المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

شرح سنن النسائي المسمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعه الفقير إلى مولاه - ذخيرة العقبى في شرح المجتبى - جـ ٢٥

[محمد بن علي بن آدم الأثيوبي]

فهرس الكتاب

شرح سنن النسائي

المسمَّى

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير

محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي

المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة

عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين

الجزء الخامس والعشرون

دار آل بروم للنشر والتوزيع

ص: 1

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى

1424هـ - 2003م

دار آل بروم للنشر والتوزيع

المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم

ص ب: 4145 - (تلفاكس 5211576 - جوّال 055541026)

ص: 2

شرح سنن النسائي

ص: 3

بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 4

‌85 - (قَتْلُ الْوَزَغِ)

2832 -

(أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ، وَبِيَدِهَا عُكَّازٌ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ ، فَقَالَتْ: لِهَذِهِ الْوَزَغِ، لأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَدَّثَنَا «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ، إِلاَّ يُطْفِئُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، إِلاَّ هَذِهِ الدَّابَّةُ، فَأَمَرَنَا بِقَتْلِهَا، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ، إِلاَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ، وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يُطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيُسْقِطَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ»).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(أبو بكر بن إسحاق) هو محمد بن إسحاق الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [11] 13/ 347.

2 -

(إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة) -بمهملات- ابن الْبِرِنْدِ بن النعمان بن عَلَجَة الساميّ -بمهملة- أبو إسحاق البصريّ، نزيل بغداد، ثقة حافظ [10].

قال ابن معين: ثقة معروف بالحديث مشهور بالطلب، كيس الكتاب، ولكنه يفسد نفسه يدخل في كلّ شيء. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن إبراهيم بن عرعرة؟، فقال: صدوق. وقال عثمان ابن خُرَّزَاذ: أحفظ من رأيت أربعة، فذكر فيهم إبراهيم.

وقال صالح جَزَرَة: ما رأيت أعلم بحديث أهل البصرة من القواريريّ، وعليّ بن المدينيّ، وإبراهيم بن عرعرة. وقال الحاكم: هو إمام من حفاظ الحديث. وقال الخليليّ: حافظ كبير، ثقة، متفق عليه. وقال ابن قانع: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تحفظ عن قتادة، عن أبى حسّان، عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة؟، فقال: كتبوه من كتب معاذ بن هشام، لم يسمعوه، قلت: ههنا إنسان يزعم أنه سمعه من معاذ، فأنكر ذلك، قال: من هو؟ قلت: إبراهيم بن عرعرة، فتغيّر وجهه، ونفض يده، وقال: كذبٌ وزُورٌ، ما سمعوه منه، قال فلان: كتبناه من كتابه، سبحان اللَّه، واستعظم ذلك. قال الخطيب: وقد أخبرنا بالحديث المذكور عثمان بن محمد بن يوسف العلاّف، حدثنا أبو بكرالشافعيّ، حدثنا إسماعيل القاضي، حدثنا علي بن المديني، قال: روى قتادة حديثًا غريبًا، لا يُحفظ عن أحد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام، وهو حاضرٌ، لم أسمعه منه، عن قتادة، وقال لي معاذ: هاته حتى أقرأه، قلت:

ص: 5

دعه اليوم، قال: حدثنا أبو حسان، عن ابن عباس:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كلّ ليلة، ما أقام بمنى". قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه. قال عليّ بن المدينيّ: هكذا هو في الكتاب.

قال الخطيب: وما الذي يمنع أن يكون إبراهيم بن محمد بن عرعرة سمع هذا الحديث من معاذ مع سماعه منه غيره. وقال البغوي، وموسى بن هارون، ومطيّن: مات سنة (231) زاد البغويّ، وموسى: في رمضان. انفرد به مسلم، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

3 -

(معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [9] 30/ 34.

4 -

(أبوه) هشام بن أبي عبد اللَّه، واسم أبيه سَنْبَر- كجعفر- أبو بكر البصريّ الدَّسْتَوائيّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [7] 30/ 34.

5 -

(قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت، يدلّس [4] 30/ 34.

6 -

(ابن المسيَّب) هو سعيد المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [3] 9/ 9.

7 -

(امرأة) من الصحابيّات - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، ولا يضرّ جهالتها؛ لكونهنّ عدولاً. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي، وسعيد، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه سعيد بن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا غير مرة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) التابعيّ الفقيه الجليل -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ امْرَأَةٌ) يحتمل أن تكون المرأة التي دخلت على عائشة هي أم شريك - رضي اللَّه تعالى عنها -، واسمها غزية -بالمعجمتين مصغّرًا- وقيل: غُزيلة، يقال: هي عامرية، قرشية، ويقال: أنصارية، ويقال دوسيّة.

فقد أخرج حديثها البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريق ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، لاعن سعيد بن المسيّب، عن أم شريك - رضي اللَّه تعالى عنها -: أن

ص: 6

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ، وقال:"كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام". وفي رواية بلفظ: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمرها بقتل الأوزاغ". وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، بلفظ:"أنها استأمرت النبيّ صلى الله عليه وسلم في قتل الوزغات، فأمرها بقتلهن".

فعلى هذا فتكون السائلة هي عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.

ويحتمل أن تكون الداخلة هي سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة، فقد أخرج حديثها الإمام أحمد في "مسنده"، وابن ماجه في "سننه"، من طريق جرير بن حازم، عن نافع، عن سائبة مولاة للفاكه بن المغيرة، أنها دخلت على عائشة، فرأت في بيتها رمحا موضوعا، فقالت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟، قالت: نقتل به الأوزاغ، فإن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم أخبرنا:"أن إبراهيم عليه السلام، حين ألقي في النار، لم تكن دابة إلا تطفىء النار عنه، غير الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه، فأمر عليه الصلاة والسلام بقتله". وعلى هذا فتكون السائلة هي سائبة.

ويؤيد الاحتمال الأول أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - قالت: إنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للوزغ: "الفويسق"، ولم أسمعه أمر بقتله. رواه البخاريّ.

فقد دلّ هذا الحديث على أنه لم تسمع عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الأمر بقلته. ويؤيده أيضًا كون راوي حديث الباب، وحديث أم شريك هو سعيد بن المسيّب -رحمه اللَّه تعالى-.

وعلى هذا فقول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في حديث نافع المذكور: "فإن نبيّ اللَّه صلى الله عليه وسلم أخبرنا الخ" محمول على التجوز، أي إنها سمعت ذلك من بعض الصحابة، وأطلقت لفظ أخبرنا، مجازًا، أي أخبر الصحابة، كما قال ثابت البنانيّ:"خطبنا عمران"، وأراد أنه خطب أهل البصرة، وإلا فما في "الصحيح" أصحّ. أفاده الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

(دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (وَبِيَدِهَا عُكَّازٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، على الاحتمال الأول، وهو الأرجح، أي والحال أن في يد تلك المرأة عكاز، أو من المفعول، على الاحتمال الثاني، أي والحال أن في يد عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عكّاز.

و"العكاز" -بضم العين المهملة، وتشديد الكاف-: عصًا في أسفلها زُجّ، أي حديدة، يتوكأ عليها الرجل، والجمع عَكَاكيز، وعُكّازات. قاله في "اللسان"(فَقَالَتْ)

(1)

- "فتح" 6/ 510 "كتاب بدء الخلق".

ص: 7

عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - لتلك المرأة، أو قالت هي لها (مَا هَذَا؟) العكاز، ولعل سؤالها عنه أنه لم تجر للنساء عادة باتخاذه، فاستغربت ذلك منها (فَقَالَتْ) تلك المرأة، أو عائشة (لِهَذِهِ الْوَزَغِ) أي اتخذته لقتل هذه الوزغ، وأنثته لكونه جمعًا. قال في "القاموس": الوزغة محرّكة: سامّ أبرص، سميت بذلك لخفتها، وسرعة حركتها، جمعه وَزَغٌ، وأوزاغ، ووِزْغَان، ووِزَاغ، وِإزْغَان انتهى.

وقال الفيّوميّ: الوزغ معروف، والأنثى وزغة، وقيل: الوزغ جمع وزغة، مثل قصبة وقصب، فتقع الوزغة على الذكر والأنثى، والجمع أوزاغ، ووزْغَان -بالكسر، والضمّ-، حكاه الأزهريّ، وقال: الوزغ سامّ أبرص انتهى.

وقال في "الفتح": وذكر بعض الحكماء أن الوزخ أصمّ، وأنه لا يدخل في مكان فيه زعفران، وأنه يلقّح بفيه، وأنه يبيض، ويقال لكبارها: سامّ أبرص -بتشديد الميم- انتهى

(1)

.

(لأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَدَّثَنَا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ) أي من الدوابّ كما تقدم في رواية أحمد، وابن ماجه:"أن إبراهيم لما ألقي في النار، لم يكن في الأرض دابّة، إلا أطفأت عنه، إلا الوزغ، فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتلها".

(إِلاَّ يُطْفِئُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عليه السلام) أي يطفئ النار التي ألقي فيها إبراهيم عليه السلام (إِلاَّ هَذِهِ الدَّابَّةُ) يعني الوزغ (فَأَمَرَنَا بِقَتْلِهَا) أي أمر صلى الله عليه وسلم بقتل الوزغ، مجازة لاعتدائها على خليل الرحمن عليه السلام.

(وَنَهَى) صلى الله عليه وسلم (عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ) بكسر الجيم، وتشديد النون: هي الحيات التي تكون في البيوت، واحدها جانّ، وهي الحية الصغيرة. وقيل: الرقيقة الخفيفة. وقيل: الدقيقة البيضاء. قاله في "الفتح"

(2)

.

وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: والجنّان- بتشديد النون-: جمع الجانّ. وهو أبو الجانّ، هذا أصله، والجانّ في الحديث: هو حية بيضاء صغيرة دقيقة. هكذا ذكر النَّقَلَة، والظاهر من الجنّان المذكور في الحديث أن المراد به الجانّ.

فإن قيل: فقد وصف اللَّه تعالى الحية المنقلبة عن عصا موسى بأنها جانّ، وأنها ثعبان عظيم.

فالجواب: أنه إنما كاذت ثعبانا عظيمًا في الخلقة، ومثل الحيّة الصغيرة الدقيقة في الخفة والسرعة، ألا ترى قوله تعالى: {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ

} [النمل: 10] هكذا قال أهل اللغة، وأرباب المعاني، وعلى الجملة، فأصل هذه البنية من (ج ن) للستر،

(1)

- "فتح" 7/ 44 في "كتاب أحاديث الأنبياء".

(2)

- "فتح" 6/ 511.

ص: 8

والتستر أينما وقعت، فتتبعها تجدها كذلك. ووبيصُ الجانّ وغيره، لمعانُهُ، وبريقُهُ. قال عياض: وقيل: الجنّان ما لا يتعرّض للناس، والجنّل ما يتعرّض لهم، ويؤذيهم، وأنشدوا:

تَنَازَعَ جِنَّانٌ وَجِنٌ وَجِنَّلُ

وعن ابن عباس، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -: الجَنّان مسخ الجنّ

(1)

كما مسخت القردة من بني إسرائيل، وعوامر البيوت: هي ما يعمره من الجنّ، فيتمثّل في صور الحيّات، وفي غيرها. انتهى

(2)

.

(إلاَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ) تثنية طفية بضم الطاء المهملة، وسكون الفاء، أي صاحب الخطين الأبيضين على ظهره. والطُّفية في الأصل خوصة المقل، والطُّفي خوص المقل، شبّه به الخطّ الذي على ظهر الحيّة. وقال ابن عبد البرّ: يقال: إن ذا الطفيتين جنس من الحيات، يكون على ظهره خطّان أبيضان (وَالْأَبْتَرَ) هو مقطوع الذنب، زاد النضر بن شُميل أنه أزرق اللون، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت. وقيل: الأبتر الحية القصيرة الذنب. قال الداوديّ: هي الأفعى التي تكون قدر شبر، أو أكثر قليلاً. وقوله:"والأبتر" يقتضي التغاير بين ذي الطفيتين، والأبتر. ووقع في حديث أبي لبابة عند البخاريّ:"لا تقتلوا الحيات إلا كلّ أبتر ذي طفيتين"، وظاهره اتحادهما، لكن لا ينفي المغايرة. قاله في "الفتح"

(3)

.

(فَإِنَّهُمَا) الفاء تعليلية، أي لأنهما (يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ) أي يمحوان نوره، ويخطفانه.

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه تأويلان، ذكرهما الخطّابيّ، وآخرون:

أحدهما: معناه يخطفان البصر، ويطمسانه بمجرّد نظرهما إليه؛ لخاصة جعلها اللَّه تعالى في بصريهما، إذا وقع على بصر الإنسان، ويؤيّد هذا الرواية الأخرى في مسلم:"يخطفان البصر"، والرواية الأخرى:"يلتمعان البصر".

والثاني: أنهما يقصدان البصر باللسع، والنهش، والأول أصحّ، وأشهر. قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر إذا وقع نظره على عين إنسان مات من ساعته. واللَّه تعالى أعلم. انتهى

(4)

. (وُيسْقِطَانِ مَا فِي بُطُونِ النَّسَاءِ") وفي رواية البخاريّ: "ويستسقطان الحبل" أي يسقطان بما في هما من الخاصيّة ما في بطون النساء الحوامل

(1)

- هذا فيه نظر؛ لأنه ثبت أن الممسوخ لا يعيش، ولا نسل له.

(2)

- "المفهم" 5/ 534.

(3)

- "فتح" 6/ 503. "كتاب بدء الوحي".

(4)

- "شرح مسلم" 14/ 450.

ص: 9

من الأولاد. وقال النووي: معناه أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما، وخافت أسقطت الحمل غالبًا. وقد ذكر مسلم في روايته عن الزهريّ، أنه قال: يُرى ذلك من سمّهما انتهى

(1)

.

وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وظاهر هذا أن هذين النوعين من الحيّات لهما من الخاصية ما يكون عنهما ذلك، ولا يُستبعد هذا، فقد حكى أبو الفرج ابن الجوزيّ في كتابه المسمى بـ "كشف المشكل لما في الصحيحين" أن بعراق العجم أنواعًا من الحيات يَهلك الرائي لها بنفس رؤيتها، ومنها من يَهلك بالمرور على طريقها، وذكر غير ذلك. ولا يُلتفت إلى قول من قال: إن ذلك بالترويع؛ لأن ذلك الترويع ليس خاصا بهذين النوعين، بل يعمّ جميع الحيّات، فتذهب خصوصيّة هذا النوع بهذا الاعتناء العظيم، والتحذير الشديد. ثم إن صحّ هذا في طرح الحبل، فلا يصحّ في ذهاب البصر، فإن الترويع لا يذهبه انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث الباب هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - 85/ 2832 - وفي "الكبرى" 84/ 3814. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية قتل الوزغ للمحرم، ووجه دلالته عليه، أنه صلى الله عليه وسلم لم يستثن المحرم من غيره حين أمر بقتله، فدلّ على أن قتله جائز للمحرم.

(ومنها): بيان سبب الأمر بقتل الوزغ، وهو أنه كان يوقد النار على النبيّ إبراهيم عليه السلام، فجوزي بمشروعية قتله.

وقد ورد الفضل لمن قتل الوزغة، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من قتل وزغة في أول ضربة، فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية، فله كذا وكذا حسنة، لدون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة، فله كذا وكذا حسنة، لدون الثانية". وفي رواية: "من قتل وزغًا في أول

(1)

- "شرح مسلم" 14/ 449 - 450.

(2)

- "المفهم" 5/ 533 - 534.

ص: 10

ضربة، كُتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك". وفي رواية: أنه قال: "في أول ضربة سبعين حسنة".

(ومنها): أن من الحيات ما جعله اللَّه تعالى سبباً لإلحاق الضرر بالإنسان بمجرد النظر إليه، وهذا سرّ استأثر اللَّه تعالى بحكمته، {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 4].

(ومنها): النهي عن قتل الحيات التي تكون في البيوت، وقد ورد ورد الأمر بالإنذار، ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، مرفوعًا:"إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا، فحرّجوا عليه ثلاثًا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه، فإنه كافر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم قتل الحيّات:

اختلفوا في هذه المسألة على أقوال، جمعها الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كتابه "التمهيد":

(أحدها): قتلهنّ مطلقًا في البيوت، والصحارى بالمدينة، وغيرها على أيّ صفة كنّ، وتمسّك هؤلاء بالعمومات في قتهلنّ، مع الترغيب في ذلك، والتحذير من تركه.

(ثانيها): قتلهنّ إلا ما كان في البيوت بالمدينة خاصّة، دون غيرها، على أيّ صفة كنّ، فلا يُقتلن إلا بعد الإنذار ثلاثًا. وبهذا قال ابن نافع، والمازريّ، والقاضي عياض، وغيرهم. وتمسّك هؤلاء بحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم:"إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئًا، فأذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك، فاقتلوه، فإنما هو شيطان". رواه مسلم في "صحيحه".

وقال ابن عبد البرّ في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، مرفوعًا:"إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا، فتعوّذوا منه، فإن عاد، فاقتلوه". وهذا يحتمل أن يكون أشار به إلى بيوت المدينة، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون إلى جنس البيوت.

(ثالثها): استثناء ذوات البيوت، سواء كنّ بالمدينة، أو غيرها، إلا بعد الإنذار، وهو محكيّ عن الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى-، وصاحبه عبد اللَّه بن وهب. وحكي عن مالك أيضًا أنه يقتل ما وجد منها في المساجد، واستدلّ هؤلاء بما في "سنن أبي داود" عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سئل عن حيّات البيوت؟، فقال: "إذا رأيتم منهنّ شيئًا في مساكنكم، فقولوا: أنشدكنّ العهد الذي أخذه عليكنّ نوح،

ص: 11

أنشدكنّ العهد الذي أخذه عليكنّ سليمان أن تؤذونا، فإن عُدن، فاقتلوهنّ"

(1)

.

فلم يخصّ في هذا الحديث بيوت المدينة من غيرها، قال: ابن عبد البرّ، وهو عندي محتمل للتأويل، والأظهر فيه العموم.

وقال أبو العبّاس القرطبيّ: إن هذا القول، وهو عدم التخصيص بذوات البيوت في المدينة، هو الأولى لعموم نهيه عن قتل الحيّات في البيوت، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"خمس فواسق، يُقتلن في الحلّ والحرم ". وذكر فيهن الحية، ولأنّا قد علمنا قطعًا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رسول إلى الجنّ والإنس، وأنه بلغ الرسالة إلى النوعين، وأنه قد آمن به خلق كثير من النوعين بحيث لا يحصرهم بلد، ولا يحيط بهم عدد، والعجب من ابن نافع كأنه لم يسمع قوله تعالى:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29]، ولا قوله صلى الله عليه وسلم: "إن وفد جنّ نصيبين أتوني، ونعم الجنّ هو فسألوني الزاد

" الحديث، فهذه نصوص في أن من جنّ غير المدينة من أسلم، فلا يقتل شيء منها، حتى يحرّج عليه، كما تقدّم.

(رابعها): استثناء ذوات البيوت مطلقًا، فلا يقتلن، ولا بعد الإنذار، وهو ظاهر قوله في حديث أبي لبابة أنه نهى عن ذوات البيوت، ولم يذكر إنذارهنّ.

(خامسها): استثناء ذوات البيوت، فلا يقتلن إلا ذا الطفيتين والأبتر، فهما يُقتلان بالمدينة، وغيرها بلا إنذار، ويدلّ لهذا حديث ابن عمر عن أبي لبابة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"لاتقتلوا الحيّات إلا كلّ أبتر ذي طفيتين"، وهو في "صحيح البخاريّ". وفي "سنن أبي داود" من طرق، عن نافع، عن أبي لبابة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الحيّات التي تكون في البيوت، إلا أن يكون ذا الطفيتين، والأبتر، فإنهما يخطفان البصر، ويطرحان ما في بطون النساء"

(2)

.

قال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على جواز قتل حيّات الصحارى صغارًا كنّ، أو كبارًا، أيّ نوع كنّ من الحيّات، قال: وترتيب هذه الأحاديث، وتهذيبها باستعمال حديث أبي لبابة، والاعتماد عليه، فإن فيه بياناً لنسخ قتل حيّات البيوت، وأن ذلك كان بعد الأمر بقتلها جملة، وفيه استثناء ذي الطفيتين والأبتر، فهو حديث مفسّر، لا إشكال فيه لمن فهم، وعلم فهو الصواب في هذا الباب، وعليه يصحّ ترتيب الآثار فيه.

(سادسها): روى أبو داود في "سننه" عن عبد اللَّه رضي الله عنه أنه قال: اقتلوا الحيّات كلها إلا

(1)

حديث ضعيف، أخرجه أبو دواد برقم 5260.

(2)

- حديث صحيح أخرجه أبو داود برقم 5253.

ص: 12

الجنان الأبيض الذي كأنه قضيب فضّة. قال ابن عبد البرّ: وهذا قول غريب حسن

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن بما ذُكر أن الأرجح قتل جمغ أنواع الحيات، غير ذوات البيوت، فإنها لا تقتل، إلا بعد الإنذار ثلاثًا، إلا ذا الطفيتين، والأبتر منها، فإنهما يُقتلان بلا إنذار، وبهذا تجتمع الأحاديث في هذا الباب، كما أشار إليه أبو عمر، والقرطبيّ --رحمهما اللَّه تعالى-- في كلامهما السابق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌86 - (قَتْلُ الْعَقْرَبِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العقرب": واحدة العقارب، من الهوامّ، يكون للذكر والأنثى بلفظ واحد، والغالب عليه التأنيث، وقد يقال للأنثى: عقربة، وعقرباء، ممدود، غير مصروف، والعُقْرُبانُ، والعُقرُبانُ: الذكر منها. قاله في "اللسان".

وقال الفيّوميّ: "العقرب": تطلق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تأكيد التذكير قيل: عُقْرُبانٌ، بضمّ العين، والراء. وقيل: لا يقال: إلا عقربٌ للذكر والأنثى. وقال الأزهريّ: العقرب يقال للذكر والأنثى، والغالب عليها التأنيث، ويقال للذكر: عُقْرُبانٌ، وربما قيل: عَقْرَبة بالهاء للأنثى، قال الشاعر:

كَأنَّ مَرْعَى

(2)

أُمُّكُمْ إِذْ غَدَتْ

عَقْرَبَةٌ يَكُومُهَا

(3)

عُقْرُبَانُ

فجمع بين اسم الذكر الخاصّ، وأنّث المؤنثة بالهاء. وأرض مُعقرِبةٌ اسم فاعل: ذات عقارب، كما يقال: مُثَعْلِبةٌ، ومُضَفْدِعَةٌ، ونحو ذلك. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2833 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ"، أَوْ "فِي قَتْلِهِنَّ، وَهُوَ حَرَامٌ، الْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ").

(1)

- "طرح التثريب" 8/ 128 - 129

(2)

"مَرْعَى": اسم أمهم.

(3)

أي يَنكحُهَا.

ص: 13

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌87 - (قَتْلُ الْحِدَأَةِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْحِدأَة" -بكسر أوله-، ولا يقال: حِدَاءَةٌ، والجمع حِدَأٌ- مكسور الأول، مهموز، مثل حِبَرَة وحِبَر، وعِنَبَة وعِنَب: طائر يطير، يصيد الجِرْذان. وقال بعضهم: إنه يصيد على عهد سليمان على نبينا، وعليه الصلاة والسلام، وكان من أصيد الجوارح، فانقطع عنه الصيد لدعوة سليمان عليه السلام. أفاده في "اللسان". وقال الفيّوميّ: والْحِدَأة مهموزٌ، مثل عنبة: طائر خبيث، والجمع بحذف الهاء، وحِدَّانٌ أيضًا، مثلُ غِزْلان. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2834 -

(أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقْتُلُ مِنَ الدَّوَابِّ، إِذَا أَحْرَمْنَا؟ ، قَالَ:«خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"زياد بن أيّوب": هو الحافظ المعروف بدلّويه. و"أيوب": هو السختياني. و"نافع" هو مولى ابن عمر. والحديث متّفقٌ عليه وقد سبق شرحه، وتخريجه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 14

‌88 - (قَتْلُ الْغُرَابِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الغُرَاب": الطائر الأسود، والجمع أَغْربة، وأَغرُب، وغِرْبانٌ، وغرُبٌ، قال:

وَأَنْتُمْ خِفَافٌ مِثْلُ أَجْنِحَةِ الْغُرُبْ

وَغَرَابينُ جمعُ الجمع. والعرب تقول: فلا أبصرُ من غراب، وأحذرُ من غراب، وأزهى من غراب، وأصفى عيشًا من غراب، وأشدّ سوادًا من غراب، وإذا نعتوا أرضًا بالخِصْب، قالوا: وقع في أرض لا يطير غرابها، ويقولون: وجد تمرة الغراب؛ وذلك أنه يتبع أجود التمر، فينتقيه، ويقولون: أشأم من غراب، وأفسق من غراب، ويقولون: طار غراب فلان: إذا شاب رأسه. قاله في "اللسان". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2835 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ ، قَالَ: «يَقْتُلُ الْعَقْرَبَ، وَالْفُوَيْسِقَةَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"يحيى بن سعيد" هنا هو الأنصاريّ.

وقوله: "الفويسقة": تصغير فاسقة، والمراد بها الفأرة، سميت بها لخروجها من جحرها على الناس، وإفسادها عليهم.

وقد جاء في "الصحيحين" تسمية الخمس بالفواسق: "ولفظه: "خمس فواسق يقتلن في الحرم

". قال النووي: هو بإضافة "خمس"، لا بتنوينه، وذكر فيه ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" الوجهين، واستدلّ على التنوين بقوله في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في رواية أخرى في "الصحيح": "خمس من الدوابّ كلهنّ فواسق"، وقال: إن رواية الإضافة ربما تشعر بالتخصيص، ومخالفة حكم غيرها لها بطريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد تشعر بأن الحكم المرتّب على ذلك، وهو القتل معلل بما جعل وصفًا، وهو الفسق، فيقتضي ذلك التعميم لكلّ فاسق من الدوابّ، وهو ضدّ ما اقتضاه الأول من المفهوم، وهو التخصيص انتهى.

قال النووي: وأما تسمية هذه المذكورات فواسق، فصحيحة جارية على وفق اللغة، وأصل الفسق في كلام العرب الخروج، وسمي الرجل الفاسق لخروجه عن أمر اللَّه

ص: 15

تعالى، وطاعته، فسميت هذه فواسق لخروجها بالإيذاء، والإفساد عن طريق معظم الدوابّ. وقيل: لخروجها عن حكم الحيوان في تحريم قتله في الحرم والإحرام. وقيل: فيها أقوال أخر ضعيفة، لا نرتضيها انتهى

(1)

.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2835 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، لَا جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنَّ، عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ، وَالإِحْرَامِ، الْفَأْرَةُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرىء"، أبي يحيى المكيّ، ثقة [10] 11/ 11، فإنه من أفراده هو، وابن ماجه. و"سفيان": هو ابن عيينة.

وقوله: "في الحرم، والإحرام" وهكذا في "صحيح مسلم"، وبيّن مسلم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أن لفظ شيخيه الراويين عن سفيان بن عيينة اختلف عليه، فقال أحدهما، وهو ابن أبي عمر:"الْحَرَم" أي بفتح الحاء، والراء، وقال الآخر، وهو زُهير بن حرب:"الْحُرُم" بضم الحاء، والراء، أي في المواضع الحُرُم، جمع حَرَام، كما قال:{وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، كذا بيّن القاضي في "المشارق" الضبطين، فقال: وفي رواية: "في الْحَرَم، والإحرام" أي في حرم مكة، وجاء في رواية زهير:"في الْحُرُم، والإحرام"، أي في المواضع الْحُرُم، جمع حرام، كما قال:{وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} انتهى

(2)

. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌89 - (مَا لَا يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" اسم موصول: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ

(1)

-"شرح مسلم" 8/ 353.

(2)

- "طرح التثريب" 5/ 70 - 71.

ص: 16

على الحيوان الذي لا يحلّ للمحرم أن يقتله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2837 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ؟ ، فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا، قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: نَعَمْ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [10] 21/ 22.

2 -

(سفيان) بن عيينة الإمام المكيّ الحجة الثبت [8] 1/ 1.

3 -

(ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلّ، ويُرسل [6] 28/ 32.

4 -

(عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمير) -بتصغير الاسمين- بن قتادة بن سعد بن عامر بن جُندع بن ليث الليثيّ، ثم الجندعيّ، أبو هاشم المكيّ، ثقة [3].

قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة يحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس به بأس.

وقال داود العطار: كان من أفصح أهل مكة. وقال محمد بن عمر: كان ثقة صالحًا، له أحاديث. وقال العجليّ: تابعيّ مكيّ ثقة. وقال أبو داود: لم يرو عنه شعبة. قال: عندي في الصلاة على الجنائز بضعة عشر بابًا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مستجاب الدعوة. وقال ابن حزم في "المحلّى": لم يسمع من عائشة. وقال البخاريّ في "التاريخ الأوسط": لم يسمع من أبيه شيئًا، ولا يذكره. قال عمرو بن عليّ: مات سنة (113) وقال إسحاق القراب: قتل بالشام في الغزو سنة (113). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم 2837 و 2919 و 3229 و 3465 و 4323.

5 -

(ابن أبي عمار) هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار المكيّ، حليف بني جُمَح الملقّب بالقَسّ؛ لعبادته، ثقة عابد [3] 1/ 1433.

6 -

(جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السِّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: عبد اللَّه بن عبيد، عن ابن أبي عمّار، وهو من رواية

ص: 17

الأقران. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ) عبد الرحمن بن عبد اللَّه (ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ) الجمحي مولاهم المكيّ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ الضَّبُعِ؟) أي عن حكم أكلها. و"الضبع": بفتح الضاد المعجمة، وضم الموحدة، في لغة قيس، وبسكونها في لغة تميم، وهي أنثى، وتختصّ بالأنثى. وقيل: تقع على الذكر والأنثى، وربما قيل في الأنثى: ضَبْعة بالهاء، كما قيل: سَبُعٌ، وسبْعة بالسكون مع الهاء للتخفيف، والذكر ضِبْعان، والجمع ضباعين، مثل سِرْحانٍ وسراحين، ويجمع الضبع بضم الباء على ضِبَاع، وبسكونها على أضبُع. قاله الفيّوميّ.

وقال الدميريّ: ومن عجيب أمرها أنها كالأرنب تكون سنة ذكرًا، وسنة أنثى، فتلقّح في حال الذكورة، وتلد في حال الأنوثة، وهي مولعة بنبش القبور؛ لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأت إنسانًا نائمًا، حفرت تحت رأسه، وأخذت بحلقه فتقتله، وتشرب دمه انتهى.

(فَأمَرَنِي) أي أمرني جابر رضي الله عنه أمر إباحة وترخيص (بأَكْلِهَا) فيه أن أكل الضبع حلال، وإليه ذهب الشافعيّ، وأحمد، قال الشافعيّ: ما زالَ الناس يأكلونها، ويبيعونها بين الصفا والمروة، من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه، وتمدحه، وهذا الراجح؛ لحديث الباب.

وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى تحريمه، واستدلّ لهم بما صحّ من تحريم كلّ ذي ناب من السباع، وبما رواه الترمذيّ من حديث خزيمة بن جزء رضي الله عنه، قال: سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن أكل الضبع؟ قال: "أو يأكل الضبع أحد؟

" الحديث.

وأجيب عن الأول بأن حديث جابر خاصّ، وحديث تحريم كل ذي ناب عامّ، فيقدم الخاصّ عليه. وعن الثاني بأنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن في سنده عبد الكريم بن أبي المخارق، متفق على ضعفه. وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب الصيد والذبائح" -27/ 4324 - إن شاء اللَّه تعالى.

(قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟) أي أفي قتلها جزاء، فليس مراده أن يعرف كونها من الحيوان المتوحش، فإن هذا أمر لا يخفى على مثله، وإنما المراد أن يعلم حكم قتلها في الإحرام، هل يوجب الجزاء الذي أوجبه تعالى، بقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الآية [المائدة: 95].

ص: 18

زاد في رواية أبي داود، وغيره:"ويُجعَلُ فيه كبشٌ إذا صاده المحرم"(قَالَ) جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - (نَعَمْ) أي هي من الصيد الذي أوجب تعالى بقتله الجزاء (قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ) يعني أن جواز أكله، وكونه صيدًا يوجب الجزاء بقتله سمعه جابر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

ففي رواية أبي داود من طريق جرير بن حازم، عن عبد اللَّه بن عبيد، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الضبع؟، فقال:"هو صيد، ويُجعَلُ فيه كبشٌ إذا صاده المحرم".

وفي رواية الدارقطنيّ، والحاكم، من طريق إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم، ففيه كبش مُسِنّ، ويؤكل". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

[تنبيه]: هذا الحديث روي مرفوعًا، وموقوفًا، والمرفوع أصح. قال الحافظ في "التلخيص الحبير": قال الترمذيّ: سألت عنه البخاريّ، فصححه، وكذا صححه عبد الحقّ، وقد أعلّ بالوقف. وقال البيهقيّ: هو حديث جيّد، تقوم به الحجة. ورواه البيهقيّ من طريق الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر رضي الله عنه، قال: لا أراه إلا قد رفعه أنه حكم في الضبع بكبش

الحديث. ورواه الشافعيّ، عن مالك، عن أبي الزبير به موقوفًا. وصحح وقفه من هذا الوجه الدارقطنيّ. ورواه الدارقطنيّ، والحاكم من طريق إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا، وقد تقدّم لفظه.

وفي الباب عن ابن عباس، رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عنه، وقد أعلّ بالإرسال. ورواه الشافعيّ من طريق ابن جريج، عن عكرمة مرسلاً، وقال: لا يثبت مثله لو انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار. وقال البيهقيّ: روي موقوفًا عن ابن عباس أيضًا انتهى كلام الحافظ

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الحديث، وإن روي موقوفًا، لكن رفعه أرجح، فلا يُعَلّ بالوقف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(1)

- "التلخيص الحبير" 2/ 529 - 5230. النسخة الجديدة.

ص: 19

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-89/ 2837 وفي "الصيد والذبائح" 4323 - وفي "الكبرى" 88/ 381929/ 4835. وأخرجه (د) في "الأطعمة" 3801 (ت) في "الحج" 851 وفي "الأطعمة" 1791 (ف) في "المناسك" 3085 وفي "الصيد" 3236 (أحمد) في باقي "مسند المكثرين" 13751 و 14016 و 14040 (الدارمي) في "المناسك" 1941. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

إ منها): ما ترجم له المصنّف رحمهِ اللَّه تعالى، وهو بيان بعض ما لا يجوز للمحرم قتله. (ومنها): أن الضبع صيد يجب بقتل المحرم إياه الجزاء، وقد سبق في الحديث أنه الكبش. (ومنها): أن فيه جوازَ أكلِ الضبع، فهَيَ من الطيبات التي أحلها اللَّه تعالى لعباده، وبهذا قال الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى-، وهو الحقّ، وخالف فيه مالك، وأبو حنيفة،، فلم يجيزا أكلها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المحرم إذا قتل صيدًا، ضبعًا، أو غيره:

ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد إلى أن الواجب فيه النظير، ففي الضبع الكبش، ومنهم من قال: شاة.

وذهب الحنفيّة إلى أن الواجب هو القيمة، وذلك أن يُقَوَّم الصيد في المكان الذي قُتل فيه، أو في أقرب المواضع، يقومه عدلان، ثم هو مخير في الفداء بين أن يشتري به هديًا، أو يشتري به طعاما يتصدق به، وإن شاء صام.

قال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: إن جزاء ما كان دابة من الصيد نظيرُه من النعم، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة، ويجوز صرفها في المثل؛ لأن الصيد ليس بمثليّ.

ولنا قول اللَّه تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الآية [المائدة: 95] وجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم في الضبع كبشًا، وأجمع الصحابة على إيجاب المثل. وقال عمر، وعثمان، وعليّ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية رضي الله عنهم في النعامة بدنة. وحكم عمر في حمار الوحش ببقرة. وحكم عمر، وعليّ في الظبي بشاة. وإذا حكموا بذلك في الأزمنة المختلفة، والبلدان المتفرقة دلّ ذلك على أنه ليس على وجه القيمة، ولأنه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة، إما برؤية، أو إخبار، ولم يُنقَل منهم السؤال عن ذلك حال الحكم، إذا ثبت هذا فليس المراد حقيقة المماثلة، فإنها لا

ص: 20

تتحقق بين النعم والصيد، لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة.

قال: والمتلف من الصيد قسمان:

(أحدهما): ما قضت فيه الصحابة، فيجب فيه ما قضت، وبهذا قال عطاء، والشافعيّ، وإسحاق. وقال مالك: يستأنف الحكم فيه. قال ابن قدامة: والذي بلغنا قضاء الصحابة: في الضبع كبش، قضى به عمر، وعليّ، وجابر، وابن عباس، وفيه عن جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشًا. قال أحمد: حكم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الضبع بكبش. وبه قال عطاء، والشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال الأوزاعيّ: إن كان العلماء بالشام يعدّونها من السباع، ويكرهون أكلها، وهو القياس، إلا أن اتباع السنة والآثار أولى.

(القسم الثاني): ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع إلى قول عدلين، من أهل الخبرة؛ لقوله اللَّه تعالى:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 96]، فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من النعم، من حيث الخلقة، لا من حيث القيمة، بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة انتهى مختصرًا.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح في المسألة هو ما عليه الجمهور من أن الواجب في قتل الصيد هو المماثل في الصورة والخلقة، لا المماثل في القيمة؛ لوضح دلالة قوله تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 96] على أن المعتبر أن المثلية الظاهرة، لا المعنوية التي هي القيمة، يؤيد ذلك قوله:{مِنَ النَّعَمِ} ، فقد صرّح ببيان جنس المثل، ثم قال:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} وضمير "به للمثل من النعم، لا للقيمة، لأنها لم تذكر، ثم قال:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] والذي يُهدى هو المثل من النعم، لا القيمة، وادعاء أن المراد شراء الهدي بها بعيد من ظاهر الآية، كما حققه بعض الأفاضل.

والحاصل أن الصواب وجوب المثل، لا القيمة، فأما ما نُصّ عليه كالكبش في قتل الضبع، كما في حديث الباب، فقد ثبت وجوبه نصًّا، فلا كلام فيه، وكذلك ما تقدم مما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم، فإنه أولى أن يُتَّبَع، وأما ما ليس كذلك، فيعمل فيه بحكم ذوي عدل، كما هو نصّ الآية الكريمة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 21

‌90 - (الرُّخْصَةُ فِي النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ)

2838 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ- عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

2 -

(داود بن عبد الرحمن العطّار) أبو سليمان المكيّ، ثقة [8] 29/ 442.

3 -

(عمرو بن دينار) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [4] 112/ 154.

4 -

(أبو الشعثاء) جابر بن زيد الأزديّ الْجَوْفيّ

(1)

ثم البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة فقيه [3] 146/ 236.

5 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (1696) حديثًا.

(ومنها): أن في قوله: "وهو ابن عبد الرحمن"، استعمال القاعدة المشهورة في مصطلح أهل الحديث، وهي تمييز الزيادة التي يزيدها الراوي على شيخه من نسب، أو صفة لمن فوق شيخه، وبيان ذلك هنا أن شيخه قتيبة حين حدّثه بهذا الحديث لم ينسب شيخه داود إلى أبيه، وأراد المصنّف نسبته إلى أبيه؛ ليتميّز عن غيره ممن يسمّى بداود، حتى لا يلبس على تلاميذه، فأتى بكلمة "وهو" تمييزًا بين ما قاله شيخه، وبين مازاده هو، وكذا يقال: في قوله: "وهو ابن دينار"، وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "ألفية الحديث"، حيث قال:

(1)

- "الْجَوفيّ"بفتح الجيم، وسكون الواو، بعدها فاء-: نسبة إلى الجوف موضع بعُمَان. قاله في "تاج العروس".

ص: 22

وَلَا تَزِدْ في نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ

فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ

بِنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ بـ"أَنَّ" أَوْ بِـ"هُو"

أَمَّا إِذَا أتَمَّهُ أَوَّلَهُ

أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ

وَالْفَصْلُ أوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ

واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ:"تَزَوَّجَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَيْمُونَةَ) وسيأتي في "النكاح" في -37/ 3274 - من طريق عطاء، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - زيادة: "جعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها إياه". ولابن حبان، والطبرانيّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق بلفظ: "تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك - يعني عمرة القضاء- وهو حرام، وكان الذي زوجه إياها العباس". وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة: "بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة ليخطبها له، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوّجه إياها، فبنى بها بسرف، وقدر اللَّه أنها ماتت بعد ذلك بسرف، وكانت قبله صلى الله عليه وسلم تحت أبي رُهْم بن عبد العزى. وقيل: تحت أخيه حُوَيطب. وقيل: سَخْبرة بن أبي رهم، وأمها هند بنت عوف الهلالية

(1)

.

(وَهُوَ مُحْرِمٌ") وزاد البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس:"وبنى بها، وهو حلال، وماتت بسرف".

قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء يُدفع حديث ابن عباس -أي مع صحته- قال: فقال: اللَّه المستعان، ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني، وهو حلال انتهى. وقد عارض حديث ابن عباس هذا حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهم - الآتي في الباب التالي. ويجمع بينهما يحمل حديث ابن عباس على أنه من خصائص النبيّ صلى الله عليه وسلم. قاله في "الفتح"

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفق عليه.

(1)

- "فتح" 8/ 298 في "كتاب المغازي". "باب عمرة القضاء".

(2)

- "فتح" 10/ 207 "كتاب النكاح".

ص: 23

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -90/ 2838 و 2839 و 2840 و 2841 و 2842 و"النكاح" 37/ 3272 و 3273 و 3274 و 3275 - وفي "الكبرى" 89/ 3820 و 3821 و 3822 و 3823 و 3824 وفي "النكاح" 39/ 5407 و 5409 و 5410 و 5411 و 5412. وأخرجه (خ) في "الحج" 1837 و"المغازي" 4259 و"النكاح" 5114 (م) في "النكاح" 1410 (د) في "المناسك" 1844 (ت) في "الحج" 842 و 843 و 844 (ق) في "النكاح" 1965 (أحمد) في "مسند بني هاشم" 2201 و 2389 و 2433 و 2488 و 2556 و 2576 و 2584 و 2872 و 3044 و 3065 و 3099 و 3223 و 3272 و 3309 و 3390 و 3402 (الدارمي) في "المناسك" 1822. واللَّه تعالى أعلم.

(المساْلة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح المحرم:

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء في نكاح المحرم، فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من الصحابة، فمن بعدهم: لا يصحّ نكاح المحرم، واعتمدوا في ذلك على حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -يعني الآتي في الباب التالي-.

وقال أبو حنيفة، والكوفيون: يصحّ نكاح المحرم؛ لحديث قصة ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -يعني المذكور في الباب-.

وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، أصحّها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما تزوجها حلالاً، هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي عياض وغيره: ولم يرو أنه تزوجها محرمًا إلا ابن عباس وحده. وروت ميمونة، وأبو رافع، وغيرهما أنه تزوجها حلالاً، وهم أعرف بالقضية؛ لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس؛ ولأنهم أضبط من ابن عباس، وأكثر.

الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس على أنه تزوجها في الحرم، وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم: مُحرِم، وإن كان حلالاً، وهي لغة شائعة، معروفة، ومنه البيت المشهور:

قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا

أي في حرم المدينة.

والثالث: أنه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأصوليين ترجيح القول؛ لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصورًا عليه.

والرابع: جواب جماعة من الشافعية أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان له أن يتزوج في حال الإحرام،

ص: 24

وهو مما خُصّ به دون الأمة. وهذا أصحّ الوجهين عند الشافعيّة. والوجه الثاني: أنه حرام في حقه كغيره، وليس من الخصائص انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تَبَيَّن مما سبق أنّ الراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن المحرم لا يَنكِح، ولا يُنكح؛ لحديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي في الباب التالي، ولأن الأرجح في قصّة ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها، وهما حلالان، لأنها صاحبة القصة أخبرت بذلك، وتابعها على ذلك أبو رافع، وغيره، ويشهد لها حديث عثمان رضي الله عنه الآتي. وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من "كتاب النكاح"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2839 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ،، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ، حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَكَحَ حَرَامًا").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. والحديث صحيح، إلا أن الأرجح خلافه، وهو حديث ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها، وهو حلال، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2840 -

(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، إبرهيم بن يونس بن محمد البغداديّ، نزيل طرسوس، الملقّب حَرَميّ بلفظ النسبة، فإنه من أفراده، وهو صدوق [11] 54/ 1753.

و"أبوه" هو: يونس بن محمد المؤدب البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار [9] 15/ 1632 من رجال الجماعة.

و"حميد": هو ابن أبي حميد الطويل البصري الثقة الثبت [5] 87/ 108. والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 197.

ص: 25

2841 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"محمد بن إسحاق الصاغاني"، ويقال:"الصغانيّ": هو أبو بكر بن إسحاق البغداديّ المتقدم قبل أربعة أبواب. و"أحمد بن إسحاق": هو أبو إسحاق الحضرميّ البصريّ الحافظ [9] 4/ 1827.

والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2842 -

(أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو الْحِمْصِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخيه:

1 -

"شعيب بن شعيب بن إسحاق" الدمشقيّ، فإنه من أفراده، وهو صدوق [11] 60/ 1766.

و2 - (صفوان بن عمرو الحمصيّ" الصغير

(1)

)، فإنه من أفراده أيضًا، وهو صدوق [11] 67/ 2330.

و"أبو المغيرة": هو عبد القدوس بن الحجاج الحمصيّ الثقة [9] 30/ 556.

و"الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن بن عمرو الإمام. والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- أما "صفوان بن عمرو" الكبير فهو أبو عمرو السكسكيّ الحمصيّ، ثقة [5] مات سنة (155) أو بعدها، وتقدم في 112/ 2053.

ص: 26

‌91 - (النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يقتضي أنه يرى ترجيح مذهب الجمهور في منع المحرم عن النكاح؛ حيث أخّر هذا الباب على الباب السابق، كما هو عادته غالبًا، وقد قدّمنا أن هذا المذهب هو الأرجح، وأما حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فقد تقدّم تأويله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2843 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يَخْطُبُ، وَلَا يُنْكِحُ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.

2 -

(مالك) بن أنس الإمام الأصبحيّ المدنيّ الحجة الثبت [7] 7/ 7.

3 -

(نافع) مولى بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 12/ 12.

4 -

(نُبَيه بن وهب) بن عثمان العبدريّ المدنيّ، ثقة، من صغار [3] 43/ 2711.

5 -

(أبان بن عثمان) بن عفان الأمويّ أبو سعد، وقيل: أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة [3] 43/ 2711.

6 -

(عثمان بن عفّان) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، ذو النورين، استُشهد - رضي اللَّه تعالى عنه - في ذي الحجة بعد عيد الأضحى، سنة (35)، وكانت خلافته (12) سنة، وعمره (80) سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّم في 68/ 84. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: نافع، عن نُبَيه، عن أبان. (ومنها): أنَّ صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 27

شرح الحديث

(عَنْ نُبَيَّهِ) -بالتصغير- (ابنِ وَهْبٍ) العَبْدريّ (أَنِّ أَبّانَ بنَ عُثْمَانَ) بن عفّان (قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ ابْنَ عَفَّانَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -.

وفي الحديث قصّة، أخرجها مسلم في "صحيحه" بإسناده، عن نبيه بن وهب، أن عمر بن عبيد اللَّه، أراد أن يزوج طلحة بن عمر، بنتَ شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان ابن عثمان، يحضر ذلك، وهو أمير الحجّ، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان، يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب"(يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ" بفتح حرف المضارعة، و"لا" نافية، والفعل مرفوع، والمراد النهي. ويحتمل أن تكون "لا" ناهية، والفعل مجزوم، مكسور لالتقاء الساكنين، أي لا يعقد النكاح لنفسه (وَلا يَخْطُبُ) بفتح أوله، من باب قتل، يقال: خطب المرأة إلى القوم: إذا طلب أن يتزوّج منهم، واختطبها، والاسم الخِطْبة -بالكسر-، فهو خاطب، وخَطّاب مبالغة. وأما الخُطبة بالضمّ، فهي الموعظة، يقال: خطب القومَ، وعليهم، من باب قتل أيضًا، خُطبة بالضم، وهي فُعلة بمعنى مفعولة، نحو نُسخة بمعنى منسوخة، وغرفة من ماء بمعنى مغروفة، وجمعها خُطب، مثل غرفة وغُرف، فهو خطيب، والجمع خُطباء، وهو خطيب القوم: إذا كان هو المتكلم عنهم. قاله الفيّوميّ.

وقال النوويّ: النهي هنا نهي تنزيه، ليس بحرام.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النووي غريب؛ لأنه سيأتي له أن النهي في النكاح نهي تحريم، فيبطل به النكاح، فلماذا فرق بين النكاح والخِطْبة؟، وقد وردا في نصّ واحد، وما هو الدليل الذي يدلّ على التفريق بينهما؟. واللَّه تعالى أعلم.

قال: وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهدًا في نكاح عقده المحلون. وقال بعض أصحابنا: لا ينعقد بشهادته؛ لأن الشاهد ركن في عقد النكاح، كالوليّ. والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده انتهى.

(وَلَا يُنْكِحُ) بضم أوله، من الإنكاح، أي لا يعقد لغيره. قال النوويّ: معناه: لا يزوّج امرأة بولاية، ولا وكالة. قال العلماء: سببه أنه لما امتنع في مدة الإحرام من العقد لنفسه، صار كالمرأة، فلا يعقد لنفسه، ولا لغيره. وظاهر هذا العموم أنّه لا فرق بين أن يزوّج بولاية خاصّة، كالأب، والأخ، والعمّ، ونحوهم، أو بولاية عامّة، وهو السلطان، والقاضي، ونائبه. وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة؛ لأنها يستفاد بها ما لا يستفاد بالخاصّة، ولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة، دون الخاصة.

ص: 28

(واعلم): أن النهي عن النكاح، والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينقعد، سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة، أو العاقد لهما بولاية، أو وكالة، فالنكاح باطل في كلّ ذلك، حتى لو كان الزوجان، والوليّ محلين، ووكل الوليّ، أو الزوج محرمًا في العقد لم ينعقد. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النوويّ هنا، من أن النهي للتحريم، وأن النكاح لا ينعقد هو الحقّ الذي لا محيد عنه، ولكن سبق له أن قال في الخِطْبة أنه نهي تنزيه، وهذا تفريق فيه نظر، إذ لا دليل يفرّق بينهما، فمصدرهما واحد، فيجب التسوية بينهما. فتأمل.

وهذا الذي تقدّم من تحريم نكام المحرم، هو الذي عليه جماهير أهل العلم، كما سبق، فإنهم رجحوا حديث ميمونة على حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم -؛ لما ورد عن ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوجها، وهو حلال، فيقدم حديثها؛ لكونها صاحبة الواقعة، فهي أعلم من غيرها، ووافقها على ذلك أبو رافع، وقال: وكنت السفير بينهما، ولكون حديثها أوفق لحديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - القوليّ المذكور في الباب، قالوا: ولو سلّم أن حديث ابن عباس يعارض حديث ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنهم - يسقط الحديثان للتعارض، ويبقى حديث عثمان القوليّ سالما عن المعارضة. وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب النكاح"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-91/ 2843 و 6844 و 2845 و"النكاح" 38/ 3275 و 3276 - وفي "الكبرى" 90/ 3825 و 3826 و 3827 و"النكاح" 40/ 5413 و 41/ 5414. وأخرجه (م) في "النكاح" 1409 (د) في "المناسك" 1841 (ت) في "الحج" 840 و"النكاح" 1966 (أحمد) في "مسند العشرة" 403 و 464 و 468 و 498494 و 535 (الموطأ) في "الحجّ" 780 (الدارمي) في "المناسك" 1823 و"النكاح" 2198. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 197 - 198.

ص: 29

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن نكاح المحرم، وقد مرّ آنفًا أن النهي للتحريم، فلا ينعقد نكاحه أصلاً. (ومنها): تحريم الخِطبة على المحرم أيضًا. (ومنها): أنه لا يجوز أن يعقد المحرم النكاح لغيره أيضًا، لا بالولاية، ولا بالوكالة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2844 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ أَوْ يُنْكِحَ، أَوْ يَخْطُبَ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"يحيى": هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2845 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ أَيَنْكِحُ الْمُحْرِمُ؟ ، فَقَالَ أَبَانُ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، حَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يَخْطُبُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو، وابن ماجه، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌92 - (الْحِجَامَةُ لِلْمُحْرِمِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بنحو ترجمة المصنف -رحمه اللَّه تعالى- حيث قال: "باب الحجامة للمحرم". فقال في "الفتح": أي هل يمنع منها، أو تباح له مطلقًا، أو للضرورة؟ والمراد في ذلك كله المحجوم، لا الحاجم انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

(1)

- "فتح" 4/ 525.

ص: 30

2846 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

2 -

(الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [7] 31/ 35.

3 -

(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [4] 31/ 35.

4 -

(عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [3] 112/ 154.

5 -

(ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ) أي فعل الحجامة. قال في "اللسان": الحَجْم: المصّ، يقالط: حجم الصبيّ ثدي أمه: إذا مصّه، وما حجم الصبيّ ثدي أمه: أي ما مصّه، وثديٌ محجوم: أي ممصوص، والحجّام: المصّاص. قال الأزهريّ: يقالط للحجّام حجام؛ لامتصاصه فم الْمِحجمة، وقد حَجَم يحجِمُ، ويحجُم -أي من بابي ضرب، ونصر- حَجْما. قال الأزهريّ: المِحجمة: قارورته، وتطرح الهاء، فيقال: مِحجَمٌ، وجمعه مَحَاجم، قال زُهَيرٌ:

وَلَمْ يهُرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَمِ

وقال ابن الأثير: المِحْجَم الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المصّ. انتهى باختصار (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل. زاد ابن جريج، عن عطاء:"صائم"، وزاد زكريا:"على رأسه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

ص: 31

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-92/ 2846 و 2847 و 2848 - وفي "الكبرى" 91/ 3828 و 3829 و 3830. وأخرجه (خ) في "الحج" 1835 و"الصوم" 1938 و"البيوع" 2103 و"الإجارة" 2278 و 2279 و"الطبّ" 5691 و 5695 و 5701 (م) في "الحج" 1202 (د) في "المناسك" 1835 و 1836 و"الصوم" 2373 (ت) في "الصوم" 775 و 776 و 777 و"الحج" 839 (ق) في "الصوم" 1682 و"المناسك" 3081 (أحمد) في "مسند بني هاشم" 1852 و 1922 و 1944 و 2109 و 2229 و 2243 و 2249 و 2333 و 2351 و 2584 و 2654 و 2883 و 3065 و 3068 و 3223 و 3272 و 3513 و 3537 (الدارمي) في "المناسك" 1819 و 1821. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الحجامة للمحرم:

قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة للمحرم حيث كانت من رأس، أو جسد للضرورة، وأما لغير الضرورة في جسده، حيث لا يحلق شعرًا، فجمهورهم على جوازه، ومالك يمنعه. واتفقوا على أنه إذا احتجم برأسه، فحلق لها شعرًا أنه يفتدي، وجمهورهم على أن حكم شعر الجسد كذلك، إلا داود، فإنه لا يرى في حلق شعر الجسد لضرورة الحجامة دمًا. والحسن يوجب عليه الدم بالحجامة انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

وقال في "الفتح": إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قطع شعر، فهي حرام؛ لقطع الشعر، دمان لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك. وعن الحسن فيها الفدية، وإن لم يقطع شعرًا. دمان كان لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب الفدية. وخصّ أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس. وقال الداوديّ: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق.

واستدلّ بهذا الحديث على جواز القصد، وبط الجرح والدّمّل، وقطع العرق، وقلع الضرس، ومخير ذلك من وجوه التداوي، إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي عنه المحرم من تناول الطيب، وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك انتهى

(2)

وهو تحقيق حسن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

(1)

- "المفهم" 3/ 289 - 290.

(2)

- "فتح" 4/ 527.

ص: 32

2847 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ،، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار.

[تنبيه]: قوله: "وعطاء" بالجرّ، عطفًا على "طاوس"، فعمرو بن دينار يروي عن كلّ من طاوس بر كيسان، وعطاء بن أبي رباح، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبط "عطاء" بالرفع ضبطَ قلم غلط، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث متّفقٌ عليه، كما مر بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2848 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ:"احْتَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ مُحْرِمٌ". ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ:"احْتَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ مُحْرِمٌ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، محمد ابن منصور الجوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة.

وقوله: "ثم قال بعدُ الخ". القائل عمرو بن دينار، و"بعدُ" بالبناء على الضمّ؛ لأنها من الظروف المبنية على الضم لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، أي قال عمرو بعدَ ما حدثنا عن عطاء: سمعت طاوسًا، والمراد أن عمرو بن دينار حدث سفيان بهذا الحديث أولاً عن عطاء، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ثم حدثه به ثانيًا عن طاوس، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -.

وقال البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": حدثنا علي بن عبد اللَّه، حدثنا سفيان، قال: قال عمرو: أولَ شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - يقولك "احتجم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو محرم". "ثم سمعته يقول: حدثني طاوس، عن ابن عباس، فقلت: لعله سمعه منهما".

فقال في "الفتح": قوله: "ثم سمعته" هو مقول سفيان، والضمير لعمرو، وكذا قوله:"فقلت: لعله سمعه"، وقد بين ذلك الحميديّ، عن سفيان، فقال: حدثنا بهذا الحديث عمرو مرّتين، فذكره. لكن قال:"فلا أدري أسمعه منهما، أو كانت إحدى الروايتين وَهَمًا". زاد أبو عوانة: قال سفيان: ذَكَرَ لي أنه سمعه منهما جميعًا. وأخرجه

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 33

ابن خزيمة عن عبد الجبّار بن العلاء، عن ابن عيينة نحو رواية عليّ بن عبد اللَّه، وقال في آخره: فظننت أنه رواه عنهما جميعًا. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق سليمان بن أيوب، عن سفيان، قال: عن عمرو، عن عطاء، فذكره. قال: ثم حدثنا عمرو، عن طاوس به. فقلت لعمرو: إنما كنت حدثتنا عن عطاء، قال: اسكت يا صبيّ، لم أغلط، كلاهما حدثني.

قال الحافظ: فإن كان هذا محفوظًا، فلعل سفيان تردد في كون عمرو سمعه منهما لما خشي من كون ذلك صدر منه حالة الغضب. على أنه قد حدث به، فجمعهما. قال أحمد في "مسنده": حدثنا سفيان، قال: قال عمرو أوّلاً، فحفظناه، قال طاوس، عن ابن عباس، فذكره، فقال أحمد: وقد حدثنا به سفيان، فقال: قال عمرو: عن عطاء، وطاوس، عن ابن عباس.

قال الحافظ: وكذا جمعهما عن سفيان مسدد عند البخاريّ في "الطبّ"، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وإسحاق بن راهويه عند مسلم، وقتيبة، عند الترمذيّ، والنسائيّ. وتابع سفيان على روايته له عن عمرو، لكن عن طاوس وحده زكريا بن إسحاق. أخرجه أحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة والحاكم. وله أصل عن عطاء أيضًا، أخرجه أحمد،، والنسائيّ من طريق الليث، عن أبي الزبير، ومن طريق ابن جريج كلاهما عنه انتهى

(1)

.

والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌93 - (حِجَامَةُ الْمُحْرِمِ مِنْ علَّةِ تَكُونُ بِهِ)

2849 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ").

(1)

- "فتح" 4/ 526.

ص: 34

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"أبو الوليد": هو هشام بن عبد الملك الطيالسيّ البصريّ الحافظ الحجة [9] 122/ 172. و"يزيد بن إبراهيم": هو أبو سعيد التستريّ، نزيل البصرة، الثقة الثبت، من كبار [7] 18/ 1648.

وقوله: "من وَثْء كان به": بفتح الواو، وسكون المثلّثة، هو وَهْنٌ في الرجل، دون الخلع، والكسر، يقال: وُثِئَت رجلُه، فهي موثوءة، ووثأتها أنا، وقد تترك الهمزة. قاله ابن الأثير

(1)

.

وفي "القاموس": الوَثْءُ، والوَثَاءَةُ: وَصْمٌ يُصيب اللحم، لا يبلغ العظم، أو توجّعٌ في العظم بلا كسر، أو هو الفكّ، وَثِئَتْ يدُهُ، كفَرِحَ، تَثَأُ وَثْأَ، وَوَثَأً، فهي وَثِئَةٌ، كفَرِحَة، وَوُثِئَت، كعُنِي، فهي مَوْثُوءَةٌ، ووَثِيئَةٌ، ووَثَأْتهَا، وأوثَأْتها، وبه وَثْءٌ، ولا تقل: وَثْيٌ انتهى.

وفي رواية لأحمد: "من وثي كان بوركه، أو ظهره".

والحديث صحيح، تفرّد به المصنّف بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا -93/ 2849 - وفي "الكبرى" 92/ 3831. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 14492. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌94 - (حِجَامَةُ الْمُحْرِمِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ)

2850 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ").

قال الجاَمع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا

(1)

- "النهاية" 5/ 150.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 35

غير مرّة. و"إسحاق" هو ابن راهويه. و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام. و"معمر": هو ابن راشد. و"قتادة": هو ابن دِعامة.

وقوله: "من وَثْءِ" -بفتح، فسكون-: أي وجع يصيب اللحم، ولا يبلغ العظم، أو وجع يصيب العظم من غير كسر، وقد تقدّم تصريفه، وتفسيره في الباب الماضي بأتمّ من هذا.

والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -94/ 2850 - وفي "الكبرى" 93/ 3832. وأخرجه (د) في "المناسك" 1837 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 12271 و 13404. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌95 - (حِجَامَةُ الْمُحْرِم وَسْطَ رَأْسِهِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الوَسْط" هنا بفتح السين، وتُسكّن على قلّة على ما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.

2851 -

(أَخْبَرَنِي

(1)

هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ -وَهُوَ ابْنُ عَثْمَةَ - قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: قَالَ: عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ الأَعْرَجَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ يُحَدِّثُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَسَطَ رَأْسِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، بِلَحْيِ جَمَلٍ، مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(هلال بن بشر) بن محبوب المزنيّ، أبو الحسن البصريّ، إمام مسجد يونس الأحدب، ثقة [10] 14/ 1482.

2 -

(محمد بن خالد بن عَثْمَة) -بمثلثة ساكنة، قبلها فتحة- ويقال: إنها أمه، الحنفيّ البصريّ، صدوق يخطىء [10].

قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ما أرى بحديثه بأسًا. وقال أبو زرعة: لا بأس به.

وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 36

3 -

(سليمان بن بلال) أبو أيوب المدني، ثقة [8] 30/ 558. .

4 -

(علقمة بن أبي علقمة) بلال المدنيّ، مولى عائشة، وهو علقمة ابن أم علقمة، واسمها مرجانة، ثقة عَلاّمة [5] 3/ 2038.

5 -

(الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم [3] 7/ 7.

6 -

(عبد اللَّه ابن بُحَينة) -بضم الموحدة، وفتح الحاء المهملة، بعدها ياء ساكنة، ثم نون، بعدها هاء- اسم أم عبد اللَّه، ولذا كتبت الألف في "ابن بُحينة"، وهو عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب الأزديّ، أبو محمد، حليف بني المطّلب، يعرف بابن بُحينة - الصحابيّ المعروف، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد (50) تقدّم في 141/ 1106. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وشيخ شيخه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه أيضًا، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن الأعرج -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَينَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يحدث: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَسَطَ رَأْسِهِ) بالنصب على أنه مفعول به لما قبله، لا منصوب على الظرفية.

قال الفيوميّ: يقال: ضربت وَسَطَ رأسه بالفتح؛ لأنه اسم لما يكتنفه من جهاته غيرُهُ، ويصحّ دخول العوامل عليه، فيكون فاعلاً، ومفعولاً، ومبتدأ، فيقال: اتسع وسَطُهُ، وضربتُ وسَطَ رأسه، وجلستُ في وسَطِ الدار، ووسَطُهُ خيرٌ من طَرَفه، قالوا: والسكون فيه لغة. وأما وَسْطٌ بالسكون، فهو بمعنى "بَيْنَ"، نحو جلست وسْطَ القوم، أي بينهم انتهى. فتبيّن بهذا أن "وسَط" هنا نُصب على أنه مفعول به، وليس منصوبًا على الظرفية. وقال في "الفتح": بفتح السين المهملة، ويجوز تسكينها: أي متوسطه، وهو ما فوق اليأفوخ، فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس. وأما التي في أعلاه، فلا؛ لأنها ربما أعمت

(1)

.

(1)

- "فتح" 4/ 527.

ص: 37

(وَهُوَ مُحْرِم، بِلَحْي جَمَلٍ) بفتح اللام، ويجوز كسرها، وسكون الحاء المهملة، وياء مثنّاة تحتيّة، وفي بعضَ الروايات:"بلحيي جمل" أي بياءين بصيغة التثنية، و"جمل" -بفتح الجيم، والميم-: اسم موضع بطريق مكة، كما بيّنه هنا. قال الحافظ: ذكر البكريّ في "معجمه" في رسم العقيق، قال: هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم في "التيمم". وقال غيره -يعني ابن وضاح- هي عقبة الجحفة على سبعة من السُّقيا انتهى.

وقال صاحب "القاموس": "لَحْيُ جمل": موضع بين الحرمين، وإلى المدينة أقرب.

وزعم أن السقيا -بالضم-: موضع بين المدينة، ووادي الصفراء. وما ظنه بعضهم من أن المراد بلحي جمل أحد فَكَّي الجمل الذي هو ذكر الإبل، وأن فكّه كان هو آلة الحجامة، أي احتجم بعظم جمل، فهو غلط، لا شكّ فيه.

وجزم الحازميّ وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع

(1)

وقوله (مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ) بيان لموقع "لحي جمل". وهذا الحديث صرح بأن حجامته صلى الله عليه وسلم كانت في رأسه، وصرّح في حديث أنس الماضي أنها كانت على ظهر قدمه، وفي حديث جابر المتقدم قبل باب في رواية أحمد أنها كانت بوركه، أو ظهره، والجمع بين هذه الروايات أن تحمل على أنها تعدّدت الحجامة منه صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اتفقت الروايات عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه احتجم صلى الله عليه وسلم وهو محرم في رأسه، ووافقها حديث ابن بُحينة رضي الله عنه، وخالف ذلك حديث أنس رضي الله عنه، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، في "الشمائل"، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معمر، عن قتادة، عنه، قال:"احتجم النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو محرم، على ظهر القدم، من وجع كان به". ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة، رواه عن قتادة، فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر. وليست هذه بعلة قادحة، والجمع بين الحديثين واضح بالحمل على التعدد، أشار إلى ذلك الطبريّ انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد اللَّه ابن بُحينة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

(1)

- "فتح" 4/ 527.

(2)

- راجع "المرعاة" 10/ 384. ونقلته ببعض تصرّف.

ص: 38

أخرجه هنا -94/ 2851 - وفي "الكبرى" 94/ 3833. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1836 و"الطبّ" 5699 (م) في "الحجّ" 1203 (ق) في "الطبّ" 3481 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 2241 (الدارمي) في "المناسك" 1820. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌96 - (فِي الْمُحْرِمِ يُؤْذِيهِ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ)

2852 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مُحْرِمًا، فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَقَالَ «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنِ، مُدَّيْنِ، أَوِ انْسُكْ شَاةً، أَىَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ»).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20.

2 -

(الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [10] 9/ 9

3 -

(ابن القاسم) هو: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادة الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [10] 19/ 20.

4 -

(مالك) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه حجة [7] 7/ 7.

5 -

(عبد الكريم بن مالك الْجَزَريّ) أبو سعيد الحرانيّ، مولى بني أمية، ويقال له: الْخِضْرَميّ- بالخاء المعجمة المكسورة، والضاد المعجمة الساكنة- نسبة إلى قرية من قُرَى اليمامة، ثقة ثبت [6].

رَأَى أنسا، وروى عن عطاء، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير،

ص: 39

ومجاهد، وأبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، وغيرهم. ورَوَى عنه أيوب السختياني، وهو من أقرانه، وابن جريج، ومالك، ومعمر، ومسعر، وزهير بن معاوية، وغيرهم.

قال أحمد: ثقة ثبت، وهو أثبت من خُصَيف، وهو صاحب سنة. وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ثقة ثبت. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال ابن عمار، والعجلي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغير واحد: ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: ثقة، أخذ عنه الأكابر، قال سفيان: ما رأيت غريبا أثبت منه. وقال يعقوب ابن شيبة: هو إلى الضعف ما هو؟ وهو صدوق، وقد روى عنه مالك، وكان ممن يَنتقي الرجال. وقال الحميدي عن سفيان: كان حافظا، وكان من الثقات، لا يقول: إلا سمعت، وحدثنا، ورأيت. وقال الثوريّ لابن عيينة: أرأيت عبد الكريم الجزري، وأيوب، وعمرو بن دينار؟، فهؤلاء، ومن أشبههم ليس لأحد فيهم متكلم. وقال الدوري عن ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء رديء. قال ابن عدي -يعني عن عائشة: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقبلها، ولا يحدث وضوءا"، إنما أراد ابن معين هذا؛ لأنه ليس بمحفوظ، ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة، يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات، فأحاديثه مستقيمة. وقال النسائي: أنا إبراهيم بن يعقوب، عن أحمد، قال: قلت لعلي -يعني ابن المديني-: عبد الكريم إلى من تضمه؟ قال: ذاك ثبت، قلت: هو مثل ابن أبي نجيح، قال: ابن أبي نجيح أعلم بمجاهد، وهو أعلم بالمشايخ، وهو ثقة ثبت. وقال أبو عروبة: هو ثبت عند العارفين بالنقل. وقال ابن نمير، والترمذي، وأبو بكر البزار، وابن البرقي، والدارقطني: ثقة. وقال سفيان الثوري: ما رأيت أفضل منه، كان يحدث بشيء لا يوجد إلا عنده، فلا يعرف ذلك فيه -يعني لا يفتخر- وقال عبد اللَّه بن عمرو الرَّقّي: قال لي سفيان بن سعيد: يا أبا وهب، لقد جاءنا صاحبكم عبد الكريم الجزري بأحاديث، لو حَدّث بها هؤلاء الكوفيون ما زالوا يفتخرون بها علينا، منها:"الندم توبة". وقال صالح بن أحمد، عن علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: حدث عبد الكريم، عن عطاء في لحم البغل، فقال: ما سمعته، وأنكره يحيى.

وقال ابن عبد البرّ: كان ثقة، مأمونا، كثير الحديث. وقال ابن سعد، وغير واحد: مات سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم 2852 و 2977 و 3082 و 3728 و 3867 و 3933 و 4330 و 4333 و 5075. واللَّه تعالى أعلم.

6 -

(مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 27/ 31.

7 -

(عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [2] 86/ 104.

ص: 40

8 -

(كعب بن عُجرة) -بضم العين المهملة، وسكون الجيم، بعدها راء مهملة، ثم تاء تأنيث- الأنصاريّ المدنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، مات رضي الله عنه بعد الخمسين، وله نيّف، وسبعون سنة، تقدّم في 86/ 104. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) قال في "الفتح": صرح سيف عن مجاهد بسماعه من عبد الرحمن، وبأن كعبًا حدث به عبد الرحمن. قال ابن عبد البرّ في رواية حميد بن قيس: كذا رواه الأكثر عن مالك. وروه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عُفير عن مالك بإسقاط عبد الرحمن بين مجاهد، وكعب بن عجرة.

قال الحافظ: ولمالك فيه إسنادان آخران في "الموطإ" أحدهما عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، وفي سياقه ما ليس في سياق حميد بن قيس، وقد اختلف فيه على مالك أيضًا على العكس مما اختلف على طريق حميد بن قيس. قال الدارقطنيّ: رواه أصحاب "الموطأ" عن مالك، عن عبد الكريم، عن عبد الرحمن، لم يذكروا مجاهدًا، حتى قال الشافعيّ: إن مالكًا وَهِم فيه. وأجاب ابن عبد البرّ بأن ابن القاسم، وابن وهب في "الموطإ"، وتابعهما جماعة عن مالك، خارج "الموطإ"، منهم بشر بن عمر الزهرانيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإبراهيم بن طهمان، والوليد بن مسلم أثبتوا مجاهدًا بينهما.

قال الحافظ: وهذا الجواب لا يرد على الشافعيّ. وطريق ابن القاسم المشار إليها عند النسائيّ -يعني رواية الباب- وطريق ابن وهب عند الطبريّ. وطريق عبد الرحمن ابن مهديّ عند أحمد، وسائرها عن الدارقطنيّ في "الغرائب".

والإسناد الثالث

(1)

لمالك فيه عن عطاء الخراسانيّ، عن رجل من أهل الكوفة، عن كعب بن عجرة. قال ابن عبد البرّ: يحتمل أن يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى، أو عبد اللَّه ابن معقل. ونقل ابن عبد البرّ عن أحمد بن صالح المصريّ، قال: حديث كعب ابن عجرة في الفدية سنة معمول بها، لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلى، وابن معقل، قال: وهي سنة أخذها أهل المدينة، عن أهل الكوفة. قال الزهريّ:

(1)

- هكذا في "الفتح" 4/ 480 - والظاهر أن الصواب: والإسناد الثاني، أو لعله عده ثالثًا بالنسبة لما مضى من السند. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 41

سألت عنها علماءنا كلهم، حتى سعيد بن المسيّب، فلم يبيّنوا كم عدد المساكين.

قال الحافظ: فيما أطلقه ابن صالح نظر، فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب، منهم: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، عند الطبريّ، والطبرانيّ، وأبو هريرة عند سعيد بن منصور، وابن عمر عند الطبريّ، وفَضَالة الأنصاريّ، عمن لا يتّهَم من قومه، عند الطبريّ أيضًا.

ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين أبو وائل، عند النسائيّ، ومحمد بن كعب القرظيّ عند ابن ماجه، ويحيى بن جعدة، عند أحمد، وعطاء، عند الطبريّ. وجاء عن أبي قلابة، والشعبيّ أيضًا، عن كعب، وروايتهما عند أحمد، لكن الصواب أن بينهما واسطة، وهو ابن أبي ليلى على الصحيح.

وقد أورد البخاريّ حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية، وأوردها أيضًا في "المغازي"، و"الطبّ"، و"كفّارات الأيمان" من طرق أخرى، مدار الجميع على ابن أبي ليلى، وابن معقل، فيقيّد إطلاق أحمد بن صالح بالصحة، فإن بقية الطرف التي ذكرتها لا تخلو عن مقال، إلا طريق أبي وائل، وسأذكر ما في هذه الطرق من فائدة زائدة، إن شاء اللَّه تعالى انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وسأذكر أنا أيضًا في هذا الشرح ما ذكره الحافظ من الفوائد في شرحه، فإن شرحي هذا نسخة من شرحه -رحمه اللَّه تعالى- مع ما يفتح اللَّه تعالى عليّ فيه من غيره، ولذا كثيرًا ما أقول: لولا فتح الباري ثم "فتح الباري"

(2)

ما قضيت أوطاري.

(عَنْ كَعْب بْنِ عُجْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ) فيه تجريد، أو التفات، أو نقل بالمعنى، قالهَ القاري. أي لأن الظاهر أن يقول: إني كنت الخ (كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، مُحْرِمًا) وفي رواية: "وقف عليّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالحديبية"، وفي أخرى:"أتى عليّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية"، وفي أخرى:"أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: ادنه، فدنوت، فقال: ادنه، فدنوت"، وفي أخرى:"حُملت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى"، وفي أخرى:"أنه خرج مع النبيّ صلى الله عليه وسلم محرما، فقمل رأسه، ولحيته، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه، فدعا الحلاّق، فحلق رأسه".

والجمع بين هذا الاختلاف أن يقال: مرّ به أولاً، وهو يوقد تحت قدر، فرآه على تلك الصورة رؤية إجمالية عن بعد يسير، وقال: أتؤذيك هوامّك هذه؟، ولكنه لم يقدر

(1)

- "فتح" 4/ 479 - 480.

(2)

المراد بفتح الباري الأول ما يفتحه اللَّه تعالى عليّ من الفهم، سواء كان بواسطة، أم بغير واسطة، وبالثاني "شرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر رحمه الله واللَّه تعالى أعلم.

ص: 42

قدر ما بلغ به من الوجع الشديد، ثم بلغه ما هو فيه من البلاء، وشدّة الأذى، فأرسل إليه، واستدعاه، حتى أتاه محمولا، فاستدناه، فدنا، كما في رواية ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عند الشيخين، وحكّ رأسه بإصبعه الكرية، كما في رواية أبي وائل، عن كعب، الآتية في الحديث التالي، فخاطبه، وقال له:"ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى"، ودعا الحلاّق، فحلق رأسه بحضرته، فنقل بعض الرواة ما لم ينقله الآخر.

قال الحافظ بعد ما ذكر اختلاف الروايات في ذلك مفصّلا: ما لفظه: والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى، عن كعب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ به، قرآه، وفي قول عبد اللَّه بن معقل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أرسل إليه، فرآه أن يقال: مرّ به أوّلاً، فرآه على تلك الصورة، فاستدعى به إليه، فخاطبه، وحلق رأسه بحضرته، فنقل كلّ واحد منهما ما لم ينقله الآخر، ويوضّحه قوله في رواية ابن عون، حيث قال فيها:"فقال: ادن، فدنوت"، فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه، إذ مرّ به، وهو يوقد تحت القدر انتهى

(1)

.

وقال الطبريّ: يحتمل أن يكون وقف عليه صلى الله عليه وسلم، وأمره بذلك، ثم حمل إليه لما كثر عليه، فأمره ثانيًا، فلا يكون بين قوله:"فحُملت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبين قوله: "مرّ به" تضاد.

وقال العينيّ بعد ذكر اختلاف الروايات: لا تعارض في شيء من ذلك، ووجهه أنه مرّ به، وهو محرم في أول الأمر، وسأله عن ذلك، ثم حُمل إليه ثانيًا بإرساله إليه، وأما إتيانه فبعد الإرسال، وأما رؤيته فلا بدّ منها في الكل انتهى باختصار يسير

(2)

.

(فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ) وفي رواية لأحمد، وسعيد بن منصور في رواية أبي قلابة:"قملت حتى ظننت أن كلّ شعرة من رأسي فيها القمل، من أصلها إلى فرعها"، زاد سعيد:"وكنت حسن الشعر". وفي رواية لأحمد من وجه آخر: "وقع القمل في رأسي، ولحيتي، حتى حاجبي، وشاربي، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم -فأرسل إلى، فدعاني، فلما رآني، قال: لقد أصابك بلاء، ونحن لا نشعر

" (فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ) وفي رواية لأحمد: "ادع إلى الحجام، فحلقني". قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في إلحاق الإزالة بالحلق، سواء كان بموسى، أو مِقَصّ، أو نُورة، أو غير ذلك.

وأغرب ابن حزم، فأخرج النتف عن ذلك، فقال: يلحق جميع الإزالات بالحلق إلا النتف. قاله في "الفتح".

(1)

- "فتح" 4/ 481.

(2)

- "عمدة القاري" 8/ 330 - 331.

ص: 43

(وَقَالَ: "صمْ ثَلَاَثةَ أَيَّام، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكينَ، مُدَّيْنِ، مُدَّيْنِ) وكذا في رواية عند أحمد، وفي رواية الشيخين:"لكلّ مسكين نصف صاع"، وللطبرانيّ:"لكل مسكين نصف صاع تمر"، ولأحمد:"نصف صاع طعام"، وفي رواية:"نصف صاع حنطة"، وفي رواية:"يطعم فرقًا من زبيب، بين ستة مساكين".

قال ابن حزم: لا بدّ من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنه قصّة واحدة، في مقام واحد، في حقّ رجل واحد.

قال الحافظ: المحفوظ رواية شعبة أنه قال في الحديث: "نصف صاع من طعام"، والاختلاف عليه في كونه تمرًا، أو حنطة لعله من تصرّف الرواة، وأما الزبيب، فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حجة في المغازي، لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر، فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة، ولم يختلف فيه على أبي قلابة. وكذا أخرجه الطبريّ من طريق الشعبيّ، عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قرم، عن ابن الأصبهانيّ، ومن طريق أشعث، وداود عن الشعبيّ، عن كعب، وكذا في حديث عبد اللَّه بن عمرو عند الطبرانيّ. وعرف بذلك قوة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة، وأن الواجب ثلاثة آصع، لكلّ مسكين نصف صاع. ولمسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، وغيره، عن مجاهد في هذا الحديث:"وأطعم فرقًا بين ستة مساكين"، والفرق ثلاثة آصع. وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، فقال فيه:"قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع"، فأشعر بأن تفسير الفرق مدرج، لكنه مقتضى الروايات الآخر، ففي رواية سليمان بن قرم، عن ابن الأصبهانيّ عند أحمد:"لكلّ مسكين نصف صاع". قاله في "الفتح"

(1)

.

(أَوِ انْسُكْ شَاةَ) وفي رواية: "بشاة" بزيادة الموحدة، فعلى الأول "شاة" مفعول به لماقبله، أي اذبح شاة، وعلى الثاني التقدير: تقرب بشاة؛ إذ النسك يطلق على العبادة، وعلى الذبح المخصوص.

وفيه أن المراد بالنسك المذكورة في الآية في قوله تعالى: {أَوْ نُسُكٍ} شاةٌ، وروى الطبرى من طريق مغيرة، عن مجاهد في آخر هذا الحديث:"فأنزل اللَّه: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} الآية [البقرة: 196]، والنسك شاة". ومن طريق محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب:"أمرني أن أحلق، وأفتدي بشاة".

قال عياض، ومن تبعه، تبعًا لأبي عمر ابن عبد البرّ: كلّ من ذكر النسك في هذا

(1)

- "فتح" 4/ 485.

ص: 44

الحديث مفسّرًا، فإنما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء.

قال الحافظ: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه:"أنه أصابه أذى، فحلق، فأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يهُدي بقرة". وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بُخْت

(1)

، عن نافع، عن ابن عمر، قال:"حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يفتدي، فافتدى ببقرة". ولعبد بن حُميد من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال:"افتدى كعب من أذى كان برأسه، فحلقه ببقرة، قلّدها، وأشعرها". ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن سليمان بن يسار:"قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟، قال: ذبح بقرة".

فهذه الطرق كلها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصحّ منه، من أن الذي أُمِر به كعب، وفَعَلَه في النسك إنما هو شاة.

وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من طريق المقبريّ، عن أبي هريرة:"أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه"، وهذا أصوب من الذي قبله.

واعتمد ابن بطال على رواية نافع، عن سليمان بن يسار، فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق، وزاد، ففيه أن من أُفتي بأيسر الأشياء، فله أن يأخذ بأرفعها، كما فعل كعب.

قال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت؛ لما قدّمته. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-

(2)

.

(أَيَّ ذَلِكَ) منصوب على أنه مفعول مقدم، لقوله (فَعَلْتَ) وهو فعل الشرط، وقوله (أَجْزَأَ عَنْكَ) جواب الشرط.

وهذه الرواية صريحة في التخيير بين الثلاثة، وكذلك رواية أبي داود التي فيها:"إن شئت، وإن شئت"، ووافقتها رواية عبد الوارث، عن ابن أبي نجيح، أخرجها مسدّد في "مسنده"، ومن طريقه الطبرانيّ، لكن رواية عبد اللَّه بن معقل عند البخاريّ أنما هو بين الإطعام والصيامِ لمن لم يجد النسك، ولفظه:، "أتجد شاة؟ "، قال: لا، قال:"فصم، أو أطعم"، ولأبي داود في رواية أخرى" أمعك دم؟ "، قال: لا، قال:"فإن شئت، فصم"، ونحوه للطبراني من طريق عطاء، عن كعب، ووافقهم أبو الزبير، عن مجاهد،

(1)

- بضم الباء الموحدة، وسكون الخاء المعجمة.

(2)

- "فتح" 4/ 486.

ص: 45

عند الطبرانيّ، وزاد بعد قوله: ما أجد هديا: قال: "فأطعم"، قال: ما أجد، قال:"صم". ولهذا قال أبو عوانة في "صحيحه": فيه دليل على أن من وجد نسكًا لا يصوم. يعني ولا يطعم.

قال الحافظ: لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء، إلا ما رواه الطبريّ، وغيره، عن سعيد بن جبير، قال: النسك شاة، فإن لم يجد قُوّمت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا، فتصدّق به، أو صام لكلّ نصف صاع يومًا. أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم، فقال: سمعت علقمة مثله. فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه:

(منها): ما قال ابن عبد البرّ: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه.

(ومنها): ما قال النوويّ: ليس المراد أن الصيام، أو الإطعام لا يجزئ إلا لفاقدي الهدي، بل المراد أنه استخبره: هل معه هدي، أم لا؟، فإن كان واجده أعلمه أنه مخيّر بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخيّر بينهما.

ومحصّله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم.

(ومنها): ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى، أفتاه بأن يكفّر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، أو بوحي غير متلوّ، فلما أعلمه أنه لا يجد، نزلت الآية بالتخيير بين الذبح، والإطعام، والصيام، فخيّره حينئذ بين الصيام، والإطعام؛ لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام؛ لكونه لم يكن معه ما يطعمه.

ويوضّح ذلك رواية مسلم في حديث عبد اللَّه بن معقل المذكور، حيث قال:"أتجد شاة؟ "، قلت: لا، فنزلت هذه الآية:{فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، فقال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم"، وفي رواية عطاء الخراسانيّ قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين"، قال: "وكان قد علم أنه ليس عندي ما أنسك به"، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السرّ فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهًا بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإطعام.

وعُرف من رواية أبي الزبير أن كعبًا افتدى بالصيام. ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح؛ لأن لفظه: "صم، أو أطعم، أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي، ونسكت". وروى الطبرانيّ من طريق ضعيفة عن عطاء، عن كعب في آخر هذا

ص: 46

الحديث: "فقلت: يا رسول اللَّه، خِرْ لي، قال: أطعم ستة مساكين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث كعب بن عجرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-96/ 2852 و 2853 - وفي "الكبرى" 95/ 3834 و 3835. وأخرجه (خ) في "الحج" 1814 و 1815 و 1816 و 1818 و"المغازي" 4159 و 4190 و 4191 و"التفسير" 4517 و"المرضى" 5665 و"الطبّ" 5703 و"كفارات الأيمان" 6708 (م) في "الحجّ" 1201 (د) في "المناسك" 1856 و 1857 و 1859 و 1860 (ت) في "الحج" 953 و"التفسير" 2973 و 2974 (ق) في "المناسك" 3079 و 3080 (أحمد) في "مسند الكوفيين" 17635 و 17643 و 17654 و 17665 (الموطأ) في "الحج" 954 و 955 و 956. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم المحرم الذي يؤذيه القمل في رأسه، وهو أنه يجوز له أن يحلق رأسه، ويفدي بإحدى هذه الأشياء الثلاثة: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكلّ مسكين مدان، أو ذبح شاة.

(ومنها): تحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقها إذا آذاه القمل، أو غيره من الأوجاع. (ومنها): تلطّف الكبير بأصحابه، وعنايته بأحوالهم، وتفقدّه لهم، وإذا رأى ببعض أتباعه ضررًا سأل عنه، وأرشد إلى المخرج منه. (ومنها): أن السنة مبينة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن، وتقييدها بالسنة. (ومنها): أنه استنبط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثمّ قال الشافعيّ، والجمهور: لا يتخيّر العامد، بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، واحتجّ لهم القرطبيّ بقوله في حديث كدب:"أو اذبح نسكًا"، قال: فهذا يدلّ على أنه ليس بهدي، قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء.

قال الحافظ: لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نسكًا، أو نسيكة أن لا تسمى هديًا، أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية عند البخاريّ، حيث قال:"أو تهدي شاة"، وفي رواية مسلم:"وأهد هديًا"، وفي رواية للطبريّ: "هل لك

ص: 47

هدي؟، قلت: لا أجد". فظهر أن ذلك من تصرّف الرواة، ويؤيّده قوله في رواية مسلم: "أو اذبح شاة".

(ومنها): أنه استُدلّ به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين.

وقال الحسن: تتعين مكة. وقال مجاهد: النسك بمكة، ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء. وقريب منه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة: الدم، والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء؛ إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم. وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر بن الجهم من المالكيّة الإطعام بالصيام.

(ومنها): أنهى استُدلّ به على أن الحجّ على التراخي؛ لأن حديث كعب دلّ على أن نزول قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] كان ذلك بالحديبية، وهي في سنة ست. وفيه بحث.

(ومنها): أنه وقع في رواية للبخاريّ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فأمره أن يحلق، وهو بالحديبية، ولم يتبيّن لهم أنهم يحلون بها، وهم على طمع أن يدخلون مكة".

قال في "الفتح": هذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان استباحة محظور بسبب الأذى، لا لقصد التحلل بالحصر، وهو واضح، قال ابن المنذر: يؤخذ أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييأس من الوصول فيحل، واتفقوا على أن من يئس من الوصول، وجاز له أن يحلّ، فتمادى على إحرامه، ثم أمكنه أن يصل أن عليه أن يمضي إلى البيت ليُتمّ نسكه.

وقال المهلب وغيره ما معناه: يستفاد من قوله: "ولم يتبيّن لهم أنهم يحلون" أن المرأة التي تعرف أوان حيضها، والمريض الذي يعرف أوان حماه بالعادة فيهما إذا أفطرا في رمضان مثلاً في أول النهار، ثم انكشف الأمر بالحيض، والحمّى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم لأن الذي كان في علم اللَّه أنهم يحلون بالحديبية لم يسقط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلّ قبل أن ينكشف الأمر لهم، وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرفاه بالعادة، فيجب القضاء عليهما لذلك. قاله في "الفتح"

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2853 -

(أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،

(1)

- "فتح" 4/ 486 - 487.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 48

وَهُوَ الدُّشْتَكِيُّ، قَالَ: أَنْبَأتا

(1)

عَمْروٌ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي قَيسِ، عَنِ الزُّبَيرِ، وَهُوَ ابْنُ عَدِيِّ،

عَنْ أَبِىِ وَائِلِ، عَنْ كَعْب بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: أَحْرَمْتُ، فَكَّثُرَ قَمْلُ رَأسِي، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ

صلى الله عليه وسلم، فَأتانِي، وَأَنا أَطْبُخُ قِدْرَا لِأَصْحَابِي، فَمسَّ رَأْسِي بإِصْبَعِهِ، فَقَالَ:"انْطَلِقْ، فَاحْلِقْهُ، وَتَصَدَّقْ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكينَ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سعيد الرباطيّ": هو أبو عبد اللَّه الأشقر المروزيّ الحافظ الثقة [11] 90/ 1030.

و"عبد الرحمن بن عبد اللَّه الدَّشْتكيّ" -بفتح الدال المهملة، وسكون المعجمة-: هو أبو محمد الرازيّ المقرئ، ثقة [10] 90/ 1030.

و"عمرو بن أبي قيس": هو الرازيّ الأزرق الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام [8] 90/ 1030.

و"الزبير بن عديّ": هو الهمدانيّ الياميّ الكوفيّ، ولي قضاء الريّ، ثقة [5] 1/ 451.

و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفي المخضرم التابعيّ الجليل.

وقوله: "وتصدّق" فيه اختصار، أي افعل التصدق، أو ما يقوم مقامه، من الصيام، أو ذبح شاة. والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌97 - (غسْلُ الْمُحْرِمِ بِالسِّدْرِ إِذَا مَاتَ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنف -رحمه اللَّه تعالى- هذه أن الغسل بالسدر للمحرم الميت فقط، لكن الظاهر أن الحيّ مثله، إذ لا دليل على منعه منه، قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - إباحة غسل المحرم الحيّ بالسدر، خلافًا لمن كرهه له انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- "فتح" 3/ 479 في "كتاب الجنائز".

ص: 49

2854 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» ).

قاَل الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"يعقوب ابن إبراهيم": هو الدورقيّ البغداديّ الحافظ، وهو أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. و"هشيم": هو ابن بشير الواسطيّ الثبت. و"أبو بشر": هو جعفر بن إياس. قال المصنّف في "الكبرى": واسمه جعفر بن أبي وحشية، وهو جعفر بن إياس

(2)

، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير انتهى.

وقوله: "فوقصته" الوقص كسر العنق. وقوله: "ولا تمسوه بطيب" بفتح أوله، من المسّ ثلاثيًّا، والباء للتعدية، فما وقع هنا في النسخة المطبوعة من ضبطه بضمّ أوله ضبطَ قلم، فغلط، بخلافه في الرواية الآتية في الباب التالي، فإنه بضم أوله، من الإمساس رباعيًّا، فلذا تعدى بنفسه، فنصب "طيباً". فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.

والحديث متّفق عليه، وتقدم للمصنّف في "كتاب الجنائز" - "كيف يكفن المحرم إذا مات" -41/ 1904 - وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، وتقدم أيضًا بعض مباحثه في باب- "تخمير المحرم وجهه ورأسه" -47/ 2713 و 2714 - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌98 - (فِي كَمْ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ إِذَا مَاتَ)

2855 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً مُحْرِمًا، صُرِعَ عَنْ نَاقَتِهِ،

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- ولفظ "الكبرى": "وهو جعفر بن أبي إياس"، بزيادة لفظة "أبي"، وهو غلط.

ص: 50

فَأُوقِصَ، ذُكِرَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ» ، ثُمَّ قَالَ عَلَى إِثْرِهِ:«خَارِجًا رَأْسُهُ» ، قَالَ:«وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» ، قَالَ شُعْبَةُ: فَسَأَلْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، فَجَاءَ بِالْحَدِيثِ، كَمَا كَانَ يَجِيءُ بِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ:«وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ. وقوله: "صُرع عن ناقته" بالبناء للمفعول: أي سقط عنها.

وقوله: "فأوقص" بالبناء للمفعول، هكذا نسخ "المجبى""فأوقص" بالهمزة، ووقع في "الكبرى""فُوُقِصَ" ثلاثيًّا، وهو الموافق لما في كتب اللغة، قال في "القاموس": وَقَصَ عنقَهُ، كوعد: كسرها، فَوقَصَتْ، لازم، متعدّ، ووُقِص، كعُنِي، فهو موقوص، وقَصت به راحلته تَقِضهُ انتهى. ونَحْوَ في "اللسان"، و"الصحاح"، و"المصباح" ولم أر فيها أوقص بالهمز، فليحرر. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "ذُكر أنه قد مات" بالبناء للفعل، والضمير لابن عباس، أي ذكر ابن عباس في حديثه أن ذلك الرجل الذي وقَصَتْهُ ناقته مات من ذلك الوقص.

وقوله: "ثم قال على إثره: خارجًا رأسه" أي قال صلى الله عليه وسلم بعد قوله: "وكفنوه في ثوبين": "خارجا رأسه"، وهو منصوب على الحال، أي كفنوه حال كون رأسه خارجا من كفنه، ففيه بيان أنه لا يغطى رأسه.

وقوله: "فسألته الخ" الضمير المرفوع لشعبة، والمنصوب لأبي بشر.

والحديث متفق عليه، وتقدم الكلام عليه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

‌99 - (النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُحَنَّطَ الْمُحْرِمُ إِذَا مَاتَ)

2856 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْعَصَهُ، أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»).

ص: 51

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"حماد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو السختيانيّ.

وقوله: "فأقعصه" أي قتله قتلاً سريعًا، والتذكير باعتبار الإبل. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2857 -

(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَصَتْ رَجُلاً مُحْرِمًا نَاقَتُهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"الحكم" هو ابن عتيبة.

وقوله: "فأتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم " بالبناء للمفعول.

