الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجزء الأربعون
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1424 هـ - 2003 م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: 4145 - (تلفاكس 5211576 - جوال 055541026)
شرح
سنن النّسائيّ
بسم الله الرحمن الرحيم
10 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ)
5457 -
(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بِلَالُ بْنُ يَحْيَى، أَنَّ شُتَيْرَ بْنَ شَكَلٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِى تَعَوُّذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ:"قُلْ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَشَرِّ بَصَرِي، وَشَرِّ لِسَانِي، وَشَرِّ قَلْبِي، وَشَرِّ مَنِيِّي"، قَالَ: حَتَّى حَفِظْتُهَا، قَالَ سَعْدٌ: وَالْمَنِىُّ مَاؤُهُ. خَالَفَهُ وَكِيعٌ فِي لَفْظِهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث تقدّم سندًا، ومتنًا قبل خمسة أبواب 4/ 5446 - وتقدّم الكلام عليه مستوفًى هناك، فراجع تستفد.
[تنبيه]: قد تقدّم أن شيخ المصنّف فِي جميع نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" التي بين يديّ، هو الحسين بن إسحاق، مصغّرًا، وهو الواسطي، مقبول [11] منْ أفراد المصنّف، ووقع فِي "تحفة الأشراف" 4/ 156:"الحسن بن إسحاق" مكبّرا، ولا أراه إلا تصحيفًا، فيلتأمل. والحديث صحيح، كما سبق بيانه فِي الباب المذكور. والله تعالى أعلم.
وقوله: "خالفه وكيع" يعني أن وكيع بن الحرّاح خالف أبا نعيم فِي لفظ هَذَا الْحَدِيث، كما بينه فِي الباب التالي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
11 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الْبَصَرِ)
5458 -
(أَخْبَرَنَا
(2)
عُبَيْدُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ:"قُلِ اللَّهُمَّ عَافِنِى مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَلِسَانِي، وَقَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي"، يَعْنِي ذَكَرَهُ).
"عُبَيْدُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ": لا بأس به [11] 57/ 1299 منْ أفراد المصنّف.
والمخالفة التي أشار إليها المصنّف فِي لفظ الْحَدِيث واضحة، حيث كَانَ فِي الرواية الأولى بدل "دعاء أنتفع به":"تعوّذا أتعوذ به"، وَقَالَ:"أعوذ بك منْ شر سمعي، وشر بصري، وشر لساني، وشر قلبي" بدل: "اللَّهم عافني منْ شر سمعي، وبصري، ولساني، وقلبي"، وَقَالَ:"والمني ماؤه" بدل: "يعني ذكره"، ولا اختلاف بين الروايتين فِي المعنى.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
12 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْكَسَلِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الكسل" -بفتحتين-: مصدر كَسِل، منْ باب تَعِب. قَالَ فِي "القاموس": الكسل: محرّكةً: التثاقل عن الشيء، والفتور فيه، كَسِلَ، كفرح، فهو كَسِلٌ، وكَسْلانُ، جمعه كُسالَى مثلّثة الكاف، وكَسَالِي بكسر اللام، وكسلَى كقتلى. انتهى. وَقَالَ القرطبيّ: والكسل المتعوّذ منه: هو التثاقل عن الطاعات، وعن السعي فِي تحصيل المصالح الدينيّة، والدنيوية. انتهى. "المفهم" 7/ 34. والله تعالى أعلم بالصواب.
5459 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ، وَهُوَ ابْنُ مَالِكٍ، عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَنِ الدَّجَّالِ؟، قَالَ: كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"حُميد": هو الطويل. والسند مسلسلٌ بثقات البصريين، وهو منْ رباعيّات المصنّف، وهو (262) منْ رباعيات الكتاب، وفيه أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بغير واسطة، وفيه أنس رضي الله عنه-
أحد المكثرين السبعة، وآخر منْ مات منْ الصحابة رضي الله عنهما بالبصرة. والله تعالى أعلم.
وحاصل ما أجاب به أنس رضي الله عنه منْ السؤال المذكور أن الدجال، وعذاب القبر ثابتان؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يستعيذ منْ فتنة الدجال، وعذاب القبر، ولولا أنهما ثابتان لَمَا استعاذ منهما، وهو استدلالٌ واضح قويّ مقنع للغاية، والنصوص الواردة فِي إثبات كلّ منهما كثيرة، وَقَدْ عقد الإمام البخاريّ فِي "صحيحه" لكلّ منهما بابًا خاصًّا به، فعقد لعذاب القبر بابًا فِي "كتاب الجنائز""باب ما جاء فِي عذاب القبر" 86/ 1369، وعقد للثاني بابا فِي "كتاب الفتن""باب ذكر الدجال" 27/ 7122، فراجعه، وراجع ما كتبه الحافظ رحمه الله تعالى فِي شرحه الممتع "فتح الباري" 3/ 599 - 610، و14/ 599 - 614، تستفد.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم البحث عنه مستوفًى قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
13 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْعَجْزِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "العجز" -بفتح العين المهملة، وسكون الجيم آخره زاي-: هو مصدر عَجَز، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: عَجَزَ عن الشيء عَجْزًا، منْ باب ضرب، ومَعْجَزَة بالهاء، وحذفها، ومع كل وجه فتح الجيم، وكسرها: ضعُف، وعَجِزَ عَجَزًا منْ باب تعب لغة لبعض قيس عيلانَ، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم. وَقَدْ رَوَى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه قَالَ: لا يُقال: عجِز الإنسان بالكسر إلا إذا عظمت عَجِيزته. انتهى.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: المراد بالعجز المتعوّذ منه هو عدم القدرة عَلَى الطاعات، وعن السعي فِي تحصيل المصالح الدينيّة، والدنيويّة. انتهى "المفهم" 7/ 34. والله تعالى أعلم بالصواب.
5460 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: لَا أُعَلِّمُكُمْ إِلاَّ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا
وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَعِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَدَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ سُلَيمَانَ) أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [11] 38/ 42.
2 -
(مُحَاضِرٌ) بن الْمُوَرِّع الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [9] 29/ 5420.
3 -
(عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [4] 148/ 239.
4 -
(عَبدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ) الأنصاريّ البصريّ، نسيب ابن سيرين، ثقة [3] 82/ 1338.
5 -
(زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخوجيّ الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله عز وجل فِي تصديقه "سورة المنافقين"، مات رضي الله عنه سنة (6) أو (68). والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: لَا أُعَلِّمُكُمْ إِلَّا مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا، يَقُولُ) صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ الْعَجزِ) أي عدم القدرة عَلَى الطاعة، وعدم القوّة عَلَى جلب المنفعة (وَالكَسَلِ) أي التثاقل عن الخير (وَالْبُخْلِ) أي إمساك ما أوجب الله إيتاءه لمستحقّه (وَالْجُبْنِ) أي عدم الإقدام عَلَى مقاومة العدوّ، والنفس، والشيطان (وَالْهَرَم) بفتحتين: أي الخَوَف، وبلوغ أرذل العمر (وَعَذَابِ الْقَبْرِ) منْ الضيق، والظلمة، والوحشة، والضرب بالمِقمعة، ولدغ الحيّة، وأمثال ذلك، مما ورد تعذيب العصاة به، أو المراد ما يوجب عذابه، منْ الغيبة، والنميمة، والبول، كما وردت النصوص أن أكثر عذاب القبر بذلك (اللَّهُمَّ آتِ) بالمدّ: أي أعط (نَفْسِي تَقْوَاهَا) أي صيانتها عن المحظورات. قَالَ الطيبي رحمه الله تعالى: ينبغي أن تفسّر التقوى هنا بما يُقابل الفجور فِي قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8]، وهي الاحتراز عن متابعة الهوى، وارتكاب الفجور، والفواحش؛ لأن الْحَدِيث كالتفسير والبيانِ للآية، فدلّ قوله:"آت" عَلَى أن الإلهام فِي الآية هو خلق الداعية الباعثة عَلَى الاجتناب عن
المذكورات، وقوله:(وَزَكِّهَا) أي طهّرها (أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا) دلّ عَلَى أن إسناد التزكية إلى النفس فِي الآية هو نسبة الكسب إلى العبد، لا خلق الفعل له، كما زعمت المعتزلة؛ لأن الخيريّة تقتضي المشاركة بين كسب العبد، وخلق القدرة فيه. وأما قول ابن حجر: ولا يلزم منْ مقابلة التقوى للفجور قصرها عَلَى ضدّ الفجور، خلافًا لمن توهّمه. فمكابرة؛ لأن المقابلة صحيحة. ذكره القاري فِي "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" 5/ 316.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ابن حجر هَذَا هو أحمد بن محمد الْهَيتميّ الشافعيّ المتوفّى سنة (974 هـ)، وليس هو الحافظ العسقلانيّ أحمد بن عليّ المتوفّى سنة (852 هـ) صاحب "فتح الباري" الذي يتردّد النقل عنه فِي هَذَا الشرح، فتفطّن. والله تعالى أعلم.
(أَنْتَ وَلِيُّهَا) أي ناصرها، هَذَا راجع إلى قوله:"آت نفسي تقواها"، كأنه يقول: انصرها عَلَى فعل ما يكون سببا لرضاك عنها؛ لأنك ناصرها (وَمَوْلَاهَا) هَذَا راجع إلى قوله: "زكّها": يعني طهّرها بتأديبك إياها، كما يؤدّب المولى عبده.
وَقَالَ الطيبيّ: "أنت وليها، ومولاها" استئناف عَلَى بيان الموجب، وأن إيتاء التقوى، وتحصيل التزكية فيها إنما كَانَ لأنه هو متولي أمورها، ومالكها، فالتزكية إن حُملت عَلَى تطهير النفس عن الأفعال، والأقوال، والأخلاق الذميمة، كانت بالنسبة إلى التقوى مظاهر ما كَانَ مكمنا فِي الباطن، وإن حُملت عَلَى الإنماء، والإعلاء بالتقوى، كانت تحلية بعد التخلية؛ لأن المتّقي شرعاً منْ اجتنب النواهي، وأتى بالأوامر. قاله فِي "المرقاة" 5/ 316 - 317.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ) أي لا يسكن، ولا يطمئنّ بذكر الله تعالى (وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ) بما آتاها الله تعالى، ولا تقنع بما رزقها (وَعِلْمٍ لَا يَنْفَعُ) أي لعدم العمل به، وتعليمه للناس، وعدم تهذيبه الأخلاق (وَدَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) قَالَ الطيبيّ: الضمير فِي "لها" عائد عَلَى الدعوة، واللام زائدة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -13/ 5460 و65/ 5540 - وفي "الكبرى" 14/ 7895. وأخرجه (م)
فِي "الذكر والدعاء" 2722 (ت) فِي "الدعوات" 3572 (أحمد) فِي "مسند الكوفيين"17721. وفوائده تقدّمت غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5461 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"معاذ بن هشام": هو الدستوائيّ. والسند مسلسلٌ بثقات البصريين، وفيه أن شيخه هو أحد المشايخ التسعة، كما فِي الباب الماضي، وفيه رواية الابن عن أبيه.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم شرحه، وتخريجه فِي 7/ 5451. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
14 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الذِّلَّةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الذّلّة": -بكسر الذال المعجمة، وتشديد اللام-: اسم منْ ذل يَذِلّ، قَالَ الفيّوميّ: ذَلَّ ذَلاً، منْ باب ضرب، والاسم الذُلّ بالضم، والذِّلَّة بالكسر، والمذلّة: إذا ضعُف، وهان، فهو ذليل، والجمع أذِلّاء، وأذلّةٌ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أذلّه الله. وذلّت الدابّة ذِلّاً بالكسر: سهُلت، وانقادت، فهي ذلول، والجمع ذُلُلٌ بضمتين، مثلُ رسول ورُسُل، وذلّلتها بالتثقيل فِي التعدية. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5462 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ"، خَالَفَهُ الأَوْزَاعِيُّ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبو عَاصِمٍ، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ) النسائيّ، ثقة حافظ [11] 44/ 590.
2 -
(حَبّان) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقة ثبت [9] 44/ 590.
3 -
(حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغير بآخره [8] 181/ 288.
4 -
(إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقة حجة [4] 19/ 20.
5 -
(سعيد بن يسار) أبو الحباب المدنيّ، ثقة متقن [3] 46/ 740.
6 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ إسحاق، وشيخه نسائيّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ منْ رَوَى الْحَدِيث فِي دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ) أي منْ قلة المال، يقال: فقِر، منْ باب تعب: إذا قلّ ماله، ويحتمل أن يكون المراد فقر النفس، وهو عدم القناعة بما أوتيت، وبدل له حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا:"ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس"، متَّفقٌ عليه.
وَقَالَ فِي "المرقاة" 5/ 322: أي فقر القلب، أو منْ قلب حريص عَلَى جمع المال، أو منْ الفقر الذي يفضي بصاحبه إلى كفران النعمة فِي المآل، ونسيان ذكر المنعم المتعال، أو يدعوه إلى سدّ الخلّة بما يتدنّس به عرضه، وينثلم به دينه. وَقَالَ الطيبيّ: أراد فقر النفس، أعني الشره الذي يقابل غنى النفس الذي هو قناعتها، أو أراد قلة المال، والمراد الاستعاذة منْ الفتنة عليها، كالجزع، وعدم الرضا به. انتهى.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْقِلَّةِ) قَالَ الطيبي: أراد بها القلّة فِي أبواب البرّ، وخصال الخير؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كَانَ يؤثر الإقلال فِي الدنيا، ويكره الاستكثار منْ الأعراض الفانية. وَقَالَ غيره: أراد قلة العدد، أو الْعُدَد. وَقَالَ بعضهم: المراد قلة الصبر، وقلة الأنصار، أو قلة المال بحيث لا يكون له كَفَاف منْ القوت، فيعجز عن وظائف العبادة. انتهى (وَالذِّلَّةِ) بالكسر: أي منْ أن يكون ذليلًا فِي أعين النَّاس، بحيث يستخفّونه، ويحتقرون شأنه.
وقيل: المراد بها الذلة الحاصلة منْ المعصية، أو التذلّل للأغنياء عَلَى وجه المسكنة. (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَظْلِمَ) بالبناء للفاعل، و"أن" مصدريّة: أي: منْ ظلم غيري (أَوْ أُظْلَمَ) بالبناء للمَفعول: أي يظلمني أحد، والظلم لغةً: وضع الشيء فِي غير موضعه، وشرعًا: مجاوزة الحدّ، أو التصرّف فِي ملك الغير بدون حقّ. قاله فِي "المنهل" 8/ 205. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -14/ 5462 و5463 و5464 و15/ 5465 و16/ 5466 - وفي "الكبرى" و15/ 7896 و7897 و16/ 7898 و7899 و17/ 7900. وأخرجه (د) فِي "الصلاة" 1544 (ق) فِي "الدعوات" 3842 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 7992 و8112 و8429 و10590. وفوائده تعلم مما مضى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ الْأَوْزَاعِيُّ) يعني أن الأوزاعيّ رحمه الله تعالى خالف حماد بن سلمة رحمه الله تعالى، فرواه عن إسحاق، عن جعفر بن عياض، وروايته ضعيفة، كما سيأتي، ثم بيّن رواية الأوزاعيّ بقوله:
5463 -
(قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَهُوَ الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَنْ تَظْلِمَ، أَوْ تُظْلَمَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "قَالَ": القائل هو الراوي عن المصنّف، أي قَالَ المصنّف: أخبرني محمود الخ. و"محمود بن خالد": هو أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، منْ صغار [10]. و"الوليد": هو ابن مسلم الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس، والتسوية [8].
و"جعفر بن عياض" مدنيّ، مقبول [3].
رَوَى عن أبي هريرة رضي الله عنه هَذَا الْحَدِيث فقط، وعنه إسحاق بن عبد الله. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه؟ فَقَالَ: لا أذكره. قَالَ الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: لا يُعرف. تفرد به المصنّف، وابن ماجه بهذا الْحَدِيث فقط.
وقوله:" وأن تظلم، أو تُظلم" هكذا النسخ بضمير خطاب الواحد، مع أن أول الْحَدِيث بضمير الجماعة، ولا مانع منْ ذلك، إذ فِي أول الأمر وجه الخطاب للعموم، ثم خصّ واحدًا بخطابه لمزيد العناية به.
والحديث ضعيف الإسناد؛ لجهالة جعفر بن عياض، كما سبق فِي ترجمته آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5464 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْقِلَّةِ، وَالْفَقْرِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه "أحمد بن نصر" النيسابوريّ الزاهد المقرىء، أبي عبد الله بن أبي جعفر الثقة الحافظ [11]، فإنه منْ أفراده.
والحديث صحيحٌ، وَقَدْ سبق تخريجه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
15 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْقِلَّةِ)
5465 -
(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(1)
إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفَقْرِ، وَمِنَ الْقِلَّةِ، وَمِنَ الذِّلَّةِ، وَأَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمر بن عبد الواحد": هو الدمشقيّ، ثقة [9] 45/ 56، والباقون تقدموا فِي الباب الماضي.
والحديث ضعيف الإسناد، كما سبق بيانه فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم
(1)
وفي نسخة: "أخبرني".
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
16 - (الاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْفَقْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قَالَ الطيبيّ رحمه الله تعالى: أصل الفقر كسر فقار الظهر، ويستعمل الفقر عَلَى أربعة أوجه:[الأول]: وجود الحاجة الضروريّة، وذلك عامّ للإنسان ما دام فِي الدنيا، بل عامّ فِي الموجودات كلّها، وعليه قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} [فاطر: 15]. [والثاني]: عدم المقتنيات، وهو المذكور فِي قوله تعالى:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273]. وقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60]. [والثالث]: فقر النفس، وهو المقابل بقوله صلى الله عليه وسلم:"ولكن الغني غنى النفس". [والرابع]: الفقر إلى الله تعالى المعني فِي قوله تعالى حكايه عن موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، قَالَ: والمستعاذ منه هو القسم الثالث، وإنما استعاذ منْ الفقر الذي هو فقر النفس، لا قلة المال. انتهى ببعض تصرّف.
واعترضه ابن حجر الهيتميّ بأنه لا فرق بين الأول والرابع، وتعقبه القاري بما فيه نظر، انظر فِي "المرقاة" 5/ 322 - 323.
ونقل فِي "المرقاة" أيضًا 5/ 323: عن القاض عياض أنه قَالَ: وَقَدْ تكون استعاذته صلى الله عليه وسلم منْ فقد المال، والمراد الفتنة منْ عدم احتماله، وقلة الرضا به، ولذا قَالَ:"وفتنة الفقر"، ولم يقل: الفقر، كيف وَقَدْ صحّت أحاديث كثيرة فِي فضل الفقر. انتهى. وقوله: ولم يقل: "الفقر": أي فِي غير هَذَا الْحَدِيث. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5466 -
(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عِيَاضٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَنْ تَظْلِمَ أَوْ تُظْلَمَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير جعفر ابن عياض:
وتقدم، وغير "موسى بن شيبة" الحضرميّ المصريّ، مقبول [9].
رَوَى عن الأوزاعيّ، ويونس بن يزيد، وعنه ابن وهب، لم يرو عنه غيره. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". رَوَى له المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط، وأبو داود فِي "المراسيل".
والحديث ضعيف، كما سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5467 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ -يَعْنِي الشَّحَّامَ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي بَكْرَةَ- أَنَّهُ كَانَ سَمِعَ وَالِدَهُ، يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ"، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِهِنَّ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَنَّي عُلِّمْتَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتِ سَمِعْتُكَ تَدْعُو بِهِنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، فَأَخَذْتُهُنَّ عَنْكَ، قَالَ: فَالْزَمْهُنَّ يَا بُنَيَّ، فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا. و"ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم البصريّ الثقة [9]. و"عثمان الشحّام": هو العدويّ، أبو سلمة البصريّ، قيل: اسم أبيه ميمون، أو عبد الله، لا بأس به [6]. و"مسلم بن أبي بكرة": هو الثقفيّ البصريّ، ولد أبي بكرة شيخه، صدوقٌ [3] و"أبو بكرة": هو نفيع بن الحارث الصحابيّ المشهور رضي الله عنه.
وقوله: "أنّي عُلّمتَ؟ ""أنّي" بفتح الهمزة، وتشديد النون، والقصر: اسم استفهام، و"عُلمت" بالبناء للمفعول: أي منْ أين تعلّمت؟.
وقوله: "فِي دبر الصلاة": تقدّم فِي "كتاب الصلاة" أن الأرجح أنه يشمل ما قبل التسليم، وما بعده، لا كما ظنه بعضهم منْ أنه خاصّ بما قبل السلام، فإن أحببت أن تعلم المسألة بأدلتها، فأرجع إلى ما تقدّم فِي أبواب الدعاء فِي الصلاة منْ هَذَا الشرح، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي "الصلاة" 90/ 1347 ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
17 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْقَبْرِ)
5468 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَثِيرًا مَا يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ، وَأَنْقِ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا أَنْقَيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ، وَالْمَغْرَمِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المبارك الْمُخرّميّ، أبو جعفر البغداديّ الثقة الحافظ [11] 43/ 50 منْ أفراد البخاريّ، والمصنف، وأبي داود.
2 -
(أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد الكوفيّ، ثقة ثبت ربما دلّس، منْ كبار [9] 44/ 52.
3 -
(هشام بن عروة) أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلّس [5] 49/ 61.
4 -
(أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 40/ 44.
5 -
(عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها 5/ 5. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ هشام. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها، منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنهما، أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، كَثِيرًا مَا) "ما" هذه زائدة زيدت لتأكيد الكثرة (يَدْعُو بهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ فِتْنةِ النَّارِ) أي فتنة تؤدّي إلى النار، ويحتمل أَن يراد بفتنة النار سؤال الخزنة عَلى سبيل التوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى:{كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}
[الملك: 8](وَعَذَاب النَّارِ) أي منْ أن أكون معذبًا بنار جهنم (وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ) أي التحيّر فِي الجواب عند سؤال اَلملكين (وَعَذَابِ الْقَبْرِ) أي بالضرب بمقامع منْ الحديد، وغيره منْ أنواع العذاب (وَشَرِّ فِتْنَهَ الْمَسِيحِ) بالحاء المهملة عَلَى الأشهر، وروي بالخاء المعجمة؛ لأنه ممسوخ العين الواحدة (الدَّجَّالِ) أي الكذّاب، قَالَ ثعلب: الدجّال هو المموِّه، يقال: سيف مدجَّلٌ: إذا طُلي بذهب. وَقَالَ ابن دُريد: كل شيء غطيته، فقد دجّلته، واشتقاق الدجّال منْ هَذَا؛ لأنه يُغطّي الأرض بالجمع الكثير، وجمعه دجّالون. قاله الفيّوميّ. وقيل: غير ذلك فِي وجه اشتقاقه (وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ) بأن يحسد الأغنياء، ويطمع فِي أموالهم، ويتذلّل بما يدنّس العرض، ويثلم الدين، وعدم الرضا بما قسم الله، وغير ذلك مما لا تحمد عاقبته (وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى) بأن يبطر ويطغى، كما قَالَ تعالى:{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7]، أو بتحيل المال منْ الحرام، وصرفه فِي العصيان، والتفاخر به، ومنع حقوقه (اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ) بفتحتين: أي طهرني منْ الذنوب بأنواع المغفرة، كما تطهر هذه الأشياء الأدناس الظاهرة (وَأَنْقِ) بقطع الهمزة، منْ الإنقاء، وفي نسخة:"ونقّ" منْ التنقية (قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا) الباطنة، وهي الأخلاق الذميمة، والصفات الرديئة، منْ الحقد، والحسد، والكبر، وغيرها (كَمَا أنْقَيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَض مِنَ الدَّنَسِ) أي الوسخ، وفيه إيماء إلى أن القلب بمقتضى الفطرة سليم نظيف، وأبيض ظريف، وإنما يتسوّد بارتكاب الذنوب، والتخلُّق بالعيوب (وَبَاعِدْ) مبالغة فِي الإبعاد؛ لأن المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة، فهي للمبالغة، وهو فِي قوة التكرير، أفاده فِي "المرقاة"(بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) وجه التشبيه أن التقاء المشرق بالمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يبقى له منْ الذنوب أثر بالكلية. وتقدم البحث فِي هَذَا فِي "أبواب الطهارة"(اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ، وَالْمَغْرَمِ") تقدّم معانيها قريبًا.
والحديث متفّق عليه، وَقَدْ سبق تمام شرحه، وتخريجه فِي "الصلاة" 64/ 1309. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
18 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ)
5469 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَبَّادِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير:"عباد ابن أبي سعيد" المقبريّ، مقبول [3].
رَوَى عن أبي هريرة، وعنه أخوه سعيد، قَالَ ابن خلفون فِي "الثقات": وثّقه محمد ابن عبد الرحيم التبّان. رَوَى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه هَذَا الْحَدِيث فقط.
والحديث مضى شرحه فِي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما 2/ 5445 - أخرجه المصنّف هنا -18/ 5469 و64/ 5538 و5539 - وفي "الكبرى" 4/ 7869 و7870 و5/ 7871 و7872 و6/ 7873. وأخرجه (د) فِي "الصلاة" 1548 (ق) فِي "الدعاء" 3837. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
19 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْجُوعِ)
5470 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمد بن العلاء) أبو كريب الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [10] 95/ 117.
2 -
(ابن إدريس) هو عبد الله الأوديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [8] 85/ 102.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
3 -
(ابن عجلان) هو محمد المدنيّ، صدوقٌ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [5] 36/ 40.
4 -
(المقبريّ) سعيد بن أبي سعيد كيسان المدنيّ، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين [3] 95/ 117.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه 1/ 1. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ) أي منْ الألم الذي ينال الحيوان الحاصل منْ خلو المعدة عن الغذاء، ويؤدي تارة إلى المرض، وتارة إلى الموت، وإنما استعاذ منه صلى الله عليه وسلم لظهور أثره فِي قوى الإنسان الظاهرة والباطنة، ومنعه منْ الطاعات (فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ) أي المضاجع، والضجيع: ما يلازم صاحبه فِي المضجع، وأطلق عَلَى الجوع ضجيعًا للزومه للإنسان ليلًا ونهارًا فِي النوم واليقظة، وفي ذمه إشارة إلى أن المراد بالجوع الذي يضرّ الإنسان، ويضعفه عن العبادة. قاله فِي "المنهل".
وَقَالَ فِي "المرقاة" 5/ 325: وأشار بقوله: "فإنه بئس الضجيع" أي المضاجع، وهو ما يلازم صاحبه فِي المضجع إلى أنه جوع يمنع الْهُجُوع، ووظائف العبادات، كالسجود والركوع. وَقَالَ الطيبيّ رحمه الله تعالى: الجوع يُضعف القوى، ويشوّش الدماغ، فيثير أفكارًا ريئة، وخيالات فاسدة، فيُخلّ بوظائف العبادات والمراقبات، ولذلك خصّ بالضجيع الذي يلازمه ليلًا، ومن ثمّ حرُم الوصال. انتهى. وَقَدْ يُستدلّ بهذا الْحَدِيث لما قيل: منْ أن الجوع المجرد لا ثواب فيه. انتهى.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ) بالكسر: ضدّ الأمانة. وَقَالَ الطيبيّ: هي مخالفة الحقّ بنقض العهد فِي السرّ، والأظهر أنها شاملة لجميع التكاليف الشرعية، كما يدلّ عليه قوله تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الآية، وقولُهُ تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} شامل لجميعها. (فَإنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ) بالكسر: أي الخلصة الباطنة، قَالَ الطيبيّ: هي ضد الطهارة، وأصلها فِي الثوب، فاستعير لما يستبطنه الإنسان. وقيل: أي بئس الشيء الذي يستبطنه منْ اْمره، ويجعله بطانة حاله. وفي "المغرب": بطانة الشيء أهله، وخاصته مستعارة منْ بطانة الثوب. قَالَ ابن الملك: جعل الجوع ضجيعًا، والخيانة بطانة لملابسة بينهما، كالإنسان يلابسه ضجيعه بطانَتَه. قاله فِي
"المرقاة". وَقَالَ فِي "المنهل" 8/ 207: وتطلق البطانة أيضًا عَلَى صاحب سرّ الرجل، وداخلة أمره الذي يشاوره فِي أحواله، ويصحّ إرادته هنا، ويكون المعنى: أعوذ بك منْ الخيانة، فإنها بئست الصاحب. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هَذَا فِي سنده محمد بن عجلان، وهو مضطرب فِي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وتابعه عبد الله بن سعيد المقبريّ، وهو متروك، بل كذّبه بعضهم، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وفيه نظر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -19/ 5470 و20/ 5471 - وفي "الكبرى" 19/ 7903 و20/ 7904. وأخرجه (د) فِي "الصلاة" 1547 (ق) فِي "الأطعمة" 3354. وفوائده تعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
20 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْخِيَانَةِ)
5471 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ وَذَكَرَ آخَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَمِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وقوله: "وذكر آخر قبله". ذكر فِي "تهذيب التهذيب" 2/ 346 أن المراد بآخر هو عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو ضعيف باتفاقهم، بل كذّبه بعضهم، وَقَالَ فِي "التقريب": متروك، وليس له عند المصنّف شيء إلا فِي هَذَا الباب مبهمًا.
والحديث سبق البحث عنه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
21 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الشِّقَاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الأَخْلَاقِ)
5472 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ"، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَرْبَعِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "خلف": هو ابن خليفة الأشجعيّ مولاهم، أبو أحمدالكوفي، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوقٌ، اختلط فِي الآخر [8] 110/ 149. و"حفص": هو ابن أخي أنس رضي الله عنه، قيل: هو ابن عبد الله بن أبي طلحة، وقيل: ابن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة، صدوقٌ [4] 58/ 1300.
والسند منْ رباعيات المصنّف، وهو (263) منْ رباعيات الكتاب، وشرح الْحَدِيث تقدّم فِي 2/ 5444 وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -20/ 5472 - وأخرجه (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 13262 و13609. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5473 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضُبَارَةُ، عَنْ دُوَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الأَخْلَاقِ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) أبو حفص الحمصّ، صدوقٌ [10] 21/ 535.
2 -
(بقية) بن الوليد الحمصيّ الكلاعيّ، أبو يُحمد، صدوقٌ، كثير التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 55.
3 -
(ضُبارة) -بضم أوله، ثم موحّدة-: هو ابن عبد الله بن مالك بن أبي السَّلِيك
الحضرميّ، أبو شُريح الحمصيّ، مجهول [6] 40/ 1710.
4 -
(دُويد بن نافع) الأمويّ مولاهم، أبو عيسى الشاميّ، مقبول [6] 40/ 1710.
5 -
(أبو صالح) ذكران السمان المدنيّ، ثقة ثبت [3] 36/ 40.
6 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه 1/ 1. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ دُوَيْدِ) بالدال المهملة، مصغّرًا، ويقال: ذويد بالمعجمة (ابْنِ نَافِع) أنه (قَالَ: قَالَ أبُو صَالِحٍ) ذكران السمان (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (إِنَّ رَسُوَلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو: اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ) أي الخلاف، والعداوة، ومجانبة طريق الحقّ (وَالنِّفَاقِ) أي إضمار الكَفر، وإظهار الإِسلام، ومن أن أرائي فِي أعمالي، فالنفاق يعمّ الاعتقاديّ والعمليّ (وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ) عطف عامّ عَلَى خاصّ منْ إضافة الصفة إلى الموصوف: أي الأخلاق السيّئة، والأخلاق: جمع خلق، وهو ملكة راسخة فِي النفس، تصدر عنها الأفعال بسهولة، فإن صدر عنها المحمود عقلًا، وشرعًا، فهي الخلق الحسن، وإلا فالخلق السّيّء. وفي الْحَدِيث دليل عَلَى أن الشقاق، والنفاق منْ أقبح الأخلاق السّيئة؛ لأن ضررهما يتعدّى إلى الغير. أفاده فِي "المنهل" 8/ 206 - 207. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه ضعيف؛ لجهالة ضبارة بن عبد الله، كما سبق فِي ترجمته.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -21/ 5473 - وفي "الكبرى"7906. (د) فِي "الصلاة" 1546. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
22 - (الاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْمَغْرَم)
5474 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ -هُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ- عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يُكْثِرُ التَّعَوُّذَ مِنَ الْمَغْرَمِ، وَالْمَأْثَمِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُكْثِرُ التَّعَوُّذَ مِنَ الْمَغْرَمِ، وَالْمَأْثَمِ؟ فَقَالَ:"إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه:" سليمان بن سُليم الحمصيّ" الكلبيّ مولاهم، أبو سلمة الشاميّ القاضي بحمص، ثقة عابد [7].
رَوَى عن عمرو بن شعيب، والزهري، ويحمى بن جابر القاضي، وكان كاتبه، وصالح بن يحيى بن المقدام بن معديكرب، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، وعمر بن روبة
(2)
التغلبي، وأرسل عن سلمة بن نفيل السكوني، وغيرهم. وعنه إسماعيل بن عياش، وبقية، ومحمد بن حرب الخولاني، ومحمد بن حمير السليحي، وعبد الله بن سالم الحمصي، وأبو المغيرة الخولاني، وغيرهم. قَالَ المروزي: ثنا أحمد، ثنا أبو المغيرة، ثنا سليمان بن سليم أبو سلمة: ثقة. وَقَالَ ابن معين، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، ويحيى بن صاعد، والدارقطني: ثقة. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: سليمان ابن سليم، قاضي حمص ثقة، ولهم شيخ آخر، يقال له: أبو سلمة، رَوَى عن الزهريّ ليس بشيء. وَقَالَ النسائيّ: حمصي ليس به بأس. قَالَ العجليّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". قَالَ عبد الله بن سالم الحمصي: ما كَانَ فِي هذه المدينة أعبد منه. وَقَالَ صاحب "تاريخ حمص": مات سنة سبع وأربعين ومائة. رَوَى له الأربعة، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي 9/ 5456 وَقَدْ مضى شرحه، وتخريجه هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
بضم الراء، وسكون الواو، بعدها موحّدة. قاله فِي "ت".
23 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الدَّيْنِ)
5475 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، وَذَكَرَ آخَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ التُّجِيبِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ دَرَّاجًا، أَبَا السَّمْحِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْهَيْثَمِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ"، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَعْدِلُ الدَّيْنَ بِالْكُفْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ": هو أبو يحيى المكيّ، ثقة [10] منْ أفراد المصنّف، وابن ماجه. و"أبوه": هو عبد الله بن يزيد المقرىء، أبو عبد الرحمن البصريّ، نزيل مكة، ثقة فاضل [9]. و"حيوة": هو ابن شريح، أبو زرعة التجيبيّ المصريّ، ثقة ثبت، فقيه زاهد [7]. وقوله:"وذكر آخر": تقدّم أنه عبد الله بن لهيعة، فتنبّه.
و"سالم بن غَيلان" التجيبيّ المصريّ، ليس به بأس [7].
رَوَى عن دَرّاج أبي السمح، والوليد بن قيس، ويزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. وعنه حيوة بن شريح، وابن لهيعة، وعبد الحميد بن سالم، وابن وهب، قَالَ عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أرى به بأسا. وَقَالَ أبو داود: لا بأس به. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن يونس: كَانَ فقيها، توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة. وَقَالَ ابن بكير: سنة (51)، قَالَ ابن يونس: وهو عندي أصح. وَقَالَ العجليّ: ثقة. وفي "الميزان": عن الدارقطنيّ، أنه متروك. رَوَى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، له عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط، كرّره مرّتين، هنا 23/ 5475 و28/ 5486.
و"درّاج" -بتثقيل الراء، وآخره جيم- ابن سمعان، أبو السمح -بمهملتين الأولى مفتوحة، والميم ساكنة- قيل: اسمه عبد الرحمن، ودرّاج لقبه السهميّ مولاهم المصريّ القاصّ، صدوقٌ، فِي حديثه عن أبي الهيثم ضعف [4].
رأى مولاه عبد الله بن عمرو بن العاص، وروى عن عبد الله بن الحارث الزبيدي، وأبي الهيثم سليمان بن عمرو الْعُتْواري، وعبد الرحمن بن حجيرة، وأبي قبيل حيي بن هانىء، وعيسى بن هلال الصدفي، وغيرهم. وعنه حيوة بن شريح، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، والليث، وأبو شجاع القتباني، وسالم بن غيلان التجيبيّ،
وغيرهم. قَالَ عبد الله ابن أحمد عن أبيه: حديثه منكر. وَقَالَ أبو داود لما سئل عنه: سمعت أحمد يقول: الشأن فِي دراج. وَقَالَ عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. قَالَ عثمان: دراج، ومِشرَح بن هاعان ليسا بكل ذاك، وهما صدوقان. وَقَالَ الدوري عن ابن معين: دراج ثقة. وأبو الهيثم ثقة. وَقَالَ الآجري عن أبي داود: أحاديثه مستقيمة، إلا ما كَانَ عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. وَقَالَ النسائيّ: ليس بالقوي. وَقَالَ فِي موضع آخر: منكر الْحَدِيث. وَقَالَ أبو حاتم: فِي حديثه ضعف. وَقَالَ الدارقطنيّ: ضعيف. وَقَالَ فِي موضع آخر: متروك. وَقَالَ فضلك الرازي لما ذكر له أن ابن معين قَالَ: دراج ثقة، فَقَالَ: ليس بثقة، ولا كرامة. وَقَالَ ابن عدي: عامة الأحاديث التي أمليتها عن دراج مما لا يتابع عليه، ومما ينكر منْ حديثه:"أصدق الرؤيا بالأسحار"، و"الشتاء ربيع المؤمن"، و"السباع حرام"، و"أكثروا منْ ذكر الله حَتَّى يقال مجنون"، و"لا حليم إلا ذو عثرات"، وأرجو أن أحاديثه بعد هذه التي أنكرت عليه لا بأس بها. وَقَالَ ابن يونس: كَانَ يقص بمصر، يقال: توفي سنة (126). وذكره ابن حبّان فِي "الثقات" فِي عبد الرحمن، وذكر أن اسم أبيه السمح، وخرج حديثه فِي "صحيحه". وذكر ابن أبي حاتم عن أحمد بن صالح المصريّ: دراج لا يرف اسم أبيه. وحكى ابن عدي عن أحمد بن حنبل: أحاديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، فيها ضعف. وَقَالَ ابن شاهين فِي د "الثقات": ما كَانَ بهذا الإسناد فليس به بأس. رَوَى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط، كرره ثلاث مرَّات هنا 23/ 5475 و5476 و28/ 5486.
و"أبو الهيثم" سليمان بن عمرو بن عبدة، أو عبيد الليثيّ الْعُتوَاريّ المصريّ، ثقة [4].
رَوَى عن أبي سعيد الخدريّ، وكان فِي حجره، وأبي هريرة، وأبي نضرة، وعنه دراج أبو السمح، وكعب بن علقمة، وعبيد الله بن زَخْر، وعبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وغيرهم. قَالَ ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن الفسوي فِي "الثقات". رَوَى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والأربعة، له عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط، كرره ثلاث مرّات هنا 23/ 5475 و5476 و28/ 5486. والله تعالى أعلم.
وقوله: "أتعدل الدين بالكفر؟، قَالَ: نعم": أراد الرجل أن قرانهما فِي الذكر يقتضي قوّة المناسبة بينهما فِي المضرّة، بحيث إن كلا منهما يساوي الآخر، فهل الدين بلغ هَذَا المبلغ حَتَّى استحقّ أن يُجعل عديلاً للكفر، ويكون قرينًا معه فِي الذكر؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بأنه
كذلك، كيف، وهو يمنع دخول الجنة كالكفر، نعم هو دائميّ، ومنع الدَّين إلى غاية الأداء. والله تعالى أعلم. قاله السنديّ.
والحديث ضعيف؛ لأجل درّاج، فإنه ضعيف فِي حديث أبي الهيثم، كما سبق بيانه آنفًا، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -23/ 5475 و5476 - وفي "الكبرى" 23/ 7908 و7909. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5476 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِىءُ، قَالَ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، عَنْ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ"، فَقَالَ رَجُلٌ: تَعْدِلُ الدَّيْنَ بِالْكُفْرِ؟ قَالَ: "نَعَمْ").
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الْحَدِيث ضعيف، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
24 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ)
5477 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُيَىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [10] 35/ 39.
2 -
(ابن وهب) هو عبد الله الَمصريّ، ثقة حافظ [9] 9/ 9.
3 -
(حُييّ بن عبد الله) بن شُريح المعافريّ المصريّ، صدوقٌ يَهِم [6] 8/ 1832.
4 -
(أبو عبد الرحمن الْحُبُليّ) عبد الله بن يزيد الْمَعَافريّ المصريّ، ثقة [3] 60/ 1303.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
5 -
(عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله تعالى عنهما 89/ 111. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير حُيّيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو بَهؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ) أي لأن الدين همّ بالليل، وذلّ بالنهار، فإذا كَانَ غالبًا كَانَ أدهى وأمرّ (وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ) أي لأن العدوّ إذا غلب يذيق أليم العذاب، وكآبة الذلّ والمهانة، ولاسيّما إذا كَانَ كافرًا، أو منافقًا، وربما يفتن عن الدين (وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ) أي فرحهم بالمصائب التي تنزل عَلَى الشخص. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -24/ 5477 و31/ 5489 و32/ 5490 - وفي "الكبرى" 24/ 7910 و32/ 7924 و33/ 7926. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 6581. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
25 - (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ ضَلَعِ الدَّيْنِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الضلع" -بفتحتين، مصدر ضَلِع، منْ باب تعب: إذا اعوجّ، والضلع أيضًا اسم منْ الضلاعة، يقال: ضلُع بالضم منْ باب كرم ضلاعة: إذا قوي، وضَلَع ضَلْعًا، منْ باب نفع: مال عن الحقْ-: والمراد به هنا ثقله وشدّته، وذلك حين لا يجد منْ عليه الدين وفاءً، ولاسيما مع المطالبة. وَقَالَ بعض السلف: ما دخل هم الدين قلبًا إلا أذهب منْ العقل ما لا يعود إليه. قاله فِي "الفتح" 12/ 465 - 466
بزيادة والله تعالى أعلم بالصواب.
5478 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ -وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ، وَالْحَزَنِ، وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي 7/ 5449. وتقدّم شرحه هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
26 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أصل الفتنة -كما قَالَ فِي "الفتح" 12/ 468 - 469 - : الامتحان، والاختبار، واستُعملت فِي الشرع فِي اختبار كشف ما يكره، ويقال: فتنت الذهب: إذا أختبرته بالنار؛ لتنظر جودته، وفي الغفلة عن المطلوب، كقوله تعالى:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]، وتُستعمل لإكراه عَلَى الرجوع عن الدين، كقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج: 10]، واستُعملت أيضاً فِي الضلال، والإثم، والكفر، والعذاب، الفضيحة، ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن. انتهى.
وقيّد الغنى بالشرّ إشارة إلى أن منه ما هو خير، وهو الذي قام صاحبه بما وجب عليه منْ الحقوق. قَالَ الغزالّي رحمه الله تعالى: فتنة الغنى الحرص عَلَى جمع المال، وحبه حَتَّى يكسبه منْ غير حله ومنعه منْ واجبات إنفاقه وحقوقه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5479 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا،
كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْمَغْرَمِ، وَالْمَأْثَمِ").
قالَ الجامع عَفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"جرير": هو ابن عبد الحميد.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم 17/ 5466 وتقدم شرحه هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
27 - (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "فتنة الدنيا" أن تَشْغَلَ العبدَ عن أداء الواجبات، وتُنسيه الدار الآخرة، ويحمله الحرص عليها عَلَى جمعها منْ أي وجه حصلت له، سواء كَانَ حراما، أم حلالًا، ويمنع الواجب الذي تعلّق بها، ولا يصل بها رحمه، ولا ينفقها فِي سبيل الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5480 -
(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُهُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَرْوِيهِنَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو داود": هو الطيالسيّ. و"عبد الملك بن عُمير": هو الفرَسيّ.
والحديث أخرجه البخاريّ، وَقَدْ تقدّم فِي 6/ 5449 وتقدم شرحه هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5481 -
(أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَالَا: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، كَمَا يُعَلِّمُ الْمُكْتِبُ الْغِلْمَانَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ").
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ": هو أبو عمرو الرّقّيّ، صدوقٌ [11] منْ أفراد المصنّف. و"أبوه": هو العلاء بن هلال بن عمرو الرقيّ، فيه لين [9] منْ أفراد المصنّف أيضًا. و"عُبيد الله": هو ابن موسى العبسيّ الكوفيّ الثقة [9]. و"إسرائيل": هو ابن يونس الكوفيّ، الثقة [7].
وقوله: "كما يعلم المكتب الغلمان": "المكتب" بصيغة اسم الفاعل، منْ أكتب بالهمزة، أو منْ كتب بالتشديد: إذا علّم الكتابة. قَالَ فِي "اللسان" 1/ 699: وكتّب الرجلَ، وأكتبه إكتابًا: علّمه الكتاب، ورجل مُكْتِبٌ: له أجزاءٌ تكتب منْ عنده، والمكْتِب: المعلّم. وَقَالَ اللِّحيانيّ: هو الذي يُعَلِّمُ الكتابة. والْمَكْتَب -أي بفتح الميم، والتاء-: موضع الكُتاب. والْمَكتَب، والْكُتّاب -أي بضم، فتشديد تاء-: موضع تعليم الكتاب، والجمع الكتاتيب، والْمَكَاتب. وَقَالَ المبرّد: المكتب -أي بالفتح-: موضع التعليم، والْمُكتِب -أي بالضم-: المعلّم، والْكُتّاب: الصبيان، قَالَ: ومن جعل الموضع الْكُتّاب فقد أخطأ. وَقَالَ ابن الأعرابيّ: يقال لصبيان الْمَكْتَبِ: الفرقان أيضًا. انتهى.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق الكلام فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5482 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْعُمُرِ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن فضالة" -بفتح الفاء-: هو أبو المنذر النسائيّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [11] منْ أفراد المصنّف. و"أبو إسحاق": هو السبيعيّ.
والحديث ضعيف، وَقَدْ تقدّم 3/ 5443 ومضى البحث عنه هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5483 -
(أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِيُّ، هُوَ أَبُو دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
النَّضْرُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
الْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْعُمُرِ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِىُّ، أَبُو دَاوُدَ الْمُصَاحِفِىُّ": ثقة [11]. و"النضر": هو ابن شميل النحويّ اللغوي الثقة الثبت، منْ كبار [9]. و"يونس": هو ابن أبي إسحاق السبيعي.
والحديث ضعيف، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5484 -
(أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الشُّحِّ، وَالْجُبْنِ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "حسين": هو ابن عياش بن حَازم السلميّ مولاهم، أبو بكر الباجُدّائيّ -بموحّدة، وجيم مضمومة-، ثقة [10] منْ أفراد المصنّف. و"زُهير": هو بن معاوية ابن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، ثقة ثبت، إلا أن سماعه منْ أبي إسحاق بأخرة [7].
والحديث ضعيف، كما سبق بيانه قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5485 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَعَوَّذُ، مُرْسَلٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [11] منْ أفراد المصنّف. و"أبو داود": هو عمر بن سَعْد الْحَفَريّ الكوفيّ، ثقة عابد [9]. و"سفيان": هو الثوريّ.
والحديث مرسل ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
28 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الذَّكَرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الذكر" -بفتحتين-: الفرج منْ الحيوان، جمعه: ذِكَرَةٌ مثلُ عِنَبَة، ومذاكير، عَلَى غير قياس. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
5486 -
(أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بِلَالِ بْنِ
يَحْيَى، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: قُلِ: "اللَّهُمَّ عَافِنِي مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَلِسَانِى، وَقَلْبِي، وَشَرِّ مَنِيِّي"، يَعْنِي ذَكَرَهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عُبَيدُ بْنُ وَكِيعٍ": هو ولد وكيع بن الجرّاح الإمام المشهور، لا بأس به [11] منْ أفراد المصنّف. [تنبيه]: وقع فِي النسخ المطبوعة منْ "المجتبى" هنا- "عبيد الله بن وكيع" بالإضافة، وهو غلط، والصواب كما فِي الهنديّة:"عُبيد بن وكيع" بغير إضافة، وهو الذي تقدّم فِي 11/ 5458 - وهو المذكور فِي كتب الرجال، و"تحفة الأشراف"، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و"سعد بن أوس": هو العبسيّ الكاتب، أبو محمد الكوفيّ، ثقة [7] 4/ 5446. و"بلال بن يحيى": هو العبسيّ الكوفيّ، صدوقٌ [3] 4/ 5446. و"شُتير بن شَكَل": هو العبسيّ الكوفيّ، يقال: إنه أدرك الجاهليّة، ثقة [3] 4/ 5446.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم شرحه، وتخريجه فِي 4/ 5446 فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
29 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الْكُفْرِ)
5487 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ، عَنْ دَرَّاجٍ، أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ"، فَقَالَ رَجُلٌ: وَيَعْدِلَانِ؟ قَالَ: "نَعَمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث ضعيف؛ لأجل درّاج، فإنه ضعيف فِي روايته عن أبي الهيثم، كما سبق البحث عنه مستوفًى فِي 23/ 5473 فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
30 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الضَّلَالِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الضلال" -بالفتح، بوزن كلام: مصدر ضلّ، قَالَ الفيّوميّ: ضلّ الرجل الطريق، وضلّ عنه يضلّ، منْ باب ضرب ضلالًا، وضلالةً: زلّ عنه، فلم يهتد إليه، فهو ضالّ، هذه هي اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن فِي قوله تعالى:{قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} الآية [سبأ: 50]، وفي لغة لأهل العالية: منْ باب تعب، والأصل فِي الضلال: الغيبة، ومنه قيل للحيون الضائع: ضالّة بالهاء للذى والأنثى، والجمع الضوالّ، مثل دابّة ودوابّ، ويقال لغير الحيوان: ضائع، ولُقَطةٌ، وضلّ البعير: غاب، وخفِي موضعه، وأضللته: فقدته. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5488 -
(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَزِلَّ، أَوْ أَضِلَّ، أَوْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ) بن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ، ثقة [10] 137/ 214 منْ أفراد المصنّف، وأبي داود.
2 -
(جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [8] 2/ 2.
3 -
(منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [6] 2/ 2.
4 -
(الشعبيّ) عامر بن شَراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 66/ 82.
5 -
(أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزوميّة، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها 123/ 183. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمصيصيّ، وأم سلمة، فمدنيّة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله تعالى عنها (أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا خَرَجَ منْ بَيْتِهِ) وفي رواية أبي داود: قالت: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منْ بيتي قطّ إلا رفع طرفه إلى السماء، فَقَالَ:"اللَّهم إني أعوذ بك أن أضلّ، أو أُضلّ، أو أزلّ، أو أُزلّ، أو أظلم، أو أُظلم، أو أجهل، أو يُجهل عليّ". (قَالَ: "بِسْم اللهِ) أي خرجت مستعينا باسم الله تعالى، زاد فِي رواية الترمذيّ:"توكّلت عَلَى الله"(رَبِّ أَعُوذُ بِكَ) وفي رواية الترمذيّ: "اللَّهم إنا نعوذ بك"(مِنْ أَنْ أَزِلَّ) بفتح الهمزة، وكسر الزاي، وتشديد اللام، منْ الزلّة، وهي الذنب بغير قصد، تشبيها لها بزَلّة الرّجل. قَالَ الطيبيّ رحمه الله تعالى: الزلّة السيئة بلا قصد، استعاذ صلى الله عليه وسلم منْ أن يصدر عنه ذنبٌ بغير قصد، أو قصد، ومن أن يظلم النَّاس فِي المعاملات، أو يؤذيهم فِي المخالطات، أو يجهل: أي يفعل بالناس فعل الجهّال منْ الإيذاء. انتهى. (أَوْ أَضِلَّ) بفتح، فكسر، منْ الضلال، وهو خلاف الهدى (أَوْ أَظْلِمَ) بالبناء للفاعل: أي أحدًا منْ الخلق (أَوْ أُظلَمَ) بالبناء للمفعول: أي يظلمني أحد منْ الخلق (أَو أَجْهَلَ) أي أمر الدين، أو حقوق الله عز وجل، أو حقوق النَّاس، أو فِي المعاشرة والمخالطة مع الأصحاب، أو أفعل بالناس فعل الجهلاء منْ الإيذاء، وإيصال الضرر إليهم (أَوْ يُجْهَلَ عَلَى) بالبناء للمفعول: أي يفعل النَّاس بي فعل الجهّال، منْ إيصال الضرر إليّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -30/ 5488 و65/ 5541 - وفي "الكبرى" 29/ 7921 و30/ 7922 و31/ 7923. وأخرجه (د) فِي "الأدب" 5094 (ت) فِي "الدعوات" 3427 (ق) فِي "الدعاء" 3884.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب الاستعاذة منْ الضلال. (ومنها): مشروعية الاستعاذة منْ كل سوء، سواء المذكور فِي هَذَا الْحَدِيث، أو غيره. (ومنها): ما قاله الطيبي رحمه الله تعالى: إن الإنسان إذا خرج منْ بيته لابدّ
أن يعاشر النَّاس، ويزاول الأمر، فيخاف أن يعدل عن الصراط المستقيم، فإما أن يكون فِي أمر الدين، فلا يخلو منْ أن يضلّ، أو يُضلّ، وإما أن يكون فِي أمر الدنيا، فإما بسبب جريان المعاملة معهم، بأن يظلم، أو يُظلم، وإما بسبب الاختلاط، والمصاحبة، فإما أن يَجهل، أو يُجهل، فاستُعيذ منْ هذه الأحوال كلها بلفظ سَلِس، موجز، وروعي فيه المطابقة المعنوية، والمشاكلة اللفظيّة، كقول الشاعر:
أَلَا لَا يَجْهَلَنَّ أَحَدٌ عَلَينَا
…
فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
ذكره فِي "تحفة الأحوذيّ" 9/ 312. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
31 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ غَلَبَةِ الْعَدُوِّ)
5489 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث تقدّم قبل ستة أبواب فِي 24/ 5477 - سندًا ومتنًا، ومضى تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
32 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ)
5490 -
(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ حُيَيٌّ،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث هو المذكور فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
33 - (الاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْهَرَمِ)
5491 -
(أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْجُبْنِ، وَالْعَجْزِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ": هو الزهريّ البصريّ، صدوفٌ، منْ صغار [10]. و"حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ": هو التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة [9]. و"هَارُونَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ": هو الأهوازيّ، أبو محمد ثقة [7] منْ أفراد المصنّف. و"محمّد": هو ابن سيرين.
وقوله: "ومن فتنة المحيا والممات": أي زمن الحيات، وزمن الموت منْ أول النزع، وهلمّ جرّا. قَالَ ابن بطّال رحمه الله تعالى: هذه كلمة جامعة لمعان كثيرة، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه فِي رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه فِي جميع ذلك، وكان صلى الله عليه وسلم يتعوّذ منْ جميع ما ذُكر دفعا عن أمته، وتشريعا لهم؛ ليبين لهم صفة المهمّ منْ الأدعية. ذكره فِي"الفتح" 12/ 468.
والحديث صحيح، وَقَدْ تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -33/ 5491 - وفي "الكبرى"
34/ 7925. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5492 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْمَغْرَمِ، وَالْمَأْثَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ
الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحكَمِ": هو المصريّ الفقيه الثقة [11] منْ أفراد المصنّف. و"شعيب": هو ابن الليث شيخِهِ المصريُّ الفقيهُ، منْ كبار [10]. و"الليث": هو ابن سعد الإمام الحجة المصريّ [7]. و"يزيد بن الهاد": هو ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ الثقة [5]. وشرح الْحَدِيث تقدّم غير مرّة.
والحديث صحيح، تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -33/ 5492 - وفي "الكبرى" 40/ 7932. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 6695 و6710. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
34 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "القضاء" -كما قَالَ الكرمانيّ رحمه الله تعالى-: بمعنى المقضيّ، إذ حكم الله تعالى منْ حيث هو حكمه حسن، لا سوء فيه، قالوا فِي تعريف القضاء والقدر: القضاء هو الحكم بالكليات عَلَى سبيل الإجمال فِي الأزل، والقدر هو الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات عَلَى سبيل التفصيل فِي الإنزال، قَالَ الله عز وجل:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21]. والله تعالى أعلم بالصواب.
5493 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، يَتَعَوَّذُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَجَهْدِ الْبَلَاءِ"، قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ ثَلَاثَةٌ، فَذَكَرْتُ أَرْبَعَةً؛ لأَنِّي لَا أَحْفَظُ الْوَاحِدَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) هو الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت [10] 2/ 2.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
2 -
(سفيان) بن عيينة المكيّ الإِمام الحجة الثبت [8] 1/ 1.
3 -
(سُمَيّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المدنيّ، ثقة [6] 22/ 540.
4 -
(أبو صالح) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقة ثبت [3] 36/ 40.
[تنبيه]: قوله: "إن شاء الله". هكذا فِي رواية المصنّف رحمه الله تعالى، ولعل القائل:"إن شاء الله" هو المصنّف، أو شيخه، فقد رواه البخاريّ عن عليّ بن المدينيّ، ومسلم عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، الثلاثة عن سفيان بن عيينة، وليس عندهم "إن شاء الله". والله تعالى أعلم.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه أحفظ منْ رَوَى الْحَدِيث فِي دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، يَتَعَوَّذُ) قَالَ فِي "الفتح": كذا للأكثر، ورواه مسدد، عن سفيان بسنده هَذَا، بلفظ الأمر:"تعوّذوا"(مِنْ هَذِهِ الثلَاثَةِ: مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ) الجار والمجرور بدل منْ الجار والمجرور قبله، و"درك الشقاء" -بفتح الدال، والراء المهملتين، ويجوز سكون الراء، وهو الإدراك، واللَّحَاق، و"الشقاء" -بمعجمة، ثم قاف-: هو الهلاك، وُيطلق عَلَى السبب المؤدي إلى الهلاك. قَالَ ابن بطال: ودرك الشقاء يكون فِي أمور الدنيا، وفي أمور الآخرة. ذكره فِي "الفتح".
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: وأما درك الشقاء، فالمشهور فيه فتح الراء، وحكى القاضي، وغيره: أن بعض رواة مسلم رواه ساكنها، وهي لغة، قَالَ: وهو يكون فِي أمور الآخرة، والدنيا، ومعناه: أعوذ بك أن يدركني شقاء. انتهى "شرح مسلم" 17/ 33.
(وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) هو أن يفرح العدوّ ببليّة تنزل بعدوّه، يقال منه: شَمِتَ -بكسر الميم- وشَمَت -بفتحها- فهو شامت، وأشمت غيره. وَقَالَ ابن بطال: شماته الأعداء: ما ينكأ القلب، ويبلغ منْ النفس أشد مبلغ. (وَسُوءِ الْقَضَاءِ) قَالَ النوويّ: يشمل سوء القضاء فِي الدين، والدنيا، والبدن، والمال، والأهل، وَقَدْ يكون ذلك فِي الخاتمة. انتهى. وَقَالَ ابن بطال رحمه الله تعالى: المراد بالقضاء هنا المقضيّ؛ لأن حكم الله
كله حسن، لا سوء فيه، وهو عام فِي النفس، والمال، والأهل، والولد، والخاتمة، والمعاد.
(وَجَهْدِ الْبَلَاءِ) بفتح الجيم، وضمها، والفتح أشهر، وأفصح، روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه فسّره بقلة المال، وكثرة العيال، وَقَالَ غيره: هي الحال الشاقّة.
وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ ابن بطال وغيره: جهد البلاء: كل ما أصاب المرء منْ شدة مشقة، ومالا طاقة له بحمله، ولا يقدر عَلَى دفعه. وقيل: المراد بجهد البلاء قلة المال، وكثرة العيال، كذا جاء عن ابن عمر، والحق أن ذلك فرد منْ أفراد جهد البلاء. وقيل: هو ما يختار الموت عليه. انتهى.
وإنما تعوذ النبيّ صلى الله عليه وسلم منْ ذلك؛ تعليما لأمته، فإن الله تعالى كَانَ آمنه منْ جميع ذلك، وبذلك جزم عياض. قَالَ الحافظ: ولا يتعين ذلك، بل يحتمل أن يكون استعاذ بربه منْ وقوع ذلك بأمته، ويؤيده رواية مسدد المذكورة بصيغة الأمر، كما تقدّم.
وَقَالَ السيوطيّ فِي "شرحه": "جهد البلاء": هي الحالة التي يختار الموت عليها- أي لو خير بين الموت، وبين تلك الحالة لأحبّ أن يموت تحرّزًا عن تلك الحالة. وقيل: هو قلة المال، وكثرة العيال. وَقَالَ الكرمانيّ: هذه الكلمة جامعة؛ لأن المكروه إما أن يلاحظ منْ جهة المبدإ، وهو سوء القضاء، أو منْ جهة المعاد، وهو درك الشقاء، أو منْ جهة المعاش، وهو إما منْ جهة غيره، وهو شماتة الأعداء، أو منْ جهة نفسه، وهو جهد البلاء، نعوذ بالله منْ ذلك.
قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: وأنت خبير بأنه لا مقابلة عَلَى ما ذكره بين سوء القضاء، وغيره، بل غيره كالتفصيل لجزئياته، فالمقابلة ينبغي أن تعتبر باعتبار أن مجموع الثلاثة الأخيرة بمنزلة القدر، فكأنه قَالَ: منْ سوء القضاء والقدر، لكن أقيم أهمّ أقسام سوء القدر مقامه.
بقي أن المقضيّ منْ حيث القضاء أزليّ، فأيّ فائدة فِي الاستعاذة منه، والظاهر أن المراد صرف المعلّق منه، فإنه قد يكون معلّقا، والتحقيق أن الدعاء مطلوب؛ لكونه عبادة، وطاعة، ولا حاجة لنا فِي ذلك إلى أن نعرف الفائدة المترتبة عليه، سوى ما ذكرنا. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 270.
(قَالَ سُفْيَانُ) هو ابن عيينة، راوي الْحَدِيث المذكور، فهو موصول بالسند المذكور (هُوَ ثَلَاَثةُ) أي المذكور فِي الْحَدِيث المرفوع ثلاثة أشياء فقط (فَذَكَرْتُ أَرْبَعَةً؛ لِأَنِّي لَا أَحْفَظُ الْوَاحِدَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ) وفي رواية البخاريّ: "قَالَ سفيان: الْحَدِيث
ثلاثٌ، زدت أنا واحدة، لا أدري أيتهن". قَالَ فِي "الفتح": أي الْحَدِيث المرفوع المروي، يشتمل عَلَى ثلاث جمل، منْ الجمل الأربع، والرابعة زادها سفيان منْ قبل نفسه، ثم خفي عليه تعيينها. ووقع عند الحميدي فِي "مسنده" عن سفيان:"الْحَدِيث ثلاث منْ هذه الأربع"، وأخرجه أبو عوانة، والإسماعيلي، وأبو نعيم منْ طريق الحميدي، ولم يفصل ذلك بعض الرواة عن سفيان، وفي ذلك تعقب عَلَى الكرماني، حيث اعتذر عن سفيان، فِي جواب منْ استشكل جواز زيادته الجملة المذكورة فِي الْحَدِيث، مع أنه لا يجوز الإدراج فِي الْحَدِيث، فَقَالَ: يجاب عنه بأنه كَانَ يميزها إذا حدث، كذا قَالَ، وفيه نظر فعند البخاريّ فِي "القدر" عن مسدد، وأخرجه مسلم عن أبي خيثمة، وعمرو الناقد، والنسائي عن قتيبة، والإسماعيلي منْ رواية العبّاس بن الوليد، وأبو عوانة منْ رواية عبد الجبار بن العلاء، وأبو نعيم منْ طريق سفيان بن وكيع، كلهم عن سفيان، بالخصال الأربعة، بغير تمييز إلا أن مسلما قَالَ عن عمرو الناقد: قَالَ سفيان: أشك أني زدت واحدة منها، وأخرجه الجوزقي منْ طريق عبد الله بن هاشم، عن سفيان، فاقتصر عَلَى ثلاثة، ثم قَالَ: قَالَ سفيان: "وشماتة الأعداء"، وأخرجه الإسماعيلي منْ طريق ابن أبي عمر، عن سفيان، وبَيَّن أن الخصلة المزيدة هي:"شماتة الأعداء"، وكذا أخرجه الإسماعيل منْ طريق شجاع بن مخلد، عن سفيان مقتصرًا عَلَى الثلاثة دونها. وعرف منْ ذلك تعيين الخصلة المزيدة.
ويجاب منْ حيث النظر بأن سفيان كَانَ إذا حدث ميزها، ثم طال الأمر، فطرقه السهو عن تعيينها، فحفظ بعض منْ سمع تعيينها منه قبل أن يطرقه السهو، ثم كَانَ بعد أن خفي عليه تعيينها، يذكر كونها مزيدة مع إبهامها، ثم بعد ذلك إما أن يحمل الحال حيث لم يقع تمييزها، لا تعيينا ولا إبهاما أن يكون ذَهِلَ عن ذلك، أو عين، أو ميز، فذهل عنه بعض منْ سمع، ويترجح كون الخصلة المذكور هي المزيدة، بأنها تدخل فِي عموم كل واحدة منْ الثلاثة، ثم كل واحدة منْ الثلاثة مستقلة، فإن كل أمر يُكره يلاحظ فيه جهة المبدإ، وهو سوء القضاء، وجهة المعاد، وهو درك الشقاء؛ لأن شقاء الآخرة هو الشقاء الحقيقي، وجهة المعاش، وهو جهد البلاء، وأما شماتة الأعداء، فتقع لكل منْ وقع له كل منْ الخصال الثلاثة. أفاده فِي "الفتح" 12/ 436 - 437 وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -34/ 5493 و35/ 5494 - وفي "الكبرى" 35/ 7927 و36/ 7928. وأخرجه (خ) فِي "الدعوات" 6347 و"القدر" 6616 (م) فِي "الذكر والدعاء" 2707 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 7308.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب الاستعاذة منْ سوء القضاء. (ومنها): أن النوويّ رحمه الله تعالى قَالَ فِي "شرح مسلم" 17/ 32 - 33 ما معناه: أن فيه استحباب الدعاء، والاستعاذة منْ كلّ الأشياء المذكورة فِي هَذَا الْحَدِيث، وما فِي معناها، وهذا هو الصحيح الذي أجمع عليه العلماء، وأهل الفتوى فِي جميع الأعصار، والأمصار، وشذت طائفة منْ الزهاد، وأهل العبادة إلى أن ترك الدعاء أفضل؛ استسلامًا للقضاء، وَقَالَ آخرون منهم: إن دعا للمسلمين فحسن، وإن دعا لنفسه فالأولى تركه، وَقَالَ آخرون منهم: إن وجد فِي نفسه باعثا للدعاء استُحبّ، وإلا فلا.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال غير الأول كلها منْ المحدثات الباطلة، منابذة للكتاب العزيز، وهدي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنه كَانَ يدعو، ويأمر أمته بالدعاء، ويحثّهم عليه، ويؤكّد عليهم أحيانًا بصيغة تقتضي الوجوب، كقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا صلى أحدكم، فليتعوّذ بالله منْ أربع
…
" الْحَدِيث متَّفقٌ عليه، وغير ذلك، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها. والله أعلم.
قَالَ: ودليل الجمهور ظواهر القرآن والسنّة فِي الأمر بالدعاء، وفعله صلى الله عليه وسلم، والإخبار عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمين بفعله. انتهى.
(ومنها): أن الكلام المسجوع لا يكره، إذا صدر عن غير قصد إليه، ولا تكلف، قاله ابن الجوزي. (ومنها): مشروعية الاستعاذة، ولا يعارض ذلك كون ما سبق فِي القدر لا يرد؛ لاحتمال أن يكون مما قضي، فقد يقضى عَلَى المرء مثلا بالبلاء، ويقضي أنه إن دعا كُشف عنه، فالقضاء محتمل للدفع، والمدفوع، وفائدة الاستعاذة والدعاء، إظهار العبد فاقته دربه، وتضرعه إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
35 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الدرك" -بفتحتين، وحكي سكون الثاني: اللحاق، و"الشقاء" -بالفتح، والمدّ: الشدة: أي منْ لحاق الشدّة، قَالَ السيوطي رحمه الله تعالى: المراد بالشقاء سوء الخاتمة، نعوذ بالله تعالى منه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5494 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَجَهْدِ الْبَلَاءِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث هو المذكور فِي الباب الماضي، إلا أنه اختلف شيخا المصنّف، وَقَدْ تقدّم البحث عنه مستوفًى هناك، فراجعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
36 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْجُنُونِ)
5495 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَسَيِّىءِ الأَسْقَامِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة ثبت [10] 64/ 80.
2 -
(أبو داود) سليمان بن داود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [9] 13/ 343.
3 -
(همام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [7] 5/ 465.
4 -
(قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [4] 30/ 34.
5 -
(أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، وَقَدْ سبق ذكرهم غير مرّة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، وفيه أنس رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، وآخر منْ مات بالبصرة منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِني أَعُوذُ بكَ مِنَ الْجُنُونِ) أي زوال العقل الذي هو منشأ الخيرات العلمية، والعمليّة (وَالْجُذَامِ) بالضم بوزن غُراب: علة تحدث منْ انتشار السوداء فِي البدن، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها، وربما انتهى إلى سقوط الأعضاء (وَالْبَرَصِ) بالتحريك: مصدر برِص، منْ باب فرح، وهو بياض يظهر فِي ظاهر البدن، يكون منْ فساد المزاج (وَسَيِّءِ الأسْقَامِ) منْ إضافة الصفة إلى الموصوف: أي الأسقام السيّئة التي تكون سببًا لخلل فِي عقل الإنسان، أو بدنه، كالسلّ، والاستسقاء، والأمراض المزمنة، فهو منْ ذكر العامّ بعد الخاصّ.
قَالَ الطيبيّ: وإنما لم يتعوّذ صلى الله عليه وسلم منْ الأسقام مطلقًا؛ لأن بعضها تخفّ مؤنته، وتكثر مثوبته عند الصبر عليها مع عدم إزمانها، كالحمّى، والصداع، والرمد. وإنما استعاذ منْ السقم المزمن، فينتهي بصاحبه إلى حالة يفرّ منه الحميم، ويقلّ معها المؤانس، والمداوي، مع ما يورث منْ الشين، فمنها الجنون الذي يزيل العقل، فلا يأمن صاحبه القتل، ومنها البرص، والجذام، وهما العلتان المزمنتان، مع ما فيهما منْ القذارة، والبشاعة، وتغيير الصورة، وَقَدْ اتفقوا عَلَى أنهما معديان إلى الغير. انتهى. ذكره فِي "المرقاة" 5/ 326.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لعله أراد بالاتفاق اتفاق الأطباء عَلَى أنهما جرت العادة بالعدوى فيهما، فهو كالحديث الصحيح:"لا يورد ممرض عَلَى مصحّ"، وَقَدْ ذكرنا أقوال أهل العلم فِي الجمع بينه، وبين الْحَدِيث الصحيح أيضًا:"لا عدوى"، فِي غير هَذَا المحلّ. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ ابن الملك رحمه الله تعالى: الحاصل أن كلّ مرض يحترز النَّاس منْ صاحّه، ولا ينتفعون منه، ولا ينتفع هو منهم، ويعجز بسبب ذلك المرض عن حقوق الله تعالى، وحقوق عباده، يستحبّ الاستعاذة منه. انتهى. ذكره فِي "المرقاة" أيضًا 5/ 326. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس رضي الله عنه صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -36/ 5495 - وفي "الكبرى" 37/ 7929. وأخرجه (د) فِي "الصلاة" 1554 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 12592. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
37 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ عَيْنِ الْجَانِّ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الجانّ" -بتشديد النون-: قيل: هو أبو الجنّ خُلق منْ نار، ثم خلق منه نسله، وقيل: الجانّ: هو الجنّ، وهو اسم جمع كالجامل، والباقر. والله تعالى أعلم بالصواب.
5496 -
(أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَتَعَوَّذُ مِنْ عَيْنِ الْجَانِّ، وَعَيْنِ الإِنْسِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ أَخَذَ بِهِمَا، وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِكَ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ) بن هلال بن عمرو الباهليّ مولاهم، أبو عمرو الرقّيّ، صدوقٌ [11] 10/ 1199.
2 -
(سعيد بن سليمان) الضبيّ، أبو عثمان الواسطيّ، نزيل بغداد الملقّب سعدويه، ثقة حافظ، منْ كبار [10] 15/ 1854.
3 -
(عباد) بن العوّام الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [8] 2/ 3907.
4 -
(الجريريّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة، اختلط قبل موته بثلاث سنين [5] 32/ 672.
5 -
(أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعة العبديّ البصريّ، ثقة [3] 21/ 538.
6 -
(أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما 169/ 262. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد رضي الله عنه منْ المكثرين السبعة، رَوَى (1170) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَتَعَوَّذُ مِنْ عَينِ الْجَانِّ، وَعَيْنِ الإنْسِ) أي يقول: أعوذ بالله منْ الجانّ، ومن عين الإنس (فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ) بكسر الواو المشدّدة، أي {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} إلى آخر السورتين، سمّيتا معوّذتين لكونها محصّنتين منْ تعوّذ بهما منْ المكروه (أَخَذَ بِهمَا، وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِكَ) أي مما كَانَ يتعوّذ به منْ الكلام، غير القرآن؛ لما تضمّنتاه منْ الاستعاذة منْ كلّ مكروه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -37 - وفي "الكبري" 38/ 7930. وأخرجه (ت) فِي "الطبّ" 2058 (ق) فِي "الطب" 3511. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة الاستعاذة منْ عين الجانّ. (ومنها): كونه صلى الله عليه وسلم يكثر الاستعاذة منْ كلّ مكروه. (ومنها): بيان فضل هاتين السورتين. (ومنها): أن الجانّ يتسلّطون عَلَى بني اَم بالأذيّة، فينبغي الالتجاء إلى الله عز وجل فِي دفع أذاهم؛ لأنهم يسلطون منْ حيث لا يقدر عليه الآدميّ، كما قَالَ عز وجل:{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]. (ومنها): أن ضرر العين حقّ، وإن أنكره الفلاسفة، وَقَدْ ثبت ذلك فِي أحاديث كثيرة، فقد أخرج الشيخان منْ
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "العين حقّ"، وأخرج مسلم منْ حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا:"العين حقّ، ولو كَانَ شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغتلتم فاغسلوا"، وسنستوفي البحث عنه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" بابين مهمّين، لهما تعلّق بهذا الباب، أحببت إيرادهما مع خلاصة ما كتبه الحافظ رحمه الله تعالى فِي شرحه؛ تكميلًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، قَالَ رحمه الله تعالى:"باب العين حق":
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "باب العين حق": أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو منْ جملة ما تحقق كونه، قَالَ المازري: أخذ الجمهور بظاهر الْحَدِيث، وأنكره طوائف المبتدعة؛ لغير معنى؛ لأن كل شيء ليس محالا فِي نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فهو منْ متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى، وهل منْ فرق بين إنكارهم هَذَا، وإنكارهم ما يخبر به منْ أمور الآخرة. انتهى.
قَالَ: وأخرج مسلم منْ حديث ابن عبّاس رفعه: "العين حق، ولو كَانَ شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا".
فأما الزيادة الأولى ففيها تأكيد وتنبيه عَلَى سرعة نفوذها، وتأثيره فِي الذات، وفيها إشارة إلى الرد عَلَى منْ زعم منْ المتصوفة، أن قوله:"العين حق" يريد به القدر: أي العين التي تجري منها الأحكام، فإن عين الشيء حقيقته، والمعنى أن الذي يصيب منْ الضرر بالعادة عند نظر الناظر، إنما هو بقدر الله السابق، لا بشيء يحدثه الناظر فِي المنظور، ووجه الرد أن الْحَدِيث ظاهر فِي المغايرة بين القدر وبين العين، وإن كنا نعتقد أن العين منْ جملة المقدور، لكن ظاهره إثبات العين التي تصيب، إما بما جعل الله تعالى فيها منْ ذلك، وأودعه فيها، وإما باجراء العادة بحدوث الضرر عند تحديد النظر، وإنما جرى الْحَدِيث مجرى المبالغة فِي إثبات العين، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله، وهو لا راد لأمره، أشار إلى ذلك القرطبيّ. وحاصله لو فرض أن شيئا له قوة، بحيث يسبق القدر لكان العين، لكنها لا تسبق، فكيف غيرها. وَقَدْ أخرج البزار منْ حديث جابر رضي الله عنه بسند حسن، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"أكثر منْ يموت منْ أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس"، قَالَ الراوي: يعني بالعين. وَقَالَ النوويّ: فِي الْحَدِيث إثبات القدر، وصحة أمر العين، وأنها قوية الضرر.
وأما الزيادة الثانية، وهي أمر العائن بالاغتسال، عند طلب المعيون منه ذلك، ففيها
إشارة إلى أن الاغتسال لذلك، كَانَ معلوما بينهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه، إذا أريد منهم، وأدنى ما فِي ذلك رفع الوهم الحاصل فِي ذلك، وظاهر الأمر الوجوب. وحكى المازري فيه خلافا، وصحح الوجوب، وَقَالَ: متى خشي الهلاك، وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، وَقَدْ تقرر أنه يجبر عَلَى بذل الطعام للمضطر، وهذا أولى.
ولم يبين فِي حديث ابن عبّاس صفة الاغتسال، وَقَدْ وقعت فِي حديث سهل بن حنيف عند أحمد، والنسائي فِي "الكبرى"، وصححه ابن حبّان، منْ طريق الزهريّ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن أباه حدثه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، خرج وساروا معه نحو ماء، حَتَّى إذا كانوا بشعب الخرار منْ الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف، وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة، فَقَالَ: ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبأة، فلُبِط -أي صرع وزنا ومعنى- سهل، فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"هل تتهمون به منْ أحد؟ " قالوا: عامر بن ربيعة، فدعا عامرا، فتغيظ عليه، فَقَالَ:"علام يقتل أحدكم اْخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك، بَرّكت؟ " ثم قَالَ: "اغتسل له، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره فِي قدح، ثم يَصُبُّ ذلك الماء عليه رجل منْ خلفه عَلَى رأسه وظهره، ثم يكفأ القدح، ففعل به ذلك، فراح سهل مع النَّاس ليس به بأس"، لفظ أحمد منْ رواية أبي أويس، عن الزهريّ، ولفظ النسائيّ، منْ رواية ابن أبي ذئب، عن الزهريّ بهذا السند:"أنه يصب صبةً عَلَى وجهه بيده اليمني، وكذلك سائر أعضائه صبة صبة فِي القدح"، وَقَالَ فِي آخر:"ثم يكفأ القدح وراءه عَلَى الأرض". ووقع فِي رواية ابن ماجه منْ طريق ابن عيينة، عن الزهريّ، عن أبي أمامة: أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف، وهو يغتسل
…
فذكر الْحَدِيث، وفيه:"فليدع بالبركة"، ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه، قَالَ سفيان: قَالَ معمر، عن الزهريّ: وأمر أن يكفأ الإناء منْ خلفه.
قَالَ المازري: المراد بداخلة الإزار الطرف المتدلي، الذي يلي حِقْوَهُ الأيمن، قَالَ: فظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى.
وزاد عياض: أن المراد ما يلي جسده منْ الإزار، وقيل: أراد موضع الإزار منْ الجسد. وقيل: أراد وركه؛ لأنه معقد الإزار، والحديث فِي "الموطإ"، وفيه: عن مالك، حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل، أنه سمع أباه، يقول: اغتسل سهل
…
فذكر نحوه، وفيه: فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، فَقَالَ: ما رأيت كاليوم
ولا جلد عذراء، فوُعِك سهل مكانه، واشتد وعكة، وفيه:"ألا بَرّكت، إن العين حق، توضأ له"، فتوضأ له عامر، فراح سهل ليس به بأس.
[تئبيهات]:
(الأول): اقتصر النوويّ فِي "الأذكار" عَلَى قوله: الاستغسال أن يقال للعائن: اغسل داخلة إزارك مما يلي الجلد، فإذا فعل صبه عَلَى المنظور إليه، وهذا يوهم الاقتصار عَلَى ذلك، وهو عجيب، ولاسيما وَقَدْ نقل فِي "شرح مسلم" كلام عياض بطوله.
(الثاني): قَالَ المازري: هَذَا المعنى مما لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه منْ جهة العقل، فلا يردّ؛ لكونه لا يعقل معناه. وَقَالَ ابن العربي: إن توقف فيه متشرع، قلنا له: قل: الله ورسوله أعلم، وَقَدْ عضدته التجربة، وصدقته المعاينة، أو متفلسف، فالرد عليه أظهر؛ لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وَقَدْ تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هَذَا سبيله الخواص. وَقَالَ ابن القيم: هذه الكيفية لا ينتفع بها منْ أنكرها، ولا منْ سَخِر منها، ولا منْ شك فيها، أو فعلها مجربا غير معتقد، وإذا كَانَ فِي الطبيعة خواص، لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما تفعل بالخاصية، فما الذي تنكر جهلتهم منْ الخواص الشرعية، هَذَا مع أن فِي المعالجة بالاغتسال مناسبة، لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية، يؤخذ منْ لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية، توضع اليد عَلَى بدن الغضبان، فيسكن، فكأن أثر تلك العين كشعلة نار، وقعت عَلَى جسد، ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة، ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة، تظهر فِي المواضع الرقيقة منْ الجسد؛ لشدة النفوذ فيها؛ ولا شيء أرق منْ المغابن، فكان فِي غسلها إبطال لعملها، ولاسيما أن للأرواح الشيطانية فِي تلك المواضع اختصاصا، وفيه أيضًا وصول أثر الغسل إلى القلب منْ أرق المواضع، وأسرعها نفاذا، فتنطفىء تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء.
(الثالث): هَذَا الغسل ينفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة، وقبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله فِي قصة سهل بن حنيف المذكورة، كما مضى:"ألا بَرَّكْتَ عليه"، وفي رواية ابن ماجه:"فلياع بالبركة"، ومثله عند ابن السني منْ حديث عامر بن ربيعة. وأخرج البزار وابن السني منْ حديث أنس رضي الله عنه رفعه:"منْ رأى شيئاً فأعجبه، فَقَالَ: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره".
وفي الْحَدِيث منْ الفوائد أيضًا: أن العائن إذا عُرِف يُقضَى عليه بالاغتسال، وأن الاغتسال منْ النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب، ولو بغير حسد، ولو منْ الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء، ينبغي أن يبادر إلى
الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الماء المستعمل طاهر، وفيه جواز الاغتسال بالفضاء، وأن الإصابة بالعين قد تقتل، وقد اختُلف فِي جريان القصاص بذلك، فَقَالَ القرطبيّ: لو أتلف العائن شيئا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص، أو الدية إذا تكرر ذلك منه، بحيث يصير عادة، وهو فِي ذلك كالساحر عند منْ لا يقتله كفرا. انتهى. ولم يتعرض الشافعيّة للقصاص فِي ذلك، بل منعوه، وقالوا: إنه لا يقتل غالبا، ولا يعد مهلكا. وَقَالَ النوويّ فِي "الروضة": ولا دية فيه، ولا كفارة؛ لأن الحكم إنما يترتب عَلَى منضبط عام، دون ما يختص ببعض النَّاس، فِي بعض الأحوال، مما لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلا، وإنما غايته حسد، وتمن لزوال نعمة، وأيضًا فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلل الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه فِي زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك منْ أثر العين. انتهى.
ولا يعكر عَلَى ذلك إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه فِي معناه، والفرق بينهما فيه عسر، ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم، أنه يبغي للإمام منع العائن إذا عُرِفَ بذلك، منْ مداخلة النَّاس، وأن يلزم بيته، فإن كادْ فقيرا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد منْ ضرر الْمَجْذُوم، الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه منْ مخالطة النَّاس، وأشد منْ ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله منْ حضور الجماعة، قَالَ النوويّ: وهذا القول صحيح متعين، لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه. انتهى "فتح" 11/ 361 - 364. وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي ذكر الباب الثاني منْ البابين الذين ذكرهما البخاريّ رحمه الله تعالى، وهو أولهما عنده، لكني رأيت المناسبة لغرضي هكذا، قَالَ رحمه الله تعالى:
"باب رقية العين"، ثم أخرج عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أمر أن يُسترقى منْ العين". وحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى فِي بيتها جارية فِي وجهها سَفْعَة -أي سواد- فَقَالَ:"استرقوا لها، فإن بها النظرة".
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "باب رقية العين": أي رقية إلذي يصاب بالعين. قَالَ: والعين: نظر باستحسان مشوب بحسد، منْ خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر، وَقَدْ وقع عند أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه:"العين حق، ويحضرها الشيطان، وحسد ابن آدم".
وَقَدْ أشكل ذلك عَلَى بعض النَّاس، فَقَالَ: كيف تعمل العين منْ بعد حَتَّى يحصل الضرر للمعيون؟.
والجواب: أن طبائع النَّاس تختلف، فقد يكون ذلك منْ سم، يصل منْ عين العائن فِي الهواء إلى بدن المعيون. وَقَدْ نُقل عن بعض منْ كَانَ معيانا أنه قَالَ: إذا رأيت شيئا يعجبني، وجدت حرارة تخرج منْ عيني، ويقرب ذلك بالمرأة الحائض، تضع يدها فِي إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، وكذا تدخل البستان، فتضر بكثير منْ الغروس منْ غير أن تمسها يدها، ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد، ويتثاءب واحد بحضرته، فيتثاءب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال.
وَقَالَ الخطّابيّ: فِي الْحَدِيث أن للعين تاثيرا فِي النفوس، وإبطال قول الطبائيعين: إنه لا شيء إلا ما تدرك الحواس الخمس، وما عدا ذلك لا حقيقة له. وَقَالَ المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث منْ عينه قوة سمية، تتصل بالمعين، فيهلك، أو يفسد، وهو كإصابة السم منْ نظر الأفاعي، وأشار إلى منع الحصر فِي ذلك مع تجويزه، وأن الذي يتمشى عَلَى طريقة أهل السنة، أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لآخر، وهل ثم جواهر خفية، أو لا هو أمر محتمل، لا يقطع بإثباته ولا نفيه، ومن قَالَ ممن ينتمي إلى الإِسلام منْ أصحاب الطبائع بالقطع بأن جواهر لطيفة غير مرئية، تنبعث منْ العائن، فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السموم، فقد أخطأ بدعوى القطع، لكن جائز أن يكون عادة ليست ضرورة، ولا طبيعة انتهى.
وهو كلام سديد، وَقَدْ بالغ ابن العربي فِي إنكاره، قَالَ: ذهبت الفلاسفة إلى أن الإصابة بالعين صادرة عن تأثير النفس بقوتها فيه، فأول ما تؤثر فِي نفسها، ثم تؤثر فِي غيرها، وقيل إنما هو سم فِي عين العائن، يصيب بلفحه عند التحديق إليه، كما يصيب لفح سم الأفعى منْ يتصل به، ثم رد الأول بأنه لو كَانَ كذلك، لما تخلفت الإصابة فِي كل حال، والواقع خلافه، والثاني بأن سم الأفعى جزء منها، وكلها قاتل، والعائن ليس يقتل منه شيء فِي قولهم إلا نظره، وهو معنى خارج عن ذلك، قَالَ: والحق أن الله يخلق عند نظر العائن إليه، وإعجابه به، إذا شاء ما شاء، منْ ألم، أو هلكة، وَقَدْ يصرفه قبل وقوعه إما بالاستعاذة، أو بغيرها، وَقَدْ يصرفه بعد وقوعه بالرقية، أو بالاغتسال، أو بغير ذلك. انتهى كلامه.
قَالَ الحافظ: وفيه بعض ما يُتَعقب، فإن الذي مثل بالأفعى لم يرد أنها تلامس المصاب حَتَّى يتصل به منْ سمها، وإنما أراد أن جنسا منْ الأفاعي، اشتهر أنها إذا وقع بصرها عَلَى الإنسان هلك، فكذلك العائن، وَقَدْ أشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، فِي حديث أبي
لبابة رضي الله عنه عند البخاريّ فِي "بدء الخلق" عند ذكر الأبتر، وذي الطفيتين، قَالَ:"فإنهما يطمسان البصر، ويسقطان الحبل"، وليس مراد الخطّابيّ بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة منْ حصول الضرر للمعيون. وَقَدْ أخرج البزار بسند حسن عن جابر رفعه:"أكثر منْ يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس"، قَالَ الراوي: يعني بالعين، وَقَدْ أجرى الله العادة بوجود كثير منْ الْقُوَى، والخواص فِي الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه منْ يحتشمه منْ الخجل، فيرى فِي وجهه حمرة شديدة، لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية منْ يخافه، وكثير منْ النَّاس يسقم بمجرد النظر إليه، وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى فِي الأرواح منْ التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة فِي طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر فِي البدن بمجرد الرؤية، منْ غير اتصال به، لشدة خبث تلك الروح، وكيفيتها الخبيثة، والحاصل أن التأثير بارادة الله تعالى وخلقه، ليس مقصورا عَلَى الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، واْخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذي يحدث منْ الأدعية، والرُّقَى والالتجاء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج منْ عين العائن سهم معنوي، إن صادف البدن لا وقاية له أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل ربما رد عَلَى صاحبه، كالسهم الحسيّ سواء. انتهى "فتح" 11/ 357 - 358. وهو أيضًا بحث نفيس جدًّا ينبغي العناية بفهمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
38 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الْكِبَرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْكِبَرُ" -بكسر الكاف، وفتح الموحّدة-: المراد به كبر السنّ، وهو قريب منْ معنى الهرم، ولا يصحّ ضبطه بسكون الموحّدة، بمعنى التكبّر؛ لأنه خلاف الرواية، وأيضًا أن الكِبْر ليس فِي شيء منه خير، بل كله سيّء. والله تعالى أعلم بالصواب.
5497 -
(أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ
حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَعَوَّذُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، كَانَ يَقُولُ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ": هو الكنديّ المسروقيّ، أبو عيسى الكوفيّ، ثقة، منْ كبار [11]. و"حسين": هو ابن عليّ الجعفيّ الكوفيّ الثقة العابد القارىء [9]. و"زائدة": هو ابن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة [7]. و"حميد": هو الطويل.
والحديث صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -38/ 5497 وفي "الكبرى" 39/ 7931، ومضى شرحه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
39 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الأرذل" منْ كلّ شيء: الرديء منه. قَالَ عز وجل: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} [الحجّ: 5]، قيل: هو الذي يخرف منْ الكبَر، حَتَّى لا يعقل، وبيّنه بقوله:{لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحجّ: 5]، فمعنى الاستعاذة منْ أرذل العمر هو أن لا يصل إلى آخر عمره الذي لا يستطيع فيه أن يستقل بنفسه القيام بالواجبات، ولا بخدمة نفسه، بل يصير مثل الصبيّ فِي عقله، وقواه.
فقوله: "أرذل العمر" هو بمعنى الكِبَرِ فِي الباب الماضي، وسوء العمر فِي الباب التالي. والله تعالى أعلم بالصواب.
5498 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ يُعَلِّمُنَا خَمْسًا، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَدْعُو بِهِنَّ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كَلهم رجال الَصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ.
والحديث أخرجه البخاريّ، وتقدم فِي 6/ 5447 ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
40 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ سُوءِ الْعُمُرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الترجمة بمعنى الترجمتين المذكورتين قبله.
5499 -
(أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ -يَعْنِي أَبَاهُ- عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ بِجَمْعٍ: أَلَا إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ سُوءِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارِ": هو البرّاد الكلاعيّ الحمصيّ المؤذّن، ثقة [11]. و"أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ": هو الوَهْبِيُّ الكِنَّديّ، صدوقٌ [9]. و"يونس": هو ابن أبي إسحاق. و"أبو إسحاق": هو السبيعيّ.
وقوله: "بجمع": أي بمزدلفة، سميت بذلك؛ لاجتماع النَّاس فيها، وقيل: غير ذلك فِي وجه تسميتها، وَقَدْ سبق فِي "كتاب الحجّ".
والحديث ضعيف، وَقَدْ سبق البحث عنه فِي 27/ 5480 فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
41 - (الاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْحَوْرُ والْكَوْرُ" -بفتح أول كلّ منهما، وسكون ثانيه، قَالَ الفيّومّي: حار حَوْراً: نقص. وَقَالَ أيضاً: كار الرجل العمامة كَوْرًا، منْ باب قَالَ:
أدارها عَلَى رأسه، قَالَ: والكَوْرُ مثل قَوْل أيضًا: الزيادة، "ونعوذ بالله منْ الْحَوْر بعد الْكَوْر": أي النقص بعد الزيادة، ويُروى "بعد الكون" بالنون، وهو بمعناه، ويقال: هو الرجوع منْ الطاعة إلى المعصية. انتهى كلام الفيّومي. والله تعالى أعلم بالصواب.
5500 -
(أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا سَافَرَ، قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلِ) الهاشميّ مولاهم البصريّ الشَّطّيّ، صدوقٌ، يُغرب [10] 64/ 2554.
2 -
(خالد بن الحارث) الهجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [8] 42/ 470.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الشهير [7] 24/ 270.
4 -
(عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [4] 148/ 2390.
5 -
(عبد الله بن سَرْجِس) -بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- المزنيّ، حليف بني مخزوم، صحابيّ سكن البصرة رضي الله عنه، وتقدّمت ترجمته فِي "الطهارة" 30/ 340 والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه منْ المقلّين فِي الرواية، ليس له فِي الكتب الستة إلا نحو سبعة أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ) رضي الله تعالى عنه (أَن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا سَافَرَ) أي شرع فِي السفر، وركب راحلته، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بعد باب: "كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر، فركب راحلته
…
" الْحَدِيث، وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عند مسلم: "كَانَ إذا استوى عَلَى بعيره، خارجاً إلى سفر، كبر ثلاثاً، ثم قَالَ:{سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُون} اللَّهم إنا نسألك فِي سفرنا هَذَا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللَّهم هَوِّن علينا سفرنا هَذَا، واطو عنا بُعده، اللَّهم أنت الصاحب فِي السفر، والخليفة فِي
الأهل، اللَّهم إني أعوذ بك منْ وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب فِي المال والأهل"، وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: "آيبون، تائبون، عابدون لربنا حامدون".
(قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ منْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ) الوعثاء -بفتح الواو، وإسكان العين المهملة، وبالثاء المثلثة، وَبالمد-: وهي المشقة والشدة. (وَكَآبَةِ) -بفتح الكاف، وبالمد، هي تغير النفس منْ حزن ونحوه. (الْمُنْقَلَبِ) -بفتح اللام-: قيل: هو مصدر بمعنى الانقلاب، أو اسم مكان، قَالَ الخطابيّ رحمه الله تعالى: معناه أن ينقلب إلى أهله كئيباً حزيناً؛ لعدم قضاء حاجته، أو إصابة آفة له، أو يجدهم مرضى، أو مات منهم بعضهم. انتهى. (وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ) بالراء، والكور: لَفّ العمامة، والحور: نقضها، والمراد الاستعاذة منْ النقصان بعد الزيادة، أو منْ الشتات بعد الانتظام، أو منْ فساد الأمور بعد صلاحها، وقيل: منْ الرجوع عن الجماعة بعد الكون فيهم.
وفي "صحيح مسلم": "بعد الكون" بالنون بدل الراء، قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم": هكذا هو فِي معظم النسخ منْ "صحيح مسلم": "بعد الكون" بالنون، بل لا يكاد يوجد فِي نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون فِي "صحيح مسلم"، قَالَ القاضي: وهكذا رواه الفارسيّ وغيره، منْ رواة "صحيح مسلم"، قَالَ: ورواه العذريّ: "بعد الكور" بالراء، قَالَ: والمعروف فِي رواية عاصم الذي رواه مسلم عنه بالنون، قَالَ القاضي: قَالَ إبراهيم الحربي: يقال: إن عاصما وَهِمَ فيه، وأن صوابه "الكور" بالراء، قلت: وليس كما قَالَ الحربي، بل كلاهما روايتان، وممن ذكر الروايتين جميعا الترمذيّ فِي "جامعه"، وخلائق منْ المحدثين، وذكرهما أبو عبيد، وخلائق منْ أهل اللغة، وغريب الْحَدِيث، قَالَ الترمذيّ بعد أن رواه بالنون: ويروى بالراء أيضًا، ثم قَالَ: وكلاهما له وجه، قَالَ: ويقال: هو الرجوع منْ الإيمان إلى الكفر، أو منْ الطاعة إلى المعصية، ومعناه الرجوع منْ شيء إلى شيء منْ الشر. هَذَا كلام الترمذيّ، وكذا قَالَ غيره منْ العلماء: معناه بالراء والنون جميعا: الرجوع منْ الاستقامة، أو الزيادة إلى النقص، قالوا: ورواية الراء مأخوذة منْ تكوير العمامة، وهو لَفّها وجمعها، ورواية النون مأخوذة منْ الكون، مصدر كَانَ يكون كونا: إذا وُجد، واستقر. قَالَ المازرى فِي رواية الراء: قيل أيضًا: إن معناه: أعوذ بك منْ الرجوع عن الجماعة، بعد أن كنا فيها، يقال: كار عمامته: إذا لفها، وحارها: إذا نقضها. وقيل: نعوذ بك منْ أن تفسد أمورنا بعد صلاحها، كفساد العمامة بعد استقامتها عَلَى الرأس، وعلى رواية النون قَالَ أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه؟ فَقَالَ: ألم تسمع قولهم: حار بعدما كَانَ: أي إنه كَانَ عَلَى حالة جميلة، فرجع عنها. انتهى كلام النوويّ فِي "شرح
مسلم" 9/ 115 - 116.
(وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ) أي أعوذ بك منْ الظلم، فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ففيه التحذير منْ الظلم، ومن التعرض لأسبابه. قاله النوويّ.
(وَسُوءِ الْمَنْظَرِ) بالظاء: أي المرأى، وهو كلّ منظر يُعقب النظر إليه سوءاً (فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) أراد أن لا يرى فِي أهله وماله مكروهاً يسوءه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن سَرجِس رضي الله عنه هَذَا أخرجه مسلم
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -41/ 5501 و42/ 5502 - وفي "الكبرى" 43/ 7935 و44/ 7936 و54/ 7937 وأخرجه (م) فِي "الحجّ" 1343 (ت) فِي "الدعوات" 3439 (ق) فِي "الدعاء". 3888 والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب الاستعاذة منْ الحور بعد الكور: أي النقص بعد الزيادة. (ومنها): الاستعاذة منْ أن يصاب الإنسان فِي أهله، وماله بسوء. (ومنها): التحذير منْ الظلم، والابتعاد منْ أسبابه. (ومنها): أن دعوة المظلوم مستجابة، فلا ينبغي لعاقل أن يتعرض لها بسبب ظلمه لأي مسلم كَانَ. (ومنها): استحباب هَذَا الذكر، ونحوه عند ابتداء الأسفار كلها، وَقَدْ جاءت فيه أحاديث كثيرة، جمعها النوويّ فِي "كتاب الأذكار"، وكذا غيره منْ العلماء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5501 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا سَافَرَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ": هو ابن راهويه. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"عاصم": هو الأحول المذكور قبله.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
42 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ)
5502 -
(أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يوسف بن حماد": هو الْمَعْنيّ، أبو يعقوب البصريّ، ثقة [10]. و"بشر بن منصور": هو أبو محمد الأزديّ البصريّ، صدوقٌ عابد زاهد [8]. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
43 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الكآبة" -بفتح الكاف، والمدّ: هي تغير النفس منْ حزن، ونحوه. و"المنقلب" بصيغة اسم المفعول: أي الرجوع، أو مكان الرجوع. والله تعالى أعلم بالصواب.
5503 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذَا سَافَرَ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، قَالَ بِإِصْبَعِهِ، وَمَدَّ شُعْبَةُ بِإِصْبَعِهِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ
مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَليِّ بْنِ مُقَدَّمٍ": هو المقدّمّي البصريّ، صدوقٌ، منْ صغار [10]. و"ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ": هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ الثقة [9].
و"عَبْدُ اللهِ بْنِ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيِّ" أبو عُمير الكاتب الكوفيّ، صدوقٌ [4].
رَوَى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وعروة البارقيّ، وجَبَلَة بن حممة. وعنه ابنه عمير، وابن ابنه بشر بن عمير، وشعبة، والسفيانان. قَالَ أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرد به المصنّف، والترمذيّ، وله عندهما هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"أبو زرعة": هو ابن عمرو بن جرير البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هرم، وقيل: غيره، ثقة [3].
وقوله: "قَالَ بإصبعه": أي أشار بها، ففيه إطلاق القول عَلَى الفعل، وهو شائع، كما ذكرناه فِي مواضع منْ هَذَا الشرح. والظاهر أن المد هو رفعها إلى السماء إشارة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى.
وقوله: "أنت الصاحب": أي أنت صاحبنا الذي تصحبنا بحفظك ورعايتك. وقوله: "والخليفة الخ": أي يخلُفنا فِي أهلنا بإصلاح أحوالهم بعد مغيبنا عنهم، وفيه إطلاق الصاحب، والخليفة عَلَى الله تعالى. وتمام شرح الْحَدِيث سبق فِي حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قريباً.
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف رحمه الله تعالى هنا -43/ 5503 - وفي "الكبرى" 46/ 7938. وأخرجه (د) فِي "الجهاد" 2598 (ت) فِي "الدعوات" 3438 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 8952. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
44 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ جَارِ السَّوْءِ)
5504 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه
وسلم: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السَّوْءِ، فِي دَارِ الْمُقَامِ، فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ عَنْكَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [10] 4/ 4.
2 -
(يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [9] 4/ 4.
3 -
(محمد بن عجلان) المدنيّ، صدوقٌ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [5] 36/ 40.
4 -
(سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ، أبو سعد المدنيّ، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين [3] 95/ 117.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه 1/ 1 والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ ابن عجلان، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تَعَوَّذُوا بِاللهِ) بصيغة الأمر، وعند الحاكم فِي "مستدركه": أنه صلى الله عليه وسلم كَانَ يقول فِي دعائه: "اللَّهم إني أعوذ بك منْ جار السوء
…
" الْحَدِيث (مِنْ جَارِ السَّوْءِ) بفتح السين المهملة، وسكون الواء، منْ إضافة المصوف إلى الصفة، وهو قليل، قَالَ الفيّوميّ: هو رجل سَوْء بالفتح والإضافة، وعملُ سَوْء، فإن عرّفت الأول، قلت: الرجل السَّوْءُ، والعملُ السَّوْء. انتهى (فِي دَارِ الْمُقَامِ) بضم الميم: مصدر ميمي لأقام: أي دار الإقامة (فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ) أي الذي جاور فِي البادية يعني السفر (يَتَحَوَّلُ عَنْكَ) أي يفارقك بسهولة، فلا يطول ضرره معك، وفي رواية أحمد فِي "مسنده" 2/ 346 والحاكم فِي "المستدرك" 1/ 532 منْ طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد المقبريّ: "استعيذوا بالله منْ شرّ جار الْمُقام، فإن جار المسافر إذا شاء أن يزايل زايل". وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عند الطبرانيّ: كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهم إني أعوذ بك منْ يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء فِي دار المقام". قَالَ الحافظ الهيثميّ رحمه الله تعالى فِي "مجمع الزوائد" 10/ 144: رجاله رجال الصحيح،
غير بشر بن ثابت البزار، وهو ثقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، ولا يقال: فِي إسناده محمد بن عجلان، وَقَدْ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ لأنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه عبد الرحمن بن إسحاق، وهو القرشي مولاهم عن سعيد المقبريّ، عند أحمد، والحاكم، كما مر آنفاً، وله أيضاً شاهد منْ حديث عقبة رضي الله عنه، كما مر أيضاً.
وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -44/ 5504 - وفي "الكبرى" 47/ 79370 وأخرجه (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 8348 (الحاكم) فِي "مستدركه" 1/ 532. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
45 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: معنى، "غلبة الرجال": أي شدّة تسلّطهم، كاستيلاء الرعاع هرْجا ومَرْجاً. قَالَ الكرمانيّ: هَذَا الدعاء منْ جوامع الكلم؛ لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسانيّة، وبدنية، وخارجية، فالأولى بحسب القوى التي للإنسان، وهي ثلاثة: العقلية، والغضبّية، والشهوانيّة، فالهم، والحزن يتعلّق بالعقليّة، والجبن بالغضبيّة، والبخل بالشهوانيّة، والعجز، والكسل بالبدنيّة. والثاني عند سلامة الأعضاء، وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عضو ونحوه، والضلع بالخارجية، فالأول ماليّ، والثانيّ جاهيّ، والدعاء مشتمل عَلَى جميع ذلك. ذكره فِي "الفتح" 12/ 4660 والله تعالى أعلم بالصواب.
5505 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَبِى طَلْحَةَ: "الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي، فَخَرَجَ بِى أَبُو طَلْحَةَ، يَرْدُفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ، يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَرَمِ، وَالْحُزْنِ، وَالْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و "إسماعيل": هو ابن جعفر الأنصاريّ المدنيّ القارىء.
وقوله: "فكنت أسمعه يكثر أن يقول": استُدلّ به عَلَى أن هذه الصيغة لا تدلّ عَلَى الدوام، ولا الإكثار، وإلا لما كَانَ لقوله:"يكثر" فائدة، وتُعقّب بأن المراد بالدوام أعمّ منْ الفعل والقوّة. قَالَ الحافظ: ويظهر لي أن الحاصل أنه لم يعرف لذلك مزيلاً، ويفيد قوله:"يكثر" وقوع ذلك منْ فعله كثيراً. انتهى "فتح" 12/ 465. وتمام شرح الْحَدِيث تقدّم.
والحديث متّفق عليه، وَقَدْ تقدّم فِي 7/ 5449. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
46 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه تنبيهان: (الأول): فِي اشتقاق الدجال ومعناه، وما يتعلّق بذلك:
"الدجّال": فَعّال -بفتح أوله والتشديد- منْ الدجل، وهو التغطية، وسمي الكذاب دجالا؛ لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال: دَجَلَ البعيرَ بالقطران إذا غطاه، والاناء بالذهب إذا طلاه. وَقَالَ ثعلب: الدجال المموه، سيف مدجل إذا طُلي. وَقَالَ ابن دريد: سمي دجالا؛ لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل: لضربه نواحي الأرض، يقال: دجل مخففا ومشددا: إذا فعل ذلك. وقيل: بل قيل ذلك: لأنه يغطي الأرض، فرجع إلى الأول. وَقَالَ القرطبيّ فِي "التذكرة": اختُلف فِي تسميته دجالا عَلَى عشرة أقوال، ومما يحتاج إليه فِي أمر الدجال أصله، وهل هو ابن صياد أو غيره، وعلى الثاني فهل كَانَ موجودا فِي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يدعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه منْ الخوارق، حَتَّى تكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟:
[فاما الأول]: فجاء فِي "كتاب الاعتصام" منْ "صحيح البخاريّ" فِي شرح حديث جابر رضي الله عنه أنه كَانَ يحلف أن ابن صياد هو الدجال.
[وأما الثاني]: فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس فِي قصة تميم الداري، الذي أخرجه مسلم أنه كَانَ موجودا فِي العهد النبوي، وأنه محبوس فِي بعض الجزائر.
[وأما الثالث]: ففي حديث النوّاس رضي الله عنه عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية. وأما سبب خروجه، فأخرج مسلم فِي حديث ابن عمر عن حفصة رضي الله عنهم أنه يخرج منْ غضبة يغضبها. وأما منْ أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزما، ثم جاء فِي رواية أنه يخرج منْ خُراسان، أخرج ذلك أحمد، والحاكم منْ حديث أبي بكر رضي الله عنه. وفي أخرى أنه يخرج منْ أصبهان، أخرجها مسلم. وأما صفته فمذكورة فِي أحاديث، كحديث ابن عمر، مرفوعاً:"رجل جسيم، أحمر، جعد الرأس، أعور العين، كأنها عنبة طافية"، وغير ذلك مما جاء فِي "الصحيحين"، وغيرهما. وأما الذي يدعيه، فإنه يخرج أولا، فيدّعي الإيمان والصلاح، ثم يدعي النبوة، ثم يدعى الإلهية، كما أخرج الطبراني منْ طريق سليمان بن شهاب، قَالَ: نزل عليّ عبد الله بن المعتمر، وكان صحابيا، فحدثني عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ:"الدجال ليس به خفاء، يجيء منْ قبل المشرق، فيدعو إلى الدين، فيُتَّبَع ويظهر، فلا يزال حَتَّى يقدم الكوفة، فيظهر الدين، ويعمل به فيتبع، ويحث عَلَى ذلك، ثم يدّعي أنه نبي، فيفزع منْ ذلك كل ذي لب ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله، فتُغشى عينه، وتقطع أذنه، ويُكتب بين عينيه كافر، فلا يخفى عَلَى كل مسلم، فيفارقه كل أحد منْ الخلق فِي قلبه مثقال حبَّة منْ خردل منْ إيمان"، وسنده ضعيف.
(التنبيه الثاني): اشتهر السؤال عن الحكمة فِي عدم التصريح بذكر الدجال فِي القرآن، مع ما ذكر عنه منْ الشر، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حَتَّى فِي الصلاة.
[وأجبيب]: بأجوبة:
[أحدها]: أنه ذُكر فِي قوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} [الأنعام: 158]، فقد أخرج الترمذيّ، وصححه عن أبي هريرة رفعه: "ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت منْ قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس منْ مغربها.
[الثاني]: قد وقعت الإشارة فِي القرآن إلى نزول عيسى بن مريم فِي قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النِّساء: 159]، وفي قوله تعالى:{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61]، وصح أنه الذي يقتل الدجال، فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى.
[الثالث]: أنه ترك ذكره احتقارا، وتُعُقّب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال، والذي قبله، وتعقب بأن السؤال باق، وهو ما الحكمة فِي ترك التنصيص عليه؟ وأجاب الإمام البلقيني بأنه اعتَبَو كل منْ ذُكر فِي القرآن منْ المفسدين، فوجد كل منْ ذكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما منْ لم يجىء بعدُ، فلم يذكر منهم أحدا. انتهى. وهذا يُنتقض بيأجوج ومأجوج. وَقَدْ وقع فِي تفسير البغوي أن الدجال مذكور فِي القرآن، فِي قوله تعالى:{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57]، وأن المراد بالناس هنا الدجال، منْ إطلاق الكل عَلَى البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون منْ جملة ما تكفل النبيّ صلى الله عليه وسلم ببيانه والعلم عند الله تعالى.
وأما ما يظهر عَلَى يده منْ الخوارق، فقد ذكر فِي أحاديث كثيرة، كحديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعًا:"إن معه ماء، وناراً، فناره ماء بارد، وماؤه نار". رواه البخاريّ، وغير ذلك.
وعند الحاكم منْ طريق قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسيد رفعه: "إنه يخرج -يعني الدجال- فِي نقص منْ الدنيا، وخفة منْ الدين، وسوء ذات بين، فيرد كل مَنْهَل، وتُطوى له الأرض
…
الْحَدِيث، وأخرج نعيم بن حماد فِي "كتاب الفتن" منْ طريق كعب الأحبار قَالَ: يتوجه الدجال، فينزل عند باب دمشق الشرقي، ثم يُلتَمس فلا يُقدَر عليه، ثم يُرَى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يُدْرَى أين توجه؟ ثم يظهر بالمشرق، فيعطى الخلافة، ثم يظهر السحر، ثم يدعي النبوة، فتتفرق النَّاس عنه، فيأتي النهر فيأمره أن يسيل إليه، فيسيل ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر جبل طور، وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحان، ويأمر الريح أن تثير سحابا منْ البحر، فتمطر الأرض، ويخوض البحر فِي يوم، ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول منْ الأخرى، فيمد الطويلة فِي البحر، فتبلغ قعره، فيخرج منْ الحيتان ما يريد".
وأما متى يهلك؟ ومن يقتله؛ فإنه يهلك بعد ظهوره عَلَى الأرض كلها، إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس، فينزل عيسى عليه السلام، فيقتله، أخرجه مسلم.
وفي حديث هشام بن عامر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم منْ الدجال"، أخرجه الحاكم.
وأخرج أبو نعيم فِي ترجمة حسان بن عطية، أحد ثقات التابعين منْ "الحلية" بسند حسن صحيح إليه قَالَ: "لا ينجو منْ فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف
امرأة"، وهذا لا يقال منْ قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب. انتهى منْ "الفتح" 14/ 601 - 603 بتصرّف. والله تعالى أعلم بالصواب.
5506 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، قَالَ: وَقَالَ: "إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي "الجنائز" 115/ 2065 سنداً ومتناً، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تزدد علماً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
47 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَشَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المسيح" -بفتح الميم، وتخفيف المهملة المكسورة، وآخره حاء مهملة-: يطلق عَلَى الدجال، وعلى عيسى ابن مريم عليهما السلام، لكن إذا أريد الدجال قيد به، وَقَالَ أبو داود فِي "السنن": المسيح مثقل الدجال، ومخفف عيسى، والمشهور الأول، وأما ما نَقَل الفربري فِي رواية المستملى وحده عنه عن خلف بن عامر، وهو الهمداني، أحد الحفاظ، أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدجال، ويقال لعيسى، وأنه لا فرق بينهما، بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأى ثالث، وَقَالَ الجوهري: منْ قاله بالتخفيف؛ فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد؛ فلكونه ممسوح العين، وحكى بعضهم أنه قَالَ بالخاء المعجمة فِي الدجال، ونسب قائله إلى التصحيف.
واختلف فِي تلقيب الدجال بذلك، فقيل: لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شقى
وجهه خلق ممسوحا، لا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج. وأما عيسى عليه السلام فقيل: سمي بذلك؛ لأنه خرج منْ بطن أمه ممسوحا بالدهن، وقيل: لأن زكريا مسحه، وقيل: لأنه كَانَ لا يمسح ذا عاهة إلا بريء، وقيل: لأنه كَانَ يمسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانية ما شيخا، فعرب المسيح، وقيل: المسيح الصديق. وذكر الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحب "القاموس" أنه جمع فِي سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولاً، أوردها فِي "شرح المشارق". ذكره فِي "الفتح" 2/ 5840 والله تعالى أعلم بالصواب.
5507 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللهِ": هو أبو عليّ بن أبي عمرو النيسابوريّ، صدوقٌ [11]. و"أبوه": هو حفص بن عبد الله بن راشد، أبو عمرو النيسابوريّ قاضيها، صدوقٌ [9]. و"إبراهيم": هو ابن طهمان.
والسند فيه ثلاثة منْ التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض.
والحديث صحيح، وهو بهذا السياق منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -47/ 5557 - وفي "الكبرى" 50/ 7942. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5508 -
(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو إسماعيل": هو إبراهيم بن عبد الملك القنّاد البصريّ، صدوقٌ، فِي حفظه شيء [7].
والحديث أخرجه البخاريّ، وَقَدْ تقدّم سنداً، ومتناً فِي "الجنائز" 115/ 2060 ومضى شرحه هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
48 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الإِنْسِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قَالَ فِي "المصباح المنير": فِي الشيطان قولان: [أحدهما]: أنه منْ شطن: إذا بعُد عن الحقّ، أو عن رحمة الله، فتكون النون أصليّة، ووزنه فيعال، وكلُّ عاتٍ متمرّد منْ الجنّ، والإنس، والدوابّ، فهو شيطان. ووصف أعرابيّ فرسه، فَقَالَ: كأنه شيطان فِي أشطان -أي حبال-.
[والثاني] أن الياء أصليّة، والنون زائدة عكس الأول، وهو منْ شاط يَشيط: إذا بطل، أو احترق، فوزنه فعلان. انتهى.
وَقَالَ فِي "لسان العرب" 13/ 238: الشيطان: فيعال، منْ شطن: إذا بعُد فيمن جعل النون أصلًا، وقولهم: الشياطين دليل عَلَى ذلك، وكلّ عاتٍ متمردٌ منْ الجن والإنس، والدوابّ شيطان، قَالَ جرير:
أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلٍ
…
وَهُنَّ يَهْوِينَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا
وتشيطن الرجل، وشيطن: إذا صار كالشيطان، وفعل فعله، قَالَ رؤبة:
شَافٍ لِبَغْي الْكَلْب الْمُشَيْطَنِ
وقيل: الشيطان: فعلان، منْ شاط يشيط: إذا هلَك، واحترق، مثلُ هَيْمان، وغَيْمان، منْ هام، وغامِ، قَالَ الأزهريّ: الأول أكثر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5509 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَشْخَاشٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ، فَجِئْتُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ"، قُلْتُ أَوَلِلإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: "نَعَمْ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [11] 38/ 42 منْ أفراد المصنّف.
2 -
(جعفر بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزومّي، أبو عون الكوفيّ،
صدوقٌ [9] 40/ 684.
3 -
(عبد الرحمن بن عبد الله) بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعوديّ الكوفيّ، صدوقٌ اختلط بعد دخوله بغداد [7] 50/ 849.
4 -
(أبو عمر) ويقال: أبو عمرو الدمشقيّ، ضعيف [6].
رَوَى عن عُبيد بن الْحَسْحَاس، وعمر بن عبد العزيز. وعنه عبد الرحمن بن عبد الله المسعوديّ، وحسين بن عليّ الجُعْفي. قَالَ الدارقطنيّ: متروك. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
5 -
(عُبيد بن الخشخاش) -بمعجمات، وقيل: بمهملات- ليّن [3].
رَوَى عن أبي ذرّ رضي الله عنه، وعنه أبو عمر الدمشقيّ. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: رَوَى عنه الكوفيّون. وَقَالَ البخاريّ: لم يذكر سماعاً منْ أبي ذرّ، وضعفه الدارقطنيّ. تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم.
