تحشرهم النار، فهم الذين تسحبهم الملائكة.
والجواب عن الاعتراض الثالث: أنه تبيّن من شواهد الحديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نار تخرج في الدنيا، أنذر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.
والجواب عن الاعتراض الرابع: أن حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد مع ضعفه لا يخالف حديث الباب؛ لأنه موافق لحديث أبي ذرّ في لفظه، وقد تبيّن من حديث أبي ذرّ ما دلّ على أنه في الدنيا، لا بعد البعث في الحشر إلى الموقف، إذ لا حديقة هناك، ولا آفة تُلقَى على الظهر حتى يَعِزّ، ويقلّ. ووقع في حديث علي بن زيد المذكور عند أحمد أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك، وقد سبق أن أرض الموقف
أرض مستوية، لا عوج فيها، ولا أكمة، ولا حدب، ولا شوك.
وأشار الطيبيّ إلى أن الأولى أن الحديث الذي من رواية عليّ بن زيد على من يُحشر من الموقف إلى مكان الاستقرار من الجنّة، أو النار، ويكون المراد بالركبان السابقين المتقين، وهم المراد بقوله تعالى:{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم: 85]: أي ركبانا. وأخرج الطبريّ عن عليّ في تفسير هذه الآية، فقال:"أَمَا واللَّه ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقًا، ولكن يُؤتَون بِنُوق لم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة". والمراد سوق ركائبهم، إسراعا بهم إلى دار الكرامة؛ كما يُفعل في العادة بمن يُشرف، ويُكرم من الوافدين على الملوك، قال: ويستبعد أن يقال: يجيء وفد اللَّه عشرة على بعير جميعًا، أو متعاقبين، وعلى هذا فقد روى أبو هريرة حال المحشورين عند انقراض الدنيا إلى جهة أرض المحشر، وهم ثلاثة أصناف، وحال المحشورين في الأخرى إلى محلّ الاستقرار. انتهى كلام الطيبيّ عن جواب المعترض، ملخّصا موضّحًا بزيادات فيه.
قال الحافظ: لكن تقدّم مما قررته أن حديث أبي هريرة من رواية علي بن زيد ليس في المحشورين من الموقف إلى محلّ الاستقرار. ثم ختم كلامه بأن قال: هذا ما سنح لي على سبيل الاجتهاد، ثم رأيت في "صحيح البخاريّ" في "باب الحشر":"يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق"، فعلمت من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التوربشتيّ هو الحقّ الذي لا محيد عنه.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ولم أقف في شيء من طرق الحديث الذي أخرجه البخاريّ على لفظ "يوم القيامة"، لا في "صحيحه"، ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم، والإسماعيليّ، وغيرهما ليس فيه "يوم القيامة". نعم ثبت لفظ "يوم القيامة" في حديث أبي ذرّ، المنبّه عليه قبلُ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ من أنه ليس لفظ "يوم القيامة" في طرق حديث أبي هريرة، بل في حديث أبي ذرّ غير صحيح؛ لأنه ثابت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في رواية المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في هذا الباب، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وهو مؤول بأن المراد بذلك أن يوم القيامة يعقب ذلك، فيكون من مجاز المجاورة، ويتعيّن ذلك، لما وقع فيه أن الظهر يقلّ لما يلقى عليه من الآفة، وأن الرجل
يشتري الشارف الواحد بالحديقة المعجبة، فإنه ظاهر جدّا في أنه من أحوال الدنيا، لا بعد الموت.
وقد روى البيهقيّ في حديث الباب احتمالين، فقال: قوله: "راغبين" يحتمل أن يكون إشارة إلى الأبرار. وقوله: "راهبين" إشارة إلى المخلطين الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار. وتعقّب بأنه حذف ذكرَ قوله:"واثنان على بعير الخ". وأجيب بأن الرغبة والرهبة صفتان للصنفين: الأبرار والمخلين، وكلاهما يحشر اثنان على بعير الخ.
قال: ويحتمل أن يكون ذلك في وقت حشرهم إلى الجنة بعد الفراغ، ثم قال بعد إيراد حديث أبي ذرّ: يحتمل أن يكون المراد بالفوج الأول الأبرار، وبالفوج الثاني الذين خلوا، فيكونون مشاة، والأبرار ركبانًا، وقد يكون بعض الكفّار أعيا من بعض، فأولئك يسحبون على وجوههم، ومن دونهم يمشون، ويسعون مع من شاء اللَّه من الفسّاق وقت حشرهم إلى الموقف.
وأما الظهر فلعلّ المراد به ما يحييه اللَّه بعد الموت من الدوابّ، فيركبها الأبرار، ومن شاء اللَّه، ويلقي اللَّه الآفة في بقيتها حتى يبقى جماعة من المخلطين بلا ظهر.
قال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا التأويل مع قوله في بقية الحديث: "حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف "، ومن أين يكون للذين يبعثون بعد الموت عراة، حفاة، حدائق حتى يدفعوها في الشوارف؟ فالراجح ما تقدّم، وكذا يبعده غاية البعد أن يحتاج من يساق من الموقف إلى الجنة إلى التعاقب على الأبعرة، فرجح أن ذلك إنما يكون قبل المبعث. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو حسنٌ جدّا.
وحاصله أن الراجح حمل الحديث على الحشر الذي يكون قبل قيام الساعة، عند قربها، فيُحشر الناس إلى الشام على هذه الصفات المختلفة، من كونهم راغبين، راهبين، الخ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2086 -
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ، صلى الله عليه وسلم حَدَّثَنِي:«أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ: فَوْجٌ رَاكِبِينَ، طَاعِمِينَ، كَاسِينَ، وَفَوْجٌ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ، عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، وَفَوْجٌ يَمْشُونَ، وَيَسْعَوْنَ، يُلْقِى اللَّهُ الآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ، فَلَا يَبْقَى حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ، يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ، لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(الوليد بن جُميع) هو ابن عبد اللَّه بن جميع -نسب إلى جدّه - الزهريّ المكيّ، نزيل الكوفة، صدوق يهم، ورمي بالتشيّع [5].
قال أحمد، وأبو داود: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى ابن سعيد لا يحدثنا عنه، فلما كان قبل موته بقليل حدثنا عنه. وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث. وقال البزار: احتملوا حديثه، وكان فيه تشيّع. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره أيضا في "الضعفاء"، وقال: ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به. وقال العقيليّ: في حديثه اضطراب.
وقال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم لكان أولى. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
2 -
(أبو الطفيل) عامر بن واثلة بن عبد اللَّه الليثي الصحابيّ رضي الله عنه -42/ 587.
3 -
(حُذيفة بن أَسِيد) -بفتح الهمزة، وكسر الراء - ويقال: ابن أميّة بن أَسيد الغفاريّ، أبو سَرِيحة -بمهملتين مفتوحة الأولى- صحابيّ شهد الحديبية، وقيل: إنه بايع تحت الشجرة. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعليّ، وأبي ذرّ. وعنه أبو الفيل، والشعبيّ، ومعبد بن خالد، وغيرهم. مات سنة (42) وصلى عليه زيد بن أرقم. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
4 -
(أبو ذرّ) جندب بن جنادة الصحابي المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه - 203/ 322. وعمرو بن علي الفلّاس. ويحيى القطان، تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الاسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) رضي الله عنه أنه (قَالَ) وفي رواية أحمد: "عن حذيفة بن أَسِيد، قال: قام أبو ذر، فقال: يا بني غفار، قولوا، ولا تختلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني
…
" (إِنَّ الصَّادِقَ) أي الذي ليس في حديثه كذب (الْمَصْدُوقَ) أي الذي أخبره اللَّه بالصدق،
يقال: صدَقني فلان بتخفيف الفاء: أي قال لي الصدقَ. أفاده في "اللسان". وفي "المجمع": "الصادق" من صَدَق في قوله، وتحرّاه في فعله، و"المصدوق" من صَدَقَه غيره. أي صَدَقَه جبريل فيما أخبره به، أو مُصَدَّق من عند الناس انتهى
(1)
(صلى الله عليه وسلم حَدَّثَنِي: "أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ) قال الطيبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: المراد بالحشر هنا ما في قوله صلى الله عليه وسلم: "أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب"، وقوله:"ستخرج نار من نحو حضرموت، تحشر الناس"، قلنا: يا رسول اللَّه، فما تأمرنا؟، قال:"عليكم بالشام" انتهى
(2)
(ثَلَاَثةَ أَفْوَاجٍ) جمع فوج، كثوب وأثواب: هم الجماعة من الناس (فَوْج) قال أبو البقاء -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "فوج" الأول بالجرّ على البدل مما قبله، و"راكبين" نعت له، ويجوز أن يروى "فوجٌ" بالرفع، أي يُحشر منهم فوج، وتكون "راكبين" حالاً، وأما "فوج" الثاني، والثالث، فالرفع فيه أقرب، من رفع الأول؛ لأنه ليس هناك مجرور يقوّي جرّه انتهى.
(رَاكبينَ، طَاعِمِينَ، كاسِينَ) قال الطيبيّ: -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هو عبارة عن كونهم مُرْهَفين؛ لإعدادهم ما يبلغهم إلى القصد، من الزاد، والراحلة (وَفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ المَلَائِكَةُ) أي تجرّهم (عَلَى وُجُوهِهِمْ) هو إما على حقيقته، وإما كناية عن كمال هوانهم وذلهم، والأول أظهر لدلالة السِّبَاق واللِّحَاق عليه. قاله القاري (وَتحشُرُهُمُ النَّارُ) برفع "النار" على الفاعلية، أي تسوقهم النار إلى المحشر.
ووقع في "المشكاة""وتحشر النار". فقال القاري: بنصب "النار" في أصل السيّد، وأكثر النسخ، وفي نسخة برفعها، وفي نسخة صحيحة "وتحشرهم النار" بالضمير، مع نصب النار على نزع الخافض، أي إليها، ومع رفعها على الفاعلية. وقال الطيبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي تحشر الملائكة لهم النار، وتلزمهم إياها، حتى لا تفارقهم أين باتوا، وأين قالوا، وأصبحوا، ويصحّ أن ترفع "النار" أي وتحشرهم النار انتهى.
ولفظ أحمد: "وتحشرهم إلى النار" بزيادة "إلى"، وعلى هذا فالفاعل هم الملائكة، أي تسوقهم الملائكة إلى النار ليلزموها، ولا يفارقوها، كما قال الطيبيّ (وَفَوْجٌ يَمْشُونَ، وَيَسْعَوْنَ) من السعي، أي يَجْرُون في الأرض من شدّة المشي، ولا يمشون بسكينة وراحة (يُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ) أي آفة الموت (عَلَى الظَّهْرِ) أي الإبل التي تركب، من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، وإنما خصّ الظهر لأنه محل الركوب. واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية أحمد: "وفوج يمشون، ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على
(1)
- "مجمع بحار الأنوار" ج 3 ص 306.
(2)
- "المرقاة" ج 9 ص 487.
وجوههم، فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: يلقي اللَّه الآفة على الظهر، حتى لا يبقى ظهر". فقوله هنا:"يلقي اللَّه الخ" جواب لسؤال مقدّر، كما بينته رواية أحمد المذكورة، فكأن سائلا سأل، فقال: ما بال هؤلا يمشون، ولا يركبون؟، فأجاب بقوله:"يلقي اللَّه الخ".
(فَلَا يَبْقَى) أي لا يوجد ظهر لاستئصال الآفة له (حَتَّى اِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ) زاد في "الكبرى""العظيمة"، وفي رواية أحمد "الحديقة المعجبة".
و"الحديقة" بفتح المهملة: البستان، يكون عليه حائط، فَعيلة، بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها، أي أحاط، ثم توسّعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان، وإن كان بغير حائط، والجمع حدائق. قاله في "المصباح"(يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ) أي عوضًا، وبدلاً عن الناقة التي يركب عليها بالقَتَب، وهو بفتحتين، جمعه أقتاب، مثل سبب وأسباب، وهو للجمل كالإكاف لغيره. أفاده في "المصباح". وفي "اللسان": القِتْب - أي بالكسر- والقَتَبَ -أي بفتحتين-: إكاف البعير، وقد يؤنّث، والتذكير أعمّ، ولذلك أنثوا التصغير، فقالوا: قُتيبة انتهى.
(لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا) أي لا يستطيع، ولا يتمكّن من شراء ذات القتب. يعني أنه يريد أن يشتري بالحديقة العظيمة، أو الحسنة ناقةً يركبها، فلا يجد من يبيعها له، لعدمها بسبب الآفة التي استئألت الجمل. وهذا صريح في أن المراد بالحشر المذكور في هذا الحديث ليس حشر القيامة، وإنما في الدنيا، قبل الآخرة، كما تقدم تقريره.
لكن الذي يظهر من صنيع المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أنه حمل هذا الحديث، وحديث أبي هريرة الذي قبله على حشر الآخرة، فلذا أورده تحت ترجمة باب "البعث"، اللَّهم إلا إذا أراد بالبعث مطلق الحشر الذي يشمل الآتي قبل القيامة، وبعدها، فيكون حديث ابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم لما بعد قيام الساعة، وحديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله عنهما لما قبله، فليُتَأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيحٌ. فإن قلت: فيه الوليد بن عبد اللَّه بن جمُيع، وقد تكلم فيه ابن حبّان، والعقيليّ، والحاكم.
قلت: نعم تكلم فيه هؤلاء، لكن لا يلتفت إلى كلامهم، لأمور:
الأول: تناقض العجليّ، وابن حبّان، فإنهما وثقاه مرّة، وضعفاه مرّة.
الثاني: أنه قد قوّاه من هو أعلم منهم، وأرسخ في الجرح والتعديل، فقد قال أحمد،
وأبو داود: ليس به بأس. ووثقه ابن معين. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، فيقدم تقوية هؤلاء على جرحهم.
الثالث: أنه يشهد له حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور قبله.
والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
119 - ذِكْرُ أَوَّلِ مَنْ يُكْسَى
2087 -
أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَوْعِظَةِ، فَقَالَ:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ عز وجل، عُرَاةً» -قَالَ أَبُو دَاوُدَ-: «حُفَاةً غُرْلاً» -وَقَالَ وَكِيعٌ، وَوَهْبٌ- "عُرَاةً، غُرْلاً، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ"، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِبْرَاهِيمُ عليه السلام، وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى» -قَالَ أَبُو دَاوُدَ-:«يُجَاءُ» -وَقَالَ وَهْبٌ، وَوَكِيعٌ-:«سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِى، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ} الآيَةَ [المائدة:117 - 118] ، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَزَالُوا مُدْبِرِينَ» -قَالَ أَبُو دَاوُدَ-: «مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ» .
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [10] 33/ 37.
[تنبيه]: وقع في النسخ النسخ المطبوعة: "محمد" بدل محمود، وهو غلط، والصواب ما في الهندية:"محمود"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
2 -
(وكيع) بن الجرّاح، الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت [9] 25/ 25.
3 -
(وهب بن جرير) بن حازم بن زيد، أبو عبد اللَّه الأزديّ البصريّ، ثقة [9] 196/ 1178.
4 -
(أبو داود) الطيالسيّ سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقة حافظ [9] 13/ 343.
5 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [7] 24/ 26.
6 -
(المغيرة بن النعمان) النخعيّ الكوفيّ، ثقة [6] تقدّم في الباب الماضي.
7 -
(سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 28/ 436.
8 -
(ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر رضي الله عنهما 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي الرواية السابقة: "سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر"(بِالْمَوْعِظَةِ) اسم من وَعَظَه يَعِظه وَعْظًا وعِظَة: إذا أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} الآية [سبأ: 46]. أي أوصيكم، وآمركم، فاتّعَظَ: أي ائتمر، وكفّ نفسه. أفاده الفيّوميّ.
(فَقَالَ: "يَا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ عز وجل، عُرَاةً) أي غير لابسين ثيابًا تستر عوراتكم (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حُفَاةً، غُرْلاً) بضم المعجمة، وسكون الراء، جمع أغرل، وهو الأقلف، وزنًا ومعنى، وهو من بقيت غُرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر.
[فائدة]: قال أبو هلال العسكريّ: لا تلتقي اللام مع الراء في كلمة إلا في أربع: "أرل": اسم جبل، و، "ورل": اسم حيوان معروف. و"حرل": ضرب من الحجارة.
و"الْغُرْلَة". واستُدرِك عليه كلمتان: "هرل": ولد الزوجة. و"برل": الدِّيكُ الذي يستدير بعنقه.
قال ابن عبد البرّ: يحشر الآدميّ عاريا ولكلّ من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قُطع منه شيء يردّ حتى الأقلف. وقال أبو الوفاء بن عَقِيل: حشفة الأقلف موقاة بالْقُلْفَة، فتكون أرقّ، فلما أزالو تلك القطعة في الدنيا أعادها اللَّه تعالى ليذيقها من حلاوة فضله انتهى.
(1)
(1)
- "فتح" ج 13 ص 196. "كتاب الرقاق".
(وَقَالَ وَكِيعٌ، وَوَهبٌ: "عُرَاةً، غُرْلاً) يعني أنه اختلف شيوخ محمود بن غيلان، فقال أبو داود الطيالسيّ:"حفاة، غُرلا" بتقديم "حفاة" على "عراة"، وقال وكيع بن الجرّاح، ووهب ابن خالد:"عراة حفاة" بالعكس، وهذا من باب الإخبار بما وقع من صيغ الأداء، والاحتياط في المحافظة على ألفاظ الشيوخ، وإلا فلا اختلاف هنا من حيث المعنى في التقديم والتأخير. واللَّه تعالى أعلم.
قال البيهقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقع في حديث أبي سعيد -يعني الذي أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبّان أنه لما حضره الموت دعا بثياب جُدُد، فلبسها، وقال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الميت يُبعث في ثيابه التي يموت فيها". ويجمع بينهما بأن بعضهم يُحشر عاريًا، وبعضهم كاسيًا، أو يحشرون كلهم عراة، ثم يكسى الأنبياء، فأول من يُكسَى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عُراة، ثم يكون أولى من يكسى إبراهيم عليه السلام.
وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أمر أن يُزَمَّلُوا في ثيابهم، ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد، فحمله على العموم.
وممن حمله على عمومه معاذ بن جبل رضي الله عنه، فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن، عن عمرو بن الأسود، قال: دفنّا أم معاذ بن جبل، فأمر بها، فكفنت في ثياب جدد، وقال:"أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يحشرون فيها".
قال: وحمله بعض أهل العلم علج العمل، وإطلاق الثياب على العمل وقع في مثل قوله تعالى:{وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} الآية [الأعراف: 26]، وقوله تعالى:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدّثّر: 4] على أحد الأقوال، وهو قول قتادة، قال: معناه وعملك فأخلصه.
ويؤكّد ذلك حديث جابر رضي الله عنه رفعه: "يبعث كلّ عبد على ما مات عليه"، أخرجه مسلم، وحديث فَضَالة بن عُبيد: "من مات على مرتبة من هذه المراتب، بُعِث عليها يوم القيامة
…
" الحديث، أخرجه أحمد.
ورجّح القرطبيّ الحمل على ظاهر الخبر، ويتأيّد بقوله تعالى:{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الآية [الأنعام: 94]، وقوله تعالى:{كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} الآية [الأعراف: 29]، وإلى ذلك الإشارة في حديث الباب بذكر قوله تعالى:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} الآية [الأنبياء: 104] عقب قوله: "حفاة، عراة". قال: فيحمل ما دلّ عليه حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم يدفنون بثيابهم، فيبعثون فيها تمييزًا لهم عن غيرهم.
وقد نقله ابن عبد البرّ عن أكثر العلماء، ومن حيث النظر، فإن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة، مما كان في الدنيا، ولأن الذي يقي النفس مما تكره في الآخرة ثواب بحسن عملها، أو رحمة مبتدأة من اللَّه، وأما ملابس الدنيا، فلا تغني عنها شيئًا. قاله الْحَلِيميّ.
وذهب الغزاليّ إلى ظاهر حديث أبي سعيد، وأورده بزيادة -قال الحافظ-: لم أجد لها أصلاً، وهي: فإن أمتي تحشر في أكفانها، وساثر الأمم عراة. قال القرطبيّ: إن ثبت حمل على الشهداء من أمته حتى لا تتناقض الأخبار انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى في الجمع قول من قال: إنهم يخرجون من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة، ثم يكون إبراهيم عليه السلام أول من يُكسَى، ثم يُكسون بعد ذلك، وهذا أقرب في الجمع بين هذه الأخبار. واللَّه تعالى أعلم.
("كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ") ووقع في حديث أم سلمة رضي الله عنه عند ابن أبي الدنيا: "يحشر الناس حفاة، عراة، كما بُدِئوا". (قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى) وفي الرواية السابقة: "وأول الخلائق يكسى"(يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِبْرَاهِيمُ عليه السلام) قال القرطبيّ في "شرح مسلم": يجوز أن يراد بالخلائق مَن عدا نبينا صلى الله عليه وسلم، فلم يدخل في عموم خطابه نفسه. وتعقّبه تلميذه القرطبيّ أيضًا في "التذكرة"، فقال: هذا حسنٌ لولا ما جاء من حديث عليّ رضي الله عنه يعني الذي أخرجه ابن المبارك في "الزهد" من طريق عبد اللَّه بن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه، قال:"أول من يكسى يوم القيامة خليل اللَّه عليه السلام قبطيتين، ثم يكسى محمد صلى الله عليه وسلم حلة حبرة عن يمين العرش". قال الحافظ: كذا أورده مختصرًا موقوفا، وأخرجه أبو يعلى مطوّلاً مرفوعًا، وأخرج البيهقيّ من طريق ابن عباس نحو حديث الباب، وزاد:"أول من يكسى من الجنة إبراهيم، يكسى حلة من الجنة، ويؤتى بكرسيّ، فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بي، فأُكسى حلة من الجنة، لا يقوم لها البشر، ثم يؤتى بكرسيّ، فيطرح على ساق العرش، وهو عن يمين العرش". وفي مرسل عبيد بن عمير، عند جعفر الفريابيّ:"يحشر الناس حفاة عراة، فيقول اللَّه تعالى: ألا أرى خليلي عريانا؟ فيكسى إبراهيم ثوبا أبيض، فهو أول من يكسى". وقد أخرج ابن منده من حديث حَيدَة -بفتح المهملة، وسكون التحتانيّة- رفعه، قال:"أول من يكسى إبراهيم، يقول اللَّه: اكسوا خليلي؛ ليعلم الناس اليوم فضله عليهم".
(1)
- "فتح" ج 13 ص 195 "كتاب الرقائق" - "باب الحشر". رقم 6526.
قيل: الحكمة في كون إبراهيم أول من يكسى أنه جرّد حين ألقي في النار. وقيل: لأنه أول من سن التستر بالسراويل. وقيل: إنه لم يكن في الأرض أخوف للَّه منه، فعجلت له الكسوة أمانًا له؛ ليطمئنّ قلبه. وهذا اختيار الحليميّ، والأول اختيار القرطبيّ.
ولا يلزم من تخصيص إبراهيم عليه السلام بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مطلقًا، لأن المفضول قد يمتاز بشيء، يُخصّ به، ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة.
قال الحافظ: يحتمل أن يكون نبينا صلى الله عليه وسلم خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلّة التي يكساها حينئذ، من حلل الجنة خلعة الكرامة بقرينة إجلاسه على الكرسيّ عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق. انتهى.
وأجاب الحليميّ بأنه يكسى أولا، ثم يكسى نبينا صلى الله عليه وسلم على ظاهر الخبر، لكن حلة نبينا صلى الله عليه وسلم أعلى، وأكمل، فتجبر نفاستها ما فات من الأولية، واللَّه أعلم انتهى
(1)
.
[تنبيه]: قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد ثبت لإبراهيم عليه السلام أوّليّات أخرى كثيرة: منها أنه أول من ضاف الضيف، وقصّ الشارب، واختتن، ورأى الشيب، وغير ذلك، وقد أتيت على ذلك بأدلته في كتابي "إقامة الدلائل على معرفة الأوائل" انتهى
(2)
.
(وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى) بالبناء للمفعول (قَالَ أَبو دَاوُدَ: "يُجَاءُ" -وَقَالَ وَهْبٌ، وَوَكِيعٌ-: "سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي إلى جهة النار، ووقع ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاريّ من طريق عطاء بن يسار، عنه، ولفظه: "فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار
…
" الحديث. وبين في حديث أنس رضي الله عنه الموضع، ولفظه: ليردنّ عليّ ناس، من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختُلِجوا دوني
…
" الحديث. وفي حديث سهل: "ليردَنّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم". وفي حديث أبي هريرة عند مسلم:"ليُذادَنّ رجال عن حوضي، كما يُذاد البعير الضّالّ، أناديهمِ: ألا هلمّ".
(فَأقُولُ: رَبِّ أَصْحَابِي) وفي رواية أحمد: "فلأقولنّ" وفي رواية للبخاريّ: "أصيحابي" بالتصغير، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هؤلاء (فَيُقَالُ) وفي رواية
(1)
- "فتح" ج 13 ص 196 - 197. "كتاب الرقائق".
(2)
- "فتح" ج 7 ص 38 "كتاب الأنبياء" - "باب قول اللَّه تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} " رقم الحديث 3349.
البخاريّ: "فيقول اللَّه (إِنَّكَ لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) وفي حديث أبي هريرة عند البخاريّ الذي تقدّم الإشارة إليه: "إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى"، وزاد في رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أيضًا: "فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فاقول: سُحْقًا سحقًا". أي بُعْدًا بعدًا، والتأكيد للمبالغة.
وفي حديث أبي سعيد عند البخاريّ أيضًا: "فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا لمن غير بعدي". وزاد في رواية عطاء بن يسار: "فلا أراه يَخلُص منهم إلا مثل هَمَل النعَم
(1)
. ولأحمد، والطبرانيّ، من حديث أبي بكر رضي الله عنه، رفعه:"ليردنّ عليّ الحوض رجال ممن صحبني، ورآني". وسنده حسن. وللطبرانيّ من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه نحوه، وزاد:"فقلت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم". وسنده حسن.
(فَأقُولُ، كَمَا قَالَ: الْعَبْدُ الصَّالِحُ) يعني عيسى ابن مريم عليهما السلام {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ} الْآيَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَزَالُوا مُدْبِرِينَ" قَالَ: أَبُو دَاوُد: "مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابهِمْ، مُنْذُ فَارَقْتَهُم") قال في "الفتح": قال الفربريّ: ذُكِر عن أبي عبد الله البخاريّ، عن قبيصة، قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر، فقاتلهم أبو بكر. يعني حتى قُتلوا، وماتوا على الكفر. وقد وصله الإسماعيليّ من وجه آخر عن قبيصة.
وقال الخطابيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم يرتدّ من الصحابة أحد، وإنما ارتدّ قوم من جُفَاة الأعراب، ممن لا نُصْرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين، ويدلّ قوله:"أصيحابي" بالتصغير على قلة عددهم. وقال غيره: قيل: هو على ظاهره من الكفر، والمراد بأمتي أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، ورُجّح بقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"فأقول: بُعدًا لهم، وسحقًا"، ويؤيده كونهم خفي عليه حالهم، ولو كانوا من أمة الإجابة لعرف حالهم بكون أعمالهم تُعرض عليه. قال الحافظ: وهذا يردّه قوله في حديث أنس رضي الله عنه: "حتى إذا عرفتهم"، وكذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال ابن التين: يحتمل أن يكونوا منافقين، أو مرتكبي الكبائر. وقيل: هم قوم من جفاة الأعراب، دخلوا في الإسلام، رغبة، ورهبة. وقال الداوديّ: لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر، والبدع في ذلك. وقال النوويّ: قيل: هم المنافقون، والمرتدّون، فيجوز أن يحشروا بالغرّة والتحجيل؛ لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم من أجل السيما التي عليهم،
(1)
- الهمل بفتحتين جمع هاملة، هي الإبل التي ترعى بغير راع، ويجمع على هُمَّل، كراكع ورُكّع. أفاده في "المصباح".
فيقال: إنهم بدّلوا بعدك، أي لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه. قال عياض وغيره: وعلى هذا فيذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويطفأ نورهم. وقيل: لا يلزم أن تكون عليهم السيما، بل يناديهم؛ لما كان يعرف من إسلامهم. وقيل: هم أصحاب الكبائر، والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار؛ لجواز أن يُذادوا عن الحوض أوّلا؛ عقوبة لهم، ثم يرحموا، ولا يمتنع أن يكون لهم غرّة، وتحجيل، فعرفهم بالسيما، سواء كانوا في زمنه أو بعده. ورجّح عياض، والباجيّ، وغيرهما ما قال قبيصة، راوي الخبر أنهم من ارتدّ بعد صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما؛ لأنها كرامة، يظهر بها عمل المسلم، والمرتدّ قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم، لا بصفاتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمنه من المنافقين. وقد ثبت في حديث الشفاعة في "الصحيح":"وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها"، فدلّ على أنهم يُحشرون مع المؤمنين، فيعرف أعيانهم، ولو لم تكن لهم تلك السيما، فمن عرف صورته ناداه، مستصحبًا لحاله التي فارقه عليها في الدنيا.
وأما دخول أصحاب البدع في ذلك، فاستُبعد؛ لتعبيره في الخبر بقوله:"أصحابي"، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده. وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعمّ. واستُبعد أيضًا أنه لا يقال للمسلم، ولو كان مبتدعًا:"سُحْقًا". وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية، ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله:"سحقًا" تسليما لأمر اللَّه، مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر.
وقال البيضاويّ: ليس قوله: "مرتدّين" نصّا في كونهم ارتدّوا عن الإسلام، بل يحتمل ذلك، ويحتمل أن يراد أنهم عصاة المؤمنين المرتدّون عن الاستقامة، يبدّلون الأعمال الصالحة بالسيئة انتهى.
وقد أخرج أبو يعلى بسند حسن، عن أبي سعيد رضي الله عنه:"سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذكر حديثًا، فقال-: "يا أيها الناس إني فرطكم على الحوض، فإذا جئتم قال رجل: يا رسول اللَّه أنا فلان ابن فلان، وقال آخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، فأقول: أما النسب، فقد عرفته، ولعلكم أحدثتم بعدي، وارتددتم". ولأحمد، والبزّار نحوه من حديث جابر رضي الله عنه. ذكره في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم من تفسير قبيصة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(1)
- "فتح" ج 13 ص 197 - 198. "كتاب الرقاق" -"باب الحشر" رقم 6526.
أولى بحمل الحديث عليه؛ لكونه راوي الخبر، كما رجحه عياض، والباجيّ -رحمهما اللَّه تعالى-، لكن لا يبعد أن يدخل فيهم كل من كان على شاكلتهم في كلّ عصر، ومصر، من أصحاب الانحرافات التي تخالف هديه صلى الله عليه وسلم.
اللَّهم ارزقنا التمسّك بسنّة نبيك صلى الله عليه وسلم،، اللَّهمّ أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياء وأمواتًا، برحمتك يا أرحم الراحمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 119/ 2087 و 118/ 2081 و 2082 - وفي "الكبرى" 119/ 2214 و 118/ 2208 و 2209. وأخرجه (خ) 3349 و 3447 و 4625 و 4626 و 4740 و 8524 و 6525 و 6526 (م) 2860 (ت) 2423 و 3167 (أحمد) 1916 و 1951 و 2028 و 2097 و 2281 (الدارمي) 2088 و 1870. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان أول من يُكسى يوم القيامة، وهو خليل اللَّه تعالى إبراهيم عليه السلام. ومنها: إثبات الحشر في القيامة. ومنها: بيان شدّة الأمر في ذلك اليوم، حيث إن الخلائق يحشرون عُرَاة، حُفّاة، غُرْلاً. ومنها: بيان عظمة قدرة اللَّه تعالى، حيث إنه يعيد الخلق كما بدأه على الصفة التي بدأهم عليها في الدنيا. ومنها: إثبات معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث إنه أعلمه اللَّه تعالى بما سيقع من بعض أصحابه، من الإدبار على أعقابهم، وقد تقدم أنهم قليلون، وأن غالبهم من جفاة الأعراب، ولم يُعرف ذلك لأفاضل الصحابة رضي الله عنهم. ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في الابتداع في الدين، وإن كان شيئا يسيرًا، لأنه يضرّ بدينه، لأن الدين قد أكمله اللَّه تعالى، فجميع أنواع المحدثات تنافيه، فالإحداث في الدين مهما كان نوعه من أخطر مهالك الإنسان، فيجب الحذر منه. ومنها: أن الذي ينفع الإنسان هو لزوم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، فمن لم يتبعه صلى الله عليه وسلم لا تنفعه صحبته، ولا معرفته، بل إذا عرف انحرافه عن سنته تبرّأ منه، وقال له:"سُحْقًا سُحْقًا"، ولا يَرِد حوضه، بل يُذاد عنه، ويطرد، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]، "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة". توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، إنك أنت أرحم الراحمين. واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
120 - فِي التَّعْزِيَةِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا الباب بيان مشروعية التعزية على المصيبة.
و"التعزية": مصدر عزّى يُعزّي: إذا قال: أحسن اللَّه عزَاءَك، أي رزقك الصبر الحسن. والعَزَاء، مثل سلام، اسم من ذلك، مثل سلّم سلامًا، وكلّم كلامًا، وتعزّى هو: تصبّر، وشعاره أن يقول:{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} . أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
2088 -
أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ، مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ، لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ، يَأْتِيهِ، مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ، فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَلَكَ، فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ، أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ، لِذِكْرِ ابْنِهِ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«مَا لِي، لَا أَرَى فُلَانًا؟» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُنَيَّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:«يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ، أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمْرَكَ، أَوْ لَا تَأْتِى غَدًا إِلَى بَابٍ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ، يَفْتَحُهُ لَكَ؟» ، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُهَا لِي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ:«فَذَاكَ لَكَ» .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(هارون بن زيد بن أبي الزَّرْقَاء) التّغْلبيّ، أبو محمد الموصليّ، نزيل الرَّمْلَة، صدوق [10] 50/ 851.
2 -
(أبوه) زيد بن أبي الزرقاء يزيدَ الموصليّ، نزيل الرملة، أبو محمد، ثقة [9] 50/ 851.
3 -
(خالد بن ميسرة) الطُّفَاويّ، أبو حاتم البصريّ العطّار، صالح الحديث [7]. روى عن معاوية بن قرّة، وعطاء الخراسانيّ. وعنه زيد بن أبي الزرقاء، وأبو عامر
العقديّ، ومعن بن عيسى القزّاز، ومُعاذ بن هانىء، وغيرهم. قال ابن عديّ: هو عندي صدوق، فإني لم أر له حديثًا منكرًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
4 -
(معاوية بن قُرّة) بن إياس، أبو إياس البصريّ، ثقة عالم [3] 22/ 1870.
5 -
(أبوه) قرّة بن إياس بن هلال بن رياب المزنيّ، صحابيّ نزل البصرة رضي الله عنه 22/ 1870. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير هارون وأبيه فموصِلِيَّانِ، ثم رَمْلِيّان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن قرة بن إياس المزنيّ رضي الله عنه أنه (قال: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ) بفتحتين: جماعة من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفر فيما زاد على العشرة (مِنْ أَصْحَابهِ) متعلّق بصفة لـ"نفر"(وَفِيهِمْ رَجُلٌ) لم أر من سمّاه (لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ، يَأْتِيهِ، مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ) أي يأتي ذلك الصغير أباه من ورائه (فَيُقْعِدُهُ) بضم حرف المضارعة، من الإقعاد (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي يجلسه الرجل أمامه (فَهَلَكَ) أي مات ذلك الصغير (فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ، أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ) أي ترك والد ذلك الصغير الميت حضور حلقة النبيّ صلى الله عليه وسلم (لِذِكْرِ ابْنِهِ) يحتمل أن يكون المعنى أنه ترك الحضور لأجل اشتغال قلبه بابنه، وشدة حزنه عليه. ويحتمل أنه ترك الحضور؛ لخوفه أن يتجدّد حزنه إذا حضر تلك الحلقة، حيث يتذكر مكان ابنه الميت. واللَّه تعالى أعلم (فَحَزِنَ عَلَيْهِ) عطف على "امتنع"، من عطف السبب على المسبب (فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "مَالِي، لَا أَرَى فُلَانًا؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُنَيُّهُ) بضم الموحّدة، وفتح النون تصغير ابن، أي ابنُهُ الصغير وهو مرفوع على الابتداء، وخبره جملة "هلك"(الَّذِي رَأَيتَهُ هَلَكَ) أي مات، يعنون أن سبب غيبته عن مجلسه صلى الله عليه وسلم موت ولده (فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ، فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ) أي دعا له: بأن يحسن اللَّه عَزَاءه، أي يرزقه الصبر على مصيبته.
وهذا محلّ الترجمة، لأنه يدلّ على استحباب التعزية عند المصيبة (ثُمَّ قَالَ:"يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ) "أيّ" استفهامية مبتدأ، مضاف إلى "ما" الموصولة، وجملة "كان" صلتها. ويحتمل أن تكون "كان" زائدة، و"أحبّ" بالرفع صلة "ما" حذف منه صدر الصلة، وتقديره: هو أحبّ إليك (أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ) بحذف إحدى التاءين، وأصله تتمتّع
والمصدر المؤول بدل من "أيّ"(عُمُرَكَ) أي مدة حياتك بأن يطول عمره معك (أَوْ لَا تَأْتِيَ) بتقدير "أن" المصدرية بدلالة ما قبلها عليها (غَدًا إِلَى بَابٍ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ) أي إلى الباب (يَفْتَحُهُ لَكَ؟) في محل نصب على الحال، أي حال كونه فاتحًا لك (قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَلْ يَسْبقُنِي إِلَى بَاب الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُهَا) أي الجنّة (لِي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ) اللام لام الابتداء (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَذَاكَ لَكَ) أي كونه يسبقك إلى باب الجنة، فيفتحه لك ثابت لك. وفي رواية أحمد:"فقال رجل يا رسول اللَّه! له خاصّة، أم لكلنا؟ قال: "بل لكلكم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث قرة بن إياس المزني - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -120/ 2588 و 22/ 1870 - وفي "الكبرى" 22/ 1997. وأخرجه (أحمد) 15168 و 19852. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعية التعزية في المصيبة. ومنها: فضل موت الولد الصغير، وأنه يكون سببا في دخول والديه الجنّة. ومنها: استحباب إحضار الأولاد الصغار مجالس العلم والذكر. ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، وحسن المعاشرة، حيث كان يتفقّد أصحابه، إذا غابوا عن مجلسه، فكان كما وصفه اللَّه تعالى بقوله:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]. ومنها: أنه ينبغي للعاقل أن يختار نعيم الآخرة على نعيم الدنيا، فيصبر على فقد أحب الأشياء، من الأولاد، وغيرهم؛ احتسابا، وإيثارًا للأجر العظيم المرتّب عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم التعزية:
قال الموفّق ابن قُدَامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عند قول الخرقيّ: ويستحبّ تعزية أهل الميت: ما خلاصته: لا نعلم في هذه المسألة خلافا، إلا أن الثوريّ قال: لا تستحبّ التعزية بعد الدفن؛ لأنه خاتمة أمره. قال: ويستحبّ تعزية جميع أهل المصيبة، كبارهم، وصغارهم، ويخصّ خيارَهم، والمنظورَ إليه من بينهم؛ ليستنّ به غيره، وذا الضعف منهم عن تحمل
المصيبة؛ لحاجته إليها، ولا يعزّي الرجلُ الأجنبيُّ شوابّ النساء؛ مخافة الفتنة.
قال: ولا نعلم في التعزية شيئا محدودًا، إلا أنه يُروَى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عزّى رجلا، فقال:"رحمك اللَّه، وآجرك". رواه الإمام أحمد
(1)
. وعزّى أحمد أبا طالب، فوقف على باب المسجد، فقال: أعظم اللَّه أجركم، وأحسن عزاءكم. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(2)
.
وذكر النووي قريبًا مما ذكره ابن قدامة، وقال: وأما وقت التعزية، فقال أصحابنا: هو من حين الموت إلى حين الدفن، وبعد الدفن إلى ثلاثة أيام. قال الشيخ أبو محمد الجوينيّ: وهذه المدة للتقريب، لا للتحديد. قال أصحابنا: وتكره التعزية بعد الثلاثة؛ لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يجدّد له الحزن، هذا هو الصحيح المعروف، وجزم السرخسي في "الأمالي" بأنه يعزّى قبل الدفن، وبعده في رجوعه إلى منزله، ولا يعزى بعد وصوله منزله. وحكى إمام الحرمين وجها أن لا أمد للتعزية، بل يبقى بعد ثلاثة أيام، وإن طال الزمان؛ لأن الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان، وبهذا الوجه قطع أبو العباس بن القاصّ في "التلخيص"، وأنكره عليه القفال في "شرحه"، وغيره من الأصحاب، والمذهب أنه يعزّى، ولا يعزى بعد ثلاثة، وبه قطع الجمهور، قال المتولي وغيره: إلا إذا كان أحدهما غائبًا، فلم يحضر الدفن إلا بعد الثلاثة، فإنه يعزيه. انتهى المقصود من كلام النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(3)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله إمام الحرمين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هو الصواب، لأنه لم يثبت دليل في التحديد بوقت معين.
والحاصل أن التعزية مستحبّة، لحديث الباب، ولكن لم يثبت في فضل من عزّى ثواب معين؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك لا تصحّ.
فمنها: ما أخرجه ابن ماجه عن عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"ما من مؤمن يُعزّي أخاه بمصيبة، إلا كساه اللَّه عز وجل من حُلَل الكرامة يوم القيامة". وفي إسناده قيس أبو عمارة الفارسيّ، قال البخاريّ: فيه نظر. وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وأورد له حديثين، أحدهما هذا،
(1)
- لم يروه أحمد في"المسند"، وإنما أخرجه البيهقي مرسلا في باب ما يقول في التعزية من الترحم على الميت، والدعاء له، ولمن خلف. "السنن الكبرى" ج 4 ص 60.
(2)
- "المغني" ج 3 ص 485 - 486.
(3)
- "المجموع" ج 5 ص 277 - 278.
وقال: لا يُتابع عليهما.
ومنها: ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"من عزى مصابًا، فله مثل أجره". وفيه انقطاع، وإنما وصله علي بن عاصم، وأنكروا عليه ذلك، وله شواهد، كلها أشدّ ضعفا منه
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة:
أحسن ما يُعزّى به المصاب ما أخرجه الشيخان، وغيرهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: أرسَلَت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه، وتخبره أن صبيّا لها، أو ابنا في الموت، فقال للرسول:"ارجع، فأخبرها أن للَّه ما أخذ، وله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها، فلتصبر، ولتحتسب".
فينبغي لمن أراد التعزية أن يعزي به اقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وأما ما يُذكر في كتب الفقهاء من صِيَغ التعزية المختلفة، مثل قولهم: يستحب أن يدعو للمصاب وللميت، فيقول: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاءك. وإن عزْى مسلما بكافر قال: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاءك، وإن عزى كافرا بمسلم قال: أحسن اللَّه عزاءك، وغفر لميتك، وإن عزى كافرا بكافر قال: أخلف اللَّه عليك، ولا نقص عددك.
فليس له دليل في المرفوع، بل هو من استحساناتهم، ولا سيما الأخير، فإنه، وإن عللوه بأن فيه تكثيرا للْجِزْيَة، فلا ينبغي أن يُدعَى به، لأن فيه دعاء ببقاء الكافر، ودوام كفره، كما قاله النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
وكذا ما استحبه بعضهم من التعزية بما عزّى به الخضر
(2)
عند موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه الشافعي في "مسنده" عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية، سمعوا قائلا يقول:"إن في اللَّه عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله، فثقوا، وإياه فارجوا،، فإن المصاب من حرم الثواب".
فلا يثبت، لأن في سنده القاسم بن عبد اللَّه بن عمر، وقد كذبه أحمد، ويحيى،
(1)
- راجع "التلخيص الحبير" ج 2 ص 275 - 276. و"نيل الأوطار" ج 4 ص 114 - 115.
(2)
- هذا مما لا يثبت؛ لأن الراجح أن الخضر ليس حيا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو ميت، راجع "الإصابة في تمييز الصحابة" للحافظ ابن حجر، وله أيضًا رسالة أفردها له، سماها "الزهر النضر في نبإ الخضر"، وهي مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية، ورجح فيها القول بموته، وذكر أدلته، وأدلة القائلين بحياته، وناقشها كلها، وأجاد في ذلك، وأفاد، فراجع ما كتبه تستفد. واللَّه تعالى أعلم.
وقال أحمد أيضا: كان يضع الحديث. وروه الحاكم في "مستدركه" عن أنس رضي الله عنه وزاد: فقال أبو بكر، وعمر:"هذا الخضر"، وفي إسناده عباد بن عبد الصمد، وهو ضعيف جدًا.
[تنبيه]: قال الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الأمّ": وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء؛ فإن ذلك مما يجدّد الحزن، ويكلّف المؤنة انتهى.
وقال صاحب "المهذّب": ويكره الجلوس للتعزية؛ لأن ذلك محدث، والمحدث بدعة انتهى.
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: معنى الجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت، فيقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي لهم أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزّاهم، ولا فرق بين الرجال، والنساء في كراهة الجلوس لها. انتهى بتصرف
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إن أراد صاحب "المهذب" بقوله: "محدث" أن الجلوس على الكيفية التي اعتادها الناس عند المصيبة، من اجتماعهم عند صاحب العزاء، وأكلهم الطعام، ونحو ذلك، وتكرار ذلك ثلاثة أيام، أو أكثر على حسب عادات الناس، وربما اشتمل اجتماعهم على منكرات، من اختلاط الرجال بالنساء، ونحو ذلك، مما يأباه الشرع الشريف، فهذا حقّ، لا شكّ فيه.
وإن أراد أن مطلق الجلوس محدث، فغير صحيح؛ لأنه ثبت الجلوس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الشيخان، وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن حارثة، وجعفر، وابن رواحة رضي الله عنهم جلس يُعرف فيه الحزن .... " الحديث. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لهذا الحديث بقوله:"باب من جلس عند المصيبة، يعرف فيه الحزن" انتهى.
والحاصل أن الجلوس للمصيبة مشروع إذا كان بوقار وسكينة، وليس فيه شيء من المنكرات، بل حتى يخفّ عنه الحزن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
(1)
- "المجموع" ج 5 ص 275 - 279.
121 - نَوْعٌ آخَرُ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من هذا بيان أن حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور هنا مما له تعلّق بأبواب الجنائز، فهو نوع من أنواعها، وليس المراد أنه نوع من الباب الذي قبله؛ إذ ليس فيه ذكر للتعزية أصلاً.
والحاصل أنه يستفاد من الحديث المذكور حكم من الأحكام المتعلّقة بالجنائز، وهو استحباب طلب الدفن بالأرض المقدّسة، فصنيعه -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذا قريب من صنيع الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، في "صحيحه"، حيث قال:"باب من أحبّ الدّفنَ في الأرض المقدًسة، أو نحوها". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2089 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:"أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ، إِلَى مُوسَى عليه السلام، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ، لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عز وجل إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ يَدُهُ، بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَهْ، قَالَ: الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ عز وجل، أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، رَمْيَةً بِحَجَرٍ".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ» .
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن رافع) القشيريّ النيسابوريّ، ثقة عابد [11] 92/ 114.
2 -
(عبد الرزّاق) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ شهير، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [9] 61/ 77.
3 -
(معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [7] 10/ 10.
4 -
(ابن طاووس) عبد اللَّه، أبو محمد اليمانيّ، ثقة فاضل عابد [6] 49/ 958.
5 -
(طاووس) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم، الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [3] 27/ 31.
6 -
(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الاسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ) كذا عند المصنف موقوفًا، وكذا أورده البخاريّ في "الجنائز" عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزّاق، موقوفا، وكذا في "أحاديث الأنبياء"، ثم قال: وعن معمر، عن همام بن منبّه، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه، وقد ساقه مسلم من طريق معمر بالسندين كذلك. قاله في "الفتح"
(1)
.
وقال في موضع آخر أورده موقوفًا من طريق طاوس، عنه، ثم عقّبه برواية همام عنه مرفوعًا، وهذا هو المشهور عن عبد الرزاق، وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية طاووس أيضًا، أخرجه الإسماعيليّ انتهى
(2)
.
فثبت بهذا أن الحديث صح عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفًا، ومرفوعا، إلا أن الموقوف في مثل هذا له حكم المرفوع، لأنه لا مجال للرأي فيه. واللَّه تعالى أعلم.
(أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ) قال الحافظ ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم يصرّح باسم ملك الموت في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح انتهى
(3)
. وقال السيوطيّ رحمه الله تعالى: لم يرد تسميتُهُ في حديث مرفوع، وورد عن وهب منبّه أن اسمه عزرائيل. رواه أبو الشيخ في "العظمة" انتهى
(4)
(إِلَى مُوسَى عليه السلام، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ) أي ضربه على عينه. وفي رواية همّام، عن أبي هريرة، عند أحمد، ومسلم:"جاء ملك الموت إلى موسى، فقال: أجب ربّك، فلطم موسى عين ملك الموت، ففقأها". وفي رواية عمّار ابن أبي عمّار، عن أبي هريرة، عند أحمد، والطبريّ:"كان ملك الموت يأتي الناس عيانا، فأتى موسى، فلطمه، ففقأ عينه"(فَفَقَأَ عَيْنَهُ) بالهمز: أي شقّها (فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ، لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ) زاد في رواية همام: وقد فقأ عيني، فردّ اللَّه عليه عينه". وفي رواية عمّار: "فقال: يا ربّ، عبدك موسى، فقأ عيني، ولولا كرامته
(1)
- "فتح" ج 3 ص 568.
(2)
- "فتح" ج 7 ص 103 "كتاب أحاديث الأنبياء" - "باب وفاة موسى" وذكره بعدُ.
(3)
- "البداية والنهاية" ج 1 ص 42.
(4)
- "زهر الربى" ج4 ص 118.
عليك، لشققت عليه"، وسيأتي الجواب عن استشكال من استشكل بأنه كيف جاز لموسى أن يفقأ عين ملك الموت في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(فَرَدَّ اللَّهُ عز وجل إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ) وفي رواية: "فقل له: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك"(عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ)"المتن": بفتح الميم، وسكون المثناة: هو الظهر. وقيل: مكتنف الصّلْب بين العَصَب واللحم، وفي رواية:"على جلد ثور". و"الثور": بفتح المثلثة، وسكون الواو: الذكر من البقر، والأنثى ثورة، والجمع ثِيرَان، وأثوارٌ، وثِيَرَةٌ، مثالُ عِنَبَة. قاله في "المصباح"(فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ يَدُهُ، بِكُلِّ شَعْرَة سَنَةٌ) الجارّ والمجرور بدل من الجار والمجرور الأول (قَالَ: أَيّ رَبِّ)"أَي" بفتح الهمزة، وسكون الياء: حرف نداء (ثُمَّ مَهْ)"ثمّ" بضم المثلثة، وتشديد الميم: حرف عطف، و"مه": هي "ما" الاستفهامية، لَمّا وُقف عليها زادوا عليها هاء السكت، أي ثُمّ ماذا يكون، أحياة، أم موت؟ (قَالَ) اللَّه تعالى (الْمَوْتُ) وفي رواية البخاريّ:"ثم الموت"(قَالَ) موسى عليه السلام (فَالْآنَ) أي أريده الآن، و"الآن " ظرف زمان، للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولزم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز للمشتركات، وليس لهذا ما يَشرَكه في معناه. قال ابن السرّاج: ليس هو آنَ وآنَ حتى يدخل عليه الألف واللام للتعريف، بل وُضع مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثلُ "الثُّرَيّا"، و"الذي"، ونحو ذلك.
قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذا يدلّ على أن موسى عليه السلام لما خيّره اللَّه بين الحياة والموت، اختار الموت شوقًا للقاء اللَّه عز وجل، واستعجالاً لما له عند اللَّه، من الثواب والخير، واستراحة من الدنيا المكدرة، وهذا كما خُيّر نبيّنا صلى الله عليه وسلم عند موته، فقال:"اللَّهم الرفيقَ الأعلى". انتهى
(1)
.
(فَسَأَلَ اللَهَ عز وجل، أَنْ يُدْنِيَهُ) أي يقرّبه (مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) هي بيت المقدس (رَمْيَة بِحَجَرٍ) وفي نسخة: "رمية الحجر"، وهو منصوب أنه ظرف مكان: أي مقدار رَمْية بحجر.
قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما سأل موسى عليه السلام ذلك تبرّكا بالكون في تلك البقعة، وليدفن مع من فيها من الأنبياء، والأولياء؛ ولأنها أرض المحشر، على ما قيل انتهى.
وقال بعض العلماء: وإنما سأل الإدناء، ولم يسأل نفس بيت المقدس؛ لأنه خاف
(1)
- "المفهم" ج 6 ص 222. "كتاب النبوّات" - "باب في وفاة موسى عليه السلام".
أن يكون قبره مشهورًا عندهم، فيفتتن به الناس انتهى
(1)
.
وقال في "الفتح": قوله: "رمية بحجر": أي قدر رمية حجر، أي أدنني من مكان إلى الأرض المقدّسة هذا القَدْرَ، أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر. قال في "الفتح": وهذا الثاني أظهر، وعليه شرح ابن بطّال وغيره، وأما الأول، وإن رجحه بعضهم، فليس بجيّد، إذ لو كان كذلك لطلب الدنوّ أكثر من ذلك.
ويحتمل أن يكون سرّ ذلك أن اللَّه لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس، وتركهم في التيه أربعين سنة، إلى أن أفناهم الموت، فلم يدخل الأرض المقدّسة مع يوشع إلا أولادهم، ولم يدخلها معه أحد، ممن امتنع أوّلا أن يدخلها، ومات هارون، ثم موسى عليهما السلام قبل فتح الأرض المقدّسة على الصحيح، فكان موسى لما لم يتهيّأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك ليُنقَل إليها، طلب القرب منها؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
وقيل: إنما طلب موسى الدنوّ؛ لأن النبيّ يُدفن حيث يموت، ولا يُنقل. وفيه نظر؛ لأن موسى قد نَقَلَ يوسف عليهما السلام معه، لما خرج من مصر. وهذا كله على الاحتمال الثاني. واللَّه أعلم انتهى
(2)
.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ") بفتح المثلثة: اسم إشارة يُشار به إلى المكان البعيد: أي هنالك (لأَرَيْتُكُم قَبرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ) وفي رواية للبخاريّ: "من جانب الطريق"(تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ") وفي رواية للبخاريّ: "عند الكثيب الأحمر". و"الكّثِيب" بفتح الكاف، وبالمثلّثة، آخره موحّدة، بوزن عَظيم: الرمل المجتمع. وقيل: الكثيب" قطعة من الرمل مستطيلة، محدودبة، سمي بذلك؛ لأنه انصبّ في مكان، فاجتمع فيه.
وزعم ابن حبّان أن قبر موسى عليه السلام بمدين، بين المدينة وبيت المقدس. وتعقّبه الضياء بأن أرض مدين ليست قريبة من المدينة، ولا من بيت المقدس.
وزاد في رواية عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد
(3)
: "فشمه شمة، فقبض روحه، وكان يأتي الناس خُفْيَة". يعني بعد ذلك. ويقال: إنه أتاه بتُفّاحة من الجنّة، فشمها، فمات. وذكر السُّدّيّ في "تفسيره" أن موسى لما دنت وفاته مشى هو ويوشع بن نون، فجاءت ريح سوداء، فظنّ يوشع أنها الساعة، فالتزم موسى، فانسلّ
(1)
- "شرح مسلم" للنووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ج 15 ص 127. "كتاب الفضائل".
(2)
- "فتح" ج 7 ص 568. "كتاب أحاديث الأنبياء".
(3)
- انظر "المسند" رقم 10521.
موسى من تحت القيمص، فأقبل يوشع بالقميص. وعن وهب بن منبّه: أن الملائكة تولوا دفنه، والصلاة عليه، وأنه عاش مائة وعشرين سنة. ذكره في "الفتح"
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 121/ 2089. وأخرجه (خ) 1339 و 3407 (م) 2372 (أحمد) 7590 و 27389 و 8402 و 10521. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- على الوجه الذي قرّرته أولَ الباب، وهو استحباب الدفن بالأرض المقدسة، وكما بوّب له الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، في "صحيحه"، فقال:"باب من أحبّ الدفن في الأرض المقدّسة، أو نحوها".
قال الزين ابن المنيّر: المراد بقوله: "أو نحوها" بقيّة ما تشدّ إليه الرحال، من الحرمين. وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء، وقبور الشهداء، والأولياء؛ تيمنا بالجوار، وتعرّضًا للرحمة النازلة عليهم؛ اقتداء بموسى عليه السلام انتهى.
قال: وهذا بناء على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دُفنوا ببيت المقدس، وهو الذي رجحه عياض. وقال المهلّب: إنما طلب ذلك؛ ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقّة الحاصلة لمن بعد عنه انتهى
(2)
.
ومنها: أن الملك يتمثّل بصورة الإنسان، وقد جاء ذلك في عدّة أحاديث.
ومنها: أنه استُدِلَّ بقوله: "فله بكل شعرة سنة" على أن الذي بقي من الدنيا كثير جدّا؛ لأن عدد الشعر الذي تغطيه اليد قدر المدة التي بين موسى، وبعثة نبيّنا صلى الله عليه وسلم مرتين، أو أكثر.
ومنها: أن قبر موسى عليه السلام غير معروف، قال بعضهم: وليس في قبور الأنبياء ما هو محقق سوى قبر نبينا صلى الله عليه وسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: قال الإمام ابن خزيمة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: إن كان موسى عرفه -يعني ملك الموت- فقد استخفّ به، وإن لم
(1)
- "فتح" ج 7 ص 104.
(2)
- "فتح" ج 3 ص 567 - 568. "كتاب الجنائز".
