المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

شرح سنن النسائي المسمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعه الفقير إلى مولاه - ذخيرة العقبى في شرح المجتبى - جـ ٢٦

[محمد بن علي بن آدم الأثيوبي]

فهرس الكتاب

شرح سنن النسائي

المسمَّى

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير

محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي

المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة

عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين

الجزء الخامس والعشرون

دار آل بروم للنشر والتوزيع

ص: 1

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى

1424هـ - 2003م

دار آل بروم للنشر والتوزيع

المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم

ص ب: 4145 - (تلفاكس 5211576 - جوّال 055541026)

ص: 2

شرح سنن النسائي

ص: 3

بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 4

‌211 - (فِيمَنْ لَمْ يُدْرِكْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ الإِمَام بِالْمُزْدَلِفَةِ)

3040 -

(أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَدَاوُدَ، وَزَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاقِفًا بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ، هَا هُنَا، ثُمَّ أَقَامَ مَعَنَا، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ، لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(سعيد بن عبد الرحمن) بن حسّان المخزوميّ المكيّ، ثقة، من صغار [10] 41/ 1277.

2 -

(سفيان) بن عيينة المذكور قبل بابين.

3 -

(إسماعيل) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت [4] 13/ 471.

4 -

(داود) بن أبي هند القرشيّ مولاهم البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يَهِم بآخره [5] 21/ 538.

5 -

(زكريا) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الهمدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة يدلّس [6] 93/ 115.

6 -

(الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 66/ 82.

7 -

(عروة بن مُضَرّس) -بمعجمة، ثم راء مشددة مكسورة، ثم مهملة- ابن أوس بن حارثة بن لام الطائيّ، شهد مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حجة الوداع. وروى عنه حديثَ الباب، رواه عنه الشعبيّ، وقال عليّ بن المدينيّ: لم يرو عنه غير الشعبيّ. وقد روى عنه أيضًا ابن عمه حُميد بن مُنْهِب بن حارثة بن حزم. قال الحافظ: لكن قال الأزديّ في "المخزون" لم يرو عنه الشعبيّ. قال: وروى عن حُميد بن مُنهِب عنه، ولا يقوم. وذكر أبو صالح المؤذّن أنه وقعت له رواية عبد اللَّه بن عباس عنه أيضًا. وروى الحاكم في "المستدرك" الحديث المذكور في الحجّ من رواية عروة بن الزبير، عن عروة بن مضرّس، لكن إسناده ضعيف. والحديث قد ذكره الدارقطنيّ في "الإلزامات" من طريق الشعبيّ حسبُ. وقال الدارقطنيّ أيضًا: لم يرو عن عروة بن مضرّس غير الشعبيّ، وكذا قال

ص: 5

مسلم في "الوُحْدان" وغيره. وقال ابن سعد: كان عروة بن مضرّس مع خالد بن الوليد حين بَعَثَه أبو بكر إلى أهل الردّة. وقال أيضًا: وهو الذي بعث معه خالد بن الوليد بعُيينة ابن حِصن الفزاريّ لما أسره يوم البطاح إلى أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -. وأخرج له الأربعة هذا الحديث فقط، كرره خمس مرّات برقم 3040 و 3041 و 3042 و 3043 و 3044. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، والصحابيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، إسماعيل، وداود عن الشعبيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند الأربعة، راجع "تحفة الأشراف" 7/ 295 - 296. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاقِفًا بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ) وفي الرواية الآتية:"قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم بجمع، فقلت: يا رسول اللَّه، إني أقبلت من جبلي طيّء، لم أدع حَبْلاً إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ("مَنْ صَلَّى مَعَنَا صَلَاَتنَا هَذِهِ) أي صلاة الصبح (هَا هُنَا) أي في المزدلفة (ثُمَّ أَقَامَ مَعَنَا) أي وقف بالمشعر الحرام (وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ) جملة حاليّة في محلّ نصب من الفاعل (لَيْلاً أَوْ نَهَارًا) فيه أن من وقف بعرفة في أي وقت من الأوقات، ليلاً، أو نهارًا أجزأ عنه ذلك،. وأن الجمع بين جزء من النهار، وجزء من الليل، -كما يقول به كثير من أهل العلم- ليس شرطًا، فمن أدرك جزءًا من النهار وحده لكفى في تمام الحجّ.

(فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي أمن من الفوات على أحسن وجه، وأكمله، وإلا فأصل التمام بهذا المعنى بوقوف عرفة فيما سبق، وأيضًا شهود الصلاة مع الإمام ليس بشرط للتمام عند أحد. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وأيضًا شهود الصلاة الخ" فيه نظرٌ، فإن النصّ الصريح جعله شرطًا للتمام، فكيف يستقيم القول بعدم شرطيته، ففي الرواية التالية: "من أدرك جمعًا مع الإمام، والناسِ، حتى يُفيض منها، فقد أدرك الحجّ، ومن لم يدرك

(1)

-"شرح السنديّ" 5/ 263.

ص: 6

مع الناس، والإمام، فلم يدرك". فهذا نصّ صريحٌ في عدم الاعتداد بحج من لم يدرك الوقوف مع الإمام بالمزدلفة، فهل من المعقول أن يقال: إنه ليس بشرط، إن هذا لهو العجب العُجاب.

وأعجب منه قوله: "ليس بشرط عند أحد"، مع أن جماعة من السلف قالوا بذلك، كما سيأتي ذكرهم في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 211/ 3040 و 3041 و 3042 و 3043 و 3044 - وفي "الكبرى" 212/ 4045 و 4046 و 4047 و 4048 و 4049. وأخرجه (د) في "المناسك" 1950 (ت) في "الحج" 891 (ق) في "المناسك" 3016 (أحمد) في "مسند المدنيين" 15775 و"مسند الكوفيين" 17836 و 17840 (الدراميّ) في "المناسك" 1888. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، وهو عدم صحة حجّه، كما نصّ الحديث، إلا من استثناه الشارع، وهم أصحاب الأعذار، كالمرضى، والعجَزَة، ومن يقوم عليهم، فإن حجهم صحيح، وإن يدركوا ذلك. (ومنها): كون الوقوف بعرفة ركنًا من أركان الحجّ، لا يصحّ إلا به. (ومنها): أن الوقوف بعرفة يحصل بالوقوف في جزء من أرض عرفة، ولو لحظة لطيفةً، مطلقًا، سواء كان ليلاً، أو نهارًا، وبهذا قال الجمهور، وحكى النوويّ قولاً: إنه لا يكفي الوقوف ليلاً، ومن اقتصر عليه، فقد فاته الحجّ، وهذا قول باطلٌ، تردّه الأحاديث الصحيحة

(1)

. (ومنها): أن الوقوف لا يختصّ بما بعد الزوال، بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة، وطلوعه يوم العيد، وبه قال أحمد بن حنبل؛ لأن لفظ الليل والنهار مطلقان، وخالفه الجمهور، فقالوا: وقت الوقوف بعد الزوال، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا

(1)

- راجع "نيل الأوطار" 5/ 65.

ص: 7

إلا بعد الزوال، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيّدًا لذلك المطلق، ولا يخفى ما فيه. قاله الشوكانيّ

(1)

.

قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: ما ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، من أنّ وقت الوقوف لا يختص بما بعد الزاول هو الحقّ؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوقوف بالمزدلفة:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقوف بالمزدلفة سنة، وليس بواجب. وذهبت طائفة إلى أنه واجب، لا يصحّ الحجٌ إلا به، وقد ذكر الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- القائلين بذلك، فقال: روينا من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، نا سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرنيّ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال:"من أفاض من عرفة، فلا حجّ له". وعن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما، انه كان يقول في خطبته:"ألا لا صلاة إلا بجمع"، فإذا أبطل الصلاة إلا بمزدلفة، فقد جعلها من فرائض الحجّ. ومن طريق شعبة، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعيّ، قال: كان يقال: "من فاته جمعٌ، أو عرفة، فقد فاته الحجّ". ومن طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعيّ، قال:"من فاته عرفة، أو جمع، أو جامع قبل أن يزور، فقد فسد حجه". ومن طريق سفيان الثوريّ أيضا، عن عبد الله بن أبى السفر، عن الشعبيّ، أنه قال:"من فاته جمع جعلها عمرةً". وعن الحسن البصريّ: "من لم يقف بجمع، فلا حجّ له". وعن حمّاد بن سليمان، قال:"من فاته الإفاضة من جمع، فقد فاته الحجّ، فليتحلّل بعمرة، ثم ليحجّ من قابل"

(2)

.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحق أنّ الوقوف بالمزدلفة من واجبات الحجّ، فلا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف بعرفة؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي الله تعالى عنه - هذا، فإن قوله صلى الله عليه وسلم:"ومن لم يدرك مع الإمام والناس، فلم يدرك" لا يكون أقلّ دلالة على الوجوب من قوله صلى الله عليه وسلم: "الحجّ عرفة"، فكما أن من لم يقف بعرفة لم يدرك الحجّ، فكذلك من لم يقف بالمزدلفة، لم يدرك الحج بهذا النصّ.

وهذا كله في غير المرخّص لهم، من النساء، والأطفال، والعَجَزَة، ومن يقوم عليهم، فإنهم لا يجب عليهم الوقوف بالمزدلفة، بل يجوز لهم أن يتقدّموا إلى منى ليلاً، كما نصّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، حيث أمر الضعفة أن يتقدّموا من جمع بليل. والله

(1)

- "نيل الأوطار" 5/ 64.

(2)

- "المحلّى" 7/ 131.

ص: 8

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3041 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الإِمَامِ وَالنَّاسِ، حَتَّى يُفِيضَ مِنْهَا، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ النَّاسِ، وَالإِمَامِ فَلَمْ يُدْرِكْ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به، هو وأبو داود، وهو مصّيصيّ ثقة. و" جرير": هو ابن عبد الحميد.

و"مطرّف": هو ابن طَريف الكوفيّ الثقة الفاضل.

وقوله: "من أدرك جمعًا الخ" أي أدرك الوقف بجمع، وهي المزدلفة. وقوله:"حتى يُفيض منها" أي حتى ينصرف من الجمع مع الإمام والناس. ولفظ "الكبرى": "حين يفيضوا"، والظاهر أن حين مصحفة من "حتى"، أي حتى يرجعوا، وينصرفوا منها. وقوله:"فلم يُدرك" حُذف مفعوله لكونه فضلة، أي لم يدرك الحجّ.

والحديث صحيح، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3042 -

(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِجَمْعٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ جَبَلَىْ طَيِّئٍ، لَمْ أَدَعْ حَبْلاً، إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ، لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبوداود أيضًا، وعلي بن الحسين بن مطر الدرهميّ البصريّ، صدوق من كبار [11] 17/ 1547.

و"أمية": هو خالد بن الأسود البصريّ، أخو هُدْبة صدوق [9] 42/ 1906.

و"سيّار": هو ابن أبي سيّار، أبو الحكم الْعَنَزيّ، وأبو سيّار، اسمه وردان، وقيل: ورد، وقيل: دينار. وهو أخو مساور الورّاق، لأمه، ثقة [6] 26/ 432.

وقوله: "من جبلي طيّء" هما جبل سَلْمى، وجبل أجأ. قاله المنذريّ. و"سَلْمَى" كسكرى: جبلٌ لطيّء، شرقيّ المدينة. و"أَجَأ، كجبَلٍ وزنا ومعنى، جبل لطيء. أفاده في "القاموس. و"طيّء" بفتح الطاء المهملة، وتشديد الياء، بعدها همزة: اسم قبيلة.

وقوله: "لم أدع حَبْلاً" بفتح الحاء المهملة، وسكون الموحّدة، قال في "النهاية" هو المستطيل من الرمل. وقيل: الضخم منه، وجمعه حِبَالٌ. وقيل: الحبال من الرمل،

ص: 9

كالجبال في غير الرمل

(1)

. وقال الخطّابيّ: الحبال ما دون الجبال في الارتفاع. انتهى.

وقوله: "هذه الصلاة" يعني صلاة صبح يوم النحر بالمزدلفة. وفي الرواية الآتية بعد حديث: "من صلّى صلاة الغداة ههنا معنا". وقوله: "قبل ذلك" أي قبل المبيت، والوقوف بالمزدلفة.

وقوله: "قضى تفثه" -بفتح المثتاة الفوقية، والفاء، والمثلّثة، أي أتمّ مدة بقاء التفث، يعني الوسخ وغيره، مما يُناسب المحرم، فحلّ له أن يُزيل عنه التّفّث بحلق الرأس، وقصّ الشارب، والأظفار، وحلق العانة، وإزالة الشعث، والدرن، والوسخ مطلقًا. أَفَادَهُ السنديّ.

وقال في "النهاية": "التَّفَثُ": هو ما يفعله المحرم بالحجّ إذا حلّ، كقصّ الشارب والأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة. وقيل: إذهاب الشعث، والدرن، والوسخ مطلقا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3043 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ،، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لأْمٍ

(2)

، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِجَمْعٍ، فَقُلْتُ: هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ ، فَقَالَ:«مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا، وَوَقَفَ هَذَا الْمَوْقِفَ، حَتَّى يُفِيضَ، وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ، لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو بصريّ ثقة.

و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"عبد اللَّه بن أبي السفَر": هو الثوريّ الكوفيّ الثقة. والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3044 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: أَتَيْتُكَ مِنْ جَبَلَىْ طَيِّئٍ، أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِى، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، مَا بَقِيَ مِنْ حَبْلٍ، إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ، هَا هُنَا مَعَنَا، وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ

(1)

- "النهاية" 1/ 333.

(2)

- هكذا نسخ "المجتبى" بهمزة ساكنة، بعد اللام، والذي في "الكبرى":"لام" بألف بعد اللام، بلفظ "لام" الحرفية، وهو الذي في كتب الرجال، كـ"تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"خلاصة الخزرجي". واللَّه تعالى أعلم.

ص: 10

قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَضَى تَفَثَهُ، وَتَمَّ حَجُّهُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو القطّان. و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد. و"عامر": هو الشعبيّ.

وقوله: "أكللت مطيّتي" أي أتعبت ناقتي.

والحديث صحيح، وقد سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3045 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَعْمَرَ الدِّيلِيَّ، قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ نَجْدٍ، فَأَمَرُوا رَجُلاً، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَجِّ؟ ، فَقَالَ: "الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ، قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَدْ أَدْرَكَ حَجَّهُ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةُ، أَيَّامٍ (مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرْدَفَ رَجُلاً، فَجَعَلَ يُنَادِى بِهَا فِي النَّاسِ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير بُكير، وهو ثقة، وعبد الرحمن، وهو صحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. و"يحيى": هو القطان.

و"سفيان": هو الثوريّ.

والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في 203/ 3017 - وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3046 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"يحيى بن سعيد" هو: القطّان.

وإلحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في - 51/ 2740، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 11

‌212 - (التَّلْبِيَةَ بِالْمُزْدَلِفَةِ)

3047 -

(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ كَثِيرٍ -وَهُوَ ابْنُ مُدْرِكٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَنَحْنُ بِجَمْعٍ: سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ، فِي هَذَا الْمَكَانِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(هناد بن السريّ) أبو السريّ التميميّ الكوفيّ، ثقة [10] 23/ 25.

2 -

(أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن [7] 79/ 96.

3 -

(حُصين) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الهذيل الكوفيّ، ثقة تغيّر حفظه في الآخر [5] 47/ 846.

4 -

(كثير بن مُدرك) أبو مدرك الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [2] ووهم من عدّه في الصحابة تقدّم في 6/ 503.

5 -

(عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار [3] مات سنة (83 هـ) تقدّم في -37/ 41.

6 -

(ابن مسعود) عبد اللَّه الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 35/ 39. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: حُصين، عن كثير، عن عبد الرحمن، ورواية كثير عن عبد الرحمن من رواية الأكابر عن الأصاغر. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النخعيّ، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَنَحْنُ بِجَمْعٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أننا نازلون في جمع، وهي المزدلفة (سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) صلى الله عليه وسلم، والجملة مقول القول (يَقُولُ، فِي هَذَا المكَانِ) يعني المزدلفة (لَبَّيكَ اللهُمَّ لَبَّيكَ) في محلّ نصب مقول القول.

والحديث دليلٌ على استحباب التلبية في المزدلفة ليلة النحر، وصباحه، وأنها لا

ص: 12

تقطع إلا إذا رمى جمرة العقبة في ذلك اليوم، كما سيأتي في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في -229/ 3081 - في باب "قطع التلبية إذا رمى جمرة العقبة"، إن شاء اللَّه تعالى تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 212/ 3047 - وفي "الكبرى" 214/ 4053. وأخرجه (م) في "الحجّ" 1283 (أحمد) في "مسند المكثرين" 3539 و 3966. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌213 - (وَقْتُ الإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ)

3048 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ بِجَمْعٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانُوا لَا يُفِيضُونَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [10] 42/ 47.

2 -

(خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [8] 42/ 47.

3 -

(شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [7] 24/ 27.

4 -

(أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه الهمدانيّ السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره [3] 38/ 42.

5 -

(عمرو بن ميمون) الأوديّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو يحيى، مخضرم مشهور،

ص: 13

ثقة، عابد، نزل الكوفة، ومات سنة (74 هـ) وقيل: بعدها، تقدّم في 192/ 307. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن أبي إسحاق، أنه (قال: سمعته) أي سمعت عمرو بن ميمون (يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (بجَمْع) أي بالمزدلفة، وسميت بذلك لاجتماع الحجّاج فيها، وقيل: غير ذلك في تَسميتها (فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ) وفي رواية البخاريّ: "شهدت عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - صلّى بجمع الصبحَ، ثم وقف، فقال: إن المشركين كانوا لا يُفيضون

" (كَانُوا لَا يُفِيضُونَ) بضم أوله، من الإفاضة، أي لا يرجعون، وزاد في رواية للبخاريّ من طريق سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق: "من جمع"، وزاد الطبرانيّ، من رواية عبيد اللَّه بن موسى، عن سفيان: "حتى يروا الشمس على ثَبِير" (حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ) بضم اللام، يقال: طلع الكوكب والشمس، طُلُوعًا، ومطلَعًا -بفتح اللام، وكسرها-: ظهر، كأطلَعَ بالهمز. أفاده في "القاموس" (وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ) بفتح أوله، فعل أمر من الإشراق، يقال: أشرق: إذا دخل في الشروق، ومنه قوله تعالى: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [الشعراء: 60] أي حال كونهم داخلين في شروق الشمس، كما يقال: أجنب: إذا دخل في الْجَنُوب، وأشمل: إذا دخل في الشمال، وحاصل معنى: "أشرق ثَبِير": لتطلع عليك الشمس. وقال الهرويّ: يريد ادخل أيها الجبل في الشروق. وقال عياض: "أشرق ثبير" ادخل يا جبل في الإشراق.

وقال ابن التين: وضبطه بعضهم بكسر الهمزة، كأنه ثلاثيّ، من شرق، وليس ببيّنٍ، لأن شرَقَ مستقبله يَشرُقُ -بضم الراء-، والأمر منه "اشرُق" -بضم الهمزة، لا بكسرها- والذي عليه الجماعة -بفتح الهمزة-: أي لتطلُعْ عليك الشمس. وقيل: معناه: أَطلِع الشمسَ يا جبلُ، وليس ببيّن أيضًا انتهى

(1)

(ثَبِيرُ) بفتح المثلّثة، وكسر الموحّدة: جبلٌ

(1)

- "فتح" 4/ 348، و"عمدة القاري" 8/ 185.

ص: 14

معروفٌ هناك، وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو من أعظم جبال مكة، عُرف برجل من هُذيل، اسمه ثَبير، دُفن فيه. وهذا هو المراد، وإن كان للعرب جبال أُخَر كلّ منها ثبير، وهو منصرفٌ، ولكنه هنا بدون التنوين؛ لأنه منادى مفرد معرفة: تقديره: أشرق يا ثبير.

وزاد في رواية الإسماعيليّ من طريق أبي الوليد، عن شعبة:"كيما نُغير"، ومثله لابن ماجه من طريق حجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق. وللطبريّ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق:"أشرق ثبير، لعلّنا نُغير". قال الطبريّ: معناه كيما ندفع للنحر، وهو من قولهم: أغار الفرسُ: إذا أسرع في عدوه. قال ابن التين: وضبطه بعضهم بسكون الراء في "ثبير"، وفي "نُغير"؛ لإرادة السجع، وهو من محسنات الكلام انتهى

(1)

(وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَالَفَهُمْ) أي خالف المشركين في إفاضتهم بعد طلوع الشمس (ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) الإفاضة الدفعة. قاله الأصمعيّ، ومنه أفاض القوم في الحديث: إذا دفعوا فيه.

ثم إنه يحتمل أن يكون فاعل "أفاض" ضمير عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، فيكون انتهاء حديثه ما قبل هذا. ويحتمل أن يكون ضمير "رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"؛ لعطفه على قوله:"خالفهم "، وهذا هو المعتمد. وقد وقع في رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عند الترمذيّ:"فأفاض"، وفي رواية الثوريّ:"فخالفهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأفاض"، وللطبريّ من طريق زكريا، عن أبي إسحاق بسنده:"كان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس"، وله من رواية إسرائيل:"فدفع لقدر صلاة القوم المسفرين لصلاة الغداة"، وأوضح من ذلك ما وقع في حديث جابر الطويل عند مسلم:"ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا اللَّه تعالى، وكبّره، وهلّله، ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس".

وروى ابن المنذر من طريق الثوريّ، عن أبي إسحاق:"سألت عبد الرحمن بن يزيد: متى دفع عبد اللَّه من جمع؟، قال: كانصراف القوم المسفرين من صلاة الغداة". وروى الطبريّ من حديث عليّ، قال:"لما أصبح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة غدا، فوقف على قُزَحَ، وأردف الفضل، ثم قال: هذا الموقف، وكلّ المزدلفة موقف، حتى إذا أسفر دفع". وأصله عند الترمذيّ، دون قوله:"حتى إذا أسفر"، ولابن خُزيمة، والطبريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس: "كان أهل الجاهليّة يقفون بالمزدلفة، حتى إذا طلعت الشمس، فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال

(1)

- "فتح" 4/ 348. و"عمدة القاري" 8/ 185.

ص: 15

دفعوا، فدفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين أسفر كلّ شيء قبل أن تطلع الشمس"، وللبيهقيّ من حديث المسور بن مخرمة نحوه

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -213/ 3048 - وفي "الكبرى" 215/ 4054. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1684 و"المناقب" 3838 (د) في "المناسك" 1938 (ت) في "الحجّ"896 (ق) في "المناسك" 3022 (أحمد) في "مسند العشرة" 85 و 200 و 277 و 297 و360 (الدراميّ) في "المناسك" 1890. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وقت الإفاضة من المزدلفة، وهو قبل طلوع الشمس. (ومنها): فضل الدفع من الموقف بالمزدلفة عند الإسفار؛ حيث إن النبيّ صلى الله عليه وسلم دفع وقت الإسفار. (ومنها): أن الوقوف بالمزدلفة من مناسك الحجّ، ونقل الطبريّ الإجماع على أن من لم يقف فيه حتى طلعت الشمس فاته الوقوف، قال ابن المنذر: وكان الشافعيّ، وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذه الأخبار، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الإسفار، واحتجّ له بعض أصحابه بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يعجل الصلاة مغلّسًا إلا ليدفع قبل طلوع الشمس، فكل من بعُد دفعه من طلوع الشمس كان أولى انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتجاج غير مقبول؛ لكونه في مقابلة النصّ، فما ذهب إليه الجمهور من أن السنة الدفع بعد الإسفار هو الحقّ؛ لحديث جابر رضي الله عنه الطويل:"فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس"، ولما أخرجه ابن خزيمة، والطبريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -:"كان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة حتى تطلع الشمس، فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فدفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين أسفر كلُّ شيء قبل أن تطلع الشمس"، وروى البيهقيّ من حديث المسور بن مخرمة نحوه. واللَّه تعالى أعلم

(1)

- "فتح" 4/ 348 - 349.

ص: 16

بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌214 - (الرُّخْصَةُ لِلضَّعَفَةِ أَنْ يُصَلُّوا يَوْمَ النَّحْرِ الصُّبْحَ بِمِنَى)

3049 -

(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ أَشْهَبَ، أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ، فَصَلَّيْنَا الصُّبْحَ بِمِنًى، وَرَمَيْنَا الْجَمْرَةَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مصريّ ثقة فقيه [11] 120/ 166. وغير "أشهب" بن عبد العزيز بن داود القيسيّ، أبي عمرو المصريّ، فإنه تفرد به هو، وأبو داود، وهو أيضًا مصريّ ثقة فقيه [10] 151/ 242.

و"داود بن عبد الرحمن": هو أبو سليمان العطار المكيّ، ثقة [8] 29/ 442.

والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في - 208/ 3033 - باب "تقديم النساء والصبيان إلى منى من مزدلفة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3050 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ بِمِنًى، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ثَقِيلَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَذِنَ لَهَا، فَصَلَّتِ الْفَجْرَ بِمِنًى، وَرَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن آدم بن سليمان) الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [10] 93/ 115.

2 -

(عبد الرحيم بن بن سليمان) الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ،

ص: 17

نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار [8] 57/ 2305.

3 -

(عبيد اللَّه) بن عمر بن حفص بن عاصم بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت [5] 15/ 15.

4 -

(عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة جَلِيل، كان أفضل أهل زمانه [6] 120/ 166.

5 -

(أبوه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيمي المدنيّ، ثقة كان أفضل أهل زمانه، أحد الفقهاء السبعة، من كبار [3] 120/ 166.

6 -

(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، وشيخه مصّيصيّ، وعبد الرحيم، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن عمّته. (ومنها): أن القاسم من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أُمً الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنها (قَالَتْ: وَدِدْتُ) من باب تَعِبَ، يقال. ودِدته أَوَدّه وُدًّا بفتح الواو وضمها: أحببته، والاسم الْمَوَدّة، وودِدتُ لو كان كذا أَوَدّ أيضًا وُدًّا، ووَدَادة بالفتح: تمنّيتُه. وَوَدَدتُه بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند البصريين، وقال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سمع، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. قاله الفيّوميّ (أَنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بفتح همزة "أنّ"، لأن مدخولها في تأويل المصدر مفعول "وددت"، أي وددت استئذاني (كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ،) بنت زَمْعَة بن قيس بن عبد شمس العامريّة القرشيّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد خديجة - رضي اللَّه تعالى - عنها بمكة، وماتت سنة (55 هـ) على الصحيح (فَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ بمِنًى، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الناسُ) وفي رواية مسلم: "فأصلي الصبح بمنى، فأرمي الجمرة قبل أَنَّ يأتي الناس"(وَكَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةٌ ثَقِيلَةً) أي من عظم جسمها (ثَبِطَةً) بفتح المثلّثة، وكسر الموحّدة، بعدها مهملة خفيفة: أي بطيئة الحركة، كأنها تثبط بالأرض، أي تشبّث بها.

[تنبيه]: وقع عند مسلم عن القعنبيّ، عن أفلح بن حُميد ما يُشعر بأن تفسير الثبطة

ص: 18

بالثقيلة من القاسم، راوي الخبر، ولفظه:"وكانت امرأة ثَبِطة، يقول القاسم: والثبطة الثقيلة"، ولأبي عوانة من طريق ابن أبي فُديك، عن أفلح بعد أن ساق الحديث بلفظ:"وكانت امرأة ثبطة، قال: الثبطة الثقيلة"، وله من طريق أبي عامر العَقَديّ، عن أفلح:"وكانت امرأة ثبطة، يعني ثقيلة".

قال الحافظ: فعلى هذا فقوله هنا: "وكانت امرأة ثقيلة ثبطة" من الإدراج الواقع قبل ما أدرج عليه، وأمثلته قليلة جدًّا، وسببه أن الراوي أدرج التفسير بعد الأصل، فظنّ الراوي الآخر أن اللفظين ثابتان في أصل المتن، فقدّم وأخّر. واللَّه أعلم انتهى بتصرّف

(1)

.

(فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي طلبت الإذن منه في الدفع قبل الناس (فَأَذِنَ لَهَا) في ذلك (فَصَلَّتِ الْفَجْرَ بمِنَى، وَرَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ) أي قبل كثرة الزحام في جمرة العقبة. واللَّه تعالى أَعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 214/ 3050 - و 209/ 3038 - وفي "الكبرى" 208/ 4032 و 4033 و 4034. وأخرجه (خ) في "الحج" 1680 و 1681 (م) في "الحجّ" 1290 (ق) في "المناسك" 3027 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 24114 و 24152 و 24496 و 24786و 25260 (الدارمي) في "المناسك" 1886. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز صلاة الصبح بمنى لأصحاب الأعذار، وأما غيرهم فلا يجوز لهم أن يُصَلُّوها إلا بالمزدلفة، على ما هو الراجح من أقوال أهل العلم، كما قدّمناه قبل بابين. (ومنها): جواز الدفع لهم بالليل من المزدلفة إلى منى. (ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من سعة الخلق، وحسن العشرة لأزواجه، حيث ينفّذ لهن ما يردنه من المباحة الشرعية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وحو حسبنا، ونعم الوكيل.

(1)

- "فتح" 4/ 346. و"عمدة القاري" 8/ 181.

ص: 19

3051 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

ابْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّ مَوْلًى لأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: جِئْتُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مِنًى بِغَلَسٍ، فَقُلْتُ لَهَا: لَقَدْ جِئْنَا مِنًى بِغَلَسٍ، فَقَالَتْ: قَدْ كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا، مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(محمد بن سلمة) المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20.

2 -

(ابن القاسم) هو عبد الرحمن العُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [10] 19/ 20.

3 -

(مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الحجة الثبت الفقيه [7] 7/ 7.

4 -

(يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [5] 22/ 23.

5 -

(عطاء بن أبي رباح) واسمه أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 112/ 154.

6 -

(مولى أسماء بنت أبي بكر) هو عبد اللَّه بن كيسان القرشيّ التيميّ أبو عمر المدنيّ، ثقة [3].

رَوَى عن مولاته أسماء، وعن ابن عمر. وعنه صِهْره عطاء بن أبي رباح، وهو من أقرانه، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وغيرهم. قال أبو داود: ثَبْتٌ. وقال الحاكم أبو أحمد: من أجلّة التابعين. وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وليس له عند المصنّف غير هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، غير عطاء، فمكيّ، وشيخه، وابن القاسم فمصريّان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن عطاء، عن مولى أسماء - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) الإمام المشهور (أَنَّ مَوْلَى لِأَسمَاءَ بنِتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق

(1)

وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 20

- رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَخْبَرَهُ، قَالَ: جِئْتُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكرٍ) الصدّيق، زوج الزبير بن العوّام - رضي اللَّه تعالى عنهم -، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة ثلاث، أو أربع وسبعين، تقدّمت ترجمتها في 185/ 293 (مِنّى بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلام آخر الليل.

وفي رواية البخاريّ من طريق ابن جريج قال حدثني عبد اللَّه، مولى أسماء، عن أسماء، أنها نزلت ليلة جمع، عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بُنيّ، هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟، قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتَاه، ما أُرانا إلا قد غَلّسنا، قالت: يا بُنيّ، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَذِنَ للظُّعُن.

(فَقُلْتُ لَهَا: لَقَدْ جِئْنَا مِنًى بِغَلَسٍ) أراد أن هذا الوقت ليس الوقت الذي يُشرع فيه الدفع من المزدلفة (فَقَالَتْ) أسماء - رضي اللَّه تعالى عنها - (قَدْ كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا، مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) تريد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي داود: "إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 214/ 3051 - وفي "الكبرى" 209/ 4041. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1679 (م) في "الحجّ" 1291 (د) في "المناسك" 1943 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 26401 و 26426 (الموطأ) في "الحجّ" 889. واللَّه تعالى أعلم.

ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث يدلّ على الرخصة أن يدفعوا من المزدلفة إلى منى، قبل الفجر، فيصلّوا هناك الصبح، كما صلّت أسماء - رضي اللَّه تعالى عنها -، وسيأتي اختلاف المذاهب في حكم الرمي قبل طلوع الشمس بعد سبعة أبواب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3052 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَنَا جَالِسٌ مَعَهُ، كَيْفَ

ص: 21

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، حِينَ دَفَعَ؟ ، قَالَ: كَانَ يُسَيِّرُ نَاقَتَهُ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ترجمة هذا الحديث، والذي بعده سقطت من نسخ "المجتبى"، إذ لا مناسبة بينهما وبين الباب هنا، وقد ثبتت الترجمة في "الكبرى"، ولفظها:"كيف السير من جمع؟ ".

وقوله: "يُسَيِّر ناقته" بتشديد الياء الثانية، والمراد يسير بها سيرًا وسطًا معتادًا. وقوله:"فإذا وجد فجوة نصّ" بفتح الفاء، وسكون الجيم: أي إذا وجد موضعًا متّسعًا حرّك ناقته، ليستخرج أقصى سيرها.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -205/ 3024 - باب "كيف السير من عرفة؟ "، وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3053 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لِلنَّاسِ، حِينَ دَفَعُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَغَدَاةَ جَمْعٍ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» ، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنًى، فَهَبَطَ حِينَ هَبَطَ مُحَسِّرًا، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ، الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» ، وَقَالَ قَالَ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، يُشِيرُ بِيَدِهِ، كَمَا يَخْذِفُ الإِنْسَانُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ذكرت عدم مناسبته للباب في الحديث الذي قبله، فتنبّه.

و"عبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قُدامة السرخسيّ الثقة الحافظ. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"أبو معبد": هو مولى ابن عباس، واسمه نافذ بالفاء، والذال المعجمة.

وقوله: "وهو كافّ" بتشديد الفاء، من الكفّ، وهو المنع، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه مانع ناقته عن الإسراع.

وقوله: "قال النبيّ صلى الله عليه وسلم"، أي أشار، ففيه إطلاق القول على الإشارة، فيكون قوله:"يشير بيده" حالاً مؤكّدة لـ" قال". وقوله: "كما يخذف الإنسان" أراد به الإشارة إلى صغر الحصى.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -204/ 3021 - باب "الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة"، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 22

‌215 - (الإِيضَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الإيضاع" بكسر الهمزة مصدر "أوضع رِكَابه": إذا حمله على الإسراع. و"وادي مُحَسِّر" -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر السين المهملة المشدّدة، وبالراء-: موضع فاصل بين منى ومزدلفة، وليس من واحد منهما.

قال الأزرقيّ: "وادي محسّر" خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعًا

(1)

وسمّي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي أعيى، وكَلَّ عن السير، ومنه قوله تعالى:{يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 4]

(2)

.

وفي "المرعاة": اختلفوا في محسّر، فقيل: هو واد بين مزدلفة ومنى، قال ابن القيّم: ومُحَسِّر برزخٌ بين منى ومزدلفة، لا من هذه، ولا من هذه. وقيل: ما صبّ منه في المزدلفة فهو منها، وما صبّ منه في منى فهو منها، وصوّبه بعضهم. وقد جاء "ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسّر"، فيكون على هذا قد أطلق بطن محسّر، والمراد منه ما خرج من مزدلفة، وإطلاق اسم الكل على البعض جائز، مجازًا شائعًا. وقال الطحاويّ: ليس وادي محسّر من منى، ولا من المزدلفة، فالاستثناء في قوله:"إلا وادي محسّر" منقطع.

قال الطبريّ: سمي بذلك لأنه حسر فيه فيل أصحاب الفيل، أي أعيَى. وقيل: لأنه يحسُر سالكيه، ويُتعبهم، يقال: حَسَرتُ

(3)

الناقةَ: أتعبتها، وأهل مكة يسمّون هذا الوادي وادي النار، يقال: إن رجلاً اصطاد فيه، فنزلت نار، فأحرقته. انتهى

(4)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3054 -

(أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد

(1)

- يبلغ الذراع واحدًا وخمسين سنتيمترًا تقريبًا، أي نحو مائتين وسبعين مترًا، وسبعة أمتار. وقد ذُكر أن الذراع يبلغ طوله ما بين الخمسين والسبعين سنتيمترا، وعلى هذا فيكون حوالي ستين سنتيمترا في المتوسط، أي نحو ثلاثمائة وعشرين مترًا وسبعة أمتار، تقريبًا. راجع هامش "المجموع" 5/ 146.

(2)

- راجع "المجموع" 5/ 146.

(3)

- من بابي قتل، وضرب.

(4)

- راجع "المرعاة" 9/ 37.

ص: 23

تفرّد به هو وأبو داود، وهو أبو إسحاق المعمريّ، قاضي البصرة، ثقة.

و"يحيى": هو القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث فيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلّس، لكنه صحيح بما بعده، وقد تقدّم تمام البحث فيه في - 204/ 3022 - باب "الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3055 -

(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ، بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، دَفَعَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ، حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا، حَرَّكَ قَلِيلاً، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى، الَّتِي تُخْرِجُكَ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ، الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(إبراهيم بن هارون) البلْخِيّ، صدوقٌ عابدٌ [11] 24/ 543.

2 -

(حاتم بن إسماعيل) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [8] 24/ 543.

3 -

(جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ، المعروف بالصادق، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ فقيةٌ إمام [6] 123/ 182.

4 -

(أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقة فاضل [4] 123/ 182.

5 -

(جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه تفرّد به هو والترمذيّ في "الشمائل". (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فبلخيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 24

شرح الحديث

عن محمد بن عليّ الباقر -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، دَفَعَ) أي رجع إلى منى (مِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنَّ تَطلُعَ الشَّمْسُ) فيه أن السنة أن يدفع الحجّاج من المزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، مخالفهّ للجاهلية، حيث كانوا لا يفيضون إلا بعد طلوعها.

قال النوويّ: قال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه يدعو، ويذكر حتى يُسفر الصبح جدًّا، كما في الحديث. وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار. وقال الطبريّ: قال أهل العلم: وهذه سنة الإسلام أن يدفع من المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس. قال طاوس: كان أهل الجاهليّة يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، ويقولون: أَشرِقْ ثَبِير كيما نُغير، فأخّر اللَّه هذه، وقدّم هذه. قال الشافعيّ: يعني قدّم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، وأخّر عرفة إلى أن تغيب الشمس

(1)

(وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ) بدل أسامة (حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا، حَرَّكَ قَلِيلاً) أي حرّك ناقته، وأسرع السير قليلاً.

قال النوويّ: هي سنة من سنن السير في ذلك الموضع، قال أصحابنا: يسرع الماشي، ويحرّك الراكب دابته في وادي محسّر، ويكون قدر رمية بحجر انتهى

(2)

.

وقال الشافعيّ في "الأمّ": وتحريكه صلى الله عليه وسلم الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع. قال الطبريّ: وهكذا كلّ من خرج من مضيق في فضاء جرت العادة بتحريكه فيه. وقيل: يجوز أن يكون فعله لأنه مأوى الشياطين. وقيل: لأنه كان موقفًا للنصارى، فاستحب الإسراع فيه. وقال الإسنويّ: وظهر لي معنى آخر في حكمة الإسراع، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحبّ فيه الإسراع؛ لما ثبت في الصحيح أمره المارّ على ديار ثمود، ونحوهم بذلك.

وقال ابن القيّم: وهذه كانت عادته صلى الله عليه وسلم في المواضع التي نزل فيها بأس اللَّه بأعدائه، وكذلك فعل في سلوكه الحجر، وديار ثمود، تقنّع بثوبه، وأسرع السير انتهى.

وقال الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ: إنما أوضع بالمحسّر لأنه محلّ هلاك أصحاب الفيل، فمن شأن من خاف اللَّه، وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن، ويهرب من

(1)

- راجع "المرعاة" 9/ 37.

(2)

- "شرح مسلم" 8/ 418.

ص: 25

الغضب، ولما كان استشعاره أمرًا خفيًّا، ضُبِطَ بفعلٍ ظاهرٍ، مذكّرٍ له منبّه للنفس عليه. انتهى.

قال الزرقانيّ: وهذا الجواب، أي ما قاله الطبريّ، وابن القيّم، والإسنويّ في وجه التسمية بمحسّر، وفي حكمة الإسراع فيه مبنيّ على قولٍ الأصحُّ خلافه، وهو أن أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم، وانما أهلكوا قرب أوله. وقال القاري: المرجّح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وانما أصابهم العذاب قبيل الحرم، قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من ورائهم انتهى

(1)

.

(ثُمَّ سَلَكَ الطَرِيقَ الْوُسْطَى) وهي غير طريق ذهابه إلى عرفات، وذلك كان بطريق ضبّ، وهذا طريق المأزمين، وهما جبلان.

قال النوويّ: فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضبّ، ويرجع في طريق المأزمين؛ ليخالف الطريق تفاؤلاً بغِيَر الحال، كما فعل صلى الله عليه وسلم في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا، وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق، ورجع في طريق آخر، وحوّل رداءه في الاستسقاء انتهى (الَّتِي تُخْرِجُك) بضم التاء من الإخراج، ولفظ مسلم:"التي تَخْرُج" بفتح التاء (عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) التي هي جمرة العقبة (حَتَّى أَتَى) عطف على "سلك" أي حتى وصل (الْجَمْرَةَ، الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ) هذا يدلّ على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة (فَرَمَى) قال الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ: والسرّ في رمي الجمار ما ورد في نفس الحديث من أنه إنما جُعل لإقامة ذكر اللَّه عز وجل، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر، وأكملها، وأجمعها لوجوه التوقيت أن يوقّت بزمان، وبمكان، ويقام معه ما يكون حافظًا لعدده، محقّقًا لوجوده على رؤوس الأشهاد، حيث لا يخفى شيء، وذكر اللَّه نوعان: نوع يقصد به الإعلان بانقياده لدين اللَّه، والأصل فيه اختيار مجامع الناس، دون الإكثار، ومنه الرمي، ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك. ونوع يُقصد به انصباغ النفس بالتطلّع للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضًا ورد في الأخبار ما يقتضي أنه سنة إبراهيم عليه السلام حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيه للنفس أيّ تنبيه انتهى

(2)

.

وقال النوويّ: فيه أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله انتهى.

(1)

- راجع "المرعاة" 9/ 37 - 38.

(2)

- المصدر السابق.

ص: 26

(بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) فيه أن الرمي يكون بسبع حصيات. قال النوويّ: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهنّ واحدة لم يكفه الستّ انتهى. وعند الحنفيّة إذا ترك أكثر السبع لزمه دم، كما لو لم يرم أصلاً، وإن ترك أقلّ منه كثلاث، فما دونها فعليه لكلّ حصاة صدقة، ولا يشترط الموالاة بين الرميات، بل يسنّ، ويكره تركها. وقال النوويّ: ولا يجوز عند الشافعيّ، والجمهور الرمي بالكحل، والزرنيخ، والذهب، والفضّة، وغير ذلك مما يسمّى حجرًا، وجوّزه أبو حنيفة بكلّ ما كان من أجزاء الأرض (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا) قال النوويّ: فيه أنه يسنّ التكبير مع كلّ حصاة، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهنّ واحدة واحدة، فإن رمى السبعة رمية واحدة حُسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة قوله:"يكبّر مع كلّ حصاة"، فهذا تصريح بأنه رمى كلّ حصاة وحدها، مع قوله صلى الله عليه وسلم:"لتأخذوا عتي مناسككم" انتهى (حَصَى الخَذْفِ) هكذا نسخ "المجتبى"، و"السنن الكبرى" بلفظ "حصى الخذف" بدون لفظة "مثل"، وهكذا هو في "صحيح مسلم".

قال النووي في "شرح مسلم": هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ. قال: وصوابه "مثل حصى الخذف"، قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم. قال النوويّ: والذي في النسخ من غير لفظة "مثل" هو الصواب، بل لا يتّجه غيره، ولا يتمّ الكلام إلا كذلك، ويكون قوله:"حصى الخذف" متعلقًا بحصيات، أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف، يكبّر مع كلّ حصاة، فحصى الخذف متصلٌ بحصيات، واعترض بينهما "يكبّر مع كلّ حصاة"، وهذا هو الصواب. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ

(1)

.

قال القاري بعد نقل كلام النوويّ: وعندي أن اتصال حصى الخذف بقوله: "مع كلّ حصاة، أقرب لفظًا، وأنسب معنى، ومع هذا الاعتراض، ولا تخطئة على إحدى النسختين، فإن تعلّقه بحصاة، أو حصيات، لا ينافي وجود مثل لفظًا، أو تقديرًا، غايته أنه إذا كان موجودا فهو واضح معنى، وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه، أي كحصى الخذف، بل لا يظهر للتعلّق غير هذا المعنى، فالروايتان صحيحتان، وما سيأتي في الحديث عن جابر رواه الترمذيّ بلفظ: "وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف"، وروى مسلم عنه بلفظ: "رمى الجمرة بمثل حصى الحذف" يرجّح وجود المثل، ويؤيّد تقديره

(2)

.

(1)

- شرح مسلم 8/ 419.

(2)

- راجع "المرعاة" 9/ 39 - 40.

ص: 27

قال في "النهاية": الخذف -أي بفتح الخاء، وسكون الذال المعجمتين- هو رميك حصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتين، وترمي بها. والمراد بيان مقدار الحصى التي يُرمى بها في الصغر والكبر، وفسّروا حصى الخذف بقدر حبّة الباقلّاء.

قال النوويّ: فيه أن قدر الحصيات بقدر حصى الخذف، وهو نحو حبّة الباقلّاء، وينبغي أن لا يكون أكبر، ولا أصغر، فإن كان أكبر، أو أصغر أجزأه بشرط كونه حجرًا. وقال المحبّ الطبريّ: قال عطاء بن أبي رباح حصى الخذف مثل طرف الإصبع. وقال الشافعيّ: هو أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا، ومنهم من قال: كقدر النواة، ومنهم من قال بقدر الباقلّاء. وفيه تنبيه على استحباب الرمي بذلك انتهى (رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) قال القاري: بدل من قوله: "رماها"، أو استئناف مبيّن، وهو الأظهر. قال النوويّ: فيه أن السنّة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث تكون منى، وعرفات، والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة. وقيل: يقف مستقبل الكعبة، وكيفما رمى أجزأه بحيث يسمى رميًا بما يُسَمَّى حجرًا.

وأما حكم الرمي، فالمشروع منه يوم النحر رمى جمرة العقبة، لا غير بإجماعهم، ومذهبنا أنه واجب ليس بركن، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي، عصى، ولزمه دم، وصحّ حجه. وقال مالك: يفسد حجه، وبجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهنّ واحدة لم تكفه الستّ انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تخريجه، وما يتعلّق به من المسائل في - 51/ 2740 - باب "ترك التسمية عند الإهلال"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌216 - (التَّلْبِيَةُ فِي السَّيْرِ)

3056 -

(أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ).

(1)

- "شرح صحيح مسلم" 8/ 418.

ص: 28

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير سفيان بن حبيب البصريّ البزّاز، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة [9] 67/ 82.

و"عبد المك بن أبي سليمان": هو العرزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [5] 7/ 406. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في -204/ 3021 - ودلاته على الترجمة واضحة، حيث يدلّ على استحباب لزوم التلبية في الدفع من المزدلفة إلى منى حتى يأخذ في رمي جمرة العقبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3057 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَبَّى، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"حبيب": هو ابن أبي ثابت.

[تنبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى" هنا: ما لفظه: "حدّثنا سفيان بن حبيب"، وهو غلط فاحش، والصواب ما في بعض النسخ، و"الكبرى":"حدثنا سفيان، عن حبيب"، بلفظ "عن"، وهو حبيب بن أبي ثابت، كما أسلفته آنفًا. فتنبّه.

[تنبيه آخر]: ظاهر هذا الرواية أن الحديث من مسند ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، والمحفوظ من الروايات في "الصحيحين" وغيرهما أن ابن عباس أخذه عن الفضل بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم -، فيكون هذا من مرسل ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ولا يضرّ ذلك؛ لأن مرسل الصحابيّ في حكم المتّصل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌217 - (الْتِقَاطُ الْحَصَى)

3058 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ لِي

ص: 29

رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ:«هَاتِ الْقُطْ لِي» ، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، «وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [10] 21/ 22.

2 -

(ابن عليّة) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ موهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [8] 18/ 19.

3 -

(عوف) بن أبي جمَيلة بَنْدَويه الأعرابيّ العبديّ البصريّ، ثقة رُمي بالقدر والتشيّع [6] 46/ 57.

4 -

(زياد بن الحصين) بن قيس الحنظليّ اليربوعيّ، ويقال: الرياحيّ، أبو جَهْمَة البصريّ، ثقة يرسل [4].

قال العجليّ: بصريّ ثقة. وقال أبو حاتم: أبو جَهْمة عن ابن عباس مرسل. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم حديثًا واحدًا في قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11]. والمصنف هذا الحديث، والحديث الآتي بعد باب، وابن ماجه حديثين.

5 -

(أبو العالية) رُفيع بن مِهْران الرِّيَاحيّ الكوفيّ، ثقة، كثير الإرسال [2] 32/ 562.

6 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها). أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، غَدَاةَ الْعَقَبَةِ) أي صباح رمي جمرة العقبة، وهو صباح يوم النحر (وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (هَاتِ) بكسر التاء، قال الرضيّ: هاتِ بمعنى أعطِ، وتتصرّف بحسب المأمور إفرادًا، وتثنيةً، وجمعًا، وتأنيثًا، تقول: هاتِ، هاتيا، هاتوا، إلى هاتين، وتصرّفه دليل فعليته. وقال صاحب "المفتاح": والأصحّ عندي أنه ليس باسم فعل،

ص: 30

وإنما هو فعل أمر، من أتى الشيء: إذا أعطاه، أُبدلت همزته هاء، وهو مذهب الخليل. وقيل: هي اسم فعل أمر

(1)

(الْقُطْ لِي") بضم القاف، فعل أمر من لَقَطَ الشيءَ لَقْطًا، من باب قتل: إذا أخذه، وأصله الأخذ من حيث لا يُحَس. قاله الفيّوميّ (فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ) أي مثل حصى الخذف في الصغر (فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: "بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ) متعلّق بمحذوف، أي ارموا بأمثال هؤلاء الحصيات في الحجم، وفي "الكبرى":"بأمثال هؤلاء، بأمثال هؤلاء" مكرّرًا (وإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ) أي احذروا مجاوزة الحدّ في أمور الدين. و"إياكم" منصوب على التحذير، وعامله محذوف وجوبًا، أي إياكم احذَرُوا، و"الغلو" بالنصب عطف عليه، كما قال ابن مالك في "خلاصته":

إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ

مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ

قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: "إياكم والغلوّ في الدين": أي التشدّد فيه، ومجاوزة الحدّ، كحديثه الآخر:"إن هذا الدين مَتينٌ، فأوغِلوا فيه برفق"

(2)

. وقيل: معناه: البحث عن بواطن الأشياء، والكشف عن عِلَلها، وغوامض مُتَعَبّداتها. ومنه الحديث:"وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه"

(3)

، إنما قال ذلك؛ لأن من أخلاقه، وآدابه التي أمر بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها، و:

............... كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ

(4)

(فَإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) يعني أن الغلوّ في أمور الدين هو الذي أهلك الأمم السابقة، فلا ينبغي لهذه الأمة أن تتأسّى بهم؛ لئلا يصبيها ما أصابهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

(1)

- راجع حاشية يس الحمصي على "مجيب الندا شرح قطر الندا" 1/ 70 - 71.

(2)

- حديث حسنٌ أخرجه أحمد في "مسنده" من حديث أنس رضي الله عنه.

(3)

- حديث حسنٌ أخرجه أبو داود في "سننه"، من حديث أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن من إجلال اللَّه إكرام ذي الشيبة المسلم، وحاملِ القرآن، غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط".

(4)

- "النهاية في غريب الحديث" 3/ 382.

ص: 31

أخرجه هنا - 217/ 3058 و 219/ 3060 - وفي "الكبرى" 221/ 4063 و 223/ 4065. وأخرجه (ق) في "المناسك" 3029 (أحمد) ج 1/ 215 و 347 (ابن خزيمة) 1/ 282 (ابن حبّان) رقم 1011 (الحاكم) 1/ 366 (البيهقيّ) 5/ 127. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة التقاط الحصى من طريق منى. (ومنها): النهي عن الغلوّ في أمور الدين، فيحرم التنطّع فيه، ومجاوزة الحدّ، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة" رواه البخاريّ. (ومنها): أن الغلوّ سبب الهلاك؛ لأن فيه مضادّة لحكم اللَّه تعالى، حيث إنه شرع لعباده ما لا يشقّ عليهم، فإذا سلك الشخص مسلك التشديد فكأنه يعتقد أن التشريع الإلهي غير كاف، فكان معترضًا على اللَّه تعالى، مستوجبًا لعقابه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌218 - (مِنْ أَيْنَ يُلْتَقَطُ الْحَصَى؟)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يَلتَقِط" بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الملتقط المفهوم من الفعل، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، و"الحصى" نائب فاعله. وهو صغار الحجارة، الواحدة حصاة، والجمع حصيات، وحُصِيّ -بضمّ الحاء، وكسرها، مع كسر الصاد، وتشديد الياء. وقال أبو زيد: حَصَاة وحَصًا مثلُ قَنَاة وقَنا، ونَوَاة ونَوَى. انتهى "القاموس" بزيادة من هامشه. وقال في "اللسان": الحصى: ما حذفت به حَذْفًا، وهو ما كان مثل بعر الغنم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3059 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لِلنَّاسِ، حِينَ دَفَعُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَغَدَاةَ جَمْعٍ:«عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» ، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنًى، فَهَبَطَ حِينَ هَبَطَ مُحَسِّرًا، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى

ص: 32

الْخَذْفِ، الَّذِي تُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» ، قَالَ: وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُشِيرُ بِيَدِهِ، كَمَا يَخْذِفُ الإِنْسَانُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم قبل ثلاثة أبواب سندًا ومتنًا.

ودلالته على ما ترجم له واضحة، حيث بين أن موضع التقاط الحصى هو منى، عقب مجاوزة وادي محسّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌219 - (قَدْرُ حَصَى الرَّمْيِ)

3060 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ: «هَاتِ، الْقُطْ لِي» ، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَوَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، وَجَعَلَ: يَقُولُ بِهِنَّ فِي يَدِهِ -وَوَصَفَ يَحْيَى، تَحْرِيكَهُنَّ فِي يَدِهِ- "بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ").

قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبل باب.

و"عبيد اللَّه بن سعيد" هو: أبو قدامة السرخسي. و"يحيى" هو: ابن سعيد القطان. والباقون تقدموا قبل باب.

وقوله: "وجعل يقول بهنّ في يده" أي شرع النبيّ صلى الله عليه وسلم يحرّكهنّ، ويقلّبهنّ في يده. وقوله:"ووصف يحيى" هو يحيى بن سعيد القطّان الراوي عن عوف بن أبي جميلة. وقوله: "بأمثال هؤلاء" متعلّق بمحذوف، أي ارموا بأمثال هؤلاء، ويعني بذلك صغر حجم الحصيات. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 33

‌220 - (الرُّكُوبُ إِلَى الْجِمَارِ، وَاسْتِظْلَالُ الْمُحْرِمِ)

3061 -

(أَخْبَرَنِي

(1)

عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُصَيْنٍ، قَالَتْ: حَجَجْتُ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَرَأَيْتُ بِلَالاً، يَقُودُ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَافِعٌ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ، يُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ قَوْلاً كَثِيرًا).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن هشام) أبو أميّة الحرّانيّ، ثقة [10] 141/ 222.

2 -

(محمد بن سلمة) بن عبد اللَّه الباهليّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة [9] 191/ 306.

3 -

(أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد سماك بن رستم الأمويّ مولاهم الحرّانيّ، خال محمد بن سلمة

(2)

، ثقة [6] 191/ 306.

4 -

(زيد بن أبي أُنيسة) أبو أسامة الجزريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرها، ثقة له أفراد [6] 191/ 306.

5 -

(يحيى بن الحصين) الأحمسيّ البجليّ، ثقة [4].

روى عن جدته أم الحصين، ولها صحبة، وعن طارق بن شهاب. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ، وزيد بن أبي أنيسة. وشعبة. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وزاد أبو حاتم: صدوق. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى البخاريّ، والترمذيّ. وله ولجدّته عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا 220/ 3061، وحديث باب "الحضّ على طاعة الإمام" 26/ 4193.

6 -

(جدّته أم الحصين) بنت إسحاق الأحمسيّة، شَهِدت خطبة حجة الوداع، وروتها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك. وروى عنها ابن ابنها يحيى بن الحصين، والعَيْزار بن

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- هكذا نصّ الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بعد إخراج حديث الاب، ونصّه:"واسم أبي عبدالرحيم، خالد بن أبي يزيد، وهو خال محمد بن سلمة، روى عنه وكيع، والحجّاج الأعور" انتهى. ج 9/ 51 بنسخة "شرح النوويّ".

ص: 34

حُريث. أخرج لها الجماعة، سوى البخاريّ. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّته. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَينِ) الأحمسي البجليّ (عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُصَيْنٍ) الأحمسيّة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: حَجَجْتُ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (أي في عام حجته صلى الله عليه وسلم، ولفظ مسلم: "حججت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع " (فَرَأَيْتُ بلَالاً) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُودُ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ) أي يقود ناقته صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بخطامها -بكسر الخاء المعجمة- وهو الزمام، سمي بذلك لأنه يقع على خَطْم الدابة، وهو مقدَّم الأنف والفم (وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) ابن حارثة - رضي اللَّه تعالى عنهما - (رَافِعٌ عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (ثَوْبَهُ، يُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ) أي يقيه بظلّ ثوبه من حرّ الشمس (وَهُوَ مُحْرِمٌ) أي والحال أنه صلى الله عليه وسلم محرم بالحجّ (حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي حتى انتهى رمي جمرة العقبة. وفي رواية مسلم: "فرأيته حين رمى جمرة العقبة، وانصرف، وهو على راحلته

" وفيه أن الإظلال كان بعد رمي الجمار، ويمكن الجمع بينه وبين رواية المصنّف أنه أظلّه في الحالين، حال الرمي، وحال الانصراف. واللَّه تعالى أعلم (ثُمَّ خَطَبَ) صلى الله عليه وسلم (الناسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ قَوْلاً كَثِيرًا) أي ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم في تلك الخطبة أحكامًا كثيرة، ومن جملهَ ذلك ما سيأتي للمصنّف في "الجهاد" -26/ 4193 - باب "الحضّ على طاعة الإمام" من طريق شعبة، عن يحيى بن حصين، قال: سمعت جدّتي تقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: "ولو استُعمل عليكم عبدٌ حبشيّ، يقودكم بكتاب اللَّه، فاسمعوا له، وأطيعوا". ومنها: ما أخرجه أحمد من طريق روح، عن شعبة:"سمعت نبيّ اللَّه صلى الله عليه وسلم بعرفات يخطب، يقول: "غفر اللَّه للمحلّق" ثلاث مرّار، قالوا: والمقصّر، فقال: "والمقصّرين"، في الرابعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

حديث أم الحصين - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

ص: 35

أخرجه هنا - 220/ 3062 - وفي " الكبرى" 224/ 4066. وأخرجه (م) في "الحجّ" 1298و 1303 و"الإماراة" 1838 (د) في "المناسك" 1834 (ت) في "الجهاد" 1706 (ق) في "الجهاد" 2861 (أحمد) في "مسند القبائل" 26715. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز الركوب عند المشي إلى الجمرات. (ومنها): جواز الرمي راكبًا. (ومنها): جواز استظلال المحرم على رأسه بثوب، أو غيره، قال النوويّ: وهو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، سواء كان راكبا، أو نازلاً. وقال مالك، وأحمد: لا يجوز، وإن فعله لزمته الفدية. وعن أحمد رواية أنه لا فدية، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة، أو سقف جاز، ووافقونا على أنه إن كان الزمان يسيرًا في المحمل لا فدية، وكذا لو استظلّ بيده، وقد يحتجّون بحديث عبد اللَّه بن عباس بن ربيعة، قال: صحبت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فما رأيته مضربًا فسطاطًا حتى رجع. رواه الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد حسن. وعن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه أبصر رجلاً على بعيره، وهو محرم، قد استظلّ بينه وبين الشمس، فقال:"اضْحَ لمن أحرمت له". رواه البيهقيّ بإسناد صحيح. وعن جابر رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب، إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه". رواه البيهقيّ، وضعّفه.

واحتجّ الجمهور بحديث أم الحصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا المذكور في الباب؛ ولأنه لا يسمّى لبسًا، وأما حديث جابر فضعيف، كما ذكرنا، مع أنه ليس فيه نهي، وكذا فعل عمر، وقول ابن عمر رضي الله عنهما ليس فيه نهي، ولو كان، فحديث أم الحصين مقدّم عليه. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ؛ لما ذكره النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3062 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَرْمِى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ، لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ).

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 51.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 36

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت [10] 2/ 2.

2 -

(وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ [9] 23/ 25.

3 -

(أيمن بن نابل) -بنون، وموحّدة- أبو عمران، أو أبو عمرو الحبشيّ المكيّ، نزيل عسقلان، صدوق يهم [5] 194/ 1175.

4 -

(قُدامة بن عبد اللَّه) بن عمّار بن معاوية الكلابيّ، أبو عبد اللَّه العامريّ، عداده في أهل الحجاز. قال ابن عبد البرّ: أسلم قديمًا، ولم يهاجر، وأقام برُكبةَ في البدو، من بلاد نجد. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعنه ابن أخيه حُميد بن كلاب، وأيمن نابل.

واعترض الحافظ على الحافظ المزيّ بأنه تبع ابن عبد البرّ في أن حميد بن كلاب روى عن قُدامة. وذكر مسلم في "الوُحْدان"، والحاكم، والأزديّ، وأبو صالح المؤذّن، والدّارقطنيّ أن أيمن تفرد بالرواية عنه، فينظر أيَّ شيء روى عنه ابن أخيه حميد بن كلاب، وهل يصحّ، أم لا يصحّ؟، ثم وجدتها في "معجم البغويّ"، وفي السند يعقوب ابن محمد الزهريّ، وقال: إنه تفرّد به، وفيه لين. انتهى كلام الحافظ. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (156) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -بضم القاف، وتخفيف الدال المهملة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَرْمِي جمرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، عَلَى نَاقَةِ لَهُ صَهْبَاءَ) -بفتح الصاد المهملة، وسكون الهاء-: هي التي يخالط بياضها حمرة، وذلك بأن يحمرّ أعلى الوبر، وتبيض أجوافه. وقال الطيبيّ: الصهبة كالشُّقرة. وقال الجزريّ: المعروف أن الصهبة مختصّة بالشعر، وهي حمرة يعلوها سواد. وقال الفيّومي: الصُّهْبَة، والصُّهُوبة: احمرار الشعر، وصَهِبَ صَهَبًا، من باب تعب، فالذكر أصهب، والأنثى صهباء، والجمع صُهْب -بضم، فسكون- مثلُ أحمر، وحمراء، وحُمر. انتهى (لَا

ص: 37

ضَرْبَ) أي لا يُضرب أحد أمامه (وَلَا طَرْدَ) أي لا يبعد أحد من عنده (وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ) اسم فعل أمر، منقول من الجار والمجرور، أي تنحَّ، وابتعد. قال الطيبيّ: والتكرار للتأكيد.

والمراد أنه صلى الله عليه وسلم على سجيته المتواضعة كان يرمي، من غير أن يكون هناك ضرب، ولا طرد للناس، ولا قول: إليك، فلا فعل يصدر للضرب، والطرد، ولا قول يسمع، للتبعيد والتنحية. وفيه تعريض للأمراء بأنهم أحدثوا هذه الأمور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث قُدامة بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 220/ 3062 - وفي "الكبرى" 225/ 4067. وأخرجه (ت) في "الحجّ" 903 (ق) في "المناسك" 3035 (أحمد) في "مسند المكيين" 14984 و 14985 (الدراميّ) في "المناسك" 1901. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز الركوب حال رمي الجمار.

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ، وموافقوه أنه يستحبّ لمن وصل منى راكبًا أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، ولو رماها ماشيًا جاز، وأما من وصلها ماشيًا فيرميها ماشيًا، وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق، فالسنة أن يرمي فيهما جميع الجمرات ماشيًا، وفي اليوم الثالث يرمي راكبًا، وينفر، هذا كله مذهب مالك، والشافعيّ، وغيرهما. وقال أحمد، وإسحاق: يستحبّ يوم النحر أن يرمي ماشيًا. قال ابن المنذر: وكان ابن عمر، وابن الزبير، وسالم يرمون مُشاةً، قال: وأجمعوا على أن الرمي يجزيه على أيّ حال رماه، إذا وقع في المرمى انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

(ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، من حسن الأخلاق، حيث كان لا يضرب أحد في حضرته، ولا يطرد، ولا يقال له إليك، إليك، بخلاف عادة الملوك، فإن هذا يكثر في

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 49 - 50.

ص: 38

حضرتهم (ومنها): كراهة طرد الناس، وإيذائهم عند رمي الجمرات، بل ينبغي أن يلزم كلّ أحد حسن التعامل، ويسلك مسلك الأدب والاحترام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3063 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَرْمِى الْجَمْرَةَ، وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِى هَذَا» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.

وقوله: "خذوا عني مناسككم"، وفي رواية مسلم:"لتأخذوا عني مناسككم"، بلام الأمر. قال النوويّ: تقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي، من الأقوال، والأفعالط، والهيئات هي أمور الحجّ وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عنّي، واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلّموها الناس، وهذا الحديث أصلٌ عظيم في مناسك الحجّ، وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة:"صلّوا كما رأيتموني أصلّي".

وقوله: "لا أدري" مفعوله محذوف، أي لا أعلم ماذا يكون.

وقوله: "لعلي لا أحج بعد عامي هذا"، ولمسلم:"بعد حجتي هذه". فيه إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته صلى الله عليه وسلم، وحثّهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة، من ملازمته، وتعلّم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع انتهى كلام النوويّ.

وقال السنديّ: وهذا لا يدلّ على وجوب المناسك، وإنما يدلّ على وجوب الأخذ والتعلّم، فمن استدلّ به على وجوب شيء من المخاسك، فدليله في محلّ نظر، فليتأمل انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا، وحاصله أن مجرد فعله صلى الله عليه وسلم لشيء من مناسك الحجّ لا يدلّ على وجوبه، بل لا بدّ من دليل آخر يُضمّ إلى الفعل، مثل الأمر. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه في - 51/ 2740 - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 39

‌221 - (وَقْتُ رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ)

3064 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيُّ، الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَرَمَى بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وهو ثقة حافظ [10] 162/ 254.

وقوله: "الجمرة" أي جمرة العقبة. وقوله: "ضُحى" قال العراقيّ: الرواية فيه بالتنوين على أنه مصروف، وهو مذهب النحاة من أهل البصرة، سواء قُصد التعريف، أو التنكير. وقال الجوهريّ: تقول: لقيته ضُحىً، وضُحَى، إذا أردت به ضحى يومك لم تنوّنه. قال: وضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهي حين تشرق الشمس مقصورة، تؤنّث وتذكّر، فمن أنّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل، مثل صُرد ونُغَرٍ، وهو ظرف غير متمكن، مثل سحر، قال. ثم بعده الضَّحَاء ممدود مذكّر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. انتهى

(2)

.

والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه في - 51/ 2740 - ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أن وقتَ رمي جمرة العقبة يوم النحر في الضحى، وأما في سائر الأيام فبعد الزوال.

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سنة باتفاقهم، وعندنا يجوز تقديمه من نصف ليلة النحر، وأما أيام التشريق، فمذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، وجماهير العلماء: أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح، وقال طاوس، وعطاء: يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال. وقال أبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه: يجوز في اليوم الثالث قبل الزوال، دليلنا أنه صلى الله عليه وسلم رمى كما ذكرنا، وقال صلى الله عليه وسلم:"لتأخذوا عني مناسككم"

(3)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: استدلاله بالحديث المذكور فيه نظر؛ لما أسلفناه في

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- راجع "المرعاة" 9/ 180.

(3)

- "شرح مسلم" 9/ 52 - 53.

ص: 40

الباب الماضي.

والحاصل أن الأولى أن لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال؛ اتباعًا لما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم، وأما عدم إجزائه قبل الزوال فمحلّ نظر، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌222 - (النَّهْيُ عَنْ رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)

3065 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَلَى حُمُرَاتٍ، يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا، وَيَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ، لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ) أبو يحيى المكيّ، ثقة [11] 11/ 11.

2 -

(سفيان) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد بن أبي عمران ميمون الكوفيّ، نزيل مكة، ثقة ثبت حجة [8] 1/ 1.

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت إمام فقيه [7] 33/ 37.

4 -

(سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [4] 195/ 312.

5 -

(الحسن العُرَنيّ) -بضم العين المهملة، وفتح الراء، بعدها نون- هو: ابن عبد اللَّه البجليّ الكوفيّ ثقة، أرسل عن ابن عباس [4].

قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: صدوقٌ ليس به بأس، إنما يقال: إنه لم يسمع من أبن عباس. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يخطىء. وقال أحمد ابن حنبل: الحسن العُرَنيّ لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال أبو حاتم: لم يدركه. وحديثه عند البخاريّ مقرون بغيره. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند

ص: 41

المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم -222/ 3065 و 231/ 3085 و 23/ 5199.

6 -

(ابن عبّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: سلمة، عن الحسن، وهو من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب) تصغير أغلمة، والمراد الصبيان، ولذا صغّرهم، وهو بالنصب بدل من الضمير في "بعثنا"، وقال القاري: نصبه على الاختصاص، أو على إضمار "أعني"، أو عطف بيان لضمير "بعثنا".

قال في "النهاية": "أُغَيلمة" تصغير أَغْلِمة، جمع غُلام في القياس، ولم يَرِد في جمعه أَغْلِمَة، وإنما قالوا: غِلْمَة، ومثله أُصَيبية، تصغير صِبْيَة، ويريد بالأغيلمة الصبيانَ، ولذلك صغّرهم انتهى

(1)

.

وقالط الخطّابيّ: هو تصغير الغِلْمَة، وكان القياس غُلَيمة، لكنهم ردّوه إلى أَفْعِلَة، فقالوا: أُغَيلمة، كما قالوا: أُصيبية، في تصغير صِبْية. وقال الجوهريّ: الغلام جمعه أَغْلِمَة، وإن كانوا لم يقولوه (عَلَى حُمُرَاتٍ) جمع مؤنث سالم لحُمُر، متعلّق بحال محذوف، أي حال كوننا راكبين على حمرات (يَلْطَحُ) بفتح الياء التحتيّة، والطاء المهملة، بعدها حاء مهملة- من اللطح، وهو الضرب الخفيف. قال أبو داود في "سننه": اللَّطْحُ: الضرب الليّن. وقال في "النهاية": هو الضرب الخفيف بالكفّ، وليس بالشديد

(2)

(أَفْخَاذَنَا) بفتح الهمزة، جمع فخذ (وَيَقُولُ: "أُبيْتِيَّ) بضم الهمزة، وفتح الموحّدة، وسكون المثنّاة التحتانيّة، ثم نون مكسورة، ثم ياء مشدّدة.

قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختُلف في صيغتها، ومعناها، فقيل: إنه تصغير أَبْنَى، كأَعْمَى، وأُعَيمَى، وهو اسم مفرد، يدلّ على الجمع. وقيل: إن ابنًا

(1)

- "النهاية" 3/ 382.

(2)

- "النهاية" 4/ 250.

ص: 42

يُجمع على أبناء مقصورًا، وممدودًا. وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عُبيد: هو تصغير بَنِيَّ، جمع ابن مضافًا إلى النفس، فهذا يوجب أن تكون صيغة اللفظة في الحديث أُبَيْنِيّ، بوزن سُرَيْجِيّ، وهذه التقديرات على اختلاف الروايات انتهى

(1)

.

وقال الحافظ السيوطيّ في "شرحه" لهذا الكتاب بعد نقل كلام صاحب "النهاية": قال ابن الحاجب في "أماليه": قوله صلى الله عليه وسلم: "أُبيني لا ترموا جمرة العقبة

"، الأولى أن يقال: إنه تصغير بَنِيّ مجموعًا، وكان أصل "بنيّ" بُنيّون، أضفته إلى ياء المتكلّم، فصار بُنَيّويَ في الرفع، وبُنيي في النصب والجرّ، فوجب أن تُقلب الواو ياء، وتُدغم على ما هو قياسها في مثل قولك: ضاربيّ، وكذلك النصب والجرّ، ولذلك كان لفظ "ضاربيّ" في الأحوال الثلاث سواءً، كرهوا اجتماع الياءات، والكسرة، فقلبوا اللام إلى موضع الفاء، فصار أُبينيّ، وليس في هذا الوجه إلا قلب اللام إلى موضع الفاء، وهو قريب لما ذكرناه من الاستثقال في قلب الواو المضمومة همزة، وهو جائزٌ قياسًا، وهذا أولى من قول من يقول: إنه تصغير أبناء، رُدّ إلى الواحد، وروعي مشاكلة الهمزة؛ لأنه لو كان تصغيره لقيل: أُبَيْنَاي، ولم يُردّ إلى الواحد؛ لأن أفعالاً من جمع القلّة، فتصغّر من غير ردّ، كقولك: أُجيمال، وهو أيضًا أولى من قول من قال: إنه جمع أبنا، مقصورًا على وزن أَفعَل، اسم جمع للأبناء، صُغّر، وجمع بالواو والنون؛ لأنه لا يعرف ذلك مفردًا، فلا ينبغي أن يُحمل الجمع عليه، ولأنه لا يُجمَع أفعل اسمًا جمع التصحيح انتهى ما كتبه السيوطيّ في "شرحه"

(2)

.

(لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، حَتَى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) فيه دليلٌ على أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر من بعد طلوع الشمس، وإن كان الرامي ممن أُبيح له التقدّم إلى منى، وأُذن له في عدم المبيت بالمزدلفة، لكن الأرجح أن هذا محمول على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى الآتية قريبًا التي تبيح الرمي قبله، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان، تتعلّقان بحديث الباب:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

[فإن قلت]: قد تقدّم أن الحسن الْعُرَنيّ لم يسمع من ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى

(1)

- "النهاية" 1/ 17.

(2)

- "زهر الربى" 5/ 271.

ص: 43

عنهما، كما سبق في ترجمته، فكيف يصحّ مع هذا الانقطاع؟.

[قلت]: إنما صحّ بمجموع طرقه المتعدّدة، فقد رواه البخاريّ في "التاريخ الصغير"، وأحمد، والترمذيّ، والطحاويّ من طريق مقسم، عن ابن عبّاس بمعناه، وزيادة ونقص، وصحّحه الترمذيّ وغيره.

وقال الحافظ في "الفتح": بعد ذكر حديث الباب: هو حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والطحاويّ، وابن حبّان، من طريق الحسن العرَنيّ عن ابن عباس، وأخرجه الترمذيّ، والطحاويّ من طريق الحكم، عن مقسم، عنه. وأخرجه أبو داود من طريق حبيب، عن عطاء

(1)

، وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا، ومن ثمّ صححه الترمذيّ، وابن حبّان انتهى. وقد تقدّم تخريجه في - 208/ 3033 - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في أول وقت الرمي:

اعلم أنهم اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة للضعفة، وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه:

فذهبت أسماء بنت أبي بكر، وعكرمة، وخالد، وطاوس، والشعبيّ، وعطاء، والشافعيّ، وأحمد، إلى أن أول الوقت الذي يجزىء فيه رمي جمرة العقبة، هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، واستُدلّ لهم بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي في الباب التالي، وحديثها عند أبي داود بإسناد صحيح، قالت: أرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون عندها رسول اللَّه

(2)

صلى الله عليه وسلم. ويعتضد بما رواه الخلّال من طريق سليمان ابن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أخبرتني أم سلمة، قالت: قدّمني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيمن قدّم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى. كذا ذكره ابن القيّم.

وذهب جماعة إلى أن أول وقته بعد طلوع الفجر، وأول الوقت المستحبّ بعد طلوع الشمس، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، فإن رمى قبل طلوع الشمس، وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، واستدلّ لهم بما رواه الطحاويّ بسنده عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يُفيضوا مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا إلا مصبحين، وفي رواية أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعثه في الثقل، وقال: لا ترموا الجمار

(1)

رواية عطاء هي التي أورها المصنف بعد هذه الرواية.

(2)

- قال في "بلوغ المرام": إسناده على شرط مسلم، وكذا قال النوويّ في "شرح المهذّب".

ص: 44

حتى تصبحوا.

وذهب النخعيّ، ومجاهد، والثوريّ، وأبو ثور إلى أن أول وقته يبتدىء من بعد طلوع الشمس، فلا يجوز رميها عندهم إلا بعد طلوع الشمس. واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور في الباب، قالوا. إذا كان من رُخّص له مُنع أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمن لم يرخّص له أولى.

وذهب بعضهم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر، ولغيرهم من بعد طلوع الشمس، وهو اختيار ابن القيّم. واستدلّ لذلك بما تقدّم عن أسماء - رضي اللَّه تعالى - عنها - أنها رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، وقالت: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك للظعن، والحديث في "الصحيحين".

فهذا صريح في أنها رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس، وقد صرّحت بأنه صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك للظعن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور. واستدلّ لذلك أيضًا بحديث ابن عمر عند الشيخين أنه كان يقدّم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون اللَّه عز وجل ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدَم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر؛ لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه، إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح ما ذهب إليه الأولون من جواز الرمي قبل طلوع الشمس، ويُحمَل حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين أحاديث أسماء، وعائشة، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم - المتقدّمة، فالمستحبّ أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، ولو رمى قبله أجزأه؛ لهذه الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3066 -

(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَدَّمَ أَهْلَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ).

(1)

- راجع "الفتح" 4/ 344 و"المرعاة" 9/ 165 - 167.

ص: 45

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو الثوريّ. و"حبيب": هو ابن أبي ثابت. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.

والحديث صحيح، ولا يضرّه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وإن وُصف بالتدليس؛ لتعدد طرقه، كما مرّ في الحديث الماضي، فيتقوّى بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌223 - (الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ للِنِّسَاءِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن النهي الوارد في حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الماضي من الرمي قبل طلوع الشمس خاصّ بغير النساء؛ لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، لكن قدمتُ أن الأولى الجمع بين الحديثين بحمل النهي على الاستحباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3067 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ خَالَتِهَا عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ إِحْدَى نِسَائِهِ، أَنْ تَنْفِرَ مِنْ جَمْعٍ، لَيْلَةَ جَمْعٍ فَتَأْتِىَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَتَرْمِيَهَا، وَتُصْبِحَ فِي مَنْزِلِهَا، وَكَانَ عَطَاءٌ يَفْعَلُهُ حَتَّى مَاتَ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [10] 2/ 2.

2 -

(عبد الأعلى بن عبد الأعلى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [8] 20/ 386.

3 -

(عبد اللَّه بن عبد الرحمن) بن يعلى بن كعب الطائفيّ، أبو يعلى الثقفيّ، صدوق يخطىء، ويَهِم [7].

قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ليس بِقويّ، لين

ص: 46

الحديث، بابهُ طلحة بن عمرو، وعبد اللَّه بن المؤمّل، وعُمر بن راشد. وقال النسائيّ: ليس بذاك القويّ، ويُكتب حديثه. وقال عثمان الدراميّ، عن ابن معين: ضعيف. وقال في موضع آخر: صُويلح. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال البخاريّ: مقارب الحديث. وحكى ابن خلفون أن ابن المدينيّ وثّقه. وقال ابن عديّ: يروي عن عمرو بن شعيب، أحاديثه مستقيمة، وهو ممن يُكتب حديثه. وقال الدارقطنيّ: طائفيّ يُعتبر به. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم حديثًا واحدًا:"كاد أمية أن يسلم"، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنف حديث الباب فقط، وابن ماجه.

4 -

(عطاء بن أبي رباح) أسلم القرشيّ المكيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 112/ 154.

5 -

(عائشة بنت طلحة) بن عبيد اللَّه التيمية، أم عمران المدنيّة، وهي بنت أم كلثوم بنت أبي بكر الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه -، ثقة [3] 56/ 1947.

6 -

(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن عبد الرحمن، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَمَرَ إِحْدَى نِسَائِهِ) يحتمل أن تكون سودة - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنْ تَنْفِرَ مِنْ جَمْعٍ) أي من المزدلفة إلى منى (لَيْلَةَ جَمْعٍ) أي الليلة العاشرة من ذي الحجة، وهي ليلة النحر (فَتَأْتِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَتَرْمِيَهَا، وَتْصْبِحَ فِي مَنْزِلِهَا) فيه جواز الرمي قبل طلوع الشمس، وقد تقدم بيان الخلاف فيه في الباب الماضي (وَكَانَ عَطَاءٌ) أي ابن أبي رباح (يَفْعَلُهُ) أي ما ذكر من التقدّم ليلاً، والرمي قبل الصباح (حَتَّى مَاتَ) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا حسن من أجل الكلام في عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفيّ، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -، أخرجه هنا -223/ 3067 - وفي "الكبرى" 228/ 4072. واللَّه تعالى أعلم

ص: 47

بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌224 - (الرَّمْيُ بَعْدَ الْمَسَاءِ)

3068 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يُسْأَلُ أَيَّامَ مِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ» ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ ، قَالَ: «لَا حَرَجَ» ، فَقَالَ رَجُلٌ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟ ، قَالَ: «لَا حَرَجَ»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة [10] 43/ 588.

2 -

(يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [8] 5/ 5.

3 -

(خالد) بن مهران الحذّاء، أبو المنازل -بفتح الميم، وقيل: بضمها- البصريّ، ثقة يرسل [5] 7/ 634.

4 -

(عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، بربريّ الأصل، ثقة ثبت فقيه [3] 2/ 325.

5 -

(ابن عبّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول (أيَّامَ مِنًى، فَيَقُولُ: "لَا حَرَجَ) أي لا ضيق عليك في ذلك (فَسَأَلَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ في شرح حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما -: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد، ولا على اسم أحد ممن سال في هذه القصّة، قال: وهم

ص: 48

جماعة، لكن في حديث أسامة بن زيد عند الطحاويّ وغيره:"كان الأعراب يسألونه"، وكأن هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم. انتهى

(1)

.

(فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟) وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند البخاريّ من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة، عنه: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجلٌ: لم أشعُر، فحلقت، قبل أن أذبح

".

قال في "الفتح" قوله: "لم أشعر" أي لم أفطن، يقال: شعرت بالشيء شعورًا: إذا فطِنت له. وقيل: الشعور العلم. ولم يفصح في رواية مالك بمتعلّق الشعور، وقد بينه يونس عند مسلم، ولفظه:"لم أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرتُ قبل أن أرمي"، وقال آخر:"لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر"، وفي رواية ابن جريج:"كنت أحسب أن كذا قبل كذا". وقد تبيّن ذلك في رواية يونس، وزاد في رواية ابن جريج:"وأشباه ذلك". ووقع في رواية محمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ عند مسلم:"حلقت قبل أن أرمي"، وقال آخر:"أفضت إلى البيت قبل أن أرمي". وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمي أيضًا.

فحاصل ما في حديث عبد اللَّه بن عمرو السؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإفاضة قبل الرمي، والأوليان في حديث ابن عباس أيضًا، وعند الدارقطني من حديث ابن عباس أيضًا السؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر، وفي حديث أبي سعيد عند الطحاويّ، وفي حديث عليّ عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطحاويّ السؤال عن الرمي، والإفاضة معًا قبل الحلق، وفي حديث جابر الذي علّقه البخاريّ، ووصله ابن حبان، وغيره السؤال عن الإفاضة قبل الذبح، وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود السؤال عن السعي قبل الطواف

(2)

.

(قَالَ: "لَا حَرَجَ") وفي رواية البخاريّ: "اذبح، ولا حرج" أي لا ضيق عليك في ذلك. (فَقَالَ: رَجُلٌ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟) أي دخلت في المساء، وهو يُطلق على ما بعد الزال إلى أن يشتدّ الظلام (قَالَ:"لَا حَرَجَ") أي لا ضيق عليك في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

(1)

- "فتح" 4/ 397 - 398.

(2)

- "فتح" 4/ 395 - 398.

ص: 49

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 224/ 3068 - وفي "الكبرى" 229/ 4073. وأخرجه (خ) في "العلم" 84 و"الحج" 1721 و 1722 و 1723 و 1724 و 1725 و"الأيمان والنذور" 6666 (م) في "الحج" 1307 (د) في "المناسك" 1983 (ق) في "المناسك"3049 و 3050. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز الرمي بعد المساء. (ومنها): أن أعمال يوم النحر الأربعة مرتّبة، إذ لو لم تكن مرتّبة لا معنى للسؤال عن تقديم بعضها على بعض، وترتيبها رمز إليه بعضهم بقوله:"رَذَ حَط"، فالراء الرمي، والذال الذبح، والحاء الحلق، والطاء الطواف. (ومنها): جواز تقديم الحلق قبل الذبح، وإن كان في الترتيب أن يقدّم الذبح على الحلق. (ومنها): أن التَّرْتِيب بين أعمال يوم النحر مستحبّ، لا حرج على من قدم شيئًا على آخر، ولا فدية على القول الراجح، كما سيأتي قريبًا. (ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من تعليم أمته أحكام دينهم، كما قال اللَّه تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} الآية [النحل: 44]. (ومنها): اهتمام الصحابة رضي الله عنهم في تعلّم أحكام دينهم من النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا سيما أعمال الحجّ، كما حثّهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عليه بقوله:"لتأخذوا عني مناسككم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تقديم أعمال يوم النحر بعضها على بعض:

(اعلم): أن وظائف يوم النحر أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، كما تقدم الرمز إليه بـ"رذ حط".

وفي حديث أنس في "الصحيحين": "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها، ثم أتى منزله بمنى، فنحر، وقال للحالق: خذ"، ولأبي داود:"رمى، ثم نحر، ثم حلق".

وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، إلا أن ابن الجهم المالكيّ استثنى القارن، فقال: لا يحلق حتى يطوف، كأنه لاحظ أنه في عمل العمرة، والعمرة يتأخّر فيها الحلق عن الطواف. وردّ عليه النوويّ بالإجماع، ونازعه ابن دقيق العيد في ذلك.

واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض، فأجمعوا على الإجزاء في ذلك، كما

ص: 50

قاله ابن قُدامة في "المغني"، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع.

وقال القرطبيّ: رُوِيَ عن ابن عباس، ولم يثبت عنه أن من قدّم شيئًا على شيء فعليه دم، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، والنخعيّ، وأصحاب الرأي انتهى.

قال الحافظ: وفي نسبة ذلك إلى النخعيّ، وأصحاب الرأي نظر، فإنهم لا يقولون بذلك، إلا في بعض المواضمع كما سيأتي.

قال: وذهب الشافعيّ، وجمهور السلف، والعلماء، وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز، وعدم وجوب الدم؛ لقوله للسائل:"لا حرج"، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن اسم الضيق يشملهما. قال الطحاويّ: ظاهر الحديث يدلّ على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، قال: إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: "لا حرج" أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيًا، أو جاهلاً، وأما من تعمّد المخالفة، فتجب عليه الفدية.

وتُعُقّب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبيّنه صلى الله عليه وسلم حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة، ولا يجوز تأخيره.

وقال الطبريّ: لم يُسقط النبيّ صلى الله عليه وسلم الحرج، إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزىء لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحجّ، كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لا يأثم بتركه جاهلاً، أو ناسيًا، لكن يجب عليه الإعادة، والعجب ممن يحمل قوله:"ولا حرج" على نفي الإثم فقط، ثم يخصّ ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا يجب بتركه دم، فليكن في الجميع، وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض من تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج.

وأما احتجاج النخعيّ، ومن تبعه في تقديم الحلق على غيره بقوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] قال: فمن حلق قبل الذبح أهراق دمًا عنه. رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح.

فقد أجيب عنه بأن المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحلّ ذبحه فيه، وقد حصل، وإنما يتمّ ما أراد أن لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا.

واحتجّ الطحاويّ أيضًا بقول ابن عباس: "من قدّم شيئًا من نسكه، أو أخّره، فليهرق لذلك دما"، قال: وهو أحد من روى أن لا حرج، فدلّ على أن المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط.

وأجيب بأن الطرق بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف، فإن ابن أبي شيبة أخرجها، وفيها إبراهيم بن مهاجر، وفيه مقال، وعلى تقدير الصحة، فيلزم من يأخذ بقول ابن

ص: 51

عباس أن يوجب الدم في كلّ شيء من الأربعة المذكورة، ولا يخصّه بالحلق قبل الذبح، أو قبل الرمي.

وقال ابن دقيق العيد: منع مالك، وأبو حنيفة تقديم الحلق على الرمي والذبح؛ لأنه حينئذ يكون حلقًا قبل وجود التحلّلين، وللشافعيّ قول مثله، وقد بني القولان له على أن الحلق نسكٌ، أو استباحة محظور، فإن قلنا: إنه نسك جاز تقديمه على الرمي وغيره؛ لأنه يكون من أسباب التحلّل. وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فلا، قال: وفي هذا البناء نظر؛ لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكًا أن يكون من أسباب التحلّل؛ لأن النسك ما يثاب عليه، وهذا مالك يرى أن الحلق نسك، ويرى أنه لا يقدّم على الرمي مع ذلك.

وقال الأوزاعيّ: إن أفاض قبل الرمي أهراق دمًا. وقال عياض: اختلف عن مالك في تقديم الطواف على الرمي، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يجب عليه إعادة الطواف، فإن توجّه إلى بلده بلا إعادة وجب عليه دم. قال ابن بطال: وهذا يخالف حديث ابن عباس، وكأنه لم يبلغه انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من جواز تقديم بعض أعمال يوم النحر على بعض، وعدم وجوب الفدية في ذلك هو الحقّ؛ لظاهر الأحاديث، والذين أوجبوا الفدية، أو الإعادة لبعضها فليس عندهم حجة مقنعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): زاد في حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - في آخره عند البخاريّ: "فما سُئل عن شيء قُدّم، ولا أخر، إلا قال: "افعل، ولا حرج". وفي رواية لمسلم، وأحمد: "فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما يُنسى، أو يُجهل، من تقديم لعض الأمور على بعض، أو أشباهها، إلا قال:"افعلوا ذلك، ولا حرج".

واحتُجّ به على أن الرخصة تختصّ بمن نسي، أو جهل، لا بمن تعمّد، قال صاحب "المغني": قال الأثرم، عن أحمد: إن كان ناسيًا، أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فلا؛ لقوله:"لم أشعُر". وأجاب بعض الشافعيّة بأن الترتيب لو كان واجبًا لما سقط بالسهو، كالترتيب بين السعي والطواف، فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعي

(1)

، وأما ما وقع في حديث أسامة بن شريك، فمحمول على من سعى بعد

(1)

- قلت: القول بوجوب إعادة السعي غير صحيح؛ لأن حديث أسامة بن شريك يردّ عليه، وهو حديث صحيح، فالحق أنه لا إعادة على من قدّم السعي على الطواف، كما قال به أحمد، وعطاء -رحمهما اللَّه تعالى-. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 52

طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف، أي طواف الركن، ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد، وعطاء، فقالا: لو لم يطف للقدوم، ولا لغيره، وقدّم السعي قبل طواف الإفاضة أجزأه. أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه.

وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دلّ على وجوب اتباع الرسول في الحجّ بقوله: "خذوا عني مناسككم". وهذه الأحاديث المرخّصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: "لم أشعر"، فيختصّ الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحجّ. وأيضًا فالحكم إذا رُتّب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يجز اطراحه، ولا شكّ أن عدم الشعور وصف مناسبٌ لعدم المؤاخذة، وقد عُلّق به الحكم، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسّك بقول الراوي:"فما سئل عن شيء قُدّم الخ" فإنه يشعر بأن الترتيب مطلقًا غير مُراعى. فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي يتعلّق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدلّ على أحد الخاصّين بعينه، فلا يبقى حجة في حال العمد. انتهى كلام ابن دقيق العيد بتصرّف

(1)

قال الجامع عفا اللَّه تعالى: عندي أنّ قولَ الجمهور بعدم وجوب الترتيب بين الأعمال الأربعة هو الحقّ؛ لإطلاق الأحاديث، وأما قول السائل:"لم أشعُر" فلا يقيّد إطلاق النصّ، ولا سيما بعض الأحاديث ليس فيه هذا القيد، كحديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب، وحديث أسامة بن شريك عند أبي داود بإسناد صحيح، ولفظه:"قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجا، فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول اللَّه، سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئا، أو أخرت شيئا، فكان يقول: "لا حرج لا حرج، إلا على رجل، اقترض عرضَ رجل مسلم، وهو ظالم، فذلك الذي حَرِجَ، وهلك".

فإنه ظاهر في أن أسامة رضي الله عنه سمع الناس يسألون النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يقيّده بمن نسي، أو جهل، كما هو نصّ حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -.

والحاصل أن الأرجح جواز تقديم بعض الأعمال على بعضها يوم النحر، مطلقًا، سواء كان نسيانًا، أم عمدًا؛ لظاهر الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- راجع "إحكام الإحكام" 3/ 579 - 584.

ص: 53

‌225 - (رَمْيُ الرُّعَاةِ)

3069 -

(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ، أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [10] 44/ 52.

2 -

(محمد بن المثنَى) العنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزمن، ثقة ثبت [10] 64/ 80.

3 -

(سفيان) بن عُيينة المذكور قبل بابين.

4 -

(عبد اللَّه بن أبي بكر) بن محمد الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [5] مات سنة (135هـ) وهو ابن سبعين سنة، تقدم في - 118/ 163.

5 -

(أبوه) أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يُكنى أبا محمد، ثقة عابد [5] مات سنة (12) وقيل: غير ذلك، تقدم في 118/ 163.

6 -

(أبو البدّاح) -بفتح الموحّدة، وتشديد المهملة،، وآخره مهملة- ابن عاصم بن عديّ الْبَلَويّ، من بَلِيّ بن الحاف بن قضاعة، حليفُ الأنصار، يقال: اسمه عديّ، ثقة [3].

روى عن أبيه. وعنه ابنه عاصم، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعبد الملك بن اْبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال ابن سعد عن الواقديّ: أبو البدّاح لقب غلب عليه، ويُكنى أبا عمرو، توفّي سنة (110هـ) في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن (84) سنة، وكان ثقة، قليل الحديث. وقيل: مات سنة (117) وقيل: (119). وحكى ابن عبد البر أن له صحبة. قال الحافظ: وهو غلط. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

7 -

(أبوه) عاصم بن عديّ بن الْجَد -بالجيم- ابن العجلان بن حارثة بن ضُبيعة العجلاني القُضَاعيّ، أخو معن ابن عديّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو عمرو، حليف الأنصار. شهد أحدًا، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم استعمله على أهل قباء، وأهل العالية، فلم يشهد بدرًا، وضرب له بسهمه، وهو الذي أمره عويمر العجلانيّ أن يسأل له عن الرجل يجد مع امرأته رجلاً. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنه سهل بن سعد، وعامر الشعبيّ، وابنه

ص: 54

أبو البدّاح بن عاصم بن عديّ. قال ابن حبّان: مات في ولاية معاوية، وهو ابن (115) سنة. وقال ابن سعد، وأبو عليّ بن السكن: مات سنة (40هـ). ويقال: إن عاصم بن عديّ العجلانيّ غير عاصم والد أبي البَدّاح، وكذا فرّق بينهما أبو القاسم البغويّ. روى له الأربعة حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي البدّاح، وأبيه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن شيخه الثاني أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فا لأول مروزيّ، والثاني بصريّ، وسفيان فمكيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن عن أبيه مرّتين. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي البَدَّاح بْنِ عَدِيٍّ) البَلَويّ العجلانيّ (عَنْ أَبِيهِ) عاصم بن عديّ البلويّ العجلانيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، رَخَّصَ) أي جوّز، وأباح (لِلرُّعَاةِ) جمع راع، أي الجماعة الذين يرعون الإبل. وفي الرواية التالية:"رخّص للرعاة في البيوتة" أي رخّص لهم في البيتوتة خارج منى، أو في ترك البيتوتة، والمعنى أباح لهم ترك المبيت بمنى ليالي أيام التشريق؛ لكونهم مشغولين برعي الإبل، وحفظها، فلو أخذوا بالْمُقام والبيتوتة بمنى ضاعت أموالهم. قال الباجيّ: قوله: "رخّص" يقتضي أن هناك منعًا خُصّ هذا منه؛ لأن لفظ الرخصة لا تستعمل إلا فيما يخصّ من المحظور للعذر، وذلك أن للرعاء عذرًا في الكون مع الظهر الذي لا بدّ من مراعاته، والرعي به للحاجة إلى الظهر في الانصراف إلى بعيد البلاد، فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يقتضي أن هناك منعًا إلخ" فيه نظر، إذ مجرد الاحتمال في مثل هذا لا يكفي، فلابد من نهي صريح عن المبيت بغير منى حتى نقول بوجوبه. وقد أجاد أبو محمد بن حزم رحمه الله حيث قال: ومن لم يبت ليالي منى بمنى فقد أساء، ولا شيء عليه، إلا الرعاء، وأهل السقاية، فلا نكره لهم المبيت في غير منى، بل للرعاء أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا، ثم أورد حديث الباب، ثم قال:

[فإن قيل]: إن إذنه للرعاء، وترخيصه لهم، وإذنه للعباس دليل على أن غيرهم بخلافهم. [قلنا]: لا، وانما كان يكون هذا لو تقدم منه عليه السلام أمر بالمبيت والرمي فكان يكون هؤلاء مُسْتَثْنَينَ من سائر من أمروا، وأما إذا لم يتقدم منه عليه السلام أمر فنحن ندري أن هؤلاء

ص: 55

ماذون لهم، وليس غيرهم مأمورًا بذلك، ولا منهيًا، فهم على الإباحة. انتهى "المُحَلَّى" جـ7 ص184 - 185. وهو بحث نفيس جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.

(أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا) أي يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبوا إلى إبلهم، فيبيتوا عندها، ويدعوا يوم النفر الأول، ثم يأتوا في اليوم الثالث، فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني، مع رمي اليوم الثالث.

وفيه تفسير ثانِ، وهو أنهم يرمون جمرة العقبة، ويدَعُون رمي اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبون، ثم يأتون في اليوم الثاني من أيام التشريق، فيرمون ما فاتهم، ثم يرمون عن ذلك اليوم، كما تقدّم، وكلاهما جائز. أفاده في "نيل الأوطار"

(1)

.

فال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التفسير الثاني هو الذي تؤيّده الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عاصم بن عديّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-225/ 3069 و3070 - وفي "الكبرى" 230/ 4074 و4075 وأخرجه (د) في، "المناسك" 1975 و 1976 (ت) في "الحج" 954و955 (ق) في "المناسك" 30349 و 3050 و 3037 (الموطأ) في "الحج" 935 (الدارميّ) في "المناسك"1897. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): قال الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى- بعد إيراده حديث الباب: ما نصّه: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار، فيما نُرَى -واللَّه اْعلم- أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه، ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم النفْرُ، فقد فَرَغُوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفْر الآخر، ونفروا انتهى

(2)

.

وقال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمون فيه، فكان مالك يقول: يرمون يوم النحر، وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من

(1)

- "نيل الأوطار" 5/ 88.

(2)

- "الموطأ" 13/ 217 - 218. بنسخة "الاستذكار".

ص: 56

الغد، وذلك يوم النفْرِ الأول، يرمون لليوم الذي مضى، ويرمون ليومهم ذلك، وذلك أنه لا يقضي أحدٌ شيئًا حتى يجب عليه. وقال الشافعيّ نحوًا من قول مالك. وقال بعضهم: هم بالخيار، إن شاءوا قدّموا، وإن شاءوا أخّروا. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه بعضهم من التخيير بين التقديم، والتأخير هو الأرجح؛ لظاهر الحديث، فإن الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا صريحة في ذلك؛ ولفظها:"يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعده يجمعونهما في أحدهما". والمعنى أنهم يرمون يوم النحر جمرة العقبة كسائر الحجاج، فلا يُرخّص لهم بتركه، أو تأخيره إلى يوم آخر. وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر، وهما الحادي عشر، والثاني عشر، فيُرخص لهم أن يجمعوهما في يوم واحد، فيرمون في اليوم الأول الذي يلي يوم النحر، جمع تقديم، أو يرمون في اليوم الثاني الذي هو يوم النفر الأول، جمعَ تأخير.

والحاصل أنهم بالخيار، إن شاءوا رموا يوم القَرّ له، ولما بعده؛ تقديمًا، وإن شاءوا أخّروا، فرموا يوم النَّفْر الأول ليومين تأخيرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3070 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ، يَجْمَعُونَهُمَا فِي أَحَدِهِمَا).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى": هو القطّان. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة.

وقوله: "في البيتوتة" أي في شأنها، أو في تركها.

وقوله: "يرمون يوم النحر" جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، تقديره: ما هو ترخيصه في البيتوتة، فأجاب بقوله: يرمون يوم النحر الخ. ويحتمل أن يكون حالاً من "الرعاة". واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "واليومين الخ" بالنصب عطفًا على "يوم النحر". وقوله: "يجمعونهما" جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "معالم السنن" 2/ 418.

ص: 57

‌226 - (الْمَكَانُ الَّذِي تُرْمَى مِنْهُ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ)

3071 -

(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُحَيَّاةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ- قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ، مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ، قَالَ: فَرَمَى عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(هنّاد بن السريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السّريّ الكوفيّ، ثقة [10] 23/ 25.

2 -

(أبو المحيأَ) -بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانيّة، وآخره هاء- يحيى ابن يعلى بن حَرْمَلَة التيميّ الكوفيّ، ثقة [8].

قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال مطيّن: مات سنة (180 هـ) وهو ابن (96) سنة فيما أُخبِرتُ. روى له مسلم، والترمذيّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

3 -

(سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [4] 195/ 312.

4 -

(عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار [3] مات سنة (83 هـ) وتقدم في 37/ 41.

5 -

(عبد اللَّه بن مسعود) الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 35/ 39. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ-) النخعيّ، أنه (قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى، وليست من منى، بل هي حدّ منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبيّ صلى الله عليه وسلم الأنصار

ص: 58

عندها على الهجرة، والجمرة اسم لمُجتَمَع الحصى، سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها، يقال: تجمّر بنو فلان: إذا اجتمعوا. وقيل: إن العرب تسمّي الحصى الصغار جمارًا، فسمّيت تسمية الشيء بلازمه. وقيل: لأن آدم، أو إبراهيم عليهما السلام لما عرض له إبليس، فحصبه، جَمّر بين يديه، أي أسرع، فسمّيت بذلك

(1)

(مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ) مخالفين للسنة (قَالَ) عبد الرحمن (فَرَمَى عَبْدُ اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - (مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) أي من أسفله؛ اتباعًا للسنة، كما بينه بقوله (ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - (مِنْ هَهُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي الرواية التالية "رمى عبد اللَّه الجمرة بسبع حصيات، جعل البيت عن يساره، وعرفة عن يمينه". وفي رواية البخاريّ: " جعل البيت عن يساره، ومنًى عن يمينه".