وقوله: "ولا تُغَطُوه رأسه" بضم أوله، وفتح ثانيه، وضم ثالثه، وأصله: تُغَطَّيُوهُ بوزن تُكلّموه، نقلت ضمة الياء إلى الطاء بعد سلب كسرتها، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌100 - (النَّهْي عَنْ أَنْ يُخَمَّرَ وَجْهُ الْمُحْرِمِ، وَرَأْسُهُ إِذَا مَاتَ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يُخمّر" بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله:"وجه المحرم الخ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2858 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ -يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ- عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً كَانَ حَاجًّا، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهُ لَفَظَهُ بَعِيرُهُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُغَسَّلُ، وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا يُغَطَّى

ص: 52

رَأْسُهُ وَوَجْهُهُ، فَإِنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن معاوية" بن يزيد، الأنماطيّ، أبو جعفر البغداديّ، المعروف بابن مالج -بميم، وجيم، يقال: إن أصله من واسط، صدوق ربما وهم [10].

قال النسائيّ: لا بأس به. وقال مُطيّن: كان واقفيًّا. وروى عنه أبو بكر البزار في "مسنده"، وقال: كان ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربما وهم. انفرد به المصنّف، روى عنه في ثلاثة مواضع، برقم 2858 و 3986

و4841.

و"خلف بن خَليفة": هو أبو أحمد الكوفيّ، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر [8] 110/ 149. والحديث متّفقٌ عليه، كما مرّ بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌101 - (النَّهْيُ عَنْ تَخْمِيرِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ)

2859 -

(أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَامًا، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَّ مِنْ فَوْقِ بَعِيرِهِ، فَوُقِصَ وَقْصًا، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَلْبِسُوهُ ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن يزيد": هو ابن خالد بن يزيد، نُسب لجده الطائيّ الدمشقيّ، صدوق [10] 18/ 422 من أفراد المصنف.

و"شعيب بن إسحاق": هو البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رمي بالإرجاء، من كبار [9] 60/ 1766.

وقوله: "حرامٌ" هكذا بالرفع في بعض النسخ، ووقع في بعضها "حرامًا" بالنصب،

ص: 53

والأول هو الوجه؛ لأنه نعت لـ"رجل"، وهو نكرة، ولا يبعُد أن يكون الثاني أيضًا له وجه أيضًا، وهو النصب على الحال من النكرة، وهو جائز على قلة، كما أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة"، حيث قال:

وَلَمْ يُنَكَرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ

لَمْ يَتَأخَّرْ أَوْ يُخَصِّصْ أَوْ يَبِنْ

مِنْ بَعْدِ نَفْيِ أَوْ مُضَاهِيهِ كَلَا

يَبْغِي امْرُؤٌ عَلَى امْرِئ مُسْتَسْهِلَا

وقوله: "فوُقص" بالبناء للمفعول، و"وقصًا" مفعول مطلق. وقوله:"وألبسوه" بقطع الهمزة؛ من الإلباس. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، واليه أنيب".

‌102 - (فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوِّ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أُحصر" بالبناء للمفعول، والجارّ والمجرور نانب فاعله.

و"الإحصار": لغة المنع، والحبس، مطلقًا، وشرعًا: المنع عن الوقوف، والطواف، فإن قدر على أحدهما فليس بمحصر.

والأصل فيه قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} الآية [البقرة: 196]. وقال عطاء: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. نقله الإمام البخاريّ في "صحيحه"، واقتصر عليه. فقال في "الفتح": وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار، وهي مسألة خلافية بين الصحابة، وغيرهم انتهى

(1)

.

قلت: والمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى التعميم أيضًا حيث أورد في هذا الباب حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - الدالّ على الإحصار بالعدوّ، وحديث الحجاج بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي بعده الدال على الإحصار بالعرج والكسر، وقد ترجم له في "الكبرى" بقوله:"فيمن أُحصر بغير عدو"، فدلّ على أنه يرى عدم تقييد

(1)

-"فتح" 4/ 467.

ص: 54

الإحصار بالعدوّ فقط، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2860 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ، أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، لَمَّا نَزَلَ الْجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ، إِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَنْطَلِقُ، فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ طُفْتُ، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَعَلْتُ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا مَعَهُ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي، فَلَمْ يَحْلِلْ مِنْهُمَا، حَتَّى أَحَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَهْدَى).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو، وابن ماجه، وهو ثقة.

و"جويرية": هو: ابن أسماء الضبعيّ البصريّ، صدوق [7] 197/ 315.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -53/ 2746 - وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، وبقي البحث هنا فيما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو البحث في الإحصار، وفيه مسائل:

(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في المراد بالإحصار في الحجّ والعمرة:

ذهب كثير من الصحابة، فمن بعدهم إلى أنّ الإحصار من كلّ حابس حبس الحاجّ، من عدوّ، ومرض، وغير ذلك، حتى أفتى ابن مسعود رضي الله عنه رجلاً لُدِغ بأنه محصر. أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح عنه. وإلى هذا القول ميل الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه"، كما بينه الحافظ في "الفتح"

(1)

. وهو ظاهر مذهب المصنف رحمه الله-كما أسلفته آنفًا.

وهو مذهب النخعي والكوفيين، فإنهم ذهبوا إلى أن الحصر الكسرُ، والمرضُ، والخوفُ. واحتجّوا بحديث حجاج ابن عمرو الآتي بعد هذا، وبما رواه ابن المنذر من طريق عليّ بن طلحة، عن ابن عباس رحمه الله في قوله تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} قال: من أحرم بحجّ، أو عمرة، ثم حبس عن البيت بمرض يُجهده، أو عدوّ يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، فإن كانت حجة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة، فلا قضاء عليه.

(1)

- "فتح" 4/ 467.

ص: 55

وبما رواه عبد بن حميد، عن أبي نُعيم، عن الثوريّ، عن ابن جريج، عن عطاء، قال في قوله تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]، قال: الإحصار من كلّ شيء بحسبه.

وذهب آخرون إلى أنه لا حصر إلا بالعدوّ، وصح ذلك عن ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه الشافعيّ، عن ابن عيينة، كلاهما عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال:"لا حصر إلا مَن حَبَسَه عدوّ، فيحلّ بعمرة، وليس عليه حج، ولا عمرة". وروى مالك في "الموطإ"، والشافعيّ عنه، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال:"من حُبس دون البيت بالمرض، فإنه لا يحلّ حتى يطوف بالبيت". وروى مالك، عن أيوب، عن رجل من أهل البصرة، قال:"خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت بالطريق كُسرت فخذي، فارسلت إلى مكة -وبها عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، والناس- فلم يرخّص لي أحد في أن أحلّ، فأقمت على ذلك الماء تسعة أشهر، ثم حَلَلت بعمرة". وأخرجه ابن جرير من طرق، وسمّى الرجل يزيد بن عبد اللَّه بن الشخّير.

وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، قال الشافعيّ: جعل اللَّه على الناس إتمام الحجّ والعمرة، وجعل التحلّل للمحصر رخصة، وكانت الآية في شأن منع العدوّ، فلم نَعْدُ بالرخصة موضعها.

وذهب آخرون إلى أنه لا حصر بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، رَوَى مالك في "الموطإ" عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه:"المحرم لا يحلّ حتى يطوف". أخرجه في "باب ما يفعل من أحصر بغير عدو". وأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت:"لا أعلم المحرم يحلّ بشيء دون البيت". وعن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بإسناد ضعيف، قال: لا إحصار اليوم". وروي ذلك عن عبد اللَّه بن الزبير.

وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في تفسير الإحصار، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة- منهم الأخفش، والكسائيّ، والفرّاء، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، وابن السّكِّيت، وثعلب، وابن قتيبة، وغيرهم- أن الإحصار إنّما يكون بالمرض، وأما بالعدوّ، فهو الحصر، وبهذا قطع النحّاس. وأثبت بعضهم أن أُحصِرَ، وحُصِرَ بمعنى واحد، يقال في جميع ما يمنع الإنسان من التصرّف، قال تعالى:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} الآية [البقرة: 273]، وإنما كانوا لا يستطيعون من منع العدوّ إياهم.

ص: 56

وأما مالك، والشافعيّ، وأحمد، ومن تبعهم، فحجتهم في أن لا إحصار إلا بالعدوّ اتفاق أهل النقل على أن الآيات نزلت في قصّة الحديبية، حين صُدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن البيت، فسمّى اللَّه صدّ العدوّ إحصارًا.

وحجة الآخرين التمسك بعوم قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196]. انتهى من "الفتح" بتصرّف

(1)

.

وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: مورد النصّ في قضية الحديبية إنما هو في الإحصار بالعدوّ، فلو أحصره مرض، منعه من المضيّ في نسك، لم يتحلّل عند الجمهور، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وقال أبو حنيفة: الإحصار بالمرض كالإحصار بالعدوّ، قالوا: وقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] إنما ورد في إحصار المرض؛ لأن أهل اللغة قالوا: يقال: أحصره المرض، وحصره العدوّ، فاستعمال الرباعيّ في الآية يدلّ على إرادة المرض، وما نقلوه عن أهل اللغة حكاه في "المشارق" عن أبي عبيد، وابن قتيبة، وقال القاضي إسماعيل المالكيّ: إنه الظاهر، وحكاه في "الصحاح" عن ابن السكّيت، والأخفش، قال: وقال أبو عمرو الشيبانيّ: حصرني الشيء، وأحصرني: حبسني انتهى. فجعلهما لغتين بمعنى واحد. وقال في "النهاية": يقال: أحصره المرض، أو السلطان: إذا منعه عن مقصده، فهو محصر، وحصره: إذا حبسه، فهو محصور. وحكى ابن عبد البرّ التفصيل المتقدّم عن الخليل، وأكثر أهل اللغة، ثم حكى عن جماعة أنه يقال: حصر، وأحصر بمعنى واحد في المرض، والعدؤ جميعًا، قال: واحتجّ من قال هذا من الفقهاء بقول اللَّه تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} ، وإنما أنزلت في الحديبية انتهى. وقال الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم أسمع ممن حُفظ عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن هذه الآية نزلت بالحديبية حين أحصر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فحال المشركون بينه وبين البيت. وفي البخاريّ عن عطاء: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. وممن ذهب إلى التعميم ابن حزم الظاهريّ انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول من عمّم، كما هو مذهب الحنفية، والبخاريّ، والمصنّف، وابن حزم، قال -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "المُحَلَّى":

وأما الإحصار، فإن كلّ من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه، أو عمرته، قارنا كان، أو متمتعًا، من عدوّ، أو مرض، أو كسر، أو خطأ طريق، أو خطأ في رؤية

(1)

- "فتح" 4/ 467 - 468.

(2)

- "طرح التثريب" 5/ 160 - 161.

ص: 57

الهلال، أو سَجْن، أو أيّ شيء كان فهو محصر، فإن كان اشترط عند إحرامه كما قدمنا أن محله حيث حبسه اللَّه عز وجل، فليحل من إحرامه، ولا شيء عليه، سواء شرع في عمل الحج، أو العمرة، أو لم يشرع بعدُ، قريبًا كان، أو بعيدًا، مضى له أكثر فرضهما، أو أقله، كلّ ذلك سواء، ولا هدي في ذلك، ولا غيره، ولا قضاء عليه في شيء من ذلك، إلا أن يكون لم يحجّ قط، ولا اعتمر، فعليه أن يحجّ، ويعتمر، ولا بدّ، فإن كان لم يشترط كما ذكرنا، فإنه يحلّ أيضًا، كما ذكرنا سواء سواء، ولا فرق، وعليه هدي، ولا بدّ، كما قلنا في هدي المتعة سواء سواء، إلا أنه لا يعوض من هذا الهدي صوم، ولا غيره، فمن لم يجده فهو دين حتى يجده، ولا قضاء عليه، إلا إن كان لم يحج قط، ولا اعتمر، فعليه أن يحج، ويعتمر.

قال: قول اللَّه تعالى هو الحجة في اللغة، والشريعة، قال تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وإنما نزلت هذه الآية في أمر الحديبية، إذ منع الكفّار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من إتمام عمرته، وسمى اللَّه تعالى منع العدوّ إحصارًا، وكذلك قال البراء، وابن عمر، وإبراهيم النخعيّ، وهو في اللغة فوق أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائيّ، وقال تعالى:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} الآية [البقرة: 273]، فهذا هو منع العدوّ بلا شكّ؛ لأن المهاجرين إنما منعهم من الضرب في الأرض الكفار بلا شكّ، وبيّن ذلك تعالى بقوله:{فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فصحّ أن الإحصار، والحصر بمعنى واحد، وأنهما اسمان يقعان على كلّ مانع، من عدوّ، أو مرض، أو غير ذلك، أيّ شيء كان؟ انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قرره الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): اتفقوا على أن من أحصره العدوّ، أي منعه عن المضيّ في نسكه، سواء كان حجًّا أو عمرة جاز له التحلل بأن ينوي ذلك، وينحر هديًا، ويحلق رأسه، أو يقصّر، وهذا مجمع عليه في الجملة، حكاه ابن المنذر عن كلّ من يحفظ عنه من أهل العلم، وبه قال الأئمة الأربعة، وإن اختلفوا في تفاصيل، وتفاريع، سنذكرها في المسائل الآتية إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثالثة): هل يشترط في جواز التحلل ضيق الوقت بحيث ييأس من إتمام

(1)

- راجع "المحلى" 7/ 203 - 204.

ص: 58

نسكه إن لم يتحلّل أو لا يشترط ذلك، بل له التحلّل مع اتساع الوقت؟ لم يشترط الشافعية ذلك، وهو الذي يدلّ عليه فعله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فإن إحرامه إنما كان بعمرة، وهي لا يخشى فواتها، وقال المالكية: متى رَجَى زوال الحصر لم يتحلّل حتى يبقى بينه وبين الحجّ من الزمان ما لا يدرك فيه الحج، لو زوال حصره، فيحلّ حينئذ عند ابن القاسم، وابن الماجشون، وقال أشهب: لا يحلّ إلى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الشافعية هو الأرجح عندي؛ لأنه يؤيّده فعله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، حيث تحلل مع أن وقت العمرة متسع لا يفوت، فلم ينتظر وقتًا يتمكن فيه من الأداء، بل تحلل بمجرد تحقق الإحصار له، وهو الموافق لتيسير الشارع الحكيم، وأما القول بالانتظار حتى ييأس، ففيه إيقاع للمحرم في حرج شديد، وذلك ينافي التيسير الذي أراده تعالى لعباده، فإنه تعالى ما شَرَع التحلل للمحصر بالهدي إلا تيسيرًا عليه، وقد قال اللَّه تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الآية [الحجّ: 78]، فإذا قلنا لوجوب الانتظار المذكور، فقد عاكسنا مراد الشارع الحكيم الرؤوف الرحيم، فتبصّر بالإنصاف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): لم يفرّق الشافعيّة، والحنابلُة في جواز التحلّل بين أن يكون الإحصار قبل الوقوف بعرفة، أو بعده. وخصّ الحنفية، والمالكيّة ذلك بما إذا كان قبل الوقوف.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأولون هو الأرجح عندي؛ لإطلاق الأدلة التي تبيح التحلل عن تقييده بشيء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): اختلفوا في أنه هل يجب على المحصر إراقة دم، أم لا، فقال جمهور العلماء بوجوبه، وبه قال أشهب من المالكية، وقال مالك: لا يجب، وتابعه ابن القاسم صاحبه.

ثم اختلف القائلون بوجوب الدم في محلّ إراقته، فقال الشافعيّة، والحنابلة يريقه حيث أُحصر، ولو كان من الحلّ لأنه صلى الله عليه وسلم كذلك فعل في الحديبية، ودلّ على الإراقة في الحلّ قوله:{وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25]، فدلّ على أن الكفار منعوهم من إيصاله إلى محله، وهو الحرم. ذكر هذا الاستدلال الشافعيّ. وقال عطاء، وابن إسحاق: بل نحو بالحرم، وخالفهما غيرهما من أهل المغازي، وغيرهم. وقال

(1)

- "طرح التثريب" 5/ 159.

ص: 59

الحنفيّة: لا يجوز ذبحه إلا في الحرم، فيرسله مع إنسان، ويواعده على يوم بعينه، فإذا جاء ذلك اليوم تحلّل، ثم قال أبو حنيفة: يجوز ذبحه قبل يوم النحر، وقال صاحباه يختصّ ذبحه في الإحصار عن الحجّ بيوم النحر. قاله وليّ الدين

(1)

.

وقال في "الفتح": ما حاصله: قال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحلّ سواء كان في الحلّ، أو في الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلا في الحرم. وفصّل آخرون كما قاله ابن عباس: إذا كان مع المحصر هدي نحوه إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحلّ حتى يبلغ الهدي محله. وهذا هو المعتمد.

وسبب اختلافهم في ذلك، هل نحو النبيّ صلى الله عليه وسلم الهدي بالحديبية في الحلّ، أو في الحرم. وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق. وقال غيره من أهل المغازي: إنما نحر في الحلّ. وروى يعقوب بن سفيان، من طريق مجمع بن يعقوب، عن أبيه، قال:"لما حُبس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأصحابه نحروا بالحديبية، وحلقوا، وبعث اللَّه ريحًا، فحملت شعورهم، فألقتها في الحرم". قال ابن عبد البرّ في "الاستذكار": فهذا يدلّ على أنهم حلقوا في الحلّ.

قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، فإنه لا يلزم من كونهم ما حلقوا في الحرم لمنعهم من دخوله أن لا يكونوا أرسلوا الهدي، مع من نحره في الحرم. وقد ورد ذلك في حديث ناجية بن جندب الأسلميّ:"قلت: يا رسول اللَّه أبعث معي بالهدي، حتى أنحره في الحرم، ففعل". أخرجه النسائيّ من طريق إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية. وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال:"عن ناجية، عن أبيه". لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصّة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحلّ، وذلك دالّ على الجواز. واللَّه أعلم. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح قول من قال بجواز التحلل في مكان الحصر، سواء كان في الحلّ، أم في الحرم إذا لم يستطع أن يبلغ به محله، فإن استطاع أن يبعث به حتى ينحر في الحرم وجب عليه أن يبعثه، كما سبق عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -؛ الآية:{حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة السادسة): اختلفوا هل يجب القضاء على المحصر إذا تحلّل، أم لا؟: ذهب الحنفية إلى وجوبه، بل زادوا، فقالوا: إن على المحصر عن الحجّ حجة

(1)

- "طرح التثريب" 5/ 160.

(2)

- "فتح" 4/ 477 - 478.

ص: 60

وعمرة، وعلى القارن حجة وعمرتان.

وذهبت الشافعيّة، والمالكيّة إلى أنه لا قضاء عليه. وعن أحمد بن حنبل روايتان، قالوا: فإن كان حجّ فرض بقي وجوبه على حاله، وبالغ ابن الماجشون، وأبعد، فقال: يسقط عنه، ورأى ذلك بمنزلة إتمام النسك على وجهه

(1)

.

ونقل في "الفتح" عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه قال: لا قضاء عليه من قبل أن اللَّه تعالى لم يذكر قضاء، والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت؛ لأنّا علمنا من متواطىء أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضيّة، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس، ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلّفوا عنه. قال: وإنما سميت عمرة القضاء، والقضيّة للمقاضاة التي وقعت بين النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة انتهى.

وقد روى الواقديّ في "المغازي" من طريق الزهريّ، ومن طريق أبي معشر، وغيرهما، قال:"أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعتمروا، فلم يتخلّف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهد الحديبية، وكانت عدتهم ألفين".

قال الحافظ: ويمكن الجمع بين هذا إن صحّ، وبين الذي قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب؛ لأن الشافعيّ جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر. وقد روى الواقديّ أيضًا من حديث ابن عمر، قال:"لم تكن هذه العمرة قضاء، ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدّهم المشركون فيه". انتهى

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح أنه لا يجب القضاء على المحصر، لعدم دليل يدلّ على ذلك، بل الأدلة بالعكس، كما تقدّم في كلام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2861 -

(أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنِ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ عَرِجَ، أَوْ كُسِرَ، فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ؟ ، فَقَالَا: صَدَقَ).

(1)

- "طرح التثريب" 5/ 160.

(2)

- "فتح" 4/ 478.

ص: 61

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عقد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" هنا بابًا، فقال:"فيمن أُحصر بغير عدو"، وهو الظاهر؛ لأن حديث الحجاج بن عمرو المذكور ليس مناسبًا للترجمة السابقة "فيمن أُحصر بعدو"، فكان الأولى له هنا كتابة هذه الترجمة. واللَّه تعالى أعلم.

ورجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(حميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ البصريّ، صدوق [10] 5/ 5.

2 -

(سفيان بن حبيب) البزاز البصريّ، ثقة [9] 67/ 82 من رجال الأربعة.

3 -

(حجاج الصوّاف) هو حجاج بن أبي عثمان، واسمه ميسرة، أو سالم، أبو الصَّلْت الكنديّ مولاهم البصريّ، ثقة حافظ [6] 12/ 790.

4 -

(يحيى بن أبي كثير) واسمه صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلس ويرسل [5] 23/ 24.

5 -

(عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، بَرْبَريّ الأصل، ثقة ثبت فقيه [3] 2/ 325.

6 -

(الحجاج بن عمرو) بن غَزيّة -بفتح المعجمة، وكسر الزاي، وتشديد التحتانية- الْأَنْصَارِيَّ المازنيّ المدنيّ الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنه ابن أخيه ضمرة بن سعيد، وعبد اللَّه بن رافع، وعكرمة، وقيل: عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن رافع، روى له الأربعة هذا الحديث فقط، وقد صرّح فيه بسماعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم. وذكره بعضهم في التابعين، منهم العجليّ، وابن الْبَرْقيّ، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وقال ابن المدينيّ: هو الذي روى ضمرة عنه، عن زيد بن ثابت في الْعَزْل، قال: ويقال: الحجّاج بن أبي الحجّاج، وهو الذي ضرب مروان بن الحكم يوم الدار، فأسقطه. وقال أبو نُعيم: شَهِدَ مع عليّ صِفَّين. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى الحجّاج. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية" فليس له إلا هذا الحديث عند الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 62

شرح الحديث

(عَنِ الحجَّاجِ بْنِ عَمْرو الأنصاريّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ عَرَجَ" بفتح العين المهملة، والراء، مبنيًّا للفاعل، من بابي نصر، وضرب: أي أصابه شيء في رجله، وليس بخلقة، فإذا كان خلقة قيل: عَرِج بالكسر، كفَرِح، قال في "الصحاح": عَرَجَ في الدرجة، والسلّم يَعرُج عُرُوجًا: إذا ارتقى، وعَرَجَ أيضًا: إذا أصابه شيء في رجله، فخَمَعَ

(1)

، ومشى مشية العرْجَان، وليس بخلقة، فإذا كان ذلك خلقة قلتَ: عَرِج بالكسر، فهو أعرج بَيّنُ العَرَج. وفي "القاموس": عَرَج عُرُوجًا، ومَعْرَجًا: ارتقى، وأصابه شيء في رجله، فخَمَعَ، وليس بخلقة، فإذا كان خلقة، فعَرِج، كفرح، أو يُثلّث في غير الخلقة انتهى (أَوْ كُسِرَ) بضم الكاف، وكسر السين على بناء المجهول. وزاد أبو داود، وابن ماجه في رواية ة "أو مرض". وقال المجد في "المنتقى" وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزيّ:"من حبس بكسر، أو مرض". يعني من حدث له بعد الإحرام مانع غير إحصار العدوّ (فَقَدْ حَلَّ) أي جاز له أن يتحلّل، ويترك المضيّ على إحرامه، ويرجع إلى وطنه. قاله القاري.

وقال السنديّ: قوله: "من عرج، أو كسر": أي من أحرم، ثم حدث له بعد الإحرام مانع من المضيّ على مقتضى الإحرام غيرُ إحصار العدوّ، بان كان أحد كسرَ رجلَهُ، أو صار أعرج من غير صنيع من أحد، يجوز له أن يترك الإحرام، وإن لم يشترط التحلل، وقيّده بعضهم -يعني الشافعيّة، والحنبلية- بالاشتراط، ومن يرى أنه من باب الإحصار -وهم الحنفية- لعله يقول: معنى "حلّ" كاد أن يحلّ قبل أن يصل إلى نسكه بأن يبعث الهدي مع أحد، ويواعده يومًا بعينه، يذبحها فيه في الحرم، فيتحلّل بعد الذبح انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن من قال بثبوت الإحصار بغير العدوّ، كالكسر والعرج هو الحقّ؛ لحديث الباب.

[فإن قيل]: يدزم من هذا عدم فائدة الاشتراط الوارد في حديث ضباعة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث أمرها النبيّ صلى الله عليه وسلم أن تشترط في إحرامها إذا منعها مانع تتحلل عنده؛ لأنه إذا كان نفس المانع من المرض ونحوه يتحلل به المحرم لم يكن للاشتراط فائدة.

[أُجيب]: بأن فائدة الاشتراط عدم وجوب دم الإحصار به، فلو حصل له الإحصار، وقد اشترط، جاز له التحلّل، ولا دم عليه، وإن لم يشترط وجب عليه الدم، وهذا وجه

(1)

- خَمَعَت الضَّبُعُ تخْمَعُ خَمْعًا، وخُمُعًا، وخُمَاعًا: عَرَجَت، وكذلك كلّ ذي عَرَج. انتهى "اللسان".

ص: 63

العمل بالحديثين، فتبصّر.

والحاصل أن القول بثبوت الإحصار بغير العدوّ، كالمرض، ونحوه، كما هو مذهب الثوريّ، وأصحاب الرأي، والبخاريّ، والمصنّف، وابن حزم -رحمهم اللَّه تعالى- هو الأرجح؛ لصحّة حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم.

(وَعَلَيْهِ حَجَّةً أُخْرَى) وفي رواية أخرى: "وعليه الحجّ من قابل". وهذا محمول على من لم يحجّ حجة الإسلام، على الراجح. قال عكرمة (فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسِ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهم - (عَنْ ذَلِكَ؟) أي صحة ما سمعه من الحجّاج بن عمرو رضي الله عنه (فَقَالا: صَدَقَ) وفي رواية: "فذكرت ذلك لابن عباس، وأبي هريرة، فقالا: صدق".

قال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث حجة لمن رأى الإحصار بالمرض، والعذر يعرض للمحرم من غير حبس العدوّ، وهو مذهب الثوريّ، وأصحاب الرأي.

وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق: لا حصر إلا حصر العدوّ. وقد روي ذلك عن ابن عباس، وروي معناه أيضًا عن ابن عمر. وعلل بعضهم حديث الحجاج بن عمرو بأنه قد ثبت عن ابن عباس خلافه، وهو أنه قال: لا حصر إلا حصر العدوّ، فكيف يصدّق الحجاج فيما رواه من أن الكسر حصر. وتأوله بعضهم على أنه إنما يحلّ بالكسر، والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضُبَاعة بنت الزبير - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالوا: ولو كان الكسر عذرًا لم يكن لاشتراطها معنى، ولا كانت بها إلى ذلك حاجة.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت الجواب عن الاستشكال فيما ذكرته قريبًا، فلا تنس. واللَّه تعالى أعلم.

وأما قوله: "وعليه الحجّ من قابل"، فإنما هذا فيمن كان حجة عن فرض، فأما المتطوّع بالحجّ إذا حُصر فلا شيء عليه غير هدي الإحصار. وهذا على مذهب مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: عليه حجة، وعمرة، وهو قول النخعيّ. وعن مجاهد، والشعبيّ، وعكرمة عليه حجة من قابل انتهى قول الخطابيّ

(1)

.

وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: في "تهذيب السنن": وإن صحّ حديث الحجاج ابن عمرو، فقد حمله بعض أهل العلم أنه يحلّ بعد فواته بما يحلّ به من يفوته الحجّ بغير مرض، فقد روينا عن ابن عباس ثابتًا عنه أنه قال:"لا حصر إلا حصر عدو".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل فيه نظر لا يخفى، والوجه ما قدّمناه. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- "معالم السنن" 2/ 368.

ص: 64

قال: وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عمرو أن تحلَّله بالكسر والعرج، إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة، قالوا: ولو كان الكسر مبيحًا للحلّ لم يكن للاشتراط معنى. قالوا: وأيضًا فلا يقول أحد بظاهر هذا الحديث، فإنه لا يحلّ بمجرد الكسر والعرج، فلا بدّ من تأويله، فنحمله على ما ذكرناه. قالوا: وأيضًا، فإنه لا يستفيد بالحلّ زوال عقده، ولا الانتقال من حاله، بخلاف المحصر بالعدوّ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلّ هذا التأويلات فيها نظر لا يخفى، وقد قدّمنا الجواب عنها. واللَّه تعالى أعلم.

قال البيهقيّ: وحديث الحجاج بن عمرو قد اختلف في إسناده، والثابت عن ابن عباس خلافه، وأنه لا حصر إلا حصر العدوّ. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن حديث الحجاج بن عمرو - رضي اللَّه تعالى - عنه - صحيح، ولا تعارض بين أثر ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -:"لا حصر إلا حصر العدو"، وبين تصديقه لهذا الحديث، لأن الأثر محمول على معنى الكمال، أي لا حصر كامل إلا حصر العدوّ، كما يقال: لا همّ إلا همّ الدين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث الحجاج بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -102/ 2861 و 2662 - وفي "الكبرى" 102/ 3843 و 3844.

وأخرجه (د) في "المناسك" 1862 (ت) في "الحجّ" 940 (ق) في "المناسك" 3077 و 3078 (أحمد) في "مسند المكيين" 15304 (الدارمي) في "المناسك"1894. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2862 -

(أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ الصَّوَّافِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» ، وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَا: صَدَقَ. وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ: "وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ").

(1)

- "تهذيب السنن" 2/ 369.

ص: 65

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شعيب بن يوسف": هو أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث، من أفراد المصنّف. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌103 - (دُخُولُ مَكَّةَ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بيان السنة في دخول مكة -حرسها اللَّه تعالى- وذلك أن يتهيّأ لدخولها بأن يبيت بذي طوى، ويغتسل، كما ثبت في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند البخاريّ، وغيره من طريق أيوب، عن نافع، قال:"كان ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - إذا دخل أدنى الحرم، أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي الصبح، ويغتسل، ويحدث أن نبيّ اللَّه كان يفعل ذلك". واللَّه تعالى أعلمِ بالصواب.

2863 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

سُوَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى، يَبِيتُ بِهِ، حَتَّى يُصَلِّىَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، حِينَ يَقْدَمُ إِلَى مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ، الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى أَكَمَةٍ خَشِنَةٍ، غَلِيظَةٍ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عبدة بن عبد اللَّه) الصفّار، أبو سهل الخزاعيّ البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة [11] 45/ 597.

2 -

(سُويد) بن عمرو الكلبيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقة عابد، من كبار [10] 67/ 1809.

3 -

(زُهير) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت [7] 38/ 42.

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 66

4 -

(موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقة فقيه، إمام في المغازي [5] 96/ 122.

5 -

(نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 12/ 12.

6 -

) عبد اللَّه بن عمر) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العباددة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (2635) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن نافع -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (حَدّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَنْزِلُ بذِي طُوًى) قال الفيّوميّ: هو واد بقرب مكة، على نحو فرسخ، ويعرف في وقتنا بالزَاهر، في طريق التنعيم، ويجوز صرفه، ومنعه، وضمّ الطاء أشهر من كسرها، فمن نوّن جعله اسمًا للوادي، ومن منعه جعله اسمًا للبقعة مع العلميّة، أو منعه للعلميّة مع تقدير العدل عن طاوٍ انتهى (يَبِيتُ بِهِ، حَتَّى يُصَلَّيَ صَلَاةَ الصُّبْح، حِينَ يَقْدَمُ) بفتح الدال المهملة، من باب علم، والظرف متعلّق بـ "ينزل"(إِلَى مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ) بضم الميم، وفتح اللام المشددة: أي المحلّ الذي كان يصلي فيه حين يبيت في ذلك الموضع (عَلَى أكَّمَة) بفتحات: تلٌّ، وقيل: شُرْفَة، كالرابية، وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، وربما غَلُظَ، وربّما لم يغلُظ، والجمع أَكَمٌ، وأكَمَاتْ، مثل قصَبَة، وقَصَب، وقَصَبَات، وجمع الأَكَم إِكَامٌ، مثل جبل وجِبَال، وجمع الإِكَام أُكُمٌ بضمتين، مثل كتاب وكُتُب، وجمع الأُكُم آكَام، مثل عُنُق وأَعْنَاق انتهى.

(غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي الْمَسْجدِ، الذِي بُنِيَ) بالبناء للمفعول (ثَمَّ) بفتح المثلّثة ظرف مكان للبعيد، وهو مبنيّ على الفتَح، يوقف عليه بالهاء، فيقال: ثَمَّهْ. والمراد هنا إشارة إلى موضع مخصوص معروف، أي في ذلك المكان (وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى أكَّمَةٍ خَشِنَةٍ) بفتح الخاء، وكسر الشين المعجمتين فقوله (غَلِيظَة) صفة كاشفة له.

وفي هذا التحديد، والتحقيق الذي صدر من ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - في

ص: 67

تعيين مواضع النبيّ صلى الله عليه وسلم دليلٌ على شدّة عنايته، وكمال اهتمامه بآثار النبيّ صلى الله عليه وسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان مسائله في -50/ 2732 - فراجعه، تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌104 - (دُخُولُ مَكَةَ لَيْلاً)

2864 -

(أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُزَاحِمُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، خَرَجَ لَيْلاً مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، حِينَ مَشَى مُعْتَمِرًا، فَأَصْبَحَ بِالْجِعِرَّانَةِ كَبَائِتٍ، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، خَرَجَ عَنِ الْجِعِرَّانَةِ، فِي بَطْنِ سَرِفَ، حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ، طَرِيقَ الْمَدِينَةِ مِنْ سَرِفَ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمران بن يزيد) هو عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم القرشيّ، ويقال: الطائيّ الدمشقيّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [10] 18/ 422.

2 -

(شعيب) بن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رُمي بالإرجاء، من كبار [9] 60/ 1766.

3 -

(ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [6] 28/ 32.

4 -

(مزاحم بن أبي مزاحم) المكيّ، مولى عمر بن عبد العزيز، ويقال: مولى طلحة، مقبول [6].

ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط.

5 -

(عبد العزيز بن عبد اللَّه) بن خالد بن أَسِيد -بفتح الهمزة- ابن أبي العيص بن أمية

ص: 68

ابن عبد شمس الأمويّ، ثقة [3].

قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وكناه أبا الحجّاج. وقال الزبير بن بكّار: استعمله عبد الملك بن مرون على مكة. وقال يحيى بن بكير: حجّ بالناس سنة (98) وهو أمير مكة. وذكره ابن شاهين في الصحابة من أجل حديث أرسله. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط.

6 -

(مُحَرِّش) -بضم أوله ، وفتح المهملة، وقيل: إنها معجمة، وكسر الراء المشدّدة، بعدها معجمة- ابن عبد اللَّه، أو ابن سويد بن عبد اللَّه الخزاعيّ، صحابيّ نزيل مكة. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعنه عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أَسِيد. قال ابن عبد البرّ: أكثر أهل العلم يقولون: مخرش، وينسبونه مخرش بن سويد بن عبد اللَّه بن مرّة، وهو معدود في أهل مكة. وقال عمرو بن عليّ الفلاّس: لقيت شيخًا بمكة، اسمه سالم، فاكتريت منه بعيرًا إلى منى، فسمعني أُحدّث بهذا الحديث، فقال: هو جدّي، وهو محرش بن عبد اللَّه الكعبيّ، ثم ذكر الحديث، وكيف مرّ بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقلت: ممن سمعته؟، فقال: حدثنيه أبي، وأهلنا. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ مُحَزشِ الْكَعْبِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، خَرَجَ لَيْلاً مِنَ الْجِعِرَّانَةِ) وذلك حين قسم غنائم حنين.

و"الجعرانة": موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي بالتخفيف، واقتصر عليه في "البارع"، ونقله جماعة عن الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في "المحكم"، وعن ابن المدينيّ: العراقيّون يثقّلون الجعرانة، والحديبية، والحجازيون يُخفّفونهما، فأخذ به المحدّثون على أن هذا اللفظ، ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب، وليس للتثقيل ذكرٌ في الأصول المعتمدة عن أئمة اللغة، إلا ما حكاه في "المحكم" تقليدًا له في الحديبية، وفي "الْعُبَاب": والجعرانة بسكون

ص: 69

العين. وقال الشافعيّ: المحدثون يُخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطابيّ. ذكره الفيّوميّ (حِينَ مَشَى مُعْتَمِرًا، فَأَصْبَحَ بِالجعِرَّانَةِ كَبَائِتٍ) يعني أنه صلى الله عليه وسلم من أجل أنه أهلّ بالعمرة ليلاً، فأداها ليلاً، ثم انصرف إلى الجعرانة، فصار كأنه بات ليله كله بها، ولم يخرج منها، ولذا خفيت هذه العمرة على بعض الصحابة رضي الله عنهم (حَتِّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، خَرَجَ عَنِ الْجعِرِّانَةِ، فِي بَطْنِ سَرِفَ) بفتح السين المهملة، وكسر الراء: موضع قريب من التنعيم (حَتَّىَ جَامَعَ الطَرِيقَ، طَرِيقَ الْمَدِينَةِ) بالنصب بدل من "الطريق"(مِنْ سَرِفَ) بيان للطريق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث محرّش الكعبيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-104/ 2864 و 2865 - وفي "الكبرى" 104/ 3846 و 3847. وأخرجه (د) في "المناسك" 1996 (ت) في "الحج" 935 (الدارميّ) في "المناسك" 1861. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز دخول مكة ليلًا. وقد ترجم البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله:"باب دخول مكة نهارًا، أو ليلاً"، ثم أورد حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب الماضي من طريق عبيد اللَّه، عن نافع، عنه، قال:"بات النبيّ صلى الله عليه وسلم بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - يفعله".

قال في "الفتح": وهو ظاهر في الدخول نهارًا. وقد أخرج مسلم من طريق أيوب، عن نافع، بلفظ:"كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا". وأما الدخول ليلاً فلم يقع منه صلى الله عليه وسلم إلا في عمرة الجعرانة، فإنه صلى الله عليه وسلم أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلاً، فقضى أمر العمرة، ثم رجع ليلاً، فأصبح بالجعرانة، كبائت، كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرّش الكعبيّ، وترجم عليه النسائيّ:"دخول مكة ليلاً". وروى سعيد بن منصور، عن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يستحبّون أن يدخلوا مكة نهارًا، ويخرجوا منها نهارًا. وأخرج عن عطاء: إن شئتم فادخلوها ليلاً، إنكم لستم كرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إنه كان إمامًا، فأحبّ أن

ص: 70

يدخلها نهارًا ليراه الناس انتهى.

وقضية هذا أن من كان إماماً يُقتدى به استُحبّ له أن يدخلها نهارًا انتهى

(1)

.

(ومنها): مشروعيّة أداء العمرة ليلاً. (ومنها): مشروعيّة العمرة من الجعرانة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2865 -

(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُزَاحِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، عَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، خَرَجَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ لَيْلاً، كَأَنَّهُ سَبِيكَةُ فِضَّةٍ، فَاعْتَمَرَ، ثُمَّ أَصْبَحَ بِهَا كَبَائِتٍ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سفيان": هو ابن عيينة.

وقوله: "كأنه سَبيكة فضّة" بالإضافة، في "القاموس": سَبيكة، كسفينة: القطعة المذابة، والمراد تشبيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقطعة من الفضّة في البياض، والصفاء. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌105 - (مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ مَكَّةَ)

2866 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [10] 4/ 4.

2 -

(يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [9] 4/ 4.

3 -

(عُبيد اللَّه) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [5] 15/ 15.

4 -

(نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 12/ 12.

(1)

- "فتح" 4/ 226.

ص: 71

5 -

(ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريّان. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (2630) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضحي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا) الثنية: هي الهضبة. وقيل: هي الكوم الصغير.

وفي رواية للبخاريّ، من رواية مسدد، عن يحيى القطّان: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دخل مكة من كداء، من الثنيّة العليا

وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كَدَاء، من أعلى مكة، وخرج من كُدًى".

قال في "الفتح": "كَداء" بفتح الكاف، والمدّ، قال أبو عبيد: لا يصرف. وهذه الثنية هي التي يُنزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الْحَجُون -بفتح المهملة، وضمّ الجيم- وكانت صعبة المرتقى، فسهلها معاوية، ثم عبد الملك، ثم المهديّ، على ما ذكره الأزرقيّ، ثم سهل في عصرنا هذا منها سنة (811 هـ) موضع، ثم سهّلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيّد في حدود (820هـ). وكلّ عقبة في جبل، أو طريق عال فيه تسمّى ثنيّة.

قال: "وكدى" بضم الكاف، مقصور، وهو عند باب الشبيكة بقرب شِعب الشاميين من ناحية قُعيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع. انتهى

(1)

.

وقال أيضًا: قال عياض، والقرطبيّ، وغيرهما: اختلف في ضبط كداء، وكُدًى، فالأكثر على أن العليا بالفتح والمدّ، والسفلى بالضمّ والقصر، وقيل: بالعكس. قالنوويّ: وهو غلط.

(الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ) أي مما يلي المقابر. و"البطحاء" تأنيث الأبطح، وهو في الأصل اسم لكلّ مكان متّسع. وهي المكان الذي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي،

(1)

- "فتح" 4/ 228 - 229.

ص: 72

واتسع، وهي التي يقاله لها: المحصّب، والمعرَّس، وحَدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة انتهى

(1)

.

وقال الجوهريّ: الأبطح مسيل واسع، فيه دُقَاق الحصى. وقال ابن سيده: وقيل: بطحاء الوادفا تراب ليّنٌ مما جرّته السيول، وجمعه بَطْحاوات، وبِطَاح. قاله في "اللسان".

(وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى") أي التي تلي باب العمرة.

واختلُف في المعنى الذي لأجله خالف النبيّ صلى الله عليه وسلم بين طريقيه، فقيل: ليتبرّك به كلّ من في طريقيه، ويدعو لأهل تينك الطريقين. وقيل: ليُغيظ المنافقين ممن في ذينك الطريقين منهم بإظهار الدين، وإعزاز الإسلام. وقيل: ليرى السعة في ذلك

(2)

. وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلوّ عند الدخول؛ لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه. وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام لما دخل مكة دخل منها. وقيل: لأنه صلى الله عليه وسلم خرج منها متخفّيًا في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهرًا عاليًا. وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلاً للبيت.

ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح، فاستمرّ على ذلك، والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعبّاس: لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء، فقلت ما هذا؟ قال: هذا شيء طلع بقلبي، وإن اللَّه لا يُطلع الخيل هناك أبدًا، قال العبّاس: فذكّرتُ أبا سفيان بذلك لما دخل. وللبيهقيّ من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: كيف قال حسّان؟، فأنشده:

عَدِمْتُ بَنيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا

تُثِيرُ النَّقْعَ مَطْلَعُهَا كَدَاءُ

فتبسّم، وقال: ادخلوها من حيث قال حسّان.

[تنبيه]: حكى الحميديّ عن أبي العبّاس العذريّ أن بمكة موضعًا ثالثًا، يقال لها: كُدَيّ، وهو بالضمّ، والتصغير، يُخرج منه إلى جهة اليمن. قال المحبّ الطبريّ: حققه العذريّ عن أهل المعرفة بمكة. قال: وقد بُني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن انتهى

(3)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

- "فتح" 4/ 423.

(2)

-"المفهم" 3/ 371 - 372.

(3)

- "فتح" 4/ 228 - 229.

ص: 73

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -105/ 2866 - وفي "الكبرى" 105/ 3848. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1533 و 1536 و 1554 و 1575 و 1576 (م) في "الحجّ" 1257 (د) في "المناسك" 1866 و 1867 (ق) في "المناسك" 2940 (أحمد) في "مسند المكثرين" 4611 و 4711 و 4828 و 5208 و 6248 (الدارمي) في "المناسك" 1928. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان محلّ استحباب دخول مكة، وهو أن يدخل من الثنية العليا التي تُسَمَّى الكّداء بالفتح والمدّ (ومنها): استحباب الخروج من الثنيّة السفلى الذي يُسَمَّى الكُدى بالضمّ والقصر. (ومنها): أن هذا الفعل للاستحباب، وليس من النسك، فلا يترتب على تركه شيء، بل من فعل ذلك اقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم كان له فيه ثواب عظيم، وخير كثير، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] ومن تركه فلا شيء عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌106 - (دُخُولُ مَكَّةَ بِاللَّوَاءِ)

2867 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، رضي الله عنه:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ مَكَّةَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت

(1)

- وفي نسخة: "حدّثني".

ص: 74

إمام [10] 2/ 2.

2 -

(يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [9] 92/ 114.

3 -

(شريك) بن عبد اللَّه النخعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ القاضي بواسط، ثم الكوفة، صدوق يخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً عابدًا شديدًا على أهل البدع [8] 25/ 29.

4 -

(عمّار) بن معاوية الدُّهْنيّ، أبو معاوية البجليّ الكوفيّ، صدوق يتشيّع [5] 7/ 697.

[تنبيه]: قوله: "الدُّهْنيّ" -بضم الدال المهملة، وسكون الهاء، آخره نون-: نسبة إلى دُهْن بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار، بطن من بَجِيلة. قاله في "اللباب" 1/ 520.

وقال النوويّ بعد ما ذكر نحو ما تقدّم-: ما نصّه: وهذا الذي ذكرناه من كونه بإسكان الهاء هو المشهور. ويقال: بفتحها، وممن حكي الفتح أبو سعيد السمعاني في الأنساب، والحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ. انتهى "شرح مسلم" 8/ 136 - 137. واللَّه تعالى أعلم.

5 -

(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [4] 31/ 35.

6 -

(جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام السَلَميّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وشريك أخرج له البخاريّ تعليقًا، ومسلم متابعة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ جَابِرِ، رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ مَكَّةَ) أي في عام الفتح، كما ذكره في رواية ابن ماجه، ولفظه:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح لوؤه أبيض"(وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ) لواء الجيش: عَلَمُهُ، وهو دون الرواية، والجمع ألوية. قاله الفيّوميّ. وفي "اللسان": واللواء: لواء الأمير ممدود، واللواء: العَلَم، والجمع ألوية، وألويات جمع

ص: 75

جمعه. وقال أيضًا: اللواء الراية، ولا يُمسكها إلا صاحب الجيش؛ قال الشاعر [من الوافر]،

غدَاةَ تَسَايَلَتْ من كُلِّ أَوبٍ

كَتَائِبُ عَاقِدِينَ لَهُمْ لِوَايَا

قال: وهي لغة لبعض العرب، تقول: احتميتُ احتمايًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - ضعيف

(1)

؛ لأن المحفوظ من حديث جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء، قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرجه-: ما نصّه: غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى، وسألت محمدًا عن هذا، فلم يعرفه، إلا من حديث يحيى، وقال: حدثنا غير واحد، قالوا: حدثنا شريك، عن عمار، عن أبي الزبير، عن جابر:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل مكة، وعليه عمامة سوداء". قال محمد: والحديث هو هذا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -106/ 2867 - وفي "الكبرى" 106/ 3849. وأخرجه (د) في "الجهاد" 2592 (ت) في "الجهاد" 1679 (ق) في "الجهاد" 2817. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌107 - (دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ)

2868 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَقِيلَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

(1)

- أورده الشيخ الألباني -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيح سنن النسائيّ" 2/ 603 رقم 2684 وقال: صحيح، وفي تصحيحه نظر لا يخفى.

ص: 76

2 -

(مالك) بن أنس الإمام الأصبحيّ المدنيّ الثبت الحجة [7] 7/ 7.

3 -

(ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحافظ الحجة [4] 1/ 1.

4 -

(أنس) بن مالك الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (147) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بَغلانيًا، إلا أن الظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه -، أحد المكثرين السبعة، روى (2286) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم، مات سنة (92) أو (93) وقد جاوز عمره مائة سنة، - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَنَسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. وفي رواية أبي أويس عند ابن سعد: "أنّ أنس بن مالك حدّثه"(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ) وفي الرواية التالية: "دخل مكة عام الفتح"(وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ) جملة حالية من الفاعل. وفي الرواية التالية: "وعلى رأسه المغفر". و"المغفر" بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الفاء: زرد يُنسج من الدروع على قدر الرأس، يبلس تحت القلنسوة. وقيل: هو رفرف البيضة. قاله في "المحكم". وقيل: هو حلق يتقنّع به المتسلّح. وفي "المشارق": هو ما يُجعل من فضل دروع الحديد على الرأس، مثل القلنسوة، والخمار.

وفي رواية زيد بن الحباب، عن مالك:"يوم الفتح، وعليه مغفر من حديد". أخرجه الدارقطنيّ في "الغرائب"، والحاكم في "الإكليل"، وكذا هو في رواية أبي أويس. قاله في "الفتح"، و"طرح التثريب"

(1)

.

(فَقِيلَ) أي قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي رواية البخاريّ: "فلما نزعه جاءه رجل، فقال: إن ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة". قال الحافظ: لم أقف على اسمه، إلا أنه يحتمل أن يكون هو الذي باشر قتله. وقد جزم الفاكهيّ في "شرح العمدة"، بأن الذي جاء بذلك هو أبو برزة الأسلميّ، وكأنه لما رجح عنده أنه هو الذي قتله رأى أنه هو الذي جاء مخبرًا بقصّته، ويرجحه قوله في رواية يحيى بن قَزَعَة في "المغازي":"فقال: اقتله" بصيغة

(1)

- "طرح" 5/ 86.

ص: 77

الإفراد (ابْنُ خَطَلٍ) بفتح الخاء المعجمة، والطاء المهملة، آخره لام. وسيأتي بيان الاختلاف في اسمه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (مُتَعَلِّقٌ بأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) بفتح الهمزة، جمع سِتْر بكسر، فسكون. وكان تعلقه بها استجارة بها. وذلكَ كما ذكر الواقديّ أنه خرج إلى الخندمة ليقاتل على فرس، وبيده قناة، فلما رأى خيل اللَّه، والقتل دخله رعب، حتى ما يستمسك من الرعدة، فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه، وطرح سلاحه، ودخل تحت أستارها، فأخذ رجل من الركب سلاحه، وفرسه، فاستوى عليه، وأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم "اقْتُلُوهُ" زاد الوليد بن مسلم عن مالك: فقُتل. أخرجه ابن عائذ، وصححه ابن حبان. وأخرج عمر بن شبّة في "كتاب مكة" عن السائب بن يزيد، قال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل، فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال:"لا يقتل قرشيّ بعد هذا صبرًا". قال الحافظ: رجاله ثقات، إلا أن في أبي معشر مقالاً.

واختُلف في اسم قاتله، ففي حديث سعيد بن يربوع عند الدارقطنيّ، والحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال:"أربعة لا أؤمّنهم لا في حلّ، ولاحرم: الحويرث بن نُقيد -بالنون، والقاف، مصغّرًا- وهلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد اللَّه بن أبي سرح"، قال: فأما هلال بن خطل، فقتله الزبير

الحديث. وفي حديث سعد بن أبي وقّاصّ عند البزّار، والحاكم، والبيهقيّ في "الدلائل" نحوه، لكن قال:"أربعة نفر، وامرأتين، فقال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة"، فذكرهم، لكن قال: عبد اللَّه ابن خطل بدل هلال. وقال عكرمة بدل الحويرث، ولم يسمّ المرأتين، وقال: "فأما عبد اللَّه بن خطل، فأُدرك، وهو متعلّق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمّارًا، وكان أشب الرجلين، فقتله

" الحديث.

وفي زيادات يونس بن بُكير في "المغازي" من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه نحوه. وروى ابن أبي شيبة، والبيهقيّ في "الدلائل" من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس:"أمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة، إلا أربعة من الناس: عبد العزّى بن خطل، ومقيس بن صبابة الكنانيّ، وعبد اللَّه بن أبي سرح، وأم سارة، فأما عبد العزى بن خطل، فقُتل، وهو متعلّق بأستار الكعبة". وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهديّ: "أن أبا برزة الأسلميّ قتل ابن خطل، وهو متعلّق بأستارة الكعبة"، وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك في "البرّ والصّلة" من حديث أبي برزة نفسه. ورواه أحمد من وجه آخر، وهو أصحّ ما ورد في تعيين قاتله، وبه جزم البلاذريّ، وغير من أهل العلم بالأخبار، وتُحمل بقية الروايات

ص: 78

على أنهم ابتدروا قتله، فكان المباشر له منهم أبو برزة.

ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام في "السيرة" بأن سعيد بن حريث، وأبا برزة الأسلميّ اشتركا في قتله. ومنهم من سمّى قاتله سعيد بن ذؤيب.

وحكى المحبّ الطبريّ أن الزبير بن العوّام هو الذي قتل ابن خطل. وروى الحاكم من طريق أبي معشر، عن يوسف بن يعقوب، عن السائب بن يزيد، قال:"فأُخذ عبد اللَّه ابن خطل من تحت أستار الكعبة، فقتل بين المقام وزمزم".

وقد جمع الواقديّ عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح، وأمر بقتله عشرة أنفس: ستة رجال، وأربع نسوة.

والسبب في قتل ابن خطل، وعدم دخوله في قوله:"من دخل المسجد، فهو آمن" ما روى ابن إسحاق في "المغازي": حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر، وغيره أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة، قال:"لا يقتل أحدٌ، إلا من قاتل، إلا نفرًا سماهم، فقال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة، منهم عبد اللَّه بن خطل، وعبد اللَّه بن سعد".

وإنما أمر بقتل ابن خطل؛ لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، مصدّقًا، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه، وكان مسلمًا، فنزل منزلاً، فأمر المولى أن يذبح تيسًا، ويصنع له طعامًا، فنام، واستيقظ، ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدّ مشركًا، وكانت له قينتان، تغنّيان بهجاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

وروى الفاكهيّ من طريق ابن جريج، قال: قال مولى ابن عباس: بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار، ورجلاً من مزينة، وابن خطل، وقال: أطيعا الأنصاريّ حتى ترجعا، فقتل ابن خطل الأنصاريّ، وهرب المزنيّ، وكان ممن أهدر النبيّ صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح.

ومن النفر الذين كان أهدر دمهم النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل الفتح غير من تقدّم ذكره هبار بن الأسود، وعكرمة بن أبي جهل، وكعب بن زُهير، ووحشيّ بن حرب، وأسيد بن إياس ابن أبي زنيم، وقينتا ابن خطل، وهند بنت عتبة.

والجمع بين ما اختُلِفَ فيه من اسمه أنه كان يسمى عبد العزّى، فلما أسلم سمي عبد اللَّه، وأما من قال: هلال، فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال، بيّن ذلك الكلبيّ في النسب. وقيل: هو عبد اللَّه بن هلال بن خطل. وقيل: غالب بن عبد اللَّه بن خطل، واسم خطل عبد مناف، من بني تميم بن فهو ابن غالب. قاله في "الفتح"

(1)

. وستأتي

(1)

- "فتح" 4/ 538 - 539.

ص: 79

قصّة ابن خَطَل، وبقية الأربعة مع المرأتين عند المصنّف في "كتاب المحاربين مطوّلةً برقم 14/ 4069 - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-107/ 2868 و 2869 - و"الكبرى" 107/ 3850 و 3851. (وأخرجه) في "الحجّ" 1846 و"الجهاد والسير" 3044 و"المغازي" 4286 و"اللباس" 5808 (م) في "الحج" 1357 (د) في "الجهاد" 2685 (ت) في "الجهاد" 1693 (ق) في "الجهاد" 2805 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 11657 و12270 و 13441 و 12932 و 13000 و 13024 و 13106 (الموطأ) في "الحجّ" 964 (الدارميّ) في "المناسك" 1938. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): أنه قد اشتهر أن هذا الحديث تفرّد به الزهريّ، عن أنس رضي الله عنه. لكن قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد وقع لي من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس، في "فوائد أبي الحسن الفرّاء الموصليّ" وفي الإسناد إلى يزيد مع ضعفه ضعف. انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن مثل هذه المتابعة لا تخرجه عن الغرابة؛ إذ يزيد الرقاشيّ لا يعتبر به؛ لشدة ضعفه، ولا سيّما مع ضعف الإسناد إليه. واللَّه تعالى أعلم.

ثم قيل: إن مالكًا تفرّد به عن الزهريّ، وممن جزم بذلك ابن الصلاح في "علوم الحديث" له في الكلام على الشاذّ. وتعقّبه الحافظ العراقيّ بأنه ورد من طريق ابن أخي الزهريّ، وأبي أويس، ومعمر، والأوزاعيّ، وقال: إن رواية ابن أخي الزهريّ عند أبي بكر البزّار في "مسنده"، ورواية أبي أُويس عند ابن سعد في "الطبقات"، وابن عديّ في "الكامل"، وإن رواية معمر ذكرها ابن عديّ في "الكامل"، وإن رواية الأوزاعيّ ذكرها المزيّ في "الأطراف". ولم يذكر العراقيّ من أخرج روايتهما. قال الحافظ: وقد وجدت رواية معمر في "فوائد ابن المقري"، ورواية الأوزاعيّ في "فوائد تمّام".

ثم نقل الحافظ العراقيّ عن ابن مسدي في "معجم شيوخه" أن أبا بكر ابن العربيّ قال لأبي جعفر ابن المرخي -حين ذكر له أنه لا يُعرف إلا من حديث مالك، عن الزهريّ- قال: قد رويته من ثلاثة عشر طريقًا، غير طريق مالك، فقالوا له: أفدنا هذه الفوائد، فوعدهم، ولم يُخرج لهم شيئًا. ثم تعقّب ابن مسدي هذه الحكاية بأن شيخه فيها، وهو

ص: 80

أبو العباس العشاب كان متعصبًا على ابن العربيّ؛ لكونه كان متعصّبًا على ابن حزم، فاللَّه أعلم. كذا قال وليّ الدين

(1)

.

وعبارة الحافظ في "الفتح": وأطال ابن مسدي في هذه القصّة، وأنشد فيها شعرًا، وحاصلها أنهم اتهموا ابن العربيّ في ذلك، ونسبوه إلى المجازفة. ثم شرع ابن مسدي يقدح في أصل القصّة، ولم يصب في ذلك، فراوي القصّة عدل متقن، والذين اتهموا ابن العربيّ في ذلك هم الذين أخطئوا؛ لقلّة اطلاعهم، وكأنه بخل عليهم بإخراج ذلك؛ لما ظهر له من إنكارهم، وتعنّتهم.

وقد تتبّعت طرقه حتى وقفت على أكثر من العدد الذي ذكره ابن العربيّ -وللَّه الحمد- فوجدته من رواية اثني عشر نفسًا، غير الأربعة التي ذكرها الحافظ العراقيّ، وهم: عُقيل في "معجم ابن جميع"، ويونس بن يزيد في "الإرشاد" للخليليّ، وابن أبي حفص في "الرواة عن مالك" للخطيب، وابن عيينة في "مسند أبي يعلى"، وأسامة بن زيد في "تاريخ نيسابور"، وابن أبي ذئب في "الحلية"، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي الموالي في "أفراد الدارقطنيّ"، وعبد الرحمن، ومحمد ابنا عبد العزيز الأنصاريان في "فوائدعبد اللَّه بن إسحاق الخراسانيّ"، وابن إسحاق في "مسند مالك" لابن عديّ، وبحر السقاء، ذكره جعفر الأندلسيّ في تخريجه للجيزيّ -بالجيم، والزاي-، وصالح ابن أبي الأخضر، ذكره أبو ذرّ الهرويّ عقب حديث يحيى بن قَزَعَة، عن مالك، المخرّج عند البخاريّ في "المغازي".

فتبيّن بذلك أن إطلاق ابن الصلاح متعقّبٌ، وأن قول ابن العربيّ صحيح، وأن كلام من اتهمه مردود، ولكن ليس في طرقه شيء على شرط الصحيح إلا طريق مالك، وأقربها رواية ابن أخي الزهريّ، فقد أخرجها النسائيّ في "مسند مالك"، وأبو عوانة في- "صحيحه"، وتليها رواية أبي أويس، أخرجها أبو عوانة أيضًا، وقالوا: إنه كان رفيق مالك في السماع عن الزهريّ، فيحمل قول من قال: انفرد به مالك، أي بشرط الصحّة، وقول من قال: توبع -أي في الجملة.

وعبارة الترمذيّ سالمة من الاعتراض، فإنه قال -بعد تخريجه-: حسن صحيح غريب، لا يُعرف كثير أحد رواه غير مالك، عن الزهريّ. فقوله:"كثير" يشير إلى أنه توبع في الجملة انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(1)

- "طرح التثريب" 5/ 83 - 84.

(2)

- "فتح" 4/ 537 - 538.

ص: 81

(المسألة الرابعة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز دخول مكة بغير إحرام، وذلك لمن لم يرد الحجّ، أو العمرة، وفي ذلك خلاف، سيأتي تحقيقه في المسألة السادسة، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به على أنه صلى الله عليه وسلم فتح مكة عَنْوة. وأجاب النوويّ بأنه صلى الله عليه وسلم كان صالحهم، لكن لما لم يأمن غدرهم دخل متأهبًا. قال الحافظ: وهذا جواب قويّ، إلا أن الشأن في ثبوت كونه صالحهم، فإنه لا يعرف في شيء من الأخبار صريحًا.

(ومنها): أنه استُدِلّ بقصّة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة. قال ابن عبد البرّ: كان قتل ابن خطل قَوَدًا من قتله المسلم. وقال السهيليّ: فيه أن الكعبة لا تعيذ عاصيًا، ولا تمنع من إقامة حدّ واجب. وقال النوويّ: تأول من قال: لا يُقتل فيها على أنه صلى الله عليه وسلم قتله في الساعة التي أبيحت له، وأجاب عنه الشافعيّة بأنها إنما أُبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها، وأذعن أهلها، وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك انتهى.

وتُعُقّب بأن المراد بالساعة التي أحلّت له ما بين أول النهار، ودخول وقت العصر، وقتل ابن خطل كان قبل ذلك قطعًا؛ لأنه قيّد في الحديث بأنه كان عند نزعه صلى الله عليه وسلم المغفر، وذلك عند استقراره بمكة. وقد قال ابن خزيمة: المراد بقوله في حديث ابن عباس: "ما أحلّ اللَّه لأحد فيه القتل غيري" أي قتل النفر الذين قُتلوا يومئذ: ابن خطل، ومن ذكر معه، قال: وكان اللَّه قد أباح له القتال، والقتل معًا في تلك السنة، وقتل ابن خطل وغيره بعد تقضي القتال.

(ومنها): أنه استُدلّ به أيضًا على جواز قتل الذميّ إذا سبّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وفيه نظر، كما قال ابن عبد البرّ؛ لأن ابن خطل كان حربيًّا، ولم يُدخله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أمانه لأهل مكة، بل استثناه مع من استثنى، وخرج أمره بقتله مع أمانه لغيره مخرجًا واحدًا، فلا دلالة فيه لما ذكر انتهى.

ويمكن أن يتمسّك به في جواز قتل من فعل ذلك بغير استتابة من غير تقييد بكونه ذميًّا، لكن ابن خطل علم بموجبات القتل، فلم يتحتّم أن سبب قتله السبّ. ذكره في "الفتح".

(ومنها): أنه استَدلّ به البخاريّ وغيره على جواز قتل الأسير صبرًا، وهو استدلال واضح؛ لأن القدرة على ابن خطل صيّرته كالأسير في يد الإمام، وهو مخيّرٌ فيه بين القتل وغيره. لكن قال الخطابيّ: إنه صلى الله عليه وسلم قتله بما جناه في الإسلام. وقال ابن عبد البرّ:

ص: 82

قتله قوَدًا من دم المسلم الذي غدر به، وقتله، ثم ارتدّ، كما تقدّم.

(ومنها): أنه استدلّ به على جواز قتل الأسير من غير أن يعرض عليه الإسلام، ترجم بذلك أبو داود.

(ومنها): مشروعية لبس المغفر، وغيره من آلات الحرب حال الخوف من العدوّ، وأنه لا ينافي التوكّل. وقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى - رضي اللَّه تعالى عنه -: "اعتمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلما دخل مكة طاف، وطفنا معه، ومعه من يستره من أهل مكة أن يرميه أحد

" الحديث. وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان حينئذ محرمًا، فخشي الصحابة أن يرميه بعض سفهاء المشركين بشيء يؤذيه، فكانوا حوله، يسترون رأسه، ويحفظونه من ذلك.

(ومنها): جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمور، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمة، ولا النميمة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): ظاهر حديث الباب أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرمًا، وقد صرّح بذلك مالك راوي الحديث، كما ذكره البخاريّ في "كتاب المغازي" عن يحيى ابن قَزَعَة، عن مالك عقب هذا الحديث:"قال مالك: ولم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما نرى-واللَّه أعلم- يومئذ محرمًا" انتهى. وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، جازمًا به، أخرجه الدارقطنيّ في "الغرائب". ووقع في "الموطإ" من رواية أبي مصعب وغيره، قال مالك:"قال ابن شهاب: ولم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومئذ محرمًا". وهذا مرسل، ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ:"دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء، بغير إحرام". وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن طاوس، قال:"لم يدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة إلا محرما، إلا يوم فتح مكة". قاله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أنه صلى الله عليه وسلم، وأصحابه - رضي اللَّه تعالى عنهم - دخلوا مكة يوم الفتح غير محرمين، فهو دليل واضح للمذهب الصحيح أن دخولها بغير إحرام لمن لم يرد الحج، أو العمرة جائز، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في دخول مكة بغير إحرام:

ذهب أصحاب الشافعيّ: إلى أن الأصحّ إن لم يتكرّر دخوله عدم وجوب الإحرام عليه، وهذا قول أكثرهم، فإن تكرركالحطابين، ونحوهم، فهو أولى بعدم الوجوب، وهو المذهب.

(1)

- "فتح" 4/ 539 - 540.

ص: 83

وذهب الحنابلة إلى وجوب الإحرام إلا على الخائف، وأصحاب الحاجات المتكرّرة، هذا هو المشهور عندهم، ولم يوجبه بعضهم. وعن أحمد ما يدلّ عليه.

وذهب المالكية في المشهور عنهم إلى وجوبه على غير ذوي الحاجات المتكررة. قال وليّ الدين: ولم أرهم استثنوا الخائف، والظاهر أنهم لا ينازعون في استثنائه، فهو أولى بعدم الوجوب من ذوي الحاجات المتكررة. وذهب أبو مصعب إلى عدم وجوبه، وهو رواية ابن وهب عن مالك. وَرُوِيَ عنه أيضًا مثل رواية غيره من أصحابه. حكاه ابن عبد البرّ.

وذهب الحنفية إلى وجوبه مطلقًا. قال وليّ الدين: ولم أرهم استثنوا من ذلك إلا من كان داخل الميقات، فلم يوجبوا عليه الإحرام، والظاهر أنهم أيضًا لا ينازعون في الخائف، بل ولا في ذوي الحاجات المتكرّرة، وإن لم يصزحوا باستثنائهم، فإنهم علّلوا منع الوجوب فيمن هو داخل الميقات بأنه يكثر دخولهم مكة، وفي إيجاب الإحرام عليهم كلّ مرّة حرج بيّنٌ، فصاروا كأهل مكة، حيث يباح لهم الخروج منها، ثم دخولها بغير إحرام، لكن مقتضى كلام ابن قدامة في "المغني" منازعتهم في هاتين الصورتين أيضًا.

وقد تحرّر من ذلك أن المشهور من مذهب الشافعيّ عدم الوجوب مطلقًا. ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب، إلا فيما يستثنى، وحكاه ابن عبد البرّ، والقاضي عياض عن أكثر العدماء. وعدمُ الوجوب محكى عن عبد اللَّه بن عمر، وبه قال الزهريّ، والحسن البصريّ، وزعم ابن عبد البرّ انفرادهما بذلك من بين السلف، وأن المشهور عن الشافعيّ الوجوب، وليس كما قال، وذهب إلى عدم الوجوب أيضًا داود، وابن حزم، فقد نصره في كتابه "المحلّى"، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة، وأبو البقاء ابن عقيل، قال ابن مفلح في "الفروع": وهي ظاهرة

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أنّ دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد الحج، أو العمرة جائزٌ؛ لحديث الباب، فقد دخل صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم غير محرمين، ولصريح قوله صلى الله عليه وسلم عند تحديده المواقيت:"هن لهنّ، ولمن أتى عليهنّ، من غير أهلهنّ، ممن كان يريد الحجّ، والعمرة". متّفق عليه، فقد صرّح بأن وجوب الإحرام من المواقيت المحدّدة لمن أراد الحجّ، أو العمرة، فدلّ على أن من لم يردهما، أو أحدهما لا يجب عليه الإحرام منها.

وأيضًا فقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يترددون إلى مكة في حوائجهم، فلم ينقل عنه أنه أمر أحدًا بأن يدخل محرمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،

(1)

- "طرح التثريب" 5/ 84 - 86. و"المرعاة" 8/ 355.

ص: 84

وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2869 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ، عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، "عبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم"، أبو قُديد النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة ثبت.

و"عبد اللَّه بن الزبير" بن عيسى بن عبيد اللَّه بن أسامة بن عبد اللَّه بن حُميد بن نصر بن الحارث بن أسد بن عبد العزى. وقيل: في نسبه غير ذلك. أبو بكر القرشيّ الأسديّ الحميديّ المكيّ، ثقة حافظ فقيه، أجلّ أصحاب ابن عيينة [10].

قال أحمد: الحميديّ عندنا إمام. وقال أبو حاتم: هو أثبت في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا الحميديّ، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. وقال محمد بن عبد الرحمن الهرويّ: دخلت مكة عقب وفاة ابن عيينة، فسألت عن أجلّ أصحابه؟، فقالوا: الحميديّ. وقال ابن عديّ: ذهب مع الشافعيّ إلى مصر، وكان من خيار الناس. وقال الحاكم: ثقة مأمون، قال: ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه إلى غيره من الثقة به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: صاحب سنة وفضل ودين. وقال ابن سعد: مات بمكة سنة (219)، وكان ثقة كثير الحديث. وكذا أرّخّه البخاريّ، وأرخه غيرهما سنة (220). روى له البخاريّ، ومسلم في "المقدمة"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وأخرج له ابن ماجه في "التفسير".

[تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى""عبد اللَّه بن نمير" بدل "عبد اللَّه بن الزبير"، وهو غلط فاحش، والصواب "ابن الزبير"، وهو الحميدي المترجم آنفًا، وقد صرح به في "الكبرى" جـ 2 ص 382 رقم (3851)، وصرح به أيضًا في "تحفة الأشراف" جـ 1 ص 389 رقم (1527). واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

و"سفيان": هو ابن عيينة.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2870 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، بِغَيْرِ إِحْرَامٍ").

ص: 85

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد المذكور قبل حديث.

2 -

(معاوية بن عمار) بن أبي معاوية الدُّهْنيّ -بضم الدال المهملة، وسكون الهاء، ثم نون- البجليّ الكوفيّ، صدوق [8]. وهو ولد عمار الدُّهْني المذكور في الباب الماضي.

قال ابن معين، والنسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث برقم -2870 و 5344. وقال في "تهذيب التهذيب": له في "صحيح مسلم"، والنسائيّ حديث واحد متابعةً في دخوله صلى الله عليه وسلم مكة بغير إحرام. انتهى

(1)

.

3 -

(أبو الزبير) محمد بن مسلم المذكور في الباب الماضي.

4 -

(جابر بن عبد اللَّه) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (148) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله عنه من المكثرين السبعة روى (1540) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكِّةَ) أي دخل مكة يوم فتح مكة (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) جملة في محلّ نصب على الحال. وفيه جواز لباس الثياب السُّود. وفي حديث عمرو بن حريث رضي الله عنه، عند مسلم:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطب الناس، وعليه عمامة سوداء". قال النوويُّ: فيه جواز لباس الأسود في الخطبة، هان كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح:"خير لباسكم البياض"، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز انتهى

(2)

(1)

- "تهذيب التهذيب" 4/ 110 - 111.

(2)

- "شرح مسلم" جـ 9 ص 133.

ص: 86

(بغَيرِ إِحْرَام) هذا محلّ الترجمة، فإنه صريح في كون النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح هو، وَأصحابه صلى الله عليه وسلم غير محرمين، فدلّ على جواز دخولها بغير إحرام لمن لا يريد حجًّا، ولا عمرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-107/ 2870 وفي "كتاب الزينة" 109/ 5344 و 5345 - وفي "الكبرى" 107/ 3852 وفي "كتاب الزينة" 108/ 9755 و 9756. وأخرجه (م) في "الحج" 1358 (د) في "اللباس" 4076 (ت) في "اللباس" 1735 (ق) في "الجهاد" 2822 وفي "اللباس" 3585 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 14488 و 14737 (الدارميّ) في "المناسك" 1939. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): زعم الحاكم في "الإكليل" أن بين حديث أنس رضي الله عنه الذي قبل هذا في المغفر، وبين حديث جابر رضي الله عنه هذا في العمامة السوداء معارضة.

وتعقّبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم أزاله، ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رآه. ويؤيّده أن في حديث عمرو بن حُريث:"أنه خطب الناس، وعليه عمامة سوداء". أخرجه مسلم أيضًا. وكانت الخطبة عند باب الكعبة، وذلك بعد تمام الدخول. وهذا الجمع لعياض. وقال غيره: يُجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر، وقاية لرأسه صلى الله عليه وسلم من صدإ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم. وبهذا يدفع إشكال من قال: لا دلالة في الحديث على جواز دخول مكة بغير إحرام؛ لاحتمال أن يكون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان محرمًا، ولكنه غطى رأسه لعذر، فقد اندفع ذلك بتصريح جابر رضي الله عنه بأنه لم يكن محرمًا.

وأما دعوى أن دخول مكة بغير إحرام من خصائص النبيّ صلى الله عليه وسلم، فغير صحيحة، إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ومما يبطلها أن الصحابة رضي الله عنه لم يكونوا محرمين مثله، فبطل ما ادّعوه انتهى من "الفتح" باختصار، وتصرّف

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،

(1)

- "فتح" 5/ 540.

ص: 87

وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌108 - (الْوَقْتُ الَّذِي وَافَى فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ)

2871 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ، لِصُبْحِ رَابِعَةٍ، وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحِلُّوا").

قال الجامع عفا اللَّه تعَالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا.

و"محمد بن معمر": هو القيسيّ البحرانيّ

(1)

البصريّ، أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة، كما تقدّم غير مرّة، من كبار [11] 5/ 829.

و"حبّان" -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة-: هو ابن هلال، أبو حبيب البصريّ الثقة الثبت [9] 44/ 590.

و"وُهيب": هو ابن خالد الباهليّ البصريّ الحافظ الثقة الثبت [7] 21/ 427.

و"أيوب": هو ابن أبي تميمة كيسان السخياتيّ البصريّ الثبت الحجة الفقيه [5] 42/ 48.

و"أبو العالية البرّاء" -بتشديد الراء- زياد بن فيروز، وقيل: في اسمه غير ذلك البصريّ الثقة [4] 2/ 778. و"البرّاء" لقبه؛ لكونه كان يبري النبل.

وقوله: "لصبح رابعة": أي في صبح ليلة رابعة لشهر ذي الحجة، وكان ذلك صباح يوم الأحد.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، وفي مسائله في 77/ 2813.

(1)

-[تنبيه]: وقع في "برنامج موسوعة الحديث الشريف" للكتب التسعة غلط، وذلك أنه ترجم هنا لمحمد بن معمر الحضرميّ، والصواب أنه محمد بن معمر القيسي البحرانيّ، كما صرح به النسائيّ في "الكبرى". فتنبّه.

ص: 88

ودلالته هنا على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2872 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، وَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَفْعَلْ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن كثير، أبو غسّان": هو العنبريّ البصريّ، ثقة [9] 43/ 223.

وقوله: "أبو غسّان" هكذا نسخ "المجتبى" التي بين يديّ برفع "أبو"، وله وجه صحيح، وهو أن يكون خَبَرًا لمحذوف: أي هو أبو غسّان. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "لأربع مضين الخ" أي لأربع ليال مضين من شهر ذي الحجة.

[تنبيه]: وقع في "الكبرى": "لأربع بقين من ذي الحجة"، وهو غلط، والصواب "مضين"، كما هو في "المجتبى"؛ لأنه يكون المعنى عليه في آخر شهر ذي الحجة، وذلك غلط فاحش. فتنبّه.

والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2873 -

(أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: عَطَاءٌ، قَالَ جَابِرٌ: "قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شعيب": هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ الدمشقيّ. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفى في -51/ 2740. ودلالته على الترجمة هنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 89

‌109 - (إِنْشَادُ الشِّعْرِ فِي الْحَرَمِ، وَالْمَشْيُ بَيْنَ يَدَيِ الإِمَامِ)

2874 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ، فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:

خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ

الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ

ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ

وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَفِي حَرَمِ اللَّهِ عز وجل، تَقُولُ الشِّعْرَ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«خَلِّ عَنْهُ، فَلَهُوَ أَسْرَعُ فِيهِمْ، مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ» ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أبو عاصم، خُشيش -بمعجمات مصغرًا- ابن أصرم) بن الأسود النسائيّ، ثقة حافظ [11] 44/ 590.

2 -

(عبد الرزّاق) بن همّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف مشهور، تغير بآخره، وكان يتشيّع [9] 61/ 77.

3 -

(جعفر بن سليمان) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق زاهد، يتشيع [8] 14/ 14.

4 -

(ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [4] 45/ 53.

5 -

(أنس) بن مالك الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من جعفر. (ومنها): أن فيه ثابتًا ألزم الناس لأنس رضي الله عنه لزمه أربعين سنة، وفيه أنس رضي الله عنه من المكثرين السبعة روى (2286) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 90

شرح الحديث

(عَنْ أَنَسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ، فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ) اختُلف في سبب تسميتها بهذا الاسم، فقيل: المراد ما وقع من المقاضاة بين المسلمين، والمشركين، من الكتاب الذي كُتب بينهم بالحديبية، فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الصلح، ولذلك يقال لها: عمرة القضيّة. قال أهل اللغة: قاضى فلانًا: عاهده، وقاضاه: عاوضه. فيحتمل تسميتها بذلك للأمرين. قاله عياض. ويرجّح الثاني تسميتها قصاصًا، قال اللَّه تعالى:{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} الآية [البقرة: 194]. قال السهيليّ: تسميتها عمرة القصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها.

قال الحافظ: كذا رواه ابن جرير، وعبد بن حُميد بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي في "مغازيه". وقال ابن إسحاق: بلغنا عن ابن عباس، فذكره. ووصله الحاكم في "الإكليل" عن ابن عباس، لكن في إسناده الواقديّ.

وقال السهيليّ: سميت عمرة القضاء؛ لأنه قاضى فيها قريشًا، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صُدّ عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامّة، ولهذا عدّوا عُمَرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أربعًا.

وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعُدّت عمرة الحديبية في العُمَر؛ لثبوت أجرها، لا لأنها كملت.

وهذا الاختلاف مبنيّ على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر، فصُدّ عن البيت، فقال الجمهور: يجب عليه الهدي، ولا قضاء عليه، وهو الصحيح، وعن أبي حنيفة عكسه. وعن أحمد رواية أنه لا يلزمه هديٌ، ولا قضاء، وأخرى يلزمه الهدي والقضاء. وقد تقدّم البحث في هذا مُسْتَوْفًى قبل ستة أبواب في باب "فيمن أُحصر بعدو"، فراجعه تستفد.

والحاصل أنه تحصّل من أسمائها أربعة: القضاء، والقضيّة، والقصاص، والصلح. قاله في "الفتح"

(1)

.

(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الشاعر، أحد السابقين، واستشهد بمؤتة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وكان ثالث الأمراء بها، في جمادى الأولى، سنة ثمان من الهجرة (يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حالية، كسابقتها، إما متداخلة، أو مترادفة، والبيتان من بحر الرجز، الذي أجزاؤه مستفعلن ست مرّات.

(1)

- "فتح" 8/ 285 - 286 في "كتاب المغازي" -"باب عمرة القضاء".

ص: 91

(خَلُّوا) فعل أمر من التخلية، أي تنحّوا، وابتعدوا (بَنِي الْكُفَّارِ) منادى بحذف حرف النداء، أي يا بني الكفّار، أو منصوب على الاختصاص، أي أخصّ بني الكفّار (عَنْ سَبيلِهِ) متعلق بـ "خلّوا"، والضمير المجرور للنبيّ صلى الله عليه وسلم (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفية، متعَلّق بقوله (نضْرِبْكُمْ) بسكون الباء، للوزن، قال ابن الأثير في "النهاية": سكون الباء من "نضربكم" من جائزات الشعر، وموضعها الرفع. قال السنديّ: نبّه على ذلك لئلا يُتوهّم أن جزمه لكونه جواب الأمر، فإن جعله جوابًا فاسدٌ معنىً. ولعل المراد نضربكم إن نقضتم العهد، وصددتموه عن الدخول، وإلا فلا يصحّ ضربهم لمكان العهد انتهى

(1)

(عَلَى تَنْزِيلِهِ) أي لأجل تنزيل النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة، أي نضربكم حتى نُنزله بمكة. وقيل: المراد تنزيل القرآن، أي نضربكم لأجل نزوله بضربكم إن لم تستجيبوا له. وفي الرواية الآتية -121/ 2894 - :"على تأويله" بدل "تنزيله"، أي نضربكم حتى تذعنوا إلى تأويله، أو نضربكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه (ضَرْبًا) مفعول مطلق لنضربكم (يُزِيلُ الْهَامَ) بتخفيف الميم. قال في "النهاية": الهام جمع هامة، وهي أعلى الرأس (عَنْ مَقِيلِهِ) بفتح الميم: أي موضعه، مستعار من موضع القائلة، أي النوم نصف النهار (وَيُذْهِلُ) بضم أوله، من الإذهال، أي يجعله ذاهلاً يقال: ذَهلَ عن الشيء يَذْهَلُ من باب تعب ذُهُولاً: غَفَلَ، وقد يتعدى بنفسه، فيقال: ذَهَلَته من باب دخل، والأكثرُ أن يتعدى بالألف، فيقال: أذهلني فلان عن الشيء، وقال الزمخشري: ذَهَلَ عن الأمر: تناساه عَمْدًا، وشُغِلَ عنه. أفاده في "المصباح"(الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ) أي الصَّدِيق عن صديقه (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَا ابْنَ رَوَاحَة، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَفِي حَرَمِ اللَّهِ عز وجل، تَقُولُ الشَّعْرَ؟) كأن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنه رأى أن الشعر منكر، فلا ينبغي أن يقال بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حرمه تعالى، ولم يلتفت إلى تقرير النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لاحتمال أن يكون قلبه مشتغلاً بما منعه عن الالتفات إلى الشعر (قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: خَلِّ عَنْهُ) أي تخلّ عن ابن رواحة، واتركه يقول فيهمُ الشعر (فَلَهُوَ) أي شعره. وفي "الكبرى":"فهي"، أي كلماته (أَسْرَعُ فِيهِمْ) أي في التأثير في قلوبهم (مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ) - بنون، وضاد معجمة، وحاء مهملة- يقال: نضح فلانًا بالنبل، من باب نفع: إذا رماه به. و"النبل": السهام العربيّة، وهي مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سهم، فهي مفردة اللفظ، مجموعة المعنى. قاله الفيّوميّ.

يعني أن الشعر أسرع تأثيرًا، وأقوى إقناعًا للمشركين من رميهم بالسهام، فهو أولى ما يواجهون به في مثل هذه الساعة، وفي هذا الحرم المحترم.

(1)

- "شرح السنديّ" 5/ 202.

ص: 92

وفي الرواية الآتية في -121/ 2894 - : "فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشدّ عليهم من وقع النَّبْلِ".

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -109/ 2874 و 121/ 2894 - وفي "الكبرى" 109/ 3856 و 120/ 3876. وأخرجه (ت) في "الأدب" 2847. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز إنشاد الشعر في الحرم، وجواز المشي بين يدي الإمام بإذنه. (ومنها): مجاهدة الكفار، والمنافقين بالكلام، كما يجاهدون بالسهام. (ومنها): أن الجهاد بالكلام يكون أشد من وقع السهام، كما قاله صلى الله عليه وسلم، ولذا قال الشاعر:

جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ

وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللَّسَانُ

(ومنها): إنكار المنكر بحضرة من هو أولى منه علمًا، وفضلاً؛ لاحتمال أن يكون الأعلم غفل عنه.

(ومنها): بيان خطإ من أخطأ في أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، مع بيان سبب خطئه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): أخرج الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- حديث أنس رضي الله عنه هذا عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق بسند المصنف، ثم هذا حديث حسن غريب صحيح

(1)

من هذا الوجه. وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضًا عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس نحو هذا. ورُوي في غير هذا الحديث:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وكعبُ بن مالك بين يديه". وهذا أصحّ عند بعض أهل الحديث؛ لأن عبد اللَّه بن رواحة قُتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك انتهى

(2)

.

(1)

- هكذا في نسخة "تحفة الأحوذي" زيادة لفظة "صحيح"، وذكره الحافظ في "الفتح" بدونها. واللَّه أعلم.

(2)

- راجع " جامع الترمذيّ" بسخة الشرح 8/ 138 - 140.

ص: 93

واعترض الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" بعد نقل كلام الترمذيّ المذكور: بما حاصله: وهو ذهول شديدٌ، وغلطٌ مردود، وما أدري كيف وقع الترمذيّ في ذلك، مع وفور معرفته، ومع أن في قصّة عمرة القضاء اختصام جعفر، وأخيه عليّ، وزيد بن حارثة في بنت حمزة، وجعفر قُتل هو، وزيد، وابن رواحة في موطن واحد؟، وكيف يخفى عليه -أعني الترمذيّ- مثل هذا؟. ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذيّ من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخطّ الكروخيّ، راوي الترمذيّ ما تقدّم. واللَّه أعلم.

وقد صححه ابن حبان من الوجهين، وعجيب من الحاكم كيف لم يستدركه، مع أن الوجه الأول على شرطهما، ومن الوجه الثاني على شرط مسلم؛ لأجل جعفر بن سليمان. انتهى. كلام الحافظ بتصرّف يسير

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): أخرج عبد الرزاق حديث أنس رضي الله عنه هذا من وجهين:

[أحدهما]: طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، الذي أخرجه المصنف منه هنا، والترمذيّ في الأدب.

[والثاني]: روايته عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس رضي الله عنه: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد اللَّه بن رواحة يُنشد بين يديه:

خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ

قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ

بِأنَّ خَيرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهِ

نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ

كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ

أخرجه أبو يعلى من طريقه. وأخرجه الطبرانيّ عن عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه، عن عبد الرزاق. وقد أخرجه الطبرانيّ أيضًا عاليًا عن إبراهيم بن أبي سويد، عن عبد الرزاق. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقيّ في "الدلائل". وأخرجه من طريق أبي الأزهر، عن عبد الرزاق، فذكر القسم الأول من الرجز، وقال بعده:

الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِلِهِ

ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ

وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ

يَارَبَّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ

قال الدارقطنيّ في "الأفراد" تفرّد به معمر، عن الزهريّ، وتفرّد به عبد الرزّاق، عن معمر. قال الحافظ: وقد رواه موسى بن عقبة في "المغازي" عن الزهريّ أيضًا، لكن لم يذكر أنسًا، وعنده بعد قوله:

(1)

- "فتح" 8/ 287 - 288. "كتاب المغازي" - "باب عمرة القضاء".

ص: 94

قدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ

فِي صُحُفِ تُتْلَى عَلَى رَسُولِهِ

وذكر ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم، قال: بلغني

فذكره، وزاد بعد قوله:

يَا رَبَّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ

إِنَّي رَأَيْتُ الْحَقَّ فِي قَبُولِهِ

وزعم ابن هشام في "مختصر السيرة" أن قوله: "نحن ضربناكم على تأويله" إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر، قاله يوم صفّين. قال: ويؤيده أن المشركين لم يقرّوا بالتنزيل، وإنما يقاتل على التأويل من أقرّ بالتنزيل انتهى.

قال الحافظ: وإذا ثبتت الرواية، فلا مانع من إطلاق ذلك، فإن التقدير على رأي ابن هشام:"نحن ضربناكم على تأويله": أي حتى تُذعنوا إلى ذلك التأويل. ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه.

وإذا كان كذلك محتملاً، وثبتت الرواية سقط الاعتراض. نعم الرواية جاء فيها، فاليوم نضربكم على تأويله يظهر أنها قول عمّار، ويبعد أن تكون قول ابن رواحة لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب، ولا قتال، وصحيح الرواية:

نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ

كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ

يشير بكلّ منهما إلى ما مضى، ولا مانع أن يتمثل عمّار بن ياسر بهذا الرجز، ويقول هذه اللفظة، ومعنى قوله:"نحن ضربناكم على تنزيله" أي في عهد الرسول فيما مضى.

وقوله: "واليوم نضربكم على تأويله" أي الآن، وتسكين الباء لضرورة الشعر، بل هي لغة قرئ بها في المشهور. قاله في "الفتح"

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌110 - (حُرْمَةُ مَكَّةُ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْحُرْمة" -بضم الحاء المهملة، وسكون الراء-: اسم من الاحترام، وهو الْمَهَابة، قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: الحُرْمة بالضمّ: ما لا يَحِلّ انتهاكه، والحرمة: المهابة، وهذه اسم من الاحترام، مثلُ الْفُرْقة من الافتراق،

(1)

- "فتح" 8/ 286 - 287.

ص: 95

والجمع حُرُمات، مثلُ غُرْفة وغُرُفات. انتهى.

والمعنى هنا: احترام مكة، وتعظيمها، يعني أن هذا الباب يُذكر فيه الحديث الدالّ على وجوب تعظيم مكّة شرّفها اللَّه تعالى، وحَرَسَها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2875 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ: «هَذَا الْبَلَدُ حَرَّمَهُ اللَّهُ، يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ، إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ» ، قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلاَّ الإِذْخِرَ، فَذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا، «إِلاَّ الإِذْخِرَ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ، هو ثقة [10] 137/ 214.

2 -

(جرير) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِم من حفظه [8] 2/ 2.

3 -

(منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتاب الكوفيّ، ثقة ثبت [6] 2/ 2.

4 -

(مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجّاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 27/ 31.

5 -

(طاوس) بن كيسان الحميريّ موهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 27/ 31.

6 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (1696) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ مُجَاهِدِ، عَنْ طَاوُسٍ) قال في "الفتح": كذا رواه منصور موصولاً، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مرسلاً، أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، مرسلاً،

ص: 96

ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله انتهى

(1)

.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَوْمَ الْفَتْحِ) الظرف متعَلّق بقال (هَذَا الْبَلَدُ) يعني مكة، أو أرض الحرم جميعها (حَرَّمَهُ اللَّهُ) أي حكم بتحريمه، وقضاه، وظاهره أن حكم اللَّه تعالى في مكة أن لا يقاتَلَ أهلها، ويؤمّن من استجار بها، ولا يتعرّض له، وهو أحد أقول المفسّرين في قوله تعالى:{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} الآية [آل عمران: 97]، وقوله:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} الآية [العنكبوت: 67]{يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} يعني أن تحريمه أمر قديم، وشريعة سالفة مستمرّة، فليس تحريمه مما أحدثه الناس، أو اختصّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر عند مسلم، وحديث أنس عند البخاريّ:"إن إبراهيم حرّم مكة". لأن إسناد التحريم إليه من حيث إنه مبلّغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام هو اللَّه تعالى، والأنبياء يبلّغونها، فكما تضاف إلى اللَّه تعالى من حيث إنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم، وتبيّن على ألسنتهم.

والحاصل أنه أظهر تحريمها، مبلّغًا عن اللَّه تعالى بعد أن كان مهجورًا، لا أنه ابتدأه.

وقيل: إنه حرّمها بإذن اللَّه تعالى. يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة بأمر اللَّه تعالى. كذا في "إرشاد الساري".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأخير ضعيف، يضعفه قوله صلى الله عليه وسلم:"ولم يحرمها الناس". واللَّه تعالى أعلم.

وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى قوله: "إن إبراهيم حرّم مكة": أعلن بتحريمها، وعرّف الناس بأنها حرام بتحريم اللَّه إياها، فلما لم يعرف تحريمها إلا في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى:{اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} الآية [الزمر: 42]، فإنه أضاف إليه التوفّي، وفي آية أخرى:{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} الآية [السجدة: 11]، فأضاف إلى الملك التوفّي، وقال في آية أخرى:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} الآية [النحل: 32] فأضاف إليهم التوفّي، وفي الحقيقة المتوفّي هو اللَّه عز وجل، وأضافه إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم انتهى.

فلا معارضة بين الحديثين؛ لأن معنى قوله: "إِنّ إبراهيم حرّم مكة" أي بأمر اللَّه تعالى، لا باجتهاده، أو أن اللَّه قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند اللَّه

(1)

- "فتح" 4/ 521 - 522.

ص: 97

حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان.

وقال القرطبيّ: معناه إن اللَّه حرّم مكة ابتداء، من غير سبب ينسب لأحد، ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكّد المعنى بقوله: "ولم يحرمها الناس"، والمراد بقوله:"ولم يحرّمها الناس" أن تحريمها ثابتٌ بالشرع، لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرّمات اللَّه، فيجب امتثال ذلك، وليس من محرّمات الناس، يعني في الجاهلية، كما حرموا أشياء من عند أنفسهم، فلا يسوغ الاجتهاد في تركه. وقيل: معناه أن حرمتها مستمرّة من أول الخلق، وليس مما اختصّت به شريعة النبيّ صلى الله عليه وسلم انتهى

(1)

.

(فَهُوَ) أي البلد (حَرَامٌ) أي محرّمٌ محترمٌ (بِحُرْمَةِ اللَّهِ) أي بسبب حرمة اللَّه تعالى، فالباء للسببية. ويجوز أن تكون للملابسة، فيكَون متعلّقًا بمحذوف، أي متلبّسًا بحرمة اللَّه، وهو تأكيد للتحريم (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة) متعلق بحرام، وفيه إيماء إلى أن النسخ لا يلحقه. وقال الحافظ: قوله: "بحرمة اللَّه" أي بتحريمه تعالى. وقيل: الحرمة الحقّ، أي حرامٌ بالحقّ المانع من تحليله.

(لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يقطع. وفي حديث أبي شُرَيح:"ولا يعضدُ بها شجر" قال ابن الجوزيّ: أصحاب الحديث يقولون: "يعضد" بضم الضاد، وقال لنا ابن الخشّاب: هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله: الآلة التي يقطع بها. قال الخليل: المعضد: الممتهن من السيوف في قطع الشجر. وقال الطبريّ: أصله من عَضَدَ الرجل: إذا أصابه بسوء في عضده. ووقع في رواية لعمر بن شبّة بلفظ: "لا يخضد" بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معناه، فإن أصل الخضد الكسر، ويستعمل في القطع.

(وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) بضم أوله، وتشديد الفاء المفتوحة، مبنيًّا للمفعول، أي لا يصاح عليه، فينفر. وقال سفيان بن عيينة: معناه أن يكون في ظلّ الشجرة، فلا ينفّر ليجلس مكانه، ويستظلّ. قال الطبريّ: لا خلاف أنه لو نفّره، وسلم فلا جزاء عليه، لكنه يأثم بارتكابه النهي، فلو أتلفه، أو تلف بتنفيره وجب جزاؤه. وقال النوويّ: يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفّره عصى، سواء تلف، أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، وإلا فلا. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى انتهى

(2)

.

وقال الحافظ: قيل: تنفير الصيد كناية عن الاصطياد. وقيل: هو على ظاهره. وفي "صحيح البخاريّ" عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، قال: هل تدري "ما لا ينفّر صيدها؟ "

(1)

- "المرعاة" 10/ 463 - 464.

(2)

- "المرعاة" 10/ 468 - 469.

ص: 98

هو أن ينحّيه من الظلّ ينزل مكانه. قيل: نبه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف، وسائر أنواع الأذى، تنبيهًا بالأدنى على الأعلى. وقد خالف عكرمةً عطاءٌ، ومجاهد، فقالا: لا بأس بطرده ما لم يُفض إلى قتله. أخرجه ابن أبي شيبة. وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق الحكم، عن شيخ من أهل مكة أن حمامًا كان على البيت، فذرق على يد عمر، فأشار عمر بيده، فطار، فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حيّة، فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة. وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه

(1)

.