يعرفه، فكيف لم يقتصّ له من فقء عينه؟.
والجواب أن اللَّه لم يبعث ملك الموت لموسى، وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه إليه اختبارا، وإنما لطم موسى ملك الموت؛ لأنه رآه آدميّا، دخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه.
وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم، وإلى لوط في صورة آدميين، فلم يعرفاهم ابتداء، ولو عرفهم إبراهيم، لما قدّم لهم المأكول، ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه.
وعلى تقدير أن يكون عرفه، فمن أين لهذا المبتاع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر؟ ثم من أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى، فلم يقتصّ له؟.
ولخّص الخطّابيّ كلام ابن خزيمة، وزاد فيه أن موسى دفعه عن نفسه؛ لما رُكِّبَ فيه من الحدّة، وأن اللَّه ردّ عين الملك؛ ليعلم موسى أنه جاءه من عند اللَّه؛ فلهذا استسلم حينئذ.
وقال النوويّ: لا يمتنع أن يأذن لموسى في هذه اللطمة امتحانًا للملوم.
وقال غيره: إنما لطمه؛ لأنه جاء لقبض روحه من قبل أن يخبره؛ لما ثبت أنه لم يُقبض نبيّ حتى يُخيّر؛ فلهذا لما أخبره في المرّة الثانية أذعن.
قيل: وهذا أولى الأقوال بالصواب. وفيه نظر؛ لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لم أقدم ملك الموت على قبض نبيّ اللَّه، وأخلّ بالشرط؟ فيعود الجواب أن ذلك وقع امتحانًا.
وزعم بعضهم أن معنى "فَقَأَ عينه" أي أبطل حجته. وهو مردود بقوله في نفس الحديث "فردّ اللَّه عينه"، وبقوله:"لطمه لطمة"، وغير ذلك من قرائن السياق.
وقال ابن قتيبة: إنما فقأ موسى العين التي هي تخييل، وتمثيل، وليست عينا حقيقة، ومعنى "ردّ اللَّه عينه ": أي أعاده إلى خلقته الحقيقية. وقيل: على ظاهره، ورد اللَّه إلى ملك الموت عينه البشرية؛ ليرجع إلى موسى على كمال الصورة، فيكون ذلك أقوى في اعتباره. وهذا هو المعتمد.
وجوّز ابن عقيل أن يكون موسى أذن له أن يفعل ذلك بملك الموت، وأمر ملك الموت بالصبر على ذلك، كما أمر موسى بالصبر على ما يصنع الخضر انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح التاويلات عندي ما قاله الإمام ابن خزيمة، ونقل عن غيره من المتقدمين، -رحمهم اللَّه تعالى-:
(1)
- "فتح" ج 7 ص 104 - 105. "كتاب أحاديث الأنبياء" - وفاة موسى. رقم 3407.
وحاصله: أن موسى عليه السلام لم يعلم أنه ملك الموت، بل ظنه آدميا قصد نفسه، فدافعه عنها، فأدت المدافعة إلى فقء عينه، لا أنه قصدها بالفقء، وهذا الجواب اختاره المازريّ، والقاضي عياض، -رحمهم اللَّه تعالى- كما ذكره النووي في "شرح مسلم"، قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه فقء عينه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قولهم: ليس في الحديث الخ فيه نظر، فقد صُرّح في رواية المصنّف بقوله:"ففقأ عينه". فتبصّر.
قال: فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانيًا بأنه ملك الموت، فالجواب أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة، علم بها أنه ملك الموت، فاستسلم، بخلاف المرّة الأولى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وأما ما ذكره القرطبيّ من الاعتراض على هذا القول، بأن موسى لو لم يعرف ملك الموت لما صدق قول الملك:"يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت".
فالجواب عنه: أن الملك قال ذلك ظنّا منه أن موسى عليه السلام عرفه، ثم لم يستجب له، لا أنه عرفه حقيقة، ثم صكّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: أنه استُدِلّ بهذا الحديث على جواز الزيادة في العمر، وهذا الاستدلال واضح، وهو الصواب من القولين في المسألة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وأما نقص العمر وزيادته، فمن الناس من يقول: إنه لا يجوز بحال، ويَحمِل ما ورد على زيادة البركة. والصواب أن يحصل نقص وزيادة عما كُتب في صحف الملائكة، وأما علم اللَّه تعالى القديم فلا يتغيّر، وأما اللوح المحفوظ، فهل يُغير ما فيه؟ على قولين، وعلى هذا يتفق ما ورد في هذا الباب من النصوص انتهى كلامه -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو كلام نفيس جدًّا
(2)
.
وقد حقق المسألة العلامة الشوكاني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وكتب فيه رسالة مفيدة جدّا، ورجح القول بأن العمر يزيد، وينقص حقيقةً، أحببت إيرادها هنا تتميما للفائدة ونشرًا للفائدة: قال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:
اعلم: أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة، وهي قوله عز وجل:{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 11]، وقوله:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61] وقوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 145]. فقد قيل:
(1)
- انظر "شرح مسلم للنوويّ" ج 15 ص 128.
(2)
- "مجموع الفتاوى" ج 24 ص 381.
إنها معارضة لقوله عز وجل: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، وقوله عز وجل:{ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام: 2].
فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد، ولا ينقص؛ استدلالاً بالآيات المتقدّمة، والأحاديث الصحيحة، كحديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إن أحدكم يُجمع خلقه في أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه ملكا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له، اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيّ، أو سعيد". وهو في "الصحيحين" وغيرهما، وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة.
وأجابوا عن قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39]. إن المعنى يمحو ما يشاء، من الشرائع، والفرائض بنسخه، ويبدله، ويثبت ما يشاء، فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب.
ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية لغير مخصّص، وأيضا: يقال لهم: إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، كما في الأحاديث الصحيحة، ومن جملة ذلك الشرائع، والفرائض، فهي مثل العمر، إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات.
وقيل: المراد محو ما في ديوان الحفظة مما ليس بحسنة، ولا سيئة؛ لأنه مأمورون بكتب كل ما ينطق به الإنسان. ويجاب عنه بمثل الجواب الأول.
وقيل: يغفر اللَّه ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء، فلا يغفره. ويجاب عنه بمثل الجواب السابق.
وقيل: يمحو ما يشاء من القرون، كقوله:{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} [يس: 31]، وكقوله:{ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [المؤمنون: 31]، فيمحو قرنا، ويثبت قرنا. ويجاب عنه بمثل ما تقدّم.
وقيل: هو الذي يعمل بطاعة اللَّه ما يعمل، ثم يعمل بمعصيته، فيموت على ضلالة، فهذا الذي يمحو اللَّه، والذي يكتبه الرجل يعمل بمعصية اللَّه، ثم يتوب، فيمحو اللَّه من ديوان السيآت، ويثبته في ديوان الحسنات.
وقيل: يمحو ما يشاء يعني الدنيا، ويثبت الآخرة. وقيل: غير ذلك.
وكل هذه الأقوال دعاوي مجرّدة، ولا شك أن آية المحو والإثبات عامّة لكلّ ما يشاؤه سبحانه، فلا يجوز تخصيصها إلا لمخصص، وإلا كان من التقوّل على اللَّه بما لم يقل، وقد توعّد اللَّه سبحانه على ذلك، وقرنه بالشرك، فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
وأجابوا على قوله تعالى: {مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11]. بأن المراد بالمعمّر طويل العمر، والمراد بالناقص قصير العمر.
وفي هذا نظر؛ لأن الضمير في قوله: {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} يعود إلى قوله {مِنْ مُعَمَّرٍ} . والمعنى على هذا: وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلا في كتاب. هذا ظاهر معنى النظم القرآنيّ، وأما التأويل المذكور، فإنما يتمّ على إرجاع الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية، وذلك لا وجود له في النظم.
وقيل: إن معنى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} ما يستقبله من عمر، ومعنى {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} ما قد مضى. وهذا أيضًا خلاف الظاهر، وأن هذا ليس نقصا من نفس العمر، والنقص يقابل الزيادة، وههنا جعله مقابلا للبقيّة من العمر، وليس ذلك بصحيح.
وقيل: المعنى {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} من بلغ من الهرم، {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} من عمر آخر غير الذي بلغ من الهرم. ويجاب عنه بما تقدّم. وقيل: المعمر من بلغ عمره ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين. وقيل: غير ذلك، من التأويلات التي يردّها اللفظ، ويدفعها.
وأجابوا عن قوله تعالى: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} بأن المراد بالأجل الأول الهرم، والثاني الوفاة. وقيل: الأول ما قد نقص من عمر كلّ أحد. والثاني ما بقي من عمر كلّ أحد. وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل الحياة في الآخرة. وقيل: المراد بالأول ما بين خلق الإنسان إلى موته، والثاني ما بين موته إلى بعثه. وقيل: غير ذلك، مما فيه مخالفة للنظم القرآنيّ.
وذهب جمع من أهل العلم إلى أن العمر يزيد، وينقص، واستدلوا بالآيات المتقدّمة، فإن المحو والإثبات عامان، يتناولان العمر، والرزق، أو السعادة، والشقاوة، وغير ذلك. وقد ثبت عن جماعة من السلف، من الصحابة ومن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللَّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني، وأثبتني في أهل السعادة. ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه، ونحو ذلك بما يخصص هذا العموم، وهكذا تدلّ على هذا المعنى الآية الثانية، فإن معناها أنه لا يطول عمر إنسان، ولا ينقص إلا وهو في كتاب، أي لوح المحفوظ، وهكذا يدلّ قوله عز وجل:{ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} أن للإنسان أجلين، يقضي اللَّه عز وجل له بما يشاء منهما، من زيادة، أو نقص، ويدلّ على هذا
أيضًا ما في "الصحيحين"، وغيرهما، عن جماعة من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تزيد في العمر. وفي لفظ في "الصحيحين ":"من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه". وفي لفظ: "من أحبّ أن يمدّ اللَّه في عمره وأجله، ويبسط له في رزقه، فليتق اللَّه، وليصل رحمه". وفي لفظ: "صلة الرحم، وحسن الخلق يعمّران الديار، ويزيدان من الأعمار".
ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالدعاء؛ لقوله عز وجل: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، وقوله:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] وقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، وقوله:{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]. والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة، وفيها: إن الدعاء يدفع البلاء، ويردّ القضاء، وفيها: أن الدعاء هو العبادة، وفيها: الاستعاذة من سوء القضاء، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في "الصحيح" أنه قال:"اللَّهم إني أعوذ بك من سوء القضاء"، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وقني شرّ ما قضيت".
فإذا كان الدعاء لا يفيد شيئًا، وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزليّ، لكان أمره عز وجل بالدعاء لغوًا، لا فائدة فيه، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين، وهكذا تكون استعاذة النبيّ صلى الله عليه وسلم لغوًا لا فائدة فيها، وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء، وأنه عبادة لغوًا، لا فائدة فيها، وهكذا يكون قوله صلى الله عليه وسلم:"وقني شرّ ما قضيت" لغوًا، لا فائدة فيه، وهكذا يكون أمره صلى الله عليه وسلم بالتداوي، وأن اللَّه عز وجل ما أنزل من داء، إلا وله دواء لغوًا لا فائدة فيه، مع ثبوت الأمر بالتداوي في "الصحيح" عنه صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: فعلى ما يحمل ما تقدّم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم، ولا يتأخّر، ومن ذلك قوله عز وجل:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} ؟.
قلت: قد أجاب عن ذلك بعض السلف، وتبعه الخلف، بأن هذه الآية مختضة بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدّم، ولا يتأخّر عند حضوره.
ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك، فإنه قال:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} ، ومثل هذا التقييد المذكور في هذه الآية قوله عز وجل:{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} ، وقوله عز وجل:{إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} ، فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فماذا حضر الأجل لم يتقدّم، ولم يتأخر، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخّره
اللَّه بالدعاء، أو بصلة الرحم، أو بفعل الخير. ويجوز أن يقدم لمن عمل شرّا، أو قطع ما أمر اللَّه به أن يوصل، وانتهك محارم اللَّه عز وجل.
فإن قلت: فعلى ما يحمِل قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] وقوله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]، وكذلك معنى ما ورد في هذا المعنى؟
قلت: هذه أوّلاً معارضة بمثلها، مثل قوله عز وجل:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، ومثل ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح القدسيّ:"يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه".
وثانيًا: بإمكان الجمع بحمل مثل قوله: {إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} ، وقوله عز وجل:{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} على عدم التسبب من العبد بأسباب الخير من الدعاء، وسائر أفعال الخير، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبب بأسباب الشرّ المقضية لأمان المكروه
(1)
، ووقوعه على العبد.
وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة لسبق القضاء، وأنه فرغ من تقدير الأجل، والرزق، والسعادة، والشقاة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء.
فتحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشرّ، وتحمل الأحاديث الأخرى على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب الخير، من الدعاء، والعمل الصالح، وصلة الرحم، أو التسبب بأسباب الشرّ.
فإن قلت: قد تقرر بالأدلّة من الكتاب بأن علمه عز وجل أزليّ، وأنه قد سبق في كلّ شيء، ولا يصحّ أن يقدّر وقوع غير ما قد علمه، وإلا انقلب العلم جهلاً، وذلك لا يجوز إجماعًا.
قلت: علمه عز وجل سابق أزليّ، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، ولا خلاف بين أهل الحقّ من هذه الحيثية، ولكنه غلا قوم، فأبطلوا فائدة ما ثبت في الكتاب والسنة من الإرشاد إلى الدعاء، وأنه يردّ القضاء، وما ورد في الاستعاذة منه صلى الله عليه وسلم من سوء القضاء، وما ورد من أنه يصاب العبد بذنبه، وبما كسبت يده، ونحو ذلك، مما جاءت به الأدلة الصحيحة، وجعلوه مخالفا لسبق العلم، ورتبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلاً،
(1)
- هكذا العبارة "لأسباب الشرّ المقضية الخ وفيها ركاكة، فليحرر.
والأمر أوسع من هذا، والذي جاءنا بسبق العلم، وأزليته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء، والأمر بالدواء، وعرَّفَنا بأن صلة الرحم، تزيد في العمر، وأن الأعمال الصالحة تزيد أيضًا، وأن أعمال الشرّ تمحقه، وأن العبد يصاب بذنبه، كما يصل إلى الخير، ويندفع عنه الشرّ بكسب الخير، والتلبّس بأسبابه، فإعمال بعض ما ورد في الكتاب والسنّة، وإهمال البعض الآخر، ليس كما ينبغي، فإن الكلّ ثابت عن اللَّه عز وجل، وعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والكلّ شريعة واضحة، وطريق مستقيمة، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه لشيء من الأدلّة.
وبيانه أن اللَّه تعالى كما علم أن العبد يكون له في العمر كذا، ومن الرزق كذا، وهو من أهل السعادة، أو الشقاوة، قد علم أنه إذا وصل رحمه زاد له في الأجل كذا، وبسط له من الرزق كذا، وصار في أهل السعادة بعد أن كان في أهل الشقاوة، أو صار في أهل الشقاوة بعد أن كان في أهل السعادة، وهكذا قد علم ما ينقصه للعبد، كما علم أنه إذا دعاه، واستغاث به، والتجأ إليه عنه الشرّ
(1)
، ودفع عنه المكروه، وليس في ذلك خلف، ولا مخالفة لسبق العلم، بل فيه تقييد المسببات بأسبابها، كما قدّر الشبع والرّيّ بالأكل والشرب، وقدّر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول عاقل بأن ربط المسببات بأسبابها يقتضي خلاف العلم السابق، أو يُنافيه بوجه من الوجوه.
ولو قال قائل: أنا لا آكل، ولا أشرب، بل أنتظر القضاء، فإن قدر اللَّه ذلك كان، وإن لم يقدّره لم يكن، أو قال: أنا لا أجامع زوجتي، أو أَمَتِي ليحصل منهما الذرية، بل إن قدر اللَّه ذلك كان، وإن لم يقدره لم يكن، لكان هذا مخالفا لما عليه رسل اللَّه، وما جاءت به كتبه، وما كان عليه صلحاء الأمة، وعلماؤها، بل يكون مخالفًا لما عليه هذا النوع الإنسانيّ، من أبينا آدم إلى الآن، بل يكون مخالفا لما عليه جميع الحيوانات في البرّ والبحر، فكيف ينكر وصول العبد بدعائه، أو بعمله الصالح، فإن هذا من الأسباب التي ربط اللَّه مسبباتها، وعلمها قبل أن تكون، فعلمه على كل تقدير أزليّ في المسببات على حصول أسبابها. ولم يعد العاد
(2)
من أمثال هذه الآيات القرآنية، وما ورد موردها من الأحاديث النبوة.
وهل ينكر هؤلاء الغلاة مثل هذا، أو يجعلونه مخالفا لسبق العلم، مباينا لأزليته؟.
فإن قالوا: نعم، فقد أنكروا ما في كتاب اللَّه عز وجل من فاتحته إلى خاتمته، وما في السنة المطهرة من أولها إلى آخرها، بل أنكروا أحكام الدنيا والآخرة جميعًا؛ لأنها كلها
(1)
هكذا النسخة، ولعله سقط منه شيء، والأصل "دفع عنه الشر إلخ" واللَّه تعالى أعلم.
(2)
- في العبارة ركاكة، فليحرر.
مسببات مترتبة على أسبابها، وجزاآت معلقة بشروطها، ومن بلغ إلى هذا في الغباوة، وعدم تعقّل الحجة لم يستحق المناظرة، ولا ينبغي معه الكلام فيما يتعلّق بالدين، بل ينبغي إلزامه بإهمال أسباب ما فيه صلاح معاشه، وأمر دنياه حتى يغشى عن غلفته، ويستيقظ من نومته، ويرجع عن ضلالته وجهالته.
ثم يقال لهم: هذه الأدعية الثابتة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في دواوين الإسلام، وما يلحق بها من كتب السنة المطهرة، قد علم كلّ من له علم أنها كثيرة جدًّا، بحيث لا يحيط بأكثرها إلا مؤلف بسيط، ومصنّف حافل، وفيها تارة استجلاب الخير، وفي أخرى استدفاع الشرّ، وتارة متعلّقة بامور الدنيا، وتارة بأمور الآخرة، ومن ذلك تعليمه صلى الله عليه وسلم لأمته ما يدعون به في صلاتهم، وعقب صلواتهم، وفي صباحهم، ومسائهم، وفي ليلهم، ونهارهم، وعند نزول الشدائد، وعند حصول نعم اللَّه إليهم، هل كان هذا منه صلى الله عليه وسلم لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير، جالبة لما فيه مصلحة، دافعة لما فيه مفسدة.
فإن قالوا: نعم، قلنا: فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم، فإن هذا الاعتراف يدفع عنا، وعنكم مَعَرَّة الاختلاف، ويُريحنا من التطويل في الكلام على ما أوردتموه.
وإن قالوا: ليس ذلك لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير، جالبة لما فيه مصلحة، دافعة لما فيه مفسدة، فهم أجهل من دوائهم
(1)
، وليس للمحاجة لهم فائدة، ولا في المناظرة معهم نفع.
يا عجباه كلّ العجب، أَمَا بلغهم ما كان عليه أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو يعمل من أول نبوّته إلى أن قبضه اللَّه إليه من الدعاء لربه، والإلحاح عليه، ورفع يديه عند الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه، وحتى يسقط رداؤه، كما وقع منه في يوم بدر، فهل يقول عاقل، فضلا عن عالم: إن هذا الدعاء منه
(2)
فعله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أنه لا فائدة فيه، ولا انتفاع به، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم أعلم بربه، وبقضائه وقدره، وبأزليته، وسبق علمه بما يكون في بريته، فلو كان الدعاء منه، ومن أمته لا يفيد شيئًا، ولا ينفع نفعًا لم يفعله، ولا أرشد الناس إليه، ولا أمرهم به، فإن ذلك نوع من العبث الذي ينزّه كل عاقل، فضلًا عن خير البشر، وسيد ولد آدم عنه، لِمَ لَمْ يقل لهم: إذا كان القضاء واقعًا لا محالة، فإنه لا يدفعه شيء من الدعاء، والالتجاء، والإلحاح، والاستغاثة؟ فكيف لم يتأدب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مع ربّه؟، فإنه قد صحّ عنه أنه استعاذ باللَّه عز وجل من سوء القضاء، كما عرّفناك، وقال:"وقني شرّ ما قضيت"، فكيف يقول هؤلاء الغلاة في
(1)
- هكذا النسخة، ولعله "من دوابّهم". فليحرّر.
(2)
- هكذا النسخة، ولعل الصواب إسقاط لفظة "منه".
الجواب عن هذا؟ أو على أيّ محمل يحملونه.
ثم ليت شعري علام يحملون أمره عز وجل لعباده بدعائه، بقوله:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ثم عقب ذلك بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} أي من دعائي، كما صرّح بذلك أكثر أئمة التفسير. فكيف أمر عباده أولاً، ثم يجعل تركه استكبارًا منهم، ثم يُرغّبهم في الدعاء، ويخبرهم أنه قريب من الداعي، مجيب لدعوته بقوله:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ، ثم يقول معنونا لكلمه الكريم بحرف يدلّ على الاستفهام الإنكاريّ، والتقريع والتوبيخ:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} ، ثم يأمرهم بسؤاله من فضله بقوله:{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} .
فإن قالوا: إن هذا الدعاء الذي أمرنا اللَّه به، وأرشدنا إليه، وجعل تركه استكبارًا، وتوعّد عليه بدخول النار مع الذّلّ، ورغّب عباده إلى دعائه، وعرّفهم أنه قريب، وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأنكر عليهم أن يعتقدوا أن غيره يجيب المضطرّ إذا دعاه، ويكشف ما تنزل به من السوء، وأمرهم أن يسألوه وصله، ويطلبوا ما عنده من الخيرات، كلّ ذلك لا فائدة فيه للعبد، وأنه لا ينال إلا ما قد جرى به القضاء، وسبق به العلم، فقد نسبوا إلى الربّ عز وجل ما لا يجوز عليه،، ولا يحلّ نسبته إليه، فإنه لا يأمر العبد إلا بما فيه فائدة يُعتدّ بها، ولا يرغبه بما لا يحصل به الخير، ولا يرهّبه إلا عما يكون به عليه الضير، ولا يَعِده إلا ما هو حقّ يترتب عليه فائدة، فهو صادق الوعد، ولا يُخلف الميعاد، ولا يأمرهم بسؤاله فضله، إلا وهناك فائدة تحصل بالدعاء، ويكون لسببه الفضل عليهم، ورفع ما هم فيه من الضرّ، وكشف ما حلّ بهم من السوء، هذا معلوم لا يشكّ فيه إلا من لم يعقل حُجَج اللَّه، ولا يفهم كلامه، ولا يدري بخير ولا شرّ، ولا نفع ولا ضرّ، ومن بلغ به الجهل إلى هذه الغاية، فهو حقيق بأن لا يُخاطب، وقَمِين بأن لا يناظَر، فإن هذا المسكين المتخبّط في جهله، المتقلب في ضلالته قد وقع فيما هو أعظم خطرا من هذا، وأكثر ضررا منه.
وهكذا ما شرعه اللَّه لعباده من الشرائع على لسان أنبيائه، وأنزل بها كتبه، يقال فيه مثل هذا، فإنه إذا كان ما قد حصل في سابق علمه عز وجل كائنًا، سواء بعث اللَّه إلى عباده رسله، وأنزل إليهم كتبه، أو لم يفعل، كان ذلك عبثًا يتعالى الربّ عز وجل عنه، وُينزّه عن أن ينسب إليه.
فان قالوا: إن اللَّه عز وجل قد سبق علمه بكلّ ذلك، ولكنه قيّده بقيود، وشرطه بشروط، وعلّقه بأسباب، فعلم مثلاً أن الكافر يُسلم، ويدخل في الدين بعد دعائه إلى
الإسلام، أو مقاتلته على ذلك، وأن العباد يعمل منهم من يعمل بما يَعِدهم اللَّه به بعد بعثه رسله، وإنزال كتبه عليهم.
قلنا لهم: فعليكم أن تقولوا هكذا في الدعاء، وفي أعمال الخير، وفي صلة الرحم، ولا نطلب منكم إلا هذا، ولا نريد غيره، وحينئذ قد دخلتم إلى الوفاق من طريق قريبة، فعلام هذا الجدال الطويل العريض، واللجاج الكبير الكثير، فإنا نقول: إن اللَّه عز وجل قد علم في سابق علمه أن فلانًا يطول عمره إذا وصل رحمه، وأن فلانا يحصل له من الخير كذا، أو يقع عنه من الشرّ كذا، إذا دعا ربّه، وأن هذه المسببات مترتبة على حصول أسبابها، وهذه المشروطات مقيّدة بحصول شروطها، وحينئذ فارجعوا إلى ما قدمنا ذكره من الجمع بين ما تقدّم من الأدلّة، واستريحوا من التعب، فإنه لم يبق بيننا وبينكم خلاف من هذه الحيثية.
وقد كان الصحابة، مثل عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبي وائل، وعبدالفه بن عمر الذين كانوا يدعون اللَّه عز وجل بأن يجعلهم في أهل السعادة، إن كانوا قد كتبوا من أهل الشقاوة كما قدمنا، وهم أعلم باللَّه عز وجل، وما يجب له، وبجوز عليه. وقال كعب الأحبار حين طُعن عمر، وحضرته الوفاة: واللَّه لو دعا عمر أن يؤخّر أجله، لأخره، فقيل له: إن اللَّه عز وجل يقول: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما قبل ذلك، فيجوز أن يزداد، وأن ينقص.
ومن شكّ في شيء من هذا، فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار الصالحين، كـ "حلية أبي نعيم"، و"صفوة الصفوة" لابن الجوزيّ، و"رسالة القشيريّ"، فإنه يجد من هذا القبيل ما ينشرح له صدره، ويثلج
(1)
به قلبه.
بل كل إنسان إذا حقّق حال نفسه، ونظر في دعائه لربه عند عروض الشدائد، وإجابته له، وتفريجه عنه يجد ما يغنيه عن البحث عن حال غيره، إذا كان من المعتبرين المفكّرين، وهذا نبيّ اللَّه عيسى ابن مريم عليهما السلام كان يحيى الموتى بإذن اللَّه، ويشفي المرضى بدعائه، وهذا معلوم حسبما أخبرنا اللَّه سبحانه في كتابه الكريم، وفي الإنجيل من القصص المتضمنة لإحياء الموتى، وشفي المرضى بدعائه، ما يعرفه من اطلع عليه.
وبالجملة فهؤلاء الغلاة الذين قالوا: إنه لا يقع من اللَّه إلا ما قد سبق به العلم، وان
(1)
- يقال: ثلجت النفس ثُلُوجًا، وثَلَجًا، من بابي قعد، وتَعِبَ: اطمأنّت. اهـ: "المصباح".
ذلك لا يتحوّل، ولا يتبدل، ولا يؤثّر فيه دعاء، ولا عمل صالح، فقد خالفوا ما قدمنا من آيات كتاب اللَّه العزيز، ومن الأحاديث النبويّة الصحيحة، من غير ملجيء إلى ذلك، فقد أمكن الجمع على ما قدمناه، وهو متعيّن، وتقديم الجمع على الترجيح متفق عليه، وهو الحقّ.
وقالوا: إن اللَّه لا يعلم بالجزئيات، إلا عند وقوعها تعالى عن ذلك، وهذا قول باطل، يخالف كتاب اللَّه، وسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين، وقد تبرّأ من مقالة معبد هذه، وأصحابه من أدركهم من الصحابة، منهم ابن عمر، كما ثبت ذلك في "الصحيح"
(1)
.
وقد غلط من نسب مقالتهم إلى المعتزلة، فإنه لم يقل بها أحد منهم قط، وكتبهم مصرّحة بهذا، ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نقل مقالات الرجال، فقد قدمنا من أدلة الكتاب والسنن، والجمع بينهما ما يكفي المنصف، وُيريحه من الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسائل، ومن الإلزامات التي ألزم بها بعض القائلين البعض الآخر، ودين اللَّه سبحانه بين المفرّط والغالي، وفي هذا القدر كفاية لمن له هداية، واللَّه وليّ التوفيق. تمّت. انتهى الرسالة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حققه الإمام الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، من أن الصواب قول من قال: إن العمر يزيد، وينقص، وتقدم عن شيخ الإسلام ابن تيميّة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قوله: إنه الصواب، هو الحقّ عندي؛ لموافقته لظواهر الكتاب والسنن الصحيحة، كما سبق تقريره في كلام الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
خاتمة: مما يدلّ على زبادة العمر ونقصه، ويؤيّد القول الراجح الذي ذكرناه: ما أخرجه الإمام الترمذيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "جامعه"، وصححه -وهو كما قال- فقال:
3076 -
حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لما خلق اللَّه آدم، مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة، هو خالقها من ذريته، إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وَبِيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم، من ذريتك، يقال له: داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب، زده من عمري أربعين سنة، فلما
(1)
- أي "صحيح مسلم" في "كتاب الأيمان" 1/ 36 - 37.
قضي عمر آدم، جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخَطِئ آدم، فخطئت ذريته".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أيضًا:
3368 -
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لما خلق اللَّه آدم، ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد للَّه، فحمد اللَّه بإذنه، فقال له ربه: يرحمك اللَّه يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملأ منهم، جُلُوس، فقل: السلام عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمة اللَّه، ثم رجع إلى ربه، فقال: إن هذه تحيتك، وتحية بَنِيك بينهم، فقال اللَّه له، ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم وذريته، فقال: أي رب ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فإذا كل إنسان، مكتوب عمره بين عينيه، فإذا فيهم، رجل أضوؤهم"، أو "من أضوئهم، قال: يا رب من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قد كتبت له عمر أربعين سنة، قال: يا رب زده في عمره، قال: ذاك الذي كتبت له، قال: أي رب، فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة، قال: أنت وذاك، قال: ثم أسكن الجنة ما شاء اللَّه، ثم أهبط منها، فكان آدم يعد لنفسه، قال: فأتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد عجلت، قد كُتب لي ألفُ سنة، قال: بلى، ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة، فجحد، فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته، قال: فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من رواية زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
21 - (كِتَابُ الصِّيَامِ
(1)
)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قدم المصنّف رحمه تعالى "كتاب الصيام" على الزكاة؛ نظرًا لكونه عبادة بدنيّة، فناسب أن يتلو "كتاب الصلاة"، ولأنه في حديث طلحة ابن عبيد اللَّه رضي الله عنه المذكور في الباب ذُكِر بعد الصلاة، وقبل الزكاة، ثم أتبعه "كتاب الزكاة"، لكونها عبادة مالية محضة، ثم ختمه "بكتاب الحجّ" لكونه مركبا منهما.
وخالف هذا الترتيب في "الكبرى" فذكر الزكاة بعد الصلاة، ثم الصوم، ثم المناسك، لكنه أدخل بين الصوم والمناسك "كتاب المحاربين ". واللَّه تعالى أعلم.
وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "شرحه": ما نصّه: المشهور بينهم تقديم الزكاة على الصوم، وذكرها في جنب الصلاة، والواقع في كثير من نسخ النسائيّ تقديم الصوم، فمن قدّم، فقد راعى قوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 110]، ومن قدّم الصوم فلعله راعى أول حديث في الباب، ففيه تقديم الصوم على الزكاة، وذكره في جنب الصوم، ومع ذلك لا يخلو عن مناسبة معنويّة، من حيث إن كلاّ من الصلاة والصوم عبادة بدنيّة؛ بخلاف الزكاة، فإنها عبادة مالية. واللَّه تعالى أعلم انتهى
(2)
.
و"الصيام" مصدر "صام"، كـ "الصوم"، يقال: صام يصُوم صَوْمًا، وصِيامًا. قيل: هو مطلق الإمساك في اللغة، ثم استُعمل في الشرع في إمساك مخصوص. وقال أبو عبيدة: كل مُمسِك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم، قال النابغة الذُّبْيانيّ [من البسيط]:
خَيل صِيَامٌ وَخَيلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ
…
تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
(3)
يعني بالصائمة الممسكة عن السير. قاله ابن فارس. وقيل: الممسكة عن الاعتلاف، أي القائمة على غير عَلَف، وقيل: الممسكة عن الصَّهِيل. ورجل صائم، وصَوَّامٌ -بالفتح- مبالغة، وقوم صُوَّامٌ، وصُيَّمٌ، وَصَوْمٌ على لفظ الواحد، وصِيَام. انتهى من "المصباح" بزيادة من غيره.
وقال في "التهذيب": الصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن الْمَطعَم، والْمَشْرَب، والْمَنكَح. وقيل: للصامت صائم؛ لإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس: صائم؛ لإمساكه عن العَلَف مع قيامه.
(1)
- وفي نسخة: "الصوم".
(2)
- "شرح السنديّ" ج 4 ص 120 - 121.
(3)
"تَعلُكُ" كتنصُرُ: أي تأكل. و"اللُّجُمَا" جمع لجام.
وقال في "الفتح": والصوم، والصيام في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، بشرائط مخصوصة. انتهى. وقال النووي: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بشرطه انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني: الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل، مَطعمًا كان، أو كلامًا، أو مشيًا؛ ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير، أو العلف: صائم. وقيل للريح الراكدة: صوم، ولاستواء النهار: صوم؛ تصوّرًا لوقوف الشمس في كبد السماء، ولذلك قيل: قام قائم الظهيرة، ومَصَامُ الفرس، ومَصَامَتُهُ: موقفه. والصوم في الشرع: إمساك المكلّف بالنية من الخيط الأبيض، إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناء، والاستقاء انتهى
(1)
.
قال اليبيّ: فهو وصف سلبيّ، وإطلاق العمل عليه تجوّز. وقيل: هو إمساك عن المفطرات حقيقةً، أو حكمًا، في وقت مخصوص، من شخص مخصوص مع النيّة.
وقال الأمير الصنعانيّ: الصوم في الشرع إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الأكل والشرب، والجماع، وغيرهما، مما ورد به الشرع، في النهار، على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن اللغو، والرفّث، وغيرهما، من الكلام المحرّم، والمكروه؛ لورود الأحاديث بالنهي عنها في الصوم، زيادة على غيره، في وقت مخصوص، بشروط مخصوصة، تفصّلها الأحاديث انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه التعاريف كلها متقاربة المعنى، وأخصرها، أنه إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص بشرائطه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
…
1 - (بَابُ وُجُوبِ الصِّيَامِ)
أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدّالّة على فرضية الصوم، فالوجوب هنا معناه: الفرض، والحنفية، وإن خالفوا الجمهور، ففرقوا بينهما في بعض المواضع، فقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعيّ، والواجب ما ثبت بدليل ظنّيّ، إلا أنهم لا يخالفون هنا، فتنبّه.
[تنبيهات]:
(الأول): قال أبو محمد ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وجوب صوم رمضان بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
(1)
- "مفردات ألفاظ القرآن" ص 500.
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إلى قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 183 - 185]. وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس
…
" الحديث، وذكر منها صوم رمضان. متفق عليه. وعن طلحة بن عبيد اللَّه أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس، فقال: يا رسول اللَّه أخبرني ماذا فرض اللَّه علي من الصيام؟ قال: "شهر رمضان"، قال: هل علي غيره؟ قال: "لا إلا أن تطوع شيئًا
…
" الحديث متفق عليه. وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان. انتهى كلام ابن قدامة باختصار "المغني" جـ 4 ص 323 - 324.
(الثاني): فُرِضَ صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شعبان
(1)
، وهو ثابت بالكتاب والسنة، والإجماع، فمن جحد فرضيته، فقد كفر.
(الثالث): حكمة مشروعية الصوم كونه موجبًا لسكون النفس، وكسر سَوْرتها في الفضول المتعلّقة بجميع الجوارح، من العين، واللسان، والأذن، والفرج، فبالصوم تضعف حركتها في محسوساتها، وكونه موجبًا للرحمة والعطف على المساكين، فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في وقت، تذكر حال المساكين في سائر الأوقات، فيسارع إلى الإحسان إليهم لدفع ألم الجوع عنهم، فينال بذلك حسن الجزاء من اللَّه تعالى.
قال الزرقاني -رحمه اللَّه تعالى-: شُرع الصيام لفوائد، أعظمها كسر النفس، وقهر الشيطان، فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
ومنها: أن الغنيّ يعرف قدر نعمة اللَّه عليه بإقداره على ما منع منه كثيرًا من الفقراء، من فضول الطعام، والشراب، والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول المشقّة له بذلك يتذكّر به من مُنِع ذلك على الإطلاق، فيوجب ذلك شكر نعمة اللَّه عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومواساته بما يمكن من ذلك انتهى
(2)
.
(الرابع): نُقِل عن بعض الصوفيّة أن آدم لما تاب من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذرّيّته
(1)
- نظم الأجهوريّ -رحمه اللَّه تعالى- الاختلاف في أشهر الصوم التامّة والناقصة في حياته صلى الله عليه وسلم، فقال:
وَفُرِضَ الصِّيَامُ ثَانِي الْهِجْرَةِ
…
فَصَامَ تِسعَةً نَبِيُّ الرَّحْمَةِ
فَأَرْبَعًا تِسْعًا وِعِشْرِينَ وَمَا
…
زَادَ عَلَى ذَا بِالكَمَالِ اتَّسَمَا
كَذَا لِبَعْضِهِم وَقَالَ الهَيتَمِي
…
مَا صَامَ كَامِلًا سِوَى شَهْرِ اعَلَمِ
وِلِلدَّمِيرِي أَنَّهُ شَهْرَانِ
…
وَنَاقِصٌ سِوَاهُ خَذْ بَيَانِي
ذكره الطحاويّ في حاشية "مراقي الفلاح" من كتب الحنفية ص 430.
(2)
- "شرح الزرقاني على الموطإ" ج 2 ص 152 - 153.
صيام ثلاثين يومًا. انتهى. وهذا مما لا دليل عليه، فقد قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكره: هذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يُقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك انتهى.
(1)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
2090 -
(أَخْبَرَنَا
(2)
عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ:«الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا» ، قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا» ، قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرَائِعِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» ، أَوْ «دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ» ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عليّ بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [9] 13/ 13.
2 -
(إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارىء المدنيّ، ثقة ثبت [8] 16/ 17.
3 -
(أبو سهيل) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ التيميّ، أبو سُهيل المدنيّ، ثقة [4] 4/ 458.
[تنبيه]: وقع في نسخة "أبو سهل" مكبّرًا، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه.
4 -
(أبوه) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ -وهو جدّ الإمام مالك بن أنس- ثقة [2] 4/ 458.
5 -
(طلحة بن عبيد اللَّه) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة الصحابيّ المشهور، استشهد يوم الجمل سنة (36) وهو ابن (63) وتقدّم في 4/ 458. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن حَلِيفه، فإن مالك بن أبي عامر حليف لطلحة بن عبيد اللَّه، كما بينه الحافظ في "الفتح"
(3)
. ومنها: أن طلحة
(1)
- انظر المصدر السابق ج 2 ص 153.
(2)
- وفي نسخة "حدثنا".
(3)
- "فتح" ج 1 ص 147.
- رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) رضي الله عنه (أنَّ أَعْرَابيًا) أي رجلا ساكن البادية، وفي الرواية المتقدمة 4/ 458 - "جاء رجل إلى رسول اللَّهَ صلى الله عليه وسلم من أهل نجد". قيل: هو ضمام بن ثعلبة، وقيل: غيره (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثَائِرَ الرَّأْسِ) بالنصب على الحال، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو ثائر الرأس. والمراد أن شعره متفرّق من ترك الرَّفَاهية، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغةً، أو لأن الشعر منه ينبت (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ:"الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ") يحتمل أن يكون بالنصب على تقدير فعل دلّ عليه السؤال، أي فرض عليك الصلواتِ الخمسَ، ويحتمل أن يكون بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي المفروض عليك الصلواتُ الخمسُ، أو مبتدأ حُذف خبره، أي الصلوات الخمس مفروضة عليك. (إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيئًا)"تطوع" بتشديد الطاء، والواو، وأصله تتطوّع بتاءين، فأدغمت إحداهما في الأخرى، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما (قَالَ: أَخْبرْنِي بِمَا
(1)
افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَام؟ قَالَ: صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ) إعرابه كسابقه (إلَّا أنْ تَطَوَّعَ شَيئًا"، قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرَائِعِ الإِسْلَامِ) وفي الرواية المتقدّمة: "وذكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الزكاة". فتضمنت هذه الرواية أن في القصّة أشياء أُجملت، منها بيان نُصُب الزكاة؛ فإنها لم تفسّر في الرواية، وكذا أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصّة بيان أن المتمسّك بالفرائض ناج، وإن لم يفعلِ النوافل. أفاده في "الفتح" (فَقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ) فيه جواز الحلف في الأمر المهمّ (لَا أَتَطَوَّعُ شَيئًا، ولَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيئًا، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"، أوْ) للشكّ من الراوي (دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ") وفي رواية لمسلم: "أفلح، وأبيه إن صدق"، أو "دخل الجنّة، وأبيه، إن صدق". والجمع بينه، وبين النهي عن الحلف بالآباء أنه كان قبل النهي. وقيل: إنها كلمة جارية على اللسان، لا يُقصد بها الحلف. وقيل: غير ذلك، مما تقدّم الكلام عليه مستوفى في كتاب الصلاة.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الصلاة" - 4/ 458 - "باب كم فرضت في اليوم والليلة"، وتقدّم شرحه هناك مستوفًى، وكذا الكلام على مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم
(1)
الباء للتعدية، فإن "أخبر" يتعدى إلى مفعولين تارة بنفسه، كقوله:"أَخْبِرْني ماذا فرض اللَّه علي؟ "، وتارة بالباء إلى المفعول الثاني، كقوله:"أخبرني بما افترض اللَّه علي".
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2091 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ، أَنْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَيَسْأَلَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَرْسَلَكَ، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» ، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» ، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» ، قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» ، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، وَنَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةَ أَمْوَالِنَا، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا الْحَجَّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ ، قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدَنَّ عَلَيْهِنَّ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمد بن مَعْمَر) بن رِبْعِيّ القيسيّ البصريّ البَحْرانيّ، صدوق، من كبار [11] 2/ 1370.
2 -
(أبو عامر العَقَديّ) عبد الملك بن عَمْرو القيسيّ البصريّ، ثقة [9] 2/ 327.
3 -
(سليمان بن المغيرة) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [7] 53/ 616.
4 -
(ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [4] 45/ 53.
5 -
(أنس) بن مالك أبو حمزة الصحابيّ الجليل رضي الله عنه 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، ومنها: أن ثابتا البنانيّ ممن لازم أنسًا رضي الله عنه أربعين سنة ومنها: أن أنسًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة رضي الله عنه بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: نُهينَا فِي الْقُرْآنِ) يعني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية (أَنْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ) أي غير ضروريّ؛ لما فيه من احتمال أن يكون من تلك الأشياء (فَكَانَ يُعْجبُنَا أنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ) أي لكونه أعرف بكيفيّة السؤال، وآدابه، والمهمِّ منه، وحسنِ الَمراجعة، فإن هذه من أسباب عظم الانتفاع بالجواب (مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) أي لكونه لم يبلغه النهي عن السؤال، ولأن أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل، والجفاء، ولهذا جاء في الحديث:"من بدا جفا"
(1)
.
والبادية، والبَدْوُ بمعنّى، وهو ما عدا الحاضرة، والعمران، والنسبة إليها بدويّ، والبِدَاوة: الإقامة بالبادية، وهي بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة. وقال أبو زيد: هي بفتح الباء. قال ثعلب: لا أعرف البداوة بالفتح إلا عن أبي زيد. ذكره النووي
(2)
.
(فَيَسْأَلَهُ) بالنصب عطفًا على "يجيء". وزاد في رواية مسلم: "ونحن نسمع". وزاد أبو عوانة في "صحيحه": "وكانوا أجرأ على ذلك منّا". يعني أن الصحابة واقفون عند النهي، وأولئك يُعذَرون بالجهل.
وإنما تمنّوه عاقلًا؛ ليكون عارفًا بما يسأل عنه. وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدي مسألته؛ لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة، وسأله عمن خَلَق الأرض، ونصب الجبال إلى آخر ما سأل، ثم أقسم عليه به أن يَصْدُقَه عما يسأل عنه، وكرّر القسم في كلّ مسألة تأكيدًا، وتقريرًا للأمر، ثم صرّح بالتصديق، فكلّ ذلك دليل على حسن تصرّفه، وتمكن عقله، ولهذا قال عمر رضي الله عنه في رواية أبي هريرة رضي الله عنه: ما رأيت أحدًا أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام". أفاده في "الفتح"
(3)
(فَجَاءَ رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) هو ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر، كما بُيّن في الرواية التالية.
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سنة تسع. قاله أبو عبيد. وقيل: سنة سبع. وقال محمد بن حبيب: سنة خمس، وهو أبعدها؛ لأن فرض الحجّ لم يكن نزل إذ ذاك. انتهى
(4)
.
(1)
- حديث صحيح أخرجه أحمد من حديث البراء رضي الله عنه. وأخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، بلفظ:"من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن". وهو أيضا صحيح.
(2)
- "شرح مسلم" ج 2 ص 123.
(3)
- "فتح" ج 1 ص 204 - 205.
(4)
- "المفهم" ج 1 ص 162.
(فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قال العلماء: لعلّ هذا كان قبل النهي عن مخاطبته صلى الله عليه وسلم باسمه قبل نزول قول اللَّه عز وجل: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: آية 63] على أحد التفسيرين، أي لا تقولوا: يا محمد، بل يا رسول اللَّه، يا نبيّ اللَّه. ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية، ولم تبلغ الآية هذا القائلَ. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-.
(أَتَانَا رَسُولُكَ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ) قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: زَعَم، وتَزْعُم مع تصديق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إياه، دليل على أن زعم ليس مخصوصًا بالكذب، والقولِ المشكوك فيه، بل يكون أيضًا في القول المحقق، والصدق الذي لا شك فيه. وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث. وعن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"زعم جبريل" كذا. وقد أكثر سيبويه، وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبو الخطّاب، يريد بذلك القول المحقّق. وقد نقل ذلك جماعة من أهل اللغة، وغيرهم، ونقله أبو عمر الزاهد في "شرح الفصيح"، عن شيخه أبي العباس ثعلب، عن العلماء باللغة، من الكوفيين والبصريين. واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
(أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَرْسَلَكَ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("صَدَقَ") أي ذلك الرسول (قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ"، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ"، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ؟، قَالَ: "اللَّهُ"، قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا المَنَافِعَ؟ قَالَ: "اللَّهُ"، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ) الباء فيه للقسم، أي أقسمت بالذي خلق السماء، والأرض الخ، وإنما قال ذلك زيادة في التوثيق والتثبيت؛ كما يؤتى بالتأكيد لذلك، ويقع ذلك في أمر يهُتَمّ بشأنه، ولم يقل ذلك لإثبات النبوّة بالحلف، فإن الحلف لا يكفي في ثبوتها، ومعجزاته صلى الله عليه وسلم كانت مشهورة، معلومة، فهي ثابتة بتلك المعجزات. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: فإن الحلف لا يكفي الخ، فيه نظر، إذ لا مانع من أن يكتفي بعض الناس بالحلف عن طلب المعجزات. واللَّه تعالى أعلم.
(وَنَصَبَ فِيهَا الْجبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا المَنَافِعَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟) بمدّ الهمزة للاستفهام؛ كما في قوله تعالى: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} الآية [يونس: 59](قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بنصب "خمسَ" على أنه اسم "أنّ"، والجار والمجرور خبرها مقدمًا على اسمها (فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) فيه دلالة على عدم وجوب الوتر، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، وخالف فيَ ذلك الحنفية، فقالوا بوجوب الوتر، وقد تقدَّم الردُّ عليهم في بابه فلا تغفل. (قَالَ:"صَدَقَ"، قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بَهذَا؟، قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا زَكَاةَ أَمْوَاَلِنَا) ولفظ "الكبرى" "صدقة أموالنا". ولفظ مسلم "زكاة في أموالنا" (قَالَ:"صَدَقَ"، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ،
(1)
- "شرح مسلم" ج 2 ص 123 - 124.
آللَّهُ أَمَرَكَ بَهِذَا؟، قَالَ:"نَعَم"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ:"صَدَقَ") هذا محلّ الشاهد لترجمة المصنّف، حيث إنه يدلّ على وجوب الصيام (قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بَهِذَا؟، قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا الْحَجَّ من استَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) "من" اسم موصول في محلّ جرّ بدل من الضمير المجرور، أي على من استطاع منا إليه سبيلًا.
ثبت في هذه الرواية ذكر الحجّ عند المصنّف، وكذا هو في "صحيح مسلم"، ولم تثبت في رواية شريك الآتية، وكذا ثبتت في حديث أبي هريرة الآتي، وحديث ابن عباس، كما قاله في "الفتح".
فهذه الروايات كلها تدلّ على بطلان قول ابن التين: إنما لم يذكر الحجّ لأنه لم يكن فُرِض، قال الحافظ: وكأن الحامل له على ذلك ما جزم به الواقديّ، ومحمد بن حبيب أن قدوم ضمام سنة خمس، فيكون قبل فرض الحج، لكنه غَلَطٌ من أوجه:
[أحدها]: أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم، وآية النهي في المائدة، ونزولها متأخر جدًّا.
[ثانيها]: أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام، إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة.
[ثالثها]: أن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة.
[رابعها]: في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن قومه أطاعوه، ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد -وهو ابن بكر بن هوازن- في الإسلام إلا بعد وقعة حنين، وكانت في شوال سنة تسع. وبه جزم ابن إسحاق، وأبو عبيدة، وغيرهما انتهى
(1)
.
(قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بهَذَا؟، قَالَ: "نَعَمْ") قال صاحب "التحرير" -رحمه اللَّه تعالى-. هذا من حسن سؤال هذا الرجل، وملاحة سياقته وترتيبه، فإنه سأل أوّلًا عن صانع المخلوقات من هو؟، ثم أقسم عليه به أن يَصدُقَه في كونه رسولًا للصانع، ثم لما وقف على رسالته، وعلمها أقسم عليه بحقّ مرسله، وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رَصِين، ثم إن هذه الأَيمان جرت للتأكيد، وتقريرِ الأمر؛ لا لافتقاره إليها، كما أقسم اللَّه تعالى على أشياء كثيرة انتهى.
(قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدَنَّ) بنون التوكيد المشددة، وفيه تأكيد جواب
(1)
- "فتح" ج 1 ص 206.
القسم المنفيّ بالنون، على حدّ قول الشاعر [من البسيط]:
تَاللَّهِ لَا يُحْمَدَنَّ الْمَرْءُ مُجْتَنِبَا
…
فِعْلَ الْكرَامِ وَلَوْ فَاقَ الْوَرَى حَسَبَا
وهو قليل. بل قيل: إنه شاذٌ، أو ضرورة. وفي نسخة، وهو الذي في "الكبرى""لا أزيد" بدون توكيد، وهو المشهور رواية، ولغة. واللَّه تعالى أعلم.
(عَلَيْهِنَّ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ) وفي نسخة: "ولا أنتقص".
فإن قيل: فكيف أقرّه على حلفه، وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟ أجيب: بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، وقيل: غير ذلك
(1)
.
(فَلَمَّا وَلَّى، قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ") أي إن صدق في دعواه قبول الإسلام، وحلفه على التزامه ليكونن جزاؤه الجنة، بمقتضى الوعد السابق، حيث قال اللَّه تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} الآية [التوبة: 72]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 1/ 2091 و 2092 و 2093 - وفي "الكبرى" 1/ 2401 و 2402 و2403 وأخرجه (خ) 61 (م) 13 (د) 411 (ت) 562 (ق) 1392 (أحمد) 2258 (الدارمي)648. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو وجوب الصيام (ومنها): أن صوم رمضان يتكرّر كلَّ سنة (ومنها): أن الصلوات الخمس متكرّرة في كلّ يوم وليلة، لقوله:"في كل يوم وليلة".
(ومنها): ما قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة لصحّة ما ذهب إليه أئمة العلماء، من أن العوامّ المقلدين مؤمنون، وأنه يُكتَفَى منهم بمجرّد اعتقاد الحقّ جزمًا، من غير شك وتزلزل؛ خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم
(1)
- انظر (الفتح) ج 1 ص 149.
قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرّد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلّة القطعيّة انتهى.
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ويُستفاد من هذا الحديث أن الشرع إنما طلب من المكلفين التصديق الجازم بالحقّ كيفما حصل، وبأيّ وجه ثبت، ولم يقصرهم في ذلك على النظر في دلالة معيّنة، ولا معجزة، ولا غيرها، بل كلّ من حصل له اليقين بصدقه بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لاحت له، كان من المؤمنين، وكان من جملة عباد اللَّه المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصّة بالأنبياء، والطرق العامّة للعقلاء انتهى
(1)
..
(ومنها): العمل بخبر الواحد (ومنها): أن من صَدَق في إسلامه، والتزم أداء ما أُمر به دخل الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسأله الرابعة): اختَلَفوا، هل كان ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه مسلمًا قبل مجيئه، وإنما أتى مستثبتًا من النبي صلى الله عليه وسلم، أم أنه أنشأ الإيمان بعد حضوره؟:
والأول اختيار الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، فاحتجّ به على مسألة صحّة العرض على العالم، وترجم عليه، فقال:"باب القراءة والعرض على العالم". ورجحه القاضي عياض، فقال: والظاهر أن الرجل لم يأت إلا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا، ومشافها للنبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى.
فقوله - كما في الرواية الآتية -: "آمنت بما جئت به" إخبار بإيمانه قبل ذلك، وأنه إنما حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنه قال:"فإن رسولك زعم"، وفي حديث ابن عباس عند الطبرانيّ:"أتتنا كتبك، وأتتنا رسلك". واستبط منه الحاكم أصل طلب علوّ الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول، وآمن، وصدّق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مشافهة.
والثاني: هو الذي رجحه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-، فقال في "المفهم": وقد فهم البخاريّ من هذا الحديث أن الرجل قد كان أسلم على يدي رسول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين جاءهم، وصحّ إيمانه، وحفظ شرائعه، ثم جاء يَعْرِضها على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ألا ترى البخاريّ كيف بوّب على هذا:"باب القراءة والعرض على المحدث"؟ وكأن البخاريّ أخذ هذا المعنى من قول الرجل في آخر الحديث: "آمنت بما جئت به، وأنا رسول من
(1)
- "المفهم" ج 1 ص 164.
ورائي من قومي". وفيه نظر. وأما مساق مسلم، فظاهره أن الرجل لم ينشرح صدره للإسلام بعدُ، وأنه بقيت في قلبه منازعات، وشكوك، فجاء مجيء الباحث المستثبت، ألا تراه يقول: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن اللَّه أرسلك، فإن الزعم قول لا يوثق به. قاله ابن السكّيت وغيره.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: "فإن الزعم قول لا يوثق به" نظر؛ لأن هذا ليس متفقا عليه بين أهل اللغة، بل الزعم يطلق على القول المحقّق أيضًا، كما تقدّم نقله عن أبي عمر الزاهد في "شرح فصيح شيخه ثعلب"، وأكثر سيبويه من قوله:"زعم الخليل" في مقام الاحتجاج. واللَّه تعالى أعلم.
قال: غيرَ أنّ هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فدله ذلك على أن لها خالقًا خلقها، ألا ترى أنه استفهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصحّ العلم بالرسول إلا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لما وافقه على ما شهد به العقل، وأن اللَّه تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات أقسم عليه، وسأل به، هل أرسله؟.
ثم إن الرجل استمرّ على أسئلته إلى أن حصل على طَلِبَتَهِ
(1)
فانشرح صدره للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوارَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلقد كان كثير من العقلاء يحصل لهم العلم بصحّة رسالته بنفس رؤيته، ومشاهدته، قبل النظر في معجزته، كما قال أبو ذرّ رضي الله عنه:"فلما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذّاب"، حتى قال بعضهم [من البسيط]:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ
…
لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ
والحاصل من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبصحّة رسالته، لمجموع قرائن، لا تتعيّن إحداها، ولا تنحصر أعدادها.
وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما حديث ضمام هذا بأكمل من هذا، وقال فيه ما يدلّ على أن ضمامًا إنما أسلم بعد أن أجابه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن أسئلته المتقدّمة، فلما أن فرغ قال ضمام: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وسأؤدّي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقُص. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن يصدق ذو العقيصتين
(2)
يدخل الجنّة"، ثم قدم ضمام على أهله، فعرض عليهم الإسلام، فما
(1)
- الطَّلِبَةُ -بفتح الطاء، وكسر اللام-: ما طلبته. أفاده في "ق".
(2)
- العقيصتان: الضفيرتان.
أمسى ذلك اليوم في حاضره من رجل، ولا امرأة إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قط كان أفضل من ضمام. انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حققه القرطبيّ رحمه الله من أن إسلام ضمام كان بعد هذه الأسئلة هو الذي يظهر لي؛ لأن سياق الحديث ظاهر فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2092 -
(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ، جَاءَ رَجُلٌ، عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ، يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَجَبْتُكَ» ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي سَائِلُكَ، يَا مُحَمَّدُ، فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: «سَلْ مَا بَدَا لَكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ، وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ، مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي، مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عيسى بن حمّاد) بن مسلم التُّجيبيّ، أبو موسى المصريّ، لقبه زُغبَة، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [10] 135/ 211.
2 -
(الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [7] 31/ 35.
3 -
(سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين مات في حدود 120 - [3] 95/ 117.
4 -
(شريك بن أبي نَمِر) هو: ابن عبد اللَّه، نُسب لجده، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق يخطىء مات في حدود 140 [5] 52/ 1290.