وفي رواية الترمذيّ من طريق أبي صخرة، عن عبد الرحمن بن يزيد:"لما أتى عبد اللَّه جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل القبلة". قال الحافظ: والذي قبله هو الصحيح، وهذا شاذّ، في إسناده المسعوديّ، وقد اختلط، وبالأول قال الجمهور، وجزم الرافعيّ من الشافعيّة بأنه يستقبل الجمرة، ويستدبر القبلة. وقيل: يستقبل القبلة، ويجعل الجمرة عن يمينه. وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو يساره، أو من فوقها، أو من أسفلها، أو وسطها، والاختلاف في الأفضل

(2)

.

قال ابن المنيّر: خَصّ عبد اللَّه سورة البقرة بالذكر لأنها التي ذُكر فيها الرمي، فأشار إلى أن فعله صلى الله عليه وسلم مبيّنٌ لمراد كتاب اللَّه تعالى.

قال الحافظ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة، والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرًا من أفعال الحجّ مذكورٌ فيها، فكأنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك، منبّهًا بذلك على أن أفعال الحجّ توقيفيّةٌ.

وقيل: خصّ البقرة بذلك؛ لطولها، وعظم قدرها، وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يُشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة

(3)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

(1)

- "فتح" 4/ 411 - 412.

(2)

- "فتح" 4/ 412.

(3)

- "فتح" 4/ 412.

ص: 59

حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخبرجه هنا -226/ 3071 و 3072 و 3073 و 3074 - وفي "الكبرى" 231/ 4076 و 4077 و 4078 و 4079. وأخرجه (خ) في "الحجّ" 1747 و 1748 و 1749 و 1750 (م) في "الحجّ" 1296 (د) في "المناسك" 1974 و 3030 (ت) في "الحجّ" 901 (أحمد) في "مسند المكثرين" 3538 و 3731 و 3864 و 3931 و 4078 و 4106 و 4139 و 4346. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان المكان الذي تُرمَى منه جمرة العقبة، وهو بطن الوادي، وقد بين في الرواية التالية صفته إذا رمَى، وهو أن يجعل البيت عن يساره، وعرفة عن يمينه. (ومنها): جواز الحلف للتأكيد، وإن لم يُستحلف. (ومنها): أن الرمي يكون بسبع حصيات، لا بأقلّ من ذلك، وسيأتي بيان الخلاف في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز قول: "سورة البقرة"، وما نُقل عن الحجّاج بن يوسف، كما سيأتي قريبًا، فمن أخطائه، فلا يلتفت إليه. (ومنها): ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من مراعاة أحوال النبيّ صلى الله عليه وسلم في كلّ حركةٍ، وهيئةٍ، ولا سيّما في أعمال الحجّ. (ومنها): مشروعيّة التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أن من لم يكبّر، فلا شيء عليه.

[فائدة]: زاد محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، عن أبيه في هذا الحديث، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه لما فرغ من رمي جمرة العقبة قال:"اللَّهمّ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا". قاله في "الفتح"

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3072 -

(أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ الْخَلِيلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللَّهِ الْجَمْرَةَ، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَرَفَةَ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ هَا هُنَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا، قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَنْصُورٌ، غَيْرَ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).

(1)

- "فتح" 4/ 412.

ص: 60

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه:

1 -

(مالك بن الخليل) الأزدي اليحمديّ، أبي غَسَّان البصريّ، قيل: إن اسم جدّه بشر بن نَهِيك، صدوق، من كبار [11].

قال النسائيّ، ومسلمة: لا بأس به، وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث يعلى بن أمية برقم -4763 - "يعضّ أحدكم أخاه، كما يعضّ البكر

".

و"ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم البصريّ الحافظ.

وقوله: "ومنصور" بالجرّ عطفًا على "الحكم"، فما وقع في النسخ المطبوعة من ضبطه بالرفع ضبطَ قلم، غلطٌ، فليُتنبّه. ومنصور: هو ابن المعتمر. و"إبراهيم": هو النخعيّ.

وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: ما أعلم الخ" أراد به أن ذكر "منصور" في هذا السند تفرّد به ابن أبي عديّ من بين من رواه عن شعبة، فإنهم رووه، عنه عن الحكم فقط.

وقوله: "منصور" هكذا نسخ "المجتبى" بدون "عن"، والظاهر أنه مجرور على الحكاية، وذكره الحافظ المزيّ في "تحفة الأشراف" -7/ 82 نقلاً عن المصنّف بلفظ "عن منصور". واللَّه تعالى أعلم

وقوله: "غير" بالنصب صفة لـ"أحدًا".

ثم إن غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام -واللَّه أعلم- بيان الاختلاف في ذكر "منصور" في السند، ولا يعني بذلك تضعيف الحديث، كما لا يخفى.

والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3073 -

(أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ قَالَ: هَهُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"مجاهد بن موسى": هو الخُتّليّ البغداديّ. و"هشيم": هو ابن بشير الواسطيّ. و"مغيرة": هو ابن مقسم الضبّيّ الكوفيّ. وإبراهيم": هو النخعيّ.

والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

ص: 61

3074 -

(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ: لَا تَقُولُوا: سُورَةُ الْبَقَرَةِ، قُولُوا: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، وَاسْتَعْرَضَهَا -يَعْنِي الْجَمْرَةَ- فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَكَبَّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُنَاسًا يَصْعَدُونَ الْجَبَلَ، فَقَالَ: هَهُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَأَيْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ رَمَى).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرقيّ. و"ابن أبي زائدة": هو يحيى بن زكريا. وقوله: "سمعت الحجاج" هو ابن يوسف بن أبي عقيل الثقفيّ الأمير المشهور الظالم المبير، ولي إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة (95هـ).

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم يقصد الأعمش الرواية عنه، فلم يكن بأهل لذلك، وإنما أراد أن يحكي القصّة، ويوضّح خطأ الحجاج فيها بما ثبت عمن يُرجع إليه في ذلك، بخلاف الحجاج، وكان يرى إضافة السورة إلى الاسم، فردّ عليه إبراهيم النخعيّ بما رواه عن ابن مسعود من الجواز انتهى.

وقوله: "فاستعرضها": أي أتاها من جانبها عَرْضًا. قاله ابن الأثير

(2)

.

والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3075 -

(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَذَكَرَ آخَرَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، محمد ابن آدم الجهنيّ المصّيصيّ، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وقد وثّقه هو، وغيره. و"عبد الرحيم": هو ابنُ سليمان المروزيّ، ثم الكوفيّ الثقة. و"عبيد اللَّه بن عمر": هو العمريّ الثبت المدنيّ.

وقوله: "وذكر آخر" الضمير الفاعل لعبد الرحيم: أي ذكر عبد الرحيم رجلاً آخر قبل عبيد اللَّه، قلت: لم أعرفه.

والحديث أخرجه مسلم، وتقدم تخريجه في - 51/ 240 - ووجه مناسبته للباب أن الحديث مختصر من حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل الذي فيه بيان محلّ رمي

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- "النهاية" 3/ 210.

ص: 62

جمرة العقبة، وسيأتي ذلك في الباب التالي، ولفظه:"رمى من بطن الوادي". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3076 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى،، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْمِى الْجِمَارَ، بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"يحيى": هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌227 - (عَدَدُ الْحَصَى الَّتِي يُرْمَى بِها الْجِمَارُ)

قوله: "يُرمى" بالبناء للمجهول، و"الجمار" بالرفع نائب فاعله.

3077 -

(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، إبراهيم بن هارون البلخيّ العابد، فإنه من أفراده،، وأخرج له الترمذيّ في "الشمائل"، وقد وثّقه المصنّف، وقال مرّة: لا بأس به.

وقوله: "عند الشجرة" هذا يدلّ على أنه كان هناك شجرة عند الجمرة. وقد روى ابن أبي شيبة، عن الثقفيّ، عن أيوب، قال:"رأيت القاسم، وسالمًا، ونافعًا، يرمون من الشجرة". ومن طريق عبد الرحمن بن الأسود: "أنه كان إذا جاوز الشجرة رمى العقبة من تحت غصن من أغصانها".

وقوله: "حصى الخذف" على حذف مضاف، أي مثل حصى الخذف، أي الرمي.

ص: 63

والحديث أخرجه مسلم، كما تقدّم بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.

3078 -

(أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: قَالَ: مُجَاهِدٌ، قَالَ: سَعْدٌ: رَجَعْنَا فِي الْحَجَّةِ، مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"يحيى بن موسى": هو الكوفيّ الثقة، الملقّب بـ"ختّ". و"ابن أبي نجيح": هو عبد اللَّه بن أبي نَجِيح يسار المكيّ الثقة. و"سعد": هو ابن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه -.

والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -227/ 3078 - وفي "الكبرى" 232/ 4083. وأخرجه أحمد في "مسند العشرة" 1442، قال: حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا ابن أبي نجيح، قال: سألت طاوسا عن رجل رمى الجمرة، بست حصيات؟ فقال: ليُطعِم قبضة من طعام، قال: فلقيت مجاهدا، فسألته؟ وذكرت له قول طاوس، فقال: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن، أما بلغه قول سعد بن مالك، قال: رمينا الجمار، أو الجمرة، في حجتنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم جلسنا نتذاكر، فمنا من قال: رميت بست، ومنا من قال: رميت بسبع، ومنا من قال: رميت بثمان، ومنا من قال؟ رميت بتسع، فلم يروا بذلك بأسا.

وفيه تصريح ابن أبي نجيح، بسماعه من مجاهد، فانزاحت عنه تهمة التدليس. والحديث يدلُّ على عدم وجوب سبع حصيات، لكن سيأتي الجواب عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3079 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجِمَارِ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي رَمَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسِتٍّ، أَوْ بِسَبْعٍ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"أبو مِجْلَز" بكسر الميم، وسكون الميم-: هو لاحق بن حُميد السَّدُوسيّ البصريّ الثقة.

والحديث صحيح الإسناد، لكنه غريب لمخالفته لما صحّ عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من قوله: إنه صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى.

أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا-227/ 3079 - وفي "الكبرى" 232/ 4084.

ص: 64

وأخرجه (د) في "المناسك" 1977 (أحمد) في "مسند بني هاشم"2512. واللَّه تعالى أعلم.

[مسالة]: في اختلاف أهل العلم في وجوب الرمي بسبع حصيات:

ذهب أكثر العلماء إلى أن رمي الجمرة لا بدّ أن يكون بسع حصيات، وذهب عطاء إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه. وقال مجاهد: إن رمى بستّ فلا شيء عليه، وبه قال أحمد، وإسحاق، واحتُجَّ لهم بحديثي سعد بن أبي وقّاص، وابن عباس رضي الله عنهم المذكورين في الباب.

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أن الواجب السبع، كما صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، من حديث ابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم رضي الله عنهم.

وأجيب عن حديث سعد رضي الله عنه بأنه ليس مرفوعًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه ورد على الشكّ من ابن عباس، وشكّ الشاكّ لا يقدح في جزم الجازم، وقد ثبت لدينا أن صلى الله عليه وسلم أنه رماها بسبع حصيات، وقال:"لتأخذوا عني مناسككم".

ثم إن الجمهور -فيما حكاه القاضي عياض- ذهبوا إلى أنه إن رماها بأقلّ من سبع حصيات، لزمه دم، وهو قول مالك، والأوزاعيّ. وذهب الشافعيّ، وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مدًّا من طعام، وفي اثنتين مدّين، وفي ثلاث فأكثر دمًا. وللشافعيّ قول آخر أن في الحصاة ثلث دم، وله قول آخر أن في الحصاة درهمًا. وذهب أبو حنيفة، وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث، فعليه دم، وإن ترك أقلّ من نصفها، ففي كلّ حصاة نصف صاع. وعن طاوس: إن رمى ستًا يُطعم تمرة، أو لقمة.

وذكر الطبريّ عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهنّ بعد أن يكبّر عند كلّ جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جعل الرمي في ذلك بالحصى سببًا لحفظ التكبيرات السبع، كما جُعل عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد. وذكر يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز، والنوى يُسَبَّح به؟ قال: حسن. قد كانت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - تقول: إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات.

وقال الحكم، وحماد: من نسي جمرة، أو جمرتين، أو حصاتين يُهريق دمًا. وقال عطاء: من نسي شيئًا من رمي الجمار، فذكر ليلاً، أو نهارًا، فيلزمه ما نسي، ولا شيء عليه، وإن مضت أيام التشريق، فِعليه دم، وهو قول الأوزاعيّ. وقال مالك: إن نسي حصاة من الجمرة حتى ذهبت أيام الرمي، ذبح شاة، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة.

واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في كلٍّ مرّةً واحدةً، فقال الشافعىّ: لا يجزيه، إلا

ص: 65

عن حصاة واحدة، ويرمي بعدها ستًّا. وقال عطاء: تجزيه عن السبع. وهو قول أبي حنيفة، كما في سياط الحدّ سوطًا سوطًا، ومجتمعة، إذا علم وصول الكلّ إلى بدنه.

قال العينيّ: هذا الذي ذُكر عن أبي حنيفة ذَكَره صاحب "التوضيح"، وذكر في "المحيط": ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات رَمْيةً واحدةً، فهي بمنزلة حصاة، وكان عليه أن يرمي ستّ مرات. قال: العمدة في النقل عن صاحب مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الرمي بسبع حصيات واجب؛ لثبوته عنه صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، وأما ما ذكروه من إيجاب دم أو نحوه في ترك شيء منه، فيحتاج إلى دليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌228 - (التَّكْبِيرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ)

3080 -

(أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه هارون ابن إسحاق، فإنه من رجال الأربعة، وقد وثّقه هو وغيره.

و"حفصٌ": هو ابن غياث بن طلق النخعيّ الكوفيّ القاضي الثقة الفقيه.

و"عليّ بن الحسين": هو المعروف بـ"زين العابدين" الثقة الثبت العابد الفقيه الفاضل المشهور، قال ابن عيينة، عن الزهريّ: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، وهو والد محمد الباقر الراوي عنه في هذا السند، وتقدّم في 78/ 95.

والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه في -204/ 3021، ودلالته على الترجمة واضحة، فإن قوله:"يكبّر مع كلّ حصاة" صريح في استحباب التكبير مع رمي كلّ

(1)

- راجع "عمدة القاري" 8/ 260 - 261.

ص: 66

حصاة. قال في "الفتح": وأجمعوا على أن من لم يكبّر، فلا شيء عليه انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌229 - (قَطْعُ الْمُحْرِمِ التَّلْبِيَةَ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ)

3081 -

(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: "كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَا زِلْتُ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَلَمَّا رَمَى قَطَعَ التَّلْبِيَةَ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(هناد بن السريّ) المذكور قبل بابين.

2 -

(أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ [7] 79/ 96.

3 -

(خُصيف

(2)

بن عبد الرحمن) أبو عون الجزريّ، صدوق سيّىء الحفظ، وخلط بآخره، ورمي بالإرجاء [5] 95/ 1353.

4 -

(مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجّاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 27/ 31.

5 -

(ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31.

6 -

(الفضل بن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - 7/ 653. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير خصيف، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَباسٍ) - رضي اللَّه

(1)

- "فتح" 4/ 312.

(2)

- بالصاد المهملة، مصغْرًا.

ص: 67

تعالى عنهما (كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) -بكسر الراء، وسكون الدال المهملة-: هو الراكب خلف الر اكب، كالمُرْتَدِف، والرَّدِيف، والرُّدَافَى. قاله في "القاموس"(فَمَا زِلْتُ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي) حال من المفعول، أي حال كونه ملبيًا (حَتَّى رَمَى جَمْرةَ الْعَقَبَةِ، فَلَمَّا رَمَى قَطَعَ التَّلْبيَةَ) هذا ظاهر في أن وقت قطع التلبية هو تمام رمي جمرة العقبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده خُصيف بن عبد الرحمن، وهو مختلف فيه؟.

[قلت]: قد رواه ابن خزيمة في "صحيحه" بإسناد آخر صحيح، كما سيأتي قريبًا، وأيضا له شواهد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وغيره، فهو صحيح، وقد سبق تخريجه في -204/ 3021. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي تُقطع فيه التلبية:

ذهب الجمهور إلى ما دلّ عليه حديث الباب، فقالوا: يستمرّ على التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، وبعدها يشرع في التحلّل، روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه كان يقول:"التلبية شعار الحجّ، فإذا كنت حاجًّا، فلَبِّ حتى بدء حلّك، وبدء حلّك أن ترمي جمرة العقبة". وروى سعيد بن منصور، من طريق ابن عباس، قال:"حججت مع عمر إحدى عشرة حجة، وكان يُلبّي حتى رمى جمرة العقبة". وباستمرارها قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأتباعهم.

وذهبت طائفة إلى أن المحرم يقطع التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة.

وذهبت طائفة إلى أنه يقطعها إذا راح إلى الموقف. رواه ابن المنذر-، وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ رضي الله عنهم، وبه قال مالك، وقيّده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعيّ، والليث، وعن الحسن البصريّ مثله، لكن قال:"إذا صلّى الغداة يوم عرفة"، وهو بمعنى الأول. وقد روى الطحاويّ بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد، قال:"حججت مع عبد اللَّه، فلما أفاض إلى جمع جعل يلبّي، فقال رجل: أعرابّي هذا؟، فقال عبد اللَّه: أنسي الناس، أم ضلّوا؟ "، وأشار الطحاويّ إلى أن كلّ من رُوي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها

ص: 68

للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لا تشرع، وجمع في ذلك بين ما اختلف من الآثار.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي ذهب إليه الجمهور من استمرار التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة هو الحقّ؛ لصحة الأحاديث بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم أيضًا، في أنه هل تقطع التلبية مع أول حصاة، أو عند تمام الرمي؟:

ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب أحمد، وبعض أصحاب الشافعيّ إلى الثاني، ويدلّ لهم حديث الفضل بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب، قال الإمام ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج الحديث عن محمد بن حفص الشيبانيّ، عن حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضل، قال:"أفضت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في عرفات، فلم يزل للبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبّر مع كلّ حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاةٌ"

(1)

: ما نصّه: فهذا الخبر يصرّح أنه قطع التلبية مع آخر حصاة، لا مع أولها. انتهى

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه أحمد، وبعض الشافعيّة من أن قطع التلبية عند تمام الرمي هو الحقّ؛ لصحة حديث الفضل رضي الله عنه المذكور عند ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3082 -

(أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَامِرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هلال بن العلاء بن هلال": هو أبو عمرو الرّقيّ، صدوق [11] 10/ 1199 من أفراد المصنّف.

و"حسين": هو ابن عيّاش بن حازم السلميّ مولاهم، أبو بكر الباجَدّائيّ، ثقة [10] 5/ 1484 من أفراد المصنّف أيضًا.

و"أبو خيثمة": هو زُهير بن معاوية بن حُدَيج الحافظ الثبت الكوفيّ.

وقوله: "عن مجاهد، وعامر، عن سعيد بن جبير الخ" هكذا نسخ "المجتبى"، وأما

(1)

- إسناده صحيح.

(2)

- "صحيح ابن خزيمة" 4/ 282.

ص: 69

في "الكبرى"، فنصّه هكذا:"حدثنا خُصيف، عن مجاهد، وسعيد بن جبير الخ" بإسقاط "وعامر"، وعطف "سعيد" على "مجاهد"، وهو الموافق للسند السابق، فإن مجاهدًا هناك يرويه عن ابن عباس مباشرة.

وذكر في هامش "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى-" - 8/ 267 - 269 - في ترجمة "عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس": ما نصّه: وقع في هذا الإسناد في "المجتبى"، وكذلك في "كتاب أبي القاسم بن عساكر" هكذا:"عن خصيف، عن مجاهد وعامر، عن سعيد بن جُبير. وقال أبو القاسم في آخره: كذا في "كتابي" "خصيف، عن مجاهد وعامر"، قال: وفي رواية ابن حيّويه: "خصيف، عن مجاهد، وعطاء، وسعيد"، وهو الصواب انتهى. قلت: وكذا في رواية ابن الأحمر أيضًا على الصواب انتهى ما في هامش "تحفة الأشراف".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر هذا الكلام يدلّ على أن قوله: "وعامر" مصحّف من عطاء، وهو ابن أبي رباح، وأن "عن" في قوله:"عن سعيد" مصحّفة عن الواو، فسعيد عطف على مجاهد، وعطاء، فالثلاثة كلهم يروون عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -.

أما كون "عامر" مصحّفًا، فإن لم يثبت الحديث من رواية خصيف عن الشعبيّ، وهو عامر، فصحيح، وأما تصحيف "عن" عن الواو فهو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3083 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. وغير:

1 -

(عليّ بن معبد) بن شدّاد الرَّقيّ، نزيل مصر، ثقة فقيه، من كبار [10].

قال أبو حاتم: ثقة. وذكر ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. وقال ابن يونس: مروزيّ الأصل، قَدِمَ مصر مع أبيه، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة، وروى عن محمد بن الحسن "الجامع الكبير"، و"الصغير"، وحدّث بمصر، وتُوفّي بها لعشر بقين من رمضان سنة (218هـ). تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.

ص: 70

و"موسى بن أعين": هو الجزريّ مولى قريش، أبو سعيد الثقة العابد [8] 11/ 415.

و"عبد الكريم الجزريّ": هو ابن مالك الخِضْرَمي

(1)

الثقة [6] 96/ 2852.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌230 - (الدُّعَاءُ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ)

3084 -

(أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، الَّتِي تَلِى الْمَنْحَرَ -مَنْحَرَ مِنًى- رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا، فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، يُطِيلُ الْوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا".

قَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمًا يُحَدِّثُ بِهَذَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(العباس بن عبدالعظيم العنبريّ) أبو الفضل البصريّ، الثقة الحافظ، من كبار [11] 96/ 119.

2 -

(عثمان بن عمر) العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، الثقة [9] 151/ 1118.

3 -

(يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [7] 9/ 9.

4 -

(الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [4] 1/ 1.

5 -

(سالم) بن عبد اللَّه بن عمر العدويّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 23/ 490.

6 -

(أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب العدويّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه

(1)

- بالخاء، والضاد المعجمتين: نسبة إلى قرية من اليمامة. "ت".

ص: 71

تعالى عنهما 12/ 12. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ الزُّهْرِيّ) محمد بن مسلم، أنه (قَالَ: بَلَغَنَا) أي بواسطة سالم، عن أبيه، كما سيصله في آخر الحديث (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، "كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، الَّتِي تَلِي الْمَنْحَرَ) أي محلّ نحر البدن، وهي الجمرة الدنيا -بضم الدال، وتكسر- أي القريبة إلى جهة مسجد الخيف، وهي أقرب الجمرات من منى، وأبعدها من مكة، وهي أول الجمرات التي تُرمى من ثاني يوم النحر (مَنْحَرَ مِنًى) بالنصب على البدلية لـ"المنحر"(رَمَاهَا بسَبْع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ) جملة في محلّ النصب على الحال من الفاعل (كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) متَعلّقَ بـ"يكبّر"، يعني أنه يقرُن كلَّ حصاة يرميها بتكبيرة (ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا) وفي رواية البخاريّ:"ثم يتقدم حتى يُسهل" و"يسهل" -بضم أوله-: أي يقصد السهل من الأرض، وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه. وقال الكرماني: يُسهل: أي ينزل إلى السهل من بطن الوادي، يقال: أسهل القوم: إذا نزلوا من الجبل إلى السهل

(1)

(فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبلَةِ) كلام إضافيّ وقع حالاً (رَافِعًا يَدَيْهِ) منصوب على الحال، وكذا جملة قوله (يَدْعُو) وقوله (يُطِيلُ الْوُقُوفَ) فهي أحوال متدخلة، أو مترادفة.

(ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ) وهي الجمرة الوُسْطَى (فَيَرْمِيهَا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ، كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاة، ثمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الشِّمَالِ) بكسر الشين المعجمَة، أي جهة الشمال (فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) أي بعد الانتهاء من رميها، يعني أنه لا يشتغل بالدعاء بعد رمي جمرة العقبة.

(قَالَ الزهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمًا) أي ابن عبد اللَّه بن عمر (يُحَدِّثُ بِهَذَا) الحديث (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) قال الحافظ

(1)

- "عمدة القاري" 8/ 263.

ص: 72

رحمه اللَّه تعالى: هو بالإسناد المصدّر به الباب، ولا اختلاف بين أهل الحديث أن الإسناد بمثل هذا السياق موصولٌ، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند، وإنما اختلفوا في جواز ذلك. وأغرب الكرمانيّ، فقال: هذا الحديث من مراسيل الزهريّ، ولا يصير بما ذكره آخرًا مسندًا؛ لأنه قال: يحدّث بمثله، لا بنفسه. كذا قال، وليس

مراد المحدّث بقوله في هذا "بمثله"، إلا نفسه، وهو كما لو ساق المتن بإسناد، ثم عقّبه بإسناد آخر، ولم يُعد المتن، بل قال:"بمثله". ولا نزاع بين أهل الحديث في الحكم بوصل مثل هذا، وكذا عند أكثرهم لو قال:"بمعناه"، خلافا لمن يمنع الرواية بالمعنى.

وقد أخرج الحديث المذكور الإسماعيليّ عن ابن ناجية، عن محمد بن المثنّى، وغيره، عن عثمان بن عمر، وقال في آخره:"قال الزهريّ: سمعت سالمًا يُحدّث بهذا الحديث، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم"، فعرف أن المراد بقوله:"مثله" نفسه، وإذا تكلّم المرء في غير فنّه أتى بهذه العجائب انتهى كلام الحافظ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد اعترضه العينيّ بما لا طائل تحته، بل هو على عادته المستمرّة مجرّد تعصّب، قاتل اللَّه التعصّب.

والحاصل أن ما قاله الحافظ رحمه اللَّه تعالى من كون حديث الباب متّصلاً بنفس هذا السند، هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (يَفْعَلُهُ) أي يفعل ما ذُكر من الرمي بسبع حصيات، والتكبير مع كل حصاة، والوقوف طويلاً، مستقبل القبلة، والدعاء، ورفع اليدين فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 230/ 384 - وفي "الكبرى" 235/ 4089. وأخرجه (خ) في "الحج" 1751 و 1753 (ق) في "المناسك" 3032 (أحمد) في "مسند المكثرين" 6368 (الدارميّ) في "المناسك" 1903. والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان استحباب الدعاء عند الجمرتين: الأولى، والثانية. (ومنها): استحباب التكبير عند رمي كلّ حصاة، وقد

ص: 73

أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء، إلا الثوريّ، فقال: يُطعم، وإن جبره بدم أحبّ إليّ. قاله في "الفتح"

(1)

. (ومنها): أن الرمي يكون بسبع حصيات، لا بأقلّ من ذلك، كما تقدّم البحث عنه قبل بابين. (ومنها): استحباب استقبال القبلة بعد الرمي، والقيام طويلاً، وقد وقع تفسيره، فيما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء:"كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة"

(2)

.

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرّتين. وعن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه كان يقف قدر قراءة سورة البقرة عند الجمرتين. وعن أبي مِجلز، قال: كان ابن عمر يشبُر ظله ثلاثة أشبار، ثم يرمي، وقام عند الجمرتين قدر قراءة سورة يوسف. وكان ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - يقف بقدر قراءة سورة من المئين.

(3)

.

(ومنها): استحباب التباعد عن موضع الرمي عند القيام للدعاء، حتى لا يُصيبه رمي غيره. (ومنها): استحباب رفع اليدين في حال الدعاء. (ومنها): ترك الدعاء، والقيام عند جمرة العقبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

[تنبيه]: قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: لا نعلم لما تضمّنه حديث ابن عمر هذا مخالفًا، إلا ما روي عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، فقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرتين، إلا ما حكاه ابن القاسم، عن مالك انتهى.

وردّه ابن الْمُنَيّر بأن الرفع لو كان هنا سنّة ثابتةً ما خفي عن أهل المدينة. قال الحافظ: -رحمه اللَّه تعالى-: وغفل -رحمه اللَّه تعالى- عن أن الذي رواه من أعلم أهل المدينة، من الصحابة في زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة، من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة، ثم الشام في زمانه، فمَنْ علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ واللَّه المستعان. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تعقبٌ جميل، وردّ نبيل

(4)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "فتح" 4/ 415.

(2)

- راجع "الفتح" 4/ 415.

(3)

- راجع "عمدة القاري" 8/ 263.

(4)

- "فتح" 4/ 415.

ص: 74

‌231 - (بَابُ مَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ)

3085 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، إِلاَّ النِّسَاءَ، قِيلَ وَالطِّيبُ؟ ، قَالَ: أَمَّا أَنَا، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَتَضَمَّخُ بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ هُوَ؟).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عليّ) بن بَحْر بن كَنِيز الفلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [10] 4/ 4.

2 -

(يحيى بن سعيد) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة إمام [9] 4/ 4.

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت حجة فقيه إمام [7] 33/ 37.

4 -

(سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [4] 195/ 312.

5 -

(الحسن الْعُرَنيّ) ابن عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [4] 222/ 3064.

6 -

(ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا أن فيه انقطاعًا، فإن الحسن العرنيّ لم يسمع عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، والصحابيّ، فبصريون. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم المجموعون في قولي:

اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ

ذَوُو الأُصُولِ السِّتَةِ الْوُعَاةُ

فِي تِسْعَةِ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ

الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ

أُولئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ

نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي

وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّار كَذَا

ابْنُ المُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى

ص: 75

(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما من العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث":

وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَر وَعَمْرِو

وَابْنُ الزبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي

دُونَ ابْنِ مَسْعُودِ لَهُمْ عَبَادِلَة

وَغلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ

وهو من المكثرين السبعة المجموعين في قولي:

الْمُكْثِرُون فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ

أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ

فَأَنَسْ، فَزَوْجَةُ النَّبِيِّ ثُمَّ

الْبَحْرُ جَابِرٌ يَلي الْخُدْرِي يُتِمُّ

وكلّ هذا تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة يوم النحر (فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) أي كلُّ شيء حرُم عليه بالإحرام، ومنه الحلق (إِلَّا النِّسَاءَ) بالنصب على الاستثناء، أي وطئًا، ومباشرةً، ولمسًا بشهوة، وعقدَ نكاح حتى يطوف طواف الإفاضة. والحديث يدلّ على أنه يحلّ للمحرم برمي جمرة العقبة كلّ محظورات الإحرام، إلا الوطىء، ودواعيه، وإن لم يحلق، وفيه خلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى (قِيلَ) وفي رواية أحمد:"فقال رجل: والطيب يا أبا العباس"؟. وفي رواية له: "سئل ابن عباس عن الرجل، إذا رمى الجمرة أيتطيّب؟ فقال: أما أنا

"

(1)

(وَالطِّيبُ؟) مبتدأ خبره محذوف، أي ما حكمه؟، أيحلّ بعد الرمي، أم لا؟ (قَالَ) ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَمَّا أَنَا، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَتَضَمَّخُ) أي يتلطّخ (بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ هُوَ؟) أراد ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بهذا بيان كون الطيب مباحًا بعد الرمي، بذكر دليله، يعني أن المسك طيب بلا شكّ، وقد تضَمّخ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فيكون الطيب حلالاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

(1)

- راجع "المسند" 1/ 234 و 1/ 344 و 1/ 369.

ص: 76

[فإن قلت]: في سنده انقطاعٌ؛ لأن الحسن العرنيّ لم يسمع من ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما قاله أحمد، وغيره، فكيف يصحّ؟.

[قلت]: إنما صحّ بشواهده، فقد تقدّم للمصنّف في - 41/ 2687 - حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت:"طيّبت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لحرمه، حين أحرم، ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة، قبل أن يطوف بالبيت". وأخرجه أحمد في "مسنده" 6/ 244 - بإسناد صحيح عن عائشة عنها، ولفظه: قالت: "طيّبتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيدي بذَريرة لحجة الوداع، للحلّ والإحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت".

وأخرج البيهقيّ في "سننه" - 5/ 135 - بإسناد صحيح من طريق معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: "إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات، وذبحتم، وحلقتم، فقد حلّ لكم كلّ شيء إلا النساء والطيب". قال سالم: وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "حلّ له كلّ شيء إلا النساء"، قال: وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أنا طيّبتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يعني لحلّه".

ثم روى البيهقيّ من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، قال: قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أنا طيّبتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لحلّه، وإحرامه، قال سالم: وسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحقّ أن يُتّبع".

والحاصل أن حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح بما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا 231/ 3085 - وفي "الكبرى" 236/ 4090. وأخرجه (ق) في "المناسك" 3041 (أحمد) في "مسند بني هاشم" 2091. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما يحلّ للمحرم بعد رمي الجمار:

قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاجّ بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد اللَّه بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد اللَّه، وطاوس، والنخعيّ، وعبد اللَّه بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعيّ، وأحمد، واسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء، وروينا ذلك عن ابن عباس.

ص: 77

وقال عمر بن الخطّاب، وابن عمر: يحلّ كلّ شيء إلا النساء، والطيب. وقال مالك: له كلّ شيء إلا النساء، والطيب، والصيد. وقد اختلف فيه عن إسحاق، فذكر إسحاق بن منصور عنه ما ذكرناه، وذكر أبو داود الخفّاف عنه أنه قال: يحلّ له كلّ شيء إلا النساء والصيد. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من أن المحرم يحلّ له برمي جمرة العقبة كلّ شيء إلا النساء هو الحقّ؛ لصحة الأحاديث بذلك، إلا أن هذا مشروط بالطواف بالبيت قبل مساء يوم النحر، وإلا عاد محرمًا، كما كان حتى يطوف؛ لما أخرجه أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح، عن أم سلمة، قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، مساء يوم النحر، فصار إليّ، ودخل عليّ وهب بن زمعة، ومعه رجل من آل أبي أمية، مُتَقَمِّصَين، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لوهب:"هل أفضت أبا عبد اللَّه؟ "، قال: لا، واللَّه يا رسول اللَّه، قال صلى الله عليه وسلم:"انزع عنك القميص"، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول اللَّه؟، قال:"إن هذا يوم رُخّصَ لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن تَحِلُّوا -يعني من كلّ ما حُرِمتُم منه، إلا النساء، فإذا أمسيتم، قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به".

فهذا الحديث صحيح صريح، في أن المحرم إنما يحلّ له كلّ شيء برمي جمرة العقبة، بشرط أن يطوف بالبيت يوم النحر، قبل أن يمسي، وإلا فقد عاد كما هو حتى يطوف، وقد تقدم دعوى بعض العلماء الذين لا يرون العمل بهذا الحديث كونه منسوخًا بالإجماع، والردّ عليهم بأنها دعوى باطلة، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم من السلف، وهو الحقّ، كما تقدّم البحث عن ذلك، مطوّلاً في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في باب "إباحة الطيب عند الإحرام" - 41/ 2684 - ، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- راجع "طرح التثريب" 5/ 82.

ص: 78

‌24 - (كِتَابُ الْجِهَادِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الجهاد" -بكسر الجيم-: أصله لغةً المشقّة، يقال: جَهَدتُ جهادًا: بلغت المشقة. وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفّار، ويُطلق أيضًا على مجاهدة النفس، والشيطان، والفسّاق، فأما مجاهدة النفس، فعلى تعلّم أمور الدين، ثم

على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يُزيّنه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفّار فتقع باليد والمال واللسان والقلب. وأما مجاهدة الفسّاق فباليد، ثم اللسان، ثم القلب. وسيأتي للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى-19/ 3135 - من حديث سَبْرَة بن الفاكه رضي الله عنه الطويل، وفيه:"ثم قعد -أي الشيطان- له في طريق الجهاد، فقال: تجاهد، فهو جَهْدُ النفسِ والمال".

واختُلف في جهاد الكفّار، هل كان أوّلاً فرض عين، أو كفاية؟، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة في شرح الحديث الأول من الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

‌1 - (بَابُ وُجُوبِ الْجِهَادِ)

3086 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ، فَنَزَلَتْ {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) البغداديّ، ثم الطرسوسي، لا بأس به [11] 172/ 1141.

2 -

(إسحاق الأزرق) ابن يوسف الواسطيّ، ثقة [9] 22/ 489.

3 -

(سفيان) بن سعيد الإمام الحجة الثبت [7] 33/ 37.

ص: 79

4 -

(الأعمش) سليمان بن مهران الثقة الثبت الحجة [5] 18/ 17.

5 -

(مسلم) بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران البطين، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة [6] 26/ 915.

6 -

(سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 28/ 436.

7 -

(ابن عباس) البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان إلى سعيد. (ومنها): أن فيه ابن عباس من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ) ببناء الفعل للمفعول، و"النبيّ" نائب فاعله، أي لما أخرجه المشركون، من أهل مكة، فهاجر إلى المدينة (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ تأسُّفًا على ما فَعَلوا. والظاهر أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - سمع هذا من أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد ذلك؛ وإلا فإنه لم يحضر هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم (أَخْرَجُوا نَبيَّهُمْ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ) بفتح حرف المضارعة مبنيًّا للفاعل، من الهلاك، ثلاثيًّا، أو للمفعول من الإهلاك، أي ليُهلكنّهم اللَّه تعالى (فَنَزَلَتْ) ونائب فاعله قوله:{أذن} الآية، دقصد لفظه، فهو في محلّ رفع محكيّ ({أُذِنَ}) بالبناء للمفعول، أي رُخّص، وقرىء على البناء للفاعل، أي أذن اللَّه تعالى (لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) بفتح التاء، أي يقاتلهم المشركون، والمأذون فيه محذوف لدلالة المذكور، فإن مقاتلة المشركين إياهم دالّة على مقاتلهم إياهم دلالة بيّنة. وقرىء على صيغة المبنيّ للفاعل، أي يريدون أن يقاتلوا المشركين فيما سيأتي، ويَحرصون عليه، فدلالته على المحذوف أظهر

(1)

(بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي بسبب أنهم ظلمهم المشركون بإخراجهم من بلدهم ({وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}) أي هو قادرٌ على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلو جهدهم في طاعته.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: وإنما شرع اللَّه تعالى الجهاد في الوقت الأليق

(1)

- "تحفة الأحوذيّ" 9/ 15.

ص: 80

به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أُمِر المسلمون، وهم أقلّ من العُشْر بقتال الباقين لشقّ عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكانوا نيّفًا وثمانين، قالوا: يا رسول اللَّه ألا نَميل على أهل الوادي -يعنون أهل منى ليالي منى- فنقتلهم؟، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إني لم أُومر بهذا"، فلما بَغَى المشركون، وأخرجوا النبيّ صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، وهمّوا لقتله، وشرّدوا أصحابه شَذَرَ مَذَرَ، فذهب

منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقرّوا بالمدينة وافاهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام، ومَعْقِلاً يلجئون إليه، شَرَع اللَّهُ جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أولَ ما نزل في ذلك

(1)

.

(فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ) قال السنديّ: الظاهر أنه من كلام أبي بكر، بتقدير "قال أبو بكر"، إذ ابن عباس كان صغيرًا، ولم يكن معه صلى الله عليه وسلم يومئذ انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السنديّ فهمًا، قد جاء مصرّحًا به عند الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-، ولفظه:"فقال أبو بكر لقد علمت أنه سيكون قتال"(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَهِيَ أَوَّلُ آيَةِ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ) قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّهَ تعالى- في "تفسيره": قال مجاهد، والضحّاك، وغير واحد من السلف، كابن عبّاس، وعروة، بن الزبير، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيّان، وقتادة، وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد. واستدلّ بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنيّة انتهى

(2)

.

وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في تفسير "سورة البقرة"، في قوله تعالى:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} الآية [البقرة: 190]: ما نصّه: هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال؛ ولا خلاف في أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة بقوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الآية [فصّلت: 34]، وقوله:{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} الآية [المائدة: 13]، وقوله:{وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10]، وقوله:{لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 22]، وما كان مثله، مما نزل بمكة، فلما هاجر إلى المدينة أُمر بالقتال، فنزل:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} . قاله الربيعِ بن أنس وغيره. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن أول آية نزلت في القتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} . والأول أكثر، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامّة، لمن قاتل، ولمن لم يقاتل من المشركين انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-

(3)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أن أول آية نزلت في القتال آية

(1)

- "تفسير ابن كثير" 3/ 235.

(2)

- "تفسير ابن كثير" 3/ 235 - 236.

(3)

- "الجامع لأحكام القرآن" 2/ 347.

ص: 81

"الحجّ"{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقتَلُونَ} الآية؛ لصحة ذلك عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما، وهو أعلم بالتأويل، وقد وافقه الكثيرون عليه، كما سبق في كلام ابن كثير. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضح ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 1/ 3086 - وفي "الكبرى" 1/ 4292. وأخرجه (ت) في "التفسير" 3171. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الجهاد، ووجه دلالته على وجوبه أن الإذن الذي صُرّح به هنا هو الذي جاء في آيات أخرى بلفظ الأمر، كقوله تعالى:{وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية، ونحوها، فصريح الآية الإذن لِمَا كانوا يطلبونه من القتال، فمنعوا منه فترة من الزمن، ثم أبيح لهم، وفُرض عليهم، كما بينته رواية ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - التالية لهذا الحديث.

(ومنها): ما لحق النبيّ صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين بسبب دعوته إلى اللَّه عز وجل. (ومنها): ما كان عليه من الصبر، وتحمّل الأذي في سبيل اللَّه عز وجل. فينبغي الاقتداء به في ذلك. (ومنها): قوّة صدق أبي بكر رضي الله عنه أن اللَّه تعالى سينتقم ممن آذى نبيّه صلى الله عليه وسلم، فكان كما توقّع، فأهلكوا جميعًا، إلا من -رحمه اللَّه تعالى- فدخل في الإسلام. (ومنها): وعد اللَّه تعالى بنصره عباده المؤمنين، فأنجز لهم ما وعدهم. (ومنها): أن هذه الآية هي أول آية نزلت في مشروعية القتال على الراجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الجهاد عينًا، أو كفايةً: قال في "الفتح": للناس في الجهاد حالان. إحداهما في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، والأخرى بعده:

(فأما الأولى): فأول ما شُرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة، اتفاقًا، ثم بعد أن شُرع، هل كان فرض عين، أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعيّ. وقال الماورديّ: كان عينًا على المهاجرين، دون غيرهم، ويؤيّده وجوب الهجرة قبل الفتح في حقّ كلّ من أسلم إلى المدينة؛ لنصر الإسلام. وقال السهيليّ:

ص: 82

كان عينًا على الأنصار، دون غيرهم، ويؤيّده مبايعتهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة على أن يؤووا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وينصروه. فيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين، كفاية في حقّ غيرهم، ومع ذلك فليس في حقّ الطائفتين على التعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حقّ المهاجرين إذا أُريد قتال أحد من الكفّار ابتداءً، ويؤيّد هذا ما وقع في قصّة بدر، فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك. وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم، دون غيرها.

والتحقيق أنه كان عينًا على من عيّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم في حقّه، ولو لم يخرُج.

(الحالة الثانية): بعده صلى الله عليه وسلم، فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يَدْهَم العدوُّ، ويتعيّن على من عيّنه الإمام، ويتأدّى فرض الكفاية بفعله في السنة مرّة عند الجمهور، ومن حجّتهم أن الجزية تجب بدلاً عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرّة، اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك. وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قويّ.

والذي يظهر أنه استمرّ على ما كان عليه في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ئم صار إلى ما تقدّم ذكره.

والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفّار متعيّنٌ على كلّ مسلم، إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه. واللَّه أعلم انتهى ما في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي قول من قال بفرضية الجهاد على الكفاية، إلا إذا تعيّن على كلّ مكلّف، بأن هجم العدوّ، أو أمر الإمامُ شخصًا بعينه، أو جماعة بعينها؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتّفق عليه

(2)

: "وإذا استُنفرتم فانفروا"، فإنه صريح أنه لا يجب إلا إذا طلب الإمام النفير، أي الخروج إلى القتال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3087 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(3)

أَبِي، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(4)

الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ، أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ، وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ:«إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ، فَلَا تُقَاتِلُوا» ، فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ، فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ

(1)

- "فتح" 6/ 120 - 121.

(2)

- وسيأتي للمصنّف برقم - 4169 و 4170.

(3)

- وفي نسخة: "ثنا"، وفي أخرى:"أخبرنا".

(4)

- وفي نسخة: "ثنا"، وفي أخرى:"أخبرنا".

ص: 83

{كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} الآية [النساء: 77].

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَلِي بنِ الْحَسَنِ بنِ شَقِيق) المروزيّ ثقة، صاحب حديث [11] 22/ 906. تفرّد به هو، والترمذيّ.

2 -

(أبوه) عليّ بن الحسن بن شقيق، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، من كبار [10] 22/ 906 من رجال الجماعة.

3 -

(الحسين بن واقد) أبو عبد اللَّه المروزيّ القاضي، ثقة، له أوهام [7] 5/ 463.

4 -

(عمرو بن دينار) الجُمَحي مولاهم الأثرم، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [4] 112/ 154.

5 -

(عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت عالم بالتفسير [3] 2/ 325.

6 -

(ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور فى السند الماضى. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيحن غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى حسين، وعمرو مكي، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ) - رضي اللَّه تعالى عنهم -، أي من السابقين إلى الإسلام من أهل مكة (أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ) أي قبل أن يهاجروا. وهذا أيضًا مما أخذه ابن عباس من عبد الرحمن بن عوف، أو غيره رضي الله عنهم، لأنه لم يحضر الواقعة (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ) أي قوّة، ومنعة، لا يتعرض لنا أحد بالأذيّة (وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من اسم "كان"(فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً) أي بسبب تعرض قومهم الذين كانوا يُعَزّون بهم، فانقلبوا بالإذلال لهم، لدخولهم في الإسلام، لا سبب لهم إلا ذاك، كما قال اللَّه تعالى:{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8]، وقال:{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} الآية [الحجّ: 40].

ص: 84

وغرض الصحابة بهذا الكلام التعريض في أن يسمح لهم بالقتال حتى يرتدع المشركون عن أذيّتهم (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنِّي أُمِرْتُ) بالبناء للمفعول (بالعَفْوِ) أي في قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} الآية (فَلَا تُقَاتِلُوا) لعدم الأمر من اللَّه بذلك (فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى المَدِينَةِ) بتشديد الواو من التحويل، أي أمرنا بأن نتحوّل بالهجرة، إلى المدينة، فهاجرنا (أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ) ببناء الفعل للفاعل، أي أمرنا اللَّه تعالى (فَكَفُّوا) أي منعوا أنفسهم من القتال، أو امتنعوا عنه؛ لأن "كفّ" يتعدّى، ويلزم، قال الفيّومي: كفّ عن الشيء كفًّا، من باب قتل: تركه، وكَفَفْته كفًّا: منعته، فَكَفَّ هو، يتعدّى، ولا يتعدّى انتهى (فَأَنزَلَ اللَّهُ عز وجل:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} ) أي عن قتال المشركين ({وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}) الآية. [سورة النساء: 77] فـ {أَلَمْ تَرَ} إلى آخر الآية مفعول "أنزل" محكيّ؛ لقصد لفظه.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: كان المؤمنون في ابتداء الإسلام، وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرّقون، ويودون لو أمروا بالقتال ليتشفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة منها قلّة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوّهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام، وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دارٌ، ومنعةٌ وأنصارٌ، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودّونه جَزع بعضهم منه، وخافوا من مواجهة الناس خوفًا شديدًا، {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} ، أي لولا أخرت فرضه إلى مدّة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، وُيتّم الأولاد، وتَأيُّم النساء انتهى

(1)

.

ثم إن الذين قالوا هذا الكلام فريق منهم، لا كلّهم، كما أشارت الآية إلى ذلك:{إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ} الآية.

قال القرطبيّ في "تفسيره": وقال مجاهد: هم يهود

(2)

. وقال الحسن: هي في المؤمنين؛ لقوله: {يَخْشَوْنَ النَّاسَ} أي مشركي مكة {كَخَشْيَةِ اللَّهِ} ، فهي على ما طُبع عليه البشر من المخافة، لا على المخالفة. قال السدّيّ: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال، فلما فُرض كرهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين؛ والمعنى يخشون القتل من

(1)

- "تفسير ابن كثير" 2/ 538.

(2)

- هذا أبعد الأقوال من سياق الآية، فليتنبّه.

ص: 85

المشركين، كما يخشون الموت من اللَّه {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} ، أي عندهم، وفي اعتقادهم.

قال القرطبيّ: وهذا أشبه بسياق الآية؛ لقوله: {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} الآية، ومعاذ اللَّه أن يصدر هذا القول من صحابيّ كريم يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر اللَّه، ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرًا من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم رضي الله عنهم، اللهمّ إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدّمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون، فمنهم الكامل، ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقّة، وتدركه فيه الشدّة. انتهى كلام القرطبيّ

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - 1/ 3087 - وفي "الكبرى" 1/ 4293 وفي "التفسير"11112. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوِ حسبنا، ونعم الوكيل.

3088 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: عَنْ سَعِيدٍ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح وَأَنْبَأَنَا

(2)

أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا

(3)

ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدِي» .

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: منا سبة هذا الحديث للترجمة غير واضحة، إذ ليس فيه ما يدلّ على وجوب الجهاد، فليتأمل، واللَّه تعالى أعلم.

ورجال الإسنادين: عشرة:

1 -

(محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [10] 5/ 5.

2 -

(أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصري، ثقة [10] 35/ 39.

(1)

- "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 281.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(3)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 86

3 -

(الحارث بن مسكين) أبو عمرو القاضي المصري، ثقة فقيه [10] 9/ 9.

4 -

(معتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي، أبو محمد البصري، ثقة، من كبار [9] 10/ 10.

5 -

(ابن وهب) عبد اللَّه المصري، ثقة حافظ عابد [9] 9/ 9.

6 -

(معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت فاضل، من كبار [7] 10/ 10.

7 -

(يونس) بن يزيد الأيلي، أبو يزيد ثقة، من كبار [7] 9/ 9.

8 -

(الزهريّ) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني الإمام الحجة الثبت [4] 1/ 1.

9 -

(سعيد) بن المسيّب بن حزن الفقيه الحجة الثبت، من كبار [3] 9/ 9.

10 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن السند الأول إلى الزهريّ مسلسل بالبصريين، والثاني إليه أيضًا بالمصريين، ومنه بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: الزهري، عن سعيد. (ومنها): أن سعيدًا من الفقهاء السبعة. وأن أبا هريرة رضي الله عنه من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: قوله في السند الأول: "قال: قلت: عن سعيد؟ الخ" أي قال معمر: قلت للزهريّ، هل هذا الحديث عن سعيد بن المسيّب؟ فقال الزهريّ: نعم هو عن سعيد، حمال كونه راويًا له عن أبي هريرة رضي الله عنه. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِم) أي الكلم الجامعة، من إضافة الصفة إلى الموصوف، والجوامع جمع جامعة، قيل: يعني القرآن، جمع اللَّه تعالى في ألفاظ يسيرة منه معاني كثيرة، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معاني كثيرة.

وفي "صحيح البخاري": قال أبو عبد اللَّه: "وبلغني أن جوامع الكلم أن اللَّه يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين، أو نحو ذلك" انتهى. وهذا التفسير منقول عن الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى-، كما بينه في "الفتح"

(1)

،

قال: وحاصله أنه صلى الله عليه وسلم كان يتكلّم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني، وجزم غير

(1)

- "فتح" 14/ 433. في "كتاب التعيير".

ص: 87

الزهريّ بأن المراد "بجوامع الكلم" القرآن بقرينة قوله: "بُعِثْتُ"، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ، واتساع المعاني انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأصحّ أن جوامع الكلم لا يختصّ بالقرآن، بل هو موجود في كلامه صلى الله عليه وسلم، فَمِمَّا ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، وقوله:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]، إلى غير ذلك.

ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "كلّ عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، وحديث:"كلّ شرط ليس في كتاب اللَّه، فهو باطل". متّفق عليهما. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: "وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم". متّفق عليه. وحديث المقدام رضي الله عنه: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه

" الحديث. أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم، إلى غير ذلك مما يكثر بالتتبّع.

وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تتصرّف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تقلّ مخارج الحديث، وتتّفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قلّ أن تتّفق ألفاظه لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى بحسب ما يظهر لأحدهم أنه واف به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلّق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدّث بالمعنى لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما

(2)

هو أحفظ منه أنه لم يوفّ بالمعنى. قاله في "الفتح"

(3)

.

(وَنُصِرْتُ) بالبناء للمفعول (بِالرُّعْبِ) -بضم الراء، وسكون العين المهملة- أي الخوف.

وفي حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، المتّفق عليه، المتقدّم للمصنّف في "كتاب التيمم" رقم 26/ 432 - :"نُصرت بالرعب مسيرة شهر". وزاد في رواية أحمد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه: "يُقذف في قلوب أعدائي". والمعنى أن اللَّه تعالى ألقى الخوف الشديد منه صلى الله عليه وسلم في قلوب أعدائه بلا أسباب ظاهرة، وآلات عاديّة له، بل بضدّها، فإنه صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يربط الحجر ببطنه من الجوع، ولا يوقد النار في بيوته، ومع هذا الحال كان الكفرة مع ما عندهم من المتاع، والآلات، والأسباب في

(1)

- "فتح" 15/ 172 في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة".

(2)

هكذا نسخة "الفتح"، ولعل الأولى بلفظ "من" وليحرّر.

(3)

- "فتح" 15/ 173.

ص: 88

خوف شديد من بأسه صلى الله عليه وسلم، فلا يشكل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر وأكثر، فكانت بلقيس تخاف من سليمان رضي الله عنه مسيرة شهر، وهذا ظاهر، وقد بقي آثار هذه الخاصّة في خلفاء أمته ما داموا على حاله صلى الله عليه وسلم. قاله السنديّ

(1)

.

وقال في "الفتح": قوله: "مسيرة شهر" مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدّة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب:"ونُصرتُ على العدوّ بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر"، فالظاهر اختصاصه به مطلقًا، وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين بلده، وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال انتهى

(2)

. وقد تقدّم شرح حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - مستوفًى في "كتاب التميمم"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

(وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ) من الإتيان، وفي بعض نسخ البخاريّ:"أوتيت" بالواو بعد الباء، من الإيتاء، وهو الإعطاء، فتكون الباء على هذا زائدة في قوله (بمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ) المراد منها ما يُفتح لأمته من بعده من الفتوح. وقيل: المعادن. وقال الخطابيّ: المراد بخزائن الأرض ما فُتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى، وقيصر، وغيرهما. ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضّة. وقال غيره: بل يُحمل على أعمّ من ذلك انتهى

(3)

. (فَوُضِعَتْ فِي يَدِي) وفي رواية: "في كفّي". قال القرطبيّ: هذه الرؤيا أوحى اللَّه فيها لنبيّه صلى الله عليه وسلم أن أمته ستملك الأرض، ويتّسع سلطانها، ويظهر دينها، ثم إنه وقع ذلك كذلك، فملكت أمته من الأرض ما لم تملكه أمة من الأمم فيما علمناه، فكان هذا الحديث من أدلة نبوته صلى الله عليه وسلم، ووجه مناسبة هذه الرؤيا أن من ملك مفتاح المغلق، فقد تمكّن من فتحه، ومن الاستيلاء على ما فيه انتهى

(4)

.

(قَالَ أَبو هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وهو موصول بالسند المذكور أوّلاً (فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم) أي مات (وَأَنْتُم تَنْتَثِلُونَهَا) بمثناة، ثم نون ساكنة، ثم مثناة، بوزن تفتعلونها، أي تستخرجونها، وتنتفعون بها. وقال في "الفتح": ولبعضهم بحذف المثناة الثانية، من النَّثل -بفتح النون، وسكون المثلّثة-وهو الاستخراج، يقال: نَثَلَ كنانته - أي من باب ضرب-: استخرج ما فيها من السهام، وجِرابَه: نَفَضَ ما فيه، والبئرَ: أخرج

(1)

- "شرح السنديّ"1/ 210/211.

(2)

- "فتح" 1/ 581 في "كتاب التيمم".

(3)

- "فتح" 14/ 461. في "كتاب التعبير".

(4)

- راجع "زهر الربى" 6/ 3 - 4.

ص: 89

ترابها، فمعنى تنتثلونها: تستخرجون ما فيها، وتتمتّعون به. قال ابن التين، عن الداوديّ: هذا هو المحفوظ في هذا الحديث. وقال النوويّ: يعني ما فُتح على المسلمين من الدنيا، وهو يشمل الغنائم، والكنوز، وعلى الأول اقتصر الأكثر. ووقع عند بعض رُواة مسلم بالميم بدل النون الأولى، وهو تحريف انتهى.

وفي رواية للبخاري في "كتاب الاعتصام" من "صحيحه": ما نصّة: "قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنتم تَلْغَثُونها، أو تَزغَثُونها، أو كلمة تشبهها". قال في "الفتح": فالأولى بلام ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة، ثم مثلّثة، والثانية مثلها، لكن بدل اللام راء، وهي من الرَّغْث، كناية عن سعة العيش، وأصله من رَغَثَ الجدي أمه: إذا ارتضع منها، وأرغثته هي: أرضعته، ومن ثم قيل: رُغُوث. وأما باللام، فقيل: إنه لغة فيها. وقيل: تصحيف. وقيل: مأخوذة من اللَّغِيث بوزن عَظِيم، وهو الطعام المخلوط بالشعير. ذكره صاحب "المحكم" عن ثعلب. والمراد يأكلونها كيما اتفق، وفيه بُعد. وقال ابن بطّال: وأما اللغث باللام، فلم أجده فيما تصفّحتُ من اللغة انتهى.

قال الحافظ: ووجدت في حاشية من كتابه هما لغتان صحيحان فصحيتان، معناهما الأكل بالنهم، وأفاد الشيخ مغلطاي عن كتاب "المنتهى" لأبي المعالي اللغويّ لغث طعامه، ولعث -بالغين، والعين، أي المعجمة، والمهملة-: إذا فرّقه، قال: الَّلِغيثُ ما يبقى في الكيل من الحبّ، فعلى هذا فالمعنى، وأنتم تأخذون المال، فتفرّقونه بعد أن تحوزوه، واستعار للمال ما للطعام؛ لأن الطعام أهمّ ما يُقْتَنَى لأجله المالُ، وزعم أن في بعض نسخ الصحيح، وأنتم تلعقونها -بمهملة، ثم قاف-. قال الحافظ: وهو تصحيف، ولو كان له بعض اتجاه انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 1/ 3088 و 3089 - وفي "الكبرى" 1/ 4294 و 4295 و 4296 و 4297. وأخرجه (خ) في "الجهاد" 2977 و "التعبير" 6998 و 7013 و "الاعتصام" 7273 (م) في "المساجد" 523 (ت) في "السير" 1553 (أحمد) في

(1)

- "فتح" 15/ 172.

ص: 90

"مسند المكثرين" 7531 و 7576 و 8896 و 9557 و 10139 واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما خصّ اللَّه عز وجل نبيّه صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، حيث كان يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معان كثيرة. (ومنها): ما خصّه عز وجل أيضًا من النصر على أعدائه بإلقاء الرعب في قلوبهم من مسافة بعيدة، فينهزمون بمجرّد سماعهم بقصده بغزوهم. (ومنها): ما أنعم اللَّه تعالى به عليه، من اتساع دينه، وانتشار أمته على مشارق الأرض ومغاربها. (ومنها): أنه صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا، ولم يتناول من زخارفها شيئًا، إلا قدر الحاجة، مع أن اللَّه تعالى جعل في يده مفاتيح خزائن الأرض، بل كان ذلك لأمته بعده صلى الله عليه وسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3089 -

(أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ نِزَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَهُ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(هارون بن سعيد) الأيليّ، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل [10] 25/ 2488.

2 -

(خالد بن نزار) بن المغيرة بن سُليم الغسّانيّ مولاهم الأَيْليّ، صدوق يُخطىء [9].

ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغرب، ويُخطىء. وقال مسلمة بن قاسم: وثّقه ابن وضّاح. وقال ابن الجارود في كتاب "الآحاد": وخالد بن نزار أثبت من حَرَميّ بن عُمارة. وقال ابن سعد: مات سنة (222). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، حديث الباب، وحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -:"لا تُقطع اليد إلا في ثمن المِجَنّ، ثلث دينار" رقم 4916.

3 -

(القاسم بن مبرور) الأيليّ، صدوق فقيه، من كبار [7].

قال خالد بن نزار: قال مالك: ما فعل القاسم؟، فقلت: مات، قال: كنتُ أحسبه يكون خَلَفًا من الأوزاعيّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن يونس: توفي بمكة سنة ع (8) أو (109) وصلّى عليه الثوريّ. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة خالد بن نزار، فقط.

4 -

(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني الفقيه الثقة الثبت [3] 1/ 1.

والباقون تقدموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

ص: 91

3089 -

(أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدِي»).

فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(كثير بن عُبيد) أبو الحسن المَذحِجيّ الحمصيّ الحذّاء المقرىء، ثقة [10] 5/ 486.

2 -

(محمد بن حرب) الخولانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [9] 122/ 172.

3 -

(الزُّبيديّ) -بضم الزي، مصغرًا - محمد بن الوليد، أبو الْهُذَيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهريّ [7] 45/ 56.

والحديث متّفق عليه، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3091 -

(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي

(1)

يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(يونس بن عبد الأعلى) الصَّدَفِيُّ، أبو موسى المصري، ثقة، من صغار [10] 1/ 499.

والباقون تقدموا قريبًا، وكلهم رجال الصحيح.

والحديث متّفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في "كتاب الزكاة" - 3/ 2443 - ودلالته على الترجمة هنا واضحة، حيث إنه دلّ على وجوب جهاد الكفّار حتى يدخلوا في الإسلام، وذلك بكلمة التوحيد، والتزام أحكام الشرع، فيكون المراد بقوله:"حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه" كناية عن إظهار الإسلام، وقبوله، فيدخل فيه الشهادتان، والاعتراف بكلّ ما عُلم مجيئه صلى الله عليه وسلم به. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 92

ثم إن قوله: "حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه" إما أن يُحمل على أنه كان قبل شرع الجزية، أو على أن الكلام في العرب، وهم لا يُقبل منهم الجزية، وإلا فالقتال في أهل الكتاب يرتفع بالجزية أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3092 -

(أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» ، قَالَ: أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا، كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ، إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ عز وجل، قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عبيد اللَّه بن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني الفقيه الثقة الثبت [3] 45/ 56.

والباقون تقدموا قبل حديث. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله.

وقوله: "لما تُوفّي" بتشديد الفاء مبنيًّا للمفعول، وكذا قوله:"استُخلف".

وقوله: "وكفر" أي عامل معاملة من كفر، بسبب منعه الزكاة، أو لأنهم ارتدّوا بإنكار وجوب الزكاة عليهم. وقيل: إنهم حملوا قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} الآية [التوبة: 103] على الخصوص، بقرينة:{إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} ، فرأوا أن ليس لغيره أخذ الزكاة، فلا زكاة بعده.

وقوله: "كيف تقاتل الناس" أي من امتنع من الزكاة من المسلمين.

وقوله: "من فرق" بتشديد الراء، وتخفيفها، أي من قال بوجوب الصلاة، دون الزكاة، أو يفعل الصلاة، ويترك الزكاة.

وقوله: "فإن الزكاة حقّ المال" أشار به إلى دخولها في قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا بحقّه"، ولذلك رجع عمر إلى أبي بكر رضي الله عنه، وعلم أن فعله موافق للحديث، وأنه قد وُفّق به من اللَّه تعالى.

وقوله: "عناقًا" -بفتح العين المهملة، والنون، كسَحَابٍ-: هي الأنثى من ولد

ص: 93

المعز. وهي ليست من سنّ الزكاة، فإما هو على المبالغة، أو مبنيّ على أن من عنده أربعون سَخْلَةً يجب عليه واحدة منها، وأن حول الأمهات حول النتاج، ولا يُستأنف لها حول.

وتقدّم في "كتاب الزكاة" -3/ 2443 - بلفظ: "عِقَالاً" -بكسر العين المهملة- قال في "النهاية": أراد به الحبل الذي يُعقل به البعير الذي يؤخذ في الصدقة؛ لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع القبض بالرباط. وقيل: أراد ما يساوي عقالاً من حقوق الصدقة. وقيل: إذا أخذ المصدّق أعيان الإبل قيل: أخذ عقالاً، وإذا أخذ أثمانها قيل: أخذ نقدًا. وقيل: أراد بالعقال صدقة العام، يقال: أخذ المصدّق عقال هذا العام: إذا أَخذ منهم صدقته، وبعث فلان على عقال بني فلان: إذا بُعث على صدقاتهم، واختاره أبو عُبيد، وقال: هو أشبه عندي بالمعنى. وقال الخطابيّ: إنما يُضرب المثل في مثل هذا بالأقلّ، لا بالأكثر، وليس بسائر في لسانهم أن العقال صدقة عام. وقد تقدّم تمام البحث فيه في "كتاب الزكاة".

وقوله: "ما هو إلا أن رأيت اللَّه الخ" أي ليس سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر إلا رؤيتي شرح اللَّه تعالى صدرَ أبي بكر بما ألهمه من وجه الصواب، فقال: فإن الزكاة حقّ المال الخ، فرجعت إليه؛ لوضوح الحقّ لي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3093 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُغِيرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ح وَأَنْبَأَنَا

(1)

كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا

(2)

، كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ، إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل، شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. -وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ-).

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- وفي نسخة: "عِقالاً".

ص: 94

رجال هذا الإسناد: ستة كلهم تقدّموا قريبًا غير:

1 -

(أحمد بن محمد بن مغيرة) الأزديّ الحمصيّ، صدوق [11] 69/ 85 من أفراد المصنّف.

و2 - (عثمان بن سعيد) أبي عمرو الحمصيّ، ثقة عابدٌ [9] 69/ 85 من أفراد المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه.

و3 - (شعيب) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [7] 69/ 85.

و4 - (بقية) بن الوليد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 55.

وكلهم من رجال الصحيح، غير شيخه أحمد بن محمد، فتفرد به، وعثمان بن سعيد، فأخرج له هو، وأبو داود، وابن ماجه، ومثله "كثير بن عُبيد" الحمصيّ المقرىء الثقة، و"بقيّة" علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم متابعة، وهو وإن كان كثير التدليس، والتسوية، إلا أنه هنا ذكر متابعة لعثمان بن سعيد.

[تنبيه]: قوله: "واللفظ لأحمد" يعني أن سياق لفظ الحديث المذكور لشيخه أحمد ابن محمد بن مغيرة، وأما شيخه كثير بن عُبيد فرواه بالمعنى.

والحديث متّفق عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3094 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ -وَذَكَرَ آخَرَ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا» ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا

(1)

، كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فَوَاللَّهِ، مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاويّ الثقة الحافظ [11] 38/ 42.

2 -

(مؤمَّل بن الفضل) بن مجاهد، ويقال: ابن عُمير الحرّانيّ، أبو سعيد الجزريّ،

(1)

- وفي نسخة: "عِقالاً".

ص: 95

صدوق [10].

قال أبو حاتم: ثقة رضًا. وقال الآجريّ، عن أبي داود: أمرني النُّفيليّ أن أكتب عنه، وسألني أحمد بن حنبل عنه، وقال: زعموا أنه لا باس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات سنة (229) وقيل: سنة (230). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف حديث الباب، أخرجه هنا، وفي "كتاب تحريم الدم" برقم - 1/ 3976.

3 -

(الوليد) بن مسلم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقة يدلس تدليس التسوية [8] 5/ 454.

4 -

(سفيان بن عيينة) الإمام الحجة الثبت [8] 1/ 1. والباقون تقدّموا قريبًا.

[تنبيه]: قوله: "وذكر آخر" هو من قول مؤمّل بن الفضل، يعني أن الوليد ذكر رجلاً آخر في السند مع شعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عُيينة شاركهما في رواية هذا الحديث عن الزهريّ، ولم أعرف الرجل المبهم.

وقوله: " جمع أبو بكر" من الجمع ثلاثيًّا: أي جمع الجيش. وفي نسخة: "أجمع" من الإجماع رباعيًّا، أي عزم.

والحديث متّفق عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3095 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، أَبُو الْعَوَّامِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ الْعَرَبَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» . وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا، مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَأْىَ أَبِي بَكْرٍ، قَدْ شُرِحَ، عَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ، وَالَّذِي قَبْلَهُ الصَّوَابُ، حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن بشار) بندار أبو بكر البصري، ثقة [10] 4/ 27.

2 -

(عمرو بن عاصم) الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوق في حفظه شيء، من صغار [9] 17/ 1552.

3 -

(عمران، أبو العَوَّام القطّان) هو: ابن داوَر -بفتح الواو، آخره راء- البصريّ، صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج [7] 9/ 466.

ص: 96

4 -

(أنس بن مالك) الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6. والباقون تقدّموا قريبًا.

وقوله: "فلما رأيت رأي أبي بكر الخ" هو بمعنى قوله السابق: "قد شرح صدر أبي بكر الخ، فأطلق الرأي على الصدر؛ لأن الرأي يصدر من القلب الذي محلّه الصدر. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "قال أبو عبد الرحمن الخ" أشار المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام إلى أن حديث الزهريّ هذا من هذا الطريق خطأ، وإنما الصواب حديثه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ثم نسب الخطأ إلى عمران القطّان، لأنه ليس بالقويّ في الحديث.

والحاصل أن هذا الإسناد خطأ، وأما الحديث فصحيح، متّفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، من الطرق التي ساقها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب، ومن غيرها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3096 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح وَأَخْبَرَنِي

(1)

عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عُثمان بن سعيد بن كثير) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [10] 21/ 535.

2 -

(أبوه) عثمان بن سعيد بن كثير، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [9] 69/ 85، وهو عثمان المذكور في السند الأول. والباقون تقدوا قريبًا، و"شُعيب": هو ابن أبي حمزة.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي برقم 3091 - من هذا الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3097 -

(أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 97

يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ

(2)

، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَيْدِيكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ» ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة [10] 50/ 62.

2 -

(محمد بن إسماعيل) بن إبراهيم المعروف أبوه بـ "ابن عليّة" الدمشقيّ قاضيها، ثقة [11] 22/ 489.

3 -

(يزيد) بن هارون، أبو خالد الواسطيّ، ثقن متقنٌ عابد [9] 153/ 244.

4 -

(حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [8] 181/ 288.

5 -

(حُميد) بن أبي حميد المعروف بـ"الطويل"، أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس [5] 87/ 108.

6 -

(أنس مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هدا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخيه، فالأول بغدادي، والثاني دمشقي، ويزيد، فواسطي. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله عنه من المكثرين السبعة، روى (2286) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (2)(93)، وهو من المعمّرين، فقد جاوز عمرة مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَنْسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: " جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ) أي قاتلوهم، وهو بظاهره يشمل الحرم، والأشهر الحرم، والبدء بالقتال. قال ابن الهمام: وقتال الكفّار الذين لم يُسلموا، وهم من مشركي العرب، أو لم يسلموا، ولم يُعطوا الجزية من غيرهم واجبٌ، وإن لم يبدءونا؛ لأن الأدلة الموجبة له لم تقيّد الوجوب ببدئهم؛ خلافًا لما نُقل عن الثوريّ، والزمان الخاصّ، كالأشهر الحرم، وغيرها سواءٌ؛ خلافًا لعطاء، ولقد استبعد ما عن الثوريّ، وتمسكه بقوله تعالى:{فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} الآية [البقرة: 191]، فإنه لا يخفى عليه نسخه، وصريح قوله صلى الله عليه وسلم في "الصحيحين":"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه" الحديث، يوجب ابتداءهم بأدنى

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- وفي نسخة: "عن حميد".

ص: 98

تأمّل، وحاصر صلى الله عليه وسلم الطائف لعشر بقين من ذي الحجة إلى آخر المحرّم، أو إلى شهر. وقد استدلّ على نسخ الحرمة في الأشهر الحرم بقوله تعالى:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} الآية [التوبة: 5]، وهو بناء على التجوّز بلفظ:"حيث" في الزمان، ولا شكّ أنه كثير في الاستعمال. ذكره القاري

(1)

(بِأمْوَالِكُمْ) أي بتجهيز الغزاة (وَأَيْدِيكُمْ) أي بمباشرة القتل (وَأَلْسِنَتِكُم) أي بالدفاع عن الإسلام بذكر الحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، ودحض حجج الكفار، وبالدعوة إليه بالحكمة، والموعظة الحسنة، وبالمجادلة بالحسنى، وحضّ الناس على الجهاد، وترغيبهم فيه، وبيان فضائله لهم.

وقال المنذريّ

(2)

: يحتمل أن يريد بقوله: "وألسنتكم" الهجاء، ويؤيّده قوله صلى الله عليه وسلم لعمر ابن الخطّاب رضي الله عنه، لما أنكر على عبد اللَّه بن رواحة إنشاده بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء شعره في قريش، فقال صلى الله عليه وسلم:"خَلِّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نّضحِ النَّبْل"

(3)

.

وقال المظهر: معنى قوله: "بألسنتكم"، أي جاهدوهم بها، بأن تذمّوهم، وتعيبوهم، وتسبّوا أصنامهم، ودينهم الباطل، وبأن تخوفوهم بالقتل، والأخذ، وما أشبه ذلك.

[فإن قلت]: هذا يخالف قول تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الآية [الأنعام:108].

[قلت]: كان المسلمون يسبّون آلهتهم، فنهوا؛ لئلا يكون سبّهم سببًا لسبّ اللَّه تعالى، والنهي منصبّ على الفعل المعلّل، فإذا لم يؤدّ السب إلى سبّ اللَّه تعالى جاز انتهى.

وتعقّبه القاري، فقال: إنه سبب غالبيّ، وعدم كونه تسبّبًا أمر موهوم، فيتعيّن النهي، لا سيّما ومبنى الأحكام الشرعية على الأمور الأغلبية، مع أن حالة الاستواء، بل وقت الاحتمال يرجّح النهي.

نعم يمكن أن يكون النهي واردًا على أن يكون الابتداء من المؤمنين؛ لأنه ربما يكون سبّبًا لسبّهم، أما إذا كان الابتداء منهم فليس كذلك؛ لأن هذا الخوف في الذين غلب الجهل والسفه عليهم من الكفّار، أما أكثرهم، فيعظّمون اللَّه تعالى، ويقولون: {هَؤُلَاءِ

(1)

- "المرقاة" 7/ 385.

(2)

- راجع "مختصر أبي داود" 3/ 366 - 367.

(3)

- حديث صحيح، تقدم للمصنف برقم 161/ 2893.

ص: 99

شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} الآية: [يونس:18]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} الآية [الزمر: 38]. انتهى كلام القاري

(1)

.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأولى حمل قوله صلى الله عليه وسلم: "بألسنتكم" على الدعوة إلى الدين بإظهار محاسنه، وإقناع خصومه، والدفاع عنه بإظهار حججه، ودحض الشبه الواردة عليه من أعدائه، وأما سبّ الآلهة، فيكون عند الحاجة، كأن يسبّوا الله تعالى، أو النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، فيكون من باب المكافأة؛ حذرًا من الدخول في النهي الوارد في الآية السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 1/ 3097 و 48/ 3193 - و"الكبرى" 44/ 4399. وأخرجه (د) في "الجهاد" 2504 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 11837 و 12145 و 13226 و"الدراميّ" في "الجهاد" 2431. والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب الجهاد. (ومنها): أن الجهاد يكون بالمال، وذلك بأن ينفقه في إعداد العُدّة، وتجهيز الجيوش، وباليد، وذلك بأن يقتل الكفّار بنفسه، وبالألسنة، وذلك بالدفاع عن الإسلام، وردّ أباطيل الكفار، وتفنيد آرائهم الفاسدة.

(ومنها): أن ظاهر أحاديث الباب تدلّ على وجوب قتال الكفّار من غير تقدّم دعوتهم، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاث مذاهب، حكاها المازريّ، والقاضي عياض:

(أحدها): وجوب الإنذار مطلقًا، قاله مالك بن أنس، وغيره، وهو ضعيف.

(الثاني): لا يجب مطلقًا، وهذا أضعف من الأول، بل باطلٌ.

(الثالث): يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحبّ، وهذا هو الصحيح، وبه قال نافع مولى ابن عمر، والحسن البصريّ، والثوريّ، والليث،

(1)

- "المرقاة" 7/ 385 - 386.

ص: 100

والشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر، والجمهور. قال ابن المنذر: وهو قول كثر أهل العلم، وقد تظاهرت الأحايث الصحيحة على معناه، فمنها حديث إغارة النبيّ صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق، وهم غارّون، وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، وسبى سبيهم. متفق عليه. (ومنها): حديث قتل كعب بن الأشرف. (ومنها): حديث قتل ابن أبي الحُقَيق، وكلاهما في "الصحيحين". أفاده النوويّ في "شرح مسلم"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الثالث هو الصحيح، كما صححه النوويّ، وغيره، لأن به تجتمع الأدلة.

وحاصله أن الكفار إن بلغتهم الدعوة، فيجوز الإغارة عليهم بلا إنذار، كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق،، وإلا فلا؛ لحديث بُريدة بن الحُصَيب رضي الله عنه الآتي قريبًا: "وإذا لقيت عدوّك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا فاقبل منهم، وكفّ عنهم

" الحديث. فقد أمر صلى الله عليه وسلم بالدعوة، فيحمل على من لم تبلغهم الدعوة، حتى تجمتع الأدلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): ظاهر أحاديث الباب تدلّ على وجوب مقاتلة الكفّار، وإن دفعوا الجزية، لكن أخرج الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إذا أَمَّرَ أميرا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم اللَّه، في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيتَ عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم اللَّه الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة، والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا، فاستعن باللَّه، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة اللَّه، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة اللَّه، ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك، وذمة أصحابك، فإنكم أن تُخفِروا ذممكم، وذمم

(1)

- "شرح مسلم" 12/ 264.

ص: 101

أصحابكم أهون من أن تخُفِرُوا ذمةَ اللَّه، وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم اللَّه، فلا تنزلهم على حكم اللَّه، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم اللَّه، فيهم أم لا؟ ".

فهذا الحديث صريح في كونهم لا يقاتلون إذا بذلوا الجزية، وقد اختلف أهل العلم في جواز أخذ الجزية من الكفّار: فذهب مالك، والأوزاعيّ، وموافقوهما إلى جواز أخذها من كلّ كافر، عربيًا كان، أو عجميًا، كتابياً كان، أو مجوسيًّا، أو غيرهما. وذهب أبو حنيفة إلى أنها تؤخذ من جميع الكفّار إلا مشركي العرب، ومجوسهم. وذهب الشافعيّ إلى أنها لا تقبل إلا من أهل الكتاب، والمجوس، عربًا كانوا، أو عجمًا، واحتجّ الشافعيّ بمفهوم آية الجزية، وبحديث:"سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب"، وتأول حديث بُريدة على أن المراد بأخذ الجزية من أهل الكتاب.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه مالك، من إطلاق جواز أخذ الجزية من جميع الكفّار، هو الأرجح؛ لإطلاق حديث بريدة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وهو منطوق، فيقدّم على مفهوم الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌2 - (التَّشْدِيدُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ)

3110 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

وُهَيْبٌ -يَعْنِي ابْنَ الْوَرْدِ- قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ» ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(عبدة بن عبدالرحيم) أبو سعيد المروزيّ، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [10] 45/ 597 من أفراد المصنّف.

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- وفي نسخة: "ثنا".

ص: 102

2 -

(سلمة بن سليمان) المروزيّ، أبو سليمان، ويقال: أبو أيّوب المؤدّب، ثقة حافظ، كان يورّق لابن المبارك، من كبار [10].

قال أبو حاتم: من جلّة أصحاب ابن المبارك، وثقاتهم. وقال النسائيّ: ثقة. وقال أحمد بن منصور المروزيّ: حدثنا بنحو من عشرة آلاف حديث من حفظه، وقال: هل يمكن أحدًا منكم أن يقول: غلطت في شيء؟. وذكره ابن حبّان في "الثقات".

مات سنة (196)، وقيل:(203)، وقيل:(204). أخرج له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

3 -

(ابن المبارك) عبد اللَّه الإمام الحجة المشهور [8] 32/ 36.

4 -

(وهيب بن الْوَرْد) -بفتح الواو، وسكون الراء- بن أبي الورد القرشيّ مولاهم المكيّ، أبو عثمان، أو أبو أميّة، يقال: اسمه عبد الوهاب، ووُهيب لَقَبه، ثقة عابد، من كبار [7].

قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال النسائيّ أيضًا: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: كان من العبّاد، وله أحاديث، ومواعظ، وزهد. وقال إدريس بن محمد الرُّوذيّ: ما رأيت رجلاً أعبد منه. وقال قُتيبة، عن محمد بن يزيد بن خُنيس: كان الثوريّ إذا فرغ من الحديث قال: قوموا إلى الطبيب -يعني وُهيب بن الورد-. قال ابن المبارك: كان وُهيب يتكلّم، والدموع تقطر من عينيه. وقيل له: يجد طعم العبادة من يَعصي اللَّه تعالى؟ قال: لا، ولا من همّ بمعصية. وقال عبد اللَّه بن خُبيق، عن بشر بن الحارث: أربعة رفعهم اللَّه بطيب المطعم: وُهيب بن الورد، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسَلْم الْخَوَّاص. وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان: مكيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: وكان من العتاد المتجرّدين لترك الدنيا، مات سنة (153). روى له مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

5 -

(عُمَر بن محمد بن المنكدر) التيميّ المدنيّ، ثقة [7].

قال النسائيّ: ثقة

(1)

. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: إنه كان من العبّاد، وأنه مات من قرآن قُرىء عليه. وقال الأزديّ: في القلب منه شيء. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى "عَمْرو بن محمد بن المنكدر" بفتح

(1)

- نقل محقق "تهذيب الكمال" 21 في ترجمة عمر بن محمد بن المنكدر هذا القول عن النسائيّ، وعزاه إلى "السنن الكبرى" برقم 337. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 103

العين، بدل "عُمر" بضمها، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

6 -

(سُميّ) مولى أبي بكر بن الحارث المدنيّ الثقة [6] 22/ 540.

7 -

(أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت [3] 36/ 40.

8 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ) أي لم يخرج للجهاد في سبيل اللَّه تعالى (وَلَمْ يُحَدِّث نَفْسَهُ بِغَزْوٍ) من التحديث، قيل: بأن يقول في نفسه: يا ليتني كنت غازيًا، أو المراد: ولم ينو الجهاد، وعلامته إعداد الآلات، كما قال اللَّه تعالى:{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} الآية [التوبة: 46](مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ) -بضمّ الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: أي خلق من أخلاق المنافقين. قيل: أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد.

وذكر مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بعد إخرج الحديث: ما نصّه: قال ابن سهم

(1)

: قال عبد اللَّه بن المبارك: فنُرَى أن ذلك كان على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم انتهى

(2)

.

قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- مفسّرًا كلام ابن المبارك هذا: ما نصّه: يعني حيث كان الجهاد واجبًا، وحمله على النفاق الحقيقيّ. ويحتمل أن يحمل على جميع الأزمان، ويكون معناه: أن كلّ من كان كذلك أشبه المنافقين، وإن لم يكن كافرًا. واللَّه تعالى أعلم

(3)

.

وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "نُرى" -بضمّ النون- أي نظن. وهذا الذي قاله ابن المبارك محتملٌ. وقد قال غيره: إنه عامٌ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الحديث على العموم هو الأولى؛ إذ لا دليل

(1)

- هو شيخ مسلم محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطائيّ راوي الحديث عن ابن المبارك.

(2)

- "صحيح مسلم" رقم 4908.

(3)

- "المفهم" 4/ 750.

ص: 104

على تخصيصه. واللَّه تعالى أعلم.

قال: والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شُعَب النفاق. انتهى كلام النوويّ

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا 2/ 3098 - وفي "الكبرى" 2/ 4305. وأخرجه (م) في "الإمارة" 1910 (د) في "الجهاد" 2502. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تشديد الوعيد في ترك الجهاد في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فعلها، لا يتوجّه عليه الذّم الذي يتوجّه على من مات، ولم ينوها.

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكّن من الصلاة في أوّل وقتها، فأخّرها بنية أن يفعلها في أثنائه، فمات قبل فعلها، أو أخّر الحجّ بعد التمكّن إلى سنة أخرى، فمات قبل فعله، هل يأثم أم لا؟. والأصح عندهم أنه يأثم في الحجّ، دون الصلاة؛ لأن الصلاة قريبة، فلا تنسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحجّ. وقيل: يأثم فيهما. وقيل: لا يأثم فيهما. وقيل: يأثم في الحجّ الشيخ دون الشابّ. واللَّه أعلم. انتهى

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عدم الإثم فيهما هو الظاهر؛ لأنه موسع عليه في ذلك شرعًا؛ إذ الراجح أن الحجَّ على التراخي، وكذلك وقت الصلاة موسع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "شرح مسلم" 13/ 58.

(2)

- "شرح مسلم" 13/ 58.

ص: 105

‌3 - (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ السَّرِيَّةِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السّرّيّة": القطعة من الجيش، فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة؛ لأنها تَسري في خُفية، والجمع سَرَايا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة وعَطَايَا، وعَطِيّات. قاله الفيّوميّ.

وفي "القاموس": والسّريّة: من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، أو أربعمائة انتهى.

وفي "الفتح": "السريّة" من مائة إلى خمسمائة، فما زاد فمَنْسِرٌ، كمجلِسٍ، فإن زاد على ثمانمائة، فجيش، فإن زاد على أربعة آلاف فجيش جَرّار.

وفي "النهاية": "السريّة": طائفة من الجيش، يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبعث إلى العدوّ، وجمعها السرايا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارَهم، من الشيء السَّرِيّ، وهو النفيس. وقيل: سُمّوا بذلك؛ لأنهم يَنفُذون سرًّا وخُفْية، وليس بالوجه؛ لأن لام السريّ راء، وهذه ياء انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3099 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ عُفَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ

(2)

، أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ»).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان) التجيبيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة [11] 42/ 2690.

2 -

(ابن عفير) هو سعيد بن كَثير بن عُفير -بالعين المهملة، والفاء، مصغّرًا- بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاريّ مولاهم، أبو عثمان المصريّ، نُسب لجدّه، صدوق عالم بالأنساب [10].

قال أبو حاتم: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس، وهو صدوق. وقال ابن

(1)

- "النهابة في غريب الحديث" 2/ 363.

(2)

- وفي نسخة: "نفوسهم".

ص: 106

عديّ: سعمت ابن حمّاد يقول: قال السعديّ: سعيد بن عُفير فيه غير لَوْن من البِدَع، وكان مُخَلِّطًا غير ثقة.

قال أبو أحمد بن عديّ: وهذا الذي قاله السعديّ لا معنى له، ولم أسمع أحدًا، ولا بلغني عن أحد في سعيد بن كثير بن عُفير كلام، وهو عند الناس صدوق ثقة، ولا أعرف سعيد بن عُفير غير المصريّ، ولم يُنسَب المصريّ إلى بِدَع، ولا إلى كذب. ورَوى له حديثين من رواية ابنه عُبيد اللَّه عنه، ثم قال: ولعل البلاء من عبيد اللَّه لأن سعيد بن عُفير مستقيم الحديث.

وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، لا بأس به. وقال النسائيّ: سعيد بن عُفير صالح، وابن أبي مريم أحبّ إليّ منه. وقال الحاكم: يقال: إن مصر لم تُخرِجْ أجمع للعلوم منه.

وقال ابن يونس: كان سعيد من أعلم الناس بالأنساب، والأخبار الماضية، وأيام العرب، ومآثرها، ووقائعها، والمناقب والمثالب، كان في ذلك كلّه شيئًا عجيبًا، وكان أديبًا فصيح اللسان، حسن البيان، لا تُملّ مجالسته، ولا يُنزَف علمه، وله أخبار مشهورة تركتها لشهرتها، وكان غير ظنين في جميع ذلك، ولد سنة (146)، وتوفّي سنة (226).

أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "القدر"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثُ الباب، وحديث رقم 33774 و 3388.

3 -

(الليث) بن سعد الإمام المصريّ الحجة المشهور [7] 31/ 35.

4 -

(ابن مسافر) هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ويقال: اسم جدّه ثابت بن مسافر، ويقال: غير ذلك، أبو خالد، ويقال: أبو الوليد الفَهْمِيّ، أمير مصر، صدوق [7].

روى عن الزهريّ. وروى عنه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب. قال ابن معين: كان على مصر، وكان عنده عن الزهريّ كتاب فيه مئتا حديث، أو ثلاثمائة، كان الليث يُحدّث بها عنه، وكان جدّه شَهِد فتح بيت المقدس مع عمر. وقال أبو حاتم: صالح.

وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجليّ: مصريّ ثقة. وقال الذهليّ: ثبتٌ. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال الساجيّ: هو عندهم من أهل الصدق، وله مناكير. وقرنه النسائيّ في طبقات أصحاب الزهريّ بابن أبي ذئب وغيره. وقال ابن يونس: كانت ولايته على مصر سنة (118) وعزل سنة (19) وكان ثبتًا في الحديث، يقال: توفّي سنة (127).

روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والمصنّف، وله

ص: 107

عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واستشهد به مسلم في حديث واحد: "أرأيتكم ليلتكم هذه

" الحديث. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى ابن مسافر، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - رَأس المكثرين من الرواية روى (5374) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثبت (وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ الفقيه الثبت الحجة (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اَلله تعالى عنه - (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ) بفتح حرف المضارعة، من الطيب، و"أنفسهم" بالرفع على الفاعلية، أي لا تنشرح، ولا تنبسط، يقال: طابت نفسه تَطيب: انبسطت، وانشرحت (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي) أي يتأخروا عن الخروج معي (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ) من الجِمَال، والدوابّ، أي وفي مشيهم مشقّةٌ بالغة عليهم (مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ) أي ما تأخّرت، بل خرجت، ومشيت مع كلّ سرية (تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَوَدِدْتُ) بفتح الواو، وكسر الدال الأولى، أي لأَحببتُ.

والنكتة في إيراد هذه الجملة عقب الجملة السابقة إرادة تسلية الخارجين في الجهاد على مرافقته لهم، وكأنه قال: الوجه الذي يسيرون له فيه من الفضل ما أتمنّى لأجله أني أُقتل مرّات، فمهما فاتكم من مرافقتي، والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله، أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع. وقد خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي، وتخلّف عنه المشار إليهم، وكان ذلك حيث رجحت مصلحة خروجه على مراعاة حالهم. أفاده في "الفتح"

(1)

.

(أَنِّي أُقْتَلُ) بالبناء للمفعول في الأفعال السبعة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: كيف ذلك مع أن الصحيح أن الكفار مخاطبون بالفروع، وقتل النبيّ كفر، فكيف يتمنّى وقوع الكفر في

(1)

- "فتح" 6/ 94.

ص: 108

الوجود؟. قال: والجواب أن قتله صلى الله عليه وسلم له اعتباران كونه كفرًا، واعتبار كونه سببًا لثواب الشهداء، وإنما تمنّاه من هذه انتهى

(1)

.

وقال في "الفتح": استشكل بعض الشّرّاح صدور هذا التمنّي من النبيّ صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لا يقتل. وأجاب ابن التين بأن ذلك لعلّه كان قبل نزول قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} الآية. وهو متعقّبٌ، فإن نزولها كان في أوائل ما قَدِم المدينةَ، وهذا الحديث صرّح أبو هريرة رضي الله عنه بأنه سمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما قَدِمَ أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة. والذي يظهر في الجواب أن تمنّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "وددت لو أن موسى صبر

"، ونظائر ذلك، وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد، وتحريض المسلمين عليه. قال ابن التين: وهذا أشبه. قال الحافظ: وحكى شيخنا ابن الملقّن أن بعض الناس زعم أن قوله: "لوددت" مدرج من كلام أبي هريرة. قال: وهو بعيد. انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-3/ 3099 و 30/ 3152 و 3153 - وفي "الكبرى" 3/ 4306 و 26/ 4359 و 4360. وأخرجه (خ) في "الإيمان" 36 و"الجهاد" 2797 و 2803 "التمنّي" 7226 و 7227 (م) "الإمارة" 1876 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 7298 و 27347 و 27548 و 9192 و 10165 (الموطأ) في "الجهاد" 999 و 1012. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الرخصة في التخلّف عن السريّة بسبب العذر. (ومنها): الحضّ على حسن النيّة. (ومنها): بيان شفقة النبيّ صلى الله عليه وسلم على أمته، وشدّة رأفته بهم، كما وصفه اللَّه تعالى بذلك في قوله تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .

(1)

- "زهر الربى" 6/ 8 - 9.

(2)

- "فتح" 6/ 95.

ص: 109

[التوبة:128]. (ومنها): استحباب طلب القتل في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): جواز قول: ودِدتُ حصول كذا من الخير، وإن علم أنه لا يحصل. (ومنها): ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة، أو أرجح، أو لدفع مفسدة. (ومنها): جواز تمنّي ما يمتنع في العادة. (ومنها): السعي في إزالة المكروه عن المسلمين. (ومنها): ما قيل: فيه أن الجهاد فرض كفاية، إذ لو كان على الأعيان ما تخلّف عنه أحد. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الخطاب إنما يتوجّه للقادر، وأما العاجز فمعذور، وقد قال اللَّه تعالى:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} الآية [النساء: 95]، وأدلّة كون الجهاد فرض كفاية تؤخذ من غير هذا انتهى. وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌4 - (فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ)

3100 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا، فَجِئْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أُنْزِلَ عَلَيْهِ:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] ، {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ، لَجَاهَدْتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ سَتُرَضُّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّىَ عَنْهُ:{غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ}

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، يَرْوِى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، لَيْسَ بِثِقَةٍ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 110

[10]

43/ 588.

2 -

(بشر بن المفضّل) الرقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [2] 66/ 82.

3 -

(عبد الرحمن بن إسحاق) القرشيّ العامريّ المدنيّ، نزيل البصرة، ويقال له: عَبّاد، صدوق رُمي بالقدر [6] 100/ 261.

4 -

(الزهريّ) محمد بن مسلم المذكور قريبًا.

5 -

(سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس، له، ولأبيه صحبة مشهور - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (88) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة، تقدّم في 40/ 734.

6 -

(مَرْوَانَ بْنُ الحَكَمِ) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ أمير المدينة الذي صار بعد ذلك خليفة في آخر سنة (64) ومات سنة (65) في رمضان، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنة، ولا يثبت له صحبة، تقدّم في 118/ 163.

7 -

(زيد بن ثابت) بن الضحّاك بن لَوذان الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ المشهور، كاتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم رضي الله عنه مات سنة خمس، أو ثمان وأربعين. وقيل: بعد الخمسين، تقدّم في 122/ 179. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى عبد الرحمن، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية صحابي، عن تابعي، فإن سهلاً - رضي اللَّه تعالى عنه - صحابى، ومروان تابعيّ وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) كذا قال عبد الرحمن بن إسحاق، وتابعه صالح بن كيسان، كما يأتي في الرواية التالية، وخالفهما معمر، فقال:"عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت"، أخرجه أحمد. ولا يضرّ مثل هذا الاختلاف؛ لإمكان حمله على أن للزهريّ طريقين في هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.

(قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ) بن أبى العاص (جَالِسًا، فَجئْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ، فحَدَّثَنَا) قال الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في هذا الحديث رواية رجل من الصحابة، وهو سهل بن سعد، عن رجل من التابعين، وهو مروان بن الحكم، ولم يسمع من

ص: 111

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فهو من التابعين انتهى.

قال الحافظ: لا يلزم من عدم السماع عدم الصحبة، والأولى ما قاله فيه البخاريّ: لم ير النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد ذكره ابن عبد البر في "الصحابة"؛ لأنه وُلد في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل عام أحد. وقيل: عام الخندق، وثبت عن مروان أنه قال لما طلب الخلافة، فذكروا له ابن عمر، فقال: ليس ابن عمر بأفقه منّي، ولكنه أسنّ منّي، وكانت له صحبة. فهذا اعتراف منه بعدم صحبته، وإنما لم يسمع من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن كان سماعه منه ممكنًا؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نفى أباه إلى الطائف، فلم يردّه إلا عثمان صلى الله عليه وسلم لمّا استُخلف. وقد تقدّمت روايته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في "كتاب الحجّ" في باب "إشعار الهدي" -62/ 2771 - وتقدّم هناك التنبيه على أن روايته تلك مرسلة، وباللَّه تعالى التوفيق.

(أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أُنْزِلَ عَلَيْهِ:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وفي رواية قَبيصة بن ذؤيب المذكورة:"كنت أكتب لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفي رواية خارجة بن زيد، عن أبيه: "إني لقاعد إلى جنب النبيّ صلى الله عليه وسلم، إذ أوحي إليه، وغشِيَته السكينة، فوضع فخذه على فخذي، قال زيد: فلا واللَّه ما وجدت شيئًا قط أثقل منها". وفي حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند البخاريّ: "لما نزلت قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ادع لي فلانًا، فجاءه، ومعه الدواة، واللوح، والكتف"، وفي رواية أخرى عنه: "دعا زيدًا، فكتبها".

قال الحافظ: فيجمع بينهما بأن المراد بقوله: "نزلت" كادت تنزل؛ لتصريح رواية خارجة بأن نزولها كان بحضرة زيد انتهى

(1)

.

(فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكتُومٍ) وفي رواية قبيصة: "فجاء عبد اللَّه ابن أمّ مكتوم"، وعند الترمذيّ، من طريق الثوريّ، وسليمان التيميّ، كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء:" جاء عمرو ابن أم مكتوم"، وقد نبّه الترمذيّ على أنه يقال له: عبد اللَّه، وعمرو، وأن اسم أبيه زائدة، وأم مكتوم أمه انتهى. واسم أمه عاتكة.

وفي "التقريب": عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة، ويقال: زياد القرشيّ العامريّ الأعمى الصحابيّ المشهور، قديم الإسلام، ويقال: اسمه عبد اللَّه، ويقال: الحصين، كان النبيّ صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقد تقدّمت ترجته في "كتاب الأذان" باب-9/ 637 - "المؤذنان للمسجد الواحد"(وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ) من أملّ عليه الكتاب، أي ألقى عليه ليكتب، "يقال: أمللتُ الكتابَ على الكاتب إملالاً: ألقيته عليه، وأمليته عليه -بالياء- إملاءً، والأولى لغة

(1)

- "فتح" 9/ 137 في "تفسير سورة النساء".

ص: 112

الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما، {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} ، {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} . قاله الفيّوميّ. والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه صلى الله عليه وسلم يقرءها علي؛ لأكتبها (فَقَالَ) أي ابن أمّ مكتوم (يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجهَادَ) أي لو استطعت، وعبّر بالمضارع إشارةً إلى الاستمرار، واستحضارًا لصورة الحال. زاد في الرواية التالية:"وكان رجلاً أعمى"، وفي رواية خارجة:"فقام حين سمعها ابن أم مكتوم، وكان أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد، ممن هو أعمى، وأشباه ذلك"، وفي رواية قبيصة:"فقال: إني أحبّ الجهاد في سبيل اللَّه، ولكن بي من الزمانة ما ترى، ذهب بصري"(لَجَاهَدْتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عز وجل، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أن فخذه صلى الله عليه وسلم موضوعة على فخذي (فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) يعني أنه حدث في أعضائه ثقلٌ محسوسٌ، من ثقل الوحي النازل عليه؛ لقوله تعالى:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزّمّل:5](حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ ستُرَضُّ فَخِذِي)"أن" هنا مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والفعل بعدها مرفوع، أي أنه سترضُّ فخذي، وهو بتشديد الضاد المعجمة، أي ستُدقّ، وستكسر (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) -بضمّ المهملة، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، أي كُشف، وأزيل عنه صلى الله عليه وسلم، ما حلّ به من غشيان الوحي {لَّا غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ) مفعول "فأنزل اللَّه عز وجل"، فهو منصوب محلًّا، محكيّ لفظًا. وفي رواية قبيصة: (ثمّ قال: اكتب: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} . وزاد في رواية خارجة بن زيد: "قال زيدٌ بن ثابت: فواللَّه لكأني أنظر إلى مُلْحَقها عند صَدْعٍ كان في الكتف"

(1)

.

وقوله: {غير} قرىء بالنصب، والرفع، وهما قراءتان مشهورتان في السبع، قرأ نافع، وابن عامر، والكسائيّ بنصبها، والباقون برفعها. وقُرىء في الشواذّ بجرّها، فمن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع، فعلى أنه وصفٌ لـ {لقاعدين} ، أو بدلٌ منهم، ومن جرّه، فعلى أنه وصف لـ {لمؤمنين} ، أو بدل منهم. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-

(2)

. (قَالَ أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا) أي الذي ذُكر في هذا السند، راويًا عن الزهريّ، فـ"عبد الرحمن" مبتدأ، خبره قوله (لَيْسَ بهِ بَأْسٌ، وَعَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) بن الحارث، أبو شيبة الواسطيّ الأنصاريّ، ويقال: الكوفيّ، ابن أخت النعمان بن سعد، ضعيف من الطبقة السادسة (يَرْوِي عَنْهُ عَليُّ بْنُ

(1)

- "فتح" 9/ 138 في "التفسير".

(2)

- "شرح مسلم" 13/ 46.

ص: 113

مُسْهِرٍ) بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقة، له غرائب بعد ما أضرّ [8] 52/ 66 (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [9] 26/ 30 (وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقة في حديثه عن الأعمش وحده مقال [8] 3/ 1448 (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ) بن حَبْتة -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة، ثمّ مثنّاة، ويقال: آخره راء- أنصاريّ كوفيّ مقبول [3] تفرّد به الترمذيّ (لَيْسَ بِثِقَةٍ) فقوله: "وعبد الرحمن الخ" مبتدأ خبره جملة "يروي الخ"، وجملة "ليس بثقة" خبر بعد الخبر، أو هي الخبر، وجملة "يروي" حال من المبتدا على رأي بعض النحاة. وقوله:"عن النعمان ابن سعد" متعلّق بمحذوف، حال من فاعل "يروي"، وهو ضمير "عبد الرحمن"، أي يروي هؤلاء عنه، حال كونه راويًا عن خاله النعمان بن سعد.

