المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي - جـ ٢

[ابن رجب الحنبلي]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

‌وفيات المائة السابعة

من سنة 601 - إلى سنة 700 هـ

‌214 - عبد الغنى بن عبد الواحد

بن على بن سرور بن رافع بن حسن ابن جعفر الجماعيلي المقدسى، الحافظ الزاهد أبو محمد. ويلقب تقى الدين، حافظ الوقت ومحدثه

ولد بجماعيل - من أرض نابلس من الأرض المقدسة - سنة إحدى وأربعين وخمسمائة

قال الحافظ الضياء: أظنه فى ربيع الآخر من السنة؛ لما حدثتنى والدتى قالت: الحافظ أكبر من أخى الموفق بأربعة أشهر، ومولد الموفق فى شعبان من السنة المذكورة.

وقال المنذرى: ذكر عنه أصحابه ما يدل على أن مولده سنة أربع وأربعين وخمسمائة.

وكذا ذكر ابن النجار في تاريخه: أنه سأل الحافظ عبد الغنى عن مولده؟ فقال: إما فى سنة ثلاث أو فى سنة أربع وأربعين وخمسمائة.

قال الحافظ: والأظهر أنه فى سنة أربع.

وقدم دمشق صغيرا بعد الخمسين، فسمع بها من أبى المكارم بن هلال، وأبى المعالى بن صابر، وأبى عبد الله محمد بن حمزة بن أبى جميل القرشى وغيرهم.

ثم رحل إلى بغداد سنة إحدى وستين، هو والشيخ الموفق، فأقاما ببغداد أربع سنين. وكان الموفق ميله إلى الفقه، والحافظ عبد الغنى ميله إلى الحديث. فنزلا على الشيخ عبد القادر. وكان يراعيهما ويحسن إليهما، وقرآ عليه شيئا من الحديث والفقه.

ص: 5

وحكى الشيخ الموفق: أنهما أقاما عنده نحوا من أربعين يوما، ثم مات، وأنهما كانا يقرءان عليه كل يوم درسين من الفقه، فيقرأ هو من «الخرقى» من حفظه، والحافظ من كتاب «الهداية» .

قال الضياء: وبعد ذلك اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المنّى، وصارا يتكلمان فى المسألة ويناظران. وسمعا من أبى الفتح بن البطى، وأحمد بن المقرى الكرخى، وأبى بكر بن النقور، وهبة الله بن الحسن بن هلال الدقاق، وأبى زرعة، وغيرهم. ثم عادا إلى دمشق.

ثم رحل الحافظ سنة ست وستين إلى مصر والإسكندرية، وأقام هناك مدة، ثم عاد، ثم رجع إلى الإسكندرية سنة سبعين. وسمع بها من الحافظ السلفى وأكثر عنه، حتى قيل: لعله كتب عنه ألف جزء، وسمع من غيره أيضا.

وسمع بمصر من أبى محمد بن برّى النحوى وجماعة، ثم عاد إلى دمشق، ثم سافر بعد السبعين إلى أصبهان. وكان قد خرج إليها، وليس معه إلا قليل فلوس فسهّل الله له من حمله وأنفق عليه حتى دخل أصبهان، وأقام بها مدة، وسمع بها الكثير، وحصل الكتب الجيدة، ثم رجع.

وسمع بهمدان من عبد الرزاق بن إسماعيل القرمانى، والحافظ أبى العلاء، وغيرهما.

وبأصبهان من الحافظين: أبى موسى المدينى، وأبى سعد الصائغ وطبقتهما.

وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل الطوسى. وكتب بخطه المتقن ما لا يوصف كثرة. وعاد إلى دمشق. ولم يزل ينسخ ويصنف، ويحدث ويفيد المسلمين، ويعبد الله، حتى توفاه الله على ذلك.

وقد جمع فضائل الحافظ وسيرته الحافظ ضياء الدين فى جزءين. وذكر فيها: أن الفقيه مكى بن عمر بن نعمه المصرى جمع فضائله أيضا.

قال الحافظ الضياء: كان شيخنا الحافظ لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلا ذكره له وبيّنه، وذكر صحته أو سقمه. ولا يسأل عن رجل إلا قال: هو

ص: 6

فلان ابن فلانى الفلانى، ويذكر نسبه.

وأنا أقول: كان الحافظ عبد الغنى المقدسى أمير المؤمنين فى الحديث.

قال: وسمعت شيخنا الحافظ عبد الغنى يقول: كنت يوما بأصبهان عند الحافظ أبى موسى. فجرى بينى وبين بعض الحاضرين منازعة فى حديث. فقال:

هو فى صحيح البخارى، فقلت: ليس هو فيه. قال: فكتب الحديث فى رقعة ورفعها إلى الحافظ أبى موسى يسأله عنه. قال: فناولنى الحافظ أبو موسى الرقعة وقال: ما تقول، هل هذا الحديث فى البخارى، أم لا؟ قلت: لا. قال: فخجل الرجل وسكت.

قال: وقد رأيت فيما يرى النائم - وأنا بمدينة مرو - كأن الحافظ عبد الغنى جالس والإمام محمد بن إسماعيل البخارى بين يديه، يقرأ عليه من جزء، أو كتاب وكان الحافظ يرد عليه شيئا، أو ما هذا معناه.

قال: وسمعت أبا طاهر بن إسماعيل بن ظفر النابلسى يقول: جاء رجل إلى الحافظ - يعنى: عبد الغنى - فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق.

قال الضياء: وشاهدت الحافظ غير مرة بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين وهو على المنبر، اقرأ لنا أحاديث من غير أجزاء، فيقرأ الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه.

وسمعت أبا سليمان بن الحافظ يقول: سمعت بعض أهلنا يقول: إن الحافظ سئل: لم لا تقرأ الأحاديث من غير كتاب؟ فقال: إننى أخاف العجب.

وسمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن الحافظ، قال: سمعت على بن فارس الزجاج العلثى الشيخ الصالح، قال: لما جاء الحافظ من بلاد العجم، قلت: يا حافظ، ما حفظت بعد مائة ألف حديث؟ فقال: بلى، أو ما هذا معناه.

قال: وسمعت أبا محمد عبد العزيز بن عبد الملك الشيبانى - بمرو - يقول: سمعت

ص: 7

التاج الكندى - يعنى: أبا اليمن - يقول: لم يكن بعد الدار قطنى مثل الحافظ عبد الغنى.

وسمعت أبا الثناء محمود بن همام الأنصارى يقول: سمعت التاج الكندى يقول: لم ير الحافظ - يعنى: عبد الغنى - مثل نفسه.

قلت: وذكر ابن النجار عن يوسف بن خليل، قال: قال تاج الدين الكندى: رأيت ابن ناصر والحافظ أبا العلاء الهمدانى وغيرهما من الحفاظ.

ما رأيت أحفظ من عبد الغنى المقدسى.

ثم قال الضياء: سمعت أبا العز مفضل بن على الخطيب الشافعى، قال:

سمعت بعض الأصحاب يقول: إن أبا نزار - وهو الإمام ربيعة بن الحسن اليمنى الشافعى - قال: قد رأيت الحافظ السلفى، والحافظ أبا موسى - وكان الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد أحفظ منهما - قال: وشاهدت فى فضائل الحافظ الإمام الفقيه مكى بن عمر المصرى، سمعت أبا نزار ربيعة بن الحسن الصنعائى يقول: قد حضرت الحافظ أبا موسى، وهذا الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد، فرأيت عبد الغنى أحفظ منه.

قال الضياء: وأنشدنا إسماعيل بن ظفر، قال: أنشدنا أبو نزار ربيعة ابن الحسن فى الحافظ عبد الغنى:

يا أصدق الناس فى بدو وفى حضر

وأحفظ الناس فيما قالت الرّسل

إن يحسدوك فلا تعبا بقائلهم

هم الغثاء وأنت السيد البطل

قال: وأنشدنا:

إن قيس علمك فى الورى بعلومهم

وجدوك سحبانا وغيرك باقل

قال: وشاهدت بخط الحافظ أبى موسى المدينى على كتاب «تبيين الإصابة لأوهام حصلت فى معرفة الصحابة» الذى إملاء الحافظ عبد الغنى، وقد سمعه عليه أبو موسى، وأبو سعد الصائغ، وأبو العباس بن نبال برك، وخلق كثير، يقول

ص: 8

أبو موسى عفا الله عنه: قلّ من قدم علينا من الأصحاب يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبى محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسى، زاده الله توفيقا. وقد وفق لتبيين هذه الغلطات، ولو كان الدار قطنى وأمثاله فى الإحياء لصوّبوا فعله، وقلّ من يفهم فى زماننا لما فهم، زاده الله علما وتوفيقا.

قال الضياء: وكل من رأينا فى زماننا من المحدثين ممن رأى الحافظ عبد الغنى، وجرى ذكر حفظه ومذكراته، قال: ما رأينا مثله، أو نحو هذا.

قال: وسمعت الحافظ - أو من يحكى عنه - قال: لما قدمت على السلفى سألنى عن أشياء، وقال: من هو محمد بن عبد الرحمن الذهبى؟ فقلت: المخلص.

وسمعت الحافظ يقول: كنت عند ابن الجوزى يوما، فقال وزيره: أين محمد الغسانى؟ فقلت: إنما هو وزيره، فقال: أنتم أعرف بأهل بلدكم، وحكى حكاية عن بعض من سلف فى هذا المعنى.

وذكره ابن النجار فى تاريخه. فقال: حدث بالكثير، وصنف تصانيف حسنة فى الحديث. وكان غزير الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قيّما بجميع فنون الحديث، عارفا بقوانينه، وأصوله، وعلله، وصحيحه، وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وغريبه، وشكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته، ومعرفة أحوالهم.

وكان كثير العبادة، ورعا، متمسكا بالسنة على قانون السلف، ولم يزل بدمشق يحدث وينتفع به الناس، إلى أن تكلم فى الصفات والقرآن بشئ أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا به عليه، وعقد له مجلس بدار السلطان حضره القضاة والفقهاء، فأصر على قوله، وأبا حوا إراقة دمه، فشفع فيه جماعة إلى السلطان من الأمراء والأكراد، وتوسطوا أمره على أن يخرج من دمشق إلى ديار مصر، فأخرج إلى مصر، وأقام بها خاملا إلى حين وفاته.

وسمعت يوسف بن خليل بحلب يقول عن عبد الغنى: كان ثقة، ثبتا،

ص: 9

دينا، مأمونا، حسن التصنيف، دائم الصيام، كثير الإيثار. كان يصلى كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، دعى إلى أن يقول:

لفظى بالقرآن مخلوق، فأبى، فمنع من التحديث بدمشق، فسافر إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات.

وقرأت بخط السيف بن المجد: قال أبو الربيع سليمان بن إبراهيم الأسعردى:

سمعت عبد القادر الرهاوى الحافظ يقول للحافظ عبد الغنى: سمعت وسمعنا، وحفظت، ونسينا.

وقال أبو الثناء محمود بن همام: سمعت أبا عبد الله محمد بن أميرك الجوينى المحدث، يقول: ما سمعت السلفى يقول لأحد: الحافظ، إلا لعبد الغنى المقدسى.

وقال الحافظ الضياء: كان رحمه الله مجتهدا على طلب الحديث، وسماعه للناس من قريب وغريب، فكان كل غريب يأتى يسمع عليه، أو يعرف أنه يطلب الحديث يكرمه ويبره، ويحسن إليه إحسانا كثيرا، وإذا صار عنده طالب يفهم شيئا، أمره بالسفر إلى المشايخ بالبلاد، وأحيا الله به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن سمع حديثا من أصحابنا كان يسبّه، ومن كان من غير أصحابنا كان طلبهم حسدا له؛ لما يرون من حرصه وكثرة طلبه.

قال: وسمعت الإمام الحافظ أبا إسحاق إبراهيم بن محمد العراقى، يقول:

ما رأيت الحديث فى الشام كله، إلا ببركة الحافظ عبد الغنى؛ فإننى كل من سألته يقول: أول ما سمعت عليه، وهو الذى حرضنى، وذكر جماعة من المحدثين ثم ذكر عنه أنه كان يفضل الرحلة للسماع على الغزو، وعلى سائر النوافل.

قال: وكان رحمه الله، يقرأ الحديث يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع دمشق، وليلة الخميس بالجامع أيضا، ويجتمع خلق كثير. وكان يقرأ ويبكى، ويبكى الناس بكاء كثيرا، حتى إن من حضر مجلسه مرة، لا يكاد يتركه، لكثرة ما يطيب قلبه، وينشرح صدره فيه. وكان يدعو بعد فراغه دعاء كثيرا.

ص: 10

وسمعت شيخنا أبا الحسن على بن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر:

قد جاء الإمام الحافظ، وهو يريد أن يقرأ الحديث، فاشتهى أن تحضروا مجلسه ثلاث مرات، وبعدها أنتم تعرفونه، ويحصل لكم الرغبة، فجلس أول يوم وكنت حاضرا بجامع القرافة، فقرأ أحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه، وقرأ جزءا، ففرح الناس بمجلسه فرحا كثيرا، فقال ابن نجا: قد حصل الذى كنت أريده فى أول مجلس.

وسمعت بعض من حضر مجلسه بمصر بمسجد المصنع، يقول: إن الناس بكوا حتى غشى على بعضهم، قال: وقال بعض المصريين: ما كنا إلا مثل الأموات حتى جاء الحافظ، فأخرجنا من القبور.

وسمعت الإمام أبا الثناء محمود بن همام الأنصارى يقول: سمعت الفقيه نجما - هو الإمام العالم نجم بن الإمام عبد الوهاب بن الإمام أبى الفرج الحنبلى يقول، وقد حضر مجلس الحافظ -: يا تقى الدين، والله لقد جملت الإسلام، وأقسم والله، لو أمكننى ما فارقت مجلسا من مجالسك.

قال الضياء: سألت خالى الإمام موفق الدّين عن الحافظ، فكتب بخطه، وقرأته عليه: كان جامعا للعلم والعمل. وكان رفيقى فى الصبا، وفى طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقنى إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة، وعداوتهم إياه، وقيامهم عليه، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه فى روايتها، ونشرها، رحمه الله تعالى.

قال الضياء: وسمعت الإمام الزاهد إبراهيم بن محمود بن جوهر البعلى يقول:

سمعت العماد - يعنى: أخا الحافظ - يقول: ما رأيت أحدا أشد محافظة على وقته من الحافظ عبد الغنى.

قال الضياء: كان شيخنا الحافظ رحمه الله، لا يكاد يضيع شيئا من زمانه بلا فائدة؛ فإنه كان يصلى الفجر، ويلقن الناس القرآن، وربما أقرأ شيئا من

ص: 11

الحديث، فقد حفظنا منه أحاديث جمة تلقينا، ثم يقوم يتوضأ، فيصلى ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل وقت الظهر، ثم ينام نومة يسيرة إلى وقت الظهر، ويشتغل إما للتسميع بالحديث، أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائما أفطر بعد المغرب، وإن كان مفطرا صلّى من المغرب إلى عشاء الآخرة، فإذا صلّى العشاء الآخرة، نام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانا يوقظه، فيتوضأ، ويصلى لحظة كذلك، ثم توضأ وصلّى كذلك، ثم توضأ وصلّى إلى قرب الفجر، وربما توضأ فى الليل سبع مرات أو ثمانية، أو أكثر، فقيل له فى ذلك، فقال:

ما تطيب لى الصلاة إلا ما دامت أعضائى رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه، وكان لا يكاد يصلى صلاتين مفروضتين بوضوء واحد.

قال: وسمعت الحافظ أبا عبد الله محمد بن محمد بن غانم بأصبهان يقول: كان الحافظ عبد الغنى عندنا، وكان يقول لى: تعالى حتى نحافظ على الوضوء لكل صلاة.

قال الضياء: وكان يستعمل السواك كثيرا، حتى كأن أسنانه البرد.

وسمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى التاجر بأصبهان غير مرة يقول:

كان الحافظ عبد الغنى نازلا عندى بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلا القليل، بل يصلى ويقرأ ويبكى، حتى ربما منعنا النوم إلى السحر.

وسمعت الحافظ يقول: أضافنى رجل بأصبهان، فلما قمنا إلى الصلاة، كان هناك رجل لم يصل، فقيل: هو شمسى - يعنى: يعبد الشمس - فضاق صدرى، ثم قمت بالليل أصلى والشمسى يستمع، فلما كان بعد أيام جاء إلى الذى أضافني.

وقال: إن الشمسى يريد أن يسلم، فمضيت إليه فأسلم، وقال من تلك الليلة: لما سمعتك تقرأ القرآن، وقع الإسلام فى قلبى.

قال: وكان الحافظ لا يرى منكرا إلا غيره بيده أو لسانه، وكان لا تأخذه فى الله لومة لائم، ولقد رأيته مرة يهريق خمرا، فجبذ صاحبه السيف، فلم يخف من ذلك وأخذه من يده، وكان رحمه الله قويا فى بدنه، وفى أمر الله،

ص: 12

وكثيرا ما كان بدمشق ينكر المنكر، ويكسر الطنابير والشبابات.

وسمعت أبا بكر بن أحمد بن محمد الطحان، قال: كان بعض أولاد صلاح الدّين قد عملت لهم طنابير، وحملت إليهم، وكانوا فى بعض البساتين يشربون، فلقى الحافظ الطنابير تحمل إليهم، فكسرها ودخل المدينة، فلما خرج منها لحقه قوم كثير بعصىّ، ومعه رجل، فلحقوا صاحبه، وأسرع الحافظ فقال لهم الرجل: أنا ما كسرت شيئا، هذا الذى كسر، قال: فإذا رجل يركض فرسا، فترجل عن الفرس، وجاء إلىّ وقبل يدى، وقال: يا شيخ، الصبيان ما عرفوك.

وسمعت بعض أصحابنا يحدث عن الأمير درباس المهرانى، أنه كان دخل مع الحافظ إلى الملك العادل، فلما قضى الملك كلامه مع الحافظ، جعل يتحدث مع بعض الحاضرين فى أمر ماردين وحصارها، وكان حاصرها قبل ذلك، فسمع الحافظ كلامه، فقال: إيش هذا، وأنت بعد تريد قتال المسلمين، ما تشكر الله فيما أعطاك إماما؟، قال: وسكت الملك العادل، فما أعاد ولا بدى، ثم قام الحافظ وقمت معه، فلما خرجنا، قلت له: إيش هذا؟ نحن كنا نخاف عليك من هذا الرجل: ثم تعمل هذا العمل؟ فقال: أنا إذا رأيت شيئا لا أقدر أصبر.

وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان قال: كان فى دولة الأفضل بن صلاح الدين قد جعلوا الملاهى عند درج جيرون، فجاء الحافظ فكسر شيئا كثيرا منها، ثم جاء فصعد المنبر يقرأ الحديث، فجاء إليه رسول من القاضى يأمره بالمشى إليه، يقول حتى يناظره فى الدفّ والشبابة، فقال الحافظ: ذلك عندى حرام، وقال:

أنا لا أمشى إليه، إن كان له حاجة، فيجئ هو، ثم قرأ الحديث، فعاد الرسول فقال: قد قال: لا بد من المشى إليه، أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال الحافظ: ضرب الله رقبته، ورقبة السلطان. قال: فمضى الرسول، وخفنا أن تجرى فتنة. قال: فما جاء أحد بعد ذلك.

قال الضياء: وكان قد وضع الله له الهيبة فى قلوب الخلق.

ص: 13

سمعت أبا محمد فضائل بن محمد بن على بن سرور المقدسى، قال: سمعتهم يتحدثون بمصر: أن الحافظ كان قد دخل على الملك العادل، فلما رآه قام له، فلما كان فى اليوم الثانى من دخوله عليه، إذ الأمراء قد جاءوا إلى الحافظ إلى مصر، فقالوا: آمنا بكرامتك يا حافظ، وذكروا أن العادل قال: ما خفت من أحد، ما خفت من هذا، فقلنا: أيها الملك، هذا رجل فقيه، إيش خفت من هذا؟ قال:

لما دخل ما خيل إلىّ إلا أنه سبع يريد أن يأكلني، فقلنا: هذه كرامة الحافظ.

قال: وشاهدت بخط الحافظ، يذكر أنه بلغه عن العادل ذلك. قال:

وما أعرف أحدا من أهل السنة رأى الحافظ إلا أحبه حبا شديدا، ومدحه مدحا كثيرا.

سمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى بأصبهان، قال: كان الحافظ بأصبهان، يصطف الناس فى السوق، فينظرون إليه.

وسمعته يقول: لو أقام الحافظ بأصبهان مدة، وأراد أن يملكها، لملكها - يعنى من حبهم له - ورغبتهم فيه، ولما وصل إلى مصر أخيرا كنا بها، فكان إذا خرج يوم الجمعة إلى الجامع، لا نقدر نمشى معه من كثرة الخلق، يتبركون به، ويجتمعون حوله.

قال: وكان رحمه الله، ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسن الشعر، كثّ اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه، فكان قد ضعف بصره من كثرة البكاء، والنسخ والمطالعة.

وكان حسن الخلق، رأيته وقد ضاق صدر بعض أصحابه فى مجلسه، وغضب، فجاء إلى بيته وترضاه، وطيب قلبه.

وكنا يوما عنده نكتب الحديث ونحن جماعة أحداث، فضحكنا من شئ وطال الضحك، فرأيته يتبسم معنا ولا يحرد علينا. وكان سخيا جوادا كريما لا يدّخر دينارا ولا درهما. ومهما حصل له أخرجه. ولقد سمعت عنه أنه كان

ص: 14

يخرج فى بعض الليالى بقفاف الدقيق إلى بيوت المحتاجين، فيدق عليهم، فإذا علم أنهم يفتحون الباب ترك ما معه ومضى؛ لئلا يعرفه أحد.

وقد كان يفتح له بشئ من الثياب والبرد فيعطى الناس، وربما كان عليه ثوب مرقع. وقد أوفى غير مرة سرا ما يكون على بعض أصحابه من الدّين ولا يعلمهم بالوفاء.

قال الشيخ الموفق عنه: كان جوادا يؤثر بما تصل إليه يده سرا وعلانية.

وسمعت أبا الثناء محمود بن همام يحكى عن رجل كان بمسجد الوزير، فجرى بينه وبين أصحاب الموفق شئ، فلم يعطوه جامكية. قال: فبقينا ثلاثة أيام ليس لنا شئ، فدخلت يوم الجمعة أصلى، وسلمت بعد العصر على الحافظ، فقال لى:

اقعد، فقعدت. فلما قام مشيت معه إلى خارج الجامع، فناولنى نفقة وقال:

اشتر لبيتك شيئا، ومضى، فاشتريت نصف خروف مشوى وخبزا كثيرا، وحلواء واكتريت حمالا، ومضيت إلى أهلى، فعددت ما بقى، فإذا هو خمسة وأربعون درهما.

وذكر غير واحد: أنه وقع بمصر غلاء وهو بها، فكان يؤثر بعشائه عدة ليالى، ويطوى.

قال: وقال لى أبو الفتح ولده: والدى يعطى الناس الكثير، ونحن لا يبعث إلينا شيئا.

وسمعته يقول: أبلغ ما سأل العبد ربه ثلاثة أشياء: رضوان الله عز وجل، والنظر إلى وجهه الكريم، والفردوس الأعلى.

وسمعت خالى أبا عمر قال: قال الحافظ: يقال: من العصمة أن لا تجد، ثم قال: هى أعظم العصمة، فإنها عصمة النبى صلى الله عليه وسلم.

وسمعت أبا محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسى قال: سألت الحافظ، فقلت: هؤلاء المشايخ يحكى عنهم من الكرامات ما لا يحكى عن العلماء، إيش

ص: 15

السبب فى هذا؟ فقال: اشتغال العلماء بالعلم كرامات كثيرة - أو قال: يريد للعلماء كرامة أفضل من اشتغالهم بالعلم - وقد كان للحافظ كرامات كثيرة.

قال الضياء: سمعت أحمد بن عبد الله بن على العراقى، حدثنى أبو محمد ابن أبى عبد الله الدمياطى قال: اكتريت فى مركب فرأيته عائبا، فضاق صدرى فذكرت قصته للحافظ، فكتب لى كتابا، وقال: اتركه فيه: فإذا قضيت سفرك وخرجت منه، فخذ الكتاب ولا نتركه فيه، فمضيت وعلقته فى المركب، فمضينا فى سفرنا. فلما نزلنا منه وأخذنا قماشنا ولم يبق فيه شئ ذكرت الكتاب فأخذته منه، فمن ساعته دخل الماء فيه، وغرق.

وقال: حدثنى أبو محمد فضائل بن محمد المقدسى، حدثنى ابن عمى بدران بن أبى بكر بن على بن سرور: أن الحافظ قام ليلة ليتوضأ على البركة، وماؤها مقطوع فقال: ما كنت أشتهى الوضوء إلا من البركة، ثم صبر قليلا، فإذا الماء قد خرج من الأنبوب، فانتظر حتى فاضت البركة، ثم انقطع الماء فتوضأ، فقلت: هذه والله كرامة لك، فقال لى: قل: أستغفر الله، هذا الماء لعله كان محتبسا، لا تقل هذا.

وحدثنى رجل جندى بالقدس: أن الحافظ نزل عندهم بالقدس. وكان فى دارهم صهريج قد نقص ماؤه. قال: فقال لى الحافظ ليلة: قد ضيقنا عليكم فى الماء، فقلت: بل يجعل الله فيه البركة، فقال: نعم جعل الله فيه البركة. فلما كان الفجر إذا بالماء قد زاد نحو أربعة أذرع.

وسمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقرى قال: كان لأهل بيتى ثوب من ثياب الحافظ يدخرونه للموت، وملحفة من أثر أمه. قال: فسرق ما فى بيتنا من الثياب، ففتشوا على الثوب والملحفة فلم يجدوهما، فحزنوا عليهما.

فلما كان بعد مدة وجدوهما فى الصندوق، وقد كانوا فتشوا قبل ذلك ولم يجدوهما.

قال الضياء: وكنت أنا وجماعة نسمع على الحافظ بالمصلى الذى بحبلنا فى

ص: 16

شدة الحر، فقال: لو كنا نقوم من هذا الحر إلى المسجد، فهممنا بالقيام ولعل بعضنا قام، فإذا سحابة قد غطت الشمس، فقال: اقعدوا، فرأيت بعض أصحابنا ينظر إلى بعض، ويسردن الكلام بينهم: إن هذه كرامة، ويقولون:

ما كان يرى فى السماء سحابة. وذكر الضياء أشياء كثيرة من هذا الجنس.

قال: وسمعت الحافظ يقول: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم يمشى وأنا أمشى خلفه، إلا أن بينى وبينه رجلا.

قال: وسمعت أبا العباس أحمد بن عبد الله المحولى عن رجل فقيه - وكان ضريرا، ويبغض الحافظ - فرأى النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم، ومعه الحافظ ويده فى يده فى جامع عمرو بن العاص، وهما يمشيان، وهو يقول: يا رسول الله، حدثت عنك بالحديث الفلانى؟ والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: صحيح، ويقول: حدثت عنك بالحديث الفلانى؟ والنبى صلى الله عليه وسلم يقول:

صحيح، حتى عددت مائة حديث. قال: فأصبح فتاب من بغضه.

وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ عبد الغنى قال: حدثنى رجل من أصحابنا قال: رأيت الحافظ فى النوم يمشى مستعجلا، فقلت: إلى أين؟ فقال:

أزور النبى صلى الله عليه وسلم، فقلت: وأين هو؟ قال: فى المسجد الأقصى، فإذا النبى صلى الله عليه وسلم، وعنده أصحابه، فلما رأى الحافظ قام له النبى صلى الله عليه وسلم، وأجلسه إلى جانبه. قال: فبقى الحافظ يشكو إليه ما لقى، ويبكى ويقول: يا رسول الله، كذبت فى الحديث الفلانى، والحديث الفلانى؟ والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: صدقت يا عبد الغنى، صدقت يا عبد الغنى.

ص: 17

‌ذكر تصانيفه

كتاب «المصباح، فى عيون الأحاديث الصحاح» ثمانية وأربعين جزءا، يشتمل على أحاديث الصحيحين، كتاب «نهاية المراد، من كلام خير العباد» لم يبيضه كله، فى السنن، نحو مائتى جزء، كتاب «اليواقيت» مجلد، كتاب «تحفة الطالبين، فى الجهاد والمجاهدين» ، كتاب «الآثار المرضية، فى فضائل خير البرية» أربعة أجزاء، كتاب «الروضة» أربعة أجزاء، كتاب «الذكر» جزآن، كتاب «الأسرار» جزآن، كتاب «التهجد» جزآن، كتاب «الفرج» جزآن، كتاب «الصلات من الأحياء إلى الأموات» جزآن، كتاب «الصفات» جزآن «محنة الإمام أحمد» ثلاثة أجزاء، كتاب «ذم الرياء» جزء كبير، كتاب «ذم الغيبة» جزء ضخم، كتاب «الترغيب فى الدعاء» جزء كبير، كتاب «فضائل مكة» أربعة أجزاء، كتاب «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» جزء، كتاب «فضائل رمضان» جزء، وجزء فى «فضائل عشر ذى الحجة» وجزء فى «فضائل الصدقة» وجزء فى «فضائل الحج» وجزء فى «فضائل رجب» وجزء فى «وفاة النبى صلى الله عليه وسلم» وجزء فى «الأقسام التى أقسم بها النبى صلى الله عليه وسلم» وكتاب «الأربعين» وكتاب «الأربعين» آخر، وكتاب «الأربعين من كلام رب العالمين» وكتاب «الأربعين» بسند واحد، وكتاب «اعتقاد الإمام الشافعى» جزء كبير، وكتاب «الحكايات» سبعة أجزاء، وكتاب «غنية الحفاظ فى تحقيق مشكل الألفاظ» فى مجلدين، وكتاب «الجامع الصغير لأحكام البشير النذير» لم يتمه، وخمسة أجزاء من كتاب لم يتمه، على صفة كتاب «من صبر ظفر» وجزء «فى ذكر القبور» وأجزاء أخرجها من الأحاديث والحكايات. كان يقرؤها فى المجالس، تزيد على مائة جزء، وجزء فى «مناقب عمر بن عبد العزيز» هذه كلها بالأسانيد.

ص: 18

ومن الكتب بلا إسناد: كتاب «الأحكام على أبواب الفقه» ستة أجزاء كتاب «العمدة فى الأحكام» مما اتفق عليه البخارى ومسلم، جزآن، وكتاب «درر الأثر على حروف المعجم» تسعة أجزاء، كتاب «سيرة النبى صلى الله عليه وسلم» جزء كبير، كتاب «النصيحة فى الأدعية الصحيحة» جزء، كتاب «الاقتصاد فى الاعتقاد» جزء كبير، كتاب «تبيين الإصابة لأوهام حصلت فى معرفة الصحابة» الذى ألفه أبو نعيم الأصبهانى فى جزء كبير، وكتاب «الكمال فى معرفة الرجال» يشتمل على رجال الصحيحين وأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة فى عشر مجلدات، وفيه إسناد ذكر محنته.

قال الحافظ الضياء: سمعت الإمام أبا محمد عمر بن سالم بن محمد الأنصارى المعبر يقول: رأيت فى النوم - يعنى: قبل الفتنة التى جرت للحافظ - كأن قائلا يقول لى: يمنع الحافظ من القراءة، ويجرى على أصحابه شدة، ويمشى إلى مصر وبها يموت، وهو من الأربعة، والشيخ أبو عمر - وسمى رجلين من العراق - ولم أحفظ أسماءهما. فلما انتبهت جاءنى رجل، فقال لي: الحال مثل ما رأيت فى النوم، ولم أرجع أره بعد ذلك.

وسمعت الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسى قال:

سمعت الحافظ يقول: سألت الله تعالى أن يرزقنى مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقنى صلاته، قال: ثم ابتلي بعد ذلك، وأوذى.

وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد الله بن أبى الحسن الجبائى بإصبهان يقول: كان أبو نعيم الحافظ قد أخذ على الحافظ أبى عبد الله بن منده أشياء فى كتاب «معرفة الصحابة» وكان الحافظ أبو موسى المدينى يشتهى أن يأخذ على أبى نعيم - يعنى: فى كتاب «معرفة الصحابة» - فما كان يحسن. فلما جاء الحافظ عبد الغنى إلى أصبهان أشار إليه بذلك. قال: تأخذ على أبى نعيم فى كتابه «معرفة الصحابة» نحوا من مائتين وتسعين موضعا. قال: فلما سمع

ص: 19

بذلك الصدر عبد اللطيف بن الخجندى طلب الحافظ عبد الغنى، وأراد إهلاكه فاختفى الحافظ.

وسمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى قال: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلا فى أزار. وذلك أن بيت الخجندى أشاعرة، كانوا يتعصبون لأبى نعيم.

وكانوا رؤساء البلد.

قلت: هذا فى غاية الجهل والهوى. وإلا فما الذى يتعلق بهذا من المذاهب واختلاف المقالات؟.

قال الضياء: وسمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع الجرح والتعديل للعقيلى، فأخذنى أهل الموصل، وحبسونى، وأرادوا قتلى من أجل ذكر أبى حنيفة فيه. قال: فجاءنى رجل طويل ومعه سيف، فقلت: لعل هذا يقتلنى وأستريح.

قال: فلم يصنع شيئا، ثم إنهم أطلقونى.

قال: وكان يسمع هو والإمام ابن البرنى الواعظ، فأخذ ابن البرنى الكراس التى فيها ذكر أبى حنيفة فاشتالها، فأرسلوا وفتشوا الكتاب فلم يجدوا شيئا.

فهذا سبب خلاصه. والله أعلم.

قال: وكان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخلق عليه، ويبكى الناس، وينتفعون بمجالسه كثيرا، فوقع الحسد عند المخالفين بدمشق، وشرعوا يعملون وقتا يجتمعون فى الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون الناس من غير اختيارهم. فهذا ينام، وهذا قلبه غير حاضر، فلم تشتف قلوبهم بذلك، فشرعوا فى المكيدة بأن أمروا الإمام الناصح أبا الفرج عبد الرحمن بن نجم ابن الحنبلى الواعظ بأن يجلس يعظ فى الجامع تحت قبّة النسر بعد الجمعة وقت جلوس الحافظ. فلما بلغنى ذلك قلت لبعض أصحابنا: هذه مكيدة والله، ما ذلك لحبهم الناصح، وإنما يريدون أن يعملوا شيئا. فأوّل ذلك: أن الحافظ والناصح أرادا أن يختلفا للوقت. ثم اتفقا على أن يجلس الناصح بعد صلاة الجمعة، ثم

ص: 20

يجلس الحافظ بعد العصر. فلما كان بعض الأيام، والناصح قد فرغ من مجلسه.

وكان قد ذكر الإمام أحمد رحمه الله فى مجلسه - فدسوا إليه رجلا ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للناصح كلاما معناه: إنك تقول الكذب على المنبر، فضرب ذلك الرجل وهرب، فأتبع، فخبئ فى الكلاّسة، فتمت لهم المكيدة بهذه الواقعة، فمشوا إلى الوالى: وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة، واعتقادهم يخالف اعتقادنا، ثم إنهم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة إلى الوالى، وقالوا: نشتهى أن يحضر الحافظ عبد الغنى. وكان مشايخنا قد سمعوا بذلك، فانحدروا إلى دمشق - خالى الإمام موفق الدين، وأخى الإمام أبى العباس أحمد البخارى، وجماعة الفقهاء، وقالوا: نحن نناظرهم، وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ؛ فإنك حاد ونحن نكفيك. فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ من القلعة وحده فأحذوه، ولم يعلم أصحابنا بذلك، فناظروه. وكان أجهلهم يغرى به فاحتدّ وكانوا قد كتبوا شيئا من اعتقاداتهم وكتبوا خطوطهم فيه، وقالوا له: اكتب خطك، فلم يفعل، فقالوا للوالى: الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شئ وهو يخالفهم.

وكان الوالى لا يفهم شيئا فاستأذنوه فى رفع منبره، فأرسلوا الأسرى فرفعوا ما فى جامع دمشق من منبر وخزانة ودرابزين، وقالوا: نريد أن لا يجعل فى الجامع إلا صلاة أصحاب الشافعى، وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصلاة فى مقامهم فى الجامع، ففاتهم صلاة الظهر. ثم إن الناصح ابن الحنبلى جمع السوقة وغيرهم، وقال: إن لم يخلونا نصلى باختيارهم صلينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضى - وهو كان صاحب الفتنة - فأذن لهم بالصلاة، وخاف أن يصلى بغير إذنه. وكان الحنفية قد حموا مقصورتهم بالجند.

ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك، فأقام بها مدة يقرأ الحديث.

وكان الملك العادل فى بلاد الشرق، فقال أهل بعلبك للحافظ: إن اشتهيت جئنا معك إلى دمشق نؤذى من آذاك، فقال: لا، ثم إنه توجه إلى مصر، ولم يعلم أصحابنا بسفره، فبقى مدة بنابلس يقرأ الحديث.

ص: 21

قال الضياء: وهذا سمعته من أصحابنا. وكنت أنا فى ذلك الوقت بمصر أسمع الحديث.

قلت: وقد ذكر بعض المخالفين هذه القضية على غير هذا الوجه، فقال:

اجتمع الشافعية والحنفية والمالكية عند المعظم عيسى، والصارم برغش والى القلعة.

وكانا يجلسان بدار العدل للنظر فى المظالم. قال: وكان ما اشتهر من إحضار اعتقاد الحنابلة، وموافقة أولاد الفقيه نجم الدين الحنبلى الجماعة، وإصرار الفقيه عبد الغنى المقدسى على لزوم ما ظهر به من اعتقاده، وهو الجهة والاستواء والحرف. وأجمع الفقهاء على الفتوى بكفره، وأنه مبتدع، لا يجوز أن يترك بين المسلمين، ولا يحل لولى الأمر أن يمكنه من المقام معهم. وسأل أن يمهل ثلاثة أيام؛ لينفصل عن البلد، فأجيب.

وذكر غيره: أنهم أخذوا عليه مواضع، منها قوله: ولا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة النزول. ومنها قوله: كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان. ومنها: مسألة الحرف والصوت، فقالوا له: إذا لم يكن على ما قد كان، فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه تنزيها تنفى حقيقة النزول، فقد أجزت عليه الانتقال. وأما الحرف والصوت، فإنه لم يصح عن إمامك الذى تنتمى إليه فيه شئ، وإنما المنقول عنه: أنه كلام الله عز وجل غير مخلوق. وارتفعت الأصوات، فقال له صارم الدين: كل هؤلاء على ضلال، وأنت على الحق؟ قال: نعم.

ثم ذكر منعهم من الصلاة بالجامع، قال: فخرج عبد الغنى إلى بعلبك، ثم سافر إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، وكتب أهل مصر إلى الصفي بن شكر وزير العادل: أنه قد أفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم على رءوس الأشهاد، فكتب إلى والى مصر بنفيه إلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب.

ص: 22

فأما قولهم: «أجمع الفقهاء على الفتوى بكفره، وأنه مبتدع» فيا لله العجب، كيف يقع الإجماع، وأحفظ أهل وقته للسنة، وأعلمهم بها هو المخالف؟ وما أحسن ما قال أبو بكر قاضى القضاة الشامى الشافعى، لما عقد له مجلس ببغداد، وناظره الغزالى، واحتج عليه بأن الإجماع منعقد على خلاف ما عملت به، فقال الشامى: إذا كنت أنا الشيخ فى هذا الوقت أخالفكم على ما تقولون، فبمن ينعقد الإجماع؟ بك، وبأصحابك؟ هذا مع مخالفة فقيه الإسلام فى وقته الذى يقال:

إنه لم يدخل الشام بعد الأوزاعى أفقه منه، ومعه خلق من أئمة الفقهاء، والمناظرين والمحدثين، هذا فى الشام خاصة، دع المخالفين لهؤلاء، المجتمعين فى سائر بلاد المسلمين - بغداد ومصر وغيرهما من أمصار المسلمين - مع إجماع السلف المنعقد على موافقة هؤلاء المخالفين لهم، ولم يكن فى المخالفين للحافظ من له خبرة بالسنة والحديث والآثار.

ولقد عقد مرة مجلس لشيخ الإسلام أبى العباس ابن تيمية، فتكلم فيه بعض أكابر المخالفين، وكان خطيب الجامع، فقال الشيخ شرف الدين عبد الله أخو الشيخ: كلامنا مع أهل السنة، وأما أنت: فأنا أكتب لك أحاديث من الصحيحين، وأحاديث من الموضوعات - وأظنه قال: وكلاما من سيرة عنتر - فلا تميز بينهما - أو كما قال - فسكت الرجل.

وأما قولهم: «إن بنى الحنبلى، وافقوا الجماعة» فهذا إما أن يكون صحيحا، أو غير صحيح، فإن كان صحيحا، فهو تقية ونفاق منهم، وإلا فكلام بنى نجم الدّين الحنبلى، وكلام أبيهم فى إثبات الصوت كثير موجود، وسنذكر إن شاء الله مما نقله الناصح الحنبلى خاصة فى إثبات الصوت ما نذكره فى مواضعه.

وأما قوله: «ولا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة النزول» فإن صح هذا عنه، فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك.

ص: 23

وأما المكان: ففيه نزاع وتفصيل. وفى الصحيحتين: إثبات لفظ المكان.

وأما الانتقال: ففيه جوابان.

أحدهما: لا نسلم لزومه؛ فإن نزوله ليس كنزول المخلوقين، ولهذا نقل عن جماعة من الأئمة: أنه ينزل، ولا يخلو منه العرش

(1)

.

والثانى: أن هذا مبنى على إثبات الأفعال الاختياريّة، وقيامها بالذات.

وفيها قولان لأهل الحديث المتأخرين من أصحابنا وغيرهم.

وأما إنكار إثبات الصوت عن الإمام الذى ينتمى إليه الحافظ، فمن أعجب العجب، وكلامه فى إثبات الصوت كثير جدا.

قال عبد الله بن الامام أحمد فى كتاب السنة [«سألت أبى عن قوم يقولون:

لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبى: بلى، تكلم بصوت، هذه الأحاديث ترويها كما جاءت»]

(2)

. والمقصود ههنا: الإشارة إلى ما وقع فى حق الحافظ، من التحامل عليه، والتعصب.

وقرأت بخط الإمام الحافظ الذهبى - ردا على من نقل الإجماع على تكفيره - أما قوله «أجمعوا» فما أجمعوا، بل أفتى بذلك بعض أئمة الأشاعرة ممن كفروه، وكفرهم هو، ولم يبد من الرجل أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين: من أن الصفات الثابتة محمولة على الحقيقة، لا على المجاز، أعنى أنها تجرى على مواردها، لا يعبر عنها بعبارات أخرى، كما فعلته المعتزلة، أو المتأخرون من الأشعرية. هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شئ.

قال الحافظ الضياء: وجاء شاب من أهل دمشق بفتاوى من أهلها، إلى

(1)

بهامش المخطوطة: قلت: ولهذا قال ابن يحوز: ينزل نزولا، لا تخلو منه منازله الخ. كما فى التبصرة.

(2)

بياض بالأصل قدر ثلثى سطر، وكملناه من كتاب السنة لعبد الله بن أحمد المطبوع بمكة (صفحة 62).

ص: 24

صاحب الحافظ بمصر - وهو العزيز عثمان - ومعه كتب: أن الحنابلة يقولون كذا وكذا، مما يشنعون به ويفترونه عليهم. وكان ذلك الوقت قد خرج نحو الإسكندرية يتفرج، فقال: إذا رجعنا من هذه السفرة أخرجناك من بلادنا، من يقول بهذه المقالة؟ فلم يرجع إلا ميتا؛ فإنه عدا به الفرس خلف صيد، فشب به الفرس وسقط عليه، فخسف صدره. كذا حدثنى شيخنا يوسف بن الطفيل، وهو الذى تولى غسله، وأقام ولده موضعه، وأرسلوا إلى الأفضل بن صلاح الدين - وكان بصرخد - فجاء وأخذ مصر، وذهب إلى دمشق، فلقى الحافظ عبد الغنى فى الطريق، فأكرمه إكراما كثيرا وبعث يوصى به بمصر.

فلما وصل الحافظ إلى مصر، تلقّي بالبشر والإكرام، وأقام بها يسمع الحديث بمواضع منها، وبالقاهرة. وقد كان بمصر كثير من المخالفين، لكن كانت رائحة السلطان تمنعهم من أذى الحافظ لو أرادوه، ثم جاء الملك العادل، وأخذ مصر، وأكثر المخالفون عنده على الحافظ. وسمعت أن بعضهم بذل فى قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. قال: وقرأت بخط الحافظ كتبه إلى دمشق: والملك العادل اجتمعت به، وما رأيت منه إلا الجميل، فأقبل عليّ وأكرمنى، وقام لى والتزمنى، ودعوت له. ثم قلت: عندنا قصور، فهو الذى يوجب التقصير، فقال: ما عندك لا تقصير ولا قصور، وذكر أمر السنة، فقال: ما عندك شئ يعاب فى أمر الدين ولا الدنيا، ولا بد للناس من حاسدين. وقد تقدم ذكر هيبة العادل له، واحترامه، وتعجب الناس من ذلك.

قال: ثم سافر العادل إلى دمشق، وبقى الحافظ بمصر، والمخالفون لا يتركون الكلام فيه، فلما أكثروا عزم الملك الكامل على إخراجه من مصر، واعتقل فى دار سبع ليال، فقال: ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالى.

وقال: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغنى، يقول: حدثنى الشجاع بن أبى ذكرى الأمير، قال: قال لى الملك الكامل يوما: ههنا رجل

ص: 25

فقيه، قالوا: إنه كافر، قلت: لا أعرفه، قال: بلى، هو محدث، فقلت: لعله الحافظ عبد الغنى؟ فقال: نعم، هذا هو، فقلت: أيها الملك، العلماء: أحدهم يطلب الآخرة، والآخر يطلب الدنيا، وأنت ههنا باب الدنيا، فهذا الرجل جاء إليك، وأرسل إليك شفاعة، أو رقعة، يطلب منك شيئا؟ فقال: لا، فقلت: أيها الملك: والله هؤلاء القوم يحسدونه، فهل فى هذه البلاد أرفع منك؟ قال: لا، فقلت: هذا الرجل أرفع العلماء، كما أنت أرفع الناس ههنا، فقال:

جزاك الله خيرا كما عرفتنى هذا.

ثم إنّي أرسلت رقعة إلى للملك الكامل أوصيه به، فأرسل إليّ: تجئ، فمضيت إليه، وإذا عنده جماعة، منهم: شيخ الشيوخ - يعنى: ابن حمويه - وعزّ الدين الزنجانى، فقال لى الملك: نحن فى أمر الحافظ، فقلت: أيها الملك، القوم يحسدونه، ثم بيننا هذا الشيخ - أعنى شيخ الشيوخ - وقلت: بحق كذا وكذا، هل سمعت من الحافظ كلاما يخرج عن الإسلام؟ فقال: لا والله، ما سمعت منه إلا كل جميل، وما رأيته قط، ثم تكلم ابن الرنجانى، فمدح الحافظ مدحا كثيرا، ومدح تلامذته، وقال: أنا أعرفهم، فما رأيت مثلهم. فقلت:

وأنا أقول شيئا آخر، فقال: ما هو؟ فقلت: لا يصل إليه شئ يكرهه، حتى يقتل من الأكراد ثلاثة آلاف، قال فقال: لا يؤذى الحافظ، فقلت:

اكتب خطك بذاك، فكتب.

وسمعت بعض أصحابنا يقول: إن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده، فكتب:

أقول كذا؛ لقول لله كذا، وأقول كذا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، حتى فرغ من المسائل التى يخالفون فيها، فلما وقف عليها الملك الكامل، قال: إيش فى هذا؟ يقول بقول الله عز وجل، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال: فخلى عنه.

ثم ذكر الضياء طرفا من فراسته، وهى نوع من فراسته، وهى ملتحقة بنوع من كراماته.

ص: 26

فمنها ما قال: سمعت نصر بن رضوان بن ثروان العدوى يقول: لما كان الحافظ يجلس فى الجامع بعد العصر، كان المنبر الذى يجلس عليه فيه قصر. وكان الناس يشرفون إليه، فخطر فى نفسى لو كان يرفع قليلا. وكان الحافظ على المنبر يقرأ فى جزء، فترك القراءة، فقال بعض الإخوان: نشتهى أن يعلى هذا المنبر قليلا، فلما كان الغد زاد بعض الجماعة فى رجل المنبر قليلا.

قال: وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ قال: كنت عند والدى، وهو يذكر فضائل سفيان الثورى، فقلت فى نفسى: إن والدى مثله، فالتفت إلىّ وقال:

أين نحن من أولئك؟.

وسمعت أبا موسى أيضا يحدث عن رجل بدمياط قال: كنت يوما عند الحافظ، فقلت فى نفسى: كنت أشتهى لو أن الحافظ يعطينى الثوب الذى يلى جسده حتى أكفن فيه. فلما أردت القيام قال: لا تبرح، فلما انصرف الجماعة خلع ثوبه الذى يلى جسده وأعطانيه. قال: فبقى الثوب عندنا، وكل من مرض أو وجع رأسه تركوه عليه حتى يبرأ بإذن الله تعالى.

وسمعت أبا الرضى محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسى قال: وقع لى أن أسأل الحافظ عن شئ من ذكر أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، فمضيت إليه فوجدت عنده جماعة، فاستحييت أن أسأله وقعدت، فذكر ما كنت أريد أن أسأله عنه وبيّنه.

وسمعت أبا على فارس بن عثمان بن عبد الله الدمشقى يذكر عن رجل عن آخر قال: خرجنا جماعة إلى الجبل، فقعدنا على النهر. فقال بعضنا: اشتهينا لو أن الحافظ جاء ومعه جزء يقرأ لنا فيه أخبارا، فقال آخر: ويجئ معه بحلاوة، فلم نلبث إلا والحافظ قد جاء، فقال له بعضنا: لو كنت جئت معك بشئ تقرأ لنا فيه؟ فأخرج جزءا من كمه، وقال: قد جئت بالجزء والحلاوة.

وسمعت الحافظ أبا موسى يقول: قالت لى والدتى: قدمنا يوما لوالدك طبيخا

ص: 27

من طبيخ فلان - لرجل سماه لى - وكان الحافظ لا يشتهى أن يأكل من طعامه، فأخذ لقمة ورفعها إلى فيه، ثم نظر إليه وقال: هذا من طبيخ فلان، ارفعوه، ولم يأكل منه شيئا.

قال الضياء: فسألت خالتى رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة - امرأة الحافظ - بعد ذلك عن هذه الحكاية؟ فحدثتنى بها.

قال: وسمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسى قال:

كنت يوما عند الحافظ بالقاهرة، فدخل رجل فسلم عليه، ثم أخرج دينارين فدفعهما إليه، فدفعهما الحافظ إلىّ، وقال: ما كان قلبي يطيب بهما، فسألت الرجل؟ إيش شغلك؟ فقال: أنا أكتب على النطرون، والنطرون بمصر ماء يجمد مثل الملح وعليه ضمان.

وسمعته يحدث عن رجل - وأثنى عليه خيرا - قال: كنت مرة قد تحرقت ثيابى، فجئت يوما بدمشق للحافظ، فقلت: يا سيدى لك حاجة أحملها إلى الجبل؟ قال: نعم. خذ معك هذا الثوب، فحملته إلى الجبل. فلما صعدت، جئت بالثوب إليه، فقال: اقعد فصّل لك ثوبين وسراويل، ففصلت ثوبين وسراويل، وفضلت فضلة فأخذها.

سمعت الحافظ أبا موسى قال: مرض والدى رحمه الله فى ربيع الأول سنة ستمائة مرضا شديدا منعه من الكلام والقيام، واشتد به مدة ستة عشر يوما، وكنت كثيرا ما أسأله: ما تشتهى؟ فيقول: أشتهى الجنة، أشتهى رحمة الله تعالى، لا يزيد على ذلك. فلما كان يوم الاثنين جئت إليه. وكان عادتى أبعث من يأتى كل يوم بكرة بماء حار من الحمام يغسل أطرافه. فلما جئنا بالماء على العادة مدّ يده، فعرفت أنه يريد الوضوء، فوضأته وقت صلاة الفجر، ثم قال:

يا عبد الله، قد فصل بنا وخفف، فقمت فصليت بالجماعة، وصلّى معنا جالسا. فلما انصرف الناس جئت، فجلست عند رأسه وقد استقبل القبلة، فقال لى: اقرأ

ص: 28

عند رأسى سورة يس، فقرأتها، فجعل يدعو الله وأنا أؤمن، فقلت: ههنا دواء قد عملناه تشربه؟ فقال: يا بنىّ ما بقى إلا الموت، فقلت: ما تشتهى شيئا؟ قال: أشتهى النظر إلى وجه الله تعالى. فقلت: ما أنت عنى راض؟ قال: بلى والله، أنا عنك راض وعن إخوتك، وقد أجزت لك ولاخوتك ولابن أختك إبراهيم.

قال: وسمعت أبا موسى يقول: أوصانى أبى عند موته: لا تضيعوا هذا العلم الذى تعبنا عليه - يعنى الحديث - فقلت: ما توصى بشئ؟ قال: مالى على أحد شئ، ولا لأحد علىّ شئ. قلت: توصينى بوصية؟ قال: يا بني، أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته. فجاء جماعة يعودونه فسلموا عليه فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون، ففتح عينيه وقال: ما هذا الحديث؟ اذكروا الله تعالى، قولوا:

لا إله إلا الله، فقالوها، ثم قاموا. فجعل يذكر الله، ويحرك شفتيه بذكره، وبشير بعينيه، فدخل رجل فسلم عليه، وقال له: ما تعرفنى يا سيدى؟ فقال: بلى، فقمت لأناوله كتابا من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه. وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة ستمائة. وبقى ليلة الثلاثاء فى المسجد، واجتمع الغد خلق كثير من الأئمة والأمراء ما لا يحصيهم إلا الله عز وجل. ودفناه يوم الثلاثاء بالقرافة، مقابل قبر الشيخ أبى عمرو ابن مرزوق فى مكان ذكر لى خادمه عبد المنعم أنه كان يزور ذلك المكان، ويبكى فيه إلى أن يبل الحصى، ويقول: قلبى يرتاح إلى هذا المكان رحمه الله ورضى عنه، وألحقه بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

قلت: ووقع لابن الحنبلى فى وفاته وهم، فقال: سنة خمس وتسعين وخمسمائة.

ورثاه غير واحد، منهم الإمام أبو عبد الله محمد بن سعد المقدسى الأديب بقصيدة طويلة، أولها:

هذا الذى كنت يوم البين أحتسب

فليقضن دمعى عنك بعض ما يجب

ص: 29

يا سائرين إلى مصر بربّكم

رفقا علىّ؛ فإن الأجر مكتسب

قولوا لساكنها: حييت من سكن

يا منية النفس، ماذا الصد والغضب؟

بالشام قوم وفى بغداد قد أسفوا

لا البعد أخلق بلواهم ولا الحقب

قد كنت بالكتب أحيانا تعللهم

فاليوم لا رسل تأتى ولا كتب

أنسيت عهدهم أم أنت فى جدث

تسفى وتبكى عليك الريح والسحب

بل أنت فى جنة تجنى فواكهها

لا لغو فيها، ولا غول ولا نصب

يا خير من قال بعد الصحب «حدثنا»

ومن إليه التقى والدين ينتسب

لولاك ماد عمود الدين، وانهدمت

قواعد الحق، واغتال الهدى عطب

فاليوم بعدك جمر الغيّ مضطرم

بادى الشرار، وركن الرشد مضطرب

فليبكينّك رسول الله ما هتفت

ورق الحمام، وتبكى العجم والعرب

لم يفترق بكما حال، فموتكما

فى الشهر واليوم، هذا الفخر والحسب

أحييت سنته من بعد ما دفنت

وشدتها وقد انهدت لها رتب

وصنتها عن أباطيل الرواة لها

حتى استنارت، فلا شك ولا ريب

ما زلت تمنحها أهلا، وتمنعها

من كان يلهيه عنها الثغر والشنب

قوم بأسماعهم عن سمعها صمم

وفى قلوبهم من حفظها قضب

تنوب عن جمعها منهم عمائمهم

أيضا، ويغنيهم عن درسها اللقب

يا شامتين وفينا ما يسوؤهم

مستبشرين وهذا الدهر محتسب

ليس الفناء بمقصور على سبب

ولا البقاء بممدود له سبب

ما مات من عز دين الله يعقبه

وإنما الميت منكم من له عقب

ولا تفوض بيت كان يعمده

مثل العماد، ولا أودى له طنب

علا العلى بجمال الدين بعد، كما

تحيى العلوم بمحيى الدين والقرب

وتسبق الخيل تاليها، وإن بعدت

وغاية السبق لا تعيى له النجب

مثل الدرارى السوارى شيخنا أبدا

نجم يغور ويبقى بعده شهب

من معشر هجروا الأوطان وانتهكوا

حمر الخطوب وأبكار العلى خطبوا

ص: 30

شمّ العرانين ملح، لو سألتهم

بذل النفوس لما هابرا بأن يهبوا

بيض مفارقهم، سود عواتقهم

يمشى مسابقهم من حظه التعب

نور إذا سألوا، نار إذا حملوا

سحب إذا نزلوا، أسد إذا ركبوا

الموقدون ونار الحرب خامدة

والمقدمون ونار الحرب تلتهب

هذا الفخار، فإن تجزع فلا جزع

على المحب، وإن تصبر فلا عجب

قال الضياء: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمود البعلى قال: جاء قوم من التجار إلى الشيخ العماد - وأنا عنده - فحدثوه أن النور يرى على قبر الحافظ عبد الغنى كل ليلة أو كل ليلة جمعة.

قال: وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ قال: حدثنى صنيعة الملك هبة الله ابن على بن حيدرة، قال: لما خرجت للصلاة على الحافظ لقينى هذا المغربى - وأشار إلى رجل معه - وقال: إلى أين تروح؟ فقلت: إلى الصلاة على الحافظ، فجاء معى، وقال: أنا رجل غريب، ورأيت البارحة فى النوم كأنى فى أرض واسعة، وفيها قوم عليهم ثياب بيض، وهم كثيرون، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لى: هؤلاء ملائكة السماء نزلوا الموت الحافظ عبد الغنى. فقلت: وأين هو الحافظ؟ فقيل لى: اقعد عند الجامع حتى يخرج صنيعة الملك، فامض معه. قال: فلقيته واقفا عند الجامع.

قال: وسمعت الإمام أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغنى - سنة اثنتى عشرة وستمائة - قال: رأيت البارحة الكمال - يعنى أخى عبد الرحيم، وكان توفى فى تلك السنة - فى النوم، وعليه ثوب أبيض، فقلت له: يا فلان، أين أنت؟ قال:

فى جنة عدن، فقلت: أيما أفضل: الحافظ عبد الغنى، أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: ما أدرى. وأما الحافظ. فكل ليلة جمعة ينصب له كرسى تحت العرش، ويقرأ عليه الحديث، وينثر عليه الدر والجوهر، وهذا نصيبى منه. وكان فى كمه شئ، وقد أمسك بيده على رأسها.

ص: 31

قال: وسمعت الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن عبد الله الكردى - بحران - يقول: رأيت الحافظ فى المنام، فقلت: له يا سيدى، أليس قدمت؟ فقال:

إن الله عز وجل بقى علىّ وردى من الصلاة.

سمعت عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن سرور يحدث عن الشيخ الزاهد عبد الرحمن عشم المقرى عن رجل حدثه بمصر - وكان يبغض الحافظ - أنه رأى قائلا يقول له فى المنام: إن أراد الله بك خيرا فأنت تكون على ما هو عليه. وقال:

الحافظ عبد الغنى يدخل الجنة بعد النبى صلى الله عليه وسلم، أو قال: على أثر النبى صلى الله عليه وسلم.

قال: وسمعت الإمام عبد الساتر بن يوسف بن على العجمى قال: رأيت فى المنام كأن أصحابنا فى الجنة وأنا معهم. قلت: مثل من؟ قال: مثل الشيخ أبي عمر، والموفق، والحافظ. وكأن النار قد أقبلت ولها قتام وظلام، وهى تقرب إلينا حتى كادت أن تصل إلينا، فقال قائل: يا حافظ، اخرج إليها، فخرج الحافظ - رجل طويل فيه سمرة، ووصفه بجميع صفته، قال: ولم أبصر الحافظ قط - ومعه نهر مثل نهر يزيد ثلاث مرات، فبقى يجئ منها حجارة، فتقع فى ذلك النهر فتطفى، وتبقى مثل الطواحين السود.

وقد ذكر الضياء غير ذلك من المنامات المرئية له فى حياته وبعد مماته.

رضى الله عنه.

وقد سمع الحديث من الحافظ عبد الغنى الخلق الكثير. وحدث بأكثر البلاد التى دخلها، كبغداد ودمشق ومصر ودمياط وأصبهان. وحدث بالإسكندرية سنة سبعين وخمسمائة.

وروى عنه خلق كثير، منهم: ولداه أبو الفتح، وأبو موسى، وعبد القادر الرهاوى، والشيخ موفق الدين، والحافظ الضياء، وابن خليل، والفقيه اليونينى، ويعيش بن ريحان الفقيه، وأحمد بن عبد الدائم، وعثمان بن مكى الشارعى،

ص: 32

وأحمد بن حامد الأرتاحى، وإسماعيل بن عزون، وعبد الله بن علاف.

وآخر من سمع منه: محمد بن مهلهل الحسينى. وآخر من روى عنه بالإجازة أحمد بن أبى الخير سلامة الحداد.

‌ذكر شئ من فتاوى الحافظ عبد الغنى ومسائله نقلته من حط السيف بن المجد

سئل عن حديث «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» هل هو منسوخ؟

فأجاب: بل هو محكم ثابت، لكن زيد فيه وضم إليه شروط أخر، وفرائض فرضها الله على عباده. وذكر قول الزهرى فى ذلك.

وسئل عمن كان فى زيادة من أحواله، فحصل له نقص؟

فأجاب: أما هذا، فيريد المجيب عنه أن يكون من أرباب الأحوال وأصحاب المعاملة. وأنا أشكو إلى الله تقصيرى وفتورى عن هذا وأمثاله من أبواب الخير. وأقول، وبالله التوفيق: إن من رزقه الله خيرا من عمل أو نور قلب، أو حالة مرضية فى جوارحه وبدنه، فليحمد الله عليها، وليجتهد فى تقييدها بكمالها، وشكر الله عليها، والحذر عن زوالها بزلة أو عثرة. ومن فقدها فليكثر من الاسترجاع، ويفزع إلى الاستغفار والاستقالة، والحزن على ما فاته، والتضرع إلى ربه، والرغبة إليه فى عودها إليه، فإن عادت، وإلا عاد إليه ثوابها وفضلها إن شاء الله تعالى.

وسئل مرة أخرى فى معنى ذلك؟

فأجاب: أما فقدان ما نجده من الحلاوة واللذة، فلا يكون دليلا على عدم القبول؛ فإن المبتدئ يجد ما لا يجد المنتهى، فإنه ربما ملّت النفس وسئمت لتطاول الزمان، وكثرة العبادة. وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أنه كان ينهى عن كثرة العبادة والإفراط فيها، ويأمر بالاقتصاد؛ خوفا من

ص: 33

الملل. وقد روى «أن أهل اليمن لما قدموا المدينة جعلوا يبكون، فقال أبو بكر رضى الله عنه: هكذا كنا حتى قست القلوب» .

وسئل عن يزيد بن معاوية؟

فأجاب: خلافته صحيحة. قال: وقال بعض العلماء: بايعه ستون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم ابن عمر. وأما محبته: فمن أحبه فلا ينكر عليه، ومن لم يحبه فلا يلزمه ذلك؛ لأنه ليس من الصحابة الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلتزم محبتهم إكراما لصحبتهم. وليس ثمّ أمر يمتاز به عن غيره من خلفاء التابعين، كعبد الملك وبنيه. وإنما يمنع من التعرض للوقوع فيه؛ خوفا من التسلق إلى أبيه، وسدّا لباب الفتنة.

وقال: روى عن إمامنا أحمد: أنه قال: من قال: الإيمان مخلوق، فهو كافر ومن قال: قديم، فهو مبتدع. قال: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهى تشتمل على قراءة وتسبيح وذكر الله عز وجل. ومن قال بخلق ذلك كفر. وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون، ومن قال بقدم ذلك ابتدع.

وسئل عن دخول النساء الحمام؟

فأجاب: إذا كان للمرأة عذر فلها أن تدخل الحمام لأجل الضرورة.

والأحاديث فى هذا أسانيدها متقاربة. قد جاء النهى والتشديد فى دخولهن.

وجاءت الرخصة للنفساء والسقيمة. والذى يصح عندى: أنها إذا دخلت من عذر فلا بأس إن شاء الله، وإن استغنت عن الدخول، وكان لها عنه غناء، فلا تدخل. وهذا رأينا فى أهلنا، ومن يأخذ بقولنا. نسأل الله التوفيق والعفو والعافية.