5 -
(أنس بن مالك) رضي الله عنه المذكور قبله. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- "المفهم" ج 1 ص 162 - 164.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأنه مسلسل بالمدنيين من سعيد، والباقيان مصريان، وأن فيه روايةَ تابعي، عن تابعيّ، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن سعيدا المقبريّ أكبر من شريك بن أبي نمر من الطبقة الثالثة، وهو من الخامسة، ولا ينافي هذا ما في "الفتح"، ونصّه: فيه رواية الأقران، قال: لأن سعيدًا وشريكا تابعيان، من درجة واحدة، وهما مدنيان انتهى. لأنه جعلهما من درجة واحدة؛ نظرا لكونهما تابعيين، وما هنا بالنظر لتفاوت مراتب التابعين فيما بينهم، فافهم. وفيه أنس رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شَرِيكِ) بن عبد اللَّه (ابْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النون، وكسر الميم، لا يعرف اسمه، ذكره ابن سعد في الصحابة، وأخرج له ابن السكن حديثًا، وأغفله ابن الأثير؛ تبعًا لأصوله. قاله في "الفتح"
(1)
.
(أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (يَقُولُ: بَينَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجدِ) أي مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (جَاءَ رَجُلٌ، عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ) استنبط منه ابن بطَال وغيره طهارة أبوال الإبل، وأرواثها، إذ لا يؤمن ذلك منه مدّة كونه في المسجد، ولم ينكره النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال في "الفتح": ودلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرّد احتمال، ويدفعه رواية أبي نُعيم:"أقبل على بعير له حتى أتى المسجد، فأناخه، ثم عقله، فدخل المسجد"، فهذا السياق يدلّ على أنه ما دخل به المسجد، وأصرح منه رواية ابن عباس، عند أحمد، والحاكم، ولفظها:"فأناخ بعيره على باب المسجد، فعقله، ثم دخل"، فعلى هذا في رواية أنس مجاز الحذف، والتقدير: فأناخه في ساحة المسجد، أو نحو ذلك انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بطهارة أبوال الإبل، وأرواثها هو الصواب، فقد دلّ على ذلك خبر العرنيين المشهور، وقد تقدّم تحقيق ذلك في "أبواب الطهارة" - 191/ 305 - "باب بول ما يؤكل لحمه"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(ثُمَّ عَقَلَهُ) بتخفيف القاف: أي شدّ حبلًا على ساق الجمل بعد أن ثَنَى ركبته (فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مُتَّكِئٌ بَينَ ظَهْرَانَيْهِمْ) فيه جواز اتكاء الإمام بين أتباعه، وفيه ما كان عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من التواضع، وترك التكبّر، لقوله:"بين ظهرانيهم"، وهي بفتح النون: أي بينهم، وزيد لفظ الظهر ليدلّ على أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا منهم وراءه،
(1)
- "فتح" ج 1 ص 204.
فهو محفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد. قاله صاحب "الفائق".
(قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ) أي المشرب بحمرة، كما في الرواية الآتية من طريق الحارث بن عُمير بلفظ "الأمغر"، أي بالغين المعجمة، قال حمزة بن الحارث: هو الأبيض المشرب بحمرة، ويؤيده ما ثبت في صفته صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن أبيض، ولا آدم، أي لم يكن أبيض صِرْفًا. (الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ: لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) نسبه لجدّه؛ لكونه مشهورًا بين العرب، وأما أبوه صلى الله عليه وسلم فقد مات، وهو شابٌ، فلم يشتهر بين الناس اشتهار جدّه.
وكان صلى الله عليه وسلم ينتسب إلى جدّه، كقوله:
أنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ
…
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
(فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَجَبْتُكَ") أي سمعتك، والمراد إنشاء الإجابة، أو نزّل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق. وقد قيل: إنما لم يقل له: نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم، لا سيّما مع قوله تعالى:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} الآية [النور: 63]. والعذرُ عنه، إن قلنا: إنه قدم مسلما أنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب، وقد ظهرت بعد ذلك في قوله:"فمشدّد عليك في المسألة"، وفي قوله:"وزعم رسولك أنك تزعم".
(فَقَالَ الرَّجُلُ) وفي نسخة "فقاله له الرجل"(إِنِّي سَائِلُكَ، يَا مُحَمَّدُ، فَمُشَدِّدٌ) وفي نسخة "فمشتدٌ (عَلَيكَ فِي الْمَسأَلَةِ، فَلَا تجَدَنَّ فِي نَفْسِكَ) بنون التوكيد المشدّدة، وفي رواية البخاريّ: "فلا تجدْ"، أي لا تغضب. ومادّة "وجد" متّحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر، بحسب اختلاف المعاني، يقال في الغضب مَوْجِدة، وفي المطلوب: وُجُودًا، وفي الضالّة: وُجْدانًا، وفي الحبّ وَجْدًا -بالفتح-، وفي المال: وُجْدًا - بالضمّ، وفي الغنى: جِدَةً -بكسر الجيم، وتخفيف الدال المفتوحة- على الأشهر في جميع ذلك، وقالوا أيضًا في المكتوب: وِجَادةً، وهي مولّدة.
(قَالَ: "سَلْ مَا بَدَا لَكَ"، فَقَالَ: الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ) أي سألتك به، قال الفيّوميّ: نَشَدتك اللَّهَ، وباللَّه، أنشُدُك -من باب قتل-: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مُقسِمًا عليك. انتهى.
وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك اللَّهَ، وأنشدُك اللَّه، وباللَّه، وناشدتك اللَّهَ، وباللَّه: أي سألتك، وأقسمت عليك. ونشدته نِشْدة، ونشدانًا، ومناشدةً، وتعديته إلى مفعولين، إما لأنه بمنزلة: دعوت، حيث قالوا: نشدتك اللَّهَ، وباللَّه، كما قالوا: دعوت زيدًا، وبزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى: ذكّرتُ، فأما أنشدتك باللَّه، فخطأ انتهى
(1)
.
(1)
- "النهاية" ج 5 ص 53.
وفي الرواية التالية: "أنشدُك" بصيغة المضارع. وهو بفتح الهمزة، وضم المعجمة. قال البغويّ في "شرح السنّة": وهو رفع الصوت، والمعنى سألتك رافعا نشيدتي. انتهى. وقال الجوهريّ: نشدتك باللَّه: أي سألتك باللَّه، كأنك ذكّرته، فنَشَدَ: أي تذكّر انتهى
(1)
.
(وَرَبِّ مَنْ قَبلَكَ، اللَّهُ) بالمدّ في المواضع كلها، والهمزة للاستفهام، كقوله تعالى:{آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} الآية (أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ نَعَمْ") الجواب حصل بـ "نعم"، وإنما ذكر "اللَّهَمّ" تبرّكًا، وكأنه استشهد باللَّه في ذلك تأكيدًا لصدقه (قَالَ: فَأَنشُدُكَ اللَّهَ، اللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تُصَلِّيَ) بتاء الخطاب فيه، وفيما بعده. ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ بالنون فيها. قال القاضي عياض: هو أوجه، ويؤيّده ما تقدّم في رواية ثابت، عن أنس، بلفظ:"أنّ علينا خمس صلوات في كلّ يوم وليلة". وتوجيه الأول أن كلّ ما وجب عليه وجب على أمته حتى يقوم دليل الاختصاص. أفاده في "الفتح"(الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ) وعند البخاريّ من رواية الكشميهني، والسرخسيّ:"الصلاة الخمس" بالإفراد على إرادة الجنس (فِي الْيَوْم وَاللَّيلَةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ نَعَمْ"، قَالَ: فَأَنشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَصُوَمَ هَذَا الشهْرَ، مِنَ السَّنَةِ؟، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ نَعَمْ"، قَالَ: فَأَنشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَأخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ) قال ابن التين: فيه دليل على أن المرأ لا يفرّق صدقته بنفسه. قال الحافظ: وفيه نظر (مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟) هذا خرج مخرج الأغلب، لأنهم معظم أهل الصدقة، وإلا فمحلّ الصدقة هم الأصناف الثمانية المذكورون في آية الصدقة (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ نَعَمْ"، فَقَالَ: الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ) يحتمل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاريّ، ورجحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما أخبر به رسوله إليهم. ويحتمل أن يكون قوله:"آمنت" إنشاء، ورجحه القرطبيّ؛ لقوله:"زعم"؛ قال: فإن الزعم القولُ الذي لا يوثق به، قاله ابن السكّيت. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الزعم يطلق على المحقّق أيضًا، كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله:"زعم الخليل" في مقام الاحتجاج. قال: وأما تبويب أبي داود عليه: "باب المشرك يدخل المسجد" فليس مصيرًا منه إلى أن ضمامًا قدم مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفصال.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وفيه نظر، بل الظاهر من صنيع أبي داود الميل إلى أن ضمامًا قدم، وهو مشرك. فتأمّل.
(1)
- "فتح" ج 1 ص 205.
وقال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومما يؤيد أنه لم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاء لكان طلب معجزة توجب له التصديق. انتهى.
وعكس هذا القرطبيّ، فاستدلّ به على صحّة إيمان المقلّد للرسول، ولو لم تظهر له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أقرب إلى ظاهر قصّة ضمام رضي الله عنه كما تقدّم ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
(وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي)"مَنْ" موصولة، و"رسول" مضاف إليها، ويجوز تنوينه، وكسر "مِنْ"، لكن لم تأت به الرواية. قاله في "الفتح"(مِنْ قَوْمِي) بيان لـ "من" الموصولة (وَأَنَا ضِمَامُ ابْنُ ثَعْلَبَةَ) بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ) وعند الطبرانيّ، من رواية عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما:"جاء رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم -وكان مُسترضَعًا فيهم- فقال: أنا وافد قومي، ورسولهم". وعند أحمد، والحاكم:"بَعَثَتْ بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقدم علينا"، فذكر الحديث، فقول ابن عباس:"فقدم علينا" يدلّ على تأخر وفادته أيضًا؛ لأن ابن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح.
وزاد مسلم في آخر الحديث: قال: والذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ، ولا أنتقص، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لئن صدق ليدخلنّ الجنّة".
ووقعت هذه الزيادة في حديث ابن عباس، وهي الحاملة لمن سَمّى المبهم في حديث طلحة، ضمام بن ثعلبة، كابن عبد البرّ وغيره.
ومال القرطبيّ إلى أنه غيره. ووقع في رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، من الزيادة في هذه القصّة أن ضمامًا قال بعد قوله: وأنا ضمام بن ثعلبة: فأما هذه الْهَنَاة، فوالله إن كثا لنتنزّه عنها في الجاهليّة -يعني الفواحش- فلما ولّى قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"فقه الرجل". قال: وكان عمر بن الخطّاب يقول: ما رأيت أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام. ووقع في آخر حديث ابن عباس عند أبي داود: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في فوائده غير ما تقدّم:
(منها): العمل بخبر الواحد، ولا يقدح فيه مجيء ضمام مستثبتا -على ما قيل- لأنه قصد اللقاء والمشافهة، كما تقدّم عن الحاكم. وقد رجع ضمام إلى قومه وحده، فصدّقوه، وآمنوا، كما وقع في حديث ابن عباس. (ومنها): أن فيه نسبة الشخص إلى جدّه إذا كان أشهر من أبيه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: يوم حنين:
"أنا ابن عبد المطّلب"
(ومنها): أن فيه الاستحلاف على الأمر المحقّق؛ لزيادة التأكيد. وتمام الكلام على بقية مسائده تقدّم في الذي قبله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) يعني أنه خالف يعقوبُ بنُ إبراهيم بنِ سعد عيسى بنَ حماد زُغْبَةَ الروايَ عن الليث بن سعد، في إسناد هذا الحديث، فأدخل بين الليث، وسعيد المقبريّ واسطة، وهو محمد بن عجلان، وغيره، وهذا خطأ، والصواب رواية عيسى.
قال الحافظ في "الفتح" عند شرح قوله: "عن الليث، عن سعيد": ما نصّه: في رواية الإسماعيليّ، من طريق يونس بن محمد، عن الليث، حدثني سعيد، وكذا لابن منده من طريق ابن وهب، عن الليث.
قال: وفي هذا دليل على أن رواية النسائي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن الليث، قال: حدثني محمد بن عَجْلان وغيره، عن سعيد موهومة، معدودة من المزيد في متصل الأسانيد، أو يحمل على أن الليث سمعه، عن سعيد بواسطة، ثم لقيه، فحدثه به. انتهى
(1)
.
والحاصل أن الراجح رواية عيسى بن حماد، عن الليث، عن سعيد المقبريّ، بدون واسطة بين الليث وبين سعيد المقبريّ؛ لأنه وقع تصريح الليث بالتحديث عن سعيد المقبريّ، ولمتابعة يونس بن محمد، وابن وهب له في ذلك، فاتفاق الثلاثة، على إسقاط الواسطة يدلّ على وَهَم رواية يعقوب هذه، وأنها معدودة من المزيد في متصل الأسانيد، ولا سيمّا وقد صرح الأخيران بسماع الليث، عن سعيد. واللَّه تعالى أعلم. ثم بيّن رواية يعقوب بقوله:
2093 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ:
(1)
- "فتح" ج 1 ص 203.
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ وَغَيْرُهُ، مِنْ إِخْوَانِنَا، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ، عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ
(1)
، فَقُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«قَدْ أَجَبْتُكَ» ، قَالَ الرَّجُلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي سَائِلُكَ، فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِرَبِّكَ، وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ، مِنَ السَّنَةِ؟ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ؟ مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا، عَلَى فُقَرَائِنَا؟ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي، مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. خَالَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، وكذا الكلام على مسائله في الحديث الماضي، فليُرَاجع هناك.
و"عبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم": هو أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [11] 17/ 480. و"عمه": هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [9] 196/ 314. و"ابن عجلان": هو محمد المدنيّ، صدوق [5] 36/ 40
وقوله: "من كتابه": يعني أنه أخبره مما كتبه عن عمه، لا من حفظه، والإخبار، أو التحديث من الكتاب فيه خلاف، والصحيح جوازه، إذا كان كتابه مصونا لديه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (خَالَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) يعني أنه خالف عبيد اللَّهُ بنُ عمر العمريّ الليثَ بنَ سعد في إسناد هذا الحديث، فجعله عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، فأخطأ في ذلك، والراجح رواية الليث، عن سعيد، عن شريك بن عبد اللَّه، عن أنس رضي الله عنه، كما رجحها أبو حاتم، والدارقطنيّ.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" بعد ذكر الاختلاف المتقدّم: ما نصّه: وفيه
(1)
وفي نسخة: "بين ظهريهم".
اختلاف آخر، أخرجه النسائي، والبغويّ، من طريق الحارث بن عُمير، عن عُبيد اللَّه بن عمر، وذكره ابن منده من طريق الضحّاك بن عثمان كلاهما عن سعيد، عن أبي هريرة. ولم يقدح هذا الاختلاف فيه عند البخاريّ؛ لأن الليث أثبتهم في سعيد المقبريّ، مع احتمال أن يكون لسعيد فيه شيخان، لكن تترجّح رواية الليث بأن المقبريّ عن أبي هريرة جادّة مألوفة، فلا يَعدِل عنها إلى غيرها إلا من كان ضابطًا متثبّتًا، ومن ثمّ قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: رواية الضحّاك وَهَمٌ. وقال الدارقطنيّ في "العدل": رواه عبيد اللَّه ابن عمر، وأخوه عبد اللَّه، والضحّاك بن عثمان، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، وَوَهِمُوا فيه، والقول قول الليث.
أما مسلم فلم يُخرجه من هذا الوجه، بل أخرجه من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
وقد أشار البخاريّ إليها عقب طريق الليث. وما فرّ منه مسلم وقع في نظيره، فإن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وقد روى هذا الحديث عن ثابت، فأرسله، ورجّح الدارقطني رواية حماد انتهى ما قاله في "الفتح"
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ثم بين رواية عبيد اللَّه بن عمر بقوله:
2094 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَارَةَ، حَمْزَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَذْكُرُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، مَعَ أَصْحَابِهِ، جَاءَ رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، قَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالُوا: هَذَا الأَمْغَرُ، الْمُرْتَفِقُ- قَالَ حَمْزَةُ: الأَمْغَرُ: الأَبْيَضُ، مُشْرَبٌ حُمْرَةً، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ، فَمُشْتَدٌّ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ؟ "، قَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ، وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، وَرَبِّ مَنْ بَعْدَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ ، قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ ، قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِ أَغْنِيَائِنَا، فَتَرُدَّهُ عَلَى فُقَرَائِنَا؟ ، قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ، مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا؟ ، قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ يَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ، مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً؟ ، قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، قَالَ: فَإِنِّي آمَنْتُ، وَصَدَّقْتُ، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ).
(1)
- "فتح" ج 1 ص 203.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أبو بكر بن عليّ) هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم القرشيّ الأمويّ، المروزيّ قاضي دمشق، ثقة حافظ [12].
كان فاضلاً، له تصانيف، منها كتاب "العلم"، وكتاب "الجمعة"، و"مسند" أبي بكر، وعثمان، وعائشة، وغير ذلك، وكان مكثرًا شيوخًا، وحديثًا. وثقه النسائيّ، وقال في موضع آخر: لا بأس به. مات يوم الأربعاء، ودفن لخمس بقين من ذي الحجة، سنة 292، وقد بلغ عمره (90) سنة، أو دونها. انفرد به المصنّف، وله عنده ستة وعشرون حديثًا.
2 -
(إسحاق) بن أبي إسرائيل، واسمه إبراهيم بن كامَجْرا -بفتح الميم، وسكون الجيم- أبو يعقوب المروزيّ، نزيل بغداد، صدوق، تُكلِّم فيه لوقفه في القرآن، من كبار [10].
وثّقه ابن معين، وقال أيضًا: من ثقات المسلمين، ما كتب حديثًا قط عن أحد من الناس إلا ما خطّه هو في ألواحه أو كتابه. وقال أيضًا: ثقة مأمون، أثبت من القواريريّ، وأكيس، والقواريريّ صدوق، وليس هو مثل إسحاق. وقال أبو بكر المروزيّ: تركت حديث إسحاق بن أبي إسرائيل، فقال لي حُبيش بن مبشّر: لا تفعل، فإني رأيت مع يحيى بن معين جزءًا، فقلت له: يا أبا زكريا كتبت عن إسحاق؟ فقال: كتبت عنه سبعة وعشرين جزءا. وقال يعقوب بن شيبة: سُريج بن يونس شيخ صالح صدوق، وإسحاق بن أبي إسرائيل أثبت منه. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال البغويّ: كان ثقة مأمونّا إلا أنه كان قليل العقل. وقال صالح جَزَرة: صدوق في الحديث، إلا أنه يقول: القرآن كلام اللَّه ويقف. وقال الساجيّ: تركوه لموضع الوقف، وكان صدوقًا. وقال أحمد: إسحاق بن أبي إسرائيل واقفيّ مشؤوم، إلا أنه صاحب حديث كيّس. وقال السرّاج: سمعته يقول: هؤلاء الصبيان يقولون: كلام اللَّه غير مخلوق، ألا قالوا: كلام اللَّه وسكتوا. وقال عثمان سعيد الدارميّ: سألت يحيى بن معين عنه؟ فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه، ويوم كتبنا عنه كان مستورًا. وقال عبدوس النيسابوريّ: كان حافظا جدّا، ولم يكن مثله في الحفظ والورع، وكان لقي المشايخ، فقيل: كان يتّهم بالوقف؟ قال: نعم اتهم، ولم يكن بمتّهم. وقال مصعب الزبيريّ: ناظرته، فقال: لم أقل على الشكّ، ولكنّي أسكت كما سكت القوم قبلي.
مات سنة (245) وقيل: (46) في شعبان. وكان مولده سنة (151). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط.
3 -
(أبو عُمارة حمزة بن الحارث بن عمير) العدويّ مولاهم البصريّ نزيل مكة، ثقة [10].
قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يروي المقاطيع. روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وروى له ابن ماجه.
4 -
(أبوه) الحارث بن عُمير أبو عمير البصريّ نزيل مكّة، والد حمزة، وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير، ضعّفه بسببها الأزديّ، وابن حبّان، وغيرهما [8].
وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، والعجليّ، والدارقطني. وقال حماد بن زيد: - ونظر إليه -: هذا من ثقات أصحاب أيوب. وقال أبو زرعة: ثقة رجل صالح.
وقال الأزديّ: ضعيف منكر الحديث. وقال الحاكم: روى عن حميد الطويل، وجعفر ابن محمد أحاديث موضوعة. ونقل ابن الجوزيّ، عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عُمير كذّاب. وقال ابن حبّان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات.
علق عنه البخاريّ، وروى له الأربعة، له عند المصنف هذا الحديث فقط.
5 -
(عبيد اللَّه بن عمر) العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبتٌ [5] 15/ 15.
6 -
(سعيد بن أبي سعيد المقبري) تقدم قريبًا.
7 -
(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "المرتفق": أي المتّكىء على وسادة. وقوله: "قال حمزة: الأمغر الأبيض مشربٌ حمرة. الخ": هو حمزة بن الحارث بن عُمير. وقوله: "مشربٌ" خبر لمحذوف، أي هو مشرب. وقوله:"حمرة" مفعول ثان لـ "مشرب".
وقال ابن الأثير: الأمغر الأحمر، مأخوذ من المَغَرَة، وهو المَدَر الأحمر الذي تُصبغ به الثياب. وقيل: أراد بالأمغر الأبيض؛ لأنهم يسمّون الأبيض أحمر انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه مستوفى قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
(1)
- "النهاية" ج 4 ص 345.
2 - (بَابُ الْفَضْلِ وَالْجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ)
2095 -
(أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام، أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ، مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(سليمان بن داود) الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رِشدين بن سعد، ثقة [11] 63/ 79 من أفراد المصنف، وأبي داود.
2 -
(ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ الحافظ الثقة الفقيه [9] 9/ 9.
3 -
(يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [7] 9/ 9.
4 -
(ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثقة الثبت [4] 1/ 1.
5 -
(عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) المدني الفقيه الثقة الثبت [3] 45/ 56.
6 -
(عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن الثلاثة الأولين مصريون، والآخرون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة عبيد اللَّه. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين، وأحد العباددة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ بْن عُتْبَةَ) بن مسعود الهذليّ المذليّ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَاسِ) رضي الله عنهما (كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَجْوَدَ النَّاسِ) كلام إضافيّ منصوب لأنه خبر "كان"، وقدّم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها، وإن كانت لا تتعلّق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها. ومعنى "أجود الناس" أكثر الناس جُودًا، والجود الكرم، وهو من الصفات المحمودة. وقد
أخرج الترمذيّ، من حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه رفعه: "إن اللَّه جواد يحبّ الجود
…
" الحديث. وفي سنده ضعف. وله من حديث أنس رفعه: "أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي رجل علم علمًا، فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل اللَّه". وفي سنده مقال. وفي "صحيح البخاريّ، من حديث أنس رضي الله عنه: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، وأجود الناس
…
" الحديث.
(وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ) يجوز في "أجود" الرفع، والنصب، أما الرفع فهو أكثر الروايات، ووجهه أن يكون اسم "كان"، وخبرها محذوف وجوبًا؛ لسدّ الحال مسدّه، وهذا من المواضع التي يجب فيها حذف الخبر، وذلك فيما إذا كان المبتدأ مصدرًا، وبعده حال سدّت مسدّ الخبر، وهي لا تصلح أن تكون خبرًا، فيحذف الخبر وجوبًا لسد الحال مسدّه، نحو ضربي العبد مسيئًا، أي إذا كان مسيئا، ونحو:"أجود ما يكون في رمضان"، أي إذا كان في رمضان، ونحو قولك: أخطب ما يكون الأمير قائما، أي إذا كان قائمًا، وإلى ذلك أشار ابن مالك رحمه الله في "خلاصته" حيث قال:
وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُونُ خَبَرَا
…
عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا
كضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأَتّمُّ
…
تَبيِينَ الْحَقَّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ
فلفظة "ما" مصدرية، و"يكون" صلتها، أي أجود أكوان الرسول صلى الله عليه وسلم (فِي رَمَضَانَ) متعلق بحال محذوف واقع موقع الخبر الذي هو "حاصل"، أو "واقع"(حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) منصوب على الظرفية، متعلق بحال من الضمير في "حاصل" المقدّر، فهو حال من حال، ويسمى بالحالين المتداخلين، والتقدير: كان أجود أكوانه صلى الله عليه وسلم حاصلا إذا كان في رمضان، حال ملاقاة جبريل.
ويحتمل أن تكون "كان" شانيّة، فيها ضمير الشأن، و"أجود ما يكون" كلام إضافيّ مبتدأ، وخبره "في رمضان"، والتقدير: كان الشأن أجودُ أكوان الرسول صلى الله عليه وسلم حاصلٌ في رمضان حين الملاقاة.
ويحمتل أن يكون الوقت فيه مقدّرًا، كما في مَقْدَم الحاجّ، والتقدير: كان أجود أوقات كونه، وقتُ كونه في رمضان، وإسناد الجود إلى أوقاته صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة، كإسناد الصوم إلى النهار في نحو: نهارُهُ صائم.
وأما النصب فعلى أنه خبر "كان". وتُعُقّب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها. وأجيب بجعل اسم "كان" ضمير النبيّ صلى الله عليه وسلم، و"أجود" خبرها، والتقدير: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مدّة كونه في رمضان أجود منه في غيره.
قال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الرفع أشهر، والنصب جائز. وذكر أنه سأل ابن مالك
عنه؟ فخرّج الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين. وذكر ابن الحاجب في أماليه للرفع خمسة أوجه، توارد مع ابن مالك منها في وجهين، وزاد ثلاثة أوجه، ولم يُعرّج على النصب.
قال الحافظ: ويرجّح الرفع وروده بدون "كان" في رواية للبخاري في "كتاب الصوم" انتهى
(1)
.
(وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ) أي يلقى الرسول صلى الله عليه وسلم (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ) من المدارسة، وهي الْمُقَارأة والمذاكرة، أي يقارئه، ويذاكره القرآن؛ تذكيرًا له، وتثبيتًا لحفظه.
قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدّد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الْجُود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعمّ من الصدقة، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم اللَّه على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يؤثر متابعة سنّة اللَّه في عباده، فبمجموع ما ذُكر من الوقت، والمنزول به، والنازل، والمذاكرة حصل المزيد في الجود، والعلم عند اللَّه تعالى. قاله في "الفتح".
(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام، أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ) ولفظ البخاريّ: "فلرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أجود بالخير
…
والفاء سببية، واللام للابتداء، زيدت على المبتدإ تأكيدًا، أو هي جواب قسم مقدّر (مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) أي المطلقة، يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبّر بالمرسلة؛ إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعمّ الريح المرسلة جميع ما تَهُبّ عليه.
وقال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: وجه التشبيه بين أجوديته صلى الله عليه وسلم بالخير، وبين أجوديّة الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها اللَّه تعالى لإنزال الغيث العامّ الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة، وغير الميتة، أي فيعمّ خيره، وبرّه صلى الله عليه وسلم من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعمّ الغيث الناشئ عن الريح المرسلة انتهى
(2)
.
ووقع عند أحمد في آخر هذا الحديث: "لا يُسأل شيئا إلا أعطاه"، وثبتت هذه الزيادة في "الصحيح" من حديث جابر رضي الله عنه:"ما سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا، فقال: لا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
- "فتح" ج 1 ص 45.
(2)
- "فتح"ج 4 ص 610.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -2/ 2095 - وفي "الكبرى" 2/ 2405 - وأخرجه (خ) 5 و 1769 و 298 و 3290 و 4613 (م) 4268 (أحمد) 1938 و 24854 و 2844 و 3250. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب الفضل والجود في شهر رمضان؛ تأسيًا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (ومنها): الحث على الجود في كلّ وقت (ومنها): الزيادة من الخير عند الاجتماع باهل الصلاح (ومنها): زيارة الصلحاء، وأهل الخير، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكره ذلك (ومنها): الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل، أو مساويًا لفعلاه.
فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ. قلنا: الحفظ كان حاصلاً، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس (ومنها): جواز أن يقال: رمضان من غير إضافة إلى شهر، وسيأتي بباب خاصّ في -6/ 2109 و 2110 - إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان؛ لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في
رمضان؛ كما ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فكان جبريل يتعاهده في كلّ سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفّي فيه عارضه به مرتين؛ كما ثبت في "الصحيح، عن فاطمة رضي الله عنهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2096 -
(أَخْبَرَنَا
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مِنْ لَعْنَةٍ، تُذْكَرُ، وَكَانَ إِذَا كَانَ قَرِيبَ، عَهْدٍ بِجِبْرِيلَ عليه السلام يُدَارِسُهُ، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ، مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَأَدْخَلَ هَذَا حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ).
(1)
- وفي نسخة: "أخبرني".
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(محمد بن اسماعيل البخاريّ) هو الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَذْدِزْبَه، وقيل: بَرْدِزْبَهْ
(1)
وقيل: ابن الأحنف الجعفيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه البخاريّ، جبل الحفظ، وإمام الدنيا، الثقة الثبت الحجة [11].
روى عن عبيد اللَّه بن موسى، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ، وعفان بن مسلم، وأبي عاصم النبيل، ومكيّ بن إبراهيم، وأبي المغيرة، وأبي مسهر، وأحمد بن خالد الوهْبِيّ، وخلق كثير سواهم، ممن سمع من التابعين، فمن بعدهم، إلى أن كتب عن أقرانه، وعن تلامذته.
وروى عنه الترمذيّ في "الجامع" كثيرًا، ومسلم في غير "الجامع"، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربيّ، وابن أبي الدنيا، وصالح بن محمد الأسديّ، وأبو بشر الدُّولابي، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، والقاسم بن زكريّا، وابن أبي عاصم، وابن خزيمة، والحسين بن إسماعيل المحامليّ، وهو آخر من حدّث عنه ببغداد، ومحمد بن يوسف الفربريّ راوي "الصحيح" عنه، وخلق كثير سواهم. وآخر من حدث عنه بـ "الصحيح" أبو طلحة منصور بن محمد بن عليّ البزدويّ النسفيّ الذي مات سنة (329).
قال بكير بن نُمير: سمعت الحسن بن الحسين البزّاز ببخارى يقول: رأيت محمد بن إسماعيل شيخا نَحِيف الجسم، ليس بالطويل، ولا بالقصير، وُلد في شوّال سنة (194) وتوفي يوم السبت لغرّة شؤال سنة (256)، عاش (62) سنة، إلا ثلاثة عشر يومًا.
وقال أحمد بن سيّار المروزي: محمد بن إسماعيل طلب العلم، وجالس الناس، ورحل في الحديث، ومهر فيه، وأبصر، وكان حسن المعرفة، حسن الحفظ، وكان يتفقّه. وقال أبو العباس بن سعيد: لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب "تاريخ" محمد بن إسماعيل. وقال عامر بن المنتجع: سمعت أبا بكر المدينيّ قال: كتا يومًا بنيسابور عند إسحاق بن راهويه، ومحمدُ بن إسماعيل حاضر في المجلس، فمرّ إسحاق بحديث، وكان دون الصحابيّ عطاء الكَيْخَارانيّ، فقال إسحاق: يا أبا عبد اللَّه أيش كَيْخاران؟ قال: قرية باليمن، كان معاويةُ بعث هذا الرجل من الصحابة إلى اليمن، فسمع منه عطاء حديثين. فقال له إسحاق: يا أبا عبداللَّه كأنك قد
(1)
- معناه بالعربية: الزّرّاع. وبذْدِزْبَه كان مجوسيا، ومات عليها، والمغيرة ولده أسلم على يدي يمان الجعفيّ، والي بخارى، أبي جدّ عبد اللَّه بن محمد المسنديّ، شيخ البخاريّ، نسب إليه البخاريّ نسبة ولاء الإسلام، فقيل له: الجعفيّ
شهدت القوم. وقال إبراهيم بن معقل النسفيّ: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابا مختصرًا لسنن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب -يعني "الجامع" -. قال إبراهيم: وسمعته يقول: ما أدخلت في كتابي "الجامع" إلا ما صحّ، وتركت من الصحاح لحال الطول. وقال الكشميهني: سمعت الفربريّ يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعت في كتابي "الصحيح" حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصلّيت ركعتين. وقال جعفر بن الفضل بن خنزابة: سمعت محمد بن موسى المأمونيّ، قال: سئل أبو عبد الرحمن -يعني النسائيّ- عن العلاء، وسهيل، فقال: هما خير من فُليح، ومع هذا فما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل. وقال جعفر بن محمد القطّان إمام الجامع بكرمينية: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف شيخ وأكثر، ما عندي حديث إلا وأذكر إسناده. وقال بكر بن منير: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات يوم، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرّة، فلما قضى صلاته، قال: انظروا أيش هذا الذي آذاني في صلاتي، فنظروا، فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته. وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابيّ، وما في وجهه شعرة. وقال حاشد بن إسماعيل: كنت بالبصرة، فقدم محمد بن إسماعيل، فقال محمد بن بشار: دخل اليوم سيد الفقهاء. وقال أبو قريش محمد بن بن جمعة: سمعت بُندارًا محمد بن بشّار يقول: حفّاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالريّ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاريّ ببخارى. وقال البوشنجيّ: سمعت بُندارًا يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل. وقال يوسف بن ريحان: سمعت محمد ابن إسماعيل يقول: كان عليّ بن المدينيّ يسألني عن شيوخ خُراسان، إلى أن قال: كل من أثنيتَ عليه فهو عندنا الرضا. وقال الفربريّ: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند عليّ، وربما كنت أُغْرِب عليه. وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: حدثني حامد بن أحمد قال: ذُكر لعليّ بن المدينيّ قول محمد بن إسماعيل: ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند عليّ بن المدينيّ، فقال: ذَرُوا قوله، ما رأى مثلَ نفسه. وقال الفربريّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق محمد بن إسماعيل البخاريّ: قال: سمعته يقول: ذاكرني أصحاب عمرو بن عليّ بحديث، فقلت: لا أعرفه، فسُرّوا بذلك، وصاروا إلى عمرو بن عليّ، فقالوا له: ذاكرنا محمد بن إسماعيل بحديث، فلم يعرفه، فقال عمرو بن عليّ: حديث لا يعرفه محمد بن
إسماعيل ليس بحديث. وقال محمد بن أبي حاتم: وسمعته يقول: كان إسماعيل بن أبي أويس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه، وقال: هذه أحاديث انتخبها محمد بن إسماعيل من حديثي. وقال أبو مصعب: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا، وأبصر من ابن حنبل، فقال له رجل، من جلسائه: جاوزت الحدّ، فقال أبو مصعب: لو أدركتَ مالكًا، ونظرت إلى وجهه، ووجه محمد بن إسماعيل لقلتَ كلاهما واحد في الفقه والحديث. وقال عامر بن المنتجع، عن أحمد بن الضوء: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمير يقولان: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل. وقال محمود بن النضر الشافعيّ: دخلت البصرة، والشام، والحجاز، والكوفة، ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضّلوه على أنفسهم. وقال ابن عديّ: كان ابن صاعد إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النّطّاح. وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان، فذكره فيهم. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال صالح بن محمد الأسديّ: محمد بن إسماعيل أعلمهم بالحديث. وقال يعقوب ابن إبراهيم الدورقيّ: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمّة. وقال أبو العبّاس الدغوليّ: كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل:
المُسْلِمُونَ بِخَيْبرٍ مَا بَقِيتَ لَهُمْ
…
وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ
وقال أبو بكر بن محمد بن حرب: سألت أبا زرعة عن محمد بن حُميد؟ فقال: تركه أبو عبد اللَّه -يعني البخاريّ - قال: فذكرت ذلك للبخاريّ، فقال: بِرّه لنا قديم. وقال الفضل بن العبّاس الرازيّ: رجعت مع محمد بن إسماعيل مرحلة، وجهدت الجهد على أن أجيء بحديث لا يعرفه، فما أمكنني، وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعر رأسه.
وقال إسحاق بن أحمد بن زَيْرَك: سمعت محمد بن إدريس الرازيّ أبا حاتم يقول: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، قال: وسمعته في سنة سبع وأربعين يقول: يقدَم عليكم رجل من خراسان لم يخرج منها أحفظ منه، فقدم محمد بن إسماعيل بعد أشهر. وقال صالح بن سيّار: سمعت نعيم بن حماد يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وقال عبدان بن عثمان: ما رأيت بعيني شابا أبصر منه. وقال محمد بن سلام: هو الذي ليس مثله. وقال يحيى بن جعفر: لو قدرت أن أزيد في عمره لفعلتُ، فإن موتي موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل ذهاب العلم.
وقال الحاكم: سمعت أبا الطيّب يقول: سمعت ابن خزيمة يقول: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا أحفظ له من البخاريّ. قال الحاكم:
وسمعت أبا عبد اللَّه الحافظ -يعني ابن الأخرم- يقول: سمعت أبي يقول: رأيت مسلم ابن الحجاج بين يدي البخاريّ، وهو يسأله سؤال الصبيّ المتعلّم. قال الحاكم: وسئل أبو عبد اللَّه -يعني ابن الأخرم- عن حديث؟ فقال: إن البخاريّ لم يُخرجه، فقال له السائل: قد أخرجه مسلم، فقال أبو عبد اللَّه: إن البخاريّ كان أعلم من مسلم، ومنك، ومني. وقال: ولما ورد البخاريّ نيسابور قال محمد بن يحيى الذهليّ: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح، فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه، حتى ظهر الخلل في مجلس محمد ابن يحيى، فتكلّم فيه بعد ذلك. قال الحاكم: وسمعت أبا الوليد حسّان بن محمد الفقيه يقول: سمعت محمد بن نعيم يقول: سألت محمد بن إسماعيل لمّا وقع ما وقع من شأنه عن الإيمان؟ فقال: قول، وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، وأفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، على هذا حييتُ، وعليه أموت وأبعث، إن شاء اللَّه تعالى. وقال غُنْجَار في "تاريخ بُخارى": قال له أبو عيسى الترمذيّ: قد جعلك اللَّه زَينَ هذه الأمة يا أبا عبد اللَّه. وقال في "الجامع": لم أر في معنى العلل، والرجال أعلم من محمد بن إسماعيل. وقال إسحاق بن راهويه: يا معشر أصحاب الحديث اكتبوا عن هذا الشابّ، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج الناس إليه؛ لمعرفته بالحديث وفقهه. وقال حاشد بن عبد اللَّه: سمعت المسنَديّ يقول: محمد بن إسماعيل إمام، فمن لم يجعله إمامًا فاتهمه. وقال أيضًا: رأيت محمد بن رافع، وعمرو بن زُرارة عند محمد بن إسماعيل يسألانه عن علل الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر: لا تُخدَعوا عن أبي عبد اللَّه، فإنه أفقه منّا، وأعلم، وأبصر. وقال الحسين بن محمد بن حاتم المعروف بعُبيد العجل. ما رأيت مثل محمد ابن إسماعيل، ومسلم لم يكن يبلغه، ورأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يستمعان قوله. وذكر له قصّة محمد بن يحيى معه، فقال: ما لمحمد بن يحيى، ولمحمد بن إسماعيل، كان محمد أمّة من الأمم، وأعلم من محمد بن يحيى بكذا وكذا، كان ديّنا فاضلاً، يُحسن كلّ شيء. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وأبو زرعة، ثم تركا حديثه عند ما كَتَب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق. وقال محمد بن نصر المروزيّ: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: من قال عني: إني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق، فقد كذب، وإنما قلت: أفعال العباد مخلوقة. وقال أبو عمرو الخفّاف: حدثنا التقيّ النقيّ العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل، وهو أعلم بالحديث من إسحاق، وأحمد، وغيرهما بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئًا، فعليه مني ألف لعنة.
وقال محمد بن العباس الضبيّ: سمعت أبا بكر بن أبي عمرو الحافظ يقول: كان
سبب مفارقة أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البلد -يعني بُخارى- أن خالد بن أحمد الأمير سأله أن يحضر منزله، فيقرأ "الجامع"، و"التاريخ" على أولاده، فامتنع، فراسله أن يعقد لأولاده مجلسًا لا يحضره غيرهم، فامتنع أيضًا، فاستعان عليه بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلّموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم، فاستجيب له.
وقال ابن عديّ: سمعت عبد القدّوس بن عبد الجبّار السمرقنديّ يقول: جاء محمد بن إسماعيل إلى خَرْتَنْكَ، قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها، وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي يدعو، اللَّهمّ إنه قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك، فما تمّ له الشهر حتى قبضه اللَّه في سنة (256) في شوّال.
ومناقب هذا الإمام كثيرة جدا، قال الحافظ: قد جمعتها في كتاب مفرد. روى عنه الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "البخاريّ" هكذا وقع في "المجتبى" بزيادة لفظة "البخاريّ"، والذي في "الكبرى":"محمد بن إسماعيل"، فقط، وليس فيه ذكر "البخاريّ".
قال الحافظ السخاويّ -رحمه اللَّه تعالى- في رسالته "بُغية الراغب المتمنّي": ما نصّه: هكذا وقع منسوبًا عند ابن السنّي، دون حمزة الكناني، وأبي عليّ الأسيوطيّ، وابن حيّويه، فدم يُزَد فيها على "محمد بن إسماعيل". نعم هو في أصل الحافظ أبي عبد اللَّه الصّوريّ الذي كتبه بخطه، عن أبي محمد بن النّحّاس، عن حمزة، منسوب
(1)
. قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ: ولم نجد للنسائيّ عن البخاريّ رواية سواه، إن كان ابن السّنّيّ حفظه عن النسائيّ، ولم تكن نسبته له من تلقاء نفسه، معتقدًا أنه البخاريّ، وإلا فقد روى النسائيّ الكثير عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن عليّة- وهو مشارك للبخاريّ في بعض شيوخه، بل روى في كتاب الكنى عن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد السلام الخفّاف، عن البخاريّ عدّة أحاديث، وهي قرينة ظاهرة في أنه لم يلق البخاريّ، ولم يسمع منه انتهى.
قال السخاويّ: وكأنه -مع أنه لم يجزم- سلفُ الحافظ أبي عبد اللَّه الذهبيّ في قوله في ترجمة البخاريّ من "الكاشف" له: والصحيح أنه ما سمع منه. وقال في "تاريخه": إنه روى عنه، على نزاع فيه، والأصحّ لم يرو عنه شيئًا.
ونحوه قول شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر-: أنكر المزيّ أن يكون النسائيّ روى عن البخاريّ، ثم قال:
(1)
- وعبارة المزي في "تهذيب الكمال":
…
بخطه عن أبي محمد ابن النحاس، عن حمزة، عن النسائيّ: حدثنا محمد بن إسماعيل، وهو أبو بكر الطبرانيّ.
وقد وقع لي خبر صرّح فيه النسائي بالرواية عن البخاريّ، فقال أبو عبد اللَّه محمد بن إسحاق ابن منده في كتاب "الإيمان" له: حدثنا حمزة بن محمد الكنانيّ، ومحمد بن سعد الباروديّ، قالا: أخبرنا أحمد بن شعيب، أبو عبد الرحمن النسائيّ، حدثنا محمد ابن إسماعيل البخاريّ، فذكر خبرًا، فهذا يدلّ على أن ابن السنّيّ قد حفظ نسب محمد ابن إسماعيل في الحديث الذي تقدّم، وأنه لم ينسبه من عند نفسه.
قال: ثم وجدت في رواية ابن الأحمر في "السنن الكبرى" عن النسائيّ، عن البخاريّ عدّة أحاديث، واللَّه أعلم.
قال السخاوي: واستظهار المزّيّ بروايته له بواسطة بينهما لا ينهض، فكم من حديث رواه هو، وكذا غيره من الأئمة عن بعض شيوخهم بالواسطة، وطالما ينبّه المزّيّ نفسه في تراجم تهذيبه على ذلك، ومنه:
رواية النسائيّ عن إسماعيل بن عُبيد بن أبي كريمة في "اليوم والليلة"، وعن زكريا السِّجْزيّ، عنه في "السنن". وكذا روايته في غير "سننه"، عن سعيد بن ذؤيب أبي الحسن المروزيّ النسائيّ الأصل، وفي "السنن" عن رجل عنه. وروى أيضًا عن الحافظ أبي جعفر محمد بن عبد اللَّه بن المبارك، قاضي حُلْوان، وعن أحمد بن عليّ المروزيّ، عنه. وروى عن الحافظ أبي موسى محمد بن المثنّى الزّمِنِ، وعن رجل، عنه، في أمثلة كثيرة.
ثم إنه ممن يُسمّى من شيوخ النسائيّ محمد بن إسماعيل: الأحمسيّ، لكن اسم جدّه سَمُرة، والترمذيّ الحافظ، واسم جدّه يوسف، والطبرانيّ، ويكنى أبا بكر انتهى كلام الحافظ السخاويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بتصرّف يسير
(1)
.
وعبارة الحافظ في "تهذيب التهذيب": وأما ما رجّحه المصنّف -يعني الحافظ المزيّ صاحب "تهذيب الكمال" من أن النسائيّ لم يلق البخاريّ، فهو مردود، فقد ذكره في أسماء شيوخه الذين لقيهم، وقال فيه: ثقة مأمون، صاحب حديث كيّسٌ. وروينا في كتاب "الإيمان" لأبي عبد اللَّه ابن منده حديثًا، رواه عن حمزة، عن النسائيّ، حدثني محمد بن إسماعيل البخاريّ، وكونه روى عن الخفّاف عنه، لا يمنع أن يكون لقيه، بل الظاهر أنه لم يُكثر عنه، فاحتاج أن ياخذ عن بعض أصحابه. واللَّه أعلم انتهت عبارة الحافظ
(2)
.
(1)
- بغية الراغب المتمتي ص 102 - 105. بتحقيق الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم العبد اللطيف، وقد تقدّم ذكر الرسالة بنصّها في مقدمة هذا الشرح في "المسألة الخامسة عشرة".
(2)
- "تهذيب التهذيب" ج 3 ص 511 طبعة مؤسسة الرسالة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ترجّح بما ذكره الحافظان: ابن حجر والسخاويّ أن الصواب أن محمد بن إسماعيل شيخ المصنّف في هذا الحديث هو البخاريّ، كما هو المنصوص عليه في "نسخ المجتبى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2 -
(حفص بن عمر بن الحارث) بن سَخبرة -بفتح المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحّدة- النّمَريّ -بفتح النون، والميم- أبو عُمَر الحوضيّ البصريّ، ثقة ثبت، عِيب بأخذ الأجرة على الحديث، من كبار [10].
قال أبو طالب، عن أحمد: ثبت متقن، لا يؤخذ عليه حرف واحد. وقال ابن معين: أبو عمر الحوضيّ ثقة. وقال ابن المدينيّ: اجتمع أهل البصرة على عدالة أبي عمر الحوضيّ، وعبد اللَّه بن رجاء. وقال صاعقة: هذا أثبت من ابن رجاء. وقال عبيد اللَّه بن جرير بن جَبَلَة: أبو عمر صاحب كتاب متقن. وقال يعقوب بن شيبة: كان من المتثبتين. وقال أبو حاتم: صدوق متقن، أعرابيّ فصيح، وقيل له: الحوضيّ أحبّ إليك، أو عليّ بن الجعد، أو عمرو بن مرزوق؟ قال: الحوضيّ، وكان يأخذ الدراهم.
وسئل أبو العباس الدُّوريّ عن أبي حُذيفة، والحوضيّ؟ فقال: الحوضيّ أوثق، وأحسن حديثًا وأشهر، والحوضيّ كان يُعدّ مع وهب بن جرير، وعبد الصمد، حدث عن شعبة أحاديث صحاحًا. ووثقه ابن قانع، وابن وضّاح، ومَسلَمَة، والدارقطنيّ. وقال السمعانيّ: منسوب إلى الحوض، وكان صدوقا ثبتا. قال البخاريّ وغيره: مات سنة (225).
روى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى له المصنف بواسطة حديثين فقط، هذا 2096 وفي "كتاب القسامة"- 4728 حديث وائل بن حجر رضي الله عنه في قصة الذي ضرب رأس صاحبه بالمنقار فقتل.
3 -
(حماد) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [8] 3/ 3.
4 -
(معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت، من كبار [7] 10/ 10.
5 -
(النعمان بن راشد) الجزريّ، أبو إسحاق الرّقّيّ، صدوق سيء الحفظ [6] 171/ 1140.
[تنبيه]: قوله (حدثنا معمر والنعمان الخ) وفي رواية أحمد في "مسنده": "حدثنا معمر، ونعمان، أو أحدهما الخ" بالشك. انتهى.
6 -
(الزهريّ) الإمام المشهور المذكور في السند الماضي.
7 -
(عروة) بن الزبير، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [3] 40/ 44.
8 -
(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. وفيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة. وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) ولفظ أحمد: "ما لعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مسلما
…
" (مِنْ لَعْنَةٍ) "من" زائدة، و"لعنة" مفعول مطلق لـ "لعن" (تُذْكَرُ) بالبناء للمفعول، والجملة صفة "لعنة". قال السنديّ رحمه الله تعالى: وكأن المراد أنه ما كان يلعن على كثرة؛ لأن من يُكثر اللعنة، تُذكر لعنته، ومن يُقل لعنته تُنسى لعنته، إن حصل منه مرّة اتفاقا. واللَّه تعالى أعلم انتهى.
زاد في رواية أحمد: "ولا انتقم لنفسه شيئا، يُؤتى إليه، إلا أن تُنتهك حرمات اللَّه عز وجل، ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يضرب بها في سبيل اللَّه، ولا سُئل شيئا قط، فمنعه إلا أن يسأل مأثما، فإنه كان أبعد الناس منه، ولا خُيّر بين أمرين قط، إلا اختار أيسرهما".
(كَانَ إِذَا كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ، بجبْرِيلَ عليه السلام) أي قريب وقت بزيارة جبريل عليه السلام له (يُدَارِسُهُ)، أي القرآن. والجَمَلة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه مدارسًا له القرآن (كَانَ أَجْوَدَ بالْخَيْرِ، مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) أي المطلقة، وتقدم الكلام على وجه التشبيه بها في الحدَيث الماضي. وباللَّه تعالى التوفيق.
(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (هَذَا خَطَأٌ) أي هذا الحديث بزيادة قصّة كونه صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة، عند ملاقاة جبريل عليه السلام خطأ (وَالصَّوَابُ حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الذي تقدّم قبل هذا، وهو أنه من رواية الزهريّ، عن عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عتبة، عن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما، بذكر قصّة جوده صلى الله عليه وسلم فقط (وَأَدْخَلَ هَذَا) أي الراوي الذي رواه هكذا (حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ) يعني أنه أدخل حديث الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس في حديثه عن عروة، عن عائشة، فساقهما مساقا واحدًا بالسند الثاني، مع أن الصواب أنهما حديثان بالإسنادين المذكورين. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف، وقد بين المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وجه ضعفه، حيث قال: إنه خطأ، وأن الصواب ما تقدّم من رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ.
[فإن قيل]: كيف رجّح المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية يونس مع تفرّده على رواية معمر، والنعمان بن راشد؟.
[أجيب]: بأن حمادًا شك في شيخه، فقال: حدثنا معمر، ونعمان، أو أحدهما، فقد روى الحديث أحمد في "مسنده"، فقال:
23837 -
حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا معمر ونعمان، أو أحدهما، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت:"ما لعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مسلما، من لعنة تُذكر، ولا انتقم لنفسه شيئا، يُؤتَى إليه، إلا أن تنتهك حرمات اللَّه عز وجل، ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يَضرِب بها في سبيل اللَّه، ولا سُئل شيئا قط، فمنعه، إلا أن يُسأل مأثما، فإنه كان أبعد الناس منه، ولا خُيِّر بين أمرين قط، إلا اختار أيسرهما، وكان إذا كان حديث عهد بجبريل، عليه السلام، يدارسه، كان أجود بالخير، من الريح المرسلة". انتهى.
و"النعمان بن راشد" سيء الحفظ، فلعل حمادًا رواه عنه، فكان هذا الخطأ منه، فتكون رواية يونس التي لا شكّ فيها أرجح. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -2/ 2096 - وفي "الكبرى" 2/ 2406 - . وأخرجه أحمد 23837. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
3 - (بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَان)
2097 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عليّ بن حُجر) السَّعْديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [9] 13/ 13.
2 -
(إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقي المدنيّ القارىء، ثقة ثبت [8] 16/ 17.
3 -
(أبو سهيل) نافع بن مالك أبي عامر الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، ثقة [4] 4/ 458.
4 -
(مالك بن أبي عامر) بن عمرو بن الحارث بن أبي غَيمان -بالغين المعجمة المعجمة، والتحتانيّة- الأصبحيّ، جدّ مالك بن أنس إمام دار الهجرة، تابعي كبير، ثقة [2] 4/ 458.
5 -
(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين من الأحاديث، روى (5374) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ) مأخوذ من الرمضاء، يقال: رَمِضَ النهارُ، كفرح: اشتدّ حره، وقدمه احترقت من الرمضاء، أي الأرض الشديدة الحرارة، وسمي شهر رمضان به؛ إما لارتماض الصائمين فيه من حرّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لرمض الحرّ وشدّة وقوعه فيه حال التسمية؛ لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمَض الحرّ، أي شدّته.
وقال الفيّوميّ: الرمضاء: الحجارة الحامية من حر الشمس، ورَمِضَ يومنا رَمَضًا، من باب تَعِب: اشتدّ حرّه، ورَمِضت قَدَمُهُ: احترقت من الرمضاء، ورمِضت الفِصَال: إذا وجدت حرّ الرمضاء، فاحترقت أخفافها، ورمضان اسم للشهر، قيل: سمّي بذلك لأن وضعه وافق الرمَضَ، وهو شدّة الحرّ، وجمعه رمضانات، وأرمضاء، وعن يونس أنه سمع رَمَاضِين، مثلُ شَعَابين انتهى
(1)
.
(فُتِّحَتْ) بالبناء للمجهول، وبتخفيف التاء، وروي بتشديدها. وقال الزرقانيّ: بتشديد الفوقية، ويجوز تخفيفها. وقال القاري: بالتخفيف، وهو أكثر كما في التنزيل، وبالتشديد لتكثير المفعول انتهى (أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) أي تقريبًا للرحمة للعباد، ولهذا جاء في
(1)
- "المصباح" في مادة رمض.
رواية أخرى: "أبواب الرحمة"، وفي أخرى:"أبواب السماء". وهذا يدلّ على أن أبواب الجنة كانت مغلقة، ولا ينافيه قوله تعالى:{جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} الآية [ص: 50]؛ لأن ذلك لا يقتضي دوام كونها مفتّحة (وَغُلِّقَتْ) بالبناء للمجهول، وبتشديد اللام (أَبْوَابُ النَّارِ) أي تبعيدًا للعقاب عن العباد، وهذا يقتضي أيضا أن أبواب النار كانت مفتوحة، ولا ينافيه قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} الآية [الزمر: 71]؛ لجواز أن يكون هناك غلق قبيل ذلك. وغلق أبواب النار لا ينافي موت الكفرة في رمضان، وتعذيبهم بالنار فيه، إذ يكفي في تعذيبهم فتح باب صغير من القبر إلى النار غير الأبواب المعهودة الكبار. أفاده السنديّ (وَصُفِّدَتِ الشِّيَاطِينُ") بالبناء للمفعول أيضًا، وبتشديد الفاء: أي شددت، وأوثقت بالأغلال. وفي الرواية الآتية:"وسُلسلت"، وهو بمعناه، ولا ينافيه وقوع المعاصي؛ إذ يكفي في وجود المعاصي شرارة النفس، وخباثتها، ولا يلزم أن تكون كل معصية بواسطة شيطان، وإلا لكان لكلّ شيطان شيطان، ويتسلسل، وأيضًا معلوم أنه ما سبق إبليس شيطان آخر، فمعصيته ما كانت إلا من قبل نفسه. واللَّه تعالى أعلم
(1)
.
وقال في "الفتح": قال الحليميّ: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ. ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر. وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في "صحيحه"، وأورد ما أخرجه هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفّدت الشياطين، ومردة الجنّ". وأخرجه النسائيّ من طريق أبي قلابة، عن أبي هريرة، بلفظ:"وتُغلّ فيه مردة الشياطين"، زاد أبو صالح في روايته:"وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنّة، فلم يُغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كلّ ليلة"، لفظ ابن خُزيمة، وقوله:"صُفّدت" بالمهملة المضمومة، بعدها فاء ثقيلة مكسورة: أي شدّت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهي بمعنى "سُلسلت"، ونحوه للبيهقيّ من حديث ابن مسعود، وقال فيه:"فتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها بابٌ الشهرَ كلّه".
(1)
- انظر "شرح السنديّ" ج 4 ص 126 - 127.
قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره، وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين. ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقلّ إغواؤهم، فيصيرون كالمصفّدين.
قال: ويؤيّد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم:"فتحت أبواب الرحمة"، قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الرحمة عبارة عما يفتحه اللَّه لعباده من الطاعات، وذلك أسباب لدخول الجنّة، وغلقُ أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآئلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء، وتزيين الشهوات.
قال الزين ابن المنيّر: والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وأما الرواية التي فيها "أبواب الرحمة"، و"أبواب السماء" فمن تصرف الرواة، والأصل أبواب الجنّة بدليل ما يقابله، وهو غلق أبواب النار. واستدلّ به على أن الجنّة في السماء؛ لإقامة هذا مقام هذه الرواية، وفيه نظر.
وجزم التوربشتيّ شارح "المصابيح" بالاحتمال الأخير، وعبارته: فتح أبواب السماء كناية عن تنزّل الرحمة، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزّه أنفس الصوّام عن رجس الفواحش، والتخلّص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات.
وقال الطيبيّ: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من اللَّه بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلّف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه، ويتلقّاه بأريحيّة.
وقال القرطبيّ بعد أن رجّح حمله على ظاهره:
[فإن قيل]: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صُفّدت الشياطين لم يقع ذلك.
[فالجواب]: أنها إنما تقلّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفّد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلّهم، كما تقدّم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقلّ من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شرّ، ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسيّة.