[تنبيه]: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام التمييز بين المتشابِهَينِ في الاسم، واسم الأب، حتى لا يوقع اشتباههما في الخطأ، فَيُردّ حديث صحيح، أو يُقبَل حديث ضعيف، إذ أحدهما ثقة، والآخر ضعيف، كما بينه هنا، وهذا هو النوع المسمّى في مصطلح الحديث بـ"المتفق والمفترق"، كما أشار إليه الحافظ السيوطيّ في "ألفية الحديث"، حيث قال:

وَاعْنَ بِمَا لَفْظَا وَخَطًّا يَتَّفِقْ

لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ قَدْ تَفْتَرِقْ

لَا سِيَّمَا إِنْ يُوجَدَا فِي الْعَصْرِ

وَاشْتَرَكَا شَيْخًا وَرَاوٍ فَادْرِ

ثمّ إن هذا الذي قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، من تقويته عبد الرحمن بن إسحاق الأول، وتضعيفه الثاني، قاله غيره، من أئمة الجرح والتعديل أيضًا، فأما الأول فقد وثّقه أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقد تقدّم نقل أقوالهم في - 100/ 2618 - .

وأما الثاني، فإنه من رجال أبي داود، والترمذيّ، وليس له عند المصنّف شيء، وقد ضعّفه أحمد، وقال: ليس بشيء، منكر الحديث. وقال أيضًا: ليس بذاك، وهو الذي يُحدّث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير، والمدنيّ

(1)

أعجب إليّ من الواسطيّ.

وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء.، وقال ابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وأبو داود، وابن حبّان: ضعيف. وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال أبو زرعة: ليس بقويّ. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال ابن خزيمة: لا يُحتجّ بحديثه. وقال البزّار: ليس حديثه حديث حافظ. وذكره يعقوب

(1)

- يعني عبد الرحمن بن إسحاق الذي في سند المصنف في حديث الباب.

ص: 114

ابن سفيان في "باب من يُرغب عن الرواية عنهم". وقال ابن عديّ: وفي بعض ما يرويه لا يُتابعه الثقات عليه. وقال العقيليّ: ضعيف الحديث. وقال الساجيّ: كوفيّ أصله واسطيّ، أحاديثه مناكير. وقال العجليّ: ضعيف، جائز الحديث، يُكتب حديثه

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 4/ 3100 و 3101 و 3102 و 3103 - وفي "الكبرى" 4/ 4307 و 4308 و 4309 و 4310. وأخرجه (خ) في "الجهاد" 2832 و"التفسير" 4592 (م) في "الإمارة" 1898 (ت) في "التفسير" 3033 (أحمد) في "مسند الأنصار" 21091. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها) ة ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل المجاهدين في سبيل اللَّه تعالى على القاعدين منه. (ومنها): بيان سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، ولكن لا يكون ثوابهم ثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نيّاتهم، إن كانت لهم نيّة صالحة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"ولكن جهاد ونيّة". (ومنها): بيان أن الجهاد فرض كفاية، وليس فرض عين.

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفيه ردّ على من يقول: إنه كان في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم فرض عين، وبعده فرض كفاية. والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شُرع، وهذه الآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله تعالى:{وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95] انتهى

(2)

. (ومنها): بيان سبب نزول الآية. (ومنها): جواز تأخير التخصيص بغير المستقلّ لمصلحة، ولازمه جواز الاستثناء المتأخّر، والجمهور على خلافه. (ومنها): مشروعية اتخاذ الكاتب، وتقريبه. (ومنها): جواز تقييد العلم بالكتابة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

(1)

- راجع "تهذيب التهذيب" 2/ 486 - 487.

(2)

- "شرح مسلم" 13/ 45.

ص: 115

3101 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،، قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ، جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمْلَى عَلَيْهِ:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ

(1)

الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، حَتَّى هَمَّتْ تَرُضُّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّىَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل:{غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ} ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح.

و"محمد بن يحيى بن عبد اللَّه": هو الحافظ الثقة الثبت الذُّهْليّ النيسابوريّ [11] 196/ 314.

و"يعقوب بن إبراهيم بن سعد": الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد الثقة الفاضل، من صغار [9] 196/ 314.

و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [8] 196/ 314.

و"صالح": هو ابن كيسان، أبو محمد، أو أبو الحارث، مؤدّب أولاد عمر بن عبد العزيز، الثقة الثبت الفقيه [4] 196/ 314.

وقوله: "فأنزل اللَّه" مفعوله محذوف، أي الوحي.

وقوله: "حتّى همّت"، أي قصدت، والفاعل ضمير "فخذه"، و"أن تُرضّ" -بضم الراء، والبناء للفاعل، وفاعله أيضًا ضمير "فخذه"، و "فخذي" مفعوله، والمراد كادت تكسرها من ثقلها.

وقوله: {غَيْرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ} مفعول به لـ"أنزل" محكيّ لقصد لفظه.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستَوفًى في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3102 -

(أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: قَالَ: «ائْتُونِى بِالْكَتِفِ، وَاللَّوْحِ» ، فَكَتَبَ:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، وَعَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ خَلْفَهُ، فَقَالَ: هَلْ لِي رُخْصَةٌ،

(1)

- وفي نسخة: "لو استطعت"، بصيغة الماضي.

ص: 116

فَنَزَلَتْ: {غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ} ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(نصر بن عليّ) الجهضميّ البصريّ، ثقة ثبت [10] 20/ 386.

2 -

(معتمر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطُّفيل، ثقة، من كبار [9] 10/ 10.

3 -

(أبوه) سليمان بن طرخان التيميّ البصريّ، ثقة عابد [4] 87/ 107.

4 -

(أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السبيعيّ الثقة العابد الكوفيّ [3] 38/ 42.

5 -

(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، المتوفّى سنة (72هـ) تقدّمت ترجمته في 86/ 105. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي المعتمر، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة دون واسطة، كما تقدّم غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -.

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "عن البراء" وفي رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق: أنه سمع البراء. أخرجه أحمد عنه. ووقع في رواية الطبرانيّ من طريق أبي سنان الشيبانيّ، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، وأبو سنان اسمه ضِرَار بن مُرّة، وهو ثقة، إلا أن المحفوظ "عن أبي إسحاق، عن البراء"، كذا اتفق الشيخان عليه من طريق شعبة، ومن طريق إسرائيل. وأخرجه الترمذيّ، وأحمد من رواية سفيان الثوريّ، والترمذيُّ أيضًا، والنسائيُّ، وابن حبّان من رواية سليمان التيميّ، وأحمدُ أيضًا من رواية زُهير، والنسائيُّ من رواية أبي بكر بن عيّاش، وأبو عوانة من طريق زكريا بن أبي زائدة، ومسعير، ثمانيتهم عن أبي إسحاق، عن البراء. انتهى

(1)

(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ ذَكَرَ) الظاهر أن الذاكر هو البراء رضي الله عنه (كَلِمَةً مَعْنَاهَا) مبتدأ، وخبره قوله

(1)

- "فتح" 9/ 138. "التفسير".

ص: 117

(قَالَ: "ائتُونِي) فيه أنه لم يحفظ لفظ الكلمة، وإنما حفظ معناها، ومثل هذا لا يضرّ في صحّة الرواية.

وفيه أيضًا إطلاق الكلمة على الكلام، وهو جائز في الاستعمال، كقوله تعالى:{كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ} الآية، إشارة إلى قوله:{رَبِّ ارْجِعُونِ} ، ومثل:"لا إله إلا اللَّه كلمة الإخلاص"، قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة":

.................... وَكِلْمَةٌ بهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمُّ

(بالكَتِفِ) متعلّق بـ"ائتوني"، وهي بفتح الكاف، وكسر المثنّاة الفوقيّة، ويجوز تسكيَنها، مع فتح الكاف، وكسرها تخفيفًا: عظم عَرِيضٌ، خلف المنكب، وهي مؤنّثةٌ، وتكون للناس، وغيرهم، كانوا يكتبون فيها لقلّة القراطيس عندهم. أفاده في "اللسان"(وَاللَّوْحِ) بفتح اللام، وسكون الواو: كلُّ صفيحة من خشب، وكتف، إذا كتب عليه، سمّي لَوحًا، والجمع ألواح. أفاده في "المصباح". وقوله:"إذا كُتب عليها" أي إذا استعملت للكتابة، وهُيئت له، فليس المراد أنها كتب عليها بالفعل؛ لأنه لا تقبل الكتابة مرّة أخرى، إلا إذا محيت، فتنبّه (فَكَتَبَ:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ) أي أمر صلى الله عليه وسلم بالكتابة، وفي رواية البخاريّ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق:"لما نزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ادعوا لي فلانًا"، فجاءه، ومعه الدواة، واللوح، أو الكتف، فقال: "اكتب: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}

وقد بين فلان في رواية شعبة، عن أبي إسحاق، ولفظها: "لما نزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زيدًا، فكتبها

". فقوله: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} مفعول به لـ"اكتب" محكيّ.

(وَعَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) رضي الله عنه تقدمت ترجمته في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه الماضي (خَلْفَهُ) أي خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي الرواية التالية:"جاء ابن أم مكتوم"، فيجمع بأن معنى قوله:"جاء"، أنه قام من مقامه خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى جاء مواجهه، فخاطبه. قاله في "الفتح" (فَقَالَ: هَلْ لِي رُخْصَةٌ) وفي الرواية التالية: "فكيف فيّ، وأنا أعمى"، وفي رواية شعبة المذكورة:"فشكا ضرارته"، وفي رواية إسرائيل:"فقال: يا رسول اللَّه أنا ضرير"(فَنَزَلَت {غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ}) وفي الرواية التالية: "فما برح، حتى نزلت {غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ}، وفي رواية إسرائيل المذكورة: "فنزلت مكانها {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . قال ابن التين: يقال: إن جبريل هبط، ورجع قبل أن يجفّ القلم.

وقال ابن المنيّر: لم يقتصر الراوي في الحال الثاني على ذكر الكلمة الزائدة، وهي:

ص: 118

{غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ} ، فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله:{غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ} فقط، فكأنه رأى إعادة الآية من أولها حتى يتّصل المستثنى بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فقد حكى الراوي صورة الحال.

قال الحافظ: الأول أظهر، فإن في رواية سهل بن سعد

(1)

: "فأنزل اللَّه {غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ}. وأوضح من ذلك رواية خارجة بن زيد عن أبيه، ففيها: "ثمّ سُرِّيَ عنه، فقال: اقرأ، فقرأت عليه {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:{غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ} ). وفي حديث الْفَلَتَان -بفتح الفاء، واللام، وبمثنّاة فوقانيّة- ابن عاصم في هذه القصّة:"قال: فقال الأعمى: ما ذنبنا؟ فانزل اللَّه، فقلنا له: إنه يوحى إليه، فخاف أن ينزل في أمره شيء، فجعل يقول: أتوب إلى اللَّه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: اكتب {غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ} "، أخرجه البزّار، والطبرانيّ، وصححه ابن حبان.

ووقع في غير هذا الحديث ما يؤيّد الثاني، وهو في حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "فأُنزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نزلت:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} . انتهى.

[تنبيه]: أخرج البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، والمصنّف في "التفسير" من "الكبرى" من طريق ابن جريج، عن عبد الكريم الجزريّ، عن مقسم مولى عبد اللَّه ابن الحارث، أن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أخبره:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} عن بدر إلى بدر انتهى.

قال في "الفتح": كذا أورده مختصرًا، وظنّ ابن التين أنه مغاير لحديثي سهل والبراء، فقال: القرآن ينزل في الشيء على ما في معناه. وقد أخرجه الترمذيّ من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج بهذا مثله، وزاد:"لما نزلت غزوة بدر، قال عبد اللَّه بن جحش، وابن أم مكتوم الأعميان: يا رسول اللَّه، هل لنا رخصة؟، فنزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} فهولاء القاعدون غير أولي الضرر، {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ} على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر. هكذا أورده سياقًا واحدًا، ومن قوله: "درجة الخ" مدرج في الخبر من كلام ابن جريج، بيّنه الطبريّ، فأخرج من طريق حجاج نحو ما أخرجه الترمذيّ إلى قوله: "درجة"، ووقع عنده: "فقال عبد اللَّه ابن أم مكتوم، وأبو أحمد بن جحش"، وهو الصواب في ابن جحش، فإن عبد اللَّه أخوه،

(1)

قلت: مثلها رواية البراء رضي الله عنه الآتية بعد هذا.

ص: 119

وأما هو فاسمه عبد بغير إضافة، وهو مشهور بكنيته. ثم أخرج بالسند المذكور عن ابن جريج، قال:{وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ} قال: على القاعدين من المؤمنين، غير أولي الضرر.

وحاصل تفسير ابن جريج أن المفضّل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر، فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم، كما ثبت في حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا:"إن بالمدينة لأقوامًا ما سرتم من مسيرٍ، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم، حبسهم العذر".

ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} ، أي من أولي الضرر، وغيرهم، وقوله:{وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ} أي على القاعدين من غير أولي الضرر، ولا ينافي ذلك الحديث المذكور عن أنس، ولا ما دلّت عليه الآية من استواء أولي الضرر مع المجاهدين؛ لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء، فأفهمت إدخالهم في الاستواء، إذ لا واسطة بين الاستواء وعدمه؛ لأن المراد منه استواؤهم في أصل الثواب، لا في المضاعفة؛ لأنها تتعلّق بالفعل.

ويحتمل أن يلتحق بالجهاد في ذلك سائر الأعمال الصالحة. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث البراء - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -4/ 3120 و 3103 - وفي "الكبرى" 4/ 4309 و4310 و "التفسير"11118. وأخرجه (خ) في "الجهاد" 2831 وفي "التفسير" 4593 و 4594 و "فضائل القرآن" 4991 (م) في "الإمارة" 1898 (ت) في "الجهاد" 1670 (أحمد) في "مسند الكوفيين" 18016 و 18037 و 18034 (الدارميّ) في "الجهاد"2420. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3103 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ فِيَّ

(2)

، وَأَنَا أَعْمَى، قَالَ: فَمَا بَرِحَ حَتَّى نَزَلَتْ:

(1)

- "فتح" 9/ 136 - 140 في "كتاب التفسير".

(2)

- وفي نسخة: "فكيف بي".

ص: 120

{غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ} ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ، و"محمد بن عُبيد": هو أبو جعفر، أو أبو يعلى النحّاس الكوفيّ، صدوق [10] 144/ 226.

و"أبو بكر بن عيّاش": الأسديّ الكوفيّ المقرىء الحنّاط، والأصح أن اسمه كنيته، وقيل: محمد، وعبد اللَّه، أو سالم، أو شعبة، أو غير ذلك، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [7] 98/ 127.

وهذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (156) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى سند وقع له، كما تقدّم غير مرّة.

وقوله: "فكيف في" أي فكيف تقول في شأني. وفي نسخة: "فكيف بي". وقوله: "فما برح" بكسر الراء، من باب تَعِب: أي ما زال من مكانه.

والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌5 - (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ لِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ)

3104 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَىٌّ وَالِدَاكَ» ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصريّ المعروف بالزمن، ثقة ثبت [10] 64/ 80.

2 -

(يحيى بن سعيد) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت [9] 4/ 4.

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [7] 33/ 37.

4 -

(شعبة) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [7] 24/ 27.

ص: 121

[تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" في هذا السند: "سعيد" بدل "شعبة"، والظاهر أنه غلطٌ، راجع "تحفة الأشراف" 6/ 295. واللَّه تعالى أعلم.

5 -

(حبيب بن أبي ثابت) أبو يحعص الأسديّ مولاهم الكوفيّ، واسم أبيه قيس، ويقال: هند بن دينار، ثقة فقيه جليل، كثير الإرسال والتدليس [3] 121/ 170.

6 -

(أبو العبّاس) السائب بن فرّوخ المكيّ الشاعر الأعمى، ثقة [3] 71/ 2388.

7 -

(عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص الصحابي ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى - عنهما 89/ 111. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن شيخه، ويحيى، وشعبة بصريون، وسفيان، وحبيب كوفيان، وأبو العباس مكي، والصحابي مدني، ثم مصري، ثم طائفي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ) وفي رواية البخاريّ: "سمعت أبا العبّاس الشاعر، وكان لا يُتّهم في حديثه"، فصرّح حبيب بالسماع من أبي العبّاس، فزال تهمة التدليس. وقوله:"وكان لا يُتّهم" فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يُتّهم في حديثه لما تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الإطراء وغيره، فأخبر الراوي عنه أنه مع كونه شاعرًا كان غير متّهم في حديثه. وقوله:"في حديثه" يحتمل مرويّه من الحديث النبويّ. ويحتمل فيما هو أَعَمُّ من ذلك، والثاني أليق، وإلا لكان مرغوبًا عنه، والواقع أنه حجة عند كلّ من أخرج الصحيح، وأفصح بتوثيقه أحمد، وابن معين، وآخرون. قاله في "الفتح"

(1)

.

[تنبيه]: خالف الأعمش سفيان، وشعبة في هذا الحديث، فقد رواه ابن ماجه من طريق اْبي معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد اللَّه بن باباه، عن عبد اللَّه بن عمرو. فلعلّ لحبيب فيه إسنادين. ويؤيّده أن بكر بن بكّار رواه عن شعبة، عن حبيب، عن عبد اللَّه باباه كذلك

(2)

.

(عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ)

(1)

- "فتح" 4/ 746 "كتاب الصوم".

(2)

- "فتح" 6/ 247 "كتاب الجهاد".

ص: 122

يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العبّاس بن مِرداس الآتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ) أي يطلب منه الإذن في الخروج للجهاد في سبيل اللَّه تعالى (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟) يحتمل أن يكون "حيٌّ" مبتدأٌ، و"والداك" فاعل أغنى عن الخبر، لاعتماده على الاستفهام. ويحتمل أن يكون "حيٌّ" خبرًا مقدّمًا، و"والداك"مبتدأ مؤخّرٌ (قَالَ) ذلك الرجل (نَعَمْ) أي هما حيان (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) أي ابلُغ جهدك في برّهما، والإحسان إليهما، فإن ذلك يقوم لك مقام قتال العدو. أو خصّصهما بجهاد النفس في رضاهما. قاله في "الفتح". وقال السنديّ: أي جاهد نفسك، أو الشيطان في تحصيل رضاهما، وإيثار هواهما على هواك. وقيل: المعنى: فاجتهد في خدمتهما، وإطلاق الجهاد للمشاكلة، والفاء الأولى فصيحة، والثانية زائدة، وزيادتها في مثل هذا شائع، ومنه قوله تعالى:{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -5/ 3104 - وفي "الكبرى" 5/ 4311. وأخرجه (خ) في "الجهاد" 3004 و"الأدب" 5972 (م) في "البرّ والصلة" 2549 (د) في "الجهاد" 2529 (ت) في "الجهاد" 1671 (أحمد) في "مسند المكثرين" 6508 و 6726 و 6772 و 6819 و 7022. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الرخصة في التخلّف عن الجهاد في سبيل اللَّه تعالى لمن له والدان. (ومنها): فضل برّ الوالدين، وتعظيم حقّهما، وكثرة الثواب على برّهما. (ومنها): تحريم السفر بغير إذن الوالدين؛ لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته، فالسفر المباح أولى، نعم إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعيّن السفر طريقًا إليه، فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف. (ومنها): أن برّ الوالدين قد يكون أفضل من الجهاد. (ومنها): أن المستشار يشير بالنصيحة

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 10 - 11.

ص: 123

المحضة. (ومنها): أنه يستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضدّه إذا فُهم المعنى؛ لأن صيغة الأمر في قوله: "فجاهد" ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما لهما، وليس ذلك مرادًا قطعًا، وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو تعب البدن والمال. (ومنها): أنه يؤخذ منه أن كلّ شيء يتعب النفس يسمّى جهادًا. (ومنها): أن المكلّف يستفصل عن الأفضل في أعمال الطاعة ليعمل به؛ لأنه سمع فضل الجهاد، فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه، فَدُلَّ على ما هو أفضل منه في حقّه، ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك. وفي رواية مسلم، وسعيد بن منصور من طريق ناعم مولى أم سلمة، عن عبد اللَّه بن عمرو في نحو هذه القصّة، قال:"ارجع إلى والديك، فأحسِنْ صحبتهما". ولأبي داود، وابن حبّان من وجه آخر، عن عبد اللَّه بن عمرو:"ارجع، فأضحكهما كما أبكيتهما"، وأصرح من ذلك حديث أبي سعيد عند أبي داود بلفظ:"ارجع، فأستأذنهما، فإن أذنا لك، فجاهد، وإلا فبرّهما"، وصحّحه ابن حبّان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في حكم الجهاد إذا منع الوالدان:

قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان، أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برّهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيّن الجهاد، فلا إذن. ويشهد له ما أخرجه ابن حبّان من طريق أخرى، عن عبد اللَّه بن عمرو:"جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فسأله عن أفضل الأعمال؟، قال: "الصلاة"، قال: ثمّ مه؟ قال: "الجهاد"، قال: فإن لي والدين، فقال: "آمرُك بوالديك خيرًا"، فقال: والذي بعثك بالحقّ نبيًّا لأجاهدنّ، ولأتركنهما، قال: "فأنت أعلم".

وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقًا بين الحديثين، وهل يُلحق الجدّ والجدّة بالأبوين في ذلك؟ الأصحّ عند الشافعيّة نعم، والأصحّ أيضًا لا يفرّق بين الحرّ والرقيق في ذلك لشمول طلب البرّ، فلو كان الولد رقيقًا، فأذن له سيده لم يعتبر إذن أبويه. ولهما الرجوع في الإذن إلا إن حضر الصفّ، وكذا لو شرطا أن لا يقاتل، فحضر الصفّ، فلا أثر للشرط. قاله في "الفتح"

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "فتح" 6/ 247/248.

ص: 124

‌6 - (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ لِمَنْ لَهُ وَالِدَةٌ)

3105 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، طَلْحَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ، أَنَّ جَاهِمَةَ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ، وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟» ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا»).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عبد الوهّاب بن عبد الحكم الورّاق) الغداديّ الثقة [11] 42/ 1282 تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ.

2 -

(حجّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ترمذي الأصل، نزل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره لما قدِم بغداد، وهو أثبت الناس في ابن جُريج [9] 28/ 32.

3 -

(محمد بن طلحة بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، صدوق [6].

روى عن أبيه، ومعاويّة بن جاهمة. وقيل: عن أبيه، عن معاوية. وعنه ابن إسحاق، وابن جريج، وعبد الرحمن بن أبي بكر الْمُلَيكيّ، وداود بن عبد الرحمن العطّار. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان عاملاً لعمر بن عبد العزيز على مكّة. وزاد البخاريّ في "تاريخه" عن عليّ، عن سفيان: فكان يستشير ابن أبي نَجيح وغيره.

تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما حديث الباب فقط.

4 -

(أبوه) طلحة بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، وأمه عائشة بنت طلحة بن عُبيد اللَّه. مقبول [3].

ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال يعقوب بن شيبة: لا علم لي به. له عند أبي داود في "القدر" حديث: "فيم العمل"، وعند المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط.

5 -

(معاوية بن جاهمة) - بالجيم- ابن العبّاس بن مِرْداس السلميّ، لأبيه وجدّه صحبة، وقيل: إن له صحبة، تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما هذا الحديث فقط.

ص: 125

6 -

(جاهمة) ابن العباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لم أجد له ترجمة، سوى الكلام الآتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله موثقون.

(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَق مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ جَاهِمَةَ) بن العباس بن مِرْداس السلميّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. هكذا نسبه ابن ماجه في "سننه"، وقال: الذي عاتب النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين. وذكره ابن سعد في طبقة من شهد الخندق، وقال: أسلم، وصحب.

[تنبيه]: رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- ظاهرة في أن الصحبة لجاهمة، لا لمعاوية، وهي الأصح، كما يأتي عن البيهقيّ. وقد اختُلف في هذا السند اختلافًا كثيرًا بيّنها الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "الإصابة"، فقال:

وروى البغويّ، وابن أبي خيثمة، والطبرانيّ، من طريق سفيان بن حبيب، عن ابن جُريج، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن معاوية بن جاهمة السلميّ، عن أبيه، قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم أستشيره في الجهاد، فقال:"هل لك أمّ؟ " قلت: نعم، قال:"الزمها".

وقد اختُلف فيه على ابن جُريج، وقد جوّده سفيان بن حبيب، لكن أسقط من النسب طلحة، قاله البغويّ، ويقال عن يحيى بن سعيد القطّان عن ابن جريج مثله. ورواه يحيى ابن سعيد الأمويّ، عن ابن جُريج، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة، قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم. أخرجه البغويّ عن شُريح بن يونس، عن الأمويّ، وقال: وَهِمَ فيه الأمويّ. ثم رواه من طريق حجّاج بن محمد، عن ابن جُريج، فخالف في نسب محمد بن طلحة، فقال: عن محمد بن طلحة بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، عن أبيه طلحة، عن معاوية بن جاهمة، أن جاهمة جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وكذا أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، من طريق حجاج. قال البيهقيّ: رواية الحجاج أصحّ، وتابعه أبو عاصم، وهي عند ابن شاهين في ترجمة معاوية بن جاهمة.

ورواه أحمد بن حنبل كرواية حجاج، وأخرجه ابن ماجه من رواية محمد بن إسحاق، فقال: عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر وافق حجاجًا، لكن

ص: 126

حذف عبد اللَّه بن طلحة. وأخرجه ابن شاهين في ترجمة معاوية بن جاهمة من رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، فأثبته، وتابعه محمد بن سلمة الخزاعيّ

(1)

، عن محمد بن إسحاق، هذا هو المشهور عنه، وقيل: عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن ابن طلحة، عن معاوية السلميّ، قال ابن لهيعة عن يونس بن يزيد، عن ابن إسحاق بهذا الإسناد، لكن حرّف اسم الصحابيّ، ونسبته، قال: عن جهم الأسلميّ، ورواه عبد الرحيم بن سليمان، عن ابن إسحاق، فقال: عن محمد بن طلحة، عن أبيه طلحة ابن معاوية بن جاهمة، قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو غلطٌ نشأ عن تصحيف وقلب، والصواب عن محمد بن طلحة، عن معاوية بن جاهمة، عن أبيه، فصحّف "عن" فصارت "ابن"، وقدّم قوله:"عن أبيه"، فخرج منه أن لطلحة صحبة، وليس كذلك، بل ليس بينه وبين معاوية بن جاهمة نسبٌ، ولو كان الأمر على ظاهر الإسناد لكان هؤلاء أربعة في نسق صحبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم: طلحة بن معاوية بن جاهمة بن العبّاس بن مرداس. وقد أخرج الطبرانيّ من طريق سليمان بن حرب، عن محمد بن طلحة بن مصرّف، عن معاوية بن درهم، أن درهمًا جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: جئتك أستشيرك في الغزو، قال:"ألك أمّ؟ "، قال: نعم، قال:"فالزمها". وهذه قصّة جاهمة بعينها، فإن كان جاهمة تحرّف بدرهم، ووقع في نسبه محمد بن طلحة، فوهم في اسم جدّه، وإلا فهي قصّة أخرى وقعت لآخر. انتهى ما في "الإصابة"

(2)

.

وقال في "تهذيب التهذيب" بعد أن ذكر الاختلاف: ما نصّه: قلت: تلخّص من ذلك أن الصحبة لجاهمة، وأنه هو السائل، وأن معاوية ابنه عنه صواب، وروايته الأخرى مرسلة، وقول ابن إسحاق في روايته: عن معاوية: "أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم" وهم منه؛ لأن ابن جُريج أحفظ من ابن إسحاق، وأتقنُ، على أن يحيى بن سعيد الأمويّ قد روى عن ابن جُريج مثل رواية ابن إسحاق، فوَهِمَ، وقد نبّه على غلطه في ذلك أبو القاسم البغويّ في "معجم الصحابة". واللَّه أعلم. انتهى

(3)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تلخّص مما تقدّم أن رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أصحّ الروايات. واللَّه تعالى أعلم.

(جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ) أي أخرج لمقاتلة العدوّ (وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ) أي أطلب منك الْمَشُورَة. يقال: استشرته في كذا، وشاورته:

(1)

- هكذا الخزاعيّ بالخاء والزاي المعجمتين، ولعله الحرّاني بالحاء والراء المهملتين، فليُحرّر.

(2)

- "الإصابة في تمييز الصحابة" 2/ 54 - 55.

(3)

- "تهذيب التهذيب" 4/ 105.

ص: 127

راجعته لأَرَى رَأْيَه فيه، فأشار عليّ بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارةً حسنةً، والاسم الْمَشُورة، وفيها لغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية: ضمّ الشين، وسكون الواو، وزانُ مَعُونةٍ، ويقال: هي من شار الدّابّة: إذا عرضها في الْمِشْوَار

(1)

. ويقال: من شَرْتُ العسل

(2)

: شُبِّهَ حسنُ النصيحة بشرب العسل. قاله الفيّوميّ.

وقد بُيِّنَ كيفية الاستشارة في رواية ابن ماجه، فقد أخرجه من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن معاوية بن جاهمة السلمي، قال: أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول اللَّه، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه اللَّه، والدار الآخرة، قال:"ويحك، أحية أمك؟ "، قلت: نعم، قال:"ارجع فَبِرَّها"، ثم أتيته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول اللَّه، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه اللَّه، والدار الآخرة، قال:"ويحك أحية أمك؟ "، قلت: نعم، يا رسول اللَّه، قال:"فارجع إليها، فَبِرَّها"، ثم أتيته من أمامه، فقلت: يا رسول اللَّه، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه اللَّه، والدار الآخرة، قال:"ويحك، أحية أمك؟ "، قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال:"ويحك، الزم رجلها، فَثَمَّ الجنة".

ثم أخرجه من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج بسند المصنّف، عن معاوية ابن جاهمة السلمي أن جاهمة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه.

قال أبو عبد اللَّه ابن ماجه: هذا جاهمة بن عباس بن مرداس السلمي الذي عاتب النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم حنين انتهى.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَلْ لَكَ مِن أُمٍّ؟)"من" زائدة، و"أم" فاعل بالجارّ والمجرور، لاعتماده على الاستفهام. ويحتمل أن يكون مبتدأٌ مؤخرًا، والجارّ والمجرور خبرًا مقدّمًا (قَالَ) جاهمة - رضي اللَّه تعالى عنه - (نَعَمْ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَالْزَمْهَا) بفتح الزاي أمر من لزِمَ، كسمع، أي الزم خدمتها. وفي رواية ابن ماجه المذكورة:"ويحك الزم رجلها". وهو كناية عن لزوم خدمتها، والتواضع، وحسن الطاعة لها. واللَّه تعالى أعلم (فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا) أي نصيبك من الجنة لا يصل إليك إلا برضاها، بحيث صارت الجنة كشيء مملوك لها، وهي قاعدة عليه، تتصرّف فيه كيف تشاء، فإن الشيء إذا صار تحت رِجلِ أحد، فقد تمكّن منه، واستولى عليه، بحيث لا يصل إلى آخر منه شيء، إلا برضاه.

(1)

- شُرت الدابة شورًا، من باب قال: عرضته للبيع بالإجراء ونحوه، وذلك المكان الذي يُجرَى فيه مِشوَارٌ بكسر الميم. قاله في "المصباح".

(2)

- شُرتُ العسل أَشُورُة شَوْرًا، من باب قال: جَنَيته، ويقال: شَرِبْتُه. قاله في "المصباح".

ص: 128

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جاهمة بن العباس السلميّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

[فإن قلت]: في سنده معاوية بن جاهمة، والصحيح أنه ليس صحابيًّا، ولم يوثّقه أحد، فكيف يصحّ حديثه؟.

[قلت]: معاوية، إن كان صحابيًّا، كما ادعاه بعضهم، فذاك، وإلا فهو تابعيّ معروف، روى عنه عكرمة بن رَوح، ومحمد بن طلحة، كما قاله في "تهذيب الكمال" 28/ 162، فزال عنه جهالة العين، وقد صحح حديث مثله بعض أهل العلم، كما هو مشهور في كتب المصطلح، ولحديثه هذا شواهد، كحديث الباب المتقدّم، وغيره، فيصحّ. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا -6/ 3105 - وفي "الكبرى" 6/ 4312. وأخرجه (ق) في "الجهاد" 2781. وفوائد الحديث تعلم مما سبق في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌7 - (فَضْلُ مَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ)

3106 -

(أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلاً، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ ، قَالَ: «مَنْ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ، قَالَ: «ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ، يَتَّقِى اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(كثير بن عُبيد) الْمَذْحِجِيّ، أبو الحصن الحمصيّ الحذّاء المقرىء، ثقة [10] 5/ 486.

ص: 129

2 -

(بقيّة) بن الوليد، أبو يُحْمِد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثر التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 55.

3 -

(الزُّبيديّ) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي الثقة الثبت، من أثبت أصحاب الزهريّ [7] 45/ 55.

4 -

(الزهريّ) محمد بن مسلم تقدّم قريبًا.

5 -

(عطاء بن يزيد) الليثيّ الْجُنْدَعيّ المدنيّ، نزيل الشام الثقة [3] 20/ 21.

6 -

(أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - 169/ 262. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وبقية. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين إلى عطاء، والزهريّ وإن كان مدنيًا، إلا أنه قد سكن الشام أيضًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (1170) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَجُلاً) لم يعرف اسمه. وفي رواية البخاريّ: "قيل: يا رسول اللَّه الخ" قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وقد تقدّم أن أبا ذرّ سأله عن نحوه انتهى (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟) وفي رواية مالك من طريق عطاء بن يسار مرسلاً، ووصله الترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبّان، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس:"خير الناس منزلاً". وفي رواية للحاكم: "أيّ الناس أكمل إيمانًا". وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعيّن عليه القيام به، ثم حَصّل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينيّة، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد؟ لما فيه من بذل نفسه، وماله للَّه تعالى، ولما فيه من النفع المتعدّي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة؛ لأن من يخالط الناس لا يَسلَم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيّدٌ بوقوع الفتن

(1)

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ يُجَاهِدُ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال، أي أفضل الناس مؤمن يجاهد، وفي نسخة:"من جاهد"

(1)

- "فتح" 6/ 81.

ص: 130

(بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هذا عامّ مخصوص، وتقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل، وكذا الصدّيقون، كما جاءت به الأحاديث انتهى

(1)

(قَالَ) الرجل السائل (ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي من هو الذي يليه في الأفضلية؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ مُؤْمِنٌ) وفي نسخة: "ثم من في شعب من الشعاب". وفي رواية مسلم، من طريق معمر، عن الزهريّ:"رجلٌ معتزلٌ"(فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ) -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: هو ما انفرج بين جبلين. وليس المراد نفس الشعب خصوصًا، بل المراد الانفراد والاعتزال، وذكر الشعب مثالاً لأنه خال عن الناس غالبًا. وهذا الحديث نحو الحديث الآخر حين سئل صلى الله عليه وسلم عن النجاة، فقال:"امْلِك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك"

(2)

.

قاله النوويّ

(3)

(يَتَّقِي اللَّهَ) وفي رواية مسلم من طريق الزبيديّ، عن الزهريّ:"يعبد اللَّه". وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "معتزل في شعب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس". وللترمذيّ، وحسّنه، والحاكم، وصحّحه من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي هريرة:"أن رجلاً مرّ بشِعْب فيه عينٌ عذبة، فأعجبه، فقال: لو اعتزلت، ثم استأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: "لا تفعل، فإن مُقام أحدهم في سبيل اللَّه أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا". (وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) فيه إشارة إلى أن صاحب العزلة ينبغي له أن ينظر في العزلة إلى ترك الناس عن شرّه، لا إلى خلاصه عن شرّهم، ففي الأول تحقير النفس، وفي الثاني تحقيرهم. قاله السنديّ

(4)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا 7/ 3106 - وفي "الكبرى" 7/ 4313. وأخرجه (خ) في "الجهاد" 2786

(1)

- "شرح مسلم للنوويّ" 13/ 36.

(2)

- حديث صحح أخرجه الترمذيّ من حديث عفبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه -.

(3)

- "شرح مسلم" 13/ 37.

(4)

- "شرح السنديّ" 6/ 11 - 12.

ص: 131

و"الرقاق" 6494 (م) في "الإمارة" 1888 (د) في "الجهاد" 2485 (ت) في "الجهاد" 1660 (ق) في "الفتن" 3978 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 10741 و 10929 و 11141 و 11428. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من يُجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله. (ومنها): تفضيل العزلة على الاجتماع؛ لما فيه من السلامة من الغيبة، واللغو، ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس أصلاً، فقال الجمهور: محلّ ذلك عند وقوع الفتن، كما سيأتي في المسألة التالية. (ومنها): بيان فائدة العزلة، وهو السلامة من الشرور التي تشمل الدينية، والدنيويّة. (ومنها): أن من أدب من يريد العزلة أن يقصد إبعاد شره عن المسلمين، لا إبعاد شرورهم عنه، وإن كان حاصلاً ضمنًا، وذلك هضمًا لنفسه؛ كيلا يرى الفضل له عليهم، وامتثالاً للأمر بالتواضع الذي أمر اللَّه تعالى به، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أوحى اللَّه إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد". أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في العزلة، والْخُلطة

(1)

أيهما أفضل: (اعلم): أنه اختلف السلف في أصل العزلة، فقال الجمهور: الاختلاط أولى؛ لما فيه من اكتساب الفوائد الدينيّة للقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة، وإغاثة، وعيادة، وغير ذلك.

وقال قوم: العزلة أولى؛ لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعيّن.

وقال الخطّابيّ في "كتاب العزلة": إن العزلة والاختلاط يختلفان باختلاف متعلّقهما، فتحمل الأدلّة الواردة في الحضّ على الاجتماع على ما يتعلّق بطاعة الأئمة، وأمور الدين، وعكسها في عكسه، وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان، فمن عَرَف الاكتفاء بنفسه في حقّ معاشه، ومحافظة دينه، فالأولى له الانكفاف عن مخالطة الناس، بشرط أن يحافظ على الجماعة، والسلام، والردّ، وحقوق المسلمين، من العيادة، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة؛ لما في ذلك من شغل البال، وتضييع الوقت عن المهمّات، ويجعل بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء، فيقتصر منه على ما لا بدّ له منه، فهو أروح للبدن والقلب. واللَّه أعلم انتهى

(2)

.

(1)

- الْخُلْطَة بالضم: اسم من الاختلاط، مثلُ الفُرْقة من الافتراق، وهو المناسب هنا. وأما الْخُلْطَة بالكسر: فهو مثلُ العِشْرة وزنًا ومعنًى.

(2)

- أفاده في "المصباح".

ص: 132

وقال النوويّ: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنّه أنه يقع في معصية، فإن أشكل فالعزلة أولى.

وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم: من يتحتّم عليه أحد الأمرين، ومنهم: من يترجّح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا، فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتّم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه، إما عينًا، وإما كفايةً، بحسب الحال والإمكان، وممن يترجّح عليه من يغلب على ظنّه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكن لا يتحقّق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامّة، فإن وقعت الفتنة ترجّحت العزلة؛ لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة باصحاب الفتنة، فتعمّ من ليس من أهلها، كما قال اللَّه تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن التفصيل المذكور هو الأرجح؛ لأنه يؤيّده حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه المذكور في الباب، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم من طريق بَعْجة بن عبد اللَّه الجهنيّ، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"من خير معاشِ الناس لهم رجل، ممسك عِنَان فرسه، في سبيل اللَّه، يطير على مَتْنِه، كلما سَمِع هَيْعَةً، أو فزعة، طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة، في رأس شَعَفَة، من هذه الشَّعَفِ، أو بطن واد، من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه، حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير".

والحاصل أن العزلة، والْخُلطة من الأمور النسبيّة التي تختلف خيريتها باختلاف الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، كما بُيِّن في التفصيل المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- راجع "الفتح" 13/ 132 "كتاب الفتن".

ص: 133

‌8 - (فَضْلُ مَنْ عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّه عَلَى قَدَمِهِ)

3107 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَامَ تَبُوكَ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ، وَشَرِّ النَّاسِ؟ ، إِنَّ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ رَجُلاً عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، أَوْ عَلَى قَدَمِهِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، وَإِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ، رَجُلاً فَاجِرًا، يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، لَا يَرْعَوِي إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد البغلاني الثقة الثبت [10] 1/ 1.

2 -

(الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [7] 31/ 35.

3 -

(يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ الثقة الفقيه [5] 134/ 207.

4 -

(أبو الخير) مرثد بن عبد اللَّه الْيَزَنيّ المصريّ الثقة الفقيه [3] 38/ 582.

5 -

(أبو الخطّاب) المصريّ، مجهول [3].

قال النسائيّ: لا أعرفه. وسئل ابن المدينيّ عنه؟ فقال: لا أعرفه، ولم يرو عنه غير أبي الخير. تفرّد به المصنّف، روى له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

6 -

(أبو سعيد الخدري) المذكور في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي الخطابن فمجهول. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: حبيب، وأبو الخير، وأبو الخطاب، وفيه أبو سعيد، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، عَامَ تَبُوكَ) أي سنة غزوة تبوك، وهو اسم موضع من بادية الشام، قريبٌ من مدين الذين بعث اللَّه إليهم شعيبًا. وهو مشتقّ من باكت الناقة تبوك بَوْكًا، من باب قال: إذا سَمِنت، فهي

ص: 134

بائك، بغير هاء، سمّيت الغزوة بذلك؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم غزاها في شهر رجب سنة تسع من الهجرة، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خالية عن البؤْس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ. أفاده الفيّوميّ.

وقال في "الفتح": و"تبوك" مكان معرف، هو نصف طريق المدينة إلى دمشق. ويقال: بين المدينة، وبينه أربع عشرة مرحلة. وذكرها في "المحكم" في الثلاثيّ الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتلّ، فإنه قال: جاءها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهم يبوكون

(1)

مكان مائها بِقِدْحٍ، فقال:"ما زلتم تبوكونها"، فسمّيت حينئذ تبوك انتهى

(2)

.

فقوله: "عام" منصوب على الظرفية متعلّقٌ بقوله (يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ) جملة حالية من الفاعل (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (أُخْبِرُكُم بِخَيْرِ النَّاسِ، وَشَرِّ النَّاسِ؟) أي بمن هو من خير الناس، فالكلام على تقدير "من"، بدليل قوله (إِنَّ مِنْ خَيرِ النَّاسِ رَجُلاً) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: بالألف في بعض النسخ، وفي بعضها بدون الألف، فهو إما منصوب، وتَرْكُ الألف كتابةً في المنصوب عندهم كثيرٌ، أو مرفوع، والتقدير: إن الشأنَ من خير الناس انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: النسخ التي بين يديّ كلها، سواء نسخ "المجتبى"، أو نسخة "السنن الكبرى""رجلاً" بالألف، ولعل السنديّ وجد بعض النسخ "رجل" بدون ألف، وقوله:"إن الشأن الخ" كان الأولى له أن يقول: اسم "إنّ" محذوف، وهو ضمير الشأن، والتقدير:"إنه" أي الشأن الخ. واللَّه تعالى أعلم.

(عَمِلَ فِي سَبيلِ اللَّهِ) أي لأجل إعلاء كلمة تعالى (عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ) أي حال كونه راكبًا فرسه (أَؤ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ)"أو" في الموضعين للتويع، لا للشكّ (أَو عَلَى قَدَمِهِ) هذا محلّ الترجمة، فإنه صريح فى أن من غزا في سبيل اللَّه تعالى على قدميه من خير الناس، وهو فضل عظيم (حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ) أي واصل عمله إلى أن وافاه أجله، وهو كذلك (وَإنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ، رَجُلاً فَاجِرًا) أي فاسقًا، يقال: فجر العبدُ من باب قعد: فسق، وزنى، وفجَرَ الحالف فجُورًا: كذب. قاله الفيّوميّ (يَقرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، لَا يَرعَوِي) أي لا ينكفّ، ولا ينزجر، من رعا يَرْعُو إذا كفّ عن الأمور، وقد ارعوَى عن القبيح يَرْعَوِي ارعوَاءً، والاسم الرَّعْيَا بالفتح والضمّ. وقيل: الارعواء: الندم على الشيء، والانصراف عنه وتركه

(3)

. قاله ابن الأثير

(4)

(إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ) الظاهر أن "إلى" بمعنى

(1)

يقال: باك العين اذا ثَوَّرَ ماءها بعود ونحوه ليخرج. قاله في "القاموس".

(2)

- راجع الفتح في 14/ 541 - 542 "كتاب الفتن".

(3)

- "فتح" 8/ 449. "كتاب المغازي".

(4)

- "النهاية" 2/ 236.

ص: 135

كما في قول الشاعر [من الكامل]:

أَمْ لَا سَبِيلَ إِلَى الشَّبَابِ وَذِكْرُهُ

أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

أي عندي، والمعنى هنا: لا ينكفّ، ولا ينزجر عن المعاصي عند قراءة شيء من وعيده. ويحتمل أن تكون بمعنى "من"، كما في قوله [من الطويل]:

تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا

أَيَسْقَى فَلَا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا

أي منّي، والمعنى هنا: أنه لا ينزجر عن المعاصي من أجل آيات الوعيد التي يقرؤها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لجهالة أبي الخطاب المصريّ. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد في "باقي مسند المكثرين" 10926 و 10981. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3108 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَا يَبْكِي أَحَدٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَتَطْعَمَهُ النَّارُ، حَتَّى يُرَدَّ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ، فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ أَبَدًا").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاويّ الثقة الحافظ [11] 38/ 42 من أفراد المصنف.

2 -

(جعفر بن عون) أبو عون المخزوميّ الكوفيّ، صدوق [9] 40/ 684.

3 -

(مسعر) بن كِدَام بن ظُهير، أبو سلمة الكوفيّ، الثقة الثبت الفاضل [7] 8/ 8.

4 -

(محمد بن عبد الرحمن) بن عُبيد القرشيّ، مولى طلحة الكوفيّ، ثقة [6] 94/ 1352.

5 -

(عيسى بن طلحة) بن عُبيد اللَّه التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، من كبار [3] 73/ 90.

6 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال

ص: 136

الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى عيسى، وهو وأبو هريرة مدنيان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَن أَبِيِ هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ:"لَا يَبْكِي أَحَدٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَتَطْعَمَهُ النَّارُ) بفتح حرف المضارعة، من طَعِم بكسر العين، من باب تَعِب: أي فتأكله النار، والفعل منصوب بـ"أن" مضمرةً بعد الفاء السببيّة. وفي "شرح السنديّ": قوله: "فتطعمه النار" من طَعِم، أي فتأكله النار، أو من أطعم على بناء الفاعل، والضمير للَّه، أو على بناء المفعول، ونائب الفاعل "النار" انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "والضمير للَّه" هذا الوجه غير صحيح إلا إذا كان حرف المضارعة ياء تحتانيّة، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.

(حَتَّى يُرَدَّ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ) ببناء الفعل للمفعول، وهذا من التعليق بالمحال عادةً، إذ عودة اللبن في الضرع بعد احتلابه مستحيل عادة، وفائدة تعليقه به التاكيد في عدم دخول الباكي من خشية النار أبدًا، وهو كقوله تعالى:{حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف:40]. والظاهر من هذا أن اللَّه تعالى لا يوفق عبدًا للبكاء من خشيته إلا إذا أراد له النجاة من النار أبدًا (وَلَا يَجتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ) فكأنهما ضدّان لا يجتمعان، كالأشياء المتضادّة التي لا يمكن الجمع بينها (فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِم أَبَدًا) تثنية "منخر" بفتح الميم والخاء، وبكسرهما، وبضمّهما، وكمَجْلِسٍ: خرق الأنف، وحقيقته موضع النخر، وهو صوت الأنف. والمراد عدم دخوله النار أبدًا.

[فإن قلت]: كيف تجمع بين هذا الحديث الدالّ على عدم دخول مسلم قاتَلَ في سبيل اللَّه تعالى النار أبدًا، إذ أن خطاياه تكفّر كلها، وبين ما أخرجه مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، أنه سمعه يحدث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنه قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل اللَّه، والإيمان باللَّه أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت إن قتلت في سبيل اللَّه تكفر عني خطاياي، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"نعم، إن قتلت في سبيل اللَّه، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر"، ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قُتِلتُ في سبيل اللَّه، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "نعم، وأنت صابر محتسب،

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 12.

ص: 137

مقبل غير مدبر، إلا الدين، فان جبريل عليه السلام، قال لي ذلك".

وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"يُغفر للشهيد كلّ ذنب إلا الدين". وفي لفظ: "القتل في سبيل اللَّه يُكفّر كلّ شيء إلا الدين". فإن هذه النصوص صريحة في أن الشهادة لا تكفّر جميع حقوق الآدميين، وإنما تكفر الحقوق المتعلّقة باللَّه سبحانه وتعالى فقط؟.

[قلت]: لا تعارض بين هذه الأحاديث، إذ أحاديث مسلم تدلّ على أن الدين لا تكفّرها الشهادة، وهذا لا يستلزم دخول الشهيد النار بسبب الدين، إذ معاقبة اللَّه تعالى لا تنحصر بدخول النار، فيحتمل أن يعاقبه بغير دخول النار، أو لا يعاقبه، بل يُرضي خصمه عنه بتعويضة بالجنة، فلا يعاقب أصلاً.

ويحتمل أن يُخَصَّ عمومُ حديث الباب بأحاديث مسلم، فنقول: لا يدخل الشهيد النار أبدًا إلا إذا كان عليه دين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو وإن كان موقوفًا من هذا الوجه، فهو، مرفوعٌ من الطرق الآتية. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 8/ 3108 و 3109 و 3110 و 3111 و 3112 و 3113 و 3114 و 3115 - وفي "الكبرى" 8/ 4315 و 4316 و 4317 و 4318 و 4319 و 4320 و 4321 و 4322 و 4323. وأخرجه (ت) في "الجهاد" 1632 و"الزهد" 2311 (ق) في "الجهاد" 2774. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من عمل على قدميه في سبيل اللَّه تعالى، ووجه الدلالة أن الغبار الذي لا يجتمع مع دخان جهنّم في منخري مسلم إنما يثيره القدمان، ولا سيّما لمن لا يجد مركوبًا. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): فضل البكاء من خشية اللَّه تعالى. (ومنها): أن المسلم الحقيقيّ إذا جاهد في سبيل اللَّه، مخلصًا له لا يدخل النار أبدًا، فمن لم يُخلص فليس له من هذا الحظّ شيء، بل يكون سببًا لدخوله النار، بل هو من أول من يؤمر به إلى النار، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" والمصنف كما سيأتي برقم (3137) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال:

ص: 138

سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول:"إن أول الناس يُقضَى يوم القيامة عليه، رجل استُشهِد، فأُتِي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك، حتى استُشهِدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم، وعلمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وَسَّع اللَّه عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل، تُحِبْ أن ينفق فيها، إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به، فسُحب على وجهه، ثم ألقي في النار". اللهم ارزقنا الإخلاص في الأعمال كلها، وطهر قلوبنا من الرياء والسمعة، وجميع ما ينافي العبودية برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3109 -

(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى، مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ نَارِ جَهَنَّمَ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"المسعوديّ": هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الكوفيّ، صدوق اختلط قبل موته، فمن سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط [7] 50/ 849.

والحديث صحيح، وقد سبق تمام الكلام فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3110 -

(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ: مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَدَّدَ، وَقَارَبَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي جَوْفِ مُؤْمِنٍ، غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفَيْحُ جَهَنَّمَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ، الإِيمَانُ وَالْحَسَدُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عيسى ابن حمّاد": هو أبو موسى المصريّ المقّلب بزُغْبَة، ثقة [10] 135/ 211.

و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ الفقيه المجتهد. و"ابن عجلان": هو محمد

ص: 139

مولى أبي فاطمة المدنيّ.

وقوله: "لا يجتمعان في النار" خبر محذوف، أي شيئان لا يجتمعان، أو هو على لغة "أكلوني البراغيث"، وعلى التقديرين، فقوله:"مسلم كافرًا" بتقدير معطوف، أي والكافر الذي قتله. وقوله:"ثم سدّد، وقارب" يفيد أنه مشروط بعدم الانحراف بعد ذلك. وقوله: "فيح جهنّم" أي أثر فيح جهنّم من الحرارة، و"فَيحُ جهنّم": قال ابن الأثير: "الفَيْح" سُطوعُ الحرّ، وفَوَارَانه، ويقال بالواو، وفاحت القدر تَفِيح، وتفُوح: إذا غلت. انتهى.

و"الْحَسَد" يقال: حَسَدتهُ على النعمة، وحَسَدته النعمةَ حَسَدًا -بفتح السين أكثر من سكونها- يتعدّى إلى الثاني بنفسه، وبالحرف: إذا كَرِهْتَهَا عنده، وتمنّيت زوالها عنه. وأما الحسد على الشجاعة، ونحو ذلك، فهو الْغِبْطة، وفيه معنى التعجّب، وليس فيه تمنّي زوال ذلك عن المحسود، فإن تمنّاه، فهو القسم الأول، وهو حرام. والفاعل حاسدٌ، وحَسُودٌ، والجمع حُسّادٌ، وحَسَدَةٌ. قاله في "المصباح".

وفيه تقبيح للحسد، وبيان أنه لا ينبغي للمؤمن أن يَحسُد، فإنه ليس من شأنه ذلك، فمعنى "لا يجتمعان" ههنا أنه ليس من شأن المؤمن أن يجمعهما، ويحتمل أن المراد بالإيمان كماله. فيتأمّل. قاله السنديّ

(1)

.

والحديث صحيح

(2)

، وقد تقدّم تخريجه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3111 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ، فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"جرير": هو ابن عبد الحميد الضبّيّ. و"سُهيل": هو ابن أبي صالح. و"صفوان بن أبي يزيد": هو المدنيّ، مقبول [4] 44/ 2247.

و"القعقاع بن اللجلاج"، ويقال: خالد، كما في الحديث التالي. ويقال: حصين، كما في رقم 3114 - ، ويقال: أبو العلاء، في رقم -3116 - ، مجهول [3].

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 12/13.

(2)

- ولا يضرّه الكلام في محمد بن عجلان، إذ الكلام فيه في حديث المقبريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأيضًا لحديثه هذا شواهد، فتنبّه.

ص: 140

روى عن أبي هريرة رضي الله عنه. وعنه صفوان بن أبي يزيد، ويقال: ابن يزيد، ويقال: ابن سليم. ذكره ابن حبّان في "الثقات" في حُصين، ولَمّا ذكر خالد بن اللجلاج في "ثقاته" كناه أبا العلاء، لكن قال فيه، يروي عن عمر، وعدّة، وعنه مكحول، وابن جابر. قال الحافظ: والظاهر أنه غير هذا. انتهى. تفرّد به المصنّف، أخرج له حديث الباب فقط.

وقوله: "ولا يجتمع الشّحّ الخ" قال الفيّوميّ: الشّحّ: البُخْل، وشَحّ يَشُحّ، من باب قتَلَ، وفي لغة من بابي ضرَبَ وتَعِبَ، فهو شَحيح، وقوم أَشِحَّاء، وأَشِحَّة، وتَشَاحّ القومُ بالتضعيف: إذا شحّ بعضهم على بعض انتهى

(1)

.

وقال ابن الأثير: الشُّحُّ أشدُّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص. وقيل: البخل في أفراد الأمور، وآحادها، والشّحّ عامّ. وقيل: البخل بالمال، والشحّ بالمال والمعروف انتهى

(2)

.

والمعنى: لا ينبغي للمؤمن أن يجمع بين الإيمان والشحّ في قلبه؛ إذ الشّحّ أبعد شيء من الإيمان. أو المراد بالإيمان كماله، كما تقدّم. أو المراد أنه قلّما يجتمع الشحّ والإيمان، واعتَبَر ذلك بمنزلة العدم، وأخبر بأنهما لا يجتمعان، ويؤخذ من الوجهين الأخيرين ما سيجيء:"لا يجمع اللَّه في قلب امرىء مسلم الإيمان باللَّه، والشحّ جميعًا". أفاده السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-

(3)

.

والحديث صحيح، وقد سبق تخريجه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3112 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ، فِي وَجْهِ رَجُلٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"صفوان بن سُليم": هو أبو عبد اللَّه المدنيّ الزهريّ مولاهم، ثقة مفتٍ عابد رُمي بالقدر [4] 47/ 59.

و"خالد بن اللجلاج": هو القعقاع بن اللجلاج المذكور في السند الماضي.

والحديث صحيح، وقد سبق تخريجه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع

(1)

- "المصباح المنير" في مادّة "شحح".

(2)

- "النهاية" 2/ 448.

(3)

- "شرح السنديّ" 6/ 13.

ص: 141

والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3113 -

(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ فِي جَوْفِ عَبْدٍ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عامر"، أو عمر الأنطاكيّ، نزيل الرملة، يقال: إن أصله بغداديّ، ويقال: مِصّيصيّ، ثقة [11]. تفرّد به المصنّف، وقال: ثقة، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، والآتي برقم 3921 و 5283.

و"منصور بن سلَمَة": هو أبو سلمة الخُزَاعيّ البغداديّ، ثقة ثبتٌ حافظ، من كبار [10] 87/ 1344.

و"ابن الهاد": هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، الثقة [5] 73/ 90. والحديث صحيح، وقد سبق تخريجه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3114 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَرْعَرَةُ بْنُ الْبِرِنْدِ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ، فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ أَبَدًا»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عرعرة" - بمهملتين، بينهما راء ساكنة، وآخره راء، ثم هاء- "ابن الْبِرِند" -بكسر الموحّدة، والراء، بعدها نون ساكنة- ابن النعمان بن عَلجة الساميّ -بالمهملمة- الناجيّ- بالنون، والجيم- أبو عمرو البصريّ، لقبه كُزْمان -بضمّ الكاف، وسكون الزاي- وقيل: هو اسم جدّ له، صدوق يَهِم [8].

قال أحمد: كنّا بالبصرة، وعَرْعَرَة حيّ، فلم نكتب عنه شيئًا. وقال عباس ابن السنديّ، عن ابن المدينيّ: ضعيف. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره العقيليّ في "الضعفاء". قال ابن أبي عاصم: مات سنة (192). وفيها أرّخه ابن سعد، وزاد: كان ابن اثنتين وثمانين سنة. تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، له عنده حديث الباب فقط. و"ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقة [9] 122/ 175.

و"محمد بن عمرو" هو: ابن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوق، له أوهام [6] 16/ 17.

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 142

والحديث صحيح، وقد سبق شرحه، وتخريجه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3114 -

(أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ، وَلَا يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شُعيب بن يوسف": هو أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث [10] 42/ 49 من أفراد المصنّف. و"حصين بن اللجلاج": هو القعقاع المتقدّم في - 3111 و"خالد" المذكور في -3112 كما سبق بيانه في الحديث 3111. والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3115 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: "لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عز وجل غُبَارًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانَ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَلَا يَجْمَعُ اللَّهُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ الإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَالشُّحَّ جَمِيعًا").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة [11] 120/ 166 من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. و"شُعيب": هو ابن الليث بن سعد المصريّ الفقيه الثقة، من كبار [10] 120/ 166. و"الليث": هو ابن سَعْد الإمام المصريّ المجتهد الحجة والد شعيب الراوي عنه [7] 31/ 35. و"عُبيد اللَّه ابن أبي جعفر": هو أبو بكر المصريّ، واسم أبيه يسار الثقة الفقيه العابد [5] 83/ 2585. و"أبو العلاء": هو حصين المذكور في السند الماضي. والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 143

‌9 - (ثَوَابُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)

3116 -

(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: لَحِقَنِي عَبَايَةُ بْنُ رَافِعٍ، وَأَنَا مَاشٍ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ خُطَاكَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، سَمِعْتُ أَبَا عَبْسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى النَّارِ»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(الحسين بن حريث) الخزاعيّ مو لاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [10] 44/ 52.

2 -

(الوليد بن مسلم) أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [8] 5/ 454.

3 -

(يزيد بن أبي مريم) ويقال: يزيد بن ثابت بن أبي مريم بن أبي عطاء الأنصاريّ، أبو عبد اللَّه الدمشقيّ، مولى سهل ابن الحنظليّة، إمام الجامع بدمشق، لا بأس به [6].

قال عثمان الدراميّ، عن ابن معين، ودُحيم: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: من ثقات أهل دمشق. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: ليس بذاك. وقال دُحيم، وغيره: مات سنة (144) وقيل: مات بعد سنة خمس وأربعين. وجزم ابن حبّان بأنه مات سنة خمس. أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

4 -

(عَبَاية بن رافع) -بفتح أوّله، والموحّدة الخفيفة، بعد الألف تحتانيّة خفيفة- هو: ابن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاريّ الزُّرقيّ الحارثيّ، أبو رفاعة المدنيّ، نسب لجده في سند المصنف، ثقة [3].

ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُكنى أبا خَديج، مات في ولاية الوليد بن عبد الملك. أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا الحديث 3116 وحديث في قسم الغنائم 4297 وأعاده برقم 4391 وحديث في الصيد 4403 وأعاده برقم 4404 و 4409 و 4410.

5 -

(أبو عَبْس) -بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، آخره سين- ابن جْبر بن عمرو بن زيد بن جُشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك ابن الأوس الأنصاريّ، اسمه عبد الرحمن. وقيل: عبد اللَّه، والأول أصحّ. قيل: كان

ص: 144

اسمه في الجاهلية عبد العزّى. شهد بدرًا، وما بعدها، وكان فيمن قَتَلَ كعب بن الأشرف. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعنه ابنه زيد، وحفيده أبو عبس بن محمد بن أبي عبس، وعباية بن رفاعة بن رافع بن خَدِيج. وقيل: إنه كان يكتب بالعربيّة قبل الإسلام. مات سنة (34) وهو ابن (70) سنة، وصلّى عليه عثمان. ذكره ابن عبد البرّ، وابن سعد، وابن الْبَرْقيّ، وابن حبّان، وغيرهم. زاد ابن سعد: آخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بينه وبين حُبيش بن حُذَافة، وكان هو وأبو بُرْدة يكسران أصنام بني حارثة حين أسلما. وقال ابن حبّان: كان اسمه معبدًا في الجاهليّة. روى له البخاريّ، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن يزيد بن أبي مريم أنه (قال: لَحِقَنِي عَبَايَةُ بْنُ رَافِعٍ) الأنصاريّ (وَأَنَا مَاشٍ إِلَى الْجُمُعَةِ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال. زاد الإسماعيليّ في روايته: "وهو راكب، فقال: احتسب خُطاك هذه".

ثم إن هذه الرواية صريحة في أن القصّة وقعت بين يزيد بن أبي مريم، وبين عباية بن رفاعة، وعند البخاريّ من رواية عليّ بن المدينيّ، عن الوليد بن مسلم، قال: حدثني يزيد بن أبي مريم، قال: حدثنا عَبَاية بن رفاعة، قال: أدركني أبو عَبْسٍ، وأنا أذهب إلى الجمعة، فقال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "من اغبرّت قدماه في سبيل اللَّه، حرّمه اللَّه على النار".

فهذه الرواية صريحة في أن القصّة بين عباية بن رفاعة وبين أبي عبس، ويجمع بين الروايتين بأن القصّة وقعت مرّتين لكلّ واحد منهما. واللَّه تعالى أعلم

(1)

.

(فَقَالَ) عباية بن رفاعة (أَبْشِرْ، فَإن خُطَاكَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في طاعته، طلبًا لمرضاته (سَمِعْتُ أَبَا عَبْسٍ) عبد الرحمن بن جبر - رضي اللَّه تعالى عنه -، وقد تقدم الخلاف في اسمه قريبًا (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ) أي أصابها الغبار، وإنما ذكر القدمين، وإن كان الغبار يعمّ البدن كلّه عند ثورانه؛ لأن كثيرًا من المجاهدين في ذلك الزمان كانوا مشاةً، والأقدام تتغير على كلّ حال، سواء كان الغبار قويًّا، أو ضعيفًا؛ ولأن أساس ابن آدم على القدمين، فإذا سلمت القدمان من النار سلم

(1)

- راجع "عمدة القاري" 5/ 291 - 292. و"فتح" 3/ 51.

ص: 145

سائر أعضائه منها، وكذا الكلام في ذكر الوجه في سبيل اللَّه. أفاده العينيّ

(1)

.

وفي رواية للبخاريّ: "ما اغبرت قدما عبد"، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"ساعة من نهار".

(فِي سَبيلِ اللَّهِ) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى، فـ"في" بمعنى اللام، أو بسبب إعلاء كلمةَ اللَّه تعالى، فـ"في" بمعنى الباء السببية، وهذا كلّه إذا كان المراد بـ"سيل اللَّه" جهاد الكفّار، وهو المتباردر إلى الذهن.

وقد حمله الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" على عموم أنواع الطاعات، ولذلك ترجم في "كتاب الجمعة" - "باب المشي إلى الجمعة"، ثم أورد حديث أبي عبس هذا، عملاً بعموم اللفظ، ولأن راوي الحديث استدلّ به على ذلك

(2)

.

وقال ابن الأثير: وسبيل اللَّه عام يقع على كلّ عمل خالص، سُلك به طريق التقرّب إلى اللَّه تعالى بأداء الفرائض، والنوافل، وأنواع التطوّعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه انتهى

(3)

.

(فَهُوَ) أي ذلك الشخص (حَرَامٌ عَلَى النَّارِ) يعني أنه لا يدخل النار. وفي رواية للبخاريّ: "ما اغبرّت قدما عبد في سبيل اللَّه، فتمسّه النار". والمعنى أن المسّ ينتفي بوجود الغبار المذكور، وفي ذلك إشارة إلى عظيم قدر التصرّف في سبيل اللَّه، فإذا كان مجرّد مسّ الغبار للقدم يحرّم عليها النار، فكيف بمن سعى، وبذل جهده، واستنفد وسعه؟.

وللحديث شواهد: منها: ما أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" عن أبي الدرداء، مرفوعًا:"من اغبرّت قدماه في سبيل اللَّه باعد اللَّه منه النار مسيرة ألف عام للراكب المستعجل". وأخرج ابن حبّان من حديث جابر رضي الله عنه أنه كان في غَزَاة، فقال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول، فذكر نحو حديث أبي عبس، قال: فتواثب الناس عن دوابّهم، فما رئي أكثر ماشيًا من ذلك اليوم. قاله في "الفتح"

(4)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي عبس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ.

(1)

- "عمدة القاري" 5/ 292.

(2)

- "فتح" 3/ 51.

(3)

- "النهاية" 2/ 338 - 339.

(4)

- "فتح" 6/ 110 - 111.

ص: 146

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا - 9/ 317 - وفي " الكبرى" 9/ 4324. وأخرجه (خ) في "الجمعة" 907 و"الجهاد والسير" 2811 (ت) في "فضائل الجهاد" 1632 (أحمد) في "مسند المكثرين" 15505. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من اغبرّت قدماه في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): أن "سبيل اللَّه" يعمّ جميع فعل الطاعات، كما هو رأي الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث إن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - استدلّ بهذا الحديث على فضل المشي إلى الجمعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌10 - (ثَوَابُ عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل

-)

3117 -

(أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُمَيْرٍ الرُّعَيْنِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ التُّجِيبِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا رَيْحَانَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حُرِّمَتْ عَيْنٌ عَلَى النَّارِ، سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عصمة بن الفضل) أبو الفضل النيسابوريّ، نزيل بغداد، ثقة [11] 9/ 1617 من أفراد المصنّف، وابن ماجه.

2 -

(زيد بن الْحُباب) أبو الحسين الْعُكْليّ الخراسانيّ الأصل نزيل الكوفة، صدوق يُخطىء [9] 33/ 37.

3 -

(عبد الرحمن بن شُرَيح) بن عُبيد اللَّه بن محمود الْمَعَافريّ -بفتح الميم، والمهملة- أبو شُريح الإسكندرانيّ، ثقة فاضل، لم يصب ابن سعد في تضعيفه [7].

ص: 147

قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. زاد أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجليّ: مصريّ ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كان كخير الرجال. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وضعَّفه ابن سعد وحده، فقال: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: لا أظنه أدرك شَرَاحيل. وقال ابن يونس: توفّي بالإسكندرية سنة (167) وكان له عبادة وفضل. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم - 3117 و 3162 و 3163 و 3167.

4 -

(محمد بن شُمَير) -بالتصغير-، ويقال: بالمهملة- الرُّعينيّ

(1)

، أبو الصبّاح المصريّ، مقبول [6].

روى عن أبي عليّ التُّجيبيّ، ويقال: الْجَنْبيّ، ويقال: الهَمْدَانيّ. وروى عنه أبو شُرَيح عبد الرحمن بن شُريح. وقال أبو حاتم، وابن يونس: روى عن أبي عليّ الهمْدانيّ. وصحّح البخاريّ في "تاريخه" أنه محمد بن شُمير، وقال: سمع أبا عليّ الْهَمْدَانيّ. ولما ذكره ابن حبّان قال: روى عنه المصريّون. وجزم ابن القطّان بأن عبد الرحمن بن شُريح تفرّد بالرواية عنه، وأنه لا يُعرف، وذكر أنه وقع عند النسائيّ محمد بن سُمير -بالمهملة-.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: وقع عند النسائيّ بالمهملة فيه نظر؛ لأن نسخ "المجتبى" كلها، و"الكبرى" التي بين يديّ إنما هو بالشين المعجمة، حتى إن الذين يكتبون بالهامش اختلاف النسخ لم يشيروا إلى وجود نسخة بالمهملة أصلاً. فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.

وحكى عبدالغنيّ فيه الوجهين. وقال ابن حبّان في "الثقات": محمد بن سُمير، ويقال: شُمير، ويقال: شِمْر. انتهى. تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وله عنه في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

5 -

(أبو عليّ التُّجِيبيّ) عمرو بن مالك الهمدانيّ المصريّ، ثقة [3] 48/ 1284. [تنبيه]: قوله: "التُّجيبيّ" هكذا عند المصنّف هنا، وفي "الكبرى" بالتاء المثناة فوقُ، فجيم، فمثناة تحتانية، فموحّدة- والذي في كتب الرجال "الْجَنْبيّ " -بجيم مفتوحة، فنون ساكنة، فموحّدة- والأولى نسبة إلى قبيلة من كندة، وإلى محلّة بمصر. قال في "اللباب": هذه القبيلة نزلت مصر، وبالفسطاط محلة تنسب إليهم، يقال لها: تُجيب

(2)

.

(1)

- "الرُّعَينيّ" بضم الراء، وفتح العين المهملة، بعدها نون، مصغّرًا-: نسبة إلى ذي رُعَين من أقيال اليمن. أفاده في "لب اللباب" 1/ 355.

(2)

- "اللباب" 1/ 448. و"لب اللباب" 1/ 166.

ص: 148

والثانية نسبة إلى قبيلة من اليمن. قاله في "اللبّ"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إن لم يكن ما هنا تصحيفًا عن الْجَنْبيّ، يمكن أن يكون أبو عليّ هذا جَنْبِيًّا، نزل تجُيب بمصر هو، أو أحد أجداده، فنسب إليها، فيكون جنبيًّا نسبًا، وتُجيبيًّا نسبةً. واللَّه تعالى أعلم.

6 -

(أبو رَيْحانة) شَمْعُون بن زيد خُنَافَة الأزديّ، حليف الأنصار، ويقال: مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، صحابِيٌّ، شَهِدَ فتح دمشق، وكان مُرَابطًا بعسقلان، ويقال: إنه والد رَيَحْانة سُرّيّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال ابن الْبَرْقيّ: أبو ريحانة الأزديّ كان سكن بيت المقدس، له خمسة أحاديث. وذكره ابن يونس فيمن قدم مصر، قال: ويقال في اسمه: شَمْغُون - بالغين -يعني المعجمة-وهو أصحّ عندي. قال ضمرة بن ربيعة، عن فروة الأعمى مولى سعد بن أُميّة: ركب أبو رَيحانة البحر، وكان يَخيط فيه بإبرة معه، فسقطت إبرته في البحر، فقال: عزمت عليك يا ربّ إلا رددت عليّ إبرتي، فظهرت حتى أخذها. قال: واشتدّ عليهم البحر ذات يوم وهاج، فقال: اسكن أيها البحر، فإنما أنت عبدٌ مثلي، قال: فسكن حتى صار كالزيت. وقال ابن حبّان: أبو ريحانة شمعون، وقيل: اسمه عبد اللَّه بن النضر، والأول أصحّ، وهو حليف حضرموت. وقال ابن عبد البرّ: كان من بني قُريظة، وكانت ابنته ريحانة سُرية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكان من الفضلاء الزاهدين إنتهى. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم 3118 و 5091 و 5110 و 5111 و 5112. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير محمد بن شُمير، فمقبول. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه، فنيسابوري، ثم بغدادي، وزيد، فخراساني، ثم كوفي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحٍ) الْمَعافريّ الإسكندرانيّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُمَيْر الرُّعَينيَّ) أبا الصبّاح المصريّ (يقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَليٍّ التُّجيبِيَّ) عمرو بن مالك (أَنَّهُ سَمِعَ أبَا رَيْحَانَةَ) شمعون بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "حُرْمَتْ) بالبناء للمفعول، يحتمل أن يكون من حرّمتُ الشيءَ تحريمًا، ويحتمل أن

(1)

- "لب اللباب" 1/ 214.

ص: 149

يكون من حَرَمت فلانًا الشيء أَحْرِمه، من باب ضرب، يتعدّى إلى مفعولين، حَرِمًا - بفتح الحاء، وكسر الراء- وحِرْمانًا (عَيْنٌ عَلَى النَّارِ، سَهِرَتْ) بكسر الهاء، يقال: سَهِرَ، من باب فرح: إذا لم يَنَمْ (فِي سَبيلِ اللَّهِ ") أي لإعلاء كلمة، سواء كان السهر في حراسة الجيش، أو الثغور، أو في المسير إلى محلّ المعركة، أو في غير ذلك.

والحديث اختصره المصنّف، وقد أخرجه أحمد في "مسنده" مطوّلاً، فقال:

16762 -

حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني عبد الرحمن بن شريح، قال: سمعت محمد بن سمير الرعيني، يقول: سمعت أبا عامر التجيبي- قال أبي: وقال غيره: الجنبي، يعني غير زيد أبو علي الجنبي- يقول: سمعت أبا ريحانة، يقول: كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شَرَف، فبتنا عليه، فأصابنا برد شديد، حتى رأيت من يَحفِر في الأرض حفرة، يدخل فيها، يُلقي عليه الْحَجَفَة -يعني الترس- فلما رأى ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الناس، نادى:"من يَحرُسنا في هذه الليلة؟ وأدعو له بدعاء"، يكون فيه فضل، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول اللَّه، فقال:"ادنه"، فدنا، فقال:"مَن أنت؟ "، فَتَسَمَّى له الأنصاريّ، ففتح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالدعاء، فأكثر منه، قال أبو ريحانة: فلما سمعتُ ما دعا به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقلت: أنا رجل آخر، فقال:"ادنه"، فدنوت، فقال:"من أنت؟ "، قال: فقلت: أنا أبو ريحانة، فدعا بدعاء، هو دون ما دعا للأنصاري، ثم قال:"حرمت النار على عين دمعت، أو بكت من خشية اللَّه، وحرمت النار على عين، سَهِرَت في سبيل اللَّه"، -أو قال-:"حرمت النار على عين أخرى ثالثة"، لم يسمعها محمد بن سُمَير، وقال غيره -يعني غير زيد- أبو علي الجنبي. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي ريحانة - رضي اللَّه تعالى - تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا - 10/ 3118 - وفي "الكبرى" 10/ 4325. وهو صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ وفيه محمد بن شُمير، لم يرو عنه غيرُ عبد الرحمن بن شُريح، فهو مجهول العين؟.

[قلت]: الحديث له شاهد من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أخرجه الترمذيّ في "جامعه"، فقال:

3118 -

حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعيب بن رُزيق أبو شيبة، حدثنا عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال:

ص: 150

سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول:"عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية اللَّه، وعين باتت تحرس في سبيل اللَّه".

قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان، وأبي ريحانة، وحديث ابن عباس حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رزيق انتهى. فهذا حديث صحيح يشهد لحديث أبي ريحانة - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب، فيصحّ به.

والحديث أخرجه أيضًا (أحمد) في "مسند الشاميين"16762 (الدارميّ) في "الجهاد"2400. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقِي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌11 - (فَضْلُ غَدْوَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل

-)

3119 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْغَدْوَةُ، وَالرَّوْحَةُ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل، أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عبدة بن عبد اللَّه) الصفّار الخزاعيّ البصريّ، كوفي الأصل الثقة [11] 18/ 800.

2 -

(حسين بن عليّ) الجعفيّ الكوفيّ العابد الثقة المقرىء [9] 74/ 91.

3 -

(زائدة) بن قُدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة [7] 74/ 91.

4 -

(سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الكوفي الثقة الحجة [7] 33/ 37.

5 -

(أبو حازم) سلمة بن دينار التمّار المدنيّ الزاهد [5] 40/ 44.

6 -

(سَهْل بْن سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم في 40/ 734. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 151

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فبصريّ، وأبي حازم، وسهل فمدنيان. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْغَدْوَةُ) بفتح الغين المعجمة، وسكون الدال المهملة: المرّة الواحدة من الغدو، وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه (وَالرَّوْحَةُ) بفتح الراء، وسكون الواو أيضًا المرّة الواحدة، من الرّوَاح، وهو الخروج في أيّ وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها (فِي سَبِيلِ اللَّه عز وجل) أي في جهاد الكفّار؛ لإعلاء كلمة اللَّه عز وجل (أَفْضَلُ) ولفظ مسلم: "خيرٌ" (مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا) قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى هذا الحديث أن فضل الغدوة، والروحة في سبيل اللَّه، وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلّها لو ملكها إنسانٌ، وتُصوّر تنعّمه بها كلها؛ لأنه زائلٌ، ونعيم الآخرة باق. قال القاضي -رحمه اللَّه تعالى-: وقيل: في معناه، ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا أنها خير من الدنيا وما فيها، لو ملكها إنسانٌ، وملك جميع ما فيها، وأنفقه في أمور الآخرة. قال هذا القائل: وليس تمثيل الباقي بالفاني على ظاهر إطلاقه. واللَّه أعلم انتهى

(1)

.

وقال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى- عند شرح قوله: "رباط يوم في سبيل اللَّه خير من الدنيا، وما عليها

الحديث: ما حاصله: فيه وجهان:

[أحدهما]: أن يكون من باب تنزيل المغيّب منزلة المحسوس، تحقيقًا له، وتثبيتًا في النفوس؛ فإن ملك الدنيا، ونعيمها، ولذاتها محسوسةً مستعظمة في طباع النفوس، فحقّق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط، وهو من المغيّبات خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذّات الدنيا.

[والثاني]: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، فحمل الحديث، وما في معناه على أن هذا الذي رُتّب عليه الثواب خير من الدنيا كلها، لو أُنفقت في طاعة اللَّه تعالى، وكأنه قصد بهذا أن تحصل الموازنة بين ثوابين أُخرويّين؛ لاستحقاره الدنيا في مقابلة شيء من الأخرى، ولو على سبيل التفضيل

(2)

.

(1)

- "شرح مسلم" 12/ 30.

(2)

- "إحكام الأحكام" 4/ 504 بنسخة حاشية العدّة.

ص: 152

قال الحافظ: ويؤيّد الثاني ما رواه ابن المبارك في "كتاب الجهاد" من مرسل الحسن، قال: بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جيشًا، فيهم عبد اللَّه بن رواحة، فتأخّر ليشهد الصلاة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غَدْوتهم". انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 11/ 3119 - وفي "الكبرى" 11/ 4326. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" 2794 و 2892 و "الرقاق" 6415 (م) في "الجهاد" 1881 و 1882 (ت) في "فضائل الجهاد" 1648 (ق) في "الجهاد" 2756 (أحمد) في "مسند المكيين" 15132 و"باقي مسند الأنصار" 22337 (الدراميّ) في "الجهاد" 2398. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل غدوة في سبيل اللَّه عز وجل. (ومنها): بيان فضل الروحة أيضًا. (ومنها): أن فيه تسهيل أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنّة قدر يسير فقد حصل له أمر عظيم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات. والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبّه هذا المتأخّر أن هذا القدر اليسير من الجنّة أفضل من جميع ما في الدنيا. قاله في "الفتح"

(2)

.

(ومنها): أن الدنيا كلها لا توازي شيئًا قليلاً من نعيم الآخرة؛ وفي الحقيقة أنه لا مقابلة بينهما إلا من باب المجاز، إذ الدنيا بغيضة عند اللَّه تعالى، بل هي ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه تعالى، وما والاه، وعالمًا، أو متعلّمًا، والآخرة كلها محبوبة للَّه تعالى، دار جزاء عباده المؤمنين الأبرار، فلا خير في الدنيا من حيث هي دنيا، ثم إن نعيم الجنّة خير من نعيم الدنيا من جهة أنه نعيم غير منغّص بالزوال، ولا بمعاداة الرجال، ولا بالأمراض والأسقام، ولا بالسآمة والمنام، ولا بالهموم والأكدار، ولا

(1)

- "فتح" 6/ 91.

(2)

- "فتح" 6/ 91.

ص: 153

بالأضداد والأغيار، بل هي دار أفراح، وأنوار، وسرور متصل وقرار، جعلنا اللَّه تعالى بفضله من أهل تلك الدار، إنه واسع الفضل والكرم العزيزُ الغفّار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌12 - (فَضْلُ الرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل

-)

3120 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن عبد اللَّه بن يزيد) أبو يحيى المكيّ، ثقة [10] 11/ 11.

2 -

(أبوه) عبد اللَّه بن يزيد، أبو عبد الرحمن المقرىء المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز الثقة الفاضل [9] 4/ 746.

3 -

(سعيد بن أبي أيوب) مِقْلاص، أبو يحيى المصريّ الثقة الثبت [7] 27/ 1880.

4 -

(شُرحبيل بن شريك المعافريّ) الأَجْرَويّ، أبو محمد المصريّ، ويقال: شُرَحْبيل بن عمرو بن شريك، صدوق [6].

قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو الفتح الأزديّ: شُرحبيل بن شريك ضعيف.

روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى ابن ماجه، إلا أن أبا داود سمّاه في روايته "شرحبيل بن يزيد"، قاله في حديثه عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد اللَّه بن عمرو:"ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت تِرْياقًا". قاله أبو داود عن عبيد اللَّه القواريريّ، عن المقرىء، عن سعيد بن أبي أيوب، عنه. وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وغير واحد، عن المقرىء، فقالوا: شُرَحْبيل بن شَرِيك على الصواب.

ص: 154

قال الحافظ: أخشى أن يكون شُرحبيل بن يزيد تصحيفًا من شَرَاحيل بن يزيد؛ لأنه أيضًا مَعَافريّ، ويروي عن عبد الرحمن بن رافع وغيره، ويروي عنه سعيد بن أبي أيوب وغيره، ومن الجائز أن يكون الحديث عندهما جميعًا، فأما شُرحبيل بن يزيد، فإن كان محفوظًا، فلا يُدرَى من هو؟ انتهى. وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم 3232 "إن الدنيا كلها متاع .. " الحديث.

5 -

(أبو عبد الرحمن الحُبُليّ) عبد اللَّه بن يزيد المعافريّ المصريّ الثقة [3] 60/ 1303.

6 -

(أبو أيوب الأنصاريّ) خالد بن زيد بن كُليب - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم في 20/ 20. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به المصنّف، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه، فمكّيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد اللَّه بن يزيد المعافريّ (الْحُبُليّ) بضم الحاء المهملة، والباء الموحّدة، بعدها لام: نسبة إلى حي من اليمن من الأنصار، يقال لهم: بنو الْحُبُلَى. قاله في "اللباب"

(1)

(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأنْصَارِيَّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّه- صلى الله عليه وسلم: "غَدْوَةٌ فِي سَبيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ") قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: "أو" هنا للتقسيم، لا للشكّ، ومعناه أن الغدوة، يحصل بها هذا الثواب العظيم، وكذا الروحة، والظاهر أنه لا يختصّ ذلك بالغدوّ والرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكلّ غَدْوة، أو رَوْحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوة، أو روحة في موضع القتال؛ لأن الجميع يسمّى غدوة، وروحةً في سبيل اللَّه. انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي أيوب الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

(1)

- "اللباب في تهذيب الأنساب" 1/ 337 - 338.

(2)

- "شرح مسلم" 12/ 30.

ص: 155

أخرجه المصنّف هنا -12/ 3120 - وفي "الكبرى" 12/ 4327. وأخرجه (م) في "الجهاد" 1883 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 23075. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3121 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عز وجل عَوْنُهُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عبد اللَّه بن المبارك) المروزي الإمام الحجة المشهور [8] 32/ 36.

2 -

(محمد بن عجلان) المدنيّ، صدوق [5] 36/ 40.

3 -

(سعيد المقبريّ) ابن كيسان المدني، ثقة فقيه [3] 95/ 117. والباقون تقدّموا قريبًا.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن عجلان، وابن المبارك مروزي، والباقيان مكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَن أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "ثَلَاَثةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عز وجل) أي واجب عليه بمقتضى وعده السابق (عَوْنُهُ) أي إعانته، وأفرد الضمير باعتبار لفظ "ثلاثة"، فإنه مفرد اللفظ، وفي رواية الترمذيّ:"عونهم"، وهو واضح.

قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما آثر هذه الصيغة إيذانًا بأن هذه الأمور من الأمور الشاقّة التي تفدح الإنسان، وتقسم ظهره، لولا أن اللَّه تعالى يعينه عليها، لا يقوم بها، وأصعبها العفاف؛ لأنه قمع الشهوة الجبلّيّة المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيميّة النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعفّ، وتداركه عون اللَّه تعالى ترقّى إلى منزلة الملائكة، وأعلى عليين انتهى

(1)

.

(الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه عز وجل (وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ)

(1)

راجع "المرقاة شرح المشكاة" 6/ 270 - 271. في "كتاب النكاح".

ص: 156

أي إعفاف نفسه، وكفّها عن الزنا وغيره من المحرّمات (وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ) أي أداء بدل كتابته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا حسنٌ.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 12/ 3121 و"النكاح" 5/ 3219 - وفي "الكبرى" 12/ 4328 و 5/ 5326. وأخرجه (ت) في "فضائل الجهاد" 1655 (ق) في "كتاب الأحكام" 2518 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 9348. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الروحة في سبيل اللَّه عز وجل، ووجه الاستدلال منه أن من خرج روحة في سبيل اللَّه تعالى من جملة المجاهدين في سبيله؛ لأن من خرج من بيته قاصدًا الجهاد فهو في سبيل اللَّه تعالى حتى يرجع إلى بيته، سواء قصر سفره، أم طال. (ومنها): فضل الناكح الذي ينكح ليعف نفسه عن المحرّمات، فإن اللَّه تعالى يعينه على مُؤَن النكاح الحلال الذي يؤدّي غرضه، وهذا بمعنى قوله عز وجل:{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الآية [النور: 32]. (ومنها): فضل المكاتب الذي يسعى لأداء بدل الكتابة إلى مولاه، حيث إن اللَّه تعالى يعينه على أداء ما عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌13 - (بَابٌ الْغُزَاةُ وَفْدُ اللَّهِ تَعَالَى)

3122 -

(أَخْبَرَنَا

(1)

عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ،

(1)

- وفي نسخة: "ثنا".

ص: 157

يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَفْدُ اللَّهِ عز وجل ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في -4/ 2625 - وتقدّم شرحه، وتخريجه هناك، وللَّه الحمد والمنّة.

ورجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عيسى بن إبراهيم" المثروديّ الغافقيّ المصريّ، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة، من صغار [10] 31/ 819.

و"مخرمة": هو ابن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ.

وقوله: "وفد اللَّه عز وجل ثلاثة" أي السائرون إلى اللَّه تعالى القادمون عليه من جملة المسافرين ثلاثة أصناف، شبه هؤلاء الثلاثة بالوفد الذين يَفِدون إلى الملوك والأمراء، فيُتحفون بالجوائز العظيمة، ويُكرمون بالعطايا الجسيمة، وللَّه المثل الأعلى، فيكرم هؤلاء بكرامة ليس بعدها كرامة، بجنات عدن، فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وفيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهم الفائزون الفوزَ الأبديَّ، كما قال تعالى:{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} الآية [آل عمران: 185]. اللَّهم اجعلنا من وفدك الموفّقين، الذين تكرمهم بجنّات النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌14 - (بَابُ مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ عز وجل لِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ)

3123 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ عز وجل لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ، الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ»).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الْجَمَلي المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20.

ص: 158

2 -

(الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصري، ثقة فقيه [10] 9/ 9.

3 -

(ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ الفقيه المصريّ، صاحب مالك، من كبار [10] 19/ 20.

4 -

(مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [7] 7/ 7.

5 -

(أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدني، ثقة فقيه [5] 7/ 7.

6 -

(الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [3] 7/ 7.

7 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هدا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود، وهو مصريّ حافظ فقيه، (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، (ومنها) أن هذا الإسناد أحد الأسانيد التي قيل فيها: إنها من أصح أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (5374) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قَالَ: تكَفَّلَ اللَّهُ عز وجل) وفي الرواية التالية: "انتدب اللَّه"، وفي الرواية الثالثة:"وتوكّل اللَّه". قال في "الفتح": وقد اختلفت الطرق عن أبي هريرة رضي الله عنه في سياقه، فرواه مسلم من طريق الأعرج عنه بلفظ:"تكفّل اللَّه لمن جاهد في سبيله لا يُخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله، وتصديق كلمته"، وهو كذلك عند البخاريّ في "كتاب الخمس" من طريق أبي الزناد، وكذلك أخرجه مالك في "الموطإ" عن أبي الزناد في "كتاب الخمس"، وأخرجه الدراميّ من وجه آخر عن أبي الزناد بلفظ:"لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل اللَّه، وتصديق كلماته"، نعم أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث ابن عمر، فوقع في روايته التصريح بأنه من الأحاديث الإلهية، ولفظه: "عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربّه، قال: أيّما عبد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيلي ابتغاء مرضاتي، ضمنت له إن رجعته أن أرجعه بما أصاب من أجر، أو غنيمة

" الحديث، ورجاله ثقات، وأخرجه الترمذيّ من حديث عبادة بلفظ: "يقول اللَّه عز وجل: المجاهد في سبيلي هو عليّ ضامن، إن رجعته

ص: 159

رجعته بأجرٍ، أو غنيمة

" الحديث، وصححه الترمذيّ.

وقوله: "تضمن اللَّه، وتكفّل اللَّه، وانتدب اللَّه" بمعنى واحد، ومحصّله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} الآية [التوبة: 111]، وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى، وقد عبّر اللَّه سبحانه وتعالى بتفضّله بالثواب بلفظ الضمان، ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئنّ به نفوسهم انتهى

(1)

.

(لِمَنْ جَاهَد) متعلّق بـ"تكفّل"(فِي سَبيلِهِ) أي لأجل إعلاء كلمته (لَا يُخْرِجُهُ إِلا الْجِهَادُ فِي سَبيلِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهو نصّ صريحٌ على اشتراط خلوص النيّة للَّه تعَالى في الجهاد (وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ) أي كلمة الشهادتين، فيعادي من أباهما، وقيل: تصديق كلام اللَّه تعالى بما للمجاهدين من عظيم الثواب

(2)

(بِأنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) أي بغير حساب، ولا عذاب، أو المراد أن يُدخله الجنّة ساعة موته، كما ورد:"أن أرواح الشهداء تَسْرَح في الجنّة"، وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال: ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد، والراجع سالمًا؛ لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنّة، ومحصّل الجواب أن المراد بدخول الجنّة دخول خاصّ. قاله في "الفتح".

وقال القاضي عياض يحتمل أن يدخله عند موته كما قال تعالى في الشهداء: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} الآية. وفي الحديث: "أرواح الشهداء في الجنّة"، ويحتمل أن يكون دخوله الجنّة عند دخول السابقين والمقرّبين بلا حساب، ولا عذاب، ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة مكفّرة لذنبه، كما صرّح به في الحديث الصحيح انتهى

(3)

(أَوْ يَرُدَّهُ) بالنصب عطفًا على "يُدخلَهُ"(إِلَى مَسْكَنِهِ) بفتح الكاف وكسرها لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، وقوله (الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ) تأكيد لما جُبل عليه الإنسان من محبّة الوطن (مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ") أي مع أجر خالص إن لم يغنم، أو مع غنيمة خالصة معها أجرٌ، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحامل على هذا التأويل أن ظاهر الحديث أنه إذا غنم لا يحصل له أجرٌ، وليس ذلك مرادًا، بل المراد، أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من لم يَغنم؛ لأن القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه، وأتمّ أجرًا عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحًا في نفي الجميع.

(1)

- "فتح" 6/ 82 - 83.

(2)

- "طرح التثريب" 7/ 194.

(3)

- راجع "طرح التثريب" 7/ 194 - 195.

ص: 160

وقال الكرمانيّ: معنى الحديث أن المجاهد إما يُستَشهَد أو لا، والثاني لا ينفكّ من أجرٍ، أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما، فهي قضيّةٌ مانعةُ الخلوّ، لا الجمع، وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال: إن "أو" بمعنى الواو، وبه جزم ابن عبد البرّ، والقرطبيّ، ورجّحها التوربشتيّ، والتقدير:"بأجر وغنيمة". وقد وقع كذلك في رواية لمسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، رواه كذلك عن يحيى بن يحيى، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد. وقد رواه جعفر الفريابيّ، وجماعة عن يحيى بن يحيى، فقالوا:"أجر، أو غنيمة" بصيغة "أو". وقد رواه مالك في "الموطإ" بلفظ: "أو غنيمة"، ولم يختلف عليه إلا في رواية يحيى بن بُكير عنه، فوقع فيه بلفظ:"وغنيمة"، ورواية يحيى بن بكير، عن مالك فيها مقال.

ووقع عند النسائيّ من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة بالواو أيضًا، وكذا من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ذكر في "الفتح" أن رواية النسائيّ-14/ 3124 - من طريق الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، و-14/ 3123 - من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة بالواو، لكن نسخ "المجتبى" التي بين يديّ كلها، ونسخة "الكبرى" من الطريقين بـ"أو"، لا بالواو، ولعله وجد ما ذكره في بعض النسخ، واللَّه تعالى أعلم.

قال: وكذلك أخرجه أبو داود باسناد صحيح، عن أبي أمامة بلفظ:"بما نال من أجر وغنيمة"، فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعين القول بأنّ "أو" في هذا الحديث بمعنى الواو كما هو مذهب نحاة الكوفيين، لكن فيه إشكال صعب لأنه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكلّ من رجع، وقد لا يتّفق ذلك، فإن كثيرًا من الغزاة يرجع بغير غنيمة، فما فرّ منه الذي ادعى أن "أو" بمعنى الواو وقع في نظيره؛ لأنه يلزم على ظاهرها أن من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، كما يلزم على أنها بمعنى الواو أن كلّ غاز يجمع له بين الأجر والغنيمة معًا.

وقد روى مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "ما من غازية تغزو في سبيل اللَّه، فَيُصيبون الغنيمة إلا تعجّلُوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يُصيبوا غنيمة تمّ لهم أجرهم". وهذا يؤيّد التأويل الأول، وأن الذي يغنم يرجع بأجر، لكنّه أنقص من أجر من لم يغنم، فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو، فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا، وتمتّعه به بأجر من لم يغنم مع اشتراكهما في التعب والمشقّة، كان أجر من غنم دون أجر من لم يغنم، وهذا موافق لقول خبّاب

ص: 161

في الحديث المتفق عليه: "فمنّا من مات، ولم يأكل من أجره شيئًا

" الحديث.

واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة، وهو مخالف لما يدلّ عليه أكثر الأحاديث، وقد اشتهر تمدّح النبيّ صلى الله عليه وسلم بحلّ الغنيمة، وجعلها من فضائل أمته، فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التمدّح بها. وأيضًا فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلاً، مع أن أهل بدر أففل بالاتفاق. وسبق إلى هذا الإستشكال ابن عبد البرّ، وحكاه عياضٌ، وذكر أن بعضهم أجاب عنه بأنه ضعّف حديث عبد اللَّه بن عمرو؛ لأنه من رواية حميد بن هانىء، وليس بمشهور. وهذا مردود؛ لأنه ثقة يحتجّ به عند مسلم، وقد وثّقه النسائيّ، وابن يونس، وغيرهما، ولا يُعرف فيه تجريح لأحد.

ومنهم: من حمل نقص الأجر على غنيمة أُخذت على غير وجهها، وظهورُ فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في ردّه؛ إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم ثلث الأجر، ولا أقلّ منه.

ومنهم: من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده، وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضًا. وفيه نظرٌ؛ لأن صدر الحديث مصرّحٌ بأن المقسّم راجع إلى من أخلص؛ لقوله في أوله:"لا يُخرجه إلا إيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي".

وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما، واستعمالهما على وجههما. ولم يُجب عن الإشكال المتعلّق بأهل بدر.

وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين، بل الحكم فيهما جارٍ على القياس؛ لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقّة فيما كان أجره بحسب مشقّته؛ إذ للمشقّة دخولٌ في الأجر، وإنما المشكل العمل المتّصل بأخذ الغنائم، يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابون عليها.

فيمكن أن يُجاب بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئيّة على بعض؛ لأن أخذ الغنائم أول ما شُرع كان عونًا على الدين، وقوّةً لضعفاء المسلمين، وهي مصلحة عظمى، يغتفر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو.

وأما الجواب عمن استشكل ذلك بحال أهل بدرٍ، فالذي ينبغي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم، فغايته أن حال أهل بدر مثلاً عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولم يرد فيهم نصّ أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة، ولا يلزم من كونه مغفورًا لهم، وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون

ص: 162

وراءهم مرتبة أخرى.

وأما الاعتراض بحِلّ الغنائم فغير وارد، إذ لا يلزم من الحلّ ثبوت وفاء الأجر لكلّ غاز، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة، واستلاءها

(1)

من الكفّار يُحَصِّل الثواب، ومع ذلك فمع صحّة ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة، وصحّة القدح بأخذها لا يلزم من ذلك أن كلّ غاز يحصل له من أجر غَزَاته نظير من لم يغنم شيئًا البتّة.

قال الحافظ: والذي مثّل بأهل البدر أراد التهويل، وإلا فالأمر على ما تقرّر أخيرًا بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجرًا مما لو لم يحصل لهم أجر الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم، كمن شهد أُحدًا لكونهم لم يغنموا شيئًا، بل أجر البدريّ في الأصل أضعاف أجر من بعده، مثال ذلك أن يكون لو فُرض أن أجر البدريّ بغير غنيمة ستمائة، وأجر الأُحُديّ مثلاً بغير غنيمة مائة، فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد اللَّه بن عمرو، كان للبدريّ لكونه أخذ الغنيمة مائتان، وهي ثلث الستمائة، فيكون أكثر أجرًا من الأُحُديّ.

وإنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبيّ صلى الله عليه وسلم في قتال الكفّار، وكان مبدأ اشتهار الإسلام، وقوّة أهله، فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعًا، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل. واللَّه أعلم.

واختار ابن عبد البرّ أن المراد بنقص أجر من غنم أن الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على مافاته من الغنيمة، كما يؤجر من أُصيب بماله، فكان الأجر لما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر، ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد اللَّه بن عمرو الذي تقدّم ذكره.

وذَكَرَ بعض المتأخّرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد اللَّه بن عمرو حكمة لطيفة بالغةً، وذلك أن اللَّه أعدّ للمجاهدين ثلاث كرامات: دنيويتان، وأخرويّة، فالدنيويتان السلامة، والغنيمة، والأخرويّة دخول الجنّة، فإذا رجع سالمًا غانمًا، فقد حصل له ثلثا ما أُعدّ اللَّه له، وبقي له عند اللَّه الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوّضه اللَّه عن ذلك ثوابًا في مقابلة ما فاته، وكأن معنى الحديث أنه يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوّضتك عنه ثوابًا، وأما الثواب المختصّ بالجهاد فهو حاصل للفريقين معًا، قال: وغاية ما فيه عدّ ما يتعلّق بالنعمتين الدنيويتين أجرًا بطريق المجاز. واللَّه أعلم. ذكر هذا

(1)

- هكذا نسخة "الفتح"، ولعل الأولى:"واستلابها". واللَّه تعالى أعلم.

ص: 163

التحقيق بطوله "الفتح"

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 14/ 3123 و 3124 و 3125 و 16/ 3128 "كتاب الإيمان وشرائعه" 24/ 5030 و 5031 و"الكبرى" 12/ 4330 و 4331 و 4332 و"كتاب الإيمان وشرائعه" 24/ 11760 و 11761. وأخرجه (خ) في "الإيمان" 36 و"الجهاد" 2787 و 2797 و 2972 و"فرض الخمس" 3123 و"التوحيد" 7457 (م) في "الجهاد" 1876 (ق) في "الجهاد" 2753 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 7117 و 8923 و 10035 (الموطأ) في " الجهاد" 974 (الدراميّ) في "الجهاد" 2391. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده

(2)

:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ما تكفّل اللَّه عز وجل لمن يجاهد في سبيله. (ومنها): اشتراط إخلاص النية للحصول على هذا الفضل العظيم، فمن لم يبتغ بجهاده وجهه سبحانه وتعالى لا ينال فضل المجاهد في سبيله. (ومنها): عظم ثواب من لم يغنم في جهاده، حيث إنه يحصل الأجر كاملاً، بخلاف من غَنِمَ، فإنه ينقص من أجره ما حصل له من الغنيمة. (ومنها): أن الفضائل لا تدرك دائمًا بالقياس، بل هي بفضل اللَّه تعالى. (ومنها): أن فيه استعمال التمثيل في الأحكام. (ومنها): أن الأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لأعيانها، وإنما تحصل بالنيّة الخالصة إجمالاً وتفصيلاً. واللَّه تعالى أعلم بالصو اب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3124 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، مَوْلَى بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «انْتَدَبَ اللَّهُ عز وجل، لِمَنْ يَخْرُجُ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الإِيمَانُ بِي، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِي، أَنَّهُ ضَامِنٌ

(1)

- "فتح" 6/ 83 - 85.

(2)

- هذه الفوائد متعلّقة بأحاديث أبي هريرة الثلاثة المذكورة في الباب، لا بالحديث الأول فقط، فتنبّه.

ص: 164

حَتَّى أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، بِأَيِّهِمَا كَانَ، إِمَّا بِقَتْلٍ، أَوْ وَفَاةٍ، أَوْ أَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَالَ مَا نَالَ

(1)

مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"لليث": هو ابن سعد. و"سعيد": هو المقبريّ. و"عطاء ابن ميناء": هو أبو معاذ المدنيّ، صدوق [3] 52/ 967.

وقوله: "انتدب اللَّه": أي تكفّل اللَّه. وقيل: سارع بثوابه، وحسن جزائه. وقيل: بمعنى أجاب إلى المراد، ففي "الصحاح": ندبت فلانًا، فانتدب: أي أجاب إليه.