‌215 - محمد بن سعد الله

بن نصر بن سعيد بن الدجاجى الواعظ، أبو نصر ابن أبى الحسن. وقد سبق ذكر والده.

ولد فى رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة.

ص: 34

وسمع بإفادة أبيه، وبنفسه من أبيه، وأبى جعفر السمنانى، والقاضى أبى بكر، وأبى منصور القزاز، وأبى القاسم السمرقندى، وعبد الوهاب الأنماطى وغيرهم. ورحل إلى الكوفة، فسمع بها من أبى الحسن بن غبرة الحارثى

قال ابن نقطة: كان صحيح السماع.

وقال الدبيثى: شيخ حسن، فيه فضل وتمييز.

وقال القادسى: كان صالحا خيرا، فاضلا واعظا، يقرض الشعر.

وقال ابن النجار: كان من أعيان المشايخ، ووجوه وعاظ مدنية السلام، مليح الوعظ، حسن الإيراد، حلو الألفاظ، كيّسا متوددا، حسن الأخلاق، متواضعا، فاضلا صدوقا. وله النثر والنظم الجيد. وكان يتكلم فى عزاء الخلفاء والأفاضل والأماثل. وله تقدم ومكانة. ومما ذكر له من الشعر قوله - أنشده عنه ابن النجار -:

نفس الفتى إن صلحت أحوالها

كانت إلى نيل التقى أحوى لها

وإن تراها سددت أقوالها

كانت إلى حمل العلا أقوى لها

فلو تبدّت حال من لها لها

فى قبره عند البلاد لها لها

وله:

يقول عيسى أدميتها بالمسير

رفقا بنا يا هاشمى

إن شئت أن تلقى الغنى والمنى

عج بإمام من بنى هاشم

فقلت إذ لاح سنا قصره

يا نوق هذا نوره هاشمى

قال ابن القطيعى: أنشدته هذه الأبيات:

من لم يعدك إذا مرضت

فلا تعده ولا كرامة

فإن الإله أماته

فقد استرحت من الملامة

وإن الإله أقامه

فالعذر تهنيك السلامة

فقال مرتجلا:

وأنا على هذا أكون

مدى الحياة إلى القيامة

ص: 35

حدث بالكثير ببغداد وواسط والموصل. وسمع منه خلق. وروى عنه:

الدبيثى، وابن النجار، والنجيب الحرانى، وأخوه عبد العزيز.

وتوفى يوم الأربعاء خامس عشر من ربيع الأول سنة إحدى وستمائة.

ونودى له بجميع محال بغداد، فاجتمع له الناس من الغد، فصلى عليه بجامع السلطان. ودفن بباب حرب.

أخبرنا أبو الفتح الميدومى أخبرنا أبو الفرج الحرانى أخبرنا أبو نصر ابن الدجاجى أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن محمد بن غيرة أخبرنا أبو الفرج محمد بن أحمد بن علان أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله النهروانى حدثنا محمد ابن جعفر بن رباح الأشجعى حدثنا على بن المنذر الطريفى حدثنا محمد بن فضيل ابن غزوان حدثنا أبى عن أبى حازم عن أبى هريرة قال «ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم»

‌216 - عبد المنعم بن علي

بن نصر بن منصور بن هبة الله النميرى الحرانى الفقيه الواعظ، أبو محمد. ويلقب نجم الدين. من أهل حران

رحل إلى بغداد فى صباه سنة ثمان وسبعين لطلب العلم. فسمع من أبى الفتح بن شاتيل، وأبى السعادات القزاز، وغيرهما.

وتفقه على أبى الفتح بن المنّى، حتى حصل طرفا صالحا من المذهب والخلاف. ثم عاد إلى حران. ثم قدّم بغداد مرة أخرى سنة ست وتسعين ومعه ولداه: النجيب عبد اللطيف، والعز عبد العزيز، فسمع، وأسمعهما الكثير. وقرأ على الشيوخ. وكتب وحصل وناظر فى مجالس الفقهاء، وحلق المناظرين، ودرس وأفاد الطلبة، واستوطن بغداد، وعقد بها مجلس الوعظ بعدّة أماكن.

ذكر ذلك ابن النجار. وقال: كان مليح الكلام فى الوعظ، رشيق الألفاظ، حلو العبارة. كتبنا عنه شيئا يسيرا. وكان ثقة صدوقا، متحريا حسن الطريقة، متدينا متورعا نزها عفيفا، عزيز النفس مع فقر شديد. وله مصنفات

ص: 36

حسنة وشعر جيد. وكلام فى الوعظ بديع. وكان حسن الأخلاق، لطيف الطبع متواضعا، جميل الصحبة.

وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: كان صالحا دنيا، نزها عفيفا، كيّسا لطيفا متواضعا، كثير الحياء. وكان يزور جدى ويسمع معنا الحديث. وذكر أنه استوطن بغداد لوحشة جرت بينه وبين خطيب حران ابن تيمية، فإنه خشى منه أن يتقدم عليه. فلما استشعر ذلك منه عاد إلى بغداد وسكنها.

قال: وحضرت مجالسه بباب المشرعة. وكان يقصد التجانس فى كلامه.

وسمعته ينشد:

وأشتاقكم يا أهل ودّى وبيننا

كما زعم البين المشتّ فراسخ

فأما الكرى عن ناظرى فمشرد

وأما هواكم فى فؤادى فراسخ

وذكره الناصح ابن الحنبلى، فقال: اشتغل بالفقه. وسمع درس شيخنا ابن المنى. وتكلم فى مسائل الخلاف، واشتغل بالوعظ، وفتح عليه بالنظم والنثر ورجع إلى حران، ووعظ بها مدة، ثم سافر إلى دمشق، وحضر مجلسى، وسألناه أن يجلس فامتنع، وقال: ما أجلس فى بلد تجلس أنت فيه، كأنه يكرمنى بذلك. ثم عاد إلى بغداد.

وقال ابن القادسى: كان ديّنا، صالحا ذا معرفة، عذب العبارة، مليح الكلام، كيسا، متواضعا، عقد مجالس الوعظ ببغداد.

قلت: وقد سبق فى ترجمة شيخه ابن المنىّ مرثية له فيه. وكان يفتى ببغداد مع أكابر فقهائها.

قال ابن النجار: توفى يوم الخميس سادس عشر ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة. ونودى بالصلاة عليه فى البلد. فاجتمع له الناس من الغد بجامع القصر، فصلينا عليه. وكان الجمع متوافرا، ثم صلّى عليه نوبة ثانية بالمدرسة النظامية.

ودفن بباب حرب، وأظنه قارب الخمسين، أو بلغها. رحمه الله.

ص: 37

قلت: وله أخ يقال له محمود، يكنى أبا الثناء، كان فقيها بارعا، رأيت له تصنيفا، سماه «الإنباء، عن تحريم الربا» تكلم فيه على بيع الفضة المغشوشة بالخالصة، ورأيت له سماعا على أحمد بن أبى الوفاء الفقيه جزء ابن عرفة، وعلى حماد الحرانى، وربما قيل فى نسب كل منه ومن أخيه: ابن الصيقل، وابن الصقال.

‌217 - محمد بن صمد

بن حامد بن مفرح بن غياث الأنصارى، الأرتاحى المصرى، أبو عبد الله بن أبى الثناء.

ولد سنة سبع وخمسمائة تخمينا.

وسمع بمصر من أبى الحسن على بن نصر بن محمد بن عفير الأرتاحى العابد وغيره، وبمكة: من المبارك بن الطباخ. وأجاز له أبو الحسن على بن الحسين ابن عمر الموصلى الفراء، وتفرد بإجازته، وحدث بها بشئ كثير.

قال المنذرى: كتب عنه جماعة من الحفاظ، وغيرهم، من أهل البلد، والواردين عليها، وحدثوا عنه. وهو أول شيخ سمعت منه الحديث. ونعته بالشيخ الأجل الصالح أبى عبد الله محمد ابن الشيخ الأجل الصالح أبى الثناء حمد.

قال: وهو من بيت القرآن والحديث والصلاح. حدث من بيته غير واحد وأقرأ. وروى عنه ابن خليل فى معجمه، ونعته بالإمام.

توفى فى العشرين من شعبان سنة إحدى وستمائة بمصر. ودفن من الغد بتربتهم، بسفح جبل المقطم. رحمه الله.

وفى يوم السبت سلخ سنة إحدى وستمائة توفى يوسف بن سعيد البناء الأزجى الحنبلي، المحدث. ودفن يوم الأحد مستهل المحرم. سمع كثيرا، وكتب بخطه.

‌218 - جبريل بن صارم

بن أحمد بن على بن سلامة الصعبى المصرى، أبو الأمانة، الأديب.

ص: 38

قدم بغداد سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وهو فقير. فتفقه فى المذهب، وقرأ الخلاف. وصار يتكلم فى المسائل مع الفقهاء، وجالس النحاة، وحصل طرفا صالحا من الأدب، وقال الشعر الجيد.

وسمع الحديث من أبى الفرج بن الجوزى وغيره، ومدح الخليفة الناصر بعدة قصائد، وأثرى، ونبل مقداره، واشتهر ذكره، فنفذ من الديوان فى رسالة إلى الخوارزم شاه.

وسمع الحديث من مشايخ خراسان. وحصل نسخا بما سمع. ثم عاد إلى بغداد، وقد صار له الغلمان الترك والمراكب، ولم يزل يرسل من الديوان إلى خوارزم شاه، إلى أن قبض عليه لسبب ظهر منه، فسجن بدار الخلافة، وانقطع خبره عن الناس.

روى عنه من شعره ابن القطيعى، وعلى بن الجوزى. ولم أقف على وفاته.

ومما أنشده عنه ابن القطيعى، وكناه أبا الآثار:

لا غرو إن أضحت الأيام توسعنى

فقرا، وغيرى بالإثراء موسوم

فالحرف فى كل حال غير منتقص

ويدخل الاسم تصغير وترخيم

‌219 - على بن عمرو

بن فارس الحداد الباجسرائى، ثم البغدادى، الأزجى الفرضى، أبو الفرج.

تفقه على أبى حكيم النهروانى، وقرأ الفرائض والحساب. وكان فيه فضل ومعرفة. وتقلب فى الخدم الديوانية. ذكره المنذرى. وقال: توفى ليلة رابع شعبان، سنة ثلاث وستمائة. ودفن من الغد بمشهد عبيد الله، بالجانب الشرقى من بغداد. رحمه الله تعالى.

‌220 - عبد الحليم بن محمد

بن أبى القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية، أبو محمد ابن الشيخ فخر الدين، وسيأتى ذكر والده.

ص: 39

ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.

وسمع الحديث ببغداد من ابن كليب، وابن المعطوش، وابن الجوزى، وأبى أحمد بن سكينة وغيرهم.

وأقام ببغداد مدة طويلة. وقرأ الفقه، والأصول، والخلاف، والحساب، والهندسة، والفلسفة، والعلوم القديمة، حتى برع فى ذلك كله. ذكر ذلك ابن النجار. أن الحافظ ضياء الدين سمع منه جزء ابن عرفة عن ابن كليب.

وتوفى سادس شوال، سنة ثلاث وستمائة بحران. رحمه الله.

وذكر والده فى كتابه «الترغيب» أن لولده عبد الحليم - هذا - كتابا سماه «الذخيرة» وذكر عنه فروعا فى دقائق الوصايا، وعويص المسائل الدورية، ونحوها.

‌221 - عبد الرزاق بن عبد القادر

بن أبى صالح الجيلى البغدادى، الحلبى، المحدث الحافظ، أبو بكر ابن الزاهد أبى محمد.

وقد سبق ذكر والده وأخيه، عبد الوهاب.

ولد عبد الرزاق عشية يوم الاثنين ثامن عشر ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ببغداد.

وسمع الكثير بإفادة والده، وبنفسه من أبى الحسين محمد بن أحمد بن صرما، وأبى الفضل الأرموى، وابن ناصر الحافظ، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى الكرم الشهرزورى، وأحمد بن طاهر الميهنى، وسعيد بن البناء، وأبى الوقت وطبقتهم.

وعنى بهذا الشأن، وحصل الأصول، وتفقه على والده. وكانت له معرفة بالمذهب، ولكن معرفته بالحديث غطت على معرفته بالفقه.

قال ابن نقطة: كان حافظا ثقة مأمونا.

وقال الحافظ الضياء: لم أر ببغداد أحدا فى تيقظه وتحريه مثله، وأثنى عليه الدبيثى. وغيره.

ص: 40

وقال ابن النجار: كان حافظا متقنا، ثقة صدوقا، حسن المعرفة بالحديث، فقيها على مذهب أبى عبد الله أحمد بن حنبل، ورعا متدينا، كثير العبادة، منقطعا فى منزله عن الناس، لا يخرج إلا فى الجمعات، محبا للرواية، مكرما لأهل العلم، سخيا بالفائدة، ذا مروءة، مع قلة ذات يده، وأخلاق حسنة، وتواضع وكيس، وكان خشن العيش، صابرا على فقره، عزيز النفس عفيفا، على منهاج السلف.

قال أبو شامة فى تاريخه: كان زاهدا عابدا ورعا، لم يكن فى أولاد الشيخ مثله، وكان مقتنعا من الدنيا باليسير، ولم يدخل فيما دخل فيه غيره من إخوته.

قال الذهبى: حدث عنه أبو عبد الله الدبيثى، وابن النجار، والضياء المقدسى، والنجيب عبد اللطيف، والتقى البلدانى، وابنه قاضى القضاة أبو صالح، وآخرون.

وتوفى ليلة السبت سادس شوال سنة ثلاث وستمائة، وحمل من الغد على الرءوس، وصلّى عليه بالمصلى، ثم بجامع الرصافة، وبمواضع متعددة، وشيعه الخلق الكثير. وكان يوما مشهودا. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه.

أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أنبأنا الحافظ أبو بكر عبد الرزاق بن عبد القادر، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن صرما، أخبرنا أبو منصور عبد الباقى بن محمد العطار، أخبرنا أبو طاهر المخلص، قال:

قرئ على أبى كريب - وأنا أسمع - حدثكم عبد الله بن إدريس عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر «أن النبى صلى الله عليه وسلم، ضرب وغرّب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب» رواه الترمذى، والنسائى، عن أبى كريب.

‌222 - عبد الرحمن بن عيسى

بن أبى الحسن، علي بن الحسين البزورى البغدادى، البابصرى، الواعظ، أبو محمد، وأبو الفرج ..

ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.

ص: 41

وسمع من أبى الوقت، وهبة الله بن السبكى، وأبى المظفر بن البرمكى، وأبى محمد المادح، وأبى المعالى بن النحاس وغيرهم.

وقرأ الوعظ، والفقه، والحديث، على الشيخ أبى الفرج بن الجوزى. وكان خصيصا به، ثم تهاجرا، وتباينا، إلى أن فرق الموت بينهما.

قال سبط ابن الجوزى: ثم حدثته نفسه بمضاهاة جدى، وكنى نفسه بكنيته، واجتمع إليه سفساف أهل باب البصرة، وانقطع عن جدى. ولما جاء من واسط، ما جاء إليه، ولا زاره. وتزوج صبية وهو فى عشر السبعين، فاغتسل فى يوم بارد، فانتفخ ذكره، فمات.

وقال القادسى: كان تلميذ شيخنا ابن الجوزى، وصحبه مدة وانتفع به، ووعظ بجامع المنصور.

قال: وسمعته يقول بعض الأيام على الكرسى: إن الثعبان لم يلدغ أبا بكر الصديق، ولم يصح ذلك، فذكرنا ذلك لشيخنا ابن الجوزى، فقال: إن هذا الحديث قد ذكره اللالكائى، وكان من سادة أهل الحديث، وأن ابن عيسى قال كلمات كتبها من عندى.

قال: وسمعته يقول: إن مشهد المستقة لم يصح أن عليا اشتراه بمستقته.

وذكر قصته، وأن الرافضة وضعوا ذلك، قال: وقد صرح شيخنا ابن الجوزى بكذبه لما بان له منه.

قلت: لا ريب فى وقوع العداوة بينهما.

قال: وهو منسوب إلى قرية بزور، قرية بدجيل.

وقال ابن القطيعى: رفيقنا، كان فيه دين. وأنشدنى من شعره شيئا

وقال ابن النجار: وتفقه على مذهب الإمام أحمد ووعظ. وكان صالحا، حسن الطريقة، خشن العيش، غزير الدمعة عند الذكر، كتبت عنه، وهو الذى جمع سيرة ابن المنى، وطبقات أصحابه، وذكر فيها: أنه لزمه، وقرأ عليه،

ص: 42

وكلامه فيها يدل على فصاحته ومعرفته بالفقه والأصول والجدل.

وقد ذكره الحافظ الضياء، فقال: شيخنا الإمام الواعظ، أبو محمد. ولكن ابن الجوزى وأصحابه يذمونه.

توفى ليلة الاثنين السادس من شعبان

(1)

سنة أربع وستمائة، وصلي عليه من الغد بجامع المنصور، وحمله الناس على رءوسهم إلى باب حرب، ودفن هناك.

رحمه الله تعالى.

‌223 - محمد بن النفيس

بن مسعود بن أبى سعد بن على السلامى الطحان الفقيه الأديب، أبو سعد ابن الفقيه أبى محمد، ويلقب شمس الدين. وقد سبق ذكر والده.

ولد أبو سعد فى ربيع الآخر

(2)

سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.

وقرأ القرآن، وسمع من أبى على أحمد بن محمد بن أحمد الرحبي، وأبى محمد بن الخشاب النحوى، وشهده. وقرأ الفقه على ابن المنى.

وذكره القطيعى، فقال: شاب حسن الخلق والخلق، من أهل القرآن والفقه. كان يسمع معنا الحديث.

وقال ابن الفادسى: كان فقيها حسنا، خيرا متميزا.

وقال المنذرى: حدث بشئ من تأليفه. توفى ليلة ثانى عشرين من شوال، سنة أربع وستمائة. ودفن من الغد بمقبرة الزرادين.

وكذا ذكره ابن القادسى، وزاد: ليلة الجمعة، وصلّى عليه يوم الجمعة بجامع القصر. وقال ابن القطيعى: فى ذى القعدة.

قرئ على أبى الفتح الميدومى - بمصر - وأنا أسمع - أخبركم أبو الفرج

(1)

فى خطية الإدارة الثقافية: أن وفاته فى السادس من شوال.

(2)

فى خطية الإدارة الثقافية: أنه ولد «فى ربيع الأول» .

ص: 43

الحرانى - سماعا - قال: أنشدنا أبو عبد الله، وأبو سعد محمد بن النفيس، من شعره لنفسه:

رقّ يا من قلبه حجر

لجفون حشوها سهر

ولجسم ما لناظره

منه إلا الرسم والأثر

فغرامى لو تحمله

صخر رضوى كاد ينفطر

إن لومى فى هواك

لمن شر ما يأتى به القدر

يا بديعا جلّ عن شبه

ما يدانى حسنك القمر

صل ووجه الدهر مقتبل

فزمان الوصل مختصر

وقد كتبها القطيعى عنه، وزاد بيتا آخر، وهو:

كم رأينا وجنة فتنت

فمحى آثارها الشعر

‌224 - عبد الله بن أبى الحسن

بن أبى الفرج الجبائى، الطرابلسى الشامى، الفقيه الزاهد أبو محمد، نزيل أصبهان. وسمى المنذرى جدّه أبا الفضل.

والأول أصح.

قال القطيعى: سألته عن مولده؟ فقال: سنة إحدى وعشرين وخمسمائة تقريبا

وقال المنذرى: مولده سنة تسع عشرة - أو سنة عشرين - وخمسمائة.

وقال القطيعى: سألته عن نسبه؟ فقال لى: نحن من قرية يقال لها: الجبة، من ناحية بشرى، من أعمال طرابلس، فى جبل لبنان. وكنا قوما نصارى، فتوفى أبى ونحن صغار. وكان أبى من علماء النصارى، وهم يعتقدون فيه أنه يعلم الغيب، فلما مات نفذت إلى المعلم، فقالت والدتى: ولدى الكبير للكسب وعمارة أرضنا، وولدى الصغير يضعف عن الكسب - وأشارت إلىّ - ولنا أخ أوسط، فقال المعلم: أما هذا الصغير - يعنينى - فلا يتعلم العلم، ولكن هذا - وأشار إلى أخى - فأخذه وعلمه؛ ليكون مقام أبى. فقدر الله أن وقعت حروب. فخرجنا من قريتنا. فهاجرت من بينهم. وكان فى قريتنا جماعة من المسلمين يقرءون

ص: 44

القرآن. فإذا سمعتهم أبكى. فلما دخلت أرض الإسلام أسلمت، وعمرى أحد عشر سنة. ثم بلغنى إسلام أخى الكبير. وتوفى مرابطا. ثم أسلم أخى الصغير الذى كان يعلمه المعلم. ودخلت بغداد فى سنة أربعين وخمسمائة.

قلت: وقد أصابه سبى واسترق.

فذكر أبو الفرج بن الحنبلى - ونقلته من خطه - قال: كان مملوكا، فقرأ القرآن فى حلقة الحنابلة - يعنى بجامع دمشق - فحفظه، وحفظ شيئا من عبادات المذهب الحنبلى، فقام قوم إلى الشيخ زين الدين على بن إبراهيم بن نجا الواعظ، وهو على منبر الوعظ، فقالوا: هذا الصبى قد حفظ القرآن وهو على خير، نريد أن نشتريه ويعتق، فاشترى من سيده وأعتق، وسافر عن دمشق. وطلب همدان، ولقى الحافظ أبا العلاء الهمدانى، فأقام عنده. وقرأ عليه القرآن. وسمع الحديث، وصار عند الحافظ مصدرا يقرئ الناس، ويأخذ عليهم. واشتهر بالخير والعلم، ودخل العجم. وسمع الكثير، ورجع إلى بغداد، وسمع حديثها، ولقى مشايخها.

قال: ولقيته ببغداد، واستزارنى إلى بيته. وقال لجماعته: أنا مملوك بيت الحنبلى. ثم سافر إلى أصبهان.

وقال الشيخ موفق الدين المقدسى: كان - يعنى الجبائى - رجلا صالحا. وهو من «جبة» طرابلس. وسبى من طرابلس صغيرا، ثم اشتراه ابن نجية وأعتقه، فسافر إلى بغداد، ثم إلى أصبهان. وكان يستمع معنا الحديث. انتهى.

سمع الشيخ أبو محمد ببغداد من ابن ناصر الحافظ الأرموى، وابن الطلاية وسعيد بن البناء، ودعوان بن على الحسنى وأبى على حمد بن شاتيل القاضى، وأبى المعمر الأنصارى وغيرهم.

وسمع بإصبهان من أبى الخير الباغباني

(1)

، ومسعود الثقفى، وغيرهما.

وتفقه ببغداد على أبى حكيم النهروانى. وأخذ عنه القطعة التى كتبها من

(1)

فى مخطوطة الثقافة «الباغيان»

ص: 45

شرح الهداية. وصحب الشيخ عبد القادر الجيلى مدة، مائلا إلى التزهد والصلاح والخير والانقطاع، وانتفع به. وكان يحكى عنه كثيرا من أحواله وكراماته.

قال ابن النجار: كتب إلىّ عبد الله بن أبى الحسن الجبائى ونقلته من خطه قال: كنت أسمع كتاب «حلية الأولياء» على شيخنا أبى الفضل بن ناصر، فرق قلبى، وقلت فى نفسى: أشتهى أن أنقطع عن الخلق وأشتغل بالعبادة، ومضيت وصليت خلف الشيخ عبد القادر. فلما صلّى جلسنا بين يديه، فنظر إلىّ وقال:

إذا أردت الانقطاع فلا تنقطع حتى تتفقه وتجالس الشيوخ وتتأدب بهم، فحينئذ يصلح لك الانقطاع، وإلا فتمضى وتنقطع قبل أن تتفقه، وأنت فريخ ما ربّشت فإن أشكل عليك شئ من أمر دينك تخرج من زاويتك، وتسأل الناس عن أمر دينك؟ ما يحسن بصاحب الزاوية أن يخرج من زاويته، ويسأل الناس عن أمر دينه. ينبغى لصاحب الزاوية أن يكون كالشمعة يستضاء بنوره.

قال: وكان الشيخ يوما يتكلم فى الإخلاص والرياء والعجب، وأنا حاضر فى المجلس، فخطر فى نفسى: كيف الخلاص من العجب؟ فالتفت إلىّ الشيخ، وقال:

إذا رأيت الأشياء من الله، وأنه وفقك لعمل الخير، وأخرجت نفسك من الشين سلمت من العجب.

قال أبو الفرج بن الحنبلى - وكتبته من خطه -: كانت حرمة الشيخ عبد الله الجبائى كبيرة ببغداد. فلما دخلت أصبهان سنة ثمانين وجدته بها وهو عظيم الحرمة، فكان كل يوم يأتى إلى زيارتى. وبجاهه سمعت على الحافظ أبى موسى الجزء من السباعيات، فإنه كان مريضا. وقد حجب الناس عنه، فلم يقدروا على حجب الشيخ عبد الله، فدخلنا معه، فأخذ الإذن من الحافظ أبى موسى لى فى القراءة عليه. وكان إذا مشى فى السوق قام له أهل السوق. وحكى لى الشيخ طلحة - يعني العلثى - أن للشيخ عبد الله - يعنى الجبائى - رياضات ومجاهدات يطول ذكرها.

ص: 46

وحدثنى الشيخ طلحة عنه: أنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام، فقال: يا رسول الله، أيثاب الرجل على قراءة القرآن؟ فقال: نعم. فقال:

يا رسول الله، بفهم وبغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم. قال: فقلت: يا رسول الله كلام الله بحرف وبصوت؟ فقال: وهل يكون كلام بغير حرف وصوت؟ وهل يكون كلام بغير حرف وصوت؟

قال: وهذا المنام عندى بخط الشيخ طلحة رحمه الله.

حدث الجبائى رحمه الله ببغداد وأصبهان. وروى عنه ابن الجوزى عدة منامات فى كتبه. وقال: كان من الصالحين.

وسمع منه القطيعى وغيره ببغداد. وروى عنه ابن خليل فى معجمه، سمع منه بإصبهان.

وتوفى فى ثالث جمادى الآخرة سنة خمس وستمائة بإصبهان. ذكره ابن نقطة والمنذرى. وقال القطيعى: فى مستهل الشهر المذكور.

أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصارى أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد ابن عبد الواحد أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أبى الحسن الجبائى - إذنا - أنبأنا أبو العباس أحمد بن أبى غالب بن الطلاية أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الأنماطى أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الذهبى حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة «أن رجلا زار أخا له فى قرية، فأرصد الله له على مدرجته ملكا. فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أردت أخا لى فى قرية كذا وكذا. قال: هل له عليك من نعمة ترّبها؟ قال: لا، إلا أنى أحببته فى الله تعالى. قال: إنّي رسول الله إليك: أن الله قد أحبك كما أحببته فيه» .

‌225 - على بن رشيد

بن أحمد بن محمد بن حسيتا الحربوى، من أهل حربا الدجيل من سواد بغداد.

ص: 47

قدم بغداد فى صباه. وصحب عمه لأمه أبا المعالى سعد بن على الحاطرى. وقرأ عليه الأدب. وحفظ القرآن. وتفقه فى المذهب.

وسمع الحديث من أبى الوقت، ونصر العكبرى، وسعيد بن البناء، وأبى بكر ابن الزاغونى، وغيرهم.

وشهد عند الحكام، وتوكل للخليفة الناصر، ورفع قدره ومنزلته، ثم عزل عن الوكالة. وكان ذا طريقة حميدة، وحسن سمت واستقامة، وعفة ونزاهة فاضلا خيرا. يكتب خطا حسنا على طريقة ابن مقلة، حدث بشئ يسير.

سمع منه إسحاق العلثى. وكان يكره الرواية. ويقل مخالطة الناس.

ذكره ابن النجار. وقال: توفى يوم السبت ثامن عشر شوال سنة خمس وستمائة، وصلّى عليه من الغد بالمدرسة النظامية. ودفن بباب حرب. قال: وأظنه قارب السبعين. رحمه الله.

‌226 - إسماعيل بن عمر

بن نعمة بن يوسف بن شبيب الرومى المصرى العطار الأديب البارع، أبو الطاهر بن أبى حفص.

ولد سنة إحدى وخمسين وخمسمائة تقديرا. وكان بارعا فى الأدب. له مصنفات أدبية، منها: مائة جارية، ومائة غلام، وغير ذلك. وكان بارعا فى معرفة العقاقير. ذكره المنذرى وقال: رأيته، ولم يتفق لى السماع منه. وكتبت شيئا من شعره عن الفقيه أبى الحرم مكى بن عمرو.

توفى فى عشرين محرم سنة ست وستمائة بمصر. ودفن إلى جنب أبيه بسفح المقطم على جانب الخندق. وكان أبوه رحلا صالحا مقرئا، وأخوه مكى هو الذى ذكر الضياء أنه جمع سيرة الحافظ عبد الغنى المقدسى. وقد ذكرنا ذلك فى ترجمته.

وسيأتى ذكر مكى إن شاء الله تعالى.

ص: 48

‌227 - أسعد،

ويسمى محمد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخى المقرى، ثم الدمشقى، القاضى وجيه الدين أبو المعالى. ويقال فى أبيه: أبو المنجى.

فى جده أبو البركات.

ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة.

وسمع بدمشق من أبى القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل السوسى. وببغداد من أبى الفضل الأرموى، وأبى العباس المايدائى، وأبى مسكين الرضوانى، والنقيب أبى جعفر أحمد بن محمد العباسى.

قال المنذرى: وتفقه ببغداد على مذهب الإمام أحمد مدة. وحصل طرفا من معرفة المذهب.

وقال الدبيسى: ارتحل إلى بغداد وتفقه بها. وبرع فى المذهب. وأخذ الفقه عن الشيخ عبد القادر الجيلى وغيره. وتفقه بدمشق على شرف الإسلام عبد الوهاب ابن الشيخ أبى الفرج. أخذ عنه الشيخ الموفق. وروى عنه جماعة.

وقرأت بخط ناصح الدين أبى الفرج بن الحنبلى فى حقه: كان رحل إلى بغداد، فقرأ على الفقيه أحمد الحربى الحنبلى كتاب «الهداية» . وكتب خطه له بذلك، وعاد إلى دمشق. وكان رأى شرف الإسلام جدى، وانتهى إليه، وطلب الفقيه حامد بن أبى الحجر شيخ حران قاضيا بحران من نور الدين - ونور الدين يومئذ صاحب دمشق - فأشار به، فسيّر إلى حران قاضيا، فأقام مدة. ثم رجع إلى دمشق، فأقام مدة. ثم رجع إلى حران قاضيا.

وقال ناصح الدين أيضا. كان أبو المعالى بن المنجى يدرس فى المسمارية يوما وأنا يوما. ثم استقليت بها فى حياته. وكان له اتصال بالدولة وخدمة السلاطين وأسنّ وكبر، وكفّ بصره فى آخر عمره.

وله تصانيف، منها: كتاب «الخلاصة فى الفقه» مجلد، وكتاب «العمدة» فى الفقه أصغر منه، وكتاب «النهاية فى شرح الهداية» فى بضعة عشر مجلدا.

ص: 49

وفيها فروع ومسائل كثيرة غير معروفة فى المذهب. والظاهر: أنه كان ينقلها من كتب غير الأصحاب، ويخرجها على ما يقتضيه عنده المذهب.

وحدث وسمع منه جماعة، منهم الحافظ المنذرى، وروى عنه ابن خليل فى معجمه. وابن البخارى.

وتوفى فى ثانى عشرين ربيع الأول سنة ست وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد المقدسى أخبرنا أبو المعالى أسعد بن المنجى التنوخى أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسى أخبرنا أبو على الحسن بن على بن عبد الرحمن المكى أخبرنا أبو الحسين أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن فراس المكى حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى حدثنا جدى حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أنس قال «صبّح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فخرجوا إلينا ومعهم المساحى. فلما رأوه قالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى الحصن يسعون. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وقال: الله أكبر، خربت خيبر - ثلاثا - إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قال:

فأصبنا فيها حمرا، فطبخناها، فإذا منادى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس».

قرأت بخط السيف بن المجد الحافظ قال: حدثنى الإمام رحمه الله يعنى الشيخ موفق الدين - حدثنى القاضى أبو المعالى أسعد بن المنجى قال: كنت يوما عند الشيخ أبى البيان - وقد جاءه ابن تميم - فقال له: ويحك، الحنابلة إذا قيل لهم:

من أين لكم أن القرآن بحرف وصوت؟ قالوا: قال الله تعالى الم، حم، كهيعص وقال النبى صلى الله عليه وسلم «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات» وقال عليه الصلاة والسلام «يجمع الله الخلائق - وذكر الحديث»

ص: 50

وأنتم إذا قيل لكم: من أين قلتم إن القرآن معنى فى النفس؟ قلتم: قال الأخطل:

إن الكلام من الفؤاد، وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فالحنابلة أتوا بالكتاب والسنة، وقالوا: قال الله تعالى، وقال رسوله، وأنتم قلتم: قال الأخطل، شاعر نصرانى خبيث. أما استحييتم من هذا القبيح؟ جعلتم دينكم مبنيا على قول نصرانى، وخالفتم قول الله تعالى، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم، أو كما قال.

وقد قال أبو محمد بن الخشاب النحوى: فتشت دواوين الأخطل العتيقة، فلم أجد فيها هذا البيت، فقال أبو نصر السجزى: إنما قال الأخطل «إن البيان من الفؤاد» فحرفوه، وقالوا: إن الكلام.

‌228 - المبارك بن أبى شتيكين

بن عبد الله النجمى السيدى البغدادى المعدل الأديب أبو القاسم.

ولد بعد الأربعين وخمسمائة بقليل.

وسمع من أبى المظفر البرمكى الخطيب، وهبة الله بن الشبلى، وأبى محمد ابن الخشاب، وأبى محمد بن المادح، وابن البطى، وغيرهم.

وقرأ الأدب على أبى الحسن القصار. وجالس أبا محمد بن الخشاب، وغيره من أهل العلم والأدب.

وقال القادسى فى تاريخه: كان فاضلا. وشهد عند قاضى القضاة أبى القاسم الشهرزورى. وكان وكيل الخليفة الناصر بباب طراد، وبقى على ذلك إلى موته.

قال ابن نقطة: سمعت منه. وكان ثقة عالما فاضلا، متميزا أديبا، حنبلى المذهب خيرا صالحا دينا. وروى عنه ابن خليل فى معجمه.

توفى فى حادى عشر صفر سنة سبع وستمائة. ذكره ابن نقطة، والمنذرى، وزاد: ودفن من يومه بباب حرب.

ص: 51

وذكر القادسى: أنه توفى يوم السبت رابع عشر صفر. قال: وصلّى عليه بجامع القصر جماعة من الأعيان. رحمه الله.

قال المنذرى: وهو منسوب إلى ولاء خادم يقال له: نجم، مملوك السيدة أخت المستنجد بالله.

‌229 - محمد بن أحمد

بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله الجماعيلى المقدسى، ثم الدمشقى الصالحى، الزاهد العابد الشيخ أبو عمر.

قال ابن أخته الحافظ ضياء الدين: مولده سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بجماعيل. شاهدته بخط والده. وهاجر به والده وبأخيه الشيخ الموفق وأهلهم إلى دمشق سنة إحدى وخمسين؛ لاستيلاء الفرنج على الأرض المقدسة، فنزلوا بمسجد أبى صالح ظاهر باب شرقى، فأقاموا به مدة نحو سنتين، ثم انتقلوا إلى الجبل

قال أبو عمر: فقال الناس: الصالحية، الصالحية، ينسبونا إلى مسجد أبى صالح، لا أنا صالحون.

قال أبو الفرج بن الحنبلى - ونقلته من خطه -: أنزلهم والدى فى مسجد أبى صالح، فاستوخم المسجد عليهم، فمات منهم فى شهر واحد قريب أربعين نفسا فأشار عليهم والدى بالانتقال إلى الجبل حيث هم الآن، فانتقلوا إليه. وكان رأيا مباركا. حفظ الشيخ أبو عمر القرآن. وقرأه بحرف أبى عمرو.

وسمع الحديث من والده، وأبى المكارم بن هلال، وأبى تميم سلمان ابن الرحبى، وأبى نصر عبد الرّحيم بن عبد الخالق بن يوسف، وأبى الفتح عمر ابن على بن حمويه، وأبى المعالى بن صابر، وأبى محمد عبد الله بن عبد الواحد الكنانى، وأبى عبد الله محمد بن على الحرانى، وأبى الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز الأزدى، ويحيى بن محمود الثقفى، ومحمد بن حمزة بن أبى الصقر.

وقدم مصر، فسمع بها من الشريف أبى المفاخر سعيد بن الحسن المأمونى

ص: 52

وأبى محمد بن برى النحوى، وخرج له الحافظ عبد الغنى المقدسى أربعين حديثا من رواياته، وحدث بها.

وسمع منه جماعة، منهم: الضياء، والمنذرى، وروى عنه ابن خليل، وولده أبو الفرج عبد الرحمن، قاضى القضاة، وحفظ منه مختصر الخرقى فى الفقه.

وتفقه فى المذهب. وقرأ النحو على ابن برى بمصر، وأظنه حفظ «اللمع» بن جنى.

وكتب بخطه كثيرا، من ذلك:«الحلية» لأبى نعيم، و «تفسير البغوى» ، و «المغنى» فى الفقه لأخيه الشيخ موفق الدين، و «الإبانة» لابن بطة، وكتب مصاحف كثيرة لأهله، وكتب «الخرقى» للناس، والكل بغير أجرة. وكان سريع الكتابة، وربما كتب فى اليوم كراسين بالقطع الكبير.

قال الحافظ الضياء: وكان الله قد جمع له معرفة الفقه، والفرائض، والنحو، مع الزهد والعمل، وقضاء حوائج الناس.

قال: وكان لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثا إلا عمل به. وكان يصلى بالناس فى نصف شعبان مائة ركعة، وهو شيخ كبير، وكأنه أنشط الجماعة، وكان لا يترك قيام الليل من وقت شبوبيته، وسافر هو وجماعة، فقام فى الليل يصلى ويحرس الجماعة، وقلل الأكل فى مرضه قبل موته، حتى عاد كالعود. ومات وهو عاقد على أصابعه يسبح

قال: وحدثت عن زوجته، قالت: كان يقوم الليل، فإذا جاءه النوم، عنده قضيب يضرب به على رجليه، فيذهب عنه النوم.

قال: وكان كثير الصيام سفرا وحضرا.

قال ولده عبد الله: إنه فى آخر عمره سرد الصوم، فلامه أهله، فقال:

إنما أصوم أغتنم أيامى؛ لأنى إن ضعفت عجزت عن الصوم، وإن مت انقطع عملى. وكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها، ولا بمريض إلا عاده،

ص: 53

ولا جهاد إلا خرج فيه. وكان يقرأ فى الصلاة كل ليلة سبعا مرتّلا، ويقرأ فى النهار سبعا بين الظهر والعصر، فإذا صلّى الفجر قرأ آيات الحرس بعد أن يفرغ من التسبيح. وكان قد كتب فى ذلك كراسة، وهى معلقة فى المحراب، وربما قرأ فيها خوفا من النعاس، ثم يقرأ ويلقن إلى ارتفاع النهار، ثم يصلى الضحى صلاة طويلة. وكان يسجد سجدتين طويلتين، إحداهما فى الليل، والأخرى فى النهار، يطيل فيهما السجود، ويصلى بعد أذان الظهر قبل سنتها فى كل يوم ركعتين، يقرأ فى الأولى أول المؤمنون، وفى الثانية آخر الفرقان. وكان يصلى بين المغرب والعشاء أربع ركعات، يقرأ فيهن السّجدة، ويس، وتبارك، والدخان. ويصلى كل ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التسبيح ويطيلها، ويصلى يوم الجمعة ركعتين بمائة {(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)} وكان يصلى فى كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة، وله أوراد كثيرة. وكان يزور القبور كل جمعة بعد العصر، ولا ينام إلا على وضوء، ويحافظ على سن وأذكار عند نومه: من التسبيح، والتكبير، والتحميد، وقراءة تبارك، وغيرها من القرآن، ويقول بين سنة الفجر والفرض أربعين مرة يا حى يا قيوم، لا إله إلا أنت.

وكان لا يترك غسل الجمعة، ولا يخرج إلى الجمعة إلا ومعه شئ يتصدق به، وكان يحمل همّ أصحابه، ومن سافر منهم تفقد أهله. وكان يتفقد الأشياء النافعة، مثل النهر، والسقاية، وغير ذلك مما فيه نفع للمسلمين. وكان يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم، ويتصدق كثيرا ببعض ثيابه، حتى يبقى فى الشتاء بجبة بغير قميص، وكثيرا من وقته بغير سراويل. وكانت عمامته قطعة بطانة، فإذا احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير قطع منها له. وكان يلبس الخشن وينام على الحصير. وكان ثوبه إلى نصف ساقه، وكمّه إلى رسغه، وربما تصدق بالشئ وأهله محتاجون إليه.

ومكث مدة لا يأكل أهل الدير إلا من بيته. يجمع الرجال ناحية والنساء ناحية، وكان إذا جاء شئ إلى بيته فرقه على الخاص والعام.

ص: 54

وكان يقول: لا علم إلا ما دخل مع صاحبه القبر.

ويقول: إذا لم تتصدقوا لا يتصدق أحد عنكم، وإذا لم تعطوا السائل أنتم أعطاه غيركم.

وكان يحب اللبن المصفى بخرقة، فعمل له منه مرة فلم يأكل منه، فقيل له.

فقال تركته لحبى إياه، ثم لم يأكله بعد ذلك. وكان إذا خطب ترقّ القلوب، ويبكى بعض الناس بكاء كثيرا. وكان له هيبة عظيمة فى القلوب، حتى كان أحد الطلبة يريد أن يسأله عن شئ، فما يجسر أن يسأله، وإذا دخل المسجد سكتوا، وخفضوا أصواتهم، وإذا عبر فى طريق والصبيان يلعبون هربوا، وإذا أمر بشئ لا يجسر أحد أن يخالفه.

وكان كثيرا ما يكتب إلى أرباب الولايات شفاعات لمن يقصده. فقال له المتولى يوما: إنك تكتب إلينا فى قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهى أن لا نرد رقعتك، فقال: أما أنا فقد قضيت حاجة من قصدنى، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا ورقتى وإلا فلا، فقال له: لا نردها أبدا.

واحتاج الناس فى سنة إلى المطر، فطلع معهم إلى مغارة الدم، ومعه نساء من محارمه، واستسقى ودعا، فجاء المطر حينئذ، وجرت الأودية شيئا لم يره الناس من مدة. وله كرامات كثيرة.

وذكر بعضهم، قال: جئنا مرة إلى عنده، ونحن ثلاثة أنفس جياع، فقدّم إلينا سكرجة فيها لبن، وكسيرات، فأكلنا وشبعنا، وأنا انظر إليها، كأنها لم تنقص

قال الضياء: وسمعت الإمام محمد بن أبى بكر بن عمر يقول: دعانى الشيخ مرة، وكنت أخاف من ضرر الأكل، فابتدأنى وقال: إذا قرأ الإنسان قبل الأكل {(شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ)} و {(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ)} ثم أكل، فإنه لا يضره.

وسمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن الحسن بن النحاس، يقول: كان والدى يحب الشيخ أبا عمر، فقال لى يوم جمعة: أنا أصلى الجمعة خلف الشيخ،

ص: 55

ومذهبى أن (بسم الله الرحمن الرحيم) من الفاتحة، ومذهبه أنها ليست من الفاتحة، وأخاف أن يكون فى صلاتى شئ، فمضينا إلى المسجد، فوجدنا الشيخ، فسلم على والدى وعانقه، ثم قال: يا أخى، صل وأنت طيب القلب؛ فإننى ما تركت (بسم الله الرحمن الرحيم) فى نافلة، ولا فريضة، منذ أممت بالناس، فالتفت إلىّ والدى، وقال: احفظ.

وكان بعض الناس يرسل إلى الشيخ فى كل سنة شيئا فيقبله، فأرسل إليه مرة دينارين فردهما فتألم، ثم فكر فيهما، فوجدهما من جهة غير طيبة. قال: فبعث إليه غيرهما، فقبلهما.

قال الضياء: وسمعت أحمد بن عبد الملك بن عثمان، قال: جاء رجلان إلى الشيخ أبى عمر، فقالا له: إن قراحا قد أخذ فلانا وحبسه، فادع عليه، فباتا عند الشيخ، فلما كان من الغد قال: قضيت الحاجة، وإذا جنازة قراح عابرة، وأطال الضياء ترجمة الشيخ أبى عمر. وكذلك أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى المرآة. وقال: كان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال مبتسما، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام.

قال: وكان إذا نزل من الجبل لزيارة القبور - أو غير ذلك - جمع الشيخ من الجبل وربطه بحبل، وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل فى الليل إليهم الدراهم والدقيق، ولا يعرفونه. قال: وما نهر أحدا. ولا أوجع قلب أحد.

وكان يقول: أنا زاهد. ولكن فى الحرام.

ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق والجماعة فى خيمة، فجاء العادل إلى زيارته وهو فى الصلاة، فما قطعها ولا التفت إليه ولا ترك ورده.

وكان يصعد المنبر فى الجبل، وعليه ثوب خام مهدول الجيب، وفى يده عصا والمنبر يومئذ ثلاث مراق. وكان يجاهد فى سبيل الله.، ويحضر الغزوات مع صلاح الدين.

ص: 56

وكان أخوه الموفق يقول عنه: هو شيخنا، ربّانا وأحسن إلينا، وعلمنا وحرص علينا، وكان للجماعة كالوالد يقوم بمصالحهم، ومن غاب منهم خلفه فى أهله. قال: وكان أبى أحمد قد تخلى عن أمور الدنيا وهمومها، فكان المرجع فى مصالح الأهل إليه، وهو الذى هاجر بنا، وسفّرنا إلى بغداد، وبنى الدير.

فلما رجعنا من بغداد زوجنا وبنى لنا دورا خارجة عن الدير وكفانا هموم الدنيا. وكان يؤثرنا ويدع أهله محتاجين، وبنى المدرسة والمصنع بعلو همته. وكان مجاب الدعوة، وما كتب لأحد ورقة للحمى إلا شفاء الله تعالى.

قال أبو المظر: وكراماته كثيرة، وفضائله غزيرة، فمنها: أنى صليت يوم جمعة بجامع الجبل فى أول سنة ست وستمائة، والشيخ عبد الله اليونانى إلى جانبى، فلما كان فى آخر الخطبة وأبو عمر يخطب نهض الشيخ عبد الله مسرعا، وصعد إلى مغارة قريبة وكان نازلا بها، فظننت أنه احتاج إلى الوضوء، أو آلمه شئ.

فلما صليت الجمعة صعدت وراءه، وقلت له: خير، ما الذى أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر، ما تحل خلفه صلاة، قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول على المنبر ما لا يصلح.

قلت: وما الذى يقول؟ قال: قال الملك العادل، وهو ظالم، فما يصدق. وكان أبو عمر يقول فى آخر الخطبة: اللهم، أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب، فقلت له: إذا كانت الصلاة خلف أبى عمر لا تصح، فيا ليت شعرى خلف من تصح؟ وبينا نحن فى الحديث، وإذا بالشيخ أبى عمر قد دخل ومعه مئزر، فسلم وحل المئزر، وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال:

بسم الله، الصلاة. ثم قال ابتداء: قد جاء فى الحديث: أنّ النبى صلى الله عليه وسلم قال «ولدت فى زمن الملك العادل كسرى» فنظر إلى الشيخ عبد الله: وتبسم، ومدّ يده فأكل. وقام أبو عمر فنزل. فقال الشيخ عبد الله: ماذا إلا رجل صالح.

قال أبو المظفر: وقلت له يوما: أول ما قدمت الشام ما كان يرد أحدا فى شفاعته إلى من كان، وقد كتب ورقة إلى الملك المعظم عيسى بن العادل. وقال

ص: 57

فيها: إلى الولد الملك المعظم، فقلت له: كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله تعالى؟ فتبسم ورمى بالورقة، وقال: تأملها. وإذا به لما كتب «الملك المعظم» كسر الظاء، فصار المعظم، وقال، لا بد أن يكون يوما قد عظم الله تعالى، فعجبت من ورعه وتحفظه فى منطقه عن مثل هذا.

قال أبو المظفر: وأصابنى قولنج عانيت منه شدة، فدخل علىّ أبو عمر وبيده خروب شامى مدقوق، فقال: استفّ هذا. وكان عندى جماعة، فقالوا:

هذا يزيد القولنج ويضره، فما التفت إلى قولهم. فأخذته من يده فأكلته، فبرأت فى الحال.

قال: وحكى الجمال البصراوى الواعظ قال. أصابنى قولنج فى رمضان، فاجتهدوا فى أن أفطر، فلم أفعل، وصعدت إلى قاسيون، فقعدت موضع الجامع اليوم، وإذا بالشيخ أبى عمر قد أقبل من الجبل، وبيده حشيشة، فقال:

شم هذه تنفعك، فأخذتها وشممتها، فبرأت.

وقرأت بخط الناصح ابن الحنبلى: كان أبو عمر فقيها زاهدا عابدا. كتب بخطه كثيرا من كتب الحديث والفقه على مذهب الإمام أحمد، وكتاب «المغنى» لأخيه. وكان مع ذلك له أوراد من الصلاة والتلاوة، يقوم بها، وحج وغزا وكان شيخ جماعته، مطاعا فيهم، محترما عند نور الدين محمود بن زنكى. وزاره وبنى لهم فى الجبل مسجدا وسقاية.

وقال غيره: له آثار جميلة، منها: مدرسته بالجبل، وهى وقف على القرآن والفقه. وقد حفظ القرآن فيها أمم لا يحصون.

وذكر جماعة: أن الشيخ أبا عمر قطب، وأقام قطب الوقت قبل موته ست سنين.

وقال أبو المظفر: كان على مذهب السلف الصّالح، حسن العقيدة، متمسكا بالكتاب والسنة، والآثار المروية وغيرها كما جاءت، من غير طعن على أئمة الدين

ص: 58

وعلماء المسلمين. وينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصّالحين.

قال: وأنشدنى لنفسه:

أوصيكم فى القول بالقرآن

بقول أهل الحق والإتقان

ليس بمخلوق ولا بفانى

لكن كلام الملك الدّيان

آياته مشرقة المعانى

متلوة فى اللفظ باللسان

محفوظة فى الصدر والجنان

مكتوبة فى الصحف بالبنان

والقول فى الصفات يا إخوانى

كالذات والعلم مع البيان

إمرارها من غير ما كفران

من غير تشبيه ولا عدوان

قال: وأنشدنى لنفسه:

ألم يك ملهاة عن اللهو أننى

بدا لى شيب الرأس والضعف والألم

ألمّ بي الخطب الذى لو بكيته

حياتى حتى ينفد الدمع لم ألم

قال أبو المظفر: وكان سبب موته: أنه حضر مجلسى بقاسيون فى الجامع، مع أخيه الموفق والعماد والجماعة. وكان قاعدا فى الباب الكبير، وجرى الكلام فى رؤية الله تعالى ومشاهدته، واستغرقت فى ذلك. وكان وقتا عجيبا، وأبو عمر جالس إلى جانب أخيه الموفق. فقام وطلب باب الجامع، ولم أره. فالتفت، فإذا بين يديه شخص يريد الخروج من الجامع، فصحت على الرجل: اقعد، فظن أبو عمر أننى أخاطبه، فجلس على عتبة باب الجامع الجوانية إلى أن فرغ المجلس. ثم حمل إلى الدير. فكان آخر العهد به. وأقام مريضا أياما، ولم يترك شيئا من أوراده. فلما كان عشية الاثنين ثامن عشر ربيع الأول - يعنى سنة سبع وستمائة - جمع أهله واستقبل القبلة، ووصاهم بتقوى الله ومراقبته، وأمرهم بقراءة يس وكان آخر كلامه:(132:2 {إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)}.

وتوفى رحمه الله تعالى، وغسل فى السحر. ومن وصل إلى الماء الذى غسل به

ص: 59

نشف به النساء مقانعهن، والرجال عمائمهم، ولم يتخلف عن جنازته أحد من القضاة والعلماء والأمراء والأعيان وعامة الخلق. وكان يوما مشهودا.

ولما خرجوا بجنازته من الدير كان يوما شديد الحر، فأقبلت غمامة فأظلت الناس إلى قبره. وكان يسمع منها دوىّ كدوىّ النحل. ولولا المبارز المعتمد، والشجاع بن محارب، وشبل الدولة الحسامى ما وصل إلى قبره من كفنه شئ.

وإنما أحاطوا به بالسيوف والدبابيس.

وكان قبل وفاته بليلة رأى إنسان كأن قاسيون قد وقع أو زال من مكانه فأوّلوه بموته.

ولما دفن رأى بعض الصالحين فى منامه تلك الليلة النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول: من رأى أبا عمر ليلة الجمعة فكأنما رأى الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه.

ومات عن ثمانين سنة، ولم يخلف دينارا ولا درهما، ولا قليلا ولا كثيرا.

وقال غيره: حزر من حضر جنازته، فكانوا عشرين ألفا.

وذكر الضياء عن عبد المولى بن محمد: أنه كان يقرأ عند قبر الشيخ سورة البقرة، وكان وحده، فبلغ إلى قوله تعالى (68:2 {لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ)} قال: فغلطت، فرد علىّ الشيخ من القبر، قال: فخفت وفزعت وارتعدت وقمت، ثم مات القارئ بعد ذلك بأيام. وهذه الحكاية مشهورة.

قال: وقرأ بعضهم عند قبره سورة الكهف، فسمعه من القبر يقول:

لا إله إلا الله. وذكر له عدة منامات.

وقال أبو شامة فى مذيله: أول ما وقفت على قبره وزرته وجدت - بتوفيق الله تعالى عز وجل رقة عظيمة، وبكاء صالحا. وكان معى رفيق لى، وهو الذى عرفنى قبره، وجد أيضا مثل ذلك.

قال: وأخبرنى بعض أصحابنا الثقات: أنه رأى الإمام الشافعى رحمه الله فى

ص: 60

المنام، فسأله: إلى أين تمضى؟ فقال: أزور أحمد بن حنبل، فأتبعته انظر ما يصنع. فدخل دارا، فسألت: لمن هى؟ فقيل: للشيخ أبى عمر رحمه الله.

وقد رثاه الأديب أبو عبد الله محمد بن سعيد المقدسى بقصيدة، منها:

أبعد أن فقدت عينى أبا عمر

تضمنى فى بقايا العمر عمران؟

ما للمساجد منه اليوم مقفرة

كأنها بعد ذاك الجمع قيعان؟

ما للمحاريب بعد الأنس موحشة

كأنّ لم يتل فيها الدهر قرآن؟

تبكى عليه عيون الناس قاطبة

إذ كان فى كل عين منه إنسان

وكان فى كل قلب منه نور هدى

فصار فى كل قلب منه نيران

وكل حى رأينا فهو ذو أسف

وكل ميت رآه فهو فرحان

لا زال يسقى ضريحا أنت ساكنه

سحائب غيثها عفو وغفران

كم ميت ذكره حيّ، ومتصف

بالحيّ ميت، له الأثواب أكفان

وكان والده الشيخ أبو العباس أحمد خطيب جماعيل رجلا صالحا، زاهدا عابدا، صاحب كرامات، وأحوال وعبادات ومجاهدات. قرأ فى رمضان خمسا وستين ختمة. وكان عليه مهابة عظيمة، لا يراه أحد إلا قبّل يده.

قال أبو الفرج بن الحنبلى: كان له قدم فى العبادة والصلاح. سمعت والدى يقول: لو كان نبى يبعث فى زمان الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة كان هو. وقد حدث وروى عنه ولداه: أبو عمر، والموفق.

وكان مولده سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.

وتوفى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. ودفن بسفح جبل قاسيون. وإلى جانبه دفن ولده أبو عمر. رحمهما الله.

قرئ على أبى محمد عبد الله بن إسماعيل الأنصارى - وأنا أسمع - أخبركم محمد بن أحمد القاضى أبو الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر محمد بن أحمد بن قدامة أخبرنا والدى الزاهد أبو عمر.

ص: 61

‌230 - يحيى بن أبى الفتح

بن عمر الطباخ الحرانى الضرير المقدسى، الفقيه أبو زكريا.

رحل وقرأ القرآن بواسط بالروايات على القاضى أبى الفضل هبة الله بن على ابن قاسم الواسطى وغيره. وسمع بها الحديث من القاضى أبى طالب محمد بن على ابن الكنانى.

وسمع ببغداد من أبى محمد بن الخشاب، وأبى الحسين عبد الحق بن عبد الخالق، وشهدة، فى آخرين.

وتفقه ببغداد فى المذهب، ورجع إلى حران، وحدث بها.

وسمع منه أبو المظفر سبط ابن الجوزى وغيره.

وتوفى فى شوال سنة سبع وستمائة بحران، رحمه الله تعالى.

‌231 - يحيى بن المظفر

بن نعيم بن على البغدادى البدرى الزاهد، أبو زكريا المعروف بابن الحبير. ويلقب صفى الدين.

ولد فى المحرم سنة أربعين وخمسمائة.

وسمع الحديث من ابن ناصر، وأبى الوقت وغيرهما. وتفقه فى المذهب.

وكان يسافر فى التجارة إلى الشام، ثم انقطع فى بيته بالبدرية، محلة من محال بغداد الشرقية بدار الخلافة.

وكان كثير العبادة، حسن الهيئة والسمت، كثير الصلاة والصيام والنسك ذا مروءة وتفقد للأصحاب وتودد إليهم.

وذكر أبو الفرج بن الحنبلى: أنه كان فى السفر إذا نزل الناس واستقروا توضأ للصلاة، وتنحى قليلا عن القافلة، وبسط سجادة له، واستقبل القبلة حتى يدخل الوقت، فيصلى.

قال: وكان كثير العبادة، ملازما لمنزله، لا يخرج منه إلى مسجده إلا لتأدية الفرائض، ثم يرجع. وأثنى عليه مودته ومروءته. وأثنى عليه ابن نقطة وغيره

ص: 62

بالصلاح. وانتفع به جماعة من مماليك الخليفة. وبنيت له دكة فى آخر عمره بأمر الخليفة بجامع القصر لقراءة الحديث عليها.

وتوفى فى يوم الاثنين ضحى تاسع عشرين ذى الحجة سنة سبع وستمائة.

ودفن بباب حرب وتبعه خلق كثير. رحمه الله تعالى.

وكان له ابن يقال له: أبو بكر محمد، كان فقيها فاضلا فى المذهب، فانتقل إلى مذهب الشافعى لأجل الدنيا. وولى القضاء، وقيلت فيه الأشعار.

و «الحبير» بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء المهملة.

‌232 - أسباه صبر بن محمد

بن نعمان الحرانى، الفقيه أبو عبد الله.

تفقه ببغداد على الشيخ عبد القادر، ونزل عنده، ولازم الاشتغال بمدرسته إلى آخر عمره.

وسمع ابن المادح، وحدث عنه باليسير، وعمّر. وسمع منه ابن القطيعى، وجماعة

وتوفى ليلة الجمعة حادى عشر ربيع الأول سنة سبع

(1)

وستمائة. ودفن بباب حرب رحمه الله. وكان أصابه صمم شديد فى آخر عمره.

قال ابن النجار: كان شيخا صالحا، مشتغلا بالعلم والخير، مع علو سنه.

وأظنه ناطح المائة. رحمه الله.

‌233 - محمود بن عثمان

بن مكارم النعال البغدادى الأزجى، الفقيه الواعظ الزاهد، أبو الثناء. ويقال: أبو الشكر. ويلقب ناصر الدين.

ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة ببغداد.

وقرأ القرآن وسمع الحديث من أبى الفتح بن البطى، وحدث. وحفظ مختصر الخرقى. وقرأ على أبى الفتح بن المنى، وصحب الشيخ عبد القادر، وتأدب به.

وكان يطالع الفقه والتفسير، ويجلس فى رباطه للوعظ. وكان رباطه مجمعا

(1)

فى مخطوطة الثقافة «ثمان» .

ص: 63

للفقراء وأهل الدين، وللفقهاء الحنابلة الذين يرحلون إلى أبى الفتح بن المنى للتفقه عليه، فكانوا ينزلون به، حتى كان الاشتغال فيه بالعلم أكثر من الاشتغال بسائر المدارس.

وكان الرباط شعث الظاهر، عامرا بالفقهاء والصالحين. سكنه الشيخ موفق الدين المقدسى، والحافظ عبد الغنى، وأخوه الشيخ العماد، والحافظ عبد القادر الرهاوى وغيرهم من أكابر الرحالين لطلب العلم.

قال أبو الفرج بن الحنبلى: ولما قدمت بغداد سنة اثنتين وسبعين نزلت الرباط، ولم يكن فيه بيت خال، فعمرت به بيتا وسكنته. وكان الشيخ محمود وأصحابه ينكرون المنكر، ويريقون الخمور، ويرتكبون الأهوال فى ذلك، حتى إنه قام أنكر على جماعة من الأمراء، وبدد خمورهم، وجرت بينه وبينهم فتن، وضرب مرات. وهو شديد فى دين الله، له إقدام وجهاد وكان كثير الذكر، قليل الحظ من الدنيا. وكان يسمى شحنة الحنابلة. ذكر ذلك ابن الحنبلى وقال: كان يهذبنا ويؤدبنا، وانتفعنا به كثيرا.

وقال غيره: كان صالحا خيرا، موصوفا بالزهد والصلاح والظرافة، وكانت له قصص فى إنكاره.

وقال أبو شامة: كانت له رياضات ومجاهدات، وساح فى بلاد الشام وغيرها وكان يؤثر أصحابه. وانتفع به خلق كثير. وكان مهيبا لطيفا كيّسا باشّا مبتسما، يصوم الدهر، ويختم القرآن كل يوم وليلة، ولا يأكل إلا من غزل عمته.

توفى فى ليلة الأربعاء عاشر صفر سنة تسع وستمائة عن أزيد من ثمانين سنة.

ودفن تلك الليلة برباطه. رحمه الله تعالى. وقيل: كانت وفاته ليلة التاسع.

‌234 - يحيى بن سالم

بن مفلح البغدادى، نزيل الموصل، أبو زكريا.

ذكر أنه سمع ببغداد من أبى الوقت، وأنه تفقه بها على صدقة بن الحسين الحداد، وحدث بالموصل.

ص: 64

وتوفى فى شهر رمضان سنة تسع وستمائة بالموصل. ودفن بمقبرة الجامع العتيق

‌235 - على بن محمد

بن حامد البغوى

(1)

، أبو الحسن بن النجار الفقيه.

قرأ الفقه والخلاف على الفخر إسماعيل صاحب ابن المنى، وتكلم فى مسائل الخلاف، فأجاد: وقرأ طرفا صالحا من الأدب، وقال الشعر. وكان يكتب خطا حسنا.

وسافر عن بغداد، ودخل ديار بكر، وولى القضاء بآمد، وأقام بها إلى حين وفاته. وكان صهرا لعبد الرزاق بن عبد القادر على ابنته.

توفى بآمد فى رمضان سنة تسع وستمائة. رحمه الله. وقد جاوز الأربعين.

قال ابن النجار: أنشدت له:

لو صبّ ما ألقى على صخرة

لذابت الصخرة من وجدها

أو ألقيت نيران قلبى على

دجلة لم يقدر الناس على وردها

أو ذاقت النار غرامى بكم

لم تتوار النار فى زندها

لو لم ترج الرّوح روح اللقا

لكان روح الروح فى فقدها

‌236 - محمد بن مكى

بن أبى الرجاء بن على بن الفضل الأصبهانى، المليحى المحدث، المؤدب، أبو عبد الله تقى الدين، محدث أصبهان ومفيدها.

سمع من أبى الخير الباغيان، وأبى عبد الله الرستمى، ومحمود بن عبد الكريم قورجه، ومسعود الثقفى، وخلق كثير، وعنى بهذا الشأن. وقرأ الكثير بنفسه، وكتب بخطه، وخرج وأفاد الطلبة بأصبهان. وحدث، وأجاز للحافظ المنذرى، ولأبى الحسن بن النجارى، وأحمد بن شيبان. وقد رويا عنه بالإجازة.

توفى فى العشر الأواخر من المحرم سنة عشر وستمائة بأصبهان رحمه الله.

ومما زاده على المسلسلات، للحافظ أبى موسى المدينى: أخبرنا محمد بن عبد الخالق بن أبى شكر الجوهرى - بقراءتى عليه - أخبرنا أبو أحمد حمد بن

(1)

فى مخطوطة الثقافة «البغوى»

ص: 65

عبد الله بن حيه أخبرنا أحمد بن فضل الباطرقانى - إملاء - حدثنا عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الوراق البغدادى قال: سمعت الخلال - جارا لنا - قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يضرب على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعناق، كما يضرب على كتاب الله الأعناق؛ إنه إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، ثم كذب به كاذب: يضرب عنقه.

وهذا الإسناد فيه جهالة. وإن صح، حمل على أن الخبر المتلقى بالقبول والتصديق يوجب العلم، فالمكذب به كالمكذب بما علم من الدين بالتواتر.