6 -
(أبو ذَرّ) جندب بن جُنادة، وقيل: غيره الصحابيّ المشهور رضي الله عنه، المتوفّى سنة (32) فِي خلافة عثمان رضي الله عنه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي ذَرّ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجدَ) أي النبويّ (وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ) جملة فِي محل نصب عَلَى الحالَ (فَجئْتُ، فَجَلَسْتُ إِلَيهِ فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ) وفي رواية أبي داود الطيالسيّ: "فَقَالَ: يا أبا ذرّ، قلت: لبيك، قَالَ: أصليت؟ قلت: لا، فقم، فصلّ، فصليت، ثم أتيته، فجلست إليه، فَقَالَ: يا أبا ذرّ استعذت بالله منْ شرّ شياطين الجنّ والإنس؟
…
" الْحَدِيث
(1)
(تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْجنِّ وَالْإِنْسِ) أي منْ شرّهما (قُلْتُ: أَوَ لِلْإنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) لهم شياطين، فكلّ متمرّد، متسلط عَلَى النَّاس فِي صدّهم عن الله تعالى، فهو شيطان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث ضعيف؛ لضعف أبي عمر، وعبيد، كما سبق آنفاً، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -48/ 5509 - وفي "الكبرى" 51/ 7944. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند الأنصار" 21036. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
(1)
هكذا أورده الحافظ المزّي فِي "تهذيب الكمال" 19/ 204 - 205.
49 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "فتنة المحيا" -كما قَالَ الإِمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى-: هو ما يَعرِض للإنسان مدة حياته، منْ الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات، وأعظمها -والعياذ بالله- أمر الخاتمة عند الموت. وفتنة الممات: يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا عَلَى هَذَا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وَقَدْ صح -يعني فِي حديث أسماء المتقدم فِي "الجنائز":"إنكم تفتنون فِي قبوركم، مثل أو قريبا منْ فتنة الدجال"، ولا يكون مع هَذَا الوجه متكررا مع قوله:"عذاب القبر"؛ لأن العذاب مرتب عَلَى الفتنة، والسبب غير المسبب. وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء، مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال فِي القبر، مع الحيرة، وهذا منْ العام بعد الخاص؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا. وأخرج الحكيم الترمذيّ فِي "نوادر الأصول" عن سفيان الثوري: أن الميت إذا سئل منْ ربك؟ تراءى له الشيطان، فيشير إلى نفسه أني أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبت له حين يسأل، ثم أخرج بسند جيد إلى عمرو بن مرة:"كانوا يستحبون إذا وضع الميت فِي القبر أن يقولوا: اللَّهم أعذه منْ الشيطان". ذكره فِي "الفتح" 2/ 584. والله تعالى أعلم بالصواب.
5510 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَمَالِكٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"مالك": هو إمام دار الهجرة. و"أبو الزناد": هو عبد الله بن ذكوان. و"الأعرج": هو عبد الرحمن بن هرمز.
وقوله: "عوذوا بالله" فعل أمر منْ عاذ يعوذ، كقال يقول: إذا اعتصم بالله تعالى، والتجأ إليه، أي اعتصموا بالله سبحانه وتعالى منْ هذه الأشياء، حَتَّى يعصمكم منها،
والحديث متَّفقٌ عليه بنحوه، وتقدّم فِي "الجنائز" 115/ 2060 ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
5511 -
(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلْقَمَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ، يَقُولُ: "عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
قَالَ الجَامع عفا الله تعالى عنه: "عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ": هو ابن سلّام -بتشديد اللام- البغداديّ، ثم الطوسيّ، لا بأس به [11] منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ. و"يعلي بن عطاء": هو الطائفيّ، ثقة [4]. و"أبو علقمة": هو الفارسيّ المصريّ، مولى بني هاشم، ويقال: حليف الأنصار، ثقة، وكان قاضي إفريقية، منْ كبار [3] 96/ 1354.
وقوله: "عوذوا بالله الخ" بصيغة الأمر، كما سبق.
والحديث صحيح، وهو بهذا السياق منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -49/ 5511 و5512 و5513 - وفي "الكبرى" 52/ 7946 و7947 و7948. وَقَدْ أخرجه مسلم فِي "كتاب الإمارة"، لكن لم يسق متنه، بل أحاله عَلَى ما سبق، وهو مختصر عَلَى طاعة الأمير فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5512 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَكَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ جَهَنَّمَ، وَفِتْنَةِ الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد": هو ابن جعفر المعروف بغندر. وقوله: "وذكر كلمة الخ": الذاكر هو محمد بن جعفر، وحاصله أن ابن بشّار لم يتأكد منْ لفظ صيغة الأداء، وإنما حفظ معناه، وهو "حدثنا شعبة الخ".
وقوله: "وفتنة الأحياء والأموات": هما بفتح الهمزة: جمع حيّ، وميت، أي منْ الفتنة التي تصيب الأحياء، والأموات.
والحديث سبق الكلام فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5513 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى
ابْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: وَقَالَ -يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: "اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا، وَالْمَمَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الحرّاني الثقة الحافظ [11] منْ أفراد المصنّف. و"أبو الوليد": هو هشام بن عبد الملك الطيالسيّ البصريّ الثقة المثبت [9]. و"أبو عوانة": هو الوضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الثقة الثبت [7]. و"أبو يعلى": هو عطاء العامريّ الطائفيّ، مقبول [3].
وقوله: "عن أبيه": قَالَ المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" 4/ 462 رقم 7947: هَذَا خطأ، والصواب:،"يعلي بن عطاء، عن أبي علقمة". انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى أن رواية شعبة، عن يعلي بن عطاء، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه هي الصواب، ورواية أبي عوانة عن يعلي بن عطاء، عن أبيه، عن أبي علقمة غلط؛ لأن شعبة أحفظ، وأثبت منْ أبي عوانة، ولأن يعلى صرّح بسماعه منْ أبي علقمة، كما فِي الروايتين السابقتين، وأيضاً فقد روي عن أبي عوانة ما يوافق رواية شعبة، فقد أخرجه مسلم فِي "صحيحه" منْ طريق أبي كامل الجحدريّ، عن أبي عوانة، عن يعلي بن عطاء، عن أبي علقمة، لكنه لم يسق متنه، بل أحاله عَلَى ما قبله، وعلى هَذَا فيحتمل أن يكون الخطأ منْ أبي الوليد، لا منْ أبي عوانة، ويحتمل أن يكون منْ أبي عوانة، فكان يضطرب فيه، فيرويه تارة بزيادة "عن أبيه"، وتارة بدونها.
وهذا الذي ذكرناه هو النوع المسمّى فِي مصلح الْحَدِيث بـ"المزيد فِي متّصل الأسانيد"، ويقابله "الإرسال الخفيّ"، وإليهما أشار السيوطيّ فِي "ألفية الْحَدِيث" بقوله:
وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ
…
بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاللِّقَاءِ
وَبِزِيَادَةِ تَجِي وَرُبَّمَا
…
يُقْضَى عَلَى الزَّائِدِ أَنْ قَدّ وَهِمَا
حَيْثُ قَرِينَةٌ وَإِلَّا احْتَمَلَا
…
سَمَاعُهُ لِذَيْنِ لَمَّا حَمَلَا
وقوله: "منْ فيه إلى فيّ": أي مشافهة.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق البحث عنه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
50 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ)
5514 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، قُولُوا: "اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ").
قالَ الجامع عفا الله تعاَلى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس.
وقوله: "كما يُعَلِّم السورة الخ": فيه تأكيد أمر هَذَا الدعاء، حيث إن النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يعتني بتعيلمه كعنايته بتعليم القرآن، فينبغي التمسّك به.
والحديث أخرجه مسلم 590، وَقَدْ تقدّم فِي "الجنائز" 115/ 2063 سنداً ومتناً، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5515 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "عُوذُوا بِاللَّهِ عز وجل مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
قَالَ الجامع عفا الله تَعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ": هو الخيّاط البزّاز، أبو عبد الله المكيّ، بغداديّ الأصل، صدوقٌ، ربّما أخطأ [10]. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار.
وقوله: "عوذوا" أمر بالاستعاذة. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
51 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)
5516 -
(قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ
مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو، يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة حافظ. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن. و"مالك": هو إمام دار الهجرة. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم الكلام عليه قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
52 - (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنِ الْقَبْرِ)
5517 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ كَثِيرٍ الْمُقْرِيُّ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ سُلَيْمَانُ بْنُ سِنَانٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو عاصم": هو خُشيش بن أصرم بن الأسود النسائيّ، ثقة حافظ [11] منْ أفراد المصنّف، وأبي داود.
و"القاسم بن كثير بن النعمان المقرىء" الإسكندرانيّ قاضيها، ويقال: المصريّ أبو العبّاس، مولى قريش، صدوقٌ [10].
رَوَى عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله المعافري الإسكندراني، وأبي غسان محمد بن مطرف، وسليمان بن القاسم الزاهد، والليث بن سعد. وروى عنه محمد بن سهل بن عسكر، وخُشيش بن أصرم، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، ويزيد بن سنان البصريّ، وغيرهم. قَالَ أبو حاتم: صالح الْحَدِيث. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وذكر الداني أنه كَانَ منْ متصدري القراء بمصر. وَقَالَ ابن يونس: يقال: إنه منْ أهل العراق سكن الإسكندرية، وهو عندي منْ أهل مصر، وكان رجلاً صالحا، توفي قريبا منْ سنة عشرين ومائتين.
تفرد به المصنّف، وله عنده هَذَا الْحَدِيث فقط، والترمذيّ، وله عنده حديث سهل
ابن حنيف فِي "تمني الشهادة". وشرح الْحَدِيث تقدّم غير مرّة.
وقوله: "هَذَا خطأ الخ": يعني أن كونه منْ رواية سليمان بن يسار غلطٌ، وإنما الصواب منْ رواية سليمان بن سنان، عن أبي هريرة، كما سيأتي عَلَى الصواب بعد ثلاثة أبواب، إن شاء الله تعالى.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
53 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ)
5518 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو الْجَوّاز المكيّ، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
54 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ)
5519 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعَالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبوعامر العقّديّ": هو عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ الثقة [9].
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
و"بُديل بن ميسرة": هو الْعُقيليّ البصريّ، ثقة [5]. و"عبد الله بن شقيق": هو العُقيليّ البصريّ، ثقة فيه نَصْبٌ [3].
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
55 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ)
5520 -
(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
قَالَ الجَامع عفا الله تعالى عنه: "مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ": هو أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، منْ صغار [10]. و"الوليد": هو ابن مسلم الدمشقيّ. و"أبو عمرو": هو الأوزاعيّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
56 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ حَرِّ النَّارِ)
5521 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ جَسْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ، وَمِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ) أبو عليّ النيسابوريّ، صدوقٌ [11] 7/ 409.
2 -
(أبوه) حفص بن عبد الله، أبو عمرو السلميّ النيسابوريّ القاضي، صدوقٌ [9] 7/ 409.
3 -
(إِبْرَاهِيمُ) بن طهمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقة يُغرب، ورمي بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [7] 7/ 409.
4 -
(سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ) الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [7] 33/ 37.
5 -
(أبو حسّان) أَفْلَتُ، ويقال: فُلَيت بن خليفة العامريّ، ويقال: الذهليّ، ويقال: الهذليّ الكوفيّ، صدوقٌ [5] 4/ 3408.
6 -
(جسرة) بنت دجاجة العامرية الكوفيّة، مقبولة [3] 79/ 1010، ويقال: إن لها إدراكًا.
7 -
(عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها 5/ 5. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ) عليه السلام، وفيه لغات: كسر الجيم والراء، وبعدها ياء ساكنة، والثانية: كذلك، إلا أن الجيم مفتوحة. والثالثة: فتح الجيم والراء، وبهمزة، بعدها ياء، يقال: هو اسم مركّب منْ "جبر"، وهو العبد، و"إيل"، وهو الله تعالى، وفيه لغات غير ذلك. قاله الفيّوميّ (وَمِيكَائِيلَ) باللام، ويقال بالنون أيضًا (وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ) بكسر الهمزة، خصّ هؤلاء الثلاثة منْ بين الملائكة عليهم السلام؛ لمزيد شرفهم؛ فإن جبريل عليه السلام أمين الوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وميكائيل عليه السلام موكّل بالأرزاق، وإسرافيل عليه السلام موكّل بالصور (أَعُوذُ بكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ) أي منْ عذابها (وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي بالحيّات، والمقامع، وغير ذَلك مما أُعد لتعذيب العصاة فِي القبر، أعاذنا لله تعالى منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وهذا الْحَدِيث صحيح، ولا يضر كلام ابن حزم فِي جسرة، فإنها رَوَى عنها جماعة، ووثقها العجليّ، وابن حبّان، وَقَدْ ردّ ابن القطّان الفاسي عَلَى ابن حزم، ويشهد لحديثها هَذَا حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي بعده، وحديث أسامة بن عمير رضي الله عنه أنه صلى ركعتي
الفجر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قريبًا منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعته يقول: وهو جالس: "اللَّهم رب جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، ومحمد صلى الله عليه وسلم أعوذ بك منْ النار"، ثلاث مرّات، أخرجه الحاكم 3/ 622 وابن السنّي فِي "عمل اليوم والليلة" 101، وفي إسناده مقال.
وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -56/ 5521 - وفي "الكبرى" 60/ 7959. وأخرجه (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" 23803. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5522 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سِنَانٍ الْمُزَنِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الصَّوَابُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ" -بتشديد الواو-: هو أبو محمد المصريّ، ثقة [11].
و"سليمان بن سنان" المزنيّ، ويقال: المدنيّ المصريّ، ثقة [3].
رَوَى عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وعبد الرحمن بن أبي هريرة. وعنه يزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة. قَالَ العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". قَالَ ابن يونس فِي "التاريخ". سليمان المزنيّ، يقال له: منْ مواليهم. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
والسند مسلسل بثقات المصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
وقوله: "هَذَا الصواب": يعني أن كونه منْ رواية سليمان بن سنان، عن أبي هريرة رضي الله عنه هو الصواب، وأما كونه منْ رواية سليمان بن يسار عنه، فغلطٌ، وَقَدْ سبق تحقيق ذلك قبل ثلاثة أبواب، فراجعه تستفد.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ مرّ بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5523 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.
2 -
(أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن [7] 79/ 96.
3 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الهمداني الكوفيّ، ثقة عابد اختلط [3] 38/ 42.
4 -
(بُريد بن أبي مريم) مالك بن ربيعة السلوليّ البصريّ، ثقة [4] 55/ 621.
5 -
(أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير بُريد، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى أبي إسحاق، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أنس رضي الله عنه منْ المكثرين السبعة، وآخر منْ مات منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَلَ اللهَ الْجَنَّةَ) بأن قَالَ: اللَّهم إني أسألك الجنة، أو قَالَ: اللَّهم أدخلني الجتة (ثَلَاثَ مَرَّاتِ) أي كرّره فِي مجلس، أو مجالس بطريق الإلحاح؛ إذ هو منْ آداب الدعاء (قَالَتِ الْجَنَّةُ) أي بلسان المقال، وَقَدْ أبعد منْ قَالَ: بلسان الحال (اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ) أي دخولا أوليا منْ غير سبق عذاب، أو لحوقًا آخريًا، والأول أقرب (وَمَنِ اسْتَجَارَ) أي طلب الجوار، أي الحفظ (مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) بأن قَالَ: اللَّهم أجرني منْ النار (قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ) أي احفظه، أو أنقذه منها. قَالَ الطيبيّ رحمه الله تعالى: وفي وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريد، ونوع منْ الإلتفات. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -56/ 5523 - وفي "الكبرى" 60/ 7962. وأخرجه (ت) فِي "صفة
الجنة" 2572 (ق) فِي "الزهد" 4340 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 11760 و13030 و13344. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
57 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعَ، وَذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ فِيهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "منْ شرّ ما صنع""ما" يحتمل أن تكون مصدريّة، أو موصولة، والعائد محذوف، و"صنع" يحتمل أن يكون مبنيّا للفاعل، وفاعله ضيمر يعود إلى الصانع، ويحتمل أن يكون مبنيًا للمفعول.
وقوله: و"ذكر الاختلاف الخ": وجه الاختلاف أن حسينًا المعلّم رواه عن عبد الله ابن بُريدة، عن بُشير بن كعب، عن شدّاد بن أوس رضي الله عنه، كما فِي هذه الرواية، وهي رواية البخاريّ، وَقَدْ تابع حسينا عَلَى ذلك ثابت البناني، وأبو العوام، عن بريدة، ولكنهما لم يذكرا بشير بن كعب، بل قالا: عن ابن بريدة، عن شداد، أخرجه المصنّف فِي "عمل اليوم والليلة"465.
وخالفه الوليد بن ثعلبة الطائيّ، فراوه عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أخرجه أبو داود فِي "كتاب الأدب"، وابن ماجه فِي "الدعاء"، والمصنّف فِي "عمل اليوم والليلة" 466، وصححه ابن حبّان، والحاكم، لكن لم يقع فِي رواية الوليد أول الْحَدِيث، قَالَ المصنّف: حسين المعلم أثبت منْ الوليد بن ثعلبة، وأعلم بعبد الله بن بريدة، وحديثه أولى بالصواب.
قَالَ الحافظ: كأن الوليد سلك الجادة؛ لأن جُلَّ رواية عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وكأن منْ صححه جَوّز أن يكون عن عبد الله بن بريدة عَلَى الوجهين. والله أعلم. أفاده فِي "الفتح" 12/ 377. والله تعالى أعلم بالصواب.
5524 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إِنَّ سَيِّدَ الاِسْتِغْفَارِ، أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ، مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ، مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي، مُوقِنًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [10] 4/ 4.
2 -
(يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [8] 5/ 5.
3 -
(حُسين) بن ذكوان المعلّم المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وَهِمَ [6] 122/ 174.
4 -
(عبد الله بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة [3] 25/ 393.
5 -
(بُشير -مصغّرًا- ابن كعب) بن أبي الحِمْيريّ العدوي، ويقال: العامري، أبو أيوب البصريّ، ثقة، مخضرم، [2].
رَوَى عن ربيعة الْجُرَشي، وشهد معه اليرموك، وشداد بن أوس، وأبي الدرداء، وأبي ذر، وأبي هريرة، وعنه ابن بريدة، وقتادة، وثابت البناني، وطلق بن حبيب، والعلاء بن زياد، وغيرهم. قَالَ ابن المديني: معروف. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن سعد فِي الطبقة الثانية منْ أهل البصرة، وَقَالَ: كَانَ ثقة إن شاء الله تعالى. وَقَالَ عمرو ابن دينار: قَالَ لي طاوس: اذهب بنا نجالس النَّاس، فجلسنا إلى رجل منْ أهل البصرة، يقال له: بُشير بن كعب العدوي، فَقَالَ طاوس: رأيتُ هَذَا، أَتَى ابن عبّاس، فجعل يحدثه، فَقَالَ ابن عبّاس: كأني أسمع أبي، وهو الذي أنكر عليه ابن عبّاس الإرسال، وقصته فِي مقدمة "صحيح مسلم"، وهو الذي قَالَ لعمران بن حصين -لَمّا حَدّث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بحديث:"الحياء خير كله"، فَقَالَ بُشَير بن كعب: إن فِي الحكمة مكتوبا: منه ضعف، ومنه وقار، فغضب عمران عليه، أخرج ذلك البخاريّ ومسلم، منْ حديث أبي السوار، عنهما، وخرجه مسلم منْ حديث أبي قتادة العدوي أيضًا عنهما. وَقَالَ العجليّ: بصري تابعيّ ثقة. وَقَالَ الحاكم عن الدارقطنيّ: ثقة. وذكر ابن حبّان فِي "الثقات" أن بشير بن كعب الذي شهد اليرموك آخر، غير صاحب الترجمة، قَالَ الحافظ: وَقَدْ أوضحت ذلك فِي ترجمته فِي الصحابة. رَوَى له البخاريّ، والأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
6 -
(شدّاد بن أوس) بن ثابت بن المنذر بن حَرَام -بمهملمتين- الأنصاريّ، ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر رضي الله عنه، صحابي جليل، نزل الشام، وكنيته أبو يعلى، واختلف فِي صحبة أبيه، وليس لشداد رضي الله عنه فِي البخاريّ إلا هَذَا الْحَدِيث الواحد، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث: هَذَا، وحديث: "اللَّهم إني أسألك الثبات فِي الأمر
…
" تقدّم فِي "الصلاة" 61/ 1304 وحديث: "إن الله كتب الإحسان عَلَى كل شيء
…
" 447 كرره خمس مرَّات، وَقَدْ تقدمت ترجمته فِي 172/ 1141. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، وعبد الله بن بريدة، وإن كَانَ مروزيّا، إلا أنه كَانَ منْ أهل البصرة، فانتقل مع أبيه إلى مرو. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ شدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "إِن سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ) قَالَ الطيبي رحمه الله تعالى: لما كَانَ هَذَا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو فِي الأصل الرئيس الذي يُقصَد فِي الحوائج، ويُرجَع إليه فِي الأمور. وفي رواية:"أفضل الاستغفار": أي الأكثر ثوابًا للمستغفر به منْ المستغفر بغيره.
قَالَ الكرمانيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: فما الحكمة فِي كونه أفضل الاستغفارات؟ [قلت] هَذَا وأمثاله منْ التعبديات، والله أعلم بذلك، لكن لا شك أن فيه ذكر الله بأكمل الأوصاف، وذكر نفسه بأنقص الحالات، وهو أقصى غاية التضرع، ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو، أما الأول فلما فيه منْ الاعتراف بوجود الصانع، وتوحيده الذي هو أصل الصفات العدمية المسماة بصفات الجلال، والاعتراف بالصفات السبعة
(1)
التي هي الصفات الوجودية المسماة بصفات الاكرام، وهي القدرة اللازمة منْ الخلق، الملزومة للارادة، والعلم، والحياة، والخامسة الكلام اللازم منْ الوعد، والسمع والبصر اللازمان منْ المغفرة، إذ المغفرة للمسموع، وللمبصر لا يتصوو إلا بعد السماع والإبصار، وأما الثاني، فلما فيه أيضًا منْ الاعتراف بالعبودية، وبالذنوب فِي مقابلة النعمة التي تقتضي نقيضها، وهو الشكر. انتهى. ذكره السيوطيّ
(1)
هذه الصفات هي التي يثبتها الأشاعرة لله سبحانه وتعالى ويؤولون ما عداها مما ثبت فِي الكتاب والسنة وصفه تعالى به، وَقَدْ أشبعت الرد عَلَى هَذَا فِي مواضع منْ هَذَا الشرح، فراجعه تستفد. والله الهادي إلى سواء السبيل.
فِي "زهر الربى" 8/ 280.
(أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ) وللترمذي منْ رواية عثمان بن ربيعة، عن شداد رضي الله عنه:"ألا أدلك عَلَى سيد الاستغفار؟ "، وفي حديث جابر رضي الله عنه عند المصنّف فِي "عمل اليوم والليلة" 467: "تعلموا سيد الاستغفار
…
".
(اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي) ووقع فِي رواية البخاريّ: "لا إله إلا أنت، أنت خلقتني"، بتكرار "أنت"، قَالَ فِي "الفتح": كذا فِي نسخة معتمدة بتكرير "أنت"، وسقطت الثانية منْ معظم الروايات، ووقع عند الطبراني منْ حديث أبي أمامة رضي الله عنه: "منْ قَالَ حين يصبح: اللَّهم لك الحمد لا إله إلا أنت
…
والباقي نحو حديث شداد، وزاد فيه:"آمنت لك، مخلصا لك ديني". (وَأَنَا عَبْدُكَ) قَالَ الطيبي: يجوز أن تكون مؤكدة، ويجوز أن تكون مقدرة: أي أنا عابد لك، ويؤيده عطف قوله:"وأنا عَلَى عهدك"(وَأَنَا) سقطت الواو منْ رواية "عمل اليوم والليلة"(عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ) قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: يريد أنا عَلَى ما عاهدتك عليه، وواعدتك بمن الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، ما استطعت منْ ذلك، ويحتمل أن يريد أنا مقيم عَلَى ما عهدت إليّ منْ أمرك، ومتمسك به، منتجز وعدك فِي المثوبة والأجر، واشتراطُ الاستطاعة فِي ذلك معناه: الاعتراف بالعجز، والقصور عن عنه الواجب منْ حقه تعالى.
وَقَالَ ابن بطال رحمه الله تعالى: قوله: "وأنا عَلَى عهدك ووعدك": يريد العهد الذي أخذه الله عَلَى عباده حيث أخرجه أمثال الذرّ، وأشهدهم عَلَى أنفسهم:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172]، فأقروا له بالربوبية، وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قَالَ عَلَى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إنّ منْ مات لا يشرك بالله شيئا، وأدى ما افتُرِض عليه أنه يدخله الجنة".
قَالَ الحافظ: وقوله: "وأدى ما افتُرض عليه" زيادة ليست بشرط فِي هَذَا المقام؛ لأنه جعل المراد بالعهد الميثاق المأخوذ فِي عالم الذر، وهو التوحيد خاصةً، فالوعد هو إدخال منْ مات عَلَى ذلك الجنة، قَالَ ابن بطال: وفي قوله: "ما استطعت": إعلام لأمته أن أحدا لا يقدر عَلَى الإتيان بجميع ما يجب عليه لله، ولا الوفاء بكمال الطاعات، والشكر عَلَى النعم، فرفق الله بعباده، فلم يكلفهم منْ ذلك إلا وسعهم.
وَقَالَ الطيبي رحمه الله تعالى: يحتمل أن يراد بالعهد والوعد ما فِي الآية المذكورة. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: كذا قَالَ، والتفريق بين العهد والوعد أوضح. انتهى.
(أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ) أي منْ عقابك لي بسبب الشر الذي عملته (أَبُوءُ لَكَ بِذَنْيِي) وفي رواية البخاريّ هذه الجملة مؤخّرة منْ قوله: "أبوء لك بنعمتك عليّ"، وهو
الذي فِي "عمل اليوم والليلة"، وهو أوضح فِي لمناسبة المعنى.
ومعنى: "أبوء لك بذنبي": أي أعترف، وقيل: معناه أحمله برغمي، لا أستطيع صرفه عني. وَقَالَ الطيبي: اعترف أولا بأنه أنعم عليه -كما فِي رواية البخاريّ- ولم بقيده؛ لأنه يشمل أنواع الإنعام، ثم اعترف بالتقصير، وأنه لم يقم بأداء شكرها، ثم بالغ، فعده ذنبا مبالغة فِي التقصير، وهضم النفس. قَالَ الحافظ: ويحتمل أن يكون قوله: "أبوء لك بذنبي" أعترف بوقوع الذنب مطلقا؛ ليصح الاستغفار منه، لا أنه عَدّ ما قَصّر فيه منْ أداء شكر النعم ذنبا.
(وَأَبُوءُ لَكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ) سقط لفظ "لك" منْ رواية "عمل اليوم والليلة". و"أبوء" -بالموحدة، والهَمز ممدود- معناه: أعترف. ووقع فِي رواية عثمان بن ربيعة عن شداد: "وأعترف بذنوبي"، وأصله البواء، ومعناه اللزوم، ومنه بوأه الله منزلا: إذا أسكنه، فكأنه ألزمه به.
(فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) يؤخذ مثله أن منْ اعترف بذنبه، غُفر له، وَقَدْ وقع صريحا فِي حديث الإفك الطويل، وفيه:"العبد إذا اعترف بذنبه، وتاب تاب الله عليه"(فَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ، مُوقِنًا بِهَا) أي مخلصا منْ قلبه، مصدقا بثوابها، وَقَالَ الداودي: يحتمل أن يكون هَذَا منْ قوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، ومثل قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي الوضوء وغيره؛ لأنه بَشّر بالثواب، ثم بَشّر بأفضل منه، فثبت الأول، وما زيد عليه، وليس يبشر بالشيء، ثم يبشر بأقل منه، مع ارتفاع الأول، ويحتمل أن يكون ذلك ناسخا، وأن يكون هَذَا فيمن قالها، ومات قبل أن يفعل ما يغفر له به ذنوبه، أو يكون ما فعله منْ الوضوء وغيره، لم ينتقل منه بوجه ما، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، كذا حكاه ابن التين عنه، وبعضه يحتاج إلى تأمل. قاله فِي "الفتح" 12/ 378.
(فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي) وفي رواية البخاريّ: "ومن قالها منْ النهار"، وفي رواية الترمذيّ:"لا يقولها أحدكم حين يمسي، فيأتي عليه قَدَر قبل أن يصبح، أو حين يصبح، فيأتي عليه قدر قبل أن يمسي"(مُوقِنًا بِها دَخَلَ الْجَنَّةَ) وفي رواية البخاريّ: "فهو منْ أهل الجنة"، وفي رواية الترمذيّ:"إلا وجبت له الجنة".
قَالَ الكرماني رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: المؤمن وإن لم يقلها يدخل الجنة. [قلت]: المراد أنه يدخلها ابتداء منْ غير دخول النار، ولأن الغالب أن المؤمن بحقيقتها، المؤمن بمضمونها لا يعصي الله تعالى، أو لأن الله تعالى يعفو عنه ببركة هَذَا الاستغفار. انتهى.
وقوله: (خَالَفَهُ الْوَلِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ) أي خالف حسينًا المعلّم الوليد بن ثعلبة الطائيّ فِي
روايته لهذا الْحَدِيث، حيث رواه عن عبد الله بريدة، عن أبيه رضي الله عنه، وروايته لم يذكرها المصنّف هنا، ولا فِي "الكبرى"، وإنما هي فِي "عمل اليوم والليلة"، كما قد تقدّم البحث عن ذلك مستوفًى فِي أول الباب.
و"الوليد بن ثعلبة" الطائيّ، أو العبديّ البصريّ، يقال إنه أخو المنذر بن ثعلبة، ثقة [6].
رَوَى عن ابن بُريدة، والضحاك بن مزاحم. وعنه إبراهيم بن عيينة، وأشعث بن عبد الرحمن بن زُبيد، وأبو خيثمة، وعيسى بن يونس، ووكيع، وعبد الله بن نُمير، وغيرهم. قَالَ ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". ليست له رواية عند المصنّف فِي "السنن"، وإنما ذكره هنا، بل روايته فِي "عمل اليوم واللية". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث شداد بن أوس رضي الله عنه هَذَا أخرجه البخاريّ
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -57/ 5524 - وفي "الكبرى" 61/ 7963. وأخرجه (خ) فِي "الدعوات" 6306 و6323 (ت) فِي "الدعوات" 3393 (أحمد) فِي "مسند الشاميين" 16662 و16681.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب الاستعاذة منْ شرّ ما صنعه المرء. (ومنها): بيان أفضل الاستغفار. (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة: جمع صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْحَدِيث، منْ بديع المعاني، وحسن الألفاظ، ما يحق له أَنْ يسمى سيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالالهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة منْ شر ما جنى العبد عَلَى نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته فِي المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد عَلَى ذلك إلا هو، وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة، فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كَانَ فِي ذلك عون منْ الله تعالى، وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة، فلو اتفق أن العبد خالف حَتَّى يجرى عليه ما قُدّر عليه، وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة، لم يبق إلا أحد أمرين: إما العقوبة بمقتضى العدل، أو العفو بمقتضى الفضل. انتهى ملخصا.
وَقَالَ أيضاً منْ شروط الاستغفار صحة النية، والتوجه، والأدب، فلو أن أحدا حصل الشروط، واستغفر بغير هَذَا اللفظ الوارد، واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد، لكن أخلّ بالشروط، هل يستويان؟ فالجواب أن الذي يظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط المذكورة. والله أعلم. ذكره فِي "الفتح" 12/ 379. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
58 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ مَا عُمِلَ، وَذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى هِلَالٍ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن موسى بن شيبة رواه عن الأوزاعيّ، عن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن يساف، وهو هلال، أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها، ورواه أبو المغيرة، عن الأوزاعيّ، عن عبدة، عن ابن يساف، قَالَ: سئلت عائشة، ولم يبين السائل، ورواه منصور، وحصين بن عبد الرحمن، كلاهما عن هلال، عن فروة بن نوفل، قَالَ: سألت عائشة، رضي الله تعالى عنها، ورواية منصور وعبد الرحمن هي المحفوظة، وهي التي أخرجها مسلم فِي "صحيحه"، وتحمل رواية أْبي المغيرة عَلَى روايتهما؛ لأنها لم تبين السائل، فيحمل عَلَى أنه فروة بن نوفل.
والحاصل أن رواية موسى بن شيبة غير محفوظة؛ لمخالفته الجماعة، مع جهالته، فإنه لم يرو عنه غير ابن وهب. والله تعالى أعلم بالصواب.
5525 -
(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، أَنَّ ابْنَ يِسَافٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مَا كَانَ أَكْثَرَ مَا يَدْعُو بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مَوْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَدْعُو بِهِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ").
قالَ الجامع عفا الله تعاَلى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير "موسى بن شيبة": وهو الحضرميّ المصريّ، مقبول [9]، فإنه منْ أفراده هو وأبى داود فِي "المراسيل". و"ابن يساف": هو هلال، كما سيأتي فِي الرواية الثالثة.
وقوله: "أن ابن يساف حدثه أنه سأل عائشة الخ" هَذَا خطأ، والصواب أن السائل هو فروة بن نوفل، كما سيأتي فِي الرواية الثالثة، إن شاء الله تعالى.
وقوله: "ما كَانَ الخ""ما" استفهامية مفعول ثان لـ"سأل"، أو منصوب بنزع فض، أي عما كَانَ، وهذا تدلّ له الرواية الآتية:"سألت أم المؤمنين عائشة عما كَانَ إلخ"، و"كَانَ" زائدة للتوكيد و"أكثر" بالرفع خبر "ما"، وهو مضاف إلى "ما" الثانية، وهي موصولة، وجملة "يدعو به" صلتها.
وقولها: "كَانَ أكثر ما كَانَ يدعو به الخ""أكثر" اسم "كَانَ"، وهو مضاف إلى "ما"، وهي موصولة أيضًا، و"كَانَ" الثانية زائدة أيضًا، وجملة "يدعو به" صلة "ما". وقولها:"اللَّهم إلخ" خبر "كَانَ" محكيّ. والله تعالى أعلم.
وقوله: "منْ شر ما عملت": قَالَ الطيبيّ رحمه الله تعالى: أي منْ شر عمل يُحتاج فيه العفو والغفران. وقوله: "ومن شر ما لم أعّمل": استعاذ منْ شرّ أن يعمل فِي المستقبل ما لا يرضاه الله عز وجل، بأن يحفظه منه، أو منْ شر أن يصير معجبا بنفسه فِي ترك القبائح، فإنه يجب أن يرى ذلك منْ فضل ربه، أو لئلا يُصيبه شر عمل غيره، كما قَالَ تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} الآية [الأنفال: 25] ويحتمل أنه استعاذ منْ أن يكون ممن يُحبّ أن يُحمد بما لم يفعل. انتهى كلام الطيبيّ.
والحديث. أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم فِي "الصلاة" 63/ 1307 ومضى تمام البحث فيه هناك فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5526 -
(أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ يِسَافٍ، قَالَ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ، مَا كَانَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَدْعُو بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرَ دُعَائِهِ، أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ بَعْدُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمران بن بكار": هو المؤذن الحمصيّ، ثقة [11] منْ أفراد المصنّف، و"أبو المغيرة": هو عبد القدّس بن الحجاج الحمصيّ، ثقة [9].
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5527 -
(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو، قَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بنُ قُدَامَةَ": هو ابن أعين المصّيصيّ، ثقة [10]. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"هلال بن يساف" -بكسر التحتانية، وتفتح- ويقال: إساف الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [3]. و"فروة بن نوفل": هو الأشجعي، مختلف فِي صحبته، والصواب أن الصحبة لأبيه [3] 63/ 1307.
وقوله: "يدعو" حذف العائد منه: أي يدعو به.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5528 -
(أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح و"هناد": هو ابن السريّ. و"أبو الأحوص": هو سلّام بن سُليم الحنفيّ. و"حُصين": هو ابن عبد الرحمن. و"هلال": هو ابن يساف.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
59 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ)
5529 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: حَدِّثِينِي بِشَيْءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو بِهِ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و"المعتمر": هو ابن سليمان ابن طرخان التيميّ.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5530 -
(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، سَمِعْتُ هِلَالَ بْنَ يِسَافٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَخْبِرِينِي بِدُعَاءٍ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو بِهِ، قَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو داود": هو الطيالسيّ.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
60 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْخَسْفِ)
5531 -
(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ، أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي" -قَالَ جُبَيْرٌ: وَهُوَ الْخَسْفُ، قَالَ عُبَادَةُ: فَلَا أَدْرِي قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ قَوْلَ جُبَيْرٍ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [11] 108/ 147 منْ أفراد المصنّف.
2 -
(الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) أبو نعيم الحافظ الحجة المشهور الكوفيّ [9] 11/ 516.
3 -
(عُبَادَةَ بْنِ مُسْلِمٍ) الفزاريّ، أبو يحيى البصريّ، ويقال: الكوفيّ، ثقة، اضطرب فيه قول ابن حبّان [6].
رَوَى عن جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، والحسن البصريّ، ويونس بن خباب، وأبي داود نفيع، وغيرهم. وعنه الثوري، ووكيع، وعبد الله بن نمير، وأبو داود الطيالسي، وأبو عاصم، وأبو نعيم، وغيرهم. قَالَ ابن معين، والنسائي: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به. وَقَالَ البخاريّ فِي "تاريخه": قَالَ وكيع: كَانَ ثقة. وَقَالَ ابن شاهين: فِي "الثقات": قَالَ ابن معين: هو ثقة ثقة. وصحح الترمذيّ حديثه: "ما
نقص مال منْ صدقة
…
" الْحَدِيث، وفيه: "إنما أهل الدنيا أربعة
…
". وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وذكره فِي "الضعفاء"، فسماه عبادا، وَقَالَ: منكر الْحَدِيث، ساقط الاحتجاج؛ لما يرويه، وأحسبه الذي يروي عن الحسن، ويروي عنه الثوريّ، وأبو نعيم، فإن كَانَ كذلك، فهو مولى بني حصن، وهو كوفيّ يخطىء. رَوَى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط.
4 -
(جُبَيْرُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) النوفليّ المدنيّ، ثقة [3].
رَوَى عن ابن عمر، وعنه عبادة بن مسلم الفزاريّ، والحارث بن عبد الرحمن، خال ابن أبي ذئب. قَالَ ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". رَوَى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والمصنف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم هَذَا الْحَدِيث فقط.
5 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جُبَيْرُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) النوفليّ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بعَظَمَتِكَ، أَنْ أُغتَالَ مِنْ تَحْتِي) بالبناء للمفعول، يقال: اغتاله: أي قتله غِيلة بكسر الغين المعجمة، وهو أن يخدعه، فيذهب به إلى موضع لا يُرى فيه، فإذا صار إليه قتله: أي أعوذ بك منْ أن يجيئني البلاء منْ حيث لا أشعر. وَقَالَ فِي "النهاية": "أن أُغتال منْ تحتي": أي أُدهَى منْ حيث لا أشعر، يريد به الخسف. انتهى (قَالَ جُبَيْرٌ: وَهُوَ الْخَسْفُ، قَالَ عُبَادَةُ: فَلَا أَدْرِي قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ قَوْلَ جُبَيْرٍ) أي لا أعلم أن هَذَا التفسير، هل هو منْ تفسير الراوي موقوفاً، أو منْ تفسير النبيّ صلى الله عليه وسلم مرفوعًا، والظاهر أنه موقوف.
والحديث أخرجه المصنّف فِي "عمل اليوم والليلة" 379 رقم 566 مطوّلاً، ولفظه:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فِي دعائه، حين يمسي، وحين يصبح:"اللَّهم إني أسألك العافية فِي الدنيا والآخرة، اللَّهم إني أسألك العفو والعافية فِي ديني، ودنياي، وأهلي، ومالي، اللَّهم استر عورتي، وآمن روعاتي، اللَّهم احفظني منْ بين يديّ، ومن خلفي، ومن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال منْ تحتي".
قَالَ جبير: هو الخسف، قَالَ عبادة: فلا أدري قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو قول جبير. انتهى.
وهكذا أخرجه أبو داود مطوّلاً فِي "كتاب الأدب" 5074، منْ طريق وكيع، وعبد الله بن نمير، كلاهما عن عبادة بن مسلم الفزاري، عن جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، قَالَ: سمعت ابن عمر يقول: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يَدَع هؤلاء الدعوات، حين يمسي، وحين يصبح، فذكره، وَقَالَ فِي آخره: قَالَ أبو داود: قَالَ وكيع: يعني الخسف. انتهى.
أي يريد النبيّ صلى الله عليه وسلم بالاغتيال منْ الجهة التحتانية الخسف، قَالَ فِي "القاموس": خسف الله بفلان الأرض: غيّبه فيها. قَالَ الطيبيّ: عمّ الجهات لأن الآفات منها، وبالغ فِي جهة السفل لرداءة الآفة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -60/ 5531 و5532 - وفي "الكبرى" 64/ 7970 و7971. وأخرجه (د) فِي "الأدب" 5074 (ق) فِي "الدعاء" 3871 (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 4770. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5532 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْخَلِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ -هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ- عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ مُسْلِمٍ الْفَزَارِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ
…
فَذَكَرَ الدُّعَاءَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي" يَعْنِي بِذَلِكَ الْخَسْفَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ الْخَلِيلِ": هو الْخُشَنيّ الدمشقيّ، صدوقٌ [10] 5/ 4890 منْ أفراد المصنّف. و"مروان بن معاوية الفزاريّ": هو أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، يدلّس أسماء الشيوخ [8] 50/ 850. و"عليّ ابن عبد العزيز": هو عليّ بن غُراب -باسم الطائر- الفزاريّ مولاهم الكوفيّ القاضي، قَالَ الفلكيّ: غراب لقب، وهو عبد العزيز، سماه مروان بن معاوية، وَقَالَ مرّةً: عليّ بن أبي الوليد، صدوقٌ، كَانَ يدلّس، ويتشيّع، وأفرط ابن حبّان فِي تضعيفه [8] 36/ 3270.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
61 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ التَّرَدِّي، وَالْهَدْمِ)
5533 -
(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ صَيْفِيٍّ، مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْيَسَرِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَالْهَدْمِ، وَالْغَرَقِ، وَالْحَرِيقِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
ا- (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، ثم البغداديّ، ثقة [10] 33/ 37.
2 -
(الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، منْ كبار [9] 83/ 100.
3 -
(عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ) بن هند الفزاري مولاهم، أبو بكر المدنيّ، صدوقٌ ربما وهم [6] 28/ 550.
4 -
(صَيْفِيِّ، مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ) هو صيفيّ بن زياد الأنصاريّ مولاهم، أبو زياد، أو أبو سعيد المدنيّ، مولى أفلح، مولى أبي أيوب الأنصاريّ، ويقال: مولى أبي السائب الأنصاريّ، ثقة [4].
رَوَى عن أبي السائب، مولى هشام بن زهرة، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي اليسر، كعب بن عمرو، وعنه عبد الله بن عمر، وابن عجلان، وسعيد المقبري، وسعيد بن أبي هلال، ومالك، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وابن أبي ذئب. قَالَ النسائيّ: صيفي، رَوَى عنه ابن عجلان ثقة، قَالَ: صيفي مولى أفلح، ليس به بأس، رَوَى عنه ابن أبي ذئب، كذا فرق بينهما وهما واحد، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". رَوَى مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، له عند الثلاثة الأولين حديث أبي سعيد فِي قتل
الأنصاريّ الحية، عَلَى فراشه، وموته، وعند المصنّف، هَذَا الْحَدِيث فقط، وعند أبي داود والترمذي هَذَا الْحَدِيث، وغيره. قَالَ الحافظ: صوب الحافظ وأبو عبد الله الذهبيّ، فيما قرأت بخطه تفرقة النسائيّ بينهما، وأنهما كبير وصغير، فالكبير رَوَى عن أبي اليسر، كعب بن عمرو، وروى عنه محمد بن عجلان، والصغير رَوَى عن أبي السائب، وروى عنه مالك. والله أعلم. انتهى "تهذيب التهذيب" 2/ 220.
5 -
(أبو اليسر) كعب بن عمرو بن عَبّاد بن عمرو بن غَزِيّة بن سَوَاد بن غَنْم بن كعب ابن سلمة الأنصاريّ السلمي، أبو اليسر، وقيل فِي نسبه: غير ذلك، شهد العقبة وبدرا، وهو ابن عشرين سنة، وهو الذي أَسَر العبّاس يومئذ، رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنه ابنه عمار، وموسى بن طلحة بن عبيد الله، وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وعمر ابن الحكم بن رافع، وحنظلة بن قيس الزُّرَقي، وصيفي مولى آل أيوب، وربعي بن حراش، قَالَ أبو حاتم، وغير واحد: مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وقيل: إنه آخر منْ مات منْ أهل بدر رضي الله عنهم، وهو قول ابن إسحاق، وهو بقية الأنصار، وذكر العسكري أنه شهد مع عليّ مشاهده، وأنه مات، وله عشرون ومائة سنة، وفي "المسند" منْ حديثه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بعثه فِي حاجة، فرآه مُوَلِّيًا، فَقَالَ:"اللَّهم أمتعنا به"، فكان منْ آخر الصحابة موتا، وكان إذا حدث بهذا الْحَدِيث بكى، وَقَالَ أُمتعوا بي لعمري، حَتَّى كنت منْ آخرهم. رَوَى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والباقون، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ عبد الله بن سعيد. (ومنها): أن صحابيّه منْ المقلّين منْ الرواية إلا نحو أربعة أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي الْيَسَرِ) كعب بن عمرو رضي الله عنه، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ التَّرَدِّي) أي السقوط منْ مكان مرتفع، نحو جبل، أو السقوط فِي نحو بئر (وَالْهَدْم) بفتح، فسكون: مصدر هدم، منْ باب ضرب، يقال: هدمت الباء: أسقطته، وَالْهَدَم بفتحتين: ما تهدّم: أي أعوذ بك منْ أن يسقط عليّ بناء. قاله فِي "المنهل" 8/ 212. وَقَالَ السندىّ: الهدم بفتح، فسكون: مصدر هدم البناء: نقضه، والمراد أن يُهدم عليّ البناء، عَلَى أنه مصدر مبنيّ للمفعول، أو منْ أن أهدم البناء عَلَى أحد عَلَى أنه مصدر مبنيّ للفاعل. انتهى. (وَالْغَرَقِ) بفتحتين: أي الموت فِي الماء
(وَالْحَرِيقِ) أي منْ الاحتراق فِي النار، وفي رواية أبي داود:"والحرق" بفتحتين، وَقَدْ تسكن راؤه: منْ الإحراق، ويطلق عَلَى النار، أو لهبها (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ) أي يفسد عليّ ديني، وعقلي عند الموت بأن يستولي عليه الشيطان عند مفارقة الدنيا، فيضلّه، ويحول بينه وبين التوبة، ويعوقه عن إصلاح شأنه، والخروج منْ مظلمة تكون قبله، أو يؤيسه منْ رحمة الله تعالى، أو يكره الموت، ويتأسّف عَلَى حياة الدنيا، فلا يرضى بما قضاه الله عليه منْ الفناء، والنقلة إلى دار الآخرة، فيُختم له بالسوء، ويَلقى الله تعالى وهو ساخط عليه. قَالَ الخطابيّ: وَقَدْ رُوي أن الشيطان لا يكون فِي حال أشدّ عَلَى ابن آدم منه فِي حال الموت، يقول لإخوانه: دونكم هَذَا، فإنه إن فاتكم اليوم، لم تلحقوه. نعوذ بالله من شره، ونسأله أن يُبارك لنا في ذلك المَصْرَع، وأن يختم لنا بخير. انتهى
(1)
(وَأَعُوذُ بكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا) أي فارًا منْ صفّ القتال، غير محتال عَلَى العدوّ، أوَ غير متحيّز إلى جماعة المسلمين، أو مدبرًا عن ذكرك، ومقبلاً على غيرك. (وَأَعوذُ بكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا) أي ملدوغًا، فلديغ فعيل بمعنى مفعول، وهو منْ لدغه عقرب، أوَ حيّة، أو غيرهما منْ ذوات السموم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي اليسر رضي الله عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -61/ 5533 و5534 و5535 - وفي "الكبرى" 65/ 7972 و7973 و7974. وأخرجه (د) فِي "الصلاة" 1552 (أحمد) فِي "مسند المكيين" 15097. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب الاستعاذة منْ التردي، والهدم. (ومنها): استحباب الاستعاذة منْ الأشياء المذكورة فِي هَذَا الْحَدِيث، وما أشبهها مما يقلق العبد، ويزعجه. (ومنها): أن استعاذته صلى الله عليه وسلم منْ الهدم، والتردّي، والغرق، والحرق، واللدغ، وإن كَانَ منْ مات بها يموت شهيداً؛ لأنها لقوة وقعها لا يكاد الإنسان يصبر عليها، فربّما ينتهز الشيطان هذه الفرصة، فيضرّه فِي دينه. (ومنها): أن استعاذته صلى الله عليه وسلم منْ أن يموت لديغًا لا تنافي حصول لدغ لا يموت به، فقد رَوَى ابن أبي شيبة أنه صلى الله عليه وسلم لدغته عقرب، وهو يصلي، فَقَالَ:"لعن الله العقرب، لا تدع نبيًا، ولا غيره"،
(1)
"معالم السنن" جـ 2 ص 161.
ثم دعا بماء، وملح، فجعل يمسح عليها أي عَلَى موضع لدغها- ويقرأ قل يا أيها الكافرون، وقيل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب النَّاس"
(1)
. وبه عُرف ما يداوى به لدغ العقرب، وأن منْ لُدغ يتسلّى به صلى الله عليه وسلم، ذكره فِي "المنهل العذب المورود" 8/ 212. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
5534 -
(أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي الْيَسَرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَدْعُو، فَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَرَمِ، وَالتَّرَدِّي، وَالْهَدْمِ، وَالْغَمِّ، وَالْحَرِيقِ، وَالْغَرَقِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى": هو الصدفيّ المصرىّ، ثقة، منْ صغار [10]. و"أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ": هو أبو ضمرة المدنيّ، ثقة [8].
والحديث صحيح، مضى شرحه، وتخريجه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5535 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَيْفِيٌّ، مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ السُّلَمِيِّ، -هَكَذَا قَالَ- كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ، وَالْحَرِيقِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ": هو المعروف بغندر. وقوله: "هكذا قَالَ": القائل هو أبو بكر بن السنيّ، كما بينه الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأشراف"، ونصّه: 8/ 307: هكذا رواه أبو بكر بن السنيّ عن النسائيّ، وهو وَهَمٌ، ورواه غيره عن النسائيّ، فَقَالَ: عن أبي اليسر، وهو الصواب، وكذلك رواه أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ، عن محمد بن المثنّى. انتهى.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
(1)
الْحَدِيث صحيح، أخرجة الطبراني فِي "المعجم الصغير" ص 117 انظر "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني رحمة الله 2/ 80 رقم 548.
62 - (الاِسْتِعَاذَةِ بِرِضَاءِ اللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى)
5536 -
(أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: طَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي فِرَاشِي، فَلَمْ أُصِبْهُ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي عَلَى رَأْسِ الْفِرَاشِ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ، يَقُولُ:"أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ": هو الحافظَ الجوزجانيّ. و"الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ": هو أبو محمد الرقّيّ، فيه لينٌ [9]. و"عُبَيْدُ اللهِ": هو ابن عمرو الرقيّ، ثقة فقيه ربما وهم [8]. و"زَيْد": هو ابن أبي أُنيسة الجزرىّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقه، له أفراد [6]. و"عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ": هو الجمليّ الكوفيّ، ثقة عابد، رمي بالإرجاء [5]. و"الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ": هو القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودىّ الكوفيّ، ثقة عابد [4].
وقولها: "عَلَى أخمص قدميه": يقال: خمِصت القدم خَمَصًا، منْ باب تعب: ارتفعت عن الأرض، فلم تمسّها، فالرجل أخمصُ، والمرأة خَمْصاء، والجمع خُمْصٌ، مثلُ أحمر، وحمراء، وحُمْر؛ لأنه صفة، فإن جمعت القدم نفسها قلت: الأخامص، مثلُ الأفضل والأفاضل؛ إجراء له مُجرى الأسماء، فإن لم يكن بالقدم خَمَصٌ، فهي رَحَّاء براء، وحاء مشدّدة مهملتين، وبالمد. قاله فِي "المصباح".
والحديث أخرجه مسلم وَقَدْ تقدّم فِي "الطهارة" 120/ 169 و"الصلاة" 137/ 1100 ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
63 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أي التحصن بالله تعالى منْ ضيق محل القيام يوم القيامة، والمراد به أهوال يوم القيامة. قاله فِي "المنهل" 5/ 177. والله تعالى أعلم بالصواب.
5537 -
(أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ حَدَّثَهُ، وَحَدَّثَنِى أَزْهَرُ بْنُ سَعِيدٍ، يُقَالُ لَهُ الْحَرَازِيُّ، شَامِيٌّ، عَزِيزُ الْحَدِيثِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَفْتَتِحُ قِيَامَ اللَّيْلِ، قَالَتْ: سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ، كَانَ يُكَبِّرُ عَشْرًا، وَيُسَبِّحُ عَشْرًا، وَيَسْتَغْفِرُ عَشْرًا، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي"، وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ": هو المذكور فِي الباب الماضي. و"زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ": هو أبو الحسين العكليّ الكوفيّ، صدوقٌ يخطىء فِي حديث الثورىّ [9]. و"مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ": هو الحمصىّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ، له أوهام [7]. و"أزهر بن سعيد": هو الحرازىّ الحمصىّ، صدوقٌ [5]. و"عاصم بن حميد": هو السكونيّ الحمصيّ، صدوقٌ، مخضرم [2].
وقوله: "وحدثني أزهر الخ": هو منْ مقول معاوية بن صالح، والتقدير: أن معاوية ابن صالح حدثه، قائلاً: وحدثني أزهر الخ.
وقوله: "يقال له: الحرازىّ الخ": الظاهر أن هَذَا مدرج منْ كلام المصنّف رحمه الله تعالى، أراد به تعريف أزهر بن سعيد. و"الحرازي" -بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الزاي-: نسبة إلى حراز بن عوف بن عدىّ بن مالك بن زيد بن يزيد بن عمرو بن قيس ابن معاوية بن جُشَم، وهو بطن منْ ذي الكلاع، نزل أكثرهم حمص. قاله فِي "اللباب" 1/ 352.
وقوله: "عزيز الْحَدِيث": أي قليل الرواية.
والحديث صحيح، وتقدّم فِي "الصلاة" 9/ 1617 ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
64 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ)
5538 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَعِيدٌ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَخِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن آدم": هو الجهنيّ المصّيصيّ، صدوقٌ [10] منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"أبو خالد": هو سليمان بن حيّان الأحمر الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [8]. و"سعيد": هو المقبرىّ.
وقوله: "سعيد لم يسمعه الخ": يعني أن فِي هَذَا الإسناد إنقطاعَا، وهو أن سَعِيدًا المقبرىّ لم يسمعه منْ أبي هريرة،، وإنما سمعه منْ أخيه عباد بن أبي سعيد، كما أوضحه فِي الرواية التالية.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي 18/ 5469. ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5539 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ يَحْيَى- قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبَّادِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ").
"عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ": هو النسائيّ الثقة الثبت [11] منْ أفراد المصنّف. و"يحيى بن يحيى": هو التميمي، أبو زكريا النيسابورىّ الثقة الثبت الحافظ [10]. 17/ 798. و"الليث بن سعد" هو: الإِمام المصريّ المشهور [7]. و"عباد بن أبي سعيد": هو المقبري، مقبول [3] 18/ 5469.
والحديث صحيح، كما سبق قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
65 - (الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ دُعَاءِ لَا يُسْتَجَابُ)
5540 -
(أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كَانَ إِذَا قِيلَ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: لَا أُحَدِّثُكُمْ إِلاَّ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَنَا بِهِ، وَيَأْمُرُنَا أَنْ نَقُولَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَدَعْوَةٍ لَا تُسْتَجَابُ").
قَالَ الجامع عفا الله تَعالى عنه: رجال هذاَ الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"ابن فضيل": هو محمد. و"عَاصِم بْنِ سُلَيْمَانَ": هو الأحول البصرىّ. و"عبد الله بن الحارث": هو أبو الوليد الأنصارىّ البصريّ، نسيب ابن سيرين الثقة [3].
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم فِي 13/ 5460 ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5541 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ:"بِسْمِ اللَّهِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَزِلَّ، أَوْ أَضِلَّ، أَوْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ"
(1)
).
قَالَ الجَامع عفا اللهَ تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. و"عبد الرحمن": هو ابن مهدىّ. و"سفيان": هو الثورىّ. و"منصور": هو ابن المعتمر.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي 30/ 5488. ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
(1)
قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى فِي "شرحه" 8/ 258: وهذا الدعاء هو ختم بعض النسخ، ونعم الدعاء هو. انتهى.
50 - (كِتَابُ الأَشْرِبَةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المناسبة بين هَذَا الكتاب والذي قبله أن منْ جملة الأشربة الخمر، وهي أم الخبائث، ومنبع الشرور، وأكثر استعاذات النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت منْ أنواع الشرور.
و"الأشربة" -بفتح الهمزة، وكسر الراء-: جمع شراب، وهو ما يُشرب منْ المائعات، وشَرِبته شَرْبًا بالفتح، والاسم الشُّرْبُ بالضمّ، وقيل: هما لغتان، والفاعل شاربٌ، والجمع شاربون، وشَرْبُ، مثلُ صاحب وصَحْب، ويجوز شَرَبَةُ، مثلُ كافر وكَفَرَة. قَالَ السَّرَقُسْطِيّ: ولا يُقال فِي الطائر: شَرِبَ الماء، ولكن يقال: حَسَاه، وَقَالَ ابن فارس فِي مُتَخَيَّرِ الألفاظ: الْعَبُّ شرب الماء منْ غير مصّ. وَقَالَ فِي "البارع": قَالَ الأصمعيّ: يقال فِي الحافر كلِّه، وفي الظِّلْف: جَرَعَ الماءَ يَجْرَعه، وهذا كلهُ يدلّ عَلَى أن الشرب مخصوصٌ بالمصّ حقيقةً، ولكنه يُطلق عَلَى غيره مجازًا. قاله الفيّومىّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
1 - (بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الخمر" -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الميم، آخره راء-: مأخوذة منْ خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة، وكل شيء غَطَّى شيئاً فقد خمره، ومنه:"خَمِّرُوا آنيتكم"، فالخمر تخمر العقل: أي تغطيه وتستره، ومن ذلك الشجر الملتف، يقال له: الْخَمَر -بفتح الميم- لأنه يُغَطِّي ما تحته ويستره، يقال منه: أخمرتِ الأرضُ كَثُر خمرها، قَالَ الشاعر [منْ الوافر]:
أَلَا يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاك سِيرَا
…
فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّرِيقِ
أي سيرا مُدِلِّين، فقد جاوزتما الوَهْدة التي يستتر بها الذئب وغيره. وَقَالَ العجّاج يصف جيشا يمشي برايات وجيوشٌ غيرُ مُستَخفِ [منْ الرجز]:
فِي لَامِعِ الْعِقْبَانِ لَا يَمْشِي الْخَمَرْ
…
يُوَجِّهُ الأَرْضَ وَيَسْتَاقُ الشَّجَرْ
ومنه قولهم: دخل فِي غُمار النَّاس وخُمارهم: أي هو فِي مكان خاف. فلما كانت الخمر تستر العقل، وتغطيه سميت بذلك.، وقيل: إنما سميت الخمرُ خمرا لأنها تُرِكت حَتَّى أَدركت، كما يقال: قد اختمر العجين: أي بلغ إدراكه، وخُمِر الرأيُ: أي تُرِك حَتَّى يتبين فيه الوجه. وقيل: إنما سميت الخمر خمرا؛ لأنها تخالط العقل، منْ المخامرة، وهي المخالطة، ومنه قولهم: دخلت فِي خُمار النَّاس: أي اختلطت بهم،
فالمعانى الثلاثة متقاربة، فالخمر تُركت وخُمِرت حَتَّى أدركت، ثم خالطت العقل، ثم خمرته، والأصل الستر.
والخمر ماء العنب الذي غَلَى، أو طُبخ، وما خامر العقل منْ غيره، فهو فِي حكمه؛ لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام، وإنما ذكر الميسر منْ بينه فجعل كله قياسا عَلَى الميسر، والميسر إنما كَانَ قِمارًا فِي الْجُزُر خاصة، فكذلك كل ما كَانَ كالخمر فهو بمنزلتها.
والجمهور منْ الأمة عَلَى أن ما أسكر كثيره، منْ غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره، والحد فِي ذلك واجب، وَقَالَ أبو حنيفة، والثوريّ، وابن أبى ليلى، وابن شُبْرمة، وجماعة منْ فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره منْ غير خمر العنب فهو حلال، وإذا سَكِر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر، فلا حد عليه، وهذا ضعيف، يَرُدُّه النظر، والخبر عَلَى ما يأتى بيانه، إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: قَالَ بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يَدَعْ شيئاً منْ الكرامة والبر، إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر، فأول ما نزل فِي أمر الخمر آية:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية [البقرة: 219]، ثم بعده:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الآية [النِّساء: 43]، ثم قوله:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة: 91]، ثم قوله:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [المائدة: 90]. ذكره أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" 3/ 51 - 52. والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ اللهُ تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة: 90، 91]).
شرح الآية الكريمة
(قَالَ اللهُ تبارك وتعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر، والميسر، وهو القمار {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء، إذ كانت شهوات وعادات، تَلَبَّسوا بها فِي الجاهلية، وغلبت عَلَى النفوس، فكان نَفِىٌّ
(1)
منها فِي نفوس كثير منْ المؤمنين. قَالَ ابن عطية: ومن هَذَا القبيل هَوَى الزجر بالطير، وأخذ الفأل فِي
(1)
نَفِيّ: أي بقيّةٌ.
الكتب ونحوه، مما يصنعه النَّاس اليوم، وأما الخمر فكانت لم تحرم بعدُ، إنما نزل تحريمها فِي سنة ثلاث، بعد وقعة أحد، وكانت وقعة أحد فِي شوال سنة ثلاث منْ الهجرة.
{إِنَّمَا الْخَمْرُ} تقدّم اشتقاقها، ومعناها ، فِي أول الباب {وَالْمَيْسِرُ} هو قِمار العرب بالأزلام، قَالَ ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما كَانَ الرجل فِي الجاهلية، يُخاطر الرجل عَلَى أهله وماله، فأيهما قَمَر صاحبه ذهب بماله وأهله، فنزلت الآية. وَقَالَ مجاهد، ومحمد بن سيرين، والحسن، وابن المسيب، وعطاء، وقتادة، ومعاوية بن صالح، وطاوس، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وابن عبّاس أيضًا: كل شيء فيه قمار منْ نَرْد، وشطرنج فهو الميسر، حَتَّى لَعِبُ الصبيان بالْجَوْز والكِعَاب
(1)
، إلا ما أبيح منْ الرِّهان فِي الخيل، والقرعة فِي إفراز الحقوق، وَقَالَ مالك: الميسر ميسران: ميسر اللَّهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللَّهو النردُ، والشطرنج، والملاهي كلها، وميسر القمار ما يتخاطر النَّاس عليه. قَالَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: الشطرنج ميسر العجم، وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره منْ العلماء، و"الميسر": مأخوذ منْ اليَسَر، وهو وجوب الشئ لصاحبه، يقال يَسَر لي كذا: إذا وجب فهو
(2)
يَيْسِرَ يَسَرًا ومَيْسِرًا، والياسر: اللاعب بالقِداح، وَقَدْ يَسَر يَيْسِر، قَالَ الشاعر [منْ الكامل]:
فَأَعِنْهُمُ وَايْسِرْ بِمَا يَسَرُون بِهِ
…
وَإِذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكِ فَانْزِلِ
وَقَالَ الأزهرى: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سُمِّي ميسرا؛ لأنه يُجَزّأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر؛ لأنه يُجَزِّىء لحم الجزور، قَالَ: وهذا الأصل فِي الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح، والمتقامرين عَلَى الجزور: ياسرون؛ لأنهم جازرون، إذْ كانوا سببا لذلك. وفي "الصحاح": ويسر القوم الجزور: أي اجتزروها، واقتسموا أعضائها، قَالَ سحيم بن وَثِيل اليربوعيُّ [منْ الطويل]:
أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إِذْ يَيْسِرُونَنِي
…
أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ
كَانَ قد وقع عليه سِباء، فضرب عليه بالسهام، ويقال: يَسَر القوم: إذا قامروا، ورجل يَسَرٌ، وياسر: بمعنى، والجمع أيسار، قَالَ النابغة [منْ البسيط]:
أَنِّي أُتَمِّمُ أَيْسَارِي وَأَمْنَحُهُمْ
…
مَثْنَى الأَيَادِي وَأَكْسُو الْجَفْنَةَ الأَدَمَا
(1)
الكعاب: فصوص النرد.
(2)
هكذا نسخة "تفسير القرطبي" جـ 3 ص 53. ولْيُنظَر.
وَقَالَ طَرَفَةُ:
وَهُمْ أَيْسَاُر لُقْمَانَ إِذَا
…
أَغْلَتِ الشَّتْوَةُ أَبْدَاءَ الْجُزُرْ
وكان منْ تَطَوَّع بنحرها ممدوحا عندهم، قَالَ الشاعر:
وَنَاجِيَةٍ نَحَرْتُ لِقَوْمٍ صِدْقٍ
…
وَمَا نَادَيْتُ أَيْسَارَ الْجُزُرْ
(1)
{وَالْأَنصَابُ} بفتح الهمزة: جمع نُصُب بضمتين: وهو حجر نُصِبَ، وعُبد منْ دون الله، وقيل: النُّصُب جمع، واحدها نِصَابٌ، قيل: هي الأصنام، وقيل: غيرها، فإن الأصنام مصوّرةْ منقوشةٌ، والأنصاب بخلافها. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ فِي "اللسان": قَالَ الجوهري: النَّصْب -أي بفتح، فسكون-: ما نُصب، فعُبد منْ دون الله تعالى، وكذلك النُّصب بالضمّ، وَقَدْ يُحرَك، مثلُ عسُر، قَالَ الأعشى:
وَذَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ
…
لِعَافِيَةٍ وَاللهَ فَاعْبُدَا
وُيُروى عجُزُه:
وَلَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا
وَقَالَ القرطبيّ فِي "تفسيره" 6/ 57: قَالَ ابن فارس: النصب حجر كَانَ يُنصب، فيعبد، وتُصَبّ عليه دماء الذبائح، وهو النَّصْب -بالفتح- أيضاً، والنصائب حجارة تنصب حوالى شفير البئر، فتُجعل عضائدَ، وغُبار منتصبٌ: مرتفع، وقيل: النُّصُب جمع واحده نِصاب، كحمار وحُمُر، وقيل: هو اسم مفرد، والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة وستين حجرا، وَقَالَ مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها. قَالَ ابن جريج: كانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقبل منْ البيت، ويشرحون اللحم، ويضعونه عَلَى الحجارة، فلما جاء الإِسلام قَالَ المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحق أن نعظم هَذَا البيت بهذه الأفعال، فكأنه عليه الصلاة والسلام لم يكره ذلك، فأنزل الله تعالى:{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا} [الحجّ: 37]، ونزلت:{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3]
{وَالْأَزْلَامُ} هي: قداح الميسر، واحدهما زَلَمٌ، وزُلَم، قَالَ:
بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَامٌ كَالزُّلَمْ
وَقَالَ آخر، فجمع:
فَلَئِنْ جَذِيمَة قَتَّلَتْ سَرَواتَهِا .... فَنِسَاؤُهَا يَضْرِبْنَ بِالأَزْلَامِ
(1)
راجع تفسير القرطبيّ "الجامع لأحكام القرآن" 3/ 52 - 53.
وذكر محمد بن جرير، أن ابن وكيع حدثهم، عن أبيه، عن شَرِيك، عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جبير: أن الأزلام حَصّى بِيضٌ، كانوا يضربون بها. قَالَ محمد بن جرير: قَالَ لنا: سفيان بن وكيع: هي الشِّطْرنج، فأما قول لبيد:
تَزِلُّ عَنِ الثَّرَى أَزْلَامُهَا
فَقَالَ: أراد أظلاف البقرة الوحشية، والأزلام للعرب ثلاثة أنواع:
[منها]: الثلاثة التي كَانَ يتخذها كل إنسان لنفسه، عَلَى أحدها: افْعَلْ، وعلى الثاني: لا تفعل، والثالث مهمل، لا شيء عليه، فيجعلها فِي خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء، أدخل يده وهي متشابهة، فإذا خرج أحدها ائتمر، وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جُعشُم، حين أَتبع النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وقت الهجرة، وإنما قيل لهذا الفعل: استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق، وما يريدون، كما يقال: الاستسقاء فِي الاستدعاء للسقي، ونظير هَذَا الذي حرمه الله تعالى قول المنجم: لا تخرج منْ أجل نجم كذا، واخرج منْ أجل نجم كذا، وَقَالَ جل وعز:{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} الآية [لقمان: 34].
[والنوع الثاني]: سبعة قداح، كانت عند هُبَل فِي جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين النَّاس منْ النوازل، كل قدح منها فيه العقل، منْ أمر الديات، وفي آخر "منكم"، وفي آخر "منْ غيركم"، وفي آخر "مُلصَق"، وفي سائرها أحكام المياه، وغير ذلك، وهي التي ضرب بها عبد المطلب عَلَى بنيه، إذ كَانَ نذر نحو أحدهم، إذا كملوا عشرة، الخبر المشهور، ذكره ابن اسحق، وهذه السبعة أيضاً كانت عند كل كاهن، منْ كهان العرب، وحكامهم، عَلَى نحو ما كانت فِي الكعبة عند هُبَل.
[والنوع الثالث]: هو قداح الميسر، وهي عشرة: سبعة منها فيها حُظُوظ، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مُقامرة لهوا ولعبا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين، الْمُعدِم فِي زمن الشتاء، وكَلَب البرد، وتعذر التحرف. وَقَالَ مجاهد: الأزلام هي كعاب فارس والروم، التي يتقامرون بها. وَقَالَ سفيان، ووكيع: هي الشطرنج، فالاستقسام بهذا كله هو طلب القَسْمِ والنصيب، كما بينا، وهو منْ أكل المال بالباطل، وهو حرام، وكل مقامرة بحَمَام، أو بنرد، أو شطرنج، أو بغير ذلك منْ هذه الألعاب، فهو استقسام بما هو فِي معنى الأزلام، حرام كله، وهو ضرب منْ التكهن، والتعرض لدعوى علم الغيب. قَالَ ابن خويزمنداد: ولهذا نهى أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المنجمون عَلَى الطرقات، منْ السهام التي معهم، ورقاع الفأل فِي أشباه ذلك.
وَقَالَ إِلْكِيا الطبري: وإنما نهى الله عنها فيما يتعلق بأمور الغيب، فإنه لا تدري نفس ماذا يصيبها غدا، فليس للأزلام فِي تعريف المغيبات أثر، فاستنبط بعض الجاهلين منْ هَذَا الرد عَلَى الشافعيّ، فِي الإقراع بين المماليك فِي العتق، ولم يعلم هَذَا الجاهل أن الذي قاله الشافعيّ بُنِي عَلَى الأخبار "الصحيحة" وليس مما يعترض عليه بالنهي عن الإستقسام بالأزلام، فإن العتق حكم شرعي، يجوز أن يَجعَل الشرع خروج القرعة عَلَمًا عَلَى إثبات حكم العتق؛ قطعا للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل: إذا فعلت كذا، أو قلت كذا، فذلك يدلك فِي المستقبل عَلَى أمر منْ الأمور، فلا يجوز أن يجعل خروج القداح عَلَمًا عَلَى شيء يتجدد فِي المستقبل، ويجوز أن يُجعَل خروج القرعة عَلَمًا عَلَى العتق؛ قطعا، فظهر افتراق البابين.
[تنبيه]: وليس منْ هَذَا الباب طلب الفَأْلِ، وكان عليه الصلاة والسلام يُعجبه أن يسمع يا راشد، يا نجيح، أخرجه الترمذيّ، وَقَالَ: حديث صحيح غريب، وإنما كَانَ يعجبه الفأل لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة، وبلوغ الأمل، فيحسن الظن بالله عز وجل، وَقَدْ قَالَ:"أنا عند ظن عبدي بي"، وكان عليه السلام: يَكرَه الطيرة؛ لأنها منْ أعمال أهل الشرك، ولأنها تجلب ظن السوء بالله عز وجل، قَالَ الخطّابيّ: الفرق بين الفأل والطيرة: أن الفأل إنما هو منْ طريق حسن الظن بالله، والطيرة إنما هي منْ طريق الاتكال عَلَى شيء سواه. وَقَالَ الأصمعي: سألت ابن عون عن الفأل؟ فَقَالَ: هو أن يكون مريضا، فيسمع يا سالم، أو يكون باغيا، فيسمع يا واجد، وهذا معنى حديث الترمذيّ، وفي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "لا طيرة، وخيرها الفأل"، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قَالَ:"الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم".
{رِجْسٌ} قَالَ ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فِي هذه الآية: "رجس": سخط، وَقَدْ يقال للنَّتْن والعَذِرة والأقذار: رجس، والرجز بالزاي: العذاب لا غير، والركس: العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين. ذكره القرطبيّ.
{مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} أي بحمله عليه، وتزيينه، وقيل: هو الذي كَانَ عمل مبادىء هذه الأمور بنفسه، حَتَّى اقتُدي به فيها. {فَاجْتَنِبُوهُ} قَالَ النسفيّ: الضمير يرجع إلى الرجس، أو إلى عمل الشيطان، أو إلى المذكور، أو إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إما تعاطي الخمر، والميسر، ولذا قَالَ:{رِجْسٌ} .
وَقَالَ القرطبيّ: قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوُه} . يريد: أَبْعِدوه، واجعلوه ناحيةً، فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر، مع نصوص الأحاديث، وإجماع
الأمة، فحصل الاجتناب فِي جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر، ولا خلاف بين علماء المسلمين، أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية منْ آخر ما نزل، وورد التحريم فِي الميتة، والدم، ولحم الخنزير فِي قوله تعالى:{قُلْ لَا أَجِدُ} ، وغيرها منْ الآي خبرًا، وفي الخمر نهيا وزجرًا، وهو أقوى التحريم، وأوكده، رَوَى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: لما نزل تحريم الخمر، مَشَى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعضهم إلى بعض، وقالوا حُرِّمت الخمر، وجُعلت عِدلا للشرك -يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب، وذلك شرك، ثم علق الفلاح بالأمر، فَقَالَ:{لَعَلَكُمْ تُفْلِحُونَ} دلالةَ عَلَى تأكيد الوجوب. قاله القرطبيّ. وَقَالَ النسفيّ: أكد تحريم الخمر، والميسر منْ وجوه: حيث صدّر الجملة بـ"إنما"، وقرنهما بعبادة الأصنام، وجعلهما رجسًا منْ عمل الشيطان، ولا يأتي منه إلا الشرِّ البحت، وأمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب منْ الفلاح، وإذا كَانَ الاجتناب فلاحًا، كَانَ الارتكاب خسارة. انتهى "تفسير النسفيّ" 1/ 300.
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان، إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا، بسبب الخمر وغيره، فحذّرنا منها، ونهانا عنها.
رُوي أن قبيلتين منْ الأنصار شربوا الخمر، وانتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا رأى بعضهم فِي وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس فِي قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول: لو كَانَ أخي بي رحيما ما فعل بي هَذَا، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} الآية.
{وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} يقول: إذا سكرتم لم تذكروا الله، ولم تصلوا، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي رضي الله عنه، ورُوي بعبد الرحمن، وَقَالَ عبيد الله بن عمر: سئل القاسم بن محمد، عن الشطرنج، أهي ميسر، وعن النرد أهو ميسر؟ فَقَالَ: كل ما صد عن ذكر الله، وعن الصلاة فهو ميسر. قَالَ أبو عبيد: تأوّل قوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} .
وَقَالَ النسفيّ رحمه الله تعالى: ذَكَر الله تعالى ما يتولّد منهما منْ الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر، والقمر، وما يؤدّيان إليه منْ الصدّ عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة منْ بين الذكر لزيادة درجتها، كأنه قَالَ، وعن الصلاة خصوصاً، وإنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أوّلاً، ثم أفردهما آخرًا؛ لأن الخطاب مع المؤمنين، وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه منْ شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والألزام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعًا منْ
أعمال أهل الشرك، فكأنه لا مباينة بين عابد الصنم، وشارب الخمر والمقامر، ثم أفردهما بالذكر ليعلم أنهما المقصود بالذكر. انتهى "تفسير النسفيّ" 1/ 300 - 301.
{فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} قَالَ النسفيّ: منْ أبلغ ما يُنهى به، كأنه قيل: قد تُلي عليكم ما فيها منْ أنواع الصوارف، والزواجر، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون، أم أنتم عَلَى ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا، ولم تزجروا. انتهى "تفسير النسفيّ" 1/ 301.
وَقَالَ القرطبيّ: لَمّا عَلِم عمر رضي الله عنه أن هَذَا وعيد شديد زائد عَلَى معنى: "انتهوا"، قَالَ: انتهينا، وأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي فِي سكك المدينة:"ألا إنّ الخمر قد حُرِّمت"، فكُسِرت الدِّنَانُ، وأريقت الخمر، حَتَّى جرت فِي سكك المدينة. انتهى "تفسير القرطبيّ" 6/ 292. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذين الآيتين الكريمتين:
(المسألة الأولى): كَانَ تحريم الخمر بتدريج، ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مُولعين بشربها، وأول ما نزل فِي شأنها:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} الآية [البقرة: 219]: أي فِي تجارتهم فلما نزلت هذه الآية تركها بعض النَّاس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض النَّاس، وقالوا نأخذ منفعتها، ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الآية [النِّساء: 43]: فتركها بعض النَّاس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض النَّاس فِي غير أوقات الصلاة، حَتَّى نزلت:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ} الآية [المائدة: 90] فصارت حراما عليهم، حَتَّى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئاً أشد منْ الخمر، وَقَالَ أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب، فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر، وما ينزل بالناس منْ أجلها، ودعا الله فِي تحريمها، وَقَالَ: اللَّهم بين لنا فِي الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآيات، فَقَالَ عمر: انتهينا انتهينا. وروى أبو داود، عن ابن عبّاس، قَالَ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النِّساء: 43]، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219]، نسختها التي فِي المائدة:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ} [المائدة: 90]، وفي "صحيح مسلم" عن سعد ابن أبي وقاص أنه قَالَ: نزلت فِي آيات منْ القرآن، وفيه قَالَ: وأَتيت عَلَى نفر منْ الأنصار، فقالوا: تعال، نطعمك، ونسقيك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قَالَ: فأتيتهم فِي حَشّ والْحَشّ -البستان، فإذا رأس جَزُور مشوي عندهم، وزِقّ منْ خمر، قَالَ: فأكلت، وشربت معهم، قَالَ:
فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت المهاجرون خير منْ الأنصار، قَالَ: فأخذ رجل لَحْي جمل فضربني به، فجرح أنفي، وفي رواية: ففزره، وكان أنف سعد مفزورا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فأنزل الله تعالى فِيَّ -يعني نفسه- شأن الخمر:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]. ذكره القرطبيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): هذه الأحاديث تدلّ عَلَى أن شرب الخمر، كَانَ إذ ذاك مباحا، معمولا به معروفا عندهم، بحيث لا ينكر، ولا يغير، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقرهم عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، تدلّ عليه آية النِّساء:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النِّساء: 43]، عَلَى ما تقدّم، وهل كَانَ يباح لهم شرب القدر الذي يُسكر؟، حديث حمزة رضي الله عنه ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي عليّ رضي الله عنهما، وجَبّ أسنمتهما، فأخبر عليّ بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى حمزة، فصدر عن حمزة للنبى صلى الله عليه وسلم منْ القول الجافي المخالف لما يجب عليه منْ احترام النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتوقيره وتعزيره، ما يدلّ عَلَى أن حمزة كَانَ قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قَالَ الراوي: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثَمِلٌ، ثم إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم ينكر عَلَى حمزة، ولا عَنّفَه، لا فِي حال سكره، ولا بعد ذلك، بل رجع لما قَالَ حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، عَلَى عقيبيه القهقرَى، وخرج عنه، كما هو فِي "الصحيحين"، وغيرهما.
وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام فِي كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد، لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع منْ كل ما يُذهبه، أو يشوشه، إلا أنه يُحمَل حديث حمزة عدى أنه لم يقصد بشربه السكر، لكنه أسرع فيه فغلبه. والله اعلم. قاله أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): قَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى أيضًا: فَهِمَ الجمهور منْ تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها، وخالفهم فِي ذلك ربيعة، والليث بن سعد، والمزني صاحب الشافعيّ، وبعض المتأخرين منْ البغداديين، والقرويين، فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها، وَقَدْ استدل سعيد بن الحداد القروي عَلَى طهارتها بسفكها فِي طريق المدينة، قَالَ: ولو كِان نجسة لما فَعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولَنَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، كما نَهَى عن التخلي فِي الطرق.
[والجواب]: أن الصحابة فعلت ذلك؛ لأنه لم يكن لهم سُرُوب، ولا آبار يريقونها
فيها، إذ الغالب منْ أحوالهم أنهم لم يكن لهم كُنُف فِي بيوتهم، وقالت عائشة رضي الله عنها: إنهم كانوا يتقذرون منْ اتخاذ الكنف فِي البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب عَلَى الفور، وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر منْ الكثرة بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلها، بل إنما جرت فِي مواضع يسيرة، يمكن التحرز عنها، وهذا مع ما يحصل فِي ذلك منْ فائدة شهرة إراقتها فِي طرق المدينة؛ ليشيع العمل عَلَى مقتضى تحريمها منْ إتلافها، وأنه لا يُنتفع بها، وتتابع النَّاس، وتوافقوا عَلَى ذلك. والله أعلم.
[فإن قيل]: التنجيس حكم شرعي، ولا نص فيه، ولا يلزم منْ كون الشيء محرما أن يكون نجسا، فكم منْ محرم فِي الشرع ليس بنجس. [قلنا]: قوله تعالى: {رِجْسٌ} يدلّ عَلَى نجاستها، فإن الرجس فِي اللسان النجاسة، ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حَتَّى نجد فيه نصا، لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليلة، فأي نص يوجد عَلَى تنجيس البول، والعذرة، والدم والميتة، وغير ذلك، وإنما هي الظواهر، والعمومات والأقيسة. انتهى كلام القرطبيّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله القرطبيّ نظر لا يخفى، إذ استدلاله بقوله:{رِجْسٌ} غير صحيح؛ لأنه يلزمه أن تكون الأنصاب، والأزلام أيضاً نجسًا، ولا قائل به، وأيضاً قوله:"لا يوجد نصّ عَلَى تنجيس البول الخ"، غير صحيح، فقد ثبتت نجاسة البول، والغائط، والميتة بنصوص كثيرة، كحديث:"استنزهوا منْ البول"، وحديث:"أيما إهاب دُبغ، فقد طهر"، وأمره صلى الله عليه وسلم المستحاضة بغسل الدم، وغير ذلك، مما لا يخفى عَلَى منْ يتتبع النصوص.
والحاصل أن القول بنجاسة الخمر محل نظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قوله تعالى: {فَاجْتَبوُهُ} يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا يُنتفَع معه بوجه منْ الوجوه، لا بشرب، ولا بيع، ولا تخليل، ولا مداواة، ولا غير ذلك، وعلى هَذَا تدلّ الأحاديث الواردة فِي الباب، رَوَى مسلم، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فَقَالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل علمت أن الله حرمها؟ " قَالَ: لا، قَالَ: فسار رجلاً، فَقَالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بم ساررته؟ " قَالَ: أمرته ببيعها، فَقَالَ:"إن الذي حرم شربها، حرم بيعها"، قَالَ: ففتح المزادة حَتَّى ذهب ما فيها، فهذا حديث يدلّ عَلَى ما ذكرناه، إذ لو كَانَ فيها منفعة منْ المنافع الجائزة، لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قَالَ فِي الشاة الميتة: "هلا أخذتم إهابها،
فدبغتموه، فانتفعتم به
…
" الْحَدِيث.
[تنبيه]: إنما أهدى هَذَا الرجل الراوية لأنه لم يبلغه الناسخ، وكان متمسكا بالإباحة المتقدمة، فكان ذلك دليلاً عَلَى أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ، كما يقوله بعض الأصوليين، بل ببلوغه، كما دل عليه هَذَا الْحَدِيث، وهو الصحيح؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يوبخه، بل بين له الحكم، ولأنه مخاطب بالعمل بالأول، بحيث لو تركه عصى بلا خلاف، وإن كَانَ الناسخ قد حصل فِي الوجود، وذلك كما وقع لأهل قباء، إذ كانوا يصلون إلى بيت المقدس، إلى أن أتاهم الآتي، فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة. أفاده فِي "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 289 وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد، ولو أجاز تخليلها، ما كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة، حَتَّى يذهب ما فيها؛ لأن الخل مال، وَقَدْ نهى عن إضاعة المال، ولا يقول أحد فيمن أراق خمرا عَلَى مسلم، أنه أتلف له مالاً، وَقَدْ أراق عثمان بن أبي العاص خمرا ليتيم، واستؤذن صلى الله عليه وسلم فِي تخليلها، فَقَالَ: لا، ونهى عن ذلك، ذهب إلى هَذَا طائفة منْ العلماء، منْ أهل الْحَدِيث والرأي، وإليه مال سحنون بن سعيد. وَقَالَ آخرون: لا بأس بتخليل الخمر، ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي، أو غيرها، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والكوفيين. وَقَالَ أبو حنيفة: إن طُرح فيها المسك، والملح، فصارت مُرَبَّى، وتحولت عن حال الخمر جاز، وخالفه محمد بن الحسن فِي المربى، وَقَالَ: لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده.
قَالَ أبو عمر بن عبد البر: احتج العراقيون فِي تخليل الخمر بأبي الدرداء، وهو ما يُروَى عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء منْ وجه ليس بالقوي، أنه كَانَ يأكل المربى منه، ويقول: دبغته الشمس والملح، وخالفه عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص فِي تخليل الخمر، وليس فِي رأي أحد حجة مع السنة، وبالله التوفيق.
وَقَدْ يحتمل أن يكون المنع منْ تخليلها، كَانَ فِي بدء الإِسلام عند نزول تحريمها؛ لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها، إرادة لقطع العادة فِي ذلك، وإذا كَانَ كذلك لم يكن فِي النهي عن تخليلها حينئذ، والأمر بإراقتها ما يمنع منْ أكلها إذا خللت. ورَوَى أشهب عن مالك قَالَ: إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله، وكذلك إن خللَّها مسلم، واستغفر الله، وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكم فِي كتابه، والصحيح ما قاله مالك فِي رواية ابن القاسم، وابن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حَتَّى يجعلها خلا،
ولا يبيعها ، ولكن ليهرقْهَا.
ولم يختلف قول مالك وأصحابه، أن الخمر إذا تخللت بذاتها، أن أكل ذلك الخل حلال، وهو قول عمر بن الخطاب، وقبيصة، وابن شهاب، وربيعة، وأحد قولي الشافعيّ، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 290. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): هذه الآية تْدل عَلَى تحريم اللعب بالنرد، والشطرنج قمارا، أو غير قمار؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها، فَقَالَ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية [المائدة: 90]، ثم قَالَ:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} الآية [المائدة: 91]، فكل لهو دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصَدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراما مثله.
[فإن قيل]: إن شرب الخمر يورث السكر، فلا يقدر معه عَلَى الصلاة، وليس فِي اللعب بالنرد والشطرنج هَذَا المعنى. [قيل له]: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر فِي التحريم، ووصفهما جميعاً بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين النَّاس، ويصدان عن ذكر الله، وعن الصلاة، ومعلوم أن الخمر إن أسكرت، فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله افتراقهما فِي ذلك يمنع منْ التسوية بينهما فِي التحريم ، لأجل ما اشتركا فيه منْ المعاني، وأيضاً فإن قليل الخمر لا يسكر، كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر، ثم كَانَ حراما مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر، وإن كَانَ لا يسكر، وأيضاً فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة المستولية عَلَى القلب مكان السكر، فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر، فتصد بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنرد والشرنج؛ لأنه يغفل ويلهي، فيصد بذلك عن الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5542 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السُّنِّيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا
(1)
الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا
(2)
أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا
(3)
إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ رضى الله عنه، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، قَالَ
(1)
وفي نسخة: "أنبأنا".
(2)
وفي نسخة: "أنبأنا".
(3)
وفي نسخة: "أنبأنا".
عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]، فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ، نَادَى "لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى"، فَدُعِىَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ:{فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، قَالَ عُمَرُ رضى الله عنه: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القائل: أخبرنا أبو بكر الخ هو تلميذ ابن السنّيّ، وهو أحمد بن الحسين الكسّار؛ لأنه المعروف برواية "المجتبى" عنه. و"أبو بكر أحمد ابن محمد ابن السنّيّ" هو صاحب "عمل اليوم والليلة"، وغيره، توفي سنة (364 هـ) وتقدّمت ترجمته فِي مقدمة هَذَا الشرح.
ورجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(أبو داود) سليمان بن سيف الْحَرّانيّ الثقة الحافظ [11] 103/ 136.
2 -
(عُبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقة [9] 72/ 1326.
3 -
(إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة [7] 75/ 1006.
4 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط فِي آخره [3] 38/ 42.
5 -
(أبو ميسرة) عمرو بن شُرَحْبيل الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة عابد مخضرم [2] 180/ 285.
6 -
(عمر) بن الخطّاب بن نُفيل العدويّ الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه 60/ 75. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه، فحرّانيّ. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، وهو إسرائيل، عن أبي إسحاق، وهو منْ أثبت النَّاس فيه. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنّة، وهو الملقّب بالفاروق رضي الله تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنه أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: أي لَمّا قرب نزوده، أو لَمّا أراد الله أن ينزله، وفّق عمر رضي الله عنه لطلبه حَتَّى أنزله بالتدريج المذكور فِي الْحَدِيث، فالتحريم إنما حصل بآية المائدة، ودعاء عمر كَانَ قبل ذلك، فلابدّ منْ تأويل ظاهر الْحَدِيث بما ذكرنا، والمراد بآية البقرة قوله تعالى:{قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} الآية [البقرة: 219]، والمراد بالإثم -والله تعالى أعلم- الضرر، كما يدلّ عليه مقابلته بالمنافع، ولذلك ما فهم الصحابة منها الحرمة. وأما قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} الآية، فلعل المراد نهي منْ له معرفة منْ السكرى فِي الجملة، أو المراد به النهي عن مباشرة أسباب السكر عند قرب الصلاة، لا نهي السكران؛ لأنه لا يفهم، فكيف يُنهَى. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 286 (قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا) أي بيانًا واضحًا لا لبس فيه، ولا عذر لأحد بعده، ولفظ الترمذيّ:"بيان شفاء" بالإضافة (فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي البَقَرَةِ) زاد فِي رواية أبي داود، والترمذيّ:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} الْآيَةُ [البقرة: 219]، (فَدُعِيَ عُمَرُ) رضي الله عنه (فَقُرِئَتْ عَلَيهِ) الآية المذكورة (فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النِّساء: 43]، (فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم) أي مؤذّنه (إِذَا أَقَامَ الصَّلاةَ، نَادَى، لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) ولفظ أبي داود: "ألا لا يقربن الصلاة سكران"(فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي المَائِدَةِ) زاد فِي رواية الترمذيّ: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} إلى قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيهِ، فَلَمَّا بَلَغَ) أي القارىء إلى قراءة قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: انْتَهَينَا انْتَهَينَا) أي كَفَفْنا عن إتيانهما، أو عن طلب البيان الشافي.
قَالَ الطيبيّ رحمه الله تعالى: فنزلت هذه الآية، يعني قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] الآيتين، وفيهما دلائل سعبة عَلَى تحريم الخمر:[أحدها]: قوله: {رِجْسٌ} والرجس هو النجس، وكل نجس حرام. [والثاني]: قوله: {مِنْ عَمَلِ الشِّيْطَانِ} ، وما هو منْ عمله حرام. [والثالث]: قوله: {فَاجْتَنِبُوُه} ، وما أمر الله تعالى باجتنابه، فهو حرام. [والرابع]: قوله: {لَعَلَكُمْ تُفْلِحُونَ} ، وما علق رجاء الفلاح باجتنابه، فالإتيان به حرام. [الخامس]: قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} ، وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين، فهو
حرام. [السادس]: {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91]، وما يصدّ به الشيطان عن ذكر الله، وعن الصلاة، فهو حرام. [والسابع]: قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} معناه انتهوا، وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه، فالإتيان به حرام. انتهى منقولاً منْ "عون المعبود" 10/ 77 وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عمر رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيحٌ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -1/ 5542 - وفي "الكبرى" 1/ 5049. وأخرجه (د) فِي "الأشربة" 3670 (ت) فِي "تفسير القرآن" 3049. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم الخمر. (ومنها): الحكمة البالغة للشارع الحكيم، حيث إنه درّجهم فِي تحريمه عَلَى مراحل؛ لئلا يفاجئوا يما يشقّ عليهم التخلّص منه سريعًا.
(ومنها): موافقة عمر رضي الله عنه لربه فِي نزول هذه الآيات، وله رضي الله عنه موافقات أخرى، وَقَدْ نظم تلك الموافقات الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى، كما هو مذكور فِي "الحاوي للفتاوي" 1/ 377 - 378، حيث قَالَ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لله وَصَلَّى اللهُ
…
عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِي اجْتَبَاهُ
يَا سَائِلي وَالْحَادِثَاتُ تَكْثُرُ
…
عَنِ الَّذِي وَافَقَ فِيهِ عُمَرُ
وَمَا يُرَى أُنْزِلَ فِي الْكِتَابِ
…
مَوَافِقًا لِرَأْيِهِ الصَّوَابِ
خُذْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فِي أَبْيَاتِ
…
مَنْظُومَةٍ تَأمَنُ مِنْ شَتَاتِ
فَفِي الْمَقَامِ وَأُسَارَى بَدْرِ
…
وَآيَتَيْ تَظَاهُرٍ وَسَتْرِ
وَذِكْرِ جِبْرِيلَ لأَهْلِ الْغَدْرِ
…
وَآيَتَينِ أُنْزِلَا فِي الْخَمْرِ
وَآيَةُ الصِّيَامِ فِي حِلِّ الرَّفَثْ
…
وَقَوْلُهُ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ يُبَث
وَقَوْلُهُ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
…
يُحَكِّمُوكَ إِذْ بِقَتْلِ أَفْتَى
وَآيَةٌ فِيهَا لِبَدْرٍ أَوْبَهْ
…
وَلَا تُصَلِّ آيَةٌ فِي التَّوْبَهْ
وَآيَةٌ فِي النُّورِ هَذَا بُهْتَانْ
…
وَآيَةٌ فِيهَا بِهَا الاسْتِئْذَانْ
وَفِي خِتَامِ آيَةٍ فِي الْمُؤْمِنِينْ
…
تَبَارَكَ الله بِحِفْظِ الْمُتَّقِينْ
وَثُلَّةٌ مِنْ فِي صِفَاتِ السَّابِقِينْ
…
وَفِي سَوَاءٌ آيَةُ الْمُنَافِقِينْ
وَعَدَّدُوا مِنْ ذَاكَ نَسْخَ الرَّسْمِ
…
لآيَةٍ قَدْ نَزَلَتْ فِي الرَّجْمِ
وَقَالَ قَوْلاً هُوَ فِي التَّوْرَاةِ قَدْ
…
نَبَّهَهُ كَعْبٌ عَلَيْهِ فَسَجَدْ
وَفِي الأَذَانِ الذِّكْرُ لِلرَّسُولِ .. رَأَيْتُهُ فِي خَبَرٍ مَوْصُولِ
وَفِي الْقُرْآنِ جَاءَ بِالتَّحْقِيقِ
…
مَا هُوَ مِنْ مُوَافِقِ الصِّدِّيقِ
كَقَوْلِهِ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي
…
عَلَيْكُمُ أَعْظِمْ بِهِ مِنْ فَضْلِ
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْمُجَادِلَهْ
…
لَا تَجِدُ الآيَةَ فِي الْمُخَالَلَهْ
نَظَمْتُ مَا رَأَيْتُهُ مَنْقُولَا
…
وَالْحَمْدُ لِلهِ عَلَى مَا أَوْلَى
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
2 - (ذِكْرِ الشَّرَابِ الَّذِي أُهْرِيقَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "أُهريق" بالبناء للمفعول، والهاء ساكنة، ويجوز فتحها، وأصل هذه الكلمة "أُريق"؛ لأنها منْ أراق يُرِيق إرقةً، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: راق الماء والدمُ وغيره رَيْقًا، منْ باب باع انصبّ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبدل الهمزة هاء، فيقال: هِرَاقه، والأصل: هَرْيقه، وزانُ دَحْرَجه، ولهذا تُفتح الهاء منْ المضارع، فيقال: يُهَرِيقه، كما تُفتَح الدال منْ يُدحرجه، وتُفتح منْ الفاعل والمفعول أيضاً، فيقال: مُهَريق، ومُهَراقٌ، قَالَ امرؤ القيس [منْ الطويل]:
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ
…
فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
والأمرُ هَرِقْ ماءك، والأصل هَرْيِق، وزانُ دَحْرِجْ، وَقَدْ يُجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهراقه يُهْرِيقه ساكن الهاء؛ تشبيهًا له بأسطاع يُسطِيع كأن الهمزة زيدت عِوَضًا عن حركة الياء فِي الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خُماسيًّا. انتهى. وَقَدْ تقدّم هَذَا البحث فِي أوائل هَذَا الشرح، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. والله تعالى أعلم بالصواب.
5543 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الْحَيِّ، وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ سِنًّا، عَلَى عُمُومَتِي، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَأَنَا قَائِمٌ عَلَيْهِمْ، أَسْقِيهِمْ مِنْ فَضِيخٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: اكْفَأْهَا، فَكَفَأْتُهَا، فَقُلْتُ لأَنَسٍ: مَا هُوَ؟ قَالَ: الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: كَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
1 -
(سُويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ الملقّب بالشاه، راوية ابن المبارك، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك الحنظليّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ الإِمام الحجة الثبت [8] 32/ 36.
3 -
(سليمان) بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [4] 87/ 107.
4 -
(أنس بن مالك) أبو حمزة الصحابيّ الخادم الشهير رضي الله عنه 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (266) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، رَوَى (2286) حديثًا، وهو آخر منْ مات بالبصرة منْ الصحابة رضي الله عنه، مات سنة (92)(93) وَقَدْ جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سُلَيْمَانَ) بن طرخان (التَّيْمِيِّ) نسبة إلى بني تيم، وليس هو منهم، وإنما نزل فيهم، فنسب إليهم (أَنَّ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَخْبَرَهُمْ) أي أخبر سليمان، ومن معه
(قَالَ: بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الْحَيِّ) أي القبيلة، جمعه أحياء، والمراد جماعة منْ قبيلته (وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ سِنًّا، عَلَى عُمُومَتِي) بدل منْ "الحيّ"، و"العمومة" بالضمّ: كما فِي "القاموس" يكون مصدرًا، ويكون جمع عمّ، والثاني هو المراد هنا، وسمّاهم عمومته؛ لأنه أصغر سنًّا منهم، كما بيّنه هو، ولأن أكثرهم منْ الأنصار، كما سيأتي بيانه. وفي الرواية التالية:"قَالَ: كنت أسقي أبا طلحة، وأبيّ بن كعب، وأبا دُجانة، فِي رهط منْ الأنصار"، وفي رواية للبخاريّ:"كنت أسقي أبا عُبيدة، وأبا طلحة، وأبي بن كعب".
قَالَ فِي "الفتح" 11/ 158: قوله: "كنت أسقي أبا عبيدة": هو ابن الجرّاح، وأبا طلحة هو زيد بن سهل، زوج أم سُليم، أم أنس، وأبي بن كعب، كذا اقتصر فِي هذه الرواية عَلَى هؤلاء الثلاثة، فأما أبو طلحة: فلكون القصة كانت فِي منزله، كما عند البخاريّ فِي "التفسير"، منْ طريق ثابت، عن أنس:"كنت ساقي القوم فِي منزل أبي طلحة"، وأما أبو عبيدة: فلأن النبيّ صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين أبي طلحة، كما أخرجه مسلم منْ وجه آخر، عن أنس رضي الله عنه، وأما أبي بن كعب: فكان كبير الأنصار، وعالمهم. ووقع فِي رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس رضي الله عنه، عند البخاريّ فِي "تفسير المائدة": إني لقائم أسقي أبا طلحة، وفلانا، وفلانا"، كذا وقع بالإبهام، وسَمَّى فِي رواية مسلم منهم أبا أيوب، وعند البخاريّ منْ رواية هشام، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه: "إني كنت لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء"، وأبو دجانة -بضم الدال المهملة، وتخفيف الجيم، وبعد الألف نون-: اسمه سماك بن خَرَشَة -بمعجمتين، بينهما راء مفتوحات- ولمسلم منْ طريق سعيد، عن قتادة نحوه، وسَمَّى فيهم معاذ بن جبل، ولأحمد عن يحيى القطّان، عن حميد، عن أنس: "كنت أسقي أبا عبيدة، وأبي بن كعب، وسهيل بن بيضاء، ونفرا منْ الصحابة، عند أبي طلحة"، ووقع عند عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، وقتادة، وغيرهما، عن أنس: أن القوم كانوا أحد عشر رجلاً.
قَالَ الحافظ رحمه الله: وَقَدْ حصل منْ الطرق التي أوردتها تسمية سبعة منهم، وأبهمهم فِي رواية سليمان التيمي، عن أنس، وهي فِي هَذَا الباب، ولفظه "كنت قائماً عَلَى الحي، أسقيهم عمومتي"، وقوله:"عمومتي" فِي موضع خفض عَلَى البدل منْ قوله: "الحي"، وأطلق عليهم عمومته؛ لأنهم كانوا أسن منه، ولأن أكثرهم منْ الأنصار.
ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه فِي "تفسيره" منْ طريق عيسى بن طهمان، عن أنس: أن أبا بكر وعمر كانا فيهم، قَالَ الحافظ: وهو منكر، مع نظافة سنده، وما أظنه إلا غلطًا، وَقَدْ أخرج أبو نعيم فِي "الحلية" فِي ترجمة شعبة، منْ حديث عائشة، قالت:
"حَرّم أبو بكر الخمر عَلَى نفسه، فلم يشربها فِي جاهلية، ولا إسلام"، ويحتمل إن كَانَ محفوظا أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة فِي ذلك اليوم، ولم يشربا معهم، قَالَ: ثم وجدت عند البزار منْ وجه آخر، عن أنس، قَالَ: "كنت ساقي القوم، وكان فِي القوم رجل يقال له: أبو بكر، فلما شرب قَالَ: تحيي بالسلامة أم بكر الأبيات، فدخل علينا رجل منْ المسلمين، فَقَالَ: قد نزل تحريم الخمر
…
" الْحَدِيث، وأبو بكر هَذَا، يقال له: ابن شغوب، فظن بعضهم أنه أبو بكر الصديق، وليس كذلك، لكن قرينة ذكر عمر تدلّ عَلَى عدم الغلط فِي وصف الصديق، فحصلنا تسمية عشرة، قَالَ: وَقَدْ قدمت فِي غزوة بدر منْ المغازي، ترجمة أبي بكر بن شغوب المذكور، وفي "كتاب مكة" للفاكهي منْ طريق مرسل، ما يشيد ذلك. انتهى "فتح" 11/ 158 - 159.
(إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ) وفي الرواية التالية: "فدخل علينا رجل"، وفي رواية للبخاريّ:"فجاءهم آت". قَالَ الحافظ: لم أقف عَلَى اسمه، ووقع فِي رواية حميد، عن أنس، عند أحمد بعد قوله:"أسقيهم، حَتَّى كاد الشراب يأخذ فيهم"، ولابن مردويه:"حَتَّى أسرعت فيهم"، ولابن أبي عاصم:"حَتَّى مالت رءوسهم، فدخل داخل"، وعند البخاريّ فِي "المظالم" منْ طريق ثابت، عن أنس:"فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مناديا، فنادى"، ولمسلم منْ هَذَا الوجه، فإذا مناد ينادي:"أن الخمر قد حرمت"، وله منْ رواية سعيد، عن قتادة، عن أنس نحوه، وزاد:"فَقَالَ أبو طلحة: اخرج، فانظر ما هَذَا الصوت"، وللبخاريّ فِي "التفسير" منْ طريق عبد العزيز ابن صهيب، عن أنس، بلفظ:"إذ جاء رجل، فَقَالَ: هل بلغكم الخبر، قالوا: وما ذاك؟ قَالَ: قد حرمت الخمر". وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المنادي، ويحتمل أن يكون غيره، سمع المنادي، فدخل إليهم، فأخبرهم. وَقَدْ أخرج بن مردويه، منْ طريق بكر بن عبد الله، عن أنس: قَالَ: لما حُرّمت الخمر، وحلف عليّ أناس منْ أصحابي، وهي بين أيديهم، فضربتها برجلي، وقلت نزل تحريم الخمر"، فيحتمل أن يكون أنس خرج، فاستخبر الرجل، لكن أخرجه منْ وجه آخر: أن الرجل قام عَلَى الباب، فذكر لهم تحريمها، ومن وجه آخر: "أتانا فلان منْ عند نبينا صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"قد حرمت الخمر، قلنا: ما تقول؟، فَقَالَ سمعته منْ النبيّ صلى الله عليه وسلم الساعةَ، ومن عنده أتيتكم".
(وَأَنَا قَائِمٌ عَلَيْهِمْ) أي عَلَى عموته (أَسْقِيهِمْ) يحتمل أن يكون بفتح الهمزة، مضارع سقى ثلاثيًّا، كما فِي قوله تعالى:{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21]، ويحتمل أن يكون بضمها، مضارع أسقى رباعيًّا، كما قوله تعالى:{لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} الآية [الجن: 16](مِنْ فَضِيخ لَهْمْ)
وفي رواية البخاريّ: "منْ فَضيخ زَهْو وتمر": أما الفَضِيخ: فهو -بفاء وضاد، معجمتين، وِزان عظيم-: اسم للبُسْر إذا شُدِخَ
(1)
، ونُبِذ، وأما الزَّهْوُ -فبفتح الزاي، وسكون الهاء، بعدها واو-: وهو البسر الذي يَحمَرّ، أو يَصْفَرُّ قبل أن يترطب، وَقَدْ يُطلق الفضيخ عَلَى خليط البسر والرطب، كما يُطلق عَلَى خليط البسر والتمر، كما فِي الرواية التالية، وكما يطلق عَلَى البسر وحده، وعلى التمر وحده، كما فِي رواية عند البخاريّ، وعند أحمد منْ طريق قتادة، عن أنس:"وما خمرهم يومئذ إلا البسر والتمر، مخلوطين"، ووقع عند مسلم منْ طريق قتادة، عن أنس:"أسقيهم منْ مزادة فيها خليط بسر وتمر".
(فَقَالُوا: اكفَأْهَا) بوصل الهمزة، منْ كفأ، منْ باب نفع: أي اقلب وعاها، ويقال: أكفأ بالهمز أيضاً قَالَ فِي "القاموس": كفأه، كمنعه: صرفه، وكبّه، وقلبَهُ، كأكفأه، واكتفأه. انتهى (فَكَفَأْتُهَا) أي قلبتها. وفي رواية للبخاريّ:"فَقَالَ أبو طلحة: قم يا أنس، فهرقها" -بفتح الهاء، وكسر الراء، وسكون القاف- والأصل: أَرِقها، فأبدلت الهمزة هاء، وكذا قوله:"فهرقتها"، وَقَدْ تستعمل هذه الكلمة بالهمزة والهاء معا، وهو نادر، وَقَدْ تقدّم بسطه فِي "الطهارة"، ووقع فِي رواية ثابت، عن أنس عند البخاريّ فِي "التفسير" بلفظ:"فأرقها"، ومن رواية عبد العزيز بن صهيب، فقالوا:"أرق هذه القلال، يا أنس"، وهو محمول عَلَى أن المخاطب له بذلك أبو طلحة، ورضي الباقون بذلك، فنسب الأمر بالإراقة إليهم جميعا، ووقع فِي "باب إجازة خبر الواحد" منْ البخاريّ منْ رواية أخرى، عن مالك فِي هَذَا الْحَدِيث. "قم إلى هذه الجرار، فاكسرها، قَالَ أنس: فقمت إلى مِهْراس لنا، فضربتها بأسفله، حَتَّى انكسرت"، وهذا لا ينافي الروايات الأخرى، بل يجمع بأنه أراقها، وكسر أوانيها، أو أراق بعضا، وكسر بعضا.
وَقَدْ ذكر ابن عبد البرّ إن إسحاق بن أبي طلحة تفرد عن أنس بذكر الكسر، وأن ثابتا وعبد العزيز بن صهيب وحميدا وعدّ جماعة منْ الثقات، رووا الْحَدِيث بتمامه، عن أنس، منهم منْ طوّله، ومنهم منْ اختصره، فلم يذكروا إلا إراقتها.
و"المهراس" -بكسر الميم، وسكون الهاء، وآخره مهملة- إناء يُتَّخذ منْ صخر، وينقر، وَقَدْ يكون كبيرا كالحوض، وَقَدْ يكون صغيرا بحيث يتأتى الكسر به، وكأنه لم يحضره ما يكسر به غيره، أو كسر بآلة المهراس التي يُدَقّ بها فيه كالهاون، فأطلق اسمه عليها مجازا.
(1)
أي كُسر.
ووقع فِي رواية حميد، عن أنس، عند أحمد:"فوالله ما قالوا حَتَّى ننظر ونسأل"، وفي رواية عْبد العزيز بن صهيب، عند البخاريّ فِي "التفسير" فوالله ما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل"، ووقع عنده فِي "المظالم" فجرت فِي سِكَكِ المدينة": أي طرقها.
وفيه إشارة إلى توارد منْ كانت عنده منْ المسلمين عَلَى إراقتها، حَتَّى جَرَت فِي الأَزِقَّة منْ كثرتها.
قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: تمسكِ بهذه الزيادة بعض منْ قَالَ: إن الخمر المتخذة منْ غير العنب ليست نجسة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نَهَى عن التخلي فِي الطرق، فلو كانت نجسة ما أقرهم عَلَى إراقتها فِي الطرقات، حَتَّى تجري. [والجواب]: أن القصد بالإراقة كَانَ لإشاعة تحريمها، فإذا اشتهر ذلك، كَانَ أبلغ، فتُحتمل أخف المفسدتين لحصول المصلحة العظيمة الحاصلة منْ الاشتهار، ويحتمل أنها إنما أُريقت فِي الطرق المنحدرة بحيث تنصب إلى الأسربة والحشوش، أو الأودية، فتستهلك فيها، ويؤيده ما أخرجه ابن مردويه، منْ حديث جابر بسند جيد، فِي قصة صب الخمر، قَالَ:"فانصبت حَتَّى استنقعت فِي بطن الوادي"، والتمسك بعموم الأمر باجتنابها كاف فِي القول بنجاستها.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بنجاسة الخمر محل نظر، وَقَدْ تقدّم قريبًا هذا البحث، فلا تغفل. والله تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ لِأَنَسٍ) القائل هو سليمان التيمي (مَا هُوَ؟) وفي رواية البخاريّ: "ما شرابهم؟ "(قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ) أي كَانَ شرابهم مخلوطًا منْ البسر والتمر، وفي رواية البخاريّ: قَالَ: "رُطبٌ وبسر"، و"الْبُسْر" بضم، فسكون-: قَالَ ابن فارس: البسر منْ كلّ شيء: الْغَضّ، ونباتٌ بُسْرٌ: أي طَرِيّ. انتهى "المصباح". وَقَالَ فِي "القاموس": البسر: التمر قبل إرطابه، والبُسْرة واحدتها، وتضم السين. انتهى. (قَالَ أبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك الأنصاريّ، ثقة منْ [4] منْ رجال مسلم، والمصنّف، وأبي داود فِي "المراسيل"(كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَومَئِذِ) بنصب "خمرهم" خبرًا لـ"كَانَ"، واسمها ضمير يعود إلى ما ذُكر منْ البسر والتمر (فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ) المعنى: أن أبا بكر بن أنس كَانَ حاضرا عند أنس رضي الله عنه لَمّا حدثهم، فكأن أنسا حينئذ لم يحدثهم بهذه الزيادة، إما نسينا، وإما اختصارًا، فذكّره بها ابنه أبو بكر، فأقره عليها، وَقَدْ ثبت تحديث أنس رضي الله عنه بها كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
زاد فِي رواية البخاريّ: "وحدّثني بعض أصحابي أنه سمع أنس بن مالك يقول: كانت خَمْرَهم يومئذ".
قَالَ فِي "الفتح" 11/ 158: والقائل "وحدّثني" هو سليمان التيمي أيضاً، وهو موصول بالسند المذكور، وَقَدْ أفرد مسلم هذه الطريق، عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، قَالَ: حدثني بعض منْ كَانَ معي، أنه سمع أنسا يقول:"كَانَ خمرهم يومئذ"، فيحتمل أن يكون أنس حدث بها حينئذ، فلم يسمعه سليمان، أو حدث بها فِي مجلس آخر، فحفضها عنه الرجل الذي حدث بها سليمان، وهذا المبهم يحتمل أن يكون هو قتادة، فقد أخرجه البخاريّ أيضاً منْ طريقه، عن أنس، بلفظ:"وإنا نَعُدّها يومئذ الخمر".
ويحتمل أن يكون هو بكر بن عبد الله المزني، فقد أخرج البخاريّ منْ طريق سعيد ابن عُبيد الله، عن بكر بن عبد الله المزنيّ، أن أنس بن مالك حدّثهم "أن الخمر حُرّمت، والخمر يومئذ البسر والتمر". وأخرجه الإسماعيلى منْ طريق رَوْح بن عُبادة، عن سعيد بن عبيد الله بهذا السند مطولاً، ولفظه:"عن أنس: نزل تحريم الخمر، فدخلت عَلَى أناس منْ أصحابي، وهي بين أيديهم، فضربتها برجلي، فقلت: انطلقوا فقد نزل تحريم الخمر، وشرابهم يومئذ البسر والتمر"، وهذا الفعل منْ أنس رضي الله عنه كأنه بعد أن خرج، فسمع النداء بتحريم الخمر، فرجع فأخبرهم. ووقع عند ابن أبي عاصم، منْ وجه آخر، عن أنس:"فأراقوا الشراب، وتوضأ بعض، واغتسل بعض، وأصابوا منْ طيب أم سليم، وأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقرأ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية. ذكره فِي "الفتح" 11/ 160 - 161. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -2/ 5543 و5544 و5545 - وفي "الكبرى" 2/ 5050 و5051 و5052. وأخرجه (خ) فِي "المظالم والغصب" 2464 و"التفسير" 4617 و4620 و"الأشربة" 5580 و5582 و5584 و5600 و5622 و"أخبار الآحاد" 7253 (م) فِي "الأضاحي" 1977 و1980 و1981 (د) فِي "الأشربة" 3673 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 12458 و12477 و13561 و12862 و12963 (الموطأ) فِي "الأشربة" 1599 (الدارمي) فِي "الأشربة" 1997. والله تعالى اعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الشراب الذي أهريق، بسبب تحريم الخمر، وهو ما كَانَ منْ البسر والتمر. (ومنها): أن هَذَا الْحَدِيث منْ أقوى الحجج عَلَى أن الخمر اسم جنس لكل ما يُسكر، سواء كَانَ منْ العنب، أو منْ نقيع الزبيب، أو التمر، أو العسل، أو غيرهما، وأما دعوى بعضهم: أن الخمر حقيقة فِي ماء العنب، مجاز فِي غيره، فإن سُلِّم فِي اللغة، لزم منْ قَالَ به جواز استعمال اللفظ الواحد فِي حقيقته ومجازه، والكوفيون لا يقولون بذلك. انتهى. وأما منْ حيث الشرع، فالخمر حقيقة فِي الجميع؛ لثبوت حديث:"كُلُّ مسكر خمر"، فمن زعم بأنه جمع بين الحقيقة والمجاز فِي هَذَا اللفظ، لزم أن يجيزه، وهذا ما لا انفكاك لهم عنه.
(ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى أن شرب الخمر كَانَ مباحا، لا إلى نهاية، ثم حرمت، وقيل: كَانَ المباح الشرب، لا السكر المزيل للعقل، وحكاه أبو نصر بن القشيري فِي "تفسيره" عن القفال، ونازعه فيه، وبالغ النوويّ فِي "شرح مسلم"، فَقَالَ: ما يقوله بعض منْ لا تحصيل عنده: إن السكر لم يزل محرما باطل، لا أصل له، وَقَدْ قَالَ الله تعالى:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النِّساء: 43]، فإن مقتضاه وجود السكر، حَتَّى يصل إلى الحد المذكور، ونهوا عن الصلاة فِي تلك الحالة، لا فِي غيرها، فدل عَلَى أن ذلك كَانَ واقعا، ويؤيده قصة حمزة، والشارفين كما بُيّن فِي محلّه، وعلى هَذَا، فهل كانت مباحة بالأصل، أو بالشرع، ثم نسخت، فيه قولان للعلماء: والراجح الأول.