وقوله: "لا يُخرجه إلا إيمان بي" فيه التفات، وفيه انتقالٌ من ضمير الحضور إلى ضمير الغيبة. وقال ابن مالك: فيه حذف القول، والاكتفاء بالمقول، وهو سائغ شائعٌ سواء كان حالاً، أو غير حال، فمن الحال قوله تعالى:{وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ} [غافر: 7]، أي قائلين ربنا، وهذا مثله، أي قائلاً لا يُخرجه إلخ. قاله في "الفتح"

(2)

.

وقال السنديّ: قوله: "لا يُخرجه إلا إيمان بي": هذا من كلامه تعالى، فلا بدّ من تقدير القول ههنا، أي قائلاً: لا يُخرجه، وهو حال من فاعل "انتدب"، أو تقدير ما يؤدّي مؤدّاه أول الكلام، والمعنى سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول حاكيًا عن اللَّه انتدب، أو يقول: قال اللَّه تعالى: انتدب اللَّه، ونحو ذلك، فيكون من باب وضع الظاهر موضع الضمير) وأصله انتدبتُ، وهذا في كلامه تعالى كثير، ويكون قوله: إلا الإيمان بي من باب الالتفات انتهى كلام السنديّ.

وفيه دليلٌ على أنه لا يحصل هذا الثواب إلا لمن صحّت نيّته، وخلصت من شوائب إرادة الأغراض الدنيويّة، فإنه ذُكر بصيغة النفي والإثبات المقتضيين للحصر. قاله ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-

(3)

.

وقوله: "إنه ضامنٌ" أي ذلك الخارج ذو ضمان، أو مضمون. قال ابن دقيق العيدقيل: إن فاعلاً هنا بمعنى مفعول، كما قيل: في {مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 6]، و {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} ، أي مدفوق، ومرضيّة، على احتمال هاتين اللفظتين لغير ذلك. وقد يقال: إن "ضامنا" بمعنى ذي ضمان، كلابن، وتامر، ويكون الضمان ليس منه، وإنما نُسب إليه لتعلّقه به، والعرب تضيف لأدنى ملابسة انتهى

(4)

.

(1)

- وفي نسخة: "يخرُج مع ما نال".

(2)

- "فتح" 6/ 82.

(3)

- "إحكام الأحكام" 4/ 506 بنسخة حاشية "العدّة".

(4)

- "إحكام الأحكام" 4/ 507. بنسخة الحاشية.

ص: 165

وقوله: "حتى أدخله الجنّة" بضم أوله، من الإدخال.

والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3125 -

(أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ

(1)

فِي سَبِيلِهِ

(2)

، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ

(3)

، فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو ابن عثمان، ووالده عثمان بن سعيد الحمصيّان، فقد تفرّد بهما المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وهما ثقتان.

و"شُعيب": هو ابن أبي حمزة.

وقوله: "واللَّه أعلم بمن يجاهد في سبيل اللَّه": إنما أتى بهذه الجملة المعترضة إشارة إلى أن الأجر إنما هو لمن أخلص جهاده للَّه تعالى، لا لمن يظهر منه عند الناس أنه مجاهد، وليس عند اللَّه بمجاهد.

وقوله: "كمثل القائم الصائم" وفي الرواية الآتية -16/ 3128 - : "كمثل الصائم القائم الراكع الساجد". ولمسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه:"كمثل الصائم القائم القانت بآيات اللَّه، لا يفتر من صلاة، ولا صيام". وفي "الموطإ"، وابن حبّان:"كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام، ولا صلاة حتى يرجع". ولأحمد، والبزّار من حديث النعمان بن بشير، مرفوعًا:"مثل المجاهد في سبيل اللَّه كمثل الصائم نهاره، والقائم ليله".

وشبّه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل اللَّه في نيل الثواب في كلّ حركة وسكون؛ لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة، فأجره مستمرّ، وكذلك المجاهد لا تَضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب؛ لما تقدّم من حديث:"إن المجاهد لتَسْتَنُّ فرسه، فيُكتب له حسنات"، وأصرح منه قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا

(1)

- وفي نسخة: "للمجاهدين".

(2)

- وفي نسخة: "في سببل اللَّه".

(3)

- وفي نسخة: "أن يتوفّى".

ص: 166

يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ} الآيتين [التوبة: 120]

(1)

.

وقوله: "وتوكّل اللَّه إلخ" هو بمعنى "تكفّل اللَّه"، و"انتدب اللَّه" في الروايتين السابقتين.

وقوله: "بأن يتوفّه، فيُدخله الجنّة" أي بغير حساب ولا عذاب، أو المراد أن يدخله الجنّة ساعةَ موتِهِ، كما ورد "أن أرواح الشهداء، تسرح في الجنّة". وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال: ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد والراجع سالمًا؛ لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنّة، ومُحَصَّلُ الجواب أن المراد بدخول الجنّة دخول خاصّ. قاله في "الفتح".

وقوله: "أو يَرْجعه": أي يرُدّه. وهو بفتح حرف المضارعة، من رجع، وهو يتعدّى، ويلزم، يقال: رجع من سفره، وعن الأمر يَرجع رَجْعًا، ورُجُوعًا، ورُجْعَى، ومَرْجِعًا، قال ابن السّكّيت: هو نقيض الذَّهاب، ويتعدّى بنفسه في اللغة الْفُصْحَى، فيقال: رجعته عن الشيء، وإليه، ورجعتُ الكلام وغيره: أي رددتُه، وبها جاء القرآن، قال اللَّه تعالى:{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} الآية [التوبة: 83]. وهُذَيلٌ تُعدّيه بالألف. قاله الفيّوميّ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إذا عرفت هذا، فالمناسب هنا المتعدّي؛ لعمله في ضمير "المجاهد"، وهو منصوب عطفًا على "يدخله". واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "بما نال" الباء بمعنى "مع"، أي مع ما نال.

والحديث متّفق عليه، وسبق تخريجه في الحديث الأول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌15 - (بَابُ ثَوَابِ السَّرِيَّةِ الَّتِي تُخْفِقُ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السريّة" -بفتح السين، وكسر الراء، وتشديد الياء-: هي طالْفة من الجيش، يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبعَث إلى العدو، وجمعها السرايا، سُمّوا

(1)

- "فتح" 6/ 82.

ص: 167

بذلك؛ لأنهم يكونون خُلاصةَ العسكر، وخيارهم، من الشيء السّريّ، وهو النفيس. وقيل: سُمّوا بذلك لأنهم يَنفُذُون سرًّا وخُفيةً، وليس بالوجه؛ لأن لام السرّ راء، وهذه ياء. قاله ابن الأثير

(1)

.

و"تُخفق" بضم حرف المضارعة، من الإخفاق، رباعيًّا. قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قال أهل اللغة: الإخفاق أن يغزوا، فلا يغنموا شيئًا، وكذلك كلّ طالب حاجة إذا لم تحصُل فقد أخفق، ومنه أخفق الصائد: إذا لم يقع له صيد انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3126 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، وَذَكَرَ آخَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةً، إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَىْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

"محمد بن عبد اللَّه بن يزيد"، 2 - و "أبوه" تقدّما قبل بابين.

3 -

(حيوة) بن شُريح بن صفواب التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقة ثبت فقيه زاهد [7] 17/ 478.

[تنبيه]: قوله: "وذكر آخر" الضمير لعبد اللَّه بن يزيد، أي ذكر عبد اللَّه بن يزيد في هذا السند مع حيوة رجلاً آخر، والظاهر أنه ابن لهيعة؛ لأن المصنّف لا يصرّح باسمه؛ لضعفه عنده كما تقدم البحث فيه مستوفى في مقدمة هذا الشرح. واللَّه تعالى أعلم.

4 -

(أبو هانىء الخَوْلانيّ) حُميد بن هانىء المصريّ، لا بأس به [5] 48/ 1284.

5 -

(أبو عبد الرحمن الْحُبُليّ) عبد اللَّه بن يزيد المصريّ المذكور قبل بابين.

6 -

(عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - 89/ 111. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرد به هو وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه،

(1)

- "النهاية في غريب الحديث" 2/ 363.

(2)

- "شرح صحيح مسلم" 13/ 54.

ص: 168

وشيخ شيخه، فمكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن أبي عبد الرحمن الحبليّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه قال (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو) ابن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"مَا مِنْ غَازِيَةٍ) "من" زائدة، و"غازية" صفة لموصوف محذوف، تقديره: ما من جماعة، أو سريّة، أو طائفة غازية (تَغْزُو) أعاد الضمير هنا مؤنثًا، مفردًا نظرًا للفظ "غازية" (فِي سَبِيلِ اللَّه) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى (فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةَ) أعاد الضمير هنا مذكّرًا جمعًا؛ نظرًا لمعنى "غازية"؛ لأنها بمعنى " جماعة"، أو طائفة، أو سريّة، كما سبق آنفًا (إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ) بكسر الخاء المعجمة (وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَة، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ") قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: إِنَّ الصواب في معنى الحديث أن الغُزاةَ إذا سَلِموا، أو غَنِموا يكون أجرهم أقلّ من أجر من لم يَسلَم، أو سَلِمَ، ولم يَغنَم، وأن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم، فقد تعجّلوا ثلُثي أجرهم المترتّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة، كقوله:"منا من مات، ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهَدبها". أي يجتنيها، فهذا الذي ذكرناه هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريحٌ صحيحٌ يُخالف هذا، فتعيّن حمله على ما ذكرنا انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم استشكال بعضهم هذا الحديث بأنه يخالف حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق في الأبواب الماضية، وفيها:"أو أرجعه بما نال من أجر، أو غنيمة"، حيث إن ظاهره يدلّ على أن الأجر تامّ، لا نقص فيه، سواء كان معه غنيمة، أم لا؟. وتقدّم الجواب عنه مفصّلاً مطوّلاً في شرح الحديث المذكور، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 15/ 3126 - وفي "الكبرى" 12/ 4333. وأخرجه (م) في

(1)

- "شرح مسلم" 13/ 54.

ص: 169

"الجهاد" 1906 (د) في "الجهاد" 2497 (ق) في "الجهاد" 2785 (أحمد) في "مسند المكثرين"6541. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب السريّة التي تغزو، ولا تغنَم، وذلك أنه يعطى لها أجرها كاملاً، من غير أن يَنقص شيئًا. (ومنها): من غزا، وغنم له ثلث الأجر، وتكون الغنيمة مقابلة بثلثي الأجر. (ومنها): أن فيه رفعًا لهمة المجاهد عن أن يخطر في باله حصول شيء من الغنيمة، حيث إنه ينقص به أجره الأخرويّ، وأهمّ ما عند العاقل آخرته، كما قال تعالى:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16 - 17]، وقال عز وجل:{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} الآية [النحل: 96]، وقال سبحانه وتعالى:{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3127 -

(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ عز وجل، قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي، ضَمِنْتُ لَهُ أَنْ أَرْجَعَهُ، إِنْ أَرْجَعْتُهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، وَإِنْ قَبَضْتُهُ غَفَرْتُ لَهُ، وَرَحِمْتُهُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجانيّ، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ، وهو ثقة حافظ [11] 122/ 174.

و"حجّاج": هو ابن المنهال الأنماطيّ، أبو محمد السلميّ مولاهم، البصريّ، ثقة فاضل [9] 19/ 901.

و"يونس": هو ابن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقة ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [5] 88/ 109.

و"الحسن": هو البصريّ. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 15/ 3927 - وفي "الكبرى" 12/ 4334. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" 5941.

وقوله: "في سبيل اللَّه" فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول:"في سبيلي".

ص: 170

وقوله: "ابتغاء مرضاتي " منصوب على أنه مفعول من أجله، أي لأجل طلب رضاي.

وقوله: "أن أرجعه إن أرجعته": "أن" الأولى مفتوحة مصدريّة، والفعل بضم أوله من الإرجاع رباعيًّا بدليل ما بعده، ويحتمل أن يكون بفتحه ثلاثيًّا، وهو الأفصح كما تقدّم البحث عنه، وهو في تأويل المصدر مفعول "ضمن"، و"إن" الثانية مكسورة؛ لأنها شرطيّة، وجملة الشرط معترضة بين العامل، وهو "أرجعه"، ومعموله، وهو قوله:"بما أصاب الخ". وهذا الوجه هو الواضح، وفي بعض النسخ حذف "أن أرجعه"، وفي بعضها: ما لفظه: "أرجعته، أرجعنه"، وكلها لا وجه لها، إلا بتكلّف. ونصّ "الكبرى":"ضمنت له إن أرجعته، أن أرجعه بما أصاب الخ"، وعليه فـ"إن" الأولى شرطيّة، و"أن" الثانية مصدريّة، وهو واضح.

وتمام شرح الحديث يعلم من شرح حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - السابق في -14/ 3123 فإنه بمعناه، فليُراجَع هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌16 - (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)

وفي نسخة: "مثل المجاهدين في سبيل اللَّه".

3128 -

(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْخَاشِعِ الرَّاكِعِ السَّاجِدِ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.

وقوله: "مثل المجاهد الخ" المراد ما دام في الجهاد.

والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل باب 14/ 3125. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

ص: 171

"إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌17 - (مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل

-)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يعدل" بكسر الدال، من باب ضرب: أي يماثله، يقال: عَدَلتُ هذا بهذا عَدلاً، من باب ضَرَبَ: إذا جعلته مثله، قائمًا مَقَامه، قال اللَّه تعالى:{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1]، وعِدْلُ الشيء بالكسر مثله من جنسه، أو مِقْدارِهِ، وبالفتح ما يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى:{أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} الآية [المائدة: 95]. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3129 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ، أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ، يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: «لَا أَجِدُهُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ، إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ، تَدْخُلُ مَسْجِدًا، فَتَقُومُ لَا تَفْتُرُ، وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ؟» ، قَالَ: مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَمة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت سني [10] 15/ 15.

2 -

(عفّان) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [10] 21/ 427.

[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى": "حماد" بدل "عفّان"، وهو غلط فاحش، والصواب ما هنا، وهو الذي في النسخة "الهندية"، و "تحفة الأشراف" 9/ 436. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

3 -

(همّام) بن يحيى العَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [7] 5/ 465.

4 -

(محمد بن جُحَادة) -بضم الجيم، وتخفيف المهملة-: هو الأوديّ، أو الإياديّ الكوفيّ، ثقة [5] 48/ 1736.

5 -

(أبو حَصِين) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين-: هو عثمان بن عاصم بن

ص: 172

حَصِين الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ، ربما دلّس [4] 102/ 152.

[تنبيه]: هذا الضبط الذي ذكرته في "أبي حَصِين" هو الصواب، فما وقع في نسخ "المجتبى المطبوعة من ضبطه بالقلم بضم الحاء، وفتح الصاد، مصغّرًا، فغلطٌ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

6 -

(ذكوان) أبو صالح السمّان الزيات المدني، ثقة ثبت [3] 36/ 40.

7 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه قال (جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ، يَعْدِلُ) بكسر الدال، كما تقدّم تحقيقه في شرح الترجمة (الْجِهَادَ) بالنصب مفعول به لما قبله (قَالَ:"لَا أَجِدُهُ) هذا جواب من النبيّ صلى الله عليه وسلم، أي لا أجده مع أنك تستطيعه. وقوله (هَلْ تَسْتَطِيعُ) كلام مستأنف، ولمسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه بلفظ: "قيل: ما يعدِلُ الجهاد؟، قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرّتين، أو ثلاثة، كلّ ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مثلُ المجاهد في سبيل اللَّه

" الحديث. وأخرج الطبرانيّ نحو هذا الحديث من حديث سَهْل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، وقال في آخره: "لم يبلغ العشر من عمله" (إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ، تَدْخُلُ مَسْجِدًا، فَتَقُومُ) أي بالصلاة (لَا تَفْتُرُ) من باب نصر: أي تديم القيامَ من غير فُتُور، والجملة فى محلّ نصب على الحال.

يعني لا تنقطع عن الصلاة، بل تصلّي بالاستمرار ليلاً ونهارًا، والمراد الأوقات التي تجوز فيها الصلاة، فلا يشمل أوقات النهي، فتنبّه (وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ؟ ") أي في وقت الإفطار، وهو الليل، وليس المراد أن يواصل الصوم ليلاً ونهارًا، بل المراد وقت الصوم، وهو النهار، وكذا لا يشمل الأو قات التي نُهي الصوم فيها، كأيام العيد، واللَّه تعالى أعلم (قَالَ) ذلك السائل (مَن يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟)"من" استفهاميّة، والاستفهام إنكاريّ، أي لا أحد يستيطع ما ذكرته، من مواصلة القيام، والصيام دائمًا. وفي رواية

ص: 173

أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان:"قال: لا أستطيع ذلك".

وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل اللَّه، تقتضي أن لا يعدل الجهاد شيء من الأعمال.

لكن يعارضه ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"ما العمل في أيام، أفضلَ منها في هذه" -يعني أيام عشر ذي الحجة-، قالوا: ولا الجهاد؟، قال:"ولا الجهاد، إلا رجل خرج، يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء".

ويمكن أن يجاب بأن عموم حديث الباب خُصّ بما دلّ عليه حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. أو يكون الفضل الذي في حديث الباب مخصوصًا بمن خرج قاصدًا المخاطرة بنفسه وماله، فأصيب، كما بينه قوله:"خرج يُخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشي"، فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة.

لكن يُشكل عليه ما تقدّم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "وتوكّل اللَّه للمجاهد

" الحديث.

ويمكن أن يجاب بأن الفضل المذكور أولاً خاص بمن لم يرجع، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون لمن يرجع أجرٌ في الجملة، كما تقدّم تحقيقه في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور.

وأشدّ مما تقدّم في الإشكال ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وأحمد، وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، مرفوعًا:"ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب، والورِقِ، وخير لكم من أن تلقَوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ "، قالو ا: بلى، قال:"ذكر اللَّه".

فإنه ظاهرٌ في أن الذكر بمجرّده أفضل، من أبلغ ما يقع للمجاهد، وأفضل من الإنفاق، مع ما في الجهاد، والنفقة من النفع المتعدّي. ذكره في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ذكر هذا الاستشكال الحافظ في "الفتح"، ولم يُجب عنه.

والذي يظهر لي أن حديث الجهاد يرجح على حديث الذكر؛ لأنه متّفق عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر حديث الباب: ما نصّه: قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد لَيَستنّ في طِوَله، فيُكتب له حسنات". وقوله:"يستنّ" أي يَمْرَح بنشاط،

(1)

- "فتح" 6/ 79/80.

ص: 174

وقال الجوهريّ: هو أن يرفع يديه، ويطرحهما معًا، وقال غيره: أن يلج في عَدْوه، مقبلاً، أو مدبرًا، وفي المثَلِ:"استنّت الفصال حتى القَرْعَى"

(1)

، يُضرب لمن يتشبّه بمن فوقه. وقوله:"في طوله" بكسر المهملة، وفتح الواو: هو الحبل الذي تُشدّ به الدّابّة، ويُمسَك طرفه، وتُرسل في المرعى. وقوله:"فيُكتبُ له حسناتٍ" بنصب "حسنات" على أنه مفعول ثان، أي يكتب له الاستنان حسنات. قاله في "الفتح"

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-17/ 3129 - وفي "الكبرى" 14/ 4336. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" 2785 (م) في "الجهاد" 1878 (ت) في "فضائل الجهاد" 1619 (أحمد) في باقي مسند المكثرين" 8335 و 9197 و 27208 و 9604 و 9674 (الموطأ) في "الجهاد" 973. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يَعدِل الجهاد في سبيل اللَّه عز وجل، ووجه ذلك أن الحديث فيه بيان أن الجهاد لا يعادله شيء من الأعمال، وهو مقيّد بما بعد الإيمان باللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، بدليل حديث أبي ذر، وأبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتيين بعد هذا. (ومنها): ما قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: إن حديث الباب اشتمل على تعظيم أمر الجهاد؛ لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال، قد عدلها كلها الجهاد، حتى صارت جميع حالات المجاهد، وتصرّفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة، وغيرها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"لا تستطيع ذلك". (ومنها): أن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي إحسانٌ من اللَّه تعالى لمن شاء. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الجهاد أفضل الأعمال مطلقًا؛ لما تقدّم تقريره. وقال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر

(1)

جمع قَرِيع بفتح، فكسر، وهو الفصيل، كما في "القاموس".

(2)

- "فتح" 6/ 80.

ص: 175

ودَحْضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3130 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَيُّ الْعَمَلِ خَيْرٌ؟ ، قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل»).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ الْحَكَمِ) المصري الثقة الفقيه [11] 120/ 166.

2 -

(شعيب) بن الليث بن سعد المصريّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار [10] 120/ 166.

3 -

(الليث) بن سعد إمام أهل مصر الحجة الثقة الثبت [7] 31/ 35.

4 -

(عبيد اللَّه بن أبي جعفر) يسار، أبو بكر المصريّ الفقيه الثقة [5] 83/ 2585.

5 -

(عروة) بن الزبير بن العوام المدني الفقيه الثقة الثبت [3] 40/ 44.

6 -

(أَبو مُرَاوح) -بضمّ الميم، بعدها راء خفيفة، وكسر الواو، بعدها مهملة- اسمه سعد- الغفاريّ، أو الليثيّ المدنيّ، قيل: له صحبة، وإلا فبصريّ ثقة [3] 57/ 2303.

[تنبيه]: قال في "الفتح": زاد مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه:"الليثيّ"، ويقال: له أيضًا: "الغفاريّ"، وهو مدنيّ، من كبار التابعين، لا يعرف اسمه، وشذّ من قال: اسمه سعد، قال الحاكم أبو أحمد: أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يره

(2)

.

وقال في "الفتح" أيضًا: وفي الصحابة أبو مراوح الليثيّ غير هذا، سمّاه ابن منده واقدًا، وعزاه لأبي داود.

(3)

.

7 -

(أبو ذرّ) جندب بن جُنادة الغفاريّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 203/ 322. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عروة، ومنه مدنيون. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين في نسق واحد: عبيد اللَّه بن أبي جعفر،

(1)

- "فتح" 6/ 80.

(2)

- "فتح" 5/ 449 "كتاب العتق".

(3)

- "فتح" 5/ 499.

ص: 176

وعروة، وأبو مراوح، وقد أخرجه مسلم من رواية الزهريّ، عن حبيب مولى عروة، عن عروة، فصار عنده في الإسناد أربعة من التابعين. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: قال في "الفتح": وقع في رواية الإسماعيليّ، من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام -يعني ابن عروة- أخبرني أبي، أن أبا مراوح أخبره. وذكر الإسماعيليّ عددًا كثيرًا نحو العشرين نفسًا، رووه عن هشام بهذا الإسناد، وخالفهم مالك، فأرسله في المشهور عنه، عن هشام، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ورواه يحيى بن يحيى الليثيّ، وطائفة عنه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. ورواه سعيد بن داود، عنه، عن هشام كرواية الجماعة. قال الدارقطنيّ: الرواية المرسلة عن مالك أصحّ، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة انتهى

(1)

واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي ذَرِّ) جندب بن جُنادة - رضي اللَّه تعالى عنه -. وفي رواية يحيى بن سعيد المذكورة: "أن أبا ذرّ أخبره"(أنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَي الْعَمَلِ خَيْرٌ؟) وفي رواية البخاريّ: "أي العمل أفضل؟ ". أي أكثر ثوابًا عند اللَّه تعالى (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِيمَان بِاللَّهِ) عز وجل، فيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، والمراد -كما قال النوويّ- الإيمان الذي يُدخل به في ملّة الإسلام، وهو التصديق بالقلب، والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب، والنطق عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان هنا الأعمال بسائر الجوارح، كالصوم، والصلاة، والحجّ، والجهاد؛ لكونه جُعل قسيمًا للجهاد. واللَّه تعالى أعلم (وَجِهَادٌ) الواو هنا بمعنى "ثُمّ"، كما قاله ابن حبّان، وهو كذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بعد هذا (فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل) أي لإعلاء كلمته. وروية المصنّف هذه مختصرة، وقد رواه البخاريّ بتمامه في "كتاب العتق"، فقال: 2518 - حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مُرَاوح، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم، أيُّ العمل أفضل؟، قال:"إيمان باللَّه، وجهاد في سبيله"، قلت: فأي الرقاب أفضل؟، قال: "أعلاها

(2)

ثمنا، وأنفسها عند أهلها"، قلت: فإن لم أفعل؟، قال: "تعين ضائعا، أو تصنع لأخرق"، قال: فإن لم أفعل؟، قال: "تدع الناس من الشر، فإنها صدقة، تَصَدَّقُ بها على نفسك" انتهى

(3)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

- "فتح" 5/ 499.

(2)

بالعين المهملة في رواية اكثر، وبالغين المعجمة عند الكشميهني والنسفي. أفاده في "الفتح" 5/ 449.

(3)

- "صحيح البخاري" 5/ 448 بنسخة "الفتح".

ص: 177

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي ذر - رضي اللَّه تعالى عنه - متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-17/ 3130 - وفي "الكبرى" 14/ 4337. وأخرجه (خ) في "العتق" 2518 (م) "الإيمان" 84 (أحمد) في "مسند الأنصار" 20824 و 20938 و 20989. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يعدل الجهاد في سبيل اللَّه عز وجل، ووجه ذلك أن الحديث بين أنه لا يفضل الجهاد في سبيل اللَّه عز وجل شيء بعد الإيمان باللَّه تعالى. (ومنها): فضل الإيمان باللَّه تعالى، وأنه لا عمل للعبد أفضل منه على الإطلاق. (ومنها): أن فيه بيان تفاوت الأعمال الصالحة، وأن بعضها لا يعادله شيء من الأعمال على الإطلاق، وبعضها يفضل معظم أفعال العبد.

وقد تقدّم البحث في الجمع بين الروايات المختلفة في تفضيل الأعمال بما فيه الكفاية في "كتاب الحجّ" 4/ 2624 - "باب فضل الحجّ" - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3131 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ ، قَالَ:«إِيمَانٌ بِاللَّهِ» ، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ ، قَالَ:«الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ ، قَالَ:«حَجٌّ مَبْرُورٌ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة.

والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في "كتاب الحجّ" - 4/ 2624 - باب "فضل الحجّ" رواه المصنف عن شيخه محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به. وتقدّم هناك شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- وفي نسخة: "ثنا".

ص: 178

‌18 - (دَرَجَةُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل

-)

3132 -

قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» ، قَالَ: فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ، مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ، كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» ، قَالَ: وَمَا هِيَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ ، قَالَ:«الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(الحارث بن مسكين) المصريّ الفقيه الثقة [10] 9/ 9.

2 -

(ابن وهب) عبد اللَّه المصري الثقة العابد الحافظ [9] 9/ 9.

3 -

(أبو هانىء) حميد بن هانىء المصري، تقدم قبل بابين.

4 -

(أبو عبد الرحمن الْحُبُليّ) عبد اللَّه بن يزيد المصريّ تقدّم قبل بابين.

5 -

(أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سِنَان الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - 169/ 262. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين، غير أبي سعيد، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، أحد المكثرين السبعة، روى (1170) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) سعد بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "يَا أبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا) منصوب على التمييز، أي من حيث كونُهُ ربًّا، أي من رضي بربوبيته على وفق قضائه وقدره، من خيره وشرّه، وحُلْوه، ومره (وَبِالإسْلامِ دِينًا) أي من حيث الدين، أي رضي بشرائعه، وأحكامه، من المأمورات

ص: 179

والمنهيات (وَبِمُحَمَّدِ نَبيًّا) أي من حيث كونه رسولاً، أي رضي برسالته الموجبة لمتابعته في أقواله، وأفعاله، وأحواله.

قال صاحب "التحرير": معنى رضيتُ بالشيء، قنِعتُ به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير اللَّه تعالى، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم

(1)

(وَجَبَت لَهُ الْجَنَّةُ) أي ثبتت، وتحقّقت، وعبّر بالماضي مبالغةً في تحقق وقوعها.

وفيه فضل عظيم لمن اتّصف بالرضى المذكور، حيث وجبت له الجنّة، وذلك لأن رضا العبد بهذه المذكورات دليل على ثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة الإيمان قلبه، فتسهل عليه الطاعات، وتلذّ له، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم، كما في حديث العبّاس بن عبد المطّلب - رضي اللَّه تعالى عنه - الذي أخرجه مسلم في "صحيحه":"ذاق طَعْم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً"

(2)

.

(قَالَ: فَعَجِبَ لَهَا أَبو سَعِيدٍ) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: فعجبت لها. أي عجب أبو سعَيد الخدريّ رضي الله عنه لأجل هذه الكلمات، أو لهذه القضيّة (قَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ، بَا رَسُولَ اللهِ، فَفَعَلَ) أي فأعادها صلى الله عليه وسلم عليه مرّة ثانيةَ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وَأُخرَى) يحتمل أن يكون مرفوعًا، مبتدءًا خبره محذوف، أي عندي خصلة أخرى، وأن يكون مفعولاً لفعل محذوف، أي أعلّمك خصلة أخرى. وقال الطيبيّ: "أخرى" صفة موصوف محذوف، وهو مبتدأ، وقوله: "يُرفع" خبره، أو منصوب على إضمار فعل، أي ألا أبشّرك بشارةً أخرى، وقوله: "يُرفع" صفة، أو حال. وقيل: هناك خصلة أخرى. انتهى.

(يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (بِهَا العَبْدُ، مِائَةَ دَرَجَة فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ، كَمَا بَبنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ") قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن هذا على ظاهره، وأن الدرجات هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وهذه صفة منازل الجنّة، كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدّريّ. قال: ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعيم، وعظيم الإحسان مما لم يخطر على قلب بشر، ولا بصفة مخلوق، وأن أنواع ما أنعم اللَّه به عليه من البرّ والكرامة يتفاضل تفاضلاً كثيرًا، ويكون تباعده في الفضل كما بين السماء والأرض في البعد. قال القاضي: والاحتمال الأول أظهر. قال النوويّ: وهو كما قال. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- "شرح النووي على مسلم" 2/ 2 "كتاب الإيمان".

(2)

- راجع "صحيح مسلم" بشرح النوويّ 2/ 2 "كتاب الإيمان".

ص: 180

(قَالَ) أبو سعيد رضي الله عنه (وَمَا هِيَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") هكذا مكررًا مرتين، وهو كذلك، ولكن في "الكبرى" مكرّرٌ ثلاث مرّات.

وفي هذا الأسلوب تفخيم أمر الجهاد، وتعظيم شأنه، فإن قوله:"من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا" مشتملٌ على جميع ما أمر اللَّه به، ونهى عنه، ومنه الجهاد، وكذا إبهامه بقوله:"وأخرى"، وإبرازه في صورة البشارة؛ ليسأل عنها، فيجاب بما يجاب؛ لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس، وكذا تكراره بقوله:"الجهاد في سبيل اللَّه، الجهاد في سبيل اللَّه". ونظير هذا الحديث قوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ} إلى قوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصفّ:10 - 13]. أفاده القاري

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-18/ 3132 - وفي "الكبرى" 15/ 4339. وأخرجه (م) في "الجهاد" 1884 (د) 1529. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان درجة المجاهد في سبيل اللَّه عز وجل، وأنه يُرفع مائة درجة، بعد ما بين الدرجتين، كما بين السماء والأرض. (ومنها): بيان فضل الرضا باللَّه تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، حيث إن من اتّصف به وجبت له الجنّة. (ومنها): فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، حيث يرفع المجاهد هذه الدرجات العالية بسببه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3133 -

(أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُمَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَمَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عز وجل أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، هَاجَرَ، أَوْ مَاتَ فِي مَوْلِدِهِ» ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا بِهَا؟ ، فَقَالَ:

(1)

- "مرقاة المفاتيح" 7/ 412 - 413.

ص: 181

«إِنَّ لِلْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي، مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ» ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(هارون بن محمد بن بَكَار بن بِلال) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [11] 128/ 1091.

2 -

(محمد بن عيسى بن القاسم بن سُمَيع) -بالتصغير-: الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، صدوق يخطىء، ويدلس، ورمي بالقدر [9] 24/ 1443.

3 -

(زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [6] 29/ 920.

4 -

(بُسر بن عُبيد اللَّه) الحضرميّ الشاميّ، ثقة حافظ [4] 11/ 760.

5 -

(أبو إدريس الْخَوْلانيّ) عائذالله بن عبد اللَّه، وُلد في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم حُنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة (80) وكان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء [2] 72/ 80.

6 -

(أبو الدرداء) عُويمر بن زيد بن قيس- على المشهور- الصحابيّ الشهير رضي الله عنه 48/ 847. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وشيخ شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ) أي أدّاها مراعيًا آدابها، وخشوعها (وَآتى الزَّكَاةَ) أي أعطاها لمستحقّها (وَمَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيئًا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عز وجل) أي ثابتًا عليه بمقتضى وعده (أَنَّ يَغفِرَ لَهُ) في تأويل المصدر اسم "كان" مؤخّرًا (هَاجَرَ، أَوْ مَاتَ فِي مَوْلِدِهِ) أي سواء خرج من بلده إلى المدينة، أم لم يهاجر، بل عاش في محلّ ولادته، ووطنه، ثم مات فيه.

والمعنى أنه لا يختلف حاله مهاجرًا، وغير مهاجر، بل يغفر اللَّه تعالى ذنوبه في كلتا الحالتين؛ لقيامه بما أوجب اللَّه تعالى عليه، إذ الهجرة ليست واجبة بعد فتح مكّة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة".

ص: 182

وهذا الحديث نظير حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الهجرة، فقال:"ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ "، قال: نعم، قال:"فتعطي صدقتها؟ "، قال: نعم، قال:"فهل تَمْنَح منها شيئا؟ "، قال: نعم، قال:"فتحلُبُها يوم وِرْدِها؟ "، قال: نعم، قال:"فاعمل من وراء البحار، فإن اللَّه لن يَتِرَك من عملك شيئًا". متّفق عليه، وسيأتي للمصنّف في "كتاب الأيمان والنذور" برقم -3876. إن شاء اللَّه تعالى.

[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى": ما لفظه: "هَاجِرًا -بصيغة اسم الفاعل- ومات في مولده"، بالواو، وهو تصحيف، والصواب:"هَاجَرَ" -بصيغة الماضي- "أو مات في مولده" بـ"أو"، كما في "النسخة الهنديّة" و"السنن الكبرى"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.

(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُخْبِرُ بِهَا) أي بهذه البشرى (النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا بِهَا؟) الفعل منصوب بـ"أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ لِلْجَنَّةِ، مِائَةَ دَرَجَة، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبيلِهِ) هذا الكلام علة لمحذوف، أي لا تخبروهم بهذه الفضيلة؛ لأنه ليس المطلوب المغَفرة فقط، بل تحصيل الدجات العالية أيضًا مطلوب، والإخبار بمثل هذا الخبر ربّما يؤدي إلى قصر الهمّة على تحصيل المغفرة، وهو يُفضي إلى الحرمان عن الدرجات المطلوبة، فلا ينبغي الإخبار بهذا، ثم أكّد ذلك بقوله (وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) كأنه صلى الله عليه وسلم يقول: أنا مع أنه حصل لي المغفرة قطعًا، أريد أن أجاهد في سبيل اللَّه تعالى لتحصيل الدرجات العالية، فكيف حال غيري (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُم عَلَيْهِ، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنَّ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي) أي فيوجب ذلك مشيهم معي على أرجلهم، وفيه من المشقّة عليهم ما لا يخفى (مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ) هي قطعة من الجيش تنفرد بالغزو، قال في "النهاية": يبلغ أقصاها أربعمائة. وقال في "المحكم": ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة. وقيل: هي من الخيل نحو أربعمائة، وسميت بذلك؛ لأنهم خلاصة العسكر، وخيارهم، وقيل: غير ذلك

(1)

، كما تقدّم.

والمعنى ما تخلّفت عن السريّة بعد خروجها، بل أخرج معها كلما خرجت

(وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول، ويجوز فيه الفتح على البناء للفاعل. قاله وليّ الدين

(2)

(ثُمَّ أُقْتَلُ) بضم الهمزة بالبناء للمفعول، لا غير. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون ذاك قبل قوله تعالى: {وَاَللهُ

(1)

- راجع "طرح التثريب" 7/ 203.

(2)

- "طرح التثريب" 7/ 198.

ص: 183

يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} الآية. ويحتمل أن يكون بعده، لجواز تمنّي المستحيل، كما في "ليت الشباب يعود يوما" انتهى

(1)

.

وفيه تعظيم أمر الجهاد، ورفقه صلى الله عليه وسلم بأمته، ورأفته بهم، وأنه يترك بعض أعمال البرّ خشية أن يتكلّفوه، فيشقّ عليهم، وهو أصل في الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه، والمشقّة عنهم. وفيه أنه إذا تعارضت المصالح بُدىء بأهمّها. وفيه أن الجهاد فرض كفاية، لا فرض عين، حتى في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهو الأصحّ، وقيل: كان في زمنه فرض عين، وعلى القول بأنه فرض كفاية قد يتعيّن لعارض، كما تقدّم البحث عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي الدرداء هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 18/ 3133 - وفي "الكبرى" 15/ 4340. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌19 - (مَا لِمَنْ أَسْلَمَ، وَهَاجَرَ، وَجَاهَدَ؟)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يحتمل أن تكون "ما" هنا موصولة، أي هذا باب ذكر الدليل على الثواب الذي أُعدّ لمن أسلم الخ. ويحتمل أن تكون استفهاميّة، أي أيُّ شيء من الثواب ثبت لمن أسلم الخ؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3134 -

قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْجَنْبِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَنَا زَعِيمٌ -وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ- لِمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ، وَهَاجَرَ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَأَنَا زَعِيمٌ لِمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا، وَلَا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا، يَمُوتُ حَيْثُ شَاءَ أَنْ يَمُوتَ» ).

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 20.

ص: 184

رجال هذا الإسناد: خمسة، وقد تقدّموا في الباب الماضي، غير:

1 -

(عمرو بن مالك الْجَنْبِي) -بفتح الجيم، وسكون النون، بعدها موحّدة-: وهو أبو عليّ الهمدانيّ المصريُّ ثقة [3] 48/ 1284.

و2 - (فَضَالة بن عُبيد) بن نافذ بن قيس الأنصاريّ الأوسيّ، أول ما شَهِد أحدٌ، ثم نزل دمشق، وولي قضاءها، ومات رضي الله عنه سنة (58) وقيل: قبلها، 48/ 1284. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وعمرو بن مالك. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَمْرِو بْن مَالِك الْجَنْبِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَنا زَعِيمٌ) بفتح الزاي، وكسر المهملة (وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ) بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم: أي الكفيل. قال ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى-: الزعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، قال: ويشبه أن تكون هذه اللفظة: "الزعيم الحميل" من قول ابن وهب، أُدرِج في الخبر انتهى

(1)

(لِمَنْ آمَنَ بِي) أي بقلبه، والجارّ والمجرور متعلّقٌ بـ"زعيم"(وَأَسْلَمَ) أي بظاهره (وَهَاجَرَ) إلى المدينة (بِبَيْتٍ) متعلّق بـ"زعيم" أيضًا، وفي بعض النسخ:"يبيت" بصيغة المضارع في المواضع الأربعة (فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ) -بفتحتين-: هو ما حولها، خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول الْمُدُن، وتحت القلاع. قاله ابن الأثير

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المراد هنا ما حول الجنّة الداخليّ، لا الخارجيّ؛ لأن أهل الجنّة لا يكنون خارجها، فليُتأمل. واللَّه تعالى أعلم.

(وَببَيت فِي وَسَطِ الْجنَّةِ) بفتح السين، وتسكن، كما تفيده عبارة "المصباح"(وَأَنا زَعِيمٌ لَمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ، بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَببَيْتِ فِي وَسَطِ الْجنَّةِ، وَبِبَيْتِ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ) -بضمّ، فتح- جمع غُرْفة -بضمّ، فسَكون-: هي الْعُليّةُ، وجمع الجمع غُرَفات -بفتح الراء عند قوم، وهو تخفيف عند آخرين، وتضمّ

(1)

- راجع "صحيح ابن حبّان" بترتيب ابن بلبان.

(2)

- "النهاية" 2/ 185.

ص: 185

الراء للإتباع، وتسكّن حملاً على لفظ الواحد

(1)

(مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي ما ذُكر من الإيمان باللَّه، والإسلام، والجهاد في سبيله (فَلَمْ يَدَعْ) أي لم يترك (لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا) أي محلّ طلب، يعني أنه ما من مكان يُطلب فيه الخير إلا حضره، وطلب فيه الخير، وأخذ منه حظّه (وَلَا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا) أي ولم يترك مكانًا يُهرب إليه من الشرّ، ويُلجأ إليه، ويُعتصم به للخلاص منه إلا هرب إليه، واعتصم به (يَمُوتُ حَيثُ شَاءَ أَنْ يَمُوتَ) يعني أنه في أي مكان مات، سواء مات في بيته، وبين عشييرته، أو مات خارجًا في سبيل اللَّه، فإن له ما ذُكر من غرف الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث فَضَالة بن عُبيد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-19/ 3134 - وفي "الكبرى" 16/ 4341. وأخرجه الطبرانيّ 18/ 801 والبيهقيّ 6/ 72 والحاكم، وصححه على شرط مسلم 2/ 61 و 71 ووافقه الذهبيّ مع أن عمرو بن مالك الْجَنْبيّ لم يخرّج له مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3135 -

(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لاِبْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ، وَتَذَرُ دِينَكَ، وَدِينَ آبَائِكَ، وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ، وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ، كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ، فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ تُجَاهِدُ، فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ» ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عز وجل، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عز وجل، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزجانيّ الثقة الحافظ رُمي بالنصب [11] 122/ 174.

(1)

- راجع "المصباح" في مادّة غرف.

ص: 186

2 -

(أبو النضر هاشم بن القاسم) البغداديّ، الملقّب قيصر، ثقة ثبت [9] 71/ 2407.

3 -

(أبو عَقيل عبد اللَّه بن عَقيل) الثقفيّ الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوق [8].

قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة صالح الحديث. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال عثمان الدارميّ عنه، وزاد: لا بأس به. وقال الغلابيّ، عن ابن معين: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال أبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال الدارقطنيّ: أثنى عليه أحمد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وليس له عند أبي داود إلا تغيير عمر اسم الأجدع إلى عبد الرحمن.

4 -

(موسى بن المسيّب) ويقال: موسى بن السائب الثقفيّ، أبو جعفر الكوفيّ البزّاز، صدوق، لا يلتفت إلى الأزديّ في تضعيف [6].

قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: موسى بن السائب، هو أبو جعفر ما أعلم إلا خيرًا. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: موسى بن المسيّب صالح. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الأزديّ: ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

5 -

(سالم بن أبي الْجَعْد رافع) الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، كان يرسل كثيرًا [3] 61/ 77.

6 -

(سَبْرَة بن فاكه) ويقال: ابن أبي الفاكه، ويقال: ابن الفاكهة، ويقال: ابن أبي الفاكهة المخزوميّ، أو الأسديّ، صحابيّ نزل الكوفة، له عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث الباب

(1)

. وعنه سالم بن أبي الجعد، وعُمارة بن ثابت، وفي إسناد حديثه اختلاف. روى له المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فدمشقي، وأبا النضر، فبغداديّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنف فقط. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- قال في "الإصابة": له حديثه عند النسائيّ بإسناد حسن، إلا أن في إسناده اختلافًا، وصححه ابن حبّان، ووقع عنده سبرة بن أبي فاكهة انتهى باختصار 4/ 120.

ص: 187

شرح الحديث

(عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ) جمع قلّة لطريق. قال في "القاموس": والطريق معروف، ويؤنّث، جمعه أَطْرُقٌ، وطُرُقٌ -بضمتين- وأَطْرِقَاءُ، وأطرِقَةٌ -بكسر الراء فيهما- وجمع جمعه طُرُقَات انتهى

(1)

. وقال في "النهاية": هي جمع طريق على التأنيث؛ لأن الطريق يذكّر، ويؤنّث، فجمعه على التذكير أَطْرِقةٌ، كرَغِيفٍ وأرغِفَة، وعلى التأنيث أَطْرُقٌ، كيمين وأَيْمُن انتهى

(2)

(فَقَعَدَ لَهُ بطَرِيقِ الْإسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ) استفهام بتقدير همزة الاستفهام، وهو للإنكار، أي أتسلمَ (وَتَذَرُ) أي تترك (دِينَكَ، وَدِينَ آبَائِكَ، وَآبَاءِ أَبيكَ) وفي بعض النسخ: "وآباء آبائك"(فَعَصَاهُ) أي خالف الشيطان (فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطًرِيقِ الْهِجرَةِ، فَقَالَ: تُهاجِرُ) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ، كسابقه (وَتَدَعُ) أي تترك (أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ) أي الأرض التي ولدت، وعشت عليها، والسماء التي استظللت بها طول حياتك (وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ) أي صفت من خرج عن وطنه إلى دار الغربة (كَمَثَلِ الْفَرَس فِي الطْوَلِ) -بكسر الطاء المهملة، وفتح الواو- ويقال فيه:"الطِّيل" - بالياء أيضًا

(3)

-: هو الْحَبْلُ الطويل الذي يشدّ أحد طرفيه في وَتَد، أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس؛ ليدور فيه، ويرعى، ولا يذهب لوجهه، وهذا من كلام الشيطان، ومقصوده أن المهاجر يصير كالمقيّد في بلاد الغربة، لا يدور إلا في بيته، ولا يُخالطه إلا بعض معارفه، فهو كالفرس في طِوَلٍ، لا يدور، ولا يرعَى، إلا بقدره، بخلاف أهل البلاد في بلادهم، فإنهم مبسوطون، لا ضيق عليهم، فأحدهم كالفرس المرسل

(4)

(فَعَصَاهُ، فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بطَرِيقِ الْجَهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ، فَهُو) أي الجهاد المفهوم من "تجاهد"(جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ) بفتح الجيم-: بمعنى المشقّة والتعب، والمراد بالمال الْجِمَال، والعبيد، ونحوهما، أو المال مطلقًا، وإطلاق الجهد للمشاكلة، أي تنقيصٌ، وإضاعةٌ له. أفاده السنديّ (فَتُقَاتِلُ) بالبناء للفاعل، أي تقاتل الكفار (فَتُقْتَلُ) بالبناء للمفعول، أي يقتلك العدوّ (فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ) بالبناء للمفعول، أو للفاعل، أي يزوّج امرتك غيرك من الرجال، أو تتزوج هي زوجًا آخر (وَيُقْسَمُ الْمَالُ) بالبناء للمفعول، أي

(1)

راجع "القاموس" في مادة طرق.

(2)

- "النهاية" 3/ 122.

(3)

- كما قاله في "النهاية" 3/ 145.

(4)

- "زهر الربى" 6/ 22 - 23. و "شرح السنديّ" 6/ 22.

ص: 188

يقتسم الورثة مالك الذي تركته (فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فَمَنْ فَعَلَ ذَلِك) فيه حذف الفاء مع ما عطفت، كما قال أبن مالك في "الخلاصة":

وَالْفَاءُ قَدْ تحُذَفُ مَعْ مَا عَطَفَتْ

وَالْوَاوُ إِذْ لَا لَبْسَ وَهْيَ انْفَرَدَتْ

كما في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]. أي فأفطر فعليه عدة الخ.

والتقدير هنا: أي فمات، كما بينته رواية ابن حبّان، ولفظه: "فمن فعل ذلك، فمات كان حقًّا

".

والمعنى: أن من فعل ما تقدّم من مخالفة الشيطان في الإسلام، والهجرة، والجهاد، فمات (كَانَ حَقًّا) أي ثابتًا بمقتضى الوعد السابق (عَلَى اللَّه عز وجل، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) أي دخولاً أوليًّا، وإلا فمجرّد إيمانه يَستحقّ به الجنّة (وَمَنْ قُتِلَ) بالبناء للمفعول. ولابن حبّان:"أو قتل"(كَانَ حَقًا عَلَى اللَّهِ عز وجل، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإنْ غَرِقَ) بكسر الراء، من باب تَعِب (كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَؤ وَقَصَتهُ دَابَّتُهُ) من باب وعد: أي رمت به، ودقّت عنقه. قاله الفيّوميّ (كانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) هذه الْجُمَلُ من قوله: "وإن غرِقَ من باب التفصيل بعد الإجمال، بيّن بها بعض أسباب الموت، والمراد تعميم أحوال الموت، أي سواء كان موته بالقتل، أو الغرق، أو بوقص دابته، أو غير ذلك من أسباب الموت، فإن اللَّه عز وجل يدخله الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث سَبْرَة بن فاكه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 19/ 3135 - وفي "الكبرى" 16/ 4342. أخرجه أحمد في "مسند المكيين" 15528 والطبرانيّ 6558. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 189

‌20 - (بَابُ فَضْل مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَينِ فِي سَبِيلِ الَلهِ عز وجل

-)

3136 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا عَلَى الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا مِنْ ضَرُورَةٍ، هَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ ، قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف في "كتاب الصيام" برقم -43/ 2238 - وتقدّم شرحه مستوفًى، وكذا الكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد.

ورجاله كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبيد اللَّه بن سعيد بن ابراهيم": هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [11] 17/ 480.

و"عمه": هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [9] 196/ 314.

و"أبوه": هو إبراهيم سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [8] 196/ 314.

و"صالح": هو ابن كيسان، المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [4] 32/ 314.

و"حُميد بن عبد الرحمن" بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [2] 32/ 725.

وقوله: "من أنفق زوجين في سبيل اللَّه" أي تصدّق به في الجهاد، كما هو المتبادر، وهو الذي قصده المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في إيراده هنا، ففيه أن الإنفاق في الجهاد له هذا الفضل العظيم، حيث يُنادى في الآخر بـ"يا عبد اللَّه هذا خير". ويحتمل أن يكون المراد بـ"سبيل اللَّه" وجوه الخير مطلقًا، والأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "هذا خير" أي العمل الذي عملته خيرٌ لك، تشريفًا وتعظيمًا لعمله، أو هذا الباب الذي تُدعى إليه خيرٌ لدخولك منه تعظيمًا له.

ص: 190

وقوله: "ما على أحد الخ" أي ليس له ضرورة إلى أن يُدعى من جميع الأبواب، إذ الباب الواحد يكفي لدخول الجنّة. وتمام شرح الحديث تقدّم بالرقم المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌21 - (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا)

3137 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ، أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ ، قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدري، أبو مسعود البصريّ، ثقة [10] 42/ 47.

2 -

(خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [8] 42/ 47.

3 -

(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [7] 24/ 27.

4 -

(عمرو بن مرّة) بن عبد اللَّه بن طارق الجملي المرادي، أبو عبد اللَّه الأعمى، ثقة عابد، ورمي بالإرجاء [5] 171/ 265.

5 -

(أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرم [2] 2/ 2.

6 -

(أبو موسى الأشعريّ) عبد اللَّه بن قيس الصحابى الشهير 3/ 3. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 191

شرح الحديث

عن أبي وائل، أنه (قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم ابن حضّار - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيُّ) قال الحافظ: هذا يدلّ على وَهَم ما وقع عند الطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي موسى أنه قال: يا رسول اللَّه، فذكره، فإن أبا موسى، وإن جاز أن يُبهم نفسه، لكن لا يصفها بكونه أعرابيًّا، وهذا الأعرابيّ يصلح أن يفسر بلاحق بن ضُمَيرة، وحديثه عند أبي موسى المدينيّ في "الصحابة" من طريق عُفَير ابن مَعْدَان، سمعت لاحق بن ضُميرة الباهليّ، قال: وفدت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر، فقال: "لا شيء له

" الحديث، وفي إسناده ضعف، وروينا في "فوائد أبي بكر بن أبي الحديد" بإسناد ضعيف، عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول اللَّه كلّ بني سلمة يُقاتل، فمنهم من يُقاتل رياء

الحديث. فلو صحّ لاحتمل أن يكون معاذٌ أيضًا سأل عما سأل عنه الأعرابيّ؛ لأن سؤال معاذ خاصّ، وسؤال الأعرابيّ عامّ، ومعاذ أيضًا، لا يقال له: أعرابيّ، فيحمل على التعدد

(1)

(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِل) وفي رواية للبخاريّ من طريق منصور، عن أبي وائل: "فقال: ما القتال في سبيل اللَّه؟، فإن أحدنا يقاتل

" (لِيُذكَرَ) بالبناء للمفعول، أي ليذكره الناس فيما بينهم بالشجاعة. وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعمش، عن أبي وائل: "ويقاتل شجاعةً" (وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ) بالبناء للفاعل، من باب تَعِب، أي ليصيب غنيمةً (وُيقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ) ببناء "يُرَى" للمفعول، و"مكانه" مرفوع على أنه النائب عن الفاعل. وفي رواية الأعمش: "ويقاتل رياء"، فمرجع قوله: "يقاتل ليُذكَر" إلى السمعة، ومرجع قوله: "ويقاتل ليُرى مكانه" إلى الرياء، وكلاهما مذموم، وزاد في رواية منصور والأعمش: "ويقاتل حميّة" أي لمن يُقاتِلُ لأجله من أهل، أو عشيرة، أو صاحب، وزاد في رواية منصور: "ويقاتل غضبًا" أي لأجل حظّ نفسه، ويحتمل أن يفسّر القتال للحميّة بدفع المضرّة، والقتال غضبًا بجلب المنفعة.

فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب، وكلّ منها يتناوله المدح والذّمّ، فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات، ولا بالنفي. قاله في "الفتح"

(2)

.

(فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟)"من" استفهاميّة خبره الجار والمجرور بعده، أي فأيّ المقاتلين

(1)

- "فتح" 6/ 108 - 109.

(2)

- "فتح" 6/ 109.

ص: 192

المذكورين يوصف بأنه قاتل في سبيل اللَّه؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كلِمَةُ اللَّهِ) أي دعوته إلى الإسلام. وقيل: هي قوله: "لا إله إلا اللَّه"(هِيَ) ضمير فيه تأكيد كلمة اللَّه تعالى في العلو (الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبيلِ اللَّه عز وجل)"فهو" مبتدأ، والجارّ والمجرور خبره، الجملة خبر "من"، وإنما دخلت الفاء لتضمّن "من" معنى الشرط

(1)

.

وقال في "الفتح": المرادب "كلمة اللَّه" دعوة اللَّه إلى الإسلام. ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل اللَّه إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة اللَّه فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببًا من الأسباب المذكورة أخلّ بذلك. ويحتمل أن لا يدخل إذا حصل ضمنًا، لا أصلاً ومقصودًا، وبذلك صرّح الطبريّ، فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضرّه ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، لكن روى أبو داود، والنسائيّ من حديث أبي أمامة رضي الله عنه بإسناد جيّد، قال:"جاء رجلٌ، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ قال: لا شيء له"، فأعاده ثلاثًا، كلّ ذلك يقول: لا شيء له، ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن اللَّه لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه".

ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معًا على حدّ واحد، فلا يخالف المرجّح أوّلاً، فتصير المراتب خمسًا: أن يقصد الشيئين معًا. أو يقصد أحدهما صِرْفًا. أو يقصد أحدهما، ويحصل الآخر ضِمْنًا. فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمنًا، وقد لا يحصل، ويدخل تحته مرتبتان.

وهذا ما دلّ عليه حديث أبي موسى رضي الله عنه. ودونه أن يقصدهما معًا، محذورٌ أيضًا، على ما دلّ عليه حديث أبي أمامة رضي الله عنه. والمطلوب أن يقصد الإعلاء صِرْفًا. وقد يحصل غير الإعلاء، وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضًا.

قال ابن أبي جمرة: ذهب المحقّقون إلى أنه إذا كان الباعث الأولُ قصد إعلاء كلمة اللَّه لم يضرّه ما انضاف إليه انتهى.

ويدلّ على أن دخول غير الإعلاء ضمنًا لا يقدح في الإعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعثَ الأصليَّ ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد اللَّه بن حوالة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أقدامنا لنغنم، فرجعنا، ولم نغنم شيئًا، فقال: اللَّهمّ لا تكلهم إليّ

" الحديث.

وفي إجابة النبيّ صلى الله عليه وسلم بما ذُكر غاية البلاغة والإيجاز، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه

(1)

- راجع "عمدة القاري" 2/ 167.

ص: 193

لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل اللَّه احتمل أن يكون ما عدا ذلك كلّه في سبيل اللَّه، وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع، عَدَلَ به عن الجواب عن ماهيّة القتال إلى حال المقاتل، فتضمّن الجواب وزيادة.

ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: "فهو" راجعًا إلى القتال الذي في ضمن "قاتل"، أي فقتاله في سبيل اللَّه.

واشتمل طلب إعلاء كلمة اللَّه على طلب رضاه، وطلب ثوابه، وطلب دحض أعدائه، وكلّها متلازمة.

والحاصل مما ذُكر أن القتال منشؤه القوّة العقليّة، والقوّةُ الغضبيّة، والقوّة الشهوانيّة، ولا يكون في سبيل اللَّه إلا الأول.

وقال ابن بطّال: إنما عدل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن لفظ جواب السائل؛ لأن الغضب والحميّةَ قد يكونان للَّه، فعدل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلى لفظ جامع، فأفاد دفع الإلباس، وزيادة الإفهام

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 21/ 3137 - وفي "الكبرى" 17/ 4344. وأخرجه (خ) في "العلم" 123 و"الجهاد والسير" 2810 و"فرض الخمس" 3126 و"التوحيد" 7458 (م) في "الجهاد" 1904 (د) في "الجهاد" 2517 (ت) في "فضائل الجهاد" 1646 (ق) في "الجهاد" 2783 (أحمد) في "مسند الكوفيين" 18999 و 19099 و 19134 و 19240. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من قاتل لتكون كلمة هي العليا. (ومنها): أن فيه بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيّة الصاحة، فهو شاهد لحديث: "إنما الأعمال بالنيات

" الحديث. (ومنها): أن الإخلاص شرط في العبادة، فمن كان له الباعث على العمل هو الأمر الدنيويّ، فلا شكّ في بطلان عمله،

(1)

- "فتح" 6/ 109 - 110.

ص: 194

ومن كان الباعث الدينيّ أقوى، فقد حكم الحارث المحاسبيّ بإبطال العمل؛ تمسّكًا بهذا الحديث، وخالفه الجمهور، فقالوا: العمل صحيح. (ومنها): أن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل اللَّه عز وجل يختصّ بمن قاتل لإعلاء كلمة اللَّه تعالى. (ومنها): أن هذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أجاب بلفظ جامع لمعنى السؤال مع الزيادة عليه. (ومنها): ما أعطي النبيّ صلى الله عليه وسلم من الفصاحة، وجوامع الكلم؛ لأنه أجاب السائل بجواب جامع لمعنى سؤاله، لا بلفظه، من أجل أن الغضب والحميّة قد يكون للَّه عز وجل، وقد يكون لغرض دنيويّ، فأجابه صلى الله عليه وسلم بالمعنى مختصرًا، إذ لو ذهب يقسم وجوه الغضب لطال ذلك، ولخشي أن يلبس عليه. (ومنها): جواز السؤال عن العلّة. (ومنها): أن العلم يتقدّم العمل. (ومنها): ذمّ الحرص على الدنيا. (ومنها): ذمّ القتال لحظّ النفس في غير طاعة اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌22 - (مَنْ قَاتَلَ لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ)

3138 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، حَدِّثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَي لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ ، قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ، حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ، لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِىءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ ، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ، لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ، لِيُقَالَ: قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ، تُحِبُّ -قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:

ص: 195

وَلَمْ أَفْهَمْ "تُحِبُّ"، كَمَا أَرَدْتُ- أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا، إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنْ لِيُقَالَ: إِنَّهُ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، فَأُلْقِىَ فِي النَّارِ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [10] 5/ 5.

2 -

(خالد) بن الحارث المذكور في الباب الماضي.

3 -

(ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، كان يدلّس ويرسل [6] 28/ 32.

4 -

(يونس بن يوسف) بن حِمَاس -بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة- الليثي المدني، ثقة عابد [6] 194/ 3003.

5 -

(سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل فقيه، من كبار [3] 122/ 156.

6 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الأسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وابن جريج، فمكيّ. (ومنها): أن فيه سليمان بن يسار من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة. وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من رروى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَار) أبي أيوب المدنيّ، أخي عطاء بن يسار، أنه (قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى - عنه، أي تفرّقوا بعد اجتماعهم عنده ليسمعوا أحاديثه (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ، مِنْ أُهْلِ الشَّامِ) هو ناتل -بالنون في أوّله، وبعد الألف تاء مثنّاة فوق- ابن قيس الحزاميّ الشاميّ، من أهل فلسطين، وهو تابعيّ، وكان أبوه صحابيًّا، وكان ناتل كبير قومه (أَيُّها الشَّيْخُ، حَدِّثني حَدِيثًا سَمِعْتَهُ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "أَوَّلُ النَّاس) ولمسلم: "إن أولَ الناس

" (يُقْضَى) بالبناء للمفعول (لَهُمْ) أي عليهم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثَلَاَثةٌ) أي ثلاثة أصناف، لا ثلاثة أشخاص (رَجُلٌ اسْتُشهِدَ) أي أحد الثلاثة رجل، استُشهد، بالبناء للمفعول (فَأُتِيَ بهِ) بالبناء للمفعول أيضًا (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء (نِعَمَهُ) أي النعم التي أنعم اللَّه تعالى بها عليه، من صحّة، وأموال، وغيرهما (فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء (قَالَ) أي اللَّه تعالى لذلك الرجل

ص: 196

(فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) أي أيّ شيء عملت بتلك النعم؟ (قَالَ) ذلك الرجل (قَاتَلْتُ فِيكَ) أي في طلب مرضاتك، ورجاء مثوبتك (حَتَّى استُشهِدْتُ) بالبناء للمفعول، أي حتى قتلتُ شهيدًا صورةً في اعتقاد الناس، وإلا فليس شهيداً حقيقة (قَالَ) اللَّه تعالى الذي يعلم السرّ وأخفى لَمّا علم سوء نيته، وخُبث طويّته (كَذَبْتَ) بتخفيف الذال المعجمة، أي كذبت في دعواك أنك استُشهدت فيّ، وزاد في رواية الترمذيّ الآتي في المواضع الثلاثة:"وتقوله الملائكة: كذبتَ"(وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ، لِيُقَالَ) أي ليتحدّث الناس، ويقولوا (فُلَانٌ جَرِيءٌ) بالهمز، فعيلٌ بمعنى فاعل، من جرُؤَ جراءة، كشَجُعَ شَجَاعَةً وزنًا ومعنى، أي قالت ليقول الناس: إنك شُجاع (فَقَدْ قِيلَ) أي قال الناس ذلك، واستوفيت ما طلبتَ، فلا أجر لك عندي. وهذا مبنيّ على أن العادة حصول هذا القول، وإلا فحَبَط العمل لا يتوقّف على هذا القول، بل يكفي فيه أن ينوي الرياء. واللَّه تعالى أعلم (ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، أي ثم بعد أن قال اللَّه تعالى له: إن ما كنت تطلبه من الناس قد حصل لك، أمر ملائكته أن يدخلوه النار، جزاء سوء فعله، فسحبوه، أي جرّوه إلى أن قذفوه في النار.

(وَرَجُلٌ) أي الثاني رجلٌ (تَعَلَّمَ الْعِلْمَ) لنفسه (وَعَلَّمَهُ) للناس (وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فأُتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء (نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء (قَالَ) اللَّه تعالى له (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ) بتخفيف الذال (وَلَكِنَّكَ تَعَلَمْتَ الْعِلْمَ، لِيُقَالَ: عَالِمٌ) خبر لمحذوف، أي هو، أو أنت، وكذا قوله الآتي:"قارىء"(وَقَرَأْتَ القُرْآنَ، لِيُقَالَ: قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، كما تقدّم (وَرَجُلٌ) أي والثالث رجل (وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بتشديد السين المهملة، من التوسيع، وقوله (وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ) بيان لمعنى التوسيع (فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيل، تُحِبُّ- قَالَ: أبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (وَلَمْ أَفْهَمْ "تُحِبُّ"، كَمَا أَرَدْتُ-) يعني أن لفظ "تحُبْ" ما فهمتها من شيخي محمد بن عبد الأعلى -رحمه اللَّه تعالى- حين أخبرنا به، كما ينبغي، وهذا من ورع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، ودقّة نقله لما سمعه، فقد يبيّن ما لم يسمعه واضحًا من لفظ شيخه أنه لم يفهمه، وإن لم يترتّب على ذلك شيء من المحظور، وقد ذكرها مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" عن شيخه يحيى بن حبيب بن عربيّ، عن خالد بن الحارث، بدون شكّ (أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا) بالبناء للمفعول (إِلاَّ أَتفَقْتُ فِيهَا لَكَ) أي لابتغاء مرضاتك، وطلب مثوبتك (قَالَ) اللَّه تعالى (كَذَبْتَ) بالتخفيف (وَلَكِنْ لِيُقَالَ: إِنَّهُ جَوَادٌ) أي لكن أنفقت

ص: 197

ليقول الناس: إنك جواد (فَقَدْ قِيلَ) أي تحدّث الناس بذلك، كما أردت (ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، فَأُلْقِيَ فِي النَّارِ") ببناء الأفعال للمفعول، زاد في رواية الترمذيّ الآتي:"ثم ضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق اللَّه تُسْعَر بهم النار يوم القيامة".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبى هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ساقه الترمذيّ في "جامعه" مطوّلاً، فقال:

2382 -

حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا حَيْوَة بن شُرَيح، أخبرني الوليد بن أبي الوليد، أبو عثمان المدائني، أن عقبة بن مسلم حدثه، أن شُفَيًّا الأَصْبَحِيَّ، حدثه، أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل، قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت، وخلا، قلت له: أنشدك بِحَقِّ وبِحَقِّ لَمّا حدثتني حديثا سمعته، من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، عَقَلْتَهَ وعلمته، فقال أبو هريرة: أَفْعَلُ، لأُحدثَنَّك حديثًا، حدثنيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، عقلته وعلمته، ثم نَشَغَ

(1)

أبو هريرة، نَشْغَةً، فمكث قليلا، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثًا، حدثنيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو هريرة، نَشْغَة أخرى، ثم أفاق، فمسح وجهه، فقال: لأحدثنك حديثا، حدثنيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغ أبو هريرة نَشْغة أخرى، ثم أفاق، ومسح وجهه، فقال: أفعل لأحدثنك حديثا، حدثنيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنا معه في هذا البيت، ما معه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خَارًّا على وجهه، فأسندته عليّ طويلا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:

"إن اللَّه تبارك وتعالى، إذا كان يومُ القيامة، ينزل إلى العباد، ليقضي بينهم، وكلُّ أمة جاثية، فأول من يدعو به، رجل جمع القرآن، ورجل يَقتَتِل في سبيل اللَّه، ورجل كثير المال، فيقول اللَّه للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟، قال: كنت أقوم به آناء الليل، وآناء النهار، فيقول اللَّه له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول اللَّه: بل أردت أن يقال: إن فلانا قارئ، فقد قيل ذاك، ويُؤْتَى بصاحب المال، فيقول اللَّه له: ألم أُوَسِّعْ عليك، حتى لم أَدَعْكَ، تحتاج إلى أحد؟، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِلُ

(1)

-بفتح النون، والشين المعجمة، بعدها غين معجمة: أي شَهِقَ حتى كاد يُغشى عليه أسَفًا، أو خَوْفًا. قاله المنذريّ.

ص: 198

الرحم، وأتصدق، فيقول اللَّه له: كذبتَ، وتقول له الملائكة: كذبتَ، ويقول اللَّه تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذاك، ويُؤتَى بالذي قُتِلَ في سبيل اللَّه، فيقول اللَّه له: في ماذا قتلتَ؟ فيقول: أَمَرْتَ بالجهاد في سبيلك، فقاتلت، حتى قتلتُ، فيقول اللَّه تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبتَ ويقول اللَّه: بل أردت أن يقال: فلان جَرِيءٌ، فقد قيل ذاك، ثم ضَرَبَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة، أول خلق اللَّه، تُسْعَرُ بهم النارُ يوم القيامة.

وقال الوليد، أبو عثمان: فأخبرني عقبة بن مسلم، أن شُفَيًّا، هو الذي دخل على معاوية، فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم، أنه كان سَيّافًا لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا، عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بَكَى معاوية بكاء شديدا، حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشرّ، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق اللَّه ورسوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16].

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب انتهى. وصححه ابن خُزيمة، وابن حبّان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-22/ 3138 - وفي "الكبرى" 18/ 4345. وأخرجه (م) في "الجهاد" 1905 (ت) في "الزهد" 2382 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 8078. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وعيد من قاتل ليُقال: فلان جريء. (ومنها): أن فيه دليلاً على تغليظ تحريم الرياء، وشدّة عقوبته. (ومنها): الحثّ على لزوم الإخلاص في الأعمال، كما قال اللَّه تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]. (ومنها): أن فيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، إنما هي لمن أراد به وجه اللَّه تعالى. (ومنها): أن الثناء الوارد على العلماء

ص: 199

والمنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك كله ابتغاء وجه اللَّه تعالى، مخلصًا، لا يشوبه شيء من الرياء والسمعة، ونحو ذلك.

[تنبيه]: إنما كان هؤلاء الثلاثة أول خلق اللَّه تعالى تُسعر بهم النار -واللَّه تعالى أعلم- لكون هذه العبادات رفيعة القدر عند اللَّه تعالى، فإنه لا يخفى تنويه اللَّه تعالى في محكم كتابه، بفضل الجهاد، ورفع منزلة العلماء، على سائر الناس، وتخصيص المنفقين في سبيله بالدرجات العلى، فلما لم يَبتغ أصحابها بها وجه اللَّه تعالى الذي عظّم شأنها، ورفع قدرها، والذي يجازي عليها بما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بل طلبوا بها العاجل، وآثروا الفاني على الباقي، جازاهم اللَّه تعالى بأن جعلهم أول من تُسعر بهم النار؛ إذ العقاب على قدر عظم الْجُرْم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌23 - (مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَمْ يَنْوِ إِلاَّ عِقَالاً)

3139 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَمْ يَنْوِ إِلاَّ عِقَالاً، فَلَهُ مَا نَوَى»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [10] 4/ 4.

2 -

(عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري ثقة ثبت حجة [9] 42/ 49.

3 -

(حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [8] 181/ 288.

4 -

(جَبَلَة بن عطيّة) الفِلَسطينيّ، ثقة [6].

قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.

ص: 200

5 -

(يحيى بن الوليد بن عُبَادة بن الصامت) الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، مقبول [4]. روى عن جدّه، وعنه جبلة بن عطيّة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن القطّان: مجهول. وذكر ابن حبّان في "صحيحه" أنه ابن أخي عبادة بن الصامت، وأنه يحيى بن الوليد بن الصامت. قال الحافظ: وفيما قاله نظر، تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.

6 -

(عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة سنة (34)، وله (72) سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. قال سعيد بن عُفير: كان طوله عشرة أشبار رضي الله عنه. تقدّمت ترجمته في 6/ 461. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير جبلة بن عطية، ويحعى بن الوليد، فقد تفرد بهما المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى حماد. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ جَدِّهِ) عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ) موصولة، أو شرطيّة مبتدأ (غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّه، وَلَمْ يَنْوِ) جملة فعلية في محلّ نصب على الحال (إِلَّا عِقَالاً) -بكسر العين المهملة، وتخفيف القاف-: هو الحبل، جمعه عقلٌ -بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، يقال: عَقَلْتُ البعيرَ عقْلاً، من باب ضرب، وهو أن تَثنَيَ وَظِيفَهُ مع ذراعه، فتشُدّهما جميعًا في وسط الذراع بحبل. أفاده الفيّوميّ. وقوله (فَلَهُ مَا نَوَى) خبر "من"، ودخلت الفاء في حال كونها موصولة؛ لأن فيها معنى الشرط.

يعني أن ثوابه من ذلك الغزو هو العقال فقط، سواء حصل له، أو لم يحصل.

وفيه تعظيم شأن الإخلاص في الجهاد، وأن من أراد بجهاده عَرَض الدنيا ليس له إلا ذلك.

قال الطيبيّ: هو مبالغة في قطع الطمع عن الغنيمة، بل ينبغي أن بكون خالصًا للَّه تعالى، غير مشوب بأغراض دنيويّة، كقوله صلى الله عليه وسلم:" وإنما لكلّ إمرىء ما نوى" انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)

- "المرقاة" 7/ 412.

ص: 201

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبادة بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا حسن.

[فإن قيل]: كيف يكون حسنًا، وفي إسناده يحيى بن الوليد مجهول؟.

[قلت]: إنما حسّنّاه لشواهده، فإن حديثي الباب الماضي، والباب التالي، ونحوهما تشهد له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

وهو مما تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-23/ 3139 و 3140 - وفي "الكبرى" 19/ 4346 و 4347. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 22184 و 22221 و 22282 (الدراميّ) في "الجهاد" 2416. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3140 -

(أَخْبَرَنِي

(1)

هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«مَنْ غَزَا، وَهُوَ لَا يُرِيدُ إِلاَّ عِقَالاً، فَلَهُ مَا نَوَى» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هارون بن عبد اللَّه" أبو موسى الحمال البغداديّ الثقة الحافظ [10] 50/ 62. و"يزيد بن هارون" الواسطيّ الثقة الثبت العابد [9] 153/ 244.

والحديث حسن، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌24 - (مَنْ غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ)

3141 -

(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ هِلَالٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ شَدَّادٍ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً، غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَا لَهُ؟ ، فَقَالَ

(1)

- وفي بعض النسخ: "أخبرنا".

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 202

رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا شَىْءَ لَهُ» ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«لَا شَيْءَ لَهُ» ، ثُمَّ قَالَ:«إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ، إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عيسى بن أبي عيسى بن هلال) بن يحيى الطائىِّ

(1)

. وقيل: السَّلِيحيّ -بفتح المهملة، وكسر اللام، والمهملة- الحمصيّ المعروف بـ"ابن البرّاد"، وسَلِيح بطن من قُضَاعة، صدوق [11].

قال المصنّف: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما أغرب. وعدّه ابن القطّان فيمن لا يُعرف حاله. قال الحافظ: فما أصاب، فقد ذكره النسائيّ في أسماء شيوخه، وقال: لا بأس به. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، روى عنه المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

2 -

(محمد بن حِمْيَر) السَّلِيحيّ الحمصيّ، صدوق [9] 21/ 535.

3 -

(معاوية بن سلّام) أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [7] 13/ 1479.

4 -

(عكرمة بن عَمّار) أبو عمّار العجليّ اليماميّ، البصريّ الأصل، صدوق يَغلَط في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [5] 57/ 1299.

5 -

(شدّاد أبو عمّار) ابن عبد اللَّه القرشيّ الدمشقيّ، ثقة يُرسل [4] 81/ 1337.

6 -

(أبو أمامة) صُديّ -بصيغة التصغير- ابن عَجْلان الصحابيّ الشهير، سكن الشام، ومات بها سنة (86) وقد تقدّمت ترجمته في - 108/ 147. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِليِّ) صُديّ بن عجلان رضي الله عنه، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (رَجُلاً، غَزَا يَلْتَمِسُ) أي يطلب (الأَجْرَ) أي الثواب من عند

(1)

- أنكر الشيخ مغلطاي على الحافظ المزيّ نسبته إياه طائيًّا، مع أنه قرر أنه من سَلِيح، ثم قال: وسَليح من قُضاعة، قال: وطيء، وقُضاعة لا يجتمعان. قال الحافظ: وهو كما قال، ويجوز الجمع بينهما من وجه آخر، وهو أن يكون نسبته إلى أحدهما حقيقةً، والآخر مجازية إما بحلف، أو غير ذلك. انتهى "تهذيب التهذيب" 3/ 365.

ص: 203

اللَّه تعالى (وَالذِّكْرَ) أي ذكر الناس له بالشجاعة (مَالَهُ؟) أي أيّ شيء من الأجر له، هل يحصل له الأجر الذي أراده من اللَّه تعالى، أم ليس له منه شيء؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا شَيْءَ لَهُ) أي ليس له شيء من الأجر؛ لتشريكه في نيّته (فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي أعاد المسألة الرجل السائل على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ للتأكّد من هذا الأمر العظيم (يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا شَيْءَ لَهُ) أي يجيبه صلى الله عليه وسلم بأنه لا شيء من الأجر الذي أشرك معه قصد الذكر بين الناس (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقبَلُ مِنَ العَمَلِ، إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا) من شوائب الأعراض النفسيّة (وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي طُلب بذلك العمل وجهه سبحانه وتعالى.

وهذا الحديث يدلّ على أن المؤمن لا يُقبل منه عمل صالح إذا لم يقصد به وجه ربّه عز وجل، وهو معنى قوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110].

فإن كان هذا شأن المؤمن، فماذا يكون حال الكافر بربه، إذا لم يخلص له في عمله؟ الجواب في قوله تعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]، وعلى افتراض أن بعض الكفّار يقصدون بعملهم الصالح وجه اللَّه تعالى على كفرهم، فإن اللَّه تعالى لا يُضيع ذلك عليهم، بل يُجازيهم عليها في الدنيا، وبذلك جاء النصّ الصريح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنةً، يُعطى بها -وفي رواية "يثاب عليها الرزق في الدنيا- ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها". رواه مسلم 8/ 135 وأحمد 3/ 125.

وهذه هي القاعدة في هذه المسألة أن الكافر يجازى على عمله الصالح شرعًا في الدنيا، فلا تنفعه حسناته في الآخرة، ولا يُخفّف عنه العذاب بسببها، فضلاً عن أن ينجو منه.

وهذا في حسنات الكافر الذي يموت على كفره، كما هو ظاهر الحديث، وأما إذا أسلم، فإن اللَّه تبارك وتعالى يكتب له كلّ حسناته التي كان عمل بها في كفره، ويجازيه بها في الآخرة، كما جاء بذلك أحاديث كثيرة، كحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه مرفوعًا:"إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، كتب اللَّه له كلّ حسنة كان أزلفها، ومُحيت عنه كلّ سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والسيّئة بمثلها إلا أن يتجاوز اللَّه عنها". حديث صحيح، أخرجه مالك في "الموطإ"، والنسائيّ، والبيهقيّ في "شُعَب الإيمان".

ص: 204

ولا يعارض ما ذُكر ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذُكر عنده عمه أبو طالب، فقال:"لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحضَاح من نار، يبلغ كعبيه، يَغلِي منه دماغه"؛ لأن ذلك بسبب شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم، لا بعمله، ويؤيّده قوله صلى الله عليه وسلم:"ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". رواه مسلم، وهو مخصوص من عموم قوله تعالى في الكفّار:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدّثّر: 48]

(1)

.

والحاصل أن ذلك من خصائص النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهو بشفاعته، لا بعمله الصالح، فلا يعارض النصوص المتقدّمة، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي أمامة الباهليّ رضي الله عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 24/ 3141 - وفي "الكبرى" 20/ 4348. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌25 - (ثَوَابُ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فُوَاقَ نَاقَةِ)

3142 -

(أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَجَّاجًا، أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل، مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ، مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ صَادِقًا، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ، فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً، فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا كَالزَّعْفَرَانِ، وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ»).

(1)

- راجع "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ 1/ 81/82. رقم 52 و 53.

ص: 205

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(يوسف بن سعيد) المصّيصيّ، ثقة حافظ [11] 131/ 198 من أفراد المصنّف.

2 -

(حجاج) بن محمد الأعور المصّيصي، ثقة ثبت، اختلط في آخره [9] 28/ 32.

3 -

(ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المذكور قبل بابين.

4 -

(سليمان بن موسى) الأشدق الدمشقيّ، صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل [5] 7/ 504.

5 -

(مالك بن يُخَامر) -بضمّ أوله، وفتح المعجمة- هكذا ضبطه الخزرجيّ في "الخلاصة". وضبطه الحافظ في "التقريب" -بفتح التحتانيّة، والمعجمة، وكسر الميم- فليُحرّر. ويقال: ابن أُخَامر السكسكيّ الألهانيّ الحمصيّ، صاحب معاذ رضي الله عنه مخضرم، ويقال له صحبة.

قال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء اللَّه تعالى. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو نُعيم: ذكره بعضهم في الصحابة، ولا يثبت. وأرسل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث:"الدَّيْنُ شَيْنٌ فِي الدِّينِ". قال ابن أبي عاصم: مات سنة (70) وقال غيره: سنة (72). روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

6 -

(معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن، من أعيان الصحابة، شهد بدرًا، وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام، والقرآن، ومات رضي الله عنه بالشام سنة (18)، وقد تقدّمت ترجمته في 42/ 587. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أن فيه مِصّيصيّين، وهما يوسف، وحجاج، ومكيّا، وهو ابن جُريج، ودمشقيّين، وهم الباقون، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن سليمان بن موسى أنه (قال: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَهُمْ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل) أي لأجل إعلاء كلمته (مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) بيان "من قاتل"، بيّن فيه أن شرط الحصول

ص: 206

على الأجر المذكور أن يكون المقاتل مسلمًا، وهو الشرط الأساسيّ في حصول الثواب على أيّ عمل صالح (فَوَاقَ نَاقَةٍ) -بضمّ الفاء، وفتحها-: قدر ما بين الْحَلَبتين من الراحة؛ لأنها تُحلب، ثم تترك سُويعة تُرضِع الفصيلَ لتُدِرَّ، ثمّ تُحلَبَ. وقيل: يحتمل ما بين الغداة إلى المساء، أو ما بين أن تُحلَبَ في ظرف، فيمتلىء، ثم تُحلب في ظرف آخر. أو ما بين جرّ الضرع إلى جرّه مرّةً أُخرى، وهو أليق بالترغيب في الجهاد

(1)

. قال أبو البقاء: في نصب "فواق" وجهان: أحدهما أن يكون ظرفًا، تقديره وقتَ فواق، أي وقتًا مقدّرًا بذلك. الثاني: أن يكون جاريًا مجرى المصدر، أي قتالاً مقدّرًا بفواق انتهى

(2)

.

(وَجَبَتْ) أي ثبتت (لَهُ الْجَنَّةُ) أي يدخلها أوّلاً (وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ) أي القتل في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى (مِن عِنْدِ نَفْسِهِ) أي مخلصًا في سؤاله من قلبه، وقوله (صَادِقًا) بمنزلة التأكيد لما قبله (ثُمّ مَاتَ) أي بأيّ سبب كان، ولو على فراشه (أَوْ قُتِلَ) أي في غير المعركة (فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَمَنْ جُرِحَ) بالبناء للمفعول (جَرْحًا) بفتح الجيم مصدر جرح، من باب نَفَعَ، وبضمها اسم منه (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعني أن العدوّ جرحه (أَوْ نُكِبَ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي أصيب بحادثة، كأن تصاب رجله بالحجارة، فتَدمى (نَكْبَةً) -بفتح النون-: المصيبة، جمعها نَكَبات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. وقال ابن الأثير: النَّكْبَة هي ما يصيب الإنسان من الحوادث. قال: ومنه الحديث "أنه نكبت إصبعه" أي نالتها الحجارة

(3)

.

قال القاري: "أو" للتنويع، قيل: الجرح، والنكبة كلاهما واحد. وقيل: الجرح ما يكون من فعل الكفّار، والنكبة الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابّته، أو وقوع سلاح عليه. قال: هذا هو الصحيح. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعْ دَمِيتِ

وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ

(4)

(فَإِنَّها) أي النكبة التي فيها الجراحة (تجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال الطيبيّ: قد سبق شيئان: الجرح، والنكبة، وهي ما أصابه في سبيل اللَّه من الحجارة، فأعاد الضمير إلى النكبة؛ دلالة على أن حكم النكبة إذا كانت بهذه المثابة، فما ظنّك بالجرح بالسنان، والسيف؟، ونظيره قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} الآية

(1)

- راجع "شرح السندي" 6/ 25 - 26.

(2)

- راجع "زهر الربى" 6/ 25.

(3)

- "النهاية" 5/ 113.

(4)

- "المرقاة" 7/ 388.

ص: 207

[التوبة:34] انتهى. قال القاري: أو يقال: إفراد الضمير باعتبار أن مؤدّاهما واحدٌ، وهي المصيبة الحادثة في سبيل اللَّه انتهى

(1)

(كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ) بتقديم الزاي المعجمة، على الراء المهملة: أي تظهر، وتتصوّر كأكثر أوقات أكوانها في الدنيا. قال الطيبيّ: الكاف زائدة، و"ما" مصدريّةٌ، والوقت مقدّرٌ، يعني حينئذ تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته انتهى.

قال القاري: والأظهر أن الكاف غير زائدة، والمراد أن الجراحة، والنكبة تكون يوم القيامة، مثلَ أكثر ما وُجد في الدنيا انتهى (لَوْنَهُا كَالزَّعْفَرَانِ، وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ) كلّ منهما فيه تشبيه بليغ (وَمَنْ جُرِحَ جَرْحًا) هكذا رواية المصنّف هنا، وفي "الكبرى"" جُرح جرحًا" بالجيم، والذي في رواية أبي داود:"ومن خَرَج به خُرَاج" بالخاء المعجمة، والراء المهملة، والْخُرَاج بضمّ المعجمة: ما يخرج في البدن من القروح والدماميل.

(فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُهَدَاءِ) -بفتح الباء، وتُكسر-: أي ختمهم. يعني علامة الشهداء، وأمارتهم؛ ليُعلَم أنه سعى في إعلاء الدين، ويُجازَى جزاء المجاهدين. قال الطيبيّ: ونسبة هذه القرينة مع القرينتين الأوليين الترقّي في المبالغة، من الإصابة بآثار ما يُصيب المجاهد مى سبيل اللَّه من العدوّ تارة، ومن غيره أُخْرَى، وطورًا من نفسه انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث معاذ بن جبل - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-25/ 3142 - وفي "الكبرى" 21/ 4349. وأخرجه (د) في "الجهاد" 2541 (ت) في "فضائل الجهاد" 1654 و 1657 (ق) في "الجهاد" 2792 (أحمد) في "مسند الأنصار" 21509 (الدراميّ) في "الجهاد" 2394. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): فى فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من قاتل في سبيل فُوَاقَ ناقة، وهو وجوب الجنة له. (ومنها): أن من سأل اللَّه تعالى الشهادة مخلصًا بلّغه اللَّه تعالى درجتها، وإن لم يُقتل في المعركة. (ومنها): فضل الجرح، والنكبة في سبيل

(1)

- "المرقاة" 7/ 388.

ص: 208

اللَّه تعالى. (ومنها): أن من جُرح في سبيل اللَّه يُختم عليه بخاتم الشهداء، حتى يوافي به يوم القيامة، وعليه ذلك الطابع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌26 - (ثَوَابُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل

-)

وفي نسخة: "باب من رمى بسهم الخ".

3143 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ صَفْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: يَا عَمْرُو، حَدِّثْنَا حَدِيثًا، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، بَلَغَ الْعَدُوَّ، أَوَلَمْ يَبْلُغْ، كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، كَانَتْ لَهُ فِدَاءَهُ مِنَ النَّارِ، عُضْوًا بِعُضْوٍ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [10] 21/ 535.

2 -

(بقيّة) بن الوليد الكَلاعيّ الحمصيّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 55.

3 -

(صفوان) بن عمرو بن هَرِم السكسكيّ، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة [5] 112/ 2053.

4 -

(سُليم بن عامر) الْكَلَاعيّ الْخَبَائريّ، أبو يحيى الحمصيّ، ثقة [3] 35/ 572.

5 -

(شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ) -بكسر المهملة، وسكون الميم- الكنديّ الشاميّ، مختلف في صحبته، والأكثرون على أن له صحبة، وجزم ابن سعد بأن له وفادة، ثم شهد القادسيّة، وفتح حمص، وعمل عليها لمعاوية، ومات سنة (40) أو بعدها 1/ 1431.

ص: 209

6 -

(عَمْرو بْنُ عَبَسَةَ) -بموحّدة، ومهملتين، مفتوحات- ابن عامر بن خالد السُّلَميّ، أبو نَجِيح، صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر بعد أُحُد، ثم نزل الشام-108/ 147 - . واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وابو داود، وابن ماجه، وبقية أخرج له مسلم في المتابعات. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي، عن صحابي، إن ثبتت صحبة شرحبيل، كما هو قول الأكثرين، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ) الكنديّ الشاميّ (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ) السُّلَميّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَا عَمْرُو، حَدِّثْنَا حَدِيثًا، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) زاد في الرواية الآتية بعد حديثين من طريق خالد بن زيد، عن شُرَحبيل بن السِّمْط:"ليس فيه نسيانٌ ولا تنقّصٌ"(قَالَ) عمرو بن عبسة رضي الله عنه (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى) أي مارس الجهاد حتى يشيب طائفة من شعره. ويحتمل أن يكون المراد بـ"سبيل اللَّه" الإسلام، ويؤيّده رواية:"من شاب في الإسلام شيبةً"، والأول أظهر (كَانَتْ) أي الشيبة (لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْم فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، بَلَغَ الْعَدُوَّ) بتخفيف اللام من "بلغ"، وضميره للسهم، أو بتشديدها، والضمير لـ"من"، والمفعول الثاني محذوفٌ، أي سهمه، والأول أقرب (أَوْ لَمْ يَبْلُغْ، كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ) أي كان ثوابه كثواب عتق رقبة، وقد بين ثوابه العتق بقوله (وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة مُؤْمِنَة، كَانَت) تلك الرقبةْ (لَهُ فِدَاءَهُ مِنَ النَّارِ) أي ينجو بسببها من دخول النار، لا أنها تكون تدخل النار بدلاً عنه، واللَّه تعالى أعلم (عُضْوًا بعُضْوٍ) منصوب على الحال، كقولهم: باع يدًا بيد، أي مناجزةً، والتقدير هنا: أي مُقَابَلاً كلّ عضو منه بكلّ عضو منه. قال ابن ما لك في "الخلاصة":

وَيَكثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرِ وَفِي

مُبْدِي تَأَوُّلٍ بِلَا تَكَلُّفِ

كَبِعْهُ مُدًّا بِكَذَا يَدًا بِيَدْ

وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَدًا أَيْ كَأَسَدْ

ولفظ "الكبرى": "عضوٌ بعضو"، بالرفع: أي يفدى عضوٌ منه بعضو منه.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود في "سننه" من طريق معدان بن أبي طلحة الْيَعْمَريّ،

ص: 210

عن أبي نَجِيح السُّلَمِيّ -وهو عمرو بن عَبَسَة المذكور- قال: حاصرنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقصر الطائف، قال معاذ -يعني ابن هشام الدستوائيّ-: سمعت أبي يقول. بقصر الطائف، بحصن الطائف كلّ ذلك، فسمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول: "من بلغ بسهم في سبيل اللَّه عز وجل، فله درجة

وساق الحديث.

وسمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما، فإن اللَّه عز وجل جاعل وقاءَ كلِّ عظم من عظامه، عظما من عظام مُحَرِّره من النار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة، فإن اللَّه جاعل وقاءَ كلّ عظم من عظامها، عظما من عظام محررها من النار، يوم القيامة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عمرو بن عَبَسَةَ صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده بقية، وهو معروف بالتدليس، والتسوية، وقد عنعنه؟.

[قلت]: لم ينفرد بقية بروايته، فقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالسند التالي لهذا، والسند الثالث، وكلاهما صحيحان. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-26/ 3143 و 3146 - وفي "الكبرى" 22/ 4350 و 4353. وأخرجه (د) في "الجهاد" 3965 (ت) في "فضائل الجهاد" 1635 و 1638. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من رمى بسهم في سبيل اللَّه عز وجل، وهو أنه كثواب عتق رقبة، سواء بلغ السهم إلى العدوّ، أم لم يبلغ. (ومنها): فضل من شاب شيبة في سبيل اللَّه تعالى، حيث تكون له نورًا يوم القيامة. (ومنها): فضل من أعتق رقبة مؤمنةً، وهو أنها تكون فداءً له من النار، يُفدى كلّ عضو منه بكلّ عضو منها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3144 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهُوَ لَهُ

ص: 211

دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ» ، فَبَلَّغْتُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا، قَالَ: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ

(1)

صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهُوَ عِدْلُ مُحَرَّرٍ» ).

قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"هشام": هو الدستوائيّ. و"سالم بن أبي الجعد" رافع الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ الثقة. و"معدان بن أي طلحة" ويقال: ابن طلحة اليعمريّ الشاميّ الثقة [2] 17/ 708. و"أبو نَجيح" -بفتح النون، وكسر الجيم- هو عمرو بن عَبَسَة الصحابيّ المذكور في السند السابق. و"السُّلَميّ" -بضم السين المهملة، واللام-.

وقوده: "من بلغ بسهم" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أنه مخفّف، والباء للتعدية إلى المفعول الثاني، والأول محذوفٌ، أي بلَغَ الكافرَ بسهم، أي من أوصل سهمًا إلى كافر. ويحتمل أنه مشدّد، من التبليغ، والباء زائدة، وبالتشديد قد ضُبِط في بعض النسخ انتهى.

وقوله: "فبلّغت" هنا بتشديد اللام- و"ستة عشر" مفعوله: أي أوصلتها.

وقوله: "من رمى بسهم" أي وإن لم يُبلغه، فهو ترقّ من الأعلى، ويجوز عكسه، بمعنى من بَلغ إلى مكانِ سَهمَه يكون له درجة، وإن لم يرم، وإن رمى يكون له كذا. ذكره في "المجمع"، والمعنى الثاني مبنيّ على التخفيف، فهو الوجه. وقوله:"تَرَقّ من الأعلى" بعيد، والأقرب تنزّلٌ من الأعلى، والوجه الثاني غير مناسب؛ لحديث كعب الآتي، فليتأمّل. قاله السنديّ

(2)

.

والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3145 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ: يَا كَعْبُ حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاحْذَرْ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، قَالَ لَهُ: حَدِّثْنَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَاحْذَرْ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ارْمُوا مَنْ بَلَغَ الْعَدُوَّ بِسَهْمٍ، رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً» ، قَالَ ابْنُ النَّحَّامِ: "يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الدَّرَجَةُ؟ ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ بِعَتَبَةِ أُمِّكَ، وَلَكِنْ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ»).

(1)

- وفي نسخة: "النبيّ".

(2)

- "شرح السنديّ" 6/ 27.

ص: 212

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(محمد بن العلاء) أبو كريب الهدماني الكوفي، ثقة حافظ [10] 95/ 117.

2 -

(أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أحفظ الناس لحديث الزهريّ، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [9] 21/ 30.

3 -

(الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ ورع عارف بالقراءة، لكنه يدلس [5] 17/ 18.

4 -

(عمرة بن مرّة) الجملي المرادي الكوفي، ثقة عابد رمي بالإرجاء [5] 71/ 265.

5 -

("كعب بن مرّة) وقيل: مرّة بن كعب البَهْزيّ السُّلَميّ، سكن البصرة، ثم الأردن. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعنه شُرحبيل بن السمط، وأبو الأشعث الصنعانيّ، وجبير بن نُفير، وأسامة ابن خُريم، وسالم بن أبي الجعد، وقيل: لم يسمع منه، وعبد اللَّه بن شَقيق، وقال: مرّة بن كعب، وغيرهم. قال ابن عبد البرّ: والأكثرون يقولون: كعب بن مرّة، له أحاديث مَخْرجها عن أهل الكوفة، يَروونها عن شُرحبيل، عنه، وأهل الشام، يرون تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل، عن عمرو بن عَبَسَة، فاللَّه أعلم.

وكذا قال ابن السكن، وزاد: زعم بعضهم أنهما اثنان -يعني الذي سكن البصرة، وروى عنه البصريون غير الذي سكن الشام. مات كعب بالأردن سنة (57)، وقيل: سنة (59).

روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والباقيان تقدما في الحديث السابق. واللَّه تعالى أعلم.

لطالف هذا الإسناد:

منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى الصحابي، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، إلى شُرَحْبيل. وفيه أربعة من التابعين الثقات يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، وعمرو، وسالم، وشُرحبيل، أو ثلائة من التابعين، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ، إن ثبتت صحبة شُرَحبيل. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ) الكنديّ الشاميّ، أنه (قَالَ: لِكَعْب بْنِ مُرَّةَ) - رضي اللَّه تعالى - عنه (يَا كَعْبُ، حَدِّثنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاحْذَرْ) أي من الزيادة في الحديث، ولو

ص: 213

سهوًا (قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ) ليس في "الكبرى" لفظ: "في الإسلام"(فِي سَبِيلِ اللهِ) قال الطيبيّ: معناه من مارس المجاهدة حتى يشيب طاقة من شعره، فله ما لا يوصف من الثواب، دلّ عليه تخصيص ذكر النور، والتنكير فيه، قال: ومن روى: "في الإسلام" بدل "في سبيل اللَّه" أراد بالعامّ الخاصّ، أو سمّى الجهاد إسلامًا؛ لأنه عموده، وذروة سنامه انتهى

(1)

(كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي كانت الشعرة ضياء، ومَخلَصًا عن ظلمات الموقف، وشدائده. قال المناويّ: أي يصير الشعر نفسه نورًا يهتدي به صاحبه، والشيب، وإن كان ليس من كسب العبد لكنه إذا كان بسبب، من نحو جهاد، أو خوف من اللَّه ينزّل منزلة سعيه انتهى

(2)

(قَالَ: لَهُ: حَدِّثْنَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَاحْذَرْ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمُوا) أي ارموا بالسهم إلى العدو (مَنْ بَلَغَ الْعَدُوَّ بسَهْمٍ، رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً"، قَالَ: ابْنُ النَّحَّامِ) لعله عبد اللَّه بن النَّحَام الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، له ترجمة في "الإصابة" جـ6 ص 228 - 226 روى أبو نعيم، من طريق عُبيد بن آدم ابن أبي إياس، عن أبيه، عن الربيع بن صَبِيح

(3)

، عن الحسن، عن عبد اللَّه بن النحّام، قال: دخلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا أبيض الرأس واللحية، فقال لي:"إن اللَّه يحاسب الشيخ حسابًا يسيرًا"(يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الدَّرَجَةُ؟، قَالَ: "أَمَا إِنَّهَا) أي الدرجة (لَيْسَتْ بعَتَبَةِ أُمِّكَ) أي ليس ارتفاع الدرجة العالية عن الدرجة مثل ارتفاع درجة بيت أمك (وَلَكِنْ) ارتفاع (مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَينِ مِائَةُ عَامٍ) أي مسيرة مسافة مائة عام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

حديث كعب مرّة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-26/ 3145 - وفي "الكبرى" 22/ 4352. وأخرجه (ت) في "فضائل الجهاد" 1634. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3146 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدًا

(1)

- راجع "تحفة الأحوذيّ" 5/ 263.

(2)

- راجع "تحفة الأحوذيّ" 5/ 261.

(3)

- بفتح الصاد المهملة، وكسر الموحّدة، كما قال السيوطي في "ألفية المصطلح":

صَبِيحُ وَالِدُ الرَّبِيعِ فُتِحَا

وَاضْمُمْ أَبًا لِمُسْلِمٍ أَبِي الضُّحَى

ص: 214

-يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيَّ- يُحَدِّثُ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا عَمْرُو بْنَ عَبَسَةَ، حَدِّثْنَا حَدِيثًا، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَيْسَ فِيهِ نِسْيَانٌ، وَلَا تَنَقُّصٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَبَلَغَ الْعَدُوَّ، أَخْطَأَ، أَوْ أَصَابَ، كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ، وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، كَانَ فِدَاءُ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ، مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(المعتمر) بن سليمان بن طرخان البصريّ، ثقة، من كبار [9] 10/ 10.

2 -

(خالد بن زيد أبو عبد الرحمن الشاميّ) ويقال: ابن يزيد، وهو وَهَمٌ. لا بأس به [6].

قال أبو حاتم: ما به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرد به المصنّف بحديث الباب فقط. والباقون تقدّموا في أول حديث الباب، وثانيه.

وقوله. "فبلغ العدو" أي وصل إلى مكانه.

وقوله: "كان فداء كلّ عضو منه""فداءُ" بالرفع اسم "كان"، وهو مضاف إلى "كلِّ عضوٍ. وضمير "منه" لـ"من أعتق". وقوله:"عضوًا" بالنصب على أنه خبر "كان". وضمير "منه" للرقبة، بتأويلها بالشخص، أو بالإنسان. وقوله:"من نار جهنّم" متعلّق بـ"فداء".

والحديث صحيح، وتمام شرحه، والكلام على مسائله تقدما في الحديث المذكور أول الباب، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3147 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ الأَسْوَدِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل، يُدْخِلُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ، بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ، صَانِعَهُ، يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنَبِّلَهُ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عثمان) المذكور أول الباب.

2 -

(الوليد) بن مسلم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة كثير التدليس والتسوية [8] 5/ 454.

3 -

(ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عُتبة الدارانيّ، ثقة [7]

ص: 215

45/ 595.

4 -

(أبو سلّام الأسود) ممطور الحبشيّ، ثقة يُرسل [3] 2/ 1370.

5 -

(خالد بن يزيد) ويقال: ابن زيد الجهنيّ، مقبول [3].

روى عن عقبة بن عامر في فضل الرمي، وعنه أبو سلام الحبشي، على اختلاف فيه على يحيى بن أبي كثير، فقال مرة: عبد اللَّه بن زيد، وفرق البخاري، وأبو حاتم، وغيرهما بينه وبين خالد بن زيد بن خالد الجهني، الذي يروي عن أبيه في اللقطة، ويروي عنه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وذكر الخطيب أنه وهم وأن الصواب أنهما واحد، ولم يأت على ذلك بحجة، إلا أنه روى حديث الرمي رواية أبي سلام، عن خالد بن زيد الجهني، وليس في ذلك ما يمنع كونهما اثنين، ويؤيد ذلك أن في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره، عن أبي داود، وفي رواية النسائي: خالد بن يزيد بزيادة ياء في أوله، وكذا وقع عند ابن ماجه من طريق إسماعيل بن رافع، عن خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر، في حديث النذر، فلو لم يكونا اثنين ما اختلف في اسم أبي هذا؛ لأن زيد بن خالد الجهني الصحابي لم يختلف فيه، وقال ابن عساكر في حرف العين: عبد اللَّه بن زيد، ويقال: ابن يزيد، ويقال: خالد بن زيد القاص الأزرق الدمشقي، قاص مسلمة بن عبد الملك، روى عن عقبة بن عامر، وعوف بن مالك، وعنه بكير بن الأشج، ويعقوب بن الأشج، وأبو سلام الحبشي، وغيرهم، ثم روى من حديث بكير ابن الأشج، ويزيد بن خصيفة، عن عبد اللَّه بن زيد، عن عوف بن مالك، حديث:"لا يقص إلا أمير"، ثم روى من حديث يحيى بن أبي كثير وغيره، عن أبي سلام، عن عبد اللَّه بن زيد الأزرق، عن عقبة بن عامر في الرمي، ثم حكى قول البخاري في التفريق بينهما، ثم قال: وعندي أنهما واحد، والقول في هذا كالقول مع الخطيب، فإن الراوي عن عوف بن مالك، لا خلاف أن اسمه عبد اللَّه، وإنما وقع خلاف في اسم أبيه، فقال عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج: زيد، وقال ابن لهيعة في روايته عن بكير، ويزيد بن خصيفة: يزيد، وقول عمرو بن الحارث أولى؛ فإنه أحفظ وأقوى. وخالد بن زيد بن خالد الجهني ذكره ابن حبّان في "الثقات"

(1)

. تفرّد به المصنّف، وأبو داود بحديث الرمي فقط.