وقال غيره: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلّف، كأنه يقال له: قد كفّت الشياطين عنك، فلا تعتلّ بهم في ترك الطاعة، ولا فعل المعصية انتهى ما
في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الحديث على ظاهره من أن فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار على حقيقتهما لا على المجاز هو الحقُّ كما رجحه ابن المنيّر، والقرطبي، -رحمهما اللَّه تعالى-، فتنبّه واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 3/ 2097 و 2098 و 4/ 2099 و 2100 و 2101 و 2102 و 5/ 2104 و 2105 و 2106 - وفي "الكبرى" 3/ 2407 و 2408 و 4/ 2409 و 2410 و 2411 و 2413 و 5/ 2414 و 2415 و 2416.
وأخرجه (خ) 1765 و 1766 و 3035 (م) 1793 (ت) 618 (ق) 1632 (أحمد) 6851 و 7450 و 7576 و 8330 و 8559 و 8631 و 8837 و 9133 (الموطأ)604. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف، وهو بيان فضل شهر رمضان (ومنها): إثبات الجنة، والنار، وأنهما الآن موجودتان، وأن لهما أبوابًا تفتح، وتغلق (ومنها): إثبات وجود الشياطين، وأنهم أجسام يمكن شدّها بالأغلال، وأن منهم مردة يُغَلُّون بالأغلال في شهر رمضان؛ لئلا يبطلوا أعمال الصائمين (ومنها): بيان عظمة لطف اللَّه تعالى، وكثرة كرمه وإحسانه على عباده، حيث يحفظ لهم صيامهم، ويدفع عنهم أذى المردة من الشياطين؛ لئلا يفسدوا عليهم عبادتهم في هذا الشهر المبارك الذي تضاعف فيه الحسنات، وتقال فيه العثرات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2098 -
(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»).
(1)
- "فتح" ج 4 ص 607 - 608. "كتاب الصوم".
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(إبراهيم بن يعقوب الجُوزجانيّ) الحافظ الثبت [11] 122/ 174.
2 -
(ابن أبي مريم) سعيد بن محمد بن الحكم بن سالم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [10] 27/ 549.
3 -
(نافع بن يزيد) الْكَلَاعيّ -بفتح الكاف واللام الخفيفة- أبو يزيد المصريّ، يقال: إنه مولى شُرَحْبِيل بن حَسَنَة، ثقة عابد [7].
قال أحمد بن صالح المصريّ: كان من ثقات الناس. وقال أبو حاتم: لا بأس به.
وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال العجليّ: مصريّ ثقة. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن يونس: كان ثبتًا في الحديث، لا يُختلف فيه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الصغانيّ: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، وكان من خيار أمة محمد رضي الله عنه. وقال ابن يونس، وابن حبّان: توفي سنة (168).
علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم 2098 و 2178 و 4136 و 4979 و 5174.
4 -
(عُقيل) بن خالد الأيليّ، نزيل مصر، ثقة ثبت [6] 125/ 187.
والباقون تقدّموا قريبًا، فابو سهيل، وأبوه في السند السابق، وابن شهاب فى الباب الماضي، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: هذا الإسناد أنزل من الإسناد الماضي، حيث إنه كان في الماضي بين المصنّف وبين أبي سهيل واسطتان، وفي هذا خمس وسائط. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: أبو سهيل من صغار شيوخ الزهريّ بحيث أدركه تلامذة الزهريّ، ومن هو أصغر منهم، كإسماعيل بن جعفر، وهذا الإسناد يُعدّ من رواية الأقران، وقد تأخر أبو سهيل في الوفاة عن الزهريّ، فإن الزهريّ مات سنة (125) على الصحيح، ومات أبو سُهيل بَعْدُ سنة (140)
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
(1)
- انظر"فتح" ج 4 ص 607.
4 - (بَابُ ذِكْرِ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيّ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على الزهري -رحمه اللَّه تعالى-، أن عُقيل بن خالد، وصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد كلهم رووه عن الزهريّ، عن أبي سهيل، وهو نافع بن أبي أنس، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد اختلفت ألفاظهم، فلفظ الأول عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سُهيل"، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولفظ الثاني عن ابن شهاب، قال: أخبرني نافع بن أبي أنس"، ولفظ الثالث عن الزهري، قال: حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين، أن أباه حدّثه"، ولفظ الرابع عن ابن شهاب، عن ابن أبي أنس، أن أباه سمع أبا هريرة".
وليس اختلاف هؤلاء اختلافا حقيقيّا، فإنهم اختلفوا في رجل واحد، وهو نافع بن مالك بن أبي عامر، فنافع اسمه، وأبو سهيل، كنيته، وكذا ابن أبي أنس، وهو يروي عن أبيه: مالك بن أبي عامر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد وافقهم ابن إسحاق في إحدى روايتيه، كما سيأتي، وهذا هو المحفوظ في هذا الحديث.
وخالفهم ابن إسحاق، فرواه عن محمد بن مسلم الزهريّ، عن أُويس بن أبي أُويس عديد بني تيم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهذا غير محفوظ، كما سيشير إليه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2099 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو صحيح كما سبق بيانه، وسنده كالسند الذي قبله ثُمَانيّ:
1 -
(إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والد يعقوب، الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [8] 196/ 314.
2 -
(صالح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [4] 196/ 314.
والباقون تقدّموا قريبًا، فعبيد اللَّه بن سعد، وعمه يعقوب بن إبراهيم، تقدما قبل
بابين. و"نافع بن أبي أنس": هو أبو سهيل نافع بن مالك. و"أبوه": هو مالك بن أبي عامر، جد مالك بن أنس إمام دار الهجرة، و"ابن شهاب" الزهريّ، و"أبو هريرة" رضي الله عنه تقدّموا في الباب الماضى.
[تنبيه]: وقع في نسخ " المجتبى" المطبوعة "عبد اللَّه بن سعد" مكبّرًا، وهو تصحيف، والصواب "عبيد اللَّه بن سعد" مصغّرًا، كما في النسخة "الهندية"، و"الكبرى". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "سُلسلت" بالبناء للمفعول، أي شُدّت بالسلاسل، وهو بمعنى "صُفّدت" المتقدم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2100 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنِ الزُّهْرِيِّ،، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ، مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَاءَ
(1)
رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق رابع لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو صحيح أيضًا، و"محمد بن خالد" ابن خَلِيّ -بوزن عليّ- أبو الحسين الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق [11] من أفراد المصنّف 7/ 1466.
و"بشر بن شُعيب" بن أبي حمزة، أبو القاسم الحمصيّ، ثقة، من كبار [10] 7/ 1466.
و"أبوه": شعيب بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبت عابد [7] 69/ 85. والباقون تقدّموا.
وقوله: "مولى التيميين" يعني أن نافع بن أبي أنس مولى بني تيم، والمراد منهم آلُ طلحة بن عُبيد اللَّه أحد العشرة، وكان أبو عامر والد مالك قد قَدِم مكة، فقطنها، وحالف عثمان بن عبيد اللَّه أخا طلحة، فنسب إليه، وكان مالك الفقيه يقول: لسنا موالي
آل تيم، إنما نحن عرب، من أصبح، ولكن جدّي حالفهم. قاله في "الفتح"
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2101 -
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ
(1)
- وفي نسخة: "دخل".
(2)
-: "فتح" ج 4 ص 607 "كتاب الصوم".
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» . رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ،،).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق خامس لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، من رواية يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهري، قال فيه:"عن ابن أبي أنس"، كرواية شعيب السابقة، وهو صحيح أيضًا. والسند تقدّم قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: رواه ابن إسحاق، عن الزهري. يعني أن هذا الحديث رواه محمد بن إسحاق بن يسار المطلبيّ، صاحب المغازي المشهور، عن الزهريّ أيضًا، وقد بيّن روايته بقوله:
2102 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،، عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: هَذَا -يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ - خَطَأٌ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق سادس لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، من رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ أيضًا، وقال فيه:"عن ابن أبي أنس". والسند تقدّم أول الباب.
[تنبيه]: قول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: هذا خطأ الخ، الظاهر أن هذا الكلام ليس موضعه هنا، بل هو تابع للحديث التالي، كما في "الكبرى"، فالخطأ هناك، وأما هنا فليس فيه خطأ، وإنما فيه مخافة التدليس فقط، فإن ابن إسحاق مدلّس، وقد عنعنه، لكن يتقوّى بالروايات الصحيحة التي قبله، فيصحّ بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2103 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أُوَيْسِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَدِيدِ بَنِي تَيْمٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«هَذَا رَمَضَانُ، قَدْ جَاءَكُمْ، تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُسَلْسَلُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ» .
قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير:
1 -
(أُويس بن أبي أويس) قال في "ت": أويس -بالتصغير- ابن أبي أويس، عن
أنس، لعله ابن عمّ مالك ابن أنس، وثّقه ابن حبان، من [3].
وقال في "تهذيب التهذيب": أويس بن أبي أويس عديد بني تيم، عن أنس بحديثِ:"هذا رمضان قد جاءكم، تفتح فيه أبواب الجنّة"، وعنه الزهريّ، روى له النسائيّ هذا الحديث، وقال: هذا حديث منكر
(1)
خطأ، ولعلّ ابن إسحاق سمعه من إنسان ضعيف، فقال فيه:"وذَكَرَ الزهريّ".
قال المزّيّ: المحفوظ في هذا حديث الزهريّ، عن ابن أبي أنس، وهو أبو سُهيل، نافع بن مالك، عمّ مالك بن أنس، عن أبيه، عن أبي هريرة
(2)
.
قال الحافظ: وذكر ابن حبّان في الطبقة الثالثة من "الثقات": أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، حليف بني تيم، روى عن أبيه، وهو عمّ مالك بن أنس، روى عنه مصعب بن محمد بن شُرَحْبِيلَ، ثم ذكر أنس بن أبي أنس، والد مالك بن أنس، فقال: روى عن أبيه، روى عنه ابنه مالك، وهو الذي روى الزهريّ عنه، فقال: حدثنا أنس بن أبي أنس، عن أبيه، عن أبي هريرة، في فضل رمضان. كذا قال. انتهى ما "تهذيب التهذيب"
(3)
.
وقوله: "عديد بني تيم": بفتح العين، وكسر الدال المهملتين: أي المعدود فيهم.
قال المجد في "القاموس": و"العَدِيد" من القوم: من يُعدّ فيهم انتهى. والمراد به هنا أنه يُعدّ في بني تيم، حيث كان حليفًا لهم، فهو بمعنى قوله في رواية شعيب بن أبي حمزة:"مولى التيميين". واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "هذا الحديث خطأ". وجه كونه خطأ هنا أن ابن إسحاق رواه عن محمد بن مسلم الزهريّ، وقال:"أُويس بن أبي أويس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه "، فخالف سائر الحفّاظ الأثبات من أصحاب الزهريّ، وهم عُقيل بن خالد، وصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد الأيليّ، فقد رووه عن الزهريّ، عن ابن أبي أنس، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
فلفظ الأول عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سُهيل"، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولفظ الثاني عن ابن شهاب، قال: أخبرني نافع بن أبي أنس الخ"، ولفظ الثالث عن الزهري، قال: حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين الخ"، ولفظ الرابع عن ابن شهاب،
(1)
- لم أر هذه العبارة للمصنف في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله لاختلاف النسخ، أو ذكره في كتاب آخر. واللَّه أعلم.
(2)
- انظر "تحفة الأشراف" ج 1 ص 97.
(3)
- "تهذيب التهذيب" ج 1 ص 195. مؤسسة الرسالة.
عن ابن أبي أنس الخ، فأبو سهيل، ونافع بن أبي أنس، وابن أبي أنس رجل واحد، يروي عن أبيه: مالك بن أبي عامر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، هذا هو المحفوظ.
فخالف ابن إسحاق هؤلاء الأثبات، فقال:"عن أُويس بن أبي أويس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو مدلس، وقد ذكره بقوله: "وذكر محمد بن مسلم الخ"، فالظاهر أنه دلّسه عن بعض الضعفاء، فوقع في الخطإ.
والحاصل أن رواية ابن إسحاق هذه غير محفوظة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
5 - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مَعْمَرٍ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على معمر أن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، رواه عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وخالفه عبد اللَّه بن المبارك، فرواه عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، فجعله منقطعًا، حيث أسقط الواسطة بين الزهريّ، وبين أبي هريرة، وهو أبو سلمة، ولم يسمع الزهريّ من أبي هريرة، والأرجح رواية عبد الأعلى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2104 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يُرَغِّبُ، فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ عَزِيمَةٍ، وَقَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَسُلْسِلَتْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ». أَرْسَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. وهو "أبو بكر بن عليّ": أحمد بن عليّ القاضي المروزيّ، ثقة حافظ [12] 1/ 2094.
و"أبو بكر بن أبي شيبة": هو عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خُواسْتَى العَبْسيّ مولاهم، الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [10].
قال أحمد: أبو بكر صدوق، وهو أحبّ إليّ من عثمان. قال عبد اللَّه بن أحمد: فقلت لأبي: إن يحيى بن معين يقول: عثمان أحبّ إليّ؟ فقال: أبو بكر أعجب إلينا.
وقال العجليّ: ثقة، وكان حافظا للحديث. وقال أبو حاتم، وابن خراش: ثقة. وقال عمرو بن عليّ: ما رأيت أحفظ من أبي بكر، قدم علينا مع عليّ بن المدينيّ، فسرد للشيبانيّ أربعمائة حديث حفظًا، وقام. وقال أبو عبيد القاسم: انتهى العلم إلى أربعة: فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعليّ أعلمهم به. وقال عبدان الأهوازيّ: كان يقعد عند الأسطوانة أبو بكر، وأخوه، ومُشْكُدانة، وعبد اللَّه بن البَرّاد، وغيرهم كلهم سكوت إلا أبا بكر، فإنه يَهدُر. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بالحديث، وعِللِهِ علي بن المدينيّ، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال ابن خراش: سمعت أبا زرعة الرازيّ يقول: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، فقلت له: يا أبا زرعة، وأصحابنا البغداديون؟ فقال: دع أصحابك، أصحابك مخاريق. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان متقنًا حافظًا ديّنا، ممن كتب، وجمع، وصنّف، وذاكر، وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وقال يحيى الحِمّانيّ: أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يُزاحموننا عند كلّ محدّث. وقال محمد بن عمر بن العلاء الجرجانيّ: سألت ابن معين، عن سماع أبي بكر من شريك؟ فقال: أبو بكر عندنا صدوق، ولو ادعى السماع من أجلّ من شريك لكان مصدّقًا فيه، وما يحمله على أن يقول: وجدت في كتاب أبي بخطّه، وحُدّثت عن روح بحديث الدّجّال، وكنا نظنّ أنه سمعه من أبي هشام الرفاعيّ، وكان أبو بكر لا يذكر أبا هشام. قال: وسألت أبا بكر متى سمعت من شريك؟ قال: وأنا ابن (14) سنة، وأنا يومئذ أحفظ مني اليوم. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ ثلاثين حديثًا، ومسلم ألفًا وخمسمائة وأربعين حديثًا. قال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة (235) في المحرّم. روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأخرج له المصنّف بواسطة حديثين فقط: هذا 2104 و 2123 حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "إذا رأيتموه، فصوموا .. " الحديث.
و"عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى البصريّ الساميّ، ثقة [8] 20/ 386.
و"معمر": هو ابن راشد، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [7] 10/ 10.
و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [3] 1/ 1.
واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، والكلام على مسائله قريبًا.
وقوله: "كان يُرغّب في قيام رمضان من غير عزيمة": أي كان يحثّهم على قيام ليالي شهر رمضان، من غير إيجاب عليهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "أرسله ابن المبارك": أي رواه عبد اللَّه بن المبارك منقطعًا، كما بيّن روايته بقوله:
2105 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، خُرَاسَانِيٌّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم ثقات، غير أن فيه انقطاعًا، كما بيّنه المصنّف؛ لأن الزهريّ لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه.
و"محمد بن حاتم": هو ابن نعيم المروزيّ، ثقة [12] 66/ 1800.
و"حِبّان بن موسى" -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة-: هو أبو محمد المروزيّ، ثقة [10] 1/ 397. 3 - و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام الحجة المشهور [8].
والحديث صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2106 -
(أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عز وجل عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ
(1)
، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، فَقَدْ حُرِمَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(بشر بن هلال) الصوّاف البصريّ، ثقة [10] 117/ 162.
2 -
(عبد الوارث) بن سعيد البصريّ، ثقة ثبت [8] 6/ 6.
3 -
(أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت حجة فقيه [5] 42/ 48.
4 -
(أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجَرْميّ البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال [3] 103/ 322. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
وفي بعض النسخ: "الجنة".
لطائف هذا الإسناد:
(منها): من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أتاكُمْ رَمَضَانُ) أي جاءكم زمانه، وفي رواية لأحمد: "لما حضر رمضان، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: قد جاءكم رمضان
…
(شَهْرٌ مُبَارَكٌ) بدل، أو عطف بيان، أو خبر لمحذوف، أي هو شهر مبارك، وظاهره الإخبار، أي كثيرٌ خيرُهُ الحسيّ، والمعنويّ، كما هو مشاهد فيه (فَرَضَ اللَّهُ عز وجل عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) ببناء الفعل للمفعول في المواضع الثلاثة، وبتخفيف الفعلين، الأولين، وتشديدهما (وَتُغلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ) بتشديد اللام، من الإغلال، قال في "القاموس": أغلّ فلانًا: أدخل في عنقه، أو يده الغُلّ. انتهى. و"الغلّ" -بالضمّ-: طوق من حديد، يُجعل في العنق، والجمع أغلال، مثل قُفْل وأقفال. قاله في "المصباح" (مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ) أي عُتَاتُهم. يقال: مَرَد، كنصر، وكرُم، مُرُودًا، ومُرودةً، ومَرَادة، فهو ماردٌ، وَمَرِيد، ومتمرّدٌ: أقدم، وعَتَا، أو هو أن يبلغ الغاية التي يَخرُج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف. قاله في "القاموس".
ويستفاد منه أن المقيّدين في رمضان هم المردة فقط، فيكون عطف المردة على "الشياطين" في الحديث المتقدّم عطف تفسير وبيان، ويحتمل أن يكون تقييد عامّة الشياطين بغير الأغلال. واللَّه تعالى أعلم
(1)
.
(لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر (مَنْ حُرِمَ) بتخفيف الراء، والبناء للمفعول (خَيْرَهَا) بالنصب على أنه مفعول ثان لـ"حُرِم"؛ لكون يتعدى إلى مفعولين، يقال: حَرَمت فلانا الشيءَ، من باب ضرب، حَرِما بفتح، فكسر، وحِرْمانًا: إذا منعته. أي من مُنِع خيرها، بأن لم يُوَفَّق لإحيائها، والعبادة فيها (فَقَدْ حُرِمَ") أي مُنع الخير العظيم. قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: اتحاد الشرط والجزاء يدلّ على فَخَامة الجزاء، أي فقد حُرِم خيرًا، لا يُقَادَرُ قدرُهُ انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنف رحمه الله، كما أشار إليه الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" جـ 10 ص 135، أخرجه هنا 5/ 2106 وفي "الكبرى" 5/ 2416. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- انظر "المرعاة" ج 6 ص 415.
[تنبيه]: قال الشيخ أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى-: في تعليقه على "المسند": جـ 12 ص 134: إسناده صحيح. وقال المنذريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الترغيب": ولم يسمع أبو قلابة منه -أي من أبي هريرة- فيما أعلم. وقال في "تهذيب التهذيب": يقال: إنه لم يسمع من أبي هريرة.
وتعقّب هذا الشيخ أحمد محمد شاكر، فقال: لم أجد ما يؤيّد هذا. أي القول بعدم سماعه منه، وأبو قلابة لم يُعرف بتدليس، والمعاصرة كافية في الحكم بوصل الإسناد انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله العلامة أحمد محمد شاكر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عندي مُسلَّم؛ لأن أبا قلابة غير مدلّس، كما نصّ على ذلك أبو حاتم الرازي، كما في "تهذيب التهذيب" في ترجمة أبي قلابة
(1)
فالأرجح أن السند متصل، وعلى تقدير أنه منقطع فالحديث له شواهد يصحّ بها، وقد تقدّم بعضها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2107 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ: عُدْنَا عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ، فَتَذَاكَرْنَا شَهْرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: مَا تَذْكُرُونَ؟ قُلْنَا: شَهْرَ رَمَضَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ، يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة [10] 20/ 21.
2 -
(سفيان) بن عيينة الحافظ الثبت الحجة المشهور [8] 1/ 1.
3 -
(عطاء بن السائب) الثقفيّ الكوفيّ، صدوق اختلط [5] 152/ 243.
4 -
(عَرْفَجة) بن عبد اللَّه الثقفيّ، ويقال: السلميّ مقبول [3].
روى عن عليّ، وابن مسعود، وعائشة، وعتبة بن فَرْقد، ورجل من الصحابة. وعنه عطاء بن السائب، ومنصور بن المعتمر، وجابر الجعفيّ، وعُمَر عبد اللَّه بن يعلى بن مرّة.
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: هو الذي روى عنه عطاء بن أبي رباح، وسمّى
(1)
- "تهذيب التهذيب" ج 2 ص 340.
أباه عبد الواحد. وقال ابن القطان الفاسيّ: مجهول. وأشار إليه البخاريّ في أثر أخرجه تعليقَا: "من أفطر في رمضان بغير عذر"، ووصله البيهقيّ من طريق عرفجة به. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
5 -
(عُتبة بن فَرْقَد) بن يَرْبوع بن حبيب بن مالك بن أسعد بن رفاعة بن ربيعة بن رفاعة بن الحارث بن بُهْثة بن سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عَيْلان
(1)
السُّلَميّ، أبو عبد اللَّه، صحابيّ نزل الكوفة، وكان شريفًا بها. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن عمر بن الخطاب. وعنه امرأته أم عاصم، وقيس بن أبي حازم، وعبد اللَّه بن ربيعة السُّلَميّ، وعَرْفَجة بن عبد اللَّه الثقفيّ، وعامر الشعبيّ.
قال ابن عبد البرّ: كان أميرًا لعمر بن الخطاب على بعض فتوحات العراق. وروى سليمان التيميّ، عن أبي عثمان النهديّ" جاءنا كتاب عمر، ونحن مع عتبة بن فرقد. قال ابن عبد البرّ: وينسبونه عتبة بن يربوع بن حبيب بن مالك، وهو فرقد بن أسعد بن رفاعة. ورى شعبة، عن حُصين، عن امرأة عتبة بن فرقد: أنه غزا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غزوتين. وقال ابن سعد: هو عتبة بن يربوع، ويربوع هو فرقد. وذكر أبو زكريا صاحب "تاريخ الموصل" أنه هو الذي فتح الموصل زمن عمر صلى الله عليه وسلم سنة ثمان عشرة، قال: وشهد خيبر مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقسم له منها. وروى أحمد في "الزهد" عن هشيم، عن حصين، قال: كان عتبة بن فرقد يُعطي سهمه لبني عمه عامًا، ولأخواله عامًا. انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرج له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَرْفَجَةَ) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وفتح الفاء، أنه (قَالَ: عُدْنَا) بضم العين المهملة، وسكون الدال المهملة، من عاد المريض، يعوده، من باب قال، عِيَادة: إذا زاره، أي زُرناه لكونه مريضا (عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ) -بفتح الفاء، وسكون الراء- رضي اللَّه تعالى عنه - (فَتَذَاكَرْنَا شَهْرَ رَمَضَانَ) أي فضل صيامه، وقيامه (فَقَالَ: مَا تَذْكُرُونَ؟) "ما" استفهامية، أَيْ أَيَّ شيء تذكرون؟ (قُلْنَا: شَهْرَ رَمَضَانَ) بالنصب مفعولا لفعل محذوف، أي نذكر شهر رمضان (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) ببناء الفعل للمفعول في المواضع الثلاثة. وفي الرواية التالية: "تفتح فيه أبواب السماء"(وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ) وفي الرواية التالية: "ويُصفَّد فيه كلّ شيطان مَريد"(وَيُنَادِي مُنَادٍ) ببناء الفعل للفاعل، و"مناد" فاعله.
(1)
- انظر "تحفة الأشراف" ج 7 ص 234.
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قلت]: أيّ فائدة في هذا النداء مع أنه غير مسموع للناس؟ [قلت]: قد علم الناس به بإخبار الصادق، وبه يحصل المطلوب بأن يتذكّر الإنسان كلّ ليلة أنها ليلة المناداة، فيتّعظ بها انتهى
(1)
.
(كُلَّ لَيْلَةٍ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ "يُنادِي"(يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ) أي طالب الخير أقبل على فعل الخير، فهذا أوانه، فإنك تُعطَى جزيلاً بعمل قليل.
و"هلمّ" بفتح الهاء، وضمّ اللام، وتشديد الميم: كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ، قال الخليل: أصله "لُمَّ" من الضمّ والجمعِ، ومنه لَمَّ اللَّهُ شَعَثَهُ، وكأنَ المنادِيَ أراد لُمَّ نفسَك إلينا، و"ها" للتنبيه، وحذفت الألف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها "هَلّ أُمَّ" أي قُصِدَ، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء، وأهل الحجاز يُنادون بها بلفظ واحد للمذكّر، والمؤنّث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى:{وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} الآية [الأحزاب: 18]. وفي لغة نجد تَلحَقُها الضمائر، وتُطابِقُ، فيقال:"هلمّي"، و"هلمّا"، و"هلمّوا"، و"هلْمُمْن"؛ لأنهم يجعلونها فعلا، فيُلحِقونها الضمائر كما يُلحقونها "قُمْ"، و"قوما"، و"قوموا"، و"قمن". وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قيس بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمة، نحو:{هَلُمَّ إِلَيْنَا} ، أي أقبل، ومتعدّية، نحو:{هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} [الأنعام: 150]، أي أحضروهم. قاله الفيّوميّ
(2)
.
(وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ) بقطع الهمزة، أمر من الإقصار، وفي الرواية التالية:"أمسك"، وهو بمعنى "أَقِصْر". يقال: أقصرتُ عن الشيء بالألف: أمسكتُ مع القدرة عليه. أي طالب الشرّ أمسك عن شرك، وتب عنه، فإن الوقت وقت قبول التوبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا السند خطأ، والصواب هو السند الآتي كما قال المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فالحديث صحيح به.
وهو من أفراده، أخرجه هنا - 5/ 2107 و 2108 - وفي "الكبرى" 5/ 2417 و 2418. وأخرجه (أحمد) 18041 و 18042 و 22393. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ" يعني أن هذا الحديث بهذا السند خطأ، ووجه الخطأ أن سفيان بن عيينة رواه عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، عن عتبة بن فرقد، فجعله
(1)
- "شرح السنديّ" ج 4 ص 130.
(2)
- "المصباح المنيّر" في مادة هلم وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته لطول العهد به.
من مسند عتبة، وأخطأ فيه، والصحيح أنه من مسند رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ونقل الحافظ المزّي -رحمه اللَّه تعالى-، في "تحفة الأشراف "جـ7 ص 235 كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا، ونصّه بعد أن ذكر الروايتين: وقال -يعني النسائيّ-: هذا أولى بالصواب من حديث ابن عُيينة، وعطاء بن السائب كان قد تغيّر، وأثبت الناس فيه شعبة، والثوريّ، وحمّاد بن زيد، وإسرائيل
(1)
.
رواه بعضهم عن الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، عن عتبة. ورواه ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة أن رجلا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم حدّث عنه عتبة، فذكره. ورواه الفريابيّ، عن الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، عن عتبة، عن رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى ما قال الحافظ المزيّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن رواية شعبة أصحّ من رواية سفيان بن عيينة، كما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-؛ لكونه ممن روى قبل اختلاط عطاء. واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة]: عطاء بن السائب ممن اختلط في آخر عمره، وقد ميزّ العلماء بين ما يُقبل من أحاديثه، وبين ما يُردّ بالرواة، وقد نظمت هذه القاعدة بقولي [من الرجز]:
يَا أَيُّهَا الطَّالِبُ لِلْفَائِدةِ
…
اعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ لِلسَّعَادَةِ
أَنَّ عَطَاءَ نَجْلَ سَائِبٍ خَلَطْ
…
فَبِالرُّوَاةِ الأَخْذُ وَالرَّدُّ انْضَبَطْ
فَمَا رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ .... زُهَيْرُ إِسْرَائِيلُ قُلْ مَرْضِيُّ
أَيُّوبُ زَائِدَةُ وَابْنُ زَيْدِ .... وَابْنُ عُيَيْنَةَ كَذَا ذُو أَيْدِ
(2)
وَالْخُلْفُ فِي حَمّادٍ ابْنُ سَلَمَهْ .... وَرَجّحِ الرّدَّ تَكُنْ ذَا مَكْرَمَهْ
وَهَكذَا حَرَّرَهُ الأَعْلَامُ
…
فَاحْفَظْ فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ
وقد تقدّم هذا، وإنما أعدته تذكيراً، حيث طال العهد به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية شعبة، عن عطاء بن السائب بقوله:
2108 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ: كُنْتُ فِي بَيْتٍ، فِيهِ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَ بِحَدِيثٍ،
(1)
- هذا الكلام الذي نقله المزيّ من النسائي لم أجده، بهذا النصّ، ونصّه في "الكبرى" بعد الرواية الثانية: "قال أبو عبد الرحمن: وحديث شعبة هذا أولى بالصواب. واللَّه أعلم انتهى.
(2)
- الأيدُ -بفتح الهمزة، وسكون الياء، بعدها دال مهملة- هو القوّة، أي ذو قوّة.
وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كَأَنَّهُ أَوْلَى بِالْحَدِيثِ مِنِّي، فَحَدَّثَ الرَّجُلُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ فِي رَمَضَانَ:«تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ: يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ أَمْسِكْ» ).
زاد في "الكبرى": قال أبو عبد الرحمن: وحديث شعبة هذا أولى بالصواب، واللَّه أعلم. انتهى.
و"محمد" شيخ ابن بشار هو محمد بن جعفر، غُندر.
وقوله: "وكان رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم الخ". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "النكت الظراف" في التعليق على هذا الحديث: ما نصّه: رواه إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، قال: كنت عند عتبة، فدخل رجل من الصحابة. ورواه حماد بن سلمة، عن عطاء، عن عرفجة، عن أبي عبد اللَّه، رجلِ من الصحابة، حدّثهم عند عتبة بن فرقد. فبهذا يتبيّن الصحابيّ الذي أبهم في رواية النسائيّ عن شعبة. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يعني أن الصحابي الذي روى عنه عرفجة هذا الحديث هو أبو عبد اللَّه رضي الله عنه واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "كأنه أولى بالحديث مني": أي لكونه صحابيًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
6 - (الرُّخْصَةُ فِي أَنْ يُقالَ لَشِهْرَ رَمَضَانَ رَمَضَانَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالرخصة هنا مطلق الجواز، وليس المراد أنه تقدمه نهي، ثم جاء الترخيص بعده، كما هو الغالب في استعمال الرخصة، إذ ليس يثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم نهي عن تسمية رمضان بدون إضافة شهر إليه.
وأما الحديث الذي رواه أبو معشر، نَجِيح المدنيّ، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم، مرفوعًا: "لا تقولوا رمضان، فان رمضان اسم من أسماء اللَّه، ولكن قولوا:
(1)
-"النكت الظراف" ج 7 ص 234 - 235.
شهر رمضان". أخرجه ابن عديّ في "الكامل"، فقد ضعّفه هو بأبي معشر. قال البيهقيّ: قد رُوي عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، وهو أشبه. وروي عن مجاهد، والحسن من طريقين، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2109 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ ح وَأَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ صُمْتُ رَمَضَانَ، وَلَا قُمْتُهُ كُلَّهُ» ، وَلَا أَدْرِي كَرِهَ التَّزْكِيَةَ، أَوْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ غَفْلَةٍ، وَرَقْدَةٍ، اللَّفْظُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي الإمام الحجة الثبت [10]. 2/ 2.
2 -
(عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنيّ [10] 15/ 15.
3 -
(يحيي بن سعيد) القطّان البصريّ الحافظ الحجة الثبت [9] 4/ 4.
4 -
(المهلّب بن أبي حبيبة) البصريّ، صدوق، من كبار [7].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن عديّ: لم أر له حديثا منكرًا. انفرد به أبو داود، والمصنف، فأخرجا له حديث الباب فقط.
5 -
(الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الفقيه الفاضل الحجة [3] 32/ 36.
6 -
(أبو بكرة) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة الصحابي المشهور رضي الله عنه 41/ 836. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه، فالأول مروزيّ، والثاني سَرَخْسيّ. ومنها: أن أبا بكرة ممن اشتهر بلقب بصورة الكنية، ولُقّب بها لأنه تدلَّّى من حصن الطائف إلى النبي- صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فأعتقه يومئذ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ صُمْتُ رَمَضَانَ) هذا محلّ الترجمة، حيث ذكر "رمضان" بلا إضافة "شهر" إليه، فإنه دليل على جواز استعمال ذلك، والنهي ليس راجعًا إليه، وإنما هو إلى نسبة صوم رمضان كله إلى نفسه؛
لما يأتي (وَلَا) يوقولن أيضا (قُمْتُهُ) أي قمت لياليه وقوله (كُلَّهُ") تأكيد للضمير المنصوب، وحذف نظيره لـ "رمضان"، أو هو تأكيد له، وحذف توكيد الضمير (وَلَا أَدْرِي) هذا من كلام الحسن -رحمه اللَّه تعالى-، كما بينه أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"جـ 5 ص 40 - من طريق قتادة، عن الحسن، وذكر في محلّ آخر جـ 5 ص 52 - أنه من كلام قتادة، فيحتمل أن كلاً منهما قاله (كَرِهَ التَّزْكِيَةَ) بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية لأحمد: "قال قتادة: فاللَّه أعلم أخشي التزكية على أمته
…
".
يعني أنه لا يعلم سبب نهيه المذكور، هل هو كراهة تزكية النفس بكونها صائمة، قائمة؟ وقد نهى اللَّه سبحانه وتعالى عن تزكيتها، بقوله:{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32](أَوْ قَالَ) ذلك لئلا يكون كاذبًا، حيث إنه (لَا بُدَّ مِنْ غَفْلَةٍ) في حال صومه، فيقع منه ما ينافي صومه بوجه مّا، فإن آداب الصوم شديدة على النفس، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه، وشرابه"، فلعله يقع منه محذورٌ مّا في وقتٍ مّا من الشهر، فلا ينبغي له أن يدّعي أنه صام الشهر كله (وَرَقْدَةٍ) أي نومةٍ في وقتٍ من أوقات ليالي الشهر، فلا يسعه أن يدّعي أنه قام شهر رمضان.
والحاصل أن سبب نهي النبيّ صلى الله عليه وسلم -عن أن يقول العبد صمت رمضان كلّه، وقمت رمضان كله يحتمل أحد هذين الأمرين:
(الأول): كراهة تزكية النفس بكونها صامت كل رمضان، وقامت لياليه.
(الثاني): خشية الكذب، لأنه لا يخلو العبد عن غفلة مّا في وقت من أوقات الصوم، فيقع منه ما ينافي صومه، من اغتياب، أو نميمة، أو كذب، أو نحو ذلك، وكذلك لا يخلو من رقدة خلال ليالي رمضان، فيكون كاذبًا بدعواه صوم كل رمضان، وقيام كلّ لياليه.
والظاهر أن السبب الأول هو الأقرب؛ لأنّ دعوى صيام كل رمضان، وقيامه صحيحة إذا حصل أكثره، فلا ينافيه أن يحصل منه قليل من الغفلة، والنوم، فإن للأكثر حكمَ الكلّ، فالاحتمال الأول أقرب إلى أن يكون سببا للنهي المذكور.
ويحتمل أن يكون النهي؛ لكون قبوله مغيّبًا، إذ لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، فربما يظنّ العبد أنه صام رمضان، ولم يُقبل صومه، فلا ينبغي له الجزم بصومه؛ لعدم الجزم بقبوله. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله (اللفْظُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ) يعني أن لفظ الحديث المذكور لشيخه عبيد اللَّه بن سعيد، وأما إسحاق بن إبراهيم، فرواه بمعناه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة رضي الله عنه -هذا صححه ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه نظر؛ لأنّ فيه عنعنةَ الحسن، فإنه مدلس. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -6/ 2109 - وفي "الكبرى" 6/ 2419. وأخرجه (د) 2062 (أحمد) 19511 أو19520 و 19530 و 19616. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز استعمال "رمضان" دون إضافة لفظة "شهر" (ومنها): النهي عن أن يقول الإنسان: صمت رمضان كله؛ لكونه تزكية للنفس، أو لعدم القيام بحقوق الصوم، فيكون كاذبًا، أو لعدم الجزم بالقبول (ومنها): النهي عن أن يقول: قمت ليالي رمضان كلها؛ لما ذكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في جواز استعمال "رمضان" بدون إضافة لفظ "شهر" إليه:
(اعلم): أن ما ذهب إليه المصنّف من جواز أن يقال: رمضان بدون إضافة لفظ شهر هو الذي عليه جمهور أهل العلم، كما بيّنه النووي -رحمه اللَّه تعالى-، في "شرح مسلم"، وعبارته في شرح حديث "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنّة
…
":
فيه دليل للمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه البخاريّ، والمحققون أنه يجوز أن يقال: رمضان، من غير ذكر الشهر بلا كراهة، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
قالت طائفة: لا يقال: رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال: شهر رمضان، هذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن رمضان اسم من أسماء اللَّه تعالى، فلا يُطلق على غيره إلا بقيد.
وقال أكثر أصحابنا، وابن الباقلاّنيّ: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، وإلا فيكره
(1)
، قالوا: فيقال: صمنا رمضان، قمنا رمضان، ورمضان أفضل الأشهر، ويندب طلب ليلة القدر في أواخر رمضان، وأشباه ذلك، ولا كراهة في هذا
(1)
- وإلى هذا الفرق مال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني".
كلّه، وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان، ودخل رمضان، وحضر رمضان، وأحبّ رمضان، ونحو ذلك.
والمذهب الثالث: مذهب البخاريّ والمحقّقين أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة، وبغير قرينة، وهذا المذهب هو الصواب، والمذهبان الأولان فاسدان؛ لأنّ الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يثبت فيه نهي، وقولهم: إنه اسم من أسماء اللَّه تعالى، ليس بصحيح، ولم يصحّ فيه شيء، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء اللَّه تعالى توقيفيّة، لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة، وهذا الحديث المذكور في الباب صريح في الردّ على المذهبين، ولهذا الحديث نظائر كثيرة في "الصحيح" في إطلاق "رمضان" على الشهر من غير ذكر الشهر انتهى كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى-
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النووي تعالى -رحمه اللَّه تعالى- حسن جدًّا.
وحاصله أن إطلاق "رمضان" بدون إضافة "شهر" إليه هو الحقّ، وهو مذهب الجمهور، ومنهم البخاريّ، والمصنف؛ لكثرة الأدلّة على ذلك.
وقد بوّب الإمام البخاريّ في "صحيحه": "هل يقال: رمضان، أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعًا"، واحتجّ للجواز بعدّة أحاديث:
(منها): قوله صلى الله عليه وسلم "من صام رمضان"، وقوله:"لا تقدّموا رمضان". (ومنها): حديث أبي هريرة المتقدّم في الباب الماضي بلفظ: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنّة". وبلفظ "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء
…
". وحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم:-لهلال رمضان- "إذا رأيتموه، فصوموا
…
".
والحاصل أن الصواب جواز استعمال "رمضان" من غير إضافة لفظ "شهر" إليه، لكثرة وروده في الأحاديث "الصحيحة" وعدم صحّة ما يعارضها.
وأما ما ذكره في "الفتح" من أنه قد يُتمسّك للتقييد بالشهر بورود القرآن به، حيث قال:{شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185]، مع احتمال أن يكون حذف لفظ شهر من الأحاديث من تصرف الرواة.
فليس بصحيح؛ لأنّ وروده في القرآن كذلك لا يدلّ على منع استعمال غيره، ودعوى تصرّف الرواة مع كثرة الأحاديث الصحيحة باستعماله دون إضافة في
(1)
- "شرح مسلم" ج 7 ص 186 - 187.
"الصحيحين" وفي غيرهما من طرق كثيرة عن الحفاظ المتقنين غير مسلمة، إذ من المعلوم أنهم لا يتفقون هذا الاتفاق إلا لأنه اللفظ الوارد عن رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم، وأنهم لم يتصرّفوا فيه. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بتقليد ذوي الاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة]: قال بعضهم: (اعلم): أنهم أطبقوا على أن الْعَلَم في ثلاثة أشهر هو مجموع المضاف والمضاف إليه، شهر رمضان، وربيع الأول والآخر، فحذف شهر هنا من قبيل حذف بعض الكلمة، إلا أنهم جوّزه لأنهم أجروا مثل هذا العلم مُجرى المضاف والمضاف إليه، حيث أعربوا الجزأين. كذا في "شرح الكشاف". ومقتضاه أن رجب ليس منها خلافُ الصلاح الصفديّ، وتبعه من قال:
وَلَا تُضِفْ شَهْرًا لِلَفْظِ شَهْرِ
…
إِلاَّ الَّذِي أَوَّلُهُ الرَّا فَادْرِ
ولذا زاد بعضهم قوله:
وَاسْتَثْنِ مِنْ ذَا رَجَبًا فَيَمْتَنِعْ .... لأَنَّهُ فِيمَا رَوَوْهُ مَا سُمِعْ
ذكر هذه الفائدة ابن عابدين -رحمه اللَّه تعالى- في "حاشية الدرّ المختار"
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2110 -
(أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يُخْبِرُنَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ، فَاعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ، تَعْدِلُ حَجَّةً»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عمران بن يزيد بن خالد) هو: عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم الدمشقيّ، نسب لجدّه، صدوق [10] 18/ 422 من أفراد المصنّف.
2 -
(شعيب) بن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رُمي بالإرجاء، من كبار [9] 60/ 1766.
3 -
(ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، الثقة الفقيه الفاضل [6] 28/ 32.
4 -
(عطاء) بن أبي رَبَاح المكيّ الحجة الفقيه المشهور [3] 112/ 154.
5 -
(ابن عباس) عبد اللَّه البحر رضي الله عنهما 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- راجع "حاشية ردّ المحتار على الدر المختار" 2/ 393.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه الإخبار، والتحديث، والسماع، وفيه تصريح ابن جريج بالإخبار، وهو معروف بالتدليس، فأمن من تدليسه، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الحبر البحر المكثر، أحد العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عطاء بن أبي رباح -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يُخْبِرُنَا) جملة في محلّ نصب على الحال (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) زاد في رواية البخاريّ، من طريق يحيي القطّان، عن ابن جريج:"سماها ابن عباس، فنسيت اسمها". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والقائل: نسيت اسمها ابن جريج، بخلاف ما يتبادر إلى الذهن من أن القائل عطاء، وإنما قلتُ ذلك؛ لأنّ البخاريّ أخرج الحديث في "باب حجّ النساء" من طريق حبيب المعلّم، عن عطاء، فسماها، ولفظه: لما رجع النبيّ صلى الله عليه وسلم من حجته، قال لأم سنان الأنصاريّة: "ما منعكِ من الحجّ؟
…
" الحديث. ويحتمل أن عطاء كان ناسيًا لاسمها لما حدث به ابن جريج، وذاكرا له لما حدث به حبيبًا.
وقد خالفه يعقوب بن عطاء، فرواه عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: جاءت أم سليم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: حجّ أبو طلحة، وابنه، وتركاني، فقال:"يا أمّ سُليم، عمرة في رمضان تعدل حجة معي". أخرجه ابن حبّان، وتابعه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، أخرجه ابن أبي شيبة، وتابعهما مَعقِل الجزريّ، لكن خالف في الإسناد، قال: عن عطاء، عن أم سُليم، فذكر الحديث دون القصّة، فهؤلاء ثلاثة يبعد أن يتّفقوا على الخطإ، فلعلّ حبيبًا لم يحفظ اسمها كما ينبغي. لكن رواه أحمد بن منيع في "مسنده" بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن امرأة من الأنصار، يقال لها: أم سنان أنها أرادت الحجّ
…
فذكر الحديث نحوه، دون ذكر قصّة زوجها.
وقد وقع شبيه بهذه القصّة لأم معقل، أخرجه النسائيّ في "الكبرى" من طريق معمر، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن امرأة من بني أسد، يقال لها: أم معقل، قالت: أردت الحجّ، فاعتلّ بعيري، فسألت النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فقال:"اعتمري في شهر رمضان، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة".
وقد اختلف في إسناده، فرواه مالك، عن سميّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: جاءت امرأة
…
فذكره مرسلاً، وأبهمها. ورواه النسائيّ أيضًا من طريق عمارة بن عمير
وغيره، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أمّ معقل. ورواه أبو داود من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رسول مروان، عن أم معقل.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنهما قصتان وقعتا لامرأتين، فعند أبي داود من طريق عيسى بن معقل، عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، عن أم معقل، قالت: لما حجّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل اللَّه، وأصابنا مرض، فهلك أبو معقل، فلما رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من حجته جئت، فقال:"ما منعك أن تحجي معنا؟ "، فذكرت ذلك له، فقال:"فهلا حججت عليه؟، فإن الحجّ من سبيل اللَّه، فأما إذا فاتك، فاعتمري في رمضان، فإنها كحجة".
ووقعت لأم طليق قصّة مثل هذه، أخرجها أبو عليّ بن السكن، وابن منده في "الصحابة"، والدولابي في "الكنى" من طريق طلق بن حبيب: أن أبا طليق حدثه، أن امرأته قالت له -وله جمل، وناقة-: أعطني جملك أحجّ عليه، قال: جملي حبيس في سبيل اللَّه، قالت: إنه في سبيل اللَّه أن أحجّ عليه، فذكر الحديث، وفيه فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"صدقت أم طليق"، وفيه: ما يعدل الحجّ؟ قال: "عمرة في رمضان ".
وزعم ابن عبد البرّ أن أمّ معقل هي أم طليق، لها كنيتان. وفيه نظر؛ لأن أبا معقل مات في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب، وهو من صغار التابعين، فدلّ على تغاير المرأتين.
ويدلّ عليه تغاير السياقين أيضًا، ولا معدل عن تفسير المبهمة في حديث ابن عباس بأنها أم سنان، أو أم سليم؛ لما في القصّة التي في حديث ابن عباس من التغاير للقصّة التي في حديث غيره؛ ولقوله في حديث ابن عباس: إنها أنصاريّة، وأما أم معقل، فإنها أسديّة. ووقعت لأم الهيثم أيضًا. واللَّه تعالى أعلم انتهى
(1)
.
(إِذَا كَانَ رَمَضَانُ) بالرفع على أن "كان" تامّة، و"رمضان" فاعلها، زاد في رواية البخاريّ قبله:"ما منعك أن تحجّي معنا؟ "، قالت: كان لنا ناضح، فركبه أبو فلان، وابنه -لزوجها، وابنها- وترك ناضحًا نَنْضِحُ عليه، قال: "فإذا كان رمضان، فاعتمري فيه
…
".
وهذا محل الترجمة، حيث إنه صلى الله عليه وسلم استعمل لفظ "رمضان" دون أن يضيف إليه لفظ "شهر". (فَاعْتَمِرِي فِيهِ) أي في رمضان (فَإِنَّ عُمرَةٌ فِيهِ) الفاء للتعليل، أي لأن أداء عمرة في رمضان (تَعْدِلُ حَجَّةً) بكسر الدال المهملة: أي تقوم مقام حجة في الأجر والثواب،
(1)
- "فتح"ج 4 ص 439 - 440.
لا في إسقاط الفرض عن الذمّة، فإن فريضة الحجّ لا تسقط بأداء العمرة إجماعَا.
قال الإمام ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث أن الشيء يشبه الشيء، ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني، لا جميعها، لأنّ العمرة لا يُقضَى بها فرض الحجّ ولا النذر.
وقال ابن بطّال: فيه دليل على أن الحجّ الذي ندبها إليه كان تطوّعًا لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة.
وتعقبّه ابن المنيّر بأن الحجة المذكورة هي حجة الوداع، قال: وكانت أول حجة أقيمت في الإسلام فرضًا؛ لأن حجّ أبي بكر كان إنذارًا، قال: فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحجّ.
واعترض عليه الحافظ بأن ما قاله غير مسلّم، إذ لا مانع أن تكون حجت مع أبي بكر، وسقط عنها الفرض بذلك، لكنه بني على أن الحجّ إنما فُرض في السنّة العاشرة حتى يسلم مما يرد على مذهبه من القول بأن الحجّ على الفور، وعلى ما قاله ابن خزيمة فلا يحتاج إلى شيء مما بحثه ابن بطّال.
فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجّة في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حجّ الفرض.
ونقل الترمذيّ عن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن.
وقال ابن العربيّ: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من اللَّه ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحجّ بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القصد. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة. وقال ابن التين: قوله:"كحجة" يحتمل أن يكون على بابه. ويحمل أن يكون لبركة رمضان. ويحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة.
قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدّمين، ففي رواية أحمد بن منيع المذكورة، قال سعيد بن جبير: ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها. ووقع عند أبي داود من حديث يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، عن أم معقل في آخر حديثها:"قال: فكانت تقول: الحجّ حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لي، فما أدري ألي خاصة". تعني أو للناس عامة انتهى.
والظاهر حمله على العموم كما تقدّم، والسبب في التوفيق استشكال ظاهره، وقد
صحّ جوابه، واللَّه أعلم انتهى.
[فائدة]: لم يعتمر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا في أشهر الحجّ، وقد ثبت فضل العمرة في رمضان بحديث الباب، فأيهما أفضل؟. قال الحافظ: والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل، وأما في حقه فما صنعه هو الأفضل؛ لأنّ فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الردّ عليهم بالقول والفعل، وهو لو كان مكروهًا لغيره لكان في حقّه أفضل.
وقال صاحب "الهدي": يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يشتغل في رمضان من العبادة بما هو أهمّ من العمرة، وخشي من المشقّة على أمته؛ إذ لو اعتمر في رمضان لبادر إلى ذلك مع ما هم عليه من المشقّة في الجمع بين العمرة والصوم، وقد كان يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمله؛ خشية على أمته، وخوفًا من المشقّة عليهم.
(1)
وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -6/ 2110 - وفي "الكبرى" 6/ 2420. وأخرجه (خ) 1657 و 2201 (م) 2201 و 2202 (د) 1699 (ق) 2985 (أحمد) 2921 (الدارميّ) 1785. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز استعمال لفظ "رمضان" من غير إضافة لفظ "شهر" إليه (ومنها): فضل العمرة في رمضان، حيث تعدِل ثواب الحجّ، بل ثبت أنها كحجة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج سمّويه من حديث أنس صلى الله عليه وسلم بلفظ:"عمرة في رمضان كحجة معي"، وهو حديث صحيح
(2)
(ومنها): فضل رمضان، حيث كان العمل فيه يضاعف أجره (ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من تفقّد أحوال أمته رجالا ونساء (ومنها): جواز مخاطبة المرأة الأجنبية، وأن صوتها ليس بعورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"
(1)
- "فتح" ج 4 ص 441 - 442.
(2)
- انظر "صحيح الجامع الصغير" للشيخ الألباني ج 2 ص 754 رقم -4098.
7 - (اخْتِلَافُ أَهْلِ الآفَاقِ فِي الرُّؤْيَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة بيان أن اختلاف المطالع معتبر، فإذا رؤي الهلال في بلد لا يجب الصوم على أهل البدان الأخرى، إلا إذا اتحدت مطالعهم، وإنما يلزم أهل كل بلد برؤيته عندهم، وهذا هو القول الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
و"الآفاق": بالمدّ جمع "أُفُق" -بضمتين-: الناحية من الأرض، ومن السماء، والنسبة إليه أُفُقيّ؛ ردّا إلى الواحد، وربمّا قيل: أَفَقيّ -بفتحتين- تخفيفًا على غير قياس، حكاهما ابن السكّيت وغيره، ولفظه: رجل أفُقيّ -أي بضمتين-، وأَفَقيّ -أي بفتحتين-: منسوب إلى الآفاق، ولا ينسب إلى الآفاق على لفظها، فلا يقال: آفاقيّ، لأنّ القاعدة أنه إذا نُسب إلى الجمع يردّ إلى واحده، إن لم يكن مسمى به، ككلابيّ، وأنماريّ، وأنصاريّ، كما أشار إلى ذلك ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلجَمعِ
…
إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2111 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ- قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ، وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمْ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، فَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ، حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ، وَأَصْحَابِهِ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عليّ بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [9] 13/ 13.
2 -
(إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ القارئ، ثقة ثبت [8] 16/ 17.
3 -
(محمد بن أبي حَرْمَلَة) القرشيّ المدني، مولى ابن حُويطب، وقد يُنسب إليه،
ثقة [6] 36/ 578.
4 -
(كُريب) بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقة [3] 161/ 253.
5 -
(ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى وهو آخر من مات من الصحابة بالطائف. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن محمد بن أبي حرملة -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: أَخبَرَنِي كُرَيْبٌ) مولى ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ) لبابة بنت الحارث بن حَزْن -بفتح، فسكون- الهلالية، زوج العباس بن عبد المطّلب، وأخت ميمونة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم و- رضي الله عنه، ماتت بعد العباس في خلافة عثمان رضي الله عنه (بَعَثَتْهُ) أي أرسلته لقضاء حاجة لها (إِلَى مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان، أبي عبد الرحمن الخليفة الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ومات في رجب سنة (60) وقد قارب (80)(بِالشّامِ) بالهمزة، وبدونها: البلدة المعروفة (قَالَ) كريب (فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا) أي بَلّغت رسالتها إلى معاوية رضي الله عنه (وَاسْتُهِلّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ) ببناء الفعل للمفعول، وقيل: يجوز بناؤه للفاعل، أي رُؤي هلاله، أو تبيّن. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأُهِلّ الهلالُ بالبناء للمفعول، وللفاعل أيضًا، ومنهم من يمنعه، واستُهِلّ بالبناء للمفعول، ومنهم من يجُيز بناءه للفاعل، وهَل، من باب ضرب لغةٌ أيضًا: إذا ظهر. وأهللنا الهلالَ، واستهللناه: رفعنا الصوت برؤيته، وأهل الرجل: رفع صوته بذكر اللَّه تعالى عند نعمة، أو رؤية شيء يعجبه. انتهى
(1)
.
و"الهلال" هو القمر في حالة خاصّة. قال الأزهريّ: ويسمّى لليلتين من أول الشهر هلالا، وفي ليلة ستّ وعشرين، وسبع وعشرين أيضًا هلالاً، وما بين ذلك يسمّى قمرًا. وقال الفارابيّ، وتبعه في "الصِّحَاح": الهلال لثلاث ليال من أول الشهر، ثم هو
(1)
- "المصباح المنير".
قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال هو الشهر بعينه
(1)
(وَأنَا بِالشَّامِ) جملة حالية، يعني أنه رؤي هلال رمضان، والحال أن كريبًا بالشام، قبل أن يرجع إلى المدينة (فَرَأَيْتُ الْهِلَال) وفي رواية أبي داود، والترمذيّ:"فرأينا الهلال" بنون الجمع (لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَاسٍ) رضي الله عنهما. يعني أنه سأله عن أمور تتعلّق به، وبسفره، وعن حال أهل الشام، وغير ذلك، كما هو الشأن والعادة عند قدوم المسافر من سفره (ثُمَّ) انساق الكلام إلى أن (ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمْ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، فَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنْ) بسكون النون، وفي رواية مسلم، وأبي داود:"لكنا" بنون مشددة، لإدغام نون "لكن" في نون ضمير جمع المتكلّم (رَأيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزالُ نَصُومُ، حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاِثينَ يَوْمًا، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ، وَأَصْحَابِهِ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) الظاهر أنه أراد: أمرنا أن لا نعتمد على رؤية غيرنا، ولا نكتفي بها، بل لا نعتمد إلا على رؤية أهل بلدنا، وهذا هو الذي يظهر من ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال:"اختلاف أهل الآفاق في الرؤية"، وأصرح منه ترجمة الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-، ونصها:"ما جاء لكلّ أهل بلد رؤيتهم"، ثم أورد حديث الباب، وقال أيضًا: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكلّ أهل بلد رؤيتهم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -7/ 2111 - وفي " الكبرى" 7/ 2421. وأخرجه (م) 1819 (د) 1985 (ت) 629. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم اختلاف المطالع:
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": "باب بيان أن لكلّ بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم". فيه حديث كريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو ظاهر الدلالة للترجمة، والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعمّ الناس، بل تخصّ بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وقيل: إن اتفق المطالع
(1)
-"المصباح".
لزمهم. وقيل: إن اتفق الإقليم، وإلا فلا. وقال بعض أصحابنا: تعمّ الرؤية في موضع جميعَ أهل الأرض، فعلى هذا نقول: إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لأنه شهادة، فلا تثبت بواحد؛ لكن ظاهر حديثه أنه لم يَرُدّه لهذا، وإنما رَدّه لأن الرؤية لا يثبت حكمها في حقّ البعيد انتهى
(1)
.
وقال الحافظ في "الفتح": وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
(أحدها): أن لأهل كلّ بل رؤيتهم، وفي "صحيح مسلم"، من حديث حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذيّ عن أهل العلم، ولم يحك سواه. وحكاه الماورديّ وجهًا للشافعيّة.
(الثاني): مقابله: وهو أنه إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البرّ الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد، كخراسان والأندلس. قال القرطبيّ: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد، إذ حكمه في الجميع.
وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان، لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيّب، وطائفة الوجوب، وحكاه البغويّ عن الشافعيّ.