(ومنها): أنه استُدلّ به عَلَى أن المتخذ منْ غير العنب، يسمى خمرًا، وسيأتي البحث فِي ذلك قريبًا فِي باب "إثبات اسم الخمر لكل مسكر منْ الأشربة"، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به عَلَى أن السَّكَر المتخذ منْ غير العنب، يحرم شرب قليله كما يحرم شرب القليل منْ المتخذ منْ العنب، إذا أسكر كثيره؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم فهموا منْ الأمر باجتناب الخمر تحريم ما يُتخذ للسكر منْ جميع الأنواع، ولم يستفصلوا، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء منْ الصحابة والتابعين، وخالف فِي ذلك الحنفية، ومن قَالَ بقولهم منْ الكوفيين، فقالوا: يحرم المتخذ منْ العنب، قليلاً كَانَ أو كثيرا، إلا إذا طُبخ عَلَى تفصيل سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فإنه يَحِلُّ، وَقَدْ انعقد الإجماع عَلَى أن القليل منْ الخمر، المتخذ منْ العنب يحرم قليله وكثيره، وعلى أن العلة فِي تحريم قليله كونه يدعو إلى تناول كثيره، فيلزم ذلك منْ فرق فِي الحكم بين المتخذ منْ العنب وبين المتخذ منْ غيرها، فَقَالَ فِي المتخذ منْ العنب: يحرم القليل منه والكثير، إلا إذا طُبخ كما سيأتي بيانه، وفي المتخذ منْ غيرها لا يحرم منه إلا القدر الذي يُسْكِر، وما دونه لا
يحرم، ففرقوا بينهما بدعوى المغايرة فِي الاسم، مع اتحاد العلة فيهما، فإن كلّ ما قدر فِي المتخذ منْ العنب يقدر فِي المتخذ منْ غيرها. قَالَ القرطبيّ: وهذا منْ أرفع أنواع القياس لمساواة الْفَرَع فيه للأصل فِي جمع أوصافه، مع موافقته فيه؛ لظواهر النصوص الصحيحة. والله أعلم.
قَالَ الشافعيّ: قَالَ لي بعض النَّاس: الخمر حرام، والسكر منْ كل شراب حرام، ولا يحرم المسكر منه حَتَّى يُسكر، ولا يحد شاربها، فقلت: كيف خالفت ما جاء به عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم عن عمر، ثم عن عليّ، ولم يقل أحد منْ الصحابة خلافه؟ قَالَ: وروينا عن عمر، قلت: فِي سنده مجهول عنده فلا حجة فيه، قَالَ البيهقي: أشار إلى رواية سعيد بن ذي لعوة أنه شرب منْ سطيحة لعمر، فسكر فجلده عمر، قَالَ: إنما شربت منْ سطيحتك، قَالَ أضربك عَلَى السكر، وسعيد قَالَ البخاريّ وغيره: لا يعرف. قَالَ: وَقَالَ بعضهم سعيد بن ذي حدان، وهو غلط، ثم ذكر البيهقي الأحاديث التي جاءت فِي كسر النبيذ بالماء، منها: حديث همام بن الحارث، عن عمر، أنه كَانَ فِي سفر، فأُتى بنبيذ، فشرب منه، فقطب، ثم قَالَ: إن نبيذ الطائف له عُرام -بضم المهملة، وتخفيف الراء- أي شِدَّة، ثم دعا بماء، فصبه عليه، ثم شرب، وسنده قوي، وهو أصح شيء ورد فِي ذلك، وليس نصا فِي إنه بلغ حد الإسكار، فلو كَانَ بلغ حد الإسكار، لم يكن صب الماء عليه مزيلا لتحريمه.
وَقَدْ اعترف الطحاوي بذلك، فَقَالَ: لو كَانَ بلغ التحريم لكان لا يحل، ولو ذهبت شدته بصب الماء، فثبت أنه قبل أن يصب عليه الماء كَانَ غير حرام.
قَالَ الحافظ: وإذا لم يبلغ حد الإسكار فلا خلاف فِي إباحة شرب قليله وكثيره، فدل عَلَى أن تقطيبه لأمر غير الإسكار، قَالَ البيهقي: حَمْلُ هذه الأشربة عَلَى أنهم خَشُوا أن تتغير، فتشتد، فجوزوا صب الماء فيها؛ ليمتنع الاشتداد أولى منْ حَمْلِها عَلَى أنها كانت بلغت حد الإسكار، فكان صب الماء عليها لذلك؛ لأن مزجها بالماء لا يمنع إسكارها إذا كانت قد بلغت حد الإسكار.
ويحتمل أن يكون سبب صب الماء كون ذلك الشراب، كَانَ حمض، ولهذا قطب عمر لما شربه، فقد قَالَ نافع: والله ما قطب عمر وجهه لأجل الإسكار حين ذاقه، ولكنه كَانَ تخلل، وعن عتبة بن فرقد قَالَ: كَانَ النبيذ الذي شربه عمر قد تخلل، وهذا الثاني أخرجه النسائيّ 48/ 5709 - بسند صحيح. وروى الأثرم عن الأوزاعي، وعن العمري، أن عمر إنما كسره بالماء؛ لشدة حلاوته.
قَالَ الحافظ: ويمكن الحمل عَلَى حالتين: هذه لما لم يقطب حين ذاقه، وأما عندما
قطب فكان لحموضته.
واحتج الطحاوي لمذهبم أيضاً بما أخرجه منْ طريق النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود، فِي قوله:"كل مسكر حرام"، قَالَ: هي الشربة التي تُسكر. وتُعُقّب بأنه ضعيف؛ لأنه تفرد به حجاج بن أرطاة، عن حماد بن أبي سليمان، عن النخعي، وحجاج ضعيف، وهو مدلس أيضاً، قَالَ البيهقي: ذُكر هَذَا لعبد الله بن المبارك، فَقَالَ: هَذَا باطل، وروى بسند له صحيح، عن النخعي، قَالَ: إذا سَكِر منْ شراب لم يحل أن يعود فيه أبدا، وهذا أيضاً عند النسائيّ 57/ 5749 - بسند صحيح ثم رَوَى النسائيّ 57/ 5753 - ، عن ابن المبارك: قَالَ ما وجدت الرخصة فيه منْ وجه صحيح، إلا عن النخعي منْ قوله، وأخرج النسائيّ "الكبرى" 3/ 237، والأثرم منْ طريق خالد بن سعد، عن أبي مسعود، قَالَ: عطش النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يطوف، فأُتي بنبيذ منْ السقاية، فقطّب، فقيل أحرام هو؟ قَالَ:"لا، عليّ بذنوب منْ ماء زمزم، فصب عليه، وشرب"، قَالَ الأثرم: احتج به الكوفيون لمذهبهم، ولا حجة فيه؛ لأنهم متفقون عَلَى أن النبيذ إذا اشتد بغير طبخ، لا يحل شربه، فإن زعموا أن الذي شربه النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ منْ هَذَا القبيل، فقد نسبوا إليه أنه شرب المسكر، ومعاذ الله منْ ذلك، وإن زعموا أنه قطب منْ حموضته، لم يكن لهم فيه حجة؛ لأن النقيع ما لم يشتد، فكثيره وقليله حلال بالاتفاق.
قَالَ الحافظ: وَقَدْ ضعف حديث أبي مسعود المذكور النسائيّ، وأحمد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم؛ لتفرد يحيى بن يمان برفعه، وهو ضعيف، ثم رَوَى النسائيّ عن ابن المبارك، قَالَ: ما وجدت الرخصة فيه منْ وجه صحيح، إلا عن النخعي منْ قوله. ذكره فِي "الفتح" 11/ 161 - 163 وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5544 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَأُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ، وَأَبَا دُجَانَةَ، فِي رَهْطٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، فَقَالَ: حَدَثَ خَبَرٌ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَكَفَأْنَا، قَالَ: وَمَا هِيَ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ الْفَضِيخُ، خَلِيطُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، قَالَ: وَقَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَإِنَّ عَامَّةَ خُمُورِهِمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
شيخه، كما سبق فِي السند الماضي.
وقوله: "وأبا دجانة" بضم الدال المهملة، وتخفيف الجيم- هو سماك بن خَرَشَة، وقيل: ابن أوس بن خَرَشة، متّفقٌ عَلَى شهوده بدرًا، وعلى أنه استُشهد باليمامة. وأسند ابن إسحاق منْ طريق يزيد بن السكن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما التحم القتال، ذَبّ عنه مصعب بن عمير -يعني يوم أحد- حَتَّى قُتل، وأبو دجانة سماك بن خَرَشة، حَتَّى كثرت فيه الجراحة، وقيل: إنه ممن شارك فِي قتل مسيلمة. وثبت ذكره فِي "صحيح مسلم" منْ طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أخذ سيفا يوم أحد، فَقَالَ:"منْ يأخذ هَذَا السيف بحقه؟ "، فأخذه أبو دجانة، ففلق به هام المشركين. وأخرج الدُّولابي فِي "الكنى" منْ طريق عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قَالَ: قَالَ الزبير بن العوام: عرض النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد سيفا، فَقَالَ:"منْ يأخذ هَذَا السيف بحقه؟ "، فقام أبو دجانة، سماك بن خرشة، فَقَالَ: أنا فما حقه؟ قَالَ: لا تقتل به مسلما، ولا تَفِرُّ به منْ كافر. قاله فِي "الإصابة" 11/ 112.
وقوله: "فِي رهط" -بفتح، فسكون-: ما دون عشرة منْ الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح منْ فتحها، وهو جمع لا واحد له منْ لفظه. وقيل: الرهط منْ سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر. وَقَالَ أبو زيد: الرهط، والنفر: ما دون العشرة منْ الرجال. وَقَالَ ثعلب أيضاً: الرهط، والنفر، والقوم، والْمَعْشر، والْعَشيرة: معناهم الجمع، لا واحد لهم منْ لفظهم، وهو للرجال، دون النِّساء. وَقَالَ ابن السكّيت: الرهط، والعشيرة بمعنى. ويقال: الرهط: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ فِي "كتاب الضاد والظاء"، ونقله ابن فارس أيضًا. ورهط الرجل قومه، وقبيلته الأقربون. انتهى "المصباح المنير".
وقوله: "حدث خبر": أي استجدّ أمر منْ أمور التشريع، وقوله:"نزل تحريم الخمر" مستأنف استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، كأن قائلا قَالَ: وما هو الخبر الحادث، فأجاب بقوله: نزل تحريم الخمر.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5545 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، وَإِنَّهُ لَشَرَابُهُمُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ).
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد منْ رباعيّات المصنّف، كما سبق أول الباب، وهو (267) منْ رباعيات الكتاب.
وقوله: "وإنه" الضمير للشأن. والحديث صحيحٌ، وهو بهذا السياق منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
3 - (اسْتِحْقَاقِ الْخَمْرِ لِشَرَابِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ)
أي هَذَا باب ذكر الْحَدِيث الدالّ عَلَى أنّ الشراب المتّخذ منْ البسر والتمر يستحقّ أن يُسمّى خمرًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
5546 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ- قَالَ" "الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ: خَمْرٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الله": هو ابن المبارك. و"محارب -بضم أوله، بصيغة اسم الفاعل- ابن دثار" بكسر الدال المهملة، وتخفيف المثلّثة-: هو السدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [4] 16/ 652.
وقوله: "البسر والتمر خمر"، وفي الرواية التالية:"الزبيب والتمر هو الخمر": معناه أن ما انتُبِذ منْ النوعين داخل فِي مسمّى الخمر الكاملة التي تتناولها آية الخمر، كما تتناول ما انتُبذ منْ نوع واحد.
حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هَذَا موقوف صحيحٌ، وَقَدْ يأتي بعد حديث منْ طريق الأعمش مرفوعًا، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -3/ 5546 و5547 وفي "الكبرى" 3/ 5053 و5055. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5547 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ خَمْرٌ". رَفَعَهُ الأَعْمَشُ).
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سفيان": هو الثورىّ. والحديث موقوف صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه فِي الذي قبله.
وقوله: "رفعه الأعمش": يعني أن الأعمش خالف شعبة وسفيان فرفع الْحَدِيث، كما بيّن ذلك بقوله:
5548 -
(أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ هُوَ الْخَمْرُ").
قَالَ الجَامع عفا الله تعالى عنه: "الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا": هو الطحّان الكوفيّ، ثقة [11] 8/ 410. و"عبيد الله": هو ابن موسى بن أبي المحْتار باذام الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقة يتشيّع [9] 72/ 1326. و"شيبان": هو ابن عبد الرحمن التيميّ مولاهم النحويّ، أبو معاية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة [7] 13/ 347.
وقوله: "هو الخمر": أي الكامل فِي كونه خمرًا، وليس المراد الحصر، بل المراد بيان تناول آية الخمر له، كما تتناول المتّخذ منْ أحد النوعين.
والحديث مرفوع صحيح؛ تفرد به المصنّف، كما سبق بيانه.
[فإن قلت]: خالف الأعمش فِي رفعه شعبة وسفيان، فيكون شاذًّا.
[قلت]: لم ينفرد به الأعمش، بل تابعه فِي رفعه قيس بن الربيع، فقد أخرجه الطبرانيّ فِي "المعجم الكبير"(1761) منْ طريق قيس بن الربيع، عن محارب بن دثار، عن جابر رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ:"البسر والتمر خمر"
(1)
، وقيس، وإن تُكُلّم فيه، إلا أنه يصلح للمتابعات، وأيضاً لا تنافي بين الرفع والوقف فِي مثل هَذَا؛ إذ يُجمع بأن المرفوع مرويّ جابر رضي الله عنه، والموقوف فتواه.
والحاصل أن الْحَدِيث مرفوعًا وموقوفاً صحيح. والله تعالى اعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
(1)
راجع "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني رحمه الله تعالى 4/ 495496 رقم 1875.
4 - (نَهْيُ الْبَيَانِ عَنْ شُرْبِ نَبِيذِ الْخَلِيطَيْنِ الرَّاجِعَةِ إِلَى بَيَانِ الْبَلَحِ وَالتَّمْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ترجمة معظم نسخ "المجتبى"، ووقع فِي بعضها بلفظ:"إلى إنباذ البلح والتمر" بدل "بيان البلح"، والإنباذ مصدر أنبذ، يقال: نبذه، وأنبذه، وانتبذه، ونبّذه، قاله فِي "القاموس".
والذي يظهر لي أن فيها تحريفًا، والصواب:"بيان النهي عن شرب نبيذ الخليطين، الراجع إلى انتباذ الْبَلَح والتمر". فقوله: "الراجع" صفة لـ"نبيذ"، والمعنى: هَذَا باب ذكر الْحَدِيث الدّالّ عَلَى بيان النهي عن شرب نبيذ الخليطين الذي يرجع خلطه إلى خلط الْبَلَح والتمر.
ولفظ ترجمة "الكبرى" 3/ 204 - : "ذكر النهي الثابت عن شرب نبيذ الخليطين الراجعة إلى ثمار النخل والتمر" 4 - "البلح والثمر" ثم أورد حديث الباب.
و"الْبَلَحُ " -بفتحين-: هو أول ما يُرطب منْ البسر، واحده بَلَحة -بفتحتين أيضاً.
[تنبيه]: ترجم الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، فَقَالَ:"باب منْ رأى أن لا يَخلِط البسر والتمر، إذا كَانَ مسكرا، وأن لا يَجعلَ إدامين فِي إدام".
قَالَ فِي "الفتح": قَالَ ابن بطال: قوله: "إذا كَانَ مسكرا" خطأ؛ لأن النهي عن الخليطين عامّ، وإن لم يسكر كثيرهما؛ لسرعة سريان الإسكار إليهما منْ حيث لا يشعر صاحبه به، فليس النهي عن الخليطين؛ لأنهما يسكران حالاً، بل لأنهما يسكران مآلاً، فإنهما إذا كانا مسكرين فِي الحال، لا خلاف فِي النهي عنهما. قَالَ الكرماني: فعلى هَذَا فليس هو خطأً، بل يكون أطلق ذلك عَلَى سبيل المجاز، وهو استعمال مشهور. وأجاب ابن المنير: بأن ذلك لا يَرِدُ عَلَى البخاريّ، إما لأنه يرى جواز الخليطين قبل الإسكار، وإما لأنه ترجم عَلَى ما يطابق الْحَدِيث الأول، وهو حديث أنس رضي الله عنه، فإنه لا شك أن الذي كَانَ يسقيه القومَ حينئذ كَانَ مسكرا، ولهذا دخل عندهم فِي عموم النهي عن الخمر، حَتَّى قَالَ أنس:"وانا لنَعُدُّها يومئذ الخمر"، فدل عَلَى أنه كَانَ مسكرا.
قَالَ: وأما قوله: "وأن لا يجعل إدامين فِي إدام"، فيطابق حديث جابر، وأبي قتادة، ويكون النهي معللا بعلل مستقلة، إما تحقيق إسكار الكثير، وإما توقع الإسكار بالخلط سريعا، وإما الإسراف والشَّرَهُ، والتعليل بالاسراف مبين فِي حديث النهي عن قران التمر.
قَالَ الحافظ: والذي يظهر لي أن مراد البخاريّ بهذه الترجة الرد عَلَى منْ أَوّل النهي عن الخليطين بأحد تأويلين: [أحدهما]: حمل الخليط عَلَى المخلوط، وهو أن يكون نبيذ تمر وحده مثلا قد اشتد، ونبيذ زبيب وحده مثلا قد اشتد، فيخلطان ليصيرا خلا، فيكون النهي منْ أجل تعمد التخليل، وهذا مطابق للترجمة منْ غير تكلف. [ثانيهما]: أن يكون علة النهي عن الخلط الإسرافُ فيكون كالنهي عن الجمع بين إدامين، ويؤيد الثاني قوله فِي الترجمة:"وأن لا يجعل إدامين فِي إدام"، وَقَدْ حكى أبو بكر الأثرم عن قوم: أنهم حملوا النهي عن الخليطين عَلَى الثاني، وجعلوه نظير النهي عن الْقِرَانِ بين التمر كما تقدّم فِي الأطعمة، قالوا: فإذا ورد النهي عن القِرَان بين التمرتين، وهما منْ نوع واحد، فكيف إذا وقع القِران بين نوعين، ولهذا عبر البخاريّ بقوله:"منْ رأى"، ولم يجزم بالحكم.
وَقَدْ نصر الطحاوي مَن حمل النهي عن الخليطين عَلَى منع السرف، فَقَالَ: كَانَ ذلك لما كانوا فيه منْ ضيق العيش، وساق حديث ابن عمر فِي النهي عن القران بين التمرتين، وتُعُقّب بأن ابن عمر أحد منْ رَوَى النهي عن الخليطين، وكان ينبذ البسر، فإذا نظر إلى بسرة فِي بعضها ترطيب قطعه؛ كراهة أن يقع فِي النهي، وهذا عَلَى قاعدتهم يُعتمد عليه؛ لأنه لو فهم أن النهي عن الخليطين كالنهي عن القرآن لما خالفه، فدل عَلَى أنه عنده عَلَى غيره.
ثم أورد البخاريّ حديث أنس رضي الله عنه الذي تقدّم شرحه فِي الباب الماضي، وفيه أنه سقاهم خليط بسر وتمر، فدل عَلَى أن المراد بالنهي عن الخليطين، ما كانوا يصنعونه قبل ذلك منْ خلط البسر بالتمر، ونحو ذلك؛ لأن ذلك عادة يقتضى إسراع الإسكار، بخلاف المنفردين، ولا يمكن حمل حديث أنس رضي الله عنه هَذَا فِي الخليطين عَلَى ما ادّعاه صاحب التأويل الأول، وحَمْلُ علة النهي لخوف الإسراع أظهرُ منْ حملها عَلَى الإسراف؛ لأنه لا فرق بين نصف رطل منْ تمر، ونصف رطل منْ بسر، إذا خلطا مثلاً، وبين رطل منْ زبيب صِرْفٍ، بل هو أولى لقلة الزبيب عندهم، إذ ذاك بالنسبة إلى التمر والرُّطَب، وَقَدْ وقع الإذن بأن يُنبَذَ كلُّ واحد عَلَى حِدة، ولم يفرق بين قليل وكثير، فلو كانت العلة الإسرافَ لما أطلق ذلك.
وحكى الطحاوي فِي "اختلاف العلماء" عن الليث، قَالَ: لا أرى بأسا أن يُخلط نبيذ التمر ونبيذ الزبيب، ثم يشربان جميعاً، وإنما جاء النهي أن يُنبذا جميعاً ثم يشربا؛ لأن أحدهما يشتد به صاحبه. انتهى "فتح" 11/ 195 - 196. والله تعالى أعلم بالصواب.
5549 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الْبَلَحِ وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبت [11] 72/ 88.
2 -
(عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [9] 42/ 49.
3 -
(شعبة) بن الحجّاج، أبو بسطام البصريّ الإِمام الحجة الثبت [7] 24/ 27.
4 -
(الحكم) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [5] 86/ 104.
5 -
(ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [2] 86/ 104.
6 -
(رجل منْ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم) رضي الله تعالى عنه، لم يُسمّ. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) لم يسمّ، ولكن جهالة الصحابيّ لا تضرّ؛ لأنهم كلهم عُدُول (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الْبَلَحِ) قَالَ فِي "القاموس": محرّكة بين الْخَلَال والبسر. وَقَالَ فِي "المصباح": الْبَلَحُ: ثمر النخل ما دام أخضر، قريبا إلى الاستدارة إلى أن يغلُظ النوى، وهو كالْحِصْرِم
(2)
منْ العِنب، وأهل البصرة يُسمّونه الْخَلَال، الواحدة بَلَحَةٌ، وخَلَالَةٌ، فإذا أخذ فِي الطول، والتلوّن إلى الحمرة، أو الصفرة، فهو بُسْر، فإذا خَلَص لونه، وتكامل إرطابه، فهو الزَّهْو. انتهى (وَالتَّمْرِ) معروف يذكر فِي لغة، ويؤنّث
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
"الحِصرِم" بكسر الحاء المهملة، وسكون الصاد، وكسر الراء: أول العنب ما دام حامضًا، وحِصرِم كل شيء: حشفه. انتهى "مصباح"
فِي لغة، فيقال: هو التمر، وهي التمر (وَالزَّبِيبِ) معروفٌ، وهو اسم جمع يذكّر ويؤنّث، فيقال: هو الزبيب، وهي الزبيب، الواحدة زبيبه، قاله فِي "المصباح" (وَالتَّمْرِ) ومعنى الْحَدِيث: النهي عن الجمع بين النوعين فِي الانتباذ؛ لمسارعة الإسكار، والاشتداد عند الخلط، فربّما يقع بذلك فِي شُرب المسكر. قَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: إنما نهي عن الخلط، وجُوّز انتباذ كلّ واحد عَلَى حدته؛ لأنه ربّما أسرع التغيّر إلى أحد الجنسين، فيفسد الآخر، وربّما لم يظهر، فيتناوله محرّمًا. وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: ذهب أصحابنا وغيرهم منْ العلماء، إلى أن سبب النهي عن الخليط أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الإسكار، ويكون قد بلغه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث رجل منْ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -4/ 5549 - وفي "الكبرى" 4/ 5056. وأخرجه (د) فِي "الأشربة" 3507 (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" 18341. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم شرب الخليطين:
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: مذهب الجمهور أن النهي فِي ذلك للتنزيه، وإنما يمتنع إذا صار مسكرًا، لا تخفى علامته، وَقَالَ بعض المالكية: هو للتحريم.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله بعض المالكية هو الظاهر؛ لأن النصّ ورد بصيغة النهي، والنهي للتحريم، ما لم يصرفه صارف، ولم يذكروا هنا صارفًا، وأيضًا ما قاله النوويّ يخالف نص الشافعيّ رحمه الله تعالى الآتي بالتحريم، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قَالَ: واختُلف فِي خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد، مع نبيذ التمر الذي لم يشتد عند الشرب، هل يمتنع، أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ، فَقَالَ الجمهور: لا فرق، وَقَالَ الليث: لا بأس بذلك عند الشرب. ونقل ابن التين عن الداودي: أن سبب النهي أن النبيذ يكون حلوا، فإذا أضيف إليه الآخر أسرعت إليه الشدة، وهذه صورة أخرى، كأنه يخص النهي بما إذا نبذ أحدهما ثم أضيف إليه الآخر، لا ما إذا نُبذا معا. واختُلف فِي الخليطين منْ الأشربة غير النبيذ، فحكى ابن التين عن بعض الفقهاء أنه كَرِه أن يخلط
للمريض شرابين، ورده بأنهما لا يسرع إليهما الإسكار اجتماعا وانفرادا، وتعقب باحتمال أن يكون قائل ذلك يرى أن العلة الإسراف كما تقدّم، لكن يقيد كلام هَذَا فِي مسألة المريض بما إذا كَانَ المفرد كافيا فِي دواء ذلك المرض، وإلا فلا مانع حينئذ منْ التركيب.
وَقَالَ ابن العربي: ثبت تحريم الخمر؛ لما يحدث عنها منْ السكر، وجواز النبيذ الحلو الذي لا يَحدُث عنه سكر، وثبت النهي عن الانتباذ فِي الأوعية، ثم نسخ، وعن الخليطين، فاختلف العلماء، فَقَالَ أحمد، وإسحاق، وأكثر الشافعيّة بالتحريم، ولو لم يسكر، وَقَالَ الكوفيون: بالحل، قَالَ: واتفق علماؤنا عَلَى الكراهة، لكن اختلفوا هل هو للتحريم، أو للتنزيه. واختُلِف فِي علة المنع، فقيل: لأن أحدهما يشد الآخر، وقيل: لأن الإسكار يُسرع إليهما، قَالَ: ولا خلاف أن العسل باللبن ليس بخليطين؛ لأن اللبن لا يُنبذ، لكن قَالَ ابن عبد الحكم: لا يجوز خلط شرابي سكر، كالورد والجلاب، وهو ضعيف. قَالَ: واختلفوا فِي الخليطين لأجل التخليل، ثم: قَالَ ويتحصل لنا أربع صور: أن يكون الخليطان منصوصين، فهو حرام، أو منصوص ومسكوت عنه، فإن كَانَ كل منهما لو انفرد أسكر فهو حرام، قياسا عَلَى المنصوص، أو مسكوت عنهما، وكل منهما لو انفرد لم يسكر جاز، قَالَ: وهنا مرتبة رابعة، وهي ما لو خلط شيئين، وأضاف إليهما دواء يمنع الإسكار، فيجوز فِي المسكوت عنه، ويكره فِي المنصوص، وما نقله عن أكثر الشافعيّة، وُجد نص الشافعيّ بما يوافقه، فَقَالَ: ثبت نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الخليطين، فلا يجوز بحال، وعن مالك قَالَ: أدركت عَلَى ذلك أهل العلم ببلدنا.
وَقَالَ الخطّابيّ: ذهب إلى تحريم الخليطين، وإن لم يكن الشراب منهما مسكرا جماعة، عملا بظاهر الْحَدِيث، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، وظاهر مذهب الشافعيّ، وقالوا: منْ شرب الخليطين أثم منْ جهة واحدة، فإن كَانَ بعد الشدة أثم منْ جهتين، وخص الليث النهي بما إذا نبذا معا. انتهى. وجرى ابن حزم عَلَى عادته فِي الجمود، فخص النهي عن الخليطين بخلط واحد منْ خمسة أشياء، وهي التمر، والرطب، والزهو، والبسر، والزبيب، فِي أحدها، أو فِي غيرها، فأما لو خلط واحد منْ غيرها فِي واحد منْ غيرها، لم يمتنع كاللبن والعسل مثلا، ويرد عليه ما أخرجه أحمد فِي "الأشربة" منْ طريق المختار بن فُلفُل، عن أنس رضي الله عنه، قَالَ:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجمع بين شيئين نبيذا، مما يبغي أحدهما عَلَى صاحبه".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن حزم رحمه الله تعالى هو
الظاهر، والحديث الذي ذكره عند أحمد، لا ينافيه؛ لأنه ظاهر فِي النبيذ، فيحمل عَلَى الأشياء المنصوص عليها، وأما خلط نحو اللبن والعسل، فلا يشمله، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ القرطبيّ: النهي عن الخليطين ظاهر فِي التحريم، وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، وعن مالك: يكره فقط، وشذَّ منْ قَالَ: لا بأس به لأن كلا منهما يحل منفردا فلا يكره مجتمعا، قَالَ: وهذه مخالفة للنص، وقياس مع وجود الفارق، فهو فاسد منْ وجهين، ثم هو منتقض بجواز كل واحدة منْ الاختين منفردة، وتحريمهما مجتمعين، قَالَ: وأعجب منْ ذلك تأويل منْ قَالَ منهم: إن النهي إنما هو منْ باب السرف، قَالَ: وهذا تبديل، لا تأويل، ويشهد ببطلانه الأحاديث الصحيحة، قَالَ: وتسمية الشراب إداما قول منْ ذَهِلَ عن الشرع واللغة والصرف، قَالَ: والذي يُفهَم منْ الأحاديث التعليل بخوف إسراع الشدة بالخلط، وعلى هَذَا يُقتصر فِي النهي عن الخلط عَلَى ما يؤثر فيه الإسراع، قَالَ: وأفرط بعض أصحابنا، فمنع الخلط وإن لم توجد العلة المذكورة، ويلزمه أن يمنع منْ خلط العسل واللبن، والخل والعسل. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم لك أن ابن العربي حكاه عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وَقَالَ: إنه حمل النهي عن الخليطين منْ الأشربة عَلَى عمومه، وضعّفه، وهو أحقّ بالتضعيف.
والحاصل أن الخلط الوارد فِي الأحاديث الصحيحة، كما سيأتي فِي الأبواب التي سيوردها النسائيّ محرّم، وأن شرب الخليطين حرام، وأما ما عدا ذلك منْ الأصناف فيجوز خلطه؛ كاللبن والعسل، ونحو ذلك؛ لعدم النهي عنه، ولفقدان العلّة التي منْ أجلها نهى الشارع عن الخليطين، فتبصّر، ولا تتحيّر، والله الهادي إلى سواء السبيل. وهو سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطْعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
5 - (خَلِيطُ الْبَلَحِ وَالزَّهْوِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم أن "البلَحَ" -بفتحتين-: هو أول ما يُرطب منْ البسر، واحده بَلَحةٌ. وأما "الزهو" -فبفتح الزاي، وضمّها لغتان مشهورتان، قَالَ
الجوهريّ: أهل الحجاز يضمّون، وهو البسر الملوّن الذي بدا فيه حمرة، أو صفرة، وطاب. كذا قَالَ النوويّ. وَقَالَ الفيّوميّ: زَها النخلُ يزهو زَهْوًا، والاسم الزُّهُوُّ بالضمّ: ظهرت الحمرة، والصفرة فِي ثمره. وَقَالَ أبو حاتم: وإنما يُسَمّى زَهْوًا: إذا خَلَصَ لونُ البسرة فِي الحمرة، أو الصفرة، ومنهم منْ يقول: زها النخلُ: إذا نبت ثمره، وأزهى: إذا احمرّ، أو اصفرّ. انتهى. وخلاصة القول أنه يُستفاد مما سبق أن الزهو فيه ثلاث لغات: الزّهو بفتح، فسكون، كالدلو، والزُّهو بضم، فسكون، كالقفل، والزهُوّ بضم، فتشديد واو، كالغُلُوّ. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب.
5550 -
(أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَأَنْ يُخْلَطَ الْبَلَحُ وَالزَّهْوُ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الأسديّ، أبو القاسم الكوفيّ، ثقة [10] 39/ 831.
2 -
(ابْنُ فُضَيْلِ) هو محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبيّ الكوفيّ، صدوقٌ رمي بالتشيّع [9] 47/ 3289.
3 -
(عَنْ حَبيب بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) القصّاب أبو عبد الله الْحِمّانيّ -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم- الكوفيّ، ثقة [6] 4/ 2628.
4 -
(سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 28/ 436.
5 -
(ابن عبّاس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما 28/ 31. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، حبر الأمة، وبحرها، وأحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَباسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الدُّبَّاءِ) -بضم الدال المهملة، وتشديد الموحدة-: وهو القرع، واحدته دبّاءة، كانوا ينتبذون فيها، فتُسرع الشدّة فِي الشراب، ووزن الدّبّاء: فُعّال، ولامه همزة؛ لأنه لم يُعرف
انقلاب لامه عن واو، أو ياء، قاله الزمخشريّ، وأخرجه الهرويّ فِي باب الدال مع الباء عَلَى أن الهمزة زائدة، وأخرجه الجوهري فِي المعتلّ عَلَى أن همزته منقلبة، قَالَ ابن الأثير: وكأنه أشبه. انتهى "النهاية" 2/ 96. (وَالْحَنْتَمِ) بفتح المهملة، وسكون النون، وفتح المثتاة منْ فوقُ: هي الجرّة، كذا فسّرها ابن عمر كما فِي "صحيح مسلم"، وفيه عن أبي هريرة: "الحنتم: الجرار الخضر" (وَالْمُزَفَّتِ) بالزاي، والفاء: ما طُلي بالزفت (وَالنَّقِيرِ) بفتح النون، وكسر القاف: أصل النخلة يُنقر، فيُتّخذ منه وعاء (وَأَنْ يُخْلَطَ) بالبناء للمفعول (الْبَلَحُ وَالزَّهْوُ) تقدّم ضبطهما، ومعناهما أول الباب. قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: تحريم الانتباذ فِي هذه الظروف كَانَ فِي صدر الإِسلام، ثم نسخ، وهو المذهب، وذهب مالك، وأحمد إلى بقاء التحريم. انتهى. وسيأتي مزيد بسط فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -5/ 5550 و5551 - وفي "الكبرى" 5/ 5057 و6/ 5058. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1995. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5551 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
جَرِيرٌ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَزَادَ مَرَّةً أُخْرَى، وَالنَّقِيرِ، وَأَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ بِالزَّبِيبِ، وَالزَّهْوُ بِالتَّمْرِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق": هوَ ابن راهويه. و"جرير": هو ابن عبد الحميد.
وقوله: "وزاد مرة أخرى": الظاهر أن الزائد هو ابن عبّاس، ويحتمل أن يكون غيره.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5552 -
(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ:
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي أَرْطَاةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الزَّهْوِ وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَر": هو أبو عليّ النيسابوريّ الثقة الفقيه [10]. و"عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ": هو الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، منْ أهل السنّة، منْ كبار [9]. و"حبيب": هو ابن أبي ثابت الكوفيّ الثقة الفقيه الجليل، لكنه كثير الإرسال والتدليس [3]. و"أبو أرطأة" الكوفيّ، رَوَى عن أبي سعيد الخدريّ، وعنه حبيب بن أبي ثابت، مقبول [4] تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
وقوله: "عن الزهو، والتمر الخ": معناه: عن خلط الزهو بالتمر، وخلط الزبيب بالتمر فِي الانتباذ، فلا يحلّ أن يُخلط بين الصنفين، بل ينتبذ كلّ عَلَى حدته.
والحديث صحيح، ولا يضرّ جهالة أبي أرطاة، فقد تابعه مالك بن الحارث كما سيأتي فِي 7/ 5555، وأبو المتوكل الناجي كما سيأتي فِي 16/ 5570، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -5/ 5552 - وفي "الكبرى" 6/ 5059، ودلالته عَلَى ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
6 - (خَلِيطُ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم ضبط الزَّهْوِ، ومعناه قريبًا، و"الرُّطَبُ" بضم الراء، وفتح الطاء المهملة، آخره موحّدة-: ثمر النخل إذا أدرك، ونَضَجَ، قبل أن يتتمّر، الواحدة رُطَبة، والجمع أرطاب، وأرطبت البسر إرطابًا: بدا فيها الترطيب. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ فِي "القاموس": الرُّطَب، كصُرَد: نَضِيج البُسْر، واحدته بهاء، وجمعه أرطاب. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5553 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلَا بَيْنَ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ").
قَالَ الجامع عفا الَلَه تعالىَ عنه: رجال هَذَا الإسناد رَجال الصحيح، غير شيخه، وهو
ثقة. و"عبد الله": هو ابن المبارك. و"الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن بن عمرو. و"أبو قتادة" رضي الله عنه: اسمه الحارث بن رِبعي بن بُلْدُمة، وقيل: غيره. والله تعالى أعلم.
وقوله: "لا تجمعوا الخ": أي لا تنتبذوا بخلط التمر والزبيب، ولا بخلط الزهو والرطب، بل انتبذوا كلّ واحد عَلَى حدته، كما سيأتي 14/ 5568 - زيادة:"وانبذوا كل واحد منهما عَلَى حدته"، ومباحث الْحَدِيث تقدّمت قريبًا، فراجعها تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -6/ 5553 و11/ 5563 و14/ 5568 و15/ 5569 - وفي "الكبرى" 7/ 5060 و5061 و12/ 5070 و15/ 5076 و16/ 5077. وأخرجه (خ) فِي "الأشربة" 5602 (م) فِي "الأشربة" 1988 و1989 (د) فِي "الأشربة" 3704 (ق) فِي "الأشربة" 3397 (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" 23015 و22112 و22123 و22140 (الدارميّ) فِي "الأشربة" 2031. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5554 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
(1)
عَلِيٌّ -وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ- عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَنْبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا، وَلَا تَنْبِذُوا الزَّبِيبَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا").
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجالَ هَذَا الإَسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وشيخ المصنّف هو أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة.
وقوله: "لا تنبذوا" بكسر الموحدة، منْ باب ضرب، قَالَ فِي "القاموس": النبذُ: طرحك الشيء أمامك، أو وراءك، أو عاتم، والفعل كضرب. انتهى. وتخريج الْحَدِيث سبق فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
7 - (خَلِيطُ الزَّهْوِ وَالْبُسْرِ)
تقدّم ضبط الزهو، والبسر، ومعناهما، فلا تنس. والله وليّ التوفيق.
5555 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ -هُوَ ابْنُ طَهْمَانَ- عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، وَأَنْ يُخْلَطَ الزَّهْوُ وَالتَّمْرُ، وَالزَّهْوُ وَالْبُسْرُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير:
1 -
(مالك بن الحارث) السلميّ الرّقّيّ، ويقال: الكوفيّ، ثقة [4].
رَوَى عن أبيه، وابن عبّاس، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي الأحوص، وعلقمة بن قيس، وعبد الله بن ربيعة، وأبي وائل، وأبي ميسرة، عمرو بن شُرَحبيل، وغيرهم. وعنه إبراهيم النخعي، والأعمش، ومنصور، وعبد الملك بن ميسرة، وطلحة بن مصرف، وعدة. قَالَ إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وَقَالَ عمرو بن عليّ: مات سنة أبع وتسعين.
رَوَى له البخاريّ تعليقًا، وأخرج له فِي "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، له عنده هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"عمر بن سعيد": هو أخو سفيان الثوريّ، ثقة [7]. و"سليمان": هو الأعمش. والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -7/ 5555 - وفي "الكبرى" 8/ 5562. والاستدلال به للترجمة واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
8 - (خَلِيطُ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ)
5556 -
(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وشرح الْحَدِيث يعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسأله الأولى): فِي درجته:
حديث جابر رضي الله عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -8/ 5556 و5557 و9/ 5558 و10/ 5562 و12/ 5564 - وفي "الكبرى" 9/ 5063 و5064 و10/ 5065 و11/ 5069 و13/ 5071. وأخرجه (خ) فِي "الأشربة" 5601 (م) فِي "الأشربة" 1986 و1987 (د) فِي "الأشربة" 3703 (ت) فِي "الأشربة" 1876 (ق) فِي "الأشربة" 3395 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 13720 و13787 و13828 و14007 و14501 و14757. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
5557 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِسْطَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَخْلِطُوا الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ، وَلَا الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "بسطام": هو بن مسلم بن نُمير الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة [7] 83/ 2586، منْ أفراد المصنّف، وابن ماجه، وروى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، وأبو داود فِي "المراسيل"، والباقون كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو داود": سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق القول فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
9 - (خَلِيطُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ)
5558 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"الليث": هو ابن سعد. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (268) منْ رباعيات الكتاب.
والحديث متَّفقٌ عليه كما سبق القول فيه فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5559 -
(أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَعَنِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ أَنْ يُخْلَطَا، وَعَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ أَنْ يُخْلَطَا"، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ هَجَرَ، أَنْ لَا تَخْلِطُوا الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ جَمِيعًا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، غير "أبي إسحاق"، وهو: عمرو بن عبد الله السبيعيّ.
وقوله: "وكتب إلى أهل نجران": الكاتب هو النبيّ صلى الله عليه وسلم: أي أمر بالكتابة لهم، و"نجران" -بفتح، فسكون-: بلدة منْ بلاد هَمْدان منْ اليمن، قَالَ البكري: سُمّيت باسم بانيها نجران بن زيد بن يَشْجُب بن يَعرُب بن قَحْطان. قاله الفيّوميّ. وفي رواية مسلم: "وكتب إلى أهل جُرش ينهاهم عن خليط التمر والزبيب". و"جُرَش" بضم الجيم، وفتح الراء: هو بلد باليمن. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" 13/ 157.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5560 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
حُمَيْدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْبُسْرُ وَحْدَهُ حَرَامٌ، وَمَعَ التَّمْرِ حَرَامٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه:"أحمد بن سليمان": هو الرُّهَاويّ الثقة الحافظ [11] منْ أفراد المصنّف. و"يزيد": هو ابن هارون. و"حميد": هو الطويل.
وقوله: "البسر وحده حرام": الظاهر أن المراد إذا بلغ حدّ الإسكار، وإلا فنبيذ البسر وغيره ما لم يُسكر حلال.
والحديث موقوف صحيح الإسناد، وهو منْ أفراد المصنّف، أخرجه هنا -9/ 5560 - وفي "الكبرى" 10/ 5067. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
10 - (خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ)
5561 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، وَعَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَعَنِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ).
قَالَ الجامع عفا الَلهَ تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ": ابن سليمان الْجُهنيّ المصّيصيّ، صدوقٌ [10] منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"عليّ بن سعيد": هو ابن مسروق الكنديّ الكوفيّ، صدوقٌ [10] منْ أفراد المصنّف، والترمذيّ. و"عبد الرحيم": هو ابن سليمان الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة، له تصانيف، منْ صغار [8]. و"حبيب ابن أبي عمرة" تقدّم قريباً.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدم تخريجه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5562 -
(أَخْبَرَنَا قُرَيْشُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَاوَرْدِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ:
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
أَنْبَأَنَا
(1)
الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَنَهَى عَنِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: " قُرَيْشُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ البَاوَرْدِيُ" -بالموحدة- ويقال: البيروديّ، ليس به بأس [12].
رَوَى عن عليّ بن الحسن بن شقيق. وعنه المصنّف، وَقَالَ: لا بأس به، وتفرّد به بحديثين فقط: هَذَا، و34/ 5639 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدبّاء
…
" الْحَدِيث.
[تنبيه]: الباورديّ -بفتح الموحّدة، والواو، وسكون الراء، آخره دال مهملة: نسبة إلى بلدة بنواحي خراسان، يقال لها: أَبِيورد، وتخفف، ويقال: باورد. قاله فِي "اللباب" 1/ 115. و"الأنساب" 1/ 274 - 275. والله تعالى أعلم.
و"عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ": هو ابن شَقيق، أبو عبد الرحمن المروزيّ الثقة الحافظ، منْ كبار [10] 22/ 906. و"الحسين بن واقد": هو المروزيّ، أبو عبد الله القاضي، ثقة، له أوهام [7].
وقوله: "أن يُنبذا جميعًا" ببناء الفعل للمفعول: أي أن ينبذ كل منْ التمر والزبيب جميعا، والتمر والبسر جميعًا.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي 8/ 5556. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
11 - (خَلِيطِ الرُّطَبِ وَالزَّبِيبِ)
5563 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"قَالَ: لَا تَنْبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ، وَلَا تَنْبِذُوا الرُّطَبَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متَّفقٌ عليه، وتقدّم فِي 6/ 5553 - سندًا
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
ومتنًا، غير أنه هنا الأوزاعي بدل هشام، وهو الدستوائيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
12 - (خَلِيطِ الْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ)
5564 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الليث": هو ابن سعد. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [4].
[تنبيه]: هَذَا السند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (269) منْ رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.
وقوله: "أن يُنبذ الخ" بالبناء للمفعول. والحديث متَّفقٌ عليه، وتقدّم فِي 8/ 5556. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
**
13 - (ذِكْرِ الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا نُهِيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ، وَهِىَ لِيَقْوَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نسخ "المجتبى" بلفظ: "وهي ليقوى"، والظاهر أنها مصحّفة منْ قوله:"وهي قوّة أحدهما عَلَى صاحبه". ولفظ "الكبرى": "وهي بَغْي أحدهما عَلَى صاحبه"، وهي أولى مما هنا.
ومحل الاستدلال منْ الْحَدِيث واضح حيث نهى الشارع عن الجمع بين الصنفين؛
لأجل الشدّة التي تحصل باجتماع صنف إلى غير صنفه، فيُسرع الإسكار، فيشربه صاحبه بدون علم، فيقع فِي السكر. والله تعالى أعلم بالصواب.
5565 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وِقَاءِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْ نَجْمَعَ شَيْئَيْنِ نَبِيذًا، يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ"، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفَضِيخِ؟ فَنَهَانِي عَنْهُ، قَالَ: كَانَ يَكْرَهُ الْمُذَنَّبَ مِنَ الْبُسْرِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَا شَيْئَيْنِ، فَكُنَّا نَقْطَعُهُ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(سُويد بن نصر) المروزيّ، أبو الفضل الملقّب بشاه، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك الإِمام الحجة المشهور [8] 32/ 36.
3 -
(وقاء -بكسر الواو، وقاف- ابن إياس) الأسديّ الوالبي، ويقال: الجنبي، أبو يزيد الكوفيّ، ليّن الْحَدِيث [6].
رَوَى عن مجاهد، وأبي ظبيان الجنبي، وعلي بن ربيعة، وعزرة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، وبكر بن الأخنس، والمختار بن فلفل، وعنه الثوري، وابن المبارك، وأبو معاوية، ومروان بن معاوية، ويحيى القطّان، ويزيد بن هارون، وآخرون. قَالَ قبيصة: ثنا سفيان الثوري، عن وِقَاء بن إياس، وَقَالَ: لا بأس به. قَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: وقاء بن إياس كذا وكذا، ثم قَالَ: ضعفه يحيى بن سعيد القطّان. وَقَالَ ابن أبي خيثمة، عن أبيه، مثل ذلك سواء. وَقَالَ عليّ بن المديني، عن يحيى بن سعيد: ما كَانَ بالذي يُعتمد عليه، وَقَالَ أيضاً عنه: لم يكن بالقوي. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: قَالَ يحيى: لم يكن بالذي يُعتَمد عليه، وكذا قَالَ النسائيّ، عن يحيى، قَالَ النسائيّ: وليس بالقوي. وَقَالَ أبو حاتم: صالح. وَقَالَ ابن عدي: حديثه ليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الساجي: عنده مناكير. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: لا بأس به. وَقَالَ أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين. رَوَى له المصنّف، وأبو دادود فِي "القدر"، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
4 -
(المختار بن فُلْفُل) -بفاءين مضمومتين، ولامين الأولى ساكنة-: هو مولى عمرو بن حُريث، صدوقٌ، له أوهام [5] 21/ 904.
5 -
(أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه 6/ 6. والله تعالى أعلم.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، رَوَى (2286) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْ نَجْمَعَ شَيْئَيْنِ نَبِيذًا) بفتح النون فَعيل بمعنى مفعول: أي حال كونه منبوذا فِي إناء واحد (يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبهِ) بكسر الغين المعجمة، منْ باب ضرب، منْ البغي: وهو الخروج، ومجاوزة الحدّ، والمراد اشتداده (قَالَ) المختار (وَسألْتُهُ) أي أنساً رضي الله عنه (عَنِ الْفَضِيخ؟) أي عن حكم شربه، وهو بفتح الفاء، وكسر الضاد المعجمة: شرابٌ يُتّخذ منْ الْبُسْرَ المفضوخ: أي المشدوخ. قاله فِي "النهاية" 3/ 453. وفي "المصباح": الفَضْخ: كسر الشيء الأجوف، وهو مصدر، منْ باب نفع، وفضخت رأسه، فانفضخْ: أي ضربته، مخرج دماغه. انتهى. (فَنَهَانِي عَنْهُ) أي لأنه مما يُسكر (قَالَ) المختار (كَانَ) أنس رضي الله عنه (يَكْرَهُ) بفتح أوله، منْ باب تعِب (الْمُذَنِّبَ) بصيغة اسم فاعل منْ التذيب، يقال: ذَنَّبت البُسرة تذنيبًا: إذا ظهر فيه الإرطاب، وَقَالَ ابن الأثير:"المذنب بكسر النون: الذي بدا فيه الإرطاب منْ قِبَل ذَنَبه: أي طرَفه، ويقال له أيضًا: التَّذْنُوب. انتهى "النهاية" 2/ 170 (مِنَ الْبُسْرِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونا شَيْئَيْنِ) أي لأجل خوفه منْ أن يكون داخلا فِي النهي عن الجمع بين الصنفين: البسر والرطب (فَكُنَّا نَقْطَعُهُ) أي نقطع ذلك الذنب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح
(1)
، وَقَدْ تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، فأخرجه هنا -13/ 5565 و5566 و5567 و5568 - وفي "الكبرى" 14/ 5072 و5073 و5074 و5075. وأخرجه (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 11970 و12015 و12188 و1278 و13215. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5566 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، قَالَ: شَهِدْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أُتِيَ بِبُسْرٍ مُذَنَّبٍ، فَجَعَلَ يَقْطَعُهُ مِنْهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هشام بن حسّان": هوَ الْقُرْدُوسيّ.
(1)
لا يقال: فِي إسناده وقاء، وَقَدْ تكلم فيه جماعة؛ لأنا نقول: قد رَوَى عنه جماعة، وقواه الثوري، وأبو حاتم، وابن عدي، وغيرهم، ويشهد لحديثه الروايات التالية. والله تعالى أعلم.
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
[تنبيه]: وقع فِي النسخ المطبوعة منْ "المجتبى" هنا "هشام بن هشام" بدل "هشام بن حسّان"، وهو تصحيف فاحش، والصواب ما هنا، وهو الذي الذي فِي النسخة "الهنديّة"، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و"أبو إدريس" رَوَى عن أنس هَذَا الْحَدِيث، وعنه هشام بن حسّان، مقبول [5] تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
وقوله: "أُتي" بالبناء للمفعول. وقوله: "مذنِّب" بكسر النون كما سبق بيانه.
والحديث موقوف صحيح بما قبله، وهو منْ أفراده، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5567 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: قَتَادَةُ، كَانَ أَنَسٌ يَأْمُرُ بِالتَّذْنُوبِ فَيُقْرَضُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "بالتَذْنُوب" -بفتح التاء المثناة، وتُضمّ، وبسكون الذال المعجمة، واحدته بهاء- أفاده فِي "القاموس". وَقَالَ ابن منظور رحمه الله تعالى: التَّذْنُوُبُ: البسر الذي قد بدا فيه الإرطاب منْ قِبَلِ ذَنَبه، وذَنَبُ الْبُسْرَة وغيرِها منْ التمر: مُؤَخَّرُها، وذَنَّبَتِ البسرةُ، فهي مُذَنِّبَةٌ
(1)
: وَكَّتَتْ منْ قِبَل ذَنَبها. قَالَ الأصمعيّ: إذا بدت نُكَتٌ منْ الإرطاب فِي الْبُسْر منْ قِبَل ذَنَبها، قيل: ذَنَّبَتْ. والرُّطَبُ: التَّذْنُوب واحدته تَذْنُوبةٌ -أي بفتح التاء- قَالَ الراجر:
فَعَلِّقِ النَّوْطَ أَبَا مَحْبُوبِ
…
إِنَّ الْغَضَا لَيْسَ بِذِي تَذْنُوبِ
وَقَالَ الفراءُ: جاءنا بتُذْنُوبِ -أي بضم الذال- لغة بني أسد، والتميميُّ يقولُ: تَذْنُوب -أي بفتح التاء- والواحدة تَذْنُبَة. انتهى "لسان العرب" 1/ 390 ببعض تصرّف.
والحديث موقوف صحيح الإسناد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5568 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُ شَيْئًا قَدْ أَرْطَبَ، إِلاَّ عَزَلَهُ عَنْ فَضِيخِهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (270) منْ رباعيات الكتاب.
و"حُميد": هو الطويل. وقوله: "قد أرطب": يقال: أرطبت البسرة إرطابًا: بدا فيها الترطيب. قاله الفيّوميّ. وقولهْ "إلا عزله عن فضيخته": أي أزاله، و"الفضيخ" -
(1)
أي بصيغة اسم الفاعل.
بفتح، فكسر-: عصير العنب، وهو أيضًا شراب يُتّخذ منْ البُسر المفضوخ وحده منْ غير أن تمسّه النار، وهو المشدوخ، وفَضَخت البسرَ، وافتضخته، قَالَ الراجز:
بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدْ
يقول: لَمّا طلع سُهيل ذهب زمن البسر، وأرطب، فكأنه بال فيه. وَقَالَ بعضهم: هو المفضوخ، لا الفضيخ: المعنى: أنه يُسكر شاربه، فيفضخه. وسُئل ابن عمر عن الفضيخ، فَقَالَ: ليس بالفضيخ، ولكن هو الفضوخ، فعول منْ الفضيخة: أراد يسكر شاربه، فيفضخه. قاله فِي "اللسان".
والمعنى هنا أن أنساً رضي الله عنه إذا وجد فِي فضيخه: أي فِي البسر الذي يريد أن يتخذه عصيرًا بسرًا قد أرطب أزاله؛ مخافة أن يكونا شيئين.
والحديث موقوف صحيح، تفرد به المصنّف، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
14 - (التَّرَخُّصِ فِي انْتِبَاذِ الْبُسْرِ وَحْدَهُ، وَشُرْبِهِ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ فِي فَضِيخِهِ)
وفي نسخة: "الترخّص". وتقدّم معنى "الفضيخ" قريبًا.
5569 -
(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ- قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "لَا تَنْبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا، وَلَا الْبُسْرَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا، وَانْبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو بصريّ ثقة، منْ أفراده. و"خالد بن بن الحارث": هو الهجيميّ البصريّ. و"هشام": هو الدستوائيّ البصريّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير.
والسند مسلسلٌ بثقات البصريين، إلا عبد الله وأباه، فإنهما مدنيّان، وفيه رواية
تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
وقوله: "وَانْبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا": أي منْ كل اثنين منهما، فيكون الجمع بين أكثر بطريق الأولى.
وقوله: "عَلَى حِدَتِهِ": -بكسر الحاء المهملة، وفتح الدال، بعدها هاء تأنيث-: أي وحده. وأخرج مسلم منْ حديث أبي سعيد رضي الله عنه: "منْ شرب منكم النبيذ، فليشربه زبيبا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرا فردا"، وسيأتي نحوه للمصنّف بعد باب.
وأخرج بن أبي شيبة، وأحمد، والنسائي، سبب النهي منْ طريق الْحَرّاني، عن ابن عمر، قَالَ: أُتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بسكران، فضربه، ثم سأله عن شرابه، فَقَالَ: شربت نبيذ تمر وزبيب، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لا تخلطوهما، فإن كل واحد منهما يكفي وحده". قاله فِي "الفتح" 11/ 196. والحديث أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
15 - (الرُّخْصَةِ فِي الاِنْتِبَاذِ فِي الأَسْقِيَةِ الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "يُلاث" -بالثاء المثلّثة، مبنيا للمفعول: أي يُشدّ، ويُربط. والله تعالى أعلم بالصواب.
5570 -
(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالتَّمْرِ، وَخَلِيطِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، وَقَالَ: "لِتَنْبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، فِي الأَسْقِيَةِ الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يحيى بن دُرُست" -بضمتين، وسكون المهملة-: هو ابن زياد البصريّ، ثقة [10]. و"أبو إسماعيل": هو إبراهيم بن عبد الملك القَنّاد البصريّ، صدوقٌ فِي حفظه شيء [7] منْ أفراد المصنّف، والترمذيّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير.
وقوله: "الأسقية" -بفتح الهمزة: جمع سِقاء بالكسر، قَالَ فِي "القاموس": السقاء
ككساء: جلد السَّخْلة إذا أجذع، يكون للماء واللبن، جمعه أَسقيةٌ، وأَسقيات، وأَساقٍ. انتهى.
وقوله: "التي يُلاث عَلَى أفواهها" -بضمّ المثنّاة منْ تحتُ، وتخفيف اللام، وآخره ثاء مثلّثة: أي يُلف الخيط عَلَى أفواهها، ويُربط به. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" 1/ 192. وَقَالَ القرطبيّ: قوله: "تلاث": أي تُشدّ، وتُربط، قَالَ القتبي: أصل اللوث: الطيّ، ولُثتُ العمامة: لففتها، وهذا نحو مما يقال: عليكم بالموكَى بالقصر: أي السقاء الذي يُربط فُوه بالوكاء، وهو الخيط. انتهى "المفهم" 1/ 177.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تخرجه فِي 6/ 5553. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
16 - (التَّرَخُّصِ فِي انْتِبَاذِ التَّمْرِ وَحْدَهُ)
5571 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْ يُخْلَطَ بُسْرٌ بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٌ بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٌ بِبُسْرٍ، وَقَالَ:"مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُ فَرْدًا، تَمْرًا فَرْدًا، أَوْ بُسْرًا فَرْدًا، أَوْ زَبِيبًا فَرْدًا").
"عبد الله": هو ابن المبارك. و"إسماعيل بن مسلم العبديّ": هو أبو محمد البصريّ القاضي، ثقة [6] 49/ 2728. و"أبو المتوكّل": هو عليّ بن داود، ويقال: ابن دُؤاد الناجيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة [3] 169/ 262.
وقوله: "أن يُخلَط الخ" بالبناء للمفعول، وتمام شرح الْحَدِيث يعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -16/ 5570 و5571 و5573 - وفي "الكبرى" 6/ 5057 و8/ 5062 و17/ 5078 و5079. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1987 و1988 و1989 (ت) فِي "الأشربة" 1877 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 10608 و10678 و10904 و11026 و11072 و11161 و11201 و11385 و11439. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5572 -
(أَخْبَرَنِي
(1)
أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، نَهَى أَنْ يَخْلِطَ بُسْرًا بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيبًا بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيبًا بِبُسْرٍ، وَقَالَ:"مَنْ شَرِبَ مِنْكُمْ، فَلْيَشْرَبْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُ فَرْدًا".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ اسْمُهُ: عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن خالد": هو أبو جعفر البغداديّ الفقيه الثقة [10] 20/ 4305 منْ أفراد المصنّف، والترمذيّ. و"شُعيب بن حرب": هو أبو صالح المدائنيّ، نزيل مكة، ثقة عابد [9] 43/ 51. و"إسماعيل": هو المذكور فِي السند الماضي.
وقوله: "أن يخلط" بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الخالط المفهوم منْ الفعل.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ سبق البحث فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
17 - (انْتِبَاذِ الزَّبِيبِ وَحْدَهُ)
5573 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالزَّبِيبُ، وَالْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، وَقَالَ:"انْبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ").
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عكرمة بن عمّار": هو أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، صدوقٌ يَغلَط [5]. و"أبو كثير": هو يزيد بن عبد الرحمن، كما سيأتي للمصنّف فِي الباب التالي، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أُذينة، أو ابن غُفيلة
(1)
السُّحيميّ الْغُبَريّ
(2)
اليماميّ الأعمى، ثقة [3] 13/ 4488.
وقوله: "انبذوا" بكسر الموحّدة، منْ باب ضرب. وقوله:"عَلَى حدة" -بكسر الحاء، وتخفيف الدال المهملتين-: أي بانفراده، وتمام شرح الْحَدِيث قد مرّ قريبًا، ودلالته عَلَى الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -17/ 5572 - وفي "الكبرى" 18/ 5080. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1989 (ق) فِي "الأشربة" 3396 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 9458 و10426. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
18 - (الرُّخْصَةُ فِي انْتِبَاذِ الْبُسْرِ وَحْدَهُ)
5574 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى -يَعْنِي ابْنَ عِمْرَانَ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، وَالتَّمْرُ وَالْبُسْرُ، وَقَالَ:"انْتَبِذُوا الزَّبِيبَ فَرْدًا، وَالتَّمْرَ فَرْدًا، وَالْبُسْرَ فَرْدًا".
(1)
بالغين المعجمة، بعدها فاء، مصغّرًا.
(2)
"السُّحَيميّ" -بمهملتين مصغّرًا. و"الْغُبَريّ"- بضم المعجمة، وفتح الموحّدة.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو كَثِيرٍ اسْمُهُ: يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ).
قَالَ الجامع عفا اللهَ تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ": هو الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر نزيل الموصِل، ثقة حافظ [10] 20/ 1220 منْ أفراد المصنّف. و"المعافى بن عمران": هو الأزديّ الفهميّ، أبو مسعود الموصليّ، ثقة عابد فقيه، منْ كبار [9] 36/ 1271. و"إسماعيل، وأبو المتوكل" تقدّما قبل باب.
وقوله: "قَالَ أبو عبد الرحمن الخ" كَانَ الأولى ذكره فِي الباب الماضي، كما لا يخفى، ولعله منْ تصرّف النسّاخ. والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدم قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
19 - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى. {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67])
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ذكر قَالَ الإِمام ابن كثير رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" 2/ 596: ما نصُّهُ: ولما ذكر الله تعالى اللبن، وأنه تعالى جعله شرابًا للناس سائغًا ثنى بذكر ما يتّخذه النَّاس منْ الأشربة منْ ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون منْ النبيذ المسكر قبل تحريمه، ولهذا امتنّ به عليهم، فَقَالَ:{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ} الآية [النحل: 67]، دلّ عَلَى إباحته شرعا قبل تحريمه، ودلّ عَلَى التسوية بين المسكر المتّخذ منْ النخل، والمتّخذ منْ العنب، كما هو مذهب مالك والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتّخذة منْ الحنطة، والشعير، والذرة، والعسل، كما جاءت السنّة بتفصيل ذلك، كما قَالَ ابن عبّاس فِي قوله:{سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} قَالَ: السكر ما حرم منْ ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أُحلّ منْ ثمرتيهما، وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله -يعني ما يبس منْ تمر، وزبيب، وما عُمل منهما منْ طلاء، وهو الدبس، وخلّ، ونبيذ حلال، يُشرب قبل أن يشتدّ، كما وردت السنة بذلك. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 67] ناسب ذكر العقل هاهنا، فإنه أشرف
ما فِي الإنسان، ولهذا حرّم الله عَلَى هذه الأمة الأشربة المسكرة؛ صيانة لعقولها. انتهى كلام ابن كثير.
وَقَالَ النسفيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" 2/ 291: ويتعلّق {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ} بمحذوف، تقديره: ونُسقيكم منْ ثمرات النخيل والأعناب: أي منْ عصيرهما، وحُذف لدلالة {نُسْقِيكُم} قبله عليه. وقوله:{تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} بيان، وكشف عن كنه الإسقاء، أو تتخذون، و {مِنْهُ} منْ تكرير الظرف للتوكيد، والضمير فِي {مِنْهُ} يرجع إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير، والسكر: الخمر، سمّيت بالمصدر، منْ سَكِرَ سَكَرًا وسُكْرًا، نحو رَشِدَ رَشَدًا ورُشْدًا. ثم فيه وجهان:[أحدهما]: أن الآية سابقة عَلَى تحريم الخمر، فتكون منسوخة. [وثانيهما]: أن يُجمع بين العتاب والمنّة. وقيل: السكر: النبيذ، وهو عصير العنب، والزبيب، والتمر إذا طُبخ حَتَّى ذهب ثلثاه، ثم يُترك حَتَّى يشتد، وهو حلال عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله تعالى إلى حدّ السكر، ويحتجّان بهذه الآية. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا القول باطل؛ لمنابذته الأحاديث الصحيحة الكثيرة، كما سيأتي تفنيده قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وَقَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" 10/ 127: قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ} الآية، فيه مسألتان:
[الأولى]: قَالَ الطبري: التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب: ما تتخذون، فحذف "ما" ودل عَلَى حذفه قوله:"منه" وقيل: المحذوف شيء، والأمر قريب. وقيل: معنى "منه": أي منْ المذكور، فلا يكون فِي الكلام حذف، وهو أولى، ويجوز أن يكون قوله:"ومن ثمرات" عطفا عَلَى "الأنعام": أي ولكم منْ ثمرات النخيل والأعناب عبرة، ويجوز أن يكون معطوفا عَلَى "مما": أي ونسقيكم أيضاً مشروبات منْ ثمرات.
[الثانية]: قوله تعالى: {سَكَرًا} : السكر ما يُسكر هَذَا هو المشهور فِي اللغة، قَالَ ابن عبّاس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، وأراد بالسكر الخمر، وبالرزق الحسن جميع ما يؤكل، ويشرب حلالاً، منْ هاتين الشجرتين، وَقَالَ بهذا القول ابن جبير، والنخعي، والشعبي، وأبو ثور، وَقَدْ قيل: إن السكر النحل بلغة الحبشة، والرزق الحسن: الطعام، وقيل: السكر العصير الحلو الحلال، وسمي سَكَرا؛ لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. قَالَ ابن العربي: أَسَدُّ هذه الأقوال قول ابن عبّاس، ويُخَرَّج ذلك عَلَى أحد معنيين: إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، وإما أن يكون المعنى أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب، تتخذون منه ما حرم الله
عليكم؛ اعتداء منكم، وما أحل لكم اتفاقا، أو قصدا إلى منفعة أنفسكم، والصحيح أن ذلك كَانَ قبل تحريم الخمر، فتكون منسوخة، فإن هذه الآية مكية باتفاق منْ العلماء، وتحريم الخمر مدني.
قَالَ القرطبيّ: فعلى أن السكر النحل، أو العصير الحلو، لا نسخ، وتكون الآية محكمة، وهو حسن. قَالَ ابن عبّاس: الحبشة يسمون النحل السكر، إلا أن الجمهور عَلَى أن السكر الخمر، منهم: ابن مسعود، وابن عمر، وأبو رزين، والحسن، ومجاهد، وابن أبي ليلى، والكلبي، وغيرهم، ممن تقدّم ذكرهم كلهم، قالوا: السكر ما حرمه الله منْ ثمرتيهما، وكذا قَالَ أهل اللغة: السكر اسم للخمر، وما يُسكر، وأنشدوا [منْ البسيط]:
بِئْسَ الصُّحَاةُ وَبِئْسَ الشَّرْبُ شَرْبُهُمُ
…
إِذَا جَرَى فِيهِمُ الْمُزَّاءُ وَالسَّكَرُ
والرزق الحسن: ما أحله الله منْ ثمرتيهما. وقيل: إن قوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} خبر معناه الاستفهام، بمعنى الإنكار: أي أتتخذون منه سكرا، وتدعون رزقا حسناً، النحل والزبيب والتمر؟ كقوله:{فَهُمُ اَلخلِدُونَ} [الأنبياء: 34]: أي أفهم الخالدون؟ والله أعلم.
وَقَالَ أبو عبيدة: السكر الطعم، يقال: هَذَا سكر لك: أي طعم، وأنشد:
جَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمِينَ سَكَرَا
أي جعلت ذمهم طعما. وهذا اختيار الطبري: أن السكر ما يُطعم، وحَلَّ شربه منْ ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف، والمعنى واحد، مثل {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]، وهذا حسن، ولا نسخ، إلا أن الزجاج قَالَ: قول أبي عبيدة هَذَا، لا يُعرف، وأهل التفسير عَلَى خلافه، ولا حجة له فِي البيت الذي أنشده؛ لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب النَّاس.
وَقَالَ الحنفيون: المراد بقوده: "سكرًا" ما لا يسكر منْ الأنبذة، والدليل عليه أن الله سبحانه وتعالى امتن عَلَى عباده، بما خلق لهم منْ ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل، لا بمحرم، فيكون ذلك دليلاً عَلَى جواز شرب ما دون المسكر منْ النبيذ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز، وعضدوا هَذَا منْ السنة، بما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ:"حرم الله الخمر بعينها، والسكر منْ غيرها"، وبما رواه عبد الملك بن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: رأيت رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عند الركن، ودفع إليه القَدَح، فرفعه إلى فيه، فوجده شديدا، فرده إلى صاحبه، فَقَالَ له حينئذ رجل منْ القوم: يا رسول الله أحرام هو؟ فَقَالَ: "عليّ بالرجل"، فأتي به، فأخذ منه القدح، ثم دعا له بماء، فصبه فيه، ثم
رفعه إلى فيه، فقطّب، ثم دعا بماء أيضاً فصبه فيه، ثم قَالَ:"إذا اغتلمت عليكم هذه الأوعية، فاكسروا متونها بالماء"، ورُوي أنه عليه السلام، كَانَ يُنبذ له، فيشربه ذلك اليوم، فإذا كَانَ منْ اليوم الثاني، أو الثالث سقاه الخادم، إذا تغير، ولو كَانَ حراما ما سقاه إياه. قَالَ الطحاوي: وَقَدْ رَوَى أبو عون الثقفيّ، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عبّاس، قَالَ: حُرّمت الخمر بعينها، القليل منها، والسكر منْ كل شراب"، خرجه الدارقطنيّ أيضاً.
ففي هَذَا الْحَدِيث، وما كَانَ مثله أن غير الخمر لم تحرم عينه، كما حرمت الخمر بعينها، قالوا: والخمر شراب العنب، لا خلاف فيها.
ومن حجتهم أيضاً: ما رواه شَريك بن عبد الله، حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون، قَالَ عمر بن الخطاب: إنا نأكل لحوم هذه الإبل، وليس يقطعه فِي بطوننا، إلا النبيذ، قَالَ شريك: ورأيت الثوري يشرب النبيذ فِي بيت حبر أهل زمانه، مالك بن مِغْوَل.
[والجواب]: أن قولهم: إن الله سبحانه وتعالى امتن عَلَى عباده، ولا يكون امتنانه إلا بما أحل، فصحيح، بَيْدَ أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، كما بيناه، فيكون منسوخا كما قدمناه.
قَالَ ابن العربي: [إن قيل]: كيف يُنسحْ هَذَا، وهو خبر، والخبر لا يدخله النسخ؟.
[قلنا]: هَذَا كلام منْ لم يتحقق الشريعة، وَقَدْ بينا أن الخبر إذا كَانَ عن الوجود الحقيقي، أو إعطاء ثواب، فضلا منْ الله، فهو الذي لا يدخله النسخ، فأما إذا تضمن الخبر حكماً شرعيا، فالأحكام تتبدل، وتنسخ جاءت بخبر، أو أمر، ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ، وإنما يرجع إلى ما تضمنه، فإذا فهمتم هَذَا، خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله:{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)} [النحل: 101]: المعنى أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما شاء، ويكلف ما يشاء، ويرفع منْ ذلك بعدله ما يشاء، ويُثبِت ما يشاء، وعنده أم الكتاب.
قَالَ القرطبيّ: هَذَا تشنيع شنيع، حَتَّى يلحق فيه العلماء الأخيار فِي قصور الفهم بالكفار، والمسألة أصولية، وهي أن الأخبار عن الأحكام الشرعية، هل يجوز نسخها أم لا؟ اختُلف فِي ذلك، والصحيح جوازه؛ لهذه الآية، وما كان مثلها، لأن الخبر عن مشروعية حكم ما، يتضمن طلب ذلك المشروع، وذلك الطلب هو الحكم الشرعي، الذي يستدل عَلَى نسخه، والله أعلم.
وأما ما ذكروا منْ الأحاديث، فالأول والثاني ضعيفان؛ لأنه عليه السلام قد رُوي عنه
بالنقل الثابت أنه قَالَ: "كل شراب أسكر، فهو حرام"، وَقَالَ:"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"، وَقَالَ:"ما أسكر كثيره، فقليله حرام"، قَالَ النسائيّ 48/ 5703: وهؤلاء أهل الثبت والعدالة مشهورون، بصحة النقل، وعبد الملك لا يقوم مقام واحد منهم، ولو عاضده فِي أشكاله جماعة، وبالله التوفيق.
وأما الثالث، وإن كَانَ صحيحا، فإنه ما كَانَ يسقيه للخادم عَلَى أنه مسكر، وإنما كَانَ يسقيه لأنه متغير الرائحة، وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منه الرائحة، فلذلك لم يشربه، ولذلك تَحَيَّل عليه أزواجه فِي عسل زينب، بأن قيل له: إنا نجد منك ريح مغافير -يعني ريحا منكرة- فلم يشربه بعدُ.
وأما حديث ابن عبّاس، فقد رُوي عنه خلاف ذلك منْ رواية عطاء، وطاوس، ومجاهد، أنه قَالَ:"ما أسكر كثيره فقليله حرام"، ورواه عنه قيس بن دينار، وكذلك فتياه فِي المسكر، قاله الدارقطنيّ.
والحديث الأول رواه عنه عبد الله بن شداد، وَقَدْ خالفه الجماعة، فسقط القول به، مع ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وأما ما روي عن عمر منْ قوله: "ليس يقطعه فِي بطوننا إلا النبيذ"، فإنه يريد غير المسكر، بدليل ما ذكرنا، وَقَدْ رَوَى النسائيّ 48/ 5709 عن عتبة بن فرقد، قَالَ: كَانَ النبيذ الذي شربه عمر بن الخطاب، قد خُلّل، قَالَ النسائيّ 48/ 5710 - : ومما يدلّ عَلَى صحة هَذَا، حديث السائب، قَالَ الحارث بن مسكين، قراءة عليه، وأنا أسمع، عن ابن القاسم: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، أنه أخبره، أن عمر بن الخطاب، خرج عليهم، فَقَالَ: إني وجدت منْ فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطلاء، وأنا سائل عما شرب، فإن كَانَ مسكرا جلدته، فجلده عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الحد تاما، وَقَدْ قَالَ فِي خطبته عَلَى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد أيها النَّاس، فإنه نزل تحريم الخمر، وهي منْ خمسة: منْ العنب، والعسل، والتمر، والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خامر العقل.
[فإن قيل]: فقد أحل شربه إبراهيم النخعي، وأبو جعفر الطحاوي، وكان إمام أهل زمانه، وكان سفيان الثوري يشربه. [قلنا]: ذكر النسائيّ فِي "كتابه" أن أول منْ أحل المسكر منْ الأنبذة إبراهيم النخعي، وهذه زلة منْ عالم، وَقَدْ حُذِّرنا منْ زلة العالم، ولا حجة فِي قول أحد مع السنة، وذكر النسائيّ أيضاً 57/ 5753: عن ابن المبارك، قَالَ: ما وجدت الرخصة فِي المسكر عن أحد صحيحا، إلا عن إبراهيم، قَالَ أبو أسامة: ما رأيت رجلا أطلب للعلم منْ عبد الله بن المبارك، الشامات، ومصر،
واليمن ، والحجاز
وأما الطحاوي، وسفيان، لو صح ذلك عنهما لم يحتج بهما، عَلَى منْ خالفهما منْ الأئمة، فِي تحريم المسكر، مع ما ثبت منْ السنة، عَلَى أن الطحاوي قد ذكر فِي كتابه الكبير فِي الاختلاف، خلاف ذلك، قَالَ أبو عمر بن عبد البر فِي كتاب "التمهيد" له: قَالَ أبو جعفر الطحاوي: اتفقت الأمة عَلَى أن عصير العنب، إذا اشتد وغلى، وقذف بالزبد فهو خمر، ومستحله كافر، واختلفوا فِي نقيع التمر إذا غلى، وأسكر، قَالَ فهذا: يدلك عَلَى أن حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ:"الخمر منْ هاتين الشجرتين: النخلة، والعنب" غير معمول به عندهم؛ لأنهم لو قبلوا الْحَدِيث لأكفروا مستحل نقيع التمر، فثبت أنه لم يدخل فِي الخمر المحرمة، غير عصير العنب الذي قد اشتد، وبلغ أن يسكر، قَالَ: ثم لا يخلو منْ أن يكون التحريم معلقا فقط، غير مقيس عليها غيرها، أو يجب القياس عليها، فوجدناهم جميعاً قد قاسوا عليها نقيع التمر، إذا غلى وأسكر كثيره، وكذلك نقيع الزبيب، قَالَ: فوجب قياسا عَلَى ذلك أن يحرم كل ما أسكر منْ الأشربة، قَالَ: وَقَدْ رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ:"كل مسكر حرام"، واستغنى عن مسنده لقبول الجميع له، وإنما الخلاف بينهم فِي تأويله، فَقَالَ بعضهم: أراد به جنس ما يُسكر، وَقَالَ بعضهم: أراد به ما يقع السكر عنده، كما لا يسمى قاتلا، إلا مع وجود القتل.
قَالَ القرطبيّ: فهذا يدلّ عَلَى أنه محرم عند الطحاوي؛ لقوله: فوجب قياسا عَلَى ذلك أن يحرم كل ما أسكر منْ الأشربة. وَقَدْ رَوَى الدارقطنيّ فِي "سننه" عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: إن الله لم يحرم الخمر لاسمها، وإنما حرمها لعاقبتها، فكل شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر، فهو حرام كتحريم الخمر.
قَالَ ابن المنذر: وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة، وإذا اختلف النَّاس فِي الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب الله، وسنة رسوله عليه السلام، وما رُوي عن بعض التابعين أنه شرب الشراب الذي يُسكر كثيره، فللقوم ذنوب يستغفرون الله منها، وليس يخلو ذلك منْ أحد معنيين: إما مخطىء أخطأ فِي التأويل، عَلَى حديث سمعه، أو رجل أتى ذنبا لعله أن يكثر منْ الاستغفار لله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم حجة الله عَلَى الأولين والآخرين، منْ هذه الأمة، وَقَدْ قيل فِي تأويل الآية: إنها إنما ذُكرت للاعتبار: أي منْ قدر عَلَى خلق هذه الأشياء، قادر عَلَى البعث، وهذا الاعتبار لا يختلف بأن كانت الخمر حلالا أو حراما، فاتخاذ السكر لا يدلّ عَلَى التحريم، وهو كما قَالَ تعالى:{قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] والله أعلم. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 127 - 133. وهو
بحث نفيسٌ جدًّا ، ولاسيما ما نقله عن الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى، فإنه عين التحقيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
5575 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ ح وَأَنْبَأَنَا
(2)
حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ"، وَقَالَ سُوَيْدٌ:"فِي هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةُ وَالْعِنَبَةُ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
1 -
(حميد بن مسعدة) الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [10] 5/ 5.
2 -
(سفيان بن حبيب) أبو محمد البزّاز البصريّ، ثقة [9] 67/ 82.
3 -
(الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقيّ الإِمام الحجة الثبت [7] 45/ 56. والباقون تقدّموا قبل باب. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
عن أبي كثير يزيد بن عبد الرحمن، وقيل: غيره، كما تقدّم قبل باب، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ") قَالَ البيهقي رحمه الله تعالى: ليس المراد الحصر فيها؛ لأنه ثبت أن الخمر تتخذ منْ غيرهما فِي حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعا لا تختص بالمتخذ منْ العنب. انتهى.
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: هَذَا ليس عَلَى وجه القصر عليهما، بل المعنى أنه منهما ، ولا يُقتصر عَلَى العنب. وقيل: المقصود بيان ذلك لأهل المدينة، ولم يكن عندهم مشروب إلا منْ هذين النوعين. وقيل: إن معظم ما يُتّخذ منْ الخمر، أو أشدّ ما يكون فِي معنى المخامرة والإسكار إنما هو منْ هاتين. انتهى.
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا دليلٌ عَلَى أن الأنبذة المتّخذة منْ التمر، والزهو، والزبيب، وغيرها تُسمّى خمرًا، وهي حرام، إذا كانت مسكرة، وهو مذهب الجمهور، كما سبق، وليس فيه نفي الخمرية عن نبيذ الذرة، والعسل، والشعير، وغير ذلك، فقد ثبت فِي تلك الألفاظ أحاديث صحيحة بأنها كلها خمر وحرام. انتهى "شرح مسلم" 13/ 153 - 154.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "الخمر منْ هاتين الشجرتين": حجة للجمهور عَلَى تسمية ما يُعتصر منْ غير العنب بالخمر إذا أسكر، كما قدّمناه، ولا حجة فيه لأبي حنيفة عَلَى قوله، حيث قصر الحكم بالتحريم عَلَى هاتين الشجرتين؛ لأنه قد جاء فِي أحاديث أُخَر ما يقتضي تحريم كلّ ما أسكر، كقوله:"كل مسكر حرام"، و"كل ما أسكر حرام"، وحديث معاذ رضي الله عنه حيث سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب العسل، والذرة، والشعير؟ فَقَالَ:"أنهى عن كلّ مسكر"، وإنما خصّ فِي هَذَا الْحَدِيث هاتين الشجرتين بالذكر؛ لأن أكثر الخمر منهما، أو عَلَى أن الخمر عند أهلها، والله أعلم، وهذا نحو قولهم: المال الإبل: أي أكثرها، وأعمّها. انتهى "المفهم" 5/ 257 - 258.
وقوله: (وَقَالَ سُوَيْدْ: "فِي هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ) يعني أن رواية سويد بن نصر بلفظ: "فِي هاتين" بدل "منْ هاتين"، وقوله:(النَّخْلَةُ والْعِنَبَةُ") بالجرّ عَلَى البدليّة، ويجوز الرفع بتقدير مبتدإ: أي هما، والنصب بتقدير فعل: أي أعني. وفي رواية لمسملم: "الكرمة، والنخلة"، وفي رواية له:"الكرم والنخل". قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا يُشكل مع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا للعنب الكرم، فإن الكرم قلب المؤمن"، رواه مسلم. ويزول الإشكال بأن نقول: إطلاق هَذَا كَانَ قبل النهي، ثم بعد ذلك ورد النهي، أو يقال: إنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل فِي هَذَا الخطاب، فإنه قَالَ فيه:"ولا تقولوا"، فواجهنا به، والمخاطِبُ غير المخاطَبِ، كما تقرّر فِي الأصول. انتهى "المفهم" 5/ 258.
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن هَذَا الاستعمال كَانَ قبل النهي، ويحتمل أنه استعمله بيانًا للجواز، وأن النهي عنه ليس للتحريم، بل لكراهة التنزيه، ويحتمل أنهم خوطبوا به للتعريف؛ لأنه المعروف فِي لسانهم الغالب فِي استعمالهم. انتهى "شرح مسلم" 13/ 154. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -19/ 5574 و5575 - وفي "الكبرى" 20/ 5082 و5083. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1985 (د) فِي "الأشربة" 3678 (ت) فِي "الأشربة" 1875 (ق) فِي "الأشربة" 3378 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 7695 و9039 و9790 و10067 و10331 و10332 و10426 (الدارمي) فِي "الأشربة" 2004.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان معنى الآية الكريمة، ووجه ذلك أن السَّكَرَ معناه: الخمر، كما سيبيّنه المصنّف بالآثار التي يوردها بعدُ، وهو الصحيح، كما سبق بيانه، والحديث بيّن أن الخمر غالب ما يُتّخذ منْ هاتين الشجرتين، فتبيّن أن المراد بالخمر فِي الآية هو المبين فِي هَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ سبق آنفاً أن الْحَدِيث ليس عَلَى الحصر، وإنما هو عَلَى الغالب، فلا ينافي ما ثبت فِي الأحاديث الصحيحة منْ أن الخمر كلّ ما خامر العقل، سواء كَانَ متّخذًا منْ هاتين الشجرتين، أو منْ غيرهما منْ الحبوب، كالبرّ والشعير، والذرة، والعسل، ونحوها. (ومنها): أنه تقدّم أن الأصحّ أن الآية نزلت قبل تحريم الخمر؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يمتنّ عَلَى عباده بما حرّمه عليهم، وإنما الامتنان بالحلال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5576 -
(أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةُ وَالْعِنَبَةُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "زياد بن أيوب": هو الحافظ الثبت المعروف بدلويه. و"الحجّاج الصوّاف": هو ابن أبي عثمان/ ميسرة، أو سالم، أبو الصلت الكنديّ مولاهم البصريّ الثقة الحافظ [6].
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5577 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، قَالَا: "السَّكَرُ خَمْرٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "شريك": هو ابن عبد الله النخعيّ القاضي الكوفيّ، صدوقْ يُخطىء كثيراً، وتغيّر بعد توليه القضاء [8]. و"مغيرة": هو ابن مقسم الضبيّ الكوفيّ، ثقة متقن، إلا أنه يدلس [6]. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ الفقيه الحجة الكوفيّ [5]. و"الشعبيّ": هو عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ الكوفيّ الثقة الفقيه الحجة [3].
والحديث مقطوع صحيح الإسناد، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -19/ 5576 - وفي "الكبرى" 20/ 5084. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5578 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:"السَّكَرُ خَمْرٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سفيان": هو الثوريّ. و"حبيب بن أبي عمرو": تقدّم قريبًا. والحديث مقطوع صحيح الإسناد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5579 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
جَرِيرٌ عَنْ حَبِيبٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:"السَّكَرُ خَمْرٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "جرير": هو ابن عبد الحميد. والحديث مقطوع صحيح أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5580 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(3)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:"السَّكَرُ حَرَامٌ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ حَلَالٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سفيان": هو الثوريّ. و"أبو حصين" -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين-: هو عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ سنّي، وربما دلّس [4].
والحديث مقطوع صحيح أيضاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
20 - (ذِكْرِ أَنْوَاعِ الأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ مِنْهَا الْخَمْرُ حِينَ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا)
5581 -
(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(3)
وفي نسخة: "أخبرنا".
قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رضى الله عنه، يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [10] 21/ 22.
2 -
(ابن عليّة) إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [8] 18/ 19.
3 -
(أبو حيّان) يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقة عابد [6] 1/ 3681.
4 -
(الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 66/ 82.
5 -
(ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما 12/ 12.
6 -
(عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه 60/ 75. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، ورواية الابن عن أبيه، وفيه أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وأبوه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ فِي "الفتح" 11/ 169 - : هَذَا الْحَدِيث أورده أصحاب المسانيد، والأبواب، فِي الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكمَ الرفع؛ لأنه خبر صحابي، شهد التنزيل، أخبر عن سبب نزولها، وَقَدْ خطب به عمر رضي الله عنه عَلَى المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر الآية المذكورة، فِي أول "كتاب الأشربة"، وهي آية المائدة:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90]، فأراد عمر رضي الله عنه التنبيه عَلَى أن المراد بالخمر فِي هذه الآية، ليس خاصا بالمتخذ منْ العنب، بل يتناول المتخذ منْ غيرها، ويوافقه حديث أنس رضي الله عنه الماضي، فإنه يدلّ عَلَى أن الصحابة فهموا منْ تحريم الخمر، تحريم
كل مسكر، سواء كَانَ منْ العنب أم منْ غيرها، وَقَدْ جاء هَذَا الذي قاله عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم صريحا، فأخرج أصحاب "السنن" الأربعة، وصححه ابن حبّان منْ وجهين، عن الشعبي: أن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قَالَ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الخمر منْ العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر"، لفظ أبي داود، وكذا ابن حبّان زاد فيه: أن النعمان خطب النَّاس بالكوفة. ولأبي داود منْ وجه آخر، عن الشعبي، عن النعمان رضي الله عنه بلفظ: إن منْ العنب خمرا، وإن منْ التمر خمرا، وإن منْ العسل خمرا، وإن منْ البر خمرا، وإن منْ الشعير خمرا"، ومن هَذَا الوجه أخرجها أصحاب "السنن"، والتي قبلها فيها الزبيب دون العسل. ولأحمد منْ حديث أنس رضي الله عنه بسند صحيح عنه، قَالَ: "الخمر منْ العنب، والتمر، والعسل"، ولأحمد منْ حديث أنس بسند صحيح عنه، قَالَ: "الخمر منْ العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة"، أخرجه أبو يعلى منْ هَذَا الوجه، بلفظ: "حُرّمت الخمر يوم حرمت، وهي
…
فذكرها، وزاد "الذرة"، وأخرج الخلعي فِي "فوائده" منْ طريق خلاد بن السائب، عن أبيه رفعه، مثل الرواية الثانية، لكن ذكر الزبيب بدل الشعير، وسنده لا بأس به، ويوافق ذلك ما عند البخاريّ فِي "التفسير" منْ حديث ابن عمر:"نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب". قاله فِي "الفتح" جـ 11/ 169.
(يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ المَدِينَةِ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ) وفي الرواية الآتية: "سمعت عمر بن الخطاب عَلَى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: أما بعد، فإن الخمر نزل تحريمها
…
"، وفي رواية البيهقي: "فحمد الله، وأثنى عليه" (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ) أي فِي أول يوم نزل فيه (وَهِيَ منْ خَمْسَةٍ) جملة حالية فِي محلّ نصب: أي نزل تحريم الخمر، فِي حال كونها تُصنَع منْ خمسة (مِنَ الْعِنَبِ) الجارّ والمجرور بدل مما قبله، و"العنب" بكسر، ففتح، جمعه أعناب، والعنبة: الحبّة، ولا يقال له: عِنب، إلا وهو طَرِيّ، فإذا يبس، فهو الزبيب. قاله فِي "المصباح"(وَالتَّمْرِ) يُذكّر ويؤنّث، فيقال: هو التمر، وهي التمر (وَالْعَسَلِ) بفتحتين، يذكر، ويؤنّث، وهو الأكثر، ومن التأنيث قول الشاعر:
بِهَا عَسَلٌ طَابَتْ يَدَا مَنْ يَشُورُهَا
ويُصغّر عَلَى عُسيلة عَلَى لغة التأنيث؛ ذهابًا إلى أنها قطعة منْ الجنس، وطائفة منه، كما فِي حديث:"حَتَّى تذوقي عُسيلته، ويذوق عسيلتك"(وَالْحِنْطَةِ) بكسر، فسكون: هي البرّ، والقَمْح، والطعام، فكلها بمعنى واحد، وبائعها حنّاط، مثل البزّاز، والعطّار
(وَالشَّعِيرِ) بفتح، فكسر، ويقال: بكسرتين أيضًا، وهو الحبّ المعروف، قَالَ الزجّاج: وأهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يذكره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. أفاده فِي "المصباح".
[فائدة]: قَالَ السيد محمد مرتضى الزبيديّ اللغوي رحمه الله تعالى فِي "شرح القاموس": قَالَ عمر بن خلف بن مكي: كلُّ فَعِيل وسطه حرف حلق مكسور يجوز كسر ما قبله، أو كسر فائه؛ إتباعًا للعين، فِي لغة تميم، كشعير، ورحيم، ورغيف، وما أشبه ذلك، بل زعم الليث أن قومًا منْ العرب يقولون: ذلك وإن لم تكن عينه حرف حلق، ككبير، وجليل، وكريم. انتهى "تاج العروس منْ جواهر القاموس" 3/ 304 فِي مادة الراء. فاحفظه فإنه مهمّ جدًّا. والله تعالى أعلم.
(وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ) أي غطاه، أو خالطه، فلم يتركه عَلَى حاله، وهو منْ مجاز التشبيه، و"العقل": هو آلة التمييز، فلذلك حُرّم ما غطاه، أو غَيَّره؛ لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله منْ عباده؛ ليقوموا بحقوقه. قَالَ الكرماني: هَذَا تعريف بحسب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل، منْ عصير العنب خاصة، كذا قَالَ، وفيه نظر؛ لأن عمر رضي الله عنه ليس فِي مقام تعريف اللغة، بل هو فِي مقام تعريف الحكم الشرعي، فكأنه قَالَ: الخمر الذي وقع تحريمه فِي لسان الشرع، هو ما خامر العقل، عَلَى أن عند أهل اللغة اختلافا فِي ذلك، كما تقدّم، ولو سلم أن الخمر فِي اللغة يختص بالمتخذ منْ العنب، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وَقَدْ تواردت الأحاديث عَلَى أن المسكر منْ المتخذ منْ غير العنب، يسمى خمرا، والحقيقة الشوعية مقدمة عَلَى اللغوية، وَقَدْ ثبت عند مسلم، وأصحاب السنن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الخمر منْ هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة"، قَالَ البيهقي: ليس المراد الحصر فيها؛ لأنه ثبت أن الخمر تتخذ منْ غيرهما فِي حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعا لا تختص بالمتخذ منْ العنب. أفاده فِي "الفتح" 11/ 170 وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عمر رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -20/ 5580 و5581 و5582 - وفي "الكبرى" 21/ 5088 و5089
و5090. وأخرجه (خ) فِي "التفسير" 4619 و"الأشربة" 5581 و5588 و5590 (م) فِي "التفسير" 3032 و3033 (د) فِي "الأشربة" 3669 (ت) فِي "الأشربة" 1872.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الأنواع التي كانت تتّخذ منها الخمر وقت نزول آية تحريم الخمر، وهي هذه الخمسة. (ومنها): ذكر الأحكام عَلَى المنبر؛ لتشتهر بين السامعين. (ومنها): ذكر "أما بعد" فيها، كما ثبت فِي رواية الإسماعيليّ. (ومنها): التنبيه بالنداء. (ومنها): التنبيه عَلَى شرف العقل وفضله.
(ومنها): ما قاله الخطّابيّ، إنما عَدّ عمر الخمسة المزكورة لاشتهار أسمائها فِي زمانه، ولم تكن كلها توجد بالمدينة الوجود العام، فإن الحنطة كانت بها عزيزة، وكذا العسل، بل كَانَ أعزّ، فعد عمر ما عُرف فيها، وجعل ما فِي معناها مما يُتَّخذ منْ الأرز وغيره خمرا، إن كَانَ مما يخامر العقل، وفي ذلك دليل عَلَى جواز إحداث الاسم بالقياس، وأخذه منْ طريق الاشتقاق، كذا قَالَ، ورَدّ بذلك ابن العربي، فِي جواب منْ زعم أن قوله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر خمر": معناه: مثل الخمر؛ لأن حذف مثل ذلك مسموع شائع، قَالَ: بل الأصل عدم التقدير، ولا يصار إلى التقدير إلا إلى الحاجة.
[فإن قيل]: احتجنا إليه لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يبعث لبيان الأسماء. [قلنا]: بل بيان الأسماء منْ جملة الأحكام لمن لا يعلمها ، ولاسيما ليقطع تعلق القصد بها، قَالَ: وأيضاً لو لم يكن الفضيخ خمرا، ونادى المنادي:"حُرِّمت الخمر" لم يبادروا إلى إراقتها، ولم يفهموا أنها داخلة فِي مسمى الخمر، وهم الفُصْحُ اللُّسْنُ.
[فإن قيل]: هَذَا إثبات اسم بقياس. [قلنا]: إنما هو إثبات اللغة عن أهلها، فإن الصحابة رضي الله عنهم عرب فصحاء، فهموا منْ الشرع ما فهموه منْ اللغة، ومن اللغة ما فهموه منْ الشرع. وذكر ابن حزم أن بعض الكوفيين، احتج بما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن عمر، بسند جيد قَالَ:"أما الخمر فحرام، لا سبيل إليها، وأما ما عداها منْ الأشربة، فكل مسكر حرام"، قَالَ: وجوابه أنه ثبت عن ابن عمر أنه قَالَ: "كل مسكر خمر"، فلا يلزم منْ تسمية المتخذ منْ العنب خمرا، انحصار اسم الخمر فيه، وكذا احتجوا بحديث ابن عمر أيضاً:"حرمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء"، مراده المتخذ منْ العنب، ولم يُرِد أن غيرها لا يسمى خمرا، بدليل حديثه الآخر:"نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة خمسة أشربة، كلها تدعي الخمر، ما فيها خمر العنب". ذكره فِي "الفتح" 11/ 174. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قَالَ فِي "الفتح" 11/ 170 - 173: جعل الطحاوي هذه الأحاديث
متعارضة، وهي حديث أبي هريرة، فِي أن الخمر منْ شيئين، مع حديث عمر، ومن وافقه، أن الخمر منْ غيرهما، وكذا حديث ابن عمر:"لقد حرمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء"، وحديث أنس -يعني المتقدم ذكره، وبيان اختلاف ألفاظه- منها:"إن الخمر حرمت، وشرابهم الفضيخ"، وفي لفظ له:"وأنا نَعُدّها يومئذ خمرا"، وفي لفظ له:"إن الخمر يوم حرمت: البسر والتمر"، قَالَ: فلما اختلف الصحابة فِي ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة عَلَى أن عصير العنب إذا اشتد وغلى، وقذف بالزبد فهو خمر، وأن مستحله كافر، دل عَلَى أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة؛ إذ لو عملوا به لكفروا مستحلى نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل فِي الخمر، غير المتخذ منْ عصير العنب. انتهى.
ولا يلزم منْ كونهم لم يكفروا مستحل نبيذ التمر، أن يمنعوا تسميته خمرا، فقد يشترك الشيئان فِي التسمية، ويفترقان فِي بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق عَلَى أن حكم المسكر منْ نبيذ التمر، حكم قليل العنب فِي التحريم، فلم تبق المشاححة إلا فِي التسمية، والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره، بحمل حديث أبي هريرة عَلَى الغالب: أي أكثر ما يُتخذ الخمر منْ العنب والتمر، ويُحمَل حديث عمر ومن وافقه، عَلَى إرادة استيعاب ذكر ما عُهد حينئذ أنه يتخذ منه الخمر، وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يطلق عَلَى ما لا يتخذ منْ العنب؛ لأن نزول تحريم الخمر لم يصادف عند منْ خوطب بالتحريم حينئذ إلا ما يتخذ منْ غير العنب، أو عَلَى إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة، وإن كانت موجودة فيها بقلة، فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتخذ مما عداها كالعدم، وَقَدْ قَالَ الراغب فِي "مفردات القرآن": سمي الخمر لكونه خامرا للعقل: أي ساترا له، وهو عند بعض النَّاس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم للمتخذ منْ العنب خاصة، وعند بعضهم للمتخذ منْ العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرجع أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرا حقيقة، وكذا قَالَ أبو نصر بن القشيري فِي ""تفسيره": سميت الخمر خمرا؛ لسترها العقل، أو لاختمارها، وكذا قَالَ غير واحد منْ أهل اللغة، منهم أبو حنيفة الدينوري، وأبو نصر الجوهري، ونقل عن ابن الأعرابيّ، قَالَ: سميت الخمر؛ لأنها تركت حَتَّى اختمرت، واختمارها تغير رائحتها، وقيل: سميت بذلك لمخامرتها العقل.
نعم جزم ابنُ سِيدَهْ فِي "المحكم" بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب، وغيرها منْ المسكرات يسمى خمرا مجازا. وَقَالَ صاحب "الفائق" فِي حديث:"إياكم والغبيراء، فإنها خمر العالم": هي نبيذ الحبشة، متخذة منْ الذرة، سميت الغبيراء لما فيها منْ
الغبرة، وقوله:"خمر العالم": أي هي مثل خمر العالم، لا فرق بينها وبينها.
قَالَ الحافظ: وليس تأويله هَذَا باولى منْ تأويل منْ قَالَ: أراد أنها معظم خمر العالم، وَقَالَ صاحب "الهداية" منْ الحنفية: الخمر عندنا ما اعتُصر منْ ماء العنب، إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم، قَالَ: وقيل: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر"، وقوله:"الخمر منْ هاتين الشجرتين"، ولأنه منْ مخامرة العقل، وذلك موجود فِي كل مسكر، قَالَ: ولنا إطباق أهل اللغة عَلَى تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولان تحريم الخمر قطعي، وتحريم ما عدا المتخذ منْ العنب ظني، قَالَ: وإنما سمي الخمر خمرا؛ لتخمره، لا لمخامرة العقل، قَالَ: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصا فيه، كما فِي النجم، فإنه مشتق عن لظهور، ثم هو خاص بالثريا. انتهى.
[والجواب]: عن الحجة الأولى، ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة، بأن غير المتخذ منْ العنب يسمى خمرا، وَقَالَ الخطّابيّ: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا منْ العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ حن العنب خمرا، عرب فصحاء، فلو لم يكن هَذَا الاسم صحيحا، لما أطلقوه. وَقَالَ ابن عبد البرّ: قَالَ الكوفيون: إن الخمر منْ العنب؛ لقوله تعالى: {أَعْصِرُ خَمْرًا} ، قَالَ: فدل عَلَى أن الخمر هو ما يُعتصر، لا ما ينتبذ، قَالَ: ولا دليل فيه عَلَى الحصر، وَقَالَ أهل المدينة، وسائر الحجازيين، وأهل الْحَدِيث كلهم: كل مسكر خمر، وحكمه حكم ما اتُّخذ منْ العنب، ومن الحجة لهم: أن القرآن لَمّا نزل بتحريم الخمر، فَهِم الصحابة، وهم أهل اللسان، أن كل شيء يسمى خمرا، يدخل فِي النهي، فأراقوا المتخذ منْ التمر والرطب، ولم يخصوا ذلك بالمتخذ منْ العنب، وعلى تقدير التسليم، فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرا منْ الشرع، كَانَ حقيقة شرعية، وهي مقدمة عَلَى الحقيقة اللغوية.
[وعن الثانية]: ما تقدّم منْ أن اختلاف مشتركين فِي الحكم فِي الغلظ، لا يلزم منه افتراقهما فِي التسمية، كالزنا مثلا، فإنه يصدق عَلَى منْ وطىء أجنبية، وعلى منْ وطىء امرأة جاره، والثاني أغلظ منْ الأول، وعلى من وطىء محرما له، وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة، وأيضاً فالأحكام الفرعية، لا يشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم منْ القطع بتحريم المتخذ منْ العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ منْ غيره، أن لا يكون حراما، بل يحكم بتحريمه، إذا ثبت بطريق ظني تحريمه، وكذا تسميته خمراً. والله أعلم.
[وعن الثالثة]: ثبوت النقل عن أعلم النَّاس بلسان العرب بما نفاه هو، وكيف
يستجيز أن يقول: لا لمخامرة العقل، مع قول عمر بمحضر الصحابة:"الخمر ما خامر العقل"، كأن مستنده ما ادعاه منْ اتفاق أهل اللغة، فيُحمَل قول عمر عَلَى المجاز، لكن اختلف قول أهل اللغة فِي سبب تسمية الخمر خمرا، فَقَالَ أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمرا؛ لأنها تخامر العقل: أي تخالطه، قَالَ: ومنه قولهم: خامره الداء: أي خالطه. وقيل: لأنها تخمر العقل: أي تستره، ومنه الْحَدِيث:"خَمِّروا آنيتكم"، ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها، وهذا أخص منْ التفسير الأول؛ لأنه لا يلزم منْ المخالطة التغطية. وقيل: سميت خمرا؛ لأنها تُخمَّر حَتَّى تُدرِك، كما يقال: خَمّرت العجين، فتخمر: أي تركته حَتَّى أدرك، ومنه خمرت الرأي: أي تركته حَتَّى ظهر وتحرر. وقيل: سميت خمرا؛ لأنها تُغَطَّى حَتَّى تَغلِي، ومنه حديث المختار بن فلفل، قلت لأنس: الخمر منْ العنب، أو منْ غيرها؟ قَالَ:"ما خمرت منْ ذلك، فهو الخمر"، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، ولا مانع منْ صحة هذه الأقوال كلها؛ لثبوتها عن أهل اللغة، وأهل المعرفة باللسان.
قَالَ ابن عبد البرّ: الأوجه كلها موجودة فِي الخمرة؛ لأنها تُركت حَتَّى أَدركت، وسكنت، فإذا شُربت خالطت العقل، حَتَّى تغلب عليه، وتغطيه.
وَقَالَ القرطبيّ: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره، عَلَى صحتها وكثرتها، تبطل مذهب الكوفيين القائلين: بأن الخمر لا يكون إلا منْ العنب، وما كَانَ منْ غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسنة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر، فهموا منْ الأمر باجتناب الخمر، تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ منْ العنب، وبين ما يتخذ منْ غيره، بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا ، ولم يشكل عليهم شيء منْ ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كَانَ منْ غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كَانَ عندهم فيه تردد، لتوقفوا عن الإراقة، حَتَّى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم؛ لما كَانَ تقرر عندهم منْ النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصا، فصار القائل بالتفريق سالكا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر رضي الله عنه بما يوافق ذلك، وهو ممن جعل الله الحق عَلَى لسانه وقلبه، وسمعه الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكار ذلك، وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمرا، لزم تحريم قليله وكثيره، وَقَدْ ثبتت الأحاديث الصحيحة فِي ذلك، ثم ذكرها، قَالَ: وأما الأحاديث عن الصحابة التي تمسك بها المخالف، فلا يصح منها شيء، عَلَى ما قَالَ عبد الله بن المبارك، وأحمد،
وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها، فهو محمول عَلَى نقيع الزبيب، أو التمر منْ قبل أن يدخل حد الإسكار؛ جمعا بين الأحاديث.
قَالَ الحافظ: ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما فِي حديث سهل بن سعد الساعديّ أن أبا أُسيد الساعديّ دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم لعُرسه، فأنقعت امرأته له تمرات منْ الليل فِي تور، فسقته منه، ولا فرق فِي الحل بينه وبين عصير العنب، أول ما يعصر، وإنما الخلاف فيما اشتدّ منهما، هل يفترق الحكم فيه أو لا، وَقَدْ ذهب بعض الشافعيّة إلى موافقة الكوفيين، فِي دعواهم أن اسم الخمر خاص بما يُتخذ منْ العنب، مع مخالفتهم له فِي تفرقتهم فِي الحكم، وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيره منْ كل شراب، فَقَالَ الرافعي: ذهب أكثر الشافعيّة إلى أن الخمر حقيقة فيما يُتخذ منْ العنب، مجاز فِي غيره، وخالفه ابن الرفعة، فنقل عن المزني، وابن أبي هريرة، وأكثر الأصحاب: أن الجميع يسمى خمرا حقيقة، قَالَ: وممن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان: أبو الطيب، والروياني، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعي للأكثر لم يجد نقله عن الأكثر، إلا فِي كلام الرافعي، ولم يتعقبه النوويّ فِي "الروضة"، لكن كلامه فِي "شرح مسلم" يوافقه، وفي "تهذيب الأسماء" يخالفه، وَقَدْ نقل ابن المنذر، عن الشافعيّ، ما يوافق ما نقلوا عن المزني، فَقَالَ: قَالَ: إن الخمر منْ العنب، ومن غير العنب عمر، وعلي، وسعيد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عبّاس، وعائشة، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعروة، والحسن، وسعيد بن جبير، وآخرون، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وعامة أهل الْحَدِيث.
ويمكن الجمع بأن منْ أطلق عَلَى غير المتخذ منْ العنب حقيقة، يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية، وَقَدْ أجاب بهذا ابن عبد البرّ، وَقَالَ: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي، دون اللغوي. والله أعلم.
قَالَ الحافظ: وَقَدْ قدمت فِي "باب نزول تحريم الخمر، وهو منْ البسر" إلزام منْ قَالَ بقول أهل الكوفة: إن الخمر حقيقة فِي ماء العنب، مجاز فِي غيره، أنه يلزمهم أن يجوزوا إطلاق اللفظ الواحد عَلَى حقيقته ومجازه؛ لأن الصحابة لَمّا بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كَانَ يطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ومجازا، وإذا لم يجوزوا ذلك صح أن الكل خمر حقيقة، ولا انفكاك عن ذلك، وعلى تقدير إرخاء العنان، والتسليم أن الخمر حقيقة فِي ماء العنب خاصة، فإنما ذلك منْ حيث الحقيقة اللغوية، فأما منْ حيث الحقيقة الشرعية، فالكل خمر حقيقة؛ لحديث:"كلُّ مسكر خمر"، فكلُّ ما اشتد كَانَ
خمرا، وكل خمر يحرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم. وبالله تعالى التوفيق. انتهى "الفتح"، وهو بحث نفيس جدًّا، فاغتنمه تَسعَد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5582 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ زَكَرِيَّا، وَأَبِى حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رضى الله عنه، عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا، وَهِىَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ").
رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"ابن إدريس": هو عبد الله الأودي الكوفيّ. و"زكريا": هو ابن أبي زائدة. والسند مسلسل بثقات الكوفيين، وفيه أن شيخ المصنّف أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، كشيخه المذكور فِي السند الماضي.
والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5583 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "الْخَمْرُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ التَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْعِنَبِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعَالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو حافظ ثقة. و"عبيد الله": هو ابن موسى العبسيّ. و"إسرائيل": هو ابن يونس. و"أبو حصين": هو عثمان بن عاصم، وَقَدْ تقدّم فِي الباب الماضي. و"عامر": هو الشعبيّ.
والحديث موقوف صحيح الإسناد، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -20/ 5582 - وفي "الكبرى" 21/ 5090. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
21 - (تَحْرِيمِ الأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ مِنَ الأَثْمَارِ، وَالْحُبُوبِ، كَانَتْ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَاَ لِشَارِبِيهَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن قوله: "كانت" زائدة، وقوله:"لشاربيها" متعلّق بـ"تحريم"، و"اللام بمعنى "عَلَى". ولفظ "الكبرى":"تحريم الأشربة المسكرة منْ أي الأشجار، والحبوب، كانت عَلَى اختلاف أجناسها؛ لتساوي أفعالها". أي لتساويها فِي الإسكار. والله تعالى أعلم بالصواب.
5584 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَنَا يَنْبِذُونَ لَنَا شَرَابًا عَشِيًّا، فَإِذَا أَصْبَحْنَا شَرِبْنَا، قَالَ: أَنْهَاكَ عَنِ الْمُسْكِرِ، قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَأُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكَ أَنْهَاكَ عَنِ الْمُسْكِرِ، قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَأُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكَ، إِنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ يَنْتَبِذُونَ شَرَابًا مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَيُسَمُّونَهُ كَذَا وَكَذَا، وَهِيَ الْخَمْرُ، وَإِنَّ أَهْلَ فَدَكٍ يَنْتَبِذُونَ شَرَابًا مِنْ كَذَا وَكَذَا، يُسَمُّونَهُ كَذَا وَكَذَا، وَهِيَ الْخَمْرُ، حَتَّى عَدَّ أَشْرِبَةً أَرْبَعَةً، أَحَدُهَا الْعَسَلُ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(ابن عون) هو عبد الله، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [5] 29/ 33.
2 -
(ابن سيرين) هو محمد الأنصاريّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [3] 46/ 57. والباقون تقدّموا قريباً. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ) محمد (بْنِ سِيرِينَ) رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى) عبد الله (بنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَنَا يَنْبِذُونَ) بكسر الموحدة (لَنَا شَرَابًا عَشِيًّا) وفي "الكبرى": "عشاء": أي وقت العشيّ، قيل: العشيّ: ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه قيل: للظهر والعصر: صلاتا العشيّ. وقيل: هو آخر النهار. وقيل: العشيّ منْ الزوال إلى الصباح. وقيل: العشيّ، والعشاء منْ صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس: العشاءان: المغرب والعتمة. قَالَ ابن الأنباري: العشية مؤنثةٌ، وربّما ذكّرتها
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
العرب عَلَى معنى العشيّ. وَقَالَ بعضهم: العشيّة واحدةٌ، جمعها عشيّ. قاله الفيّوميّ (فَإِذَا أَصْبَحْنَا) أي دخلنا وقت الصباح (شَرِبْنَا) أي فهل هَذَا جائز، أم لا؟ (قَالَ) ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (أَنْهَاكَ عَنِ الْمُسْكِرِ) أي عن شربه (قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ) بالجرّ عَلَى البدليّة (وَأُشْهِدُ اللهَ عَلَيْكَ) منْ الإشهاد: أي أجعل الله تعالى شاهدا عليك عَلَى أني (أَنْهَاكَ عَنِ الْمُسْكِرِ) أي عن شربه (قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَأُشْهِدُ اللهَ عَلَيْكَ، أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ) الظاهر أن همزة "أن" هنا وفي قوله: "أن أهل فدك" مفتوحة؛ لأنها وقعت موقع المصدر، والتقدير وأشهد الله عليك عَلَى أن أهل خيبر الخ. و"خيبر": هي البلدة المعروفة، بينها وبين مدينة النبيّ صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثة أيام (يَنْتَبذُونَ شَرَابًا مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَيُسَمُّونَهُ كَذَا وَكَذَا) بغير اسم الخمر (وَهِيَ الْخَمْرُ، وَإِنَّ أَهْلَ فَدَكِ) بفتحتين: بلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة، وهي مما أفاء الله عَلَى رسوله صلى الله عليه وسلم، وتنازعها عليّ والعبّاس فِي خلافة عمر رضي الله عنهم، فَقَالَ عليّ: جعلها النبيّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة، وولدها، وأنكره العبّاس، فسلّمها عمر لهما. قاله الفيّوميّ (يَنْتَبِذُونَ شَرَابًا مِنْ كَذَا وَكَذَا، يُسَمُّونَهُ كَذَا وَكَذَا، وَهِيَ الْخَمرُ، حَتَّى عَدَّ) ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (أَشْرِبَةً) بفتح أوله، وكسر ثالثه: جمع شراب (أَرْبَعَةً) بالنصب صفة لـ"أشربة"(أَحَدُهَا الْعَسَلُ) وغرض ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بهذا أن النَّاس لهم عادات فِي الانتباذ، كلّ أهل بلد لهم نوع خاصّ ينتبذون منه، ويسمون باسم معين، وكلها منْ جملة الخمر المحرّمة؛ لكونها مسكرة.
والحاصل أنه رضي الله عنه حذّره، ونبّهه عَلَى أن لا يشرب مسكرًا، متعللاً بأن النَّاس لا يسمون الخمر إلا ما يُعصر منْ العنب، فإن الخمر يعمّ كلّ نوع أسكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -21/ 5583 - وفي "الكبرى" 22/ 5091. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
22 - (إِثْبَاتِ اسْمِ الْخَمْرِ لِكُلِّ مُسْكِرٍ مِنَ الأَشْرِبَةِ)
5585 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [8] 3/ 3.
2 -
(أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [5] 42/ 48.
3 -
(نافع) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت [3] 12/ 12.
4 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما 12/ 12. وسُويد بن نصر، وعبد الله ابن المبارك تكرّرا فِي الأبواب السابقة كثيرًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن المراد أن الخمر اسم لكلّ ما يوجد فيه السُّكْرُ منْ الأشربة، ومن ذهب إلى هَذَا قَالَ: إن للشريعة أن تُحدث الأسماء بعد أن لم تكن، كما أن لها أن تضع الأحكام. ويحتمل أن معناه أن كلّ مسكر سوى الخمر كالخمر فِي الحرمة والحدّ، وعلى هَذَا، فهو يؤكّد ما قبله. ويحتمل أن يراد أنه كالخمر فِي الحدّ فقط، فهو تأسيس. والله تعالى أعلم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الحقّ، لكن لا لِمَا أشار إليه منْ أن هَذَا اسم شرعيّ فقط، بل لأنه اسم شرعيّ، ولغويّ، فقد تقدّم أن الصواب أن الخمر لغة اسم لكل ما خامر العقل، سواء كَانَ منْ عصير العنب، أو التمر، أو العسل، أو
الذرة، أو غيرها، كما بينه عمر رضي الله عنه فِي خطبته، وغيره منْ الصحابة، وَقَالَ به محقّقو أهل اللغة، فقد تقدّم البحث فِي هَذَا مستوفًى قبل باب، فراجعه بإمعان، يزول عنك الغشيان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجة مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -22/ 5584 و5585 و5586 و5587 و5588 و23/ 5589 و24/ 5607 و48/ 5701 و5702 و5703 - وفي "الكبرى" 23/ 5092 و5093 و5094 و5095 و5096 و24/ 5097. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 203 و204 و205 (د) فِي "الأشربة" 3679 و3390 و3393 (ت) فِي "الأشربة" 1861 (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 4630 و4815 و4848 و5616 و5697 و5786 و6144 و6183. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5586 -
(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ". قَالَ الْحُسَيْنُ: قَالَ أَحْمَدُ: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "قَالَ الحسين": أي بن منصور بن جعفر شيخ المصنّف فِي هَذَا الْحَدِيث. وقوله: "قَالَ أحمد": أي ابن حنبل.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ سبق البحث عنه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5587 -
(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يحيى بن دُرُست": هو البصريّ الثقة [10]. والباقون هم المذكورون فِي السند الماضي. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5588 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عليّ بن ميمون": هو الرّقّيّ العطّار الثقة [10] منْ أفراد المصنّف، وابن ماجه. و"ابن أبي رَوّاد": هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد المكيّ، صدوقٌ يُخطىء، وكان مرجئا، أفرط ابن حبّان، فَقَالَ: متروك [9] 127/ 2910 منْ رجال مسلم، والأربعة.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5589 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
23 - (تَحْرِيمِ كُلِّ شَرَابٍ أَسْكَرَ)
5590 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"محمد بن عمرو": هو ابن علقمة بن وقاص الليثيّ المدنيّ. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الفقيه المدنيّ. والحديث أخرجه مسلم، وسبق القول فيه فِي الباب الماضي والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
5591 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهم المذكور فِي السند الماضي.
والحديث صحيحٌ، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -23/ 5590 - وفي "الكبرى" 24/ 5098. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5592 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ الثقة القارىء. و"محمد": هو ابن عمرو بن علقمة المذكور فِي السند الماضي.
وقوله: "أن ينبذ الخ" بالبناء للمفعول، وَقَدْ جاء تفسير هذه الأوعية عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فيما أخرجه مسلم منْ طريق زاذان، قَالَ:"سألت ابن عمر عن الأوعية؟ فقلت: أخبرناه بلغتكم، وفسره لنا بلغتنا، فَقَالَ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحنتمة، وهي الجرة، وعن الدباء، وهي القرعة، وعن النقير، وهي أصل النخلة تُنقَر نَقْرًا، وعن المزفت، وهو المقير". وأخرج أبو داود الطيالسي، وابن أبي عاصم، والطبراني، منْ حديث أبي بكرة، قَالَ:"نُهِينا عن الدباء، والنقير، والحنتم، والمزفت"، فاما الدباء فإنا معشر ثقيف بالطائف، كنا نأخذ الدباء، فنخرط فيها عناقيد العنب، ثم نَدفِنها، ثم نتركها حَتَّى تهدر، ثم تموت، وأما النقير، فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة، فيشدخون فيه الرطب والبسر، ثم يدعونه حَتَّى يهدر، ثم يموت، وأما الحنتم، فجرار جاءت تُحمَل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت، فهي هذه الأوعية التي فيها هَذَا الزفت" راجع "الفتح" 11/ 167 - 168. وسيأتي بيان نسخ النهي عن الأوعية بعد نحو خمسة عشر بابًا، إن شاء الله تعالى.