وقد حكى أبو الفضل التميمى: أن الإمام أحمد كان يفسق من خالف خبر الواحد، مع التمكن من استعماله. وكان يضلل من خالف الإجماع والتواتر.

وذكر القاضى أبو يعلى فى المجرد: أن خبر الواحد المتلقى بالقبول يفيد العلم، ولا يفسق من خالفه، إلا إذا أجمع على العمل به. وأظن ابن حزم حكى عن إسحاق ابن راهويه مثل هذا الكلام المروى عن أحمد بالإسناد الذى فيه جهالة.

‌237 - إسماعيل بن علي

بن حسين البغدادى الأزجى المأمونى، الفقيه الأصولى، المناظر المتكلم، أبو محمد، ويلقب فخر الدين. ويعرف بابن الوفاء، وبابن الماشطة، واشتهر تعريفه بغلام ابن المنى.

ولد فى صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة.

وسمع الحديث من شيخه أبى الفتح بن المنى، ولاحق بن على بن ركاة وشهدة، وغيرهم.

وقرأ الفقه والخلاف على شيخه أبى الفتح بن المنى، ولازمه حتى برع، وصار أوحد زمانه فى علم الفقه والخلاف والأصلين والنظر والجدل. ودرس بعد شيخه بمسجده بالمأمونية. وكانت له حلقة بجامع القصر يجتمع إليه فيها الفقهاء للمناظرة.

وكان حسن الكلام، جيد العبارة، فصيح اللسان رفيع الصوت.

ص: 66

وله تصانيف فى الخلاف والجدل، منها «التعليقة المشهورة» و «المفردات» ومنها: كتاب «جنة الناظر وجنة المناظر» فى الجدل. واشتغل عليه جماعة، وتخرجوا به.

وحدث، وسمع منه جماعة. وأجاز لعبد الصمد بن أبى الجيش المقرئ، وولاه الخليفة الناصر النظر فى قراه وعقاره الخاص، ثم صرفه.

وقد حط عليه أبو شامة، ونسبه إلى الظلم فى ولايته. وأظنه أخذ ذلك من مرآة الزمان، وكذلك ابن النجار، مع أنه قال: كان حسن العبارة، جيد الكلام فى المناظرة، مقتدرا على رد الخصوم. وكانت الطوائف مجمعة على فضله وعلمه. وكان يدرس فى منزله، ويحضر عنده الفقهاء. قال: ورتب ناظرا فى ديوان المطبق مديدة، فلم تحمد سيرته، فعزل واعتقل مدة بالديوان، ثم أطلق، ولزم منزله. قال: ولم يكن فى دنيه بذاك.

ذكر لى ولده أبو طالب عبد الله، فى معرض المدح: أنه قرأ المنطق والفلسفة على ابن مرقش الطبيب النصرانى، ولم يكن فى زمانه أعلم منه بتلك العلوم، وأنه كان يتردد إليه إلى بيعة النصارى.

قال: وسمعت من أثق به من العلماء يذكر: أنه صنف كتابا سماه «نواميس الأنبياء» يذكر فيه أنهم كانوا حكماء، كهرمس، وأرسطاطاليس.

قال: وسألت بعض تلامذته الخصيصين به عن ذلك؟ فما أثبته ولا أنكره، وقال: كان متسمحا فى دينه، متلاعبا به، ولم يزد على ذلك.

قال: وكان دائما يقع فى الحديث، وفى رواته، ويقول: هم جهال، لا يعرفون العلوم العقلية، ولا معانى الأحاديث الحقيقة، بل هم مع اللفظ الظاهر، ويذمهم، ويطعن عليهم.

ومما أنشده ابن النجار من شعره:

دليل على حرص ابن آدم أنه

ترى كفه مضمومة وقت وضعه

ص: 67

ويبسطها عند الممات؛ إشارة

إلى صفرها مما حوى بعد جمعه

وتوفى فى ربيع الأول سنة عشر وستمائة، كذا ذكره ابن القادسى، وأبو شامة.

وذكر ابن النجار: أنه توفى يوم الثلاثاء ثامن ربيع الآخر، ودفن من يومه بداره بدرب الجب، ثم نقل بعد ذلك إلى باب حرب، رحمه الله وسامحه.

وذكر ابن القادسى فى تاريخه: أنه وجد ببغداد يهودى تزوج بمسلمة، وأولدها ولدين، فخاف اليهودى فأسلم، فجمع الفقهاء، واستفتوا فى أمره، قال:

فقيل: إن الفخر إسماعيل غلام ابن المنّى قال: الإسلام يجبّ ما قبله.

‌238 - محمد بن حماد

بن محمد بن جوخان البغدادى القسطعتى الضرير، الفقيه أبو بكر.

سمع الحديث من ابن البطى، وشهدة، وحدث بيسير، وحفظ القرآن وقرأه تجويدا وأقرأه.

وتفقه على أبى الفتح بن المنى، وتكلم فى مسائل الخلاف.

وتوفى فى يوم الأربعاء سلخ رمضان سنة عشر وستمائة، ودفن من يومه بمقبرة باب حرب رحمه الله وقد ناطح السبعين.

‌239 - هلال بن محفوظ

بن هلال الرسعنى الجزرى، الفقيه، أبو النجم.

رحل إلى بغداد، وسمع بها من شهدة الكاتبة، وغيرها، وتفقه بها، وبيته بالجزيرة بيت مشيخة وصلاح، حدث برأس العين.

وتوفى فى سنة عشر وستمائة. رحمه الله.

‌240 - محمد بن على

بن محمد بن كرم السلامى المعدل، أبو العشائر، ابن التلولى.

سمع من ابن البطى، وجماعة. وتفقه فى المذهب، وقرأ طرفا من العربية على ابن الخشاب.

ص: 68

وشهد عند قاضى القضاة العباسى، وكان يؤم بمسجد بالجانب الغربى من بغداد.

وحدث، وسمع منه قوم من الطلبة. وكان غاليا فى التسنن، حتى إنه يقول أشياء لا يلزمه التلفظ بها، بل يضره.

منها: أن عليا شرب الخمر، وأن بلالا خيرا من موسى بن جعفر، ومن أبيه، وكان ذلك فى وزارة القمى الشيعى، فنفاه إلى واسط، وكان ناظرها غاليا فى التشيع، فأخذه وطرحه فى مطمورة، إلى أن مات بها. وانقطع خبره سنة عشر وستمائة. رحمه الله تعالى.

‌241 - إبراهيم بن محمد على

بن محمد بن المبارك بن أحمد بن محمد بن بكروس البغدادى الفقيه، المعدل، أبو إسحاق. وقيل: أبو محمد، ويلقب شمس الدين. وقد سبق ذكر أبيه وعمه.

ولد ليلة ثامن عشرين جمادى الأولى، سنة سبع وخمسين وخمسمائة.

وذكر القادسى فى تاريخه: أن والده سماه عبد الرحمن، فرأى فى منامه النبى صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يسميه إبراهيم، ويكنيه أبا محمد.

وقرأ القرآن على عمه، وسمع الحديث من أبيه وعمه، ومن أبى الفتح ابن البطى، وجماعة كثيرة من المتأخرين، وكتب الطباق بخطه، واشتغل بالمذهب على أبيه وعمه، وبالخلاف على أبى الفتح ابن المنى، ولازمه مدة لسماع درسه، حتى برع وأفتى وناظر. ثم أقبل على إلقاء الدروس بمدرستهم بدرب العيار.

وشهد عند قاضى القضاة ابن الشهرزورى، وولى نظر وقوف الجامع، ثم ولى النيابة بباب النوبى سنة أربع وستمائة، فغير لباسه، وتغيرت أحواله، وأساء السيرة بكثرة الأذى، والمصادرة، والجنايات للناس، والسعى بهم، ولم تكن تأخذه فى ذلك لومة لائم.

قال ابن القادسى: حدثنى عبد العزيز بن دلف الخازن، قال: كان ابن

ص: 69

بكروس يلازم قبر معروف الكرخى، فسمعته وهو يدعو أكثر الأوقات:

اللهم مكنى من دماء المسلمين ولو يوما واحدا، قال: فمكنه الله من ذلك.

وقال ابن الساعى: حدثنى عبد العزيز الناسخ، أنه وعظ ابن بكروس يوما، فقال له: يا شيخ: اعلم أنى فرشت حصيرا فى جهنم. قال: فقمت متعجبا من قوله، ولم يزل على ذلك، إلى أن قبض عليه فى ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وستمائة، وضرب حتى تلف، فمات ليلة الخميس ثامن

(1)

جمادى الأولى من السنة المذكورة.

وقال ابن القادسى: وكان الناسخ صاحبا له، فقبض عليه معه، وحبس وضرب، وقرر عليه مال، ثم أطلق ولم يأخذ منه شئ.

ذكر القادسى: أنه أنشد قبل موته مستشهدا لغيره.

قضيت نحبى، فسرّ قوم

بهم غفلة ونوم

قد كان يومى علىّ حتم

أليس للشامتين يوم؟

فقرأ سورة يس، فلما بلغ إلى قوله تعالى {(إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)} جعل يكررها إلى أن مات.

قال: واجتمع الناس لخروج جنازته، وأغلق باب النوبى، فأخرجت جنازته نصف الليل من باب العامة، وحمل إلى باب أبزر، فدفن إلى جانب مشهد أولاد الحسن، سامحه الله وتجاوز عنه.

وذكر المنذرى: أنه توفى فى ثامن عشر الشهر، ودفن فى ليلة تاسع عشره.

وقد وجد أبو شامة فى ابن بكروس مجالا للمقال، فقال فيه وأطال، وأظهر بعض ما فى نفسه فيه وفى أمثاله، حيث لم يمكنه القول فى أكابر الرّجال، وذكر أنه رمى به فى دجلة، وهذا لم يصح بحال.

(1)

فى نسخة «ثامن عشر»

ص: 70

‌242 - عبد السلام بن عبد الوهاب

بن عبد القادر بن أبى صالح الجيلى البغدادى، أبو محمد بن أبى منصور بن أبى عبد الله بن أبى محمد، ويلقب بالركن. وقد تقدم ذكر أبيه وجده.

ولد ليلة ثامن ذى الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.

وسمع الحديث من جده، ومن أبى الحسن محمد بن إسحاق بن الصابى، وأبى الفتح بن البطى وشهدة، وابن شاتيل، وأحمد بن المقرب، وأبى المكارم البادرائى، وغيرهم.

وقرأ بنفسه على أبى الحسن البراديسي الفقيه وغيره، وكتب بخطه، وخطه ردى، وتفقه على جده الشيخ عبد القادر، وعلى أبيه عبد الوهاب، ودرس بمدرسة جده بالمدرسة الشاطبية، وولى عدة ولايات. وكان أديبا، كيسا مطبوعا عارفا بالمنطق، والفلسفة، والتنجيم، وغير ذلك من العلوم الرديئة، وبسبب ذلك نسب إلى عقيدة الأوائل، حتى قيل: إن والده رأى عليه يوما ثوبا بخاريّا، فقال: والله، هذا عجيب!» ما زلتا نسمع البخارى ومسلم، فأما البخارى وكافر، فما سمعناه. وكان أبوه كثير المجون والمداعبة، كما تقدم عنه.

وكان عبد السلام لم يفتأ غير ضابط للسانه، ولا مشكورا فى طريقته وسيرته، يرمى بالفواحش والمنكرات، وقد جرت عليه محنة فى أيام الوزير ابن يونس، وحكم بفسقه، وأحرقت كتبه.

وكان سبب ذلك: أن ابن يونس كان جارا لأولاد الشيخ عبد القادر فى حال فقره، فكانوا يؤذونه غاية الأذى. فلما ولى ابن يونس وتمكن، شتت شملهم، وبعث ببعضهم إلى المطامير بواسط، وبعث فكبس دار عبد السلام، وأخرج منها كتبا من كتب الفلاسفة، ورسائل إخوان الصفا، وكتب السحر، والنارنجة، وعبادة النجوم، واستدعى ابن يونس - وهو يومئذ أستاذا لدار العلماء، والفقهاء، والقضاة، والأعيان - وكان ابن الجوزى معهم. وقرأ فى بعضها مخاطبة

ص: 71

زحل يقول: أيها الكوكب المضئ المنير، أنت تدبر الأفلاك، وتحيى وتميت.

وأنت إلهنا. وفى حق المريخ من هذا الجنس. وعبد السلام حاضر، فقال ابن يونس:

هذا خطك؟ قال: نعم، قال: لم كتبته؟ قال: لأرده على قائله، ومن يعتقده، فأمر بإحراق كتبه، فجلس قاضى القضاة والعلماء، وابن الجوزى معهم على سطح مسجد مجاور لجامع الخليفة يوم الجمعة، وأضرموا تحت المسجد نارا عظيمة، وخرج الناس من الجامع، فوقفوا على طبقاتهم، والكتب على سطح المسجد، وقام أبو بكر بن المرستانية، فجعل يقرأ كتابا كتابا، من مخاطبة الكواكب ونحوها، ويقول: العنوا من كتبها، ومن يعتقدها، وعبد السلام حاضر، فيضج العوام باللعن، فتعدى اللعن إلى الشيخ عبد القادر، بل وإلى الإمام أحمد، وظهرت الأحقاد الصّدرية، وقال الخصوم أشعارا، منها: قول المهذب الرومى ساكن النظامية:

لى شعر أرق من دين ركن الدين

عبد السلام لفظا ومعنى

زحليا يشنى عليا، ويه

وى آل حرب حقدا عليه وضغنا

منحته النجوم - إذ رام سعدا

وسرورا - نحسا، وهما وحزنا

سار إحراق كتبه سير شعرى

فى جميع الأقطار سهلا وحزنا

أيها الجاهل الذى جهل الحق

ضلالا، وضيع العمر غبنا

رمت جهلا من الكواكب بالتبخ

ير عزا، فنلت ذلا وسجنا

ما زحيل، وعطارد، والمريخ،

والمشترى، ترى يا معنّى؟

كل شئ يودى ويفنى، سوى الا

هـ إلهى؛ فإنه ليس يفنى

ثم حكم القاضى بتفسيق عبد السلام، ورمى طيلسانه، وأخرجت مدرسة جده من يده، ويد أبيه عبد الوهاب، وفوضت إلى الشيخ أبى الفرج بن الجوزى، فذكر فيها الدرس مدة. ذكر ذلك أبو المظفر سبط ابن الجوزى.

وذكر معناه ابن القادسى، وزاد: إن عبد السلام أودع الحبس مدة، ولما

ص: 72

أفرج عنه، أخذ خطه بأنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الإسلام حق، وما كان فيه باطل، وأطلق.

ثم لما قبض على ابن يونس، ردت مدرسة الشيخ عبد القادر إلى ولده عبد الوهاب، ورد ما بقى من كتب عبد السلام التى أحرقت بعضها، وقبض على الشيخ أبى الفرج بسعى عبد السلام هذا، كما تقدم ذكره، ونزل معه عبد السلام فى السفينة إلى واسط، واستوفى منه بالكلام، والشيخ ساكت. ولما وصل إلى واسط عقد مجلس حضر فيه القضاة، والشهود، وادعى عبد السلام على الشيخ بأنه وقف المدرسة، واقتطع من مالها، وأنكر الشيخ ذلك، وكتب محضرا بما جرى، وأمر الشيخ بالمقام بواسط، ورجع عبد السلام.

قال ابن القادسى: أفرد لشيخنا دار بواسط فى درسه الديوان، وأفرد له من يخدمه. وكان عبد السلام مداخلا للدولة، متوصلا إليهم، فسعى حتى رتب عميدا ببغداد، وخلع عليه، ورد إليه استيفاء مال الضمان، وأعطى الدار المقابلة لباب النوبى، وجعلت ديوانه. وكان ذلك سنة ستمائة.

وذكر أبو المظفر: أنه قبض عليه سنة ثلاث، واستصفيت أمواله، حتى أصبح يستعطى من الناس. وفى هذه المدة سلمت المدرستان التى بيده إلى ابن عمه أبى صالح، ثم بعد ذلك توكل لأبى الحسن على بن الخليفة الناصر - وكان ولى العهد - ورد إليه النظر فى أملاكه وإقطاعه، ثم توجه فى رسالة من الديوان إلى صاحب أربل.

وذكره ابن النجار فى تاريخه، وذمه ذما بليغا، وذكر أنه لم يحدث بشئ.

توفى فى ثالث رجب - وقيل: فى خامسه. وفى تاريخ ابن النجار: يوم الجمعة لثمان خلون من رجب - سنة إحدى عشرة وستمائة. ودفن من يومه، بمقبرة الحلية، شرقى بغداد.

ص: 73

‌243 - محمد بن على

بن نصر بن البلّ الدورى، الواعظ أبو المظفر، ويلقب مهذب الدين.

ولد سنة ست عشرة - أو سبع عشرة - وخمسمائة بالدور، وهى دور الوزير ابن هبيرة بدجيل، ونشأ بها.

ثم قدم بغداد فى شبيبته، واستوطنها، فسمع بها من ابن ناصر الحافظ، وابن الطلاية، والوزير ابن أبى نصر بن جهير، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى الوقت، وجماعة كثيرة من المتأخرين.

وقرأ بنفسه على الشيوخ، وقال الشعر الحسن، وفتح عليه فى الوعظ، ووعظ بعدة أماكن، حتى صار يضاهى أبا الفرج بن الجوزى، ويزاحمه فى أماكنه.

ووعظ عند تربة أم الخليفة الناصر، سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فكان يجلس يوم الأربعاء، ويجلس أبو الفرج يوم السبت، ثم أذن للدورى بالجلوس يوم السبت، فاجتمع الخلق ظنا منهم أن ابن الجوزى هو الذى يتكلم، فلما رأوا الدورى انصرف كثير منهم، وسبوا الدورى، وأصحابه، وخيف من قوع فتنة فبعث أستاذا لدار ابن يونس، وأحضر ابن الجوزى، وطيب قلبه، وقال له:

إن السلطان لم يعلم بهذه الجال، وإنما وقع تلبيس، ثم رأوا المصلحة فى منع جميع الوعاظ، فمنعوا.

ولما اعتقل الشيخ أبو الفرج بواسط، خلا للدورى الجو، فكان يعظ مكانه عند التربة، واتفق أن الشيخ لما رجع إلى بغداد، ودخلها يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين، فوصل البشير بأنه قد وصل، والدورى يعظ مكانه، فبادر الناس من المجلس لتلقيه، فجعل الدورى يقول:

ما هذه الأهوية التى أنتم عليها عاكفون، وقطع عليه المجلس.

ثم ذكر ذلك ابن القادسى، فقال ما سمعته ينشد فى مجلسه:

ص: 74

يا أكرم البشر الذى ما زلت فى

عمرى له أهدى الثناء وأمدح

أتعبت وصّافيك فيك، فلجلج

المثنى، وأعرب فى علاك المفصح

والبدر تمّ، وأنت أكمل صورة

والبحر عمّ، وأنت منه أسمح

قال أبو الفرج بن الحنبلى - وقرأته بخطه -: كان - يعنى الدورى - واعظا حسنا. وكان يضاهى ابن الجوزى فى وعظه. وكان فصيحا فى إيراده. وله نظم ونثر، سمعته يتكلم. وقال - وهو على المنبر - بالله عليك يا جامع المنصور، هل تسمع قط مثل وعظ الدورى؟.

وقال:

أخافك حتى لا أظنّ سلامة

وأرجوك حتى لا أظن هلاكا

وها أنا رهن فى يديك، ومحسن

بك الظن، فاجعل للأسير فكاكا

فما نلت مما أرتجيه لموتتى

سواك، ولا قدر الأراك سواكا

قال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: يعانى الوعظ، ولم يكن من صنعته. وكان يضاهى جدى، حتى قيل له: أيما أعلم: أنت، أم أبو الفرج؟ فقال: ما أرضاه يقرأ عليّ الفاتحة، فبلغ ذلك أبا الفرج، فقال: ما أقرأ عليه الفاتحة، بل أقرأ عليه {(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)} .

قال: وكان يتعصب له حاكم قطفتا. وكان ينتحل أشعار الناس، ادعى يوما بيتين لنفسه، وأنشدهما على المنبر، وهما لأبى الفتح البستى.

قلت: لا يلزم من إنشاده شعر غيره أنه يدعيه لنفسه. وقد كان موصوفا بالصلاح والديانة.

قال ابن نقطة: سمعت منه، وكان شيخا صالحا متعبدا.

قال المنذرى: حدث وعمّر، وعجز عن الحركة، ولزم بيته إلى أن مات، وهو ابن أربع - أو خمس - وتسعين سنة. وكان شيخا صالحا متعبدا.

و «البلّ» بفتح الباء الموحدة وتشديد اللام.

ص: 75

قلت: وكان يحضر المجالس المعقودة مع أكابر الفقهاء، ويفتى معهم. وهو آخر من أفتى بفسق قاضى القضاة العباسيين ومن دخل معه فى تزوير الكتاب الذى أنكر شهوده الشهادة به عند القاضى، واعترف المثبت له أنه مزور، ولا أصل له، وأن القاضى ارتشى لأجل إثباته.

وممن أفتى بفسق القاضى وذويه فى ذلك من أصحابنا: ابن الجوزى، وابن الصقال، وخلق كثير من الشافعية والحنفية بدار أستاذ الدارين ابن يونس.

توفى ابن البلّ رحمه الله يوم الثلاثاء ثانى عشر شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة. وصلّى عليه يوم الأربعاء بالنظامية، وتقدم للصلاة عليه أبو صالح ابن عبد الرزاق، وحمل فدفن برباطه بقطفتا، على نهر عيسى بالجانب الغربى.

رحمه الله تعالى.

وكان له ولد اسمه: محمد، يكنى: أبا عبد الله، كانت له معرفة جيدة بالحساب وأنواعه، والمساحة، والفرائض، وقسمة التركات، وأقرأ ذلك مدة.

وسمع من ابن البطى، وغيره، وشهد عند قاضى القضاة ابن الشهرزورى.

توفى شابا فى حياة أبيه، يوم الاثنين رابع عشرين شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ودفن بداره بقراح ابن أبى السحم، شرقى بغداد. رحمه الله تعالى.

‌244 - أحمد بن محمد

بن محمد بن الحسين الفراء البغدادى، القاضى جمال الدين، أبو العباس، ابن القاضى أبى يعلى ابن القاضى أبى حازم، ابن القاضى أبى يعلى الكبير.

مولده بواسط، إذ كان أبوه قاضيا بها، بعد الأربعين وخمسمائة بقليل.

وسمع الكثير من والده، ومن أبى بكر بن الزاغونى، وسعيد بن البناء، وأبى الوقت، وابن البطى، وخلق كثير. وعنى بالحديث، وكتب بخطه الكثير لنفسه وللناس، وشهد عند ابن الدامغانى.

ص: 76

قال ابن القادسى: كان خيّرا من أهل الدين والصيانة، والعفة والديانة، وحدث، وسمع منه ابن الدبيثى، وابن الساعى.

وتوفى ليلة الجمعة ثانى عشر شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة. ودفن عند آبائه بباب حرب.

‌245 - محمد بن معالى

بن غنيمة، البغدادى المأمونى، المقرئ، الفقيه الزاهد أبو بكر بن الحلاوى، ويلقب عماد الدين.

كان لا يتحقق مولده. وقيل: إنه بعد الثلاثين وخمسمائة.

سمع من أبى الفتح بن الكروخى، وأبى الفضل بن ناصر، وأبى بكر ابن الزاغونى، وسعيد بن البناء، وغيرهم.

وتفقه على أبى الفتح بن المني، وهو من فقهاء أصحابه، وبرع فى المذهب، وانتهت إليه معرفته، مع الديانة والورع، والانقطاع عن الناس.

قال ابن القطيعى: هو رجل صالح، له مكان فى الورع، مقيم بمسجده بالمأمونية، مقبل على ما ينفعه من أمر آخرته، والتفرد والعزلة.

وأثنى عليه ابن القادسى كثيرا، وقال: كانت له اليد الباسطة فى المذهب والفتيا. وكان ملازما لزاويته فى المسجد، قليل المخالطة إلا لمن عساه يكون من أهل الدين، ما ألم بباب أحد من أرباب الدنيا، وما قبل لأحد هدية. وكان أحد الأبدال الدين يحفظ الله بهم الأرض ومن عليها.

وقرأت بخط الناصح بن الحنبلى: الشيخ الإمام عماد الدين أبو بكر الخياط، وكان زاهدا، عالما، فاضلا، مشتغلا بالكسب من الخياطة، ومشتغلا بالعلم، ويقرئ القرآن احتسابا، قال لى: تشكل علىّ المسألة، فآتى الشيخ أبا الفتح ابن المنى لأسأله عنها، فتنكشف لى وأفهمها قبل جواب الشيخ، يشير إلى بركة الشيخ. وكنت أنا أقرأ عليه شيئا من القرآن، ثم يقول: خذ عليّ، فيناولنى

ص: 77

«مقدمة الخبرى» فى الفرائض، فيقرؤها من حفظه. وكان متطهرا ومشددا فى الطهارة.

وكان الإمام الظاهر فى حياة والده الناصر قد أحسن به الظن، وصحبه فى الزيادة، وانتفع الظاهر بصحبته كثيرا. ورتب كتاب «جامع المسانيد» تأليف الشيخ أبى الفرج بن الجوزى على أبواب الفقه. وكان يقرأ على شيخنا ابن المنى من «كفاية المفتى» لابن مقبل.

وقال المنذرى: كان ورعا، متدينا، عارفا بمذهبه. وحدث، وقرأ، وأمّ بالناس فى الصلوات مدة، ولنا منه إجازة. كتب بها إلينا من بغداد.

قلت: وله تصانيف، منها:«المنيرة فى الأصول»

وعليه تفقه الشيخ مجد الدين أبو البركات ابن تيمية. وتفقه عليه أيضا:

أبو زكريا يحيى بن الصيرفى. وسمع منه. هو وابن القطيعى.

وتوفى ليلة الجمعة ثامن عشرين رمضان سنة إحدى عشرة وستمائة. وحضر غسله أبو صالح بن عبد الرزاق. ودفن بمقبرة باب حرب قبل صلاة الجمعة.

رحمه الله تعالى.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا على بن أحمد بن عبد الواحد أخبرنا أبو بكر محمد بن معالى - إذنا - أخبرنا أبو بكر بن الزاغوانى أخبرنا الحسين بن أحمد بن طلحة، أخبرنا الحسن بن الحسين بن المنذر، أخبرنا على بن محمد بن الزبير حدثنا الحسن بن على بن عفان بن زيد بن الحباب حدثنى المسعودى عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود رضى الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام على حصير، فقام وقد أثّر فى جسده، فقال له ابن مسعود: يا رسول الله، لو أمرتنا أن نبسط لك، ونفعل.

قال صلى الله عليه وسلم: مالى وللدنيا. ما أنا والدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة، ثم راح وتركها».

ص: 78

ومن فتاوى ابن الحلاوى: أن من كرر النظر حتى أمذى: أفطر. ووافقه الفخر إسماعيل. وخالفهما أبو البقاء العكبرى، واختار: أن مهدى ثواب الأعمال للموتى، يقول: اللهم إن كنت أثبتنى على هذا العمل، فاجعل ثوابه لفلان.

‌246 - عبد العزيز بن محمود

بن المبارك بن محمود بن الأخضر الجنابذى، ثم البغدادى البزار، المحدث الحافظ. أبو محمد بن أبى نصر بن أبى القاسم ابن أبى نصر. ويلقب تقى الدين، محدث العراق.

ولد يوم الخميس ثامن عشر رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة ببغداد.

وأول سماعه: سنة ثلاثين وخمسمائة.

سمع بإفادة أبيه وأستاذه ابن بكروس من القاضى أبى بكر بن عبد الباقى، وأبى القاسم بن السمرقندى، وعبد الوهاب الأنماطى، وأبى الحسن بن عبد السلام، ويحيى بن الطراح، وأبى منصور بن خيرون، وأبى الحسن على بن محمد الهروى، وأبى سعيد البغدادى، وسعد الخير الأنصارى، وغيرهم.

وسمع هو بنفسه من أبى الفضل الأرموى، وأبى بكر بن الزاغونى، وسعيد ابن البناء، وابن ناصر الحافظ، وأبى الوقت، وطبقتهم ومن بعدهم أيضا.

وبالغ فى الطلب، وقرأ بنفسه، وكتب الكثير بخطه، وحصّل الأصول، ولازم أبا الحسن بن بكروس الفقيه، وانتفع به، وأبا الفضل بن ناصر. وعنه أخذ علم الحديث. وكتب الكثير بخطه المليح المتقن لنفسه، وتوريقا للناس فى شبابه.

وكانت له حلقة بجامع القصر، يقرأ بها فى كل جمعة بعد الصلاة، وهى حلقة ابن ناصر، أخذها بعد موت ابن شافع، ولم يزل يسمع ويقرأ على الشيوخ لإفادة الناس إلى آخر عمره.

قال ابن النجار: صنف مجموعات حسنة فى كل فن، ولم يكن فى أقرانه أكثر سماعا منه، ولا أحسن أصولا، كأنها الشمس وضوحا، وعليها أنوار

ص: 79

الصدق. وبارك الله له فى الرواية، حتى حدث بجميع مروياته.

صحبته مدة طويلة. وقرأت عليه فى حلقته بالجامع. وفى دكانه الكثير من الكتب الكبار والأجزاء. وأكثر ما جمعه وخرجه، علقته عنه، واستفدت منه كثيرا.

وكان ثقة، حجة نبيلا، ما رأيت فى شيوخنا - سفرا ولا حضرا - مثله فى كثرة مسموعاته، ومعرفته بمشايخه، وحسن أصوله وحفظه وإتقانه.

وكان أمينا. ثخين الستر متدينا، جميل الطريقة، عفيفا. أريد على أن يشهد عند القضاة. فأبى ذلك.

وكان من أحسن الناس خلقا، وألطفهم طبعا. ومن محاسن البغداديين وظرفائهم، ما يملّ جليسه منه.

وقال ابن نقطة: كان ثقة ثبتا مأمونا، كثير السماع، واسع الرواية، صحيح الأصول. منه تعلمنا واستفدنا. ما رأينا مثله.

وقال ابن الدبيثى: جمع فى الحديث. وبوّب وخرج. وكان ثقة صدوقا.

له معرفة بهذا الشأن. ولم أر فى شيوخنا أوفر شيوخا منه. ولا أعزّ سماعا، مع معرفة بحديثه وشيوخه. وفهم ما يرويه. وسمعنا منه وقرأنا. وانتفعنا به. ونعم الشيخ كان.

قال ابن القطيعى: صنف كتابا سماه «تنبيه اللبيب» فأبان فيه عن علم غزير.

وحفظ كثير.

وقال أبو شامة: صنف الكتب الحسان، فى الأبواب والشيوخ والفضائل.

وقال: تصانيفه تدل على فهمه، وضبطه وحسن معرفته.

وقال المنذرى: حدث مدة طويلة نحوا من ستين سنة. وصنف تصانيف مفيدة. وانتفع به جماعة. ولنا منه إجازة. وكان حافظ العراق فى وقته.

قال: و «الجنابذ» - يعنى: التى ينسب إليها - بضم الجيم وفتح النون وبعد

ص: 80

الألف باء موحدة مفتوحة وذال معجمة: قرية من قرى نيسابور.

قلت: ومن تصانيفه «المقصد الأرشد، فى ذكر من روى عن الإمام أحمد» فى مجلدين، أجزاء عديدة، كتاب «تنبيه اللبيب، وتلقيح فهم المريب، فى تحقيق أوهام الخطيب، وتلخيص وصف الأسماء، فى اختصار الرسم والترتيب» أجزاء كثيرة. رأيت منه الجزء العشرين. وقد تتبع فيه الأوهام التى ذكرها الخطيب للائمة الحفاظ، وأجاب عنها. وفى بعض أجوبته تعسف شديد.

وبعضها: لا يوافق عليه البتة. ولا يحتمله اللفظ بحال. وفى بعضها: فوائد حسنة.

وذكر فى هذا الجزء أوهاما لابن السمعانى صاحب الذيل.

ووقع لابن الأخضر فى هذا الجزء وهم فاحش. وهو أنه ذكر أن البخارى روى حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم «إياكم والظن» الحديث بتمامه فى النكاح، عن يحيى بن بكر عن ليث بن أبى سليم الكوفى عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبى هريرة رضى الله عنه. وهذا غلط فاحش. وكذلك كتب عليه الحافظ الذهبى بخطه؛ وهو كما قال. فإن الليث هذا هو الليث بن سعد. وهذا أمر واضح.

وفى كلامه سجع كثير، وتكلف شديد.

ومن تآليفه «فضائل شعبان» و «طرق جزء الحسن بن عرفة» جزء كبير.

وسمع من ابن الأخضر خلق كثير من الأئمة والحفاظ المتقدمين، منهم:

أبو المحاسن القرشى، وعمر بن محمد العليمى الدمشقيان، والحافظ عبد الغنى المقدسى.

وروى عنه ابن الجوزى فى تصانيفه حكايات. وروى عنه ابن الدبيثى، وابن نقطة، وابن النجار، والضياء المقدسى، والبرزلي، وابن خليل، والزين خلف النابلسى، وغيرهم من أكابر الحفاظ، وابنه على بن عبد العزيز بن الأخضر، والنجيب الحرانى. وأخوه عبد العزيز. ويحيى بن الصيرفى الفقيه. والمقداد القيسى. وخلق.

ص: 81

وآخر من روى عنه بالإجازة: عبد الرحمن بن عبد اللطيف البغدادى البزار.

توفى رحمه الله ليلة السبت بين العشاءين، فى سادس شوال سنة إحدى عشرة وستمائة. وفتح له جامع القصر من الغد. وحضره خلق كثير من العلماء والأعيان. وقرأ الدّيوان، ومنع من شدّ تابوته، وحمل بوقار وسكينة. ودفن بمقبرة باب حرب عند قبر أبى بكر المرزفى. رحمه الله.

أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا أبو محمد بن الأخضر الحافظ أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقى أخبرنا أبو إسحاق البرمكى - حضورا - أخبرنا أبو محمد بن ماسى أخبرنا أبو مسلم البلخى حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى حدثنا سليمان التيمى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام، أو قال: ثلاث ليال»

‌247 - عبد المحسن بن يعيش

بن إبراهيم بن يحيى الحرانى الفقيه أبو محمد.

سمع بحران من أبى ياسر عبد الوهاب بن أبى حبة.

ورحل إلى بغداد سنة أربع وتسعين، فسمع من ابن كليب. وأبى الجوزى وطبقتهما، وقرأ المذهب والخلاف حتى تميز. وأقام ببغداد مدة، ثم عاد إلى حران فأقام بها، ثم قدم بغداد حاجّا سنة عشر وستمائة، وحدث بها عن ابن أبى حبة وسمع منه بعض الطلبة.

ورجع إلى حران. فتوفى بها سنة إحدى عشرة وستمائة. وكان شابا رحمه الله.

ذكره ابن النجار.

‌248 - عبد القادر بن عبد الله

الفهمى الرهاوى. ثم الحرانى، المحدث الحافظ الرجال، أبو محمد، محدث الجزيرة.

ولد فى جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وخمسمائة بالرها. ثم أصابه سبى لما فتح زنكى والد نور الدين الرها، سنة تسع وثلاثين، فاشتراه بنو فهم الحرانيون وأعتقوه، كذا قال ابن القطيعى وابن النجار.

ص: 82

وذكر الدبيثى وأبو شامة: أنه اشتراه رجل من الموصل، فأعتقه.

قال ابن القطيعى: ويقال: إنه مولى لبنى أبى الفهم الحرانيين.

قال القطيعى: قال لى: طلبت الحديث سنة تسع وخمسين.

وذكر أبو الفرج بن الحنبلى: أنه تعلم القرآن، فأعتقه سيده، وقرأ كتاب «الجامع الصغير» فى المذهب، وهو للقاضى أبى يعلى، ونفعه، ورأيت له مصنفا فى الفرائض والحساب، وسافر فى طلب العلم.

سمع الحافظ عبد القادر ببغداد من أبى على الرحبى، وابن الخشاب اللغوى، وأبى الحسين عبد الحق بن عبد الخالق، وأخيه عبد الرحيم، وشهدة، وجماعة كثيرة.

وبهمدان من الحافظ أبى العلاء الهمدانى، وأبى زرعة بن محمد بن طاهر المقدسى، وجماعة.

وبأصبهان من أبى القاسم فورجة، وأبى عبد الله الرستجي، ومسعود ابن الحسن الثقفى، وأبى المطهر الصيدلانى، وأبى جعفر الصيدلانى، ورجاء المعدانى، وجماعة من هذه الطبقة، ومن الحفاظ بها، كأبى مسعود عبد الرحيم ابن أبى الوفاء، ومعمر بن الفاخر، وأبى موسى المدينى، وأبى سعد الصائغ.

ودخل خراسان، فسمع بنيسابور من أبى بكر محمد بن على بن عمر الطوسى وطبقته، وبمرو من أبى الفتح المسعودى، وبسجستان من أبى عروبة عبد الهادى ابن محمد الزاهد، وبهراة من نصر بن سيار، ومن أبى الفتح محمد بن عمر الخازمى، وعبد الرزاق بن عبد السلام الصفار، وعبد الجليل بن أبى سعد، خاتمة أصحاب بيبى، وجماعة.

وسمع بدمشق من الحافظ أبى القاسم بن عساكر، وشيخ الشيوخ أبى الفتح ابن حمويه، وأبى المعالى بن صابر، ومحمد بن حمزة بن أبى الصقر، وغيرهم.

وبمصر من ابن برّى النحوى، وأبى عبد الله محمد بن على الرحبى، وغيرهما.

وبالإسكندرية من الحافظ السلفى وغيره.

ص: 83

وسمع بواسط، من أبى طالب بن الكنانى، وجماعة، وبالموصل وحران من أبى الفضل الطوسى، ويحيى بن سعدون وغيرهما.

وسمع ببلاد أخرى، كبوشنج، وزنجان. وتستر، والكرخ، والبصرة،

وكان يمشى فى أسفاره على قدميه، وكتبه محمولة مع الناس، وربما كان طعامه من عندهم أيضا لفقره.

وكتب بخطه الكثير من الكتب والأجزاء. وأقام بدمشق بمدرسة ابن الحنبلى مدة، حتى نسخ تاريخ ابن عساكر بخطه، وسمعه عليه، ذكر ذلك ابن الناصح.

وأقام بالموصل مدة، وولى بها مشيخة دار الحديث المظفرية، وحدث بها بأكثر مسموعاته، ثم انتقل منها إلى حران، وسكنها إلى حين وفاته.

قال ابن الحنبلى: ووقف عليه مظفر الدين صاحب «أربل» أرضا بأرض حران وبعث معه مرة مالا يفكّ به الأسارى مع أجناد من أربل. فاجتمعنا به بدمشق.

قال ابن نقطة: كان عالما ثقة، مأمونا صالحا، إلا أنه كان عسرا فى الرواية، لا يكثر عنه إلا من أقام عنده.

وقال الدبيثى: كان صالحا، كثير السماع، ثقة. كتب الناس عنه كثيرا.

وأجاز لنا مرارا.

وقال ابن خليل: كان حافظا ثبتا، كثير التصنيف متقنا، ختم به علم الحديث.

وقال ابن النجار: كان حافظا متقنا، فاضلا، عالما ورعا، متدينا زاهدا، عابدا، صدوقا، ثقة نبيلا، على طريقة السلف الصالح، لقيته بحران، وكتبت عنه جزءا واحدا، انتخبته من عوالى مسموعاته فى رحلتى الأولى.

وقال المنذرى: جمع مجاميع مفيدة، منها: كتاب «الأربعين» الذى خرجه بأربعين إسنادا، لا يتكرر فيه رجل واحد من أولها إلى آخرها، مما سمعه فى أربعين مدينة. وهو كبير فى مجلدتين.

ص: 84

قال: وكان حافظا ثقة، راغبا فى الانفراد عن أرباب الدنيا، ولنا منه إجازة.

وقال أبو شامة: كان صالحا مهيبا، زاهدا، ناسكا، خشن العيش، صدوقا، ورعا.

وقال ابن حمدان: كان رجلا ورعا، صالحا مهيبا، له تصانيف فى الحديث.

قلت: من تصانيفه: كتاب «المادح والممدوح» يتضمن ترجمة شيخ الإسلام الأنصارى، وفضائله. وذكر من مدحه وأثنى عليه، وما يتعلق بالمادحين له من تراجمهم وحديثهم: وكذلك مادحوا مادحيه، وطال الكتاب بذلك، وأكثره لا يتعلق بشيخ الإسلام إلا على سبيل الاستطراد، وإن كان فى ذلك فوائد.

ومن مصنفاته «الأربعون البلدانية» المتباينة الأسانيد، ولم يسبق إلى ذلك ولا يطمع أحد فى لحاقه، لخراب البلدان، وانقطاع الرواية عن أكثر تلك البلاد.

قال الحافظ الذهبى: وله أوهام نبهت على مواضع منها، فى الأربعين له، وتكرر عليه فى تباين الأسانيد أربع مواضع. وقد حدث بالكثير ببلاد شتى.

حدث ببغداد قديما. وسمع منه ابن القطيعى، وتميم بن البندليجى، وحدث بالإسكندرية فى حياة السامرى. رحمه الله. وحدث بالموصل، وأربل، وحران وسمع منه خلق كثير من الحفاظ الأئمة، منهم أبو عمر بن الصلاح. وحدث عنه ابن نقطة، وأبو عبد الله البردانى، والضياء، وابن خليل والصريفينى، وإسماعيل بن خلف

(1)

، والشهاب القوصى، وابن عبد الدائم، وعبد الرحمن ابن سلمان الأنبارى، ويحيى بن الصيرفى الفقيهان، وعبد العزيز بن الصيقل الحرانى، وأبو عبد الله بن حمدان الفقيه، وهو خاتمة أصحابه.

توفى رحمه الله يوم السبت ثانى جمادى الأولى سنة اثنتى عشرة وستمائة بحران.

(1)

فى مخطوطة الثقافة «ابن ظفر» .

ص: 85

نقلت من خط الإمام أبى العباس ابن تيمية رحمه الله، قال: رأيت بخط الحافظ سراج الدين بن شجانة الحرانى، سمعت أبا الفتح نصر الله بن أبى بكر ابن عمر الفراء الحرانى، يقول: رأيت الحافظ عبد القادر رحمه الله بعد موته بأيام قليلة، وهو جالس فى مسجد الشيخ، وفى يده مجلد، وهو يسمع، فقمت إليه، فقلت: يا شيخ عبد القادر، ما قدمت؟ قال: بلى، وتحسب أنى أبطل السماع.

فلا أزال أسمع إلى يوم القيامة. رحمه الله تعالى.

أخبرنا المعمر أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى، أخبرنا الفقيه أبو زكريا يحيى بن أبى منصور الحرانى - حضورا - أنبأنا الحافظ أبو محمد الرهاوى أخبرنا نصر بن سيار الهروى، أنبأنا أبو عامر محمود بن القاسم الأزدى، أنبأنا عبد الجبار بن محمد المروزى، أخبرنا العباس المحيوى، أخبرنا أبو عيسى محمد ابن عيسى بن سورة الحافظ، حدثنا هناد، وقتيبة، ومحمود بن غيلان، قالوا:

حدثنا وكيع عن سفيان ح قال: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن مهدى، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية، عن على رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» .

‌249 - عبد المنعم بن محمد

بن الحسين بن سليمان الباجسرائى، ثم البغدادى الفقيه، أبو محمد بن أبى نصر.

ولد سنة تسع وأربعين، أو سنة خمسين وخمسمائة بباجسرا.

وقدم بغداد فى صباه، فسمع من شهدة وغيرها. وقرأ الفقه على أبى الفتح ابن المنى، ولازمه حتى برع. وقرأ الأصول والخلاف والجدل على محمد بن أبى على البوقانى الشافعى. وصحب أبا إسحاق بن الصقال المتقدم ذكره، وصار معيدا بمدرسته، ثم درس بمسجد شيخه ابن المنى بالمأمونية مدة. وكان يؤم فى الصلاة بمسجد الآجرة.

ص: 86

وشهد عند قاضى القضاة أبى الفضائل بن الشهرزورى، وتولى الخزن بالديوان وكانت له حلقة بجامع القصر يتكلم فيها فى مسائل الخلاف، ويحضر عنده الفقهاء، وكان فقيها فاضلا حافظا للمذهب، حسن الكلام فى مسائل الخلاف متدينا، حسن الطريقة. ذكر ذلك ابن النجار، وقال: سمع معنا أخيرا من مشايخنا، فأكثر. وكان حسن الأخلاق، متوددا. حدث بيسير، ولم يتفق لى أن أكتب عنه شيئا. روى عنه أبو عبد الله بن الدبيثى.

وقال القادسى: كان فقيها، مناظرا حسن الطريقة، له سمة ووقار وعفاف، مع دين. ناظر وأفتى. وقد روى عنه ابن الساعى بالإجازة، وقال: أنشدنى هذين البيتين:

إذا أفادك إنسان بفائدة

من العلوم فأدمن شكره أبدا

وقل: فلان جزاء الله صالحة

أفادنيها، وألق الكبر والحسدا

قال: وكان دينا صالحا متورعا محتفظا فى الطهارة.

توفى رحمه الله يوم الاثنين، ثامن عشر جمادى الأولى سنة اثنتى عشرة وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب، كذا ذكره ابن النجار.

وقال الأكثرون: توفى فى سابع عشر الشهر.

وقال القادسى. صلّى عليه بباب جامع المدينة، لامتناع الحنابلة أن تصلى عليه بالنظامية. رحمه الله تعالى.

قال المنذرى «وباجسرا» قرية كبيرة من نواحى بغداد، بينها وبينها عشرة فراسخ، وهى بفتح الباء الموحدة، وبعد الألف جيم مكسورة وسين مهملة ساكنة، وراء مفتوحة.

وقد وقع فى ضبط الحافظ عبد المؤمن الدمياطى بفتح الجيم، فإن كان فيها لغتان، كما فى جسر، وإلا فالمعروف الكسر. والله أعلم.

ص: 87

‌250 - عبد الوهاب بن بزغشى

بن عبد الله العيبى، المقرئ، البغدادى، أبو الفتح بن أبى محمد، ختن الشيخ أبى الفرج بن الجوزى.

ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة تقديرا.

وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على سعد الله بن الدجاجى، وعبد الوهاب ابن الصابونى، وأبى الفضل أحمد بن محمد بن سيف، وعلى بن عساكر البطائحى وإسماعيل بن بركات الغسانى، وجماعة غيرهم.

وسمع الحديث الكثير: من أبى الوقت، وابن البطى، وأبى زرعة، ويحيى ابن ثابت بن بندار، وخلق كثير من هذه الطبقة ومن بعدهم. وعنى بالحديث، وكتب بخطه، وحصل الأصول، وتفقه فى المذهب، وقرأ الخلاف.

قال ابن النجار: كان حسن المعرفة بالقرآن مجودا، مليح التلاوة، حسن الأداء، طيب النغمة، ضابطا، له معرفة بالوعظ، يتكلم فى تعازى الأكابر، ويحسن الكلام فى مسائل الخلاف، وكان يصلى إماما فى المسجد الجديد بسوق الخبازين عند عقد الجديد.

قلت: ويعرف المسجد بمسجد قطينة، لأن عبد الوهاب - هذا - كان يلقب قطنية لبياضه، فنسب المسجد إليه.

قال ابن النجار: كتبنا عنه، وكان صدوقا، حسن الطريقة متدينا فقيرا، صبورا. وزمن فى آخر عمره، وانقطع فى بيته مدة.

قال ابن نقطة: هو ثقة، لكنه أخرج أحاديث مما قرب سنده، ولا يعرف الرجال، فربما أسقط من الإسناد رجلان أو أكثر، وهو لا يدرى.

وقال القادسى: كان قارئا مجودا، مليح الصوت، حسن الأداء، واعظا، شاعرا، فقيها، له معرفة حسنة بإنشاء الخطب، ونظم فى القرآن أراجيز كثيرة، وقد أقرأ القرآن بالروايات، وحدث، وسمع منه جماعة.

ص: 88

وتوفى ليلة الخميس خامس ذى القعدة سنة اثنتى عشرة وستمائة، وصلّى عليه من الغد محيى الدين بن الجوزى بمدرسته، ودفن بمقبرة باب حرب.

رحمه الله تعالى.

و «بزغش» بالباء الموحدة المضمومة، وبالزاى والغين والشين المعجمات و «العيبى» بكسر العين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف، وكسر الباء الموحدة، نسب كذلك؛ لأن أباه كان يحمل العيب التى فيها كتب الرسائل، لأنه كان «فيجا» أى ساعيا. قاله المنذرى وغيره.

أخبرنا أبو المعالى محمد بن عبد الرزاق الشيبانى - ببغداد - أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف البزار أخبرنا عبد الوهاب بن بزغش - كتابة - أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد أخبرنا أبو منصور المقومى أنبأنا أبو القاسم بن المنذر حدثنا على بن إبراهيم بن سلمة حدثنا ابن ماجة حدثنا على بن محمد حدثنا وكيع عن مسعر عن أبى مرزوق عن أبى الصديق الناجى عن أبى أمامة قال:

«خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متكئ على عصا، فلما رأيناه قمنا، فقال: لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها، قلنا: يا رسول الله، لو دعوت الله لنا؟ فقال: اللهم اغفر لنا وارحمنا، وارض عنا، وتقبل منا، وأدخلنا الجنة، ونجنا من النار، وأصلح لنا شأننا كلّه. فكأننا أحببنا أن يزيدنا، فقال: أوليس قد جمعت لكم الأمر؟» .

‌251 - إبراهيم بن على

بن الحسين البغدادى، أبو إسحاق، أخو الفخر إسماعيل غلام ابن المنى.

سمع الحديث. وتفقه على أخيه. وتكلم فى مسائل الخلاف. وكان فقيها صالحا.

توفى ثانى عشر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن عند أخيه بمقبرة الإمام أحمد، رضى الله عنه.

ص: 89

‌252 - إسماعيل بن عمر

بن أبى بكر المقدسى، أبو إسحاق، وأبو القاسم، وأبو الفضل، ويلقب محب الدين.

سمع بدمشق من أبى اليمن الكندى وغيره، وبمصر من البوصيرى، والحافظ عبد الغنى، وببغداد من ابن الأخضر وطبقته، وبأصبهان من أبى عبد الله محمد ابن مكى، وأبى بكر أحمد بن عبيد الله الجانى، وطبقتهما من أصحاب الرستمى، ومسعود الثقفى. وكانت رحلته مع الضياء بعد الستمائة، وعنى بالحديث، وقرأ.

ووصفه جماعة بالحافظ، وتفقه وحدث.

وتوفى فى ثامن عشر شوال سنة ثلاث عشرة وستمائة، وأظنه كان شابا.

‌253 - محمد بن عبد الغنى

بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، ثم الدمشقى الحافظ، أبو الفتح بن الحافظ أبى محمد، ويلقب عزّ الدين.

ولد فى أحد الربيعين سنة ست وستين وخمسمائة بدمشق، وأسمعه بها والده فى صغره من أبى المعالى بن صابر، والخضر بن طاوس، وأبى المجد البانياسى، وارتحل إلى بغداد، سنة ثمانين. فسمع من أبى الفتح بن شاتيل، ونصر الله القزاز وغيرهما.

وارتحل إلى أصبهان بعد التسعين، فسمع بها من أبى الفتح عبد الرحيم الكاغدى، ومسعود الحمال، وأبى المكارم اللبان وطبقتهم. وعاد إلى بغداد.

وأقام بها مدة يسمع من أبى الفرج بن الجوزى وطبقته، وقرأ بها مسند الإمام أحمد، وتفقه على أبى الفتح بن المنى فى المرة الأولى، وقرأ فى الثانية على أبى البقاء من الفقه واللغة. وسمع بمصر من أبى القاسم البوصيرى وغيره.

وقال ابن النجار: سمعنا معه، وبقراءته كثيرا، وكتب بخطه كثيرا. وحصل كثيرا من الأصول شراء، واستنسخ كثيرا من الكتب والأجزاء. وسمعت منه حديثا واحدا فى مجلس شيخنا أبى أحمد الأمين - يعنى ابن سكينة - وهو الذى

ص: 90

سأل عنه. وكان من أئمة المسلمين، حافظا للحديث متنا وإسنادا، عارفا بمعانيه وغريبه ومشكله، متقنا لأسامى المحدثين وكناهم، ومقدار أعمارهم، وما قيل فيهم من جرح وتعديل، ومعرفة أنسابهم، واختلاف أسمائهم، مع ثقة وعدالة وصدق وأمانة، وحسن طريقة وديانة، وجميل سيرة، ورضى أخلاق، وتودد وكيس ومروءة ظاهرة، وتعمد لقضاء حقوق الإخوان، ومساعدة الغرباء.

وقال الحافظ الضياء: كان رحمه الله حافظا فقيها ذا فنون. وكان أحسن الناس قراءة وأسرعهم. وكان غزير الدمعة عند القراءة. وكان متقنا ثقة، سمحا جوادا. وكان يتكلم فى مسائل الخلاف كلاما حسنا. وكان يقرأ الحديث للناس كل ليلة جمعة فى مسجد دار البطيخ بدمشق - قال الذهبى: يعنى مسجد السلالين - وانتفع الناس بمجالسته، ثم انتقل من الجامع إلى موضع والده، فكان يقرأ يوم الجمعة بعد الصلاة. ووصفه بالمروءة التامة والديانة المتينة.

وقال أبو شامة: صحب الملك المعظم عيسى، وسمع بقراءته الكثير، وكان حافظا دينا، زاهدا ورعا.

قلت: وخرّج تخاريج، كالأمالي، وجدت منها: الجزء التاسع والأربعين.

وروى عنه ابناء: تقى الدين أحمد، وعزّ الدين عبد الرحمن، والحافظ ضياء الدين، والشهاب المقومى، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبى عمر وابن النجار، وآخرون.

توفى رحمه الله ليلة الاثنين، تاسع عشر - وقيل: العشرين - من شوال، سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن من الغد بسفح جبل قايسون، رحمه الله تعالى.

وقال بعضهم: كنا نقرأ عنده ليلة مات، فرأيت نورا على بطنه مثل السراج فكنت أقول: ترى يراه أحد غيرى أم لا؟ ذكره الحافظ الضياء. وذكر له منامات صالحة متعددة، منها: عن مسعود بن أبى بكر بن شكر: أنه رآه بعد موته فى المنام، وكأن وجهه البدر، وقال الرائى: ما رأيت فى الدنيا أحدا على

ص: 91

صورته. وله شعر بائن من تحت عمامته، لم أر شعرا مثل سواده، فقلت له:

يا عزّ الدين، كيف أنت؟ قال أنا وأنت من أهل الجنة.

ورآه آخر، فقال له: بالله عليك، ماذا لقيت من ربك؟ قال: كل خير جميل.

وقال أحمد بن محمد بن خلف: رأيته - يعنى العز - فى المنام. فقال لى: جاء إلىّ النبى صلى الله عليه وسلم، فقضى لى كل حاجة. ومنامات أخر، رحمه الله تعالى.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم المقدسى أخبرنا أبو الحسن على ابن أحمد بن عبد الواحد أخبرنا أبو الفتح محمد بن الحافظ عبد الغنى - قراءة عليه، وأنا أسمع - أخبرنا القاضى أبو المكارم أحمد بن محمد بن محمد اللبان الأصبهانى بها أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقرئ - قراءة عليه - أخبرنا الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهانى.

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس أخبرنا بشر بن يونس ابن حبيب بن عبد القاهر العجلى، حدثنا أبو داود سليمان بن داود الطيالسى حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» رواه مسلم عن محمد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن غندر. وأبى داود الطيالسى، كلاهما عن شعبة.

‌254 - أحمد بن عبيد الله

بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الشيخ شرف الدين أبو الحسن.

ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وسمع من أبى الفرج بن كليب وغيره، وحدث. وكان فقيها، فاضلا ثقة، عالما دينا. جمع الله له بين حسن الخلق والخلق والدين، والأمانة والمروءة، وقضاء حوائج الإخوان، والكرم والإحسان للضعفاء والمرضى، وقضاء حوائجهم، والتهجد. وكان يقول الحق، ولا يحابى أحدا.

ص: 92

توفى ليلة رابع عشر ذى القعدة سنة ثلاث عشرة وستمائة. ودفن من الغد بسفح قاسيون. ورؤيت له منامات حسنة جدا. ورثاه غير واحد.

ولما توفى هؤلاء الثلاثة الأخيار المقدسيون: المحب، والعز، والشرف، فى مدة متقاربة. رثاهم شيخ الإسلام موفق الدين بقوله:

مات المحب، ومات العز والشرف

أئمة سادة، ما منهم خلف

كانوا أئمة علم يستضاء بهم

لهفي على فقدهم لو ينفع اللهف

ما ودّعونى غداة البين إذ رحلوا

بل أودعوا قلبي الأحزان وانصرفوا

شيعتهم ودموع العين واكفة

لبينهم، وفؤادى حشوه أسف

أكفكف الدمع من عينى فيغلبنى

وأحضر الصبر فى قلبى فلا يقف

وقلت: ردوا سلامى، أوقفوا نفسا

رفقا بقلبى، فما ردوا ولا وقفوا

ولم يعوجوا على صب بهم دنف

يخشى عليه لما قد مسه التلف

أحباب قلبى، ما هذا بعادتكم

ما كنت أعهد هذا منك يا شرف

بل كنت تعظم تبجيلى ومنزلتى

وكنت تكرمنى فوق الذى أصف

وكنت عونا لنا فى كل نازلة

تظل أحشاؤنا من همها تجف

وكنت ترعى حقوق الناس كلهم

من كنت تعرف أو من لست تعترف

وكان جودك مبذولا لطالبه

جنح الليالى إذا ما أظلم السدف

وللغريب الذى قد مسه سغب

وللمريض الذى أشفى به الدنف

وكنت عونا لمسكين وأرملة

وطالب حاجة قد جاء يلتهف

‌255 - إبراهيم بن عبد الواحد

بن على بن مسرور المقدسى الدمشقى، الفقيه. الزاهد الورع العابد. الشيخ عماد الدين، أبو إسحاق وأبو إسماعيل، أخو الحافظ عبد الغنى الذى تقدم ذكره.

ولد بجماعيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.

وكان يقول: أخى الحافظ عبد الغنى أكبر منى بسنتين.

ص: 93

وقال المنذرى: سنة أربع وأربعين، وهاجر إلى دمشق مع جماعتهم سنة إحدى وخمسين؛ لاستيلاء الفرنج على أرضهم.

وقرأ القرآن. وسمع من أبى المكارم بن هلال، وعبد الرحمن بن على الخرقى، وغيرهما، وحفظ غريب القرآن للعزيزى، ومختصر الخرقى فى الفقه.

ورحل إلى بغداد مرتين. أولاهما: مع الشيخ الموفق، سنة تسع وستين، فقرأ القرآن على أبى الحسن البطائحى، وسمع من أبى محمد بن الخشاب، وصالح بن الرحلة، وشهدة الكاتبة، والشيخ عبد المغيث الحربى وغيرهم.

وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل الطوسى، وتفقه ببغداد على أبى الفتح ابن المنى، حتى برع وناظر وأفتى، ورجع إلى دمشق، وأقبل على أشغال الناس ونفعهم.

قال الشيخ موفق الدين - فى حق العماد، لما سئل عنه -: كان من خيار أصحابنا، وأعظمهم نفعا، وأشدهم ورعا، وأكثرهم صبرا على تعليم القرآن والفقه، وكان داعية إلى السنة، وتعليم العلم والدّين. وكان يقرى الضعفاء الفقراء، ويطعمهم ويبذل لهم نفسه. وكان من أكثر الناس تواضعا، واحتقارا لنفسه وخوفا من الله تعالى. وما أعلم أننى رأيت أشد خوفا منه. وكان كثير الدعاء والسؤال لله تعالى. وكان يطيل الركوع والسجود فى الصلاة، ويقصد أن يقتدى بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقبل من أحد يعذله فى ذلك. ونقلت له كرامات كثيرة.

وقال الحافظ الضياء: كان عالما بالقرآن والنحو والفرائض، وغير ذلك من العلوم. وصنف كتاب «الفروق فى المسائل الفقهية» وصنف كتابا فى الأحكام، لكنه لم يتمه. وكان مليحا. وكان من كثرة أشغاله واشتغاله لا يتفرغ للتصنيف والكتابة.

قال: وسمعت الشيخ موفق الدين يقول: ما نقدر نعمل مثل العماد رحمه الله؛

ص: 94

كان يتألف الناس ويقريهم، حتى إنه ربما ردد على إنسان كلمات يسيرة من سحر إلى الفجر.

وقال الضياء: كان رحمه الله يتألف الناس، ويلطف بالغرباء والمساكين، حتى صار من تلاميذه جماعة من الأكراد والعرب والعجم. وكان يتفقدهم ويسأل عنهم، وعن حالهم، ولقد صحبه جماعة من أنواع المذاهب، فرجعوا عن مذاهبهم لما شاهدوا منه. وكانوا يتحدثون عنه، ويذكرون لنا من كراماته وكرمه، وحسن عشرته. وكان سخيا جوادا، كثير المعروف، حتى كان بيته مأوى للناس. وكان ينصرف كل ليلة إلى بيته من الفقراء جماعة كثيرة من أصحابه، فيقدم إليهم ما حضر.

قال: وكان لا يكاد يفتر من الاشتغال: إما بالقرآن، أو الحديث، أو غيره من العلوم. وأقام بحران مدة، وانتفعوا به. وكان يشتغل بالجبل، إذا كان الشيخ موفق الدين بالمدينة، فإذا صعد الموفق الجبل نزل هو فاشتغل بالمدينة.

وكان يقعد فى جامع دمشق من الفجر إلى العشاء، لا يخرج إلا لما لا بد منه، يقرئ الناس القرآن والعلم، فإذا لم يبق له من يشتغل عليه اشتغل بالصلاة.

وكان داعية إلى السنة وتعلم العلم والدين، وختم عليه جماعة من الأصحاب.

قال: وما أعلم أنه أدخل نفسه فى شئ من أمر الدنيا، ولا تعرض لها، ولا نافس فيها. وقد يفتح لأصحابنا بعض الأوقات بشئ من الدنيا، فما أعلم أنه حضر عندهم يوما قط فى شئ من ذلك، وما علمت أنه دخل يوما إلى سلطان ولا إلى وال. ولا تعرّف بأحد منهم. ولا كانت له رغبة فى ذلك.

قال: وكان محافظا على الصدق والورع. سمعته يقول لرجل: كيف ولدك؟ فقال: يقبل يدك. فقال: لا تكذب. وكان كثير الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. لا يرى أحدا يسئ صلاته إلا قال له وعلمه. ولقد بلغنى أنه خرج مرة إلى قوم من الفساق فكسر ما معهم فضربوه، ونالوا منه حتى غشي

ص: 95

عليه. فأراد الوالى ضرب الذين نالوا منه. فقال: إن تابوا ولزموا الصلاة فلا تؤذهم وهم فى حل من قبلي. فتابوا ورجعوا عما كانوا عليه.

قال: ورأيته ربما يكون فى مسجد، فإذا أخذ من لحيته شعرة أو من أنفه شيئا جعل ذلك فى عمامته. وربما برى قلما فيتحفظ من القلامة. ولا يدعها فى المسجد. وكان إذا أفتى فى مسألة يتحرز فيها احترازا كثيرا، حتى كان بعض الفقهاء يتعجب من فتاويه، وكثرة احترازه فيها.

وسمعت من يقول: كان يكون على ثوبه غبار، فيقول لى: اذهب فانفضه خارج المسجد.

وسمعت أبا محمد بن عبد الرزاق بن هبة الله الدمشقى، يقول: سمعت الشيخ عبد الله البطائحى رحمه الله يقول: أشكلت علىّ مسألة فى الورع، فما وجدت من أفتانى فيها إلا العماد. وكان رحمه الله: لا يرى أن يخرج الحصير من المسجد ليجلس عليها خارج المسجد، والحصير التى للمحراب لا يجلس عليها خارج المحراب.

وسمعت أحمد بن عبد الله بن أبى المجد الحربى يقول: كان الشيخ العماد عندنا بالحربية - يعنى ببغداد - وكان إذا دخل بيت الله ولم يسم، خرج فسمى ثم دخل.

وسمعت من شيخنا وإمامنا موفق الدين أبى محمد المقدسى يقول: عمرى أعرفه - يعنى الشيخ العماد - وكان بيتنا قريبا من بيتهم - يعنى فى أرض المقدس - ولما جئنا إلى هنا. فما افترقنا إلا أن يسافر أحدنا، ما عرفت أنه عصى الله معصية.

وسمعت الإمام أبا إبراهيم محاسن بن عبد الملك التنوخى يقول: كان الشيخ العماد جوهرة العصر، وذلك أن واجدا يصاحب شخصا مدة، ربما تغير عليه، وكان الشيخ العماد: من صاحبه لا يرى منه شيئا يكرهه قط، كلما طالت صحبته ازداد بشره، ورأى منه ما يسره. وهذا شئ عظيم، وليس يكون كرامة أعظم من هذا.