وفي ضبط البعد أوجه: (أحدها): اختلاف المطالع قطع به العراقيون، والصيدلانيّ، وصححه النوويّ في "الروضة"، و"شرح المهذّب". (ثانيها): مسافة القصر قطع به الإمام، والبغويّ، وصححه الرافعيّ في "الصغير"، والنوويّ في "شرح مسلم". (ثالثها): اختلاف الأقاليم. (رابعها): حكاه السرخسيّ، فقال: يلزم كلّ بلد لا يتصوّر خفاؤه عنهم بلا عارض، دون غيرهم. (خامسها): قول ابن الماجشون المتقدِّم. ذكره في "الفتح"
(2)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الأرجح هو القول باعتبار اختلاف المطالع. وحاصله أن لكلّ أهل بلد تختلف مطالعهم لهم رؤيتهم الخاصّة بهم؛ لأن حديث ابن
(1)
- شرح مسلم" ج 7 ص 197.
(2)
- "فتح" ج 4 ص 618.
عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - ظاهر في الدلالة عليه. وأيضا أن اختلاف المطالع معتبر في دخول أوقات الصلاة، وخروجها بلا خلاف، فلا تجب صلاة الظهر مثلاً على جميع أهل الأرض بالزوال في بلد من البلدان، وإنما تلزم من زالت عنده، فقط، فكذلك هنا من دون فرق. واللَّه تعالى أعلم.
وقد أطال الشوكاني في "نيل الأوطار" في ردّ قول ابن عباس، وأنه اجتهاد منه، فأتى في ذلك بما يُتعجّب منه، حيث يردّ على ابن عباس رضي الله عنهما، بدون دليل مقنع، فتأويل قوله:"هكذا أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم" بأنه أراد قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته
…
" تأويل بارد، وتَعَسُّف كاسد، فابن عباس رضي الله عنهما من أهل اللسان، والفقه، وقد أخبر أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم هكذا، فالظاهر أنه أمرهم بأن لا يصوموا برؤية البلدان النائية، حتى يروا بأنفسهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
8 - (بَابُ قَبُولِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، وَذِكْرِ الاخْتَلَافِ فِيهِ عَلَى سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ سِمَاكٍ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر تبويب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى صحة الاكتفاء بشاهد واحد في هلال رمضان، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور هنا، فهو وإن رجّح إرساله، لكن الحديث يصلح للاحتجاج به؛ لأنه يشهد له حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي سأذكره، إن شاء اللَّه تعالى.
وأما وجه الاختلاف على سفيان، فإنه رواه الفضل بن موسى، عنه، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولاً، وخالفه فيه أبو داود الْحَفَريّ، وابن المبارك، فروياه عنه، عن سماك، عن عكرمة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
ونقل الحافظ المزيّ عن النسائيّ أنه قال: هذا أولى بالصواب من حديث الفضل بن موسى؛ لأنّ سماك بن حرب كان ربّما لُقّن، فقيل له:"عن ابن عباس". وابنُ المبارك
أثبت في سفيان من الفضل بن موسى، وسماكٌ إذا تفرّد بأصل لم يكن حجّة؛ لأنه كان يُلقّن، فيتلقّن انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أجد كلام النسائيّ هذا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعل ذلك في بعض النسخ. واللَّه تعالى أعلم.
وقال أبو داود بعد أن أخرج الحديث من طريق الوليد بن أبي ثور، وزائدة، كلاهما عن سفيان، موصولاً، ومن طريق حمّاد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، بدون ذكر ابن عباس، مرسلاً: ما نصّه: قال أبو داود: رواه جماعة، عن سماك، عن عكرمة، مرسلاً انتهى.
وقال الترمذيّ بعد أن أخرجه موصولاً: ما نصّه: رواه الثوريّ وغيره، عن سماك، عن عكرمة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مرسلاً، وأكثر أصحاب سماك رووه عن عكرمة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً انتهى
(1)
.
والحاصل أن أرجح الروايات لحديث عكرمة هذا هو الإرسال، ولكن مع إرساله يصدح للاحتجاج به؛ لما سيأتي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فإنه يشهد له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2112 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: نَعَمْ، فَنَادَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، أَنْ صُومُوا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن عبد العزيز بن أي رِزمَة" -بكسر الراء، وسكون الزاي-: هو أبو عمرو المروزي، ثقة [10] 47/ 602. واسم أبي رزمة غَزْوان.
2 -
(الفضل بن موسى) السِّينَانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت، وربما أغرب، من كبار [9] 83/ 100.
3 -
(سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [7] 33/ 37.
4 -
(سماك) بن حرب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما تلقّن [4] 2/ 325.
5 -
(عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 2/ 325.
(1)
- انظر "تحفة الأشراف" ج 5 ص 137.
6 -
(ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ) أي هلال رمضان (فَقَالَ) النبيّ صلى الله عليه وسلم (أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا الَلهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ولفظ أبي داود: "فقال: أتشهد أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول اللَّه؟ قال: نعم
…
".
وفيه أنه لا يكفي شهادة الكافر في رؤية الهلال، وأن ظاهر العدالة يكفي في ثبوت الرؤية (قَالَ: نَعَمْ، فَنَادَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أي أمر بالنداء؛ لما في الرواية التالية:"قال: يا بلال أذّن في الناس، فليصوموا غدًا"(أَنْ صُومُوا")"أن" تفسيرية بمنزلة "أَيْ"، كما في قوله تعالى:{وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} [الأعراف: 43]، ويحتمل أن تكون مصدريّة ويقدّر قبدها حرف الجرّ، بأن صوموا، أي بالصوم
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا الأرجح أنه مرسل، لكن له شاهد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أخرجه أبو داود، في "سننه"، فقال:
1995 -
حدثنا محمود بن خالد، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن السمرقندي، وأنا لحديثه أتقن، قالا: حدثنا مروان، هو ابن محمد، عن عبد اللَّه بن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال:"تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه".
ورجال هذا الإسناد رجال مسلم. وقال ابن حبان في "صحيحه" بعد أن أخرج حديث ابن عباس رضي الله عنهما من طريق زائدة، عن سماك بن حرب موصولاً:
"ذكر الخبر الْمُدحِض قولَ من زعم أن هذا الخبر تفرّد به سماك بن حرب، وأن رفعه غير محفوظ فيما زعم"، ثم أخرج حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور، من طريق الدارميّ،
(1)
- انظر "مغني اللبيب" ج 1 ص 31.
عن مروان بن محمد بإسناد أبي داود. انتهى.
وقال الدارقطنيّ بعد إخراجه من طريق إبراهيم بن عتيق العنسيّ، عن مروان بن محمد: ما نصّه: تفرد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في دعوى تفرّد مروان بن محمد نظر، فقد تابعه هارون بن سعيد الأيليّ، عن ابن وهب، عند الحاكم في "مستدركه"ج 1 ص 423 - وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ. انتهى.
والحاصل أن حديث سماك صحيح؛ لما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -8/ 2119 و 2120 - وفي "الكبرى" 9/ 2423 و 2425 و 8/ 2422. وأخرجه (د) 1993 (ت) 627 (ق) 1642 (الدارمي) 1630. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو قبول شهادة الرجل الواحد على هلال رمضان (ومنها): قبول شهادة الأعرابيّ، كغيره (ومنها): الاكتفاء بظاهر العدالة، حيث اكتفى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالشهادتين فقط (ومنها): أن شهادة الكافر غير مقبولة (ومنها): أن على الإمام أن يأمر من ينادي في المسلمين أن يصوموا إذا ثبت لديه هلال رمضان (ومنها): العمل بخبر الواحد الثقة، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن ينادي في الناس، وألزمهم بالصوم بندائه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2113 -
(أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَبْصَرْتُ الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ، قَالَ:«أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:«يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا» .
قال الجَامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لرواية عكرمة، وافق فيه زائدةُ رواية الفضل بن موسى، عن سفيان.
و"موسى بن عبد الرحمن": هو ابن سعيد بن مسروق الكنديّ المسروقيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [11] 74/ 91. و"حسين": هو ابن عليّ الجعفيّ القارئ العابد الثقة الكوفيّ [9] 74/ 91. "وزائدة": هو ابن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت سنيّ [7] 74/ 91.
وقوله: "أذن" بتشديد الذال من التأذين، وهو الإعلام، أي أعلم الناس بالصوم غدًا. وقال السنديّ: من التأذين، أو الإيذان، والمراد مطلق النداء والإعلام انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون من الإيذان لا يوافقه ظاهر اللفظ، لأن فعل الأمر منه آذِنْ -بالمدّ، وكسر الذال المعجمة، مخففة- فإن صحت الرواية به أيضًا فذاك، وإلا فما وافق ظاهر اللفظ متعيّن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2114 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث ساقه لبيان الخلاف على سفيان الثوريّ، فإن رواية الفضل المتقدّمة كانت موصولة، وهذه مرسلة.
و"أبو داود": هو عُمَر بن سَعْد الْحَفَريّ -بفتح الحاء المهملة، والفاء- نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقة عابد [9] 15/ 523.
وقوله: "مرسل" بالرفع خبر لمحذوف، أي هو مرسل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2115 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ، مِصِّيصِيٌّ، - قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق رابع ساقه لبيان الاختلاف على سفيان أيضًا، فقد وافق عبد اللَّه بن المبارك أبا داود الحَفَريّ في الإرسال.
وغرض المصنّف منه بيان أن الصواب في رواية سفيان، عن سماك لهذا الحديث هو الإرسال؛ لكثرة من رواه عن سفيان كذلك، وإنما وصله الفضل بن موسى، وهو دون ابن المبارك، وأبي داود الحَفَريّ في الحفظ والإتقان. وكذا وافقهما شعبة في الإرسال، فقد أخرجه الدارقطني في "سننه" ج 2 ص 159 - من طريق شعبة، عن الثوريّ، عن سماك، عن عكرمة، مرسلاً.
لكن الحديث صحيح؛ لأنه يشهد له حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2116 -
(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شَبِيبٍ، أَبُو عُثْمَانَ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا، بِطَرَسُوسَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ الْجَدَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَالَ: أَلاَّ إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَسَاءَلْتُهُمْ، وَأَنَّهُمْ حَدَّثُونِي، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا لَهَا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ، فَصُومُوا، وَأَفْطِرُوا» ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزَجَانيّ، نزيل دمشق ثقة حافظ، رمي بالنصب [11] 122/ 174.
2 -
(سعيد بن شبيب) -بفتح المعجمة، وموحّدتين، بينهما تحتانيّة ساكنة- أبو عثمان الحضرميّ المصريّ، صدوق [10]. قال إبراهيم الْجُوزَجانيّ: وكان شْيخا صالحا.
انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
3 -
(ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ الحافظ المتقن، من كبار [9] 144/ 226.
4 -
(حسين بن الحارث الْجَدَليّ) -بفتح الجيم- أبو القاسم الكوفيّ، صدوق [3].
قال ابن المدينيّ معروف. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به أبو داود، والمصنّف أيضًا، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
5 -
(عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب) العدويّ، وُلِد في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم، واستُشهِد أبوه باليمامة، وولي إمرة مكّة ليزيد بن معاوية، وقيل: كان اسمه محمدًا، فغيّره عمر رضي الله عنه.
قال مصعب: كان من أطول الرجال، وأتمّهم، وزوّجه عمر بنته فاطمة. وقال محمد ابن عبد العزيز الزهريّ: وُلد وهو ألطف مَن وُلد، فأخذه جدّه، أبو أمه، أبو لبابة في لِيفة، فجاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فحنّكه، ومسح على رأسه، ودعا له بالبركة، قال: فما رئي عبد الرحمن بن زيد مع قوم في صفّ إلا برعهم طولاً. وقال خليفة: ولاه يزيد بن معاوية مكة سنة (63) قال البخاريّ: مات قبل ابن عمر. وقال ابن سعد: مات النبيّ صلى الله عليه وسلم، وله ست سنين، ومات في زمن ابن الزبير. وقال ابن حبان في "الصحابة": وُلد سنة هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم -إلى المدينة. وقال العسكريّ: لم يرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم شيئا. انفرد به المصنّف، أخرج له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فِي الْيَوْمِ الّذِي يُشَكُّ فِيهِ) بالبناء للمفعول، أي يشك الناس في كوَنه من شعبان، أو من رمضان (فَقَالَ: أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وسَاءَلْتُهُم) ولفظ "الكبرى""وسألتهم" ثلاثيا، والأول مُفاعلة، من السؤال، وليس معنى المفاعلة مرادا هنا، إذ المراد
أنه سألهم، لا أنهم سألوه، لأنه المحتاج إلى سؤالهم، فإنه تابعيّ يحتاج أن يسأل الصحابة رضي الله عنهم عن سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن تكون المفاعلة على بابها، ويكون المعنى أنه سألهم عن السنة، وهم سألوه عن الأمور الدنيويّة، ويؤيّد هذا كونه أميراً على مكة، كما تقدّم في ترجمته. واللَّه تعالى أعلم (وَإنُهُمْ حَدَّثُونِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي صوموا فرض رمضان لرؤية الهلال، فالضمير يفسّره سياق الكلام، كما في قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، وقوله:{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا} [العاديات: 4]. أفاده ابن الملقّن في "الإعلام"
(1)
(وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي لا تفطروا قبل رؤية هلال شوّال بلا عذر مبيح (وَانْسُكُوا لَهَا) أمر من نَسَك يَنسُك، من باب نصر، أي اذبحوا نسككم، وهي الأضحيّة، أو المراد أداء النسك، وهو الحجّ، فكلّ من الأضحيّة، والحجّ لا بدّ له من رؤية هلال ذي الحجة (فَإِن غُمَّ عَلَيْكُمْ) -بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الميم، والبناء للمفعول-: أي حال بينكم، وبين الهلال غيم، أو ضَبَاب.
وقال الزركشيّ في "التنقيح": فيه ضمير يعود على الهلال، أي سُتِر، من غيّمت الشيءَ: سترتُهُ، وليس من الغيم، ويقال فيه: غُمِيَ، وغُمِّيَ، مخففًا، ومشدّدًا، رباعيًا، وثلاثيّا انتهى
(2)
(فَأَكْمِلُوا ثَلَاِثينَ) أي أكملوا عدّة شعبان ثلاثين يومًا (فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ) وفي رواية أحمد: "فإن شهد شاهدان مسلمان"، وفي رواية الدارقطنيّ:"فإن شهد ذوا عدل"(فَصُومُوا، وَأَفْطِرُوا") زاد في رواية الدارقطنيّ: "وانسُكوا" واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الدارقطنيّ في "سننه" نحو حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب المذكور، فأخرج من طريق عباد بن العوّام، عن أبي مالك الأشجعيّ، عن حسين بن الحارث الجَدَليّ، -جَدِيلَة قيس-: أن أمير مكّة خطبنا، فنَشَدَ الناسَ، فقال: من رأى الهلال ليوم كذا وكذا؟ ثم قال: "عهد إلينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن ننسُك للرؤية،، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما".
قال: فسألت الحسين بن الحارث مَن أمير مكة؟ قال: لا أدري، ثم لقيني بعدُ، فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمد بن حاطب. قال الدارقطنيّ: هذا إسناد متّصل صحيح.
وأخرجه أيضًا بسند آخر، وزاد فيه: وقال: إن فيكم مَن هو أعلم باللَّه ورسوله، وأشار رجل خلفه. قلت: من هو؟ قال: ابن عمر، فقال ابن عمر: بذلك أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
(1)
-"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ج 4 ص 171 - 172.
(2)
- انظر "زهر الربى" ج 4 ص 133 - 134.
ثم ذكر عن إبراهيم الحربيّ، أنه قال: هو الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر ابن خُبيب بن وهب بن حذيفة بن جُمَح، كان من مهاجرة الحبشة انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم -ورضي اللَّه تعالى عنهم- صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-8/ 2116 - وفي "الكبرى" 9/ 2426. وأخرجه (أحمد) 18137 والدارقطنيّ في "سننه"جـ2 ص 167 - 168. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في فوائده:
(منها): أن وجوب صوم رمضان يتعلّق برؤية هلال رمضان، فلا يصحّ الصوم بحساب القمر (ومنها): أنه لا يجوز الفطر من رمضان إلا برؤية هلال شوّال (ومنها): أن النسك، من الحجّ، وكذا الأضحيةُ لا يدخل وقته إلا برؤية هلال ذي الحجة (ومنها): أنه إذا كان في السماء حجاب يحجب عن رؤية الهلال لزم إكمال ثلاثين يومًا (ومنها): أن شهادة عدلين برؤبة الهلال يلزم بها الصوم والفطر، والحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في ذكر اختلاف أهل العلم فيما يثبت به هلال رمضان:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: مذهبنا ثبوته بعدلين بلا خلاف، وفي ثبوته بعدل خلاف، الصحيح ثبوته، وسواء أَصْحَت السماء
(2)
، أو غَيَّمَت.
وممن قال: يثبت بشاهد واحد عبد اللَّه بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وآخرون.
وممن قال: يشترط عدلان عطاء، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعيّ، والليث، وابن الماجشون، وإسحاق بن راهويه، وداود. وقال الثوريّ: يشترط رجلان، أو رجل وامرأتان. كذا حكاه ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة ثبت بشهادة واحد، ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين، قال: وإن كانت مصحية لم يثبت رمضان بواحد، ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة.
واحتجّ لأبي حنيفة بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال، وأبصارهم
(1)
- "سنن الدارقطنيّ" ج 2 ص 167.
(2)
- يقال: أصحت السماء بالألف، فهي مُصحية: انكشف غَيْمها. قاله في "المصباح".
صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد، أو اثنان دونهم.
واحتجّ من شرط اثنين بحديث الحارث بن حاطب، وهو صحيح.
واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال:"تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبيّ صلى الله عليه وسلم -أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه"، وهو صحيح.
قال: وأما حديث طاوس، عن ابن عمر، وابن عباس، رضي الله عنهم قالا: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل واحد على هلال رمضان، وكان لا يُجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين"، فرواه البيهقيّ، وضعفه. قال: وهذا مما لا ينبغي أن يُحتجّ به. قال: وفي الحديثين السابقين كفاية. ثم روى البيهقيّ بإسناده ما رواه الشافعيّ في "المسند" وغيره بإسناده الصحيح إلى فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أن رجلا شهد عند عليّ رضي الله عنه على رؤية هلال رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس بالصيام، وقال: لأنّ أصوم يوما من شعبان أحبّ إلي من أن أفطر يومًا من رمضان".
و (الجواب) عفا احتجّ به أبو حنيفة من وجهين: (أحدهما): أنه مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا يعرّج عليه. (والثاني): أنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم لحسن نظره، أو غير ذلك، وليس هذا ممتنعًا، ولهذا لو شهد برؤيته اثنان، أو واحد، وحكم به حاكم لم يُنقَض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلاً لم ينفذ حكمه، ووجب نقضه.
(والجواب): عفا احتجّ به الآخرون أن المراد بقوله: "ننسُك" هلال شوال، جمعًا بين الأحاديث، أو محمول على الاستحباب والاحتياط، ولا بدّ من أحد هذين التأويلين للجمع بين الأحاديث. انتهى كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى-
(1)
.
وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر اختلاف الأقوال: ما حاصله: واستدلّوا - يعني القائلين باعتبار شهادة الاثنين- بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وبحديث أمير مكة، فإن ظاهرهما اعتبار شاهدين، وتأولوا الحديثين المتقدمين -يعني حديث ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهما -السابقين- باحتمال أن يكون قد شهد عند النبيّ صلى الله عليه وسلم غيرهما.
وأجاب الأولون -يعني القائلين بالاكتفاء بشهادة رجل واحد- بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديثا عبد الرحمن بن زيد، وأمير مكة يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح، وأما التأويل بالاحتمال المذكور، فتعسّف وتجويز، لو صحّ اعتبار مثله لكان مفضيًا إلى طرح أكثر الشريعة.
(1)
- "المجموع" ج 6 ص 292 - 294.
قال: واختلفوا أيضًا في شهادة خروج رمضان، فقال النووي في "شرح مسلم": لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوّال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور، فجوّز بعدل انتهى. واستدلّوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المتقدم، وهو مما لا تقوم به حجة؛ لما تقدّم من ضعف من تفرّد به، وهو حفص بن عمر الأيليّ. وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة، فهما واردان في شهادة دخول رمضان، أما حديث أمير مكة فظاهر؛ لقوله فيه:"نسكنا بشهادتهما". وأما حديث عبد الرحمن بن زيد ففي بعض ألفاظه: "إلا أن يشهد شاهدا عدل"، وهو مستثنى من قوله:"فأكملوا عدة شعبان"، فالكلام في شهادة دخول رمضان، وأما لفظ أحمد:"فإن شهد مسلمان، فصوموا، وأفطروا"، وكذا لفظ النسائيّ:"فإن شهد شاهدان، فصوموا، وأفطروا"، فمع كون مفهوم الشرط، قد وقع الخلاف في العمل به هو أيضًا معارض بما تقدّم من قبوله صلى الله عليه وسلم لخبر الواحد في أول الشهر، وبالقياس عليه في آخره لعدم الفارق، فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به، وإذا لم يرد ما يدلّ على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلّة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه واحد قياسًا على الاكتفاء به في الصوم.
وأيضاً التعبّد بقبول خبر الواحد يدلّ على قبوله في كلّ موضع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبّد فيه بخبر الواحد؛ كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ما قاله أبو ثور.
ويمكن أن يقال: إن مفهوم حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قد عورض في أول الشهر بما تقدّم، وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك القياس لمعارضته، لا سيّما مع تأيده بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدّم، وهو وإن كان ضعيفًا، فذلك غير مانع من صلاحيته للتأييد، فيصلح ذلك المفهوم المعتضد بذلك الحديث لتخصيص ما ورد من التعبّد بأخبار الآحاد، والمقام محلّ نظر.
ومما يؤيّد القول بقبول الواحد مطلقًا أن قبوله في أول رمضان يستلزم الإفطار عند كمال العدّة استنادًا إلى قبوله.
وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الإفطار بقول الواحد ضمنا، لا صريحًا. وفيه نظر. انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي قول من قال: يثبت هلال رمضان بشهادة رجل واحد؛ لصحة حديث عكرمة عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، الذي تقدّم للمصنّف، وحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند أبي داود وغيره، فهذا
القول فيه الجمع بين الأدلّة، كما تقدّم، وأما الإفطار فلا بدّ من شاهدين؛ لصحة حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة من غير معارض لهما، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
9 - (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاِثينَ، إِذَا كَانَ غَيْمٌ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،) رضي الله عنه
-
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف الذي أشار إليه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى- هنا أنه اختلف الراويان على شعبة في لفظ الحديث، فرواه إسماعيل ابن عُليّة، عنه، بلفظ:"فعُدّوا ثلاثين"، وخالفه ورقاء بن عمر اليشكريّ، فرواه بلفظ:"فاقدروا ثلاثين". وسيأتي تمام البحث في اختلاف اللفظين قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
2117 -
(أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ، فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مؤمل بن هشام) اليشكريّ، أبو هشام البصريّ، ثقة [10] 24/ 26.
2 -
(إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [8] 18/ 19.
3 -
(شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [7] 24/ 27.
4 -
(محمد بن زياد) الجمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت ربما أرسل [3] 89/ 110.
5 -
(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ") تقدّم أن الضمير راجع إلى ما يدلّ عليه السياق، وهو الهلال، كما في قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .
والمعنى صوموا رمضان لرؤية هلاله، والمراد نيّة الصوم في النهار؛ لأنّ الليل ليس محلًا للصوم، أفاده العلامة ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ) -بضم الغين المعجمة، وتشديد الميم- أي هلال الشهر، ومعناه حال بينكم وبينه غيم. يقال:"غُمّ"، و"أُغمي"، و"غُمّي" -بتشديد الميم، وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما- ويقال:"غُبي" -بفتح الغين، وكسر الباء- أي خفي، وكلها لغات صحيحة، وقد غامت السماء، وغِيمت، وأغامت، وتغيّمت، وغيّمت، كلها بمعنى.
وقيل: هذه الألفاظ مأخوذة من إِغْمَاءِ المريض، يقال: غُمي، وأُغمي عليه، والرباعيّ أفصح. وقال القاضي عياض: وقد يصحّ أن ترجع إلى إغماء السماء والسحاب، وقد يكون أيضًا من التغطية، ومنه قولهم: غممت الشيءَ: إذا سترته، والغَمَى مقصورًا: ما سقفت به البيت من شيء. وروي "عُمِي" بالعين المهملة، والميم المخففة. حكاه القاضي أيضًا، ومعناه خَفِي، يقال: عَمِي عليّ الخبر، أي خفي. وقيل: هو مأخوذ من العلماء، وهو السحاب الرقيق. وقيل: المرتفع، أي دخل في العماء، أو يكون من العمى المقصور، وهو عدم الرؤية
(1)
.
(فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) أي عُدّوا ثلاثين يومًا، من شعبان، فصوموا بعدها. ورواه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، بلفظ:"فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين".
قال في "الفتح": ما حاصله: وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة صلى الله عليه وسلم في هذه الزيادة، فرواها البخاريّ -كما ترى- بلفظ:"فأكملو عدّة شعبان ثلاثين"، وهذا أصرح ما ورد في ذلك، وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك، فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه:"فعُدّوا ثلاثين". أشار إلى ذلك الإسماعيليّ، وهو عند مسلم وغيره، قال: فيجوز أن يكون آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر.
(1)
- انظر "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" للعلامة ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- ج 5 ص 172 - 173. و"طرح التثريب" ج 4 ص 117.
قال الحافظ: الذي ظنه الإسماعيليّ صحيح
(1)
، فقد رواه البيهقيّ من طريق إبراهيم ابن يزيد، عن آدم بلفظ:"فإن غمّ عليكم، فعدوّا ثلاثين يومًا، -يعني عدّوا شعبان ثلاثين-. فوقع للبخاريّ إدراج التفسير في نفس الخبر. ويؤيده رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ: "لا تقدّموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين". فإنه يشعر بأن المأمور بعدّه هو شعبان، وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد بلفظ: "فأكملوا العدد". وهو يتناول كلّ شهر، فدخل فيه شعبان. وروى الدارقطنيّ، وصححه، وابن خزيمة في "صحيحه" من حديث عائشة رضي الله عنها: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدّ ثلاثين يومًا، ثم صام". وأخرجه أبو داود وغيره أيضًا. وروى أبو داود، والنسائيّ
(2)
وابن خزيمة من طريق رِبْعيّ، عن حُذيفة رضي الله عنه، مرفوعاً:"لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكمّلوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكمّلوا العدّة". وقيل: الصواب فيه: عن ربعيّ، عن رجل من الصحابة مبهم، ولا يقدح ذلك في صحته انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-
(3)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -9/ 2117 و 2118 و 10/ 2119 و 11/ 2123 و 17/ 2138 و 17/ 2138 - وفي "الكبرى" 10/ 2427 و 2428 و 11/ 2429 و 12/ 2433 و 18/ 2448 و 18/ 2448. وأخرجه (خ) 1909 (م) 1081 (ق) 1655. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "فاقدروا ثلاثين": اختلفوا في المراد به على مذاهب:
(الأول): مذهب الجمهور، قالوا: معناه قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يومًا.
(1)
- سيأتي الردّ على هذا الذي ظنه الإسماعيليّ، ووافقه عليه الحافظ في كلام وليّ الدين العراقيّ، إن شاء اللَّه تعالى.
(2)
- يأتي للمصنّف في 13/ 2126.
(3)
-"فتح" ج 4 ص 616 - 617.
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن بين اختلاف الروايات في حديث ابن عمر الآتي، ففي رواية "فاقدروا له"، وفي رواية "فاقدروا ثلاثين"، وفي رواية "فأكملوا العدّة ثلاثين"، وفي رواية "فعدّوا ثلاثين":
ما حاصله: والروايات يفسّر بعضها بعضًا، والحديث إذا جمُعت طرقه تبيّن المراد منه، وقد دلّ على ذلك أيضًا ما رواه البخاريّ من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين". رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"فصوموا ثلاثين يومًا" وليس ذلك اضطرابًا في الخبر لأنا مأمورون بذلك في الصوم والفطر، وقد ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم صورة الغمّ علينا بعد قوله:"لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه"، فعاد إلى الصورتين معًا، أي فإن غمّ عليكم في صومكم، أو فطركم، فذكر في إحدى الروايتين إحدى الصورتين، وفي الأخرى الصورة الأخرى، وأتى في بعض روايات حديث أبي هريرة بعبارة متناولة لهما، ففي رواية لمسلم "فعدّوا ثلاثين"، وفي رواية له:"فأكملوا العدد".
ومن العجيب اعتراض بعض الحنابلة على رواية البخاريّ بأن الإسماعيليّ قد أخرجها في "مستخرجه" من رواية غندر، عن شعبة بلفظ:"فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين"، ثم عدّ جماعة رووه عن شعبة كذلك، ثم قال هذا الحنبليّ: وهذا يجوز أن يكون من آدم بن أبي إياس رواه على التفسير من عنده للخبر انتهى.
وغايته أن رواية البخاريّ خاصّة، والرواية التي حكاها عن غيره عامّة، تتناول شعبان ورمضان، فلا معنى لحملها على رمضان، لا سيما، وهم يؤولون قوله:"فاقدروا له" كما سيأتي بيانه، ويحملونه على تقدير الهلال تحت السحاب، وذلك يدلّ على أن المراد شعبان، وهذا يدلّ على مخالفة كلام هذا الحنبليّ لكلام أئمته، ولا جائز أن يُحمل الشرط في قوله:"فإن غمّ عليكم" على صورة، والجزاء، وهو قوله:"فعدوا ثلاثين" على صورة غيرها.
ولقد أنصف الإمام شمس الدين محمد بن عبد الهادي، وهو من أعيان متأخري الحنابلة، فقال في "تنقيح التحقيق": الذي دلت عليه أحاديث هذه المسألة، وهو مقتضى القواعد أن أيّ شهر غُمّ أُكمِلَ ثلاثين، سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، وعلى هذا فقوله:"فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة" يرجع إلى الجملتين، وهما قوله:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة"، أي غُمّ عليكم في صومكم وفطركم، هذا هو الظاهر من اللفظ، وباقي الأحاديث يدلّ عليه.
قال: وما ذكره الإسماعيليّ غير قادح في صحّة الحديث؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إما أن يكون قال اللفظين، وهذا مقتضى ظاهر الرواية، وإما أن يكون قال أحدهما، وذكر الراوي اللفظ الآخر بالمعنى، فإن الأمرين في قوله:"فأكملوا العدّة" للشهرين انتهى.
وفي "سنن أبي داود" عن عمر بن عبد العزيز: "وإن أحسن ما يقدّر له إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء اللَّه لكذا وكذا، إلا أن يروا الهلال قبل ذلك". وفي رواية للبيهقيّ في "سننه" في الحديث المرفوع من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "فإن غُمّ عليكم، فإنها ليست تُغمَى عليكم العدّة".
وقد روى مالك في "الموطإ" عقب حديث ابن عمر حديث عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان، فقال:"لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة ثلاثين ". قال ابن عبد البرّ: جعله بعده لأنه عنده مفسّر له، ومبيّن لمعنى قوله:"فاقدروا له".
قال ولّي الدين: وكذا رواه الترمذيّ بلفظ "فأكملوا ثلاثين يومًا". وهو عند أبي داود بلفظ: "فإن حال دونه غمامة، فأتموا العدّة ثلاثين، ثم أفطروا". وعند النسائيّ بلفظ: "فإن حال بينكم وبينه سحابة، أو ظلمة، فأكملوا العدّة، عدّة شعبان". وهذا على ما قدّمته في حديث ابن عمر ذَكَرَ في رواية أبي داود صورةً، وفي رواية النسائيّ أخرى، وأتى في رواية مالك، والترمذيّ بما يَشمَل الصورتين، وليس ذلك اضطرابًا. وفي "صحيح مسلم" عن أبي الْبَخْتَريّ، قال: أهللنا رمضان، ونحن بذات العرق، فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس، فسأله؟ فقال ابن عباس: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه قد أمده لرؤيته، فإن غمي عليكم، فأكملوا العدّة"، وفي رواية له: فلقينا ابن عباس، فقلنا، وذكره، وهذا شاهد لرواية مالك وغيره. وروى أبو داود والنسائيّ عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعًا:"لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة". وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها، كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام".
وقد رُويَ هذا المعنى، وهو إكمال العدّة ثلاثين يومًا عند الغمّ علينا من حديث جابر، وأبي بكرة، وعمر بن الخطاب، ورافع بن خَدِيج، وعليّ بن أبي طالب، وطلق ابن عليّ، والبراء بن عازب رضي الله عنهم. وقد جمع ذلك الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ". قال ابن عبد البرّ: ولم يرو أحد فيما علمت "فاقدروا له" إلا ابن عمر وحده. واللَّه تعالى أعلم.
(المذهب الثاني): مذهب من قال: إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "فاقدروا له: ضيّقوا له، وقَدِّرُوه تحت السحاب، ومن قال بهذا أوجب الصيام من الغد ليلة الثلاثين من شعبان إن كان في محلّ الهلال ما يمنع رؤيته، من غيم وغيره.
وهذا مذهب ابن عمر رضي الله عنهما راوي هذا الحديث، ففي "سنن أبي داود": فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعًا وعشرين نُظِرَ له، فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يَحُلْ دونه منظره سحاب، أو قَتَرَة، أصبح مفطرّا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح صائمًا، قال: وكان ابن عمر رضي الله عنهم يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب.
قال الخطابيّ: يريد أنه كان يفعل هذا الصنيع في شهر شعبان احتياطًا للصوم، ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان، ولا يفطر إلا مع الناس.
قال وليّ الدين: وكأن الراوي أشار بذلك إلى النقض على ابن عمر في كونه قال بما يقتضي حمل التقديرين على التضييق، وتقديره تحت السحاب في إحدى الصورتين، دون الأخرى، ولو اختلف حكمهما لبيّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفصل بينهما، وقد نبّه النبيّ صلى الله عليه وسلم على التسوية بينهما بنهيه عن صوم يوم الشكّ. وقد تبع ابنَ عمر على هذا المذهب أحمدُ بن حنبل في المشهور عنه.
قال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في تصنيف له سمّاه "دَرْء اللَّوْم والضَّيْم في صوم يوم الغيم": وهذا مرويّ من الصحابة، عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاريّ، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم. قال: وقال به من كبراء التابعين سالم بن عبد اللَّه، ومجاهد، وطاوس، وأبو عثمان النّهْديّ، ومطرّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد اللَّه المزنيّ، في آخرين.
حكاه عنه الحافظ العراقي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ"، وردّ عليه في حكايته عن هؤلاء الصحابة، فذكر أن الرواية في ذلك عن عمر منقطعة، فإنها من رواية مكحول عنه، ولم يدركه، وأن ابن الجوزيّ إنما نقل ذلك عن عليّ؛ لأنه قال:"أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان". قال العراقيّ: وهو منقطع، ثم إنه إنما قاله عند شهادة واحد على رؤية الهلال، لا في الغيم، كما رواه الدارقطنيّ في "سننه" مبيّنًا، ولا يحلّ الاختصار على هذا الوجه؛ لأنه يُخلّ بالمعنى. قال: والمعروف عن عمر، وعليّ خلاف ذلك ففي "مصنّف ابن أبي شيبة" عن كلّ منهما أنه كان يخطب إذا حضر رمضان، فيقول:"ألا لا تقدّموا الشهر، إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتم الهلال، فأفطروا، فان غمّ عليكم، فأتمّوا العدّة".
ومستند ابن الجوزيّ في نقل ذلك عن أنس ما رواه عن يحيى بن إسحاق أنه قال: رأيت الهلال إما عند الظهر، وإما قريبًا منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون
(1)
يومًا، وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إليّ قبل صيام الناس أني صائم غدًا، فكرهت الخلاف عليه، فصمت، وأنا متمّ صوم يومي هذا إلى الليل.
قال العراقيّ: هذا لم يفعله للغيم، وإنما فعله كراهية للاختلاف على الأمير، وهو ابن عمّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ، فهو موافق لرواية عن أحمد: إن الخيرة إلى الأمير في صيام ليلة الغيم. فلم يصمه أنس عن رمضان، وقد أفطر الناس ذلك اليوم، وأراد أنس ترك الخلاف على أميره.
قال العراقي: والمعروف عن أبي هريرة رضي الله عنه خلاف ما نقله عنه، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" عنه أنه قال: نهي أن يتعجّل قبل رمضان بيوم أو يومين. لكن روى البيهقيّ عنه من رواية أبي مريم عنه: "لأن أصوم اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان". ثم قال البيهقيّ: كذا روي عن أبي هريرة بهذا الإسناد، ورواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في النهي عن التقدّم إلا أن يوافق صوما كان يصومه أصحّ من ذلك انتهى.
قال: وأما أثر معاوية، فإنه ضعيف لا يصح، وقد رواه ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" من رواية مكحول عنه، وضعّفه. قال: وأما أثر عمرو بن العاص، فلم أر له إسنادًا. قال: وأما الحكم بن أيوب، فهو الثقفيّ، وهو من التابعين، كما ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. قال: فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزيّ إلا ابن عمر، وعائشة، وأسماء رضي الله عنهم، واختلف عن أبي هريرة كما تقدّم.
قال البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومتابعة السنّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوامّ أهل العلم أولى بنا انتهى.
وقال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يُتابع ابن عمر على تأويله ذلك فيما علمت إلا طاوس، وأحمد بن حنبل. وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثله، وعن عائشة نحوه. انتهى.
(المذهب الثالث): مذهب فرقة ثالثة، قالوا: إن معنى الحديث: قَدِّرُوه بحساب المنازل، حكاه النوويّ في "شرح مسلم" عن ابن سُريج، وجماعة، منهم مطرّف بن
(1)
- هكذا نسخ "الطرح" بالرفع، ولعل الأولى بالنصب، فليحرّر.
عبد اللَّه، وابن قتيبة، وآخرون. وقال ابن عبد البرّ: رُوي عن مطرّف بن الشّخّير، وليس بصحيح عنه، ولو صحّ ما وجب اتباعه عليه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجّة له، ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يُعرّج عليه في مثل هذا الباب، ثم حكى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعيّ، ثم قال ابن عبد البرّ: والصحيح عنه في كتبه، وعند أصحابه، وجمهور العلماء خلافه. قال وليّ الدين: لا يعرف ذلك عن الشافعيّ أصلاً. واللَّه أعلم.
وبالغ ابن العربيّ في "العارضة" في إنكاره مقالة ابن سُريج هذه، قال المازريّ عن الجمهور: لا يجوز أن يكون حساب المنجّمين، لأن الناس لو كلّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم، وحكى ابن العربي عن ابن سريج أن قوله:"فاقدروا" خطاب لمن خصّه اللَّه بهذا العلم، وقوله:"فأكملوا العدّة" خطاب للعامة. قال ابن العربي: فكأن وجوب رمضان جعله مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب الْجُمَّل، إن هذا لبعيد عن النبلاء، فكيف عن العلماء؟.
وقال ابن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى- في "مشكل الوسيط": معرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلّة، وهو غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلام الغزاليّ في الدرس، فالحساب أمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس يشترك في ذكره الجمهور، ممن يراقب النجوم انتهى.
قال ولّي الدين: فمعرفة منازل القمر هي التي قال بها ابن سريج، ثم إنه لم يقل بها في حقّ كلّ أحد، وإنما قال بها في حقّ العارف بها، وإنما قال بجوازه له، كذا ذكر الرويانيّ عنه. ونقل الجواز أيضًا عن اختيار القفّال، والقاضي أبي الطيّب الطبريّ. وحكى الشيخ في "المهذّب" عن ابن سُريج لزوم الصوم في هذه الصورة. ثم ذكر وليّ الدين تفاصيل الأوجه في مذهب الشافعيّ في مسألة الحاسب والمنجّم، وبسط الكلام فيه.
وقال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": وأما ما دلّ الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرى لولا وجود المانع، كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعيّ، قال: وليس حقيقة الرؤية تشترط في اللزوم؛ لأنّ الاتفاق على أن المحبوس في الممطورة إذا علم بإكمال العدّة، أو الاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه.
وردّ عليه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ "، فقال: المحبوس في الممطورة
معذور، فيجب عليهَ الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل بما أدّى إليه اجتهاده، فإن تبيّن خطؤه بيقين أعاد، وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد، والسبب الشرعيّ للوجوب إنما هو الرؤية، لا علم ذلك بالحساب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إنا أمة أميّة، لا نحسب، ولا نكتب
…
" الحديث انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فقد أجاد الحافظ العراقيّ في الاعتراض على ما قاله ابن دقيق العيد من الاعتماد على أن الهلال قد طلع، وقد ردّ الصنعاني عليه أيضًا في حاشيته "العدّة" ردّا جميلا، فراجع حاشيته ج 3 ص 328 - 329.
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: وقد ظهر بما بسطناه صحّة مذهب الجمهور في تعليق الحكم بالرؤية، دون غيرها، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء من السلف والخلف انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-، من ترجيح مذهب الجمهور في المسألة هو الحق الذي لا مَحِيد عنه؛ للأحاديث الصحيحة التي تدلّ على وجوب الاعتماد على الرؤية، دون غيره من الحساب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2118 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد": أبو يحيي المكيّ، ثقة [10] 11/ 11. و"عبد اللَّه بن يزيد": أبو عبد الرحمن المقرئ المكيّ، ثقة فاضل [9] 4/ 746. و"ورقاء" بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ نزيل المدائن، صدوق [7] 60/ 866.
وقوله: "فاقدروا ثلاثين". بوصل الهمزة، وضم الدال، وكسرها: يعني حقّقوا مقادير أيام شعبان، حتى تكملوه ثلاثين يومًا، كما جاء في الرواية الأخرى. أفاده الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في شرحه
(1)
.
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: قال أهل اللغة: يقال: قدَرتُ الشيء - بالتخفيف- أقدُره -بضم الدال، وكسرها، وقدّرته -بالتشديد- وأقدرته بهمزة أوله
(2)
(1)
- "زهر الربى" ج4 ص 134 - 135.
(2)
- هكذا ضبطه ولي الدين في "طرح التثريب" بهمزة أوله أيضًا، ولم أجد هذا فيما لديّ من كتب اللغة، فليحرّر. واللَّه تعالى أعلم.
بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابيّ: ومنه قوله تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} . فالمعنى: قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يوما انتهى. وبهذا فسّره الجمهور انتهى كلام ولي الدين بتصرف
(1)
.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
10 - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْريّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- أن إبراهيم بن سعد رواه عنه، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وخالفه في ذلك يونس بن يزيد الأيليّ، فرواه عنه، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه.
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ؛ لأنه يُحمَل على أنه مرويٌّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومن حديث عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهم، ولذا أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهم، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فدلّ على أنه محفوظ من كلا الطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2119 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن يحيى بن عبد اللَّه النيسابوريّ": هو الذهلي الحافظ المشهور [11] 196/ 314. و"سليمان بن داود": هو ابن علي بن عبد اللَّه بن العباس، أبو أيوب البغداديّ الهاشمي الثقة الجليل [10] 68/ 1316. و"إبراهيم": هو: ابن سعد بن إبراهيم الزهريّ المدنيّ الثقة الحجة [8] 196/ 314. و"محمد بن مسلم": هو ابن شهاب الإمام المشهور.
(1)
- "طرح التثريب" ج 3 ص 107.
والحديث أخرجه مسلم، وشرحه، وبيان مسائله تقدّمت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2120 -
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الرَّبِيعُ بنُ سُلَيْمَانَ": هو ابن داود الأعرج الجيزيّ، أبو محمد المصريّ، ثقة [11] 122/ 173. و"ابْنُ وَهْبٍ": هو عبد اللَّه المصريّ الثقة المثبت [9] و "يونس": هو ابن يزيد الأيلي الثقة المثبت [7]. و"سالم بن عبد اللَّه": هو ابن عمر بن الخطاب المدنيّ الثقة الفقيه [3].
وشرح الحديث يعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجنه:
حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -10/ 120 و 2121 و 11/ 2122 وفي "الكبرى" 11/ 2430 و 2431 و 12/ 2432. وأخرجه (خ) في "الصوم" 1900 و 1906 و 1907 و 1908 و 1913 (م) في "الصوم" 1080 (د) في "الصوم" 2319 و 2320 (ق) في "الصيام" 1654 (أحمد) في "مسند المكثرين" 4474 و 4597 (الموطإ) في "الصيام" 633 و 434 (الدارمي) في "الصوم" 1622. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2121 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن سلمة": هو الجمليّ المراديّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20. و"الحارث بن مسكين": هو القاضي الفقيه المصريّ ثقة [10] 9/ 9.
و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن العُتَقيّ المصريّ الفقيه الثقة، صاحب مالك من كبار [10] 19/ 20. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة [7].
و"نافع": هو أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر الفقيه الحجة [3]. والحديث متفق عليه، وشرحه يعلم مما سبق.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال" فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): أنه يفيد أنه لا يلزم الصوم، ولا يثبت كون اليوم من رمضان بغير رؤية؛ لا بتقديرٍ تحت السحاب في الغيم، ولا برجوع إلى حساب.
واختُلف في جواز صومه عن رمضان، ومقتضى الحديث منع ذلك؛ لأنه صوم قبل الرؤية، وهو مذهب الشافعي وغيره، وقالوا: لا ينعقد صومه، ولا يجزيه إن ظهر أنه من رمضان، واقتصر الحنفية على الكراهة، وقالوا: إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه، وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعًا. أفاده وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الأرجح عندي؛ ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصموه حتي تروه"، إذا النهي يقتضي الفساد والفاسد لا يكون مسقطًا لفرض رمضان، وكذلك لا ينعقد تطوعًا؛ إلا لمن كان عادته أن يصوم ذلك اليوم، فيجوز؛ لما سيأتي -38/ 2190 - من حديث أبي هريرة، مرفوعًا:"ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين؛ إلا رجل كان يصوم صياما، فليصمه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): مقتضى الحديث أيضًا منع صومه عن غير رمضان، واختُلف في ذلك أيضًا، فجوزت المالكية، والشافعية صومه عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو تطوّعًا إذا وافق وِرْده، واختلفوا في جواز التطوع بصومه بلا سبب، فمنعه الشافعية، وقالوا بتحريمه، فإن صامه فالأصحّ عندهم بطلانه، والمشهور عند المالكية جوازه، وقال محمد بن مسلمة بكراهته. وكره الحنفيّة صومه عن واجب آخر، ولم يكرهوا التطوّع بصومه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الصواب عدم مشروعية صومه مطلقًا، قضاءٌ، أو غير ذلك، إلا من وافق وِرْده، فإنه يصحّ أن يصومه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم. واللَّه تعالى أعلم.
قال وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ثم إن ذلك كله مفروض في يوم الشكّ، لا في مطلق الثلاثين من شعبان. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: ويوم الشكّ يوم الثلاثين من شعبان إذا تحُدِّث برؤيته، أو شهد بها من لا تثبت بقوله، فإن لم يَتَحدّث برؤيته أحد فليس يوم شكّ، ولو كانت السماء مغيمة. وقال المالكيّة: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا
كانت السماء مغيمة انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
-"طرح" ج4 ص 114.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
11 - (ذِكْرُ الاخْتِلَافُ عَلَى عُبَيدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن يحيى القطّان رواه عنه، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وخالفه محمد بن بِشْر، فرواه عنه عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومثل هذا الاختلاف لا يضرّ، كما تقدّم البحث عنه قريبًا، ولذا أخرجه مسلم من حديثهما، فأخرجه من حديث ابن عمر من طريق أبي أسامة، عن عبيد اللَّه برقم 2496 - ومن طريق عبد اللَّه بن نمير، عن عبيد اللَّه برقم 2497 ومن طريق يحيى القطان عن عبيد اللَّه برقم 2498.
وأخرجه من حديث أبي هريرة، من طريق محمد بن بشر العبديّ، عن عبيد اللَّه برقم 2513. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2122 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلاس، أبو حفص البصريّ الثقة المثبت [10] و"يحيى": هو ابن سعيد القطان المصريّ الإمام الحجة الثبت [9]. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمَريّ المدنيّ الفقيه الثقة المثبت [5]. والباقيان سبقا قريبًا، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: "لا تصوموا": أي بنيّة الفرض. وقوله: "ولا تفطروا" أي بلا عذر.
وقوله: "حتى تروه". لا يمكن أن يكون معناه رؤية جميع الناس، بحيث يحتاج كلّ فرد فرد في وجوب الصوم عليه إلى رؤية الهلال، بل المعتبر رؤية بعضهم، وهو العدد الذي تثبت به الحقوق، وهو عدلان؛ لقوله تعالى:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} الآية [البقرة: 282]، وقولِهِ صلى الله عليه وسلم للمدّعي: "شاهداك
…
" الحديث. إلا أن هلال رمضان يُكتفَى في ثبوته بعدل واحد عند أكثر أهل العلم، وهو الصواب، لحديث ابن
عمر رضي الله عنه، وحديث الأعرابيّ، وقد تقدّم تحقيقه في 8/ 2112 - "باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2123 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، صَاحِبُ حِمْصَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْهِلَالَ، فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو بكر بن عليّ، صاحب حمص": هو أحمد بن علي بن سعيد المروزيّ القاضي، الحافظ الثقة [12] 1/ 2094 وهو من أفراد المصنّف.
وقوله: "صاحب حمص". أي الذي كان قاضيا فيها. قال الحافظ المزّيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "تهذيب الكمال": تولّى القضاء بدمشق نيابة عن أبي زُرْعة محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة الثقفيّ، وكان يلي القضاء قبل ذلك بحمص انتهى
(1)
.
و"أبو بكر بن أبي شيبة": هو عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الثقة، صاحب المصنّف [10] و"محمد بن بشر": هو العبديّ الكوفيّ، ثقة حافظ [9]. و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكران المدنيّ، ثقة فقيه [5]. و"الأعرج": هو عبد الرحمن بن هُرمز المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [3].
والحديث أخرجه مسلم، وشرحه يعلم مما سبق.
وقوله: "إذا رأيتوه فصوموا الخ": فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): أنه يدلّ على وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان، وعلى وجوب الإفطار عليه أيضًا برؤية هلال شوّال، وإن لم يثبت ذلك بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في هلال رمضان، واختلفوا في الإفطار برؤية شوّال وحده، فقال الثلاثة: لا يفطر، بل يستمرّ صائمًا؛ احتياطًا للصوم. وقال الشافعيّ: يلزمه الفطر، ولكن يخفيه؛ لئلا يُتهم، وهو مقتضى قوله:"ولا تفطروا حتى تروه". وذهب عطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن راهويه إلى أنه لا يصوم برؤيته وحده. وعن أحمد أنه لا يصوم إلا في جماعة الناس. وروي نحوه عن الحسن، وابن سيرين. قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-
(2)
.
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- عند قوله: "صوموا لرؤيته الخ": ما: نصّه: يقتضي
(1)
- "تهذيب الكمال" ج 1 ص 407.
(2)
- انظر "طرح التثريب" ج 4 ص 117.
لزوم حكم الصوم والفطر لمن صحّت له الرؤية، سواء شُورك في رؤيته، أو انفرد بها، وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء، وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية، وهذا الحديث ردّ عليهما انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور، من وجوب الصوم والإفطار على من رأى الهلال وحده هو الحقّ؛ لصريح قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): يتناول الحديث رؤيته ليلًا ونهارًا، لكنه إذا رئي نهارًا فهو لليلة المستقبلة، فإن كان ذلك يوم الثلاثين من شعبان لم يصوموا، وإن كان يوم الثلاثين من رمضان لم يفطروا، وسواء كان ذلك قبل الزوال، أو بعده، هذا هو المشهور في المذاهب الأربعة. وحكي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأوزاعيّ، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه. وذهب سفيان الثوريّ، وأبو يوسف، وبعض المالكية إلى أنه إن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم الظاهريّ. قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-
(2)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول الذي عليه الجمهور هو الظاهر عندي؛ لوضوح حجته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
12 - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَمْرِو ابْنِ دِينَارِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ رضي الله عنهما فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "فيه" الضمير يعود إلى إكمال شعبان. ووجه الاختلاف المذكور أن حماد بن سلمة رواه عن عمرو، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، وخالفه سفيان بن عُيينة، فرواه عن عمرو، عن محمد بن حُنين، عن ابن عباس رضي الله عنهما، فأدخل واسطة بين عمرو بن دينار، وبين ابن عباس رضي الله عنهما. والراجح رواية ابن عيينة،
(1)
- "المفهم" ج 3 ص 138 - 139.
(2)
- المصدر السابق.
لكونه أحفظ من حماد بن سلمة، ولأن له متابعًا، فقد تابعه زكريا بن إسحاق، وابن جريج.
فأما متابعة زكريا بن إسحاق، فقد أخرجها ابن عبد البرّ من طريق رَوح بن عبادة، قال: حَدَّثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار أن محمد بن حنين أخبره أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: "إني لأعجب من هؤلاء الذين يصومون قبل رمضان، إنما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم الهلال، فصوموا، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن غمّ عليكم، فعدّوا ثلاثين". انتهى.
وأما متابعة ابن جريج، فقد أخرجها أحمد في "مسنده" جـ 1 ص 367 - عن عبد الرزاق، وابن بكر، قالا: أنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع محمد ابن جُبير، يقول: كان ابن عباس ينكر أن يُتقدّم في صيام رمضان، إذا لم يُرَ هلال شهر رمضان، ويقول: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تروا الهلال، فاستكملوا ثلاثين ليلة" انتهى.
والحاصل أن الراجح إثبات الواسطة بين عمرو بن دينار، وبين ابن عباس، لاتفاق ابن عيينة، وزكريا بن إسحاق، وابن جريج على إثباته. وأما اختلافهم في اسم والد محمد، هل هو"حنين"، أو"جُبير"، فسيأتي أن الراجح أنه "حنين"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2124 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، أَبُو الْجَوْزَاءِ، وَهُوَ ثِقَةٌ بَصْرِيٌّ، أَخُو أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن عثمان، أبو الْجَوْزَاء": هو أحمد بن عثمان بن أبي عثمان عبد النور بن عبد اللَّه بن سِنَان النوفليّ، أبو عثمان البصريّ، الملقّب أبا الجوزاء -بالجيم والزاي- ثقة [11].
قال أبو حاتم: ثقة رِضًا. وقال النسائيّ: ثقة
(1)
. وقال البزار: بصريّ ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن أبي عاصم: مات سنة (246) قال: وكان من نُسّاك أهل البصرة. روى عنه مسلم، والمصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذ 2124 وفي "كتاب القسامة" 4760 حديث إن شئت فادفع إليه يدك حتى يقضمها .. " الحديث. وفي "كتاب الزينة" 5204 حديث أنس أخر رسول
(1)
- نقل في "تهذيب التهذيب" أن النسائيّ قال: لا بأس به. وهو مخالف لعبارة "المجتبى"، ولعل له قولين. واللَّه تعالى أعلم.
اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء الآخرة .. " الحديث.
وقوله: "أخو أبي العالية": هكذا ذكر هذه العبارة في "تهذيب الكمال" جـ1 ص 406 - وكتب في هامشه ما نصّه: في حاشية الأصل تعليق للمؤلّف: أبو العالية هذا اسمه إسماعيل بن الهيثم بن عثمان العبديّ، وهو أخوه لأمه. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أجد ترجمة إسماعيل هذا، فاللَّه تعالى أعلم.
و"حَبّان بن هلال" -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحّدة-: هو أبو حَبيب البصريّ، ثقة ثبت [9] 44/ 590. و"حماد بن سلمة": هو أبو سلمة البصريّ، ثقة تغير في الآخر [8]. و"عمرو بن دينار": هو الجمحيّ الأثرم، أبو محمد المكيّ، ثقة [4].
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -12/ 2124 و 2125 و 13/ 2129 و 2130 - وفي "الكبرى" 13/ 2434 و 2435 و 14/ 2439 و 2440. وأخرجه (د) 1982 و (ت) 624 (أحمد) 1830 و 1881 و 2219 و 2653 و 3295 (الموطأ) 559 (الدارميّ) 1621. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2125 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: عَجِبْتُ مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ": هو المكيّ الثقة [11]. و"سفيان ": هو ابن عيينة الإمام الحجة الثبت [8].
و"محمد بن حُنين" -بالحاء المهملة، ونونين، مصغرًا- مكيّ مقبول [4].
وفي "تهذيب التهذيب": محمد بن حنين، عن ابن عباس. وعنه عمرو بن دينار. كذا وقع في بعض النسخ من النسائيّ، وفي الأصول القديمة: محمد بن جبير، وهو ابن مطعم، وهو الصواب، وكذلك هو في "المسند" وغيره.
قال الحافظ: وقد ذكر الدارقطنيّ أن محمد بن حُنين أيضًا روى عن ابن عباس، قال: وهو أخو عُبيد بن حُنين، وكذا هو مُجوّد في "السنن الكبرى" رواية ابن الأحمر عن النسائيّ. واللَّه أعلم. وقال الحاكم: لا أعرف روى عنه غير عمرو بن دينار انتهى.
وقال الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وكان في كتاب أبي القاسم "محمد بن حُنين" عن ابن عباس، وهو وَهَمٌ انتهى.