والحديث صحيحٌ، وهو منْ أفراد المصنّف أيضًا، أخرجه هنا -23/ 5591 - وفي "الكبرى" 24/ 5099. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5593 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ زَبْرٍ، عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"لَا تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا الْمُزَفَّتِ، وَلَا النَّقِيرِ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
قَالَ الجامع عفا اللهَ تعالى عنه: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الْحَرّانيّ، ثقة حافظ [11] منْ أفراد المصنّف. و"محمد ابن سُليمان": هو ابن أبي داود الْحَرّانيّ، الملقّب بُومة -بضم الموحّدة، وسكون الواو- صدوقٌ [9].
و"ابن زبر" -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة-: هو عبد الله بن العلاء بن زبر الدمشقيّ الرَّبَعيّ، نُسب لجدّه، ثقة [7].
[تنبيه]: وقع فِي معظم النسخ: "ابن زيد" بدل "ابن زبر"، وهو تصحيف فاحش، والصواب ما فِي بعض النسخ:"ابن زبر" بالموحدة، والراء، راجع "تحفة الأشراف" 12/ 263 - 264. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيحٌ، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -23/ 5592 - وفي "الكبرى" 24/ 5100. وسيأتي شرحه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5594 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَقُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ"، قَالَ قُتَيْبَةُ: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "كلُّ شراب أسكر الخ": قَالَ فِي "الفتح" 1/ 471: أي كَانَ منْ شأنه الإسكار، سواء حصل السكر، أم لا، قَالَ الخطّابيّ: فيه دليلٌ عَلَى أن قليل المسكر وكثيره حرام، منْ أيّ نوع كَانَ؛ لأنها صيغة عموم، أُشير بها إلى جنس الشراب الذي يكون منه السكر، فهو كما لو قَالَ: كلّ طعام أشبع فهو حلال، فإنه يكون دالاً عَلَى حل كلّ طعام منْ شأنه الإشباع، وان لم يحصل به لبعض، دون بعض. انتهى "فتح" 1/ 471 "كتاب الوضوء". وتمام البحث فِي الْحَدِيث يأتي فِي الذي بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5595 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ ح وَأَنْبَأَنَا
(1)
سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ:"كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ". اللَّفْظُ لِسُوَيْدٍ).
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.
2 -
(سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، ثقة [10] 45/ 55.
3 -
(عبد الله) بن المبارك الإِمام الحجة الثبت [8] 32/ 36.
4 -
(مالك) بن أنس الإِمام الحجة الثبت المدنيّ [7] 7/ 7.
5 -
(ابن شهاب) محمدا بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإِمام الحجة الثبت [4] 1/ 1.
6 -
(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 1/ 1.
7 -
(عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها 5/ 5. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني، فهو أنزل منْ الأول بدرجة. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فقد تفرد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني مروزيّ، كشيخه، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة عَلَى بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ) بالبناء للمفعول (عَنِ الْبِتْعِ؟) بكسر الموحدة، وسكون المثناة، وَقَدْ تفتح، وهي لغة يمانية. قاله فِي "الفتح"، وَقَالَ النوويّ: هو بباء موحّدة مكسورة، ثم مثناة فوقُ ساكنة، ثم عين مهملة، وهو نبيذ العسل، وهو شراب أهل اليمن، قَالَ الجوهريّ: ويقال: أيضًا: بفتح التاء المثنّاة، كقِمْع، وقَمَع. انتهى "شرح مسلم" 13/ 169.
زاد فِي الرواية الآتية: "والبتع هو نبيذ العسل". وفي رواية البخاريّ: "وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه"، قَالَ فِي "الفتح": وظاهره أن التفسير منْ كلام عائشة، ويحتمل أن يكون منْ كلام منْ دونها، ووقع فِي رواية معمر، عن الزهريّ، عند أحمد مثل رواية مالك، لكن قَالَ فِي آخره:"والبتع نبيذ العسل"، وهو أظهر فِي احتمال الإدراج؛ لأنه أكثر ما يقع فِي آخر الْحَدِيث، وَقَدْ أخرجه مسلم منْ طريق معمر، لكن لم يسق لفظه. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لفظ رواية معمر هي الرواية التالية لهذا الْحَدِيث عند المصنّف، وفيها:"والبتع منْ العسل". والله تعالى أعلم.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ولم أقف عَلَى اسم السائل، فِي حديث عائشة صريحا، لكنني أظنه أبا موسى الأشعري، فقد تقدّم فِي "المغازي" منْ طريق سعيد ابن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربة، تُصنَع بها؟ فَقَالَ:"ما هي؟ " قَالَ: البتع، والمزر، فَقَالَ:"كل مسكر حرام"، قلت لأبي بردة: ما البتع؟ قَالَ: نبيذ العسل، وهو عند مسلم منْ وجه آخر، عن سعيد بن أبي بردة، بلفظ: فقلت: يا رسول الله، أفتنا فِي شرابين، كنا نصنعهما باليمن: البتع منْ العسل، يُنبذ حَتَّى يشتد، والمزر منْ الشعير والذرة يُنبذ حَتَّى يشتد؟ قَالَ: وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم، أُعطى جوامع الكلم، وخواتمه، فَقَالَ:"أنهى عن كل مسكر". انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي موسى رضي الله عنه هو الآتي للمصنّف بعد حديثين. والله تعالى أعلم.
قَالَ: وفي رواية أبي داود، التصريح بأن تفسير البتع مرفوع، ولفظه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب منْ العسل؟ فَقَالَ: "ذاك البتع"، قلت: ومن الشعير، والذرة؟ قَالَ: ذاك الْمِزْر، ثم قَالَ:"أَخبِرْ قومك أن كل مسكر حرام". وَقَدْ سأل أبو وهب الجيشاني، عن شيء مما سأله أبو موسى، فعند الشافعيّ، وأبي داود، منْ حديثه، أنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن المزر؟ فأجاب بقوله:"كل مسكر حرام".
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ) أي كل شراب صالح لأن يكون مسكرًا فإنه محرّم، فليس المراد تخصيص التحريم بحالة الإسكار، بل إذا كانت فيه صلاحية الإسكار حرم تناوله، ولو لم يسكر المتناول بالقدر الذي تناوله منه، كما فسّرته الروايات الأخرى:"كلُّ مسكر حرام"، ويؤخذ منْ لفظ السؤال، أنه وقع عن حكم جنس البتع، لا عن القدر المسكر منه؛ لأنه لو أراد السائل ذلك، لقال: أخبرني عما يحل منه وما يحرم، وهذا هو المعهود منْ لسان العرب، إذا سألوا عن الجنس، قالوا: هل هَذَا نافع أو ضار مثلا، وإذا سألوا عن القدر، قالوا: كم يؤخذ منه؟. أفاده فِي "الفتح" 11/ 164 - 165.
وقول: (اللَّفْظُ لِسُوَيْدٍ) يعني أن لفظ هَذَا المتن لشيخه سويد بن نصر، وأما شيخه قتيبة، فراوه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -23/ 5592 و5593 و5594 و5595 و5596 - وفي "الكبرى" 24/ 5100 و5101 و5102 و5103 و5104. وأخرجه (خ) فِي "الوضوء" 242 و"الأشربة" 5585 و5586 و5595 (م) فِي "الأشربة" 1995 و1996 و1997 و1998 و2001 (د) فِي "الأشربة" 3687 و3386 (ت) فِي "الأشربة" 1863 و1866 (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" 23562 و23681 و23903 و23986 و24128 و24135 و24150 و24293 و24490 و24862 و25044 و25363 و (الموطأ) فِي "الأشربة" 1595 (الدارمي) فِي "الأشربة" 2005.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم كلّ شراب أسكر. (ومنها): هَذَا منْ جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم. (ومنها): أنه يستحبّ للمفتي إذا رأى بالسائل حاجة أن يضمّه إلى المسئول عنه، ونظير هَذَا الْحَدِيث حديث:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". (ومنها): أن فيه تحريم كل مسكر، سواء كَانَ متخذا منْ عصير العنب، أو منْ غيره. (ومنها): أنه استُدل بمطلق قوله: "كل مسكر حرام" عَلَى تحريم ما يسكر، ولو لم يكن شرابا، فيدخل فِي ذلك الحشيشة وغيرها، وَقَدْ جزم النوويّ وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مُخَدِّرة، وهو مكابرة؛ لأنها تُحدِث بالمشاهدة ما يُحدث الخمر منْ الطرب، والنشأة، والمداومة عليها، والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة، فقد ثبت فِي أبي داود: النهي عن كل مسكر، ومُفَتِّر، وهو بالفاء. والله أعلم. قاله فِي "الفتح" 11/ 167. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قَالَ المازري رحمه الله تعالى: أجمعوا عَلَى أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال، وعلى أنه إذا اشتد، وغلى، وقذف بالزبد حرم قليله وكثيره، ثم لو حصل له تخلل بنفسه، حل بالإجماع أيضاً، فوقع النظر فِي تبدل هذه الأحكام عند هذه المتخذات، فاشعر ذلك بارتباط بعضها ببعض، ودل عَلَى أن علة التحريم الإسكار، فاقتضى ذلك أن كل شراب وُجد فيه الإسكار، حرم تناول قليله وكثيره. انتهى.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وما ذكره استنباطا ثبت التصريح به فِي بعض طرق
الخبر، فعند أبي داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان منْ حديث جابر رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام"، وللنسائي 25/ 5609 - منْ حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مثله، وسنده إلى عمرو صحيح، ولأبي داود منْ حديث عائشة، مرفوعاً:"كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام"، ولابن حبّان، والطحاوي، منْ حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره".
وَقَدْ اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث، لكن قَالَ: اختلفوا فِي تأويل الْحَدِيث، فَقَالَ بعضهم: أراد به جنس ما يسكر، وَقَالَ بعضهم: أراد به ما يقع السكر عنده، ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلا حَتَّى يقتل، قَالَ: ويدل له حديث ابن عبّاس رفعه: "حُرّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر منْ كل شراب". انتهى.
وهذا الْحَدِيث أخرجه النسائيّ 48/ 5686 - ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف فِي وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صحته فقد رجح الإِمام أحمد وغيره، أن الرواية فيه بلفظ:"والمسكر" -بضم الميم، وسكون السين- لا "السكر" -بضم، ثم سكون، أو بفتحتين- وعلى تقدير ثبوتها، فهو حديث فرد، ولفظه محتمل، فكيف يعارض عموم تلك الأحاديث، مع صحتها وكثرتها.
وجاء عن عليّ عند الدارقطنيّ، وعن ابن عمر عند ابن إسحاق، والطبراني، وعن خَوّات بن جبير، عند الدارقطنيّ، والحاكم، والطبراني، وعن زيد بن ثابت، عند الطبراني، وفي أسانيدها مقال، لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة.
قَالَ أبو المظفر ابن السمعاني: وكان حنفيا، فتحول شافعيا: ثبتت الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فِي تحريم المسكر، ثم ساق كثيرا منها، ثم قَالَ: والأخبار فِي ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد فِي العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، قَالَ: وَقَدْ زَلَّ الكوفيون فِي هَذَا الباب، ورووا أخبارا معلولة، لا تُعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب مسكرا، فقد دخل فِي أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كَانَ حلوا، ولم يكن مسكرا.
وَقَدْ رَوَى ثمامة بن حزن القشيري، أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبيذ؟ فدعت جارية حبشية، فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الحبشية: كنت أنبذ له فِي سقاء منْ الليل، وأوكؤه، وأعلقه، فإذا أصبح شرب منه، أخرجه مسلم. وروى الحسن البصريّ، عن أمه، عن عائشة نحوه.
ثم قَالَ: فقياس النبيذ عَلَى الخمر بعلة الإسكار، والاضطراب منْ أجل الأقيسة،
وأوضحها، والمفاسد التي توجد فِي الخمر توجد فِي النبيذ، ومن ذلك أن علة الإسكار فِي الخمر؛ لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة فِي النبيذ؛ لأن السكر مطلوب عَلَى العموم، والنبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر؛ لأن حصول الفرح والطرب موجود فِي كل منهما، وإن كَانَ فِي النبيذ غلظ وكدرة، وفي الخمر رقة وصفاء، لكن الطبع يحتمل ذلك فِي النبيذ؛ لحصول السكر كما تحتمل المرارة فِي الخمر؛ لطلب السكر، قَالَ: وعلى الجملة فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر، قل أو كثر، مغنية عن القياس. والله تعالى أعلم.
وَقَدْ قَالَ عبد الله بن المبارك: لا يصح فِي حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء، ولا عن التابعين، إلا عن إبراهيم النخعي، قَالَ: وَقَدْ ثبت حديث عائشة: "كل شراب أسكر فهو حرام".
وأما ما أخرج ابن أبي شيبة، منْ طريق أبي وائل:"كنا ندخل عَلَى ابن مسعود، فيسقينا نبيذا شديدا"، ومن طريق علقمة:"أكلت مع ابن مسعود، فأُتينا بنبيذ شديد، نبذته سيرين، فشربوا منه".
[فالجواب عنه]: منْ ثلاثة أوجه: [أحدها]: لو حُمل عَلَى ظاهره، لم يكن معارضا للأحاديث فِي تحريم كل مسكر. [ثانيها]: أنه ثبت عن ابن مسعود تحريم المسكر قليله وكثيره، فإذا اختلف النقل عنه، كَانَ قوله الموافق لقول إِخوانه منْ الصحابة، مع موافقة الْحَدِيث المرفوع أولى. [ثالثها]: يحتمل أن يكون المراد بالشدة شدة الحلاوة، أو شدة الحموضة، فلا يكون فيه حجة أصلاً.
وأسند أبو جعفر النحاس، عن يحيى بن معين، أن حديث عائشة:"كل شراب أسكر، فهو حرام"، أصح شيء فِي الباب.
وفي هَذَا تَعَقُّب عَلَى منْ نقل عن ابن معين أنه قَالَ: لا أصل له، وَقَدْ ذكر الزيلعي فِي "تخريج أحاديث الهداية"، وهو منْ أكثرهم اطلاعا: أنه لم يثبت فِي شيء منْ كتب الْحَدِيث نقل هَذَا عن ابن معين. انتهى.
وكيف يتأتى القول بتضعيفه، مع وجود مخارجه "الصحيحة" ثم مع كثرة طرقه، حَتَّى قَالَ الإِمام أحمد: إنها جاءت عن عشرين صحابيا، فأورد كثيرا منها فِي "كتاب الأشربة" المفرد، فمنها ما تقدّم، ومنها حديث ابن عمر المتقدم ذكره أول الباب -5589 - وحديث عمر بلفظ:"كل مسكر حرام"، عند أبي يعلى، وفيه الإفريقي، وحديث عليّ، بلفظ:"إجتنبوا ما أسكر"، عند أحمد، وهو حسن، وحديث ابن مسعود، عند ابن ماجه، منْ طريق لين بلفظ عمر، وأخرجه أحمد منْ وجه آخر لين أيضاً، بلفظ عليّ،
وحديث أنس، أخرجه أحمد بسند صحيح، بلفظ:"ما أسكر فهو حرام"، وحديث أبي سعيد، أخرجه البزار بسند صحيح، بلفظ عمر، وحديث الأشج العَصَري، أخرجه أبو يعلى كذلك بسند جيد، وصححه ابن حبّان، وحديث ديلم الحميري، أخرجه أبو داود بسند حسن، فِي حديث فيه قَالَ:"هل يسكر؟ " قَالَ: نعم، قَالَ:"فاجتنبوه"، وحديث ميمونة، أخرجه أحمد بسند حسن، بلفظ:"وكل شراب أسكر، فهو حرام"، وحديث ابن عبّاس، أخرجه أبو داود، منْ طريق جيد، بلفظ عمر، والبزار منْ طريق لين، بلفظ:"واجتنبوا كل مسكر"، وحديث قيس بن سعد، أخرجه الطبراني، بلفظ حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد منْ وجه آخر، بلفظ حديث عمر، وحديث النعمان بن بشير، أخرجه أبو داود بسند حسن، بلفظ:"وإني أنهاكم عن كل مسكر"، وحديث معاوية، أخرجه ابن ماجه بسند حسن، بلفظ عمر، وحديث وائل ابن حجر أخرجه ابن أبي عاصم، وحديث قرة بن إياس المزني، أخرجه البزار، بلفظ عمر بسند لين، وحديث عبد الله بن مغفل، أخرجه أحمد بلفظ:"اجتنبوا المسكر"، وحديث أم سلمة، أخرجه أبو داود بسند حسن، بلفظ:"نُهي عن كل مسكر ومفتر"، وحديث بريدة أخرجه مسلم فِي أثناء حديث، ولفظه مثل لفظ عمر، وحديث أبي هريرة أخرجه النسائيّ 5590 و5591 - بسند حسن كذلك، ذكر أحاديث هؤلاء الترمذيّ فِي الباب، وفيه أيضاً عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند النسائيّ، بلفظ عمر، وعن زيد بن الخطاب، أخرجه الطبراني بلفظ عليّ:"اجتنبوا كل مسكر"، وعن الرسيم
(1)
أخرجه أحمد، بلفظ:"اشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكرا"، وعن أبي بردة بن نيار، أخرجه ابن أبي شيبة بنحو هَذَا اللفظ، وعن طلق بن عليّ، رواه ابن أبي شيبة بلفظ:"يا أيها السائل عن المسكر، لا تشربه، ولا تسقه أحدا منْ المسلمين"، وعن صحار العبدي، أخرجه الطبراني بنحو هَذَا، وعن أم حبيبة عند أحمد فِي "كتاب الأشربة"، وعن الضحاك بن النعمان، عند ابن أبي عاصم فِي "الأشربة"، وكذا عنده عن خَوّات بن جبير.
فإذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث ابن عمر، وأبي موسى، وعائشة، زادت عن ثلاثين صحابيا، وأكثر الأحاديث عنهم جياد، ومضمونها أن المسكر لا يحل تناوله، بل يجب اجتنابه. والله أعلم.
وَقَدْ رَدّ أنس الاحتمال الذي جنح إليه الطحاوي، فَقَالَ أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت المختار بن فلفل، يقول: سألت أنسا؟، فَقَالَ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزفت، وَقَالَ:"كل مسكر حرام"، قَالَ: فقلت له: صدقت المسكر حرام، فالشربة،
(1)
هو رَسِيمُ العَبْديّ الهَجَريّ، ضبطه ابن ماكولا بوزن عظيم، وضبطه ابن نقطة بالتصغير. أفاده فِي "الإصابة" جـ 2 ص 403.
والشربتان عَلَى الطعام، فَقَالَ: ما أسكر كثيره، فقليله حرام، وهذا سند صحيح عَلَى شرط مسلم، والصحابي أعرف بالمراد، ممن تأخر بعده، ولهذا قَالَ عبد الله بن المبارك ما قَالَ. انتهى "فتح" 11/ 165 - 167، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5596 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رضى اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ:"كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ" وَالْبِتْعُ مِنَ الْعَسَلِ).
قاَل الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد هو المذكور قبله، غير أنه أبدل معمرًا عن مالك، وهو ابن راشد الصنعانيّ.
والحديث متَّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله فيما قبله. وقوله:"والبتع منْ العسل" تقدّم أن الظاهر أنه مدرج منْ تفسير عائشة، أو منْ دونها ، لكن فِي رواية أبي داود ما يدلّ عَلَى أنه مرفوع، فَليُتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5597 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رضى الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ"، وَالْبِتْعُ هُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عليّ بن ميمون": هو الرقّيّ العطار المذكور فِي الباب الماضي. و"بشر بن السَّريّ": هو الأفوه الواعظ البصريّ، نزيل مكة، ثقة، طُعن برأي يهم، ثم اعتذر، وتاب [9]. و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام الصنعانيّ.
والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق، وقوله:"والبتع الخ" تقدّم احتمال أنه مدرج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5598 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن عبد الله بن سُويد بن منجوف": هو أحمد ابن عبد الله بن عليّ بن سُويد بن منجوف -بنون ساكنة، ثم جيم، وآخره فاء- أبو بكر السدوسيّ المنجوفيّ، يُنسب إلى جدّه، صدوقٌ [11].
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
رَوَى عن أبي داود الطيالسيّ، ورَوح بن عبادة، والأصمعيّ، وغيرهم. وعنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو عروبة، وابن أبي داود، وابن خُزيمة، وابن صاعد، وغيرهم. قَالَ النسائيّ: صالح. وابن إسحاق الحبّال: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". قَالَ ابن عساكر: مات سنة (252). أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، له عنده حديثان: هَذَا، و28/ 5621 حديث سعيد بن جبير قَالَ: "سألنا ابن عمر عن نبيذ الجرّ
…
" الْحَدِيث.
و"عبد الله بن الْهَيثم" بن عثمان، ويقال: ابن محمد بن الهيثم العبديّ، أبو محمد البصريّ، نزيل الرّقّيّ، لا بأس به [11] 67/ 2324. و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ البصريّ. و"سعيد بن أبي بردة": هو الأشعريّ الكوفيّ، ثقة ثبت [5] 56/ 2538. و"أبو بردة": هو ابن أبي موسى الأشعريّ، واسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته، ثقة [3] 3/ 3. وشرح الْحَدِيث سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -23/ 5597 و5598 و5599 و5604 و24/ 565 و566 - وفي "الكبرى" 24/ 5105 و5106 و5107 و5112 و25/ 5113 و5114. وأخرجه (خ) فِي "الجهاد والسير" 3038 و"المغازي" 4343 و4345 و"الأدب" 6124 و"الأحكام" 7172 (م) فِي "الجهاد" 1733 و"الأشربة" 1733 (د) فِي "الأشربة" 3684 و (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" 19174 و19229 و19243 (الدارمي) فِي "الأشربة" 2006. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5599 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا، وَمُعَاذٌ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا إِلَى أَرْضٍ كَثِيرٌ شَرَابُ أَهْلِهَا، فَمَا أَشْرَبُ؟ قَالَ: "اشْرَبْ، وَلَا تَشْرَبْ مُسْكِرًا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ) المذكور فِي السند الماضي
(1)
.
(1)
قلت: ويحتمل أن يكون هو أحمد بن عبد الله بن عليّ بن أبي المضاء -بتخفيف المعجمة، والمدّ- المصّيصيّ القاضي، ثقة [12]. رَوَى عنه المصنّف، وتفرَّد به، وَقَالَ: ثقة، مات =
2 -
(عبد الرحمن) بن مهديّ المذكور فِي الباب الماضي.
3 -
(إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقة [7] 75/ 1006.
4 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط [3] 38/ 42.
5 -
(أبو بردة) بن أبو موسى الأشعريّ، اسمه، عامر، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته، ثقة [3] 3/ 3.
6 -
(أبوه) أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنه 3/ 3. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبيهِ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا) ضمير منفصل أكد به الضَمير المتّصل المنصوب فِي "بعثني"، كما قَالَ فِي "الخلاصة":
وَمُضْمَرَ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ
…
أَكِّدْ بِهِ كُلَّ ضَمِيرِ اتَّصَلْ
(وَمُعَاذًا) هكذا بالنصب فِي النسخة "الهنديّة"، وهو الصواب؛ لأنه معطوف عَلَى الضمير المنصوب فِي "بعثني"، ووقع فِي معظم النسخ، و"الكبرى" و"معاذ" بالرفع، ولا وجه له. فتنبّه. و"معاذ": هو ابن جبل الصحابيّ المشهور رضي الله عنه (إِلَى الْيَمَنِ) ذكر أهل المغازي أن ذلك كَانَ فِي ربيع الآخر سنة تسع منْ الهجرة. أفاده فِي "الفتح" 8/ 386 "كتاب المغازي"(فَقَالَ مُعَاذ: إِنَّكَ تَبعَثُنَا إِلَى أَرْضٍ كَثِيرٌ شَرَابُ أَهْلِهَا) برفع "شراب" عَلَى أنه فاعل بـ"كثير"؛ لأنه صفة مشبّهة يعمل عمل فعله، كما قَالَ فِي "الخلاصة":
وَعَمَلُ اسْمِ الْفَاعِلِ المُعَدَّى
…
لَهَا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي قَدْ حُدَّا
(فَمَا أَشْرَبُ؟)"ما" استفهاميّة: أي أَيَّ نوع منْ الشراب أشربه؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اشْرَبْ) كل نوع منْ الشراب، حذف مفعوله؛ لإرادة التعميم (وَلَا تَشْرَبْ مُسْكِرًا) يعني أن له أن
= بسُر منْ رأى سنة (248) وَقَالَ المزّيّ: ذكره ابن عساكر فِي "الشيوخ النبل" ولم أقف عَلَى روايته عنه. قَالَ فِي "تهذيب التهذيب": ذكره النسائيّ فِي "أسماء شيوخه". والله تعالى أعلم.
يشرب ما شاء منْ شراب أهل اليمن المتنوّع، غير أنه يجتنب المسكر منْ أي نوع كَانَ.
والحديث فيه عنعنة أبي إسحاق، لكن يشهد له ما قبله، فهو صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -23/ 5598 - وفي "الكبرى"5106. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5600 -
(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرِيشُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ الأَيَامِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ": هو المعروف بـ"خَتّ"، كوفيّ الأصل، ثقة [10]. و"أَبُو دَاوُدَ": هو الطيالسيّ المذكور قبل حديث.
و"حَرِيش -بفتح أوله، وكسر الراء، آخره شين معجمة- ابن سُليم" -مصغّراً- أو ابن أبي الْحَرِيش الجعفيّ، أو الثقفيّ، أبو سعيد الكوفيّ، صدوقٌ
(1)
[7].
رَوَى عن حبيب بن أبي ثابت، وطلحة بن مصرّف، وزُبيد الأياميّ. وعنه أبو خيثمة الجعفيّ، وأبو داود الطيالسيّ، وابن إدريس، وعبد الحميد الْحِمَانيّ، ومحمد بن الصَّلْت الأسديّ. قَالَ أبو مسعود: حدثنا أبو داود، حدثنا حَرِيش بن سُليم، كوفيّ ثقة. وَقَالَ إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس بشيء. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث، أعاده آخر الباب أيضًا، وأبو داود بحديث واحد.
و"طلحة الأياميّ": هو ابن مصرّف بن عمرو بن كعب الكوفيّ، ثقة قارىء فاضل [5] 191/ 306.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5601 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(3)
الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، السَّدُوسِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّا نَرْكَبُ أَسْفَارًا، فَتُبْرَزُ لَنَا الأَشْرِبَةُ فِي الأَسْوَاقِ، لَا نَدْرِي أَوْعِيَتَهَا؟، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَذَهَبَ يُعِيدُ، فَقَالَ: كُلُّ
(1)
قَالَ عنه فِي "التقريب": مقبول، والحق أنه ثقة؛ لأنه رَوَى عنه جماعة، ووثقه أبو داود الطيالسيّ، وابن حبّان، وأما قول ابن معين: إنه ليس بشيء، فهذه العبارة عنده لها معنيان: أحدهما يريد بها تضعيفه، والثاني يريد بها أنه قليل الرواية، وهذا الثاني هو الظاهر هنا.
وبالجملة فهو لا ينقص عن درجة الصدوق، ولذا قلت فِي الشرح: صدوقٌ. فتأمل. والله تعالى أعلم.
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(3)
وفي نسخة: "أخبرنا".
مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَذَهَبَ يُعِيدُ، فَقَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ لَكَ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
1 -
(الأسود بن شيبان السدوسيّ) أبو شيبان البصريّ، ثقة عابد [6] 107/ 2048.
2 -
(عطاء) بن أبي رَبَاح. والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
عن الأسود بن شيبان رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) ابن أبي رباح (سَألَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّا نَرْكَبُ أَسْفَارًا) بفتح الهمزة جمع سفر -بفتحين- وهو قطع المسافة، يقال: ذلك إذا خرج للارتحال، أو لقصد موضع فوق مسافة الْعَدْوَى؛ لأن العرب لا يُسقون مسافة العدوى سفرًا، والمعنى هنا: إنا نركب مواضع أسفار، ولفظ "الكبرى":"إنا نركب فِي أسفارنا"(فَتُبْرَزُ) بالبناء للمفعول: أي تُظهر، وتُقدّم (لَنَا الْأَشْرِبَةُ) بفتح الهمزة، جمع شراب (فِي الْأَسْوَاقِ، لَا نَدْرِي أَوْعِيَتَهَا؟) بفتح الهمزة: جمع وعاء بالكسر: هو ما يُوعَى فيه الشيء: أي يُجمَع، ولفظ "الكبرى":"لا ندري ما أوعيتها؟ "(فَقَالَ: كُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ) جواب عطاء هَذَا مختصر مفيد لجواب السائل وأكثر؛ لأنه فصّل له، فكأنه قَالَ له: لكم أن تشربوا كلّ ما يأتيكم منْ الشراب، إلا المسكر (فَذَهَبَ يُعِيدُ) أي شرع السائل يعيد سؤاله مرّة أخرى (فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَذَهَبَ يُعِيدُ، فَقَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ لَكَ) أي الجواب ما ذكرته لك، ليس لي جواب غيره، فإنه موضّح لاستشكالك بأبلغ وجه، وأوجزها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والأثر هَذَا صحيح الإسناد مقطوع، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -23/ 55600 - وفي "الكبرى" 24/ 5108. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5602 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ
(1)
، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ
(2)
، عَنْ هَارُونَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ:"كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هارون بن إبراهيم": هو أبو محمد الأهوازيّ، ثقة [7] 33/ 5491.
والأثر صحيح الإسناد موقوف، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه
(1)
هو ابن نصر.
(2)
هو ابن المبارك.
هنا 23/ 55601 - وفي "الكبرى" 24/ 5109. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5603 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْجَزَرِيِّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا تَشْرَبُوا مِنَ الطِّلَاءِ، حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْجَزَرِيِّ"، تفرّد بالرواية عنه عبد الله بن المبارك، مقبول [7]. تفرّد به المصنّف بهذا الأثر فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ) بصيغة التصغير (الْجَزَرِيِّ) -بفتحتين: نسبة إلى عدّة أماكن: الموصل، وسِنْجار، وحَرّان، والرُّها، والرَّقَّة، ورأس عين، وآمِد، وميافارقين، وديار بكر، وجزيرة ابن عمر. قاله فِي "لبْ اللباب" 1/ 204. أنه (قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ الخليفة الراشد المتوفّى فِي رَجَب سنة (101 هـ) وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف (لَا تَشْرَبُوا مِنَ الطِّلَاءِ) -بكسر الطاء المهملة، والمدّ، وزان كتاب: ما طُبخ منْ عصير العنب حَتَّى ذهب ثلثاه، وبعض العرب يسمّي الخمر الطلاء، يريد بذلك تحسين اسمها، وأصل الطلاء الْقَطِران الخاثر الذي تُطلَى به الإبل. أفاده فِي "اللسان" 15/ 11. (حَتَّى يَذهَبَ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثَهُ) أي يُطبخ، فيذهب منه الثلثان، ويبقى منه الثلث؛ لأنه إذا ذهب ثلثاه ذهب خبثه، وبقي الثلث الطيّب، فيحلّ شربه، ففي كتاب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه الآتي فِي 53/ 5718 - : "أما بعد: فإنها قَدِمت عليّ عير منْ الشام، تحمل شرابا غليظا أسود، كطلاء الإبل، وإني سألتهم عَلَى كم يطبخونه، فاخبروني أنهم يطبخونه عَلَى الثلثين، ذهب ثلثاه الأخبثان، ثلث ببغيه، وثلث بريحه، فمر مَن قِبَلك يشربونه".
(وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) تقدّم البحث عنه مستوفًى قريبًا، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وهذا الأثر مقطوعٌ، ضعيف الإسناد؛ لتفرّد عبد الملك بن الطفيل، وهو مجهول، لكن قوله:"وكلّ مسكر حرام" يأتي بسند حسن فِي الرواية التالية، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -23/ 5602 - و5603 - وفي "الكبرى" 24/ 5110. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5604 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الصَّعْقِ بْنِ حَزْنٍ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الصعق بن حزن" -بفتح المهملة، وسكون الزاي-: هو البكريّ، أبو عبد الله البصريّ، صدوقٌ يَهِم، وكان زاهداً [7] 90/ 5308.
والأثر مقطوعٌ، حسن الإسناد، كما سبق بيانه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5605 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرِيشُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ ": هو الفلّاس. و"أبو داود": هو الطيالسيّ. و"حَرِيش بن سُليم": هو الثقفيّ الكوفيّ المذكور قريبًا.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم قبل أربعة أحاديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
24 - (تَفْسِيرِ الْبِتْعِ، وَالْمِزْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم أن البتع بكسر الموحّدة، وتُفتح، وهو نبيذ العسل، كما فسّر فِي الْحَدِيث، وأما المزر -فبكسر الميم، وسكون الزاي، آخره راء-: فسّره فِي الْحَدِيث الأول بأنه نبيذ الذرة، وفسره فِي الْحَدِيث الثاني بأنه منْ الشعير. وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم" 13/ 170: يكون منْ الذرة، ومن الشعير، ومن الحنطة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5606 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَجْلَحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
إِنَّ بِهَا أَشْرِبَةً، فَمَا أَشْرَبُ؟ وَمَا أَدَعُ؟ قَالَ:"وَمَا هِيَ؟ " قُلْتُ: الْبِتْعُ، وَالْمِزْرُ، قَالَ:"وَمَا الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ؟ "، قُلْتُ: أَمَّا الْبِتْعُ فَنَبِيذُ الْعَسَلِ، وَأَمَّا الْمِزْرُ فَنَبِيذُ الذُّرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَشْرَبْ مُسْكِرًا، فَإِنِّي حَرَّمْتُ كُلَّ مُسْكِرٍ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الأجلح": هو ابن عبد الله بن حُجيّة، أبو حجيّة الكنديّ، يقال: اسمه يحيى، صدوقٌ شيعيّ [7] 50/ 3516. و"أبو بكر بن أبي موسى": هو أخو أبي بردة المتقدِّم، واسمه عمرو، أو عامر، ثقة [3] 15/ 523.
والحديث صحيحٌ، وشرحه واضح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -24/ 5605 - وفي "الكبرى" 25/ 5113. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5607 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بِهَا أَشْرِبَةً، يُقَالُ لَهَا الْبِتْعُ، وَالْمِزْرُ، قَالَ: "وَمَا الْبِتْعُ، وَالْمِزْرُ؟ " قُلْتُ: شَرَابٌ يَكُونُ مِنَ الْعَسَلِ، وَالْمِزْرُ يَكُونُ مِنَ الشَّعِيرِ، قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
"ابن فضيل": هو محمد. و"الشيبانيّ": هو سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقة [5].
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5607 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ آيَةَ الْخَمْرِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْمِزْرَ؟ قَالَ: "وَمَا الْمِزْرُ؟ " قَالَ: حَبَّةٌ تُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، فَقَالَ: "تُسْكِرُ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
"أبو بكر بن عليّ": هو أحمد بن عليّ بن سعيد القاضي المروزيّ، ثقة حافظ [12] 1/ 2094 منْ أفراد المصنّف. و"نصر بن عليّ": هو الجهضميّ البصريّ، ثقة ثبت، طُلب للقضاء، فامتنع [10] 20/ 386. و"أبوه": هو عليّ بن نصر بن عليّ الجهضميّ البصريّ، ثقة، منْ كبار [9] 67/ 2328. و "إبراهيم بن نافع": هو المخزوميّ المكيّ، ثقة حافظ [7] 15/ 1406. و"ابن طاوس": هو عبد الله.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم فِي 22/ 5585. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5608 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ
عَبَّاسٍ، وَسُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ أَفْتِنَا فِي الْبَاذَقِ، فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذَقَ، وَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يظهر لي وجه مطابقة هَذَا الْحَدِيث للترجمة، فإنه ليس فيه تفسير البتع، والمزر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
ورجال هَذَا الإسناد: أربعة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.
2 -
(أبو عوانة) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقة ثبت [7] 41/ 46.
3 -
(أبو الْجُويرية) حِطّان -بالكسر، وتشديد الطاء- ابن خُفَاف بضم المعجمة، وتخفيف الفاء- ابن زهير بن عبد الله بن رُمْح بن عَرْعَرَة الجرميّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقة [2].
رَوَى عن ابن عبّاس، ومعن بن يزيد بن الأخنس السُّلَميّ، وعبد الله بن بدر العجليّ، وبدر بن خالد. وعنه إسرائيل، وزُهير، والسفيانان، وشعبة، وعاصم بن كُليب، وشَريك، وابن شَوْذَب، وأبو عوانة. قَالَ أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: صدوقٌ، صالح الْحَدِيث. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: ثقة، لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ العجليّ: كوفيّ ثقة. وَقَالَ ابن عبد البرّ: أجمعوا عَلَى أنه ثقة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود. وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط، وأعاده برقم 5691.
4 -
(ابن عبّاس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما 27/ 31. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (271) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما حبر الأمة وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، رَوَى (1696) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ) ووقع فِي رواية عبد الرزاق، عن الثوري، قَالَ: حدّثني أبو الجويرية (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (وَسُئِلَ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال منْ المفعول، وفي رواية البخاريّ:"قَالَ: سألت ابن عبّاس عن الباذق"، فتبيّن أن السائل المبهم فِي رواية المصنّف هو أبو الجويرية نفسه (فَقِيلَ لَهُ أَفْتِنَا فِي
الْبَاذَقِ) قَالَ فِي "المصباح": الباذق بفتح الذال: ما طُبخ منْ عصير العنب أدنى طبخ، فصار شديدًا، وهو مسكرٌ، ويقال: معرّب. انتهى. وفي "القاموس": الباذق بكسر الذال، وفتحها: ما طُبخ منْ عصير العنب أدنى طبخة، فصار شديدًا. انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح" 11/ 189 - 190: ضبطه ابن التين بفتح المعجمة، ونَقَل عن الشيخ أبي الحسن -يعني القابسي- أنه حَدّث به بكسر الذال، وسئل عن فتحها؟ فَقَالَ: ما وقفنا عليه، قَالَ: وذكر أبو عبد الملك، أنه الخمر إذا طُبخ. وَقَالَ ابن التين: هو فارسي معرب. وَقَالَ الجواليقي: أصله باذه، وهو الطِّلاء، وهو أن يُطبخ العصير حَتَّى يصير مثل طلاء الإبل، وَقَالَ ابن قرقول: الباذق المطبوخ منْ عصير العنب، إذا أسكر، أو إذا طُبخ بعد أن اشتد. وذكر ابن سِيدَهْ فِي "المحكم" أنه منْ أسماء الخمر. وأغرب الداودي، فَقَالَ: إنه يشبه الفُقَّاع
(1)
، إلا أنه ربما اشتد، وأسكر، وكلام منْ هو أعرف منه بذلك يخالفه. ويقال للباذق أيضاً: الْمُثَلَّث؛ إشارة إبى أنه ذهب منه بالطبخ ثلثاه، وكذلك الْمُنَصَّف، وهو ما ذهب نصفه، وتسميه العجم مَيْنُخْتَج -بفتح الميم، وسكون التحتانية، وضم الموحدة، وسكون المعجمة، وفتح المثناة، وآخره جيم- ومنهم منْ يضم المثناة، وروايته
(2)
فِي "مصنف ابن أبي شيبة" بدال بدل المثناة، وبحذف الميم والياء منْ أوله. انتهى.
(فَقَالَ) ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما (سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذَقَ، وَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ) قَالَ المهلب رحمه الله تعالى: أي سبق محمد بتحريم الخمر، وتسميتَهُم لها الباذق. قَالَ ابن بطال: يعني بقوله: "كل مسكر حرام"، والباذق شراب العسل. ويحتمل أن يكون المعنى: سبق حكم محمد بتحريم الخمر تسميتَهُم لها بغير اسمها، وليس تغييرهم للاسم بمحلل له، إذا كَانَ يُسكر، قَالَ: وكأن ابن عبّاس فَهِم منْ السائل أنه يرى أن الباذق حلال، فحسم مادته، وقطع رجاءه، وباعد منه أصله، وأخبره أن المسكر حرام، ولا عبرة بالتسمية. وَقَالَ ابن التين: يعني أن الباذق لم يكن فِي زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وَقَالَ أبو الليث السمرقندي: شارب المطبوخ إذا كَانَ يُسكر أعظم ذنبا منْ شارب الخمر؛ لأن شارب الخمر يشربها، وهو يعلم أنه عاص بشربها، وشارب المطبوخ يشرب المسكر، ويراه حلالاً، وَقَدْ قام الإجماع عَلَى أن قليل الخمر وكثيره حرام، وثبت قوله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر حرام"، ومن استحل ما هو حرام بالإجماع كفر.
قَالَ الحافظ: وَقَدْ سبق إلى نحو هَذَا بعض قدماء الشعراء، فِي أول المائة الثالثة، فَقَالَ -يُعَرِّض ببعض منْ كَانَ يفتي بإباحة المطبوخ-:
(1)
الفُقَّاع كرُمَّان: الذي يشرب سمي به لما يرتفع فِي رأسه منْ الزَّبد. أفاده فِي "ق".
(2)
هكذا نسخة "الفتح"، ولعل الصواب:"ورأيته".
وَأَشْرَبُهَا وَأَزْعُمُهَا حَرَامًا
…
وَأَرْجُو عَفْوَ رَبِّ ذِي امْتِنَانِ
وَيَشْرَبُهَا وَيَزْعُمُهَا حَلَالاً
…
وَتِلْكَ عَلَى الْمُسِيءِ خَطِيئَتَانِ
[تنبيه]: زاد فِي رواية البخاريّ فِي هَذَا الْحَدِيث: ما نصّه: "قَالَ: الشراب الحلال الطيب، قَالَ: ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث".
قَالَ فِي "الفتح" هكذا فِي جميع نسخ "الصحيح"، ولم يعين القائل، هل هو ابن عبّاس، أو منْ بعده، والظاهر أنه منْ قول ابن عبّاس، وبذلك جزم القاضي إسماعيل فِي "أحكامه" فِي رواية عبد الرزاق، وأخرج البيهقي الْحَدِيث منْ طريق محمد بن أيوب، عن محمد بن كثير، شيخ البخاريّ فيه، بلفظ:"قَالَ: الشراب الحلال الطيب، لا الحرام الخبيث"، وأخرجه أيضاً منْ طريق أبي خيثمة، وهو زهير بن معاوية، عن أبي الجويرية، قَالَ: قلت لابن عبّاس: أفتني عن الباذق
…
فذكر الْحَدِيث، وفي آخره:"فَقَالَ رجل منْ القوم: إنا نعمد إلى العنب، فنعصوه، ثم نطبخه، حَتَّى يكون حلالاً طيبًا، فَقَالَ: سبحان الله، سبحان الله، اشْرَبِ الحلالَ الطيب، فإنه ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث"، وأخرجه سعيد بن منصور، منْ طريق أبي عوانة، عن أبي الجويرية، قَالَ: سألت ابن عبّاس، قلت: نأخذ العنب فنعصره، فنشرب منه حلوا حلالاً، قَالَ: اشرب الحلو
…
"، والباقي مثله.
ومعنى هَذَا أن المشبهات تقع فِي حَيِّز الحرام، وهو الخبيث، وما لا شبهة فيه حلال طيب. قَالَ إسماعيل القاضي فِي "أحكام القرآن": هَذَا الأثر عن ابن عبّاس يضعف الأثر المروي عنه: "حُرِّمت الخمر بعينها
…
" الْحَدِيث، وَقَدْ سبق بيانه، ثم أسند عن ابن عبّاس قَالَ: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". وأخرج البيهقي منْ طريق إسحاق بن راهويه، بسند صحيح، إلى يحيى بن عبيد أحد الثقات، عن ابن عبّاس قَالَ: "إن النار لا تحل شيئاً، ولا تحرمه"، وزاد فِي رواية أخرى، عن يحيى بن عبيد، عن ابن عبّاس أنه قَالَ لهم: "أيسكر؟ " قالوا: إذا أكثر منه أسكر، قَالَ: "فكل مسكر حرام". قاله فِي "الفتح" 11/ 193 - 194. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -24/ 5608 و48/ 5689 - وفي "الكبرى" 52/ 511649/ 5197.
وأخرجه (خ) فِي "الأشربة"5598.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(ومنها): تحريم الشراب المسمّى بالباذق، وهو عصير العنب المطبوخ أدنى طبخة، فصار شديدًا؛ لإسكاره. (ومنها): فقه ابن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، حيث إنه أوجز الجواب للسائل، فبيّن له، أن القاعدة مختصرة، كما أوجزها الشارع الحكيم بقوله:"كلّ مسكر حرام". (ومنها): أن حكم الشارع الحكيم سابق عَلَى المخترعات الجديدة التي يخترعها النَّاس، فلا يُستحدث شيء، إلا وحكم الشارع جار عليه، ونافذ فيه، مبيّن فِي نصوص الكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم، أو استنباطات بعضهم، فلا ينبغي أن يظنّ ظانّ أنه يخترع شيئًا لا يتوجّه إليه حكم الشرع، فالشريعة كافّة عامة لجميع حركات الأمة، وسكناتها، فما منْ دابّة فِي الأرض، ولا طائر يطير فِي السماء، إلا وهو تحت نظر الشرع، وتوجيهه السامي، فمن استجاب نجا، ومن أبى خسر، اللَّهم ربنا اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
25 - (تَحْرِيمِ كُلِّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ)
5610 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [10] 15/ 15.
2 -
(يحيى بن سعيد) بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإِمام الحجة الثبت [9] 4/ 4.
3 -
(عبيد الله) بن عمر بن حفص العمريّ المدنيّ الثقة، ثقة ثبت [5] 15/ 15.
4 -
(عمرو بن شُعيب) المدنيّ، ويقال: الطائفيّ، صدوقٌ [5] 105/ 140.
5 -
(أبوه) شعيب بن محمد الطائفيّ، صدوقٌ 105/ 140.
6 -
(جدّه) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما 89/ 111. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: عبيد الله، عن عمرو، عن أبيه، ورواية الأولين منْ رواية الأقران؛ لأنهما منْ الطبقة الخامسة، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) الصحيح أن الضمير لشعيب، لا لعمرو، وإلا يكون الْحَدِيث مرسلاً؛ لأن جد عمرو هو محمد ابن عبد الله بن عمرو، وهو تابعيّ، وأما جد شعيب فهو عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، وَقَدْ ثبت لقاء شعيب لجدّه عبد الله بن عمرو، بل يقال: إنه الذي ربّاه، حيث مات أبوه وهو صغير، فروايته عنه متّصلة عَلَى الصحيح، وَقَدْ سبق البحث عن هَذَا غير مرّة. والله تعالى أعلم. (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) أي ما يحصل السكر بشرب كثيره، فإن القليل منه حرام، وإن كَانَ قليله غير مسكر. قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: وبه أخذ الجمهور، وعليه الاعتماد عند علمائنا الحنفية، والاعتماد عَلَى القول بأن المحرّم هو الشربة المسكرة، وما كَانَ قبلها فحلالٌ، قد ردّه المحقّقون، كما ردّه المصنّف رحمه الله تعالى. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا إنصاف منْ السنديّ الحنفيّ رحمه الله تعالى، حيث اتّبع الدليل مع مخالفة أهل مذهبه، كما ألمح إليه فِي هَذَا الكلام، لكن قوله: وعليه الاعتماد عند علمائنا الحنفيّة، يريد المنصفين مثله، وإلا فالحنفيّة لا يقولون بهذا، حَتَّى المنتسبون إلى الْحَدِيث، كالطحاويّ، وَقَدْ حالوا فِي تأويل الأحاديث الصحيحة الكثيرة، كحديث:"ما أسكر كثيره، فقليله حرام" بتأويلات واهية، وَقَدْ مرّ قريباً نسفها، وتذريها حَتَّى صارت هباء منثورًا.
قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى -بعد أن فند مذهب القائلين بأن الخمر لا
تكون إلا منْ العنب، وأن الحق أنها تطلق عَلَى كل ما أسكر منْ أيّ نوع كَانَ-: ما نصه: وإذا ثبت أن كلّ ذلك يقال عليه خمر، فليزمه تحريم قليله وكثيره، ولا يحلّ شيء منه تمسّكًا بتحريم مسمّى الخمر، ولا مخصّص، ولا مفصل يصحّ فِي ذلك، بل قد وردت الأحاديث الصحيحة، والحسان بالنصّ عَلَى أن ما حُرّم كثيره، حرّم قليله. رَوَى الترمذيّ منْ حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام"، قَالَ: هَذَا حديث حسنٌ غريب. وروى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الْفَرَق، فملء الكفّ منه حرام"، وإسناده صحيح.
وأما الأحاديث التي تمسك بها المخالف، فلا يصحّ شيء منها عَلَى ما قد بيّن عِلَلَها المحدّثون فِي كتبهم، وليس فِي الصحاح شيء منها. ثم العجب منْ المخالفين فِي هذه المسألة، فإنهم قالوا: إن القليل منْ الخمر المعتصر منْ العنب حرام ككثيره، وهو مجمع عليه، فإذا قيل لهم: فلم حُرّم القليل منْ الخمر، وليس مذهبًا للعقل؟ فلابدّ أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبد، فحينئذ يقال لهم: كلُّ ما قدّرتموه فِي قليل الخمر هو بعينه موجود فِي قليل النبيذ، فيحرُم أيضًا، إذ لا فارق بينهما، إلا مجرد الاسم، إذا سُلّم ذلك.
وهذا القياس أرفع أنواع القياس؛ لأن الْفَرَع فيه مساو للأصل فِي جميع أوصافه، وهذا كما نقوله فِي قياس الأمة عَلَى العبد فِي سراية العتق.
ثم العجب منْ أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه، فإنهم يتوغّلون فِي القياس، ويُرجّحونه عَلَى أخبار الآحاد، ومع ذلك، فقد تركوا هَذَا القياس الجليّ المعضود بالكتاب والسنّة، وإجماع صدر الأمة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى "المفهم" 5/ 252 - 253. وهو تحقيق نفيس، وبحث أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -25/ 5609 - وفي "الكبرى" 26/ 5117. وأخرجه (ق) فِي "الأشربة" 3394 (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 6522 و6636. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5611 -
(أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعَالى عنه: "حميد بن مخلد": هو أبو أحمد الأزديّ الملقبّ زنجويه، ثقة ثبتٌ، له تصانيف [11] 14/ 5076 منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ": هو ابن أبي مريم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت فقيه، منْ كبار [10] 3/ 2098. و"محمد بن جعفر": هو ابن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقة [7] 56/ 3522. و"الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ": هو الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يهم [7]. و"بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ": هو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [5] 135/ 211. و"عامر بن سعد" بن أبي وقّاص": هو الزهريّ المدنيّ، ثقة [3] 38/ 6791.
والحديث صحيحٌ، وَقَدْ تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى عن أصحاب الأصول، فأخرجه هنا -25/ 5610 و5611 - وفي "الكبرى" 26/ 5118 و5119. وأخرجه (الدارمي) فِي "الأشربة" 2007. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5612 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ": هو الْمُخرِّميّ، أبو جعفر الموصليّ، ثقة حافظ [10] منْ أفراد المصنّف.
و"الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ": هو ابن سنان المزنيّ، أبو سعيد المدنيّ الرَّاذَانيّ، ساكن الكوفة، صدوقٌ
(2)
[8].
رَوَى عن ربيعة، والضحاك بن عثمان، وعبيد الله بن عمر. وعنه زكريا بن عديّ، ويوسف بن عديّ، وأبو سعيد الأشجّ، ومحمد بن عبد الله بن عمار. قَالَ أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
قَالَ عنه فِي "التقريب": مقبول، والظاهر أنه صدوقٌ؛ لأنه رَوَى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، وَقَالَ أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه، فمثله ينبغي أقل أحواله أن يكون صدوقًا. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيحٌ، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5613 -
(أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ لَهُ، فِي دُبَّاءٍ، فَجِئْتُهُ بِهِ، فَقَالَ:"أَدْنِهِ"، فَأَدْنَيْتُهُ مِنْهُ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ، فَقَالَ:"اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ السَّكَرِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ الْمُخَادِعُونَ لأَنْفُسِهِمْ، بِتَحْرِيمِهِمْ آخِرِ الشَّرْبَةِ، وَتَحْلِيلِهِمْ مَا تَقَدَّمَهَا الَّذِي يُشْرَبُ فِي الْفَرَقِ قَبْلَهَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ السُّكْرَ بِكُلِّيَّتِهِ لَا يَحْدُثُ عَلَى الشَّرْبَةِ الآخِرَةِ، دُونَ الأُولَى، وَالثَّانِيَةِ بَعْدَهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(هشام بن عمّار) الدمشقيّ الخطيب، صدوقٌ، مقرىء، كبر، فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، منْ كبار [10] 134/ 202.
2 -
(صدقة بن خالد) الأمويّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة [8] 29/ 920.
3 -
(زيد بن واقد) القرشيْ الدمشقيّ، ثقة [6] 29/ 920.
4 -
(خالد بن عبد الله بن حسين) الأموي مولاهم الدمشقي، وَقَدْ ينسب إلى جدّه، مقبول [3].
رَوَى عن أبي هريرة رضي الله عنه. وعنه إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وزيد بن واقد، ومحمد بن عبد الله بن المهاجر الشُّعيثيّ. قَالَ البخاريّ: سمع أبا هريرة. وَقَالَ إسحاق بن سيّار النصيبيّ: أظنه لم يسمع منْ أبي هريرة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". رَوَى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، له عندهم هَذَا الْحَدِيث، وعند ابن ماجه أيضًا حديث آخر:"منْ شرب الخمر فِي الدنيا لم يشربها فِي الآخرة".
5 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير خالد بن عبد الله، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه أكثر منْ رَوَى الْحَدِيث فِي عصره. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَصُومُ) أي صوم تطوّع (فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ) أي فراعيتُ، وطلبتُ وقت فطره، فأتيته (بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ لَهُ، فِي دُبَّاءٍ) بضم الدال المهملة، وتشديد الموحّدة: هي القرعة (فَجِئْتُهُ بِهِ) أي بذلك النبيذ (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَدْنِهِ) بقطع الهمزة، منْ الإدناء: أي قرّبه منّي، حَتَّى أعلم أنه صالح للشرب، أم لا؟ (فَأدْنَيتُهُ مِنْهُ) بقطع الهمزة أيضاً: أي قرّبته منْ النبيّ صلى الله عليه وسلم (فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ) بكسر النون، وتشديد المعجمة، منْ باب ضرب: أي يغلي، قَالَ فِي "القاموس":"النشيش: صوت الماء وغيره إذا غَلَى. انتهى. و"إذا": هي الفجائية: أي ففجاءني نشّه (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (اضْرِب بِهَذَا) النبيذ (الْحَائِطَ) أي البستان: أي اصببه، وأرقه فيه (فَإِنَّ هَذَا) الفاء تعليليّة؛ أي لأن هَذَا النبيذ (شَرَابُ مَن لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي شراب الكفّار، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم فِي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتّفق عليه: "ولا يشرب الخمر حين يشربها، وهو مؤمن"، وَقَدْ تقدّم البحث عنه، مستوفًى فِي "كتاب قطع السارق" 1/ 4872 - وأن الأصحّ فِي معناه: أنه إن استحلّه يخرج منْ الإيمان حقيقة، باستحلاله الحرام، وإلا فمعناه أنه ناقص الإيمان. والله تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه الله تعالى (وَفِي هَذَا) الْحَدِيث (دَلِيلٌ عَلَى تَحْريمِ المسكِرِ) هكذا فِي النسخة "الهنديّة" وهو الذي فِي "الكبرى"، ووقع فِي بقية النسخ بلفظ:"السَّكَرِ" -بفتحتين-: هو عصير الرُّطَب إذا اشتدّ. (قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ) بالجرّ بدلٌ، أو عطف بيان منْ المسكر (وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ) وفي "الكبرى":"كما يقول له"(الْمُخَادِعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ) أي الذين يريدون لها المكروه، وهم لا يعلمون، قَالَ فِي "القاموس": خَدَعه، كمنعه خَدْعًا، ويُكسر: خَتَله، وأراد به المكروه منْ حيث لا يعلم. انتهى.
أراد المصنّف رحمه الله تعالى أن هؤلاء الذين يحتالون فِي استحلال شرب المسكر بحيل باطلة، وتأويلات عاطلة، كأنهم يريدون إيقاع أنفسهم فِي المكروه، وهو العذاب الأليم، وهم لا يشعرون، حيث إنهم أرادوا بذلك نفع أنفسهم بشرب ما تتلذّذ به، وهي لذة فانية، فيخسرون اللذّة الدائمة، وهي لذّة خمر الجنة، كما سيأتي 46/ 5675 - منْ حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منْ شرب الخمر فِي الدنيا، فمات، وهو يدمنها ، لم يتب منها ، لم يشربها فِي الآخرة".
(بِتَحْرِيمِهِمْ) متعلّقْ بـ"يقولون"(آخِرَ الشَّرْبَةِ) بنصب "آخر" عَلَى أنه مفعول به لـ"تحريم"، و"الشَّرْبة" بفتح، فسكون: المرة منْ الشرب (وَتَحْلِيلِهِمْ) بالجرّ عطفًا عَلَى "تحريمهم"، وقوله:(مَا تَقَدَّمَهَا) مفعول "تحليلهم". وقوله: (الَّذِي يُشْرَبُ) بالبناء
للمفعول (فِي الْفَرَقِ) أي منْ الفرق، فـ"فِي" بمعنى "منْ"، و"الفرق" -بفتحتين-: مكيال يسع ستة عشر رطلاً (قَبْلَهَا) أي قبل آخر الشربة، والمراد ما تقدّم عَلَى الشربة الأخيرة حلّلوه مع كثرته، وعلّقوا التحريم بالشربة الأخير مع قلّتها، ومعلوم أن الإسكار ليس بها وحدها، وإنما هو مع ما تقدّمها منْ الشراب الكثير، كما أشار إليه بقوله:"ولا خلاف بين أهل العلم أن السكر الخ". وعبارة "الكبرى": "الذي سرى فِي العروق قبلها". والمعنى عليه: أنهم حلّلوا الشراب الذي تقدّم الشربة الأخيرة، وسرى فِي عروق الشارب حَتَّى أحدث فيه السُّكْرَ.
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى فِي "شرحه": الظاهر أن هَذَا -يعني قوله: الذي يشرب الخ- تحريف، والصواب ما فِي "الكبرى":"الذي يسري فِي العروق قبلها". والله تعالى أعلم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي لا حاجة لدعوى التحريف؛ فإن المعنى عَلَى ما فِي "المجتبى" صحيح، كما أن لما فِي "الكبرى" وجهًا صحيحًا أيضًا، عَلَى ما وجّهته آنفًا. والله تعالى أعلم.
(وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ السُّكْرَ) بضم، فسكون-: اسم منْ "السَكَر -بفتحتين- يقال: سكر سكَرًا، منَ باب تَعِب، وكسر السين منْ المصدر لغة أيضاً، فيصير بوزن العنب، فهو سكران، والمرأة سكرى، والجمع سُكارى بضم السين، وفتحها، وفي لغة بني أسد يقال للمرأة سكرانة. أفاده فِي "المصباح" (بِكُلِّيَّتِهِ لَا يَحْدُثُ) بضم الدال المهملة، منْ باب قعد: أي لا يحصل (عَلَى الشَّرْبَةِ الآخِرَةِ) "عَلَى" بمعنى "منْ"، كما قوله تعالى:{إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} [المطفّفين: 2]. أو تعليلة، كما فِي قوله تعالى:{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185]، (دُونَ الأُولَى) أي دون الشربة الأولى (وَالثَّانِيَةِ بَعْدَهَا) أي بعد الأولى، والمراد ما قبل الشربة الأخير، سواء كَانَ مرَّتين، أو أكثر (وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ).
وحاصل ما أشار إليه بقوله: "ولا خلاف بين أهل العلم الخ" أنهم لا يختلفون فِي كون السكر إذا حصل للشارب أنه لم يحصل بالشربة الأخيرة فقط، وإنما حصل بجميع ما شربه منْ الشربة الأولى إلى آخر الشربات، فإذا حصل السكر بالجميع، لا بالأخيرة فقط، فقد اتّضح أن التحريم تعلّق بالجميع، لا بها فقط، فتفريق هؤلاء بين الأخيرة، فحرّموها، وبين ما تقدّمها، فأباحوه تفريق باطل، ولا يشكّ فِي بطلانه عاقل، وإنما يتخيله عاطل. والله تعالى المستعان عَلَى منْ خالف النقل والعقل، فهام وهان.
[فائدة]: رأيت للعلامة اللغويّ أحمد بن محمد بن عليّ المقرىء الفيّوميّ المتوفّى
سنة (770 هـ) الذي أعزو إليه غالب النقول اللغوية فِي هَذَا الشرح؛ لوجازته مع إتقانه، فائدة تتعلق بهذا الموضوع، حيث قَالَ فِي كتابه الممتع "المصباح المنير فِي غريب الشرح الكبير": ما نصّه:
وُيروى "ما أسكر كثيره، فقليله حرام"، ونُقل عن بعضهم أنه أعاد الضمير عَلَى "كثيره"، فيبقى المعنى عَلَى قوله: "فقليل الكثير حرام، حَتَّى لو شرب قدحين منْ النبيذ مثلاً، ولم يَسْكَر بهما، وكان يسكر بالثالث، فالثالث كثير، فقليل الثالث، وهو الكثير حرام، دون الأولين.
وهذا كلام منحرف عن اللسان العربي؛ لأنه إخبار عن الصلة دون الموصول، وهو ممنوع باتفاق النحاة، وَقَدْ اتّفقوا عَلَى إعادة الضمير منْ الجملة عَلَى المبتدإ لِيُرْبَطَ به الخبرُ، فيصيرُ المعنى: الذي يسكر كثيره، فقليل ذلك الذي يسكر كثيره حرام. وَقَدْ صَرّح به فِي الْحَدِيث، فَقَالَ:"كلُّ مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، فملء الكفّ منه حرام". ولأن الفاء جواب لما فِي المبتدإ منْ معنى الشرط، والتقدير: مهما يكن منْ شيء يسكر كثيره، فقليل ذلك الشيء حرام. ونظيره: الذي يقوم غلامه فله درهم، والمعنى: فلذلك الذي يقوم غلامه، ولو أعيد الضمير عَلَى الغلام بقي التقدير: الذي يقوم غلامه، فللغلام درهم، فيكون إخبارًا عن الصلة دون الموصول، فيبقى المبتدأ بلا رابط، فتأمله، وفيه فساد منْ جهة المعنى أيضاً؛ لأنه إذا أريد: فقليل الكثير حرام يبقى مفهومه: فقليل القليل غير حرام، فيؤدّي إلى إباحة ما لا يُسكر منْ الخمر، وهو مخالفٌ للإجماع. انتهى كلام الفيّوميّ "المصباح المنير" 1/ 283.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله الفيّوميّ رحمه الله تعالى تحقيق نفيسٌ جدًّا، يقطع دابر المفسدين الذين يقولون: إن المحرّم هو الشربة الأخيرة، حيث تبيّن به أن ما تمسّكوا به منْ التمويهات الباطلة، لا يؤيّده النقل اللغويّ، كما أن النصوص الصحيحة تنابذه. {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]. اللَّهمّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هَذَا صحيحٌ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -25/ 5612 و48/ 5706 - وفي "الكبرى" 26/ 5120 و49/ 5213. وأخرجه (د) فِي "الأشربة" 3716 (ق) فِي "الأشربة" 3409.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم كلّ شراب أسكر كثيره. (ومنها): ما كَانَ عليه الصحابة رضي الله عنهم منْ الحرص عَلَى خدمة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد انتهز أبو هريرة رضي الله عنه الفرصة لَمّا وجده صلى الله عليه وسلم صائماً أن يفطّره بأعلى ما عنده منْ الشراب حسبما ظنّه. (ومنها): أنه ينبغي للحاكم التأكّد منْ الشيء حَتَّى يُصدر حكمه عَلَى ما يتبيّن له منْ صفاته، فيحكم بحله، أو حرمته، فلم يحكم النبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى تحريم نبيذ أبي هريرة رضي الله عنه حَتَّى أدناه منه، وتأكّد منْ كونه مسكرًا. (ومنها): الأمر بإراقة المسكر، وأنه لا حرمة له عند المسلم، فمن أراق مسكرًا لمسلم لا ضمان عليه؛ لأنه ليس بمال محترم. (ومنها): أن شرب المسكر ينافي الإيمان، فمن شربه فليس مؤمنًا، وَقَدْ بينّا المراد بالإيمان المنفي هنا، فيما سبق، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
26 - (النَّهْيُ عَنْ نَبِيذِ الْجِعَةِ، وَهُوَ شَرَابٌ يُتَّخَذ مِنَ الشَّعِيرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الجِعَة" -بكسر الجيم، وفتح العين المهملة، بوزن الْهِبَة-: نبيذ الشعير. والله تعالى أعلم بالصواب.
5614 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ، عَنْ عَلِيٍّ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- قَالَ: نَهَانِى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، عَنْ حَلْقَةِ الذَّهَبِ، وَالْقَسِّيِّ، وَالْمِيثَرَةِ، وَالْجِعَةِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذاَ الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير صعصعة بن صُوحان -بضم الصاد المهملة- فإنه منْ أفراد المصنّف، وأبي داود، وهو تابعيّ كبير مخضرم فصيح ثقة نزل الكوفة، ومات فِي خلافة معاوية رضي الله عنه، وتقدّمت
ترجمته فِي 43/ 5170. و"أبو إسحاق": هو السبيعيّ.
[تنبيه]: قوله: "كرّم الله وجهه" كَانَ الأولى أن يقال: رضي الله تعالى عنه، كسائر الصحابة، فإن المعهود عند ذكرهم هو الترضّي عنهم، اقتباسا منْ قول الله سبحانه وتعالى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} الآية [الفتح: 18]، ويُحكَى أنه إنما قيل: ذلك عند ذكره خاصّةً؛ لأن بعض أعدائه رضي الله عنه منْ النواصب كانوا يقولون: قَالَ عليّ قبح الله وجهه، وفعل عليّ قبح الله وجهه، فقابل ذلك أهل السنة بقولهم: كرّم الله وجهه، والله تعالى أعلم.
وقوله: "عن حلقة الذهب": أي خاتمه. وقوله: و"القسيّ" -بفتح القاف، وتشديد السين المهملة: نسبة بلدة يقال لها: القس، والمراد الثياب التي يغلبها الحرير، وقيل: غير ذلك. وقوله: "والميثرة": بكسر الميم، وفتح الثاء المثلّثة: وطاء محشوّ، يُجعل فوق الرحل تحت الراكب.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم 43/ 5172 ومضى شرحه مستوفًى هناك، وكذا بيان مسائله، واستدلال المصنّف به هنا لما ترجم له واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5615 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ ابْنُ سُمَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ صَعْصَعَةُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ-: انْهَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَمَّا نَهَاكَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الواحد": هو ابن زياد العبديّ مولاهم البصريّ، ثقة [8]. و"إسماعيل بن سُميع"-: هو الحنفيّ، أبو محمد الكوفيّ السابريّ، صدوقٌ تُكلم فيه لبدعة الخوارج [4]. و"مالك بن عُمير": هو الحنفيّ الكوفيّ المخضرم [2]، منْ أفراد المصنّف، وأبي داود.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب ".
***
27 - (ذِكْرُ مَا كَانَ يُنْبَذُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ذكرُ ما كَانَ الخ" منْ إضافة المصدر إلى مفعوله، و"ما" موصولة، و"يُنبذ" بالبناء للمفعول: أي هَذَا باب ذكر الأحاديث التي تدلّ عَلَى بيان الوعاء الذي كانوا ينبذون فيه لأجل أن يشربه النبيّ صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم بالصواب.
5616 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يُنْبَذُ لَهُ فِي تَوْرٍ، مِنْ حِجَارَةٍ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
1 -
(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُسَ المكيّ، صدوقٌ، يُدلّس [4] 31/ 35.
2 -
(جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السَّلَميّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما 31/ 35، وقتيبة بن سعيد، وأبو عوانة الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ تُرجِما قبل بابين. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (272) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله عنه منْ المكثرين السبعة، رَوَى (1540) حديثاً.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يُنْبَذُ لَهُ) بالبناء للمفعول (فِي تَوْرٍ) بفتح المثناة الفوقيّة- قَالَ فِي "اللسان": التور منْ الأواني مذكّر، قيل: هو عربيّ، وقيل: دخيل، قَالَ الأزهريّ: التور إناء معروف، تذكّره العرب، تشرب فيه. وَقَالَ أيضًا: هو إناء منْ صُفْر، أو حجارة، كالإجّانة، وَقَدْ يُتوضّأ منه. انتهى باختصار. وقوله:(مِنْ حِجَارَةٍ) بيان لنوعه، وفي رواية لمسلم:"تورٌ منْ برم"، وهو بمعناه. قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هو قدح كبير كالقِدْر، يُتّخذ تارةً منْ الحجارة، وتارة منْ النحاس وغيره. انتهى "شرح مسلم" 13/ 166. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر رضي الله عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -27/ 5615 و38/ 5649 و5650 و5651 - وفي "الكبرى" 5123 و39/ 5157 و5158 و5159. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1199 (د) فِي "الأشربة" 3702 (ق) فِي "الأشربة" 3400 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 13855 و14090 و14429 و14437 و14641 و14702 و14733 (الدارمي) فِي "الأشربة" 2015.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الإناء الذي كَانَ يُنبذ فيه للنبيّ صلى الله عليه وسلم. (ومنها): أن فيه جواز شرب النبيذ قبل أن يتغيّر، ويكون مسكرًا. (ومنها): أن فيه التصريح بنسخ النهي عن الانتباذ فِي الأوعية الكثيفة، كالدبّاء، والحنتم، والنقير، وغيرها؛ لأن تور الحجارة أكثف منْ هذه كلّها، وأولى بالنهي منها، فلما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم انتُبذ له فيه، دلّ عَلَى النسخ، وهو موافق لحديث بُريدة بن الحصيب رضي الله عنه الآتي 40/ 5656 - عنه صلى الله عليه وسلم. "كنت نهيتكم عن الأوعية، فانتبذوا فيما بدا لكم، وإياكم، وكلَّ مسكر". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
28 - (ذِكْرُ الأَوْعِيَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الاِنْتِبَاذِ فِيهَا، دُونَ مَا سِوَاهَا، مِمَّا لَا تَشْتَدُّ أَشْرِبَتُهَا كَاشْتِدَادِهِ فِيهَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "الأوعية": جمع وعاء، كَكِسَاءٍ وأَكسِيَةٍ، وهو ما يُوضع فيه الشيءُ: أي يُجمع، ويُحفظ فيه. وقوله:"نهُي" بالبناء للمفعول. وقوله: "مما لا يَشتدّ أشربتها" ببناء الفعل للفاعل، و"الأشربة": جمع شراب مرفوع عَلَى الفاعليّة. والله تعالى أعلم بالصواب.
(بَابُ النَّهْي عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ مُفْرَدًا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وقوله: "مفردا": أي غير مجموع مع الأوعية الأخرى التي تُذكر معه غالباً فِي حديث واحد، كالدباء، والحنتم، والمزفّت، والنقير، كما سيأتي فِي الروايات الأخرى الآتية فِي الأبواب الآتية، إن شاء الله تعالى.
5617 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عُمَرَ: أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ طَاوُسٌ: وَاللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُهُ مِنْهُ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك الإِمام الحجة الثبت المروزيّ [8] 32/ 36.
3 -
(سليمان) بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [4] 87/ 107.
4 -
(طاوس) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، فارسيّ الأصل، يقال: اسمه ذكران، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [3] 27/ 31.
5 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى، ومن المكثرين السبعة، رَوَى (2630) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ طَاوُس) بن كيسان رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟) بفتح الجيم، وتشديد الراء، قَالَ فِي "اللسان" 4/ 131: الجرّ: إناء منْ خَزَف، كالْفَخّار، وجمعها جَرّ، وجِرارٌ. وفي الْحَدِيث: أنه نهى عن شرب نبيذ الجرّ، قَالَ ابن دُريد: المعروف عند العرب أنه ما اتُّخِذ منْ الطين. وقيل: أراد ما يُنبذ فِي الجِرار الضاريَة، يدخل فيها الْحَناتم، وغيرها. قَالَ ابن الأثير: أراد النهي عن الجرار المدهونة؛ لأنها أسرع فِي الشدّة، والتخمير. انتهى.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
وسيأتي فِي هَذَا الباب عن سعيد بن جبير، أنه قَالَ لابن عبّاس: ما الجرّ؟ فَقَالَ: كلّ شيء منْ المدر، ولفظ مسلم: أي شيء نبيذ الجر؟ قَالَ: كل شيء يُصنع منْ المدر". قَالَ النوويّ: هَذَا صريح منْ ابن عبّاس بأن الجرّ يدخل فيه جميع أنواع الجرار المتّخذة منْ المدر الذي هو التراب. انتهى. وَقَالَ أيضًا: قوله: "نهى عن الجرّ": هو بمعنى الجرار، الواحدة جرّة، وهذا يدخل فيه جميع أنواع الجرار، منْ الحنتم، وغيره، وهو منسوخ، كما سبق. انتهى "شرح مسلم" 13/ 163 - 164. (قَالَ) ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (نَعَمْ) أي نهى عنه (قَالَ طَاوُسٌ: وَاللهِ إِنِّي سَمِعْتُهُ مِنْهُ) أي سمعت منْ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا الْحَدِيث، إنما قَالَ هَذَا رفعًا لاحتمال أن يكون سمعه بواسطة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -28/ 5616 و5617 و5618 و5619 و5620 و5621 و5622 - وفي "الكبرى" 29/ 5124 و5125 و5126 و5127 و5128 و5129 و5130. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 997 (د) فِي "الأشربة" 3691 (ت) فِي "الأشربة" 1867 (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 4794 و4822 و4894 و5010 و5052 و5071 و"مسند بني هاشم" 3247 و3508 (الدارمي) فِي"الأشربة" 2017 و2019. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5618 -
(أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَا: سَمِعْنَا طَاوُسًا يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، زَادَ إِبْرَاهِيمُ فِي حَدِيثِهِ، وَالدُّبَّاءِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ": هو أبو محمد الْمَوْصليّ، نزيل الرملة، صدوقٌ [10]، منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"أبوه": هو زَيْدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ الموصليّ، نزيل الرملة، ثقة [9] منْ أفرادهما أيضاً. و"إبراهيم بن ميسرة": هو الطائفيّ، نزيل مكة، ثقة ثبت [5].
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5619 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سويد": هو ابن نصر. و"عبد الله": هو ابن المبارك. و"عيينة -مصغّراً- ابن عبد الرحمن": هو الْغَطَفَانيّ، صدوقٌ [7] 44/ 1912. و"أبوه": هو عبد الرحمن بن جَوْشن -بفتح، فسكون- الْغَطَفَانيّ -بفتحات- البصريّ، ثقة [3] 44/ 1912.
والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -28/ 5618 - وفي "الكبرى" 29/ 5126. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5620 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الْحَنْتَمِ، قُلْتُ: مَا الْحَنْتَمُ؟ قَالَ: الْجَرُّ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) بن مطر الدرهميّ البصريّ، صدوقٌ، منْ كبار [11] 17/ 1547 منْ أفراد المصنّف، وأبي داود.
2 -
(أميّة) بن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو عبد الله البصريّ، أخو هُدبة، وهو أكبر منه، صدوقٌ [9] 42/ 1906.
3 -
(شعبة) بن الحجّاج الإِمام الحجة الثبت البصريّ [7] 24/ 27.
4 -
(جبلة بن سُحيم) -بمهملتين مصغّرًا- الكوفيّ، ثقة [3] 17/ 2142.
[تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" هنا "خالد بن سُحيم" بدل "جبلة بن سحيم"، وهو غلط فاحش، والصواب "جبلة"، كما هو فِي "الكبرى" 3/ 218 و"تحفة الأشراف" 5/ 327. فتنبّه. والصحابيّ تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق آنفاً. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وجبلة كوفيّ، والصحابيّ مدنيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم،
عَنِ الْحَنْتَم؟) أي عن الانتباذ فِي الحنتم (قُلْتُ) القائل جبلة بن سُحيم (مَا الْحَنْتَمُ؟ قَالَ: الْجَرُّ) قالَ الفيّوميّ: والحنتم: فَنْعلٌ الخزف الأخضر، والمراد: الجرّة، ويقال لكلّ أسود حنتمٌ، والأخضر عند العرب أسود. انتهى. وفي "اللسان": قَالَ أبو عبيد: الحنتم هي جرار حُمْرٌ، كانت تُحمل إلى المدينة فيها الخمر. قَالَ الأزهريّ: وقيل للسحاب: حنتم، وحناتم؛ لأمتلائها منْ الماء، شُبهت بحناتم الجرار المملوءة. وفي "النهاية": الحنتم: جرار مدهونة خُضْرٌ كانت تُحمل الخمر فيها إلى المدينة، ثم اتُّسِع فيها، فقيل للخزف كلّه حنتم، واحدتها حنتمة، وإنما نُهي عن الانتباذ فيها؛ لأنها تُسرع الشدّةُ فيها لأجل دهنها. وقيل: لأنها كانت تُعمل منْ طين يُعجَن بالدم والشعر، فنهي عنها؛ لِيُمْتَنَع منْ عملها، والأول هو الوجه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -28/ 5619 - وفي "الكبرى 29/ 5127. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1997. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5621 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ -يَعْنِي ابْنَ أَسِيدٍ الطَّاحِيَّ بَصْرِيٌّ- يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ قَالَ: نَهَانَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"أبو مسلمة": هو سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزديّ، ثم الطاحيّ، أبو مسلمة البصريّ القصير، ثقة [4].
و"عبد العزير بن أَسيد" -بفتح الهمزة- الطاحيّ البصريّ، مقبول [4].
رَوَى عن ابن الزبير هَذَا الْحَدِيث فقط. وعنه أبو مسلمة، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
والحديث ضعيف الإسناد؛ لجهالة عبد العزيز الطاحيّ، لكن المتن له شواهد سبقت، وتأتي، فيصحّ بها
(1)
، وهو منْ أفراد المصنّف، أخرجه هنا -28/ 5620 - وفي
(1)
صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، انظر "صحيح النسائيّ" 3/ 1139.
"الكبرى" 29/ 5128. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5622 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ فَقَالَ: حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: سَمِعْتُ الْيَوْمَ شَيْئًا، عَجِبْتُ مِنْهُ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ فَقَالَ: حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: صَدَقَ ابْنُ عُمَرَ، قُلْتُ: مَا الْجَرُّ؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مَدَرٍ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ) السدوسيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [11] 24/ 5595.
2 -
(عبد الرحمن بن مهديّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام [9] 42/ 49.
3 -
(هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ) أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، رُمي بالقدر، منْ كبار [7] 30/ 34.
4 -
(أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه حجة [5] 42/ 48.
5 -
(سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 28/ 436.
6 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير سعيد، فكوفيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرحِ الْحَدِيث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟) أي عن حكم شربه (فَقَالَ) ابن عمر (حَرَّمَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم) المراد ما اشتدّ منه، وصار مسكرًا، لا مطلق النبيذ، ويحتمل أن يكون أراد ما قبل النسخ، قَالَ سعيد (فَأتَيْتُ
ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فَقُلْتُ: سَمِعْتُ الْيَوْمَ شَيْئًا، عَجِبْتُ مِنْهُ) بكسر الجيم، منْ باب تعب، وفي رواية لمسلم:"فأتيت ابن عبّاس، فقلت: ألا تسمع ما يقول ابن عمر؟ "(قَالَ) ابن عبّاس (مَا هُوَ؟) أي ما الشيء الذي عجبت منه؟ (قُلْتُ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ فَقَالَ: حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ) ابن عبّاس (صَدَقَ ابْنُ عُمَرَ) فيما أخبرك به، وفي الرواية التالية: صدق، حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ سعيد:(قلْتُ: مَا الْجَرُّ؟ قَالَ) ابن عبّاس (كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مَدَرٍ) برفع "كلُّ" عَلَى تقدير مبتدإ: أي هو كل شيء منْ مدر: أي مصنوع منه، و"المدر": جمع مَدَرة، مثلُ قصب وقصبة، وهو التراب المتلبّد، قَالَ الأزهريّ: المدر قِطَع الطين، وبعضهم يقول: الطين الْعِلْك الذي لا يُخالطه رملٌ، والعرب تُسمّي القرية مَدَرةً؛ لأن بُنيانها غالباً منْ المدر. قاله فِي "المصباح".
وهذا تصريح منْ ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بأن الجرّ يدخل فيه جميع أنواع الجرار المتّخذة منْ المدر، الذي هو التراب. قاله النوويّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث حديث ابن عمر، وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -28/ 5621 و5622 - وفي "الكبرى" 29/ 5129 و5130. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1997 (د) فِي "الأشربة" 3691. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5623 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَسُئِلَ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ فَقَالَ: حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَشَقَّ عَلَيَّ لَمَّا سَمِعْتُهُ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، فَجَعَلْتُ أُعَظِّمُهُ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: سُئِلَ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ فَقَالَ: صَدَقَ، حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: وَمَا الْجَرُّ؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ صُنِعَ مِنْ مَدَرٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن زُرَارة": هو الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ الثقة الثبت [10] 7/ 368. و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"أيوب": هو السختيانيّ.
[تنبيه]: قوله: "عن رجل": هو أبو بشر جعفر بن إياس، فقد ذكر فِي "تحفة
الأشراف" 4/ 459: ما نصّه: رواه شعبة، عن قتادة، عن أيوب، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، وابن عمر. انتهى باختصار.
وَقَالَ الحافظ فِي "النكت الظراف" 4/ 459: أخرجه ابن الأعرابيّ فِي "معجمه" منْ طريق سعيد، عن قتادة، لكن اقتصر عَلَى ابن عمر، فزاد: "فقلت لقتادة: ممن سمعته؟ قَالَ: منْ أيّوب، قَالَ: فأتيت أيوب، فسألته ممن سمعته؟ قَالَ: منْ أبي بشرة فأتيت أبا بشر، فقلت: ممن سمعته؟ فَقَالَ: منْ سعيد بن جبير، يُحدّث به عن ابن عمر. انتهى.
فتبيّن بهذا كلّه أن الرجل المبهم فِي سند المصنّف هو أبو بشر جعفر بن إياس البصريّ الثقة، وهو أثبت النَّاس فِي سعيد بن جُبير، كما فِي "التقريب"، وغيره.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
29 - (الْجَرُّ الأَخْضَرُ)
5624 -
(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الأَخْضَرِ، قُلْتُ: فَالأَبْيَضُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد ثقة [10] 33/ 37.
2 -
(أبو داود) سليمان ابن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة ثبت [9] 13/ 343.
3 -
(شعبة) بن الحجاج المذكور قريبًا.
4 -
(الشيياني) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقة [5] 172/ 267.
5 -
(ابن أبي أوفى) هو عبد الله -واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث-
الأسلميّ الصحابيّ، شهد الْحُديبية، وعُمّر بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم دهرًا، ومات سنة (87)، وهو آخر منْ مات بالكوفة منْ الصحابة رضي الله عنهم. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن صحابيه آخر منْ مات بالكوفة منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما مرّ آنفاً. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق سليمان بن فيروز، ووقعِ فِي رواية الإسماعيلي:"حدّثني سليمان الشيبانيّ"، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ) عبد الله (بْنَ أبِي أَوْفَى) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الأَخْضَرِ، قُلْتُ) القائل هو الشيبانيّ (فَالْأَبْيَضُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي) هَذَا شاذّ مخالف لرواية سفيان التالية لهذه الرواية، ولما فِي رواية البخاريّ بلفظ:"قلت: أنشرب فِي الأبيض؟ قَالَ: لا". قَالَ فِي "الفتح" 11/ 188: يعني أن حكمه حكم الأخضر، فدل عَلَى أن الوصف بالخضرة، لا مفهوم له، وكأن الجرار الخضر حينئذ كانت شائعة بينهم، فكان ذكر الأخضر لبيان الواقع، لا للاحتراز. وَقَالَ ابن عبد البرّ: هَذَا عندي كلام خرج عَلَى جوِاب سؤال، كأنه قيل: الجر الأخضر، فَقَالَ: لا تنبذوا فيه، فسمعه الراوي، فَقَالَ: نَهى عن الجر الأخضر، وَقَدْ رَوَى ابن عبّاس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن نبيذ الجر، قَالَ: والجر كل ما يصنع منْ مَدَر.
قَالَ الحافظ: وَقَدْ أخرج الشافعيّ، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ابن أبي أوفى:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض والأحمر"، فإن كَانَ محفوظا ففي الأول اختصار، والحديث الذي ذكره ابن عبد البرّ، أخرجه مسلم، وأبو داود، وغيرهما.
قَالَ الخطّابيّ: لم يعلق الحكم فِي ذلك بالخضرة والبياض، وإنما عُلّق بالإسكار، وذلك أن الجرار تُسرع التغير لما يُنبذ فيها، فقد يتغير منْ قبل أن يُشعَر به، فَنُهُوا عنها، ثم لما وقعت الرخصة أُذن لهم فِي الانتباذ فِي الأوعية، بشرط أن لا يشربوا مسكرا. وَقَدْ أخرج ابن أبي شيبة، منْ وجه آخر، عن ابن أبي أوفى: أنه كَانَ يشرب نبيذ الجر الأخضر. وأخرج أيضاً بسند صحيح، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كَانَ يُنبذ له فِي الجر الأخضر. ومن طريق معقل بن يسار، وجماعة منْ الصحابة نحوه، وَقَدْ خص جماعة
النهي عن الجر بالجرار الخضر، كما رواه مسلم عن أبي هريرة.
قَالَ النوويّ: وبه قَالَ الأكثر، أو الكثير منْ أهل اللغة، والبغريب، والمحدثين، والفقهاء، وهو أصح الأقوال وأقواها. وقيل: إنها جرار مُقَيَّرة الأجواف، يُؤتى بها منْ مصر، أخرجه ابن أبي شيبة، عن أنس رضي الله عنه. وقيل مثله عن عائشة بزيادة:"أعناقُها فِي جُنُوبها"، وعن ابن أبي ليلى: جرارٌ أفواهها فِي جنوبها، يُجلَب فيه الخمر منْ الطائف، وكانوا ينبذون فيها، يضاهون بها الخمر". وعن عطاء: جرار تُعمَل منْ طين ودم وشعر. ووقع عند مسلم عن ابن عبّاس أنه فسر الجر بكل شيء ينصع منْ مدر، وكذا فسر ابن عمر الجر بالجرة وأطلق، ومثله عن سعيد بن جبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. انتهى ما فِي "الفتح" 11/ 188. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -29/ 5623 و5624 - وفي "الكبرى" 30/ 5131 و5132. وأخرجه (خ) فِي "الأشربة" 5596 (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" 18624 و18661 و18907. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5625 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الأَخْضَرِ وَالأَبْيَضِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو عبد الرحمن": هو المصنّف رحمه الله تعالى. و"محمد بن منصور": هو الْجَوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "الأخضر والأبيض": هَذَا يخالف رواية شعبة السابقة، فإنه سأله عن الأبيض؟ فَقَالَ: لا أدري، اللَّهمّ إلا أن يُحمل عَلَى أنه نسي فِي المرة الأولى، فَقَالَ: لا أدري، ثم تذكّر بعدُ، فحدّث به، وفيه بُعْدٌ، فالأولى حمل ما تقدّم منْ قوله:"لا أدري" عَلَى الشذوذ، ومما يؤيّد هَذَا رواية عبد الواحد، عن الشيباني، عند البخاريّ المتقدّمة، ولفظها: قَالَ: "قلت: أنشرب فِي الأبيض؟ قَالَ: لا"، فدلّ هَذَا عَلَى أن الرواية بلفظ
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
"لا أدري" غير محفوظة ..
والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق تخريجه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5626 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: حَرَامٌ، قَدْ حَدَّثَنَا مَنْ لَمْ يَكْذِبْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنْ نَبِيذِ الْحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أثر الحسن هَذَا لا يطابق هَذَا الباب، فكان الأولى إيراده فِي الباب الثالث الآتي، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
و"محمد": هو ابن جعفر المعروف بغندر. و"أبو رجاء": هو محمد بن سيف الأزديّ الْحُدّانيّ البصريّ، ثقة [6] 60/ 4614. و"الحسن": هو البصريّ.
وقوله: "منْ لم يكذب" بفتح أوله، وكسر ثالثه، منْ باب ضرب.
والأثر فيه جهالة شيخ الحسن، لكن له شواهد مما سيأتي قريبًا، فهو صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -29/ 5625 - وفي "الكبرى" 30/ 5133. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
30 - (النَّهْيُ عَنْ نَبِيذِ الدُّبَّاءِ)
5627 -
(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو داود": هو الطيالسيّ المذكور فِي الباب الماضي. وشرح الْحَدِيث واضحٌ، وفيه:
مسألتان تتعلّقان به:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -30/ 5626 و5627 و5633 و32/ 5634 و33/ 5636 و37/ 5647 - وفي "الكبرى" 31/ 5134 و32/ 5141 و33/ 5142 و34/ 5144 و38/ 5155. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1997 (د) فِي "الأشربة" 3690 (ت) فِي "الأشربة" 1868 (ق) فِي "الأشربة" 3402 (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 4615 و4894 و4975 و5010 و5052 و5134 و5165 و5400 و5547 و5730 و5918 (الموطأ) فِي "الأشربة" 1591. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5628 -
(أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالىَ عنه: "جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ" بن راشد التّنِّيسيّ، أبو صالح الْهُذليّ مولاهم، صدوقٌ، ربّما أخطأ [11].
رَوَى عن بشر بن بكر، وأبي عبد الرحمن المقري، وكثير بن هشام، وابن أبي فُديك، ويحيى بن حسان، وإسماعيل بن أبي أويس، وجماعة. وعنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابناه الحسن وجعفر، وأبو بكر بن أبي داود، وعلي بن أحمد ابن سليمان عَلّان، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، والباغندي، وغيرهم. قَالَ النسائيّ: صالح. وَقَالَ أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ كتب عن ابن عيينة، ربما أخطأ. قَالَ ابن يونس: مات فِي المحرم سنة (254). رَوَى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
[فائدة]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى فِي "تهذيب التهذيب" 1/ 312: وقفت له -يعني لجعفر بن مسافر- عَلَى حديث معلول، أخرجه ابن ماجه عنه، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن عمر فِي الأمر بطلب الدعاء منْ المريض، قَالَ النوويّ فِي "الأذكار": صحيح، أو حسن، لكن ميمونا لم يدرك عمر، فمشى عَلَى ظاهر السند، وعلته أن الحسن بن عرفة، رواه عن كثير، فأدخل بينه وبين جعفر رجلاً ضعيفاً جدًّا، وهو عيسى بن إبراهيم الهاشمي، كذلك أخرجه ابن السني، والبيهقي، منْ طريق الحسن، فكأنّ جعفرًا كَانَ يدلس تدليس التسوية، إلا أني وجدت فِي نسختي منْ ابن ماجه تصريح كثير بتحديث جعفر له، فلعل كثيرا عنعنه، فرواه جعفر عنه بالتصريح؛ لاعتقاده أن الصيغتين سواء منْ غير المدلس، لكن ما وقفت عَلَى كلام أحد وصفه بالتدليس، فإن كَانَ الأمر كما ظننت أوّلاً، وإلا فيسلم جعفر منْ التسوية، ويثبت التدليس فِي كثير. والله أعلم. انتهى.
و"يحيى بن حسّان": هو التنّيسيّ منْ أهل البصرة، ثقة [9] 55/ 624. و"وُهيب": هو ابن خالد. و"ابن طاوس": هو عبد الله. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
31 - (النَّهْيُ عَنْ نَبِيذِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ)
5629 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَحَمَّادٍ، وَسُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ).
رجال هَذَا الإسناد: تسعة:
1 -
(محمدد بن المثنّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ، ثقة حافظ [10] 64/ 80.
2 -
(يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [9] 4/ 4.
3 -
(سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [7] 33/ 37.
4 -
(منصور) بن المعتمر، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [6] 2/ 2.
5 -
(حماد) بن أبي سليمان مسلم الكوفيّ الفقيه، صدوقٌ له أوهام [5] 190/ 1165.
6 -
(سليمان) بن مهران الأعمش الكوفيّ، ثقة ثبت ورع فاضل، يدلس [5] 17/ 18.
7 -
(إبراهيم) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [5] 29/ 33.
[تنبيه]: قوله: و"حمادٍ"، و"سليمانَ" بالجر عطفًا عَلَى "منصور"، فما وقع فِي النسخ المطبوعة منْ تشكيل حماد، وسليمان بالرفع فغلط، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
8 -
(الأسود) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ الفقيه، ثقة مخضرم مكثر [2] 29/ 33.
9 -
(عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها 5/ 5. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان، وعائشة
رضي الله تعالى عنها، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: حماد، وسليمان، عن إبراهيم، عن الأسود. (ومنها): أن فيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ) أي عن الانتباذ فيهما، وفي رواية معاذة، عن عائشة وضي الله تعالى عنها الآتية فِي 34/ 5642 - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نبيذ النقير، والمقيّر، والدبّاء، والحنتم".
وفي رواية البخاريّ منْ طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قلت للأسود: هل سألت عائشة أم المؤمنين عما يُكره أن يُنتبذ فيه؟ فَقَالَ: نعم، قلت: يا أم المؤمنين عمّ نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يُنتبذ فيه؟ قالت: نهانا فِي ذلك أهل البيت، أن ننتبذ فِي الدبّاء، والمزفّت، قلت: أما ذكرت الجرّ، والحنتم؟ قَالَ: إنما أحدّثك ما سمعتُ، أفاحدّثك ما لم أسمع؟. انتهى.
قَالَ فِي "الفتح" 11/ 187: قوله:، "أما ذكرت": القائل هو إبراهيم. وإنما استفهم إبراهيم عن الجر والحنتم؛ لاشتهار الْحَدِيث بالنهي عن الانتباذ فِي الأربعة، ولعل هَذَا هو السر فِي التقييد بأهل البيت، فإن الدباء، والمزفت، كَانَ عندهم متيسرا، فلذلك خص نهيهم عنهما. انتهى.
[تنبيه]: الفرق بين الأسقية منْ الأدم، وبين غيرها، أن الأسقية يتخلَّلها الهواء منْ مسامها، فلا يسرع إليها الفساد، مثل ما يسرع إلى غيرها منْ الجرار ونحوها، مما نُهي عن الانتباذ فيه، وأيضاً فالسقاء إذا نُبذ فيه، ثم رُبط أُمنت مفسدة الإسكار بما يشرب منه؛ لأنه متي تغير، وصار مسكرا شَقّ الجلد، فلما لم يشقه فهو غير مسكر، بخلاف الأوعية؛ لأنها قد تُصَيِّر النبيذ فيها مسكرا ، ولا يُعلَم به.
وأما الرخصة فِي بعض الأوعية دون بعض، فمن جهة المحافظة عَلَى صيانة المال؛ لثبوت النهي عن إضاعته؛ لأن التي نُهي عنها يسوع التغير إلى ما يُنبذ فيها، بخلاف ما أُذن فيه، فإنه لا يسرع إليه التغير، ولكن حديث بُريدة رضي الله عنه الآتي بعد نحو ثمانية أبواب ظاهر فِي تعميم الإذن فِي الجميع، ويفيد أن لا يشربوا المسكر، فكأن الأمن حصل بالإشارة إلى ترك الشرب منْ الوعاء ابتداء، حَتَّى يُختَبَر حاله، هل تغير أو لا؟ فإنه لا يتعين الاختبار بالشرب، بل يقع بغير الشرب، مثل أن يصير شديد الغليان، أو يقذف بالزبد، ونحو ذلك. أفاده فِي "الفتح" 11/ 187. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -31/ 5628 و33/ 5638 و5640 و5641 و5642 و5643 - وفي "الكبرى" 32/ 5136 و34/ 5146 و35/ 5147 و5148 و5149 و5150 و5151. وأخرجه (خ) فِي "الأشربة" 5595 (م) فِي "الأشربة" 1995 (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" 23681 و23986 و24135 و24150 و26283. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5630 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. و"سليمان": هو الأعمش.
وقوله: "كرم الله وجهه" سبق البحث عنه فِي 26/ 5613. وشرح الْحَدِيث واضح.
وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عليّ رضي الله عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -31/ 5629 - وفي "الكبرى" 32/ 5137. وأخرجه (خ) فِي "الأشربة" 5594 (م) فِي "الأشربة" 1994. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5631 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ": هو البلخيّ، مستملي وكيع، ثقة حافظ [10]. و"شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ": هو المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان، ثقة حافظ، رُمي بالإرجاء [9]. و"بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ": هو الليثيّ الكوفيّ، ثقة [4]. و"عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ" -بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وفتح الميم-
الديليّ -بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانيّة- صحابيّ نزل الكوفة، ويقال: مات بخراسان، تقدّمت ترجمته فِي 203/ 3016. وشرح الْحَدِيث واضحٌ، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الرحمن بن يعمَر رضي الله عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -31/ 5630 - وفي "الكبرى" 32/ 5138. وأخرجه (ق) فِي "الأشربة" 3404. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5632 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ أَنْ يُنْبَذَ فِيهِمَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الليث": هو ابن سعد. والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (273) منْ رباعيات الكتاب.
وقوله: "أن يُنبذ فيهما" بالبناء للمفعول، وهو فِي تأويل المصدر بدلٌ عن المجرور. وشرح الْحَدِيث واضح، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -31/ 5631 و35/ 5644 - وفي "الكبرى" 32/ 5139 و36/ 5152. وأخرجه (خ) فِي "الأشربة" 5587 (م) فِي "الأشربة" 1992 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 11661 و11689 و2018 (الدارمي) فِي "الأشربة" 2018. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5633 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، أَنْ يُنْبَذَ فِيهِمَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن منصور": هو الْجَوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "أن يُنبذ فيهما" بالبناء للمفعول، وهو فِي تأويل المصدر بدل منْ المجرور.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم فِي 23/ 5591 والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5634 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الْمُزَفَّتِ، وَالْقَرْعِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ": هو أبو قُدامة السرخسيّ الحافظ. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد الله": هو ابن عُمر العمريّ.
وقوله: "والقرع" -بفتح القاف، وسكون الراء-: المراد به الدبّاء الذي تقدّم ذكره فِي الروايات.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم فِي 30/ 5626. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
32 - (ذِكْرِ النَّهْي عَنْ نَبِيذِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ)
5635 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ فَرْوَةَ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ كُرْدِيٍّ، بَصْرِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ فَرْوَةَ، ابْنُ كرْدِيٍّ، بَصْرِيٌّ": وعبارة "التهذيب"، و"التقريب" وغيره: الهاشميّ المعروف بابن الكرديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [10] 34/ 583. و"مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ": هو غندر.
و"عَبْدِ الْخَالِقِ الشَّيْبَانِيِّ": هو ابن سَلِمة -بكسر اللام- ويقال: بفتحها- أبو رَوْح البصريّ، ثقة، مُقِلّ [6].
رَوَى عن سعيد بن المسيب، وعنه شعبة، وحماد بن زيد، وسعيد بن أبي عروبة، ووهيب، وعُمر بن عليّ المقدمي، وإسماعيل بن علية، وكَسَرَ اللام، ويزيد بن هارون، وفتحها، قَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة، وكذا قَالَ ابن معين، وأبو داود،
والنسائي. وَقَالَ أبو حاتم: شيخ صالح الْحَدِيث. وَقَالَ الدارقطنيّ: قَالَ يزيد بن هارون: عبد الخالق بن سلمة ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". رَوَى له مسلم، والمصنّف هَذَا الْحَدِيث، وله عند أبي داود فِي "المراسيل":"كانت الصدقة نصف صاع". و"سعيد": هو ابن المسيّب.
والحديث تقدّم فِي 30/ 5626. وأخرجه مسلم مطوّلاً، ونصه:
1997 -
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد الخالق بن سلمة، قَالَ: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: عند هَذَا المنبر -وأشار إلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: قدم وَقَدْ عبد القيس عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن الأشربة، فنهاهم عن الدباء، والنقير، والحنتم، فقلت له: يا أبا محمد، والمزفت -وظننا أنه نسيه- فَقَالَ: لم أسمعه يومئذ منْ عبد الله بن عمر، وَقَدْ كَانَ يَكْرَهُ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5636 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الشُّرْبِ فِي الْحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ).
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه، وهو ثقة. و"عبد الله": هو ابن المبارك. و"الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ": هو أبو سعيد الضُّبَعيّ البصريّ القسّام، ثقة [6] 5/ 1828. و"أبو المتوكّل": هو عليّ بن داود الناجيّ البصريّ. وشرح الْحَدِيث واضحٌ، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -32/ 5635 - وفي "الكبرى" 33/ 5143. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1996 (ق) فِي "الأشربة" 3403 (الدارمي) فِي "الأشربة" 2019. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
33 - (النَّهْيُ عَنْ نَبِيذِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ)
5637 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محاب": هو ابن دثار السدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة، إمام، زاهد [4] 16/ 652.
[تنبيه]: وقع فِي جميع النسخ منْ "المجتى"، و"الكبرى" هنا: ما نصه: "أنبأنا عبد الله، عن سعيد بن محارب"، بدل "شعبة، عن محارب"، وهو تصحيف عجيب، والصواب ما هنا، انظر "تحفة الأشراف" 6/ 35 و"صحيح مسلم" 3/ 1582 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. فتنبّه. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم مختصرًا فِي 30/ 5626. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5638 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الْجِرَارِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالظُّرُوفِ الْمُزَفَّتَةِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن بن عمرو الإِمام المشهور. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
وقوله: "عن الجرار" -بكسر الجيم-: جمع جرّة -بفتحها-، وَقَدْ تقدّم معناها. وقوله:"الظروف المزفّتة": أي الأوعية المطليّة بالزِّفْت. قَالَ ابن الأثير: "نهى عن المزفّت منْ الأوعية": هو الإناء الذي طُلي بالزِّفْت، وهو نوع منْ القار، ثم انتُبذ فيه. انتهى "النهاية" 2/ 394. وَقَالَ الفيّوميّ: الزِّفت: القِير، ويقال: الْقَطِران، وزَفَّت الرجل الوعاء بالتثقيل: طلاهُ بالزِّفْتِ. انتهى.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم بنحوه فِي 23/ 5591. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
5639 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ صَالِحٍ الْبَارِقِيِّ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ نَصْرٍ، وَجُمَيْلَةَ بِنْتِ عَبَّادٍ، أَنَّهُمَا سَمِعَتَا عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَنْهَى عَنْ شَرَابٍ، صُنِعَ فِي دُبُّاءٍ، أَوْ حَنْتَمٍ، أَوْ مُزَفَّتٍ، لَا يَكُونُ زَيْتًا، أَوْ خَلاًّ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عَوْنِ بْنِ صَالِحٍ الْبَارِقِيِّ"، رَوَى عن جميلة بنت عبّاد، وزينب بنت نصر، وعطيّة العوفيّ، وحيّان بن إياس، صاحب ابن عمر. وروى عنه ابن المبارك، ووكيع. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ فِي "التقريب": مقبول [7]. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
و"زينب بنت نصر"، روت عن عائشة، وعنها عون بن صالح البارقيّ، لا يعرف حالها [3].
و"جميلة بنت عبّاد" روت عن عائشة، وعنها عون بن صالح البارقيّ، لا تعرف [3].
وقوله: "لا يكون زيتًا، أو خلاً": أي ليس المنهي عن شربه هو الزيت والخلّ، فإنهما مباحان فِي أيّ ظرف كانا. والله تعالى أعلم.
والحديث ضعيف الإسناد؛ لجهالة حال المرأتين، والراوي عنهما، وحسّنه الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -33/ 5637 - وفي "الكبرى" 34/ 5146. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
34 - (ذِكْرُ النَّهْي عَنْ نَبِيذِ الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُقَيَّرِ، وَالْحَنْتَمِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المقَيَّر": هو الذي المطليّ بالقار، وهو الزَّفْت. قَالَ فِي "المصباح": الْقِير: معروف، والقار لغة فيه، وقيّرتُ السفينة بالقار: طليتها به. انتهى. وَقَالَ فِي "القاموس": القِيرُ بالكسر، والقار: شيء أسود يُطلَى به السفن، والإبل، أو هما الزفت، قيّر الْحُبَّ، والزِّقَّ: طلاهما به. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
5640 -
(أَخْبَرَنَا قُرَيْشُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يقال: هَذَا الْحَدِيث لا يطابق الترجمة، إذ لا ذكر للمقيّر فيه؛ لأنا نقول: إنه بمعنى المزفّت، فهو مذكور فيه معنًى. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و"قريش بن عبد الرحمن": الباورديّ، ليس به بأس [12] 10/ 5562 منْ أفراد المصنّف. و"عليّ بن الحسن": هو ابن شَقيق، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، منْ كبار [10] 22/ 906. و"الحسين": هو ابن واقد المروزيّ، أبو عبد الله القاضي، ثقة له أوهام [7] 5/ 463. و"محمد بن زياد": هو الْجُمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت، ربما أرسل [3] 82/ 110.
[تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" هنا "محمد بن زياد"، ووقع فِي "الكبرى":"محمد ابن فضاء" بدل "محمد بن زياد"، وكتب محقق "الكبرى" فِي الهامش أن الصواب ما فِي "الكبرى"، وأن ما فِي "المجتبى" خطأ. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا غلط منْ أوجه: [الأول]: أن محمد بن فضاء ليست له رواية عند المصنّف أصلاً، بل هو منْ رجال أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو ضعيف. [الثاني]: أنه منْ الطبقة السادسة، لا يروي عن أبي هريرة أصلاً. [الثالث]: أن الحافظ أبا الحجّاج المزّيّ رحمه الله تعالى أورد هَذَا الْحَدِيث فِي ترجمة محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وعزاه إلى النسائيّ. فتبصّر، ولا تتحيّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم فِي 23/ 5591. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5641 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(3)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ عَائِشَةَ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ النَّبِيذِ؟ فَقَالَتْ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلُوهُ فِيمَا يَنْبِذُونَ، فَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُقَيَّرِ، وَالْحَنْتَمِ).
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(3)
وفي نسخة: "أخبرنا".
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(سُويد) بن نصر المروزيّ، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك الحنظليّ المروزيّ الإِمام الحجّة الثبت [8] 32/ 36.
3 -
(الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ) الْحُدّانيّ، أبو المغيرة البصريّ، ثقة [7] 40/ 2209.
4 -
(ثمامة بن حَزْن القشيريّ) أبو الْوَرْد البصريّ، مخضرم ثقة، وفَدَ عَلَى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وله (35) سنة [2] 4/ 3635.
5 -
(عائشة) رضي الله تعالى عنها 5/ 5. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة، روت (2210) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن ثُمَامَة بنِ حَزْنٍ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي (الْقُشَيْرِيُّ) بضم القاف، مصغّرًا: نسبة إلى قُشير بن كعب بن عامر بن صعصعة. أو إلى قشير بن خُزيمة بطن منْ أسلم. قاله فِي "اللب" 2/ 181، أنه (قَالَ: لَقِيتُ) بكسر القاف، منْ باب تعب (عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (فَسَألْتُهَا عَنِ النَّبِيذِ؟) أي عن حكم الانتباذ فِي الأوعية، وفي نسخة:"عن نبيذ الجر"(فَقَالَتْ: قَدِمَ) بَكسر الدال، منْ باب تعب (وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ) قَالَ صاحب "التحرير": الوفد: الجماعة المختارة منْ القوم؛ ليتقدموهم فِي لُقِيّ العظماء، والمصير إليهم فِي المهمات، واحدهم وافد، قَالَ: وَفدُ عبد القيس هؤلاء تقدموا قبائل عبد القيس، للمهاجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أربعة عشر راكباً، الأشجّ الْعَصَريّ رئيسهم، ومزيدة بن مالك المحاربيّ، وعبيدة بن همام المحاربيّ وصحار بن العبّاس الْمُرّيّ، وعمرو بن مرحوم الْعَصَريّ، والحارث بن شعيب العصريّ، والحارث بن جندب منْ بني عايش، ولم نَعْثُرْ بعد طول التتبع عَلَى أكثر منْ أسماء هؤلاء.
قَالَ: وكان سبب وفودهم، أن منقذ بن حيان أحد بني غنم بن وديعة، كَانَ مَتْجَره إلى يثرب فِي الجاهلية، فشخص إلى يثرب بَملاحِفَ وتمر منْ هَجَر، بعد هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فبينا منقذ بن حيان قاعد ، إذ مر به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنهض منقذ إليه، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، أمنقذ بن حيان، كيف جميع هيئتك وقومك؟ ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم
بأسمائهم، فأسلم منقذ، وتعلم سورة الفاتحة، و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1]، ثم رحل قِبَلَ هَجَر، فكتب النبيّ صلى الله عليه وسلم معه إلى جماعة عبد القيس كتابا، فذهب به، وكتمه أياما، ثم اطلعت عليه امرأته، وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة- ابن الحارث، والمنذر هو الأشج، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم به؛ لأثر كَانَ فِي وجهه، وكان منقذ رضي الله عنه يصلي، ويقرأ، فنكرت امرأته ذلك، فذكرته لأبيها المنذر، فقالت أنكرت بعلى منذ قدم منْ يثرب، أنه يغسل أطرافه، ويستقبل الجهة تعنى القبلة، فيحني ظهره مرة، ويضع جبينه مرة، ذلك ديدنه منذ قدم، فتلاقيا، فتجاريا ذلك، فوقع الإِسلام فِي قلبه، ثم ثار الأشج إلى قومه عَصَر، ومحارب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه عليهم، فوقع الإِسلام فِي قلوبهم، وأجمعوا عَلَى السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار الوافد، فلما دنوا منْ المدينة، قَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لجلسائه:"أتاكم وَقَدْ عبد القيس، خير أهل المشرق، وفيهم الأشج العصريّ، غير ناكثين، ولا مبدلين، ولا مرتابين، إذ لم يسلم قوم حَتَّى وُتِرُوا".
وَقَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكانت وفادة عبد القيس عام الفتح قبل خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ونزلت فريضة الحجّ سنة تسع بعدها عَلَى الأشهر. ذكر هَذَا كلّه النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم" 1/ 184 (عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَألُوهُ فِيمَا يَنْبِذُونَ)"فِي" بمعن "عن"، و"ما" موصولة: أي عن الوعاء الذي ينبذون فيه (فَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ) بضم الدال، وبالمدّ: هو القرع اليابس، أي الوعاء منه (وَالنَّقِيرِ) بالنون المفتوحة، والقاف، وَقَدْ جاء فِي تفسيره فِي رواية أنه جذع يُنقر وسطه (وَالْمُقَيَّرِ) هو المزفّت، وهو المطليّ بالقار، وهو الزِّفت. وقيل: الزفت: نوع منْ القار، والصحيح الأول، فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قَالَ: المزفت هو المقير.
(وَالْحَنْتَمِ) بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء مثناة منْ فوقُ مفتوحة، ثم ميم، الواحدة حنتمة- وَقَدْ اختُلف فِي تفسيرها، [فأصح الأقوال، وأقواها]: أنها جرار خضر، وهذا التفسير ثابت فِي "كتاب الاشربة" منْ "صحيح مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو قول عبد الله بن مغفل الصحابيّ، رضي الله عنه، وبه قَالَ الأكثرون، أو كثيرون منْ أهل اللغة، وغريب الْحَدِيث، والمحدثين، والفقهاء. [والثانى]: أنها الجرار كلها، قاله عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة. [والثالث]: أنها جرار يؤتى بها منْ مصر، مُقَيَّرات الأجواف، ورُوي ذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ونحوه عن ابن أبي ليلى، وزاد أنها حُمْر. [والرابع]: عن عائشة رضي الله عنها جرار حُمْر أعناقها فِي جُنُوبها، يُجلب فيها الخمر منْ مصر. [والخامس]: عن ابن أبي ليلى أيضاً:
أفواهها فِي جنوبها يُجلب فيها الخمر منْ الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها يضاهون به الخمر. [والسادس]: عن عطاء جِرَار كانت تُعمل منْ طين وشعر ودم.
وأما معنى النهي عن هذه الأربع، فهو أنه نهي عن الانتباذ فيها، وهو أن يُجعل فِي الماء حبات، منْ تمر، أو زبيب، أو نحوهما؛ ليحلو ويُشرَب، وإنما خُصّت هذه بالنهي؛ لأنه يُسرع الإسكار فيها، فيصير حراما نجسا، وتبطل ماليته، فنُهي عنه؛ لما فيه منْ إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره مَن لم يَطّلع عليه، ولم يَنهَ عن الانتباذ فِي أسقية الأدم، بل أَذِنَ فيها؛ لأنها لرِقّتها لا يخفى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرا شقها غالباً.
ثم إن هَذَا النهي كَانَ فِي أول الأمر، ثم نسخ بحديث بُريدة رضي الله عنه، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"كنت نهيتكم عن الانتباذ، إلا فِي الأسقية، فانتبذوا فِي كل وعاء، ولا تشربوا مسكرا"، رواه مسلم فِي "صحيحه".
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا الذي ذكرناه منْ كونه منسوخًا، هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، قَالَ الخطّابيّ: القول بالنسخ هو أصح الأقاويل، قَالَ: وَقَالَ قوم: التحريم باق، وكرهوا الانتباذ فِي هذه الأوعية، وذهب إليه مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مرويّ عن ابن عمر، وعباس رضي الله عنهم. انتهى "شرح مسلم" 1/ 186. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -34/ 5640 و5641 و5642 و5643 - وفي "الكبرى" 35/ 5147 و5148 و5149 و5150 و5151. وأخرجه (م) 1995. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5642 -
(أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رضى الله عنها، قَالَتْ: نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ بِذَاتِهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"زياد بن أيوب": هو الحافظ المعروف بدلّويه.
و"إسحاق بن سُوَيد" بن هُبيرة العدوي التميمي البصريّ، صدوقٌ تُكُلّم فيه للنصب [3].
رَوَى عن ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والعلاء بن زياد العدوى، ومعاذة صاحبة عائشة، وغيرهم. وعنه شعبة، والحمادان، وابن علية، ومعتمر بن سليمان، وعوف الأعرابيّ، وعلي بن عاصم، وجماعة. قَالَ أحمد: شيخ ثقة. وَقَالَ ابن معين، والنسائي: ثقة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة، إن شاء الله. وَقَالَ أبو حاتم: صالح الْحَدِيث.
وكان إسحاق: فاضلا، له شعر. وذكره العجليّ، فَقَالَ: ثقة، وكان يَحمِل عَلَى عليّ رضي الله عنه، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ أبو العرب الصقلي فِي "الضعفاء": كَانَ يحمل عَلَى عليّ رضي الله عنه تحاملا شديدا، وَقَالَ: لا أحب عليا، وليس بكثير الْحَدِيث، ومن لم يُحب الصحابة فليس بثقة، ولا كرامةَ. انتهى. وتُوفي فِي الطاعون، فِي أول خلافة أبي العبّاس، سنة (131). رَوَى له البخاريّ مقرونا، حديثًا واحداً فِي "الصوم"، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط كرره مرّتين.
و"معاذة": هي بنت عبد الله العدويّة، أم الصهباء البصريّ، ثقة [3].
وقولها: "نُهي عن الدباء بذاته" ببناء الفعل للمفعول، والمراد النهي عن الانتباذ فيه، ومعنى "بذاته": أي مع قطع النظر عن الإسكار، أي الانتباذ فيه وحده ممنوع، ولو لم يكن معه إسكار، وهذا كما تقدّم محمول عَلَى ما قبل النسخ. والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه مسلم، كما تم بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل،
5643 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ -وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ- يَقُولُ: حَدَّثَتْنِى مُعَاذَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنْ نَبِيذِ النَّقِيرِ، وَالْمُقَيَّرِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، فِي حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: وَذَكَرَتْ هُنَيْدَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، مِثْلَ حَدِيثِ مُعَاذَةَ، وَسَمَّتِ الْجِرَارَ، قُلْتُ لِهُنَيْدَةَ: أَنْتِ سَمِعْتِيهَا سَمَّتِ الْجِرَارَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المعتمر": هو ابن سليمان التيميّ. و"هُنَيدة" بالتصغير مقبولة [3]، ويحتمل أن تكون هي هند بنت شريك الآتية فِي السند التالي، قاله فِي "التقريب"، تفرّد بها المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنها هي هنيدة الآتية، سماها بعضهم هندًا، وبعضهم هنيدة. والله أعلم.
وقوله: "فِي حديث ابن عُليّة الخ": يعني أن إسماعيل ابن عليّة رَوَى هَذَا الْحَدِيث،
عن إسحاق بن سُويد، وذكر إسحاق أنه رَوَى عن هنيدة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، مثل روايته عن معاذة، عنها ،لكن هنيدة زادت فِي روايتها "الجرار" أي النهي عن الانتباذ فيها، وهي جمع جرّة، قَالَ إسحاق: فقلت لهنيدة: أنت سمعت عائشة سمّت الجرار؟ قالت: نعم سمعتها تذكر الجرار مع النقير وما ذكر معه. والله تعالى أعلم.
وقوله: "سمعتيها" هكذا النسخ بزيادة الياء بعد تاء ضمير المؤنّثة، ولا وجه له، والصواب بحذف الياء التحتانيّة، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
[تنبيه] هَذَا الْحَدِيث فِي "المجتبى" أحسن مما فِي "الكبرى" فإن فيه أخطاء كثيرة، ولم أجد نسخًا يستفاد منها إصلاحه. والله تعالى أعلم.