قال الضياء: ولعله ما قعد عنده أحد إلا حصل له منفعة فى العلم والزهد،

ص: 96

أو اقتباس شئ من أخلاقه أو أوراده، وغير ذلك. وكان يذم نفسه ذمّا كثيرا، ويحقرها ويقول: إيش يجئ منى؟ إيش أنا؟ وكان كثير التواضع.

سمعت الشيخ موفق الدين قال: ما رأيت من اجتمع فيه من خلال - كانت فى الشيخ العماد - كان أكثر ذمّا لنفسه منه. ولقد حضرت عنده مرة، وقد أخذته الريح، وكان لا يقدر على الكلام فوقفت، فلما قدر على الكلام شرع فى ذم نفسه. وقال: اللهم أصلح فساد قلبى. وجعل ينوح على نفسه: أنا كذا، أنا كذا حتى أبكانى.

وسمعت الإمام أبا عبد الله يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسى يقول:

كنت أكتب طبقات السماع على الشيخ العماد. فكنت أكتب: الشيخ الإمام العالم الزاهد الورع. فخاصمنى على ذلك خصومة كثيرة.

ثم ذكر الضياء من كرمه وحسن عشرته: أن بعض أصحابه كانت تكون له الحاجة إليه، فيمضى إلى بيته. فيقيم عنده اليوم واليومين. قال:

وما رأيته يشكى من ذلك شيئا. قال: وما أظن أنى دخلت عليه قط، إلا عرض علىّ الطعام.

قال: ولم يزل هذا دأبه، من وقت ما عقلنا، وكان يتفقد الناس، ويسأل عن أحوالهم كثيرا. وربما بعث إلى الناس نفقة سرا.

وذكر عدة حكايات عنه، منها: أنه كان إذا غاب أحد من إخوانه أرسل إلى بيته النفقة وغيرها، وربما جاء بنفسه إليهم، قال: وربما كان بعض الناس يرسل إليه يشترى له حاجة، فربما زاد على ثمنها من عنده، ولا يعلمه بذلك. وكان يلقى الناس بالبشر الدائم.

قال: وسمعت عن بعض أهله، أنهم قالوا: ربما كنا نؤذيه، فما يغضب علينا، ويقول: الذنب لى، وأنه كان يدعو لمن ظلمه ويحسن إليه.

قال: ولقد كان أعار داره التى فى الدير لابن أخيه عزّ الدين أبى الفتح مدة

ص: 97

يسكن فيها، ثم لم يعد إلى سكناها قط، وتركها له. ولم يكن له غيرها.

قال: وكان من إكرامه لأصحابه ومعارفه: يظن كل أحد أن ما عنده مثله.

من كثرة ما يأخذ بقلبه ويكرمه.

ولقد سمعت الفقيه أبا محمد عبد المحسن بن عبد الكريم المصرى، يقول:

كان رجل من بيت القابلان من منبج، جاء إلى الشيخ العماد، فمرض، فكان يقعد عند رأسه بالليل، ويقرأ ورده عند رأسه.

وسمعت عباس بن عبد الدائم المصرى الكنانى يقول: كنا يوما نمشى مع الشيخ العماد إلى دعوة، فلقى فى السوق رجلا أعمى يسأل، فقال يا فلان: تعال معنا، قال: فاستحى الضرير كثيرا من أجل سؤاله، قال: فلما دخلنا إلى البيت انبسط الشيخ مع الضرير، وقال: يا فلان، كلنا سؤّال، وما زال يقول له، حتى زال ما كان عنده من الحياء.

قال: وكان ربما تكلم على أحدنا ونصحه وحرضه على فعل الخير والاشتغال، حتى كان قلب الشخص يطير من كثرة دخول كلامه فى القلب.

قال: وأوصانى وقت سفري، فقال: أكثر من قراءة القرآن، ولا نتركه فإنه يتيسر لك الذى تطلبه على قدر ما تقرأ، قال: فرأيت ذلك وجربته كثيرا، فكنت إذا قرأت كثيرا تيسر لى من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لى.

قال: وكان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة، تفل عن يساره ثلاثا، واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وكبر تكبيرة يرفع صوته بذلك، ثم يستفتح، قال:

فلم أر أحدا أحسن صلاة منه، ولا أتم منها بخشوع وخضوع، وحسن قيام وقعود وركوع، وربما كان بعض الناس يقول له: النبى صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتخفيف، وقال لمعاذ «أفتان أنت؟» فلا يرجع إلى قولهم، ويستدل عليهم بأحاديث أخر. منها: «أن النبىّ صلى الله عليه وسلم، كان يكون فى الركعة

ص: 98

الأولى حتى يمضى أحدنا إلى البقيع، ويقضى حاجته، ويأتى والنبي صلى الله عليه وسلم لم يركع» وقول أنس: «لم أر أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى - يعنى: عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه - قال الراوى:

فحزرنا فى ركوعه وسجوده عشر تسبيحات» وبحديث «كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسى» .

قال: وقيل عن شيخنا: إنه كان يسبح عشرا، يتأنّى فى ذلك.

قال: وسمعت أبا عبد الله محمد بن طرخان، يقول: كنا نصلى يوما خلف الشيخ العماد، وإلى جانبى رجل كأنه كان مستعجلا، فلما فرغنا من الصلاة، حلف لا صليت خلفه أبدا، وذكر حديث معاذ، فقلت له: ما تحفظ إلا هذا؟ ورويت له الأخبار التى وردت فى تطويل صلاة النبى صلى الله عليه وسلم، ثم إنّي قعدت عند الشيخ العماد، وحكيت له، وقلت له: أنا أحبك، وأشتهى أن لا يقال فيك شئ، فلو خففت؟ فقال: لعلهم يستريحون منى ومن صلاتى قريبا، يا سبحان الله! الواحد منهم، لو وقف بين يدى سلطان طول النهار ما ضجر، وإذا وقف أحدهم بين يديه ربه ساعة ضجر.

قال: وكان يقضى صلوات، فربما قضى فى اليوم والليلة صلوات أيام عديدة حتى كان بعض من يحكى يقول: ربما قضى الشيخ فى عمره صلاة كذا وكذا، مائة سنة. وقال رحمه الله: فاتتنى صلاة العصر، وكنت قبل أن أبلغ، وقد أعدتها مائة مرة، وأنا أريد أن أعيدها أيضا.

قلت: الكلام فى هذا: هل هو مشروع أم لا؟

قال: وكان يصوم يوما ويفطر يوما. قال: وكان كثير الدعاء بالليل والنهار. قال: وكان إذا دعا كأن القلب يشهد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه، وكان إذا شرع فى الدعاء لا يكاد يقطعه، ولو اجتمع أهله وجيرانه.

فيدعو وهم حاضرون ويستبشرون بذلك. وكان يفتح عليه من الأدعية شئ

ص: 99

ما سمعته من غيره قط. وربما بكى بعض الحاضرين عند دعائه. وذكر من توخيه أوقات الإجابة وأماكنها. ويواظب على الدعاء يوم الأربعاء، بين الظهر والعصر بمقابر الشهداء من باب الصغير. وقال: ما رأيت مثل هذا الدعاء، أو أسرع إجابة منه. يا الله يا الله، أنت الله؟ بلى والله، أنت الله، لا إله إلا أنت.

الله الله الله، والله إنه لا إله إلا الله.

وكان يكثر فى دعائه من قوله: اللهم اجعل عملنا صالحا. واجعله لوجهك الكريم خالصا. ولا تجعل لأحد فيه شيئا، اللهم وخلصنى من مظالم نفسى.

ومظالم كل شئ قبل الموت. ولا تمتنى ولأحد علىّ مظلمة يطلبنى بها بعد الموت.

وإذا قضيت بالموت - ولا بد من الموت فاجعله على توبة نصوح - بعد الخلاص من مظالم نفسى ومظالم العباد - قتلا فى سبيلك على سنتك. وسنة رسولك صلى الله عليه وسلم، شهادة يغبطنى بها الأولون والآخرون، واجعل النقلة إلى روح وريحان.

ومستراح فى جنات النّعيم، ولا تجعلها إلى نزل من حميم، وتصلية جحيم.

ومن دعائه: أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم.

أن تصلى على محمد وعلى آل محمد، وأن ترزقنى رضوانك الأكبر. والفردوس الأعلى. وما قرب إليهما من قول وعمل ونية. والخاتمة بأفضل خاتمة تختم بها لعبادك الصالحين، والعلم والعمل به، والحلم والحكم، والفهم والحفظ. والغنى عن الناس، وزوال الوسواس. والشبهات والنجاسات. والدين والحاجة إلى الناس، والتزين بما يشينني عندك. اللهم طهر ألسنتنا من الكذب، والغيبة والنميمة، وقلوبنا من النفاق والغل والغش، والحسد والكبر والعجب. وأعمالنا من الرياء والسمعة. وبطوننا من الحرام والشبهة. وأعيننا من الخيانة. فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور. فى دعاء كثير.

وذكر جملة من كراماته وكلامه على الخواطر والمغيبات. فذكر عن بعضهم قال: كنت أمشى خلف الشيخ العماد فى السوق الكبير، فإذا صوت

ص: 100

طنبور. فلما وصلنا إلى عند صاحبه قال الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ونقض كمه. فرأيت صاحب الطنبور قد وقع وانكسر طنبوره. فقيل لصاحب الطنبور: إيش بك؟ قال: ما أدرى.

قال: وسمعت أبا محمد عبد المحسن بن عبد الكريم قال: كنت خلف الشيخ العماد، فوقع فى نفسى: أن الناس لا يعلمون من بعضهم بعضا إلا الظاهر، وأن سرائر الخلق لا يعلمونها، وإذا الشيخ قد دار إلى، وقال: قال - أظنه الفضيل - لا تعمل شرّا أو سوءا، فتمقتك قلوب الصالحين.

وسمعت على بن أبى بكر بن إدريس الطحان، قال: كان لى ابن مريض، فقلت: أدعو بدعاء مقاتل بن سليمان مائة مرة، فدعوت به، ثم جئت إليه، فالتفت إلىّ وإلى الحاضرين، وقال: دعاء بلا عمل لا ينفع، أو كما قال.

قال: وحكت زوجة الشيخ، قالت: كان قبل موته يكثر أن يقول: قد قرب الأمر، ما بقى إلا القليل.

وذكر الحافظ الضياء فى كتاب «الحكايات المقتبسة، من كرامات مشايخ الأرض المقدسة» فصلا فى كراماته - وقرأته بخطه - قال: سمعت الشيخ المجاب الدعوة أبا أحمد نصر بن محمد بن سليمان المرداوى بها يقول: جاء إلى عندنا الشيخ العماد، وكنت أشتهى أن أسأله عن أشياء، فكنت أستحى، فكان يبتدئ ويذكر كل ما أريد أن أسأل عنه.

قال: وحدثنى أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار، قال: كنت كثيرا ما أجئ إليه، وأنا أريد أن أقول شيئا، فيسبقنى فيتحدث ببعضه، فإذا رآنى قد ابتدأت فيه سكت، ولم يرنى أنه يريد ذلك.

قال الضياء: وكنت أجد فى قلبى قسوة، وكنت أشتهى أن أشكو إليه ذلك، فابتدأنى ليلة وذكر قسوة القلب. وقال: كيف يلين القلب إذا لم يكن العمل بإخلاص النية؟ وتكلم كلاما كثيرا مما كنت أجد فى نفسى، وفرحت

ص: 101

بكلامه. وسمعت عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار يقول: حدثنى أبو الحسن ابن مشرق العطار. قال: أصابتنى جنابة، ففاتتنى الصلاة - يعني صلاة الفجر - ثم اغتسلت وقضيتها فى النهار، وأتيت إلى صلاة الظهر معه. فوجدته فى التشهد فصليت وسلمت عليه، فقال: يا فلان، تفوتك فى يوم صلاتان؟ فقلت:

يا سيدى أنا تائب.

قال: وسمعت بعض أهلنا يقول: كنت ربما احتجت إلى شيء من الملبوس أو أشتهى شيئا من المأكول، فما أعلم حتى يبعث إلىّ الشيخ - يعنى العماد - بالذى أحتاج إليه أو أشتهيه.

وحدثنى أبو الربيع سليمان بن إبراهيم الاسعردى وغيره، أنهم كانوا عند الشيخ فى مسجده يوما، فقال لرجل: اخرج إلى هذا الرجل والمرأة اللذين خلف المسجد، واطردهما من ها هنا، فخرج فإذا رجل وامرأة يتحدثان ففرق بينهما.

وحدثنى أبو الربيع أيضا، قال: كنت عنده أيضا فى المسجد، فكان يوم يفتح لى بشيء لا يطعمنى شيئا، ويوم لا يفتح لى بشئ، يرسل إلىّ بشيء.

قال: جرى لى هذا معه كثيرا.

وحدثنى عبد الرحمن بن محمد المقدسى: أن رجلا فرق فى المصلى على الحاضرين زبيبا، وفرق آخر تمرا، أظنه للافطار، وكان الذى فرق التمر ماله ليس بجيد، فأخذ الشيخ التمرة، فشمها ثم تركها، وأخذ الزبيب فأفطر عليه.

وسمعت الإمام أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن أبى بكر، قال: أخذت يوما من عند رجل أجزاء كانت لى عنده وإجازات، فكان فى جملة ما أخذت:

إجازة لم تكن معى، ثم جئت إلى عند الشيخ، فأبصر الأجزاء، ثم شال الإجازة التى اختلطت معى، فقال: من أعطاك هذه؟ ثم عزلها، قال: فعرفت أنها كرامة فى حقه، وذكر من تيسير القرآن والعلم على من قرأ عليه أمرا عجيبا.

قال: وسمعت ظريفة بنت إبراهيم تقول: قال لى أحمد بن سالم: أنا أعرف

ص: 102

فى الجبل خمسة من الصّالحين - أو قال: من الأولياء - فسمى منهم الإمام إبراهيم بن عبد الواحد.

أحمد بن سالم - هذا - مرداوى كان عالما عاملا، ذا كرامات كثيرة، ذكرها أيضا فى هذا الكتاب.

قال: وحدثنى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار: أن زوجته عائشة بنت خلف بن راجح، حدثته: أنها رأت فى النوم قائلا يقول: قولوا للعماد يدعو لكم، فإنه من السبعة التى تقوم بهم الأرض.

وقد ذكره أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى تاريخه، وأثنى عليه ثناء كثيرا.

وقال: ما تحرك بحركة، ولا مشى خطوة، ولا تكلم كلمة إلا لله تعالى. وكان يتعبد بالإخلاص، ولقد رأيته مرارا فى الحلقة بجامع دمشق، والخطيب يوم الجمعة على المنبر، فيقوم ويأخذ الإبريق ويضع بلبلته على فيه، على رءوس الأشهاد، ويوهم الناس أنه يشرب، وإنه لصائم.

قال: وكان يحضر مجالسى دائما بجامع دمشق وقاسيون، ويقول: صلاح الدين يوسف فتح الساحل، وأظهر الإسلام، وأنت يوسف، أحييت السنة بالشام.

يشير بذلك إلى ما ذكره أبو المظفر على المنبر من كلام جده فى إمرار الصفات وإثباتها.

وقال أبو شامة: هو الذى سن الجماعة فى الصلوات المقضية. فكان يصلى بالجماعة بحلقتهم، بين المغرب والعشاء ما قدره الله تعالى. وبقى ذلك بعده مدة.

وذكره أبو محمد البزورى الواعظ، فى طبقات أصحاب ابن المنى فى سيرته. وأثنى عليه كثيرا. وكذلك أبو محمد عبد الرزاق الرسعني فى تفسيره: يذكره كثيرا.

ويثنى عليه ويعظمه. ويذكر من فوائده وكلامه.

قال الضياء: توفى رحمه الله. ليلة الخميس. وقت عشاء الآخرة، السادس عشر من ذى القعدة سنة أربع عشرة وستمائة. وقال المنذرى: السابع عشر.

ص: 103

ودفن يوم الخميس. وكان صلّى تلك الليلة المغرب بالجامع. ثم مضى إلى البيت، وكان صائما. فأفطر على شئ يسير. وحكى عنه: أنه لما جاءه الموت. جعل يقول: يا حى يا قيوم. لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث فأغثنى. واستقبل القبلة وتشهد ومات رحمه الله.

قال: ولما خرجت جنازته إلى الجامع اجتمع خلق كثير. فما رأيت الجامع إلا كأنه يوم الجمعة من كثرة الخلق. وتركت جنازته فى قبلة الجامع. وصلّى عليه الإمام موفق الدين شيخنا. وكان المعتمد يطرد الناس عنه، وإلا كانوا من كثرة من يتبرك به يخرقون الكفن. وازدحم الناس على جنازته بين يديها وخلفها حتى كاد بعض الناس يهلك، وخرج إلى الجبل خلق كثير. ما رأيت جنازة قط أكثر خلقا منها. وخرج القضاة والعدول ومن لا نعرفهم. وصلّى عليه غير مرة.

رحمه الله تعالى.

وقال سبط ابن الجوزى: غسل وقت السحر. وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وسع الناس الجامع، وصلّى عليه الموفق بحلقة الحنابلة بعد جهد جهيد، وكان يوما لم ير فى الإسلام مثله. كان أول الناس عند مغارة الدم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس. ولولا المبارز المعتمد وأصحابه: لقطعوا أكفانه. وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار. قال: وتأملت الناس من أعلى قاسيون إلى الكهف قريب المنظور، لو رمى إنسان عليهم إبرة لما ضاعت.

فلما كان فى الليل نمت وأنا متفكر فى جنازته. وذكرت أبيات سفيان الثورى التى أنشدها فى المنام.

نظرت إلى ربى كفاحا، فقال لى

هنيئا رضائى عنك يا ابن سعيد

فقد كنت قواما إذا أقبل الدجى

بعبرة مشتاق وقلب عميد

فدونك، فاختر أى قصر أردته

وزرنى، فإنى منك غير بعيد

وقلت: أرجو أن العماد يرى ربه كما رآه سفيان عند نزول حفرته، ونمت

ص: 104

فرأيت العماد فى النوم، وعليه حلة خضراء، وعمامة خضراء، وهو فى مكان متسع كأنه روضة، وهو يرقى فى درج مرتفعة، فقلت: يا عماد الدين، كيف بت؟ فإنى والله متفكر فيك، فنظر إلىّ وتبسم على عادته، وقال:

رأيت إلهى حين أنزلت حفرتى

وفارقت أصحابى وأهلى وجبرتى

فقال: جزيت الخير عنى، فإننى

رضيت، فها عفوى لديك ورحمتى

رأيت زمانا تأمل الفوز والرضا

فوقّيت نيرانى، ولقّيت جنتى

قال: فانتبهت مرعوبا، وكتبت الأبيات.

وذكر الضياء هذا المنام، عن أبى المظفر السبط، وذكر منامات أخر.

منها: أنه رؤى فى النوم على حصان، فقيل له: إلى أين؟ قال: أزور الجبار.

ورآه آخر، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال (يا ليت قومى يعلمون، بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين)

قال: وسمعت الفقيه الإمام أبا محمد عثمان بن حامد بن حسن المقدسى يقول:

رأيت الحق عز وجل فى النوم، والشيخ العماد عن يمينه، ووجهه مثل البدر، وعليه لباس ما رأيت مثله.

قال: وسمعت الفقيه الإمام عبد الحميد بن محمد بن ماضى المقدسى، يقول:

شممت من قبر الشيخ العماد مرتين رائحة طيبة، رحمه الله تعالى.

وقد حدث بالكثير، وسمع منه خلق كثير من الحفاظ والأئمة، كالضياء والمنذرى. وروى عنه ابن خليل وابن البخارى.

أخبرنا أبو عبد الله الأنصارى، أخبرنا أبو الحسن بن البخارى، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد المقدسى، أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسى، أخبرنا جعفر بن أحمد السراج، أخبرنا الحسن بن أحمد بن شاذان، حدثنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل. حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقرى، حدثنا سعيد بن سلمة المديني، عن هشام بن عروة، عن أخيه، عن

ص: 105

أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت لك كأبى زرع لأم زرع» ثم أنشأ يحدث حديث أم زرع وصواحبها، فذكر الحديث بطوله.

ورثاه الصلاح موسى بن شهاب المقدسى بأبيات. منها:

يا شيخنا، يا عماد الدين، قد قرحت

عينى وقلبى منك اليوم متبول

أوحشت والله ربعا كنت تسكنه

لكنه الآن بالأحزان مأهول

كم ليلة بت تحييها وتسهرها

والدمع من خشية الله مسبول

وسجدة طال ما طال القنوت بها

قد زانها منك تكبير وتهليل

‌256 - عبد الرحمن بن عمر

بن أبى نصر بن على بن عبد الدائم بن الغزّال البغدادى الواعظ أبو محمد، ويلقب بشهاب الدين.

ولد فى جمادى الآخرة

(1)

سنة أربع وأربعين وخمسمائة.

وسمع الكثير بإفادة أبيه وبنفسه من الحافظ ابن ناصر، وسعيد بن البناء.

ونصر بن نصر العكبرى، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى عبد الله بن الرطبى والنقيب أبى جعفر بن أحمد بن محمد العباسى، وأبى الوقت، والمبارك بن السراج، وابن المادح، وهبة الله بن الشبلى، وأبى زرعة بن البطى، وخلق كثير ممن بعدهم، وعنى بهذا الشأن، وقرأ بنفسه، وكتب الكثير بخطه، وله فى الخط طريقة حسنة معروفة، ووعظ مدة. ورأيت بخطه جزءا من أخبار الحلاج، الظاهر أنه جمعه، ويروى فيه بالأسانيد عن شيوخه، ومال إلى مدح الحلاج وتعظيمه، واستشهد بكلام ابن عقيل فى تصنيفه القديم الذى تاب منه، ولقد أخطأ فى ذلك.

قال ابن النجار: وسمعت منه، وكان سريع القراءة والكتابة، إلا أنه كان لحنة، قليل المعرفة بأسماء المحدثين.

قال: وقرأت بخط شيخنا أبى الفتوح نصر بن الحصرى: عبد الرحمن بن الغزّال، لا يحتج بقراءته ولا بخطه، وهو ساقط.

(1)

فى مخطوطة الثقافة «الأولى»

ص: 106

وحدث، وسمع منه جماعة، وأجاز للمنذرى، وعبد الصمد بن أبى الجيش، وروى عنه ابن الصيرفى.

وتوفى ليلة الثلاثاء نصف شعبان سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب. رحمه الله.

أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا يحيى بن الصيرفى الفقيه أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الواعظ. أخبرنا أبو الوقت أخبرنا أبو الحسن الداودى أخبرنا أبو محمد الحموى، أخبرنا محمد بن يوسف بن مطر، حدثنا البخارى المالكى حدثنا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة. قال: كان جدار المسجد عند المنبر. ما كادت الشاة تجوزها.

وكان له ولد نجيب، اسمه:

‌257 - أحمد،

ويسمى هبة الكريم أيضا. ويكنى أبا نصر، وكان سبط أبى العباس بن بكروس الفقيه المتقدم ذكره.

ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وحفظ القرآن، وقرأ بالروايات الكثيرة على أصحاب سبط الخياط. وتفقه فى المذهب، وتكلم فى مسائل الخلاف، ووعظ الناس على المنبر، واعتنى به والده، وأسمعه الكثير من ابن كليب، وابن بوش، وذاكر بن كامل، وابن المعطوش، وابن الجوزى، وأبي محمد بن الصابونى، وطبقتهم. وطلب هو بنفسه، وقرأ على الشيوخ، وكتب بخطه كثيرا. وكان حسن الطريقة، متدينا. ذكر ذلك ابن النجار. وقال: سمع منا كثيرا، واصطحبنا مدة، وكان طيب الأخلاق لطيفا، حسن العشرة كيسا، استلبته يد المنون فى عنفوان شبابه، وقد جاوز العشرين. لأنه توفى يوم الخميس خامس المحرم سنة إحدى وستمائة، قال: وصلينا عليه من الغد بجامع القصر، وتقدم للصلاة عليه والده، وحمل إلى باب حرب؛ فدفن هناك.

قال: ورأيته فى المنام، وعليه ثياب فاخرة، قميص فوط حديد، وبغيار

ص: 107

أبيض مليح، فسألته: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى، وقليل العمل ينفع عند الله.

وسألته عن عذاب القبر: أحق هو؟ قال: لا، فقلت له مرة ثانية: عذاب القبر حق، وجبذته جبذة، كالمنكر عليه، فقال: أنا ما رأيته، فقلت له: فمنكر ونكير؟ قال: إي والله حق، نزلا علىّ وسألانى، رحمه الله تعالى.

‌258 - أحمد بن أحمد

بن أحمد بن كرم بن غالب بن قتيل البندنيجى، ثم البغدادى، الأزجى، الحافظ، المحدث، المعدل، أبو العباس بن أبى بكر بن أبى السعادات، المعروف بابن البندنيجى.

ولد فى ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وتلقن القرآن من أبى حكيم النهروانى، وقرأه بالروايات على أبى الحسن البطائحى وغيره.

وسمع الحديث الكثير من أبى بكر بن الزاغونى، وأبى الوقت، وهبة الله بن الشبلى. وأبى محمد بن المادح، والشيخ عبد القادر الجيلى، والمبارك بن خضير، وأبى زرعة، وابن البطى وخلق كثير. وعنى بهذا الشأن، وكتب بخطه الكثير، وخرج وأفاد.

ووسمه جماعة بالحافظ، منهم: المنذرى. قال الذهبى: كان وافر السماع، كثير الشيوخ، حسن الأصول. حدث بالكثير، وسمع منه جماعة.

وقال غيره: كان مكثرا من الرواية والحفظ. وكان أحد شهود بغداد. شهد عند ابن الدامغانى سنة ست وسبعين وخمسمائة، ثم عزل عن الشهادة لما عزل قاضى القضاة العباسى. فإن خطه وجد على الكتاب الذى عزل القاضى بسببه بالعرض، واعتذر بأن القاضى أخبره بمعارضته بأصله، فركن إلى قوله. والله أعلم بحقائق الأمور. ثم فى سنة سبع وستمائة - لما ظهرت إجازة الخليفة الناصر من جماعة من الشيوخ، وكان ابن البندنيجى وأخوه تميم المتقدم ذكره: هما اللذان استجازا له، وكانت عند ولد تميم نمروى بها الخليفة، وأجاز للأعيان - أعيد ابن البندنيجى إلى عدالته بتزكيته الأولى وتقدم.

ص: 108

وتوفى رحمه الله ليلة الأربعاء - وقيل: ليلة الثلاثاء - رابع عشر رمضان سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن بمقبرة باب حرب.

أخبرنا أبو المعالى محمد بن عبد الرزاق - بقراءتى عليه ببغداد - أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف البزاز، أخبرنا أبو العباس أحمد بن أحمد بن أحمد المعدل الحاجب - كتابة - أخبرنا أبو الحسن سعد الله بن نصر الحيوانى - قراءة عليه - أخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد المقرئ، أخبرنا أبو نصر أحمد بن مسرور بن عبد الوهاب حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا - إملاء - حدثنا على بن محمد المصرى حدثنا مقدام بن داود، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة حدثنا درّاج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد الخدرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغوى عبادك ما دامت أرواحهم فى أجسادهم، قال الرب عز وجل: وعزتى وجلالى، لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى» .

وتوفى معه فى ثالث عشر رمضان من السنة -:

‌259 - أبو محمد عبد الكافى

بن بدر بن حسان الأنصارى الشامى الأصل المصرى، النجار الحنبلى، وكان شيخا صالحا كثير الصيام والتعبد.

سمع من البوصيرى، والأرتاحى، وعبد الغنى الحافظ، وربيعة بن نزار وغيرهم، علق عنه المنذرى شيئا.

توفى وله نحو الستين، ودفن بسفح المقطم.

‌260 - عبد الله بن الحسين

بن عبد الله بن الحسين العكبرى، ثم البغدادى الأزجى المقرئ، الفقيه، المفسر الفرضى، اللغوى، النحوى، الضرير، محب الدين، أبو البقاء بن أبى عبد الله بن أبى البقاء.

ولد ببغداد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. هكذا قال غير واحد.

ص: 109

وذكر الدبيثى: أنه سأله عن مولده. فقال: سنة ثمان وثلاثين، وقال القطيعى: سألته عن مولده؟ فقال: فى حدود سنة تسع وثلاثين.

وقرأ القرآن على أبى الحسن البطائحى، وسمع الحديث من أبى الحسن بن البطى، وأبى زرعة المقدسى، وأبى بكر بن النقور، وابن هبيرة الوزير. وقرأ الفقه على القاضى أبى يعلى الصغير، وأبى حكيم النهروانى، حتى برع فيه.

وأخذ النحو عن أبى محمد بن الخشاب، وأبى البركات بن نجاح، واللغة عن ابن القصاب. وبرع فى فنون عديدة من العلم، وصنف التصانيف الكثيرة، ورحلت إليه الطلبة من النواحى، وأقرأ المذهب والفرائض والنحو واللغة، وانتفع به خلق كثير.

قال أبو الفرج بن الحنبلى؛ الملقب بناصح الدين: كان - يعنى أبا البقاء - إماما فى علوم القرآن، إماما فى الفقه، إماما فى اللغة، إماما فى النحو، إماما فى العروض، إماما فى الفرائض، إماما فى الحساب، إماما فى معرفة المذهب، إماما فى المسائل النظريات، وله فى هذه الأنواع من العلوم مصنفات مشهورة.

قال: وكان معيدا للشيخ أبى الفرج بن الجوزى فى المدرسة، وكان متدينا، قرأت عليه كتاب «الفصيح» لثعلب، من حفظى، وقرأت عليه بعض كتاب «التصريف» لابن جنى.

وقال الإمام عبد الصمد بن أبى الجيش: كان يفتى فى تسعة علوم، وكان واحد زمانه فى النحو واللغة، والحساب والفرائض، والجبر والمقابلة والفقه، وإعراب القرآن والقراءات الشاذة، وله فى كل هذه العلوم تصانيف كبار وصغار، ومتوسطات، وذكر أنه قرأ عليه كثيرا.

وقال ابن الدبيثى: كان متفننا فى العلوم، له مصنفات حسنة فى إعراب القرآن وقراءاته المشهورة، وإعراب الحديث، والنحو واللغة، سمعت عليه، ونعم الشيخ كان.

ص: 110

وقال ابن النجار: قرأت عليه كثيرا من مصنفاته، وصحبته مدة طويلة، وكان ثقة متدينا، حسن الأخلاق متواضعا، كثير المحفوظ. وكان محبا للاشتغال والإشغال، ليلا ونهارا، ما يمضى عليه ساعة إلا وواحد يقرأ عليه، أو يطالع له، حتى ذكر لى: أنه بالليل تقرأ له زوجته فى كتب الأدب وغيرها، قال: وبقى مدة من عمره فقيد النظير، متوحدا فى فنونه التى جمعها من علوم الشريعة والآداب، والحساب، فى سائر البلاد، وذكر لى: أنه أضر فى صباه بالجدرى، وذكر تصانيفه.

وقال غيره: كان أبو القاء إذا أراد أن يصنف كتابا: أحضرت له عدة مصنفات فى ذلك الفن، وقرئت عليه، فإذا حصّله فى خاطره: أملاه، فكان بعض الفضلاء يقول: أبو البقاء تلميذ تلامذته، يعنى: هو تبع لهم فيما يلقونه عليه.

وقال المزانى: سمعت الشيخ أبا البقاء يقول: جاء إلىّ جماعة من الشافعية فقالوا: انتقل إلى مذهبنا، ونعطيك تدريس النحو واللغة بالنظامية، فأقسمت وقلت: لو أقمتمونى وصببتم عليّ الذهب حتى أتوارى، ما رجعت عن مذهبى.

‌ذكر تصانيفه

«تفسير القرآن» «البيان، فى إعراب القرآن» فى مجلدين «إعراب الشواذ» «متشابه القرآن» «عدد الآى» «إعراب الحديث» كتاب «التعليق، فى مسائل الخلاف» فى الفقه «شرح الهداية لأبى الخطاب فى الفقه» كتاب «المرام، فى نهاية الأحكام» فى المذهب كتاب «مذاهب الفقهاء» «الناهض، فى علم الفرائض» «بلغة الرائض، فى علم الفرائض» وكتاب آخر فى الفرائض، للخلفاء «المنقح من الخطل فى علم الجدل» «الاعتراض على دليل التلازم ودليل التنافى» جزء «الاستيعاب، فى علم الحساب» «اللباب، فى البناء والإعراب» «شرح الإيضاح» «شرح اللمع» «شرح التلقين، فى النحو» «التلخيص فى النحو» «الإشارة فى النحو» «تعليق على مفصل الزمخشرى»

ص: 111

«شرح الحماسة» «غوامض الألفاظ اللغوية للمقامات الحريرية» «شرح خطب ابن نباتة» «شرح بعض قصائد رؤبة» «شرح لغة الفقه» أملاه على ابن النجار الحافظ» «شرح ديوان المتنبى» «أجوبة مسائل وردت من حلب» «مسائل مفردة» «المشرق المعلم فى ترتيب اصطلاح المنطق على حروف المعجم» «تلخيص أبيات شعر لأبى على» «تهذيب الإنسان، بتقويم اللسان» «الإعراب عن علل الإعراب» وغير ذلك.

ومن شعره يمدح الوزير ابن القصاب:

بك أضحى حيد الزمان محلى

بعد ما كان من حلاه مخلّى

لا يجاريك فى تجاريك خلق

أنت أعلى قدرا وأعلى محلا

عشت تحيى ما قد أميت من الفض

ل وتنفى جورا، وتطرد محلا

قال ابن الساعى: ذكر شيخنا أبو البقاء: أنه لم يعمل قط سوى هذه الأبيات كذا قال، وقد قال ابن القطيعى: أنشدنى أبو البقاء لنفسه:

أشكو إلى الله ما ألقى من الكمد

ومن فراق حبيب فتّ فى عضدى

وهى اصطبارى، وها دمعى ينم على

برح الهوى بى، وأن قد خاننى جلدى

قد كنت والشمل ملموما بهم فرقا

من الفراق وإشفاقى على الرصد

فكيف حالى وقد شط المزار بهم

عنى، وبدّل قرب الدار بالبعد؟

طار الفؤاد شعاعا ساعة احتملوا

وألف البين بين الجفن والسهد

أنّى ألذّ بعيش بعد بعدهم

والروح فى بلد والجسم فى بلد؟

يا ويح قلبى من شوق أكابده

ضعفت عنه، فمن ذا آخذ بيدى؟

حكم الهوى جائر، عدوانه هدر

قتلاه ظلما بلا عقل ولا قود

قد رق قلبى ظلوم ما يرق له

من الغرام الذى أجنى على كبدى

أحنى الضلوع على قلب تملكه

من ليس يحنو على صب به كمدى

قال: وأنشدنى أبو البقاء العكبرى لنفسه:

ص: 112

صاد قلبى على العقيق غزال

ذو نفار وصاله ما ينال

فاتر الطرف، تحسب الجفن منه

ناعسا، والنعاس منه مدال

أخذ عنه العربية خلق كثير، وأخذ عنه الفقه جماعة من الأصحاب، كالموفق ابن صديق، ويحيى بن يحيى الحرانيين.

وسمع منه الحديث خلق كثير. وروى عنه ابن الدبيثى، وابن النجار، والضياء، وابن الصيرفى، وبالإجازة جماعة، منهم: الكمال البزار البغدادى.

وتوفى ليلة الأحد ثامن ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب، رحمه الله تعالى.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى، أخبرنا أبو زكريا يحيى ابن أبى منصور الحرانى - حضورا - أخبرنا أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبرى أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقى، أخبرنا مالك بن أحمد البانياسى، أخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبى الفوارس الحافظ، حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف ابن خلاد، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنى الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من نزع يدا من طاعة، لقى الله عز وجل ليست له حجة، ومن مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية» .

‌ذكر شئ من فوائده وكلامه فى الفقه وغيره

ذكر أبو البقاء فى شرح الهداية وجها بدخول الاستحاضة فى مدة النفاس، وقد حكاه قبله القاضى فى شرح المذهب.

وحكى فيما إذا حكّ أسفل الخف بعود ونحوه من النجاسة، فهل يقوم مقام

ص: 113

دلكه بالأرض فى طهارته أو العفو عنه؟ وجهين.

وقال فيه: الكلب والحمار الأهلى والوحشى سواء فى قطع الصلاة.

قال: وقال الشريف: رأيت فى بعض نسخ «المجرد» يقطع الحمار الأهلى.

وقال فيه: لم أجد لأصحابنا فى بعض الآية التى يجوز للجنب قراءتها حدا، وظاهر قولهم: أنه يجوز ذلك، وإن كثر البعض، وكان بمنزلة آيات متوسطة.

والأمر محمول عندى على غير ذلك، وهو أن يحمل البعض على مقدار دون آية متوسطة، إذا كان كلاما تاما غير متعلق بما قبله وما بعده.

وحكى ابن الصيرفى أيضا عن أبى البقاء: أنه كان يختار جواز أخذ بنى هاشم من الزكاة إذا منعوا حقهم من خمس الغنيمة.

وقال ابن الصيرفى أيضا: خرّجت جواز دفع الرشوة إلى القاضى الظالم لدفع ظلمه على عامل الخراج، وذاكرت بذلك شيخى أبا البقاء، فلم يصوبه، قال:

ثم رأيت ابن عقيل فى فنونه صرح بما خرجته.

قال: وسمعت شيخنا أبا البقاء يقول، فيمن رأى رجلا نائما، وقد دخل عليه وقت الصلاة: لا يوقظه؛ لأنه غير مخاطب، قال: ويغلب على ظنى أنه حكاه عن شيخه أبى حكيم.

قال: وقرأت بخط بعض أصحاب أبى الخطاب: أنه سأل أبا الخطاب عن هذه المسألة؟ فقال: نعم يوقظه.

قال: وحكى عن شيخنا أبى محمد بن قدامة المقدسى مثل ذلك.

قال: ورأيت فى فنون ابن عقيل هذه المسألة، وقد جرت فيها مذاكرات بين ابن عقيل ورجل آخر معين، واختلفا فى ذلك.

ومن كلامه فى حواشى المفصل: «أفعل» تستعمل على وجهين.

أحدهما: يدل على أن فضل المذكور زائد على فضل من أضيف إليه أفعل فهذا يستعمل على ثلاثة أوجه ب «من» كقولك: زيد أفضل من عمرو، وهذا لا يثنى

ص: 114

ولا يجمع ولا يؤنث، لعلة ليس هذا موضعها، وبالإضافة، كقولك: زيد أفضل القوم، وهذا لا يضاف إلى مضاف إلى ضميره، فلا تقول زيد أفضل إخوته، وبالألف واللام، كقولك: زيد الأفضل.

والوجه الثانى: أن لا يكون «أفعل» للزيادة، بل لاشتهار المذكور بالفضل وتخصيصه من دونهم، كقولك: زيد أفضل القوم، كما تقول: فاضل، وعلى هذا: يجوز أن يضاف إلى مضاف إلى ضميره، كقولك: زيد أفضل قومه، وأحسن إخوته، أى هو الفاضل من بينهم، وهذا يثنى ويجمع ويؤنث، ومنه الفرق بين قوله: من دخل دارى فله درهم، ومن دخل دارى له درهم. بإسقاط الفاء، أى إنه مع إثباتها يكون ضامنا له الدرهم على دخوله، ومع سقوطها يحتمل أن يكون أخبر عنه بأنه يملك درهما، لا أنه ضمن له شيئا، وقال: الفرق بين «واو» مع، «واو» العطف يتبين بقولك «قم أنت وزيد» إذا رفعت «زيد» كنت آمرا لهما بالقيام، لأن حكم العطف أن يشرك بين المعطوف والمعطوف عليه فى العامل، وإذا نصبت كنت آمرا المخاطب أن يتابع زيدا فى القيام، ولست آمرا زيدا بالقيام، حتى لو لم يقم لم يلزم المخاطب القيام، لأن هذا هو حكم «مع» .

ومن كلامه - ونقلته من خط ابن الصيرفى - «لو» يقع فى الكلام على ثلاثة أوجه.

أحدها: امتناع الشئ لامتناع غيره.

والثانى: أن يكون بمعنى «إن» الشرطية، كقوله تعالى (221:2 {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)} .

والثالث: أن تكون بمعنى «أن» الناصبة للفعل المستقبل، ولكنها لا تنصب، وهو كثير فى القرآن والشعر، كقوله تعالى (9:68 {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)،} (11:70 {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي)} ولا يجوز أن يكون للامتناع، إذ لا جواب لها، ولأن «ودّ» لا تعلق عن العمل؛ إذ ليس من باب العلم والظن

ص: 115

ولأن «أن» قد جاءت بعدها صريحة فى قوله تعالى (266:2 {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ)} وإنما لم تنصب، لأن «لو» قد تعددت معانيها، فلم تختص، وجرت مجرى «حتى» فى الأفعال. والقسم الأول يرد فى اللغة على خمسة أوجه.

أحدها: أن تدل على كلام لا نفى فيه، كقولك: لو قمت قمت، ويفيد ذلك امتناع قيامك لامتناع قيامه.

والثانى: أن تدخل على نفيين، فيصير المعنى إلى إثباتهما، كقولك: لو لم تزرنى لم أكرمك، أى أكرمتك لأنك زرتنى، فانقلب النفى ههنا إثباتا، لأن «لو» امتناع، والامتناع نفى، والنفى إذا دخل على النفى صار إيجابا.

والثالث: أن يكون النفى فيما دخلت عليه دون جوابها، كقولك: لو لم تشتمه لأكرمك، فالشتم واقع، والإكرام منتف، والامتناع أزال النفى، وبقى الإيجاب بحاله.

والرابع: عكس الثالث، وهو قولك: لو أحسن إليك لم تسئ إليه، والمعنى معلوم.

والخامس: أن تقع للمبالغة، فلا تفيد مفادها فى الوجوه الأول، كقول عمر رضى الله عنه «نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه» والمعنى: أنه لو لم يكن عنده خوف لما عصى، فكيف يعصى وعنده خوف؟ ولو لم يرد المبالغة لكان معنى ذلك: أنه يعصى الله، لأنه يخافه.

وقال أيضا: «لو» فى الموضع اللغوى تعلق فعلا بفعل، والفعل الأول علة الثانى، إلا أن يكون هنا قرينة صارفة تصرفها عن هذا الأصل. وهو أن يدل المعنى على إرادة المبالغة، كقولك: لو أهين زيد لأحسن إلى من يهينه، والمعنى:

أنه إذا أكرم كان أولى بالإحسان، لا أنه إذا لم يهن لم يحسن.

ومن كلامه «بله» تستعمل على ثلاثة أوجه.

ص: 116

أحدها: أن تكون بمعنى «غير» .

والثانى: أن تكون بمعنى «دع» فتكون مبنية على الفتح.

والثالث: أن تكون بمعنى «كيف» فإن دخلت «من» عليها كانت معربة، وجرّت بمن.

وذكر أن أبا على الفارسى حكى عن أبى زيد القلب، فيقال «بهل» إلا أنها لا تستعمل مثل «بله» لأنها فرع.

وقال أبو البقاء: سألنى سائل عن قوله صلى الله عليه وسلم «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» فقال: أيجوز فى «الرحماء» الرفع والنصب؟ وذكر أن بعضهم زعم أن الرفع غير جائز. فأجبت: بأن الوجهين جائزان.

أما النصب: فله وجهان، أقواهما: أن تكون «ما» كافّة لأنّ عن العمل فلا يكون فى «الرحماء» على هذا إلا النصب، لأن «إن» إذا كفّت عن العمل وقعت بعدها الجملة ابتدائية، ولم يبق لها عمل، فيتعين حينئذ نصب «الرحماء» ب «يرحم» إذ لم يبق لها تعلق بإنّ. ومثله (173:2 {إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ)} على قراءة من نصب، وفائدة دخول «ما» على هذا الوجه:

إثبات المذكور، ونفى ما عداه، فتثبت الرحمة للرحماء دون غيرهم.

والوجه الثانى: أن تكون «ما» زائدة، و «إن» بمعنى «نعم» وزيادة «ما» كثيرا، ووقوع «إن» بمعنى «نعم» كثير. فمنه قوله تعالى (63:25 {إِنْ هذانِ لَساحِرانِ)} فى أحد القولين. ومنه قول ابن الزبير، حين قال له رجل:

لعن الله ناقة حملتنى إليك، فقال «إنّ وراكبها» وهو كثير فى الشعر.

فإن قيل: إنما يجئ ذلك بعد كلام تكون جوابا له، ولم تسبق «ما» يجاب عليه:«نعم»

قيل: إن لم يسبق لفظا فهو سابق تقديرا، فكأن قائلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم: يرحم الله من عباده من يرحم الخلق، وإن كان مقصرا فيما بينه وبين

ص: 117

الله تعالى؟ فقال: نعم. وهذا مما يجوز أن يسأل عنه.

وأما الرفع: فجائز جوازا حسنا. وفيه عدة أوجه.

أحدها: أن تكون «ما» بمعنى الذى، والعائد إليها محذوف، و «الرحماء» خبر «إن» والتقدير: إن الفريق الذى يرحمه الله من عباده الرحماء.

فإن قيل: يلزم من ذلك: أن تكون «ما» هنا لمن يعقل؟

فقيه جوابان. أحدهما: أن «ما» قد استعملت بمعنى «من» كقوله تعالى (3:4 {فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً، أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)} وهو كثير فى القرآن. ومنه (5:91، 6 {وَالسَّماءِ وَما بَناها. وَالْأَرْضِ وَما طَحاها)} فى أصح القولين.

وحكى أبو زيد عن العرب: سبحان ما سبّحتنّ له. وسبحان ما سخركن لنا.

والثانى: أن «ما» تقع بمعنى «الذى» بلا خلاف، و «الذى» تستعمل فيمن يعقل، وفيمن لا يعقل. وإنما يعرف ذلك بما يتصل بها، وكذلك فى «ما» لا سيما إذا اتصل بها ما يصير وصفا، وإنما تفترق «ما» و «الذى» فى أن «الذى» يوصف بلفظها، و «ما» لا يوصف بلفظها.

فإن قيل: كيف يصح هذا؟ والرحماء جمع، و «ما» بمعنى «الذى» مفردة، والمفرد لا يخبر عنه بالجمع؟.

قيل: «ما» يجوز أن يخبر عنها بلفظ المفرد تارة، وبلفظ الجمع أخرى، مثل «من» و «كل» قال تعالى (25:6 {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)} وقال فى آية أخرى (42:10 {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ)} وكذلك قوله تعالى (112:2 {بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)} وقال فى «كل» (87:27 {وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)}، (95:19 {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً)} فالإفراد محمول على لفظ «من» و «ما» و «كل» والجمع محمول على معانيها.

ص: 118

وأما «الذى» فقد استعملت مفردة للجنس، ورجع الضمير تارة إلى لفظها مفردا، وتارة إلى معناها مجموعا، قال تعالى (17:2 {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً. فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ)} فجاء بالضمير مفردا ومجموعا، وقال تعالى (33:39 {وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)} فأعاد الضمير بلفظ الجمع، فكذلك فى قوله «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» ولك على هذا الوجه أن تجعل «إن» العاملة، وأن تجعلها بمعنى «نعم» على ما سبق.

الوجه الثانى من وجوه «ما» التى يجوز معها رفع «الرحماء» : أن تكون «ما» نكرة موصوفة فى موضع: فريق أو قبيل، و «يرحم» صفة لها، و «الرحماء» الخبر، والعائد من الصفة إلى الموصوف محذوف، تقديره: إن فريقا يرحمه الله: الرحماء.

فإن قيل: كيف يصح الابتداء بالنكرة، والإخبار بالمعرفة عنها؟

قيل: النكرة هنا قد خصصت بالوصف، والرحماء لا يقصد بهم قصد قوم بأعيانهم. فكان فيه كذلك نوع إيهام. فلما قرنت النكرة هنا بالصفة من المعرفة، وقرنت المعرفة من النكرة بما فيها من إبهام: صح الإخبار بها عنها، على أن كثيرا من النكرات يجرى مجرى المعارف فى باب الأخبار إذا حصلت من ذلك فائدة، والفائدة هنا حاصلة.

الوجه الثالث: أن تكون «ما» مصدرية، وفى تصحيح الإخبار عنها بالرحماء ثلاثة أوجه.

أحدها: أن يكون المصدر هنا بمعنى المفعول، تقديره: إن مرحوم الله من عباده الرحماء. ومنه (11:31 {هذا خَلْقُ اللهِ)} أى مخلوقه. وقال أبو عليّ: لك أن تجعل «ما» من قوله {(وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)} مصدرية: أى كتمانكم، وكتمانكم بمعنى مكتومكم؛ لأن الكتمان لا يظهر، وإنما يظهر المكتوم.

ص: 119

الوجه الثانى: أن المضاف إلى المصدر، أو إلى الخبر: محذوف، تقديره:

إن ذوى رحمة الله من عباده الرحماء، أى المستحقون لها، أو إن رحمة الله حق الرحماء. ومثل هذين الوجهين فى قوله تعالى (177:2 {وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ)} هل تقديره: ولكن ذا البر من آمن؟ ولكن البر برّ من آمن.

الوجه الثالث: أن لا تقدر حذف مضاف، غير أنك تجعل «الرحماء» هم الرحمة على المبالغة، كما قالوا: رجل عدل، ورجل زور، ورجل علم، وقوم صوّم، إذا كثر منهم ذلك. ومنه قول الخنساء:

ترتع ما رتعت، حتى إذا

أذكرت، فإنما هى إقبال وإدبار

فثبت بما ذكرناه وهو قول من زعم امتناع الرفع فى الرحماء. والله أعلم بالصواب.

‌261 - يحيى بن يحيى الأزجى

الفقيه، صاحب كتاب «نهاية المطلب، فى علم المذهب» وهو كتاب كبير جدا، وعبارته جزلة، حذا فيه حذو «نهاية المطلب» لإمام الحرمين الجوينى الشافعى، وأكثر استمداده من كلام ابن عقيل فى الفصول ومن المجرد، وفيه تهافت كثير، حتى فى كتاب الطهارة، وباب المياه، حتى إنه ذكر فى فروع الآجر المجبول بالنجاسة كلاما ساقطا يدل على أنه لم يتصور هذه الفروع، ولم يفهمها بالكلية. وأظن هذا الرجل كان استمداده من مجرد المطالعة، ولا يرجع إلى تحقيق.

وقد ذكر فى كتابه: أنه قرأ بنفسه على ابن كليب الحرانى، ولم أعلم له ترجمة، ولا وجدته مذكورا فى تاريخ، ويغلب على ظنى: أنه توفي بعد الستمائة بقليل.

ورأيت فى كلام ابن الوليد المحدث: أن هذا الأزجى كان من كبار أصحاب أحمد وزهادهم، ولم يزد على ذلك.

ص: 120

‌262 - محمد بن عبد الله

بن الحسين السامرى، الفقيه الفرضى، أبو عبد الله ويلقب نصير الدين، ويعرف بابن سنينة - بسين مهملة مضمومة ونونين مفتوحتين بينهما ياء ساكنة - هكذا ذكره ابن نقطة. وقال: وجدته بخط شيخنا ابن الأخضر.

وقال القطيعى محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن القاسم المعروف بابن بسينة، وهو تصحيف.

ونسبه ابن النجار فقال: محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن قاسم ابن إدريس المعروف بابن سنينة.

ولد سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بسامرا.

وسمع من ابن البطى، وأبى حكيم النهروانى، وعبد اللطف بن أبى سعد ببغداد وتفقه على أبى حكيم، ولازمه مدة، وبرع فى الفقه والفرائض. وصنف فيها تصانيف مشهورة، منها: كتاب «المستوعب» فى الفقه وكتاب «الفروق» وكتاب «البستان» فى الفرائض.

وولى الفضاء بسامرا، وأعمالها مدة. ثم ولى القضاء والحسبة ببغداد، ثم عزل عن القضاء، وبقى على الحسبة. ثم عزل عنها وولى إشراف ديوان الزمام، وعزل أيضا. ولقب فى أيام ولايته «معظم الدين» وما عزل عنه ألزم بيته مدة، ثم أذن له فى العود إلى بلده، فعاد إليها، ثم رجع إلى بغداد فى آخر عمره، وبها توفى.

قال ابن النجار: كان شيخا جليلا، فاضلا نبيلا، حسن المعرفة بالمذهب والخلاف، له مصنفات فيهما حسنة، وما أظنه روى شيئا من الحديث.

وذكر ابن الساعى المؤرخ: أنه كتب عنه، وأجاز للشيخ عبد الرحيم بن الزجاج.

وتوفى ليلة الثلاثاء السابع عشرى رجب سنة ست عشرة وستمائة ببغداد، وصلّى عليه من الغد بالنظامية، وأمّ الناس فى الصلاة عليه عبد العزيز بن دلف، ودفن بمقبرة باب حرب.

ص: 121

وفى كتابيه «المستوعب» و «الفروق» فوائد جليلة، ومسائل غريبة،

ورأيت لأبى عبد الله بن الوليد المحدث رسالة إليه يعاتبه فيها على قوله: إن أحاديث الصفات لا تقبل؛ لكونها أخبار آحاد، وبسط القول فى ذلك على طريقة أهل الحديث، وملأها بالأحاديث والآثار المسندة.

‌263 - عثمان بن مقبل

بن قاسم الياسرى، ثم البغدادى، الفقيه الواعظ أبو عمرو، ويلقب جمال الدين، من أهل «الياسرية» قرية من قرى بغداد، على نهر عيسى.

قدم بغداد، وسمع بها من ابن الخشاب، وشهدة، وطبقتهما، ومن دونهما، وقرأ بنفسه. وتفقه على أبى الفتح بن المنى، وتكلم فى المسائل ووعظ.

قال الناصح بن الحنبلى: سمع درس شيخنا ابن المنى سنين، وسمع الحديث الكثير، وسمعت بقراءته، ووعظ ولازم الوعظ، وتقدم فى الوعظ إلى غاية تميز بها عن نظائره فى صلاح ودين وسمت.

وذكره عبد الصمد بن أبى الجيش فى شيوخه، وقال: له تصانيف، وقد حدث، وسمع منه جماعة، وأظن ابن الصيرفى الحرانى سمع منه وتفقه عليه، فإنه يقول عنه: شيخنا. وقرأ عليه عبد الرزاق الرسعنى.

قال ابن الحنبلى: حدثنى الحافظ تقى الدين إبراهيم بن الأزهر الصريفينى قال: مات - يعنى الياسرى - يوم الخميس ضاحى نهار الحادى والعشرين من ذى الحجة سنة ست عشرة وستمائة.

قال الحافظ: وحضرت جنازته وصلّى عليه بجامع القصر فى خلق كثير، وجمّ غفير، بحيث لم أشاهد عداد جنازة أكثر خلقا منها. وامتلأ الجامع.

بحيث لا يكاد الإنسان يجد إلا موضع قدميه.

وذكر غيره: أنه دفن بباب حرب. رحمه الله تعالى.

ص: 122

‌264 - محمد بن أبى المكارم

الفضل، ابن بختيار بن أبى نصر اليعقوبى، الخطيب الواعظ، أبو عبد الله. ويلقب بهاء الدين. ويعرف بالحجة.

ذكر أن مولده فى ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة بيعقوبا.

وسمع ببغداد من أبى الفتح بن شاتيل، وعبد المغيث الحربى، وابن الجوزى وطبقتهم.

وذكر أنه سمع من أبى الوقت، والشيخ عبد القادر وغيرهما. وولى الخطابة ببلدة يعقوبا. ووعظ وسكن دقوقا. وحدث بها وبأربل، وغيرهما. وحدث بأحاديث فيها وهم، فعرف الخطأ فيها فترك روايتها. ذكره المنذرى. قال: وقد تتبع عليه غير ذلك. قال: وصنف كتاب «غريب الحديث» وحدث به بأربل.

قلت: وصنف «شرح العبادات الخمس» لأبى الخطاب. وقرأه على أبى الفتح ابن المنى سنة إحدى وثمانين. وكتب له عليه «قرأه عليّ مصنفه الشيخ الأجل العالم الفقيه بهاء الدين حجة الإسلام، قراءة عالم بما فيه من غرائب الفوائد، وعجائب الفرائد» وكتب له عليه أيضا الفخر إسماعيل، وأثنى على تصنيفه كثيرا.

توفى فى جمادى الأولى - وقيل: الآخرة - سنة سبع عشرة وستمائة بدقوقا.

ودفن بها رحمه الله تعالى.

‌265 - عبد الغنى بن قاسم

بن عبد الرزاق بن عياش الهناوى المقدسى الأصل، المصرى، الفقيه الزاهد، أبو القاسم. من أهل مصر.

سمع بها من البوصيرى، وأبى عبد الله الأرتاحى، وأبى الحسن بن نجا الواعظ. وزوجته فاطمة بنت سعد الخير، وعبد المجيب بن زهير الحربى، وربيعة اليمنى وجماعة.

وتفقه فى المذهب. وانقطع إلى الحافظ عبد الغنى عند قدومه مصر، ولازمه، وكتب عنه كثيرا من مصنفاته وغيرها. ذكر ذلك المنذرى، وقال: سمع معنا من جماعة من شيوخنا. وصحب جماعة من المشايخ. وكان صالحا، مقبلا على مصالح

ص: 123

نفسه، منفردا، قانعا باليسير، يظهر التجمل مع ما هو عليه من الفقر، وحدث.

وتوفى ليلة ثانى عشر صفر سنة ثمان عشرة وستمائة. ودفن من الغد بسفح جبل المقطم على شفير الخندق. رحمه الله تعالى.

‌266 - محمد بن خلف

بن راجح بن بلال بن هلال بن عيسى بن موسى ابن الفتح بن زريق المقدسى، ثم الدمشقى، الفقيه المناظر، شهاب الدين أبو عبد الله.

ولد سنة خمسين وخمسمائة بجماعيل. ثم قدم دمشق، وسمع بها من أبى المكارم ابن هلال.

وقدم مصر، فسمع بالإسكندرية من السلفى.

ورحل إلى بغداد، فسمع بها من أبى محمد بن الخشاب، وأبى الحسين اليوسفى، وشهدة، وطبقتهم. وتفقه بها فى المذهب، والخلاف على ابن المنى، حتى برع.

وكان بحاثا مناظرا، مفحما للخصوم، ذا حظ من صلاح وأوراد، وسلامة صدر، أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر. وكتب بخطه كثيرا من الحديث وغيره من العلوم.

قال المنذرى: لقيته بدمشق، وسمعت منه. وكان كثير المحفوظات، متحريا فى العبادات، حسن الأخلاق.

وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: كان زاهدا عابدا ورعا، فاضلا فى فنون العلوم. وحفظ مقامات الحريرى فى خمسين ليلة، فتشوش خاطره. وكان مما يغسل باطن عينيه قد قل نظره. وكان سليم الصدر، من الأبدال، ما خالف أحدا قط. رأيته يوما - وقد خرج من جامع الجبل - فقال له إنسان: ما تروح إلى بعلبك؟ فقال: بلى، فمشى من ساعته إلى بعلبك بالقبقاب.

قال أبو شامة: كنت أراه يوم الجمعة قبل الزوال يجلس على درج المنبر

ص: 124

السفلى بجامع الجبل، وبيده كتاب من كتب الحديث، أو أخبار الصالحين يقرؤه على الناس إلى أن يؤذن المؤذن للجمعة.

وتوفى يوم الأحد سلخ صفر سنة ثمان عشرة وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.

وذكر المنذرى: أنه توفى فى تاسع عشر صفر. ودفن من الغد. وذكر بعده من توفى فى سلخ الشهر.

وروى عنه ابن البخارى، ووالده أبو العباس أحمد. ويلقب بالنجم. تفقه على ابن المنى، وبرع، ثم صار شافعيا، وولى قضاء دمشق نيابة، ثم عزل. وله تصانيف.

‌267 - على بن ثابت

بن طالب الطالبانى البغدادى الأزجى، الفقيه الواعظ أبو الحسن. ويلقب موفق الدين.

سمع ببغداد من صالح بن الرحلة، وشهدة. وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل. وتفقه ببغداد على أبى الفتح بن المنى. واشتغل بالموصل بالخلاف على ابن يونس الشافعى. فأقام بحران مدة عند الخطيب ابن تيمية. ثم جرى بينه وبينه نكد، فقدم دمشق ثم رجع، وأقام برأس العين من أرض الجزيرة.

ووعظ هناك، وحدث وانتفع به.

قال ابن نقطة: وسمعت منه. وسماعه صحيح. قال: وذكر لى ابن شحامة الحرانى: أنه توفى فى شعبان سنة ثمان عشرة وستمائة برأس العين رحمه الله تعالى.

قال: ونابت - يعنى أباه - أوله نون. وكذا قال المنذرى، وزاد:

«والطالبانى» بفتح الطاء المهملة، وبعد الألف لام مفتوحة، وباء موحدة، وبعد الألف الثانية نون مكسورة.

وله كلام فى بيع الفلوس النافقة بأحد النقدين: أنه يجوز النساء فيها. قال:

كما يجوز بيع غيرها من الرصاص والحديد والصفر والنحاس.

ص: 125

قال: ومنع أحمد من السلف فى الفلوس، لا يصح جملة على ما ذكره الأصحاب: أنها أثمان، لأنه يحتمل وجوها أخر، منها: أنه لم يجوز السلم فى الفلوس عددا، لاختلافها فى الخفّة والثقل. فأما وزنها فقياس المذهب صحته.

قال: ولو أراد المنع من أجل أنها أثمان لجوزه. إذا جعل رأس مال السلم فيها غير الأثمان، ويحتمل أنه منع من السلم فيها بناء على الرواية التى نقلت عنه: أنه منع من النساء فى أموال الربا، سواء اتفق الجنس أو اختلف. ثم نقل عنه جواز النساء مع اختلاف الجنس. وهو الصحيح من المذهب. ويحتمل أنه منع من السلم فيها إذا كانت نافقة، خوفا من تحريم السلطان لها قبل المحل، فيصير كما لو أسلم فى شئ يحتمل أن يوجد وأن لا يوجد، فإنه لا يصح.

قال: ولا يصح جعلها أثمانا، لأن الثمنية تختص بالذهب والفضة. وقد ذكر هذا أبو الخطاب فى هدايته. وذكر ابن عقيل فى الفصول: أن التفاضل يحرم فى بيع أحد النقدين بمثله بعلة كونه موزون جنس، فيتعدّى إلى كل موزون، ولو كان كما ذكر لما جاز إسلام النقدين فى الحديد والرصاص والنحاس. وقد زعم أنه أجاز ذلك استحسانا. وهذا لا يستقيم؛ لأنه يزعم أن الوزن ثبت كونه غلة بإيماء صاحب الشرع، وهى مقدمة على الاستحسان بإجماع الفقهاء، ثم احتج على أنها ليست ثمنا بأنها تختلف فى نفاقتها وكسادها باختلاف البلدان والأزمان، بخلاف النقدين، وبأنها لا تثبت فى الذمة مطلقة، وبأنها فى الغصب والإتلاف تقوّم بالنقدين لا بالفلوس.

ثم أرسل ابن الطالبانى هذا الكلام إلى الشيخ موفق الدين المقدسى.

فكتب عليها: هذه مسألة فروعية اجتهادية، لا حرج على المجتهد فيها إذا كان من أهل ذلك، وليس ينبغى أن ينكر على مجتهد اجتهاده، وإنما يتباحث الفقهاء، ليعرف الصواب. والذى ذكره الإمام موفق الدين - يعنى ابن الطالبانى - من

ص: 126

كون الفلوس ليست ثمنا أصليا: صحيح لما بينه. ولأنها لا تكون رأس مال فى الشركة والمضاربة.

وأما منع الإمام أحمد رضى الله عنه من السلم فيها: فإن الذى ذكره الموفق فيها محتمل، لولا أن الإمام أن أحمد قد علل ذلك بأنه يشبه الصرف. وهذا يحتمل أن يكون منه على سبيل الورع، لشبه الفلوس بالأثمان فى المعاملة بها، وجريانها مجرى الدراهم والدنانير، وأما أنا: فإننى متوقف عن الفتيا فى هذه المسألة، ولست منكرا على من وافق فيها، ولا على من خالف من عمل بفتياء.

قلت: أما كون الفلوس أثمانا عند نفاقها: فهو قول كثير من الأصحاب.

وقد صرح به أبو الخطاب فى خلافه الصغير وغيره. ومنهم من جعلها أثمانا بكل حال، كصاحب «المبهج» وخالف فى ذلك ابن عقيل فى باب الشركة من فصوله، ونصر أنها عروض بكل حال، كما رجحه ابن الطالبانى.