(وَلَا يَلْتَقِطُ) بالبناء للفاعل (لُقَطَتَهُ) بالنصب على أنه مفعول مقدّم، والفاعل قوله:"إلا من عرّفها".

و"اللقطة" الشيء الذي يُلتقط، وهو بضم اللام، وفتح القاف على المشهور، عند أهل اللغة، والمحدّثين. وقال عياض: لا يجوز غيره. وقال الزمخشريّ في "الفائق": اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكّنها. كذا قال. وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط. وقال الأزهريّ: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سُمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللعْة، والحديث الفتح. وقال ابن برّيّ: التحريك للمفعول نادر، فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس. وفيها لغتان أيضًا: لُقَاطة بضم اللام، ولَقطة بفتحها، وقد نظم الأربعة ابن مالك حيث قال:

لُقَاطَةٌ وَلَقْطَةٌ وَلُقَطَهْ

وَلُقْطَةٌ مَا لَاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ

ووجّه بعض المتأخّرين فتح القاف في المأخوذ أنه للمبالغة، وذلك لمعنى فيها اختصّت به، وهو أن كلّ من يراها يميل لأخذها، فسميت باسم الفاعل لذلك. قاله في "الفتح"

(2)

.

(إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا) بتشديد الراء، من التعريف: أي من أراد تعريفها، وإشهارها، ثم يحفظها لمالكها، ولا يتملّكها، بخلاف لقطة غير الحرم، فإنه يلتقطها ليتصرّف فيها بعد التعريف سنة.

وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: أي إلا من عرّفها على الدوام ليحصل به الفرق بين الحرم وغيره، وإلا لا يحسن ذكره ههنا في محلّ ذكر الأحكام المخصوصة بالحرم الثابتة له بمقتضى التحريم. ومن لا يقول بوجوب التعريف على الدوام يرى أن تخصيصه كتخصيص الإحرام بالنهي عن الفسوق في قوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ

(1)

- "فتح" 4/ 520 - 521.

(2)

- "فتح" 5/ 361 "كتاب اللقطة".

ص: 99

وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] مع أن النهي عامّ.

وحاصله زيادة الاهتمام بأمر الإحرام، وبيان أن الاجتناب عن الفسوق في الإحرام آكد، فكذا التخصيص ههنا لزيادة الاهتمام بأمر الحرم، وأن التعريف في لقطته متأكد.

(1)

.

وقال في "الفتح": والمعنى لا تحلّ لقطتها إلا لمن يريد أن يعرّفها فقط، فأما من أراد أن يعرّفها، ثم يتملّكها فلا.

(وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ) ببناء الفعل للمفعول. أي لا يُجزّ، ولا يُقطع نباته الرطب. و"الخلا" بالخاء المعجمة، والقصر، وحكي فيه المدَّ

(2)

: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو حشيش. واختلاؤه: قطعه. قاله ابن الأثير

(3)

. وقال الفيوميّ: والخلا بالقصر: الرطب من النبات، الواحدة خلاة، مثل حصًى وحصاة. قال في "الكفاية": الخلا: الرَّطْب، وهو ما كان غَضًّا من الكلأ، وأما الحشيش فهو اليابس. واختليتُ الخلاءَ اختلاء: قطعته، وخليته خَلْيًا، من باب رمى مثله، والفاعل مُخْتَلٍ، وخالٍ. وفي الحديث:"لا يُختلى خلاها": أي لا يُجَزُّ انتهى.

(قَالَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطلب عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. زاد في الرواية الآتي-120/ 2893 - : "وكان رجلاً مجرْبًا"(يَا رَسُولَ اللَّه، إلاَّ الإذْخِرَ) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع، فعلى البدل مما قبله، وأما النصب فلكونه استثناء واقعًا بعد النفي. قال ابن مالك: المختار النصب؛ لكون الاستثناء وقع متراخيًا عن المستثنى منه، فبعدت المشاكلة بالبدليّة، ولكون الاستثناء أيضًا عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا. زاد في الرواية الآتية -120/ 2893 - :"فإنه لبيوتنا، وقبورنا".

و"الإذخر": بكسر الهمزة، والخاء المعجمة، بينهما ذال معجمة ساكنة: نبت معروف طيب الريح، له أصل مُنْدَفِنٌ، أي ماضِ في الأرض، وقضبان دقاق، ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه، فيما قاله ابن البيطار. قال: والذي بمكة اْجوده، وأهل مكة يسقّفون به البيوت بين الْخُشُب. يعني يجعلونه تحت الطين، وفوق الخشب؛ ليسدّ الخلل، فلا يسقط الطين، وكذا يجعلونه في القبور، يعني يسدون به الخلل بين اللبنات في القبور، وكانوا يستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس:"فإنه لقينهم". و"القين" بفتح القاف، وسكون التحتانيّة، بعدها نون: الحدَّاد،

(1)

- "شرح السنديّ" 5/ 204.

(2)

- وحكاية المد ذكره السيوطيّ، والسنديّ في شرحيهما.

(3)

- "النهاية" 2/ 75.

ص: 100

وحاجته إليه أنه يوقد به النار. وقال الطبريّ: القين عند العرب كلّ ذي صناعة يُعالجها بنفسه. ووقع في رواية للبخاريّ في "المغازي": "فإنه لا بدّ منه للقين، والبيوت"، وفي رواية له:"فإنه لصاغتنا، وقبورنا". ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبّة الجمع بين الثلاثة، ووقع عنده أيضًا:"فقال العباس: يا رسول اللَّه إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر، لقينهم، وبيوتهم".

وهذا يدلّ على أنَّ الاستثناء في حديث الباب لم يرد به العباس أن يستثني هو، وإنما أراد أن يلقّن النبيّ صلى الله عليه وسلم الاستثناء. أفاده في "الفتح"

(1)

.

(فَذَكَرَ كَلِمَةً) أي ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم كلمة لم يحفظها الراوي، وإنما حفظ معناها، كما بينه بقوله (مَعْنَاهَا) أي معنى تلك الكلمة، وهو مبتدأ خبره قوله (إِلاَّ الْإذْخِرَ) حاصله أن الراوي شكّ في لفظ الاستثناء في كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم، مع أنه حفظ لفظ العباس، فبين أنه حفظ المعنى، لا اللفظ، وهو "إلا الإذخر". وهو استثناء بعض من كلّ؛ لدخول الإذخر في عموم ما يُختلى.

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا هل كان قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا الإذخر" باجتهاد، أو وحي؟. وقيل: كَأَنَّ اللَّه تعالى فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا. وقيل: أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك، فأجب سؤاله.

وقال الطبريّ: ساغ للعباس أن يستثني الإذخر لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال، دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول جميد باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر. وهذا مبنيّ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له اجتهاد في الأحكام. وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره صلى الله عليه وسلم للعباس على ذلك دليل على جواز تخصيص العامّ.

وحكى ابن بطال عن المهلّب أن الاستثناء هنا للضرورة، كتحليل أكل الميتة عند الضرورة، وقد بين العباس ذلك بان الإذخر لا غنى لأهل مكة عنه.

وتعقّبه ابن المنيّر بأن الذي يباح للضرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلا فيمن تحقّقت ضرورته إليه، والإجماع على أنه مباح مطلقًا بغير قيد الضرورة انتهى.

قال الحافظ: ويحتمل أن يكون مراد المهلّب بأن أصل إباحته كانت للضرورة، وسببها، لا أنه يريد أنه مقيّد بها.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي أجاب به الحافظ عن المهلّب فيه نظر، إذ

(1)

- "فتح" 4/ 524.

ص: 101

يردّه ظاهر تشبيهه بأكل الميتة عند الضرورة. فتأمل. واللَّه تعالى أعلم.

وقال ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: الحقّ أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة، وترخيص النبيّ صلى الله عليه وسلم كان تبليغًا عن اللَّه تعالى، إما بطريق الإلهام، أو بطريق الوحي، ومن ادّعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متّسع فقد وهم. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -110/ 2875 و 111/ 2876 و 120/ 2893 - وفي "الكبرى" 110/ 3857 و 111/ 3858 و 120/ 3875. وأخرجه (خ) في "الجنائز" 1349 وفي "الحجّ " 1587 و 1833 و 1834 و"البيوع" 2090 و"الجهاد" 2783 و 2825 و 3077 و"الجزية والموادعة" 3189 و"المغازي" 4313 (م) في "الحج" 1353 و"الإمارة" 1353 (د) في "المناسك" 2017 و"الجهاد" 2480 (ت) في "السير" 1590 (ق) في "الجهاد" 2773 (أحمد) في "مسند بني هاشم" 2279 و 2349 و 2891 و 2916 و 3243 (الدارميّ) في "السير" 2512. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حرمة مكّة حرسها اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم قطع شجر الحرم، وشوكه. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: خصّ الفقهاء الشجر المنهيّ عن قطعه بما يُنبته اللَّه تعالى من غير صنع آدميّ، فأما ما ينبت بمعالجة آدميّ، فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال الشافعيّ: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قُطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وقال الشافعيّ: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة. واحتجّ الطبريّ بالقياس على جزاء الصيد. وتعقّبه ابن القصّار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئًا من شجر الحلّ، ولا قائل به. وقال ابن العربيّ: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة. كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضًا أخذ

(1)

- "فتح" 4/ 524 - 525.

ص: 102

الورق والثمر إذا كان لا يضرّها، ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤدي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور، لهذا الحديث، وصححه المتولي من الشافعيّة، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النصّ، فلا يعتبر به، حتى ولو لم يرد النصّ على تحريم الشوك، لكان في تحريم قطع الشجر دليل على تحريم قطع الشوك لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضًا، فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى، بخلاف الشجر، قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشجر بغير صنع آدميّ، ولا بما يسقط من الورق نصّ عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا

(1)

.

(ومنها): أنه استُدِلّ به على أن لقطة مكة لا تلتقط للتملّك، بل للتعريف خاصّة، وهو قول الجمهور، وإنما اختصَّ بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربّها؛ لأنها إن كانت للمكيّ فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ، فلا يخلو أفق غالباً من وارد إليها، فإذا عرّفها واجدها في كلّ عام سهل التوصّل إلى معرفة صاحبها. قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية، وبعض الشافعيّة: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختصّ مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده، وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف

(2)

.

(ومنها): أن بعضهم استدلّ بهذا الحديث على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم. قال القرطبيّ: معنى قوله: "حرمه اللَّه" أي يحرم على غير المحرم دخوله حتى يُحرم، ويَجري هذا مجرى قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] أي وطؤهنّ، وقوله:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] أي أكلها، فعرف الاستعمال يدلّ على تعيين المحذوف. قال: وقد دلّ على صحة هذا المعنى اعتذاره صلى الله عليه وسلم عن دخوله مكة غير محرم، مقاتلاً بقوله:"لم تحلّ لي إلا ساعة من نهار" الحديث.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا الاستدلال بعيد، وقد تقدم تحقيق المسألة، وأن الحقّ عدم وجوب الإحرام إلا لمن أراد الحجّ، أو العمرة، فلتُرَاجِعْ ما سبق في 107/ 2867. واللَّه تعالى أعلم.

(ومنها): أنه استدلّ به على تحريم قطع حشيش الحرم، واختلف في رعيه، فقال مالك، والكوفيون، واختاره الطبريّ: هو أشدّ من الاحتشاش. وقال الشافعيّ: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش، فإنه المنهيّ عنه، فلا يتعدّى ذلك إلى غيره.

(1)

- "فتح" 4/ 517 - 518.

(2)

- "فتح" 5/ 374 "كتاب اللقطة".

ص: 103

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح عندي؛ لظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم.

قال في "الفتح": وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس، واختلائه، وهو أصحّ الوجهين للشافعيّة؛ لأن النبت اليابس كالصيد الميت. قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدلّ عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"ولا يُحتشّ حشيشها". قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم، من بقل، وزرع، ومشموم، فلا بأس برعيه، واختلائه انتهى.

(ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز النسخ قبل الفعل، حيث استثنى صلى الله عليه وسلم بقوله:"إلا الإذخر". قال الحافظ: وليس بواضح.

(ومنها): جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال، إما لفظًا، وإما حكمًا، لجواز الفصل بالتنفّس مثلاً، وقد اشتهر عن ابن عباس الجواز مطلقًا، ويمكن أن يحتجّ له بظاهر القصّة.

وأجابوا عن ذلك بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل؛ لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول: "إلا الإذخر"، فشغله العباس بكلامه، فوصل كلامه بكلام نفسه، فقال:"إلا الإذخر". وقد قال ابن مالك: يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء، متّصلاً بالمستثنى منه.

(ومنها): بيان خصوصية النبيّ صلى الله عليه وسلم بما ذُكر في الحديث. (ومنها): جواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية، والمبادرة إلى ذلك في المجامع، والمشاهد. (ومنها): عظيم منزلة العباس رضي الله عنه عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنايته بمكة لكونه كان بها أصله، ومنشؤه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌111 - (تَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِيهِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الضمير لمكة، وإنما ذكّره بتأويلها بالبلد، كما قال اللَّه تعالى:{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين: 3]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2876 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَوْمَ فَتْحِ

ص: 104

مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عز وجل، لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الْقِتَالُ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُحِلَّ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ عز وجل» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"مفضّل": هو ابن مهلهل السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الثبت النبيل العابد [7] 25/ 1240.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله، وبقي البحث في مسألتين:

(المسألة الأولى): أنه استُدلّ بقوله: "لم يحلّ فيه القتال لأحد قبلي"، وزاد في رواية أخرى للبخاريّ:"ولا يحلّ لأحد بعدي" على تحريم القتل، والقتال بالحرم، فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حدّ القتل فيها على من أوقعه فيها، وخصّ الخلاف بمن قتل في الحلّ ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزيّ. واحتجّ بعضهم بقتل ابن خطل بها، ولا حجة فيه؛ لأن ذلك كان في الوقت الذي أحلت فيه للنبيّ صلى الله عليه وسلم -كما تقدّم. وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقًا. ونقل التفصيل عن مجاهد، وعطاء.

وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحلّ باختياره، لكن لا يجالس، ولا يكلّم، ويوعظ، ويذكّر حتى يخرج.

وقال أبو يوسف: يُخرَج مضطرًّا إلى الحلّ، وفعله ابن الزبير. وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -:"من أصاب حدًّا، ثم دخل الحرم، لم يُجالس، ولم يبايع".

وعن مالك، والشافعيّ: يجوز إقامة الحدّ مطلقًا فيها؛ لأن العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل اللَّه له من الأمن.

وأما القتال، فقال الماورديّ: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل، فإن أمكن ردّهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يمكن إلا بالقتال، فقال الجمهور: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق اللَّه تعالى، فلا يجوز إضاعتها.

وقال آخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيّق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة. قال النوويّ: والأول نصّ عليه الشافعيّ، وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يعمّ أذاه، كالمنجنيق، بخلاف ما لو تحصّن الكفّار في بلد، فإنه يجوز قتالهم على كلّ وجه. وعن الشافعيّ قول آخر بالتحريم، اختاره القفّال، وجزم به في

ص: 105

"شرح التلخيص"، وقال به جماعة من علماء الشافعيّة، والمالكيّة. قال الطبريّ: من أتى حدًّا في الحلّ، واستجار بالحرم، فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب، بل يُحاصره، ويضيّق عليه حتى يُذعن للطاعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"وإنما أُحلّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس"، فعلم أنها لا تحلّ لأحد بعده بالمعنى الذي حلّت له به، وهو محاربة أهلها، والقتل فيها. ومال ابن العربيّ إلى هذا. وقال ابن المنيّر: قد أكّد النبيّ صلى الله عليه وسلم التحريم بقوله: "حرّمه اللَّه"، ثم قال:"فهو حرام بحرمة اللَّه"، ثم قال:"ولم تحلّ لي إلا ساعة من نهار"، وكان إذا أراد التأكيد ذكر الشيء ثلاثاً، قال: فهذا نصّ لا يحتمل التأويل.

وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالقتال؛ لاعتذاره عما أبيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مسحقّين للقتال، والقتل؛ لصدّهم عن المسجد الحرام، وإخراجهم أهله منه، وكفرهم، وهذا الذي فهمه أبو شُريح كما في حديثه الآتي، وقال به غير واحد من أهل العلم.

وقال ابن دقيق العيد: يتأكد القول بالتحريم بأن الحديث دالّ على أن المأذون للنبيّ صلى الله عليه وسلم فيه لم يؤذن لغيره فيه، والذي وقع له إنما هو مطلق القتال، لا القتال الخاصّ بما يعمّ، كالمنجنيق، فكيف يسوغ التأويل المذكور؟ وأيضًا فسياق الحديث يدلّ على أن التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها، وذلك لا يختصّ بما يستأصل. قاله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر من التحقيقات المذكور أن القول الراجح تحريم القتال في الحرم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم، هل مكة فتحت عنوة، أو صلحًا؟:

ذهب جمع من أهل العلم إلى أنها فتحت عنوةً، وهو قول الأكثرين. وذهب الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه إلى أنها فتحت صلحًا؛ واحتجّوا بتأمين النبيّ صلى الله عليه وسلم أهلها، ولإضافة الدار إلى أهلها؛ ولأنها لم تقسم؛ ولأن الغانمين لم يملكوا دورها، وإلا لجاز إخراج أهل الدار منها.

واحتجّ الأولون بما وقع من تصريحه صلى الله عليه وسلم من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد، وبتصريحه صلى الله عليه وسلم بأنها أحلت له ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي به في ذلك.

وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلدة عنوة، ويمنّ على أهلها، وُيترك لهم دورهم، وغنائمهم؛ لأن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقًا

(1)

- "فتح" 4/ 522 - 523.

ص: 106

عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة، فمن بعدهم، وقد فُتحت أكثر البلاد عنوة، فلم تقسم، وذلك في زمن عمر، وعثمان، مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن ذلك بأمر لمجن أن يدّعى اختصاصها به، دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسك، ومتعبّد الخلق، وقد جعلها اللَّه تعالى حرمًا، سواء العاكف فيه والباد.

قال الحافظ: وأما قول النوويّ: احتجّ الشافعيّ بالأحاديث المشهورة بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم صالحهم بمرّ الظهران قبل دخول مكة، ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه إن كان مراده ما وقع له صلى الله عليه وسلم:"من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن"، كما في "صحيح البخاريّ"، وكذا:"من دخل المسجد"، كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكفّ عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك؛ لأنهم استعدّوا للحرب، كما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: "إن قريشًا وَبَّشَتْ

(1)

أوباشًا لها، وأتباعًا، فقالوا: نقدّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: أترون أوباش قريش؟ ثم قال بإحدى يديه على الأخرى، أي احصدوهم حصدًا، حتى توافوني على الصفا، قال: فانطلقنا، فما نشاء أن نقتل أحدًا إلا قتلناه".

وإن كان مراده بالصلح وقوع عقد به، فهذا لم يُنقل، ولا أظنه عنى إلا الاحتمال الأول، وفيه ما ذكرته.

وتمسّك أيضًا من قال: إنه مبهم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصّة الفتح: فقال العباس: لعلي أجد بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه، فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، ثم قال في القصّة بعد قصّة أبي سفيان:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن"، فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد.

وعند موسى بن عقبة في "المغازي" -وهي أصحّ ما صُنّف في ذلك عند جماعة-: ما نصّه: أن أبا سفيان، وحكيم بن حزام، قالا: يا رسول اللَّه كنت حقيقًا أن تجعل عُدّتك، وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحمًا، وأشدّ عداوة، فقال:"إني أرجو أن يجمعهما اللَّه لي: فتح مكة، وإعزاز الإسلام بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم"، فقال أبو سفيان، وحكيم: فادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش، فكفت أيديها آامنون هم؟ قال:"من كفّ يده، وأغلق داره، فهو آمن"، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم، قال: "انطلقوا، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم فهو آمن، ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها، فلما توجها قال العباس: يا رسول اللَّه إني

(1)

في "ق": وَبَشَّ القوم في أمر: تعلقوا به من مكان. اهـ.

ص: 107

لا آمن أبا سفيان أن يرتدّ، فردّه حتى تريه جنود اللَّه، قال:"افعل"، فذكر القصّة، وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان هذا أمانًا منه لكلّ من لم يقاتل من أهل مكة، فمن ثمّ قال الشافعيّ: كانت مكة مأمونة، ولم يكن فتحها عنوةً، والأمان كالصلح، وأما الذين تعرّضوا للقتال، أو الذين استثنوا من الأمان، وأمران يقتلوا، ولو تعلّقوا بأستار الكعبة، فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة.

ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره صلى الله عليه وسلم بالقتال، وبين تأمينه صلى الله عليه وسلم لهم بأن يكون التأمين علّق بشرط، وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرّقوا إلى دورهم، ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك، وقاتلوا خالد بن الوليد، ومن معه، فقاتلهم حتى قتلهم، وهزمهم أن تكون البلدة فتحت عنوة؛ لأن العبرة بالأصول، لا بالأتباع، وبالأكثر، لا بالأقلّ، ولا خلاف مع ذلك أنه لم يجر فيها قسم غنيمة، ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو مما يؤيّد قول من قال: لم يكن فتحها عنوة. وعند أبي داود بإسناد حسن، عن جابر رضي الله عنه أنه سئل هل غنمتم يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا.

وجنحت طائفة- منهم الماورديّ- إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصّة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في "الإكليل".

قال الحافظ: والحقّ أن صورة فتحها كان عنوةً، ومعاملة أهلها معاملة من دخل بأمان.

ومنع جمع منهم السهيليّ ترتب عدم قسمتها، وجواز بيع دورها، وإجارتها على أنها فتحت صلحًا:

أما أوّلاً فلأن الإمام مخيّر في قسمة الأرض بين الغانمين، إذا انتُزِعَت من الكفار، وبين إبقائها وقفًا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور، وإجارتها.

وأما ثانيًا، فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأن من مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار، فتأكلها، وتصير الأرض عمومًا لهم، كما قال اللَّه تعالى:{ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} الآية [المائدة: 21]. وقال: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} الآية [الأعراف: 137]. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها هنا. قاله في "الفتح"

(1)

.

(1)

-"فتح" 8/ 324 - 326. "كتاب المغازي" - "باب أين ركز النبيّ صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح".

ص: 108

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي قول من قال: إن مكة فتحت عنوة؛ لوضوح أدلته المتقدّمة، ولا يلزم من ذلك عدم قسمتها بين الغانمين، لأن للإمام أن يمتنّ على أهل البلد بما رأى، فقد منّ صلى الله عليه وسلم على أهل مكة بأنفسهم، وأموالهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2877 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ -وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ-: ائْذَنْ لِي، أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلاً، قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، وَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا، فَإِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ، كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»).

رجال هذا الإسناد: أَربعة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

2 -

(الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [7] 31/ 35.

3 -

(سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ الحجة الفقيه [3] 95/ 117.

4 -

(أبو شُريح) الخزاعيّ الكعبيّ، اختُلف في اسمه، فقيل: خُويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ، وقيل: كعب، والمشهور الأول، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزّى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن مازن بن عديّ بن عمرو بن ربيعة، أسلم يوم الفتح، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن ابن مسعود. وعنه أبو سعيد المقبريّ، وسعيد المقبريّ، ونافع بن جبير بن مطعم، وسفيان بن أبي العوجاء. قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة (68)، وله أحاديث. وقال الواقديّ: كان من عقلاء أهل المدينة. وقال العسكريّ: توفي سنة (68) وقيل: سنة (58) انتهى. والأول أصحّ؛ لأن قصته مع عمرو بن سعيد المذكورة في حديث الباب كانت في خلافة يزيد بن معاوية بعد سنة ستين. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- وهو (149) من رباعيات

ص: 109

الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مدنيين: سعيد، وأبو شريح، ومصريين: الليث، وقتيبة، وهو وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل مصر. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا نحو ستّة أحاديث، راجع "تحفة الأشراف" 9/ 223 - 226. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) الخزاعيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. زاد في رواية البخاريّ في "الحج": "العدويّ"، فقال "في "الفتح": كذا وقع هنا، وفيه نظر؛ لأنه خزاعيّ، من بني كعب بن ربيعة بن لحيّ، بطن من خزاعة، ولهذا يقال له الكعبيّ أيضًا، وليس هو من بني عديّ، لا من عديّ قريش، ولا عديّ مضر، فلعله كان حليفًا لبني عديّ بن كعب من قريش. وقيل: في خزاعة بطن يقال لهم: بنو عديّ. وقد وقع في رواية ابن أبي ذئب عن سعيد: سمعت أبا شريح. أخرجه أحمد انتهى (أَنَّهُ قَالَ: لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشيّ الأمويّ المعروف بالأشدق، وليست له صحبة، ولا كان من التابعين لهم بإحسان (وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ) جمع بعث بمعنى مبعوث، وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهّز للقتال (إِلَى مَكَّةَ) متعلّق بيبعث، وجملة:"وهو يبعث الخ" في محلّ نصب على الحال من عمرو، أي والحال أن عمرو ابن سعيد يرسل الجيوش لقتال عبد اللَّه بن الزبير؛ لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة.

[فائدة]: ذكر في "الفتح" في "كتاب العلم" قصة بعث عمرو سعيد بعثه إلى مكة، وملخصها: أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية، فبايعه الناس، إلا الحسين ابن عليّ، وابن الزبير، فأما ابن أبي بكر، فمات قبل موت معاوية، وأما ابن عمر، فبايع ليزيد عقب موت أبيه، وأما الحسين بن عليّ، فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير، فاعتصم، ويسمّى عائذ البيت، وغلب على أمر مكة، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهّزوا الجيوش، فكان آخر ذلك أن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة

(1)

.

وذكر في "كتاب الحجّ": ما نصّه: وقد ذكر الطبريّ القصّة عن مشايخه، فقالوا: كان قدوم عمرو بن سعيد واليًا على المدينة من قِبَل يزيد بن معاوية في ذي القعدة سنة ستين. وقيل: قدمها في رمضان منها، وهي السنة التي ولي فيها يزيد الخلافة، فامتنع ابن الزبير

(1)

- "فتح" 1/ 268. "كتاب العلم" - "باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب".

ص: 110

من بيعته، وأقام بمكة، فجهّز إليه عمرو بن سعيد جيشًا، وأمر عليهم عمرو ابن الزبير، وكان معاديًا لأخيه عبد اللَّه، وكان عمرو بن سعيد قد ولّاه شرطته، ثم أرسله إلى قتال أخيه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد، فنهاه، فامتنع، وجاء أبو شريح، فذكر القصّة، فلما نزل الجيش ذا طوى خرج إليهم جماعة من أهل مكة، فهزموهم، وأُسر عمرو بن الزبير، فسجنه أخوه بسخن عارم، وكان عمرو بن الزبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممن اتهم بالميل إلى أخيه، فأقادهم عبد اللَّه منه حتى مات عمرو من ذلك.

[تنبيه]: وقع في "السير" لابن إسحاق، و"مغازي الواقديّ " أن المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شريح، وبين عمرو بن الزبير، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون أبو شريح راجع الباعث، والمبعوث. واللَّه أعلم انتهى

(1)

.

(ايْذَنْ لِي) فعل أمر من الإذن، وأصله ائذن بهمزتين، فقلبت الثانية ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها.

[تنبه]: هذا الذي ذكرته من ضبط "ايذن" بالياء هو الذي في النسخة "الهندية" وهو الموافق لما في "الصحيح"، ووقع في النسخ المطبوعة، و"الكبرى""ائذن" بهمزة ساكنة على الأصل. فتنبه، واللَّه تعالى أعلم.

(أَيُّهَا الْأَمِيرُ) بحذف حرف النداء، وأصله: يا أيها الأمير، ويستفاد منه حسن التَّلَطُّفِ في مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه، ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه، فترك ذلك، والغلظة له قد يكون سببا لإثارة نفسه، ومعاندة من يخاطبه (أُحَدَّثْكَ) بالجزم لأنه جواب الأمر (قَوْلاً، قَامَ بهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) جملة "قام" صفة لقولاً، والمقول حمد اللَّه تعالى الخ (الْغَدَ) منصوب على الظرفية متعلق بقام (مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ) أي أنه خطب في اليوم الثاني من فتح مكة.

ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق، عن سعيد المقبريّ زيادة في أوله توضّح المقصود، وهي:"لما بعث عمرو بن سعيد إلى مكة بعثه لغزو ابن الزبير أتاه أبو شُريح، فكلمه، وأخبره بما سمع من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم خرج إلى نادي قومه، فجلس فيه، فقمت إليه، فجلست معه، فحدث قومه، قال: قلت له: يا هذا إنا كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل، فقتلوه، وهو مشرك، فقام فينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطيبًا"، فذكر الحديث. وأخرج أحمد أيضًا من طريق الزهريّ، عن مسلم بن يزيد الليثيّ، عن أبي شريح الخزاعيّ أنه سمعه يقول: "أذن لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا، وهو بمكة، ثم أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بوضع السيف، فلقي الغدَ رهطٌ منا رجلا من هذيل في

(1)

- "فتح" 4/ 515 - 516. "كتاب الحج".

ص: 111

الحرّ يريد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقد كان وَتَرَهم في الجاهلية، وكانوا يطلبونه، فقتلوه، فلما بلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غضب غضبًا شديدًا ما رأيته غضب غضبًا أشدّ منه، فلما صلى قام، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن اللَّه حرّم مكة انتهى.

(سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) أراد أنه بالغ في حفظه، والتثبت فيه، وأنه لم يأخذه بواسطة، وأتى بالتثنية تأكيدًا (وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأبْصَرَتْهُ عَينَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بهِ) أي بذلك القول.

وفي هذا الكلام إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوَجوه، فقوله:"سمعته" أي حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد. وقوله:"ووعاه قلبي" تحقيق لفهمه، وتثبّته. وقوله:"وأبصرته عيناي" زيادة في تحقيق ذلك، وأن سماعه منه ليس اعتمادًا على الصوت فقط، بل مع المشاهدة. وقوله:"حين تكلَّم به" أي بالقول المذكور. ويؤخذ من قوله: "ووعاه قلبي" أن العقل محله القلب.

(حَمِدَ اللَّهَ) هو بيان لقوله: "تكلم". ويؤخذ منه استحباب الثناء على اللَّه تعالى بين يدي تعليم العلم، وتبيين الأحكام، والخطبة في الأمور المهمّة، وقد تقدم من رواية ابن إسحاق أنه قال فيها:"أما بعد"(وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عطف على جملة الحمد، من عطف العام على الخاصّ (ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ مَكةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرَّمْهَا النَّاسُ) بضم أوله، من التحريم، أي أن تحريمها كان بوحي من اللَّه، لا من اصطلاح الناس. وتقدم الجمع بين هذا وبين حديث "إن إبراهيم حرم مكة" في شرح حيث ابن عباس الماضي (وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ، يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) فيه تنبيه على الامتثال؛ لأن من آمن باللَّه لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه؛ خوف الحساب عليه، وقد تعلّق به من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثرين خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام، وينزجر عن المحرّمات، فجعل الكلام معه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره.

وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنه خطاب التهييج، نحو قوله تعالى:{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]. فالمعنى أن استحلال هذا المنهيّ عنه لا يليق بمن يؤمن باللَّه، واليوم الآخر، بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل: لا يحل لأحد مطلقًا لم يحصل منه هذا الغرض، وإن أفاد التحريم.

(أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا) بكسر الفاء، من باب ضرب، وفيه لغة أخرى، من باب قتل، وهو صبّ الدم، والمراد به القتل. واستدلّ به على تحريم القتل والقتال بمكة، وهو القول الراجح، وتقدّم تحقيقه قريبًا (وَلَا يَعْضِدَ بِها شَجَرًا) بكسر الضاد المعجمة

(1)

،

(1)

- وليس بضمها، فما يوجد في النسخ المطبوعة بالضمّ بضبط القلم غلطٌ؛ لأن عضد يعضُد بالضم، من باب نصر بمعنى أعان، راجع "القاموس"، و "المصباح"، وهو لا يناسب هنا، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 112

وفتح الدال المهملة: أي يُقطع بالمِعضد، وهو آلة كالفأس.

(فَإِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا) وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد: "فإن ترخّص مترخّص، فقال: أحلّت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإن اللَّه أحلها لي، ولم يُحلّها للناس". وفي مرسل عطاء بن يزيد، عند سعيد بن منصور:"فلا يستنّ بي أحد، فيقول: قتل فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"

(فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ) بفتح أوله، والفاعل "اللَّه"، ويروى بضمة على البناء للمفعول.

والحاصل أن استدلاله باطل بوجهين: من جهة الخصوص، وعدم البقاء.

وقوله (لي) التفات؛ لأن نسق الكلام، وإنما أذن له، أي لرسوله (فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) أي مقدارًا من الزمان، وهو ما بين طلوع الشمس، وصلاة العصر. وفي مسند أحمد، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: "لما فتحت مكة، قال: كفّوا السلاح، إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كفوا السلاح، فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر من غد بالمزدلفة، فقتله، فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقام خطيبًا، فقال -ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة

"، فذكر الحديث.

ويستفاد منه أن قتل من أذن النبيّ في قتلهم -كابن خطل- وقع في الوقت الذي أبيح للنبيّ صلى الله عليه وسلم فيه القتال، خلافًا لمن حمل قوله:"ساعة من النهار" على ظاهره، فاحتاج إلى الجواب عن قصّة ابن خطل.

(وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا) أي الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال المستفاد من لفظ الإذن (الْيَوْمَ) المراد به الزمن الحاضر، وقد بين غايته في رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله:"ثم هي حرام إلى يوم القيامة"، وكذا في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتقدّم بقوده:"فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة"(كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) وكتب السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- على قوله: "وقد عادت حرمتها الخ": ما نصّه: كناية عن عودة حرمتها بعد تلك الساعة كما كانت قبل تلك الساعة، فلا إشكال بأن الخطبة كانت في الغد من يوم الفتح، وعود الحرمة كان بعد تلك الساعة، لا في الغد، فما معنى اليوم، ولا بأن أمس هو يوم الفتح، وقد رُفعت الحرمة فيه، فكيف قيل:"كحرمتها بالأمس". ويحتمل أن يقال: "اليوم" ظرف للحرمة، لا للعود، ومعنى "كحرمتها" أي كرفع حرمتها، أي العود كالرفع، حيث كان كلّ منهما بأمره تعالى. واللَّه تعالى أعلم. انتهى

(1)

.

(1)

- "شرح السنديّ" 5/ 206.

ص: 113

(وَلْيُبَلغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ") أي ليبلّغ الشخص الحاضر هذه الخطبة إلى من كتاب عنها. قال ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد؛ لأنه معلوم أن كلّ من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاع، وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أُبلِغَهُ، كالذي لزم السامع سواءً، وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة انتهى.

زاد في رواية الشيخين في آخر الحديث: "فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شُريح، إن الحرم لا يُعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بخُربة" انتهى.

وقوله: "لا يعيذ" بالذال المعجمة: أي لا يُجير، ولا يَعصِم. وقوله. "فارًّا" بالفاء، وتثقيل الراء: أي هاربًا، والمراد من وجب عليه القتل، فهرب إلى مكة مستجيرًا بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل، وفي تخصيصه العموم بلا مستند.

وقوله: "بخربة" بفتح المعجمة، وإسكان الراء، ثم موحدة. يعني السرقة. وقيل:"الخربة" بالضم: الفساد، وبالفتح: السرقة. وأصلها سرقة الإبل، ثم استعملت في كل سرقة. وعن الخليل: الخربة الفساد في الإبل. وقيل: العيب. وقيل: بضم أوله: العورة. وقيل: الفساد، وبفتحه الفعلة الواحدة من الخرابة، وهي السرقة.

وقد وَهِمَ من عدّ كلام عمرو بن سعيد هذا حديثًا، واحتجّ بما تضمنه كلامه. قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشيطان يكون أعلم من صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

وأغرب ابن بطال، فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد دالّ على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور. ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في آخره:"قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنتُ شاهدًا، وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد بلغتك". فهذا يشعر بأنه لم يوافقه، وإنما ترك مشاققته لعجزه عنه لما كان فيه من قوة الشوكة.

وقال ابن بطال أيضًا: ليس قول عمرو جوابًا لأبي شُريح؛ لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدَّا في غير الحرم، ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحدّ عليه في الحرم، فإن أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة، ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه، وأجاب عن غير سؤاله.

وتعقّبه الطيبيّ بأنه لم يحد في جوابه، وإنما أجاب بما يقتضي القول بالموجب، كأنه قال له: صحّ سماعك، وحفظك، لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته خلاف

ص: 114

ما فهمته منه، فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح، وليس بسبب قتل من استحقّ القتل خارج الحرم، ثم استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل الثاني.

قال الحافظ: لكنها دعوى من عمرو بغير دليل؛ لأن ابن الزبير لم يجب عليه حدّ، فعاذ بالحرم فرارًا منه حتى يصحّ جواب عمرو. نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه، وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة، ويحضر إليه في جامعة، يعني مغلولاً، فامتنع ابن الزبير، وعاذ بالحرم، فكان يقال له بذلك: عائذ اللَّه، وكان عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثاله أمر يزيد، ولهذا صدر كلامه بقوله:"إن الحرم لا يعيذ عاصيًا"، ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادًا، فهذه شبهة عمرو، وهي واهية. قاله في "الفتح"

(1)

.

وقال في موضع آخر: وقد تشدّق عمرو في الجواب، وأتى بكلام ظاهره حقٌ، لكن أراد به الباطل، فإن الصحابيّ أنكر عليه نصب الحرب على مكة، فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص، وهو صحيح، إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء من ذلك

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي شريح - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-111/ 2877 - وفي "الكبرى" 111/ 3859. وأخرجه (خ) في "العلم" 104 و "الحج" 1832 و"المغازي" 4295 (م) في "الحج" 1354 (ت) في "الحج" 409 و"الديات" 1406 (أحمد) في "مسند المدنيين" 15938 و 15942 و"مسند القبائل" 26619. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم القتال في الحرم.

(ومنها): بيان شرف مكة حرسها اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب تقديم الحمد والثناء على اللَّه تعالى قبل الدخول في الكلام المقصود. (ومنها): أن التحليل والتحريم من عند اللَّه تعالى، لا مدخل للبشر فيه، وأن ذلك لا يعرف إلا منه سبحانه، وأن وظيفة

(1)

- "فتح" 4/ 519 - 520.

(2)

- "فتح" 1/ 269. "كتاب العلم".

ص: 115

الرسل تبليغ الك إلى الناس. (ومنها): إثبات خصائصَ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واستواء المسلمين معه في الأحكام، إلا في تلك الخصائص. (ومنها): فضل أبي شريح لاتباعه أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه. (ومنها): جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته، وضبطه لما سمعه، ونحو ذلك. (ومنها): إنكار العالم على الحاكم ما يغيّره من أمر الدين، والموعظة بلطف، وتدرّج، والاقتصار في الإنكار على اللسان، إذا لم يستطع باليد. (ومنها): وقوع التأكيد في الكلام البليغ. (ومنها): جواز المجادلة في الأمور الدينيّة. (ومنها): جواز النسخ. (ومنها): أن مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجة على مجتهد. (ومنها): الخروج عن عهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بُدًّا من ذلك. (ومنها): أن في قوله: "ووعاه قلبي" دليلاً على أن العقل محله القلب، لا الدماغ، وهو قول الجمهور؛ لأنه لو كان محله الدماغ لقال: ووعاه رأسي، وفي المسألة قول ثالث، أنه مشترك بينهما.

(ومنها): أنه تمسك به من قال: إن مكة فتحت عنوة. قال النوويّ: تأول من قال: فتحت صلحًا بأن القتال كان جائزًا له لو فعله، لكن لم يحتج إليه.

وتعقّب بأنه خلاف الواقع. فالحقّ أنها فتحت عنوة، إلا أنه صلى الله عليه وسلم منّ على أهلها. وقد تقدّم تحقيق ذلك في شرح حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌112 - (حُرْمَةُ الْحَرَمِ)

2878 -

(أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سُحَيْمٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ»).

رجال هذا الإسناد: مشة:

1 -

(عمران بن بكّار) بن راشد الكلاعيّ الحمصيّ المؤذّن، ثقة [11] 17/ 1541.

2 -

(بشر) بن شعيب بن أبي حمزة أبو القاسم الحمصيّ، ثقة، من كبار [10] 7/ 1466.

3 -

(أبوه) شُعيب بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد [7] 69/ 85.

ص: 116

4 -

(الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المشهور [4] 1/ 1.

5 -

(سُحيم) -بمهملة، مصغّرًا- المدنيّ مولى بني زهرة، مقبول [3].

روى عن أبي هريرة. وعنه الزهريّ. ذكره ابن حبّان في "الثقات". ووثقه ابن عمار، ولذا ذكره ابن شاهين في "الثقات". انفرد به المصنّف بحديث الباب فقط.

6 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وسُحيم، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.

شرحِ الحديث

عن سُحيم المدنيّ -رحمه اللَّه تعالى- (أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ) أي يقصده عسكر عظيم في آخر الزمان بالهدم، وقتل أهله. وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عند مسلم عَبِث النبيّ صلى الله عليه وسلم في منامه، فقلنا له: صنعت شيئًا لم تكن تفعله؟، قال النوويّ: قوله: "عبِث" هو بكسر الباء، قيل: معناه اضطرب بجسمه. وقيل: حرّك أطرافه كمن يأخذ شيئًا، أو يدفعه انتهى (فَيُخْسَفُ بهِمْ) بالبناء للمفعول، أي يخسف بكلهم (بِالْبَيْدَاءِ") وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -:"فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأودهم وآخرهم". وفي رواية لمسلم عن أبي جعفر الباقر، قال: هي بيداء المدينة. وهي بفتح الباء الموحّدة، وسكون الياء آخر الحروف ممدودة، وهي في المفازة التي لا شيء فيها. قال العينيّ: وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة. وقال النوويّ: قال العلماء: البيداء كلّ أرض ملساء، لا شيء بها، وبيداء المدينة الشرف الذي قدّام ذي الحليفة، أي إلى جهة مكة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه سُحيم، وهو مقبول؟.

ص: 117

[قلت]: سُحيم وثّقه ابن عمّار، وذكره ابن شاهين، وابن حبّان في "الثقات"، ولم ينفرد به بل تابعه أبو مسلم الأغرّ في الرواية التالية، وأيضًا يشهد له حديث حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي بعد حديث. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -112/ 2878 و 2879 - وفي "الكبرى" 112/ 3860. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف له -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حرمة الحرم، حيث يعاقب اللَّه تعالى من أراده بسوء بالخسف. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم بما سيقع في آخر الزمان. (ومنها): وقوع الفتن في آخر الزمان بحيث يؤدّي آخره إلى هدم بيت اللَّه الحرام، نسأل اللَّه تعالى أن يعيذنا من شرور الكفرة اللئام، ويحمي بفضله ورحمته راية الإسلام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2879 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مِسْعَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَنْتَهِى الْبُعُوثُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ، حَتَّى يُخْسَفَ بِجَيْشٍ مِنْهُمْ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إدريس" بن المنذر بن داود بن مهران الحنظليّ، أبو حاتم الرازيّ الحافظ الكبير، أحد الأئمة [11].

قال أبو بكر الخلاّل: أبو حاتم إمام في الحديث، روى عن أحمد مسائل كثيرة، وقعت إلينا متفرّقة كلها غريب. وقال ابن خراش: كان من أهل الأمانة والمعرفة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال أبو نعيم: إمام في الحفظ. وقال اللالكائيّ: كان إمامًا عالمًا

بالحديث، حافظًا له، متقنًا ثبتًا. وقال ابن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاق القاضي يقول: ما رأيت أحفظ من والدك، قلت له: فرأيت أبا زرعة؟ قال: لا. قال: وسمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة، وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما، وقال: بقاؤهما صلاح المسلمين. وقال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفّاظ الأثبات، مشهورًا بالعلم، مذكورًا بالفضل، وكان أول كَتْبِهِ الحديثَ سنة (209). قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث، أقمت سنين أحسب، ومَشَيت على قدميّ زيادة على ألف فرسخ، فلما زاد على ألف فرسخ تركته. قال: وسمعت أبي يقول: أقمت سنة أربع عشرة ومائتين بالبصرة ثمانية أشهر، قد كنت عزمت على أن أقيم

ص: 118

سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثيابي شيئًا بعد شيء حتى بقيت بلا شيء. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسيّ: من أغرب عليّ حديثًا مسندًا صحيحًا، لم أسمع به، فله عليّ درهم يتصدّق به، وهناك خلق من الخلق، أبو زرعة، فمن دونه، وإنما كان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيّأ لأحد منهم أن يُغْرب عليّ حديثًا. وقال أحمد بن سلمة النيسابوريّ: ما رأيت بعد إسحاق، ومحمد بن يحيى أحفظ للحديث، ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم. وقال عثمان بن خُرَّزاذ: أحفظ من رأيت أربعة: إبراهيم بن عرعرة، ومحمد بن المنهال الضرير، وأبو زرعة، وأبو حاتم. وقال حجاج بن الشاعر، وذُكر له أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن وارة، وأبو جعفر الدارميّ: ما بالمشرق قوم أنبل منهم. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: قدم محمد بن يحيى النيسابوريّ الرّيّ، فألقيت عليه ثلاثة عشر حديثًا من حديث الزهريّ، فلم يعرف منها إلا ثلاثة. وهذا يدلّ على حفظ عظيم لأبي حاتم، فإن الذهليّ شهد له مشايخه، وأهل عصره بالتبحّر في معرفة حديث الزهريّ، ومع ذلك فأغرب عليه أبو حاتم. وقال مسلمة في "الصلة": كان ثقة، وكان شيعيًّا مُفرطًا، وحديثه مستقيم انتهى. قال الحافظ: ولم أر من نسبه إلى التشيّع غير هذا الرجل، نعم ذكر السليمانيّ ابنه عبد الرحمن من الشيعة الذين كانوا يُقدّمون عليا على عثمان، كالأعمش، وعبد الرزاق، فلعله تلقّف ذلك من أبيه، وكان ابن خزيمة يَرى ذلك أيضًا مع جلالته.

قال ابن المنادي، وغير واحد: مات في شعبان سنة (277 هـ) وقال ابن يونس في "تاريخه": مات بالريّ سنة (279) والأول أصحّ. وكان مولده سنة (195). روى عنه أبو داود، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب في أربعة مواضع برقم 2178 و 3178 و 3782 و 4648، وورى عنه ابن ماجه في "التفسير".

و"عمر بن حفص بن غياث": أبو حفص الكوفىّ، ثقة ربما وهم [10] 5/ 501.

[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى"، و"الكبرى""عَمْرو" بفتح العين، وسكون الميم، بدل "عُمَر" بضم، ففتح، وهو تصحيف. فتنبه.

و"أبوه" حفص بن غياث بن طلق: هو أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلاً في الآخر [8] 86/ 105.

و"مسعر": هو ابن كدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل [7] 8/ 8.

و"طلحة بن مصرّف": هو الكوفيّ القارئ الفاضل الثقة [5] 191/ 306.

و"أبو مسلم الأغرّ" المدينيّ، نزيل الكوفة، ثقة [3].

قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال البزّار: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وزعم

ص: 119

قوم أنه أبو عبد اللَّه سلمان الأغرّ، وهو وَهَم. وممن وهم فيه عبد الغنيّ بن سعيد، وسبقه الطبراني، وزاد الوهمَ وهمًا، فزعم أن اسم الأغرّ مسلم، وكنيته أبو عبد اللَّه، فأخطأ، فإن الأغرّ الذي يكنى أبا عبد اللَّه اسمه سد مان، لا مسلم، وتفرّد بالرواية عنه أهل المدينة، وأما هذا فإنما روى عنه أهل الكوفة، وكأنه اشتبه على الطبرانيّ بمسلم المدنيّ شيخ للشعبيّ، فإنه يروي أيضًا عن أبي هريرة، لكنه لا يلقب بالأغرّ، وأما أبو مسلم هذا، فالأغرّ اسمه لا لقبه. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

وقوله: "لا تنتهي البعوث الخ" بضم الباء جمع بعث، وهو الجيش، وفيه أن غزو البيت يكون أكثر من مرّة، وأن الخسف يكون ببعضهم. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2880 -

(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْمِصِّيصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنِ الدَّالَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُبْعَثُ جُنْدٌ إِلَى هَذَا الْحَرَمِ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ» ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ؟ ، قَالَ: «تَكُونُ لَهُمْ قُبُورًا»).

رجال هذا الإسناد: عشرة:

1 -

(محمد بن داود) بن صَبيح، أبو جعفر المصّيصيّ، ثقة فاضل [11].

قال الآجريّ، عن أبي داود: كان يتفقّد الرجال، وما رأيت رجلاً أعقل منه. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال أبو بكر الخلاّل: كان من خواصّ أحمد، ورؤسائهم، وكان يُكرمه، ويحدّثه بأشياء، لا يحدّث بها غيره. وقال الجعابيّ في "تاريخ الموصل": كان فاضلاً ورعًا، تكلّم في مسألة اللفظ التي وقعت إلى أهل الثُّغور، فقال بقول محمد بن داود، فهجره عليّ بن حرب لذلك، وترك مكاتبته.

روى له أبو داود، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب في أربعة مواضع برقم 2879 و 4169 و 4446 و 4681.

2 -

(يحيى بن محمد بن سابق) الكوفيّ نزيل المصيصة، لقبه عصا ابن إدريس، مقبول [10].

قال أبو حاتم: أتيت المصّيصة، فنظرت في حديثه، فوجدت أحاديثه مشهورة، ولم

ص: 120

أكتب عنه. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.

3 -

(أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد الكوفيّ الحافظ الثقة الثبت، من كبار [9] 44/ 52

4 -

(عبد السلام) بن حرب النهديّ الْمُلائيّ، أبو بكر الكوفيّ، بصريّ الأصل، ثقة حافظ، له مناكير، من صغار [8] 56/ 2754.

5 -

(الدالانيّ) يزيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة، ويقال: اسم جدّه عاصم، ويقال: هند، ويقال: واسط، ويقال: سابط، الأسديّ الكوفىّ، صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلّس [7].

قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ليس به بأس. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في بعض حديثه. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وفي حديثه لين، إلا أنه مع لينه يكتب حديثه. وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال ابن حبان في "الضعفاء": كان كثير الخطإ، فاحش الوهم، خالف الثقات في الروايات حتى إذا سمعها المبتدىء في هذه الصناعة عَلِم أنها معمولة، أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق، فكيف إذا انفرد بالمعضلات. وذكره الكرابيسيّ في "المدلسين". وقال الحاكم: إن الأئمة المتقدّمين شهدوا له بالصدق والإتقان. وقال ابن عبد البرّ: ليس بحجة. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

6 -

(عمرو بن مرّة) الجمليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد [5] 171/ 265.

7 -

(سالم بن أبي الجعد) واسمه رافع الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، يرسل كثيرًا [3] 61/ 77.

8 -

(أخوه) قال في "تهذيب التهذيب": (س) سالم بن أبي الجعد، عن أخيه، له خمسة إخوة: عبد اللَّه، وعبيد، وزياد، وعمران، ومسلم. انتهى 4/ 647.

وفي "التقريب": عبد اللَّه بن أبي الجعد الأشجعيّ، مقبول [4](س ق). وعبيد بن أبي الجعد الغطفانيّ، صدوق [3](س). وزياد بن أبي الجعد الكوفيّ، مقبول [4](ت). ولم يترجم عمران، ومسلمًا.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن أخا سالم هذا مجهول.

9 -

(ابن أبي ربيعة) الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميّ المكيّ، أمير الكوفة المعروف بالْقُبَاع، صدوق [2] 77/ 2395.

ص: 121

1 -

(حفصة بنت عمر) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد خُنيس بن حُذافة رضي الله عنه سنة ثلاث، وماتت - رضي اللَّه تعالى عنها - سنة (45)، تقدّمت في 39/ 583. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من عُشاريّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أنزل ما وقع له من الأسانيد، وقد تقدّم له في "كتاب الافتتاح" حديث عُشاريّ أيضًا في فضل سورة الإخلاص، ونصّه:

996 -

أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن رَبِيع بن خُثَيم، عن عمرو بن ميمون، عن ابن أبي ليلى، عن امرأة، عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:" {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أحد ثلث القرآن". قال أبو عبد الرحمن: ما أعرف إسنادا أطول من هذا. انتهى.

وقوله: "ما أعرف الخ" فيه نظر؛ لأن السند المذكور في هذا الباب يردّ عليه، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.

(ومنها): أن رجاله مشهورون، غير يحيى بن محمد، وأخي سالم. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عمرو بن مرّة، عن سالم، عن أخيه، عن ابن أبي ربيعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: (يُبْعَثُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (جُنْدٌ) هو في الأصل الأنصار، والأعوان، والجمع أجناد، وجنود، الواحد جنديّ، فالياء للوحدة، مثل روم وروميّ. قاله الفيّوميّ. وهو هنا بمعنى الجيش.

[تنبيه]: وقع في "الكبرى": "حشد" بحاء مهملة، وستين معجمة، بدل "جند"، فإن صحّت الرواية" فيكون بمعنى الجيش أيضًا، ففي "القاموس": الْحَشْد -أي بفتح، فسكون- ويُحرّك: الجماعة انتهى.

(إِلَى هَذَا الْحَرَمِ) وفي الرواية التالية: "ليؤمّنّ هذا البيتَ جيش يغزونه

". وفي حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - عند مسلم: "يعوذ عائذ بالبيت، فيُبعث إليه بَعْثٌ، فإذا كانوا ببيداء

". وفي رواية لمسلم من حديث أم المؤمنين، ولم يسمّها: "سيعوذ بهذا البيت قوم ليست لهم مَنَعة، ولا عدد، ولا عُدّةٌ، يُبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا

ص: 122

ببيداء من الأرض

".

وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة، فيُنتقَم منهم، فيُخسَف بهم.

وتُعقّب بأن في بعض طرقه عند مسلم: "أن ناسًا من أمتي"، والذين يهدمونها من كفّار الحبشة. وأيضًا فمقتضى كلامه أنهم يخسف بهم بعد أن يهدموها، ويرجعوا، وظاهر الخبر أنه يُخسف بهم قبل أن يصلوا إليها. قاله في "الفتح"

(1)

.

(فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ) ولمسلم: وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة (خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) ببناء الفعل للمفعول، يقال: خَسَفَ المكانُ خَسْفًا، من باب ضرب: غار في الأرض، وخسفه اللَّه، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله الفيّوميّ. وزاد في "القاموس": وخسف اللَّه بفلان الأرض: غيّبه فيها انتهى. وهذا الأخير هو المناسب هنا (وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ) المراد أنهم هلكوا كلهم (قُلْتُ) القائلة هي حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - (أرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ كَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ؟) أي أيهلكون معهم؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (تكُونُ لَهُمْ قُبُورًا) يعني أنهم يهلكون مع الكفار، وتكون لهم الأرض قبورًا، يجازَون فيها على نياتهم.

والحاصل أن الموت والخسف يشمل جميعهم، كافرهم، ومؤمنهم، لكن حالهم بعد ذلك مختلفة، كحال سائر أصحاب القبور، فالمؤمن قبره روضة من رياض الجنة، والكافر، والمنافق قبره حفرة من حُفَر النار. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: هذا الحديث روي أيضًا من حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أخرجه مسلم، من طريق عبد العزيز بن رُفيع، عن عبيد اللَّه بن القبطية، قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة، وعبد اللَّه بن صفوان، وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين، فسألاها عن الجيش الذي يُخسَف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بَعثٌ، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسِف بهم"، فقلت: يا رسول اللَّه، فكيف بمن كان كارها؟ قال:"يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته".

وقال أبو جعفر هي بيداء المدينة.

ثم أخرجه من طريق زهير، عن عبد العزيز بن رفيع، وفي حديثه قال: فلقيت أبا جعفر، فقلت: إنها إنما قالت: ببيداء من الأرض، فقال أبو جعفر: كلا واللَّه، إنها لبيداء المدينة.

(1)

-"فتح" 5/ 71 "كتاب البيوع" - "باب ما ذُكر في الأسواق".

ص: 123

قال القاضي عياض: قال أبو الوليد الكنانيّ: هذا ليس بصحيح؛ لأن أم سلمة توفيت في خلافة معاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما - قبل موته بسنتين، سنة تسع وخمسمين، ولم تدرك أيام ابن الزبير. قال القاضي: قد قيل: إنها توفيت أيام يزيد بن معاوية في أولها، فعلى هذا يستقيم ذكرها؛ لأن ابن الزبير نازع يزيد أول ما بلغته بيعته عند وفاة معاوية، ذكر ذلك الطبريّ، وغيره. وممن ذكر وفاة أم سلمة أيام يزيد أبو عمر ابن عبد البرّ في "الاستيعاب". وقد ذكر مسلم الحديث بعد هذه الرواية من رواية حفصة، وقال: عن أم المؤمنين، ولم يسمها.

قال الدارقطنيّ: هي عائشة، قال: ورواه سالم بن أبي الجعد عن حفصة، أو أم سلمة، وقال: والحديث محفوظ عن أم سلمة، وهو أيضًا محفوظ عن حفصة انتهى كلام القاضي.

قال النووي: وممن ذكر أن أم سلمة توفيت أيام يزيد بن معاوية أبو بكر بن أبي خيثمة انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الذي أشار إليه الدارقطني أخرجه الشيخان، ولفظ البخاريّ من طريق محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير بن مطعم، قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يُخسف بأولهم وآخرهم"، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، كيف يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟، قال:"يُخسَف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم".

ولفظ مسلم من طريق محمد بن زياد، عن عبد اللَّه بن الزبير، أن عائشة، قالت: عَبِثَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في منامه، فقلنا: يا رسول اللَّه، صنعت شيئا في منامك، لم تكن تفعله، فقال:"العجب إن ناسا من أمتي، يَؤُمُّون بالبيت برجل، من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء، خُسف بهم"، فقلنا: يا رسول اللَّه، إن الطريق قد يجمع الناس، قال:"نعم فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل، يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم اللَّه على نياتهم".

وقوله "عَبَثَ" قال القرطبيّ: وجدته مقيّدًا بفتح الباء: أي أتى بكلمات كأنها مختلطة، يقال: عَبَث الشيءَ يَعْبِثُهُ -بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المضارع-: إذا خلطه. فأما عبِث بكسر الماضي، وفتحة المضارع، فمعناه لشعب. وقال النوويّ: هو بكسر

(1)

- "شرح مسلم" 18/ 4/ 5.

ص: 124

الباء، قيل: معناه اضطرب بجسمه. وقيل: حرّك أطرافه، كمن يأخذ شيئًا، أو يدفعه انتهى

(1)

.

وقوله: "فيهم المستبصر الخ" أما المستبصر، فهو المستبين لذلك المقاصد له عمدًا. وأما المجبور، فهو المكره، يقال: أجبرته فهو مُجبَرٌ، هذه هي اللغة المشهورة، ويقال أيضًا: جبرته، فهو مجبور، حكاها الفراء، وغيره، وجاء هذا الحديث على هذه اللغة.

وأما ابن السبيل، فالمراد به سألك الطريق معهم، وليس منهم، ويهلكون مهلكا واحدًا: أي يقع الهلاك في الدنيا على جميعهم، ويصدرون يوم القيامة مصادر شتًى، أي يبعثون مختدفين على قدر نياتهم، فيجازون بحسبها انتهى

(2)

.واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.

[فإن قلت]: في سنده مجهول، وهو أخو سالم بن أبي الجعد، ويحيى بن محمد، والدالانيّ أيضًا متكلّم فيه، كما تقدّم، فكيف يصحّ؟.

[قلت]: هو إنما صحّ بالسند الآتي، وقد أخرجه مسلم به. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" بعد أن أورد هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: هذا حديثٌ غريب، والذي قبله غريب

(3)

. انتهى

(4)

.

(المسألة الثالثة): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -112/ 2880 و 2881 - وفي "الكبرى" 112/ 3862 و 3863. وأخرجه (م) في "الفتن" 2883 (ق) في "الفتن" 4063 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 25905. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده

(5)

:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حرمة الحرم. (ومنها): أن

(1)

-"المفهم" 6/ 223. و"شرح النووي على مسلم" 18/ 6 - 7.

(2)

- المصدر السابق.

(3)

يعني حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

- راجع "السنن الكبرى 2/ 385 رقم 112/ 3862

(5)

- المراد فوائد حديث حفصة مطلقًا، لا بخصوص اللفظ الذي ساقه المصنف هنا، بل يعم حديث أم سلمة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما - الذين أرودتهما في الشرح. فتنبّه.

ص: 125

من كثّر سواد قوم في المعصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم، كما قال اللَّه تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} الآية [الأنفال: 25]. (ومنها): أن الأعمال تعتبر بنية العامل. (ومنها): التحذير من مصاحبة أهل الظلم، ومجالستهم، وتكثير سوادهم، إلا لمن اضطرّ إلى ذلك، ويتردّد النظر في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة، هل هي إعانة لهم على ظلمهم، أو هي من ضرورة البشريّة، ثم يعتبر عمل كلّ أحد بنيته، وعلى الثاني يدلّ ظاهر الحديث. (ومنها): ما قال المهلب: واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شَرَبَةَ الخمرِ، وإن لم يَشَرب. وتعقّبه ابن المنيّر بأن العقوبة التي في الحديث هي الهجمة السماوية، فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية، ويؤيّده آخر الحديث، حيث قال:"ويبعثون على نياتهم"

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2881 -

(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، سَمِعَ جَدَّهُ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ، أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ يَغْزُونَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، خُسِفَ بِأَوْسَطِهِمْ، فَيُنَادِي أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ جَمِيعًا، وَلَا يَنْجُو إِلاَّ الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ» ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَشْهَدُ عَلَيْكَ أَنَّكَ مَا كَذَبْتَ عَلَى جَدِّكَ، وَأَشْهَدُ عَلَى جَدِّكَ أَنَّهُ مَا كَذَبَ عَلَى حَفْصَةَ، وَأَشْهَدُ عَلَى حَفْصَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"الحسين ابن عيسى": هو أبو عليّ البسطاميّ الْقُومَسيّ، نزيل نيسابور، ثقة [10] 69/ 86.

و"سفيان": هو ابن عيينة.

و"أمية بن صفوان" بن عبد اللَّه بن صوان بن أمية بن خدف الْجُمَحِيّ المكيّ، مقبول [6].

روى عن جدّه، وأبي بكر بن أبي زُهير. وعنه ابن جريج، وابن علية، وابن عيينة، ونافع بن عمر، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم، والمصنف، وابن ماجه، وله عند مسلم، والمصنف حديث الباب فقط. وله عند ابن ماجه حديث آخر، حديث: "يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار

".

و"جدّه": هو عبد اللَّه بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح الجحميّ، أبو صفوان المكيّ. وأمه برْزَة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفيّ. قال

(1)

- "فتح" 5/ 71 - "كتاب البيوع" - باب "ما ذكر في الأسواق".

ص: 126

الزبير بن بكار: كان من أشراف قريش. وقال الجعَابيّ: وُلد على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال أبو الربيع السمان، عن القاسم بن أبي بَزَّة: تناول رجل من أهل مكة ابنًا لعبد اللَّه بن صفوان، فأمسك عنه، فقال مجاهد: لقد أشبه أباه في الحلم والاحتمال. وقال الزبير ابن بكار: كان عبد اللَّه بن صفوان ممن يقوّي أمر ابن الزبير، فقال له ابن الزبير: قد أذنت لك، وأقلتك بيعتي، فأبى حتى قُتل معه، وهو متعلّق بأستار الكعبة. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعيين المكين. روى له مسلم، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف حديثان فقط، برقم 2881 و 4085.

وقوله: "ليؤمّنّ" فعل مضارع مبني للفاعل، من أمّ بتشديد الميم: إذا قصد، واللام هي الموطّئة للقسم، والنون الثقيلة للتوكيد، أي واللَّه ليقصدنّ هذا البيت جيش الخ.

وقوله: "فينادي أولهم آخرهم" هكذا في بعض النسخ، وهو واضح، وفي بعضها:"فينادي أولهم، وآخرهم" بالواو، والمعنى: أي يتنادون فيما بينهم. ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول: أي ينادي المنادي جميعهم حتى يهلكوا مهلكًا واحدًا. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "إلا الشريد": قال القرطبيّ: الشريد: هو الطريد عن أهله، ويعني به هنا المنفرد عن ذلك الجيش الذي يُخسف به. انتهى

(1)

.

وقوله: "فقال له رجل الخ": أي قال رجل لأمية بن صفوان حين حدّث بهذا الحديث: أشهد عليك أنك ما كذبت على جدك عبد اللَّه بن صفوان بهذا الحديث الخ.

والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌113 - (مَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ مِنَ الدَّوَابِّ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أحاديث الأبواب قد سقبت في أبواب "ما يَقتُل المحرم من الدواب"، أوردها المصنّف هناك استدلالاً على أن هذه الحيوانات يجوز

(1)

- "المفهم" 6/ 226.

ص: 127

قتلها للمحرم، سواء كانت في الحلّ، أم في الحرم، وأوردها هنا استدلالاً على جواز قتلها في الحرم، سواء كان القاتل حلالاً، أم محرمًا، فالأول أعم من حيث المحلّ، وأخصّ من حيث القاتل، والثاني أعم من حيث القاتل، وأخصّ من حيث المحلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2882 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنْ عَائِشَةَ،، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«خَمْسُ فَوَاسِقَ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.

وقوله: "خمس فواسق" المشهور فيه الإضافة، وروي بالتنوين على الوصف، وبينهما في المعنى فرق دقيق، ذكره ابن دقيق العيد؛ لأن الإضافة تقتضي الحكم على خمس من الفواسق بالقتل أشعر التخصيص، بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم، وأما التنوين، فيقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد يشعر بأن الحكم مترتّبٌ على ذلك، وهو القتل معلّلٌ بما جعل وصفًا، وهو الفسق، فيقتضي ذلك التعميم لكلّ فاسق من الدوابّ، وهو ما اقتضاه الأول من المفهوم من التخصيص.

والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم شرحه، وتخريجه في -83/ 2829 - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌114 - (قَتْلُ الْحَيَّةِ فِي الْحَرَمِ)

2883 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«خَمْسُ فَوَاسِقَ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ» ).

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 128

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.

وقوله: "والغراب الأبقع" أي الذي في لونه سواد وبياض. و"الأبقع" اسم تفضيل من بَقِعَ الغرابُ بَقَعًا، من باب تعب: اختَلَفَ لونه، فهو أبقع، وجمعه بِقْعَان، بالكسر، غلب فيه الاسميّة، ولو اعتُبرت الوصفية لقيل: بُقْعٌ، مثل أحمر وحُمْر. قاله الفيّوميّ.

والحديث صحيحٌ، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2884 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْخَيْفِ، مِنْ مِنًى، حَتَّى نَزَلَتْ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات: 1] فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اقْتُلُوهَا» ، فَابْتَدَرْنَاهَا، فَدَخَلَتْ فِي جُحْرِهَا).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [11] 38/ 42.

2 -

(يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [9] 92/ 114.

3 -

(حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه تغيّر حفظه في الآخر [8] 2/ 3915.

4 -

(الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ إمام ورع، لكنه يدلّس [5] 17/ 18.

5 -

(إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [5] 29/ 33.

6 -

(الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرم ثقة مكثر فقيه [2] 29/ 33.

7 -

(عبد اللَّه) بن مسعود الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 35/ 39. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه

ص: 129

أيضًا، فرُهاويّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وهو خال لإبراهيم. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَبْدِ اللَّه) ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -.

[تنبيه]: وقع في "الكبرى" هنا "عن عائشة" بدل "عن عبد اللَّه"، وهو غلط، فإن الحديث لعبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، لا لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد وقع على الصواب في "التفسير" برقم 11643. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

(قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم بِالْخَيْفِ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتانيّة، بعدها فاء. قال الفيّوميّ: والخيف، ساكن الياء: ما ارتفع من الوادي قليلاً عن مسيل الماء، ومنه مسجد الخيف بمنى؛ لأنه بُني في خَيْف الجبل، والأصل مسجد خيف مني، فخُفّف بالحذف، ولا يكون خيفٌ إلا بين جبلين انتهى (مِنْ مِنًى) بكسر، ففتح، مقصورًا: الموضع المعروف بمكة، والغالب عليه التذكير، فيُصرف. وقال السرّاج: ومنىً ذكر، والشام ذكر، وهَجَرٌ ذكر، والعراق ذكر، وإذا أُنث منع من الصرف. وأمنى الرجل بالألف: إذا أتى منًى. أفاده الفيّوميّ.

وفي الرواية التالية أن ذلك كان ليلة العرفة التي قبل يوم عرفة، وفيه بيان أن أمره صلى الله عليه وسلم بقتل الحيّة وقع في الحرم، والإحرام؛ لأن ذلك قبل التحلل، فبطل رد بعضهم الاستدلال بحديث عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه هذا على جواز قتل الحية للمحرم، باحتمال أن يكون ذلك بعد طواف الإفاضة. وقد رواه مسلم، وابن خزيمة، واللفظ له، عن أبي كريب، عن حفص بن غياث، مختصرًا، ولفظه:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر محرمًا بقتل حيّة في الحرم بمنى".

(حَتَّى نَزَلَتْ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات: 1] أي هذه السورة. زاد في "التفسير" من طريق إسرائيل، عن منصور، والأعمش، كليهما عن إبراهيم:"فإنا لنتلقاها من فيه"، وفي رواية منصور، عن الأعمش وحده: وإنا لنتلقاها من فيه رطبة". أي غضّة طريّة في أول ما تلاها، والمراد بالرطوبة رطوبة فيه، أي أنهم أخذوها عنه قبل أن يجفّ ريقه من تلاوتها. ويحتمل أن يكون وصفها بالرطوبة لسهولتها، والأول أشبه. قاله في "الفتح"

(1)

.

(فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ) أي من جحرها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اقْتُلُوهَا"، فَابْتَدَرْنَاهَا) أي

(1)

- "فتح" 6/ 514 "كتاب بدء الخلق".

ص: 130

سبق كلّ منا صاحبه إلى قتلها، وفيه أن الحيات غير ذوات البيوت تقتل، ولو في الحرم (فَدَخَلَتْ في جُحْرِهَا) أي فسبقتنا، ودخلت في جحرها. و"الجحر" بضم الجيم، وسكون الحاء المهملة: كلّ شيء يحتفره الهوامّ، والسباع لأنفسها، كالْجُحْران، جمعه جِحَرة، بكسر، ففتح، وأَجْحارٌ. أفاده في "القاموس". وبعض أهل اللغة جعل الْجُحْر للضبّ خاصّة، واستعماله لغيره كالتجوّز. قاله المرتضى.

وفي رواية إسرائيل المذكورة زيادة: "وُقيت شرّكم، كما وُقيتم شرّها". أي إن اللَّه تعالى سلّمها من شركم، وهو قتلكم إياها، كما سلمكم من إيذائها إياكم بسمها، فهو من مجاز المقابلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.

[تنبيه]: وقع اختلاف في إسناد هذا الحديث، فقد رواه حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، والأسود، عن عبد اللَّه، كما هو عند المصنّف هنا، وتابعه جرير، وأبو معاوية، وسليمان بن قرم، عن الأعمش. ورواه إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه. ورواه ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد اللَّه. ورواه المسعوديّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه. ورواه عبد اللَّه بن إدريس، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد اللَّه. وكذلك رواه جرير في موضع آخر عن الأعمش. واختلف فيه على حفص بن غياث، فقال سهل بن عثمان، عنه كما تقدّم. وقال إسماعيل بن حفص الأبليّ، عنه كما قال إسرائيل. وقال عبد الصمد بن عبد الوارث، عنه كما قال المسعوديّ. أفاده الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف"

(1)

.

ورواه المصنف هنا أيضًا، من طريق أبي عبيدة، عن أبيه، وهي الرواية التالية.

والحاصل أن الحديث اختلف في إسناده، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يعدّ اضطرابًا يضرّ بصحّة الحديث؛ لأن الاضطراب إنما يضرّ عند عدم الترجيح، وما هنا ليس كذلك، ولذا أخرجه الشيخان في "صحيحيهما". واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

(1)

- "تحفة الأشراف" 7/ 6 - 7.

ص: 131

أخرجه هنا -114/ 2884 - و 2885 - وفي "الكبرى" 114/ 3866 و 3867 وفي "التفسير" 11642 و 11643. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1830 و"بدء الخلق" 3317 و" التفسير" 4935 و 4931 و 4934 (م) في "السلام" 2234 (أحمد) في "مسند المكثرين" 2564 و 3994 و 4057 و 4323 و 4344. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز قتل الحية في الحرم. (ومنها): جواز قتل المحرم الحية في حال إحرامه. قال في "الفتح": قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم قتل الحيّة. وتعقّب بما تقدّم عن الحكم، وحمّاد، وبما عند المالكيّة من استثناء ما صغر منها، بحيث لا يتمكّن من الأذى. انتهى

(1)

.

(ومنها): بيان وقت ومكان نزول سورة المرسلات، وهو عام حجة الوداع، في منى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2885 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ عَرَفَةَ، الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِذَا حِسُّ الْحَيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اقْتُلُوهَا» ، فَدَخَلَتْ شَقَّ جُحْرٍ، فَأَدْخَلْنَا عُودًا، فَقَلَعْنَا بَعْضَ الْجُحْرِ، فَأَخَذْنَا سَعَفَةً، فَأَضْرَمْنَا فِيهَا نَارًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ، وَوَقَاكُمْ شَرَّهَا»).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [10] 4/ 4.

2 -

(يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [9] 4/ 4.

3 -

(ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [6] 28/ 32.

4 -

(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق [4] 31/ 35.

5 -

(مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 27/ 31.

6 -

(أبو عُبيدة) بن عبد اللَّه بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، وقيل: اسمه عامر، كوفيّ ثقة، من كبار [3] 55/ 622، والأصحّ أنه لم يسمع من أبيه.

(1)

- "فتح" 4/ 514.

ص: 132

7 -

(أبوه) عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - 35/ 39. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة، وهو لم يسمع من أبيه، ففيه انقطاع. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أبو الزبير، عن مجاهد، عن أبي عبيدة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ عَرَفَةَ، الَّتِي قَبْلَ يَومِ عَرَفَةَ) إنما ذكر هذا القيد -مع أن المعروف أن ليالي المشهور القمرية متابعة لما بعدها من النهار، حيث إن الحساب قمريّ، وهو يظهر بالليل-؛ لأن ليلة عرفة، وليالي أيام التشريق متابعة لما قبلها من النهار؛ حتى يمكن استدراك ما فات من أعمال النهار في الليل، فمثلاً إذا فاته الوقوف بعرفة نهارًا، استدركه ليلاً، فدفعًا للتوهم زاد قوله:"التي قبل يوم عرفة". واللَّه تعالى أعلم (فَإِذَا حِسُّ الحيَّةِ)"إذا" هنا فجائيّة، أي ففاجأنا سماع حسّ حيّة. و"الحسّ" بالكسر، والحسيس بالفتح: الصوت الخفيّ.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اقْتُلُوهَا"، فَدَخَلَتْ شَقَّ جُحْرٍ" قال الفيّوميّ: "والشقّ" بالفتح: انفراجٌ في الشيء، وهو مصدرٌ في الأصل، والجمع شُقُوق، مثل فلس وفُلُوس انتهى. فتكون إضافته إلى "جحر" بمعنى اللام (فَأَدْخَلْنَا عُودًا) بضم العين أي خشبًا، والجمع أعواد، وعِيدان (فَقَلَعْنَا بَعْضَ الْجُحْرِ) أي نزعنا بعض ذلك الجُحْرِ (فَأخَذْنَا سَعَفَةً) بفتحتين واحدة السعف بفتحتين أيضًا، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ: وهي أغصان النخل ما دامت بالْخُوص، فإن زال الْخُوص عنها قيل: جريد. قالهَ الفيّوميّ (فَأَضْرَمنَا فِيهَا نَارًا) أي أوقدنا فيها نارًا، وأرادوا بذلك قتلها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وَقَاهَا اللَهُ شَرَّكُم، وَوَقَاكُمْ شَرَّهَا") فيه إخبار منه صلى الله عليه وسلم أنها سلمت مما فعلوا بها، من إضرام النار، وغيره. وتسمية ما فعلوه شرًّا، بالنسبة إليها، أو للمشاكلة، كما في قوله تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الآية [الشورى: 40]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

والحديث فيه انقطاع؛ لأن الأصحّ أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكنه صحيحٌ بما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

ص: 133

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌115 - (قَتْلُ الْوَزَغِ)

2886 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ، قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخ المصنّف "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرىء" أبي يحيى المكيّ، ثقة [10] 11/ 11، فإنه من أفراده وابن ماجه.

و"سفيان": هو ابن عيينة.

و"عبد الحميد بن جبير بن شيبة" بن عثمان بن أبي طلبة العبدريّ الْحَجَبيّ المكيّ، ثقة [5].

وثقه ابن معين، والنسائيّ، وابن سعد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره خليفة في الطبقة الثالثة من أهل مكة. روى له الجماعة. وله عند المصنف حديثان برقم 2885 و 2911.

و"أم شريك" العامريّة، ويقال: الأنصارية، ويقال: الدوسيّة، اسمها غُزيّة، ويقال: غُزيلة بنت دودان بن عمرو بن عامر بن رواحة بن منقذ بن عمرو بن مُعَيص بن عامر بن لؤيّ. وقيل: غير ذلك في نسبها. وقال ابن سعد: غُزيّة بنت جابر بن حَكيم. ويقال: هي التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم. روت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعنها جابر بن عبد اللَّه، وسعيد ابن المسيّب، وعروة بن الزبير، وشهر بن حوشب. روى لها الجماعة، سوى أبي داود. ولها عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا -115/ 2886 وفي "الكبرى" 115/ 3868. وأخرجه (خ) في "بدء الخلق" 3307 و"أحاديث الأنبياء" 3359 (م) في "السلام" 22237 (ق) في "الصيد" 2228 (أحمد) في "مسند القبائل" 26819 و 27072 (الدارمي) في "الأضاحي" 2000 وشرحه قد مرّ مستوفًى في باب "قتل الوزغ" -85/ 2831 - في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم

ص: 134

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2887 -

(أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، وَيُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الْوَزَغُ الْفُوَيْسِقُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه وهب ابن بيان، أبي عبد اللَّه الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة [10] 20/ 1399، فإنه من أفراده هو، وأبي داود.

[تنبيه]: وقع في "الكبرى": "وهب بن كان" بنون قبل الألف، وهو تصحيف، والصواب:"بيان" بالياء، كما هنا. فتنبّه.

وقوله: "الوزغ الفويسق" جملة من مبتدإ وخبر، و"الفويسق" تصغير فاسق، وهو تصغير تحقير، يقتضي المبالغة في الذّم. زاد في رواية البخاريّ:"ولم أسمعه أمر بقتله". وهو مقول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، والضمير للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقضية تسميته إياه فويسقًا أن يكون قتله مباحًا، وكونها لم تسمعه لا يدلّ على منع ذلك، فقد سمعه غيرها، كأم شريك، وغيرها. ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق على جواز قتله في الحلّ والحرم، لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يَقتل المحرم الوزغ. زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدّق؛ لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها. وروى ابن أبي شيبة أن عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحرم؟، فقال: إذا آذى فلا بأس بقتله. وهذا يفهم منه توقف قتله على أذاه. أفاده في "الفتح"

(1)

.

والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا -115/ 2887 - وفي "الكبرى" 115/ 3869. وأخرجه (خ) في "الحج" 1831 و"بدء الخلق" 3306 (م) في "السلام" 2239 (ق) في "الصيد" 3235 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 24547 و 24689 و 25800 و 25850. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "فتح" 4/ 514.

ص: 135

‌116 - (بَابُ قَتْلِ الْعَقْرَبِ)

2888 -

(أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ الرَّقِّيُّ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود، وهو صدوق.

و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصّي.

و"أبان بن صالح" بن عُمير بن عُبيد القرشيّ مولاهم، ثقة [5].

قال ابن معين، والعجليّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حنان في "الثقات". وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد": ضعيف. وقال ابن حزم في "المحلّى": ليس بالمشهور. قال الحافظ: وهذه غفلة منهما، وخطأ تواردا عليه، فلم يضعّف أبان هذا أحدٌ قبلهما، ويكفي فيه قول ابن معين، ومن تقدّم معه. انتهى. وقال ابن سعد: وُلد سنة ستين، ومات بعسقلان سنة بضع عشرة ومائة. وهو ابن خمس وخمسين سنة، وكذا قال يعقوب بن شيبة. علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في -83/ 2823 - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌117 - (قَتْلُ الْفَأْرَةِ فِي الْحَرَمِ)

2889 -

(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ مِنَ

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 136

الدَّوَابَّ، كُلُّهَا فَاسِقٌ، يُقتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالحدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْفَأْرَةُ،

وَالْعَقْرَبُ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، ونصفه الأول مصريون، والثاني مدنيون، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أيضًا عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (2210) من الأحاديث.

والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2890 -

(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا

(1)

ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَالَتْ: حَفْصَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه عيسى بن إبراهيم بن مثرُود، أبي موسى الغافقيّ المصريّ، فقد انفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. والسند فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابية، ورواية الابن، عن أبيه، والأخ عن أخته، وفيه ابن عمر، أحد المكثرين السبعة، روى (2630) من الأحاديث.

وقوله: "لا حرج الخ" أي لا إثم، وتمام شرح الحديث تقدّم في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.

والحديث متّفقٌ عليه، أخرجه المصنّف هنا -117/ 2890 - وفي "الكبرى" 117/ 3872. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1828 (م) 1200 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 25900 و 26317. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌118 - (قَتْلُ الْحِدَأَةِ فِي الْحَرَمِ)

2891 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا

(2)

عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(3)

مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَمْسُ فَوَاسِقَ،

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- وفي نسخة: "أخبرني".

(3)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 137

يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنَّ مَعْمَرًا كَانَ يَذْكُرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، والحديث صحيح، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -118/ 2891 - وفي "الكبرى" 118/ 3873.

وقوله: "قال عبد الرزاق الخ" أشار به إلى أن إسناد هذا الحديث وقع فيه اختلاف، فقد رواه معمر عن الزهريّ بطريقين: طريق سالم، عن أبيه، عن حفصة - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وطريق عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وكلاهما صحيحان. وقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في الباب الماضي عن ابن وهب، بطريقين أيضًا: "إحداهما: طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد اللَّه بن عمر، عن حفصة رضي الله عنهم. والثانية: طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وظهر بهذا أن لابن وهب عن يونس، عن الزهريّ فيه إسنادين: سالم، عن أبيه، عن حفصة. وعروة، عن عائشة. وقد كان ابن عيينة ينكر طريق الزهريّ، عن عروة، قال الحميديّ، عن سفيان: حدثنا واللَّه الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، فقيل له: إن معمرًا يرويه عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قال: حدثنا والفه الزهريّ لم يذكر عروة.

وطريق معمر المشار إليها أوردها البخاريّ في "بدء الخلق" من طريق يزيد بن زريع، عنه. ورواها النسائيّ من طريق عبد الرزاق -يعني حديث الباب- ثم ذكر كلام عبد الرزاق المذكور هنا.

قال: وطريق الزهريّ، عن عروة، رواها أيضًا شعيب بن أبي حمزة، عند أحمد، وأبان بن صالح عند النسائيّ -يعني حديث الباب السابق- ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تابع الزهريّ عن عروة هشامُ بن عروة، أخرجه مسلم، والنسائيّ -يعني في الباب الآتي -أيضًا. انتهى كلام الحافظ ببعض زيادة

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبين مما ذُكر أن روايتي معمر عن الزهريّ صحيحتان، فلا يضرّه إنكار ابن عيينة عليه طريق عروة، عن عائشة؛ لأن الحديث محفوظ من الطريقين.

(1)

- "فتح" 4/ 508.

ص: 138

والحاصل أن حديث الزهريّ محفوظ من كلتا الطريقين: طريق سالم، عن أبيه، عن حفصة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وطريق عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ولذا أخرجه الشيخان من كلتا الطريقين، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌119 - (قَتْلُ الْغُرَابِ فِي الْحَرَمِ)

2892 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَمْسُ فَوَاسِقَ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحِدَأَةُ» ).

قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"حماد": هو ابن زيد.

والحديث صحيح؛، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -119/ 2892 - وفي "الكبرى" 119/ 3874. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌120 - (النَّهْي أَنْ يُنَفَّرَ صَيْدُ الْحَرَمِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يُنفّر الخ" بالبناء للمفعول، والمصدر المؤول من "أن" والفعل مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، والتقدير: النهي عن تنفير صيد الحرم، أي تشريده من موضعه الذي أقام فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

(1)

- وفي نسخة: "حدّثنا"، وفي أخرى:"أخبرنا".

ص: 139

2893 -

(أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «هَذِهِ مَكَّةُ، حَرَّمَهَا اللَّهُ عز وجل، يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَهِيَ سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا، إِلاَّ لِمُنْشِدٍ» ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ -وَكَانَ رَجُلاً مُجَرِّبًا- فَقَالَ: إِلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا، وَقُبُورِنَا، فَقَالَ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه سعيد ابن عبد الرحمن المخزوميّ المكيّ، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار.

وقوله: "وهي ساعتي هذه"، وفي "الكبرى":"وهي من ساعتي هذه"، بزيادة "من". وقوله:"بحرام اللَّه" أي بتحريمه، لا بتحريم أحد من الخلق.

وقوله: "لا يُختلى" بالبناء للمفعول، وكذا الفعلان بعده، ومعنى:"لا يُختَلَى": لا يُجَزّ، ولا يُقطع خلاها، وهو ما كان رَطَبًا من الكلإ. ومعنى:"لا يُعضد": لا يُقطع. ومعنى: "يُنفّر": يُشَرّد.

وقوله: "ولا تحلّ لقطتها" بالبناء للفاعل، و"اللُّقَطَة" -بضمّ، ففتح- وزانُ رُطَبَة: ما الْتُقِطَ من مالٍ ضائع. قال الأزهريّ: اللُّقَطة بفتح القاف: اسم الشيء الذي تجده مُلْقًى، فتأخذه، قال: وهذا قول جميع أهل اللغة، وحُذاقِ النحويين. وقال الليث: هي بالسكون، ولم أسمعه لغيره، واقتصر ابن فارس، والفارابيّ، وجماعة على الفتح، ومنهم من يَعُدّ السكون من لَحْن العوامّ، ووجه ذلك أن الأصل لُقَاطة، فثقُلَت عليهم؛ لكثرة ما يلتقطون في النهب، والغارات، وغير ذلك، فتلعّبت بها ألسنتهم اهتمامًا بالتخفيف، فحذفوا الهاء مرّة، وقالوا: لُقَاطٌ، والألف أُخرى، وقالوا: لُقَطَة، فلو أُسكن اجتمع على الكلمة إعلالان، وهو مفقود في فصيح الكلام، وهذا وإن لم يذكروه، فإنه لا خفاء به عند التأمل لأنهم فسّروا الثلاثة بتفسير واحد. أفاده الفيّوميّ.

وقوله: "وكان رجلاً مجرّبًا" أي كان ذا تجربة للأمور، فلذا طلب من النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستثني الإذخير؛ لمعرفته شدة حاجة الناس إليه.

[تنبيه]: وقع في بعض النسخ "مجريا" بالجيم آخره ياء بدل "مجرِّبًا" وهو تصحيف، ووقع في "الكبرى":"محرمًا" بالحاء المهملة بدل الجيم، آخر ميم، وهو تصحيف أيضًا.

والحديث متفق عليه، وتقدم تمام شرحه، والكلام على مسائله في 110/ 2874 - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

ص: 140

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌121 - (اسْتِقْبَالُ الْحَجِّ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الكلام على حذف مضاف، أي استقبال ذي الحجّ، وفي نسخة:"الحاجّ"، وهو الذي في "الكبرى"، وهو واضح.

وحديثا الباب يدلّان على استحباب استقبال القادم للحجّ، ولكنه لا فرق بين القدوم للحجّ، والقدوم منه؛ لاتفاقهما من حيث المعنى، ولذا أطلقه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، ليشمل الاستقبالين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2894 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجُويَهْ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَابْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَقُولُ:

خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ

الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ

ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ

وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ

قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، فِي حَرَمِ اللَّهِ، وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ؟ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«خَلِّ عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَكَلَامُهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد ابن عبد الملك بن زيجويه البغداديّ، أبي بكر الغزّال، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة.

والحديث صحيح، وقد تقدّم قبل أحد عشر بابًا برقم -109/ 2874 - وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، واستدلّ به المصنّف هنا على استحباب استقبال الحاج عند قدومه، ومحلّ الاستدلال به كون عبد اللَّه بن رواحة - رضي اللَّه تعالى عنه - مشى بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول الشعر، والنبيّ صلى الله عليه وسلم استحسن ذلك منه، فدلّ على أن استقبال الحاج عند قدومه بإظهار الفرح والسرور، والكلام المناسب للحال مستحبٌ، إذ لا فرق بين أن يكون المستقبِل من نفس الحجاج، أو من أهل البلد؛ إذ المقصود تعظيم الحاج، واظهار الفرح والاستبشار به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

ص: 141

2895 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

2 -

(يزيد بن زُريع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [8] 5/ 5.

3 -

(خالد) بن مِهْرَان الحذّاء، أبو المنازل البصريّ، ثقة يرسل، قيل: تغيّر حفظه لَمَا قدم من الشام [5] 7/ 634.

4 -

(عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [2] 3/ 325.

5 -

(ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه فبَغْلَانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: خالد، عن عكرمة، وفيه ابن عبّاس رضي الله عنه من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (1696) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، لَمَا قَدِمَ مَكةَ) يعني عام الفتح (اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي هَاشِم) تصغير غلمة، وهو جمع غلام على غير قياس، والقياس غُلَيمة. وقال ابن التين: كأنهم صغّروا أغلمة على القياس، وإن كانوا لم ينطقوا بأغلمة، قالط: ونظيره أُصَيبية انتهى. وإضافتهم إلى هاشم لأنهم من ذرّيته. وفي رواية البخاريّ: "أغيلمة بني عبد المطّلب (قَالَ) ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ) قد جاء تفسير هما فيما أخرجه البخاريّ في "كتاب اللباس" من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أَتَى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد حمل قُثَمَ بين يديه، والفضل خلفه، أو قُثَم خلفه، والفضل بين يديه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسالة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.

ص: 142

(المسالة الثانية): في بيان مواضع ذكره له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -121/ 2895 - وفي "الكبرى"121/ 3877. وأخرجه (خ) في "الحج" 1798 و"اللباس"5965. واللَّه تعالى أعلم.

(المسالة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب استقبال الحاجّ عند قدومه للحجّ، أو من الحجّ، والظاهر أن المصنف قاس الحج على ما وقع في الفتح؛ لأن قصة الاستقبال المذكورة في الحديث وقعت في عام الفتح كما سبق بيانه. واللَّه تعالى. (ومنها): جواز الارتداف على الدابة، وإن كانوا ثلاثة، وأما ما ورد من النهي عن ذلك، فلا يصحّ، وعلى تقدير صحته فيحمل على ما إذا لم تطق الدابة ذلك.

أخرج الطبراني في "الأوسط" عن جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -: "نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يركب ثلاثة على دابّة". وسنده ضعيف. وأخرج الطبرانيّ عن أبي سعيد، رفعه:"لا يركب الدابة فوق اثنين". وفي سنده لين. وأخرج ابن أبى شيبة من مرسل زاذان أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدكم، فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعن الثالث. ومن طريق أبي بردة، عن أبيه نحوه، ولم يصرّح برفعه. ومن طريق الشعبيّ قوله مثله. ومن حديث المهاجر بن قنفذ أنه لعن فاعل ذلك، وقال:"إنا قد نُهينا أن يركب الثلاثة على الدابة". وسنده ضعيف. وأخرج الطبريّ عن عليّ رضي الله عنه، قال:"إذا رأيتم ثلاثة على دابة، فارجموهم حتى ينزل أحدهم".

وعكسه ما أخرجه الطبريّ أيضًا بسند جيد، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"كان يوم بدر ثلاثة على بعير". وأخرج الطبرانيّ، وابن أبي شيبة أيضًا من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر، قال:"ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابّة، إذا أطاقت حمل ذلك".

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وبهذا يجمع بين مختلف الحديث في ذلك، فيحمل ما ورد في الزجر عن ذلك على ما إذا كانت الدابّة غير مطيقة، كالحمار مثلاً، وعكسه على عكسه، كالناقة، والبغلة.

قال النوويّ: -رحمه اللَّه تعالى-: مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة جواز ركوب ثلاثة على الدابة إذا كانت مطيقة. وحكى القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- منعه عن بعضهم مطلقًا، وهو فاسد انتهى.

قال الحافظ: لم يصرّح أحد بالجواز مع العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيّد انتهى

(1)

.

(1)

- "فتح" 11/ 598.

ص: 143

(ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من حسن المعاشرة، ومكام الأخلاق، حيث إنه يردف الغلمان معه شفقة، ورأفة، وتلطّفًا بهم، فكان صلى الله عليه وسلم -كما وصفه اللَّه تعالى بقوله:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقوله:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌122 - (تَرْكُ رَفْعِ الْيَدَينِ عِنْدَ رُؤيةِ الْبَيْتِ)

2896 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَزَعَةَ الْبَاهِلِيَّ، يُحَدِّثُ عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ، قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ، يَرَى الْبَيْتَ، أَيَرْفَعُ يَدَيْهِ؟ ، قَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا، إِلاَّ الْيَهُودَ، حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن بشار) العبديّ، أبو بكر بُندار البصريّ، ثقة حافظ [10] 24/ 27.

2 -

(محمد) بن جعفر غندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [9] 21/ 22.

3 -

(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [7] 24/ 27.

4 -

(أبو قَزَعة الباهلي) سُويد بن حُجير -بتقديم المهملة، مصغرًا- البصريّ، ثقة [4].

قال أبو طالب، عن أحمد: من الثقات. وقال ابن المدينيّ، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. وقال البزّار: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الآجريّ: قُرىء على أبي داود، عن أحمد ابن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: حدّثنا أبو قَزَعَة، سمع عمران بن حصين.

قلت لأبي داود: من أبو قَزَعة؟ قال: سُويد، قلت: سمع من عمران بن حصين؟ قال: لا. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط،

ص: 144

برقم 2896 و 3592.

5 -

(المهاجر) بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ المكيّ، مقبول [4].

روى عن جابر، وابن عمه عبد اللَّه بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والزهريّ، وهو من أقرانه. وعنه أبو قزعة، سويد بن حجير الباهليّ، ويحيى بن أبي كثير، وجابر بن يزيد الجعفيّ. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو حاتم في "العلل": لا أعلم أحدًا روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور. وقال الخطابيّ: ضعّف الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق حديث مهاجر في رفع اليدين عند رؤية البيت؛ لأن مهاجرًا عندهم مجهول. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب فقط.

6 -

(جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى - عنهما 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ) أنه (قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى - عنهما (عَنِ الرَّجُلِ، يَرَى الْبَيْتَ) أي الكعبة المشرّفة؛ لأنه صار علمًا بالغلبة لها، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":

وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمّا بِالْغَلَبَهْ

مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "الْ" كَالْعَقَبَهْ

(أَيَرْفَعُ يَدَيْهِ؟، قَالَ) جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - (مَا كُنْتُ أَظُن أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا الْيَهُودَ) أي لا يفعل رفع اليدين في غير محله، إلا اليهود. أو الرفع عند رؤية البيت، وذلك لأن اليهود أعداء البيت، فإذا رأوه رفعوا أيديهم لهدمه، وتحقيره، وليس المراد أن اليهود يزورونه، ويرفعون الأيدي عنده بذلك. قاله السنديّ

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الثاني مما ذكره السنديّ غير واضح، والظاهر أنه أراد أن اليهود هم الذين يرفعون أيديهم عند رؤية محل عباداتهم، فيكون رفع اليد عند رؤية الكعبة تشبهًا بهم. واللَّه تعالى أعلم.

(حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَم نَكُنْ نَفْعَلُهُ) يعني أنه لو كان مشروعًا لبينه صلى الله عليه وسلم في حجته لأصحابه، كما بين لهم سائر أعمال الحج فيها.

والحديث يدلّ على عدم مشروعية رفع اليد في الدعاء عند رؤية البيت، وقد ورد ما

(1)

- "فتح" 5/ 212 - 213.

ص: 145

يدلّ على استحباب ذلك، فروى الشافعيّ في "مسنده" عن ابن جريج، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال:"اللَّهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، ومهابةً، وزد من شَرَّفَهُ، وكرّمه ممن حجه، واعتمره تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، وبِرًّا". وهذا مرسل معضل فيما بين ابن جريج، والنبي صلى الله عليه وسلم، وفي إسناده سعيد بن سالم القدّاح، وفيه مقال. وروى البيهقيّ عن مكحول، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة، فرأى البيت، رفع يديه وكبّر، وقال:"اللَّهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا ربنا بالسلام، اللَّهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا الخ". وهذا أيضًا مرسل. وروى البيهقيّ أيضًا من طريق الشافعيّ، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: حُدِّثْتُ عن مِقْسَم، مولى عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة

" الحديث. قال البيهقيّ: هو منقطع، لم يسمعه ابن جريج عن مقسم. ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن نافع، عن ابن عمر، مرّة موقوفًا، ومرّة مرفوعًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. وابن أبي ليلى هذا غير قويّ في الحديث.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فظهر بهذا أن الأحاديث في رفع اليدين عند رؤية البيت لا تصحّ إثباتًا، ولا نفيًا فالأولى عدم الرفع، كما سيأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف؛ لجالة المهاجر المكيّ، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -122/ 2896 - وفي "الكبرى" 122/ 3878. وأخرجه (د) في "المناسك" 1870 (ت) في "الحج" 855 (الدارمّي) في "المناسك"1920. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم رفع اليدين عند رؤية البيت الحرام: ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد إلى عدم الرفع. وذهب الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق إلى أنه يرفع يديه. قال ابن المنذر: وبه أقول. قال النوويّ: وهو مذهبنا. وقال الشافعيّ بعد أن أورد حديث ابن جريج: ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء، فلا أكرهه، ولا أستحبّه. قال البيهقيّ: وكأنه لم يعتمد

ص: 146

على الحديث؛ لانقطاعه. وقال ابن قدامة: ويستحبّ رفع اليدين عند رؤية البيت، روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس. وبه قال الثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وإسحاق ابن راهويه. وكان مالك لا يرى رفع اليدين؛ لما روي عن المهاجر المكيّ، قال: سئل جابر بن عبد اللَّه

فذكر حديث الباب، ثم قال: ولنا ما روى أبو بكر بن المنذر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة، وعلى الموقفين، والجمرتين". قال ابن قدامة: وهذا من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذاك من قول جابر، وخبره عن ظنّه، وفعله، وقد خالفه ابن عمر، وابن عباس؛ ولأن الدعاء مستحبّ عند رؤية البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: هذا من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذاك من فعل جابر الخ هذا لو ثبت قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، والواقع خلافه، فالحديث المذكور لا يصحّ، فتنبّه.

وقال النوويّ في "شرح المهذب": قال أصحابنا: رواية المثبت للرفع أولى؛ لأن معه زيادة علم. وقال البيهقيّ: رواية غير جابر في إثبات الرفع مع إرسالها أشهر عند أهل العلم من حديث مهاجر، وله شواهد، وإن كانت مرسلة، والقول في مثل هذا قول من رأى وأثبت

(2)

.

وقال الخطّابيّ في "المعالم": قد اختلف الناس في هذا، فكان ممن يرفع يديه إذا رأى البيت سفيان الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وضعّف هؤلاء حديث جابر؛ لأن مهاجرًا راويه عندهم مجهول، وذهبوا إلى حديث ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة، والموقفين،، والجمرتين". وروي عن ابن عمر أنه كان يرفع اليدين عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثل ذلك. انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ، وهو فيه مضطرب، فلا يصحّ. وقال الشوكانيّ: والحاصل أنه ليس في الباب ما يدلّ على مشروعيّة رفع اليدين عند رؤية البيت، وهو حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل. انتهى

(3)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا.

(1)

- راجع "المغني" 5/ 210 - 211.

(2)

- "السنن الكبرى" للبيهقي 5/ 72 - 73.

(3)

- "نيل الأوطار" 5/ 40.

ص: 147

والحاصل أن رفع اليدين عند رؤية البيت مما ليس له دليلٌ يصحّ، فلا ينبغي فعله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌123 - (الدُّعَاءُ عِنْدَ رُؤيةِ الْبَيْتِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه أراد إثبات الدعاء عند رؤية البيت؛ لحديث الباب، لكن الحديث ضعيف على ما سيأتي قريبًا، فلا يصلح للاستدلال به، فتنبّه.

والحاصل أن الدعاء عند رؤية البيت ليس له دليل صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2897 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ طَارِقِ بْنِ عَلْقَمَةَ، أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا جَاءَ مَكَانًا، فِي دَارِ يَعْلَى، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَدَعَا).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو عاصم": هو الضحّاك بن مخلد النبيل الثبت الحجة. و"عبيد اللَّه بن أبي زيد": هو مولى آل قارظ بن شيبة المكيّ الثقة [4] 70/ 2370.

و"عبد الرحمن بن طارق بن علقمة" بن غَنْم بن خالد الكناني المكيّ، مقبول [3].

روى عن أمه، وقيل: عن أبيه، وقيل: عن عمه في الدعاء إذا استقبل القبلة. وروى عنه عُبيد اللَّه بن أبي يزيد.

ذكره ابن سعد في أهل مكة، وقال: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن جماعة من الصحابة. وقال البخاريّ: وقال بعضهم: عن عمه، ولا يصحّ. انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "إِذَا جَاءَ مَكَانًا، فِي دَارِ يَعْلَى الخ" أشار في الترجمة إلى أن وجهه أن البيت كان يُرَى من ذلك المكان، ولذا احتجّ به على استحباب الدعاء عند رؤية البيت. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث ضعيفٌ؛ لجهالة عبد الرحمن بن طارق، وأخرجه المصنّف هنا-123/

ص: 148

2897 -

وفي "الكبرى" 123/ 3879. وأخرجه (د) في " المناسك" 2007. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌124 - (فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمُسْجِدِ الْحَرَامِ)

2897 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» .

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، غَيْرَ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، وَخَالَفَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"موسى بن عبد اللَّه -ويقال: ابن عبد الرحمن- الجهنيّ": هو أبو سلمة الكوفيّ، ثقة عابد، لم يصحّ أن القطّان طعن فيه [6] 144/ 226. وله عند المصنّف حديث الباب، وحديث رقم 226 في "الطهارة".

والحديث أخرجه المصنّف هنا -124/ 2898 - وفي "الكبرى"1243880.

وأخرجه مسلم في "الحج" 1395 (ق) في "إقامة الصلاة" 1405 (أحمد) في "مسند المكثرين" 4632 و 4823 و5131 و5335 و5744. وقد تقدّم شرحه، وما يتعلق به مستوفًى في 4/ 691 - ، فراجعه تستفد.

وأما قول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: لا أعلم أحدًا الخ، فيه نظر، فقد تابعه أيوب، عن نافع، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" عن ابن أبي عمر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فيكون الحديث مرويًا بالطريقين، فلذا أخرجه مسلم في "صحيحه" من كلا الطريقين.

ص: 149

والحاصل أن الحديث صحيح عن ابن عمر، وعن ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

ثم أورد طريق ابن جريج، فقال:

2899 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: إِسْحَاقُ أَنْبَأَنَا

(1)

، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ مَيْمُونَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:«صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْكَعْبَةَ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.

والحديث أيضًا أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنّف في 4/ 691 - وتقدم شرحه مستوفًى، وكذا البحث في مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

وقوله: "إلا المسجد الكعبة" هكذا الرواية هنا بتعريف المسجد، وتقدم في -4/ 691 - بلفظ "إلا مسجد الكعبة" بالإضافة، وهو واضح، ولما هنا أيضًا وجه صحيح، وهو أن يجعل "الكعبة" بدلاً من "المسجد" على حذف مضاف، أي مسجد الكعبة. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: أدخل في "الكبرى" في سند هذا الحديث "ابن عباس" بين إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد، وبين ميمونة، ثم قال بعده: قال أبو عبد الرحمن: رواه الليث، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد، عن ميمونة، ولم يذكر ابن عباس انتهى.

وقد تقدّم البحث عن الاختلاف الواقع في هذا السند، وأن الصحيح أن الحديث صحيح من كلا الطريقين في -4/ 691 - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2900 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ الأَغَرَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟ ، فَحَدَّثَ الأَغَرُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ الْكَعْبَةَ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا غير مرّة. و"محمد": هو ابن جعفر، غندر. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا"

ص: 150

ابن عوف، أحد فقهاء المدينة المشهورين بالفتوى. و"الأغرّ": هو أبو عبد اللَّه، سلمان

الأغرّ المدنيّ، أصبهانيّ الأصل، ثقة، من كبار [3] 7/ 694.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف في -7/ 694 - وتقدم شرحه مستوفًى، وكذا تمام البحث في مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌125 - (بِنَاءُ الْكَعْبَةِ)

2901 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ، حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ، اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام؟ قَالَ: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ» ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مَا أُرَى تَرْكَ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ، اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(محمد بن سلمة) المرادي الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20.

2 -

(الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [10] 9/ 9.

3 -

(ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [10] 19/ 20.

4 -

(مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه الثبت [7] 7/ 7.

5 -

(ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ المدنيّ [4] 1/ 1.

ص: 151

6 -

(سالم بن عبد اللَّه) بن عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 23/ 490.

7 -

(عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر الصديق) التيميّ المدني، أخو القاسم، ثقة [3].

روى عن عائشة حديث الباب فقط. وروى عنه سالم بن عبد اللَّه بن عمر، ونافع مولى ابن عمر. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مصعب الزبيري: أمه أم ولد، قُتل بالحرّة، وكانت الحّرة قي ذي الحجة سنة ثلاث وستين.

أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه. وله عندهم حديث الباب فقط.

8 -

(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن سالم، عن عبد اللَّه بن محمد، ورواية الأخيرين من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بنصب "عبد اللَّه" على المفعولية. وظاهره أن سالمًا كان حاضرًا لذلك، فيكون من روايته، عن عبد اللَّه بن محمد، وقد صرّح بذلك أبو أويس، عن ابن شهاب، لكنه سماه عبد الرحمن بن محمد، فوهم، أخرجه أحمد.

وأغرب إبراهيم بن طهمان، فرواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.

أخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك"، والمحفوظ الأول. وقد رواه معمر، عن ابن شهاب، عن سالم، لكنه اختصره. وأخرجه مسلم من طريق نافع، عن عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة، فتابع سالمًا فيه، وزاد في المتن:"ولأنفقت كنز الكعبة". قال الحافظ: ولم أر هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق أخرى، أخرجها أبو عوانة، من طريق القاسم بن محمد، عن عبد اللَّه بن الزبير، عن عائشة

(1)

.

(عَن عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ") خطاب للمرأة، وجزمه بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة التي رفعها بثبوت النون، ونصبها، وجزمها بحذفها. أي ألم تعلمي (أَنَّ قَوْمَكِ) أي قريشًا (حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ) لتضرّرها بالسيول، أو لاحتراقها بسبب شِرارة مِجْمَرَةِ امرأة من قريش، أجمرتها.

(1)

- "فتح" 4/ 234.

ص: 152

أخرج عبد الرزاق، ومن طريقه الحاكم، والطبرانيّ من حديث أبي الطفيل، قال: "كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرَّضْم

(1)

، ليس فيها مدر، وكانت قدر ما يقتحمها العناق، وكانت ثيابها توضع عليها تُسْدَل سَدْلاً، وكانت ذات ركنين، كهيئة هذه الحلقة

(2)

فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدّة انكسرت، فخرجت قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الروميّ الذي فيها نجارًا، فقَدِمُوا به، وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حيّة فاتحة فاها، فبعث اللَّه طيرًا أعظم من النسر، فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة، وبنوها بحجارة الوادي، فرفعوا في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبيّ صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من صغرها، فنودي يا محمد خمّر عورتك، فلم يُرَ عريانَا بعد ذلك، وكان بين ذلك، وبين المبعث خمس سنين"، قال معمر: وأما الزهريّ، فقال: "لما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الحلم أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد: إن اللَّه لا يُهلك من يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر البيت، ومعه العباس، فقال: اللَّهم لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم، فلما رأوه سالما تابعوه". قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: "كان ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة". وكذا رواه ابن عبد البرْ من طريق محمد بن جبير بن مطعم بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في "مغازيه"، والأول أشهر، وبه جزم ابن إسحاق. ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدّم وقته على الشروع في البناء.

وذكر ابن إسحاق: "أن السيل كان يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من بنائها، وكان رَضْمَا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها، وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة"، فذكر القصّة مطوّلاً في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يضع الحجر الأسود حتى رَضُوا بأول داخل، فدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فحكّموه في ذلك، فوضعه بيده. قال:"وكانت الكعبة على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر ذراعًا". ووقع عند الطبرانيّ من طريق أخرى عن ابن خُثيم، عن أبي الطفيل أن اسم النجّار المذكور باقوم. وللفاكهيّ من طريق ابن جريج مثله، قال:"وكان يتّجر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال لقريش: إن أجريتم عيري مع عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب، ففعلوا". وروى

(1)

- الرضم بفتح، فسكون، ويحرك، وككتاب: صخور عظام يُرضم بعضها فوق بعض في الأبنية. قاله في "القاموس".

(2)

- وقد كتب في "الفتح" صورة حلقة ذات ركنين، غير أني لم أستطع كتابتها هنا، فليحرّرها من يُجيد صناعتها.

ص: 153

سفيان بن عيينة في "جامعه" عن عمرو بن دينار، أنه سمع عبيد بن عمير يقول: اسم الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، وكان روميًّا. وقال الأزرقيّ: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر. ذكره في "الفتح"

(1)

.

(اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهيمَ عليه السلام") وذلك لقصور النفقة التي أخرجوها لذلك، فقد ذكر ابن إسحاق في "السيرة" عن عبد اللَّه بن أبي نجيح أنه أخبره عن عبد اللَّه بن صفوان بن أميّة: أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم -وهو جدّ جعدة ابن هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ- قال لقريش: لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيّب، ولا تدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. وروى سفيان بن عيينة في "جامعه" عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد، عن أبيه، أنه شهد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زهرة، أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة؟ فقال: إن قريشًا تقرّبت لبناء الكعبة -أي بالنفقة الطيبة- فعجزت، فتركوا بعض البيت في الحجر، فقال عمر: صدقت

(2)

. قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَرُدُّهَما عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهيمَ- عليه السلام؟ قَالَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بالْكُفْرِ") بكسر الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وقيل: يجوز بالفتحتين، بعدها مثلّثة، بمعنى الحدوث، أي لولا قرب عهد قريش بكفر، يريد أن الإسلام لم يتمكن في قلوبهم، فلو هُدمت لربما نفروا منه؛ لأنهم يرون تغييره عظيمًا.

وخبر المبتدأ محذوفٌ، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":

وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ

حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا استَقَرُّ

أي موجودٌ. وجواب "لولا" في هذه الرواية محذوف أيضًا، أي "لفعلت". وفي الرواية التالية: لولا حداثة عهد قومكِ بالكفر، لنقضت البيت، فبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام

" إلخ. وفي رواية: "لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لهدمت الكعبة

"إلخ. وفي رواية "لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية، لأمرت بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أُخرج منه، وألزقته بالأرض

".

(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (لَئِن كَانَتْ عَائِشَةُ) ليس هذا شكّا من ابن عمر في صدق عائشة، لكن يقع في كلام العرب كثيرًا صورة التشكيك، والمراد التقرير واليقين. قاله في "الفتح"

(3)

. وقال السنديّ: قيل: ليس هذا شكًّا في سماع

(1)

- "فتح" 4/ 233 - 234.

(2)

- "فتح" 4/ 236.

(3)

- "فتح" 4/ 235.

ص: 154

عائشة، فإنها الحافظة المتقنة، لكنه جرى على ما يُعتاد في كلام العرب من الترديد للتقرير، والتعيين. قلت: هو ما سمع من عائشة بلا واسطة، فيمكن أنه جوّز الخطأ على الواسطة، فشكّ لذلك، على أن خطأ عائشة ممكن. وبالجملة فسماع عائشة عند ابن عمر ليس قطعيًّا، فالتعليق لإفادة ذلك. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول السنديّ: "على أن خطأ عائشة إلخ فيه نظر، بل الوجه الأول هو التوجيه الوجيه.

والحاصل أن كلام ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ما خرج مخرج الشك، بل هو للتقرير والتأكيد، فتبصَّر. واللَّه تعالى أعلم.

(سَمِعَتْ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مَا أُرَى) بضم الهمزة: أي ما أظنّ (تَرْكَ اسْتِلَامِ الرُكْنَيْنِ) أي مسحهما، والسين فيه أصليّة، وهو افتعال من السِّلام، وهي الحجارة، يقال: استلم: أي أصاب السِّلَام، وهي الحجارة، كذا ذكره السيوطيّ

(2)

.

والمراد هنا مسح الركنين باليد، إذ لا يشرع تقبيلهما بالفم، كما يشرع تقبيل الحجر الأسود (اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ) أي يقربان (الْحِجْرَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم، وهو معروف على صفة نصف الدائرة، وقدرها تسع وثلاثون ذراعًا، والقدر الذي أُخرج من الكعبة سيأتي بيان مقداره بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى (إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ) بالبناء للمفعول، من التتميم. وفي "الكبرى":"لمِ يتم" مبنيًا للفاعل، من التمام، أو مبنيًّا للمفعول من الإتمام (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام) أي القواعد الأصلية التي بنى إبراهيم عليه السلام البيت عليها.

يعني أن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما النبيّ صلى الله عليه وسلم، حيث لم يتمّما على الأساس الذي بنى عليه إبراهيم عليه السلام البيت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -125/ 2901 و 2902 و2903 و 2904 و 128/ 2911 و 2912

(1)

- "شرح السندي" 5/ 214 - 215.

(2)

- "زهر الربى" 5/ 215.

ص: 155

و129/ 2913 - وفي "الكبرى" 125/ 3883 و 3884 و 3885 و 3886129/ 3893 و 3894 و135/ 3895. وأخرجه (خ) في "العلم"126 و"الحجّ" 1583 و1584 و1585 و1586 و"أحاديث الأنبياء" 3368 و"التفسير" 4484 و"التمنّي" 7243 (م) في " الحجّ" 1333 (د) في "المناسك" 2028 (ت) في "الحجّ" 875 و 876 (ق) في "المناسك"2955 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 23776 و 24188 و 24306 و24910 و24935 و 25498 و 25569 و25620 و 25724 (الموطأ) في "الحجّ"813 (الدارمي) في "المناسك" 1868 و 1869. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان بناء الكعبة. (ومنها): ما ترجم عليه البخاريّ في "كتاب العلم" من "صحيحه"، حيث قال:"باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدّ منه". والمراد بالاختيار في عبارته المستحبّ. قاله في "الفتح"

(1)

.

(ومنها): أن فيه اجتناب وليّ الأمر ما يتسرّع الناس إلى إنكاره، وما يُخشى منه تولّد الضرر عليهم في دين، أو دنيا، وعليه تأليف قلوبهم بما لا يترك فيه أمرًا واجبًا. (ومنها): تقديم الأهم، فالأهمّ، من دفع المفسدة، وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بُدىء بدفع المفسدة. (ومنها): أن المفسدة إذا أُمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة. (ومنها): حديث الرجل مع أهله في الأمور العامة. (ومنها): حرص الصحابة على امتثال أوامر النبيّ صلى الله عليه وسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2902 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

عَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ، فَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا، فَإِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.

و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيُّ الكوفيّ. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ.

وقوله: "حداثة عهد" بفتح الحاء المهملة: أي قربه.

(1)

- "فتح" 4/ 242.

(2)

- وفي نسخة: "حدّثنا".

ص: 156

وقوله: "وجعلت له خلفًا" بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها فاء. وقد فسّره هشام بن عروة فيما علّقه البخاريّ، ولفظه: قال أبو معاوية: حدثنا هشام: خَلْفًا يعني بابًا انتهى. أي بابًا من خلفه، مقابلا لهذا الباب الذي من قدّام. وقال في "الفتح":

وضبطه الحربي في "الغريب" بكسر الخاء المعجمة، قال: والخالفة عمود في مؤخّر البيت. والصواب الأول، وبينه قوله في الرواية الرابعة -يعني عند البخاريّ- وهي الرواية التي بعد هذا هنا:"وجعلتُ لها بابين".

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2903 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ،، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمِي" -وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدٍ-: "قَوْمَكِ، حَدِيثُ عَهْدِ بِجَاهِلِيَّةٍ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ". فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، جَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل بن مسعود الجحدري البصريّ، فهو من أفراده، وهو ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه بن عبيد السبيعي الكوفيّ. و"الأسود": هو ابن يزيد النخعيّ الكوفيّ.

وقوله: "حديث عهد" كذا روي بالإضافة، وحذف الواو. قال المطرّزيّ: لا يجوز حذف الواو في مثل هذا، والصواب:"حديثو عهد".

قال السنديّ: ورُدّ بأنه من قبيل: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} الآية [البقرة: 41]، فقد قالوا: تقديره أول فريق كافر، أو فوج كافر، يريدون أن هذه الألفاظ مفردة لفظًا، وجمع معنى، فيمكن رعاية لفظها، ولا يخفى أن لفظ القوم كذلك. وأجيب أيضًا بأن فعيلاً يستوي فيه الجمع، والإفراد. قاله السنديّ.

وقوله: "فلما ملك ابن الزبير الخ" بفتح الميم، واللام بصيغة الماضي المعلوم: أي لما صار عبد اللَّه بن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - مالكا أمورَ الخلافة، وصارت مكة تحت تصرفه هدمها، وبناها، وجعل لها بابين، باب يدخل الناس منه، وباب يخرجون منه، كما بناها إبراهيم عليه السلام.

والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2904 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ:

ص: 157

أَنْبَأَنَا

(1)

جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ لَهَا:«يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَجَزُوا عَنْ بِنَائِهِ، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام» .

قَالَ: فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ، قَالَ: يَزِيدُ: وَقَدْ شَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ، وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ، مُتَلَاحِكَةً).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) -بالتشديد- الهاشميّ مولاهم، أبو القاسم البغداديّ، ثم الطرسوسيّ، وقد يُنسب لجدّه، لا بأس به [11] 172/ 1141.

2 -

(يزيد بن هارون) السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنٌ عابدٌ [9] 153/ 244.

3 -

(جرير بن حازم) بن زيد الأزدي، أبو النضر البصريّ، ثقة، له أوهام إذا حدّث من حفظه [6] 82/ 1014.

4 -

(يزيد بن رُومان) المدنيّ مولى آل الزبير، ثقة [5] 17/ 1537.

5 -

(عروة) بن الزبير بن العوِّام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 40/ 44.

6 -

(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سُداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يزيد بن رومان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة روت (2210) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عروة) قال في "الفتح": كذا رواه الحفّاظ من أصحاب يزيد بن هارون عنه، فأخرجه أحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان، وأحمد بن منيع في "مسانيدهم" عنه هكذا، والنسائئ عن عبد الرحمن بن محمد بن سلاّم، والإسماعيليّ من طريق هارون الحمّال،

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 158

والزعفرانيّ، كلهم عن يزيد بن هارون.

وخالفهم الحارث بن أبي أسامة، فرواه عن يزيد بن هارون، فقال:"عن عبد اللَّه بن الزبير"، بدل "عروة بن الزبير"، وهكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي الأزهر، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه. قال الإسماعيليّ: إن كان أبو الأزهر ضبطه، فكأن يزيد بن رُومان سمعه من الأخوين.

قال الحافظ: قد تابعه محمد بن مشكان، كما أخرجه الجوزقيّ، عن الدغوليّ، عنه، عن وهب بن جرير، ويزيد قد حمله عن الأخوين، لكن رواية الجماعة أوضح، فهي أصحّ انتهى

(1)

.

(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: لَهَا: "يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ) تقدم في الحديث الماضي أن الأولى كون "حديثو" بصيغة جمع المذكر السالم (بِجَاهِلِيَّةِ) أي بخصلة منسوبة إلى الجاهل، وهي الكفر، نسبت إليه لأنه لا يرتكبها إلا جاهل بما تؤول إليه؛ وهو النار (لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ) بالبناء للمفعول (فَأَدْخَلْتُ فِيهِ) بتاء المكتلم، وبناء الفعل للفاعل (مَا أُخْرِجَ مِنْهُ) بالبناء للمفعول، أي الجزء الذي أخرجته قريش حين قصرت بهم النفقة، وسيأتي بين مقداره، إن شاء اللَّه تعالى (وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ) أي ألصقت بابه بها، بحيث لا يبقى مرتفعًا عن وجهها، كما فعلت ذلك قريش، حتى لا يتمكن أحد من دخول البيت إلا بسلّم، ويمكنهم إدخال من شاءوا، ومنع من شاءوا، ففي رواية للبخاري من طريق الأسود، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟، قال:"فعل ذلكِ قومكِ؛ ليدخلوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا". وفي رواية مسلم من طريق الحارث بن عبد اللَّه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -:"وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ "، قالت: قلت: لا، قال:"تعزّزًا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل، دفعوه، فسقط".

(وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ) حيث كان كذلك حين بناه إبراهيم عليه السلام (بَابًا شَرْقِيًّا) يدخل منه الناس (وَبَابًا غَرْبيًا) يخرجون منه (فَإِنَّهُمْ) أي قريشًا (قَدْ عَجَزُوا) بفتح الجيم، من باب ضرب، وبكسر الجيم، من باب تعب لغة لبعض قيس عيلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسانُ بالكسر إلا إذا عظمت عَجِيزته. قاله الفيّوميّ (عَنْ بنَائِهِ) أي عن تتميم بنائه على قواعد إبراهيم عليه السلام، لا أنهم عجزوا عن بنائه أصلاً؛ لأَنهم قد بنوه، ولكن لم

(1)

- "فتح" 4/ 238

ص: 159

يبلغوا به بناء إبراهيم عليه السلام، لعجزهم عن النفقة التي يتممون بها على قواعده (فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام) أَسَاسُ الحائط -بفتح الهمزة-: أصله، وجمعه أُسُسٌ، مثل قَذَال وقُذُل، ويقال فيه أيضا: أُسٌّ بضمّ الهمزة، وتشديد المهملة، وجمعه آساسٌ، مثل قُفْل وأَقْفال، وربما قيل: إِسَاس بالكسر مثل عُسٍّ وعِسَاس.

(قَالَ) الظاهر أن القائل هو يزيد بن رُومان (فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ) يقال: حمله على الأمر يحمِله، من باب ضرب، فانحمل: أغراه به. أفاده في "القاموس"(ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ) زاد وهب بن جرير في روايته: "وبنائه". يعني أن الذي أغرى عبد اللَّه بن الزبير، وقوّى عزمه على هدم البيت، وبنائه على قواعد إبراهيم عليه السلام هو حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فإنه لما سمع الحديث منها، وتمكن من التصرّف فيها، هدمه، وبناه.

ففي رواية مسلم من طريق عطاء، قال: وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن الناس حديثٌ عهدُهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع، ولجعلت لها بابا، يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه"، قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر، حتى أبدى أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشر أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يُدخَل منه، والآخر يُخرَج منه، فلما قُتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير، قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول، من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك، إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر، فرده إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحه، فنقضه، وأعاده إلى بنائه.

(قَالَ: يَزِيدُ) هو ابن رومان -بضم الراء- وهو موصول بالإسناد السابق (وَقَدْ شَهِدْتُ) بكسر الهاء: أي حضرت (ابْنَ الزُّبَيْرِ، حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ، وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ) أي بعضه، فـ"من" بمعنى "بعض"، وهو خمسة، أذرع، كما في رواية مسلم السابقة (وَقَدْ أّيْتُ أَساسَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، حِجَارَةَ كَأَسْنِمَةِ الإبِلِ) جمع سنام، شبهها بها في العظم والارتفاع (مُتَلَاحِكَةً) بالنصب على الحالية من "أساس"، أو بالرفع على أنه خبر لمحذوف: أي هي متلاحكة، أي متلاصقة، شديدة الاتصال، يقال: لَحَك بالشيء، من باب مَنَعَ: إذا شَدّ التِئَامَهُ، كلاحَكَ، وتلاحَكَ. أفاده في "القاموس". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم بيان مسائله فى

ص: 160

الحديث المذكور أولَ الباب، وأذكر هنا بعض المسائل المكملة لما مضى، فأقول:

(المسألة الأولى): قوله: "وقد شهدت ابن الزبير حين هدمه إلخ ". قال في "الفتح": هكذا ذكره يزيد بن رومان مختصرًا. وقد ذكره مسلم، وغيره واضحًا، فروى مسلم من طريق عطاء بن أبي رباح، قال: "لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير، حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يُجَرِّئهم، أو يُحّرِّبَهم

(1)

على أهل الشام، فلما صدر الناس، قال: يا أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وَهَى منها، قال ابن عباس: فإني قد فُرِق لي

(2)

رأي فيها، أرى أن تصلح ما وهى منها، وتَدَع بيتا أسلم الناس عليه، وأحجارا أسلم الناس عليها، وبُعث عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يُجِدَّه، فكيف بيت ربكم، إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث، أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس، أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه، حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة، فستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه

" الحديث.

وللفاكهيّ في "كتاب مكة" من طريق أبي أويس، عن يزيد بن رومان وغيره:"قالوا: لما أحرق أهل الشام الكعبة، ورموها بالمنجنيق، وَهَت الكعبة". ولابن سعد في "الطبقات" من طريق أبي الحارث بن زمعة، قال: "ارتحل الحصين بن نمير -يعني الأمير الذي كان يقاتل ابن الزبير من قبل يزيد بن معاوية- لما أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر، سنة أربع وستين، قال: فأمر ابن الزبير بالخُصَاصَ

(3)

التي كانت حول الكعبة، فهدمت، فإذا الكعبة تنفض -أي تتحرّك- متوهّنة، ترتج من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق".

وللفاكهيّ من طريق عثمان بن ساج: "بلغني أنه لما قدم جيش الحصين بن نمير، أحرق بعض أهل الشام على باب بني جُمَح، وفي المسجد يومئذ خيام، فمشى الحريق حتى أخذ في البيت، فظن الفريقان أنهم هالكون، وضعف بناء البيت، حتى إن الطير ليقع عليه، فتتناثر حجارته".

ولعبد الرزاق، عن أبيه، عن مرثد بن شُرَحْبيل أنه حضر ذلك، قال: "كانت الكعبة

(1)

- بالحاء المهملة، والموحدة: أي يُغيظهم بما يرونه.

(2)

-بضم الفاء، وكسر الراء: أي كُشف، وبيّن لي.

(3)

- الخصاص بالضم جمع خصاصة: ما يبقى في الكرم بعد قِطافه، والنَّبْذ اليسير. انتهى ق.

ص: 161

قد وَهَت من حريق أهل الشام، قال: فهدمها ابن الزبير، فتركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يحزبهم على اْهل الشام، فلما صدر الناس، قال: أشيروا عليّ في الكعبة

" الحديث.

ولابن سعد من طريق ابن أبي مليكة، قال:"لم يَبْن ابن الزبير الكعبة حتى حجّ الناس سنة أربع وستين، ثم بناها حين استقبل سنة خمس وستين". وحَكَى عن الواقديّ أنه ردّ ذلك، وقال: الأثبت عندي أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يومًا. وجزم الأزرقيّ بأن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين.

قال الحافظ: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت، وامتدّ أمده إلى الموسم ليراه أهل الآفاق ليشنع بذلك على بني أميّة.

ويؤيّده أن في تاريخ المسبّحي أن الفراغ من بناء الكعبة كان في سنة خمس وستين. وزاد المحب الطبريّ أنه كان في شهر رجب. واللَّه أعلم.

وإن لم يكن هذا الجمع مقبولاً، فالذي في "الصحيح" مقدّم على غيره.

وقال ابن عيينة في "جامعه"، عن داود بن سابور، عن مجاهد، قال:"خرجنا إلى منى، فأقمنا بها ثلاثًا ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فهدم". وفي رواية ابن أبي أويس المذكورة: "ثم عزل ما كان يصلح أن يعاد في البيت، فبنوا به، فنظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يبنى به، فأمر به أن يحفر له في جوف الكعبة، فيدفن، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحِجْر، فلم يصيبوا شيئًا حتى شقّ على ابن الزبير، ثم أدركوها بعد ما أمعنوا، فنزل عبد اللَّه بن الزبير، فكشفوا له عن قواعد إبراهيم، وهي صخر، أمثال الخَلِفِ

(1)

من الإبل، فأنفضوا له، أي حرّكوا تلك القواعد بالعَتَل

(2)

، فنفضت قواعد البيت، ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعض، فحمد اللَّه، وكبّره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم، وأشرافهم، حتى شاهدوا ما شاهدوه، ورأوا بنيانًا متّصلاً، فأشهدهم على ذلك".

وفي رواية عطاء: "وكان طول الكعبة ثمان عشرة ذراعًا، فزاد ابن الزبير في طولها عشرة أذرع". وقد تقدّم من وجه أخر أنه كان طولها عثرين ذراعًا، فلعل راويه جبر الكسر. وجزم الأزرقيّ بأن الزيادة تسعة أذرع، فلعل عطاء جبر الكسر أيضًا.

وروى عبد الرزاق من طريق ابن سابط عن زيد: "أنهم كشفوا عن القواعد، فإذا

(1)

- الخلِفُ: بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام هي الحامل من الإبل، واحدها خَلِفَة.

(2)

- العَتَلَة محركة: حديدة كأنها رأس فأس، أو العصا الضخمة من حديد، لها رأس مُفَلطَحٌ، يُهدم بها الحائط.

ص: 162

الحجر مثل الخَلِفَةِ، والحجارة مشتبكة بعضها ببعض". وللفاكهيّ من وجه آخر عن عطاء، قال: "كنت في الأمناء الذين جمعوا على حفره، فحفروا قامة ونصفًا، فهجموا على حجارة، لها عروق، تتصل بزرد عرق المروة، فضربوه، فارتجت قواعد البيت، فكتر الناس، فبنى عليه". وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق: "فكشف عن ربض

(1)

في الحجر آخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفًا ثمانية أيام، ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الربض مثل خَلِفِ الإبل، وجهٌ حجرٌ، ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العَتَلَة، فيضرب بها من ناحية الركن، فيهتزّ الركن الآخر". قال مسلم في رواية عطاء:"وجعل له بابين، أحدهما يُدْخَلُ منه، والآخر يُخرج منه". وفي رواية الأسود: "ففعله عبد اللَّه ابن الزبير". وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند الإسماعيليّ: "فنقضه عبد اللَّه بن الزبير، فجعل له بابين في الأرض"، ونحوه للترمذيّ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق.

وللفاكهيّ من طريق أبي أويس، عن موسى بن ميسرة:"أنه دخل الكعبة بعد ما بناها ابن الزبير، فكان الناس لا يزدحمون فيها، يدخلون من باب، ويخرجون من آخر". انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): لم يُذكر في رواية المصنف، والبخاريّ قصّة تغيير الحجاج لما صنعه ابن الزبير، وقد ذكرها مسلم في "صحيحه" في رواية عطاء بن أبي رباح، قال:"فلما قُتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير، قد وضع البناء على أُسّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر، فرده إلى بنائه، وسُدّ الباب الذي فتحه، فنقضه، وأعاده إلى بنائه".

وللفاكهيّ من طريق أبي أويس، عن هشام بن عروة:"فبادر-يعني الحجاج- فهدمها، وبنى شِقّها الذي يلي الحجر، ورفع بابها، وسدّ الباب الغربيّ، قال أبو أويس: فأخبرني غير واحد، من أهل العلم أن عبد الملك نَدِم على إذنه للحجاج في هدمها، ولَعَنَ الحجاج". ولابن عيينة عن داود بن سابور، عن مجاهد:"فردّ الذي كان ابن الزبير أدخل فيها من الحجر، قال: فقال عبد الملك: وددنا أنا تركنا أبا خُبيب، وما تولّى من ذلك".

وقد أخرج قصة نَدَم عبد الملك على ذلك مسلم من وجه آخر، فعنده من طريق الوليد بن عطاء: "أن الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة وَفَدَ على عبد الملك في خلافته،

(1)

- بضم، فسكون، وقيل: بضمتين: أساس البناء.

(2)

- "فتح" 4/ 238 - 240.

ص: 163

فقال: ما أظن أبا خُبيب -يعني ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها، فقال الحارث: بلى سمعته منها"، زاد عبد الرزاق، عن ابن جريج فيه: "وكان الحارث مصدّقًا، لا يكذب، فقال عبد الملك: أنت سمعتها تقول ذلك؟، قال: نعم، فنَكَتَ ساعة بعصاه، وقال: وددت أني تركته وما تحمل". وأخرجها أيضًا من طريق أبي قَزَعَةَ، قال: "بينما عبد الملك يطوف بالبيت، إذ قال: قاتل اللَّه ابن الزبير، حيث يكذب على أم المؤمنين -فذكر الحديث- فقال له الحارث: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدّث بهذا، فقال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على بناء ابن الزبير".

[تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: جميع الروايات التي جمعتها هذه القصة متفقة على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده على سمته، وقد ذكر الأزرقيّ أن جملة ما غيّره الحجاج الجدار الذي من جهة الحِجْر، والباب المسدود الذي في الجانب الغربيّ عن يمين الركن اليماني، وما تحته عتبة الباب الأصليّ، وهو أربعة أذرع وشبر، وهذا موافق لما في الروايات المذكورة، لكن المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود يقابل الباب الأصليّ، وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزبير لم يكن لاصقًا بالأرض، فيحتمل أن يكون لاصقًا كما صرّحت به الروايات، لكن الحجاج لما غيّره رفعه، ورفع الباب الذي يقابله أيضًا، ثم بدا له، فسدّ الباب المجدّد، لكن لم أر النقل بذلك صريحًا.

وذكر الفاكهيّ في "أخبار مكة" أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة ثلاث وستين ومائتين، فإذا هو مقابل باب الكعبة، وهو بقدره في الطول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة كما في الباب الموجود سواء. فاللَّه أعلم انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثالثة): حكى ابن عبد البرّ، وتبعه عياض، وغيره، عن الرشيد، أو المهدقي، أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه.

قال الحافظ: وهذا بعينه خشية جدّهم الأعدى عبد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما، فأشار على ابن الزبير لَمّا أراد أن يهدم الكعبة، ويجدد بناءها بأن يَرُم ما وَهَى منها، ولا يتعرّض لها بزيادة، ولا نقص، وقال له: "لا آمن أن يجيء من بعدك أمير،

(1)

- "فتح" 4/ 239 - 240.

ص: 164

فيغيّر الذي صنعت". أخرجه الفاكهيّ من طريق عطاء عنه. وذكر الأزرقيّ أن سليمان بن عبد الملك همّ بنقض ما فعله الحجاج، ثم ترك ذلك لما ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك.

قال الحافظ: ولم أقف في شيء من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء، ولا من دونهم غيّر من الكعبة شيئًا مما صنعه الحجاج إلى الآن، إلا في الميزاب، والباب، وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرّة، وفي سقفها، وفي سلّم سطحها، وجدّد فيها الرخام، فذكر الأزرقيّ عن ابن جريج:"أن أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك"، ووقع في جدارها الشاميّ ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة.

وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتمّ بذلك سلطان الإسلام الملك المؤيّد، وأرجو من اللَّه تعالى أن يسهل له ذلك، ثم حججت سنة أربع وعشرين، وتأملت المكان الذي قيل عنه، فلم أجده في تلك البشاعة، وقد رُمّم ما تشعّث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى أن نُقض سقفها في سنة سبع وعشرين على يدي بعض الجند، فجدد لها سقفًا، ورخم السطح، فلما كان في سنة ثلاث وأربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى دخل الكعبة أشدّ مما كان أولاً، فأداه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرّة أخرى، وسدّ ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين، فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، فأنكر أن يكون أمر بذلك، وجهز بعض الجند لكشف ذلك، فتعصّب للأول بعض من جاور، واجتمع الباقون رغبة ورهبة، فكتبوا محضرًا بأنه ما فعل شيئًا إلا عن ملأ منهم، وأن كلّ ما فعله مصلحة، فسكن غضب السلطان، وغطى عنه الأمر.

[تنبيه]: قد جاء عن عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ -وهو بالتحتانية قبل الألف، وبعدها معجمة- عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظّموا هذه الحرمة -يعني الكعبة- حقّ تعظيمها، فإذا ضيّعوا ذلك هلكوا". أخرجه أحمد، وابن ماجه، وعمر بن شبّة في "كتاب مكة"، قال الحافظ: وسنده حسن. فنسأل اللَّه تعالى الأمن من الفتن بحلمه وكرمه.

ومما يتعجّب منه أنه لم يتّفق الاحتياج في الكعبة إلى الاصلاح إلا فيما صنعه

ص: 165

الحجاج، إما الجدارِ الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلّم الذي جدّده للسطح، والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة، كالرخام، أو لتحسينٍ، كالباب والميزاب، وكذا ما حكاه الفاكهيّ عن الحسن بن مكرم، عن عبد اللَّه بن بكر السهميّ، عن أبيه، قال: " جاورت بمكة، فعابت -أي بالعين المهملة، وبالباء الموحدة- أسطوانة من أساطين البيت، فاخرجت، وجيء بأخرى ليدخلوها مكانها، فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلاً، فتركوها ليعودوا من غد ليصلحوها، فجاءوا من غد، فأصابوها أقدم

(1)

من قِدح". أي بكسر القاف، وهو السهم، وهذا إسناد قويّ، رجاله ثقات.

وبكر هو ابن حبيب، من كبار أتباع التابعين، وكأن القصّة كانت في أوائل دولة بني العباس، وكانت الأسطوانة من خشب. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2905 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ، مِنَ الْحَبَشَةِ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مطابقة حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا لباب "بناء الكعبة" المقابلة، والضدّية، إذ الشيء يناسب ضدّه، وأيضًا فإن فيه إشارةً إلى أن متاع الدنيا، وزينتها، وإن كانت فاخرة آئلة إلى الخراب والدَّمَار، حتى إن أشرف البنيان في الدنيا، وهي الكعبة المشرّفة ستهدم على أيدي أراذل الناس. واللَّه تعالى أعلم.

ورجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

2 -

(سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة المكيّ [8] 1/ 1.

3 -

(زياد بن سعد) الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثم اليمنيّ، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [6] 51/ 64.

4 -

(الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [4] 1/ 1.

5 -

(سعيد بن المسيّب) بن حزن المخزوميّ المدنيّ، الثقة الثبت الفقيه، من كبار [3] 9/ 9.

6 -

(أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

هكذا نسخة "الفتح"، ولعل الصواب "أقوم" بالواو، فليحرر، واللَّه تعالى أعلم.

(2)

- "فتح" 4/ 242 - 243.

ص: 166

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هريرة رأس المكثرين السبعة، روى (5374) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُخَرِّبُ") بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة، من التخريب، أو بضم، فسكون، وتخفيف راء مكسورة، من الإخراب، قال الفيّوميّ: خَرِب المنزل -بكسر الراء، من باب تعب-، فهو خَرَابٌ، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أخربته، وخرّبته انتهى. وهذا التخريب عند قرب القيامة، حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: اللَّه، اللَّه (الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) بضم السين المهملة، وفتح الواو تثنية سُويقة، وهي تصغير الساق، وهي مؤنثة، فلذا ظهرت التاء في تصغيرها؛ لأن التصغير، والتكسير، والضمير ترد الكلمات إلى أصولها، كما أشار إليه ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة"، حيث قال:

وَيُعْرَفُ التقْدِيرُ بِالضَّمِيرِ

وَنَحْوِهِ كَالرَّدِّ فِي التَّصْغِيرِ

وإنما صغّر الساقين لأن الغالب على سُوق الحبشة الدقّة، والحُمُوشة، أي له ساقان دقيقتان.

قال الطيبيّ: سرّ التصغير الإشارة إلى أن مثل هذه الكعبة المعظّمة يَهتك حرمَتَها مثل هذا الحقير الذميم الخلقة. ويحتمل أن يكون الرجل اسمه ذلك، أو أنه وصف له، أي رجل دقيق الساقين، رقيقهما جدًّا، والحبشة، وإن كان شأنهم دقة السوق، لكن هذا يتميّز بمزيد من ذلك. انتهى.

(مِنَ الْحَبَشَةِ) -بفتحات- قال في "القاموس": الحَبَشُ، والْحَبَشَةُ، والأُحْبُش بضم الباء جنس من السودان، والجمع حُبْشَان، وأحابيش. انتهى. قال الرشاطيّ: وهم من ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان، وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش. وقال أبو حنيفة الدينوريّ: كان أولاد حام سبعة إخوة، كأولاد سام: السند، والهند، والزنج، والقبط، والحبش، والنوبة، وكنعان، فأخذوا ما بين الجنوب، والدبور، والصبا

(1)

.

(1)

- "عمدة القاري" 8/ 73.

ص: 167

وقد وقع هذا الحديث عند أحمد -2/ 351 - من طريق سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - بأتّم من هذا السياق، ولفظه:"يُبايَعُ لرجل بين الركن والمقام، ولم يستحلّ هذا البيت إلا أهلُهُ، فإذا استحلّوه، فلا تسأل عن هَلَكَة العرب، ثم تأتي الحبشة، فيخربونه خَرَابًا لا يُعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه".

ولأبي قرّة في "السنن" من وجه آخر عن أبي هريرة، مرفوعًا:"لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة"، ونحوه لأبي داود من حديث عبد اللَّه عمرو بن العاص. وزاد أحمد، والطبرانيّ من طريق مجاهد، عنه:"فيسلبها حليتها، ويجرّدها من كسوتها، كأني أنظر إليه أُصيلع، أُفيدع، يضرب عليها بمسحاته، أو بمعوله". وللفاكهيّ من طريق مجاهد نحوه، وزاد:"فلما هدم ابن الزبير الكعبة جئت أنظر إليه هل أرى الصفة التي قال عبد اللَّه بن عمرو، فلم أرها"

(1)

.

قال القرطبيّ: قيل: إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى عليه الصلاة والسلام، وهو الصحيح. انتهى.

ووقع عند أحمد -2/ 310 - من طريق ابن المسيّب، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "في آخر الزمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة"، قال: حسبت أنه قال: "فيهدمها".

قال الحافظ: قيل: حديث أبي هريرة رضي الله عنه يخالف قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} الآية [العنكبوت: 67]، ولأن اللَّه حبس عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة، بعد أن صارت قبلة للمسلمين.

وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان، قرب قيام الساعة، حيث لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول: اللَّه، اللَّه، كما ثبت في "صحيح مسلم":"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: اللَّه اللَّه". ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: "لا يعمر بعده أبدًا". وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية، ثم من بعده في وقائع كثيرة، من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة، فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يُحصى كثرةً، وقلعوا الحجر الأسود، فحوّلوه إلى بلادهم، ثم أعادوه بعد مدّة طويلة، ثم غُزي مرارًا بعد ذلك. وكلّ ذلك لا يعارض قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: 67]؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين، فهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم:"ولن يستحلّ هذا البيت إلا أهله". فوقع ما أخبر به

(1)

- "فتح" 4/ 259.

ص: 168

- صلى الله عليه وسلم، وهو من علامات نبوّته، وليس في الآية ما يدلّ على استمرار الأمر المذكور فيها انتهى كلام الحافظ

(1)

.

وقال العينيّ: ما ملخّصه: لا يلزم من قوله: {حَرَمًا آمِنًا} أن يكون ذلك دائمًا في كلّ الأوقات، بل إذا حصل له حرمة، وأمن في وقت ما صدق عليه هذا اللفظ، وصحّ المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر. وقال: والحكم بالحرمة، في قوله صلى الله عليه وسلم:"وقد عادت حرمتها إلى يوم القيامة" لا يرتفع إلى يوم القيامة، وأما وقوع الخوف فيها، وترك الحرمة، فقد وجد ذلك في أيام يزيد وغيره كثيرًا.

وقال عياض: {حَرَمًا آمِنًا} أي إلى قرب القيامة. وقيل: يختصّ منه قصّة ذي السويقتين.

وقال ابن الجوزيّ: إن قيل: ما السرّ في حراسة الكعبة من الفيل، ولم تحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج، والقرامطة، وذو السويقتين؟.

فالجواب أن حبس الفيل كان من أعلام النبوة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ودلائل رسالته لتأكيد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر، وكان حكم الحبس أيضًا دلالة على وجود الناصر. ذكره العينيّ

(2)

.

وقد عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بابا بقوله: "باب قول اللَّه تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ} الآية [المائدة: 97]، ثم أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عنه هذا.

قال الحافظ: كأنه يشير إلى أن المراد بقوله {قِيَامًا} أي قواما، وأنها ما دامت موجودة فالدين قائم، فلهذه النكتة أورد في الباب قصّة هدم الكعبة في آخر الزمان.

وقال العينيّ: أشار به إلى أن قيام أمور الناس، وانتعاش أمر دينهم ودنياهم بالكعبة، يدلّ عليه قوله تعالى:{قِيَامًا لِلنَّاسِ} ، فإذا زالت الكعبة على يدي ذي السويقتين تختلّ أمورهم، فلذلك أورد حديث أبي هريرة فيه انتهى.

ثم ترجم البخاريّ "باب هدم الكعبة"، وذكر فيه طرف حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المتقدم: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "يغزو جيش الكعبة، فيخسف بهم

"، وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور في الباب، وحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرًا حجرًا"

قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة سيقع

(3)

، فمرة يهلكهم اللَّه قبل الوصول

(1)

- "فتح" 4/ 259.

(2)

- "عمدة القاري" 8/ 74 - 75.

(3)

هكذا عبارة "الفتح""سيقع"، والظاهر أنه سقط منه لفظ "مرتين" كما هو ظاهر السياق، وكما وقع في عبارة العيني. واللَّه أعلم.

ص: 169

إليها، وأخرى يمكنهم، والظاهر أن غزو الذين يخربونه متأخر عن الأول

(1)

.

وقال العينيّ: غزو الكعبة المذكور في حديث عائشة مقدمة لهدمها؛ لأن غزوها يقع مرتين، ففي الأولى هلاكهم، وفي الثانية هدمها. انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -125/ 2905 - وفي "الكبرى" 125/ 3887. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1591و 1596 (م) في "الفتن" 2909 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين"8033 و 9133. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌126 - (دُخُولُ الْبَيْتِ)

2906 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَابَ، فَمَكَثُوا فِيهَا مَلِيًّا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَرَكِبْتُ الدَّرَجَةَ، وَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، قَالُوا: هَا هُنَا، وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ، كَمْ صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْبَيْتِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدِّموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ. و"ابن عون": هو عبد اللَّه.

وقوله: "وأجاف الخ": أي ردّ عليهم الباب.

وقوله: "مليًّا" -بفتح الميم، وكسر اللام، وتشديد الياء-: أي زمنًا طويلاً.

(1)

- "فتح" 4/ 258.

(2)

- 8/ 80.

ص: 170

وقوله: "وركبت الدرجة" أي صَعِدت عليها.

وقوله: "ههنا" تفسيره في الحديث الآتي قوله: "ما بين الأسطوانتين"، وفي رواية:"بين الساريتين".

وقوله: "ونسيت أن أسأله كم صلّى الخ" فيه تعارض مع ما يأتي في الباب التالي قال: "نعم ركعتين".

وأجيب بأجوبة، وأحسنها ما أجاب به الحافظ، حيث قال: يحتمل أن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - اعتمد في قوله في هذه الرواية ركعتين على القدر المحقّق له، وذلك أن بلالا أثبت له أنه صلّى، ولم يُنقل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تنفّل في النهار بأقلّ من ركعتين، فكانت الركعتان، متحقّقًا وقوعهما؛ لما عرف بالاستقراء من عادته، فعلى هذا، فقوله:"ركعتين" من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال، وقد وجدت ما يؤيّد هذا، ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شَبّة في "كتاب مكة" من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الحديث، فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ههنا، فأشار بيده، أي صلى ركعتين بالسبابة، والوسطى، فعلى هذا فيحمل قوله:"نسيت أن أسأله كم صلّى" على أنه لم يسأله لفظًا، ولم يُجبه لفظًا، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه، وأما قوله في الرواية الأخرى "نسيت أن أسأله كم صلّى"، فيحمل على أن مراده أنه لم يتحقّق هل زاد على ركعتين أولا؟. انتهى.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف في "الصلاة" - باب "الصلاة في الكعبة" - 5/ 692 - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2907 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ، وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَبِلَالٌ، فَأَجَافُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَمَكَثَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ خَرَجَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ بِلَالاً، قُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؟ ، قَالَ: مَا بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ.

والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

ص: 171

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌127 - (مَوْضِعُ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ)

2908 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْكَعْبَةَ، وَدَنَا خُرُوجُهُ، وَوَجَدْتُ شَيْئًا، فَذَهَبْتُ، وَجِئْتُ سَرِيعًا، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَارِجًا، فَسَأَلْتُ بِلَالاً، أَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْكَعْبَةِ؟ ، قَالَ: نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ، بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير:

1 -

(السائب بن عمر) بن عبد الرحمن بن السائب المخزوميّ، حجازي ثقة [7].

قال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا باس به. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان، برقم 2908 و 2918.

و"يحيى": هو ابن سعيد بن فرّوخ القطّان.

و"ابن أبي مليكة": هو عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مُليكة زُهير التيميّ المكيّ الثقة الفقيه.

وقوله: "ووجدت شيئًا، فذهبت الخ" يعني أنه وجد حاجةً أخّرته عن متابعة ما يفعله النبيّ صلى الله عليه وسلم، مع شدّة حرصه على ذلك، فذهب إليها، فرجع مسرعًا.

والحديث أخرجه البخاريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2909 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فِي مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَدْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَأَقْبَلْتُ، فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالاً، عَلَى الْبَابِ قَائِمًا، فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ، أَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْكَعْبَةِ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَيْنَ؟ ، قَالَ: مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخ المصنّف أحمد بن سليمان، أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ، فإنه من أفراده.

ص: 172

و"أبو نُعيم": الفضل بن دُكين الكوفيّ الحافظ المشهور.

و"سيف بن سليمان": هو المخزوميّ المكيّ، الثقة الثبت رمي بالقدر، سكن البصرة أخيرًا [6] 190/ 1171.

وقوله: "أتي ابن عمر الخ" بالبناء للمفعولط، قال الحافظ: لم أقف على اسم الذي أخبره بذلك.

وقوله: "فأجد" بعد قوله: "فأقبلت" وكان المناسب للسياق أن يقول: ووجدت، وكأنه عدل عن الماضي إلى المضارع استحضارًا لتلك الصورة حتى كأن المخاطب يشاهدها

(1)

.

وقوله: "في وجه الكعبة" أي مواجه باب الكعبة.

والحديث أخرجه البخاريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2910 -

(أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَنْبِجِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْكَعْبَةَ، فَسَبَّحَ فِي نَوَاحِيهَا، وَكَبَّرَ، وَلَمْ يُصَلِّ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(حاجب بن سليمان الْمَنْبِجِيّ) أبو سعيد، صدوق يهم [10] 7/ 634 من أفراد المصنّف.

[تنبيه]: قوله: "المَنْبِجي" -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الباء الموحّدة، فجيم-: نسبة إلى مَنْبج مدينة بالشام. أفاده في "لبّ اللباب" 2/ 276.

2 -

(ابن أبي روّاد) هو: عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- الأزديّ مولى المهلّب، أبو عبد الحميد المكيّ، صدوق يخطىء، وكان مرجئًا أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [9].

قال أحمد: ثقة، وكان فيه غلو في الإرجاء، وكان يقول: هؤلاء الشُكَّاك. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن ابن معين ثقة، ليس به بأس. وقال الدورّي، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة، كان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان يُعلن بالإرجاء، قال: ولم يكن يبذل نفسه للحديث.

(1)

- "فتح" 2/ 57 "كتاب الصلاة".

ص: 173

وقال إبراهيم بن الجنيد: ذكر يحيى بن معين عبد المجيد، فذكر من نُبْله، وهيئته، وكان صدوقًا، ما كان يرفع رأسه إلى السماء، وكانوا يعظّمونه. وقال البخاريّ: كان يرى الإرجاء، كان الحميدي يتكلم فيه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، حدثنا عنه أحمد، ويحى بن معين، قال يحيى: كان عالمًا بابن جريج. قال أبو داود: وكان مرجئًا داعية في الإرجاء، وما فسد عبد العزيز حتى نشأ ابنه، وأهل خراسان لا يُحدّثون عنه.

وقال النسائيّ: ثقة. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ يُكتب حديثه. وقال الدارقطنيّ: لا يُحتجّ به، يُعتبر به، وأبوه أيضًا ليّنٌ، والابن أثبت، والأب يُترك. وروى له أبو أحمد بن عديّ أحاديث، ثم قال: كلها غير محفوظة، على أنه ثبت في حديث ابن جريج، وله عن غير ابن جريج، وعامة ما أنكر عليه الإرجاء.

وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق، فجاءنا موت عبد المجيد بن عبد العزيز، وذكر وفاته سنة (206) فقال عبد الرزاق: الحمد للَّه الذي أراح أمة محمد صلى الله عليه وسلم من عبد المجيد. وقال الدارقطنيّ في "العلل": كان أثبت الناس في ابن جريج. وقال المروذيّ، عن أحمد: كان مرجئًا، قد كتبت عنه، وكانوا يقولون: أفسد أباه، وكان منافراً لابن عيينة. قال المرّوذيّ: وكان أبو عبد اللَّه يحدّث عن المرجىء إذا لم يكن داعية، ولا مخاصمًا. وقال العقيليّ: ضعفه محمد بن يحيى. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث مرجئًا ضعيفًا. وقال الساجيّ: روى عن مالك حديثًا منكرًا عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد:"الأعمال بالنيات". وروى عن ابن جريج أحاديث لم يتابع عليها. وقال ابن عبد البرّ: روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها، أشهرها خطأ حديث "الأعمال". وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. وقال الحاكم: هو ممن سكتوا عنه. وقال الخليليّ: ثقة لكنه أخطأ في أحاديث. وقال ابن حبّان: كان يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير، فاستحقّ الترك. وقال الدارقطنيّ في "الأفراد": حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا عليّ بن مسلم، ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال:"كلام القدرية كفر، وكلام الحرورية ضلال، وكلام الشيعة تلطخ بالذنوب، والعصمة من اللَّه، واعلموا أن كلاًّ بقدر اللَّه". قال الدارقطنيّ: تفرد به عبد المجيد. قال الحافظ: وبقية رجاله ثقات. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم 2909 و 4003 و 5317 و5585.

3 -

(ابن جُريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [6] 28/ 32.

ص: 174

4 -

(عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل [3] 112/ 154.

5 -

(أسامة بن زيد) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبّي الأمير، أبو محمد، وأبو زيد، الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات بالمدينة سنة (54) وهو ابن (75) وتقدّم في 96/ 120. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فمَنْبِجيّ، وأسامة رضي الله عنه فمدنيّ. (ومنها): أن أُسامة صحابيّ ابن صحابيّ، حِبّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وابن حِبه - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْكَعْبَةَ) حرسها اللَّه تعالى (فَسَبَّحَ فِي نَوَاحِيهَا) جمع ناحية، وهي الجانب، فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنك نحوتها، أي قصدتها (وَكَبَّرَ، وَلَمْ يُصَلِّ) هذا يعارض ما تقدّم في الحديث الماضي من إثبات بلال - رضي اللَّه تعالى عنه - صلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة.

وقد اختلف العلماء في وجه الجمع بينهما، فمنهم من سلك مسلك الترجيح، فرجّح رواية بلال رضي الله عنه من جهة أنه مثبت، وأسامة رضي الله عنه ناف، والمثبت مقدّم على النافي، ومن جهة أنه لم يُختَلف على بلال في الإثبات، وقد اختلف على أسامة، فقد روى ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم - عنه إثبات صلاته صلى الله عليه وسلم فيها، رواه أحمد، وغيره.

وقال النوويّ وغيره: يُجمع بين إثبات بلال، ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو، فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبيّ صلى الله عليه وسلم في ناحية، ثم صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده، واشتغاله، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة، فنفاها عملاً بظنه.

وقال المحب الطبريّ: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم يشهد صلاته انتهى.

ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" عن ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن

ص: 175

ابن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال:"دخلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الكعبة، فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصور". فهذا الإسناد جيد. قال القرطبيّ: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده. انتهى.

قال الحافظ: وهو مفرّعٌ على أن هذه القصّة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن، فقد رَوَى عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق عليّ بن بَذِيمة -وهو تابعيّ، وأبوه بفتح الموحدة، معجمة، وزان عظيمة- قال: "دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم الكعبة، ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة قد احتبى، فأخذ بحبوته، فحلّها

" الحديث. فلعله احتبى، فاستراح، فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها، مستصحبًا للنفي لقصر زمن احتبائه. وفي كلّ ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الأمر.

ومنهم من جمع بين الحديثين بغير ترجيح أحدهما على الآخر، وذلك من أوجه:

[أحدها]: حمل الصلاة المثبتة جملى اللغوية، والمنقيّة على الشرعيّة، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضًا ونفلاً، وقد تقدّم البحث فيه في "كتاب المساجد" -5/ 692 - ويردّ هذا الحمل ما تقدّم في بعض طرقه من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن المراد بها الشرعيّة، لا مجرّد الدعاء.

[ثانيها]: قال القرطبيّ: يمكن حمل الإثبات على التطوع، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك، وقد تقدّم البحث فيها.

[ثالثها]: قال المهلّب شارح البخاريّ: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرّتين، صلّى في إحداهما، ولم يصلّ في الأخرى.

وقال ابن حبّان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة في الفتح صلّى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال. ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حجّ فيها؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال، والى أُسامة أيضًا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض. قال الحافظ: وهذا جمع حسنٌ.

لكن تعقّبه النوويّ بأنه لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقيّ في "كتاب مكة" عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم إنما دخل الكعبة مرّة واحدةً، عام الفتح، ثم حجّ، فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، ويكونَ المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السفر، لا الدخول.

ص: 176

وقد وقع عند الدراقطنيّ من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. واللَّه أعلم.

ويؤيّد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق حماد، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: قلت له: كيف أصلي في الكعبة؟، قال: كما تصلي فى الجنازة، تسبح، وتكبّر، ولا تركع، ولا تسجد، ثم عند أركان البيت سبّح، وكبّر، وتّضرع، واستغفر، ولا تركع، ولا تسجد. وسنده صحيح. قاله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الجمع الذي تقدم عن ابن حبان هو الأرجح، كما استحسنه الحافظ. واللَّه تعالى أعلم.

(ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذِهِ الْقِبْلَةُ") قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه أن أمر القبلة قد أستقر على استقبال هذا البيت، فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إليه أبدًا. قال: ويحتمل أنه علّمهم سنة موقف الإمام، وأنه يقف في وجهها دون أركانها، وجوانبها، وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة. انتهى.

وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل معنى ثالثًا، وهو أن معناه هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أُمرتم باستقباله، لا كلّ الحرم، ولا مكة، ولا كلّ المسجد الذي حول الكعبة، بل الكعبة نفسها فقط. انتهى.

وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الإشارة إلى الكعبة المشرفة، أو جهتها، وعدى الثاني الحصر واضح، وعلى الأول باعتبار من كان داخل المسجد، أو من كان بمكة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -127/ 2910 و131/ 2915 و 132/ 2916 و 133/ 2917 و 2918 - وفي "الكبرى" 128/ 3892 و 132/ 3897 و 133/ 3898 و 134/ 3899 و3900. وأخرجه (م) في "الحج"1330. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".

(1)

- "فتح" 4/ 267 - 268.

ص: 177

‌128 - (الْحِجْرُ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هو -بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم-: حطيم مكة، وهو الْمُدَار بالبيت من جهة الميزاب. وقال في "اللسان": قال الأزهريّ: و"الْحِجْر": حَطِيم مكّة، كأنه حُجْرة مما يلي الْمَثعَب

(1)

من البيت. وقال الجوهريّ: الْحِجْر حِجر الكعبة، وهو ما حواه الحَطِيم الْمُدَار بالبيت جانب الشَّمَال، وكلُّ ما حَجَرته من حائط، فهو حِجْرٌ. وفي الحديث ذكر الحجر في غير موضع، قال ابن الأثير: هو اسم الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربيّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2911 -

(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: ابْنُ الزُّبَيْرِ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، خَمْسَةَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابًا، يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"هناد بن السريّ": هو أبو السريّ التميميّ الكوفيّ، ثقة [10] 23/ 25. و"ابن أبي زائدة": هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمدنيّ الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار [9] 144/ 226.

و"ابن أبي سليمان": هو عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العرزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [5] 7/ 406. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.

وقوله: "حديث عهدهم" برفع "عدهم" على الفاعلية لما قبله.

وقوله: "وليس عندي من النفقة" أراد أن كُلاًّ من الأمرين مانع من ذلك.

وقوله: "ما يُقويني على بنائه" بضم أوله، من التقوية، أي يجعلني قويًّا، بمعنى يشجّعني على بنائه على قواعد إبراهيم عليه السلام. وفي بعض النسخ:"ما يُقَوِّي على بنائه" بحذف المفعول، وهو الذي في "صحيح مسلم". واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "خمسة أذرع" هكذا في رواية عطاء، عن ابن الزبير، هنا، وعند مسلم أيضًا. وفي رواية لمسلم من طريق أبي قَزَعَة، عن الحارث بن عبد اللَّه، عن عائشة: "فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة

(1)

- "المَثْعَب" بفتح، فسكون: مَسِيل الماء.

ص: 178

أذرع". وله من طريق سعيد بن مِيناء، عن عبد اللَّه بن الزبير، عن عائشة في هذا الحديث: "وزدت فيها من الحجر ستة أذرع". وللبخاريّ من طريق جرير بن حازم، عن يزيد بن رُومان، قال: "وشهدت ابن الزبير حين هدمه، وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم، كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ههنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع، أو نحوها".

ولسفيان بن عيينة في "جامعه"، عن داود بن شابور، عن مجاهد:"أن ابن الزبير زاد فيها ستة أذرع مما يدي الحجر". وله عن عبد اللَّه بن أبي يزيد، عن ابن الزبير:"ستة أذرع وشبر". وهكذا ذكر الشافعيّ عن عدد لقيهم من أهل العلم من قريش، كما أخرجه البيهقيّ في "المعرفة" عنه.

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه الروايات كلها تجتمع على أنها فوق الستة، ودون السبعة. وأما رواية عطاء عند مسلم -يعني رواية النسائيّ هنا- عن عائشة مرفوعًا:"لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع"، فهي شاذّة، والرواية السابقة أرجح؛ لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفّاظ.

ثم ظهر لي لرواية عطاء وجة، وهو أنه أريد بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والْحِجْر، فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا عند الفاكهيّ من حديث أبي عمرو بن عديّ بن الحمراء:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعائشة في هذه القصّة: "ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع"، فيحمل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويجمع بين الروايات كلها بذلك. قال: ولم أر من سبقني إلى ذلك

(1)

.

وقال عند شرح قول جرير بن حازم: "فحزرت من الحجر ستة أذرع، أو نحوها": ما نصّه: قد ورد هذا مرفوعًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم -كما تقدم في الطريقة الثانية، وأنها أرجح الروايات، وأن الجمع بين المختلف ممكن كما تقدّم، وهو أولى من دعوى الاضطراب، والطعن في الروايات المقيدة: لأجل الاضطراب، كما جنح إليه ابن الصلاح، وتبعه النوويّ؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذّر الترجيح، أو الجمع، ولم يتعذّر ذلك هنا، فيتعيّن حمل المطلق على المقيّد، كما هي قاعدة مذهبهما. ويؤيّده أن الأحاديث المطلقة والمقيّدة متواردة على سبب واحد، وهو أن قريشًا قصروا على بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأن الحجّاج أعاده على بناء قريش، ولم تأت رواية قط صريحة أن جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت.

(1)

- "فتح" 4/ 236.

ص: 179

قال المحب الطبريّ في "شرح التنبيه" له: والأصحّ أن القدر الذي في الحجر من البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التي جاء فيها أن الحجر من البيت مطلقة، فيحمل المطلق على المقيّد، فإن إطلاق اسم الكلّ على البعض سائغ مجازًا. وإنما قال النوويّ ذلك نصرة لما رجحه من أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعيّ نصّ على إيجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق عليه، ونقل غيره أنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة، ولا عن أحد من الصحابة، ومن بعدهم أنه طاف من داخل الحجر، وكان عملاً مستمرًا، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت.

وهذا متعقّبٌ، فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت، فقد نصّ الشافعيّ أيضًا -كما ذكره البيهقيّ في "المعرفة" أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش لقيهم، كما تقدّم، فعلى هذا فلعله رأى إيجاب الطواف من وراء البيت احتياطًا.

وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب، فلعلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن بعده فعلوه استحبابًا للراحة من تسوّر الحجر، لا سيما والرجال والنساء يطوفون جميعًا، فلا يؤمن من المرأة التكشّف، فلعلهم أرادوا حسم هذه المادّة.

وأما ما نقله المهلّب عن ابن أبي زيد أن حائط الحجر لم يكن مبنيًّا في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر حتى كان عمر، فبناه، ووسعه قطعًا للشكّ، وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت. ففيه نظر. وقد أشار المهلّب إلى أن عمدته في ذلك ما في البخاريّ في "باب بنيان الكعبة" في أوائل السيرة النبويّة بلفظ:"لم يكن حول البيت حائط، كانوا يصلون حول البيت حتى كان عمر، فبنى حوله حائطًا جدره قصيرة، فبناه ابن الزبير". انتهى.

وهذا إنما هو في حائط المسجد، لا في الحِجْر، فدخل الوهم على قائله من هنا. ولم يزل الحجر موجودًا في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم -كما صرح به كثير من الأحاديث الصحيحة، نعم في الحكم بفساد طواف من دخل الحجر، وخلى بينه وبين البيت سبعة أدرع نظر، وقد قال بصحّته جماعة من الشافعيّة، كإمام الحرمين، ومن المالكيّة، كأبي الحسن اللَّخمي.

وذكر الأزرقيّ أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعًا، وثلث ذراع، منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعًا، فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت، فلا يفسد طواف من طاف دونه. واللَّه أعلم.

وأما قول المهلب: إن الفضاء لا يسمّى بيتًا، وإنما البيت البنيان؛ لأن شخصًا لو

ص: 180

حلف لا يدخل بيتًا، فانهدم ذلك البيت، فلا يحنث بدخوله، فليس بواضح، فإن المشروع من الطواف ما شرع للخليل بالاتفاق، فعلينا أن نطوف حيث طاف، ولا يسقط ذلك بانهدام حرم البيت؛ لأن العبادات لا يسقط المقدور عليه منها بفوات المعجوز عنه، فحرمة البقعة ثابتة، ولو فقد الجدار. وأما اليمين، فمتعلّقة بالعرف، ويؤيّد ما قلناه أنه لو انهدم مسجد، فنقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها، ولا حرمته لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد، فدلّ على أن البقعة أصل للجدار بخلاف العكس. أشار إلى ذلك ابن المنيّر في "الحاشية". انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد قد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في -125/ 2901 - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2912 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَدْخُلُ الْبَيْتَ؟ ، قَالَ: «ادْخُلِي الْحِجْرَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.

وقوله: "فإنه من البيت" ظاهره أن جميع الحجر من البيت، ومثله حديث البخاريّ من طريق الأسود بن يزيد، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الْجَدْر، أمن البيت هو؟، قال: "نعم

" الحديث.

قال في "الفتح": وبذلك كان يفتي ابن عباس، كما رواه عبد الرزّاق، عن أبيه، عن مرثد بن شُرَحبيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: "لو وليت من البيت ما ولي ابن الزبير، لأدخلت الحجر كله في البيت، فلِمَ يطاف به إن لم يكن من البيت؟ ". وروى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق علقمة، عن أمه، عن عائشة، قالت:"كنت أحبّ أن أصليّ في البيت، فأخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيدي، فأدخلني الحجر، فقال: "صلي فيه، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروه، حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت"، ونحوه لأبي داود من طريق صفية بنت شيبة، عن عائشة. ولأبي عوانة من طريق قتادة، عن عروة، عن عائشة. ولأحمد من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن

(1)

- "فتح" 4/ 235 - 242.

ص: 181

السائب، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، أنها قالت: يا رسول اللَّه، كلّ أهلك قد دخل البيت غيري، فقال: أرسلي إلى شيبة، فيفتح لك الباب، فأرسلت إليه، فقال شيبة: ما استطعنا فتحه في جاهلية، ولا إسلام بليل، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"صلي في الحجر، فإن قومك استقصروا عن بناء البيت حين بنوه".

وهذه الروايات كلها مطلقة، وقد تقدّم في الحديث الماضي أن الأرجح حملها على الروايات المقيّدة، جمعًا بين الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌129 - (الصَّلَاةُ فِي الْحِجْرِ)

2913 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ، فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي، فَأَدْخَلَنِي الْحِجْرَ، فَقَالَ: «إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ، فَصَلِّي هَا هُنَا، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ، وَلَكِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حَيْثُ بَنَوْهُ»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [10] 2/ 2.

2 -

(عبد العزيز بن محمد) بن عُبيد الدراورديّ الجُهَنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوق، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [8] 84/ 101.

3 -

(علقمة بن أبي علقمة) واسمه بلال المدنيّ مولى عائشة، وهو علقمة ابن أم علقمة، ثقة عَلاَّمة [5] 103/ 2038.

4 -

(أمه) اسمها مَرْجانة، علق لها البخاريّ في "الحيف"، ثقة

(1)

[3] 103/ 2038.

(1)

- قال في "التقريب": مقبولة. انتهى. وفيه نظر؛ لأنه روى عنها ابنها علقمة، وبكير بن الأشج، وقال العجليّ: مدنية تابعيّة ثقة، وذكرها ابن حبّان في "الثقات"، وعلّق عنها البخاريّ بصيغة الجزم في "الصيام" من "صحيحه""باب الحجامة والقيء للصائم"، ووصله في "تاريخه الكبير" 2/ 180، وهي من رُواة "الموطّإ"، ومولاة لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 182

5 -

(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أم علقمة، وثقها العجليّ، وابن حبّان، وعلّق عنها البخاريّ في "الصحيح". (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أمه، وتابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ، فَأُصَلِّيَ فِيهِ) وفي روا أحمد، والبيهقيّ من رواية سعيد بن جُبير، عنها أنها قالت: يا رسول اللَّه، كلّ أهلك قد دخل البيت غيري، فقال: أرسلي إلى شيبة، فيفتح لك الباب، فأرسلت "ليه

الحديث، وتقدم في الباب الماضي. (فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بيَدِي، فَأَدْخَلَنِي الْحِجْرَ، فَقَالَ: "إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ، فَصَلي هَا هُنَا) أي في الحجر (فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ) الفاء للتعليل: أي لأن الحجر قطعة من البيت، وقد تقدّم أن الأرجح في معناه أن بعضه من البيت؛ حملاً للروايات المطلقة على المقيّدة (وَلَكِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا) يعني أن قريشَا حين بنوا الكعبة اقتصروا على هذا المقدار الذي عليه الآن. وفي الرواية المتقدمة 125/ 2902 - :"فإن قريشا لما بنت البيت استقصرت". وفي رواية عند مسلم: "فإن قريشا اقتصرتها"، وفي أخرى:"استقصروا من بنيان البيت"، وفي أخرى:"قصروا في البناء"، وفي أخرى:"قصرت بهم النفقة".

قال العلماء: هذه الروايات كلها بمعنى واحد، ومعنى "استقصرت": قصرت عن تمام بنائها، واقتصرت على هذا القدر لقصور النفقة بهم عن تمامها. قاله النوويّ في "شرح مسلم"

(1)

.

وقوله: (حَيْثُ بَنَوْهُ) أي وقت بنائه، فـ"حيث" هنا ظرف زمان بمعنى "حين"، فإنها تأتي للزمان عند الأخفش، كما قاله ابن هشام الأنصاريّ في "مغنيه"

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 94.

(2)

- راجع "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" 1/ 131. تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد.

ص: 183

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -129/ 2913 - وفي "الكبرى" 130/ 3895. وأخرجه (د) في "المناسك" 2028 (ت) في، (الحجّ" 876. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌130 - (التكْبِيرُ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ)

2914 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْكَعْبَةِ، وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

2 -

(حماد) بن زيد بن درهم الجَهْضَميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [8] 3/ 3.

3 -

(عمرو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [4] 112/ 154.

4 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (150) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (1696) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار (أَنَّ ابنَ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمْ يُصَلِّ

ص: 184

النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْكَعْبَةِ) هكذا هو عند البخاريّ أيضًا رواه عن إسحاق بن نصر، عن عبدالرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، جعله من مسند ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وأخرجه الإسماعيليّ، وأبو نعيم، في "مستخرجيهما" من طريق إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، فجعله من رواية ابن عباس، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه، وكذلك رواه مسلم من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج. قال الحافظ: وهو الأرجح انتهى

(1)

.

وقد تقدّم وجه التوفيق بين رواية بلال رضي الله عنه المثبتة صلاته صلى الله عليه وسلم، وبين هذه الرواية النافية لها قبل بابين، فراجعه تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق.

(وَلَكِنهُ كبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ) جمع ناحية، وهي الجانب: أي كبّر اللَّه تعالى في جوانب البيت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 130/ 2914 - وفي "الكبرى" 131/ 3896. وأخرجه (خ) في "الصلاة" 398 و"الحجّ" 1601 و"المغازي" 4289 (م) في "الحجّ" 1331 (د) في "المناسك" 2527. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌131 - (الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ فِي الْبَيْتِ)

2915 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ فَأَمَرَ بِلَالاً، فَأَجَافَ الْبَابَ، وَالْبَيْتُ إِذْ ذَاكَ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، فَمَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ

(2)

بَابَ الْكَعْبَةِ جَلَسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ،

(1)

- "فتح" 2/ 59 "كتاب الصلاة".

(2)

- وفي نسخة: "يليان" بالياء.

ص: 185

وَاسْتَغْفَرَهُ، ثُمَّ قَامَ حَتَّى أَتَى مَا اسْتَقْبَلَ مِنْ دُبُرِ الْكَعْبَةِ، فَوَضَعَ وَجْهَهُ، وَخَدَّهُ عَلَيْهِ، وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ، وَاسْتَغْفَرَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ

(1)

بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَالْمَسْأَلَةِ، وَالاِسْتَغْفَارِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ وَجْهِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ:«هَذِهِ الْقِبْلَةُ، هَذِهِ الْقِبْلَةُ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و "يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرَقيّ. و"يحيى": هو القطّان. وعبد الملك بن أبي سليمان": هو العَرْزميّ الكوفيّ، تقدم قبل بابين. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.

وقوله: "فأجاف الباب" أي ردّه.

وقوله: "ما استقبل من دبر الكعبة" ببناء الفعل للفاعل، وحذف الضمير المنصوب، والأصل: ما استقبله: أي ما واجهه من الركن الذي في جهة خلفها.

وقوله: "مستقبل وجه الكعبة" أي مواجه بابها.

والحديث أخرجه مسلم دون ذكر الوضع، وقد تقدم تمام البحث فيه، وفي مسائله قبل ثلاثة أبواب، ودلالته على ماترجم له واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌132 - (وَضْعُ الصَّدْرِ وَالْوَجْهِ

(2)

عَلَى مَا اسْتَقْبَلَ مِنْ دُبُرِ الْكَعْبَةِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ما استقبل" بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الواضع المفهوم، وعائد الموصول محذوف، والمعنى: على الركن الذي استقبله الواضع: أي واجهه، ويحتمل أن يكون الفاعل ضمير الموصول، أي على الركن الذي استَقبَلَ الواضع، وذلك لأن كلا من المتواجهين يستقبل أحدهما الآخر،

(1)

- وفي نسخة: "فاستقبل" بحذف ضمير النصب.

(2)

- وفي نسخة: "وضع الوجه والصدر".

ص: 186

فهو مستقبِلٌ بالكسر، ومُستقبَل بالفتح، تقول: استقبلت الشيءَ: إذا واجهته، فهو مُستقبِل، ومُستقبَل ويحتمل أن يكون الفعل مبْنيًا للمفعول، والضمير للموصول، وقوله:"من دبر الكعبة" بيان لـ"ما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2916 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ، فَجَلَسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَكَبَّرَ، وَهَلَّلَ، ثُمَّ مَالَ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْبَيْتِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ، وَخَدَّهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَهَلَّلَ، وَدَعَا، فَعَلَ ذَلِكَ بِالأَرْكَانِ كُلِّهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَقْبَلَ عَلَى الْقِبْلَةِ، وَهُوَ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ:«هَذِهِ الْقِبْلَةُ، هَذِهِ الْقِبْلَةُ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي في الباب السابق، بإبدال يحيى القطّان بهشيم. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، ففيه استحباب وضع الصدر والخدّ واليدين على الركن الذي في دبر الكعبة، وكذلك في جميع الأركان.

والحديث أخرجه مسلم دون ذكر الوضع، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب

الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌133 - (مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنَ الْكَعْبَةِ)

2917 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ،، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْبَيْتِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إسناد هذا الحديث هو الإسناد السابق، غير إسماعيل بن مسعود الجحدريّ البصريّ الثقة. و"خالد" بن الحارث الهجميّ البصريّ الثقة الثبت.

وقوله: "في قبل الكعبة" هو بمعنى قوله فيما سبق: "مُسْتَقْبِلَ وجه الكعبة"، والمراد بابها. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2918 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ النَّسَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،

(1)

وفي نسخة: "أخبرنا"، وفي أخرى:"حدّثنا".

ص: 187

قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "خُشيش" -بضم الخاء المعجمة، مصغّرًا- ابن أصرم، أبو عاصم النسائيّ، ثقة حافظ [11] 44/ 590. من أفراد أبي داود، والمصنّف. والباقون كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرَّة، و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام الصنعانيّ.

والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2919 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ الثَّالِثَةِ، مِمَّا يَلِى الرُّكْنَ، الَّذِي يَلِى الْحَجَرَ، مِمَّا يَلِى الْبَابَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَا أُنْبِئْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يُصَلِّي هَا هُنَا؟ ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَتَقَدَّمُ، فَيُصَلِّي).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [10] 4/ 4.

2 -

(يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت إمام [9] 4/ 4.

3 -

(السائب بن عمر) المخزوميّ الحجازيّ، ثقة [7] 127/ 2908.

4 -

(محمد بن عبد اللَّه بن السائب) المخزوميّ، مجهول [6].

رَوَى عن أبيه حديث الباب فقط. وعنه السائب بن عمر المخزوميّ. وقيل: عن السائب، عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، عن ابن عبّاس، وعبد اللَّه بن السائب. وقال أبو عاصم: عن السائب بن عمر، عن محمد بن عبد الرحمن المخزومي: كنت عند عبد اللَّه بن السائب، فأرسل إليه ابن عباس يسأله، أين صلّى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

؟ " الحديث. قال أبو حاتم: مجهول. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث فقط.

5 -

(أبوه) عبد اللَّه بن السائب بن أبي السائب صيفيّ بن عابد بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، أبو السائب، ويقال: أبو عبد الرحمن المخزوميّ المكيّ، له ولأبيه صحبة، وكان قارىء أهل مكة، وكان قائد ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم -، مات سنة بضع وستين، وتقدّم في 25/ 776.

6 -

(ابن عبّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 188

شرح الحديث

عن محمد بن عبد اللَّه بن السائب (عَنْ أَبيهِ) عبد اللَّه بن السائب رضي الله عنه (أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ) -بضم الشينَ المعجمة، وتشديد القاف- بمعنى الناحية (الثَّالِثَةِ، مِمَّا يَلى الرُّكْنَ، الَّذِي يَلى الْحَجَرَ) -بفتحتين- أي الحجر الأسود، والموصول صفة الركن (مِمَّا يَلِي الْبَابَ) أي باب البيت الشريف، أي الناحية التي بين الحَجَر الأسود والباب (فَقَالَ: ابْنُ عَباسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم (أُنْبِئْتَ) بضمير الخطاب، وهو لعبد اللَّه بن السائب، والفعل مبنيّ للمفعول: أي أُخبرتَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يُصَلِّي هَاهُنَا؟، فَيَقُولُ) عبد اللَّه السائب (نَعَمْ، فَيَتَقَدَّمُ) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - إلى ذلك المكان (فَيُصَلِّي) فيه، ولفظ "الكبرى""فيقوم، فيصلي". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف؛ لجهالة محمد بن عبد اللَّه بن السائب.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -133/ 2919 وفي "الكبرى" 134/ 3901. وأخرجه (د) في "المناسك" 1900 (أحمد) في "مسند المكيين" 14965. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌134 - (ذِكرُ الْفَضْلِ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ)

2920 -

حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلاَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ

ص: 189

مَسْحَهُمَا يَحُطَّانِ الْخَطِيئَةَ» ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:«مَنْ طَافَ سَبْعًا، فَهُوَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "حدثنا أبو عبد الرحمن الخ" هو المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، والقائل:"حدّثنا" هو تلميذه، والظاهر أنه أبو بكر بن السنيّ - رحمه اللَّه تعالى -؛ لأنه المشهور برواية هذا الكتاب عنه. واللَّه تعالى أعلم.

ورجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا.

2 -

(حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [8] 3/ 3.

3 -

(عطاء) بن السائب بن مالك الثقفيّ، أبو محمد، أو أبو السائب الكوفيّ، صدوقٌ اختلط، إلا أنَّ حمّاد بن زيد ممن روى عنه قبل الاختلاط [5] 152/ 243.

4 -

(عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمير) الليثيّ المكيّ، ثقة [3] 89/ 2836.

5 -

(أبو عبد الرحمن) هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الأسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وعطاء أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا متابعةً. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ) الليثيّ (أَنَّ رَجُلاً) هو أبوه، ففي رواية أحمد: "عن عبد اللَّه بن عُبيد بن عمير أنه سمعِ أباه يقول لابن عمر: ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين

" الحديث (قَالَ: يَا إبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلاَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ) أي الحجر الأسود، والركن اليماني (قَالَ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِن مَسْحَهُمَا يَحُطَانِ الْخَطِيئَةَ) هكذا معظم نسخ "المجتبى""يحطان" بضمير التثنية، قال السنديّ: والضمير للركنين، والعائد إلى المسح مقدّر، أي به.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ فيه ركاكة، وعندي أن ضمير التثنية يعود على "مسحهما"، وإن كان مفردًا لاكتسابه التثنية عن المضاف إليه، فلا حاجة لتقدير العائد.، وفي بعض النسخ -كما قال السندي- وهو الذي في "الكبرى": "يحطّ

ص: 190

الخطيئة" بالإفراد، وهو واضح.

ومعنى "يحطّان الخطيئة": يسقطانها، وهو كناية عن غفران الذنوب. قال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَسَمِعْتُهُ) أي الرسول صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ:"مَنْ طَافَ سَبْعًا") أي دار بالبيت سبع مرّات، أو سبعة أشواط. زاد في رواية الترمذيّ:"فأحصاه". قال السيوطيّ: أي لم يأت فيه بزيادة، أو نقص. وقيل: أي حافظ على واجباته، وسننه، وآدابه. وقال القاري: بأن يكمله، ويراعي ما يُعتبر في الطواف من الشروط، والآداب انتهى

(1)

(فَهُوَ) أي الطواف (كَعِدْلِ رَقَبَةٍ) بكسر العين المهملة، وفتحها: بمعنى المثل. وقيل: بالفتح ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه. وقيل: بالعكس. قاله ابن الأثير

(2)

.

والمعنى هنا: مثل ثواب إعتاق رقبة. والكاف هنا زائدة؛ لأن العدل معناه المثل، كما سبق آنفًا.

وللترمذيّ: "كان كعتق رقبة". ولأحمد: "من طاف أُسبوعًا، يُحصيه، وصلّى ركعتين، كان كعدل رقبة". والمعنى: أن من طاف، وصلّى ركعتين بعد الطواف بالشروط المعتبرة، كان له مثل إعتاق رقبة في الثواب.

وزاد في رواية الترمذيّ: "وسمعته يقول: "لا يضع قدمًا، ولا يرفع أخرى، إلا حطّ اللَّه عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة". وفي رواية أحمد: وسمعته يقول: "ما رفع رجل قدما، ولا وضعها، إلا كُتبت له عشرُ حسنات، وحُطّ عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

[فإن قيل]: في سنده عطاء بن السائب، وهو مختلط، فكيف يصحّ؟.

[قلت]: عطاء، وإن كان ممن اختلط، إلا أن الراوي عنه هنا حماد بن زيد، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، كما تقدّم بيان ذلك غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 134/ 2920 - وفي "الكبرى" 161/ 3951. وأخرجه (ت) في

(1)

- راجع "المرعاة" 9/ 115.

(2)

- "النهاية" 3/ 191.

ص: 191

"الحجّ"959 (ق)2956. (أحمد) في "مسند المكثرين" 4230. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الطواف بالبيت. (ومنها): بيان فضل مسح الركنين. (ومنها): أن المشروع استلامه هو الركن الأسود، والركن اليماني، فقط، فلا يشرع استلام الركن الشاميّ، والركن العراقيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌135 - (الْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ)

2921 -

(أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، مَرَّ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ، يَقُودُهُ إِنْسَانٌ، بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(يوسف بن سعيد) بن مسلم المصّيصيّ، ثقة حافظ [11] 131/ 198.

2 -

(حجاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصّيصيّ، ثقة ثبت، اختلط بآخره [9] 28/ 32.

3 -

(ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [6] 28/ 32.

4 -

(سليمان) بن أبي مسلم الأحول المكيّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد اللَّه، ثقة [5] 9/ 1619.

5 -

(طاوس) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 27/ 31.

6 -

(ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

ص: 192

رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتيا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، مَرَّ، وَهُوَ يَطُوفُ بالْكَعْبَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه يطوف بالكعبة (بإِنْسَانٍ) متعلّق بـ"يطوف"(يَقُودُهُ إِنْسَانٌ) وفي رواية لأحمد، والفاكهيّ من طريق عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أدرك رجلين، وهما مقترنان، فقال:"ما بال القران؟ "، قالا: إنا نذرنا لنقترننّ حتى نأتي الكعبة، فقال:"أطلقا أنفسكما، ليس هذا نذرًا، إنما النذر ما يُبتغى به وجهُ اللَّه". قال الحافظ: وإسناده إلى عمرو حسن. قال: ولم أقف على تسمية هذين الرجلين صريحًا، إلا أن في الطبرانيّ من طريق فاطمة بنت مسلم، حدّثني خليفة بن بشر، عن أبيه، أنه أسلم، فردّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم ماله، وولده، ثم لقيه هو وابنه طلق بن بشر، مقترنين بحبل، فقال:"ما هذا؟ "، فقال: حلفت لئن ردّ اللَّه عليّ مالي، وولدي لأحجّنّ بيت اللَّه مقرونًا، فأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم الحبل، فقطعه، وقال لهما:"حُجًّ، إن هذا من عمل الشيطان". فيمكن أن يكون بشر، وابنه طلق صاحبي القصّة. وأغرب الكرمانيّ، فقال: قيل: إنّ الرجل المقود هو ثواب، ضدّ العقاب انتهى. ولم أر ذلك لغيره، ولا أدري من أين أخذه انتهى كلام الحافظ

(1)

(بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ) بكسر الخاء المعجمة، بعدها زايٌ معجمة: هو حلقة من شعر، أو وَبَر تُجعل في الحاجز الذي بين منخري البعير، يُشدّ بها الزمام؛ ليسهل انقياده، إذا كان صعبًا

(2)

. وكانت بنو إسرائيل تخرم أنوفها، وتخرق تراقيها، ونحو ذلك من أنواع التعذيب، فوضعه اللَّه تعالى عن هذه الأمة. ذكره السيوطيّ

(3)

.

وفي الرواية الآتية في "النذور": "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ به، وهو يطوف بالكعبة، وإنسان قد ربط يده بإنسان آخر بسَيْرٍ، أو خيط، أو بشيء غير ذلك

". و"السير" بمهملة مفتوحة، وياء ساكنة، هو ما يُقَدْ من الجلد، وهو الشِّراك

(4)

.

(1)

- "فتح" 4/ 286.

(2)

-"فتح" 13/ 450 "كتاب الأيمان والنذور".

(3)

- أفاده في "زهر الربى" 5/ 222.

(4)

- "فتح" 4/ 276.

ص: 193

وفي رواية من طريق خالد بن الحارث، عن ابن جريج:"مرّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برجل يقود رجلاً في قَرَن". و"القَرَنُ" بفتحتين: هو الحبل (فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ) إنما منعه عن ذلك، وأمره أن يقوده باليد؛ لأنه إنما يُفعل بالبهائم، وهو مُثْلة، والترجمة تؤخذ من الأمر؛ لكونه كلامًا.

وقال النوويّ: وقطعه صلى الله عليه وسلم السير محمول على أنه لم يمكن إزالة هذا المنكر إلا بقطعه، أو أنه دلّ على صاحبه، فتصرّف فيه. وقال غيره: كان أهل الجاهلية يتقرّبون إلى اللَّه تعالى بمثل هذا الفعل. قال الحافظ: وهو بين من سياق حديثي عمرو بن شُعيب، وخليفة بن بِشْرٍ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -136 وفي "الأيمان والنذور" 30/ 3811 و3812 - وفي "الكبرى" في "الأيمان والنذور" 7/ 4752 و4753 (خ) في "الحج" 1620و 2621 و"الأيمان والنذور" 6702و 6703 (د) في "الأيمان والنذور" 3302 (أحمد) في "مسند بني هاشم"3432. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إباحة الكلام في الطواف، ووجه الاستدلال بالحديث أن قوله:"ثم أمره إلخ " يدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك؛ لأن حقيقة الأمر إنما يكون بالكلام، فيدل على أنه يباح، للطائف أن يتكلم في الأمور الواجبة، والمستحبّة، والمباحة، قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أولى ما شَغَلَ المرءُ نفسه في الطواف ذكرُ اللَّه تعالى، وقراءة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح، إلا أن الذكر أسلم. وحكى ابن التين خلافًا في كراهة الكلام المباح. وعن مالك تقييد الكراهة بالطواف الواجب. قال ابن المنذر: واختلفوا في القراءة، فكان ابن المبارك يقول: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، وفعله مجاهد. واستحبّه الشافعيّ، وأبو ثور، وقيّده الكوفيون بالسرّ. وروي عن عروة، والحسن كراهته. وعن عطاء، ومالك أنه مُحدث. وعن مالك لا بأس به إذا أخفاه، ولم يكثر منه. قال ابن المنذر: من أباح القراءة في البوادي، والطرق، ومنعه في الطواف لا حجة له.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- هو الحق.

ص: 194

واللَّه تعالى أعلم.

(ومنها): أنه يجوز للطائف فعل ما خفّ من الأفعال، وتغيير ما يراه الطائف من المنكر. (ومنها): أن من نذر ما لا طاعة للَّه تعالى فيه لا يلزمه. قاله الداوديّ. وتعقّبه ابن التين بأنه ليس في الحديث شيء من ذلك، وإنما ظاهر الحديث أنه كان ضرير البصر، ولهذا قال له: قده بيده انتهى.