وحديث معاذة تقدّم أنه أخرجه مسلم، وأما حديث هنيدة فقد تفرد به المصنّف، وهي مجهولة لم يرو عنها غير إسحاق بن سُويد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5644 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ طَوْدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقَيْسِيِّ، بَصْرِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هُنَيْدَةَ بِنْتِ شَرِيكِ بْنِ أَبَّانَ، قَالَتْ: لَقِيتُ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا بِالْخُرَيْبَةِ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ الْعَكَرِ؟ فَنَهَتْنِي عَنْهُ، وَقَالَتِ انْبِذِي عَشِيَّةً، وَاشْرَبِيهِ غُدْوَةً، وَأَوْكِى عَلَيْهِ، وَنَهَتْنِي عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالْحَنْتَمِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "طَوْدُ -بفتح أوّله، وسكون الواو- ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقَيْسِيّ، الْبَصْرِيُّ"، مقبول [7].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابن المبارك. قَالَ أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: يروي المقاطيع. تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
و"أبوه": هو عبد الملك القيسيّ، مجهول [6]. تفرّد به المصنّف أيضًا بهذا الْحَدِيث فقط.
و"هُنيدة بنت شريك بن أبان" الأزديّة البصريّة، مقبولة [3].
[تنبيه]: قوله: "ابن أبان " هكذا نسخ "المجتبى""أبان"، والذي فِي "تحفة الأشراف" 12/ 438: أنه "ابن زبان"، بالزاي، والموحّدة، وكتب فِي الهامش: ما نصه: 1 - "ل": كَانَ فيه "أبان"، وهو خطأ انتهى. فليُحرّر. وكذلك فِي "تهذيب الكمال" 35/ 323:"هند بنت شريك بن زبّان البصرية"، ومثله فِي "تهذيب التهذيب" 4/ 691.
فيُستفاد منْ هَذَا أن "زبّان" هو الصواب، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
وقولها: "بالخريبة" بصيغة التصغير: محلّة بالبصرة، كما قاله فِي "اللبّ" 1/ 282.
وقولها: "عن العكر" -بفتحتين-: الوسخ، والدَّرَن منْ كلّ شيء، والمراد به هنا دَرَنُ الخمر، وهو الباقي فِي الوعاء.
وقولها: "انبذي" بكسر الموحّدة أمر منْ نبذ ينبذ، منْ باب ضرب. و"العشّية": ما بين الزوال إلى الغروب، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: منْ الزوال إلى الصباح، و"الغدوة" بضم، فسكون: هي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، جمعها غُدًى بضم، ففتح، مثل مُدية ومُدًى.
وقولها:"وأوكي عليه" -بفتح الهمزة: أمر منْ الإيكاء، وهو الربط، والمراد به ربط فمه، والظاهر إنما أمرتها به لتطمئن عَلَى سلامته منْ الإسكار؛ لأنه إذا بلغ حدّ الإسكار حلّ رباطه، فما دام مربوطًا لا يخشى منه الإسكار. والله تعالى أعلم.
والحديث ضعيف الإسناد؛ لأن طودًا، وأباه، وهُنيدة مجاهيل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
35 - (الْمُزَفَّتَةُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هي بصيغة المفعول: أي الأوعية المطليّة بالزِّفْت -بكسر الزاي، وسكون الفاء-، وهو القار، كما تقدّم بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب.
5645 -
(أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الظُّرُوفِ الْمُزَفَّتَةِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن إدريس". هو عبد الله الأوديّ الكوفيّ الثقة الثبت [8]. و"المختار بن فُلْفُل": هو مولى عمرو بن حُريث البصريّ، صدوقٌ، له أوهام [5].
والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (274) منْ رباعيّات الكتاب. وقوله:"عن الظروف المزفّتة": أي نهى عن الانتباذ فِي الأوعية المطلية بالزفت؛ لأنها يُسرع إليها الإسكار، وهذا كَانَ قبل النسخ، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى.
والحديث أخرجه مسلم بلفظ: "نهى عن الدباء، والمزفّت أن يُنتبذ فيه"، وتقدم بهذا
اللفظ للمصنف فِي 31/ 5631. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
36 - (ذِكْرِ الدِّلَالَةِ عَلَى النَّهْيَ لِلْمَوْصُوفِ مِنَ الأَوْعِيَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، كَانَ حَتْمًا، لَا تَأْدِيباً)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: اختلفت النسخ فِي هذه الترجمة، وهذا الذي أثبته هو الأحسن، فتأمل.
والمعنى: هَذَا باب ذكر الأحاديث الدالة عَلَى أن نهيه النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الانتباذ فِي الأوعية الموصوفة فيما تقدّم منْ أحاديث الأبواب الماضية كَانَ للوجوب حتمًا لازمًا، وليس نهي إرشاد وتأديب، والمراد أنه ليس كراهة تنزيه، وإنما هو للتحريم، بدليل حديثي الباب.
ووجه استدلال المصنّف رحمه الله تعالى بالحديثين أنه صلى الله عليه وسلم ما قرأ الآية بعد نهيه عن الانتباذ فِي الأوعية المزكورة، إلا تاكيدًا للنهي، وأنه ليس فيه تخفيف؛ كما هو ظاهر الآية، وكذلك قراءة ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما الآيتين، ولاسيّما الآية الثانية، فإنها نفت الْخِيَرَةَ، وأوجبت الامتثال، فدلّ عَلَى أن النهي المذكور للتحريم، لا للتنزيه. والله تعالى أعلم بالصواب.
5646 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ حَيَّانَ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، هَذِهِ الآيَةَ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو الرُّهاويّ الحافظ الثقة. "ومنصور بن حيّان": هو الأسديّ، ثقة [5].
والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -36/
5645 -
وفي "الكبرى" 37/ 5153. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5647 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهَا، يُقَالُ لَهُ: أَنَسٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عز وجل: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ؟ [الحشر: 8] قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ؟ [الأحزاب: 36] قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّى أَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ النَّقِيرِ، وَالْمُقَيَّرِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ).
قَالَ الجامع عَفا الله تعالى عنه: "أسماء بنت يزيد" القيسيّة البصريّة، لم يرو عنها إلا سليمان التيميّ، مقبولة [6]. تفرد بها المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
و"أنس" القيسيّ البصريّ، ابن عم أسماء بنت يزيد القيسيّة، مقبول [6].
رَوَى عن ابن عبّاس، وعنه أسماء بنت يزيد، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
[تنبيهان]: (الأول): قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} الآية قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" 14/ 186: رَوَى قتادة، وابن عبّاس، ومجاهد فِي سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته، فظنّت أن الخِطبة لنفسه، فلما تبيّن أنه يريدها لزيد، كرهت، وأبت، وامتنعت، فنزل الآية، فأذعنت زينب حينئذ، وتزوّجته وفي رواية، فامتنعت، وامتنع أخوها عبد الله لنسبها منْ قريش، وأن زيدًا كَانَ بالأمس عبداً، إلى أن نزلت هذه الآية، فَقَالَ له أخوها: مرني بما شئت، فزوجها منْ زيد. وذكر القرطبيّ أيضاً سببا آخر.
وَقَالَ الإِمام ابن كثير رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" 3/ 498 - بعد أن أورد الآثار التي تدلّ عَلَى بيان سبب نزولها-: ما نصّه: فهذه الآية عامة فِي جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هاهنا، ولا رأي، ولا قول، كما قَالَ تبارك وتعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وفي الْحَدِيث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حَتَّى يكون هواه تبعًا لما جئت به"
(2)
، ولهذا شدّد
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
صححه النوويّ فِي "الأربعين"، وتعقبه الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى، وَقَالَ: تصحيحه بعيد؛ لتفرّد نعيم بن حماد به، وهو وإن وثقه جماعة، وأخرج له البخاريّ، إلا أنه لما كثرت =
فِي خلاف ذلك، فَقَالَ:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، كقوله تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] انتهى.
(الثاني): قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا أدلّ دليل عَلَى ما ذهب إليه الجمهور، منْ فقهائنا، وفقهاء أصحاب الشافعيّ، وبعض الأصوليين منْ أنْ صيغة "افعل" للوجوب فِي أصل وضعها؛ لأن الله تبارك وتعالى نفى خيرة المكلّف عند سماع أمره، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم أطلق عَلَى منْ بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علّق عَلَى المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر عَلَى الوجوب. والله تعالى أعلم. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" 14/ 188.
والحديث ضعيف الإسناد؛ لجهالة أسماء، وابن عمها، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -36/ 5646 - وفي "الكبرى" 37/ 5154. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
37 - (تَفْسِيرُ الأَوْعِيَةِ)
5648 -
(أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زَاذَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قُلْتُ: حَدِّثْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الأَوْعِيَةِ، وَفَسِّرْهُ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الْحَنْتَمِ، وَهُوَ الَّذِي تُسَمُّونَهُ أَنْتُمُ الْجَرَّةَ، وَنَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَهُوَ الَّذِي تُسَمُّونَهُ أَنْتُمُ الْقَرْعَ، وَنَهَى عَنِ النَّقِيرِ، وَهِىَ النَّخْلَةُ يَنْقُرُونَهَا، وَنَهَى عَنِ الْمُزَفَّتِ، وَهُوَ الْمُقَيَّرُ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(عمرو بن يزيد) أبو بُرَيد الجرميّ البصريّ، صدوقٌ [11] 100/ 130.
2 -
(بهز بن أسد) العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [9] 24/ 28.
= مناكيره، حكموا عليه بالضعف. انظر "جامع العلوم والحكم" ص 322 تحقيق عليّ محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [7] 24/ 27.
4 -
(عمرو بن مرّة) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد رمي بالإرجاء [5] 171/ 265.
5 -
(زاذان) أبو عمر الكنديّ البزّاز الكوفيّ، صدوقٌ يرسل، وفيه تشيّع [2] 46/ 1282.
6 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما 12/ 12.
[تنبيه]: "ابن عمر" هَذَا بضم العين، وفتح الميم، وهو عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وَقَدْ وقع فِي بعض نسخ "المجتبى""ابن عمرو" بفتح العين، وسكون الميم، وهو غلط، والأول هو الصواب، كما فِي النسخة "الهنديّة"، وهو الذي فِي "تحفة الأشراف" 5/ 344 حيث أورده فِي ترجمة زاذان عن ابن عمر بن الخطاب، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شبعة، وابن عمر مدنيّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن عَمْرُو بنُ مُرَّةَ) الجملي، أنه (قَالَ: سَمِعتُ زَاذَانَ) الكندي (قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (قُلْتُ) هذه الجملة تفسير للسؤال (حَدِّثْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ منْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَوْعِيَةِ) أي فِي حكم الانتباذ فِي الأوعية (وَفَسِّرْهُ) أي وضّح معنا ما تقوله، حَتَّى أفهمه، وَقَدْ ذكر فِي رواية مسلم سبب طلبه التفسير له، ولفظه:"قلت لابن عمر حدثني بما نهى عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم منْ الأشربة بلغتك، وفسّره لي بلغتنا، فإن لكم لغةً سوى لغتنا"(قَالَ) ابن عمر رضي الله تعالى عنها (نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الْحَنْتَمِ) أي عن الانتباذ فيه، ثم فسّر له بقوله (وَهُوَ الَّذِي تُسَمُّونَهُ أَنْتُمُ الْجَرَّةَ) بفتح الجيم، وتشديد الراء (وَنَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَهُوَ الَّذِي تُسَمُّونَهُ أَنْتُمُ الْقَرْعَ، وَنَهَى عَنِ النَّقِيرِ، وَهِيَ النَّخْلَةُ يَنْقُرُونَهَا) وفي رواية مسلم: "وهِي النخلة، تُنسح نسْحًا، وتُنقر نقرًا". ومعنى "تُنسح" بالحاء المهملة: أي تقشّر. (وَنَهَى عَنِ الْمُزَفَّتِ، وَهُوَ الْمُقَيَّرُ) زاد
فِي رواية مسلم: "وأمر أن يُنتبذ فِي الأسقية". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -37/ 5647 - وفي "الكبرى" 38/ 5155. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1997. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تفسير الأوعية. (ومنها): أنه ينبغي لطالب العلم أن يجد فِي الفهم بحيث إذا لم يفهم النصّ يطلب منْ يشرح له بما يفهمه منْ اللغات. (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا طلب منه توضيح معنى الآية، أو الْحَدِيث أن يعتني بذلك حَتَّى يستفيد الطلّاب، ويفهموا حقّ الفهم، ولا يقتصر بسرد النصوص فقط؛ إذ لا جدوى فِي ذلك إلا بالفهم، قَالَ الله عز وجل:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)} [ص: 29]، فالمقصود منْ إنزال الكتاب فهمه، ثم العمل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
38 - (الإِذْنِ فِي الاِنْتِبَاذِ الَّتِي خَصَّهَا بَعْضُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَتَيْنَا عَلَى ذِكْرِهَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: اختلفت النسخ فِي هذه الترجمة، وهذا هو الواقع فِي معظم النسخ، والظاهر أنه سقط منه لفظ "الأوعية" قبل الموصول الأول، والأصل "الإذن فِي الانتباذ فِي الأوعية التي خصّها بعض الخ"، ووقع فِي "الهنديّة": "الإذن فِي الانتباذ الذي خصها بعض الخ، فذكر الموصول، والظاهر أنه تصحيف، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(الإِذْنِ فِيمَا كَانَ فِي الأَسْقِيَةِ مِنْهَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "منها": أي منْ الأوعية. والله تعالى أعلم بالصواب.
5649 -
(أَخْبَرَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ، حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ، عَنِ الدُّبَّاءِ، وَعَنِ النَّقِيرِ، وَعَنِ الْمُزَفَّتِ، وَالْمَزَادَةِ الْمَجْبُوبَةِ
(1)
، وَقَالَ:"انْتَبِذْ فِي سِقَائِكَ، وَأَوْكِهِ، وَاشْرَبْهُ حُلْوًا"، قَالَ بَعْضُهُمُ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي مِثْلِ هَذَ، قَالَ: إِذًا تَجْعَلَهَا مِثْلَ هَذِهِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يَصِفُ ذَلِكَ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(سوار بن عبد الله بن سَوّار) أبو عبد الله التميميّ العنبريّ البصريّ القاضي، ثقة [10] 160/ 1129.
2 -
(عبد الوهاب بن عبد المجيد) بن الصلت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [8] 42/ 48.
3 -
(هشام) بن حسّان الأزديّ القردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، منْ أثبت النَّاس فِي ابن سيرين [6] 188/ 300.
4 -
(محمد) بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت فقيه [3] 46/ 57.
5 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه عن خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه أكثر الصحابة رواية للحديث، رَوَى (5374) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرحِ الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ، حِينَ قَدِمُوا
(1)
وقع فِي بعض النسخ: "والمجبوبة" بالواو، وهو غلطٌ، فتنبّه.
عَلَيْهِ) وتقدّم أن قدومهم كَانَ زمن الفتح (عَنِ الدُّبَّاءِ، وَعَنِ النَّقِيرِ، وَعَنِ الْمُزَفَّتِ) أي عن الانتباذ فِي هذه الأوعية؛ خوفاً منْ أن يصير مسكرًا فيها، ولا يُعلم به؛ لكثافتها، فتتلف ماليّته، وربّما شربه الإنسان ظانًا أنه لم يصر مسكرًا، فيصير شاربًا للمسكر، وكان العهد قريباً بإباحة المسكر، فلما طال الزمان، واشتهر تحريم المسكر، وتقرّر فِي نفوسهم، نُسخ ذلك، وأُبيح لهم الانتباذ فِي كلّ وعاء بشرط أن لا يشربوا مسكرًا. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" 13/ 159. (وَالْمَزَادَةِ) بفتح الميم، وفي بعض النسخ: "والمزاد"، وهو جمع مزادة، قَالَ فِي "القاموس": المزادة: الراوية، أو لا تكون إلا منْ جلدين تُفْأَم بثالث بينهما لتتّسع، جمعه مزاد، ومَزايِدُ. انتهى. وفي "المصباح": المَزادة: شطر الراوية -بفتح الميم، والقياس كسرها؛ لأنها آلة يُستقى فيها الماء، وجمعها مزايِدُ، وربّما قيل: مَزَادٌ بغير هاء، والمزادة: مَفْعلةٌ منْ الزاد؛ لأنه يَتَزَوّد فيها الماءَ. انتهى.
وقوله: (الْمَجْبُوبَةِ) وقع فِي بعض النسخ: "والمجبوبة" بواو العطف، وهو غلط؛ لأنه صفة للمزادة.
قَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: ضبطناه "المجبوبة" فِي جميع الكتب بالجيم، وبالياء الموحّدة المكرّرة، قَالَ: ورواه بعضهم "المخنوثة" بخاء معجمة، ثم نون، وبعد الواو ثاء مثلّثة، كأنه أخذه منْ اختناث الأسقية المذكورة فِي حديث آخر، وهذه الرواية ليست بشيء، والصواب الأول أنها بالجيم. قَالَ إبراهيم الحربيّ، وثابتٌ: هي التي قُطع رأسها، فصارت كهيئة الدَّنّ، وأصل الجبّ القطع. وقيل: هي التي قُطع رأسها، وليست لها عزلاء منْ أسفلها، يتنفّس الشراب منها، فيصير مسكرًا ، ولا يُدرى به. نقله النوويّ فِي "شرح مسلم" 13/ 159.
(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (انْتَبِذْ فِي سِقَائِكَ) بكسر السين، ككِساء: جلد السخلة إذا أجذع، يكون للماء واللبن، جمعه أسقية، وأسقيات، وأساقٍ. قاله فِي "القاموس"(وأَوْكهِ) بقطع الهمزة، أمر منْ أوكى، يقال: أوكيت السقاء بالألف: شدَدت فمه بالوكاء، ووكيته، منْ باب وعد لغة قليلة. والوكاء ككتاب: حبلٌ يُشدّ به رأس القربة. أفاده فِي "المصباح" وعلى اللغة الأخيرة يجوز وصل الهمزة هنا. قَالَ النوويّ: معناه أن السقاء إذا أُوكى أُمنت مفسدة الإسكار؛ لأنه متى تغيّر نبيذه، واشتدّ، وصار مسكرًا شقّ الجلد الْمُوكَى، فما لم يشقّه لا يكون مسكرًا، بخلاف الدباء، والحنتم، والمزادة المجبوبة، والمزفّت، وغيرها منْ الأوعية الكثيفة، فإنه قد يصير فيها مسكرًا، ولا يُعلم. انتهى "شرح مسلم" 13/ 160.
(وَاشْرَبْهُ حُلْوًا) أي قبل أن يتغيّر، ويصير مسكرًا (قَالَ بَعْضُهُمُ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ
فِي مِثْلِ هَذَا، قَالَ:"إِذًا تَجْعَلَهَا) بالنصب بـ"إذاً" لتوفّر شروطها، وَقَدْ سبق بيانه (مِثْلَ هَذِهِ، وَأشَارَ بِيَدِهِ يَصِفُ ذَلِكَ) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: الظاهر أن الإشارة إلى أمر متعلّق بالمجلس، ولا يُدرى ماذا؟، والأقرب أنه طلب الرخصة فِي بعض الأقسام الممنوعة، فبيّن له النبيّ صلى الله عليه وسلم له بالإشارة أنه إذا رخّصت لك فِي بعض هذه الأقسام، فلعلّك تشربه، وَقَدْ فار، فتقع فِي المسكر الحرام. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 309. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -38/ 5648 - وفي "الكبرى" 39/ 5156. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 1993.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الإذن فِي الانتباذ فِي الأسقية التي توكَى أفواهها. (ومنها): النهي عن الانتباذ فِي هذه الأوعية، وَقَدْ سبق بيان سبب النهي عن ذلك. (ومنها): وجوب شرب النبيذ حلوا، قبل أن يتغيّر، ويصير مسكرًا. (ومنها): أن الاسترسال فِي الأمر يؤدّي إلى التجاوز لما لا يحلّ؛ لأنه لما استأذن الرجل النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يرخّص له فِي بعض ذلك ردّ عليه بأن ذلك يؤدّيك إلى أن تقع فِي المحذور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5650 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةً، قَالَ: وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْجَرِّ، والْمُزَفَّتِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، إِذَا لَمْ يَجِدْ سِقَاءً يُنْبَذْ لَهُ فِيهِ، نُبِذَ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. "وأبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تدرُس.
وقوله: "يُنبذ له" بالبناء للمفعول، وكذا قوله:"نُبذ له". وقوله: "فِي تور" -بفتح المثناة الفوقية، وسكون الواو-: إناء كالإجّانة.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم مختصراً فِي 27/ 5613. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5651 -
(أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -يَعْنِي الأَزْرَقَ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يُنْبَذُ لَهُ فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سِقَاءٌ، نَنْبِذُ لَهُ فِي تَوْرِ بِرَامٍ، قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن خالد": هو أبو جعفر البغداديّ الفقيه، ثقة [10] منْ أفراد المصنّف، والترمذيّ. و"إسحاق": هو ابن يوسف الأزرق الواسطيّ، ثقة [9]. و"عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة": هو الْعَزْرميّ الكوفيّ، صدوقٌ له أوهام [5].
وقوله: "تور بِرَام": بكسر الموحّدة: جمع بُرْمة بضم، فسكون، ويُجمع أيضًا عَلَى بُرَم بضم، ففتح، كغُرْفة وغُرف، وهو: القِدْرُ منْ الحجر، وإضافة "تور" إليه بمعنى "منْ"، يوضح ذلك رواية مسلم بلفظ:"فِي تورٍ منْ بِرَام".
والحديث رواه مسلم، كما مرّ آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5652 -
(أَخْبَرَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رضى الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْجَرِّ، وَالْمُزَفَّتِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: شيخ المصنّف ذُكر أول الباب. و"خالد بن الحارث": هو الهُجيميّ البصريّ الثقة الثبت [8]. و"عبد الملك": هو المذكور فِي السند الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
39 - (الإِذْنِ فِي الْجَرِّ خَاصَّةً)
5653 -
(أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، رَخَّصَ فِي الْجَرِّ،
غَيْرَ مُزَفَّتٍ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(إبراهيم بن سعيد) الْجوهريّ، أبو إسحاق الطبريّ، نزيل بغداد، ثقة حافظ [10] 83/ 2419.
2 -
(سفيان) بن عيينة المكيّ الإمام الحجة الثبت [8] 1/ 1.
3 -
(سليمان) بن أبي مسلم الأحول المكيّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقة [5] 9/ 1619.
4 -
(مجاهد) بن جبر أبو الحجاج المخزوميّ المكيّ الإمام الحجة المشهور [3]، 27/ 31.
5 -
(أبو عياض) عمرو بن الأسود الْعَنْسيّ الحمصيّ، سكن داريا، مخضرم، ثقة عابدٌ، منْ كبار التابعين، مات فِي خلافة معاوية رضي الله عنه[2] 77/ 2394.
[تنبيه]: ذكر فِي "الفتح" هنا بحثًا يتعلّق بأبي عياض، أحببت إيراده هنا للفائدة، قَالَ:
قوله: "عن أبي عياض العنسي" -بالنون، وعياض- بكسر المهملة، وتخفيف التحتانية، وبعد الألف ضاد معجمه، واسمه عمرو بن الأسود، وقيل: قيس بن ثعلبة، وبذلك جزم أبو نصر الكلاباذي، فِي رجال البخاريّ، وكأنه تبع ما نقله البخاريّ، عن عليّ بن المديني، وَقَالَ النسائيّ فِي "الكنى": أبو عياض، عمرو بن الأسود العنسي، ثم ساق منْ طريق شرحبيل بن عمرو بن مسلم، عن عمرو بن الأسود الحمصي، أبي عياض، ثم رَوَى عن معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين، قَالَ: عمرو بن الأسود العنسي، يُكنى أبا عياض، ومن طريق البخاريّ قَالَ لي عليّ -يعني ابن المديني-: إن لم يكن اسم أبي عياض قيس بن ثعلبة، فلا أدري، قَالَ البخاريّ: وَقَالَ غيره: عمرو بن الأسود، قَالَ النسائيّ: ويقال: كنية عمرو بن الأسود، أبو عبد الرحمن.
قَالَ الحافظ: أورد الحاكم، أبو أحمد فِي "الكنى" مُحَصَّل ما أورده النسائيّ، إلا قول يحيى بن معين، وذكر أنه سمع عُمَر، ومعاوية، وأنه رَوَى عنه مجاهد، وخالد بن معدان، وأرطاة بن المنذر، وغيرهم، وذكر فِي رواية شرحبيل بن مسلم، عن عمرو بن الأسود، أنه مَرَّ عَلَى مجلس، فسلم، فقالوا: لو جلست إلينا يا أبا عياض. ومن طريق موسى بن كثير، عن مجاهد، حدثنا أبو عياض، فِي خلافة معاوية. وروى أحمد فِي "الزهد" أن عمر أثنى عَلَى أبي عياض، وذكره أبو موسى فِي "ذيل الصحابة" وعزاه لابن أبي عاصم، وأظنه ذكره لإدراكه، ولكن لم تثبت له صحبة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة،
قليل الْحَدِيث. وَقَالَ ابن عبد البرّ: أجمعوا عَلَى أنه كَانَ منْ العلماء الثقات.
وإذا تقرر ذلك فالراجح فِي أبي عياض، الذي يروي عنه مجاهد أنه عمرو بن الأسود، وأنه شاميّ، وأما قيس بن ثعلبة، فهو أبو عياض آخر، وهو كوفيّ، ذكره ابن حبّان فِي ثقات التابعين، وَقَالَ: إنه يروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم، رَوَى عنه أهل الكوفة. قَالَ الحافظ: وإنما بسطت ترجمته؛ لأن المزي لم يستوعبها، وخلط ترجمة بترجمة، وأنه صَغّر اسمه، فَقَالَ: عمير بن الأسود الشاميّ العنسي، صاحب عبادة بن الصامت. والذي يظهر لي أنه غيره، فإن كَانَ كذلك، فما له فِي البخاريّ سوى هَذَا الْحَدِيث، وإن كَانَ كما قَالَ المزي، فإن له عند البخاريّ حديثا تقدّم ذكره فِي "الجهاد" منْ رواية خالد بن معدان، عن عمير بن الأسود، عن أم حرام بنت ملحان، وكأن عمدته فِي ذلك أن خالد بن معدان رَوَى عن عمرو بن الأسود أيضًا، وَقَدْ فرق ابن حبّان فِي "الثقات" بين عمير بن الأسود، الذي يكنى أبا عياض، وبين عمير بن الأسود الذي يروي عن عبادة بن الصامت، وَقَالَ: كل منهما عمير بالتصغير، فإن كَانَ ضبطه، فلعل أبا عياض كَانَ يقال له: عمرو، وعمير، ولكنه آخر غير صاحب عبادة. والله أعلم. انتهى "فتح" 11/ 185.
6 -
(عبد الله) بن عمرو العاص رضي الله تعالى عنهما 89/ 111. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين، غير شيخه، فطبريّ، ثم بغداديّ، وأبي عياض، فحمصيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: سليمان، عن مجاهد، عن أبي عياض. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن العاص، قَالَ فِي "الفتح": كذا فِي جميع نسخ البخاريّ، ووقع فِي بعض نسخ مسلم:"عبد الله بن عمر" بضم العين، وهو تصحيف، نَبّه عليه أبو عليّ الجياني.
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، رَخَّصَ) وساقه البخاريّ مطَوّلاً، ولفظه:"لَمّا نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الأسقية، قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ليس كلّ النَّاس يجد سِقاءً، فرخّص لهم فِي الجرّ، غير الْمُزَفّت".
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "لما نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الأسقية" كذا وقع فِي هذه الرواية، وَقَدْ تفطن البخاريّ لما فيها، فَقَالَ بعد سياق الْحَدِيث: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان بهذا، وَقَالَ:"عن الأوعية"، وهذا هو الراجح، وهو الذي رواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه، كأحمد، والحميدي، فِي "مسنديهما"، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن أبي عمر، عند مسلم، وأحمد بن عبدة، عند الإسماعيلي وغيرهم. وَقَالَ عياض: ذِكْرُ الأسقية وَهَمٌ منْ الراوي، وإنما هو "عن الأوعية"؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه قط عن الأسقية، وإنما نَهَى عن الظروف، وأباح الانتباذ فِي الأسقية، فقيل له: ليس كل النَّاس يجد سقاء"، فاستثنى ما يُسكر، وكذا قَالَ لوفد عبد القيس لَمّا نهاهم عن الانتباذ فِي الدباء وغيرها قالوا: ففيم نشرب؟ قَالَ: "فِي أسقية الأدم"، قَالَ: ويحتمل أن تكون الرواية فِي الأصل كانت: "لما نهى عن النبيذ إلا فِي الأسقية"، فسقط منْ الرواية شيء انتهى. وسبقه إلى هَذَا الحميدي، فَقَالَ فِي "الجمع" لعله نقص منْ لفظ المتن، وكان فِي الأصل: "لما نهى عن النبيذ إلا فِي الأسقية". وَقَالَ ابن التين: معناه: لما نهى عن الظروف إلا الأسقية، وهو عجيب، والذي قاله الحميدي أقرب، وإلا فحذف أداة الاستثناء مع المستنثى منه، وإثبات المستثنى غير جائز، إلا إن ادعَى ما قَالَ الحميدي أنه سقط عَلَى الراوي. وَقَالَ الكرماني: يحتمل أن يكون معناه: لما نهى فِي مسألة الأنبذة عن الجرار بسبب الأسقية، قَالَ: ومجيء "عن" سببية شائع، مثل يَسمَنون عن الأكل: أي بسبب الأكل، ومنه:{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} [البقرة: 36] أي بسببها.
قَالَ الحافظ: ولا يخفى ما فيه، ويظهر لي أن لا غلط، ولا سقط، وإطلاق السقاء عَلَى كل ما يُسقى منه جائز، فقوله:"نهى عن الأسقية" بمعنى الأوعية؛ لأن المراد بالأوعية الأوعية التي يُستقى منها، واختصاص اسم الأسقية بما يتخذ منْ الأدم، إنما هو بالعرف. وَقَالَ ابن السكيت: السقاء يكون للبن والماء، والْوَطْب -بالواو: للبن خاصة، والنِّحْيُ -بكسر النون، وسكون المهملة-: للسمن، والقِرْبة للماء. وإلا فمن يجيز القياس، فِي اللغة لا يمنع ما صَنَع سفيان، فكأنه كَانَ يرى استواء اللفظين، فحدث به مرة هكذا، ومرارا هكذا، ومن ثم لم يَعُدّها البخاريّ وَهَمًا. انتهى.
(رَخَّصَ) وفي رواية: "فأرخص" با لهمز، وهي لغة، يقال: أرخص، ورَخّص، وفي رواية ابن أبي شيبة:"فأذن لهم فِي شيء منه"(فِي الْجَرِّ) أي فِي الانتباذ فيه، وهو بفتح الجيم، وتشديد الراء: إناء معروفٌ، جمعه: جِرارٌ بالكسر، مثلُ كلب وكِلاب (غَيْرَ مُزَفَّتٍ) بالنصب عَلَى الحالية، وفي رواية البخاريّ:"غير المزَفّت"، وعليه يكون مجرورَا عَلَى الوصفيّة. والمزفّتُ: هو المطليّ بالزفت بالكسر، وهو القار، فهو بمعنى
المقيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -39/ 5652 - وفي "الكبرى" 40/ 5160. وأخرجه (خ) فِي "الأشربة" 5593 (م) فِي "الأشربة" 2000 (د) فِي "الأشربة" 3700 (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 6461. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الرخصة فِي الانتباذ فِي الجرّ، غير المزفّت. (ومنها): رحمة الشارع الحكيم، حيث يسهّل فِي مواضع الحرج، كما قَالَ تعالى فِي كتابه الكريم:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} الآية [البقرة: 185]. (ومنها): ما قاله بعضهم: إن فيه دلالةً عَلَى أن الرخصة لم تقع دفعة واحدة، بل وقع النهي عن الانتباذ إلا فِي سقاء، فلما شَكَوا رخص لهم فِي بعض الأوعية دون بعض، ثم وقعت الرخصة بعد ذلك عامةً.
لكن تُعُقِّب بأن منْ قَالَ: إن الرخصة وقعت بعد ذلك يفتقّر إلى أن يُثبِت أن حديث بريدة الدالَّ عَلَى ذلك كَانَ متأخرا عن حديث عبد الله بن عمرو هَذَا. قَالَ فِي "الفتح".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر تأخر حديث بُريدة رضي الله عنه، فإن سياقه يدلّ عَلَى هَذَا، كقوله صلى الله عليه وسلم:"فاشربوا فِي أيّ وعاء شئتم"، وقوله "فانتبذوا فيما بدا لكم"، وغير ذلك منْ الألفاظ الدالّة عَلَى أن النسخ عامّ متأخّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
40 - (الإِذْنُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نسخ "المجتبى" التي بين يديّ، ولفظ
"الكبرى": "الإذن فِي كلّ منها، استثناء فِي شيء منها".
والظاهر أن فِي ترجمة "المجتبى" سَقَطًا يوضّحه ما فِي "الكبرى"، والمعنى: أن هَذَا الباب معقود لبيان الإذن فِي الانتباذ فِي كلّ وعاء منْ الأوعية التي تقدّم بيان النهي عن الانتباذ فيها، دون استثناء شيء منها، كما استُثني فِي الباب الماضي، حيث كانت الرخصة فيه بغير المزفّت. والله تعالى أعلم بالصواب.
5654 -
(أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، عَنِ الأَحْوَصِ بْنِ جَوَّابٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ، فَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا، وَمَنْ أَرَادَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، وَاشْرَبُوا، وَاتَّقُوا كُلَّ مُسْكِرٍ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا غير مرةٌ. و"الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ": هو العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ، منْ كبار [11]. و"الأَحْوَصِ بْنِ جَوَّابٍ" -بتشديد الواو-: هو الضبّيّ، أبو الجوّاب الكوفيّ، صدوقٌ ربما وهم [9]. و"عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ" -بتقديم الراء، مصغّرًا-: هو الضبّيّ، أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به [8]. و"أَبِو إِسْحَاقَ": هو عمرو بن عبد الله السبيعيّ المشهور [3]. و"الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ": هو الهمدانيّ الياميّ، أبو عبد الله الكوفيّ، قاضي الريّ، ثقة [5]. و"ابْنِ بُرَيْدَةَ": هو عبد الله السلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقة [3]. و"أبوه": هو بُريدة بن الحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل الصحابيّ الجليل، أسلم قبل بدر، مات رضي الله عنه سنة (63).
وقوله: "كنت نهيتكم الخ" فيه الجمع بين الناسخ والمنسوخ، والإذن.
وقوله: "عن لحوم الأضاحي": أي فوق ثلاثة أيام. وقوله: "ومن أراد زيارة القبور الخ": جواب الشرط محذوف، تقديره: فليزرها، وقوله:"فإنها الخ" علة للجواز.
ثم ظاهر الأمر بزيارة القبور يعم الرجال والنساء، وهو المذهب الراجح، كما قدّمنا تحقيقه فِي "الجنائز"، وقيل: لا يعمّ النِّساء، بل هو خاصّ للرجال، وتقدم تضعيفه بالأدلة الواضحة، فراجعه، تستفد.
وقوله: "واشربوا": أي فِي الأوعية كلّها، وهذا هو الناسخ للنهي المتقدّم بيانه فِي أحاديث الأبواب الماضية، فصار بعد هَذَا النسخ مدار الحرمة عَلَى الإسكار، ولا دخل للظروف فِي حلّ، ولا حرمة، وفي هَذَا اختلاف بين أهل العلم.
وتمام شرح الْحَدِيث قد تقّدم فِي "كتاب الجنائز" 100/ 2032 فلتراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث بُريدة رضي الله عنه هَذَا أخرجه مسلم، وتقدم تخريجه فِي "الجنائز" 2033 وفي "الضحايا"4429. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي اختلاف أهل العلم فِي الانتباذ فِي جميع الأوعية:
ذهب الجمهور إلى أن أحاديث النهي عن الانتباذ فِي الاْوعية منسوخة بحديث بريدة ابن الحصيب رضي الله عنه المذكورة فِي هَذَا الباب، وذهب بعضهم إلى أن النهي باق، قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: القول بالنسخ هو أصحّ الأقاويل، قَالَ: وَقَالَ قوم: التحريم باق، وكرهوا الانتباذ فِي هذه الأوعية، ذهب إليه مالكٌ، وأحمد، وإسحاق، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عبّاس رضي الله عنهم. أفاده النوويّ فِي "شرح مسلم" 1/ 186.
وَقَالَ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "باب ترخيص النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي الأوعية والظروف بعد النهي":
ثم ذكر فيه خمسة أحاديث: [أولها]: حديث جابر رضي الله عنه، "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظروف، فقالت الأنصار: إنه لابدّ لنا منها، قَالَ: فلا إذن"، وهو عام فِي الرخصة [ثانيها]: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما المذكور فِي الباب الماضي، وفيه اسثتناء المزفت. [ثالثها]: حديث عليّ رضي الله عنه وهو: "نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الدباء، والمزفت". [رابعها]: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مثله. [خامسها]: حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه المتقدم فِي النهي عن الجر الأخضر، وَقَدْ تقدّم فِي 29/ 5623.
قَالَ فِي "الفتح" 11/ 183: وظاهر صنيعه أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص، بما ذُكر فِي الأحاديث الأخرى، وهي مسألة خلاف، فذهب مالك إلى ما دل عليه صنيع البخاريّ، وَقَالَ الشافعيّ، والثوري، وابن حبيب منْ المالكية: يكره ذلك، ولا يحرم، وَقَالَ سائر الكوفيين: يباح، وعن أحمد روايتان.
وَقَدْ أسند الطبري عن عمر ما يؤيد قوله مالك، وهو قوله:"لأن أشرب منْ قُمقُم مُحْمّى فيُحرِق ما أحرق، ويُبقي ما أبقى أحب إلى منْ أن أشرب نبيذ الجر". وعن ابن عبّاس: "لا يُشرَب نبيذ الجر، ولو كَانَ أحلى منْ العسل". وأسند النهي عن جماعة منْ الصحابة.
وَقَالَ ابن بطال: النهي عن الأوعية إنما كَانَ قطعا للذريعة، فلما قالوا: لا نجد بُدًّا منْ الانتباذ فِي الأوعية، قَالَ:"انتبذوا وكلُّ مسكر حرام"، وهكذا الحكم فِي كل شيء
نهُي عنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط للضرورة، كالنهي عن الجلوس فِي الطرقات، فلما قالوا: لابد لنا منها، قَالَ:"فأعطوا الطريق حقها".
وَقَالَ الخطّابيّ: ذهب الجمهور إلا أن النهي إنما كَانَ أولا، ثم نسخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ فِي هذه الأوعية باق، منهم ابن عمر، وابن عبّاس، وبه قَالَ مالك، وأحمد، وإسحاق، كذا أطلق، قَالَ: والأول أصح، والمعنى فِي النهي أن العهد بإباحة الخمر كَانَ قريبا، فلما اشتهر التحريم أبيح لهم الانتباذ، فِي كل وعاء، بشرط ترك شرب المسكر، وكان منْ ذهب إلى استمرار النهي، لم يبلغه الناسخ.
وَقَالَ الحازمي: لمن نصر قول مالك أن يقول: ورد النهي عن الظروف كلها، ثم نسخ منها ظروف الأدم، والجرار غير المزفتة، واستمر ما عداها عَلَى المنع.
ثم تعقب ذلك بما ورد منْ التصريح فِي حديث بريدة عند مسلم، ولفظه:"نهيتكم عن الأشربة إلا فِي ظروف الأدم، فاشربوا فِي كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرًا"، قَالَ: وطريق الجمع أن يقال: لما وقع النهي عاما، شَكَوا إليه الحاجة، فرخص لهم فِي ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك، فرخص لهم فِي الظروف كلها. انتهى "فتح" 11/ 182 - 184.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم منْ الحجج أن أرجح الأقوال هو القول بأن الانتباذ جائز فِي أي وعاء كَانَ، وأنه يُعتذر للمانعين بأنه لم يبلغهم النسخ الواضح فِي حديث بُريدة رضي الله عنه المذكور فِي الباب، فإنه نصّ لا يحتمل التأويل، فقد قَالَ صلى الله عليه وسلم:"ونهيتكم عن النبيذ إلا فِي سقاء، فاشربوا فِي الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا"، وفي لفظ:"ونهيتكم عن الأشربة فِي الأوعية، فاشربوا فِي أيّ وعاء شئتم، ولا تشربوا مسكرًا"، وفي لفظ:"كنت نهيتكم عن الأوعية، فانتبذوا فيما بدا لكم، وإياكم وكلَّ مسكر".
فدلالة النصّ عَلَى أن النسخ عامّ فِي جميع الأوعية، لا يُخصّ منه شيءٌ، مما لا يتردد فيها ذوفهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5655 -
(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ، إِلاَّ فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ": هو الجهنيّ المصيصيّ. و"ابْنِ فُضَيلٍ": هو محمد. و"أَبِي سِنَانٍ": هو الأكبر ضِرار بن مُرّة الشيبانيّ، ثقة ثبت [6]. و"مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ": هو السدوسيّ الكوفيّ القاضي الثقة الإمام الزاهد [4]. ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه.
والحديث أخرجه مسلم، ومضى الكلام فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل،
5656 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مَعْدَانَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَلْتَزِدْكُمْ زِيَارَتُهَا خَيْرًا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَكُلُوا مِنْهَا مَا شِئْتُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ فِي الأَوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ وِعَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مَعْدَانَ الْحَرَّانِيُّ": هو منْ أفراد المصنّف، ثقة [12].
و"الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ": هو الحسن بن محمد بن أعين، نسب لجده الحرّانيّ، صدوقٌ [9]. و"حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ": هو ابن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [7]. و"زُبَيْدٌ": هو ابن الحارث بن عبد الكريم الياميّ الكوفىّ، ثقة ثبتٌ عابدٌ [6].
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5657 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَوْعِيَةِ، فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَكُلَّ مُسْكِرٍ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ": هو أحمد بن عليّ المروزيّ القاضي، ثقة حافظ [12]، منْ أفراد المصنّف. و"إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ": هو الساميّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقة يَهِم قليلاً [10]. و"حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ": هو أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغيّر حفظه بآخره [8]. و"حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ": هو الأشعريّ مولاهم، أبو إسماعيل الكوفيّ، فقيه صدوقٌ له أوهام، ورمي بالإرجاء [5].
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق القول فيه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5658 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ مَرْوَزِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، خُرَاسَانِيٌّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بَيْنَا هُوَ يَسِيرُ، إِذْ حَلَّ بِقَوْمٍ، فَسَمِعَ لَهُمْ لَغَطًا، فَقَالَ:"مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ "، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَهُمْ شَرَابٌ يَشْرَبُونَهُ، فَبَعَثَ إِلَى الْقَوْمِ، فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ:"فِي أَيِّ شَيْءٍ تَنْتَبِذُونَ؟ "، قَالُوا: نَنْتَبِذُ فِي النَّقِيرِ، وَالدُّبَّاءِ، وَلَيْسَ لَنَا ظُرُوفٌ، فَقَالَ:"لَا تَشْرَبُوا إِلاَّ فِيمَا أَوْكَيْتُمْ عَلَيْهِ"، قَالَ: فَلَبِثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَصَابَهُمْ وَبَاءٌ، وَاصْفَرُّوا، قَالَ:"مَا لِي أَرَاكُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ؟ "، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرْضُنَا وَبِيئَةٌ، وَحَرَّمْتَ عَلَيْنَا إِلاَّ مَا أَوْكَيْنَا عَلَيْهِ، قَالَ:"اشْرَبُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ مَرْوَزِيٌّ) أبو يحيى الثقفيّ القصريّ المعلّم، ثقة حافظ [10] 162/ 254، منْ أفراد المصنّف، والترمذيّ.
[تنبيه]: قوله: "مرزويّ": خبر لمحذوف: أي هو مروزيّ، وكذا قول الآتي:"خراسانيّ".
2 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد العتكيّ، أبو عبد الرحمن الملقّب عبدان المرزويّ، ثقة حافظ [10] 6/ 4022.
3 -
(عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ) بن مالك الْكِنْدِيُّ، أبو المنيب -بضم الميم، وكسر النون، بعدها تحتانيّة، ثم موحّدة- المروزيّ، وأبوه بغير إضافة، وَقَدْ قيل فيه: عبيد الله، صدوقٌ [8].
رَوَى عن عميه: معبد وعمرو ابني مالك، وعبد الله بن بريدة، وعبيد الله مولى عمر ابن مسلم، وغيلان بن عبد الله العامري، والربيع بن أنس، وأبي مِجْلَز، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. وعنه عبد العزيز بن أبي رزمة، والفضل بن موسى السِّينَاني، وعيسى بن موسى غنجار، وأبو تُمَيلة، والعلاء بن عمران، وعبد الله بن عثمان، ونعيم بن حماد، وجماعة. قَالَ أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الذهبيّ، عن السلماني: فيه نظر. ووقع فِي أكثر الروايات عن أبي داود: "عيسى بن عبيد الله"، وهو وَهَمٌ، والصواب عيسى بن عبيد، كما وقع عند اللؤلؤي. رَوَى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
4 -
(عبد الله بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقة [3] 25/ 393.
5 -
(أبوه) بريدة بن الحصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه 101/ 133. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصَيب رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة زيدت عليها الألف، وتُضاف إلى الجملة بعدها، قَالَ ابن منظور: أصل "بينا""بين"، فأُشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، ويقال: بينا، وبينما، وهما ظرفان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة، منْ فعل وفاعل، ومبتدإ وخبر، ويحتاجان إلى جواب، يتمّ به المعنى، قَالَ: والأفصح فِي جوابهما أن لا يكون فيه "إذ"، و"إذا"، وَقَدْ جاءا فِي الجواب كثيرًا، تقول: بينا زيد جالسٌ دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه، وإذا دخل عليه، ومنه قول الْحُرَقَة بنت النعمان:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا
…
إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
انتهى "لسان العرب" 13/ 66. وَقَدْ تقدّم هَذَا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به.
(هُوَ يَسِيرُ، إِذْ حَلَّ بِقَوْمٍ) أي نزل فيهم (فَسَمِعَ لَهُمْ لَغَطًا) بفتحتين، أو بفتح، فسكون: أي أصواتا مختلفة لا تُفهم، قَالَ الفيّوميّ: لَغَطَ لَغْطًا، منْ باب نَفَعَ، واللغَطُ بفتحتين: اسم منه، وهو كلام فيه جَلَبَة، واختلاطٌ، ولا يتبيّن، وألغط بالألف لغة. انتهى (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا هَذَا الصَّوْتُ؟) "ما": استفهاميّة، أي أيّ شيء هَذَا الصوت، وما سببه؟ (قَالُوا: يَا نَبِي اللهِ، لَهُمْ شَرَابٌ يَشْرَبُونَهُ) أي فشربه، فحصل هَذَا الصوت منه (فَبَعَثَ إِلَى الْقَوْمِ، فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: "فِي أَيِّ شَيْءٍ تَنْتَبِذُونَ؟) أي فِي أي إناء تصنعون النبيذ الذي يؤدّيكم إلى التصايح؟ (قَالُوا: نَنْتَبِذُ فِي النَّقِيرِ، وَالدُّبَّاءِ، وَلَيْسَ لَنَا ظُرُوفٌ) أي أسقية الجلود التي يبقى فيها النبيذ دون إَسكار (فَقَالَ: "لَا تَشْرَبُوا إِلاَّ فِيمَا أَوْكَيْتُمْ عَلَيْهِ) أي إلا فِي الأسقية التي تربطون عَلَى اْفواهها، وذلك لأنها لتخلل الهواء منْ مسامّها، لا يسرع الفساد إليها مثل ما يسرع إلى غيرها منْ الجرار ونحوها، وأيضًا فهي تُرْبَط، فإذا رُبطت أُمنت مفسدة الإسكار بما يُشرب منها؛ لأنه إذا تغيّر، وصار مسكرًا شقّ الجلد، بخلاف الأوعية التي نُهي عن الانتباذ فيها، فإنها قد يصير النبيذ فيها مسكرًا،
ولا يُعلم به. أفاده فِي "الفتح" 11/ 187 (قَالَ) بريدة رضي الله عنه (فَلَبثَ) بكسر الموحّدة، منْ باب تعب: أي عاش (بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمْ رَجَعَ عَلَيْهَمْ) أي عَلَى هؤلاء القوم الذين نهاهم أن ينتبذوا إلا فيما أوكوا عليه (فَإِذَا) هي الفجائيّة (هُمْ قَدْ أَصَابَهُمْ وَبَاءٌ) بفتح الواو، قَالَ الفيّوميّ: الوباء بالهمز: مرض عامّ، يُمدّ، ويُقصر، ويجمع الممدود عَلَى أوبئة، مثلُ مَتاع وأمتعة، والمقصور عَلَى أوباء، مثلُ سبب وأسباب، وَقَدْ وَبِئَت الأرض تَوْبَأ، منْ باب تعب وَبْئًا، مثل فلس: كثُر مرضها، فهي وَبِئَة، ووبيئةٌ، عَلَى فَعِلة، وفعيلة. انتهى (وَاصْفَرُّوا) أي اصفرّت أجسامهم منْ أجل المرض الذي حلّ بهم، والصفرة -كما فِي "المصباح-: لون دون الحمرة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا لِي أَرَاكُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ؟) أي قاربتكم الهلاك، حيث تغيّرت أجسامكم (قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرْضُنَا وَبِيئَةٌ) أي ذات مرض كثير (وَحَرَّمْتَ عَلَيْنَا إِلاَّ مَا أَوْكَيْنَا عَلَيْهِ) أي فلم نجد شرابَا يلائم أجسامنا، فحصل لنا بذلك الضرر (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اشْرَبُوا) أي كلّ شراب تصنعونه فِي أي وعاء إذا لم يُسكر، كما شرطه بقول (وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) أي إنما يحرم عليكم أن تشربوا المسكر، لا اتنباذكم فِي وعاء معّين.
وأخرج أبو يعلى، وصححه ابن حبّان منْ حديث الأشجّ الْعَصَريّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لهم:"ما لي أرى وجوهكم قد تغيّرت؟ " قالوا: نحن بأرض وخمة، وكنا نتّخذ منْ هذه الأنبذة، ما يقطع اللحمان فِي بطوننا، فلما نهيتنا عن الظروف، فذلك الذي ترى فِي وجوهنا، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إن الظروف لا تُحلّ، ولا تحرّم، ولكن كلُّ مسكر حرام". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث بُريدة رضي الله عنه هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -40/ 5657 - وفي "الكبرى" 41/ 5165. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الإذن فِي الانتباذ فِي كلّ وعاء، مع اجتناب المسكر. (ومنها): أن فيه بيان النسخ لما سبق منْ النهي لهم أن لا ينتبذوا إلا فِي الأسقية التي تربط أفواهها. (ومنها): بيان ما يترتّب عَلَى شرب المسكر، منْ رفع الأصوات، واللغطان، والهذيان، والاستهتار، دون مبالات بأحد، ولا استحياء منْ أحد، وَقَدْ أكرم الله تعالى النوع الإنساني بالعقل والفهم، فلا يرضى للعقلاء أن يتناولوا ما يُذهب عقولهم، أو يُبلّد أفهامهم، فهذا بعض حكم الشارع الحكيم فِي منع
تناول المسكرات، وسيعقد المصنّف رحمه الله تعالى بعد ثلاثة أبواب بابًا فيه:"ذكر الآثام المتولّدة عن شرب الخمر، منْ ترك الصلوات، ومن قتل النفس، التي حرّم الله، ومن الوقوع عَلَى المحارم". (ومنها): سماحة الشريعة فِي محلّ الحرج، ومواضع الضرورة، فقد أباح الانتباذ فِي كل وعاء للمضرّة، بعد أن نهى عنه للمصحلة، فهذا منْ لطف الحكيم الغفَّار سبحانه وتعالى، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]، اللَّهم أوزعنا شكر نعمائك، والاعتراف بآلائك، ورؤية التقصير فِي شكر جزيل عطائك، "سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيك عَلَى نفسك". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5659 -
(أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَمَّا نَهَى عَنِ الظُّرُوفِ، شَكَتِ الأَنْصَارُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لَنَا وِعَاءٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "فَلَا إِذًا").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
1 -
(محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [10] 33/ 37.
2 -
(أبو داود الْحَفَريّ
(1)
) عمر بن سعد بن عُبيد الكوفيّ، ثقة عابدٌ [9] 15/ 523.
3 -
(أبو أحمد الزبيريّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت، إلا أنه قد يُخطىء فِي حديث الثوريّ [9] 43/ 2239.
4 -
(سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [7] 33/ 37.
5 -
(منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [6] 2/ 2.
6 -
(سالم) بن أبي الجعد رافع الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة يرسل [3] 61/ 77.
7 -
(جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما 31/ 35. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم
(1)
بفتح الحاء المهملة، والفاء-: نسبة إلى موضع بالكوفة. قاله فِي "التقريب"253.
بغداديّ، وفيه جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة، رَوَى (1540) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَمّا نَهَى عَنِ الظُّرُوفِ) بظاء مشالة، معجمة: جمع ظرف -بفتح أوله: وهو الوعاء. وفي رواية مسلم منْ طريق أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه:"نهى عن الدبّاء، والمزفّت"(شَكَتِ) بتخفيف الكاف، منْ الشكوى (الْأَنْصَارُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، لَيْسَ لَنَا وِعَاءٌ) وفي رواية البخاريّ: "لابدّ لنا منها"، وفي رواية لأحمد فِي قصّة وَقَدْ عبد القيس:"فَقَالَ رجل منْ القوم: يا رسول الله، إن النَّاس لا ظروف لهم، فَقَالَ: اشربوا إذا طاب، فإذا خبُث فذروه"(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "فَلَا إِذًا") جواب وجزاء، أي إذا كَانَ كذلك لابُدّ لكم منها، فلا تدعوها، وحاصله أن النهي، كَانَ ورد عَلَى تقدير عدم الاحتياج، أو وقع وحي فِي الحال بسرعة، أو كَانَ الحكم فِي تلك المساْلة مفوّضًا لرأيه صلى الله عليه وسلم، وهذه احتمالات ترد عَلَى منْ جزم بإن الْحَدِيث حجة فِي أنه كَانَ يحكم بالاجتهاد. قاله فِي "الفتح" 11/ 184. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر رضي الله عنه هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -559240/ 5658 - وفي "الكبرى"41/ 5166 (د) فِي "الأشربة" 3699 (ت) فِي "الأشربة"1870. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
41 - (مَنْزِلَةِ الْخَمْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالمنزلة هنا منزلتها الدنيئة فِي الخبث، وكونها أم الخبائث، وليس المراد المكانة، وإنما نبّهت عَلَى هَذَا؛ لأن المنزلة إذا أطلقت يتبادر إلى الذهن أنها المكانة، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب.
5660 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:"أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ، بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(سُويد) بن نصر المروزيّ، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [8] 32/ 36.
3 -
(يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة [7] 9/ 9.
4 -
(الزهريّ) محمد بن مَسلم الإِمام الحجة الثبت [4] 1/ 1.
5 -
(سعيد بن المسيّب) بن حزن المخزوميّ المدنيّ الثقة الثبت الفقيه، منْ كبار [3] 9/ 9.
6 -
(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ الزهريّ، ويونس أيليّ، والباقيان مروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وهو سعيد، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أكثر الصحابة رضي الله عنهم رواية للحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وفي رواية البخاريّ منْ طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
أخبرني سعيد بن المسيّب أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه"، أنه (قَالَ: "أُتِيَ) بالبناء للمفعول (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بهِ) ظرف لـ"أُتي"، زاد فِي رواية البخاريّ:"بإيلياء"، وهو بكسر الهمزة، وسكون التحتانية، وكسر اللام، وفتح التحتانية الخفيفة، معِ المد- هي مدينة بيت المقدس. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وهو ظاهر فِي أن عَرْضَ ذلك عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقع وهو فِي بيت المقدس، لكن وقع فِي رواية الليث بلفظ:"إلى أيلياء"، وليست صريحة فِي ذلك؛ لجواز أن يريد تعيين ليلة الايتاء، لا محله. انتهى.
(بقَدَحَيْنِ) بفتحتين: إناء معروف، والجمع أقداح، مثلُ سبب وأسباب. قاله فِي "المصباح"، وفي "القاموس": ما يُفيد أنه إناء يُروي رجلين. (مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْريلُ عليه السلام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ) أي لِمَا جُبل عَلَى حبِّه الإنسان، إذا لم يُعارضه العارض، وبقي عَلَى السلامة، وهو أول غذاء للإنسان، فإن الطفل لا يُغذّى إلا به. قاله السنديّ. وَقَالَ فِي "الفتح" 11/ 153: المراد بالفطرة هنا الاستقامة عَلَى الدين الحق.
وفي رواية للبخاريّ فِي "باب المعراج"- منْ كتاب "مناقب الأنصار": "ثم أُتيت بإناء منْ خمر، وإناء منْ لبن، وإناء منْ عسل، فأخذتُ اللبن، فَقَالَ: هي الفطرة التي أنت عليها"، أي دين الإسلام.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبّين بهذا أن المراد منْ "الفطرة" هنا دين الإسلام، لا الفطرة الجبليّة كما أشار إليه السنديّ. والله تعالى أعلم.
(لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ) أي لأنها تشارك فِي الاسم خمر الدنيا التي هي أم الخبائث، فيكون دليلاً عَلَى حصول الخبث للأمة.
قَالَ الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم نَفَر منْ الخمر؛ لأنه تَفَرّس أنها ستحرم؛ لأنها كانت حينئذ مباحة، ولا مانع منْ افتراق مباحين مشتركين فِي أصل الإباحة، فِي أن أحدهما سيحرم، والآخر تستمر إباحته.
وَقَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون نفر منها؛ لكونه لم يَعْتَدْ شربها فوافق بطبعه ما سيقع منْ تحريمها بعدُ حفظًا منْ الله تعالى له ورعاية، واختار اللبن لكونه مألوفا له، سهلا طيبا طاهرا، سائغا للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر فِي جميع ذلك.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة؛ لأنه أول شيء يدخل بطن المولود، ويشق أمعاءه، والسر فِي ميل النبيّ صلى الله عليه وسلم إليه دون غيره؛ لكونه كَانَ مألوفا له، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم أن قول جبريل عليه السلام: "هي الفطرة التي أنت عليها" ينافي هَذَا الاحتمال، بل المراد بالفطرة هو دين الإسلام، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قَالَ فِي "الفتح" 7/ 617 - : وَقَدْ وقع فِي هذه الرواية أنّ إتيانه الآنية كَانَ بعد وصوله إلى سدرة المنتهى، وسيأتي فِي "الأشربة" منْ طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رُفعت لي سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار
…
" فذكره، قَالَ: "وأُتيت بثلاثة أقداح
…
" الْحَدِيث، وهذا موافق لحديث الباب، إلا أن شعبة لم يذكر فِي الإسناد مالك بن صعصعة.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند ابن عائذ فِي حديث المعراج، بعد ذكر إبراهيم، قَالَ:"ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة آنية، مُغَطّاة، فَقَالَ جبريل: يا محمد، ألا تشرب مما سقاك ربك، فتناولت إحداها، فإذا هو عسل، فشربت منه قليلاً، ثم تناولت الآخر، فإذا هو لبن، فشربت منه حَتَّى رَوِيتُ، فَقَالَ: ألا تشرب منْ الثالث؟ قلت: قد رَوِيت، قَالَ: وفقك الله"، وفي رواية البزار منْ هَذَا الوجه: أن الثالث كَانَ خمرا، لكن وقع عنده أن ذلك كَانَ ببيت المقدس، وأن الأول كَانَ ماء، ولم يذكر العسل.
وفي حديث بن عبّاس، عند أحمد: "فلما أتى المسجد الأقصى، قام يصلي، فلما انصرف جيء بقدحين، فِي أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن
…
" الْحَدِيث. وَقَدْ وقع عند مسلم منْ طريق ثابت، عن أنس أيضاً: أن إتيانه بالآنية كَانَ ببيت المقدس، قبل المعراج، ولفظه: "ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاء جبريل بإناء منْ خمر، دهاناء منْ لبن، فأخذت اللبن، فَقَالَ جبريل: أخذت الفطرة، ثم عرج إلى السماء".
وفي حديث شداد بن أوس: "فصليت منْ المسجد حيث شاء الله، وأخذني منْ العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين: أحدهما لبن، والآخر عسل، فعدلت بينهما، ثم هداني الله، فأخذت اللبن، فَقَالَ شيخ بين يدي -يعني لجبريل- أخذ صاحبك الفطرة.
وفي حديث أبي سعيد، عند ابن إسحاق، فِي قصة الإسراء: "فصلى بهم -يعني الأنبياء- ثم أُتي بثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، فأخذت اللبن
…
" الحديث.
وفي مرسل الحسن عنده نحوه، لكن لم يذكر إناء الماء.
ووقع بيان مكان عرض الآنية فِي رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عند
البخاريّ فِي أول "كتاب الأشربة"، ولفظه:"أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به بايلياء، بإناء فيه خمر، وإناء فيه لبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فَقَالَ له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك"، وهو عند مسلم. وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة، عن أنس، عند البيهقي:"فعرض عليه الماء، والخمر، واللبن، فأخذ اللبن، فَقَالَ له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء، لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك".
ويُجمَع بين هَذَا الاختلاف: إما يحمل "ثم" عَلَى غير بابها منْ الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع عرض الآنية مرتين: مرة عند فراغه منْ الصلاة ببيت المقدس، وسببه ما وقع له منْ العطش، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى، ورؤية الأنهار الأربعة.
وأما الاختلاف فِي عدد الآنية، وما فيها، فيحمل عَلَى أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، ومجموعها أربعة آنية، فيها أربعة أشياء، منْ الأنهار الأربعة، التي رآها تخرج منْ أصل سدرة المنتهى.
ووقع فِي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الطبري لَمّا ذكر سدرة المنتهى: "يخرج أصلها منْ أنهار منْ ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى"، فلعله عُرض عليه منْ كل نهر إناء.
وجاء عن كعب: أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جيحان، ونهر الخمر نهر الفرات، ونهر الماء سيحان. والله أعلم. انتهى "فتح" 7/ 617 - 618 "كتاب مناقب الأنصار"- "باب المعراج". وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -41/ 5659 - وفي "الكبرى" 42/ 5167. وأخرجه (خ) فِي "أحاديث الأنبياء" 3394 و3437 و"التفسير" 4709 و"الأشربة" 5576 و5603 (م) فِي "الإيمان" 167 (ت) فِي "التفسير" 3130 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 27306 (الدارميّ) فِي "الأشربة" 1996.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان منزلتها الدنيئة، وهو أنها سبب للغواية. (ومنها): ما أكرم الله سبحانه وتعالى حبيبه صلى الله عليه وسلم بمعجزة الإسراء، والمعراج. (ومنها): عناية الله سبحانه وتعالى بنبيّه صلى الله عليه وسلم فِي جميع أموره، حيث هداه فِي هَذَا العرض التشريفيّ إلى ما فيه الهداية، والصلاح، وجنبه ما يكون سببا للغواية والضلال، مع أن الكل كَانَ مباحًا له، {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النِّساء: 113]. (ومنها): مشروعية الحمد عند حصول ما يُحمد، حيث قَالَ جبريل عليه السلام لما فاز حبيبه صلى الله عليه وسلم بأعلى الوسام:"الحمد لله الذي هداك للفطرة". (ومنها): مشروعية دفع ما يحذر منه منْ المكاره الدينيّ والدنيويّ. (ومنها) ما قيل: إن قوله: "غوت أمتك" يحتمل أن يكون أخذه منْ طريق الفأل، أو تقدّم عنده علم بترتب كل منْ الأمرين، وهو أظهر. قاله فِي "الفتح" 11/ 157. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5661 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة هَذَا الْحَدِيث للترجمة غير واضحة، فالله تعالى أعلم.
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [10] 5/ 5.
2 -
(خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [8] 42/ 47.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [7] 27/ 24.
4 -
(أبو بكر بن حفص) عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهريّ المدنيّ، مشهور بكنيته، ثقة [5] 122/ 178.
5 -
(ابن مُحيريز) -بمهملة، وراء، آخره زاي، مصغّرًا-: هو عبد الله بن محيريز بن جُنادة بن وهب الْجُمَحىّ المكيّ، كَانَ يتيمًا فِي حجر أبي محذورة رضي الله عنه بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقة عابدٌ [3] 6/ 461.
6 -
(رجل منْ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم) لم يُسمّ، ولكن لا يضرّ ذلك؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كلّهم عدول. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن شعبة) بن الحجّاج (قَالَ: سمعت أبا بَكْرِ بْنَ حَفْصٍ) الزهريّ (يقُولُ: سَمِعْتُ) عبد الله (بْنَ مُحيْرِيزِ) الْجمحي المكيّ (يُحدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وأخرجه ابن ماجه (3385) وأحمد 5/ 318 منْ طريق بلال بن يحيي العبسيّ، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن محيريز، عن ثابت بن السِّمْطِ، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يشرب ناس منْ أمتي الخمر، باسم يسمّونها إياه"(عنِ النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "يَشْرَبُ نَاسُ مِنْ أُمَّتِي) ذكر ابن التين، عن الداودي، قَالَ: كأنه يريد بالأمة منْ يتسمى بهم، ويستحلّ ما لا يحل لهم، فهو كافر إن أظهر ذلك، ومنافق إن أسره، أو منْ يرتكب المحارم مجاهرة، واستخفافًا، فهو يقارب الكفر، وإن تسمى بالإِسلام؛ لأن الله لا يخسف بمن تعود عليه رحمته فِي المعاد. قَالَ الحافظ: كذا قَالَ، وفيه نظر. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد بقوله: "لأن الله لا يخسف الخ" الوعيد المذكور فيما أخرجه البخاريّ فِي "صحيحه" منْ طريق عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قَالَ: حدثني أبو عامر، أو أبو مالك الأشعري، والله ما كذبني، سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:"ليكونن منْ أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَم، يروح عليهم بسارحة لهم، ياتيهم -يعني الفقير- لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير، إلى يوم القيامة"
(1)
.
(الْخَمْرَ) قد تقدّم أن الحقّ كما هو مذهب الجمهور أن الخمر اسم لكلّ ما أسكر، لا كما يزعمه منْ قَالَ: إنه اسم لما عُصر منْ العنب، فإنه مذهب باطلٌ؛ للأدلة الكثيرة، عَلَى ما تقدّم بيانها (يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قاله فِي محلّ الذمّ، فيدلّ عَلَى أن التسمية، والحيلة لا تجعلان الحرام حلالاً. انتهى. والله تعالى أعلم
(1)
غريب هَذَا الْحَدِيث: "الحر" بكسر الحاء، وتخفيف الراء: الفرج، والمراد الزنا. و"المعازف": جمع مِعزفة: آلات اللهو. و"علم": هو الجبل العالي. و"يروح عليهم" بحذف الفاعل، وهو الراعي بقرينة المقام، إذ السارحة لابد لها منْ حافظ. و"يأتيهم لحاجة" بينه فِي رواية الإسماعيليّ فِي "مستخرجه":"يأتيهم طالب حاجة". "فيبيّتهم الله": يهلكهم ليلًا. "يضع العلم": أي يوقع عليهم. انتهى مختصرًا منْ "الفتح" 11/ 179 - 181.
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث رجل منْ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى
(1)
أخرجه هنا -41/ 5660 - وفي "الكبرى" 42/ 5168.
(المسألة الثانية): هَذَا الْحَدِيث له شواهد:
(منها): ما أخرجه أبو داود منْ طريق مالك بن أبي مريم، عن أبي مالك الأشعري، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم باللفظ المتقدم فِي المسألة الماضية، وفي إسناده مالك بن أبي مريم مجهول، وصححه ابن حبّان ولعلّه لشواهده.
(ومنها): ما أخرجه ابن ماجه منْ حديث ابن محيريز، عن ثابت بن السمط، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، رفعه:"يشرب ناس منْ أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها"، ورواه أحمد بلفظ:"ليستحلن طائفة منْ أمتي الخمر"، وسنده جيد. ولابن ماجه أيضًا منْ حديث خالد بن معدان، عن أبي أمامة رضي الله عنه، رفعه:"لا تذهب الأيام والليالي، حَتَّى تشرب طائفة منْ أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها". وفي إسناده عبد السلام بن عبد القدّوس ضعيف. وللدارمي بسند لين، منْ طريق القاسم، عن عائشة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أول ما يُكفأ الإسلام كما يكفأ الإناء كفء الخمر"، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قَالَ: "يسمونها بغير اسمها، فيستحلونها"، وأخرجه ابن أبي عاصم منْ وجه آخر، عن عائشة، ولابن وهب منْ طريق سعيد بن أبي هلال، عن محمّد بن عبد الله بن مسلم، أن أبا مسلم الخولاني حج، فدخل عليّ عائشة، فجعلت تسأله عن الشام، وعن بردها، فجعل يُخبرها، فقالت: كيف تصبرون عَلَى بردها؟ فَقَالَ: يا أم المؤمنين، إنهم يشربون شرابا لهم، يقال له: الطلاء، فقالت: صدق الله، وَبَلَّغَ حبّي، سمعت حبّي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن ناسا منْ أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها"، أخرجه الحاكم، والبيهقي، وَقَالَ الحاكم: صحيح عَلَى شرط
(1)
[تنبيه]: أخرج هَذَا الْحَدِيث أبو داود منْ حديث أبي مالك الأشعريّ رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: "ليشربنّ ناس منْ أمتي الخمر، يُسمّونها بغير اسمها"، وأخرجه ابن ماجه فِي "الأشربة" 3384 و3385 منْ حديث أبي أمامة الباهليّ رضي الله عنه بلفظ:"لا تذهب الليالي والأيام حَتَّى تشرب فيها طائفة منْ أمتي الخمر، يسمّونها بغير اسمها"،، ومن حديث عبادة ابن الصامت رضي الله عنه بلفظ تقدّم، ورجال إسناد كلهم ثقات. وأخرجه أحمد فِي "مسند الشاميين" 17607، والدارميّ فِي "الأشربة"2018. والله تعالى أعلم.
الشيخين، وتعقّبه الذهبيّ بأن محمداً مجهول، وإن كَانَ ابن اخي الزهريّ، فالسند منقطع.
قَالَ أبو عبيد: جاءت فِي الخمر آثار كثيرة، بأسماء متخلفة، فدكر منها "السَّكَرَ" بفتحتين، قَالَ: وهو نقيع التمر، إذا عَلَى بغير طبح، و"الجعة" -بكسر الجيم وتخفيف العين-: نبيذ الشعير، و"السكركة": خمر الحبشة منْ الذرة، إلى أن قَالَ: وهذه الأشربة المسماة كلها عندي كناية عن الخمر، وهي داخلة فِي قوله صلى الله عليه وسلم:"يشربون الخمر، يسمونها بغير اسمها"، ويؤيد ذلك قول عمر رضي الله عنه:"الخمر ما خامر العقل". انتهى "الفتح" 11/ 175 - 176 ببعض زيادات. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): أن فيه علمًا منْ أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بما يكون بعده، وَقَدْ وقع ذلك كما أخبره صلى الله عليه وسلم. (ومنها): تحريم الخمر، وهو أمر مجمع عليه بين المسلمين، والحمد لله، غير أن طائفة منهم خصّوا التحريم بما كَانَ منْ عصير العنب خاصّة، وأما ما سوى ذلك منْ المشروبات المسكرة، ومثل السّكَر، والجعة، وغير ذلك إنما يحرم القدر الذي يُسكر فقط، وأما القليل منه فهو حلال، وَقَدْ تقدّم تفنيد هَذَا القول بما فيه الكفاية، فراجعه تزدد علمًا. (ومنها): أن فيه وعيدًا شديدًا عَلَى منْ يتحيّل فِي تحليل ما يحرم بتغيير اسمه، وأن الحكم يدور مع العلّة، والعلّة فِي تحريم الخمر الإسكار، فمهما وُجد الإسكار وُجد التحريم، ولو لم يستمرّ الاسم. قَالَ ابن العربيّ رحمه الله تعالى: هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلّق بمعاني الأسماء، لا بألقابها، ردًّا عَلَى منْ حمله عَلَى اللفظ. ذكره فِي "الفتح" 11/ 181. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
42 - (ذِكْرِ الرِّوَايَاتِ الْمُغَلِّظَاتِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: زاد فِي "الكبرى": "وحدّ الخمر"، وقوله:"المغلّظات" يحتمل أن يكون بصيغة اسم الفاعل، ويكون المعنى: الأحاديث المشدّدة للوعيد فِي شرب الخمر. ويحتمل أن يكون بصيغة اسم المفعول، ويكون منْ باب
الحذف والإيصال، والأصل: ذكر الروايات المغلظ فيها الوعيد فِي شرب الخمر. والله تعالى أعلم بالصواب.
5662 -
(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ شَارِبُهَا حِينَ يَشْرَبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، حِينَ يَنْتَهِبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عيسى بن حمّاد": هو المصريّ المعروف بزُغْبة. و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ. و"عُقَيل": هو ابن خالد الأيليّ، ثم المصريّ.
والسند مسلسل بثقات المصريين إلى عُقيل، ثم بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة عَلَى بعض الأقوال، وهو أبو بكر، وهو ممن اشتهر بكنيته، لا اسم له عَلَى الصحيح غيرها، ومثله أبو هريرة رضي الله عنه، إلا أن اسمه عبد الرحمن، أو عبد الله، وقيل: غيره. والله تعالى أعلم.
وقوله: "لا يزني الزاني الخ": هَذَا وأمثاله حمله العلماء عَلَى التغليظ، وعلى كمال الإيمان، وقيل: المراد بالإيمان الحياء؛ لكونه شعبة منْ الإيمان، فالمعنى: لا يزني الزاني، وهو يستحي منْ الله تعالى، وقيل: المراد بالمؤمن ذو الامن منْ العذاب، وقيل: النفي بمعنى النهي: أي لا ينبغي للزاني أن يزني، والحال أنه مؤمن، فإن مقتضى الإيمان أن لا يقع فِي مثل هذه الفاحشة. وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا الْحَدِيث فِي "كتاب قطع السارق" مستوفًى، فراجعه تزدد علمًا.
وقوله: "ولا ينتهب نُهبة الخ": النهب: الأخذ عَلَى وجه العلانية، والقهر، والنَّهْبة بالفتح مصدر بهب، وبالضمّ: المال المنهوب، والتوصيف بالشرف باعتبار متعلّقها الذي هو المال، والتوصيف برفع أبصار النَّاس إليه لبيان قسوة قلب فاعلها، وقلّة رحمته، وحيائه.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي 1/ 4870. واستدلال المصنّف عَلَى ما ترجم له واضح، حيث نفى الإيمان ممن يشرب الخمر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5663 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُلُّهُمْ حَدَّثُونِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"الوليد بن مسلم": هو أبو العبّاس الدمشقيّ. و"الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن ابن عمرو.
وقوله: "كلّهم" مبتدأ خبره الجملة بعده، والجلمة مؤكّدة للجملة "حدّثني سعيد الخ، وكلّ منْ الثلاثة منْ الفقهاء السبعة، كما سلف عير مرّة.
والحديث متّفقٌ عليه، كما مرّ فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5664 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [1] 2/ 2.
2 -
(جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، ثم الرازيّ، ثقة صحيح الكتاب [8] 2/ 2.
3 -
(مغيرة) بن مِقْسَم الضبيّ الكوفيّ، ثقة متقن، يدلّس [6] 188/ 301.
4 -
(عبد الرحمن بن أبي نُعْم) -بضم، فسكون-: البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ العابد صدوقٌ [3] 79/ 2578.
5 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، والصحابيّ،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
فمدنيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر منْ المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْم) بضم، فسكون (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَفَرٍ) أي جماعة (مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) أنهم (قَالُواَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ) شرطيّة (شَرِبَ الْخَمْرَ، فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ) ثانيًا (فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ) ثالثًا (فاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ) رابعًا (فَاقْتُلُوهُ") فيه الأمر بقتل شارب الخمر فِي المرة الرابعة، وفيه الخلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه فِي المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -42/ 5663 - وفي "الكبرى" 43/ 5171 وأخرجه (د) فِي "الحدود" 4482 (أحمد) فِي "مسند المكثرين"6162. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي بيان بعض الأحاديث الواردة فِي قتل شارب الخمر:
(اعلم): أنه قد وردت فِي هَذَا الباب أحاديث عن عدّة منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو هريرة، وشُرَحبيل بن أوس، ورجل منْ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وغيرهم.
أما حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، فهو هَذَا الْحَدِيث، وهو صحيح، كما مرّ آنفًا.
وأما عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، فأخرجه أحمد فِي "مسنده" برقم 6553 و7003، منْ طريق شهر بن حوشب، عنه: أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: "منْ شرب الخمر فاجلدوه، ومن شرب الثانية، فاجلدوه، ثم إن شرب الثالثة، فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة، فاقتلوه". وفي شهر كلام، والحقّ أن حديثه حسن. وأخرجه منْ طريق الحسن البصريّ، عن عبد الله بن عمرو، وفي آخره:"قَالَ عبد الله: "ائتوني برجل قد شرب الخمر فِي الرابعة، فلكم عليّ أن أقتله". والحسن لم يسمع منْ عبد الله بن عمرو، ففيه انقطاع.
وأما حديث معاوية رضي الله عنه، فأخرجه أحمد (16918) عن عارم، عن أبي عوانة، عن المغيرة، عن معبد بن خالد الجدلّي القاصّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله الجدليّ، عن معاوية رضي الله عنه مرفوعًا، وفيه "
…
فإن عاد الرابعة، فاقتلوه". وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ايضًا منْ طريق شعبة، والثوريّ، وشيبان، ثلاثتهم عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح السمان، عن معاوية رضي الله عنه مرفوعًا، وفيه "
…
ثم إذا شربوها الرابعة فاقتلوهم". وهو إسناد صحيح.
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فأخرجه المصنّف بعد هَذَا، وهو حديث صحيح.
وأما حديث شُرَحبيل بن أوس رضي الله عنه، فأخرجه أحمد 4/ 234 عن عليّ بن عياش، وعصام بن خالد، عن حريز بن عثمان، عن نِمْران مخمر، أو ابن مخبر، عنه، مرفوعًا: منْ شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد، فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه". وإسناده صحيح
(1)
.
وأما حديث رجل منْ الصحابة، فأخرجه أحمد أيضًا 5/ 369 عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر، قَالَ: سمعت يزيد بن أبي كبشة يخطب بالشام، قَالَ: سمعت رجلاً منْ أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم يحدث عبد الملك بن مروان، فذكره مرفوعًا، وفيه "
…
ثم إن عاد فِي الرابعة فاقتلوه". وهذا إسناد صحيح.
وَقَدْ روي منْ حديث الشريد بن سُويد، وجرير بن عبد الله البجليّ، وغُطيف بن الحارث الكنديّ، وأبي الرمداء البلويّ، وغيرهم، وَقَدْ خرّجها كلها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه عَلَى "مسند الإمام أحمد" رحمه الله تعالى، وأجاد وأفاد، فراجعه 9/ 40 - 70. تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم هل يقتل شارب الخمر بعد المرّة الرابعة أم لا؟:
ذهبت طائفة إلى أنه يقتل، ونصره ابن حزم، واحتج له ودفع دعوى الإجماع عَلَى عدم القتل.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل، وأن القتل منسوخ، قَالَ الشافعيّ رحمه الله تعالى: والقتل منسوخ بهذا الْحَدِيث، وغيره -يعني حديث قبيصة بن ذؤيب الآتي- ثم ذكر أنه لا خلاف فِي ذلك بين أهل العلم. وَقَالَ الخطّابيّ: قد يرد الأمر كالوعيد، ولا يراد به
(1)
"نمران" منْ شيوخ حَرِيز بن عثمان، وَقَدْ قَالَ أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات".
الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير، وَقَدْ يحتمل أن يكون القتل فِي الخامسة واجبا، ثم نسخ بحصول الإجماع منْ الأمة عَلَى أنه لا يقتل. انتهى، وحكى المنذري عن بعض أهل العلم أنه قَالَ: أجمع المسلمون عَلَى وجوب الحد فِي الخمر، وأجمعوا عَلَى أنه لا يقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة، قالت: يُقتل بعد حده أربع مرات؛ للحديث، وهو عند الكافة منسوخ. انتهى.
وَقَالَ الترمذيّ رحمه الله تعالى: إنه لا يعلم فِي ذلك اختلافا بين أهل العلم فِي القديم والحديث، وذكر أيضًا فِي آخر كتابه "الجامع" فِي العلل أن جميع ما فيه معمول به عند البعض منْ أهل العلم، إلا حديث:"إذا سكر فاجلدوه" المذكور فِي الباب، وحديث الجمع بين الصلاتين.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإجماع غير صحيحة، كما سيأتي تحقيقه، وكذا دعوى النسخ محلّ نظر، كما سيأتي أيضًا. والله تعالى أعلم.
وَقَدْ احتج منْ أثبت القتل بما أخرجه أصحاب السنن إلا النسائيّ، عن معاوية رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم".
قالوا: إنه متأخر عن الأحاديث القاضية بعدم القتل؛ لأن إسلام معاوية متأخر. وأجيب عن ذلك بأن تأخر إسلام الراوي لا يستلزم تأخر المروي؛ لجواز أن يروي ذلك عن غيره منْ الصحابة المتقدم إسلامهم عَلَى إسلامه.
وأيضاً قد أخرج الخطيب فِي "المبهمات" عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن قبيصة أنه قَالَ فِي حديثه السابق:"فأتي برجل منْ الأنصار يقال له: نعيمان، فضربه أربع مرات، فرأى المسلمون أن القتل قد أُخر".
وأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن سهيل، وفيه: قَالَ: فحدثت به ابن المنكدر، فَقَالَ: قد تُرِك ذلك. وَقَدْ أُتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بابن النعيمان فجلده ثلاثا، ثم أتى به الرابعة فجلده، ولم يزده. وقصة النعيمان، أو ابن النعيمان كانت بعد الفتح؛ لأن عقبة بن الحرث حضرها، فهي إما بحنين، وإما بالمدينة، ومعاوية أسلم قبل الفتح، أو فِي الفتح عَلَى الخلاف، وحضور عقبة كَانَ بعد الفتح. أفاده فِي "نيل الأوطار" 7/ 156 - 157.
وَقَالَ الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى فِي كتابه "المحلّى" 11/ 365 - 370:
اختلف النَّاس فِي شارب الخمر يحد فيها، ثم يشربها، فيحد فيها ثانية، ثم يشربها
فيحد فيها ثالثة، ثم يشربها الرابعة، فقالت طائفة: يُقتل، وقالت طائفة: لا يقتل، ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما، أنه قَالَ: ائتوني برجل أقيم عليه حد فِي الخمر، فإن لم أقتله فأنا كاذب.
وَقَالَ مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وغيرهم: أن لا قتل عليه، وذكروا ذلك عن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص. ثم أخرج بسنده عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم". وفي رواية قَالَ فِي شارب الخمر: "إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاضربوا عنقه".
ثم أخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "منْ شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاقتلوه".
قَالَ: فهذان طريقان فِي نهاية الصحة. قَالَ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث أيضًا شرحبيل بن أوس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو غطيف الكندي كلهم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
قَالَ: فكانت الرواية فِي ذلك عن معاوية، وأبي هريرة ثابتة تقوم بها الحجة وبالله تعالى التوفيق.
قَالَ: فنظرنا فيما احتج به المخالفون، فوجدناهم يقولون: إن هَذَا الخبر منسوخ، وذكروا فِي ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إذا شرب الرجل فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه"، فأُتي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم برجل منا فلم يقتله. وعن جابر رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منْ شرب الخمر فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد فِي الرابعة فاضربوا عنقه"، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيمان أربع مرات. فرأى المسلمون أن الحد قد رُفع وأن القتل قد رُفع. ثم أخرج بسنده عن ابن شهاب الزهريّ أن قبيصة بن ذؤيب حدثه، أنه بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ لشارب الخمر: "إن شرب فاجددوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه، فأُتي برجل قد شرب ثلاث مرات فجلده، ثم أتى به فِي الرابعة فجلده، ووضع القتل عن النَّاس. ثم أخرج عن ابن عيينة، قَالَ: سمعت ابن شهاب يقول لمنصور بن المعتمر: كن
(1)
وافد أهل العراق بهذا الخبر، يعني حديث قبيصة بن ذؤيب هَذَا. ثم أخرج منْ طريق سعيد بن
(1)
هكذا نسخة "المحلى": "منْ وافد أهل العراق"، والظاهر أن الصواب "كن وافد أهل العراق"، كما تُفيده عبارة "نيل الأوطار" 7/ 156.
أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده فِي الشرب، فأُتى به يوما فأمر به فجلد، فَقَالَ رجل منْ القوم: اللَّهم العنه ما أكثر ما يؤتي به؟ فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنوه، فوالله ما علمته إلا يحب الله ويحب رسوله". قَالَ: وذكروا الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو نفس بنفس"، فلا يجوز أن يقتل أحد لم يذكر فِي هَذَا الخبر.
قَالَ: هَذَا كل ما احتجوا به، ثم أخرج عن قبيصة بن ذؤيب، أن عمر بن الخطاب جلد أبا محجن فِي الخمر ثماني مرات، ورُوي نحو ذلك عن سعيد أيضاً، وكل ذلك لا حجة لهم فيه عليّ ما نبين إن شاء الله تعالى، أما حديث جابر بن عبد الله فِي نسخ الثابت منْ الأمر بقتل شارب الخمر فِي الرابعة، فإنه لا يصح لأنه لم يروه عن ابن المنكدر أحد متصلا إلا شريك القاضي، وزياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق، عن ابن المنكدر، وهما ضعيفان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وأيضًا فيهما عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّس. والله تعالى أعلم.
قَالَ: وأما حديث قبيصة بن ذؤيب فمنقطع، ولا حجة فِي منقطع. وأما حديث زيد ابن أسلم الذي منْ طريق معمر عنه فمنقطع، ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أن ذلك كَانَ بعد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل، فأذ ليس ذلك فيه فاليقين الثابت لا يحل تركه للضعيف الذي لا يصح، ولو صح لكان ظنا، فسقط التعلق به جملة، ولو أن إنسانا يجلده النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي الخمر ثلاث مرات قبل أن يأمر بقتله فِي الرابعة، لكان مقتضى أمره صلى الله عليه وسلم استئناف جلده بعد ذلك ثلاث مرات ولابد؛ لأنه عليه السلام حين لفظ بالحديث المذكور، أمر فِي المستأنف بضربه إن شرب، ثم بضربه إن شرب ثانية، ثم بضربه ثالثة ثم بقتله رابعة، هَذَا نص حديثه، وكلامه عليه السلام.
فإنما كَانَ يكون حجة لو بين فيه أنه أُتي به أربع مرات بعد أمره عليه السلام بقتله فِي الرابعة، وهكذا القول سواء سواء فِي حديث عمر الذي منْ طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم.
قَالَ أبو محمد رحمه الله: فأما نحن فنقول: -وبالله تعالى التوفيق- إن الواجب ضم أوامر الله تعالى، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم كلها بعضها إلى بعض، والانقياد إلى جميعها، والأخذ بها، وأن لا يقال فِي شيء منها: هَذَا منسوخ إلا بيقين. برهان ذلك قول الله
تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ، فصح أن كل ما أمر الله تعالى به، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ففرض علينا الأخذ به والطاعة له، ومن ادّعى لي شيء منْ ذلك نسخا، فقوله مطرح؛ لأنه يقول لنا: لا تطيعوا هَذَا الأمر منْ الله تعالى ولا منْ رسوله صلى الله عليه وسلم، فواجب علينا عصيان منْ أمر بذلك إلا أن يأتي نص جلي بين يشهد بأن هَذَا الأمر منسوخ، أو إجماع عَلَى ذلك، أو بتاريخ ثابت مبين أن أحدهما ناسخ للآخر، وأما نحن فإن قولنا هو أن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه وأكمله، ونهانا عن اتباع الظن فلا يجوز البتة أن يرد نصان يمكن تخصيص أحدهما منْ الآخر، وضمه إليه إلا وهو مراد الله تعالى منهما بيقين، وأنه لا نسخ فِي ذلك بلا شك أصلا، ولو كَانَ فِي ذلك نسخ لبينه الله تعالى بيانا جليا، ولما تركه ملتبسا مشكلا حاش لله منْ هَذَا.
قَالَ: فلم يبق إلا أن يرد نصان، ممكن أن يكون أحدهما مخصوصا منْ الآخر؛ لأنه أقل معاني منه، وَقَدْ يمكن أن يكون منسوخا بالأعم، ويكون البيان قد جاء بأن الأخص قبل الأعم بلا شك، فهذا إن وجد فالحكم فيه النسخ ولابد، حَتَّى يجيء نص آخر، أو إجماع متيقن عَلَى أنه مخصوص منْ العام الذي جاء بعده. برهان ذلك أن الله تعالى قَالَ فِي كتابه:{تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ، وَقَالَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم:{لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، والبيان بلا شك هو ما اقتضاه ظاهر اللفظ الوارد ما لم يأت نص آخر، أو إجماع متيقن عَلَى نقله عن ظاهره، فإذا اختلف الصحابة فالواجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه، إذ يقول:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ، وَقَدْ صح أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، بقتله فِي الرابعة، ولم يصح نسخه، ولم صح لقلنا به، ولا حجة فِي قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى "المحلّى" 11/ 365 - 370 باختصار.
وَقَالَ الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه عليّ "مسند الإمام أحمد" رحمه الله تعالى: ما ملخّصه:
وهذه الأحاديث فِي الأمر بقتل شارب الخمر فِي الرابعة، إذا أقيم عليه الحدّ ثلاث مرّات، فلم يرتدع تقطع فِي مجموعها بثبوت هَذَا الحكم، وصحة صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بم لا يدع شكا للعارف بعلوم الْحَدِيث، وطرق الرواية، وأكثر أسانيده صحاح، والشكّ النادر منْ بعض الرواة بين الثالثة أو الرابعة، أو غيرهما لا يؤثّر فِي صحته، ولا أن فِي أن الحكم بالقتل إنما هو فِي الرابعة، كما وهو واضح.
وَقَالَ أيضًا:
وهذا الأمر بقتل الشارب المدمن فِي المرة الرابعة بعد حدّه ثلاث مرّات، كما تدلّ عليه الأحاديث، وقتل الذي لا ينتهي عنها، ويُصرّ عَلَى شربها، معتذرًا بأنه لا يستطيع
تركها؛ لأن بلاده باردة، وأعماله شاقّة، كما يدلّ عليه حديثا ديلم، وأم حبيبة أمرٌ عامٌ، أو هما أمران عامان يقرّران قاعدتين تشريعيتين، لا يكفي فِي الدلالة عَلَى نسخهما، وعلى رفع الأمر بالقتل حادثة فرديّة، اقترنت بدلالات تدلّ عَلَى أنها كانت لسبب خاصّ، أو لمعنى معيّن إذا تحقّق ووُجد كَانَ للإمام أن يكتفي بالجلد دون القتل، وهذا المعنى الخاصّ هو تعليل عدم قتل النعيمان بأنه شهد بدرًا، ولأهل بدر خصوصيّة لا يستطيع أحد أن يُنكرها، ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي موقف أشدّ منْ موقف الشرب فِي الرابعة، وذلك فِي قصّة حاطب بن أبي بلتعة، حين كتب لقريش، ثم استأذن عمر فِي ضرب عنقه، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنه قد شهد بدرًا، وما يُدريك لعلّ الله قد اطّلع عَلَى أهل بدر، فَقَالَ: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، وهو حديث صحيح. رواه أحمد، ورواه الشيخان وغيرهما، أو يكون التعليل هو الذي ثبت فِي البخاريّ منْ النهي عن لعن عبد الله الملقّب حمارًا بأنه يحبّ الله ورسوله، وَقَدْ رجحنا منْ قبلُ أن عبد الله هَذَا هو النعيمان، فيكون ترك قتله هو لهذه العلّة، أو تلك، أو لأجلهما معًا، وكلاهما خاصّ معيّن، لا قاعدة تشريعيّة، فأهل بدر معروفون محصورون، ثم إنهم لن يتعلّق بهم حكم تشريعيّ دائم عَلَى الدهر مع التشريع، بل هو حكم وقتيّ خاصّ بأشخاصهم ما وجدوا، واليقين بأن شخصًا معيّنًا يحب الله ورسوله يقينًا قاطعًا يترتّب عليه حكم تشريعيّ، لا يكون إلا بخبر الصادق عن وحي منْ الله، ولا يستطيع أحد بعده صلى الله عليه وسلم أن يُخبر بمثل هَذَا خبرًا جازمًا يوجمب الأخذ به، وبناء أي حكم عليه، فهذا أعرق فِي معنى الخصوصيّة منْ ذاك، فلا تصلح هذه الحادثة الواحدة للدلالة عَلَى نسخ الْحَدِيث العامّ، ثم لو كانتا حادثتين لم تصلحا للنسخ أيضًا؛ لتعليل كل منهما بعلة غير مستطاع تطبيقها عَلَى معنى عموم دلالتها، كما بيّنّا.
وأما ما جاء فِي بعض روايات حديث جابر، مثل "فرأى المسلمون أن الحدّ قد وقع، وأن القتل قد رُفع"، ومثل "فثبت الجلد، ودُرىء القتل"، ومثل "فكان نسخًا"، فإن السياق فيها كلها يدلّ عَلَى أن هَذَا الكلام ليس مرفوعًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا منْ قول الصحابيّ، بل إن الكلمة نفسها عَلَى اختلاف رواياتها تُشعر بأنها منْ كلام رجل بعد الصحابة، والراجح أنها منْ كلام محمد بن المنكدر، فَهِم هو منْ ذلك أن هَذَا نسخٌ، وأن القتل قد رُفع، وكذلك جاء فِي روايته المرسلة -أعني ابن المنكدر- فقد قَالَ:"ووُضع القتل عن النَّاس".
قَالَ: فيكون ادّعاء النسخ قولًا منْ التابعيّ، لا حديثًا مرفوعًا، وليس هَذَا بحجة عَلَى أحد.
وأما حديث قبيصة بن ذُؤيب فقد حققنا أنه حديث مرسل، فهو ضعيف ليس فيه حجة إلى أن ابن شهاب الزهريّ شكّ فيه في بعض رواياته أكان هَذَا فِي الثالثة أم الرابعة.
وما جاء فِي بعض رواياته "فصارت رخصةٌ"، "فرُفع القتل عن النَّاس، وكانت رخصة، فثبتت"، "فرأى المسلمون أن القتل قد أخّر، وأن الضرب قد وجب"، و"وضع القتل عن النَّاس"، فإنها كلها منْ كلام الزهريّ، لا نشكّ فِي ذلك؛ لدلالة السياق عليه فِي مجموع الروايات، إذا ما تأملنها وفقهنا دلالتها.
واحتجّ القائلون بالنسخ بادّعاء الإجماع عليه، كما هو ظاهر كلام الترمذيّ وغيره، وهي دعوى لا غير، فليس فِي الأمر إجماع مع قول عبد الله بن عمرو:"ايتوني برجل قد شرب الخمر فِي الرابعة، فلكم عليّ أن أقتله، وهو منقطع لأن الحسن البصريّ لم يسمعه منْ عبد الله بن عمرو، وهذا لا يؤثّر فِي الاحتجاج به لنقض ما دّعي منْ الإجماع؛ لأنه إذا لم يكن قول عبد الله بن عمرو كَانَ عَلَى الأقلّ مذهب الحسن البصريّ؛ لأنه لو كَانَ يرى غير ذلك لبين أن هَذَا الحكم الذي نسبه لعبد الله بن عمرو حكم منسوح أداءً لأمانة العلم، وذلك الظنّ به. وَقَدْ ردّ ابنْ حزم فِي "الأحكام" 4/ 120 دعوى الإجماع هذه، قَالَ: وَقَدْ ادّعى قوم أن الإجماع صحّ عَلَى أن القتل منسوخ عَلَى شارب الخمر فِي المرة الرابعة، قَالَ: وهذه دعوى كاذبة؛ لأن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو يقولا بقتله، ويقولان جيئونا، فإن لم نقتله، فنحن كاذبان، قَالَ: وبهذا القول نقول. وتبعه ابن القيم فِي تعليقه عَلَى "مختصر السنن" للمنذريّ 6/ 237 قَالَ: وأما دعوى الإجماع عليّ خلافه فلا إجماع، ثم نقل كلمة عبد الله بن عمرو، ونسبها أيضًا لعبد الله بن عمر، ثم قَالَ: وهذا مذهب بعض السلف، ويكفي هَذَا فِي نقض الإجماع، أو نفي ادعائه.
وادّعى آخرون أن قتل الشارب فِي الرابعة منسوخ بحديث عثمان رضي الله عنه مرفوعًا: "لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث
…
" الْحَدِيث، وهو حديث صحيح، وردّ ابن القيّم ذلك بأنه لا يصحّ؛ لأنه عامّ، وحديث القتل خاصّ. وردّه ابن حزم أيضًا كما مضى فِي كلامه السابق.
وَقَالَ ابن القيّم رحمه الله تعالى فِي "تهذيب السنن" 238/ 6: -بعد أن نفى دعوى النسخ نفيًا باتا-: والذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزير بحسب المصلحة، فإذا أكثر النَّاس منْ الخمر، ولم ينزجروا بالحدّ، فرأى الإمام أن يقتل فيه، قَتَل، ولهذا كَانَ عمر رضي الله عنه ينفي فيه مرّة، ويحلق فيه الرأس مرّةً، وجلد فيه ثمانين،
وَقَدْ جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر رضي الله عنه أربعين، فقتله فِي الرابعة ليس حدًّا، وإنما تعزير بحسب المصلحة. انتهى.
قَالَ ابن شاكر رحمه الله تعالى -بعد نقل كلام ابن القيم هَذَا-: ولم أستطع أن أرى الدليل الذي الذي اقتضى هَذَا فِي نظر ابن القيّم، وما أرى إلا أن القتل فِي هذه الحال حكم ثابت محكم، يجب الأخذ به فِي كلّ حال. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن القيّم رحمه الله تعالى منْ أن القتل فِي المرة الرابعة للتعزير، حسب المصلحة، هو الأرجح، وهو الذي ارتضاه الشيح الألباني رحمه الله تعالى فيما كتبه فِي "السلسلة الصحيحة"، فراجع جـ 3/ ص 348 رقم (1360). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5665 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "إِذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: "فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"شبابة": هو ابن سوّار المدائنيّ الثقة الحافظ، رمي بالإرجاء [9]. و"ابن أبي ذئب": هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدنيّ الثقة الفقيه الفاضل [7]. و"الحارث بن عبد الرحمن": هو القرشيّ العامريّ، صدوقٌ [5]. وشرح الْحَدِيث يعلم مما قبله، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -42/ 5665 - وفي "الكبرى" 43/ 5172. وأخرجه (د) فِي "الحدود" 4484 (ق) فِي "الحدود" 2572 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 7704 و7851 و10169 و10351 (الدارميّ) فِي "الأشربة" 2013. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5666 -
(أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ وَائِلٍ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، رضى الله عنه، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أُبَالِي شَرِبْتُ الْخَمْرَ، أَوْ عَبَدْتُ هَذِهِ السَّارِيَةَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ عز وجل.
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمّد الكوفيّ، ثقة [10] 39/ 831.
2 -
(ابْنِ فُضَيْلٍ) هو محمد الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رمي بالتشيّع [9] 18/ 799.
3 -
(وائل بن داود) التيميّ، أبو بكر الكوفيّ، والد بكر بن وائل، ثقة [6].
رَوَى عن إبراهيم النخعي، وأبي بردة بن أبي موسى، وعباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، وعبد الله البهي، وعبد الرحمن بن حبيب، مولى بني تميم، وعكرمة مولى بن عبّاس، ومسلم بن يسار وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه بكر بن وائل، ومات قبله، وشعبة، وشيبان، والمسعودي، وعبد الواحد بن زياد، والسفيانان، والقطان، وشريك، ومحمد ابن عبيد، وابن فضيل، وآخرون. قَالَ عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن ابن عيينة لم يجالس وائل الزهريّ، وجالسه ابنه. قَالَ أحمد: وَقَدْ سمع وائل منْ إبراهيم النخعي، وهو ثقة. وَقَالَ يعقوب بن سفيان، عن عليّ بن المديني. قَالَ سفيان: وائل ابن داود لم يسمع منْ أبيه شيئاً، إنما نظر فِي كتابه حديث الوليمة. وَقَالَ ابن أبي حاتم: صالح الْحَدِيث، قلت: هو أحب إليك أم ابنه؟ قَالَ: هما متقاربان. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ البزار: صالح الْحَدِيث. وَقَالَ الخليلي: ثقة. أخرج له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
[تنبيه]: وقع فِي النسخ التي بين يديّ منْ "المجتبى"، و"الكبرى":"وائل بن بكر"، والصواب:"وائل بن داود"، ولعله فِي الأصل:"وائل والد بكر"، فتصحّف عَلَى الناسخ إلى وائل بن بكر، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.
4 -
(أبو بردة بن أبي موسى) الأشعريّ الكوفيّ، اسمه عامر، أو الحارث، ثقة [3] 3/ 3.
5 -
(أبوه) أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه 3/ 3. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وائل بن داود، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أبَالِي) أي لا أهتمّ، ولا أكترث (شَرِبْتُ الْخَمْرَ، أَوْ عَبَدْتُ هَذِهِ السَّارِيَةَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ عز وجل قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: يريد أنه لا فرق بين الشرك، وشرب الخمر عنده يريد أنه بلغ منْ التقوى مبلغًا صار شرب الخمر عنده بمنزلة الشرك، أو المراد أن الغالب أن الخمر يجرّ إلى الشرك فِي عاقبة الأمر، فصار فِي درجته فِي نظر المؤمن. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 314.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول بعيد منْ سياق الْحَدِيث، بل الذي يظهر منه أن أبا موسى رضي الله عنه يرى أن شرب الخمر وعبادة الأوثان شيئان متقاربان فِي الجريمة، وهذا إن كَانَ مع الاستحلال، فظاهر، وإلا فهو محمول عَلَى التغليظ، كما فِي حديث:"ولا يشرب الخمر حين يشربها، وهو مؤمن"، وذلك بنفي كمال الإيمان، وتشبيهه بعبادة الأوثان منْ حيث تقاربهما فِي نفي الاسم، حيث إن كلا منهما نُفي عنه الإيمان، وإن كَانَ جهة النفي مختلفة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث موقوف صحيح الإسناد، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -42/ 5665 - وفي "الكبرى" 43/ 5173. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
…
43 - (ذِكْرِ الرِّوَايَةِ الْمُبَيِّنَةِ عَنْ صَلَوَاتِ شَارِبِ الْخَمْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "المبينة": اسم فاعل منْ أبان إبانةً، أو بيّن تبيينًا: أي الموضّحة لحكم صلوات شارب الخمر. ووقع فِي "الكبرى" بدله: "المثبتة" بالثاء المثلّثة بدل الموحّدة، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم بالصواب.
5667 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عُثْمَانُ بْنُ حِصْنِ بْنِ عَلاَّقٍ، دِمَشْقِيٌّ،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
قَالَ: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ، أَنَّ ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ، رَكِبَ يَطْلُبُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَ شَأْنَ الْخَمْرِ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعدّي المروزيّ، ثقة حافظ، منْ صغار [9] 13/ 13.
2 -
(عُثْمَانُ بْنُ حِصْنِ بْنِ عَلاَّقٍ) -بالقاف- ويقال بن حصن بن عَبِيدة بن علاق، ويقال: عثمان بن عَبيدة بن حصن بن علاق، ويقال: عثمان بن عبد الرحمن بن حصن ابن عبيدة بن علاق، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الدمشقي، مولى قريش، ثقة [9].
رَوَى عن زيد بن واقد، وسعيد بن عبد العزيز، ويزيد بن أبي المهاجر، وعُروة بن رُويم اللَّخْمي، والأوزاعي، وعمرو بن قيس السَّكُوني، وثور بن يزيد الحمصي، وعمرو بن مهاجر الأنصاريّ، وغيرهم. وعنه مروان بن محمد الطاطَري، والوليد بن مسلم، والهيثم بن خارجة، وإبراهيم بن شماس، وأبو مسهر، وهشام بن عمار، والحكم بن موسى، وعلي بن حجر، وأبو نعيم عبيد بن هشام الحلبي. قَالَ أبو زرعة: قلت لأبي مسهر: ما تقول فِي ابن عَلاق؟ قَالَ: كَانَ ثقة منْ طلبة العلم، ونسبه لنا عثمان بن حصين بن عبيدة بن علاق. وَقَالَ أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وَقَالَ أبو داود: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ: مستقيم الْحَدِيث. رَوَى له المصنّف، وأبو داود فِي "المراسيل"، وله فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط: هَذَا، و48/ 5706 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه "علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يصوم فِي بعض الأيام
…
" الْحَدِيث.
وقوله: "دمشقيّ": خبر لمحذوف: أي هو دمشقيّ. والله تعالى أعلم.
3 -
(عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ) -بالراء، مصغّرًا- اللخميّ، أبو القاسم الأردنيّ، صدوقٌ، يرسل كثيرًا [5].
رَوَى عن أنس، وعبد الرحمن بن قرط، وعبد الله بن الديلي، وأبي إدريس الخولاني، وعامر ابن لُدَين الأشعري، وأبي كبشة الأنماري، ورجاء بن حيوة، وخالد ابن يزيد بن معاوية، وعطاء الخراساني، والقاسم بن مخيمرة، ومعاوية بن حكيم القشيري، والأنصاري، قيل: إنه جابر بن عبد الله، وروى أيضاً عن أبي ذر، ولم يدركه، وعن جابر بن عبد الله، وثوبان، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وأبي ثعلبة
الخشني، ويقال: إن حديثه عنهم مرسل، وروى عن أبي مالك الأشعري، والقاسم بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، منْ طرق ضعيفة. رَوَى عنه سعيد بن عبد العزيز، وعاصم بن رجاء بن حيوة، وعثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق، والاوزاعي، ومحمد بن مهاجر، وأبو فروة، يزيد بن سنان، وهشام بن سعد المدنيّ، وصدقة بن المنتصر الشعباني، ومحمد بن سعيد المصلوب، ويحيى بن حمزة الحضرميّ، ومحمد ابن شعيب بن شابور، وآخرون. قَالَ ابن معين، ودحيم، والنسائي: ثقة وَقَالَ ابن أبي حاتم عن أبيه: عامة أحاديثه مرسلة، سمعت إبراهيم بن المهدي المصيصي، يقول: ليت شعري، أني أعلم عروة بن رويم ممن سمع، فإن عامة أحاديثه مرسلة. وَقَالَ أبو حاتم أيضاً: يكتب حديثه. وَقَالَ الدارقطنيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن جوصاء: ذاكرت أبا إسحاق الْبُرُلُّسِيّ -يعني إبراهيم بن أبي داود- وكان منْ أوعية الْحَدِيث بحديثه، فَقَالَ: هَذَا أول ما عَلَى الشاميّ أن يحفظه ويجمعه. قَالَ البخاريّ عن الحسن بن واقع، عن صمرة: مات سنة خمس وعشرين، وكذا قَالَ مطين، وهو وَهَم. وَقَالَ حيوة بن شريح، وغير واحد، عن ضمرة: مات سنة خمس وثلاثين ومائة. وَقَالَ أبو عبيد: سنة (31)، وَقَالَ ابن سعد، وخليفة: سنة اثنتين، زاد ابن سعد: وكان كثير الْحَدِيث. وَقَالَ خليفة فِي موضع آخر: سنة (6). وَقَالَ أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز: مات بذي خُشْب، وحمل إلى المدينة، فدفن بها سنة (40). وَقَالَ حنبل، عن دحيم: مات سنة (144). قَالَ الحافظ: هَذَا المنقول عن ضمرة منْ طريق البخاريّ ثابت فِي "التاريخ الكبير"، وكأنه سبق قلم، فإن البخاريّ قَالَ فِي "التاريخ الأوسط": حدثني الحسن بن واقع، أنا ضمرة، سمعت بن عطاء الخراساني، يقول: مات أبي سنة (35)، قَالَ: وحدثني الحسن، عن ضمرة: مات عروة بن رُويم فيها. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات" ومُعَوَّله عَلَى البخاريّ: مات سنة خمس وثلاثين، قَالَ: وَقَدْ قيل: إنه مات سنة اثنتين. وَقَالَ ابن أبي حاتم فِي "المراسيل"، عن أبي زرعة: لم يسمع منْ ابن عمر. رَوَى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
4 -
(ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ) هو عبد الله بن فَيْروز، أخو الضحّاك، ثقة، منْ كبار التابعين، ومنهم منْ ذكره فِي الصحابة [2] 6/ 693.
5 -
(عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله تعالى عنهما 89/ 111. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرحِ الْحَدِيث
عن عروة بن رُوَيم رحمه الله تعالى (أَنَّ ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ) عبد الله بن فيروز (رَكِبَ يَطْلُبُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما، والجملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال منْ الفاعل (قَالَ ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) وفي الرواية الآتية بعد باب: "قَالَ: دخلت على عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو فِي حائط له بالطائف، يقال له: الوَهْط
…
" الْحَدِيث. وأخرج ابن خزيمة فِي "صحيحه" منْ طريق محمد بن المهاجر، عن عروة بن رُويم، عن ابن الديلميّ -الذي كَانَ يسكن بيت المقدس- أنه مكث فِي طلب عبد الله بن عمرو بن العاص بالمدينة، فسأل عنه؟ قالوا: سافر إلى مكة، فأتبعه، فوجده قد سافر إلى الطائف، فاتّبعه، فوجده فِي مزرعة، يمشي مخاصرًا رجلاً منْ قُريش، والقرشيّ يُزَنّ بالخمر، فلما لقيته سلمت عليه، وسلّم عليّ، قَالَ: ما غدا بك اليوم، ومن أين أقبلت؟ فأخبرته، ثم سأدته، هل سمعت يا عبد الله بن عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر شراب الخمر بشيء؟ قَالَ: نعم، فانتزع القرشيّ يده، ثم ذهب، فَقَالَ: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يشرب الخمر رجل منْ أمتي، فتقبلَ له صلاةٌ أربعين صباحًا". انتهى (فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو، رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ذَكَر شَأْنَ الْخَمْرِ بِشَيْءٍ؟) جملة "ذكر" فِي محلّ نصب على الحال منْ المفعول (فَقَالَ) عبد الله رضي الله عنه (نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "لَا) نافية، والفعل بعدها مرفوع (يَشْرَبُ الْخَمْرَ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقْبَلَ اللهُ مِنْهُ) بكسر الموحّدة، يقال: قبلت العقدّ أقبَله، منْ باب تعِب قَبولًا بالفتح، والضمُّ لغة حكاها ابن الأعرابيّ. قاله الفيّوميّ. وهو منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببّية؛ الواقعة بعد النفي، كما قَالَ فِي "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ
…
مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
وهذا منْ المسائل المشهورة عند النحاة بالاجوبة التسعة المجموعة فِي قول بعضهم:
مُرْ وَانْهَ وَادْعُ وَسَلْ وَاعْرِضْ لِحَضِّهِمِ
…
تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْ كَمَلَا
وقوله: (صَلَاةً) منصوب عَلَى المفعولية لـ"يقبل"(أَرْبَعِينَ) منصوب عَلَى الظرفيّة (يَوْمًا) منصوب عَلَى التمييز، ويحتمل أن يكون "صلاة" مضافًا إلى "أربعين"، والإضافة بمعنى "فِي".
قَالَ السيوطيّ فِي "حاشية الترمذيّ": ذُكِرَ فِي حكمة ذلك أنها تبقى فِي عروقه، وأعصابه أربعين يوماً. نقله ابن القّيم. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 314. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -43/ 5666 و44/ 5671 و45/ 5672 - وفي "الكبرى" 44/ 5174 و45/ 5179 و46/ 5180. وأخرجه (ق) فِي "الأشربة" 3377 (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 6606 و6734 (الدارميّ) فِي "الأشربة" 1999.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الوعيد الشديد لشارب الخمر، وهو أنه لا تقبل صلاته أربعين يومًا. (ومنها): أن فيه بيان ما كَانَ عليه السلف منْ شدّة حرصهم فِي طلب العلم، فيسافرون إلى البلدان النائية، ولو لحديث واحد، وَقَدْ عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" لهذا بابًا، فَقَالَ:"باب الخروج فِي طلب العلم"، ورحل جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس فِي حديث واحد. ثم أخرج حديث قصّة موسى وخضر عليهما الصلاة والسلام المشهورة التي قضها الله تعالى فِي "سورة الكهف".
وحديثُ رحلة جابر رضي الله عنه أخرجه البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، وأحمد، وأبو يعلى فِي "مسنديهما" منْ طريق عبد الله بن محمد بن عَقِيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه منْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيرا، ثم شددت رحلي، فسرت إليه شهرا، حَتَّى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فَقَالَ: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج، فاعتقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته منْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه، فَقَالَ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الله النَّاس يوم القيامة عراة
…
" فذكر الْحَدِيث، وله طريق أخرى، أخرجها الطبراني فِي "مسند الشاميين"، وتمام فِي "فوائده"، منْ طريق الحجاج بن دينار، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر رضي الله عنه قَالَ: كَانَ يبلغني عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث فِي القصاص، وكان صاحب الْحَدِيث بمصر، فاشتريت بعيرا، فسرت حَتَّى وردت مصر، فقصدت إلى باب الرجل، فذكر نحوه، وإسناده صالح، وله طريق ثالثة، أخرجها الخطيب فِي "الرحلة" منْ طريق أبي الجارود العنسي، وهو بالنون الساكنة- عن جابر رضي الله عنه، قَالَ: بلغني حديث فِي القصاص، فذكر الْحَدِيث نحوه، وفي إسناده ضعف.
وَقَدْ رحل أيضًا أبو أيوب الأنصاريّ رضي الله عنه فِي حديث واحد إلى عقبة بن عامر الجهني، أخرجه أحمد بسند منقطع، وأخرجه الطبراني منْ حديث مسلمة بن مُخَلَّد، قَالَ: أتاني جابر، فَقَالَ لي: حديث بلغني أنك ترويه فِي الستر، فذكره.
وأخرج أبو داود منْ طريق عبد الله بن بريدة، أن رجلاً منْ الصحابة رحل إلى فَضَالة ابن عبيد، وهو بمصر فِي حديث. ورَوَى الخطيب، عن عبيد الله بن عدي، قَالَ: بلغني حديث عند عليّ رضي الله عنه فخفت إن مات أن لا أجده عند غيره، فرحلت، حَتَّى قدمت عليه العراق.
وعن الشعبي فِي مسألة: إن كَانَ الرجل ليرحل فيما دونها إلى المدينة. يعني منْ الكوفة. ورَوَى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قَالَ: إن كنت لأرحل الأيام والليالي، فِي طلب الْحَدِيث الواحد
(1)
.
ونحو هَذَا منْ رحلة السلف رحمهم الله تعالى فِي طلب العلم كثير، وَقَدْ ألف فيه الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى "الرحلة فِي طلب الْحَدِيث"، وهو كتاب ممتع جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5668 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا خَلَفٌ -يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ- عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: الْقَاضِي إِذَا أَكَلَ الْهَدِيَّةَ، فَقَدْ أَكَلَ السُّحْتَ، وَإِذَا قَبِلَ الرِّشْوَةَ، بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ، وَقَالَ مَسْرُوقٌ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَقَدْ كَفَرَ، وَكُفْرُهُ أَنْ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"خلف بن خليفة": هو الأشجعيّ مولاهم، أبو أحمد الكوفيّ، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوقٌ اختلط فِي الآخر، وادّعى أنه رأى عمرو بن حُريث الصحابيّ رضي الله عنه، فأنكر ذلك عليه ابن عُيينة، وأحمد [8] 110/ 149. و"منصور بن زاذان": هو الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطيّ، ثقة ثبت عابد [6] 5/ 475. و"الحكم بن عُتيبة": هو الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه ربما دلّس [5] 86/ 104. و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرم ثقة [2] 2/ 2. و"مسروق": بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه عابد [2] 90/ 112. والسند فيه ثلاثة منْ التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الحكم، عن أبي وائل، عن مسروق. والله تعالى أعلم.
(1)
راجع "الفتح" 1/ 234 - 236.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدع بن مالك الهمدنيّ الوادعيّ، أبي عائشة الكوفيّ الثقة الفقيه العابد المخضرم، تقدّم فِي 90/ 112 (قَالَ) مسروق (الْقَاضِي إِذَا أَكَلَ الْهَدِيَّةَ، فَقَدْ أَكَلَ السُّحْتَ) بضمتين، ويخفف بتسكين الثاني: هو كلّ مال حرام، لا يحلّ كسبه، ولا أكله. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: قَالَ: القاضي الخ" ضمير "قَالَ" لمسروق، و"القاضي" حينئذ مبتدأ ما بعده خبره، يريد أن هدية القاضي حرام فضلاً عن رشوته، وأما الرشوة فعند أهل الورع مثل الكفر فِي الفرار عنه. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 314 - 315.
(وَإِذَا قَبِلَ الرِّشْوَةَ) بالكسر: هو ما يُعطيه الشخص الحاكم وغيره ليحكم له، أو يحمله عَلَى ما يريد، وجمعها رِشًا، مثلُ سدْرة وسِدَر، والضم لغة، وجمعها رُشًا بالضم أيضًا، وَرشوته رَشْوًا منْ باب قتل: إذا أعطيته رشوةً، فارتشى: أي أخذ. قاله فِي "المصباح"، وفي "القاموس": الرشوة مثلّثةً: الْجُعْلُ، جمعه رُشا، ورِشا. انتهى (بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ) هَذَا محمول عَلَى منْ استحلّها، أو المعنى: أن شؤمها يؤول به إلى الكفر نعوذ بالله منه- (وَقَالَ مَسْرُوقٌ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَقَدْ كَفَرَ) هَذَا أيضًا مؤوّلٌ، وَقَدْ أشار مسروق إلى تأويله بقوله (وَكُفْرُهُ أَنْ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ) يعني أن معنى كفر شارب الخمر أن صلاته غير مقبولة؛ كما أن أعمال الكافر غير مقبولة مطلقاً، فدلّ عَلَى أن كفره نسبيّ، أي بالنسبة إلى عدم قبول صلاته، لا أنه يرتدّ بذلك عن الإسلام، ويخرج منه، فإن ذلك لا يكون إلا بالاستحلال.