وأما ما نقله ابن الطالبانى عن أبى الخطاب فى هدايته - أنه ذكر أن الأثمان هى الذهب والفضة خاصة - فهذا ذكره تفريعا على الرواية الثانية والثالثة فى علة ربا الفضل. وأما على المذهب المشهور: فإنه صرح بأن النقدين من جملة الموزونات، والعلة فيها الوزن، كما صرح بذلك غيره من الأصحاب. بل كلام أبى الخطاب فى خلافه الصغير يقتضى أن العلة فى النقدين الوزن بغير خلاف، وأن الخلاف إنما هو فى علة الأصناف الأربعة البواقى، وهكذا قال القاضى فى خلافه الكبير، وابنه أبو الحسين. وقد قال أحمد فى رواية ابن القاسم وسندى الخواتيمى «رطل حديد برطلين حديد لا يجوز، قياسا على الذهب والفضة» فنص على أن علتهما الوزن

وبالجملة: فالمذهب المشهور: أن علة ربا الفضل فى النقدين الوزن، وعلة الربا فى الأربعة البواقى الكيل، كما قاله ابن عقيل، ولم ينفرد ابن عقيل بهذا كما ذكر، بل كل الأصحاب يوافقونه على هذا النقل، وإن كان من متأخريهم من رجح أن علة الذهب والفضة كونهما نقودا، أو كونهما جوهرى الأثمان.

ص: 127

ولهذا قالوا فى ربا النساء: إنه يحرم فى كل مكيل بيع بمكيل، أو موزون بيع بموزون، وإن اختلف الجنسان. واستثنوا من ذلك بيع العروض الموزونة بالنقدين

وقد نقل ابن منصور فى مسائله عن الثورى وأحمد وإسحاق جواز السلف فى الفلوس. فإنه قال: قلت لأحمد: قال - يعنى سفيان - السلف فى الفلوس لا يرون به بأسا، يقولون: يجوز برءوسها. قال - يعنى أحمد -: إن تجنبه رجل أرجو أن لا يكون به بأس. وإن اجترأ عليه رجل أرجو أن لا يكون به بأس.

قال سعيد بن المسيب: لا ربا إلا فى ذهب أو فضة، أو ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب.

قال إسحاق - يعنى ابن راهويه - لا بأس بالفلس بالفلس، يدا بيد، ولا بأس بالسلم فى الفلوس، إذا كان يمكنه ذهبا أو فضة، رآه قوم كالصرف وليس ببين.

‌268 - عبد الرحيم بن النفيس

بن هبة الله بن وهبان بن رومى بن سلمان بن محمد بن سلمان بن صالح بن محمد بن وهبان، السلمى، الحديثى، ثم البغدادى، أبو نصر بن أبى جعفر، الفقيه المحدث

ولد فى عاشر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد

وقرأ القرآن. وسمع الكثير من أبى الفتح بن شاتيل، وأبى السعادات القزاز، وخلق. وطلب بنفسه، وأمعن وبالغ، وارتحل فى الطلب إلى الشام والجزيرة، وديار مصر، والعراق، وخراسان، وما وراء النهر، وخوارزم

وسمع بواسط من ابن المنداوى، وبأربل من ابن طبرزد، وبنيسابور من المؤيد، وبهراة من أبى روح، وبماوراء النهر من طائفة، وبإصبهان من أصحاب زاهر وغيره، وبدمشق من الكندى، وابن الحرستانى وجماعة، وبمصر من جماعة.

ولقى بالاسكندرية ابن المفضل.

ص: 128

وكتب بخطه الكثير. وتفقه فى المذهب، وتكلم فى مسائل الخلاف، وحصل من الأدب طرفا صالحا. وحدث ببغداد ودمشق وغيرهما.

قال ابن النجار: كان مليح الخط، صحيح النقل والضبط، فاضلا حافظا متقنا، ثقة صدوقا. له النظم والنثر الجيد. وكان من أكمل الناس ظرفا ولطفا، وحسن خلق، وطيب عشرة وتواضع، مع كمال مروءة، ومسارعة إلى قضاء حوائج الإخوان.

قال: وعلقت عنه ببغداد ومرو شيئا كثيرا من شعره، وشعر غيره، فمنه:

سلوا فؤادى: هل صفا

شربه مذ نأيتم عنه أوراقا؟

وهل يسليه إذا غبتم

إن أودع التسليم أو رافا؟

ومنه قوله:

وافت صحيفة أفضال مضمنة

من التشوق أصنافا وأوصافا

تطولا من خليل لا أرى بدلا

منه على حالتيه: صدّ أو صافى

وقال المنذرى: علقت عنه بمصر فوائد، وسمعت شيئا من شعره. وكان حادّ الخاطر، جيد القريحة، فقيها متأدبا شاعرا.

قتل شهيدا سنة ثمان عشرة وستمائة فى فتنة التتار الكفار بخراسان.

رحمه الله تعالى

قرئ على أبى الفتح الميدومى - بمصر، وأنا أسمع - أخبركم أبو الفرج الحرانى - سماعا - قال: أنشدنا رفيقنا أبو نصر عبد الرحيم بن شيخنا أبى جعفر النفيس ابن هبة الله بن وهبان الحديثى لنفسه:

تبلى يدى بعد ما خطّت أناملها

كأنها لم يكن طوعا لها القلم

يا نفس ويحك نوحى حسرة وأسى

على زمانك إذ وجداننا عدم

واستدركى فارط الزلات واغتنمى

شرخ الشبيبة، فالأوقات تغتنم

وقدمى صالحا تزكو عواقبه

يوم الحساب إذا ما أفلس الأمم

ص: 129

«والحديثى» نسبة إلى «الحديثة» مدينة على شاطئ الفرات

‌269 - نصر بن محمد

بن على بن أبى الفرج أحمد بن الحصرى الهمدانى البغدادى، المقرئ المحدث، الحافظ الزاهد الأديب، أبو الفتوح بن أبى الفرج.

ويلقب برهان الدين. نزيل مكة، وإمام حطيم الحنابلة بها.

ولد فى شهر رمضان سنة ست وثلاثين وخمسمائة.

وقرأ القرآن بالروايات على أبى بكر بن الزاغونى، وأبى الكرم الشهرزورى ومسعود بن الحصين، وأبى المعالى بن السمين، وسعد الله بن الدجاجى، وجماعة غيرهم.

وسمع الحديث لكثير من أبى الوقت، والنقيب أبى طالب محمد بن أبى زيد الحسينى، وهبة الله بن الشبلى، وأبى المظفر بن التريكى، وابن المادح، والشيخ عبد القادر، والمبارك بن خضير، وأحمد بن المقرب، وابن البطى، وأبى زرعة، ويحيى بن ثابت بن بندار، وأبى بكر بن النقور، وابن الخشاب، وعبد الحق اليوسفى، وشهدة، وخلق كثير من البغداديين، والغرباء. وعنى بهذا الشأن.

وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير، ولم يزل يقرأ ويسمع، ويفيد إلى أن علت سنه، واشتغل بالأدب، وحصل طرفا صالحا منه، ثم خرج من بغداد إلى مكة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، فاستوطنها، وأمّ بها بالحنابلة، وكان شيخا صالحا متعبدا

وقال ابن الدبيثى: كان ذا معرفة بهذا الشأن - يعنى الحديث - ونعم الشيخ كان، عبادة وثقة

وقال ابن نقطة: كان حافظا ثقة.

وقال ابن النجار: كان حافظا حجة نبيلا، جم الفضائل، كثير المحفوظ من أعلام الدين، وأئمة المسلمين، كثير العبادة، والتهجد والصيام.

وقال ابن مسدى: كان أحد الأئمة الأثبات، مشارا إليه بالحفظ.

ص: 130

وقال أبو المظفر السبط: سمعت منه بمكة. وكان متعبدا لا يفتر من الطواف، صالحا ثقة.

وقال أبو الفرج بن الحنبلى: سمعت عليه جزءا فى المسجد الحرام. وكان إماما فى علوم القرآن، ومحدثا حافظا وعابدا.

قال لى الملك المحسن أحمد بن الملك الناصر صلاح الدين: ما رأيت أعبد من البرهان بن الحصرى كان يعتمر فى رمضان ثلاث عمر فى نهاره وثلاث عمر فى ليله.

وقال لى شيخنا طلحة العلثى - ببغداد سنة أربع، أو خمس، وسبعين - ما فى بغداد مثل البرهان بن الحصرى فى علم القراءات، ما تقدر تقرأ عليه سورة كاملة من شدة تحريره.

حدث أبو الفتوح بن الحصرى بالكثير ببغداد، ومكة. وسمع منه خلق كثير من الأئمة والحفاظ، وغيرهم.

روى عنه ابن الدبيثى، وابن نقطة، وابن النجار، والضياء، والبرزالى، وابن خليل، والسيف الباخرزى، والتاج ابن القسطلانى، ومقداد القيسى. وهو خاتمة أصحابه سمع منه كثيرا بمكة. من ذلك: سنن أبى داود بسماعه من أبى طالب ابن أبى زيد العلوى نقيب البصرة، بسماعه من أبى على التسترى.

والذى ذكره عمر القرشى وغيره: أنه لم يوجد للعلوى سماع من السنن إلا الجزء الأول. وذكر غيره: أن العلوى طولب بأصل سماعه ببغداد، فانحدر إلى البصرة، واجتهد، فلم يجد سماعه إلا فى الجزء الأول. ذكره ابن نقطة.

قال: وذكر شيخنا أبو الفتوح بن الحصرى: أن سماعه ظهر، قال:

ولا أعلم أحدا قال ذلك غيره.

قلت: الحافظ أبو الفتوح ثقة، لا مغمز فيه، والعلوى غير متهم. وقد ادعى سماع الكتاب، ولكن لم يظهر له فى ذلك الوقت إلا سماع الجزء الأول.

فاحتاطوا وقرءوا عليه الباقى بالإجازة، إن لم يكن سماعا. فلا يبعد ظهور سماعه

ص: 131

للباقى بعد ذلك، كما جرى فى سنن ابن ماجة. ويصير السماع متصلا، لا إجازة فيه على الصحيح، بل الجمهور على جواز القراءة للكتاب كله بالسماع بمجرد قول الشيخ الثقة. وقد تقدم ذكر هذه المسألة، وفتاوى العلماء فيها. والله أعلم.

قال الحافظ الضياء: توفى شيخنا الحافظ الإمام، إمام الحرم، أبو الفتوح بالمهجم فى المحرم سنة تسع عشرة وستمائة. وذكر ابن مسدى: أنه قصد اليمن فأدركه أجله بالمهجم فى ربيع الآخر من السنة. وكذا ذكر ابن نقطة أنه بلغه.

وقال ابن الحنبلى: مات بالمهجم من أرض اليمن فى شهر ربيع الآخر وقيل:

فى ذى القعدة سنة ثمان عشرة. وهذا القول الثانى نقله غير واحد أيضا. وكان خروجه إلى اليمن بأهله لقحط وقع بمكة. وكان ذا عائلة، فنزح بهم إلى اليمن فى البحر سنة ثمان عشرة. وقيل: إنه سكن المهجم إلى حين وفاته. رضى الله عنه.

‌270 - عبد الكريم بن نجم بن عبد الوهاب

ابن عبد الواحد الشيرازى الدمشقى، ابن الحنبلى الفقيه، أبو الفضائل ابن أبى العلاء بن شرف الإسلام.

ويلقب شهاب الدين. أخو ناصح الدين عبد الرحمن الآتى ذكره إن شاء الله تعالى. وهو أصغر من الناصح بتسع سنين.

سمع ببغداد من نصر الله القزاز. وأجاز له الحافظ أبو موسى المدينى، وأبو العباس الترك، وعبد الحق بن عبد الخالق.

وتفقه وبرع، وأفتى وناظر، ودرس بمدرسة جده بدمشق.

قال أبو شامة: هو أخو البهاء والناصح. وهو أصغرهم. وكان أبرعهم فى الفقه والمناظرة والمحاكمات، بصيرا بما يجرى عند القضاة فى الدعاوى والبينات.

وقال ابن الساعى فى تاريخه: كان فقيها فاضلا خيرا، عارفا بالمذهب والخلاف.

وقال غيره: وكان ذا قوة وشهامة، وانتزع مسجد الوزير من يد العالم السخاوى، وبقى للحنابلة إلى الآن.

ص: 132

قال المنذرى: حدث، ولقيته بدمشق فى الدفعة الأولى، ولم يتفق لى السماع منه. ولنا منه إجازة.

توفى فى سابع ربيع الأول سنة تسع عشرة وستمائة. ودفن من الغد بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.

‌271 - عبد الحميد بن مرى

بن ماضى بن نامى، المقدسى الفقيه، أبو أحمد نزيل بغداد.

سمع الكثير من ابن كليب وطبقته. وحدث عنه بنسخة ابن عرفة، سمعها منه الحافظ الضياء. وتفقه فى المذهب. وكان حسن الأخلاق صالحا خيرا، متوددا.

توفى فى ليلة الثلاثاء ثالث جمادى الأولى سنة عشرين وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب.

قال ابن النجار: وأظنه جاوز الخمسين بيسير، رحمه الله تعالى.

‌272 - عبد الله بن أحمد

بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسى، ثم الدمشقى، الصالحى الفقيه، الزاهد الإمام، شيخ الإسلام، وأحد الأعلام، موفق الدين أبو محمد، أخو الشيخ أبى عمر المتقدم ذكره.

ولد فى شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بجماعيل، ووهم الدبيثى فى ذكر مولده.

وقدم دمشق مع أهله وله عشر سنين، فقرأ القرآن، وحفظ مختصر الخرقى، واشتغل، وسمع من والده، وأبى المكارم بن هلال، وأبى المعالى بن صابر وغيرهم.

ورحل إلى بغداد هو وابن خالته الحافظ عبد الغنى سنة إحدى وستين، وسمعا الكثير من هبة الله الدقاق، وابن البطى، وسعد الله الدجاجى، والشيخ عبد القادر، وابن تاج الفراء، وابن شافع، وأبى زرعة، ويحيي بن ثابت، والمبارك ابن خضير، وأبى بكر بن النقور، وشهد، وخلق كثيرة، وسمع بمكة من المبارك ابن الطباخ، وبالموصل من خطيبها أبى الفضل.

وأقام عند الشيخ عبد القادر بمدرسته مدة يسيرة، فقرأ عليه من الخرقى،

ص: 133

وأقام عند الشيخ عبد القادر بمدرسته مدة يسيرة، فقرأ عليه من الخرقى، ثم توفى الشيخ، فلازم أبا الفتح بن المنى. وقرأ عليه المذهب، والخلاف والأصول حتى برع، وأقام ببغداد نحوا من أربع سنين. هكذا ذكره الضياء، عن أمه، وهى أخت الشيخ، ثم رجع إلى دمشق، ثم عاد إلى بغداد سنة سبع وستين. كذا قال سبط ابن الجوزى.

وذكر الناصح ابن الحنبلى: أنه حج سنة أربع وسبعين، ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها سنة، فسمع درس ابن المني، قال: وكنت أنا قد دخلت بغداد سنة اثنتين وسبعين، واشتغلنا جميعا على الشيخ أبى الفتح بن المنى، ثم رجع إلى دمشق، واشتغل بتصنيف كتاب «المغنى» فى شرح الخرقى، فبلغ الأمل فى إتمامه، وهو كتاب بليغ فى المذهب، عشر مجلدات، تعب عليه، وأجاد فيه وجمل به المذهب.

وقرأه عليه جماعة، وانتفع بعلمه طائفة كثيرة، قال: ومشى على سمت أبيه وأخيه فى الخير والعبادة، وغلب عليه الاشتغال بالفقه والعلم.

وقال سبط ابن الجوزى: كان إماما فى فنون، ولم يكن فى زمانه - بعد أخيه أبى عمر والعماد - أزهد ولا أورع منه، وكان كثير الحياء، عزوفا عن الدنيا وأهلها هينا لينا متواضعا، محبا للمساكين حسن الأخلاق، جوادا سخيا. من رآه كأنه رأى بعض الصحابة. وكأنما النور يخرج من وجهه، كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سبعا من القرآن، ولا يصلى ركعتى السنة فى الغالب إلا فى بيته، اتباعا للسنة، وكان يحضر مجالسى دائما فى جامع دمشق وقاسيون.

وقال أيضا: شاهدت من الشيخ أبى عمر، وأخيه الموفق، ونسيبه العماد:

ما نرويه عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنسانى حالهم أهلى وأوطانى، ثم عدت إليهم على نية الإقامة، عسى أن أكون معهم فى دار المقامة.

وقال ابن النجار: كان الشيخ موفق الدين إمام الحنابلة بالجامع. وكان

ص: 134

ثقة حجة نبيلا، غزير الفضل، كامل العقل، شديد التثبت، دائم السكوت، حسن السمت، نزها ورعا عابدا على قانون السلف، على وجهه النور، وعليه الوقار والهيبة، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه، صنف التصانيف المليحة فى المذهب والخلاف، وقصده التلامذة والأصحاب، وسار اسمه فى البلاد، واشتهر ذكره. وكان حسن المعرفة بالحديث، وله يد فى علم العربية.

وقال عمر بن الحاجب الحافظ فى معجمه: هو إمام الأئمة، ومفتى الأمة.

خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل. طنت فى ذكره

(1)

الأمصار، وضنت بمثله الأعصار. قد أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية. فأما الحديث: فهو سابق فرسانه. وأما الفقه: فهو فارس ميدانه، أعرف الناس بالفتيا. وله المؤلفات الغزيرة. وما أظن الزمان يسمح بمثله، متواضع عند الخاصة والعامة، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلم ووقار. وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والمحدثين وأهل الخير. وصار فى آخر عمره يقصده كل أحد. وكان كثير العبادة دائم التهجد، لم ير مثله، ولم ير مثل نفسه.

وقال أبو شامة: كان شيخ الحنابلة موفق الدين إماما من أئمة المسلمين، وعلما من أعلام الدين فى العلم والعمل. صنف كتبا حسانا فى الفقه وغيره، عارفا بمعانى الأخبار والآثار. سمعت عليه أشياء. وكان بعد موت أخيه أبى عمر هو الذى يؤم بالجامع المظفرى، ويخطب يوم الجمعة إذا حضر. فإن لم يحضر فعبد الله بن أبى عمر هو الخطيب والإمام. وأما بمحراب الحنابلة بجامع دمشق فيصلى فيه الموفق إذا كان حاضرا فى البلد، وإذا مضى إلى الجبل صلّى العماد أخو عبد الغنى، وبعد موت العماد: كان يصلى فيه أبو سليمان بن الحافظ عبد الغنى، ما لم يحضر الموفق وكان بين العشائين يتنفل حذاء المحراب. وجاءه مرة الملك العزيز بن العادل يزوره، فصادفه يصلى، فجلس بالقرب منه إلى أن فرغ من صلاته. ثم اجتمع

(1)

فى مخطوط الثقافة «بكده»

ص: 135

به ولم يتجوز فى صلاته. وكان إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة يمضى إلى بيته بالرصيف، ومعه من فقراء الحلقة من قدره الله تعالى. فيقدم لهم ما تيسر يأكلونه معه.

ومن أظرف ما حكى عنه: أنه كان يجعل فى عمامته ورقة مصرورة فيها رمل يرمل به ما يكتبه للناس من الفتاوى والإجازات وغيرها. فاتفق ليلة خطفت عمامته، فقال لخاطفها: يا أخى خذ من العمامة الورقة المصرورة بما فيها ورد العمامة أغطى بها رأسى وأنت فى أوسع الحل مما فى الورقة. فظن الخاطف أنها فضة ورآها ثقيلة، فأخذها ورد العمامة. وكانت صغيرة عتيقة. فرأى أخذ الورقة خيرا منها بدرجات. فخلص الشيخ عمامته بهذا الوجه اللطيف.

وبلغنى من غير وجه عن الإمام أبى العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: ما دخل الشام - بعد الأوزاعى - أفقه من الشيخ الموفق.

وقد أفرد الحافظ الضياء، سيرة الشيخ فى جزءين. وكذلك أفردها الحافظ الذهبى.

قال الضياء: كان رحمه الله إماما فى القرآن وتفسيره، إماما فى علم الحديث ومشكلاته، إماما فى الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إماما فى علم الخلاف، أوحد زمانه فى الفرائض، إماما فى أصول الفقه، إماما فى النحو، إماما فى الحساب، إماما فى النجوم السيارة والمنازل. قال: ولما قدم بغداد قال له الشيخ أبو الفتح بن المنى: اسكن هنا؛ فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد ولا تخلف فيها مثلك.

وكان شيخنا العماد يعظم الشيخ الموفق تعظيما كثيرا، ويدعو له، ويقعد بين يديه، كما يقعد المتعلم من العالم.

وسمعت الإمام المفتى شيخنا أبا بكر محمد بن معالى بن غنيمة ببغداد يقول:

ما أعرف أحدا فى زمانى أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق.

ص: 136

وسمعت أبا عمرو بن الصلاح المفتى يقول: ما رأيت مثل الشيخ الموفق.

وقال الشيخ عبد الله اليونينى: ما أعتقد أن شخصا ممن رأيته حصل له من الكمال فى العلوم والصفات الحميدة التى يحصل بها الكمال سواه. فإنه رحمه الله كان كاملا فى صورته ومعناه من الحسن والإحسان، والحلم والسؤدد والعلوم المختلفة، والأخلاق الجميلة، والأمور التى ما رأيتها كملت فى غيره. وقد رأيت من كرم أحلاقه، وحسن عشرته، ووفور حلمه، وكثرة علمه وغزير فطنته، وكمال مروءته، وكثرة حيائه، ودوام بشره، وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها، والمناصب وأربابها: ما قد عجز عنه كبار الأولياء. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره» فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل من الكرامات، وأفضل الذكر ما يتعدى نفعه إلى العباد، وهو تعليم العلم والسنة، وأعظم من ذلك وأحسن: ما كان جبلّة وطبعا، كالحلم والكرم والعقل والحياء، وكان الله قد جبله على خلق شريف، وأفرغ عليه المكارم إفراغا، وأسبغ عليه النعم، ولطف به فى كل حال.

قال: وكان لا يناظر أحدا إلا وهو يتبسم، حتى قال بعض الناس: هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه.

قال: وأقام مدة يعمل حلقة يوم الجمعة بجامع دمشق، يناظر فيها بعد الصلاة.

ثم ترك ذلك فى آخر عمره. وكان يشتغل عليه الناس من بكرة إلى ارتفاع النهار.

ثم يقرأ عليه بعد الظهر، إما من الحديث أو من تصانيفه إلى المغرب. وربما قرأ عليه بعد المغرب وهو يتعشى. وكان لا يرى لأحد ضجرا. وربما تضرر فى نفسه ولا يقول لأحد شيئا.

‌ذكر شئ من كراماته

قال سبط ابن الجوزى: حكى أبو عبد الله بن فضل الاعتاكى قال: قلت فى نفسى: لو كان لى قدرة لبنيت للموفق مدرسة، وأعطيته كل يوم ألف درهم.

ص: 137

قال: فجئت بعد أيام، فسلمت عليه، فنظر إلىّ وتبسم، وقال: إذا نوى الشخص نية كتب له أجرها.

وحكى أبو الحسن بن حمدان الجرائحى قال: كنت أبغض الحنابلة، لما شنع عليهم من سوء الاعتقاد. فمرضت مرضا شنج أعضائى، وأقمت سبعة عشر يوما لا أتحرك، وتمنيت الموت. فلما كان وقت العشاء جاءنى الموفق، وقرأ علي آيات وقال (وننزل من القرآن ما هو شفاء للناس ورحمة للمؤمنين) ومسح على ظهرى فأحسست بالعافية، وقام. فقلت: يا جارية، افتحى له الباب. فقال: أنا أروح من حيث جئت. وغاب عن عينى، فقمت من ساعتى إلى بيت الوضوء. فلما أصبحت دخلت الجامع، فصليت الفجر خلف الموفق، وصافحته، فعصر يدى وقال: احذر أن تقول شيئا. فقلت: أقول وأقول.

وقال قوام جامع دمشق: كان ليلة يبيت فى الجامع، فتفتح له الأبواب فيخرج ويعود، فتغلق على حالها.

وحدث العفيف كتائب بن أحمد بن مهدى البانياسى - بعد موت الشيخ الموفق بأيام - قال: رأيت الشيخ الموفق على حافة النهر يتوضأ. فلما توضأ أخذ قبقابه ومشى على الماء إلى الجانب الآخر، ثم لبس القبقاب - وصعد إلى المدرسة - يعنى مدرسة أخيه أبي عمر - ثم حلف كتائب بالله لقد رأيته، ومالى فى الكذب حاجة، وكتمت ذلك فى حياته. فقيل له: هل رآك؟ قال: لا. ولم يكن ثم أحد، وذلك وقت الظهر. فقيل له: هل كانت رجلاه تغوص فى الماء؟ قال:

لا، إلا كأنه يمشى على وطاء رحمه الله.

وقرأت بخط الحافظ الذهبى: سمعت رفيقنا أبا طاهر أحمد الدريبى سمعت الشيخ إبراهيم بن أحمد بن حاتم - وزرت معه قبر الشيخ الموفق - فقال: سمعت الفقيه محمد اليونينى شيخنا يقول: رأيت الشيخ الموفق يمشى على الماء

(1)

.

(1)

كان أولى بهذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى فتوح البلدان

ص: 138

‌ذكر تصانيفه

صنف الشيخ الموفق رحمه الله التصانيف الكثيرة الحسنة فى المذهب، فروعا وأصولا. وفى الحديث، واللغة، والزهد، والرقائق. وتصانيفه فى أصول الدين فى غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار، وبالأسانيد، كما هى طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث. ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين فى دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليهم. وهذه طريقة أحمد والمتقدمين. وكان كثير المتابعة للمنقول فى باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء فى الكتاب والسنة من الصفات، من غير تفسير ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل.

فمن تصانيفه فى أصول الدين «البرهان فى مسألة القرآن» جزء «جواب مسألة وردت من صرخد فى القرآن» جزء «الاعتقاد» جزء «مسألة العلو» جزآن «ذم التأويل» جزء «كتاب القدر» جزآن «فضائل الصحابة» جزآن. وأظنه «منهاج القاصدين فى فضل الخلفاء الراشدين» ، «رسالة» إلى الشيخ فخر الدين بن تيمية فى تخليد أهل البدع فى النار «مسألة» فى تحريم النظر فى كتب أهل الكلام.

ومن تصانيفه فى الحديث «مختصر العلل» للخلال، مجلد ضخم «مشيخة شيوخه» جزء. وأجزاء كثيرة خرجها.

ومن تصانيفه فى الفقه «المغنى فى الفقه» عشر مجلدات «الكافى فى الفقه» أربع مجلدات «المقنع فى الفقه» مجلد «مختصر الهداية» مجلد «العمدة» مجلد صغير «مناسك الحج» جزء «ذم الوسواس» جزء. وفتاوى ومسائل منثورة، ورسائل شتى كثيرة.

ومن تصانيفه فى أصول الفقه «الروضة» مجلد.

ص: 139

وله فى اللغة والأنساب ونحو ذلك «قنعة الأريب فى الغريب» مجلد صغير «التبيين فى نسب القرشيين» مجلد «الاستبصار فى نسب الأنصار» مجلد.

وله فى الفضائل والزهد والرقائق ونحو ذلك «كتاب التوابين» جزآن «كتاب المتحابين فى الله» جزآن «كتاب الرقة والبكا» جزآن «فضائل عاشوراء» جزء «فضائل العشر» جزء.

وانتفع بتصانيفه المسلمون عموما، وأهل المذهب خصوصا. وانتشرت واشتهرت بحسن قصده وإخلاصه فى تصنيفها. ولا سيما كتاب «المغنى» فإنه عظم النفع به، وأكثر الثناء عليه.

قال الحافظ الضياء: رأيت الإمام أحمد بن حنبل فى النوم وألقى عليّ مسألة فى الفقه. فقلت: هذه فى الخرقى. فقال: ما قصر صاحبكم الموفق فى شرح الخرقى.

وقرأت بخط الحافظ الدبيثى قال: سمعت الشيخ علاء الدين المقدسى - قلت وقد أجاز لى المقدسى هذا - قال: سمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية - قال الذهبى:

وأظنى سمعت من شيخنا ابن تيمية - يقول: قال لى الشيخ تاج الدين عبد الرحمن ابن إبراهيم القزازى: كان الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام شيخنا يرسلنى أستعير له المحلى والمجلّي من ابن عربى، وقال: قال الشيخ عزّ الدين: ما رأيت فى كتب الاسلام فى العلم مثل المحلى والمجلى، وكتاب المغنى للشيخ موفق الدين بن قدامة فى جودتهما وتحقيق ما فيها.

ونقل عن ابن عبد السلام أيضا أنه قال: لم تطب نفسى بالفتيا حتى صار عندى نسخة المغنى.

وقد سبق قول الناصح بن الحنبلى فى مدح المغنى، مع أنه قد كان يسامى الشيخ فى زمانه.

وللشيخ يحيى الصرصرى فى مدح الشيخ وكتبه، فى جملة القصيدة الطويلة اللامية:

ص: 140

وفى عصرنا كان الموفق حجة

على فقهه، يثبت الأصول محولى

كفى الخلق بالكافى، وأقنع طالبا

بمقنع فقه عن كتاب مطول

وأغنى بمغنى الفقه من كان باحثا

وعمدته من يعتمدها يحصل

وروضته ذات الأصول كروضة

أماست بها الأزهار أنفاس شمأل

ندل على المنطوق أوفى دلالة

وتحمل فى المفهوم أحسن محمل

وللشيخ موفق الدين نظم كثير حسن. وقيل: إن له قصيدة فى عويص اللغة طويلة. وله مقطعات من الشعر. فمنها قوله:

أتغفل يا ابن أحمد والمنايا

شوارع تختر منك عن قريب

أغرك أن تخطيك الرزايا

فكم للموت من سهم مصيب؟

كئوس الموت دائرة علينا

وما للمرء بد من نصيب

إلى كم تجعل التسويف دأبا

أما يكفيك إنذار المشيب؟

أما يكفيك أنك كل حين

تمرّ بغير خلّ أو حبيب؟

كأنك قد لحقت بهم قريبا

ولا يغنيك إفراط النحيب

قال سبط ابن الجوزى: وأنشدنى الموفق لنفسه:

أبعد بياض الشعر أعمّر مسكنا

سوى القبر؟ إنّي إن فعلت لأحمق

يخبرنى شيبى بأنى ميت

وشيكا، وينعانى إلىّ، فيصدق

تخرق عمرى كل يوم وليلة

فهل مستطيع رفق ما يتخرق

كأنى بجسمى فوق نعشى ممددا

فمن ساكت أو معول يتحرق

إذا سئلوا عنى أجابوا وأعولوا

وأدمعهم تنهل: هذا الموفق

وغيبت فى صدع من الأرض ضيق

وأودعت لحدا فوقه الصخر مطبق

ويحثو علىّ الترب أوثق صاحب

ويسلمنى للقبر من هو مشفق

فيا رب كن لى مؤنسا يوم وحشتى

فإنى لما أنزلته لمصدق

ص: 141

وما ضرنى إنّي إلى الله صائر

ومن هو من أهلى أبرّ وأرفق

قال أبو شامة: ونقلت من خطه:

لا تجلسن بباب من

يأبى عليك دخول داره

ويقول حاجاتى إلي

هـ يعوقها إن لم أداره

وأتركه وأقصد ربها

تقضى وربّ الدار كاره

تفقه على الشيخ موفق الدين خلق كثير. منهم ابن أخيه الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبى عمر، والمراتبى.

وسمع منه الحديث خلائق من الأئمة والحفاظ وغيرهم. وروى عنه ابن الدبيثى، والضياء، وابن خليل، والمنذرى.

وحدث ببغداد. وسمع منه بها رفيقه أبو منصور عبد العزيز بن طاهر بن ثابت الخياط المقرى سنة ثمان وستين وخمسمائة.

توفى رحمه الله يوم السبت يوم عيد الفطر سنة عشرين وستمائة بمنزله بدمشق وصلّى عليه من الغد. وحمل إلى سفح قاسيون. فدفن به. وكان له جمع عظيم.

امتد الناس فى طرق الجبل فملئوه.

قال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: حكى إسماعيل بن حماد الكاتب البغدادى قال: رأيت ليلة عيد الفطر كأن مصحف عثمان قد رفع من جامع دمشق إلى السماء. فلحقنى غم شديد. فتوفى الموفق يوم العيد.

قال: ورأى أحمد بن سعد - أخو محمد بن سعد الكاتب المقدسى، وكان أحمد هذا من الصالحين - قال: رأيت ليلة العيد ملائكة ينزلون من السماء جملة، وقائل يقول: انزلوا بالنوبة. فقلت: ما هذا؟ قالوا: ينقلون روح الموفق الطيبة فى الجسد الطيب.

قال: وقال عبد الرحمن بن محمد العلوى: رأيت كأن النبى صلى الله عليه وسلم مات، وقبر بقاسيون يوم عيد الفطر. قال: وكنا بجبل بنى هلال. فرأينا على

ص: 142

قاسيون ليلة العيد ضوءا عظيما، فظننا أن دمشق قد احترقت. وخرج أهل القرية ينظرون إليه، فوصل الخبر بوفاة الموفق يوم العيد. ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.

قال سبط ابن الجوزى: وكان له أولاد: أبو الفضل محمد، وأبو العز يحيى، وأبو المجد عيسى. ماتوا كلهم فى حياته. ولم أدرك منهم غير عيسى. وكان من الصالحين. وله بنات.

قال: ولم يعقب من ولد الموفق سوى عيسى، خلف ولدين صالحين وماتا، وانقطع عقبه.

قلت: أما أبو الفضل محمد: فولد فى ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.

وكان شابا ظريفا فقيها. تفقه على والده، وسافر إلى بغداد، واشتغل بالخلاف على الفخر إسماعيل. وسمع الحديث.

وتوفى فى جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وخمسمائة بهمدان. وقد كمل ستا وعشرين سنة رحمه الله.

وأما أبو المجد عيسى: فيلقب مجد الدين. تفقه وسمع الحديث الكثير بدمشق من جماعة كثيرة من أهلها، ومن الواردين عليها وسمع بمصر من إسماعيل بن ياسين، والبوصيرى، والارتاحى، وفاطمة بنت سعد الخير، وغيرهم. وحدث.

ذكره المنذرى، وقال: ولى الخطابة والإمامة بالجامع المظفرى بسفح قاسيون.

قال: واجتمعت معه بدمشق، وسمعت معه من والده.

وتوفى فى جمادى الآخرة فى خامسه - أو سادسه - سنة خمس عشرة وستمائة رحمهم الله تعالى.

ومما رثى به الشيخ موفق الدين رحمه الله ما قاله فيه الشيخ صلاح الدين أبو عيسى موسى بن محمد بن خلف بن راجح المقدسى فى قصيدة له:

لم يبق لى بعد الموفق رغبة

فى العيش، إن العيش سم منقع

صدر الزمان وعينه وطرازه

ركن الأنام الزاهد المتورع

ص: 143

بحر العلوم أبو الفضائل كلها

شمل الشريعة بعده لا يجمع

كان ابن أحمد فى مقام محمد

إن هالهم أمر إليه يفزعوا

فيبين مشكله، ويوضح سره

ويذب عن دين الإله ويدفع

ببصيرة يجلو الظلام ضياؤها

يبدى العجائب، نورها يتشعشع

فاليوم قد أضحى الزمان وأهله

غرضا لكل بلية تتنوع

والعلم قد أمسى كأنّ بواكينا

تبكى عليه وحبله يتقطع

وتعطلت تلك المجالس، وانقضت

تلك المحافل، ليتها لو ترجع

هيهات بعدك يا موفق يرتجى

للناس خير، أو مقال يسمع

لله درك كم لشخصك من يد

بيضاء فى كل الفضائل ترتع

قد كنت عبدا طائعا لا تنثنى

عن باب ربك فى العبادة توسع

كم ليلة أحييتها وعمرتها

والله ينظر والخلائق هجع

تتلو كتاب الله فى جنح الدجى

كزبور داود النبى ترجع

لو كان يمكن من فدائك رخصة

لفدتك أفئدة عليك تقطع

‌ذكر نبذة من فتاويه، ومسائله من غير كتبه المشهورة

قرأت بخط بعض أصحابه، قال الشيخ موفق الدين فى مسألة: ما إذا اجتمع جنب وحائض، ووجدا من الماء ما يكفى أحدهما. قال: إن كانت المرأة زوجة للرجل، فهى أحق؛ لأنها تبيح له الوطء، وهو يرجع إلى بدل، وإن كانت أجنبية منه، فهو أحق؛ لأنه يستبيح الصلاة، وهى ترجع إلى التيمم.

وسئل إذا أعتقت الجارية: هل يجب عليها أن تستبرئ نفسها بحيضة، أم بثلاث؟ قال: إن كانت تعلم أن سيدها لم يكن يطؤها، لم يجب عليها الاستبراء إلا فى صورة واحدة، وهى فيما إذا اشتراها فأعتقها، فأراد أن يتزوجها: يجب عليها الاستبراء بحيضة، وإن كانت تعلم أنه كان يطؤها: وجب عليها استبراء نفسها

ص: 144

بحيضة، وإلحاقها بالإماء أولى من إلحاقها بالحرائر؛ لأن المقصود هو الاستبراء، وذلك حاصل بحيضة واحدة، ولأن الثلاث: إما عدة عن نكاح، أو ما يشبهه وهو الوطء بالشبهة. وكل واحد منهما منتف هنا.

وقال فيما إذا اتفقت التصرية من غير قصد البائع: يتخير، كما يتخير لو قصدها، وفيما إذا ردها المشترى بعيب سوى التصرية: يجب الصاع من التمر، قيل له: هى من ضمانه، فيكون اللبن بمنزلة الخراج؟ قال: اللبن ورد عليه العقد، وكان موجودا بخلاف غيره من المنافع والخراج.

وسئل عن الجارية المشتركة بين جماعة: هل يجوز لكل واحد النظر إلى عورتها؟ فقال: لا يجوز ذلك، وخالف هذا ما إذا كان العبد مشتركا بين نساء يجوز لهن النظر إليه، لأن المجوز للنظر ههنا هو الحاجة إلى الاستخدام، وهو موجود فى العبد المشترك، والنظر إلى عورة الجارية: إنما جاز لتمكنه من الوطء، وهو ههنا منتف للاشتراك.

وسئل إذا كان على أعضاء وضوئه كلها جراحة، أيجزيه أن يغسل الصّحيح ثم يتيمم لهما تيمما واحدا؟ قال: لا، بل يغسل العضو الأول ويتيمم له، وكذلك الثانى والثالث والرابع، فيتيمم أربع تيممات.

وقال فيمن أعتق أباه فى مرض موته: الأقيس أنه لا يرث، والمذهب الإرث.

وقال أبو الخطاب: إذا أقرّ فى مرض موته بعتق ابن عمه، يعتق ولا يرث.

ومما نقلته من خط السيف بن المجد من فتاوى جده الشيخ موفق الدين - وقد سئل عن معاملة من فى ماله حرام؟ فأجاب: الورع: اجتناب معاملة من فى ماله حرام، فإن من اختلط الحرام فى ماله: صار فى ماله شبهة بقدر ما فيه من الحرام، إن كثر الحرام كثرت الشبهة، وإن قلّ قلت، وذكر حديث «الحلال بيّن، والحرام بيّن» وأما فى ظاهر الحكم: فإنه يباح معاملة من لم يتعين التحريم فى الثمن الذى يؤخذ منه؛ لأن الأصل: أن ما فى يد الإنسان ملكه

ص: 145

وقد قال بعض السلف: بع الحلال ممن شئت، يعنى إذا كانت بضاعتك حلالا فلا حرج عليك فى بيعها ممن شئت، ولكن الورع: ترك معاملة من فى ماله الشبهات، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .

وسئل عما إذا تعين ثمن خمر أو خنزير من الكافر: ما الحكم فى أخذه منهم، يعنى بعقد ونحوه؟ وكان قد أجاب قبله ابن المتقنة الرحبى الشافعى:

لا يجوز ذلك، إذا تعين. فأجاب الشيخ موفق الدين: الأولى تركه. ويجوز أخذه إذا كان جائزا فى دينهم؛ لأننا أقررناهم على ما يعتقدون من دينهم.

وسئل عن خلافة أبى بكر: ثبتت بالنص أو بالقياس؟ فأجاب ابن المتقنة:

ثبتت بإجماع الصحابة واتفاقهم. فكتب الشيخ الموفق: ثبتت بنص النبى صلى الله عليه وسلم، فى أخبار كثيرة، ذكر بعضها.

وسئل ابن المتقنة فى بعض ذكر الحرب تكرر «حرب عوان» ما العوان فى اللغة؟ فأجاب: «العوان» أشد ما يكون. فضرب الشيخ على الجواب وكتب:

الحرب التى تقدمها حرب أخرى.

قال السيف: وكتب ابن الجوزى عن كلام شيخ الإسلام الأنصارى: كان عبد الله الأنصارى يميل إلى التشبيه. فلا يقبل قوله، فألحق جدى: حاشاه من التشبيه، ولا يقبل قول ابن الجوزى فيه.

وقال فى القرية التى فيها أربعون يسمعون النداء من المصر: إنهم مخيرون بين إقامة الجمعة بها، وبين السعى إلى المصر. قال: وهو أولى، للخروج من الخلاف. قال: فإن كانت قرية فيها أربعون، وقرية فيها دون الأربعين: فإن مضى الأقل إلى الأكثر، فأقاموا عندهم الجمعة: جاز، وبالعكس لا يجوز، وإن جاء إلى أهل الأربعين إمام من غيرهم، فأقام بهم الجمعة: جاز؛ لأنه ممن تجب عليه الجمعة، فجاز أن يكون إماما لغيره من أهل القرية.

ونقل ابن حمدان الحرائى: أن قاضى حران أرسل سؤالا إلى الشيخ

ص: 146

موفق الدين فى وكيل الغائب، إذا طالب بدين موكله، فادعى المدين: أن موكله قد استوفى دينه، فهل للقاضى دفع الوكيل ومنعه من الاستيفاء، حتى يحلف الموكل: أنه ما استوفى ولا أبرأ؟

فأجاب الشيخ موفق الدين: إن الوكيل لا يتمكن من الاستيفاء، من غير يمين موكله، وعلل بأن الموكل لو كان حاضرا ما استحق الاستيفاء بغير يمين، والوكيل قائم مقامه.

وذكر ابن حمدان: أن الناصح ابن أبى الفهم أنكر ذلك. وقال: لا خلاف فى المذهب أن الوكيل لا يمتنع من الاستيفاء بذلك. وأخرج كلام القاضى وابن عقيل فى المجرد بما يقتضى ذلك. وذكر عن بعض الشافعية: أنه حكى فى هذه المسألة خلافا بينهم.

قال الناصح: وقد ذكر الموفق فى الكافى: أن الدعوى على الغائب لا تسمع إلا ببينة، ودعوى المدين الإبراء والاستيفاء ههنا دعوى بلا بينة على غائب، فكيف تسمع؟ ثم أرسل هذا إلى الشيخ الموفق.

فأجاب: أما المسألة التى فى الوكالة: فإنما أفتيت فيها باجتهادى، بناء على ما ذكرت من التعليل. فإذا ظهر قول الأصحاب وغيرهم بخلافه فقولهم أولى.

والرجوع إلى قولهم متعين، لكن ما ذكره بعض الشافعية يدل على أنها مختلف فيها، وأنها مما يسوغ فيه الاجتهاد. وأما قولى وقول الفقهاء «لا تسمع الدعوى على الغائب إلا ببينة» فإنما أريد بها الدعوى التي إذا سكت صاحبها ترك، وإذا سكت المدعى عليه لم يترك؛ لأن سماع هذه الدعوى لا يفيد شيئا. إذ مقصودها القضاء على المدعى عليه. فإذا خلت عن بينة، ولم يكن المدعى عليه حاضرا، لم تفد الدعوى شيئا. إذ لا يمكن القضاء بغير بنية، ولا إقرار، ولا نكول، ولا رد يمين. والدعوى ههنا تراد للمنع من القضاء عليه. وذلك ممكن مع الغيبة، وسماع الدعوى مفيد.

ص: 147

ومن مباحثه الحسنة: نقلت من خط بهاء الدين عبد الرحمن المقدسى: سئل شيخنا موفق الدين عن قول الخرقى: وإن أقر المحجور عليه بما يوجب حدا أو قصاصا، أو طلق زوجته لزمه ذلك. وإن أقر بدين لم يلزمه فى حال حجره، ما الفرق بينهما؟ فقال: الفرق بينهما: أن الإقرار بالدين إقرار بالمال، والمال محجور عليه فيه. فلو قبلنا إقراره فى المال أدى ذلك إلى فوات مصلحة الحجر، وهو أنه يقر لهذا بدين ولهذا. فيفوت عليه ماله. فلا يلزمه الإقرار فيه. وأما الإقرار بالحد والقصاص أو طلاق الزوجة: فإنه إقرار بشئ لم يحجر عليه فيه، فلزمه، كما لولده أن يحجر عليه. وأيضا فإنه إذا لزمه الإقرار فى الحد والقصاص أدى إلى فوات حقه. وإذا لزمه الإقرار فى المال أدى إلى فوات حقوق الغرماء.

فلزمه الإقرار على نفسه، ولم يلزمه فيما يعود إلى غيره.

فقيل له: على هذا: أن الاقرار بالحد أيضا يؤدى إلى فوات حقوق الغرماء فيما إذا كان الحاكم قد أخذه ليقضى دينه، على الرواية التى تقول: إنه إذا كان ذا صنعة، فإن الحاكم يؤجره ليقضى بقية دينه. ومع هذا فقد ألزمناه بالإقرار.

فقال: إنما يفوت ضمنا وتبعا. ويصير كما نقول فى الزوجة: إنها إذا أقرت بالحد أو القصاص لزمها، وإن فات حق الزوج.

فقيل له: فما تقول فى الحامل إذا أقرت بما يوجب حدا أو قصاصا، أليس إنه ينتظر بها حتى تلد؟ فقال: ههنا يمكن الجمع بين الحقين، بخلاف ما نحن فيه.

قلت: قد يقال فى صورة إيجار المفلس لوفاء بقية دينه: كان يمكن الجمع بين الحقين بتأخير استيفاء القصاص إلى أن يوفى الدين من كسبه.

وقد يجاب عنه بأن الحامل أخرت لئلا تزهق بالاستيفاء منها نفس معصومة.

فلا فرق بين أن يثبت الحد أو القصاص عليها بالإقرار أو البينة. وههنا لو ثبت الحد أو القصاص ببينة لم يؤخر إلى أن يوفى بقية الدين. فكذا إذا ثبت بالإقرار فإن التهمة فى مثل هذا منتفية.

ص: 148

ومن فتاويه المتعلقة بعلم الحديث - نقلتها من خط الحافظ أبى محمد البرزالى رحمه الله سئل: هل تجوز الرواية من نسخة غير معارضة؟

فأجاب: إذا كان الكاتب معروفا بصحة النقل وقلة الغلط جازت الرواية

وسئل: إذا لم يذكر القارئ الإسناد فى أول الكتاب، وذكره فى آخره، وقال: أخبرك به فلان عن فلان، وأقر الشيخ بذلك فهل يجزيه؟

فأجاب: يجوز إذا قال له ذلك عقيب قراءته عليه، وإلا فلا.

وسئل: هل يصح السماع بقراءة الصبى والفاسق؟

فأجاب: إن كان له مقابل صح، وإلا فهو بمنزلة روايته.

وسئل: هل يجوز الكتبة والمطالعة، أو الإغفاء يسيرا، فى وقت السماع أو يجوز للشيخ أن يكتب ويقرءون عليه؟

فأجاب: ما رأينا أحدا يحترز من هذا.

وسئل: إذا سقط من متن الحديث حرف أو حرف أو ألف، هل يجوز إثباتها؟ وهل يجب إصلاح لحن من جهة الإعراب؟

فأجاب: يجوز إصلاحه. قال الأوزاعى: يصلح اللحن والخطأ والتحريف فى الحديث.

وسئل: إذا وجد فى كتابه اسما مصحفا أو كلمة، وهو كذلك فى سماع شيخه.

فهل يجوز له أن يغيره فى كتابه على الصواب؟ أجاب: له تغييره. والله أعلم.

‌273 - إبراهيم بن المظفر

بن إبراهيم بن محمد بن على بن البرنى، البغدادى الحربى، ثم الموصلى الواعظ المحدث، أبو إسحاق بن أبى منصور، ويلقب برهان الدين.

ولد فى ثانى عشر ذى الحجة سنة ست وأربعين وخمسمائة. وكانت ولادته بالموصل. كذا ذكر المنذرى، وابن الساعى وغيرهما.

وقال القطيعى: كان مولده سنة ست وأربعين وخمسمائة بالحربية. كذا قال

ص: 149

وقال ابن نقطة: انتقل إلى الموصل قديما. وهذا يدل على أنه ولد ببغداد - وهو الأشبه - فان أباه بغدادى ولا يعرف أنه سكن الموصل. وقد روى عنه القطيعى، وقال: قال لى «البرانى» لقب جدى لأمى. وأما جدى لأبى:

فيعرف بالجمعى.

سمع أبو إسحاق ببغداد من ابن البطى، وأبى طاهر أحمد بن على بن المعمر الحسيني، وأبى على بن الرحبي، وأبى بكر بن النقور، ونصر الله القزاز، وشهدة، وغيرهم. وتفقه بها فى المذهب - لعله على ابن المنى - وقرأ الوعظ على ابن الجوزى، وولى مشيخة دار الحديث التى لابن مهاجر بالموصل. وحدث بالموصل وسنجار، ووعظ.

قال الناصح ابن الحنبلى: كان واعظا فاضلا من أهل السنة، لم يكن بالموصل أعرف بالحديث والوعظ منه.

وقال المنذرى: كان فاضلا متدينا. ولنا منه إجازة.

وقال ابن الساعى: شيخ خير، قدم بغداد مرارا. وأنشدنى قطعا من الشعر.

أنشدنى فى التواضع إملاء من حفظه:

كم جاهل متواضع

ستر التواضع جهله

ومميزا فى علمه

هدم التكبر فضله

فالكبر عيب للفتى

أبدا يقبح فعله

قال: وأنشدنى أيضا:

ما هذه الدنيا بدار مسرة

فتخوفن مكرا لها وخداعا

بينا الفتى فيها يسر بنفسه

وبماله يستمتع استمتاعا

حتى سقته من المنية شربة

لا يستطيع لما عراه دفاعا

لو كان ينطق، قال من تحت الثرى

فليحسن العمل الفتى ما اسطاعا

وقال ابن نقطة: سمعت منه بالموصل، فى القدمة الثانية إليها. وكان فيه تساهل فى الرواية، يحدث من غير أصول.

ص: 150

وذكر ابن القطيعى: أنه روى بالموصل «اعتلال القلوب» للخرائطى عن نصر الله القزاز بسماعه من ابن العلاف، قال: فقلت: لقد حرصنا ببغداد على أن نجد له أصل سماع من ابن العلاف، فلم نجد. فقال: عبد المغيث وابن شافع ذكرا لي أن هذا الكتاب سماعه منه. قال: فطلبت منه: من سمع ذلك معه منهما؟ فلم يكن معه فى الطبقة مشهور بالطلب. ثم بعد أيام رأيت ابن القزاز فى المنام، فقال لى: اشتهيت أن كل نسخة بهذا الكتاب تروى عنى أحرقها.

قلت: المتأخرون يتساهلون فى هذا الباب كثيرا، ويسمعون من غير أصول، ويكتفون بقول بعض الناس: إن هذا الكتاب سماع فلان، فيقرءونه عليه.

وليس هذا عندهم منكرا. وقد أجاز ابن البرنى لعبد الصمد بن أبى الجيش.

وتوفى فى غرة محرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموصل. ودفن بمقبرة المعافى بن عمران رضى الله عنه.

وقال ابن الساعى: توفى ثانى المحرم.

‌274 - محمد بن الخضر

بن محمد بن الخضر بن على بن عبد الله ابن تيمية الحرانى، الفقيه المفسر، الخطيب الواعظ، فخر الدين، أبو عبد الله بن أبى القاسم، شيخ حران وخطيبها.

ولد فى أواخر شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، بحران، وقرأ القرآن على والده، وله عشر سنين. وكان والده زاهدا، بعد من الأبدال. وشرع فى الاشتغال بالعلم من صغره، وتردد إلى أبى الكرم فتيان بن مياح، وأبى الحسن ابن عبدوس وغيرهما، ثم ارتحل إلى بغداد، وسمع بها الحديث من المبارك ابن خضير، وأبى الفتح بن البطى، وسعد الله بن الزجاجى، ويحيى بن ثابت ابن بندار، وأبى بكر بن النقور، وأبى الفضل بن شافع، وعلى بن عساكر البطائحى، وأبى الحسين اليوسفى، وأخيه أبى نصر، وأبى الفتح بن شاتيل،

ص: 151

وشهدة، وغيرهم. وسمع أيضا بحران من أبى النجيب السهروردى، وأبى الفتح أحمد بن الوفاء، وأبى الفضل حامد بن أبى الحجر.

وتفقه ببغداد على أبى الفتح بن المنى، وأبى العباس بن بكروس، وبحران على أحمد بن أبى الوفاء، وحامد بن أبى الحجر، وأخذ عنه التفسير أيضا، ولازم أبا الفرج بن الجوزى ببغداد، وسمع منه كثير من مصنفاته، وقرأ عليه كتابه «زاد المسير فى التفسير» قراءة بحث وفهم، وقرأ الأدب على أبى محمد بن الخشاب، وبرع فى الفقه والتفسير وغيرهما، ورجع إلى بلده، وجدّ فى الاشتغال والبحث، ثم أخذ فى التدريس والوعظ والتصنيف، وشرع فى إلقاء التفسير بكرة كل يوم بجامع حران فى سنة ثمان وثمانين، وواظب على ذلك حتى قرأ القرآن الكريم خمس مرات، انتهى آخرها إلى سنة عشر وستمائة، فكان مجموع ذلك فى ثلاث وعشرين سنة، ذكر ذلك فى أول تفسيره الذى صنفه.

وكان الشيخ فخر الدين رجلا صالحا، يذكر له كرامات وخوارق، وولى الخطابة والإمامة بجامع حران، والتدريس بالمدرسة النورية بها، وبنى هو مدرسة بحران أيضا.

قال الناصح ابن الحنبلى: انتهت إليه رياسة حران، وله خطبة الجمعة، وإمامة الجامع، وتدريس المدرسة النورية، وهو واعظ البلد، وله القبول من عوام البلد، والوجاهة عند ملوكها، وكان فى ملازمته التفسير والوعظ مع الطريقة الظاهرة الصلاح.

وذكره ابن خلكان فى تاريخه وقال: ذكره محاسن بن سلامة الحرانى فى تاريخ حران، وابن المستوفى فى تاريخ أربل، فقال: له القبول التام عند الخاص والعام. وكان بارعا فى تفسير القرآن، وجميع العلوم له فيها يد بيضاء.

وقال ابن نقطة: شيخ ثقة فاضل، صحيح السماع مكثر، سمعت منه بحران فى المرتين.

ص: 152

وقال ابن النجار: سمعت منه ببغداد وحران، وكان شيخا فاضلا، حسن الأخلاق، متوددا، صدوقا، متدينا.

وقال ابن الساعى: هو موصوف بالفضل والدين.

وقال ابن حمدان الفقيه: كان شيخ حران، ومدرسها، وخطيبها ومفسرها، مغرى بالوعظ والتفسير، مواظبا عليهما.

وقال المنذرى: كان عارفا بالتفسير، وله خطب مشهورة، وشعر، ومختصر فى الفقه. وكان مقدما فى بلده، وتولى الخطابة بها، ودرس بها ووعظ، وحدث ببغداد وحران، ولنا منه إجازة. وكان الشيخ فخر الدين قد وعظ ببغداد فى مدة اشتغاله بها برباط ابن النقال، ثم حج سنة أربع وستمائة، وكتب معه مظفر الدين صاحب أربل كتابا إلى الخليفة الناصر بالوصية به، فلما رجع من مكة إلى بغداد، سأل الجلوس بباب بدر، فأجيب إلى ذلك، وتقدم إلى محيى الدين يوسف بن الجوزى بالحضور، وكان يعظ بذلك المكان موضع أبيه، فحضر، وقعد على دكة المحتسب بباب بدر، وحضر خلق كثير، ووعظ الشيخ فخر الدين، وأنشد فى أثناء المجلس:

وابن اللبون إذا ما لزّ فى قرن

لم يستطع صولة البزل القناعيس

وقال الناس: ما قصد إلا محيى الدين، لأنه كان شابا، وابن تيمية شيخ.

وللشيخ فخر الدين تصانيف كثيرة. منها «التفسير الكبير» فى مجلدات كثيرة.

وهو تفسير حسن جدا. ومنها ثلاث مصنفات فى المذهب، على طريقة البسيط والوسيط، والوجيز للغزالى، أكبرها «تخليص المطلب فى تلخيص المذهب» وأوسطها «ترغيب القاصد فى تقريب المقاصد» وأصغرها «بلغة الساغب وبغية الراغب» وله شرح الهداية لأبى الخطاب. ولم يتمه. وله ديوان الخطب الجمعية.

وهو مشهور. ومصنفات فى الوعظ، و «الموضح فى الفرائض» . وكانت بينه وبين الشيخ موفق الدين مراسلات ومكاتبات.

ص: 153

وأرسل الشيخ الفخر مرة يسأل الشيخ الموفق عما ذكره فى كتبه من مسألة حصر جهات ذوى الأرحام، وما يلزم قول أبى الخطاب من الفساد.

ووقع بين الشيخين أيضا تنازع فى مسألة تخليد أهل البدع المحكوم بكفرهم فى النار. وكان الشيخ الموفق لا يطلق عليهم الخلود. فأنكر ذلك عليه الشيخ الفخر. وقال: إن كلام الأصحاب مخالف لذلك. وأرسل يقول للشيخ موفق الدين:

انظر كيف تستدرك هذه الهفوة؟ فأرسل إليه الشيخ موفق الدين كتابا، أوله:

أخوه فى الله عبد الله بن أحمد يسلم على أخيه الإمام الكبير فخر الدين جمال الإسلام، ناصر السنة، أكرمه الله بما أكرم به أولياءه. وأجزل من كل خير عطاءه، وبلغه أمله ورجاءه، وأطال فى طاعة الله بقاءه - إلى أن قال: إننى لم أنه عن القول بالتخليد نافيا له، ولا عبت القول به منتصرا لضده. وإنما نهيت عن الكلام فيها من الجانبين إثباتا أو نفيا، كفّا للفتنة بالخصام فيها، واتباعا للسنة فى السكوت عنها، إذ كانت هذه المسألة من جملة المحدثات، وأشرت علىّ من قبل نصيحتى بالسكوت عما سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، والأئمة المقتدى بهم من بعده - إلى أن قال - وأما قوله - وفقه الله - إنّي كنت مسألة إجماع، فصرت مسألة خلاف. فإنني إذا كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حزبه، متبعا لسنته، ما أبالى من خالفنى، ولا من خالف فىّ، ولا أستوحش لفراق من فارقنى. وإنّي لمعتقد أن الخلق كلهم لو خالفوا السنة وتركوها، وعادونى من أجلها، لما ازددت لها إلا لزوما، ولا بها إلا اغتباطا، إن وفقنى الله لذلك. فإن الأمور كلها بيديه، وقلوب العباد بين إصبعيه. وأما قوله: إن هذه المسألة مما لا تخفى: فقد صدق وبرّ، ما هى بحمد الله عندى خفية، بل هى منجلية مضية. ولكن إن ظهر عنده بسعادته تصويب الكلام فيها، تقليدا للشيخ أبى الفرج وابن الزاغونى، فقد تيقنت تصويب السكوت عن الكلام فيها، اتباعا لسيد المرسلين، ومن هو حجة على الخلق أجمعين، ثم لخلفائه الراشدين،

ص: 154

وسائر الصحابة والأئمة المرضيين، لا أبالى من لا منى فى اتباعهم. ولا من فارقنى فى وفاقهم. فأنا كما قال الشاعر:

أجد الملامة فى هواك لذيذة

حبا لذكرك. فليلمنى اللّوم

فمن وافقنى على متابعتهم. وأجابنى إلى مرافقتهم وموافقتهم فهو رفيقى وحبيبى وصديقى، ومن خالفنى فى ذلك فليذهب حيث شاء. فإن السبل كثيرة، ولكن خطرة. وقوله بسعادته: إن تعلقه بأن لفظ «التخليد» لم ترد: ليس بشئ.

فأقول: لكنى عندى أنا هو الشئ الكبير، والأمر الجليل الخطير. فأنا أوافق أئمتى فى سكوتهم، كموافقتى لهم فى كلامهم، أقول إذا قالوا، وأسكت إذا سكتوا، وأسير إذا ساروا، وأقف إذا وقفوا، وأحتذى طريقهم فى كل أحوالهم جهدى، ولا أنفرد عنهم خيفة الضيمة إن سرت وحدى. فأما قوله: إن كتب الأصحاب القديمة والحديثة فيها القول بتكفير القائل بخلق القرآن: فهذا متضمن أن قول الأصحاب هو الحجة القاطعة. وهذا عجب. أترى لو أجمع الأصحاب على مسألة فروعية، أكان ذلك حجة يقتنع بها، ويكتفى بذكرها؟ فإن كان فخر الدين يرى هذا فما يحتاج فى تصنيفه إلى ذكر دليل سوى قول الأصحاب. وإن كان لا يرى ذلك حجة فى الفروع، فكيف جعله حجة فى الأصول؟ وهب أنا عذرنا العامة فى تقليدهم الشيخ أبا الفرج وغيره من غير نظر فى دليل. فكيف يعذر من هو إمام يرجع إليه فى أنواع العلوم؟ ثم إن سلمنا ما قال، فلا شك أنه ما اطلع على جميع تصانيف الأصحاب. ثم إن ثبت أن جميعهم اتفقوا على تكفيرهم، فهو معارض بقول من لم يكفرهم. فإن الشافعى وأصحابه لا يرون تكفيرهم إلا أبا حامد.

فبم يثبت الترجح؟ ثم إن اتفق الكل على تكفيرهم، فليس التخليد من لوازمه.

فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد أطلق التكفير فى مواضع لا تخليد فيها - وذكر حديث «سباب المسلم فسوق، وقتا له كفر» وغيره من الأحاديث. وقال: قال أبو نصر السجزى: اختلف القائلون بتكفير القائل بخلق القرآن. فقال بعضهم:

ص: 155

كفر ينقل عن الملة. وقال بعضهم: كفر لا ينقل عن الملة. ثم إن الإمام أحمد - الذى هو أشد الناس على أهل البدع - قد كان يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين، ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن، وصلاة الجمع والأعياد خلفهم ولو سمع الإمام أحمد من يقول هذا القول، الذى لم يرد عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد قبله: لأنكره أشد الإنكار. فقد كان ينكر أقل من هذا. ثم إن علمتم أنتم هذا، أفيحل لى ولمثلى ممن لم يعلم صحة هذا القول أن يقول به؟ وهل فرض الجاهل بشئ إلا السكوت عنه؟ فأنا ما أنكرت هذا إلا على الجاهل به.

أما من قد اطلع على الأسرار، وعلم ما يفعله الله تعالى على جليته فما أنكرت عليه.

ولا ينبغى له أن يأمرنى أن أقول بمقالتى، مع جهلى بما قد علمه، لكن إذا اعتقدتم هذا، فينبغى أن يظهر عليكم آثار العمل به فى ترك مصادقتهم، وموادتهم وزيارتهم، وأن لا تعتقدوا صحة ولايتهم، ولا قبول كتاب حاكم من حكامهم، ولا من ولاه أحد منهم. وأنتم تعلمون أن قاضيكم إنما ولايته من قبل أحد دعاتهم.

وأما قولك بسعادتك «انظر كيف تتلافى هذه الهفوة. وتزيل تكدير الصفوة» فإن قنع منى بالسكوت فهو مذهبى وسبيلى، وعليه تعويلى. وقد ذكرت عليه دليلى. وإن لم يرض منى إلا أن أقول ما لا أعلم، وأسلك السبيل الذى غيره أسدّ وأسلم، وأخلع عذارى فى سلوك ما فيه عثارى، ويسخط على البارى: ففى هذا التلافى تلافى، وتكدير صافى أوصافى، لا يرضاه لى الأخ المصافى، ولا من يريد إنصافى، ولا من سعى فى إسعافى. وما أتابعه ولو أنه بشر الحافى.

إلى أن قال: واعلم أيها الأخ الناصح أنك قادم على ربك، ومسئول عن مقالتك هذه. فانظر من السائل. وانظر ما أنت له قائل. فأعد للمسألة جوابا.

وادرع للاعتذار جلبابا. ولا تظن أنه يقنع منك فى الجواب بتقليد بعض الأصحاب.

ولا يكتفى منك بالحوالة على الشيخ أبى الفرج وابن الزاغونى وأبى الخطاب.

ولا يخلصك الاعتذار بأن الأصحاب اتفقوا على أنهم من جملة الكفار، ولازم

ص: 156

هذا الخلود فى النار. فإن هذا الكلام مدخول، وجواب غير مقبول.

إلى أن قال: فأنتم إن كنتم أظهركم الله على غيبه، وبرأكم من الجهل وعيبه، وأطلعكم على ما هو صانع بخلقه: فنحن قوم ضعفاء، قد قنعنا بقول نبينا عليه السلام، وسلوك سبيله، ولم نتجاسر على أن نتقدم بين يدى الله ورسوله. فلا تحملوا قوتكم على ضعفنا، ولا علمكم على جهلنا.