لكن لا يلزم -كما قال الحافظ- من أمره بأن يقوده أنه كان ضريرًا، بل يحتمل أن يكون بمعنى آخر غير ذلك، وأما ما أنكره من النذر، فمتعقّبٌ بالرواية الآتية بعد هذا للمصنّف من طريق خالد بن الحارث، عن ابن جريج أنه قال: إنه نذر. ولهذا أخرجه المصنّف كالبخاريّ في أبواب النذر، وترجم له المصنّف بقوله:"النذر فيما لا يراد به وجه اللَّه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2922 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى،، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ،، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ، يَقُودُهُ رَجُلٌ بِشَيْءٍ، ذَكَرَهُ فِي نَذْرٍ، فَتَنَاوَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَطَعَهُ، قَالَ: إِنَّهُ نَذْرٌ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد الأعلى": هو الصنعانيّ البصريّ. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ، والباقون سبقوا فيما قبله.

وقوله: "ذكره في نذر" أي ذكر ذلك الشيء لأجل نذر نذره. وقوله: "قال: إنه نذر": أي قال ذلك الرجل معتذرًا: إن سبب هذا الفعل هو أنه نذره، يفعله وفاء به.

والحديث أخرجه البخاريّ دون قوله: "إنه نذر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌136 - (إِبَاحَةُ الْكَلَام فِي الطَّوَافِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الترجمة في المعنى هي الترجمة الماضية، فلا أدري لماذا أعادها؟، ولم يذكر في "الكبرى" الترجمة السابقة، بل اكتفى بهذه، وهو الأولى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2923 -

(أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ

ص: 195

وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَامِ» .

اللَّفْظُ لِيُوسُفَ، خَالَفَهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(الحارث بن مسكين) القاضي، أبو عمرو المصريّ، ثقة فقيه [10] 9/ 9.

[تنبيه]: قوله: "والحارث الخ" بالرفع عطفًا على قوله: "يوسف بن سعيد. واللَّه تعالى أعلم.

2 -

(ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ الفظ، ثقة فقيه عابد [9] 9/ 9.

3 -

(الحسن بن مسلم) بن يَنّاق المكيّ، ثقة [5] 61/ 254، والباقون تقدّموا في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "التلخيص الحبير": ما حاصله: الظاهر أن الرجل هو ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا يضرّ إبهام الصحابيّ انتهى

(1)

.

أنه قال (قَالَ) أي النبيّ صلى الله عليه وسلم (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ) أي مثل الصلاة في الأحكام، أو مثلها في الثواب، أو في التعليق بالبيت (فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَامِ) أي فلا تكثروا فيه الكلام، وإن كان جائزًا؛ لأن مماثلته بالصلاة يقتضي أن لا يُتَكَلَّم فيه أصلاً، كما لا يُتكلّم فيها، فحيث أباح اللَّه تعالى الكلام فيه رحمة بعباده، فلا أقلّ من أن لا يكثروا فيه ذلك.

وقوله (اللَّفْظُ لِيُوسُفَ) يعني أن لفظ هذا الحديث لشيخه يوسف بن سعيد المصّيصيّ، وأما شيخه الحارث بن مسكين، فرواه بالمعنى.

وقوله (خَالَفَهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) الضمير المنصوب للحسن بن مسلم، وليس ليوسف بن سعيد.

والمراد أنه اختلف حنظلة بن أبي سفيان، والحسن بن مسلم في رفع هذا الحديث، ووقفه، فرواه الحسن، عن طاوس، مرفوعًا، ورواه حنظة بن أبي سفيان عنه موقوفًا على ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

- "التلخيص الحبير" 1/ 227 النسخة الجديدة المحققة.

(2)

رواية حنظلة هي الآتية بعد هذا.

ص: 196

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسائل الأولى): في درجته:

حديث رجل أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم صحيح.، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-136/ 2923 - وفي "الكبرى" 158/ 3945. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكيين" 14997 وفي "مسند المدنيين" 16176. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): حديث الباب أخرجه الترمذيّ في "جامعه" من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بلفظ: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلّمون فيه، فمن تكلّم فيه، فلا يتكلّم إلا بخير".

قال في "التلخيص الحبير": حديث: "روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام". رواه الترمذيّ، والحاكم، والدارقطنيّ من حديث ابن عباس، وصححه ابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبّان، وقال الترمذيّ: روي مرفوعًا وموقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء، ومداره على عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس. واختُلف في رفعه، ووقفه. ورجّح الموقوف النسائيّ، والبيهقيّ، وابن الصلاح، والمنذريّ، والنوويّ، وزاد: إن رواية الرفع ضعيفة.

وفي إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق، وإذا رُوي عنه الحديث مرفوعًا تارة، وموقوفًا أخرى، فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنوويّ ممن يعتمد ذلك، ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به، إذا كان الرافع ثقة، فيجيء على طريقته أن المرفوع صحيح.

فإن اعتُلّ عليه بأن عطاء بن السائب اختلط، ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه قبل اختلاطه.

أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوريّ عنه، والثوريّ ممن سمع قبل اختلاطه باتفاق، وإن كان الثوريّ قد اختُلف عليه في وقفه ورفعه، فعلى طريقتهم تُقدّم رواية الرفع أيضًا. والحقّ أنه من رواية سفيان موقوف، ووهم عليه من رفعه. قال البزّار: لا نعلم أحدًا رواه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا ابن عباس، ولا نعلم أسند عطاء بن السائب، عن طاوس غير هذا، ورواه غير واحد عن عطاء موقوفًا. وأسنده جرير، وفُضيل بن عياض.

قال الحافظ: وقد غلط فيه أبو حذيفة، فرواه مرفوعًا عن الثوريّ، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عمر. أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" عن محمد بن أبان، عن أحمد

ص: 197

ابن ثابت الجحدريّ، عنه.

قال: ثم ظهر لي أن الغلط من الجحدريّ، وإلا فقد أخرجه ابن السكن من طريق أبي حذيفة، فقال: عن ابن عباس. وله طريق أخرى، ليس فيها عطاء، وهي عند النسائيّ، من حديث أبي عوانة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، موقوفًا.

ورفعه عن إبراهيم محمدُ بن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، وهو ضحيف، رواه الطبرانيّ، ورواه البيهقيّ، من طريق موسى بن أعين، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس، عن ابن عباس، مرفوعًا، وليث يُستشهد به.

قال الحافظ: لكن اختلف على موسى بن أعين فيه، فروى الدارميّ، عن عليّ بن معبد، عنه، عن عطاء بن السائب، فرجع إلى رواية عطاء. وروه البيهقيّ من طريق الباغنديّ، عن عبد اللَّه بن عمر بن أبان، عن ابن عيينة، عن إبراهيم، مرفوعًا. وأنكره البيهقيّ على الباغنديّ. وله طريق أخرى مرفوعة، أخرجها الحاكم في أوائل تفسير سورة البقرة من "المستدرك" من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قال اللَّه لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26]، فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"الطواف بمنزلة الصلاة، إلا أن اللَّه قد أحلّ فيه النطق، فمن نطق، فلا ينطق إلا بخير". وصحّح إسناده، وهو كما قال، فإنهم ثقات. وأخرج من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أوّله الموقوف، ومن طريق فضيل بن عياض، عن عطاء، عن طاوس، آخره المرفوع.

وروى النسائيّ، وأحمد، من طريق ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن رجل أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"الطواف صلاة، فإذا طفتم فاقلّوا الكلام". وهذه الرواية صحيحة، وهي تعضد رواية عطاء بن السائب، وترجّح الرواية المرفوعة. والظاهر أن المبهم فيها هو ابن عباس، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا يضرّ إبهام الصحابة. ورواه النسائيّ أيضًا من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن عمر موقوفًا.

وإذا تأمّلت هذه الطرق عرفت أنه اختلف على طاوس على خمسة أوجه، فأوضح الطرق، وأسلمها رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، فإنها سالمة من الاضطراب، إلا أني أظنّ أن فيها إدراجًا. واللَّه أعلم. انتهى عبارة "التلخيص الحبير"

(1)

.

(1)

- "راجع التلخيص الحبير" 1/ 225 - 227.

ص: 198

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تحصّل مما تقدّم أن حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - صحيح مرفوعًا، ويشهد له ما أخرجه المصنّف هنا عن رجل أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنه شاهد صحيح لا كلام فيه، وأيضًا إن وقفه لا يضرّه؛ لأن الراوي قد يوقف الحديث تارةً، ويرفعه أخرى حسب المناسبات، كما هو معروف، فالحديث صحيح على الوجهين مرفوعًا وموقوفًا

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان إباحة الكلام. (ومنها): بيان فضل الطواف، حيث إنه مثل الصلاة (ومنها): أنه يستحب فيه ذكر اللَّه تعالى، فإن الصلاة كلها ذكر، ودعاء، وتضرّع، فينبغي أن يكون الطواف في ذلك مثلها. (ومنها): أنه وإن كان الكلام مباحًا في الطواف غير أنه ينبغي تقليله مهما أمكن. (ومنها): أن الشيخ ابن عبد السلام -رحمه اللَّه تعالى- استنبط من هذا الحديث أن الطواف أفضل أعمال الحجّ؛ لأن الصلاة أفضل من الحجّ، فيكون ما اشتملت عليه أفضل. قال: وأما حديث: "الحجّ عرفة"، فلا يتعيّن التقدير معظم الحج عرفة، بل يجوز: إدراك الحج بالوقوف بعرفة. انتهى.

قال الحافظ: وفيه نظر، ولو سُلم فما لا يقوم الحج إلا به أفضل مما ينجبر، والوقوف، والطواف سواء في ذلك، فلا تفضيل انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): استَدَلّ بحديث الباب من قال بوجوب الطَّهارة للطواف، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية، والثوريّ، وإسحاق، وأبي ثور. وحكاه الخطابيّ عن عامة أهل العلم.

وذهبت الحنفية إلى أن الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف، وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صحّ طوافه. واختلفوا في كون الطهارة واجبة، مع اتفاقهم على أنها ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن طاف جنبًا لزمه بدنة، قالوا: ويعيده ما دام بمكة.

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم، وحمادًا، ومنصورًا، وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة؟، فلم يروا به

(1)

- راجع "إرواء الغليل" 1/ 154 - 157.

(2)

- "فتح" 4/ 285.

ص: 199

بأسًا. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف، فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها.

وقال داود: الطهارة للطواف واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه إلا الحائض. وقال ابن حزم: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز، وللنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؟ للنهي فيه. انتهى مختصرًا من "شرح التقريب" لوليّ الدين العراقيّ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما قاله الأولون من اشتراط الطهارة للطواف؛ لظاهر حديث الباب، حيث إنه صلى الله عليه وسلم استثى من أحكام الصلاة تحريم الكلام فقط، فدلّ على أن ما عداه من شروط الصلاة، كالطهارة شرط في الطواف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- خلاف حنظلة بن أبي سفيان للحسن بن مسلم بقوله:

2924 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا السِّينَانِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: "أَقِلُّوا الْكَلَامَ فِي الطَّوَافِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن سليمان "

(1)

: هو أبو جعفر العلّاف الكوفيّ، ثم المصّيصيّ، لقبه لُوَين، ثقة [10] 171/ 1140.

و"الشيبانيّ": هو أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان فَيْروز الكوفيّ، ثقة [5] 172/ 267.

[تنبيه]: أشار في هامش الهندية إلى أنه وقع في بعض النسخ: "أخبرنا السينانيّ" بالسين المهملة بدل الشين المعجمة، وبالنون بدل الباء الموحّدة، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

و"حنظلة بن أبي سفيان": هو الأسود بن عبد الرحمن الجمحيّ المكيّ، ثقة حجة [6] 12/ 12.

والحديث صحيح موقوف، انفرد به المصنّف، أخرجه هنا 136/ 2924 - فقط، وقد سبق أنه لا يعارض المرفوع، فما سبق حديثُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا فتوى ابن عمر

(1)

-[تنبيه]: وقع في موسوعة الحديث الشريف للكتب التسعة مؤسّسة صخر هنا غلط، فقد ترجم لمحمد بن سليمان أبي عليّ بن الأصبهاني، وهو خطا فاحش؛ لأنه ليس من شيوخ المصنف، بل من شيوخ شيوخه، من الطبقة الثامنة، مات منة (181) أي قبل ولادة النسائي بنحو أربع وثلاثين سنة، والصواب ما هنا. فليُتنبه.

ص: 200

- رضي اللَّه تعالى عنهما -، على أنه قد يقال: إنه مرفوع حكمًا، وإن لم يكن مرفوعًا لفظًا؛ لأن مثله لا يقال بالرأي، كما قاله الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌137 - (إِبَاحَةُ الْطَّوَافِ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ)

2925 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهْ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُنَّ أَحَدًا، طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى أَىَّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن": هو الزهريّ الْمَخْرَميّ

(2)

البصريّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ. و"عبد اللَّه بن باباه" -بموحدتين، بينهما ألف ساكنة، ويقال: بتحتانيّة بدل الألف، ويقال: بحذف الهاء- المكيّ الثقة.

والحديث صحيح، وتقدّم في كتاب الصلاة برقم 41/ 585 - باب "إباحة الصلاة في الساعات كلها"، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، ودلالته على الترجمة هنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "طرح التثريب" 5/ 120.

(2)

"الْمَخْرَميُّ" -بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء-: نسبة إلى جده الأعلى مَخْرَمَة ابن نوفل.

ص: 201

‌138 - (كَيْفَ طَوَافُ الْمَرِيضِ)

2926 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» ، فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بِـ {الطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} [الطور: 1 - 2]).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(محمد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20.

2 -

(الحارث بن مسكين) المذكور قبل باب.

3 -

(ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [10] 19/ 20.

4 -

(مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [7] 7/ 7.

5 -

(محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) الأسديّ، أبو الأسود المدنيّ، يتيم عروة، ثقة [6] 171/ 276.

6 -

(عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 40/ 44.

7 -

(زينب بنت أبي سلمة) عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ماتت سنة (73هـ)، وحضر ابن عمر جنازتها، قبل أن يحجّ، ويموت بمكة، تقدّمت في - 123/ 182.

8 -

(أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمر بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين، تزوجها النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد أبى سلمة، سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنة، وماتت - رضي اللَّه تعالى عنها - سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة إحدى وستين، وقيل: قبل ذلك، والأول أصح، تقدمت في -123/ 182 - . واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث بن مسكين، فقد انفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه

ص: 202

مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة عن صحابيّة، والبنت عن أمها. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: قال في "الفتح": في الإسناد تابعيّان: محمد، وعروة، وصحابيتان: زينب، وأمها، أم سلمة انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في جعله محمد بن عبد الرحمن تابعيًّا نظر، إلا عند من يكتفي في كون الشخص تابعيًّا بمجرد المعاصرة فقط، فإنه لم يثبت له رواية عن صحابيّ، كما بينه في ترجمته من "تهذيب التهذيب"

(2)

، وجعله في "التقريب" من الطبقة السادسة، وهي التي عاصرت الصحابة، ولم تَلْقَ منهم أحدًا. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أُمً سَلَمَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَشْتَكِي) بفتح همزة "أني" لأنه في تأويل المصدر مفعول "شكوت"، يقال: اشتكى عضوًا من أعضائه: إذا توجّع منه، وشكوت فلانًا: إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك. وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "قالت: يا رسول اللَّه، واللَّه ما طفت طواف الخروج

" تعني الوداع (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ) أي الرجال (وَأَنْتِ رَاكبَةٌ) زاد في الروية التالية: "على بعيرك"، والجملة الاسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. قالت أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي) أي صلاة الصبح، ففي رواية البخاريّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: "إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك، والناس يصلون".

وجملة "ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الخ" في محلّ نصب على الحال من الفاعل أيضًا، والرابط الواو (إِلَى جَنْب الْبَيْتِ) أي الكعبة؛ لأن البيت علم لها بالغلبة. قال الكرمانيّ: فإن قلت: الصلاة إلَى البيت، فما فائدة ذكر الجنب؟. قلت: معناه أنه كان يصلي منها إلى الجنب، يعني قريبًا من البيت، لا بعيدًا منه انتهى. وقال أبو عمرو: صلاته إلى جنب البيت من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقا بالبيت قبل أن ينقله عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - من ذلك المكان إلى صحن المسجد انتهى

(3)

(يَقْرَأُ بِـ {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} [الطور: 1 - 2]) أي بسورة الطور، ولعلها لم تذكر واو القسم؛ لأن لفظ "الطور" كأنه

(1)

- "فتح" 2/ 132 "كتاب الصلاة" -"باب إدخال البعير في المسجد للعلة".

(2)

- ونقل في "تهذيب التهذيب" عن ابن الْبَرْقيّ، قال: لا يُعلم له - أي لمحمد بن عبد الرحمن هذا- رواية عن أحد من الصحابة مع أن سنه يحتمِل ذلك. انتهى.

(3)

- "عمدة القاري" 4/ 62.

ص: 203

صار علمًا للسورة. قاله العينيّ

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-138/ 2926 و 139/ 2927و 2928 - و"الكبرى" 135/ 3903 و 3904 و 157/ 3943. وأخرجه (خ) في "الصلاة"464 و"الحجّ" 1619 و 1626 و1633 و"التفسير" 4853 (م) في "الحج" 1276 (د) في "المناسك" 1882 (ق) في "المناسك" 2961 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 25946 و 2617 (الموطأ) في "الحج" 832. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية طواف المريض، وهو أن يطوف راكبًا. (ومنها): جواز الطواف للراكب، إذا كان لعذر، وأما لغير عذر، ففيه خلاف، سيأتي بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن النساء يطفن وراء الرجال، ولا يختلطن بهم؛ لأن ذلك أستر لهنّ، ولأن الطواف كالصلاة، ومن سنة الصلاة أن يتأخرن عن صفوف الرجال، فكذا في الطواف. قال في "الفتح": وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس: ليكون أستر لها، ولا تقطع صفوفهم أيضًا، ولا يتأذّون بدابتها انتهى

(2)

.

(ومنها): أن من يطوف وقت صلاة الجماعة لعذر لا يطوف إلا من وراء الناس، فلا يطوف بين المصلين وبين البيت؛ لئلا يَشْغَل الإمام والناس، فيؤذيهم.

(ومنها): أن الراكب عليه أن يجتنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة؛ لئلا يؤذيهم.

(ومنها): جواز إدخال الدوابّ المسجد. قال ابن بطال -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه، بخلاف غيرها من الدوابّ. وتُعقب بانه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع عدم الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يُخشى التلويث يمتنع الدخول. وقد قيل: إن ناقته صلى الله عليه وسلم كانت منوّقة، أي مُدرّبة معلّمة، فيؤمن منها ما يُحذر من

(1)

- "عمدة القاري" 4/ 62.

(2)

- "فتح" 4/ 285.

ص: 204

التلويث، وهي سائرة، فيحتمل أن يكون بعير أم سلمة كان كذلك. قاله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم في "أبواب الطهارة" من هذا الشرح تفصيل مسألة طهارة أبوال الإبل، ونحوها، ونجاستها، وأن الراجح طهارتها، فراجعه تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق.

(ومنها): استحباب قرب الإمام من البيت في الصلاة. (ومنها): مشروعيّة الجهر بالقراءة في صلاة الصبح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌139 - (طَوَافُ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا نسخ "المجتبى"، وعبارة "الكبرى":"طواف النساء مع الرجال"، وفي نسخة:"كيف طواف النساء مع الرجال؟ "، والظاهر أن عبارة "الكبرى" أظهر، وغرضه بهذا بيان كيفية طواف النساء مع الرجال، وذلك أن يطفن من وراء الرجال، ولا يختلطن بهم، كما دلّ عليه حديث أم سلمة رضي الله عنها المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2927 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا طُفْتُ طَوَافَ الْخُرُوجِ، فَقَالَ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ، مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ». عُرْوَةُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن آدم" بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، فقد انفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ الثقة الثبت.

وقولها: "طواف الخروج" تعني طواف الوداع. وقوله: "إذا أقيمت الصلاة" أي صلاة الصبح.

وقوله: "عروة لم يسمعه الخ" أشار به إلى أن في هذا الإسناد انقطاعًا، وهذا الذي قاله المصنّف قاله الدارقطنيّ أيضًا في "كتاب التتبع". لكن قال الحافظ في "الفتح": وقد أخرج الإسماعيليّ حديث الباب من طريق حسّان بن إبراهيم، وعليّ بن هاشم، ومحاضر بن المورّع، وعبدة بن سليمان، كلهم عن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة،

(1)

- "فتح" 2/ 132 "كتاب الصلاة""باب إدخال البعير في المسجد للعلة".

ص: 205

وهذا هو المحفوظ، وسماع عروة من أم سلمة ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيّفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: محل استدلال المصنف -رحمه اللَّه تعالى- على ما ترجم له قوله: "إذا أُقيمت الصلاة، فطوفي على بعيرك من وراء الناس"، فإنه يدلّ على أن النساء يطفن وراء الرجال، ولا يختلطن بهم، وفيه أن الاحتراز عن طواف النساء مع الرجال مهما أمكن أحسن، حيث أجاز لها في حال إقامة الصلاة التي هي حالة اشتغال الرجال بالصلاة، لا في حال طواف الرجال. واللَّه تعالى أعلم.

وقد أورد البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- على قوله: "باب طواف النساء مع الرجال" قصة إنكار عطاء على ابن هشام في منعه طواف النساء مع الرجال، ونصّه:

1618 -

وقال لي عمرو بن علي: حدثنا أبو عاصم، قال: ابن جريج أخبرنا، قال: أخبرني عطاء، إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن، وقد طاف نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم مع الرجال، قلت: أبعد الحجاب، أو قبلُ؟، قال: إي لعمري، لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟، قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضي الله عنها، تطوف حَجْرة

(2)

من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنك، وأبت، فكُنَّ يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت، قمن حتى يدخلن، وأخرج الرجال، وكنت آتي عائشة أنا، وعبيد بن عمير، وهي مجاورة في جوف ثَبِير، قلت: وما حجابها؟، قال: هي في قبة تركية، لها غشاء، وما بيننا وبينها غير ذلك، ورأيت عليها دِرْعًا مُوَرَّدًا

(3)

.

وقوله: "إذ منع ابن هشام" قال الحافظ: هو إبراهيم، أو أخوه محمد بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم المخزوميّ، وكانا خالي هشام ابن عبد الملك، فولَّى محمدًا إمرة مكة، وولى أخاه إبراهيم إمرة المدينة، وفوّض هشام لإبراهيم إمرة الحجّ بالناس في خلافته، قال الحافظ: فلهذا قلت: يحتمل أن يكون المرادَ، ثم عذبهما يوسف بن عمر الثقفيّ حتى ماتا في محنته في أول ولاية الوليد بن يزيد بن عبد الملك بأمره سنة خمس وعشرين ومائة. قاله خليفة بن خياط في "تاريخه".

وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهيّ من طريق زائدة، عن إبراهيم النخعيّ، قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلاً معهنّ، فضربه بالدِّرَة. وهذا إن صحّ لم يعارض الأول؛ لأن ابن هشام منعهنّ أن يطفن حين

(1)

- "فتح" 4/ 291 - 292.

(2)

- بفتح المهملة، وسكون الجيم، بعدها راء-: أي ناحية. يعني معتزلة من الرجال.

(3)

- "صحيح البخاري" 4/ 282 بنسخة "الفتح".

ص: 206

يطوف الرجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه عطاء.

واحتجّ بعضهم بصنيع عائشة، وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر، قال الفاكهيّ: ويُذكر عن ابن عيينة أن أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد اللَّه القسريّ انتهى. وهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتًا، ثم تركه، فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان، وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة. انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-

(1)

.

والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2928 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَدِمَتْ مَكَّةَ، وَهِيَ مَرِيضَةٌ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ الْمُصَلِّينَ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، يَقْرَأُ وَالطُّورِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عبيد اللَّه ابن سعيد": هو أبو قدامة السرخسيّ. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"مالك": هو ابن أنس، إمام دار الهجرة. و"أبو الأسود": هو محمد بن عبد الرحمن، يتيم عروة المذكور في الباب الماضي.

وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الرواية بيان ما أشار إليه في الرواية السابقة من عدم سماع عروة هذا الحديث عن أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث أدخل في هذا الإسناد بينه وبينها "زينب بنت أم سلمة". لكن تقدّم أنه لا مانع من أن يسمعه عن أم سلمة بواسطة زينب، ثم يسمعه بعدُ عنها مباشرة، ولذلك أخرجه الإمام البخاريّ - رحمه اللَّه تعالى - في "صحيحه" في "باب من صدى ركعتي الطواف خارجا من المسجد" رقم 1626 - بالطريقين؛ إشارة إلى صحتهما، وعدم إعلال إحداهما بالأخرى.

والحاصل أن الحديث صحيح بالطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "فتح" 4/ 282 - 283.

ص: 207

‌140 - (الطوَفُ بِالْبَيْتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ)

2929 -

(أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ -وَهُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ- عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، حَوْلَ الْكَعْبَةِ، عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عمرو بن عثمان) بن سعيد القرشيّ مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [10] 21/ 535.

2 -

(شعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رُمي بالإرجاء، من كبار [9] 60/ 1766.

3 -

(هشام بن عروة) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلّس [5] 49/ 61.

4 -

(أبوه) عروة بن الزبير المذكور قريبًا.

5 -

(عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من هشام. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِي حَجَّةِ الوَدَاع) بفتح الواو (حَوْلَ الْكَعْبَةِ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ"طاف"، وكذا قوله (عَلَى بَعِير) بفتح الباء الموحّدة، وقد تُكسر: الجمل البازل، أو الجذَع، وقد يكورْ للأنثى. قاله في "القاموس".

وفي "المصباح": البعير مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبت بعيري، والجمل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى، والبَكْرَ،

ص: 208

والبَكْرةُ، مثلُ الفتى والفتاة، والْقَلُوص كالجارية، هكذا حكاه جماعة منهم ابن السكيت، والأزهريّ، وابن جني، ثم قال الأزهريّ. هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواصّ أهل العلم باللغة، ووقع في كلام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- في الوصية: لو قال: أعطوه بعيرًا لم يكن لهم أن يعطوه ناقة، فحمل البعير على الجمل، ووجهه أن الوصيّة مبنيّة على عرف الناس، لا على محتملات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواصّ. وحكى في "كفاية المتحفّظ" معنى ما تقدّم، ثم قال: وإنما يقال: جمل، أو ناقة إذا أربعا، فأما قبل ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرٌ، وبكرةٌ، وَقَلُوصٌ، وجمع البعير أبعرةٌ، وأباعرٌ، وبُعْرانٌ بالضمّ انتهى.

(يَسْتَلِمُ) أي يلمسه، يقال: استلم الحجر: إذا لمسه، إما بالقبلة، أو باليد، كاستلأمه. قاله في "القاموس". وقال الفيّوميّ: واستلأمت الحجر، قال ابن السّكِّيت: هَمَزَته العرب على غير قياس، والأصل استلمت؛ لأنه من السِّلَام، وهي الحجارة.

وقال ابن الأعرابيّ: الاستلام أصله مهموز، من المُلاءَمَة، وهي الاجتماع، وحكى الجوهريّ القولين انتهى (الرُّكْنَ) أي الحجر الأسود (بِمِحْجَنِهِ) زاد في "الكبرى" بهذا السند:"كراهية أن يصرف عنه الناس"، ولعل هذه الزيادة سقطت من نسخ "المجتبى"؛ لأن سند الكتابين واحد، ويقوّي ذلك كونها ثابتة في "صحيح مسلم" من رواية الحكم ابن موسى القنطريّ، عن شعيب بن إسحاق، بسند المصنّف.

و"المحجن" -بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الجيم، وزان مِقْوَد-: خشبة في طرفها اعوجاج، مثلُ الصَّوْلَجان. قال ابن دريد: كلّ عُود معطوف الرأس، فهو مِحْجَنٌ، والجمع المحاجن. قاله الفيّوميّ.

وفي حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتي في -160/ 2956 - : "كان يطوف على راحلته، فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه". فيحمل ما دلّ عليه حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، من استلامه بالمحجن على أنه كان قريبًا، وذلك لكونه آمنًا من إيذاء الناس، وأن ما دلّ عليه حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من الإشارة إليه على أنه كان بعيدًا عنه؛ خشية إيذائهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

ص: 209

أخرجه هنا-140/ 2929 - وفي "الكبرى" 144/ 3923. وأخرجه (م) في "الحج" 1274. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز الطواف بالبيت على الراحلة. (ومنها): استحباب استلام الحجر الأسود بيده، أو بعصاه، إذا عجز عن تقبيله، ثم يقبّل ما استلم به، لما في "صحيح مسلم" من حديث أبي الطُّفيل رضي الله عنه، قال:"رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبّل المحجن". وبهذا يقول الجمهور، وخالف مالك -كما قال القاضي عياض-، فقال: لا يقبل يده. وإذا عجز عن الاستلام أشار بيده، أوبما في يده، لما تقدم في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم ينقل.

(ومنها): أن في قوله: "حجة الوداع" ردًّا على من كره تسمية حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو غلط، والصواب جوازه.

(ومنها): أنه استدلّ به أصحاب مالك، وأحمد على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وروثه؛ لأنه لا يؤمن ذلك من البعير، فلو كان نجسًا لما عرض المسجد له، وخالفهم الشافعيّة، والحنفية، والأول هو الحقّ، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطواف راكبًا على الراحلة، أو نحوها:

قال العلامة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا للعذر، واختُلف في طواف من لا عذر له راكبا، فأجازه قوم، منهم: ابن المنذر؛ أخذًا بطوافه صلى الله عليه وسلم راكبا، والجمهور على كراهة ذلك، ومنعه، متمسكين بظاهر قوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحجّ: 29]، وظاهره أن يطوف الطائف بنفسه، ومن طاف راكبًا إنما طيف به، ولم يَطُف هو بنفسه، وبأن الصحابة رضي الله عنهم اعتذروا عن طوافه صلى الله عليه وسلم راكبًا، وبيّنوا عذره في ذلك، فكان دليلاً على أن أصل مشروعية الطواف عندهم ألا يكون راكبًا. انتهى كلام القرطبيّ

(1)

.

وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيًا، ولا يركب، إلا لعذر مرض، أو نحوه، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليُستفتَى، ويُقتدى به، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. وقال إمام الحرمين: من

(1)

- "المفهم" 3/ 379 - 380.

ص: 210

أدخل البهيمة التي لا يؤمن من تلويثها المسجد بشيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه. وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، منهم الماورديّ، والبندنيجيّ، وأبو الطيّب، والعبدريّ، والمشهور الأول، والمرأة والرجل في ذلك سواء. والمحمول على الأكتاف كالراكب. وبه قال أحمد، وداود، وابن المنذر. وقال مالك، وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه، ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر، فعليه دم. قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف.

فلو طاف زحفًا مع القدرة على القيام فهو صحيح، لكنه يكره. وقال أبو الطيب في "التعليقة": طوافه زحفًا كطوافه ماشيًا منتصبًا، لا فرق بينهما.

واعتذروا عن ركوب النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن الناس كثُرُوا عليه، وغَشُوه بحيث إن العواتق خرجن من البيوت لينظرن إليه صلى الله عليه وسلم، أو لأنه يُستفتَى، أو لأنه كان يشكو، لما روى أبو داود في "سننه":"قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة، وهو يشتكي، فطاف على راحلته، فلما أتى على الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ، فصلى ركعتين".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي داود المذكور ضعيف؛ لأن في إسناده يزيد ابن أبي زياد، وهو ضعيف. ثم إن القول بكراهة الطواف راكبًا ليس عليه دليل صريح، وما اعتذروا به عن طواف صلى الله عليه وسلم راكبًا لا يكون دليلاً على المنع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما جاء عنه النهي عن الطواف راكبًا، حتى يُحتاج للاعتذار عن فعله، والآية ليس فيها النهي عنه، بل فعله صلى الله عليه وسلم بيان لمعناها، وهو أنها لإيجاب الطواف مطلقًا.

فالحقّ أن الطواف راكبًا جائز، ما لم يؤذ أحدًا، وإن كان الأولى عدم الركوب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌141 - (طَوَافُ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ)

2930 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ- عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَيَانٌ، أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ،

ص: 211

أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ؟ ، قَالَ: وَمَا يَمْنَعُكَ؟ ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَنْتَ أَعْجَبُ إِلَيْنَا مِنْهُ، قَالَ:"رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عبدة بن عبد اللَّه) الصفّار الخزاعيّ، أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة [11] 18/ 800.

2 -

(سُويد بن عمرو الكلبيّ) أبو الوليد الكوفيّ العابد، ثقة، من كبار [10] 67/ 1809.

3 -

(زُهير) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمى الكوفيّ، ثقة ثبت [7] 38/ 42.

4 -

(بيان) بن بِشْر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقة ثبت [5] 46/ 954.

5 -

(وَبَرَة) -بفتحتين- ابن عبد الرحمن المُسْليّ، أبو خُزيمة، أو أبو العبّاس الكوفيّ، ثقة [4] 5/ 1457.

6 -

(عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (2630) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن وَبَرَة بن عبد الرحمن -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَسَأَلَهُ رَجُلٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والسائل لم يُسمّ. وفي رواية لمسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن وبرة، قال: "كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجلٌ، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟؟

(أَطُوفُ بالْبَيتِ، وَقَدْ أَحْرَمْتُ بالْحَجِّ؟) أي والحال أني محرم بالحج (قَالَ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَمَا يَمْنَعُكَ؟) أي وأيّ شيء يمنعك من أن تبدأ بالطواف (قَالَ) الرجل السائل (رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ) أي عن الابتداء بالطواف، وفي رواية مسلم المذكورة:"فإن ابن عباس يقول: "لا

ص: 212

تطف بالبيت حتى تأتي الموقف".

(وَأَنْتَ أَعْجَبُ إِلَيْنَا مِنْهُ) وفي رواية مسلم من طريق جرير، عن وبرة:"وأنت أحبّ إلينا منه، رأيناه قد فتنته الدنيا، فقال: وأينا -أو أيكم- لم تفتنه الدنيا؟ ". قال النووي: ومعنى "فتنته الدنيا": لأنه تولّى البصرة، والولايات محلّ الخطر والفتنة، وأما ابن عمر فلم يتولّ شيئًا، وأما قول ابن عمر:"وأينا لم تفتنه الدنيا"، فهذا من زهده، وتواضعه، وإنصافه. انتهى

(1)

.

(قَالَ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَحْرَمَ بِالْحَجِّ) مفردًا أولاً، وإن كان أدخل عليه العمرة، فصار قارئًا، كما تقدّم تحقيق ذلك في محله (فَطَافَ بِالْبَيتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) يعني أنه ابتدأ بالطواف والسعي، قبل الخروج إلى منى، وعرفة.

وفي رواية مسلم: "فقال ابن عمر: فقد حجّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحقّ أن تأخذ، أم بقول ابن عباس، إن كنت صادقًا؟ ". وفي رواية: "فسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحقُّ أن تتبع من سنة فلان، إن كنت صاقًا".

قال النوويّ: قوله: "إن كنت صادقًا" معناه: إن كنت صادقًا في إسلامك، واتباعك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلا تعدل عن فعله، وطريقته إلى قول ابن عباس، وغيره. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ: قوله: "إن كنت صادقًا" ورَعٌ منه لئلا يذكر ابن عباس بشيء ما ثبت عنه. ويمكن أن يُحمل إطلاق فتيا ابن عباس على الْمُرَاهَق

(3)

، فإنه لا يُخاطب بطواف القدوم، أو يكون ابن عباس سئل عن طواف الإفاضة، فأجاب بأنه لا يفعل إلا بعد الوقوف، وهو الحقّ. انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل فيه نظر لا يخفى، فإن الروايات التي سنذكرها في المسألة الرابعة لا توافق التأويل المذكور، فإن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان يقول: إذا طاف المحرم بالبيت قبل الوقوف حلّ من إحرامه، فهذا صريح في كونه لا يرى طواف القدوم، وقد خالف بذلك الجمهور، وقولهم الصواب، كما سيأتي هناك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو

(1)

- "شرح مسلم" 8/ 443.

(2)

- "شرح مسلم" 8/ 442 - 443.

(3)

- بصيغة اسم المفعول، وهو الذي ضاق عليه الوقت بالتأخير حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة. أفاده في "النهاية" 2/ 274، وهذا الحمل غير صحيح، فإن المنقول عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - صريح في الإطلاق. فتنبّه.

ص: 213

المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسائل الأولى): في درجته:

حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه:

أخرجه هنا -141/ 2930 - وفي "الكبرى" 136/ 3905. وأخرجه (م) في "الحجّ" 1233. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان مشروعيّة طواف من أفرد الحجّ أول ما يقدم مكة، وهو المسمى بطواف القدوم، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. (ومنها): أن الواجب على المسلم إذا أفتاه عالم بخلاف السنة أن يتبع السنة، ويدع فتوى العالم، أيًّا كان ذلك العالم، فإن الحقّ أحقّ أن يتّبع.

(ومنها): أن العالم يخالف السنة أحيانًا، لا قصدًا للمخالفة، وإنما هو لعدم وصولها إليه، أو لتأويله إياها على ما يراه من المعاني، ولكن لا يجوز لمن وصلت إليه، وعلمها، بأن بيّن له عالم غيره بأن وجه الصواب كذا أن يقلّده في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): حاصل المسألة المذكورة أن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحجّ إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرة، فقد أخرج البخاريّ في "باب حجة الوداع" في أواخر "المغازي" من طريق ابن جريج، حدثني عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا طاف بالبيت، فقد حلّ، فقلت: من أين؟ قال: هذا ابن عباس قال: من قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحجّ: 33]، ومن أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يَحِلّوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد الْمُعَرَّف، قال: كان ابن عباس يراه قبلُ وبعدُ. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن جريج، بلفظ: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاجٌ، ولا غيره إلا حلّ، قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟

فذكره. ولمسلم من طريق قتادة، سمعت أبا حسّان الأعرج، قال: قال رجل من الْهُجَيم لابن عباس: ما هذه الفتيا التي تشغّفت

(1)

، أو تشغّبت بالناس أن من

(1)

- معنى "تشغفت": عَلِقت بقلوبهم، ومعنى:"تشغّبت": أي خلّطت عليهم أمرهم.

ص: 214

طاف بالبيت، فقد حلّ؟ فقال: سنّة نبيّكم، وإن رغمتم. وله من طريق وَبَرَة بن عبد الرحمن، قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم، فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حجَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحقّ أن تأخذ، أو بقول ابن عباس، إن كنت صادقًا.

وهذا الذي قاله ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل، منهم إسحاق بن راهويه.

وذهب الجمهور إلى أن من أهلّ بالحجّ مفردًا لا يضره الطواف بالبيت. أفاده في "الفتح"

(1)

.

وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: سؤال السائل لابن عمر -يعني المذكور في حديث الباب- إنما كان عن طواف القدوم، هل يؤخّر إلى أن يوقف بعرفة؟ فأجابه بمنع ذلك، وهو الصحيح الذي لا يُعلم من مذاهب العلماء غيره. وما حكاه هذا الرجل عن ابن عباس لا يُعرف من مذهبه، وكيف وهو أحد الرواة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بدأ بالطواف عند قدومه مكة. وقد حمل بعض متأخري العلماء هذا السؤال على أنه فيمن أحرم بالحجّ من مكة، هل يطوف طواف القدوم قبل أن يخرج إلى عرفات؟ قال: فمذهب أبي حنيفة، والشافعيّ أنه يطوف حين يُحرم، كما قال ابن عمر. قال: والمشهور من مذهب أحمد أنه لا يطوف حتى يخرج إلى منى، وعرفات، ثم يرجع، ويطوف، كما قال ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وعن أحمد رواية كمذهب ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. انتهى كلام القرطبيّ

(2)

.

وقال النوويّ: هذا الذي قاله ابن عمر هو إثبات طواف القدوم للحاج، وهو مشروع قبل الوقوف بعرفات، وبهذا الذي قاله ابن عمر قال العلماء كافّة، سوى ابن عباس، وكلهم يقولون: إنه سنة، ليس بواجب، إلا بعض أصحابنا، ومن وافقه، فيقولون: واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه سنة، ليس بواجب، ولا دمَ في تركه، فإن وقف بعرفات قبل طواف القدوم فات، فإن طاف بعد ذلك بنية طواف القدوم لم يقع عن طواف القدوم، بل يقع عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف للإفاضة، فإن كان طاف للإفاضة وقع الثاني تطوعًا، لا عن القدوم، ولطواف القدوم أسماء: طواف القدوم،

(1)

- "فتح" 4/ 280 - 281.

(2)

- "المفهم" 3/ 360 - 361.

ص: 215

والقادم، والورود، والوارد، والتحيّة، وليس في العمرة طواف قدوم، بل الطواف الذي يفعله فيها يقع ركنا لها، حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركنًا، ولغت نيته، كما لو كان عليه حجة واجبة، فنوى حجة تطوّع، فإنها تقع واجبة. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من مشروعيّة طواف القدوم للحاج هو الحقّ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم أول ما بدءوا به هو الطواف بالبيت، كما قال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌142 - (طَوَافُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ)

2931 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ، قَدِمَ مُعْتَمِرًا، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي أَهْلَهُ، قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَطَافَ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد ابن منصور الْجَوَّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار.

وقوله: "وقد كان لكم في رسول اللَّه الخ" أراد به أنه لا يأتي أهله، اقتداء به صلى الله عليه وسلم في ذلك، وإتيانًا للنسك على الوجه الذي أتى به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في 50/ 2732. ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم طاف للعمرة، فيجب الاقتداء به في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "شرح مسلم" 8/ 442.

ص: 216

‌143 - (كيفَ يَفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ)

2932 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَا الْحُلَيْفَةِ، صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، فَأَهْلَلْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، وَطُفْنَا، أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَحِلُّوا، فَهَابَ الْقَوْمُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ، لأَحْلَلْتُ» ، فَحَلَّ الْقَوْمُ، حَتَّى حَلُّوا إِلَى النِّسَاءِ، وَلَمْ يَحِلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يُقَصِّرْ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "أحمد بن الأزهر" بن منيع، أبو الأزهر العبد قي النيسابوريّ، فإنه تفرّد به هو وابن ماجه، وهو صدوق يحفظ، ثم كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [11] 66/ 1802.

و"محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ": هو القاضي البصريّ الثقة. و"أشعث": هو ابن عبد الملك الحمرانيّ. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن البصريّ.

وقوله: "فهاب القوم" أي خافوا من إثم التحلّل من إحرامهم.

وقوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت" يعني أن المانع من الإحلال هو سوق الهدي، لا الجمع بين النسكين، وهذا يدلّ على أن القارن كالمتمتّع يشرع له الفسخ، ومثله في هذا الحكم المفرد الذي لم يسق الهدي، وبه يقول الإمام أحمد، وجمهور المحدّثين، وهو المذهب الصحيح، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفًى في باب "إباحة فسخ الحجّ بعمرة لمن لم يسق الهدي" رقم- 77/ 2803 - 2815. فراجعه تستفد.

والحديث صحيح، وقد تقدّم في -25/ 2662 - وتقدم تمام البحث فيه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 217

‌144 - (طَوَافُ الْقَارِنِ)

وفي بعض النسخ: "طواف القران".

2933 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وقد مرّ قبل باب. و"سفيان": هو ابن عيينة.

وقوله: "أن ابن عمر" هكذا في النسخة "الهندية"، وهو الذي في "الكبرى"، وفي النسخ المطبوعة:"عن ابن عمر"، والأُولى أوضح، وللثانية أيضًا وجه، وهو أن يقدّر لفظة "أنه" قبل قوله:"قرن".

وقوله: "طوافًا واحدًا"، أراد بذلك طواف الركن، فلا ينافيه ما ثبت عنه أنه طاف للقدوم، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -53/ 2746 - باب "إذا أهلّ بعمرة، هل يجعل معها حجًّا"، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، وما بقي إلا البحث فيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، فأقول:

[مسألة]: في اختلاف أهل العلم في طواف القارن، وسعيه:

ذهب الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق إلى أن القارن يقتصر على طواف واحد، وسعي واحد. وهو محكيّ عن ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر، وعائشة، وعطاء، وطاوس، والحسن، والزهريّ، ومجاهد.

وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه يجب عليه طوافان، وسعيان، وهو رواية عن أحمد، وبه قال سفيان الثوريّ. وحكي عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، والحسن بن عليّ. قال الحافظ وليّ الدين: ولم يصحّ عنهم.

وبه قال إبراهيم النخعيّ، والأسود بن يزيد، وأبو جعفر الباقر، والشعبيّ، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح بن حيّ.

واحتجّ هؤلاء بما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: "خرج ابن عمر، يُهلّ بعمرة، وهو يتخوّف أيام نجدة أن يُحبس عن البيت، فلما سار أيامًا، قال: ما الحصر في العمرة، والحصر في الحجّ إلا

ص: 218

واحد، فضمّ إليها حجة، فلما قدم طاف طوافين، طوافًا لعمرته، وطوافًا لحجته، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعل".

لكن هذه رواية ضعيفة جدًّا، ومع ذلك فهي شاذّة، قال الدارقطنيّ: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك. وقال البيهقيّ: الحسن بن عمارة أجمع أهل النقل على ترك حديثه؛ لكثرة المناكير في رواياته، وكيف يصحّ هذا عن ابن عمر، وقد ثبت أنه طاف لهما طوافًا واحدًا في هذه السنة، كما سبق. قاله الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

وقال في "الفتح" في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في حجة الوداع، وفيه:"وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا". وحديثِ ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - في حجه عام نزل الحجاج بابن الزبير، أورده البخاريّ من وجهين في كلّ منهما أنه جمع بين الحج والعمرة، أهلّ بالعمرة أولاً، ثم أدخل عليها الحجّ، وطاف لهما طوافًا وحدًا، كما في الطريقة الأولى، وفي الطريقة الثانية:"ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول".

ما نصّه: وفي هذه الرواية رفع احتمالٍ قد يؤخذ من الرواية الأولى أن المراد بقوله: "طوافًا واحدًا" أي طاف لكلّ منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، والحديثان ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد كالمفرد. وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في الرفع، ولفظه: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد، وسعيٌ واحد". وأعله الطحاويّ بأن الدراورديّ أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسّك في تخطئته بما رواه أيوب، والليث، وموسى بن عقبة، وغير واحد، عن نافع نحو سياق ما في الباب، من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك"، لا أنه روى هذا اللفظ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم انتهى.

قال الحافظ: وهو تعليلٌ مردود، فالدراورديّ صدوق، وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين.

واحتجّ الحنفيّة بما روي عن عليٌ رضي الله عنه أنه جمع بين الحجّ والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعل. وطرقه عن عليّ عند عبد الرزاق، والدارقطنيّ، وغيرهما ضعيفة. وكذا أخرج من حديث ابن مسعو رضي الله عنه بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج من حديث ابن عمر بنحو ذلك، وفيه

(1)

- "طرح التثريب" 5/ 162 - 163.

ص: 219

الحسن بن عمارة، وهو متروك، والمخرّج في "الصحيحين"، وفي "السنن" عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد.

وقال البيهقيّ: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين، فيُحمل على طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت. وقال ابن حزم: لا يصحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلاً.

قال الحافظ: لكن روى الطحاويّ، وغيره موقوفًا

(1)

عن عليّ، وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في الباب أصحّ من حديثي ابن عمر، وعائشة المذكورين في هذا الباب. وقد أجاب الطحاويّ عن حديث ابن عمر بأنه اختُلِف عليه في كيفية إحرام النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن الذي يظهر من مجموع الروايات عنه أنه صلى الله عليه وسلم أحرم أولاً بحجة، ثم فسخها، فصيّرها عمرة، ثم تمتّع بها إلى الحجّ. كذا قال الطحاويّ، مع جزمه قبل ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا.

وهب أن ذلك كما قال، فلِمَ لا يكون قول ابن عمر: هكذا فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أي أمر من كان قارنًا أن يقتصر على طواف واحد، وحديث ابن عمر المذكور ناطق بأنه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، فإنه مع قوله: تمتّع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وصف فعل القران، حيث قال: بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، وهذا من صور القران، وغايته أنه سمّاه تمتعًا؛ لأن الإحرام عنده بالعمرة في أشهر الحج كيف كان يسمى تمتعًا.

ثم أجاب عن حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بأنها أرادت بقولها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. يعني الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحجّ، لأن حجهم كانت بمكة، والحجة المكيّة لا يطاف لها إلا بعد عرفة، قال: والمراد بقولها: جمعوا بين الحج والعمرة جمع تمتع، لا جمع قران انتهى.

قال الحافظ: وإني لكثير التعجّب منه في هذا الموضع، كيف ساغ له هذا التأويل، وحديث عائشة مفصلٌ للحالتين، فإنها صرّحت بفعل من تمتع، ثم من قرن، قالت:"فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، ثم حلّوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى"، فهؤلاء أهل التمتع، ثم قالت:"وأما الذين جمعوا الخ"، فهؤلاء أهل القران، وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح، واللَّه المستعان.

وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: "لم يطف النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا". ومن طريق طاوس، عن عائشة:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها: يسعك طوافك لحجك وعمرتك". وهذا صريح في

(1)

- هكذا في بعض نسخ "الفتح"، ووقع في معظمها بلفظ "مرفوعًا"، والظاهر أنه غلط، فليتنبه. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 220

الإجزاء، وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة محرمة به، قال عبد الرزاق، عن سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، قال:"حلف طاوس ما طاف أحدٌ من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لحجه وعمرته إلا طوافًا واحدًا". وهذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف ما روي عن عليّ، وابن مسعود من ذلك، وقد رَوَى آل بيت عليّ عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه أنه كان يحفظ عن عليّ:"للقارن طواف واحد"، خلاف ما يقول أهل العراق، ومما يضعّف ما روي عن عليّ من ذلك أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أُذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحجّ أن يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين"، والذين احتجّوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحجّ، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلّت عليه، وإلا فلا حجة فيها.

وقال ابن المنذر: احتج أبو أيوب

(1)

من طريق النضر

(2)

بأنا أجزنا جميعًا للحجّ والعمرة سفرًا واحدًا، وإحرامًا واحدًا، وتلبية واحدة، فكذلك يجزي عنهما طواف واحد، وسعيٌ واحد؛ لأنهما خالفا في ذلك سائر العبادات. وفي هذا القياس مباحث كثيرة، لا نُطيل بها.

واحتجّ غيره بقوله صلى الله عليه وسلم: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". وهو صحيح، كما سلف، فدلّ على أنها لا تحتاج بعد أن دخلت فيه إلى عمل آخر غير عمله.

والحقّ أن المتبع في ذلك السنة الصحيحة، وهي مستغنية عن غيرها. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- هو كلام نفيسٌ جدًّا.

وحاصله أن ما دلّت عليه السنة الصحيحة، وهو أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، هو الحقّ، ودليله هو السنة الصحيحة الصريحة فيه، ولا حاجة إلى الأدلة العقلية؟ لأن السنة الصحيحة فيها الكفاية؛ إذ هي العمدة البالغة، والحجة الدامغة، وكلّ قياس في مقابلتها فاسد الاعتبار، وللَّه درّ من قال، وأجاد في المقال:

إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا

تجُارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ

غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى

تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ

(1)

- لعل الصواب "واحتج أبو ثور" لأن في هامش بولاق: ما نصّه: في نسخة "أبو ثور".

(2)

- هكذا النسخة "النضر" بالضاد المعجمة، والظاهر أن الصواب "من طريق النظر" بالظاء بدل الضاد. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 221

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2934 -

(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ،، قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، فَسَارَ قَلِيلاً، فَخَشِيَ أَنْ يُصَدَّ عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ، صَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: وَاللَّهِ مَا سَبِيلُ الْحَجِّ، إِلاَّ سَبِيلُ الْعُمْرَةِ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ، مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا، فَسَارَ حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا، فَاشْتَرَى مِنْهَا هَدْيًا، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عليّ بن ميمون الرقيّ" العطار، فقد تفرد به هو، وابن ماجه، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عُيينة.

وقوله: "أن يُصدّ" بالبناء للمفعول، أي يمنع. وقوله:"إن صُددت" بالبناء للمفعول أيضًا. وقوله: "كما صنع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم " أي زمن الحديبية، حيث أحرم بالعمرة، فلما صدّه المشركون نحر هديه، وتحلل منها. وقوله:"ما سبيل الحجّ الخ" أي ليس طريق الحجّ إلا مثل طريق العمرة، يعني أن حكمهما في التحلل بسبب الإحصار واحد. وقوله:"قُديد" -بضم القاف، مصغّرًا- اسم موضع بين مكة والمدينة.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -53/ 2746 - وسبق تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2935 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، أَخْبَرَنِي هَانِئُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير:

1 -

(هانىء بن أيوب) الحنفيّ الكوفيّ، مقبول [6].

روى عن طاوس، والشعبيّ، ومحارب بن دثار. وعنه ابنه أيوب، وابن مهديّ، وحسين الجعفيّ، والوديد بن القاسم الهمدانيّ، وعبيدالله بن موسى. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان عنده أحاديث، وفيه ضعف. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.

والحديث صحيح

(1)

، أخرجه المصنّف هنا -144/ 2935 - وأخرجه (ق) في

(1)

- لا يقال: كيف يصحّ، وفيه هانىء بن أيوب، وفيه ضعف؟ لأنه يشهد له حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور أول الباب، وغيره. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 222

"الحجّ" 2973 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين"14667.

ووجه دلالته على الترجمة أنه ثبت كونه صلى الله عليه وسلم قارنًا، فقول جابر رضي الله عنه هنا:"طاف طوافًا واحدًا" أي لحجه وعمرته، فدلّ على أن القارن عليه طواف واحد، لا طوافان، كما قيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌145 - (ذِكْرُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ)

2936 -

(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(إبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق الْجُوزجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي بالنصب [11] 122/ 174.

2 -

(موسى بن داود) الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الطرسوسيّ، نزيل بغداد، الْخُلْقانيّ، صدوق فقيه زاهد، له أوهام، من صغار [9] 64/ 985.

3 -

(حمّاد بن سَلَمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، من كبار [8] 181/ 288.

4 -

(عطاء بن السائب) بن مالك الثقفيّ الكوفيّ، صدوق اختلط [5] 152/ 243.

5 -

(سعيد بن جُبير) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [3] 28/ 436.

6 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 28/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (2696) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 223

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ") ولفظ الترمذيّ من طريق جرير، عن عطاء بن السائب:"نزل الحجر الأسود من الجنّة، وهو أشدّ بياضًا من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم". قال في "المرقاة": أي صارت ذنوب بني آدم الذين يمسحون الحجر سببًا لسواده، والأظهر حمل الحديث على حقيقته، إذ لا مانع نقلاً، ولا عقلاً. وقال بعض الشرّاح من علمائنا -يعني الحنفية- هذا الحديث يحتمل أن يراد به المبالغة في تعظيم شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف، والكرامة، واليُمْن، والبركة شارك جواهر الجنّة، فكأنه نزل منها، وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد، فتجعل المبيض منه أسود، فكيف بقلوبهم، أو لأنه من حيث إنه مكفّر للخطايا محاءٌ للذنوب، كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه ذو بياض شديد، فسوّدته الخطايا

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله بعض الحنفيّة غير صحيح، فإن النصوص إذا صحتّ، فالواجب حملها على ما يقتضيه ظاهرها، إلا إذا منع منه مانع، وهنا لا يوجد مانع منقول، ولا معقول من إرادة الحقيقة، فيتعيّن الحمل عليها. واللَّه تعالى أعلم.

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: واعترض بعض الملحدين على هذا الحديث، فقال: كيف سوّدته خطايا المشركين، ولم تبيّضه طاعات أهل التوحيد؟.

وأجيب بما قال ابن قُتيبة: لو شاء اللَّه لكان ذلك، وإنما أجرى اللَّه العادة بأن السواد يصبغ، ولا ينصبغ على العكس من البياض. وقال المحبّ الطبريّ: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثّرت في الحجر الصّلْد، فتأثيرها في القلب أشدّ. قال: وروي عن ابن عبّاس: "إنما غيره بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة". فإن ثبت، فهذا هو الجواب. قال الحافظ: أخرجه الحميديّ في "فضائل مكة" بإسناد ضعيف انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

(1)

- "تحفة الأحوذي" 3/ 616 - 617.

(2)

- "فتح" 4/ 261.

ص: 224

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده عطاء بن السائب، وهو ممن اختلط بآخره؟.

[قلت]: إنما صحّ لأنه من رواية حماد بن سلمة عنه، وحماد ممن سمع قبل اختلاطه، كما قاله الحافظ في "الفتح"

(1)

، وأيضا له طريق أخرى عند ابن خزيمة في "صحيحه"

(2)

، فيتقوّى بها.

وفي "صحيح ابن خزيمة" أيضًا عن ابن عباس، مرفوعًا:"إن لهذا الحجر لسانًا، وشفتين، يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحقّ". وصححه أيضًا ابن حبّان

(3)

، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ

(4)

.

والحاصل أن حديث الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 145/ 2936 - وفي "الكبرى" 140/ 3916. وأخرجه (ت) في "الحجّ" 877 (أحمد) في "مسند بني هاشم"2792 و 2527. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌146 - (اسْتِلَامُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ)

2937 -

(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم بِكَ حَفِيًّا).

1 -

(محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة

(1)

- "فتح" 4/ 260 لكن الصحيح أنَّ حماد بن سلمة ممن سمع في الحالتين، فلا تصح روايته، لكن الحديث يتقوى بما عند ابن خزيمة، وغيره فهو صحيح، فتبصر. واللَّه تعالى أعلم.

(2)

- "صحيح ابن خزيمة" 4/ 219 - 220.

(3)

- "صحيح ابن حبان" 9/ 21 رقم 2736.

(4)

- "المستدرك" 1/ 457.

ص: 225

[10]

33/ 37.

2 -

(وكيع) بن الْجَرّاح بن مَليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [9] 23/ 25.

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة الثبت [7] 33/ 37.

4 -

(إبراهيم بن عبد الأعلى) الجعفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [6].

قال أحمد، والنسائيّ، والعجلي: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس، وفي رواية ابن أبي خيثمة: صالح. وقال أبو حاتم: صالح يكتب حديثه. وقال يعقوب بن سفيان: لا باس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن مهديّ، عن إسرائيل: كتب إليّ شعبة: اكتب إليّ بحديث إبراهيم بن عبد الأعلى بخطك، فبعث بها إليه. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

5 -

(سُويد بن غفلة) الجعفيّ، أبو أميّة الكوفيّ المخضرم الحجة، من كبار التابعين، قَدِمَ المدينة يوم دُفن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان مسلما في حياته صلى الله عليه وسلم، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ثمانين، وله مائة، وثلاثون سنة، تقدّمت ترجمته في 63/ 1686.

6 -

(عمر) بن الخطّاب بن نُفيل العدويّ، الخليفة الراشد، أمير المؤمنين رضي الله عنه، استُشهد في ذي الحجة سنة (23)، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، ثم بغداديّ، والصحابيّ، فمدني. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنّة، واشتهر بلقب الفاروق، لقّبه به النبيّ صلى الله عليه وسلم. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) -بفتح الغين المعجمة، والفاء، واللام- (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَبَّلَ الْحَجَرَ) أي الأسود (وَالْتَزَمَهُ) أي عانقه (وَقَالَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم بِكَ) متعلّق بما بعده (حَفِيًّا) الحفيّ فعيل بمعنى فاعل، وهو المعتنى به البارّ، ومنه قوله:{إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم: 47].

ص: 226

يعني أنه صلى الله عليه وسلم كان معتنيًا بشأن الحجر بالتقبيل، والمسح، والكلامُ هان كان خطابًا للحجر، فالمقصود إسماع الحاضرين ليعلموا أن الغرض الاتّباع، لا تعظيم الحجر كما كان عليه عبدة الأثان، فالمطلوب تعظيم أمر الرب، واتباع نبيّه صلى الله عليه وسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 146/ 2937 - وفي "الكبرى" في 142/ 3921. وأخرجه (م) في "الحجّ" 2232. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌147 - (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ)

2938 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَجَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ، جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ، فَقَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُبِّلُكَ، مَا قَبَّلْتُكَ. ثُمَّ دَنَا مِنْهُ، فَقَبَّلَهُ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [10] 2/ 2.

2 -

(عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [8] 8/ 8.

3 -

(جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [8] 2/ 2.

4 -

(الأعمش) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [5] 17/ 18.

5 -

(إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل

ص: 227

كثيرًا [5] 2/ 33.

6 -

(عابس -بموحدة مكسورة- ابن ربيعة) النخعيّ الكوفيّ، ثقة مخضرم [2].

قال الآجريّ، عن أبي داود: جاهليّ سمع من عمر. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: هو من مَذْحِج، وكان ثقة، له أحاديث يسيرة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم 2937 و 4432و 4433.

7 -

(عمر) بن الخطاب رضي الله عنه المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، وعمر رضي الله عنه، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس، ورواية الأوَّلَينِ من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَابسِ بْنِ رَبيعَةَ) النخعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (جًاءَ إِلَى الْحَجَرِ) أي الأسود (فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ) وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "إنك حجر لا تنفع، ولا تضرّ"، أي إلا بإذن اللَّه. وقد روى الحاكم من حديث أبي سعيد أن عمر لَمّا قال هذا، قال له عليّ بن أبي طالب:"إنه يضرّ، وينفع، وذكر أن اللَّه لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رَقّ، وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق، يشهد لمن استلمه بالتوحيد". وفي إسناده أبو هارون العبد، وهو ضعيف جدًّا (وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، ثُمَّ دَنَا مِنْهُ، فَقَبَّلَهُ) قال الطبريّ: إنما قال ذلك عمر رضي الله عنه لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظنّ الجهّال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر أن يعلّم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لا لأن الحجر ينفع، وبضرّ بذاته، كما كانت الجاهليّة تعتقده في الأوثان.

وقال المهلّب: حديث عمر هذا يرد على من قال: إن الحجر يمين اللَّه في الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ اللَّه أن يكون للَّه جارحة، وإنما شرع تقبيله اختيارًا ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصّة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم.

وقال الخطابيّ: معنى أنه يمين اللَّه في الأرض أن من صافحه في الأرض كان له عند

ص: 228

اللَّه عهد، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد مولاته، والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه. وقال المحبّ الطبريّ: معناه: أن كلّ ملك إذا قدم عليه الوافد قبّل يمينه، فلما كان الحاجّ أول ما يقدم يسنّ له تقبيله، نزل منزلة يمين الملك، وللَّه المثل الأعلى. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -147/ 2938 و 148/ 2938 - وفي "الكبرى" 3919و 3920و 3921. وأخرجه (خ) في "الحج" 1597و 1605 (م) في "الحج" 1270و 1271 (د) في "المنا سك" 1873 (ت) في "الحج" 860 (ق) في "المناسك" 2943 (أحمد) في "مسند العشرة" 100و 132 و 177 و 227و255و 276 و 363 و 382 و 383 (الموطأ) في "الحج" 824 (الدارمي) في "المناسك" 1864 و 1865. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ذكره المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في ترجمتي البابين: استحباب استلام الحجر الأسود، واستحباب تقبيله. (ومنها): أن في قول عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا التسليمَ للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهي قاعدة عظيمة في اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يفعله، ولو لم تُعلم الحكمة فيه. (ومنها): أن فيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصّة ترجع إلى ذاته. (ومنها): أن فيه بيان السنن بالقول والفعل. (ومنها): أن على الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر، ويوضّح ذلك. (ومنها): أن فيه كراهة تقبيل ما لم يَرِد الشرع بتقبيله، وأما قول الشافعيّ: ومهما قبّل من البيت، فحسن، فلم يُرد به الاستحباب؛ لأن المباح من جملة الحسن عند الأصوليين. قاله في "الفتح"

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "فتح" 4/ 260 - 261.

ص: 229

‌148 - (كَيْفَ يُقبَّلُ؟)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا الترجمة في "المجتبى"، وهو بالبناء للمفعول. ولفظ "الكبرى":"كم يُقبّله؟ ". وهو المناسب للحديث الذي أورده في الباب، حيث قال:"وإن راَه خاليًا قبّله ثلاثًا". وقال السنديّ: قلت: وكأنه راعى ههنا أنه قبّله إذا رآه خاليًا، فعدّه كيفيّة، ولما كان دلالة الحديث على الكمية ظاهرة، دون الكيفية صار ترجمة الكيفية أوفق بِدَأْ به؛ لأن دأبه -رحمه اللَّه تعالى- التنبيه على الدقائق، فليتأمل. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2939 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ طَاوُسًا، يَمُرُّ بِالرُّكْنِ، فَإِنْ وَجَدَ عَلَيْهِ زِحَامًا مَرَّ، وَلَمْ يُزَاحِمْ، وَإِنْ رَآهُ خَالِيًا، قَبَّلَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ، وَلَا تَضُرُّ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَكَ، مَا قَبَّلْتُكَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان" بن سعيد بن كثير الحمصيّ، ثقة [10] 21/ 535.

و"الوليد": هو ابن مسلم أبو العباس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس، والتسوية [8] 5/ 454.

و"حنظلة": هو ابن أبي سفيان الجمحيّ المكيّ، ثقة حجة [6] 12/ 12.

وقوله: "رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعل مثل ذلك" فيه ما يُشعِرُ بأن قوله: "إنك حجر لا تضر، ولا تنفع" مرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما قاله الحافظ في "الفتح"

(2)

.

والحديث بهذا الإسناد لا يصحّ؛ لأن فيه الوليد، وهو مشهور بتدليس التسوية، وقد تقدّم في الباب كونه متّفقًا عليه بالسياق الماضي، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "شرح السنديّ" 5/ 227 - 228.

(2)

- "فتح" 4/ 260.

ص: 230

‌149 - (كَيفَ يَطُوفُ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، وَعَلَى أَيِّ شِقَّيْهِ يَأْخُذُ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ)

2940 -

(أَخْبَرَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ، فَقَالَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى) الأسديّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [10] 54/ 618.

2 -

(يحيى بن آدم) بن سليمان، الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل، من كبار [9] 92/ 114.

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [7] 33/ 37.

4 -

(جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام [6] 123/ 182.

5 -

(أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقة فاضل [4] 123/ 182.

6 -

(جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَمِيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، والثاني مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 231

شرح الحديث

(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ:"لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَةَ، دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي المسجد الحرام (فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) أي الأسود، وفي رواية مسلم: "فاستلم الركن". والاستلام افتعال من السَّلام -بفتح السين- بمعنى التحيّة، وأهل اليمن يسمّون الركن بالمحيَّا؛ لأن الناس يحيّونه بالاستلام. وقيل: من السِّلَام - بكسر السين- وهي الحجارة، واحدتها سَلِمة -بكسر اللام-، يقال: استلم الحجر: إذا لَثَمه، وتناوله، والمعنى وضع يديه عليه، وقتله (ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ) أي أخذ في الطواف من يمين نفسه، أو يمين البيت، يعني أنه بدأ من يمين البيت، إذ الحجر الأسود في يمينه، فإذا بدأ به، فقد بدأ باليمين، ويمين البيت إنما يظهر للمحاذاة للباب، إذ الباب بمنزلة الوجه، فما كان في يسار المحاذي، فهو يمين البيت على قياس من يُحاذي وجه إنسان، فيسار المحاذي يمين من يحاذيه، والأقرب هو الأول، وهو أن المراد يمين الطائف، قاله السنديّ.

ونقل السيوطيّ، عن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، أنه قال: يجعل الطائف البيت عن يساره، ويبدأ بالحجر الأسود؛ لأن الحجر إذا استقبل البيت من ثنية كدى، من باب بني شيبة يبقى في ركن البيت على يسارك، وهو يمين البيت؛ لأنك إذا قابلت شخصًا، فيمينه يسارك، ويساره يمينك، والذي يلاقيك من البيت هو وجهه؛ لأن فيه بابه، وباب البيت أيَّ بيت كان هو وجه لذلك البيت، والأدب أن لا يؤتى الأفاضل إلا من قبل وجوههم، ولأجل ذلك كان الابتداء بثنيّة كدى. والأصل في كلّ قربة يصحّ فعلها باليمين واليسار أن لا تُفعل إلا باليمين، كالوضوء، وغيره، فإذا ابتدأ بالحجر، وجعل البيت على يساره كان قد ابتدأ باليمين والوجه معًا، فيجمع بين الفاضلين الكريمين، ولو ابتدأ بالحجر، وجعل البيت على يمينه ترك الابتداء بالوجه، ويمينُ البيت جميع الحائط الذي بعد الحائط الذي فيه الباب

(1)

، ويسار البيت الحائط الذي يقابله، ودُبُر البيت الحائط الذي يقابل الحائط الذي فيه الباب انتهى

(2)

.

وفيه استحباب ابتداء الطواف من اليمين (فَرَمَلَ) بفتح الميم، من باب نصر، والرمَلُ -بفتحتين-: إسراع المشي مع تقارب الْخُطَا، وهو الخبب، وهو دون العدو، والوثوب. وفي "المرعاة": أي مشى بسرعة مع تقارب الْخُطَا، وهزّ كتفيه

(1)

- وقع في "شرح السيوطيّ""فيه البيت"، والظاهر أنه تصحيف في "الباب". واللَّه تعالى أعلم.

(2)

- "فتح" 4/ 228 - 230.

ص: 232

(ثَلَاثًا) أي ثلاث مرّات من الأشواط السبعة. زاد في رواية أحمد: "حتى عاد إليه"(وَمَشَى) أي على السكون والهِينَةِ (أَرْبَعًا) أي أربع مرّات من الأشواط السبعة (ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ) أي مقام إبراهيم عليه السلام، وهو موضع قيامه، وهو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، وفيه أثر قدميه (فَقَالَ) أي قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى {وَاتَّخِذُوا} بكسر الخاء على الأمر، أي وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة. ويجوز أن يكون معطوفًا على {واذكروا نعمتي} ، أو على معنى "مثابة".، أي ثُبوا إليه، واتخذوا. والأمر فيه للاستحباب بالاتفاق. وقرأ نافع، وابن عامر {وَاتَّخِذُوا} بلفظ الماضي، عطفًا على {جعلنا} ، أو تقدير "إذ"، أي إذ جعلنا، وإذ اتخذوا

(1)

.

وفيه إشارة إلى أن فعله صلى الله عليه وسلم هذا تفسير لهذه الآية {مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ} هو الحجر الذي فيه أثر قدميه على الأصحّ. وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفةُ، وغيرُها من المناسك؛ لأنه قام فيها، ودعا. وعن النخعيّ: الحرم كله. وكذا رواه الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عباس. قاله في "الفتح"

(2)

(مُصَلّى) بالتنوين، أي موضع صلاة الطواف (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وفي الرواية في -164/ 2964 - :"فقرأ فاتحة الكتاب، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} "(وَالْمَقَامُ بَينَهُ وَبَينَ الْبَيتِ) جملة حالية، أي والحال أن مقام إبراهيم بينه صلى الله عليه وسلم وبين البيت (ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ بَعْدَ الرَّكعَتَينِ، فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) قال النوويّ: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ، وغيره، من العلماء: إنه يستحبّ للطائف طوافَ القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاتِهِ خلف المقام أن يعود إلى الحجر، فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى. واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم انتهى (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) أي إلى جهة الصفا.

والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في 46/ 2712 فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "فتح" 4/ 231.

(2)

- "فتح" 4/ 231 - 232.

ص: 233

‌150 - (كَمْ يَسْعَى؟)

2941 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ،، "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَرْمُلُ الثَّلَاثَ، وَيَمْشِي الأَرْبَعَ، وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد اللَّه: هو ابن عمر العمريّ.

والحديث متّفق عليه، وقد سبق مطولاً في 50/ 2732 - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وموضع الشاهد هنا قوله:"يرمُلُ الثلاث"؛ لأن معناه الإسراع في الأشواط الثلاث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌151 - (كَمْ يَمْشِي؟)

2942 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعًا، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا

غير مرّة. و"يعقوب": هو ابن عبد الرحمن القاريّ المدنيّ، ثم الإسكندرانيّ الثقة.

وقوله: "أول ما يقدم" منصوب على الظرفية، متعلّق بـ"طاف"، و"يقدم" بفتح الدال، من باب تَعِب، أي يدخل المسجد الحرام.

ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، وهو حديث متفق عليه، وقد سبق تمام الكلام فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 234

‌152 - (الْخَبَبُ فِي الثَّلَاَثَةِ مِنَ السِّبْعِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الخبب" بفتحتين: ضرب من الْعَدْو، وهو خَطْوٌ فَسِيحٌ، دون الْعَنَق. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2943 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ، يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "سليمان ابن داود"، أبي الربيع المصريّ ابن أخي رشدين بن سعد، فإنه تفرّد به، هو وأبو داود، وهو ثقة.

و"أحمد بن عمرو": هو ابن السرح، أبو الطاهر المصريّ.

وقوله: "يخُبُّ" بضم الخاء المعجمة، من باب نصر: أي يَعْدُو، ويُسْرع.

والحديث صحيح، سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌153 - (الرَّمَلُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ)

2944 -

(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَخُبُّ فِي طَوَافِهِ، حِينَ يَقْدَمُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثَلَاثًا، وَيَمْشِي أَرْبَعًا، قَالَ: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ ذَلِكَ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة [11] 120/ 166. من أفراد المصنّف.

ص: 235

و"عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الحكم" بن أعين بن ليث، أبو القاسم المصريّ، ثقة [11].

قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال ابن يونس: كان فقيها، والأغلب عليه الحديث، والأخبار، وكان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال القُضاعيّ: كان من أهل الحديث، عالمًا بالتواريخ، صنّف "تاريخ مصر" وغيره. قال أبو الحسن بن قُديد: توفّي في المحرّم سنة (257)، وسنّه نحو السبعين. انفرد به المصنّف، روى عنه في عشرة مواضع برقم 2944 و 3409 و 3913 و3931 و 3932 و4137 و 4498 و 4608 و 4668 و 5092.

و"كثير بن فَرقد": هو المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [7].

والحديث متّفق عليه، وقد سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌154 - (الرَّمَلُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ)

2945 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة.

وقوله: "من الحجر إلى الحجر" أي مبتدأ من الحجر الأسود، ومنهيًا به، يعني في تمام دورة الطواف.

وقوله: "ثلاثة أطواف" منصوب على الظرفية متعلق بـ"رمل"، أو منصوب بنزع الخافض، أي في ثلاثة أشواط.

والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،

ص: 236

وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌155 - (الْعِلَّةُ التِي مِنْ أَجْلِهَا سَعَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْبَيْتِ)

2946 -

(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، وَلَقَوْا مِنْهَا شَرًّا، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عليه الصلاة والسلام عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ مِنَ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ، فَقَالُوا: لَهَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(محمد بن سليمان) بن حبيب الأسديّ، أبو جعفر العلاّف الكوفيّ، ثم المصيصي، الملقّب بلُوين، ثقة [10] 171/ 1140.

2 -

(حماد بن زيد) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [8] 3/ 3.

3 -

) أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [5] 42/ 47.

4 -

(ابن جبير) هو سعيد الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [3] 28/ 436.

5 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وابن جُبير، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (1696) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 237

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، قَالَ الْمُشرِكُونَ: وَهَنَتْهُمْ) بتخفيف الهاء، وتشديدها، ويقال: أوهن بالهمز: أي أضعفهتم (حُمَّى يَثْرِبَ) -بفتح الياء التحتيّة، وسكون الثاء المثلّثة، وكسر الراء، آخره باء موحّدة-، غير منصرف: اسم مدينة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الجاهليّة، نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن تسميتها بذلك، وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام المشركين (وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا، فَأَطْلَعَ) بقطع الهمزة، رباعيًا، أي أعلم (اللَّهُ نَبِيَّهُ عليه الصلاة والسلام عَلَى ذَلِكَ) أي ما تكلّم به المشركون فيما بينهم (فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا) بضم الميم، من باب نصر، وهو في موضع المفعول الثاني لـ"أمر أصحابه"، يقال: أمرته كذا، وأمرته بكذا، يعني أمرهم بأن يسرعوا ما بين الركنين الشامي والعراقيّ (وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكنَيْنِ) أي اليمانين، وعند أبي داود من وجه آخر: "وكانوا إذا تواروا عن قريش بين الركنين مشَوْا،

وإذا طلعوا عليهم رَمَلُوا".

زاد في رواية الشيخين: "ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرمُلُوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم".

وقوله: "الأشواط" بفتح الهمزة، بعدها معجمة، جمع شوط، بفتح، فسكون: وهو الجري مرّة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة. وقوله:"إلا الإبقاء" بكسر الهمزة، وبالموحّدة، والقاف: الرفق، والشفقة، وهو بالرفع على أنه فاعل "لم يمنعه"، ويجوز النصب. قاله في "الفتح"

(1)

.

وفي رواية للبخاريّ من طريق عطاء عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال:"إنما سعى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ ليري المشركين قوّته". وفيه بيان أن علة السعي بين الصفا والمروة هي علة الرمل في الطواف بالبيت.

وروى ابن خزيمة، والفاكهيّ من طريق أبي الطفيل، قال: سألت ابن عباس عن السعي؟ فقال: "لَمّا بعث اللَّه جبريل إلى إبراهيم عليه السلام ليريه المناسك، عرض له الشيطان بين الصفا والمروة، فأمر اللَّه أن يُجيز الوادي، قال ابن عباس: فكانت سنة".

وفي "كتاب الأنبياء" من "صحيح البخاري" أن ابتداء ذلك كان من هاجر. وروى الفاكهيّ بإسناد حسن عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال:"هذا ما أورثتكموه أم إسماعيل".

(1)

- "فتح" 4/ 269.

ص: 238

ولا تخالف بين هذه الروايات، إذ يمكن أن تكون هذه الأشياء سببًا للمشروعية، فكانت أم إسماعيل أقدم، ثم إبراهيم عليه السلام بعد بناء البيت، ثم النبيّ صلى الله عليه وسلم حينما تحدث المشركون بضعفهم، وتأثير الحمى فيهم. واللَّه تعالى أعلم.

(وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم. وفي رواية للبخاريّ:"والمشركون من قبل قُعَيقعان"، والمراد أن من كان هناك، يُشرف على الركنين الشاميين، ومن كان به لا يرى من بين الركنين اليمانيين (فَقَالُوا) أي المشركون لَمّا رأوا رَمَلَ الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - (لَهَؤُلَاءِ) بفتح اللام، وهي لام الابتداء (أَجْلَدُ مِنْ كَذَا) اسم تفضيل من الْجَلَد، وهو القوّة، أي أقوى. قال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام -رحمه اللَّه تعالى-: فكان ذلك ضربًا من الجهاد، قال: وعلّته في حقّنا تذكر نعمة اللَّه تعالى على نبيّه صلى الله عليه وسلم بالعزة بعد الذلة، وبالقوة بعد الضعف، حتى بلغ عسكره صلى الله عليه وسلم سبعين ألفًا انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 155/ 2946 و 176/ 2980 - وفي "الكبرى" 156/ 3942 و 176/ 3973. وأخرجه (خ) في "الحج" 1602 و 1649 و"المغازي" 4256 و 4257 (م) في "الحجّ" 1264و 1266 (د) في "المناسك" 1885 و 1886 و 1889 و1890 (ت) في "الحج" 863 (ق) في "المناسك" 2953 (أحمد) في "مسند بني هاشم" 2305 و 2634 و2781 و 3524. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان العلة التي شرع من أجلها الرمل في الطواف، وهو أن يرى المشركون الذين قالوا: سَيَقْدَم عليكم قوم وهنتهم حمّى يثرب. (ومنها): أن فيه مشروعية إظهار القوّة بالعُدّة، والسلاح، ونحو ذلك للكفّار إرهابًا لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم. (ومنها): جواز المعاريض بالفعل، كما يجوز بالقول، وربّما كانت بالفعل أولى. (ومنها): أن في قوله: "الأشواط" جواز تسمية الطوفة شوطًا. ونُقل عن مجاهد، والشافعيّ كراهة تسميتها شوطًا، أو دورًا، بل تسمّى طوفة، وهذا الحديث ظاهر في أنه لا كراهة في تسميها

ص: 239

شوطًا، فالصحيح أنه لا كراهة في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2947 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ؟ ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِّلُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ عَلَيْهِ، أَوْ غُلِبْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِّلُهُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، سوى:

1 -

(الزبير بن عربيّ) -بفتح الراء، بعدها موحّدة- النَّمَريّ، أبو سلمة البصريّ، ليس به بأس [4].

روى عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وعنه ابنه إسماعيل، وحماد بن زيد، وسعيد بن زيد، ومعمر. قال الأثرم، عن أحمد: أراه لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب فقط.

[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى""الزبير بن عدي" بالدال المهملة بدل الراء، والصواب "عربيّ" بالراء، والموحدة-، راجع "تحفة الأشراف" 5/ 345 - و"تهذيب التهذيب" 1/ 626.

وقال في "الفتح": قال أبو عليّ الجيانيّ: وقع عند الأصيلي، عن أبى أحمد الجرجاني "الزبير بن عدي" -بدال مهملة، بعدها ياء مشددة، وهو وَهَمٌ، وصوابه "عربي" -براء مهملة مفتوحة، بعدها موحدة، ثم ياء مشددة- كذلك رواه سائر الرواة عن الفربري. انتهى. وكأن البخاري استشعر هذا التصحيف، فأشار إلى التحذير منه، فَحَكَى الفربري أنه وجد في كتاب أبي جعفر -يعني محمد بن أبي حاتم، وَرّاق البخاري- قال: قال أبو عبد اللَّه -يعني البخاري-: الزبير بن عربي هذا بصري، والزبير بن عدي كوفي. انتهى. هكذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه، عن الفربري. وعند الترمذيّ من غير رواية الكرخي، عقب هذا الحديث:"الزبير" هذا هو ابن عربي، وأما الزبير بن عدي، فهو كوفي. قال الحافظ: ويؤيده أن في رواية أبي داود "الزبير بن العربيّ" بزيادة ألف ولام، وذلك مما يرفع الاشكال

(1)

. واللَّه تعالى أعلم. و"حماد": هو ابن زيد.

(1)

- راجع "الفتح" 3/ 556 طبعة دار الريان للتراث. وجـ4 ص 277 طبعة دار الفكر.

ص: 240

وقوله: "سأل رجل الخ" السائل هو الزبير بن عربيّ، فقد وقع عند أبي داود الطيالسيّ، عن حماد: "حدثنا الزبير، سألت ابن عمر

".

وقوله: "أرأيت إن زُحمت" أي أخبرني ما أصنع إذا زُحمت، و"زُحمت" بضم الزاي بالبناء للمفعول، بغير إشباع. وفي بعض الروايات بزيادة واو. قاله في "الفتح"

(1)

.

وقوله: "اجعل أرأيت باليمن" قال الحافظ: يشعر بأن الرجل يمانيّ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الإشعار نظر، فقد وقع في رواية أبي داود المذكورة بدل قوله:"اجعل أرأيت باليمن": "اجعل أرأيت عند ذلك الكوكب". فتفطّن. واللَّه تعالى أعلم.

وإنما قال له ابن عمر ذلك؛ لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي، فأنكر عليه ذلك، وأمره إذا سمع الحديث أن يأخذ به، ويتقي الرأي. والظاهر أن ابن عمر لم ير الزحام عذرًا في ترك الاستلام. وقد روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد، قال:"رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى". ومن طريق أخرى، أنه قيل له في ذلك، فقال: هوت الأفئدة إليه، فأريد أن يكون فؤادي معهم. وروى الفاكهيّ، من طرق، عن ابن عباس كراهة المزاحمة، وقال: لا يؤذي، ولا يؤذَى.

[تنبيه]: المستحبّ في التقبيل أن لا يرفع به صوته. وروى الفاكهيّ عن سعيد بن جبير، قال: إذا قبّلت الركن، فلا ترفع بها صوتك، كقبلة النساء. ذكره في "الفتح"

(2)

.

والحديث أخرجه البخاريّ برقم (1611) وقد تقدم تخريجه في - 50/ 2732 - وفيه دلالة على استحباب الجمع بين الاستلام، والتقبيل للحجر الأسود، والاستلام المسح باليد، والتقبيل بالفم.

وهذا بخلاف الركن اليماني، فالمستحبّ فيه الاستلام، دون التقبيل؛ لعدم ثبوت دليل عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "فتح" 4/ 277.

(2)

- "فتح" 4/ 277.

ص: 241

‌156 - (اسْتِلَامُ الرُّكْنَينِ فِي كُلِّ طَوَافٍ)

2948 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوَافٍ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطان. و"ابن أبي روّاد": هو عبد العزيز بن أبي روّاد ميمون، أبو عبد الرحمن المكيّ، صدوق عابد، ربما وهم، ورمي بالإرجاء [7] 93/ 1351.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه في 50/ 2732. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2949 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلاَّ الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل بن مسعود، فإنه من أفراده، وهو ثقة.

و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ.

والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. ودلالته على ما ترجم له غير واضحة، وكان الأولى إيراده تحت الترجمة الآتية بعد باب:"ترك استلام الركنين الآخرين"، كما فعل في "الكبرى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌157 - (مَسْحُ الرُكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الركنان اليمانيّان: هما الركن الأسود، والركن اليماني، وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب، كما قيل في الأب والأمّ الأبوان، وفي الشمس والقمر: القمران، وفي أبي بكر، وعمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: العمران، وفي

ص: 242

الماء والتمر: الأسودان، ونظائره كثيرة.

واليمانيان بتخفيف الياء، هذه اللغة الفصحى المشهورة. وحكى سيبويه، والجوهريّ، وغيرهما فيها لغة أخرى بالتشديد، فمن خفّف قال: هذه نسبة إلى اليمن، فالألف عوض من إحدى ياءي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شدّدناها لكان جمعًا بين العوض والمعوّض، وذلك ممتنع، ومن شدّد قال: الألف في اليماني زائدة، وأصله اليمنيّ، فتبقى الياء مشدّدة، وتكون الألف زائدة، كما زيدت النون في صنعاني، ورقبانيّ، ونظائر ذلك. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم"

(1)

.

و"اليمانيّ" نسبة إلى اليمن الإقليم المعروف، سمي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها. وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والقياس في النسبة إليه يمنيّ بدون ألف، وقد سمع الوجهان، وإذا كان مع الألف ففيه مذهبان:[أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل. ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يثقّل لئلا يُجمع بين العوض، والمعوّض عنه. [والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدال بعد النسبة على جواز حذفها. أفاده الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2950 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ، إِلاَّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد، كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "شرح النووي" 9/ 17.

(2)

- "المصباح المنير" في مادة "يمن".

ص: 243

‌158 - (تَرْكُ اسْتِلَامِ الرُكْنَيْنِ الآخَرَيْنِ)

قال الجامع عفا اللَّه نعالى عنه: (اعلم): أن للبيت أربعة أركان: الركن الأسود، والركن اليماني، ويقال لهما: اليمانيان، كما سبق في الباب الماضي، وأما الركنان الآخران، فيقال لهما: الشاميّان، فالركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما كونه على قواعد إبراهيم عليه السلام، والثانية: كونه فيه الحجر الأسود.

وأما اليمانيّ: ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم عليه السلام، وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خصّ الحجر الأسود بشيئين الاستلام، والتقبيل؛ للفضيلتين، وأما اليمانيّ، فيستلمه، ولا يقبّله؛ لأن فيه فضيلة واحدة.

وأما الركنان الآخران، فلا يقبلان، ولا يستلمان. واللَّه أعلم.

وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين. واستحبّه بعض السلف، وممن كان يقول باستلامهما: الحسن، والحسين ابنا عليّ، وابن الزبير، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وعروة ابن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهم -. قال القاضي أبو الطيّب: أجمعت أئمة الأمصار، والفقهاء على أنهما لا يُستلمان. قال: وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة، والتابعين، وانقرض الخلاف، وأجمعوا على أنهما لا يُستلمان. ذكره النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2951 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَالِكٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ: لاِبْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ لَا تَسْتَلِمُ مِنَ الأَرْكَانِ، إِلاَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ، قَالَ: "لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَسْتَلِمُ إِلاَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ" مُخْتَصَرٌ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و "محمد ابن العلاء": هو أبو كريب، أحد مشياخ الأئمة الستة، من دون واسطة. و "ابن إدريس": هو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المدنيّ

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 17.

ص: 244

الثبت. و"المقبريّ": هو سعيد بن كيسان المدنيّ. و"عبيد بن جُريج": هو التيميّ مولاهم المدنيّ الثقة [3] 95/ 117.

وقوله: "وابنِ جريج، ومالكٍ" بالجر عطفًا على "عبيد اللَّه"، فالثلاثة: عبيد اللَّه، وابن جريج، ومالك يروون عن سعيد المقبريّ، وقد زاد في -56/ 2760 - معهم "ابن إسحاق"، فالأربعة كلهم يروون عن سعيد المقبريّ. فما وقع في نسخ "المجتبى" المطبوعة من ضبطه بالقلم برفع "ابن جريج، ومالك"، فغلطٌ، فليتنبّه له. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "مختصر" خبر لمحذوف، أي هو حديث مختصر من حديث طويل، وقد تقدّم بالرقم المذكور نقله مطولاً عن "صحيح البخاريّ"، فراجعه تستفد.

والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث عنه، وعن تخريجه بالرقم المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2952 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَسْتَلِمُ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْتِ، إِلاَّ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، وَالَّذِي يَلِيهِ، مِنْ نَحْوِ دُورِ الْجُمَحِيِّينَ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة.

وقوله: "من نحو" متعلّق بـ"يليه"، أي يتبعه من ناحية دور الجمحيين.

وقوله: "دور الجُمحيين""الدُّور" بالضمْ: جمع دار، و"الْجُمَحيين" بضم الجيم، وفتح الميم، بعدها حاء مهملة: نسبة إلى بني جمُح، بطن من قريش، وهو جمُح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. قاله في "الأنساب" 2/ 85 - 86 و"اللباب" 1/ 291.

والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق القول فيه مستوفًى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2953 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رضي الله عنه مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ -مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُمَا- الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ، فِي شِدَّةٍ، وَلَا رَخَاءٍ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و "عبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قدامة السرخسيّ. و"يحيى": هو ابن سعيد

ص: 245

القطّان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ.

وقوله: "اليماني، والحجر" بالنصب بدل من قوله: "هذين الركنين". وقوله: "في شدّة، ولا رخاء" متعلق بـ"تركت"، أوبـ"استلام". وأراد بالشدّة، الزحام، أو المرض، وبالرخاء خلافه.

والحديث متّفق عليه، وقد مضى القول فيه مستوفًى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2954 -

(أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ، فِي رَخَاءٍ، وَلَا شِدَّةٍ، مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عمران بن موسى" القزّاز البصريّ، فإنه تفرد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو ثقة.

و"عبد الوارث": هو ابن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ. و"أيوب": هو السختيانيّ.

والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌159 - (استِلَامُ الرُّكْنِ بِالْمِحْجَنِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الاستلام": افتعال من السَّلَام -بالفتح-: وهو التحيّة. قاله الأزهريّ. وقيل: من السِّلَام -بالكسر-: وهو الحجارة.

و"المحجن" بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، بعدها نون: هو عصًا مُنْحَنية الرأس، والْحَجْنُ: الاعوجاِج، وبذلك سمي الْحَجُون. وقال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:"الْمِحْجَن" وزانُ مِقْوَدٍ: خشَبَةٌ في طرفها اعوجاجٌ، مثلُ الصَّوْلَجَان. قال ابن دُرَيد: كلُّ عُود مَعْطوف الرأس، فهو مِحْجَن، والجمعُ الْمَحاجن، والْحَجُون وزانُ رسول: جَبَلٌ مُشرفٌ بمكة. انتهى وقد تقدّم بيان هذا مستوفًى، فلا تنس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2955 -

(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ:

ص: 246

أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، سوى شيخه سليمان بن داود أبي الربيع المصريّ، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة.

و"عبيد اللَّه بن عبد اللَّه": هو الهذليّ المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة.

وقوله: "عن عبيد اللَّه" قال في "الفتح": كذا قال يونس، وخالفه الليث، وأسامة بن زيد، وزمعة بن صالح، فرووه عن الزهريّ، قال: بلغني عن ابن عباس. ولهذه النكتة استظهر البخاريّ بطريق ابن أخي الزهريّ، فقال: تابعه الدراورديّ، عن ابن أخي الزهريّ، وهذه المتابعة أخرجها الإسماعيليّ، عن الحسين بن سفيان، عن محمد بن عباد، عن عبد العزيز الدراورديّ، فذكره، ولم يقل:"في حجة الوداع"، ولا "على بعير" انتهى

(1)

.

وقوله: "يستلم الركن بمحجن" أي يومىء إلى الركن بعصاه حتى يصيبه. وزاد مسلم من حديث أبي الطفيل: "ويقبّل المحجن"، وله من حديث ابن عمر أنه:"استلم الحجر بيده، ثم قبله"، ورفع ذلك، ولسعيد بن المنصور من طريق عطاء، قال:"رأيت أبا سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر، وجابرًا إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم، قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس، أحسبه قال كثيرًا". وبهذا قال الجمهور: إن السنّة أن يستلم الركن، ويقبّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه، واكتفى بذلك. وعن مالك في رواية لا يقبل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية يضع يده على فمه من غير تقبيل. قاله في "الفتح"

(2)

.

والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في "كتاب المساجد" - باب "إدخال البعير المسجد" 21/ 713 - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "فتح" 4/ 273.

(2)

- "فتح" 4/ 273.

ص: 247

‌160 - (الإِشَارَةُ إِلَى الرُّكْنِ)

2956 -

(أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد الوارث": هو ابن سعيد المذكور قبل باب. و"خالد": هو الحذّاء.

وقوله: "أشار إليه" قال ابن التين -رحمه اللَّه تعالى-: تقدّم أنه كان يستلمه بالمحجن، فيدل على قربه من البيت، لكن من طاف راكبًا يستحبّ له أن يبعد، إن خاف أن يؤذي أحدًا، فيحمل فعله صلى الله عليه وسلم على الأمن من ذلك انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريبًا، حيث أمن ذلك، وأن يكون في حال إشارته بعيدًا، حيث خاف ذلك انتهى

(1)

.

والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق الكلام عليه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌161 - (قَوْلُهُ عز وجل: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31])

2957 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، تَقُولُ [من الرجز]:

(1)

- "فتح" 4/ 278.

ص: 248

الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ

وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ

قَالَ: فَنَزَلَتْ: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(محمد بن بشار) العبديّ، أبو بكر بُنْدار البصريّ، ثقة حافظ [10] 24/ 27.

2 -

(محمد) بن جعفر الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ غُندَر، ثقة صحيح الكتاب [9] 21/ 22.

3 -

(شعبة) بن الحجّاج، أبو بِسطام البصريّ الإمام الحافظ الحجة [7] 24/ 27.

4 -

(سلمة) بن كُهيل الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [4] 195/ 312.

5 -

(مسلم البطين) -بفتح الموحّدة، وكسر الطاء المهملة- ابن عمران، أو ابن أبي عمران، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [6] 26/ 915.

6 -

(سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [3] 28/ 436.

7 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 24. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، إلا الصحابيّ رضي الله عنه، فمدنيّ، بصريّ، مكيّ، طائفيّ. (ومنها): أن رواية سلمة عن مسلم البطين من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سلمة من الطبقة الرابعة، ومسلمًا من السادسة، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) أي الكعبة (وَهِيَ عُرْيَانَةٌ) أي والحال أنها متعرّية من اللباس. وفي رواية مسلم عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "كانت امرأة تطوف بالبيت، وهي عريانة، فتقول: من يُعيرني تِطْوافًا، تجعله على فرجها

". و"التطواف" بكسر التاء الفوقية: ثوب تلبسه المرأة، تطوف به

(1)

.

قال القاضي عياض: وهذه المرأة هي ضُبَاعة بنت عامر بن قرط.

(1)

- "شرح مسلم" للنوويّ 18/ 162.

ص: 249

وفي "صحيح مسلم" من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس، والحمس قريش، وما ولدت، كانوا يطوفون عراة، إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات.

وفي غير مسلم: ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يُعيره ثوبًا، ولا يَسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانًا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم يمسّه أحد، وكان ذلك الثوب يسمى اللَّقَى، حتى قال شاعر العرب [من الطويل]:

كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ

لَقى بَيْنَ أَيْدِي الطائِفَينَ حَرِيمُ

فكانوا على تلك الجهالة، والبدعة، والضلالة، حتى بعث اللَّه نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللَّه تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، وأذّن مؤذّن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ألا يطوف بالبيت عريان

(1)

.