وَقَالَ السنديّ: قوله: "وكفره الخ": يريد أنه كفر مجازًا، بمعنى أن لا تقبل له صلاة، كالكافر لا تقبل صلاته. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث مقطوع ضعيف؛ لأن خلف بن خليفة اختلط فِي آخره، قَالَ الإمام أحمد: رأيت خلف بن خليفة، وهو مفلوج سنة (187) قد حُمل، وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا، فسماعه صحيح. انتهى "تهذيب التهذيب" 1/ 547. والظاهر أن قتيبة، وعلي بن حجر ممن أخذ عنه بعد اختلاطه، أو لم يتبّين، فالحديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
44 - (ذِكْرِ الآثَامِ الْمُتَوَلِّدَةِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَمِنْ وُقُوعٍ عَلَى الْمَحَارِمِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "عن شرب الخمر" متعلق بـ"المتولّدة"، وقوله:"منْ ترك الصلاة الخ" بيان لـ"للآثام"، وقوله:"ومن قتل النفس التي حرّم الله" زاد فِي "الكبرى": "إلا بالحقّ"، وقوله:"ومن قوع عَلَى المحارم" هكذا النسخ بتنكير "وقوع" وهو منْ عطف النكرة عَلَى المعرفة، وهو "منْ ترك الصلاة"، وهو جائز.
وقوله: "المحارم" بفتح الميم: جمع المَحْرَم، أو المحرمة بمعنى الحرام، قَالَ الفيّوميّ: والْمَحْرَمَة بفتح الميم، وضمّها: الْحُرْمة التي لا يحلّ انتهاكها، والْمَحْرَم وزانُ جعفر مثله، والجمع المحارم. انتهى. فيكون قوله:"ومن وقوع عَلَى المحارم" منْ عطف العامّ عَلَى الخاصّ. ويحتمل أن يكون "المحارم" جمع محرم بمعنى ذات رحم، وهي منْ لا يحلّ نكاحها، يقال: ذو رحم محرم: أي لا يحلّ نكاحه، قاله الجوهريّ، وَقَالَ الأزهريّ: المحرم: ذات الرحم فِي القرابة التي لا يحلّ تزوّجها. أفاده الفيّوميّ أيضًا، فعلى هَذَا يكون العطف للمغايرة. والله تعالى أعلم بالصواب.
5669 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ رضى الله عنه، يَقُولُ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلَا قَبْلَكُمْ تَعَبَّدَ، فَعَلِقَتْهُ امْرَأَةٌ غَوِيَّةٌ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِلشَّهَادَةِ، فَانْطَلَقَ مَعَ جَارِيَتِهَا، فَطَفِقَتْ كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ، عِنْدَهَا غُلَامٌ، وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِلشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَلَيَّ، أَوْ تَشْرَبَ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرَةِ كَأْسًا، أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، قَالَ: فَاسْقِينِي مِنْ هَذَا الْخَمْرِ كَأْسًا، فَسَقَتْهُ كَأْسًا، قَالَ: زِيدُونِي، فَلَمْ يَرِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ الإِيمَانُ، وَإِدْمَانُ الْخَمْرِ، إِلاَّ لَيُوشِكُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ").
رجال هَذَا الإسناد: سيبعة:
1 -
(سُويد) بن نصر المروزيّ، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [8] 32/ 47.
3 -
(معمر) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [7] 10/ 10.
4 -
(الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ [4] 1/ 1.
5 -
(أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث) المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته: أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقة فقيه عابد [3] 51/ 963.
6 -
(أبوه) عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغير المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، له رؤية، منْ كبار ثقات التابعين، مات سنة (42)[2] 51/ 1746.
7 -
(عثمان) بن عفّان بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، استُشهد رضي الله عنه فِي ذي الحجة بعد عيد الأضحى، سنة (35)، وكانت خلافته (12) سنة، وعمره (80) سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّم فِي 68/ 84. والله تعالى
أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ الزهريّ، ومعمر بصرىّ، ثم يمنيّ، والباقيان مروزيّان. (ومنها): أن فيه ثلاثةً منْ التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض: الزهريّ، عن أبي بكر، عن أبيه. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة عَلَى بعض الأقوال، وهو أبو بكر، وهو ممن اشتهر بكنيته، حَتَّى قيل: ليس له اسم سواها. (ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه ممن اشتهر بتلقيبه بذي النورين؛ لأنه تزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الأربعة الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ) المخزوميّ الفقيه (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ) بن عفْان رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ) أي ابتعدوا عنها (فَإِنَّها أُمُّ الْخَبَائِثِ) الفاء تعليليّة؛ أي إنما أمرتكم باجتنابها؛ لأنهم أصل الشرور، شبهها بالأم بجامع أن كلا منهما يتولد منه أشياء كثيرة، فإن الخمر يتولد منْ شربها ما اشتمل عليه هَذَا الْحَدِيث، بل أكثر منْ ذلك، كما أن الأم
يتولد منها أصناف المذكور والإناث منْ الأولاد (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره جملة بعده، وهي هنا قوله:(كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلَا) أي مضى (قَبْلَكُمْ) أي منْ الأمم السابقة (تَعَبَّدَ) أي تنسّك، والمراد أنه صار ذا عبادة كثيرة، وفي الرواية التالية: "كَانَ رجل ممن خلا قبلكم يتعبّد، ويعتزل النَّاس
…
" (فَعَلِقَتْهُ) بكسر اللام، منْ باب فرح: أي تعلّقت به، وأحبته (امْرَأةٌ غَوِيَّةٌ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الواو بعدها تحتانيّة مشدّدة: أي منهمكة فِي الضلال، منْ الزنا وغيره (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيتَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِلشَّهَادَةِ) أي نطلبك لتشهد لنا بشيء (فَانْطَلَقَ مَعَ جَارِيَتِهَا، فَطَفِقَتْ) بكسر الفاء، وفتحها، منْ باب فرح، وضرب: أي أخذت، وشرعت (كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ) أي لئلا يتمكّن منْ الفرار (حَتَّى أَفْضَى) أي وصل (إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ) بالفتح: أي حسناء جميلة (عِنْدَهَا غُلَامٌ، وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ) أي إناء خمر، قَالَ ابن منظور: الباطية: إناء، قيل: هو معرّبٌ، وهو الناجُودُ، قَالَ الشاعر:
قَرَّبُوا عُودًا وَبَاطِيَةً
…
فِبِذَا أَدْرَكْتُ حَاجَتِيَةْ
وَقَالَ ابن سيدهْ: الباطية الناجود، قَالَ: وأنشد أبو حنيفة:
إِنَّمَا لِقْحَتُنَا بَاطِيَةٌ
…
جَوْنَةٌ يَتْبَعُهَا بِرْزُنِيهَا
وفي "التهذيب": الباطيةُ منْ الزجاج عظيمة، تُملأُ منْ الشراب، وتُوضع بين الشَّرْب، يغرفون منها، ويشربون، إذا وُضع فيها القَدَحُ سَحَّت به، ورَقَصَت منْ عِظَمها، وكثرة ما فيها منْ الشراب، وإياها أراد حسّان بقوله:
بِزُجَاجَةٍ رَقَصَتْ بِمَا فِي قَعْرِهَا
…
رَقْصَ الْقَلُوصِ بِرَاكِبٍ مُسْتَعْجِلِ
انتهى "لسان العرب" 14/ 74.
(فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِلشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَلَيَّ) أي لتزني بي (أَوْ تَشْرَبَ مِنْ هَذِهِ الْخّمْرَةِ كَأسًا) بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها: الْقَدَح المملوء منْ الشراب، ولا تُسمّى كأسًا إلا وفيها الشراب، وهي مؤنّثة، والجمع أَكْؤُس، وكُئُوسٌ، مثلُ فلس وأفلُس، وفلوس، وكِئاس، مثلُ سِهام. أفاده فِي "المصباح"(أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، قَالَ: فَاسْقِينِي) بقطع الهمزة، ووصلها، منْ سقى ثلاثيًّا، وأسقى رباعيًّا، وكلاهما لغتان فصيحتان، كما تقدّم بيانه غير مرّة (مِنْ هَذَا الْخَمْرِ كَأْسًا، فَسَقَتْهُ كَأْسًا، قَالَ: زِيدُونِي، فَلَمْ يَرِمْ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، مضارع رام، كباع: أي لم يبرح، ولم يترك كذلك (حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا) أي زنى بها (وَقَتَلَ النَّفْسَ) أي فعل كلّ هَذَا منْ أجل غيبوبة عقله، وفقد وعيه، فلذلك قَالَ عثمان رضي الله عنه (فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهَا) الفاء الأولى فصيحيّة، والثانية تعليليّة: أي فإذا سمعتم هذه الواقعة، وعرفتم سوء عاقبة الخمر، فاجتنبواها؛ لأنها الخ، و"ها" ضمير القصّة، وهي
كضمير الشأن فِي المعنى، إلا أن الفرق بينهما أن المذكّر للشأن، والمؤنّث للقصّة (واللهِ لَا يَجْتَمِعُ الْإيَمانُ، وَإِدْمَانُ الْخَمْرِ) بالرفع عطفًا عَلَى ما قبله، ويحتمل النصب، عَلَى أن الواو للمعيّة، أي ملازمها، والدوام عليها (إِلَّا لَيُوشِكُ) بفتح اللام، وهي للابتداء، "ويوشك" مضارع أوشك: أي يقرب (أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا) أي الخمر (صَاحِبَهُ) أي الإيمان إن لم يتب، والعكس إن تاب، وحسنت توبته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عثمان رضي الله عنه هَذَا موقوف صحيح، والظاهر أن مثله له حكم الرفع؛ لأنه مما لا ينال بالرأي، وعثمان رضي الله عنه ليس معروفًا برواية الإسرائيليات، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -44/ 5668 و5669 - وفي "الكبرى" 45/ 5176 و5177. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الآثام المتولّدة عن شرب الخمر. (ومنها): أن الخمر أم الخبائث، أي أصل الشرور، فإنه لا يشربها، ويدمنها أحدٌ إلا وتخلّى عن جميع الأخلاق الشرعيّة، بل يخرج عن الإنسانيّة، ويلتحق بالبهائم. (ومنها): أن منْ شؤم إدمان شرب الخمر أن يزيل منْ صاحبه الإيمان منْ قلبه، وهذا أمر عظيم، وداهية طامّة، فلا حول، ولا قوّة إلا بالله، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5670 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: "اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلَا قَبْلَكُمْ يَتَعَبَّدُ، وَيَعْتَزِلُ النَّاسَ
…
" فَذَكَرَ مِثْلَهُ، قَالَ: "فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ، وَالإِيمَانُ أَبَدًا، إِلاَّ يُوشِكُ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يونس": هو ابن يزيد الأيليّ.
وقوله: "لا يجتمع والإيمان الخ" فعل "يجتمع" ضمير يعود إلى الخمر، وهي مؤنّثة،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
ومثل هَذَا قليل، لا يقع إلا فِي الشعر، وَقَدْ جوّزه ابن كيسان فِي النثر أيضًا، وهذا الْحَدِيث شاهد له، قَالَ الشاعر:
فَلَا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا
…
وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا
وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "الخلاصة" حيث قَالَ:
وَالْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلَا فَصْلٍ وَمَعْ
…
ضَمِيرِ ذِي الْمَجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ
وقوله: "والإيمان" هنا النصب أولى منْ الرفع؛ لأن الرفع يلزم منه العطف عَلَى الضمير المتصل المرفوع دون فاصل، وهو ضعيف، كما قَالَ فِي "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ
…
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنفَصِلْ
أَوْ فَاصِلِ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ
…
فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
فيكون نصبه عَلَى المعيّة هنا أولى، بخلافه فِي الرواية الأولى، فإن العطف هناك عَلَى الاسم الظاهر، قَالَ فِي "الخلاصة":
وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَقّ
…
وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ
وقوله: "إلا يوشك الخ" وقع فِي بعض النسخ: "إلا لا يوشك الخ" بزيادة "لا"، وهو غلط، فتنبّه. ولفظ "الكبرى":"إلا أوشك الخ".
والحديث موقوف صحيح، كما سبق فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5671 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ الْعَلَاءِ -وَهُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ- عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَلَمْ يَنْتَشِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ مَادَامَ فِي جَوْفِهِ، أَوْ عُرُوقِهِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا، وَإِنِ انْتَشَى لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَإِنْ مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا".
خَالَفَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ).
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ) أحمد بن عليّ بن سعيد المروزيّ، ثقة حافظ [12] 1/ 2094.
2 -
(سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقة عابد [10] 51/ 2276.
3 -
(يحيى بن عبد الملك) الخزاعيّ الكوفيّ، أصبهانيّ الأصل، صدوقٌ، له أفراد، منْ كبار [9] 20/ 1220.
4 -
(العلاء بن المسيَّب) الكاهليّ، ويقال: الليثيّ الكوفيّ، ثقة، ربّما وهم [6] 78/ 1009.
5 -
(فُضيل) بن عمرو الفُقَيميّ -بالفاء، والقاف، مصغّرًا- التميميّ، أبو النصر الكوفيّ، ثقة [6].
رَوَى عن أبيه، وإبراهيم النخعي، وثابت البناني، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير، وأبي جهمة زياد بن الحصين، وعائشة بنت طلبة، وإياس بن الطفيل، ومجاهد بن جبر، ويحيى بن الجزار، وغيرهم. ورَوَى عنه أخوه الحسن بن عمرو، والعلاء بن المسيب، والأعمش، ومنصور، والحجاج بن أرطأة، وأبو إسرائيل الملائي، وأبان بن تغلب، وعبيد ابن مهران المكتب، وغيرهم. قَالَ أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وَقَالَ العجليّ: كوفيّ ثقة، وأخوه حسن كوفيّ ثقة، وهو أصغر منْ فضيل. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به، وهو منْ كبار أصحاب إبراهيم. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة، وله أحاديث. وذكره ابر حبّان في "الثقات"، وَقَالَ: مات سنة عشر ومائة، يخطىء، وكذا قَالَ ابن منده فِي تاريخ وفاته. وفيها أرخه أبو موسى، محمد بن المثنى، وغيره. رَوَى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود فِي "القدر"، والترمذي، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط، هَذَا، و57/ 5749 - حديث إبراهيم: "كانوا يرون أن منْ شرب شرابًا، فسكر منه
…
" الْحَدِيث، وله عند الترمذيّ حديث واحد فِي الكبر، وعند ابن ماجه حديث فِي الطهارة.
6 -
(مجاهد) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [3] 27/ 31.
7 -
(ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما 12/ 12. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَلَمْ يَنْتَشِ) منْ الانتشاء، قيل: هو أول السكر، ومقدّماته، وقيل: هو السكر نفسه. والظاهر أن الثاني هو المراد هنا. قاله السنديّ (لَمْ تُقْبَلْ) بالبناء للمفعول (لَهُ صَلَاةٌ مَا دَامَ فِي جَوْفِهِ، أَوْ)
للشكّ منْ الراوي (عُرُوقِهِ) بالضم جمع عِرق بالكسر (مِنْهَا) أي منْ الحمر شَيْءٌ (وَإِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا) أي إن استحلّها، وإلا كَانَ كالكافر فِي عدم قبول صلاته، كما سبق بيانه (وَإِنِ انْتَشَى) أي سكِر منْ شربها (لَمْ تُقْبَلَ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِيَن لَيْلَةٌ) قد سبق أنه قيل: فِي حكمة ذلك أنها تبقى فِي العرق، والأعصاب أربعين يوما، فإن صحّ هَذَا فلا فرق بينه وبين ما قبله، وظاهر السياق يأبى ذلك، والله تعالى أعلم (وَإِنْ مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا) والعياذ بالله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث موقوف صحيح، لكن مثل هَذَا له حكم الرفع، كما سبق قريبًا، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -44/ 5670 - وفي "الكبرى" 45/ 5178. وفوائده تقدّمت فِي شرح حديث عثمان رضي الله عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ) يعني أن يزيد بن أبي زياد خالف فُضيلَ بنَ عمرو فِي رواية هَذَا الْحَدِيث، حيث جعله منْ مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرفوعًا، كما بين ذلك بقوله:
5672 -
(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ يَزِيدَ ح وَأَنْبَأَنَا
(1)
وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَعَلَهَا فِي بَطْنِهِ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ صَلَاةً سَبْعًا، إِنْ مَاتَ فِيهَا -وَقَالَ ابْنُ آدَمَ- فِيهِنَّ مَاتَ كَافِرًا، فَإِنْ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْفَرَائِضِ -وَقَالَ ابْنُ آدَمَ- الْقُرْآنِ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِنْ مَاتَ فِيهَا -وَقَالَ ابْنُ آدَمَ- فِيهِنَّ مَاتَ كَافِرًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "واصل بن عبد الأعلى": هو الأسديّ الكوفيّ، ثقة [10]. و"عَبْدِ الرَّحِيمِ": هو ابن سليمان المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة، منْ صغار [8]. و"ابن فُضيل": هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفيّ، صدوقٌ رمي بالتشيّع [9]. و"يزيد بن أبي زياد": هو الهاشميّ مولاهم الكوفيّ، ضعيف، كبر، فتغيّر، وصار يتلقّن، وكان شيعيًا [5] 2/ 4874.
وقوله: "وَقَالَ محمد بن آدم الخ" بيان لاختلاف شيخيه فِي صيغ الأداء، وكذا قوله:"وَقَالَ ابن آدم الخ". وقوله: "فإن أذهبت عقله الخ": أي إن ما ذُكر منْ عدم قبول
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
صلاته سبع ليال إذا تُذهب عقله، ولم تجعله غافلاً عن شيء منْ الصلوات، وغيرها منْ الفرائض، وأما إن أذهبت عقله، وجعلته غافلاً عن الفرائض، فلا تقبل له صلاة أربعين يوماً. أفاده السنديّ.
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما هَذَا ضعيف؛ لضعف يزيد بن أبي زياد، ومخالفته لفضيل بن عمرو، وهو ثقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
45 - (تَوْبَةُ شَارِبِ الْخَمْرِ)
5673 -
(أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ ح وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بَقِيَّةَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو -وَهُوَ الأَوْزَاعِيُّ- عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ بِالطَّائِفِ، يُقَالُ لَهُ: الْوَهْطُ، وَهُوَ مُخَاصِرٌ فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، يُزَنُّ ذَلِكَ الْفَتَى بِشُرْبِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ شَرْبَةً، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ تَوْبَةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ". اللَّفْظُ لِعَمْرٍو).
رجال هَذَا الإسناد: تسعة:
1 -
(الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ) أبو محمد الكوفيّ الطحان، ثقة [11] 8/ 410.
2 -
(مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرو) الأزديّ الْمَعْنيّ، أبو عمرو البغداديّ، يُعرف بابن الكرمانيّ، ثقة، منْ صغار [9] 58/ 863.
4 -
(أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصن الفزاريّ الإمام الكوفيّ نزل الشام، وسكن المصّيصة، ثقة حافظ، له تصانيف [8] 58/ 863.
5 -
(الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة فقيه إمام [7] 45/ 56.
6 -
(عمرو بن عثمان بن سعيد) القرشيّ مولاهم، أبو حمص الحمصيّ، صدوقٌ [10] 21/ 535.
7 -
(بقية) بن الوليد بن صائد الكلاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوقٌ، كثير التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 55.
8 -
(ربيعة بن يزيد) الدمشقيّ، أبو شُعيب الإياديّ القصير، ثقة عابد [4] 109/ 148. و"عبد الله بن الديلميّ" هو ابن فيروز المذكور قبل باب، والصحابي تقدّم فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني، فهو أعلى منْ الأول بدرجة. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، وغير ابن الديلميّ، فإنهما منْ رجال الأربعة سوى الترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل فِي معظمه بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الدَّيْلَميِّ) رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما (وَهُوَ فِي حَائِطٍ) أي بستان (لَهُ بِالطَّائِفِ) البلدة المعروفة (يُقَالُ لَهُ: الْوَهْطُ) بفتح الواو، وسكون الهاء. قَالَ ابن الأثير: الوهط واحد الوِهاط: وهي المواضع المطمئِنة، وبه سُمّي الوهط، وهو مال كَانَ لعمرو بن العاص بالطائف. وقيل: الوهط: قرية بالطائف، كَانَ الكرم المذكور بها. انتهى "النهاية" 5/ 232.
وَقَالَ فِي "القاموس"، و"شرحه": الوهط: الْهُزال، والجماعة، وما كثُر منْ الْعُرْفُط، وبُستان، ومال كَانَ لعمرو بن العاص، وقيل: كَانَ لعبد الله بن عمرو بن العاص، بالطائف، عَلَى ثلاثة أميال منْ وَجّ، وهو كَرْم موصوف، كَانَ يُعَرَّشُ عَلَى ألف ألف خَشَبة، شراء كلّ خشبة بدرهم. قيل: دخله بعض الخلفاء، فأعجبه، وَقَالَ: ياله منْ مال، لولا هذه الحرّة التي فِي وسطه، فقالوا: هَذَا الزبيب. انتهى "تاج العروس" 5/ 343.
(وَهُوَ مُخَاصِرٌ) منْ المخاصرة، بالخاء المعجمة: وهو أن يأخذ الرجل بيد آخر، يتماشيان، ويدُ كلّ واحد منها عند خصر صاحبه (فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، يُزَنُّ ذَلِكَ الْفَتَى) بضم
أوله، وتشديد النون، مبنيًا للمفعول: أي يُتّهم، يقال: زننتُه زَنًّا، منْ باب قتل: ظننت به خيرًا، أو شرًا، أو نسبته إلى ذلك، وأزننته بالألف مثله، قَالَ حسّان رضي الله عنه يمدح أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ
…
وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
أي ما تُتهم بسوء، وبعضهم يقتصر عَلَى الرباعيّ. انتهى "المصباح" بزيادة.
(بِشُرْبِ الْخَمْرِ) متعلّق بـ"يزنّ"(فَقَالَ) عبد الله رضي الله عنه (سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يقُولُ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ شَرْبَةً) بالفتح للمرة (لَمْ تُقْبَلْ) بالبناء للمفعول (لَهُ تَوْبَةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: الظاهر أن المراد أنه إن تاب فِي أربعين لا تقبل توبته، وإن تاب بعد ذلك تقبل فِي المرتين، وفي المرّة الثالثة لا تُقبل التوبة أصلاً. وهذا مشكلٌ، إلا أن يراد أنه لا يُوفّق للتوبة لي هذه المدة فِي المرتين، وبعد المرة الثالثة لا يوفّق غالبًا، والمراد بعدم قبول التربة أنه لا يوفق للتوبة غالبًا. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 317.
(فَإِنْ عَادَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ أَرْبَعِيَن صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ) أي بعد الأربعين (تَابَ اللهُ عَلَيْهِ) أي قبل توبته (فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ) بفتح أوله، وضمه، كما سبق غير مرّة (مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ) سيأتي فِي الْحَدِيث 49/ 5711 - قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قَالَ:"عَرَقُ أهل النار، أو عُصارة أهل النار"، و"الخبال" بالفتح فِي الأصل: الفساد، ويكون فِي الأفعال، والأبدان، والعقول. قاله فِي "النهاية" 2/ 8. قيل: هَذَا مقيّد بعدم المغفرة: أي إن لم يغفر الله تعالى له؛ يقول عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} الآية [النِّساء: 116]. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ") ظرف لـ"يسقيه". وقوله: (اللَّفْظُ لِعَمْرٍو) يعني أن لفظ هَذَا الْحَدِيث لشيخة عمرو بن عثمان، وأما شيخه القاسم، فرواه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم تخريجه، وذكر فوائده قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5674 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ").
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.
2 -
(الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [10] 9/ 9.
3 -
(ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، منْ كبار [10] 19/ 20.
4 -
(مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الحجة الثبت [7] 7/ 7.
5 -
(نافع) العدويّ مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [3] 12/ 12.
6 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما 12/ 12. والله تعالى أعلم،
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، وهو (275) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وابن القاسم، فمصريّون، وقتيبة، وإن كَانَ بغلانيًا، إلا أنه نزل مصر. (ومنها): أن هَذَا الإسناد أصحّ الأسانيد عَلَى الإطلاق، كما نقل عن الإمام البخاريّ، فقد رَوَى الخطيب فِي "الكفاية" عن يحيى بن بكير، أنه قَالَ لأبي زرعة الرازيّ: يا أبا زرعة، ليس ذا زَغْزَعَة عن زَوْبَعَة
(1)
، إنما ترفع الستر، فتنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. انظر "تدريب الراوي" 1/ 78. وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة، واحد العبادلة الأربعة، وَقَدْ تقدّم هَذَا كله غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "منْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا) أي منْ شربها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه (حُرِمَهَا فِي الْآخِرةِ") -بضم المهملة، وكسر الراء الخفيفة، منْ الحرمان- وفي رواية أيوب، عن نافع الآتية فِي الباب التالي: بلفظ: "فمات، وهو يُدمنها، لم يتب منها، لم يشربها فِي الآخرة".
قَالَ الخطّابيّ، والبغوي:"شرح السنة": معنى الْحَدِيث: لا يدخل الجنة؛ لأن
(1)
"الزعزعة" -كما فِي "القاموس"-: تحريك الريح الشجرةَ أو نحوها، أو كلّ تحريك شديد، و"الزوبعة" -بفتح، فسكون- فِي الأصل اسم شيطان، أو رئيس للجنّ، كما فِي "القاموس"، والمراد به هنا الإعصار: أي لا يحرك هَذَا الإسناد ريح شديدة الهبوب، وهو كناية عن صلابته وقوّته. والله تعالى أعلم.
الخمر شراب أهل الجنة، فإذا حُرم شربها دل عَلَى أنه لا يدخل الجنة. وَقَالَ ابن عبد البر: هَذَا وعيد شديد يدلّ عليّ حرمان دخول الجنة؛ لأن الله تعالى، أخبر أن فِي الجنة أنهار الخمر لذة للشاربين، وأنهم لا يُصَدَّعون عنها ولا ينزفون، فلو دخلها وَقَدْ علم أن فيها خمرا، أو أنه حرمها عقوبة له- لزم وقوع الهم والحزن فِي الجنة، ولا هَمّ فيها، ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها فِي الجنة، ولا أنه حُرمها عقوبة له، لم يكن عليه فِي فقدها ألم، فلهذا قَالَ بعض منْ تقدّم: إنه لا يدخل الجنة أصلاً، قَالَ: وهو مذهب غير مرضي، قَالَ: ويحمل الْحَدِيث عند أهل السنة عَلَى أنه لا يدخلها، ولا يشرب الخمر فيها، إلا إن عفا الله عنه، كما فِي بقية الكبائر، وهو فِي المشيئة، فعلى هَذَا فمعنى الْحَدِيث: جزاؤه فِي الآخرة أن يحرمها؛ لحرمانه دخول الجنة، إلا إن عفا الله عنه، قَالَ: وجائز أن يدخل الجنة بالعفو، ثم لا يشرب هيها خمرا، ولا تشتهيها نفسه، وإن علم بوجودها فيها، ويؤيده حديث أبي سعيد رضي الله عنه، مرفوعا:"منْ لبس الحرير فِي الدنيا، لم يلبسه فِي الآخرة، وإن دخل الجنة، لبسه أهل الجنة، ولم يلبسه هو"، أخرجه الطيالسي، وصححه ابن حبّان. وقريب منه حديث عبد الله بن عمرو، رفعه. "منْ مات منْ أمتي، وهو يشرب الخمر، حرم الله عليه شربها فِي الجنة"، أخرجه أحمد بسند حسن.
وَقَدْ لخص عياض، كلام ابن عبد البرّ، وزاد احتمالا آخر، وهو أن المراد بحرمانه شُربَهَا أنه يحبس عن الجنة مدة، إذا أراد الله عقوبته، ومثله الْحَدِيث الآخر:"لم يَرِح رائحة الجنة"، قَالَ: ومن قَالَ: لا يشربها فِي الجنة، بأن ينساها، أو لا يشتهيها يقول: ليس عليه فِي ذلك حسرة، ولا يكون ترك شهوته إياها عقوبة فِي حقه، بل هو نقص نعيم بالنسبة إلى منْ هو أتم نعيما منه، كما تختلف درجاتهم، ولا يُلحق منْ هو أنقص درجة حينئذ، بمن هو أعلى درجة منه، استغناءً بما أُعطي، واغتباطا له.
وَقَالَ ابن العربي: ظاهر الحديثين أنه لا يشرب الخمر فِي الجنة، ولا يلبس الحرير فيها، وذلك لأنه استعجل ما أُمر بتأخيره، ووُعد به فحُرمه عند ميقاته، كالوارث فإنه إذا قتل مورثه، فإنه يُحرَم ميراثه؛ لاستعجاله، وبهذا قَالَ نفر منْ الصحابة، ومن العلماء، وهو موضع احتمال، وموقف إشكال -والله أعلم- كيف يكون الحال.
وفصل بعض المتأخرين بين منْ يشربها مستحلاً، فهو الذي لا يشربها أصلا؛ لأنه لا يدخل الجنة أصلا، وعدم الدخول يستلزم حرمانها، وبين منْ يشربها عالما بتحريمها، فهو محل الخلاف، وهو الذي يُحرَم شربها مدة، ولو فِي حال تعذيبه، إن عُذّب، أو المعنى أن ذلك جزاؤه إن جوزي. ذكره فِي "الفتح" 11/ 151 - 152. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -45/ 5673 و46/ 5675 و5676 - وفي "الكبرى" 46/ 5181 و47/ 5182 و5183 و5184. وأخرجه (خ) فِي "الأشربة" 5575 (م) فِي "الأشربة" 3003 (د) فِي "الأشربة" 3679 (ت) فِي "الأشربة" 1861 (ق) فِي "الأشربة" 3373 (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 4676 و4715 و4808 و4897 (الموطأ) فِي "الأشربة" 1597 (الدارميّ) فِي "الأشربة" 1998. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان توبة شارب الخمر، فإنه إن تاب تاب الله عز وجل عليه. (ومنها): أن التوبة تكفر المعاصي الكبائر، وهو فِي التوبة منْ الكفر قطعي، وفي غيره منْ الذنوب خلاف بين أهل السنة، هل هو قطعي، أو ظني، قَالَ النوويّ: الأقوى أنه ظني. وَقَالَ القرطبيّ بعد أن ذكر الخلاف: والذي أقول به: إن منْ استقرأ الشريعة قرآنًا وسنّةً، وتتبّع ما فيهما منْ هَذَا المعنى علم عَلَى القطع واليقين أن الله تعالى يقبل توبة الصادقين. انتهى
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى هو الحقّ؛ للأدلة الكثيرة الصريحة فِي ذلك، كقوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} الآية [الشورى: 25] وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] وغير ذلك منْ الآيات، ولحديث:"التائب منْ الذنب، كمن لا ذنب له"، حديث حسن، أخرجه ابن ماجه منْ حديث ابن مسعود رضي الله عنه. والله تعالى أعلم.
(ومنها): ما قيل: يمكن أن يتسدل بحديث الباب عَلَى صحة التوبة منْ بعض الذنوب دون بعض. (ومنها): أن هَذَا الوعيد يتناول منْ شرب الخمر، وإن لم يحصل له السكر؛ لأنه رتب الوعيد فِي الْحَدِيث عَلَى مجرد الشرب، منْ غير قيد، وهو مجمع عليه فِي الخمر المتخذ منْ عصير العنب، وكذا فيما يُسكر منْ غيرها، وأما ما لا يُسكر منْ غيرها فالأمر فيه كذلك عند الجمهور، وهو الحقّ، كما سبق بيانه.
(ومنها): أنه يؤخذ منْ قوله: "ثم لم يتب منها" أن التوبة مشروعة فِي جميع العمر ما
لم يصل إلى الغرغرة؛ لما دلّ عليه "ثُمّ" منْ التراخي، وليست المبادرة إلى التوبة شرطا فِي قبولها. قاله فِي "الفتح" 11/ 152 - 153. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
46 - (الرِّوَايَةِ فِي الْمُدْمِنِينَ فِي الْخَمْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نسخ "المجتبى"، والظاهر أن "فِي" الثانية بمعنى "منْ" كقول الشاعر:
أَلَا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِى
…
وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرَ الْخَالِي
وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِه
…
ثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي ثَلَاةِ أَحْوالِ
أي منْ ثلاثة أحوال. راجع "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" 1/ 169.
ولفظ "الكبرى": "ذكرُ الرواية فِي المدمنين الخمرَ"، وعليه فـ"الخمر" منصوب عَلَى المفعوليّة. والله تعالى أعلم بالصواب.
5675 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ نُبَيْطٍ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ").
رجال هَذَا الإسناد: ثمانية:
1 -
(محمد بن بشّار) بُندار أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت [10] 24/ 27.
2 -
(محمد) بن جعفر غندر البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [9] 21/ 22.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [7] 27/ 24.
4 -
(منصور) بن المعتمر أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [6] 2/ 2.
5 -
(سالم بن أبي الجعد) رافع الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة يرسل [3] 61/ 77.
6 -
(نُبيط) غير منسوب، رَوَى عن جابان، وروى عنه سالم بن أبي الجعد، ذكره
ابن حبّان فِي "الثقات"، تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط أفاده فِي "تهذيب التهذيب" 4/ 213، وَقَالَ فِي "التقريب" ص 356: مقبول [6].
7 -
(جابان) غير منسوب، مقبول [4].
رَوَى عن عبد الله بن عمرو هَذَا الْحَدِيث فقط، وعنه سالم بن أبي الجعد، وقيل: عن سالم، عن نُبيط، عن جابان، أخرجه النسائيّ عَلَى الاختلاف فيه. وَقَالَ البخاريّ: لا يُعرف لجابان سماع منْ عبد الله، ولا لسالم منْ جابان، ولا لنُبيط.، ولم يصحّ -يعني الْحَدِيث- وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وأخرج حديثه فِي "صحيحه". قَالَ الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: جابان لا يُدرى منْ هو، وَقَالَ أبو حاتم: ليس بحجة. انتهى. والذي فِي كتاب ابن أبي حاتم، عن أبيه: شيخ. تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي لاستحلالهم الذنوب التي ارتكبوها، إن استحلّوها، فهو عَلَى ظاهره، أو المراد لا يدخلون الجنة دخولا أوليًا، بل بعد تقدّم العذاب لهم، إن لم يستحلّوها (مَنَّانٌ) فَعّال منْ المنّ، أي الذي يمتنّ ما أعطاه، فقد فُسر فِي الْحَدِيث بأنه الذي لا يُعطي شيئًا إلا منه، أي امتنّ به (وَلَا عَاقُّ) أي لوالديه، أي المقصّر فِي أداء حقوقهما (وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ) أي المديم لشربها. وَقَدْ تقدّم شرح هَذَا الْحَدِيث فِي "كتاب الزكاة" 69/ 2562، فقد أخرج المصنّف نحوه مطولاً هناك منْ حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا حسنٌ، وإن كَانَ فِي سنده جابان، والراوي عنه، وهما مجهولان، إلا أن حديث ابن عمر المشار إليه آنفًا يشهد له، وهو حديث حسن، كما تقدّم. وذكر له الشيخ الألباني رحمه الله تعالى فِي "الصحيحة" شواهد كلها ضعاف، وما قلته أولى.
وهو منْ أفراد المصنّف، فلم يُخرجه أصحاب الأصول، أخرجه هنا -46/ 5674 - وفي "الكبرى" 47/ 5182. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند المكثرين" 6501 و6843 و6853 (الدارمي) فِي "الأشربة" 2001 و2002. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5676 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا، لَمْ يَتُبْ مِنْهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5677 -
(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5678 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ:"مَنْ مَاتَ مُدْمِنًا لِلْخَمْرِ، نُضِحَ فِي وَجْهِهِ بِالْحَمِيمِ، حِينَ يُفَارِقُ الدُّنْيَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحسن بن يحيى" بن السكن البصريّ، سكن خُراسان، ثقة
(2)
[7].
رَوَى عن الضحاك بن مزاحم، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وكثير بن زياد الْبُرسانيّ. وعنه ابن المبارك. قَالَ ابن أبي مريم: سألت يحيى بن معين، عن الحسن بن يحيى؟ فَقَالَ: خراسانيّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
و"الضحاك" بن مزاحم الهلاليّ، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الخراسانيّ، صدوقٌ، كثير الإرسال [5].
رَوَى عن ابن عمر، وابن عبّاس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم، وأنس ابن مالك، وقيل: لم يثبت له سماع منْ أحد منْ الصحابة، وعن الأسود بن يزيد النخعي، وعبد الرحمن بن عوسجة، وعطاء، وأبي الأحوص الجشمي، والنزال بن سبرة. وعنه جويبر بن سعيد، والحسن بن يحيي البصريّ، وحكيم بن الديلم، وسلمة
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
قَالَ عنه فِي "التقريب": مقبول، والصحيح أنه ثقة، فقد وثّقه ابن معين، وابن حبّان، ولم يتكلم فيه أحد. انظر "تهذيب التهذيب" 1/ 416 - 417.
ابن نُبيط بن شَريط، وأبو عيسى سليمان بن كيسان، وعبد الرحمن بن عوسجة، وعبد العزيز بن أبي رواد، وأبو رَوق عطية بن الحارث الهمداني، وإسماعيل بن أبي خالد، وعلي بن الحكم البناني، وجماعة. قَالَ عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة مأمون. وَقَالَ ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وَقَالَ أبو قتيبة عن شعبة: قلت لِمُشاش: الضحاك سمع منْ ابن عبّاس، قَالَ. ما رآه قط. وَقَالَ سلم بن قتيبة: قَالَ أبو داود عن شعبة. حدثني عبد الملك بن ميسرة، قَالَ: الضحاك لم يلق ابن عبّاس، إنما لقي سعيد بن جبير بالري، فأخذ عنه التفسير. وَقَالَ أبو أسامة، عن المعلى، عن شعبة، عن عبد الملك: قلت للضحاك: سمعت منْ ابن عبّاس؟ قَالَ: لا، قلت: فهذا الذي تحدثه عمن أخذته؟ قَالَ: عن ذا، وعن ذا. وَقَالَ ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: كَانَ شعبة لا يحدث عن الضحاك بن مزاحم، وكان ينكر أن يكون لقي ابن عبّاس قط. وَقَالَ عليّ، عن يحيي بن سعيد، كَانَ الضحاك عندنا ضعيفا. وَقَالَ البخاريّ: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن حكيم بن الديلم، عن الضحاك يعني بن مزاحم- قَالَ: سمعت ابن عمر يقول: "ما طهر كف فيها خاتم منْ حديد"، وَقَالَ: لا أعلم أحدا قَالَ: سمعت ابن عمر إلا أبو نعيم. وَقَالَ أبو جناب الكلبي، عن الضحاك: جاورت ابن عبّاس سبع سنين، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: لقي جماعة منْ التابعين، ولم يشافه أحدا منْ الصحابة، ومن زعم أنه لقي ابن عبّاس، فقد وَهِمَ، وكان معلم كتاب، ورواية أبي إسحاق، عن الضحاك، قلت لابن عبّاس"، وَهَمٌ منْ شريك. وَقَالَ ابن عدي: عُرف بالتفسير، وأما روايته عن ابن عبّاس، وأبي هريرة، وجميع منْ رَوَى عنه، ففي ذلك كله نظر، وإنما اشتهر بالتفسير. وَقَالَ العجليّ: ثقة، وليس بتابعي. وَقَالَ الدارقطنيّ: ثقة.
قَالَ الحسين بن الوليد: مات سنة (106)، وَقَالَ أبو نعيم: مات سنة خمس ومائة. وقيل: مات سنة (2). رَوَى له الأربعة، له عند المصنّف هَذَا الأثر فقط.
وقوله: "نُضح بالحميم الخ" ببناء الفعل للمفعول: أي عَلَى وجهه بالماء الحارّ عند خروج روحه.
والحديث مقطوع، حسن الإسناد، تفرد به المصنّف، فأخرجه هنا -46/ 5677 - وفي "الكبرى" 47/ 5185. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
47 - (تَغْرِيبِ شَارِبِ الْخَمْرِ)
5679 -
(أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: غَرَّبَ عُمَرُ رضى الله عنه رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ فِي الْخَمْرِ، إِلَى خَيْبَرَ، فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ، فَتَنَصَّرَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ مُسْلِمًا).
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
1 -
(زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) السجزيّ المعروف بخيّاط السنة، نزيل دمشق، ثقة حافظ [12] 189/ 1161 منْ أفراد المصنّف.
2 -
(عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيّ -بفتح، فسكون- لا بأس به، منْ كبار [10] 770/ 2396.
3 -
(معتمر بن سليمان) بن طرخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، منْ كبار [9] 10/ 10.
4 -
(عبد الرزّاق) بن همّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنف شهير عمي، فتغير، وكان يتشيع [9] 61/ 77.
5 -
(معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [7] 10/ 10.
6 -
(الزهريّ) محمد بن مسلم الإِمام الحجة الثبت [4] 1/ 1.
7 -
(سعيد بن المسيب) بن حزن المخزوميّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [3] 9/ 9. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: غَرَّبَ) بتشديد الراء، منْ التغريب: أي أبعد (عُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله عنه رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ) بن خلف بن وهب ابن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، أخا صفوان، أسلم يوم الفتح، وكان شهد حجة الوداع، وجاء عنه فيها حديث مسند، فذكره لأجله فِي الصحابة منْ لم يُمعن النظر فِي أمره، منهم البغوي، وأصحابه: ابن شاهين، وابن السكن، والباوَرْدي، والطبراني، وتبعهم ابن منده، وأبو نعيم، ووقع عند ابن شاهين منْ طريق يحيي بن هانىء الشجري، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن ربيعة بن أمية،
قَالَ: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أقف تحت صدر راحلته، وهو واقف بالموقف بعرفة، وكان رجلاً صَيِّتًا، فَقَالَ: يا ربيعة قل: يا أيها النَّاس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكم: "تدرون أيُّ بلد هَذَا
…
" الْحَدِيث، ورواه غيره عن ابن إسحاق، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أمية، وهو الصواب، ورواية يحيى بن هانىء وَهَم، ولم يدرك عَبّاد أميةَ، وهو عَلَى الصواب فِي مغازي ابن إسحاق، وَقَدْ أخرجه ابن خزيمة، والحاكم منْ وجه آخر عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قَالَ: أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم ربيعة، فذكره، فلو لم يرد فِي أمره إلا هَذَا لكان عده فِي الصحابة صوابا، لكن ورد أنه ارتد فِي زمن عمر رضي الله عنه، فروى يعقوب بن شيبة فِي "مسنده" منْ طريق حماد، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن أبا بكر الصديق، كَانَ أعبر النَّاس للرؤيا، فأتاه ربيعة بن أمية، فَقَالَ: إني رأيت فِي المنام، كأني فِي أرض مُعشبة مخصبة، وخرجت منها إلى أرض مجدبة كالحة، ورأيتك فِي جامعة منْ حديد عند سرير إلى الحشر، فَقَالَ: إن صدقت رؤياك، فستخرج منْ الإيمان إلى الكفر، وأما أنا فإن ذلك ديني جمع لي فِي أشد الأشياء إلى يوم الحشر، قَالَ: فشرب ربيعة الخمر فِي زمن عمر رضي الله عنه، فهرب منه إلى الشام، ثم هرب إلى قيصر، فتنصر ومات عنده. وذكر ابن عبد البر هذه القصة فِي "الاستيعاب" مختصرة، وأن عمر هو الذي عبرها له. وَقَالَ عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، عن المسور بن مخرمة، عن عبد الرحمن بن عوف، أنه حرس ليلة مع عمر بالمدينة، فشب لهم سراج فِي بيت، فانطلقوا يؤمونه، فإذا باب مجاف عَلَى قوم، لهم فيه أصوات مرتفعة، ولَغَطٌ، فَقَالَ عمر لعبد الرحمن: أتدري بيت منْ هَذَا؟ قَالَ: لا، قَالَ: هَذَا بيت ربيعة بن أمية، وهم الآن شَرْب، فما ترى؟ قَالَ: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه. {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12] قَالَ: فانصرف عمر. وبهذا الإسناد إلى الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، أن عمر غَرَّب ربيعة بن أمية بن خلف فِي الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فَقَالَ عمر: لا أغرب بعده أحدا أبدا، أخرجه النسائيّ منْ طريق معتمر بن سليمان، عن عبد الرزاق. وله قصة أخرى مع عمر قبل هَذَا، ذكرها مالك فِي "الموطإ" عن ابن شهاب، عن عروة، أن خولة بنت حكيم دخلت عَلَى عمر، فقالت له: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مُوحّدة، فحملت منه، فخرج عمر يجر رداءه فزعًا، فَقَالَ: هذه المتعة لو كنت تقدمت فيها لرجمته. ذكره فِي "الإصابة" 3/ 300 - 301.
(فِي الْخَمْرِ) أي بسبب شربه الخمر (إِلَى خَيْبَرَ) البلد المعروف (فَلَحِقَ) بكسر الحاء المهملة (بِهرَقْلَ) بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف، أو بكسر الهاء، وسكون
الراء، وكسر القاف، كزِبْرِج: اسم لملك الروم، وهو أول منْ ضرب الدنانير، وأول منْ أحدث البِيعة (فَتَنَصَّرَ) أي اعتنق الدين النصرانيّ (فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: لَا أُغَرِّبُ) بتشديد الراء (بَعْدَهُ مُسْلِمًا) أي لئلا يكون ذريعة إلى الارتداد.
قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: وهذا التغريب منْ باب التعزير، وهو غير داخل فِي الحدّ، بخلاف التغريب فِي حدّ الزنا، وقولُ عمر رضي الله عنه:"لا أغرّب بعده مسلمًا" محمول عَلَى مثل هَذَا، وأما ما كَانَ جزءًا للحدّ فلابدّ منه. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 319. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاثر منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -47/ 5678 - وفي "الكبرى" 48/ 5186. ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا؛ لأن الجمهور عَلَى أن ابن المسيّب لم يسمع منْ عمر رضي الله عنه، لكن بعض أهل العلم يرى صحة مراسيل سعيد، وفي "تهذيب التهذيب" 2/ 44 - : وَقَالَ أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب؟ فَقَالَ: ومن مثل سعيد، ثقة منْ أهل الخير، فقلت له: سعيد عن عمر حجة؟ قَالَ: هو عندنا حجة، قد رأى عمر، وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر، فمن يُقبل؟. وَقَالَ أيضًا: وَقَالَ الربيع، عن الشافعيّ: إرسال ابن المسيب عندنا حسن. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
48 - (ذِكْرِ الأَخْبَارِ الَّتِى اعْتَلَّ بِهَا مَنْ أَبَاحَ شَرَابَ الْمُسْكِرِ)
وفي بعض النسخ: "شراب السَّكَر" بفتحتين: عصير العنب إذا اشتدّ، فهو بمعنى المسكر.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه استدلالهم بالحديث أن قوله: "ولا تسكروا" نهي عن السُّكْر، لا الشرب، فيدلّ عَلَى أن المراد به لا تبلغوا حدّ السكر، فيحلّ ما كَانَ قبله، ولذلك ردّه المصنّف رحمه الله تعالى بأن الصواب أن النهي عن شرب المسكر،
لا عن السُّكْر، عَلَى أنه يمكن أن يكون معنى:"ولا تَسْكَرُوا": أي لا تشربوا المسكر؛ توفيقًا بين الأدلة، عَلَى أن المفهوم لا يعارض الأدلة الصريحة عند القائل به، وعند غيره لا عبرة به أصلا فِي التحريم، فلا وجه للاستدلال به فِي مقابلة النصوص الصريحة فِي تحريم المسكر، كقوله صلى الله عليه وسلم:"ما أسكر كثيره، فقليله حرام"، وقوله:"كل مسكر خمر"، وغير ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
5680 -
(أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ، وَلَا تَسْكَرُوا".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، غَلِطَ فِيهِ أَبُو الأَحْوَصِ، سَلاَّمُ بْنُ سُلَيْمٍ، لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ، مِنْ أَصْحَابِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَسِمَاكٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَكَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَانَ أَبُو الأَحْوَصِ يُخْطِىءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، خَالَفَهُ شَرِيكٌ فِي إِسْنَادِهِ، وَفِي لَفْظِهِ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(هنّاد بن السريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [10] 23/ 25.
2 -
(أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن [7] 79/ 96.
3 -
(سماك) بن حرب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغّير بآخره، فكان ربما تلقّن [4] 2/ 465.
4 -
(القاسم بن عبد الرحمن) المسعوديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة عابد [4] 48/ 3194.
5 -
(أبوه) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذليّ كوفيّ، ثقة، منْ صغار [2] 48/ 3449.
6 -
(أبو بُردة بن نيار) -بكسر النون، بعدها تحتانيّة خفيفة- الْبَلَويّ، حليف الأنصار، واسمه هانىء، وقيل: الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هُبيرة، صحابي، مات رضي الله عنه سنة (41) وقيل: بعدها، تقدمت ترجمته فِي 58/ 3331. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ) أي اشربوا الشراب الذي انتبذتموه فِي الأوعية كلها (وَلَا تَسْكرُوا) بفتح الكاف، منْ سكر كعلم، وَقَدْ استدلّ الذين أباحوا شرب المسكر به، قالوا: يُفهم منه أن
المراد لا تبلغوا بالشرب حدّ السكر، فيحلّ ما كَانَ قبله، وهذا فهم خاطىء، منابذٌ للنصوص الكثيرة، ولذلك ردّ عليهم المصنّف، بكلامه الآتي بعده، فقد أعلّ الْحَدِيث بما ستراه، وأيضاً عَلَى تسليم صحة الْحَدِيث، يحمل عَلَى أن معناه: ولا تشربوا المسكر، توفيقًا بينه وبين الأدلة الأخرى التي هي أصحٌ منه، وأيضًا أن هَذَا مفهوم، والمفهوم شرط العمل به عند منْ يراه أن لا يعارض منطوقًا، وهنا قد عارض أصحّ منه، وهو حديث:"كلّ مسكر حرام"، وحديث:"ما أسكر كثيره، فقليله حرام"، وغير ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث ضعيف؛ كما قَالَ المصنّف رحمه الله تعالى، وهو منْ أفراده، أخرجه هنا -48/ 5679 - وفي "الكبرى" 49/ 5187. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) رحمه الله تعالى (وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، غَلِطَ) بكسر اللام، منْ باب تعب (فِيهِ أَبُو الأَحْوَصِ، سَلاَّمُ بْنُ سُلَيْمٍ، لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ، مِنْ أَصْحَابِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَسِمَاكٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَكَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَانَ أَبُو الأَحْوَصِ يُخْطِىءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، خَالَفَهُ شَرِيكٌ فِي إِسْنَادِهِ، وَفِي لَفْظِهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أَعَلّ به المصنّف رحمه الله تعالى هَذَا الْحَدِيث أربعة أشياء: الأول: تفرد أبي الأحوص به. الثاني: ضعف سماك بن حرب. الثالث: قبوله التلقين. الرابع: مخالفة شريك لأبي الأحوص فِي إسناده، ولفظه، كما بيّن ذلك بقوله:
5681 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ. خَالَفَهُ أَبُو عَوَانَةَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن إسماعيل": هو المعروف أبوه بابن عليّة، بصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [11] 22/ 489 منْ أفراد المصنّف. و"يزيد": هو ابن هارون الواسطيّ. و"شريك": هو ابن عبد الله النخعيّ. و"ابن بُريدة": هو سليمان، كما بينه فِي "تحفة الأشراف" 2/ 72.
والحديث ضعيف، لضعف شريك، ومخالفة أبي عوانة له، كما يأتي بعده، وهو منْ أفراد المصنّف، أخرجه هنا -48/ 5680 - وفي "الكبرى" 49/ 5188. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد تكلّم الإمام الدارقطنيّ رحمه الله تعالى فِي "سننه" ج: 4 ص: 259 فِي هَذَا الْحَدِيث كما تكلم فيه المصنّف رحمه الله تعالى، مع اختلاف قليلٍ بينهما، وذلك نصّه:
66 -
حدثنا أبو القاسم بن زكريا المحاربي، نا عبد الأعلي بن واصل، نا أبو غسان، نا أبو الأحوص، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة، قَالَ: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "اشربوا فِي المزفت، ولا تَسْكَروا".
وَهِمَ فيه أبو الأحوص فِي إسناده ومتنه، وَقَالَ غيره: عن سماك، عن القاسم، عن ابن بُريدة عن أبيه:"ولا تَشرَبوا مسكرًا".
67 -
حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، نا يحيى بن عبد الباقي، نا لُوَين، نا محمد بن جابر، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"نهيتكم عن الظروف، فاشربوا فيما شئتم، ولا تَسكَرُوا".
رواه غيره عن محمد بن جابر، فَقَالَ:"ولا تشربوا مسكرا"، وَقَالَ ذلك يحيى بن يحيي النيسابوري، وهو إمام، عن محمد بن جابر.
68 -
حدثنا عليّ بن أحمد بن الهيثم، نا أحمد بن إبراهيم القوهستاني، نا يحيى بن يحيى، نا محمد بن جابر، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"كنا نهيناكم عن الشرب فِي الأوعية، فاشربوا فِي أي سقاء شئتم، ولا تشربوا مسكرا"، وهذا هو الصواب، والله أعلم. انتهى كلام الدارقطنيّ رحمه الله تعالى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ رحمه الله تعالى أن أرجح روايات سماك رواية يحيى بن يحيى، عن محمد بن جابر، عن سماك، عن القاسم، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"كنّا نهيناكم عن الشرب فِي الأوعية، فاشربوا فِي أيّ سِقَاء شئتم، ولا تشربوا مسكرًا".
وإنما رجّح هذه الرواية لأمرين: أحدهما: ما صرّح به، هو أن يحيي أحفظ وأتقن منْ غيره. والثاني: أن لفظ الْحَدِيث يوافق معنى ما صحّ فِي الروايات الصحيحة منْ قوله صلى الله عليه وسلم: "كلّ مسكر حرام"، وقوله:"ما أسكر كثيره، فقليله حرام"، وغير ذلك، بخلاف رواية:"لا تسكروا"، فإنها نصّ فِي تحريم السُّكْر، وليست نصًا فِي تحريم شرب المسكر، وهذا خلاف النصوص الكثيرة الصحيحة، عَلَى أنه يمكن أن يُحمل عَلَى معنى لا تشربوا مسكرًا؛ توفيقًا بين الروايات.
والحاصل أن رواية "لا تسكروا" غير صحيحة؛ لما سبق آنفًا، وعلى تقدير صحتها
تحمل عَلَى معنى لا تشربوا مسكرًا؛ لما مرّ آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ أَبُو عَوَانَةَ) يعني أن أبا عوانة خالف شريكًا فِي رواية هَذَا الْحَدِيث سندًا، ومتنًا، كما بينه بقوله:
5682 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَجَّاجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ قُرْصَافَةَ، امْرَأَةٌ مِنْهُمْ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ:"اشْرَبُوا وَلَا تَسْكَرُوا".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا أَيْضًا غَيْرُ ثَابِتٍ، وَقُرْصَافَةُ هَذِهِ لَا نَدْرِي مَنْ؟، وَالْمَشْهُورُ عَنْ عَائِشَةَ خِلَافُ مَا رَوَتْ عَنْهَا قُرْصَافَةُ).
"أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ": هو أحمد بن عليّ المروزيّ القاضي، ثقة حافظ [11]، منْ أفراد المصنّف.
و"إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَجَّاجٍ" النيليّ -بكسر النون- أبو إسحاق البصريّ، ثقة [10].
رَوَى عن حماد بن زيد، وأبي عوانة. وعنه أبو بكر المروزيّ، وأبو يعلى، وخليفة ابن خيّاط. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". ووثقه الدارقطنيّ. وَقَالَ ابن قانع: مات سنة (232). تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
[تنبيه]: قوله: "النيليّ" -بكسر النون-: نسبة إلى بيع النيل، وإلى النيل بلد عَلَى الفرات، قاله فِي "لبّ اللباب" 2/ 310. وفي "القاموس": النِّيل بالكسر: نهر مصر، وقرية بالكوفة، وأحرى بِيَزْدَ، وبلد بغداد ونبات الْعِظْلَم، ونباتٌ آخر ذو ساق صُلْبٍ، وشُعَبٍ دِقَايٍ، وورَقٍ صغار مُرَصَّفَة منْ جانبين. انتهى.
و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد الله الواسطيّ.
و"قرصافة" الذُّهْليّة، لا يُعرف حالها [3].
والحديث ضعيف، تفرد به المصنّف هنا -48/ 5681 - وفي "الكبرى" 49/ 5189. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه الله تعالى (وَهَذَا أَيْضًا غَيْرُ ثَابِتٍ) أي هَذَا الْحَدِيث أيضًا غير ثابت كسابقه، ثم بيّن علة عدم ثبوته بقوله:(وَقُرْصَافَةُ هَذِهِ لَا نَدْرِي مَنْ هِيَ) أي إنها مجهولة (وَالْمَشْهُورُ عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (خِلَافُ مَا رَوَتْ عَنْهَا قِرْصَافَةُ)
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
حاصل ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى منْ تضعيف هذه الرواية أمران: أحدهما: جهالة قرصافة. والثاني: مخالفتها لما هو المشهور عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو أنها قالت: لا أحلّ مسكرًا، وهذا يخالف رواية قرصافة:"ولا تسكروا"؛ لأن اللفظ الأول يدلّ عَلَى عدم حلّ شرب المسكر، قليلاً كَانَ، أو كثيرًا، أسكر، أو لا، بخلاف الثاني، فإنه إنما يدلّ عَلَى النهي عن السُّكْر، وذلك يصدق فيما إذا شرب ما يصل به إلى حد السكر، وهذا هو بعينه إباحة شرب المسكر، وهو مضادّ للنصوص الصحيحة الكثيرة فِي تحريم شرب المسكر مطلقاً، كما سبق بيانه. ثم بيّن المشهور عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فَقَالَ:
5683 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ قُدَامَةَ الْعَامِرِيِّ، أَنَّ جَسْرَةَ بِنْتَ دَجَاجَةَ الْعَامِرِيَّةَ حَدَّثَتْهُ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ سَأَلَهَا أُنَاسٌ، كُلُّهُمْ يَسْأَلُ عَنِ النَّبِيذِ، يَقُولُ: نَنْبِذُ التَّمْرَ غُدْوَةً، وَنَشْرَبُهُ عَشِيًّا، وَنَنْبِذُهُ عَشِيًّا، وَنَشْرَبُهُ غُدْوَةً، قَالَتْ: لَا أُحِلُّ مُسْكِرًا، وَإِنْ كَانَ خُبْزًا، وَإِنْ كَانَتْ مَاءً، قَالَتْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "قُدامة العامريّ": هو ابن عبد الله بن عبدة البكريّ، أبو رَوح الكوفيّ، قيل: هو فُليت العامريّ، مقبول [6] 79/ 1010. و"جسرة بنت دجاجة": هو العامرية الكوفيّة مقبولة [3]، ويقال: إن لها إدراكًا 79/ 1010.
وقولها: "غُدوة" -بضم، فسكون-: ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، جمعه غُدًى، بضم ففتح، كمُدية ومُدًى. و"العشيّ": قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، وقيل: آخر النهار.
وقولها: "وإن كانت ماء": هكذا نسخ "المجتبى" بتاء التأنيث، مع كون المسكر مذكرًا، والذي فِي "الكبرى":"وإن كَانَ ماء"، وهو الظاهر.
وغرض عائشة رضي الله تعالى عنها بهذا الكلام ادتشديد فِي شأن المسكر. والحديث صحيح، وجسرة رَوَى عنها جماعة، ووثقها العجليّ، وابن حبّان، وحديثها هَذَا يشهد له ما بعده، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - 48/ 5682 - وفي "الكبرى" 49/ 5190. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5684 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَتْنَا كَرِيمَةُ بِنْتُ هَمَّامٍ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، تَقُولُ: نُهِيتُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، نُهِيتُمْ عَنِ الْحَنْتَمِ، نُهِيتُمْ عَنِ الْمُزَفَّتِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَتْ: إِيَّاكُنَّ وَالْجَرَّ الأَخْضَرَ، وَإِنْ أَسْكَرَكُنَّ مَاءُ حُبِّكُنَّ فَلَا تَشْرَبْنَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عليّ بن المبارك": هو الْهُنائيّ البصريّ، ثقة، منْ كبار [7]. و"كريمة بنت همام" مقبولة [3] 19/ 5092.
وقولها: "نُهيتم" بالبناء للمفعول. وقولها: "ماء حُبّكن": "الحبّ" بضم الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة-: هو الخابية، فارسيّ، معرّب، جمعه حِباب، وحِبَبَةٌ، وزان عِنَبة. أفاده فِي "المصباح". وفي "القاموس": الحُبّ: الْجرّة، أو الضخمة منها، أو الخشبات الأربع، توضع عليها الجرّة، ذات الْعُروتين، والكرامةُ غطاء الجرّة، ومنه "حُبًّا وكرامةً"، جمعه أَحباب، وحِبَبة، وحِبَاب. انتهى.
وقولها: "وإياكن والجرّ الأخضر": إنما خصت الأخضر؛ لإسراع الإسكار فيه، كما تقدّم البحث عنه 29/ 5623.
وقولها: "وإن أسكركنّ الخ: غرض عائشة رضي الله تعالى عنها بهذا الكلام التشديد فِي شأن المسكر، كما سبق فِي كلامها الماضي.
والحديث صحيحٌ، وكريمة رَوَى عنها يحيي بن أبي كثير، وعلي بن المبارك، ومحمد بن مِهْزم العبديّ، وحديثها يشهد له حديث جسرة المتقدّم، وَقَدْ تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -48/ 5683 - وفي "الكبرى" 49/ 5191. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5685 -
(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ صَمْعَةَ، قَالَ: حَدَّثَتْنِى وَالِدَتِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الأَشْرِبَةِ، فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ. وَاعْتَلُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ": الجحدري البصريّ، ثقة [10] منْ أفراد المصنّف. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ الثقة الثبت [8]. و"أبان بن صمعة": هو الانصاريّ البصريّ، صدوقٌ تغيّر آخرًا [7].
والحديث موقوف صحيح، ولا يضره جهالة أم أبان؛ لأن له شواهد منْ أحاديث عائشة رضي الله تعالى عنها سبق سردها فِي الباب 23 - "تحريم كل شراب أسكر". وهذا الأثر تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -48/ 5684 - وفي "الكبرى" 49/ 5192. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وقوله: (وَاعْتَلُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) الضمير للذين أباحوا شرب المسكر، يعني أن منْ جملة العلل التي ذكروها فِي دعواهم جواز شرب المسكر ما لم يسكر هو حديث عبد الله بن شداد، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما
الآتي، ووجه تعللَّهم به أنه ذكر أولًا تحريم الخمر قليلها وكثيرها، ثم قَالَ:"والسكر منْ كلّ شراب"، أي وحُرّم السكر منْ بقية الأشربة، غير الخمر، فدل ذلك عَلَى أن المحرم منْ الأشربة غير الخمر هو السكر، لا الشراب، فيجوز أن يشرب الإنسان ما لم يصل إلى حدّ الشرب، وهذا باطلٌ؛ لأن الصحيح عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قوله:"وما أسكر منْ كلّ شراب"، وهذا واضح فِي أن المراد به الشراب المسكر، قليله، وكثيره، فهو بمعنى الرواية الأخرى، "كل مسكر حرام"، فاتّضح بهذا أن ما اتّصف بكونه مسكرًا منْ أي شراب كَانَ، حرم تناول قليله، وكثيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق حديث عبد الله بن شداد، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، بقوله:
5686 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ، يَذْكُرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ". ابْنُ شُبْرُمَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ": هو أحمد بن عليّ بن سعيد القاضي المروزيّ الثقة الحافظ. و"القواريريّ": هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [10]. و"عبد الوارث": هو ابن سعيد بن ذكران البصريّ، ثقة ثبت [8]. و"ابن شُبرُمة": هو عبد الله بن شُبرمة، أبو شبرمة القاضي الكوفيّ، ثقة فقيه [5].
وقوله: "حُرّمت الخمر قليلها وكثيرها": "ببنا الفعل للمفعول، والخمر نائب فاعله، و"قليلها، مرفوع عَلَى البدلية، و"كثيرها" عطف عليه. وقوله:"والسكر منْ شراب" عطف، عَلَى "الخمر"، أي وحرم السكر منْ أي شراب غير الخمر، ولفظ "الكبرى":"والسكر منْ شراب حرام". وبهذا تمسك المبيحون لشرب المسكر فِي دعواهم أن المحرم هو السكر، لا الشرب، وهو استدلال باطل، كما أوضحناه سابقًا.
والحديث موقوف أعده المصنّف رحمه الله تعالى، كما سيأتي بعدُ، وهو منْ أفراده، أخرجه هنا -48/ 5685 - وفي "الكبرى" 49/ 5193. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (ابْنُ شُبْرُمَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ) أشار به إلى الانقطاع بين عبد بن
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
شُبرمة، وعبد الله شدّاد، كما بينه بقوله:
5687 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ".
خَالَفَهُ أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو بكر بن عليّ": هو المذكور قبلُ. و"سُريج بن يونس": هو أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقة عابد [10] 51/ 2276. "هُشيم": هو ابن بَشير الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [7] 88/ 109.
وقوله: "حدثني الثقة": فيه التوثيق عَلَى الإبهام، وهو غير مقبول عَلَى الراجح منْ أقوال المحدّثين، قَالَ فِي "التقريب"، مع شرحه "التدريب" 1/ 310 - 311: وإذا قَالَ: حدثني الثقة، أو نحوه، منْ غير أن يسميه، لم يُكتفَ به فِي التعديل عَلَى الصحيح حَتَّى يسميه؛ لأنه وإن كَانَ ثقة عنده، فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بجرح قادح، بل إضرابه عن تسمته ريبة توقع ترددا فِي القلب، بل زاد الخطيب أنه لو صرح بأن كل شيوخه ثقات، ثم رَوَى عمن لم يسمه لم يُعمل بتزكيته؛ لجواز أن يعرف إذا ذكره بغير العدالة، وقيل: يُكتفى بذلك مطلقًا، كما لو عينه؛ لأنه مأمون فِي الحالتين معًا. انتهى.
وإلى ذلك أشار السيوطيّ فِي "ألفية الْحَدِيث" بقوله:
وَإِنْ يِقُلْ حَدَّثَ مَنْ لَا أَتَّهِمْ
…
أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخٍ لِي وُسِمْ
بِثِقَةٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ مُبْهَمِ
…
لَا يُكْتَفَى عَلَى الصَّحِيحِ فَاعْلَمِ
وقوله: (خَالَفَهُ أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ) أشار به إلى أن محمد عبد الله الثقفيّ خالف ابن شبرمة، كما بينه بقوله:
5688 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ح وَأَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ". لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْحَكَمِ "قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ": هو المعروف بابن الكرديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [10]
[تنبيه]: وقع فِي معظم نسخ "المجتبى": "محمد بن عبد الله"، بدل "أحمد بن عبد
الله"، وهو غلط، والصواب "أحمد بن عبد الله" كما هو فِي "الكبرى". فتنّبه. والله تعالى أعلم.
و"أحمد بن حنبل": هو الإمام العلم الحجة المشهور [10] 49/ 958. و"محمد": هو ابن جعفر المذكور بعده، وهو المعروف بغندر. و"مسعر": هو ابن كدام الكوفيّ الثقة الثبت [7] و"أبو عون": هو محمد عبيد الله بن أبي سعيد الثقفيّ الكوفيّ الأعور، ثقة [4] 74/ 1002.
وقوله: "لم يذكر ابن الحكم الخ": يعني أن شيخه أحمد بن عبد الله بن الحكم اختصر الرواية، فَقَالَ:"حرمت الخمر بعينها، والسكر منْ كل شراب"، ولم يذكر لفظ:"قليلها وكثيرها".
ثم إن هذه الرواية لم تخالف رواية ابن شبرمة، ولعله ذكرها لبيان الخلاف فِي رواية أبي عون أيضًا، وإنما المخالفة هي الرواية التالية، وهي الراجحة؛ لموافقتها لما ثبت عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بطرق كثيرة، كما سيُنَبِّه عليه المصنّف رحمه الله تعالى.
والحديث موقوف صحيح الإسناد، وهو منْ أفراده، أخرجه هنا -48/ 5687 - وفي "الكبرى" 49/ 5195. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم بين رواية أبي عون المخالفة لرواية ابن شُبرمة، وهي ارجح مما قبلها، كما أشرنا إليه، فَقَالَ:
5689 -
(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ ذَرِيحٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَمَا أَسْكَرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ كَانَ يُدَلِّسُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَرِوَايَةُ أَبِي عَوْنٍ أَشْبَهُ بِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ": هو أبو عليّ النيسابوريّ، ثقة فقيه [10] منْ أفراد البخاريّ، والمصنّف.
و"إبراهيم بن أبي العبّاس"، ويقال: ابن العبّاس السامَرّي -بفتح الميم، وتشديد الراء- أبو إسحاق الكوفيّ، نزيل بغداد، أصله منْ الأنبار، ثقة، تغيّر بآخره، فلم يُحدث [10].
رَوَى عن شريك القاضي، وابن أبي الزناد، وبقية، وغرهم. وعنه أحمد بن حنبل، والصغاني، والدوري، وعدة. قَالَ أحمد: صالح الْحَدِيث. وَقَالَ مرة: ثقة، لا بأس به. وَقَالَ أبو حاتم: شيخ. وَقَالَ الدارقطنيّ. ثقة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ اختلط فِي آخر عمره، فحجبه أهله فِي منزله، حَتَّى مات. قَالَ أبو عوانة الإسفرائيني: حدثنا معاوية بن صالح الأشعري، حدثني إبراهيم بن أبي العبّاس، بغدادي ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات".
قَالَ الذهبيّ: السامري -بفتح الميم، وتخفيف الراء- قاله ابن ماكولا، وكتب فِي حاشية "التهذيب": أنهما نسبة إلى محلة ببغداد، يقال لها: السَّامَرية، وهي فِي أصل المزي بكسر الميم بضبط القلم. تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
و"شريك": هو ابن عبد الله النخعيّ القاضي.
و"عبّاس بن ذَرِيح" -بفتح المعجمة، وكسر الراء، آخره حاء مهملة- الكلبيّ الكوفيّ، ثقة [6].
رَوَى عن الشعبي، وعبد الله البهي، وكُميل بن زياد، وشُريح القاضي، وشريح بن هانىء، ومحمد بن سعد، وأبي عون محمد بن عبد الله الثقفيّ، ومسلم بن نُذير، وغيرهم. وعنه زكريا بن أبي زائدة، وأبو شيبة الواسطي، ومسعر، وقيس بن الربيع، وشريك القاضي، وغيرهم. قَالَ أحمد صالح، وَقَالَ ابن معين: ثقة. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الدارقطنيّ: ثقة. رَوَى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والمصنف، وأبو داود، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الأثر فقط.
والحديث موقوف صحيح، تفرد به المصنّف هنا -48/ 5688 - وفي "الكبرى" 49/ 5196، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ كَانَ يُدَلِّسُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَرِوَايَةُ أَبِي عَوْنٍ أَشْبَهُ بِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أشار به إلى ترجيح رواية أبي عون عن عبد الله بن شدّد هذه عليّ رواية هشيم، عن عبد الله بن شداد السابقة، وذكر لترجيحه سببين: أحدهما: كون هشيم مدلسًا، وَقَدْ رواه بالعنعنة. والثاني: موافقة رواية أبي عون لما رواه الثقات عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما منْ كون مذهبه تحريم كل ما أسكر قليله وكثيره.
[فإن قيل]: فِي رواية أبي عون أيضًا علة، وهو شريك القاضي، فإنه متكلم فيه.
[أجيب]: بأن روايته إنما صحّت لموافقتها روايات الثقات عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، كما سيذكرها المصنّف بعدُ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر روايات الثقات عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما التي صرح فيها بتحريم كل ما أسكر، فَقَالَ:
5690 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ عَنِ الْبَاذَقِ، فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذَقَ، وَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ، قَالَ: أَنَا أَوَّلُ الْعَرَبِ سَأَلَهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سفيان": هو ابن عيينة. و"أبو الجويرية" -بالتصغير: هو حطّان بن خُفاف البصريّ، ثقة مشهور بكنيته [2].
[تنبيه]: هَذَا الإسناد منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (276) منْ رباعيات الكتاب، وهو آخر رباعياته فيه. والله تعالى أعلم.
وقوله: "عن البذاق": تقدّم أنه فارسيّ معرّب: معناه الطلاء، وهو ما طُبخ منْ العصير حَتَّى يصير مثل طلاء الإبل، وقيل: هو المطبوخ منْ عصير العنب إذا أسكر.
وقوله: "أنا أول العرب سأله": الظاهر أنه منْ كلام ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، ويحتمل أن يكون منْ كلام أبي الجويرية.
والحديث أخرجه البخاريّ فِي "الأشربة" 5598 وَقَدْ تقدّم فِي 24/ 5608 - ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك.
والحديث واضح فيما أراده المصنّف رحمه الله تعالى منْ ترجيح رواية أبي عون هذه: أن الصحيح عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما لفظ: "وما أسكر منْ كل شراب"، لا لفظ:"والسكر منْ كل شراب"، قَالَ إسماعيل القاضي رحمه الله تعالى فِي "أحكام القرآن": هَذَا الأثر عن ابن عبّاس يضعّف الأثر المرويّ عنه "حرّمت الخمر بعينها
…
" الْحَدِيث، ثم أسند عن ابن عبّاس، قَالَ: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام"، وأخرج البيهقيّ منْ طريق إسحاق ابن راهويه بسند صحيح إلى يحيى بن عبيد، أحد الثقات، عن ابن عبّاس، قَالَ: "لا تُحلّ النار شيئاً، ولا تحرّمه"، وزاد فِي رواية أخرى عن يحيي بن عبيد: "عن ابن عبّاس أنه قَالَ لهم: أيسكر؟ قالوا: إذا أكثر منه أسكر، قَالَ: فكل مسكر حرام". ذكره فِي "الفتح" 11/ 194. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5691 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
أَبُو عَامِرٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَكَمِ، يُحَدِّثُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحَرِّمَ، إِنْ كَانَ مُحَرِّمًا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَلْيُحَرِّمِ النَّبِيذَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو عامر": هو عبد الملك بن عمرو العقديّ البصريّ. و"أبو الحكم": هو عمران بن الحارث السلميّ الكوفيّ، ثقة [4] 15/ 2133.
وقوله: "فليُحرم النبيذ": المراد النبيذ الذي يسكر، لا كلّ ما يُنبذ بدليل الرواية التي بعد هَذَا، حيث إن فيها قوله لما سئل عن الأنبذة:"اجتنب ما أسكر منْ تمر الخ"، فدل عَلَى أنه إنما يحرم الأنبذة المسكرة فقط.
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى فِي "شرحه" 8/ 321: قوله: "منْ سرّه أن يحرّم": كل هذه الألفاظ المذكورة فِي الْحَدِيث منْ التحريم: أي منْ سرّه أن يتخذ ما حرّم الله ورسوله حرامًا، فإن كَانَ محرما ذلك، فليُحرّم النبيذ، والمراد نبيذ الدباء، والحنتم، ونحوهما، أو النبيذ المسكر. والله تعالى أعلم. انتهى.
والحديث موقف صحيح، تفرد به المصنّف هنا 48/ 5690 - وفي "الكبرى" 49/ 5198. أخرجه (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" 3147. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5692 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَإِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا نَشْرَبُهُ، مِنَ الزَّبِيبِ، وَالْعِنَبِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أُشْكِلَ عَلَيَّ، فَذَكَرَ لَهُ ضُرُوبًا مِنَ الأَشْرِبَةِ، فَأَكْثَرَ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ، اجْتَنِبْ مَا أَسْكَرَ، مِنْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ).
"عيينة بن عبد الرحمن": هو الغطفانيّ، صدوق [7] 44/ 1912. و"أبوه": هو عبد الرحمن بن جوشن الغَطَفانيّ البصريّ، ثقة [3] 44/ 1912.
وقوله: "وإن أرضنا الخ": هَذَا ذكر لسبب اتخاذهم أنواع الأنبذة، فإن البرودة تُستدفأ بهذه الأشربة. وقوله:"وَقَدْ أشكل الخ" بالبناء للفاعل: أي التبس عليّ حكم هذه الأنبذة. وقوله: "اجتنب ما اسكر الخ": هَذَا إيجاز فِي الجواب، واختصار له، حيث
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
كثرت الأسئلة، مع اتحاد أجوبتها، فأوجز له ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، فكأنه يقول له: كل ما ذكرته منْ الأسئلة يتلخّص جوابه فِي شيء واحد، وهو اجتناب المسكر منْ أي نوع كَانَ.
وهذا صريح فِي كون مذهب ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما تحريم المسكر مطلقاً، وهو الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراده هنا.
والحديث موقوف صحيح، تفرد به المصنّف هنا -48/ 5691 - وفي "الكبرى" 49/ 5199. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5693 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "نَبِيذُ الْبُسْرِ بَحْتًا لَا يَحِلُّ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو بكر بن عليّ": هو أحمد القاضي المروزيّ. و"القواريريّ": هو عبيد الله بن عمر. و"حماد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو السختياني.
وقوله: "سُحْتٌ لا يحل": "السُّحْتُ "-بضم السين المهملة، والحاء المهملتين، ويكن ثانيه تخفيفًا-: هو فِي الأصل كل مال حرام، لا يحل كسبه، ولا أكله، قاله الفيّوميّ، والمراد هنا تحريم شربه، فقوله:"لا يحلّ" تأكيد له.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكرته منْ ضبط "السُّحْت" هو الذي فِي النسخة "الهنديّة"، ووقع فِي سائر النسخ بدله:"بَحْتً"، قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: "نَبِيذُ البسر بحت لا يحلّ": الظاهر أن الخبر "لا يحلّ"، و"بحت": أي خالص، وهو منصوب، ولا عبرة بالخط: أي ولو كَانَ بحتًا: أي خالصًا، لا يخالط البسر شيء آخر، ومحمله المسكر، والكائن فِي الأوعية المعلومة، والله تعالى أعلم. انتهى.
والحديث موقوف صحيح، تفرّد به المصنّف، فأخرجه هنا -48/ 5692 - وفي "الكبرى" 49/ 5200. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5694 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، فَنَهَى عَنْهُ، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي أَنْتَبِذُ فِي جَرَّةٍ خَضْرَاءَ، نَبِيذًا حُلْوًا، فَأَشْرَبُ مِنْهُ، فَيُقَرْقِرُ بَطْنِي، قَالَ: لَا تَشْرَبْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و"محمد": هو ابن جعفر غندر. و"أبو جمرة": هو نصر بن عمران الضُّبَعيّ البصريّ، نزيل خراسان ثقة ثبت [3].
وقوله: "خضراء" تقدّم حكم النبيذ فِي الجر الأخضر فِي 29/ 5623 - فليُراجع.
وقوله: "فيُقرقر بطني": قَالَ فِي "الصحاح": قرقر بطنه: صوّت. أي يتحرك فِي بطني، ويصوّت فيه.
وقوله: "لا تشرب الخ": أي لكونه مسكرًا، أو لأن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما لا يرى جواز الانتباذ فِي الجرّة، كما سيأتي فِي الْحَدِيث التالي، وَقَدْ سبق أن هَذَا منسوخ، كما تقدّم فِي حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، وغيره، والظاهر أن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما لم يبلغه النسخ، والله تعالى أعلم.
والحديث موقوف صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، فأخرجه هنا -48/ 5691 - وفي "الكبرى" 49/ 5201. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" 3147. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5695 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَتَّابٍ، وَهُوَ سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، نَصْرٌ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ جَدَّةً لِي تَنْبِذُ نَبِيذًا فِي جَرٍّ، أَشْرَبُهُ حُلْوًا، إِنْ أَكْثَرْتُ مِنْهُ، فَجَالَسْتُ الْقَوْمَ خَشِيتُ أَنْ أَفْتَضِحَ، فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ، لَيْسَ بِالْخَزَايَا، وَلَا النَّادِمِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ، إِلاَّ فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَحَدِّثْنَا بِأَمْرٍ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، وَنَدْعُو بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، قَالَ: "آمُرُكُمْ بِثَلَاثٍ: وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، عَمَّا يُنْبَذُ فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الحرّانيّ الثقة الحافظ. و"سهل بن حماد، أبو عتاب": هو الدلال البصريّ، صدوقٌ [9]. و"قرّة": هو ابن خالد السدوسيّ البصريّ، ثقة حافظ [6].
وقوله: "خشيت" بكسر الشين المعجمة، منْ باب تعب. وقوله:"أن أفتضح" بالبناء للفاعل، يقال: فضحه، كمنعه: كشف مساويه، فافْتَضَحَ، والاسم الفضيحة. قاله فِي "القاموس". والمراد هنا أن يخشى أن يظهر عيبه، وهو السكر.
وقوله: "قدم وَقَدْ عبد القيس": قيل: كانوا أربعة عشر راكبًا، وقيل: كانوا أربعين، وَقَدْ تقدم الجميع فِي ذلك مستوفًى فِي "كتاب الإيمان" 25/ 5033.
وقوله: "مرحبًا": هو منصوب بفعل مضمر: أي صادفت رحبا -بضم الراء-: أي سعة، والرحب بالفتح الشيء الواسع، وَقَدْ يزيدون معها "أهلا": أي وجدت أهلا، فاستَأْنِس، وأفاد العسكري أن أول منْ قَالَ:"مَرْحَبًا": سيف بن ذي يزن، وفيه دليل عَلَى استحباب تأنيس القادم، وَقَدْ تكرر ذلك منْ النبيّ صلى الله عليه وسلم، ففي حديث أم هانىء:"مرحبا بأم هانىء"، وفي قصة عكرمة بن أبي جهل:"مرحبا بالراكب المهاجر"، وفي قصة فاطمة:"مرحبا بابنتي"، وكلها صحيحة، وأخرج النسائيّ منْ حديث عاصم بن بشير الحارثي، عن أبيه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ له -لما دخل، فسلم عليه-:"مرحبا وعليك السلام".
وقوله: "ليس بالخزايا". وفي رواية البخاريّ: "غير خزايا"، قَالَ فِي "الفتح": بنصب "غير" عَلَى الحال، ورُوي بالكسر عَلَى الصفة، والمعروف الأول، قاله النوويّ، ويؤيده رواية البخاريّ فِي "الأدب" منْ طريق أبي التياح، عن أبي جمرة:"مرحبا بالوفد الذين جاءوا، غير خزايا، ولا ندامى".
و"خزايا" جمع خزيان، وهو الذي أصابه خزي، والمعنى: أنهم أسلموا طوعا، منْ غير حرب، أو سبي يخزيهم، ويفضحهم.
قوله: "ولا النادمين" وفي رواية البخاريّ: "ولا ندامى": قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: كأن أصله نادمين، جمع نادم؛ لأن ندامى إنما هو جمع ندمان، أي المنادم فِي اللَّهو، وَقَالَ الشاعر:
فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالَاكْبَرِ اسْقِنِي
لكنه هنا خرج عَلَى الإتباع، كما قالوا: العشايا والغدايا، وغداة جمعها الغدوات، لكنه أُتبع. انتهى. وَقَدْ حكى القزاز، والجوهرى، وغيرهما منْ أهل اللغة: أنه يقال: نادم، وندمان فِي الندامة بمعنًى، فعلى هَذَا فهو على الأصل، ولا أتباع فيه. والله أعلم.
قَالَ ابن أبي جمرة: بشرهم بالخير عاجلا وآجلا؛ لأن الندامة، إنما تكون فِي العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها، وفيه دليل عَلَى جواز الثناء عَلَى الإنسان فِي وجهه، إذا أُمن عليه الفتنة قوله. ذكره فِي "الفتح" 1/ 179 "كتاب الإيمان" حديث 53.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي 25/ 5033 "كتاب الإيمان" -باب "أداء الخمس" ومضى شرحه مستوفًى هناك، وكذا بيان مسائله.
وغرض المصنّف منْ الْحَدِيث أن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما لا يرى جواز شرب النبيذ المتّخذ فِي الأوعية المذكورة، قليلاً كَانَ أو كثيرًا؛ لأنه مسكر، خلاف ما
أخذ المبيحون بما رُوي عنه: "والسكر منْ كل شراب حرام"، كما سبق تقريره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5696 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبَانٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: إِنَّ لِي جُرَيْرَةً، أَنْتَبِذُ فِيهَا، حَتَّى إِذَا غَلَى وَسَكَنَ شَرِبْتُهُ؟، قَالَ: مُذْ كَمْ هَذَا شَرَابُكَ؟، قُلْتُ: مُذْ عِشْرُونَ سَنَةً، أَوْ قَالَ: مُذْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، قَالَ: طَالَمَا تَرَوَّتْ عُرُوقُكَ مِنَ الْخَبَثِ.
وَمِمَّا اعْتَلُّوا بِهِ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "قيس بن وهبان" البصريّ، مختلف فِي اسم أبيه، فقيل: همام، وقيل: هنام -بنون- وقيل: هنّان، وقيل: وهبان، وقيل: سنان، مقبول [4] ووهم منْ جعله صحابيًا.
قَالَ الذهبيّ: تفرد عنه سليمان التيميّ. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وذكر العسكريّ فِي "الصحابة" قيس بن هنام، وَقَالَ: رَوَى مرسلاً. وَقَالَ ابن حبّان فِي ثقات التابعين: قيس بن همّام التيميّ، رَوَى عنه أهل العراق. تفرد به المصنّف بهذا الأثر فقط.
وقوله: "جريرة": تصغير جرّة. وقوله: "مذ عشرون سنة الخ": برفع "عشرون"، فـ"مذ" مبتدأ، و"عشرون خبره، ويجوز العكس
(2)
، وإلى ذلك اشار ابن مالك فِي "الخلاصة" حيث قَالَ:
و"مُذْ" و"مُنْذُ" اسْمَانِ حَيْثُ رَفَعَا
…
أَوْ أُولِيَا الْفِعْلَ كَـ"جِئْتُ مُذْ دَعَا"
وقوله: "طالما تروّت الخ": بتشديد الواو، منْ التروي، وهو منْ الريّ. وقوله:"منْ الخبث": بفتحتين-: أي الحرام.
والحديث موقوف ضعيف؛ لجهالة قيس بن وهبان، وتفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، فأخرجه هنا -48/ 5695 - وفي "الكبرى" 49/ 5203. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَمِمَّا اعْتَلُّوا بِهِ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) أشار به إلى متمسّك آخر للمبيحين شراب المسكر، وهو حديث عبد الملك بن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو أيضًا متمسّك ضعيف، كما سيأتي بيانه:
5697 -
(أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْعَوَّامُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَأَيْتُ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بِقَدَحٍ فِيهِ
(1)
"أخبرنا".
(2)
راجع شروح "الخلاصة" وحواشيها فِي البيت المذكور.
نَبِيذٌ، وَهُوَ عِنْدَ الرُّكْنِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ الْقَدَحَ، فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ، فَوَجَدَهُ شَدِيدًا، فَرَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ: "عَلَيَّ بِالرَّجُلِ"، فَأُتِيَ بِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُ الْقَدَحَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَصَبَّهُ فِيهِ، فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ، فَقَطَّبَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ أَيْضًا، فَصَبَّهُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ:"إِذَا اغْتَلَمَتْ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الأَوْعِيَةُ، فَاكْسِرُوا مُتُونَهَا بِالْمَاءِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ الطوسيّ الأصل المعروف بدلّويه، ثقة حافظ [10] 101/ 132.
2 -
(هشيم) بن بَشير الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [7] 88/ 109.
3 -
(العوّام) بن حَوْشب بن يزيد الشيبانيّ، أبو عيسى الواسطيّ، ثقة ثبت فاضل [6] 55/ 2292.
4 -
(عبد الملك بن نافع) الشيبانيّ الكوفيّ، ابن أخي القعقاع، أبو ثور، ويقال له: ابن أبي القعقاع، مجهول [4].
رَوَى عن ابن عمر، وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق الشيباني، والعوام بن حوشب، وحصين بن عبد الرحمن، وقرة العجليّ، وليث بن أبي سليم. قَالَ البخاريّ: عبد الملك بن نافع، رَوَى عن ابن عمر فِي النبيذ، لا يتابع عليه. وَقَالَ أبو حاتم: شيخ مجهول، لم يرو إلا حديثا واحدًا قطع الشيباني ذلك الْحَدِيث حديثين، لا يكتب حديثه، منكر الْحَدِيث. وَقَالَ ابن معين: قرة العجليّ عن عبد الملك بن أخي القعقاع ضعيف، لا شيء. وَقَالَ النسائيّ: عبد الملك بن نافع، ليس بالمشهور، ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته. وَقَالَ ابن حبّان: لا يحل الاحتجاج به، وَقَالَ العقيلي: لا يتابع عَلَى حديثه. وَقَالَ الدارقطنيّ: مجهول ضعيف. وَقَالَ ابن أبي عاصم: مجهول. وَقَالَ الخلال: ثنا عبد الله بن أحمد، سألت أبي عن حديث الشيباني، عن عبد الملك، عن ابن عمر فِي النبيذ؟ فَقَالَ: عبد الملك مجهول، قَالَ الخلال: وأنا عيسى بن محمد بن سعيد، سمعت يعقوب بن يوسف المطوعي، وَقَدْ حدث بحديث عبد الملك بن القعقاع، عن ابن عمر فِي النبيذ، فَقَالَ: قَالَ يحيي بن معين: عبد الملك بن القعقاع، كَانَ خمارا. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
5 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما 12/ 12. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَافِعٍ) الشيبانيّ، أنه (قَالَ: قَالَ) عبد الله (بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما (رَأَيْتُ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ الِله صلى الله عليه وسلم، بِقَدَحٍ) بفتحتين (فِيهِ نَبِيذٌ، وَهُوَ عِنْدَ الرُّكْنِ) جملة فِي محل نصب عَلَى الحال: أي والحال أنه صلى الله عليه وسلم واقف عند ركن البيت (وَدَفَعَ إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (الْقَدَحَ، فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ، فَوَجَدَهُ شَدِيدًا) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: لعل المراد به إن صح الْحَدِيث أنه وجده قريبًا إلى الإسكار، وأنه ظهر فيه مبادىء السكر بحيث إنه لو ترك عَلَى حاله لأسكر عن قريب. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث الذي فيه سوء أدب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنه أقر شرب المسكر -بحمد الله تعالى- لا يصحّ، كما أوضحه المصنّف رحمه الله تعالى، ولا يُفَكّر فِي تصحيح مثله إلا الذي ابتلي بالقول بإباحة شرب المسكر ما لم يَسكَر، وهو مذهب باطلٌ، كما أسلفناه موضحا ومُحرّرا، فلا تغترّ وإن انتسب إليه بعض أهل العلم، فإن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَرَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ: "عَلَيَّ بِالرُّجُلِ")"عَلَيَّ": اسم فعل منقول منْ "عليّ" الجار والمجرور، والمعنى: أحضروا هَذَا الرجل الذي أتى بهذا النبيذ (فَأتِيَ بِهِ) بالبناء للفعول (فَأَخَذَ مِنْهُ الْقَدَحَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَصَبَّهُ فِيهِ، فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ، فَقَطَّبَ) بتشديد الطاء، أو تخفيفها: أي جمع ما بين عينيه، كما يفعله العبوس: أي عَبَّسَ وجهه، وجمع جلدته لَمّا وجده مكروها (ثُمَّ دَعَا بمَاءٍ أَيْضًا، فَصَبَّهُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا اغْتَلَمَتْ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَوْعِيَةُ) أي اشتدّت، واضطربت عند الغليان، والمراد إذا قاربت الاشتداد. قاله السنديّ (فَاكْسِرُوا مُتُونَهَا بِالْمَاءِ)"المتون" بالضم جمع متن، كفلس وفلوس، وهو ما صَلُب، وارتفع منْ الأرض، والمراد قوة اشتدادها، أي خفّفوا شدّتها بصبّ الماء عليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث ضعيف؛ لضعف عبد الملك بن نافع، كما سبق فِي ترجمته، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا 48/ 5656 و5657 - وفي "الكبرى" 49/ 5204 و5205. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5698 -
(وَأَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نَافِعٍ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ خِلَافُ حِكَايَتِهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، منْ كبار [9]. و"أبو إسحاق الشيباني": هو سليمان بن أبي سليمان/ فيروز الكوفيّ الثقة [5]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه الله تعالى (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نَافِع لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ) بين أهل العلم (وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ) لضعفه (وَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ خِلَافُ حِكَايَتِهِ) أشار به رحمه الله تعالى إلى تضعيف رواية عبد الملك الماضية بأمرين: أحدهما ضعفه، والثاني: مخالفة روايته لما رواه الأثبات عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما بيّن ذلك بما أورده بعده مما صحّ عنه بقوله:
5699 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ عَنِ الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: اجْتَنِبْ كُلَّ شَيْءٍ يَنِشُّ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو عوانة": هو الوضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الثقة الثبت [7]. و"زيد بن جُبير": هو الطائيّ، ثقة [4] 34/ 4804.
وقوله: "ينشّ" -بكسر النون-: أي يَغلِي، يقال: نشّت الخمر تنشّ نَشِيشًا، منْ باب ضرب: إذا غلت. أفاده فِي "النهاية" 5/ 56.
والحديث موقوف صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -48/ 5698 - وفي "الكبرى" 49/ 5206. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5700 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: اجْتَنِبْ كُلَّ شَيْءٍ يَنِشُّ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الأثر هو المذكور قبله، لكنه أعلى منه سندًا بدرجة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5701 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(3)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(3)
وفي نسخة: "أخبرنا".
سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: الْمُسْكِرُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الأثر صريح فِي إبطال ما سبق عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مما رواه عبد الملك بن نافع، حيث إن مذهبه تحريم المسكر قليله وكثيره، ولا يرى جواز شربه بخلطه بالماء، وهذا هو غرض المصنّف رحمه الله تعالى فِي إيراده هنا. وهو موقوف صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى هنا -48/ 5700 - وفي ""الكبرى" 49/ 5208. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5702 -
(قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتقيّ المصريّ، صاحب مالك. و"مالك": هو ابن أنس، إمام دار الهجرة. والحديث أيضًا موقوف صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى هنا -48/ 5701 - وفي "الكبرى" 49/ 5209. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5703 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ شَبِيبًا -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ- يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى": هو الصنعاني البصريّ، ثقة [10] 5/ 5. و"المعتمر": هو ابن سليمان التيميّ البصريّ، ثقة، من كبار [9] 10/ 10. و"شبيب بن عبد الملك " التميميّ البصريّ، نزيل خراسان، صدوقٌ [9] مات قديمًا قبل المائتين، رَوَى عنه المعتمر بن سليمان، وهو أكبر منه.
رَوَى عنه مقاتل بن حيان، وخارجة بن مصعب، وداود بن خيثمة. وعنه معتمر بن سليمان. قَالَ أبو حاتم: شيخ بصريّ، وقع إلى خراسان، وسمع التفسير منْ مقاتل بن حيّان، وليس به بأس، صالح الْحَدِيث، لا أعلم أحدًا حدّث عنه غير معتمر. وَقَالَ أبو زرعة: صدوقٌ. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الذهبيّ: لا يُعرف، ومعتمر بن سليمان أكبر منه.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي قول الذهبيّ هَذَا نظر لا يخفى، تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث، وأبو داود بحديث آخر فِي النبيذ أيضًا.
و"مقاتل بن حيّان" النَّبَطيّ -بفتح النون، والموحدة- أبو بسطام البلخيّ الخزّاز -
بزايين- مولى بكر بن وائل، وهو بن دَوَال دُوز، ومعناه الخزاز، وقيل: إن ذلك لقب مقاتل بن سليمان، صدوقٌ فاضل، أخطأ الأزديّ فِي زعمه أن وكيعًا كذّبه، وإنما كذّب مقاتل بن سليمان [6].
رَوَى عن عمته عمرة، وسعيد بن المسيب، وأبي بردة بن أبي موسى، وعكرمة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وشهر بن حوشب، وقتادة، ومسلم بن هيصم، والضحاك ابن مزاحم، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة وعنه أخوه مصعب بن حيان، وعلقمة بن مرثد، وشبيب بن عبد الملك التميمي، وعبد الله بن المبارك، وبكر بن معروف، وإبراهيم بن أدهم، وخالد بن زياد الترمذيّ، وحجاج بن حسان القيسي، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وهارون أبو محمد، وعيسى بن موسى غنجار، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وآخرون. قَالَ إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا قَالَ أبو داود: ثقة. وَقَالَ عبد السلام بن عتيق: حدثنا مروان بن محمد، أنه ذكر مقاتل ابن حيان، فَقَالَ: ثقة. وَقَالَ ابن أبي حاتم، عن محمد بن سعيد المقبري، قَالَ: سئل عبد الرحمن -يعني ابن الحكم بن بشير بن سليمان، عن مقاتل بن حيان؟ فَقَالَ: ذاك مرتفع مرتفع. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وَقَالَ الدارقطنيّ: صالح. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ أحمد بن سيار المروزي: كَانَ حيان منْ موالي بني شيبان، وكان يلي ولايات، وكان مقاتل ناسكا فاضلا، وهم أربعة أخوة: مقاتل، والحسن، ويزيد، ومصعب، ويقال: إن أصلهم منْ بلخ، وكان مقاتل هرب منْ أبي مسلم إلى كابل، دعا خلقا إلى الإِسلام فاسلموا. وذكر الحسن بن مسلم أنه مات بكابل، وأن صاحب كابل تسلب عليه، فقيل له: إنه ليس عَلَى دينك، فَقَالَ: إنه كَانَ رجلاً صالحا. وَقَالَ ابن خزيمة: لا أحتج به. ونقل أبو الفتح الأزدي أن ابن معين ضعفه، قَالَ: وكان أحمد بن حنبل لا يعبأ بمقاتل بن سليمان، ولا بمقاتل بن حيان، ثم نقل عن وكيع أنه كذبه، فقرأت بخط الذهبيّ أحسبه التبس عَلَى أبي الفتح بابن سليمان، فإنه هو الذي كذبه وكيع، مات قبل الخمسين ومائة تقريبا. رَوَى له الجماعة إلا البخاريّ، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي 22/ 5584 وتقدم تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5704 -
(أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ -يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ النَّيْسَابُورِيَّ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ
بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ/ وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الثَّبْتِ وَالْعَدَالَةِ مَشْهُورُونَ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَقُومُ مَقَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ عَاضَدَهُ مِنْ أَشْكَالِهِ جَمَاعَةٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"محمد بن عمرو": هو ابن علقمة بن وقّاص. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن ابن عوف. والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي 22/ 5584. والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه الله تعالى (وَهَؤُلَاءِ) أي الذي ذَكَرَ أنهم رووا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما يخالف رواية عبد الملك بن نافع،
وهم خمسة: زيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، ونافع مولى ابن عمر، وسالم بن عمر، وأبو سلمة بن بن عبد الرحمن (أَهْلُ الثَّبْتِ) -بسكون الموحّدة، ويجوز فتحها-: أي التثبّت فِي الرواية، والضبط والإتقان، يقال: رجل ثَبْتٌ ساكن الباء: أي متثبّت فِي أموره، وثَبْتُ الجَنان: أي ثابت القلب، وثَبُت فِي الحرب، فهو ثَبيت، مثالُ قرُب فهو قريبٌ، والاسم ثَبَتٌ بفتحتين، ومنه قيل للحجة: ثَبَتٌ، ورجلٌ ثَبَتٌ بفتحتين أيضًا: إذا كَانَ عدلاً ضابطًا، والجمع أثباتٌ، مثلُ سبب وأسباب. قاله الفيّومّي. (وَالْعدَالَةِ، مَشْهُورُونَ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ) أي ابن نافع الذي تقدمت روايته.
[تنبيه]: كتب الأستاذ عبد الفتاح أبو عدّة فِي تصويبات الأخطاء الملحقة بالجزء التاسع منْ "سنن النسائيّ" المصورة عن نسخة مصريّة، أن "عبد الملك" خطأ، والصواب "شبيب بن عبد الملك"؛ نظرًا لورود اسم شبيب بن عبد الملك فِي سند الْحَدِيث الذي قبل هَذَا الْحَدِيث، وهذا التصويب غلط فاحشٌ، كما لا يخفى عَلَى منْ نظر فيه، فتنبّه. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: "عبد الملك" مبتدأ خبره جملة قوله: (لَا يَقُومُ مَقَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ عَاضَدَهُ) أي قوّاه، وناصره (مِنْ أَشْكَالِهِ) أي أمثاله الضعفاء (جَمَاعَةٌ) بالرفع فاعل "عاضد"(وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ).
حاصل ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى بهذا الكلام فِي ردّه لرواية عبد الملك ابن نافع، أمران: أحدهما: ضعفه، وعدم شهرته. والثاني مخالفته لأصحاب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الثقات الأثبات المشهورين بالرواية عنه، وهم هؤلاء الخمسة،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
فكيف يصح أن ينسب إلى ابن عمر ما نقله مثل هَذَا الضعيف المخالف للأثبات، وكيف يحتجّ بمثل هَذَا عَلَى ردّ الأحاديث الصحيحة فِي تحريم قليل المسكر وكثيره، سبحان الله!!!، إن هَذَا لهو العجب العجاب!!!. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5705 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ السَّعِيدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِى رُقَيَّةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، قَالَتْ: كُنْتُ فِي حَجْرِ ابْنِ عُمَرَ، فَكَانَ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُهُ مِنَ الْغَدِ، ثُمَّ يُجَفَّفُ الزَّبِيبُ، وَيُلْقَي عَلَيْهِ زَبِيبٌ آخَرُ، وَيُجْعَلُ فِيهِ مَاءٌ، فَيَشْرَبُهُ مِنَ الْغَدِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ طَرَحَهُ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سُويد": هو ابن نصر. و"عبد الله": هو ابن المبارك. و"عبيد الله بن عمر السعيديّ" القرشيّ البصريّ، رَوَى عن رقية بنت عمرو، وعنه ابن عيينة، وابن المبارك، مقبول [6] تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
و"رقية بنت عمرو بن سعيد" روت عن ابن عمر، وروى عنها عبيد الله بن عمر السعيديّ، مقبولة [4] تفرد بها المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
وقولها: "فِي حجر ابن عمر" بفتح الحاء المهملة، وكسرها: أي كفالته، وتربيته. وقولها:"يُنقع له" بالبناء للمفعول، وكذا قولها:"يُجفّف" منْ التجفيف.
والحديث موقوف ضعيف؛ لجهالة رقية، والراوي عنها، وظاهره مخالف لما صحّ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فِي كيفية شربه النبيذ المرويّ منْ أصح الطرق، وهي رواية نافع الآتية فِي 55/ 542.
وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -48/ 5704 - وفي "الكبرى" 49/ 5211. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعيم الوكيل.
وقوله: (وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ، عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو) بالجرّ بدل منْ "أبي مسعود". وأشار به أيضًا إلى متمسّك آخر لهؤلاء الذين أباحو شرب المسكر غير الخمر ما لم يَسْكَر، وهو حديث أبي مسعود، عقبة بن عمرو البدري رضي الله عنه، وهو حديث ضعيف أيضًا، كما سيفنّده المصنّف رحمه الله تعالى، فَقَالَ:
5706 -
(أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: عَطِشَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ مِنَ السِّقَايَةِ، فَشَمَّهُ، فَقَطَّبَ، فَقَالَ:"عَلَيَّ بِذَنُوبٍ مِنْ زَمْزَمَ"، فَصَبَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا".
وَهَذَا خَبَرٌ ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ يَحْيَى بْنَ يَمَانٍ انْفَرَدَ بِهِ دُونَ أَصْحَابِ سُفْيَانَ، وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ لِسُوءِ حِفْظِهِ، وَكَثْرَةِ خَطَئِهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ": هو أبو سعيد المجالديّ المصّيصيّ، ثقة [10] 26/ 432 منْ أفراد المصنّف. و"يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ": هو العجليّ الكوفيّ، صدوقٌ عابدٌ، يُخطىء كثيرًا، وَقَدْ تغيّر، منْ كبار [9] 70/ 2364. و"سُفْيَان": هو الثوريّ. و"مَنْصُور": هو ابن المعتمر. و"خالد بن سعد": هو الكوفيّ، ثقة [2] 35/ 2181. و"أبو مسعود": هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ، الصحابيّ الشهير، مات رضي الله عنه قبل الأربعين، وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته فِي 6/ 494.
وقوله: "فأتي" بالبناء للمفعول. وقوله: "فقطب" بتشديد الطاء، وتخفيفها: أي عَبَّسَ وجهه، وجمع ما بين عينيه. وقوله:"عليّ بذنوب": اسم فعل أمر: أي أحضروا لي دلوًا مملوءًا ماء.
والحديث تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -48/ 5705 - وفي "الكبرى" 49/ 5212، وهو ضعيف، كما بينه المصنّف رحمه الله تعالى بقوله:
(وَهَذَا خَبَرٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ يَمَانٍ انْفَرَدَ بِهِ، دُونَ أَصْحَابِ سُفْيَانَ، وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، لِسُوءِ حِفْظِهِ، وَكَثْرَةِ خَطَئِهِ) حاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى منْ سبب ضعف هَذَا الْحَدِيث ضعف يحيى بن يمان؛ لسوء حفظه، وتفرده به، وهو ممن لا يُحتمل تفرده؛ لما ذُكِر، فتبيّن بهذا أن الْحَدِيث ضعيف، ولا يصلح للتمسك به فِي إباحة شرب المسكر، كما استند إليه الزاعمون فِي دعم زعمهم الباطل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5707 -
(أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حِصْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَصُومُ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ، الَّتِي كَانَ يَصُومُهَا، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ، بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ جِئْتُهُ أَحْمِلُهَا إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَصُومُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَكَ بِهَذَا النَّبِيذِ، فَقَالَ: "أَدْنِهِ مِنِّي يَا أَبَا هُرَيْرَةَ"، فَرَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ، فَقَالَ: "خُذْ هَذِهِ، فَاضْرِبْ بِهَا الْحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ"، وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضى الله عنه).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عليّ بن حجر": هو السعديّ المروزيّ الحافظ. و"عثمان بن حِصن": هو ابن علّاق الدمشقيّ، مولى قريش، ثقة [9] 43/ 5664. و"زيد بن واقد": هو القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [6]. و"خالد بن حسين": هو خالد بن عبد الله بن حسين، نسب لجدّه الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، مقبول [3] 25/ 5610.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي 25/ 5612 - باب "تحريم كل شراب أسكر كثيره"، ومضى هناك شرحه، وبيان ما يتعلق به منْ المسائل، فراجعه تستفد.
وَقَدْ تقدّم تعليق المصنّف رحمه الله تعالى عليه بقوله: وفي هَذَا دليل عَلَى تحريم السَّكَرِ قليله وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم، بتحريمهم آخر الشربة، وتحليلهم ما تقدمها، الذي يُشرب فِي الفرق قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم، أن السُّكْر بكليته لا يحدث عَلَى الشربة الآخرة، دون الأولى، والثانية بعدها، وبالله التوفيق. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إشارة إلى متمسّك آخر لهؤلاء المبيحين شُرب المسكر ما لم يَسْكَر، وهو فعل عمر بن الخطاب: رضي الله عنه، كما بيّنه بقوله:
5708 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، إِمَامٌ لَنَا، وَكَانَ مِنْ أَسْنَانِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضى الله عنه، قَالَ: إِذَا خَشِيتُمْ مِنْ نَبِيذٍ شِدَّتَهُ، فَاكْسِرُوهُ بِالْمَاءِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَشْتَدَّ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "السريّ بن يحيي" بن إياس بن حرملة بن إياس الشيبانيّ، أبو الهيثم، ويقال: أبو يحيي البصريّ، ثقة، أخطأ الأزديّ فِي تضعيفه [7].
رَوَى عن الحسن البصريّ، وثابت البناني، وابن شوذب، وهشام الدستوائي، وعبد الكريم بن رشيد، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، وعمرو بن دينار المكيّ، وغيرهم. وعنه حماد بن زيد، وضمرة بن ربيعة، وابن المبارك، وابن وهب، ومحمد بن منيب العدني، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ومسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، والفريابي، وغيرهم. قَالَ سليمان بن حرب: وصف شعبة السري ابن يحيى بالصدق. وَقَالَ يونس بن حبيب: ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا السري بن يحيى، وكان ثقة. وَقَالَ ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: السري بن يحيي كَانَ ثقة،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
وكان ثبتا. وَقَالَ أبو طالب عن أحمد: ثقة ثقة. وَقَالَ مسلم بن إبراهيم: ثنا السري، وكان عاقلا. وَقَالَ إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وَقَالَ أبو زرعة منْ الثقات. وَقَالَ أبو حاتم: صدوقٌ لا بأس به، صالح الْحَدِيث. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة سبع وستين ومائة.
وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن يونس فِي "تاريخ الغرباء": خرج يريد الحجّ، فتوفي بمكة. وذكر ابن شاهين فِي "الثقات" أن شعبة قَالَ: ما رأيت أصدق منه. وذكره الأزدي فِي "الضعفاء"، فَقَالَ: حديثه منكر. وَقَالَ ابن عبد البرّ: هو أوثق منْ الأزدي بمائة مرة. رَوَى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والمصنف، وله عنده هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"أبو حفص" البصريّ، رَوَى عن أبي رافع الصائغ، وعنه السريّ بن يحيي، مجهول [6] تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
و"أبو رافع": هو نُفيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت مشهور بكنيته [2] 129/ 191.
وقوله: "وكان منْ أسنان الحسن": يعني أن أبا حفص كَانَ منْ أقران الحسن البصريّ، وعمرهما سواء.
وقوله: "فاكسروه بالماء": أي صبّوا عليه الماء حَتَّى تذهب شدته.
وقوله: "قَالَ عبد الله": يعني ابن المبارك رحمه الله تعالى الراوي عن السريّ، مفسرًا هَذَا الأثر، معناه. أن يكون قبل اشتداد النبيذ، فأما إذا اشتدّ فلا ينفع صبّ الماء عليه، وهذا التأويل هو المتعيّن؛ لما هو معلوم منْ مذهب عمر رضي الله عنه أنه يحرّم النبيذ إذا اشتدّ، وأسكر، بدليل ما سأتي أنه جدد منْ سكر بالطلاء. والله تعالى أعلم.
والحديث موقوف ضعيف؛ لجهالة أبي حفص، شيخ السريّ،، وتفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -48/ 5707 - وفي "الكبرى" 49/ 5214. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5709 -
(أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: تَلَقَّتْ ثَقِيفٌ عُمَرَ بِشَرَابٍ، فَدَعَا بِهِ، فَلَمَّا قَرَّبَهُ إِلَى فِيهِ كَرِهَهُ، فَدَعَا بِهِ فَكَسَرَهُ بِالْمَاءِ، فَقَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى": هو السِّجْزيّ المعروف بخيّاط السنة، الثقة الحافظ [12] منْ أفراد المصنّف. و"عبد الأعلى": هو ابن حماد، أبو يحيى البصريّ، المعروف بالنَّرْسيّ، لا بأس به، منْ كبار [10]. و"سفيان": هو ابن
عيينة. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ.
والحديث موقوف رجال إسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا بين ابن المسيب وبين عمر رضي الله عنه، وَقَدْ تقدّم أن بعض أهل العلم يصححون هَذَا الإسناد، ومنهم الإمام أحمد، فتنبّه. وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -48/ 5708 - وفي "الكبرى" 49/ 5215. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5710 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيذُ الَّذِي يَشْرَبُهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَدْ خُلِّلَ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا حَدِيثُ السَّائِبِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ": هو أحمد بن عليّ القاضي المروزيّ الحافظ الثقة [12]. و"أبو خيثمة": هو زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [7]. و"عبد الصمد": هو ابن عبد الوارث البصريّ، صدوقٌ [8]. و"أبوه": هو عبد الوارث بن سعيد البصريّ، ثقة ثبت [7].
[تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" هنا غلط، وهو أنه سقط منْ الإسناد قوله:"عن أبيه"، والإصلاح منْ "الكبرى" ج 3/ 238 رقم (5216)، و"تحفة الأشراف" ج 8/ 87. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و"محمد بن جُحادة" -بضم الجيم، وتخفيف الحاء المهملة-: هو الأوديّ، أو الإياديّ الكوفيّ، ثقة [5] 48/ 1736. و"إسماعيل بن أبي خالد": هو البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [4]. و"قيس بن أبي حازم": هو البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، مخضرم ثقة [2]. و"عتبة بن فرقد": هو أبو عبد الله السلميّ، صحابي نزل الكوفة، وهو الذي فتح الموصل فِي زمن عمر رضي الله تعالى عنهما 5/ 2107.
وقوله: "قد خُلّل" بالبناء للمفعول: أي صار خلاً، وهو يدلّ عَلَى أن النبيذ الذي كسره عمر رضي الله عنه بالماء كَانَ خلاً، لا نبيذا مسكرًا، وَقَدْ استدل المصنّف رحمه الله تعالى عَلَى هَذَا المعنى بما ساقه منْ حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه.
والحديث موقوف صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -48/ 5709 - وفي "الكبرى"495216. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَممَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا حَدِيثُ السَّائِبِ) يعني أن مما يدّل عَلَى صحّة ما
قاله عتبة بن فرقد رضي الله عنه منْ أن عمر رضي الله عنه إنما كَانَ يشرب الخلّ، لا النبيذ المسكر، كما زُعِمَ ما رواه السائب بن يزيد رضي الله عنه، وهو الذي ذكره بقوله:
5711 -
(قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، خَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطِّلَاءِ، وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ، فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَدْتُهُ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضى الله عنه الْحَدَّ تَامًّا).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة.
1 -
(الحارث بن مسكين) بن محمد القاضي، أبو عمرو المصريّ، ثقة فقيه [10] 9/ 9.
2 -
(ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، منْ كبار [10] 19/ 20.
3 -
(مالك) بن أنس إمام دار الهجرة المدنيّ الحجة الثبت [7] 7/ 7.
4 -
(ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت [4] 1/ 1.
5 -
(السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثُمامة الكنديّ، وقيل: غير ذلك فِي نسبه، صحابيّ صغير، له أحاديث قليلة، وحُجّ به فِي حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر رضي الله عنه سوق المدينة، ومات رضي الله عنه سنة (91)، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر منْ مات بالمدينة منْ الصحابة رضي الله عنهم 15/ 1392.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ مالك، والحارث، وابن القاسم مصريان. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي أخبر ابن شهاب (أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (خَرَجَ عَلَيْهِمْ) أي عَلَى الصحابة رضي الله عنهما (فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ) وفلان هو ولده عبيد الله بن عمر بن الخطاب (فَزَعَمَ أنَّهُ شَرَابُ الطَّلَاءِ) بالكسر: هو عصير العنب إذا طبخ (وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ) هل يُسكر، أم لا؟ (فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَدْتُهُ) لشربه الخمر (فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه الْحَدَّ تَامًّا) قَالَ فِي "الفتح": وفي السياق حذف تقديره: فسأل عنه، فوجده يسكر، فجلده. وأخرجه سعيد
ابن منصور، عن ابن عيينة، عن الزهريّ، سمع السائب بن يزيد يقول: قام عمر عَلَى المتبر، فَقَالَ: ذُكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحابه شربوا شرابا، وأنا سائل عنه، فإن كَانَ لسكر حددتهم، قَالَ ابن عيينة: فأخبرني معمر، عن الزهريّ، عن السائب، قَالَ: فرأيت عمر يجلدهم.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا الأثر يؤيد ما قدمته، أن المراد بما أحده عمر منْ المطبوخ الذي يسمى الطلاء، ما لم يكن بلغ حد الإسكار، فإن بلغه لم يحل عنده، ولذلك جلدهم، ولم يستفصل هل شربوا منه قليلا أو كثيرا، وفي هَذَا رد عَلَى منْ احتج بعمر فِي جواز شرب المطبوخ إذا ذهب منه الثلثان ولو أسكر، فإن عمر رضي الله عنه أَذِن فِي شربه، ولم يفصل. وتُعقب بأن الجمع بين الأثرين عنه، يقتضى التفصيل، وَقَدْ ثبت عنده: أن كل مسكر حرام، فاستغنى عن التفصيل.
ويحتمل أن يكون سأل ابنه، فاعترف بأنه شرب كذا، فسأل غيره عنه، فأخبره أنه يسكر، أو سأل ابنه فاعترف أن الذي شرب يسكر، وَقَدْ بين ذلك عبد الرزاق فِي روايته، عن معمر، فَقَالَ عن الزهريّ، عن السائب: شهدت عمر رضي الله عنه صلى عَلَى جنازة، ثم أقبل علينا، فَقَالَ: إني وجدت منْ عبيد الله بن عمر ريح شراب، وإني سألته عنه، فزعم أنه الطلاء، وإني سائل عن الشراب الذي شرب، فإن كَانَ مسكرا جلدته، قَالَ: فشهدته بعد ذلك يجلده.