6 -

(عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهني الصحابيّ الشهير، تولّى إمرة مصر لمعاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما - ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلاً، مات رضي الله عنه في قرب (60) وتقدّمت ترجمته في 108/ 144. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- راجع "تهذيب التهذيب" 1/ 520.

ص: 216

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عز وجل، يُدْخِلُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجنَّةَ، بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ) أي سبب رميه على الكفّار (صَانِعَهُ) بالنصب بدل بعض من "ثلاثة"، ويجوز قَطعه (يَحْتَسِبُ) في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه محتسبًا، يقال: احسب الأجر على اللَّه. أي ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم الْحِسْبَةُ -بالكسر-. قاله الفيّوميّ (فِي صُنْعِهِ) -بضم الصاد المهملة، وسكون النون- وفي بعض النسخ:"في صنعته"، وهو للمرة من الصنع، والجارّ والمجرور متعلّقٌ بـ"يحتسب"، وقوله (الْخَيْرَ) بالنصب مفعول "يحتسب (وَالرَّامِيَ بِهِ) أي الشخص الذي يرمي بذلك النبل احسابًا أيضًا (وَمُنَبِّلَهُ) أي المحسب أيضًا، وهو اسم فاعل من نَبَّلَه -بالتشديد، أو من أنبله: إذا ناوله ليرمي به. والمراد من يقوم بجنب الرامى، أو خلفه، يُناوله النبلَ واحدًا بعد واحدٍ، أو يردّ عليه النبل المرْميَّ به. ويحتمل أن يكّون المراد من يُعطي النَّبْلَ من ماله؛ تجهيزًا للغازي، وإمدادًا له.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى أن يحمل على ما يعمّ الجميع؛ لأن اللفظ يحتمل الكلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لأن في سنده، الوليد بن مسلم مدلّس، وقد عنعنه، وفيه خالد بن يزيد مجهول العين، لم يرو عنه إلا أبو سلّام الأسود، ولذا قال عنه في "التقريب": مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-26/ 3147 وفي "كتاب الخيل" 8/ 3579 - وفي "الكبرى" 22/ 4354 و"الخيل" 9/ 4420. وأخرجه (م) في "الجهاد" 1919 (د) في "الجهاد" 2513 (ق) في "الجهاد" 2814 (أحمد) في "مسند الشاميين" 16849 و 16870 و 16884 (الدراميّ) في "الجهاد" 2405. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 217

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌27 - (بَابُ مَنْ كُلِمَ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل

-)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقع في بعض النسخ: "ثواب من كُلم الخ". و"كُلِمَ" بالبناء للمفعول، مخفّف اللام، كجُرِحَ وزنًا ومعنًى، أي هذا باب ذكر الحديثين الدالّين على فضل من جُرِحَ في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب

3148 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [10] 20/ 21.

2 -

(سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكيّ الإمام الحجة الثبت [8] 1/ 1.

3 -

(أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ الثقة الفقيه [5] 7/ 7.

4 -

(الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدني الثقة الثبت [3] 7/ 7.

5 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. ومنها: أن فيه مكيّينِ، وهما الأَوَّلان، ومدنيينَ، وهم الباقون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه من لُقّبٌ بصورة الكنية، وهو أبو الزناد، وكنيته أبو عبد الرحمن، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين من الرواية، روى (5374) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "لَا يُكْلَمُ) -بضمّ أوله،

ص: 218

وسكون الكاف، وفتح اللام، مبنيًّا للمفعول، أي لا يُجرحُ (أَحَدٌ) قيَده في رواية همّام، عن أبي هريرة بالمسلم، فهذا الفضل خاصّ بالمسلمين؛ لأن من قاتل في كفره لا يُسمّى مقاتلاً في سبيل اللَّه تعالى، كما قيّده بقوله (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) جملة معترضةٌ، قصد بها التنبيه على شرطيّة الإخلاص في نيل هذا الثواب، فهذا الثواب إنما هو لمن أخلص فيه، وقاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا. قال النووي: قالوا: وهذا الفضل، وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفّار، إلا أنه يدخل فيه من خرج في سبيل اللَّه في قتال البغاة، وقُطّاع الطريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم

(1)

.

وكذا قال ابن عبد البرّ: إن مخرج الحديث في قتال الكفّار، ويدخل فيه بالمعنى هذه الأمور، واستشهد على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:"من قُتل دون ماله فهو شهيد".

لكن تَعَقَّبَ هذا كلّه وليُّ الدين بقوله: وقد يُتَوَقَّفُ في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل؛ لإشارة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى اعتبار الإخلاص في ذلك في قوله: "واللَّه أعلم بمن يُكلم في سبيله"، والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجه اللَّه، إنما يقصد صون ماله، وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطبع، لا بدّاعية الشرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأيّ بذل بذل نفسه فيه للَّه تعالى حتى يستحقّ هذا الفضل، واللَّه أعلم انتهى

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله وليّ الدين فيه نظر؛ لأن الذي يقاتل دون ماله لا يستبعد أن يخلص نيته فيه للَّه تعالى، لإن اللَّه تعالى شرع صون المال، وحفظه؛ فإذا قاتل لأجل ذلك فقد حصل قتاله للَّه تعالى.

لكن عندي توقّفٌ في صحّة قياس الأشياء المذكورة في كلام النوويّ وغيره؛ إذ قتال الكفّار له المكانة العليا، فلا يستقيم إلحاق غيره به في خصوصيته، فالذي يظهر أن هذا الفضل مخصوص بمن قاتل الكفّار. واللَّه تعالى أعلم.

(إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ) -بضمّ الجيم- (يَثْعَبُ دَمًا) بفتح أوله، وسكون المثلّثة، وفتح العين المهملة، آخره موحّدة: أي يَجري متفجّرًا، أي كثيرًا، قال النوويّ: وهو بمعنى الرواية الأخرى: "يتفجّر دمًا" انتهى. قال السنديّ: وكلام بعضهم يقتضي أنه بالبناء للمفعول: أي يسيل انتهى

(3)

.

(1)

- "شرح مسلم" 13/ 26.

(2)

- "طرح التثريب" 7/ 200.

(3)

- "شرح السندي" 6/ 29.

ص: 219

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي اقتضاه كلام هذا البعض هو الذي تقتضيه عبارة المجد في "القاموس"، ونصّه: ثَعَبَ الماءَ والدمَ، كمنع: فَجَرَه، فانثَعَبَ انتهى. ونحوه في "لسان العرب" لابن منظور

(1)

.

(اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) في رواية همّام: "والعَرْف" -بفتح المهملة، وسكون الراء، بَعدها فاء، وهو الرائحة، وتقدّم -25/ 3142 - من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، مرفوعًا:"من جُرح جرحًا في سبيل اللَّه، أو نُكب نَكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك". وعُرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختصّ بالشهيد، بل هي حاصلة لكلّ من جُرِح.

ويحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله، لا ما يندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة، وسيلان الدم يزول، ولا ينفي أن يكون له فضلٌ في الجملة، لكن الظاهر أن الذي "يجيء يوم القيامة يَثعَبُ دمًا" من فارق الدنيا، وجرحه كذلك، ويؤيّده ما وقع في حديث معاذ المذكور:"عليه طابَعُ الشهداء"، وقوله: كأغزر ما كانت" لا ينافي قوله: "كهيئتها"؛ لأن المراد لا ينقص شيئًا بطول العهد. قاله في "الفتح".

وقال الحافظ وليّ الدين: وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين أن يُستشهد، أو تبرأ جراحته؛ لقوله:"كلّ كَلْم".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي أنه أعمّ، فيشمل من استُشهد، ومن برىء جرحه، فمات بعد ذلك؛ عملاً بظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم.

قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهدٌ بفضيلته ببذله نفسه في طاعة اللَّه تعالى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-27/ 3148 - وفي "الكبرى" 23/ 5355. وأخرجه (خ) في

(1)

راجع "القاموس المحيط"، و"لسان العرب" في مادّة ثَعَبَ.

(2)

- راجع "الفتح" 6/ 98 - 99.

ص: 220

"الوضوء"237 و"الجهاد والسير" 2803 و"الذبائح والصيد" 5533 (م) في "الجهاد" 1876 (ت) في "فضائل الجهاد" 1656 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 7117 و 7260 و 27423 و 27548 و 27509 و 8940 و 10275 و 10362 و10489 و 10553 (الموطأ) في "الجهاد" 1001 (الدارميّ) في "الجهاد"2406. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من كُلِم في سبيل اللَّه عز وجل، وذلك يأتي يوم القيامة، يتفجّر جرحه دمًا، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك. (ومنها): أنه استدلّ به على أن الشهيد لا يُزال عنه الدم بغسل، ولا غيره. قال الحافظ وليّ الدين: ولو لم يكن إلا هذا لكان الاستدلال به على ذلك ضعيفًا، فإنه لا يلزم من غسلنا الدم إقامةً لواجب التطهير والغسل ذهاب الفضل الحاصل بالشهادة، ألا ترى أنه لو كان حيًّا لأُلزم بغسله لبقاء التكليف عليه، ومع ذلك يجيىء دمه على هذه الصورة البديعة كما اقتضاه قوله:"كلُّ كَلْم" على ما قدّمناه، لكن قد ورد الأمر بترك غسل دم الشهيد، فوجب اتباعه. انتهى

(1)

.

(ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ: يحتمل أن كلّ ميت يبعث على حاله التي مات عليها، إلا أن فضل الشهيد أن ريح دمه كريح المسك، وليس ذلك لغيره، قال: ومن قال: إن الموتى جملة يُبعثون على هيآتهم، احتجّ بحديث يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنه لَمّا حضرته الوفاة دعا بثياب جُدُد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها".

قال: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد، فتأوّله على العموم، ويكون الميت المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أُمر أن يُزمّل بثيابه، ويُدفن فيها، ولا يُغسل عنه دمه، ولا يغيّر شيء من حاله، بدليل حديث ابن عباس، وغيره، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنكم تُحشرون يوم القيامة، حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلاً، ثم قرأ:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} الآية [الأنبياء: 104]، وأول من يُكسَى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام.

قال: وتأوله بعضهم على أنه يُبعث على العمل الذي يختم له به، وظاهره على غير ذلك انتهى.

(1)

- "طرح التثريب" 7/ 201.

ص: 221

قال الحافظ وليّ الدين: والحديث المذكور رواه أبو داود في "سننه".

ويحتمل أن أبا سعيد رضي الله عنه إنما نزع الثياب التي كانت عليه لنجاسة فيها، إما محقّقة، وإما مشكوكة، فأراد أن يكون بثياب محقّقة الطهارة، وهذا من جملة الأعمال المأمور بالمحافظة عليها، ولا سيّما عند انختام الآجال، فإن الإنسان محثوث على أن يُختَم أعماله بالصالحات في جميع الأمور، فإن الأعمال بخواتيمها، واللَّه تعالى أعلم

(1)

.

(ومنها): أن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- أورد حديث الباب في "كتاب الطهارة"، وقد استُشكل ذلك قديمًا وحديثًا، وقد طوّل الكلام فيه الحافظ في "الفتح" 1/ 459 وكذا الحافظ وليّ الدين في "طرح التثريب" 7/ 201 - 202. فراجع ما كتباه تستفد.

(ومنها): ما قال القاضي عياض: ويحتجّ به أيضًا أبو حنيفة في جواز استعمال الماء المضاف المتغيرة أوصافه؛ لانطلاق اسم الماء عليه، كما انطلق على هذا اسم الدم، وإن تغيّرت أوصافه إلى الطيب، وحجته بذلك تُضَعَّف

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3149 -

(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ، إِلاَّ أَتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُرْحُهُ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح

(3)

، وقد تقدّم سندًا، ومتنًا في "كتاب الجنائز" رقم - 82/ 2002 - باب "مواراة الشهيد بدمه"، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك.

و"ابن المبارك": هو عبد اللَّه الإمام المعروف. و"معمر": هو ابن راشد. و"عبد اللَّه ابن ثعلبة": هو ابن صُعَير، ويقال: ابن أبي صُعَير، له رؤية، ولم يثبت له سماع، مات سنة (7) أو (98) وقد قارب التسعين، تقدمت ترجمته في 82/ 202.

وقوله: "زمّلوهم" أي غطّوهم، وادفنوهم. وقوله:"في اللَّه" أي في سبيل اللَّه وقوله: "يَدْمَى" -بفتح أوّله، والميم- أي يسيل منه الدم، يقال: دَمِيَ الْجُرْحُ دَمّى، من باب تَعِبَ، ودَمْيًا أيضًا على التصحيح: خرج منه الدم، فهو دَمٍ على النقص، ويتعدّى بالألف والتشديد. قاله الفيّوميّ. وتمام شرح الحديث قد سبق بالرقم المذكور. واللَّه

(1)

- المصدر السابق.

(2)

- "إكمال المعلم بفوائد مسلم" 6/ 295.

(3)

- إنما صح الحديثين وإن كان عبد اللَّه بن ثعلبة لا يصح له سماع؛ لشواهد، كحديث أبي هريرة الذي قبله. فتنبّه.

ص: 222

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌28 - (مَا يَقُولُ مَنْ يَطْعُنُهُ الْعَدُوُّ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" اسم موصول، بمعنى "الذي"، وهو خبر لمحذوف: أي هذا باب ذكر الحديث المشتمل على ما يقوله من يَطْعُنُهُ العدوّ، وحذف العائد؛ لطول الصلة. و"يَطعُنُه" من باب قتل، وأجاز الفرّاء فتح العين؛ لمكان حرف الحلق، وروي عنه أنه قال: سمعت يَطْعَنُ بالرمح بالفتح

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3150 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ -وَذَكَرَ آخَرَ قَبْلَهُ- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَوَلَّى النَّاسُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي نَاحِيَةٍ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ «مَنْ لِلْقَوْمِ؟» ، فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«كَمَا أَنْتَ» ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ:«أَنْتَ» ، فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ:«مَنْ لِلْقَوْمِ؟» ، فَقَالَ: طَلْحَةُ أَنَا، قَالَ:«كَمَا أَنْتَ» ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَالَ:«أَنْتَ» ، فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَيُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ، حَتَّى يُقْتَلَ، حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ لِلْقَوْمِ» ، فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الأَحَدَ عَشَرَ، حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ، فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ، فَقَالَ حَسِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَرَفَعَتْكَ الْمَلَائِكَةُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ» ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن سَوّاد) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقة [11] 45/ 594.

(1)

- راجع "المصباح المنير" وحاشيته في مادة طعن.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 223

2 -

(ابن وهب) عبد اللَّه الثقة الحافظ العابد، أبو محمد المصري [9] 9/ 9.

3 -

(يحيى بن أيّوب) الغافقيّ، أبو العباس المصريّ صدوقٌ، ربما أخطأ [7] 60/ 1771.

[تنبيه]: قوله: "وذكر آخر قبله" أي ذكر ابن وهب قبل يحيى بن أيوب رجلاً آخر، شاركه في رواية هذا الحديث عن عمارة بن غزيّة، والظاهر أن الرجل هو عبد اللَّه بن لهيعة، فإن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- كثيرًا ما يُبهمه، وهو ممن روى عنه ابن وهب، وروى عن عمارة بن غزيّة

(1)

. واللَّه تعالى أعلم.

4 -

(عمارة بن غَزيّة) -بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة- الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [6] 168/ 1137.

5 -

(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [4] 31/ 35.

6 -

(جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى - عنهما 31/ 35. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عمارة، وهو مدني، وأبو الزبير مكي، وجابر مدني، ومكي أيضًا. (ومنها): أن جابرًا رضي الله عنه من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ) بالرفع على الفاعلية؛ لأن "كان" هنا تامّة، بمعنى "وقع"، أو نحوه (وَوَلَّى النَّاسُ) -بتشديد اللام-: أي ولّوا ظهورهم، كناية عن الفرار. وفي رواية البيهقيّ في "دلائل النبوّة" من طريق عبد اللَّه بن صالح، عن يحيى بن أيوب: "انهزم الناس عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم أحد

" (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي نَاحِيَةٍ) أي في جهة من المكان. وفي رواية البيهقيّ: "وهو يصعد في الجبل

" (فِي اثْنَي عَشَرَ رَجُلاً) أي معهم، فـ"في" بمعنى "مع". وفي رواية البيهقيّ المذكورة: "بقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار، فيهم طلحة بن عبيد اللَّه

" (مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة،

(1)

راجع "تهذيب الكمال" في ترجمة ابن لهيعة 15/ 489.

ص: 224

استُشهد يوم الجمل سنة (36) وهو ابن (63) سنة، تقدّمت ترجمته في 4/ 458.

ثم إن الظاهر أن طلحة واحد من الاثني عشر، وإنما عُدَّ الكلُّ أنصاريًّا تغليبًا، وإلا فطلحة من المهاجرين، وهذا هو الصواب، وأما احتمال أن يكون زائدًا عليهم، فيردّه قوله آخر الحديث:"فقاتل طلحة قتال الأحد عشر"(فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) أي الاثني عشر رجلاً الذين هم مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، مريدين إلحاق الضرر بهم (فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: مَنْ لِلْقَوْمِ؟)"من" استفهاميّة مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور، أي من يقوم إليهم ليدفعهم عنّا. وفي رواية البيهقيّ: "ألا أحد لهؤلاء؟

" (فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا) أي أنا أقوم إليهم، فأدفعهم عنا (قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: كَمَا أَنْتَ) أي كن على الحال التي أنت عليها، واثْبُتْ عليها، ولا تقاتلهم. وهذا على أن الكاف بمعنى "على"، و"ما" موصولة، والعائد محذوف.

وقال الأندلسيّ في "شرح المُفَضَّل": قولهم: "كما أنت"، فيه وجهان:

أحدهما أن يكون بمعنى الذي، والكاف حرف، وبعض الصلة محذوف، أي كالذي هو أنت. ويحتمل أن يكون الخبر محذوفًا، أي كالذي أنت عليه.

والثاني: أن تكون كافّة، خبرًا لمبتدأ محذوف

(1)

، أي كما أنت كائن. وقال الكرمانيّ:"ما" موصولة، و"أنت" مبتدأ، وخبره محذوف، أي عليه، أو فيه، والكاف للتشبيه، أي كن مشابهًا لما أنت عليه، أي يكون حالك في المستقبل مشابهًا لحالك في الماضي، أو الكاف زائدة، أي الزم الذي أنت عليه

(2)

.

(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) أي أنا أقوم إليهم (فَقَالَ: "أَنْتَ) أي فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أنت أعلم بذلك، أو أنت أحسن من يفعل ذلك (فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول، أي قتله المشركون (ثُمَّ الْتَفَتَ) صلى الله عليه وسلم (فَإِذَا الْمُشرِكُونَ)"إذا" فجائيّة، و"المشركون" مبتدأ، وخبره محذوف، أي حاضرون (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ لِلْقَوْم؟، فَقَالَ: طَلْحَةُ أنَا، قَالَ: "كَمَا أَنْتَ"، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَالَ: "أَنْتَ"، فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ) صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَيُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ، حَتَّى يُقْتَلَ) وفي نسخة: "قُتل"(حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لِلْقَوْمِ"، فَقَالَ: طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الْأَحَدَ عَشَرَ، حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ، فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ، فَقَالَ: حَسِّ) بكسر السين المشدّدة كلمة يقولها الإنسان إذا

(1)

- هكذا عبارة "زهر الربى"، والظاهر أن الصواب: والثاني أن تكون "ما" كافّة، و"أنت" مبتدأ، خبره محذوف، أي كما أنت كائنٌ. فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.

(2)

- "زهر الربى" 6/ 29 - 30.

ص: 225

أصابه ما مَضَّهُ

(1)

، وأحرقه غفلةً، كالجمرة، والضَّرْبَة، ونحوهما. قاله ابن الأثير

(2)

. وقال ابن منظور: و"حَسِّ" بفتح الحاء، وكسر السين، وترك التنوين: كلمة تقال عند الألم، ويقال: إني لأجد حَسًّا من وَجَع؛ قال العجاج:

فَمَا أَرَاهُمْ جَزَعًا بِحَسِّ

عَطْفَ الْبَلَايَا الْمَسَّ بَعْدَ الْمَسّ

وَحَرَكَاتِ الْبَأْسِ بَعْدَ الْبَأْسِ

أَنْ يَسْمَهِرُّوا لِضِرَاسِ الضَّرْسِ

"يَسْمَهِرُّوا": يشتدّوا. و"الضِّرَاس": الْمُعَاضَّةُ. و"الضَّرْسُ": الْعَضُّ.

قال: والعرب تقول عند لَذعَةِ النارِ، والوَجَعِ الحادّ: حَسِّ بَسِّ، وضُرِبَ فما قال: حَسِّ، ولا بَسِّ، بالجرّ والتنوين. ومنهم من يُجَرّ، ولا يُنوّن. ومنهم من يكسر الحاء والباء، فيقول: حِسٍّ، ولا بِسِّ. ومنهم من يقول: حَسًّا، ولا بَسًّا. يعني التوجّع انتهى كلام ابن منظور باختصار

(3)

.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ) وفي رواية البيهقيّ المذكورة: "لو قلت: بسم اللَّه، أو ذكرت اسم اللَّه

" (لَرَفَعَتكَ الْمَلَائِكَةُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال. وفي رواية البيهقيّ المذكورة: "لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون إليك حتى تَلِجَ بك في جوّ السماء، ثم صَعِدَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وهم مجتمعون".

قال السنديّ: أُخذ منه أن من يَطعُنُه العدوّ ينبغي له أن يقول "بسم اللَّه"، أو نحو ذلك، ولا ينبغي أن يُظهر التوجّع. ولا يلزم من هذا أن كلّ من يقول:"بسم اللَّه" إذا طُعِن، أو قُطعت أصابعه ترفعه الملائكة، بل الظاهر أن المراد الإخبار بما قُدِّر لطلحة بخصوصه تقديرًا مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم

(4)

(ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ) أي كفى اللَّه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، فردّ كيدهم عنه، فرجعوا خائبين، والحمد للَّه رب العالمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا فيه عنعنة أبي الزبير، وقد وُصف بالتدليس، لكن مع هذا حسّنه الشيخ الألبانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بشواهده، وقد خرّج تلك الشواهد في "السلسلة الصحيحة" 5/ 203 - 204 رقم 2171

(1)

- أي أحزنه جدًّا، يقال: مضّه الشيءُ مضًّا، ومَضِيضًا: بلغ من قلبه الحزن به، كأمضّه. اهـ "قاموس".

(2)

- "النهاية" 1/ 385.

(3)

- "لسان العرب" في مادة حسس.

(4)

- "شرح السندي" 6/ 30.

ص: 226

و 6/ 701 - 702 رقم 2796.

وعندي في ذلك نظر؛ إذ تلك الشواهد شديدة الضعف، لا ينبغي الاستشهاد بها؛ كما يتبيّن ذلك لمن طالع ما كتبه الشيخ هناك، ففي بعضها سليمان بن أيوب، وهو صاحب مناكير، وجدّه لا يُعرف، وفي بعضها أبان بن سفيان متروك، وفي بعضها الحسين بن الفرج متروك، والواقدي متهم بالكذب، كما بين ذلك كله الشيخ نفسه، فهي لا تصلح للاستشهاد بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

[تنبيه]: أخرج الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من حديث أنس رضي الله عنه، فقال:

1789 -

وحدثنا هَدّاب بن خالد الأزدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، وثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أُفْرِد يوم أحد، في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوه

(1)

قال: "من يرُدُّهم عنا، وله الجنّة"، أو "هو رفيقي في الجنّة"، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل، حتى قُتل، ثم رَهِقُوه أيضًا، فقال:"مَن يردهم عنا، وله الجنّة"، أو "هو رفيقي في الجنّة"، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لصاحبيه:"ما أنصفنا أصحابنا" انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌29 - (بَابُ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَارْتَدّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ، فَقَتَلَهُ)

وفي نسخة: "ثواب من قاتل الخ".

3151 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي

(2)

يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، ابْنَا كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، قَاتَلَ أَخِي قِتَالاً شَدِيدًا، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَارْتَدَّ

(1)

- من باب تَعِبَ: أي غَشُوه، ويقال: فيه أرهق رباعيًّا.

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 227

عَلَيْهِ سَيْفُهُ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ: أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ -وَشَكُّوا فِيهِ-: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ خَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَأْذَنُ لِي، أَنْ أَرْتَجِزَ بِكَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: اعْلَمْ مَا تَقُولُ، فَقُلْتُ

(1)

:

وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا

وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «صَدَقْتَ» .

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً

عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ قَالَ هَذَا؟» ، قُلْتُ: أَخِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«يَرْحَمُهُ اللَّهُ» ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللَّهِ إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدًا» ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنًا لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ، مِثْلَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ -حِينَ قُلْتُ: إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ-: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 و 2 - تقدما في الباب الماضي.

3 -

(يونس) بن يزيد بن أبي النِّجّاد، أبو يزيد الأيليّ، ثقة، من كبار [7] 9/ 9.

4 -

(ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المذكور قبل باب.

5 -

(عبد الرحمن) بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك الأنصاريّ، أبو الخطّابيّ المدنيّ، ثقة عالم [3] 38/ 731.

[تنبيه]: قوله: "وعبد اللَّه ابنا كعب" غلط، والصواب "أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب"، فعبد اللَّه والد عبد الرحمن مذكور في نسب ابنه، وليس له رواية لهذا الحديث، ولذا لم أترجم له، وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.

6 -

(سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، نُسب لجدّه، أبو مسلم، أو أبو إياس، شهد بيعة الرضوان، ومات رضي الله عنه سنة (64) وتقدّمت ترجمته في 15/ 765 - . واللَّه تعالى أعلم.

(1)

وفي نسخة: "قلت".

ص: 228

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي: ابن شهاب، عن عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: أَخبَرَنِي عَبدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، ابْنَا كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ) هكذا رواية الِمصنّف، ونحوها رواية أبي داود، ولفظه:"عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن كعب بن مالك".

لكن قال الحفّاظ: هذا خطأ، والصواب: "عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، أنّ سلمة ابن الأكوع

الخ".

ولفظ الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن -ونسبه غير ابن وهب، فقال: ابنُ عبد اللَّه بن كعب بن مالك- أن سلمة بن الأكوع قال: لما كان يومُ خيبر

الخ".

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": هكذا هو في جميع نسخ "صحيح مسلم"، وهو صحيحٌ، وهذا من فضائل مسلم، ودقيق نظره، وحسن خِبْرته، وعظيم إتقانه. وسبب هذا أن أبا داود، والنسائيّ، وغيرهما، من الأئمة رووا هذا الحديث بهذا الإسناد عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن

(1)

كعب بن مالك، عن سلمة. قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: الصواب عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه ابن كعب. وأحمد بن صالح هذا هو شيخ أبي داود في هذا الحديث وغيره، وهو راويه عن ابن وهب.

قال الحفّاظ: والوهم في هذا من ابن وهب، فجعل عبد اللَّه بن كعب روايًا عن سلمة، وجعل عبد الرحمن راويًا عن عبد اللَّه

(2)

، وليس كذلك، بل عبد الرحمن يرويه عن سلمة، وإنما عبد اللَّه والده، فذُكر في نسبه، لا أن له روايةً في هذا الحديث،

(1)

- هكذا لفظ أبي داود، وأما لفظ المصنّف في "المجتبى": (أخبرني عبد الرحمن، وعبد اللَّه ابنا كلعب بن مالك" بتثنية "ابن"، فجعلهما أخوين، كلاهما يرويان عن سلمة. وأما لفظه في "الكبرى": "أخبرني عبد الرحمن، وعبد اللَّه، أنا كعب بن مالك

"، وهذا تصحيف للفظة: "ابنا" إلى "أنا" المختصرة من "أخبرنا"، وهو غلط أيضًا دون شكّ. واللَّه تعالى أعلم.

(2)

قوله: "روايا عن عبد اللَّه" هكذا في شرح النووي، وفيه نظر لا يخفى، إذ عبد الرحمن في سند أبي داود لا يروي عن عبد اللَّه، وإنما يروي معه عن سلمة، فتبصَّر. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 229

فاحتاط مسلم -رحمه اللَّه تعالى-، فلم يذكر في روايته عبد الرحمن، وعبد اللَّه، كما رواه ابن وهب، بل اقتصر على "عبد الرحمن"، ولم ينسبه؛ لأن ابن وهب لم ينسبه، وأراد مسلم تعريفه، فقال: قال غير ابن وهب: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، فحصل تعريفه من غير إضافة للتعريف إلى ابن وهب، وحذف مسلم ذكر "عبد اللَّه" من رواية ابن وهب، وهذا جائزٌ، فقد اتفق العلماء على أنه إذا كان الحديث عن رجلين، كان له حذف أحدهما، والاقتصار على الآخر، فأجازوا هذا الكلام إذا لم يكن عذر، فإذا كان عذرٌ، بأن ذُكر ذلك المحذوف غلطًا، كما في هذه الصورة، كان الجواز أولى انتهى كلام النوويّ

(1)

.

وهذا الذي قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- قاله غيره أيضًا، فقال قبله القاضي عياض، نقلاً عن المازريّ -رحمهما اللَّه تعالى-: ما نصّه: قال بعضهم: كان ابن وهب يَهِم في إسناد هذا الحديث، فيقول:"عن الزهريّ، عن عبد الرحمن، وعبد اللَّه ابني كعب بن مالك"، فغيّره مسلم، وأصلحه؛ ولذلك قال: ونسبه غير ابن وهب. قال: هكذا قال أحمد بن صالح وغيره: عن ابن وهب. وقال الدارقطنيّ: خالف ابنَ وهب في هذا القاسم بن مبرور، ورواه عن يونس، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، قال: وهو الصواب.

وقال بعضهم: وقد نبّه أبو داود في "كتاب السنن" على وَهَم ابن وهب في هذا الإسناد، وكذلك فعل أبو عبد الرحمن النسائيّ، وذكر الصواب في ذلك انتهى كلام القاضي

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول أن الصواب في هذا الإسناد: "عن ابن شهاب، أخبرني عبدُ الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، أن سلمة بن الأكوع قال: لما كان يوم خيبر

الخ.

ثم إن هذا الذي نُسب إلى النسائيّ من الكلام على هذا السند لم أجده في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، فاللَّه تعالى أعلم.

(أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ) تقدّم أنه سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، نُسب لجدّه رضي الله عنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ) "كان" تامّة، و"يوم" بالرفع فاعل، أي لما جاء يوم خيبر (قَاتَلَ أَخِي) هو عامر بن سنان بن عبد اللَّه بن قُشَير الأسلميّ المعروف بابن الأكوع، واسم الأكوع سِنَان.

(1)

- "شرح صحيح مسلم" 12/ 378 - 379.

(2)

- "إكمال المعلم بفوائد مسلم" 6/ 185 - 186.

ص: 230

صرّح في هذه الرواية بأنه أخوه، وصرّح في بعض الروايات أنه عمه.

قال الحافظ في "الإصابة": فيمكن التوفيق بأن يكون أخاه من أمّه على ما كانت الجاهليّة تفعله، أو من الرضاع. انتهى

(1)

(قِتَالاً شَدِيدًا، مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفْهُ) أي عاد إليه سيف نفسه حينما يحاول أن يضرب به مرحبًا اليهوديّ، حيث بارزه، يرتجز، ويقول:

قَدْ عَلِمَتْ خَيبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ

شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مّجَرَّبُ

إِذَا الْحُرُوبِ

أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ

فقال عامر:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ

شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مَغَامِرُ

فاختلفا بضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، ورجع سيف عامر على ساقه. ثم إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعطى الراية لعليّ رضي الله عنه، وكان أرمد، فبصق صلى الله عليه وسلم في عينيه فبرأ، وخرج مرحب، فقال:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ إلى آخر ما تقدّم، فقال عليّ رضي الله عنه:

أَنَا الَّذِي سَمَّتنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ

(2)

كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ

أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

(3)

فضرب رأس مرحب، فقتله، ثم كان الفتح على يديه - رضي اللَّه تعالى عنه -.

(فَقَتَلَهُ) أي قتل أخاه سيف نفسه (فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ) أي شأن قتل عامر نفسه بنفسه (وَشَكُّوا فِيهِ) بتشديد الكاف، والجملة معترضة بين القول ومقوله، ويحتمل أن تكون حالية، والحال أنهم شكّوا في صحّة شهادته (رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ) أي خبر لمحذوف، والجملة في محلّ نصب مقول القول، أي قالوا: هو رجل مات بسبب

(1)

- "الإصابة في تمييز الصحابة" 5/ 280 - 281.

(2)

- حيدرة اسم للأسد، وكان عليّ رضي الله عنه قد سُمْي أسدًا في أول ولادته، وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسدًا يقتله، فذكّره عليّ رضي الله عنه ذلك ليُخيفه، ويضعف نفسه، قالوا: وكانت أمّ عليّ سمّته أول ولادته أسدًا باسم جدّه لأمه أسد بن هشام بن عبد مناف، وكان أبو طالب غائبًا، فلما قدِمَ سمّاه عليًّا، وسمّي الأسد حيدرة لغلظه، والحادر الغليظ القويّ، ومراده أنا الأسد على جرأته، وإقدامه، وقوّته. انتهى شرح النوويّ 12/ 391.

(3)

- معناه أقتل الأعداء قتلا واسعًا ذريعًا. والسندرة مكيال واسع. وقيل: هي العجلة، أي أقتلهم عاجلاً. وقيل: مأخوذ من السندرة، وهي شجرة الصنوبر يُعمل منها النبل والقَسِيّ. قاله في "شرح النوويّ"12/ 391.

ص: 231

ضرب نفسه بسلاحه.

(قَالَ سَلَمَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَفَل) بقاف، فاء: أي رجع (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ خَيْبَرَ) قاصدًا المدينة (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأذَنُ لِي، أَنْ أَرْتَجِزَ بِكَ) أي أُنشد الرجز عندك؛ لتنشيط الجمال ونحوه، والرجز نوع من البحور الشعريّة الستة عشر المعروفة في فن "العروض والقافية"، وأجزاؤه:"مستفعلن" ستّ مرّات (فَأَذِنَ لَهُ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: فأذن لي (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أي سمح له في أن يرتجز عنده (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب رضي الله عنه: اعْلَمْ مَا تَقُولُ) أي تثبّتْ مما تقوله عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإنه مما ينبغي التثبّت له (فَقُلْتُ) وفي نسخة:"قلت":

وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهتَدَينَا

وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (صَدَقْتَ) أي فيما أنشدته من البيت، فإنه تضمّن التبرّي من الحول والقوة، وتفويض الأمور إلى اللَّه تعالى.

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَلَينَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَينَا وَالْمُشرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَينَا فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَالَ هَذَا؟) أي من نظم هذا، أنت، أم غيرك؟ (قُلْتُ: أَخِي) أي نظمه أخي، وتقدّم الجمع بينه، وبين رواية: "عمّي" (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَرْحَمُهُ اللَّهُ) دعاله النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن -يرحمه اللَّه تعالى-، مكافأة على إحسانه بهذا الرجز المتضمّن للمعاني السامية (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللَّهِ إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ) أي ليخافون أن يترحّموا عليه، ويدعوا له بالرحمة من اللَّه تعالى، أو هابوا أن يصلّوا عليه صلاة الجنازة يوم مات، فالمضارع بمعنى الماضي، وعلى الثاني ففيه نوع تأنيس؛ لقول من يقول: يُصلّى على الشهيد. أفاده السنديّ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح أن الصلاة على الشهيد جائزة؛ كما تقدّم تحقيقه في بابه من "كتاب الجنائز". واللَّه تعالى أعلم.

(يَقُولُونَ) أي في بيان سبب ذلك (رَجُلٌ مَاتَ بسِلَاحِهِ) أي فلا يستحقّ الصلاة عليه؛ لكونه قاتل نفسه بزعمهم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:) مبيّنًا خطأهم في رأيهم هذا (مَاتَ جَاهِدًا) أي جادًّا مبالغًا في سبيل البرّ (مُجَاهِدًا) للكفّار.

ولفظ مسلم: "إنه لجاهد مجاهد". قال النوويّ: هكذا رواه الجمهور من المتقدّمين، والمتأخرين "لجاهد" -بكسر الهاء، وتنوين الدال-. "مجاهد" -بضم الميم، وتنوين الدال أيضًا- وفسّروا الجاهد بالجاد في علمه وعمله، أي إنه لجادّ في طاعة اللَّه. والمجاهد هو المجاهد في سبيل اللَّه، وهو الغازي.

وقال القاضي عياض: وقوله: "لجاهد مجاهد" بكسر الهاء فيهما، وضمّ الميم

ص: 232

والدال، وتنوينها في الحرفين، كذا لأكثر شيوخنا. وعند ابن أبي جعفر:"لجاهَدَ مَجَاهِدَ -بفتح الهاء في الأول، وفتح الميم، وكسر الهاء من الثاني، وفتح الدال فيهما. وكذا أيضًا عند بعض رواة البخاريّ، والأول الصواب، ووجه الكلام، وكذا جاء في الحديث الآخر بعده: "مات جاهدًا مجاهدًا".

قال: كرّر بين اللفظين للمبالغة. وقال ابن الأنباريّ: العرب إذا بالغت في الكلام اشتقّت من اللفظة الأولى لفظة على غير بنائها زيادة في التوكيد، ثمّ أتبعوها إعرابها، فقالوا: جادٌ مُجِدٌّ، وليلٌ لائلٌ، وشعرٌ شاعرٌ، وقد يكون قوله:" جاهد" أي جادّ مبالغ في سبيل الخير والبرّ، وإعلاء كلمة الإسلام، مجاهد عِداه انتهى

(1)

.

وقال القرطبيّ بعد ما ذكر نحو ما تقدّم: وقد يكون "جاهد" أي مبالغ في سبيل الخير. و"مجاهد" لأعدئه. قلت: ويظهر لي أن هذا القول أحسن بدليل قوله في الرواية الأخرى: "مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرّتين" فأشار بفاء التعليل إلى الجهتين اللتين يُؤجر منهما، وهما جاهدٌ، ومجاهدٌ، فمعنى أحدهما غير الآخر انتهى

(2)

.

(قَالَ: ابْنُ شِهَاب: ثُمَّ سَأَلْتْ ابْنًا لسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع) يحتمل أن يكون هو إياس بن سلمة. واللَّه تعالىَ أعلم (فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبيهِ، مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل تحديث عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن سلمة (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ -حِينَ قُلْتُ:. إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ-: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ"، وَأَشَارَ بِإصْبَعَيْهِ) تأكيدًا لثبوت أجره مرّتين، بموته جاهدًا في سبل الخير والبرّ، ومجاهدًا لأعداء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث سلمة بن الأكوع - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 29/ 3151 - وفي "الكبرى" 24/ 4357. وأخرجه (خ) في "المغازي" 4196 و"الأدب" 6148 (م) في "الجهاد والسير" 1802 (د) في "الجهاد"2538 (أحمد) في "مسند المدنيين" 16068 و 16076 و 16103. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- "إكمال المعلم" 6/ 184.

(2)

- "المفهم" 3/ 667.

ص: 233

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من قاتل في سبيل اللَّه تعالى، فارتدّ عليه سيفه، فقتله، وذلك أنه لا ينقص من أجره شيئًا، بل له أجره كاملاً. (ومنها): بيان فضل عامر أخي سلمة - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث شهد له النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنه مات جاهدًا مجاهدًا. (ومنها): جواز إنشاد الشعر. (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه متعمّدًا، وأنه من الكبائر التي تمنع الصلاة عليه؛ إهانة له، وتنكيلاً به، وزجرًا لغيره، وقد تقدّم تحقيق ذلك مستوفًى في "كتاب الجنائز" 68/ 1964 - باب "ترك الصلاة على من قتل نفسه". (ومنها): الإنكار على من أخطأ رأيه، والردّ عليه بالتكذيب بمعنى التخطئة. (ومنها): استعمال الإشارة، توضيحًا للمقصود. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌30 - (بَابُ تَمَنِّي الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى)

3152 -

(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ- عَنْ يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيَّ- قَالَ: حَدَّثَنِي ذَكْوَانُ، أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ سَرِيَّةٍ، وَلَكِنْ لَا يَجِدُونَ حَمُولَةً، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ أُحْيِيتُ، ثُمَّ قُتِلْتُ، ثُمَّ أُحْيِيتُ، ثُمَّ قُتِلْتُ ثَلَاثًا»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.

وقوله: "حَمُولة" -بفتح الحاء المهملة-: ما يُحمل عليه، من بعير، أو فرس، أو بغل، أو حمار، أو نحو ذلك.

وقوله: "ثلاثًا" أي كرّره ثلاث مرّات.

والحديث متّفق عليه، وتقدّم في -3/ 3098 - رواه عن أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان، عن سعيد بن كثير بن عُفير، عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد بن

ص: 234

مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيّب، كلاهما ممن أبي هريرة رضي الله عنه، وتقدّم هناك شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3153 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ بِأَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فقد تفرد بهما المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وهما ثقات. و"شعيب" هنا: هو ابن أبي حمزة.

والحديث صحيح، والكلام فيه كالكلام على ما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3154 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمِيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«مَا مِنَ النَّاسِ، مِنْ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، يَقْبِضُهَا رَبُّهَا، تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ، وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا غَيْرُ الشَّهِيدِ» .

قَالَ ابْنُ أَبِي عَمِيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَلأَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي أَهْلُ الْوَبَرِ وَالْمَدَرِ» ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصي، صدوق [10] 21/ 535، وهو المتقدّم في السند الماضي.

2 -

(بقية) الوليد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، ويُسَوّي [8] 45/ 55.

3 -

(بحير بن سعد) أبو خالد السَّحُوليّ الحمصيّ، ثقة ثبت [6] 1/ 688.

[تنبيه]: "بَحِير" -بفتح الموحّدة، وكسر الحاء المهملة، و"سعد" بفتح، فسكون هو الصواب، ويقع فيه التصحيف في الكتب كثيرًا إلى "سعيد"، فليُتنبّه،. واللَّه تعالى أعلم.

4 -

(خالد بن معدان) أبو عبد اللَّه الحمصيّ، ثقة عابد [3] 1/ 688.

5 -

(جُبير بن نُفير) الحمصيّ المخضرم الثقة الجليل [2] 50/ 62.

ص: 235

6 -

(ابن أبي عَمِيَرةَ) هو محمد بن أبي عَمِيرة- بفتح أوله- المزنيّ، صحابيّ سكن الشام، روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث الباب، وعنه جبير بن نُفير به. ورواه النسائيّ عن ابن أبي عَميرة، ولم يسمه، وقد روى عنه جبير بن نفير حديثًا آخر، وسمّاه محمدًا، وأخوه عبد الرحمن بن أبي عَميرة يروي عنه ربيعة بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن. وقال الأزديّ: تفرّد جُبير بن نُفير بالرواية عنه. قاله في "تهذيب التهذيب" 3/ 666 و "التقريب".

وقال في "الإصابة" -6/ 29: محمد بن أبي عميرة المزني، ذكره البخاري، وقال: له صحبة يُعَدُّ في الشاميين، ثم أخرج من طريق ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عَمِيرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"لو أن عبدا خرّ على وجهه من يوم وُلد إلى أن يموت هَرَمًا في طاعة اللَّه عز وجل، لحقره ذلك اليوم، ولَوَدّ أنه ازداد كما يزداد من الأجر والثواب"، وسنده قوي، وأخرجه ابن شاهين من طريقه، لكن وقع عنده محمد بن عَميرة، وأخرجه ابن أبي عاصم، والبغوي من طريق الوليد بن مسلم، عن ثور موقوفا، لكن ذكر ابن منده أن رواية ابن أبي عاصم أراه ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه ابن منده من رواية محمد بن شعيب، عن ثور موقوفا، ومن رواية معاوية بن صالح عن بعض شيوخه، عن خالد بن معدان كذلك، ورواه عيسى بن يونس، عن ثور كالأول، وأخرجه أحمد من طريق بقية، عن بَجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عقبة بن عبد السلمي مرفوعا، وأخرج ابن السكن، وابن شاهين بسند صحيح إلى بقية، عن بَحِير بن سعد، عن خالد ابن معدان، عن جبير بن نفير، عن ابن أبي عَميرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"يا أيها الناس ما من نفس منفوسة، تحب أن تعود إلى الدنيا .. " ثم قال ابن السكن: يقال: ابن أبي عميرة اسمه محمد. وأخرج النسائي حديثا، فقال ابن أبي عميرة، ولم يسمه أيضا، وأورده البغوي في ترجمة محمد عقب الحديث الأول، وقال: لا أعلمه روى غير هذين الحديثين. انتهت عبارة "الإصابة". تفرّد به المصنف بحديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: لمحمد بن أبي عَمِيرة هذا أخ يقال له: عبد الرحمن، أخرج له الترمذيّ حديثًا واحدًا في ذكر معاوية رضي الله عنه، قال عنه في "التقريب": عبد الرحمن بن أبي عَمِيرة المزني، ويقال: الأزديّ، مختلف في صحبته، سكن حمص. انتهى. وإنما نبّهت عليه لئلا يقع الغلط في سند المصنف هنا، حيث قال: ابن أبي عَميرة، ولم يذكر اسمه، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 236

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، ليس في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند المصنف فقط. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ) محمد (بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ) -بفتح المهملة، وكسر الميم- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "مَا مِنَ النَّاسِ) متعلّق بحال محذوف؛ لأنه في الأصل صفة لـ"نفس"، فقدم، فصار حالاً؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم يعرب حالاً (مِنْ نَفْسٍ)"من" زائدة، و"نفس" اسم "ما" الحجازيّة، وخبرها جملة "تُحبّ الخ"، أو مبتدأ، إن كانت "ما" تميميّة. وفي نسخة:"في الناس" بدل "من الناس"(مُسْلِمَة) صفة لـ"نفس"(يَقْبِضُهَا رَبُّهَا) أي يتوفّاها، وهو نحو قولها تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} الآية [الزمر: 42]، والجملة صفة بعد صفة، أو حال (تُحِبُّ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ) أي إلى أهل الدنيا (وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا) قال الطيبيّ: يجوز أن يكون هو معطوفًا على "أن يرجع"، وأن يكون حالاً، إن روي بكسر "إن" انتهى

(1)

.

(غَيْرُ الشَّهِيدِ) يحتمل أن يكون مرفوعًا بدلاً من فاعل "تُحبّ"، ويحتمل أن يكون منصوبًا على الاستثناء.

(قَالَ) محمد (بْنُ أَبِي عَمِيرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "وَلَأَنْ أُقْتَل) بفتح اللام، وهي للابتداء، والفعل مبنيّ للمفعول، أي لَقَتْلي (فِي سَبِيلِ اللهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَنْ يَكُونَ لِي) أي مملوكي (أَهْلُ الْوَبَرِ) -بفتحتين- أي أهل البوادي، فإنهم يتّخذون بيوتهم من وَبَر الإبل (وَالْمَدَرِ) -بفتحتين أيضًا- جمع مَدَرَة: وهي اللبنة، أي أهل المدن والقرى، والمراد أن يكون لي هؤلاء عبيدًا، فأُعتقهم. أفاده السنديّ

(2)

.

وقال الطيبيّ: المراد بـ"أهل الوبر" سكّان البوادي؛ لأن خباءهم من الوبر غالبًا، وبـ"أهل المدر" سُكّان القرى والأمصار، وأراد به الدنيا وما فيها، كما سبق، فغلّب العقلاء على غيرهم، كما قوله تعالى:{رَبِّ الْعَالَمِينَ} في أحد وجهيه، وأسند المحبّة إلى نفسه الزكيّة صلوات اللَّه وسلامه عليه، والمراد به غيره صلى الله عليه وسلم. انتهى. قال القاري:

(1)

- "المرقاة " 7/ 416.

(2)

- "شرح السنديّ" 6/ 33.

ص: 237

ولا بُعد أن يكون الإسناد على حقيقته، وله زيادة ثواب على نيّته في تمنّيه ومودّته انتهى

(1)

.

قلت: ما قاله القاري هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث محمد بن أبي عَمِيرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه بقيّة، وهو معروف بالتدليس؟.

[قلت]: حديثه له شواهد، فجزؤه الأول يشهد له حديث أنس رضي الله عنه، مرفوعًا:"ما من أحد يدخل الجنّة، يُحبّ أن يرجع إلى الدنيا، وله ما في الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنّى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتل عشر مرّات؛ لما يَرَى من الكرامة". متّفقٌ عليه، وسيأتي للمصنّف برقم -34/ 3160 - بنحوه. وسيأتي للمصنّف أيضًا حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، برقم -33/ 3160 - وهو حديث صحيح.

وجزؤه الثاني يشهد حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور في الباب، وغيرُه من الأحاديث التي تمنّى فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يُقتل في سبيل اللَّه تعالى، وكحديث:"غَدوة، أو روحة في سبيل اللَّه خير من الدنيا، وما فيها" متّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بنحوه رقم 3118.

وأيضًا فقد صرّح بقيّة بالتحديث عند الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 216 - فقال: حدّثني بَحِير بن سَعْد، وهذا وإن كان لا يكفي في تدليس التسوية، إلا أن الشواهد تقوّيه. واللَّه تعالى أعلم.

والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 30/ 3154 - وفي "الكبرى" 26/ 4361. وأخرجه أحمد في "مسند الشاميين" 17437. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، واليه أنيب".

(1)

- "المرقاة" 7/ 416 - 417.

ص: 238

‌31 - (ثَوَابُ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل

-)

وفي نسخة: "باب" بدل "ثواب".

3155 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَيْنَ أَنَا، قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ» ، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(محمد بن منصور) الْجَوَّاز المكيّ الثقة [10] 20/ 21. تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

2 -

("سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [8] 1/ 1، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

3 -

(عمرو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة ثبت [4] 112/ 154.

4 -

(جابر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور قبل بابين. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (157) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخهِ، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - أحد المكثرين السبعة، روى (1540) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) ابن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: قَالَ: رَجُلٌ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف على اسمه، وزعم ابن بشكوال أنه عُمير بن الْحُمَام -وهو بضمّ المهملة، وتخفيف الميم- وسبقه إلى ذلك الخطيب، واحتجّ بما أخرجه مسلم من حديث أنس رضي الله عنه:"إن عُمير بن الْحُمَام أخرج تمرات، فجعل يأكل منهنّ، ثم قال: لئن حيِيتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم قاتل حتى قُتِل".

قال الحافظ: لكن وقع التصريح في حديث أنس رضي الله عنه أن ذلك كان يوم بدر، والقصّة اِلتي في الباب وقع التصريح في حديث جابر أنها كانت يوم أحد، فالذي يظهر أنهما

ص: 239

قصّتان وقعتا لرجلين. واللَّه أعلم انتهى

(1)

(يَوْمَ أُحُدٍ) أي يوم وقعة أحد (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ قُتِلْت) بالبناء للمفعول، أي إن قتلني العدوّ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في إعلاء كلمة اللَّه تعالى (فَأَيْنَ أَنَا) أي في أي مكان أكون، في الجنّة، أم في غيرها؟ (قَالَ: "فِي الجَنَّةِ) أي أنت في الجنَّة حالاً، كما قال تعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].

وقد أخرج الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريق الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرّة، عن مسروق، قال: سألنا عبد اللَّه، عن هذه الآية:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال:"أرواحهم في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلقة بالعرش، تَسْرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلَع إليهم ربهم اطِّلَاعَة فقال: "هل تشتهون شيئا؟ "، قالوا: أيَّ شيء نشتهي، ونحن نَسرَح من الجنّة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن تُردَّ أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتَل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا".

(فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ) استبطاء للموت (ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول.

وإنما سأل الرجل هذا السؤال، وإن كان معلومًا عندهم أن مآل من قاتل في سبيل اللَّه في الجنّة؛ لأنه لا يضمن الانسان من نفسه ذلك؛ إذ ربما يكون عنده ما يمنعه من ذلك، فأراد أن يتثبّت لنفسه، فأخبره صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنّة، فلذا ألقى ما في يده من التمرات شوقًا إلى الجنّة، فقاتل حتى استُشهد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 31/ 3155 - وفي "الكبرى" 27/ 4362. وأخرجه (خ) في "المغازي" 4046 (م) في "الإمارة" 1899 (أحمد) في باقي "مسند المكثرين" 13902. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من قُتل في سبيل

(1)

- "فتح" 8/ 99.

ص: 240

اللَّه عز وجل، وهو الجنّة. (ومنها): بيان عظم شأن الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، حيث إن جزاءه الجنّة. (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنه من حبّ نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة. (ومنها): المبادرة بالخير، وأنه لا ينبغي الاشتغال عنه بحظوظ الدنيا. (ومنها): الانغماس في صفوف الكفّار، والتعرّض للشهادة، وهو جائزٌ، لا كراهة فيه عند جمهور العلماء

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌32 - (مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ)

3156 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا، مُحْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيِّئَاتِي؟ ، قَالَ: «نَعَمْ» ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا؟» ، فَقَالَ الرَّجُلُ: هَا أَنَا ذَا، قَالَ: «مَا قُلْتَ؟» ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا، مُحْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيِّئَاتِي؟ ، قَالَ: «نَعَمْ، إِلاَّ الدَّيْنَ، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(محمد بن بشّار) بُندار البصريّ، ثقة حافظ [10].

2 -

(أبو عاصم) الضحاك بن مَخلَد بن مسلم الشيبانيّ البصريّ، ثقة ثبت [9] 19/ 424.

3 -

(محمد بن عجلان) المدني، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [5] 36/ 40.

(1)

- راجع "طرح التثريب" 7/ 206 - 207.

ص: 241

4 -

(سعيد المقبريّ) ابن أبي سعيد كيسان المدنيّ، ثقة [3] 95/ 117.

5 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن عجلان، عن المقبريّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين من الرواية، روى (5374) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حالية من "النبيّ"، (عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بـ"يخطُبُ" قيّده به؛ لبيان مكان خطبته، إذ يحتمل أن يكون قائمًا على الأرض (فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا) أي غير جَزع، وانتصابه وما بعده على الحال المترادف، أو المتداخل (مُحْتَسِبًا) قال النوويّ: والمحستب: هو المخلص للَّه تعالى، فإن قاتل لعصبيّة، أو لغنيمة، أو لصيب، أو نحو ذلك، فليس له هذا الثواب، ولا غيره. انتهى

(1)

(مُقْبِلاً) أي على العدوّ (غَيْرَ مُدْبِرٍ) أي عنه، وهو تأكيد لما قبله. قال النوويّ: لعله احتراز ممن يُقبل في وقت، ويُدبر في وقت (أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيِّئَاتِي؟) أي كلّها (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) أي يكفّر اللَّه تعالى عنك سيّآتك (ثُمَّ سَكَت) صلى الله عليه وسلم (سَاعَةً، قَالَ) وفي "الكبرى""فقال" بالفاء (أَينَ السَّائِلُ آنِفًا؟) أي في الوقت القريب. قال المجد في "القاموس": {قال آنفًا} كصاحب، وكَتِفٍ، وقُرىء بهما: أي مذ ساعة، أي في أول وقت يقرُبُ منّا انتهى (فَقَالَ الرَّجُلُ: هَا) وفي نسخة: "فها"(أَنَا ذَا)"ها" للتنبيه دخلت على "أنا"، وهو مبتدأ خبره اسم الإشارة، أي أنا الحاضر عندك (قَالَ: "مَا قُلْتَ؟) أي أيّ شيء قلت في سؤلك. قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-:

[فإن قلت]: كيف قال صلى الله عليه وسلم: "كيف قلت": وقد أحاط بسؤاله علمًا، وأجابه بذلك الجواب؟.

[قلت]: ليسأل ثانيًا، ويجيبه بذلك الجواب، ويُعلّق به "إلا الدين"، استدراكًا بعد

(1)

- "شرح مسلم" 12/ 32.

ص: 242

إعلام جبريل رضي الله عنه إياه صلى الله عليه وسلم انتهى

(1)

.

(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا، مُحْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيئَاتِي؟، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ، إِلَّا الدَّيْنَ) أي تكفّر سيآتك كلها، غيّر الدين، فإن قتلك في سبيل اللَّه تعالى لا يكفّره. قال في "المرقاة": الاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متّصلاً، أي الدين الذي لا ينوي أداءه. قال التوربشتيّ: أراد بالدين هنا ما يتعلّق بذمّته من حقوق المسلمين.

ثمّ بين صلى الله عليه وسلم أن استثناء الدين من تكفير السيآت بالوحي، فقال (سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا) أي كلّمني به سرًّا عن الحاضرين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عنه هذا وإن كان فيه محمد بن عجلان، وقد سبق أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه، إلا أنه يشهد له الحديث التالي، فهو صحيح به، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-32/ 3156 - وفي "الكبرى" 28/ 4363. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 8014 و 8171.

وفوائده تأتي في الحديث التاليّ، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3157 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا، مُحْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ» ، فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَوْ أَمَرَ بِهِ، فَنُودِيَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَيْفَ قُلْتَ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، إِلاَّ الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام»).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(محمد بن سلمة) المرادي الجملي المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20.

2 -

(الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصريّ القاضى، ثقة فقيه [10] 9/ 9.

(1)

- "المرقاة" 7/ 371.

ص: 243

3 -

(ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [10] 19/ 20.

4 -

(مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة الثبت [7] 7 م 7.

5 -

(يحيى بن سعيد) الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة ثبت [5] 22/ 23.

6 -

(سعيد بن أي سعيد) المقبريّ المذكور في السند الماضي.

7 -

(عبد اللَّه بن أبي قتادة) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [3] 23/ 24.

8 -

(أبوه) أبو قتادة الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة الأنصاريّ السَّلَمي المدني، الصحابيّ المشهور، فارس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، شهد أُحُدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، ومات رضي الله عنه سنة (54) على الأصحّ، وتقدّمت ترجمته في 23/ 24. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن سعيد، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة. وفيه رواية الابن عن أبيه واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: كذا رواه يحيى -يعني ابن يحيى- وابن وهب، وابن القاسم، ومُطرّفٌ، وابن بُكير، وأبو مصعب، والجمهور. ورواه مَعْن بن عيسى، والقعنبيّ، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، لم يذكرا يحيى بن سعيد فيه، فيمكن أن مالكًا سمعه من يحيى بن سعيد، عن سعيد، ثم سمعه من سعيد. وقد رواه الليث، وابن أبي ذئب عن سعيد المقبريّ انتهى. قال الزرقانيّ: أي بلا واسطة يحيى بن سعيد، وهذا يؤيّد أن مالكًا حدّث به بالوجهين انتهى

(1)

(عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتاد الحارث بن ربعيّ رضي الله عنه أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ رضي الله عنه) وفي رواية الليث التالية: "أنه صلى الله عليه وسلم قام فيهم، فذَكَرَ لهم أن الجهاد في سبيل اللَّه، والإيمان باللَّه أفضل الأعمال، فقام رجلٌ

" (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، حال كوني (صَابِرًا، مُحْتَسِبًا) مخلصًا (مُقْبِلاً) على العدوّ (غَيْرَ مُدْبِرِ) عنه، زاده لبيان كون الإقبال في جميع الأحوال، إذ قد يُقبل مرّة، ويُدبرُ مرّةً

(1)

- "شرح الزرقاني على الموطّأ" 3/ 36.

ص: 244

أخرى، فيَصدُق عليه أنه مُقبل (أَيُكَفرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ) يكفّرها (فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) بنفسه (أَوْ) للشكّ من الراوي (أَمَرَ بِهِ) غيره (فَنُودِيَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:، كَيْفَ قُلْتَ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ) المذكور (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ) يكفّر عنك الخطايا كلها (إِلَّا الدَّيْنَ) بفتح الدال المهملة، والنصب على الاستثناء، أي فلا يكفِّرُه عنك إلا عفو صاحبه، أو استيفاؤه.

قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن الخطايا تكفّر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب، والنيّة في العمل، وأن أعمال البرّ المقبولة لا تُكفِّرُ من الذنوب إلا ما بين العبد، وبين ربّه، فأما التبعات فلا بدّ فيها من القصاص. قال: وهذا في دين ترك له وفاءً، ولم يوص به، أو قدر على الأداء، فلم يؤدّ، أو أدّاه في غير حقّ، أو أسرف، ومات، ولم يوفه، أما من ادّانَ في حقّ واجب؛ لفاقة، وعسر، ومات، ولم يترك وفاءً، فلا يُحبس عن الجنّة؛ لأن على السلطان فرضًا أن يؤدّي عنه دينه من الصدقات، أو سهم الغارمين، أو الفيء. وقد قيل: إن تشديده صلى الله عليه وسلم في الدين كان قبل الفتوح انتهى. وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: يستفاد منه أن الشهادة لا تكفّر التبعات، وهي لا تمنع درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن تُثبت لمن حصلت له ثوابًا مخصوصًا، وتُكرمه كرامة زائدةً، وقد بين في الحديث أنه يكفّر عنه ما عدا التبعات، فإن كان له عمل صالحٌ كفّرت الشهادة سيّئاته، غير التبعات، ونفعه عمله الصالح في مُوازنة ما عليه من التبعات، وتبقى له درجة الشهادة خالصةً، فإن لم يكن له عملٌ صالحٌ فهو تحت المشيئة انتهى.

وقال ابن الزملكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه تنبيهٌ على أن حقوق الآدميين لا تكفّر؛ لكونها مبنيّة على المشاحّة والتضييق. ويمكن أن يقال: هذا محمول على الدين الذي هو خطيئةٌ، وهو ما استدانه صاحبه على وجه لا يجوز له فعله، بأن أخذه بحيلة، أو غَصَبَه، فثبت في ذمّته البدلُ، أو ادّان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس، ويكون الدين المأذون فيه مسكوتًا عنه في هذا الاستثناء، فلا يلزم المؤاخذة به؛ لما لطف اللَّه بعبده من استيهابه له، وتعويض صاحبه من فضل اللَّه.

[فإن قيل]: ما تقول فيمن مات، وهو عاجز عن الوفاء، ولو وجد وفاءً وفى؟.

[قلت]: إن كان المال الذي لزم ذمّته إنما لزمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله، كغصب، وإتلافٍ مقصودٍ، فلا تبرأ الذّمّة من ذلك إلا بوصوله إلى من وجب له، أو بإبرائه منه، ولا تُسقِطه التوبةُ، وإنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخرويّة فيما يختصّ

ص: 245

بحق اللَّه تعالى؛ لمخالفته لما نهى اللَّه عنه، وإن كان المال لزمه بطريق سائغ، وهو عازم على الوفاء، ولم يقدر، فهذا ليس بصاحب ذنب، حتى يتوب عنه، وُيرجى له الخير في العقبى، ما دام على هذا الحال انتهى.

قال الزرقانيّ: وهو نفيس، وقد سبقه إلى معناه أبو عمر كما رأيته انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التقرير حسنٌ جدًّا، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي الغيث، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"من أخذ أموال الناس، يريد أداءها، أَدَّى اللَّه عنه، ومن أخذ يريد إتلافها، أتلفه اللَّه".

فقد بيّن صلى الله عليه وسلم أن من أخذ أموال الناس، سواء كان بالاستدانة، أو غيره من الأوجه المشروعة، وفي نيته أن يؤدّيها إليهم، أدّى اللَّه تعالى عنه، وإن لم يتمكّن هو من أدائها، وأما من أخذها، ومن نيّته أن لا يؤدّيها إليهم، فإنه آثم، يؤاخذ بجريمته، ومثله من كان أخذه على وجه غير مشروع، كالغصب، والسرقة، ونحوهما.

فيستفاد منه أن الشهيد الذي يمنع من تكفير الشهادة الدين عنه هو القسم الثاني. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

(كَذَلِكَ قَالَ: لِي جِبْرِيلُ عليه السلام) وفي رواية عند أبي عمر: "إلا الدين، فإنه مأخوذٌ، كما زعم جبريل". أي قال، من إطلاق الزعم على القول الحقّ.

[فإن قلت]: يعارض حديث الباب ما أخرجه الطبرانيّ برجالٍ ثقات، عن ابن مسعود رضي الله عنه، رفعه:"القتل في سبيل اللَّه، يكفّر الذنوب كلّها، إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدّ من ذلك الودائع".

فإنه يدلّ على أن الشهادة لا تُكَفِّرُ الأمانة بمعناها المذكور، وحديث الباب ظاهرٌ في أنه يكفّر جميع حقوق اللَّه، ومنها الصلاة، والصوم، فكيف يُجمع بينهما؟.

[قلت]: حديث الطبرانيّ ضعيف

(2)

، فلا يُعارض ما في "الصحيح"، وعلى تقدير صحّته يُحمَل على مطلق القتل، وحديث الباب مقيّدٌ بأنه صابر محتسبٌ، مقبلٌ غير مدبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي قتادة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(1)

- "شرح الزرقاني على الموطّأ" 3/ 36 - 37.

(2)

- راجع "ضعيف الجامع الصغير" للشيخ الألبانيّ ص- 602 - رقم 4130.

ص: 246

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-32/ 3157 و 3158 و 3159 - وفي "الكبرى" 28/ 4364 و4365 و 4366. وأخرجه (م) في "الإمارة" 1885 (ت) في "الجهاد" 1712 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 22036 و 22079 و 22120 (الموطأ) في "الحجّ" 103 (الدراميّ) في "الحجّ" 2412. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من قاتل في سبيل اللَّه عز وجل، فقُتل، وعليه دين، وذلك أن شهادته لا تكفّر عنه دينه، وقد تقدّم تفصيل ذلك مستوفًى قريبًا. (ومنها): أن الأجر في ذلك لمن صدقت نيّته، واحتسب أجره، ولم يُقاتل حميّةً، ولا لطلب دنيا، ولطلب ذكر وثناء. (ومنها): أن من قُتل مدبرًا، فإنه ليس له من هذا الأجر شيء. (ومنها): أن حقوق الآدميين، والتبعات التي للعباد لا تكفّرها الأعمال الصالحة، وإنما تكفّر ما بين العبد وربّه. (ومنها): أن فيه أد جبريل رضي الله عنه كان ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم من الوحي لما يُتلى من القرآن، وبما لا يُتلى من السنّة، وقد قيل في قوله تعالى:{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} الآية [الأحزاب: 34] إن الآيات القرآنُ، والحكمة السنّة، وكلّ من اللَّه، فإنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3158 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ، أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ، غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلاَّ الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام، قَالَ لِي ذَلِكَ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهم المذكورون شي السند الماضي، غير "قتيبة" وهو: ابن سعيد. و"الليث" وهو: ابن سعد. وقوله: "إن قُتلت في سبيل اللَّه" بالبناء للمفعول.

والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3159 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ

ص: 247

بْنَ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ،، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِي فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا، مُحْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُدْبِرٍ، حَتَّى أُقْتَلَ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ:«نَعَمْ» ، فَلَمَّا أَدْبَرَ، دَعَاهُ، فَقَالَ:«هَذَا جِبْرِيلُ يَقُولُ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنٌ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.

و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"محمد بن قيس": المدنيّ القاصّ، ثقة [6] 51/ 962.

والحديث أخرجه مسلم، وشرحه، والكلام على مسائله تقدّما قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌33 - (مَايَتَمَنَّى فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل

-)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا نسخ "المجتبى"، والظاهر أنه سقط بعد قوله:"ما يتمنّى" لفظ: "من قُتل"، والأصل:"مَا يَتَمَنَّى مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل". وعبارة "الكبرى""تَمَنّي مَنْ قُتِلَ فِي سَبيلِ اللَّهِ"، وهي واضحة.

و"ما" يحتمل أن تكون مصدريّةً، أيَ تمنّي من قُتل الخ، وهو الذي تدلّ عليه ترجمة "الكبرى".

ويحتمل أن تكون موصولةً، والعائد محذوف، أي ما يتمنّاه من قُتل الخ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3160 -

(أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى -وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سُمَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا عَلَى الأَرْضِ، مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، وَلَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ، وَلَهَا الدُّنْيَا، إِلاَّ الْقَتِيلُ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

ص: 248

1 -

(هارون بن محمد بن بَكّار) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [11] 128/ 1091.

2 -

(محمد بن عيسى بن القاسم بن سُمَيع) -بالتصغير- الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، صدوق يُخطىء، ويُدلّس، ورُمي بالقدر [9] 24/ 1663.

3 -

(زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [6] 29/ 920.

4 -

(كثير بن مُرّة) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة [2] ووهم من عدّه في الصحابة 1/ 688.

5 -

(عبادة بن الصامت) الأنصاري الخزرجي الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى - عنه 6/ 461. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ) الحضرميّ (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَهُمْ) أي حدّث كثير بن مرّة ومن معه من الحاضرين (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا عَلَى الأرْضِ، مِنْ نَفْسِ)"من" زائدة، و"نفس" اسم "ما"، على تقدير كونها حجازيّة، أو مبتدأ على أنها تميميّة، والجارّ والمجرور -أعني "على الأرض" لو تأخّر لكان صفة لـ"نفس"، فحيث تقدّم يكون حالا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّم يعرب حالاً، كما في قول الشاعر:

لِمَيَّةَ مُوحِشَا طَلَلُ يَلُوحُ كَأَنّهُ خِلَلُ

وفائدته تعميم الحكم لأهل الأرض، والاحترازُ عن أهل السماء (تَمُوتُ) صفة لـ"نفس"، وجملة (وَلَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ) حال من ضمير "تموت"، وجملة (تُحِبُّ) خبر "ما" إن كانت حجازية، أو خبر المبتدإ، إن كانت تميميّة (أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ) بفتح التاء، من "رجع" اللازم، وهو في تأويل المصدر مفعول "تحبّ". وقوله (وَلَهَا الدُّنْيَا) حال من فاعل "ترجع".

والمعنى: أن من مات، وله خير عند اللَّه تعالى، لا يحبّ الرجوع إلى الدنيا، ولو جُعل له تمام الدنيا بعد الرجوع، ففيه أن الآخرة خير من الدنيا، فمن له نصيبٌ منها لا يرضى بتركه إيّاها بتمام الدنيا. قاله السنديّ.

(إِلاَّ الْقَتِيلُ) بالرفع بدلاً من "نفس"، أو من فاعل "تحبّ"، ويجوز نصبه على الاستثناء، والمراد الشهيد في سبيل اللَّه تعالى، كما تدلّ عليه رواية أحمد، ولفظه: "إلا

ص: 249

القتيل في سبيل اللَّه" (فَإِنَّهُ) أي القتيل (يُحِبُّ أَنَّ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ) بالنصب عطفًا على ما قبله (مَرَّةً أُخْرَى") منصوب على الظرفيّة متعلّق بما قبله.

والمعنى: أن القتيل في سبيل اللَّه تعالى يحبّ الرجوع إلى الدنيا في وقت آخر، حرصًا على تحصيل فضل الشهادة مرارً، لا لاختياره نفس الدنيا على الآخرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبادة بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-33/ 3160 - وفي "الكبرى" 29/ 4367. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: حديث عبادة رضي الله عنه المذكور أخرجه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده" جـ5/ ص 318 - فقال:

- حدثنا محمد بن بَكْر، ورَوْح، وعبد الرزاق، قالوا: أخبرنا ابن جريج، قال: وقال سليمان بن موسى أيضا: حدثنا كثير بن مرّة، أن عبادة بن الصامت حدثهم، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"ما على الأرض، من نفس تموت، ولها عند اللَّه تبارك وتعالى خير، تحب أن ترجع إليكم، إلا المقتول". وقال روح: "إلا القتيل في سبيل اللَّه، فإنه يحب أن يرجع، فَيُقتَل مرّة أخرى" انتهى.

وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أن فيه ابن جريج، وهو مدلّسٌ، غير أن سند المصنّف يشهد له.

وقد أخرج الإمام الدراميّ -رحمه اللَّه تعالى- في "سننه" جـ2/ص 206 - من حديث أنس رضي الله عنه، فقال:

- أخبرنا أبو علي الحنفي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما من نفس تموت، فتدخل الجنّة، فتَوَدُّ أنها رجعت إليكم، ولها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، فإنه وَدَّ أنه قُتِلَ كذا مرّة؛ لما رأى من الثواب" انتهى.

وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيح، وقد أخرجه الشيخان بمعناه، كما تقدّم بيانه عند شرح حديث رقم 30/ 3154 - وهو نحو الحديث الآتي في الباب التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 250

‌34 - (مَا يَتَمَنَّى أَهْلُ الْجَنَّةِ)

3161 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟ ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، خَيْرَ مَنْزِلٍ، فَيَقُولُ: سَلْ، وَتَمَنَّ، فَيَقُولُ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا، فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ»).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أبو بكر بن نافع) هو محمد بن أحمد بن نافع، نُسب لجدّه العبدي البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [10] 27/ 813.

2 -

(بهز) بن أسد العميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [9] 24/ 28.

3 -

(حمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [8] 181/ 288.

4 -

(ثابت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [4] 45/ 53.

5 -

(أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة (2286)، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم، مات سنة (2) أو (93)، وقد جاوز المائة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يُؤْتَى بالرَّجُلِ) أي الشهيد، أو غيره، فإنه يتمنّى الرجوع إذا رأى فضل الشهيد، لكن الموافق للحديث المتقدّم هو الأول. ويمكن التوفيق بحمل الحديث السابق على أيام البرزخ، وهذا على ما بعد دخول الجنّة يوم القيامة، وهو مبنيّ على إمكان غفول بعض الناس عن فناء الدنيا. قاله السنديّ

(1)

(مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 36.

ص: 251

وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟، فَيَقُولُ) الرجل (أَيْ) بفتح الهمزة، وسكون الياء حرف نداء للقريب (رَبِّ) أصله "ربي" مضافًا إلى ياء المتكلّم، ثم يجوز فيه ستة أوجه: الأول: حذف الياء، استغناء بالكسرة، وهذا هو الأكثر. والثاني: إثباتها ساكنة، وهو دون الأول في الكثرة. والثالث: قلب الياء ألفًا، وحذفها؛ استغناء بالفتحة. والرابع: قلبها ألفًا، وإبقاؤها، قلب الكسرة فتحةً، نحو "يا ربّا". والخامس: إثبات الياء مفتوحة، نحو "يا ربِّيَ". والسادس، وهو أضعفها: ضمّ الاسم بعد حذف الياء، تشبيهًا بالمفرد، اكتفاء بنيّة الإضافة. وإلى الأوجه الخمسة الأولى أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:

وَاجْعَلْ مُنَادى صَحَّ إِنْ يُضَف لِيَا

كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبدًا عَبْدِيَا

(خَيرَ مَنْزِلٍ) منصوب بتقدير فعل، أي وجدته خير منزل (فَيَقُولُ) اللَّه تعالى للرجل (سَلْ) فعل أمر من السؤال، وأصله "اسأل" فخُفّف؛ لكثرة الاستعمال، وحُذف مفعوله تعميمًا، أي ما تشاء (وَتَمَنَّ) فعل أمر، التمنّي، وهو مؤكّد لما قبله (فَيَقُولُ) الرجل (أَسأَلُكَ أَنَّ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا) قال السنديّ: أي عشر مرّات، أو مرّة، وعلى الثاني فمعنى (فَأقْتَلَ فِي سَبيلِكِ عَشْرَ مَرَّاتٍ) أن يُقتَلَ، ثم يُحيا من ساعته في مكانه. واللَّه تعالى أعلم انتهى

(1)

(لِمَا يَرَى) متعلّق بمقدّر، أي إنما سأل ذلك لأجل ما يراه (مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ) بيان لـ"ما". ولفظ البخاريّ:"لما يرى من الكرامة".

ولمسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، رفعه في الشهداء: "فاطلع إليهم ربهم اطلاعةٌ، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيَّ شيء نَشتهِي، ونحن نَسْرَح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسأَلُوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتَل في سبيلك مرة أخرى

".

ولابن أبي شيبة من مرسل سعيد بن جبير أن المخاطب بذلك حمزة بن عبد المطّلب، ومصعب بن عُمير. وللترمذيّ، والحاكم، وصحّحه من حديث جابر، قال: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرك ما قال اللَّه لأبيك؟ قال: يا عبد اللَّه تمنّ عليّ أعْطِكَ، قال: يا ربّ تُحييني، فأقتل فيك ثانيةً، قال: إنه سبق منّي أنهم إليها لا يُرجَعُون"

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 36.

(2)

- "فتح" 6/ 114.

ص: 252

حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 34/ 3161 - وفي "الكبرى" 30/ 4368. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" 2795 و 2817 (م) في "الإمارة" 1877 (ت) في "الجهاد" 1661 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 11592 و 11864 و 11933 و 12147 و 12360 و 13099 و 13216 و 13514 و 13552 و 13619 و 93669 (الدارميّ) في "الجهاد" 2409. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يتمنّاه أهل الجنّة من الرجوع إلى الدنيا؛ للاستشهاد في سبيل اللَّه سبحانه وتعالى. (ومنها): كلام اللَّه عز وجل لأجل الجنّة. (ومنها): إكرم اللَّه عز وجل الشهداء بقوله: "سَلْ، وتمنّ". (ومنها): ما قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث أجلّ ما جاء في فضل الشهادة، قال: وليس في أعمال البرّ ما تُبْذَل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌35 - (مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ الألَمِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" اسم موصول، وعائده محذوف، أي الشيء الذي يجده الشهيد من الألم عند ضربه بالسيف ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3162 -

(أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الشَّهِيدُ لَا يَجِدُ مَسَّ الْقَتْلِ، إِلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمُ الْقَرْصَةَ يُقْرَصُهَا»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمران بن يزيد) هو ابن خالد بن يزيد، نّسب لجده، الدمشقي، صدوق [10]

(1)

- "فتح" 6/ 115.

ص: 253

من أفراد الصنف.

2 -

(حاتم بن اسماعيل) الحارثي مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفي الأصل، صدوق يهم، صحيح الكتاب [8] 24/ 543.

3 -

(محمد بن عجلان) المذكور قبل بابين.

4 -

(القعقاع بن حكيم) الكنانيّ المدنيّ، ثقة [4] 46/ 40.

5 -

(أبو صالح) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقة ثبت [3] 36/ 40.

6 -

(أبوهريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. وقد وثقه هو، وابن حبّان. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فدمشقيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين، يروي بعضهم، عن بعض: ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "الشَّهِيد) قال النوويّ: اختُلف في سبب تسمته شهيدًا، فقال: النضر بن شُميل: لأنه حيّ؛ فإن أرواحهم شَهِدت، وحضرت دار السلام، وأروح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة. وقال ابن الأنباريّ: إن اللَّه تعالى، وملائكته - عليهم الصلاة والسلام - يشهدون له بالجنّة. وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعدّه اللَّه تعالى من الثواب والكرامة. وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه، فيأخذون روحه. وقيل: لأنه شُهِدَ له بالإيمان، وخاتمةِ الخير بظاهر حاله. وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا، وهو الدم. وقيل: لأنه ممن شهد على الأمم يوم القيامة بإبلاع الرسل الرسالة إليهم. وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف انتهى

(1)

. (لَا يَجِدُ مَسَّ القَتْلِ) أي إصابته، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، يقال مسّ الماءُ الجسدَ من باب تَعِبَ، وقَتَلَ مسًّا: أصابه، ويتعدّى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مَسِسْتُ الجسدَ بماء، وأَمْسَسْتُ الجسدَ ماءً. أفاده الفيّوميّ. والمعنى هنا: أن الشهيد لا يُحِسُّ بضرب السيف عند قتله (إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمُ الْقَرْصَةَ) بفتح القاف، وسكون الراء: المرّة من القَرْص، قال المجد في

(1)

- "شرح مسلم" 13/ 27 - 28.

ص: 254

"القاموس": "القرص" أخذك لحمَ الإنسان بإصبعيك حتى تؤلمه، ولَسْعُ البراغيث. والمعنى: أن شدّة القتل للشهيد لا يكون أزيد من غمز لحم الإنسان بالإصبعين.

وقوله (يُقْرَصُهَا) بالبناء للمفعول، وضمير "ها" للقَرْصة، ونصبه على أنه مفعول مطلق، ونائب الفاعل ضمير "أحد". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 35/ 3162 - وفي "الكبرى" 31/ 4369. وأخرجه (ت) في "فضائل الجهاد" 1168 (ق) في "الجهاد" 2802 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 7893 (الدراميّ) في "الجهاد" 2408. واللَّه تعالى أعلم

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مقدار ما يجده الشهيد من ألم الضرب بالسيف، ونحوه. (ومنها): تسلية الشهيد بتهوين هذا الخطب الْمُهَوِّل. (ومنها): بيان فضل اللَّه تعالى وشدّة رأفته بعباده الذين بذلوا أنفسهم في مرضاته سبحانه وتعالى، حيث هَوَّن عليهم ألم ضرب السيف عند قتلهم، بحيث يكون كألم الغمز بالأصابع، أو كألم لَسْع البراغيث، فللَّه سبحانه وتعالى الحمد والمنّة، أوّلاً وآخرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌36 - (مَسْأَلَةُ الشَّهَادَة)

أي هذا باب ذكر الأحاديث المشتملة على الحثّ في سؤال العبد ربّه سبحانه وتعالى أن يرزقه الشهادة.

3163 -

(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ

ص: 255

جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ سَأَلَ اللَّهَ عز وجل الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(يونس بن عبد الأعلى) الصَّدّفيُّ المصريّ، ثقة، من صغار [10] 1/ 449.

2 -

(ابن وهب) عبد اللَّه المصري الثقة الثبت العابد [9] 9/ 9.

3 -

(عبد الرحمن بن شريح) المعافري، أبو شريح الإسكندراني، ثقة فاضل [7] 9/ 3117.

4 -

(سهل بن أيى أمامة) الأنصاريّ الأوسيّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [5].

قال عثمان الدراميّ عن ابن معين: ثقة. وكذا قال العجليّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن يونس: تُوفّي بالإسكندرية. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.

5 -

(أبوه) أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري المدني، له رؤية، ولم يسمع [2] 8/ 509.

6 -

(جده) سهل بن حُنيف الأنصاري الأوسي الصحابي الشهير رضي الله عنه 9/ 699. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هدا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى سهل بن أبي أمامة مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ؛ لأن أبا أمامة صحابيّ رؤيةً، وإن كان تابعيًّا روايةً. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن سهل بن أبي أمامة (عن أبيه) أبي أمامة أسعد بن سهل الأنصاريّ المدنيّ، مشهور بكنيته، معدود في الصحابة لرؤيته، ولكن لم يسمع شيئًا، مات سنة (100) وله (92) سنة (عن جدّه) سهل بن حُنيف -بضم المهملة مصغْرًا- ابن واهب بن الْعُكَيم الأنصاريّ الأوسيّ، صحابيّ، شهد بدرًا، واستخلفه عليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - على البصرة، ومات في خلافته (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ سَأَلَ اللَّهَ عز وجل الشَّهَادَةَ بصِدْقٍ) أي لا لمجرّد الرغبة في فضل الشهداء من غير أن يرضى بحصولها إن حصَلت، وسؤال الشهادة مرجعه سؤال الموت الذي لا مَحالَةَ واقعٌ على أحسن حال، وهو فناء النفس في

ص: 256

سبيل اللَّه عز وجل، وتحصيل رضاه، وهو محبوب من هذه الجهة، فيجوز أن يسألها، ولا يضرّ ما يلزمه من معصية الكافر، وفرحة الأعداء، وحزن الأولياء فليتأمل. قاله السنديّ

(1)

(بَلَّغَهُ) بتشديد اللام (اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ) لنيّته الصادقة (وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) أي وإن لم يُقتل في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته: حديث سهل بن حُنيف - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-36/ 3163 - وفي "الكبرى" 32/ 4370. وأخرجه (م) في "الإمارة" 1909 (د) في "الصلاة" 1520 (ت) في فضائل الجهاد" 1653 (ق) في "الجهاد" 2797 (الدراميّ) في "الجهاد" 2407. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على طلب الشهادة في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب نيّة الخير. (ومنها): بيان فضل صدف النيّة، حيث استوجب من سأل اللَّه تعالى الشهادة بسبب صدق نيّته درجةَ الشهادة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3164 -

(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ حُجَيْرَةَ، يُخْبِرُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَمْسٌ، مَنْ قُبِضَ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، فَهُوَ شَهِيدٌ: الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الحديث للباب فيه بُعْد لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

ورجال إسناده: ستة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، إلا ثلاثة:

1 -

(عبد اللَّه بن ثعلبة الحضرميّ) المصريّ، مقبول [6].

روى عن عبد الرحمن بن حُجَيرة. وعنه أبو شُريح عبد الرحمن بن شُريح. ذكره ابن

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 37.

ص: 257

حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

2 -

(ابن حُجَيرة) عبد الرحمن بن حُجيرة -بمهملة، وجيم، مصغّرًا- الْخَوْلانيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ قاضيها، وهو ابن حُجيرة الأكبر

(1)

، ثقة [3].

قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: مصريّ ثقة معروف. قال ابن يونس: توفّي في المحرّم سنة (83) قال: وكان عبد العزيز بن مروان قد جَمَعَ له القضاءَ وبيتَ المال، فكان يأخذ رزق كلّ سنة ألف دينار، فلم يكن يحول عليه الحول، وعنده ما يجب فيه الزكاة. وحكى ابن عبدالحكم في "فتوح مصر" أنه مات سنة (80).

روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديث أبي هريرة:"إذا أَدَّيْتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك".

3 -

(عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجهنيّ الصحابيّ الشهير، كان رضي الله عنه فقيهًا فاضلاً، تولّى إمرة مصر لمعاوية رضي الله عنه ثلاث سنين، ومات قرب الستين رضي الله عنه. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن ثعلبة فمن أفراد المصنف كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره. واللَّه تعالى اْعلم.

شرحِ الحديث

(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيّ رضي الله عنه (أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "خَمْسٌ) أي خمس أحوال، أو خمس صفات، ثمّ ذكر أصحاب هذه الأحوال والصفات، فإن بيانهم يستلزم معرفتها، ويغني عن بيانها، والمراد بـ"سبيل اللَّه" في الأول الجهاد، وفي غيره هو المتبادر أيضًا، فإنه المراد عرفًا من مطلق هذا الاسم، وأيضًا الْمُعاد معرفةً يكون عينَ الأول، كما هو القاعدة المشهورة التي ذكره الحافظ السيوطيّ في "عقود الْجُمان" بقوله:

ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشتَهِرَة

إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ

تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ

تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ

(1)

- والأصغر ولده، عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن حُجَيرة، أبو عبد الرحمن القاضي المصريّ، ثقة [6] مات بعد المائة. انتهى "تقريب".

ص: 258

شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَينَا مُسْنَدًا

لَنْ يَغْلِبَ اليُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا

لكن مقتضى الأحاديث المطلقة خلافه، فيحتمل أن يراد به الإسلام، توفيقًا بين هذا الحديث، وبين الأحاديث المطلقة، وإن كان مقتضى أصول كثير من الفقهاء أن يُحمل المطلق على المقيّد، لكن المرجوّ ههنا هو الأول. أفاده السنديّ

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما أشار إليه السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه ليس المراد بـ"سبيل اللَّه" في قوله: "والغرق في سبيل اللَّه شهيد" من غرِق في الجهاد فقط، بل المراد كلّ مسلم غَرِق، سواء كان في الجهاد، أم في غيره، بدليل الأحاديث الصحاح الأخرى التي أطلقت الشهادة لكلّ مسلم غرِقَ، وكذا الكلام في "المبطون"، و"المطعون"، و"النفساء"، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.

(مَنْ قُبضَ) بالبناء للمفعول، أي تُوفّي (فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، فَهُوَ شَهِيدْ) قال النوويّ: قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادةٌ بتفضّل اللَّه تعالى، بسبب شدّتها، وكثرة ألمها. وقالوا أيضًا: المراد بشهادة هؤلاء كلّهم غير المقتول في سبيل اللَّه أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا، فيُغسلون، ويصلَّى عليهم.

[فائدة]: الشهداء ثلاثة أقسام: (الأول): شهيدٌ في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفّار. (والثاني): شهيد في الآخرة، دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون في هذا الحديث، ونحوه. (والثالث): شهيد في الدنيا، دون الآخرة، وهو من غَلَّ في الغنيمة، أو قُتِلَ مدبرًا. أفاده النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-

(2)

.

(الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في قتال الكفّار بأيّ صفة مات (شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ) بكسر الراء صفة مشبّهة من غَرِق، يقال: غَرِق الشيءُ في الماء غَرَقًا، فهو غَرِقٌ، من باب تَعِب، وجاء غارقٌ أيضًا. وحكى في "البارع" عن الخليل: الغَرِقُ الراسبُ في الماء من غير موت، فإن مات غَرَقًا فهو غَرِيقٌ، مثلُ كريم. هذا كلام العرب، وجوّز في "البارع" الوجهين في القياس. قاله الفيّوميّ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نُقل عن الخليل من الفرق ذكره في "اللسان" بـ"قيل"، فقال: وقيل: الغرِقُ الراسبُ في الماء، والغريق الميت فيه انتهى. وقال ابن الأثير الغرق بكسر الراء-: الذي يموت بالغرق. وقيل: هو الذي غلبه الماء، ولم يَغْرَق، فإذا غرق فهو غَريق انتهى

(3)

. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- راجع "شرح السنديّ" 6/ 37.

(2)

- "شرح مسلم" 13/ 64 - 65.

(3)

- "النهاية" 3/ 361.

ص: 259

(فِي سَبِيلِ اللهِ) تقدّم قريبًا أن المراد به الإسلام. واللَّه تعالى أعلم (شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ) أي الذي يموت بمرض بطنه، كالاستسقاء، ونحوه

(1)

(فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ، وَالْمَطعُونُ) أي الذي مات بسبب الطاعون، وهو المرض العامّ، والوباء الذي يَفسُدُ له الهواء، فتفسُد به الأَمْزِجة والأبدان. قاله ابن الأثير

(2)

(فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ) المراد من ماتت في نفاسها، أي ولادتها. واللَّه تعالى أعلم (فِي سَبيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ) لم يقل شهيدة؛ لأن فعيلاً بمعنى مفعول إن تبع موصوفه لم تلحقه التاء غالبًا، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":

وَمِنْ فَعِيلٍ كَقَتِيلٍ إِن تَبِعْ

مَوْصُوفَهُ غَالِبًا التَّا تَمْتَنِعْ

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-36/ 3164 - وفي "الكبرى" 32/ 4371. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3165 -

(أَخْبَرَنِي

(3)

عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَحِيرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بِلَالٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ، وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا، فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا، فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ، فَإِنْ أَشْبَهَ جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ، فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الحديث للباب فيه بعد، كسابقه، فليُتأمّل. ورجال هذا الإسناد ستة، وقد تقدّموا قبل خمسة أبواب، غير اثنين:

1 -

(ابن أبي بلال) عبد اللَّه بن أبي بلال الخزاعيّ الشاميّ، مقبول [4].

روى عن العرباض بن سارية، وعبد اللَّه بن بُسْر. وعنه خالد بن معدان. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

2 -

(الْعِرْبَاضُ بن سارية) بكسر العين المهملة، وسكون الراء، بعدها موحّدة،

(1)

- "النهاية" 1/ 136.

(2)

- "النهاية" 3/ 127.

(3)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 260

وآخره معجمة السَّلَميّ، أبو نَجِيح الصحابيّ، كان من أهل الصفّة، ثم نزل حمص، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد (70) تقدّمت ترجمته في 25/ 2163.

و"بقية": هو الوليد. و"بَحِير" بفتح، فكسر: هو ابن سعد. و"خالد": هو ابن معدان. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير ابن أبي بلال، فمقبول. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ) السلميّ رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَخْتَصِمُ) أي يتنازع (الشُهَدَاءُ، وَالْمُتَوَفوْن) بتشديد الفاء المفتوحة، أي الذين ماتوا (عَلَى فُرُشِهِم) بضمتين، جمع فِراش، ككتاب وكُتُب بمعنى المفروش. قال الفيّوميّ: فَرَشتُ البساط وغيره فَرْشًا، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: بَسَطتُهُ، وافترشته، فافترشَ هو، وهو الفِراش بالكسر، فِعَالٌ بمعنى مفعول، مثل كتاب، بمعنى مكتوب، وجمعه فُرُشٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، وهو فَرْشٌ أيضًا- أي بفتح، فسكون- تسمية بالمصدر انتهى.

(إِلَى رَبِّنَا) أي رافعين اختصامهم إلى اللَّه تعالى (فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) بتشديد الفاء، والبناء للمفعول، ولا شكّ أن مقصود الشهداء بذلك إلحاق المطعون معهم، ورفِع درجته إلى درجاتهم، وأما الأموات على الفرُش فلعلّه ليس مقصودهم أصالةً أن لا تُرفع درجة المطعون إلى درجات الشهداء، فإن ذلك حسدٌ مذموم، وهو منزوع عن القلوب في تلك الدار، وإنما مرادهم أن ينالوا درجات الشهداء كما نال المطعون مع موته على الفراش، فمعنى قولهم:"كما متنا" أي فإن نالوا مع ذلك درجات الشهداء ينبغي أن ننالها أيضًا، وعلى هذا فينبغي أن يُعتبر هذا الخصام خارج الجنّة، وإلا فقد جاء فيها:{وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت:31]، فينبغي أن ينال درجة الشهداء من يشتهيها في الجنّة، والظاهر أن اللَّه تعالى ينزع من قلب كلّ أحدٍ في الجنّة اشتهاء درجة من فوقه، ويُرضيه بدرجته. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن هذا الاختصام قبل دخول الجنّة، فلا يُستبعد أن يكون قولهم:"ماتوا على فُرُشهم كما متنا" من باب التنافس، لئلا يفضّلوا

ص: 261

عليهم، ولا يُستغرب ذلك ممن لم يدخل الجنّة، فإن ذلك محلّ اختصام، وتنازع، وتنافر، فإنه:{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} الآية [عبس: 34 - 36]، كما وصفه اللَّه تعالى بذلك، وأما قوله تعالى:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} الآية [الحجر:47]، فيحمل على ما بعد دخول الجنة، كما ثبت وصفهم بذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه، وفيه ..... "لا اختلاف بينهم، ولا تباغُضَ، قلوبهم قلب واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيا". متّفق عليه.

والحاصل أن كون قولهم هذا من باب التنافس والتحاسد هو الظاهر، وهو محمول على ما قبل دخولهم الجتة، كما يرشد إليه آخر كلام السنديّ. واللَّه تعالى أعلم. (مِنَ الطَّاعُونِ) قال الفيّوميّ: الطاعون الموت من الوباء، والجمع طواعين، وطُعِن الإنسانُ بالبناء للمفعول: أصابه الطاعون، فهو مطعون انتهى. وفي "القاموس":"الطاعون": الوباء، جمعه طواعين انتهى. وقال في مادّة الوباء: الوباءُ محرّكةً: الطاعونُ، أو كلّ مرض عام، جمعه أوباءٌ انتهى.

وقال محمد مرتضى في "شرحه التّاج": قال ابن النفيس الوباء فساد يَعْرِض لجوهر الهواء لأسباب سمايّة، أو أرضيّة، كالماء الآسن، والجيف الكثيرة كما في الملاحم. ونقل شيخنا عن الحكيم داود الأنطاكيّ أن الوباء حقيقةً تغيّر الهواء بالعوارض العلويّة، كاجتماع كواكب ذات أشعّة، والسفليّة كالملاحم، وانفتاح القبور، وصعود الأبخرة الفاسدة، وأسبابُهُ مع ما ذُكِر تغيّرُ فصول الزمان، والعناصر، وانقلاب الكائنات، وذكروا له علامات منها الْحُمّى، والْجُدَريّ، والنَّزلات، والْحِكَّة، والأَوْرَام، وغير ذلك، ثم قال: وعبارة "النزهة" تقتضي أن الطاعون نوع من أنواع الوباء وفرد من أفراده، وعليه الأطبّاء، والذي عليه المحقّقون من الفقهاء والمحدّثين أنهما متباينان، فالوباء، وخم بغير الهواء، فتكثر بسببه الأمراض في الناس، والطاعون هو الضرب الذي يُصيب الإنس من الجنّ، وأيّدوه بما في الحديث:"إنه وخز أعدائكم من الجنّ" انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي أشار إليه هو ما أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:

- حدثنا عبد الرحمن

(2)

، حدثنا سفيان

(3)

، عن زياد بن عِلاقة، عن رجل، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "فَنَاء أمتي بالطعن، والطاعون"، فقيل: يا رسول

(1)

- "تاج العروس" 1/ 130.

(2)

- ابن مهديّ.

(3)

- هو الثوريّ،

ص: 262

اللَّه، هذا الطعن، قد عرفناه، فما الطاعون؟، قال: "وخز أعدائكم

(1)

من الجن"، وفي كلّ شهداء".

وهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، غير الرجل المبهم، ويحتمل أنه أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ، كما أخرجه بسند آخر، فقال:

- حدثنا بكر بن عيسى، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بَلْج

(2)

، قال: حدثناه أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه، عبد اللَّه بن قيس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر الطاعون، فقال:"وَخْزٌ من أعدائكم، من الجن، وهي شهادة المسلم".

والحاصل أن الحديث صحيح، فيستفاد منه أن الصواب في معنى الطاعون هو وّخزُ الجنّ، أي طَعْنه للإنسان، فإذا مات بسبب ذلك يكون شهيدًا. واللَّه تعالى أعلم. (فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا) مبتدأ خبره قوله جملة "قُتلوا"، ويحتمل أن يكون خبراً لمبتدا محذوف، أي هم إخواننا الخ (قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْن) بتشديد الفاء المفتوحة، بصيغة اسم المفعول (عَلَى فُرُشِهِمْ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا) بضم الميم، وكسرها، من مات يموت، أو مات يمات، يقال: مات يموت كقال يقول، ومات يمات، كخاف يخاف، وبهما قرىء في السبعة (فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا) يحتمل أن يكون الخطاب للفريقين، ويحتمل أن يكون للملائكة (إِلَى جِرَاحِهِمْ) بكسر الجيم (فَإِنْ أَشبَهَ) وفي نسخة:"اشتبه"، والظاهر أنه تصحيف، إلا إذا أدخلت الباء في المفعول، واللَّه تعالى أعلم. (جِرَاحُهُم جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ، فَإنَّهَمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ) أي من جنس الشهداء، ومعهم في درجاتهم العالية.

(فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ) ولفظ أحمد: "فيقضي اللَّه عز وجل بينهم، أن انظروا إلى جراحات الْمُطَّعَنِين، فإن أشبهت جراحات الشهداء، فهم منهم، فينظرون إلى جراح المطعنين، فإذا هم قد أشبهت، فيلحقون معهم".

و"إذا" هنا فُجَائيّة، فقيل: هي حرف، واختاره ابن مالك، وقيل: ظرف مكان، وقيل: ظرف زمان، وعلى كونها ظرفًا فعاملها الخبر، وهو "قد أشبهت".

والمعنى: أنهم لما نظروا إلى جراح المطعونين وجدوه مشابهًا لجراح الشهداء، فأُلْحِقوا بهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث العرباض بن سارية - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا

(1)

- أي طعنهم.

(2)

- هو يحيى بن سُلَيم الفزاريّ الكوفيّ، ثم الواسطيّ، وثّقه ابن معين، وابن سعد، والجوزجانيّ.

ص: 263

حسن، فقد تابع بقيّة إسماعيل بن عيّاش في رواية لأحمد، وابن أبي بلال وثّقه ابن حبّان.

والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 36/ 3165 - وفي "الكبرى" 32/ 4372. وأخرجه (أحمد) في "مسند الشاميين" 16708 و 16713. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌37 - (اجْتِمَاعُ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي الْجَنَّةِ)

أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على اجتماع القاتل والمقتول الخ.

فقوله: "في سبيل اللَّه" يتعلّق بـ"القاتل"، أو "المقتول" على سبيل التنازع. وقوله:"في الجنّة" يتعلّقُ بـ"اجتماع" واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3166 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل، يَعْجَبُ مِنْ رَجُلَيْنِ، يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ" -وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى-: "لَيَضْحَكُ مِنْ رَجُلَيْنِ، يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ»).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(محمد بن منصور) الْجَوّاز المكيّ، ثقة [10] 2020/ 21.

2 -

(سفيان) بن عيينة المكي الامام الحجة [8] 1/ 1.

3 -

(أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدني الثقة الفقيه [5] 7/ 7.

4 -

(الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني الثقة الثبت [3] 7/ 7.

5 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وشيخ

ص: 264

شيخه، فمكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. وفيه من اشتهر بلقب بصورة الكنية، وهو أبو الزناد، فإن كنيته أبو عبد الرحمن، وفيه من اشتهر بلقبه، وهو الأعرج. وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عز وجل، يَعْجَبُ مِنْ رَجُلَيْنِ) من باب تَعِبَ. وفيه إثبات صفة العَجَب للَّه تعالى، على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى.

وقال السنديّ: العَجَب وأمثاله مما هو من قبيل الانفعال، إذا نسب إلى اللَّه تعالى يراد به غايته، فغاية العجب بالشيء استعظامه، فالمعنى عظيم شأن هذين عند اللَّه. وقيل: بل المراد بالعجب في مثله التعجيب، ففيه إظهار أن هذا الأمر عجيبٌ. وقيل: بل العجب صفة سمعيّةٌ، يلزم إثباتها مع نفي التشبيه، وكمال التنزيه، كما هو مذهب أهل التحقيق في أمثاله. وقد سئل مالك عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثله الكلام، في الضحك. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حكاه السنديّ أخيرًا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، كما صرّح هو بأنه مذهب أهل التحقيق، ومفهومه أن ما قبله ليس مذهب أهل التحقيق، بل هو مجرّد تخمين وقول على اللَّه تعالى بلا علم.

ومن أعجب صنيعه أنه حكى القولين الزائفين أولاً كأنهما معتبران، ثم أتى في الأخير بالقول الحقّ بقيل، مع أنه صرّح بأنه مذهب أهل التحقيق، فخلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا، إن هذا لشيء عجيب.

والحاصل أن غير القول الأخير من آراء المتكلّمين، وأذنابهم من متأخري الأشاعرة وغيرهم الذين تركوا مذهب السلف من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث كافّة، وانخدعوا بمذهب المتكلّمين، الْمُستَقَى من الفلاسفة والملاحدة الضّالّين، فاعتبروه مذهبًا يُذكر مع مذهب أهل الحقّ، جنبًا إلى جنب، بل لا يذكرون مذهب السلف إلا بقيل، ونحوه من صيغ التمريض، إن هذا لهو العجب العجاب.