وكتب الحافظ في "النكت الظراف" جـ5 ص 230 - 231: ما نصه: وقال في "التهذيب": اعتمد أبو القاسم على ما وقع في بعض النسخ المتأخّرة -وهو خطأ، والصواب "محمد بن جُبير" -وهو ابن مطعم- كذا هو في الأصول المعتمدة من النسائيّ، وكذا هو في "مسند أحمد" جـ1 ص 221 - واعترضه مغلطاي بأنه رآه في "مسند أحمد"ج 1 ص 367 - "محمد بن جبير" غير منسوب، وفي نسخة قرئت على أبي الفرج "محمد بن حُنين" بنون مجوّدة، وفي بعض نسخ النسائيّ القديمة كذلك. وفي نسخة قرئت على المنذريّ من النسائيّ الصغرى "حنين" وكذا هو في موضعين من "التمهيد" في هذا الحديث. وكذا ذكره أبو العبّاس الطرقيّ، وكذا في البيهقيّ في النسخة التي قرئت على ابن الصلاح، وفي أخرى قديمة، قيل: إنها بخطّ البيهقيّ. وكذا في "مسند البزّار" في نسخة قرئت على السِّلَفيّ. وفي "التلخيص" للخطيب: "محمد بن حنين" و"محمد بن جبير" - أما الأول بالحاء المهملة، ونونين، فهو مولى العباس، سمع ابن عباس، روى عنه عمرو بن دينار، ثم ساق هذا الحديث، وقال بعده: هو أخو عبد اللَّه، وعبيد أولاد حُنين. وكذا قال الدارقطنيّ، وابن ماكولا في "الإكمال ج 2 ص 27"- "محمد بن حنين" بحاء مهملة ونونين، يروي عن ابن عباس، وعنه عمرو ابن دينار. انتهى
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي مما ذُكر أن "محمد بن حُنين" هو الصواب، لا "محمد بن جُبير"، فلا وجه لتخطئة ما وقع في معظم نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" التي بين أيدينا، من أنه "ابن حنين". واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في النسخة "الهندية" من "المجتبى""محمد بن حُسين" -بالسين المهملة بعد الحاء المهملة- وهو تصحيف، بلا ريب. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "ممن يتقدّم الشهر": أي يستقبله بالصوم، وهذا محمول على أن المراد استقباله بنية صوم الفرض، فلا إشكال فيما سيأتي -38/ 2190 - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعاً: ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين، إلا رجل كان يصوم صياما، فليصمه".
والحديث صحيح، كما تقدم الكلام عليه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
(1)
- انظر "تحفة الأشراف" ج 5 ص230 - 231.
13 - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مَنْصُورِ فِي حَدِيثِ رِبْعِيٍّ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "فيه" الضمير يعود إلى إكمال شعبان أيضًا.
ووجه الاختلاف على منصور في هذا الحديث أن جرير بن عبد الحميد رواه عن منصور، عن رِبعي بن حِراش، عن حذيفة رضي الله عنه، وخالفه سفيان الثوريّ، فرواه عنه، عن ربعيّ، عن بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وخالفهما الحجاج بن أرطأة، فرواه عن منصور، عن ربعي، مرسلاً.
فأما اختلاف جرير، والثوريّ، فلا يؤثّر في صحّة الحديث، إذ المبهم في رواية الثوريّ يفسّر بأنه حذيفة، فتتفق الروايتان، وعلى تقدير ترجيح رواية الثوريّ على رواية جرير -كما سيأتي في كلام المصنّف- فكذلك لا يضرّ؛ لأنّ إبهام الصحابيّ لا يضرّ، إذ الصحابة كلّهم عدول -كما أشار إليه الحافظ في "الفتح"-
(1)
.
وأما مخالفة الحجّاج، فلا اعتبار بها؛ لكونه كثير الخطإ، والتدليس، فمخالفته لا تضرّ. والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: نقل الحافظ أبو الحجّاج المزيّ في "تحفة الأشراف" جـ3 ص 28 عن المصنّف أنه قال: لا أعلم أحدًا في أصحاب منصور قال في هذا الحديث: "عن حُذيفة" غير جرير، و"حجاجٌ" ضعيفٌ لا تقوم به حجّة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أر هذا الكلام للمصنف، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى" في هذا الموضع، ولعله لاختلاف النسخ، أو ذكره في كتاب آخر. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ظاهر كلام المصنّف المذكور يدلّ على أنه يرى ترجيح رواية الثوريّ بإبهام الصحابيّ، على رواية جرير، وقد ذكرت فيما سبق أن هذا لا يضرّ في صحّة الحديث.
وأما رواية الحجّاج بن أرطأة بالإرسال، فلا اعتداد بها؛ لعدم صحتها؛ لضعف الحجّاج. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2126 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ: لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ، حَتَّى تَرَوُا
(1)
- "فتح" ج 4 ص 617.
الْهِلَالَ قَبْلَهُ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا، حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق": هو ابن راهويه الحنظليّ الثقة الحجة [10]. و"جرير": هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبّيّ الكوفيّ، ثقة، صحيح الكتاب [8]. و"منصور": هو ابن المعتمر الكوفيّ، ثقة ثبت [6]. و"رِبعيّ بن حراش" -بكسر الراء، وسكون الموحّدة، وبحاء مهلمة مكسورة، وراء مهملة، بعدها شين معجمة-: هو أبو مريم العبسيّ الكوفيّ، ثقة عابد مخضرم [2] 8/ 508.
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -13/ 2126 و 2127 و 2128 - وفي " الكبرى" 14/ 2436 و 2437 و 2438. وأخرجه (د) 1981 (أحمد) 18071. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2139 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ،، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، أَوْ تَرَوُا الْهِلَالَ، ثُمَّ صُومُوا، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ». أَرْسَلَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد بن بشّار": هو أبو بكر بُندار البصريّ، ثقة حافظ [10]. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ البصريّ الإمام الحجة [9]. و"سفيان": هو ابن سعيد الثوريّ الكوفيّ، الإمام الحجة الثبت [7].
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإلية المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "أرسله الحجّاج بن أرطأة": أي روى هذا الحديث عن منصور، عن ربعيّ، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بدون ذكر الصحابيّ، كما بيّن روايته بقوله:
2128 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَتِمُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، إِلاَّ أَنْ تَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ صُومُوا رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ، إِلاَّ أَنْ تَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم": هو ابن نُعيم المروزيّ، ثقة [10] 66/ 1800 انفرد به المصنّف. و"حِبّان" -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة-: هو ابن موسى المروزي، ثقة [10] 1/ 397. و "عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام الحجة
المشهور [8].
و"حجّاج بن أرطأة": -بفتح الهمزة- هو: حجاجُ بنُ أَرْطَاةَ بن ثور بن هُبيرة بن شَراحيل النخعيّ، أبو أرطأة الكوفيّ القاضي، أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس [7].
قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نَجيح يقول: ما جاءنا منكم مثله -يعني الحجاج بن أرطأة-. وقال الثوريّ: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه.
وقال العجليّ" كان فقيهًا، وكان أحد مفتي مكة، وكان فيه تِيهٌ، وكان يقول: أهلكني حبّ الشرف. وولي قضاء البصرة، وكان جائز الحديث، إلا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير، ومكحول، ولم يسمع منهما، وإنما يَعِيب الناس منه التدليس. قال: وكان الحجّاج راويًا عن عطاء، سمع منه. وقال أبو طالب عن أحمد: كان من الحفّاظ، قيل: فلم ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صدوق ليس بالقويّ، يدلس عن محمد بن عبيد اللَّه العَرْزَميّ، عن عمرو بن شعيب. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: الحجاجُ بن أرطأة، ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وتركت الحجاج عمدًا، ولم أكتب عنه حديثًا قط. وقال أبو زرعة: صدوق يدلّس. وقال أبو حاتم: صدوق يدلّس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وأما إذا قال: حدثنا فهو صالح لا يُرتاب في صدقه وحفظه، إذا بيّن السماع، ولا يُحتجّ بحديثه. لم يسمع من الزهريّ، ولا من هشام بن عروة، ولا من عكرمة. وقال هُشيم: قال لي الحجّاج بن أرطأة: صف لي الزهريّ، فإني لم أره. وقال ابن المبارك: كان الحجاج يدلّس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شُعيب مما يحدثه العَرْزَميّ، والعرزميّ متروك. وقال حمّاد بن زيد: قدِمَ علينا جرير بن حازم من المدينة، فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد، عن الحجاج بن أرطأة، فلبثنا ما شاء اللَّه، ثم قدم علينا الحجاج ابن ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عُبيد، ومطرا الورّاق جُثَاةً على أرجلهم يقولون: يا أبا أرطأة ما تقول في كذا؟. وقال هشيم: سمعته يقول: استُفْتِيتُ، وأنا ابن ستّ عشرة سنة. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن عديّ: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهريّ وغيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمّد الكذب فلا، وهو ممن يكتب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث، في حديثه اضطراب كثير، وقال: صدوق، وكان أحد الفقهاء. وقال ابن حبّان: سمعت محمد بن نصر، سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، عن عيسى بن يونس، قال: كان الحجاج بن
أرطأة لا يحضر الجماعة، فقيل له في ذلك؛ فقال: أَحْضُرُ مسجدكم حتى يزاحمني فيه
الحمّالون والبقّالون!. وقال الساجيّ: كان مدلسًا صدوقا سيء الحفظ، ليس بحجة في الفروع والأحكام. وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ به إلا فيما قال: أخبرنا، وسمعت. وقال ابن سعد: كان شريفًا، وكان ضعيفًا في الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وقال البزّار: كان حافظًا مدلسًا، وكان مُعْجَبًا بنفسه، وكان شعبة يثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يرو عنه -يعني ممن لقيه- إلا عبد اللَّه بن إدريس. وقال مسعود السجزيّ، عن الحاكم: لا يُحتجّ به. وكذا قال الدارقطنيّ. وقال ابن عُيينة: كنا عند منصور بن المعتمر، فذكروا حديثًا، فقال: مَن حدّثكم؟ قالوا: الحجاجُ بن أرطأة، قال: والحجاج يكتب عنه؟ قالوا: نعم، قال: لو سكتم لكان خيرًا لكم. وقال ابن حبّان: تركه ابن المبارك، وابن مهديّ، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل.
قال الحافظ: قرأت بخطِّ الذهبيّ: هذا القولُ فيه مُجازفة، وأكثر ما نُقِم عليه التدليس، وكان فيه تِيه، لا يليق بأهل العلم انتهى. وقال إسماعيل القاضي: مضطرب الحديث لكثرة تدليسه. وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال والتدليس، وتغيير الألفاظ.
قال الهيثم: مات بخراسان مع المهديّ. وقال خليفة: مات بالريّ. وأرّخه ابن حبّان في "الثقات" سنة (145). روى له البخاريّ متابعة تعليقًا في "كتاب العتق"، والباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث: برقم 2128 و 3702 و 3710 و4804 و 4984 و 4985.
والحديث مرسل ضعيف، كما سبق الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2129 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالاً»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق": هو ابن راهويه المذكور قريبًا.
و"إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف بابن عليّة البصريّ الثقة الثبت [8]. و"حاتم بن أبي صغيرة": هو أبو يونس البصريّ، ثقة [6] 66/ 1800. و"أبو صَغِيرة" اسمه مسلم، وهو جده لأمه، وقيل: زوج أمه. و"سماك بن حرب": هو أبو المغيرة الكوفيّ،
صدوق، وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما يُلقّن [4] 2/ 325. و"عكرمة": هو مولى ابن عباس المدنيّ، ثقة ثبت عالم بالتفسير [3] 2/ 325.
وقوله: "لا تستقبلوا الشهر استقبالا": أي لا يتقدّمنّ أحد الشهر بيوم، أو يومين"، وفي لفظ: "لا تتقدموا الشهر بصيام يوم أو يومين"، كما سيأتي في 31/ 2172 و 32/ 2174، وتمام شرح الحديث قد سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا، هان كان في سنده سماك، عن عكرمة، وهو مضرب فيه، إلا أنه صحيح بما سبق من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -13/ 2129 و 2130 و 37/ 2189 - وفي "الكبرى" 14/ 2439 و 2440 و 37/ 2499. وأخرجه (د) في "الصوم" 2327 بنحوه (ت) في "الصوم" 688. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2130 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِلرُّؤْيَةِ، وَأَفْطِرُوا لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ، فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "قتيبة": هو ابن سعيد. و"أبو الأحوص": هو سلاّم ابن سُليم الحنفيّ الكوفيّ الثقة الثبت [7]. والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: "غياية" -بغين معجمة، وتحتيتين، بينهما ألف ساكنة: قال ابن الأثير: أي سحابة، أو قَتَرَة انتهى
(1)
.
وفي "القاموس": الغَيَايَة: ضَوْء شُعاع الشمس، وقَعْرُ البئر، وكلّ ما أظلّ الإنسان من فوق رأسه؛ كالسحابة، ونحوها انتهى
(2)
.
والمعنى هنا: أنه إن حَجَبت دون رؤية الهلال سحابة، أو نحوها، فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين يومًا، ثم صوموا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
(1)
- "النهاية" ج 3 ص 404.
(2)
- "القاموس" في مادة غبي.
14 - (كَمِ الشَّهْرُ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةَ)
(1)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن معمرًا رواه عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وخالفه صالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، فروياه عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ، كما سبق؛ لكونه مرويا ثابتا بالطريقين، فقد صرّح الزهريّ بأنه أخبره كل من عروة، كما في مسلم برقم 1083 وعبيد اللَّه، كما سيأتي في الرواية التالية، ولذا أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وأخرجه مسلم من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فتفطّن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2131 -
(أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَبِثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ كُنْتَ آلَيْتَ شَهْرًا؟ فَعَدَدْتُ الأَيَّامَ، تِسْعًا وَعِشْرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(نصر بن عليّ الجَهْضَميّ) البصريّ، ثقة ثبت [10] 20/ 386.
2 -
(عبد الأعلى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقة [8] 20/ 386.
3 -
(معمر) بن راشد الصنعانيّ، ثقة ثبت [7].
4 -
(الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [4].
5 -
(عروة) بن الزبير المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [3].
6 -
(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله. ومنها: أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ومعمر وإن كان صنعانيًا إلا أنه بصري الأصل، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
وفي نسخة: "في خبر عائشة" رضي الله عنها بالإضافة.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم) أي حلف (أَنْ لَا يَدخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا) لغضب عليهنّ بسبب إفشاء حفصة سرّا إلى عائشة رضي الله عنها، كما سيأتي بيانه في الحديث التالي (فَلَبِثَ) في محلّ اعتزاله عنهنّ (تِسْعًا وَعِشْرِينَ) أي ثم دخل عليهنّ. وفي رواية مسلم:"فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالت: بدأ بي، فقلت: يا رسول اللَّه، إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهرًا .... ".
[تنبيه]: استُشكل قولها المذكور في رواية مسلم: "فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ
…
" لأنّ مقتضاه أنه دخل في اليوم التاسع والعشرين، فلم يكن ثَمَّ شهرٌ، لا على الكمال، ولا على النقصان.
[وأجيب]: بأن المراد فلما مضت تسع وعشرون ليلة بأيامها، فإن العرب تؤرّخ بالليالي، وتكون الأيام متابعة لها، ويدلّ لذلك قوله في حديث أم سلمة رضي الله عنه عند البخاريّ وغيره:"فلما مضى تسعة وعشرون يومًا".
[فإن قلت]: في "صحيح مسلم" من حديث جابر رضي الله عنه في هذه القصّة: "فخرج إلينا صباح تسع وعشرين"، وهو صريح في أنه كان دخوله في التاسع والعشرين.
[قلت]: أجيب عنه بأن معناه صباح الليلة التي بعد تسعة وعشرين يوما، وهي صبيحة ثلاثين، وهذا هو المعنى جمعًا بين الروايات، فإن قوله:"فلما مضى تسعة وعشرون يومًا" يقطع النزاع في ذلك. هكذا تأوله النوويّ في "شرح مسلم" تبعًا للقاضي عياض، فإنه قال بعد ذكره اختلاف الروايات في ذلك: معناه كله: بعد تمام تسعة وعشرين يومًا، يدلّ عليه رواية:"فلما مضى تسع وعشرون يومًا". انتهى. أفاده في "الطرح"
(1)
.
قالت عائشة (فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ كُنْتَ آلَيْتَ) أي حلفت (شَهْرًا؟) ظرف لعدم الدخول، أي حلفت أن لا تدخل علينا شهرًا، وليس ظرفا لـ "آليت"، ويدلّ على ذلك سائر الروايات (فَعَدَدْتُ الْأَيَّامَ، تِسْعًا وَعِشرِينَ) لفظ مسلم: "وإنك قد دخلت عن تسع وعشرين أعدهنّ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ") "ال" للعهد، أي هذا الشهر، وهذا يقتضي أن الشهر كان بالهلال، لا بالأيام، وكأنه خفي الهلال على الناس، وعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم به بقول جبريل، كما يدلّ عليه حديث الباب التالي، فلذا اعترضت
(1)
- انظر "الطرح" ج 4 ص 119.
عائشة بما اعترضت، فبيّن لها النبيّ صلى الله عليه وسلم -حقيقة الأمر، لكن مقتضى العدّ أن الشهر كان على الأيام، إلا أن يقال: زعمت عائشة أن الشهر ثلاثون، وإن رؤي الهلال قبل ذلك، وهذا بعيد. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 14/ 2131 - وفي "الكبرى" 15/ 2441. وأخرجه (م) في "الصيام" 1813 (ت) في "التفسير" 3240 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 24136. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كمّية الشهر، أي عدده، وذلك أن الشهر كما يكون ثلاثين يكون تسعًا وعشرين؛ لأنّ حقيقة المشهور العربيّة مبنيّة على رؤية الهلال، وهو تارة يرى بعد ليلة الثلاثين، فيكون الشهر ثلاثين، وتارة يُرى في ليلة الثلاثين، فيكون تسعًا وعشرين.
(ومنها): جواز معاقبة الأزواج بعدم الدخول عليهنّ شهرًا (ومنها): جواز هجران المسلم فوق ثلاثة أيام، إذا تعلقت بذلك مصلحة دينية، من صلاح حال المهجور، وغير ذلك، ومن ذلك ما إذا كان المهجور مبتدعًا، أو مجاهرًا بالظلم والفسوق، فلا يحرم مهاجرته، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام "-متفق عليه- فمحلّه ما إذا كان الهجران لحظوظ النفس، وتعنتات أهل الدنيا.
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: في "الروضة": قال أصحابنا وغيرهم: هذا في الهجران لغير عذر شرعيّ، فإن كان عذرٌ بأن كان المهجور مذموم الحال؛ لبدعة، أو فسق، أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر، أو المهجور، فلا يحرم، وعلى هذا يُحمل ما ثبت من هجر النبيّ صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن كلامهم، وكذا ما جاء من هجران السلف بعضهم بعضًا انتهى
(1)
.
(ومنها): أن هذا الحديث صريح أن حلفه صلى الله عليه وسلم -كان على الامتناع من الدخول على
(1)
- انظر "طرح التثريب" ج 4 ص 119 - 120.
أزواجه شهرًا، فتبين أن قوله في حديث أم سلمة، وأنس، وغيرهما رضي الله عنهم:"آلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من نسائه" أريد به ذلك، ولم يُرَد به الحلف على الامتناع من الوطء، والروايات يفسّر بعضها بعضًا، فإن الإيلاء في اللغة مطلق الحلف، لكنه مستعمل في عرف الفقهاء في حلف مخصوص، وهو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا، أو مدّة تزيد على أربعة أشهر، فلا يستعمل الإيلاء عندهم فيما عدا ذلك، والإيلاء على الوجه المذكور حرام؛ لما فيه من إيذاء الزوجة، وليس هو المذكور في الحديث، ولو حلف على الامتناع من وطء الزوجة أربعة أشهر، فما دونها لم يكن حرامًا، وتعديته في حديث أم سلمة وغيرها بـ "من" يدلّ على ذلك؛ لأنه راعى المعنى، وهو الامتناع من الدخول، وهو يتعدّى بـ"من". قاله الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2132 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، حَدَّثَهُ ح وَأَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا، أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ، مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، اللَّتَيْنِ قَالَ: اللَّهُ لَهُمَا {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَاعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ قَالَ: «مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا» ، مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حِينَ حَدَّثَهُ اللَّهُ عز وجل حَدِيثَهُنَّ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ، آلَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، نَعُدُّهَا عَدَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً»).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(عُبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم) الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [11] 17/ 480.
2 -
(عمه) يعقوب بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [9] 196/ 314.
(1)
- "طرح التثريب" ج 4 ص 119.
3 -
(أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكُلّم فيه بلا قادح [8] 196/ 314.
4 -
(صالح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [4] 196/ 314.
15 -
(عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [11] 108/ 147. من أفراد المصنّف.
6 -
(الحكم بن نافع) الْبَهْرَانيّ -بفتح الموحّدة، وسكون الهاء- مولاهم، أبو اليمان الحمصيّ، ثقة ثبت [10].
قال الأثرم: سئل أبو عبد اللَّه عن أبي اليمان؟ فقال: أما حديثه عن صفوان، وحَرِيز فصحيح. قال: وهو يقول: أخبرنا شُعيب، واستحلّ ذلك بشيء عجيب، قال أبو عبد اللَّه: كان أَمْرُ شعيب في الحديث عَسِرًا جدًا، وكان عليّ بن عيّاش سمع منه، وذكر قصّة لأهل حمص أُراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا، ثم كلموه، وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارووا عنّي تلك الأحاديث، فقلت لأبي عبد اللَّه مناولة؟ قال: لو كان مناولة، كان لم يعطهم كُتُبًا، ولا شيئًا، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني فأخذ كُتُب شعيب منّي بعدُ، وهو يقول: أخبرنا. وقال القاسم بن أبي صالح الهمَذَانيّ، عن إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: سمعت أبا اليمان الحكم بن نافع يقول: قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شُعيب؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأ عليّ، وبعضه أجاز لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كلّه: أخبرنا شُعيب. وقال المفضل بن غسّان، عن يحيى بن معين: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب بن أبي حمزة؟ فقال: ليس هو مناولة، المناولة لم أخرجها لأحد. وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أبي اليمان: كان شعيب عَسِرًا في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة، فقال: هذه كتبي، وقد صححتها، فمن أراد أن يأخذها مني فليأخذها، ومن أراد أن يَعرِض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني، فإنه قد سمعها مني. وقال سعيد بن عمرو البَرْدَعيّ، عن أبي زرعة الرازيّ: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثا واحدًا، والباقي إجازة. وقال البردعيّ: قلت لمحمد بن يحيى في حديث أنس، عن أم حبيبة -يعني حديث: "أرأيتَ ما تَلقى أمتي من بعد
…
" الحديث-: حدثكم به أبو اليمان؟ فقال: نعم حدثنا به من أصله، عن شعيب، عن ابن أبي حسين، فقلت: حدثنا به غير واحد عن أبي اليمان، فقالوا: "عن الزهريّ"، قال: لقنوه "عن الزهري"، قلت: قد رواه يحيى بن معين، فقال: يحيى بن
معين لقيه بعدي. وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد بعد أن رواه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن ابن أبي حسين: ليس لهذا أصل عن الزهريّ، وكان كتاب شعيب عن ابن أبي حسين ملصقًا بكتاب الزهريّ، كانه يذهب إلى أنه اختلط بكتاب الزهريّ، فكان يعذِرُ أبا اليمان، ولا يحمل عليه فيه. قال أبو زرعة: وقد سألت عنه أحمد بن صالح، فقال لي مثل قول أحمد بن حنبل. وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوريّ: قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهريّ، والذي حدثتكم عن ابن أبي حُسين غَلِطتُ فيه بورقة قَلَبتُها. وكذا قال يحيي بن معين عنه. وقال أبو حاتم: نبيل ثقة صدوق. وقال ابن عمار: ثقة. وقال العجليّ: لا بأس به. وقال أبو بكر محمد بن عيسى الطَّرَسوسي: سمعت أبا اليمان يقول: صرتُ إلى مالك، فرأيت ثَمَّ من الحجاب والفرش شيئًا عجيبًا، فقلت: ليس هذا من أخلاق العلماء، فمضيتُ وتركته، ثم ندمت بعدُ. وقال الآجريّ، عن أبي داود: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا كلمة. وقال الأزديّ: سمعه من شعيب مشاركة. وقال الخليليّ: نسخة شعيب رواها الأئمة عن الحكم، وتابع أبا اليمان عليّ بن عياش الحمصيّ، وهو ثقة.
قال محمد بن مصفّى وغيره: مات سنة (211) زاد أبو زرعة: وهو ابن (83). وقال البخاريّ وغيره: مات سنة (222) زاد محمد بن سعد: في ذي الحجة بحمص.
روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثمانية أحاديث: برقم 2132 و 2607 و 2608 و 3223 و 3284 و 3746 و 3944 و 3954. وله في ابن ماجه حديث واحد في خِطْبَة عليّ بنت أبى جهل.
7 -
(شعيب) بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبت عابد [7] 69/ 85.
8 -
(الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المشهور [4] 1/ 1.
9 -
(عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور) القرشيّ مولى بني نوفل المدنيّ، ثقة [3]. رَوَى عن ابن عباس، وصفيّة بنت شيبة. وعنه الزهريّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير.
ذكره مسلم في الطبقة الثالثة من أهل المدينة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال البخاريّ: قال مصعب: كان أبو ثور من بني الغوث نن مُرّة بن أُد، وعداده في بني نوفل. وذكر الخطيب في "الْمُكْمَل" أنه لم يرو عن غير ابن عباس، ولم يرو عنه غير الزهريّ. روى له الجماعة وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: اشترك مع عبيد اللَّه بن عبد اللَّه هذا في اسمه، واسم أبيه، وفي الرواية عن ابن عباس، ورواية الزهريّ عنهما عبيدُ اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة بن مسعود الهذليّ المدنيّ، لكن رواية هذا عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كثيرة في "الصحيحين"،
وليس لابن أبي ثور عن ابن عباس غير هذا الحديث. أفاده في "الفتح"
(1)
.
10 -
(ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: صالح، والزهريّ، وعبيد اللَّه، وفيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل إلى سند آخر، وفيه أن الثاني أعلى من الأول، فإنه سداسيّ، وفيه عبيد اللَّه بن بن عبد اللَّه بن أبي ثور، وإن كان ثقة، إلا أنه قليل الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لم أَزَلْ حَرِيصًا، أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، وفي رواية عبيد بن حُنين، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عند البخاريّ: "مكثت سنة أريد أن أسأل عمر
…
" (عَنِ المَرْأَتَيْنِ) وفي رواية عُبيد: "عن أيّة" (مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، اللَّتَيْنِ قَالَ: اللَّهُ لَهُمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} وَسَاق الْحَدِيثَ) يحتمل أن يكون فاعل "ساق" ضمير الزهريّ، ويحتمل أن يكون غيره. يعني ساق الحديث بطوله، فإنه حديث طويل، وقد ساقه البخاريّ في "صحيحه" بطوله فقال:
4792 حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور، عن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنه، قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب، عن المرأتين، من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، اللتين قال اللَّه تعالى:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} حتى حَجّ وحججت معه، وعدل، وعدلت معه بإداوة، فتبرز، ثم جاء، فسكبت على يديه منها، فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين، مَنِ المرأتان، من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، اللتان قال اللَّه تعالى:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} قال: واعجبا لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه، قال: كنت أنا، وجار لي من الأنصار، في بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول، على النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت،
(1)
-"فتح" ج1 ص 250.
جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم، من الوحي، أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، وكنا معشرَ قريش، نغلب النساء، فلما قَدِمنا على الأنصار، إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فَطَفِقَ نساؤنا، يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصَخَبتُ على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، قالت: ولِمَ تنكرُ أن أراجعك؟ فواللَّه إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجُرُهُ اليومَ حتى الليل، فأفزعني ذلك، وقلت لها: قد خاب مَن فَعَلَ ذلك منهن، ثم جمعت عليّ ثيابي، فنزلت، فدخلت على حفصة، فقلت لها: أَيْ حفصةُ أتغاضب إحداكنّ النبي صلى الله عليه وسلم، اليومَ حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خِبْتِ وخَسِرتِ أفتَأْمَنِين أن يغضب اللَّه لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم، فتهلكي، لا تستكثري النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يَغُرَّنّك أن كانت جارتكِ، أَوْضَأَ منكِ، وأحبَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة- قال عمر: وكنا قد تحدثنا، أن غَسَّان تُنعِل الخيلَ لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري، يوم نوبته، فرجع إلينا عِشَاءً، فضرب بأبي ضربا شديدا، وقال: أَثَمَّ هو، ففزعت، فخرجت إليه، فقال: قد حَدَث اليومَ أمر عظيم، قلت: ما هو؟ أجاء غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك، وأهول، طَلَّقَ النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، وقال عُبيد بن حُنين: سمع ابن عباس، عن عمر، فقال: اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه، فقلت: خابت حفصة، وخسرت، قد كنت أظن هذا، يوشك أن يكون، فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، مَشرُبَةً له، فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟ أطلقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟؛ قالت: لا أدري، ها هو ذا، معتزل في المشربة، فخرجت، فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط، يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لغلام له أسود: استأذِنْ لعمر، فدخل الغلام، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع، فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرتك له، فصمت، فانصرفت، حتى جلست، مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت، فقلت للغلام: استأذن لعمر، فدخل، ثم رجع، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فرجعت، فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم رجع إلي، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فلما وليت منصرفا، قال: إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع، على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثّر الرمال بجنبه، متكئا على وسادة من أدم، حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت، وأنا قائم: يا رسول اللَّه، أطلقت نساءك، فرفع إليّ بصره، فقال:"لا"، فقلت: اللَّه أكبر، ثم قلت،
وأنا قائم: أستأنس يا رسول اللَّه، لو رأيتني، وكنا معشر قريش، نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة، إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قلت: يا رسول اللَّه، لو رأيتني، ودخلت على حفصة، فقلت لها: لا يَغُرَّنَّك أن كانت جارتك أوضأ منك، وأحبّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يريد عائشة، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته تبسم، فرفعت بصري في بيته، فواللَه ما رأيت في بيته، شيئًا يرد البصر، غير أَهَبَةٍ ثلاثة، فقلت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه، فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم، قد وُسًع عليهم، وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون اللَّه، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وكان متكئا، فقال:"أوفي هذا أنت، يا ابن الخطاب، إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا"، فقلت: يا رسول اللَّه استغفر لي فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم -نساءه، من أجل ذلك الحديث، حين أفشته حفصة إلى عائشة، تسعًا وعشرين ليلة، وكان قال:"ما أنا بداخل عليهن شهرا"، من شدة مَوْجِدَته عليهن، حين عاتبه اللَّه، فلما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة، فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول اللَّه، إنك كنت قد أقسمت، أن لا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أَعُدُّها عَدًّا، فقال:"الشهر تسع وعشرون ليلة"، فكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة، قالت عائشة: ثم أنزل اللَّه تعالى آية التخير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فاخترته، ثم خير نساءه كلهن، فقلن: مثل ما قالت عائشة. انتهى.
(وَقَالَ فِيهِ: فَاعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ، من أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ) قال في "الفتح": كذا في هذه الطريق لم يفسّر الحديث المذكور الذي أفشته حفصة، وفيه أيضًا:"وكان قال: "ما أنا بداخل عليهنّ شهرًا، من شدّة مَوْجِدَته عليهنّ حين عاتبه اللَّه". وهذا أيضًا مبهم، ولم أره مفسّرًا. وكان اعتزاله "في الْمَشْرُبة" كما في حديث ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم، فأفاد محمد بن الحسن المخزوميّ في كتابه "أخبار المدينة" بسند له مرسل: "أنه صلى الله عليه وسلم -كان يبيت في المشربة، ويقيل عند أراكة على خلوة بئر كانت هناك". وليس في شيء من الطرق عن الزهريّ بإسناد الباب إلا ما رواه ابن إسحاق كما أشرت إليه في تفسير "سورة التحريم". والمراد بالمعاتبة قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} الآيات [التحريم: 1]، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في الذي حرمه النبيّ صلى الله عليه وسلم على نفسه، وعوتب على تحريمه، وفي سبب حلفه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ قَالَ: "مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِن شَهْرًا") وفي رواية حماد بن سلمة عند مسلم في طريق عُبيد بن حنين: "وكان آلى منهنّ شهرًا"، أي
حلف، أو أقسم، وليس المراد به الإيلاء الذي في عرف الفقهاء اتفاقًا (مِنْ شِدَّةِ مَوجِدَتِهِ) -بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر الجيم: أي غضبه عَلَيْهِنَّ (حِينَ حَدَّثهُ اللَّهُ عز وجل حَدِيثَهُنَّ) أي أنزل عليه الوحي بأن حفصة أفشت سره لعائشة رضي الله عنهم (فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةٌ، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ) فيه أن من غاب عن أزواجه، ثم حضر يبدأ بمن شاء منهنّ، ولا يلزمه أن يبدأ من حيث بلغ، ولا أن يُقرع، كذا قيل. ويحتمل أن تكون البداءة بعائشة لكونه اتفق أنه كان يومها. قاله في "الفتح"(فَبَدَأَ بَها، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ) وفي رواية سماك بن الوليد أن عمر ذكّره بذلك، قال الحافظ: ولا منافاة بينهما؛ لأنّ في سياق حديث عمر أنه ذكّره بذلك عند نزوله من الغرفة، وعائشة ذكّرته بذلك حين دخل عليها، فكأنهما تواردا على ذلك.
وقد أخرج مسلم من حديث جابر في هذه القصة قال: "فقلنا"، فظاهر هذا السياق يوهم أنه من تتمة حديث عمر، فيكون عمر حضر ذلك من عائشة، قال الحافظ: وهو محتمل عندي، لكن يقويّ أن يكون هذا من تعاليق الزهريّ في هذه الطريق، فإن هذا القدر عنده عن عروة، عن عائشة، أخرجه مسلم من رواية معمر عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرًا، قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت
…
فذكره".
(إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ، آلَيْتَ) أي حلفت. ولفظ البخاريّ: إنك كنت قد أقسمت
…
" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ لَا تَدخُلَ عَلَينَا شَهْرا، وإِنَّا أَصْبَحْنَا مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ) وفي رواية: "لتسع" باللام، وفي أخرى: "بتسع"، وهي متقاربة (نَعُدُهَا عَددّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الشَّهْرُ تِسْعْ وَعِشْرُونَ لَيْلَةٌ") أي بعض المشهور يكون تسعًا وعشرين ليلة، أو المراد الشهر الذي أقسم عليه، فـ "ال" للعهد، يوضّح ذلك ما زاد في "صحيح البخاريّ" بلفظ: "فكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة".
قال في "الفتح": في هذا إشارة إلى تأويل الكلام الذي قبله، وأنه لا يراد به الحصر، أو أن اللام في قوله:"الشهر" للعهد من الشهر المحلوف عليه، ولا يلزم من ذلك أن تكون المشهور كلها كذلك، وقد أنكرت عائشة على ابن عمر روايته المطلقة أن الشهر تسع وعشرون، فأخرج أحمد من طريق يحيى بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، رفعه:"الشهر تسع وعشرون"، قال: فذكروا ذلك لعائشة، فقالت: يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، إنما قال:"الشهر قد يكون تسعًا وعشرين". وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن عمر بهذا اللفظ الأخير الذي جزمت به عائشة. انتهى
(1)
.
(1)
-"فتح" ج 10 ص 364.
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-:
[إن قلت]: ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه، فقد يكون ثلاثين.
[قلت]: عنه أجوبة: (أحدها): أن المعنى كما تقدّم أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، وحينئذ فلا إشكال في ذلك. (ثانيها): أن الألف واللام للعهد، والمراد أن هذا الشهر الذي أقسم على الامتناع من الدخول فيه تسعة وعشرون يومًا. (ثالثها): أنه بنى ذلك على الغالب الأكثر؛ لأنّ مجيء الشهر تسعًا وعشرين في زمنه صلى الله عليه وسلم -كان أكثر من ثلاثين. وفي سنن أبي داود، والترمذيّ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال:"ما صمت مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين". وكذا في سنن ابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه (رابعها): قال القاضي أبو بكر بن العربيّ معناه حصره من أحد طرفيه، وهو النقصان، أي أنه يكون تسعًا وعشرين، وهو أقلّه، وقد يكون ثلاثين، وهو أكثره، فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقلّ تخفيفًا، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته، واجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر رضي الله عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 14/ 2132 - وفي "الكبرى" 15/ 2442. وأخرجه (خ) في "المظالم والغصب" 2288 وفي "التفسير" 4532 و 4533 و 4534 و 4792 و "النكاح" 4792 و"اللباس" 5395. (م)"الطلاق" 2704 و 2705 و 2706. (د) "الجنائز" 2707. (ت)"التفسير"3240. (أحمد) "مسند العشرة" 217. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين ليلة. (ومنها): حسن تلطّف ابن عباس رضي الله عنهما، وشدّة حرصه على الاطلاع على فنون التفسير (ومنها): طلب علوّ الإسناد؛ لأنّ ابن عباس أقام مدّة طويلة يتنظر خلوة عمر ليأخذ عنه، وكان يمكنه أخذ ذلك بواسطة عنه ممن لا يهاب أن يسأله كما كان يهاب عمر (ومنها): سياق القصّة على وجهها، وإن لم يسأل السائل عن ذلك، إذا
(1)
-"طرح التثريب" ج 4 ص 121.
كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وبيان، وخصوصًا إذا كان العالم يعلم أن الطالب يؤثر ذلك (ومنها): مهابة الطالب للعالم، وتواضع العالم له، وصبره على مُسَاءَلَته، وإن كان عليه في شيء من ذلك غَضَاضة (ومنها): جواز تأديب الزوجات بالاعتزال عنهنّ، وترك الدخول عليهنّ (ومنها): جواز المعاقبة على إفشاء السرّ بما يليق بمن أفشاه (ومنها): فضل عائشة رضي الله عنها، حيث بدأ بها النبيّ صلى الله عليه وسلم عند نزوله من محل اعتزاله (ومنها): تذكير الحالف بيمينه إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها، لا سيما ممن له تعلّق بذلك؛ لأنّ عائشة خشيت أن يكون صلى الله عليه وسلم -نسي مقدار ما حلف عليه، وهو شهر، والشهر ثلاثون يومًا، أو تسعة وعشرون يومًا، فلما نزل في تسعة وعشرين ظنّت أنه ذَهِل عن القدر، أو أن الشهر لم يهُلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الذي حرّمه النبيّ صلى الله عليه وسلم على نفسه، وفي سبب حلفه:
(اعلم): أنه وقع اختلاف في الذي حرّمه النبيّ صلى الله عليه وسلم على نفسه، وعوتب على تحريمه، كما اختُلِفَ في سبب حلفه على أن لا يدخل على نسائه على أقوال:
فالذي في "الصحيحين" أنه العسل
(1)
. وقيل: في تحريم جاريته مارية. ووقع في رواية يزيد بن رومان، عن عائشة، عند ابن مردويه ما يجمع القولين، وفيه: "أن حفصة أُهدِيت لها عُكّةٌ فيها عسل، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها حبسته حتى تُلعِقه، أو تَسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشيّة، يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة، فانظري ما يصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنّ، فقلن: إنا نجد منك ريح مَغافر، فقال: هو عسل، واللَّه لا أطعمه أبدًا، فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها، فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت، فوجدت الباب مغلقًا، فخرج، ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: أُشهِدك أنها عليّ حرام، أنظري، لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندكِ أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين
(1)
- قصة العسل ساقها البخاريّ مطوّلة ومختصرة، فمنها: ما ساقها من طريق عبيد بن عمير، يقول: سمعت عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم، كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة، أن أيتنا دخل عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلتقل: إني أجد منك ريح مَغَافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت له: ذلك، فقال:"لا" بل شربت عسلا، عند زينب بنت جحش، ولن أعود له"، فنزلت:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلي {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} لعائشة وحفصة، {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} لقوله: بل شربت عسلا انتهى.
عائشة، فقالت: ألا أبشّرك؟ إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد حرّم أمته، فنزلت". وعند ابن سعد، من طريق شعبة مولى ابن عباس، عنه: "خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجاريته القبطية بيت حفصة، فجاءت، فرقبته، حتى خرجت الجارية، فقالت له: أما إني قد رأيت ما صنعتَ، قال:"فاكتمي عليّ، وهي حرام"، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت لها عائشة: أما يومي، فتعرَسُ فيه بالقبطيّة، ويسلم لنسائك سائر أيامهنّ، فنزلت الآية. وجاء في ذلك ذكر وجه ثالث، أخرجه ابن مردويه، من طريق الضحّاك، عن ابن عباس، قال: دخلت حفصة على النبيّ صلى الله عليه وسلم بيتها، فوجدت معه مارية، فقال:"لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة إن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر، إذا أنا متّ، فذهبت إلى عائشة، فاخبرتها، فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يحرّم مارية، فحرّمها، ثم جاء إلى حفصة، فقال: أمرتك ألا تخبري عائشة، فأخبرتها، فعاتبها على ذلك، ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال اللَّه تعالى: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ}. وأخرج الطبرانيّ في "الأوسط"، وفي "عشرة النساء" عن أبي هريرة نحوه بتمامه، وفي كلّ منهما ضعف.
وجاء في سبب غضبه منهنّ، وحلفه أن لا يدخل عليهنّ شهرًا قصة أخرى، فأخرج ابن سعد من طريق عمرة، عن عائشة، قالت: أُهدِيت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هديّة، فأرسل إلى كلّ امرأة من نسائه نصيبها، فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرّة أخرى، فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أقمأت وجهك
(1)
، تردّ عليك الهديّة، فقال: "لأنتنّ أهون على اللَّه من أن تُقمئنني، لا أدخل عليكنّ شهرًا
…
" الحديث. ومن طريق الزهريّ، عن عروة، عن عائشة نحوه، وفيه: "ذَبَحَ ذِبْحًا
(2)
، فقسمه بين أزواجه، فأرسل إلى زينب بنصيبها، فردّته، فقال: زيدوها ثلاثًا، كلّ ذلك تردّه"، فذكر نحوه.
وفيه قول آخر، أخرجه مسلم من حديث جابر، قال:"جاء أبو بكر، والناس جلوس بباب النبيّ صلى الله عليه وسلم، لم يؤذن لأحد منهم، فأُذن لأبي بكر، فدخل، ثم جاء عمر، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبيّ صلى الله عليه وسلم جالسًا، وحوله نساؤه"، فذكر الحديث، وفيه:"هنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة، وقام عمر إلى حفصة، ثم اعتزلهنّ شهرًا"، فذكر نزول آية التخيير.
ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهنّ، وهذا هو اللائق بمكارم
(1)
- يقال: قَمَأَه، كمنعه: قَمَعَه، وأقمأه: صغّره، وأذلّه. أفاده في "ق".
(2)
- الذِّبُح بالكسر: ما يُذبح. ق.
أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه صلى الله عليه وسلم -حتى تكرّر موجبه منهن رضي الله عنهن. وقصّر ابن الجوزيّ، فنسب قصّة الذبح لابن حبيب بغير إسناد، وهي مسندة عند ابن سعد، وأبهم قصّة النفقة، وهي في "صحيح مسلم". والراجح من الأقوال كلها قصّة مارية؛ لاختصاص عائشة وحفصة بها، بخلاف العسل، فإنه اجتمع فيه جماعة منهنّ. ويحتمل أن تكون الأسباب جميعها، اجتمعت، فأشير إلى أهمّها. ويؤيّده شمول الحلف للجميع، ولو كان مثلاً في قصة مارية فقط لاختصّ بحفصة وعائشة.
[فائدة]: من اللطائف أن الحكمة في كونه حلف شهرًا مع أن مشروعية الهجر ثلاثة أيام أن عدتهنّ كانت تسعة، فإذا ضربت في ثلاثة كانت سبعة وعشرين، واليومان لمارية؛ لكونها كانت أمة، فنقصت عن الحرائر
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
15 - (ذِكْرُ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فيه) أي في حديث: "الشهر تسع وعشرون يومًا"
2133 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ -هُوَ أَبُو بُرَيْدٍ الْجَرْمِيُّ، بَصْرِيٌّ- عَنْ بَهْزٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام، فَقَالَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن يزيد أبو بُريد" -بموحدة، وراء، مصغرًا-: هو الْجَرمي -بفتح الجيم، وسكون الراء- البصريّ، صدوق [11] 100/ 130. من أفراد المصنّف. و"بهز": هو ابن أسد العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [9] 24/ 28. و"شعبة": هو ابن الحجاج الإمام المشهور [7]. و"سلمة: هو ابن كُهيل الحضرميّ، أبو يحيي الكوفيّ، ثقة [4] 195/ 312.
(1)
- نُقل من "الفتح" ج 10 ص 361 - 363 ببعض تصرّف.
و"أبو الحكم": هو عمران بن الحارث السلميّ الكوفيّ، ثقة [4].
قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال العجلي: كوفيّ تابعيّ ثقة عندهم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به مسلم، والمصنف، له في مسلم حديث واحد، عن ابن عمر فيمن اتخذ كلبا، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا الحديث، وقد أعاده بعده، وفي "كتاب الأشربة" 48/ 5690 حديث ابن عباس:"من سره أن يحرم إن كان محرما ما حرم اللَّه ورسوله، فليحرّم النبيذ". واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -15/ 2133 و 2134 - وفي "الكبرى" 16/ 2443 و 2444. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2134 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وقد تقدموا قبله، غير "محمد" بن جعفر المعروف بـ"غندر" البصريّ، ثقة [9].
وقوله: "وذكر الخ": القائل هو محمد بن بشار، وفاعلُهُ ضمير "محمد" بن جعفر، والمراد أن ابن بشار نسي لفظة محمد بن جعفر في الأداء، وتذكّر معناها، أي ذكر محمد بن جعفر كلمة، من صيغ الأداء، معنى تلك الكلمة "حدثنا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
16 - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى إِسْمَاعِيلَ فِي خَبَرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"إسماعيل": هو ابن أبي خالد البجليّ الأحمسي الكوفي الثقة الثبت [4] و. "سعد بن مالك": هو سعد بن أبي وقّاص، أحد العشرة
- رضي الله عنهم، وضمير "فيه" يعود إلى عدد الشهر المشار إليه في قوله:"كم الشهر الخ".
ووجه الاختلاف المذكور أن محمد بن بشر العَبْدي رواه عن إسماعيل، عن محمد ابن سعد، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، متصلاً. وخالفه في ذلك محمد بن عُبَيد، فرواه، عن إسماعيل، عن محمد بن سعد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مرسلاً، وتابعه على ذلك يحيى بن سعيد القطان، كما أشار إليه المصنّف في ما يأتي، ونقل الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ3 ص 312 عن المصنّف أنه قال: حديث يحيى أولى بالصواب عندي انتهى. هكذا نقله المزّيّ عن المصنّف، ولم أجده في "المجتبى"، ولا في "الكبرى". فاللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الذي يظهر لي أن رواية محمد بن بشر بالوصل في هذا أرجح، لأنه ثقة حافظ، ولم ينفرد بالوصل، فقد وافقه فيه عبد اللَّه بن المبارك، كما في الرواية التالية، وزائدة بن قُدامة، كما في "صحيح مسلم" برقم -2522 - ومروان بن معاوية، كما في "صحيح ابن خزيمة" برقم -1920 - فكلهم رووه عن إسماعيل، عن محمد بن سعد، عن أبيه، متصلاً.
والحاصل أن روايات هؤلاء بالوصل مرجحة على رواية من رواه مرسلاً؛ لأن معهم زيادة علم، ومن المعلوم أن زيادة الثقة الحافظ مقبولة، فبالأولى قبول زيادة الأثبات الحفاظ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2147 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى، وَقَالَ «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا وَهَكَذَا» ، وَنَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه الحنظلي المروزيّ الحافظ الثقة [10].
2 -
(محمد بن بشر) العبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة حافظ [9] 5/ 882.
3 -
(إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي الكوفيّ، ثقة ثبت [4].
4 -
(محمد بن سعد بن أبي وقّاص) الزهريّ، أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، الملقّب ظِلَّ الشيطان؛ لقصره، ثقة [3] 85/ 2007.
5 -
(أبوه) سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير
شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه، وفيه أن صحابيه رضي الله عنه -هو أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وآخر من مات من العشرة، مات سنة (55) على الصحيح. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ،) سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه (عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى) أي طبّق بين أصابع يديه العشرة (وَقَالَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا") ثلاث مرات، فالإشارة الأولى إلى العشرة، والثانية إلى العشرين، والثالثة إلى الثلاثين (وَنَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إصْبَعًا) وسيأتي في الرواية الثالثة من هذا الحديث أن محمد بن عُبيد قبض الإبهام في اليسرى. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما:"وعقد الإبهام في الثالثة". يعني أنه صلى الله عليه وسلم قبض إصبعا واحدة، وهي الإبهام من العشرة الثالثة إشارة إلى كونه تسعة، فجملة ما أشار إليه تسعة وعشرون يومًا. وفي رواية لمسلم من طريق زائدة، عن إسماعيل:"الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، عشرًا، وعشرًا، وتسعًا مرة". وفي حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم: "إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، ثم طبّق النبيّ صلى الله عليه وسلم بيديه ثلاثًا، مرّتين بأصابع يديه كلها، والثالثة بتسع منها".
وحاصل معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم -بين أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين يومًا أحيانًا، كما يكون ثلاثين يوما أحيانًا، يوضّح هذا المعنى ما يأتي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "الشهر يكون تسعة وعشرين، وثلاثين
…
". ومن حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، تمام ثلاثين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -16/ 2135 و 2136 و 2137 - وفي "الكبرى" 17/ 2445 و 2446 و 2447. وأخرجه (م) في "الصيام" 2521 و 2522 و (ق) في "الصيام" 1656. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2136 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ،، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا» -يَعْنِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ-.
رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد اللَّه": هو ابن المبارك، و"يحيي بن سعيد": هو القطان.
أما رواية يحيى بن سعيد التي أشار إليها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فلم أجد من أخرجها، ويحتمل أن تكون عن أحمد بن سليمان، شيخه الآتي بعدُ، كما أشار إليها في آخره بقوله:"قال يحيى بن سعيد: قلت لإسماعيل الخ". وأما رواية غيره، فالظاهر أنه أراد رواية محمد بن عُبيد التي ذكرها بقوله:
2137 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا» ، وَصَفَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ بِيَدَيْهِ، يَنْعَتُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَبَضَ فِي الثَّالِثَةِ الإِبْهَامَ فِي الْيُسْرَى، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قُلْتُ لإِسْمَاعِيلَ: عَنْ أَبِيهِ؟ قَالَ: لَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الحافظ الثقة [11] 38/ 42 من أفراد المصنّف. و"محمد بن عبيد": هو الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [9] 48/ 1735.
وقوله: "وصفّق محمد بن عبيد بيديه ينعتها الخ": يعني أن محمد بن عبيد الراوي عن إسماعيل وصف عدد الشهر، فصفّق بيديه، أي ضرب إحدى يديه بالأخرى.
وسيأتي في رواية محمد بن بشر أن الذي ضرب بيده على الأخرى هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن يكون محمد بن عبيد أيضًا نعت لمن حدثهم، توضيحًا. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: قال يحيى بن سعيد الخ: يعني أن يحيى بن سعيد القطان سأل إسماعيل بن أبي خالد، هل محمد بن سعد:"عن أبيه"؟، فأجابه بأنه لم يقل ذلك، وإنما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأرسل الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
17 - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى يَحْيىَ ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي خَبَرِ أَبِي سَلَمَةَ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور، أن عليّ بن المبارك رواه عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وخالفه معاوية بن سَلاَّم، فرواه عن يحيي، عن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهم، لكن الظاهر أن كلا الطريقين صحيحان، فلا يضرّ الاختلاف المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2150 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"أبو داود": هو سليمان بن سَيف بن يحيي الطائيّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة حافظ [11] 103/ 136 من أفراد المصنّف. و"هارون": هو ابن إسماعيل الْخَزّاز، أبو الحسن البصريّ، ثقة، من صغار [9] 5/ 465. "وعليّ بن المبارك": هو الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيي بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [7] 28/ 1411.
و"يحيي": هو ابن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس ويرسل [5] 23/ 24. و "أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ الفقيه المدنيّ المشهور [3] 1/ 1.
والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه برقم 9/ 2117 و 2118. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2139 -
(أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ح وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ- يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيد اللَّه بن فضالة بن إبراهيم": هو أبو قُدَيد النسائيّ، ثقة ثبت [11] 17/ 899 من أفراد المصنّف."وأحمد بن محمد بن المغيرة":
هو الأزديّ الحمصيّ، صدوق [11] 69/ 85 من أفراد المصنّف أيضًا. و"محمد": هو ابن المبارك الصُّوريّ، نزيل دمشق، ثقة، من كبار [10] 17/ 1551. و"عثمان بن سعيد": هو ابن كثير بن دينار القرشيّ مولاهم، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [9] 69/ 85. و "معاوية": هو ابن سلاّم -بتشديد اللام- ابن أبي سلاّم، أبو سَلاّم الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [7] 13/ 1479.
وحديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم، وأخرجه المصنّف هنا -17/ 2139 - وفي "الكبرى"18/ 2449. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2140 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ، وَلَا نَحْسِبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا ثَلَاثًا، حَتَّى ذَكَرَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [10] 64/ 80.
2 -
(عبد الرحمن بن مهديّ) أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت [9] 42/ 49.
3 -
(سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [7] 33/ 37.
4 -
(و"الأسود بن قيس") أبو قيس العبدي الكوفيّ، ثقة [4] 15/ 1484.
5 -
(سعيد بن عمرو) بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة، أبو عثمان، ويقال: أبو عَنْبسة الأمويّ المدنيّ، ثم الدمشقيّ، ثم الكوفيّ، كان مع أبيه إذ غَلَب على دمشق، ثم سكن الكوفة، ثقة، من صغار [3].
أرسل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. سمع عائشة، وأبا هريرة، وابن عمر، وجماعة من الصحابة. قال أبو زرعة، وثقة أبو حاتم، والنسائيّ، وابن حبّان. وعن أبي حاتم: صدوق. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
6 -
(ابن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، وهو الذين جمعتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الهُدَاةُ
…
ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةِ مِنَ الشُّيوخِ المَهَرَهْ
…
النَّاقِدِينَ الحَافِظِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ
…
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السِّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارِ كَذَا
…
ابْنُ المُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، والصحابيّ مدنيّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّا) أي العرب. وقيل: أراد نفسه، والأول أوضح (أُمَّة) أي جماعة (أُمِّيَّةٌ) نسبة إلى الأمّ، فقيل: أراد أمة العرب؛ لأنها لا تكتب، أو منسوب إلى الأمهات، أي أنهم على أصل ولادة أمهم، أو منسوب إلى الأمّ؛ لأن المرأة هذه صفتها غالبًا. وقيل: منسوب إلى أمّ القرى (لَا نَكْتُبُ، وَلَا نَحْسُبُ) بضم السين المهملة، يقال: حَسَبتُ المال حَسْبًا، من باب قتل: أحصيته عددًا، وفي المصدر أيضًا حِسْبة بالكسر، وحُسبانًا بالضمّ. قاله في "المصباح".
فقوله: "لا نكتب، ولا نحسُبُ" تفسير لكونهم أميين، وقيل للعرب: أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال اللَّه تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} الآية [الجمعة: 2]، ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب، ويحسُبُ؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة. والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمرّ الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يُشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويوضّحه:"فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين"، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلّفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الرافضة، ونُقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجيّ: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين، ليس فيها قطع، ولا ظنّ غالب، مع
أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل انتهى
(1)
.
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكتب ولا نحسُب": أي لم نُكَلَّف في تعرّف مواقيت صومنا، ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب، ولا كتابة، وإنما رُبطت عباداتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحُسّاب وغيرهم، ثم تمّم هذا المعنى، وكمّله حيث بيّنه بإشارته بيديه، ولم يتلفّظ بعبارة عنه نُزُولاً إلى ما يفهمه الْخُرْس والعُجْم، وحصل من إشارته بيديه ثلاث مرّات أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خَنْسِه إبهامه في الثالثة أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، كما نصّ عليه في الحديث الآخر.
وعلى هذا الحديث من نذر أن يصوم شهرًا غير معيّن، فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأنّ ذلك يقال عليه: شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذلك ركعتان؛ لأنه أقلّ ما يصدُق عليه الاسم، وكذلك من نذر صوما، فصام يوما أجزأه، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك -رحمه اللَّه تعالى-، فإنه قال: لا يجزئه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يومًا، فإن صامه بالهلال فعلى ما يكون ذلك الشهر من رؤية الهلال.
وفيه من الفقه أن يوم الشكّ محكوم له بأنه من شعبان، وأنه لا يجوز صومه عن رمضان؛ لأنه علق صوم رمضان بالرؤية، وَلَمْ، فَلَا
(2)
انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
(3)
.
(الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، ثَلَاَثًا) أي قال هذا القول، مع الإشارة بيديه ثلاث مرات، موضّحًا أن الشهر أحيانًا يكون ثلاثين (حَتَّى ذَكَرَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ") أي استمرّ عليه حتى ذكر أن الشهر أحيانًا يكون تسعًا وعشرين. وقد فُضل في الرواية التالية ما أُجمِل في هذه الرواية" حيث قال:"والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، تمامَ الثلاثين". أي أشار أوّلا بأصابع يديه العشر جميعًا مرتين، وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا هو المعبّر عنه بقوله:"تسع وعشرون"، وأشار مرّة أخرى بهما ثلاث مرّات، وهو المعبّر عنه بقوله:"ثلاثون". وفي رواية جَبَلَة بن سُحيم، عن ابن عمر رضي الله عنهم الآتية، قال:"الشهر هكذا، ووصف شعبة، عن صفة جبَلَة، عن صفة ابن عمر، أنه تسع وعشرون، فيما حَكَى من صنيعه مرّتين بأصابع يديه، ونقص في الثالثة إصبعًا من أصابع يديه". ووقع في رواية لمسلم من هذا الوجه بلفظ:
(1)
- انظر "الفتح" ج 4 ص 623 طبعة دار الفكر.
(2)
- قوله: ولم فلا، أي ولم يُرَ، فلا صوم. واللَّه تعالى أعلم.
(3)
- "المفهم" ج 3 ص 139 - 140.