قَالَ الحافظ: وهذا السياق يوضح أن رواية ابن جريج التي أخرجها عبد الرزاق أيضًا عنه، عن الزهريّ مختصرة منْ هذه القصة، ولفظه: عن السائب أنه حضر عمر يجلد رجلا وجد منه ريح شراب، فجلده الحد تاما، فإن ظاهره أنه جلده بمجرد وجود الريح منه، وليس كذلك لما تبين منْ رواية معمر، وكذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة منْ طريق ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن السائب، أن عمر كَانَ يضرب فِي الريح، فإنها أشد اختصارا، وأعظم لبسًا، وَقَدْ تبين برواية معمر، أن لا حجة فيه لمن يُجَوِّز إقامة الحد بوجود الريح.
واستدل به النسائيّ عَلَى أن الذي نُقل عنه منْ أنه كسر النبيذ بالماء لَمّا شرب منه، فقَطَّب أن ذلك كَانَ لحموضته، لا لاشتداده، ووجه الدلالة أنه عمم وجوب الحد بشرب المسكر، ولم يستفصل منه، هل شرب منه قليلا أو كثيرا، فدل عَلَى أن ذلك النبيذ الذي قطّب منه، لم يكن بلغ حد الإسكار أصلًا.
واستدل به عَلَى جواز إقامة الحد بالرائحة، وَقَدْ نُقِل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه عمل به، ونَقَل ابن المنذر عن عمر بن عبد العزيز، ومالك مثله، قَالَ مالك: إذا شهد عدلان
ممن كَانَ يشرب ثم تابا أنه ريح خمر، وجب الحد، وخالف ذلك الجمهور، فقالوا: لا يجب الحد إلا بالإقرار، أو البينة عَلَى مشاهدة الشرب؛ لأن الروائح قد تتفق، والحد لا يقام مع الشبهة، وليس فِي قصة عمر التصريح أنه جلد بالرائحة، بل ظاهر سياقه يقتضى أنه اعتمد فِي ذلك عَلَى الإقرار، أو البينة؛ لأنه لم يجلدهم حَتَّى سأل. انتهى "فتح" 11/ 192 - 193. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث موقوف صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -48/ 5710 - وفي "الكبرى" 49/ 5217. وأخرجه (مالك فِي الموطإ) فِي "الأشربة" 1587. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
49 - (ذِكْرِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ عز وجل لِشَارِبِ الْمُسْكِرِ مِنَ الذُّلِّ، وَالْهَوَانِ، وَأَلِيمِ الْعَذَابِ)
5712 -
(أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ جَيْشَانَ -وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ- قَدِمَ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ، مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَمُسْكِرٌ هُوَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ اللَّهَ عز وجل عَهِدَ لِمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ، أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ"، أَوْ قَالَ: "عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [10] 1/ 1.
2 -
(عبد العزيز) بن محمد الدراورديّ المدنيّ، صدوقٌ، كَانَ يحدّث منْ كتب غيره، فيُخطىء [8] 84/ 101.
3 -
(عمارة بن غزيّة) بن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [6] 168/ 1137.
4 -
(أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [4] 31/ 35.
5 -
(جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما 31/ 35. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، رَوَى (1540) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا مِنْ جَيْشَانَ) بفتح الجيم، وسكون التحتانيّة بعدها شين معجمة (وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ) أي مكان منْ جملة أماكن اليمن، قَالَ فِي "القاموس": وجيشانُ: خِطّة بالْفُسْطاط، ومِخْلافٌ باليمن، ولقبُ عَبْدانَ بن حَجْر بن ذي رُعَين، وإليه يُنسب الجيشانيون، وأبو تميم الجيشانيّ تابعيّ منْ أهل اليمن. انتهى.
(قَدِمَ) بكسر الدال المهملة، منْ باب تعب (فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ شَرَابٍ) أي عن حكمه (يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ، مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ؟) بكسر الميم، وسكون الزاي، آخره راء (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَمُسْكِرٌ هُوَ؟) وفي رواية مسلم: "أوَ مسكر هو؟ "، قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية التي لا يُعرَف غيرها هي بفتح الهمزة، وفتح الواو عَلَى جهة الاستفهام عن صفة النبيذ المسؤول عنه، وهو حجة عَلَى منْ علّق التحريم عَلَى وجود الإسكار بالشارب منْ غير اعتبار وصف المشروب، وهم الحنفيّة، وهذا نصٌّ فِي أن المعتبر شرعًا إنما هو المعنى الذي فِي الخمر الذي يعبّر عنه الفقهاء بالشدّة المطربة، والمسكرة. انتهى "المفهم" 5/ 268.
(قَالَ) الرجل (نَعَمْ) أي هو مسكر (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ اللهَ عز وجل عَهِدَ) بكسر الهاء، منْ باب تعب: أي التزم ذلك بقوله، ووعيده حسبما سبق فِي علمه عز وجل، وفي رواية مسلم:"إن عَلَى الله عهدًا"(لِمَنْ شَرِبَ المُسْكِرَ، أَنْ يَسْقِيَهُ) بفتح أوله، وضمه، كما سبق غير مرّة (مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ) بفتح الخاء المعجمة (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ:"عَرَقُ) بفتحتين (أَهْلِ النَّارِ، أَوْ) للشكّ منْ الراوي (قَالَ: "عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ) "العُصارة" -بضم العين المهملة: ما سأل عن العصر، ومنه قيل: اعتصرت ما فلان: إذا استخرجته منه. قاله فِي "المصباح". قَالَ القرطبيّ رحمه
الله تعالى: وفي حديث آخر: "صديد أهل النار"، وسُمّي ذلك بطينة الخبال؛ لأنها تخبل عقل شاربها، وتُفسد حاله، ماخوذ منْ الخبل فِي العقل. قَالَ: وهذا الوعيد، وإن كَانَ معلّقا عَلَى مطلق الشرب، فقد قيّده فِي الْحَدِيث الآخر منها، فَقَالَ:"منْ شرب الخمر فِي الدنيا، فمات، وهو يُدمنها، لم يتب، لم يشربها فِي الآخرة"، وأما منْ تاب منها، فلم يدخل فِي هَذَا الوعيد إذا حسنت توبته. انتهى "المفهم" 5/ 269. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر رضي الله عنه عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -49/ 571 - وفي "الكبرى" 50/ 5218. وأخرجه (م) فِي الأشربة 2002 (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" 14466. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
50 - (الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ)
5713 -
(أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ"، وَرُبَّمَا قَالَ: "وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةً، وَسَأَضْرِبُ فِي ذَلِكَ مَثَلاً، إِنَّ اللَّهَ عز وجل حَمَى حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَا حَرَّمَ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى"، وَرُبَّمَا قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ، وَإِنَّ مَنْ خَالَطَ الرِّيبَةَ، يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [10] 5/ 5.
2 -
(يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبتٌ [8] 5/ 5.
3 -
(ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبتٌ، فاضلٌ
[5]
(1)
29/ 33.
4 -
(الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، الإِمام المشهور الحجة الثبت [3] 66/ 82.
5 -
(النعمان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، سكن الشام، ثم ولي إِمْرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (65) وله (64) سنة، تقدّم فِي 19/ 528. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى ابن عون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ) أي واضح بأدلته منْ الكتاب والسنّة، لا يخفى عَلَى كلّ منْ له أدنى دراية بعلمهما (وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ) أي واضح كذلك (وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ) أي بين الحلال البيّن، والحرام البيّن (أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ) أي ملتبسات؛ لتجاذب الأدلة لها، فإنها تشبه الحلال منْ وجه، وتشبه الحرام منْ وجه آخر، فلا يقدر عَلَى إلحاقها بأحدهما إلا الراسخون فِي العلم، كما قَالَ فِي الرواية الأخرى:"لا يعلمها كثير منْ النَّاس"(وَرُبَّمَا قَالَ) أي الراوي: النعمان، أو منْ دونه (وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةً) بالإفراد.
وحاصل معنى الْحَدِيث: أن كل واحد منْ الحلال مبيّن بأدلته فِي كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تأصيلًا، وتفصيلًا، فمن وقف عَلَى ما فِي الكتاب والسنة وجد فيهما أمورا جلية التحليل والتحريم، وأمورا مترددة بينهما، وهي التي تتعارض فيها الأدلة، وهي المتشابهات.
وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: معناه: أن الحلال المحض بَيِّنٌ، لا اشتباه فيه، وكذلك الحرام المحض، ولكن بين الأمرين أمور تشتبه عَلَى كثير منْ النَّاس، هل هي منْ الحلال، أم منْ الحرام، وأما الراسخون فِي العلم فلا يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون منْ أيّ القسمين هي.
(1)
تقدّم أنه جعله فِي "التقريب" منْ [6]، لكن الظاهر أنه منْ [5] لأنه رأى أنس بن مالك منْ الصحابة، فيكون مثل الأعمش، فتأمل. والله تعالى أعلم.
فأما الحلال المحض: فمثل أكل الطيبات منْ الزروع والثمار، وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباس ما يحتاج إليه منْ القطن والكتان، والصوف والشعر، وكالنكاح، والتسري، وغير ذلك، إذا كَانَ اكتسابه بعقد صحيح، كالبيع، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة.
والحرام المحض: مثل أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الاكتساب المحرم، كالربا، والميسر، وثمن ما لا يحل بيعه، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة، أو غصب، ونحو ذلك.
وأما المشتبه: فمثل بعض ما اختُلف فِي حله أو تحريمه، إما منْ الأعيان، كالخيل، والبغال، والحمير، والضب، وشرب ما اختُلف فِي تحريمه منْ الأنبذة التي يسكر كثيرها، ولبس ما اختُلف فِي إباحة لبسه منْ جلود السباع ونحوها، وإما منْ المكاسب المختلف فيها، كمسائل العينة، والتورُّق، ونحو ذلك، وبنحو هَذَا المعنى فَسَّر المشتبهات أحمد، وإسحاق، وغيرهما منْ الأئمة.
وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل عَلَى نبيه صلى الله عليه وسلم الكتاب، وبين فيه للأمة، ما يحتاج إليه منْ حلال وحرام، كما قَالَ تعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} الآية [النحل: 89]، قَالَ مجاهد وغيره: كل شيء أُمروا به، ونهوا عنه، وَقَالَ تعالى فِي آخر سورة النِّساء التي بَيّن فيها كثيرا منْ أحكام الأموال والأبضاع:{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النِّساء: 176]، وَقَالَ تعالى:{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 119]، وَقَالَ تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} الآية [التوبة: 115]، ووكل بيان ما أشكل منْ التنزيل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كما قَالَ تعالى:{بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} الآية [النحل: 44]، وما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى أكمل له، ولأمته الدين، ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} الآية [المائدة: 3]، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"تركتكم عَلَى بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك"
(1)
.
وَقَالَ أبو ذر رضي الله عنه: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما طائر يحرك جناحيه فِي السماء، إلا وَقَدْ ذكر لنا منه علماً
(2)
.
(1)
حديث صحيح، أخرجه ابن ماجة برقم (42).
(2)
أخرجه أحمد 5/ 162، والطبرانيّ فِي "الكبير" 2/ 155، وزاد:"ما بقي شيء يقرّب إلى الجنة، ويباعد منْ النار إلا وَقَدْ بين لكم". قَالَ الهيثميّ: ورجاله رجال الصحيح.
ولما شك ناس فِي موته صلى الله عليه وسلم، قَالَ عمه العبّاس رضي الله عنه:"والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، حَتَّى ترك السبيل نهجا واضحا، وأحل الحلال، وحرم الحرام، ونكح، وطلق، وحارب، وسالم، وما كَانَ راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال، يخبط عليها العِضَاه بمخبطته، ويَمدُر حوضها بيده، أنصب ولا أدأب منْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كَانَ فيكم".
وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا، ولا حراما إلا مبينا، لكن بعضه كَانَ أظهر بيانا منْ بعض، فما ظهر بيانه، واشتهر، وعُلم منْ الدين بالضرورة منْ ذلك، لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله فِي بلد، يظهر فيها الإِسلام، وما كَانَ بيانه دون ذلك فمنه ما يَشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء عَلَى حله أو حرمته، وَقَدْ يخفى عَلَى بعض منْ ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا فِي تحليله وتحريمه، وذلك لأسباب:[منها]: أنه قد يكون النص عليه خفيا، لم ينقله إلا قليل منْ النَّاس، فلم يبلغ جميع حملة العلم. [ومنها]: أنه قد يُنقَل فيه نصان: أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر، فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معا منْ لا يبلغه التاريخ فيقف؛ لعدم معرفته بالناسخ والمنسوخ. [ومنها]: ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ منْ عموم، أو مفهوم، أو قياس، فتختلف أفهام العلماء فِي هَذَا كثيرا. [ومنها]: ما يكون فيه أمر أو نهي، فتختلف العلماء فِي حمل الأمر عَلَى الوجوب، أو الندب، وفي حمل النهي عَلَى التحريم، أو التنزيه، وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا، ومع هَذَا فلابد فِي الأمة منْ عالم يوافق الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبها عليه، ولا يكون عالما بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع عَلَى ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها عَلَى أهل حقها، فلا يكون الحق مهجورا، غير معمول به فِي جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي المشتبهات:"لا يعلمهن كثير منْ النَّاس"، فدل عَلَى أن منْ النَّاس منْ يعلمها، وإنما هي مشتبهة عَلَى منْ لم يعلمها، وليست مشتبهة فِي نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء، عَلَى كثير منْ العلماء، وَقَدْ يقع الاشتباه فِي الحلال والحرام، بالنسبة إلى العلماء وغيرهم منْ وجه آخر، وهو أن منْ الأشياء ما يُعلم سبب حله، وهو الملك المتيقن، ومنها ما يعلم سبب تحريمه، وهو ثبوت ملك الغير عليه.
فالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللَّهم إلا فِي الأبضاع عند منْ يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك، أو إذا غلب عَلَى الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه.
والثاني لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه، وأما ما لا يعلم له أصل
ملك، كما يجده الإنسان فِي بيته، ولا يدري هل هو له أو لغيره، فهذا مشتبه، ولا يحرم عليه تناوله؛ لأن الظاهر أن ما فِي بيته ملكه؛ لثبوت يده عليه، والورع اجتنابه، فقد قَالَ صلى الله عليه وسلم:"إنى لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة عَلَى فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون منْ الصدقة، فألقيها"، متّفقٌ عليه.
فإن كَانَ هناك منْ جنس المحظور، وشك هل هو منه أم لا، قويت الشبهة، وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أصابه أَرَقٌ منْ الليل، فَقَالَ له بعض نسائه: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَرِقتَ الليلة؟ فَقَالَ:"إني كنت أصبت تمرة تحت جنبي فأكلتها، وكان عندنا تمر منْ تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه".
ومن هَذَا أيضًا ما أصله الإباحة، كطهارة الماء، والثوب، والأرض، إذا لم يتيقن زوال أصله، فيجوز استعماله، وما أصله الحظر، كالأبضاع، ولحوم الحيوان، فلا تحل إلا بيقين حله، منْ التذكية، والعقد، فإن تردد فِي شيء منْ ذلك؛ لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل، فيبنى عليه، فيتبين فيما أصله الحرمة عَلَى التحريم، ولهذا نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أكل الصيد، الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه، أو كلب غير كلبه، أو يجده قد وقع فِي ماء، وعلل بأنه لا يدري هل مات منْ السبب المبيح له، أو منْ غيره، فيرجع فيما أصله الحل إلى الحل، فلا ينجس الماء، والأرض، والثوب بمجرد ظن النجاسة، وكذلك البدن، إذا تحقق طهارته، وشك هل انتقضت بالحدث، عند جمهور العلماء؛ خلافا لمالك رحمه الله، إذا لم يكن قد دخل فِي الصلاة، وَقَدْ صح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه شكا إليه الرجل يُخَيَّل إليه أنه يجد الشيء فِي الصلاة؟ فَقَالَ:"لا تنصرف حَتَّى تسمع صوتا، أو تجد ريحا"، وفي بعض الروايات:"فِي المسجد" بدل "الصلاة"، وهذا يعم حال الصلاة وغيرهما.
فإن وجد سببا قويا يغلب معه عَلَى الظن نجاسة ما أصله الطهارة، مثل أن يكون الثوب يلبسه كافر، لا يتحرز منْ النجاسات، فهذا محل اشتباه، فمن العلماء منْ رخص فيه، آخذا بالأصل، ومنهم منْ كرهه تنزيها، ومنهم منْ حرمه، إذا قوي ظن النجاسة، مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحته، أو يكون ملاقيا لعورته، كالسراويل، والقميص، وترجع هذه المسائل، وأشباهها إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر، فإن الأصل الطهارة، والظاهر النجاسة، وَقَدْ تعارضت الأدلة فِي ذلك.
فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وطعامهم إنما يصفعونه بأيديهم فِي أوانيهم، وَقَدْ أجاب النبيّ صلى الله عليه وسلم دعوة يهودي، وكان هو وأصحابه يلبسون، ويستعملون ما يجلب إليهم مما ينسجه الكفار بأيديهم منْ الثياب، والأواني،
وكانوا فِي المغازي يقتسمون ما وقع لهم منْ الأوعية، والثياب، ويستعملونها، وصح عنهم أنهم يستعملون الماء منْ مزادة مشركة.
والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنه صح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه سئل عن آنية أهل الكتاب، الذين يأكلون الخنزير، ويشربون الخمر؟ فَقَالَ:"إن لم تجدوا غيرها، فاغسلوها بالماء، ثم كلوا فيها".
وَقَدْ فسر الإِمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام، يعني الحلال المحض، والحرام المحض، وَقَالَ: منْ اتّقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام، ويتفرع عَلَى هَذَا معاملة منْ فِي ماله حلال وحرام مختلط.
فإن كَانَ أكثر ماله الحرام، فَقَالَ أحمد: ينبغي أن يتجنبه، إلا أن يكون شيئا يسيرا، أو شيئاً لا يعرف، واختلف أصحابه هل هو مكروه، أو محرم عَلَى وجهين، وإن كَانَ أكثر ماله الحلال، جازت معاملته، والأكل منْ ماله. وَقَدْ رَوَى الحارث عن عليّ رضي الله عنه، أنه قَالَ فِي جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يعطيكم منْ الحلال أكثر مما يعطيكم منْ الحرام. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يعاملون المشركين، وأهل الكتاب، مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله.
وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركه. قَالَ سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إلي. وَقَالَ الزهريّ، ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه، ما لم يعرف أنه حرام بعينه، فإن لم يعرف فِي ماله حرام بعينه، ولكن علم أن فيه شبهة، فلا بأس بالأكل منه، نص عليه أحمد فِي رواية حنبل، وذهب إسحاق بن راهويه إلى ما رُوي عن ابن مسعود وسلمان وغيرهما منْ الرخصة، وإلى ما رُوي عن الحسن، وابن سيرين، فِي إباحة الأخذ بما يقضي منْ الربا والقمار، ونقله عنه ابن منصور، وَقَالَ الإمام أحمد فِي المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كَانَ المال كثيرا، أخرج منه قدر الحرام، وتصرف فِي الباقي، وإن كَانَ المال قليلا، اجتنبه كله وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئا، فإنه يتعذر معه السلامة منْ الحرام، بخلاف الكثير، ومن أصحابه منْ حمل ذلك عَلَى الورع دون التحريم، وأباح التصرف فِي القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم، وأخذ به قوم منْ أهل الورع، منهم بشر الحافي، ورخص قوم منْ السلف فِي الأكل ممن يعلم فِي ماله حرام، ما لم يعلم أنه منْ الحرام بعينه، فصح كما تقدّم عن مكحول والزهري، وروي مثله عن الفضيل بن عياض، ورُوي فِي ذلك آثار عن السلف، فصح عن ابن مسعود أنه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية، ولا يتحرج منْ مال خبيث يأخذه، يدعوه إلى طعام، قَالَ: أجيبوه، فإنما المهنأ لكم، والوزر عليه،
وفي رواية أنه قَالَ: لا أعلم له شيئا إلا خبيثا أو حراما، فَقَالَ: أجيبوه، وَقَدْ صحح الإِمام أحمد هَذَا عن ابن مسعود، ولكنه عارضه عارض بما رُوي عنه أنه قَالَ: الإثم حزاز القلوب. ورُوي عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول، وعن سعيد بن جبير، والحسق البصريّ، ومورق العجليّ، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وغيرهم، والآثار بذلك موجودة فِي "كتاب الأدب" لحميد بن زنجويه، وبعضها فِي "كتاب الجامع" للخلال، وفي مصنفي عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وغيرهم.
ومتى عُلم أن عين الشيء حرام، أخذ بوجه محرم، فإنه يحرم تناوله، وَقَدْ حَكَى الإجماع عَلَى ذلك ابن عبد البرّ وغيره. وَقَدْ روي عن ابن سيرين فِي الرجل يقضي منْ الربا قَالَ: لا بأس به، وعن الرجل يقضي منْ القمار، قَالَ: لا بأس به، أخرجه الخلال بإسناد صحيح، وروى عن الحسن خلاف هَذَا، وأنه قَالَ: إن هذه المكاسب قد فسدت فخذوا منها ما أشبه المضطر.
وعارض المرويَّ عن ابن مسعود وسلمان ما رُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أكل طعاما، ثم أُخبر أنه منْ حرام، فاستقاءه.
وَقَدْ يقع الاشتباه فِي الحكم؛ لكون الْفَرَع مترددا بين أصول تجتذبه، كتحريم الرجل زوجته، فإن هَذَا متردد بين تحريم الظهار، الذي ترفعه الكفارة الكبرى، وبين تحريم الطلقة الواحدة الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد بانقضاء عدتها، وبين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه الزوجة بدون زوج، وإصابة، وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله له منْ الطعام والشراب، الذي لا يحرمه، وإنما يوجب الكفارة الصغرى، أو لا يوجب شيئاً عَلَى الاختلاف فِي ذلك.
فمن هاهنا كثر الاختلاف فِي هذه المسألة، فِي زمن الصحابة، ومن بعدهم، وبكل حال فالأمور المشتبهة التي لا تتبين أنها حلال ولا حرام لكثير منْ النَّاس، كما أخبر به النبيّ صلى الله عليه وسلم، قد يتبين لبعض النَّاس أنها حلال أو حرام؛ لما عنده منْ ذلك منْ مزيد علم.
وكلام النبيّ صلى الله عليه وسلم، يدلّ عَلَى أن هذه المشتبهات، منْ النَّاس منْ يعلمها، وكثير منهم لا يعلمها، فدخل فيمن لا يعلمها نوعان:[أحدهما]: منْ يتوقف فيها لاشتباهها عليه. [والثاني]: منْ يعتقدها عَلَى غير ما هي عليه، ودل الكلام عَلَى أن غير هؤلاء يعلمها، ومراده أنه يعلمها عَلَى ما هي عليه فِي نفس الأمر، منْ تحليل أو تحريم، وهذا منْ أظهر الأدلة عَلَى أن المصيب عند الله، فِي مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند الله عز وجل، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى أنه غير مصيب لحكم الله فيها فِي نفس الأمر، وإن كَانَ يعتقد فيها اعتقادا يستند فيه إلى شُبَهٍ يظنها دليلا، ويكون
مأجورا عَلَى اجتهاده، ومغفورا له خطؤه؛ لعدم اعتماده.
زاد فِي رواية الشيخين: "فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فِي الشبهات وقع فِي الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، إلا وإن حمى الله محارمه".
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فِي الشبهات وقع فِي الحرام"، فَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: قَسَمَ النَّاس فِي الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنما هو بالنسبة إلى منْ هي مشتبهة عليه، وهو ممن لا يعلمها، فأما منْ كَانَ عالما بها، واتبع ما دله علمه عليها، فذلك قسم ثالث، لم يذكره؛ لظهور حكمه، فإن هَذَا القسم أفضل الأقسام الثلاثة؛ لأنه علم حكم الله فِي هذه الأمور المشتبهة عَلَى النَّاس، واتبع علمه فِي ذلك.
وأما منْ لم يعلم حكم الله فيها فهم قسمان:
[أحدهما]: منْ يتقي هذه الشبهات؛ لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه.
ومعنى "استبرأ": طلب البراءة لدينه وعرضه منْ النقص والشين، والعرضُ: هو موضع المدح والذم منْ الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدح، وبذكره بالقبيح قدح، وَقَدْ يكون ذلك تارة فِي نفس الإنسان، وتارة فِي سلفه، أو فِي أهله، فمن اتقى الأمور المشتبهة، واجتنبها، فقد حَصّن عرضه منْ القدح والشين الداخل عَلَى منْ لا يجتنبها.
وفي هَذَا دليل عَلَى أن منْ ارتكب الشبهات، فقد عَرّض نفسه للقدح فيه والطعن، كما قَالَ بعض السلف: منْ عرّض نفسه للتهم، فلا يلومَنّ منْ أساء الظن به.
وفي رواية للترمذي فِي هَذَا الْحَدِيث: "فمن تركها استبراء لدينه وعرضه، فقد سلم". والمَعْنَى: أن منْ تركها بهذا القصد، وهو براءة دينه وعرضه عن النقص، لا لغرض آخر فاسد، منْ رياء ونحوه.
وفيه دليل عَلَى أن طلب البراءة للعرض ممدوح، كطلب البراءة للدين، ولهذا ورد:"كلُّ ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة".
وفي رواية فِي "الصحيحين" فِي هَذَا الْحَدِيث: "فمن ترك ما يشتبه عليه منْ الإثم، كَانَ لما استبان أترك". يعني أن منْ ترك الإثم مع اشتباهه عليه، وعدم تحققه فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم، وهذا إذا كَانَ تركه تحرزا منْ الإثم، فأما منْ يقصد التصنع للناس، فإنه لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم.
(القسم الثاني): منْ يقع فِي الشبهات مع كونها مشتبهة عنده، فأما منْ أتى شيئا مما
يظنه النَّاس شبهة؛ لعلمه بأنه حلال فِي نفس الأمر، فلا حرج عليه منْ الله فِي ذلك، لكن إذا خشي منْ طعن النَّاس عليه بذلك، كَانَ تركها حينئذ استبراء لعرضه، فيكون حسنا، وهذا كما قَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، لمن رآه واقفا مع صفية:"إنها صفية بنت حيي"، وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى النَّاس قد صلوا ورجعوا، فاستحيا ودخل موضعا لا يراه النَّاس فيه، وَقَالَ:"منْ لا يستحي منْ النَّاس لا يستحيي منْ الله"، وأخرجه الطبراني مرفوعا ولا يصح.
وإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال، إما باجتهاد سائغ، أو تقليد سائغ، وكان مخطئا فِي اعتقاده فحكمه حكم الذي قبله، فإن كَانَ الاجتهاد ضعيفا، أو التقليد غير سائغ، وإنما حمل عليه مجرد اتباع الهوى، فحكمه حكم منْ أتاه مع اشتباهه عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، قد أخبر عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه وقع فِي الحرام، فهذا يفسر بمعنيين:
[أحدهما]: أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج، والتسامح، وفي رواية فِي "الصحيحين" لهذا الْحَدِيث:"ومن اجترأ عَلَى ما يشك فيه منْ الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان"، وفي مراسيل أبي المتوكل الناجي، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"منْ يرعى بجنبات الحرام، يوشك أن يخالطه، ومن تهاون بالمحقرات يوشك أن يخالط الكبائر".
[والمعنى الثاني]: أن منْ أقدم عَلَى ما هو مشتبه عنده، لا يدري أهو حلال أو حرام، فإنه لا يأمن أن يكون حراما فِي نفس الأمر، فيصادف الحرام، وهو لا يدري أنه حرام، وَقَدْ رُوي منْ حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات، فمن اتقاها كَانَ أنزه لدينه وعرضه، ومن وقع فِي الشبهات، أوشك أن يقع فِي الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقع الحمى، وهو لا يشعر"، أخرجه الطبراني وغيره
(1)
.
واختلف العلماء هل يطيع والديه فِي الدخول فِي شيء منْ الشبهة، أم لا يطيعهما، فرُوي عن بشير بن الحارث، قَالَ: لا طاعة لهما فِي الشبهة. وعن محمد بن مقاتل العباداني قَالَ: يطيعهما. وتوقف أحمد فِي هذه المسألة، وَقَالَ: يداريهما، وأبى أن يجيب فيها. وَقَالَ أحمد: لا يبيع الرجل منْ الشبهة، ولا يشتري الثوب للتجمل منْ
(1)
ذكره الهيثميّ فِي "مجمع الزوائد" 4/ 76 - 77 وَقَالَ: رواه الطبرانيّ فِي "الأوسط"، وفي "الصغير" عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي إسناد "الأوسط" سعد بن زنبور، قَالَ أبو حاتم: مجهول، وإسناد "الصغير" حسن. انتهى.
الشبهة، وتوقف فِي حل ما يؤكل، وما يلبس منها، وَقَالَ فِي التمرة يلقيها الطير: لا يأكلها، ولا يأخذها، ولا يتعرض لها. وَقَالَ الثوري فِي الرجل يجد فِي بيته الأفلس أو الدراهم: أحب إلى أن ينتنزه عنها -يعني إذا لم يدر منْ أين هي-. وكان بعض السلف لا يأكل إلا شيئا يعلم منْ أين هو؟ ويسأل عنه حَتَّى يقف عَلَى أصله. وَقَدْ رُوي فِي ذلك حديث مرفوع، إلا أن فيه ضعفا.
وقوله: (وَسَأَضْرِبُ فِي ذَلِكَ مَثَلًا) أي سأجعل مثلاً؛ لإيضاح تلك الأمور (إِنَّ اللهَ عز وجل حَمَى حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَا حَرَّمَ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الْحِمَى) بكسر الحاء المهملة، والقصر: أرض يحميها الملوك، ويمنعون النَّاس عن الدخول فيها، فمن دخله أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى، خوفًا منْ الوقوع فيه، والمحارم كذلك يعاقب الله تعالى عَلَى ارتكابها، فمن احتاط لنفسه لم يقاربها بالوقوع فِي المشتبهات (يُوشِكُ) بضم الياء، وكسر الشين: أي يقرب (أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى) لأنه يتعاهد به التساهل، ويتمرّن عليه، ويجسر عَلَى شبهة أخرى أغلظ منها، وهكذا حَتَّى يقع فِي الحرام (وَرُبَّمَا قَالَ:"يُوشِكُ أن يَرْتَعَ، وَإِنَّ مَنْ خَالَطَ الرِّيبَةَ) بكسر الراء: أي الشك (يُوشِكُ) أي يقرب (أَنْ يَجْسُرَ") بضم السين المهملة: أي يُقدِم عَلَى الحرام المحض، والْجَسُور: المقدام الذي لا يهاب شيئا، ولا يراقب أحدا. ورواه بعضهم:"يجشُر" بالشين المعجمة: أي يرتع، والجشر الشرعي، وجشرتُ الدابةَ: إذا رعيتها.
وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى عند قوله: "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمي، ألا وإن حمى الله محارمه":
هَذَا مثل ضربه النبيّ صلى الله عليه وسلم لمن وقع فِي الشبهات، وأنه يقرب وقوعه فِي الحرام المحض، وفي بعض الروايات: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "سأضرب لكم مثلا
…
" ثم ذكر هَذَا الكلام، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل المحرمات، كالحمى الذي يحميه الملوك، ويمنعون غيرهم منْ قربانه.
وَقَدْ جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، حول مدينته اثني عشر ميلا، حمى محرما لا يقطع شجره، ولا يصاد صيده، وحَمَى عمر وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ؛ لأجل إبل الصدقة، والله سبحانه وتعالى حمى هذه المحرمات، ومنع عباده منْ قربانها، وسماها حدوده، فَقَالَ:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} الآية [البقرة: 187]، وهذا فيه بيان أنه حَدَّ لهم ما أحل لهم، وما حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام، ولا يعتدوا الحلال، وكذلك قَالَ فِي آية أخرى:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229]، وجعل منْ يرعى حول الحمى، أو قريبا منه جديرا بأن يدخل الحمى،
فيرتع فيه، فلذلك منْ تعدى الحلال، ووقع فِي الشبهات، فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة، فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه.
وفي هَذَا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات، وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزا. وَقَدْ أخرج الترمذيّ، وابن ماجه، منْ حديث عبد الله بن يزيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لا يبلغ العبد أن يكون منْ المتقين، حَتَّى يدع ما لا بأس به، حذرا مما به بأس"
(1)
.
وَقَالَ أبو الدرداء رضي الله عنه: "تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ حَتَّى يتقيه منْ مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال؛ خشية أن يكون حراما، حجابا بينه وبين الحرام". وَقَالَ الحسن: مازالت التقوى بالمتقين، حَتَّى تركوا كثيرا منْ الحلال، مخافة الحرام. وَقَالَ الثوري: إنما سموا المتقين؛ لأنهم اتقوا مالاً يُتّقَى. ورُوي عن ابن عمر قَالَ: إنى لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة منْ الحلال، لا أخرقها. وَقَالَ ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال، حَتَّى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا منْ الحلال. وَقَالَ سفيان بن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان، حَتَّى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا منْ الحلال، وحتى يدع الإثم، وما تشابه منه.
ويَستَدِلُّ بهذا الْحَدِيث منْ يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات، وتحريم الوسائل إليها، ويدل عَلَى ذلك أيضًا منْ قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيره، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر؛ سدا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ومنعُ الصائم منْ المباشرة، إذا كانت تتحرك شهوته، ومنع كثير منْ العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها، إلا منْ وراء حائل، كما كَانَ صلى الله عليه وسلم يأمر امرأته، إذا كانت حائضا أن تتزر فيباشرها منْ فوق الإزار.
ومن أمثلة ذلك، وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبيّ صلى الله عليه وسلم: منْ سيب دابته ترعى بقرب زرع غيره، فإنه ضامن لما أفسدته منْ الزرع، ولو كَانَ ذلك نهارا، وهذا هو الصحيح؛ لأنه مُفَرِّط بإرسالها فِي هذه الحال، وكذا الخلاف لو أرسل كلب الصيد قريبا منْ الحرم، فدخل فصاد فيه، ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل: يضمنه بكل حال.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن فِي الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". فَقَالَ ابن رَجَب رحمه الله تعالى أيضًا: فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات، واتقاءه للشبهات،
(1)
ضعيف؛ لأن فِي سند عبد الله بن يزيد الدمشقيّ، وهو ضعيف.
بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كَانَ قلبه سليما، ليس فيه إلا محبّة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقيِّ الشبهات؛ حذرا منْ الوقوع فِي المحرمات، وإن كَانَ القلب فاسدا، قد استولى عليه اتباع الهوى، وطدب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي، والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب، ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هَذَا جنود طائعون له، منبعثون فِي طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه فِي شيء منْ ذلك، فإن كَانَ الملك صالحا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كَانَ فاسدا كانت جنوده بهذه المشابهة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قَالَ تعالى:{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89]، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول فِي دعائه:"اللَّهم إنى أسألك قلبا سليما"
(1)
.
فالقلب السليم: هو السالم منْ الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبّة الله وخشيته، وخشية ما يباعد منه. وفي "مسند الإمام أحمد" رحمه الله تعالى، عن أنس رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لا يستقيم إيمان عبد حَتَّى يستقيم قلبه"
(2)
.
والمراد باستقامة إيمانه: استقامة أعمال جوارحه، فإن أعمال جوارحه، لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومَعْنَى استقامة القلب، أن يكون ممتلئا منْ محبّة الله تعالى، ومحبة طاعته، وكراهة معصيته. وَقَالَ الحسن لرجل: داو قلبك، فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم. يعني أن مراده منهم، ومطلوبه صلاح قلوبهم، فلا صلاح للقلوب حَتَّى يستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته، وخشيته، ومهابته، ورجاؤه، والتوكل عليه، ويمتلىء منْ ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول:"لا إله إلا الله"، فلا صلاح للقلوب حَتَّى يكون إلهها الذي تالهه وتعرفه، وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له، ولو كَانَ فِي السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السموات والأرض، كما قَالَ تعالى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} الآية [الأنبياء: 22]، فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا، حَتَّى تكون حركات أهلها كلها لله، وحركات الجسد متابعة لحركات القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده، فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإراداته لغير
(1)
حديث صحيح، تقدّم للمصنف فِي "الصلاة" رقم 1304.
(2)
قَالَ الهيثميّ فِي "المجمع" 1/ 58: فِي سنده عليّ بن مسعدة، وثقه جماعة، وضعفه آخرون.
الله فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب.
وروى الليث عن مجاهد، فِي قوله تعالى:{وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} الآية [النِّساء: 36] قَالَ: لا تحبوا غيري. وفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الشرك أخفى منْ دبيب الذر عَلَى الصفا، فِي الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب عَلَى شيء منْ الجور، وأن تبغض عَلَى شيء منْ العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ ".
قَالَ تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} الآية [آل عمران: 31]، فهذا يدلّ عليّ أن محبّة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه متابعة للَّهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه منْ الشرك الخفي، ويدل عَلَى ذلك قوله:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ، فجعل الله علامة الصدق فِي محبته اتباع رسوله، فدل على أن المحبّة لا تتم بدون الطاعة والموافقة.
قَالَ الحسن رحمه الله: قَالَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل لحبه عَلَمًا، فأنزل الله هذه الآية:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ، ومن هنا قَالَ الحسن: علَم أنك لن تحب الله حَتَّى تحب طاعته. وسئل ذو النون المصريّ: متى أُحِبُّ ربي؟ قَالَ: إذا كَانَ ما يبغضه عندك أَمَرَّ منْ الصبر. وَقَالَ بشر بن السري: ليس منْ أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك. قَالَ أبو يعقوب النهرجوري: كل منْ ادعى محبّة الله عز وجل، ولم يوافق الله فِي أمره، فدعواه باطل. وَقَالَ رُوَيم: المحبّة الموافقة فِي كل الأحوال. وَقَالَ يحيي بن معاذ: ليس بصادق منْ ادعى محبّة الله، ولم يحفظ حدوده. وعن بعض السلف قَالَ: قرأت فِي بعض الكتب السالفة: منْ أحب الله لم يكن عنده شيء آثر منْ مرضاته، ومن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر منْ هوى نفسه.
وفي "السنن" عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "منْ أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل الإيمان".
ومعنى هَذَا أن كل حركات القلب والجوارح، إذا كانت كلها لله، فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنا وظاهرا، ويلزم منْ صلاح حركات القلب، صلاح حركات الجوارح، فإذا كَانَ القلب صالحا ليس فيه إلا إرادة الله، وإرادة ما يريده، لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفّت عما يكرهه، وعما يُخشَى أن يكون مما يكرهه، وإن لم يتيقن ذلك. قَالَ الحسن رضي الله عنه: ما ضربت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بَطَشت بيدي، ولا نهضت عَلَى قدمي، حَتَّى أنظر أعلى طاعة أو عَلَى معصية، فإن كانت طاعته تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت. وَقَالَ محمد بن
الفضل البلخي: ما خطوت منذ أربعين سنة خطوة لغير الله عز وجل. وقيل لداود الطائي: لو تنحيت منْ الظل إلى الشمس، فَقَالَ: هذه خُطًا لا أدري كيف تُكتَب.
فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبهم، فلم يبق فيها إرادة لغير الله، صلحت جوارحهم، فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه مرضاته. والله أعلم.
[تنبيه]: قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث صحيح متَّفقٌ عَلَى صحته منْ رواية الشعبي، عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص، والمعنى واحد متقارب، وَقَدْ روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، منْ حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عبّاس، وحديثُ النعمان أصح أحاديث الباب. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الْحَدِيث تقدّم فِي "كتاب البيوع" 2/ 4453. وتقدم شرحه مستوفًى هناك، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5714 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضى الله عنهما: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْهُ: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن أبان) البَلْخيّ، مستملي وكيع، ثقة حافظ [10] 44/ 951.
2 -
(عبد الله بن إدريس) الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [8] 85/ 102.
3 -
(شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [7] 24/ 27.
4 -
(بُريد بن أبي مريم) مالك بن ربيعة السلوليّ البصريّ، ثقة [4] 55/ 621.
5 -
(أبو الْحَوْراء السعديّ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو- ربيعة بن شيبان البصريّ، ثقة [3] 51/ 1745.
6 -
(الحسن بن عليّ) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته، وَقَدْ صحبه، وحفظ عنه، ومات شهيدًا بالسمّ سنة (49) وقيل:(50) وقيل: بعدها، تقدّم فِي 51/ 1745. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين منْ شعبة، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وشيخه
بلخيّ، وابن إدريس كوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه سبط النبيّ صلى الله عليه وسلم، وريحانته، وسماه صلى الله عليه وسلم سيّدًا، وَقَالَ:"إن ابني هَذَا سيّدٌ، ولعلّ الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين منْ المسلمين". رواه البخاريّ، وتقدّم للمصنّف فِي "كتاب الجمعة" برقم (1410). والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ) بفتح، فسكون، ربيعة بن شيبان (السَّعْديِّ) أنه (قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ ابْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما: مَا) استفهاميّة: أي أيّ شيء (حَفِظْتَ) بكسر الفاء، منْ باب علم (مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟، قَالَ) الحسن رضي الله عنه (حَفِظْتُ مِنْهُ: "دَعْ) بفتح الدال المهملة، وهي فعل أمر منْ ودع يدع، قَالَ الفيّوميّ: ودعته أدَعُه وَدْعًا: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثمّ حذفت الواو، ثم فُتح لمكان حرف الحلق، قَالَ بعض المتقدّمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضي "يَدَع"، ومصدَرَه، واسم الفاعل، وَقَدْ قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} [الضحى: 3] بالتخفيف، وفي الْحَدِيث:"ليَنتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات": أي عن تركهم، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت منْ طريق القرّاء، فكيف يكون إماتة، وَقَدْ جاء الماضي فِي بعض الأشعار، وما هَذَا سبيله، فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى. أي اترك (مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) قَالَ فِي "النهاية": يروى بفتح الياء، وضمها: أي دع ما تشكّ فيه إلى ما لا تشك فيه. وَقَالَ التوربشتيّ: أي اترك ما اعترض لك منْ الشك فيه منقلبًا عنه إلى ما لا شكّ فيه، يقال: دع ذلك إلى ذلك: أي استبدله به. انتهى.
والمراد أن ما اشتبه عَلَى الإنسان، فتردد بين كونه حلالاً، أو حرامًا، فاللائق بحاله تركه، والذهاب إلى ما يَعلم حاله، ويعرف أنه حلال.
قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: معنى هَذَا الْحَدِيث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات، واتقائها، فإن الحلال المحض لا يحصل لمؤمن فِي قلبه منه ريب، والريب بمعنى القلق والاضطراب، بل تسكن إليه النفس، ويطمئن به القلب، وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق والاضطراب، الموجب للشك.
[تنبيه]: زاد فِي رواية الترمذيّ فِي آخر الْحَدِيث: "فإن الصدق طُمأنينة، وإن الكذب ريبة"، وفي الْحَدِيث قصّة. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الفضة التي أشار إليها الترمذيّ رحمه الله تعالى، أخرجها الإِمام أحمد فِي "مسنده"، فَقَالَ:
حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قَالَ: قلت للحسن بن عليّ: ما تذكر منْ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أذكر أني أخذت تمرة منْ تمر الصدقة، فألقيتها فِي فِيّ، فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعابها، فألقاها فِي التمر، فَقَالَ له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة، قَالَ:"إنا لا نأكل الصدقة". قَالَ: وكان يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة"، قَالَ: وكان يعلمنا هَذَا الدعاء: "اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنه لا يذل منْ واليت"، وربما قَالَ:"تباركت ربنا وتعاليت".
ومعنى قوله: "فإن الصدق طُمأنينة الخ": أي إن الصدق يطمئنّ إليه القلب، ويسكن، وإن الكدب يضطرب به القلب، ويقلق.
وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة". يعني أن الخير تطمئن به القلوب، والشر ترتاب به، ولا تطمئن إليه.
وفي هَذَا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، وخرّج ابن جرير بإسناده عن قتادة، عن بشر بن كعب أنه قرأ هذه الآية:{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} [الملك: 15] ثم قَالَ لجاريته: إن دريت ما مناكبها؟ فأنت حرة لوجه الله، قالت: مناكبها جبالها، فكأنما سُفِع فِي وجهه، ورغب فِي جاريته، فسألهم، فمنهم منْ أمره، ومنهم منْ نهاه، فسأل أبا الدرداء، فَقَالَ: الخير طمأنينة، والشر ريبة، فذر ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وقوله فِي الرواية الأخرى: "إن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد عَلَى قول كل قائل، كما قَالَ فِي حديث وابصة:"وإن أفتاك النَّاس، وأفتوك"، وإنما يُعتمد عَلَى قول منْ يقول الصدق، وعلامة الصدق أن تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أن تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب إليه، بل تنفر منه، ومن هنا كَانَ العقلاء عَلَى عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، إذا سمعوا كلامه، وما يدعو إليه عرفوا أنه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلام مسيلمة، عرفوا أنه كاذب، وأنه جاء بالباطل. وَقَدْ رُوي أن عمرو بن العاص سمعه قبل إسلامه، يَدّعي أنه أنزل عليه: يا وبر لك أذنان وصدر، وإنك لتعلم يا عمرو، فَقَالَ: والله إني لأعلم أنك تكذب. وَقَالَ بعض المتقدمين: صَوِّر ما شئت فِي قلبك، وتفكر فيه، ثم قسه إلى ضده، فإنك إذا ميزت بينهما عرفت الحق منْ الباطل، والصدق منْ الكذب، قَالَ: كأنك تصور محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم تتفكر فيما أتى به منْ القرآن، فتقرأ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ
…
} الآية [البقرة: 164]، ثم تتصور ضد محمد صلى الله عليه وسلم،
فتجده مسيلمة، فتتفكر فيما جاء به، فتقرأ: ألا يا ربة الْمَخدَع قد هيء لك المضجع، يعني قوله لسجاح حين تزوج بها، قَالَ: فترى هَذَا يعني القرآن رصينا عجيبا، يلوط بالقلب، ويحسن فِي السمع، وترى ذا، يعني قول مسيلمة، باردا غثا فاحشا، فتعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم حقا أتى بوحي، وأن مسيلمة كذاب أتى بباطل. انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -50/ 5713 - وفي "الكبرى" 51/ 5220. وأخرجه (ت) فِي "صفة القيامة" 2518 (أحمد) فِي "مسند أهل البيت" 27819 (الدارمي) فِي "البيوع" 2420. والله تعالي أعلم.
[تنبيه]: قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث خرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حبّان فِي "صحيحه"، والحاكم، منْ حديث بُريد بن أبي مريم، عن أبي الحَوْراء
(2)
، عن الحسن بن عليّ، وصححه الترمذيّ، وأبو الْحَوْراء السعدي قَالَ الأكثرون: اسمه ربيعة بن شيبان، ووثقه النسائيّ، وابن حبّان، وتوقف أحمد فِي أن أبا الحَوْرَاء اسمه ربيعة بن شيبان، ومال إلى التفرقة بينهما، وَقَالَ الجوزجاني: أبو الحَوْرَاء مجهول لا يعرف.
وهذا الْحَدِيث قطعة منْ حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر، وعند الترمذيّ وغيره زيادة فِي هَذَا الْحَدِيث: وهي:
"فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة"، ولفظ ابن حبّان:"فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة"، وَقَدْ خرّجه الإِمام أحمد بإسناد فيه جهالة، عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وخرجه منْ وجه آخر أجود منه موقوفاً عَلَى أنس، وخرجه الطبراني منْ رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، قَالَ الدارقطنيّ: وإنما يُروَى هَذَا منْ قول ابن عمر، وعن عمر، ويُرْوَى عن مالك منْ قوله. انتهي.
ويروي بإسناد ضعيف عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ لرجل:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، قَالَ:
(1)
"جامع العلوم والحكم" 1/ 210 - 211.
(2)
الحوراء -بالحاء المهملة لا بالجيم.
وكيف لي بالعلم بذلك؟ قَالَ: "إذا أردت أمرا فضع يدلّ عَلَى صدرك، فإن القلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلم الورع يدع الصعيرة مخافة الكبيرة"، وَقَدْ رُوي عن عطاء الخراساني مرسلا، وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف، عن واثلة ابن الأسقع، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه: فقيل له: فمن الورع؟ قَالَ: "الذي يقف عند الشبهة"، وَقَدْ روي هَذَا الكلام موقوفا عَلَى جماعة منْ الصحابة منهم: عمر، وابن عمر، وأبو الدرداء رضي الله عنهم وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ:"ما تريد إلى ما يريبك، وحولك أربعة آلاف لا تريبك" وَقَالَ عمر: "دعوا الرِّبَا والرِّيبة"، يعني ما ارتبتم فيه، وإن لم تتحققوا أنه ربا. انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الحثّ عَلَى ترك الشبهات. (ومنها): أن الْحَدِيث فيه إثبات صحبة الحسن رضي الله عنه، وأنه سمع منْ رسول الله صلى الله عليه وسلم (ومنها): أن منْ شك فِي شيء منْ الأقوال والأعمال أنه منهيّ عنه أم لا، أو سنة أو بدعة، ترك ذلك، وعدَل إلى ما لا يشك فيه منهما، والمقصود أن يبني المكلّف أمره عَلَى اليقين البحت، والتحقيق الصرف، ويكون عَلَى بصيرة فِي دينه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما نُقل عن السلف منْ تركهم ما يريبهم إلى ما لا يريبهم، سلوكًا مسلك الورع:
قَالَ أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: إذا كَانَ العبد ورعا، ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. وَقَالَ الفضيل: يزعم النَّاس أن الورع شديد، وما ورد عليّ أمران، إلا أخذت بأشدهما، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وَقَالَ حسان بن أبي سنان: ما شيء أهون منْ الورع، إذا رابك شيء فدعه، وهذا إنما يسهل عَلَى مثل حسان رحمه الله. قَالَ ابن المبارك: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه منْ الأهواز، أن قصب السكر أصابته آفة، فاشتر السكر فيما قبلك، فاشتراه منْ رجل، فلم يأت عليه إلا قليل، فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفا، قَالَ، فأتى صاحب السكر، فَقَالَ: يا هَذَا إن غلامي كَانَ قد كتب إليّ، فلم أُعلمك، فأقلني فيما اشتريت منك، فَقَالَ له الآخر: قد أعلمتني الآن، وَقَدْ طيبته لك، قَالَ: فرجع، فلم يحتمل قلبه فأتاه، فَقَالَ: يا هَذَا إني لم آت هَذَا الأمر منْ قبل وجهه، فأُحب أن تسترد هَذَا البيع، قَالَ: فما زال به حَتَّى رده عليه. وكان يونس بن
(1)
"جامع العلوم والحكم" 1/ 205 - 207.
عبيد، إذا طلب المتاع ونفق، وأرسل ليشتريه يقول لمن يشتري له: أَعلِم منْ تشتري منه، أن المتاع قد طُلب. وَقَالَ هشام بن حسان: ترك محمد بن سيرين أربعين ألفا فيما لا ترون به اليوم بأسا. وكان الحجاج بن دينار، قد بعث طعاما إلى البصرة مع رجل، وأمره أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه أني قدمت البصرة، فوجدت الطعام منقصا، فحبسته فزاد الطعام، فازددت فيه كذا وهذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا، وعملت بخلاف ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي، فتصدق بجميع ذلك الثمن ثمن الطعام، عَلَى فقراء البصرة، فليتني أسلم إذا فعلت ذلك. وتنزه يزيد بن زريع عن خمسائة ألف منْ ميراث أبيه، فلم يأخذه، وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين، وكان يزيد يعمل الخوص، ويتقوت منه إلى أن مات رحمه الله. وكان المسور بن مخرمة قد احتكر طعاما كثيرا، فرأى سحابا فِي الخريف فكرهه، فَقَالَ: ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين، فآلي أن لا يربح فيه شيئاً، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فَقَالَ له عمر: جزاك الله خيرًا.
وفي هَذَا أن المحتكر ينبغي له التنزه، عن ربح ما احتكره احتكارا منهيا عنه. وَقَدْ نص الإمام أحمد رحمه الله، على التنزه عن ربح ما لم يدخل فِي ضمانه؛ لدخوله فِي ربح ما لم يُضمَن، وَقَدْ نهى عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أحمد فِي رواية عنه، فمن أجر ما استأجره بربحه: إنه يتصدق بالربح، وَقَالَ فِي رواية عنه، فِي ربح مال المضاربة، إذا خالف فيه المضارب: إنه يتصدق به. وَقَالَ فِي رواية عنه، فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، بشرط القطع، ثم تركها حَتَّى بدا صلاحها: إنه يتصدق بالزيادة، وحمله طائفة منْ أصحابه عَلَى الاستحباب؛ لأن الصدقة بالشبهات مستحبة. ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكل الصيد للمحرم، إذا لم يصبه، فقالت:"إنما هي أيام قلائل، فما رابك فدعه". يعني ما اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام فاتركه، فإن النَّاس اختلفوا فِي إباحة أكل الصيد للمحرم، إذا لم يَصِد هو.
قَالَ ابن رَجَب: وَقَدْ يستدل بهذا عَلَى أن الخروج منْ اختلاف العلماء أفضل؛ لأنه أبعد عن الشبهة، ولكن المحققين منْ العلماء منْ أصحاب أحمد وغيرهم عَلَى أن هَذَا ليس هو عَلَى إطلاقه، فإن منْ مسائل الاختلاف، ما ثبت فيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم رخصة، ليس لها معارض، فاتباع تلك الرخصة أولى منْ اجتنابها، وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض العلماء، فامتنع منها لذلك، وهذا كمن تيقن الطهارة، وشك فِي الحدث، فإنه صح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ: لا ينصرف حَتَّى يسمع صوتا أو يجد ريحا، ولاسيما إن كَانَ شكه فِي الصلاة، فإنه لا يجوز له قطعها؛ لصحة النهي عنه، وإن كَانَ بعض
العلماء يوجب ذلك.
وإن كَانَ للرخصة معارض، إما منْ سنة أخرى، أو منْ عمل الأمة بخلافها، فالأولى ترك العمل بها، وكذا لو كَانَ قد عمل بها شذوذ منْ النَّاس، واشتهر فِي الأمة العمل بخلافها فِي أمصار المسلمين، منْ عهد الصحابة رضي الله عنهم، فإن الأخذ بما عليه عمل المسلمين هو المتعين، فإن هذه الأمة قد أجارها الله أن يظهر أهل باطلها عليّ أهل حقها، فما ظهر العمل به فِي القرون الثلاثة المفضلة فهو الحق، وما عداه فهو باطل.
وهاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن التدقيق فِي التوقف عن الشبهات، إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله فِي التقوى والورع، فأما منْ يقع فِي انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شيء منْ دقائق الشبهة، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه، كما قَالَ ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض، منْ أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض، وَقَدْ قتلوا الحسين، وسمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:"هما ريحانتاي منْ الدنيا"، وسأل رجل بشر بن الحارث، عن رجل له زوجة، وأمه تأمره بطلاقها، فَقَالَ: إن كَانَ بر أمه فِي كل شيء، ولم يبق منْ برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كَانَ يبرها بطلاق زوجته، ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل. وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري بقلا، ويشترط الخوصة يعني التي تربط بها حزمة البقل. فَقَالَ أحمد: أيشٍ هذه المسائل؟ قيل له: إن إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك، فَقَالَ أحمد: إن كَانَ إبراهيم بن أبي نعيم، فنعم هَذَا يشبه ذاك. وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق فِي الورع، فيشبه حالهم هَذَا. وَقَدْ كَانَ الإمام أحمد نفسه، يستعمل فِي نفسه هَذَا الورع، فإنه أمر منْ يشتري له سمنا، فجاء به عَلَى ورقة، فأمر برد الورقة إلى البائع. وكان الإمام أحمد لا يستمد منْ محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها، واستأذنه رجل أن يكتب منْ محبرته، فَقَالَ له: اكتب فهذا ورع مظلم. واستأذن رجل آخر فِي ذلك، فتبسم، فَقَالَ: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هَذَا، وهذا قاله عَلَى وجه التواضع، وإلا فهو كَانَ فِي نفسه يستعمل هَذَا الورع، وكان ينكره عَلَى منْ لم يصل إلى هَذَا المقام، بل يتسامح فِي المكروهات الظاهرة، ويُقدم عَلَى الشبهات منْ غير توقف. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وبالجملة فما نُقل عن السلف رضي الله عنهم فِي هَذَا الباب كثير، فينبغي للمسلم أن يحتاط فِي أمر دينه، ويحرص كلّ الحرص عَلَى البراءة مما يَشِين دينه، وعرضه، اللَّهم ارزقنا التقوى، واجعلنا منْ عبادك المتّقين، واختم لنا بخاتمة السعادة عند انقضاء الأجل، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
51 - (الْكَرَاهِيَةِ فِي بَيْعِ الزَّبِيبِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ نَبِيذًا)
5715 -
(أَخْبَرَنَا الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ، هُوَ بَاوَرْدِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ، مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ الزَّبِيبَ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ نَبِيذًا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ، هُوَ بَاوَرْدِيٌّ": هو السلميّ الترمذيّ، ثقة رُمي بالإرجاء [10] 30/ 921.
[تنبيه]: قوله: "باورديّ": نسبة إلى بلدة بنواحي خراسان، يقال لها: أبيورد، وتخفّف، فيقال: باورد. قاله فِي "اللباب" 1/ 115. والله تعالى أعلم.
و"أبو سفيان محمد بن حميد" اليشكريّ المعمريّ البصريّ، نزيل بغداد، وقيل له: المعمري؛ لأنه رحل إلى معمر، وكان مشهورا بالصلاح، والعبادة، ثقة [9].
رَوَى عن معمر، وهشام بن حسان، وسفيان الثوري. وروى عنه يحيى بن يحيى النيسابوري، والنفيلي، وعبد الله بن عون الخزاز، ومحمد بن عيسى بن الطباع، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وعمرو الناقد، وسريج بن يونس، وسنيد بن داود، والجارود بن معاذ الترمذيّ، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وسعيد بن داود، وحميد بن الربيع اللخمي، وغيرهم.
قَالَ ابن أبي خيثمة، وغير واحد، عن ابن معين: ثقة. وَقَالَ عثمان الدارمي عن ابن معين: رجل صدوقٌ. وَقَالَ صالح بن محمد الأسدي، عن ابن معين: المعمري أحب إلى منْ عبد الرزاق. وَقَالَ أبو حاتم: صالح الْحَدِيث. وَقَالَ أبو داود: ثقة. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". ووثقه أبو خيثمة، زهير بن حرب، فيما ذكره ابن شاهين فِي "الثقات". وذكره العقيلي فِي "الضعفاء"، وَقَالَ: فِي حديثه نظر. قَالَ ابن قانع: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. و"معمر": هو
ابن راشد. و"ابن طاوس": هو عبد الله. والله تعالى أعلم.
وقوله: "كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ الزَّبِيبَ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ نَبِيذًا": يعني أن طاوسًا رحمه الله تعالى كَانَ يكره أن يبيع شخص زبيبًا، أو نحوه لمن يعلم أنه سيتّخذه خمرًا، وبهذا قَالَ بعض أهل العلم، بل مذهب الإِمام أحمد رحمه الله تعالى، تحريمه، وبطلان البيع به، وهو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
وهذا الأثر صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا 51/ 5714 - وفي "الكبرى" 52/ 5221. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
52 - (الْكَرَاهِيَةِ فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ)
5716 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ لِسَعْدٍ كُرُومٌ، وَأَعْنَابٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ لَهُ فِيهَا أَمِينٌ، فَحَمَلَتْ عِنَبًا كَثِيرًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أَخَافُ عَلَى الأَعْنَابِ الضَّيْعَةَ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ أَعْصُرَهُ عَصَرْتُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَاعْتَزِلْ ضَيْعَتِي، فَوَاللَّهِ لَا أَئْتَمِنُكَ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهُ أَبَدًا، فَعَزَلَهُ عَنْ ضَيْعَتِهِ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(سويد بن نصر) المروزيّ الملقّب شاه، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [8] 32/ 36.
3 -
(سُفْيَانَ بْنِ دِينَارٍ) التمّار، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة [6].
رَوَي عن أبي صالح السمان، ومصعب بن سعد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وعكرمة، ومحمد ابن الحنفية، وأبى نضرة، وغيرهم. وعنه أبو بكر بن عياش، وابن المبارك، ويعلي بن عبيد، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وعدة.
قَالَ إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: سفيان بن دينار التمار ثقة، وسفيان بن زياد العصفري ثقة جميعا كوفيان. وَقَالَ أبو زرعة: سفيان بن دينار ثقة. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس.
قَالَ الحافظ: وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وجعله هو والعصفري واحدًا، وسيأتي أن البخاريّ سبقه إلى ذلك، وكذا مسلم، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم، والتحقيق فيه أن سفيان بن دينار التمار هَذَا، يقال له: العصفري أيضًا، وأن سفيان بن زياد العصفري آخر، بينه الباجي. رَوَى له البخاريّ، والمصنّف، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
5 -
(مصعب بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبي زُرارة المدنيّ، ثقة [3] 91/ 1032 مات سنة (103).
5 -
(سعد) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنة، وأول منْ رمى بسهم فِي سبيل الله، مات رضي الله عنه بالعقيق سنة (55) عَلَى المشهور، وهو آخر منْ مات منْ العشرة رضي الله عنهم. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: كَانَ لِسَعْد) بن أبي وقّاص رضي الله عنه (كُرُومٌ) بالضم جمع كرم بفتح، فسكون، وزان فلس: هو شجر العنب (وَأَعْنَابٌ كَثِيرَةٌ) و"الأعناب": بالفتح جمع عنب، بكسر، ففتح، والعنبة: الحبة منه، ولا يقال له: أعناب، إلا وهو طريّ، فإذا يبس، فهو الزبيب. قاله فِي "المصباح".
وَقَالَ فِي فِي "اللسان" 12/ 514: الكرم: شجرة العنب، واحدتها كَرْمة، قَالَ الشاعر [منْ الطويل]:
إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ
…
تُرَوِّي عِظَامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُهَا
وقيل: الكرمة: الطاقة الواحدة منْ الكرم، وجمعها كُروم. انتهى. وسيأتي البحث عن النهي عن تسمية العنب كرمًا فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(وَكَانَ لَهُ فِيهَا أَمِينٌ) أي مؤتمن عَلَى تلك الكروم (فَحَمَلَتْ) أي الكروم (عِنَبًا كَثِيرًا، فَكَتَبَ) ذلك الأمين (إِلَيْهِ) أي إلى سعد رضي الله عنه (إِنِّي أَخَافُ عَلَى الْأَعْنَاب الضَّيْعَةَ) أي الفساد والهلاك (فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ أَعْصِرَهُ) بكسر الصاد، يقال: عصرتُ العنب، ونحوه عَصْرًا، منْ باب ضرب: استخرجت ماءه، واعتصرته كذلك، واسم ذلك الماء
العصير، فعيل بمعنى مفعول. قاله الفيّوميّ (عَصَرْتُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ) رضي الله عنه (إِذَا جَاءَك كِتَابِي هَذَا، فَاعْتَزِلْ ضَيْعَتِي) -بفتح، فسكون-: هي العَقَار، والجمع ضِياعٌ، مثلُ كلبة وكلاب، وَقَدْ يقال: ضِيَعٌ. قاله الفيّوميّ. والمراد هنا كرومه المذكورة (فَوَاللهِ لَا أَئْتَمِنُكَ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهُ أَبَدًا) أي بعد ما قلته منْ اتخاذ العصير (فَعَزَلَهُ) بفتح الزاي، أي أخرجه عن عمله، قَالَ الفيّوميّ: عَزَلتُ الشيء عن غيره عزلاً منْ باب ضرب: إذا نحّيته، ومنه عزلت النائب، كالوكيل: إذا أخرجته عما كَانَ له منْ الحكم. (عَنْ ضَيْعَتِهِ) أي عن القيام بخدمة كرومه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث سعد رضي الله تعالى عنه هَذَا موقوف صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا 52/ 5715 - وفي "الكبرى" 53/ 5222. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كراهية بيع العصير؛ خوفًا منْ أن يُتخذ خمرًا. (ومنها): ما كَانَ عليه سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه منْ كمال الورع والتقوى، فإن الذي طلبه منه الأمين منْ عصر العنب، ليس محرّمًا، وإنما خشي منه أن يتوصّل منه بعض منْ يشتريه إلى اتخاذه خمرًا، فرحم الله منْ يطلب براءة ذمته، ويبغي بذلك ما عند الله تعالى. (ومنها): أنه يحرم بيع العنب لمن يتخذه خمرًا، وفيه اختلاف بين العلماء، وهذا هو الأرجح، كما سيأتي فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم بيع العصير، أو الزبيب، ونحوه لمن يتّخذه خمرًا:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم، وكرهه الشافعيّ، وذكر بعض أصحابه، أن البائع إذا اعتقد أنه يعصرها خمرا فهو محرم، وإنما يكره إذا شك فيه. وحكى ابن المنذر عن الحسن، وعطاء، والثوري، أنه لا بأس ببيع التمر لمن يتخذه مسكرا، قَالَ الثوري: بيع الحلال ممن شئت، واحتَجّ لهم بقول الله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]، ولأن البيع تم بأركانه وشروطه. قَالَ: ولنا قول الله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وهذا نهي يقتضي
التحريم. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه لَعَن فِي الخمر عشرة، فروى ابن عبّاس، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، فَقَالَ: يا محمد، إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، واشار إلى كل معاون عليها، ومساعد فيها. أخرج هَذَا الْحَدِيث الترمذيّ، منْ حديث أنس رضي الله عنه
(1)
، وَقَالَ: قد روي هَذَا الْحَدِيث عن ابن عبّاس، وابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى ابن بطة فِي تحريم النبيذ بإسناده عن محمد بن سيرين، أن قيما كَانَ لسعد بن أبي وقاص، فِي أرض له، فأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيبا، ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره، فأمر بقلعه، وَقَالَ: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر
(2)
.
ولأنه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية، فأشبه إجارة أمته لمن يعلم أنه يستأجرها ليزني بها، والآية مخصوصة بصور كثيرة، فيخصص منها محل النزاع بدليلنا، وقولهم: تم البيع بشروطه وأركانه. قلنا: لكن وُجد المانع منه.
إذا ثبت هَذَا فإنما يحرم البيع، ويبطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك، إما بقوله، وإما بقرائن مختصة به، تدلّ عَلَى ذلك، فأما إن كَانَ الأمر محتملا، مثل أن يشتريها منْ لا يعلم حاله، أو منْ يعمل النحل والخمر معال، ولم يلفظ بما يدلّ عَلَى إرادة الخمر، فالبيع جائز، وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل، ويحتمل أن يصح، وهو مذهب الشافعيّ؛ لأن المحرم فِي ذلك اعتقاده بالعقد دونه، فلم يمنع صحة العقد، كما لو دلس العيب.
قَالَ: ولنا أنه عقد عليّ عين لمعصية الله بها، فلم يصح كإجارة الأمة للزنا والغناء، وأما التدليس فهو المحرم دون العقد، ولأن التحريم هاهنا لحق الله تعالى، فأفسد العقد، كبيع درهم بدرهمين، ويفارق التدليس، فإنه لحق آدمي.
قَالَ: وهكذا الحكم فِي كل ما يُقصد به الحرام، كبيع السلاح لأهل الحرب، أو لقطاع الطريق، أو فِي الفتنة، وبيع الأمة للغناء، أو إجارتها كذلك، أو إجارة داره لبيع الخمر فيها، أو لتُتخذ كنيسة، أو بيت نار وأشباه ذلك، فهذا حرام، والعقد باطل؛ لما قدمنا، قَالَ ابن عقيل: وَقَدْ نص أحمد رحمه الله عَلَى مسائل، نبه بها عَلَى ذلك، فَقَالَ فِي القصاب، والخباز إذا علم أن منْ يشتري منه، يدعو عليه منْ يشرب المسكر لا يبيعه، ومن يخترط الأقداح، لا يبيعها ممن يشرب فيها، ونهى عن بيع الديباج للرجال، ولا بأس ببيعه للنساء. ورُوي عنه: لا يبيع الجوز منْ الصبيان للقمار، وعلى قياسه البيض، فيكون بيع ذلك كله باطلا.
(1)
حديث صحيح.
(2)
وقريب منه رواية المصنّف هذه
قَالَ: قيل: لأحمد: رجل مات، وخلّف جارية مغنية، وولدا يتيما، وَقَدْ احتاج إلى بيعها، قَالَ: يبيعها عَلَى أنها ساذجة، فقيل له: فإنها تساوي ثلاثين ألف درهم، فإذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا، قَالَ: لا تباع إلا عَلَى أنها ساذجة، ووجه ذلك ما رَوَى أبو أمامة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ:"لا يجوز بيع المغنيات، ولا أثمانهن، ولا كسبهن"، قَالَ الترمذيّ: هَذَا لا نعرفه إلا منْ حديث عليّ بن زيد، وَقَدْ تكلم فيه أهل العلم، ورواه ابن ماجه.
وهذا يُحمل عَلَى بيعهن لأجل الغناء، فأما ماليتهن الحاصلة بغير الغناء فلا تبطل، كما أن العصير لا يحرم بيعه لغير الخمر؛ لصلاحيته للخمر. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى "المغني" 6/ 317 - 320.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم منْ الأدلة أن أرجح الأقوال هو قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومن قَالَ به منْ أنه يحرم بيع العصير لمن عرف أنه يتخذه خمرًا، وكذلك بيع كل ما يعلم أن غرض المشتري منه إقامة المعصية به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد ورد النهي عن تسمية العنب كرمًا، قَالَ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه":
"باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: إنما الكرم قلب المؤمن"، وَقَدْ قَالَ:"إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة"، كقوله:"إنما الصُّرَعة الذي يملك نفسه عند الغضب"، كقوله:"لا مَلِك إلا الله، فوصفه بانتهاء الملك"، ثم ذكر الملوك أيضًا، فَقَالَ:{إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل: 34]. ثم أخرج بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويقولون: الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن".
قَالَ فِي "الفتح": غرض البخاريّ أن الحصر ليس عَلَى ظاهره، وإنما المعنى أن الأحق باسم الكرم قلب المؤمن، ولم يُرد أن غيره لا يسمى كرما، كما أن المراد بقوله: إنما المفلس منْ ذكر، ولم يُرد أن منْ يفلس فِي الدنيا لا يسمى مفلسا، وبقوله: إنما الصرعة كذلك، وكذا قوله: لا ملك إلا الله، لم يرد أنه لا يجوز أن يسمى غيره ملكا، وإنما أراد الملك الحقيقي، وإن سمي غيره ملكا، واستشهد لذلك بقوله تعالى:{إِنَّ الْمُلُوكَ} ، وفي القرآن منْ ذلك عدة أمثلة، كقوله تعالى:{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} [يوسف: 50]، فِي صاحب يوسف وغيره. وأشار ابن بطال إلى أنه يؤخذ منْ ذلك ترك المبالغة والإغراق فِي الوصف، إذا كَانَ الموصوف لا يستحق ذلك.
وقوله: "ويقولون: الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن"، وفي رواية: "لا تسموا العنب
كرما"، وفي رواية مسلم: "لا يقل أحدكم للعنب: الكرم، إنما الكرم الرجل المسلم"، وله منْ حديث وائل بن حجر: "لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب، والحبلة".
وأخرج الطبراني والبزار، منْ حديث سمرة رفعه: "إن اسم الرجل المؤمن فِي الكتب الكرم، منْ أجل ما أكرمه الله عليّ الخليقة، وإنكم تدعون الحائط منْ العنب الكرم
…
" الْحَدِيث.
قَالَ الخطّابيّ: ما ملخصه: إن المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمهال، ولأن فِي تبقية هَذَا الاسم لها تقريرا لما كانوا يتوهمونه منْ تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرما، وَقَالَ:"إنما الكرم قلب المؤمن"؛ لما فيه منْ نور الإيمان، وهدى الإسلام. وحكى ابن بطال عن ابن الأنباري: أنهم سموا العنب كرما؛ لأن الخمر المتخذة منه تحث عَلَى السخاء، وتأمر بمكارم الأخلاق، حَتَّى قَالَ شاعرهم:
وَالْخَمْرُ مُشْتَقَّةُ الْمَعْنَى مِنَ الْكَرَمِ
وَقَالَ آخر:
شُقِقْتُ مِنَ الصِّبِيِّ وَاشْتُقَّ مِنِّي
…
كَمَا اشْتُقَّتْ مِنَ الْكَرَمِ الْكُرُومُ
فلذلك نُهي عن تسمية العنب بالكرم، حَتَّى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ منْ الكرَم، وجعل المؤمن الذي يتقي شربها، ويرى الكرَم فِي تركها أحق بهذا الاسم. انتهى.
وأما قول الأزهري: سمي العنب كرما؛ لأنه ذلل لقاطفه، وليس فيه سلاء يعقر جانيه، ويحمل الأصل منه مثل ما تحمل النخلة فأكثر، وكل شيء كثر فقد كرم، فهو صحيح أيضًا منْ حيث الاشتقاق، لكن المعنى الأول أنسب للنهي.
وَقَالَ النوويّ: النهي فِي هَذَا الْحَدِيث عن تسمية العنب كرما، وعن تسمية شجرها أيضاً للكراهية. وحكى القرطبيّ عن المازري أن السبب في النهي، أنه لما حرمت عليهم الخمر، وكانت طباعهم تحثهم عَلَى الكرم، كره صلى الله عليه وسلم أن يسمى هَذَا الْمُحَرَّم باسم تهيج طباعهم إليه عند ذكره، فيكون ذلك كالمحرك لهم.
وتعقبه بأن محل النهي إنما هو تسمية العنب كرما، وليست العنبة محرمة، والخمر لا تسمى عنبة، بل العنب قد يسمى خمرا باسم ما يئول إليه. قَالَ الحافظ: والذي قاله المازرى موجه؛ لأنه يحمل عَلَى إرادة حسم المادة، بترك تسمية أصل الخمر بهذا الاسم الحسن، ولذلك ورد النهي تارة عن العنب، وتارة عن شجرة العنب، فيكون التنفير بطريق الفحوى؛ لأنه إذا نُهى عن تسمية ما هو حلال فِي الحال بالاسم الحسن؛ لما يحصل منه بالقوة مما يُنهى عنه، فلأن ينهى عن تسمية ما ينهى عنه بالاسم الحسن
أحرى.
وَقَالَ الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ما ملخصه: لما كَانَ اشتقاق الكرم منْ الكرم، والأرض الكريمة هي أحسن الأرض، فلا يليق أن يعبر بهذه الصفة إلا عن قلب المؤمن، الذي هو خير الأشياء؛ لأن المؤمن خير الحيوان، وخير ما فيه قلبه؛ لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، وهو أرض لنبات شجرة الإيمان. قَالَ: ويؤخذ منه أن كل خير باللفظ، أو المعنى، أو بهما، أو مشتقا منه، أو مسمى به، إنما يضاف بالحقيقة الشرعية للإيمان وأهله، وإن أضيف إلى ما عدا ذلك، فهو بطريق المجاز، وفي تشبيه الكرم بقلب المؤمن معى لطيف، لأن أوصاف الشياطن تجري مع الكرمة، كما يجري الشيطان فِي بني آدم مجرى الدم، فإذا غفل المؤمن عن شيطانه، أوقعه فِي المخالفة، كما أن منْ غفل عن عصير كرمه تخمر، فتنجس، ويقوي التشبيه أيضًا أن الخمر يعود خلا منْ ساعته بنفسه، أو بالتخليل، فيعود طاهرا، وكذا المؤمن يعود منْ ساعته بالتوبة النصوح طاهرا، منْ خبث الذنوب المتقدمة، التي كَانَ متنجسا باتصافه بها، إما بباعث منْ غيره، منْ موعظة ونحوها، وهو كالتخليل، أو بباعث منْ نفسه، وهو كالتخلل، فينبغي للعاقل أن يتعرض لمعالجة قلبه؛ لئلا يهلك، وهو عَلَى الصفة المذمومة. ذكره فِي "الفتح" 12/ 206 - 208. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5717 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: بِعْهُ عَصِيرًا مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ طِلَاءً، وَلَا يَتَّخِذُهُ خَمْرًا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هارون بن إبراهيم": هو أبو محمد الأهوازيّ، ثقة [7] 33/ 5491 منْ أفراد المصنّف.
وقوله: "بعه عصيرا الخ" الظاهر أن الضمير يعود إلى ما سبق فِي السؤال، كأن يسأله إنسان عن حكم بيع العصير، فأجابه بقوله:"بعه عصيرًا": أي يجوز لك بيعه مادام بصفة كونه عصيرا. وقوله: "ممن يتّخذه" يتعلّق بـ"بعه"، والاصل فِي باع أن يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، وَقَدْ تدخل "منْ"، أو اللام عَلَى المفعول الأول، قَالَ الفيّوميّ: بعت الدار زيدًا يتعدّى إلى مفعولين، قَالَ: وتدخل "منْ" عَلَى المفعول الأول عَلَى وجه التأكيد، فيقال: بعت منْ زيد الدار، قَالَ: وربما دخلت اللام مكان "منْ" يقال: بعتك الشيء، وبعته لك، فاللام زائدة. انتهى.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
وقوله: "طلاء" بكسر الطاء المهملة، ككتاب: عصير العنب إذا طُبخ حَتَّى بقي ثلثه.
وأثر ابن سيرين رحمه الله تعالى هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -52/ 5716 - وفي "الكبرى" 53/ 5224. ومطابقته للباب واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
53 - (ذِكْرُ مَا يَجُوزُ شُرْبُهُ مِنَ الطِّلَاءِ، وَمَا لَا يَجُوزُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الطِّلاء" -بالكسر، والمدّ: ما طُبخ منْ عصير العنب حَتَّى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، وتسمّيه العجم الْمَيْبَخْتَج، وبعض العرب يُسمّي الخمر الطّلاء يريد بذلك تحسين اسمها، لا أنها الطّلاء بعينها، قَالَ عبيد بن الأبرص للمنذر حين أراد قتله:
هِيَ الْخَمْرُ يَكْنُونَهَا بِالطِّلَا
…
كَمَا الذِّئْبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَهْ
واستشهد به ابن سِيدَه عَلَى الطلاء خاثر الْمُنَصَّف يُشبه به، وضربه عُبيد مثلًا: أي تُظهر لي الإكرام، وأنت تُريد قتلي، كما أن الذئب، وإن كانت كنيته حسنة، فإن عمله ليس بحسن، وكذلك الخمر، وإن سُميت طلاء، وحسن اسمها، فإن عملها قبيح. وَقَالَ ابن الأثير: الطلاء بالكسر والمدّ: الشراب المطبوخ منْ عصير العنب، قَالَ: وهو الرُّبُّ، وأصله القطران الخاثر الذي تُطلَى به الإبل. انتهى "لسان العرب" 15/ 10 - 11. باختصار.
وَقَالَ فِي "الفتح": 11/ 191: "الطلاء" -بكسر المهملة، والمد-: هو الدِّبْسُ
(1)
، شُبِّهَ بطلاء الإبل، وهو الْقَطِران الذي يدهن به، فإذا طُبخ عصير العنب حَتَّى تَمَدَّد أشبه طلاء الإبل، وهو فِي تلك الحالة غالبا لا يسكر. انتهى. والله تعالى أعلم.
5718 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ
(1)
"الدبس" بالكسر: عُصَارة الرُّطَب. قاله فِي "المصباح".
مَنْصُورًا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نُبَاتَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: أَنِ ارْزُقِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الطِّلَاءِ، مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [10] 5/ 5.
2 -
(المعتمر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، منْ كبار [9] 10/ 10.
3 -
(منصور) بن المعتمر، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقهّ ثبت [6] 2/ 2.
4 -
(إبرإهيم) بن يزيد النخعي، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [5] 29/ 33.
5 -
(نبانة) -بضم أوله، وقيل: بفتحه، ثم موحّدة، ثم المثنّاة- الوالبيّ، ويقال: الجعفيّ الكوفيّ ثقة
(1)
[3].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، وسُويد بن غفلة، وعنه إبراهيم النخعيّ، والأسود بن يزيد، وسُويد بن غفلة، وهما منْ أقرانه، وعاصم بن كُليب. قَالَ أبو حاتم: كَانَ معلمًا عَلَى عهد عمر. قَالَ العجليّ: تابعيّ ثقه، وَقَالَ ابن حزم فِي "المحلّى" 2/ 91: منْ أوثق التابعين. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: كَانَ منْ المعلّمين عَلَى عهد عمر. وَقَالَ الدارقطنيّ: الأصبغ بن نُباتة يروي عن عليّ، ونباتة يروي عن عمر بن الخطّاب المحدّثون يقولون: بضم النون، وسمعت أبا بكر بن الأنباريّ يقول: الأصبغ بن نَباتة بفتح النون، وكذلك نَبَاتة الجعفيّ عن عمر مثله. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث.
6 -
(سُويد بن غَفَلة) أبو أميّة الجعفيّ، مخضوم، منْ كبار التابعين، قدم المدينة يوم دُفن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان مسلمًا فِي حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة (80)، وله (130) سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سُوَيْدِ) مصغّرًا (ابْنِ غَفَلَةَ) -بفتح الغين المعجمة، والفاء- أنه (قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ) بضم جمع عامل، والعامل هو عمار رضي الله عنه كما سيأتي فِي رواية سعيد منصور قريبًا. (أَنِ) يحتمل أن تكون مصدريّة، بتقدير حرف الجر: أي برزق المسلمين، ويحتمل أن تكون تفسيريّة (ارْزُقِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الطِّلَاءِ)
(1)
قَالَ عنه فِي "التقريب": مقبول، قلت: لا بل هو ثقة، رَوَى عنه جماعة، ووثقه العجليّ، وابن حبّان، وابن حزم انظر المحلّى 2/ 91، راجع ما كتبه محقق "تهذيب الكمال" فِي هامشه 29/ 311.
بالكسر والمدّ، وفسّره عمر رضي الله عنه بأنه (مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ) يعني أنه طُبخ حَتَّى ذهب ثلثا كمّيته، وبقي ثلثها، وإنما أمره بهذا لأنه ذهب ضررها، وهو الإسكار، وبقي نفعها، كما سيأتي فِي قوله:"حَتَّى يذهب منه نصيب الشيطان، فإن له اثنين، ولكم واحد". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عمر رضي الله تعالى عنه هَذَا موقوف صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -53/ 5717 - وفي "الكبرى" 54/ 5224. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي اختلاف أهل العلم فِي شرب الطلاء:
قَالَ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": ورأى عمر، وأبو عبيدة، ومعاذ شرب الطلاء عَلَى الثلث. وشرب البراء، وأبو جحيفة عَلَى النصف. وَقَالَ ابن عبّاس: اشرب العصير ما دام طريا.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: ورأى عمر الخ: أي رأوا جواز شرب الطلاء، إذا طبخ فصار عَلَى الثلث، ونقص منه الثلثان.
قَالَ: فأما أثر عمر، فأخرجه مالك فِي "الموطإ" منْ طريق محمود بن لبيد الأنصاريّ:"أن عمر بن الخطاب، حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها، وقالوا: لا يصلحنا إلا هَذَا الشراب، فَقَالَ عمر: اشربوا العسل، قالوا: ما يصلحنا العسل، فَقَالَ رجال منْ أهل الأرض: هل لك أن تجعل لك منْ هَذَا الشراب شيئا لا يسكر، فَقَالَ: نعم، فطبخوه حَتَّى ذهب منه ثلثان، وبقي الثلث، فأتوا به عمر، فأدخل فيه إصبعه، ثم رفع يده، فتبعها يتمطط، فَقَالَ: هَذَا الطلاء مثل طلاء الإبل، فأمرهم عمر أن يشربوه، وَقَالَ عمر: اللَّهم إني لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم".
وأخرج سعيد بن منصور منْ طريق أبي مِجْلز، عن عامر بن عبد الله، قَالَ: كتب عمر إلى عمار، أما بعد، فإنه جاءني عير تحمل شرابا أسود، كأنه طلاء الإبل، فذكروا أنهم يطبخونه حَتَّى يذهب ثلثاه الأخبثان، ثلث بريحه، وثلث ببغيه، فمر منْ قبلك أن يشربوه. ومن طريق سعيد بن المسيب:"أن عمر أحل منْ الشراب ما طُبخ، فذهب ثلثاه، وبقى ثلثه". وأخرج النسائيّ 5719 - منْ طريق عبد الله بن يزيد الخطمي، قَالَ: "كتب عمر اطبخوا شرابكم حَتَّى يذهب نصيب الشيطان منه، فإن للشيطان اثنين، ولكم
واحد".
وهذه أسانيد صحيحة، وَقَدْ أفصح بعضها بأن المحذور منه السُّكْر، فمتى أسكر لم يحل، وكأنه أشار بنصيب الشيطان إلى ما أخرجه النسائيّ -5728 -
(1)
منْ طريق ابن سيرين فِي قصة نوح عليه السلام، قَالَ: "لما ركب السفينة فقد الْحَبْلة
(2)
فَقَالَ له الملك: إن الشيطان أخذها، ثم أحضرت له، ومعها الشيطان، فَقَالَ له الملك: إنه شريكك فيها، فأحسن الشركة، قَالَ. له النصف، قَالَ: أحسن، قَالَ: له الثلثان، ولي الثلث، قَالَ: أحسنت وأنت مِحْسَان، أن تأكله عنبا، وتشربه عصيرا، وما طُبخ عَلَى الثلث فهو لك ولذريتك، وما جار عن الثلث، فهو منْ نصيب الشيطان"، وأخرج أيضًا منْ وجه آخر عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، فذكره، ومثله لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع، وأغرب ابن حزم، فَقَالَ: أنس بن مالك لم يدرك نوحا، فيكون منقطعا.
وأما أثر أبي عبيدة، وهو ابن الجراح، ومعاذ، وهو ابن جبل، فأخرجه أبو مسلم الكجي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، منْ طريق قتادة، عن أنس أن أبا عبيدة، ومعاذ بن جبل، وأبا طلحة، كانوا يشربون منْ الطلاء ما طبخ عَلَى الثلث، وذهب ثلثاه.
وَقَدْ وافق عمر، ومن ذكر معه عَلَى الحكم المذكور أبو موسى، وأبو الدرداء، أخرجه النسائيّ عنهما، وعلي، وأبو أمامة، وخالد بن الوليد، وغيرهم، أخرجها ابن أبي شيبة، وغيره، ومن التابعين ابن المسيب، والحسن، وعكرمة، ومن الفقهاء الثوري، والليث، ومالك، وأحمد، والجمهور، وشرط تناوله عندهم ما لم يُسكر. وكرهه طائفة تورعًا. انتهى "فتح" 11/ 190/ 191
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر منْ الأدلّة أن ما ذهب إليه الجمهور منْ جواز شرب الطلاء الذي طُبخ حَتَّى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، بشرط أن لا يُسكر، هو الحق؛ لقوّة حجته، لكن سيأتي أن المنصّف ربما لا يسكر، وَقَدْ شربه بعض الصحابة لذلك، فالحق أن مدار الحلِّ والتحريم هو الإسكار، فإذا كَانَ المنصّف لا يسكر فهو حَلالٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5719 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(3)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى: أَمَّا بَعْدُ،
(1)
هَذَا السياق ليس فِي رواية المصنّف الآتي، فليتأمل، والله تعالى أعلم.
(2)
"الْحَبْلة" -بفتح الحاء، وسكون الباء: هي الكرمة.
(3)
وفي نسخة: "أخبرنا".
فَإِنَّهَا قَدِمَتْ عَلَيَّ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، تَحْمِلُ شَرَابًا غَلِيظًا أَسْوَدَ كَطِلَاءِ الإِبِلِ، وَإِنِّي سَأَلْتُهُمْ عَلَى كَمْ يَطْبُخُونَهُ، فَأَخْبَرُونِى أَنَّهُمْ يَطْبُخُونَهُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ، ذَهَبَ ثُلُثَاهُ الأَخْبَثَانِ، ثُلُثٌ بِبَغْيِهِ، وَثُلُثٌ بِرِيحِهِ، فَمُرْ مَنْ قِبَلَكَ يَشْرَبُونَهُ).
رجال هَذَا الإسناد خمسة:
1 -
(سويد) بن نصر. و2 - (عبد الله) بن المبارك تقدّما قبل باب.
3 -
(سليمان) بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [4] 87/ 107.
4 -
(أبو مِجْلز) -بكسر الميم، وسكون الجيم-: هو لاحق بن حُميد -مصغّرًا- بن سعيد السدوسيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ولا مشارك له فيها، وفي اسمه، ثقة، منْ كبار [3] 188/ 296.
5 -
(عامر بن عبد الله) قَالَ لي "التقريب": مجهول قرأ كتاب عمر، منْ [2].
وَقَالَ فِي "تهذيب التهذيب": عامر بن عبد الله، قَالَ: قرأت كقال عمر إلى أبي موسى فِي الأشربة، وعنه أبو مِجلز، وقيل: عن أبي مجلز، قَالَ: قرأت كتاب عمر، ولم يذكر عامرًا، أخرجه النسائيّ عَلَى الوجهين، وعامر يحتمل أن يكون ابنَ عبد الله العنبريّ الزاهد المعروف بعامر بن عبد قيس البصريّ، وكان منْ سادات التابعين. رَوَى عن سلمان، وعمر. وعنه الحسن، وابن سيرين، مات بالشام أيام معاوية فيما قاله خليفة، وغيره، وله مناقب مشهورة، ترجم له فِي "الإصابة". انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الاثر فقط. والباقيان تقدّما قبل باب. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (إِلَى أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رضي الله عنه (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهَا) الضمير للقصّة، تفسره الجملة بعده (قَدِمَتْ) بكسر الدال المهملة (عَلَيَّ عِيرٌ) بكسر العين المهملة: هيِ الإبل التي تحمل الْمِيرة، ثم غلب عَلَى كلّ قافلة. قاله فِي "المصباح"(مِنَ الشَّامِ، تَحمِلُ) بكسر الميم، منْ باب ضرب (شَرَابًا غَلِيظًا أَسْوَدَ كَطِلَاءِ الْإبِلِ) بكسر الطاء المهملة: ما تُطلَى به الإبل الأجرب (وَإِنِّي سَأَلْتُهُمْ عَلَى كَمْ يَطْبُخُونَهُ) بضم الموحّدة، منْ باب نصر (فَأَخْبَرُونِي أَنَّهُمْ يَطْبُخُونَهُ عَلَى الْثُّلُثَيْنِ، ذَهَبَ ثُلُثَاهُ الْأَخْبَثَانِ، ثُلُثٌ ببَغْيِهِ، وَثُلُثٌ بِرِيحِهِ) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: هكذا فِي كثير منْ النسخ بالباء الجارّ الداخلة عَلَى البغي، مصدر بغى بموحّدة، وغين معجمة: إذا جاوز الحدّ، وكذا "بريحه" جارّ ومجرور: أي ثلث خبيث بسبب بغيه، وثلث خبيث بسبب ريحه، يريد أن العصير له ثلاثة أوصاف:[أحدها]: بغيه: أي
اشتداده، وإسكاره. [والثاني]: أنه إذا اشتدّ يحدث له ريح كريه. [والثالث]: مذوقٌ طيّب، فينبغى أن يقسم أجزاؤه عَلَى أوصافه، وصار ثلثه للبغي، والثاني للريح، والثالث للذوق، فالثلثان منه خبيثان، والثلث طيّب، فإذا أزال النار منه ثلثيه الخبيثين بقى الباقي طيّبًا، فصار حلالًا.
وفي بعض النسخ: ثلث يبغيه عَلَى أنه مضارع بغى، وكذا يريحه. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 329.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن ما فِي بعض النسخ منْ كونه بصيغة المضارع تصيحف، وَقَدْ تقدّم قريبا عن سنن سعيد بن منصور بما يوافق ما فِي معظم النسخِ، فهو الصواب، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(فَمُرْ مَنْ) بفتح الميم موصولة (قِبَلَكَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي ائذن للحاضرين عند (يَشْرَبُونَهُ) أي لكونه حلالًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أثر عمر بن الخطّاب رضي الله عنه هَذَا وإن كَانَ فِي إسناده عامر بن عبد الله، وهو مجهول، إلا أنه يشهد له ما قبله، وما بعده، فهو صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5720 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِيَّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رضى الله عنه:"أَمَّا بَعْدُ، فَاطْبُخُوا شَرَابَكُمْ، حَتَّى يَذْهَبُ مِنْهُ نَصِيبُ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ لَهُ اثْنَيْنِ، وَلَكُمْ وَاحِدٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هشام": هو ابن حسّان القردوسيّ. و"ابن سيرين": هو محمد. و"عبد الله بن يزيد الخطميّ" -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة-: هو الأنصاريّ الصحابيّ الصغير، ولي الكوفة لابن الزبير رضي الله عنهم
وقوله: "نصيب الشيطان": أراد به ما يسكر، وهو الثلثان، كما بينه بقوله:"فإن له اثنين، ولكم واحد": يعني أنه إذا بقي ثلثاه بعد الطبخ، فإنه حظّ الشيطان؛ لأنه يسكر، وإذا بقي ثلثه، فإنه جائز لكم؛ لأنه لا يسكر، والحاصل أن مدار الحلّ والتحريم هو الإسكار وعدمه.
والأثر موقوف صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -53/ 5719 - وفي "الكبرى"5227. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5721 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ رضى الله عنه، يَرْزُقُ النَّاسَ الطِّلَاءَ، يَقَعُ فِيهِ الذُّبَابُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْرَجَ مِنْهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"مغيرة": هو ابن مِقسَم.
وقوله: "يرزق النَّاس الطلاء": أي يعطيهم منْ جملة العطاء التي يفرقها بينهم، وفيه أن عليّا رضي الله عنه كَانَ ممن يجوّز شرب الطلاء. وقوله:"يقع فيه الذباب الخ" هَذَا بيان لصفة الطلاء الذي كَانَ يرزقهم، والمراد أنه كَانَ خاثرًا: أي ثخينا، بحيث إن الذباب إذا وقع فيه لا يستطيع الخروج منه، بل يمسكه لثخانته. والله تعالى أعلم.
والأثر هَذَا موقوف صحيح أيضًا، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -53/ 572 - وفي "الكبرى" 54/ 5228. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5722 -
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدًا، مَا الشَّرَابُ الَّذِي أَحَلَّهُ عُمَرُ رضى الله عنه؟ قَالَ: الَّذِي يُطْبَخُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم ابن أبي عديّ. و"داود": هو ابن أبي هند.
وهذا الأثر فيه انقطاع، بين سعيد وعمر رضي الله عنه، لكن بعضهم كالإمام أحمد، يرى صحة هَذَا الإسناد، كما سبق بيانه، وأيضًا يشهد له ما تقدّم، فهو صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5723 -
(أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، كَانَ يَشْرَبُ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، زكريا بن يحيى، السِّجْزيّ، خياط السنة، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة حافظ
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
[12]
. و"عبد الأعلى": هو ابن حماد النرسيّ البصريّ، لا بأس به منْ كبار [10]. و"داود": هو ابن أبي هند المذكور فِي السند الماضي. و"أبو الدرداء": اسمه عويمر بن مالك، وقيل: غير ذلك رضي الله عنه.
والأثر موقوف صحيح أيضًا، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -53/ 5722 - وفي "الكبرى"5229. وزاد قبله سندًا آخر، فَقَالَ: حدثنا محمد بن المثنى، قَالَ: ثنا حجاج، قَالَ: ثنا حماد
…
وأخبرنا زكريا بن يحيى الخ. وحجاج: هو ابن منهال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5724 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ مِنَ الطِّلَاءِ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه وهو ثقة، كما سبق. و"هشيم": هو ابن بشير. والسند فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه قيس بن أبي حازم، هو التابعيّ الوحيد الذي لا يشاركه أحد فِي الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنة كلهم، عَلَى خلاف فِي عبد الرحمن بن عوف، والصحيح أنه رَوَى عنه.
والأثر موقوف صحيح، وهشيم، وإن كَانَ مدلّسًا إلا أنه صرّح بالإنباء، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا 53/ 5723 - وفي "الكبرى" 54/ 5237. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5725 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَسَأَلَهُ أَعْرَابِيٌّ، عَنْ شَرَابٍ يُطْبَخُ عَلَى النِّصْفِ، فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى الثُّلُثُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق، و"سفيان": هو الثوريّ. و"يعلي بن عطاء": هو العامريّ، أو الليثيّ الطائفيّ، ثقة [4] 4/ 584.
وقوله: "عَلَى النصف": أي يُطبخ حَتَّى يذهب نصفه، ويبقى نصفه، فنهاه عن ذلك،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
وأمره أن يُطبخ حَتَّى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، وهذا الذي قاله سعيد رحمه الله تعالى، هو مذهب طائفة منْ أهل العلم، وذهبت طائفة إلى جواز شرب المنَصَّف، فقد علّق البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، فَقَالَ:"وشرب البراء، وأبو جحيفة عَلَى النصف".
قَالَ فِي "الفتح" 11/ 191: أما أثر البراء، فأخرجه ابن أبي شيبة منْ رواية عديّ بن ثابت عنه، أنه كَانَ يشرب الطلاء عَلَى النصف: أي إذا طبخ فصار عَلَى النصف.
وأما أثر أبي جحيفة، فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا منْ طريق حصين بن عبد الرحمن، قَالَ: رأيت أبا جحيفة فذكر مثله، ووافق البراء، وأبا جحيفة جرير، وأنس، ومن التابعين ابن الحنفية، وشريح، وأطبق الجميع عَلَى أنه إن كَانَ يُسكر حَرُم. وَقَالَ أبو عبيدة فِي "الأشربة": بلغني أن النصف يُسكر، فإن كَانَ كذلك فهو حرام.
قَالَ الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف أعناب البلاد، فقد قَالَ ابن حزم: إنه شاهد منْ العصير ما إذا طبخ إلى الثلث ينعقد، ولا يصير مسكرا أصلا، ومنه ما إذا طبخ إلى النصف كذلك، ومنه ما إذا طبخ إلى الربع كذلك، بل قَالَ: إنه شاهد منه ما يصير رُبّا خاثرا لا يُسكر، ومنه ما لو طُبخ لا يبقى غير ربعه لا يخثر، ولا ينفك السكر عنه، قَالَ: فوجب أن يُحمل ما ورد عن الصحابة منْ أمر الطلاء عَلَى ما لا يسكر بعد الطبخ، وَقَدْ ثبت عن ابن عبّاس بسند صحيح:"أن النار لا تُحل شيئا ولا تحرمه"، أخرجه النسائيّ 54/ 5732 - منْ طريق عطاء عنه، وَقَالَ: إنه يريد بذلك ما نقل عنه فِي الطلاء. وأخرج أيضًا منْ طريق طاوس، قَالَ. هو الذي يصير مثل العسل، ويؤكل، ويصب عليه الماء، فيشرب. انتهى "فتح" 11/ 191.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وبهذا يظهر أن الأرجح أنه إذا كَانَ المنصّف يُسْكِرُ يَحْرُمُ، وإلا فلا، كما ذهب إليه هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، فمدار الحل والحرمة هو الإسكار. والله تعالى أعلم.
والأثر هَذَا مقطوع صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -53/ 5724 - وفي "الكبرى" 54/ 5230. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5726 -
(أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مَعْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: إِذَا طُبِخَ الطِّلَاءُ عَلَى الثُّلُثِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ"، أبي جعفر البغداديّ الفقيه، فإنه منْ أفراد المصنّف،
والترمذيّ، وهو ثقة [10]. و"معن": هو ابن عيسى القزّاز المدنيّ الثقة الثبت، منْ كبار [10]. و"معاوية بن صالح": هو الحمصيّ، صدوقٌ، له أوهام [7]. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ الفقيه القاضي الحجة [5].
وقوله: "إذا طُبخ الطلاء عَلَى الثلث الخ: معناه: أن يُطبخ إلى أن يبقى الثلث، ويذهب الثلثان، وأما الذي سبق فِي كلام عمر رضي الله عنه: "عَلَى الثلثين": فمعناه: أن يذهب ثلثاه، فلا تنافي بين الكلامين. والله تعالى أعلم.
والأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -53/ 5725 - وفي "الكبرى" 54/ 5231. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5727 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ، عَنِ الطِّلَاءِ الْمُنَصَّفِ؟ فَقَالَ: لَا تَشْرَبْهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة، وغير "أبي رجاء": وهو محمد بن سيف الأزديّ الْحُدّانيّ البصريّ، فإنه تفرد به هو، وأبو داود فِي "المراسيل"، وهو ثقة أيضًا [6] 60/ 4614 وكلام الحسن هَذَا محمول عَلَى أن ذلك المنصّف مما يسكر، فلا يعارض ما تقدّم عن شرب البراء وغيره له؛ لأنه محمول عَلَى النوع الذي لا يسكر، كما تقدّم تفصيله فِي كلام ابن حزم، فلا تغفل. والله تعالى أعلم.
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -53/ 5726 - وفي "الكبرى" 54/ 5232. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5728 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَمَّا يُطْبَخُ مِنَ الْعَصِيرِ؟ قَالَ: مَا تَطْبُخُهُ حَتَّى يَذْهَبَ الثُّلُثَانِ، وَيَبْقَى الثُّلُثُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا السند هو الذي قبله، غير "بشير -بفتح الموحدة، وكسر المعجمة- ابن المهاجر": هو الغنويّ الكوفيّ، صدوقٌ لين الْحَدِيث، ورمي بالإرجاء [5] 2/ 3991.
وقوله: "ما تطبخه الخ""ما" موصولة مبتدأ، حذف خبره: أي جائز.
وهذا الأثر مقطوع حسن، من أجل بشير بن المهاجر، تفرد به المصنّف رحمه الله
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
تعالى، أخرجه هنا -53/ 5727 - وفي "الكبرى" 54/ 5233، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5729 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: إِنَّ نُوحًا صلى الله عليه وسلم، نَازَعَهُ الشَّيْطَانُ فِي عُودِ الْكَرْمِ، فَقَالَ هَذَا: لِي، وَقَالَ هَذَا: لِي، فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنَّ لِنُوحٍ ثُلُثَهَا، وَلِلشَّيْطَانِ ثُلُثَيْهَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير:
1 -
(سعد بن أوس): العدويّ، أو العبديّ البصريّ، صدوقٌ له أغاليط [5].
رَوَى عن مصدع أبي يحيى، وزياد بن كُسيب، وسيار بن مِخراق، وأنس بن سيرين. وعنه حميد بن مهران، وأبو عبيدة الحداد، ومحمد بن دينار الطاحيّ، ومحمد بن الفرات البجليّ. وكان زوج نضرة بنت أبي نضرة. قَالَ ابن معين: بصريّ ضعيف. وَقَالَ الساجىّ: صدوقٌ. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: كنيته أبو محمد، وكذا كناه البخاريّ. رَوَى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الأثر فقط.
وقوله: "فِي عُود الكرم": بضم العين اللهملة. وقوله: "فَقَالَ هَذَا: لي" اسم الإشارة فاعل "قَالَ"، و"لي" مقول القول، أي قَالَ أحدهما: إن هَذَا العود لي، وَقَالَ الآخر مثله. ولفظ "الكبرى": فَقَالَ هَذَا: هَذَا لي، وَقَالَ هَذَا: هَذَا لي": وعليه فاسم الإشارة الأول فِي الجملة الأولى يعود إلى نوح عليه السلام، والثاني إلى العود، وفي الجملة الثانية الأول للشيطان، والثاني للعود.
وقوله: "فاصطلحا الخ": أي اتفقا. وَقَدْ تقدّم عن "الفتح" أنه ساقه مطوّلاً، وعزاه إلى المصنّف، ولم أره فيه، ونصّه: أخرجه النسائيّ منْ طريق ابن سيرين فِي قصة نوح عليه السلام، قَالَ: "لما ركب السفينة فقد الْحَبْلة
(1)
فَقَالَ له الملك: إن الشيطان أخذها، ثم أحضرت له، ومعها الشيطان، فَقَالَ له الملك: إنه شريكك فيها، فأحسن الشركة، قَالَ: له النصف، قَالَ: أحسن، قَالَ: له الثلثان، ولي الثلث، قَالَ: أحسنت وأنت محسان، أن تأكله عنبا، وتشربه عصيرا، وما طُبخ عَلَى الثلث فهو لك ولذريتك، وما جاز عن الثلث، فهو منْ نصيب الشيطان". انتهى.
وهذا الأثر موقوف حسنٌ، وَقَالَ فِي "الفتح": ومثله لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع، وأغرب ابن حزم، فَقَالَ: أنس بن مالك لم يدرك نوحًا، فيكون منقطعًا.
(1)
"الْحَبْلة" -بفتح الحاء، وسكون الباء: هي الكرمة.
انتهى. وَقَالَ الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: وهو بالإسرائيليات أشبه.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله صاحب "الفتح" أولى؛ لأن أنسًا رضي الله عنه لم يكن معروفًا برواية الإسرائليات، فالظاهر أنه تلقاه منْ النبيّ صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5730 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ طُفَيْلٍ الْجَزَرِيِّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنْ لَا تَشْرَبُوا مِنَ الطِّلَاءِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الأثر مقطوع صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي 23/ 5600 سندًا ومتنًا، فراجعه هناك تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5731 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ بُرْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"المعتمر": هو ابن سليمان. و"بُرد": هو ابن سنان، أبو العلاء الدمشقيّ، نزيل البصرة، مولى قريش، صدوقٌ، رُمي بالقدر [5] 14/ 1206. و"مكحول": هو أبو عبد الله الشاميّ، ثقة فقيه، كثير الإرسال [5] 4/ 630.
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -53/ 5730 - وفي "الكبرى" 54/ 5235. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
54 - (مَا يَجُوزُ شُرْبُهُ مِنَ الْعَصِيرِ، وَمَا لَا يَجُوزُ)
5732 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ الثَّعْلَبِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْعَصِيرِ، فَقَالَ:
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
اشْرَبْهُ مَا كَانَ طَرِيًّا، قَالَ: إِنِّي طَبَخْتُ شَرَابًا، وَفِي نَفْسِي مِنْهُ، قَالَ: أَكُنْتَ شَارِبَهُ قَبْلَ أَنْ تَطْبُخَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ النَّارَ لَا تُحِلُّ شَيْئًا قَدْ حَرُمَ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
1 -
(سويد) بن نصر المروزيّ، ثقة [10] 45/ 55.
2 -
(عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [8] 32/ 36.
3 -
(أبو يعفور السَّلَميّ) عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسطاس الكوفيّ، ثقة [5] 17/ 1639.
[تنبيه]: "أبو يعفور" هَذَا هو الأصغر، ولهم "أبو يعفور" الأكبر، واسمه وَقْدَان، وقيل: واقد العبديّ الكوفيّ، ثقة [4] 91/ 1032. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
4 -
(أبو ثابت الثعلبيّ) أيمن بن ثابت الكوفيّ، مولى بني ثعلبة، صدوقٌ [4]. رَوَى عن ابن عبّاس هَذَا الْحَدِيث، وعن يعلي بن مرّة الثقفيّ، وأمّ رجاء الأشجعيّة. وعنه الشعبيّ، وأبو يعفور عبد الرحمن بن عُبيد السلميّ. قَالَ الآجريّ عن أبي داود: لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ) أيمن بن ثابت (أَبِي ثَابِتِ الثَّعْلَبِيِّ) أنه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْعَصِيرِ) أي عن حكم شربه (فَقَالَ: اشْرَبْهُ مَا كَانَ طَرِيًّا)"ما" مصدرية ظرفية: أي مدة كونه جديدًا، لم يمض عليه فترة منْ الزمن، حَتَّى لا يكون مسكرًا (قَالَ) الرجل (إِنِّي طَبَخْتُ شَرَابًا، وَفِي نَفْسِي مِنْهُ) يعني أنه يخشى أن يكون مسكرًا، فظن أن طبخه يزيل إسكاره، فطبخه (قَالَ) ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما (أَكُنْتَ شَارِبَهُ قَبْلَ أَنْ تَطْبُخَهُ؟) أي أكنت تستحلّ شربه قبل الطبخ، فتشربه؟ (قَالَ) الرجل (لَا) أي لا استحلّ شربه، حيث أراه مسكرا (قَالَ) ابن عبّاس (فَإِنَّ النَّارَ لَا تُحِلُّ شَيْئًا قَدْ حَرُمَ) بفتح أوله، وضم الراء المخفّفة: أي صار حرامًا، ويحتمل أن يكون بتشديد الراء منْ التحريم: أي صار محرّما بسبب إسكاره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وهذا الأثر موقوف صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -54/ 5731 - وفي "الكبرى" 55/ 5238. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5733 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةً، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ:"وَاللَّهِ مَا تُحِلُّ النَّارُ شَيْئًا، وَلَا تُحَرِّمُهُ"، قَالَ، ثُمَّ فَسَّرَ لِي قَوْلَهُ:"لَا تُحِلُّ شَيْئًا": لِقَوْلِهِمْ فِي الطِّلَاءِ، "وَلَا تُحَرِّمُهُ": الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
1 -
(ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلّس ويرسل [6] 28/ 32.
2 -
(عطاء) بن أبي رَبَاح اسلم المكيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [3] 112/ 154. والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ) عبد الملك بن عبد العزيز (بْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةً) منصوب عَلَى التمييز، يعني أن ابن المبارك أخذ هَذَا الْحَدِيث عن ابن جريج بالقراءة، لا بالسماع منْ لفظه، والأخذ بالقراءة منْ طرق التحمل الصحيحة، وهي تلي السماع عند الجمهور، وتساويها عند مالك، وبعض المحدثين، كما هو مشهور فِي مصطلح الْحَدِيث (أَخْبَرَنِي عَطَاء) بن أبي رباح (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: "وَاللهِ مَا تُحِلُّ النُّارُ شَيْئًا) أي منْ المسكرات، وغيره (وَلَا تُحرِّمُهُ"، قَالَ) عطاء (ثُمَّ فَسَّرَ لِي قَوْلَهُ: "لَا تُحِلُّ شَيْئًا": لِقَوْلِهِمْ فِي الطِّلَاءِ) أي هو ردّ لقولهم فِي الطلاء: إنه يحلّ إذا ذهب ثلثاه، وهذا إشارة إلى أن الطبخ لا يُحلّ المطبوخ، ولو ذهب ثلثاه إلا إن كَانَ طريًّا، أي قبل أن يتخمّر، قَالَ فِي "الفتح" 11/ 191 بعد أن حكى قول ابن عبّاس هَذَا: ما نصّه: وهذا يقيّد ما أُطلق فِي الآثار الماضية، وهو أن الذي يُطبخ إنما هو العصير الطريّ قبل أن يتخمّر، أما لو صار خمرًا، فطُبخ، فإن الطبخ لا يُطهّره، ولا يُحلّه إلا عَلَى رأي منْ يُجيز تخليل الخمر، والجمهور عَلَى خلافه، وحجتهم الْحَدِيث الصحيح عن أنس، وأبي طلحة رضي الله تعالى عنهما، أخرجه مسلم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار بحديث أنس رضي الله عنه، إلى ما أخرجه مسلم فِي "صحيحه" منْ طريق السُّدِّيّ، عن يحيى بن عباد، عن أنس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، سئل عن الخمر، تتخذ خلا؟ فَقَالَ:"لا".
وبحديث أبي طلحة رضي الله عنه إلى ما أخرجه أحمد، وأبو داود، منْ طريق السُّدّيّ أيضًا عن أبي هبيرة، عن أنس بن مالك، أن أبا طلحة، سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أيتام وَرِثوا خمرا،
(1)
وفي نسخة: "أخبرتنا".
قَالَ: "أهرقها"، قَالَ: أفلا أجعلها خلا؟ قَالَ: "لا".
وقوله: (وَلَا تُحرِّمُهُ: الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) يعني أنه فسّر له قوله: "ولا تحرمه" بأنه رَدّ عَلَى منْ يقول: يجب الوضوء عَلَى منْ أكل ما مسّته النار؛ فإن الشيء قبل مسّ النار لا يوجب الوضوء اللاحق، ولا يُبطل الوضوء السابق، فلو كَانَ بعد مسّ النار موجبًا للوضوء اللاحق، ومبطلًا للوضوء السابق، لكان ذلك بمنزلة أن يقال: إن النار هي المحرّمة.
قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما سبق: ما نصّه: وعلى هَذَا فجملة: "الوضوء مما مسّت النار" جزء منْ الْحَدِيث، وليست منْ قبيل الترجمة، كما كتبه كثير منْ الكتاب فِي نسخ الكتاب، وَقَدْ نبّه عَلَى ذلك بعض المعتنين. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح السنديّ" 8/ 331.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله السنديّ رحمه الله تعالى، هو الصواب الذي لا وجه لغيره فِي هَذَا الموضع، ومما يؤيّد ذلك أن الحافظ المزّي لما أورد الْحَدِيث فِي "تحفة الأشراف"، ساقه مساق المتن الواحد، ونصّه -5/ 92 - :"حديث ابن عبّاس يقول: والله ما تُحلّ النار شيئًا، ولا تحرّمه، قَالَ: ثم فسّر لي قوله: لا تحل شيئًا لقولهم فِي الطلاء، ولا تحرمه: الوضوء مما مسّت النار". انتهى.
ويوجد فِي هامش النسخة التي حققها مكتب التراث الإسلامىّ منْ "المجتبى" 8/ 736: ما مختصره: "وَقَدْ ذكر فِي هامش نسحة النظّاميّة أنه فِي هامش "الكبرى" كَتَبَ: قوله: "الوضوء مما مسّت النار" بخط الأصل، لا عَلَى هيئة الترجمة، وما نصّه. قوله: "الوضوء مما مسّت النار" ليس بترجمه، بل متّصلٌ بما قبله. انتهى. باختصار.
والحاصل أن كتابة قوله: "الوضوء مما مسّت النار" ترجمة تصحيف فاحش؛ لما ذكرته آنفًا، ولأن الآثار التي أوردها بعده ليس فِي شيء منها ذكر الوضوء مما مسّت النار. فتبصّر، ولا تتحيّر بالتقليد، فإنه ملجأ البليد، ومُتَمَسَّك العنيد. والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: هَذَا الأثر يدلّ على أن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما لم يصل إليه حديث: "توضّئوا مما مسّت النار"، وهو حديث صحيح، إلا أنه منسوخ، كما تقدّم بيان ذلك فِي "الطهارة"، ومما يؤيّد ذلك أن ابن عبّاس خاصم أبا هريرة رضي الله تعالى عنهم فِي ذلك، فقد تقدّم للمصنّف منْ طريق الأوزاعي، أنه سمع المطلب بن عبد الله ابن حنطب يقول: قَالَ ابن عبّاس: أتوضأ منْ طعام أجده فِي كتاب الله حلالا؛ لأن النار مسته، فجمع أبو هريرة حصى، فَقَالَ: أشهد عدد هَذَا الحصى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم-
قَالَ: "توضئوا مما مست النار". وفي رواية ابن ماجه: "أن أبا هريرة قَالَ لابن عبّاس رضي الله عنه: يا ابن أخي إذا سمعت الْحَدِيث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تضرب له الأمثال".
والحاصل أن الْحَدِيث صحيح مرويّ عن أبي هريرة رضي الله عنه، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأم حبيبة رضي الله عنهم، وَقَدْ سبق كل هَذَا للمصنف رحمه الله تعالى فِي "الطهارة" -122 - باب الوضوء مما غيّرت النار"، وكذلك الأحاديث الدالّة عَلَى النسخ تقدّمت هناك 123 - "باب ترك الوضوء مما غيّرت النار"، وَقَدْ استوفيت هناك شرحها، وبيان مسائلها، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5734 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ:"اشْرَبِ الْعَصِيرَ مَا لَمْ يُزْبِدْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، و"حيوة بن شُريح": هو التجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقة ثبت فقيه زاهد [7] 17/ 478. و"عُقيل": هو ابن خالد.
وقوله: "ما لم يُزبد" بزاي معجمة، وباء موحّدة، ودال مهملة، منْ الإزباد، قَالَ الفيّوميّ: الزَّبّد -بفتحتين- منْ البحر وغيره كالرغوة، وأزبد إزبادًا: قَذَف بِزَبَده. انتهى.
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -54/ 5733 - وفي "الكبرى" 55/ 5240. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5735 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَائِذٍ الأَسَدِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْعَصِيرِ؟ قَالَ: "اشْرَبْهُ حَتَّى يَغْلِيَ، مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هشام بن عائذ الأسديّ": صدوقٌ [6] 94/ 4674. و"إبراهيم": هو النخعيّ.
وقوله: "حَتَّى يغلي": مضارع غلا، قَالَ الفيّوميّ: غلت القدر غَلْيًا، منْ باب ضرب، وغَلَيانًا أيضًا، قَالَ الفرّاء: إذا كَانَ الفعل فِي معنى الذهاب والمجيء، مضطربًا، فلا تهابنّ فِي مصدره الْفَعَلانَ. وفي لغة غَلِيت تَغْلَى، منْ باب تعب، قَالَ أبو الأسود الدؤليّ:
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
وَلَا أَقُولُ لِقِدْرِ الْقَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ
…
وَلَا أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ
والأولى هي الفُصحَى، وبها جاء الكتاب العزيز فِي قوله عز وجل:{يَغْلِي فِي الْبُطُونِ} الآية [الدخان: 45]، ويتعدّى بالهمز، فيقال: أغليت الزيت ونحوه إغلاء، فهو مُغلّى. انتهى.
وقوله: "حَتَّى يغلي ما لم يتغيّر" هكذا نسخ "المجتبى"، ولفظ "الكبرى":"ما لم يتغيّر"، وليس فيه قوله:"حَتَّى يغلي"، والظاهر أنه لا حاجة إليه؛ لأن أحدهما يغني عن الآخر، فإن الخمر إنما تتغيّر إذا غلت، اللَّهم إلا أن يُجعل قوله:"ما لم يتغيّر" تأكيدًا لمعنى الغليان.