وهى رسالة طويلة، لخصت منها هذا القدر.

أخذ العلم عن الشيخ فخر الدين جماعة، منهم: ولده أبو محمد عبد الغنى خطيب حران، وابن عمه الشيخ مجد الدين عبد السلام.

وسمع منه خلق كثير من الأئمة والحفاظ. منهم ابن نقطة، وابن النجار، وسبط ابن الجوزى، وابن عبد الدائم. وروى عنه عبد الرحمن بن محفوظ الرسعنى وأبو عبد الله بن حمدان الفقيه، والأبرقوهى.

وله شعر كثير حسن. قرأت بخط ولده أبى محمد عبد الغنى قال: أنشدنى الوالد رحمه الله لنفسه:

أتت رحلتى، وقد أتانى المسير

وزادى من النسك نزر حقير

وقلبى على جمرات الأسى

من الخوف من خالقى مستطير

وكم زلة قد نقحمتها

فدمعى لها وعليها غزير

مضى عمرى، وانقضت مدتى

ولم يبق من ذاك إلا اليسير

كأنى بكم حاملين السرير

بشخصى، وناهيك ذاك السرير

تقلونه شرجعا مثقلا

علو ما لجنبيه منها صرير

إلى منزل ليس فى ربعه

أنيس لساكنه أو نصير

سوى عمل صالح بالتقى

فنعم الأنيس، ونعم الخفير

وقال ابن النجار: أنشدنى لنفسه ببغداد:

أرى خلوتى فى كل يوم وليلة

تؤول إلى نقص، وتفضى إلى ضعف

ص: 157

وما ذاك من كر الليالى ومرها

ولكن صروف الدهر صرفا على صرف

فراق وهجر واخترام منية

وكيد حسود للعداوة لا يخفى

وداء دخيل فى الفؤاد مقلقل الض

لوع يجل الخطب فيه عن الوصف

وعشرة أبناء الزمان ومكرهم

وواحدة منها لهد القوى تكفى

بليت بها منذ ارتقيت ذرى العلى

كما البدر فى النقصان من ليلة النصف

وما برحت تترى إلى أن بلي

ت من تضاعيفها ضعفا يزيد على ضعف

وأصبحت شبيها بالهلال صبحة الثلاث

يين أخفاه المحاق على الطرف

توفى رحمه الله يوم الخميس عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحران.

كذا ذكر ولده عبد الغنى.

وقال كثير من المحدثين: إنه توفى ليلة حادى عشر صفر.

وقرأت بخط ولده: لما مات الوالد كان فى الصلاة؛ لأنى ذكرته بصلاة العصر. وأخذته إلى صدرى، فكبر وجعل يحرك حاجبه وشفتيه بالصلاة حتى شخص بصره رحمه الله تعالى.

وقد ذكر ولده له منامات صالحة رئيت له بعد وفاته. وهى كثيرة جدا.

جمعها فى جزء.

منها: أن رجلا حدثه أنه رأى والده الشيخ فخر الدين جالسا على تخت عال، وعليه ثياب جميلة. فقلت له: يا سيدى ما هذا؟ فقرأ (31:18 {مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ)} ورآه آخر فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى. ورأى غير واحد فى منامه جماعة معهم سيوف وسلاح ورايات. فسئلوا عن حالهم؟ فقالوا:

السلطان يركب ونحن فى انتظاره. فقيل لهم: من السلطان؟ قالوا: الشيخ الفخر

قال: وحدثتنى ابنة عم والدى - وكانت صالحة - قالت: رأيت بعد موت الشيخ فى منامى، كأننى أسمع صوت ضجة من السماء. فقلت لمن عندى: ما هذا الصوت والضجة؟ قال: هذا ضجيج الملائكة لأجل انقطاع التفسير وتعطله بالجامع

ص: 158

بعد وفاة الشيخ. ورآه رجل آخر ليلة وفاته، وهو على أحسن حالة. فقال له:

أليس قدمت؟ قال: بلى، ولكن أنا إن شاء الله فى الأحياء. ورآه آخر وعليه ثياب حسنة جميلة. فقال له: أما قدمت؟ قال: بلى. قال: ماذا لقيت من ربك؟ قال: وقفت بين يديه، فقال: كم ننتظرك؟ كم ننتظرك؟ قال: فقلت: أنا والله مشتاق، أنا والله مشتاق: قال الرائى: فأخذنى شبه الطرب، وانزعج من منامه حتى علمت بذلك زوجته. ورأى رجل بعض الموتى. فسأله عن حاله وعن أقاربه؟ فقال: الليلة ينزل الفخر عندهم من عند الحق، وكل ليلة جمعة ينزل إليهم، ويجتمعون إليه. وذكر أنه رأى هذا المنام مرارا.

ورأى رجل الشيخ الفخر فى نومه، وقد صعد إلى منبر جامع حران، ومعه مصحف ففتحه ووقف، والنبى صلى الله عليه وسلم فوقه على المنبر يقرأ من ذلك المصحف.

ورأى آخر الشيخ الفخر مع الإمام أحمد، وهما يتسايران. وكان هذا الرائى قد رأى فى حياة الشيخ رجلا من الصالحين يقول له فى نومه: مرّ إلى الشيخ الفخر، وخذ لك منه عهدا أن يشفع فيك غدا. فإنه قد أعطى الشفاعة فى كذا وكذا

(1)

.

ورأى آخر الشيخ الفخر فى المنام، ويده فى يد رجل آخر. قال: فسلمت على الفخر، وقلت له: يا سيدى من هذا الذى يده فى يدك؟ فقال: هذا الموفق الدمشقى المقدسى. فقلت: وإلى أين تروحون؟ قال: بروح نفتيهم فى قضية.

قال: فدخلوا مسجدا، فرأيت فيه حياة بن قيس وابناه فى غربى المسجد، والشيخ الفخر شرقى المحراب، والشيخ الموفق غربيه. وهما فوق تخت، وعليهما خلعتان ما رأيت أحسن منهما قط، وبين أيديهما شئ مطروح. ثم قام الشيخ الفخر

(1)

هذه المنامات والرؤى من مجهولى الحال، قد كان أحرى أن لا يقيموا لها هذا الوزن الكبير. والله أعلم

ص: 159

يفرق منه على الحاضرين، كما يفعل فى الملاك. قال الرائى: فقلت للشيخ الفخر:

يا سيدى أخبرنى، الموت كيف هو؟ قال: والله الموت وقت حضوره صحب شديد، وبعد الموت كله هين. ثم قال لى: الصلاة يا عبد الله، ما شئ أفضل منها. فمن واظب عليها وحافظ على السنة والجماعة ما يلقى إلا الخير الكثير.

ورأى رجل النبى صلى الله عليه وسلم، وبين يديه جبريل، وهما جالسان فى موضع بحران. فسأل الرائى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما سبب حضوركم فى هذا الموضع؟ فمديده وأشار إلى نحو باب دار الشيخ الفخر وقال: الفخر قد مات.

قال: فمات الشيخ الفخر فى الجمعة الأخرى.

قال: وأخبرنى رجل سماه - وكان فيه دين وصلاح - قال: رأيت فى النوم قائلا يقول: الشيخ الفخر كان صادقا مع الله. ثم قال: الشيخ الفخر كان من الصديقين. قال: وبعد رأيت كأننى دخلت إلى الجامع، فإذا الشيخ على الكرسى يتكلم، وهو يردد هذه الأبيات:

طوبى لعبد أحب مولاه

إذا خلا فى الظلام ناجاه

قد كشف الحجب عن بواطنه

فنور مولاه قد تغشاه

يقول: يا غايتى ويا أملى

ما خاب عبد تكون مولاه

وكان من عادته فى مجالسه أيام حياته يرددها كثيرا فى كلامه فى الوعظ، قال: فطربت لسماع صوته فى المنام.

قال: وحدثنى رجل - سماه - عن زوجته: أنها رأت سنة إحدى وعشرين فى المنام كأنها فى موضع فيه رياض وخضرة، وقوم يبنون فيه قصرا عاليا، وبقربه دولاب يدور، وامرأتان قائمتان بقرب القصر، كأحسن ما يكون من النساء.

قالت: ففهمت أنهما من الحور العين. فسألت: لمن هذا القصر الذى يبنى؟ فقيل لها: للفخر الفقيه. قالت: وما رأيت له بابا مفتوحا. ثم رأيت ليلة عاشوراء سنة اثنتين وعشرين قبل وفاة الشيخ بشهر ذلك القصر قد فتح له باب، والحوريتان

ص: 160

عند بابه. فقالت: من يريد يجئ إلى هذا القصر؟ قالوا: الفخر صاحبه.

قال: وحدثنى رجل - وذكر عنه دينا وخيرا - قال: رأيت الشيخ وكأنه فى مسجده مستند إلى ركن محرابه، والناس مجتمعون فى عقد ختمة. فلما انصرف الناس قلت للشيخ: بالله يا سيدى، هل رأيت الله؟ قال: إي والله. فقلت له:

فنحن إيش تقول فينا؟ قال: أنتم من أصحابنا.

قال: وحدثنى أبو الحسن بن إبراهيم بن البقش النجار - وكان يلازم الشيخ لسماع الحديث - قال: رأيت الشيخ بعد موته فى المنام على كرسى يعظ، وتحته رجال ونساء كثير. فسمعته ينشد:

تجلى الحبيب لأحبابه

فطوبى لمن كان يعنى به

فلما تجلى لهم كبروا

وخروا سجودا على بابه

والمنامات الصالحة له كثيرة رحمه الله.

وذكر المنذرى وغيره: أنه سئل عن معنى «تيمية» فذكر أن أباه أوجده حج على درب تيماء. فرأى هناك جويرية قد خرجت من خبائها. فلما رجع وجد امرأته قد وضعت جارية. فلما رآها قال: يا تيمية، كأنه يشبهها بتلك الجويرية، فلقبت بذلك.

قال ابن النجار: ذكر لنا أن جده محمدا كانت أمه تسمى تيمية. وكانت واعظة.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى، أنبأنا أحمد بن عبد الدائم أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم ابن تيمية الخطيب.

ح - قال الأنصارى: وأخبرنا إبراهيم بن أحمد بن كامل المقدسى - حضورا - أخبرنا الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى قالا: أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقى بن البطى أخبرنا أبو الخطاب نصر ابن أحمد بن البطى.

ص: 161

ح - قال ابن عبد الدائم: وأنبأناه عاليا خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله ابن أحمد بن محمد بن عبد القاهر - إجازة - أخبرنا ابن البطى، أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن عبد الله بن يحيى بن زكريا البيع، حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملى حدثنا العباس بن محمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطمى عن محمد بن كعب عن عبد الله بن يزيد الخطمى قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ودع الجيش قال: أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم» .

‌275 - عبد الله بن أحمد

بن الزيتونى البوازيجي، أبو محمد. هكذا نسبه ابن الساعى وغيره.

وقال المنذرى: عبد الله بن على بن أحمد بن أبى الفرج الزيتونى البوازيجي.

سمع من الحافظ معمر بن الفاخر، ويحيى بن ثابت بن بندار، وأبى على ابن الرحبى وغيرهم، وحدث. هذا ما ذكره.

وقال أبو أحمد عبد الصمد بن أبى الجيش فى ذكر شيوخه بالإجازة:

عبد الله بن على بن أحمد الزيتونى البوازيجي، سمع مشيخة شهدة عليها، وكذا وجدت اسمه فى طبقة سماعه جزء ابن عرفة على ابن كليب.

وقال ابن الساعى: كان مقيما برباط محمود النعال، شيخ خير مسن صالح، صاحب سنة ورواية، أنشدنى من حفظه:

ضيق العذر فى الضراعة

أنا لوقنعنا بقسمنا لكفانا

مالنا نعبد العباد إذا كا

ن إلى الله فقرنا وغنانا

وذكر الحافظ عمر بن الحاجب، فى معجمه، فى ترجمة الحافظ أبى القاسم الصريفينى، من أصحابنا: أنه تفقه على الشيخ أبى محمد عبد الله بن أحمد البوازيجي.

وقرأت بخط الناصح ابن الحنبلى: السيد البوازيجي، كان دخل بغداد قبل

ص: 162

قدومى إليها بسنتين. وسمع درس الشيخ أبى الفتح بن المنى، وصحبه، وخدمه، وكان ببغداد مدة مقامى ببغداد، وسافر إلى البوازيج، ثم عاد إلى بغداد. وكان رجلا صالحا. وكان يخل بعينه، ولا يخل بدينه.

قلت: غالب ظنى: أنه هذا.

توفى عبد الله بن أحمد البوازيجي يوم الجمعة غرة ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن بمقبرة باب الحلية، رحمه الله تعالى.

‌276 - محمد بن على

بن مكى بن على بن ورخز البغدادى، الفقيه المعدل، أبو عبد الله - وفى تاريخ ابن الساعى: أبو نصر - بن أبى الحسن، وقد سبق ذكر والده.

تفقه على أبى الفتح بن المنى، وأفتى وناظر، وأعاد الدرس لأستاذ الدار ابن الجوزى، وشهد عند الزنجانى، ورتب مشرفا على وكلاء الخليفة الناصر. وكان فقيها فاضلا، خيرا دينا، ثقة خبيرا بالمذهب، ذكر ذلك ابن الساعى، وقال:

أنشدنى المعدل محمد بن ورخز، أنشدنى أبو الفضل الأشعرى العبرتى النحوى:

يجمع المرء، ثم يترك ما جمع

من كسبه لغير شكور

ليس يحظى إلا بذكر جميل

أو بعلم من بعده مأثور

توفى يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

ودفن بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى.

‌277 - أحمد بن أبى المكارم

بن شكر بن نعمة بن على بن أبى الفتح ابن حسن بن قدامة بن أيوب بن عبد الله بن رافع، المقدسى، الخطيب، أبو العباس، خطيب قرية مردا، من عمل نابلس.

قال الحافظ ضياء الدين - ومن خطه نقلت - سافر إلى بغداد فى طلب العلم واشتغل. وحصل فى مدة يسيرة ما لم يحصل غيره فى مدة طويلة. وسمع الحديث

ص: 163

ببغداد من عبد الله بن شاتيل. سمعت عليه بقرية مردا، وبجبل قاسيون.

وسمعت شيخنا الإمام عماد الدين إبراهيم بن عبد الواحد - غير مرة - يغبطه بما هو عليه من كثرة الخير فإنه يقوم بمصالح عديدة، منها: إقراء القرآن، والقيام بالخطابة والإمامة، وما يحتاج إليه المسجد من سرج وغير ذلك، وافتقاد الغرباء الواردين بما يصلحهم. ولا يتناول من وقف المسجد شيئا، كما بلغنى.

ثم ذكر له كرامات من تكثير الطعام فى وقت احتيج فيه إلى تكثيره، ومن المعافاة من الصرع بما كتبه

(1)

.

قال المنذرى: توفى فى شعبان سنة اثنتين وعشرين وستمائة بمردا، رحمه الله.

‌278 - أحمد بن على

بن أحمد، الموصلى الفقيه الزاهد، أبو العباس، المعروف بالوتارة. ويقال: ابن الوتارة. وسمى ابن الساعى جده محمدا.

قال المنذرى: سمع على علو سنه من المتأخرين.

وقال الناصح ابن الحنبلى: كان يعرف أكثر مسائل الهداية لأبى الخطاب، ويأكل من كسب يده، ولباسه الثوب الخام. وانتفع به جماعة. وصار له حرمة قوية بالموصل، واحترام من جانب صاحبها ومن بعده.

وقال ابن الساعى: شيخ صالح، كثير العبادة، يعتقد فيه، ويتبرك به، أمّارا بالمعروف، نهاء عن المنكر.

بلغنى: أنه توفى بالموصل فى يوم الأربعاء رابع ذى الحجة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

وقال الناصح والمنذرى: توفى فى رابع عشر ذى الحجة.

وقرأت بخط ابن الصيرفى: أنه توفى سنة ثلاث وعشرين. وهو وهم.

‌279 - يعيش بن ريحان

بن مالك، كذا نسبه الدبيثى وغيره. ووجدت بخطه: يعيش بن ريحان. وقال جماعة: يعيش بن مالك بن ريحان.

(1)

لقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم النهى عن التمائم والتحذير منها.

ص: 164

وقال عبد الصمد بن أبى الجيش: يعيش بن ملك بن هبة الله بن ريحان، الانبارى، ثم البغدادى، الفقيه الزاهد، أبو المكارم - ويقال: أبو البقاء - والأول: أشهر.

ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة تقريبا. وسمع من أبى الحسن بن الدجاجى كثيرا من الحديث ومن كتب المذهب، ورواها عنه، كالهداية لأبى الخطاب، والانتصار

(1)

لابن عقيل.

وسمع من صدقة بن الحسين أيضا، ومن أبى زرعة المقدسى، وعبد الحق اليوسفى، وأبى حامد محمد بن أبى الربيع الغرناطي، وأبى محمد ناصر بن أحمد بن حسين الخورى، وشهدة الكاتبة، وغيرهم.

وتفقه فى المذهب. وكان موصوفا بالعلم والصلاح.

وقال المنذرى: كان من فضلاء الفقهاء، متدينا، معتزلا عن الناس.

ولنا منه إجازة. وحدث.

وذكر ابن حمدان الفقيه: أن أبا الفضل حامد بن أبى الحجر لما ولاه السلطان نور الدين التدريس والخطابة بحران، كتب إليه يعيش هذا من بغداد أبياتا، وهى:

ظعن الذين عهدتهم

ولتظعنن كمن ظعن

يا غاسلن ثيابه

اغسل هواك من الدرن

ما صح ظاهر مبطن

حتى يصحح ما بطن

ولربما احتلبت يداك

دما وتحسبه لبن

وكان ابن أبى الحجر يتوسوس فى طهارته وغسل ثيابه كثيرا.

روى عنه ابن الدبيثى، ويحيى بن الصيرفى الفقيه. وأجاز لعبد الصمد بن أبى الجيش.

(1)

لعله «والفصول لابن عقيل» فإن الانتصار لأبى الخطاب: وكذا ذكره فى نسخة أخرى كهذه. فليحرر

ص: 165

وتوفى ليلة الخميس خامس عشر ذى الحجة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

ودفن من الغد بباب حرب. رحمه الله تعالى. كذا قال المنذرى وغيره.

وذكر ابن الساعى: أنه توفى يوم الخميس. وقال: ودفن بمقبرة جامع المنصور.

‌280 - عمرو بن رافع

بن علوان الزرعى. ذكره ناصح الدين بن الحنبلى.

قال: قدم ابن زرع فى عشر الستين - يعنى والخمسمائة - وهو ابن نيف وعشرين سنة. ونزل عندنا فى المدرسة هو ورفقة له. واشتغلوا على والدى. فحفظوا القرآن.

وسمعوا درسه، وحفظوا كتاب «الإيضاح» - يعنى للشيخ أبى الفرج جدهم - قال: وكان هذا الفقيه عمرو يحفظ كثيرا وسريعا. تلقن سورة البقرة فى درسين أو ثلاثة. وعمل الفرائض، فأسرع فى معرفتها.

ورحل إلى حران. وأقام بها مدة مديدة يشتغل. ثم رجع إلى دمشق، ثم إلى زرع، وأقام بها، يفتى ويقف على ما يندب إليه من المساحة والحدود. ثم أضر فى آخر عمره.

ومات بزرع سنة اثنتين وعشرين وستمائة. رحمه الله تعالى.

‌281 - مظفر بن إبراهيم

بن جماعة بن علي بن شامى بن أحمد بن ناهض ابن عبد الرزاق العيلانى - بالعين المهملة. قاله المنذرى - الأديب الشاعر العروضى، الضرير المصرى، أبو العز. ويلقب موفق الدين.

ولد لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمصر.

وسمع الحديث من أبى القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حسين السبتى، ومحمود ابن طاهر بن أحمد بن الصابونى، وأبى طاهر بن ياسين، والبوصيرى، وغيرهم.

ولقى جماعة من الأدباء، وقال الشعر الجيد، وبرع فى علم العروض، وصنف فيه تصنيفا مشهورا. دل على حذقه. ومدح جماعة كثيرة من الملوك والوزراء، وغيرهم. وحدث بتصنيفه، وشئ من شعره.

ص: 166

قال المنذرى: وسمعت منه. وكان بقية فضلاء طبقته.

وذكر ابن خلكان أنه قال: دخلت مرة على القاضى هبة الله بن سناء الملك الشاعر، فقال لى: يا أديب، قد صفت نصف بيت، ولى أيام أفكر فى تمامه قلت: وما هو؟ قال * بياض عذارى من سواد عذاره * قلت: قد حصل تمامه: * كما جلّ نارى فيه من جلّناره *

فاستحسنه وعمل عليه، ومن نظمه: الأبيات المشهورة السائرة.

قالوا: عشقت، وأنت أعمى

ظبيا كحيل الطرف ألمى

وحلاه ما عاينتها

فنقول قد شغفتك دهمى

وخياله بك فى المنا

م فما أطاف ولا ألمّا

من أين أرسل للفؤا

د وأنت لم تنظره - سهما

ومتى رأيت جماله

حتى كساك هواه سقما؟

والعين داهية الهوى

وبه تنم إذا تنمى

وبأى جارحة وصلت

بوصفه نثرا ونظما؟

فأجبت: إنّي موسوى

العشق إنصاتا وفهما

أهوى بجارحة السما

ع ولا أرى ذات المسمى

توفى فى سحر يوم الأحد تاسع المحرم سنة ثلاث وعشرين وستمائة بمصر، ودفن من الغد بسفح المقطم. رحمه الله تعالى.

‌282 - أحمد بن محمود

بن أحمد بن ناصر البغدادى، الحريمى الحذاء، أبو العباس بن أبى البركات. وقد سبق ذكر والده.

ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة تقديرا.

وسمع بإفادة والده من أبى الفتح بن البطى، ويحيى بن نابت بن بندار، وسعد الله بن الدجاجى، وأبى جعفر بن القاص، وغيرهم.

وتفقه على والده أبى البركات. وحدث. وأجاز للمنذرى.

ص: 167

قال ابن الساعى: توفى يوم الأربعاء حادى عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ودفن بمقبرة باب حرب.

والذى قدمه المنذرى: أنه توفى ليلة الرابع عشر من الشهر المذكور.

‌283 - أحمد بن ناصر

بن أحمد بن محمد بن ناصر الاسكافى، الفقيه، أبو العباس بن أبى البركات، الفقيه الحربى.

قرأ طرفا من الفقه على والده. وسمع الحديث من أبى الفتح بن البطى، ويحيى بن ثابت بن بندار، وسعد الله بن الدجاجى، وغيرهم.

كتب عنه ابن النجار، وقال: كان شيخا حسنا، فهما متيقظا.

توفى يوم الأربعاء حادي عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وستمائة.

ودفن بباب حرب رحمه الله.

‌284 - أحمد بن عبد الواحد

بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدى، المقدسى، ثم الدمشقى، المعروف بالبخارى. شمس الدين، أبو العباس أخو الحافظ ضياء الدين محمد، ووالد الفخر على، مسند وقته.

ولد فى العشر الأواخر من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة بالجبل.

وسمع بدمشق من أبى المعالى بن صابر، وغيره.

ورحل إلى بغداد. وسمع من أبى الفتح بن شاتيل، وابن الجوزى، وطبقتهم وسمع بنيسابور من عبد المنعم الفراوى. وسمع بواسط من جماعة. وتفقه وبرع.

وأقام ببخارى مدة يشتغل بالخلاف على الرضى النيسابورى، ولهذا عرف بالبخارى.

ثم رجع إلى الشام، وسكن حمص مدة. ويقال: إنه ولى بها القضاء، كما ذكره المنذرى وغيره. وأنكر أبو القاسم بن العديم ذلك.

قال الذهبى: وكان إماما عالما، مفتيا مناظرا، ذا سمت ووقار. وكان كثير المحفوظ، حجة صدوقا، كثير الاحتمال، تام المروءة. لم يكن فى المقادسة أفصح

ص: 168

منه. واتفقت الألسنة على شكره، وشهرته وفضله. وما كان عليه يغني عن الإطناب فى ذكره.

حدث البخارى بدمشق وحمص. وسمع منه جماعة. منهم: عبد الرزاق الرسعنى. وروى عنه أخوه الضياء الحافظ، وولده الفخر على. وأجاز للمنذرى.

وتوفى ليلة الخميس خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وستمائة. كذا قال المنذرى.

وقال ابن العديم: توفى ليلة الجمعة خامس عشر من الشهر المذكور. ودفن من الغد إلى جانب خاله الشيخ موفق الدين رحمه الله تعالى.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد. حدثنا والدى أبو العباس - من لفظه بحمص - أخبرنا أبو الفتح بن شاتيل أخبرنا أبو القاسم بن بيان أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن بشران حدثنا محمد بن الحسن بن أبى شعيب الحرانى حدثنا عبد العزيز بن داود الحرانى حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يحيى بن يعمر قال: قلت لابن عمر:

عندنا رجال بالعراق يقولون: إن شاءوا عملوا، وإن شاءوا لم يعملوا، وإن شاءوا دخلوا الجنة، وإن شاءوا دخلوا النار، ويصنعون ما شاءوا. قال ابن عمر:

«أخبرهم أنى منهم برئ، وهم برآء منى. ثم قال: جاء جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث» .

ومن فتاوى أبى العباس البخارى بحمص: سئل عن رجل دفع إلى رجل مائة قراضا. فربح ستين. ثم أخذ رب المال منه ثمانين. ثم اتجر المضارب بالباقى، فصار خمسة عشر؟ فأجاب: لا يجب على المضارب شئ، بل تقع الخمسة عشر التى بقيت بدلا عن نصيبه. وذلك لأن المضارب كان يستحق خمسة عشر، ضرورة أن الثلاثين من الذى أخذ هى الريح. وكان المضارب يستحق النصف.

قلت: وجه هذا: أن رب المال لما أخذ نصف رأس المال ونصف الربح

ص: 169

استحق العامل مما أخذه من الربح: نصفه. وهو خمسة عشر. وهو ربع الربح، وبقى رأس المال فى يد المضارب خمسون. والثلاثون الزائدة ربح، فلما اتجر فيه العامل وخسر: جبر رأس المال الباقى فى يده بربحه، ولم يستحق شيئا من ربحه، وبقى له على رب المال نصيبه مما أخذه من الربح، وهو خمسة عشر. إذ هى نصف ما أخذه من الربح، فيستحقها عليه، ولا ينجبر بها هذا الخسران؛ لأن ما أخذه رب المال انفسخت فيه المضاربة، وانقطع حكمه عما بقى فى يد العامل.

وظاهر ما أفتى به البخارى: يقتضى أن العامل أخذ الخمسة عشر الباقية فى يده عوضا عن نصيبه الذى يستحقه على رب المال.

وذكر الشيخ موفق الدين فى نظير هذه المسألة: أن العامل يرد ما فى يده إلى رب المال، ويطالبه بحقه مما أخذه من الربح، لئلا يكون مستوفيا من تحت يده من مال من له عليه الحق.

‌285 - عبد الرحمن بن إبراهيم

بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل ابن منصور المقدسى، الفقيه الزاهد، بهاء الدين، أبو محمد بن عم البخارى المذكور قبله.

ولد سنة ست - ويقال: سنة خمس - وخمسين وخمسمائة.

وسمع بدمشق من أبى عبد الله بن أبى الصقر وغيره.

ورحل إلى بغداد، وسمع بها من شهدة، وعبد الحق اليوسفى، وطبقتهما، وسمع بحران من أحمد ابن أبى الوفاء الفقيه.

ويقال: إنه تفقه ببغداد على ابن المنى، وتفقه بدمشق على الشيخ موفق الدين ولازمه، وعلق عنه الفقه واللغة، وقرأ العربية. وصنف فى الفقه والحديث والرقائق.

فمن تصانيفه «شرح العمدة» للشيخ موفق الدين فى مجلد، وهو شرح مختصر، ونص فى أوله: أن الماء لا ينجس حتى يتغير مطلقا، ويقال: إنه شرح «المقنع» أيضا.

ص: 170

وقال سبط ابن الجوزى: كان يؤم بمسجد الحنابلة بنابلس، ثم انتقل إلى دمشق. قال: وكان صالحا ورعا زاهدا، غازيا مجاهدا، جوادا سمحا.

وقال المنذرى: كان فيه تواضع، وحسن خلق، وأقبل فى آخر عمره على الحديث إقبالا كليا، وكتب منه الكثير. وحدث بنابلس، ودمشق.

توفى رحمه الله فى سابع ذى الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة، ودفن من يومه بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى.

قرأت بخط الشيخ بهاء الدين، قال الخرقى: وإذا قال له: يا لوطى، وقال: أردت أنه من قوم لوط، فلا شئ عليه. وقال: إذا قذف من كان مشركا وقال: أردت أنه زنى وهو مشرك، لم يلتفت إلى قوله وحدّ. سألت موفق الدين عن الفرق بينهما؟ فقال: قد قيل فى الأدلة: إنها على خلاف الظاهر، وأنه لا يلتفت إلى قوله كالثانية، لأن قوم لوط قد انقرضوا، وهذا بعيد. وإن فرق بينهما، فلأنه إذا قال: أردت أنه زنى وهو مشرك، فقد ألحق به العار فى الحال بقوله: يا زانى، والزنا عار فى حالة الشرك، وقد وصفه به وهو مسلم، فلا يلتفت إلى تفسيره ويحد. وأما إذا قال: يا لوطى، وقال: أردت أنك من قوم لوط فقد نفى عنه العار، لأن كونه من قوم لوط: لا عار فيه، وقد فسر اللفظ بما يحتمله. والله أعلم.

‌286 - عبد الله بن نصر

بن محمد بن أبى بكر الحرانى، المقرئ الفقيه، أبو بكر قاضى حران.

رحل إلى بغداد وتفقه بها، وسمع الحديث من شهدة وابن شاتيل وطبقتهما.

ورحل إلى واسط، وقرأ بها القرآن بالروايات على أبى بكر الباقلانى.

وأبى طالب الكنانى، وجماعة آخرين.

وصنف كتبا فى القراءات، منها «التذكير» فى قراءة السبعة، ومنها «مفردات» فى قراءة الأئمة، وأقرأ القرآن، وحدث بحران.

ص: 171

روى عنه الأبرقوهى وجماعة.

قال ابن حمدان الفقيه: سمعت عليه أشياء. قال: وكان مشهورا بالديانة والصيانة، مستوحدا فى فنه، وفى فنون القراءة، وجودة أدائها.

توفى رحمه الله سنة أربع وعشرين وستمائة نجران.

‌287 - عبد المحسن بن عبد الكريم

بن ظافر بن رافع، الحصنى الحصرى، المصرى الفقيه، أبو محمد.

ولد فى أوائل سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بمصر. وسمع بها من أبى إسحاق إبراهيم بن هبة الله بن محمد البغدادى، وأبى روح المطهر بن أبى بكر الجيوشانى، وأبى نزار ربيعة بن الحسن اليمانى الحافظ، وعبد المجيب بن زهير الحربى، وأبى عبد الله محمد بن عمر العثمانى، وجماعة سواهم.

ورحل إلى دمشق. فتفقه بها على الشيخ موفق الدين المقدسى. وانقطع إليه مدة، وتخرج به، وسمع منه ومن أبى الفتوح البكرى وغيرهما.

وسمع بحران من الحافظ عبد القادر الرهاوى، وحدث بحمص وبمصر.

وكتب بخطه. وحصل كتبا، وتوجه إلى الحج، فغرق فى البحر، وذهب جميع ما معه. وعاد إلى مصر مجردا من جميع ما كان معه.

ولم يزل على سداد وأمر جميل إلى أن توفى فى ثالث جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وستمائة بمصر. ودفن من الغد بسفح المقطم على شفير الخندق بقرب كافور الإخشيد.

ذكر ذلك كله المنذرى، ووصفه بأنه رفيقه.

قال: وفى ليلة ثانى عشر الشهر المذكور توفى:

‌288 - الفقيه أبو الفضل داود بن رستم

بن محمد بن أبى سعيد الحرانى الحنبلى ببغداد. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب.

سمع من نصر الله القزاز وغيره. وحدث. وذكره ابن النجار، وأنه ناطح الستين

ص: 172

‌289 - عبد الرحمن بن على

بن أحمد بن على بن محمد التانرايا، البغدادى، الواعظ، الفقيه، المعدل، ثم الحاكم أبو محمد، ويقال: أبو الفضل. ويقال:

أبو المعالى. ويلقب موفق الدين.

سمع من عبد الحق اليوسفى، وابن شاتيل، ونصر الله القزاز، وابن المنى، وابن الجوزى، وغيرهم.

وتفقه على أبى الفتح بن المنى، وبرع وناظر، وقرأ الوعظ على أبى الفرج ابن الجوزى وصحبه. ووعظ بباب بدر تحت منظرة الخلافة، من زمن الخليفة الناصر، مع محيى الدين ابن الجوزى.

قال ابن النجار: كان حسن الأخلاق فاضلا.

وقال المنذرى: كان فقيها فاضلا مناظرا. وله يد فى الوعظ.

قلت: ولما صرف الشيخ شهاب الدين السهروردى صاحب العوارف عن مشيخة رباط الزوزنى بمدرسة المنصور، سنة ثمان وستمائة فى خلافة الناصر، جعل ابن التانرايا شيخا للرباط المذكور، وينظر فى أوقافه. ولما ولى قاضى القضاة أبو صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر فى خلافة الظاهر: شهد عنده. ثم استنابه فى الحكم بحريم دار الخلافة

وقد حدث. وسمع منه غير واحد، منهم: ابن النجار. وأجاز للمنذرى، ولعبد الصمد بن أبى الجيش

قال الشيخ عبد الصمد: كان أصله من العجم. وسبب هذا اللقب: أن بعض أجداده كان يقول: إن بيتا فى التانى رايا. فلقب هذا اللقب

توفى ليلة الاثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وستمائة فجأة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب. رحمه الله تعالى

وفى هذه السنة فى حادى عشرين ذى القعدة توفى:

ص: 173

‌290 - بهاء الدين أبو العباس أحمد بن نجم

بن عبد الوهاب الحنبلى الدمشقى، أخو الشهاب والناصح. ودفن بالجبل. وكان أكبر الإخوة.

فكان مولده: سنة تسع وأربعين وخمسمائة.

سمع من القاضى أبى الفضل بن الشهرزورى. وحدث عن الحيص بيص الشاعر. وأجاز للمنذرى

‌291 - سلامة بن صدقة

بن سلامة بن الصولى، الحرانى الفقيه، الفرضى أبو الخير. ويلقب موفق الدين

سمع ببغداد من أبى السعادات الفزاز، وغيره. وتفقه بها.

قال ابن حمدان: كان من أهل الفتوى، مشهورا بعلم الفرائض، والحساب والجبر والمقابلة. سمعت عليه كثيرا من الطبقات لابن سعد. وقرأت عليه ما صنفه فى الحساب والجبر والمقابلة، وأجوبته فى الفتوى غالبا «نعم» أو «لا» .

قلت: روى عنه الأبرقوهى. سمع منه بحران.

وقال المنذرى: لنا منه إجازة، وقال: و «الصولى» بفتح الصاد المهملة الإسكاف. هكذا يقول أهل بلده.

قلت: ورأيت على مقدمة الفرائض من تصنيفه: ابن الصولية. ولم يضبط الصاد بشئ. وفى هذه المقدمة فوائد، منها: أنه قال: تنزل العمة أبا، وعمته عما. فيحتمل عمّا لأبوين. ويحتمل كل واحدة بمنزلة أخيها. وهذا غريب.

ويلزم من تنزيل العمة للأم عمّا لأم إسقاطها.

توفى فى المحرم سنة سبع وعشرين وستمائة بحران. رحمه الله تعالى.

‌292 - عبد الله بن معالى

بن أحمد الريانى، المقرئ الفقيه، أبو بكر.

تفقه على أبى الفتح بن المنى، وغيره. وسمع من ابن المنى، وشهدة، وغيرهما. وحدث.

ص: 174

قال ابن نقطة: سمعت منه أحاديث. وهو شيخ حسن.

وقال ابن النجار: كان صالحا، حسن الطريقة. وشهد عند القضاة.

وحدث باليسير.

توفى فى يوم الجمعة خامس جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة

(1)

. ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد. وهو منسوب إلى الريان - بفتح الراء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها، وبعد الألف نون - محلة بشرقى بغداد، قريب باب الأزج.

وفى ثانى عشر جمادى الأولى من السنة. توفى:

‌293 - الفقيه سليمان بن أحمد

بن أبى عطاف المقدسى، نزيل حران بها.

تفقه وحدث عن أبى الفتح بن أبى الوفاء الفقيه.

‌294 - محمد بن أحمد

بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم الجيلى، ثم البغدادى، المحدث المعدل، أبو المعالى بن أبى الفضل بن أبى المعالى. ويلقب فخر الدين. وقد سبق ذكر آبائه.

ولد ببغداد ليلة الجمعة سادس عشرين جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة.

وتوفى والده، وله سنة وشهور. فتولاه خاله أبو بكر بن مشق، وأسمعه الكثير من خلق، منهم: يحيى بن يوسف السقلاطونى، وعبد الحق اليوسفى، وصالح بن الرخلة، وأبو العباس بن بكروس الفقيه، وأبو الفتح بن الشريك وشهدة، وغيرهم.

وقرأ القرآن بالروايات. وتفقه فى المذهب، وقرأ الحديث الكثير بنفسه على أصحاب ابن بنان، وابن نبهان، وأبى طالب اليوسفى وطبقتهم.

(1)

لعله سنة 627 على الوفيات كالذى قبله وفى نسخة 617 فليحرر

ص: 175

قال ابن النجار: كان طيب النغمة فى قراءة القرآن والحديث، مواظبا على قراءة الحديث بمسجده بدرب المطبخ، وبحلقته بجامع القصر، ويفيد الناس إلى آخر عمره. وكان متدينا صالحا، حسن الطريقة، جميل السيرة، ساكنا وقورا، صدوقا أمينا. كتبت عنه، ونعم الرجل كان. ولقد اصطحبنا مدة فى طلب الحديث فما رأيت منه إلا خيرا.

وقال ابن نقطة: هو ثقة مأمون، مكثر حسن السمت.

وقال المنذرى: كان فاضلا، مرضى السيرة.

قال ابن الساعى: كان ثقة صالحا خيرا، كثير السكون، حسن السمت، جميل الطريقة من بيت العدالة والرواية، ولي كتابة باب طراد، والخزن بالديوان وعين للدخول على ولى العهد أبى نصر محمد، وهو الخليفة الظاهر. وكتب عنه ابن الساعى، وأجاز للمنذرى.

روى عنه عبد الصمد بن أبى الجيش.

قال ابن النجار: وتوفى يوم الأحد رابع رجب سنة سبع وعشرين وستمائة وصلّى عليه من الغد بالنظامية. وكان الجمع متوافرا جدا، وحمل إلى باب حرب فدفن عند آبائه بدكة الإمام أحمد. رضى الله عنه.

قرئ على أبى الربيع محمد بن عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبى الجيش - وأنا أسمع، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ببغداد - أخبرك والدك أبو أحمد عبد الصمد ابن أحمد قال: حدثنا أبو المعالى محمد بن أحمد بن شافع أخبرنا أبو الفرج

(1)

بن كليب أخبرنا صاعد بن سيار الهروى أخبرنا أبو عامر الأزدى وأبو المظفر البغاوردانى قالا: أخبرنا الجراحى أخبرنا المحبوبى حدثنا الترمذى حدثنا أحمد بن منيع حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سعيد الجريرى عن قيس بن عباية عن عبد الله ابن مغفل قال: سمعنى أبى وأنا أقول فى الصلاة «بسم الله الرحمن الرحيم» قال

(1)

فى مخطوطة الثقافة «أبو الفتوح»

ص: 176

«أى بنى، محدث، إياك والحدث. قال: ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث فى الإسلام - يعنى منه - قال:

وصليت مع النبى صلى الله عليه وسلم، ومع أبى بكر، ومع عمر، ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها. فلا تقلها إذا صليت. وقل: الحمد لله رب العالمين»

أخبرنا - عاليا - محمد بن إسماعيل الأنصارى - بدمشق - أخبرنا يحيى بن أبى منصور بن الصيرفى الحرانى الفقيه - حضورا - أخبرنا عبد القادر الرهاوى الحافظ أخبرنا نصر بن سيار الهروى أخبرنا الأزدى - فذكره.

‌295 - أحمد بن نصر

بن الحسين بن فهد، العلثى، الفقيه، أبو العباس

سمع من أبى شاكر السقلاطونى، وعبد الحق اليوسفى، وعبد الرحمن بن جامع الفقيه، وشهدة. وتفقه على ابن المنى. وكان حسن الكلام فى مسائل الخلاف، وفيه صلاح وديانة. وله مسجد بالريان يصلى فيه، ويقرئ الناس.

وكان زيه زى العوام فى ملبسه. وحدث. وسمع منه جماعة.

توفى ليلة الثلاثاء ثانى عشر شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة. ودفن من الغد بمقبرة الريان خلف مسجده.

وقال ابن النجار: وأظنه ناطح السبعين. رحمه الله تعالى.

‌296 - عبد الوهاب بن زاكى

بن جميع الحرانى، الفقيه، ناصح الدين، أبو محمد نزيل دمشق.

سمع بحران من عبد القادر الرهاوى متأخرا.

قال ابن حمدان: كان فاضلا فى الأصلين والخلاف، فى الفروع والعربية، والنظم والنثر، وغير ذلك.

رحل إلى بغداد. وقرأت عليه «الجدل الكبير» لابن المنى، وبعض تعليقه و «منتهى السول» وغير ذلك. وكان كثير المروءة والأدب، حسن الصحبة

ص: 177

وقلت فى مرثيته أبياتا، منها:

علا منزلا عال من المجد والنهى

فأضحى ولا يرقى له مورد الشرب

وساد لسادات الزمان بسؤدد

يدوم دوام الدهر فى الشرق والغرب

وذكر المنذرى: أنه حدث بشئ من شعره، قال: و «جميع» بضم الجيم وفتح الميم.

وتوفى فى خامس ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وستمائة بدمشق. ودفن من الغد بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.

‌297 - سليمان بن عمر

بن المشبك الحرانى، الفقيه، الأصولى أبو الربيع.

ويلقب كمال الدين.

قال ابن حمدان: كان رجلا صالحا ورعا، فاضلا فى الأصلين والخلاف والمذهب. وله تصانيف كثيرة فى ذلك كله، منها عبادات، ومختصر الهداية والوفاق والخلاف بين الأئمة الأربعة، ومسائل خلاف، وأصول فقه، وغير ذلك

قلت: رأيت له كتاب «الراجح» فى أصول الفقه، قال: ومنها «اعتقاد أهل حران» و «نفى الآفات عن آيات الصفات» و «صرف الالتباس عن بدعة قراءة الاخماس» وغير ذلك.

قال: وعدته فى مرضه، ولم أسمع منه شيئا. مات زمن اشتغالى، وندمت على ما فاتنى منه.

توفى بعد العشرين وستمائة يعنى بحران.

قلت: أظنه مات فى أول هذا الشهر. والله أعلم.

‌298 - خلف بن محمد

بن خلف الكنرى، البغدادى، المقرئ، أبو الذخر

ولد بكنّر، من قرى بغداد، سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وحفظ بها القرآن. وتفقه فى المذهب. ثم سافر إلى الموصل واستوطنها. وسمع بها من الخطيب أبى الفضل الطوسى، ويحيى الثقفى، وغيرهما.

ص: 178

وحدث، وأقرأ القرآن. وكتب عنه الناس. وكان متدينا صالحا، حسن الطريقة.

توفى فى محرم سنة تسع وعشرين وستمائة بالموصل. رحمه الله تعالى.

‌299 - يوسف بن فضل الله

بن يحيى السكاكينى الحرانى، الأديب الزاهد، أبو المظفر، وأبو الحجاج. سمع على الرهاوى بحران بعد الستمائة.

وذكره ابن حمدان فقال: كان إمام البلد فى وقته فى النحو واللغة والتصريف والقراءات.

وله تصنيف كبير فى الزهد والورع. وله النظم الكثير الحسن.

وتوفى بحران. ودفن بداره التى جعلها دار حديث، ووقف بها خزانته وكتبه.

ولم تؤرخ وفاته. ثم رأيته قد سمع عليه شئ من نظمه فى صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة بحران، ومنه قوله:

أفق يا ذا النهى، وابغ الوفاقا

فقد والله أفلح من أفاقا

ونفسك أيها المغرور صنها

عن الدنيا، وبثّ لها طلاقا

ولا تركن إليها؛ فهى سجن

سفيه من رجا منها إباقا

ولا تفرح بزخرفها، فإنى

رأيت تمام ما تعطى محاقا

ولكن من تلفع ثوب زهد

يفك بزهده عنه الوثاقا

إذا ما ساعة للحشر قامت

ولم ير عند صبحتها فواقا

وبرزت الجحيم لها زفير

وحل عذابها بهم وحاقا

وتنصب للعصاة وقد أتوها

وما وافوا بصالحة رهاقا

فكن حذرا وقت حلول دار

يكون شراب ساكنها غساقا

وجاهد كى تصير إلى نعيم

مقيم لا تخاف له فراقا

بدار شرب ساكنها رحيق

تعاطى الكأس مترعة دهاقا

ص: 179

من التسليم والولدان تسعى

بها أبدا صبوحا واغتباقا

وعندهم حسان قاصرات

صفا ودّ الحسان لهم وراقا

وأنهار بها عسل مصفى

ومن لبن زها الرائي وشاقا

ومن خمر تلذّ لشاربيها

ولا تغتال عقلا إذ تساقى

وما لا يرى فيها أجون

إذا ما استاقه الساقى وذاقا

وأفنان القطوف بها دوان

وتعتنق الغصون بها اعتناقا

وفيها ما تشهى النفس حتما

لمن لم ينو فى الدنيا نفاقا

ولم يأت الخطايا مستحلا

ولا دانى فواحشها شقاقا

وأعظم منه لله فيها

على العبد التحية حين لاقى

سلام يا عبادى نلتموه

جزاء من مليككموا وفاقا

فخروا ثم كاد العقل منهم

وقد لا قوه ينطلق انطلاقا

وكيف القلب لا ينشق منى

على هذا بغصته انشقاقا

وحول القوم أشجار وروض

من المرجان تصطفق اصطفاقا

وحور من بطون الغيب تبدو

فتعتلق القلوب بها اعتلاقا

يلاعب بعضهم بعضا سرورا

بود ما أتوا فيه مذاقا

فمن رام الخلود بدار عدن

يشمر فى تطلب ذاك ساقا

ويلزم نفسه سهر الليالى

ويكلف فى العبادة ما أطاقا

فلا والله ما نال المعالى

أخو دعة يمدّ له رواقا

وينشد مستظلا فى فناه

أيدرى الربع أى دم أراقا

بلى والله من جد اجتهادا

وسابق فى رضى المولى سباقا

وحج البيت عاما بعد عام

وأعمل نحوه عيسا دقاقا

ولم يركن إلى الدنيا غرورا

وقطع من علائقها الرباقا

ص: 180

ولا يلوى على أهل ومال

وحن إلى فراقهما وتاقا

فطورا يقطع البيداء شاما

وطورا سالكا فيها عراقا

وفارق زهرة الدنيا مطيعا

وأقبل نحو أخراه اشتياقا

وعانى من أليم الشوق وجدا

وكابد من تلهبه احتراقا

ورافق من يرافقه برفق

ولا يشكو إلى أحد رفاقا

جديرا أن يصير إلى سرور

يلذ به ويرتفق ارتفاقا

فيا طوبى لمن أصغى لوعظى

وزايل غيه ثم استفاقا

وذكر باقى القصيدة، وهى طويلة، رواها عنه المحدث أبو حفص عمر بن مكى ابن سرحاء الحلبى القلانسى.

وله مرثية فى الشيخ موفق الدين المقدسى، رواها عنه الحافظ الضياء إجازة.

‌300 - يحيى بن سعيد

بن علي بن يعقوب البغدادى القطفتى الفقيه المعدل، أبو محمد، ويقال: أبو زكريا، ابن أبى سعيد بن أبى الحسن، المعروف بابن غالية بالغين المعجمة.

ذكر أنه سمع من ابن البطى وسمع من أبى الفتح بن المنى. وتفقه عليه.

وحصل طرفا صالحا من الفقه. ونظر فى علم الحساب وغيره. وشهد عند الحكام.

وولى خبرية باب النوبى. ثم عزل، وناب فى نظر المارستان. وكتب عنه ابن الساعى. وسمع منه عبد الصمد بن أبى الجيش أبياتا للقيروانى بسماعه من أبى محمد الحسن بن عبيدة النحوى، وقال عبد الصمد: هو خالى. ولم يؤرخ وفاته. وبقى إلى حدود العشرين والستمائة أو بعدها.

وفى وفيات المنذرى: وفى جمادى الأولى - يعنى سنة تسع وعشرين - توفى الشيخ أبو يحيى زكريا بن يحيى القطفتى ببغداد. ودفن بمقبرة معروف. ومولده سنة أربع - أو خمس - وأربعين وخمسمائة. سمع من يحيى بن موهوب بن أنسديك. وحدث. كذا سماه. وفى اسمه تخبيط فى النسخة فيحرر ذلك.

ص: 181

‌301 - محمد بن عبد الغنى

بن أبى بكر بن شجاع بن أبى نصر بن عبد الله البغدادى الحافظ، أبو بكر بن أبى محمد، المعروف بابن نقطة. ويلقب معين الدين، ومحب الدين أيضا.

ولد فى عاشر رجب سنة تسع وسبعين وخمسمائة.

وسمع ببغداد من يحيى بن بوش، وعبد الوهاب بن سكينة، وعمر بن طبرزد، وابن الأخضر الحافظ، وأحمد بن الحسن العاقولى، وخلق.

ورحل إلى البلدان. فسمع بواسط من أبى الفتح بن المنداوى، وبأربل من عبد اللطيف بن أبى النجيب السهروردى.

وبإصبهان من عفيفة الفارقانية، وزاهر بن أحمد، والمؤيد بن الأخوة، وأبى الفخر بن روح، وجماعة.

وبخراسان من منصور بن عبد المنعم الفراوى، والمؤيد الطوسى، وزينب المسعرية، وجماعة.

وبدمشق من أبى اليمن الكندى، وأبى القاسم ابن الحرستانى، وداود ابن ملاعب، وغيرهم.

وبمصر من أبى عبد الله الحسين بن أبى الفخر الكاتب، وعبد القوى ابن الحباب، وطائفة من أصحاب السلفى وغيره.

وسمع بالاسكندرية من ابن عماد الحرانى، وجماعة من أصحاب السلفى.

وسمع بمكة من يحيى بن ياقوت.

وبحران من الحافظ عبد القادر، وبحلب من الافتخار الهاشمى، وبالموصل من جماعة، وبدمنهور ودنير، وبلاد أخر.

وعنى بهذا الشأن عناية تامة. وبرع فيه. وكتب الكثير. وحصل الأصول. وجمع، وصنف تصانيف مفيدة.

ذكره عمر بن الحاجب الحافظ فى معجمه فقال: شيخنا هذا أحد الحفاظ

ص: 182

الموجودين فى هذا الزمان. طاف البلاد، وسمع الكثير، وصنف كتبا حسنة فى معرفة علوم الحديث والأنساب. وكان إماما زاهدا ورعا، ثقة ثبتا، حسن القراءة، مليح الخط، كثير الفوائد، متحريا فى الرواية، حجة فيما يقوله ويصنفه وينقله ويجمعه، حسن النقل، مليح الخط والضبط، ذا سمت ووقار وعفاف، حسن السيرة، جميل الظاهر والباطن، سخى النفس مع القلة، قانعا باليسير، كثير الرغبة إلى الخيرات.

سألت ابن عبد الواحد - يعني الحافظ الضياء - عنه؟ فقال: حافظ دين ثقة، صاحب مروءة، كريم النفس، كثير الفائدة، مشهور بالثقة، حلو المنطق.

وسألت البرزالى عنه؟ فقال: ثقة دين مفيد. انتهى ما ذكره.

وقال المنذرى: رفيقنا الحافظ أبو بكر بن نقطة. سمعت منه. وسمع مني بجيرة فسطاط مصر وغيرها. وكان أحد المشهورين بكثرة الطلب والكتابة والرحلة. وصنف تصانيف مفيدة.

وقال ابن خلكان: دخل خراسان، وبلاد الجبل، والجزيرة، والشام، ومصر. ولقى المشايخ، وأخذ عنهم. وكتب الكثير، وعلق التعاليق النافعة، وذيل على «الإكمال» لابن ماكولا فى مجلدين. وله كتاب آخر لطيف فى الأنساب. وله كتاب «التقييد بمعرفة رواة السنن والمسانيد» وله غير ذلك.

وقال الحافظ الذهبى: الحافظ الإمام المتقن، محدث العراق، أبو بكر ابن نقطة - وذكر ترجمته، إلى أن قال - وكتابه «المستدرك على إكمال ابن ماكولا» ينبئ بإمامته وحفظه. وكان متقنا محققا. له سمت ووقار. وفيه دين وقناعة. قفى أثر والده فى الزهد والتقشف، لم ألق أحدا يروى لى عنه.

قال: وروى عنه المنذرى، والسيف ابن المجد، وعبد الكريم بن منصور الأثرى، وأبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الغنى، وعزّ الدين الفاروتى، وابنه الليث بن نقطة. وذكر غيرهم.

ص: 183

وذكر عمر بن الحاجب عن ابن الأنماطى أنه سأله عن نسبته، فقال:

جارية ربت جدتى أم أبى، اسمها «نقطة» عرفنا باسمها. وقد أجاز لفاطمة بنت سليمان بن عبد الكريم، وتأخرت وفاتها.

توفى رحمه الله تعالى فى سن الكهولة، بكرة يوم الجمعة ثانى عشر صفر سنة تسع وعشرين وستمائة ببغداد. ودفن عند قبر أبيه. وأبوه الزاهد أبو محمد:

‌302 - عبد الغنى

كان من أكابر الزهاد المشهورين بالصلاح والإيثار، وله أتباع ومريدون. وبنت له أم الخليفة الناصر مسجدا حسنا بتل الزينبية ببغداد فيه. وكان يقصده الناس فيتكلم عليهم، وزوّجته بجارية من خواصها، فانقطع وجهزتها بنحو عشرة آلاف دينار. فما حال الحول وعندهم من ذلك شئ، بل جميع ذلك تصدق به. كان يتصدق فى كل يوم بألف دينار، وأصحابه صيام لا يدخر لهم عشاء. ويقال: إنه لم يبق عنده من جهاز زوجته إلا هاون. فوقف سائل يلح فى الطلب، ويصف فقره وحاجته، وأنه منذ كذا لم يجد شيئا.

فأخرج إليه الهاون، وقال: خذ هذا كل به فى ثلاثين يوما. ولا تشنع على الله عز وجل.

وكان قد سمع من عمر بن التبان، ومظفر بن أبى نصر البواب، وغيرهما.

وتوفى فى رابع جماد الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. ودفن فى موضع مجاور لمسجده رحمه الله تعالى.

أنبانى القاسم بن محمد الحافظ أخبرنا أحمد بن إبراهيم الواسطى الخطيب أخبرنا أبو بكر بن نقطة الحافظ - سنة ثمان وعشرين وستمائة ببغداد - أخبرتنا عفيفة بنت أحمد أخبرتنا فاطمة الجوزدانية أخبرنا أبو بكر بن ريده أخبرنا الطبرانى أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فيل أنوبة حدثنا الحسن بن أيوب عن عبد الله بن بسر قال «كان النبى صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية. ولا يقبل الصدقة» .

ص: 184

‌303 - عبد الله بن عبد الغنى

بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، ثم الدمشقى، الحافظ ابن الحافظ، أبو موسى بن أبى محمد. ويلقب جمال الدين.

ولد فى شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.

وسمع بدمشق من جماعة، منهم: عبد الرحمن بن على بن الخرقى، وإسماعيل الجنزوى، والخشوعى. ورحل به أخوه الحافظ عزّ الدين محمد - المتقدم ذكره - فسمع ببغداد من ابن كليب، وابن المعطوس، وبأصبهان من مسعود الحمال، وخليل الدارنى، وأبى المكارم اللبان، وخلق كثير، وبمصر من أبى عبد الله الارتاحى، وفاطمة بنت سعد الخير. ثم ارتحل ثانيا إلى العراق. فسمع من ابن الجوزى، وأبى الفتح المندائى، وطبقتهما ببغداد وواسط، ومن منصور الفراوى، والمؤيد الطوسى، وغيرهما بنيسابور. وسمع بالموصل، وأربل، وبالحرمين. وكتب بخطه الكثير. وجمع. وصنف وأفاد. وقرأ القرآن على عمه الشيخ العماد، والفقه على الشيخ موفق الدين، والعربية على أبى البقاء العكبرى.

قال الحافظ الضياء: اشتغل بالفقه والحديث، وصار علما فى وقته. ورحل ثانيا، ومشى على رجليه كثيرا، وصار قدوة، وانتفع الناس بمجالسته التى لم يسبق إلى مثلها.

وقال عمر بن الحاجب: سمعت الضياء يصف ما قاسى أبو موسى من الشدائد والجوع والعرى فى رحلته إلى نيسابور، وأصبهان.

وقال أبو عبد الله البرزالى: حافظ ديّن متميز.

وقال الضياء عنه أيضا: حافظ متقن، دين ثقة، كانت قراءته سريعة صحيحة مليحة.

وقال عمر بن الحاجب الحافظ: لم يكن فى عصره مثله فى الحفظ، والمعرفة والأمانة، وكان كثير الفضل، وافر العقل، متواضعا، مهيبا، وقورا جوادا

ص: 185

سخيا، له القبول التام، مع العبادة والورع والمجاهدة، كأن كلامه الضياء، وكان قد عود الناس شيئا لم يروه من غيره، وذلك: أن كل من احتاج إلى قرض شيء يمضى إليه، فيجتال له حتى يحصل له ما يطلب، حتى صار عليه من ذلك ديون، وكثير من الناس لا يرجع يوفيه.

قال ابن الحاجب: ولو اشتغل حق الاشتغال ما سبقه أحد، ولكنه تارك.

وقال غيره: عقد أبو موسى مجلس التذكير، ورغب الناس فى حضوره، وكان جم الفوائد، يطرز مجلسه بالبكاء والخشوع، وإظهار الجزع.

وقال المنذرى: الحافظ أبو موسى، حدث بدمشق ومصر وغيرهما، اجتمعت به لما قدم مصر للغزاة بثغر دمياط.

قال الذهبى: وروى عنه الضياء، وابن أبى عمر، وابن البخارى، وجماعة كثيرون. وآخر من روى عنه إجازة: القاضى تقى الدين سليمان، ومع هذا فقد غمزه الناصح ابن الحنبلى، وأبو المظفر سبط ابن الجوزى بالميل إلى السلاطين، والانقطاع إلى الملك الصالح.

والعجب: أن هذين الرجلين كانا من أكثر الناس ميلا إلى الملوك، والتوصل إليهم، وإلى برهم بالوعظ وغيره. وما أحسن قول القائل:

لا تنه عن خلق وتأتى مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

ولقد كان أبو موسى أتقى لله وأورع، وأعلم منهما وأكثر عبادة، وأنفع للناس، وبنى الملك الأشرف دار الحديث بالسفح على اسمه، وجعله شيخها، وقرر له معلوما، فمات أبو موسى قبل كمالها.

توفى رحمه الله يوم الجمعة، خامس رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله.

ورآه بعضهم فى النوم، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أسكننى على بركة رضوان. ورآه آخر، فسأله، فقال: لقيت خيرا. فقال له: كيف الناس؟ قال:

ص: 186

يتفاوتون على قدر أعمالهم. ورآه آخر من أصحابه، فقال له: أوصيك بالدعاء الذى حفظتك إياه فاحفظه، فقال له: ما بقيت أحفظه، فقال له: هو مكتوب فى الورقة التى كتبتها لك، فما نفعنى الله إلا به، وكان الدعاء:«اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك - الحديث» .

ورثاه جماعة. منهم يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بقصيدة، يقول فيها:

لهفى على ميت مات السرور به

لو كان حيّا لأحيا الدين والسننا

لو كنت أعطى به الدنيا معاوضة

إذا لما كانت الدنيا له ثمنا

يا سيدى ومكان الروح من جسدى

هلاّ دنا الموت منى حين منك دنا؟

‌304 - عبد العزيز بن أحمد

بن عمر بن سالم بن باقا، أبو بكر البغدادى البزاز المعدل. ويلقب صفى الدين.

ولد فى رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة ببغداد.

وقرأ القرآن. وسمع من أبى زرعة، ويحيى بن نابت بن بندار، وأبى بكر ابن النقور، وعلى بن عساكر البطائحى، وعبد الحق اليوسفى، وعلى بن أبى سعد الخباز، وأبى العباس بن بكروس الفقيه، وأخيه أبى الحسن وغيرهم.

وقرأ طرفا من الفقه على أبى الفتح بن المنى، واستوطن مصر إلى أن مات.

وشهد بها عند القضاة.

حدث بالكثير إلى ليلة وفاته. وكان كثير التلاوة للقرآن.

قال ابن النجار: كان شيخا جليلا صدوقا أمينا، حسن الأخلاق متواضعا.

سمع منه خلق كثير من الحفاظ وغيرهم، منهم ابن نقطة، وابن النجار، والمنذرى وغيرهم. وحدث عنه خلق كثير

وتوفى سحر تاسع عشر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بالقاهرة. ودفن من الغد بسفح المقطم. وقد سمعنا كثيرا من روايته وحديثه رحمه الله تعالى

وفى جمادى الأول من السنة المذكورة توفى القاضى أبو المعالى:

ص: 187

‌305 - أحمد بن يحيى

بن فايد الأوانى الحنبلى. ولاه القاضى أبو صالح الجيلى قضاء جيل. وله نظم. حدث ببعضه

توفى بأوانى. وكان ابن عمه أبو عبد الله محمد بن أبى المعالى بن فائد الأوانى زاهدا قدوة، ذا كرامات. حكى عنه الشيخ شهاب الدين السهروردى وغيره حكايات.

قال الناصح ابن الحنبلى: زرته أنا ورفيق لى، فقدم لنا العشاء وعنده جماعة كثيرة، ولم يكن إلا خبز وخل وبقل، فتحدث على الطعام. ثم قال: ضاف بعيسى ابن مريم أقوام. فقدم لهم خبزا وخلا، وقال «لو كنت متكلفا لأحد شيئا لتكلفت لكم» قال: فعرفت أنه قد عرف حالى. ودخل عليه رجل من الملاحدة فى رباطه وهو جالس وحده، وهو فى يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان، فقتله فتكا. رضى الله عنه. ودفن برباطه. ثم قتل قاتله وأحرق.

‌306 - الحسين بن المبارك

بن محمد بن يحيى بن مسلم بن موسى بن عمران الربعى الزبيدى الأصل، البغدادى البابصرى، الشيخ سراج الدين، أبو عبد الله ابن أبى بكر بن أبى عبد الله

ولد سنة ست - أو سبع - وأربعين وخمسمائة، وقيل: سنة خمس وأربعين.

وقرأ القرآن بالروايات. وسمع الحديث من جده أبى الوقت، وأبى الفتوح الطائى وأبى حامد الغرناطى، وأبى زرعة وغيرهم.

وتفقه فى المذهب، وأفتى ودرس بمدرسة الوزير أبى المظفر بن هبيرة.

وكانت له معرفة حسنة بالأدب، وخرجت له مشيخة، وصنف تصانيف، منها:

كتاب «البلغة فى الفقه» وله نظم فى اللغة والقراءات. وكان فقيها فاضلا دينا خيرا، حسن الأخلاق متواضعا

قرأ عليه عبد الصمد بن أبى الجيش القرآن بكتاب السبعة «لأبى الخطاب» الصوفى. وحدث ببغداد ودمشق، وحلب وغيرها من البلاد. وحدث وسمع

ص: 188

منه أمم. وروى عنه خلق كثير من الحفاظ وغيرهم، منهم الدبيثى، والضياء.

وآخر من حدث عنه: أبو العباس الحجار الصالحى. سمع منه صحيح البخارى وغيره.

توفى فى ثالث عشرين صفر سنة إحدى وثلاثين وستمائة. ودفن بمقبرة جامع المنصور. رحمه الله تعالى.

‌307 - نصر بن عبد الرزاق

بن عبد القادر بن أبى صالح بن حنكيدوست، الجبلي الأصل، البغدادى الفقيه، المناظر المحدث، الزاهد الواعظ، قاضى القضاة، شيخ الوقت، عماد الدين، أبو صالح بن أبى بكر بن أبى محمد.

وقد سبق ذكر أبيه وجده.

ولد فى سحر رابع عشرين ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة.

وقرأ القرآن فى صباه. وسمع الحديث من والده، وعمه عبد الوهاب، وأبى هاشم عيسى بن أحمد الدوشانى، وسعيد بن صافى الحمالى، والأسعد بن يلدرك، وأحمد بن المبارك المرقعانى، وعبد الحق بن عبد الخالق، ومسلم بن ثابت ابن النحاس، وعبد المحسن بن تريك، وشهدة، وغيرهم.