وقد بسطت الكلام على هذا في غير هذا الموضع من هذا الشرح، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

(يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ" -وَقَال مَرَّةً أُخْرَى) الظاهر أن القائل هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيكون من

ص: 265

كلام أبي هريرة رضي الله عنه، ويحتمل أن يكون ممن دونه، واللَّه تعالى أعلم (لَيَضْحَكُ مِنْ رَجُلَيْنِ)

قال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا، ويُمرّونه كما جاء، وينبغي أن يُراعى في مثل هذا الإمرارِ اعتقاد أنه لا تشبه صفات اللَّه صفات الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمراد منه، مع اعتقاد التنزيه. ذكره في "الفتح".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا هو الحقّ الذي لا ينبغي لمسلم أن يعتقد سواه، فصفة الضحك ثابتة للَّه عز وجل-كما وردت في هذا النصّ وغيره، لكن ضحكه تعالى ليس كضحك الخلق، بل هي صفة تليق بجلاله سبحانه وتعالى، ولا يلزم من إثباتها التشبيه، كما زعموا؛ لأن الصفات فرع عن الذات، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات فكذلك صفاته.

وأما ما نقله في "الفتح" عن الخطّابيّ من تأويل الضحك بالرضا، وأيده أخيرًا، فإنه من قبيل ما تقدّم ردّه على السنديّ قريبًا، فلا تغترّ به، فإنه ليس مذهب المحققين، كما سبق قريبًا، بل هو مذهب باطلٌ، لا يُلتفت إليه، فتنبّه هداني اللَّه، وإياك إلى الطريق المستقيم، إنه بعباده رءوفٌ رحيم.

(يَقْتُلُ) بالبناء للفاعل (أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ) سيأتي في الباب التالي

توضيح معنى هذا الحديث، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-37/ 3166 و 38/ 3167 - وفي "الكبرى" 33/ 4373 و 34/ 4374. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" 2826 (م) في "الإمارة" 1890 (ق) في "المقدّمة" 191 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 7282 و 27446 و 9657 و 10258 (الموطأ) في "الجهاد" 1000. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو اجتماع القاتل والمقول في سبيل اللَّه تعالى في الجنّة. (ومنها): بيان فضل اللَّه تعالى، وسعة رحمته، حيث يجعل

ص: 266

كلّا من المتقاتلين من أهل الجنّة، مع أن الكافر قتل المسلم ظلمًا وعدوانًا، وجحدًا لنعمه تعالى، لكنه بواسع فضله، وسعة رحمته تفضّل عليه بالتوبة، والقتال في سبيله، حتى قُتل، فدخل الجنّة، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 4]، {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 74]. (ومنها): أن فيه إثبات صفة العَجَب للَّه سبحانه وتعالى، مع تنزيهه تعالى، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل. وفيه أيضًا إثبات صفة الضحِك له سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله تعالى. (ومنها): أن كلّ من قُتل في سبيل اللَّه تعالى، فهو في الجنّة. قاله ابن عبد البرّ (ومنها): أن العبرة بالخواتم، فلو عمل العبد دهرًا من عمره أنواع الكبائر كلها، ثم وفّقه اللَّه تعالى في آخر حياته للتوبة، والعمل الصالح، محيت عنه خطياه كلها، وصار من أهل الجنّة {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} الآية [الروم: 4]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌38 - (تَفْسِيرُ ذَلِكَ)

أي هذا باب ذكر الحديث الذي فيه توضيح معنى ضحك اللَّه سبحانه وتعالى من الرجلين المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3167 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ، يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُقَاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلهم تقدّموا، فالأربعة الأولون تقدموا قبل خمسة أبواب، والباقون تقدموا في الباب الماضي، وكلهم من رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود.

وقوله: "عن أبي الزناد" كذا هو في "الموطّإ"، ولمالك فيه إسناد آخر، رواه أيضًا عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنى، أخرجه الدارقطنيّ.

وقوله: "يدخلان الجنّة" زاد مسلم من طريق همّام، عن أبي هريرة رضي الله عنه:"قالوا: كيف يا رسول اللَّه".

ص: 267

وقوله: "يقاتل في سبيل اللَّه، فيُقتَل" زاد همّام: "فيلج الجنّة"، قال ابن عبد البرّ: معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن القاتل الأول كان كافرًا.

قال الحافظ: وهو الذي استنبطه البخاريّ في ترجمته -يعني قوله: "باب الكافر يَقتُل المسلمَ، ثمّ يُسلم، فيُسدّد بعدُ، ويُقتَل"- ولكن لا مانع أن يكون مسلمًا لعموم قوله: "ثم يتوب اللَّه على القاتل"، كما لو قَتَلَ مسلمٌ مسلمًا عمدًا بلا شبهة، ثم تاب القاتل، واستُشهِد في سبيل اللَّه، وإنما يمنع دخول مثل هذا من يذهب إلى أن قاتل المسلم عمدًا لا تقبل له توبة.

ويؤيّد الأول أنه وقع في رواية همّام: "ثم يتوب اللَّه على الآخر، فيهديه إلى الإسلام"، وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة بلفظ:"قيل: كيف يا رسول اللَّه؟، قال: يكون أحدهما كافرًا، فيَقتُل الآخر، ثم يُسلِم، فيَغزُو، فيُقْتَلُ". انتهى

(1)

.

وقوله: "ثم يتوب اللَّه على القاتل، فيستشهد" زاد همّام: "فيَهديه إلى الإسلام، ثم يُجاهد في سبيل اللَّه، فيُستشهد".

والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌39 - (فَضْلُ الرِّبَاطِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الرِّباط" -بكسر الراء- و"المرابطة" مصدران لرابط، كما قال في "الخلاصة":

لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ

وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ

وهو ملازمة ثَغْر العدوّ، وأصله أن يربِط كلٌّ من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثَّغْر

(2)

رِباطًا، وربّما سُميت الخيل أنفسها رِبَاطًا. والرباط: المواظبة على الأمر. أفاده في "اللسان".

(1)

- "فتح" 6/ 124 - 125.

(2)

- بفتح، فسكون: الموضع الذي يُخاف منه هُجُوم العدوّ، فهو كالثُّلْمَة في الحائط، يُخاف هجُوم السارق منها، والجمع ثُغُور، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس. انتهى "المصباح المنير".

ص: 268

قال الإمام البخاريّ في "صحيحه": "باب فضل رباط يوم في سبيل اللَّه، وقول اللَّه عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

قال في "الفتح": الرباط -بكسر الراء، وبالموحّدة الخفيفة-: مُلازمة المكان الذي بين المسلمين، والكفّار؛ لحراسة المسلمين منهم. قال ابن التين: بشرط أن يكون غير الوطن، قاله ابن حبيب، عن مالك.

قال الحافظ: وفيه نظر في إطلاقه، فقد يكون وطنه، وينوي بالإقامة فيه دفع العدوّ، ومن ثَمَّ اختار كثير من السلف سُكنى الثغور، فبين المرابطة والحراسة عموم وخصوص وجهيّ، واستدلال البخاريّ بالآية اختيار لأشهر التفاسير، فعن الحسن البصريّ، وقتادة:{اصبروا} على طاعة اللَّه، {وصابروا} أعداء اللَّه في الجهاد {ورابطوا} في سبيل اللَّه. وعن محمد بن كعب القرطبيّ:{اصبروا} على الطاعة، {وصابروا} لانتظار الوعد، {ورابطوا} العدوّ، {واتقوا اللَّه} فيما بينكم. وعن زيد بن أسلم:{اصبروا} على الجهاد، {وصابروا} العدوَّ، {ورابطوا} الخيل.

قال ابن قتيبة: أصل الرباط أن يَربِط هؤلاء خيلهم، وهؤلاء خيلهم؛ استعدادًا للقتال، قال اللَّه تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} . أخرج ذلك ابن أبي حاتم، وابن جرير، وغيرهما. وتفسيره برباط الخيل يرجع إلى الأول. وفي "الموطّإ" عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا:"وانتظار الصلاة، فذلكم الرباط"، وهو في "السنن" عن أبي سعيد

(1)

.

وفي "المستدرك" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن الآية نزلت في ذلك، واحتجّ بأنه لم يكن في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غزو فيه رباط انتهى.

قال الحافظ: وحمل الآية على الأول أظهر، وما احتجّ به أبو سلمة لا حجّة فيه، ولا سيّما مع ثبوت حديث الباب

(2)

، فعلى تقدير تسليم أنه لم يكن في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رباط، فلا يمنع ذلك من الأمر به، والترغيب فيه.

ويحتمل أن يكون المراد كلاًّ من الأمرين، أو ما هو أعمّ من ذلك، وأما التقييد باليوم

(1)

- بل أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 251. وتقدّم للنسائيّ في "كتاب الطهارة" برقم - 107/ 143.

(2)

-يعني حديث البخاريّ من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم في سبيل اللَّه، خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة، خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل اللَّه، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها".

ص: 269

في الترجمة، وإطلاقه في الآية، فكأنه أشار إلى أن مطلقها يقيّد بالحديث، فإنه يُشعر بأن أقلّ الرباط يوم لسياقه في مقام المبالغة، وذِكْرُهُ مع موضع سَوْط يشير إلى ذلك أيضًا انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3168 -

قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«مَنْ رَابَطَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فِي سَبِيلِ اللهِ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الأَجْرِ، وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ» ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ) المصري القاضي، الثقة الفقيه [10] 9/ 9.

2 -

(ابن وهب) عبد المصري الثقة الحافظ العابد [9] 9/ 9.

3 -

(عبد الرحمن بن شُرَيح) المعافري المصري، ثقة فاضل [7] تقدّم قبل بابين.

4 -

(عبد الكريم بن الحارث) بن يزيد الحضرميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة عابد [6]. قال البخاريّ: أثنى عليه ابن بُكير، وكان يَميل إلى تَقْدَمة عثمان. وقال يحيى بن بكير، عن بَكْر بن مُضر: لو قيل لعبد الكريم بن الحارث: إن الساعة تقوم غدًا ما كان عنده فضل لمزيد. وقال النسائيّ، والعجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات" وقال ابن يونس: تُوفّي بِبَرْقَةَ سنة (136) وكان من العبّاد المجتهدين. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديث الباب -39/ 3168 - ، وحديث رافع ابن خَدِيج رضي الله عنه 45/ 3908 - قال:"نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض".

5 -

(أبو عبيدة بن عُقبة) بن نافع الْفِهْريّ، يقال: اسمه مُرَّة، مقبول [3].

روى عن أبيه، وأخيه عياض، وابن عمر، وغيرهم. وعنه أبو عَقيل زُهْرة

(2)

بن مَعْبد، وعبد الكريم بن الحارث، وصاعد بن محمد، وسليمان بن حميد، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". قال أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر": مُرّة بن عُقْبة الفِهْريّ، يُكنى أبا عبيدة أدرك معاوية، وتُوفّي سنة (107) وهو يُريد الحجّ فيما يقال، وكان مع أبيه بالقيروان. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط.

6 -

(شُرَحْبيل بن السِّمْط) -بكسر المهملة، وسكون الميم

(3)

- الكنديّ الشاميّ، ثقة

(1)

- "فتح" 6/ 180 - 181.

(2)

-بضم الزاي. و"معبد" بفتح الميم، والموحّدة، وسكون المهملة بينهما، آخره دال مهملة.

(3)

- هكذا ضبطه في "التقريب". وضبطه النووي في "شرح مسلم" - 13/ 62 - بفتح، فكسر أيضًا، وعبارته:"يقال: بفتح السين، وكسر الميم، ويقال: بكسر السين، وإسكان الميم" انتهى.

ص: 270

اختُلف في صحبته [2] 1/ 1437.

7 -

(سَلْمَانُ الْخَيْرِ) الفارسيّ، أبو عبد اللَّه الصحابيّ الشهير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامَهُرْمُزَ، أول مشاهده الخندق، ومات رضي الله عنه سنة (34)، وتقدّمت ترجمته في -37/ 41. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين سوى شرحبيل، فإنه شامي، وسلمان، فإنه مدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ) الفارسيّ رضي الله عنه. وفي رواية الترمذيّ، من طريق محمد بن المنكدر، قال: مرّ سلمان الفارسيّ رضي الله عنه بشُرَحبيل بن السِّمْط، وهو في مُرَابَطٍ له، وقد شَقَّ عليه، وعلى أصحابه، فقال: ألا أُحدّثك يا ابن السِّمْط بحديث سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: رباط يوم في سبيل اللَّه أفضل، وربّما قال: خيرٌ من صيام شهر

(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "مَنْ رَابَطَ) أي لازم الثَّغْر للجهاد في سبيل اللَّه تعالى (يَوْمًا وَلَيلَةً، فِي سَبيلِ اللَّه) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه سبحانه وتعالى، لا لطلب عَرَضٍ دُنيويّ (كَانَ لَهُ كَأَجْرِ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ) حال كونه (مُرَابِطًا) أي ملازمًا لثَغْرٍ من ئغور المسلمين (أُجْرِيَ) بالبناء للمفعول (لَهُ مِثْلُ ذَلِك) أي مثلُ أجر صيام شهر وقيامه، مع أنه انقطع عمله بموته، غير أن اللَّه سبحانه وتعالى أجرى له الأجر فضلاً منه، وكرمًا. والمراد أنه يستمر له كلَّ يوم أجر صيام شهر وقيامه.

[فإن قلت]: هذا الحديث يعارض "حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم، وسيأتي للمصنّف في "كتاب الوصايا" رقم- 8/ 3652، فكيف يُجمع بينهما؟

[قلت]: يُجمع بأن حديث الباب مخصوص من عموم حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور، فهو عامٌ مخصوص، بحديث الباب فلا تعارض بينهما.

أو يُحمل حديث الباب على الأجر، لا على العمل، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه على

ص: 271

انقطاع العمل، وأنه لا يبقى العمل بعد الموت، إلا لهؤلاء الثلاثة، فإنه يبقى بعده، فلا تعارض بينهما.

ويؤيّد الجمع الأول الرواية التالية بلفظ: "فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل

". فإنه ظاهر في بقاء العمل له، فالجمع الأول أولى. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله (مِنَ الْأَجْرِ) بيان لـ"مثل ذلك". وفي الرواية التالية، ونحوها عند مسلم "فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأَمِنَ الفُتَّانَ، وأجري عليه رزقه". وفي رواية الترمذيّ: "ومن مات فيه وُقي فتنة القبر، ونُمِيَ له عمله إلى يوم القيامة".

قال النوويّ: هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصّة به، لا يشاركه فيها أحدٌ، وقد جاء في غير مسلم:"كلُّ ميت يُختم عليه عمله إلا المرابط، فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة". انتهى

(1)

.

(وَأُجْرِيَ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهِ الرِّزْقُ) أي رزقه الذي يأكله قبل يوم القيامة، فهو بمعنى قول اللَّه عز وجل في الشهداء:{أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] وبمعنى حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق عبد اللَّه ابن مُرَّة، عن مسروق، قال: سألنا عبد اللَّه، عن هذه الآية:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، قال: أَمَا إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: "أرواحهم في جوف طير خُضْرٍ، لها قناديل مُعَلقَّة بالعرش، تَسْرَح من الجنّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل

" الحديث.

(وَأَمِن) قال النوويّ: ضبطوا "أَمِنَ" بوجهين: "أحدهما": أَمِنَ -بفتح الهمزة، وكسر الميم- من غير واو. "والثاني":"أُمِنَ" -بضمّ الهمزة، وبواو- (مِنَ الْفُتَّانِ) قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: رويناه عن أكثرهم بالضمّ، جمع فاتن. قال: وعن الطبريّ بالفتح، وذكره أبو داود مفسرًا:"وأُمِنَ من فَتَّاني القبر"

(2)

.

وقال السنديّ:-بضمّ الفاء، وتشديد المثناة الفوقيّة-: جمع فاتنٍ. وقيل: -بفتح، فتشديد للمبالغة، وفُسّر على الأول بالمنكر والنكير

(3)

، والمراد أنهما لا يجيئان إليه للسؤال، بل يكفي موته مرابطًا في سبيل اللَّه تعالى شاهدًا على صحّة إيمانه، أو أنهما لا

(1)

- "شرح مسلم" 13/ 63.

(2)

- "شرح مسلم للقاضي عياض" 6/ 342.

(3)

- حديث "المنكر والنكير"، وسؤالهما في القبر أخرجه الترمذيّ في "جامعه"، فقال:

حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري، حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا قُبِر=

ص: 272

يضُرّانه، ولا يُزعجانه. وعلى الثاني بالشيطان، ونحوه، ممن يوقع الإنسان في فتنة القبر، أي عذابه، أو بِمَلَكِ العذاب انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث سلمان الخير - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 39/ 3168 و 3169 - وفي "الكبرى" 35/ 4375 و 4376. وأخرجه (م) في "الإمارة" 1913 (ت) في "فضائل الجهاد" 1665 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 23215 و 23223. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الرباط في سبيل اللَّه عز وجل. (ومنها): أن من مات مرابطًا أُجري عليه عمله بعد موته، وهذا فضل من اللَّه تعالى، حيث أكرم المرابط بعد موته بعدم انقطاع عمله. (ومنها): أن من مات مرابطًا فإنه شهيد حيّ عند ربّه يُجرى عليه رزقه، كسائر الشهداء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3169 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ رَابَطَ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَوْمًا وَلَيْلَةً،

= الميت" - أو قال-: "أحدكم، أتاه ملكان، أسودان، أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد اللَّه ورسوله، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسَح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم يُنَوَّر له فيه، ثم يقال له: نَمْ، فيقول: أَرْجِعُ إلى أهلي، فأخبرهم، فيقولان: نَمْ كنومة العروس، الذي لا يوقظه، إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه اللَّه من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا، قال: سمعت الناس يقولون، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: ألَتِئِمي عليه، فَتَلْتَئِم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها مُعَذَّبَا، حتى يبعثه اللَّه من مضجعه ذلك. انتهى.

وهذا الإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح، ويحيى بن خلف روى عنه مسلم، ووثّقه ابن حبّان. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 273

كَانَتْ لَهُ كَصِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، فَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ، وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو بن منصور النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة.

و"عبد اللَّه بن يوسف": هو التِّنِّيسيّ. و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ.

و"أيوب بن موسى": هو الأمويّ أبو موسى المكيّ. و"مكحول": هو أبو عبد اللَّه الدمشقيّ الفقيه.

والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3170 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ زَهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنه، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ، مِنَ الْمَنَازِلِ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن منصور) أبو يوسف النسائيّ، ثقة ثبت [11] 108/ 147. من أفراد المصنّف.

2 -

(عبد اللَّه بن يوسف) التنيسي، أبو محمد الكلاعي، دمشقي الأصل، ثقة متقن، من أثبت الناس في "الموطإ"، من كبار [10] 17/ 1540.

3 -

(الليث بن سعد) الإمام الحجة الثبت المصري [7] 31/ 35.

4 -

(زُهرة

(1)

بن معبد

(2)

) بن عبد اللَّه بن هشام بن زُهْرة بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة القرشيّ التيميّ، أبو عَقِيل المدنيّ، نزيل مصر، ثقة عابد [4].

قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، لا بأس به. وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو سعيد بن يونس: تُوفّي بالإسكندريّة سنة (127) قال: ويقال: سنة (35) وهو عندي أصحّ انتهى. روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

(1)

بضم الزاي، وسكون الهاء.

(2)

بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الموحدة.

ص: 274

5 -

(أبو صالح مولى عثمان) اسمه الحارث، ويقال: بُرْكان بموحّدة أوّله

(1)

، ثم راء ساكنة، المصريُّ ثقة

(2)

[3].

روى عن مولاه. وعنه زُهْرة بن معبد. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجليّ: روى عنه زُهرة بن مَعبد، والمصريّون، ثقة. وجزم ابن أبي حاتم

(3)

، عن أبيه، والدارقطنيّ، والرامهرمُزيّ بأن اسمه الحارث. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عندهما حديث الباب فقط.

6 -

(عثمان بن عفّان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ الخليفة الثالث، ذو النورين، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى، سنة (35)، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، وعمره ثمانون سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّمت ترجمته في 68/ 84. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وغير أبي صالح، فقد تفرد به هو، والترمذي. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه فنسائي، والصحابي، فمدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الأربعة، وأحد المبشرين بالجنة رضي الله عنه. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ زُهْرَةَ) بضم الزاي (ابْنِ مَعْبَدٍ) بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحّدة، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنه) وفي

(1)

- هكذا ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير" 2 ج1 ص 148 "بُرْكان"، بموحّدة أوله، وكذلك ابن حبّان في "الثقات" 4/ 84 ذكره فيمن اسمه بركان، وهو الذي ذكره الحافظ في "تبصير المنتبه بتلخيص المشتبه" 1/ 197 وعبارته: تركان جماعة من تركان بواسك، وبموحّدة أبو صالح مولى عثمان، عن أبي هريرة، اسمه بُرْكان انتهى. وهو الذي في "تهذيب الكمال" 33/ 420 و"تهذيب التهذيب" 4/ 539.

وضبطه في "تقريب التهذيب" بمثنّاة أوله، ثم راء ساكنة. والظاهر أن ما في "التقريب" خطأ، والصواب الأول. فتنبّه.

(2)

- في "التقريب": مقبول، قلت: بل هو ثقة، كما يتبيّن من ترجمته بعد.

(3)

- وذكر في "تهذيب التهذيب" ابن حبّان بدل ابن أبي حاتم، وهو خطأ، فإنه جزم بأن اسمه بركان، كما مرّ قريبًا. فتنبّه.

ص: 275

رواية ابن حبّان، والحاكم

(1)

: سمعت عثمان بن عفّان رضي الله عنه في مسجد الخيف بمنى

(يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ) وفي رواية الترمذيّ من طريق هشام ابن عبد الملك، عن الليث: سمعت عثمان بن عفّان على المنبر، يقول: إني كتمتكم حديثًا سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كراهية تفرّقكم عنّي، ثم قد بدا لي أن أحدّثكموه، ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، فإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: رباط يوم

" ("رِبَاطُ يَوْمٍ) أي حبس الشخص نفسه عند ثَغْر من الثغور (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، لا لأمر آخر، من الأعراض الفانية (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ) أي فيما سوى الرباط، أو فيما سوى سبيل اللَّه عز وجل، فإن السبيل يذكّر، ويؤنّث. قال ابن بزيزة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: لا تعارض بين حديث عثمان رضي الله عنه هذا، وحديث سلمان رضي الله عنه المتقدّم؛ لأنه يُحمل على الإعلام بالزيادة في الثواب عن الأول، أو باختلاف العاملين. قال: الحافظ: أو باختلاف العمل بالنسبة إلى الكثرة والقلّة، ولا يُعارضان أيضًا حديثَ سهل بن سعد الساعديّ رضي الله عنه:"رباط يوم في سبيل اللَّه خير من الدنيا وما عليها"؛ لأن صيام شهر وقيامه خير من الدنيا وما عليها انتهى

(2)

.

وقوله (مِنَ الْمَنَازِلِ) بيان لـ"ما سواه"، أي من منازل الخيرات، والطاعات.

قال القاري: وخُصّ منها المجاهدُ في المعركة بدليل منفصل عقليّ ونقليّ، وهو لا ينافي تفسير الرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد، وقوله

(3)

صلى الله عليه وسلم: "فذالكم الرباط، فذلكم الرباط"؛ لأنه رباط دون رباط، بل هو مشبّه بالرباط للجهاد، فإنه الأصل فيه، أو هذا رباط للجهاد الأكبر، كما أن ذاك رباط للجهاد الأصغر، وتفسير لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} الآية [آل عمران: 200]، فإن الرباط الجهاديّ قَدْ فُهِمَ مما قبله، كما لا يخفى

وقال الطيبيّ: [فإن قلت]: هو جمع مُحَلَّى بلام الاستغراق، فيلزم أن يكون المرابط أفضل من المجاهد في المعركة، ومن انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، وقد قال فيه:"فذالكم الرباط، فذالكم الرباط"، وقد شرحناه ثمة.

[قلت]: هذا في حقّ من فُرِض عليه المرابطةُ، وتَعَيَّنَ بنصب الإمام على ما سبق في الحديث السابق.

قال القاري: قلت: في الفرض العين، لا يقال: إنه خير من غيره؛ لأنه متعيّن لا

(1)

- "صحيح ابن حبّان" رقم (4609) و "مستدرك الحاكم" رقم 2428.

(2)

- "فتح" 6/ 181.

(3)

- هكذا في "المرقاة" وقوله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن صواب العبارة "في قوله صلى الله عليه وسلم". فتأمّل.

ص: 276

يتصوّر خلافه إذ اشتغاله بغيره معصية انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): فى درجته:

حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-39/ 3170 و3171 - وفي " الكبرى" 35/ 4377 و 4378. وأخرجه (ت) في "فضائل الجهاد" 1667 (أحمد) في "مسند العشرة" 444 و 472 و 479 و 559 (الدراميّ) في "الجهاد" 2424. واللَّه تعالى أعلم.

وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث سلمان - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3171 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَهْرَةُ بْنُ مَعْبَدِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، رضي الله عنه: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَوْمٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد: سبعة كلهم تقدّموا غير مرّة، سوى:

1 -

(أبي مَعْن) الإسكندرانيّ الخولانيّ، أصله من البصرة، واسمه عبد الواحد بن أبي موسى، ثقة زاهد [6].

روى عن أبي عَقِيل زهرة بن معبد، وأبي السحماء سُهيل بن حَسّان، ويزيد بن أبي حبيب. وعنه ضمام بن إسماعيل، وعبد اللَّه بن المبارك، وكان من أهل الفضل. قال سليمان بن داود الْمَهْريّ، عن سعيد الآدم: كان أبو معن يتّجِر، ويقال: إنه كان مُجاب الدعوة، ثم ترك التجارة زاهدًا، وخرج إلى الإسكندريّة، فأقام بها حتى مات. وقال ابن يونس: روى عنه الليث بن سعد، وأسامة بن زيد، ولم نجد له حديثًا عند البصريين، وقال لي أبو جعفر الطحاويّ: إنه من خولان. قال: وتوفّي بعد الخمسين ومائة. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.

(1)

- "المرقاة" 7/ 394.

ص: 277

و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس.

وقوله: "يوم في سبيل اللَّه": هو بمعنى الرواية الماضية "رباط يوم الخ".

والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌40 - (فَضْلُ الْجِهَادِ فِي الْبَحْرِ)

3172 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ، يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكٌ عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» ، -شَكَّ إِسْحَاقُ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ نَامَ، - وَقَالَ الْحَارِثُ: فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَضَحِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ، قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، مُلُوكٌ عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» ، كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ» ، فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا، حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(محمد بن سلمة) المراديّ الجَمَليّ المصريّ، ثقة ثبت [11] 19/ 20.

2 -

(الحارث بن مسكين) بن محمد القاضي المصريّ، ثقة فقيه [10] 9/ 9.

3 -

(ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقي المصري، ثقة فقيه، من كبار [10] 19/ 20.

4 -

(مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني [7] 7/ 7.

ص: 278

5 -

(إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة) المدنيّ، ثقة حجة [4] 19/ 20.

6 -

(أنس بن مالك) الصحابيّ الجليل رضي الله عنه 6/ 6. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخيه، وابن القاسم، فمصريون. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءَ) موضع بقرب مدينة النبيّ صلى الله عليه وسلم من جهة الجنوب نحوَ ميلين، وهو بضمّ القاف، يُقصَر، ويُمَدّ، ويُصرَف؛ باعتبار المكان، ولا يُصرَف، باعتبار البقعة (يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ) -بفتح المهملتين، بلفظ ضدَ الحلال (بنْتِ مِلْحَانَ) بكسر اللام، وسكون اللام، وهي خالة أنس، وكان يقال لها: الرُّمَيصاء، ولأمّ سُلَيم الْغُمَيصاء -بالغين المعجمة- والباقي مثله. قال عياض: وقيل: بالعكس. وقال ابن عبد البرّ: الغُمَيصاء، والرُّمَيصاء هي أمّ سُليم. ويردّه ما أخرج أبو داود بسند صحيح عن عطاء بن يسار، عن الرميصاء، أخت أمّ سُليم، فذكر نحو حديث

الباب. ولأبي عوانة من طريق الدّراورديّ، عن أبي طُوَالة، عن أنس رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم وضع رأسه في بيت بنت مِلْحَان إحدى خالات أنس. ومعنى الرَّمَص، والْغَمَص متقارب، وهو اجتماع الْقَذَى في مؤخّر العين، وفي هَدَبها. وقيل: استرخاؤها، وانكسار الجفن.

قال في "الفتح": واختُلف فيه عن أنس: فمنهم من جعله من مسنده. ومنهم من جعله من مسند أمّ حرام، والتحقيق أنّ أوله من مسند أنس، وقصّة المنام من مسند أمّ حرام، فإن أنسًا إنما حمل قصّة المنام عنها، وقد وقع في أثناء هذه الرواية:"قالت: فقلت: يا رسول اللَّه ما يضحكك؟ "، وفي الرواية التالية من طريق محمد بن يحيى بن

حَبّان، عن أنس بن مالك، عن أم حرام بنت ملحان، وعند البخاريّ التصريح بالتحديث، ولفظه: "حدّثتني أم حرام بنت ملحان، أخت أمّ سُليم، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال يومًا في بيتها، فاستيقظ

" الحديث

(1)

.

(1)

- "فتح" 12/ 344 - 345.

ص: 279

(فَتُطعِمُهُ) بضم أوله، من الإطعام رباعيًّا (وَكَانَتْ أُمُّ حَرَام بِنْتُ مِلْحَان تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ظاهر هذا أنها كانت حينئذ زوج عبادة. وفي الرواية التالية: "فتزوّجها عُبادة بن الصامت، فركب البحر، وركبت معه

". وفي رواية لمسلم: "فتزوّج بها عبادةُ بعدُ

". ويُجمع بأن المراد بقوله هنا: "وكانت تحت عبادة" الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك. وهو الذي اعتمده النوويّ وغيره، تبعًا للقاضي عياض.

لكن وقع في ترجمة أمّ حرام من "طبقات ابن سعد" أنها كانت تحت عبادة، فولدت له محمدًا، ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد الأنصاريّ النّجّاريّ، فولدت له قيسًا، وعبد اللَّه، وعمرُو بنُ قيس هذا اتفق أهل المغازي أنه استُشهِد بأحد، وكذا ذكر ابن إسحاق أن ابنه قيس بن عمرو بن قيس استُشهد بأحد، فلو كان الأمر كما وقع عند ابن سعد لكان محمد صحابيًّا؛ لكونه وُلد لعُبَادة قبل أن يفارق أمّ حرام، ثم اتصلت بمن ولدت قيسًا، فاستشهد بأحد، فيكون محمد أكبر من قيس بن عمرو، إلا أن يقال: إن عبادة سَمَّى ابنه محمدًا في الجاهلية، كما سُمّي بهذا الاسم غير واحد، ومات محمد قبل إسلام الأنصار، فلهذا لم يذكروه فى الصحابة، ويعكر عليه أنهم لم يَعُدّوا محمد بن عبادة فيمن سُمّي بهذا الاسم قبل الإسلام.

قال الحافظ: ويمكن الجواب

(1)

، وعلى هذا فيكون عبادة تزوّجها أوّلاً، ثم فارقها، فتزوّجت عمرو بن قيس، ثم استُشهد، فرجعت إلى عبادة، والذي يظهر لي أن الأمر بعكس ما وقع في الطبقات، وأنّ عمرو بن قيس تزوّجها أوّلاً، فولدت له، ثم استُشهِد هو وولده قيس منها، وتزوّجت بعده بعبادة.

(فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ) قال الحافظ: لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذ (وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) -بفتح المثنّاة، وسكون الفاء، وسكون الفاء، وكسر اللام- أي تفرّق شعر رأسه، وتُفَتِّش ما فيه من القمل، فتخرجه (فَنَامَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم) وفي الرواية التالية:"وقال عندنا"، فدلّ على أن ذلك النوم كان وقت القائلة. وفي رواية للبخاريّ:"فنام قريبًا منّي"، وفي رواية:"فاتّكأ"(ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ) بفتح أوله، من باب تَعِب، جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ) بضمّ أوله، من الإضحاك، أي ما الذي يَحمِلك على الضّحِكِ؟ (يَا رَسُولَ اللَّه) وفي الرواية التالية:"بأبي أنت وأمي ما أضحكك؟ "، وفي رواية أبي طوالة:"لم تَضحَك؟ "، ولأحمد من طريقه:"مِمَّ تضحك؟ "، وفي رواية عطاء بن يسار، عن

(1)

- لم يذكر الجواب، والظاهر أن الجواب أن عدم ذكرهم له لا يستلزم عدم وجوده. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 280

الرمصياء: (ثمّ استيقظ، وهو يضحك، وكانت تغسل رأسها، فقالت: يا رسول اللَّه أتضحك من رأسي؟، قال: لا". أخرجه أبو داود، ولم يسق المتن، بل أحال به على رواية حماد بن زيد، وقال: يزيد، وينقص. وقد أخرجه عبد الرزّاق من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود، فقال: عن عطاء بن يسار: "أن امرأة حدّثته

"، وساق المتن، ولفظه يدلّ على أنه في قصّة أخرى، غير قصّة أمّ حرام، فاللَّه أعلم. قاله في "الفتح"

(1)

.

(قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول، أي أَظهَر اللَّه تعالى لي صُوَرهم، وأحوالهم حال ركوبهم البحر، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (غُزَاةٌ) بضم العْين المعجمة، جمع غاز، أي حال كونهم غازين (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى. وفي رواية حماد بن زيد عند البخاريّ:"فقال: عجبت من قوم من أمّتي". ولمسلم من هذا الوجه: "أُريت قومًا من أُمّتي"، وهذا يُشعر بأن ضحكه كان إعجابًا بهم، وفَرَحًا لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ) وفي الرواية التالية:"يركبون هذا البحر". وفي رواية حماد بن زيد عند البخاريّ: "يركبون هذا البحر الأخضر"، ولمسلم من طريقه:"يركبون ظهر البحر"، وفي رواية أبي طوالة:"يركبون البحر الأخضر في سبيل اللَّه".

و"الثَّبَجُ" -بفتح المثلّثة، والموحّدة، ثم جيم-: ظَهْرُ الشيء. هكذا فسّره جماعة. وقال الخطّابيّ: متن البحر، وظهره. وقال الأصمعيّ: ثَبَجَ كلّ شيء وسطه. وقال أبو عليّ في "أماليه": قيل: ظهره. وقيل: مُعظَمُهُ. وقيل: هو له. وقال أبو زيد في "نوادره": ضرب ثَبَجَ الرجل بالسيف: أي وسطه. وقيل: ما بين كتفيه، والراجح أن المراد هنا ظهره، كما وقع التصريح به في بعض الرواية، والمراد أنهم يركبون السفن التي تجري على ظهره، ولما كان جري السفن غالبًا إنما يكون في وسطه، قيل: المراد وسطه، وإلا فلا اختصاص لوسطه بالركوب.

وأما قوله: "الأخضر"، فقال الكرمانيّ: هي صفة لازمة للبحر، لا مخصّصة انتهى.

ويحتمل أن تكون مخصّصة لأن البحر يُطلَق على الملح والعذب، فجاء لفظ "الأخضر" لتخصيص الملح بالمراد، قال: والماء في الأصل لا لون له، وإنما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء، ومقابلاته إليه. وقال غيره: إن الذي يقابله السماء، وقد أطلقوا عليها الخضراء؛ لحديث:"ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء"، والعرب

(1)

- "فتح" 12/ 346.

ص: 281

تُطلق الأخضر على كلّ لون ليس بأبيض، ولا أحمر، قال الشاعر [من الرمل]:

وَأَنَا الأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي

أَخْضَرَ الْجِلْدَةِ مِنْ نَسْلِ الْعَرَبْ

يعني أنه ليس بأحمر كالعجم، والأحمر يُطلقونه على كلّ من ليس بعربيّ، ومنه:"بُعثتُ إلى الأسود والأحمر".

(مُلُوكٌ) بالرفع خبر لمحذوف: أي هم ملوك، والجملة حال، وفي نسخة:"ملوكًا" بالنصب على الحال (عَلَى الأَسِرَّةِ) -بفتح، فكسر، فتشديد راء، جمع سرير كالأعزّة، جمع عَزيز، والأَذِلّة، جمع ذَليل: أي قاعدين على الأسرّة (أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ"، -شَكَّ إِسْحَاقُ-) يعني أن إسحاق بن عبد اللَّه بن طلحة شكّ في لفظ أنس في قوله: "ملوك على الأسرّة"، أو"مثلُ الملوك على الأسرة".

وقال في "الفتح": قوله: "يشك إسحاق"، يعني روايةً عن أنس، ووقع في رواية الليث، وحمّاد:"كالملوك على الأسرّة" من غير شكّ. وفي رواية أبي طُوالة: "مثل الملوك على الأسرة" بغير شكّ أيضًا، ولأحمد من طريقه:"مَثَلُهُم كمَثَل الملوك على الأسرّة".

قال الحافظ: وهذا الشكّ من إسحاق، وهو ابن عبد اللَّه بن أبي طلحة يُشعر بأنه يُحافظ على تأدية الحديث بلفظه، ولا يتوسّع في تأديته بالمعنى كما توسّع غيره كما وقع لهم في هذا الحديث في عدّة مواضع تظهر مما سقته وأسوقه.

قال ابن عبد البرّ: أراد -واللَّه أعلم- أنه رأى الغُزَاة في البحر من أمته ملوكًا على

الأسرّة في الجنّة، ورؤياه وحيٌ، وقد قال اللَّه تعالى في صفة أهل الجنّة:{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الصافات: 44]، وقال:{عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: 56]، والأرائك السُّرُر فى الْحِجَال.

وقال عياض: هذا محتمل، ويحتمل أيضًا أن يكون خبرًا عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم، وقَوَام أمرهم، وكثرة عَدَدهم، وجَوْدَة عُدَدِهم، فكأنهم الملوك على الأسرّة.

قال الحافظ: وفي هذا الاحتمال بُعْدُ، والأولُ أظهر، لكن الإتيان بالتمثيل في معظم طرقه يدلّ على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم، لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة، أو مع التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أُثيبوا به على جهادهم مثل ملوك الدنيا على أَسِرَّتهم، والتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع.

(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية: "فقال: اللَّهم اجعلها منهم"(ثُمَّ نَامَ، وَقَالَ الْحَارِثُ: فَنَامَ) يعني أن شيخه محم

ص: 282

ابن سلمة قال في روايته: "ثم نام"، وقال شيخه الحاث بن مسكين قال في روايته:"فنام" بالفاء، بدل "ثمّ"، وهذا من دقّة صناعة المصنّف الحدثيّة، وشدّة تحرّيه في أداء ما سمعه من شيوخه من الألفاظ المختلفة، وإن لم تخلف المعنى كثيرًا.

وفي رواية البخاريّ: "ثم وضع رأسه، فنام"، قال في "الفتح": وفي رواية الليث: "ثم قام ثانية، ففعل مثلها، فقالت مثل قولها، فأجابها مثلها"، وفي رواية حمّاد بن زيد:"فقال ذلك مرّتين، أو ثلاثة"، وكذا في رواية أبي طوالة عند أبي عوانة من طريق الدراورديّ، عنه، وله من طريق إسماعيل بن جعفر، عنه "ففعل مثل ذلك مرّتين أُخريين".

قال الحافظ: وكلّ ذلك شاذّ، والمحفوظ من طريق أنس ما اتفقّت عليه روايات الجمهور أن ذلك كان مرّتين مرّة بعد مرّة، وأنه قال لها في الأولى:"أنت منهم"، وفي الثانية:"لست منهم"، ويؤيّده ما في رواية عُمير بن الأسود حيث قال في الأولى:"يغزون هذا البحر"، وفي الثانية:"يغزون مدينة قيصر".

(ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَضَحِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاة فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مُلُوكٌ عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (مِثلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، كَمَا قَالَ: فِي الأوَّلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "أَنْت) بكسر التاء على خطاب المرأة (مِنَ الْأَوَّلِينَ") قال في "الفتح": زاد في رواية الدراورديّ، عن أبي طُوالة:"ولست من الآخرين". وفي رواية عُمير بن الأسود في الثانية: "فقلت: يا رسول اللَّه أنا منهم؟ قال: لا".

قال الحافظ: وظاهر قوله: "فقال مثلها" أن الفرقة الثانية يركبون البحر أيضًا، ولكن رواية عُمير بن الأسود تدلّ على أن الثانية إنما غزت في البرّ لقوله:"يغزون مدينة قيصر"، وقد حكى ابن التين أن الثانية وردت في غزاة البرّ، وأقرّه. وعلى هذا يحتاج إلى حمل المثليّة في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان، لا خصوص ركوب البحر، ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا مدينة قيصر، ركبوا البحر إليها، وعلى تقدير أن يكون المراد ما حكى ابن التين، فتكون الأوليّة مع كونها في البرّ مقيّدة بقصد مدينة قيصر، وإلا فقد غزوا ذلك في البرّ مرارًا.

وقال القرطبيّ: الأُولى في أول من غزا البحر من الصحابة، والثانية في أول من غزا البحر من التابعين.

قال الحافظ: بل كان في كلّ منهما من الفريقين، لكن معظم الأولى من الصحابة، والثانية بالعكس. وقال عياض، والقرطبيّ في السياق دليلٌ على أن رؤيا الثانية غير رؤيا

ص: 283

الأولى، وأنّ في كلّ نومة عرضت طاثفة من الغزاة.

وأما قول أمّ حرام: "ادع اللَّه أن يجعلني منهم" في الثانية، فلظنّها أن الثانية تساوي الأولى في المرتبة، فسألت ثانيًا ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكّت في إجابة دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم لها في المرّة الأولى، وفي جزمه بذلك.

قال الحافظ: لا تنافي بين إجابة دعائه، وجزمه بأنها من الأولين، وبين سؤالها أن تكون من الآخرين؛ لأنه لم يقع التصريح لها أنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية، فجوّزت أنها تدركها، فتغزو معهم، ويحصل لها أجر الفريقين، فأعلمها أنها لا تدرك زمان الفترة الثانية، فكان كما قال صلى الله عليه وسلم

(1)

.

(فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ) وفي رواية الليث: "فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا أوّل ما ركب المسلمون البحر مع معاوية"، وفي رواية حمّاد:"فتزوّج بها عبادة، فخرج بها إلى الغزو"، وفي رواية أبي طوالة:"فتزوّجت عبادة، فركبت البحر مع بنت قرظة"، وكانت تللث الغزوة في سنة ثمان وعشرين، وكان ذلك في خلافة عثمان ومعاوية يومئذ أمير الشام، وظاهر سياق الخبر يوهم أن ذلك كان في خلافته، وليس كذلك.

قال الحافظ: وقد اغترّ بظاهره بعض الناس، فَوَهِمَ، فإن القصّة إنما وردت في حقّ أوّل من يغزو في البحر، وكان عمر ينهى عن ركوب البحر، فلما ولي عثمان استأذنه معاوية في الغزو في البحر، فأذن له. ونقله أبو جعفر الطبريّ عن عبد الرحمن بن يزيد ابن أسلم، ويكفي في الردّ عليه التصريح في "الصحيح" بأن ذلك كان أوّل ما غزا المسلمون في البحر. ونقل أيضًا من طريق خالد بن معدان قال:"أول من غزا البحر معاوية في زمن عثمان، وكان استأذن عمر، فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، وقال: لا تنتخب أحدًا، بل من اختار الغزو فيه طائعًا، فأعنه، ففعل". وقال خليفة بن خياط في "تاريخه" في حوادث سنة ثمان وعشرين: وفيها غزا معاوية البحر، ومعه امرأته فاختة بنت قرظة، ومع عبادة بن الصامت امرأته أمّ حرام. وأرّخها في سنة ثمان وعشرين غير واحد، وبه جزم ابن أبي حاتم، وأرّخها يعقوب بن سفيان في المحرّم سنة سبع وعشرين، قال: كانت غَزَاة قبرس

(2)

الأولى.

وأخرج الطبريّ من طريق الواقديّ أن معاوية غزا الروم في خلافة عثمان، فصالح

(1)

- "فتح" 12/ 347 - 348.

(2)

- قُبْرُس بضم القاف، وسكون الموحدة، وضم الراء، آخره سين مهملة: جزيرة عظيمة للروم، بها تُوُفّيت أم حرام بنت ملحان. أفاده في "القاموس".

ص: 284

أهل قبرس، وسمّى امرأته كَبْرَةَ -بفتح الكاف، وسكون الموحّدة- وقيل: فاختة بنت قرظة، وهما أختان كان معاوية تزوّجهما واحدة بعد أخرى. ومن طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة أن معاوية غزا بامرأته إلى قبرس في خلافة عثمان، فصالحهم. ومن طريق أبي معشر المدنيّ أن ذلك كان في سنة ثلاث وثلاثين.

فتحصّلنا على ثلاثة أقوال، والأول أصحّ، وكلها في خلافة عثمان أيضًا؛ لأنه قتل في آخر سنة خمس وثلاثين انتهى

(1)

.

(فَصُرِعَتْ) على بناء المبنيّ للمفعول: أي أُسقطت حين خرجت إلى البرّ من البحر. وفي رواية الليث: "فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قُرّبت إليها دابّتها لتركبها، فصُرعت، فماتت". وفي رواية حماد بن زيد عند أحمد: "فوقصتها بغلة لها شهباء، فوقعت، فماتت". وفي رواية عنه عند البخاريّ: "فوقعت، فاندقّت عنُقها".

(عَنْ دَابَّتِهَا) ظاهره أنها سقطت عن ظهر الدابّة، ولا يعارض هذا رواية:"فقرّبت إليها دابّتها، فصرعتها، فماتت"، الدالّة على أن صرعها قبل ركوبها، لأنه يحمل على أن المعنى فقربت إليها دابتها لتركبها، فركبتها، فصُرعت، كما هو صريح الرواية التالية، ولفظها: قُدّمت لها بغلة، فركبتها، فصرعتها، فدقّت عنقها". ويحتمل أن يكون معنى "فركبتها"، فشرعت في ركوبها، فسقطت، فماتت (حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ) قال في "الفتح": وظاهر رواية الليث أن وقعتها كانت بساحل الشام لَمّا خرجت من البحر بعد رجوعهم من غَزَاة قبرس. لكن أخرج ابن أبي عاصم في "كتاب الجهاد" عن هشام بن عمّار، عن يحيى بن حمزة، وفيه: "وعبادة نازل بساحل حمص"، قال هشام ابن عمّار: رأيت قبرها بساحل حمص. وجزم جماعة بأن قبرها بجزيرة قبرس، فقال ابن حبّان بعد أن أخرج الحديث من طريق الليث بن سعد بسنده: "قبر أم حرام بجزيرة في بحر الروم، يقال لها: قبرس، بين بلاد المسلمين وبينها ثلاثة أيام". وجزم ابن عبد البرّ بأنها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قبرس قرّبت إليها دابّتها، فصرعتها. وأخرج الطبريّ من طريق الواقديّ أن معاوية صالحهم بعد فتحها على سبعة آلاف دينار في كلّ سنة، فلما أرادوا الخروج منها قرّبت لأم حرام دابّة لتركبها، فسقطت، فماتت فقبرها هناك، يستسقون به

(2)

، ويقولون قبر المرأة الصالحة، فعلى هذا فلعلّ مراد هشام بن عمار بقوله:"رأيت قبرها بالساحل"، أي بساحل جزيرة قبرس، فكأنه توجّه إلى قبرس

(1)

- "فتح" 12/ 347 - 348.

(2)

- ليس الاستسقاء عند القبر مما أنزل اللَّه به من سلطان، بل هو من البدع المحدثة، أحدثه الناس الجاهلون بالسنة، والبعيدون عنها، فتنبّه.

ص: 285

لَمّا غزاها الرشيد في خلافته.

قال الحافظ: ويُجمع بأنهم لما وصلوا إلى الجزيرة بادرت المقاتلة، وتأخرت الضعفاء كالنساء، فلما غلب المسلمون، وصالحوهم طلعت أمّ حرام من السفينة قاصدة البلد لتراها، وتعود راجعة للشام، فوقعت حينئذ، ويُحمل قول حمّاد بن زيد في روايته:"فلما رجعت"، وقول أبي طوالة:"فلما قفلت" أي أرادت الرجوع، وكذا قول الليث في روايته:"فلما انصرفوا من غزوهم قافلين"، أي أرادوا الانصراف.

قال الحافظ: ثم وقفت على شيء يزول به الإشكال من أصله، وهو ما أخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن امرأة حدّثته، قالت:"نام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ، وهو يضحك، فقلت: تضحك منّي يا رسول اللَّه؟ قال: لا ولكن من قوم من أمتي يخرجون غزاة في البحر، مَثَلَهم كمثل الملوك على الأسرّة، ثم نام، ثم استيقظ، فقال مثل ذلك سواءً، لكن قال: فيرجعون قليلة غنائمهم، مغفورًا لهم، قالت: فادع اللَّه أن يجعلني منهم، فدعا لها"، قال عطاء:"فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم، فماتت بأرض الروم"، وهذا إسناد على شرط الصحيح.

وقد أخرج أبو داود من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، فقال في روايته "عن عطاء بن يسار، عن الرميصاء أخت أم سُليم"، وأخرجه ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، فقال في روايته:"عن أمّ حرام"، وكذا قال زهير بن عباد، عن زيد بن أسلم.

قال الحافظ: والذي يظهر لي أن قول من قال في حديث عطاء بن يسار هذا عن أمّ حرام وَهَم، وإنما هي الرُّمَيصاء، وليست أم سُليم، وإن كانت يقال لها أيضًا: الرميصاء، كما ثبت في حديث جابر رضي الله عنه عند البخاريّ في "المناقب"؛ لأن أم سُليم لم تمت بأرض الروم، ولعلها أختها أم عبد اللَّه بن ملحان، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيّات، وقال: إنها أسلمت، وبايعت. ولم أقف على شيء من خبرها إلا ما ذكر ابن سعد، فيحتمل أن تكون هي صاحبة القصّة التي ذكرها ابن

(1)

عطاء بن يسار، وتكون تأخّرت حتى أدركها عطاء، وقصّتها مغايرة لقصّة أم حرام من أوجه:

[الأول]: في حديث أمّ حرام أنه صلى الله عليه وسلم لما نام كانت تَفلِي رأسه، وفي حديث الأخرى أنها كانت تغسل رأسها كما تقدّم ذكره من رواية أبي داود.

[الثاني]: ظاهر رواية أمّ حرام أن الفِرْقة الثانية تغزو في البرّ، وظاهر رواية الأخرى

(1)

- هكذا نسخة "الفتح"، والظاهر أن لفظة "ابن" غلط، فتنبّه.

ص: 286

أنها تغزو في البحر.

[الثالث]: أن في رواية أمّ حرام أنها من أهل الفرقة الأولى، وفي رواية الأخرى أنها من أهل الفرقة الثانية.

[الرابع]: أن في حديث أمّ حرام أنّ أمير الغزوة كان معاوية، وفي رواية الأخرى أن

أميرها كان المنذر بن الزبير.

[الخامس]: أن عطاء بن يسار ذكر أنها حدّثته، وهو يصغر عن إدراك أمّ حرام، وعن أن يغزو في سنة ثمان وعشرين، بل وفي سنة ستّ وثلاثين؛ لأن مولده على ما جزم به عمرو بن عليّ وغيره سنة تسع عشرة.

وعلى هذا فقد تعددت القصّة لأمّ حرام، ولأختها أمّ عبد اللَّه، فلعلّ إحداهما دُفنت بساحل قبرس، والأخرى بساحل حمص، ولم أر من حرّر ذلك، وللَّه الحمد على جزيل نعمه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 40/ 3172 - وفي "الكبرى" 36/ 4379. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" 2789 و 2878 و"الاستئذان" 6282 و"التعبير" 7002 (م) في "الإمارة" 1912 (د) في "الجهاد" 2490 (ت) في "فضائل الجهاد" 1645 (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 13108 و 13379 (الموطأ) في "الجهاد" 1011. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الجهاد في البحر. (ومنها): الترغيب في الجهاد، والحضّ عليه، وبيان فضيلة المجاهد. (ومنها): جواز ركوب البحر الملح للغزو. (ومنها): جواز تمنّي الشهادة، وأن من يموت غازيًا يلحق بمن يقتل في الغزو. (ومنها): مشروعيّة القائلة لما فيه من الإعانة على قيام الليل. (ومنها): جواز إخراج ما يؤذي البدن من قمل، ونحوه عنه. (ومنها): مشروعيّة الجهاد مع كلّ إمام لتضمّنه الثناء على من غزا مدينة قيصر، وكان أمير تلك الغزوة يزيد بن

(1)

- "فتح" 12/ 348 - 350.

ص: 287

معاوية، ويزيد يزيد. (ومنها): ثبوت فضل الغازي إذا صلحت نيّته. (ومنها): ما قال بعضهم: فيه فضل المجاهدين إلى يوم القيامة لقوله فيه: "ولستِ من الآخرين"، ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة. لكن الظاهر -كما قال الحافظ- أن المراد بالآخرين في الحديث الفرقة الثانية، نعم يؤخذ منه فضل المجاهدين في الجملة، لا خصوص الفضل الوارد في حقّ المذكورين. (ومنها): أن فيه ضروبًا من إخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم بما سيقع، فوقع كما قال، وذلك معدود من علامات نبوّته: منها إعلامه ببقاء أمته بعده، وأن فيهم أصحاب قوّة، وشوكة، ونكاية في العدو، وأنهم يتمكّنون من البلاد حتى يغزوا البحر، وأنّ أُمّ حرام تعيش إلى ذلك الزمان، وأنها تكون مع من يغزو البحر، وأنها لا تُدرك زمان الغزوة الثانية. (ومنها): جواز الفرح بما يحدث من النعم. (ومنها): جواز الضحك عند حصول السرور؛ لضحكه صلى الله عليه وسلم إعجابًا بما رأى من امتثال أمته أمره بجهاد العدوّ، وما أثابهم اللَّه تعالى على ذلك، وما ورد في بعض طرقه بلفظ التعجّب محمول على ذلك. (ومنها): جواز قائلة الضيف في عند مُضِيفه إذا علم برضاه، وليس هناك ضرر. (ومنها): جواز خدمة المرأة الأجنبيّة للضيف، بإطعامه، والتمهيد له، ونحو ذلك، إذا خلا من الموانع الشرعيّة، كالخلوة ونحوها. (ومنها): إباحة ما قدّمته المرأة للضيف من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن الذي في بيت المرأة من مال الرجل، كذا قال ابن بطّال، قال: وفيه أن الوكيل، والمؤتمن إذا علم أنه يسرّ صاحبه ما يفعله من ذلك جاز له فعله، ولا شكّ أن عبادة كان يسرّه أكل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مما قدّمته له امرأته، ولو كان بغير إذن خاصّ منه.

وتعقبه القرطبيّ بأن عبادة حينئذ لم يكن زوجها، كما تقدّم.

قال الحافظ: لكن ليس في الحديث ما ينفي أنها كانت حينئذ ذات زوج، إلا أن في كلام ابن سعد ما يقتضي أنها كانت حينئذ عَزَبًا

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز ركوب البحر:

اختلف السلف في ذلك، فجوّزه الجمهور.

أخرج ابن أبي حاتم، من طريق عبد اللَّه بن شَوْذَب، عن مطر الورّاق، أنه كان لا يرى بركوب البحر بأسًا، ويقول: ما ذكره اللَّه تعالى في القرآن إلا بحقّ، ثم تلا:{وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} الآية [النحل: 14]

(2)

.

(1)

- العَزَبُ بفتحتين: من لا أهل له، ويطلق على الرجل، والمرأة، كما قاله في "المصباح".

(2)

- "فتح" 5/ 18 في "كتاب البيوع".

ص: 288

ومنعت منه طائفة، واحتجّوا بحديث زهير بن عبد اللَّه يرفعه:"من ركب البحر إذا ارتجّ، فقد برئت منه الذمّة"، وفي رواية:"فلا يلومنّ إلا نفسه". أخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث". لكن زهير مختلف في صحبته، وقد أخرج البخاريّ حديثه في "تاريخه"، فقال: عن زهير، عن رجل من الصحابة. وإسناده حسن.

وفيه أيضًا تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبرّ والبحر سواء.

ومنهم من فرّق بين الرجل والمرأة، وهو عن مالك، فمنعه للمرأة مطلقًا. وحديث الباب حجة للجمهور. وقد تقدّم قريبًا أن أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وذكر مالك أن عمر رضي الله عنه كان يمنع الناس من ركوب البحر، حتى كان عثمان، فما زال معاوية يستأذنه حتى أذن له. أفاده في "الفتح"

(1)

.

وذكر في موضع آخر بعد أن ذكر نحو هذا: ما نصّه: قال أبو بكر بن العربيّ: ثم منع منه عمر بن عبد العزيز، ثم أذن فيه مَن بَعْدَه، واستقرّ الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع من ركوبه لغير الحجّ والعمرة، ونحو ذلك. ونقل ابن عبد البرّ أنه يَحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقًا. وكره مالك ركوب النساء مطلقًا البحر لما يخشى من اطلاعهنّ على عورات الرجال فيه، إذ يتعسّر الاحتراز من ذلك، وخصّ أصحابُهُ ذلك بالسفن الصغار، وأما الكبار التي يمكنهنّ فيهنّ الاستتار بأماكن تخصهّنّ، فلا حرج فيه انتهى

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن مما تقدّم أن الأرجح قول الجمهور، وهو جواز ركوب البحر للرجال والنساء، إذا غلب على الظنّ السلامة فيه؛ لظاهر حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): استشكل جماعة من أهل العلم دخول النبيّ صلى الله عليه وسلم على أمّ حرام - رضي اللَّه تعالى عنها -:

فقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: أظنّ أنّ أم حرام أرضعت النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو أختها أمّ سُليم، فصارت كلّ منهما أمه، أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتَنَال منه ما يجوز للمَحْرَم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزيّن، قال: إنما استجاز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن تَفْلِيَ أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته؛ لأن أمّ عبد المطّلب جدّه كانت من بني النجّار. ومن طريق يونس

(1)

- "فتح" 6/ 183 "كتاب الجهاد والسير".

(2)

- "فتح" 12/ 350.

ص: 289

ابن عبد الأعلى، قال لنا ابن وهب: أمّ حرام إحدى خالات النبيّ صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فلذلك كان يَقِيل عندها، وينام في حجرها، وتفلي رأسه. قال ابن عبد البرّ: وأيهما كان فهي محرم له.

وجزم أبو القاسم ابن الجوهريّ، والداوديّ، والمهلّب فيما حكاه ابن بطّال عنه بما قال ابن وهب، قال: وقال غيره: إنما كانت خالة لأبيه، أو جدّه عبد المطّلب. وقال ابن الجوزيّ: سمعت بعض الحفّاظ يقول: كانت أمّ سُليم أخت آمنة بنت وهب، أمّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. وحكى ابن العربيّ ما قال ابن وهب، ثم قال: وقال غيره: بل كان النبيّ صلى الله عليه وسلم معصومًا يملك أربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزّه عنه، وهو المبرّأ عن كلّ فعل قبيح، وقول رفث، فيكون ذلك من خصاصه. ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب. ورُدّ بأنّ ذلك بعد الحجاب جزمًا.

قال الحافظ: وقد قدّمت في أول الكلام على شرحه أن ذلك كان بعد حجة الوداع. ورَدّ عياض الأول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مُسَلَّم، لكن الأصل عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصيّة دليل.

وبالغ الدمياطيّ في الردّ على من ادعَى المحرميّة، فقال: ذَهِلَ كلُّ من زعم أنّ أُمّ

حرام إحدى خالات النبيّ صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أو من النسب، وكلُّ من أثبت لها خؤولة تقتضي محرميّةً؛ لأن أمهاته من النسب، واللاتي أرضعنه معلومات، ليس فيهنّ أحد من الأنصار البتّة، سوى أمّ عبد المطّلب، وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لَبِيد بن خِرَاش ابن عامر بن غنم بن عديّ بن النّجّار، وأمّ حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور، فلا تجتمع أمّ حرام، وسلمى إلا في عامر بن غنم جدّهما الأعلى، وهذه خؤولة لا تثبت بها محرميّة؛ لأنها خؤولة مجازيّة، وهي كقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقّاص:"هذا خالي"؛ لكونه من بني زهرة، وهم أقارب أمّه آمنة، وليس سعدٌ أخًا لأمّه من النسب، ولا من الرضاعة.

ثم قال: وإذا تقرّر هذا، فقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا على أمّ سُلَيم، فقيل له: فقال: "أرحمها قُتِل أخوها معي"، يعني حرام بن مِلْحَان، وكان قد قُتل يوم بئر معونة.

وجمع الحافظ بما حاصله أنهما أختان كانتا في دار واحدة، كلّ واحدة منهما في بيت من تلك الدار، وحرام بن ملحان أخوهما معًا، فالعلّة مشتركة فيهما. قال: وإن ثبتت قصّة أمّ عبد اللَّه بنت ملحان التي تقدّمت قريبًا، فالقول فيها كالقول في أُمّ حرام، وقد انضاف إلى العلّة المذكورة كون أنس خادم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد جرت العادة بمخالطة

ص: 290

المخدوم، وخادمه، وأهل خادمه، ورفع الْحِشْمَة

(1)

التي تقع بين الأجانب عنهم.

ثم قال الدمياطيّ: على أنه ليس في الحديث ما يدلّ على الخلوة بأُمّ حرام، ولعلّ ذلك كان مع ولد، أو خادم، أو زوج، أو تابع.

قال الحافظ: وهو احتمال قويّ، لكنه لا يدفع الإشكال من أصله؛ لبقاء الملامسة في تفلية الرأس، وكذا النوم في الحجر.

وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصيّة، ولا يردّها كونها لا تثبت إلا بدّليل؛ لأن الدليل على ذلك واضح. واللَّه أعلم انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. وحاصله أنه لا مخرج من هذا الإشكال إلا بدّعوى الخصوصيّة، ومما يُثبتها هنا الأدلّة الكثيرة في تحريم النظر، والملامسة، والخلوة بالأجنبيّة، فاتّضح بذلك أنه صلى الله عليه وسلم لعصمته؛ جاز له أن تَفلِي أمّ حرام رأسه، وينام في حجرها، دون غيره من أمّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3173 -

(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، قَالَتْ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ عِنْدَنَا، فَاسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي وَأُمِّي، مَا أَضْحَكَكَ؟

(2)

، قَالَ:«رَأَيْتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي، يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» ، قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ:«فَإِنَّكِ مِنْهُمْ» ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ يَعْنِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ- قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ:«أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ» ،

فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَرَكِبَ الْبَحْرَ، وَرَكِبَتْ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجَتْ

(3)

، قُدِّمَتْ لَهَا بَغْلَةٌ، فَرَكِبَتْهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة [10] 60/ 75.

2 -

(حماد) بن زيد بن درهم، ابو إسماعيل البصري الثقة الثبت الفقيه [8] 3/ 3.

3 -

(يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني الثقة الثبت [5] 22/ 23.

4 -

(محمد بن يحيى بن حَبّان) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة- الأنصاري المدني الفقيه الثقة [4] 22/ 23.

(1)

-بكسر، فسكون: اسم من الاحتشام، وهو الاستحياء. راجع "المصباح المنير".

(2)

- وفي نسخة: "يضحكك".

(3)

- وفي نسخة: "خرجنا"، والظاهر أنه تصحيف. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 291

5 -

(أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في السند الماضي.

6 -

(أم حرام بنت مِلحان) واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غنم بن عدي بن مالك بن النجار الأنصارية، خالة أنس بن مالك، وزوجة عبادة بن الصامت، يقال: اسمها الغُميصاء، ويقال: الرميصاء، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنها ابن أختها أنس بن مالك، وعمير بن الأسود العنسي، ويعلى بن شداد بن أوس، وعطاء بن يسار، قال ابن سعد: تزوجت عبادة بن الصامت، فولدت له محمدا، ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد بن سواد الأنصاري، كذا قال، والصحيح العكس، فقد قال غير واحد: إنها خرجت مع زوجها عبادة في بعض غزوات البحر، وماتت في غَزاتها، وقصتها بغلتها على ما نقلوا، وذلك أول ما ركب المسلمون في البحر، في زمن معاوية، في خلافة عثمان، زاد أبو نعيم الأصبهاني، وقُبرت بقُبرُس، وزاد الإسماعيلي فيإ مستخرجه "عن الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمار، قال: رأيت قبرها، ووقفت عليه بقبرس.

أخرج لها البخاري، ومسلم، والمصنف، وابن ماجه، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.

والسند مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّة، هي خالته.

وقولها: "وقال عندنا" هو من القيلولة، لا من القول، أي نام قيلولةً، وهي نوم نصفِ النهار. وتمام شرح الحديث مضى في الحديث الذي قبله، وكذا المسائل المتعلّقة به، غير مسألتين:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أمّ حرام بنت ملحان - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه البخاريّ.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-40/ 3173 - وفي "الكبرى" 36/ 4381. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" 2800 و 2895 و 2924 (د) في "الجهاد" 2490 و"البيوع" 3492 (ق) في "الجهاد" 2776 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 26492 و"مسند القبائل" 26831 (الدراميّ) في "الجهاد" 2421. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 292

‌41 - (غَزْوَةُ الْهِنْدِ)

بكسر الهاء، وسكون النون، آخره دال مهملة: البلد المعروف.

3174 -

(أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ سَيَّارٍ ح قَالَ: وَأَنْبَأَنَا

(1)

هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ جَبْرِ بْنِ عَبِيدَةَ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: عَنْ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةَ الْهِنْدِ، فَإِنْ أَدْرَكْتُهَا، أُنْفِقْ فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي، فَإِنْ أُقْتَلْ كُنْتُ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ أَرْجِعْ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ).

رجال هذا الإسنادين: ثمانية:

1 -

(أحمد بن عثمان بن حكيم) أبو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ، ثقة [11] 160/ 252.

2 -

(زكريّا بن عديّ) أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقة جليل حافظ، من كبار [10] 28/ 551.

3 -

(عبيد اللَّه بن عمرو) أبو وهب الأسديّ الرقّيّ، ثقة فقيه، ربما وهم [8] 177/ 280.

4 -

(زيد بن أبي أُنيسة) أبو أسامة الجزريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّهَا، ثقة [6] 191/ 306.

5 -

(سيّار) بن أبي سيّار، أبو الْحَكَم، واسم أبيه وردان، وقيل: ورد، وقيل: غير ذلك، ثقة [6] 26/ 432.

6 -

(هُشيم) بن بَشِير أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [7] 88/ 109.

7 -

(جبر بن عَبِيدة) -بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة-، ويقال: جُبير بن عَبْدَة، شاعر مقبول [4].

وفي "تهذيب التهذيب": جَبْرُ بن عَبيدَة الشاعر. روى عن أبي هريرة رضي الله عنه: "وَعَدَنا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم غزوةَ الهند

" الحديث. روى عنه سَيَّار أبو الحكم. وقال بعضهم: جُبير بن عَبِيدة.

قال الحافظ: هذا وقع في بعض النسخ من "كتاب الجهاد" من النسائيّ، حكاه ابن

(1)

- وفي نسخة: "وأخبرنا".

ص: 293

عساكر، وذكره الجمهور بإسكان الباء. قال: قرأت بخطّ الذهبيّ: لا يعرف من ذا؟، والخبر منكر انتهى. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انتهى

(1)

. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.

8 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

[تنبيه]: قوله: "قال: وأنبأنا هُشيم الخ" القائل هو زكريّا بن عديّ، فيكون لزكريا من طريق هُشيم عاليًا بدرجة، إذ وصل إلى سيّار في الأول بواسطتين: عبيد اللَّه، وزيد، ووصل في الثاني بواسطة، وهو هُشيم، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: وَعَدَنَا) أي المؤمنين، لا بأعيانهم، فلذلك شكّ أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - في حضوره (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةَ الْهِنْدِ) من إضافة المصدر إلى الظرف (فَإنْ أَدْرَكتُهَا، أُنْفِقْ) يجوز جزمه، ورفعه؛ لكون فعل الشرط ماضيًا، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":

وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ

وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارعٍ وَهَنْ

(فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي) أي بإحضار نفسي، وبذل مالي في القتال فيها، لا في القتل، فإنه ليس في يد الإنسان، فلذلك قال (فَإِنْ أقْتَلْ) بالبناء للمفعول (كُنْتُ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ) أي لأن الذي لم يرجع بشيء من النفس والمال من أفضل المجاهدين (وِإنْ أَرْجِعْ فَأَنَّا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ) بتشديد الراء مفتوحةً، بصيغة اسم المفعول: أي المعتق من النار على مقتضى ذلك العمل، أو "المحرَّرُ" بمعنى النجيب.

ويحتمل أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبره بأنك إن حضرتَ، فقتلت، فإنك من أفضل الشهداء، وإن رجعت، فأنت مُحَرَّرٌ من النار. وحديث ثوبان رضي الله عنه الآتي يدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم بشّر كلّ من حضر بذلك، فيكون قول أبي هريرة رضي الله عنه مبنيًّا على أنه حينئذ يكون مندرجًا فيمن بُشِّرُوا بذلك. أفاده السنديّ

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لجهالة جبر بن عَبِيدة، فقد تقدم عن الذهبي قوله: لا يُعرف من ذا؟، والخبر منكر. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 41/ 3174 و 3175 - وفي

(1)

- راجع "تهذيب التهذيب" 1/ 289 - 295.

(2)

- "شرح السنديّ" 6/ 42 - 43.

ص: 294

"الكبرى" 37/ 4382 و 4383. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" 7088. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3175 -

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، أَبُو الْحَكَمِ، عَنْ جَبْرِ بْنِ عَبِيدَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةَ الْهِنْدِ، فَإِنْ أَدْرَكْتُهَا، أُنْفِقْ فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي، وَإِنْ قُتِلْتُ

(1)

كُنْتُ أَفْضَلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ رَجَعْتُ، فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف أبوه بابن عُليّة، قاضي دمشق، ثقة [11] 22/ 489 من أفراد المصنّف.

و"يزيد": هو ابن هارون أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [9] 153/ 244.

والحديث ضعيف، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3176 -

(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الزُّبَيْدِيُّ، عَنْ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ عَدِيٍّ الْبَهْرَانِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «عِصَابَتَانِ مِنْ أُمَّتِي، أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنَ النَّارِ: عِصَابَةٌ تَغْزُو الْهِنْدَ، وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليهما السلام»).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم) المصريّ الْبَرْقيّ، ثقة [11] 17/ 1540.

2 -

(أسد بن موسى) بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأمويّ، أسد السنّة، صدوق يُغْرب، وفيه نَصْبٌ [9].

قال البخاريّ: مشهور الحديث. وقال النسائيّ: ثقة، ولو لم يُصنِّف كان خيرًا له. وقال ابن يونس، وابن قانع، والعجليّ، والبزّار: ثقة. زاد العجليّ: صاحب سنّة.

وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الخليليّ: مصريّ صالح. وقال ابن يونس: حدّث بأحاديث منكرة، وأحسب الآفة من غيره. وقال ابن حزم: منكر الحديث، ضعيف. وقال عبد الحقّ في "الأحكام الوسطى": لا يحتجّ به عندهم، ورأيت لابنه سعيد تصنيفًا في فضائل التابعين في مجلّدين أكثر فيه عن أبيه وطبقته. وقال ابن يونس: وُلد بمصر، ويقال: بالبصرة سنة (132)، وتوفّي بمصر في المحرّم سنة (212). علّق عنه

(1)

- وفي نسخة: "أقتل".

ص: 295

البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وأبو داود،، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم 3175 و 3429 و 3956 و 4884 و 5248 و 5753.

3 -

(بقيّة) بن الوليد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 55.

4 -

(أبو بكر الزُّبيديّ) -بضمّ الزاي، مصغّرًا- اسمه صَمْصُوم- بمهملتين، الأولى مفتوحة، والثانية مضمومة، بينهما ميم ساكنة- ابن الوليد بن عامر، مجهول الحال [7]. روى عن أخيه محمد، وابن شهاب. وعنه بقيّة بن الوليد. قال الحاكم أبو أحمد، وأبو عبد اللَّه بن مَنْدَهْ: صَمْصُوم. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.

5 -

(محمد بن الوليد) الزُّبَيديّ، أبو الْهُذَيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت [7] 45/ 56.

6 -

(لقمان بن عامر) الْوَصَابيّ -بتخفيف الصاد المهملة- أبو عامر الحمصيّ، صدوق [3].

قال أبو حاتم: يُكتب حديثه، قال: روايته عن أبي الدرداء مُرسلة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه في "التفسير"، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

7 -

(عبد الأعلى بن عديّ الْبَهْرَانيّ) -بفتح الموحّدة، وسكون المهملة

(1)

- الحمصيّ، ثقة [3].

قال أبو داود: شيوخ حريز بن عثمان ثقات. وقال ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن القطّان: لا تُعرف حاله في الحديث، وكان قاضي حِمْص. وذكره أبو نُعيم في "الصحابة"، وقال: ذكر محمد بن عثمان بن أبي شيبة في "الوحدان"، ولا أدري تَصحّ له صحبة، أم لا؟. وقال يزيد بن عبد ربّه: مات سنة (104). روى له المصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

8 -

(ثوبان) بن بُجدُد الصحابيّ الشهير رضي الله عنه صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (54) 170/ 1139. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين.

(1)

- نسبة إلى بهراء، قبيلة من قضاعة، نزلت أكثرها بلدة حمص، مدينة بالشام. قاله في "اللباب" 1/ 191 - 192.

ص: 296

(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ ثَوْبَانَ) بن بُجدد، أو ابن أبجر - رضي اللَّه تعالى عنه - (مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "عِصَابَتَانِ) تثنية عِصَابة -بكسر العين المهملة، وتخفيف الصاد المهملهّ-: وهي الجماعة من الناس، جمعه عَصَائب (مِنْ أُمَّتِي، أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنَ النَّارِ) -براء مهملة، فزاي معجمة- من الإحراز، أي حفظهما اللَّه، ويمكن أن يُجعل قول أبي هريرة رضي الله عنه السابق "الْمُحْرَز". وفي نسخة: "حَرَّرهما" براءين، من التحرير: أي أعتقهما اللَّه من النار (عِصَابَةٌ) بدل بعض من "اعصابتين" (تَغْزُو الْهِنْدَ، وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليهما السلام) أي حينما ينزل آخر الزمان، بعد خروج المهديّ المنتظر، واللعين الدجال، فيقتله عيسى عليه السلام.

[فائدة]: رمز بعضهم لعلامات الساعة الكبرى التي تأتي آخر الزمان بقوله: "مدعي طد" فالميم للمهديّ، والدال للدجال، والعين لعيسى عليه السلام، والياء ليأجوج ومأجوج، و"الطاء" لطلوع الشمس، والدال الثانية لدابّة الأرض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه بقيّة مدلّس تدليس التسوية، وفيه أبو بكر الزُّبَيديّ مجهو ل الحال؟.

[قلت]: قد تُوبع كلٌّ من بقية، وأبي بكر الزبيديّ، فقد روى الحديث هشام بن عمّار، حدّثنا الجرّاح بن مليح البهرانيّ، ثنا محمد بن الوليد الزبيديّ به. أخرجه ابن عديّ، وابن عساكر، وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، فالجرّاح بن مَلِيح حمصيّ صدوق، وهشام بن عمار من شيوخ البخاريّ، وكان يتلقّن، لكنه تابعه سليمان، وهو ابن عبد الرحمن بن بنت شرحبيل. أخرجه البخاريّ في "التاريخ الكبير" 3/ 2/ 72 عنه: حدثنا الجرّاح بن مليح به. وهذا إسناد قويّ.

وقد توبع أبو بكر الزبيديّ أيضًا، فقد روى أبو عروبة الحرانيّ في حديثه (102/ 2) عن بقيّة بن الوليد: ثنا عبد اللَّه بن سالم، وأبو بكر بن الوليد الزُّبيديّ، عن محمد بن الوليد الزُّبَيديّ، عن لقمان بن عامر الوَصَابيّ، عن عبد الأعلى بن عديّ الْبَهْرَانيّ، عن ثوبان، مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم

وهذا إسناد جيّدٌ، وعبد اللَّه بن سالم هو الأشعريّ الحمصيّ، ثقة من رجال البخاريّ. راجع ما كتبه الشيخ الألبانيّ في "السلسلة الصحيحة" 4/ 570 - 571 رقم 1934.

ص: 297

والحاصل أن حديث ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه - صحيح.

وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا- 41/ 3176 - وفي "الكبرى" 37/ 4384. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 21890. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌42 - (غَزْوَةُ التُّرْكِ وَالْحَبَشَةِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اختُلِفَ في أصل الترك، فقال الخطّابيّ: هم بنو قنطوراء، أمة كانت لإبراهيم عليه السلام. وقال كراع: هم الديلم. وتُعُقّب بأنهم جنس من الترك، وكذلك الغز. وقال أبو عمرو: هم من أولاد يافث، وهم أجناس كثيرة. وقال وهب بن منبّه: هم بنو عمّ يأجوج ومأجوج؛ لَمَا بَنَى ذو القرنين السدّ كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين، فَتُرِكُوا لم يدخلوا مع قومهم، فسمّوا الترك. وقيل: إنهم من نسل تُبَّع. وقيل: من ولد افريدون بن سام بن نوح. وقيل: ابن يافث لصلبه. وقيل: ابن كومي بن يافث. ذكره في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب

(1)

.

3177 -

(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ السَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي سُكَيْنَةَ، رَجُلٌ مِنَ الْمُحَرَّرِينَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، عَرَضَتْ لَهُمْ صَخْرَةٌ، حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَةَ الْخَنْدَقِ، وَقَالَ «(تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، صِدْقًا وَعَدْلاً، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ، فَنَدَرَ ثُلُثُ الْحَجَرِ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَائِمٌ يَنْظُرُ، فَبَرَقَ مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَرْقَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ، وَقَالَ «تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، صِدْقًا وَعَدْلاً، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الآخَرُ، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَرَآهَا سَلْمَانُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ «تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، صِدْقًا وَعَدْلاً، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْبَاقِي، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، وَجَلَسَ، قَالَ سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ، مَا تَضْرِبُ ضَرْبَةً إِلاَّ كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «يَا سَلْمَانُ، رَأَيْتَ ذَلِكَ؟» ، فَقَالَ: إِي، وَالَّذِي بَعَثَكَ

(1)

- "فتح" 6/ 203.

ص: 298

بِالْحَقِّ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:«فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الأُولَى، رُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ كِسْرَى، وَمَا حَوْلَهَا، وَمَدَائِنُ كَثِيرَةٌ، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ» ، قَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُمْ، وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، «ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ، وَمَا حَوْلَهَا، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُمْ، وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، «ثُمَّ ضَرَبْتُ الثَّالِثَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الْحَبَشَةِ، وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ» ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عِنْدَ ذَلِكَ:«دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ، وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ» ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عيسى بن يونس) بن أبان الفَاخُوريّ، أبو موسى الرَّمْليّ، صدوق، ربّما أخطأ [11].

قال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو داود: صدوق. وقال النسائيّ: ثقة، وقال مرّة: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان راويًا لضمرة، ربّما أخطأ. قال ابن عساكر: مات سنة (264). روى عنه المصنّف، وابن ماجه، وله فى هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم 3177 و 3878 و 4730 و 4805.

2 -

(ضمرة) بن ربيعة، أبو عبد اللَّه الفلسطينيّ، دمشقيّ الأصل، صدوق يَهِم قليلاً [9] 42/ 2688.

3 -

(أبو زُرْعة السَّيْبَانيّ) -بفتح السين المهملة، وسكون التحتانيّة، بعده موحّدة- يحيى بن أبي عمرو الحمصيّ، ابن عمّ الأوزاعيّ، ثقة [6].

قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقة ثقة. وقال عثمان الدارميّ، عن دُحيم: ثقة، وكذلك العجليّ، ويعقوب بن سُفيان. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال أبو عليّ النيسابوريّ: أحدٌ الثقات يُجمع حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ضمرة بن ربيعة: مات سنة (148) وهو (85) سنة. وُيروى عن عليّ بن سراج المصريّ أنه شهد غَزاة القسطنطنيّة مع مَسْلَمة بن عبد الملك، وتُوفّي بعد (150)، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن أبيه، وأبي زُرعة: يحيى بن أبي عَمرو لم يُسمع من ذي مِخْبَر.

روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة مواضع برقم 3177 و 5735 و 5736.

4 -

(أبو سُكَينة، رجل من المحَرَّرين) الحمصيّ، قيل: اسمه مُحَلِّم مختلف في صحبته.

ص: 299

روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا التُرْك ما تركوكم"، وفيه عن رجل، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى عنه بلال بن سعد، ويحيى بن أبي عَمْرو السيبانيّ. قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: أبو سُكينة الذي روى عن جعفر بن بُرْقان لا

يُسمّى، ولا صحبة له، وسئل أبو زُرعة عنه، فقال: لا أعرف اسمه. وقال الطبرانيّ في "معجمه": أبو سُكينة غير منسوب اختُلف في صحبته. روى عنه بلال بن سعد، وجميل ابن عبد اللَّه، حدثنا محمد بن أحمد البرّاء، حدثنا عليّ بن المدينيّ قال: أبو سُكينة لا يُعلم له صحبة.

وقال ابن عبد البرّ: أبو سُكينة شاميّ حمصيّ، لا أعرف له اسمًا، ولا نسبًا، روى عنه بلال بن سعد، ذكروه في الصحابة، ولا دليل على ذلك. وقيل: إن حديثه مرسل، ولا صحبة له. وقد قيل: إن اسمه مُحلِّل، ولا يُنسب انتهى.

وقال القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد في "كتاب الصحابة الذين نزلوا حمص": أبو سُكينة رجلٌ من الصحابة نزل حَمَاة، اسمه مُحلّم بن سَوَّار، روى عنه بلال بن سعد.

وذكر عبد الحقّ في "الأحكام الكبرى" أن اسم أبي سُكينة الذي روى عنه جعفر بن بُرْقان زياد بن مالك، وحكاه عنه ابن القطّان. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عندهما حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم،

5 -

(رَجُلٌ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وهو مبهم، ولكن لا يضرّ ذلك؛ إذ الصحابة كلهم عدول، كما قال الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث":

وَهُمْ عُدُولٌ كلُّهُمْ لَا يَشتَبِهْ

النَّوَوِي أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ

واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي سُكَينَةَ) بضمّ السين المهملة، مصغّرًا (رَجُلِ) بالجرّ بدل مما قبله، وقوله (مِنَ الْمُحَرَّرِينَ) بيان لـ"رجل"، و"المحرَّر" بصيغة اسم المفعول الشخص الذي زال عنه الرقّ بالعتق (عَنْ رَجُلٍ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) فيه أنه مبهم، لكن سبق آنفًا أن هذا لا يضرّ؛ لأنهم عدول، أنه (قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ) بوزن جعفر: حُفَيرٌ حول

ص: 300

أَسوار المدن، مُعَرَّبُ كَنْدَه، ويقال: خَنْدَقَهُ: إذا حفره. أفاده في "القاموس".

وإنما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق بإشارة سلمان الفارسيّ رضي الله عنه، فقد ذكر أصحاب المغازي، أن سلمان رضي الله عنه قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنا كنّا بفارس إذا حوصرنا، خندقنا علينا، فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وجاء المشركون، فحاصروهم.

وفي "مغازي" موسى بن عقبة: أنه لما بلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم جمعهم أخذ في حفر الخندق حول المدينة، ووضع يده في العمل معهم، مستعجلين، يبادرون قدوم العدوّ. وكذا ذكر نحوه ابن إسحاق. وعند موسى بن عقبة: أنهم أقاموا في عمله قريبًا من عشرين ليلة. وعند الواقديّ: أربعًا وعشرين. وفي "الروضة" للنوويّ: خمسة عشر يومًا. وفي "الهدي" لابن القيّم أقاموا شهرًا.

وذكر موسى في "مغازيه"، قال: خرج حييّ بن أخطب بعد قتل بني النضير إلى مكة يُحرّض قريشًا على حرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق يسعى في بني غطفان، ويحضّهم على قتال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أن لهم نصف ثمر خيبر، فأجابه عُيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الفزاريّ إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خُويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش، فنزلوا بِمَرّ الظهران، فجاءهم مَن أجابهم من بني سُليم مددًا لهم، فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سمّاهم اللَّه تعالى الأحزاب. وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدّتهم عشرة آلاف، قال: وكان المسلمون ثلاثة آلاف. وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف. وقال موسى بن عقبة: لم يكن بينهم قتالٌ، إلا مُراماة بالنبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم، فكان سبب موته.

وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأن نُعيم بن مسعود الأشجعيّ ألقى بينهم الفتنة، فاختلفوا، وذلك بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم له بذلك، ثم أرسل اللَّه تعالى عليهم الريح، فتفرّقوا، وكفى اللَّه المؤمنين القتال.

وتسمّى هذه الغزوة غزوة الخندق؛ لما ذُكر، وغزوة الأحزاب؛ لاجتماع طوائفَ من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريش، وغطفان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل اللَّه تعالى في هذه القصّة صدر "سورة الأحزاب".

وكانت غزوة الأحزاب في شوّال سنة أربع من الهجرة، على ما قاله موسى بن عقبة، وتابعه مالك، ومال إليه البخاريّ في "صحيحه" وقوّاه. وقيل: في شوّال سنة خمس،

ص: 301

قاله ابن إسحاق، وجزم به غيره من أهل المغازي. أفاده في "الفتح"

(1)

.

(عَرَضَتْ) من باب ضرب: أي ظهرت (لَهُمْ صَخرَةٌ) وفي حديث جابر رضي الله عنه عند البخاريّ: قال: "إنا يوم الخندق نَحفِر، فعرضت كُدْية

(2)

شديدة، فجاءوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذه كُدية، عَرَضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام، لا نَذُوق ذَوَاقا، فأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم الْمِعْوَل، فضرب، فعاد كثيبا أَهْيَلَ

(3)

-أو أهيم-

" الحديث.

(حَالَث بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ) بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو، بعدها لام: أي الْمِسْحَاة. وقال في "القاموس": "المِعْول، كمنبر: الحديدة يُنقَر بها الجبال انتهى (وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَةَ الْخَنْدَقِ) أي في جانبه؛ وذلك ليتمكّن من ضرب الصخرة (وَقَالَ: تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال:{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافّات:171 - 172 - 173]، وقال تعالى:{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21]

(4)

.

(صِدْقًا وَعَدْلاً) قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلاً فيما حَكَمَ، يقول صدقًا في الأخبار، وعدلاً في الطلب، فكلّ ما أخبر به، فحقّ لا مرية، ولا شكّ، وكلّ ما أمر به فهو العدل الذي، لا عدل سواه، وكلّ ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى:{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} إلى آخر الآية [الأعراف: 157]{لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} أي ليس أحدٌ يُعقّب حكمه تعالى، لا في الدنيا، ولا في الآخرة {وَهُوَ السَّمِيعُ} لأقوال عباده {الْعَلِيمُ} بحركاتهم، وسكناتهم الذي يُجازي كلّ عامل بعمله

(5)

(فَنَدَرَ ثُلُثُ الْحَجَرِ) أي سقط، يقال: ندر الشيءُ نُدُورًا، من باب قعد: سقط، أو خرج من غيره، ومنه نادرة الجبل، وهو ما يَخرُج منه، وَيبرُزُ. قاله الفيّوميّ.

وأخرج أحمد في "مسنده" من حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، قال: وعرض لنا صخرة، في مكان من الخندق، لا

(1)

- "فتح" 8/ 148 - 150.

(2)

- بضم الكاف: القطعة الصلبة الصمّاء. وقيل في ضبطها غير ذلك.

(3)

- أي صار رملاً يسيل، ولا يتماسك. والأهيم بمعناه.

(4)

- راجع تفسير ابن كثير 2/ 135.

(5)

- راجع تفسير ابن كثير 2/ 173.

ص: 302

تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال عوف

(1)

: وأحسبه قال: وضع ثوبه، ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول، فقال:"بسم اللَّه"، فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال:"اللَّه أكبر، أُعطِيت مفاتيح الشام، واللَّه إني لأبصر قصورها الْحُمْر من مكاني هذا"، ثم قال:"بسم اللَّه"، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال:"اللَّه أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، واللَّه إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض، من مكاني هذا"، ثم قال:"بسم اللَّه، وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: "اللَّه أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، واللَّه إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا". وفي سنده ميمون أبو عبد اللَّه البصريّ وثّقه ابن حبّان، وتكلم فيه غيره.

(وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَائِمٌ يَنْظُرُ) متعجّبًا، ومستغربًا لصنيع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الغريب العجيب الذي اشتمل على عدّة من المعجزات (فَبَرَقَ) من باب قتل: أي لَمَعَ، وظهر (مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرْقَةٌ) المرّة من الْبَرَق، وهو اللَّمَعَان، أي الإضاءة

(2)

(ثُمَّ ضَرَبَ الثانِيَةَ، وَقَالَ: "تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، صِدْقًا وَعَدْلاً، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الآخَرُ، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَرَآهَا سَلْمَانُ) الفارسيّ رضي الله عنه (ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ: "تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ، صِدْقًا وَعَدْلًا، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْبَاقِي، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أي من حفرة الخندق (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، وَجَلَسَ، قَالَ: سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ، مَا تَضْرِبُ ضَرْبَة إِلَّا كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا سَلْمَانُ، رَأَيتَ ذَلِكَ؟) استفهام بتقدير همزته، أي أريت؟ (فَقَالَ: إِي) بكسر الهمزة، وسكون التحتانيّة: بمعنىٍ نعم، وتستعمل مع القسم، كما هنا (وَالْذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الْأُولَى، رُفِعَتْ) بالبناء للمفعوَل: أي أُظهرت (لِي مَدَائِنُ كِسْرَى) اسم لمدينة ملك الْفُرْس. قال أبو عمرو بن العلاء: بكسر الكاف، لا غيرُ، وقال ابن السرّاج كما رواه الفارسيّ، واختاره ثعلب، وجماعة: الكسر أفصح، والنسبة إلى المكسور كِسْرِيّ، وكِسْرَوِيٌّ، بحذف الألف، وبقلبها واوًا، والنسبة إلى المفتوح بالقلب، لا غير، والجمع أكاسرة. قاله الفيّوميّ.

ومدائن كسرى: دار مملكته، قال في "القاموس"، و"شرحه": والمدائن: مدينة كِسرى، قرب بغداد، على سبع فراسخ منها، سميت لكبرها. وهي دار مملكة الفرس،

(1)

- هو عوف الأعرابيّ رواي الحديث.

(2)

- لمع البرقُ، كمنع، لَمْعًا، ولَمَعانًا، محرّكةً: أضاء. انتهى "القاموس".

ص: 303

وأول من نزلها أنو شَرْوَان، وبها إيوانه، وارتفاعه ثمانون دراعًا، وبها كان سلمان، وحذيفة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وبها قراهما، افتتحها سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه سنة أربع عشرة. وقيل: هي عدّة مُدُن، متقاربة الميلين والثلاث، والنسبة. إليها مدائنيّ. انتهى

(1)

(وَمَا حَوْلَهَا) أي ورُفعت لي الأماكن التي حول مدائن كسرى (وَمَدَائِنُ) جمع مدينة (كَثِيرَةٌ، حَتَّى رَأَيتُهَا بعَينَيَّ"، قَالَ: لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا) بتشديد النون، من التغنيم (دِيَارَهُمْ، وَيُخَرِّبَ) بتشديد الراء، من التخريب، وبتخفيفها، من الإخراب؛ لأنه يتعدّى بالتضعيف، والهمزة (بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ) لقبٌ لكلّ من ملك الروم (وَمَاَ حَوْلَهَا، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَينَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ادع اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُم، وَيُخَرِّبَ بأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبْتُ الثَّالِثَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الْحَبَشَةَ) بفتحات هذه هي اللغة الفاشية، والواحد حبشيّ، والْحَبَشُ لفة فيه، وهو جيلٌ من السودان (وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، حَتَّى

رَأَيْتُهَا بعَينَيَّ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:، عِنْدَ ذَلِكَ: "دَعُوا) أي اتركوا (الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ) أي لَا تقاتلوهم ما لم يقاتلوكم (وَاتْرُكوا التُّرْكَ) بضمّ، فسكون: جِيلٌ من الناس، والجمع أتراك، والواحد تركيّ، مثل روم ورُوميّ. قاله الفيّوميّ (مَا تَرَكُوكُمْ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي اتركوا الحبشة، والترك ما داموا تاركين لكم، وذلك لأن بلاد الحبشة وَعْرَةٌ، وبين المسلمين، وبينهم مفاوز، وقِفَار، وبحار، فلم يُكلّف المسلمين بدخول ديارهم؛ لكثرة التعب.

وأما الترك، فبأسهم شديد، وبلادهم باردةٌ، والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارّة، فلم يُكلّفهم دخول بلادهم، وأما إذا دخلوا بلاد الإسلام -والعياذ باللَّه- فلا يُباح ترك القتال، كما يدلّ عليه "ما ودعوكم".

وأما الجمع بين الحديث، وبين قوله تعالى:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} الآية [التوبة: 36]، فبالتخصيص، أما عند من يجوّز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد فواضح، وأما عند غيره، فلأن الكتاب مخصوص؛ لخروج الذميّ. وقيل: يحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام، ثم قوّته.

قال السنديّ قلت: وعليه العمل -واللَّه تعالى أعلم-.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالنسخ فيه نظر، بل الأوضح التخصيص،

(1)

- "تاج العروس" 9/ 342.

ص: 304

واللَّه تعالى أعلم.

قيل في الحديث حجة على من قال: إنهم أماتوا ماضي يَدَعُ إلا أن يكون مرادهم قلّة ورود ذلك. وقيل: يحتمل أن يكون من تصرّف الرواة المولدين بالمعنى. ويحتمل أن يكون في الأصل "وَادِعُوا" بالألف بمعنى سالموا وصالحوا، ثم سقط الألف من بعض الرواة، أو الكتاب. ويحتمل أن مجيئه لقصد المشاكلة كما رُوعِي الجناس في قوله:"واتركوا الترك ما تركوكم"، والحقّ أنه جاء على قلّة، فقد قرىء في الشواذّ "ما وَدَعَكَ" بالتخفيف، وجاء في بعض الأشعار أيضًا. واللَّه تعالى أعلم. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي سُكينة، عن رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا حسنٌ.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 42/ 3177 - وفي "الكبرى" 38/ 4385. وأخرجه (د) في "الملاحم" 4302. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): حكم غزو الترك، والحبشة، وهو المنع، إلا إذا قاتلوا المسلمين. (ومنها): الأخذ بالاحتياطات التي تمنع من وصول العدوّ إلى المسلمين. (ومنها): ما ظهر للنبيّ صلى الله عليه وسلم من المعجزات في حفر ذلك الخندق، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان قد اشتدّ به الجوع، كما تقدّم في حديث جابر صلى الله عليه وسلم أنه مضت عليه، وعلى أصحابه ثلاثة أيام دون أن يأكلوا شيئًا، ثم لما أخذ المعول، وضرب به الصخرة ثلاثًا صارت كثيبًا أهيل. (ومنها): ما أخبر به صلى الله عليه وسلم مما سيقع لأمته من فتح بلاد فارس، والروم، وغيرها من أقطار الأرض. (ومنها): رؤيته صلى الله عليه وسلم بالبرقة التي بَرَقت من ضربة الصخرة مدائن كسرى، ومدائن قيصر، ومدائن الحبشة، وغيرها من الأقطار النائية، وإخباره بوصول الإسلام إلى تلك البلدان. (ومنها): إخباره ببقاء الإسلام بعد وفاته صلى الله عليه وسلم حتى يستقرّ في ربوع الأرض كلها. (ومنها): نهيه صلى الله عليه وسلم عن مقاتلة الحبشة، والأتراك، إلا إذا بدءوا بقتال المسلمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3178 -

(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 44 - 45.

ص: 305

أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ الْمُطَرَّقَةِ، يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ» ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.

2 -

(يعقوب) بن عبد الرحمن القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [8] 45/ 739.

3 -

(سهيل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوق تغيّر حفظه بآخره [6] 32/ 820.

4 -

(أبوه) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [3] 36/ 40.

5 -

(أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - 1/ 1. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أكثر الصحابة رواية للحديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْمًا) بالنصب بدل من الترك (وُجُوهُهُم كَالْمَجَانِّ) بفتح الميم، وتشديد النون، جمع مِجَنّ بكسر، ففتح، وتشديد نون: وهو التُّرْس. وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنه أجاز فيه كسر الميم في الجمع، وإنه خطأ

(1)

(الْمُطْرَقَةِ) بضمّ الميم، لاسكان الطاء، وتخفيف الراء، اسم مفعول، من الإطراق، وهذا هو الفصيح المشهور في الرواية، وفي كتب اللغة والغريب. وحُكي فتح الطاء، وتشديد الراء، والمعروف الأول. قال العلماء هي التي أُلبست الْعَقَبَ -بفتح العين والقاف-: العَصَب الذي تُعمل منه الأوتار، وأُطرقت به طاقةً فوق طاقة، قالوا: تشبيه وجوه الترك في عرضها، وتدوير وجناتها، وغلظها بالترسة المطرقة

(2)

.

وفي "الفتح": والمطرقة التي أُلبست الأطرِقَة من الجلود، وهي الأغشية، تقول: طارقت بين النعلين، أي جعلت إحداهما على الأخرى. وقال الهرويّ: هي التي أُطرقت بالعصب، أي ألبست به انتهى

(3)

.

(1)

- "طرح التثريب" 7/ 223.

(2)

- "طرح التثريب" 7/ 223.

(3)

- "فتح" 6/ 204.

ص: 306

وفي "شرح السنديّ": وهو الترس الذي جُعل على ظهره طرَاق، والطّراق بكسر الطاء جلد يقطع على مقدار الترس، فيُلصق على ظهره، شبّه وجوههم بالترس لبسطها، وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها، وكثرة لحمها.

(يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ") معناه ينتعلون الشعر، كما صُرّح به في رواية أخرى عند مسلم بلفظ:"نعالهم الشعر". وقال القرطبيّ: أي يصنعون من الشعر حبالاً، ويصنعون منه نعالاً، كما يصنعون منه ثيابًا. قال: هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا سدلوها كاللباس، وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الأخير بعيد من معنى الحديث جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.

وهذا الحديث صريح في أن الترك ينتعلون الشعر، ووقع في رواية للبخاريّ من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين، حُمْر الوجوه

(2)

، ذُلْف الأنوف

(3)

، كأنّ وجوههم الْمَجانّ المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر". قال في "الفتح": هذا الحديث ظاهر في أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يُجمع بين الروايتين بأن لبس الشعر، وانتعاله يعمّ الترك وغيرهم، ممن يقاتلهم المسلمون، فلا تعارض بين الروايتين. واللَّه تعالى أعلم. قال: وقد وقع للإسماعيليّ من طريق محمد بن عبّاد، قال: بلغني أن أصحاب بَابَك كانت نعالهم الشعر.

(1)

- "المفهم" 7/ 247.

(2)

- أي بيض الوجوه، مشوبة بحمرة. اهـ شرح النوويّ على مسلم 18/ 245.

(3)

- قوله: "ذلف الأنوف" أي صغارها، والعرب تقول: أملح النساء الذُّلْفُ. وقيل: الذّلْف الاستواء في طرف الأنف. وقيل: قصر الأنف، وانبطاحه. قاله في "الفتح" 6/ 204. والفعل كفرح. وقال الحافظ وليّ الدين:"ذلف الأنوف" هو بالذال المعجمة، والمهملة لغتان، المشهورة المعجمة، وممن حكى الوجهين فيه صاحب "المشارق"، و"المطالع"، قال: رواية الجمهور بالمعجمة، وبعضهم بالمهملة، والصواب المعجمة، وهو بضمّ الذال، وإسكان اللام جمع أذلف، كأحمر، وحُمْر. ومعناه فُطْس الأنوف، قصارها مع الانبطاح. وقيل: هو غلظ في أرنبة الأنف. وقيل: تطامن فيها، وكلّه متقارب

وفي رواية: "فُطسُ الأنوف" وهو بضمّ الفاء، وسكون الطاء، وبالسين المهملة: المراد به أن يكون في رأس الأنف انطاح، وهو ضدّ الشّمَم في الأنف. أفاده في "طرح التثريب" 7/ 223.

ص: 307

قال: بابك -بموحّدتين، مفتوحتين، وآخره كاف، يقال له: الْخُرَّمِيّ -بضمّ المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة- وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرّمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيّام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد العجم، كطبرستان، والريّ إلى أن قتل بابك المذكور في أيّام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين، أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين انتهى

(1)

.

وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ولا شكّ في أن هذه الأوصاف هي أوصاف الترك غالبًا، وقد سمّاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله:"يقاتل المسلمون الترك"، وهذا الخبر قد وقع على نحو ما أخبر، فقد قاتلهم المسلمون في عراق العجم مع سلطان خوارزم رحمه الله تَعَالَى-، وكان اللَّه قد نصره عليهم، ثم رجعت لهم الكرّة، فغلبوا على عراق العجم وغيره، وخرج منهم في هذا الوقت أممٌ لا يُحصيهم إلا اللَّه، ولا يردّهم عن المسلمين إلا اللَّه، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدّمتهم، فنسأل اللَّه تعالى أن يُهلكهم، ويُبدّد جمعهم، ولَمَّا علم النبيّ صلى الله عليه وسلم عددهم، وكثرتهم، وشدّةَ شوكتهم قال صلى الله عليه وسلم:"اتركوا الترك ما تركوكم" انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 42/ 3178 - وفي "الكبرى" 381/ 4386. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" 2928 و 2929 (م) في "الفتن" 2912 (د) في "الملاحم" 4303 و4304 (ت) في "الفتن" 2215 (ق) في "الفتن" 4096 (أحمد) في "مسند المكثرين" 7222 و 7619 و 7927 و 27460 و 8921 و 9796 و 10024 و 10476. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو غزوة الترك.

[فإن قلت]: هذا الحديث يعارض الحديث الماضي: "واتركوا الترك ما تركوكم"، فكيف يجمع بينهما؟.

(1)

- "فتح" 6/ 204.

(2)

- "المفهم" 7/ 248.

ص: 308

[قلت]: لا تنافي بينهما، إذ النهي مشروط بقوله:"ما تركوكم"، فمفهومه أنهم إذا لم يتركوا لم يُتركوا، بل يُقاتلون، وقد وعد اللَّه سبحانه وتعالى بالنصر للمؤمنين، وقد وقع ذلك للمسلمين الذين قاتلوا الترك بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما سجّلته كتب التواريخ، كما وقع في وقعة عين جالوت وغيرها. واللَّه تعالى أعلم.

(ومنها): أن فيه معجزة ظاهرة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بما سيقع لأمته بعده، فوقع مطابقًا لما أخبر به.