قَالَ فِي "الفتح" 11/ 191 - 192: وأخرج ابن أبي شيبة، والنسائي، منْ طُرُق عن سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي:"اشرب العصير ما لم يَغْلِ"، وعن الحسن البصريّ:"ما لم يتغير"، وهذا قول كثير منْ السلف، أنه إذا بدأ فيه التغير يمتنع، وعلامة ذلك أن يأخذ فِي الغليان، وبهذا قَالَ أبو يوسف، وقيل: إذا انتهى غليانه، وابتدأ فِي الهدوء بعد الغليان، وقيل: إذا سكن غليانه. وَقَالَ أبو حنيفة: لا يحرم عصير العنب النىء حَتَّى يَغلِي، ويقذف بالزبد، فإذا غَلَى، وقذف بالزبد حرم، وأما المطبوخ حَتَّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، فلا يمتنع مطلقًا، ولو غَلَى، وقذف بالزبد بعد الطبخ، وَقَالَ مالك، والشافعي، والجمهور: يمتنع إذا صار مسكرا شرب قليله وكثيره، سواء غَلَى أم لم يغلِ؛ لأنه يجوز أن يبلغ حد الإسكار بأن يغلي، ثم يسكن غليانه بعد ذلك، وهو مراد منْ قَالَ: حَدُّ منع شربه أن يتغير. والله أعلم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور منْ تحريم العصير إذا أسكر مطلقًا، طُبخ، أم لا، غَلَى أم لم يَغْلِ هو الحقّ، وأما القول بإباحته بعد الطبخ وإن غلى، وقذف بالزبد فمخالف للأحاديث الصحيحة التي تقدّمت منْ أن كلّ مسكر حرام، فتتبصر بالإنصاف، ولا تتحيّر بتقليد ذوي الاعتساف. والله تعالى أعلم.
والأثر هَذَا مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -54/ 5735 - وفي "الكبرى" 55/ 5241 والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5736 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، فِى الْعَصِيرِ، قَالَ اشْرَبْهُ، حَتَّى يَغْلِيَ).
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الملك": هو ابن أبي سليمان ميسرة العرزميّ، صدوقٌ له أوهام [5].
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف هنا -54/ 5735 - وفي "الكبرى" 55/ 5242. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5737 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: اشْرَبْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلاَّ أَنْ يَغْلِيَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "داود": هو ابن أبي هند. وقوله: "ثلاثة أيام" الظاهر أن تحديده بها لأن الغالب أنه إن تجاوزها تغيّر، فالمدار هو الإسكار، وإن كَانَ دون ثلاثة أيام والله تعالى أعلم. وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -54/ 5736 - وفي "الكبرى" 54/ 5243. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
55 - (ذِكْرِ مَا يَجُوزُ شُرْبُهُ مِنَ الأَنْبِذَةِ، وَمَا لَا يَجُوزُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الأنبذة": جمع نبيذ، وهو فعيل بمعنى مفعول، وهو الماء الذي نُبد فيه تمرات؛ لتخرج حلاوتها إلى الماء. وفي "النهاية" 5/ 7: النبيذ: ما يُعمل منْ الاشربة، منْ التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، وغير ذلك، يقال: نبذت التمر، والعنب: إذا تركت عليه الماء؛ ليصير نبيذًا، فصُرف منْ المفعول إلى فعيل، وانتبذته: اتخذته نبيذًا، سواء كَانَ مسكرًا، أو غير مسكر، فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصَر منْ العنب: لبيذ، كما يقال للنبيد: خمر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
5738 -
(أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ فَيْرُوزَ، قَالَ:
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْحَابُ كَرْمٍ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، فَمَاذَا نَصْنَعُ؟ قَالَ:"تَتَّخِذُونَهُ زَبِيبًا"، قُلْتُ: فَنَصْنَعُ بِالزَّبِيبِ مَاذَا؟ قَالَ: "تَنْقَعُونَهُ عَلَى غَدَائِكُمْ، وَتَشْرَبُونَهُ عَلَى عَشَائِكُمْ، وَتَنْقَعُونَهُ عَلَى عَشَائِكُمْ، وَتَشْرَبُونَهُ عَلَى غَدَائِكُمْ"، قُلْتُ:"أَفَلَا نُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَشْتَدَّ؟ قَالَ: "لَا تَجْعَلُوهُ فِي الْقُلَلِ، وَاجْعَلُوهُ فِي الشِّنَانِ، فَإِنَّهُ إِنْ تَأَخَّرَ صَارَ خَلاًّ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
1 -
(عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ) أبو حفص الحمصيّ، صدوقٌ [10] 21/ 535.
2 -
(بقيّة) بن الوليد الكلاعيّ، أبو يُحْمِد الحمصيّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [8] 45/ 56.
3 -
(الأوزعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة ثبت فاضل [7] 54/ 56.
4 -
(يحيى بن أبي عمرو) السيبانيّ -بفتح السين المهملة، وسكون التحتانيّة، بعدها موحّدة- أبو زرعة الحمصيّ، ثقة [6] 42/ 3177.
5 -
(عبد الله بن الديلميّ) أخو الضحّاك، ثقة منْ كبار التابعين، ومنهم منْ ذكره فِي الصحابة 6/ 693.
6 -
(أبوه فيروز) الديلمي، ويقال: ابن الديلمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الضحاك اليماني، قَالَ ابن سعد: هو منْ أبناء فارس، الذين بعثهم كسرى إلى الحبشة، وفيروز هو الذي قتل الأسود العنسي، وَقَدْ وفد عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وروى عنه أحاديث، وبعضهم يروي عنه يقول: حدثني الديلمي الحميري، وبعضهم يقول: الديلمي، وهذا كله واحد، رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنه بنوه: الضحاك، وعبد الله، وسعيد، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، وأبو خِرَاش الرُّعَيني، وبشر المؤذن. قَالَ ابن سعد، وأبو حاتم: مات فِي زمن عثمان بن عفان، وقيل: مات باليمن فِي إمارة معاوية، سنة ثلاث وخمسين، له فِي كتب السنن ثلاثة أحاديث: عند أبي داود، والمصنّف حديث الباب، وعند الترمذيّ، وابن ماجه فِي "نكاح الأختين" وعند المصنّف فِي "الكبرى" فِي قتل العنسي. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ فَيْرُوزَ) الديلميّ رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ:
قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَصْحَابُ كَرْم) تقدّم البحث فِي النهي عن تسمية العنب كرمًا مستوفًى قبل ثلاثة أبواب (وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ عز وجل تَحْرِيمَ الْخَمْر، فَمَاذَا نَصْنَعُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (تَتَّخِذُونَهُ زَبِيبًا، قُلْتُ: فَنَصْنَعُ بِالزَّبِيبِ مَاذَا؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (تُنْقِعُونَهُ) أي تخلطونه بالماء ليصير شرابًا، وهو منْ نقع ينقّع ثلاثيًا، منْ باب نفع، أو أنقع بالألف يُنقع رباعيًا، قَالَ فِي "اللسان": نقع الشيء فِي الماء وغيره يَنقَعه نقعًا، فهو نقيع، وأنقعه: نبذه، وأنقعت الدواء وغيره فِي الماء، فهو مُنقَعٌ، والنقيع، والنقُوعُ: شراب يتّخذ منْ زبيب يُنقع فِي الماء منْ غير طبخ. انتهى. (عَلَى غَدَائِكُمْ) بالفتح، والمدّ: الطعام الذي يؤكل أول النهار. قاله فِي "اللسان"(وَتَشْرَبُونَهُ عَلَى عَشَائِكُمْ) بالفتح، والمد أيضًا: الطعام الذي يؤكل عند العشاء بالكسر (وَتُنْقِعُونَهُ عَلَى عَشَائِكُمْ، وَتَشْرَبُونَهُ عَلَى غَدَائِكُم"، قُلْتُ: "أَفَلَا نُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَشْتَدَّ؟) أي أيجوز لنا تأخيره منْ هَذَا الوقت الذي ذكرته؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَا تَجعَلُوهُ فِي الْقُلَلِ) بضم القاف، وفتح اللام: هي الجرار الكبار، واحدتها قُلّة بضم القاف، وتشديد اللام، وهذا النهي محمول عَلَى ما قبل النسخ، فقد جاء بعد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"انتبذوا فِي كلّ وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرًا، والله تعالى أعلم. (وَاجْعَلُوهُ فِي الشِّنَانِ) بكسر الشين المعجمة: جمع شَنّ بفتحها، وتشديد النون: قَالَ الخطّابيّ فِي "المعالم" 5/ 278 - 279: الشنان: هي الأسقية منْ الأدم، وغيرها، واحدها شنّ، وأكثر ما يقال ذلك فِي الجلد الرقيق، أو البالي منْ الجلود. انتهى. وسبب النهي عن أن يُجعل فِي القُلَل هو ما سبق فِي النهي عن الدباء، والحنتم، ونحوهما، منْ الإسراع فِي الإسكار. والله تعالى أعلم. (فَإِنَّهُ إِنْ تَأَخَّرَ صَارَ خَلًّا) أي صار خمرًا، ثم تخلّل، والمراد التحذير عن أن يكون خمرًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث فيروز الديلميّ رضي الله عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -55/ 5737 و5738 - وفي "الكبرى" 56/ 5244 و5245. وأخرجه (د) فِي "الأشربة" 3710 (أحمد) فِي "مسند الشاميين" 17576 (الدارميّ) فِي "الأشربة" 2016. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز شرب النبيذ الذي
ينبذ أول النهار، ويشرب آخره، وبالعكس. (ومنها): الاهتمام بالسؤال عن الأمور الدينيّة. (ومنها): جواز الانتباذ فِي الشنان. (ومنها): جواز الجمع بين شرب النبيذ وأكل العشاء، والغداء، فلا يُعدّ هَذَا إسرافًا. (ومنها): تحريم شرب ما تأخّر وقته منْ الأنبذة حَتَّى يصير خمرًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5739 -
(أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ، عَنْ ضَمْرَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا أَعْنَابًا، فَمَاذَا نَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: "زَبِّبُوهَا"، قُلْنَا: فَمَا نَصْنَعُ بِالزَّبِيبِ؟ قَالَ: "انْبِذُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ، وَاشْرَبُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ، وَانْبِذُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ، وَاشْرَبُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ، وَانْبِذُوهُ فِي الشِّنَانِ، وَلَا تَنْبِذُوهُ فِي الْقِلَالِ، فَإِنَّهُ إِنْ تَأَخَّرَ صَارَ خَلاًّ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو عُمَيْرِ بْنِ النَّحَّاسِ": هو الرمليّ، ثقة فاضل، منْ صغار [10]. و"ضَمْرَةَ": هو ابن ربيعة، أبو عبد الله الفلسطينيّ، دمشقيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم قليلًا [9]. و"السِّيْبَانِىِّ": هو يحيي بن أبي عمرو المذكور فِي السند الماضي.
[تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى"، و"الكبرى":"الشيبانيّ" بالشين المعجمة، بدل "السيباني" بالسين المهملة، وهو تصحيف، والصواب المهملة، راجع "سنن أبي داود" 3/ 334 - و"تحفة الأشراف" 8/ 273. والله تعالى أعلم. و"ابن الديلميّ": هو عبد الله المذكور في السند الماضي.
وقوله: "زبّبوها": أي اجعلوها زبيبًا، يقال: زبّبت العنب: إذا جعلته زبيبًا، فتزبّب هو.
وقوله: "انبذوه" بوصل الهمزة، وكسر الموحّدة، أمر منْ نبذ، منْ باب ضرب، ويحتمل أن يكون بقطع الهمزة، منْ الإنباذ، وهو بمعناه، يقال: نبذه، وأنبذه، وانتبذه، ونبّذه بالتشديد، قاله فِي "القاموس".
وقوله: "فِي القلال" بالكسر: جمع قُلّة، وتُجمع عَلَى قُلَل، كما فِي الرواية الماضية.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5740 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُطِيعٌ، عَنْ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَيَشْرَبُهُ مِنَ الْغَدِ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ، فَإِنْ بَقِيَ فِي الإِنَاءِ شَيْءٌ، لَمْ يَشْرَبُوهُ أُهْرِيقَ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ) سليمان بن سيف بن يحيى الطائيّ مولاهم، ثقة حافظ [11] 103/ 136 منْ أفراد المصنّف.
[تنبيه] وقع فِي نسخ "المجتبى" هنا بعد "أخبرنا أبو داود" زيادة: "قَالَ: حدثنا يعلى الحرانيّ"، وهذا غلط فاحش؛ لأن قوله:"الْحَرّانيّ" صفة لأبي داود، فالصواب حذف قوله:"قَالَ: حدثنا يعلى"، راجع "تحفة الأشراف" 5/ 268. والله تعالى أعلم.
2 -
(يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ) بن أبي أميّة الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة، إلا فِي حديثه عن الثوريّ، ففيه لين، منْ كبار [9] 105/ 140.
3 -
(مُطِيعٌ) بن عبد الله الغزّال القرشيّ، أبو الحسن، وقيل: أبو عبد الله الكوفيّ، صدوقٌ [6].
رَوَى عن أبيه، وأبي عمر البهراني، وسالم الأفطس، والشعبي، وكردوس الكوفيّ. وروى عنه وكيع، وهشيم، ومحمد بن القاسم، ويحيى بن سعيد، وشريك بن عبد الله، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن عبيد، وجعفر بن عون، وأبو نعيم. قَالَ ابن معين: ثقة. وَقَالَ أبو زرعة: لا بأس به. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، قَالَ: مطيع الغزال، أبو الحسن، رَوَى عن أبيه، عن جده، وعنه محمد ابن القاسم، وأهل الكوفة، لست أعرف أباه، ولا جده، والخبر ليس بصحيح منْ طريق أحد، فيعتبر به. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
4 -
(أبو عمر) يحيى بن عُبيد البَهْرانيّ الكوفيّ، صدوقٌ [4].
رَوَى عن ابن عبّاس، وعنه أبو إسحاق السبيعيّ، والأعمش، وزيد بن أبي أُنيسة، وأبو إسرائيل الملائيّ، ومطيع الغزّال، وحجاج بن أرطاة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وشعبة. قَالَ ابن معين: ثقة. وَقَالَ أبو زرعة: ليس به بأس. وَقَالَ أبو حاتم: صدوقٌ. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". رَوَى له مسلم، والمصنف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث، كرره ثلاث مرّات.
[تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" هنا: "أبو عثمان" بدل "أبي عمر"، وهو غلطٌ فاحش، وَقَدْ ظنه بعضهم أبا عثمان النهديّ، وليس كذلك، وإنما هو أبو عمر البهرانيّ يحيى بن عبيد الآتي فِي السند التالي، راجع "تحفة الأشراف" 5/ 268. وكتب فِي الهامش: ما نصّه: هَذَا الإسناد وقع فِي "المجتبى" هكذا: "عن أبي داود، قَالَ: حدثنا يعلى، قَالَ: حدثنا يعلى بن عبيد، قَالَ: حدثنا مطيع، عن أبي عثمان، عن ابن عبّاس"، وهذا تصحيف، والصواب كما قَالَ المزّيّ، وكما فِي "الكبرى". فتنبّه. انتهى.
5 -
(ابن عبّاس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما 27/ 31. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، ومطيع، فإنهما منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فحرّانيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، أحد المكثرين السبعة، رَوَى (1696) حديثًا، وهو أيضًا أحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كَانَ يُنْبَذُ) بالبناء للمفعول (لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَيَشْرَبُهُ) بالبناء للفاعل (مِنَ الْغَدِ) فِي اليوم الثاني، فـ"منْ" بمعنى "فِي"(وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ)"كَانَ" هنا تامّة، وما بعدها فاعلها، و"المساء": ضدّ الصباح، وهو بفتح الميم، لا غير، وأما قول النوويّ فِي "شرح مسلم": يقال: بضم الميم، وكسرها لغتان، الضم أرجح. فلا أراه صحيحًا، فإن جواز الضم والكسر إنما هو للْمُسْي
(1)
، لا للمساء، وهو اسم منه، انظر "القاموس". والله أعلم.
[تنبيه]: إنما أنّث الثالثة، وإن كَانَ لفظ "مساء" مذكّرًا بتقدير مضاف، أي مساء الليلة الثالثة. والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ بَقِيَ فِي الْإنَاءِ شَيْءٌ، لَمْ يَشْرَبُوهُ) أي لم يشربه النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا أحد منْ أهل بيته، وخدمه (أُهَرِيقَ) أي صُبّ، وهو بضم الهمزة، وسكون الهاء، وأصلها همزة، قَالَ الفيّوميّ: راق الماء والدم وغيره: رَيقًا، منْ باب باع: انصبّ، ويتعدّى بالهمز، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُرِيق، والمفعول مُرَاقٌ، وتبدل الهمزة هاء، فيقال: هَرَاقه، والأصل هَرْيَقَه، وزان دحرجه، ولهذا تفتح الهاء منْ المضارع، فيقال: يُهَريقه، كما تُفتح الدال منْ يُدحرجه، وتفتح منْ الفاعل، والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَريق، ومُهَراقٌ، قَالَ امرؤ القيس:
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ يُشْتَفَى بِهَا
والأمر هَرِقْ ماءك، والأصل هَرْيِق، وزان دَحْرِج، وَقَدْ يُجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْراقه يُهْريقه ساكن الهاء، تشبيهًا له بأسطاع يُسطيع، كأن الهمزة زيدت عوضًا عن حركة الياء فِي الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًا. انتهى.
(1)
"الْمُسْيُ" بالضمّ والكسر: اسم منْ المساء. أفاده فِي "ق".
والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأن قائلاً قَالَ له: ما فُعل به؟ فأجاب بأنه أُهريق.
وهذه الرواية فيها أنه فِي مساء الثالثة إذا فضل شيء لم يشربوه، بل يصب، وفي الرواية الآتية أنه "إذا كَانَ منْ آخر الثالثة سقاه، أو شربه، فإن أصبح منه شيء أهراقه"، فهذا يدلّ عَلَى أنهم يشربونه فِي مساء الثالث، وإنما يصبونه فِي صباح الرابع، ويجمع بأنه تارة يشربونه، حيث لا يظهر عليه أثر تغيّر، وتارة يهرقونه حيث يظهر فيه شيء منْ التغيّر.
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: عند قوله: "سقاه الخادم، أو صبه": معناه تارة يسقيه الخادم، وتارة يصبّه، وذلك الاختلاف لاختلاف حال النبيذ، فإن كَانَ لم يظهر فيه تغيّر ونحوه منْ مبادىء الإسكار سقاه الخادم، ولا يُريقه؛ لأنه مال تحرم إضاعته، ويترك شربه تنزّهًا، وإن كَانَ قد ظهر فيه شيء منْ مبادىء الإسكار، والتغيّر أراقه؛ لأنه إذا أسكر صار محرّما، ونجسًا، فيراق، ولا يسقيه الخادم؛ لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم، كما لا يجوز شربه. وأما شربه صلى الله عليه وسلم قبل الثلاث، فكان حيث لا تغيّر، ولا مبادىء تغيّر، ولا شك أصلًا. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" 13/ 174. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -55/ 5739 و5740 و5741 - وفي "الكبرى" 56/ 5246 و5247 و5248. وأخرجه (م) فِي "الأشربة" 2004 (د) فِي "الأشربة" 3713 (ق) فِي "الأشربة" 3399. (أحمد) فِي "مسند بني هاشم"2069. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الشراب الذي يجوز شربه، وهو ما كَانَ منْ النبيذ إلى ثلاثة أيام. (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: فِي هذه الأحاديث دلالة عَلَى جواز الانتباذ، وجواز شرب النبيذ ما دام حلوًا، لم يتغير، ولم يَغْلِ، وهذا جائز بإجماع الأمة. وأما سقيه الخادم بعد الثلاث، وصبه، فلأنه لا يؤمن بعد الثلاث تغيّره، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتنزّه عنه بعد الثلاث. انتهى "شرح مسلم" 13/ 173 - 174.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث، وما فِي معناه يدلّ عَلَى جواز الانتباذ، وشربه حلوًا، وعلى أكثر قدر المدّة التي يُشرب إليها، وهي مقدّرة فِي هَذَا الْحَدِيث يعني رواية مسلم- بيومين وليلتين، غير أنه جعل غاية اليومين العصر، ثم سقاه الخادم، وفي الرواية الأخرى:"المساء، ثم أمر به فأُريق"، وظاهر هاتين الروايتين أنهما مرتان، أما الأولى، فإنه لم يظهر فيه ما يقتضي إراقته، وإتلافه، لكن اتقاه فِي خاصة نفسه أخذًا بغاية الورع، وسقاه الخادم؛ لأنه حلال جائز، كما قَالَ فِي أُجرة الحجام:"اعلفه ناضحك"، يعني رقيقك
(1)
. وأما فِي المرة الأخرى، فتبيّن له فساده، فأمر بإراقته، ولا يُسبتعد أن يفسد النبيذ فيما بين العصر والمغرب فِي آخر مدّته فِي شدّة الحرّ. انتهى "المفهم" 5/ 271 - 272. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5741 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الْبَهْرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَانَ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "شريك": هو ابن عبد الله النخعيّ. و"أبو إسحاق": هو السبيعىّ.
وقوله: "يُنقع له" بالبناء للمفعول: أي يُنبذ له.
والحديث فيه شريك، وهو متكلّم فيه، وأبو إسحاق، وهو مدلس، لكن يشهد له ما قبله، فهو صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5742 -
(أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يُنْبَذُ لَهُ نَبِيذُ الزَّبِيبِ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَجْعَلُهُ فِي سِقَاءٍ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ الثَّالِثَةِ سَقَاهُ، أَوْ شَرِبَهُ، فَإِنْ أَصْبَحَ مِنْهُ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن فُضيل": هو محمد. وقوله: "سقاه": أي سقاه الخادم. وقوله: "أو شربه" أي شربه بنفسه، وَقَدْ تقدّم أن هَذَا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا لم يشكّ فِي تغيره شربه، وإذا شك سقاه الخادم، ما لم يتيقن. وقوله:"وإن أصبح منه شيء أهراقه": أي إذا بات منه شيء الليلة الرابعة صبه؛ لأنه يكون
(1)
هَذَا التفسير فيه نظر، بل الناضح هو الجمل، فليتأمل.
متغيّرًا. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5743 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ فِي سِقَاءِ الزَّبِيبِ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَيُنْبَذُ لَهُ عَشِيَّةً، فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً، وَكَانَ يَغْسِلُ الأَسْقِيَةَ، وَلَا يَجْعَلُ فِيهَا دُرْدِيًّا، وَلَا شَيْئًا، قَالَ نَافِعٌ: فَكُنَّا نَشْرَبُهُ مِثْلَ الْعَسَلِ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت [5] 15/ 15.
2 -
(نافع) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت [3] 12/ 12.
3 -
(ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما 12/ 12. وسُويد بن نصر، وعبد الله ابن المبارك تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه تفرد به هو والترمذيّ. (ومنها). أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر أحد المكثرين السبعة، رَوَى (2630)، والعبادة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما (أَنَّهُ) يحتمل أن يكون راجعًا إلى ابن عمر، وأن يكون ضمير شأن، يفسّره قول:(كَانَ يُنْبَذُ) بالبناء للمفعول (لَهُ فِي سِقَاءٍ) بكسر السين (الزَّبِيبُ) بالرفع نائب فاعل "ينبذ"(غُدْوَةً) بضم، فسكون: هي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، جمعها غُدًى، كمُدية ومُدى، وهو ظرف لـ"يُنبذ"(فَيَشْرَبُهُ مِنَ اللَّيْلِ) أي فِي الليل، كما تقدّم نظيره (وَيُنْبَذُ لَهُ عَشِيَّةً، فَيشْرَبُةُ غُدْوَةً، وَكَانَ يَغْسِلُ الْأَسْقِيَةَ) ببناء الفعل للفاعل: أي يغسل ابن عمر، أو يأمر منْ يغسل الأسقية التي انتُبذ له فيها؛ تنظيفًا لها، لما علق بها منْ آثار النبيذ (وَلَا يَجْعَلُ) بالبناء للفاعل أيضًا (فِيهَا) أي تلك الأسقية (دُرْدِيًّا) بضم الدال المهملة، وسكون الراء، وكسر الدال، وتشديد الياء:
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
قَالَ ابن الأثير: أراد بالدرديّ الْخَمِيرة التي تُترك عَلَى العصير، والنبيذ؛ ليتخمّر، وأصله: ما يَرْكُدُ فِي أسفل كلّ مائع، كالأشربة، والأدهان. انتهى "النهاية" 2/ 112. (وَلَا شَيْئًا) أي ولا يجعل فيه مما يغيّره
(قَالَ نَافِعٌ: فَكُنَّا نَشْرَبُهُ مِثْلَ الْعَسَلِ) أي حلوًا، قبل أن يغيّر. قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى عند شرح حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند مسلم:"ننبذه غدوة، فيشربه عشاءً، وننبذه عشاء، فيشربه غدوةً": هَذَا يدلّ عَلَى أن أقصى زمان يُشرب فيه، فإنه لا يخرج حلاوة التمر، أو الزبيب فِي أقلّ منْ ليلة، أو يوم. والحاصل منْ هذه الأحاديث أنه يجوز شرب النبيذ ما دام حلوًا، غير أنه إذا اشتد الحرّ أسرع إليه التغيّر فِي زمان الحرّ، دون زمان البرد، فليتق الشارب هَذَا، ويختبره قبل شربه إذا أقام يومين، أو نحوهما برائحته، أو تغيّره، أو ابتداء نشيشه، فإن رابه شيء فعل كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى "المفهم" 5/ 272 - 273. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح، وَقَدْ تفرد به المصنّف، فأخرجه هنا -55/ 5742 - وفي "الكبرى" 56/ 5250. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5744 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ بَسَّامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيذِ؟ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ رضى الله عنه، يُنْبَذُ لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً، وَيُنْبَذُ لَهُ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ مِنَ اللَّيْلِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "بسّام" بن عبد الله الصيرفيّ الكوفيّ، أبو الحسن، صدوقٌ [5].
رَوَى عن أبي الطفيل، وزيد بن عليّ بن الحسين، وأخيه أبي جعفر الباقر، وجعفر الصادق، ويزيد الفقير، وعطاء، وعكرمة، وغيرهم. وعنه حاتم بن إسماعيل وكناه، وخلاد بن يحيى، وابن المبارك، ووكيع، وأبو نعيم، وغيرهم. قَالَ عبّاس عن يحيى: ثقة. وَقَالَ إسحاق بن منصور عنه: صالح، وَقَالَ أبو حاتم: صالح الْحَدِيث، لا بأس به. وَقَالَ الآجري عن أبي داود عنه: إن زيد بن عليّ قَالَ له: عَلِّم ابني الفرائض. وَقَالَ أحمد: لا بأس به. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": يخطىء. وَقَالَ الحاكم فِي "المستدرك": هو منْ ثقات الكوفيين، ممن يجمع حديثه، ولم يخرجاه. وحكى ابن
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
شاهين فِي "الثقات" عن ابن معين، أنه قَالَ، لا أدري ابن منْ هو؟ وَقَالَ ابن سعد: أحسبه كَانَ عبدا لا أعرف له أبا. وذكره ابن عقدة فِي رجال الشيعة، وكذلك الطوسي، وابن النجاشي. تفردّ به المصنّف بهذا الأثر فقط.
و"أبو جعفر": هو محمد بن عليّ بن الحسين، المعروف بالباقر المدنيّ، ثقة [4]. و"عليّ بن الحسين": هو ابن عليّ بن أبي طالب المعروف بزين العابدين، ثقة عابد فقيه فاضل مشهور [3] 78/ 95.
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -55/ 5743 - وفي "الكبرى" 56/ 5251. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5745 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، سُئِلَ عَنِ النَّبِيذِ؟ قَالَ: انْتَبِذْ عَشِيًّا، وَاشْرَبْهُ غُدْوَةً).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سفيان": هو الثوريّ، وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -55/ 5744 - وفي "الكبرى" 56/ 5252. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5746 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ، أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ، أَرْسَلَتْ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ فَحَدَّثَهَا عَنِ النَّضْرِ ابْنِهِ، أَنَّهُ كَانَ يُنْبَذُ فِي جَرٍّ، يُنْبَذُ غُدْوَةً، وَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو عثمان" شيخ سليمان التيميّ، قيل: اسمه سعد، رَوَى عن معقل بن يسار، وأنس بن مالك، وأنس بن جَنْدل، وقيل: عن أبيه، عن معقل. وروى عنه سليمان التيميّ. قَالَ ابن المدينيّ: لم يرو عنه غيره، وهو مجهول. وَقَالَ الآجريّ عن أبي داود: هو أبو عثمان السَّلِّيّ
(3)
. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، مقبول [4]. له عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
وقوله: "وليس بالنهديّ: الظاهر أنه منْ كلام سليمان التيميّ، أي أبو عثمان هَذَا ليس بأبي عثمان النهدي المشهور، وهو عبد الرحمن بن ملّ، وإنما قيّد بهذا؛ لشهرة النهدي، وكثرة رواية سليمان، وغيره منْ التابعين عنه، فأزال هَذَا اللبس بقوله: "وليس بالنهديّ".
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(3)
"السلّيّ" -بالفتح، والتشديد-: نسبة إلى بني سّلَّى بن رِفاعة بن عُذْرة. قاله فِي لبّ اللباب" 2/ 25.
وقوله: "أم الفضل": لعلها لبابة بنت الحارث، زوجة العبّاس بن عبد المطّلب، أم أولاده رضي الله عنهم، توفيت فِي خلافة عثمان رضي الله عنه. وقوله:"فحدّثها عن النضر الخ": قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: يريد أنه يعتقد حلّه إذا لم يكن مسكرًا، ولذلك يفعله ابنه فِي بيته. والله تعالى أعلم. انتهى.
يعني أن أنسًا رضي الله عنه أراد إيضاح كونه حلالًا بأنه يُصنَع له، ويُشرَب فِي بيته، وهذا غاية فِي الحلّ، وأنه لا كراهة فيه. والله تعالى أعلم.
والحديث موقوف ضعيف الإسناد؛ لجهالة أبي عثمان المذكور، وهو منْ أفراد
المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -55/ 5745 - وفي "الكبرى"5253. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5747 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ نَطْلَ النَّبِيذِ فِي النَّبِيذِ؛ لِيَشْتَدَّ بِالنَّطْلِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "معمر": هو ابن راشد. و"قتادة": هو ابن دعامة. وقوله: "أن يجعل نَطْل النبيذ الخ": يحتمل أن يكون ببناء الفعل للفاعل، أو للمفعول. و"النطل" -بفتح النون، وسكون الطاء المهملة-: قَالَ فِي "اللسان" 11/ 666: هو ما يُرفع منْ نقيع الزبيب بعد السُّلاف، وإذا أنقعت الزبيب، فأول ما يُرفع منْ عُصارته هو السُّلاف، فإذا صُبّ عليه الماء ثانية، فهو النَّطْل. انتهى.
وَقَالَ فِي "النهاية" 5/ 76: معناه: أن يؤخذ سُلاف النبيذ، وما صفا منه، فإذا لم يبق إلا الْعَكَرُ، والدُّرْديّ صُبّ عليه ماء، وخُلط النبيذ الطريّ ليشتدّ، يقال: ما فِي الدّنّ نَطْلَةُ ناطل: أي جُرْعة، وبه سُمّي القَدَح الصغير الذي يَعْرِض فيه الْخَمّار أنموجه ناطلًا. انتهى.
وهذا الأثر مقطوع صحيح الإسناد، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -55/ 5746 - وفي "الكبرى" 56/ 5254. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5748 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ قَالَ فِي النَّبِيذِ: خَمْرُهُ دُرْدِيُّهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سفيان": هو الثوريّ. وقوله: "خمره دُرْديّه" مبتدأ وخبر،، و"الدُّرْديّ" -بضم، فسكون: هو ما يبقى أسفل الزيت، ونحوه، فهو بمعنى
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
النطل السابق: يعني أن دُرْديّ النبيذ هو الذي يجعل النبيذ خمرًا، والمراد أنه إذا خُلط النبيذ بالدرديّ اشتدّ به، وصار خمرًا، فهو بمعنى ما تقدّم قبله أنه كَانَ يكره أن يجعل نطل النبيذ فِي النبيذ ليشتدّ.
ويحتمل أن يكون "خمره" بتشديد الميم فعلاً ماضيًا، ودريّه فاعله: أي جعله خمرًا.
وهذا الاثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف، فأخرجه هنا -55/ 5747 - وفي "الكبرى"5254. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5749 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْخَمْرُ؛ لأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى مَضَى صَفْوُهَا، وَبَقِيَ كَدَرُهَا، وَكَانَ يَكْرَهُ كُلَّ شَيْءٍ يُنْبَذُ عَلَى عَكَرٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق. وقوله:"عَلَى عَكَر" بفتحتين-: ما خَثُر، ورَسَب منْ الزيت، ونحوه. قاله فِي "المصباح".
وأراد ابن المسيّب رحمه الله تعالى بهذا الكلام التأكيد على كراهته لخلط النبيذ بالْعَكَر، وهو النطْلُ، والدُّرْديّ المتقدم؛ لأنَّ الخمر إنما سمّيت خمرًا منْ أجل الكدر، فكأن علة النهي عن الخمر ترجع إليه، فلا يجوز خلطه بالنبيذ؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم.
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -55/ 5748 - وفي "الكبرى" 56/ 5256. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
56 - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي النَّبِيذِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ الكوفيّ التابعيّ الفقيه الثقة الثبت المشهور [5].
ووجه الاختلاف عليه أن رواية فضيل بن عمرو، وأبي مسكين عنه تدلّ عَلَى أنه يكره شرب النبيذ، وروية أبي معشر تدلّ، وأثر ابن شبرمة، وابن المبارك أنه يرى جواز ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
5750 -
(أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابًا، فَسَكِرَ مِنْهُ، لَمْ يَصْلُحْ لَهُ أَنْ يَعُودَ فِيهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ": هو أحمد بن عليّ المروزيّ الثقة الحافظ. و"القواريريّ": هو عُبيد الله بن عمر، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [10] 59/ 2311. و"ابن أبي زائدة": هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ، منْ كبار [9] 144/ 226. و"حسن بن عَمْرو": هو الْفُقيميّ الكوفيّ، ثقة ثبت [6] 14/ 4752. و"فُضيل بن عمرو": هو الفُقَيميّ، أبو النضر الكوفيّ، ثقة [6] 44/ 5670.
وقوله: "لم يصلح" بفتح اللام، وضمها، منْ باب نفع، ونصر، وكرُم. وقوله:"أن يعود فيه": معناه أنه إذا حصل له سكر منْ أي شراب كَانَ، خمرًا، أو نبيذا لا يجوز أن يعود لشربه مرّة أخرى، وهذا يدلّ عَلَى أن إبراهيم يرى أنه لا يجوز شرب المسكر، سواء سكر منه، أم لا، وهذا مذهب الجمهور كما تقدّم، وخالفه فِي ذلك بعض الكوفيين، فحرّموا الخمر مطلقًا، قليلاً كَانَ، أم كثيرًا، وجوّزوا سائر الأشربة ما لم يَسكَر الشاربُ، وقالوا: المحرم هي الشربة الأخيرة التي اتصل بها الإسكار، وهذا مذهب باطل، منابذ للأحاديث الصحيحة الكثيرة، كما سبق بيانه مستوفًى. والله تعالى أعلم.
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -56/ 5749 - وفي "الكبرى" 57/ 5257. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5751 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِنَبِيذِ الْبُخْتُجِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سفيان": هو الثوريّ. و"أبو معشر": هو زياد بن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، ثقة [6] 188/ 300.
وقوله: "لا بأس بنبيذ الْبختج": قَالَ السنديّ: هو العصير المطبوخ، أصله بالفارسيّة بخته، قَالَ: والظاهر أنه بضم الباء، وسكون المعجمة، فإنه الموافق للفارسيّ. انتهى.
قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: فِي حديث النخعيّ: "أُهدي إليه بُخْتُج، فكان يشربه مع العكر": البختج: العصير المطبوخ، وأصله بالفارسيّة مِيبُخْتُهْ، أي عصير مطبوخ، وإنما شربه مع الْعَكَر؛ خِيفة أن يُصفّيه، فيشتدّ، ويُسكر. انتهى "النهاية" 1/ 101.
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -56/ 5750 - وفي "الكبرى" 57/ 5258. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5752 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ، قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ، قُلْتُ: إِنَّا نَأْخُذُ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ، أَوِ الطِّلَاءَ، فَنُنَظِّفُهُ، ثُمَّ نَنْقَعُ فِيهِ الزَّبِيبَ ثَلَاثًا، ثُمَّ نُصَفِّيهِ، ثُمَّ نَدَعُهُ حَتَّى يَبْلُغَ، فَنَشْرَبُهُ، قَالَ: يُكْرَهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ.
و"أبو مسكين": هو الحرّ بن مسكين، مقبول [6]. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: رَوَى عن هُزيل بن شُرحبيل، رَوَى عنه الثوريّ. تفرد به المصنّف بهذا الأثر فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ) الحر بن مسكين، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النخعيّ (قُلْتُ: إِنَّا نَأخُذُ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ) تقدّم أنه ما يبقى أسفل الزيت، ونحوه (أَوِ الطِّلَاءِ) بكسر الطاء المهملة: هو المطبوخ منْ عصير العنب (فَنُنَظِّفُهُ) منْ التنظبف (ثُمَّ نَنْقَعُ) تقدّم أنه بفتح أوله، ثلاثيًا، منْ باب نفع، أو بضمّه، منْ الإنقاع رباعيًا (فِيهِ الزَّبِيبَ ثَلَاثًا) أي ثلاث ليال (ثُمَّ نُصَفِّيهِ) منْ التصفية (ثُمَّ نَدَعُهُ) أي نتركه (حَتَّى يَبْلُغَ) أي يبلغ الشدة (فَنَشْرَبُهُ، قَالَ) إبراهيم (يُكْرَهُ) بالعناء للمفعول: أي يكره شرب هَذَا النبيذ الموصوف بما
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
ذُكر؛ لإسكاره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وهذا الأثر مقطوع حسن الإسناد، تفرد به المصنّف، أخرجه هنا 56/ 5751 - وفي "الكبرى" 57/ 5259. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5753 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
جَرِيرٌ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ، شَدَّدَ النَّاسُ فِي النَّبِيذِ، وَرَخَّصَ فِيهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "جرير": هو ابن عبد الحميد. و"ابن شُبْرُمة" -بضم المعجمة، وسكون الموحّدة، وضم الراء-: هو عبد الله الكوفيّ القاضي الثقة الفقيه المشهور [5].
وهذا الأثر مقطوع صحيح الإسناد، تفرد به المصنّف، فأخرجه هنا -56/ 5752 - وفي "الكبرى" 56/ 5260. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5754 -
(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: مَا وَجَدْتُ الرُّخْصَةَ فِي الْمُسْكِرِ عَنْ أَحَدٍ صَحِيحًا، إِلاَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عُبيد الله بن سعيد": هو أبو قدامة السرخسيّ. و"أبو أسامة": هو حماد بن أُسامة.
وقوله: "الرخصة فِي المسكر الخ": المراد به غير الخمر منْ الأنبذة، وهذا مذهب كثير منْ الكوفين، فإن سائر الأنبذة يجوز شربها عندهم ما لم يسكر الشارب، أو أن المحرم هي الشربة الأخيرة.
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -56/ 5753 - وفي "الكبرى" 56/ 5261. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5755 -
(أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَامَةَ، يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَطْلَبَ لِلْعِلْمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، الشَّامَاتِ، وَمِصْرَ، وَالْيَمَنَ، وَالْحِجَازَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "الشامات الخ": منصوبات بنزع الخافض: أي فِي الشامات، ومصر الخ. وَقَالَ السنديّ: قوله: "الشامات": كأنه جمع عَلَى إرادة البلاد
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
الشاميّة. انتهى.
أراد المصنّف رحمه الله تعالى بإيراده كلام أبي أسامة فِي ابن المبارك هَذَا الثناء عَلَى ابن المبارك رحمه الله تعالى، وَقَدْ أثنى عليه جُلُّ أهل عصره منْ الأئمة الأخيار، ومن أتى بعدهم، قَالَ ابن مهدي: لما سئل عن ابن المبارك وسفيان: لو جهد سفيان جهده عَلَى أن يكون يوما مثل عبد الله لم يقدر. وَقَالَ شعيب بن حرب: إني لأشتهي منْ عمري كله أن أكون سنة واحدة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام. وَقَالَ شعيب: ما لقي ابن المبارك رجلا إلا وابن المبارك أفضل منه. وَقَالَ أحمد: لم يكن فِي زمانه أطلب للعلم منه، جمع أمرا عظيما، ما كَانَ أحد أقل سقطا منه، كَانَ رجلا صاحب حديث حافظًا، وكان يحدث منْ كتاب. وَقَالَ شعبة: ما قدم علينا مثله. وَقَالَ ابن عيينة: نظرت فِي أمر الصحابة، فما رأيت لهم فضلا عَلَى ابن المبارك، إلا بصحبتهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وغزوهم معه. وَقَالَ أبو حاتم عن إسحاق بن محمد بن إبراهيم المروزي: نُعي ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة، فَقَالَ: لقد كَانَ فقيها عالما عابدا زاهدا شيخا شجاعا شاعرا. وَقَالَ فضيل بن عياض: أما إنه لم يخلف بعده مثله. وَقَالَ أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. وَقَالَ سلام بن أبي مطيع: ما خلّف بالمشرق مثله. وَقَالَ القواريري: لم يكن ابن مهدي يقدم عليه، وعلى مالك فِي الْحَدِيث أحدا. وَقَالَ ابن المثنى: سمعت ابن مهدي يقول: ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث منْ الثوري، ولا أشد تقشفا منْ شعبة، ولا أعقل منْ مالك، ولا أنصح للأمة منْ ابن المبارك. وَقَالَ الحسن بن عيسى: اجتمع جماعة منْ أصحاب ابن المبارك، مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن حسين، وغيرهما، فقالوا: تعالوا حَتَّى نَعُدّ خصال ابن المبارك منْ أبواب الخير، فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والشعر، والفصاحة، والزهد، والورع، والإنصاف، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسية، والشجاعة، والشدة فِي بدنه، وتك الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف عَلَى أصحابه. وَقَالَ العبّاس بن مصعب الْحَدِيث، والفقه، والعربية، والشجاعة، والتجارة، والسخاء، والمحبة عند الفِرَق. وَقَالَ ابن الجنيد عن ابن معين: كَانَ كَيِّسا، متثبتا، ثقة، وكان عالمًا، صحيح الْحَدِيث، وكانت كتبه التي حدث بها عشرين ألفا، أو إحدى وعشرين ألفا. وَقَالَ إسماعيل بن عياش: ما عَلَى وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة منْ خصال الخير إلا وَقَدْ جعلها فيه. وَقَالَ عليّ بن الحسين بن شقيق: بلغنا أنه قَالَ للفضيل بن عياض: لولا أنت وأصحابك ما اتجرت، قَالَ: وكان ينفق عَلَى الفقراء فِي كل سنة مائة ألف درهم. وَقَالَ الحاكم: هو
إمام عصره فِي الآفاق، وأولاهم بذلك علما، وزهدا، وشجاعة، وسخاء.
وَقَالَ أبو وهب: مَرَّ عبد الله برجل أعمى، فَقَالَ: أسألك أن تدعو لي، فدعا، فرد الله عليه بصره وأنا أنظر. وَقَالَ الحسن بن عيسى: كَانَ مجاب الدعوة. وَقَالَ العجليّ: ثقة ثبت فِي الْحَدِيث، رجل صالح، وكان جامعا للعلم. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": كَانَ فيه خصال لم تجتمع فِي أحد منْ أهل العلم فِي زمانه فِي الأرض كلها. وَقَالَ يحيى ابن يحيى الأندلسي: كنا فِي مجلس مالك، فاستؤذن لابد المبارك، فأذن، فرأينا مالكا تزحزح له فِي مجلسه، ثم أقعده بلصقه، ولم أره تزحزح لأحد فِي مجلسه غيره، فكان القارىء يقرأ عَلَى مالك، فربما مر بشيء، فيسأله مالك ما عندكم فِي هَذَا؟ فكان عبد الله يجيبه بالخفاء، ثم قَالَ: قام فخرج، فأعجب مالك بأدبه، ثم قَالَ لنا: هَذَا ابن المبارك، فقيه خراسان. وَقَالَ الخليلي فِي "الإرشاد": ابن المبارك الإمام المتفق عليه، له منْ الكرامات ما لا يحصى، يقال: إنه منْ الأبدال، وَقَالَ: كتبت عن ألف شيخ. وحكى الحسن بن عرفة عنه منْ دقيق الورع أنه استعار قلما منْ رجل بالشام، وحمله إلى خراسان ناسيا، فلما وجده معه بها، رجع إلى الشام حَتَّى أعطاه لصاحبه. وَقَالَ الأسود ابن سالم: إذا رأيت الرجل يغمز ابن المبارك، فاتهمه عَلَى الإسلام. وَقَالَ النسائيّ: لا نعلم فِي عصر ابن المبارك أجل منْ ابن المبارك، ولا أعلى منه، ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه.
ومناقبه، وفضائله كثيرة جدا. وَقَالَ أحمد بن حنبل، وغير واحد: وُلد سنة ثمان عشرة ومائة. وَقَالَ ابن سعد: مات بهِيت منصرفا منْ الغزو، سنة إحدى وثمانين ومائة، وله ثلاث وستون سنة، طلب العلم، وروى رواية كثيرة، وصنف كتبا كثيرة، فِي أبواب العلم، وكان ثقة مأمونا، حجة، كثير الْحَدِيث.
(1)
.
وأثر أبي أسامة هَذَا صحيح، تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -56/ 5754 - وفي "الكبرى"5262. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
(1)
راجع "تهذيب التهذيب" 415 - 417.
57 - (ذِكْرِ الأَشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ)
5756 -
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، رضى الله عنه، قَالَ: كَانَ لأُمِّ سُلَيْمٍ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ، فَقَالَتْ: سَقَيْتُ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كُلَّ الشَّرَابِ: الْمَاءَ، وَالْعَسَلَ، وَاللَّبَنَ، وَالنَّبِيذَ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
1 -
(الربيع بن سليمان) الجيزيّ، أبو محمد المصريّ الأعرج، ثقة [11] 122/ 173.
2 -
(أسد بن موسى) الأمويّ، المعروف بأسد السنة، صدوقٌ يُغرب، وفيه نصب [9] 41/ 3176.
3 -
(حماد بن سلمة) أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت النَّاس فِي ثابت، وتغير حفظه بآخره، منْ كبار [8] 181/ 288.
4 -
(ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [4] 45/ 53.
5 -
(أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وأسد، فمصريان. (ومنها): أن فيه ثابتًا البنانيّ منْ ألزم النَّاس لأنس رضي الله عنه، يقال: إنه لزمه أربعين سنة. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله عنه، منْ المكثرين السبعة، رَوَى (2286) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة بالبصرة، مات سنة (92) أو (93) وهو منْ المعمّرين، فقد تجاوز عمرة مائة سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَس) بن مالك رضي الله عنه أنه (قَالَ: كَانَ لِأُمِّ سُلَيْم) بنت ملحان بن خالد، أم أنس الأنصاريّة، يقال: اسمها سهلة، أو رُميلة، أو رُميثة، أو مليكة، أو أُنيثة، وهي الغميصاء، أو الرميصاء، اشتهرت بكنيتها، منْ الصحابيات الفاضلات، ماتت فِي خلافة عثمان رضي الله عنه تقدمت فِي 43/ 737 (قَدَحٌ) بفتحتين (مِنْ عَيْدانٍ) بفتح العين المهملة، وسكون المثناة التحتانية: جمع عيدانة بمعنى النخلة الطويلة، وقيل: يحتمل أن
يكون بكسر العين، جمع عُود، وَقَدْ تقدّم فِي أول الكتاب الكلام فِي تصحيح الضبطين، فراجعه تستفد (فَقَالَتْ: سَقَيْتُ) بفتح القاف، منْ باب ضرب (فِيهِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، كُلَّ الشَّرَابِ) أي كل نوع منْ أنواع المشروبات المباحات، والمراد بها الغالب وهي التي بينتها بقولها (الْمَاءَ) يحتمل أن يكون بالنصب بدلا منْ "كل"، أو بالجر بدلا منْ "الشرابات"، أو بالرفع عَلَى القطع، خبر مبتدإ محذوف: أي هو الماء (وَالْعَسَلَ، وَاللَّبَنَ، وَالنَّبِيذَ) فيه أن هذه الأشربة منْ الأشربة المباحات، وهو محل الترجمة للمصنف رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أم سليم رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -57/ 5755 - وفي "الكبرى" 58/ 5263. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5757 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيذِ؟ فَقَالَ: اشْرَبِ الْمَاءَ، وَاشْرَبِ الْعَسَلَ، وَاشْرَبِ السَّوِيقَ، وَاشْرَبِ اللَّبَنَ، الَّذِي نُجِعَتْ بِهِ، فَعَاوَدْتُهُ، فَقَالَ: الْخَمْرَ تُرِيدُ؟ الْخَمْرَ تُرِيدُ؟).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سفيان": هو الثوريّ. و"سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ": هو أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [4]. و"ذرّ بن عبد الله": هو المرهبيّ الكوفيّ، ثقة عابد، رمي بالإرجاء [6]. و"سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى": هو الخزاعيّ مولاهم المكيّ، ثقة [3]. و"أبوه": هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم صحابيّ صغير، وكان عَلَى خراسان لعليّ رضي الله تعالى عنهما. و"أُبَيّ بْنَ كَعْبٍ": هو الصحابيّ المشهور، سيد القراء، أبو المنذر، وأبو الطفيل رضي الله عنه.
والسند فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والابن عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ التابعين، سلمة، عن ذرّ، وهو منْ رواية الأكابر عن الأصاغر. والله تعالى أعلم.
وقوله: "واشرب السويق" -بفتح السين المهملة، وكسر الواو-: ما يُتّخذ منْ الحنطة والشعير. قاله فِي "اللسان".
وقوله: "الذي نُجعت به" بالبناء للمفعول، وتاء الخطاب: أي الذي سُقِيْتُه فِي
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
الصغر، وغُذّيت به. وقوله:"فعاودته": أي راجعته. وقوله: "الخمر تريد" بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ، وإنما قَالَ ذلك تشديدًا وتغليظًا فِي أمر النبيذ: أي تسألني عن النبيذ، لا أقول لك: حلال، فتشرب الخمر بذلك.
والحديث موقوف صحيح، تفرد به المصنّف، أخرجه هنا -57/ 5756 - وفي "الكبرى" 58/ 5265. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5758 -
(أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَحْدَثَ النَّاسُ أَشْرِبَةً، مَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ فَمَا لِي شَرَابٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، أَوْ قَالَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، إِلاَّ الْمَاءُ وَالسَّوِيقُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيذَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ": هو أبو بكر المروزيّ القاضي، ثقة حافظ [12] 1/ 2094 منْ أفراد المصنّف. و"القواريريّ": هو عبيد الله بن عمر المذكور فِي أول الباب الماضي. و"محمد": هو ابن سيرين. و"عبيدة" -بفتح العين، مكبّرًا-: هو ابن عمرو السلمانيّ.
وقوله: "ما أدري ما هي؟ ": أي لا أدري ما حكم تلك الأشربة، أهي حلال، أو هي حرام. وقوله:"غير أنه لم يذكر النبيذ": يعني أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يذكر النبيذ مع الماء، والسويق، وفيه دلالة عَلَى أنه لا يرى شرب النبيذ إذا اشتدّ، كما يرى جوازه أهل الكوفة، وهو غريب منهم، فإن ابن مسعود رضي الله عنه مستندهم فِي كثير مما يقولونه، ولا يخرج معظم مذهبهم عن رأيه، ومع ذلك فقد خالفوه فِي هذه المسألة. والله تعالى أعلم.
والحديث موقوف صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -57/ 5757 - وفي "الكبرى" 58/ 5256. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5759 -
(أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: أَحْدَثَ النَّاسُ أَشْرِبَةً، مَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ وَمَا لِي شَرَابٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، إِلاَّ الْمَاءُ، وَاللَّبَنُ، وَالْعَسَلُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف، أخرجه
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
هنا -57/ 5758 - وفي "الكبرى" 58/ 5257.
وهو يدلّ عَلَى أن مذهب عَبِيدة السَّلْمانيّ رحمه الله تعالى كمذهب ابن مسعود رضي الله عنه، وجمهور العلماء، منْ تحريم ما أباحه أهل الكوفة منْ الأشربة، وأنهم لورعهم اكفتوا بشرب الماء، واللبن، والعسل، مع أن النبيذ إذا لم يتغير يجوز شربه، إلا أن النَّاس لما أحدثوا أشربة لا يرون حلها تركوا النبيذ مطلقًا؛ تورّعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5760 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
جَرِيرٌ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ: لأَهْلِ الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ فِتْنَةٌ، يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ عُرْسٌ، كَانَ طَلْحَةُ وَزُبَيْرٌ يَسْقِيَانِ اللَّبَنَ وَالْعَسَلَ، فَقِيلَ لِطَلْحَةَ: أَلَا تَسْقِيهِمُ النَّبِيذَ؟ قَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْكَرَ مُسْلِمٌ فِي سَبَبِي).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: و"إسحاق بن إبراهيم": هو الحنظليّ المعروف بابن راهويه الثقة الثبت الحجة [10] 2/ 2. و"جرير": هو ابن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة ثبت، صحيح الكتاب، قيل: كَانَ فِي آخر عمره يهم منْ حفظه [8] 2/ 2. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَن) عبد الله (بْنِ شُبرُمَةَ) -بضم الشين المعجمة، وسكون الموحّدة، وضم الراء- ابن الطفيل بن حسان الضبّيّ، أبي شُبرمة الكوفيّ القاضي الثقة الثبت [5] مات سنة (144) تقدّم فِي 56/ 3549 أنه (قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ) بن مصرّف بن عمرو بن كعب الياميّ الكوفيّ الثقة القارىء الفاضل [5] مات سنة (112) أو بعدها، تقدّم فِي 191/ 306 (لِأَهْلِ الْكُوفَةِ) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله:"فتنة": أي كائن لأهل الكوفة (فِي النَّبِيذِ) متعلّقٌ بقوله: (فِتْنَةٌ) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى فِي "شرحه" 8/ 336: أي ابتلاء، ففيه نفع وضرر، فالصغير يربو، ويزيد قوّة، وهو نفع، وضمير "فيها" للنبيذ باعتبار ما فيه منْ الفتنة، و"فِي" للسببيّة، والكبير يهرم، وهو ضرر. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله السنديّ فِي معنى هَذَا الكلام فيه نظر لا يخفى، بل الصواب عندي، أنه أراد بقوله:"فتنة يربو فيها الخ" كون الفتنة دائمة، غير منقطعة، فيكون المعنى أن عند أهل الكوفة فتنةً دائمةً، لا تنقطع، بحيث إن الصغير يشبّ، ويترعرع، وهي قائمة، والكبير يشيب، ويهرم، وهي قائمة، فلا أحد يقوم
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
بإزالتها، حيث إنهم يعتقدون حلها، ولا يرون كونها منكرة، حَتَّى يحاولوا إزالتها. والله تعالى أعلم.
(يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ) مضارع ربا، ويقال: يَربَى، بفتح الموحّدة، قَالَ الفيّوميّ: ورَبَى الصغير يَرْبَى منْ باب تَعِب، وربا يربو، منْ باب علا: إذا نشأ، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: رّبيته، فتربّى. انتهى. (فيها) الضمير للفتنة، ولا داعي للتأويل الذي ذكره السنديّ، فتنبّه. (ويَهرَم فِيهَا الْكَبِيرُ) بفتح أوله، وثالثه: مضارع هَرِمَ، منْ باب تَعِبَ، فهو هَرِمٌ: إذا كَبِرَ، وضعُف، وشيوخٌ هَرْمَى، مثل زَمِن وزَمْنَى، وامرأة هَرِمَة، وهَرْمَى، وهَرِمات أيضًا. أفاده الفيّوميّ.
(قَالَ) الضمير لابن شُبرمة (وَكَانَ) اسمها قوله: "طلحة الخ، وجملة "إذا" معترضة (إِذَا كَانَ فِيهِمْ عُرْسٌ) بضم العين المهملة، وسكون الراء: أصله معناه الزفاف، ويذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو العُرس، والجمع أعراس، مثل قفل وأقفال، وهي العرس، والجمع عُرْسات، ومنهم منْ يقتصر عَلَى إيراد التأنيث، والعرس أيضًا: طعام الزفاف، وهو مذكّرٌ؛ لأنه اسم للطعام. قاله الفيّوميّ. والمعنى الثاني هو المراد هنا. وقوله: (كَانَ) زائدة لتأكيد "كَانَ الأولى"؛ للفصل، كما فِي قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} الآية [البقرة: 89] ، كررت "لما جاءهم" تأكيدًا (طَلْحَةُ) بن مصرّف المتقدم (وَزُبَيْدٌ) بالدال المهملة، وهو ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الكوفيّ الثقة الثبت العابد [6] مات سنة (122) أو بعدها، تقدّم فِي 37/ 1420.
[تنبيه]: هَذَا الذي ذكرته منْ ضبط "زُبيد" بالدال المهملة هو الصواب، وَقَدْ وقع فِي نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" بلفظ:"والزبير" بالراء بدل "زبيد" بالدال، وهو تصحيف فاحش، والصواب ما ضبطناه، انظر "تحفة الأشراف" 13/ 241. والله تعالى أعلم.
(يَسْقِيَانِ اللَّبَنَ وَالْعَسَلَ) بفتح حرف المضارعة، وضمّها، منْ سقى منْ باب رمى ثلاثيًّا، وأسقى، كأعطى رابعيًّا، لغتان ورد بهما القرآن الكريم، قَالَ عز وجل:{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21]، وَقَالَ عز وجل:{لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجنّ: 16](فَقِيلَ لِطَلْحَةَ) بن مصرّف (أَلَا) أداة تحضيض (تَسْقِيهِمُ النَّبِيذَ؟) الذي هو أحبّ إلى النَّاس منْ الماء، وكما جرت به العادة فِي مثل هذه الوليمة (قَالَ) طلحة (إِنِّي أَكْرَهُ) بفتح الراء، منْ باب تعب (أَنْ يَسْكَرَ) بفتح أوله، وثالثه، منْ باب تعب أيضًا (مُسْلِمٌ فِي سَبَبِي) أي بسبب سقيي لهم النبيذ. وهذا فيه أن طلحة لا يرى جواز شرب النبيذ؛ لكونه يسكر كثيره، خلاف ما عليه أهل الكوفة، فإنه يجوز شربه عندهم ما لم يَسكر، فالمحرم هو
السكر، لا الشرب، وَقَدْ تقدّم لك أن هَذَا منابذ للنصوص الصحيحة الكثيرة التي تحرّم شرب ما أسكر كثيره، مطلقًا، سواء سكر به، أو لم يسكر. والله تعالى أعلم.
وهذا الأثر مقطوع صحيح، تفرد به المصنّف هنا -57/ 5759 - وفي ""الكبرى" 58/ 5267. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
5761 -
(أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
(1)
جَرِيرٌ، قَالَ: كَانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، لَا يَشْرَبُ إِلاَّ الْمَاءَ وَاللَّبَنَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "كَانَ ابن شبرمة لا يشرب إلا الماء واللبن": أي يقتصر عليهما منْ بين الأشربة، فيترك كثيرًا مما يَعلم حلّه؛ احترازًا منْ الوقوع فِي الحرام، وهذا منْ كمال ورعه رحمه الله تعالى، وَقَدْ تقدّم فِي 50/ 5712 و5713 - باب "الحثّ عَلَى ترك الشبهات"، وسقنا هناك ما نُقل عن السلف رحمهم الله تعالى منْ أنواع الورع، مستوفًى، فراجعه تستفد.
قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى فِي "شرحه" 8/ 336: ولقد أحسن المصنّف رحمه الله تعالى، وأجاد، حيث ختم كتابه بهذا الأثر المفيد للحثّ عَلَى كمال الورع، والتقوى، فنبّه بختم الكتاب به عَلَى أن نتيجة العلم هي التقوى، فقد قَالَ الله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. اللَّهم ارزقناها بفضلك يا كريم. الحمد لله بنعمته تتمّ الصالحات، وعلى نبيّه، وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم أكمل الصلوات، وأشرف التسليمات، {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: كما أن المصنّف رحمه الله تعالى ختم كتابه بهذا الأثر المفيد، أحببت أن أختم شرحي بذكر حديث كثير الفوائد، عظيم العوائد، مناسب لختم الكتاب، وَقَدْ سبقني إلى ذلك الإِمام النوويّ رحمه الله تعالى، حيث ختم به كتابه الممتع "الأذكار"، وسوف أسوقه بسندي، إن شاء الله تعالى، كما ساقه هو، فأقول:
(الخاتمة): - أسال الله سبحانه وتعالى حسنها-:
أخبرني والدي العلامة النحرير، والدرّاكة الكبير عليّ بن آدم،، والعلامة النحويّ عبد الباسط بن محمد بن حسن، والعلامة المقرىء حياة بن عليّ رحمهم الله تعالى إجازةً، كلهم عن العلامة المقرىء المحدث كبير أحمد بن عبد الرحمن الْعَدّيّ الحسنيّ الدّوّويّ، عن العلامة عبد الجليل بن يحيى الدّلّتّيّ، عن والده يحيى بن بشير الدلّتّيّ،
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
عن والده بشير الدّلّتّيّ، عن المفتي داود بن أبي بكر الدّوّويّ، عن السيد سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن السيد أحمد بن محمد مقبول الأهدل، عن العلامة أحمد بن محمد النخليّ المكيّ، عن شيخه محمد بن علاء الدين البابليّ، عن شيخه، أبي النجا سالم بن محمد السنهوريّ، عن نجم الدين محمد بن أحمد الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ
…
(ح) - وأخبرنا العلامة النحرير محمد زين بن محمد ياسين الدانيّ، عن العلامة محي السنة محمد سراج بن محمد سعيد، عن الشيخ يوسف بن إسماعيل البيروتيّ، عن البرهان إبراهيم السقّا الأزهريّ، عن ولي الله ثُعيلب، عن الشهابين: أحمد الملويّ، وأحمد الجوهريّ، كلاهما عن العلامة عبد الله بن سالم البصريّ، عن شمس الدين محمد البابليّ، عن أبي النجا سالم بن محمد السنهوريّ، عن النجم الغيطيّ
…
(ح) - وأخبرني شيخي العلامة المحدّث محمد بن رافع بن بصيري، عن شيخه محمد بن محمد أمين خير الباكستاني، نزيل مكة، عن محمد يحيى الكاندهلويّ، عن رشيد أحمد الجنجوهي، عن عبد الغنيّ المجددي، عن محمد إسحاق الدهلويّ المكيّ، عن عبد العزيز الدهلويّ، عن والده الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلويّ، عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكرديّ المدنيّ، عن والده إبراهيم حسن الكرديّ المدنيّ، عن أبي العزائم سلطان بن أحمد المزّاحيّ، عن الشهاب أحمد بن خليل السبكيّ، عن النجم الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن أبي نعيم رضوان ابن محمد العقبيّ، عن أبي الطاهر محمد بن محمد بن عبد اللطيف القاهريّ، عن أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي الحنبليّ المقدسيّ، عن أبي العبّاس أحمد بن عبد الدائم النابلسيّ، عن محمد بن عليّ بن حسن بن صدقة الْحَرّانيّ، عن فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل الْفراويّ
…
(ح) - وأخبرني المسند الكبير الشيخ محمد ياسين بن محمد عيسى، عن عليّ بن عبد الله البنجري، عن زين الدين بن بدوي الصومباي، عن المعمر الكياهي نووي بن عمر البنتني، عن محمود بن كنان الفلمباني، عن عبد الصمد بن عبد الرحمن الفلمباني، عن الشيخ عاقب بن حسن الدين، عن أبيه حسن الدين بن جعفر الفلمباني، عن الإِمام عيد بن عليّ النمرسي المصريّ، ثم المكيّ، عن عبد الله بن سالم البصريّ، عن شيخه محمد بن علاء الدين البابليّ، عن شيخه، أبي النجا سالم بن محمد السنهوريّ، عن نجم الدين محمد بن أحمد الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ شهاب الدين أحمد بن عليّ ابن حجر العسقلانيّ، عن الحافظ
زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ، عن أبي الحسن عليّ بن الخباز، والحافظ علاء الدين عليّ بن العطار، عن الإِمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النوويّ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطيّ، عن الإِمام ذي الكنى: أبي بكر، وأبي القاسم، وأبي الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله الْفُرَاوي، عن أبي جدّه أبي عبد الله محمد بن الفضل الفُرَاويّ، عن أبي الحسين بن عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، عن أبي أحمد محمد بن عيسى الْجُلُوديّ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوريّ، قَالَ: أخبرنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيريّ النيسابوريّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّرَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ-، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْن يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْريسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تبارك وتعالى، أَنَّه قَالَ:"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ، إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أَطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَغْفِر لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخِطِئُّونَ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِر الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلِغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمَخْيَطُ إِذَا أُدْخِل الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ، أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ".
قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيُّ، إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. انتهى
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وأرويه أيضًا مسلسلاً بالدمشقيين، سوى شيخنا، كما فعل الإِمام النوويّ رحمه الله تعالى، فِي كتابه "الأذكار"، فقد أخبرني به الشيخ محمد ياسين بن محمد عيسى رحمه الله تعالى قراءةً عليه، عن أبي الخير بن محمد الميدانيّ الدمشقيّ، عن سليم بن محمد أفندي الدمشقيّ، عن أحمد بن مُسلّم الكزبريّ الدمشقيّ، عن الوجيه عبد الرحمن بن محمد الكزبريّ الدمشقيّ.
(ح) ويرويه شيخنا محمد ياسين أيضاً عاليا عن الشيخ محمود حلمي السعديّ الشهير بالْعَجَبيّ الدمشقيّ، عن المعمّر البدر عبد الله بن دَرْويش السكريّ الدمشقيّ، عن الوجيه عبد الرحمن بن محمد الكزبري الدمشقيّ، عن والده محمد الكزبريّ الدمشقي، وأحمد بن عبيد العطار الدمشقيّ، كلاهما عن الشهاب أحمد بن عليّ الْمَنِيني الدمشقيّ، عن أبي المواهب محمد الحنبليّ البعليّ الدمشقيّ، عن الشمس محمد الميدانيّ الدمشقيّ، عن الشهاب أحمد الطيبيّ الكبير الدمشقيّ، عن الشريف الكمال أبي البقاء محمد بن حمزة الحسني الدمشقيّ، عن خاله التقيّ ابن قاضي عَجْلون الدمشقيّ، عن الشمس ابن ناصر الدين الدمشقيّ، عن أبي هريرة عبد الرحمن ابن الحافظ الكبير محمد ابن أحمد الذهبيّ الدمشقيّ، عن الحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف ابن الزكيّ عبد الرحمن بن يوسف الْمِزّيّ الدمشقيّ، عن الإِمام محيي الدين يحيى بن شرف الدين النوويّ الدمشقيّ، قَالَ فِي كتابه "الأذكار": أنا شيخنا الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسيّ، ثم الدمشقيّ، أنا أبو طالب عبد الله، وأبو منصور يونس، وأبو القاسم الحسين بن هبة الله بن صِصْري، وأبو يعلى حمزة، وأبو الطاهر إسماعيل، قالوا: أخبرنا الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن، هو ابن عساكر، أنا الشريف أبو القاسم عليّ ابن إبراهيم بن العبّاس الحسينيّ خطيب دمشق، أنا أبو عبد الله محمد بن عليّ بن يحيى ابن سُلْوان، أنا أبو القاسم الفضل بن جعفر، أنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفَرَج الهاشميّ، أنا أبو مسهر، نا سعيد بن عبد العزيز، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ جِبْرِيلَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، عَنِ اللهِ تبارك وتعالى، أَنَّهُ قَالَ:"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ الَّذِينَ تخُطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلا أُبَالِي، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، لَمْ يَزِدْ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا سَأَلَهُ لَمْ يَنْقَصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ أن يُغمَسَ فِيهِ الْمِخْيَطُ غَمْسَةً وَاحِدَةً، يَا عِبَادِي إِنَّما هِيَ أَعْمَالُكُمْ أَحْفَظُهَا عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عز وجل، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ".
قَالَ أبو مسهر، قَالَ سَعيدٌ بن عبد العزيز: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ بَهِذَا الْحَدِيثِ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا حديث صحيح، رويناه فِي "صحيح مسلم" وغيره، ورجال إسناده منّي إلى أبي ذرّ رضي الله عنه كلهم دمشقيّون، ودخل أبو ذرّ رضي الله عنه دمشق.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد منْ شَيْخَيْ شيخنا أبي الخير الميداني، ومحمود حلمي السعديّ إلى النوويّ دمشقيون أيضاً، فهو مسلسل بالدمشقيين منْ الشيخين المذكورين إلى آخره.
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فاجتمع فِي هَذَا الْحَدِيث جمل منْ الفوائد:
(منها): صحة إسناده ومتنه، وعلوّه، وتسلسله بالدمشقيين رضي الله عنهم، وبارك فيهم. (ومنها): ما اشتمل عليه منْ البيان لقواعد عظيمة فِي أصول الدين، وفروعه، والآداب، ولطائف القلوب وغيرها، ولله الحمد.
وروينا عن الإِمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، قَالَ: ليس لأهل الشام حديث أشرف منْ هَذَا الْحَدِيث. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى فِي كتابه "الأذكار" ص 355 - 357.
وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي كتابه "جامع العلوم والحكم" ج: 1 ص: 221.
بعد أن أورد الْحَدِيث منْ رواية مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه":
هَذَا الْحَدِيث خرّجه مسلم منْ رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر رضي الله عنه، وفي آخره: قَالَ سعيد بن عبد العزيز: كَانَ أبو إدريس الخولاني، إذا حدث بهذا الْحَدِيث جثى عَلَى ركبتيه. وخرّجه مسلم أيضاً منْ رواية قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يسقه بلفظه، ولكنه قَالَ: وساق الْحَدِيث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتم. وخرّجه الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، منْ رواية شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَسَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ، فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ، وَلَا أُبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ، اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا زَادَ ذَلِك فِي
مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ، اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيابِسَكُمُ، اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ مَا سَأَلَ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي، إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ، فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً، ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ، أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُهُ، أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ".
وهذا لفظ الترمذيّ، وَقَالَ: حديث حسن.
وخرّجه الطبراني بمعناه منْ حديث أبي موسى الأشعري، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، إلا أن إسناده ضعيف.
وحديث أبي ذر رضي الله عنه قَالَ الإِمام أحمد: هو أشرف حديث لأهل الشام.
فقوله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه:"يا عبادي إني حرمت الظلم عَلَى نفسي"، يعني أنه منع نفسه منْ الظلم لعباده، كما قَالَ عز وجل:{وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} ، وَقَالَ:{وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108]، وَقَالَ:{وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31]، وَقَالَ:{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، وَقَالَ:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} الآية [يونس: 44]، وَقَالَ:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} الآية [النِّساء: 40]، وَقَالَ:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112]، والهضم أن ينقص منْ جزاء حسناته، والظلم أن يعاقب بذنوب غيره، ومثل هَذَا كثير فِي القرآن.
وهو مما يدلّ عَلَى أن الله قادر عَلَى الظلم، ولكن لا يفعله فضلا منه، وجودا وكرما، وإحسانا إلى عباده.
وَقَدْ فسر كثير منْ العلماء الظلم: بأنه وضع الأشياء فِي غير مواضعها، وأما منْ فسره بالتصرف فِي ملك الغير بغير إذنه -وَقَدْ نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره- فإنهم يقولون: إن الظلم مستحيل عليه، وغيرُه متصور فِي حقه؛ لأن كل ما يفعله فهو تصرف فِي ملكه، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمران بن حصين، حين سأله عن القدر. وأخرج أبو داود وابن ماجه، منْ حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الديلمي، أنه سمع أبي بن كعب يقول: لو أن الله تعالى عذب أهل سمواته، وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم منْ أعمالهم، وأنه أتى ابن مسعود، فَقَالَ له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت، فحدثه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك.
وفي هَذَا الْحَدِيث نظر، ووهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم. وَقَدْ يُحمَل عَلَى أنه لو أراد تعذيبهم لقَدَّر لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غير ظالم لهم حينئذ.
وكونه خلق أفعال العباد، وفيها الظلم، لا يقتضي وصفه بالظلم سبحانه وتعالى، كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خلقه وتقديره، فإنه لا يوصف إلا بأفعاله، لا يوصف بأفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنما يوصف بما قام به منْ صفاته وأفعاله. والله أعلم.
وقوله: "وجعلته بينكم مُحَرَّمًا، فلا تظالموا": يعني: أنه تعالى حرم الظلم عَلَى عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام عَلَى كل عبد أن يظلم غيره، مع أن الظلم فِي نفسه محرم مطلقا، وهو نوعان:
[أحدهما]: ظلم النفس، وأعظمه الشرك، كما قَالَ تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، فإن المشرك جعل المخلوق فِي منزلة الخالق فعبده وتألهه، فهو وَضَعَ الأشياء فِي غير مواضعها، وأكثر ما ذكر فِي القرآن منْ وعيد الظالمين، إنما أريد به المشركون، كما قَالَ الله عز وجل:{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]، ثم يليه المعاصي عَلَى اختلاف أجناسها، منْ كبائر وصغائر.
[والثاني]: ظلم العبد لغيره، وهو المذكور فِي هَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ قَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي خطبته، فِي حجة الوداع:"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هَذَا، فِي شهركم هَذَا، فِي بلدكم هَذَا". ورُوي عنه أنه خطب بذلك فِي يوم عرفة، وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني منْ أيام التشريق. وفي رواية: ثم قَالَ: "اسمعوا مني تَعِيشوا، ألا لا تظالموا، إنه لا يحل مال امريء مسلم، إلا عن طيب نفس منه".
وفي "الصحيحين"، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ:"إن الظلم ظلمات يوم القيامة". وفيهما عن أبي موسى، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إن الله ليملي للظالم، حَتَّى إذا أخذه لم يُفلِته، ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]. وفي "صحيح البخاريّ" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "منْ كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلل منها، فإنه ليس ثَمَّ دينار، ولا درهم، منْ قبل أن يؤخذ لأخيه منْ حسناته، فإن لم يكن له حسنات، أخذ منْ سيئات أخيه، فطرحت عليه".
وقوله: "يا عبادي كلكم ضال إلا منْ هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا منْ أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا منْ كسوته،
فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم".
هَذَا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى، فِي جلب مصالحهم، ودفع مضارهم فِي أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئاً منْ ذلك كله، وأن منْ لم يتفضل الله عليه بالهدي والرزق، فإنه يحرمهما فِي الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه، أوبقته خطاياه فِي الآخرة، قَالَ الله تعالى:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]، ومثل هَذَا كثير فِي القرآن، وَقَالَ تعالى:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2]، وَقَالَ:{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58]، وَقَالَ:{فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ} الآية [العنكبوت: 17]، وَقَالَ:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، وَقَالَ تعالى حاكيا عن آدم وزوجه عليهما السلام، أنهما قالا:{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وعن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قَالَ:{وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47]، وَقَدْ استدل إبراهيم الخليل عليه السلام بتفرد الله بهذه الأمور، عَلَى أنه لا إله غيره، وأن كل ما أُشرِك معه باطل، فَقَالَ لقومه:{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 75 - 82].
فإن منْ تفرد بخلق العبد، وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته فِي الدنيا، وبمغفرة ذنوبه فِي الآخرة، مستحق أن يُفرَد بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرع والاستكانة له، قَالَ الله عز وجل:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40].
وفي الْحَدِيث دليل عَلَى أن الله يحب أن يسأله العباد، جميع مصالح دينهم ودنياهم، منْ الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الْحَدِيث:"ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حَتَّى شسع نعله إذا انقطع". وكان بعض السلف يسأل الله فِي صلاته كل حوائجه، حَتَّى ملح عجينه، وعلف شاته. وفي
الإسرائيليات: أن موسى عليه الصلاة والسلام قَالَ: يا رب، إنه لتعرض لي الحاجة منْ الدنيا، فأستحي أن أسألك، قَالَ: سلني حَتَّى ملح عجينك، وعلف حمارك، فإن كل ما يحتاج العبد إليه، إذا سأله منْ الله، فقد أظهر حاجته فيه، وافتقاره إلى الله، وذاك يحبه الله. وكان بعض السلف يستحي منْ الله أن يسأله شيئاً منْ مصالح الدنيا، والاقتداء بالسنة أولى.
وقوله: "كلكم ضال إلا منْ هديته": قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، يقول الله عز وجل:"خلقت عبادي حنفاء"، وفي رواية:"مسلمين، فاجتالتهم الشياطين"، أخرجه مسلم.
وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم، وفطرهم عَلَى قبول الإِسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ والاستعداد له بالقوة، لكن لابد للعبد منْ تعلم الإِسلام بالفعل، فإنه قبل التعلم جاهل لا يعلم، كما قَالَ عز وجل:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]، وَقَالَ لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7]. والمراد وجدك غير عالم بما علمك منْ الكتاب والحكمة، كما قَالَ تعالى:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، فالإنسان يولد مفطورا عَلَى قبول الحق، فإن هداه الله تعالى سَبَّب له منْ يعلمه الهدى، فصار مهديا بالفعل، بعد أن كَانَ مهديا بالقوة، وإن خذله الله قيض له منْ يعلمه ما يغير فطرته، كما قَالَ صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد عَلَى الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه".
وأما سؤال المؤمن منْ الله الهداية، فإن الهداية نوعان: هداية مجملة، وهي الهداية للإسلام والإيمان، وهي حاصلة للمؤمن، وهداية مفصّلة، وهي هدايته إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإِسلام، وإعانته عَلَى فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا ونهارا، ولهذا أمر الله عباده أن يقرأوا فِي كل ركعة منْ صلاتهم قوله:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول فِي دعائه بالليل:"اهدني لما اختُلف فيه منْ الحق بإذنك إنك تهدي منْ تشاء إلى صراط مستقيم"، أخرجه مسلم، ولهذا يُشَمَّت العاطس، فيقال له:"يرحمك الله"، فيقول:"يهديكم الله"، كما جاءت السنة بذلك، وإن أنكره منْ أنكره منْ فقهاء العراق؛ ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له بالهدى، وخالفهم جمهور العلماء؛ اتباعا للسنة فِي ذلك. وَقَدْ أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم-
عليا رضي الله عنه أن يسأل الله السداد والهدى، أخرجه مسلم، وعلم الحسن أن يقول فِي قنوت الوتر:"اللَّهم اهدني فيمن هديت"
(1)
.
وأما الاستغفار منْ الذنوب، فهو طلب المغفرة، والعبد أحوج شيء إليه؛ لأنه يخطيء بالليل والنهار، وَقَدْ تكرر فِي القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر بهما، والحث عليهما. وأخرج الترمذيّ، وابن ماجه، منْ حديث أنس رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"
(2)
. وأخرج البخاريّ منْ حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه فِي اليوم أكثر منْ سبعين مرّة"، وأخرجه النسائيّ فِي "الكبرى"، وابن ماجه، ولفظهما:"إني لأستغفر الله، وأتوب إليه كل يوم مائة مرة". وأخرج مسلم، منْ حديث الأغر المزني، سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:"يا أيها النَّاس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إليه فِي اليوم مائة مرة". وأخرجه النسائيّ فِي "الكبرى"، ولفظه:"يا أيها النَّاس توبوا إلى ربكم، واستغفروه، فإني أتوب إلى الله، وأستغفره كل يوم مائة مرة". وأخرج الإِمام أحمد منْ حديث حذيفة رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ فِي لساني ذَرَب
(3)
عَلَى أهلي لم أَعْدُهُ إلى غيره، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"أين أنت منْ الاستغفار يا حذيفة، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة"
(4)
. وأخرج النسائيّ، منْ حديث أبي موسى، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إني لأستغفر الله مائة مرة، وأتوب إليه". وأخرج منْ حديثه: قَالَ: كنا جلوسا، فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"ما أصبحت غداة قط، إلا استغفرت الله مائة مرة". وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، منْ حديث ابن عمر قَالَ: إن كنا لَنَعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فِي المجلس الواحد مائة مرة، يقول:"رب اغفر لي وتب عَلَى إنك أنت التواب الرحيم". وأخرج النسائيّ منْ حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ: لم أر أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه منْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج الإِمام أحمد منْ حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه كَانَ يقول:"اللَّهم اجعلني منْ الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا".
وقوله: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني": يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعا ولا ضرا، فإن الله تعالى فِي نفسه غني
(1)
حديث صحيح، أخرجه أصحاب السنن.
(2)
حديث حسن، أخرجه أحمد 3/ 198، والترمذيّ 2499، وابن ماجه 4251.
(3)
بفتحتين: هو البذاء، يقال: امرأة ذرية بذيّة اللسان، والفعل منْ باب تعب.
(4)
أخرجه أحمد 5/ 396 - 397، وصححه ابن حبّان.
حميد، لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها، قَالَ الله تعالى:{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} الآية [آل عمران: 176]، وَقَالَ:{وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} الآية [آل عمران: 144]. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول فِي خطبته: "ومن يعص الله ورسوله، فقد غَوَى، ولا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا"، قَالَ الله عز وجل:{وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} [النِّساء: 131]، وَقَالَ حاكيا عن موسى عليه السلام:{وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8]، وَقَالَ:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، وَقَالَ:{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} الآية [الحجّ: 37].
والمعنى: أنه تعالى يحب منْ عباده أن يتقوه ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد منْ فرح منْ ضلت راحلته، التي عليها طعامه وشرابه بفلاة منْ الأرض، وطلبها حَتَّى أعيى وأيس منها، واستسلم للموت، وأيس منْ الحياة، ثم غلبته عينه فنام، فاستيقظ وهي قائمة عنده، وهذا أعلى ما يتصوره المخلوق منْ الفرح، هَذَا كله مع غناه عن طاعات عباده، وتوباتهم إليه، وإنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هَذَا منْ كمال جوده وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضر عنهم، فهو يحب منْ عباده أن يعرفوه ويحبوه، ويخافوه ويتقوه ويطيعوه، ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر عَلَى مغفرة ذنوب عباده، كما فِي رواية عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر رضي الله عنه لهذا الْحَدِيث:"منْ علم منكم أني ذو قدرة عَلَى المغفرة، ثم استغفرني غفرت له ولا أبالي". وفي "الصحيح" عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أن عبدا أذنب ذنبا فَقَالَ: يا رب إني فعلت ذنبا فاغفر لي، فَقَالَ الله: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي"، وفي حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه لما ركب دابته، حمد الله ثلاثاً، وكبر ثلاثاً، وَقَالَ:"سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، ثم ضحك، وَقَالَ:"إن ربك ليعجب منْ عبده إذا قَالَ: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري"، أخرجه الإِمام أحمد، والترمذي وصححه. وفي "الصحيح" عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"واللهِ للهُ أرحم بعباده منْ الوالدة بولدها".
كَانَ بعض أصحاب ذي النون يطوف، وينادي آه أين قلبي، منْ وجد قلبي؟ فدخل يوما يعض السكك، فوجد صبيا يبكي، وأمه تضربه، ثم أخرجته منْ الدار، وأغلقت
الباب دونه، فجعل الصبي يلتفت يمينا وشمالا، لا يدري أين يذهب، ولا أين يقصد، فرجع إلى باب الدار، فجعل يبكي، ويقول: يا أماه منْ يفتح لي الباب، إذا أغلقت بابك عني؟، ومن يدنيني إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أن غضبت عليّ؟ فرحمته أمه، فنظرت منْ خلل الباب، فوجدت ولدها تجري الدموع عَلَى خديه، متمعكا فِي التراب، ففتحت الباب، وأخذته حَتَّى وضعته فِي حجرها، وجعلت تقبله، وتقول: يا قرة عيني، ويا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني عَلَى نفسك، وأنت الذي تعرضت لما حل بك، لو كنت أطعتني لم تلق مني مكروها، فتواجد الفتى، ثم صاح، وَقَالَ: قد وجدت قلبي، قد وجدت قلبي.
وتفكروا فِي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} الآية [آل عمران: 135]، فإن فيه إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم منْ يلجأون إليه، ويُعَوّلون عليه فِي مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله فِي حق الثلاثة الذين خلفوا:{حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]، فرتب توبته عَلَى ظنهم أن لا ملجأ منْ الله إلا إليه، فإن العبد إذا خاف منْ مخلوق هرب منه، وفر إلى غيره، وأما منْ خاف منْ الله، فما له منْ ملجأ يلجأ إليه، ولا مهرب يهرب إليه إلا هو، فيهرب منه إليه، كما كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول فِي دعائه:"لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك"، أخرجه البخاريّ، وكان يقول:"أعوذ برضاك منْ سخطك، وبعفوك منْ عقوبتك، وبك منك"، أخرجه مسلم.
قَالَ الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ما منْ ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، إلا نادى الجليل جل جلاله: منْ أعظم مني جودا؟ والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم فِي مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل عَلَى العاصي، وأتفضل عَلَى المسيء، منْ ذا الذي دعاني فلم أستجب إليه
(1)
؟ أم منْ ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أم منْ الذي أناخ ببابي فنحيته؟ أنا الفضل ومني الفضل، أنا الجواد ومني الجود، وأنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي، ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلائق؟ وأين عن بابي يتنحّى العاصون خرجه". أبو نعيم
(2)
.
(1)
وفي نسخة: "فلم ألبّه".
(2)
"الحلية" 8/ 92 - 93. والظاهر أن مثل هَذَا مما كتُب فِي حكمة الأوائل، والله تعالى أعلم.
ولبعضهم فِي المعنى قائلا [منْ الطويل]:
أَسَأْتُ وَلَمْ أُحْسِنْ وَجِئْتُكَ تَائِبَا
…
وَأَنَّى لِعَبْدٍ عَنْ مَوَالِيهِ مَهْرَبُ؟
يُؤَمِّلُ غُفْرَانًا فَإِنْ خَابَ ظَنُّهُ
…
فَمَا أَحَدٌ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ أَخْيَبُ
فقوله بعد هَذَا: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا عَلَى أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك فِي ملكي شيئاً، ولو كانوا عَلَى أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك منْ ملكي شيئاً":
هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم عَلَى قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كَانَ الجن والإنس كلهم عصاة فجرة، قلوبهم عَلَى قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق فِي ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل، لا نقص فيه بوجه منْ الوجوه، عَلَى أي وجه كَانَ.
ومن النَّاس منْ قَالَ: إن إيجاده لخلقه عَلَى هَذَا الوجه الموجود، أكمل منْ إيجاده عَلَى غيره، وهو خير منْ وجوده عَلَى غيره، وما فيه منْ الشر فهو شر إضافي، نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء، دون بعض، وليس شرا مطلقا، بحيث يكون عدمه خيرا منْ وجوده منْ كل وجه، بل وجوده خير منْ عدمه.
قَالَ: هَذَا معنى قوله: "بيده الخير". ومعنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك": يعني أن الشر المحض الذي عدمه خير منْ وجوده، ليس موجودا فِي ملكك، فإن الله تعالى أوجد خلقه عَلَى ما تقتضيه حكمته وعدله، وخص قوما منْ خلقه بالفضل، وترك آخرين منهم فِي العدل؛ لما له فِي ذلك منْ الحكمة البالغة.
قَالَ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: وهذا فيه نظر، وهو يخالف ما فِي الْحَدِيث منْ أن جميع الخلق لو كانوا عَلَى صفة أكمل خلقه منْ البر والتقوى، لم يزد ذلك فِي ملكه شيئاً، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا عَلَى صفة أنقص خلقه منْ الفجور، لم ينقص ذلك منْ ملكه شيئاً، فدل عَلَى أن ملكه كامل، عَلَى أي وجه كَانَ، لا يزداد، ولا يكمل بالطاعة، ولا ينقص بالمعاصي، ولا يؤثر فيه شيءٌ.
وفي هَذَا الكلام دليل عَلَى أن الأصل فِي التقوى والفجور هو القلب، فإذا بَرَّ القلب واتقي، جرت الجوارح، وإذا فجر القلب فجرت الجوارح، كما قَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم:"التقوى هاهنا"، وأشار إلى صدره، أخرجه مسلم.
وقوله: "لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا فِي صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل
البحر".
فالمراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه، وكمال ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطي الأولين والآخرين، منْ الجن والإنس جميع ما سألوه فِي مقام واحد.
وفي ذلك حث للخلق عَلَى سؤاله، وإنزال حوائجهم به. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يد الله ملأي، لا تغيضها نفقة، سَحّاء الليلَ والنهارَ، أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما فِي يمينه".
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللَّهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم، ولْيُعَظِّم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء".
وَقَالَ أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه: إذا دعوتم الله فارفعوا فِي المسألة، فإن ما عنده لا ينفده شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإن الله لا مستكره له. وفي بعض الإسرائيليات يقول الله عز وجل: أيؤمل غيري للشدائد، والشدائد بيدي، وأنا الحي القيوم، ويُرجَى غيري، ويطرق بابه بالبكرات، وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني، منْ ذا الذي أملني لنائبة، فقطعت به؟ أو منْ ذا الذي رجاني لعظيم، فقطعت به؟ أو منْ ذا الذي طرق بأبي، فلم أفتحه له؟ أنا غاية الآمال، فكيف تنقطع الآمال دوني؟ أَبَخِيل أنا، فيبخلني عبدي؟ أليس الدنيا والآخرة، والكرم والفضل كله لي؟ فما يمنع المؤملين أن يؤملوني؟ لو جمعت أهل السموات والأرض، ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع، وبَلَّغتُ كل واحد أمله، لم ينقص ذلك منْ ملكي عضو ذرة، كيف ينقص ملك أنا قيمه؟ فيا بُؤْسًا للقانطين منْ رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني، وتوثّب عَلَى محارمي.
وقوله: "ولم ينقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر": تحقيق لأن ما عنده لا ينقص البتة، كما قَالَ تعالى:{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} الآية [النحل: 96]، فإن البحر إذا غُمس فيه إبرة، ثم أخرجت، لم ينقُص منْ البحر بذلك شيءٌ، وكذلك لو فُرض أنه شرب منه عصفور مثلا، فإنه لا ينقص البحر البتة، ولهذا ضرب الخضر لموسى عليهما السلام هَذَا المثل فِي نسبة علمهما إلى علم الله عز وجل، وهذا لأن البحر لا يزال تُمِدّ مياه الدنيا، وأنهارها الجارية، فمهما أُخذ منه لم ينقصه شيء؛ لأنه يَمُدُّه ما هو أزيد مما أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها، فإنه لا ينقص كما قَالَ تعالى:{وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 32 - 33]، وَقَدْ
جاء: "أنه كلما نُزعت ثمرة عاد مكانها مثلها"، ورُوي "مثلاها"، فهي لا تنقص أبدا، ويشهد لذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، فِي خطبة الكسوف:"ورأيت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا"، أخرجاه فِي "الصحيحين" منْ حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، وخرجه الإِمام أحمد منْ حديث جابر، ولفظه:"ولو أتيتكم به لأكل منه منْ بين السماء والأرض، لا ينقصونه شيئا"
(1)
.
وهكذا لحم الطير الذي يأكله أهل الجنة، يستخلف، ويعود كما كَانَ حيا، لا ينقص منه شيء، وَقَدْ روي هَذَا الْحَدِيث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم منْ وجوه فيها ضعف، وقاله كعب. وروي أيضاً عن أبي أمامة الباهلي منْ قوله، قَالَ أبو أمامة: وكذلك الشراب يشرب منه حَتَّى تنتهي نفسه، ثم يعود مكانه. ورُئي بعض العلماء الصالحين بعد موته بمدة فِي المنام، فَقَالَ: ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ، أما علمتم أن طعام الجنة لا ينفد.
وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيث الذي أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه السببُ الذي لأجله لا ينقص ما عند الله بالعطاء، بقوله:"ذلك بأني جواد واجد ماجد، أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذ أردت أن أقول له: كن فيكون"، وهذا مثل قوله تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، وقوله تعالى:{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]. وفي "مسند البزار" بإسناد فيه نظر، منْ حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"خزائن الله الكلام، فإذا أراد الله شيئاً قَالَ له: كن فكان". فهو سبحانه إذا أراد شيئاً منْ عطاء، أو عذاب، أو غير ذلك قَالَ له: كن فيكون، فكيف يتصور أن ينقص هَذَا، وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئاً قَالَ له: كن فيكون، كما قَالَ:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59].
وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: "يا موسى لا تخافن غيري، ما دام لي السلطان، وسلطاني دائم لا ينقطع، يا موسى لا تهتمن برزقي أبدا، ما دامت خزائني مملوءة، وخزائني مملوءة لا تفنى أبدا، يا موسى لا تأنس بغيري، ما وجدتني أنيسا لك، متى طلبتني وجدتني، يا موسى لا تأمن مكري ما لم تجز الصراط إلى الجنة". وَقَالَ بعضهم [منْ البسيط]:
لَا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ
…
فَإِنَّ ذَاكَ مُضِرٌّ مِنْكَ بِالدِّينِ
وَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ
…
فَإِنَّمَا هِيَ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ
(1)
رواه أحمد 5/ 137 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
وقوله: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها".
يعني أنه سبحانه يحصي أعمال عباده، ثم يوفيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا كقوله:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8]، وقوله:{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، وقوله:{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30]، وقوله:{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} الآية [المجادلة: 6].
وقوله: "ثم أوفيكم إياها": الظاهر أن المراد توفيتها يوم القيامة، كما قَالَ تعالى:{وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الآية [آل عمران: 185]. ويحتمل أن المراد يوفي عباده جزاء أعمالهم فِي الدنيا والآخرة، كما فِي قوله:{مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} الآية [النِّساء: 123]. وَقَدْ رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه فسر ذلك بأن المؤمنين يجازون بسيئاتهم فِي الدينا، وتدخر لهم حسناتهم فِي الآخرة، فيوفون أجورهم، وأما الكافر فإنه يعجل له فِي الدنيا ثواب حسناته، وتدخر له سيئاته فيعاقب بها فِي الآخرة.
وتوفية الأعمال: هي توفية جزاءها منْ خير أو شر، فالشر يجازى به مثله منْ غير زيادة، إلا أن يعفو الله عنه، والخير تضاعف الحسنة عنه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، لا يعلم قدرها إلا الله، كما قَالَ تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) قُلْ} [الزمر: 10 - 11].
وقوله: "فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه": إشارة إلى أن الخير كله فضل منْ الله عَلَى عبده، منْ غير استحقاق له، والشر كله منْ عند ابن آدم، منْ اتباع هوى نفسه، كما قَالَ عز وجل:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} الآية [النِّساء: 79]، وَقَالَ عَلَى رضي الله عنه: لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، فالله سبحانه إذا أراد توفيق عبد وهدايته أعانه، ووفقه لطاعته، فكان ذلك فضلا منه ورحمة، وإذا أراد خذلان عبد، وكله إلى نفسه، وخلى بينه وبينها، فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر الله، واتبع هواه، وكان أمره فرطا، وكان ذلك عدلا منه، فإن الحجة قائمة عَلَى العبد بإنزال الكتاب، وإرسال الرسول فما بقي لأحد منْ النَّاس عَلَى الله حجة بعد الرسل.
فقوله بعد هَذَا: "فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"، إن كَانَ المراد منْ وجد ذلك فِي الدنيا، فإنه يكون حينئذ مأمورا بالحمد لله عَلَى ما وجده منْ جزاء الأعمال الصالحة، الذي عجل له فِي الدنيا، كما قَالَ: {مَنْ عَمِلَ
صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، ويكون مأمورا بلوم نفسه عَلَى ما فعلت منِ الذنوب التي وجد عاقبتها فِي الدنيا، كما قَالَ تعالى:{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21]، فالمؤمن إذا أصابه فِي الدنيا بلاء، رجع إلى نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار. وفي "المسند"، و"سنن أبي داود" عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إن المؤمن إذا أصابه سَقَمٌ، ثم عافاه الله منه كَانَ كفارة لما مضى منْ ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل منْ عمره، وإن المنافق إذا مرض وعوفي كَانَ كالبعير عقله أهله، وأطلقوه لا يدري بما عقلوه، ولا بما أطلقوه". وَقَالَ سلمان الفارسي رضي الله عنه: إن المسلم ليبتلى، فيكون كفارة لما مضى، ومستعتبا فيما بقى، وإن الكافر يبتلى، فمثله كمثل البعير أُطلق، فلم يدر لما أُطلق وعُقل.
وإن كَانَ المراد منْ وجد خيرا أو غيره فِي الآخرة، كَانَ إخبارا منه بأن الذين يجدون الخير فِي الآخرة يحمدون الله عَلَى ذلك، وأن منْ وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، حين لا ينفعه اللوم، فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، كقوله صلى الله عليه وسلم:"منْ كذب عَلَى متعمدا فليتبوأ مقعده منْ النار"، والمعنى: أن الكاذب عليه يتبوأ مقعده منْ النار.
وَقَدْ أخبر الله تعالى عن أهل الجنة، أنهم يحمدون الله عَلَى ما رزقهم منْ فضله، فَقَالَ:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} الآية [الأعراف: 43]، وَقَالَ تعالى:{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} الآية [الزمر: 74]، وَقَالَ تعالى:{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 34، 35]، وأخبر عن أهل النار، أنهم يلومون أنفسهم، ويمقتونها أشد المقت، فَقَالَ تعالى:{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} الآية [إبراهيم: 22]، وَقَالَ تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} [غافر: 10].
وَقَدْ كَانَ السلف الصالح يجتهدون فِي الأعمال الصالحة، حذرا منْ لوم النفس عند انقطاع الأعمال عَلَى التقصير. وفي الترمذيّ عن أبي هريرة مرفوعاً: "ما منْ ميت يموت إلا ندم، إن كَانَ محسنا ندم عَلَى أن لا يكون ازداد، وإن كَانَ مسيئاً ندم أن لا يكون
استعتب". وقيل لمسروق: لو قصرت عن بعض ما تصنع منْ الاجتهاد، فَقَالَ: والله لو أتاني آت فأخبرني أن لا يعذبني لاجتهدت فِي العبادة، قيل كيف ذاك؟ قَالَ: حَتَّى تعذرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها، أما بلغك فِي قول الله تعالى:{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2]، إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم، فاعتنقتهم الزبانية، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورُفعت عنهم الرحمة، وأقبل كل امريء منهم يلوم نفسه. وكان عامر بن عبد قيس يقول: والله لأجتهدن، ثم والله لأجتهدن، فإن نجوت فبرحمة الله، وإلا لم ألم نفسي. وكان زياد بن عياش يقول لابن المنكدر، ولصفوان بن سليم: الجد الجد، والحذر الحذر، فإن يكن الأمر عَلَى ما نرجو، كَانَ ما عملتما فضلا، وإلا لم تلوما أنفسكما. وكان مطرف بن عبد الله يقول: اجتهدوا فِي العمل، فإن يكن الأمر ما نرجو منْ رحمة الله وعفوه، كانت لنا درجات، وإن يكن الأمر شديدا، كما نخاف ونحذر، لم نقل:{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} الآية [فاطر: 37]، نقول: قد عملنا، فلم ينفعنا ذلك. انتهى كلام الإِمام ابن رَجَب رحمه الله تعالى
(1)
.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما ختمت الكتاب بهذا الْحَدِيث العظيم، وإن كَانَ الكلام عليه طويلاً؛ لما له منْ المناسبة للخاتمة، حيث إنه مشتمل عَلَى بيان واسع رحمة الله تعالى، وعظيم فضله، وإحسانه، وفيه الحثّ عَلَى البعد منْ الظلم بجميع أنواعه، والحثّ عَلَى التوجّه إليه سبحانه وتعالى توجها كليا، وطلب ما عنده منْ الفضل الجسيم، والنعيم المقيم، والاعتقاد بأن العبد، وإن عمل ما عمل، واجتهد ما اجتهد لا ينفع الله سبحانه وتعالى ذلك شيئاً، وإنما هو لنفسه، وفيه الحثّ أيضًا عَلَى ربط القلب بربه إيمانًا ويقينًا؛ لأنه المالك لكلّ شيء، وأنه المانع الضارّ، وأنه الجواد الكريم.
وبالجملة، فالحديث حديث مُشَوِّق إلى الله سبحانه وتعالى، وحامل عَلَى ترك الالتفات لما سواه، أيًّا كَانَ نوعه.
اللَّهم أجعلنا ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه. اللَّهم مغفرتك أوسع منْ ذنوبنا، ورحمتك أرجى عندنا منْ أعمالنا، اللَّهم اغفر لنا، وأرحمنا، وأنت خير الراحمين، "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ منْ الخاسرين". وآخر دعوانا {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
ثم إنه ينبغي لي أن ذيّل الخاتمة بذكر حديث كفّارة المجلس المشهور الذي ينبغي
(1)
انظر كتاب "جامع العلوم والحكم" 2/ 23 - 40 بتحقيق الشيخ محمد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد الجواد.
للعبد أن يختم مجلسه به، مع ذكر سندي، كما فعلتُ فيما مضى، فأسوقه منْ رواية الإِمام الترمذيّ رحمه الله تعالى فِي "جامعه"، فأقول:
أخبرني والدي العلامة النحرير، والدرّاكة الكبير عليّ بن آدم، والعلامة النحويّ عبد الباسط بن محمد بن حسن، والعلامة المقرىء حياة بن عليّ رحمهم الله تعالى إجازةً، كلهم عن العلامة المقرىء المحدث كبير أحمد بن عبد الرحمن الْعَدّيْ الحسنيّ الدّوّويّ، عن العلامة عبد الجليل بن يحيى الدّلّتّيّ، عن والده يحيى بن بشير الدلّتّيّ، عن والده بشير الدّلّتّيّ، عن المفتي داود بن أبي بكر الدّوّويّ، عن السيد سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن السيد أحمد بن محمد مقبول الأهدل، عن خاله عماد الدين يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبي بكر بن عليّ البطاح الأهدل، عن عمه يوسف بن محمد البطاح الأهدل، عن الطاهر بن حسين الأهدل، عن وجيه الدين عبد الرحمن بن عليّ الديبع الشيبانيّ، عن زين الدين الشرجيّ، عن نفيس الدين سليمان بن إيراهيم العلويّ، عن والده، وشيخه موفّق الدين عليّ بن أبي بكر بن شدّاد، كلاهما عن أحمد ابن أبي الخير الشماخي، عن والده، عن شرف الدين أبي بكر بن أحمد بن محمد الشراحيّ اليمنيّ، عن الصالح مكين الدين زاهر بن رسم بن أبي الرَّجاء الأصفهانيّ، عن أبي الفتح عبد الملك بن عبد الله الهرويّ الكروخيّ، عن المشايخ الثلاثة
…
(ح) - وأخبرني شيخى العلامة المحدّث محمد بن رافع بن بصيري، عن شيخه محمد بن محمد أمين خيّر الباكستاني، نزيل مكة، عن محمد يحيى الكاندهلويّ، عن رشيد أحمد الجنجوهي، عن عبد الغنيّ المجددي، عن محمد إسحاق الدهلويّ المكيّ، عن عبد العزيز الدهلويّ، عن والده الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلويّ، عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكرديّ المدنيّ، عن والده إبراهيم حسن الكرديّ المدنيّ، عن أبي العزائم سلطان بن أحمد المزّاحيّ، عن الشهاب أحمد بن خليل السبكيّ، عن النجم الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن العزّ عبد الرحيم ابن محمد بن الفرات القاهريّ، عن أبي حفص عمر بن حسن المراغيّ، عن الفخر ابن البخاريّ، عن عمر بن طبرد البغداديّ، عن أبي الفتح عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل الهروي الكروخيّ، عن أبي عامر محمود بن القاسم بن محمد الأزديّ، وأبي نصر عبد العزيز بن محمد الترياقيّ، وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد التاجر الْغُورَجيّ، قالوا: أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله الْجَرّاحيّ المروزيّ، عن أبي العبّاس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبيّ، قَالَ: أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذيّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ الْكُوفِيُّ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا
الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غَفَرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ، إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى: فِي "الفتح" بحثًا نفيسًا يتعلّق بهذا الْحَدِيث، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلاً للعائدة، قَالَ رحمه الله تعالى:
وَقَدْ ورد فِي حديث أبي هريرة فِي ختم المجلس: ما أخرجه الترمذيّ فِي "الجامع"، والنسائي فِي "اليوم والليلة"، وابن حبّان فِي "صحيحه"، والطبراني فِي "الدعاء"، والحاكم فِي "المستدرك" كلهم منْ رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن موسى ابن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منْ جلس فِي مجلس، وكثر فيه لغطه، فَقَالَ قبل أن يقوم منْ مجلسه ذلك: سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غُفر له ما كَانَ فِي مجلسه ذلك"، هَذَا لفظ الترمذيّ، وَقَالَ: حسن صحيح غريب، لا نعرفه منْ حديث سهيل إلا منْ هَذَا الوجه، وفي الباب عن أبي برزة، وعائشة. وَقَالَ الحاكم: هَذَا حديث صحيح، عَلَى شرط مسلم، إلا أنّ البخاريّ أعله برواية وهيب، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن كعب الأحبار، كذا قَالَ فِي "المستدرك"، ووهم فِي ذلك، فليس فِي هَذَا السند ذكر لوالد سهيل، ولا كعب، والصواب عن سهيل، عن عون، وكذا ذكره عَلَى الصواب فِي "علوم الْحَدِيث"، فإنه ساقه فيه منْ طريق البخاريّ، عن محمد بن سلام، عن مخلد بن يزيد، عن ابن جريج بسنده، ثم قَالَ: قَالَ البخاريّ: هَذَا حديث مليح، ولا أعلم فِي الدنيا فِي هَذَا الباب غير هَذَا الْحَدِيث، إلا أنه معلول، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله، قولَهُ، قَالَ البخاريّ: هَذَا أولى، فإنا لا نذكر لموسى بن عقبة سماعا منْ سهيل، انتهى.
وأخرجه البيهقي فِي "المدخل" عن الحاكم بسنده المذكور، فِي "علوم الْحَدِيث" عن البخاريّ، فَقَالَ: عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، كلاهما عن حجاج بن محمد، وساق كلام البخاريّ، لكن قَالَ: لا أعلم بهذا الإسناد فِي الدنيا غير هَذَا الْحَدِيث، إلا أنه معلول. وقوله: لا أعلم بهذا الإسناد فِي الدنيا، هو المنقول عن البخاريّ، لا قوله:
لا أعلم فِي الدنيا فِي هَذَا الباب، فإن فِي الباب عدة أحاديث، لا تخفى عَلَى البخاريّ، وَقَدْ ساق الخليليّ فِي "الإرشاد" هذه القصة، عن غير الحاكم، وذكر فيها أن مسلما قَالَ للبخاري: أتعرف بهذا الإسناد فِي الدنيا حديثا غير هَذَا؟ فَقَالَ: لا، إلا أنه معلول، ثم ذكره عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله قولَهُ، وهو موافق لما فِي "علوم الْحَدِيث"، فِي سند التعليل، لا فِي قوله: فِي هَذَا الباب، فهو موافق لرواية البيهقي فِي قوله: بهذا الإسناد، وكأن الحاكم وَهِم فِي هذه اللفظة، وهي قوله: فِي هَذَا الباب، وإنما هي بهذا الإسناد، وهو كما قَالَ؛ لأن هَذَا الإسناد، وهو ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، لا يوجد إلا فِي هَذَا المتن، ولهذا قَالَ البخاريّ: لا أعلم لموسى سماعا منْ سهيل، يعني أنه إذا لم يكن معروفا بالأخذ عنه، وجاءت عنه رواية خالف راويها، وهو ابن جريج، منْ هو أكثر ملازمة لموسى بن عقبة منه، رُجّحت رواية الملازم، فهذا يوجبه تعليل البخاريّ.
وأما منْ صححه، فإنه لا يرى هَذَا الاختلاف علة قادحة، بل يُجَوّز أنه عند موسى بن عقبة عَلَى الوجهين. وَقَدْ سبق البخاريَّ إلى تعليل هذه الرواية أحمد بن حنبل، فذكر الدارقطنيّ فِي "العلل" عنه أنه قَالَ: حديث ابن جريج وَهَمٌ، والصحيح قول وهيب: عن سهيل، عن عون بن عبد الله، قَالَ الدارقطنيّ: والقول قول أحمد، وعلى ذلك جرى أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، قَالَ ابن أبي حاتم فِي "العلل" سألت أبي وأبا زرعة عن هَذَا الْحَدِيث؟ فقالا: هَذَا خطأ، رواه وهيب، عن سهيل، عن عون بن عبد الله موقوفاً، وهذا أصح، قَالَ أبو حاتم: يحتمل أن يكون الوهم منْ ابن جريج، ويحتمل أن يكون منْ سهيل. انتهى.
قَالَ الحافظ: وَقَدْ وجدناه منْ رواية أربعة عن سهيل، غير موسى بن عقبة، ففي "الأفراد" للدارقطني، منْ طريق عاصم بن عمرو، وسليمان بن بلال، وفي "الذكر" لجعفر الفريابي، منْ طريق إسماعيل بن عياش، وفي "الدعاء" للطبراني منْ طريق محمد بن أبي حميد، أربعتهم عن سهيل، والراوي عن عاصم، وسليمان هو الواقدي، وهو ضعيف، وكذا محمد بن أبي حميد، وأما إسماعيل، فإن روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وهذا منها، وَقَدْ قَالَ أبو حاتم: هذه الرواية ما أدري ما هي، ولا أعلم رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فِي شيء منْ طريق أبي هريرة، إلا منْ رواية موسى، عن سهيل. انتهى.
وَقَدْ أخرجه أبو داود فِي "السنن"، وابن حبّان فِي "صحيحه"، والطبراني فِي "الدعاء" منْ طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن أبي عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، مرفوعاً، وعن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال،
عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن عمرو موقوفاً.
وذكر شيخ الإسلام، أبو الفضل، عبد الرحيم بن الحسين العراقي الحافظ فِي "النكت" التي جمعها عَلَى "علوم الْحَدِيث" لابن الصلاح: أن هَذَا الْحَدِيث ورد منْ رواية جماعة، منْ الصحابة، عدتهم سبعة زائدة عَلَى منْ ذكر الترمذيّ، وأحال ببيان ذلك عَلَى تخريجه لأحاديث "الإحياء".
قَالَ الحافظ: وَقَدْ تتبعت طرقه، فوجدته منْ رواية خمسة آخرين، فكملوا خمسة عشر نفسا
(1)
، ومعهم صحابي لم يسم، فلم أضفه إلى العدد؛ لاحتمال أن يكون أحدهم، وَقَدْ خرَّجت طرقه فيما كتبته عَلَى "علوم الْحَدِيث"، وأذكره هنا ملخصا، وهم:
عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه عند الطبراني فِي "المعجم الكبير"، أخرجه موقوفاً، وعند أبي داود أخرجه موقوفاً، كما تقدّم التنبيه عليه، وأبو برزة الأسلمي، وحديثه عند أبي داود، والنسائي، والدارمي، وسنده قوي، وجبير بن مطعم، وحديثه عند النسائيّ، وابن أبي عاصم، ورجاله ثقات، والزبير بن العوام، وحديثه عند الطبراني فِي "المعجم الصغير"، وسنده ضعيف، وعبد الله بن مسعود، وحديثه عند ابن عدي فِي "الكامل"، وسنده ضعيف، والسائب بن يزيد، وحديثه عند الطحاوي فِي "مشكل الآثار"، والطبراني فِي "الكبير"، وسنده صحيح، وأنس بن مالك، وحديثه عند الطحاوي، والطبراني، وسنده ضعيف، وعائشة، وحديثها عند النسائيّ، وسنده قوي، وأبو سعيد الخدريّ، وحديثه فِي "كتاب الذكر" لجعفر الفريابي، وسنده صحيح، إلا أنه لم يصرح برفعه، وأبو أمامة، وحديثه عند أبي يعلى، وابن السني، وسنده ضعيف، ورافع بن خديج، وحديثه عند الحاكم، والطبراني فِي "الصغير"، ورجاله موثوقون، إلا أنه اختلف عَلَى راويه فِي سنده، وأبي بن كعب، ذكره أبو موسى المديني، ولم أقف عَلَى سنده، ومعاوية، ذكره أبو موسى أيضاً، وأشار إلى أنه وقع فِي بعض رواته تصحيف، وأبو أيوب الأنصاريّ، وحديثه فِي "الذكر" للفريابي أيضاً، وفي سنده ضعف يسير، وعلي بن أبي طالب، وحديثه عند أبي عليّ بن الأشعث، فِي "السنن" المروية عن أهل البيت، وسنده واه، وعبد الله بن عمر، وحديثه فِي "الدعوات" منْ "مستدرك الحاكم"، وحديث رجل منْ الصحابة لم يسم، أخرجه ابن أبي شيبة فِي "مصنفه" منْ طريق أبي معشر زياد بن كليب، قَالَ: حدثنا رجل منْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، ورجاله ثقات.
ووقع مع ذلك منْ مراسيل جماعة منْ التابعين، منهم الشعبي، وروايته عند جعفر
(1)
هكذا فِي "الفتح""خمسة عشر" لكن المذكور هنا ستة عشر، فليحرر. والله تعالى أعلم.
الفريابي فِي "الذكر"، ويزيد الفقير، وروايته فِي "الكنى" لأبي بشر الدولابي، وجعفر أبو سلمة، وروايته فِي "الكنى" للنسائي، ومجاهد، وعطاء، ويحيى بن جعدة، ورواياتهم فِي زيادات البر والصلة، للحسين بن الحسن المروزي، وحسان بن عطية، وحديثه فهي ترجمته فِي "الحلية" لأبي نعيم، وأسانيد هذه المراسيل جياد، وفي بعض هَذَا ما يدلّ عَلَى أن للحديث أصلاً، قَالَ: وَقَدْ استوعبت طرقها، وبينت اختلاف أسانيدها، وألفاظ متونها فيما علقته عَلَى "علوم الْحَدِيث" لابن الصلاح، فِي الكلام عَلَى الْحَدِيث المعلول.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ورأيت ختم هَذَا "الفتح" بطريق منْ طرق هَذَا الْحَدِيث، مناسبة للختم، أسوقها بالسند المتصل العالي بالسماع والاجازة، إلى منتهاه.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا أيضاً أصل سندي بالحافظ رحمه الله تعالى فِي هَذَا الْحَدِيث؛ اقتفاء لأثر المحدثين، وإحياء لسنتهم، فأقول:
أخبرني إجازةً الشيخ المسند الكبير محمد ياسين بن محمد عيسى الفاداني المكيّ، عن الشيخ عمر بن حمدان المحرسيّ، والشيخ عليّ بن فالح الظاهريّ المدنيّ، ثم المكيّ، كلاهما عن والد الثاني، فالح بن محمد الظاهريّ، عن السيد محمد بن عليّ السنوسيّ المكيّ، عن المعمر أبي المواهب المازونيّ، عن المسند المنلا إبراهيم بن حسن الكورانيّ المدنيّ، عن أحمد بن محمد المدنيّ الشهير بالْقُشَاشيّ، عن محمد بن أحمد الرمليّ، عن الزين زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن عليّ العسقلانيّ، قَالَ:
قرأت عَلَى الشيخ الإِمام العدل المسند المكثر الفقيه، شهاب الدين، أبي العبّاس أحمد بن الحسن بن محمد بن محمد بن زكريا القدسي الزينبي، بمنزله ظاهر القاهرة، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر الأيوبي، أنبأنا إسماعيل ابن عبد المنعم بن الخيمي، أنبأنا أبو بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن باقا، أنبأنا أبو زرعة، طاهر بن محمد بن طاهر، أنبأنا عبد الرحمن بن حمد
…
(ح) وقرأته
(1)
عاليا عَلَى الشيخ الإِمام المقرىء المفتي العلامة، أبي إسحاق إبراهيم ابن أحمد ابن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن كامل، عن أيوب بن نعمة النابلسي، سماعا عليه، أنبأنا إسماعيل بن أحمد العراقي، عن عبد الرزاق بن إسماعيل القومسي، أنبأنا عبد الرحمن بن حمد الدُّونيّ، أنبأنا أبو نصر أحمد بن الحيسن الكسار، أنبأنا أبو
(1)
القائل: "وقرأته" هو الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
بكر أحمد بن محمد بن إسحاق، الحافظ المعروف بابن السني، أنبأنا أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب النسائيّ، أنبأنا محمد ابن إسحاق، هو الصغاني، حدثنا أبو مسلم، منصور بن سلمة الخزاعي، حدثنا خلاد بن سليمان، هو الحضرميّ، عن خالد بن أبي عمران، عن عروة، عن عائشة، قالت: كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا جلس مجلسًا، أو صلى تكلم بكلمات، فسألته عن ذلك؟ فَقَالَ: إن تكلم بكلام خير كَانَ طابعا عليه -يعني خاتما عليه إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك، كانت كفارة له: سبحانك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". انتهى
(1)
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
قَالَ الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه، وعن والديه، ومشايخه:
قد انتهيت منْ كتابة الجزء الأربعين منْ شرح سنن الإِمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ رحمه الله تعالى، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى فِي شرح المجتبى"، أو "غايةَ المنى فِي شرح المجتنى"، فِي أول شهر ربيع الثاني ليلة الاثنين المبارك 1/ 4/ 1421 هـ الموافق 3 / يولية/ 2000 م. وذلك بين المغرب والعشاء، سوى بعض الإلحاقات. وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، فِي مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفاً وتعظيمًا، وجعلني منْ خيار أهلها حياً وميتاً، وأعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} .
"اللَّهم صلّ عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللَّهم بارك عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما باركت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته".
وبهذا انتهى الكتاب كله، والحمد لله رب العالمين.
"سبحانك اللَّهمّ، وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
(1)
راجع "الفتح" 15/ 529 - 532.