وذكر ابن إسحاق أن قريشًا ابتدعت قبل الفيل، أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد، ممن يَقْدَم عليهم من غيرهم أوّل ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانًا، فإن خالف، وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ، ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام، فهدم ذلك كله

(2)

.

(تَقُولُ) أي تنشد تلك المرأة هذا الشعر [من بحر الرجز]:

(الْيَوْمَ) أي يوم الطواف، وهو منصوب على الظرفية متعلّق بقوله (يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ) أي ينكشف كلّ الفرج، أو بعضه، فالضمير يعود للفرج (وَمَا بَدَا مِنْهُ) أي ما ظهر من الفرج (فَلَا أُحِلُّهُ) بضم الهمزة، أي لا أجيز لأحد أن ينظر إليه قصدًا.

وحاصل كلامها: أنها كشفت فرجها لضرورة الطواف، لا لإباحة النظر إليه، والاستمتاع به، فليس لأحد أن يفعل ذلك.

(قَالَ) ابن عباسّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَنَزَلَتْ: {يَا بَنِي آدَمَ} قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ في "تفسيره": هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانًا، فإنه عامّ في كلّ مسجد؛ لأن العبرة للعموم، لا للسبب

(3)

{خُذُوا زِينَتَكُمْ} أي ما يستر عورتكم {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي عند الصلاة، والطواف واللَّه

(1)

- "المفهم" 7/ 346. و"تفسير القرطبيّ" 7/ 189.

(2)

- "فتح" 4/ 287.

(3)

- "الجامع لأحكام القرآن" 7/ 189.

ص: 250

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 161/ 2957 - وفي "الكبرى" 160/ 3947 و"التفسير"11182. وأخرجه (م) في "التفسير" 3028. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الاستدلال بالآية على وجوب ستر العورة في الطواف، وبه قال الجمهور، وهو الحقُّ، وخالف في ذلك الحنفيّة، فقالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط، فمن طاف عريانًا أعاد ما دام بمكة، فإن خرح لزمه دم

(1)

. (ومنها): وجوب ستر العورة في الصلاة، وبه قال الجمهور، وهو الحقُّ، واختلف فيه عن مالك على ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقًا، والسنّة مطلقًا، والفرق بين العمد، والنسيان، فيجب مع العمد، ولا يجب مع النسيان، والعذر. قاله القرطبيّ

(2)

. (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية. (ومنها): بيان ما كانت عليه الجاهليّة من الضلالات، والفسوق، وعدم المبالاة بكشف العورات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2958 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ، فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ، «أَلَا، لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ»).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(أبو داود) سليمان بن سَيْف بن يحيى بن درهم الطائيّ مولاهم، أبو داود الحرّانيّ، ثقة حافظ [11] 103/ 136.

2 -

(يعقوب) بن إبراهيم بن سعد، أبو يوسف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [9] 196/ 314.

(1)

- "فتح" 4/ 287.

(2)

- "المفهم" 7/ 346 - 347.

ص: 251

3 -

(أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكلّم فيه بلا قادح [8] 196/ 314.

4 -

(صالح) بن كَيْسان الغفاريّ، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب أولاد عمر بن عبدالعزيز، ثقة ثبت فقيه [4] 196/ 314.

5 -

(ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة المدنيّ [4] 1/ 1.

6 -

(حُميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، عم أبي إبراهيم بن سعد الراوي عن صالح، ثقة [2] 32/ 725.

7 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فإنه حرّانيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الرابعة، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -،

رأس المكثرين من الرواية، روى (5374) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن حميد بن عبد الرحمن -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَخْبَرَهُ) أي اْخبر حميدًا (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه - (بَعَثَهُ) أي أرسل أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -.

قال الطحاويّ في "مشكل الآثار": هذا مشكلٌ؛ لأن الأخبار في هذه القصَّة تدلّ على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًّا، فأمره أن يؤذّن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة، ومن معه بالتأذين، مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليّ؟.

ثم أجاب بما حاصله: إن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان عليّ هو المأمور بالتأذين، وكأن عليًّا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يُعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة، وغيره ليساعدوه على ذلك. ثم ساق من طريق المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال:"كنت مع عليّ حين بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يَصْحَل صوتي، وكان هو ينادي قبلي حتى يَعْيَى".

ص: 252

فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يُلقيه إليه عليّ مما أُمر بتبليغه. ذكره في "الفتح"

(1)

.

(فِي الْحَجَّةِ) بالفتح المرة من الحجّ، وهو متعلّق بـ"بعثه" (الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم: أي جعله أميرًا (عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وذلك سنة تسع من الهجرة. قال السهيليّ: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين قدم من تبوك أراد الَحجّ، فذكر مخالطة المشركين للناس في حجهم، وتلبيتهم بالشرك، وطوافهم عراة بالبيت، وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما وُلدوا بغير الثياب التي أذنبوا فيها، وظلموا، فأمسك صلى الله عليه وسلم عن الحج في ذلك العام، وبعث أبا بكر رضي الله عنه بسورة براءة؛ لينبذ إلى كلّ ذي عهد من المشركين عهده، إلا بعض بني بكر الذين كان لهم عهد إلى أجل خاصّ

(2)

(فِي رَهْطٍ) بفتح، فسكون: أي في جملة جماعة، والرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهُط، وأرهاط، وأراهط جمعُ الجمع.

قال الحافظ: وقد وقفت ممن سمّي، ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة على أسماء جماعة، منهم سعد بن أبي وقاص، فيما أخرجه الطبريّ، من طريق الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فلما انتهينا إلى ضَجْنَان أتبعه عليًّا. ومنهم جابر، روى الطبريّ من طريق عبد اللَّه بن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه". انتهى

(3)

.

(يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ) من التأذين، أو الإيذان، وهو الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى:{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] أي إعلام. قاله في "الفتح"

(4)

.

وقال العينيّ: والضمير فيه راجع إلى الرهط، باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة على الالتفات. انتهى

(5)

.

(أَلَا) بفتح الهمزة، واللام المخففة، تأتي على أوجه، ولكن هنا للتنبيه، فتدلّ على تحقق ما بعدها (لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ) أي بعد الزمان الذي فيه الإعلام (مُشْرِكٌ) بالرفع فاعل "يحجّنّ"(وَلَا يَطُوفُ) يحتمل أن يكون مرفوعًا، و"لا" نافية، ويجوز أن يقرأ بفتح الطاء، وتشديد الواو، مجزومًا بالعطف على محلّ "يحجنّ"(بِالْبَيْتِ) متعلق بـ"يطوف"

(1)

- "فتح" 9/ 212 - 213.

(2)

- راجع "عمدة القاري" 8/ 112.

(3)

- "فتح" 9/ 212.

(4)

- "فتح" 9/ 212.

(5)

- "عمدة القاري" 8/ 113.

ص: 253

(عُرْيَانٌ) بالرفع على الفاعلية له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 161/ 2958 و 2959 - وفي "الكبرى" 160/ 3948 - 3949. وأخرجه (خ) في "الصلاة" 369 و"الحجّ" 1622 و"الجزية والموادعة" 4656 و 4657 و"المغازي" 4363 و"التفسير" 4655 و 4656 و 4657 (م) في "الحجّ" 1347 (د) في "المناسك" 1946 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 7917 (الدارمي) في "الصلاة" 1430. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب ستر العورة في الطواف. (ومنها): تحريم دخول مكة على المشركين. (ومنها): بيان فضل أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - على بقية الصحابة، حيث قدّمه صلى الله عليه وسلم ليحجّ بالناس في تلك السنة. (ومنها): إبطال ما كان عليه الجاهلية من الضلالات، والجهل، والسفاهة، حيث إنهم كانوا يعتقدون أن كشف العورة أمام بيت اللَّه، وأمام الجمع العظيم قربة مما يقرّبهم إلى اللَّه تعالى، فما أشدّ جهلهم، وما أكثر انحرافهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2959 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْمُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جِئْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ: «مَا كُنْتُمْ تُنَادُونَ؟» ، قَالَ: كُنَّا نُنَادِي «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ، فَأَجَلُهُ -أَوْ أَمَدُهُ- إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتِ الأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ» ، فَكُنْتُ أُنَادِى، حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(عثمان بن عمر) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [9] 151/ 1118.

ص: 254

[تنبيه]: وقع في "تحفة الأشراف" -10/ 318 - : "بشر بن عمر"

(1)

. بدل "عثمان بن عمر"، والذي في نسخ "المجتبى" هنا، ونسخة "الكبرى" هنا، وفي "التفسير" كلها "عثمان بن عمر"، وهذا هو الصواب؛ لأن الطبريّ أخرجه فى "تفسيره" 14/ 105 عن يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن المثنّى، كلاهما عن عثمان بن عمر بسند المصنّف. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه آخر]: وقع في بعض نسخ "المجتبى""عثمان بن عَمْرو" بفتح العين، وسكون الميم، وهو غلط بلا شكّ؛ لأن عثمان بن عمرو بن وسّاج، ضعيف، أخرج له المصنّف في "الكبرى" حديثًا واحدًا في صوم ستة من شوال فقط، راجع "تهذيب الكمال" 19/ 467 - 468، و"تهذيب التهذيب" 3/ 74 - 75. واللَّه تعالى أعلم.

2 -

(المغيرة) بن مقسم الضبّيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ، مدلّس [6] 188/ 301.

3 -

(الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 66/ 82.

4 -

(محرّر) براءين بوزن مُحَمَّد (ابن أبي هريرة) الدوسيّ المدنيّ، مقبول

(2)

[4].

ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: توفي بالمدينة في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان قليل الحديث. انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديث واحد، حديث عمر بن الخطاب:"نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُعزل عن الحرّة إلا بإذنها". والباقون تقدّموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير المحرّر، فتفرّد به المصنّف، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- "بشر بن عمر" بن الحكم الزهرانيّ الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [9] ستأتي ترجمته في "كتاب الفَرَع والعَتِيرة" برقم 6/ 4252 ترقيم أبي غدّة.

(2)

- الظاهر أن المحرر بن أبي هريرة ثقة؛ فقد روى عنه الأكابر، كالزهريّ، والشعبيّ، وعطاء، وغيرهم، فتوثيق ابن حبّان في محله، وقوله في "التقريب": مقبول محلّ نظر. فليتأمل.

ص: 255

شرح الحديث

(عَنِ مُحَرَّر) هكذا في النسخة الهندية بدون "ال"، وفي النسخ المطبوعة:"عن المحرّر" بـ"ال"، وهو جائز، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":

وَبَعْضُ الَآعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا

لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا

كالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ

فَذِكرُ ذا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ

(ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ،) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جِئْتُ) وفي نسخة: "كنت"(مَعَ عَليِّ بْنِ أَيِ طَالِب) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِلَى أَهْلِ مَكةَ) أي في سنة تسع منَ الهجرة، سنة حجّ أبي بكر رضي الله عنه بالناس. فروى الطبريّ من طريق أبي صالح، عن عليّ رضي الله عنه، قال:"بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبا بكر ببراءة إلى أهل مكة، وبعثه على الموسم، ثم بعثني في أثره، فأدركته، فأخذتها منه، فقال أبو بكر: ما لي؟، قال: خيرٌ، أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، غير أنه لا يُبلغ عني غيري، أو رجل مني". ومن طريق عمرو بن عطية، عن أبيه، عن أبي سعيد مثله. ومن طريق العمري، عن نافع، عن ابن عمر كذلك. وروى الترمذيّ من حديث مقسم، عن ابن عباس مثله مطوّلاً. وعند الطبرانيّ من حديث أبي رافع نحوه، لكن قال:"فأتاه جبريل، فقال: إنه لن يؤدّيها عنك إلا أنت، أو رجل منك". وروى الترمذيّ، وحسّنه من حديث أنس، قال:"بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم براءة مع أبي بكر، ثم دعا عليًّا، فأعطاه إياه، وقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي".

قال الحافظ: وهذا يوضح قوله في الحديث الآخر: "لا يبلغ عني"، ويُعرف منه أن المراد خصوص القصّة المذكورة، لا مطلق التبليغ.

وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس رضي الله عنه: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة، قال: لا يبلغها إلا أنا، أورجل من أهل بيتي، فبعث بها مع عليّ". قال الترمذيّ: حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد: "لما نزلت عشر آيات من براءة، بعث بها النبيّ صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني، فقال: أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته، فخذ منه الكتاب، فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول اللَّه، نزل فيّ شيء؟، فقال: لا، إلا أنه لن يؤدّي، أو لكن جبريل قال: لا يؤدّي عنك إلا أنت، أو رجل منك".

قال العماد ابن كثير: ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره، بل المراد رجع من حجته. قال الحافظ: ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة، وأما قوله: "عشر

ص: 256

آيات: فالمراد أولها: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]. انتهى

(1)

.

(بِبَرَاءَةَ) قال في "الفتح": يجوز فيه التنوين بالرفع، على الحكاية، وبالجرّ، ويجوز أن يكون علامة الجرّ فتحة، وهو الثابت في الروايات انتهى.

وفي قوله: "ببراءة" -كما قاله الحافظ- تجوّز؛ لأنه أُمر أن يؤذّن ببضع وثلاثين آية، منتهاها عند قوله تعالى:{وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]، فروى الطبريّ من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قال:"بَعَث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرًا على الحجّ سنة تسع، وبعث عليًّا بثلاثين آية، أو أربعين آية من براءة". وروى الطبريّ من طريق أبي الصهباء، قال: سألت عليًّا عن يوم الحجّ الأكبر؟، فقال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يُقيم للناس الحجّ، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة، فخطب، ثم التفت إليّ، فقال: يا عليّ قم، فأدّ رسالة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقمت، فقرأت بأربعين آية، من أول براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبّع الفساطيط، أقرأها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة". انتهى

(2)

.

(قَالَ) المحرّر لأبيه (مَا كُنْتُمْ تُنَادُونَ؟)"ما" استفهاميّة، وحذف منه صلة "تنادون" أي به، أي أيَّ شيء كنتم تنادون به

(قَالَ) أبو هريرة رضي الله عنه (كُنَّا نُنَادِي إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ) أي فمن أرادها، فليؤمن (وَلَا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) قد تقدّم في الحديث الماضي ما يتعلّق به (وَمَنْ كَانَ بَينَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَهدٌ، فَأَجَلُهُ -أَوْ أمَدُهُ-) شكّ من الراوي (إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُر، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُبر، فَإِن اللَّهَ بَرِئ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ) بالنصب عطفًا على اسم "إن"، ويجوز الرفع عطفًا على محلّ اسمها، أو مبتدءًا خبره محذوف: أي "بريء"، كما قال في "الخلاصة":

وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى

مَنْصُوبِ "إِنَّ" بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا

وظاهر هذه الرواية أن الأربعة الأشهر غاية لمن كان بينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم عهد مؤقّت، لكن المشهور أن هذا لمن لم يكن عنده عهد مؤقّتٌ، وأما من كان له عهد، فأجله إلى انتهاء مدته.

قال الإمام أبو جعفر الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج رواية المصنّف عن يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن عثمان بن عمر بسند المصنف: ما نصّه: وأخشى أن يكون هذا الخبر وهمًا من ناقله في الأجل؛ لأن الأخبار متظاهرة في

(1)

- "فتح" 4/ 213 - 215.

(2)

- "فتح" 9/ 214.

ص: 257

الأجل بخلافه. انتهى

(1)

.

وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" بعد أن أورد الحديث من رواية الإمام أحمد: ما نصّه: وهذا إسناد جيّد، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي: إن من كان له عهد، فأجله إلى أربعة أشهر. وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح أن من كان له عهد، فأجله إلى أمده بالغًا ما بلغ، ولو زاد على أربعة أشهر، ومن ليس له أمد بالكلية، فله تأجيل أربعة أشهر. بقي قسم ثالث، وهو من له أمدٌ يتناهى إلى أقلّ من أربعة أشهر من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته وإن قلّ. ويحتمل أن يقال: إنه يؤجّل إلى أربعة أشهر؛ لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكليّة. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام ابن كثير

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الإمام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- من كون هذه الرواية وهمًا، وقاله الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- من نكارة قول الراوي: إن كان له عهد، فأجله أربعة أشهر، وأن الصحيح أن من كان له عهد، فأجله إلى أمده بالغًا ما بلغ هو الصواب.

فقد أخرج سعيد بن منصور، والترمذيّ، والطبريّ من طريق أبي إسحاق، عن زيد ابن يُثيع، قال:"سألت عليًّا بأي شيء بعثت؟، قال: بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم مع مشرك في الحجّ بعد عامهم هذا، ومن كان له عهد، فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد، فأربعة أشهر".

فهذه الرواية صريحة واضحة في أن كلّ من كان له عهد، فعهده إلى مدّته.

قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" عند قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} الآية [التوبة: 2]: ما نصّه: اختلف المفسّرون ههنا اختلافًا كثيرًا، فقال قائلون هذه الآية لذوي العهود المطلقة، غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقّت، فأجله إلى مدته، مهما كان؛ لقوله تعالى:{فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} الآية [التوبة: 4]، ولما سيأتي في الحديثء وهذا أحسن الأقوال، وأقواها، وقد اختاره ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- انتهى كلام ابن كثير

(3)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي استحسنه ابن كثير، واختاره قبله ابن جرير -رحمهما اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا.

(1)

- "تفسير الطبري" 14/ 105.

(2)

- "البداية والنهاية" 5/ 34.

(3)

- "تفسير ابن كثير" 2/ 344 - 345.

ص: 258

والحاصل أن رواية المصنّف فيها نكارة، وأن الصواب أن من كان بينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم عهد، فأجله إلى مدته بالغًا ما بلغ، ومن لم يكن له عهد، أو كان له إلا أنه أقل من أربعة أشهر، فأجله تمام أربعة أشهر. واللَّه تعالى أعلم.

(وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِكٌ) هو منتزع من قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]، والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام، ولو لم يقصدوا الحجّ، ولكن لما كان الحجّ هو المقصود الأعظم، صرّح لهم بالمنع منه، فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله.

قال الحافظ: وأما ما وقع في حديث جابر رضي الله عنه فيما أخرجه الطبريّ، وإسحاق في "مسنده"، والنسائيّ، والدارميّ، كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان من طريق ابن جريج: حدثني عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالْعَرْج ثوب بالصبح، فسمع رغوة ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإذا عليّ عليها، فقال له: أميرٌ، أو رسولٌ؟، فقال: بل أرسلني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ببراءة، أقرأها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر، فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليّ، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك". فيجمع بأن عليًّا رضي الله عنه قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات، فكان يؤذن بالأمور المذكورة "أن لا يحجّ بعد العام مشرك الخ.

قال أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَكُنْتُ أُنَادِي، حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي) بكسر الحاء المهملة: أي ذهبت حِدّته. قال في "القاموس": صَحِلَ صوته، كفرح، فهو أصحل، وصَحِل: بَحَّ، أو احْتَدَّ في بَحَح، أو الصَّحَلُ محركةً: خشونة في الصدر، وانشقاق في الصوت من غير أن يستقيم انتهى.

والحديث صحيح، أخرجه المصنف هنا161/ 2959 - وفي "الكبرى" 159/ 3949 و"التفسير"11214. وأخرجه أحمد في "باقي مسند المكثرين" 7917. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 259

‌162 - (أَيْنَ يُصَلِّي رَكْعَتَي الطَّوَافِ)

2960 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، حِينَ فَرَغَ مِنْ سُبُعِهِ، جَاءَ حَاشِيَةَ الْمَطَافِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَّافِينَ أَحَدٌ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"يحيى": هو القطّان. و"كثير بن كثير" بن المطلب بن وداعة القرشيّ السهميّ المكيّ، ثقة [6] 9/ 758. و"أبوه": هو كثير بن المطّلب بن أبي وَداعة السهميّ المكيّ، مقبول [3] 9/ 758.

وقوله: "من سبعه" بضمتين: أي سبع الطواف، وهي الطَّوْفَةُ الأخيرة. قاله السنديّ.

ويحتمل أن يكون بفتح، فسكون، والضمير للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أي سبعة أشواطه، وتذكير العدد، وتأنيثه عند حذف التمييز جائز، كما بُيّن في محله من كتب النحو. وقوله:"حاشية المطاف" أي جانب محلّ الطواف.

وقوله: "وليس بينه وبين الطوّافين أحد" فيه أنه لا حاجة إلى اتخاذ السترة في مكة، وبه قال بعض أهل العلم، والصحيح أن الأمر باتخاذها مطلق يعم مكة وغيرها على حدّ سواء، وأما حديث الباب فلا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، كما تقدّم، ولمعارضته الأحاديث الصحيحة الواردة في الأمر باتخاذها مطلقًا، كما سبق تحقيقه في -9/ 758 - فراجعه تستفد.

والحديث ضعيف، للانقطاع، حيث إن كثير بن كثير لم يسمعه من أبيه، بل إنما سمعه عن بعض أهله، عن جدّه، كما تقدم بيانه في "كتاب الصلاة" برقم -9/ 758 - ، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2961 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: -يَعْنِي- ابْنَ عُمَرَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} " [الأحزاب: 21]).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار.

[تنبيه]: هذا السند من رباعيات المصنف، وهو (153) من رباعيّات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 260

والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام شرحه، وتخريجه في - 50/ 2732 - . ورواه في "الكبرى" عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، قال: سألت ابن عمر عن معتمر قدم، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة أياتي أهله؟ قال: "قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

" فذكره. وقوله هنا: "قال: يعني ابن عمر" فاعل "قال" ضمير عمرو، والعناية من سفيان، ويحتمل أن يكون ممن دونه. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث دليل على أن مقام إبراهيم عليه السلام هو موضع صلاة ركعتي الطواف. وفي حديث جابر رضي الله عنه الطويل في صفة حجة الوداع عند مسلم

(1)

: "طاف، ثم تلا: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، فصلّى عند المقام ركعتين". قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه رَكْعَتَا الطواف حيث شاء، إلا شيئًا ذُكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يُعيد. قاله في "الفتح"

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌163 - (الْقَوْلُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ)

2962 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(3)

اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْبَيْتِ سَبْعًا، رَمَلَ مِنْهَا ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ، يُسْمِعُ النَّاسَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَاسْتَلَمَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَقَالَ:«نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ» ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهَا، حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ:«لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ، فَكَبَّرَ اللَّهَ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا، حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَصَعِدَ فِيهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا

(1)

هو الحديث الآتي في الباب التالي.

(2)

- "فتح" 4/ 292 - 293.

(3)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 261

شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ) بن أعين المصريّ، ثقة فقيه [11] 120/ 166.

2 -

(شُعيب) بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة فقيه نبيل، من كبار [10] 120/ 166.

3 -

(الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه حجة [7] 31/ 35.

4 -

(ابن الهاد) هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، ثقة مكثر [5] 73/ 90.

5 -

(جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ المعروف بالصادق، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ فقيه إمام [6] 123/ 182.

6 -

(أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المعروف بالباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقة فاضل [4] 123/ 182.

7 -

(جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن الهاد، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية يزيد عن جعفر من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن يزيد من الطبقة الخامسة، وجعفر من السادسة، وفيه جابر رضي الله عنه من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَن جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْبَيْتِ سَبعًا، رَمَلَ مِنْهَا) أي مشى بسرعة مع تقارب الخطا، وهزّ كتفيه (ثَلَاَثًا) أي ثلاث مرّات من الأشواط السبعة، زاد في رواية لأحمد:"حتى عاد إليه"(وَمَشَى) أي على السكون والهيئة (أَرْبَعًا) وكان صلى الله عليه وسلم مضطبعًا في جميعها، والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن منكشفًا، والأيسر مستورًا.

ص: 262

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات، يسنّ له طواف القدوم، وهو مجمع عليه. وفيه أن الطواف سبعة أشواط. وفيه أن السنة الرمل في الثلاث الأول، ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة انتهى

(1)

.

(ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ) أي مقام إبراهيم عليه السلام (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]) ظاهر هذه الرواية أن قراءته صلى الله عليه وسلم للآية بعد الصلاة، وظاهر الرواية التالية أن قراءته كان قبل الصلاة، وهو ظاهر رواية مسلم. ويمكن أن يُجمَع بينهما بأن المراد بقوله:"فصلى" أي أراد الصلاة، ثم قرأ عند ذلك، فصلّى الركعتين. ويحتمل أنه قرأ الآية مرتين، مرّة قبل الصلاة، إشارة إلى أنَّ فعله هذا تفسير للآية، ومرّة بعد الصلاة، تنبيهًا للناس حتى يمتثلوا الأمر، ويقتدوا به، ويؤيّد هذا قوله:"ورفع صوته يسمع الناس". واللَّه تعالى أعلم.

(وَرَفَعَ صَوْتَهُ، يُسْمِعُ النَّاسَ) جملة في مَحَلّ نصب على الحال: أي حال كونه مسمعًا الناس قراءته (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي عن محلّ صلاته (فَاسْتَلَمَ) أي الحجر الأسود. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ وغيره من العلماء: إنه يستحبّ للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم انتهى

(2)

.

(ثُمَّ ذَهَبَ) وفي رواية: "ثم خرج من الباب إلى الصفا"(فَقَالَ: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ"، فّبَدَأَ بِالصَّفَا) أي لأن اللَّه تعالى بدأ بذكره في كتابه، فالترتيب الذكريّ له اعتبار في الأمور الشرعية، إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية.

قال السنديّ: هذا يفيد أن بداءة اللَّه تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملاً، والظاهر أنه يقتضي ندب البداءة عملاً، لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الوجوب يستفاد من صيغة الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث التالي: "فابدءوا بما بدأ اللَّه به". واللَّه تعالى أعلم.

(فَرَقِيَ) بكسر القاف، من باب تعب: أي صعد (عَلَيْهَا) أي على الصفا، وأنثها باعتبار البقعة، وقد ذكر الفيوميّ أنه يذكر، ويؤنث، باعتبار المكان، والبقعة (حَتَى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ) أي حتى ظهرت له الكعبة. زاد في رواية:"فاستقبل القبلة"(فَقَالَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: "لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ") أي لا معبود بحقّ إلا اللَّه (وَحْدَهُ) حال مؤكدة، أي منفردًا بالألوهية، أو متوحدًا بالذات (لَا

(1)

- "شرح مسلم" 8/ 406.

(2)

- "شرح مسلم" 8/ 407.

ص: 263

شَرِيكَ لَهُ) في الألوهية، فيكون تأكيدًا، أو في الصفات، فيكون تأسيسًا، وهو الأولى (لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْييِ وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ") زاد في رواية مسلم: "أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"(فَكَبَّرَ اللَّهَ) أي قال: اللَّه أكبر (وَحَمِدَهُ) أي قال: الحمد للَّه (ثُمَّ دَعَا بمَا قُدِّرَ لَهُ) ولفظ مسلم: "ثم دعا بين ذلك، فقال: مثل هذا ثلاث مرات". وفيه أنه يقول الَذكر ثلاث مرات، ويدعو بعد كلّ مرّة.

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا أنواع من المناسك: منها أن السعي يشترط فيه أن يبدأ من الصفا، وبه قال الشافعيّ، ومالك، والجمهور. ومنها: أن ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقيّ خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة، ليس بشرط، ولا واجب، فلو تركه صحّ سعيه، لكن فاتته الفضيلة. قال أصحابنا: يستحبّ أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه. ومنها: أنه يسنّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر اللَّه تعالى بهذا الذكر، ويدعو، ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات. هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثًا، والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول. انتهى

(1)

.

(ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا) أي إلى المروة (حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ) ولفظ مسلم: "حتى انصبّت قدماه" أي انحدرتا بسهولة، ومنه:"إذا مشى كأنه ينحطّ في صبب" أي موضع منحدر، وهو مجاز من قولهم: صببت الماء، فانصبّ، أي سكبته، فانسكب (فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ) وفي رواية مسلم:"في بطن الوادي" والمعنى واحد، وأراد بذلك المنخفض من الوادي (فَسَعَى) أي أسرع في المشي مع تقارب خطاه (حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ) أي ارتفعتا عن بطن الوادي، وخرجتا منه إلى الطرف الأعلى (ثُمَّ مَشَى) أي سار على السكون، يعني أنه إذا بلغ المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه.

قال النوويّ: فيه استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. وهذا السعي مستحبّ في كلّ مرّة من المرّات السبع في هذا الموضمع، والمشي مستحبّ فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة. هذا مذهب الشافعيّ، وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذُكر. والثانية تجب عليه إعادته انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشافعيّ، وموافقوه هو الحقّ؛ إذ لا دليل على الوجوب. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- "شرح مسلم" 8/ 408.

ص: 264

(حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَصَعِدَ فِيهَا) بكسر العين، من باب تعب (ثُمَّ بَدَا) أي ظهر (لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلً شَيء قَدِيرٌ"، قَالَ: ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا) أي على المروة (بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ) أي السعي بين الصفا والمروة. ولفظَ مسلم: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة".

قال النوويّ: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يُحسب، مرّة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة. وقال ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر الصيرفيّ من أصحابنا: يحسب الذهاب إلى المروة، والرجوع إلى الصفا مرّة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا. وهذا الحديث يردّ عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان. واللَّه أعلم انتهى

(1)

.

والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام على مسائله في -46/ 2712 - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2963 -

(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، طَافَ سَبْعًا، رَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، فَصَلَّى سَجْدَتَيْنِ، وَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] ، فَابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن جعفر المدنيّ.

والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "شرح مسلم" 8/ 409.

ص: 265

‌164 - (الْقِرَاءَةُ فِي رَكْعَتَي الطَّوَافِ)

2964 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَمَّا انْتَهَى إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، قَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقَرَأَ "فَاتِحَةَ الْكِتَابِ" وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثُمَّ عَادَ إِلَى الرُّكْنِ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وهو ثقة. و"الوليد": هو ابن مسلم الدمشقيّ. و"مالك": هو إمام دار الهجرة.

وقوله: "و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، أي قرأ ها بعد الفاتحة في الركعة الثانية. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌165 - (الشُّرْبُ مِنْ زَمْزَمَ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة - واللَّه تعالى أعلم- الإشارة إلى أن شرب ماء زمزم من سنن الحجّ. وفي "المصنّف" عن طاوس، قال: شرب نبيذ السقاية من تمام الحجّ. وعن عطاء: لقد أدركته، وإن الرجل ليشربه، فتلزق شفتاه من حلاوته. وعن ابن جريج، عن نافع: أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحجّ. فكأنه لم يثبت عنده أن النبيّ صلى الله عليه وسلم شرب منه؛ لأنه كان كثير الاتباع للآثار، أو خشي أن يظنّ الناس أن ذلك من تمام الحج كما نقل عن طاوس

(1)

.

وترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب مما جاء في زمزم"، ثم

(1)

- "فتح" 4/ 299 - 300.

ص: 266

أورد حديث أبي ذرّ رضي الله عنه في غسل صدر النبيّ صلى الله عليه وسلم بماء زمزم، حديث الباب. قال في "الفتح": كأنه لم يثبت عنده في فضلها على شرطه صريحًا. وقد وقع في مسلم من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه: "إنها طعامُ طعم"، زاد الطيالسيّ من الوجه الذي أخرجه منه مسلم:"وشفاء سقم". وفي "المستدرك" من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرب له". ورجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله، ووصله، وإرساله أصحّ، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعيّ، وابن ماجه، وجاله ثقات، إلا عبد اللَّه بن المؤمل المكيّ، فذكر العقيليّ أنه تفرّد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيّات كلاهما عن أبي الزبير، عن جابر. ووقع في "فوائد ابن المقري" من طريق سُويد بن سعيد، عن ابن المبارك، عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر، عن جابر.

وزعم الدمياطيّ أنه على رسم الصحيح، وهو كما قال من حيث الرجال إلا أن سويدًا، وإن أخرج له مسلم، فإنه خلط، وطعنوا فيه، وقد شذّ بإسناده، والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2965 -

(أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

عَاصِمٌ، وَمُغِيرَةُ ح وَأَنْبَأَنَا

(3)

يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(4)

عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَهُوَ قَائِمٌ").

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم الطوسيّ الأصل المعروف بـ"دلويه"، وكان يغضب منه، ولقّبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [10] 101/ 132.

2 -

(يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح الدورقيّ العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [10] 21/ 22.

3 -

(هُشيم) بن بَشير بن القاسم السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [7] 88/ 109.

4 -

(عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [4] 148/ 239.

5 -

(مغيرة) بن مقسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ،

(1)

- "فتح" 4/ 299.

(2)

- وفي نسخة: "ثنا".

(3)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(4)

- وفي نسخة: "ثنا".

ص: 267

يدلس [6] 188/ 301.

6 -

(الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمداني الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [3] 66/ 82.

7 -

(ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) بمنع الصرف للتأنيث، والعلميّة.

قال النووي -رحمه اللَّه تعالى- في "تهذيب الأسماء واللغات": زمزم- زادها اللَّه تعالى شرفًا- بزايين، وفتحهما، وإسكان الميم، بينهما، وهي بئر في المسجد الحرام- زاده اللَّه تعالى شرفًا-، بينها وبين الكعبة- زادها اللَّه تعالى شرفًا- ثمان وثلاثون ذراعًا.

قيل: سميت زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزوم، وزمزام إذا كان كثيرًا. وقيل: لضم هاجر عليها السلام لمائها حين انفجرت، وزمها إياها. وقيل: لزمزمة جبريل عليه السلام، وكلامه عند فجره إياها. وقيل: إنها غير مشتقّة. ولها أسماء أُخر ذكرها الأزرقيّ وغيره: هزمة جبريل -والهزمة الغمزة بالعقب في الأرض- وبَرّة، وشُباعة

(1)

، والمضنونة، وتُكْتَم

(2)

، ويقال لها: طعام طعم، وشفاء سقم، وشراب الأبرار. وجاء في الحديث:"ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم". وجاء: "ماء زمزم لما شرب له

(3)

". ومعناه من شربه لحاجة نالها، وقد جرّبه العلماء، والصالحون لحاجات أخروية، ودنيوية، فنالوها بحمد اللَّه تعالى وفضله. وفي "الصحيح" عن أبي ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه أنه أقام شهرًا بمكة لا قوت له إلا ماء زمزم. وفضائلها أكثر من أن تحصر. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- في "القاموس": و"شُباعة" - أي بالضم- كقدامة: اسم زمزم. أهـ.

(2)

- في "القاموس": "تُكْتَم" بصيغة الفعل البنيّ للمفعول: اسم بئر زمزم. انتهى بتصرف.

(3)

- حديث صحيح.

ص: 268

وروى الأزرقيّ عن العباس بن عبد المطّلب - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية، حتى إن كان أهل العيال يفدون بعيالهم، فيشربون، فيكون صبوحًا لهم، وقد كنا نعدّها عونًا على العيال. قال العباس: وكانت زمزم في الجاهلية تسمى شُبَاعة.

وفي غريب الحديث لابن قُتيبة عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "خير بئر في الأرض زمزم، وشر بئر في الأرض برهوت". قال ابن قُتيبة: برهوت بئر بحضرموت، يقال: إن أرواح الكفّار فيها، وذكر له دلائل.

قال الأزرقيّ: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعًا، كلّ ذلك بنيان، وما بقي فهو جبل منقور، وهي تسعة وعشرون ذراعًا، وذَرْعُ تدويرِ فم زمزم أحد وعشرون ذراعًا، وسعة فم زمزم ثلاث أذرع وثلثا ذراع، وعلى البئر مكبس ساج مربع، فيه اثنتا بكرة يستقى عليها. وأول من عمل الرخام على زمزم، وعلى الشباك، وفرش أرضها بالرخام أبو جعفر أمير المؤمنين في خلافته، قال الأزرقيّ: ولم تزل السقاية بيد عبد مناف، فكان يستقي الماء من بئر كرادم، وبئر خم على الإبل في المزاد، والقِرَب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أدم بفناء الكعبة، فيرده الحاج، حتى يتفرّقوا، وكان يستعذب لذلك الماء، ثم وليها من بعده ابنه هاشم بن عبد مناف، ولم يزل يسقي الحاجّ حتى توفّي، فقام بأمر السياقة من بعده ابنه عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل كذلك حتى حفر بئر زمزم، فعفت على آبار مكة كلها، فكان منها يشرب الحاجّ، وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة، فإذا كان الموسم جمعها، ثم يسقي من لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب، فينبذه بماء زمزم، وكانت إذ ذاك غليظة جدًّا، وكان للناس أسقية كثيرة، يستقون منها الماء، ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر؛ لكثر غلظ الماء، وكان الماء العذب بمكة عزيزًا، لا يوجد إلا لإنسان يُستعذب له من بئر ميمون، وخارج من مكة

(1)

، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده ابنه العباس بن عبد المطلب، فلم تزل في يده، وكان للعباس كَرْمٌ بالطائف، فكان يحمل زبيبه، وكان يداين أهل الطائف، ويقتضي منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله، ويسقيه الحاجّ في أيام الموسم، حتى مضت الجاهلية، وصدر من الإسلام، ثم أقرها النبيّ صلى الله عليه وسلم في يد العباس يوم الفتح، ثم لم تزل في يد العباس حتى توفي، فوليها بعده ابنه عبد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فكان يفعل ذلك كفعله، ولا

(1)

- هكذا نسخة "التهذيب""وخارج من مكة"، ولعله "من خارج مكة"، فليحرر الصواب. واللَّه أعلم.

ص: 269

ينازعه فيها منازع حتى توفّي، فكانت بيد ابنه عليّ بن عبد اللَّه يفعل كفعل أبيه، وجده، يأتيه الزبيب من الطائف، فينبذه حتى توفي، ثم كانت بيده إلى الآن. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

(وَهُوَ قَائِمٌ) فيه بيان جواز الشرب قائمًا، وقد تقدّم اختلاف أهل العلم في حكم الشرب قائمًا في أبواب الطهارة - "باب الانتفاع بفضل الوضوء" -103/ 136 فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 165/ 2965 و 166/ 2966 - وفى "الكبرى" 165/ 3956 و 3957. وأخرجه (خ) في "الحج" 1637 و"الأشربة" 5617 (م) في "الأشربة" 2027 (ت) في "الأشربة" 1882 (ق) في "الأشربة" 3422 (أحمد) في "مسند بني هاشم" 1841 و 1906و 3176 و 3487 و 5317. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن من السنة للحاجّ أن يشرب من ماء زمزم. (ومنها): بيان فضل ماء زمزم، حيث اعتنى النبيّ صلى الله عليه وسلم بشربها، وحث على شربها، حيث قال:"ماء زمزم لما شُرب له"، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه. (ومنها): بيان جواز الشرب من زمزم قائمًا، وقد سبق تحقيق الخلاف فيه في "أبواب الطهارة" 103/ 136. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 138 - 140.

ص: 270

‌166 - (الشُّرْبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَائِمًا)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جمع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" بين

حديثي البابين تحت هذه الترجمة، وهو الأولى؛ اختصارًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2966 -

(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول البصريّ.

والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌167 - (ذِكْرُ خُرُوجِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يُخرج منه" بالبناء للمفعول، والضمير المجرور للباب، أي يخرج الناس من ذلك الباب إلى الصفا، وفي "الكبرى":"إليه" بدل "منه"، فيكون الضمير للصفا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2967 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، مِنَ الْبَابِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ

(2)

، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: سُنَّةٌ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- وفي "الكبرى": "إليه" بدل "منه".

ص: 271

غير مرة. و"محمد": هو ابن جعفر غندر.

وقوله: "الذي يُخرج منه" ببناء الفعل للمفعول، أي الباب الذي عُهد خروجُ الناس منه. وقوله:"قال شعبة الخ" أراد به أن شعبة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر بلفظ: "لما قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مكة

" الحديث، ورواه عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر بلفظ: "أنه قال: سنة"، وليس بين السياقين تخالف، بل السياق الأول تفسير، وتوضيح للسياق الثاني. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث متفق عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وتخريجه في - 50/ 2732 - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌168 - (ذِكْرُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الصفا"، و"المروة" جبلا السعي اللذان يُسعى من أحدهما إلى الآخر. و"الصفا" في الأصل، جمع صفاة، وهي الصخرة، والحجر الأملس.

و"المروة" في الأصل حجر أبيض برّاق. وقيل: هي الحجارة التي تُقدح منها النار

(1)

.

وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس، وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضًا، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف. وذكّر الصفا لأن آدم عليه السلام وقف عليه، فسمي به. ووقفت حوّاء على المروة، فسميت باسم المرأة، فأنث لذلك. وقال الشعبيّ: كان على الصفا صنم يسمى إسافًا، وعلى المروة صنم يدعى نائلة، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث، وقدم المذكر. وهذا حسن؛ لأن الأحاديث المذكورة تدلّ على هذا المعنى، وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا؛ حتى رفع اللَّه الحرج في ذلك. وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما اللَّه حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة؛ ليُعتبر بهما؛ فلما طالت المدة عُبدا من دون اللَّه.

والصفا مقصور: جمع صفاة، وهي الحجارة الْمُلْسُ. وقيل: الصفا اسم مفرد، وجمعه صُفِي-بضم الصاد-، وأصفاء، على مثل أرحاء. قال الراجز:

(1)

- "طرح التثريب" 5/ 104.

ص: 272

كَأَنَّ مَتْنَيهِ مِنَ النَّفِيِّ

مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ

وقيل: من شروط الصفا البياض، والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو: أي خَلَص من التراب والطين.

والمروة: واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقد قيل: إنها الصلاب، والصحيح أن المرو الحجارة صليبها، ورخوها الذي يتشظّى، وترقّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر [من الرمل]:

وَتَوَلَّى الأَرْضَ خُفَّا ذَابِلاً

فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ

وقال أبو ذُؤيب [من الكامل]:

حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ

بِصَفَا الْمُشَقِّرِ

(1)

كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ

وقد قيل: إنها الحجارة السُّودُ. وقيل: حجارة بيضٌ برّاقة تكون فيها النار. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2968 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] ، قُلْتُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتْ: بِئْسَمَا قُلْتَ: إِنَّمَا كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآيَةَ [البقرة: 158] ، فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَطُفْنَا مَعَهُ، فَكَانَتْ سُنَّةً).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الْخُزَاعيّ الجوّاز المكيّ، ثقة [10] 20/ 21.

2 -

(سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم، أبو محمد المكيّ الإمام الثقة الثبت الحجة [8] 1/ 1.

3 -

(الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحافظ الثبت الحجة [4] 1/ 1.

5 -

(عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 40/ 44.

6 -

(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

(1)

- حصن بالبحرين عظيم لعبد القيس.

(2)

- "تفسير القرطبيّ" 2/ 179 - 180.

ص: 273

رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وسفيان، فمكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن عروة من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير، أنه (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى - عنها، وهي خالته، وقوله ({فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]) مفعول قرأت؛ لقصد لفظه، أي قرأت عليها قوله تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} الآية [البقرة: 158](قُلْتُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا) أي لا أهتمّ، ولا أكترث في عدم الطواف بين الصفا والمروة؛ لأن اللَّه تعالى قال:{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (فَقَالَتْ) عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (بئْسَمَا قُلْتَ) أي بئس القول قولك هذا؛ حيث لم تفهم مدلول الآية، واحتججت بها على ما لا تكون دليلا عليه، وخالفت سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الطواف بهما.

زاد في الرواية التالية: "يا ابن أختي إن هذه الآية، لو كانت كما أولتها، كانت: فلا حناح عليه أن لا يطّوّف بهما".

ومحصل كلام عروة -رحمه اللَّه تعالى- أنه احتجّ للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحبّ بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك.

وحاصل جواب عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرّحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهّموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمرّ في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم، وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر. ولا مانع أن يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة، فيقال له: لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفي الإثم عن التارك.

وقد وقع في بعض الشواذّ باللفظ الذي قالت عائشة أنها لو كانت للإباحة لكانت كذلك. حكاه الطبريّ، وابن أبي داود في "المصاحف"، وابن المنذر، وغيرهم عن أبيّ ابن كعب، وابن مسعود، وابن عباس. وأجاب الطبريّ بأنها محمولة على القراءة

ص: 274

المشهورة. وقال الطحاويّ أيضًا: لا حجة لمن قال: إن السعي مستحبّ بقوله: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} [البقرة: 158]؛ لأنه راجع إلى أصل الحجّ والعمرة، لا إلى خصوص السعي؛ لإجماع المسلمين على أن التطوّع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. واللَّه أعلم. قاله في "الفتح"

(1)

.

(إِنَّمَا كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) سيأتي في الرواية التالية أنهم الأنصار قبل أن يسلموا، كانوا يهلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند الْمُشَلْل (لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا) لأنهم يتحرجون عن الطواف لغير آلهتم (فَلَمَّا كَانَ) أي جاء، فـ"كان" تامّة، وقوله (الْإسْلَامُ) فاعلها (وَنَزَلَ الْقُرْآنُ) أي جوابًا عن سؤالهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، حيث قالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نتحرّج أن نطوف بين الصفا والمروة؟، فأنزل اللَّه تعالى الآية المذكورة وقوله ({إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} بدل من "القرآن؛ لقصد لفظه. وقوله {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}) أي من معالم دينه، ومواضع عباداته. قال الأزهريّ: الشعائر: المعالم التي ندب اللَّه إليها، وأمر بالقيام عليها. وقال في "النهاية": شعائر الحج آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة. وقيل: هو كلّ ما كان من أعماله، كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك. وقال في "الصحاح": الشعائر أعمال الحجّ، وكل ما جعل علمًا لطاعة اللَّه. قال الأصمعيّ: الواحدة شعيرة، قال: وقال بعضهم: شعارة، والمشاعر مواضع النسك

(2)

.

وقال الحافظ، ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: قد بين اللَّه تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر اللَّه، أي مما شرع اللَّه تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد ثبت في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم عليه السلام هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من اللَّه عز وجل، فدم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة متذلّلة خائفة وجلة مضطربة فقيرة إلى اللَّه عز وجل حتى كشف اللَّه كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها "طعام طعم، وشفاء سقم"، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذُلّه، وحاجته إلى اللَّه في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجىء إلى اللَّه عز وجل لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبّته عليه إلى مماته، وأن

(1)

- "فتح" 4/ 306.

(2)

- "طرح التثريب" 5/ 104.

ص: 275

يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر عليها السلام انتهى

(1)

.

وقوله (الْآيَةَ) يجوز رفعه، ونصبه، وجرّه، فالرفع على أنه مبتدأ، حذف خبره، أي الآية مقروءة إلى آخرها، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي اقرإ الآية بتمامها، والجرّ -وهو قليل- على أنه مجرور بحرف مقدّر، أي اقرأ إلى آخر الآية.

(فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَطُفْنَا مَعَهُ، فَكَانَتْ سُنَّةً) أي كان الطواف بينهما سنة، والتأنيث باعتبار الخبر، وأرادت بذلك ثبوته بالسنة، وأنه مطلوب في الشرع، فليس مما لا مبالاة بتركه، كما بينته في الرواية التالية، حيث قالت:"ثم قد سنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما".

والحاصل أنها أرادت بالسنة الفرض، أي هي فرض من فرائض الحج، وليس المراد السنة التي هي خلاف الفرض، بدديل قولها:"فليس لأحد الخ"، وقولها:"لم يتم اللَّه حجّ أحدكم، ولا عمرته ما لم يطف بينهما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -168/ 2968 و 2969 - وفي "الكبرى" 166/ 3960 و3961. وأخرجه (خ) في "الحج" 1643 و1790 و"التفسير" 4495و 4861 (م) في "الحج" 1277 (د) في "المناسك" 1901 (ت) في "التفسير" 2965 (ق) في "المناسك" 2986 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 24588و 24770و25377 (الموطأ) في "الحج" 838. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة:

اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب:

(المذهب الأول): أنه ركن في الحجّ، لا يصحّ إلا به، وكذلك في العمرة، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه. وحكاه النوويّ عن جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن

(1)

- "تفسير ابن كثير" 1/ 205.

ص: 276

عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وعن مجاهد، وابراهيم النخعيّ أنهما قالا: إذا نسي الطواف بين الصفا والمروة، وهو حاج، فعليه الحجّ، فإن كان معتمرًا، فعليه العمرة، ولا يجزيه إلا الطواف بينهما. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وأبي ثور. وبه قال ابن حزم.

واستدل هؤلاء على الوجوب بأمور:

(أحدها): ما رواه الشافعيّ، وأحمد في "مسنده"، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم من رواية صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني ابنة أبي تَجْرَاة

(1)

، أنها سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقد استقبل الناس في المسعى، وقال:"يا أيها الناس، اسعَوْا، فإن السعي قد كُتب عليكم"

(2)

.

قال الحافظ وليّ الدين: وذكر النوويّ في "شرح المهذب" في أول كلامه الطريقَ الأول، وقال: ليس بقويّ، واسناده ضعيف، قال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": فيه اضطراب. ثم ذكر الطريق الثاني في آخر كلامه، وقال: إسناده حسن. فعدّ ذلك شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ في "المهمات" تناقضًا، وقال: اختلف فيه كلام النوويّ. وجوابه أن ذلك باعتبار طريقين، فإن في الأول عبد اللَّه بن المؤمّل، وليس في الثاني، فلذلك ضعّف الأول، وحسّن الثاني. قال ابن المنذر في "الإشراف": إن ثبت حديث بنت أبي تجراة وجب فرض السعي، وإن لم يثبت فلا أعلم دلالة توجبه، والذي رواه عبد اللَّه بن المؤمّل، وقد تكلّموا في حديثه انتهى. وقد أشار الإسنويّ في بقية كلامه لذلك، فقال: وحسّنه أيضًا الشيخ زكيّ الدين في كلامه على أحاديث "المهذّب"، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين انتهى. ومع ذلك ففي جعلهما طريقين، وتضعيف الأول، وتحسين الثاني نظر، فهو حديث واحد مداره على صفية بنت شيبة

(1)

-بكسر المثناة، وسكون الجيم، بعدها راء، ثم ألف، ساكنة، ثم هاء، وهي حبيبة بنت تجراة، وهي إحدى نساء بني عبد الدار. اهـ "فتح" 4/ 305.

(2)

- ونصّه في "مسنده": 26821 حدثنا يونس، قال: حدثنا عبد اللَّه بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عطاء، عن حبيبة بنت أبي تِجْراة، قالت: دخلنا دار أبي حسين، في نسوة من قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم، يطوف بين الصفا والمروة، قالت: وهو يسعى يدور به إزاره، من شدة السعي، وهو يقول لأصحابه:"اسعوا، فان اللَّه كتب عليكم السعي".

26822 -

حدثنا سريج، قال: حدثنا عبد اللَّه بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، عن عطاء ابن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره، وهو يقول:"اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي"*

ص: 277

وقع الاختلاف فيه، وقد سلك ذلك البيهقيّ وغيره، وتقدّم قول ابن عبد البرّ: إن فيه اضطرابًا، لكنه قال في "الاستذكار": اضطرب فيه غير الشافعيّ، وأبي نعيم الفضل بن دكين على عبد اللَّه بن المؤمل، وجوّدوا إسناده ومعناه، وقد رواه مع ابن المؤمّل غيره، وابن المؤمّل لم يطعن عليه أحد إلا من سوء حفظه، ولم يخالفه فيه غيره، فيتبيّنَ فيه سوء حفظه.

وقال الحافظ في "الفتح": قلت: له طريق أخرى في "صحيح ابن خزيمة" مختصرة.

وعند الطبرانيّ عن ابن عباس كالأولى، واذا انضمّت إلى الأولى قويت، واختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الطبرانيّ عنها:"أخبرتني نسوة من بني عبد الدار"، فلا يضرّ الاختلاف. انتهى

(1)

.

قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا عندنا -واللَّه أعلم- على إيجاب السعي بين الصفا والمروة من قبل أن هذا الحديث لا يحتمل إلا السعي بينهما، أو السعي في بطن الوادي، فإذا وجب السعي في بطن الوادي، وهو بعض العمل وجب في كلّه. انتهى.

(الثاني): استدلّ البيهقيّ على ذلك بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، وقولها فيه:"ثم قد سن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما". وبقولها أيضًا في "صحيح مسلم": "ولعمري ما أتمّ اللَّه حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة".

(الثالث): استدلّ البيهقيّ، وابن عبد البرّ، والنوويّ، وغيرهم على ذلك أيضًا بكونه صلى الله عليه وسلم كان يسعى بينهما في حجه، وعمرته، وقال:"خذوا عني مناسككم".

(الرابع): استدلّ البيهقيّ على ذلك أيضًا بما في "صحيح البخاري" عن عمرو بن دينار، قال: سألنا ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عن رجل قدم بعمرة، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بالصفا والمروة سبعًا، وقال:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. وقال عمرو: سألنا جابرًا؟ فقال: لا يقربها حتى يطوف بين الصفا والمروة.

(الخامس): استدلّ ابن حزم على ذلك بما في "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه، قال: قدمت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو مُنيخٌ بالبطحاء، فقال:

(1)

- "فتح" 4/ 305 - 306.

ص: 278

"أحججت؟، فقلت: نعم، فقال: "بم أهللت؟ "، فقلت: لبيك بإهلال، كإهلال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: "قد أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة، وأحلّ". قال ابن حزم: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضًا انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الدليل الذي استدلّ به ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- أقوى دليل للمسألة، فلو لم يكن من الأدلة غيره، مع قوله صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم" لكفى في وجوب السعي بين الصفا والمروة، فكيف، وقد انضمّ إليه ما تقدم من الأدلة التي ذكرت قبله. واللَّه تعالى أعلم.

(المذهب الثاني): أنه واجب، ويجبر تركه بالدم، ويصحّ الحجّ بدونه. وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وذكر النوويّ أنه الأصحّ عنه. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن الحسن البصريّ، وعطاء بن أبي رباح. وحكاه ابن المنذر عن قتادة، وسفيان الثوريّ. وحكى ابن عبد البرّ عن الثوريّ أنه إن نسيه حتى رجع إلى بلده أجزأه دم. وعن أبي حنيفة، وصاحبيه إن تركه عمدًا، أو نسيانًا، فعليه دم. وذكر صاحب "الهداية" من الحنفيّة أن قوله تعالى:{لا جناح} يستعمل مثله للإباحة، فينفي الركنيّة، والإيجاب، ولأن الركنيّة لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولم يوجد. ثم معنى ما روي كتب استحبابًا، كما في قوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الآية [البقرة: 180]. انتهى.

قال الحافظ وليّ الدين: [فإن قلت]: قد قال أوّلاً بالوجوب، فكيف قال آخرًا بالاستحباب؟ [قلت]: لم يقل آخرًا بالاستحباب، وإنما قال: إن مثل هذه الصيغة، وهي "كُتب" تستعمل في الاستحباب، كما في الآية التي استشهد بها، ثم هو منازع فيما ذكره في هذه الآية، بل هي على بابها من الوجوب، وكانت قبل نزول آية المواريث، ثم نسخت بها، كما هو مقرر في التفسير. واللَّه أعلم انتهى.

(المذهب الثالث): أنه سنة، ليس بركن، ولا واجب، وهو رواية عن أحمد. ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه قال: إن شاء سعى، وإن شاء لم يسع. وعن عطاء أنه كان لا يرى على من لم يسع شيئًا، قيل له: قد ترك شيئًا من سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: ليس عليه، وكان يفتي في العلانية بدم. وقال ابن المنذر: كان أنس بن مالك، وعبد اللَّه بن الزبير، وابن سيرين رضي الله عنهم يقولون: هو تطوع. وقد روينا أن في مصحف أُبيّ بن كعب، وابن مسعود:"فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما".

وحكى ابن حزم أن ابن عباس كان يقرأ: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"، ثم قال: هذا قول من ابن عباس، لا إدخال منه في القرآن، ثم حكى ابن حزم هذه القراءة عن

ص: 279

أنس، قال: وهو قول عطاء، ومجاهد، وميمون بن مهران. وروى البيهقيّ في "المعرفة" هذه القراءة عن ابن عباس، وأنه قال: فنسختها هذه الآية: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130]، فلما نزلت طافوا بين الصفا والمروة. قال البيهقيّ: وهذه الرواية إن صحّت تدلّ على أن الأمر فيه صار إلى الوجوب.

(المذهب الرابع): أن على من ترك السعي أن يأتي بعمرة. رواه ابن أبي شيبة عن طاوس، وحكاه عنه ابن المنذر.

(المذهب الخامس): أنه إن ترك من السعي أربعة أشواط، فعليه دم، وإن ترك دونها لزم لكلّ شوط نصف صاع. حكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وحكاه الدارميّ من الشافعيّة عن أبي حنيفة، قال: وحكى ابن القطّان عن أبي عليّ قولاً كمذهب أبي حنيفة. قال النوويّ في "شرح المهذب": وهذا القول شاذّ غلطٌ.

وقال ابن المنذر: واختُلف عن عطاء، فروي عنه أنه لا شيء على من تركه. وروي عنه أنه قال: عليه دم. وروي عنه أنه قال: يطعم مساكين، أو يذبح شاة يطعمها المساكين انتهى. وهذه الرواية الأخير عن عطاء قول سادس.

واعلم أن ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ" حكى إجماع الأمة على أن السعي ركن في العمرة، وجعل الخلاف في الحجّ فقط.

قال الحافظ وليّ الدين: ولم أر لغيره تعرّضًا لذلك، ويخالفه صريحًا كلام ابن حزم، فإنه حكى الخلاف في العمرة، وحكي عن ابن عباس أنه قال: العمرة الطواف بالبيت، وكذلك ابن عبد البرّ حكى الخلاف عن أبي حنيفة، وصاحبيه في الحجّ والعمرة. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي المذهب الأول، وهو مذهب الجمهور، وهو أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحجّ والعمرة؛ لقوة أدلّته، كما أسلفتُ بيانها قريبًا.

والحاصل أن القول بركنيّة السعي هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وليس لمخالفيه دليلٌ يُعتمد عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2969 -

(أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل:{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ، أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَمَا قُلْتَ: يَا

(1)

- "طرح التثريب" 5/ 106 - 108.

ص: 280

ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَوْ كَانَتَ كَمَا أَوَّلْتَهَا، كَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، وَكَانَ مَنْ أَهَلَّ لَهَا، يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ، ثُمَّ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان": هو أبو حفص الحمصيّ، صدوق [10] 21/ 535. و"أبوه": هو عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [9] 69/ 85. و"شعيب": هو ابن أبي حمزة الحمصيّ الثقة الثبت.

وقوله: "أن لا يطوّف" أي بأن لا يطوف، أو في أن لا يطوف، فهو بتقدير حرف الجرّ.

وقوله: "لو كانت كما أولتها الخ" أي لو كان المراد بالنصّ ما تقول، وهو عدم الوجوب، لكان نظمه: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، تريد أن الذي يُستعمل للدلالة على عدم الوجوب عينًا، هو رفع الإثم عن الترك، وأما رفع الإثم عن الفعل، فقد يستعمل في المباح، وقد يستعمل في المندوب، أو الواجب أيضًا، بناء على أن المخاطب يتوهّم فيه الإثم، فيخاطب بنفي الإثم، وإن كان الفعل في نفسه واجبًا، وفيما نحن فيه كذلك، فلو كان المقصود في هذا المقام الدلالة على عدم الوجوب عينًا لكان الكلام اللائق بهذه الدلالة أن يقال: فلا جناح عليه أن لا يتطوّف بهما. قاله السنديّ

(1)

.

وقال الحافظ السيوطيّ: هذا من بديع فقهها؛ لأن ظاهر الآية رفع الجناح عن الطائف بالصفا والمروة، وليس هو بنصّ فى سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذلك محتمل، ولو كان نصًّا في ذلك لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف؛ لأن هذا يتضمّن سقوط الإثم عمن ترك الطواف، ثم أخبرته أن ذلك إنما كان؛ لأن الأنصار تحرّجوا بذلك الموضع في الإسلام، فأخبروا أن لا حرج عليهم انتهى

(2)

.

وقوله: "يهُلّون " بضم الياء، من الإهلال، أي يحجون.

وقوله: "لمناة" بفتح الميم والنون الخفيفة: صنمٌ كان في الجاهلية. وقال ابن الكلبيّ: كانت صخرة نصبها عمرو بن لُحيّ لهُذيل، وكانوا يعبدونها، والطاغية صفة لها إسلامية.

(1)

- "شرح السنديّ" 5/ 238.

(2)

- "زهر الربى" 5/ 238 - 239.

ص: 281

وقوله: "بالمشلّل" بضم أوله، وفتح المعجمة، ولامين، الأولى مفتوحة مثقّلة، هي الثنيّة المشرفة على قُديد. وفي رواية للبخاريّ:"كانوا يُهلّون لمناة، وكانت مناة حَذْوَ قُديد". أي مقابله، و"قُديد" بقاف مصغّرًا: قرية جامعة، بين مكة والمدينة، كثيرة المياه. قاله أبو عُبيد البكريّ

(1)

.

وقوله: "وكان من أهلّ لها يتحرج أن يطوف الخ" قال في "الفتح": ظاهره أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة، ويقتصرون على الطواف بمناة، فسألوا عن حكم الإسلام في ذلك، ويصرّح بذلك رواية سفيان بلفظ:"إنما كان من أهلّ بمناة الطاغية التي بالمشلّل لا يطوفون بين الصفا والمروة". وفي رواية معمر عن الزهريّ: "إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة". أخرجه البخاريّ تعليقًا، ووصله أحمد وغيره. وفي رواية يونس، عن الزهريّ، عند مسلم:"إن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسّان يُهلّون لمناة، فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة". فطرق الزهريّ متّفقة، وقد اختلف فيه على هشام بن عروة، عن أبيه، فرواه مالك عنه بنحو رواية شعيب عن الزهريّ، ورواه أبو أسامة عنه بلفظ:"إنما أنزل اللَّه هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية، فلا يحلّ لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة"، أخرجه مسلم.

وظاهره يوافق رواية الزهريّ، وبذلك جزم محمد بن إسحاق فيما رواه الفاكهيّ من طريق عثمان بن وَسّاج، عنه:"أن عمرو بن لُحيّ نَصب مناةَ على ساحل البحر مما يلي قُديدًا، فكانت الأزد، وغسّان يحجونها، ويعظّمونها، إذا طافوا بالبيت، وأفاضوا من عرفات، وفرغوا من منى أتوا مناة، فأهلّوا لها، فمن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة، قال: وكانت مناة للأوس، والخزرج، والأزد، من غسّان، ومن دان دينهم من أهل يثرب". فهذا يوافق رواية الزهريّ. وأخرج مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام هذا الحديث، فخالف جميع ما تقدّم، ولفظه:"إنما كان ذلك؛ لأن الأنصار كانوا يهُلّون في الجاهليّة لصنمين على شطّ البحر، يقال لهما: إساف، ونائلة، فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلّون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية". فهذه الرواية تقتضي أن تحرّجهم إنما كان لئلا يفعلوا في الإسلام شيئًا كانوا يفعلونه في الجاهليّة؛ لأن الإسلام أبطل أفعال الجاهلية إلا ما أذن فيه الشارع، فخَشُوا أن يكون ذلك من أمر الجاهلية الذي أبطله الشارع، فهذه الرواية توجيهها ظاهر، بخلاف رواية أبي أسامة، فإنها تقتضي أن التحرّج عن الطواف بين

(1)

- "فتح" 4/ 307.

ص: 282

الصفا والمروة؛ لكونهم كانوا لا يفعلونه في الجاهلية، ولا يلزم من تركهم فعل شيء في الجاهلية أن يتحرّجوا من فعله في الإسلام، ولولا الزيادة التي من طريق يونس، حيث قال: وكانت سنة في آبائهم الخ، لكان الجمع بين الروايتين ممكنًا بأن نقول: وقع في رواية الزهريّ حذف تقديره أنهم كانوا يُهلون في الجاهلية لمناة، ثم يطوفون بين الصفا والمروة، فكان من أهلّ أي بعد ذلك في الإسلام يتحرّج أن يطوف بين الصفا والمروة؛ لئلا يضاهي فعل الجاهليّة.

ويمكن أيضًا أن يكون في رواية أبي أسامة حذف تقديره: كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية، فجاء الإسلام، فظنّوا أنه أبطل ذلك، فلا يحلّ لهم. ويبيّن ذلك رواية أبي معاوية المذكورة، حيث قال فيها:"فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهليّة". إلا أنه وقع فيها وهَمٌ غير هذا، نبّه عليه عياض، فقال: قوله: "لصنمين على شطّ البحر" وَهَمٌ، فإنهما ما كانا قطّ على شطّ البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، إنما كانت مناة مما يلي جهة البحر انتهى.

وسقط من روايته أيضًا إهلالهم أوّلاً لمناة، فكأنهم كانوا يهلون لمناة، فيبدؤون بها، ثم يطوفون بين الصفا والمروة لأجل إساف ونائلة، فمن ثمّ تحرّجوا من الطواف بينهما في الإسلام. ويؤيّد ما ذكرناه حديث أنس المذكور عند البخاريّ بلفظ:"أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم؛ لأنها كانت من شعار الجاهلية". وروى النسائيّ بإسناد قوي، عن زيد بن حارثة، قال: "كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس، يقال لهما إساف ونائلة، كان المشركون إذا طافوا تمسّحوا بهما

" الحديث. وروى الطبرانيّ، وابن أبي حاتم في "التفسير" بإسناد حسن، من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهليّة، فأنزل اللَّه عز وجل:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية [البقرة: 158]. وروى الفاكهيّ، وإسماعيل القاضي في "الأحكام" بإسناد صحيح عن الشعبيّ، قال: "كان صنم بالصفا يُدْعَى إساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى

(1)

بهما، وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل اللَّه تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية [البقرة: 158]. وذكر الواحديّ في "أسبابه" عن ابن عباس نحو هذا، وزاد فيه: يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين، فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبِدَا، والباقي نحوه. وروى الفاكهي بإسناد صحيح إلى أبي مجلز نحوه. وفي "كتاب مكة" لعمر بن شبّه بإسناد قويّ عن مجاهد في هذه الآية، قال: قالت الأنصار: إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية،

(1)

هكذا نسخة "الفتح" ولعل الصواب "رموا". واللَّه تعالى أعلم.

ص: 283

فنزلت. ومن طريق الكلبيّ، قال: كان الناس أول ما أسلموا كرهوا الطواف بينهما لأنه كان على كل واحد منهما صنم، فنزلت، فهذا كله يوضح قوة رواية أبي معاوية، وتقدّمها على رواية غيره. ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهريّ، واشترك الفريقان في الإسلام على التوقّف عن الطواف بينهما لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية، فيجمع بين الروايتين بهذا، وقد أشار إلى نحو هذا الجمع البيهقيّ. واللَّه تعالى أعلم. انتهى "الفتح"

(1)

.

[تنبيه]: قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "سنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الطواف بين الصفا والمروة" معناه: فرضه بالسنّة، وليس مرادها نفي فرضيته، ويؤيّده قولها:"لم يُتمّ اللَّه حجْ أحدكم، ولا عمرته ما لم يطف بينهما". قاله في "الفتح"

(2)

.

[تنبيه آخر]: زاد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في آخر هذا الحديث من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: ما نصّه:

ثم أَخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا لعلمٌ، ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا من ذكرت عائشة، ممن كان يُهلّ بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر اللَّه تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول اللَّه، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن اللَّه أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟، فأنزل اللَّه تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية [البقرة: 158]. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرّجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون، ثم تحرّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن اللَّه أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت.

وقوله: "ثم أخبرت الخ" القائل هو الزهريّ. وقوله: "إن هذا العلم" كذا للأكثر: أي إن هذا هو العلم المتين، وللكشميهني:"إن هذا لعلمٌ" بفتح اللام المؤكّدة، وبالتنوين، على أنه الخبر. وقوله:"إلا من ذكرت عائشة" إنما ساغ له هذا الاستثناء مع أن الرجال الذين أخبروه أطلقوا ذلك؛ لبيان الخبر عنده من رواية الزهري له عن عروة عنها.

ومحصل ما أخبر به أبو بكر بن عبد الرحمن، أن المانع لهم من التطوف بينهما، أنهم

(1)

- "فتح" 4/ 307 - 308.

(2)

- راجع "الفتح" 4/ 307 - 308.

ص: 284

كانوا يطوفون بالبيت وبين الصفا والمروة في الجاهلية، فلما أنزل اللَّه الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بينهما ظنوا رفع ذلك الحكم، فسألوا هل عليهم من حرج إن فعلوا ذلك، بناء على ما ظنوه من أن التطوف بينهما من فعل الجاهلية.

وقوله: "فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين"، وفي رواية:"فأُراها نزلت" وهو بضم الهمزة: أي أظنها.

وحاصل كلامه أن سبب نزول الآية على هذا الأسلوب، كان للرد على الفريقين، الذين تحرجوا أن يطوفوا بينهما لكونه عندهم من أفعال الجاهلية، والذين امتنعوا من الطواف بينهما لكونهما لم يذكرا.

وقوله: "حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت" يعني تأخر نزول آية البقرة في الصفا والمروة عن آية الحجّ، وهي قوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحجّ: 29]

(1)

.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2970 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يُرِيدُ الصَّفَا، وَهُوَ يَقُولُ:«نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في باب "ترك التسمية عند الإهلال" -51/ 2740 - فراجعه تستفد. ودلالته على الترجمة هنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2971 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الصَّفَا، وَقَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ». ثُمَّ قَرَأَ: «(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذه الإسناد أيضًا كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرَقيّ. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، كما تقدم بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(1)

- راجع "الفتح" 4/ 309.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 285

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌169 - (مَوْضِعُ الْقِيَام عَلَى الصَّفَا)

2972 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، رَقِيَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، كَبَّرَ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد هم المذكورن في الباب الماضي.

وقوله: "رَقِي على الصفا" بفتح الراء، وكسر القاف-: أي صَعِد عليه، قال في "القاموس": رَقِي إليه، كرضِي رَقْيًا، ورُقيًّا: صَعِد، كارتقى، وترقّى انتهى.

والحديث أخرجه مسلم، كما مرّ بيانه قريبًا، ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أن موضع القيام من الصفا يكون على مكان يُرى فيه البيت؛ ليتوجّه إليه عند الدعاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌170 - (التَّكْبِيرُ عَلَى الصَّفَا)

2973 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا، يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ، يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدْعُو، وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد تقدم قبل باب، سوى الحارث، وهو ثقة فقيه. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم مطوّلاً قبل سبعة أبواب في -163/ 2962 -

ص: 286

وتقدّم البحث فيه مُسْتَوْفًى هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌171 - (التَّهْلِيلُ عَلَى الصَّفَا)

2974 -

(أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ وَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الصَّفَا، يُهَلِّلُ اللَّهَ عز وجل، وَيَدْعُو بَيْنَ ذَلِكَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن يزيد": هو عمران خالد بن يزيد الدمشقيّ، صدوق [10] 18/ 422. و"شعيب": هو ابن إسحاق البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رمي بالإرجاء، من كبار [9] 60/ 1766.

وقوله: "عن حجة النبيّ صلى الله عليه وسلم" متعلّق بمحذوف، أي يحدّث عن حجة النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقوله: "ويدعو بين ذلك" أي بين مرّات هذا الذكر. وفيه إشارة إلى أن الدعاء يكون بين الأذكار. والحديث أخرجه مسلم، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌172 - (الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ عَلَى الصَّفَا)

2975 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 287

بِالْبَيْتِ سَبْعًا، رَمَلَ مِنْهَا ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَرَأَ:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ، يُسْمِعُ النَّاسَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَاسْتَلَمَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَقَالَ:«نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهَا، حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، وَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ:«لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ، وَكَبَّرَ اللَّهَ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا، حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ، فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَصَعِدَ فِيهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ:«لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ، قَالَ: ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا، بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن عبدالحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة، من أفراد المصنّف. و"شعيب": هو ابن الليث بن سعد المصريّ الفقيه الثقة النبيل. و"الليث": هو ابن سعد الإمام الحجة المصريّ. و"ابن الهاد": هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد المدنيّ.

وقوله: "حتى تصوّبت": أي انحدرت. وقوله: "رقي" بفتح الراء، وكسر القاف.

وقوله: "صَعِد" بفتح الصاد، وكسر العين المهملتين، من باب تعب. والحديث أخرجه مسدم، وتقدم الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".

‌173 - (الطوَافُ بَينُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ)

2976 -

(أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ إِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه

ص: 288

من أفراده. و"شعيب": هو ابن إسحاق. وقوله: "طاف على راحلته" لا تنافي بينه وبين ما تقدّم في الباب الماضي من أنه صلى الله عليه وسلم طاف ماشيًا، رمل في الثلاثة الأشواط الأول، ومشى أربعًا؛ لأنه يحمل هذا على طواف الإفاضة، أو الوداع، وذاك على طواف القدوم.

وقوله: "وليُشْرِفَ" بالبناء للفاعل، أي ليطلع على أعمال الناس، حتى لا يقعوا في الخطأ، يقال: أشرفت عليه: إذا اطّلعت. ويحتمل أن يكون المعنى: ليشرف، أي ليرتفع عن الناس، حتى لا يؤذوه، يقال: أشرف المكانُ: إذا ارتفع، كما تفيده عبارة "المصباح".

وقوله: "غشُوهُ" بفتح الغين، وضمّ الشين المعجمتين: أي ازدحموا عليه، وكثُروا.

والحديث أخرجه مسلم، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌174 - (الْمَشْيُ بَيْنَهُمَا)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْمَشْيُ" -بفتح، فسكون-: مصدرٌ، يقال: مَشَى يَمْشِي مَشْيًا، من باب ضرب: إذا كان على رجليه، سريعًا كان، أو بَطيئًا، فهو ماشٍ، والجمع مُشاةٌ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف. أفاده في "المصباح"، والمراد به هنا خلاف الإسراع بدليل مقابلته بقوله في الباب التالي:"الرمَلُ بينهما": أي الإسراع، والضمير في "بينهما" للصفا والمروة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2977 -

(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ: إِنْ أَمْشِي، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْشِي، وَإِنْ أَسْعَ، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْعَى وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد،

ص: 289

ثقة [10] 33/ 37.

2 -

(بشر بن السريّ) الأفوه، أبو عمرو البصريّ، سكن مكة، وكان واعظًا، ثقة متقنٌ، طُعن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [9] 104/ 1365.

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة [7] 33/ 37.

4 -

(عطاء بن السائب) الثقفيّ، أبو محمد، أبو أبو السائب الكوفيّ، صدوقٌ اختلط بآخره [5] 152/ 243.

5 -

(كثير بن جُمهان) -بضم الجيم، وسكون الميم- السلميّ، ويقال: الأسلميّ، أبو جعفر الكوفي، مقبول [3].

روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وأبي عياض. وعنه عطاء بن السائب، وليث بن أبي سُليم. قال أبو حاتم: شيخٌ يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الأربعة، وله عندهم حديث الباب فقط.

6 -

(ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير كثير بن جمُهان، فمن رجال الأربعة، وهو مقبول. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ كَثِيرِ بْن جُمْهَانَ) السلمي، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) أي يذهب من غير إسراع (فَقَالَ) أي ابن عمر لَمّا سُئل عن مشيه (إِنْ أَمْشِ) هكذا النسخة "الهنديّة" بحذف الياء للجزم، وكذا في قوله:"وإن أسع"، وهو الذي في "الكبرى"، وهو الجاري على القاعدة؛ لأن الفعل مجزوم بـ"إن"، فتحذف منه حرف العلة. ووقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى":"إن أمشي" بإثبات الياء، وكذا:"وإن أسعى" بإثبات الألف، وهو جائز في اللغة، كما حققه السيوطيّ في "همع الهوامع" في النحو، وخرّج عليه قراء قنبل {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} [يوسف: 90] بإثبات الياء، وجزم يصبر، وقيل: الموجود حرف إشباع، والحرف الأصليّ حذف للجازم. وتعقّب بأن حرف الإشباع لا يكتب

(1)

.

(1)

- راجع "حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة" 1/ 67.

ص: 290

(فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْشِي) لعله رآه يمشي في الزحام، حينما لم يمكنه السعي، فاستدلّ به على أن المشي مثل السعي، إذا كان هناك عذر، كما اعتذر هو بأنه شيخ كبير (وَإِنْ أَسْعَ) تقدّم الكلام عليه آنفًا، أي إن أمش مشيًا سريعًا (فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْعَى) أراد ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بهذا الكلام الاعتذار في تركه السعي في المسعى، ففي رواية الترمذيّ، عن كثير بن جمهان، قال: رأيت ابن عمر يمشي في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: لئن سعيت، فقد رأيت

" الحديث.

وحاصل اعتذاره أنه في كلتا الحالتين متّبع للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن كان متّبعا فلا لوم عليه. وقوله:(وأنا شيخ كبير) اعتذار آخر من ابن عمر لتركه السعي، وهو أنه كبير السنّ يشق عليه السعي.

[تنبيه]: سقط قوله "وأنا شيخ كبير" من نسخ "المجتبى" المطبوعة، وثبت في النسخة "الهندية"، و"الكبرى"، وهو الصواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

[فإن قلت]: في سنده عطاء بن السائب، وقد اختلط، فكيف يصحّ؟

[قلت]: قد رواه هنا عنه سفيان الثوريّ، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، فلا يضرّ، وأيضًا تشهد له الرواية التالية. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه المصنّف هنا -174/ 2977 و 2978 - وفي "الكبرى" 175/ 3970 و3971. وأخرجه (د) في "المناسك" 1904 (ت) في "الحجّ" 865 (ق) في "المناسك" 2988. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2978 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ

وَذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عبد الكريم الجزريّ": هو عبد الكريم بن مالك، أبو سعيد مولى بني أُميّة الْخِضرميّ -بالخاء والضاد المعجمتين: نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقة [6] 96/ 2852.

ص: 291

وقوله: "رأيت ابن عمر" -بضم العين، وفتح الميم- هذا هو الصواب، وهو الذي في "الكبرى"، وأما ما وقع في النسخ المطبوعة "ابن عمرو" -بفتح العين، وسكون الميم- فتصحيف، فتنبّه.

وقوله: "ذكر نحوه" الضمير لسعيد بن جبير، أي ذكر سعيد نحو رواية كثير بن جُمْهان.

ويحتمل أن يكون للثوريّ، أي ذكر الثوريّ، عن عبد الكريم الجزريّ، نحو روايته عن عطاء بن السائب. أو لعبد الرزاق، أي ذكر عبد الرزاق عن الثوريّ، نحو رواية بشر ابن السريّ عنه، والظاهر الأول. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "إلا أنه قال الخ" ظاهره أن قوله: "وأنا شيخ كبير" من رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر، وليس كذلك، بل من رواية كثير بن جُمْهان، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما قدّمناه عن النسخة "الهندية"، وهو الذي في "الكبرى"، و"جامع الترمذيّ".

وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": "قوله: إلا قال: وأنا شيخ كبير"، أي إلا قوله: وأنا شيخ كبير، فإن سعيد بن جبير لم يذكره. انتهى.

وهذا يدلّ على أنه وجد نسخة بحذف كلمة "أنه"، وعليه يستقيم المعنى، غير أنه يستدعي ثبوت الجملة في الرواية الأولى؛ حتى يصحّ الاستثناء، وإلا فلا يستقيم الاستثناء، وقد قدّمنا أن ثبوتها هو الصواب، فتنبّه ..

والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 292

‌175 - (الرَّمَلُ بَيْنَهُمَا)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه أراد بالرمل السعي بينهما، ويؤيّده حديث جابر رضي الله عنه الآتي بعد ثلاثة أبواب، لكن في التعبير به تجوّز؛ لأن السعي أشدّ إسراعًا من الرمل، والحديث الذي احتجّ به ضعيف، كما سيأتي الكلام عليه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2979 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَأَلُوا ابْنَ عُمَرَ، هَلْ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، رَمَلَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ ، فَقَالَ: كَانَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَرَمَلُوا، فَلَا أُرَاهُمْ رَمَلُوا، إِلاَّ بِرَمَلِهِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن منصور": هو الْجَوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة.

و"صدقة بن يسار" الْجَزَريّ، نزيل مكة، ثقة [10].

قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة من الثقات. وقال ابن معين، والنسائيّ، ويعقوب بن سفيان: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة، قال: قلت له: من أهل مكة؟ فقال: من أهل الجزيرة سكن مكة. وقال له سفيان: بلغني أنك من الخوارج؟ قال: كنت منهم، فعافاني اللَّه منه. قال أبو داود: كان متوحّشًا، يصلي بمكة جمعة، وبالمدينة جمعة. وقال ابن سعد: توفّي في أول خلافة بني العباس، وكان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر بعضهم أنه عمّ محمد بن إسحاق بن يسار، وهو وَهَمٌ ممن قاله. روى له الجماعة، إلا البخاريّ، والترمذي. وليس له عند المصنّف غير حديث الباب.

وقوله: "فلا أُراهم" بضم الهمزة، أي فلا أظنهم.

والحديث ضعيف؛ للانقطاع، فإن الزهريّ لم يسمع من ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - شيئًا، كما نصّ على ذلك الأئمة: أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وغيرهم -رحمهم اللَّه تعالى-، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" 3/ 698 - 699. وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا - 175/ 2979 - وفي "الكبرى" 175/ 3972. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 293

‌176 - (السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)

2980 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارٍ، الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"إِنَّمَا سَعَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وقوله: "ليُري" بضم الياء، من الإراءة.

والحديث متّفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في -155/ 2945 - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌177 - (السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)

2981 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْعَى فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، وَيَقُولُ: «لَا يُقْطَعُ الْوَادِي إِلاَّ شَدًّا»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"حماد": هو ابن زيد. و"بُديل": هو ابن ميسرة العقيليّ البصريّ، ثقة [5] 55/ 859. و"المغيرة بن حكيم": هو الصنعانيّ، ثقة [4] 21/ 536.

وقوله: "عن امرأة" قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اسم هذه المرأة الصحابيّة حبيبة بن أبي تَجْرَاة. وقيل: تملك، وهي أم ولد شيبة انتهى

(2)

.

وفي رواية ابن ماجه من طريق هشام الدستوائيّ، عن بديل بن ميسرة، عن صفية بنت

(1)

- وفي نسخة: "ثنا".

(2)

- راجع "تهذيب التهذيب" 4/ 705.

ص: 294

شيبة، عن أم ولد لشيبة، ولم يذكر المغيرة بن حكيم. وقال الحافظ المزّيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قد روت صفية بنت شيبة، عن أم عثمان- وهي أم ولد شيبة الأكابر- عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديثًا غير هذا

(1)

.

وقوله: "إلا شدًّا" أي عدوًا.

والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -177/ 2981 - وفي "الكبرى" 176/ 3974. وأخرجه ابن ماجه في "المناسك" 2987. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌178 - (مَوْضِعُ الْمَشْيِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لفظ "الكبرى": "موضع السعي"، ولا تخالف بينهما؛ لأن الحديث فيه بيان الموضعين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2982 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا نَزَلَ مِنَ الصَّفَا مَشَى، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ، فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد تقدّم قبل سبعة أبواب.

وقوله: "حتى إذا انصبّت قدماه سعى الخ": بتشديد الباء: أي انحدرتا بسهولة، حتى وصلتا إلى بطن الوادي أسرع في المشي حتى يخرج من بطن الوادي.

والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في -51/ 2745 - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- راجع "تحفة الأشراف" 13/ 124.

ص: 295

‌179 - (مَوْضَعُ الرَّمَلِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لفظ "الكبرى": "موضع المشي"، وقد سبق في الباب الماضي عدم التخالف بينهما، فلا تَنْسَ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2983 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "لَمَّا تَصَوَّبَتْ قَدَمَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَطْنِ الْوَادِي، رَمَلَ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2984 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَزَلَ -يَعْنِي عَنِ الصَّفَا- حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي، رَمَلَ حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"يعقوب ابن إبراهيم": هو الدَّوْرقيّ. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌180 - (مَوْضِعُ الْقِيَام عَلَى الْمَرْوَةِ)

2985 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ فِيهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ:«لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ، قَالَ: ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ).

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 296

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم بأطول مما هنا قبل سبعة أبواب في -172/ 2975 - وسبق الكلام عليه هناك، فراجعه تستفد.

وموضع الاستدلال على الترجمة هنا قوله: "فصعد فيها"، فإنه يدلّ على أن موضع القيام للدعاء على المروة يكون على رأسها، لا في أسفلها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌181 - (التَّكْبِيرُ عَلَيْهَا)

أي على المروة.

2986 -

(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ذَهَبَ إِلَى الصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهَا، حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، ثُمَّ وَحَّدَ اللَّهَ عز وجل، وَكَبَّرَ، وَقَالَ:«لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ، ثُمَّ مَشَى، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتْ قَدَمَاهُ مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى قَضَى طَوَافَهُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عليّ بن حُجْر": هو السعديّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار [9] 13/ 13.

و"إسماعيل": هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ القارىء، أبو إسحاق المدنيّ، ثقة ثبت [8] 16/ 17.

وقوله: "فرقي" بكسر القاف، من باب رضي. وقوله:"حتى قضى طوافه" أي فرغ من سعيه بين الصفا والمروة.

والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- وفي نسخة: "ثنا".

ص: 297

‌182 - (كَمْ طَوَافُ الْقَارِنِ، وَالْمُتَمَتِّعِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)

2987 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ:"لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَأَصْحَابُهُ، بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِلاَّ طَوَافًا وَاحِدًا").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان.

وقوده: "وأصحابه" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي الذين وافقوه في القران. وقيل: بل مطلقًا، والصحابة كانوا ما بين قارن ومتمتّع، وكلّ منهما يكفيه سعيٌ واحدٌ، وعليه بنى المصنف ترجمته. واللَّه تعالى أعلم انتهى

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث يدلّ على أن سعي القارن والمتمتّع بين الصفا والمروة سعيٌ واحد، فلا يشرع له التكرار.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام عليه غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌183 - (أَيْنَ يُقَصِّرُ الْمُعْتَمِرُ)

2988 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، "أَنَّهُ قَصَّرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِشْقَصٍ، فِي عُمْرَةٍ، عَلَى الْمَرْوَةِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- "شرح السنديّ" 5/ 244.

ص: 298

وقوله: "بمشقص" -بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف، آخره صاد مهملة- قال القزّاز: هو نصلٌ عريض يرمي به الوحش. وقال صاحب "المحكم": هو الطويل من النصال، وليس بعريض، وكذا قال أبو عبيد

(1)

.

وقوله: "في عمرة" هي عمرة الجعرانة، وقد تقدّم اختلاف الروايات فيها، واختلاف العلماء في الجمع بينها في -50/ 2737. وأن الأرجح-كما رجحه النوويّ، والمحبّ الطبريّ، وابن القيّم- أن معاوية رضي الله عنه قصر عنه صلى الله عليه وسلم في الجعرانة. وأما الرواية التي تدلّ على أن ذلك كان في حجة الوداع فهي غلط من بعض الرواة، أو أن معاوية رضي الله عنه نفسه ظن ذلك؛ حيث نسي، كما قاله ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في - 50/ 2737 - وتقدّم البحث فيه مستوفًى هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2989 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ:"قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَلَى الْمَرْوَةِ، بِمِشْقَصِ أَعْرَابِيٍّ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد بن يحعى بن عبد اللَّه": هو الحافظ الذُّهليّ النيسابوريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌184 - (كَيْفَ يُقَصِّرُ)

2990 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: أَخَذْتُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِ

(1)

- "فتح" 4/ 392.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 299

رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بِمِشْقَصٍ كَانَ مَعِي، بَعْدَ مَا طَافَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ". قَالَ قَيْسٌ: وَالنَّاسُ يُنْكِرُونَ هَذَا عَلَى مُعَاوِيَةَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن منصور" الطوسيّ، نزيل بغداد، أبي جعفر العابد الثقة، من صغار [10] 46/ 741، فتفرّد به هو وأبو داود.

و"الحسن بن موسى": هو الأشيب البغداديّ القاضي الثقة [9] 13/ 347. و"قيس ابن سعد": هو المكيّ الثقة [6] 115/ 1066.

وقوله: "في أيام العشر" أي عشر ذي الحجة. وهذه الزيادة منكرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان في حجته قارنًا، ولم يتحلّل إلا في منى يوم النحر.

وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم لم يحلّ من إحرامه إلى يوم النحر، كما أخبر عن نفسه بقوله:"فلا أحلّ حتى أنحر"، وهو خبر لا يدخله الوهم، بخلاف خبر غيره. ثم قال: ولعلّ معاوية قصر عنه في عمرة الجعرانة، فنسي بعد ذلك، وظنّ أنه كان في حجته انتهى.

وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ما خلاصته: إنها زيادة شاذّة، وأظنّ قيسًا رواها بالمعنى، ثم حدّث بها، فوقع له ذلك. انتهى

(1)

.

والحديث صحيح، غير قوله:"في أيام العشر"، فإنها زيادةٌ شاذةٌ، كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌185 - (مَا يَفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهْدَى)

قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: حاصل هذه الترجمة، والتي ستجيء أن الذي أهدى لا يفسخ، ولا يخرج من إحرامه إلا بالنحر حاجًّا، أو معتمرًا. واللَّه تعالى أعلم

(2)

.

(1)

- "فتح" 4/ 392.

(2)

- "فتح" 4/ 245.

ص: 300

2991 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ آدَمَ- عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَا نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ، قَالَتْ: فَلَمَّا أَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير مرّة. وهذا الإسناد من أصحّ أسانيد عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقد أخرج الخطيب البغداديّ في "الكفاية" عن ابن معين أنه قال: عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ليس إسناد أثبت من هذا

(1)

.

وقوله: "لا نُرى" بضم النون بالبناء للمفعول، أي لا نظنّ، ولا نقصد.

وقوله: "فليقم" بضم الياء، من الإقامة، أي فليستمرّ على إحرامه، ولا يتحلّل.

وقوله: "فيحلل" بفتح الياء، من الحلّ، أو ضمها، من الإحلال.

والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفى في -16/ 2650 - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌186 - (مَا يَفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَأَهْدَى)

2992 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(3)

عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى، فَلَا يَحِلَّ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ» . قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ".

(1)

- را جع "التدريب" 1/ 82.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(3)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 301

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم": هو ابن نعيم المروزيّ الثقة [12] 66/ 1800. و"سُويد": هو ابن نصر المروزيّ الثقة. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام المشهور. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ.

والحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -16/ 2650 - تمام البحث فيه، وبقي البحث فيما يتعلّق بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مذاهب أهل العلم في حكم من أهلّ بعمرة، وساق الهدي.

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم " -بعد أن أورد الحديث-: ما نصّه: هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة، وأحمد، وموافقهما في أن المعتمر المتمتّع إذا كان معه هديٌ لا يتحلّل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقهما أنه إذا طاف وسعى وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ شيء في الحال، سواء كان ساق هديًا، أم لا، واحتجّوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلّل من نسكه، فوجب أن يحلّ له كلّ شيء، كما لو تحلّل المحرم بالحجّ، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"من كان معه هديٌ، فليُهلل بالحجّ مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا"، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية الأخرى التي احتجّ بها أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلل بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل، لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.

(1)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر من صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى ترجيح ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد، وهو الظاهر، وأما ما قاله النوويّ، فقال فيه الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا يخفى ما فيه من التعسّف

(2)

.

والحاصل أن الراجح هو المذهب الأول؛ لموافقته لظاهر حديث الباب، دون تعسّف. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "ومن أهلّ بحجة، فلم يُتم حجه" هذا بظاهره يقتضي أنه ما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، بل أمرهم بالبقاء عليه، مع أن الصحيح الثابت برواية أربعة عشر من

(1)

- "شرح صحيح مسلم" 8/ 379 - 380.

(2)

- راجع "نيل الأوطار" 5/ 58.

ص: 302

الصحابة، هو أنه صلى الله عليه وسلم أمر من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ، وجعلِهِ عمرة، ومن جملتهم عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وحينئذ لا بدّ من حمل هذا الحديث على من ساق الهدي، وبه تندفع المنافاة بين الأحاديث. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

2993 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ» ، قَالَتْ: وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ، فَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ، فَأَحْلَلْتُ، فَلَبِسْتُ ثِيَابِي، وَتَطَيَّبْتُ مِنْ طِيبِي، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي، فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) أبو جعفر البغداديّ الْمُخرِّميّ الحافظ الثقة [11] 43/ 50.

2 -

(أبو هاشم) المغيرة بن سلمة المخزميّ البصريّ الثقة الثبت، من صغار [9] 28/ 8115.

3 -

(وهيب بن خالد) أبو بكر الباهليّ مولاهم البصريّ الثقة الثبت [7] 21/ 427.

4 -

(منصور بن عبد الرحمن) العبدريّ الحجبيّ المكيّ الثقة [5] 159/ 251.

5 -

(صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية الحجبية، لها رؤية، وحدّثت عن عائشة، وغيرها من الصحابة، وفي "صحيح البخاريّ" التصريح بسماعها من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها

(2)

. تقدّمت في 159/ 251.

6 -

(أسماء بنت أبي بكر) الصديق، زوج الزبير بن العوّام - رضي اللَّه تعالى عنهم -، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (74)، وتقدّمت في 185/ 293. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

(1)

- "شرح السنديّ" 5/ 246.

(2)

- "التقريب" ص470.

ص: 303

رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابية، عن صحابية، ورواية الابن عن أمه. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) العبدري الحجبي (عَنْ أُمِّهِ) صفية بنت شيبة (عَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مُهِلينَ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ) أي اقتربنا من دخولها (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ) بفتح أوله، من الحلّ، ثلاثيًا، أو بضمه، من الإحلال، رباعيًّا، يقال: حلّ المحرمُ حِلاًّ بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف مثله، فهو مُحِل، وحِلٌّ أيضًا تسمية بالمصدر، وحلالٌ أيضًا. قاله الفيّوميّ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُقِمْ) بضم الياء، من الإقامة (عَلَى إِحْرَامِهِ) أي حتى يتحلّل بذبح هديه يوم النحر (قَالَتْ: وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ) بن العوام - رضي اللَّه تعالى عنه -، زوجها (هَدْيٌ، فَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ) لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك لمن كان معه هديٌ (وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ، فَأَحْلَلْتُ، فَلَبِسْتُ ثِيَابِي) أي الثياب التي كانت تلبسها قبل الإحرام، وهذا فيه دليل على أن النساء كالرجل تمتنع في الإحرام عن بعض اللباس، وهو الذي مسه ورس، أو زعفران.

وقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "نهى النساء في إحرامهنّ عن القفّازين، والنقاب، وما مسّ الورس، والزعفران، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت، من ألوان الثياب، معصفرا، أو خزا، أو حليا، أو سراويل، أو قميصا، أو خفا".

(وَتَطَيَّبْتُ مِنْ طِيبِي) فيه استحباب استعمال الطيب لمن تحلّل من إحرامه (ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ) الزبير رضي الله عنه (اسْتَأْخِرِي عَنِّي) السين والتاء زائدتان: أي تأخّري، وابتعدي عن مجلسي؛ لئلا يحصل شيء من محظورات الإحرام. ولمسلم:"استرخي عني، استرخي عني" مرتين، أي تباعدي عني. وفي رواية له:"قومي عني". قال النوويّ: إنما أمرها بالقيام؛ مخافة من عارض، قد يَندُر منه، كلمس بشهوة، أو نحوه، فإن اللمس بشهوة حرام في الإحرام، فاحتاط لبفسه بمباعدتها، من حيث إنها زوجته، متحلّلة، تطمع بها النفس. انتهى

(1)

. (فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ) مضارع وَثَبَ، من باب وَعَد: إذا قَفَز، وُثُوبًا، ووَثِيبًا، فهو وثّاب. تعني بذلك أنها وإن اقتربت منه لا تفعل معه شيئًا يستبب منه وقوعه في محظورات الإحرام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه

(1)

- "شرح مسلم" 8/ 447.