"الشهر كذا، وكذا، وكذا، وصفّق بيديه مرتين بكلّ أصابعه، ونقص في الصفقة الثالثة إبهام اليمنى، أو اليسرى".
وروى أحمد، وابن أبي شيبة، واللفظ له، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن ابن عمر، رفعه:"الشهر تسع وعشرون، ثمّ طبّق بين كفيه مرتين، وطبّق الثالثة، فقبض الإبهام"، قالت عائشة: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن، وإنما هجر النبيّ صلى الله عليه وسلم نساءه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، فقيل له، فقال:"إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، وشهر ثلاثون".
وفي الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعوّل رؤية الأهلّة، وقد نُهِينا عن التكلّف، ولا شكّ أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلّف. وفيه جواز اعتماد الإشارة الْمُفْهِمَة في مثل هذا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -17/ 2140 و 2141 و 2142 و 2143 - وفي "الكبرى" -18/ 250 و 251 و 252 و 2453. وأخرجه (خ) في "الصوم" 1774 و 1775 و1780 و"الطلاق "4890 (م) في "الصوم" 1796 و 1797 و 1702 و 1803 و 1804 و 1805 و 1806 و 1807 (د) في الصوم 1975 و 1976 (أحمد) في "مسند المكثرين" 4382. و (الموطأ) في "الصيام"558. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2141 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَحْسِبُ، وَلَا نَكْتُبُ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، وَعَقَدَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا تَمَامَ الثَّلَاثِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"محمد" شيخ ابن المثنّى، وابن بشار هو ابن جعفر المعروف بـ"غندر". والحديث
متفق عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2142 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا» ، وَوَصَفَ شُعْبَةُ، عَنْ صِفَةِ جَبَلَةَ، عَنْ صِفَةِ، ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فِيمَا حَكَى مِنْ صَنِيعِهِ، مَرَّتَيْنِ بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ، وَنَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا، مِنْ أَصَابِعِ يَدَيْهِ).
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة، سوى:
"جَبَلَة بن سُحَيم" -بفتح الجيم، والموحّدة، واللام، وضم السين المهملة، بعدها حاء مهملة، مصغّرًا- التيميّ، ويقال: الشيبانيّ
(1)
أبو سُوَيرة الكوفيّ، ثقة [3].
قال علي بن المدينيّ: قلت ليحيى القطّان: كان شعبة، والثوريّ يوثقانه؟، فقال برأسه، أي نعم. وقال يحيى: جبلة أثبت من آدم بن عليّ، وسمعت يحيى يقول: جبلة ثقة. وقال نحو ذلك عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه. وقال ابن معين: ثقة، زاد ابن أبي مريم عنه: كيّس، حسن الحديث. وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: توفي في فتنة الوليد بن يزيد. وقال خليفة بن خياط
(2)
: مات سنة (125) في ولاية يوسف بن عمر. وقال القرّاب في "تاريخه": مات سنة (126). روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان: هذا، وفي "كتاب الأشربة" 28/ 5619 حديث ابن عمر:"نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الحنتم .. " الحديث.
و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ.
وقوله: "عن صفة جبلة الخ" أي حال كونه آخذًا عن صفة جبلة في كيفية تطبيق إحدى يديه على الأخرى لبيان كون الشهر تسعا وعشرين يومًا. وقوله: "عن صفة ابن عمر": أي حال كون جَبَلة آخذا عن صفة ابن عمر رضي الله عنهما في بيان الكيفية المذكورة.
وقوله: "ونقص في الثالثة إصبعًا من أصابع يديه" قد فسرت الرواية السابقة بأن تلك الإصبع هي الإبهام.
(1)
- قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: تيم الذي نُسب إليه جبلة هذا هو تيم بن شيبان، فهو تيميّ شيبانيّ، ذكره الرُّشاطيّ. انتهى. "تت" ج 1 ص 291 طبعة مؤسسة الرسالة.
(2)
- قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يصرّح خليفة في "تاريخه"، ولا في "الطبقات" له بوفات جبلة في هذه السنة، فليُحرّر انتهى. المصدر المذكور.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2143 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُقْبَةَ -يَعْنِي ابْنَ حُرَيْثٍ- قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، سوى:
1 -
(عقبة بن حُريث) التغلبيّ الكوفيّ، ثقة [4].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم أربعة أحاديث، والمصنف، هذا الحديث فقط.
و"محمد": هو غندر المذكور في السند الماضي.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تخريجه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
18 - (الْحَثُّ عَلَى السَّحُورُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: نصّ "الكبرى": "أبواب السحور"- "الحثّ على السحور".
"الحثّ" -بفتح المهملة، وتشديد المثلّثة-: التحريض، قال الفيّوميّ: حَثَثتُ الإنسانَ على الشيء حَثّا، من باب قَتَلَ، وحَرَّضته عليه بمعنى، وذهب حثيثًا: أي مُسرِعًا، وحَثَثتُ الفرسَ على الْعَدْو: صِحْتُ به، أو وَكَزْته برِجْل، أو ضرب، واستحثثته كذلك انتهى. و"السحور" -بالفتح، والضمّ- قال في "اللسان": السَّحُور -أي بالفتح-: طعام السَّحَر، وشرابه. قال الأزهريّ: السَّحُور: ما يُتسحّر به وقت السَّحَر، من طعام، أو لبن، أو سَوِيق، وُضع اسمًا لما يُؤكل ذلك الوقتَ، وقد تسحّر الرجل ذلك الطعام، أي أكله، وقد تكرّر ذكر السّحور في الحديث في غير موضع، قال ابن الأثير: هو بالفتح
اسم ما يُتسحّر به، من الطعام والشراب، وبالضمّ المصدر، والفعل نفسه، وأكثر ما روي بالفتح، وقيل: الصواب بالضمّ لأنه بالفتح الطعام، والبركة، والأجر والثواب في الفعل، لا في الطعام، وتسحّر أكل السَّحُور انتهى.
وفي "المصباح": السَّحَر -بفتحتين-: قُبيل الصبح، و -بضمتين- لغةٌ، والجمع أَسْحار، والسَّحُور وِزان رَسُول: ما يؤكل في ذلك الوقت، وتسحّرتُ: أكلت السّحُور، والسُّحُور بالضمّ فعل الفاعل انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2144 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». وَقَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [10] 24/ 27.
2 -
(عبد الرحمن) بن مهديّ المترجم في الباب الماضي.
3 -
(أبو بكر بن عيّاش) الأسديّ الكوفيّ المقرئ الحَنّاط، مشهور بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [7] 98/ 127.
4 -
(عاصم) بن أبي النَّجُود الأسديّ مولاهم، أبو بكر الكوفيّ المقرئ، وهو ابن بَهْدَلة، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون [6] 20/ 1221.
5 -
(زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [2] 198/ 126.
6 -
(عبد اللَّه) بن مسعود الهذلي الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 35/ 39. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَّرُوا،) أي كلوا وقت السَّحَر (فَإنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً") الفاء للتعليل، لأن في السحور بركة. قال
في "الفتح": "السحور": بفتح السين وضمها، لأن المراد بالبركة الأجر والثواب، فيناسب الضمّ، لأنه مصدر بمعنى التسحّر، أو البركة؛ لكونه يقوّي على الصوم، ويُنَشِّطُ له، ويخفّف المشقّة فيه، فيناسب الفتح؛ لأنه ما يتسحّر به. وقيل: البركة ما يتضمّن من الاستيقاظ والدعاء في السحر، والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعدّدة، وهي اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوّي على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يُثيره الجوع، والتسبّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنّة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإن إقامة السنّة يوجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية؛ كقوّة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إضرار بالصائم، قال: ومما يُعلّل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب؛ لأنه ممتنع عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخرويّة. وقال أيضًا وقع للمتصوّفة في مسألة السحور كلام من جهة اعتبار حكمة الصوم، وهي كسرة شهوة البطن والفرج، والسحور قد يُباين ذلك. قال: والصواب أن يقال: ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية، فليس بمستحبّ، كالذي يصنعه المترفون من التأنّق في المآكل، وكثرة الاستعداد لها، وما عدا ذلك تختلف مراتبه. انتهى ما في "الفتح"
(1)
. وهو بحث نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - 18/ 2144 و 2145 - وفي "الكبرى" 19/ 2454 و 2455. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): أنه يحصل السحور بأقلّ ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب، وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، بلفظ: "السحور بركة، فلا تَدَعُوه، ولو أن يَجرَع أحدكم جُرعة
(2)
من ماء، فإن اللَّه، وملائكته، يصلّون
(1)
- "الفتح" ج 4 ص 639 - 640.
(2)
-"جرع" من باب نفع، وفيه لغة أخرى من باب تَعِبَ، و"الجُرعة بالضمّ: ما يُجرَع مرة واحدة. أفاده في "المصباح".
على المتسحّرين". ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: "تسحّروا، ولو بِلُقْمة.
قاله في "الفتح"
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): أنه نقل الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- الإجماع على ندبية السحور
(2)
. وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: وأجمع العلماء على استحبابه، وأنه ليس بواجب انتهى
(3)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فعلى هذا يكون الأمر بالسحور في حديث الباب للاستحباب، لا للوجوب، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقال:"باب بركة السحور، من غير إيجاب"؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه واصلوا، ولم يُذكَر السحور انتهى.
وأشار البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بهذا إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، فلما أبوا واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم" الحديث. متّفق عليه.
وهو استدلال حسنٌ جِدًّا، فإنه يدلّ على أن السحور ليس بحتم، إذ لو كان حتمًا لما واصل بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإن الوصال يستلزم ترك السحور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَقَفَهُ عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ) يعني أن عبيد اللَّه بن سعيد السرخسيّ خالف محمد ابن بن بشّار في رواية هذا الحديث عن عبد الرحمن بن مهديّ، فرواه موقوفًا على ابن مسعود رضي الله عنه، كما بيّنه بقوله:
2145 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: تَسَحَّرُوا. قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ: لَا أَدْرِي، كَيْفَ لَفْظُهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ساقه المصنّف لبيان الاختلاف بين شيخيه: محمد بن بشّار، وعُبيد اللَّه بن سعيد في الرفع والوقف، وظاهر تأخيره روايةَ عُبيد اللَّه يدلّ على ترجيحه الوقف؛ لأن عادته غالباً أنه يقدّم الأخبار المعلّلة، ثم يأتي بالأحاديث التي يرى صحّتها، كما أفاده الحافظ ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح
(1)
-"فتح"ج 4 ص 640.
(2)
- انظر "الفتح" ج 4 ص 639.
(3)
- انظر "شرح مسلم" ج 7 ص 207.
علل الترمذيّ"
(1)
.
ومما يؤيّد ما قاله ابن رجب أن الحافظ أبا الحجّاج المزّيّ --رحمهما اللَّه تعالى-- نقل في "تحفة الأشراف" جـ7 ص 26 عن المصنّف بعد إيراد الحديث بالطريقين السابقين: ما نصه: وقال: عبيد اللَّه أثبت عندنا من ابن بشّار، وحديثه أولى بالصواب انتهى.
ولم أر هذا الكلام للمصنّف لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله لاختلاف النسخ، واللَّه تعالى أعلم.
لكن الذي يظهر لي أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحة المرفوع، لأن محمد بن بشّار ثقة ثبت، ولأن المرفوع يشهد له حديث أنس رضي الله عنه الآتي بعد هذا، وهو متفق عليه، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي في الباب التالي، فَيُحمَل على أن ابن مسعود رضي الله عنه حدّث به مرفوعًا مرّةً، وأفتى به مرّةً أخرى.
والحاصل أن الذي يظهر كون الحديث صحيحًا مرفوعًا، وموقوفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2146 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ. و"عبد العزيز": هو ابن صُهَيب البنانيّ البصريّ.
والحديث متفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا-18/ 2146 - وفي "الكبرى" 19/ 2456. وأخرجه (خ) في "الصوم" 1923 (م) 2544 (ت) 642 (ق) 1682 (أحمد) 1512 و 12768 و 12911 و 13063 و 13208 (الدارمي) 1634. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
(1)
- عبارة الحافظ ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اعتُرِض على الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا. وليس ذلك بعيب، فإنه -رحمه اللَّه تعالى- يبين ما فيها من العلل، ثم يبيّن الصحيح في الإسناد، وكأن مقصده -رحمه اللَّه تعالى- ذكر العلل، ولهذا تجد النسائيّ إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له انتهى."شرح علل الترمذيّ" ج 2 ص 625 بتحقيق د/ همام عبد الرحيم سعيد.
19 - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَبْد الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن منصور بن أبي الأسود رواه عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا
(1)
، وخالفه يزيد بن هارون، فرواه عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنهم موقوفًا عليه، والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحّة الحديث، كما تقدّم البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2147 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ، نَسَائِيٌّ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن سعيد بن جَرِير": هو ابن ذكوان، أبو الحسن النسائيّ، نزيل نيسابور، صدوق، صاحب حديث [11].
قال النسائيّ: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا من جُلساء أحمد. وقال الحاكم: عليّ بن سعيد بن جَرير محدّث عصره، كتب بالحجاز، والشام، والعراقين، وخراسان، سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد يقول: قال لنا محمد بن يحيي: اكتبوا عن هذا الشيخ، فإنه شيخ ثقة، يشبه المشايخ. وقال المستملي: حدثنا سنة (256). وذكر الخليليّ في "الإرشاد" أنه مات سنة (257) روى عنه المصنّف هذا الحديث فقط، وابن ماجه في "التفسير".
و"أبو الربيع": هو سليمان بن داود العَتَكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة، لم يتكلّم فيه أحد بحجة [10].
قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال الآجرّيّ: سألت أبا داود عن أبي الربيع، والحَجَبيّ، أيهما أثبت في حماد بن زيد؟ فقال: أبو الربيع أشهرهما، والحَجَبيّ
(1)
- قال الطبرانيّ في "الأوسط": تفرّد به منصور، عن عبد الملك، وتفرّد به أبو الربيع، عن منصور انتهى. ذكره في "النكت الظراف" ج10 ص263.
قلت: لكن سيأتي أن ابن أبي ليلى أيضًا رواه عن عبد الملك، فلم يتفرّد به. واللَّه تعالى أعلم.
ثقة. وقال ابن قانع: ثقة صدوق. وقال الساجي: سمعت عبد القدّوس بن محمد يقول: قال لي عبد اللَّه بن داود الْخُرَيبيّ: اقرأ على أبي الربيع، فإنه موضع يُقرأ عليه. وقال مَسْلَمة بن قاسم: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن خِرَاش: تُكُلِّم الناس فيه، وهو صدوق.
قال الحافظ: ولا أعلم أحدّا تكلّم فيه بخلاف ما زعم ابن خِرَاش. قال الحضرميّ، وغيره: مات سنة (234). روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى له المصنّف بواسطة علي بن سعيد بن جرير، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرمانيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا 2147 وحديث 4180، وحديث 5412.
و"منصور بن أبي الأسود": هو الليثيّ الكوفيّ، يقال: اسم أبيه حازم، صدوق رُمي بالتشيّع [8].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: لا بأس به، كان من الشيعة الكبار. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره ابن سعد في الطبقة السادسة من أهل الكوفة، وقال: كان تاجرًا كثير الحديث. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و"عبد الملك بن أبي سليمان" ميسرة: هو العَرزَميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [5] 7/ 406. و"عطاء": هو ابن أبي رباح أسلم المكيّ، أبو محمد الفقيه الثقة الثبت المشهور [3] 112/ 154.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -19/ 2147 و 2148 و 2149 و2150 و 2151 - وفي "الكبرى" 20/ 2457 و 2458 و 2459 و2460 و 24561. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 854 و 9795. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2148 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً". رَفَعَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [11] 38/ 42 من أفراد المصنّف.
و"يزيد": هو ابن هارون الواسطيّ الحافظ المشهور.
وقوله: "رفعه ابن أبي ليلى": يعني أنه روى هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فرفعه.
ونقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ10. ص 268: ما نصّه: قال النسائيّ: ابن أبي ليلى ليّن الحديث، سيء الحفظ، ليس بالقويّ انتهى.
ولم أر هذا الكلام للمصنّف لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله من اختلاف النسخ. واللَّه تعالى أعلم.
وهذا يدلّ على أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن رفع هذا الحديث ضعيف، لضعف ابن أبي ليلى، لكن الذي يظهر لي أنه صحيح؛ لأنه لم ينفرد ابن أبي ليلى به، بل تابعه على رفعه منصور بن أبي الأسود، كما سبق قبل حديث، وهو ثقة، فيصحّ الحديث. واللَّه تعالى اْعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية ابن أبي ليلى التي أشار إليها، فقال:
2149 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ابن أبي ليلى": هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ الكوفيّ الفقيه القاضي، أبو عبد الرحمن، صدوق سيّء الحفظ جدًّا [7].
قال أبو طالب، عن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعّفه. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان سيء الحفظ، مضطرب الحديث، كان فقه ابن أبي ليلى أحبّ إلينا من حديثه. وقال مرّة: ابن أبي ليلى ضعيف، وفي عطاء أكثر خطأ. وقال أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة: ما رأيت أحداً أسوأ حفظًا من ابن أبي ليلى. وقال رَوْح، عن شعبة: أفادني ابن أبي ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة. وقال الجُوزَجانيّ، عن أحمد بن يونس: كان زائدة لا يُحدّث عنه، وكان قد ترك حديثه. وقال أبو حاتم، عن أحمد بن يونس: ذكره زائدة، فقال: كان أفقه أهل الدنيا. وقال العجلي: كان فقيهًا، صاحب سنّة، صدوقًا، جائز الحديث، وكان عالمًا بالقرآن، وكان من أحسب الناس، وكان جميلاً نبيلاً، وأول من استقضاه على الكوفة يوسف بن عمر الثقفيّ. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ليس بذاك. وقال أبو زرعة: ليس بأقوى ما يكون. وقال أبو حاتم: محلّه الصدق، كان سيء الحفظ، شُغل بالقضاء، فساء حفظه، لا يتّهم بشيء من الكذب، إنما ينكر عليه كثرة الخطأ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وهو
والحجّاج بن أرطأة ما أقربهما. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن حبّان: كان فاحش الخطإ، رديء الحفظ، فكثرت المناكير في روايته، تركه أحمد ويحيى. وقال الدارقطنيّ: كان رديء الحفظ، كثير الوَهَم. وقال ابن جرير الطبريّ: لا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، ليّن الحديث عندهم. وقال صالح بن أحمد، عن ابن المدينيّ: كان سيء الحفظ، واهي الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: عامّة أحاديثه مقلوبة. وقال الساجيّ: كان سيء الحفظ، لا يتعمّد الكذب، فكان يُمدَح في قضائه، فأما في الحديث فلم يكن حجّة. قال: وكان الثوريّ يقول: فقهاؤنا: ابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة. وقال ابن خزيمة: ليس بالحافظ، وإن كان فقيهًا عالمًا. قال البخاريّ: مات سنة (148). روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم 2149 و 2150 و 2426 و 2427 و 4313 و 4774 و 4902 و 5081.
و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس الصيرفيّ البصريّ الحافظ. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان الإمام المشهور.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2150 -
(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الأعلي بن واصل بن عبد الأعلى": الأسديّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [10] 54/ 618. و"يحيى بن آدم": هو أبو زكريا الكوفيّ، مولى بني أميّة الحافظ المثبت الفاضل، من كبار [9] 1/ 451. و"سفيان ": هو الثوريّ الإمام.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2151 -
(أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زكريا بن يحيى": هو السِّجْزيّ، أبو عبد الرحمن، نزيل دمشق، ثقة حافظ [12] 189/ 1161. من أفراد المصنّف.
و"أبو بكر بن خَلاّد": هو محمد بن خلاد بن كثير الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقة
[10]
.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: أبو بكر بن خلاّد عرفته معرفة قديمة، لقيناه أيام المعتمر بالبصرة، وببغداد، وكان ملازما ليحى بن سعيد. وقال أبو بكر بن أعين: سمعت مسدّدًا يقول: أبو بكر بن خلاّد ثقة، ولكنه صَلِف
(1)
. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال معاوية بن عبد الكريم الزياديّ: أدركت البصرة، والناس يقولون: ما بها أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلاّد، وبعده عبّاس العنبريّ. ووثقه مسلمة بن قاسم. مات سنة (240) على الصحيح. روى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. وروى عنه المصنّف بواسطة زكريا السجزيّ هذا الحديث فقط.
و"محمد بن فُضيل" بن غَزْوان: هو أبو عبد الرحمن الضبيّ مولاهم الكوفيّ، صدوق رُمي بالتشيّع [9] 18/ 799.
و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ الحافظ الثبت. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الفقيه المدنيّ، تقدّم قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: أَبو عَبْد الرحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (حَدِيثُ يَحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ هَذَا، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ) أي لكون رجاله ثقات (وَهُوَ مُنْكَرٌ) الظاهر أن سبب النكارة كونه من رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، لأن المعروف أنه من رواية عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
واللَّه تعالى أعلم (وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ الغَلَطُ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيلٍ) بن غَزْوان، حيث جعله عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، فخالف غيره من الثقات، فإن منصور بن أبي الأسود، ويزيد بن هارون جعلاه عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة. ويحيى القطان، والثوريّ جعلاه عن ابن أبي ليلى، عن عطاء.
والحديث وإن تكلم في سنده المصنّف، صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
(1)
- ذكر في القاموس من معاني الصّلْف التكلّم بما يكرهه صاحبك، والتمدّح بما ليس عندك، أو مجاوزة قدر الظرف، والادعاء فوق ذلك تكبّرًا. اهـ .. ولا أدري أي المعنى منها أراد مسدد هنا، واللَّه تعالى أعلم.
20 - (تَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى زِرٍّ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف فيه أن عاصمًا رواه عن زرّ، عن حُذيفة، مرفوعًا، وخالفه عديّ بن ثابت، فرواه عنه موقوفًا من فعل حذيفة رضي الله عنه، وأيضًا إن رواية عاصم تدلّ على أن السحور وقع بعد طلوع الفجر، بخلاف رواية عديّ، فإن ظاهرها أنه قبل طلوعه.
والذي يظهر لي أن رواية الوقف هي أرجح، وهو الذي يظهر من صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- حيث أورد رواية عديّ بن ثابت بعدها، كعادته في إيراد الأخبار المعللة أوّلاً، ثم الأخبار الصحيحة، ثم أتبعها بما يقوّي ذلك، وهو أثر صِلَة بن زفر. وسيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2152 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَىَّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْتَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ ، قَالَ: "هُوَ النَّهَارُ، إِلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن يحيى بن أيوب) الثقفيّ، أبو يحيى المروزيّ المعلّم، ثقة حافظ [10]. 162/ 254.
2 -
(وكيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [9] 23/ 25.
3 -
(سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [7] 33/ 37.
4 -
(عاصم) بن أبي النَّجُود، وهو ابن بَهْدَلة الأسديّ مولاهم، أبو بكر الكوفيّ المقرىء، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون [6] 20/ 1221.
5 -
(زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، مخضرم ثقة فاضل [2] 198/ 126.
6 -
(حُذيفة) بن اليمان، واسم اليمان حِسْل -بكسر، فسكون- أو حُسيل -مصغّرًا- العبسيّ حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات في أول خلافة عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (36) وتقدّم في 2/ 2. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيُ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن صحابيه من السابقين إلى الإِسلام، وهو صاحب سرّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم في "صحيحه" أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زِرٍّ) بن حُبيش، أنه (قَالَ: قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ) بن اليمان رضي الله عنهما (أَيَّ سَاعَةٍ) بنصب "أيّ" على الظرفية متعلقة بقوله (تَسَحَّرْتَ) أي أكلت السحور (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟، قَالَ: "هُوَ النَّهَارُ) أي الوقت الذي تسحّرت فيه النهار (إِلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ") يعني أن الوقت هو النهار الحقيقيّ، غير أن الشمس لم تطلع، وهذا غاية كون الأكل وقع في النهار الحقيقيّ. [تنبيه]: نقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ3 ص 31 - 32 بعد أن أورد الحديث: ما نصّه: قال (س) -يعني النسائيّ-: لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم، فإن كان رفعه صحيحًا، فمعناه أنه قرب النهار، كقوله عز وجل:{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [الطلاق: 2]، معناه إذا قاربن البلوغ، وكقول القائل: بلغنا المنزل، إذا قاربه انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أر هذا الكلام للمصنّف، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله لاختلاف النسخ، فاللَّه تعالى أعلم.
ثمّ إنه يُبعِد هذا التأويلَ تأكيدُ حذيفة رضي الله عنه -بقوله: "إلا أن الشمس لم تطلع"، فإنه ظاهر في كون المراد حقيقة النهار، لا مجازُه. فتنبّه.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أن المراد هو النهار الشرعيّ، والمراد بالشمس الفجر، والمراد أنه في قرب طلوع الفجر، حيث يقال: إنه النهار، نعم ما كان الفجر طالعًا انتهى
(1)
.
وزاد في "شرحه" على "ابن ماجه": وقيل الحديث منسوخ، وهو مشكل بأن الصوم قد نُسخ فيه التشديد إلى التخفيف، دون العكس انتهى
(2)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تأويل السنديّ قريب من التأويل المذكور عن النسائيّ،
(1)
- "شرح السندي" ج 4 ص 142.
(2)
- "شرح السندي" على ابن ماجه ج 2 ص 322.
وفيه ما تقدّم فيما ذُكر عن النسائيّ، وهو أنه غير صحيح؛ لأن قول حذيفة رضي الله عنه: إلا أن الشمس لم تطلُع" صريح في إرادته طلوعها حقيقة، لا طلوع الفجر. فتنبّه.
وأصرح في الردّ من هذا رواية الطحاويّ، فقد أخرج الحديث في "شرح معاني الآثار" جـ 2 ص 54 - 55 من طريق رَوْح بن عُبادة، عن حماد، عن عاصم بن بَهْدَلَة، عن زِز بن حُبيش، قال: تسحّرت، ثم انطلقت إلى المسجد، فمررت بمنزل حذيفة، فدخلت عليه، فأَمَر بلِقْحَة، فحُلبت، وبقِدّرِ، فسُخِّنت، ثم قال: كُلْ، فقلت: إني أريد الصوم، قال: وأنا أريد الصوم، قال: فأكلنا، ثم شربنا، ثم أتينا المسجد، فأقيمت الصلاة، قال: هكذا فعل بي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أو صنعت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قلت: بعد الصبح؟ قال: بعد الصبح، غير أن الشمس لم تطلع. انتهى.
فهذا صريح في ردّ ما نُقِل عن النسائيّ، من أن المراد قرب النهار، وعلى ما قاله السنديّ، من أن المراد بالشمس الفجر، والمراد قرب طلوع الفجر، فقد صرّح بأنه أكل بعد الصبح.
قال الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ففي هذا الحديث عن حذيفة أنه أكل بعد طلوع الفجر، وهو يريد الصوم، وَيحكِي مثل ذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وقد جاء عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك، من أنه قال:"إن بلالاً يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا، حتى ينادي ابن أم مكتوم". وأنه قال: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه إنما يؤذّن لينتبه نائمكم، وليرجع قائمكم"، ثم وصف الفجر بما قد وصفه به، فدلّ ذلك على أنه هو المانع للطعام والشراب، وما سوى ذلك، مما يُمْنَعُ منه الصائم، فهذه الآثار التي ذكرناها مخالفة لحديث حذيفة.
وقد يحتمل حديث حذيفة عندنا -واللَّه أعلم- أن يكون كان قبل نزول قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]. انتهى المقصود من كلام الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-، بشيء من الاختصار.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الحديث لا يصح مرفوعًا؛ كما يأتي قريبًا، فلا يعارض الأحاديث الصحيحة التي أشار إليها الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حذيفة رضي الله عنه هذا مرفوعًا ضعيف؛ لتفرّد عاصم به، ومخالفته، وهو ممن لا
يُحتَمَل مخالفته، فإنه وإن كان إماما في القراءة، إلا أنه سيء الحفظ، ولذا لم يخرّج له الشيخان إلا مقرونا، فتفرده برفع هذا الحديث، ومخالفته لعديّ بن ثابت، وهو أوثق منه يدلّ على وَهَمِه، ويدلّ على رُجحان رواية عديّ على روايته رواية صِلَة بن زُفَر للحديث موقوفًا أيضًا.
والحاصل أن هذا الحديث لا يصحّ مرفوعًا، وإنما هو من فعل حذيفة رضي الله عنه، فلا يكون حديثه معارضًا للأدلّة الصريحة الصحيحة على أن طلوع الفجر، وتبيّه يمنع من الأكل والشرب، ونحوهما، وعلى تقدير صحته يحتمل أن يكون قبل هذه النصوص، كما تقدّم عن الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى علم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -20/ 2152 و 2153 و 2154 - وفي "الكبرى"-21/ 2462 و 2463 و 2464 و 2465. وأخرجه (ق) في "الصوم" 1695. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يحرم فيه الأكل والشرب في الصوم:
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذّب": ما حاصله: مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجر، فيحرم الطعام، والشراب، والجماع به.
قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعلماء الأمصار، قال: وبه نقول، قال: وروينا عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال حين صلى الفجر: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال: ورُوي عن حُذيفة رضي الله عنه أنه لما طلع الفجر تسحّر، ثم صلى، قال: وروي معناه عن ابن مسعود. وقال مسروق: لم يكونوا يَعُدّون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق. قال: وكان إسحاق يميل إلى القول الأول من غير أن يطعن علي الآخرين، قال إسحاق: ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء. هذا كلام ابن المنذر انتهى كلام النوويّ
(1)
.
وقال في "الفتح": وذهب جماعة من الصحابة -وقال به الأعمش من التابعين، وصاحبه أبو بكر بن عيّاش- إلى جواز السحور إلى أن يتّضح الفجر، فروى سعيد بن منصور
(2)
، عن أبي الأحوص، عن عاصم، عن زرّ، عن حذيفة، قال: "تسحّرنا مع
(1)
- "المجموع" ج 5 ص 324.
(2)
- كان الأولى للحافظ أن يعزو الحديث للنسائيّ، وابن ماجه، كما هو صنيع المحدثين في عزو الحديث للأمهات الست، ثم إلى غيرها.
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هو واللَّه النهار، غير أن الشمس لم تطلع". وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر، عن عاصم نحوه. وروى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة. وروى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر.
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن عليّ أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبيّن بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت، ثم حكى ما تقدّم عن أبي بكر وغيره. وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عُبيد الأشجعيّ -وله صحبة- أن أبا بكر قال له: اخرج، فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت، ثم أتيته، فقلت: قد ابيضّ، وسطع، ثم قال: اخرج، فانظر هل طلع؟ فنظرت، فقلت: قد اعترض، فقال: الآن أبلغني شرابي. وروى من طريق وكيع، عن الأعمش أنه قال: لولا الشهوة
(1)
لصليت الغداة، ثم تسحّرت. قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل، والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبيّن بياض النهار من سواد الليل، قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن علي من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء، ولا كفّارة.
قال الحافظ: وفي هذا تعقّب على الموفّق وغيره، حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش. واللَّه أعلم انتهى
(2)
.
واحتجّ الجمهور بالأحاديث الصحيحة المشهور المتظاهرة:
(منها): حديث عديّ بن حاتم رضي الله عنه، قال: لما نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، قلت: يا رسول اللَّه إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالا أبيض، وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إن وسادك لَعَريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار". متفق عليه.
(ومنها): حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: أنزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ، ولم ينزل {مِنَ الْفَجْرِ} ، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل اللَّه تعالى:{مِنَ الْفَجْرِ} ، فعلموا أنه يعني به الليل من النهار. متفق عليه.
(1)
- هكذا النسخة، ولعله: لولا الشهرة، واللَّه أعلم.
(2)
- "فتح" ج 4 ص 635 - 636.
(ومنها): حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا يغرّنّكم أذان بلال، ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير". رواه مسلم.
(ومنها): حديث ابن مسعود رضي الله عنه -عن النبيّ قال: "لا يمنعن أحدكم -أو أحدًا منكم- أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذّن -أو ينادي- بليل ليرجع قائمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول الفجر -أو الصبح- وقال بأصابعه، ورفعها إلى فوقُ، وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا، وقال بسبابته إحداهما فوق الأخرى، ثم مدهما عن يمينه وشماله". رواه البخاريّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجور هو الأرجح، لظهور أدلّته.
لكن المراد بطلوعه تحققه وتبيّنه، فلو شك في طلوعه جاز له الأكل وغيره حتى يتيقّن طلوعه، لظاهر الآية المذكورة.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ولو شكّ في طلوع الفجر جاز له الأكل، والشرب، والجماع، وغيرها بلا خلاف حتى يتحقق الفجر للآية الكريمة:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ} ، ولِمَا صحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"كُلْ ما شككت حتى يتبيّن لك". رواه البيهقيّ بإسناد صحيح. وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت، قال:"أرسل ابن عباس رجلين ينظران الفجر، فقال أحدهما: أصحبت، وقال الآخر: لا، قال: اختلفتما أرني شرابي". قال البيهقيّ: وروي هذا عن أبي بكر الصدّيق، وعمر، وابن عمر رضي الله عنهما، وقول ابن عباس:"أرني شرابي" جار على القاعدة أنه يحلّ الشرب، والأكل حتى يتبيّن الفجر، ولو كان قد تبيّن لما اختلف الرجلان فيه، لأن خبريهما تعارضا، والأصل بقاء الليل، ولأن قوله:"أصبحت" ليس صريحًا في طلوع الفجر، فقد تطلق هذه اللفظة لمقاربة الفجر. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ
(1)
. وهو بحثٌ نفيسٌ جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
2165 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، قَالَ: تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ هُنَيْهَةٌ).
قال الجَامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن جعفر، المعروف بـ"غُندَر".
(1)
- "المجموع" ج 5 ص 3215.
و"عديّ": هو ابن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة [4] 49/ 605.
وقوْله. "هُنهية": بالتصغير، أي إلا قدر يسير.
والحديث موقوف صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإلية المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2154 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ: "تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ
(1)
، فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّيْنَا").
قال الجَامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"عمرو بن عليّ": هو الفلاس. و"أبو يعفور": عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسْطاس الكوفيّ، ثقة [5] 17/ 1639. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ. و"صِلَة بن زُفَر": هو العبسيّ، أبو العلاء الكوفيّ، تابعيّ كبير [2] 77/ 1008.
والحديث موقوف صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
21 - (قَدْرُ مَا بَيْنَ السَّحُورِ، وَبَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على بيان مقدار الوقت الذي بين انتهاء السحور، وابتداء الصلاة؛ لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل، والمراد بفعل الصلاة أولُ الشروع فيها. قاله الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2155 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: "تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ ، قَالَ: قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً).
(1)
- وفي نسخة: "المصلَّى".
(2)
- راجع " الفتح" ج 4 ص 637.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزيّ ابن راهويه، ثقة ثبت حجة [10] 2/ 2.
2 -
(وكيع) بن الجرّاح المذكور في الباب الماضي.
3 -
(هشام) بن أبي عبد اللَّه، واسمه سَنْبَر بوزن جعفر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت رُمي بالقدر، من كبار [7] 30/ 34.
4 -
(قتادة) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [4] 30/ 34.
5 -
(أنس) بن مالك الصحابي الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6.
6 -
(زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ النجاريّ الصحابيّ الشهير رضي الله عنه، كاتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات رضي الله عنه سنة خمس، أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين، تقدّم في 122/ 179. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قال: قلت لأنس
…
فصرح بالسؤال (عَنْ زَيْدِ بنِ ثَابت) رضي الله عنه، أنه قال (قَالَ: "تَسَحَّرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ) القائل أنس، والمقول له زيد بن ثابت رضي الله عنهما، وفي رواية لأحمد عن يزيد بن هارون، عن همام، وفيه أن أنسًا قال: قلت لزيد
…
(كَمْ كانَ بَيْنَهُمَا؟، قَالَ: قَدْرُ مَا يَقرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً) أي متوسّطة، لا طويلة، ولا قصيرة، لا سريعة، ولا بطيئة، و"قدرُ" بالرفع على أنه خبر المبتدإ، ويجوز النصب على أنه خبر"كان" المقدّرة في جواب زيد، لا في سؤال أنس؛ لئلا تصير "كان" واسمها من قائل واحد، والخبر من آخر: أي كان الزمن قدرَ الخ.
وقال المهلّب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكان العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت رضي الله عنه عن ذلك التقدير بالقراءة، إشارةً إلى أن ذلك الوقت كان وقت عبادة بالتلاوة، ولو كانوا يقدّرون بغير العمل لقال مثلاً قدر درجة، أو ثلث، أو خمس ساعة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -21/ 2155 و 22/ 2156 - وفي "الكبرى" 22/ 2465 و 232466. وأخرجه (خ) في "مواقيت الصلاة" 541 و 542 و"الصوم" 1787 (م) في "الصوم" 1837 (ت) في "الصوم" 638 (ق) في 1684 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 12278 و 12977 و 20603 (الدارمي) في "الصوم" 1633. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان القدر الذي يكون بين السحور وصلاة الصبح، وذلك قدر قراءة خمسين آية (ومنها): استحباب تأخير السحور؛ لكونه أبلغ في المقصود (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة -رحمه اللَّه تعالى-: فيه الإشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة (ومنها): ما قاله أيضًا: كان صلى الله عليه وسلم ينظر ما هو الأرفق بأمته، فيفعله، لأنه لو لم يتسحّر لاتبعوه، فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشقّ أيضًا على بعضهم، ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر.
(ومنها): ما قاله أيضًا: فيه تقوية على الصيام؛ لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لشقّ على بعضهم، ولا سيّما من كان صفراويًّا، فقد يُغشى عليه، فيفضي إلى الإفطار في رمضان انتهى (ومنها): تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة؛ لأن زيد بن ثابت رضي الله عنه ما كان يبيت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم (ومنها): استحباب الاجتماع على السحور (ومنها): حسن الأدب في العبارة؛ لقوله: "تسحّرنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "، ولم يقل: نحن ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لما يُشعر لفظ المعيّة بالتبعيّة (ومنها): ما قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة رضي الله عنه:"هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع" انتهى.
وأجاب الحافظ بأنه لا معارضة، بل تحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة، فتكون قصّة حذيفة سابقة انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
-"فتح" ج 4 ص 638.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإلية أنيب".
…
22 - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ هِشَامِ، وَسَعِيدٍ عَلَى قَتَادَةَ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن هشاما الدستوائيّ رواه عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت، فجعله من مسند زيد رضي الله عنه، ووافقه همّام بن يحيى العَوْذيّ، عن قتادة، وقد أخرجه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريقيهما في "مواقيت الصلاة" رقم 27/ 575 و 576.
وخالفه سعيد بن أبي عَرُوبة، فرواه عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، قال: "تسحّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وزيد بن ثابت
…
"، فجعله من مسند أنس رضي الله عنه، وأخرج البخاري طريق هشام في "الصيام" رقم 19/ 1921.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وتَرَجَّحَ عند مسلم روايةُ همّام، فإنه أخرجها، وأعرض عن رواية سعيد، ويدلّ على رجحانها أيضًا أن الإسماعيليّ أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد، فقال:"عن أنس، عن زيد بن ثابت".
قال: والذي يظهر لي في الجمع بين الروايتين أن أنسًا حضر ذلك لكنه لم يتسحّر معهما، ولأجل هذا سأل زيدًا عن مقدار وقت السحور. قال: ثم وجدت ذلك صريحا في رواية النسائيّ، وابن حبّان، ولفظهما:"عن أنس، قال: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا أنس إني أريد الصيام، أطعمني شيئًا، فجئته بتمر، وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذّن بلال، قال: يا أنس انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء، فتسحّر معه، ثم قام، فصلّى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة"
(1)
.
فعلى هذا فالمراد بقوله: "كم كان بين الأذان والسحور" أي أذان ابن أم مكتوم؛ لأن بلالاً كان يؤذن قبل الفجر، والآخر يؤذن إذا طلع انتهى
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(1)
- سيأتي الحديث للمصنف برقم 28/ 2167.
(2)
- "فتح" ج 4 ص 248.
2156 -
(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ،، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: "تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: زُعِمَ
(1)
أَنَّ أَنَسًا الْقَائِلُ- مَا كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الحافظ الثبت.
وقوله: "زَعَم الخ"، فاعل:"زَعَم" ضمير خالد بن الحارث، كما بينته رواية الإسماعيليّ، أي قال خالد: إن قائل: "ما كان بين ذلك؟ " هو أنس رضي الله عنه.
وعبارة الحافظ في "الفتح" عند شرح قوله: "قلت: كم كان بينهما؟ ": ووقع عند الإسماعيليّ من رواية عفّان، عن همام:"قلنا لزيد"، ومن رواية خالد بن الحارث، عن سعيد، قال: خالد: -أنس القائل- كم كان بينهما؟، ووقع عند المصنّف -يعني البخاريّ- من رواية روح، عن سعيد: قلت لأنس، فهو مقول قتادة، قال الإسماعيليّ: والروايتان صحيحتان، بأن يكون أنس سأل زيدًا، وقتادة سأل أنسا. واللَّه أعلم انتهى
(2)
.
وقوله: "ما كان بين ذلك؟ ""ما" استفهامية، أي أي وقت كان بين السحور والقيام للصلاة.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2157 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه، قَالَ: "تَسَحَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، ثُمَّ قَامَا، فَدَخَلَا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقُلْنَا لأَنَسٍ" كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا، وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الإِنْسَانُ خَمْسِينَ آيَةً").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"أبو الأشعث": هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [10] 138/ 319. و "سعيد": هو ابن أبي عروبة.
(1)
-"زَعَم" بالبناء للفاعل، فما وقع في بعض النسخ من ضبطه بالقلم بالبناء للمفعول، فلا وجه له، فتنبّه.
(2)
-" فتح" ج 4 ص 248.
والحديث أخرجه البخاريّ، كما مر بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
23 - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُلَيمَانَ ابْنِ مِهْرَانَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي تَأخِيرِ السَّحُورِ، وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِمْ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن شعبة رواه عن سليمان الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبي عطيّة، قال: قلت لعائشة
…
وتابعه الثوريّ، فيه، وخالفهما زائدة، فرواه عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطيّة، قال: دخلت أنا، ومسروق على عائشة، فقال لها مسروق: رجلان .... وتابعه فيه أبو معاوية، عن الأعمش.
والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحة الحديث، لإمكان الجمع يكون الأعمش رواه بالطريقين: طريقِ خيثمة، عن أبي عطيّة، وطريقِ عمارة، عن أبي عطيّة.
وقد أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية، ويحيى بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطيّة. وأما اختلاف الألفاظ فسيأتي بيانه خلال الشرح، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2158 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فِينَا رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ، قَالَتْ: "أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ؟ "، قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: "هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة [10] 5/ 5.
2 -
(خالد) بن الحارث الهجيميّ البصريّ، ثقة ثبت [8] 42/ 47.
3 -
(شعبة) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [7] 24/ 27.
4 -
(سليمان) بن مِهْران الأعمش الكوفيّ الإمام المشهور الحجة [5] 17/ 18.
5 -
(خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة الجعفيّ الكوفيّ الثقة [3] 114/ 2056.
6 -
(أبو عطيّة) مالك بن عامر، أو ابن أبي عامر، أو ابن عوف، أو ابن حمزة، أو ابن أبي حمزة الوادعيّ الكوفيُّ، مشهور بكنيته، ثقة [2] 10/ 1198.
7 -
(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - مدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن خيثمة، عن أبي عطيّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أبيِ عَطِيّةَ) الواعيّ، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) رضي الله عنها، وفي الرواية الآتية بعد حديث، من طريق زائدة، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطيّة، قال: دخلت أنا ومسروق، على عائشة، فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يؤخّر الصلاة
…
". ومن طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطيّة، قال: "دخلت أنا ومسروق على عائشة، فقلنا لها: يا أم المؤمنين رجلان
…
".
ويجمع بين هذا الاختلاف يكون مسروق هو الذي تولّى السؤال؛ لكون عائشة رضي الله عنها تعرفه، حيث كان كثير الرواية عنها، بخلاف أبي عطيّة، فإنه ما يروي عنها إلا قليلاً، وإنما قال أبو عطيّة: قلت لعائشة، أو قلنا لها، لكونه طلب من مسروق أن يسألها. واللَّه تعالى أعلم.
(فِينَا رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ) أي يختار تعجيل الفطر في الصوم (وُيؤَخِّرُ السُّحُوَرَ) بضم السين، أي يختار تأخير الأكل في وقت السحر، ويحتمل أن يكون بفح السين، اسمًا للمأكول في ذلك الوقت، كما تقدم بيان الضبطين مستوفًى في -18/ 2144 - وإنما فعل ذلك اتباعًا للسنّة (وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ) أي فمن هو على السنة؟.
والظاهر أن الآخر إنما فعل ذلك ليبّين للناس جوازه، أو فعله احتياطًا، حيث لم
تبلغه السنّة في ذلك (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها ("أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجُلُ الإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُور؟ "، قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ) رضي الله عنه، أي والآخر أبو موسى الأشعريّ رضي الله عنه، كما يأتي في رواية عمارة، عن أبي عطيّة (قَالَتْ:"هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ") أي إن فعل ابن مسعود رضي الله عنه -هو الموافق لسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والآخر مجتهد مأجور حيث لم يخالف السنّة قصدًا، كما يأتي من طريق زائدة قوله:"كلاهما لا يألو عن الخير". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي الله عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-23/ 2158 و 2159 و 2160 و 2161 - وفي "الكبرى" 24/ 2468 و 2469 و 2470 و 2471. وأخرجه (م) "الصوم" 2551 و 2552 (د) في "الصوم "2354 (ت) في "الصوم" 702 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 23081 و24230 واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الاختلاف على سليمان الأعمش في حديث عائشة رضي الله عنها، وقد بيّنّا وجهه (ومنها): استحباب تعجيل الإفطار، وتأخير السحور. قال الحافظ ابن عبد البّر -رحمه اللَّه تعالى-: أحاديث تعجيل الفطر، وتأخير السحور صحاح متواترة. وعند عبد الرزّاق وغيره بإسناد صحيح، عن عمرو بن ميمون الأوديّ، قال:"كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا" انتهى
(1)
.
(ومنها): أن أكابر الصحابة، ومن بعدهم قد تخفى عليهم السنّة، فيجتهدون، فيعملون بخلافها، وأنهم معذورون ومأجورون بذلك، وأما من قلّدهم، فلا عذر له إذا تبيّن له النصّ (ومنها): أن اختلاف أهل العلم كثيرًا ما يكون مبناه على اطلاع بعضهم على النصوص، وعدم اطلاع الآخرين عليها (ومنها): أن فيه بيانَ كثرة علم عائشة رضي الله عنها بالسنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(1)
-انظر "الفتح" ج 4 ص 713.
2159 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ،،، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فِينَا رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الْفِطْرَ، وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ؟ ، قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث عائشة رضي الله عنها، ساقه المصنّف لبيان متابعة الثوريّ لشعبة، كما قدمت بيانه أوَّلَ الباب.
و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ، والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2160 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ، عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: لَهَا مَسْرُوقٌ: رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ، أَحَدُهُمَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ وَالْفِطْرَ، وَالآخَرُ يُعَجِّلُ الصَّلَاةَ وَالْفِطْرَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الصَّلَاةَ وَالْفِطْرَ؟ ، قَالَ: مَسْرُوقٌ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث عائشة رضي الله عنها أيضًا، ساقه المصنّف لبيان مخالفة زائدة لشعبة وسفيان في روايتهما عن الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبي عطية، فرواه عن شعبة، عن عُمَارة بن عُمير عن أبي عطيّة، وقد تقدّم تصحيح الطريقين قريبًا، فلا تغفل.
و"أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهَاويّ الحافظ، من أفراد المصنّف.
و"حسين": هو ابن عليّ بن الوليد الجعفيّ المقرئ الثبت الكوفيّ. و"زائدة": هو ابن قُدَامة الحافظ المتقين الكوفيّ. و"عُمارة بن عُمَير": هو التيميّ الكوفيّ الثقة الثبت [4] 49/ 608.
وقوله: "لا يألو عن الخير": أي لا يُقَصِّر عن فعل الخير. وقوله: "يؤخّر الصلاة": أي صلاة المغرب.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2161 -
(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ، عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْنَا لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ
مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، فَقَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ ، قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَالآخَرُ أَبُو مُوسَى، رضي الله عنهما).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ الحافظ.
وقوله: "والآخر أبو موسى": الظاهر أنه من قول أبي عطية، ومسروق، وأما ما وقع عند مسلم في "صحيحه" من قوله بعد أن رواه عن يحيى بن يحيى، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية:"زاد أبو كريب: والآخر أبو موسى". فمعناه أن أبا كريب زاد في روايته على رواية يحيى، لا أنه قال ذلك من عند نفسه. والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
24 - (فَضْلُ السُّحُورِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان فضل السحور، بضم السين، وفتحها، على ما قدّمنا بيانه.
2162 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَتَسَحَّرُ فَقَالَ: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَلَا تَدَعُوهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [11] 72/ 88.
2 -
(عبد الحميد صاحب الزياديّ) هو ابن دينار بن كُرْديد، وقيل: ابن واصل، البصريّ، ومنهم من جعلهما اثنين، ثقة [4].
روى عن أنس، وأبي رجاء العطارديّ، وثابت البنانيّ، والحسن البصريّ، وغيرهم.
وعنه شعبة، وحماد بن زيد، وابن عليّة، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال الحافظ: ذكره ابن حبّان في أتباع التابعين، كأنه لم يصحّ عنده لُقيّه لأنس، وفرق بين ابن دينار، وابن كُرديد تبعًا للبخاريّ، وكذا فعل ابن أبي حاتم. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
3 -
(عبد اللَّه بن الحارث) الأنصاريّ البصريّ، نسيب ابن سيرين، ثقة [3]. 82/ 1338. و"عبد الرحمن" بن مهديّ، وشعبة بن الحجاج تقدّما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ولا تضرّ جهالته؛ لأن الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم كلهم عدول (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَتَسَحَّرُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "النبيّ"(فَقَالَ: "إِنَّهَا بَرَكَةٌ) أي إن هذه الأكلة ذات بركة. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي إن هذا الطعام، أو التسحّر، والتأنيث باعتبار الخبر انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التقدير الأول أولى؛ لما سيأتي من قوله: "أكلة السحور". واللَّه تعالى أعلم.
(أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا) أي نَدَبَكم إليها، أو خصّكم بإباحتها، دون أهل الكتاب. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هو مما اختصّت به هذه الأمّة في صومها انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويؤيده ما يأتي بعد بابين، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، مرفوعًا:"إن فصل ما بين صيامنا، وصيام أهل الكتاب أكلة السحور".
ثم إن هذا هو محلّ الاستدلال على الترجمة، فإن كونها بركة، وكونها خُصت بها هذه الأمة يدلّ دلالة واضحة على فضل السحور. واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَا تَدَعُوهُ") أي لا تتركوا السحور، فالتذكير باعتبار "السحور"، وهذا الأمر للاستحباب، لأنه صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه، فلو كان التسحّر واجبًا لما فعل ذلك. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - 24/ 2162 - وفي "الكبرى" 25/ 2472. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 22023 و 220061. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإلية المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
25 - (دَعْوَةُ السّحُورِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد دَعْوة الناس لياكلوا السَّحُور، فالإضافة بمعنى اللام.
قال الفيّومّي -رحمه اللَّه تعالى-: الدَّعْوَة -بالفتح- في الطعام، اسم من دَعَوْتُ الناسَ: إذا طلبتَهم ليأكلوا عندك، يقال: نحن في دَعْوَة فلان، ومدّعَاتِهِ، ودُعَائِهِ بمعنًى. قال: والدِّعْوَة -بالكسر- في النسبة، يقال: دَعَوته بابن زيد. قال أبو عُبيد: وهذا كلام أكثر العرب إلا عَديّ الرِّبَاب، فإنهم يَعكسُون، ويجعلون الفتح في النسب، والكسر في الطعام. وقال الأزهريّ: الدِّعْوَةُ -بالكسر-: ادعاءُ الولدِ الدَّعيّ غيرَ أبيه انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2163 -
(أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، بَصْرِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي رُهْمٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَدْعُو إِلَى السَّحُورِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَالَ: «هَلُمُّوا إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث [10] 42/ 49.
[تنبيه]: قوله: "بصريّ" هكذا هو في نسخ "المجتبى""بصريّ"، ولا يوجد في "الكبرى"، ولم أجد في كتب الرجال كونه منسوبًا إلى البصرة، بل هو فيها منسوب إلى نَسَاء، فليحرّر. واللَّه تعالى أعلم.
2 -
(عبد الرحمن) بن مهديّ المتقدّم قريبًا.
3 -
(معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرميّ الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [7] 50/ 62.
(1)
- "المصباح المنير" في مادة دعا.
4 -
(يونس بن سيف) الكلاعيّ الحمصيّ، ثقة
(1)
[4].
روى عن الحارث بن زياد، وأبي إدريس الخولانيّ، وغُضَيف بن الحارث، وأبي كَبْشة السَّلُوليّ، وغيرهم. وعنه ثور بن يزيد، ومحمد بن الوليد الزُّبيديّ، ومروان بن سالم، ومعاوية بن صالح، وآخرون. قال ابن سعد: كان معروفًا، وله أحاديث. وقال ابن حبّان في "الثقات": سأل أبا أمامة عن صيد الْمِعْرَاض. وقال البزّار: صالح الحديث. وقال الدارقطنيّ: ثقة حمصيّ. وحكى البخاريّ أنه قيل فيه يوسف بن سيف انتهى. وقال في "التقريب": ووهم من سماه يوسف. قال ابن أبي عاصم: مات سنة (120) وفيها أرّخه ابن سعد.
انفرد به أبو داود، والمصنّف، رويا عنه هذا الحديث فقط، وروى عنه أبو داود حديثًا آخر في الصيد.
5 -
(الحارث بن زياد) الشاميّ، لين الحديث [4]. وأخطأ من زعم أن له صحبة.
روى عن أبي رُهْم السَّمَعِيّ، وعنه يونس بن سيف الْكَلَاعيّ. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: أدرك أبا أمامة. وقال البزّار: لا نعلم له كثير أحد روى عنه. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في "الميزان": مجهول. وشرطه أن لا يُطلق هذه اللفظة إلا إذا كان أبو حاتم الرازيّ قالها، والذي قاله أبو حاتم: إنه مجهول آخر غيره فيما يظهر لي. نعم قال أبو عمر بن عبد البرّ في صاحب هذه الترجمة: مجهول، وحديثه منكر انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنّف، أخرجا له حديث الباب فقط.
6 -
(أبو رُهْم) -بضم الراء، وسكون الهاء- اسمه أحزاب بن أَسِيد -بفتح أوله- على المشهور، ويقال: بالضمّ، السَّمَعيّ -بفتح المهملة والميم-
(2)
مختلف في صحبته.
ذكره ابن أبي خيثمة في "الصحابة"، وذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة، ولكنهما لم يُسمّياه، بل قالوا: أبو رُهْم حسبُ، فيحتمل أن يكون غيره. وقال ابن يونس: هو جاهليّ عِدَاده في التابعين. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال أبو حاتم في كتاب "المراسيل": ليست له صحبة. وقال البخاريّ: هو تابعيّ. وفي "ت":
(1)
- قال في "التقريب": مقبول، وعندي أنه ثقة، فقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، والدارقطنيّ، وقال ابن سعد: معروف، وقال البزار: صالح الحديث. فإطلاق لفظ "مقبول" على مثل هذا غير مقبول، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(2)
- قال في "القاموس": السَّمَع محرّكة، أو كعِنَبٍ: هو ابن مالك بن زيد بن سهل، أبو قَبيلة من حِمْيَر، منهم أبو رُهْم أحزاب بن أسِيد، وشُفْعَة التابعيّان، ومحمد بن عمرو من تابعي التابعين، وعبد الرحمن بن عيّاش المحدثّ، أو يُقال في النسبة أيضًا سِمَاعيّ بالكسر انتهى في مادة سمع.
والصحيح أنه مخضرم ثقة. روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان، هذا، وفي "كتاب تحريم الدم" 3/ 4011 حديث أبي أيوب الأنصاريّ رضي الله عنه مرفوعًا:"من جاء يعبد اللَّه، ولا يشرك به شيئًا .. " الحديث.
7 -
(العِرْبَاض بن سارية) -بكسر العين المهملة، وسكون الراء- السلميّ، أبو نَجِيح، صحابيّ، من أهل الصّفّة، ونزل حمص. قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير. وقال أبو مُسهر، وغير واحد: مات سنة (75) 0 أخرج له الأربعة، وله عند المصنّف أربعة أحاديث برقم 817 و 23163 و 3164 و 4619. وتقدّم في 29/ 817.
[تنبيه]: قال أبو عمر الزاهد غُلام ثعلب: العِرْبَاض الطويل من الناس وغيرهم، والجَلْد المخاصم من الناس، وهو مدح. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله. ومنها: أنه مسلسل بالحمصيين غير شيخه فنسائي، وعبد الرحمن فبصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. يونس، عن الحارث، عن أبي رُهْمِ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَدْعُو) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول اللَّه". ولفظ أبي داود:"دعاني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"(إِلَى السَّحُورِ) بضم السين، وفتحها: أي يدعو أصحابه إلى أن يأكلوا معه وقت السحر، أو يأكلوا الطعام الذي يؤكل في ذلك الوقت (فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) متعلّق بـ"يدعو" (وَقَالَ:"هَلُمُّوا) ولفظ أبي داود: "فقال: "هلمّ"، و"هلمّ" اسم فعل أمر، بمعنى أقبل، ويُخاطَبُ به الواحدُ، والمثنّى، والجمع، والمذكّر، والمؤنّث بلفظ واحد، قال اللَّه تعالى:{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} ، وهي لغة أهل الحجاز، وبنو تميم تثنيه، وتجمعه، وتذكّره، وتؤنثه، فرواية المصنّف على هذه اللغة، ورواية أبي داود على اللغة الأولى (إِلَى الْغَدَاءِ) متعلق بـ" هلُمّ". و"الغداء": -بالفتح، والمدّ- طعام الغداة، وهي الضَّحْوة، كما في "المصباح"، ويطلق على السحور أيضًا، كما في هذا الحديث.