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": وهذه كلها معجزات لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقد وُجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها صلى الله عليه وسلم صغار الأعين، حُمْر الوجوه، ذُلْف الأنوف، عراض الوجوه، كان وجوههم المجانّ المطرقة، ينتعلون الشعر، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرّات، وقتالهم الآن، ونسال اللَّه الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم، وأمر غيرهم، وسائر أحوالهم، وإدامة اللطف بهم، والحماية، وصلى اللَّه على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌43 - (الاسْتِنْصَارُ بِالضَّعِيفِ)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معناه: طلب النصر من اللَّه تعالى بدعاء الضعيف. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب من استعان بالضعفاء، والصالحين في الحرب"، ثم أورد مع حديث سعد هذا حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"يأتي زمان، يغزو فِئَامٌ من الناس، فيقال: فيكم مَن صَحِبَ النبي صلى الله عليه وسلم؟، فيقال: نعم، فيُفتَح عليه، ثم يأتي زمان، فيقال: فيكم مَن صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟، فيقال: نعم، فيُفتَح، ثم يأتي زمان، فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟، فيقال: نعم، فيفتح"

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

(1)

- "شرح مسلم" 18/ 245.

(2)

"صحيح البخاريّ" 6/ 184. بنسخة "الفتح".

ص: 309

3179 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ، وَإِخْلَاصِهِمْ").

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(محمد بن إدريس) بن المنذر أبو حاتم الرازيّ الإمام الحافظ الناقد المشهور [11] 112/ 2879.

2 -

(عمر بن حفص بن غياث) النخعي، أبو حفص الكوفيّ، ثقة ربما وهم [10] 5/ 501.

3 -

(أبوه) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي، القاضي، أبو عمر الكوفيّ، ثقة فقيه تغير حفظه قليلاً في الآخر [8] 86/ 105.

4 -

(مِسْعَر) بن كِدَام بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل [7] 8/ 8.

5 -

(طلحة بن مصرّف) بن عمرو بن كعب اليماميّ الكوفي، ثقة قارىء فاضل [5] 191/ 306.

6 -

(مصعب بن سعد) بن أبي وقاص الزهريّ، أبو زرارة المدنيّ، ثقة [3] 91/ 1032.

7 -

(أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب، أبو إسحاق الزهريّ الصحابي الجليل رضي الله عنه. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكويين إلى طلحة، غير شيخه، فإنه رازيّ، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه مرّتين، ورواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وهو الصحابيّ رضي الله عنه، وهو آخرهم وفاةً، مات رضي الله عنه بالعَقيق سنة (55) على المشهور، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبي زُرارة المدنيّ، الثقة (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)

ص: 310

بناء على ظاهر الحال، إما بسبب شجاعته، أو نحو ذلك (فَقَالَ:"نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا) أي بسببهم، ثم بيّن سبب النصر، فقال (بِدَعْوَتهِمْ) أي بسبب دعائهم لربّهم حتى ينصر المسلمين (وَصَلَاتهِمْ) أي ببركة صلاتهم التي يقيمونها بأركانها، وسننها، وآدابها، وخشوعها، كما أمرهم اللَّه تعالى بذلك (وَإِخْلَاصِهِمْ) أي بسبب إخلاص العبادة لربّهم، بحيث لا يشوبونها بشيء من الشرك الجليّ والخفيّ.

ولفظ البخاريّ من طريق محمد بن طلحة، عن اْبيه:"فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: هل تُنصرون إلا بضعفائكم".

قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: تأويل الحديث أن الضعفاء أشدّ إخلاصًا في الدعاء، وأكثر خشوعًا في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلّق بزخرف الدنيا.

وقال المهلّب -رحمه اللَّه تعالى-: أراد صلى الله عليه وسلم بذلك حضّ سعد رضي الله عنه على التواضع، ونفي الزهو على غيره، وترك احتقار المسلم في كلّ حالة.

وقد روى عبد الرزّاق من طريق مكحول في قصّة سعد هذه زيادةً مع إرسالها، فقال: قال سعد: يا رسول اللَّه، أرأيت رجلاً يكون حاميةَ القوم، ويدفع عن أصحابه أن يكون نصيبه كنصيب غيره؟ "، فذكر الحديث.

وعلى هذا فالمراد بالفضل إرادة الزيادة من الغنيمة، فأعلمه النبيّ صلى الله عليه وسلم أن سهام المقاتلة سواء، فإن كان القويّ يترجّح بفضل شجاعته، فإن الضعيف يترجّح بفضل دعائه وإخلاصه. قاله في "الفتح".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن الحديث يعمّ المعنيين، فلا داعي لقصره على أحدهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-43/ 3179 - وفي "الكبرى" 39/ 4387. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" 2896 (أحمد) في "مسند العشرة" 1496. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب طلب النصر على الأعداء من اللَّه تعالى بدعوة الضعفاء الصالحين. (ومنها): أن رفعة القدر عند اللَّه تعالى

ص: 311

ليست بالمظهر، وإنما هي بالتقوى، والإخلاص، والورع، كما قال اللَّه تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. (ومنها): استحباب الغزو مع الضعفاء؛ رجاء النصر بسببهم. (ومنها): فضيلة الدعاء، والصلاة، والإخلاص للَّه سبحانه وتعالى، حيث كانت سببًا لانتصار الجيوش على أعداء الإسلام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3180 -

(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْطَاةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «ابْغُونِي الضَّعِيفَ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ، وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(يحيى بن عثمان) الحمصيّ، صدوق عابد [10] 29/ 817.

2 -

(عمر بن عبد الواحد) السلميّ الدمشقيّ، ثقة [9] 45/ 56.

3 -

(ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقة [7] 45/ 595.

4 -

(زيد بن أرطاة الفزاريّ) الدمشقيّ، أخو عديّ، ثقة عابدٌ [5].

قال العجليّ: شاميّ، تابعيّ ثقة. وقال دُحَيم، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

5 -

(جُبير بن نُفير الْحَضْرميّ) الحمصيّ مخضرم، ثقة، جليل [2] 50/ 62.

6 -

(أبو الدرداء) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، شهد أحدًا، وما بعدها، ومات رضي الله عنه في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه، وقيل: عاش بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في 48/ 847. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ جُبَيْرِ بْن نُفَيْرِ الْحَضْرَمِيِّ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "ابْغُونِي) بوصل الهمزة، ثلاثيًا، يقال: بغيتك الشيءَ،

ص: 312

من باب رمى: طلبته لك، أو بقطع الهمزة، رباعيًّا، يقال: أبغيته الشيء: طلبته له، أو أعنته على طلبه، أو جعلته طالبًا له (الضَّعِيفَ) بالنصب مفعول ثان لـ"ابغوني"(فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ) بنزول المطر، أو غيره (وَتُنْصَرُونَ) على أعدائكم (بِضُعَفَائِكُمْ) قد تقدّم في الحديث الذي قبله، أن المعنى: بسبب دعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي الدرداء - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-43/ 3180 - وفي "الكبرى" 39/ 4388. وأخرجه (د) في "الجهاد" 2594 (ت) في "الجهاد" 1702 (أحمد) في "مسند الأنصار" 21224. وفواثده تقدّمت في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌44 - (فَضْلُ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا)

3181 -

(أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، فَقَدْ غَزَا»).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(سليمان بن داود) المهريّ، أبو الربيع المصريّ، ثقة [11] 68/ 1316.

2 -

(الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [10] 9/ 9.

3 -

(ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثقة ثبت عابد [9] 9/ 9.

4 -

(عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، ثقة ثبت

ص: 313

فقيه [7] 63/ 79.

5 -

(بكير بن الأشج) هو بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، نسب لجده المدنيّ، نزيل مصر، ثقة فقيه [5] 135/ 211.

6 -

(بسر بن سعيد) المدني العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليل [2] 11/ 517.

7 -

(زيد بن خالد) الجهنيّ الصحابيّ المدنيّ المشهور، مات رضي الله عنه بالكوفة سنة (68) أو (70)، وله (85) سنة، تقدّمت ترجمته في 8/ 756. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فقد تفرد بهما هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بكير، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: مَنْ جَهَّزَ) بتشديد الهاء، من التجهيز، أي هيّأ له أسباب سفره. وقال ابن الأثير: تجهيز الغازي: تحميله، وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز العروس، وتجهيز الميت. انتهى

(1)

(غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ غَزَا) قال ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى-: معناه أنه مثله في الأجر، وإن لم يغزو حقيقة. ثم أخرجه من وجه آخر عن بُسر بن سعيد، بلفظ:"كُتب له مثل أجره، غير أنه لا يَنقص من أجره شيء". ولابن ماجه، وابن حبّان من حديث عمر رضي الله عنه نحوه بلفظ:"من جهّز غازيًا حتى يستقلّ كان له مثل أجره حتى يموت، أو يرجع". وأفادت هذه الرواية فائدتين: "إحداهما": أن الوعد المذكور مرتّبٌ على تمام التجهيز، وهو المراد بقوله:"حتى يستقلّ". و"ثانيهما": أنه يستوي معه في الأجر إلى أن تنقضي تلك الغزوة.

وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث بعثًا، وقال:"ليخرج من كلّ رجلين رجلُ، والأجر بينهما"، وفي رواية له:"ثم قال للقاعد: و"أيكم خلف الخارج في أهله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج". ففيه إشارة إلى أن الغازي إذا جهّز نفسه، أو قام بكفاية من يخلفه بعده كان له الأجر مرّتين. وقال القرطبيّ: لفظة "نصف" يشبه أن تكون مقحمة. أي مزيدة من بعض الرواة. وقد احتجّ بها من ذهب إلى أن المراد بالأحاديث التي وردت بمثل ثواب الفعل حصول أصل الأجر

(1)

- "النهاية" 1/ 321.

ص: 314

له بغير تضعيف، وأن التضعيف يختصّ بمن باشر العمل. قال القرطبيّ: ولا حجّة له في هذا الحديث لوجهين:

[أحدهما]: أنه لا يتناول محلّ النزاع؛ لأن المطلوب إنما هو أن الدالّ على الخير مثلاً هل له مثل أجر فاعله مع التضعيف، أو بغير تضعيف، وحديث الباب يقتضي المشاركة، والمشاطرة، فافترقا.

[ثانيهما]: ما تقدّم من احتمال كون لفظة "نصف" زائدة انتهى.

قال الحافظ: ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي، والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكلّ منهما مثل ما للآخر، فلا تعارض بين الحديثين، وأما من وعد بمثل ثواب العمل، وإن لم يعمله إذا كانت له فيه دلالة، أو مشاركة، أو نيّة صالحة، فليس على إطلاقه في عدم التضعيف لكلّ أحد، وصرف الخبر عن ظاهره يحتاج إلى مستند، وكأن مستند القائل أن العامل يباشر المشقّة بنفسه بخلاف الدال ونحوه، لكن من يُجهّز الغازي بماله مثلاً، وكذا من يُخلفه فيمن يترك بعده يباشر شيئًا من المشقّة أيضًا، فإن الغازي لا يتأتّى منه الغزو إلا بعد أن يُكْفَى ذلك العمل فصار كأنه يباشر معه الغزو، بخلاف من اقتصر على النيّة مثلاً انتهى

(1)

.

(وَمَنْ خَلَفَهُ) بتخفيف اللام: أي صار خليفة له، ونائبًا عنه في قضاء جوائج أهله (فِي أَهلِهِ بِخَيْرٍ) احتراز عن الخيانة في الأهل بسوء، فإن له وعيدًا شديدًا، كما سيأتي في حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، مرفوعًا -47/ 3190 - :"وما من رجل يخلف في امرأة رجل من المجاهدين، فيخونه فيها، إلا وُقف له يوم القيامة، فأخذ من عمله ما شاء، فما ظنّكم؟ "(فَقَدْ غَزَا) أي فقد حصل له أجر الغازي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث زيد بن خالد الجهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 44/ 3181 و 3182 - وفي "الكبرى" 40/ 4389 و 4390. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" 2843 (م) في "الإمارة" 1895 (د) في "الجهاد" 2509 (ت)

(1)

- "فتح" 6/ 136 - 137.

ص: 315

في "فضائل الجهاد" 1628 و 1629 و1621 (ق) في "الجهاد" 2759 (أحمد) في "مسند الشاميين" 16591 و 16608 و"مسند الأنصار" 21168 و 21173 (الدراميّ) في "الجهاد"2419. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من جهّز غازيًا في سبيل اللَّه تعالى، وهو أنه مثل من غزا في الأجر. (ومنها): بيان فضل الإحسان إلى أهل الغازي في سبيل اللَّه تعالى، بخدمتهم، والإحسان إليهم، فإن من قام بذلك حصل له أجر الغازي أيضًا. (ومنها): أن المشاركة في الخير له فضل عظيم، حيث يحصل به أجر العاملين به، ويفهم منه ذمّ من شارك في الشرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3182 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"حرب بن شدّاد": هو اليشكريّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة [7] 96/ 119. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. والحديث متّفق عليه، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

3183 -

(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَنَحْنُ نُرِيدُ الْحَجَّ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا، نَضَعُ رِحَالَنَا، إِذْ أَتَانَا آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ، وَفَزِعُوا، فَانْطَلَقْنَا، فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى نَفَرٍ، فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِمْ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَإِنَّا لَكَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ رضي الله عنه، عَلَيْهِ مُلَاءَةٌ صَفْرَاءُ، قَدْ قَنَّعَ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَهَاهُنَا طَلْحَةُ؟ ، أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟ ، أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟ ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ، فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ:«اجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا، وَأَجْرُهُ لَكَ» ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ:

ص: 316

أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنِ ابْتَاعَ بِئْرَ رُومَةَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، فَابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ:«اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَجْرُهَا لَكَ» ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَقَالَ:«مَنْ يُجَهِّزْ هَؤُلَاءِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ، يَعْنِي جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَجَهَّزْتُهُمْ، حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا عِقَالاً، وَلَا خِطَامًا، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة ثبت حجة [10] 2/ 2.

2 -

(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [8] 5/ 102.

3 -

(حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السلميّ، أبو الهذيل الكوفيّ، ثقة تغير حفظه في الآخر [5] 47/ 846.

4 -

(عمرو بن جاوان) -بالجيم- التميميّ السعديّ البصريّ، ويقال: عُمر -بضم العين- مقبول [6].

روى عن الأحنف بن قيس. وعنه حُصين بن عبد الرحمن. قال ابن معين: كلهم يقولون: عُمر بن جاوان، إلا أبا عوانة، فإنه قال: عَمرو. وذكر البخاريّ في "تاريخه" أن هُشيمًا قال: عن حُصين، عن عمرو بن جاوان. وقال عليّ بن عاصم: قلت لحصين: عمرو بن جاوان؟ قال: شيخ صحبني في السفينة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث عثمان رضي الله عنه هذا برقم 3183 و 3607 و 3608.

5 -

(الأحنف بن قيس) بن معاوية بن حصين التميميّ السعديّ، أبو بحر، اسمه الضحّاك، وقيل: صخر، مخضرم ثقة [2] 44/ 3182.

6 -

(عثمان بن عفّان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (35)، وتقدمت ترجمته فى 68/ 84. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمرو جابان، فإنه من أفراد المصنّف. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 317

شرح الحديث

(عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيسٍ) التميميّ السعديّ، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا) بضم الجيم، جمع حاجّ.

وفي الرواية الآتية -4/ 3607 - من طريق المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يُحدّث عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عُمَر بن جاوان، رجل من بني تميم، وذاك أني قلت له: أرأيت اعتزال الأحنف بن قيس ما كان، قال: سمعت الأحنف يقول: أتيت المدينة، وأنا حاجّ

".

يعني اعتزاله عليًّا ومعاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وعدم انضمامه إلى أحدهما. (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَنَحْنُ نُرِيدُ الْحَجَّ، فَبَينَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا) أي في الأماكن التي نزلنا فيها (نَضَعُ) بفتح الضاد المعجمة، مضارع وَضَعَ بفتحها أيضًا: أي نَحُطّ (رِحَالَنَا) - بكسر الراء- جمع رَحْل -بفتح، فسكون-وهو كلّ شيء يُعدّ للرحيل، من وعاء للمتاع، ومَرْكَب للبعير، وحِلْسِ، ورَسَنٍ، ويجمع أيضًا على أَرْحُل، كفلس وأَفْلُس (إِذْ أتَانَا آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ (وَفَزِعُوا) -بكسر الزاي- من باب تَعِب، أي خافوا من وقوع فتنة بين الناس بسبب عصيانهم للخليفة عثمان رضي الله عنه (فَانْطَلَقْنَا) أي ذهبنا إلى المسجد (فَإِذَا النَّاسُ مُجتَمِعُونَ عَلَى نَفَرِ) -بفتحين-: جماعةُ الرجال، من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفَرٌ فيما زاد على العشرة. قاله الفيّوميّ. والمراد بالنفر عليّ، والزبير، وطلحة، وسعد رضي الله عنه. وفي رواية المعتمر: "فإذا يعني الناس مجتمعون، وإذا بين أظهرهم نفرٌ، فإذا هو عليّ بن أبي طالب، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص رحمة اللَّه عليهم

" (فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِمْ عَلِيٌّ) بن أبي طالب (وَالزُّبَيْرُ) بن العوّام (وَطَلْحَةُ) بن عُبيد اللَّه (وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) - رضي اللَّه تعالى - عنهم (فَإِنَّا لَكَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ) بن عفّان (رضي الله عنه، عَلَيْهِ مُلَاءَةٌ) -بضمّ الميم، والمدّ: الرَّيْطَةُ، ذات لِفْقَين، والجمع مُلاءٌ بحذف الهاء. قاله الفيّوميّ. وفي رواية المعتمر المذكورة: "وعليه مُلَيّةٌ" بالتصغير (صَفْرَاءُ) صفة لـ"ملاءة" (قَدْ قَنَّعَ بِهَا رَأْسَهُ) بتشديد النون: أي غَشَّى بتلك الملاءة رأسه، وغطّاه بها؛ لدفع الحرّ، أو غيره (فَقَالَ: أَهَاهُنَا طَلْحَةُ؟) وفي رواية المعتمر: "أههنا عليّ؟، أههنا الزبير؟، أههنا طلحة؟، أههنا سعد؟

" (أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟، أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ يَبْتَاع) "من" هنا موصولة؛ إذ الفعل بعدها مرفوع، وهي مبتدأ خبرها "غفر اللَّه له"، أي الذي يشتري (مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ) - بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحّدة-: موضعٌ يُجعل فيه التمر؛ ليَنشَفَ، ويقال

ص: 318

له أيضًا: مِسْطَحِ (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، أَوْ) للشكّ من الراوي (بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ) أي بشرائه ذلك المربد (فَقَالَ: "اجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا) أي ليتّسع حيث ضاق عليهم. وفي رواية ثمامة بن حَزْن القشيريّ الآتية في - 4/ 3609 - من طريق سعيد الجريريّ، عنه: قال: فأنشدكم باللَّه، والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من يشتري بُقعة آل فلان، فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنّة، فاشتريتها من صُلْب مالي، فزدتها في المسجد، وأنتم تمنعوني أن أصلّي فيه ركعتين، قالوا: اللَّهمّ نعم

" (وَأَجْرُهُ لَكَ"، قَالُوا) أي قال الصحابة الذين ناشدهم، وهم علي، ومن معه (اللَّهُمَّ نَعَمْ) إنما ذكروا "اللَّهمّ" للتأكيد (قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنِ ابْتَاعَ) "من" هنا يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون شرطيّة (بِئْرَ رُومَةَ) -بضمّ الراء، وزان غُرفة- اسم بئر معروفة بالمدينة، والإضافة فيه للبيان (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، فَابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا) وفي رواية معلّقة من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي عبد الرحمن السلميّ عند البخاريّ:"من حفر رومة، فله الجنّة"، فحفرتها". قال ابن بطّال: هذا وهم من بعض رواته، والمعروف أن عثمان اشتراها، لا أنه حفرها. قال الحافظ: قلت: هو المشهور في الروايات، فقد أخرجه الترمذيّ من رواية زيد بن أبي أُنيسة، عن أبي إسحاق، فقال فيه:"هل تعلمون أن رُومة لم يكن يشرب من مائها إلا بثمن"، لكن لا يتعين الوهم، فقد روى البغويّ في "الصحابة" من طريق بشر بن بشير الأسلميّ، عن أبيه، قال:"لما قدم المهاجرين المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين، يقال لها: رُومة، وكان يبيع منها القربة بمُدّ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم "تبيعنيها بعين في الجنّة"؟، فقال: يا رسول اللَّه ليس لي، ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: "نعم"، قال: قد جعلتها للمسلمين. وإن كانت أوّلاً عينًا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرًا، ولعلّ العين كانت تجري إلى بئر، فوسّعها، وطواها، فنسب حفرها إليه

(1)

.

(فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُهَا بكَذَا وَكَذَا، قَالَ: "اجْعَلْهَا سِقَايَةً لَلْمُسْلِمِينَ، وَأَجْرُهَا لَكَ") وفي رواية ثمامة المَذكورة: "فقال: أنشدُكم باللَّه، وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينة، وليس بها ماءٌ يُستعذب، غيرَ بئر رومة، فقال: من يشتري رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسملمين، بخير له منها في

(1)

- "فتح" 6/ 68 "الوصايا".

ص: 319

الجنّة؟، فاشتريتها من صُلْب مالي، فجعلت دلوي فيها مع دلاء المسلمين، وأنتم اليوم تمنعوني من الشرب منها حتى أشرب من ماء البحر، قالوا: اللَّهمّ نعم

" (قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَم، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ باللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ) أي فقراء المهَاجرين الذين لا يجدون جهاز الغزو (فَقَالَ: "مَنْ) يحتمل أن تكون موصولة، والفعل بعدها مرفوع، وأن تكون شرطيّة، والفعل مجزوم (يُجَهِّزُ هَؤُلَاءِ) - بضّم أوّله، وتشديد الهاء- أي يهيّىء لهم مُؤَن الغزو (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، يَعْنِي جَيْشَ الْعُسْرَةِ) هي جيش غزوة تبوك؛ سمّيت بذلك للمشقّة التي حصلت للمسلمين فيها بسبب بعدها، وكونه صلى الله عليه وسلم غزاها في شدّة الحرّ

قال جابر رضي الله عنه: اجتمع عليهم عسرة الظهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. وقال الحسن: كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير يَعتقبونه بينهم، وكان زادهم التمر المتسوّس، والشعير المتغيّر، والإهالة

(1)

المنتنة، وكان النفر يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة، فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يُعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جُرْعة من ماء، كذلك حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة، فَمَضَوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم على صدقهم، ويقينهم رضي الله عنهم. وقال عمر رضي الله عنه، وقد سُئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش، وحتى إن الرجل لينحر بعيره، فيصر فَرْثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول اللَّه إن اللَّه قد عوّدك في الدعاء خيرًا، فادع اللَّه لنا، قال:"أتحبّ ذلك؟ "، قال: نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى أظلّت السماء، ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر.

وأخرج مسلم في "صحيحه" من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد -شك الأعمش- قال: لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول اللَّه، لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"افعلوا"، قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول اللَّه، إن فعلت قَلَّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة، لعل اللَّه أن يجعل في ذلك، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"نعم"، قال: فدعا بِنِطَع

(2)

، فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذُرَة، قال: ويجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء الآخر

(1)

- الإهالة: الشحم.

(2)

- "النطع": بساط من أديم.

ص: 320

بكِسْرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عليه بالبركة، ثم قال:"خذوا في أوعيتكم"، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء، إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبد، غير شاكّ، فيحجبَ عن الجنة".

وقال ابن عرفة: سُمي جيش تبوك جيش العسرة؛ لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نَدَبَ الناس إلى الغزو في حمارة القيظ

(1)

، فغلُظ عليهم، وعَسُرَ، وكان إبّان انتياع الثمرة، قال: وإنما ضُرب المثل بجيش العسرة؛ لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يغز قبله في عدد مثله؛ لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ويوم أحد سبعمائة، ويوم خيبر ألفًا وخمسمائة، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حُنين اثني عشر ألفًا، وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفًا وزيادة، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم، وخرج رسو ل اللَّه صلى الله عليه وسلم في رجب، وأقام بتبوك شعبان، وأيامًا من رمضان، وبثّ سراياه، وصالح أقوامًا على الجزية

(2)

.

(فَجَهَّزتُهُمْ، حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا) -بكسر القاف- من باب ضرب: أي لم يَعدَموا (عِقَالاً) -بكسر العين المهملة، وتخفيف القاف-: الحبل الذي يُعقل به البعير، وهو أن تَثْنِيَ وَظِيفَهُ مع ذراعه، فتشُدَّهما جميعًا في وسط الذراع بحبل. قاله الفيّوميّ (وَلَا خِطَامًا) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة-: هو الحبل يُجعل على خَطْم البعير، أي مقدّم أنفه وفمه، جمعه خُطُم، مثلُ كتاب وكُتُب.

وأخرج الترمذيّ من حديث عبد الرحمن بن حباب السلميّ أن عثمان جهّزهم بثلثمائة بعير، ولأحمد من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أنه جاء بألف دينار في ثوبه، فصبها في حجر النبيّ صلى الله عليه وسلم حين جهّز جيش العسرة، فقال صلى الله عليه وسلم:"ما على عثمان من عمل بعد اليوم". وأخرج أسد بن موسى في "فضائل الصحابة" من مرسل قتادة: "حَمَلَ عثمان على ألف بعير، وسبعين فرسًا في العسرة". وعند أبي يعلى من وجه آخر ضعيف: "فجاء عثمان بسبعمائة أوقيّة ذهب". وعند ابن عديّ بسند ضعيف جدًّا عن حُذيفة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم استعان عثمان في جيش العسرة، فجاء بعشرة آلاف دينار"، ولعلّها كانت عشرة آلاف درهم، فتوافق رواية عبد الرحمن بن سمرة من صرف الدينار بعشرة دراهم. قاله في "الفتح"

(3)

.

(1)

أي في شدة الحرّ.

(2)

راجع تفسير القرطبيّ في "سورة التوبة" 8/ 278 - 280.

(3)

- "فتح" 6/ 68 في "كتاب الوصايا".

ص: 321

(فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ) أي على إقامتي الحجّة على الأعداء، على لسان الأولياء، فإن مقصوده رضي الله عنه كان إسماع من يعاديه ما له من المكانة عند اللَّه تعالى (اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ) كرّره للتأكيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): فى درجته:

حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده عمرو بن جاوان، وهو مجهول العين؛ إذ لم يرو عنه غير حُصين بن عبد الرحمن؟.

[قلت]: لم ينفرد به عمرو، فقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الإحباس" - 4/ 3609 - من طريق سعيد الجريريّ، عن ثمامة بن حَزْن القشيريّ، عن عثمان رضي الله عنه. و-4/ 36010 - من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عثمان رضي الله عنه. واللَّه تعالى أعلم.

وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 44/ 3183 وفي "الأحباس" 4/ 3607 و3608 و3609 و3610 و3611 - وفي "الكبرى" 4/ 6433 و 6434 و6435 و 6436 و 6437. وأخرجه أحمد في "مسند العشرة" 513. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): فى فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من جهّز غازيًا في سبيل اللَّه تعالى، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال:"من يُجهّز هؤلاء، غفر اللَّه له". (ومنها): أن فيه بيان فضائل عثمان رضي الله عنه، حيث قام بهذه المهمات، فاستوجب ما وعد اللَّه تعالى عليها على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم. (ومنها): مشروعيّة وقف الأرض لبناء المسجد. (ومنها): وقف البئر، ونحوها لسقاية الماء. (ومنها): أن من وقف شيئا للمسلمين، يجوز أن ينتفع بوقفه على الراجح، وفيه اختلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في "كتاب الإحباس"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 322

‌45 - (فَضْلُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى)

3184 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ، فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل، نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» ، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: هَلْ عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ، مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الصيام" -43/ 2238 - وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد.

ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود، وهو ثقة حافظ، وكلهم تقدّموا غير مرّة.

و"حميد بن عبد الرحمن" بن عوف، وهو أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الآتي في السند التالي.

وقوله: "من أنفق زوجين الخ" قال ابن الأثير: الأصل في الزوج الصنف، والنوع من كلّ شيء، ومن كلّ شيئين مقترنين، شكلين كانا، أو نقيضين، فهما زوجان، وكلّ واحد منهما زوج، يريد من أنفق صنفين من ماله انتهى

(1)

.

وقوله: "هل على من يُدعى الخ" الاستفهام هنا بمعنى النفي، كما في قوله تعالى:{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60]. وأما قوله: "فهل يُدعى الخ" فهو استفهام حقيقي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3185 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي

(1)

- "النهاية" 2/ 317.

ص: 323

يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(1)

أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ، دَعَتْهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، يَا فُلَانُ هَلُمَّ، فَادْخُلْ» ، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان": هو أبو حفص الحمصيّ. و"بقيّة": هو ابن الوليد الحمصيّ. و"الأوزاعيّ": هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقيّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. و"محمد بن إبراهيم": هو أبو عبد اللَّه التيميّ المدنيّ راوي حديث النيّة.

وقوله: "يا فلانُ هلُمّ، فادخل": أي تعال إلى هذا الباب، فادخل الجنّة منه.

وقوله: "ذاك" أي المدعوّ من جميع أبواب الجنّة. وقوله: "لا توى عليه": أي لا ضياع، ولا خَسَارة، بل فاز كلَّ الفوز.

قال السنديّ: ولا يخفى ما بين الروايتين من التدافع، والظاهر أنه لسهو من بعض الرواة. ويحتمل أنهما واقعتان، وقعتا في مجلس بأن أوحي إليه أوّلاً بالمناداة من باب واحد، فأخبر به، فسأله أبو بكر، هل في الناس من يُنادى من تمام الأبواب؟، وأوحي إليه ثانيًا بالمناداة من تمام الأبواب، فأخبر به، فمدح ذلك المنادَى أبو بكر على حسب ما هو اللائق بكلّ مجلس، وبشّره النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنه ينادى من تمام الأبواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. انتهى

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني بعيدٌ، بل الأقرب أنه من تصرّف بعض الرواة، واختصاره، فالرواية السابقة هي التي أخرجها الشيخان، وغيرهما، فلا بدّ من حمل هذه الرواية على أن بعض الرواة اختصرها.

والحديث متّفق عليه، وتمام البحث فيه سبق في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3186 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: حَدِّثْنِي، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ زَوْجَيْنِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلاَّ اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ» ، قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ ، قَالَ: إِنْ كَانَتْ إِبِلاً، فَبَعِيرَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرًا، فَبَقَرَتَيْنِ).

(1)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

(2)

- "شرح السنديّ" 6/ 48.

ص: 324

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [10] 42/ 47.

2 -

(بشر بن المفضّل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [8] 66/ 82.

3 -

(يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ ثقة ثبت قاضل ورع [5] 88/ 109.

4 -

(الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل [3].

5 -

(صعصعة بن معاوية) التميميّ السعديّ البصريّ، عمّ الأحنف، له صحبة، وقيل: إنه مخضرم 23/ 1874.

6 -

(أبو ذرّ) جندب بن جُناد على الأصح الغفاريّ الصحابيّ المشهور 203/ 322. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وصعصة تفرّد به هو وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ، إن ثبتت صحبة صعصعة، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ) التميميّ السعديّ، وفي رواية أحمد، من طريق قرّة بن خالد، عن الحسن:"حدثني صعصعة بن معاوية"، فصرّح الحسن بالتحديث، فبطل إعلال بعضهم الحديث بعنعنته (قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة رضي الله عنه، أي بالرَّبَذَة. ففي رواية قرة المذكورة عند أحمد: "قال انتهيت إلى الرَّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذر، قد تلقاني برواحل، قد أوردها، ثم أصدرها، وقد أعلق قِرْبَة في عنق بعير منها، ليَشرَبَ، ويَسقِيَ أصحابه، وكان خُلُقًا من أخلاق العرب، قلت: يا أبا ذر، ما لك؟، قال: لي عملي

" (قَالَ) صعصعة (قُلْتُ: حَدِّثْنِي) أي بشيء سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ففي رواية أحمد من طريق هشام بن حسان، عن الحسن: "ألا تحدّثني حديثًا سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

" (قَالَ: نَعَمْ) وفي رواية أحمد المذكورة: "قال: بلى" (قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبدٍ مُسْلِمٍ، يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ) أي من أيّ صنف من أصناف مالٍ كان له (زَوْجَيْنِ) أي صنفين (فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا اسْتَقْبَلَتهُ حَجَبَةُ الْجنَّةِ) -بفتحتين- جمع

ص: 325

حاجب، أي حُرّاسها، وهو في معنى الرواية الأخرى:"خزنة الجنّة"(كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ) أي كلّ واحد من الحجبة يدعوه إلى ما عنده من الباب حتى يتشرّف بالدخول من عنده (قُلْتُ:) الظاهر أن القائل هو صعصعة، فيكون التفسير موقوفًا، ويحتمل أن يكون مرفوعًا (وَكَيْفَ ذَلِكَ؟) أي ما معنى زوجين؟، وفي رواية أحمد:"قلنا: ما هذان الزوجان؟ "(قَالَ: إِنْ كَانَتْ إِبِلاً) أي كانت أمواله إبلاً، فاسم "كان" ضمير يعود إلى "كلّ مال"، وأنثه باعتبار أموال (فَبَعِيرَيْنِ) منصوب بفعل مقدّر يدلّ عليه قوله:"يُنفق"، أي يُنفق بعيرين (وَإنْ كَانَتْ بَقَرًا، فَبَقَرَتَيْنِ) وفي رواية أحمد المذكورة: " قال إن كانت رِحَالا فَرَحْلان، وإن كانت خيلا، ففرسان، وإن كانت إبلا، فبعيران، حتى عَدَّ أصناف المال كله". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، فقد صرّح الحسن بالتحديث، كما نقدّم قريبًا، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 45/ 3186 - وفي "الكبرى" 41/ 4394. وأخرجه (أحمد) في "مسند الأنصار" 20851و20904 و 20942 (الدارميّ) في "الجهاد" 2403. وفوائده تعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3187 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الرُّكَيْنِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمِيلَةَ، عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ: "قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، كُتِبَتْ لَهُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ»).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(أبو بكر بن أبي النضر) هو: ابن النضر بن أبي النضر، نُسب لجدّه، واسمه كنيته، وقيل: محمد، وقيل: أحمد، البغداديّ، ثقة [11] 83/ 2416.

2 -

(أبو النضر) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، يُلقّب قيصر، ثقة ثبت [9] 71/ 2407.

3 -

(عبيد اللَّه الأشجعيّ) -مصغّرًا- ابن عبد الرحمن، ويقال: ابن عُبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة مأمون، أثبت الناس كتابًا في الثوريّ، من كبار [9] 190/ 1162.

4 -

(سفيان الثوريّ) ابن سعيد الكوفي، ثقة ثبت حجة [7] 33/ 37.

ص: 326

5 -

(الرُّكين الفزاريّ) -مصغّرًا- ابن الربيع بن عَميلة، أبو الربيع الكوفيّ، ثقة [4] 17/ 1531.

6 -

(أبوه) الربيع بن عَمِيلة -بمهملة، ولام، مصغرًا

(1)

- كوفيّ ثقة [2].

قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث.

وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

7 -

(يُسير- بالتصغير- ابن عَمِيلة) -بالتكبير- ويقال له أيضًا: أُسير الفزاريّ، ثقة [3].

قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عندهما حديث الباب فقط.

[تنبيه]: "يسير بن عميلة" هكذا في بعض نسخ "المجتبى"، و"الكبرى"، وهو الصواب، كما هو في "تحفة الأشراف" 3/ 1212، ووقع في معظم نسخها:"يسير بن عمرو" بدل "ابن عميلة"، وهو غلط، فإن ابن عمرو راو آخر، وليس هو المراد هنا. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

8 -

(خُريم -بالتصغير- ابن فاتك) الأسديّ، أبو يحيى، وهو خُريم بن الأخرم بن شَدّاد بن عمرو بن فاتك بن عمرو بن أسد بن خُزَيمة، نُسب لجدّه، صحابيّ شهد الحديبية.

روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن كعب الأحبار. وعنه ابنه أيمن، وحَبيب بن النعمان الأسديّ، وابن عباس، وُيسير بن عميلة، وغيرهم. وذكره البخاريّ، وغير واحد فيمن شهد بدرًا. وقال ابن سعد: كان الشعبيّ يَروي عن أيمن بن خُريم، قال: إن أبي، وعمّي شهدا بدرًا، وعهدا إليّ أن لا أقاتل مسلمًا. قال محمد بن عُمر: وهذا لا يُعرف عندنا، وإنما أسلما حين أسلمت بنو أسد بعد فتح مكة، وتحوّلا إلى الكوفة، فنزلاها بعد ذلك. وقال ابن منده: مات بالرقّة في عهد معاوية رضي الله عنه.

قال الحافظ: وروينا في "غرائب شعبة" لأبي عبد اللَّه بن مندهْ، وفي الأول من "أمالي المحامليّ" بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن أيمن بن خُريم، قال: إن عمّي شهد الحديبية. وقد أخرجه ابن عساكر من طرق، قال: وهو الصواب. انتهى

(2)

. أخرج له

(1)

- كذا ضبطه القاضي عياض بضم العين في "المشارق"، وضبطه الحاظ ني ترجمة حفيده الركين ابن الربيع، وابنه يسير بن عميلة بفتح العين، وكسر الميم، مكبّرًا، فليُحرّر.

(2)

- "تهذيب التهذيب" 1/ 541.

ص: 327

الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبغداديان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الركين، عن أبيه، عن يُسير. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في "السنن" إلا ثلاثة أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ خُرَيْم بْنِ فَاتِكٍ) الأسديّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَة) أي صرف نفقة، صغيرة كانت، أو كبيرة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى (كُتِبَتْ) بالبناء للمجهول (لَهُ بِسَبعِمِائَةِ ضِعْفٍ) والظاهر أن هذا هو أقلّ الموعود، واللَّه سبحانه وتعالى يضاعف لمن يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث خُرَيم بن فاتك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 45/ 3187 - وفي "الكبرى" 41/ 4395. وأخرجه (ت) في "الجهاد" 1625. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الإنفاق في سبيل اللَّه عز وجل. (ومنها): بيان فضل الجهاد على غيره من الأعمال الصالحات، حيث كان أقلّ مضاعفة الثواب سبعمائة ضعف، مع أن سائر الأعمال إنما تضاعف بعشر أمثالها، فيكون الجهاد مخصوصًا من عموم قوله عز وجل:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الآية [الأنعام: 160]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

ص: 328

‌46 - (فَضْلُ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل

-)

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة هنا، وفي "الكبرى" أيضًا ولم يظهر لي وجه الفرق بين هذه الترجمة، والترجمة السابقة، فإنهما بمعنّى واحد، وأحاديثهما متقاربة، فكان الأولى أن يُجعلا ترجمة واحدة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3188 -

(أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلاً، تَصَدَّقَ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَيَأْتِيَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبْعِمِائَةِ نَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(بشر بن خالد) العسكريّ الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [10] 26/ 812.

2 -

(محمد بن جعفر) المعروف بغندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة [9] 21/ 22.

3 -

(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت المشهور [7] 24/ 27.

4 -

(سليمان) بن مهران الأعمش الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، إلا أنه يدلس [5] 17/ 18.

5 -

(أبو عمرو الشيبانيّ) سعد بن إياس الكوفيّ، ثقة مخضرم [2] 51/ 610.

6 -

(أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ، الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه -، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في 6/ 495. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَجُلاً تَصَدَّقَ بِنَاقَةٍ) ولفظ

ص: 329

مسلم من طريق جرير، عن الأعمش: "جاء رجلٌ بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل اللَّه

" (مَخْطُومَةٍ) أي فيها خطام، وهو قريبٌ من الزمام. قاله النوويّ

(1)

. وقال ابن الأثير: خِطَامُ البعيرِ أن يُؤخذ من لِيفٍ، أو شَعَرٍ، أو كَتّان، فيُجعل في أحد طرفيه حَلْقة، ثمّ يُشدّ فيه الطرف الآخر حتى يَصير كالحَلْقَة، ثم يُقاد البعير، ثم يُثَنَّى على مَخْطِمِهِ. وأما الذي يُجعَلُ في الأنف دَقِيقًا فهو الزِّمَامُ انتهى

(2)

(فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيَأْتِيَنَّ) بفتح أوّله، من الإتيان، والضمير للرجل، أيَ ليَحضُرَنَّ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ بسَبْعِمِائَةِ نَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ) أي جزاء ما تصدّق به في الدنيا. ولفظ مسلم:"لك بها يوم القياَمة سبعمائة ناقة كلّها مخطومة". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة. ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنّة بها سبعمائة، كلّ واحدة منهنّ مخطومة، يركبهنّ حيث يشاء للتنزّه، كما جاء في خيل الجنّة

(3)

، ونُجُبها، وهذا الاحتمال أظهر. انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الأخير هو الحقّ، كما استظهره النوويّ؛ لأن نصوص الشارع إذا أمكن حملها على ظاهرها تعيّن، ولا يصار إلى التأويل إلا عند وجود دليل عليه. ومما يؤيّد هذا الاحتمال الظاهر -كما قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- قوله:"مخطومة"، فإنه ظاهر في كونها ناقة عليها خطامها. واللَّه تعالى أعلم.

وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الحسنة مما ضُوعف إلى سبعمائة ضعف، وهو أقصى الأعداد المحصورة التي تضاعَف الحسنات إليها، وهذا كما قال تعالى:{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: 261] وبقي بعد هذا المضاعفة من غير حصر، ولا حدّ، وهي مفهومة من قوله تعالى:{وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} الآية

(1)

- "شرح مسلم" 13/ 40.

(2)

- "النهاية" 2/ 50.

(3)

- أشار به إلى ما أخرجه الترمذيّ في "جامعه"، فقال:

2544 -

حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحِمسي، حدثنا أبو معاوية، عن واصل - هو ابن السائب- عن أبي سورة، عن أبي أيوب، قال: أَتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول اللَّه، إني أحب الخيل، أفي الجنة خيل؟، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إن أُدخِلتَ الجنّة، أُتيتَ بفرس، من ياقوتة، له جناحان، فحُمِلت عليه، ثم طار بك حيث شئت".

قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، ولا نعرفه من حديث أبي أيوب، إلا من هذا الوجه، وأبو سورة، هو ابن أخي أبي أيوب، يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن معين جدًّا، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل، يقول: أبو سورة هذا، منكر الحديث، يروي مناكير عن أبي أيوب، لا يتابع عليها انتهى.

ص: 330

[البقرة: 261]. انتهى

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-46/ 3188 - وفي "الكبرى" 42/ 4396. وأخرجه (م) في "الإمارة" 1892 (أحمد) في "مسند الشاميين" 16645 و 21852 (الدراميّ) في "الجهاد" 2402. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3289 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: «الْغَزْوُ غَزْوَانِ، فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ، وَأَطَاعَ الإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، كَانَ نَوْمُهُ وَنُبْهُهُ، أَجْرًا كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا رِيَاءً، وَسُمْعَةً، وَعَصَى الإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالْكَفَافِ»).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [1] 2/ 535.

2 -

(بقيّة) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 55.

3 -

(بَحِير) بن سعد

(2)

السّحوليّ الحمصيّ ثقة ثبت [6] 1/ 688.

4 -

(خالد) بن معدان الْكَلاعيّ، أبو عبد اللَّه الحمصيّ، ثقة عابد، يرسل كثيرًا [3] 1/ 688.

5 -

(أبو بَحريّة) -بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، وتشديد المثنّاة- عبد اللَّه بن قيس الكنديّ السَّكُونيّ التَّراغِميّ -بمثنّاة، ثم معجمة

(3)

- الحمصيّ، مشهور بكنيته، مخضرم، شَهِدَ خطبة عمر رضي الله عنه بالجابية، ثقة [2].

(1)

- "المفهم" 3/ 726 - 727.

(2)

- "بحير" -بفتح الموحدة، وكسر الحاء المهملة، و"سَعْد"- بفتح، فسكون.

(3)

- نسبة إلى التّرَاغم بطن من السَّكون. قاله في "لبّ اللباب" 1/ 168.

ص: 331

قال ابن خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ، ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الواقديّ: كتب عثمان إلى معاوية أن أَغْزِ الصائفة رجلاً مأمونًا، فعقد لأبي بحرية، وكان ناسكًا فقيهًا، يُحمل عنه الحديث، مات زمن الوليد بن عبد الملك، وكان خلفاء بني أميّة يُعظمونه. وقال ابن عبد البرّ: تابعيّ ثقة. وذكر أبو الحسن بن سُميع أنه أدرك الجاهليّة. وذكر الطبريّ أنه مات سنة (77). أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، أخرجه هنا-46/ 3189 وأعاده في -29/ 4196 - .

6 -

(معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن، من أعيان الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات بالشام سنة (18) على المشهور، وتقدم في 42/ 587. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه، وبَحِير فمن رجال الأربعة، وبقيةُ علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم في المتابعات. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: "الْغَزْوُ) أي جنسه، لا الغزو المعهود (غَزْوَانِ) أي نوعان، أو قسمان. قال القاضي: أي غزوٌ على ما ينبغي، وغزو لا على ما ينبغي، فاقتصر الكلام، واستغنى بذكر الغُزَاة، وعدّ أصنافهم، وشرح حالهم، وبيان أحكامهم عن ذكر القسمين، وشرح كلّ واحدٍ منهما مفصّلاً، حيث قال (فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ) أي طلب رضا مو لاه. وفي رواية:"فأما من غزا ابتغاء وجه اللَّه تعالى"(وَأَطَاعَ الإِمَامَ) أي في غزوه، فأتى به على نحو ما أمره (وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ) أي الأموال العزيزة عليه الجامعة للكمال. وفي "المرقاة": أي المختارة من ماله، وقتل نفسه، والتاء للنقل من الوصفيّة إلى الاسميّة (وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ) أي عامله باليسر والسهولة، وفي "المرقاة": من المياسرة، بمعنى المساهلة، أي ساهل الرفيق على وجه المبالغة، واستعمل اليسر معه نفعًا بالمعونة، وكفايةً بالمؤونة (وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ) أي التجاوز عن المشروع، قتلاً، وضربًا، وتخريبًا، ونهيًا على قصد الفساد؛ لقوله تعالى:{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85]، أي لا تُفسدوا فيها، حال

ص: 332

كونكم قاصدين الفساد، بل مريدين صلاح البلاد والعباد (كَانَ نَوْمُهُ) أي حينئذ (وَنُبْهُهُ) ظاهر عبارة "القاموس" أنه -بضمّ، فسكون- بمعنى القيام من النوم. وضبطه السيوطيّ في "حاشية أبي داود" -بفتح، فسكون- بمعنى ضدّ النوم، وقال في "شرحه" لهذا الكتاب: بفتح، فكسر موحّدة-: الانتباه من النوم. قال السنديّ: والظاهر أن قوله: فكسر موحّدة غلط انتهى

(1)

.

وفي "المرقاة": "ونبهه" -بفتح الموحّدة-، وفي نسخة صحيحة بسكونها: أي يقظته، وفي معناهما غفلته وذكره، وأكله وشربه، وحركته وسكونه (أَجْرًا) أي ذا أجر وثواب. وقوله (كُلُّهُ) بالرفع تأكيد و"نومه، ونبهه"، أي كان كلّ واحد منهما له أجرًا. وهذا التركيب مشعر باهتمام حمل الأجر على النوم والنبه مبالغةً في بيان كونهما شيئين مستقلّين غاية الاستقلال. قاله في "المرقاة"

(2)

.

(وَأَمَّا مَنْ غَزَا رِيَاءً) بكسر الرياء، وتخفيف التحتانيّة، ممدودًا: أي ليرى الناس جلادته، وشجاعته، فيحمدوه (وَسُمْعَةً) بضم، فسكون: أي ليسمع الناس صِيته في شجاعته، وجلادته، فيحمدوه أيضًا (وَعَصَى الإمَامَ) أي خالف أمره، ونهيه (وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ) أي عمل بالفساد فيها بإهلاك الحرث والنسل، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرهّ: 205] (فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بالْكَفَافِ) -بفتح الكاف، قال في "القاموس": كَفَافُ الشيءِ، كسَحَاب مثلُهُ، ومن الرزق ما كفّ عن الناس، أي أغنى. انتهى. وقال ابن الأثير: الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشىء، بل يكون بقدر الحاجة إليه انتهى

(3)

. قال في "اللسان": ومنه قول الأُبَيرِد الْيَرْبُوعيّ [من الطويل]:

أَلَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ غُدَانَةَ أَنَّهُ

يَكُونُ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا

والمراد أنه لا يرجع من تلك الغزوة سالمًا، بل إنما يرجع متحمّلاً أوزارًا بسبب عدم إخلاصه، وعصيانه لإمامه، وإفساده في الأرض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الألى): في درجته:

حديث معاذ بن جبل - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، إن سلم من تدليس بقيّة، وقد حسّنه الشيخ الألباني؛ لكونه صرّح بالتحديث في رواية الهيثم بن كُليب في "مسنده"

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 49/ 50.

(2)

- "المرقاة" 7/ 407.

(3)

- "النهاية" 4/ 191.

ص: 333

(171/ 1) ورواية أبي العباس الأصمّ في "حديثه"(ج 3 رقم 97) وابن عساكر (8/ 512/ 1)

(1)

.

لكن المشكل أنه موصوف بتدليس التسوية، فلا بدّ من التصريح بالسماع فيمن بعده من رجال السند، فتفكّر.

وذكر الشيخ أيضًا أنه رواه أبو القاسم إسماعيل الحلبيّ في "حديثه"(113/ 2) عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن معاذ بن جبل، مرفوعًا به انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عثمان بن عطاء بن أبي مسلم ضعيف جدًّا، فلا يصلح للاستشهاد به. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-46/ 3189 و 29/ 4195 - وفي "الكبرى" 42/ 4397 و"السير" 96/ 8730. وأخرجه (د) في "الجهاد" 2515 و (أحمد) في "مسند الأنصار" 21537 (الدارميّ) في "الجهاد" 2417. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الصدقة في سبيل اللَّه تعالى، حيث إن الغازي إذا أنفق ماله العزيز عليه في سبيل اللَّه تعالى، مع مراعاة بقية الأوصاف كان كلّ حالاته أجرًا في ميزان حسناته. (ومنها): أن الغزو الكامل الذي جاء فضله في كتاب اللَّه تعالى، وأحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الصحيحة إنما هو الغزو الذي اشتمل صاحبه على هذه الأوصاف المذكورة في هذا الحديث. (ومنها): أن من غزا، ولم يخلص، أوعصى الإمام، أو أفسد في الأرض، فإنه لا أجر له، بل يرجع حاملاً أوزارًا كثيرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

‌47 - (حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ)

3290 -

(أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ -وَاللَّفْظُ لِحُسَيْنٍ- قَالَا:

(1)

- راجع "السلسلة الصحيحة" 4/ 643 رقم 1990.

ص: 334

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ، كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَخْلُفُ فِي امْرَأَةِ رَجُلٍ، مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، فَيَخُونُهُ فِيهَا، إِلاَّ وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَخَذَ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟» ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(حسين بن حريث) الخزاعي مولاهم، أبو عمار المروزيّ، ثقة [10] 44/ 52.

2 -

(محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [10] 33/ 37.

3 -

(وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ عابد، من كبار [9] 23/ 25.

4 -

(سفيان) الثوريّ المذكور قبل باب.

5 -

(علقمة بن مرثد) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [6] 103/ 2040.

6 -

(سليمان بن بُريدة) الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقة [3] مات سنة (105) وله (90) سنة، تقدّم في -101/ 133.

7 -

(أبوه) بُريدة بن الحصيب، أبو سهل الأسلميّ، الصحابيّ الشهير، أسلم قبل بدر، ومات سنة (63)، وتقدّم في 101/ 133. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين كوفيين، وهم وكيع، وسفيان، وعلقمة، ومروزيين، وهم الباقون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيدَةَ) الأسلميّ (عَنْ أَبِيهِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "حُرْمَةُ) بضم، فسكون: أي تحريم (نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِبنَ) أي الذين تخلّفوا عن الجهاد لعذر، أو غيره (كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتهِمْ) أي مثل تحريم أمهاتهم عليهم، وهذا من باب التشديد، وإلا فحرمة الأمهات مؤبّدة، دون حرمة نساء المجاهدين.

قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني أنه يجب على القاعدين من احترامهنّ، والكفّ عن أذاهنّ، والتعرّض لهنّ ما يجب عليهم في أمهاتهم انتهى

(1)

.

(1)

- "المفهم" 3/ 732.

ص: 335

وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا في شيئين: أحدهما: تحريم التعرّض لهنّ بريبة، من نظر محرّم، وخلوة، وحديث محرّم، وغير ذلك. والثاني: في برّهنّ، والإحسان إليهنّ، وقضاء حوائجهنّ التي لا يترتّب عليها مفسدة، ولا يُتوصّل بها إلى ريبة، ونحوها انتهى

(1)

.

(وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَخْلُفُ) -بضمّ اللام- من باب قعد: أي يصير يعقبه، وقال السنديّ: يحتمل أنه من خَلَفه: إذا نابه، أو من خَلَفَه: إذا جاء بعده، وهما من حدّ نصر، وذلك لأن الخائن في الأهل كالنائب للأصل، وقد جاء بعده في الأهل انتهى

(2)

(فِي امْرَأَةِ رَجُل، مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، فَيَخُونُهُ فِيهَا، إِلَّا وُقِفَ) بالبناء للمفعول، من الوقوف: أي جُعل الخائن واقفًا (لَهُ) أي للرجل، ولأجل ما فعل من سوء الخلافة للغازي (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي الرواية التالية:"قيل: له يوم القيامة: هذا خانك في أهلك، فخذ من حسناته ما شئت"(فَأَخَذَ) ذلك الرجل (مِنْ عَمَلِهِ) أي من عمل الخائن (مَا شَاءَ) أي في مقابلة ما شاء من عمله بالنسبة إلى أهل الغازي (فَمَا ظَنُّكُمْ؟) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يعني أن المخُون في أهله إذا مُكّن من أخذ حسنات الخائن، لم يُبق منها شيئًا، ويكون مصيره إلى النار، وقد اقْتُصِرَ على مفعولي الظنّ انتهى

(3)

.

وقال النوويّ: معناه: فما تظنّون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته، والاستكثار منها في ذلك المقام؟، أي لا يُبقِي منها شيئًا إن أمكنه انتهى

(4)

.

وقال المظهر: أي ما ظنّكم باللَّه مع هذه الخيانة؟، هل تشكّون في هذه المجازاة، أم لا؟. يعني فإذا علمتم صدق ما أقول، فاحذروا من الخيانة في نساء المجاهدين.

وقال التوربشتيّ: أي فما ظنّكم بمن أحلّه اللَّه بهذه المنزلة، وخصّه بهذه الفضيلة، فربّما يكون وراء ذلك من الكرامة

(5)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله التوربشتيّ بعيد عن معنى الحديث، يردّه ما يأتي من قوله صلى الله عليه وسلم:"تُرَون يَدَعُ له من حسناته شيئًا"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

وقال السنديّ: أي إذا كان حالُ من خانه خيانةً واحدةً، فما حال من زاد على ذلك، وما ظنكم به؟. أو إذا خيّر الغازي فما ظنّكم بحسابه، هل يأخذ الكلّ، أو يترك شيئًا،

(1)

- "شرح مسلم" 13/ 44.

(2)

- "شرح السنديّ" 6/ 50.

(3)

- "المفهم" 3/ 732.

(4)

- "شرح مسلم" 13/ 44.

(5)

- راجع "المرقاة" 7/ 363.

ص: 336

وهو الموافق؛ لما سيجيء. انتهى

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول مما ذكره السنديّ بعيد من معنى الحديث أيضًا، يردّه ما تقدّم فالصواب في معنى الحديث ما تقدّم في كلام القرطبيّ، والنوويّ، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث بُريدة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-47/ 3190 و 48/ 3191 و 3192 - وفي "الكبرى" 43/ 4398 و 44/ 4399 و 4400. وأخرجه (م) في "الإمارة" 1897 (د) في "الجهاد" 2496 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 22468 و 22495. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حرمة نساء المجاهدين على القاعدين تحريمًا مغلّظًا، حيث شُبّه بتحريم الأمهات. (ومنها): ما قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وظهر من هذا الحديث أن خيانة الغازي في أهله أعظم من كلّ خيانة؛ لأن ما عداها لا يُخيّر في أخذ كلّ الحسنات، وإنما يأخذ بكلّ خيانة قدرًا معلومًا من حسناته الخائن

(2)

. (ومنها): إثبات المجازاة بين العباد في المظالم يوم القيامة، فيأخذ المظلوم من حسنات ظالمه بدل حقّه، وقد أخرج مسلم -رحمه اللَّه تعالى- فىِ "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:"أتدرون ما المفلس؟ "، قالوا: المفلس فينا، من لا درهم له، ولا متاع، فقال:"إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسَفَكَ دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَت حسناتُهُ، قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم، فطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

(1)

- "شرح السنديّ" 6/ 50 - 51.

(2)

- "المفهم" 3/ 732.

ص: 337

‌48 - (مَنْ خَانَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ)

3191 -

(أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ،، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ، كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَإِذَا خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ، فَخَانَهُ، قِيلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَذَا خَانَكَ فِي أَهْلِكَ، فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"هارون بن عبد اللَّه": هو أبو موسى الحمّال البغداديّ. و"حرميّ ابن عُمارة": هو أبو رَوْح العتكيّ البصريّ.

وقوله: "خَلَفه" بتخفيف اللام، من باب قعد.

والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الباب الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3192 -

(أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَعْنَبٌ، كُوفِيٌّ- عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ، فِي الْحُرْمَةِ كَأُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ، يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ، إِلاَّ نُصِبَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: يَا فُلَانُ، هَذَا فُلَانٌ، فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ» ، ثُمَّ الْتَفَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا ظَنُّكُمْ؟ ، تُرَوْنَ يَدَعُ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح أيضًا، و"عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن" بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [10] 42/ 48.

و"سفيان" هنا: هو ابن عيينة، بخلافه فيما مضى، فهو الثوريّ.

و"قعنب" التميميّ الكوفيّ، صدوق [6].

قال الحميديّ، عن سفيان: حدّثنا قعنب التميميّ، وكان ثقة خيارًا. وقال أبو داود: كان رجلاً صالحًا، كان ابن أبي ليلى أراده على القضاء، فامتنع، وقال. أخّرني حتى أنظر، فتوارى، فوقع عليه البيت، فقتله. وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عندهم هذا الحديث فقط.

وقوله: "كوفيّ" خبر لمحذوف: أي هو كوفيّ، أي منسوب إلى الكوفة البلدةِ المعروفة،

ص: 338

فإنه من أهلها، والظاهر أنه ليس هو جدّ عبد اللَّه بن مسلمة القعنبيّ. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: "في الحرمة" هكذا النسخ كلها، وهو متعلّق بقوله:"كأمهاتهم"، أي مثل أمهاتهم في التحريم.

وقوله: "إلا نُصب له" بالبناء للمفعول، بمعنى قوله الماضي. "إلا وُقف له". وقوله:"تُرَون" بالبناء للمفعول، أي تظنّون. وقوله:"يدع" أي يترك، وقد تقدّم قريبًا أنها مما أماتت العرب ماضيها، إلا في النادر.

والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3193 -

(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ،، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «جَاهِدُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث، والأحاديث التي بعده لا يظهر مناسبتها للباب، ولم يذكرها في "الكبرى".

ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"حُميد": هو الطويل.

وقوله: " جاهدوا" حُذف متعلّقه، أي المشركين، كما صرّح به في الرواية السابقة، ولفظها:" جاهدوا المشركين بأموالكم، وأيديكم، وألسنتكم".

والحديث صحيح، وقد تقدّم في أوائل "كتاب الجهاد" برقم - 1/ 3097 - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3194 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، هُوَ الشَّامِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ الأَصْبَغِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ، وَقَالَ «مَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ، فَلَيْسَ مِنَّا»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الحديث للباب غير ظاهرة، كما أشرت في الحديث الذي قبله.

ورجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(أبو محمد، موسى بن محمد الشاميّ) مقبول [11].

لم يرو إلا عن ميمون بن الأصبغ، ولم يرو عنه إلا المصنف في هذا الموضع فقط.

ص: 339

2 -

(ميمون بن الأصبغ) -بالغين المعجمة- ابن الفُرات النصيبيّ، أبو جعفر، مقبول، من كبار [11].

روى جعفر بن عون، وأبي بكر الحنفيّ، ويعلى بن عُبيد، ويزيد بن هارون، وغيرهم. وعنه ابنه عبد اللَّه، وأبو حاتم، وموسى بن محمد، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال هو، وأبو بشر الدُّولابيّ: مات سنة (256). تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.

3 -

(يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنٌ عابدٌ [9] 153/ 244.

4 -

(شريك) بن عبد اللَّه النخعيّ القاضي الكوفي، صدوق يخطىء كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة [8] 25/ 29.

5 -

(أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه الهمدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره [3] 38/ 42.

6 -

(القاسم بن عبد الرحمن) بن عبد اللَّه بن مسعود المسعوديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة عابدٌ [4].

قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: كان على قضاء الكوفة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرًا، وكان ثقة رجلاً صالحًا. وقال ابن عيينة: قلت لمسعر: من أثبت من أدركت؟ قال: القاسم بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار. وقال مسعر، عن محارب: صحبناه إلى بيت المقدس، ففضَلَنَا بثلاث: كثرةِ الصلاة، وطول الصمت، والسخاء. وقال ابن خراش: ثقة. وقال ابن المدينيّ: لم يَلقَ من الصحابة غير جابر بن سمرة، قيل له: فلقي ابن عمر؟ قال: كان يحدّث عن ابن عمر بحديثين، ولم يسمع منه شيئًا. وقال خليفة: مات في ولاية خالد بن عبد اللَّه. وقال ابن حبّان في "الثقات": مات في ولاية خالد على العراق سنة (120) وقال غيره: سنة (116). روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنف ثلاثة أحاديث برقم 3194 و 5535 و 5678.

7 -

(أبوه) عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الهذليّ الكوفىّ، ثقة من صغار [2]. وقد سمع من أبيه يسيرًا.

قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلّموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرًا. فأما عليّ بن المدينيّ، فقال: قد لقي أباه. وقال ابن معين: عبد الرحمن، وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد: مات عبد اللَّه، وعبد الرحمن ابن ست سنين، أو نحوها. وقال أحمد: أما سفيان الثوريّ، وشريكٌ،

ص: 340

فإنهما يقولان: سمع، وأما إسرائيل، فإنه يقول في حديث الضبّ: سمعت. وقال العجليّ: يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفًا واحدًا: "محرّم الحلال كمستحلّ الحرام". وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: سمع من أبيه، وعن عليّ. وقال أبو حاتم: صالح. وروى البخاريّ في "التاريخ الصغير" بإسناد لا بأس به عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، قال: لما حضر عبد اللَّه الوفاةُ قال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت أوصني، قال: ابك من خطيئتك. وروى البخاريّ في "التاريخ الكبير"، وفي "الأوسط" من طريق ابن خُثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: إني مع أبي، فذكر الحديث في تأخير الصلاة، زاد في "الأوسط": قال شعبة: لم يسمع من أبيه. وحديث ابن خثيم أولى عندي. وقال ابن المدينيّ في "العلل" سمع من أبيه حديثين: حديث الضبّ، وحديث تأخير الوليد الصلاةَ. وقال العجليّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وأسند حديثه:"محرّم الحلال" من طريق سماك عنه. وقال أبو حاتم: سمع من أبيه، وهو ثقة. وقال الحاكم: اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه انتهى. قال الحافظ: وهو غير مستقيم. وقال خليفة بن خيّاط: مات مَقدَمَ الْحَجَّاج العراق سنة (79). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم 3194 و 4109 و 5678. واللَّه تعالى أعلم.

8 -

(عبد اللَّه) بن مسعود بن غافل الهذليّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - 35/ 39. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، أبو إسحاق، والقاسم، وأبوه، وفيه رواية الابن عن أبيه عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَبدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ أَمَرَ بقَتْلِ الْحَيَّاتِ) الظاهر أن هذا كان أولاً، ثم جاء النهي عن قتل جنّان البيوت، فقد أخرج الشيخان، وغيرهما من طريق نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقتل الحيات، فحدثه أبو لبابة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، "نهى عن قتل جِنّان البيوت، فأمسك عنها".

ص: 341

ويحتمل أن يكون هذا بعد الإنذار ثلاثًا، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من طريق صيفي، مولى ابن أفلح، قال: أخبرني أبو السائب مولى هشام بن زهرة، أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره، حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين، في ناحية البيت، فالتفت، فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إيى أن اجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فتى منا، حديث عهد بعُرْس، قال: فخرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى، يستأذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فاخذ الرجل سلاحه، ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت، حتى تنظر ما الذي أخرجني؟ فدخل، فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها به، ثم خرج، فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يُدرَى أيهما كان أسرع موتا، الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع اللَّه يحييه لنا، فقال:"استغفروا لصاحبكم"، ثم قال:"إن بالمدينة جِنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا، فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك، فاقتلوه، فإنما هو شيطان".

(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ) -بفتح الثاء المثلّثة، بعدها همزة ساكنة: أي انتقامهنّ (فَلَيْسَ مِنَّا) أي ليس على هدينا، وطريقتنا، وهذا كنظائره من الأحاديث، كحديث:"من غشنا فليس منا"، و"من سلّ علينا السلاح فليس منا"، محمول على نفي كمال الإيمان، أو على من استحلّ مثل هذه الأشياء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-48/ 3194 - وأخرجه (د) في "الأدب" 5249 (أحمد) في "مسند المكثرين"3974. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(اعلم): أنه قد تقدّم أن الحديث لا مناسبة بينه، وبين الباب، فلنذكر الفوائد التي اشتمل عليها، وإن لم يناسب الباب.

ص: 342

(فمنها): الأمر بقتل الحيّات، وقد تقدّم أنه محمول على ما قبل النهي، أو يحمل على ما بعده، لكنه مخصوص بذي الطفيتين الذي فوق ظهره خطان أبيضان، فإنه مأمور بقتله؛ لأنه يطمس البصر، ويُسقط الحبل، كما تقدّم البحث عنه في -85/ 2831، وبما بعد الإنذار ثلاثًا أيضًا؟ لما تقدّم من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه عند مسلم. (ومنها): أنه لا ينبغي ترك قتل الحيات خوفًا من ثأرها؛ لأن من أمر الشارع بقتله لا يُخاف منه الضرر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3295 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَادَ جَبْرًا، فَلَمَّا دَخَلَ، سَمِعَ النِّسَاءَ يَبْكِينَ، وَيَقُلْنَ: كُنَّا نَحْسُبُ وَفَاتَكَ قَتْلاً فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ:«وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ إِلاَّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِنَّ شُهَدَاءَكُمْ إِذًا لَقَلِيلٌ، الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهَادَةٌ، وَالْبَطْنُ شَهَادَةٌ، وَالْحَرَقُ شَهَادَةٌ، وَالْغَرَقُ شَهَادَةٌ، وَالْمَغْمُومُ -يَعْنِي الْهَدِمَ- شَهَادَةٌ، وَالْمَجْنُوبُ شَهَادَةٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ» .

قَالَ: رَجُلٌ أَتَبْكِينَ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ؟ ، قَالَ:«دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ، فَلَا تَبْكِيَنَّ عَلَيْهِ بَاكِيَةٌ» ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان" أبو الحسين الرُّهاويّ الحافظ الثقة [11] 38/ 42 من أفراد المصنّف. و" جعفر بن عون" أبو عون المخزوميّ الكوفيّ، صدوق [9] 40/ 684.

و"أبو العميس" عتبة بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الهذليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقة [7] 40/ 684.

و"عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جبر"، وقيل: جابر بن عتيك الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [4] 14/ 1846.

و"عبد اللَّه بن جبر" بن عَتِيك الأنصاريّ المدنيّ، مقبول [4].

روى حديثه أبو العميس، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جبر، عن أبيه، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عاد جبرًا

الحديث. قاله جعفر بن عون، عن أبي العُمَيس. وقال وكيعٌ: عن أبي العُمَيس، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جبر، عن أبيه، عن جدّه. وسيأتي تمام الكلام عليه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.

وقوله: "عَادَ جَبْرًا". هكذا في هذه الرواية، وهي مخالفة لرواية مالك المتقدّمة في "كتاب الجنائز".

قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "تهذيب التهذيب": كذا يقوله أبو العُمَيس، وخالفه

ص: 343

مالك، فقال: عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جابر بن عَتِيك، عن جابر بن عتيك أنه أخبره أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عاد عبد اللَّه بن ثابت

فوقعت المخالفة بينهما في ثلاثة أشياء: في اسم جدّ عبد اللَّه بن عبد اللَّه، وفي تسمية شيخه، هل هو أبوه، أو غيره، وفي اسم الذي عاده النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد رجّحوا رواية مالك، وبيّنتُ ذلك في ترجمة جابر بن عتيك من كتاب "الإصابة" انتهى.

وقال في "الإصابة" بعد أن ذكر رواية مالك: ما نصّه: ورواه النسائيّ من طريق عبد الملك بن عُمير، فقال: "عن جابر بن عتيك أنه دخل مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ميت، فبكى النساء

الحديث

(1)

. ورواه ابن ماجه، وغيره من طريق أبي أسامة وغيره، عن أبي الْعُميس، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جابر، عن أبيه، عن جدّه نحوه. ورواه النسائيّ من طريق جعفر بن عون، عن أبي العميس، فلم يقل:"عن جدّه". ورواه ابن منده من وجه آخر، عن أبي العميس، فقال:"عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جابر بن عتيك، عن أبيه، عن جدّه". وفيه اختلاف كثير.

ورواية مالك هي المعتمدة، ويرجّحها ما روى أبو داود، والنسائيّ من طريق محمد ابن إبراهيم التيميّ، عن ابن جابر بن عتيك، عن أبيه مرفوعًا: "إن من الغيرة ما يُبغض اللَّه

" الحديث

(2)

. وإسناده صحيح. وفي تاريخ البخاريّ من طريق نافع بن يزيد: حدّثني أبو سفيان بن جابر بن عتيك، عن أبيه، أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:"من اقتطع مال امرىء مسلم بيمينه، حرّم اللَّه عليه الجنّة". فهذه الأحاديث تُبيّن أن اسمه جابر. انتهى المقصود من "الإصابة"

(3)

.

وقال في "تهذيب التهذيب": وأما عبد اللَّه بن جَبْر، فلم يذكر المزّيّ من خبره شيئًا، وذكره ابن منده في "الصحابة" برواية جعفر بن عون، وليس فيها دلالة على صحبته، ولم أَرَ له مع ذلك ذكرًا عند أحد ممن صنّف في الرجال، وفي ذلك إشارة إلى أن الرواية لغيره، فتترجّح رواية مالك انتهى

(4)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن أصحّ الروايات هي رواية مالك المتقدّمة في "كتاب الجنائز"، وخلاصتها أن الذي عاده النبيّ صلى الله عليه وسلم هو عبد اللَّه بن ثابت، وأن جابر بن عتيك حضر تلك القضيّة معه صلى الله عليه وسلم، وأن الأصحّ في اسمه جابر بن عتيك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

(1)

- هي الرواية التالية لهذه الرواية عند المصنّف 3196.

(2)

- تقدم للمصنف في "كتاب الزكاة" برقم 2558.

(3)

- "الإصابة في تمييز الصحابة" 2/ 47 - 48.

(4)

- "تهذيب التهذيب" 2/ 312.

ص: 344

وقوله: "كنا نحسب" -بفتح السين المهملة، وكسرها - من بابي ضرب، وعلم.

وقوله: "وما تعدّون الشهادة إلا من قُتل" يحتمل أن تكون "من" موصولةً، والشهادة بمعنى الشهيد، ويحتمل أن تكون جارّة، أي ما تعدّون الشهادة إلا من أجل القتل في المعركة.

وقوله: "والبطن" أي الموت بمرض البطن، وهو الإسهال، والاستسقاء.

وقوله: "والحَرَق" -بفتحتين-: أي الموت بالاحتراق بالنار، وكذا الغَرَقُ -بفتحتين-.

وقوله: "يعني الهدِمَ" -بكسر الدال، هو الذي مات تحت بناء انهدم عليه.

وقوله: "يعني الهدم شهادة" الشهادة هنا بمعنى الشهيد، أو هو على حذف مضاف، أي ذو شهادة.، وكذا فيما بعده، وأما فيما سبق فعلى ظاهره.

وقوله: "والمجنوب" آخره موحّدة، أى الذي مات بمرض يعرف بذات الجنب.

[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من ضبط "المجنوب" بالباء الموحّدة آخره هو الصواب، ووقع في الطبعة المصريّة "والمجنون" بنونين، وهو تصحيف، فتنبّه.

وقوله: "بِجُمْعٍ": هو أن تموت، وفي بطنها ولد، وهذا هو المشهور. وقيل: أن تموت بكرًا.

و"الْجُمْع" بالضمّ بمعنى المجموع، كالذُّخْر بمعنى المذخور، وكسر الكسائىّ الجيم، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها، غير منفصل عنها، وهو حملها.

وقوله: "فإذا وجب" أي مات، من الوجوب، وهو السقوط، قال تعالى:{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الآية [الحجّ: 36].

وقوله: "باكية" أي نفسٌ باكيةٌ، أو امرأة باكية، فأفاد صلى الله عليه وسلم أن النهي عن البكاء بالصياح بعد الموت، لا قبله.

والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في "كتاب الجنائز" برقم - 14/ 1846 - "النهي عن البكاء على الميت"، فراجعه هناك، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3196 -

(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -يَعْنِي الطَّائِيَّ- عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَبْرٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَلَى مَيِّتٍ فَبَكَى النِّسَاءُ، فَقَالَ جَبْرٌ: أَتَبْكِينَ مَا دَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا؟ ، قَالَ: «دَعْهُنَّ يَبْكِينَ، مَا دَامَ بَيْنَهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ، فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ»).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن يحيى": هو أبو جعفر الأوديّ الكوفيّ العابد الثقة [11]381274.

ص: 345

وإسحاق بن منصور،: هو أبو عبد الرحمن السَّلُوليّ مولاهم الكوفيّ، صدوق، تكلّم فيه للتشيّع [9] 8/ 410 وليس له عند المصنف غير هذين الموضعين: 488/ 410 و/ 3196.

و"داود الطائيّ": هو ابن نُصير -مصغّرًا- أبو سليمان الكوفيّ الثقة الفقيه الزاهد [8] 74/ 1003.

و"عبد الملك بن عُمير": هو اللَّخْميّ الفَرَسيّ الكوفيّ، ثقة فقيهٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [3] 41/ 947.

وقوله: "ما دام" أي ما دام حيًّا.

والحديث صحيح، وقد سبق تمام القول فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(خاتمة):- نسأل اللَّه تعالى حسنها- نختم بها "كتاب الجهاد"، في ذكر عدد غزوات النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسراياه:

[اعلم]: أنه قد اختُلِفَ في عدده غزواة النبيّ صلى الله عليه وسلم التي خرج فيها بنفسه، فذكر ابن سعد في "طبقاته" أنها سبع وعشرون، وقيل: خمس وعشرون، وقيل: أربع وعشرون، وقيل: غير ذلك، والأول هو الصحيح، وإليه أشار الحافظ أبو الفضل العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية السيرة النبوية"، حيث قال:

سَبعًا وَعِشرِينَ اعْدُدَن الْغَزْوَا

أَوَّلُهَا وَدَّانُ وَهْيَ الأَبْوَا

ثُمَّ بُوَاطٌ بَعْدُ فَالْعُشَيْرَا

(1)

فَبدْرٌ الأُولَى فَبدْرُ الْكُبرَى

وَقَينُقَاعٌ وَالسَّوِيقُ

(2)

غَطَفَانْ

وَهْيَ فَذُو أَمَرْ فَغَزوُ بُحْرَانْ

(3)

فَأُحُدٌ بَعْدُ فَحَمْرَاءُ الأَسَدْ

ثُمَّ بَنُو النَّضِيرِ ثُمَّ فِي الْعَدَدْ

ذَاتُ الرِّقَاعِ ثُمَّ بَدْرُ الْمَوْعِدِ

فَدُومَةٌ

(4)

فَالْخَنْدَقَ اذكُرْ وَاعْدُدِ

(1)

- "بُواط" بضم الموحدة، وقد تفتح، وفتح الواو المخففة: جبل من جبال جهينة. و "العشيرة" بضم العين المهملة، وشين معجمة، وقيل مهملة مفتوحة، مصغّرًا، وبهاء في آخره، وعدمها: موضع لبني مُدلِج بناحية الينبع.

(2)

- "السويق" بفتح السين المهملة- سمي به لأن أبا سفيان ألقى جراب السويق، وكان زادهم ليتخفف للهرب.

(3)

- "ذو أمرّ" بفتح الهمزة والميم، والراء المشددة: موضع بنجد. و"بُحران" بضم الموحدة، وفتحها، وسكون الحاء المهملة: موضع من ناحية الْفَرَع -بفتحتين-.

(4)

- بضم الدال، وتفتح: هي دومة الجندل، وهي ما بين الحجاز والشام.

ص: 346

قُرَيْظَةٌ لِحْيَانُ ثُمَّ ذُو قَرَدْ

ثُمَّ الْمُرَيْسِيعُ عَلَى الْقَولِ الأَسَدُّ

ثُمَّ تَلِيهَا عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَهْ

فَخَيْبَرٌ فَعُمْرَةُ الْقَضِيَّهْ

فَفَتْحُ مَكَّةَ حُنَيْنٌ وَتَلَا

غَزَاةُ طَائِفٍ تَبُوكَ قَاتَلَا

مِنْهَا بِتِسْعٍ أُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ

بَدْرٍ بَنِي قُرَيظَةَ الْمُصْطَلِقِ

خَيْبَرَ وَالْفَتْحِ حُنَيْنٍ طَائِفِ

وَقَدْ حَكَوْا عَنْ قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ

بِأَنَّهُ قَاتَلَ فِي النَّضِيرِ

وَغَابَةٍ وَادِي الْقُرَى الْمَشْهُورِ

وأما عدّة بعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم إلى البلاد، ولم يخرج هو فيها، فقد اختُلف فيها أيضًا، فقيل: ستون ذكره السهيليّ عن المسعوديّ، وقيل: سبع وأربعون، وقيل: ثمان وأربعون، والأول هو الذي مشى عليه الحافظ العراقيّ في "ألفية السيرة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"

(1)

.

‌25 - (كِتَابُ النِّكَاحِ)

أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالّة على أحكام النكاح.

قال الأزهريّ: أصل النكاح في كلام العرب الوطء. وقيل: للتزوُّج نكاح لأنه سبب للوطء المباح. وقال الزّجَاجيّ: هو في كلام العرب الوطء، والعقد جميعًا. وفي "المغرب": وقولهم: النِّكَاح الضمُّ مجاز. وفي "المغيث": النكاح التزويج.

وقالط أبو عليّ الفارسيّ: فرّقت العرب بينهما فرقًا لطيفًا، فإذا قالوا: نَكَحَ فلانةَ، أو بنت فلان، أو أخته أرادوا عَقَدَ عليها، وإذا قالوا: نَكَحَ امرأته، أو زوجته لم يُريدوا إلا الوطء؛ لأن بذكر امرأته، أو زوجته يُستغنى عن ذكر العقد. وقال الفرّاء: العرب تقول نُكحُ المرأةِ -بضمّ النون-: بُضْعُها، وهي كناية عن الفرج، فإذا قالوا: نَكَحَها: أرادوا

(1)

- انتهيت بحمد اللَّه تعالى، وحسن توفيقه من شرح "كتاب الجهاد" من سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- المسمّى بـ"المجتبى" في شهر رمضان المبارك بعد العصر يوم الاثنين 10/ 9/1419هـ الموافق 28 ديسمبر 1998 م.

ص: 347

أصاب نُكْحها، وهو فرجها.

وفي "المحكم": النكاح: الْبُضْعُ، وذلك في نوع الإنسان خاصّة. واستعمله ثعلب في الذُّبَاب، نَكَحَها يَنكِحُها نَكْحًا -بالفتح-، ونِكاحًا -بالكسر-، وليس في الكلام

(1)

فَعَلَ يَفْعِلُ، مما لام الفعل منه حاء إلا يَنكِحُ، وَينْطِحُ، ويَمْنِحُ، ويَنْضِحُ، وَينْبحُ،

ويَرْجِحُ، ويَأْنِحُ، وَيَأْزحُ، ويَمْلِحُ القدر

(2)

، والاسم النُّكْح -بالضمّ-، والنِّكْحُ- بالكسر-، ونِكْحها -بكسر، فسكون-: الذي يتزوّجها، وهي نِكْحَته، وامرأةٌ ناكحٌ بغير هاء: ذات زوج، قال الشاعر [من الطويل]:

أَحَاطَتْ بِخُطَّابِ الأَيَامَى وَطُلِّقَتْ

غَدَاةَ غَدٍ مِنْهُنَّ مَنْ كَانَ نَاكِحًا

وقد جاء في الشعر ناكحةٌ على الفعل، قال الطِّرِمَّاحُ [من المتقارب]:

وَمِثلُكَ نَاحَتْ عَلَيْهِ النِّسَا

ءُ مِنْ بَيْنِ بِكْرٍ إِلَى نَاكِحِهْ

ويقوّيه قول الآخر [من الوافر]:

لَصَلْصَلَةُ اللِّجَامِ بِرَأْسِ طِرْفٍ

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنَّ تَنْكِحِنِي

قال ابن الأثير: ولا يقال: ناكح إلا إذا أرادوا بناء الاسم من الفعل، فيقال: نكحَتْ، فهي ناكحٌ، ومنه حديث سُبيعة:"ما أنت بناكح حتى تنقضي العدّة".

واستنكح في بني فلان تزوّج فيهم. وحكى الفارسيّ: استنكحها، كنكحها؛ وأنشد [من الطويل]:

وَهُمْ قَتَلُوا الطَّائِيَّ بِالْحِجْرِ عَنْوَةٌ

أَبَا جَابِرِ وَاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جَابِرٍ

(3)

(1)

- قوله: "وليس في الكلام فعل يفعِلُ الخ" الحصر إضافيّ، وإلا فقد فاته يَنتِح، وينزِح، ويَصمِح، ويَجنِح، ويأمِح. ذكره في هامش "اللسان". 2/ 626.

(2)

- قال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الأفعال التي قالوا: إنها جاءت على يَفْعِلُ -بكسر العين- يعني في المضارع قد جاء منها بفتح العين أيضًا في المضارع، قال الجوهريّ: نَطَحه الكبشُ ينطِحه، وينطَحه -بكسر عين الفعل، وفتحها، ومنحه يَمنِحه، وَيَمْنَحه، من المنح، وهو العطاء. ويقال: نضحت القربة تنضَحُ بالفتح- قاله الجوهريّ، ونبح الكلبُ ينبَحُ -بالفتح- وينبحُ -بالكسر- نبحًا، ونَبِيحًا، ونُبَاحًا، ويباحًا -بالضمّ والكسر-. ورَجَح الميزانُ يَرجِحُ- بالكسر والفتح-، ويرجُحُ-بالضمّ- ويقال: أنحَ الرجلُ يأنِحُ -بالكسر- أنحًا، وأنيحًا، وأُنوحًا: إذا ضجر من ثقل يجده من مرض، أو بُهْر كأنه يتنحْنَحُ، ولا يبين. وأزح الرجلُ يأرحُ أزْحًا بالزاي: إذا تَقَبَّضَ. ومَلَحْتُ القدرَ أَمْلِحها -بالفتح والكسر مَلْحًا -بالفتح-: إذا طرحتَ فيها من الملح بِقَدَرٍ وتقول: أملحتُ القدرَ: إذا أكثرت فيها الملح حتى فسدت، وفي "التوضيح": وللنكاح عدّة أسماء جمعها أبو القاسم اللغويّ، فبلغت ألف اسم وأربعين اسمًا انتهى "عمدة القاري" ببعض تصرّف 16/ 251.

(3)

- راجع "لسان العرب" في مادة نكح. و"عمدة القاري" 16/ 251

ص: 348

قال النوويّ: وأما حقيقة النكاح عند الفقهاء ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا -يعني الشافعيّة- حكاها القاضي حسين من أصحابنا فىِ "تعليقه": [أصحّها]: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطىء، وهذا هو الذي صححه أبو الطيّب، وأطنب في الاستدلال له، وبه قطع المتولّي وغيره، وبه جاء القرآن العزيز، والأحاديث. [والثاني]: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، وبه قال أبو حنيفة. [والثالث]: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك انتهى

(1)

.

وقال القرطبيّ: حقيقة النكاح: الوطء، وأصله الإيلاج، وهو الإدخال، وقد اشتهر إطلاته على العقد، كما قال اللَّه تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [الأحزاب:49] أي إذا عقدتم عليهنّ. وقد يُطلق النكاح، ويُراد به العقد والوطء، كما في قوله تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} الآية [البقرة: 221]، أي لا تعقدوا عليهنّ، ولا تطؤوهنّ انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": النكاح في اللغة الضمّ والتداخل، وتجوّز من قال: إنه الضمّ. وقال الفرّاء: النُّكْح بضمّ، ثم سكون: اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثُر استعماله في الوطء، وسُمّي به العقد لكونه سببه. قال أبو القاسم الزجّاجيّ: هو حقيقةٌ فيهما. وقال الفارسيّ: إذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان، فالمراد العقد، وإذا قالوا: نكح زوجته، فالمراد الوطء. وقال آخرون: أصله لزوم شيء لشيء، مستعليًا عليه، ويكون في المحسوسات، وفي المعاني، قالوا: نكح المطرُ الأرضَ، ونكح النعاسُ عينَهُ، ونَكَحْتُ القَمْحَ في الأرض: إذا حرثتها، وبذرته فيها، ونكحت الحصاةُ أخفاف الإبل.

وفي الشرع: حقيقةٌ في العقد، مجاز في الوطء على الصحيح، والحجّة في ذلك كثرةُ وروده في الكتاب والسنّة للعقد حتى قيل: إنه لم يَرِد في القرآن إلا للعقد، ولا يَرِدُ مثلُ قوله:{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]؛ لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنّة، وإلا فالعقد لا بدّ منه؛ لأن قوله:{حَتَّى تَنْكِحَ} معناه حتّى تتزوّج، أي يعقد عليها، ومفهومه أن ذلك كافٍ بمجرّده، لكن بيّنت السنّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية، بل لا بدّ بعد العقد من ذوق العُسَيلَة، كما أنه لا بُدّ بعد ذلك من التطليق، ثم العدّة.

نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يَرِد في القرآن إلا للتزويج، إلا في قوله تعالى:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} الآية [النساء: 6]، فإن المراد به الْحُلُم. واللَّه أعلم.

(1)

- "شرح مسلم" 9/ 176.

(2)

- "المفهم" 4/ 80.

ص: 349

وفي وجه للشافعّية، كقول الحنفيّة أنه حقيقة في الوطء، مجازٌ في العقد. وقيل:

مقولٌ بالاشتراك على كلّ منهما. وبه جزم الزجّاجيّ. قال الحافظ: وهذا الذي يترجّح في نظري، وإن كان أكثر ما يُستعمل في العقد. ورجّح بعضهم الأول بأن أسماء الجماع كلّها كنايات؛ لاستقباح ذكره، فيبعُدُ أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعه لما لا يستفظعه، فدلّ على أنه في الأصل للعقد. وهذا يتوقّف على تسليم المدّعَى أنها كلّها كنايات. وقد جمع اسم النكاح ابن القطّان، فزادت على الألف. انتهى

(1)

.

وقال الإمام ابن قدامة في "المغني": النكاح في الشرع: هو عقد التزويج، فعند إطلاق لفظه يَنصرف إليه، ما لم يَصرفه عنه دليلٌ. وقال القاضي: الأشبه بأصلنا أنه حقيقةٌ في العقد والوطء جميعًا؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج؛ لدخوله في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} الآية [النساء: 22].

وقيل: بل هو حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، تقول العرب: أَنكَحْنا الفَرَا، فسنَرَى، أي أضربنا فحل حمر الوحش أمَّه، فسنرى ما يتولّد منهما، يُضرب مثلاً للأمرين يجتمعون عليه، ثم يتفرّقون عنه، وقال الشاعر [من الطويل]:

وَمِنْ أَيِّمٍ قَدْ أَنْكَحَتْنَا رِمَاحُنَا

وَأُخْرَى عَلَى خَالٍ وَعَمٍّ تَلَهَّفُ

والصحيح ما قلنا؛ لأن الأشهر استعمال لفظة النكاح بإزاء العقد في الكتاب، والسنّة، ولسان أهل العرف. وقد قيل: ليس في الكتاب لفظ نكاح بمعنى الوطء، إلا قوله تعالى:{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]؛ ولأنه يصحّ نفيه عن الوطء، فيقال: هذا سِفَاح، وليس بنكاح، ويُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وُلدتُ من نكاح، لا من سِفَاح"

(2)

. ويقال عن السُّرِّيّة: ليست بزوجة، ولا منكوحة. ولأن النكاح أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما عقد النكاح، فكان حقيقة فيه، كاللفظ الآخر. وما ذكره القاضي يُفضي إلى كون اللفظ مشتركًا، وهو على خلاف الأصل، وما ذكره الآخرون يدلّ على الاستعمال فىِ الجملة، والاستعمال فيما قلنا أكثر وأشهر، ثم لو قُدِّر كونه مجازًا في العقد لكان استمالاً عرفيًّا، يجب صرف اللفظ عند الإطلاق إليه؛ لشهرته، كسائر الأسماء العرفيّة انتهى كلام ابن قدامة

(3)

.

(1)

- "فتح" 10/ 129.

(2)

- أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 214. وقال: رواه الطرانيّ عن المدينيّ، عن أبي الحويرث، ولم أعرف المدينيّ، ولا شيخه، وبقيّة رجاله وُثّقوا انتهى. وبإسناد الطبرانيّ المذكور أخرجه البيهقيّ في "الكبرى" 7/ 190. فتبيّن بهذا أن الحديث لا يصحّ بهذا الإسناد؛ للجهالة المذكورة.

(3)

- "المغني" 9/ 339 - 340.

ص: 350

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تلخّص مما سبق أن الأرجح قول من قال: إن النكاح حقيقة في العقد، مجاز في الوطء؛ لقوّة دليله كما بينها ابن قدامة آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

‌1 - (ذِكْرُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النِّكَاحِ، وَأَزْوَاجِهِ، وَمَا أَباحَ اللَّهُ عز وجل لِنَبِيهِ صلى الله عليه وسلم، وَحَظَرَهُ عَلَى خَلْقِهِ؛ زِيَادَةً فِي كَرَامَتِهِ، وَتَنْبِيهًا لَفَضِيلَتِهِ

(1)

)

أي هذا باب ذكر الأحاديث المشتملة على بيان شأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلّق بالنكاح، وبأزواجه - رضي اللَّه تعالى - عنهنّ -، وبيان ما أباح اللَّه عز وجل له صلى الله عليه وسلم من النساء، وحظره -أي حرّمه- على أمته صلى الله عليه وسلم؛ زيادة فى تكريمه، وتنبيهًا على فضيلته صلى الله عليه وسلم. فقوله:"ذكر أمر الخ" من إضافة المصدر إلى مفعوله، والمراد بالأمر هنا الحال والشأن، وجمعه أمورٌ، وعليه قوله عز وجل:{وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97]. قاله الفيّوميّ.

وقوله: "في النكاح" يتعلّق بـ"أمر". وقوله: "حظره" من باب قتل: أي منعه، وحرّمه.

وقوله: "زيادة"، و"تنبيهًا" بالنصب على المفعوليّة لأجله، أي إنما أباحه له صلى الله عليه وسلم، وحرّمه على غيره من أمته؛ لأجل أن يزيده في كرامته، وليُنبّه الخلق على أَنَّ له صلى الله عليه وسلم فضيلة على غيره.

و"الفضيلة" كالفَضْل: الخير، وهو خلاف النقيصة، والنقص. قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

3296 -

(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا

(2)

ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ

(1)

وفي "الكبرى": "وتبيينًا لفضله".

(2)

- وفي نسخة: "أخبرنا".

ص: 351

- صلى الله عليه وسلم بِسَرِفَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ مَيْمُونَةُ، إِذَا رَفَعْتُمْ جَنَازَتَهَا، فَلَا تُزَعْزِعُوهَا، وَلَا تُزَلْزِلُوهَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ مَعَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَوَاحِدَةٌ لَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ لَهَا).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أبو داود سليمان بن سيف) بن يحيى بن درهم الطائيّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة حافظ [11] 103/ 136.

2 -

(جعفر بن عون) بن جعفر المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوق [9] 40/ 684.

3 -

(ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل ويدلّس [6] 28/ 32.

4 -

(عطاء) بن أبي رباح أسلم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [3] 112/ 154.

5 -

(ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - 27/ 31. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فإنه حرّانيّ، وشيخ شيخه، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (1696) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَطَاءٍ) بن أبي رباح أنه (قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ) -بكسر الجيم، وفتحها، والكسر أفصح-: والمراد سريرها الذي وضعت هي عليه لَمّا ماتت. من جَنَزتُ الشيءَ أجنِزه، من باب ضرب: إذا سترته. قال الأصمعيّ، وابن الأعرابيّ: بالكسر الميت نفسه، وبالفتح السرير. وروى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر السرير، وبالفتح الميت نفسه. قاله الفيّوميّ. وفي "القاموس": والْجِنَازة: الميتُ، ويُفتح، أو بالكسر: الميتُ، وبالفتح: السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت انتهى.

وميمونة هي بنت الحارث الهلاليّة، قيل: اسمها برّة، فسمّاها النبيّ صلى الله عليه وسلم ميمونة،

ص: 352

وتزوّجها بسرف، سنة سبع من الهجرة، وماتت بها، ودُفنت سنة (51) على الصحيح (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) بالجرّ بدل من "ميمونة"(بِسَرِفَ) -بفتح المهملة، وكسر الراء، بعدها فاء-: مكان معروف بظاهر مكة، تقدّم بيانه في "كتاب الحجّ".

وأخرج ابن سعد بإسناد صحيح عن يزيد بن الأصمّ، قال:"دفنّا ميمونة بسرف، في الظلّة التي بنى بها فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم). ومن وجه آخر عن يزيد بن الأصمّ، قال: "صلّى عليها ابن عبّاس، ونزل في قبرها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعبيد اللَّه الْخَوْلانيّ، ويزيد بن الأصمّ". أما عبد الرحمن، فهي خالة أبيه، وأما عُبيد اللَّه الخولانيّ، فكان في حجرها، وأما يزيد بن الأصمّ، فهي خالته، كما هي خالة لابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم -. أفاده في "الفتح"

(1)

.

(فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (هَذِهِ مَيْمُونَةُ، إِذَا رَفَعْتُمْ جَنَازَتَها) تقدّم قريبًا ضبطه، وفي "عشرة النساء":"فإذا رفعتم نَعْشها" -بعين مهملة، وشين معجمة-: السرير الذي يوضع عليه الميت (فَلَا تُزَعْزِعُوهَا) -بزايين معجمتين، وعينين مهملتين- والزعزعة تحريك الشي الذي يُرفَع. والضمير للجنازة، أي لا تحرّكوا جنازتها؛ احترامًا لهَا، وتوقيرًا. وقوله (وَلَا تُزَلْزِلُوهَا) الزلزلة الاضطراب، فيكون مؤكّدًا لـ "تُزَعزعُوها"، وزاد في "عشرة النساء":"وارفُقُوا"، وفيه إشارة إلى أن مراده السير الوسط المعتدل (فَإنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كانَ مَعَهُ تِسْعُ نِسْوَةِ) أي عند موته، وهنّ سودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجُويرية، وصفيّة، وميمونة، هذا ترتيب تزويج صلى الله عليه وسلم إياهنّ - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، ومات، وهنّ في عصمته، واختُلف في رَيحانة، هل كانت زوجة، أو سُرّيّةً، وهل ماتت قبله، أم لا؟. وسيأتي تمام البحث فيهنّ في المسائل إن شاء اللَّه تعالى (فَكَانَ يَقْسِمُ) بفتح أوّله، من باب ضرب (لِثَمَانٍ) أي ومن جملتهنّ ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فينبغي لكم أن تَعرِفوا فضلها، وتُراعوه (وَوَاحِدَةٌ لَم يَكُنْ يَقْسِمُ لَهَا) زاد مسلم في روايته:"قال عطاء: التي لا يَقسم لها صفيّة بنت حُييّ بن أخطب". قال عياض: قال الطحاويّ: هذا وَهَمٌ، وصوابه سودة، كما يأتي أنها وهبت يومها لعائشة، وإنما غلط فيه ابن جريج، راويه عن عطاء، كذا قال. قال عياض: قد ذكروا في قوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} [الأحزاب: 51] أنه آوى عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان يستوفي لهنّ الْقَسْمَ، وأرجأ سودة، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة، وصفيّة، فكان يَقسم لهنّ ما شاء. قال:

(1)

- "فتح" 10/ 141.

ص: 353

فيحتمل أن تكون رواية ابن جريج صحيحة، ويكون ذلك في آخر أمره، حيث آوى الجميع، فكان يَقسم لجميعهنّ إلا لصفيّة.

قال الحافظ: قد أخرج ابن سعد من ثلاثة طرق أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقسم لصفيّة، كما يَقسم لنسائه. لكن في الأسانيد الثلاثة الواقديّ، وليس بحجّة، وقد تعصّب مغلطاي للواقديّ، فنقل كلام من قوّاه، ووثّقه، وسكت عن ذكر من وهّاه، واتّهمه، وهم أكثر عدذا، وأشدّ إتقانًا، وأقوى معرفةً به من الأولين، ومن جملة ما قوّاه به أن الشافعيّ روى عنه، وقد أسند البيهقيّ عن الشافعيّ أنه كذّبه. ولا يقال: فكيف روى عنه؟؛ لأنا نقول: رواية العدل ليست بمجرّدها توثيقًا، فقد روى أبو حنيفة عن جابر الْجُعفيّ، وثبت عنه أنه قال: ما رأيت أكذب منه.

فيترجّح أن مراد ابن عبّاس بالتي لا يَقسم لها سودة، كما قاله الطحاويّ؛ لحديث عائشة:"أن سودة وهبت يومها لعائشة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها، ويوم سودة"، كما سيأتي.

لكن يحتمل أن يقال: لا يلزم من أنه كان لا يبيت عند سودة أن لا يقسم لها، بل كان يقسم لها، لكن يبيت عند عائشة لما وقع من تلك الهبة. نعم يجوز نفي القسم عنها مجازًا.

قال الحافظ: والراجح عندي ما ثبت في "الصحيح"، ولعلّ البخاريّ حذف هذه الزيادة عمدًا.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهي أيضًا محذوفة في رواية المصنّف. واللَّه تعالى أعلم.

قال: وقد وقع عند مسلم أيضًا فيه زيادة أخرى من رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال عطاء: كانت آخرهنّ موتًا، ماتت بالمدينة.

كذا قال، فأما كونها آخرهن موتًا، فقد وافق عليه ابن سعد وغيره، قالوا: وكانت وفاتها سنة إحدى وستين، وخالفهم آخرون، فقالوا: ماتت سنة ستّ وخمسين. ويعكر عليه أن أم سلمة عاشت إلى قتل الحسين بن عليّ، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقيل: بل ماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، والأول أرجح. ويحتمل أن تكونا ماتتا في سنة واحدة، لكن تأخّرت ميمونة. وقد قيل أيضًا: إنها ماتت سنة ثلاث وستّين. وقيل: سنة ستّ وستّين. وعلى هذا لا ترديد في آخريّتها في ذلك.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجيح الحافظ هنا يخالف ترجيحه في "تهذيب التهذيب"، و"التقريب"، حيث قال: وتوفيت سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث

ص: 354

وستّين. وقيل: سنة ستّ وستّين. قال: والقول الأول هو الصحيح، وأما الأخيران، فغلط بلا ريب، فقد صحّ من حديث يزيد بن الأصمّ، قال: دخلت على عائشة بعد وفاة ميمونة، فقالت: كانت من أتقانا. انتهى

(1)

.

قال: وأما قوله: "وماتت بالمدينة"، فقد تكلّم عليه عياض، فقال: ظاهره أنه أراد ميمونة، وكيف يلتئم مع قوله في أول الحديث: إنها ماتت بسرف، وسرف من مكة بلا خلاف، فيكون قوله:"بالمدينة" وَهَمًا.

قال الحافظ: ويحتمل أن يريد بالمدينة البلد، وهي مكّة، والذي في أول الحديث أنهم حضروا جنازتها بسرف، ولا يلزم من ذلك أنها ماتت بسرف، فيحتمل أن تكون ماتت داخل مكة، وأوصت أن تُدفن بالمكان الذي دخل بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فيه، فنفّذ ابن عباس وصيّتها، ويؤيّد ذلك أن ابن سعد لما ذكر حديث ابن جريج هذا قال بعده: وقال غير ابن جريج في هذا الحديث توفّيت بمكة، فحملها ابن عبّاس حتى دفنها بسرف انتهى

(2)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا- 1/ 3197 - وفي "الكبرى" 1/ 5304، وفي "عشرة النساء"8924. وأخرجه (خ) في "النكاح" 5067 (م) في "الرضاع" 1465 (أحمد) في "مسند بني هاشم" 2045 و 3249 و 3251. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما خصّ اللَّه تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم. فيما يتعلّق بالنكاح، حيث أباح له أكثر من أربع زوجات. (ومنها): أن من أغرب ما اتفق من الأحداث، ما اتفق لميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث إنه صلى الله عليه وسلم تزوّجها سنة سبع من الهجرة، بسرف، ثم توفّيت بعد ذلك سنة (51)، وقيل. بعد ذلك بسرف، ودُفنت في الظلّة التي بنى بها فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبين تزويجها، ووفاتها أزيد من ثلاث

(1)

- "تهذيب التهذيب" 4/ 689. و"تقريب التهذيب" 473.

(2)

- "فتح" 10/ 142.

ص: 355

وأربعين سنة، واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه بيان ما لأمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ - من الاحترام، والتعظيم أكثر من غيرهنّ.