ص: 304

المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنها - أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -186/ 2993 - وأخرجه (م) في "الحجّ" 1236 (ق) في "المناسك"2983 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 26421 و 26425. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم مَنْ أَهَلَّ بعمرة، وقد أهدى، وهو أنه يؤدي أعمال العمرة، ثم يبقى على إحرامه حتى يتحلّل بنحر هديه يوم النحر. (ومنها): أن من أحرم بالعمرة، ولم يُهد، فإنه يتحلّل بعمل العمرة. (ومنها): أن المتمتع الذي لم يسق الهدي إذا تحلّل بعمل العمرة، فله أن يتطيّب، ويلبس الثياب التي لا يحلّ له أن يلبسها في حالة الإحرام، إلى أن يهلّ بالحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌187 - (الْخُطْبَةُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيةِ)

2994 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي قُرَّةَ، مُوسَى بْنِ طَارِقٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ، بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ، فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْعَرْجِ، ثَوَّبَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ اسْتَوَى لِيُكَبِّرَ، فَسَمِعَ الرُّغْوَةَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَوَقَفَ عَلَى التَّكْبِيرِ، فَقَالَ: هَذِهِ رُغْوَةُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْجَدْعَاءِ، لَقَدْ بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَجِّ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَنُصَلِّيَ مَعَهُ، فَإِذَا عَلِيٌّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَمِيرٌ أَمْ رَسُولٌ، قَالَ: لَا بَلْ رَسُولٌ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبَرَاءَةَ، أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاسِ،

ص: 305

فِي مَوَاقِفِ الْحَجِّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، قَامَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَامَ عَلِيٌّ رضي الله عنه، فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ، حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، قَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَامَ عَلِيٌّ، فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ، حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَأَفَضْنَا، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ، خَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ إِفَاضَتِهِمْ، وَعَنْ نَحْرِهِمْ، وَعَنْ مَنَاسِكِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَامَ عَلِيٌّ، فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ، حَتَّى خَتَمَهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الأَوَّلُ، قَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ يَنْفِرُونَ، وَكَيْفَ يَرْمُونَ، فَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَامَ عَلِيٌّ، فَقَرَأَ بَرَاءَةَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى خَتَمَهَا.

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بْنُ خُثَيْمٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا؛ لِئَلاَّ يُجْعَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَمَا كَتَبْنَاهُ إِلاَّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمْ يَتْرُكْ حَدِيثَ ابْنِ خُثَيْمٍ، وَلَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِلاَّ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: ابْنُ خُثَيْمٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّ عَلِىَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ، خُلِقَ لِلْحَدِيثِ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت إمام [10] 2/ 2.

2 -

(أبو قرّة موسى بن طارق) اليمانيّ الزَّبِيديّ، ثقة يُغْرِب [9].

قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه ذكر أبا قُرّة، فأثنى عليه خيرًا. وقال غيره، عن أحمد: كان قاضيًا لهم بزَبِيد. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال مسعود، عن الحاكم: ثقة مأمون. وقال الخليليّ: ثقة قديم. وذَكَرَهُ ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان ممن جمع، وصنّف، وتفقّه، وذاكر، يُغْرِبُ. قال الحافظ: صنّف كتاب "السنن" على الأبواب في مجلّد رأيته، ولا يقول في حديثه: حدثنا، إنما يقول: ذكر فلان. وقد سُئل الدارقطنيّ عن ذلك؟، فقال: كانت أصابت كتبه علّةٌ، فتورّع أن يصرّح بالإخبار انتهى. تفرّد به المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط.

3 -

(ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [6] 28/ 32.

4 -

(عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم) -بالمعجمة، والمثلّثة، مصغّرًا- حليف بني زُهرة، أبو عثمان القارىء المكيّ، صدوق [5].

قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال العجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث. وقال النسائيّ: ثقة. وقال مرّة: ليس بالقويّ. ونقل هنا

ص: 306

عن ابن المدينيِّ أنه قال: منكر الحديث. وقال عبد اللَّه بن الدورقيّ، عن ابن معين: أحاديثه ليست بالقويّة. نقله ابن عديّ، وقال: وهو عزيز الحديث، وأحاديثه أحاديث حسان. وقال ابن سعد: توفّي في آخر خلافة أبي العماس، أو أول خلافة أبي جعفر، وكان ثقة، وله أحاديث حسنة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (144) وقد قيل: سنة (35)، وكان يُخطىء. وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (132). علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله عند المصنف حديثان: حديث الباب، وحديث رقم -5113 - "إن من خير أكحالكم الإثمد، إنه يجلو البصر، وُينبت الشعر".

5 -

(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيُّ، صدوقٌ يدلّس [4] 31/ 35.

6 -

(جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي قرّة، فإنه من أفراد المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجعِرَّانَةِ) وذلك بعد غزوة حنين (بَعَثَ أُبَا بَكْرٍ) الصديق - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَلَى الْحَجِّ) أي حال كونه أميرًا على الناس فيما يتعلّق بالحجّ، حتى يبيّن لهم كيفية أدائه (فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ) أي توجّهنا مع أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - من المدينة إلى مكة لأداء الحجّ (حَتَّى إِذَا كَانَ بالْعَرْجِ) -بفتح العين المهملة، وسكون الراء، آخره جيم- بوزن فَلْس: اسم موضع بطريق المدينة. قاله الفيّوميّ (ثُوِّبَ بِالصُّبْحِ) بتشديد الواو، مبنيًا للمفعول، أي أقيم لصلاة الصبح، أو بالبناء للفاعل: أي أقام لها.

قال الفيّوميّ: وثوّب الداعي تَثْويبًا: ردّد صوته، ومنه التثويب في الأذان انتهى (ثُمَّ اسْتَوَى) أي قام (لِيُكَبِّرَ، فَسَمِعَ الرَّغْوَةَ) قال في "النهاية": هو بالفتح المرّة من الرُّغاء

(1)

، وبالضم الاسم، كالغرفة. انتهى

(2)

وضَبَط في بعض النسخ الأولى بالفتح، والثانية بالكسر، على أنها للحالة والهيئة. قاله السنديّ (خَلْفَ ظَهْرِهِ) منصوب على الظرفية،

(1)

- "الرُّغاء" بالضم، وزان غُرَاب: صوت البعير. اهـ "المصباح".

(2)

- راجع "النهاية" 2/ 240.

ص: 307

متعلّق بـ"سمع"(فَوَقَفَ عَلَى التَّكْبِيرِ) الظاهر أن معناه أنه توقف عن التكبير للصلاة، فـ"على" بمعنى "عن" (فَقَالَ: هَذِهِ رَغْوَةُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَدْعَاءِ) هي الناقة المقطوعة الأذن. وقيل: لم تكن ناقته صلى الله عليه وسلم مقطوعة الأذن، وإنما كان هذا اسمها. قاله ابن لأثير

(1)

(لَقَدْ بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَجِّ) أي ظهر له أن يحج في هذه السنة بعد أن تركه (فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بالنصب خبر "يكون"، واسمها ضمير يعود إلى راكب الناقة، (فَنُصَلِّي مَعَهُ) برفع "نصلي"(فَإِذَا) هي الفجائية، أي ففاجأه (عَلِيٌّ عَلَيْهَا) أي حال كونه راكبًا ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ: لَهُ أَبُو بَكْرٍ) لعلي رضي الله عنهما، مستفسرًا لحاله (أَمِيرٌ أَمْ رَسُولٌ) خبر لمحذوف، اْي أأنت أمير عليّ وعلى الناس، أم رسول إليّ وإليهم، وإنما استفسره أبو بكر - رضي اللَّه تعالى - عنهما في ذلك حتى يطيعه، ولا يتقدّم عليه، إن كان أميرًا (قَالَ) عليّ رضي الله عنه (لَا) أي لست أميرًا (بَلْ رَسُولْ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبَرَاءَةَ) يجوز فيه التنوين بالرفع على الحكاية، وبالجر، ويجوز أن يكون علامة الجر فتحة للعلمية والتأنيث (أَقْرَؤُهَا) جملة في محلّ نصب على الحال (عَلَى النَّاسِ، فِي مَوَاقِفِ الْحَجِّ) الجارّان متعلقان بـ "أقرأ"، والمراد بمواقف الحجّ الأماكن التي يجتمع الناس فيها لأداء النسك، كالمسجد الحرام، وعرفة، ومزدلفة، ومنى (فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ) أي في اليوم السابع (قَامَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكهِمْ) أي عن الأعمال التي يعملونها بعد ذلك اليوم، من الخروج إلى منى يوم التروية، مهلّين بالحج، ونزولهم منى، وصلاتهم فيها خمس صلوات، ثم ذهابهم إلى عرفة (حَتَّى إِذَا فَرَغَ) أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - من خطبته (قَامَ عَليٌّ رضي الله عنه، فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ) بالرفع والتنوين على الحكاية، وبالنصب غير منصرف؛ لما تقدّم (حَتَّى خَتَمَهَا) فيه تجوّز، وذلك أن المراد من "براءة" بعضها، فيكون المراد بختمها ختم بعضها الذي بُعث به عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" في تفسير "سورة التوبة": وفي قوله: "ببراءة" تجوّز؛ لأنه أُمر أن يؤذّن ببضع وثلاثين آية، منتهاها عند قوله تعالى:{وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} ، فروى الطبريّ، من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قال:"بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرًا على الحجّ سنة تسع، وبعث عليًّا بثلاثين آية، أو أربعين آية من براءة". وروى الطبريّ من طريق أبي الصهباء، "قال: سألت عليًّا عن يوم الحجّ الأكبر؟ فقال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحجّ، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة، فخطب، ثم التفت

(1)

- "النهاية" 1/ 247.

ص: 308

إليّ، فقال: يا عليّ قم، فأدّ رسالة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقمت، فقرأت أربعين آية من أول براءة، ثم صَدَرْنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط، أقرأها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة"

(1)

.

(ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، قَامَ أَبُو بَكرِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِم، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَامَ عَليًّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ، حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ)"كان " هنا تامّة، ولذا اكتفت بالمرفوع، وهو "يوم النحر"، فمعنى "كان": جاء، و"يوم النحر" فاعله (فَأَفَضْنَا) أي رجعنا من عرفة إلى مزدلفة (فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (خَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ إِفَاضَتِهِمْ، وَعَنْ نَحْرِهِمْ، وَعَنْ مَنَاسِكِهِمْ) أي عما تبقّى من مناسكهم (فَلَمَّا فَرَغَ) أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - من خطبته (قَامَ عَليٌّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ، حَتَّى خَتَمَهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الأَوَّلُ) بسكون الفاء، وفتحها

(2)

، يقال: نفر الحاجّ من منى، من بابي ضرب، وقعد: إذا دَفَعُوا، وللحاج نَفْرَان: فالأول هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والثاني هو اليوم الثالث منها. أفاده الفيّوميّ (قَامَ أَبو بَكْرٍ) - رضي اللَّه تعالى - عنه (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ يَنْفِرُونَ) بكسر الفاء، وضمها، من بابي ضرب، وقعد، أي كيف يذهبون إلى منى (وَكَيفَ يَرْمُونَ، فَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَامَ عَليٌّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَرَأَ بَرَاءَةٌ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى خَتَمَهَا) وقد سبق قريبًا أن المراد ختم بعضها، وهي بضع وثلاثون آية، منتهاها قوله تعالى:{وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} . واللَّه تعالى أعلم.

(قَالَ: أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (ابْنُ خُثَيْمِ) هو عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم الراوي عن أبي الزير (لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ) تقدّم في ترجمته أن أكثر الأئمة على توثيقه، وأن المصنف وثّقه أيضًا في رواية (وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا) أي حديث أبي الزبير عن جابر (لِئَلاَّ يُجْعَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ) ببناء الفعل للمفعول (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) أي لئلا يقع غلط في إسناده، فيجعل مما رواه ابن جريج عن أبي الزبير مباشرة، دون واسطة ابن خُثيم، حيث اشتهرت روايته عنه (وَمَا كتَبْنَاهُ إِلاَّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) يعني أنه ما كتب هذا الحديث إلا عن شيخه إسحاق ابن راهويه، وغرضه به أنه لم يسمعه من أحد من شيوخه إلا عنه (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمْ يَتْرُكْ حَدِيثَ ابْنِ خُثَيمٍ، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بالرفع عطفًا على "يحيى"، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبطه بالجر ضبطَ قلم، فغلط، فتنبّه.

(1)

- "فتح" 9/ 214.

(2)

- والفتح زاده في "القاموس المحيط".

ص: 309

يعني أن ابن خثيم ليس ممن يُرغب عن الرواية عنه، فقد روى عنه يحيى، وعبد الرحمن، مع أنهما ينتقيان الرجال انتقاء.

(إِلَّا أَنَّ عَلى بْنَ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: ابْنُ خُثَيْم مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّ عَليَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ، خُلِقَ لِلْحَدِيثِ) فيه رفع لرتبة ابن المدينيّ، وترجيح له على غيره.

وحاصل ما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن حديث الباب غير صحيح؛ لأن ابن خثيم، وإن روى عنه يحيى، وعبد الرحمن، فقد ضعّفه ابن المدينيّ، وهو أعلم بالحديث، فيقدّم على من وثّقه. هذا حاصل ما أشار إليه، لكن الذي يبدو أن توثيقه يقدّم؛ لأنه مذهب جلّ الحفّاظ، كما سبق في ترجمته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لعنعنة أبي الزبير؛ لأنه مدلّسٌ، وأما تضعيف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- له بابن خُثيم، فقد عرفتَ ما فيه آنفًا، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا -187/ 2994 - وفي "الكبرى" 183/ 3984. وأخرجه الدارميّ في "المناسك" 1835. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌188 - (الْمُتَمَتِّعُ مَتَى يِهُلُّ بِالْحَجِّ)

2995 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَحِلُّوا، وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً» ، فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُدُورُنَا، وَكَبُرَ عَلَيْنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي تَفْعَلُونَ» ، فَأَحْلَلْنَا، حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(إسماعيل بن مسعود) الْجَحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [10] 42/ 47.

ص: 310

2 -

(خالد) بن الحارث الْهُجَيمي، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [8] 42/ 47.

3 -

(عبد الملك) بن أبي سليمان ميسرة العَرْزَميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [5] 7/ 406.

4 -

(عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 112/ 154.

5 -

(جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام - رضي اللَّه تعالى عنهما - 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه جابر رضي الله عنه من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِأَرْبَعِ) أي لأربع ليال (مَضَينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَحِلُّوا) أمرٌ من الإحلال (وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً) فيه مشروعيّة فسخ الحجّ إلى العمرة، وتقدّم اختلاف أهل العلم فيه، وأن الراجح أنه ثابت، وليس بمنسوخ (فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُدُورُنَا، وَكَبُرَ عَلَيْنَا) بضم الباء الموحدة، من باب كَرُمَ: أي شقّ علينا التحلّل (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي تَفْعَلُونَ"، فَأَحْلَلْنَا، حَتَى وَطِئْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ)"كان" هنا تامّة، كما سبق في الباب الماضي، أي جاء يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي التروية؛ لأنهم كانوا يروّون فيها إبلهم، ويتروّون من الماء؛ لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون، وقد تقدّمت أقوال أخرى في سبب تسميته بهذه الاسم (وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرِ) أي وراء ظهورنا، يعني أنهم أحرموا بالحجّ بعد خروجهم من منازلهم، وتوجههم إلى منى. وفي رواية أبي الزبير، عن جابر عند أحمد، ومسلم:"قال: أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا أحللنا أن نُحرم إذا توجّهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح"(لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ) قال النوويّ: فيه دليل للشافعيّ وموافقيه أن المتمتّع، وكلّ من بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ، فالسنّة له أن يُحرم يوم التروية انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

ص: 311

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -188/ 2995 - وفي "الكبرى" 184/ 3985. وأخرجه (م) في "الحجّ"2936 (الدارمي) في "المناسك" 1915. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وقت إهلال المتمتّع بالحجّ، وذلك يوم التروية-وهو الثامن من ذي الحجة- فيُهِلّ بعد خروجه من منزله، وتوجهه إلى منى. (ومنها): جواز فسخ الحجّ إلى العمرة، وهو باق إلى يوم القيامة على الأصح من أقوال العلماء. (ومنها): أن المتمتّع إذا تحلّل من عمرته جاز له كلّ شيء حتى النساء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌189 - (مَا ذُكِرَ فِي مِنَى)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه أراد ما ذُكر من الفضل لمنى، فمناسبة الحديث الأول للترجمة واضحةٌ، وأما الحديث الثانى فمناسبته لها غير واضحة، فليتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2996 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَدَلَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَا نَازِلٌ تَحْتَ سَرْحَةٍ، بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ: مَا أَنْزَلَكَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟ ، فَقُلْتُ أَنْزَلَنِي ظِلُّهَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى، وَنَفَخَ - بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: السُّرَّبَةُ"، وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ: "يُقَالُ لَهُ السُّرَرُ، بِهِ سَرْحَةٌ، سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا»).

ص: 312

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(محمد بن سلمة) المراديّ الْجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20.

2 -

(الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [10] 9/ 9.

3 -

(ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [10] 19/ 20.

4 -

(مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة الثبت [7] 7/ 7.

5 -

(محمد بن عمرو بن حلحلة) الديليّ المدنيّ، ثقة [6] 16/ 1859.

6 -

(محمد بن عمران الأنصاريّ) المدنىّ، مجهول [6].

روى عن أبيه لقي ابن عمر، فحدّثه. وعنه محمد بن عمرو بن حلحلة. ذكره البخاريّ، فلم يذكر فيه جرحًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.

[تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" محمد بن عمرو، وهو غلطٌ والصواب:"محمد بن عمران"، كما هنا، انظر "تحفة الأشراف" 6/ 21. واللَّه تعالى أعلم.

7 -

(أبوه) عمران الأنصاريّ المدنيّ، مقبول [4].

روى عن ابن عمر حديث الباب فقط. وعنه ابنه محمد. قال مسلمة بن قاسم: لا بأس به. تفرّد به المصنّف، فأخرج له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

8 -

(عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ) قال ابن عبد البرّ: لا أعرفه إلا بهذا الحديث (عَنْ أَبِيهِ) إن لم يكن عمران بن حبّان الأنصاريّ، أو عمران بن سَوَادة، فلا أدري من هو؟.

أنه (قَالَ: عَدَلَ إِلَيَّ) أي مال إلي عن طريقه (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنهما (وَأَنا نَازِلٌ تحتَ سَرْحَة) بفتح السين، والحاء المهملتين، بينهما راء ساكنة: الشجرة العظيمة التي لها شُعَب (بطَرِيقِ مَكةَ، فَقَالَ) أي ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (مَا أَنْزَلَكَ)"ما" استفهامية، أي أَيُّ شيء جعلك نازلاً (تَحَتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟) وفي رواية "الموطإ":"تحت هذه السرحة"(فَقُلْتُ: أَنْزَلَنِي ظِلُّهَا) وفي رواية "الموطإ": "فقلت: أردت ظلّها، فقال: هل غير ذلك؟ فقلت: لا، ما أنزلني إلا ذلك"(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن

ص: 313

عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى) بلفظ التثنية: جبلا مكّة المطيفان بها. قال ابن الأثير: وهما أبو قبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهه على قُعَيقعان. وقال ياقوت: جبلان يضافان إلى مكة، وتارة إلى منى، وهما واحد، أحدهما أبو قبيس، والآخر قُعَيعان، ويقال: بل هما أبو قبيس، والجبل الأحمر المشرف هنالك انتهى

(1)

. وقال ابن وهب: أراد بهما الجبلين اللذين تحت العقبة بمنى، فوق المسجد، والأخشاب الجبالُ. وقال إسماعيل: الأخشاب يقال: إنها اسم لجبال مكة ومنى خاصّة. قاله الزرقانيّ

(2)

(وَنَفَحَ بِيَدِهِ) هكذا في النسخة "الهندية" بالحاء المهملة، وقال السندي -رحمه اللَّه تعالى- في شرحه:"ونفح بيده" بالحاء المهملة: أي رمى، وأشار بيده انتهى.

ووقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى"، وكذا في "الكبرى" مضبوطًا بخاء معجمة، والظاهر أنه تصحيف.

قال العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- فيما كتبه على "مسند أحمد": ما نصّه: "نفح بيده" بالحاء المهملة، كما ثبت في "ك م" المخطوطتين من "المسند"، وكذلك في نسخة من النسائيّ عندي، مخطوطة سنة (1113)، وكذلك في النسختين المطبوعتين منه بمصر والهند، وزاد مصحح الطبعة الهندية (ص470) ضبطها بحاء مهملة، وكذلك هي بالحاء المهملة في نسخة "الموطإ" مخطوطة الشيخ عابد السنديّ، وكذلك رسم بالمهملة في "معجم ما استعجم" للبكريّ عند ذكره الحديث مرّتين 124، 733.

وفي "المسند"، و"الموطإ" طبعة الحلبيّ، والنسائيّ مخطوطة الشيخ عابد السنديّ:"نفخ" بنقطة فوق الخاء، وكذلك ضبطه الزرقانيّ في "شرح الموطإ" 2/ 284 بخاء معجمه.

قال: وأنا أرجّح أن يكون بالحاء المهملة؛ لأن النفخ بالمعجمة هو المعروف من إخراج الريح من الفم وغيره، واستعماله في معنى الإشارة باليد من المجاز البعيد الذي يحتاج إلى تكقف شديد. وأما النفح بالمهملة، فإنه الضرب والرمي باليد، أو الرجل، ومنه حديث:"المكثرون هم المقلّون، إلا من نفح فيه يمينه وشماله". قال ابن الأثير: أي ضرب بيده فيه بالعطاء، ومنه قولهم: نفحت الدابّة: أي رمحت برجلها، ورمت بحدّ حافرها. انتهى كلام أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى-

(3)

.

(1)

- راجع تحقيق أحمد شاكر لمسند أحمد ج 9/ص82 - 83.

(2)

- "شرح الزرقاني على الموطّأ" 2/ 399.

(3)

- راجع "شرح المسند" 9/ 82 - 83.

ص: 314

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما رجّحه أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- من ضبط "نفح" بالحاء المهملة هو الذي يترجّح عندي. واللَّه تعالى أعلم.

(نَحْوَ الْمَشْرِقِ) قال البونيّ: أحسب ابن عمر ظنّ أن عمران يعلم الوادي الذي فيه المزدلفة، ولذلك كرّر عليه السؤال انتهى (فَإِن هُنَاكَ وَادِيًا) وهو على أربعة أميال منها، قال أبو ذؤيب:

بِآيَةِ مَا وَقَفْتُ وَالرِّكَا

ب بَيْنَ الْحَجُونِ وَبَيْنَ السِّرَرْ

وفي بعض الأحاديث إنها بالمَأْزِمَين من منى، كانت فيه دَوْحة. أفاده المرتضى في "شرح القاموس"

(1)

.

(يُقَالُ لَهُ: السُّرَّبَةُ) هكذا نسخ "المجتبى" بالباء الموحّدة بعد الراء، وضبطه السنديّ في "شرحه" بضمّ السين، وفتح الراء المشدّدة. والذي في "الكبرى":"السّريّة" بالياء التحتانيّة، والظاهر أنه الصواب، والأول تصحيف، وهو بضم السين، وتشديد الراء بلفظ النسبة إلى السُّرّ.

(وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ) يعني ابن مسكين (يُقَالُ لَهُ: السُّرَرُ) بضمّ السين، وفتح الراء. وقيل: هو بفتح السين والراء. وقيل: بكسر السين. قاله ابن الأثير

(2)

.

وقال المرتضى في "شرح القاموس": وهذا الموضع يسمى وادي السرر -بضم السين، وفتح الراء. وقيل: هو بالتحريك. وقيل: بالكسر، كما ضبطه صاحب "القاموس"، وبالتحريك ضبطه العلّامة عبد القادر بن عمر البغدادي اللغويّ في "شرح شواهد الرضيّ".

(بِهِ) أي فيه (سَرْحَةٌ) وفي رواية "الموطإ": "شجرة"(سُرَّ) بضم السين، وتشديد الراء (تحتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا) أي وُلِدوا تحت تلك السّرْحة، فقُطع سُرُّهم، وهو بالضمّ: ما تقطعه القابلة من سُرّة الصبيّ، كما في "النهاية"، قال الزرقانيّ: فقول السيوطيّ: أي قُمعت سُرّتهم، إذ وُلدوا تحتها مجازٌ، سُمّي السُّرُّ سُرّةً؛ لعلاقة المجاورة.

وقال مالك: بُشروا تحتها بما يسرّهم. قال ابن حبيب: فهو من السرور: أي تنبّؤوا تحتها واحدٌ بعد واحد، فسُرّوا بذلك، وبه أقول انتهى كلام الزرقاني

(3)

. قال أحمد شاكر: والظاهر عندي أنه الأصحّ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نُقل عن مالك في معنى "سُرّ" أقرب

(1)

- "تاج العروس" 3/ 264.

(2)

- "النهاية" 2/ 359.

(3)

- "شرح الموطّأ" للزرقانيّ 2/ 399.

ص: 315

عندي، كما قال الزرقانيّ، وابن شاكر.

وحاصله أن معنى سُرّ من السرور، أي استبشروا وفرحوا بما أوتوا من النبوّة في هذا المكان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا حسنٌ.

[تنبيه]: ضعّف هذا الحديث الشيخ الألبانيّ، وصحّح إسناده العلامة أحمد محمد شاكر، فقال فيما كتبه على "المسند": إسناده صحيح، محمد بن عمران الأنصاريّ، قال في "التهذيب": ذكره ابن حبّان في "الثقات"، ثم ذكر الحافظ أنه ذكره البخاريّ، فلم يذكر فيه جرحًا، وهذا إشارة منه إلى كفاية هذا في توثيقه، كما قلنا مرارًا، وهو في "الكبير" 1/ 1/202: محمد بن عمران الأنصاريّ عن أبيه سمع ابن عمر، قاله مالك، عن محمد بن عمرو بن حلحلة. أبوه عمران الأنصاريّ: قال في "التهذيب": عن ابن عمر في فضل وادي السرر، روى عنه ابنه محمد، أخرج له النسائيّ هذا الحديث الواحد. وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به

إلى أن قال:

وأقول: إن مالكًا أعلم الناس بالأنصار، وبرواة الحديث من أهل المدينة، وهو يتحرّى الرجال والأحاديث. ثم عمران الأنصاريّ هذا تابعي عُرف اسمه وشخصه، فهو على الثقة والستر، وإن جهل نسبه، واسم أبيه انتهى ما كتبه أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ عندي؛ لأن محمد بن عمران، وأباه ثقتان عند مالك -رحمه اللَّه تعالى-، فقد سأله بشر بن عمر الزهرانيّ عن رجل أثقة هو؟، فقال: هل رأيته في كتبي؟، قال: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، فثبت أن ما أثبته مالك في كتبه ثقة عنده، لا سيما إذا كان مدنيًّا، ولا يعترض هذا بعبد الكريم بن أبي المخارق؛ لأنه معروت بالضعف، وإنما الكلام فيمن كان مثل محمد بن عمران، وأبيه، ممن لم يتكلّم فيه أحد.

والحاصل أن الحديث لا يقلّ عن درجة الحسن. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -189/ 2996 - وفي "الكبرى" 185/ 3986. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" 6197 و (مالك في الموطإ) في "الحج" 966. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

(1)

- راجع ما كتبه أحمد شاكر على "المسند" 9/ 82.

ص: 316

2997 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، ثِقَةٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الأَعْرَجُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى، فَفَتَحَ اللَّهُ أَسْمَاعَنَا، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَسْمَعُ مَا يَقُولُ، وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ، فَقَالَ: "بِحَصَى الْخَذْفِ"، وَأَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَ الأَنْصَارَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(محمد بن حاتم بن نُعيم) المروزيّ، ثقة [12] 66/ 1800.

2 -

(سُويد) بن نصر، أبو الفضل المروزيّ، لقبه شاه، راوية ابن المبارك، ثقة [10] 45/ 55.

3 -

(عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة المشهور [8] 32/ 36.

4 -

(عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ، ثقة ثبت [8] 6/ 6.

5 -

(حُميد الأعرج) بن قيس المكيّ، أبو صفوان القارىء الأسديّ مولاهم، وقيل: مولى عفراء، ليس به بأس [6].

قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان قارىء أهل مكّة. وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه؟ فقال: هو ثقة، هو أخو سَنْدَل. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس هو بالقويّ في الحديث. وقال المفضّل الغَلابيّ، عن ابن معين: ثبت، روى عنه مالك، وأخوه سَنْدَل ليس بثقة. وقال أبو زرعة: حميد الأعرج ثقة. وقال أبو حاتم: مكيّ ليس به بأس، وابن أبي نَجِيح أحبّ إليّ منه. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حميد بن قيس من الثقات. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن خِرَاش: ثقة صدوق. وقال ابن عديّ: لا بأس بحديثه، وانما يُؤتَى مما يقع في حديثه من الإنكار من جهة من يروي عنه. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الترمذيّ في "العلل الكبير": قال البخاريّ: هو ثقة. وكذا قال يعقوب بن سفيان. قال ابن حبّان: مات سنة (130) وقال ابن سعد: توفّي في خلافة أبي العباس. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم-2997 و 4529 و 4531 و 4568 و 4627.

6 -

(محمد بن إبراهيم التيميّ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة، له أفراد [4] 60/ 75.

7 -

(عبد الرحمن بن مُعاذ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب القرشيّ التيميّ، ابن عمّ طلحة بن عبيد اللَّه، جزم البخاريّ، والترمذيّ، وابن

ص: 317

حبّان وابن منده، بأن له صحبة. وكذا ذكره في الصحابة ابنُ عبد البرّ، وأبو نُعيم، وابن زَبْر، والباورديّ، وغيرهم، وعدّه ابن سعد فيمن شهد الفتح. روى له أبو داود، والمصنّف حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَنْ رَجُلِ مِنْهُمْ) أي من قومه التيميين (يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. وفي رواية أبي داود: "عن عبد الرحمن بن معاذ، عن رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم

" (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى، فَفَتَحَ اللَّهُ أَسْمَاعَنَا) يعني أنه حينما خطب النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان قوّى اللَّه تعالى أسماعهم، وبارك فيها، معجزةً له صلى الله عليه وسلم، فصار يسمعه الداني والقاصي. وفي رواية أبي داود: "ففُتحت أسماعنا" بالبناء للمفعول (حَتَّى إِنْ كُنَّا) "إن" مخفّفة من الثقيلة، ودخلت اللام في قوله (لَنَسْمَعُ) فرقًا بينها وبين "إن" النافية، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":

وَخُفَّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ

وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ

وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا

مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدًا

(مَا يَقُولُ، وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا) قال الشوكانيّ: فيه دليل على أنهم لم يذهبوا لسماع الخطبة، بل وقفوا في رحالهم، وهم يسمعونها، ولعلّ هذا كان فيمن كان له عذر منعه من الحضور لاستماعها، وهو اللائق بحال الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - انتهى

(1)

(فَطَفِقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أي شرع. وفي "القاموس": طَفِقَ يفعل كذا، كفرِحَ، وضَرَب، طَفْقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعلَ، خاصّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفِق انتهى (يُعَلِّمُهُمْ) هذا انتقال من التكلّم إلى الغيبة، وهو أسلوب من أساليب البلاغة مستحسن

(2)

(مَنَاسِكَهُمْ) أي أعمال حجّهم، وأحكامها، واسترسل في التعليم (حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ) يعني المكان الذي ترمى فيه الجمار، والجمار هي الحصى الصغار التي يُرمى بها الجمرات (فَقَالَ:"بِحَصَى الْخَذْفِ") متعلّق بفعل مقدّر: أي قال: ارموا بحصى الخذف. قال الفيّوميّ: خَذَفتُ الحصاة ونحوها خَذْفًا، من باب ضرب: رَميتُها بطرفي الإبهام، والسبّابة، وقولهم: يأخذ حَصَى الخذف: معناه حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أُطلق مجازًا انتهى.

وقال الأزهريّ: حصى الخذف صغار مثل النوى يرمي بها بين أصبعين، قال

(1)

- "نيل الأوطار" 5/ 82.

(2)

- "نيل الأوطار" 5/ 82.

ص: 318

الشافعيّ: حصى الخذف أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا، ومنهم من قال بقدر الباقلاً.

وقال النوويّ: بقدر النواة، وكل هذه المقادير متقاربة لأن الخذف بالمعجمتين لا يكون إلا بالصغير

(1)

.

وفي رواية أبي داود: "فوضع إصبعيه السبّابتين، وفي بعض النسخ: "فوضع إصبعيه السبابتين في أذنيه، ثم قال:"بحصى الخَذْف". قال الشوكانيّ: وإنما فعل ذلك؛ ليكون أبلغ، وأجمع لصوته في خطبته، ولهذا كان بلالٌ يضع إصبعيه في صماخ أذنيه في الأذان، وعلى هذا ففي الكلام تقديم، وتأخير، وتقديره: فوضع إصبعيه السبابتين في أذنيه حتى بلغ الجمار.

قال: قوله: "ثم قال" يحتمل أن يكون المراد بالقول القول النفسيّ كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} [سورة المجادلة: 8]، ويكون المراد به هنا النيّة للرمي، قال أبو حيّان: وتراكيب القول الست

(2)

تدلّ على معنى الخفّة والسرعة، فلهذا عبّر هنا بالقول. وعند البيهقيّ:"ووضع إصبعيه السبابتين إحداهما على الأخرى". أي ليريهم مقدار الحصى الذي يُرمى به الجمار، وعليه فيكون هذا بيانًا بالفعل.

(وَأَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ) أي مقدّم مسجد الخيف الذي بمنى، ولعلّ المراد بالمقدم الجهة أي جهة مقدم المَسجد (وَأَمَرَ الْأَنْصَارَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ) زاد في رواية:"ثم نَزَلَ الناسُ بعد ذلك". بتخفيف الزاي، ورفع "الناس" على الفاعلية، أو بتشديها، ونصب "الناس". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد الرحمن بن معاذ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه- 189/ 2997 - وأخرجه (د) في "المناسك" 1957 (أحمد) في "مسند المدنيين"16152. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): استحباب خطبة الإمام في منى؛ ليعلّمهم ما تبقّى من أعمال الحجّ.

(1)

- "نيل الأوطار" 5/ 83.

(2)

- لعله أراد بالست المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 319

(ومنها): ما وقع للنبيّ صلى الله عليه وسلم من المعجزة، حيث أسمع اللَّه خطبته كلّ من حضر منى، القريب منهم والبعيد. (ومنها): بيان مقدار ما يُرمى به من الحصى، وذلك بمثل حصى الحذف، وقدّره العلماء بقدر الباقلّاء ونحوها. (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن يراعي مصالح رعيّته، فَيُنَزِّلُهُمْ منازلهم اللائقة بهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌190 - (أَيْنَ يُصَلِّي الإِمَامُ الظَّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يوم التروية، هو اليوم الثامن من ذي الحجة. وهو - بفتح التاء المثنّاة الفوقية، وسكون الراء، وكسر الواو، وتخفيف الياء- سمي بذلك لأنهم كانوا يتروون بحمل الماء معهم من مكّة إلى عرفات. وقيل: إلى منى. وقيل: لأن آدم عليه السلام رأى فيه حوّاء عليها السلام. وقيل: لأن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم عليه السلام المناسك. وقيل: لأنهم كانوا يروّون إبلهم فيه. وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام رأى تلك الليلة في منامه أنه يذبح ولده بأمر اللَّه تعالى، فلما أصبح كان يَتَرَوَّى، ويتفكّر في رؤياه فيه، وفي التاسع عرف، وفي العاشر استعمل

(1)

. وقيل: هو من الرواية؛ لأن الإمام يروي للناس مناسكهم.

قال العلامة العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وذكره الجوهريّ في باب رَوِي معتلّ العين واللام، وذكر فيه موادّ كثيرة، ثم قال: وسمي يوم التروية لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعدُ، ويكون أصله من رَوِيت من الماء بالكسر أَرْوَى رَيًّا ورِيًّا، ورِوّى، مثل رِضًى، وتكون التروية مصدرًا، من باب التفعيل، تقول: رؤيته الماء ترويةً. وأما قول من قال: لأن آدم عليه السلام رأى فيه حوّاء، فغير صحيح من حيث الاشتقاق، لأنه رأى الذي هو من الرؤية، مهموز العين، معتلّ اللام، نعم جاء من هذا الباب ترئية، وتريّة، ولم يجىء تروية، فالأول من قولك: رأَت المرأة ترئية: إذا رأت الدم القليل عند الحيض، والثاني اسم الخرقة التي

(1)

- راجع "القاموس المحيط" في مادة روى.

ص: 320

تعرف بها المرأة حيضها من طهرها، وأما بقية الأقوال، فكون أصلها من الرؤية غير مستبعد، ولكن لم يجىء لفظ التروية منها لعدم المناسبة بينهما في الاشتقاق. وأما قول من قال: هو من الرواية، فبعيد جدًّا؛ لأنه لم يجىء تروية من هذا الباب؛ لعدم الاشتقاق بينهما انتهى كلام العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

وقال في "الفتح": وقد روى الفاكهيّ في "كتاب مكة" من طريق مجاهد، قال: قال عبد اللَّه بن عمر: يا مجاهد، إذا رأيت الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشبها، فخذ حذرك، وفي رواية: فاعلم أن الأمر قد أظلّك انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

2998 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ، عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ ، قَالَ: بِمِنًى. فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ ، قَالَ: بِالأَبْطَحِ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة حافظ [11] 22/ 489.

2 -

(عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) -بالتشديد- الهاشميّ مولاهم، أبو القاسم البغداديّ، ثم الطرسوسيّ، لا بأس به [11] 172/ 1141.

3 -

(إسحاق الأزرق) هو ابن يوسف بن مِرْداس الواسطيّ، ثقة [9] 22/ 489.

4 -

(سفيان الثوريّ) ابن سعيد، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [7] 33/ 37.

5 -

(عبد العزيز بن رُفيع) -بضم الراء، مصغّرًا- الأسديّ، أبو عبد اللَّه المكيّ الطائفيّ، نزيل الكوفة، ثقة [4].

قال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: يقوم حديثه مقام الحجة. وقال جرير: كان أتى عليه نيّفٌ وتسعون سنة، فكان يتزوّج، فلا تمكث المرأة معه من كثرة جماعه. قال مطيّن: مات سنة (130) وقال ابن حبّان في "الثقات": مات بعد (130). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم- 2998 و 3279 و 3786 و 3787 و 4048 و 4603 و 4743.

(1)

- راجع "عمدة القاري" 8/ 149 - 150.

(2)

- "فتح" 4/ 317.

ص: 321

6 -

(أنس بن مالك) بن النضر الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فالأول من أفراده، والثاني من أفراده، وأبي داود. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله عنه من المكثرين السبعة، وهو آخر من مات من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) الأسديّ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْتُ: أَخبِرْنِي بشَيْءٍ، عَقَلْتَهُ) أي أدركته، وفهمته، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ"شيء"(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟) أي في أيّ مكان صلّاها في اليوم الثامن من ذي الحجة؟ (قَالَ) أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - (بمِنَى) الباء بمعنى "في"، متعلّق بفعل مقدّر يدلّ عليه السؤال، أي صلّاها في "منى" (فَقُلْتُ: أَينَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟) بفتح النون، وسكون الفاء، وتفتح: وهو الرجوع من منى بعد انقضاء أعمال الحجّ، وللحجاج نَفْران: الأول: هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والثاني: هو اليوم الثالث منها، وهو الثالث عشر من ذي الحجة، وهو المراد هنا؛ لأنه الذي نَفَرَ فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجته (قَالَ: بِالْأَبْطَحِ) أي صلّاها فيه، وهو مكان متّسع بين مكة ومنى، والمراد به المحصّب. زاد في رواية البخاريّ:"ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك". وفي رواية: "فقال: انظر حيث يصلّي أمراؤك، فصل".

وإنما قال أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - ذلك؛ لأنه لما بين له المكان الذي صلى فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية، وهو منى، خشي عليه أن يَحرص على ذلك، فيُنسَبَ إلى المخالفة، أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فقال له: صلّ مع الأمراء حيث يصلّون. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 190/ 2998 - وفي "الكبرى" 185/ 3987. وأخرجه (خ) في "الحجّ"

ص: 322

1653و 1654و1765 (م) في "الحجّ" 1309 (د) في "المناسك" 1912 (ت) في "الحجّ" 964 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 11564 (الدارميّ) في "المناسك"1872. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان المكان الذي يصلي فيه الحجاج الظهر يوم التروية، وهو منى، فيستحبّ إقامة الظهر يوم التروية بمنى، بل يصلي فيه الصلوات الخمس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى منى، فصلى خمس صلوات. وذكر أبو سعيد النيسابوريّ في "كتاب شرف المصطفى" أن خروجه صلى الله عليه وسلم يوم التروية كان ضحى. وفي "سيرة الملا" أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى منى بعد ما زاغت الشمس. وفي "شرح الموطإ" لأبي عبد اللَّه القرطبيّ: خرج صلى الله عليه وسلم إلى منى عشيّة يوم التروية.

(ومنها): الإشارة إلى متابعة أُولي الأمر، والاحتراز عن مخالفة الجماعة، لأن أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - قال:"صلّ حيث يصلي أمرؤك". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في الصلاة بمنى يوم التروية:

قال الحافظ: وفي الحديث أن السنة أن يصلّي الحاجّ الظهر يوم التروية بمنى، وهو قول الجمهور. وروى الثوريّ في "جامعه" عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير صلّى الظهر يوم التروية بمكة. وقد روى القاسم عنه أن السنّة أن يصليها بمنى، فلعله فعل ما نقله عمرو عنه للضرورة، أو لبيان الجواز. وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال:"إذا زاغت الشمس، فليرح إلى منى". قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير: أن من السنة أن يصلي الإمام الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح بمنى. قال به علماء الأمصار. قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلّف عن منى ليلة التاسع شيئًا. ثم روى عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها لم تخرج من مكّة يوم التروية حتى دخل الليل، وذهب ثلثه. قال ابن المنذر: والخروج إلى منى في كلّ وقت مباح، إلا أن الحسن، وعطاء، قالا: لا بأس أن يتقدّم الحاجّ إلى منى قبل يوم التروية بيوم، أو يومين. وكرهه مالك، وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي، إلا إن أدركه وقت الجمعة، فعليه أن يصلّيها قبل أن يخرج. انتهى ما في "الفتح"

(1)

.

وقال العينيّ: وقال النوويّ: ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة حتى يُصَلُّوا

(1)

- "فتح" 4/ 319.

ص: 323

الظهر في أول وقتها، هذا هو الصحيح المشهور من منصوص الشافعيّ. وفيه قول ضعيف أنهم يصلّون الظهر بمكة، ثم يخرجون. وقال المهلّب: الناس في سعة من هذا، يخرجون متى أحبّوا، ويصلّون حيث أمكنهم، ولذلك قال أنس:"صلّ حيث يصلي أمرؤك". والمستحبّ في ذلك ما فعله الشارع: "صلى الظهر والعصر بمنى". وهو قول مالك، والثوريّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف بالبيت سبعًا، ويركع، ويخرج، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج. وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء. وكانت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - تخرج ثلث الليل. وهذا يدلّ على التوسعة، وكذلك المبيت عن منى

(1)

ليلة عرفة ليس فيه حرج، إذا وافى عرفة ذلك الوقت الذي يخيّر، وليس فيه جبر كما يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف، أيام رمي الجمار، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور انتهى كلام العينيّ

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التي تؤيّده الأدلة الصحيحة استحباب الصلوات الخمس في منى من ظهر يوم التروية إلى فجر عرفة، ففي حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل عند مسلم: "فلما كان يوم التروية توجّهوا إلى منى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فصلّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر

" الحديث. وروى أبو داود، والترمذيّ، وأحمد، والحاكم، من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "صلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية، والفجر يوم عرفة بمنى". ولأحمد من حديثه:"صلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم بمنى خمس صلوات". ولابن خزيمة، والحاكم من طريق القاسم بن محمد، عن عبد اللَّه بن الزبير، قال:"من سنة الحجّ أن يصلّي الإمام الظهر وما بعدها، والفجر بمنى، ثم يغدون إلى عرفة".

فلا ينبغي للحاجّ أن يُهمل هذه السنة، فيتأَخّرَ بمكة، وكذا لا ينبغي له أن يتقدّم قبل يوم التروية بيوم أو يومين، إذ ليس عليه دليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

هكذا نسخة "العمدة" وفيها ركاكة، ولعل الصواب:"وكذلك ترك المبيت في منى ليلة عرفة الخ". واللَّه تعالى أعلم.

(2)

- "عمدة القاري" 8/ 151.

ص: 324

‌191 - (الْغُدُوُّ مِنْ مِنَى إِلَى عَرَفَةَ)

2999 -

(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ، فَمِنَّا الْمُلَبِّى، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(يحيى بن حبيب بن عربيّ) البصريّ، ثقة [10] 60/ 75.

2 -

(حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [8] 3/ 3.

3 -

(يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [5] 22/ 23.

5 -

(عبد اللَّه بن أبي سلمة) الماجشون التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقة [3] 52/ 856.

6 -

(ابن عمر) - رضي اللَّه تعالى عنهما - 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وحماد، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ:"غَدَوْنَا") من باب قعد بمعنى ذهبنا غُدْوَةً، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، وجمع الغُذوة غُدًى، مثلُ مُدْيةٍ ومُدَى، هذا أصله، ثم كثر حتى استُعْمل في الذهاب، والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"واغدُ يا أنيسُ"، أي انطلق. قاله الفيّوميّ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مِنْ مِنَى إِلَى عَرَفَةَ، فَمِنَّا الْمُلَبِّي، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ) يعني أنهم يجمعون بين التلبية والتكبير، فمرّة يلبّي هؤلاء، ويكبّر آخرون، ومرّة بالعكس، فيصدُق في كلّ مرّة أن البعض يكبّر، والبعض يلبّي، والظاهر أنهم ما فعلوا ذلك، إلا لأنهم وجدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فعل مثله، فقد أخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والطحاويّ، من حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، من طريق مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عنه، قال: "خرجت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فما

ص: 325

ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير"

(1)

.

فهذا صريح بأنه صلى الله عليه وسلم كان يلبّي في غالب أحواله، ويكبّر أحيانًا، فالمستحبّ للحاجّ أن يأتي بالذكرين جميعًا، لكن يكثر التلبية، ويأتي بالتكبير في أثنائها، كما هو صريح فعله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية مسلم من طريق عمر بن حسين، عن عبد اللَّه بن أبي سلمة، عن عبد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، قال:"كنّا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غداة عرفة، فمنا المكبر، ومنا المهلّل، فأما نحن فنكبّر، قال: قلت: واللَّه لعجبًا منكم، كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصنع؟ ".

وأراد عبد اللَّه بن أبي سلمة بذلك الوقوفَ على الأفضل؛ لأن الحديث يدلّ على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره لهم صلى الله عليه وسلم على ذلك، فأراد أن يعرف ما كان يصنع هو ليعرف الأفضل من الأمرين. قاله في "الفتح"

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن قد تبيّن من حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - الذي ذكرناه ما كان يصنعه صلى الله عليه وسلم، فكان يلبي غالبًا، ويكبّر خلالها، فالأفضل للحاجّ أن يجمع بينهما، مع تغليب التلبية، كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 191/ 2999 و2200 - وفي "الكبرى" 186/ 3989 و3990. وأخرجه (م) في "الحجّ" 1284 (د) في "المناسك" 1816 (أحمد) في "مسند المكثرين" 4444 (الموطأ) 741 (الدارميّ) في "المناسك" 1876. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب الغدوّ، أي الذهاب مبكرًا، قبل طلوع الشمس من منى إلى عرفة. (ومنها): استحباب إكثار التلبية أثناء المسير إلى عرفة. (ومنها): استحباب التكبير مع التلبية أيضًا. واللَّه تعالى أعلم

(1)

راجع "الفتح" 4/ 349.

(2)

- "فتح" 4/ 321.

ص: 326

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3000 -

(1)

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ

(2)

، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِلَى عَرَفَاتٍ، فَمِنَّا الْمُلَبِّى، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، و"هشيم": هو ابن بشير. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ، والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌192 - (التَّكْبِيرُ فِي الْمَسِيرِ إِلَى عَرَفَةَ)

3001 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُلَائِيُّ -يَعْنِي أَبَا نُعَيْمٍ الْفَضْلَ بْنَ دُكَيْنٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: وَنَحْنُ غَادِيَانِ، مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي التَّلْبِيَةِ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ ، قَالَ: كَانَ الْمُلَبِّى يُلَبِّي، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت إمام [10] 2/ 2.

2 -

(أبو نُعيم الفضل بن دُكين) التيميّ مولاهم، الأحول، مشهور بكنيته، ثقة ثبت [9] 11/ 516.

[تنبيه]: قوله: "الْمُلائيّ" -بضم الميم-: نسبة إلى بيع الْمُلاءة التي يَلتَحِف بها

(1)

- هذا الحديث تمام الألف الثالث من أحاديث سنن الإمام النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المشهورة بـ"المجتبى"، انتهيت منه بعد المغرب ليلة الجمعة المبارك - 18/ 6/1419هـ.

(2)

- "الدَّورَقيّ" -بفتح الدال المهملة، وسكون الواو-: نسبة إلى دورق بلد بخُوزستان. وقيل: نسبة إلى لُبس القلانس الدورقيّة. أفاده في "اللباب" 1/ 512.

ص: 327

النساء، قال في "اللباب" جـ3/ص277 - 278: اشتهر بهذه النسبة أبو بكر عبد السلام بن حرب الملائيّ الكوفيّ، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين. و"دُكين" لقبه، واسمه عمرو بن حماد بن زُهير بن درهم الأحول الملائيّ، مولى آل طلحة بن عُبيد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه -. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

3 -

(مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه الثبت المدنيّ [7] 7/ 7.

4 -

(محمد بن أبي بكر) بن عوف بن رَبَاح الثقفيّ المدنيّ، ثقة [4].

روى عن أنس حديث الباب فقط. وعنه ابنه أبو بكر، وموسى بن عقبة، ومالك، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: مدنيّ تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عندهم حديث الباب فقط.

5 -

(أنس) بن مالك الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، والملائيّ، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، عاش فوق مائة، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن محمد بن أبي بكر الثقفيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: قُلْتُ لِأَنَس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَنَحْنُ غَادِيَانِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كوننا ذاهبين وقت الغداة (مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي التَّلْبِيَةِ) أي في شأن التلبية، هل كنتم تلزمونها، أم يكون معها ذكر آخر؟ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِي هَذَا الْيَوْمِ؟، قَالَ) أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - (كَانَ الْمُلَبِّي يُلَبِّي، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) بضم أوله على البناء للمجهول (وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) وهذا محلّ الترجمة، ففيه بيان مشروعيّة التكبير في المسير إلى عرفة.

وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "سرت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وكان منهم المهل، ومنهم المكبّر، فلا يُنكر أحدٌ منهم على صاحبه".

ص: 328

قال العيني: والتكبير المذكور نوع من الذكر أدخله الملبّي في خلال التلبية من غير ترك التلبية؛ لأن المرويّ عن الشارع أنه لم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، وقال مالك: يقطع إذا زالت الشمس، وقال مرّة أخرى: إذا وقف. وقال أيضًا: إذا راح إلى مسجد عرفة. وقال الخطّابيّ: السنة المشهورة فيه أن لا يقطع التلبية حتى يرمي أوّل حصاة من جمرة العقبة يوم النحر، وعليها العمل، وأما قول أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا فقد يحتمل أن يكون تكبير المكبّر منهم شيئًا من الذكر يُدخلونه في خلال التلبية الثابتة في السنة من غير ترك التلبية. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 192/ 3001 و 193/ 3002 - وفي "الكبرى" 187/ 3991 و188/ 3992. وأخرجه (خ) في "الجمعة" 970 و"الحجّ" 1659 (م) في "الحجّ" 1285 (ق) في "المناسك" 3008 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 11659 (الموطأ) في "الحجّ" 753 (الدارميّ) في "المناسك" 1877. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌193 - (التَّلْبِيَةُ فِيهِ)

أي في المسير إلى عرفة. ولفظ "الكبرى": "التلبية في المسير إلى عرفة".

3002 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ -وَهُوَ الثَّقَفِيُّ- قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: غَدَاةَ عَرَفَةَ: مَا تَقُولُ فِي التَّلْبِيَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ ، قَالَ: "سِرْتُ هَذَا الْمَسِيرَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ مِنْهُمُ الْمُهِلُّ، وَمِنْهُمُ الْمُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ").

(1)

- "عمدة القاري" ج 5/ 397.

ص: 329

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه المذكور في الباب الماضي. ووقع في "الكبرى": "محمد بن إسحاق بن إبراهيم"، وهو غلط، فتنبّه.

و"عبد اللَّه بن رجاء": المكيّ، أبو عمران البصريّ، نزيل مكة، ثقة تغيّر حفظه قليلاً، من صغار [8].

قال الأثرم: سئل أحمد، فحسّن أمره. وقال الميمونيّ، عن أحمد: رأيته سنة (87)

(1)

. وقال الدوريّ وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو زرعة: شيخٌ صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات".

وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان من أهل البصرة، فانتقل إلى مكة، فنزلها إلى أن مات بها. وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعيّ، حدثنا عبد اللَّه ابن رجاء المكيّ الحافظ المأمون. وقال يعقوب بن سفيان: سمعت صدقة يُحسن الثناء عليه، ويوثقه. وقال الساجيّ: عنده مناكير، اختلف أحمد، ويحيى فيه، قال أحمد: زعموا أن كتبه ذهبت، فكان يكتب من حفظه، فعنده مناكير، وما سمعت منه إلا حديثين. وحكى نحوه العقيليّ عن أحمد. وفي "التقريب": مات في حدود التسعين. أي بعد المائة. انتهى. روى له البخاريّ في "جزء القراءة"، والباقون، إلا الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم -3763 في "كتاب الأيمان والنذور".

و"موسى بن عقبة": هو الأسديّ مولاهم المدنيّ الثقة الفقيه الإمام في المغازي [5] 96/ 122.

وقوله: "غداة عرفة" بفتح الغين المعجمة: الضَّحْوة، وهي مؤنثة. قال ابن الأنباريّ: ولم يُسمع تذكيرها، ولو حملها حامل على معنى النهار، جاز له التذكير، والجمع غَدَوات. قاله الفيّوميّ.

وقوله: "ما تقول في التلبية في هذا اليوم؟ ""ما" استفهامية، أي أيّ شيء تقول في التلبية في يوم عرفة؟.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- أي بعد المائة.

ص: 330

‌194 - (مَا ذُكِرَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ)

3003 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ يَهُوديٌّ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ، لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَاتٍ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه المترجم قريبًا.

2 -

(عبد اللَّه بن إدريس) الأوديّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [8] 85/ 102.

3 -

(أبوه) إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ الكوفيّ، ثقة [7] 24/ 2486.

4 -

(قيس بن مسلم) الجَدَليّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالإرجاء [6] 50/ 2738.

5 -

(طارق بن شهاب) البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، ثقة [2] 204/ 324.

6 -

(عمر) بن الخطّاب الخليفة الراشد - رضي اللَّه تعالى عنه -60/ 75. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وعمر رضي الله عنه فمدنيّ. (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنّة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) قال أبو داود: رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع منه شيئًا، أنه (قَالَ: قَالَ: يَهُودِيٌّ) أي رجل منسوب إلى اليهود، وهو علم لقوم موسى عليه السلام. وإنما سموا به اشتقاقًا من هادوا: أي مالوا، أي في عبادة العجل، أو من دين موسى عليه السلام، أو من هاد: إذا رجع من خير إلى شرّ، ومن شرّ إلى خير؛ لكثرة انتقالهم من مذاهبهم. وقيل: لأنهم يتهوّدون، أي يتحرّكون عند قراءة التوراة. وقيل: معرّب من يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة، ثم نسب إليه، فقيل: يهوديّ، ثم حذفت الياء في

ص: 331

الجمع، فقيل: يهود، وكلّ منسوب إلى جنس الفرقُ بينه وبين واحده بالياء وعدمها، نحو روم ورميّ، وزنج وزنجيّ. أفاده العينيّ

(1)

.

[تنبيه]: اسم هذا الرجل هو كعب الأحبار، بين ذلك مسدّدٌ في "مسنده"، والطبريّ في "تفسيره"، والطبرانيّ في "الأوسط"، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عبادة بن نُسيّ-بضم النون، وفتح المهملة- عن إسحاق بن خَرَشَة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن كعب. وللبخاريّ في "المغازي" من طريق الثوريّ، عن قيس بن مسلم، أن ناسًا من اليهود. وله في "التفسير" من هذا الوجه بلفظ: قالت اليهود. فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعبٌ على لسانهم. قاله في "الفتح"

(2)

.

(لِعُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) وفي رواية البخاريّ: "أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية فِي كتابكم، تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا

(لَاتخذنَاهُ عِيدًا) الضمير ليوم النزول، أي لعظّمناه، وجعلناه عيدًا لنا في كلّ سنة؛ لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين. والعيد فِعْلٌ من العود، وإنما سمي به؛ لأنه يعود في كلّ عام.

({الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}) خبر لمحذوف، أي هي قوله تعالى:{اليوم} الآية (قَالَ: عُمَرُ) - رضي اللَّه تعالى - عنه (قَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ) معناه أني ما أهملت، ولا خفي عليّ زمان نزولها، ولا مكانه، بل ضبطت جميع ما يتعلّق بذلك، من صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وموضعه وقت نزولها، وهو كونه صلى الله عليه وسلم قائمًا بعرفة، وهذا في غاية الضبط. وقال النوويّ: معناه: ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان،- أما المكان فهو عرفات، وهو معظم الحجّ الذي هو أحد أركان الإسلام. وأما الزمان فهو يوم الجمعة، ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان، وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكلّ واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا، وعظّمنا مكانه أيضًا، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدها ثلاثة أشهر انتهى

(3)

(الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَاللَّيلَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ) أي فيها (لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ) يحتمل النصب على أنه متعلّق بفعل مقدّر، أي أُنزلت ليلة الجمعة، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هي ليلة الجمعة.

قال السنديّ: لعل المراد بها ليلة السبت، فأضيفت إلى الجمعة لاتصالها بها، والمراد أنها نزلت يوم الجمعة في قرب الليلة، فاللَّه تعالى جمع لنا فيه بين عيدين: عيد الجمعة،

(1)

- "عمدة القاري" 1/ 300 - 301.

(2)

- "فتح" ج1/ص 145.

(3)

- راجع "عمدة القاري" ج1/ص 302.

ص: 332

وعيد عرفات، من غير تصنّع منا، رحمةً علينا، فله المنّة والفضل انتهى

(1)

.

(وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَاتٍ) جملة في محلّ نصب على الحال.

وفي رواية البخاريّ: "قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة، يوم جمعة". وفي رواية مسلم: "إني لأعلم اليوم الذي أُنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه". وزاد في رواية: "والساعة التي نزلت فيها على النبيّ صلى الله عليه وسلم".

[فإن قيل]: كيف طابق الجواب السؤال؛ لأنه قال: "لاتخذناه عيدًا"، وأجاب عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - بمعرفة الوقت، والمكان، ولم يقل: جعلناه عيدًا؟.

[والجواب عن هذا]: أنها نزلت في أُخريات نهار عرفة، ويومُ العيد إنما يتحقّق بأوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة. قاله هكذا بعض من تقدّم.

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وعندي أن هذه الرواية اكتفي فيها بالإشارة، والا فرواية إسحاق، عن قبيصة نصّت على المراد، ولفظه:"نزلت يوم جمعة، يوم عرفة، وكلاهما -بحمد اللَّه- لنا عيد". لفظ الطبريّ، وللطبرانيّ:"هما لنا عيدان". وكذا عند الترمذيّ من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أن يهوديًّا سأله عن ذلك؟، فقال: نزلت في يوم عيدين، يوم جمعة، ويوم عرفة".

فظهر أن الجواب تضمّن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنه يليه العيد

(2)

كما جاء في حديث: "شهرا عيد لا ينقصان، رمضان، وذو الحجة"، فسمي رمضان عيدًا؛ لأنه يعقبه العيد. انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف

(3)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 194/ 3003 و"كتاب الأيمان وشرائعه" 5013 - وأخرجه (خ) في "الإيمان" 45 و"المغازي" 4407 و"التفسير" 4606 و"الاعتصام بالكتاب والسنة" 7268

(1)

- "شرح السنديّ" 5/ 251.

(2)

- وقع في نسخة "الفتح""لأنه ليلة العيد"، والظاهر أنه تصحيف. واللَّه تعالى أعلم.

(3)

- "فتح" 1/ 146.

ص: 333

(م)"التفسير" 3017 (ت)"التفسير" 3043 (أحمد) في "مسند العشرة" 189 و 274. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل يوم عرفة، حيث إنه نزلت فيه هذه الآية الكريمة. (ومنها): بيان وقت، ومكان نزول هذه الآية. (ومنها): ما كان عليه عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - من العناية بمكان نزول الآية، وزمانها. (ومنها): أن هذه الآية فيها بيان ما منّ اللَّه تعالى به على هذه الأمة، حيث أكمل دينها، وأتمّ نعمه عليها، بحيث لا تحتاج إلى زيادة في أمر الدين، فكل ما حدث بعد أن أكمله اللَّه تعالى، مما لا دليل له منه يعتبر بدعة ضلالة، كما ثبت ذلك من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، متّفق عليه، وفي رواية لمسلم:"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3004 -

(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ، مِنْ أَنْ يَعْتِقَ اللَّهُ عز وجل فِيهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، وَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ» .

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عيسى بن إبراهيم) بن عيسى بن مَثْرُود، أبو موسى الغافقيّ المصريّ، ثقة، من صغار [10] 31/ 819.

2 -

(ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ، ثقة ثبت حافظ [9] 9/ 9.

3 -

(مخرمة) بن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ، صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ سمع من أبيه قليلاً [7] 28/ 438.

4 -

(أبوه) بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [5] 135/ 211.

5 -

(يونس) بن يوسف بن حِمَاس -بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة- ابن عمرو الليثيّ المدنيّ. وقيل: يوسف بن يونس بن حِمَاس، ثقة عابد [6].

قال أبو حاتم: محلّه الصدق، لا بأس به. وقال النسائيّ: ثقة. وقال البزّار: صالح

ص: 334

الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات" فيمن اسمه يوسف، وقال: وهو الذي يُخطىء فيه عبد اللَّه بن يوسف التِّنِّيسيّ عن مالك، فيقول: يونس بن يوسف، وكان من عُبّاد أهل المدينة، لَمَح يومًا امرأة، فدعا اللَّه تعالى، فأذهب عينيه، ثم دعا، فردّ عليه بصره. روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب، وحديث في "كتاب الجهاد" برقم-3137 فقط.

6 -

(ابن المسيّب) هو سعيد المخزوميّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت، من كبار [3] 9/ 9.

7 -

(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريان. (ومنها): أن رواية بكير عن يونس من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن بكيرًا من الطبقة الخامسة، ويونس من السادسة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ) قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: روينا "أكثر" رفعًا، ونصبًا، فرفعه على التميميّة، ونصبه على الحجازيّة، وهو في الحالين خبر، لا وصفٌ، والمجروران بعده مبيّنان، فـ"من يوم عرفة" يبيّن الأكثرية، مما هي؟، ومن "أن يُعتق" يبيّن المميّز، وتقدير الكلام: ما يومٌ أكثر من يوم عرفة عتيقًا من النار انتهى

(1)

(مِنْ أَنْ يُعْتِقَ) بضم أوله، من الإعتاق رباعيًا (اللَّهُ عز وجل فيه) أي في ذلك اليوم (عَبْدًا أَوْ أَمَةً مِنَ النَّارِ) متعلّق بـ"يُعتق"(مِنْ يَوْم عَرَفَةَ) متعلّق بـ"أكثر"(وإِنَّهُ) سبحانه وتعالى (لَيَدْنُو) من الدنوّ، وهو القرب. قال القرَطبيّ: قوله: "وإنه ليدنو" هذا الضمير عائدٌ إلى اللَّه تعالى، والدنو دنوّ إفضال وإكرام، لا دنوّ انتقال ومكان؛ إذ يتعالى عنه، ويتقدّس انتهى.

وقال النوويّ: قال القاضي عياض: قال المازريّ: معنى "يدنو" في هذا الحديث: أي تدنو رحمته وكرامته، لا دنوّ مسافة ومماسّة. قال القاضي: يتأول فيه ما سبق في حديث النزول إلى السماء الدنيا، كما جاء في الحديث الآخر من غيظ الشيطان يوم عرفة؛ لما يرى من تنزّل الرحمة. قال القاضي: وقد يريد دنوّ الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة، ومباهاة الملائكة بهم عن أمره سبحانه وتعالى

(1)

- "المفهم" 3/ 460.

ص: 335

انتهى ما ذكره النوويّ

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكروه من تأويل هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات صفة الدنوّ للَّه سبحانه وتعالى حقيقة، على ما يليق بجلاله، وإنما أداهم إلى هذا التأويل قياسهم الغائب بالشاهد، فظنوا أنهم لو أثبتوا ذلك له لزم تشبيهه سبحانه بخلقه، وهذا زعم باطل، فاللَّه سبحانه له الصفات العلى، لا تشبه الصفات، كما أن له ذات لا تشبه الذوات، فالمخلوق له ذاته، وصفاته الخاصّة به، والخالق له ذاته، وصفاته اللائقة به، ولا يلزم من هذا الإثبات تشبيه أصلاً، وقد ذكرنا غير مرّة أن مذهب السلف قاطبة في مثل هذا الحديث أن يؤمنوا به كما جاء، ويفوّضون الكيفية إلى اللَّه تعالى، فيؤمنون بأن للَّه تعالى دنوًّا حقيقيًّا، على ما يليق بجلاله، وكذلك له نزول كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأن له استواءً على العرش كما يليق به، وغير ذلك مما أثبته لنفسه من الصفات، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم فيما صحّ عنه، وأن الدنوّ، والنزول، والاستواء معان معلومة لكلّ من يعرف كلام العرب، فهي ثابتة له تعالى، وإنما المجهول كيفيتها.

فالحقّ أن اللَّه سبحانه وتعالى له الدنوّ، والنزول، والاستواء، وغيرها من الصفات الثابتة له حقيقة، لا مجازًا، على كيفية يعلمها هو، لا نعلمها، وقد أشبعت الكلام على هذا البحث في غير هذا الموضع من هذا الشرح، وللَّه الحمد. واللَّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ) أي يفاخرهم بهم. وقال القرطبيّ: أي يثني عليهم عندهم، ويعظمهم بحضرتهم، كما في الحديث الآخر:"يقول للملائكة: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعْثا غُبْرًا، أُشهدكم أني قد غفرت لهم"

(2)

. قال: وكأن هذا -واللَّه أعلم- تذكير للملائكة بقول: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] وإظهار لتحقيق قوله تعالى {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] انتهى كلام القرطبيّ

(3)

.

(وَيَقُولُ) سبحانه وتعالى (مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)"ما" استفهامية، والاستفهام هنا للتعجّب، كما في قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ} .

قال القرطبيّ: أي إنما حملهم على ذلك حتى خرجوا من أوطانهم، وفارقوا أهاليهم، ولذّاتهم، ابتغاء مرضاتي، وامتئال أمري انتهى.

(1)

- "شرح صحيح مسلم" 9/ 121.

(2)

- رواه أحمد في "مسنده" 2/ 224 و305.

(3)

- "المفهم" 3/ 461.

ص: 336

وقال القاضي عياض: وقد وقع الحديث في "صحيح مسلم" مختصرًا، وذكره عبد الرزاق في "مسنده" من رواية ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "إن اللَّه ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شُعْثًا، غُبْرًا، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني

" وذكر باقي الحديث.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لعل القاضي أراد بالاختصار كونه بمعناه، وإلا فلا معنى لدعوى اختصار حديث صحابيّ عن حديث صحابيّ آخر الاختصار المشهور عند المحدثين. واللَّه تعالى أعلم.

(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ، وَاللَهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) يعني أن يونس الذي في السند يشبه أن يكون يونس بن يوسف المدنيّ الذي روى عنه مالك، وهو كما قال، فقد صرّح به مسلم في "صحيحه" في سند هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): فى درجته:

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 194/ 3004 - وفي "الكبرى" 192/ 3996. وأخرجه (م) في "الحجّ" 1348 (ق) في "المناسك" 3014. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل يوم عرفة. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام، فلأصحابنا وجهان: أحدهما: تطلق يوم الجمعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"، كما سبق في "صحيح مسلم". وأصحّهما يوم عرفة؛ للحديث المذكور في هذا الباب، ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث "خير يوم طلعت فيه الشمس

" تقدّم للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الجمعة" برقم 4/ 1373، وأشبعت القول فيه هناك، وللَّه الحمد والمنّة.

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 121.

ص: 337

(ومنها): عظيم منّ اللَّه سبحانه وتعالى على المؤمنين، واكرامه لهم، حيث يباهي بهم الملائكة لوقوفهم بعرفة. (ومنها): إثبات صفة الدنوّ للَّه سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله. (ومنها): إثبات صفة القول أيضًا كذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌195 - (النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ)

3005 -

(أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا -أَهْلَ الإِسْلَامِ- وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم) النسائيّ، ثقة ثبت [11] 17/ 898.

2 -

(عبد اللَّه بن يزيد المقرىء) أبو عبد الرحمن المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة [9] 4/ 746.

3 -

(موسى بن عُليّ) أبو عبد الرحمن المصريّ، صدوق ربّما أخطأ [7] 31/ 560.

4 -

(أبوه) عُلي بن رَبَاح اللَّخْميّ المصريّ، ثقة، من صغار [3] 31/ 560.

[تنبيه]: المشهور في عُليّ ضم العين المهملة مصغّرًا، وكان يغضب منه، وفي "تهذيب التهذيب" 3/ 161: قال الليث: قال عليّ بن رَباح: لا أجعل في حلّ من سمّاني عُليّ -أي بالضمّ- فإن اسمي عَليّ -أي بالفتح-. وقال المقرىء: كان بنو أميّة إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ قتلوه، فبلغ ذلك رَبَاحًا، فقال: هو عُليّ، وكان يغضب من عُليّ، ويُحَرِّج على من سمّاه به: قال: وذكر ابن سعد، وابن معين أن أهل مصر يقولونه بفتح العين، وأن أهل العراق يقولونه بالضمّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

5 -

(عقبة بن عامر) الجهنيّ الصحابيّ الفقيه الفاضل، وَليَ إِمْرة مصر لمعاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - ثلاث سنين، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - قرب الستّين، تقدّم في 108/ 144. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 338

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، والمقرىء، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ") هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهي علمٌ، فلا يدخلها الألف واللام، وهي ممنوعة من الصرف؛ للتأنيث والعلميّة. ويقال لها: عرفات، وهي موضع وقوف الحجيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال، ويُعرب إعراب مسلمات، ومؤمنات، والتنوين تنوين المقابلة، كما في باب مسلمات، وليس بتنوين صرف؛ لوجود مقتضي المنع من الصرف، وهو العلميّة والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام. وبعضهم يقول: عرفة هي الجبل، وعرفات جمع عرفة، تقديرًا؛ لأنه يقال: وقفت بعرفة، كما يقال: بعرفات. أفاده الفيّوميّ (وَيَوْمَ النَّحْرِ) هو اليوم العاشر من ذي الحجة، سمي به؛ لأن نحر الهدايا والضحايا فيه (وَأَيَامَ التَّشْرِيقِ) هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وسميت بذلك لأن لحوم الأضاحي والهدايا تُشَرَّق فيها، أي تُقَدَّد في الشَّرْقَة، وهي الشمس. وقيل: تشريقها: تقطيعها، وتشريحها. وقيل: لأن الهدي لا يُنحر حتى تَشرُق الشمس. وقيل: التشريق التكبير، وظهوره دبر كلّ صلاة

(1)

(عِيدُنَا) بالرفع خبر "إنّ"، والمراد أن هذه الأيام لا يجوز صيامها؛ لأن اللَّه تعالى أكرمنا بضيافته فيها، فلا ينبغي الإعراض عنها، كما يرشد إليه قوله صلى الله عليه وسلم:"وهي أيام أكل وشرب". وقوله (أَهْلَ الْإسْلَامِ) منصوب على الاختصاص، أي أخصّ أهل الإسلام، كما قال ابن مالك رحمه الله تعَالى في "خلاصته":

الاخْتِصَاصُ كَنِدَاء دُونَ يَا

كَأَيُّهَا الْفَتَى بِإِثْرِ ارْجُونِيَا

وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ أَي تِلْوَ "أَلْ"

كَمِثْلِ نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ

(وَهِيَ أَيَّامُ أَكَلٍ وَشُرْبٍ) قال الخطّابي -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيها، فلا يجوز ضيامها تطوعًا، ولا نذرًا، ولا عن صوم التمتّع انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن نهي صومها مقيّد بالحاجّ؛ لما سيأتي قريبًا. وكذا قوله: "ولا عن صوم التمتّع" فيه نظر؛ فقد صحّ استثاؤه أيضًا، كما سيأتي قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

- "المصباح المنير" في مادّة شرق، و"المنهل العذب المورود" 10/ 166.

ص: 339

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 195/ 3005 - وفي "الكبرى" 191/ 3995. وأخرجه (د) في " الصوم" 2419 (ت) في "الصوم" 773 (أحمد) في "مسند الشاميين" 16928 (الدارميّ) في "الصوم" 1764. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن صوم يوم عرفة، وسيأتي في المسألة التالية الجمع بين الأدلة المتعارضة فيه، إن شاء اللَّه تعالى.

(ومنها): تحريم صوم يوم النحر، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم. (ومنها): تحريم صوم أيام التشريق، وهذا فيه خلاف سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): بيان حكمة تحريم صوم هذه الأيام، وهو كونها عيدًا، والعيد موسم ضيافة اللَّه تعالى لعباده المسلمين، فينبغي لهم أن يتمتعوا بالأكل والشرب، ونحوهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة) في اختلاف أهل العلم في حكم صوم عرفة:

ذهب الجمهور، ومنهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وغيرهم إلى أنه يستحبّ فطر يوم عرفة للحاجّ. وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان بن عفّان، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، فقد سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة؟، فقال: حججت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر، فلم يصمه، وحججت مع عمر، فلم يصمه، وحججت مع عثمان، فلم يصمه، وأنا لا أصوم، ولا آمر به، ولا أنهى عنه. رواه الدراميّ.

والنهي في حديث الباب محمول على الكراهة. قال الخطّابيّ: هذا نهي استحباب، وإنما نهى المحرم عن ذلك خوفًا عليه أن يضعف عن الدعاء، والابتهال في ذلك المقام، فأما من وجد قوّة لا يخاف معها ضعفًا، فصوم ذلك اليوم أفضل له.

وذهب بعضهم إلى استحباب صومه، حكاه ابن المنذر عن ابن الزبير، وعثمان بن أبي العاص، وعائشة، وإسحاق بن راهويه. ولعلهم حملوا النهي على من يُضعفه الصوم عن الأعمال.

واستحب عطاء صومه في الشتاء، وكرهه في الصيف؛ لأن كراهة صومه معلّلة

ص: 340

بالضعف، فإذا قوي، أو كان في الشتاء، ولم يضعف زالت الكراهة. ولا وجه لهذه التفرقة.

قال الحافظ في "الفتح": ومذهب الجمهور يستحب فيه الصوم، وإن كان حاجًّا إلا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات، ويكون مُخِلاً له في الدعوات، واحتجّوا بحديث أبي قتادة - رضي اللَّه تعالى عنه -:"صيام يوم عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده". رواه مسلم. انتهى.

وأما حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور، فأجابوا عنه أنه ليس فيه نهي صريح عن صوم يوم عرفة، وكونه عيدًا لا ينافي الصوم، مع أنه مختصّ بأهل عرفة، والظاهر أن قوله:"أيام أكل، وشرب" راجع إلى يوم النحر، وأيام التشريق.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "الظاهر أن قوله الخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأن الظاهر أنه راجع للكل، فالأرجح أن صوم يوم عرفة إنما يُستحبّ لغير من كان بعرفات حاجّاً؛ لأن حديث عقبة - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب ظاهر في ذلك. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: قيل: الحكمة في ذلك أنه ربّما كان مؤدّيًا إلى الضعف عن الدعاء والذكر، والقيام بأعمال الحجّ في ذلك اليوم. وقيل: الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الثاني هو الظاهر، لظاهر حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌196 - (الرَّوَاحُ يَوْمِ عَرَفَةَ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بالرَّوَاح هنا الذهاب، قال الفيّوميّ: راح يَرُوح رَوَاحًا، وتروح مثله، يكون بمعني الغُدُوّ، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى:{غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} الآية [سبأ: 12] أي ذهابها ورجوعها، وقد يتوهّم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح، والغدوّ

ص: 341

عند العرب يُستعملان في المسير أيّ وقت كان من ليل أو نهار. قاله الأزهريّ وغيره

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3006 -

(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْهَبُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، يَأْمُرُهُ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ، فِي أَمْرِ الْحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، جَاءَهُ ابْنُ عُمَرَ، حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَنَا مَعَهُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِهِ، أَيْنَ هَذَا؟ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: الرَّوَاحَ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ ، فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أُفِيضُ عَلَيَّ مَاءً، ثُمَّ أَخْرُجُ إِلَيْكَ، فَانْتَظَرَهُ، حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ، فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ، وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، كَيْمَا يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: صَدَقَ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ المصريّ، ثقة، من صغار [10]1449.

2 -

(أشهب) بن عبد العزيز بن داود القيسيّ، أبو عمرو المصريّ، يقال: اسمه مسكين، ثقة فقيه [10] 151/ 242.

3 -

(مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت الفقيه المدنيّ [7] 7/ 7.

4 -

(ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ الفقيه [4] 1/ 1.

5 -

(سالم بن عبد اللَّه) بن عمر العَدَوِيُّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 23/ 490.

6 -

(ابن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وأشهب، فمصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- "المصباح المنير" في مادة راح.

ص: 342

شرح الحديث

(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر، أنه (قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ) الأمويّ الخليفة (إِلَى اَلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ) الثقفي حين أرسله إلى قتال ابن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَأْمُرُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه آمرًا له (أَنْ لَا) نافية (يُخَالِفَ) عبد اللَّه (ابْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فِي أَمْرِ الْحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ)"كان" هنا تامّة، و"عرفة" مرفوع على الفاعليّة (جَاءَهُ ابْنُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَنَا مَعَهُ) القائل هو سالم، ووقع في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ:"فركب هو وسالم، وأنا معهما"، وفي روايته:"قال ابن شهاب: وكنت يومئذ صائمًا، فلقيت من الحرّ شدّة".

واختلف الحفّاظ في رواية معمر هذه، فقال يحيى بن معين: هي وَهَمٌ، ابن شهاب لم ير ابن عمر، ولا سمع منه. وقال الذهليّ: لست أدفع رواية معمر؛ لأن ابن وهب روى عن العمريّ، عن ابن شهاب نحوَ رواية معمر. وروى عنبسة بن خالد، عن يونس، عن ابن شهاب، قال:"وفَدت إلى مروان، وأنا محتلم". قال الذهليّ: ومروان مات سنة خمس وستين، وهذه القصّة كانت سنة ثلاث وسبعين انتهى. وقال غيره: إن رواية عنبسة هذه أيضًا وَهَمٌ، وإنما قال الزهريّ: وفدت على عبد الملك، ولو كان الزهريّ وفد على مروان لأدرك جلّة الصحابة، ممن ليست له عنهم رواية إلا بواسطة، وقد أدخل مالك، وعُقيلٌ -وإليهما المرجع في حديث الزهريّ- بينه وبين ابن عمر في هذه القصّة سالمًا، فهذا هو المعتمد. قاله في "الفتح"

(1)

.

(فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِهِ) أي خيمة الحجّاج (أَيْنَ هَذَا؟) أي قائلاً أين هذا، يعني الحجّاج (فَخَرَجَ اِلَيْهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ) بكسر الميم: أي إزار كبيرٌ (مُعَصْفَرَةٌ) أي مصبوغة بالعصفر (فَقَالَ لَهُ: مَما لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هي كنية ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ: الرَّوَاحَ) أي قال ابن عمر: الرواح، وهو منصوب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي عجّل الرواح، وهو بالفتح: الذهاب (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) وفي رواية: "إن كنت تريد أن تصيب السنة"(فَقَالَ: لَهُ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟) أي قال الحجّاج السنة في هذه الساعة؟ (فَقَالَ لَهُ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (نَعَمْ) أي السنة الرواح في الساعة (فَقَالَ) الحجاج (أُفِيضُ) بضم الهمزة، أي أصب. وفي رواية البخاريّ:"فأنظرني حتى أفيض على رأسي، ثم أخرجَ". قال في "الفتح": قوله: "فأنظرني" بالهمزة، وكسر الضاء

(1)

- "فتح" 4/ 322.

ص: 343

المعجمة: أي أخّرني، وللكشميهنيّ بألف، وضم الظاء: أي انتظرني انتهى (عَلَيَّ مَاءً) أراد ماء الغسل (ثُمَّ أَخْرُجُ إِلَيْكَ، فَانْتَظَرَهُ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَينِي وَبَينَ أَبِيِ) يعني أن الحجاج سار بين سالم وعبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَقُلْتُ) القائل سالم (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ، فَأَقْصِرِ الْخُطْبَةَ) بهمزة الوصل، وكسر الصاد المهملة (وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ) قال الحافظ ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كذا رواه القعنبيّ، وأشهب، وهو عندي غلطٌ؛ لأن أكثر الرواة عن مالك قالوا:"وعجّل الصلاة"، قال: ورواية القعنبيّ لها وجه؛ لأن تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصلاة. انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد وافق أشهبَ، والقعنبيَّ عبد اللَّه بن يوسف عند البخاريّ، فالظاهر -كما قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- أن الاختلاف فيه من مالك، وكأنه ذكره باللازم؛ لأن الغرض بتعجيل الصلاة حينئذ تعجيل الوقوف. واللَّه تعالى أعلم.

(فَجَعَلَ) الحجّاج (يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (كَيْمَا يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ) أي ليسمع ما قاله سالم من ابن عمر (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَر) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ: صَدَقَ) أي صدق سالم فيما قاله من أن السنة قصر الخطبة، وتعجيل الوقوف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -196/ 3006 - و200/ 3010 - وفي "الكبرى" 193/ 3998 و 197/ 4003. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1660 و 1663 (الموطأ) في "الحجّ"911. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب الرواح يوم عرفة. (ومنها): الغسل للوقوف بعرفة؛ لطلب الحجاج من ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن ينتظره حتى يغتسل، فانتظره، وأهل العلم يستحبّونه. قاله ابن بطال. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ابن عمر انتظره لحمله على أن اغتساله عن ضرورة. نعم روى مالك في "الموطّإ" عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل لوقوفه عشيّة عرفة. (ومنها):

ص: 344

ما قاله الطحاوي: فيه حجة لمن أجاز لبس المعصفر للمحرم. وتعقّبه ابن المنيّر في "الحاشية" بأن الحجّاج لم يكن يتّقي المنكر الأعظم من سفك الدماء وغيره حتى يتّقي المعصفر، وإنما لم ينهه ابن عمر لعلمه بأنه لا ينجع فيه النهي، ولعلمه بأن الناس لا يقتدون بالحجّاج انتهى ملخّصًا. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الاحتجاج إنما هو بعدم إنكار ابن عمر، فبعد إنكاره يتمسّك الناس في اعتقاد الجواز، وقد تقدّم الكلام على مسألة المعصفر في بابه. (ومنها): ما قاله المهلّب: فيه جواز تأمير الأدون على الأفضل. وتعقّبه ابن المنيّر أيضًا بأن صاحب الأمر في ذلك هو عبد الملك، وليس بحجة، ولا سيما في تأمير الحجاج، وأما ابن عمر، فإنما أطاع لذلك فرارًا من الفتنة.

و (منها): ما قاله ابن عبد البرّ: هذا الحديث يدخل عندهم في المسند؛ لأن المراد سنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا أطلقت، ما لم تضف إلى صاحبها، كسنة العمرين. قال الحافظ: وهي مسألة خلافية عند أهل الحديث والأصول، وجمهورهم على ما قال ابن عبد البرّ، وهي طريقة البخاريّ ومسلم، ويقويه قول سالم لابن شهاب، إذ قال له:"أفعل ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقال: وهل تتبعون إلا سنته". رواه البخاريّ. واللَّه تعالى أعلم.

(ومنها): أن إقامة الحجّ إلى الخلفاء، ومن جعلوا ذلك إليه، وهو واجب عليهم، فعليهم أن يقيموا من كان عالما به. (ومنها): أن الأمير يعمل في الدين بقول أهل العلم، ويصير إلى رأيهم. (ومنها): أن فيه مُداخلة العلماء السلاطين، وأنه لا نقيصة عليهم في ذلك. (ومنها): فتوى التلميذ بحضرة معلمه عند السلطان وغيره. (ومنها): ابتداء العالم بالفتوى قبل أن يسأل عنه. (ومنها): تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس. (ومنها): احتمال المفسدة الخفيفة لتحصيل المنفعة الكبيرة، يؤخذ ذلك من مضيّ ابن عمر إلى الحجاج، وتعليمه. (ومنها): الحرص على نشر العلم لانتفاع الناس به. (ومنها): صحة الصلاة خلف الفاجر من الولاة ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام. (ومنها): أن التوجّه إلى المسجد الذي بعرفة حين تزول الشمس للجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر سنة، ولا يضرّ التأخّر بقدر ما يشتغل به المرء من متعلّقات الصلاة كالغسل ونحوه.

(ومنها): أن تعجيل الصلاة يوم عرفة سنة مجمع عليها في أول وقت الظهر، ثم يصلي العصر بِإِثْرِ السلام والفراغ. (ومنها): مشروعية الخطبة يوم عرفة، وأن السنّة فيها أن تكون قصيرة. (ومنها): المبادرة إلى الوقوف بعد الجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

ص: 345

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌197 - (التَّلْبِيَةُ بِعَرَفَةَ)

3007 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الأَوْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ؟ ، قُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فُسْطَاطِهِ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ مِنْ بُغْضِ عَلِيٍّ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(أحمد بن عثمان بن حكيم الأوديّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [11] 160/ 252.

2 -

(خالد بن مخلد) القطوانيّ، أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوق يتشيّع، وله أفراد، من كبار [10] 196/ 307.

3 -

(علي بن صالح) بن صالح بن حيّ الهمدانيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة عابد، أخو الحسن بن صالح [7] 192/ 307.

4 -

(ميسرة بن حبيب) النَّهْديّ -بفتح، فسكون- أبو حازم الكوفيّ، صدوق [7] 13/ 892.

5 -

(المنهال بن عمرو) الأسديّ مولاهم الكوفي، صدوقٌ ربما وهم [5] 13/ 892.

6 -

(سعيد بن جبير) الأسديّ الكوفىّ، ثقة ثبت فقيه [3] 28/ 436.

7 -

(ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحَيح، غير ميسرة، فقد تفرّد به المصنف، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتيا. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 346

شرح الحديث

(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (بعَرَفَاتِ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ؟، قُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولعله -واللَّه أعلم- لا يرى التلبية في عرفة، ويُعْتَذَرُ عنه بأنه لم يعلم بالسنة (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (مِنْ فُسْطَاطِهِ) بضم الفاء، وكسره: بيتٌ من الشعر، جمعه فَساطيط (فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ مِنْ بُغضِ عَلِيٍّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. يعني أنه كان يتقيّد بالسنة، فكان يلبّي يوم عرفة. وهذا الذي قاله ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - يحتمل أن يكون لما رأى معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - ترك التلبية بعرفة ظنّ أن تركه لبغض عليّ - رضي اللَّه تعالى - عنه -، والظن قد يخطىء. والذي يظهر أن معاوية إنما تركه لعدم علمه بسنية التلبية فيها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - 197/ 3007 - فقط.

ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال:"تركوا السنة"، وقد سبق قريبًا أن قول الصحابيّ:"من السنة كذا" له حكم الرفع، عند جماهير المحدّثين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌198 - (الْخُطْبَةُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ)

3008 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَخْطُبُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، بِعَرَفَةَ، قَبْلَ الصَّلَاةِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [10] 4/ 4.

2 -

(يحيى) بن سعيد بن فرّوخ القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [9] 4/ 4.

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت الكوفيّ [7] 33/ 37.

4 -

(سلمة نُبيط) -بنون، وموحّدة، مصغّرًا- ابن شَرِيط -بفتح المعجمة- ابن أنس

ص: 347

الأشجعيّ، أبو فِرَاس الكوفيّ، ثقة، يقال: اختلط [5].

وثّقه أحمد، وأبو داود، وابن معين، والنسائيّ، والعجليّ، وعثمان بن أبي شيبة، وابن حبّان. وقال أبو حاتم: صالح ما به بأس. وكان وكيع يفتخر به، يقول: حدثنا سلمة بن نُبيط، وكان ثقة. وقال محمد بن عبد اللَّه بن نُمير: من الثقات، كان أبو نعيم يفتخر به. وقال البخاريّ: يقال: اختلط بأخرة. روى له أبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.

5 -

(أبوه) نُبيط بن شَريط -الأول بالتصغير، والثاني بفتح الشين المعجمة- الأشجعيّ الكوفيّ، صحابيّ صغير، يكنى أبا سلمة.

رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن سالم بن عُبيد، وأنس بن مالك. وعنه ابنه سلمة، ونعيم بن أبي هند، وأبو مالك الأشجعيّ. قال ابن أبي حاتم: نُبيط بن شَريط الأشجعيّ الكوفيّ والد سلمة بن نُبيط، له صحبة، وهو نُبيط بن شريط بن جابر، من بني مالك بن النجّار، زوّجه النبيّ صلى الله عليه وسلم الفريعة بنت أسعد بن زُرارة، وبقي نُبيط بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم زمانًا. قال عثمان الدراميّ: سألت ابن معين عن نبيط ابن شَريط؟ فقال: هو أبو سلمة ثقة. كذا قال ابن أبي حاتم: وقد فرق ابن عبد البرّ في "الصحابة" بين نُبيط بن شَريط بن أنس بن هلال الأشجعيّ، وبين نُبيط بن جابر الأنصاريّ النجاريّ، وهو الصواب. قال الحافظ: واعتمد صاحب "الكمال" قول ابن حاتم، فقال: إن اسم شَرِيط جابر، وهذا ليس بشيء؛ لأن الأشجعيّ، والنجّاريّ لا يجتمعان في نسب واحد. وممن فرّق بينهما ابن سعد، فذكر نُبيط بن جابر فيمن شهد أحدًا. وأما أبو القاسم البغويّ، فقال في نُبيط بن جابر: ليس له حديث، وقال في نُبيط بعد أن أورد له حديثه أنه قال: كنت مع أبي في حجة الوداع الحديث: لا أعلم له غير هذا انتهى. وإنما قال ابن معين فيه: إنه ثقة، لأنه ليس له عنده إلا مجرّد الرؤية، فبنى على أنه تابعيّ. انتهى. روى له أبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سلمة بن نُبَيْط وأبيه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 348

شرح الحديث

(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطِ، عَنْ أَبِيهِ) هكذا عند المصنف بدون واسطة، وهو الصحيح، ووقع عند أبي داود:"عن سلمة بن نبيط، عن رجل من الحيّ، عن أبيه نبيط"، فأدخل واسطة بين سلمة، وأبيه، والصحيح الأول، فقد وقع التصريح بالتحديث في رواية أحمد من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن الْحِمّانيّ، قال: ثنا سلمة بن نبيط، قال: كان أبي، وجدّي، وعمّي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: أخبرني أبي، قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب عشية عرفة على جمل أحمر

" (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، يَخْطُبُ عَلَى جَمَل أَحْمَرَ)[فإن قلت]: هذا الحديث يعارض ما ثبت في حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب على ناقته القصواء، ونحوه في حديث أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي بعد ثلاثة أبواب، فكيف يجمع بينهما؟.

[أجيب]: بأنه يحتمل أن نُبيطًا رآه صلى الله عليه وسلم على بُعْد، فظنّ أنه على بعير، فأخبر به. ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم فعل الاثنين؛ لطول وقت الوقوف فركب ناقة، ثم جملاً، أو بالعكس؛ تخفيفًا على الدابّة. واللَّه تعالى أعلم.

(بعَرَفَةَ، قَبْلَ الصَّلَاةِ) فيه أن محلّ الخطبة قبل الصلاة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته: حديث نُبيط بن شريط - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا 198/ 3008 - وفي "الكبرى" 195/ 4000. وأخرجه (د) في "المناسك" 1916 (ق) في "المناسك" 1286 (أحمد) في "مسند الكوفيين"18246 و 18248. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب الخطبة بعرفة قبل الصلاة. قال الزرقانيّ: في الحديث أنه يستحبّ للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور، والمدنيّون، والمغاربة من المالكيّة، وهو المشهور، فقول النوويّ: خالف المالكيّة. فيه نظر، إنما هو قول العراقيين منهم، والمشهور خلافه، واتفق الشافعيّة أيضًا على استحبابها خلافًا لما توهّمه عياض، والقرطبيّ انتهى.

ص: 349

قال النوويّ: ومذهب الشافعيّ أن في الحجّ أربع خطب مسنونة: إحداها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر. والثانية هذه التي ببطن عرنة يوم عرفة. والثالثة يوم النحر. والرابعة يوم النفر الأول، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق.

قال أصحابنا: وكلّ هذه الخطب أفراد، وبعد الظهر إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، قال أصحابنا: ويعلّمهم في كلّ خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ

(1)

.

وعند الحنفيّة في الحجّ ثلاث خطب أولاها وثانيتها ما ذكره النوويّ، وثالثها بمنى في اليوم الحادي عشر، فيفصل بين كلّ خطبتين بيوم، وكلها سنة.

والراجح في تعيين أيام الخطبة هو ما ذهب إليه الشافعية

(2)

، كما سبق في كلام النوويّ. واللَّه تعالى أعلم.

(ومنها): استحباب وقوف الإمام على الدابة؛ ليراه الناس، فيتعلّموا منه أفعال الحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌199 - (الْخُطْبَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى النَّاقَةِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث الذي أورده المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في الباب ليس مطابقًا للترجمة، إلا على تكلّف، وذلك أنه لا فرق بين الجمل والناقة في الركوب حال الخطبة، فإذا ثبَتَ أنه صلى الله عليه وسلم خطب على الجمل جازت الخطبة على الناقة من غير فرق.

لكن كان الأولى له أن يأتي بالأحاديث التي فيها النصّ على أنه صلى الله عليه وسلم خطب على الناقة، فإنها أصحّ من حديث الجمل، فقد أخرجها مسلم وغيره، وقد أجاد في "الكبرى" حيث أورد حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - فيه، فقال:

(1)

- "شرح النوويّ على صحيح مسلم" 8/ 411.

(2)

- راجع "المرعاة" 9/ 20.

ص: 350

4001 -

1 - أخبرني إبراهيم بن هارون، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه، فقلت: أخبرني عن حجة النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: جاز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنَمِرَةَ، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرُحلت له حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، فقال: "إن دماءكم، وأموالكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أَضَعُهُ دماؤنا

(1)

، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضَعًا في بني سعد، وقتلته هُذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربا عباس بن عبد المطّلب، فإنه موضوع كلّه، اتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللَّه، وإن عليهم

(2)

أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهنّ ضربًا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهن، وكسوتهنّ بالمعروف، فقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعدي، إن اعتصمتم به، كتاب اللَّه، وأنتم مسؤولون عنّي، فما أنتم قائلون؟ "، قالوا: نشهد أن قد بلّغت، وأدّيت، ونصحت، فقال بإصبعه السبّابة، يرفعها إلى السماء، ويسلتها

(3)

إلى الأرض: "اللَّهم اشهد، اللَّهمّ اشهد" ثلاثًا

(4)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3009 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَخْطُبُ يَوْمَ عَرَفَةَ، عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن آدم": هو الجهني المصّيصيّ، صدوق [10] 93/ 115. و"ابن المبارك": هو عبد اللَّه الإمام الحجة المشهور.