وفيه استحباب الدعوة إلى الطعام، والاجتماع على أكله (الْمُبَارَكِ") سماه مباركًا لأن الصائم يتقوّى به على الصوم، وَينشَط له، وتَخِفّ عنه مشقّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه -صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده الحارث بن زياد، وقد تقدّم أنه مجهول؟.
[أجيب]: بأن له شواهدَ من حديث المقدام بن معدي كريب الآتي في الباب التالي وغيره، فيصحّ بها. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -25/ 2163 - وفي "الكبرى" 26/ 2473. وأخرجه (د) في "الصوم" 1997 (أحمد في مسند الشاميين) 1652 و 16526. و (ابن خزيمة) 1938 و (ابن حبّان) 3465 و (البيهقيّ) 4/ 236. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
26 - (تَسْمِيَةُ السَّحُورِ غَدَاءً)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المناسب هنا ضبط "السَّحُور" بالفتح؛ لأن الغداء اسم للمأكول أول النهار، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2164 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد اللَّه) بن المبارك بن واضح الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [8] 32/ 36.
3 -
(بقيّة) بن الوليد بن صائد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 55.
4 -
(بَحِير) -بفتح الموحّدة، وكسر المهملة- ابن سَعْد -بفتح، فسكون- أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت [6] 1/ 688.
5 -
(خالد بن معدان) الْكَلَاعيّ، أبو عبد اللَّه الحمصيّ، ثقة عابد يرسل كثيرًا [3] 1/ 688.
6 -
(المقدام بن معديكرب) بن عمرو الكنديّ، صحابيّ مشهور، نزل الشام، ومات سنة (87) على الصحيح تقدّم في 8/ 8، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذيّ، وبقية أخرج له مسلم في المتابعات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وابن المبارك، فمروزيان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْمِقْدَام بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ:"عَلَيكمْ) اسم فعل منقول من الجارّ والمجرور، كما قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة":
وَالْفِعْلُ مِنْ أَسمَائِهِ عَلَيْكَا
…
وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إِلَيْكَا
[فائدة]: قولهم: "عليك زيدًا": "عليك" اسم فعل بمعنى الْزَمْ، و"زيدًا" منصوب على أنه مفعول به له، وقد يتعدّى إليه بالباء، كهذا الحديث، وكـ"عليك بذات الدين"، فيكون بمعنى استمسك مثلاً، وصرّح الرضيّ بأنها زائدة؛ لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل؛ لضعف عمله، وأما الكاف، فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب؛ لأن الجارّ لا يُستعمل بدونها، ولأن الياء والهاء في قولهم: عليّ، وعليه ضميران اتفافًا، وهل هي فاعل باسم الفعل، أو مفعوله، والفاعل مستتر: أي أَلْزِمْ أنت نفسَكَ زيدًا انظر "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" 2/ 142. واللَّه تعالى أعلم.
(بغَدَاءِ السُّحُورِ) متعلق بـ"عليكم"، أو الباء زائدة، كما مرّ تحقيقه آنفًا، وإضافة "غداء" إلى "السحور" للبيان، أي بغداء هو السحور (فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ المُبَارَكُ") الفاء للتعليل، أي لأنه الخ. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو مما تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -26/ 2164 و 2165 - وفي "الكبرى" 27/ 2474 و 2475.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده بقية بن الوليد؟؛ لأنه، وإن صرّح بالإخبار هنا، إلا أنه مشهور بتدليس التسوية، فلا بد من تصريح مَن فوقه بالإخبار أيضًا، وهنا ليس كذلك؟.
[قلت]: يشهد له ما تقدّم من حديثي البابين السابقين، والمرسل الآتي، فيصحّ بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2165 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِرَجُلٍ:«هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ»
-يَعْنِي السَّحُورَ-).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"ثور": هو ابن يزيد، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت، رمي بالقدر [7] 7/ 504.
والحديث مرسل، إلا أنه يشهد له ما تقدّم من حديثي البابين السابقين، وغيرهما، فهو صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
27 - (فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بالفصل الفاصل، فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل، أي الأمر الفاصل بين صيام المسلمين، وصيام أهل الكتاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2166 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا، وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السُّحُورِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [10] 1/ 1.
2 -
(الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه [7] 31/ 35.
3 -
(موسى بن عُليّ) بن رَبَاح اللَّخْميّ، أبو عبد الرحمن المصريّ، صدوق، ربما أخطأ [7] 31/ 560.
4 -
(أبوه) علّي -بفتح العين المهملّة- ابن رَبَاح بن قَصِير اللَّخْمَيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة مشهور، ويقال: عُلَيّ -بالتصغير- وكان يغضب منه
(1)
، من صغار [3] 31/ 560.
(1)
- وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو بضمّ العين على المشهور، وقيل: بفتحها. أهـ "شرح صحيح مسلم" ج 8 ص 207.
5 -
(أبو قيس) السّهْميّ، مولى عمرو بن العاص، اسمه عبد الرحمن بن ثابت، وقيل: ابن الحكم، وهو غلط، ثقة [2].
قال ابن يونس: يقال: إنه رأى أبا بكر الصدّيق، وكان أحد فقهاء الموالي الذين ذكرهم يزيد بن أبي حبيب، وشهد فتح مصر، واختطّ بها، ومات سنة (54) فيما ذكر ربيعة الأعرج، عن ابن لَهِيعة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين. وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وقال محمد بن سحنون في كتابه: إن عبد الرحمن بن الحكم مولى عمرو بن العاص يُكنى أبا قيس. قال ابن يونس: وهذا خطأ، وإنما أراد أبا قيس مالك بن الحكم الحبشيّ -يعني آخر غير أبي قيس صاحب الترجمة. له في "صحيح مسلم" حديثان عن عمرو، روى البخاريّ أحدهما
(1)
وله عند أبي داود حديث آخر عن عمرو
(2)
وعند النسائيّ حديث آخر عن أم سلمة. قاله في "تهذيب التهذيب"
(3)
. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
6 -
(عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد -مصغّرًا- ابن سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لُؤيّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو محمد القرشيّ السهميّ، أمير مصر، أسلم في صفر سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: بين الحديبية وخيبر، وذكر الزبير بن بكار، والواقديّ بسندين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشيّ، وهو بأرض الحبشة.
ورَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عائشة، وروى عنه ابنه عبد اللَّه، وأبو قيس مولاه، وقيس بن أبي حازم، وأبو عثمان النهدي، وعلي بن رَبَاح اللخمي، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وعروة بن الزبير، ومحمد بن كعب القرظي، وعمارة بن خزيمة بن ثابت، وغيرهم. وقال الزبير: أمه سَبِيّة، يقال لها: النابغة من عَنَزَة. وقال البخاري: ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل. قال الثوري عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي: عقد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لواء لعمرو بن العاص على أبي بكر وعمر، وسَرَاة
(1)
- هو حديث: "إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران
…
" الحديث. وأخرجه معهما أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه.
(2)
-وهو حديث الباب، وأخرجه معه أبو داود، والترمذيّ، وله عند أبي داود حديث "احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل
…
" الحديث. أخرجه في "التيمّم"، وهو مختلف في سنده.
(3)
-وهو حديث: "أرسلني عمرو بن العاص إلى أم سلمة أسألها، أكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم -يقبّلها، وهو صائم؟ وقال لي: إن قالت: لا، فقل لها: إن عائشة رضي الله عنها تخبر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يقبّلها، وهو صائم، فقالت: لعله ما كان يتمالك عنها حُبّا". أخرجه المصنّف في "الكبرى" رقم 3072 و 3073.
أصحابه. وفي حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه:"ابنا العاصي مؤمنان: عمرو وهشام". أخرجه البخاريّ في "تاريخه" 6/ 303
(1)
. وعن ابن أبي مليكة قال: قال طلحة سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم -يقول: "عمرو بن العاص من صالحي قريش
…
" الحديث
(2)
. وقال مجاهد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلا أبين، أو قال: أنصع رأيا، ولا أكرم جليسا، ولا أشبه سريرته بعلانيته منه. وقال محمد بن سلام الجمحي: كان عمر بن الخطاب إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وقال مجاهد عن الشعبي: دُهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما معاوية فللِحِلْم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. قال أحمد عن بعض شيوخه عن عمرو: إني لأذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب. وقال أبو عمر: كان عمرو من أبطال قريش في الجاهلية، مذكورا بذلك فيهم، وفضائله، ومناقبه كثيرة جدًا.
ويقال: استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على عُمان، فقُبِض النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو عليها، وكان أحد أمراء الأجناد في فتوح الشام، وافتتح مصر في عهد عمر بن الخطاب، وعَمِلَ عليها له، ولعثمان، ثم عمل عليها زمن معاوية، منذ غلب عليها معاوية إلى أن مات عمرو، وخلف أموالا عظيمة إلى الغاية.
وقال محمد بن المثنى وغيره: مات سنة (42) وقيل: مات سنة (43) وجزم به ابن يونس وآخرون، قال ابن بكير: له نحو مائة سنة. وقال بعضهم: مات سنة (48). وقال الهيثم بن عدي: سنة (51). وقال طلحة الكوفي: سنة (58). وقال البخاري، عن الحسن بن واقع، عن ضمرة بن ربيعة: مات سنة إحدى، أو ثلاث وستين في ولاية يزيد. وقال الحاكم، وابن عبد البر: إن وفاته سنة (43) أصح. قال الحافظ: والقول المحكي أخيرا في وفاته عن ضمرة قد جزم به ابن حبان في "الصحابة"، والظاهر أنه وَهَمٌ، بل هو بَيّن الغلط، وكأنّ ذلك إنما هو في ابنه عبد اللَّه بن عمرو. واللَّه أعلم. انتهى. روى له الجماعة، وله من الأحاديث (39) حديثًا، اتفق الشيخان على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
(1)
- قال البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "التاريخ الكبير" 6/ 303: قال آدم، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم -قال:"ابنا العاص مؤمنان: هشام وعمرو". انتهى. وهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح.
(2)
- قال في "الإصابة" 4/ 540: رجال إسناده ثقات إلا أن فيه انقطاعًا بين أبي مليكة وطلحة. انتهى.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِن فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا) "الفصل" بمعنى الفاصل، و"ما" موصولة، والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي الفارق الذي بين صيامنا (وَصِيَامِ أَهْلِ الكِتَابِ) أي اليهود والنصارى (أَكْلَةُ السُّحُورِ") وفي نسخة: "السَّحَر"، وهو الذي في "صحيح مسلم"، وأبي داود.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه الفارق والمميّز بين صيامنا وصيامهم السحور، فإنهم لا يتسحّرون، ونحن يستحبّ لنا أن نتسحّر.
و"أكلة السحر": هي السَّحور، وهي بفتح الهمزة، هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه الجمهور، وهو المشهور في روايات بلدنا، وهي عبارة عن المرّة الواحدة من الأكل، كالغَدْوَة، والعَشْوة، وإن أكثر المأكول فيها، وأما الأُكْلة -بالضمّ- فهي اللُّقْمة. وادّعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضمّ، ولعله أراد أن رواية أهل بلدهم فيها بالضمّ، قال: والصواب الفتح لأنه المقصود هنا. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-
(1)
.
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: روايتنا عن متقني شيوخنا "أَكْلَة" -بفتح الهمزة- وهي مصدر أكل أكلة، كضرب ضَرْبَةً، والمراد بها أكلُ ذلك الوقت، وقد روي أُكلة بضم الهمزة، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الأكلة بالضمْ هي اللقمة، وليس المراد أن المتسحّر يأكل لقمة واحدة، ويصحّ أن يقال: إنه عبّر عما يُتّسحّر به باللقمة لقلّته. انتهى كلام القرطبيّ
(2)
.
وهذا الحديث يدلّ على أن السحور من خصائص هذه الأمة، ومما خُفّف به عنهم.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(1)
- "شرح مسلم" ج 8 ص 208.
(2)
- "المفهم" ج 3 ص 155 - 156.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه-27/ 2166 - وفي "الكبرى" 28/ 2476. وأخرجه (م) في "الصوم" 2545 (د) في "الصوم " 2343 (ت) في "الصوم" 709 (أحمد) 17095 و 17133 (الدارميّ) 1635. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
28 - (السُّحُورُ بِالسَّوِيقِ، وَالتَّمْرِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السَّوِيق" -بفتح السين، وكسر الواو بوزن أمير-: طعام يُتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك؛ لانسياقه على الحلق، جمعه أسوقة
(1)
. وفي "اللسان" 10/ 170: "السويق": معروف، والصاد فيه لغة لمكان المضارعة، والجمع أَسوِقة. قال: والسوبق: ما يُتخذ من الحنظة والشعير. انتهى المقصود منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2167 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -وَذَلِكَ عِنْدَ السُّحُورِ-: «يَا أَنَسُ، إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ، أَطْعِمْنِي شَيْئًا» ، فَأَتَيْتُهُ بِتَمْرٍ، وَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَذَّنَ بِلَالٌ، فَقَالَ: «يَا أَنَسُ، انْظُرْ رَجُلاً، يَأْكُلُ مَعِي» ، فَدَعَوْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَجَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ شَرِبْتُ، شَرْبَةَ سَوِيقٍ، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ» ، فَتَسَحَّرَ مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [10] 2/ 2.
2 -
(عبد الرزاق) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف شهير، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [9] 61/ 77.
3 -
(معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [7] 10/ 10.
(1)
- راجع "المعجم الوسيط" 1/ 465.
4 -
(قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [4] 30/ 34.
5 -
(أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، وعبد الرزاق، فصنعانيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - خادم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، خَدَمَهُ عشرَ سنين، وهو من المكثرين السبعة، رَوَى (2286) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -وَذَلِكَ عِنْدَ السُّحُورِ-) جملة معترضة بيّن به أنس وقت قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (يَا أَنَسُ، إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ، أَطْعِمْنِي شَيْئًا") أي ليتسحّر به (فَأَتَيْتُهُ بتَمْرٍ، وَإِنَاءِ فِيهِ مَاءٌ) فيه استحباب كون السحور تمرًا، وماءً، وهو موضع استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- للجزء الثاني من الترجمة.
وقد ورد في استحباب كون السَّحُور تمرًا ما أخرجه أبو داود، في "سننه"، وابن حبّان في "صحيحه"، بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"نعم سَحُور المؤمن التمر".
(وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَذنَ بِلَالٌ) أي الأذانَ الأولَ (فَقَالَ: يَا أَنَسُ، انْظُرْ رَجُلاً، يَأْكُلْ مَعِي، فَدَعَوْتُ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ، فَجَاءَ، فَقَالَ) زيد معتذرًا عن عدم الأكل معه صلى الله عليه وسلم، ظنا منه أن وقت الأكل قد انتهى (إِنِّي قَدْ شَرِبْتُ، شَرْبَةَ سَوِيقٍ) تقدّم ضبطه، ومعناه أول الباب، وهو موضع استدلال المصنّف للجزء الأول من الترجمة، حيث أقرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم -زيدًا على التسحّر بالسويق.
(وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ) أي فالوقت باق (فَتَسَحَّر) زيد رضي الله عنه (مَعَهُ) صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ قَامَ) صلى الله عليه وسلم (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) هما سنتا الصبح (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى) المسجد؛ لأداء (الصلاة) جماعة. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح، انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه-28/ 2167 - وفي "الكبرى" 28/ 2477. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
29 - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187])
2168 -
(أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى، لَمْ يَحِلَّ لَهُ، أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا، وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنَ الْغَدِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} إِلَى {الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} قَالَ: وَنَزَلَتْ فِي أَبِي قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو، أَتَى أَهْلَهُ، وَهُوَ صَائِمٌ، بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، وَلَكِنْ أَخْرُجُ، أَلْتَمِسُ لَكَ عَشَاءً، فَخَرَجَتْ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا، وَأَيْقَظَتْهُ، فَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا، وَبَاتَ، وَأَصْبَحَ صَائِمًا، حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَغُشِىَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ هَذِهِ الآيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(هلال بن العلاء بن هلال) "الباهليّ مولاهم، أبي عمرو الرّقّيّ، صدوق [11] 10/ 1199. من أفراد المصنّف.
2 -
("حسين بن عيّاش") السلميّ مولاهم، أبو بكر البَاجَدَّائيّ، ثقة [10] 15/ 1484.
3 -
(زهير) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، ثقة ثبت [7] 38/ 42.
[تنبيه]: سماع زهير من أبي إسحاق -رحمهما اللَّه تعالى- بعد اختلاطه، لكن لم ينفرد هنا، فقد تابعه إسرائيل بن يونس عند البخاريّ في "صحيحه"، فرواه عن أبي إسحاق، كما سيأتي في المسائل، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
4 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [3] 38/ 42.
5 -
(البراء بن عازب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، استُصغر يوم بدر، ومات سنة (72)، وتقدّم في 86/ 105. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فرقّيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنه (أَنَّ أَحَدَهُمْ) أي الصحابة. ولفظ البخاريّ، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق: "كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يُفطر لم يأكل ليلته، ولا يومه حتى يُمسي
…
" (كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى) أي قبل أن يفطر من صومه (لَمْ يَحِلّ لَهُ، أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا، وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنَ الْغَدِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) وفي رواية أبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق: "كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون، ويشربون، ويأتون النساء، ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك مقيدٌ بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما بصلاة العتمة. أخرجه أبو داود بلفظ:"كان الناس على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا صلّوا العتمة حرم عليهم الطعام، والشراب، والنساء، وصاموا إلى القابلة". ونحوه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، كما سيأتي قريبًا، وهذا أخصّ من حديث البراء من وجه آخر، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنّة النوم غالبًا، والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم؛ كما في سائر الأحاديث.
وبيّن السدّيّ وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كُتب على أهل الكتاب، كما أخرجه ابن جرير من طريق السدّيّ، ولفظه: "كُتِب على النصارى الصيام، وكُتب عليهم أن لا يأكلوا، ولا يشربوا، ولا يَنكحوا بعد النوم، وكُتب على المسلمين أوّلاً مثلُ ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار
…
"، فذكر القصة.
ومن طريق إبراهيم التيميّ: "كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يَطعَم حتى القابلة". ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص، مرفوعًا: "فصل ما بين صيامنا، وصيام أهل
الكتاب أكلة السحر"
(1)
.
(حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} إلي {الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} قَالَ) البراء رضي الله عنه (وَنَزَلَتْ فِي أَبيِ قَيْسِ ابنِ عَمرٍو) هكذا وقع في رواية زُهير، عن أبي إسحاق عند المصنّف وأحمد، ووقع عند البخاريّ، من طريق إسرائيل أنه قيس بن صِرْمة الأنصاريّ -بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء-. قال في "الفتح": ولم يُختلف على إسرائيل فيه، إلا في رواية أبي أحمد الزبيري عنه، فقال:"صِرْمَة بن قيس". أخرجه أبو داود، ولأبي نُعيم في "المعرفة" من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله، قال: وكذا رواه أشعث بن سَوّار، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفي حديث السدّيّ المذكور:"حتى أقبل رجل من الأنصار، يقال له: "أبو قيس بن صِرْمة". ولابن جرير من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبّان -بفتح المهملة، وبالموحّدة الثقيلة- مرسلاً: "صرمة بن أبي أنس". ولغير ابن جرير من هذا الوجه: "صِرْمة بن قيس"، كما قال أبو أحمد الزبيري، وللذهليّ في "الزُّهْريات" من مرسل القاسم بن محمد: "صِرْمة بن أنس". ولابن جرير من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى: "صرمة بن مالك".
والجمع بين هذه الروايات أنه أبو قيس صِرْمة بن أبي أنس بن مالك بن عديّ بن عامر ابن غنم بن عديّ بن النجّار، كذا نسبه ابن عبد البرّ وغيره، فمن قال:"قيس بن صرمة" قلبه، كما جزم الداوديّ، والسهيليّ، وغيرهما بأنه وقع مقلوبًا في رواية حديث الباب، ومن قال:"صِرْمة بن مالك" نسبه إلى جدّه، ومن قال:"صرمة بن أنس" حذف أداة الكنية من أبيه، ومن قال "أبو قيس بن عمرو" أصاب كنيته، وأخطأ في اسم أبيه، وكذا من قال:"أبو قيس بن صِرْمة"، وكأنه أراد أن يقول:"أبو قيس صرمة"، فزاد فيه "ابن"، وقد صحّفه بعضهم، فرويناه في "جزء إبراهيم بن أبي ثابت" من طريق عطاء، عن أبي هريرة، قال: "كان المسلمون إذا صلّوا العشاء حرم عليهم الطعام، والشراب، والنساء، وإن ضمرة بن أنس الأنصاريّ غلبته عينه
…
" الحديث. وقد استدرك ابن الأثير في "الصحابة" ضمرة بن أنس في حرف الضاد المعجمة على من تقدّمه، وهو تصحيف وتحريف، ولم يتنبّه له، والصواب صرمة ابن أبي أنس، كما تقدّم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيَّن مما سبق أن الصواب في اسمه صرمة بن أبي أنس، وكنيته أبو قيس. واللَّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: صرمة بن أبي أنس مشهور في الصحابة، يُكنى أبا قيس، قال ابن إسحاق فيما أخرجه السرّاج في "تاريخه" من طريقه بإسناده إلى عُوَيم بن ساعدة، قال: قال صرمة بن أبي أنس، وهو يذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم[من الطويل]:
(1)
- "الفتح" ج 4 ص 627.
ثَوَى فِي قُرَيش بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً
…
يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيًا
........ الأبيات. قال ابن إسحاق: وصِرْمة هذا هو الذي نزل فيه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} الآية. قال: وحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: كان أبو قيس ممن فارق الأوثان في الجاهليّة، فلما قَدِم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم، وهو شيخ كبير، وهو القائل [من الطويل]:
يَقُولُ أَبُو قَيْسٍ وَأَصْبَحَ غَادِيًا
…
أَلَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ وَصَاتِيَ فَافْعَلُوا
........ الأبيات
(1)
.
(أَتَى أَهْلَهُ، وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (بَعْدَ الْمَغْرِبِ) ظرف لـ"أتى"(فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟) أي من الماكولات. وفي رواية البخاريّ: "فلَما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟
…
(فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ) أي مما يؤكل (وَلَكِنْ أَخْرُجُ، أَلتَمِسُ لَكَ عَشَاءَ،) أي أطلب لك ما تتعشّى به. قال في "الفتح": وظاهره أنه لم يجىء معه بشيء، لكن في مرسل السدّيّ أنه أتاها بتمر، فقال: استبدلي به طحينًا، واجعليه سَخينًا، فإن التمر أحرق جوفي. وفيه: لعلي آكله ساخنًا، وأنها استبدلته له، وصنعته. وفي مرسل ابن أبي ليلى: فقال لأهله: أطعموني، فقالت: حتى أجعل لك شيئًا سخينًا. ووصله أبو داود من طريق ابن أبي ليلى، فقال: حدّثنا
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم"، فذكره مختصرًا (فَخَرَجَتْ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ) أي لشدة تعبه بكثرة العمل في النهار، ففي رواية البخاريّ: "وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه". وفي لفظ لأبي داود:"يعمل في أرضه"، وفي مرسل السدّيّ:"كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة"، فعلى هذا فقوله:"في أرضه" إضافة اختصاص. قاله في "الفتح"(فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا) وفي رواية البخاريّ. "فلما رأته، قالت: خيبةً لك"(وَأيْقَظَتْهُ، فَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا) أي لكون الأكل بعد النوم مُحَرّمًا، وفي مرسل السدّيّ:"فأيقظته، فكره أن يعصي اللَّه، وأبى أن يأكل". وفي مرسل محمد بن يحيى: "فقالت له: كل، فقال: إني قد نِمْتُ، فقالت: لم تنم، فأبى، فأصبح جائعًا مجهودًا"(وَبَاتَ، وَأَصبَحَ صَائِمًا، حَتَّى انْتَصَفَ النهَارُ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ) وفي رواية أبي داود: "فلم ينتصف النهار حتى غُشي عليه"، ولا اختلاف بين الروايتين، إذ يمكن حمل الأول على أن الغشي وقع في آخر النصف الأول من النهار. واللَّه تعالى أعلم.
(وَذَلِكَ قَبْلَ أَن تَنْزِلَ هَذِهِ الآيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) أي أنزل اللَّه تعالى الآية المذكورة
(1)
- "الفتح" ج 4 ص 627 - 628.
بسببه، فـ "في" سببية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. واللَّه أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -29/ 2168 - وفي "الكبرى"-29/ 2478 وفي "التفسير" منه 27/ 11023. وأخرجه (خ) في "الصوم" رقم 1915 وفي "التفسير" 4148 (د) في "الصوم" 1970 (ت) في "التفسير" 2894 (أحمد) 17870 (الدارميّ) في "الصوم" 1631. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تأويل قوله سبحانه وتعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} الآية، وذلك أن الآية نزلت تخفيفًا عن المسلمين المشقة التي كانوا يلاقونها بسبب تحريم الأكل والشرب، ومجامعة المرأة بعد النوم (ومنها): لطف اللَّه عز وجل بهذه الأمة، وعظيم فضله عليهم بسبب نبيّها المبعوث رحمةً للعالمين، كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ، فخفّف عنهم هذه المشقّة (ومنها): ما كان عليه هذا الصحابيّ الجليل رضي الله عنه من شدة الورع، والخوف من اللَّه تعالى، مع كونه جائعا مجهودًا، فصبر على ذلك، ولم يتناول الطعام الذي أتت به امرأته، وطلبت منه أن يأكل، لما رأت عليه من آثار الضعف بسبب الجوع، فرجَتْ أن يكون ذلك ضرورة مبيحة للأكل، إلا أنه صبر على الجوع، وبات طاويًا حتى غُشي عليه في منتصف النهار، فأنزل اللَّه تعالى بسببه الآية، فكان سببًا في إزالة هذه المشقّة رضي الله عنه (ومنها): ما كان عليه الصحابة من ضيق العيش، وكدّ التعب في طلب القوت، ولا يؤثّر ذلك في سلوكهم، بل يزدادون إقبالاً على الآخرة، ويَسْعَون لها، فكان سعيهمِ مشكورًا، كما قال عز وجل:{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] اللهم اجعلنا ممن يريد الآخرة، ويسعى لها سعيها، مؤمنا مخلصًا، حتى يكون سعينا مشكورًا، إنك ولي ذلك، والقادر عليه، آمين آمين آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2169 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ
عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] قَالَ: «هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ» ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عليّ بن حجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [9] 13/ 13.
2 -
(جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [8] 2/ 2.
3 -
(مطرّف) بن طَرِيف الكوفّي، ثقة فاضل، من صغار [6] 2/ 327.
4 -
(الشعبيّ) عامر بن شَرَراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 66/ 82.
5 -
(عديّ بن حاتم) بن عبد اللَّه بن سعد بن الْحَشْرَج بن امرئ القيس بن عدي بن أخرم بن أبي أخرم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طيء الطائي، أبو طَرِيف، ويقال: أبو وهب، قَدِم على النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة سبع، رَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عمر رضي الله عنه، ورَوَى عنه عَمْرو بن حُرَيث وعبد اللَّه بن مَعْقِل بن مُقَرّن، وتميم بن طَرَفة، وخيثمة بن عبد الرحمن، ومُحِلّ بن خَليفة الطائي، ومُري بن قَطَري، وعامر الشعبي، وعبد اللَّه بن عمرو مولى الحسن، وبلال بن المنذر، وسعيد بن جبير، والقاسم بن عبد الرحمن، وعباد بن حُبيش، وآخرون. قال مُحِلّ بن خَليفة عن عدي ابن حاتم: ما أُقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء. وقال الشعبي عن عدي ابن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجعل يَفرِض للرجل من طيء في ألفين، ويُعرِض عني، فاستقبلته، فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني، قال: فضحك حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم واللَّه إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وعرفت إذ أنكروا، ووفّيت إذ غدروا، وأقبلت إن أدبروا، وإن أول صدقة بَيَّضَت وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ يعتذر. وقال الخطيب. لَمّا قُبِض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثبت عدي بن حاتم، وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أَبي بكر، وحضر فتح المدائن، وشهد مع عليّ الجَمَل، وصِفِّين، والنهروان، ومات بعد ذلك بالكوفة، وقتل بقرقيساء. وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء علي يوم الجمل ويوم صفين. قال أبو حاتم السجستاني في "كتاب المعمرين": قالوا: وعاش مائة وثمانين سنة. وقال خليفة: مات بالكوفة سنة (68). وقال جرير، عن مغيرة الضبي: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد اللَّه، وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيساء، وقالوا: لا نقيم ببلد يُشتم فيها عثمان. وقال أبو حاتم: وكان متواضعا،
ولَمّا أسن استأذن قومه في وِطاء يجلس عليه في ناديهم، كراهية أن يظن أحد منهم أنه يفعل ذلك تعاظمًا، فأَذِنوا له. أخرج له الجماعة، وله من الحديث (66) حديثًا، اتفق الشيخان على ستة أحاديث، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديثين، وله في هذا الكتاب (29) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ) الطائيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية البخاريّ من طريق حُصَين بن عبد الرحمن، عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم رضي الله عنه قال: "لما نزلت {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} عَمَدتُ إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي
…
" الحديث.
قال في "الفتح": ظاهره أن عديًا كان حاضرًا لما نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدّم إسلامه، وليس كذلك؛ لأن نزول فرض الصوم كان متقدّمًا في أوائل الهجرة، وإسلام عديّ كان في السنة التاسعة، أو العاشرة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، فإما أن يُقال: إن الآية التي في حديث الباب تأخّر نزولها عن نزول فرض الصوم، وهو بعيدٌ جدًّا، وإما أن يؤوّل قول عديّ هذا على أن المراد بقوله:"لما نزلت"، أي لما تُليت عليّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق حذفٌ، تقديره لما نزلت الآية، ثم قدمت، فأسلمت، وتعلّمتُ الشرائع عمدتُ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الأقرب، ثم إن الاحتمال الذي ذكره أخيرًا بمعنى الاحتمال الثاني. واللَّه تعالى أعلم.
وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ "علّمني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم -الصلاة، والصيام، فقال: صلّ كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس، فكل حتى يتبيّن لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: فأخذت خيطين
…
" الحديث.
(عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}) أي سألته عن المعنى المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود في هذه الآية.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هُوَ) راجع إلى المذكور من الخيط الأبيض، والخيط الأسود، أي المعنى
المراد مه (سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ") وفي رواية البخاريّ من طريق حُصين المذكورة: "عمدتُ إلى عقال أبيض، وإلى عقال أسود، فجلتهما تحت وسادتي، فجلت انظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، مذكرت له ذلك، فقال. "إنما ذلك سواد الليل، وبياض اللهار". وللبخاريّ في "التفسير" من طريق أبي عَوَانة، عن حُصين. "إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك" ولأبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطرّف: "فضحك، وقال "لا" يا عريض القفا".
قال الخطابي -رحمه اللَّه تعالى- في "المعالم": في قوله: "إن وسادك لعريض" قولان: "أحدهما": يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوساد عن النوم؛ لأذ النائم يتوسّد، أو أراد ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبيّن لك العقال.
"والقول الآخر": أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام، والعرب تقول. فلان عريض القفا إذا كان في غباوة وغفلة. وقد روي في هذا الحديث من طريق أخرى:"إنك عريض القفا"، وجزم الزمخشريّ بالتأويل الثاني، فقال: إنما عرّض النبيّ صلى الله عليه وسلم -قفا عديّ؛ لأنه غفل عن البيان، وعَرْضُ القفا مما يُستدلّ به على قلّة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرًا.
وقد أنكر ذلك كثير، منهم القرطبيّ، فقال: حَمَلَه بعضُ الناس على الذمّ له على ذلك الفهم، وكأنه فهم منه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم -نسبه إلى الجهل، والجفاء وعدم الفقه، وربما عضدوا هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال له:"إنك لعريض القفا"، وليس الأمر كذلك، فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إن هي الأصل، إن لم يتبيّن له دليل التجوّز، ومن تمسّك بهذا الطريق لم يستحقّ ذمًا، ولا يُنسب إلى جهل، وإنما عني بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم واللَّه أعلم- أن وسادك إن غطّى الخيطين اللذين أراد اللَّه، اللذين هما الليل واللهار، فهو إذًا وسادٌ عريض واسعٌ؛ إذ قد شملهما، وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك:"إنما هو سواد الليل، وبياض النهار"، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادٍ؟::، وإلى هذا يرجع قوله:"إنك لعريض القفا"؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطّى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه، ولا يتوسّده إلا قفا عريض، حتى يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه، وأليق، ويدلّ أيضًا عليه ما زاده البخاريّ، قال. "إن وسادك إذاً لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك"، وقد أكثر الناس فيه انتهى كلام القرطبيّ
(1)
.
وقد ترجم عليه ابن حبان في "صحيحه": [ذكر البيان بأن العرب تتباين لغاتها في
(1)
- "المفهم" 3 ص 148 - 149.
أحيائها]، وأشار بذلك إلى أن عديّا لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل، وبياض النهار يُعبّر عنهما بالخيط الأبيض، والخيط الأسود، وساق هذا الحديث
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عديّ بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -29/ 2169 - وفي "الكبرى" 29/ 2479 وفي "التفسير" منه 27/ 11021. وأخرجه (خ) في، "الصوم " 1916 و"التفسير" 4509 و 4510 (م) في "الصيام " 2528 (د) في "الصوم" 2002 (ت) في "التفسير" 2896 و 2897 (أحمد) في 18561 (الدارميّ) في "الصوم" 1632. واللَّه تعالى أعلم.
(لمسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تأويل الآية المذكورة، وهو واضح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بين المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود بأنه سو اد الليل، وبياض النهار (ومنها): حرص الصحابة في العمل بما أُمروا به فيما أنزل اللَّه عز وجل، والسؤال عما خفي عليهم وجه العمل به (ومنها): بيان أن قبائل العرب تتفاوت في لغاتها، فإن هذا الصحابي رضي الله عنه لم يعرف استعمال الخيط الأبيض والأسود للمعنى المقصود في الآية حتى بيّن له النبيّ صلى الله عليه وسلم (ومنها): جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلاً بشرط صحة القصد،
ووجود الشرط عند أمن الغلوّ في ذلك، فإنه مزلّة القدم؛ إلا لمن عصمه اللَّه تعالى. كذا قال ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أخرج الشيخان، والمصنف في "التفسير" من "الكبرى" عن سهل بن سعد الساعديّ رضي الله عنه قال:"أنزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ولم ينزل {مِنَ الْفَجْرِ}، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل اللَّه بعدُ: {مِنَ الْفَجْرِ}، فعلموا أنه إنما يَعنِي الليل والنهار".
(2)
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: حديث عديّ يقتضي أن قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} نزل
(1)
- انظر "صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان" بتحقيق الأرنؤوط ج 8 ص 242 - 243 رقم 3463.
(2)
- انظر "صحيح البخاريّ" رقم 1917 نسخة "الفتح" و "صحيح مسلم" رقم 2529 و 2530 نسخة شرح النووي. و "السنن الكبرى" للمصنّف 11022.
متّصلاً بقوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] وأن عديّ بن حاتم رضي الله عنه حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله:{مِنَ الْفَجْرِ} من أجل الفجر، ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود، وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، فإن فيه أن اللَّه تعالى لم يُنزل {مِنَ الْفَجْرِ} إلا منفصلاً عن قوله:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ، ولما وقع لهم الإشكال حينئذ أنزل اللَّه تعالى:{مِنَ الْفَجْرِ} رافعًا لذلك الإشكال، وقد قيل: إنه كان بين نزولهما عام كامل.
وكأن الحديثين واقعتان في وقتين، ويصحّ الجمع بأن يكون حديث عديّ متأخرًا عن حديث سهل، وأنّ عديا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجرّدة، ففهمها على ما قرّرناه، فبيّن له النبيّ صلى الله عليه وسلم -أن الخيط الأبيض كنايةٌ عن بياض الفجر، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل، وأن معنى ذلك أن ينفصل أحدهما عن الآخر، وعلى هذا يكون:{مِنَ الْفَجْرِ} متعلّقًا بقوله: {يَتَبَيَّنَ} ، وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال، متعلّقًا بمحذوف، وهكذا هو معنى جوابه في حديث سهل.
ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة، وذكر بعض الرواة -يعني في قصّة عديّ- متصلاً بما قبله كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل مفرّقاً كما بيّنه حديث سهل واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ بتصرّف
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني ضعيف؛ -كما قال الحافظ- لأن قصّة عديّ متأخرة لتأخر إسلامه، كما تقدّم.
وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي أسامة، عن مجالد في حديث عديّ: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال -لما أخبره بما صنع-: يا ابن حاتم ألم أقل لك: {مِنَ الْفَجْرِ} ، وللطبراني من وجه آخر عن مجالد وغيره: فقال عديّ: يا رسول اللَّه كل شيء أوصيتني قد حفظته غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إني بتّ البارحة معي خيطان أنظر إلى هذا، وإلى هذا، قال. "إنما هو الذي في السماء".
فتبيّن بهذا كله أن قصّة عديّ مغايرة لقصة سهل، فأما من ذُكِرَ في حديث سهل، فحملوا الخيط على ظاهره، فلما نزل {مِنَ الْفَجْرِ} علموا المراد، فلذلك قال سهل في حديثه:"فعلموا أنما يَعني الليل والنهار"، وأما عديّ فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة
(1)
-"المفهم" ج 3 ص 147 - 150.
الخيط للصبح، وحمل قوله:{مِنَ الْفَجْرِ} على السببيّة، فظنّ أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر، أو نسي قوله:{مِنَ الْفَجْرِ} حتى ذكّره بها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب، قال الشاعر [من المتقارب]:
وَلَمَّا تَبَدَّتْ
(1)
لَنَا سُدْفَةٌ
…
وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال في "الفتح": ما حاصله: معنى قوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} : حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار. وقال أبو عبيد: المراد بالخيط الأسود الليل، وبالخيط الأبيض الفجر الصادق، والخيط اللون. وقيل: المراد بالأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود، وبالأسود ما يمتدّ معه من غبش الليل شبيهًا بالخيط. قاله الزمخشريّ، قال: وقوله: {مِنَ الْفَجْرِ} بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر، قال: ويجوز أن تكون "من" للتبعيض لأنه بعض الفجر، وقد أخرجه قوله:{مِنَ الْفَجْرِ} من الاستعارة إلى التشبيه، كما أن قولهم: رأيت أسدًا مجاز، فإذا زدت فيه "من فلان" رجع تشبيهًا. ثم قال: كيف جاز تأخير البيان، وهو يُشبه العبث
(2)
لأنه قبل نزول {مِنَ الْفَجْرِ} لا يفهم منه إلا الحقيقة، وهي غير مرادة، ثم أجاب بأنّ مَنْ لا يجوّزه -وهم أكثر الفقهاء والمتكلّمين- لم يصح عندهم حديث سهل، وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث، لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ونقله نفي التجويز عن الأكثر فيه نظر، كما سيأتي، وجوابه عنهم بعدم صحة الحديث مردود، ولم يقل به أحد من الفريقين، لأنه مما اتفق الشيخان على صحّته، وتلقّته الأمة بالقبول.
ومسالة تأخير البيان مشهورة في كتب الأصول، وفيها خلاف بين العلماء من المتكلّمين وغيرهم، وقد حكى ابن السمعانيّ في أصل المسألة عن الشافعيّة أربعة أوجه: الجواز مطلقًا، عن ابن سُريج، والإصطخريّ، وابن أبي هريرة، وابن خيران.
(1)
- وفي "اللسان": "فلما أضاءت" بدل "تبدّت".
(2)
- هذه العبارة فيها سوء أدب، فالأولى حذفها، وإنما أبقيتها أداء للأمانة العلميّة. فليتنبّه.
والمنع مطلقًا، عن أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد، والصيرفيّ. ثالثها: جواز تأخير بيان المجمل دون العامّ. رابعها. عكسه، وكلاهما عن بعض الشافعيّة.
وقال ابن الحاجب: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، يعني وهم الأشاعرة، فيجوّزونه، وأكثرهم يقولون. لم يقع.
قال شارحه: والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان:
"أحدهما": ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه. و"الثاني": ما لا ظاهر له، فقالت طائفة من الحنفية، والمالكيّة، وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، واختاره الفخر الرازيّ، وابن الحاجب، وغيرهم، ومال بعض الحنفية والحنابلة كلهم إلى امتناعه. وقال الكرخيّ: يمتنع في غير المجمل.
وإذا تقرّر ذلك، فقد قال النوويّ تبعًا لعياض: وإنما حَمَلَ الخيط الأبيض والأسود على ظاهرهما بعضُ من لا فقه عنده من الإعراب، كالرجال الذين حكى عنهم سهل، وبعض من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الصبح كعديّ.
وادعى الطحاويّ، والداوديّ أنه من باب النسخ، وأن الحكم كان أولاً على ظاهره المفهوم من الخيطين، واستدل على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار، قال: ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى. {مِنَ الْفَجْر}
قال الحافظ: ويؤيد ما قاله ما رواه عبد الرزاق بإسناد رجاله ثقات. "إن بلالاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يتسحّر، فقال: الصلاة يا رسول اللَّه، قد واللَّه أصبحت، فقال: "يرحم اللَّه بلالاً، لولا بلال لرجونا أن يرخّص لنا حتى تطلع الشمس".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في تأييد هذا الحديث للنسخ المذكور خفاء، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
ويستفاد من هذا الحديث -كما قال عياض- وجوب التوقّف عن الألفاظ المشتركة، وطلب بيان المراد منها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها، وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان.
وقال ابن بزيزة في "شرح الأحكام". ليس هذا من باب تأخير بيان المجملات؛ لأن الصحابة عملوا أوّلاً على ما سبق إلى أفهامهم بمقتضى اللسان، فعلى هذا فهو من باب تأخير ما له ظاهر أريد به خلاف ظاهره.
قال الحافظ: وكلامه يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ما نقله سهل بن سعد، وفيه نظر.
واستدلّ بالآية، والحديث على أن غاية الأكل والشرب طلوع الفجر، فلو طلع
الفجر، وهو يأكل، أو يشرب، فنزع تم صومه، وفيه اختلاف بين العلماء، ولو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور؛ لأن الآية دلّت على الإباحة إلى أن يحصل التبين. وقد روى عبد الرزّاق بإسناد صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"أحلّ اللَّه لك الأكل والشرب ما شككت". ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه. وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى، قال: سأل رجل ابن عباس عن السحور؟ فقال له رجل من جلسائه: كل حتى لا تشكّ، فقال ابن عباس: إن هذا لا يقول شيئًا، كل ما شككت حتى لا شككت.
قال ابن المنذر: وإلى هذا القول صار أكثر العلماء. وقال مالك: يقضي. وقال ابن بزيزة في "شرح الأحكام": اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر، أو بتبيّنه عند الناظر تمسكًا بظاهر الآية، واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر، أم لا؟ بناءً على الاختلاف المشهور في مقدّمة الواجب انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق أن تحريم الأكل ونحوه متعلّق بتبيّن الفجر، وتحققه، لا بمجرّد الطلوع، لظاهر الآية الكريمة، وأما القول بوجوب إمساك جزء من الليل، فبطلانه واضح؛ لمصادمته ظاهر الآية. فتبصّر، ولا تتحيرّ.
وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في باب [تأخير السحور] 20/ 2152 و 2153 و 2154. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
30 - (كَيْفَ الْفَجْرُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "كيف"، ويقال فيها:"كي" بحذف الفاء: كلمة يُستفهم بها عن حال الشيء، وصفته، يقال: كيف زيد، ويُراد السؤال عن صحّته، وسُقْمه، وعسره، ويسره، وغير ذلك، وتأتي للتعجّب، والتوبيخ، والإنكار، كقوله تعالى:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} الآية [البقرة: 28]، وللحال ليس معه سؤال، وقد تتضمّن معنى النفي، وكيفيّةُ الشيء حالُهُ وصفتُهُ
(1)
.
والمراد هنا المعنى الأول، أي ما هو صفة الفجر الذي جعله اللَّه علامة لانتهاء جواز
(1)
- راجع "المصباح المنير" في مادة كيف، و"مغني اللبيب" ج1 ص 204 - 205.
الأكل والشرب، ونحوهما، وابتداء الصوم.
و"الفَجْرُ" -أي بفتح الفاء، وسكون الجيم-: ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل، وهما فجران: أحدهما المستطيل، وهو الكاذب الذي يُسمّى ذَنَبَ السِّرْحَان، والآخر المستطير، وهو الصادق المنتشر في الأفق الذي يُحرّم الأكل والشرب على الصائم، ولا يكون الصبح إلا الصادق. قال الجوهريّ: الفجر في آخر الليل كالشفق في أوله. قاله في "اللسان"
(1)
.
وموضع الاستدلال من الحديث قوله: "ولكن الفجر أن يقول الخ"، وقوله:"حتى ينفجر هكذا وهكذا"؛ لأن فيه بيان المراد من الفجر الذي جعل اللَّه تعالى تبيّنه غاية للأكل والشرب، ونحوهما، وهو الفجر الثاني الصادق المعترض يمينًا وشمالاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
2170 أ- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ
(2)
؛ لِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِكَفِّهِ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا». وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَتَيْنِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرة.
و"يحيى": هو ابن سعيد القطان. و"التيمي": هو سليمان بن طَرْخان، أبو المعتمر البصريّ. و "أبو عثمان": هو عبد الرحمن بن ملّ النهديّ المخضرم العابد المشهور الكوفيّ، ثم البصريّ.
والإسناد مسلسل بالبصريين، غير الصحابي، فكوفيّ.
والحديث متفق عليه وقد استوفيت شرحه، وكذا الكلام على مسائله في "كتاب الأذان"- في باب "الأذان في غير وقت الصلاة" 11/ 641 - رواه هناك عن إسحاق بن راهويه، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه به.
وأذكر هنا شرح ما يحتاج إلى الإيضاح فقط:
فقوله: "ليرجع قائمكم" بفتح الياء، وكسر الجيم المخففة، من الرَّجْع المتعدّي المذكور في قوله تعالى:{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [الطارق: 8]، لا من الرجوع اللازم، ومنه قوله تعالى:{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} الآية [التوبة: 83]، وقوله عز وجل: {ثُمَّ ارْجِعِ
(1)
- "لسان العرب" في مادة فجر. ج 5 ص 3351.
(2)
- وفي نسخة: "بالليل".
الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} الآية [الملك: 4]، ويحتمل أن يكون من الإرجاع، وعلى الوجهين فـ "قائمكم" بالنصب، ويحتمل أن يكون من الرجوع اللازم، و"قائمُكُم" بالرفع، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في الباب المذكور.
وقوله: "وليس الفجر أن يقول الخ" أي يظهر هكذا، وأشار به إلى هيئة ظهور الفجر الكاذب، والقول أريد به فعل الظهور، وإطلاق القول على الفعل شائع.
وقوله: "وأشار بكفّه" أي أشار إلى الفجر الكاذب بكفه.
وقوله: "وأشار بالسبّابتين" أي أشار إلى الفجر الصادق بوضع إحدى السبابتين على الأخرى، ومدّها عن يمينه، وشماله. وفي رواية البخاريّ: "وليس الفجر -أو الصبح- وقال بإصبعه، ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل -حتى يقول هكذا، وأشار زهير بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله.
وفي رواية مسلم: "وليس أن يقول هكذا وهكذا" وصوّب يده، ورفعها "حتى يقول هكذا" وفرّج بين إصبعيه". وفي لفظ:"إن الفجر ليس الذي يطول هكذا"، وجمع أصابعه، ثم نكّسها إلى الأرض، "ولكن الذي يقول هكذا"، ووضع المسبّحة على المسبّحة، ومدّ يده".
قال العلامة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقوله: "ليس أن يقول هكذا -وصوّب يده، ورفعها- " أي مدّ يده صَوْبَ مخاطبه، ثم رفعها نحو السماء. وفي الرواية الأخرى:"إن الفجر ليس الذي يقول هكذا"، وجمع أصابعه، ثم نكّسها إلى الأرض. وتحصّل من الروايتين أنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن الفجر الأول يطلع في السماء، ثم يرتفع طرفه الأعلى، وينخفض طرفه الأسفل، وقد بيّن هذا بقوله:"ولا بياض الأفق المستطيل" يعني الذي يطلع طويلاً، فهذا البياض هو المسمّى بالفجر الكاذب، وشُبّه بذنب السِّرْحَان، وهو الذئب، وسمي به. وهذا الفجر لا يتعلّق عليه حكم، لا من الصيام، ولا من الصلاة، ولا من غيرهما، وأما الفجر الصادق، فهو الذي أشار إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث وضع المسبّحة على المسبّحة، ومدّ يديه، وهو إشارة إلى أنه يطلع مُعترِضًا، ثم يعُمّ الأفق ذاهبًا فيه عَرْضًا، ويستطير، أي ينتشر. انتهى كلام القرطبيّ
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
2171 -
(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا سَوَادَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ
(1)
- "المفهم" ج 3 ص 153 - 154.
بِلَالٍ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ، هَكَذَا وَهَكَذَا» ، يَعْنِي مُعْتَرِضًا، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَبَسَطَ بِيَدَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالاً، مَادًّا يَدَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [10] 33/ 37.
2 -
(أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [9] 13/ 343.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [7] 24/ 27.
4 -
(سوادة بن حنظلة) القشيريّ البصريّ، صدوق [3].
رأى عليّا رضي الله عنه. وروى عن سمرة بن جُندب رضي الله عنه حديث الباب فقط. وعنه ابنه عبد اللَّه، وشعبة، وأبو هلال الراسبيّ، وهمّام. قال أبو حاتم. شيخ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: سمع من عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا 2171 و 2315 حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: "إن اللَّه وضع للمسافر الصوم
…
" الحديث.
5 -
(سمرة) بن جندب بن هلال الفزاريّ، حليف الأنصار الصحابيّ الشهير، مات بالبصرة سنة (58) وتقدّم في 25/ 393. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها). أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سوادة بن حنظلة -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قال: سَمِعْتُ سَمُرَةَ) بن جُندب رضي الله عنه، وفي رواية لمسلم. "سمعت سمرة بن جندب رضي الله عنه، وهو يخطب، يحدّث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
…
" (يقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية مسلم: "سمعت محمدًا صلى الله عليه وسلم -يقول" ("لَا يَغُزنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ) ومتعلّقه محذوف، من أكل السَّحُور، كما بينته رواية مسلم، ولفظه:"لا يغرّنّ أحدَكم نداءُ بلال من السَّحُور"، وفي لفظ:"لا يغزنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا"(وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ) يعني البياض الذي يظهر متسطيلاً، كما تقدّم بيانه (حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ) أي حتى يظهر، وينتشر ("هَكَذَا وَهَكَذَا"، يَعنْي مُعْتَرِضًا، قالَ أَبُو دَاوُدَ) الطَيالسيّ الراوي عن شعبة
(وَبَسَطَ) أي شعبة مبيّنا معنى قوله: "هكذا وهكذا"(بِيَدَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالاً، مَادًّا يَدَيْهِ) حال مؤكد لمعنى البسط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - 30/ 2170 - وفي "الكبرى" 30/ 2481. وأخرجه (م) في "الصيام" 2539 و 2540 و 2541 و 2542 و 2543 (د) في "الصوم" 2346 (ت) في "الصوم" 706 (أحمد) 19221 و 19238 و 19290 و 19238. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
31 - (التَّقَدُّمُ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ)
2172 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا قَبْلَ الشَّهْرِ بِصِيَامٍ، إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا
(1)
، أَتَى ذَلِكَ الْيَوْمُ عَلَى صِيَامِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [10] 2/ 2.
2 -
(الوليد) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [8] 5/ 454.
3 -
(الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل [7] 45/ 56.
4 -
(يحيى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة يُدلّس ويرسل [5] 23/ 24.
(1)
- وفي نسخة: "صومًا".
5 -
(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 1/ 1.
6 -
(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1 واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، ويحيى وإن كان يماميّا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين في طلب الحديث، والباقيان دمشقيان، (ومنها). أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيي بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة. ونحوه لأبي عوانة، من طريق معاوية بن سلاّم، عن يحيي. أفاده في "الفتح"
(1)
(عَن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "لَا") ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (تَقَدمُّوا) من التقدّم، وأصله "لا تتقدّموا"، فحذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى:{نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14]، وقوله:{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ} [القدر: 4]، وقد أشار ابن مالك إلى هذه القاعدة في "الخلاصة" حيث قال:
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ
…
فيهِ عَلَى تَا كَتَبيَّنُ الْعِبَرْ
(قَبْلَ الشَّهْرِ بِصِيَامٍ) الباء للتعدية متعلقة بـ"تقدّموا". وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "لا يتقدّمنّ أحد الشهر بيوم، ولا يومين
…
" (إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا، أَتَى ذلِكَ الْيَوْمُ) أي اليوم الذي قبل رمضان، وهو اليوم الذي يُسَمَّى يوم الشك (عَلَى صِيَامِهِ") أي صيامه المعتاد، والمعنى: أنه لا يتقدّم رمضان بصوم يوم إلا من كان معتادًا صوم يوم معين، كالاثنين مثلاً، فاتفق أن كان ذلك اليومُ يومَ الشك، فإنه يجوز له أن يصوم ذلك اليوم.
قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نيّة الاحتياط لرمضان.
قال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-لما أخرجه-: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجّل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان انتهى.
(1)
- ج4 ص 624.
والحكمة فيه التقوّي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوّة ونشاط، وهذا فيه نظر؛ لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدّمه بصيام ثلاث أيام، أو أربعة جاز.
وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضًا؛ لأنه يجوز لمن له عادة كما صُرِّحَ به في الحديث. وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدّمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد.
ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد، فقد أُذِنَ له فيه لأنه اعتاده، وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قال العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلّة القطعيّة على وجوب الوفاء بهما، فلا يبطل القطعيّ بالظنيّ.
وفي الحديث ردّ على من يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة، وردّ على من قال بجواز صوم النفل المطلق.
وأبعد من قال: المراد بالنهي التقدّم بنية رمضان، واستدلّ بلفظ التقدّم؛ لأن التقدّم على الشيء بالشيء إنما يتحقّق إذا كان من جنسه، فعلى هذا يجوز الصيام بنيّة النفل المطلق، لكن السياق يأبى هذا التأويل ويدفعه. وفيه بيان لمعنى قوله في الحديث الماضي:"صوموا لرؤيته"، فإن اللام للتأقيت؛ لا للتعليل، قال ابن دقيق العيد: ومع كونها محمولة على التأقيت فلا بدّ من ارتكاب مجاز؛ لأن وقت الرؤية -وهو الليل- لا يكون محلّ الصوم. وتعقّبه الفاكهيّ بأن المراد بقوله: "صوموا" انووا الصيام، والليل كله ظرف للنيّة.
قال الحافظ: فوقع في المجاز الذي فرّ منه؛ لأن الناوي ليس صائمًا حقيقة بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النيّة إلى أن يطلع الفجر. وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط، فإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز. وقيل: يمتدّ المنع لما قبل ذلك، وبه قطع كثير من الشافعيّة، وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقدُّم بالصوم، فحيث وُجِد مُنِع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا: أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان؛ لحديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا:"إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا". أخرجه أصحاب "السنن"، وصححه ابن حبّان، وغيره. وقال الروياني من الشافعيّة: يحرم التقدّم بيوم، أو بيومين؛ لحديث الباب، ويكره التقدّم من نصف شعبان للحديث الآخر.
وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوّعًا بعد النصف من شعبان، وضعّفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد، وابن معين: إنه منكر، واستدلّ البيهقي بحديث الباب على
ضعفه، فقال. الرخصة في ذلك بما هو أصحّ من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاويّ، واستظهر بحديث ثابت، عن أنس- رضي الله عنهم مرفوعًا:"أفضل الصيام بعد رمضان شعبان"، لكن إسناده ضعيف، واستظهره أيضًا بحديث عمران بن حُصين رضي الله عنهما: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "أصمت من سَرَر شعبان شيئًا؟ "، قال. لا، قال. "فإذا أفطرت من رمضان، فصم يومين". ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان. وهو جمع حسن. قاله في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأحسن أن الصوم بعد نصف شعبان منهيّ عنه، ويشتدّ النهي في التقدّم بيوم، أو يومين، وأما حديث عمران رضي الله عنه -فلا يدخل في النهي؛ لأنه قاله لرجل اعتاد الصوم، فلما سمع النهي عن التقدّم ترك عادته فأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم -بأن يصوم مكان صومه الذي تركه، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -31/ 2172 - وفي "الكبرى" 31/ 2482. وأخرجه (خ) "الصوم" 1781 (م) في "الصيام" 1812 (د) في "الصوم" 1988 (ت) في "الصوم" 620 و 621 (ق) "الصيام" 1640 (أحمد) 9277 و 9330 و 10047 (الدارمّي) في "الصوم" 1627. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما تو فيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة العشرين عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو
(1)
- "فتح" 4 ص 625 - 626.
"غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّه} .
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الحادي والعشرون مفتتحًا بالباب 32 "ذكرُ الاختلاف على يحيي بن أبي كثير ومحمد بن عمرو على أبي سلمة فيه" الحديث رقم 2173.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".