وأجاز له أبو العلاء الهمدانى، والسلفى، وأبو موسى المدينى، وغيرهم.

واشتغل بالفقه على والده، وعلى أبى الفتح بن المنى. وقرأ الخلاف وعلم النظر على الفخر التوقانى الشافعى. وبرع فى الفقه وناظر، وتكلم فى المسائل الخلافية، وأجاد الكلام. وكان ذا لسن وفصاحة، وجودة عبارة. وأفتى وتولى مدرسة جده، فكان يدرس ويعظ بها. وعقد مجالس الإملاء للحديث.

وكان يملي الحديث من حفظه، والناس يكتبون. وأملى فى مجلس حكمه.

وكان عظيم القدر، بعيد الصيت، معظما عند الخاصة والعامة، ملازما طريق النسك والعبادة، مع حسن سمت، وكيس وتواضع، ولطف وبشر، وطيب ملاقاة

ص: 189

وكان محبا للعلم، مكرما لأهله. ولم يزل على طريقة حسنة وسيرة رضية. وكان أثريا سنيا، متمسكا بالحديث، عارفا به.

وقد وقع مرة بينه وبين طائفة من الأصحاب - كأبى البقاء العكبرى ومحى الدين بن عربى - منازعة فى حديث من أحاديث الصفات، وثبت هو على إقراره وإمراره. كما جاء من غير تأويل ولا إنكار. وانتشر الكلام فى ذلك، حتى خرج الأمر من جهة الخلافة بالسكوت من الجهتين، حسما للفتنة.

ولما توفى الخليفة الناصر، وولى ابنه الظاهر - وكان من خيار الخلفاء، وأحسنهم سيرة، وأظهرهم صيانة، وصلاحا وعدلا - أزال المكوس، ورد المظالم، واجتهد فى تنفيذ الأحكام الشرعية على وجهها، حتى قال ابن الأثير:

لو قال القائل: ما ولى بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان هذا القائل صادقا.

وكان رحمه الله يختار لكل ولاية أصلح من يجده. فقلّد أبا صالح - هذا - قضاء القضاة بجميع مملكته، ويقال: إنه لم يقبل إلا بشرط: أن يورث ذوى الأرحام. فقال له: أعط كل ذى حق حقه، واتق الله، ولا تتق أحدا سواه.

وأمره أن يوصل إلى كل من ثبت له حق بطريق شرعى حقّه، من غير مراجعة.

وأرسل إليه بعشرة آلاف دينار يوفى بها ديون من بسجنه من المديونين الذين لا يجدون وفاء.

ولما خلع عليه، وقرئ عهده بجامع قصر الخلافة: أرسل إلى الخليفة ورقة يشكر فيها للخليفة، ويقول: للعبد يرجو من الله تعالى العون على القيام بأعباء تكاليفه. فقد أومأ إلى ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها» ويتم هذا الإنعام بأن يجرى على اللفظ الأشرف: قلدت نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر الجبلى ما يقوى عليه؛ ليصح العمل والحكم شرعا.

ثم رد إليه النظر فى جميع الوقوف العامة: وقوف المدارس الشافعية والحنفية

ص: 190

وجامعى السلطان وابن المطلب، فكان يولى ويعزل فى جميع المدارس، حتى النظامية.

ولما توفى الظاهر أقره ابنه المستنصر مديدة، واستدعاه عند المبايعة؛ ليثبت له وكالة وكلها لشخص فلم يحكم فيها، حتى قال له: وليتنى ما ولانى والدك؟ فصرح له بالتولية.

وكان رحمه الله فى أيام ولايته - يؤذن ببابه فى مجلس الحكم ويصلى جماعة ويخرج إلى الجامع راجلا، ويلبس القطن. وكان متحريا فى القضاء، قويّ النفس فى الحق، عديم المحاباة والتكلف، حتى إنه كان يمكن الشهود من الكتابة من دواته، وسار سيرة السلف. ولما عزله المستنصر أنشد عند عزله:

حمدت الله عز وجل لما

قضى لى بالخلاص من القضاء

وللمتنصر المنصور أشكر

وأدعو فوق معتاد الدعاء

ولا أعلم أحدا من أصحابنا دعى بقاضى القضاة قبله، ولا استقل منهم بولاية قضاء القضاء بمصر غيره.

وأقام بعد عزله بمدرستهم يدرس ويفتى، ويحضر المجالس الكبار والمحافل.

ثم فوض إليه المستنصر رباطا بناه بدير الروم، وجعله شيخا به. وكان يعظمه ويجله، ويبعث إليه أموالا جزيلة ليفرقها.

وقد صنف فى الفقه كتابا سماه «إرشاد المبتدئين» وأملى مجالس فى الحديث وخرج لنفسه أربعين حديثا.

أثنى عليه الحافظ الضياء، ووصفه بالخير. وتفقه عليه جماعة، وانتفعوا به.

وفيه يقول الصرصرى فى قصيدته اللامية، التى مدح فيها الإمام أحمد وأصحابه:

وفى عصرنا قد كان فى الفقه قدوة

أبو صالح، نصر لكل مؤمل

ص: 191

وسمع منه الحديث خلق كثير. روى عنه جماعة. منهم: عبد الصمد بن أبى الجيش، والنجيب الحرانى، والكمال البزار.

توفى سحر يوم الأحد سادس عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وصلّى عليه بجامع القصر، وحضره خلق كثير من الولاة والأعيان والعوام، وازدحموا على حمله، وارتفعت الأصوات حول سريره. وكان يوما مشهودا، ودفن بدكة الإمام أحمد رضى الله عنه.

أخبرنا أبو الربيع على بن عبد الصمد بن أحمد البغدادى - بها سنة إحدى وأربعين - أخبرنا والدى أبو أحمد عبد الصمد - غير مرة - أخبرنا أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق قال: أخبرنا أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطالقانى، أخبرنا أبو عبد الله الفراوى أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسى أخبرنا أبو أحمد الجلودى حدثنا إبراهيم بن سفيان حدثنا مسلم حدثنا محمد بن رمح حدثنا الليث عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:«يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإنى رأيتكن أكثر أهل النار» وذكر الحديث.

وأخبرنا به عاليا محمد بن إسماعيل الأنصارى بدمشق غير مرة.

أخبرنا القاسم بن محمد حدثنا المؤيد بن أحمد بن محمد الطوسى أخبرنا الفراوى وقرأت على أبى المعالى محمد بن عبد الرزاق الشيبانى - ببغداد - أخبركم أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف البزار - قراءة عليه، وأنت تسمع - قال: أنشدنا القاضى أبو صالح فى عقب مجلس أملاه علينا لنفسه:

أعبد الله راجيا رحمة منه

ولا تخش غير رب السماء

ما أتاك الرسول خذه، ودع

ما قد نهى عنه، تحظ بالعلياء

واتق الله مخلصا دائما تص

بح من الأغنياء والعلماء

ص: 192

‌308 - عبد الرحمن بن نجم

بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن على بن أحمد الأنصارى، الخزرجى السعدى، العبادى، الشيرازى الأصل، الدمشقى الفقيه الواعظ، ناصح الدين أبو الفرج بن أبى العلاء بن أبى البركات بن أبى الفرج المعروف بابن الحنبلى.

ولد ليلة الجمعة سابع عشر شوال سنة أربع وخمسين وخمسمائة بدمشق.

وسمع بها من والده، والقاضى أبى الفضل محمد بن الشهرزورى، وأبى الحسن على بن نجا الواعظ، وأحمد بن الحسين العراقى، وجماعة.

وشرع فى الاشتغال، ورحل إلى البلاد، فأقام ببغداد مدة، وسمع بها من أبى شاكر السقلاطونى، وعبد الحق اليوسفى، ومسلم بن ثابت الوكيل، وعيسى السدوشانى، وشهدة الكاتبة، وتجنى الوهبانية، ونعمة بنت القاضى أبى حازم ابن الفراء وغيرهم، فمن دونهم فى الطبقة، كلاحق بن كاره، وابن الجوزى، وعبد المغيث الحربى.

وسمع بإصبهان من الحافظ أبى موسى المدينى. وهو آخر من سمع منه؛ لأنه سمع منه فى مرض موته، ومن أبى العباس الترك.

وسمع بهمدان من أبى محمد عبد الغنى بن الحافظ أبى العلاء وغيره. وسمع بمكة وغيرها.

وسمع بالموصل من الشيخ أبى أحمد الحداد الزاهد شيئا من تصانيفه.

ودخل بلادا كثيرة، واجتمع بفضلائها وصالحيها، وفاوضهم، وأخذ عنهم وقدم مصر مرتين. وأقام ببغداد مدة يشتغل على أبى الفتح بن المنى. وقرأ على أبى البقاء العكبرى «الفصيح» لثعلب من حفظه، وبعض «التصريف» لابن جنى وأخذ عن الكمال السنجارى، والبهجة الضرير، النحويين. واشتغل بالوعظ، وبرع فيه. ووعظ من أوائل عمره، وحصل له القبول التام.

وقد وعظ بكثير من البلاد التى دخلها، كمصر، وحلب، وأربل،

ص: 193

والمدينة النبوية، وبيت المقدس. وكان له حرمة عند الملوك والسلاطين، خصوصا ملوك الشام بنى أيوب.

وقدم بغداد حاجا سنة اثنتى عشرة وستمائة. وأكرمه الخليفة الناصر. وأظنه وعظ بها هذه السنة، وحضر فتح بيت المقدس مع السلطان صلاح الدين.

قال: واجتمعت بالسلطان فى القدس بعد الفتح بسنتين. وسألنى عن مذهب الإمام أحمد فى الخضاب بالسواد؟ فقلت: مكروه. وسألنى عن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين؟ فذكرت المذهب فى ذلك. فاعترضنى بعض الفقهاء الحاضرين، وجرى بينى وبينه مجادلة، فأكثر من الصياح، فصاح السلطان عليه: اسكت، صيحة مزعجة، فسكت وسكتنا لحظة، ثم قال لى: تمّم كلامك فذكرت، ثم سكتّ. فحكى السلطان قال: كان المجبر الفقيه يتكلم مع الجمال الحنفى، فكان الجمال يبقبق، والمجبر يحقق. ثم سألنى بعد ذلك عن مذهب أحمد فى الشبابة؟ ثم قال: معكم غير حديث ابن عمر؟ وبسطنى فى الكلام، حتى ذكرت له حسن أصوات أهل أصبهان. وذكر الطوال من الصحابة. وقال كانوا يسمون «مقبلي» وتوقف. فقلت: الطعن؟ فقال: الطعن. فكأن بعض الحاضرين نفس علىّ سؤال السلطان لى، وإقباله على كلامى، فقال: من أربعة من الصحابة من نسل رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: أبو بكر الصديق، وأبوه أبو قحافة، وعبد الرحمن بن أبى بكر، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبى بكر. ثم قال السلطان: هاتوا شيئا، فمدوا له سماطا مختصرا جدا، بعد عشاء الآخرة بساعتين، فأكلنا معه. فقال لى بعض أصحابه: هذا من أجلك، فإن له أكثر من شهر ما أكل بالليل، ثم أخذ يثنى على والدى، ويقول: ما أولد إلا بعد الأربعين. قال: وكان عارفا بسيرة والدى.

ودرس الناصح بمدة مدارس، منها مدرسة جده شرف الإسلام، ودرس بالمسمارية، مع أبى المعالى أسعد بن المنجى، ثم استقل بها وحده، وعزل ابن المنجى

ص: 194

ثم فى سنة خمس وعشرين استقر بنو المنجى بالتدريس بها بحكم أن نظرها لهم، ثم بنت له الصاحبة ربيعة خاتون مدرسة بالجبل وهى المعروفة بالصاحبية. فدرس بها سنة ثمان وعشرين. وكان يوما مشهودا. وحضرت الواقفة من وراء ستر.

وانتهت إليه رئاسة المذهب بعد الشيخ موفق الدين. وكان يساميه فى حياته.

قال ناصح الدين: وكنت قدمت من أربل سنة وفاة الشيخ الموفق، فقال لى: قد سررت بقدومك، مخافة أن أموت وأنت غائب، فيقع وهن فى المذهب، وخلف بين أصحابنا.

وقد وقع مرات بين الناصح والشيخ الموفق اختلاف فى فتوى فى السماع المحدث، أجاب فيها الشيخ الموفق بإنكاره. فكتب الناصح بعده ما مضمونه «الغناء كالشعر، فيه مذموم وممدوح، فما قصد به ترويح النفوس، وتفريح الهموم، وتفريغ القلوب لسماع موعظة، وتحريك لتذكرة: فلا بأس به. وهو حسن» وذكر أحاديث فى تغنى جويريات الأنصار، وفى الغناء فى الأعراس، وأحاديث فى الحداء «وأما الشبابة: فقد سمعها جماعة ممن لا يحسن القدح فيهم من مشايخ الصوفية وأهل العلم، وامتنع من حضورها الأكثر. وأما كونها أشد تحريما وأعظم إثما من سائر الملاهى: فهذا قول لا يوافق عليه. وكيف يجعل المختلف فيه كالمتفق عليه؟ وكون النبى صلى الله عليه وسلم سدّ أذنيه منها: مشترك الدلالة، لأنه لم ينه ابن عمر رضى الله عنهما عن سماعها» وأعجب من استدلال الفقيه الموفق لذلك. قوله «ولا يجب عليه سد أذنيه لغيرها من الملاهى» فيشعر ذلك بجواز سماع الملاهى. ثم قد بالغ فى تحريم ذلك، وضم فاعله إلى حكم الكفر بالله تعالى، وأوهم بما ذكر من الآيات: أن هذا السماع يخرج عن الإسلام، وهذا من الغلو، فكان غلوه فى الجواب أشد خطرا من غلو المذكورين فى السؤال، وأما اجتماع الرجال والنساء فى مجلس: فلم يذكر فى السؤال. وهو محرم إذا كان فى غير معروف، فإن كان فى صلاة جمعة أو جماعة، أو سماع موعظة، أو التقاء فى

ص: 195

مجلس حكم: فذلك غير منكر، وهو العادة الجازية فى المواسم عند هذا الفقيه المفتى وجماعته، ومجالس التذكير فى سائر بلاد الإسلام»

فلما عاد جوابه إلى الشيخ الموفق: كتب فى ظهرها بخطه ما مضمونه «كنت أتخيل فى الناصح: أنه يكون إماما بارعا، وأفرح به للمذهب؛ لما فضله الله به من شرف بيته، وإعراق نسبه فى الإمامة، وما آتاه الله تعالى من بسط اللسان، وجراءة الجنان، وحدة الخاطر، وسرعة الجواب، وكثرة الصواب. وظننت أنه يكون فى الفتوى مبرزا على أبيه وغيره، إلى أن رأيت له فتاوى غيره فيها أسد جوابا، وأكثر صوابا. وظننت أنه ابتلى بذلك لمحبته تخطئة الناس، واتباعه عيوبهم. ولا يبعد أن يعاقب الله العبد بجنس ذنبه - إلى أن قال: والناصح قد شغل كثيرا من زمانه بالرد على الناس فى تصانيفهم وكشف ما استتر من خطاياهم ومحبة بيان سقطاتهم. ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، أفتراه يحب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته، وعيب تصانيفه وإظهار أخطائه؟ وكما لا يحب ذلك لنفسه ينبغى أن لا يحبه لغيره، سيما للأئمة المتقدمين، والعلماء المبرزين. وقد أرانا الله تعالى آية فى ذهابه عن الصواب فى أشياء تظهر لمن هو دونه.

فمن ذلك: فى فتياه هذه خطأ من وجوه كثيرة.

منها: أنه إنما أذن له بقرينة الحال فى جواب السؤال، فعدوله إلى الرد على من قبله تصرف فى الكتابة فى ورقة غيره، بما لم يؤذن له فيه. وذلك حرام.

ومنها: أن قرينة أحوالهم تدل على أنهم إنما أذنوا فى الجواب بما يوافق المفتى قبله، فالكتابة بخلاف ذلك غير مأذون فيها، ولذلك أحوج إلى قطع ورقتهم، وذهاب فتياه منها.

ومنها: أنهم سألوا عن السماع الجامع لهذه الخصال المذكورة، على وجه يتخذ دينا وقربة؟ فلم يجب عن ذلك، وعدل إلى ذكر بعض الخصال المذكورة

ص: 196

مفردة، على غير الصفة المذكورة، وليس يلزم من الجواب عن بعض شيء: الجواب عن مجموعه، ولا من بيان حكمه على صفة: بيان حكمه على غيرها.

فناصح الدين سئل عن السماع الجامع لهذه القبائح متخذا دينا وقربة، فأجاب: بأن رجلا قد حدا للنبى صلى الله عليه وسلم، وجارية قد ندبت إياها، وأشباه ذلك بما ليس فيه جواب أصلا.

ومنها: أنه قسم الغناء إلى قسمين: ممدوح، ومذموم. ثم رقّاه إلى رتبة المندوبات والعبادات. فجاوز فيه حداء الشعر، ولم يقل ذلك سوى هذه الطائفة المسئول عنها، الذين سلكوا مسلك الجاهلية فى جعله لهم صلاة ودينا، وحاشى ناصح الدين من اتباعهم.

ومنها: أن قسمته غير حاصرة، فإن ثمّ قسما آخر، غير ممدوح ولا مذموم، وهو المباح الذى لم يترجح أحد طرفيه على الآخر.

ومنها: أنه شرع مستدلا على مدح الغناء بذكر الحداء، شروع من لا يفرق بين الحداء والغناء، ولا يفرق بين قول الشعر على أى صفة كان. ومن هذه حاله لا يصلح للفتيا؛ فإن المفتى ينبغى أن يكون عالما باللسان، لسان العرب ولغتهم مما يفتى فيه. وظاهر حاله: أنه لا يخفى عليه، لكن ضاقت عليه ممادح الغناء، فعدل إلى ما يقاربه، كما قيل: الأقرع يفتخر بجمة ابن عمه، وابن الحمقاء يذكر خالته إذا عيب بأمه. لكنه إن كان بسعادته قد علم بذلك، ثم قصد التمويه على من استرشده، وتعمية من قصده وقلده: فهو حرام، وإن لم يقصد ذلك، لكن كان عن غفلة منه: فهو نوع تغفل. وذلك عجيب من مثله.

وأما استدلاله بحديث الجوارى اللاتى ندبن آباءهنّ، فما فيه ذكر الغناء، فإن كان النبى صلى الله عليه وسلم أرخص لهنّ فى ذلك، فليس له فيه ما يوجب المدح فى حق عقلاء الرجال المتوسمين بالدين، والعبادة، كما روى «أنه أرخص لعائشة فى اللعب بالبنات» وذلك لا يوجب مدح لعب الرجال العقلاء باللعب،

ص: 197

واجتماعهم عليه، ومن رأى ذلك، فعلى سياق قوله، كل ما رخص فيه للصبيان، والجويرت الصغار: فهو ممدوح فى حق كل أحد، كاللعب فى الطرقات، ولم يكن النبى صلى الله عليه وسلم، ولا غيره، ينكرون على الصبيان لعبهم، ولا فعالهم التى تستقبح من غيرهم، مثل المصافعة، والمفاقسة بالبيض الأحمر، والعدو فى الطرقات، وحمل بعضهم بعضا، وأشياء، لو فعلها المميز البالغ، لردت شهادته، وسقطت عدالته.

فإن قالوا: نحن إنما نحتج بسماع النبى صلى الله عليه وسلم من الجويريات، فنحن نسمعه كما سمعهن.

قلنا: أخطأتم فى النظر، وجهلتم الفرق بين فعل النبى صلى الله عليه وسلم وفعلكم؛ فإن المنقول عن النبى صلى الله عليه وسلم السماع له، وأنتم تفعلون الاستماع؛ والسماع غير الاستماع - إلى أن قال -: وليس العجب من جاهل لا يفرق بين الفعلين، ولكن من إمام نصب نفسه للفتيا، وعدّ أنه هاد للمسلمين، ومرشد لهم، وهو لا يفرق بين هذين الأمرين، حتى جعل يعجب من قولنا «لا يجب سد الأذنين من الأصوات المحرمات» وقال «هذا يوهم إباحة الاستماع إلى الملاهى، وما ظننت أنه ينتهى إلى هذه الدرجة، بل ما ظننت أن الجهال يخفى عليهم هذا؛ فإذا به قد خفى على أحد المدرسين المفتين المتصدرين، حتى عده عجبا، وأعجب مما عجب منه إمام مدرس مفت، لا يفرق بين السماع والاستماع، ولا بين الغناء والحداء، ولا بين حكم الصغير والكبير!!

وأما خبر عائشة فى زفاف المرأة، فقد تكلم فيه الإمام أحمد، فلم يصححه، ثم لو صح: فليس فيه ذكر الغناء، إنما فيه قول الشعر، ولو ثبت أنه غناء، فلا يلزم من الرخصة فيه فى العرس الذى أمر فيه بالدّفّ والصوت: الرخصة فيه على الوجه الذى يفعله هؤلاء.

ومن العجب: استدلال الفقيه على إباحة الشبابة. بأنه قد سمعها من

ص: 198

الصوفية، وما من قبيحة من القبائح، ولا بدعة من البدع، إلا قد سمعها مشايخ وشباب أيضا، وقد علم الناصح أنواع الأدلة، فهل وجد فيها فعل المشايخ من الصوفية؟ وإن كان هذا دليلا فليضمه إلى أدلة الشرع المذكورة، ليكون دليلا آخر، يغرب به على من قبله، ويكون هذا الدليل منسوبا إليه، معروفا به، ولكن لا ينسبه إلى مذهب أحمد؛ فإن أحمد وغيره من الأئمة بريئون من هذا»

وللناصح رحمه الله تعالى تصانيف عدة، منها: كتاب «أسباب الحديث» فى مجلدات عدة، وكتاب «الاستسعاد بمن لقيت من صالحى العباد فى البلاد» وقد وقفت عليه بخطه، ونقلت منه فى هذا الكتاب كثيرا، وكتاب «الأنجاد فى الجهاد» صنفه بحلب، وقال: لما فرغت من تصنيفه، رأيت فى المنام كأنى جالس، وإذا بالنبى صلى الله عليه وسلم قد مرّ بى، وبينى وبينه قدر ذراع، فقال: سلام عليكم، فرددت السلام، فلما استيقظت استبشرت، وقلت: أريد السلام عليه عند حجرته، شكرا له، قال: فحججت ذلك العام، قال: وكان أبو اليمن الكندى، قد أخذ على ابن نباتة فى خطبه كلمات من جهة اللغة، وفى قوله «الحمد لله الذى اختار البقاء لنفسه وارتضاه» قال: وكنت نظرت فى خطب ابن نباتة، فأخذت عليه مواضع كثيرة من حيث المعانى، واعتذرت عنه فى قوله:

«واختار البقاء لنفسه» وحملته على محمل يصح، ثم قرأت هذا الكتاب على الكندى بحضرة جماعة، فتغير وجهه، وصار يقول فى بعض المواضع: ما أراد هذا فأقول: يسمع سيدنا الشيخ تمام الفصل، فإن أراد كذا، فباطل بكذا، قال:

وكان مجلسا مشهودا.

وقال الحافظ الذهبى فى تاريخه: للناصح خطب ومقامات، وكتاب «تاريخ الوعاظ» وأشياء فى الوعظ، قال: وكان حلو الكلام، جيد الإيراد، شهما مهيبا، صارما. وكان رئيس المذهب فى زمانه بدمشق.

وقال ابن النجار: كان فقيها، فاضلا، أديبا، حسن الأخلاق.

ص: 199

وقال أبو شامة: كان واعظا، متواضعا متفننا، له تصانيف، وله بنيت المدرسة التى بالجبل للحنابلة، يعنى مدرسة الصاحبية.

قال المنذرى: قدم - يعنى الناصح - مصر مرتين، ووعظ بها وحدث.

وحصل له بها قبول، وحدث بدمشق، وبغداد وغيرهما، ووعظ ودرس. وكان فاضلا، وله مصنفات، وهو من بيت الحديث والفقه، وحدث هو وأبوه وجده، وجد أبيه وجد جده. لقيته بدمشق، وسمعت منه.

قلت: سمع منه خالد النابلسى، وابن النجار الحافظ. وكتب عنه عبد الصمد ابن أبى الجيش ببغداد أناشيد. وسمع منه بدمشق خلق كثير. وخرج له الزكى البرزالى، وروى عنه.

توفى يوم السبت ثالث المحرم سنة أربع وثلاثين وستمائة بدمشق. ودفن من يومه بتربتهم بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.

أخبرنا بشر بن إبراهيم البعلى وغير واحد قالوا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أبى العز بن شرف الأنصارى أخبرنا ناصح الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن نجم الأنصارى أخبرنا الحافظ أبو موسى محمد بن أبى بكر المدينى - بإصبهان - أخبرنا يحيى بن عبد الوهاب بن منده الحافظ أخبرنا أبو بكر بن ربدة أخبرنا الطبرانى

ح - قال المدينى: وأخبرنا أبو علي الحداد أخبرنا الحافظ أبو نعيم حدثنا حبيب بن الحسن قالا: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجى أخبرنا محمد ابن عبد الله الأنصارى حدثنا حميد عن أنس «أن الرّبيّع بنت النضر لطمت جارية، فكسرت ثنيتها، فعرضوا عليهم الأرش، فأبوا، فاتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص. فجاء أخوها أنس بن النضر، فقال:

يا رسول الله، أتكسر سن الربيع؟ لا والذى بعثك بالحق نبيا لا تكسر سنها.

فقال: يا أنس، كتاب الله القصاص. فعفا القوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه».

ص: 200

أخبرنا عاليا أبو الفتح المصرى - بها - أخبرنا أبو الفرج الحرانى أخبرنا أبو طاهر بن المغطوس أخبرنا أبو الغنائم بن المهتدي أخبرنا أبو إسحاق البرمكى الفقيه أخبرنا الكجى فذكره.

‌309 - حمد بن أحمد

بن محمد بن بركة بن أحمد بن صديق بن صروف، الحرانى الفقيه، أبو عبد الله. ويلقب موفق الدين.

ولد سنة ثلاث - أو أربع - وخمسين وخمسمائة بحران.

وسمع بها من أبى ياسر عبد الوهاب بن أبى حية، وأبى الفتح بن أبى الوفاء الفقيه.

ورحل إلى بغداد فسمع بها من الحق اليوسفى، وابن شاتيل، وعبد المغيث الحربى، وشافع بن صالح الجيلى وغيرهم.

وتفقه ببغداد على ابن المنى، وأبى البقاء العكبرى، وابن الجوزى، ولازمه وأخذ عنه كثيرا. ثم رجع إلى حران. وأعاد بالمدرسة بها مدة. وحدث بحران ودمشق.

سمع منه بحران المنذرى، والابرقوهى، وابن حمدان، وقال: كان شيخنا صالحا من قوم صالحين.

وتوفى فى سادس عشر صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة بدمشق. ودفن بسفح جبل قاسيون رحمه الله.

قال ابن نقطة والمنذرى: و «صديق» بضم الصاد وفتح الدال الخفيفة المهملتين. زاد المنذرى: و «صروف» بفتح الصاد المهملة وتشديد الراء المهملة وضمها، وبعدها واو ساكنة وفاء.

‌310 - أحمد بن أكمل

بن أحمد بن مسعود بن عبد الواحد بن مطر ابن أحمد بن محمد الهاشمى العباسى، البغدادى، الخطيب المعدل، أبو العباس ابن أحمد بن أبى العباس.

ص: 201

ولد فى ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة.

وسمع من أبى الفتح بن شاتيل، وأبى العلاء محمد بن جعفر بن عقيل، ووفاء بن أسعد، وعبد الغنى بن أبى العلاء الهمداني وتفقه فى المذهب.

وكان له فضل وتمييز. وولى خطابة جامع السلطان. ونظر ديوان التركات.

ثم صرف عن الخطابة، ورتب ناظرا فيما يتعلق بالحرمين الشريفين، ثم صرف.

وبقى على نظره بديوان التركات مدة خلافة الناصر إلى أن ولى الظاهر، فصرفه.

وذكر ابن القادسى فى تاريخه: أن الفقيه الإمام أبا بكر بن الحلاوى سأل من الخليفة الناصر الإجازة لجماعة من الحنابلة. فبرز مرسوم الخليفة بإجابته إلى سؤاله، ما عدا ابن الخياط فإنه يسعى بالناس، وليس من أهل الخير، وما أشبه هذا الكلام.

قال: وابن الخياط: هو الذى يزعم أنه العباسى الشاهد، وهو عامل على التركات الحشرية. سمع منه ابن الساعى وغيره.

وتوفى فى ثامن ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة. ودفن عند أبيه بمقبرة الإمام أحمد. وقد حدث هو وأبوه وجده وعمه أفضل.

‌311 - عبد القادر بن عبد القاهر

بن عبد المنعم بن محمد بن حمد بن سلامة ابن أبى الفهم الحرانى، الفقيه، الزاهد، ناصح الدين، أبو الفرج، شيخ حران ومفتيها، ابن أبى محمد بن أبى الفرج.

ولد فى رجب سنة أربع وستين وخمسمائة بحران.

وسمع بها من أبى حفص بن طبرزد، وغيره: وسمع بدمشق من أبى عبد الله ابن صدقة الحرانى، ويحيى بن محمود الثقفى وعبد الرحمن بن الخرقى، والخشوعى وغيرهم.

وسمع ببغداد من يحيى بن بوش، وابن كليب، وابن الجوزى، وغيرهم.

ص: 202

وقرأ بنفسه الكثير على الحافظ عبد القادر الرهاوى وغيره. وأجاز له ابن شاتيل، ونصر الله القزاز، وطائفة.

وأخذ العلم بحران عن أبى الفتح بن عبدوس وغيره. ورأيت قراءته للروضة على مصنفها الشيخ الموفق. وأقرأ وحدث.

قال المنذرى: لقيته فى الدفعة الثانية بحران، وسمعت منه.

وقال أبو عبد الله بن حمدان: قرأت عليه «الخرقى» و «الهداية» ، وبعض «العمدة» وسمعت عليه أشياء كثيرة منها «جامع المسانيد» لابن الجوزى. وكان قليل الكلام فيما لا يعنيه، وكثير الديانة والتحرز فيما يعنيه، شريف النفس مهيبا، معروفا بالفتوى فى مذهب أحمد، وصنف منسكا وسطا جيدا، وكتاب «المذهب المنضد فى مذهب أحمد» ضاع منه فى طريق مكة، وحفظ «الروضة» و «الهداية» وغيرهما

قلت: «الروضة» هذه هى الفقهية لا الأصولية.

قال: وذكر لى أنه يكرر أكثر الليالى على أكثر الهداية. وكان مقيما بمسجده بحران سنين كثيرة ولم يتزوج. وطلب للقضاء فأبى. ودرس فى آخر عمره بحضورى عنده فى مدرسة بنى العطار التى عمرت لأجله. فلما نهبت حران سنة ثلاث وثلاثين عوقب فى مسجده، حتى أخذت وديعة كانت عنده مع ما أخذ له

وتوفى بعد ذلك بقليل. حدث وأجاز لأبى نصر الشيرازى المزى.

قال المنذرى: توفى فى الحادى عشر من شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة بحران. رحمه الله تعالى.

وقد سبق فى ترجمة الشيخ موفق الدين المقدسى تراجعهما فى مسألة فى الوكالة.

وقد تنازع هو والشيخ مجد الدين ابن تيمية فى مسألة أخرى، وهى ما إذا استأجر دارا، فدخل أول مدة الإجارة، وطالب المستأجر المؤجر بتسليم العين المؤجرة بعد دخول المدة، فقال المؤجر: لا أسلمها إلا فى غد، فلم يصبر المستأجر، وأشهد عليه بفسخ العقد لذلك.

ص: 203

فأفتى الناصح: أن المستأجر يثبت له خيار الفسخ بمجرد امتناع المؤجر من التسليم، وتسقط الأجرة من ذمته.

وأفتى الشيخ مجد الدين بأنه لا يصح فسخه، حتى تمضى مدة يتمكن المؤجر من التحويل فيها؛ لأن التسليم يجب على ما جرت به العادة، كالتسليم فى البيع، وأنكر أن يكون فى المذهب فيها نقل خاص.

فكتب الناصح ورقة، وتمسك من كلام الأصحاب بعمومات باردة.

وعضدها بمباحث جامدة، وما أفتى به أبو البركات أفقه، ويشهد له: ما ذكره الأصحاب فى تسليم الأعيان المبيعة وفى تسليم المرأة فى النكاح، لكن قد يفرق بينهما بأن مضى جزء من أوقات مدة الإجارة لا يتلافى. فإن المعقود عليه فيها:

هو منافع الزمن المعين، فلا يتسامح بتفويت شئ منه، بخلاف العقد على العين، أو على منافعها المطلقة.

وقد يجاب عن هذا الفرق: بأن تفويت المنافع المملوكة المستحقة حاصل فى مدة التأخير فى الصور كلها، فلا فرق.

وقد أخذ عن الناصح: ابن أبى الفهم بن تميم. ونقل عنه فى مختصره فوائد عديدة، وإذا قال «قال شيخنا أبو الفرج» فإياه يعنى وقد توهم بعض الناس أنه يعنى أبا الفرج الشيرازى. وهى هفوة عظيمة لتقدم زمن الشيرازى.

‌312 - يوسف بن أحمد

بن على بن الحسين بن الحسن البغدادى، الحلاوى الفقيه، أبو المظفر بن الخلال.

سمع من أبى الفتح بن شاتيل. وحدث. وتفقه فى المذهب. وكان فقيها صالحا فاضلا، مقرئا متدينا، حسن الطريقة.

توفى ليلة العشرين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة.

ودفن بباب أبرز. وقد بلغ الستين، أو جاوزها. رحمه الله.

أجاز لابن الشيرازى.

ص: 204

‌313 - إسحاق بن أحمد

بن محمد بن غانم العلثى، الزاهد القدوة، أبو الفضل، ويقال: أبو محمد ابن عم طلحة بن المظفر، الذى سبق ذكره.

سمع من أبى الفتح بن شاتيل. وقرأ بنفسه على ابن كليب وابن الأخضر.

وكان قدوة صالحا زاهدا، فقيها عالما، أمّارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، لا يخاف أحدا إلا الله، ولا تأخذه فى الله لومة لائم. أنكر على الخليفة الناصر فمن دونه وواجه الخليفة الناصر وصدعه بالحق.

قال ناصح الدين بن الحنبلى - وقرأته بخطه - هو اليوم شيخ العراق، والقائم بالإنكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخصوا فيه.

وقال المنذرى: قيل: إنه لم يكن فى زمانه أكثر إنكارا للمنكر منه، وحبس على ذلك مدة.

قلت: وله رسائل كثيرة إلى الأعيان بالإنكار عليهم والنصح لهم. ورأيت بخطه كتابا أرسله إلى الخليفة ببغداد. وأرسل أيضا إلى الشيخ على بن إدريس الزاهد - صاحب الشيخ عبد القادر - رسالة طويلة، تتضمن إنكار الرقص والسماع والمبالغة فى ذلك.

وله فى معنى ذلك عدة رسائل إلى غير واحد.

وأرسل رسالة طويلة إلى الشيخ أبى الفرج بن الجوزى بالإنكار عليه فيما يقع فى كلامه من الميل إلى أهل التأويل يقول فيها:

من عبيد الله إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثى، إلى عبد الرحمن ابن الجوزى، حمانا الله وإياه من الاستكبار عن قبول النصائح، ووفقنا وإياه لاتباع السلف الصالح، وبصرنا بالسنة السنية، ولا حرمنا الاهتداء باللفظات النبوية، وأعاذنا من الابتداع فى الشريعة المحمدية. فلا حاجة إلى ذلك. فقد تركنا على بيضاء نقية، وأكمل الله لنا الدين، وأغنانا عن آراء المتنطعين، ففى كتاب الله. وسنة رسوله مقنع لكل من رغب أو رهب، ورزقنا الله الاعتقاد

ص: 205

السليم، ولا حرمنا التوفيق، فإذا حرمه العبد لم ينفع التعليم. وعرفنا أقدار نفوسنا، وهدانا الصراط المستقيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وفوق كل ذى علم عليم. وبعد حمد الله سبحانه، والصلاة على رسوله: فلا يخفى أن «الدين النصيحة» خصوصا للمولى الكريم، والرب الرحيم. فكم قد زل قلم، وعثر قدم، وزلق متكلم، ولا يحيطون به علما. قال: عز من قائل (8:22 {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ)}.

وأنت يا عبد الرحمن، فما يزال يبلغ عنك ويسمع منك، ويشاهد فى كتبك المسموعة عليك، تذكر كثيرا ممن كان قبلك من العلماء بالخطأ، اعتقادا منك:

أنك تصدع بالحق من غير محاباة، ولا بد من الجريان فى ميدان النصح: إما لتنتفع إن هداك الله، وإما لتركيب حجة الله عليك. ويحذر الناس قولك الفاسد، ولا يغرك كثرة اطلاعك على العلوم. فرب مبلّغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه لا فقه له، ورب بحر كدر ونهر صاف، فلست بأعلم من الرسول، حيث قال له الإمام عمر «أتصلى على ابن أبىّ؟ أنزل القرآن (84:9 {وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ)» ولو كان لا ينكر من قل علمه على من كثر علمه إذا لتعطل الأمر بالمعروف، وصرنا كبنى إسرائيل حيث قال تعالى: (79:5 {كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ)} بل ينكر المفضول على الفاضل وينكر الفاجر على الولى، على تقدير معرفة الولى. وإلا فابن التنقا ليطلب وابن السمندل، ليجلب - إلى أن قال:

واعلم أنه قد كثر النكير عليك من العلماء والفضلاء، والأخيار فى الآفاق بمقالتك الفاسدة فى الصفات. وقد أبانوا وهاء مقالتك، وحكوا عنك أنك أبيت النصيحة، فعندك من الأقوال التى لا تليق بالسنة ما يضيق الوقت عن ذكرها، فذكر عنك: أنك ذكرت فى الملائكة المقربين، الكرام الكاتبين، فصلا زعمت أنه مواعظ، وهو تشقيق وتفهيق، وتكلف بشع، خلا أحاديث

ص: 206

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام السلف الصالح الذى لا يخالف سنة، فعمدت وجعلتها مناظرة معهم. فمن أذن لك فى ذلك؟ وهم مستغفرون للذين آمنوا، ولا يستكبرون عن عبادة الله. وقد قرن شهادته بشهادتهم قبل أولى العلم وما علينا كان الآدمى أفضل منهم أم لا، فتلك مسألة أخرى.

فشرعت تقول: إذا ثارت نار الحسد فمن يطفيها؟ وفى الغيبة ما فيها، مع كلام غث. أليس منا فلان؟ ومنا فلان؟ ومنا الأنبياء والأولياء. من فعل هذا من السلف قبلك؟ ولو قال لك قائل من الملائكة: أليس منكم فرعون وهامان؟ أليس منكم من ادعى الربوبية؟

فعمن أخذت هذه الأقوال المحدثة، والعبارات المزوقة، التى لا طائل تحتها وقد شغلت بها الناس عن الاشتغال بالعلم النافع أحدهم قد أنسى القرآن وهو يعيد فضل الملائكة ومناظرتهم، ويتكلم به فى الآفاق.

فأين الوعظ والتذكير من هذه الأقوال الشنيعة البشعة؟

ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى، كأنها صدرت لا من صدر سكن فيه احتشام العلى العظيم، ولا أملاها قلب ملئ بالهيبة والتعظيم، بل من واقعات النفوس البهرجية الزيوف. وزعمت أن طائفة من أهل السنة والأخيار تلقوها وما فهموا. وحاشاهم من ذلك. بل كفوا عن الثرثرة والتشدق، لا عجزا - بحمد الله - عن الجدال والخصام، ولا جهلا بطرق الكلام. وإنما أمسكوا عن الخوض فى ذلك عن علم ودراية، لا عن جهل وعماية.

والعجب ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض فى الكلام. ثم يقدم على تفسير ما لم يره أولا، ويقول: إذا قلنا كذا أدى إلى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده. فهذا الذى نهيت عنه. وكيف تنقض عهدك وقولك بقول فلان وفلان من المتأخرين؟ فلا تشمت بنا المبتدعة فيقولون: تنسبوننا إلى البدع وأنتم أكثر بدعا منا، أفلا تنظرون إلى قول من

ص: 207

اعتقدتم سلامة عقده، وتثبتون معرفته وفضله؟ كيف أقول ما لم يقل، فكيف يجوز أن تتبع المتكلمين فى آرائهم، وتخوض مع الخائضين فيما خاضوا فيه، ثم تنكر عليهم؟ هذا من العجب العجيب. ولو أن مخلوقا وصف مخلوقا مثله بصفات من غير رؤية ولا خبر صادق. لكان كاذبا فى إخباره. فكيف تصفون الله سبحانه بشئ ما وقفتم على صحته، بل بالظنون والواقعات، وتنفون الصفات التى رضيها لنفسه، وأخبر بها رسوله بنقل الثقات الأثبات، بيحتمل، ويحتمل.

ثم لك فى الكتاب الذى أسميته «الكشف لمشكل الصحيحين» مقالات عجيبة، تارة تحكيها عن الخطابى وغيره من المتأخرين، أطّلع هؤلاء على الغيب؟ وأنتم تقولون: لا يجوز التقليد فى هذا، ثم ذكره فلان، ذكره ابن عقيل، فنريد الدليل من الذاكر أيضا، فهو مجرد دعوى، وليس الكلام فى الله وصفاته بالهين ليلقى إلى مجارى الظنون - إلى أن قال:

إذا أردت: كان ابن عقيل العالم، وإذا أردت: صار لا يفهم، أوهيت مقالته لما أردت. ثم قال:

وذكرت الكلام المحدث على الحديث، ثم قلت: والذى يقع لى. فبهذا تقدم على الله، وتقول: قال علماؤنا، والذى يقع لى. تتكلمون فى الله عز وجل بواقعاتكم تخبرون عن صفاته؟ ثم ما كفاك حتى قلت: هذا من تحريف بعض الرواة. تحكما من غير دليل. وما رويت عن ثقة آخر أنه قال: قد غيره الراوى فلا ينبغى بالرواة العدول: أنهم حرفوا، ولو جوزتم لهم الرواية بالمعنى، فهم أقرب إلى الإصابة منكم. وأهل البدع إذا كلما رويتم حديثا ينفرون منه، يقولون:

يحتمل أنه من تغيير بعض الرواة. فإذا كان المذكور فى الصحيح المنقول من تحريف بعض الرواة، فقولكم ورأيكم فى هذا يحتمل أنه من رأى بعض الغواة.

وتقول: قد انزعج الخطابى لهذه الألفاظ. فما الذى أزعجه دون غيره؟ ونراك تبنى شيئا ثم تنقضه، وتقول: قد قال فلان وفلان، وتنسب ذلك إلى إمامنا

ص: 208

أحمد - رضى الله عنه - ومذهبه معروف فى السكوت عن مثل هذا، ولا يفسره، بل صحح الحديث، ومنع من تأويله.

وكثير ممن أخذ عنك العلم إذا رجع إلى بيته علم بما فى عيبته من العيب، وذم مقالتك وأبطلها. وقد سمعنا عنك ذلك من أعيان أصحابك المحبوبين عندك، الذين مدحتهم بالعلم، ولا غرض لهم فيك، بل أدوا النصيحة إلى عباد الله، ولك القول وضده منصوران. وكل ذلك بناء على الواقعات والخواطر.

وتدعى أن الأصحاب خلطوا فى الصفات، فقد قبحت أكثر منهم، وما وسعتك السنة. فاتق الله سبحانه. ولا تتكلم فيه برأيك فهذا خبر غيب، لا يسمع إلا من الرسول المعصوم، فقد نصبتم حربا للأحاديث الصحيحة. والذين نقلوها نقلوا شرائع الإسلام.

ثم لك قصيدة مسموعة عليك فى سائر الآفاق، اعتقدها قوم، وماتوا بخلاف اعتقادك الآن فيما يبلغ عنك، وسمع منك منها:

ولو رأيت النار هبت، فعدت

تحرق أهل البغى والعناد

وكلما ألقى فيها حطمت

وأهلكته، وهى فى ازدياد

فيضع الجبار فيها قدما

جلت عن التشبيه بالأجساد

فتنزوى من هيبته، وتمتلى

فلو سمعت صوتها ينادى

حسبى حسبى، قد كفانى ما أرى

من هيبة أذهبت اشتداد

فاحذر مقال مبتدع فى قوله

يروم تأويلا بكل وادى

فكيف هذه الأقوال: وما معناها؟ فإنا نخاف أن تحدث لنا قولا ثالثا، فيذهب الاعتقاد الأول باطلا. لقد آذيت عباد الله وأضللتهم، وصار شغلك نقل الأقوال فحسب، وابن عقيل سامحه الله، قد حكى عنه: أنه تاب بمحضر من علماء وقته من مثل هذه الأقوال، بمدينة السلام - عمرها الله بالإسلام والسنة - فهو برئ - على هذا التقدير - مما يوجد بخطه، أو ينسب إليه، من التأويلات، والأقوال المخالفة للكتاب والسنة.

ص: 209

وأنا وافدة الناس والعلماء والحفاظ إليك، فإما أن تنتهى عن هذه المقالات، وتتوب التوبة النصوح، كما تاب غيرك، وإلا كشفوا للناس أمرك، وسيروا ذلك فى البلاد وبينوا وجه الأقوال الغثة، وهذا أمر تشور فيه، وقضى بليل، والأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، والجرح لا شك مقدم على التعديل، والله على ما نقول وكيل، وقد أعذر من أنذر.

وإذا تأولت الصفات على اللغة، وسوغته لنفسك، وأبيت النصيحة، فليس هو مذهب الإمام الكبير أحمد بن حنبل قدس الله روحه، فلا يمكنك الانتساب إليه بهذا، فاختر لنفسك مذهبا، إن مكنت من ذلك، وما زال أصحابنا يجهرون بصريح الحق فى كل وقت ولو ضربوا بالسيوف، لا يخافون فى الله لومة لائم، ولا يبالون بشناعة مشنع، ولا كذب كاذب، ولهم من الاسم العذب الهنى، وتركهم الدنيا وإعراضهم عنها اشتغالا بالآخرة: ما هو معلوم معروف.

ولقد سودت وجوهنا بمقالتك الفاسدة، وانفرادك بنفسك، كأنك جبار من الجبابرة، ولا كرامة لك ولا نعمى، ولا نمكنك من الجهر بمخالفة السنة، ولو استقبل من الرأى ما استدبر: لم يحك عنك كلام فى السهل، ولا فى الجبل، ولكن قدر الله، وما شاء فعل، بيننا وبينك كتاب الله وسنة رسوله، قال الله تعالى (59:4 {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)} ولم يقل: إلى ابن الجوزى.

وترى كل من أنكر عليك نسبته إلى الجهل، ففضل الله أوتيته وحدك؟ وإذا جهّلت الناس فمن يشهد لك أنك عالم؟ ومن أجهل منك، حيث لا تصغى إلى نصيحة ناصح؟ وتقول: من كان فلان، ومن كان فلان؟ من الأئمة الذين وصل العلم إليك عنهم، من أنت إذا؟ فلقد استراح من خاف مقام ربه، وأحجم عن الخوض فيما لا يعلم، لئلا يندم.

فانتبه يا مسكين قبل الممات، وحسّن القول والعمل، فقد قرب الأجل،

ص: 210

لله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

وللشيخ إسحاق أجزاء مجموعة، وأربعينيات حديثية، وغير ذلك، وحدث وسمع منه جماعة.

وذكر ابن الدواليبى: أنه سمع منه.

وتوفى فى شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين وستمائة، أظنه بالعلث.

رضى الله عنه.

‌314 - هبة الله بن الحسن

بن أحمد البغدادى، المقرئ، أبو القاسم المعروف بالأشقر، قرأ القرآن على أبى بكر محمد بن خالد الرزاز وغيره.

قال ابن الساعى: كان شيخا فاضلا، حسن التلاوة للقرآن، مجيدا لأدائه عالما بوجوه القراءات وطرقها، وتعليلها وإعرابها، يشار إليه بمعرفة علوم القرآن، بصيرا بالنحو واللغة والعربية.

سمع شيئا من الحديث، وكان يؤم بالخليفة الظاهر، ورتبه إماما بباب بدر فى صلاة التراويح، وأذن للناس فى الدخول للصلاة، وأمّ بمسجد ابن حمدى وغيره، ورتبه الظاهر مشرفا على ديوان التركات.

وقرأ عليه الخليفة الظاهر، والوزير بن الناقد، فلما ولى الظاهر الخلافة، أكرمه وأجله، وأعطاه بغلة أبيه الناصر، فركبها. ولما ولى ابن الناقد الوزارة:

دخل عليه فنهض له، وأجلسه إلى جانبه، وقال: هذا شيخى، قرأت القرآن عليه.

وكان يدخل إلى المستنصر، فيقرئه القرآن، وكان لا يقبل الأرض إذا دخل عليه، فقيل له فى ذلك، فقال: لا ينبغى ذلك إلا لله تعالى، فحجب عن الدخول إليه. وكان يقول: قرأ عليّ القرآن أرباب الدنيا والآخرة: إسحاق العلثى، والشيخ عثمان القصر، وأمثالهما، والخليفة، والوزير، وصاحب المخزن. وكان لأم الخليفة الناصر فيه عقيدة، فمرض فجاءته تعوده. وحدث عن الأسعد العبرتى النحوى بأبيات.

ص: 211

سمع منه ابن النجار، وابن الساعى وغيرهما.

وأجاز لعبد الصمد بن أبى الجيش.

وتوفى فى صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة، وقد قارب الثمانين، رحمه الله تعالى.

‌315 - محمد بن أحمد

بن عمر بن الحسين بن خلف البغدادى القطيعى الأزجى، المؤرخ، أبو الحسن بن أبى العباس. وقد سبق ذكر أبيه.

ولد فى رجب سنة ست وأربعين وخمسمائة.

وبكّر به والده، وأسمعه من أبى الحسن بن الخل الفقيه، وأبى العباس أحمد بن محمد بن عبد العزيز المكى، وأبى بكر بن الزاغونى، ونصر بن نصر العكبرى وسلمان بن حامد الشحام، وتفرد فى وقته بالرواية عن هؤلاء. وأسمعه أيضا من أبى الوقت صحيح البخارى، وهو آخر من حدث به ببغداد كاملا عنه سماعا، ومن جماعة آخرين. ثم طلب هو بنفسه، وسمع من جماعة بعد هؤلاء، وقرأ على الشيوخ، وكتب بخطه.

ورحل، وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل وغيره، وأقام بها مدة.

وسمع بدمشق من محمد بن حمزة بن أبى الصقر، وأبى المعالى بن صابر وغيرهما.

وسمع بحران من حامد بن أبى الحجر وغيره.

ثم رجع إلى بغداد، ولازم أبا الفرج بن الجوزى مدة، وأخذ عنه، وقرأ عليه كثيرا من تصانيفه ومروياته، وجمع تاريخا فى نحو خمسة أسفار، ذيّل به على تاريخ أبى سعد بن السمعانى سماه «درة الإكليل فى تتمة التذييل» رأيت أكثره بخطه، وقد نقلت منه فى هذا الكتاب كثيرا، وفيه فوائد جمة، مع أوهام وأغلاط.

وقد بالغ ابن النجار فى الحط على تاريخه هذا، مع أنه أخذه عنه واستفاده منه، ونقل منه فى تاريخه أشياء كثيرة، بل نقله كله، وقال: لم يكن محققا فيما ينقله ويقوله. وكان لحنة، قليل المعرفة بأسماء الرجال.

ص: 212

وكان قد استنابه يوسف بن الجوزى فى الحسبة بباب الأزج، وسوق العجم، وما والاهما، سوى الحريم. فأقام على ذلك مدة يسيرة ثم عزل.

وشهد عند القضاة مدة، واستخدم فى عدة خدم المخزن وغيره. ونظر فى المارستان التفشى، ثم عزل عن الشهادة، وأسن وانقطع فى منزله إلى حين وفاته.

وكان يخضب بالسواد، ثم ترك الخضاب قبل موته بمدة.

قلت: وقد ذكر فى تاريخه: أنه قرأ شيئا من المذهب على القاضى أبى يعلى ابن القاضى أبى خازم وحضر درسه، وأنه تكلم فى بعض مسائل الخلاف مع الفقهاء

قال: وحملنى والدى إلى أبى النجيب السهروردى بجامع المدينة فى يوم جمعة، وأنا طفل فاستدل أبو النجيب فى مسألة بيع الرطب بالتمر، وذكرت على دليله عدة أسئلة علمنى والدى إياها قبل ذلك. فلما أنهيت الكلام خلع قميصه بالجامع فألبسنى إياه: وقال: هذه خرقة التصوف، وأجاز لى، وكتب بخطه بذلك.

ولما عمر المستنصر مدرسته المعروفة به: جعل القطيعى شيخ دار الحديث بها، وكان ابن النجار بها مفيدا للطلبة. وهذا من جملة الأسباب التى أوجبت تحامله عليه. وقد وصفه غير واحد من الحفاظ وغيرهم بالحافظ

وأثنى عمر بن الحاجب على تاريخه، فقال: وقفت على تراجم من بعضه، فرأيته قد أحكمها، واستوفى فى كل ترجمة ما لم يعمله أحد فى زمانه، يدل على حفظه وإتقانه، ومعرفته بهذا الشأن.

وحدث بالكثير ببغداد والموصل. وروى عنه جماعة كثيرون، منهم الشيخ تقى الدين الواسطى، والفاروتى، ولأبرقوهى، والقرافى.

قال ابن النجار: توفى ليلة السبت لأربع خلون من ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وستمائة. وصلّى عليه من الغد بعدة مواضع. ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى.

قرئ على جدى أبى أحمد رجب بن الحسن غير مرة ببغداد - وأنا حاضر -

ص: 213

فى الثالثة والرابعة والخامسة: أخبركم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزار - سنة ست وثمانين وستمائة - أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعى

ح وأخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصارى - بدمشق - أخبرنا عبد الحميد بن أحمد ابن الزجاج أخبرنا القطيعى.

ح وأخبرنا أبو الفضل محمد بن إسماعيل بن الحموى أخبرنا أبو القاسم على ابن بلبان أخبرنا القطيعى أخبرنا أبو الوقت عبد الأول ابن عيسى أخبرنا أبو الحسن الداودى أخبرنا أبو محمد السرخسى أخبرنا أبو عبد الله الفربرى حدثنا البخارى حدثنا المكى بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع قال:

سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول «من يقل علىّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» .

وأنشد لنفسه فى تاريخه:

أهديت قلبى إليكم خذوه

وقتلى حرام، فلا تقربوه

وها هو ذا عندكم واقف

يروم الوصال، فلا تحرموه

وأيضا كتب بها إلى أبى المظفر بن مهاجر فقيه الموصل:

فى كل يوم نقلة ورحيل

وشوق لقلبى مزعج ومزيل؟

يعزّ علينا أن يعز وصولنا

إلى بلد فيه الحبيب نزيل؟

‌316 - مكى بن عمر

بن نعمة بن يوسف بن سيف بن عساكر بن عسكر ابن شبيب بن صالح، الروبتى المقدسى الأصل، المصرى الفقيه الزاهد، أبو الخير ابن أبى حفص.

ولد فى شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بمصر.

وسمع من والده أبى حفص، ومن أبى محمد بن برى النحوى، وأبى الفتح محمود بن أحمد الصابونى، وأبى إبراهيم القاسم بن إبراهيم المقدسى، وهبة

ص: 214

البوصيرى، وأبى عبد الله الأرتاحى، وجماعة كثيرة من أهل البلد والقادمين عليها

وسمع بمكة من أبى عبد الله محمد بن الحسين الهروى الحنبلى، وأبى الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن أبى تمام الدباس، وأبى زكريا يحيى بن عمر بن بهليقا، ويونس بن يحيى الهاشمى. وتفقه فى المذهب بمصر.

قال المنذرى: اشتهر بمعرفة المذهب، وجمع مجاميع فى الفقه وغيره، وانتفع به جماعة. وحدث، وأمّ بالمسجد المعروف به بدرب البقالين بمصر، سمعت منه.

وكان يبنى ويأكل من كسب يده.

قلت: وهو الذى جمع سيرة الحافظ عهد الغنى، كما ذكره الضياء فى ترجمته

وتوفى فى العشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة بمصر.

ودفن من الغد إلى جانب والده بشفير الخندق، بسفح المقطم. رحمه الله تعالى

و «الروبتى» بضم الراء المهملة وسكون الواو بعدها باء موحدة مفتوحة مخففة وتاء تأنيث. وكان يذكر أنه منسوبا إلى «روبة» ويذكر نسبا متصلا به ويقول: هو صحابى.

قال المنذرى: ولست أعرف «روبة» هذا، ولا رأيت من ذكره. وكان بعض شيوخنا يقول: إن «روبة» بلد بالشام. والله عز وجل أعلم.

وقد تقدم ذكر أخيه أبى الطاهر إسماعيل الأديب، وأبوهما أبو حفص.

‌317 - عمر

المعروف بابن البناء.

كان رجلا صالحا مقرئا. أقرأ القرآن سنين كثيرة بمصر. وكان صابرا على تعليم الطلبة ليلا ونهارا، مع علو سنه. وحدث عن أبى الفتح الكروخى.

وتوفى فى ثامن شوال سنة أربع وثمانين وخمسمائة بمصر رحمه الله تعالى.

‌318 - عبد الله بن إسماعيل

بن علي بن الحسين البغدادى، الأزجى، الواعظ شمس الدين، أبو طالب بن أبى محمد، المعروف والده بالفخر، غلام ابن المنى. وقد سبق ذكره.

ص: 215

سمع أبو طالب هذا من ابن كليب وغيره. وتفقه فى المذهب، واشتغل بالوعظ ووعظ ببغداد ومصر، وحدث. وله نظم.

قال المنذرى: سمعت منه شيئا من شعره.

وتوفى فى ثانى عشرين شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة ببغداد. وهو فى سن الكهولة.

‌319 - عبد العزيز بن عبد الملك

بن عثمان المقدسى، الفقيه، عزّ الدين أبو محمد.

سمع من أسعد بن سعيد بن روح، وعمر بن طبرزد، وغيرهما. وتفقه فى المذهب، ودرس بمدرسة الشيخ أبى عمر مدة. وحدث.

توفى فى حادى عشر ذى القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة.

‌320 - عبد الكريم بن أبى عبد الله

بن مسلم بن أبى الحسن بن أبى الجواد، الفارسى الزاهد، أبو بكر. واسم أبيه: المبارك بن أخى الحسن بن مسلم الزاهد المتقدم ذكره.

ولد سنة ثلاث وستين وخمسمائة بالفارسية، قرية على نهر عيسى.

وقرأ القرآن وسمع الحديث من أبى الفتح البردانى، وابن بوش، وغيرهما.

وتفقه فى المذهب. وحدث.

سمع منه ابن النجار، وعبد الصمد بن أبى الجيش وغيرهما. ووصفاه بالصلاح والديانة.

قال ابن النجار: كان شيخا صالحا، ورعا متدينا، منقطعا عن الناس فى قريته يقصده الناس لزيارته والتبرك به، وحوله جماعة من الفقراء، ويضيف من يمر به.

وتوفى يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة خمس وثلاثين وستمائة. ودفن من يومه عند عمه بالفارسية رحمه الله تعالى.

ص: 216

‌321 - عثمان بن نصر

بن منصور بن هلال البغدادى، المسعودى، الفقيه الواعظ، أبو الفتوح. ويقال: أبو الفرج. ويقال: أبو عمرو، ويلقب ضياء الدين المعروف بابن الوتار.

ولد سنة خمسين وخمسمائة تقريبا.

وسمع من أبى الفتح بن المنى، وعيسى الروشابى وعبد الله بن عبد الرزاق السلمى ومسلم بن ثابت الوكيل، وشهدة الكاتبة، وخديجة النهروانية وغيرهم.

وتفقه على أبى الفتح بن المنى، ووعظ، وشهد عند قاضى القضاة أبى صالح نصر بن عبد الرزاق. ودرس وأفتى وكان فقيها فاضلا، إماما عالما، حسن الأخلاق

وحدث، وأجاز للمنذرى، وعبد الصمد بن أبى الجيش، ولسليمان بن حمزة، وأبى بكر بن عبد الدائم، والقاسم بن مظفر بن عساكر، وأحمد بن أبى طالب الحجار.

وتوفى فى سابع عشرين جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وستمائة. ودفن بباب حرب، وقد ناهز السبعين.

والمسعودى نسبة إلى «المسعودة» محلة شرقى بغداد من نواحى المأمونية.

‌322 - تقى الدين بن طرخان

ابن أبى الحسن السلمى، الدمشقى الصالحى الحنبلى.

ولد بالجبل سنة إحدى وستين وخمسمائة.

وسمع من أبى المعالى بن صابر، ويحيى السلفى، وابن صدقة وغيرهم.

وسمع بمكة والمدينة واليمن، وحدث.

وتوفى فى تاسع محرم سنة سبع وثلاثين وستمائة بالجبل رحمه الله.

‌323 - عبد العزيز بن دلف

بن أبى طالب بن دلف بن أبى القاسم البغدادى المقرئ، الناسخ الخازن، أبو محمد. ويقال: أبو الفضل. ويلقب عفيف الدين.

ص: 217

ولد سنة إحدى - أو اثنتين - وخمسين وخمسمائة.

وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على أبى الحارث أحمد بن سعيد العكبرى العسكرى وأبى جعفر بن القاصين وأبى الحسن البطائحى، وصاحبه. وقرأ عليه كثيرا، وعلى جماعة آخرين.

وسمع الحديث من أبى على الرحبى، والأسعد بن يلدرك، ولاحق بن كاره وشهدة، وخديجة النهروانية، وابن شاتيل، والقزاز، وابن كليب. وقرأ بنفسه الكثير على من بعدهم، وسمع الناس بقراءته. وكتب الكثير بخطه الحسن لنفسه وللناس توريقا.

وولى نظر خزانة الكتب بمسجد الشريف الزيدى، ثم خزانة كتب التربة السلجوقية، ثم صرف عنها، ثم أعيد إليها.

وشهد عند الزنجانى فى ولايته زمن الناصر. وكان الخليفة الناصر لما أذن لولده الظاهر برواية مسند الإمام أحمد عنه بالإجازة. وأذن لأربعة نفر من الحنابلة بالدخول إليه للسماع: كان عبد العزيز هذا منهم، فحصل له به أنس. فلما أفضت إليه الخلافة ولاه النظر فى ديوان التركات الحشرية، فسار فيها أحسن سيرة، وردت تركات كثيرة على الناس كان قد استولى عليها بمساعدة الخليفة الظاهر على ذلك.

ومن جملة ذلك: تركة رجل من همدان مات ببغداد، فتصرف ديوان التركات فى ميراثه، بناء على أنه لا وارث له، ثم بعد سنة أثبت ابن عمه نسبه واستحقاقه للتركة عند الحاكم. فأنهى الحال الشيخ عبد العزيز فى ولايته إلى الظاهر، فتقدم بتسليم التركة إليه بموجب الشرع، وأن لا يراجع فيما هذا سبيله، مع ثبوته شرعا.

وكانت التركة ألوفا من العين، وبقى الشيخ عبد العزيز على هذا مديدة. ثم سأل أن يقيم برباط الحريم منقطعا به إلى العبادة، وأن يكون ولده الأصغر عمر عوضه فى ديوان التركات. فأجيب إلى ذلك. ورتب الشيخ شيخا بالرباط المذكور،

ص: 218

فأقام به إلى حين وفاته. ورتب ولده فى الديوان. فسار بسيرة أبيه فيه.

قرأت بخط الناصح ابن الحنبلى: الشيخ عبد العزيز إمام فى القراءة، وفى علم الحديث. سمع الكثير، وكتب بخطه الكثير، وهو يصوم الدهر. لقيته ببغداد فى المرتين.

وقال ابن النجار: كان كثير العبادة، دائم الصوم والصلاة، وقراءة القرآن منذ كان شابا، وإلى حين وفاته. وكان مسارعا إلى قضاء حوائج الناس، والسعى بنفسه إلى دور الأكابر فى الشفاعات، وفك العناة، وإطلاق المعتقلين، ودفع المؤن والتنقيل من جهة العمال، يفعل ذلك مع القريب والبعيد والغريب بصدر منشرح، وقلب طيب. وكان محبا لإيصال الخير إلى الناس، ودفع الضرر عنهم، كثير الصدقة والمعروف، والمواساة بماله حال فقره وقلة ذات يده، وبعد يساره وسعة ذات يده. وكان على قانون واحد فى ملبسه لم يغيره، وفى أخلاقه وتواضعه للناس. كتبت عنه.

وكان ثقة صدوقا نبيلا غزير الفضل، أحسن الناس تلاوة للقرآن، وأطيبهم نغمة. وكذلك فى قراءة الحديث.