[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (154) من رباعيات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم

(1)

- هكذا في نسخة "الكبرى""دماؤنا" بدون "من"، والصواب ما في "صحيح مسلم":"من دمائنا".

(2)

- هكذا نسخة "الكبرى"، والذي في "مسلم": ولكم عليهنّ أن لا يوطئن الخ"، وهو الأشبه. واللَّه أعلم.

(3)

- هكذا في "الكبرى"، والذي في "مسلم":"وينكتها إلى الناس"، ومَعْنَى "يسلُت" يرمي، يقال: سلت بسلحه: رماه، قاله في "ق"، والمعنى هنا رمى بأصبعه إلى الأرض مشيرًا بها. واللَّه تعالى أعلم.

(4)

- راجع "السنن الكبرى" للنسائيّ ج 2/ص421 - 422.

ص: 351

بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌200 - (قَصْرُ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ)

3010 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ

(1)

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، جَاءَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَنَا مَعَهُ، فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، فَقَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَالِمٌ: فَقُلْتُ لِلْحَجَّاجِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ الْيَوْمَ السُّنَّةَ، فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ، وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قبل ثلاثة أبواب، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌201 - (الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ)

3011 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يُصَلِّي الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، إِلاَّ بِجَمْعٍ وَعَرَفَاتٍ).

قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم في "كتاب

(1)

- وفي نسخة: "عن مالك".

ص: 352

الصلاة" برقم -49/ 608 - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد.

ورجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وهو ثقة.

و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ. و"سليمان": هو الأعمش. و"عمارة ابن عمير": هو التيميّ الكوفيّ. و"عبد الرحمن بن يزيد": هو النخعيّ الكوفيّ، أخو الأسود. و"عبد اللَّه": هو ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -.

وقوله: "يصلي الصلاة لوقتها الخ" وفي الرواية المتقدّمة في الباب المذكور، من طريق سفيان الثوريّ، عن الأعمش:"ما رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم جمع بين صلاتين إلا بجمع، وصلى الصبح يومئذ قبل وقتها".

وهذا الحديث احتجّ به الحنفيّة على منع الجمع بين الصلاتين في السفر؛ لأن ابن مسعود من ملازمي النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر أنه ما رآه يجمع إلا في المزدلفة.

وأجاب الجمهور القائلون بجواز الجمع في السفر بأنه نفى علمه، والمثبت مقدم على النافي؛ لأن معه زيادة علم.

وقال النوويّ في "شرح مسلم": والجواب عنه أنه مفهوم، والحنفيّة لا يقولون به، ونحن نقول بالمفهوم، ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع، ثم هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات. واللَّه أعلم

(1)

. وقد تقدّم تمام البحث في مسألة الجمع بين الصلاتين، وتحقيق الخلاف فيها، وأن الحقّ مع القائلين به في "كتاب الصلاة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌202 - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ)

3012 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَسَقَطَ خِطَامُهَا، فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الأُخْرَى).

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 37.

ص: 353

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير مرّة.

و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"عبد الملك": هو ابن أبي سليمان ميسرة العرزميّ الكوفيّ. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.

ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، فإنه صريح في مشروعيّة رفع اليدين عند الدعاء بعرفة، وفيه أنه لا بأس بتناول شيء بإحدى يديه، إذا اضطرّ إلى ذلك، وتبقى الأخرى مرفوعة. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "وسقط خطامها" -بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة-: ما يُجعل على خطم البعير، وهو مقدم أنفه وفمه، وجمعه خُطُم -بضمتين- مثلُ كتاب وكتُب.

والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -202/ 3012 - وفي "الكبرى" 201/ 4007. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3013 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَيُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَسَائِرُ الْعَرَبِ، تَقِفُ بِعَرَفَةَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تبارك وتعالى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعُ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [10] 2/ 2.

2 -

(أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره [9] 26/ 30.

3 -

(هشام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربّما دلّس [5] 49/ 61.

4 -

(أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 40/ 44.

5 -

(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وأبي معاوية، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها):

(1)

- وفي نسخة: أخبرنا".

ص: 354

أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزدَلِفَةِ) تَعْنِي أنها لا تجاوزها، بل تفيض منها إلى منى، وذلك لأن الشيطان استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم (وَيُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ) -بضمّ، فسكون- جمع أحمس، والأحمس في اللغة: الشديد، قال في "القاموس": حَمِسَ، كفرِحَ: اشتدّ، وصَلُبَ في الدين والقتال، فهو حَمِسٌ، وأحمس، وهم حُمْسٌ، والحمسُ: الأمكنة الصُّلْبة، جمع أحمس، وهو لقب قُريش، وكنانة، وجَدِيلة، ومن تابعهم في الجاهليّة؛ لتحمّسهم في دينهم، أو لالتجائهم بالحَمْساء، وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد انتهى.

وروى إبراهيم الحربيّ في "غريب الحديث" من طريق ابن جريج، عن مجاهد، قال: الحُمْس: قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل، كالأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وغزوان، وبني عامر، وبني صعصعة، وبني كنانة، إلا بني بكر. والأحمس في كلام العرب الشديد، وسمّوا بذلك لما شدّدوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلّوا بحجّ، أو عمرة لا يأكلون لحمًا، ولا يضربون وَبَرًا، ولا شعرًا، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم.

وذكر الحربيّ أيضًا في "غريبه" عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، قال: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم، فدخل في الحمس من غير قريش ثقيف، وليث، وخزاعة، وبنو عامر بن صعصعة -يعني وغيرهم- قال الحافظ: وعرف من هذا أن المراد بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قريشية، لا جميع القبائل المذكورة انتهى

(1)

.

(وَسَائِرُ الْعَرَب، تَقِفُ بِعَرَفَةَ) أنث الفعل مع أن ضمير الفاعل يعود إلى "سائر"؛ لإضافته إلى "العرب"، وهي مؤنثة باعتبار القبيلة (فَأَمَرَ اللَّهُ تبارك وتعالى نَبيهُ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ يقِفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعَ مِنْهَا) أي يرجع من عرفة إلى المزدلفة (فَأَنزَلَ اللَّهُ عز وجل: {ثُمَّ أَفِيضُوا}) أي ادفعوا أنفسكم، أو مطاياكم يا معشر قريش.

وقال في "الفتح": وعُرف برواية عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن المخاطب بقوله

(1)

- "فتح" 4/ 328 - 329.

ص: 355

تعالى: {أَفِيضُوا} النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمراد من كان لا يقف بعرفة من قريش وغيرهم انتهى. ({مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}) أي غيركم، وهو عرفات، والمقصود رجوعهم من ذلك المكان، ولا شكّ أن الرجوع منه يستلزم الوقوف فيه؛ لأنه مسبوق به، فلزم من ذلك الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس، وهو عرفة

(1)

.

واختلف المفسّرون في المراد بالناس، فقيل: سائر الناس، غير الحُمْس. وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الضحّاك أن المراد به هنا إبراهيم الخليل عليه السلام، ويؤيّده حديث يزيد بن شيبان الآتي قريبًا، وعنه المراد به الإمام، وقيل: آدم عليه السلام. ويؤيّده القراءة في الشواذّ "الناسي" بكسر السين، بوزن القاضي، من قوله تعالى:{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115]. والأول أصحّ.

نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم عليه السلام، كما سيأتي في حديث يزيد بن شيان الآتي قريبًا، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصّة بقوله:{مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} ، بل هو أعمّ من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. وأما الإتيان في الآية بقوله:{ثُمَّ} فقيل: هي بمعنى الواو، وهذا اختيار الطحاويّ. وقيل: لقصد التأكيد، لا لمحض الترتيب، والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا اللَّه عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس، لا من حيث كنتم تُفيضون. قال الزمخشريّ: وموقع "ثم" هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فتأتي "ثم" لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بَيَّنَ لهم مكان الإفاضة، فقال:{ثُمَّ أَفِيضُوا} لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب، والأخرى خطأ.

وقال الخطابيّ: تضمن قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال، وزاد: وبَيَّنَ الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

(1)

- شرح السندي 5/ 255.

(2)

- "فتح" 4/ 329 - 330. و "عمدة القاري" 8/ 162.

ص: 356

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا 202/ 3013 - وفي "الكبرى" في 202/ 4013 وفي "التفسير"11034. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1665 وفي "التفسير" 4520 (م) في "الحجّ" 1219 (د) في "المناسك" 1910 (ت) في "الحجّ" 884 (ق) في "المناسك" 3018. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): وجوب الوقوف بعرفة، وأنّ الحجّ لا يتمّ إلا به. (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة، وذلك حيث امتنعت قريش من الوقوف بعرفة؛ لكونه خارج الحرم، فأمروا به.، فالمراد بالإفاضة الإفاضة من عرفة، هان كان ظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة؛ لأنها ذكرت بلفظة "ثم" بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام.

وأجاب بعض المفسّرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر لما ورد منه على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا، ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس، لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام، فاذكروا اللَّه عنده، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس

(1)

.

(ومنها): أن الوقوف بها كان من شريعة إبراهيم عليه السلام، فكانت العرب متمسّكة به، إلا ما كان من قريش، فهدى اللَّه تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم إليه. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: هذا الحديث، والأحاديث المذكورة بعده ليست مطابقة لترجمة الباب، بل هي من أحاديث الباب التالي، فكان الأولى للمصنّف إيرادها هناك، فليتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3014 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ بِعَرَفَةَ، يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَاقِفًا، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ إِنَّمَا هَذَا مِنَ الْحُمْسِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(قتيبة بن سعيد) الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

2 -

(سفيان) بن عيينة المكيّ الإمام الحجة الحافظ [8] 1/ 1.

3 -

(عمرو بن دينار) الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة

(1)

- "فتح" 4/ 329.

ص: 357

ثبت [4] 112/ 154.

4 -

(محمد بن جبير بن مطعم) النوفليّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة عارف بالنسب [3] 65/ 987.

5 -

(أبوه) جُبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، كان عارفًا بالأنساب، مات سنة ثمان، أو تسع وخمسين، وتقدم في 158/ 250. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ مُحَمَدِ بْنِ جُبَير بْنِ مُطْعِم) -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبيهِ) جبير بن مطعم - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي) أي فقدته، يقال: ضَلّ البعير: إذا غاب، وخفي موضعه، وأضللته بالألف: فقدته، قال الأزهريّ: وأضللت الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدّابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْته، ولا تقل: أضللته بالألف. وقال ابن الأعرابيّ: أضلّني كذا بالألف: إذا عجزت عنه، فلم تقدر عليه. وقال في "البارع": ضَلَّني فلانٌ، وكذا في غير الإنسان يَضِلُّني: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حيوانًا، فأخطأت مكانه، ولم تهتد إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْته. وقال الفارابيّ: أضللتُهُ بالألف: أضعته. انتهى

(1)

(فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ بعَرَفَةَ، يَوْمَ عَرَفَةَ) الجارّ، والظرف متعلقان بـ"أطلب" يعني أنه ذهب لطلب بعيره في الموضع المسمّى بعرفة، في يوم بعرفة (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَاقِفًا) أي بعرفة (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذَا؟) إشارة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا تعجب من جبير بن مطعم، وإنكار منه لما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة (إِنَّمَا هَذَا مِنَ الْحُمْسِ) تقدّم معناه. أي فما باله يقف بعرفة، والحمس لا يقفون بها؛ لأنهم لا يخرجون من الحرم. وفي رواية الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وابن أبي عمر جميعًا عن سفيان:"فما له خرج من الحرم". وزاد مسلم في روايته عن عمرو الناقد، وأبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بعد قوله:"فما شأنه ههنا؟ ": "وكانت قريش تُعدّ من الحمس".

وهذه الزيادة توهم أنها من أصل الحديث، وليس كذلك، بل هي من قول سفيان، بينه الحميديّ في "مسنده" عنه، ولفظه متّصلاً بقوله:"فما شأنه ههنا؟ " قال سفيان: والأحمس الشديد على دينه، وكانت قريش تُسمّى الحمس، وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم، استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا

(1)

- "المصباح المنير" في مادة ضل.

ص: 358

لا يخرجون من الحرم. ووقع عند الإسماعيليّ من طريقيه بعد قوله: "فما له خرج من الحرم؟ " قال سفيان: الحمس -يعني قريشًا- وكانت تسمّى الحمس، وكانت لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل اللَّه، لا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقف بعرفة، وذلك قوله:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]. انتهى.

وروى ابن خزيمة، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" موصولاً من طريق ابن إسحاق، حدثنا عبد اللَّه بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عمّه نافع بن جبير، عن أبيه، قال:"كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس، فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال: فرأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الجاهليّة يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم، ويدفع إذا دفعوا". ولفظ يونس بن بكير، عن ابن إسحاق في "المغازي" مختصرًا، وفيه:"توفيقًا من اللَّه له". وأخرجه إسحاق أيضًا عن الفضل بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء أن جبير بن مطعم، قال:"أضللت حمارًا لي في الجاهليّة، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن اللَّه وفّقه لذلك".

قال الحافظ: وأفادت هذه الرواية أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير أيضًا، كما تقدّم.

وتضمّن ذلك التعقيب على السهيليّ حيث ظنّ أن رواية جبير لذلك كانت في الإسلام في حجة الوداع، فقال: انظر كيف أنكر جبير هذا، وقد حجّ بالناس عتّاب سنة ثمان، وأبو بكر سنة تسع، ثم قال: إما أن يكونا وقفا بجمع، كما كانت قريش تصنع، وإما أن يكون جبير لم يشهد معهما الموسم.

وقال الكرمانيّ: وقفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعرفة كانت سنة عشر، وكان جبير حينئذ مسلمًا؛ لأنه أسلم يوم الفتح، فإن كان سؤاله عن ذلك إنكارًا، أو تعجبًا، فلعله لم يبلغه نزول قوله تعالى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} ، وإن كان للاستفهام عن حكمة المخالفة عما كانت عليه الحمس، فلا إشكال، ويحتمل أن يكون لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقفة بعرفة قبل الهجرة انتهى ملخصًا.

قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمد كما بيّنته قبلُ بدلائله، وكأنه تبع السهيليّ في ظنّه أنها حجة الوداع، أو وقع له اتفافًا. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

- "فتح" 4/ 328 - 329.

ص: 359

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جبير بن مطعم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 202/ 3014 - وفي " الكبرى" 201/ 4009. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1664 (م) في "الحجّ" 1220 (أحمد) في "مسند المدنيين" 16295و 16235 (الدارميّ) في "المناسك"1878. وفوائد الحديث تعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3015 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ شَيْبَانَ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا بِعَرَفَةَ، مَكَانًا بَعِيدًا مِنَ الْمَوْقِفِ، فَأَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْكُمْ، يَقُولُ: «كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان) بن أُميّة بن خَلَف الجمحيّ المكيّ، صدوق شريف [4].

روى عن كَلَدَة بن الحنبل، ويزيد بن شيبان، وعبد اللَّه بن السائب المخزوميّ، ومحمد بن الأسود بن خلف. وعنه عمرو بن دينار، وعمرو، ومحمد ابنا أبي سفيان الجمحيّ، والحكم بن جميع السَّدُوسيّ.

قال الزبير عن بعض أصحابه: توالى خمسة في الشرف، فذكر جماعة عمرو فيهم.

وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال الزبير: فيه يقول الفرزدق:

تَمْشِي تَبَخْتَرُ حَوْلَ الْبَيْتِ مُنْتَحِيًا

لَوْ كُنْتَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ تَزِدِ

قال: وكان له رقيقٌ يتّجرون، فكان ذلك يُعينه على مكارمه. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.

2 -

(يزيد بن شيبان) الأزديّ، صحابيّ، روى عنه عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان الجمحيّ. قال أبو حاتم: هو خال عمرو المذكور. وقال البخاريّ: له رؤية. روى له الأربعة حديث الباب فقط.

3 -

(ابن مِرْبع) -بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحّدة- هو زيد بن مربع بن قيظيّ -بفتح، فسكون- بن عمرو بن زيد بن جشم بن مَجْدعة بن الحارث الأوسيّ الأنصاريّ،

ص: 360

هكذا سماه أحمد، وابن معين، وابن الْبَرْقيّ. عنه، وقيل اسمه يزيد، وقيل: عبد اللَّه، وأكثر ما يجيء في الحديث غير مسمّى. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنه يزيد بن شيبان. روى له الأربعة حديث الباب فقط. والباقون تقدّموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح إلى عمرو بن دينار، والباقون من رجال الأربعة. ومنها: أنه مسلسل بالمكيين غير شيخه فبغلاني. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي عن صحابي. ومنها: أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له من الحديث إلا حديث الباب عند أصحاب "السنن". انظر "تحفة الأشراف" 11/ 121 - 122 واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن يزيد بن شيبان الأزديّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قال: كُنَّا وُقُوفًا) جمع واقف (بعَرَفَةَ، مَكَانًا بَعِيدًا مِنَ الْمَوْقِفِ) أي من موقف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (فَأَتَانَا) زيد (ابْنُ مِرْبَع الأَنصَارِيُّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْكُمْ، يَقُولُ: "كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ) جمع مَشعَر -بفتح الميم، والعين- أي على مواضع نسككم، ومواقفكم القديمة التي عهدتم الوقوف فيها بعرفة (فَإنَّكُمْ عَلَى إرْثِ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام) الفاء للتعليل؛ أي لأنكم موافقون لَما كان عليه إبراهيم عليه السلام، وهو علّة للأمر بالاستقرار، والثبات على الوقوف في مواقفهم، علّل ذلك بأنه موقفهم هو موقف إبراهيم عليه السلام ورثوه عنه، ولم يخطئوا في الوقوف فيه عن سنته، فإن عرفة كلها موقف، والواقف فيها بأي جزء من أجزائها آت بسنّته، متبعٌ لطريقته، ولو بَعُدَ ذلك الموقف عن موقف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وإنما قال لهم ذلك تطيبًا لقلوبهم لئلا يحزنوا على بعدهم عن موقفه صلى الله عليه وسلم، فيظنّوا أن ذلك نقصٌ في حجهم، أو يتوهّموا أن ذلك المكان ليس موقفًا يُعتدّ به؛ لبعده عن موقف النبيّ صلى الله عليه وسلم.

قال السنديّ: ويحتمل أن المراد بيان أن هذا خير مما كان عليه قريش من الوقوف بمزدلفة، وأنه شيء اخترعوه من أنفسهم، والذي ورّثه إبراهيم عليه السلام هو الوقوف بعرفة انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن مربع الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

ص: 361

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -202/ 3015 - وفي "الكبرى" 201/ 4010. وأخرجه (د) في "المناسك" 1919 (ت) في "الحجّ" 883 (ق) في "المناسك" 3011 (أحمد) في "مسند الشاميين" 16782. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): أن عرفة كلها موقف، فمن وقف في أي جزء من أجزائها، فحجه صحيح، ومن وقف خارجها، ولو بعرنة، فلا يصحّ حجه، لحديث جبير بن مطعم - رضي اللَّه تعالى عنه - أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"كلّ عرفات موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، وكلّ مزِدلفة موقف، وارفعوا عن بطن محسّر، وكل فجاج منى منحرٌ، وكل أيام التشريق ذَبْحٌ" حديث صحيح، أخرجه أحمد، وابن حبّان، والطبرانيّ في "الكبير". (ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، فإنه لما أحسّ أنهم لبعدهم عنه تنكسر قلوبهم، جبرهم بأنهم على صواب، وأن بعدهم لا يؤثّر في صحة حجهم. (ومنها): أن الوقوف بعرفة كان من سنة إبراهيم عليه السلام القديمة، غير أن قريشًا غيّرتها، وبدّلتها، فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأحياها، فمن وقف فيها فقد وافق سنته، فتمّ حجه، ومن لم يقف فيها لم يتمّ حجه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3016 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وهو قطعة من حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل في صفة حجة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد تقدّم بطوله في هذا الشرح في - 51/ 2740 - باب "ترك التسمية عند الإهلال" وتقدّم بيان ما يتعلّق به من التخريج وغيره هناك، فراجعه تستفد.

و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"جعفر": هو المعروف بالصادق. و"أبوه": هو المعروف بمحمد الباقر.

وقوله: "فحدّثنا أن نبيّ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال" أي فحدّثنا حديثًا طويلاً من جملته هذا.

وقوله: "عرفة كلها موقف" يعني أن أجزاء عرفة كلها سواء في إجزاء الوقوف بها، فمن وقف داخل حدود عرفة، أجزأه، سواء كان قريبًا من موقف النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو عند الصخرات التي في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، أو كان بعيدًا منه.

قال النوويّ: يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، فهذا هو الموقف المستحبّ. وأما ما اشتهر بين

ص: 362

العوام من الاعتناء بصعود الجبل، وتوهّمهم أنه لا يصحّ الوقوف إلا فيه، فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كلّ جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان.

قال: وأما عرفات فحدّها ما جاوز وادي عُرنة إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين ابن عامر، هكذا نصّ عليه الشافعيّ، وجميع أصحابه. ونقل الأزرقيّ عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه قال: حدّ عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفات إلى وَصِيق -بفتح الواو، وكسر الصاد المهملة، وآخره قاف- إلى ملتقى وَصِيق وادي عرنة. وقيل في حدها غير هذا مما هو مقارب له. انتهى كلام النوويّ باختصار

(1)

.

وكتب بعضهم: ما نصّه: وعرفة واد بين مزدلفة والطائف، يمتدّ من علمي عرفة إلى جبل عرفات الذي يحيط بالوادي من الشرق على هيئة قوس، وفي طرفه من الجنوب الطريق إلى الطائف، وفي طرفه من الشمال لسان يبرز إلى المغرب يسمّى جبل الرحمة، وسفحه الجنوبيّ هو حدّ عرفة الشمالي، وفي طرفه الغربيّ صخرة عالية هي موقف الخطيب، وفي أسفله مصلّى يُسمّى مسجد الصخرات، والمسافة من علمي عرفة إلى سفح جبل الرحمة تبلغ نحو كيلو متر ونصف كيلو. انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌203 - (فَرْضُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ)

3017 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَاهُ نَاسٌ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الْحَجِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ، قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(إسحاق بن إبرهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [10] 2/ 2.

(1)

- "شرح مسلم" 8/ 414و 422.

(2)

- انظر "فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود" 2/ 40.

ص: 363

2 -

(وكيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [9] 23/ 25.

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [7] 7/ 7.

4 -

(بُكير بن عطاء) الليثيّ الكوفيّ، ثقة [4].

قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ صالح، لا بأس به. وقال البخاريّ: قال عبد الرزّاق، قال الثوريّ: كان عنده حديثان، سمع شعبة أحدهما، ولم يسمع الآخر. وقال شبابة، عن شعبة، عن بُكير بن عطاء، عن ابن يعمر: نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الجر. ولم يصحّ. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة حدّث عنه الثوريّ وشعبة بحديث أصل من الأصول: "الحجّ عرفة". وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج له في "صحيحه". روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم 3017 و3045 و 5628.

5 -

(عبد الرحمن بن يعمر) الدِّيلي له صحبة، عِداده في أهل الكوفة، روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث:"الحجّ عرفة"، وحديث:"النهي عن الدبّاء، والمزفّت". وعنه بُكير بن عطاء الليثيّ. ذكره ابن حبّان في الصحابة أنه مكيّ، سكن الكوفة، قال: ويقال: مات بخراسان. وقال مسلم، والأزديّ، وغيرهما: لم يرو عنه غير بُكير بن عطاء. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، وهي المذكورة في ترجمة بُكير ابن عطاء الراوي عنه. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير بكير، والصحابيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند الأربعة، وحديث:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الدبّاء"، والمزفّت، عندهم إلا أبا داود. راجع "تحفة الأشراف" 7/ 218 - 219. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن يَعْمَرَ) بفتح، فسكون، ففتح الميم، أو ضمّها غير منصرف (قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللُهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَاهُ نَاسٌ) وفي الرواية الآتية في - 211/ 3045 - من طريق يحيى القطان:"وأتاه ناس من نجد"، وفي رواية الترمذيّ: "أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو بعرفة

" (فَسَأَلُوهُ عَنِ الْحَجِّ) وفي

ص: 364

رواية يحيى المذكورة: "فأمروا رجلاً، فسأله عن الحجّ؟، فقال: الحجّ عرفة"، ولأبي داود: "فأمروا رجلاً، فنادى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كيف الحجّ؟، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلاً، فنادى: الحجّ الحج

(1)

عرفة" (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْحَجُ عَرَفَةُ) وفي رواية للبيهقيّ: "الحجّ عرفات، الحجّ عرفات". أي الحجّ الصحيح حجّ من أدرك الوقوف بعرفة، فمن أدركه، فقد أمن فوت الحجّ. وقيل: معناه: مِلَاكُ الحجّ، ومعظم أركانه وقوف عرفة؛ لأنه يفوت بفوته.

وقال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام في "أماليه": فإن قيل: أيّ أركان الحجّ أفضل؟. قلنا: الطواف؛ لأنه يشتمل على الصلاة، وهو مُشَبَّه بالصلاة، والصلاة أفضل من الحجّ، والمشتمل على الأفضل أفضل.

فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: "الحجّ عرفة" يدلّ على أفضلية عرفة؛ لأن التقدير معظم الحجّ وقوف عرفة. فالجواب أن لا نُقَدِّر ذلك، بل نقدّر أمرًا مجمعًا عليه، وهو إدراك الحجّ وقوف عرفة. انتهى

(2)

.

(فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةً عَرَفَةَ) الظاهر أن "عرفة" مفعول "أدرك"، و"ليلة" منصوب على الظرفية لـ"أدرك"، وليس مضافًا إلى "عرفة"، أي من أدرك وقوف عرفة ليلاً (قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ) بفتح الجيم، وسكون الميم، أي من الليلة التي يبيت الحجّاج فيها بجمع، وهي مزدلفة (فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ") أي فقد أمن من الفوات، وإلا فلا بدّ من الطواف.

وزاد في رواية يحيى القطان المتقدّمة: "أيامُ منى ثلاثة أيام، من تعجّل في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخّر فلا إثم عليه، ثم أردف رجلاً، فجعل يُنادي بها في الناس".

وقوله: "أيام منى ثلاثة أيام" مبتدأ وخبر، أي الأيام التي يقيم فيها الحجاج للرمي في منى ثلاثة أيام: وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، وهي الأيام المعدودات، وأيام التشريق، وأيام رمي الجمار، وليس منها يوم النحر؛ للإجماع على أنه لا يجوز النفر في اليوم التالي له، ولو كان منها لجاز النفر لمن شاء في ثانيه.

وقال السنديّ: إنما لم يعدّ يوم النحر من أيام منى؛ لأنه ليس مخصوصًا بمنى، بل فيه مناسك كثيرة انتهى.

وقوله: "من تعجّل في يومين الخ" أي تعجّل ونفر من منى إلى مكة في ثاني يومين، من أيام التشريق، فلا إثم عليه في تعجله، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني، وبقي إلى الثالث، ونفر بعد رمي الجمار، فلا إثم عليه في التأخر، بل هو الأفضل؛ لأنه الذي

(1)

- هكذا "الحجّ الحجّ" مكرر على سبيل التاكيد.

(2)

- "زهر الربى" 5/ 256.

ص: 365

فعله النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، والمراد أنه لا إثم عليه في ترك رخصة التعجل، أو أنه نفى الإثم عن المتأخّر مشاكلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد الرحمن بن يعمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن رواه عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوريّ، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما نصّه: قال ابن أبي عمر: قال سفيان بن عيينة: وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوريّ.

قال: وقد روى شعبة عن بكير بن عطاء نحو حديث الثوريّ، قال: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول، وروى هذا الحديث، فقال: هذا الحديث أم المناسك. انتهى.

وعلّق السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- على قوله: "أجود حديث راوه سفيان": أي من أحاديث أهل الكوفة، وذلك لأن أهل الكوفة يكثر فيهم التدليس، والاختلاف، وهذا الحديث سالم من ذلك، فإن الثوريّ سمعه من بكير، وسمعه بكير من عبد الرحمن، وسمعه عبد الرحمن من النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يختلف رواته في إسناده، وقام الإجماع على العمل به. انتهى.

ونقل ابن ماجه في "سننه" عن شيخه محمد بن يحيى: ما أرى للثوريّ حديثًا أشرف من هذا. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -203/ 3017 - وفي "الكبرى" 202/ 4011. وأخرجه (د) في " المناسك"1949 (ت) في "الحجّ" 889 (ق) في "المناسك" 3015 (أحمد) في "مسند الكوفيين" 18296و18475 (الدراميّ) في "المناسك"1887. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحجّ، لا يصحّ إلا به، وهو أشهر أركان الحجّ؛ للحديث الصحيح:"الحجّ عرفة"، وأجمع المسلمون على كونه ركنًا

(2)

.

قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه: والعمل على

(1)

- راجع "جامع الترمذيّ بشرح تحفة الأحوذيّ" 8/ 634 - 635.

(2)

- انظر "المجموع" للنوويّ 8/ 129.

ص: 366

حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر، فقد فاته الحجّ، ولا يجزىء عنه إن جاء بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة، وعليه الحجّ من قابل، وهو قول الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق انتهى

(1)

.

(ومنها): أنه يكفي الوقوف بعرفة ليلاً، وبه قال الجمهور، وهو الحقّ. وحكى النوويّ قولاً: إنه لا يكفي الوقوف ليلاً، ومن اقتصر عليه، فقد فاته الحجّ. والأحاديث الصحيحة تردّ عليه.

(ومنها): أنه يكفي الوقوف بعرفة ولو لحظة لطيفة من ليل أو نهار، وفيه حديث عروة ابن مضرّس رضي الله عنه الآتي بعد سبعة أبواب، وفيه:"من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك ليلاً، أو نهارًا، فقد تمّ حجّه، وقضى تفثه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3018 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

عَبْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفَاتٍ، وَرِدْفُهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَجَالَتْ بِهِ النَّاقَةُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، لَا تُجَاوِزَانِ رَأْسَهُ، فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى جَمْعٍ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(محمد بن حاتم) بن نُعيم المروزيّ، ثقة [12] 66/ 1800.

2 -

(حِبّان) -بكسر الحاء المهملة- ابن موسى بن سوّار السلمىّ، أبو محمد المروزيّ، ثقة [10] 1/ 397.

3 -

(عبد اللَّه) بن المبارك الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت حجة إمام [8] 32/ 36.

4 -

(عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [5] 7/ 406.

5 -

(عطاء) بن رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [3] 112/ 154.

6 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31.

7 -

(الفضل بن عبّاس) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ ابن عمّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأكبر أولاد العباس، استُشهِد في خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وتقدّم في 7/

(1)

- راجع "جامع الترمذيّ" 3/ 634 - 635. بنسخة "تحفة الأحوذي".

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 367

753.

واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: أَفَاضَ) أي رجع (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفَاتٍ، وَرِدْفُهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، و"الرِّدْف" -بكسر الراء، وسكون الدال المهملة- هو الراكب خلفه، وفيه جواز الارتداف على دابة، إذا أطاقت ذلك (فَجَالَتْ بِهِ النَّاقَةُ) أي دارت به، يقال: جال يجول جَوْلةً: إذا دار. قاله ابن الأثير

(1)

. وقال عياض في "المشارق": جالت به الفرس: أي ذهبت عن مكانها، ومشت انتهى

(2)

(وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ) أي يجتذب بها رأسها إليه ليمنعها من السرعة في السير (لَا تُجَاوِزَانِ رَأْسَهُ) بالنزول عنه إلى ما تحته (فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هِيئَتِهِ) بكسر الهاء: أي سكينته، والظاهر أن ذلك كان إذا لم يجد فجوة، لحديث أسامة بن زيد -- رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتي بعد باب:"فإذا وجد فجوةً نصّ".

وفيه استحباب السكينة في الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة، وقد عقد له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- الباب التالي (حَتَى انْتَهَى إِلَى جَمْعٍ) بفتح، فسكون: أي مزدلفة، سمّيت به لاجتماع الحجّاج فيها، وقيل: لغير ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث الفضل بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -203/ 3018 - وأخرجه (أحمد) في "مسند بني هاشم"1811.

[تنبيه]: هذا الحديث، والذي بعده لا مطابقة بينهما، وبين الترجمة، بل هما من أحاديث الباب التالي، فكان الأولى للمصنّف أن يوردهما هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3019 -

(أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ،

(1)

- "النهاية" 1/ 317.

(2)

- "زهر الربى" 5/ 256 - 257.

ص: 368

عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفَةَ، وَأَنَا رَدِيفُهُ فَجَعَلَ يَكْبَحُ رَاحِلَتَهُ، حَتَّى أَنَّ ذِفْرَاهَا، لَيَكَادُ يُصِيبُ قَادِمَةَ الرَّحْلِ، وَهُوَ يَقُولُ:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَالْوَقَارِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ فِي إِيضَاعِ الإِبِلِ» ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(إبراهيم بن يونس بن محمد) البغداديّ، نزيل طرسوي، لقبه حَرَميّ، صدوق [11] 54/ 1753 من أفراد المصنّف.

2 -

(أبوه) يونس بن محمد بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدّب، ثقة ثبت، من

صغار [9] 15/ 1632.

3 -

(حماد) بن سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغيّر حفظه بأخَرَة، من كبار [8] 181/ 288.

4 -

(قيس بن سعد) أبو عبد الملك المكيّ، ثقة [6] 115/ 1066.

5 -

(أسامة بن زيد) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، أو أبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات بالمدينة سنة (54) وهو ابن (75)، وتقدّم في 96/ 120. والباقيان تقدّما في السند السابق. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهم -، (قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفَةَ) أي رجع منها متوجهًا نحو مزدلفة (وَأَنَا رَدِيفُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَجَعَلَ يَكْبَحُ رَاحِلَتَهُ) أي يجذب رأسها إليه. قال ابن الأثير: كبحتُ الدابة: إذا جذبت رأسها إليك، وأنت راكب، ومنعتها من الْجِمَاح، وسُرْعة السير انتهى

(1)

. وقال الفيّوميّ: كَبَحتُ الدابّة باللجام، كَبْحًا، من باب نفع: جذبته به ليقف، وأكمحته بالألف والميم: جذبت عِنَانه لينتصب رأسه انتهى

(2)

.

ووقع في "الكبرى": كتح" بالتاء المثنّاة بعد الكاف، بدل الباء الموحّدة، وهو

(1)

- "النهاية" 4/ 139.

(2)

- "المصباح المنير" في مادة كبح.

ص: 369

تصحيف، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

(حَتَّى إِنَّ ذِفْرَاهَا) بكسر همزة "إنّ"، لوقوعها بعد "حتى" الابتدائية، وقد صرّح بذلك ابن هشام الأنصاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "مغني اللبيب"

(1)

.

و"ذفرى البعير" -بكسر الذال المعجمة: أصل أذنه، وهما ذِفْرَيان، والذَّفْرَى مؤنّثة، وألفها للتأنيث، أو للإلحاق. قاله ابن الأثير

(2)

. وفي "القاموس": الذِّفْرَى بالكسر من جميع الحيوانات: ما من لدن الْمَقَذٍّ

(3)

إلى نصف الْقَذَال، أو العظمُ الشاخص خلف الأذن، جمعه ذِفْرَيَات، وذَفَارَى، ويقال: هذه ذِفْرى أَسِيلَةٌ

(4)

، غير منوّنة، وقد تنوّن، وتُجعل الألف للإلحاق بدِهَم انتهى.

ووقع في "الكبرى""دفراها" بالدل المهملة، بدل الذال المعجمة، وهو تصحيف، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

(لَيَكَادُ) بالياء، والتاء، كما في "الهندية"(يُصِيبُ قَادِمَةَ الرَّحْلِ) أي طرف الرحل الذي قُدّام الراكب، ويقال له: مُقَدَّمة الرحل بضم الميم، وفتح الدال المشدّدة، أو بضمّ الميم، وتخفيف الدال المفتوحة، وحذف الهاء من الثلاثة لغات. أفاده الفيّوميّ (وَهُوَ يَقُولُ:"يَا أَيها النَّاسُ عَلَيكُمْ بالسَّكِينَةِ") أي الزموا السكينة، وهو بتخفيف الكاف: المهابة، والرَّزَانة، والوقار. وحَكى في النوار تشديد الكاف، قال: ولا يُعرف في كلام العرب فَعِّلَةٌ مثقّل العين إلا هذا الحرف شاذًّا. قاله الفيّوميّ.

والمراد السير بالرفق، وعدم المزاحمة.

(وَالْوَقَارِ) بفتح الواو: الحلم، والرَّزَانة، وهو مصدر وَقُرَ بالضمّ، مثل جَمُلَ جَمَالاً.

قاله الفيّوميّ. فيكون عطفه على السكينة من عطف المرادف للتوكيد (فَإِنَّ الْبِرَّ) بكسر الموحّدة: أي الخير، والفضل، والطاعة (لَيْسَ فِي إِيضَاع الْإبِلِ) بكسر الهمزة مصدر أوضع، أي إسراعها في السير، ومنه أوضع البعير: إذا حَمله على سرعة السير.

يعني أن طاعة اللَّه سبحانه وتعالى لا توجد في إسراع الإبل، وإنما هي في لزوم السنة، والسنة في هذا الموضع لزم السكينة، والوقار، وتعظيم حرمات اللَّه تعالى.

قال في "الفتح": قوله: "فإن البرّ ليس بالإيضاع". أي السير السريع، ويقال: هو

(1)

- راجع "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" 1/ 131 بتحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد في مبحث "حتى".

(2)

- "النهاية" 2/ 161.

(3)

- الْمَقَذّ كمَرَدّ: ما بين الأذنين من خلف، ومنتهى منبتِ الشعر من مؤخّر الرأس. انتهى قاموس.

(4)

- الأسيل كأمير: الأملس المستوي، ومن الخدود: الطويل المسترسل. ق.

ص: 370

سير مثل الْخَبَب، فبيّن صلى الله عليه وسلم أن تكلّف الإسراع في السير ليس من البرّ، أي مما يُتقرّب به. ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة:"ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غُفر له". وقال المهلّب: إنما نهاهم عن الإسراع؛ إبقاءً عليهم؛ لئلا يُجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -203/ 3019 و 205/ 3024 و 206/ 3025 و 207/ 3032 وفي "الصلاة" 50/ 609 - وفي "الكبرى" 202/ 4014 و 205/ 4020 و4021 و 4022 و 207/ 4029. وأخرجه (خ) في "الوضوء" 139 و181 و"الحجّ" 1667 و 1672 (م) في "الحجّ" 1280 (د) في "المناسك" 1921 و 1925 (ق) في "المناسك" 3019 (أحمد) في "مسند الأنصار" 21235 و 21249 و 21254 و 21324 (الموطأ) في "الحجّ" 914 (الدارميّ) في "المناسك" 1881. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌204 - (الأَمْرُ بِالسَّكِينَةِ فِي الإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ)

3020 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ الْوَضَّاحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ -يَعْنِي ابْنَ أُمَيَّةَ- عَنْ أَبِي غَطَفَانَ

(2)

بْنِ طَرِيفٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ،

(1)

- "فتح" 4/ 336.

(2)

-بفتح الغين، والطاء، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبطه بالقلم بسكون الطاء، فلغط، فليُتنبّه.

ص: 371

يَقُولُ: لَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، شَنَقَ نَاقَتَهُ، حَتَّى أَنَّ رَأْسَهَا لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ، وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ:«السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ» . عَشِيَّةَ عَرَفَةَ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(محمد بن عليّ بن حرب) المروزيّ المعروف بـ"الترك"، ثقة [11] 109/ 148.

2 -

(مُحْرِز بن الوَضّاح) بن مُحرز المروزيّ، مقبول [9] 16/ 2468.

3 -

(إسماعيل بن أميّة) بن سعيد الأمويّ المكيّ ثقة ثبت [6] 16/ 2468.

4 -

(أبو غَطَفَان -بفتحات- ابن طَريف) أو ابن مالك المرّيّ -بالراء- المدنيّ، قيل: اسمه سعد، ثقة، من كبار [3].

ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان قد لزم عثمان، وكتب له، وكتب أيضًا لمروان. وقال النسائيّ في "الكنى": أبو غَطَفَان ثقة، قيل: اسمه سعد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو غطفان ثقة. وقال الدوريّ، عن أبي بكر بن داود: أبو غطفان مجهول. وفرّق البزّار بين الراوي عن أبي هريرة، وبين الراوي عن ابن عباس، جعلهما اثنين. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

6 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، روى (1696) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَريفٍ، حَدَّثَهُ أنَهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: لَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي رجع من عرفة. قال السنديّ: الدفع متعدّ، لكن شاع استعماله بلا ذكر المفعول في موضع رجع؛ لظهوره، أي دفع نفسه، أو مطيّه حتى إنه يفهم منه اللازم. وقيل: سمي الرجوع من عرفات، ومزدلفة دفعًا؛ لأن في مسيرهم ذاك مدفوعون يدفع بعضهم بعضًا (شَنَقَ نَاقَتَهُ) بفتح نون خفيفة من حدّ ضرب، أي ضمّ، وضيّق زمامها، يقال: شَنَقْتُ البعيرَ إذا كففتَ زمامه، وأنت راكبه (حَتَّى إِن رَأْسهَا لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ) أي مقدّمه، قال في "القاموس": واسطة

ص: 372

الْكُور

(1)

، وواسطه: مقدّمه. انتهى (وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: "السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ") أي الزموا السكينة، والتكرار للتأكيد (عَشِيَّةَ عَرَفَةَ) منصوب على الظرفية، متعلّق بـ"يقول"، أو بخبر مبتدإ محذوف، أي ذلك كان عشية عرفة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 204/ 3021 - وفي " الكبرى" 203/ 4015. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1671 (د) في "المناسك" 1920 (أحمد) في "مسند بني هاشم" 2083 و 2194 و2423 و2503. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3021 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ، حِينَ دَفَعُوا: «عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ» ، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ مُحَسِّرًا، وَهُوَ مِنْ مِنًى، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ، الَّذِي يُرْمَى بِهِ» ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

2 -

(الليث) بن سعد المصريّ الإمام الحجة الفقيه الفاضل [7] 31/ 35.

3 -

(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [4] 31/ 35.

4 -

(أبو معبد) اسمه نافذ -بفاء، وذال معجمة- مولى ابن عبّاس المكيّ، ثقة [4] 79/ 1335. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- الكُور بالضم: الرحل بأداته، والجمع أكوار، وكِيران. اهـ المصباح.

ص: 373

شرح الحديث

(عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، هو شقيق عبد اللَّه الراوي عنه، وهو أكبر أولاد العباس - رضي اللَّه تعالى عنه -، وكان يكنى به، استُشهد في خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، كما تقدّم قريبًا (وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي من مزدلفة إلى منى، والجملة معترضة (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ) هذا سمعه منه صلى الله عليه وسلم، وهو غير رديفه؛ لأن رديفه في ذلك الوقت هو أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَغَدَاةِ جَمْعٍ) أي صباح ليلة المزدلفة، حيث كان رديفه صلى الله عليه وسلم (لِلنَّاسِ) متعلقٌ بـ"قال"(حِينَ دَفَعُوا) أي رجعوا من عرفة إلى المزدلفة، ومنها إلى منى ("عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ") أي الزموها، والجملة في محلّ نصب مقول القول (وَهُوَ) صلى الله عليه وسلم (كَافٌّ نَاقَتَهُ) بتشديد الفاء، اسم فاعل من الكفّ، وهو المنع، أي مانعها من الإسراع حين الزحام. والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (حَتَّى إِذَا دَخَلَ مُحَسِّرًا) بصيغة اسم الفاعل من التحسير، يقال: حسّرتُهُ -بالتثقيل-: أوقعته في الحسرة، اسم واد بين المزدلفة ومنى، سمّي به؛ لأن فيل أَبْرَهَة كَلَّ فيه، وأعيا، فحسّرَ أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات. أفاده الفيّوميّ (وَهُوَ مِنْ مِنَى) أي وادي محسّر من جملة منى، وظاهره أنه داخل في حدودها، وعلى هذا فالأمر بالارتفاع عنه؛ لكونه محلّ تحسّر أصحاب الفيل.

وقيل: هو من مزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ بين المزدلفة ومنى، وأن معنى قوله:"وهو من منى" أي هو موضع قريبٌ من منى في آخر المزدلفة (قَالَ: "عَلَيكُمْ بحَصَى الْخَذْفِ") بالخاء، والذال المعجمتين، أي الزموا حصى الرمي، والمراد به الحصى الصغار. قال الفيّوميّ: حذفت الحصاة ونحوها حذفًا، من باب ضرب: رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصي الخذف: معناه حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أطلق مجازًا انتهى. وقوله (الَّذِي يُرْمَى بِهِ) بالبناء للمفعول تأكيد لمعنى حصى الخذف. وفي رواية مسلم:"يُرمى به الجمرةُ"، و"الجمرة" بالرفع نائب فاعل "يُرمَى".

(فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة يوم النحر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث الفضل بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -204/ 3021 و 214/ 3053 و 216/ 3056 و 218/ 3059 و 228/

ص: 374

3079 و 229/ 3081 و 3582 و 3083 - وفي "الكبرى" 217/ 4056 و 234/ 4086. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1544 و 1685 (م) في "الحجّ" 1281 و 1282 (د) في "المناسك" 1815 (ت) في "الحجّ"918 (ق) في "المناسك" 3040 (أحمد) في "مسند بني هاشم"1794 و 1801 و 1811 و 1824 (الدارميّ) في "المناسك" 1891 و 1902. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الأمر بلزوم السكينة في الإفاضة من عرفة. (ومنها): الأمر أيضًا بلزومها في الدفع من المزدلفة إلى منى. (ومنها): مشروعيّة التقاط الحصى من طريق منى، وسيأتي بيانه في بابه -218/ 3059 - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب لزوم التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة، وفيه أقوال لأهل العلم، سيأتي بيانها في -229/ 3081 باب "قطع المحرم التلبية إذا رمى جمرة العقبة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3022 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(محمد بن منصور) بن ثابت الْجَوّاز المكيّ، ثقة [10] 20/ 21 من أفراد المصنّف. ويحتمل أن يكون محمد بن منصور بن داود الطوسيّ، نزيل بغداد، أبا جعفر العابد، ثقة، من صغار [10] 46/ 741 من أفراد المصنّف، وأبي داود.

[تنبيه]: قوله: "محمد بن منصور" هكذا وقع في نسخ "المجتبى" كلها التي عندي، والذي ذكره الحافظ المزّي -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" 2/ 303 أن النسائيّ أخرجه عن "عمرو بن منصور"، ولعله وقع له في النسخة التي عنده هكذا، و"عمرو بن منصور" هو النسائيّ، أبو سعيد، ثقة ثبت [11] 108/ 147، وهو ممن تفرّد به المصنّف، ولم يظهر لي ما هو الصواب، ولكنّ مثل هذا لا يضرّ في صحة السند؛ إذ كلهم ثقات، فليُتنبّه.

والحديث أخرجه المصنف في "الكبرى" عن محمد بن المثنّى، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان بالسند المذكور. واللَّه تعالى أعلم.

2 -

(أبو نُعيم) الفضل بن دُكين الملائيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [9] 11/ 516.

ص: 375

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي.

4 -

(أبو الزبير) المذكور في السند الماضي.

5 -

(جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ:"أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي رجع من المزدلفة إلى منى (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ) أي أمر أصحابه - رضي اللَّه تعالى عنهم - بلزوم السكينة في حال سيرهم (وَأَوْضَعَ) أي أسرع السير بإبله، يقال: وضع البعيرُ وَضعًا: إذا أسرع، وأوضعه صاحبه: إذا حمله على سرعة السير (فِي وَادِي مُحَسِّرٍ) أي أسرع في المرور فيه، ومقدار الإسراع في ذلك الوادي قدر رمية بحجر، فقد روى البيهقيّ من طريق مالك، عن نافع: "أن عبد اللَّه بن عمر، كان يحرّك راحلته في بطن محسّر قد رَمْية بحجر"

(1)

، وسيأتي مزيد لذلك في بابه -215/ 3053 - (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) تقدّم معناه في الحديث الماضي. ولفظ "الكبرى" من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوريّ:"أفاض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من عرفة، وعليه السكينة، وأمرنا بالسكينة، ثم قال: "خذوا مناسككم، لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وارموا بمثل حصى الخذف".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وقد تقدّم تخريجه في باب "ترك التسمية عند الإهلال " - 51/ 2740 - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل.

3023 -

(أَخْبَرَنِي أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، وَجَعَلَ يَقُولُ: «السَّكِينَةَ، عِبَادَ اللَّهِ» ، يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ أَيُّوبُ بِبَاطِنِ كَفِّهِ إِلَى السَّمَاءِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "أبي

(1)

- "السنن الكبرى" 5/ 126.

ص: 376

داود" سليمان بن سيف الحرّاني، وهو ثقة حافظ من أفراده.

و"أيوب": هو السختيانيّ.

وقوله: "السكينةَ" منصوب على الإغراء. وقوله: "عباد اللَّه" منصوب على أنه منادى حذف منه حرف النداء، أي يا عباد اللَّه. وقوله:"يقول بيده هكذا" أي يشير، ففيه إطلاق القول على الإشارة، وقد سبق غير مرّة.

والحديث صحيح، ولا يضرّه عنعنة أبي الزبير، فإنَّ له شواهدَ، وتمام شرحه، والكلام على مسائله يعلمان مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌205 - (كَيْفَ السَّيْرُ مِنْ عَرَفَةَ)

3024 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسِيرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: "كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ، -وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ-).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(يعقوب بن إبراهيم) الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [10] 21/ 22.

2 -

(يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت إمام [9] 4/ 4.

3 -

(هشام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه ربما دلّس [5] 49/ 61.

4 -

(أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 40/ 44.

5 -

(أسامة بن زيد) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، ويحيى، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 377

شرح الحديث

(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) بن حارثة الكلبي - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسِيرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو، سميت بذلك لأن صلى الله عليه وسلم ودعّ الناس فيها، وقال:"لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"، وغلط من كره تسميتها بذلك. وتسمّى البلاع أيضًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال فيها:"ألا هل بلّغت". وتسمة حجة الإسلام؛ لأنها التي حجّ فيها بأهل الإسلام ليس فيها مشرك. أفاده العينيّ

(1)

.

وفي الرواية الآتية في -214/ 3052 - من طريق مالك، عن هشام بن عروة:"سئل أسامة بن زيد، وأنا جالس معه، كيف كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع؟ ". وفي رواية البخاريّ: "سئل أسامة، وأنا جالس، كيف كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع؟ "، وفي رواية "الموطإ":"حين دفع من عرفة"(قَالَ) أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - (كَانَ) صلى الله عليه وسلم (يَسِيرُ الْعَنَقَ) بفتح المهملة، والنون: هو السير بين الإبطاء والإسراع، قال في "المشارق": هو سير سهل في سرعة. وقال القزّاز: العنق سير سريع. وقيل: المشي الذي يتحرّك به عنق الدّابّة. وفي "الفائق": العنق الخطو الفسيح. وانتصاب "العَنَقَ" على المصدر النوعيّ، كرجعت القهقرى (فَإذَا وَجَدَ فَجْوَةً) -بفتح الفاء، وسكون الجيم-: المكان المتّسع بين الشيئن

(2)

. ورواه أبو مصعب، ويحيى بن بُكير، وغيرهما عن مالك، بلفظ:"فرجة" -بضمّ الفاء، وسكون الراء- وهو بمعنى الفجوة (نَصَّ) أي أسرع. قال أبو عبيد: النصّ تحريك الدابّة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النصّ غاية المشي، ومنه نصصت الشيء رفعته، ثم استعمل في ضرب سريع من السير (وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ) هذا التفسير من هشام بن عروة، كما بيّن في رواية الشيخين، ففي "صحيح البخاريّ": قال هشام: "والنصّ فوق الْعَنَق". قال في "الفتح": قوله: "قال هشام" يعني ابن عروة الراوي، وكذا بين مسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن، وأبو عوانة من طريق أنس بن عياض، كلاهما عن هشام أن التفسير من كلامه، وأدرجه يحيى القطّان فيما أخرجه المصنّف -يعني البخاريّ- في "الجهاد"، وسفيان فيما أخرجه النسائيّ، وعبد الرحيم بن سليمان، ووكيع فيما أخرجه ابن خُزيمة كلهم عن هشام. وقد رواه إسحاق في "مسنده" عن وكيع، ففصله، وجعل التفسير من كلام وكيع. وقد رواه ابن خزيمة من طريق سفيان، ففصله، وجعل التفسير من كلام

(1)

- "عمدة القاري" 8/ 166.

(2)

- "النهاية" 3/ 414.

ص: 378

سفيان، ووسفيان ووكيع إنما أخذا التفسير المذكور عن هشام، فرجع التفسير إليه. وقد رواه أكثر رواة "الموطإ" عن مالك، فلم يذكروا التفسير المذكور. وكذا رواه أبو داود الطيالسيّ عن حماد بن سلمة، ومسلم من طريق حماد بن زيد، كلاهما عن هشام.

وقال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليلٌ على أن الحديث الذي رواه ابن عبّاس عن أسامة أنه قال: "فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا" أنه محمول على حال الزحام، دون غيره انتهى. وأشار بذلك إلى ما أخرجه حفص من طريق الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن أسامة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أردفه حين أفاض من عرفة، وقال:"أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البرّ ليس بالإيجاف"، قال: فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا

الحديث. أخرجه أبو داود، وأخرجه البخاريّ من حديث ابن عباس، ليس فيه أسامة. وأخرج مسلم من طريق عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة في أثناء حديث، قال:"فما زال يسير على هينته حتى أتى جمعًا"، وهذا يشعر بأن ابن عباس إنما أخذه عن أسامة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -205/ 3024 و 211/ 3051 - وفي "الكبرى" 204/ 4019 و 216/ 4057. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1666 و"الجهاد" 2999 و"المغازي" 4413 (م) في "الحج" 1286 (د) في "المناسك" 1923 (ق) في "المناسك" 3017 (أحمد) في "مسند الأنصار" 2154 و 21276 و 21324 (الموطأ) في "الحج" 893 (الدارمي) في "المناسك" 1880. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): فى فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية السير من عرفة إلى المزدلفة، وهو الإسراع إذا أمكنه، وإلا لزوم السكينة، قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تُصلّى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين، من

(1)

- "فتح" 4/ 331.

ص: 379

الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام انتهى.

(ومنها): ما كان عليه السلف -رحمهم اللَّه تعالى-، من الحرص على السؤال عن كيفية أحواله صلى الله عليه وسلم في جميع حركاته، وسكناته؛ ليقتدوا به في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌206 - (النُّزولُ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ)

3025 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، مَالَ إِلَى الشِّعْبِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَتُصَلِّى الْمَغْرِبَ؟ ، قَالَ: «الْمُصَلَّى أَمَامَكَ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"حماد": هو ابن زيد. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الصلاة" برقم -50/ 609 - من رواية كريب، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد.

وأخرجه المصنّف هنا من رواية عكرمة، عن أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - هنا -206/ 3025 - و 203/ 3019 و 206/ 3026 و 207/ 3032 - وفي "الكبرى" 205/ 4020 و 4021 و 4022207/ 4029.

وقوله: "مال" أي عدل عن الطريق. وقوله: "إلى الشعب" -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة- الطريق، وقيل: الطريق في الجبل، والمراد هنا الشعب المعهود للحجّاج، كما يدلّ عليه قوله في الحديث التالي:"نزل الشعب الذي ينزله الأمراء".

وقوله: "المصلّى أمامك" بضم الميم، وفتح اللام المشدّدة: ظرف مكان: أي المحلّ الذي تجوز فيه الصلاة في هذه الليلة للحجّاج قُدّامك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3026 -

(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ

ص: 380

إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَزَلَ الشِّعْبَ الَّذِي يَنْزِلُهُ الأُمَرَاءُ، فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةَ، قَالَ:«الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَحُلَّ آخِرُ النَّاسِ حَتَّى صَلَّى).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [10] 33/ 37.

2 -

(وكيع) بن الجرّاح المذكور قبل بابين.

3 -

(سفيان) الثوريّ المذكور في الباب الماضي.

4 -

(إبراهيم بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، أخو موسى، ثقة [6] 50/ 609.

5 -

(كُريب) بن أبي مسلم الهاشميّ، مولى ابن عبّاس، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقة [3] 161/ 253.

6 -

(أُسامة بن زيد) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من إبراهيم. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَزَلَ الشِّعْبَ الَّذِي يَنْزِلُهُ الأُمَرَاءُ) وأخرج الفاكهيّ عن سعيد بن جبير، قال:"دفعت مع ابن عمر من عرفة، حتى إذا وازينا الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب دخله ابن عمر، فتنفّض فيه، ثم توضأ، وكبّر، فانطلق، حتى جاء جمعًا، فأقام، فصلّى المغرب، فلما سلّم قال: الصلاة، ثم صلّى العشاء". وأصله في الجمع بجمع عند مسلم، وأصحاب السنن.

وروى الفاكهيّ أيضًا من طريق ابن جريج، قال: قال عطاء: "أردف النبيّ صلى الله عليه وسلم أسامة، فلما جاء الشعب الذي يصلّي فيه الخلفاء الآن المغرب، نزل، فأهراق الماء، ثم توضّأ". قال الحافظ: وظاهر هذين الطريقين أن الخلفاء كانوا يصلّون المغرب عند الشعب المذكور قبل دخول وقت العشاء، وهو خلاف السنّة في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة. ووقع عند مسلم من طريق محمد بن عقبة، عن كريب: "الشعب الذي يُنيخ

ص: 381

الناس فيه للمغرب"، والمراد بالخلفاء، والأمراء في هذا الحديث بنو أميّة، فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وجاء عن عكرمة إنكار ذلك. وروى الفاكهيّ أيضًا من طريق ابن أبي نَجيح سمعت عكرمة يقول: اتخذه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مبالاً، واتخذتموه مصلّى، وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنة في ذلك، وكان جابر يقول: لا صلاة إلا بجمع. أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح. ونقل عن الكوفيين. وعن ابن القاسم صاحب مالك، وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلّى أجزأه، وهو قول أبي يوسف، والجمهور. قاله في "الفتح"

(1)

.

(فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا) أي خفّفه بأن توضّأ مرّةً مرّةً، وخفّف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته.

وفي رواية البخاريّ من طريق مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب:"ثم توضّأ، ولم يُسبغ الوضوء"، وهو بمعنى قوله هنا:"ثم توضّأ وضوءًا خفيفًا".

وأغرب ابن عبد البرّ، فقال: معنى قوله: "فلم يُسبغ الوضوء"، أي استنجى به، وأطلق عليه اسم الوضوء اللغويّ؛ لأنه من الوضاءة، وهي النظافة، ومعنى الإسباغ الإكمال، أي لم يكمل وضوءه، فيتوضّأ للصلاة، قال: وقد قيل: إنه توضّأ وضوءًا خفيفا، ولكن الأصول تدفع هذا؛ لأنه لا يشرع الوضوء لصلاة واحدة مرّتين، وليس ذلك في رواية مالك، ثم قال: وقد قيل: إن معنى قوله: "لم يسبغ الوضوء"، أي لم يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها، واستضعفه انتهى. وحكى ابن بطّال أن عيسى بن دينار من قدماء أصحابهم سبق ابن عبد البرّ إلى ما اختاره أوّلاً.

قال الحافظ": وهو متعقّبٌ بهذه الرواية الصريحة، وقد تابع محمد بن أبي حرملة- يعني الراوي عن كريب- عليها محمد بن عقبة أخو موسى، أخرجه مسلم بمثل لفظه، وتابعهما إبراهيم بن عقبة، أخو موسى أيضًا، أخرجه مسلم أيضًا، بلفظ: "فتوضّأ وضوءًا ليس بالبالغ". وأخرجه البخاريّ من طريق موسى بن عقبة بلفظ: "فجعلت أصبّ عليه، ويتوضّأ". ولم تكن عادته صلى الله عليه وسلم أن يباشر ذلك أحدٌ منه حال الاستنجاء، ويوضّحه ما أخرجه مسلم أيضًا من طريق عطاء، مولى ابن سباع، عن أسامة في هذه القصّة، قال فيها أيضًا: "ذهب إلى الغائط، فلما رجع صببت عليه من الإداوة".

قال القرطبيّ: اختلف الشرّاح في قوله: "ولم يسبغ الوضوء"، هل المراد به اقتصر به على بعض الأعضاء، فيكون وضوءًا لغويًا، أو اقتصر على بعض العدد، فيكون وضوءًا

(1)

- "فتح" 4/ 333.

ص: 382

شرعيًّا؟، قال: وكلاهما محتمل، لكن يعضد من قال بالثاني قوله في الرواية الأخرى:"وضوءًا خفيفًا"؛ لأنه يقال في الناقص خفيف، ومن موضّحات ذلك أيضًا قول أسامة له:"الصلاة"، فإنه يدلّ على أنه رآه يتوضّأ للصلاة، ولذلك قال له: أتصلّي. كذا قال ابن بطال فيه نظر؛ لأنه لا مانع أن يقول له ذلك؛ لاحتمال أن يكون مراده أتريد الصلاة، فلم لم تتوضّأ وضوءها؟، وجوابه بأن الصلاة أمامك، معناه أن المغرب لا تصلّى هنا، فلا تحتاج إلى وضوء الصلاة، وكأن أسامة ظنّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نسي صلاة المغرب، ورأى وقتها قد كاد أن يخرج، أو خرج، فأعلمه النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها في تلك الليلة يشرع تأخيرها لتجمع مع العشاء بالمزدلفة، ولم يكن أسامة يعرف تلك السنّة قبل ذلك.

وأما اعتلال ابن عبد البرّ بأن الوضوء لا يشرع مرّتين لصلاة واحدة، فليس بلازم؛ لاحتمال أنه توضّأ ثانيًا عن حدث طارىء، وليس الشرط بأنه لا يشرع تجديد الوضوء إلا لمن أدّى به صلاةً، فرضًا، أو نفلاً متّفقًا عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه، وإن كان الأصحّ خلافه.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وإن كان الأصحّ خلافه" أصحية هذا القول ليس عليه دليل، بل الذي تدلّ عليه الأدلة الصحيحة مشروعية تجديد الوضوء، مطلقًا، سواء أدى به عبادة، أم لا؟؛ لأن الوضوء عبادة بنفسه، وقد تقدّم تحقيق ذلك في "أبواب الطهارة" برقم 108/ 147، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم.

قال: وإنما توضّأ أوّلاً ليستديم الطهارة، ولا سيّما في تلك الحالة لكثرة الاحتياج إلى ذكر اللَّه حينئذ، وخفف الوضوء لقلة الماء حينئذ. وقال الخطّابيّ: إنما ترك إسباغه حين نزل الشعب ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوّز فيه؛ لأنه لم يُرد أن يصلّي به، فلما نزل، وأرادها أسبغه. انتهى

(1)

.

قال أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةَ) قال أبو البقاء: الوجه النصب على تقدير: تريد الصلاةَ؟، أو أتصلّي الصلاةَ؟. وقال القاضي عياض: بالنصب على الإغراء، ويجوز الرفع على إضمار فعل، أي حانت الصلاةُ، أو حَضَرت انتهى.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الصَّلَاة) بالرفع على الابتداء على حذف مضاف، أي محلّ الصلاة (أَمَامَك) منصوب على الظرفية، متعلّق بخبر المبتدا أي كائن قدّامك. وقال في "الفتح":"أمامك" بفتحة الهمزة، والنصب على الظرفية، أي الصلاةُ ستصلّى بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها، أي المُصَلَّى بين يديك، أو معنى "أمامك" لا تفوتك، وستدركها انتهى (فَلَمَّا أَتيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَحُلَّ) بفتح حرف المضارعة، وضم

(1)

- "فتح" 4/ 334.

ص: 383

الحاء المهملة، من الحلّ، ثلاثيًّا، من باب نصر، أي لم يَفُكَّ ما على الجمال من الأحمال (آخِرُ النَّاس) بالرفع على الفاعلية (حَتَّى صَلَى) وفي الرواية الآتية في الباب التالي:"أقبلنا نسير حتى بلغنا المزدلفة، فأناخ، فصلّى المغرب، ثم بعث إلى القوم، فأناخوا في منازلهم، فلم يحلّوا حتى صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة، ثم حلّ الناس، فنزلوا". وإنما صنعوا ذلك رفقًا بالدوابّ، أو للأمن من تَشَوُّشِهِمْ بها. وفي رواية للبخاريّ من طريق مالك عن موسى بن عقبة:"حتى جاء المزدلفة، فتوضّأ، فأسبغ الوضوء، ثم أُقيمت الصلاة، فصلّى المغرب، ثم أناخ كلّ إنسان بعيره في منزله، ثم أُقيمت الصلاةُ، فصلّى، ولم يُصلّ بينهما".

وفيه إشعار بأنه خفّف القراءة في الصلاتين، وأنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين اللتين يُجمع بينهما، ولا يقطع ذلك الجمع، وأنه لا يشرع التنفّل بين الصلاتين.

والحديث متّفق عليه، وسبق الكلام في تخريجه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌207 - (الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاَتيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ)

3027 -

(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"حماد": هو ابن زيد. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ. و"عبد اللَّه بن يزيد" هو الْخَطْميّ الأنصاريّ صحابيّ صغير، ولي الكوفة لابن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما -. و"أبو أيوب": هو الصحابي المشهور، واسمه خالد بن زيد بن كليب الأنصاريّ من كبار الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -.

وقوله: "بجمع" -بفتح الجيم، وسكون الميم- أي بالمزدلفة، وسميت به لاجتماع

ص: 384

الحجّاج فيها، وقيل غير ذلك، مما تقدم من الأقوال في سبب تسميتها. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الصلاة" برقم -49/ 605 - باب "الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة"، وتقدّم شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله هناك، ولنذكر هنا مسألتين مما تتعلّق بالترجمة، فنقول:

(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في حكم الجمع، والقصر في عرفة، والمزدلفة، ومنى:

(اعلم): أنه لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بالمزدلفة، وإنما الخلاف، هل هو للنسك، أو لمطلق السفر، أو للسفر الطويل؟، فمن قال: للنسك، وهو الحقّ، قال: يجمع أهل مكة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، ومن قال: لمطلق السفر، قال: يجمعون، سوى أهل المزدلفة، ومن قال: للسفر الطويل، قال: يُتمّ أهل مكة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، وجميع من كان بينه وبينها دون مسافة القصر، ويقصر من طال سفره.

قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني": ما ملخّصه: يجوز الجمع لكلّ من بعرفة من مكيّ وغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يَجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذلك من صلّى مع الإمام. قال: فأما قصر الصلاة، فلا يجوز لأهل مكّة، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، والزهريّ، وابن جريج، والثوريّ، ويحيى القطّان، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.

وقال القاسم بن محمد، وسالم، ومالك، والأوزاعيّ: لهم القصر؛ لأن لهم الجمع، فكان لهم القصر كغيرهم. انتهى كلام ابن قُدامة باختصار.

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه القائلون بمشروعيّة الجمع والقصر في عرفة، والمزدلفة، وكذا القصر في أيام منى لكلّ من أحرم بالحجّ، سواء كان مسافرًا، أم غير مسافر هو الحقّ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم جمع وقصر بمن معه من الحجاج، ولم يأمر أهل مكة، ولا غيرهم بالإتمام، فدلّ على أن ذلك للنسك.

وأما احتجاج بعضهم بما أخرجه الترمذيّ في جامعه من حديث عمران بن حُصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلّي بمكة ركعتين، ويقول:"يا أهل مكة أَتِمُّوا، فإنا قوم سَفْرٌ"، قال: وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناءً بما تقدّم بمكة.

فمتعقّبٌ بأن الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية عليّ بن زيد بن جُدْعان، وهو

(1)

- "المغني" 5/ 264 - 265.

ص: 385

ضعيف، ولو صحّ فالقصّة كانت زمن الفتح، وقصّة منى في حجة الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك؛ لبعد العهد، ولكثرة من حضر في الحجّ ممن لم يحضر الفتح، فتأمّل بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.

والحاصل أن الحقّ قول من قال: إن الجمع والقصر للنسك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة المغرب قبل المزدلفة:

قال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-- بعد ذكر الحديث-: ما نصّه: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، أنه لا يصلي المغرب دون جمع. قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: كأنه أراد العمل عليه مشروعيّةً، واستحبابًا، لا تحتمًا، ولا لزومًا، فإنهم لم يتّفقوا على ذلك، بل اختلفوا فيه، فقال سفيان الثوريّ: لا يصليهما حتى يأتي جمعًا، وله السعة في ذلك إلى نصف الليل، فإن صلاهما دون جمع أعاد، وكذا قال أبو حنيفة: إن صلاهما قبل المزدلفة فعليه الإعادة، وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق، أو بعده، فعليه أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة. وقال مالك: لا يصليهما أحد قبل جمع، إلا من عذر، ولم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق. وذهب الشافعيّ إلى أن هذا هو الأفضل، وأنه إن جمع بينهما في وقت المغرب، أو في وقت العشاء بأرض عرفات، أو غيرها، أو صلّى كلّ صلاة في وقتها جاز ذلك، وبه قال الأوزاعيّ، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو يوسف، وأشهب، وحكاه النوويّ عن أصحاب الحديث، وبه قال عطاء، من التابعين، وعروة، وسالم، والقاسم، وسعيد بن جبير. قاله العينيّ

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول من قال: لا يجمع قبل المزدلفة، فإن جع أعاد، ولا بدّ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - حين سأله عن الصلاة في الطريق:"الصلاة أمامك"، وفي لفظ:"المصلّى أمامك"، فبيّن أن محلّ الصلاتين، ووقتهما عند الوصول إلى المزدلفة، لا قبل ذلك، وقد تقدّم هذا البحث في "كتاب الصلاة" برقم 49/ 605. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3028 -

(أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ).

(1)

- "عمدة القاري" 8/ 172.

ص: 386

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، غير داود، فإنه من أفراد المصنّف، وهو ثقة فقيه، وكلهم تقدّموا غير مرّة.

و"القاسم بن زكريا": هو الكوفيّ الطحّان الثقة. ودامصعب بن المقدام": هو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، صدوق، له أوهام. و"داود": هو ابن نُصير أبو سليمان الطائيّ الكوفيّ الثقة الفقيه الزاهد، من أفراد المصنّف.

و"عمارة": هو ابن عُمير التيميّ الكوفيّ الثقة الثبت. و"عبد الرحمن بن يزيد": هو النخعيّ الكوفيّ التابعيّ الحجة الثبت، أخو الأسود.

والحديث متّفق عليه، وتقدم للمصنّف برقم -49/ 608 - في الباب المتقدم، وتقدم شرحه، ومسائله هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3029 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و"ابن أبي ذئب": هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب.

وقوله: "بإقامة واحدة" أي لكلّ واحدة منهما بدليل الرواية المتقدّمة في "كتاب الصلاة" رقم 20/ 660 - بلفظ: "صلّى كلّ واحدة منهما بإقامة".

[تنبيه]: لم يُذكَر الأذان في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ستة أقوال؛ لاختلاف الآثار في ذلك:

(أحدها): أنه يقيم لكلّ منهما، ولا يؤذن لواحدة منهما، وهو قول القاسم بن محمد، وسالم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وبه قال إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعيّ، وأصحابه فيما حكاه الخطّابيّ، والبغويّ، وغير واحد. وقال النوويّ في "شرح مسلم": الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى، وإقامتين لكلّ واحدة. وقال في "الإيضاح": إنه الأصحّ.

(الثاني): أنه يصليهما بإقامة واحدة للأولى، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهو قول سفيان الثوريّ، فيما حكاه الترمذيّ، والخطابيّ، وابن عبد البرّ، وغيرهم.

ص: 387

(الثالث): أن يؤذِّن للأولى، ويقيم لكلّ واحدة منهما، وهو قول أحمد بن حنبل في أصحّ قوليه، وبه قال أبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون، من المالكيّة، والطحاويّ، وقال الخطابيّ: هو قول أهل الرأي. وذكر ابن عبد البرّ أن الجوزجانيّ حكاه عن محمد ابن الحسن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة.

(الرابع): أنه يؤذن للأولى، ويقيم لها، ولا يؤذّن للثانية، ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. حكاه النوويّ، وغيره. قال العينيّ: هذا هو مذهب أصحابنا، وعند زفر بأذان وإقامتين.

(الخامس): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهو قول مالك، وأصحابه، إلا ابن الماجشون، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع. قاله ابن عبد البرّ.

(السادس): أنه لا يؤذّن لواحد منهما، ولا يقيم. حكاه المحب الطبريّ عن بعض السلف. وهذا كله في جمع التأخير.

وأما جمع التقديم، كالظهر والعصر بنمرة، ففيه ثلاثة أقوال:

(أحدها): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول الشافعيّ، وجمهور أصحابه. (الثاني): أن يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يقيم للثانية، وهو مذهب أبي حنيفة. (الثالث): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وهو وجه حكاه الرافعيّ عن ابن كجّ، عن أبي الحسين القطان أنه أخرجه وجهًا.

قال العينيّ: [فإن قلت]: ما الأصل في هذه الأقوال؟:

[قلت]: الذي قال بأذان وإقامتين قال برواية جابر، والذي قال بلا أذان، ولا إقامة، قال بحديث أبي أيوب، وابن عمر، فإنه ليس فيهما أذان، ولا إقامة، وكذا رواه طلق بن حبيب، وابن سيرين، ونافع عن ابن عمر من فعله. والذي قال بإقامة واحدة قال بحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -يعني المذكور في الباب، وكذا رواه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - مرفوعًا عند مسلم. والذي قال بإقامة للمغرب، وإقامة للعشاء قال بحديث أسامة، وكذا فعله عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -.

فهذه الأحاديث التي رويت كلها مسندة، قاله ابن حزم، وقال: أشدّ الاضطراب في ذلك عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فإنه روي عنه من فعله الجمع بينهما بلا أذان، ولا إقامة، وروي عنه أيضًا بإقامة واحدة، وروي عنه موقوفًا بأذان واحد، وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسندًا بأذان واحد، وإقامة واحدة، قال: وهنا قول سادس لم نجده مرويًّا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو ما رويناه عن ابن

ص: 388

مسعود رضي الله عنه أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة كل واحد منهما بأذان وإقامة، ذكره العينيّ في "شرح البخاريّ"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول من قال: إنه يجمع بينهما بأذان واحد، وإقامة لكلّ واحدة منهما؛ لحديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل بذلك، وهو مرفوع صريح في ذلك، وما عداه، إما موقوف، كحديث عمر، وابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أو قابل للتأويل، كحديث أسامة، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وقد تقدّم تحقيق ذلك في "كتاب الصلاة" برقم -20/ 660 - فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

وقوله: "ولم يسبّح بينهما" أي لم يتنفّل بين الصلاتين. وقوله: "ولا على إثر واحدة منهما" أي ولا عقب كلّ واحدة من الصلاتين، لا عقب الأولى، ولا عقب الثانية، وهذا تأكيد بالنظر إلى الأولى، وتأسيس بالنظر إلى الثانية.

قال في "الفتح": ويستفاد منه أنه ترك التنفّل عقب المغرب، وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرّح بأنه لم يتنفّل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفّل عقبها، لكنه تنفّل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثمّ قال الفقهاء: تؤخّر سنة العشاء عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوّع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصحّ أنه جمع بينهما انتهى.

قال الحافظ: ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي في الباب التالي. انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، من طريق أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: حجّ عبد اللَّه رضي الله عنه، فأتينا المزدلفة، حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلا، فأذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر -أرى- فأذن، وأقام، قال عمرو: لا أعلم الشكّ إلا من زهير، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر، قال إن النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان لا يصلي هذه الساعة، إلا هذه الصلاة، في هذا المكان، من هذا اليوم، قال عبد اللَّه: هما صلاتان تحُوَّلان عن وقتهما: صلاة المغرب، بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله انتهى

(2)

.

(1)

- "عمدة القاري" 8/ 172 - 173.

(2)

- "صحيح البخاري" ج 4/ص 338. بنسخة الفتح.

ص: 389

وحديث الباب متّفق عليه، وتقدم للمصنّف بالرقم المذكور، وتقدم هناك تمام شرحه، وبيان مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3030 -

(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عز وجل).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود.

و"عيسى بن إبراهيم": هو الغافقيّ المثروديّ المصريّ الثقة. و"عبيد اللَّه بن عبد اللَّه": ولد عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب المدنيّ الثقة، شقيق سالم

(1)

.

والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3031 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ، بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو ابن منصور النسائيّ، فمن أفراده، وهو ثقة.

و"أبو نعيم": هو فضل بن دُكين. و"سفيان": هو الثوريّ. و"سلمة": هو ابن كُهيل.

وقوله: "بإقامه واحدة" تقدّم أن المعنى بإقامة واحدة لكلّ واحدة منهما، جمعًا بين هذه الرواية، وبين الرواية التي تقدّمت في "الصلاة" من طريق سالم، عن أبيه، بلفظ:"صلّى كلّ واحدة منهما بإقامة"، ولا داعي لدعوى الشذوذ، مع إمكان الجمع بما ذكر، فتنبّه.

والحديث صحيح، لكن بزيادة:"لكلّ واحدة منهما"، كما تقدّم بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3032 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(3)

عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ

(1)

-[تنبيه]: وقع في هذه الترجمة غلط في مرنامج الحديث للكتب التسعة، فترجم لعبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبة بن مسعود، وهذا غلط كبير، فإن المترجم هنا هو ولد ابن عمر بن الخطاب، فتنبّه.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(3)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 390

إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، أَنَّ كُرَيْبًا قَالَ: سَأَلْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَكَانَ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقُلْتُ: كَيْفَ فَعَلْتُمْ؟ ، قَالَ: أَقْبَلْنَا نَسِيرُ، حَتَّى بَلَغْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَأَنَاخَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْقَوْمِ، فَأَنَاخُوا فِي مَنَازِلِهِمْ، فَلَمْ يَحِلُّوا، حَتَّى صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، ثُمَّ حَلَّ النَّاسُ، فَنَزَلُوا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، انْطَلَقْتُ عَلَى رِجْلِيَّ، فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ، وَرَدِفَهُ الْفَضْلُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد ابن حاتم" بن نُعيم المروزيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة، وكلهم تقدّموا غير مرّة.

و"حبان" -بكسر الحاء المهملة-: هو ابن موسى المروزيّ الثقة. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك.

وقوله: "أقبلنا نسير حتى بلغنا المزدلفة" ظاهره أنه ما نزل في الطريق، وهو مخالف لما سبق عن أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه -، من أنه صلى الله عليه وسلم نزل في الشِّعْب، فلا بدّ من تأويل ما هنا بأن المراد أنه صلى الله عليه وسلم ما نزل قبل المزدلفة لأجل الصلاة، وإنما نزل لقضاء الحاجة. وقوله:"فلم يَحُلُّوا" بفتح حرف المضارعة، وضم الحاء المهملة.

وقوله: "في سُبّاق قريش" -بضم السين المهملة، وتشديد الموحّدة- جمع سابق، أي في جملة من سبق النبيّ صلى الله عليه وسلم، متقدّمًا عليه من المزدلفة إلى منى. وقوله:"على رجليّ" بتشديد الياء على التثنية.

وقوله: "وردفه الفضل" -بفتح الراء، وكسر الدال المهملة- أي ركب خلفه، والجملة حالية.

والحديث صحيحٌ، وتقدّم تمام البحث فيه قبل ثلاثة أبواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌208 - (تَقْدِيمُ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ إِلَى مَنَى مِنَ الْمُزْدَلِفَةَ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا الترجمة في بعض نسخ "المجتبى"، وهو الصواب، وهو الذي في "الكبرى"، وأما ما وقع في معظم نسخ "المجتبى": "تقديم

ص: 391

النساء والصبيان إلى منازلهم بالمزدلفة"، فغير صحيح، فتنبّه.

و"الصبيان" -بكسر الصاد المهملة، ويجوز ضمها- جمع صبيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3033 -

(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [10] 44/ 52.

2 -

(سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت المكيّ [8] 1/ 1.

3 -

(عُبيد اللَّه بن أيي يزيد) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الحديث من [4] مات سنة (126هـ) وله (86) سنة، من رجال الجماعة، تقدّم في 70/ 2370.

4 -

(ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (155) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، ومن المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْن أَبِي يَزِيدَ) -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: أَنا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أي قدّمه، فحذف العائد؛ لكونه فضلة (لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ) أي إلى منى (فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ) -بفتح الضاد المعجمة، والعين المهملة، جمع ضعيف، قال ابن مالك في "توضيحه": جمع ضعيف على ضعفة غريبٌ، ومثله خبيث وخَبَثَةٌ انتهى

(1)

.

وقال الفيّوميّ: ما حاصله: جمع ضعيف ضُعَفاءُ، وضِعَافٌ، وجاء ضَعَفَةٌ، وضَعْفَى؛ لأن فعيلاً إذا كان صفة، وهو بمعنى مفعول جمُع على فَعْلَى، مثل قَتيل وقَتْلَى، وجَريح وجَرْحَى، قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى، ذهابًا إلى أن المعنى معنى مفعول،

(1)

- نقله في "زهرالربى" 5/ 261.

ص: 392

وقالوا: أحمق وحَمْقَى، وأنوَكُ ونَوْكَى

(1)

؛ لأنه عيبٌ أُصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذّ من ذلك سَقِيمٌ، فجُمع على سِقَام -بالكسر- لا على سَقْمَى، ذهابًا إلى أن المعنى معنى فاعل، ولوحظ في ضعيفِ معنى فاعل، فجُمع على ضعافِ، وضَعَفَة، مثلُ كافر وكَفَرَة انتهى

(2)

.

والمراد بالضَّعَفَة هنا هم النساء، والصبيان، والْخَدَم، والمشايخ العاجزون، وأصحاب الأمراض.

وقال ابن حزم: الضعفة، هم الصبيان والنساء فقط، والحديث يرد عليه لأنه أعمّ من ذلك. فيدخل فيه الرجال العاجزون، والمرضى؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما التالي:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر ضَعَفَة بني هاشم أن ينفروا من جمع بليل".

وقوله: "ضعفة بني هاشم" أعمّ من النساء، والصبيان، والمشايخ العاجزين، وأصحاب الأمراض؛ لأن العلّة خوف الزحام عليهم.

ويؤيّده رواية الطحاويّ، عن عطاء، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للعبّاس ليلة المزدلفة: "اذهب بضعفائنا، ونسائنا، فليصلّوا الصبح بمنى، وليرموا جمرة العقبة قبل أن تُصيبهم دفعة الناس"، قال: فكان عطاء يفعله بعد ما كبر وضعف. ولأبي داود من طريق حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقدّم ضعفاء أهله بغلس". ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريق أبي الزبير، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقدّم العيال، والضعفة إلى منى من المزدلفة أفاده في "الفتح"

(3)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصحيح جواز تقدُّم أصحاب الأعذار بالليل من المزدلفة إلى منى، سواء كانوا رجالاً، أو نساءً، وكذا من يقوم عليهم ممن يخدُمهم، وإن كان قويًا في نفسه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

(1)

الأنوك كالأحمق وزنًا ومعنى.

(2)

- "المصباح المنير" في مادّة ضعف.

(3)

- "فتح" 4/ 343. بتصرّف.

ص: 393

أخرجه هنا -208/ 3033 و 3034 و 3044 - و 214/ 3049 - وفي "الكبرى" 259/ 4035 و 4036 و 4037 و 4038 و 216/ 4055. وأخرجه (خ) في "الحج" 1677 و 1678 و 1856 و"المغازي" 4196 و"الأدب" 6148 (م) في "الحج" 1293 و 1294 (د) في "المناسك" 1940 و 1941 و"الجهاد" 2538 (ق) في "المناسك" 3025 و 3026 (أحمد) في "مسند بني هاشم" 2083 و 2423 و 2503 و 2837 و 2996 و 3182 و 3192. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز التقدّم يوم النحر من المزدلفة إلى منى قبل الصبح للضعفاء. (ومنها): صحة صلاة الصبح بمنى يوم النحر لهم. (ومنها): سماحة الدين، وسهولة تكاليفه، فليس القويّ والضعيف في ذلك سواء، بل يُكَلِّف كلاًّ بقدر استطاعته، فقد سهّل للضعفة في موضع الحرج بسبب شدّة الزحام، فرخص لهم أن يرموا قبل وقوع الزحام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المبيت بالمزدلفة ليلة النحر: ذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعيّ في أحد قوليه، إلى وجوب المبيت بها، وهو قول عطاء، والزهريّ، وقتادة، ومجاهد. وعن الشافعيّ: سنة، وهو قول مالك -رحمهم اللَّه تعالى-. أفاده العينيّ

(1)

.

وقال النوويّ: المشهور من مذهب الشافعيّ أنه ليس بركن، فلو تركه صحّ حجه، قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف.

وقال خمسة من أئمة التابعين: هو ركن، لا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف بعرفات. هذا قول علقمة، والأسود، والشعبيّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وبه قال من الشافعيّة ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر بن خزيمة، واحتجّ لهم بقوله تعالى:{فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، وبالحديث المرويّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"من فاته المبيت بالمزدلفة، فقد فاته الحجّ".

وأجيب بأن الأمر في الآية إنما هو الذكر، وليس هو بركن بالإجماع. وأما الحديث فليس بثابت، ولا معروف، ولو صحّ لحمل على فوات كمال الحجّ، لا فوات أصله.

قال: واحتجّ أصحابنا بحديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج للصلاة، فقلت: يا رسول اللَّه، إني جئت من جبل

(1)

- "عمدة القاري" 8/ 178.

ص: 394

طيّء، أكللت مطيّتي، وأتعبت نفسي، واللَّه ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"من شهِد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفثه". رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم بأسانيد صحيحة. قال الترمذيّ: هو حديث حسنٌ صحيح. انتهى كلام النوويّ بتصرّف

(1)

.

وقال العينيّ: وقال الشافعيّ: يحصل المبيت بساعة في النصف الثاني من الليل، دون الأول، وعن مالك: النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها سنة، وكذا الوقوف مع الإمام سنة. وقال أهل الظاهر: من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح بالمزدلفة بطل حجه، بخلاف النساء والصبيان، والضعفاء. وقال الحنفيّة: لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام، فتعجل السير إلى منى، فلا شيء عليه، والمأمور في الآية الكريمة الذكر، دون الوقوف، ووقت الوقوف بالمشعر الحرام بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن يسفر جدًّا. وعن مالك: لا يقف أحد إلى الإسفار، بل يدفعون قبل ذلك انتهى كلام العينيّ

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي أن المبيت بالمزدلفة سنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بات بها، وأما شهود صلاة الصبح، والوقوف بعدها إلى أن يدفع الإمام، فواجب إلا لأهل الأعذار؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور آنفًا، فإنه صلى الله عليه وسلم ذكره لصحة الحجّ، وتمامه، فقال:"من شهِد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفثه". فما ذكر المبيت بها لتمام الحجّ، وإنما ذكر الوقوف بعرفة، وشهود صلاة الصبح، والدفع معه، وقد أوجبت الآية المذكورة الذكر عند المشعر الحرام، فأفادت أن الوقوف به من واجبات الحجّ، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3034 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، "محمد بن منصور" الجوّاز المكيّ الثقة، فإنه من أفراده.

و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله. واللَّه

(1)

- "المجموع" 5/ 126 و 5/ 163.

(2)

- "عمدة القاري" 8/ 178.

ص: 395

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3035 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، وَعَفَّانُ، وَسُلَيْمَانُ، عَنْ شُعْبَةَ،، عَنْ مُشَاشٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَمَرَ ضَعَفَةَ بَنِي هَاشِمٍ، أَنْ يَنْفِرُوا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ).

قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أبي داود، سليمان بن سيف الحرّانيّ الثقة، فإنه من أفراده.

و"أبو عاصم": الضحّاك بن مَخلَد النبيل. و"عفّان": هو ابن مسلم الصفّار. و"سليمان": هو ابن حرب الأزديّ المكيّ البصريّ الأصل.

و"مُشاش" -بمعجمتين- أبو ساسان، ويقال: أبو الأزهر السَّلِيميّ -بفتح المهملة- البصريّ، ويقال: المروزيّ، وقيل: هما اثنان، ثقة

(1)

[6].

روى عن عطاء، وطاوس، والضحّاك بن مزاحم. وعنه شعبة، وهُشيم. قال ابن أبي حاتم: مُشاش الخراسانيّ، أبو ساسان، سألت أبي عنه؟، فقال: إذا رأيت شعبة يُحدّث عن رجل، فاعلم أنه ثقة، إلا نفرًا بأعيانهم، قلت: فما تقول أنت فيه؟، قال: صدوق، صالح الحديث، سئل عنه أبو زرعة، فقال: أبو ساسان بصريٌّ، ليس به بأس، وقال أبي ثقة. ثم قال: مُشاش أبو الأزهر السَّليميّ، قال البخاريّ: هما مُشاشان، وقال أبي: هما مُشاش. وقال حاتم بن الليث الجوهريّ، عن ابن معين: مُشاش السَّلِيميّ، لم يرو عنه غير شعبة، ومُشاش أبو ساسان روى عنه هشيم، كان يكنيه، وكان شعبة يسمّيه. وقال عثمان الدراميّ، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -208/ 3035 - وفي "الكبرى" 209/ 4038.

والحديث يدلّ أن من كان من الضعفاء، سواء كان رجلاً، أو امرأةً له أن يتقدّم إلى منى بليل، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3036 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَمَرَهَا أَنْ تُغَلِّسَ، مِنْ جَمْعٍ، إِلَى مِنًى).

(1)

- قال عنه في "التقريب": "مقبول"، والحقّ أنه ثقة؛ لما تبيّن من توثيق أبي حاتم، وابن معين، وابن حبان له، ولم يتكلم فيه أحد. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 396

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [10] 4/ 4.

2 -

(يحيى) بن سعيد القطّان الإمام الحجة الثبت البصريّ [9] 4/ 4.

3 -

(ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [6] 28/ 32.

4 -

(عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [3] 112/ 154.

5 -

(سالم بن شوّال) -باسم الشهر- المكيّ، مولى أم حَبيبة، ثقة [3].

روى عن مولاته. وعنه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن عُيينة: وسالم بن شوّال رجل من أهل مكة، لم نسمع أحدًا، يُحدث عنه إلا عمرو بن دينار. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط.

6 -

(أم حبيبة) رملة بن أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى - عنها، مشهورة بكنيتها، ماتت سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: تسع وأربعين، وقيل: تسع وخمسين، تقدّمت ترجمتها في 13/ 704. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وشيخه، ويحيى بصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ سَالِم بْنِ شَوّالٍ) مولى أم حبيبة (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النْبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَمَرَهَا أَنْ تغَلِّسَ) بتشديدَ اللام، من التغليس، وهو السير بغلس، قال الفيّوميّ: الغَلَس بفتحين: ظلام آخر الليل، وغلس القوم تغليسًا: خرجوا بغَلَس، وغلّس في الصلاة: صلّاها بغَلَس انتهى (مِنْ جَمْعٍ) -بفتح الجيم، وسكون الميم- هي مزدلفة، تقدم سبب تسميتها بذلك قريبًا (إِلَى مِنًى) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

ص: 397

مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا 208/ 3036 و3037 - وفي "الكبرى" 209/ 4039 و 4040. وأخرجه (م) في "الحجّ" 1292 (أحمد) في "مسند القبائل" 26850 و 26859 (الدراميّ) في "المناسك" 1885. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3037 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُغَلِّسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد الجبار بن العلاء": هو أبو بكر العطار البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [10] 132/ 199. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار.

والحديث أخرجه مسلم، كما تقدّم بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌209 - (الرُّخْصَةُ لِلنِّسَاءِ فِي الإِفَاضَةِ مِنْ جَمعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن هذه الترجمة، والتي قبلها متقاربتان في المعنى، فكان الأولى جعلهما ترجمة واحدة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3038 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

مَنْصُورٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّمَا أَذِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِسَوْدَةَ فِي الإِفَاضَةِ، قَبْلَ الصُّبْحِ، مِنْ جَمْعٍ؛ لأَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 398

تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"القاسم": هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة.

وقوله: "ثبطة" -بفتح المثلّثة، وكسر الموحّدة، أو سكونها، وطاء مهملة: أي ثقيلة بطيئة. قال السيوطيّ في "شرحه": وروي: "بطينة" انتهى.

والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي بأتمّ مما هنا في -214/ 3050 - ويأتي شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌210 - (الْوَقْتُ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ الصُّبْحُ بِالْمُزْدَلِفَةِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يُصَلَّى" بالبناء للمفعول، و"الصبح" نائب فاعله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3039 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، صَلَّى صَلَاةً قَطُّ إِلاَّ لِمِيقَاتِهَا، إِلاَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، صَلاَّهُمَا بِجَمْعٍ، وَصَلَاةَ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير. و"عمارة": هو ابن عمير الليثيّ الكوفيّ، الثقة الثبت. و"عبد الرحمن بن يزيد": هو النخعيّ الكوفيّ الثبت، أخو الأسود.

وقوله: "وصلاة الفجر" بالنصب بتقدير فعل، أي وصلّى صلاة الفجر الخ. ولفظ "الكبرى":"وصلّى الفجرَ" بصيغة الفعل، وهو واضح.

قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: المراد به قبل وقتها المعتاد، لا قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين، والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا اليوم أشدّ، وآكد، وقال أصحابنا: معناه أنه صلى الله عليه وسلم كان في غير هذا اليوم يتأخّر عن أول

ص: 399

طلوع الفجر لحظة إلى أن يأتيه بلالٌ، وفي هذا اليوم لم يتأخّر لكثرة المناسك فيه، فيحتاج إلى المبالغة في التبكير؛ ليتّسع الوقت لفعل المناسك. انتهى

(1)

.

وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث من مشكلات الأحاديث، وقد تكلّمتُ عليه في "حاشية صحيح البخاريّ"، وأبي داود، والصحيح في معناه أن مراده ما رأيته صلى الله عليه وسلم صلّى صلاةً لغير وقتها المعتاد لقصد تحويلها عن وقتها المعتاد، وتقريرها في غير وقتها المعتاد؟ لما في "صحيح البخاريّ" من روايته - رضي اللَّه تعالى عنه - أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: إن هاتين الصلاتين حُوّلتا عن وقتهما في هذا المكان"، وهذا معنى وجيه، ويُحمل قوله: "قبل ميقاتها" على هذا الميقات المعتاد، ويقال على أنه غلّس تغليسًا شديدًا، يخالف التغليس المعتاد، لا أنه صلّى قبل أن يطلع الفجر، فقد جاء في حديثه، وحديث غيره أنه صلّى بعد طلوع الفجر، وعلى هذا المعنى لا يرد شيء سوى الجمع بعرفة، ولعله كان يرى ذلك للسفر. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن المراد بقوله: "قبل ميقاتها" الوقت المعتاد، لا أنه صلّى قبل طلوع الفجر؛ لما في رواية البخاريّ، في حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفيه:"فلما طلع الفجر، قال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يصلّي هذه الساعة إلا هذه الصلاة، في هذا المكان، من هذا اليوم، قال عبد اللَّه: هما صلاتان تُحوّلان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يفعله".

فهذا نصّ صريح من ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - في كونه صلى الله عليه وسلم ما صلى الصبح إلا بعد طلوع الفجر، فتبيّن بهذا أن المراد بقوله:"قبل ميقاتها" هو الوقت المعتاد. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث فيه مُستَوفًى في "كتاب الصلاة" برقم 49/ 608، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 41.

(2)

- "شرح السنديّ" 5/ 262 - 263.

ص: 400

قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين:

قد انتهيت من كتابة الجزء الخامس والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى".

وذلك بحيّ الزهراء، مخطط الأمير طلال، فى مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.

وأخر دعوانا {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

"اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".

"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".

ويليه - إن شاء اللَّه تعالى- الجزء السادس والعشرون مفتتحًا بالباب 211 "فيمن لم يُدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة" الحديث رقم 3040.

"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

ص: 401