(ومنها): أن حرمة المؤمن بعد موته باقية، كما كانت في حياته، وفيه حديث:"كسر عظم الْميّت ككسره حيًّا". أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في عدد أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهن على أربعة أقسام: قسم منهن مُتْن قبله، وقسم منهن مات قبلهنّ، وقسم فارقهنّ، وقسم خطبهنّ، ولم يزوّجهنّ:

فأما القسم الأول -وهنّ اللاتي مُتْن قبله- فهنّ سبع:

(الأولى): خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قُصيّ بن كلاب، وكانت قبله عند أبي هالة

(1)

، واسمه زُرارة بن النبّاش الأسديّ، وكانت قبله عند عَتيق بن عائذ، ولدت منه غلامًا اسمه عبد مناف، وولدت من أبي هالة هند بن أبي هالة، وعاش إلى زمن الطاعون، فمات فيه، ويقال: إن الذي عاش إلى زمن الطاعون هند بن هند، وسُمعت نادبته تقول حين مات: واهند بن هنداه، واربيب رسول اللَّه، وهي أول امرأة تزوّجها قبل النبوّة عند مرجعه من الشام، وكانت يوم تزوّجها رسوِل اللَّه صلى الله عليه وسلم بنت أربعين سنة، وتوفيت بعد أن مضى من النبوّة سبع سنين، وقيل: عشر، وكان لها حين توفّيت خمس وستّون سنة، وهي أول امرأة آمنت به، وهي أم بنيه وبناته، إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطيّة، كان المقوقس أهداها إليه، ولم يتزوّج على خديجة أحدًا حتى ماتت. قال حكيم بن حزام: توفيت خديجة، فخرجنا بها من منزلها حتى دفنّاها بالحجون، ونزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حفرتها، ولم تكن يومئذ سنة الجنازة في الصلاة عليها.

(الثانية): زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد اللَّه بن عمرو بن عبد مناف بن هلال ابن عامر بن صعصعة الهلاليّة، كانت تسمّى في الجاهلية أم المساكين؛ لإطعامها إياهم، تزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهرًا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم في آخر ربيع الأول على رأس تسعة وثلاثين شهرًا، ودُفنت بالبقيع، وكانت أخت ميمونة من أمها.

(الثالثة): سَنَا بنت أسماء بن الصلت السلمية، ماتت قبل أن تصل إليه

(2)

. (والرابعة): شَرَافُ بنت خليفة، أخت دحية الكلبيّ، ماتت قبل أن تصل إليه.

(1)

- في كتب الصحابة أقوال فيمن كان قبلُ.

(2)

- هذه ذكرها الماورديّ في الحاوي. وذكرها في "الإصابة" 12/ 317 - 318.

ص: 356

(والخامسة): خولة بنت الهذيل بن هُبيرة، تزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وماتت قبل أن تصل إليه. (والسادسة): خولة بنت حكيم السلمية، ماتت قبل دخوله بها. وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم. (والسابعة): ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خُنافة من بني النضير، سباها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأعتقها، وتزوجها سنة ستّ، وماتت مرجعه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع. وقال الواقديّ: ماتت سنة ست عشرة، وصلى عليها عمر. قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: وقد سمعت من يقول: إنه كان يطؤها بملك اليمين، ولم يُعتقها. قال القرطبيّ: ولهذا -واللَّه أعلم- لم يذكرها أبو القاسم السهيليّ في عداد أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم.

فهؤلاء سبعٌ مُتْنَ قبله، دخل منهنّ بثلاثة، ولم يدخل بأربع. واللَّه تعالى أعلم.

(وأما القسم الثاني): -وهنّ اللاتي مات عنهن- فهنّ تسع:

فإحداهنّ عائشة بنت أبي بكر الصدّيق، كانت مسمّاة لجبير بن مطعم، فخطبها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه دعني أسلها من جُبير سلًّا رفيقًا، فتزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهي أول امرأة تزوجها بعد موت خديجة، وقيل: هي بعد سودة، ولم يتزوّج بكرًا غيرها، عقد عليها بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وهي أبنة ست، ودخل بها بالمدينة، وهي ابنة تسع، ومات عنها، وهي ابنة ثماني عشرة، ماتت سنة (59) وقيل:(58) وقيل: (57) وهو الصحيح.

(والثانية): سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامريّة، أسلمت قديمًا، وبايعت، وكانت عند ابن عمّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، وأسلم هو أيضًا، وهاجرا جميعًا إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها. وقيل: مات بالحبشة، فلما حلّت خطبها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فتزوّجها، ودخل بها بمكة، وهاجر بها إلى المدينة، قيل: تزوّجها بعد عائشة، وقيل: قبلها، وكانت أم خمس صبية، فلما عَرَف أخوها عبد بن زمعة أنها تزوّجت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حثى التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني لَسَفِيه لَمّا حثوت التراب على رأسي، حين تزوّج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أختي. وتوفيت بالمدينة سنة (54).

(والثالثة): حفصة بنت عمر بن الخطّاب القرشية العدوية، تزوّجها بعد سودة، تزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم طلقها، فأتاه جبريل، فقال:"إن اللَّه يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة"، فراجعها. وكان عثمان قد خطبها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلّك على من هو خير لها من عثمان، وأدلّ عثمان على من هو خير له منها، فتزوجها،

ص: 357

وزوّج بنته أم كلثوم بعثمان. وتوفيت شعبان سنة (45) في خلافة معاوية، وهي ابنة (60) سنة، وقيل: ماتت في خلافة عثمان بالمدينة.

(والرابعة): أم سلمة بنت أبي أميّة، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية، واسم أبي أمية سُهيل، تزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوّال سنة أربع، وتوفيت سنة (59) وقيل:(62) والأول أصحّ، وصلى عليها سعيد بن زيد، وقيل: أبو هريرة، وقُبرت بالبقيع، وهي ابنة (84) سنة.

(والخامسة): أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشيّ؛ ليخطب عليه أم حبيبة، فزوّجه إياها، وذلك سنة سبع من الهجرة، وأصدق النجاشيّ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار، وبعث بها معِ شُرَحبيل بن حَسَنة، وتوفيت سنة (44). وقال الدارقطنيّ: كانت أم حبيبة تحت عبيد اللَّه بن جحش، فمات بأرض الحبشة على النصرانية، فزوجها النجاشيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمهرها أربعة آلاف، وبعث بها مع شُرحبيل بن حسنة. انتهى

(1)

.

وقيل: إنه نزل في تزويجها: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} الآية [الممتحنة: 7]، ولما تنازع أزواج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حضانة ابنه إبراهيم، قال:"ادفعوه إلى أم حبيبة، فإنها أقربهن منه رحمًا"

(2)

.

(والسادسة): زينب بنت جحش بن رئاب الأسديّة، وكان اسمها برّة، فسماها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زينب، نزل عنها زيد بن حارثة، فتزوجها، وفيها نزل قوله تعالى:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} الآية [الأحزاب:37]، وكانت بنت عمة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأمها أميمة بنت عبد المطّلب، تزوجها النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة خمس من الهجرة، وتوفّيت سنة عشرين، وهي بنت (53).

(والسابعة): ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، تزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بسرف على عشرة أميال من مكة، وذلك سنة سبع من الهجرة في عمرة القضيّة، وهي آخر امرأة تزوّجها صلى الله عليه وسلم، وقضى اللَّه تعالى أن ماتت بعد ذلك بسرف المكان الذي بنى بها صلى الله عليه وسلم فيه، سنة (61) وقيل: سنة (63) وقيل: سنة (68).

(والثامنة): جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، من بني المصطلق من خزاعة، سباها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع التي هدم فيها مناة، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فقضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كتابتها،

(1)

- "تفسير القرطبيّ" 14/ 165.

(2)

- ذكر هذا الماورديّ في "الحاوي".

ص: 358

وتزوّجها في شعبان سنة ستّ، وكان اسمها برّة، فسماها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جويرية. وتوفيت في ربيع الأول سنة (56) وقيل: سنة (50) وهي بنت (65) سنة.

وقال الشعبيّ: وجعل عتقها صداقها، فلما فعل ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما أباقى أحدٌ من المسلمين عبدًا من قومها إلا أعتقه لمكانتها، فقيل: إنها كانت أبرك امرأة على قومها.

(والتاسعة): صفية بنت حُييّ بن أخطب، الهارونيّة، اصطفاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من سبي النضير، ثم أعتقها، وتزوّجها، وجعل عتقها صداقها، وهي التي أهدت إليها زينب بنت الحارث اليهوديّة شاةٌ مسمومة، فأكل منها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وفي "الصحيح": إنها وقعت في سهم دحية الكلبيّ، فاشتراها منه صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس، وماتت في سنة (50) وقيل:(52) ودفنت بالبقيع.

فهؤلاء تسع مات عنهنّ، وكان يَقسم لثمان منهنّ، غير سودة - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. (وأما القسم الثالث): -وهنّ اللاتي فارقهنّ في حياته- فهنّ إحدى عشرة:

(1)

- أسماء بنت النعمان الكنديّة، وهي الجونيّة، قال قتادة: لما دخل عليها، دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلّقها. وقال غيره: هي التي استعاذت منه. وفي "صحيح البخاريّ": قال: "تزوّج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أُميمة بنت شراحيل، فلما أُدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيد أن يُجهّزها، ويكسوها ثوبين". وفي لفظ آخر: قال أبو أُسيد: أُتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالْجَونيّه، فلما دخل عليها قال:"هبي لي نفسك"، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده ليضعها عليها لتسكن؛ فقالت: أعوذ باللَّه منك، فقال:"قد عذت بمعاذ"، ثم خرج علينا، فقال: "يا أسيد اكسها رازقيين

(1)

، وألحقها بأهلها".

(2)

- ليلى بنت الْخَطِيم أتت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو غافلٌ، فضربت ظهره، فقال:"من هذا؟، أكله الأسود"، فقالت: أنا ليلى، قد جئتك أَعْرِض نفسي عليك، فقال:"قد قبلتك"، ثم علمت كثرة ضرائرها، فاستقالته، فأقالها، فدخلت حائطًا بالمدينة، فأكلها الذئب

(2)

.

(3)

- عمرة بنت يزيد الكلابية، ذكرها ابن إسحاق، فقال: وتزوج عمرة بنت يزيد إحدى نساء بني بكر بن كلاب، ثم طلقها قبل أن يدخل بها

(3)

.

(1)

- الرازقية ثياب من كتان بيض طوال.

(2)

- ذكرها الماورديّ في "الحاوي". والقصّة هذه أخرجها ابن سعد، وهي لا تصحّ، لأن في سندها الكلبيّ، كما ذكره في "الإصابة" 13/ 117.

(3)

- راجع "الإصابة" 13/ 54 - 55.

ص: 359

(4)

- العالية بنت ظبيان، دخل بها، ومكثت عنده ما شاء اللَّه، ثم طلّقها

(1)

.

(5)

- فاطمة بنت الضحّاك الكلابيّة، لما خيّر الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه، اختارت فراقه، ففارقها بعد دخوله بها، فكانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: أنا الشقيّة، اخترت الدنيا.

والصحيح أن هذا غير صحيح؛ لأنه ثبت في "الصحيح" عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - حين اختارت النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: وتتابع أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم كلهنّ على ذلك.

(6)

- قتيلة بنت قيس، أخت الأشعث بن قيس، زوّجها إياه الأشعث، ثم انصرف إلى حضرموت، فحملها إليه، فلبغه وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فردّها إلى بلاده، فارتدّ، وارتدّت معه، ثم تزوّجها عكرمة بن أبي جهل، فوجد من ذلك أبو بكر وجدًا شديدًا، فقال له عمر: إنها واللَّه ما هي من أزواجه، ما خيرها، ولا حجبها، ولقد برّأها اللَّه منه بالارتداد، وكان عروة يُنكر أن يكون تزوّجها

(2)

.

(7)

- مليكة بنت كعب الليثية، كانت مذكورة بالجمال، فدخلت إليها عائشة، فقالت: ألا تستحيين أن تتزوجي قاتل أبيك يوم الفتح، فاستعيذي منه، فإنه يُعيذك، فدخل عليها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: أعوذ باللَّه منك، فأعرض عنها، وقال: قد أعاذك اللَّه مني، وطلقها

(3)

.

(8)

- أم شريك الأزديّة، واسمها غُزَية بنت جابر بن حكيم، وكانت قبله عند أبي بكر بن أبي سلمى، فطلّقها النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يدخل بها، وهي التي وهبت نفسها. وقيل: إن التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم.

(9)

- عمرة بن معاوية الكنديّة، تزوجها النبيّ صلى الله عليه وسلم. أخرج أبو نعيم، من طريق مجالد، عن الشعبيّ، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من كندة، فجيء بها بعد ما مات النبيّ صلى الله عليه وسلم.

(10)

- ابنة جندب بن ضمرة الجندعيّة، قال بعضهم: تزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنكر بعضهم وجود ذلك

(4)

.

(11)

- امرأة من غفار، تزوجها، فأمرها، فنزعت ثيابها، فرأى بكشحها بياضًا،

(1)

- راجع "الإصابة" 13/ 38.

(2)

- هكذا ذكر القرطبيّ قصّتها، والذي ذكره الماورديّ في "الحاوي": أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أوصى بتخييرها في مرضه، فاختارت فراقه، ففارقها قبل الدخول. اهـ. فاللَّه تعالى أعلم.

(3)

- قلت: هذه القصّة من رواية الواقديّ، فلا تصحّ. راجع "الإصابة" 13/ 136.

(4)

- راجع "تفسير القرطبيّ" 14/ 168.

ص: 360

فقال: ضمّي إليك ثيابك، والحقي بأهلك. ويقال: إنما رأى البياض بالكلابيّة. فهؤلاء فارقهنّ في حياته، دخل منهنّ بثلاث.

(1)

.

وأما القسم الرابع، وهنّ اللاتي خطبهنّ، ولم يتزوجهنّ، فهنّ ستّ:

(1)

- أم هانئ بنت أبي طالب، واسمها فاختة، خطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني مُصبيةٌ

(2)

، واعتذرت إليه، فعذرها، أخرج قصتها ابن سعد بسند صحيح، عن الشعبيّ، ذكره في "الإصابة".

(2)

- ضباعة بنت عامر، وقد ذكر قصّتها في "الإصابة"، لكن في سنده الكلبيّ، ضعيف.

(3)

- صفية بنت بَشَامة بن نضلة، خطبها صلى الله عليه وسلم، وكان أصابها سباءَ، فخيرها بينه وبين زوجها، فاختارت زوجها، فأرسلها، فلعنها بنو تميم. قاله ابن عباس، لكن في سنده الكلبيّ، وهو ضعيف

(3)

.

(4)

- جمرة بنت الحارث بن عوف المريّ، خطبها صلى الله عليه وسلم، فقال أبوها إن بها سوءًا، ولم يكن بها، فرجع إليها، وقد بَرصت، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر.

(5)

- سودة القرشيّة، خطبها صلى الله عليه وسلم، وكانت مُصبيةٌ، فقالت: أخاف أن يَضغُو

(4)

صِبْيتي عند رأسك، فحمدها، ودعا لها.

(6)

- امرأة لم يُذكر اسمها، قال مجاهد: خطب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم امرأة، فقالت: أستأمر أبي، فلقيت أباها، فأذن لها، فلقيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"قد التحفنا لحفًا غيرك". وهذا مرسل.

فهؤلاء جميع من ذكر من أزواجه صلى الله عليه وسلم.

وكان له من السراري سُريتان: مارية القبطية، وريحانة في قول قتادة

(5)

. وقال غيره: كان له أربع: مارية، وريحانة، وأخرى جميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش

(6)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): أخرج الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بسنده عن

(1)

- راجع "الحاوي الكبير" للماورديّ 9/ 26 - 28. في "كتاب النكاح" و "تفسير القرطبيّ" في "تفسير سورة الأحزاب" 14/ 164 - 169. و"الإصابة في تمييز الصحابة" في قسم النساء.

(2)

أي ذات صبيان، وأطفال.

(3)

- راجع "الإصابة" 13/ 13.

(4)

-أي يصيحوا، ويَضِجّوا.

(5)

- تقدم الخلاف في كونها زوجة، أو سرّيّة.

(6)

- راجع "تفسير القرطبيّ" 14/ 169 وقد تقدّم في أوائل هذا الشرح رقم 170/ 262 ذكر الأبيات التي تتعلق بذكر زوجاته صلى الله عليه وسلم من "ألفية السيرة" للحافظ العراقي، فراجعه تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق.

ص: 361

سعيد بن جُبير، قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟، قلت: لا، قال: فَتَزَوَّجْ، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء".

قيل: معناه: خير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل.

والظاهر-كما قال الحافظ- أن مراد ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بالخير النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبالأمة أخصّاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك الزويج مرجوح، إذ لو كان راجحًا ما آثر النبيّ صلى الله عليه وسلم غيره، فقد كان صلى الله عليه وسلم مع كونه أخشى للَّه تعالى، وأعلمهم به يُكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة؛ لكونه كان لا يجد ما يشبع به من القوت غالبًا، وإن وجد كان يؤثر بأكثره، ويصوم كثيرًا، ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يُطاق ذلك إلا مع قوّة البدن، وقوّةُ البدن -كما سيأتي في شرح حديث ابن مسعود رضي الله عنه الآتي بعد باب- تابعة لما يقوم به من استعمال المقوّيات، من مأكول ومشروب، وهي عنده نادرة، أو معدومة.

وذكر في "الشفا" أن العرب تمدح بكثرة النكاح؛ لدلالته على الرجوليّة

إلى أن قال: ولم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهنّ، وقيامه بحقوقهنّ، واكتسابه لهنّ، وهدايته إياهنّ، وكأنه أراد بالتحصين قصر طرفهنّ عليه، فلا يتطلّعن إلى غيره، بخلاف العزبة، فإن العفيفة تتطلّع بالطبع البشريّ إلى التزويج، وذلك هو الوصف اللائق بهنّ.

والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره صلى الله عليه وسلم من النساء عشرة أوجه، تقدّمت الإشارة إلى بعضها:

(أحدها): أن يكثر من يُشاهد أحواله الباطنة، فينتفي عنه ما يظنّ به المشركون من أنه ساحر، أو غير ذلك. (ثانيها): لتتشرّف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. (ثالثها): للزيادة في تألفهم لذلك. (رابعها): للزيادة في التكليف حيث كلّف أن لا يَشغلَه ما حُبب إليه منهنّ عن المبالغة في التبليغ. (خامسها): لتكثر عشيرته من جهة نسائه، فتزداد أعوانه على من يُحاربه. (سادسها): نقل الأحكام الشرعية التي لا يطّلع عليها الرجال؛ لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يُخفَى مثله. (سابعها): الاطلاع على

محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوّج أم حبيبة، وأبوها إذ ذاك يُعاديه، وصفيّة بعد قتل أبيها، وعمّها، وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خُلُقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحبّ إليهنّ من جميع أهلهنّ. (ثامنها): ما تقدّم مبسوطًا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلّل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم

ص: 362

يقدر على مُؤَن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه صلى الله عليه وسلم. (تاسعها)، و (عاشرها): ما تقدّم نقله عن صاحب "الشفا" من تحصينهنّ، والقيام بحقوقهنّ. قاله في "الفتح"

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3298 -

(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ يُصِيبُهُنَّ، إِلاَّ سَوْدَةَ، فَإِنَّهَا، وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الجوزجانيّ، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والترمذيّ، وهو ثقة حافظ. و"ابن أبي مريم": هو سعيد بن الحكم بن محمد الجمحيّ المصريّ الفقيه الثقة الثبت. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.

وقوله: "يُصيبهنّ" أي يجامعهن. وقوله: "إلا سودة": هي سودة بنت زَمْعَة بن قيس ابن عبد شمس العامريّة القرشيّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، تزوّجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة، وهو بمكة، وماتت سنة (55) على الصحيح.

والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- 1/ 3198 - وفي "الكبرى" 1/ 5307. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3299 -

(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في "أبواب الطهارة" برقم 170/ 263 و 264 - وتقدّم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.

وقوله: "يطوف على نسائه" أي يدخل عليهنّ، وهذا الحديث من أدلّة من يقول: إن القسم ليس واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يقسم لحسن خلقه، وسعة عشرته، وهو الراجح. والذين قالوا بوجوب القسم عليه يؤولون هذا على أنه كان عند قدومه من السفر قبل تقرّر القسم، أو عند تمام الدوران عليهنّ، وابتداء دور آخر، أو كان ذلك عند

(1)

-"فتح" 10/ 143 - 144.

ص: 363

إِذْنِ صاحبة النوبة؛ إذ وطء المرأة في نوبة ضرّتها ممنوع. وفي كلّ هذه التأويلات تكلّف لا يخفى، فالراجح الأول.

ومناسته للترجمة واضحة، حيث إن فيه بيانَ أنه صلى الله عليه وسلم كان له تسع نسوة، فإن هذا مما خصّه اللَّه تعالى به، دون أمته، فإنها لا يحلّ لها إلا مثنى، وثُلاث، ورباع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3200 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ

(1)

، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَقُولُ: أَوَتَهَبُ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا؟ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} الآية [الأحزاب: 51] قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ، إِلاَّ يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ) أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [11] 43/ 50.

2 -

(أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدّث من كتب غيره، من كبار [9] 44/ 52.

3 -

(هشام بن عروة) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه ربما دلّس [5] 49/ 61.

4 -

(أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 40/ 44.

5 -

(عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - 5/ 5. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، وأبي أسامة، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَت: كُنْتُ أَغَارُ) -بفتح الهمزة، والغين

(1)

- بتشديد الراء المكسورة، بصيغة اسم الفاعل المضعف: نسبة إلى محلّة ببغداد.

ص: 364

المعجمة، من باب تَعِب- قال الطيبيّ: أي أَعيب عليهنّ؛ لأن من غار عاب، ويدلّ عليه قولها:"أو تهب المرأة نفسها للرجل؟ "، وهو هنا تقبيح وتنفير لئلا تهب النساء أنفسهن له رضي الله عنه.

و"الغَيْرَة" -بفتح، فسكون: وهي الحميّة، والأَنفَة، يقال: رجلٌ غَيُورٌ، وامرأة غَيُور بلا هاء؛ لأن فعولاً يستوي فيه الذكر والأنثى

(1)

، كما قال في "الخلاصة":

ولَا تَلي فَارقَةً فَعُولَا

أَصْلَا وَلَا الْمِفْعَالَ والْمِفْعِيلَا

كذَاكَ مِفْعَلٌ وَمَا تَلِيهِ

تَا الفَرْقِ مِنْهُ فَشُذُوذٌ فِيهِ

ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمد بن بشر، عن هشام بن عروة، بلفظ:"كانت تُعيّر اللاتي وهبن أنفسهنّ" بعين مهملة، وتشديد.

(عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنفُسَهُنَّ) هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة، ففي حديث سهل بن سعد التالية:"إذ قالت امرأة: إني وهبت نفسي لك". وقد روى أحمد في "مسنده" بإسناد حسن، من طريق الحضرميّ بن لاحق، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول اللَّه، ابنة لي كذا وكذا، ذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك بها، فقال:"قد قَبِلْتها"، فلم تزل تمدحها، حتى ذكرت أنها لم تُصدَع، ولم تَشتَكِ شيئًا قط، قال:"لا حاجة لي في ابنتك". وهذه امرأة أخرى بلا شكّ. وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم هي خولة بنت حكيم". ومن طريق الشعبيّ قال: من الواهبات أمّ شَريك، وأخرجه النسائيّ من طريق عروة. وعند أبي عبيدة معمر بن المثنّى أن من الواهبات فاطمة بنت شُريح. وقيل: إن ليلى بنت الخَطِيم

(2)

ممن وهبت نفسها له. ومنهنّ زينب بنت خُزيمة، جاء عن الشعبيّ، وليس بثابت. وخولة بنت حكيم، وهو في "صحيح البخاريّ". ومن طريق قتادة، عن ابن عباس، قال: التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم هي ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع. وأورده من وجه آخر مرسل، وإسناده ضعيف. ويعارضه حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس:"لم يكن عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له". أخرجه الطبريّ، وإسناده حسن. والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحًا له؛ لأنه راجع إلى إرادته؛ لقوله تعالى:{إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} [الأحزاب: 50].

(1)

- "النهاية" 3/ 401.

(2)

- بالخاء المعجمة، بوزن أَمِير، كلما في "الإصابة"، و"القاموس".

ص: 365

(لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) متعلّق بـ"وهبن"(فَأَقُولُ: أَوَ تَهَبَ الحُرَّةُ نَفْسَهَا؟) استفهام إنكاريّ. وفي رواية البخاريّ: "أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل" (فَأَنزَلَ اللَّه عز وجل: {تُرْجِي} قُرىء مهموزًا، وغير مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته: إذا أخّرته. أي تؤخّرهنّ بغير قسم. وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبريّ عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رزين، وغيرهم. وأخرج الطبريّ أيضًا عن الشعبيّ في قوله تعالى:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} قال: كنّ نساء وهبن أنفسهنّ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فدخل ببعضهنّ، وأرجأ بعضهن، لم ينكحهنّ. وهذا شاذّ، والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات، كما تقدّم.

وقيل: المراد بقوله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} أنه كان همّ بطلاق بعضهنّ، فقلن له: لا تطلّقنا، واقسم لنا ما شئت، فكان يَقسم لبعضهنّ قسمًا مستويًا، وهنّ اللواتي آواهنّ، ويَقسم للبواقي ما شاء، وهنّ اللواتي أرجأهنّ.

فحاصل ما نُقل في تأويل {ترجي} أقوال: [أحدها]: تطلّق، وتُمسك. [ثانيها]: تعتزل من شئت منهت بغير طلاق، وتَقسم لغيرها. [ثالثها]: تَقبَل من شئت من الواهبات، وترُدّ من شئت. وحديث الباب يؤيّد هذا، والذي قبله، واللفظ محتملٌ للأقوال الثلاثة.

{مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} الآية) هذا صريح في أن هذه الآية نزلت بهذا السبب، قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: حملت عائشةَ - رضي اللَّه تعالى عنها - على هذا التقبيح الغَيْرَةُ التي طُبعت عليها النساء، وإلا فقد علمت أن اللَّه تعالى أباح لنبيّه صلى الله عليه وسلم ذلك، وأن جميع النساء لو مَلَّكْنَ له رقّهنّ، ورقابهنّ للنبيّ صلى الله عليه وسلم لكنّ معذورات في ذلك، ومشكورات عليه لعظيم بركته، ولشرف منزلة القرب منه، وعلى الجملة فإذا حُقّق النظر في أحوال أزواجه عُلم أنه لم يحصل أحد في العالم على مثل ما حصلن عليه، ويكفيك من ذلك مخالطة اللحوم، والدماء، ومشابكة الأعضاء والأجزاء، وناهيك بها مراتب فاخرة، لا جَرَمَ هنّ أزواجه المخصوصات به في الدنيا والآخرة. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف

(1)

.

(قُلْتُ: واللَّه مَا أَرَى رَبَّكَ، إِلاَّ يُسَارعُ لَكَ فِي هَوَاكَ) وفي رواية محمد بن بشر: "إني لأرى ربّك يُسارع لك في هواك". أي في رضاك. وقال النوويّ: قولها: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك": هو بفتح الهمزة من "أرَى، ومعناه: يُخفّف عنك، ويوسّع عليك في الأمور، ولهذا خيّرك

(2)

.

(1)

- "المفهم" 4/ 211 - 212.

(2)

- "شرح مسلم "10/ 291.

ص: 366

وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا قولٌ أبرزته الغيرة والدّلال، وهو من نوع قولها:"ما أهجُرُ إلا اسمك". متّفق عليه. و"لا أحمد إلا اللَّه". متفق عليه. وإلا فإضافة الهوى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم مباعدٌ لتعظيمه، وتوقيره الذي أمرنا اللَّه تعالى به، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم منزّهٌ عن الهوى بقوله تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3]، وهو ممن نهى النفس عن الهوى، ولو جعلت مكان "هواك""مرضاتك" لكان أشبه، وأولى، لكن أبعد هذا في حقّها عن نوع الذنوب أن ما يَفعل المحبوب محبوب انتهى

(1)

.

وقال السنديّ: قولها: "واللَّه ما أرى ربك الخ" كناية عن ترك التنفير والتقببح لما رأت من مسارعة اللَّه تعالى أنه يسارع في مرضاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، أي كنت أنفّر النساء عن ذلك، فلما رأيت اللَّه عز وجل يسارع في مرضاته صلى الله عليه وسلم تركت ذلك؛ لما فيه من الإخلال بمرضاته صلى الله عليه وسلم.

قال: وقد يقال: المذموم هو الهوى الخالي عن الهدى؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} الآية [القصص: 50]

(2)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن التأويل الأخير هو الصواب؛ لأن الهوى في أصل اللغة هو محبة الشيء، يقال: هَوِيتُ الشيءَ، من باب تعب: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، فهذا أصل معناه لغة

(3)

، وإن كان يُطلق على ميل النفس، وانحرافها المذموم، فأرادت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هنا محبته صلى الله عليه وسلم لأمر، فهذا عندي أولى مما ذكروه من التأويلات؛ مراعاة لتعظيم جانب عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-3200 - وفي "الكبرى" 1/ 5305. وأخرجه (خ) في "التفسير" 4788 و"النكاح" 5113 (م) في "الرضاع" 1464 (ق) في "النكاح" 2000 (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" 24505 و 2723 و 25719. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

- "المفهم" 4/ 211.

(2)

- راجع شرح السنديّ 6/ 54.

(3)

- راجع "المصباح المنير".

ص: 367

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما أكرم اللَّه تعالى به نبيّه صلى الله عليه وسلم، وفضّله به من حلّ النساء بدون حصر بأربع، أو نحوه. (ومنها): بيان سبب نزول آية: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} الآية. (ومنها): ما كان عليه الصحابيات من الحرص على أن يكنّ من أمهات المؤمنين، فيعرضن أنفسهنّ عليه صلى الله عليه وسلم. (ومنها): أنه صلى الله عليه وسلم لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وفيه خلاف بين أهل العلم، وهذا هو الراجح. (ومنها): ما جُبلت عليه النساء من الغيرة، حيث كانت عائشة تكره النساء اللاتي يعرضن أنفسهنّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم. (ومنها): استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح؛ رجاء عودة صلاحه عليها بما ينفعها في معاشها ومعادها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): أنه لم يُرجىء النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذا التخيير له، بل كان يقسم لهنّ، وإذا أراد أن يذهب إلى غير صاحبة النوبة، استأذنها، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه"، من طريق عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كان يستأذن في يوم المرأة منا، بعد أن أُنزلت هذه الآية:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} [الأحزاب: 51]، فقلت لها: ما كنت تقولين؟، قالت: كنت أقول له، إن كان ذاك إلى، فإني لا أريد، يا رسول اللَّه أن أُوثِرَ عليك أحدا".

قال الزهريّ: ما أعلم أنه أرجأ أحدًا من نسائه. أخرجه ابن أبي حاتمء وعن قتادة: أُطلق له أن يَقسِم كيف شاء، فلم يَقسِم إلا بالسويّة انتهى

(1)

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): اختلف السلف في هذه الآية، فقيل: هي ناسخة لقوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52]، مبيحة له أن يتزوّج ما شاء. وقيل: بل نُسخ قوله: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} بالسنّة، قال زيد بن أسلم: تزوّج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومُليكة، وصفيّة، وجويرية. وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -:"ما مات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ اللَّه له النساء". رواه الترمذيّ، والنسائيّ

(2)

. وقيل: عكس هذا، وهو أن قوله:{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} ناسخة لقوله: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ

} الآية [الأحزاب: 50]. ولقوله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} . وقيل: غير هذا مما هو ظاهر الفساد. وإن صحّ ما نقله زيد بن أسلم فالقول قوله. قاله أبو العباس القرطبيّ

(3)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح أن آية {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} منسوخة بآية

(1)

- "فتح" 9/ 482 "كتاب التفسير".

(2)

- يأتي للمصنف في الباب التالي رقم 3206.

(3)

- "المفهم" 4/ 209 - 210.

ص: 368

{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ} ؛ لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

3201 -

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَنَا فِي الْقَوْمِ، إِذْ قَالَتِ امْرَأَةٌ: إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَأْ فِيَّ رَأْيَكَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: «اذْهَبْ، فَاطْلُبْ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» ، فَذَهَبَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمَعَكَ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ» ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَزَوَّجَهُ بِمَا مَعَهُ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(مُحَمَّدُ بن عَبدِ اللَّهِ بن يَزِيدَ المُقْرِئُ) أبو يحيى المكيّ، 11/ 11.

2 -

(سُفيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [8] 1/ 1.

3 -

(أبو حَازِمٍ) سلمة بن دينار التمّار الأعرج القاصّ المدنيّ، ثقة عابد [5] 40/ 44.

4 -

(سَهلُ بن سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (88) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة، قيل: هو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالمدينة، وتقدّم في 40/ 734. واللَّه تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (159) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بمكيينِ، ومدنيينِ، فشيخه، وسفيان مكيّان، وأبو حازم، وسهل مدنيّان. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد أنه (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة، كما مرّ آنفًا، وقد أخرجه البخاريّ أيضًا من رواية سفيان الثوريّ باختصار، وأخرجه ابن ماجه من روايته أتمّ منه، والإسماعيليّ أتمّ من ابن ماجه، والطبرانيّ مقرونًا برواية معمر، وأخرج رواية ابن عيينة أيضًا مسلم.

(قَالَ) سفيان (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج المدنيّ. قال في "الفتح": هذا الحديث مداره على أبي حازم، وهو من صغار التابعين، حدّث به كبار الأئمّة عنه، مثل

ص: 369

مالك، وروايته عند البخاريّ، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ

(1)

. وحمّاد بن زيد، وروايته عند الشيخين. وفضيل بن سليمان، ومحمد بن مطرّف أبو غسّان، وروايتهما عند البخاريّ. ويعقوب بن عبد الرحمن الإسكندرانيّ

(2)

، وعبد العزيز بن أبي حازم، وروايتهما عند البخاريّ أيضًا. ورواية عبد العزيز أخرجها مسلم أيضًا. وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وزائدة بن قدامة، وروايتهما عند مسلم. ومعمر، وروايته عند الطبراني. وعبد الملك بن جريج، وروايته عند أبي الشيخ في "كتاب النكاح". وقد روى طرفًا منه سعيد بن المسيّب، عن سهل بن سعد، أخرجه الطبرانيّ.

وجاءت القصّة أيضًا من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - عند أبي داود باختصار، والنسائيّ مطوّلةً. وابن مسعود رضي الله عنه عند الدارقطنيّ. ومن حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند أبي عمر بن حيويه في "فوائده". وضُميرة جدّ حسين بن عبد اللَّه عند الطبراني. وجاءت مختصرة من حديث أنس رضي الله عنه، وهي عند البخاريّ، والنسائيّ، وابن ماجه

(3)

. ومن حديث أبي أمامة رضي الله عنه عند تمام في "فوائده". ومن حديث جابر، وابن عباس رضي الله عنهما عند أبي الشيخ في "كتاب النكاح". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وسأذكر ما في هذه الروايات من فائدة زائدة، إن شاء اللَّه تعالى

(4)

. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سأقتدي أنا بالحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في ذكر تلك الفوائد في هذا الشرح، إن شاء اللَّه تعالى.

(عَنْ سَهْلِ بنِ سَعدِ) الساعديّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وفي رواية ابن جريج: "حدثني أبو حازم، أن سهل بن سعد أخبره

" (قَالَ: أَنَا في الْقَوْمِ) وفي رواية البخاريّ: "إني لفي القوم عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ قامت امرأة

". وفي رواية فضيل ابن سليمان: "كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم جلوسًا، فجاءته امرأةٌ". وفي رواية هشام بن سعد:"بينما نحن عند النبيّ صلى الله عليه وسلم أتت إليه امرأة".

قال الحافظ: وكذا في معظم الروايات "أن امرأة جاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم"، ويمكن ردّ رواية سفيان إليها بأن يكون معنى قوله:"قامت" وقفت، والمراد أنها جاءت إلى أن وقفت عندهم، لا أنها كانت جالسةٌ في المجلس، فقامت. وفي رواية سفيان الثوريّ عند الإسماعيليّ:"جاءت امرأة إلى النبيّ- صلى الله عليه وسلم، وهو في المسجد"، فأفاد تعيين المكان

(1)

- يأتي برقم 69/ 3360.

(2)

- رواية يعقوب ستأتي للمصنف برقم 62/ 3340.

(3)

يأتي للمصنف برقم 25/ 3250 و 3251.

(4)

- "فتح" 10/ 257 - 258.

ص: 370

الذي وقعت فيه القصّة

(1)

.

(إِذ قَالَتِ امرَأَةٌ) قال الحافظ: هذه المرأة لم أقف على اسمها، ووقع في "الأحكام لابن القطاع" أنها خولة بنت حكيم، أو أم شريك، وهذا نقل من اسم الواهبة الوارد في قوله تعالى:{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} انتهى.

وقد تقدّم قريبًا في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بيان تعدد الواهبات أنفسهنّ. واللَّه تعالى أعلم. (إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفسِي لَكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية البخاريّ: "إنها وهبت نفسها لك" على طريق الالتفات، وفي رواية حماد بن زيد:"إنها قد وهبت نفسها للَّه ولرسوله"، وفي رواية يعقوب، والثوريّ:"يا رسول اللَّه جئت أهب نفسي لك"، وفي رواية فضيل بن سليمان:"فجاءته امرأة تَعْرِضُ نفسها عليه". وفي كلّ هذه الروايات حذف مضاف، تقديره: أمرَ نفسي، أو نحوه، وإلا فالحقيقة غير مرادة؛ لأن رقبة الحرّ لا تملك، فكأنها قالت: أتزوجك من غير عوض.

(قَرَأ) هكذا نسخ "المجتبى" بهمزة ساكنة بعد راء مفتوحة، هكذا ضبطوه، الظاهر أن الضبط الصحيح عند ثبوت الهمزة تسكين الراء، وفتح الهمزة؛ لأنه فعل أمر من رأى، فيكون ارْأَ، بوزن ارْعَ، وهو لغة بني تميم. قال في "اللسان" فإذا جئت إلى الأمر، فإن أهل الحجاز يتركون الهمز، فيقولون: رَ ذلك، وللاثنين: رَيَا، وللجماعة: رَوْا ذلك، وللمرأة: رَيْ ذلك، وللاثنتين كالرجلين، وللجماعة: رَيْنَ ذاكُنّ. وبنو تميم يهمزون جميع ذلك، فيقولون: ارْأَ ذلك، وارْأَيَا، ولجماعة النساء: ارْأَيْنَ انتهى.

فتبيّن بهذا أن الصواب عند من أثبت الهمزة هنا: "فَارْأَ".

ولعلّ الصواب في حالة إثبات الهمزة أن يُقرأ "فَرْأَ" براء ساكنة، وهمزة مفتوحة، وحذفت منه همزة الوصل بعد الفاء خطأ تبعا للفظ. واللَّه تعالى أعلم.

ولفظ "الكبرى": "فَرَ فيّ رأيك"، وفي رواية البخاريّ:"فَرَ فيها رأيك". قال في "الفتح": كذا للأكثر براء واحدة، مفتوحة، بعدَ فاءِ التعقيب، وهي فعل أمر من الرأي، ولبعضهم بهمزة ساكنة، بعد الراء، وكلّ صواب، ووقع بإثبات الهمزة في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أيضًا. انتهى.

[فائدة]: في ذكر قاعدة من قواعد علم الصرف تتعلّق بقوله: "فَرَ"، حيث بقي على حرف واحد، وأصل ذلك أنه فعل أمر من رأى، فأصله "ارْأَ"، نقلت حركة الهمزة إلى الراء، وحذفت همزة الوصل للاستغناء بتحريك ما بعدها، فبقي "رَ" على حرف واحد،

(1)

- المصدر السابق.

ص: 371

وهو الراء المفتوح.

قال الخضريّ في "حاشيته على شرح ابن عقيل على الخلاصة": قد يُحذف حرف العلة من الأمر المعتلّ، فلا يبقى منه إلا حرف واحد، نحو "إِ" من الْوَأْيِ، كالوَعْدِ لفظًا ومعنى، وأصله اوْإِي، حذفت واوه كما تحذف من المضارع المبدوء باليَاء، نحو يَوْئِي؛ لوقوعها بين عَدُوّتيها: الياءِ والكسرةِ، ثم همزة الوصل؛ لتحرك ما بعدها، ثم بُني على حذف آخره، كما يُجزم المضارع، فبقي منه حرف واحدٌ، وهو عين الكلمة، وهكذا كلّ فعل معتلّ الفاء واللام، وقد جمعها ابن مالك، مبيّنًا كيفية إسنادها للواحد المذكّر، ثم المثنّى، مطلقًا، ثم الجمع المذكر، ثم الواحدة، ثم جمعها، فقال [من البسيط]:

إِنِّي أَقُولُ لِمَنْ تُرْجَى شَفَاعَتُهُ

قِ الْمُستَجِيرَ قِيَاهُ قُوهُ قِي قِينَ

وَإِنْ صَرَفْتَ لِوَالِ شُغْلَ آخَرَ قُلْ

لِ شُغلَ هَذا لِيَاهُ لَوهُ لِي لِينَ

وَإِنْ وَشَى ثَوْبَ غَيْرِي قُلتُ فِي ضَجَرٍ

شِ الثَّوْبَ وَيْكَ شِيَاهُ شُوهُ شِي شِينَ

وَقُلْ لِقَاتِلِ إِنْسَانٍ عَلَى خَطَأِ

دِ مَنْ قَلْتَ دِيَاهُ دُوهُ دِي دِينَ

وَإِنْ هُمُو لَمْ يَرَوا رَأْيِي أَقُولُ لَهُمْ

رَ الرَّأْيَ وَيْكَ رَيَاهُ رَوْهُ رَي رَيْنَ

وَإِنْ هُمُو لَمْ يَعُوا قَوْلِي أَقُولُ لَهُمْ

عِ الْقَوْلَ مِنِّي عِيَاهُ عُوهُ عيْ عِينَ

وَإِنْ أَمَرْتَ بِوَأْيِ لِلْمُحِبِّ فَقُلْ

إِ مَن تُحِبُّ إِيَاهُ أُوهُ إِيْ إيْنَ

وَإِنْ أَرَتَّ الْوَنَى وَهُوَ الفُتُورُ فَقُلْ

نِ يَا خَلِيلي نِيَاهُ نُوهُ نِيْ نِينَ

وَإِنْ أَبَى أن يَفِي بِالْعَهْدِ قُلْتُ لَهُ

فِ يَا فُلَانُ فِيَاهُ فُوهُ فِي فِينَ

وَقُلْ لِسَاكِنِ قَلبِي إنْ سِوَاكَ بِهِ

جِ القَلبَ مِنِّي جِبَاهُ جُوهُ جِي جِينَ

فهذه عشرة أفعال كلّها بالكسر إلا "رَ" فيُفتح في جميع أمثلته؛ لفتح عين مضارعه، وكلها متعدّية، إلا "نِ" فلازم؛ لأنه بمعنى "تَأَنَّ"، فالهاء في "نياه" هاء المصدر، لا المفعول به، وإذا وقع قبل "إِ" ساكن صحيح جاز تخفيف الهمزة بنقل حركتها إلى ما قبلها، فلا يبقى من الفعل إلا حركة، نحو:"قُلِ بالخير يا زيد" بكسر اللام، أصله "قُلْ: إِ" فعلا أمر من القول، والوأي، وبهذا ألغز الدمامينيّ [من مجزوّ الرجز]:

أَقُولُ يَا أَسمَاءُ قُو لِي

ثُمَّ يَا زَيْدُ قُلِ

وذاك جملتان، والثاني ثلاث جمُل، أي جملة النداء، وجملة القول، وجملة فعل الأمر من الوأي، والباقي من هذه حركة اللام من "قُل"، كما قال بعضهم [من الرجز]: فِي أَيِّ لَفْظِ يَا نُحَاةَ الْمِلَّهْ

حَرَكَةٌ قَامَتْ مَقَامَ الْجُمْلَهْ

ص: 372

وقال الشيخ العطّار [من الوافر]:

نُحَاةَ الْعَصْرِ مَا حَرْفٌ إِذَا مَا

تَحَرَّكَ حَازَ أَجْزَاءَ الْكَلَامِ

بِهِ التَّحْرِيكُ قَامَ مَقَامَ فِعْلِ

بِهِ اسْتَتَرَ الضَّمِيرُ عَلَى الدّوَامِ

انتهى ما كتبه الخضريّ في "حاشيته" المذكورة

(1)

. وهو بحث نفيس في بابه، فاستوعبه بالتفصيل. وباللَّه تعالى التوفيق.

(فِيَّ) بتشديد الياء؛ لأن ياء "في" الجارّة أدغمت في ياء المتكلم، أي في شأني (رَأيَكَ) مفعول مطلق لـ"رأ".

زاد في الرواية الآتية في -41/ 3281 - : "فسكت، فلم يُجبها النبيّ صلى الله عليه وسلم بشيء، ثم قامت، فقالت: يا رسول اللَّه إنها قد وهبت نفسها لك، قرأ فيها رأيك

". وفي رواية يعقوب بن عبد الرحمن الآتية في -62/ 3340 - "فقالت: يا رسول اللَّه جئت لأهب نفسي لك، فنظر إليها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فصعّد النظر إليها، وصوّبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يَقْضِ فيها شيئًا جلست

". وفي رواية البخاريّ: "فقالت: يا رسول اللَّه، إنها قد وهبت نفسها له، فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت، فقالت: يا رسول اللَّه، إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت الثالثة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك

".

قال في "الفتح": قوله: "فلم يجبها شيئًا" في رواية معمر والثوري: "فصمت"، وفي رواية يعقوب، وابن أبي حازم، وهشام بن صعد:"فنظر إليها، فصعّد النظر إليها، وصوبه"، وهو بتشديد العين من صعّد، والواو من صوّب، والمراد أنه نظر أعلاها وأسفلها، والتشديد للمبالغة في التأمّل، وإما للتكرير، وبالثاني جزم القرطبيّ في "المفهم"، قال: أي نظر أعلاها وأسفلها مرارًا. ووقع في رواية فضيل بن سليمان: "فخفّض فيها البصر، ورفعه"، وهما بالتشديد أيضًا.

وقوله: "ثم قامت، فقالت" وقع هذا في رواية المستملي، والكشميهني، وسياق لفظها كالأول، وعندهما أيضًا:"ثم قامت الثالثة"، وسياقها كذلك. وفي رواية معمر، والثوريّ معًا عند الطبرانيّ:"فصمت، ثم عرضت نفسها عليه، فصمت، فلقد رأيتها قائمة مليًّا، تَعْرِض نفسها عليه، وهو صامت". وفي رواية مالك: "فقامت طويلاً"، ومثله للثوريّ عنه. وفي رواية مبشّر:"فقامت حتى رثينا لها من طول القيام"، زاد في رواية يعقوب، وابن أبي حازم:"فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست". ووقع في رواية حماد بن زيد: "أنها وهبت نفسها للَّه ولرسوله، فقال: ما لي في النساء حاجة".

(1)

- "حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة" 1/ 38 - 39.

ص: 373

ويُجمع بينها وبين ما تقدّم أنه قال ذلك في آخر الحال، فكأنه صمت أولاً لتفهم أنه لم يُرِدْها، فلما أعادت الطلب أفصح لها بالواقع.

ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائيّ: "جاءت امرأة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فعرضت نفسها عليه، فقال لها: اجلسي، فجلست ساعة، ثم قامت، فقال: اجلسي بارك اللَّه فيك، أما نحن فلا حاجة لنا فيك".

فيؤخذ منه وفور أدب المرأة مع شدّة رغبتها؛ لأنها لم تبالغ في الإلحاح في الطلب، وفهمت من السكوت عدم الرغبة، لكنها لما لم تيأس من الردّ جلست تنتظر الفرج، وسكوته صلى الله عليه وسلم إما حياء من مواجهتها بالردّ، وكان شديد الحياء جدًّا، فقد ثبت في صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وإما انتظارًا للوحي، وإما تفكرًا في جواب يناسب المقام انتهى

(1)

.

(فَقَامَ رَجلٌ) زاد في رواية فضيل بن سلمان عند البخاريّ: "من أصحابه". قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن وقع في رواية معمر، والثوريّ، عند الطبرانيّ:"فقام رجلٌ أحسبه من الأنصار". وفي رواية زائدة عنده: "فقال رجلٌ من الأنصار". ووقع في حديث ابن مسعود: "فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من يَنكِح هذه؟ فقام رجل"(فَقَالَ: زَوَّجْنِيهَا) وفي رواية مالك: "زوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة"، ونحوه ليعقوب، وابن أبي حازم، ومعمر، والثوريّ، وزائدة. ولا يعارض هذا قوله في حديث حماد بن زيد:"لا حاجة لي"؛ لجواز أن تتجدّد الرغبة فيها بعد أن لم تكن. قاله في "الفتح".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويحتمل أن يكون ذلك الرجل لم يسمع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا حاجة لي". واللَّه تعالى أعلم.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (اذهَب) وفي رواية: "قال: هل عندك شيء؟ "، قال: لا"، وفي رواية: قال: ما أجد شيئًا"، وفي رواية: (هل عند شيء تُصدقها؟ "، وفي رواية ابن مسعود: "ألك مالٌ؟ ".

زاد في رواية هشام بن سعد: "قال: فلا بدّ لها من شيء"، وفي رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ:"عندك شيء؟، قال: لا، قال: إنه لا يصلح". ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائيّ بعد قوله: لا حاجة لي: "ولكن تملكيني أمرك، قالت: نعم، فنظر في وجوه القوم، فدعا رجلاً، فقال: إني أريد أن زوّجكِ هذا، إن رضيتِ، قالت: ما رضيت لي، فقد رضيتُ". وهذا إن كانت القصة متّحدةً يحتمل أن يكون وقع نظره في وجوه القوم بعد أن سأله الرجل أن يزوّجها له، فاسترضاها أوّلاً، ثم تكلّم معه في

(1)

- "فتح" 10/ 259.

ص: 374

الصداق. وإن كانت القصّة متعدّدة، فلا إشكال. ووقع في حديث ابن عبّاس في "فوائد أبي عمر بن حيويه" أن رجلاً قال: إن هذه امرأةٌ رضيت بي، فزوّجها مني، قال: فما مهرها؟، قال: ما عندي شيء، قال: أمهرها ما قلّ أو كثر، قال: والذي بعثك بالحقّ ما أملك شيئًا". وهذه الأظهرُ فيها التعدّد. قاله في "الفتح".

(فَاطْلُبْ) أي اطلب صداقًا تدفعه لها (وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدِ)"لو" هنا تقليليّة، قال عياض: ووهم من زعم خلاف ذلك. وقد أشار إلى ذلك السيوطي في "الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع"، حيث قال عند ذكر معاني "لو":

وَقِلَّةِ كَخَبَرِ المُصَدَّقِ

تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقِ

وفي رواية يعقوب، وابن أبي حازم، وابن جريج:"اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئًا، فذهب، ثم رجع، فقال: لا واللَّه يا رسول اللَّه ما وجدت شيئًا، قال: انظر ولو خاتماً من حديد، فذهب، ثم رجع، قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ولا خاتمًا من حديد"، وكذا وقع في رواية مالك: ثم ذهب يطلب مرتين، لكن باختصار. وفي رواية هشام بن سعد:"فذهب، فالتمس، فلم يَجد شيئًا، فرجع، فقال: لم أجد شيئًا، فقال له: اذهب، فالتمس"، وقال فيه:"فقال: ولا خاتم من حديد لم أجده، ثم جلس"، ووقع في "خاتم" النصب على المفعولية لـ"التمس"، والرفع على تقدير ما حصل لي ولا خاتم. ووقع في رواية أبي هريرة رضي الله عنه "قال: قم إلى النساء، فقام إليهنّ، فلم يجد عندهنّ شيئًا"، والمراد بالنساء أهل الرجل، كما دلّت عليه رواية يعقوب.

(فَذَهَبَ) الرجل (فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا) يكون صداقًا لها (وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَمَعَكَ من سُوَرِ القُرْآنِ شَيْءٌ؟) كذا وقع في رواية سفيان بن عيينة باختصار ذكر الإزار، وثبت في رواية مالك

(1)

، وجماعة، منهم من قدّم ذكره على الأمر بالتماس الشيء، أو الخاتم، ومنهم من آخره، ففي رواية مالك:"قال: هل عندك من شيء تُصدقها إياه؟، قال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال: إزارك إن أعطيتها جلستَ لا إزار لك، فالتمس شيئًا". ويجوز في قوله: "إزارك" الرفع على الابتداء، والجملة الشرطيّة. الخبر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره:"إياه". وثبت كذلك في رواية، ويجوز النصب على أنه مفعول ثان لـ"أعطيتها".

و"الإزار" يذكر ويؤنث، وقد جاء هنا مذكرا. ووقع في رواية يعقوب، وابن أبي حازم بعد قوله: "اذهب إلى أهلك - إلى أن قال- ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا

(1)

- أي عند البخاريّ، وغيره، وإلا فرواية مالك الآتية عند المصنّف مختصرة أيضًا. فتنبّه.

ص: 375

إزاري- قال سهل، أي ابن سعد الراوي: ما له رداء- فلها نصفه، قال: ما تصنع بإزارك إن لبسته

" الحديث. ووقع للقرطبيّ في هذه الرواية وهم، فإنه ظنّ أن قوله: "فلها نصفه" من كلام سهل بن سعد، فشرحه بما نصّه: "وقول سهل: ما له رداء" فلها نصفه" ظاهره لو كان له رداء لشركها النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه، وهذا بعيد إذ ليس في كلام النبيّ، ولا الرجل ما يدلّ على شيء من ذلك، قال: ويمكن أن يقال: إن مراد سهل أنه لو كان عليه رداء مضاف إلى الإزار لكان للمرأة نصف ما عليه الذي هو إما الرداء، وإما الإزار لتعليله المنع بقوله:"إن لبسته لم يكن عليك منه شيء"، فكأنه قال: لو كان عليك ثوب تنفرد أنت بلبسه، وثوب آخر تأخذه هي تنفرد بلبسه لكان لها أخذه، فأما إذا لم يكن ذلك فلا انتهى.

وقد أخذ كلامه هذا بعض المتأخّرين، فذكره ملخّصًا، وهو كلام صحيحٌ، لكنه مبنيّ على الفهم الذي دخله الوهم، والذي قال:"فلها نصفه" هو الرجل صاحب القصّة، وكلام سهل إنما هو قوله:"ما له رداء فقط"، وهي جملة معترضة، وتقدير الكلام: ولكن هذا إزاري، فلها نصفه، وقد جاء ذلك صريحًا في رواية أبي غسّان محمد بن مطرّف، ولفظه:"ولكن هذا إزاري، ولها نصفه، قال سهلٌ: وما له رداء".

ووقع في رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "فقام رجلٌ، عليه إزار، وليس عليه رداء".

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إن لبسته الخ" أي إن لبسته كاملاً، وإلا فمن المعلوم من ضيق حالهم، وقلّة الثياب عندهم أنها لو لبسته بعد أن تشقّه لم يسترها. ويحتمل أن يكون المراد بالنفي نفي الكمال؛ لأن العرب قد تنفي جملة الشيء إذا انتفى كماله. والمعنى: لو شققته بينكما نصفين لم يحصل كمال سترك بالنصف إذا لبسته، ولا هي.

وفي رواية معمر عند الطبرانيّ "ما وجدت واللَّه شيئًا غير ثوبي هذا أشققه بيني وبينها، قال: ما في ثوبك فضلٌ عنك". وفي رواية فضيل بن سليمان: "ولكني أشقّ بردتي هذه، فأعطيها النصف، وآخذ النصف". وفي رواية الدراورديّ: "قال: ما أملك إلا إزاري هذا، قال: أرأيت إن لبسته، فأيّ شيء تلبس؟ ". وفي رواية مبشّر: "هذه الشملة التي عليّ ليس عندي غيرها". وفي رواية هشام بن سعد: "ما عليه إلا ثوبٌ واحدٌ عاقدٌ طرفيه على عنقه". وفي حديث ابن عبّاس وجابر: "واللَّه ما لي ثوبٌ إلا هذا الذي عليّ". وكلّ هذا مما يرجّح الاحتمال الأول. واللَّه أعلم.

ووقع في رواية حماد بن زيد: "فقال: أعطها ثوبًا، قال: لا أجد، قال: أعطها ولو خاتمًا من حديد، فاعتلّ له". ومعنى قوله: "فاعتلّ له" أي اعتذر بعدم وجدانه كما دلّت عليه رواية غيره. ووقع في رواية أبي غسّان قبل قوله: "هل معك من القرآن شيء؟ "

ص: 376

"فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فدعاه، أو دُعي له". وفي رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "فقام طويلاً، ثمّ ولّى، فقال النبيّ- صلى الله عليه وسلم: عليّ الرجل". وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب مثله، لكن قال:"فرآه النبيّ صلى الله عليه وسلم مولّيًا، فأمر به، فدُعي له، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ ". ويحتمل أن يكون هذا بعد قوله -كما في رواية مالك: "هل معك من القرآن شيء"، فاستفهمه حينئذ عن كمّيته. ووقع الأمران في رواية معمر، قال:"فهل تقرأ من القرآن شيئًا؟، قال: نعم، قال: ماذا؟، قال: سورة كذا". وعُرف بهذا المراد بالمعيّة، وأن معناها الحفظ عن ظهر قلبه. ووقع في رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ:"قال: معي سورة كذا، ومعي سورة كذا، قال: عن ظهر قلبك؟، قال: نعم. قاله في "الفتح"

(1)

.

(قَالَ) الرجل (نَعَم) وفي رواية يعقوب بن عبد الرحمن الآتية: "قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، عدّدها، فقال: هل تقرؤهنّ عن ظهر قلب، قال: نعم

"، وفي رواية مالك الآتية: "قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا، لسور سمّاها". وفي رواية سعيد ابن المسيّب، عن سهل: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً امرأةً على سورتين من القرآن، يعلّمها إياها". ووقع في حديث أبي هريرة:"قال: ما تحفظ من القرآن؛، قال: سورة البقرة، أو التي تليها". قال الحافظ: كذا في كتابي أبي داود، والنسائيّ بلفظ:"أو"، وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو، وعند النسائيّ بلفظ "أو". ووقع في حديث ابن مسعود:"قال: نعم سورة البقرة، وسور المفصّل". وفي حديث ضُميرة: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً على سورة البقرة، لم يكن عنده شيء". وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه: "زوّج النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً من أصحاب امرأة على سورة من المفصّل، جعلها مهرها، وأدخلها عليه، وقال: علّمها". وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور: "فعَلِّمْهَا عشرين آية، وهي امرأتك". وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أزوّجها منك على أن تُعلّمها أربع -أو خمس- سور من كتاب اللَّه". وفي مرسل أبي النعمان الأزديّ عند سعيد بن منصور: "زوّج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن". وفي حديث ابن عباس، وجابر رضي الله عنه:"هل تقرأ من القرآن شيئًا؛، قال: نعم، {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، قال: أصدقها أيها".

قال الحافظ: ويُجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعضهم،

(1)

- "فتح" 10/ 260 - 262.

ص: 377

أو أن القصص متعدّدة. كذا في "الفتح".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الحمل على التعدد هو الأولى في الجمع؛ إذ الاحتمال الآخر فيه تكلّف وتعسّف. واللَّه تعالى أعلم.

(قَالَ) سهل رضي الله عنه (فَزَوَّجَهُ) - (بِمَا مَعَهُ من سُوَرِ الْقُرْآنِ) أي بتعليم ما معه من السور من القرآن. وفي رواية مالك الآتية: "قد زوّجتكها على ما معك من القرآن". وفي رواية البخاريّ: "اذهب، فقد أنكحتكها بما معك من القرآن". وفي رواية الثوريّ، ومعمر عند الطبراني:"قد ملّكتكها بما معك من القرآن"، وكذا في رواية يعقوب، وابن أبي حازم، وابن جريج، وحمّاد بن زيد في إحدى الروايتين عنه. وفي رواية معمر عند أحمد:"قد أملكتكها"، والباقي مثله، وقال في أخرى:، فرأيته يمضي، وهي تتبعه".

وفي رواية أبي غسّان: "أمكنّاكها"، والباقي مثله. وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه:"قد أنكحتكها على أن تقرئها، وتعلّمها، وإذا رزقك اللَّه عوّضتها، فتزوّجها الرجل على ذلك". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

أخرجه هنا-1/ 3201 و 41/ 3281 أو 62/ 3340 و 69/ 3360 - وفي، "الكبرى" 1/ 5308 و 24/ 4361. وأخرجه (خ) في "الوكالة" 2311 و "فضائل القرآن" 5029 و 5030 و"النكاح" 5087 و 5121 و 5126 و 5132 و 5141 و 5149 (م) في "النكاح" 1425 (د) في "النكاح" 2111 (ت) في "النكاح" 1114 (ق) "النكاح" 1889 (أحمد) "باقي مسند الأنصار" 22292 و 22320 و 22343 (الموطأ) "النكاح" 1118 (الدارميّ) "النكاح" 2201. واللَّه تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما أكرم اللَّه سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم حيث أباح له أن يتزوّج ما شاء من النساء، ومن ذلك أن تهب له المرأة نفسها، فيقبلها، كما قال اللَّه تعالى:{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} الآية [الأحزاب: 50]

(ومنها): أن الهبة في النكاح خاصّة بالنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لقول الرجل: "زوّجنيها"، ولم

ص: 378

يقل: هبها لي، ولقولها هي:"وهبت نفسي لك"، وسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك، فدلّ على جوازه له خاصّةً، مع قوله تعالى:{خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} .

(ومنها): جواز انعقاد نكاحه صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة، دون غيره من الأمّة، وهو أحد الوجهين للشافعيّة، والآخر لا بدّ من لفظ النكاح، أو التزويج. وسيأتي تمام البحث فيه في -41/ 3281 - "باب الكلام الذي ينعقد به النكاح".

(ومنها): أن الهبة لا تتمّ إلا بالقبول؛ لأنها لما قالت: "وهبت نفسي لك"، ولم يقل: قبِلتُ لم يتمّ مقصودها، ولو قبلها لصارت زوجًا له، ولذلك لم يُنكر على القائل:"زوّجنيها".

(ومنها): جواز الحلف بغير استحلاف للتأكيد، لكنه يُكره لغير ضرورة.

(ومنها): أن النكاح لا بدّ فيه من الصداق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "هل عندك من شيء تُصْدِقها؟ ". وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وُهِب له، دون الرقبة بغير صداق.

(ومنها): أن الأولى أن يذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير ذكر صداق صحّ، ووجب لها مهر المثل بالدخول على الصحيح، وقيل: بالعقد. ووجه كونه أنفع لها أنه يثبت لها نصف المسمّى أن لو طُلّقت قبل الدخول.

(ومنها): استحباب تعجيل تسليم المهر.

(ومنها): استدلّ به على جواز اتخاذ الخاتم من الحديد. وسيأتي البحث فيه في موضعه من "كتاب الزينة" -49/ 5206 - إن شاء اللَّه تعالى.

(ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على وجوب تعجيل الصداق قبل الدخول؛ إذ لو ساغ تأخيره لسأله هل يقدر على تحصيل ما يُمهرها بعد أن يدخل عليها، ويتقرّر ذلك في ذمّته. ويمكن الانفصال عن ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم أشار بالأولى. والحامل على هذا التأويل ثبوت جواز نكاح المفوّضة، وثبوت جواز النكاح على مسمّى في الذّمّة. واللَّه تعالى أعلم.

(ومنها): أن إصداق ما يُتموّل يُخرجه عن يد مالكه، حتى إن من أصدق جارية مثلاً حَرُم عليه وطؤها، وكذا استخدامها بغير إذن من أصدقها، وأن صحّة المبيع

(1)

تتوقف على صحّة تسليمه، فلا يصحّ ما تعذّر إما حسًّا، كالطير في الهواء، وإما شرعًا كالمرهون، وكذا الذي لو زال إزاره لانكشفت عورته. كذا قال عياض. قال الحافظ:

(1)

- هكذا عبارة "الفتح"، ولعل الصواب:"وأن صحة المهر الخ". واللَّه تعالى أعلم.

ص: 379

وفيه نظر.

(ومنها): أن من رغب في تزويج من هو أعلى منه قدرًا لا لوم عليه؛ لأنه بصدد أن يجاب، إلا إن كان مما تقطع العادة بردّه، كالسوقيّ يخطب من السلطان بنته، أو أخته، وأن من رغبت في تزويج من هو أعلى منها لا عار عليها أصلاً، ولا سيّما إن كان هناك غرض صحيحٌ، أو قصد صالح، إما لفضل دينيّ في المخطوب، أو لِهَوًى فيه يخشى من السكوت عنه الوقوع في محذور.

(ومنها): أنه استدلّ به على صحة قول من جعل عتق الأمة عوضًا عن بضعها. كذا ذكره الخطابيّ، ولفظه أن من أعتق أمة، كان له أن يتزوّجها، ويجعل عتقها عوضًا عن بضعها. قال الحافظ: وفي أخذه من هذا الحديث بُعد.

(ومنها): أن سكوت من عقد عليها، وهي ساكتة لازم إذا لم يمنع من كلامها خوف، أو حياء، أو غيرها.

(ومنها): أنه لا يشترط في صحة العقد تقدّم الخطبة، إذ لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث وقوع حمد، ولا تشهّد، ولا غيرهما من أركان الخطبة. وخالف في ذلك الظاهريّة، فجعلوها واجبة، ووافقهم من الشافعيّة أبو عوانة، فترجم في "صحيحه""باب وجوب الخطبة عند العقد". وسيأتي تحقيقه في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى.

(ومنها): أن الكفاءة في الحرّيّة، وفي الدين، وفي النسب، لا في المال؛ لأن الرجل لا شيء له، وقد رضيت به. كذا قال ابن بطّال. قال الحافظ: وما أدري من أين له أن المرأة كانت ذات مال. انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصحيح أنه لا يشترط اعتبار النسب في الكفاءة، كما سيأتي تحقيقه في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى.

(ومنها): أن طالب الحاجة لا ينبغي له أن يُلحّ في طلبها، بل يطلبها برفق، وتأنّ، ويدخل في ذلك طالب الدنيا والدين، من مستفتٍ، وسائلِ، وباحثٍ عن علم.

(ومنها): أن الفقير يجوز له أن يتزوّج من علمت بحاله، ورضيت به، إذا كان واجدًا للمهر، وكان عاجزًا عن غيره من الحقوق؛ لأن المراجعة وقعت في وجدان المهر وفقده، لا في قدر زائد. قاله الباجيّ. وتُعُقّب باحتمال أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم اطلع من حال الرجل على أنه يقدر على اكتساب قوته، وقوت امرأته، ولا سيّما مع ما كان عليه أهل ذلك العصر من قلّة الشيء، والقناعة باليسير. هكذا ذكر في "الفتح"(1).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الباجيّ هو ظاهر الحديث، فلا وجه

ص: 380

للتعقّب. واللَّه تعالى أعلم.

(ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على صحّة النكاح بغير شهود. وردّ بأن ذلك وقع بحضرة جماعة من الصحابة، كما تقدّم في أول الحديث. وقال ابن حبيب: هو منسوخ بحديث: "لا نكاح إلا بوليّ"، وشاهدي عدل". وتُعُقّب.

(ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على صحة النكاح بلا وليّ. وتُعقّب باحتمال أنه لم يكن لها وفي خاصّ، والإمام وليّ من وليّ له.

(ومنها): نظر الإمام في مصالح رعيته، وإرشادهم إلى ما يُصلحهم.

(ومنها): جواز انتفاع الرجل بما أمهرها به، وبما يشتريه بصداقها؛ لقوله:"إن لبستَةُ" مع أن النصف لها، ولم يمنعه مع ذلك من الاستمتاع بنصفه الذي وجب لها، بل جوّز له لبسه كله، وإنما وقع المنع؛ لكونه لم يكن له ثوب آخر. قاله أبو محمد بن أبي زيد. وتعقبه عياضٌ وغيره بأن السياق يرشد إلى أن المراد تعذّر الاكتفاء بنصف الإزار، لا في إباحة لبسه كلّه، وما المانع أن يكون المراد أن كلًّا منهما يلبسه مهايأةً؛ لثبوت حقّه فيه، لكن لما لم يكن للرجل ما يستتر به إذا جاءت نوبتها في لبسه قال له:"إن لبسَتْهُ جلستَ، ولا إزار لك".

(ومنها): مشروعية خِطبة المرء لنفسه. (ومنها): أنه لا يجب إعفاف المسلم بالنكاح، كوجوب إطعامه الطعامَ، والشراب.

(ومنها): جواز نكاح المرأة دون أن تُسأل هل لها وفي خاصّ، أو لا، ودون أن تسأل هل هي في عصمة رجل، أو في عدّته. قال الخطابيّ: ذهب إلى ذلك جماعة؛ حملاً على ظاهر الحال، ولكن الحكّام يحتاطون في ذلك، ويسألونها.

قال الحافظ: وفي أخذ هذا من هذه القصّة نظر؛ لاحتمال أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم اطلع على جليّة أمرها، أو أخبره بذلك من حضر مجلسه ممن يعرفها، ومع هذا الاحتمال لا ينتهض الاستدلال به. وقد نصّ الشافعيّ على أنه ليس للحاكم أن يزوّج امرأةً حتى يَشهد عدلان أنها ليس لها وليّ خاصّ، ولا أنها في عصمة رجل، ولا في عدّته، لكن اختلف أصحابه هل هذا على سبيل الاشتراط، أو الاحتياط، والثاني المصحّح عندهم. قاله في "الفتح"

(1)

. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): أن للإمام أن يزوّج من ليس لها وليّ خاصّ لمن يراه كفؤًا لها، ولكن لا بدّ من رضاها بذلك.

(1)

- "فتح"10/ 270.

ص: 381

وقال الداوديّ ليس في الخبر أنه استأذنها، ولا أنها وكلته، وإنما هو من قوله تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الآية [الأحزاب: 6]. يعني فيكون خاصًّا به صلى الله عليه وسلم أنه يزوّج من شاء من النساء بغير استئذانها لمن شاء، وبنحوه قال ابن أبي زيد.

وأجاب ابن بطّال بأنها لما قالت له: "وهبت نفسي لك" كان كالإذن منها في تزويجها لمن أراد؛ لأنها لا تُملَك حقيقة، فيصير المعنى جعلت لكَ أن تتصرّف في تزويجي انتهى.

قال الحافظ: ولو راجعا حديث أبي هريرة لما احتاجا إلى هذا التكلّف، فإن فيه كما قدّمته:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للمرأة: إني أريد أن أزوّجك هذا إن رضيتِ، فقالت: ما رضيتَ لي، فقد رضيت". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): أن الحديث يدلّ على جواز تأمّل محاسن المرأة لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدّم الرغبة في تزويجها، ولا وقعت خِطْبتها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صَعَّدَ فيها النظر، وصوَّبه، وفي الصيغة ما يدلّ على المبالغة في ذلك، ولم يتقدّم منه رغبةٌ فيها، ولا خِطْبَةٌ، ثم قال:"لا حاجة لي في النساء"، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يُعجبه أنه يَقبَلُها ما كان للمبالغة في تأمّلها فائدة.

ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصية له؛ لمحلّ العصمة.

قال الحافظ: والذي تحرّر عندنا أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيّات بخلاف غيره.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحافظ محلّ نظر، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. قال: وسلك ابن العربيّ في الجواب مسلكًا آخر، فقال: يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده، لكنها كانت متلفّفة. وسياق الحديث يُبعد ما قال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة السادسة): أنه تجوز الخِطبة على خطبة مَنْ خَطَبَ إذا لم يقع بينهما ركون، ولا سيّما إذا لاحت مخايل الردّ. قاله أبو الوليد الباجيّ. وتعقّبه عياض وغيره بأنه لم يتقدّم عليها خِطْبةٌ لأحد، ولا ميلٌ، بل هي أرادت أن يتزوّجها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فعرضت نفسها مجّانًا، مبالغةً منها في تحصيل مقصودها، فلم يَقبَل، ولما قال:"ليس لي حاجة في النساء" عرف الرجل أنه لم يقبلها، فقال:"زوّجنيها"، ثم بالغ في الاحتراز، فقال:"إن لم يكن لك بها حاجة"، وإنما قال ذلك بعد تصريحه بنفس الحاجة؛ لاحتمال أن يبدو له بعد ذلك ما يدعوه إلى إجابتها، فكان ذلك دالًّا على وُفُور فطنة الصحابيّ المذكور، وحسن أدبه.

ص: 382

قال الحافظ: ويحتمل أن يكون الباجيّ أشار إلى أن الحكم الذي ذكره يُستنبط من هذه القصة؛ لأن الصحابيّ لو فهم أن للنبيّ صلى الله عليه وسلم فيها رغبةً لم يطلبها، فكذلك من فُهِمَ أنه له رغبةً في تزويج امرأة، لا يصلح لغيره أن يُزاحمه فيها حتى يُظهِر عدم رغبته فيها، إما بالتصريح، أو ما في حكمه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة السابعة): أنه لا حدّ لأقلّ المهر. قال ابن المنذر فيه ردّ على من زعم أن أقلّ المهر عشرة دراهم، وكذا من قال: ربع دينار، قال: لأن خاتمًا من حديد لا يُساوي ذلك. وقال المازريّ: نعلّق به من أجاز النكاح بأقلّ من ربع دينار؛ لأنه خرج مخرج التعليل، ولكن مالكٌ قاسه على القطع في السرقة. قال عياض: تفرّد بهذا مالك عن الحجازيين، لكن مستنده الالتفات إلى قوله تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} الآية [النساء: 24]، وبقوله:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25]، فإنه يدلّ على أن المراد ماله بال من المال، وأقلّه ما استُبيح به قطع العضو المحترم، قال: وأجازه الكافّة بما تراضى عليه الزوجان، أو من العقد إليه بما فيه منفعة، كالسوط، والنعل، وإن كانت قيمته أقلّ من درهم.

وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبو الزناد، وربيعة، وابن أبي ذئب، وغيرهم من أهل المدينة، غيرَ مالك، ومن تبعه، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وغيرهما من أهل مكة، والأوزاعيّ في أهل الشام، والليث في أهل مصر، والثوريّ، وابن أبي ليلى، وغيرهما من العراقيين، غير أبي حنيفة، ومن تبعه، والشافعيّ، وداود، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من المالكيّة.

وقال أبو حنيفة: أقلّه عشرة، وابن شبرمة: خمسة، ومالك: أقلّه ثلاثة، أو ربع دينار؛ بناءً على اختلافهم في مقدار ما يجب به القطع. وقد قال الدراورديّ لمالك لما سمعه يذكر هذه المسألة: تعرّقت يا أبا عبد اللَّه، أي سلكت سبيل أهل العراق في قياسهم مقدار الصداق على مقدار نصاب السرقة.

وقال القرطبيّ: استدلّ من قاسه بنصاب السرقة بأنه عضو آدميّ محترم، فلا يُستباح بأقل من كذا قياسًا على يد السارق.

وتعقّبه الجمهور بأنه قياسٌ في مقابلة النصّ، فلا يصحّ، وبأن اليد تقطع، وتَبِين، ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق ردّه مع القطع، ولا كذلك الصداق.

وقد ضعّف جماعةٌ من المالكيّة أيضًا هذا القياس، فقال أبو الحسن اللخميّ: قياس الصداق بنصاب السرقة ليس بالبيّن؛ لأن اليد إنما قُطعت في ربع دينار نكالاً للمعصية، والنكاح مستباحٌ بوجه جائز، ونحوه لأبي عبد اللَّه بن الفخار منهم.

ص: 383

نعم قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25]، يدلّ على أن صداق الحرّة لا بدّ، وأن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدرٌ؛ ليحصل الفرق بينه وبين مهر الأمة، وأما قوله تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24]، فإنه يدلّ على اشتراط ما يُسمّى مالَا في الجملة قل أو أكثر، وقد حدّه بعض المالكيّة بما تجب فيه الزكاة، وهو أقوى من قياسه على نصاب السرقة، وأقوى من ذلك ردّه إلى المتعارف.

وقال ابن العربيّ: وزن الخاتم من الحديد لا يساوي ربع دينار، وهو مما لا جواب عنه، ولا عُذر فيه، لكن المحقّقين من أصحابنا -يعني المالكيّة- نظروا إلى قوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25]، فمنع اللَّه القادر على الطول من نكاح الأمة، فلو كان الطول درهمًا ما تعذر على أحد.

ثم إنه تعقّبه بأن ثلاثة دراهم كذلك. يعني فلا حاجة فيه للتحديد، ولا سيّما مع الاختلاف في المراد بالطول. ذكره في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبين مما سبق أن أرجح الأقوال في المسألة هو ما دل عليه حديث الباب، وحاصله أنه لاحد لأقل المهر، فيجوز أن يكون مهرا كلُّ ما تراضيا به قلّ أو كثر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثامنة): أن في قوله: "أعندك شيء؟، فقال: لا، دليلاً على تخصيص العموم بالقرينة؛ لأن لفظ "شيء" يشمل الخطير والتافه، وهو كان لا يعدم شيئًا تافهًا، كالنواة ونحوها لكنه فهم أن المراد ما له قيمةٌ في الجملة، فلذلك نفى أن يكون عنده. ونقل عياضٌ الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتموّل، ولا قيمة له لا يكون صداقًا، ولا يحلّ به النكاح. فإن ثبت نقله، فقد خرق هذا الإجماع أبو محمد بن حزم، فقال: يجوز بكلّ ما يُسمّى شيئًا، ولو كان حبّة من شعير. ويؤيّد ما ذهب إليه الكافّة قوله صلى الله عليه وسلم: "التمس ولو خاتمًا من حديد"؛ لأنه أورده مورد التقليل بالنسبة لما فوقه، ولا شكّ أن الخاتم من الحديد له قيمة، وهو أعلى خطرًا من النواة، وحبة الشعير، ومساق الخبر يدلّ على أنه لا شيء دونه يُستحل به البضع.

وقد وردت أحاديث في أقلّ الصداق، لا يثبت منها شيء:[منها]: عند ابن أبي شيبة من طريق أبي لبيبة، رفعه:"من استحل بدرهم في النكاح، فقد استحلّ". [ومنها]: عند أبي داود عن جابر، رفعه:"من أعطى في صداق امرأة سويقًا، أو تمرًا، فقد استحلّ". وعند الترمذيّ من حديث عامر بن ربيعة: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أجاز نكاح امرأة على نعلين". وأقوى شيء ورد في ذلك حديث جابر عند مسلم: "كنا نستمتع بالقبضة من التمر

(1)

- "فتح"10/ 263.

ص: 384

والدقيق على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى نهى عنه عمر". قال البيهقيّ: إنما نهى عمر عن النكاح إلى أجل، لا عن قدر الصداق. وهو كما قال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة التاسعة): أن فيه دليلاً للجمهور لجواز النكاح بخاتم الحديد، وما هو نظير قيمته. قال ابن العربيّ من المالكيّة كما تقدّم: لا شكّ أن خاتم الحديد لا يساوي ربع دينار، وهذا لا جواب عنه لأحد، ولا عذر فيه. وانفصل بعض المالكيّة عن هذا الإيراد مع قوّته بأجوبة:

[منها]: أن قوله: "ولو خاتما من حديد" خرج مخرج المبالغة في طلب التيسير عليه، ولم يُرد عين الخاتم الحديد، ولا قدر قيمته حقيقةً؛ لأنه لما قال: لا أجد شيئًا عرف أنه فهم أن المراد بالشيء ما له قيمةٌ، فقيل له: ولو أقلّ ما له قيمةٌ كخاتم الحديد، ومثله:"تصدّقوا، ولو بظلف مُحْرَق، ولو بِفِرْسن شاة"، مع أن الظلف والفرسن لا يُنتفع بهما، ولا يُتصدّق بهما.

[ومنها]: احتمال أنه طلب منه ما يعجل نقده قبل الدخول، لا أن ذلك جميع

الصداق. وهذا جواب ابن القصّار، وهذا يلزم منه الردّ عليهم حيث استحبوا تقديم ربع دينار، أو قيمته قبل الدخول، لا أقلّ.

[ومنها]: دعوى اختصاص الرجل المذكور بهذا القدر، دون غيره. وهذا جواب الأبهري. وتُعُقّب بأن الخصوصية تحتاج إلى دليلٍ خاصّ.

[ومنها]: احتمال أن تكون قيمته إذ ذاك ثلاثة دراهم، أو ربع دينار. وقد وقع عند الحاكم، والطبرانيّ من طريق الثوريّ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً بخاتم من حديد، فصّه فضّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة العاشرة): أنه استدلّ به على جواز جعل المنفعة صداقًا، ولو كان تعليم القرآن. قال المازريّ: هذا ينبني على أن الباء للتعويض، كقولك: بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر، وإلا فلو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه؛ لكونه حاملاً للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصّة بالنبيّ صلى الله عليه وسلم انتهى. وانفصل الأبهريّ، وقبله الطحاويّ، ومن تبعهما، كأبي محمد بن أبي زيد عن ذلك بأن هذا خاصّ بذلك الرجل؛ لكون النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يجوز له نكاح الواهبة، فكذلك يجوز له أن يُنكحها لمن شاء بغير صداق، ونحوه للداودي، وقال: إنكاحها إياه بغير صداق لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وقوّاه بعضهم بأنه لما قال له: "ملّكتكها" لم يشاورها، ولا استأذنها. وهذا ضعيف لأنها هي أوّلاً فوّضت أمرها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم -كما تقدّم في رواية الباب "فَرَ رأيك"،

ص: 385

وغير ذلك من ألفاظ الخبر التي ذكرنا، فلذلك لم يحتج إلى مراجعتها في تقدير المهر، وصارت كمن قالت لوليّها: زوَّجني بما ترى من قليل الصداق وكثيره.

واحتجّ لهذا القول بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزديّ، قال:"زوّج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن، وقال: لا تكون لأحد بعدك مهرًا"، وهذا مع إرساله فيه من لا يُعرف. وأخرج أبو داود من طريق مكحول قال: ليس لأحد بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوه.

وقال عياض: يحتمل قوله: "بما معك من القرآن" وجهين: أظهرهما أن يُعلّمها ما معه من القرآن، أو مقدارًا معيّنًا منه، ويكون ذلك صداقها، وقد جاء هذا التفسير عن مالك، ويؤيّده قوله في بعض طرقه الصحيحة:"فَعَلِّمها من القرآن"، كما تقدّم، وعُيِّنَ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مقدار ما يعلِّمها، وهو عشرون آية. ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللام، أي لأجل ما معك من القرآن، فأكرمه بأن زوّجه المرأة بلا مهر؛ لأجل كونه حافظًا للقرآن، أو لبعضه.

ونظيره قصّة أبي طلحة مع أم سُليم، وذلك فيما أخرجه النسائيّ، وصححه من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، قال: خطب أبو طلحة أمّ سُليم، فقالت: واللَّه ما مثلك يُردّ، ولكنك كافر، وأنا مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوّجك، فإن تُسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها". وأخرج النسائيّ من طريق عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس، قال: "تزوّج أبو طلحة أم سُليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام

" فذكر القصّة، وقال في آخره: "فكان ذلك صداق ما بينهما"، ترجم عليه النسائيّ -63/ 3341 - : "التزويج على الإسلام"، ثم ترجم على حديث سهل -62/ 3340 - : "التزويج على سورة من القرآن"، فكأنه مال إلى ترجيح الاحتمال الثاني، ويؤيّد أن الباء للتعويض، لا للسببية ما أخرجه ابن أبي شيبة، والترمذيّ من حديث أنس: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأل رجلاً من أصحابه، يا فلان هل تزوّجت؟ قال: لا، وليس عندي ما أتزوّج به، قال: أليس معك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

" الحديث

(1)

.

واستدلّ الطحاويّ للقول الثاني من طريق النظر بأن النكاح إذا وقع على مجهول كان

(1)

- ونص الترمذيّ في "جامعه":

- حدثنا عقبة بن مكرم العمى البصري، حدثني ابن أبي فديك، أخبرنا سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال لرجل من أصحابه: هل تزوجت يا فلان؟، قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ولا عندي ما أتزوج به، قال:"أليسِ معك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؟ " قال: بلى، قال:"ثلث القرآن"، قال:"أليس معك {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}؟ "، قال: بلى، =

ص: 386

كما لم يُسمّ، فيحتاج إلى الرجوع إلى المعلوم، قال: والأصل "المجمع عليه لو أن رجلاً استأجر رجلاً على أن يُعلّمه سورة من القرآن بدرهم لم يصحّ؛ لأن الإجارة لا تصح إلا على عمل معين، كغسل الثوب، أو وقت معيّن، والتعليم قد لا يُعلم مقدار وقته، فقد يتعلّم في زمان يسير، وقد يحتاج إلى زمان طويل، ولهذا لو باعه داره على أن يُعلّمه سورة من القرآن لم يصحّ، قال: فإذا كان التعليم لا تملك به الأعيان، لا تملك به المنافع.

والجواب عما ذكره أن المشروط تعليمه معين كما تقدّم في بعض طرقه، وأما الاحتجاج بالجهل بمدّة التعليم، فيحتمل أن يقال: اغتُفر ذلك في باب الزوجين لأن الأصل استمرار عشرتهما، ولأن مقدار تعليم عشرين آية لا تختلف فيه أفهام النساء غالبًا، خصوصًا مع كونها عربية، من أهل لسان الذي يتزوّجها كما تقدّم.

وانفصل بعضهم بأنه زوّجها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي حفظه، وسكت عن المهر، فيكون ثابتا لها في ذمته إذا أيسر كنكاح التفويض، وإن ثبت حديث ابن عباس المتقدّم حيث قال فيه:"فإذا رزقك اللَّه فعوّضها" كان فيه تقوية لهذا القول، لكنه غير ثابت.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون زوّجه لأجل ما حفظه من القرآن، وأصدق عنه كما كفّر عن الذي وقع على امرأته في رمضان، ويكون ذكر القرآن، وتعليمه على سبيل التحريض على تعلّم القرآن، وتعليمه، وتنويهًا بفضل أهله، قالوا: ومما يدلّ على أنه لم يجعل التعليم صداقًا أنه لم يقع معرفة الزوج بفهم المرأة، وهل فيها قابليّة التعليم بسرعة، أو ببطء، ونحو ذلك مما تتفاوت فيه الأغراض.

والجواب عن ذلك قد تقدّم في بحث الطحاويّ.

ويؤيّد قول الجمهور قولُهُ صلى الله عليه وسلم أولاً: "هل معك شيء تُصدقها؟ "، ولو قصد استكشاف فضله لسأله عن نسبه، وطريقته، ونحو ذلك.

[فإن قيل]: كيف يصحّ جعل تعليمها القرآن مهرًا، وقد لا تتعلّم؟.

[أجيب] كما يصحّ جعل تعليمها الكتابة مهرًا، وقد لا تتعلّم، وإنما وقع الاختلاف عند من أجاز جعل المنفعة مهرًا، هل يُشترط أن يعلم حذق المتعلّم، أو لا. واللَّه تعالى أعلم.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلة أن ما ذهب إليه الجمهور

= قال: "ربع القرآن"، قال:"أليس معك {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}؟، قال: بلى، قال: "ربع القرآن"، قال: "أليس معك {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} ؟ "، قال: بلى، قال: "ربع القرآن"، قال: "تزوج". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.

ص: 387

من جعل تعليم القرآن مهرًا هو الحقّ؛ لظاهر حديث الباب، وما ذكره المانعون من التأويلات المتقدمة للحديث، فكلها واهية، فلا يُلتفت إليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الحادية عشرة): أنه يجوز كون الأجرة صداقًا، ولو كانت المصدوقة المستأجرة، فتقوم المنفعة من الإجارة مقام الصداق، وهو قول الشافعيّ، وإسحاق، والحسن بن صالح. وعند المالكيّة فيه خلاف. ومنعه الحنفيّة في الحرّ، وأجازوه في العبد إلا في الإجارة في تعليم القرآن، فمنعوه مطلقًا، بناءً على أصلهم في أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا يجوز.

وقد نقل عياضٌ جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافّةً إلا الحنفيّة.

وقال ابن العربيّ: من العلماء من قال: زوّجه على أن يعلّمها من القرآن، فكانت إجارةً، وهذا كرهه مالكٌ، ومنعه أبو حنيفة، وقال ابن القاسم: يُفسخ قبل الدخول، ويُثبَتُ بعده، قال: والصحيح جوازه بالتعليم. وقد روى يحيى بن مضر عن مالك في هذه القصّة أن ذلك أجرة على تعليمها، وبذلك جاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وبالوجهين قال الشافعيّ، وإسحاق، وإذا جاز أن يؤخذ عنه العوض جاز أن يكون عوضًا، وقد أجازه مالك من إحدى الجهتين، فيلزم أن يُجيزه من الجهة الأخرى.

وقال القرطبيّ: قوله: "عَلمّها" نصّ في الأمر بالتعليم، والسياق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، فلا يُلتفتُ لقول من قال: إن ذلك كان إكرامًا للرجل، فإن الحديث يصرح بخلافه، وقولهم: إن الباء بمعنى اللام ليس بصحيح لغةً، ولا مساقًا انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكِر أن ما ذهب إليه الشافعيّ ومن تبعه هو الأرجح، لظهور دليله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية عشرة): أنه استُدِلَّ به على أن من قال: زوَّجني فلانة، فقال: زوجتكها بكذا كفى، ولا يحتاج إلى قول الزوج: قبلت. قاله أبو بكر الرازيّ من الحنفيّة، وذكره الرافعيّ من الشافعيّة.

وقد استُشكل من جهة طول الفصل بين الاستيجاب والإيجاب، وفراق الرجل المجلس لالتماس ما يُصدقها إياه.

وأجاب المهلّب بأن بساط القصّة أغنى عن ذلك، وكذا كلّ راغب في التزويج إذا استوجب، فأُجيب بشيء معيّن، وسكت كفى، إذا ظهر قرينة القبول، وإلا فيُشترط معرفة رضاه بالقدر المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

ص: 388

(المسألة الثالثة عشرة): أنه استدلّ بالحديث على جواز ثبوت العقد بدون لفظ النكاح والتزويج. وخالف ذلك الشافعيّ، ومن المالكيّة ابن دينار وغيره. والمشهور عن المالكيّة جوازه بكلّ لفظ دلّ على معناه، إذا قُرن بذكر الصداق، أو قصد النكاح، كالتمليك، والهبة، والصدقة، والبيع، ولا يصحّ عندهم بلفظ الإجارة، ولا العارية، ولا الوصيّة، واختُلف عندهم في الإحلال، والإباحة. وأجازه الحنفيّة بكلّ لفظ يقتضي التأبيد مع القصد. وموضع الدليل من هذا الحديث ورود قوله صلى الله عليه وسلم:" ملّكتكها"، لكن ورد أيضًا بلفظ "زوّجتكها".

قال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصّة واحدة، واختلف فيها مع اتحاد مخرج الحديث، فالظاهر أن الواقع من النبيّ صلى الله عليه وسلم أحد الألفاظ المذكورة، فالصواب في مثل هذا النظر إلى الترجيح، وقد نقل عن الدارقطنيّ أن الصواب رواية من روى:"زوّجتكها"، وأنهم أكثر وأحفظ. قال: وقال بعض المتأخّر: يحتمل صحّة اللفظين، ويكون قال لفظ التزويج أولاً، ثم قال: اذهب فقد ملّكتكها بالتزويج السابق. قال ابن دقيق العيد: وهذا بعيد؛ لأن سياق الحديث يقتضي تعيين لفظة قِيلَتْ، لا تعدّدها، وأنها هي التي انعقد بها النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح، والذي قاله بعيد جدًّا. وأيضًا فلخصمه أن يعكس، ويدّعي أن العقد وقع بلفظ التمليك، ثم قال: زوّجتكها بالتمليك السابق. قال: ثم إنه لم يتعرّض لرواية: "أمكنّاكها" مع ثبوتها، وكلّ هذا يقتضي تعيّن المصير إلى الترجيح انتهى.

وأشار ببعض المتأخّرين إلى النوويّ، فإنه كذلك قال في "شرح مسلم". وقد قال ابن التين: لا يجوز أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم عقد بلفظ التمليك والتزويج معًا في وقت واحد، فليس أحد اللفظين بأولى من الآخر، فسقط الاحتجاج به، هذا على تقدير تساوي الروايتين، فكيف مع الترجيح؟، قال: ومن زعم أن معمرًا وَهِمَ فيه وَرَدَ عليه أن البخاريّ أخرجه في غير موضع من رواية غير معمر، مثل معمر انتهى.

وزعم ابن الجوزيّ في "التحقيق" أن رواية أبي غسّان: "أنكحتكها" ورواية الباقين "زوّجتكها"، إلا ثلاثة أنفس، وهم معمرٌ، ويعقوب، وابن أبي حازم، قال: ومعمرٌ كثير الغلط، والآخران لم يكونا حافظين انتهى.

قال الحافظ: وقد غلط في رواية أبي غسان، فإنها بلفظ "أمكناكها" في جميع نسخ البخاريّ، نعم وقعت بلفظ "زوّجتكها" عند الإسماعيليّ من طريق حسين بن محمد، عن أبي غسّان، والبخاريّ أخرجه عن سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسّان بلفظ "أمكناكها". وقد أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق يحيى بن عثمان بن صالح،

ص: 389

عن سعيد شيخ البخاريّ فيه بلفظ "أنكحتكها"، فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي غسّان، ورواية "أنكحتكها" في البخاريّ لابن عُيينة كما حرّرته.

وما ذكره من الطعن في الثلاثة مردود، ولا سيّما عبد العزيز، فإن روايته تترجّح بكون الحديث عن أبيه، وآل المرء أعرف بحديثه من غيرهم، نعم الذي تحرّر مما قدّمته أن الذين رووه بلفظ التزويج أكثر عددًا ممن رواه بغير لفظ التزويج، ولا سيّما، وفيهم من الحفّاظ مثل مالك. ورواية سفيان بن عيينة "أنكحتكها" مساويةٌ لروايتهم، ومثلها رواية زائدة. وعدّ ابن الجوزيّ فيمن رواه بلفظ التزويج حمّاد بن زيد، وروايته بهذا اللفظ في "فضائل القرآن"، وأما في "النكاح" فبلفظ "ملّكتكها".

وقد تبع الحافظُ صلاح الدين العلائيّ ابن الجوزيّ، فقال في ترجيح رواية التزويج: ولا سيّما وفيهم مالك، وحمّاد بن زيد انتهى.

وقد تحرّر أنه اختُلف على حماد فيها، كما اختُلف على الثوريّ، فظهر أن رواية التمليك وقعت في إحدى الروايتين عن الثوريّ، وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن، وحمّاد بن زيد، وفي رواية معمر "ملكتكها"، وهي بمعناها، وانفرد أبو غسّان برواية "أمكناكها"، وأَخْلِقْ بها أن تكون تصحيفًا من "ملّكناكها"، فرواية التزويج، أو الإنكاح أرجح. وعلى تقدير تساوي الروايات يقف الاستدلال بها لكلّ من الفريقين. وقد قال البغويّ في "شرح السنّة": لا حجّة في هذا الحديث لمن أجاز انعقاد النكاح بلفظ التمليك؛ لأن العقد كان واحدًا، فلم يكن اللفظ إلا واحدًا، واختلف الرواةُ في اللفظ الواقع، والذي يظهر أنه كان بلفظ التزويج على وفق قول الخاطب "زوّجنيها"، إذ هو الغالب في أمر العقود، إذ قلّما يَختلف فيه لفظ المتعاقدين، ومن روى بلفظ غير لفظ التزويج لم يقصد مراعاة اللفظ الذي انعقد به العقد، وإنما أراد الخبر عن جريان العقد على تعليم القرآن. وقيل: إن بعضهم رواه بلفظ الإمكان، وقد اتفقوا على أن هذا العقد بهذا اللفظ لا يصحّ، كذا قال. وما ذُكر كافٍ في دفع احتجاج المخالف بانعقاد النكاح بالتمليك ونحوه.

وقال العلائي: من المعلوم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقل هذه الألفاظ كلّها

(1)

تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يكون قال لفظة منها، وعبّر عنه بقيّة الرواة بالمعنى، فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، ثم احتجّ بمجيئه في هذا الحديث إذا عورض ببقية الألفاظ لم ينتهض احتجاجه، فإن جزم بأنه هو الذي تلفّظ به النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن قال غيره ذكره

(1)

- نازع ذلك ابن حزم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة عادها ثلاثاً، فيحمل الحديث على هذا. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 390

بالمعنى، قَلَبه عليه مخالفه، وادّعى ضدّ دعواه، فلم يبق إلا الترجيح بأمر خارجي، ولكن القلب إلى ترجيح رواية التزويج أميل؛ لكونها رواية الأكثرين؛ ولقرينة قول الرجل الخاطب:"زوّجنيها يا رسول اللَّه".

وقد تقدّم النقل عن الدارقطنيّ أنه رجح رواية من قال: "زوّجتكها"، وبالغ ابن التين، فقال: أجمع أهل الحديث على أن الصحيح رواية زوّجتكها، وأن رواية ملّكتكها وَهَمٌ.

وتعلّق بعض المتأخّرين بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمّة، فلولا أن هذه الألفاظ عندهم مترادفة ما عبروا بها، فدلّ على أن كلّ لفظ منها يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج بجواز انعقاد النكاح بكلّ لفظة منها، إلا أن ذلك لا يدفع مطالبتهم بدليل الحصر في اللفظين مع الاتفاق على إيقاع الطلاق بالكنايات بشرطها، ولا حصر في الصريح، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكلّ لفظ يدلّ عليه، وهو قول الحنفيّة، والمالكيّة، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختلف الترجيح في مذهبه، فأكثر نصوصه تدلّ على موافقة الجمهور، واختار ابن حامد، وأتباعه الرواية الأخرى الموافقة للشافعيّة. واستدلّ ابن عقيل منهم لصحّة الرواية الأولى بحديث:"أعتَقَ صفيّة، وجعل عتقها صداقها"، فإن أحمد نصّ على أن من قال: أعتقتُ أمتي، وجعلتُ عتقها صداقها أنه ينعقد نكاحها بذلك. واشترط من ذهب إلى الرواية الأخرى بأنه لا بدّ أن يقول في مثل هذه الصورة: تزوّجتها، وهي زيادة على ما في الخبر، وعلى نصّ أحمد، وأصولُهُ تشهد بأن العقود تنعقد بما يدلّ على مقصودها، من قول، أو فعل. كذا في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من أن النكاح يجوز بكل لفظ يدلّ عليه هو الصواب، كما هو مذهب الحنفيّة، والمالكيّة، ورواية عن أحمد، -رحمهم اللَّه تعالى-.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى- كما في "مجموع الفتاوى"-: عمدة من قال: لا يصحّ النكاح إلا بلفظ "الإنكاح"، و"التزويج" - وهم أصحاب الشافعيّ، وابن حامد، ومن وافقهم من أصحابنا، كأبي الخطّاب، والقاضي، وأصحابه، ومن بعده- إلا في لفظ "أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك" أنهم قالوا: ما سوى هذين اللفظين كناية، والكناية لا تقتضي الحكم إلا بالنيّة، والنيّة في القلب لا تُعلم، فلا يصحّ عقد النكاح بالكناية؛ لأن صحّته مفتقرة إلى الشهادة عليه، والنيّة لا يُشهَد عليها، بخلاف ما يصحّ بالكناية، من طلاق، وعتق، وبيع، فإن الشهادة لا تُشترط في صحّة ذلك.

(1)

-"فتح" 10/ 262 - 270. "النكاح".

ص: 391

ومنهم: من يجعل ذلك تعبّدًا؛ لما فيه من ثبوت العبادات، وهذا قول من لا يصحّحه إلا بالعربيّة، من أصحابنا وغيرهم، وهذا ضعيف لوجوه:

[أحدها]: لا نسلّم أن ما سوى هذين كناية، بل ثَمَّ ألفاظ هي حقائق عرفيّة في العقد أبلغ من لفظ "أنكحت"، فإن هذا اللفظ مشترك بين الوطء والعقد، ولفظ الإملاك خاصّ بالعقد، لا يُفهم إذا قال القائل: أملك فلانٌ على فلانة إلا العقد، كما في "الصحيحين":"أملكتكها على ما معك من القرآن"، سواء كانت الرواية باللفظ، أو المعنى.

[الثاني]: أنا لا نسلّم أن الكناية تفتقر إلى النيّة مطلقًا، بل إذا قُرن بها لفظ من ألفاظ الصريح، أو حكم من أحكام العقد كانت صريحةً، كما قالوا في الوقف: إنه ينعقد بالكناية، كتصدّقت، وحرمت، وأبّدت، إذا قُرن بها لفظ، أو حكم، فإذا قال: أملكتكها، فقال: قبلت هذا التزويج، أو أعطيتكها زوجةً، فقال: قبلت، أو أملكتكها على ما أمر اللَّه به من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، ونحو ذلك، فقد قُرِن بها من الألفاظ، والأحكام ما يجعله صريحًا.

[الثالث]: أن إضافة ذلك إلى الحرّة يبيّن المعنى، فإنه إذا قال في ابنته: ملّكتكها، أو أعطيتكها، أو زوّجتكها، ونحو ذلك، فالمحلّ يَنفي الإجمال، والاشتراك.

[الرابع]: أن هذا منقوضٌ عليهم بالشهادة في الرجعة، فإنها مشروعةٌ، إما واجبة، وإما مستحبّةٌ، وهي شرط في صحّة الرجعة على قولٍ، وبالشهادة على البيع، وسائر العقود، فإن ذلك مشروع مطلقًا، سواء كان العقد بصريح، أو كناية مفسّرة.

[الخامس]: أن الشهادة تصحّ على العقد، ويثبت بها عند الحاكم على أيّ صورة انعقدت، فعُلم أن اعتبار الشهادة فيه، لا يمنع ذلك.

[السادس]: أن العاقدين يمكنهما تفسير مرادهما، ويشهد الشهود على ما فسّروه.

[السابع]: أن الكناية عندنا إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في الظاهر بلا نزاع، ومعلوم أن اجتماع الناس، وتقديم الخطبة، وذكر المهر، والمفاوضة فيه، والتحدّث بأمر النكاح قاطع في إرادة النكاح. وأما التعبّد فيحتاج إلى دليل شرعيّ. ثم العقد جنسٌ لا يشرع فيه التعبّد بالألفاظ؛ لأنها لا يُشترط فيها الإيمان، بل تصحّ من الكافر، وما يصحّ من الكافر لا تعبّد فيه. واللَّه أعلم انتهى كلام شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى-

(1)

.

(1)

- "مجموع الفتاوى" 32/ 15 - 17.

ص: 392

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -؛ هذا الذي قاله شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى- هو الصواب عندي.

وحاصله أن النكاح ينعقد بكل ما تعارفه الناس من الألفاظ، ولو بغير العربية لمن

يحسنها لأنه الموافق لمقاصد الشريعة، فإن الشرع لم يُضَيِّق في النكاح على الناس باتباع صيغة معينة، أو كونه بالعربية، بل هو كسائر العقود الجارية بينهم التي تجوز مطلقًا كالطلاق، والرجعة، والعَتَاق، والبيع، والشراء، والإجارة، وغيرها. واللَّه تعالي أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإثيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء السادس والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى".

وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.

وأخر دعوانا {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} .

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".

"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".

ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء السابع والعشرون مفتتحًا بالباب 2 "ما افترض اللَّه عز وجل على رسوله- عليه السلام، وحرّمه على خلقه ليزيده -إن شاء اللَّه- قُربةً إليه" الحديث رقم 3202.

"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

ص: 393