وقال ابن الساعى: كان شيخا صالحا عابدا، مشكور السيرة، محمود الطريقة، لم يزل مواظبا على الخير والعبادة والتلاوة. وكان يسرد الصوم، ويديم القيام بالليل، قل أن تمضى عليه ليلة إلا وختم فيها القرآن فى الصلاة. وكان له حرمة عند الدولة، خصوصا عند المستنصر. وكان لا يمل من الشفاعة، وقضاء حوائج الناس، حتى لو قيل: إنه لم يبق ببغداد من غنى ولا فقير إلا قضاه حاجة:

لكان حقا: وفوض إليه المستضر أمر خزانة الكتب بمدرسته.

وقرأ عليه القراءات عبد الصمد بن أبى الجيش، وسمع منه الحديث. وكتب عنه ابن النجار، وابن الحاجب.

وقال ابن نقطة: كان ثقة صالحا.

ص: 219

وقال الضياء أيضا: كان خيرا دينا، له مروءة، من أهل القرآن.

قال ابن النجار: توفى ليلة الاثنين السادس والعشرين من صفر سنة سبع وثلاثين وستمائة. وحمل ليلا إلى تربة معروف الكرخى. فدفن إلى جانبه، تحت القبة، من غير أن يعلم به أحد.

وقال عبد الصمد: توفى ليلة الاثنين العشرين من صفر. وقال غيره:

ليلة تاسع عشر.

ورثاه غير واحد، منهم الأسعد بن إبراهيم الكاتب بقصيدة، أولها:

ما قضى الحزن بالمدامع دينا

حين حاز المصاب رزءا وحينا

عدم الدين من فتى دلف قلبا

وسمعا للمكرمات وعينا

‌324 - أحمد بن محمد

بن طلحة بن الحسن بن طلحة بن حسان، البصرى الأصل، البغدادى المضرى، الفقيه المحدث، المعدل، أبو بكر. وقد يكنى أبا عبد الله أيضا. ويلقب أمين الدين.

ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة تقديرا.

وطلب الحديث قبل التسعين وخمسمائة، فسمع الكثير من، ابن كليب.

وذاكر بن كامل، ويحيى بن بوش، وأبى الفرج بن الجوزى، وابن المغطوش، وابن سكينة، وابن الأخضر، وخلق كثير من هذه الطبقة، وجد واجتهد فى الطلب. وكتب بخطه كثيرا. وتفقه فى المذهب وتكلم فى مسائل الخلاف وحصل طرفا صالحا من الأدب، وصحب محيى الدين بن الجوزى، واختص به، وصار حاجبا له أيام حسبته. وسافر معه لما نفذ فى الرسائل إلى الشام ومصر وبلاد الروم وبلاد فارس. وشهد عند ابن اللمعانى.

وله مجموعات وتخاريج فى الحديث، وجمع الأحاديث السباعيات والثمانيات التى وقعت له، ومعجما لشيوخه. وحدث بقطعة من مسموعاته ببغداد وغيرها.

ص: 220

ذكر ذلك ابن النجار، وقال: سمعت منه. وهو فاضل عالم ثقة، صدوق متدين أمين نزه، حسن الطريقة، جميل السيرة، طاهر السريرة، سليم الجانب، مسارع إلى فعل الخير، محبوب إلى الناس. ثم روى عنه حديثا عن ابن بوش.

وقال المنذرى: قدم مصر، وحدث بها. سمعت منه حديثا واحدا بظاهر السويداء. قرأته عليه من حفظى.

وأخبرنى أبو الربيع على بن عبد الصمد البغدادى - سماعا بها - أخبرنى أبو أحمد عبد الصمد بن أحمد بن أبى الجيش، قال: أخرج شيخنا الفقيه الإمام العدل أمين الدين أبو بكر أحمد بن محمد بن طلحة لنفسه أربعين حديثا، وقرأتها عليه.

وسمع منه ببغداد منصور بن سليم الإسكندرى الحافظ وغيره. وأجاز للبهاء القاسم بن مظفر بن عساكر.

وتوفى ليلة الأحد ثالث شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.

‌325 - يوسف بن عبد المنعم

بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن حسن ابن جعفر، المقدسى النابلسى، الفقيه المحدث، أبو عبد الله، ويلقب تقى الدين.

ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة - تقديرا - بيت المقدس.

وسمع بدمشق من عمر بن طبرزد، وأبى اليمن الكندى، وأبى القاسم بن الحرستانى، وست الكتبة بنت ابن الطراح، وجماعة آخرين، وتفقه.

قال المنذرى: ترافقنا فى السماع كثيرا. وولى الإمامة بالجامع الغربى بمدينة نابلس. وحدث. وهو ابن عم الحافظ عبد الغنى المقدسى. وكان على طريقة حسنة.

توفى فى عاشر ذى القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة بمدينة نابلس.

ص: 221

‌326 - عبد الغنى بن محمد

بن القاسم بن محمد بن تيمية الحرانى، خطيب حران، وابن خطيبها، سيف الدين أبو محمد، ابن الشيخ فخر الدين أبى عبد الله.

وقد سبق ذكر والده.

ولد فى ثانى صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بحران.

وسمع بها من والده، وعبد القادر الرهاوى، وعبد الوهاب بن أبى حبة، وحماد الحرانى، وغيرهم. وأخذ العلم بها عن والده.

ورحل إلى بغداد سنة ثلاث وستمائة، فسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة وضياء بن الخريف، وعمر بن طبرزد، وعبد العزيز بن منينا، وعبد الواحد بن سلطان، ويحيى بن الحسين الأوانى، وأبى الفرج محمد بن هبة الله الوكيل، وعبد الرزاق بن عبد القادر الحافظ، ومسمار بن الفويش، وسعيد بن محمد بن عطاف، وأحمد بن الحسن العاقولى، وغيرهم.

وطلب، وقرأ بنفسه، وأخذ الفقه عن الفخر إسماعيل غلام ابن المنى وغيره.

ورجع إلى حران، وقام مقام أبيه فى وظائفه بعد وفاته، وكان يخطب ويعظ ويدرس، ويلقى التفسير فى الجامع على كرسى.

قال ابن حمدان: الشيخ الإمام العالم الفاضل، سيف الدين قام مقام والده فى التفسير والفتوى، والوعظ والخطابة. وكان خطيبا فصيحا، رئيسا ثابتا، رزين العقل. وله تصنيف «الزائد على تفسير الوالد» و «إهداء القرب إلى ساكنى الترب»

قال: ولم أسمع منه، ولا قرأت عليه شيئا. وسمعت بقراءته على والده كثيرا.

وقال المنذرى: لقيته بحران وغيرها، وعلقت عنه بنهر الجوز بالقرب من شاطئ الفرات شيئا. وأجاز للقاضى أبى الفضل سليمان بن حمزة المقدسى.

وتوفى فى سابع عشر المحرم سنة تسع وثلاثين وستمائة بحران

ص: 222

‌327 - أحمد بن محفوط

بن مهيا بن شكر بن الصابونى، الرصافى البغدادى الفقيه المحدث، أبو العباس.

سمع الكثير، وعنى بالسماع، وكتب الطباق بخطه، وهو حسن.

وتفقه على القاضى أبى صالح نصر بن عبد الرزاق. وكان خيرا صالحا، متعبدا من خيار الطلبة.

توفى يوم الأحد تاسع عشرين صفر سنة تسع وثلاثين وستمائة، ودفن بمقبرة معروف الكرخى. رحمهما الله تعالى.

‌328 - سليمان بن إبراهيم

بن هبة الله بن رحمة الأسعردى، المحدث الخطيب، أبو الربيع.

ولد سنة سبع وستين وخمسمائة بإسعرد.

ورحل. وسمع بدمشق من الخشوعى، وابن طبرزد، وجماعة كثيرة، وبمصر من إسماعيل بن ياسين، وهبة الله البوصيرى، وأبى عبد الله الأرتاحى، وخلق كثير وبالإسكندرية من أبى القاسم عبد الرحمن بن علاس. وانقطع إلى الحافظ عبد الغنى المقدسى مدة، ويخرج به، وسمع منه الكثير، وكتب بخطه كثيرا. وكان كثير الإفادة، حسن السيرة.

وسئل عنه الحافظ الضياء؟ فقال: خير دين ثقة، وأقام ببيت لهيا، وتولى الخطابة والإمامة بجامعه، ويقال: إنهم كانوا يؤذونه، فيكشطون الدال من الأسعردى، ويعجمون السين فيصير الأشعرى، فيغضب لذلك.

قال المنذرى: اجتمعت به، ولم يتفق لى السماع منه، وأفادنا إجازة وجماعة من شيوخ المصريين وغيرهم. شكر الله سعيه وجزاه خيرا.

وتوفى فى ثانى عشرين ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وستمائة ببيت لهيا، رحمه الله تعالى، و «رحمة» اسم أم جده، وبها عرف جده.

ص: 223

‌329 - إسماعيل بن ظفر

بن أحمد بن إبراهيم بن مفرح بن منصور بن ثعلب ابن عتيبة بن ثابت بن بكار بن عبد الله بن شرف بن مالك بن المنذر بن النعمان ابن المنذر المنذرى، النابلسى الأصل، الدمشقى المولد، المحدث أبو الطاهر.

ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة بدمشق.

وارتحل فى طلب الحديث إلى الأمصار، فسمع بمكة من ابن الحصرى.

وبمصر من البوصيرى، والأرتاحى، والحافظ عبد الغنى، وجماعة.

وببغداد من ابن كليب، والمبارك بن المغطوش، وابن الجوزى، وابن الأخضر وجماعة.

وبإصبهان من أبى المكارم اللبان، وأبى عبد الله الكرانى، وأبى جعفر الصيدلانى، وجماعة.

وبخراسان من منصور بن عبد المنعم الفراوى، والمؤيد الطوسى، وزينب الشعرية، وجماعة.

وبنيسابور من أبى سعد الصفار، ومنصور الفراوى، والمؤيد الطوسى.

وسمع بحران من الحافظ عبد القادر الرهاوى، وانقطع إليه مدة، وكتب الكثير بخطه، وحدث بالكثير.

قال المنذرى: سمعته بحران ودمشق.

وكتب عنه ابن النجار ببغداد، وقال: كان شيخا صالحا.

وقال عمر بن الحاجب: كان عبدا صالحا، صاحب كرامات، ذا مروءة مع فقر مدقع، سهل العاربة، وصحيح الأصول، وحدث.

وروى عنه الحافظ: الضياء، والمنذرى، والبرزالى، والقاضى سليمان بن حمزة.

توفى رحمه الله فى رابع شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة، بسفح قاسيون، ودفن من يومه.

أخبرنا أبو الفضل محمد بن إسماعيل بن عمر بن الحموى - بقراءتى عليه -

ص: 224

أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن محفوظ الأزدى، أخبرنا أبو الطاهر إسماعيل ابن ظفر أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبى زيد الكرانى أخبرنا أبو منصور محمد ابن إسماعيل الصيرفى أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن شاذان أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك القباب أخبرنا أبو الحسن على بن سعيد العسكرى، حدثنا عباد بن الوليد حدثنا مطهر بن الهيثم بن الحجاج الطائى حدثنا علقمة بن أبى حمزة الضبعى عن أبيه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكل طهوره ولا صدقته التى يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذى يتولاها بنفسه» .

‌330 - عمر بن أسعد

بن المنجى بن بركات بن المؤمل، التنوخى المقرئ، الحرانى المولد الدمشقى الدار. القاضى شمس الدين أبو الفتوح، وأبو الخطاب ابن القاضى وجيه الدين أبى المعالى، وقد سبق ذكر والده.

ولد بحران - إذ أبوه قاضيها فى الدولة النورية - سنة سبع وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها وتفقه على والده، وسمع من عبد الوهاب بن أبى حبة.

وقدم دمشق، وسمع بها من القاضيين: أبى سعد بن أبى عصرون، وأبى الفضل بن الشهرزورى، وأبى عبد الله بن صدقة، وأبى المعالى بن صابر.

ورحل إلى العراق وخراسان.

وسمع ببغداد من ابن بوش. وابن سكينة، واشتغل على أبى القاسم محمود ابن المبارك المعروف بالمجبر الشافعى، فى علم الخلاف والنظر، وأفتى ودرس. وكان عارفا بالقضاء بصيرا بالشروط والحكومات والمسائل الغامضات، صدرا نبيلا.

وولى القضاء بحران قديما، ثم انتقل إلى دمشق، واستوطنها، ودرس بها بالمسمارية.

وتولى خدما ديوانية فى الدولة المعظمية. وحدث.

روى عنه الحافظ أبو عبد الله البرزالى، ومجد الدين بن العديم، وسعد الخير

ص: 225

النابلسى، والحسن بن الخلال، ووزيرة ابنته. وهى خاتمة من روى عنه بالسماع

وأجاز لابن الشيرازى، ورأيت نسخة «المستوعب» . وقد قرأها عمر بن المنجى على والده قراءة بحث. وعليها حواش علقها عنه بخطه.

منها: أنه ذكر عن والده أنه قال: مراد الأصحاب بقولهم: يؤجل العنين سنة: السنة الشمسية، لا الهلالية، لأن الشمس تجمع الفصول الأربع، تختلف فيها الفصول، وتتغير فيها الأمزجة، فيحصل فيها مقصود الاختبار، دون الهلالية. وهذا غريب.

ولعمر مصنف فى المذهب سماه «المعتمد والمعول» فى مجلد.

توفى فى سابع عشر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله. كذا قال أبو شامة. وقال الشريف: فى ثامن عشر.

وتوفى بعده فى مستهل ذى الحجة من السنة: أخوه عزّ الدين أبو الفتح، وأبو عمرو: -

‌331 - عثمان بن أسعد.

وكان فقيها فاضلا معدلا. درس بالمسمارية عن أخيه نيابة. وكان تاجرا ذا مال وثروة.

سمع ببغداد من ابن بوش، وابن سكينة، وبمصر من البوصيرى، ويوسف ابن الطفيل، وحدث.

سمع منه ابن الحاجب الحافظ، وابن الحلوانية، وولداه: وجيه الدين محمد، وزين الدين المنجى، والحسن بن الخلال، وأجاز لسليمان بن حمزة القاضى.

وكان مولده فى محرم سنة سبع وستين وخمسمائة.

وفى جمادى الآخرة من السنة توفى: -

‌332 - أبو الوفا عبد الملك

بن عبد الحق بن عبد الوهاب بن عبد الواحد ابن الحنبلى. ودفن بالجبل أيضا.

ص: 226

وكان مولده سنة خمس وخمسين وخمسمائة.

سمع بالاسكندرية من السلفى، وبمكة من المبارك بن الطباخ، وبدمشق من أبى الحسين بن الموازينى، وحدث.

وفى سابع عشر شعبان من السنة توفى الأمهر: -

‌333 - أبو منصور مهلهل

بن الأمير مجد الملك أبى الضياء بدران ابن يوسف بن عبد الله بن رافع بن يزيد بن أبى الحسن بن على بن سلامة ابن طارق بن ثعلب بن طارق بن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الحسانى، الجيتى، النابلسى الأصل، المصرى الحنبلى. ودفن بسفح المقطم.

سمع من إسماعيل بن ياسين، والبوصيرى، والأرتاحى، وأبى الحسن بن نجا والحافظ عبد الغنى، ولازمه كثيرا، وخلق كثير. وكتب بخطه وقرأ بلفظه وحدث.

قال المنذرى: سمعت منه، وسألته عن مولده؟ فذكر ما يدل تقديرا:

أنه سنة سبع وستين وخمسمائة بمصر.

وفى العشرين من شعبان من هذه السنة توفى: -

‌334 - أبو محمد عبد الحق

بن خلف بن عبد الحق الدمشقى الحنبلى.

ويلقب بالضياء.

سمع الكثير بدمشق من أبى المعالى بن صابر، وأبى الفهم بن أبى العجائز، وابن صدقة، ويحيى الثقفى، والجزوى وخلق. وبحران من ابن أبى الوفاء.

وحدث.

وكان مشهورا بالخير والصلاح. وعجز فى آخر عمره عن التصرف.

رحمه الله.

‌335 - إبراهيم بن محمد

بن الأزهرى بن أحمد بن محمد الصريفينى،

ص: 227

الفقيه، المحدث، الحافظ أبو إسحاق. ويلقب تقى الدين. نزيل دمشق.

ولد ليلة حادى عشر محرم سنة اثنتين - وقيل سنة إحدى - وثمانين وخمسمائة بصريفين من قرى بغداد.

وقرأ القرآن على والده، وعلى أبى الفضل عوض الصريفينى.

ودخل بغداد. وسمع بها من ابن الأخضر، وابن طبرزد، وحنبل وطبقتهم.

ورحل إلى الأقطار. وسمع بإصبهان من علي بن منصور الثقفى، وبنيسابور من المؤيد الطوسى، وبمرو من عبد الرحيم بن السمعانى، وبهراة من أبى روح الهروى، وببوشنج من سهيل بن محمد البوشنجى.

وسمع بالكرخ، والدينور، ونهاوند، وتستر، وطبيس.

وسمع بالموصل من عبد المحسن الطوسى، وبدمشق من الكندى، وابن الحرستانى، وببيت المقدس من الأوقى، وببلد الخليل من الدربندى.

وسمع بحران من الرهاوى الحافظ، وصحبه وتخرج به، وسمع ببلدان أخر.

وتفقه ببغداد على الشيخ أبى محمد عبد الله بن أحمد البوازيجي. وقد سبق ذكره. وجالس أبا البقاء العكبرى.

وقرأ الأدب على هبة الله بن عمر الدودى الكواز من أصحاب الحسن ابن عبدة النحوى.

قال عمر بن الحاجب الحافظ: كان أحد حفاظ الحديث، وأوعية العلم، إماما فاضلا دينا صدوقا خيرا، ثبتا ثقة حجة، واسع الرواية، ذا سمت ووقار وعفاف، حسن السيرة. جميل الظاهر، سخى النفس مع القلة، كثير الرغبة فى فعل الخيرات.

سافر الكثير، واغترب. وجال فى الآفاق من العراق، وخراسان، والجزيرة والشام. وكتب الكثير، وأقرأ وأفاد، كثير التواضع، سليم الباطن. وكان يرجع إلى ثقة وزهد وورع.

وكان شيخا لدار حديث منبج، ثم تركها. واستوطن مدينة حلب، وولى

ص: 228

بها دار الحديث التى للصاحب ابن شداد. وكان يحدث بها ويتكلم على الأحاديث وفقهها ومعانيها.

سألت ابن عبد الواحد - يعنى الحافظ الضياء - عنه؟ فقال: إمام حافظ ثقة، أمين دين، حسن الصحبة. وله معرفة بالفقه.

وسألت البرزالى عنه؟ فقال: حافظ دين ثقة. انتهى.

ونقل الذهبى عن المنذرى: ولم أجد فى الوفيات ذكر الصريفينى بالكلية وأنه قال عنه: كان ثقة حافظا صالحا. له جموع حسنة لم يتمها. ولكن هذا قاله الشريف الحسينى فى ذيله على كتاب المنذرى. وزاد: كتب بخطه كثيرا.

وكان من العارفين بهذا الشأن.

وقال أبو شامة: كان عالما بالحديث. دينا متواضعا.

وقرأت بخط ناصح الدين بن الحنبلى سبب ولاية الصريفينى دار الحديث بحلب، قال: كان القاضى بهاء الدين بن شداد له غلو فى إعلاء مذهب الشافعى.

فرأى فى منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فسألته: أى المذاهب خير؟ ثم كتم جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الناصح: الظاهر أنه أشار إلى مذهب أحمد؛ لأن تعصبه على مذهب أبى حنيفة ما تغير، ومال إلى الحنابلة، وأجلس التقى إبراهيم الحافظ الصريفينى فى دار الحديث، وقال: ندمت إذ وسمتها بالشافعية.

قال: ولو كان الجواب «مذهب الشافعى» لأظهره؛ لأنه كان داعية إليه، مبالغا فى تعظيمه، وإظهاره عند الملوك، والملوك على مذهبه.

وقد وقفت على جزء صغير للحافظ الصريفينى استدركه، على الحافظ ضياء الدين فى الجزء الذى استدركه فيه على الحافظ أبى القاسم ابن عساكر، فى كتاب «ذكر المشايخ النبل» فاعتذر الصريفينى عن ابن عساكر، واستدرك على الضياء أسماء فاتت ابن عساكر لم يستدركها. وقد نبه الحافظ أبو الحجاج

ص: 229

المزى على أوهام كثيرة فيها للصريفينى، بل بين أن غالب ما استدركه وهم منه.

قال أبو شامة: توفى الحافظ الصريفينى فى خامس عشر جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وستمائة. وحضرت الصلاة عليه بجامع دمشق، وشيعته إلى مصلى باب الفراديس. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.

‌336 - على بن الأنجب

بن ما شاء الله بن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله العلوى، الحسينى، البغدادى، المأمونى، الفقيه المقرئ الجصاص، أبو الحسن.

ولد أوائل سنة ست وستين وخمسمائة.

قرأ القرآن على ابن الباقلانى الواسطى بها. وسمع الحديث من ابن شاتيل، وشهدة، وابن بوش. وابن كليب، وغيرهم.

وتفقه على أبى الفتح بن المنى، وتكلم فى مسائل الخلاف. وناظر. وحدث.

وروى عنه ابن النجار، وأجاز لسليمان بن حمزة، وأبى نصر بن الشيرازى، والقاسم بن عساكر.

وتوفى فى سادس عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وستمائة.

‌337 - محمد بن يوسف

بن سعيد بن مسافر بن جميل، البغدادى، الأزجى الأديب، أبو عبد الله بن أبى محمد.

ولد فى سابع شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.

وسمع بإفادة والده المحدث، وأبى محمد بن أبى العلا محمد بن جعفر بن عقيل، وأبى الفتح بن شاتيل، ونصر الله القزاز، وابن كليب، وأبى الغنائم عبد الرحمن ابن جامع بن غنيم الفقيه.

وكان لديه فضل وأدب. وله تصانيف. وحدث.

وسمع منه المحب المقدسى، وعلى بن أحمد بن عبد الدائم.

ص: 230

وتوفى فى ثالث رجب سنة اثنتين وأربعين وستمائة ببغداد. وأبوه سمع الكثير من ابن البطى وطبقته، وعنى بالطلب. وقرأ بنفسه. وكتب بخطه إلى حين وفاته. وحدث وتوفى.

‌338 - عبد الرحمن بن عبد الغنى

بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، الفقيه الزاهد، محيى الدين، أبو سليمان ابن الحافظ أبى محمد.

ولد سنة ثلاث - أو أربع - وثمانين وخمسمائة فى شوال.

وسمع بدمشق من الخشوعى وغيره. ورحل. وسمع بمصر من البوصيرى والأرتاحى، وإسماعيل بن ياسين، وغيرهما.

وسمع ببغداد من ابن الجوزى وطبقته.

وتفقه على الشيخ الموفق حتى برع فى الفقه. وكان يؤم معه فى جامع بنى أمية بمحراب الحنابلة. وأفتى ودرس الفقه.

وكان إماما عالما، فاضلا ورعا، حسن السمت دائم البشر، كريم النفس، مشتغلا بنفسه، وبإلقاء الدروس المفيدة على أصحابه، وطلبته.

وسئل عنه الحافظ الضياء؟ فقال: فاضل خير دين، كثير التلاوة.

وقال أبو شامة: كان من أئمة الحنابلة رحمه الله تعالى. وكان من الصالحين وحدث. وروى عنه ابن النجار.

وتوفى فى تاسع عشرى صفر سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودفن بسفح قايسون رحمه الله تعالى.

أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد أخبرنا أبو سليمان بن الحافظ.

ح وأخبرناه عاليا محمد بن محمد بن إبراهيم - بمصر - أخبرنا عبد الله بن عبد الواحد بن علاق. قالا: أخبرنا أبو القاسم البوصيرى أخبرنا مرشد بن يحيى المدينى

ص: 231

أخبرنا على بن عمر بن حمضة أخبرنا حمزة بن محمد الكنانى الحافظ أخبرنا عمران ابن موسى الطبيب حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر حدثنى الليث بن سعد عن عامر بن يحيى المعافرى عن أبى عبد الرحمن الحبلي سمعت عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يصاح برجل من أمتى على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا - وذكر حديث البطاقة بطوله» .

‌339 - أحمد بن محمد

بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور، المقدسى، الفقيه الإمام، تقى الدين، أبو العباس بن الحافظ عزّ الدين أبى الفتح ابن الحافظ الكبير أبى محمد.

ولد فى صفر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.

وسمع بدمشق من أبى طاهر الخشوعى، وحنبل الرصافى، وعمر بن طبرزد والكندى، وغيرهم.

ورحل فى طلب الحديث. وسمع بأصبهان من أسعد بن روح، والمؤيد بن الأخوة، وعفيفة الفارقانية، وخلق. وببغداد من سليمان بن الموصلى، وغيره.

وقرأ الحديث بنفسه كثيرا، وإلى آخر عمره.

وتفقه على الشيخ موفق الدين، وهو جده لأمه، حتى برع. ويقال: إنه حفظ كتاب «الكافى» له، وببغداد على الفخر إسماعيل. وانتهت إليه مشيخة المذهب بالجبل.

قال أبو شامة. كان من أئمة الحنابلة

وقال الشريف الحسينى: كان أحد المشايخ المشهورين بالفقه والحديث

وقال ابن الحاجب: سألت عنه الحافظ ابن عبد الواحد؟ فقال: حصّل ما لم يحصله غيره، وحدث. وروى عنه سليمان بن حمزة القاضى، ومحمد بن مشرف وغيرهما، وأجاز لابن الشيرازى.

ص: 232

توفى فى ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.

‌340 - عبد الله بن محمد

بن أبى محمد بن الوليد البغدادى، الحريمى، الحافظ المحدث، أبو منصور بن أبى الفضل، أحد من عنى بالحديث.

سمع الكثير ببغداد من خلق، منهم: الحافظ أبو محمد ابن الأخضر، وعبد العزيز ابن منينا. ورحل. وسمع بحران من الحافظ عبد القادر الرهاوى، وغيره.

وبحلب من الشريف أبى هاشم الافتخار وغيره. وبدمشق من أبى اليمن الكندى فى جماعة.

قال ابن نقطة: سمع بالشام، وبلاد الجزيرة. وقرأ الكثير. وله معرفة حسنة.

قال لى أبو بكر تميم بن البندنيجى وغيره: إن اسمه الذى سمى به «جزيرة» تصغير جزرة بالجيم والزاى.

وقال الشريف أبو العباس الحسينى: كان حافظا مفيدا. أسمع الناس الكثير بقراءته. وكان مشهورا بسرعة القراءة وجودتها، وجمع وحدث.

قلت: وأجاز لسليمان بن حمزة الحاكم، وأبى بكر بن أحمد بن عبد الدائم، وعيسى المطعم، وغيرهم من المتأخرين.

وله تخاريج كثيرة، وفوائد وأجزاء. وله رسالة إلى السامرى صاحب المستوعب، ينكر عليه فيها تأويله لبعض الصفات، وقوله «إن أخبار الآحاد لا تثبت بها الصفات» .

ورأيت لأبى البقاء العكبرى مصنفا فى الرد عليه فى إثبات الحركة لله، وأنه نسب ذلك إلى أحمد، ولكن الروايات عن أحمد بذلك ضعيفة.

وذكر ابن الساعى وغيره: أن المستنصر بالله لما بنى مدرسته المعروفة رتب بدار الحديث بها شيخين، يشتغلان بعلم الحديث. أحدهما: أبو منصور بن الوليد

ص: 233

الحنبلى هذا، والآخر: أبو عبد الله بن النجار الشافعى، صاحب التاريخ.

توفى فى ثالث جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة ببغداد. ودفن خلف بشر الحافى بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.

‌341 - محاسن بن عبد الملك

بن على بن نجا التنوخى الحموى، ثم الصالحى الفقيه، الإمام ضياء الدين، أبو إبراهيم.

سمع بدمشق من الخشوعى. وتفقه على الشيخ موفق الدين حتى برع وأفتى وكان فقيها، عارفا بالمذهب، قليل التعصب، زاهدا، ما نافس فى منصب قط ولا دنيا، ولا أكل من وقف، بل كان يتقوت من شكارة تزرع له بحوران.

وما آذى مسلما قط، ولا دخل حماما، ولا تنعم فى ملبس ولا مأكل، ولا زاد على ثوب وعمامة فى طول عمره. وكان على خير كثير. قل من يماثله فى عبادته واجتهاده وسلوك طريقته رحمه الله.

قرأ عليه جماعة، وحدث.

وتوفى ليلة الرابع من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بجبل قاسيون. ودفن به.

وممن قرأ عليه: صاحب «المبهم» عبد الله بن أبى بكر الحربى كتيلة، وقال: ذكر لى: أن من أكثر من تحريك إصبعه المسبحة فى تشهده، كان ذلك عبثا يبطل صلاته. قال: وقول من قال من أصحابنا «يشير بها مرارا» يغنى عند الشهادتين فقط.

‌342 - عبد الله بن محمد

بن أحمد بن قدامة المقدسى الأصل، الصالحى الخطيب، شرف الدين أبو محمد، وأبو بكر بن الشيخ أبى عمر.

ولد فى أواخر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق.

وسمع بها من يحيى بن محمود الثقفى، وأبى عبد الله بن صدقة، وعبد الرحمن ابن الخرقى، والجنزوى، وغيرهم.

ص: 234

وسمع ببغداد من أبى الفرج بن الجوزى، وابن المعطوش، وابن سكينة، وطبقتهم.

وبمصر من البوصيرى، والأرتاحى، وفاطمة بنت سعد الخير، وغيرهم

وتفقه على والده، وعمه الشيخ موفق الدين. وحدث

وخرج له الحافظ الضياء جزءا عن جماعة من شيوخه

وخطب بجامع الجبل مدة. وكان شيخا حسنا يشار إليه بالعلم والدين، والورع، والزهد، وحسن الطريقة، وقلة الكلام

قال الحافظ الضياء عنه: كان فقيها فاضلا دينا ثقة. وكتب عنه مع تقدمه

توفى ليلة الثانى والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بسفح قاسيون. ودفن به رحمه الله تعالى.

وفى هذا الشهر أيضا: توفى: -

‌343 - صلاح الدين أبو عيسى موسى بن محمد

بن خلف بن راجح، المقدسى.

كان إماما عالما فاضلا زاهدا.

سمع يوسف بن معالى الكنانى، ومحمود بن عبد المنعم، والخشوعى.

وكان مولده فى صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.

وأجاز لابن الشيرازى. وقد ذكرنا له فيما سبق مرثية فى الشيخ موفق الدين المقدسى. وذكر أخوه القاضى نجم الدين أحمد بن محمد بن خلف الشافعى قال:

رأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى صورة أخى موسى. قال: فكان أثر ذلك أن تحول إلى حالة عظيمة فى الخير، والزهد. وترك الدنيا رحمه الله تعالى.

‌344 - نصر بن أبى السعود

بن مظفر بن الخضر بن بطة اليعقوبى الضرير الفقيه، تاج الدين، أبو القاسم من أهل يعقوبا. وفى كثير من طباق السماع:

ص: 235

ينسب إلى عكبرا. وفى بعض الطباق: سبط أبى عبد الله بن بطة. وهذا يدل على أنه من ولد بعض بناته.

قال ابن نقطة: وكان يسمى نفسه عليا فى أول ما سمع. ثم ترك ذلك.

دخل بغداد فى صباه. فقرأ القرآن على أبى محمد الحسن بن على بن عبيدة.

وسمع بها الحديث الكثير من المبارك بن زريق القزاز، وأبى الفتح بن شاتيل، وعمر بن أبى بكر التبان، وابن كليب، وعبد الرحمن بن جامع بن غنيمة، وابن الجوزى، وابن الأخضر وغيرهم.

وتفقه فى المذهب، وبرع، وأفتى. وناظر، وأعاد بالمدرسة القادرية.

وروى «مختصر الخرقى» عن أبى محمد عبد الخالق بن عبد الوهاب الصابونى عن ابن كادش عن أبى على المباركى عن ابن سمعون عنه.

قال ابن نقطة: حدث. وكان معيدا للفقهاء، وله شعر أنشدنى منه أبياتا، وأخذ عنه ابن النجار - ولم يذكره فى تاريخه - وأبو المعالى الأبرقوهى.

وأجاز لعبد الصمد بن أبي الجيش، وسليمان بن حمزة القاضى، وأبى بكر ابن عبد الدائم وأحمد الحجاز.

توفى فى ليلة الثانى والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة ببغداد. ودفن فى باب حرب رحمه الله تعالى.

‌345 - محمد بن عبد الواحد

بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل ابن منصور السعدى، المقدسى، الصالحى، الحافظ الكبير، ضياء الدين أبو عبد الله بن أبى أحمد. محدث عصره. ووحيد دهره. وشهرته تغنى عن الإطناب فى ذكره، والاشتهار فى أمره.

ولد فى خامس جمادى الآخرة سنة تسع وستين وخمسمائة. كذا وجد بخطه

وقال ابن النجار: سألته عن مولده؟ فقال: فى جمادى الأولى من السنة.

ص: 236

وسمع بدمشق من أبى المجد البانياسى، والخضر بن هبة الله بن طاوس، وأحمد بن الموازينى، وغيرهم.

وسمع بمصر من البوصيرى، وفاطمة بنت سعد الخير، وجماعة.

وسمع ببغداد الكثير من ابن الجوزى، وابن المعطوش، وابن سكينة، وابن الأخضر، وطبقتهم.

وسمع من أبى جعفر الصيدلانى، وطبقته بأصبهان، ومن عبد الباقى بن عثمان بهمدان، ومن المؤيد الطوسى، وطبقته بنيسابور، ومن أبى روح بهراة، ومن أبى المظفر بن السمعانى بمرور.

ورحل مرتين إلى أصبهان، وسمع بها ما لا يوصف كثرة. وكتب بخطه الكثير من الكتب الكبار وغيرها، ويقال: إنه كتب عن أزيد من خمسمائة شيخ، وحصل أصولا كثيرة، وأقام بهراة، ومرو مدة، وله إجازة من السلفى، وشهدة.

قال ابن النجار: كتب عنه ببغداد ونيسابور، ودمشق. وهو حافظ، متقن ثبت ثقة، صدوق نبيل حجة، عالم بالحديث وأحوال الرجال. له مجموعات وتخريجات، وهو ورع تقى زاهد، عابد، محتاط فى أكل الحلال، مجاهد فى سبيل الله. ولعمرى ما رأت عيناى مثله، فى نزاهته وعفته، وحسن طريقته، فى طلب العلم.

وقال عمر بن الحاجب: شيخنا أبو عبد الله شيخ وقته، ونسيج وحده، علما وحفظا، وثقة ودينا، من العلماء الربانيين، وهو أكبر من أن يدل عليه مثلى.

كان شديد التحرى فى الرواية، مجتهدا فى العبادة، كثير الذكر، منقطعا عن الناس، متواضعا فى ذات الله، سهل العارية. رأيت جماعة من المحدثين ذكروه فأطنبوا فى حقه، ومدحوه بالحفظ والزهد.

سألت الزكى البرزالى عنه؟ فقال: ثقة جبل، حافظ دين.

ص: 237

وقال ابن النجار - وذكر بعض كلامه المتقدم.

وقال الشرف بن النابلسى: ما رأيت مثل شيخنا الضياء.

وقال أبو إسحاق الصريفينى: كان الحافظ الزاهد العابد ضياء الدين المقدسى رفيقى فى السفر، وصاحبى فى الحضر، وشاهدت من كثرة فوائده وكثرة حديثه وتبحره فيه.

ونقل الذهبى عن الحافظ المزى: أنه كان يقول: الضياء أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغنى، ولم يكن فى وقته مثله.

وقال الذهبى: الإمام العالم، الحافظ الحجة، محدث الشام، وشيخ السنة ضياء الدين، صنف، وصحح ولين، وجرح وعدّل، وكان المرجوع إليه فى هذا الشأن.

وقال الشريف أبو العباس الحسينى: حدث بالكثير مدة. وخرّج تخاريج كثيرة مفيدة، وصنف تصانيف حسنة. وكان أحد أئمة هذا الشأن، عارفا بالرجال وأحوالهم، والحديث وصحيحه وسقيمه، ورعا متدينا طارحا للتكلف.

وقال الذهبى أيضا: بنى مدرسة على باب الجامع المظفرى بسفح قاسيون.

وأعانه عليها بعض أهل الخير، ووقف عليها كتبه وأجزاءه.

وقال غيره: بناها للمحدثين والغرباء الواردين، مع الفقر والقلة، وكان يبنى منها جانبا ويصبر إلى أن يجتمع معه ما يبنى به، ويعمل فيها بنفسه، ولم يقبل من أحد فيها شيئا تورعا. وكان ملازما لجبل الصالحية قبل أن يدخل البلد، أو يحدث به، ومناقبه أكثر من أن تحصر، وإنما أشرت إلى نبذة منها.

‌ذكر تصانيفه

كتاب «الأحكام» يعوز قليلا فى نحو عشرين جزءا فى ثلاث مجلدات، كتاب «الأحاديث المختارة» وهى الأحاديث التى يصلح أن يحتج بها سوى

ص: 238

ما فى الصحيحين، خرجها من مسموعاته، كتب منها تسعين جزءا ولم تكمل.

قال بعض الأئمة: هى خير من صحيح الحاكم، كتاب «فضائل الأعمال» أربعة أجزاء، كتاب «فضائل الشام» ثلاثة أجزاء، كتاب «مناقب أصحاب الحديث» أربعة أجزاء «صفة الجنة» ثلاثة أجزاء «صفة النار» جزآن، «أفراد الصحيح» جزء، و «غرائبه» تسعة أجزاء «ذم المسكر» جزء، «الموبقات» أجزاء كثيرة «كلام الأموات» جزء «شفاء العليل» جزء «الهجرة إلى أرض الحبشة» جزء «قصة موسى عليه السلام» جزء «فضائل القرآن» جزء «الرواة عن البخارى» جزء «دلائل النبوة» «الإلهيات» ثلاثة أجزاء «فضائل الجهاد» جزء «النهى عن سبّ الأصحاب» جزء، «الحكايات المستطرفات» أجزاء كثيرة، فيها أحاديث مخرجة، كتاب «سبب هجرة المقادسة إلى دمشق، وكرامات مشايخهم» نحو عشرة أجزاء، وأفرد لأكابرهم من العلماء، لكل واحد سيرة فى أجزاء كثيرة «أطراف الموضوعات» لابن الجوزى، فى جزءين «تحريم الغيبة» جزء «الموقف والاقتصاص» جزء «الاستدراك» على الحافظ عبد الغنى، فى عزوه «أحاديث فى درر الأثر» جزء «الاستدراك، على المشايخ النبل» لابن عساكر جزء، كتاب «الإرشاد إلى بيان ما أشكل من المرسل فى الإسناد» جزء كبير، فيه فوائد جليلة «الموافقات» جزء «طرق حديث الحوض النبوى» جزء «أحاديث الحرف والصوت» جزء «الأمر باتباع السنن واجتناب البدع» جزء، كتاب «مسند فضالة بن عبيد» جزء، كتاب «الأمراض والكفارات والطب والرقيات» .

روى عنه ابن نقطة فى استدراكه، فقال: حدثنا محمد بن عبد الواحد الجيلى بالجبل، ظاهر دمشق، وابن النجار فى تاريخه، والبرزالى وعمر بن الحاجب، وابن أخيه الفخر بن البخارى، والقاضى تقى الدين سليمان، وابن الفراء،

ص: 239

والنجم الشقراوى، وإسماعيل بن الخباز، والحسن بن الخلال، والدشتى، وأبو بكر ابن عبد الدائم. وعيسى المطعم، وخلق كثير.

توفى فى يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بسفح قاسيون. ودفن به رحمه الله تعالى.

‌346 - عبد الرحمن بن عمر

بن بركات بن شحانة الحرانى المحدث الحافظ المكثر، سراج الدين، أبو محمد، أحد من عني بعلم الحديث.

سمع بحران من الحافظ عبد القادر الرهاوى، وبدمشق من ابن الحرستانى، وابن ملاعب وغيرهما. وبحلب من الافتخار الهاشمى، وبالموصل من مسمار ابن العويس، وبمصر من جماعة من أصحاب ابن رفاعة، والسلفى.

ودخل بغداد سنة تسع عشرة وستمائة. فسمع بها من أصحاب الأرموى وطبقتهم. وكتب بخطه الكثير، وحصل.

قال ابن نقطة: هو شاب ثقة، حسن المذاكرة.

وقال الشريف أبو العباس: حصل كثيرا. وكتب بخطه. وكان أحد المشهور بالطلب والتحصيل. وتوفى قبل بلوغ أمنيته.

وقال غيره: كان ممن له الرحلة الواسعة فى الطلب. سمع من الجم الغفير.

وسكن آخر عمره «ميّافارقين» . وصار صاحب ثروة بعد الفقر.

وقال ابن حمدان الفقيه: كان يحفظ كثيرا من الأحاديث وغيرها. وسمع الكثير. سمعت بقراءته كثيرا. ولم أسمع منه شيئا. وكانت له بنت عمياء تحفظ كثيرا، إذا سئلت عن باب من العلم من الكتب الستة: ذكرت أكثره. وكانت فى ذلك أعجوبة. لم يبلغ أبو محمد رحمه الله أوان الرواية. وقد أجاز لسليمان ابن حمزة القاضى، ولأبى نصر بن الشيرازى.

وتوفى فى جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بميافارقين. رحمه الله

و «شحانة» بضم الشين وفتح الحاء المهملة الخفيفة. وبعد الألف نون.

ص: 240

‌347 - أحمد بن عيسى

بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، المقدسى الصالحى، المحدث الحافظ، سيف الدين أبو العباس ابن مجد الدين أبى المجد ابن شيخ الإسلام، موفق الدين أبى محمد.

ولد سنة خمس وستمائة بالجبل.

وسمع من جده الكثير، ومن أبى اليمن الكندى، وأبي القاسم بن الحرستانى.

وداود بن ملاعب، وأحمد بن عبد الله القطان. وطبقتهم.

ورحل، وسمع ببغداد من أبى الفتح بن عبد السلام، وعلى بن بورندان، وأبى على بن الجواليقى، وخلق من الأصحاب: ابن ناصر، وأبى الوقت.

وكتب بخطه الكثير. وخرج. وألّف.

قال الحسينى: خرّج وحدث. وكان حسن التخريج فاضلا.

وقال الذهبى: كتب العالى والنازل. وجمع وصنف. وكان ثقة حافظا، ذكيا متيقظا، مليح الخط، عارفا بهذا الشأن، عاملا بالأثر، صاحب عبادة.

وكان تام المروءة، أمّارا بالمعروف، قوالا بالحق. ولو طال عمره لساد أهل زمانه علما وعملا. ومحاسنه جمة.

وألف مجلدا كبيرا فى الرد على الحافظ محمد بن طاهر المقدسى لإباحته للسماع.

وفى أماكن من كتاب ابن طاهر فى «صفوة أهل التصوف» .

واختصرت هذا الكتاب على مقدار الربع. وانتفعت كثيرا بتعاليق الحافظ سيف الدين. انتهى.

وله أيضا مصنف فى الاعتقاد، فيه آثار كثيرة وفوائد. وله كتاب «الأزهر» فى ذكر آل جعفر بن أبى طالب وفضائلهم.

وحدث وروى عنه أحمد بن محمد الدشتى.

وتوفى فى مستهل شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة بسفح قاسيون. ودفن به رحمه الله تعالى. وله ثمان وثلاثون سنة.

ص: 241

‌348 - يحيى بن على

بن على بن عنان الغنوى البغدادى، الفقيه، الفرضى أبو بكر، المعروف بابن البقال. ويلقب عباد الدين.

ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة تقريبا.

وطلب العلم فى صباه. وسمع الكثير من أبى الفتح بن شاتيل، وأبى الفرج ابن كليب، وابن الجوزى وغيرهم. وتفقه فى المذهب. وقرأ الفرائض والحساب وتصرف فى الأعمال السلطانية. وكان صدوقا، حسن السيرة.

حدث. وروى عنه جماعة. سمع منه عبد الصمد بن أبى الجيش، وأجاز لسليمان ابن حمزة الناضى، وأبى بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم وغيرهم.

وتوفى يوم الأحد سلخ رمضان سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب.

‌349 - محمد بن محمود

بن عبد المنعم البغدادى المرابتى، نزيل دمشق، الفقيه الإمام، تقى الدين، أبو عبد الله، أحد فضلاء الفقهاء.

صحب ببغداد أبا البقاء العكبرى. وأخذ عنه. ثم قدم دمشق، وصاحب الشيخ موفق الدين. وتفقه عليه، وبرع وأفتى.

قال أبو شامة: كان عالما فاضلا ذا فنون. ولى به صحبة قديمة. وبعده لم يبق فى مذهب أحمد مثله بدمشق.

توفى فى الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وستمائة بدمشق. ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.

قرأت بخط ابن الصيرفى الفقيه: أنشدنى الشيخ تقى الدين المراتبى لغيره:

أيحسن أن أظما وأحواض بركم

عذاب، ومن ورّادها أنا معدود؟

يعوم بها غيرى، ويروى، وإننى

على ظمأ منها مذاد ومطرود

ص: 242

‌350 - على بن إبراهيم

بن على بن محمد المبارك بن أحمد بن محمد بن بكروس بن سيف التميمى الدينوى. الفقيه، أبو الحسن بن أبى محمد بن أبى الحسن. وقد سبق ذكر أبيه وجده.

ولد فى تاسع عشر رمضان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.

وأسمعه والده الكثير فى صغره من ابن بوش، وابن كليب. وتفقه، وحدث

وروى عنه محمد بن أحمد القزاز. وأجاز لسليمان بن حمزة الحاكم.

وتوفى ليلة سادس عشر رجب سنة خمس وأربعين وستمائة.

‌351 - أحمد بن سلامة

بن أحمد بن سليمان النجار، الحرانى، المحدث الزاهد، الصالح القدوة، أبو العباس.

سمع الكثير من ابن كليب. وكتب بخطه الأجزاء، والطباق. وصحب الحافظ عبد الغنى المقدسى، والحافظ عبد القادر الرهاوى، والشيخ موفق الدين المقدسى. وسمع منهم. وحدث. وسمع منه جماعة.

قال ابن حمدان: سمعت عليه كثيرا. وكان من دعاة أهل السنة وولاتهم، مشهورا بالزهد، والورع والصلاح.

توفى فى سنة ست وأربعين وستمائة بحران. رحمه الله تعالى.

‌352 - إبراهيم بن محمود

بن سالم بن مهدى بن الحسين، البغدادى الأزجى المقرئ المحدث، المعروف بابن الخير. وهو لقب لأبيه محمود بن محمد بن الثناء.

ولد فى سلخ ذى الحجة سنة ثلاث وستين وخمسمائة.

وقرأ القرآن بالروايات على جماعة من الشيوخ. وسمع فى صباه بإفادة والده الكثير من أبى الحسين عبد الحق بن عبد الخالق، وأبى على الحسن على ابن شيرويه الخباز، وشهدة الكاتبة، وخديجة بنت أحمد النهروانى، وغيرهم.

وأجاز له أبو الفتح بن البطى. وعنى بالحديث. وكان له به معرفة. وقرأ

ص: 243

القرآن، وحدث بالكثير مدة. وكان أحد المشايخ المشهورين بالصلاح، وعلو الإسناد، دائم البشر، مشتغلا بنفسه، ملازما لمسجده، حسن الأخلاق.

قال ابن نقطة: سماعه صحيح. وهو شيخ مكثر. روى عنه خلق كثير منهم: ابن الحلوانية، وابن العديم، والدمياطى، وبالإجازة: جماعة آخرهم موتا: زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسى.

وتوفى آخر يوم الثلاثاء سابع عشر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة.

ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه.

وكان والده شيخا صالحا ضريرا. حدث عن ابن ناصر وغيره.

توفى فى صفر سنة ثلاث وستمائة.

‌353 - يوسف بن خليل

بن قراجا بن عبد الله الدمشقى، الأدمى، المحدث الحافظ، ذو الرحلة الواسعة، شمس الدين أبو الحجاج.

ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة بدمشق.

وتشاغل بالكسب إلى الثلاثين من عمره. ثم طلب الحديث، وتخرج بالحافظ عبد الغنى، واستفرغ فيه وسعه. وكتب ما لا يوصف بخطه المليح المتقن.

ورحل إلى الأقطار.

سمع بدمشق من الحافظ عبد الغنى، وابن أبى عصرون، وابن الموازينى، ويحيى الثقفى، وابن صدقة الحرانى، والخشوعى، والجتروي، والكندى.

وسمع ببغداد من ابن كليب، وابن يونس، وذاكر بن كامل، وأبى منصور ابن عبد السلام، وخلق من أصحاب ابن الحصين، وطبقته.

ودخل أصبهان. وسمع بها من ابن مسعود الحمال، والرازانى، واللبان، والكرانى، والصيدلانى، وعبد الرحيم الكاغدى، وأبى جعفر الطرسوسى، وجماعة من أصحاب أبى على بن الحداد. ثم عاد إلى دمشق.

ورحل إلى مصر. فسمع بها من البوصيرى، وإسماعيل بن ياسين وغيرهما.

ص: 244

وكان إماما حافظا ثقة ثبتا عالما، واسع الرواية، جميل السيرة، متسع الرحلة. تفرد فى وقته بأشياء كثيرة عن الأصبهانيين.

وخرج. وجمع لنفسه معجما عن أزيد من خمسمائة شيخ، وثمانيات وعوالى، وفوائد غير ذلك.

واستوطن فى آخر عمره حلب، وتصدر بجامعها، وصار حافظا، والمشار إليه بعلم الحديث بها.

حدث بالكثير من قبل الستمائة، وإلى آخر عمره. وحدث عنه البرزالى.

ومات قبله باثنتى عشر سنة. وسمع منه الحفاظ القدماء، كابن الأنماطى، وابن الدبيثى، وابن نقطة، وابن النجار، والصريفينى، وعمر بن الحاجب. وقال: هو أحد الرحالين أوحدهم فضلا، وأوسعهم رحلة. نقل بخطه المليح ما لا يدخل تحت الحصر، وهو طيب الأخلاق، مرضى السيرة والطريقة، ثقة متقن حافظ.

وسئل عنه الحافظ الضياء؟ فقال: حافظ مفيد، صحيح الأصول. سمع وحصل الكثير، صاحب رحلة وتطواف.

وسئل الصريفينى عنه؟ فقال: حافظ ثقة، عالم بما يقرأ عليه. لا يكاد يفوته اسم رجل.

قال الذهبى: هو يدخل فى شروط الصحيح. وقد تفرد بشئ كثير بحران وأصبهان. روى عنه الدمياطى، وابن الظاهرى، والقرافى، والدمشقى، والسيف الآمدى. وخلق. وآخر من روى عنه إجازة: زينب بنت الكمال.

توفى سحر يوم الجمعة منتصف - وقيل عاشر - جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وستمائة بحلب. ودفن بظاهرها، رحمه الله تعالى.

‌354 - محمد بن عبد الله

بن أبى السعادات الدباس، الفقيه الإمام، أبو عبد الله بن أبى بكر البغدادى، أحد أعيان فقهاء بغداد وفضلائهم.

سمع الحديث من ابن شاتيل، وابن زريق البردانى، وابن كليب. وقرأ

ص: 245

بنفسه الكثير على أصحاب ابن الحصين، وأبي بكر الأنصارى. ودرس الفقه على إسماعيل بن الحسين، صاحب أبى الفتح بن المنى.

وقرأ علم الخلاف والأصول والجدل على التوقانى، وبرع فى ذلك. وتقدم على أقرانه. وتكلم وهو شاب فى مجالس الأئمة. واستحسنوا كلامه. وشهد عند قاضى القضاة أبى صالح. وولى الإعادة والإمامة بالحنابلة بالمستنصرية، ونظر المارستان.

قال ابن الساعى: قرأت عليه مقدمة فى أصول الفقه. وكان صدوقا نبيلا، ورعا متدينا، حسن الطريقة، جميل السيرة، محمود الأفعال عابدا، كثير التلاوة للقرآن، محبا للعلم ونشره، صابرا على تعليمه. لم يزل على قانون واحد، لم تعرف له صبوة من صباه إلى آخر عمره، يزور الصالحين، ويشتغل بالعلم، لطيفا كيسا، حسن المفاكهة، يعرب كلامه، ويفخم عبارته. قلّ أن يغشى أحدا، مقبلا على ما هو بصدده. وكان لا ينسب أحدا من الأعيان ممن ينسب إلى النبوة، كابن الدامغاني، وابن الجوزى، وابن الجبير، وابن اللمغانى - بل يقول: تكلمت عند الدامغانى واجتمعت بابن الجوزى، وناظرت الجبير، وعرض على اللمغانى.

روى عنه ابن النجار فى تاريخه، ووصفه بنحو ما وصفه ابن الساعى.

توفى فى حادى عشرين شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة.

ودفن بباب حرب. وقد ناهز الثمانين. رحمه الله تعالى.

ومر ليلة بسوق المدرسة النظامية ليصلى العشاء الآخرة بالمستنصرية إماما فخطف إنسان بقياره فى الظلماء وعدا: فقال له الشيخ: على رسلك، وهبتك.

قل: قبلت. وفشى خبره بذلك. فلما أصبح أرسل إليه عدة بقايير، قيل: أحد عشر. فلم يقبل منها إلا واحدا تنزها. وهذا مشهور بين علماء بغداد عنه.

ص: 246

‌355 - عبد اللطيف بن علي

بن النفيس بن نوراندان بن الحسام البغدادى، المحدث المعدل، أبو محمد بن أبى الحسن بن أبى المفاخر بن أبى منصور، ويلقب نور الدين.

ولد فى صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة.

وسمع من أبيه أبى الحسن، وأبى محمد جعفر بن محمد بن أموسان، وعبد العزيز ابن منينا. وأجاز له ذاكر بن كامل.

وعنى بهذا الشان. وقرأ الكثير على عمر بن كرم. ومن بعده. وكتب الكثير بخطه.

قال الذهبى فى تاريخه عنه: الحافظ المفيد. كتب الكثير، وأفاد. وسمع منه الحافظ الدمياطى. وذكره فى معجمه، وأجاز لسليمان بن حمزة، وأبى بكر ابن عبد الدائم، وعيسى المطعم، وغيرهم. وشهد عند محمود الزنجانى.

ثم إنه امتحن لقراءته شيئا من أحاديث الصفات بجامع القصر. فسعى به بعض المتجهمة، وحبس مديدة. وأسقطت عدالته. ثم أفرج عنه، وأعاد عدالته ابن مقبل. ثم أسقطت، ثم أعاد عدالته قاضى القضاة أبو صالح. فباشر ديوان الوكالة إلى آخر عمره.

توفى بكرة السبت ثالث عشرين ربيع الآخر - وقيل: ثامن عشرين - سنة سبع وأربعين وستمائة. وصلّى عليه بمسجده فى المأمونية. ودفن بباب حرب.

وكان له جمع عظيم، وشد تابوته بالحبال. وأكثر العوام الصياح فى الجنازة:

هذه غايات الصالحين.

قال ابن الساعى: ولم أر ممن كان على قاعدته فعل فى جنازته مثل ذلك.

فإنه كان كهلا يتصرف فى أعمال السلطان، ويركب الخيل، ويحلى فرسه بالفضة على عادة أعيان المتصرفين.

قلت: حصل له ذلك ببركة السنة. قال الإمام أحمد: بيننا وبينهم الجنائز.

ص: 247

‌356 - محمد بن مقبل

بن فتيان بن مطر بن المنى النهروانى، البغدادى، الفقيه المعدل، أبو المظفر، وأبو عبد الله. ويلقب سيف الدين، وهو ابن أخى الإمام أبى الفتح، شيخ المذهب.

ولد فى خامس رجب سنة سبع - وقيل: تسع - وستين وخمسمائة.

وقرأ بالروايات على ابن الباقلانى بواسط. وسمع من الأسعد بن يلدرك الجبريلى، وعبد الحق اليوسفى، وشهدة الكاتبة، وأبى الغنائم عبد الرحمن ابن جامع بن النبأ، وأبى الفوارس الشاعر المعروف بحيص بيص، وغيرهم.

وتفقه على عمه ناصح الإسلام أبى الفتح. وحصل طرفا جيدا من الفقه.

وناظر فى المسائل الخلافية وأفتى، وولى الإعادة للحنابلة بالمستنصرية. وشهد عند القضاة، وولى كتابة دار التشريفات.

وكان فقيها فاضلا، حسن المناظرة، متدينا مشكور الطريقة، كثير التلاوة للقرآن الكريم. وحدث. وأثنى عليه ابن نقطة.

روى عنه ابن النجار، وابن الساعى، وعمر بن الحاجب، وبالإجازة جماعة، آخرهم: زينب بنت الكمال المقدسية.

توفى فى سابع جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وستمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.

‌357 - محمد بن سعد

بن عبد الله بن سعد بن هبة الله بن مفلح بن نمير الأنصارى، المقدسى الأصل، الدمشقى، الكاتب الأديب.

ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.

سمع من يحيى الثقفى، وابن صدقة الحرانى، وعبد الرحمن بن الخرقى، والجيزى، وأحمد بن الموازينى، والخشوعى. وأجاز له ابن شاتيل، والقزاز، والحافظ أبو موسى، والسلفى، وأبو العباس الترك.

ص: 248

وكان شيخا فاضلا، وأديبا حسن النظم والنثر، من المعروفين بالفضل والأدب والكتابة، والدين والصلاح. ونظم القريض، وحسن الخط وحسن الخصال، ولطف المقال. وطال عمره. ووزر للملك الصالح إسماعيل مدة.

حدث بدمشق وحلب. كتب عنه ابن الحاجب، فقال: سألت الحافظ بن عبد الواحد عنه؟ فقال: عالم دين. روى عنه جماعة، منهم ابنه يحيى بن محمد ابن سعد، وسليمان بن حمزة، والدمياطى. قاله ابن شاكر.

وتوفى فى ثانى شوال سنة خمسين وستمائة بسفح قاسيون. ودفن من الغد

وتوفى أخوه أبو العباس أحمد فى نصف ذى القعدة من السنة. روى عن الخشوعى وابن طبرزد

‌358 - على بن عبد الرحمن

البغدادى، البابصرى الفقيه، أبو الحسن ابن أبى الفرج. ويلقب موفق الدين.

سمع مع أبيه من أبى العباس أحمد بن أبى الفتح بن صرما، وأبى بكر زيد بن يحيى بن هبة الله البيع، وتفقه فى المذهب. وكان معيدا لطائفة الحنابلة بالمدرسة المستنصرية.

توفى فى شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة. ودفن بباب حرب.

ذكره الشريف عزّ الدين الحسينى الحافظ. وأظنه ابن البردوي الواعظ المتقدم ذكره.

‌359 - عبد السلام بن عبد الله

بن أبى القاسم بن عبد الله الخضر بن محمد بن على بن تيمية الحرانى الفقيه، الإمام المقرى المحدث المفسر، الأصولى النحوى، مجد الدين أبو البركات. شيخ الإسلام وفقيه الوقت، وأحد الأعلام، ابن أخى الشيخ فخر الدين محمد بن أبى القاسم السابق ذكره.

ولد سنة تسعين وخمسمائة - تقريبا - بحران.

ص: 249

وحفظ بها القرآن. وسمع من عمه الخطيب فخر الدين، والحافظ عبد القادر الرهاوى، وحنبل الرصافى.

ثم ارتحل إلى بغداد سنة ثلاث وستمائة، مع ابن عمه سيف الدين عبد الغنى المتقدم ذكره أيضا. فسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة، والحافظ بن الأخضر، وابن طبرزد، وضياء بن الخريف، ويوسف بن مبارك الخفاف، وعبد العزيز بن منينا، وأحمد بن الحسن العاقولى، وعبد المولى بن أبى تمام بن باد وغيرهم. فأقام ببغداد ست سنين يشتغل فى الفقه والخلاف والعربية وغير ذلك.

ثم رجع إلى حران واشتغل بها على عمه الخطيب فخر الدين.

ثم رجع إلى بغداد سنة بضع عشرة، فازداد بها من العلوم.

قرأ ببغداد القراءات بكتاب «المبهج» لسبط الخياط على بن عبد الواحد بن سلطان. وتفقه بها على أبى بكر بن غنيمة الحلاوى، والفخر إسماعيل، وأتقن العربية والحساب والجبر والمقابلة والفرائض على أبى البقاء العكبرى، حتى قرأ عليه كتاب «الفخرى» فى الجبر والمقابلة. وبرع فى هذه العلوم وغيرها.

قال الحافظ الذهبى: حدثنى شيخنا - يعنى أبا العباس ابن تيمية شيخ الإسلام حفيد الشيخ مجد الدين هذا - أن جده ربّي يتيما، وأنه سافر مع ابن عمه إلى العراق ليخدمه ويشتغل معه وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فكان يبيت عنده، فيسمعه يكرر علىّ مسائل الخلاف، فيحفظ المسألة، فقال الفخر إسماعيل: إيش حفظ هذا التّنين - يعنى الصغير - فبدر، وقال: حفظت يا سيدى الدرس، وعرضه فى الحال، فبهت فيه الفخر، وقال لابن عمه: هذا يجئ منه شئ، فعرضه على الاشتغال، قال: فشيخه فى الخلاف: الفخر إسماعيل، وعرض عليه مصنفه «جنة الناظر» وكتب له عليه سنة ست وستمائة «وعرض علىّ الفقيه الإمام العالم أوحد الفضلاء» أو نحو هذه العبارة وأخرى نحوها، وهو ابن ستة عشر عاما.

قال الذهبى: قال لى شيخنا أبو العباس: كان الشيخ جمال الدين بن مالك

ص: 250

يقول: ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد.

قال: وبلغنا أن الشيخ المجد لما حج من بغداد فى آخر عمره، واجتمع به الصاحب العلامة، محيى الدين بن الجوزى، فانبهر له، وقال: هذا الرجل ما عندنا ببغداد مثله، فلما رجع من الحج التمسوا منه أن يقيم ببغداد، فامتنع، واعتل بالأهل والوطن.

قال: وكان حجه سنة إحدى وخمسين.

وفيها حج الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، ولم يتفق اجتماعهما.

قال: وكان الشيخ نجم الدين بن حمدان مصنف «الرعاية» يقول: كنت أطالع على درس الشيخ المجد، وما أبقى ممكنا، فإذا حضرت الدرس أتى الشيخ بأشياء كثيرة لا أعرفها.

وقال ابن حمدان، فى تراجم شيوخ حران: صحبته فى المدرسة النورية بعد قدومى من دمشق. ولم أسمع منه شيئا، ولم أقرأ عليه. وسمعت بقراءته على ابن عمه كثيرا. ولى التدريس والتفسير بعد ابن عمه. وكان رجلا فاضلا فى مذهبه وغيره وجرى لى معه مباحث كثيرة، ومناظرات عديدة فى حياة ابن عمه وبعده.

قلت: وجدت لابن حمدان سماعا عليه.

وقال الحافظ عزّ الدين الشريف: حدث بالحجاز، والعراق، والشام، وبلده حران، وصنف ودرس. وكان من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء ببلده.

وبيته مشهور بالعلم والدين والحديث.

قال الذهبى: قال شيخنا: كان جدنا عجبا فى حفظ الأحاديث وسردها بلا كلفة، وحفظ مذاهب الناس.

وقال الذهبى أيضا: حكى البرهان المراغى: أنه اجتمع بالشيخ المجد، فأورد نسكتة عليه، فقال المجد: الجواب عنها من ستين وجها، الأول كذا، والثانى كذا، وسردها إلى آخرها، ثم قال للبرهان: قد رضينا منك بإعادة الأجوبة، فخضع وانبهر.

ص: 251

قال الذهبى الحافظ: كان الشيخ مجد الدين معدوم النظير فى زمانه، رأسا فى الفقه وأصوله، بارعا فى الحديث ومعانيه، له اليد الطولى فى معرفة القرآن والتفسير، وصنف التصانيف، واشتهر اسمه، وبعد صيته. وكان فرد زمانه فى معرفة المذهب، مفرط الذكاء، متين الديانة، كبير الشأن.

قال شيخنا أبو عبد الله بن القيم: حدثنى أخو شيخنا عبد الرحمن بن عبد الحليم ابن تيمية - قلت: وقد أجازنى عبد الرحمن هذا عن أبيه - قال: كان الجد إذا دخل الخلاء يقول لى: اقرأ فى هذا الكتاب، وارفع صوتك حتى أسمع.

قلت: يشير بذلك إلى قوة حرصه على العلم وحصوله، وحفظه لأوقاته.

وللصرصرى من قصيدته اللامية فى مدح الإمام أحمد وأصحابه:

وإن لنا فى وقتنا وفتوره

لإخوان صدق بغية المتوصل

يذبون عن دين الهدى ذب ناصر

شديد القوى، لم يستكينوا لمبطل

فنهم بحران: الفقيه النبيه ذو

الفوائد والتصنيف فى المذهب الجلى

هو المجد ذو التقوى ابن تيمية الرضى

أبو البركات العالم الحجة الملى

محرره فى الفقه حرر فقهنا

وأحكم بالأحكام علم المبجل

جزاهم خيرا ربهم عن نبيهم

وسنته، آلوا به خير موثل

‌ذكر تصانيفه

«أطراف أحاديث التفسير» رتبها على السور معزوة «أرجوزة» فى علم القراءات «الأحكام الكبرى» فى عدة مجلدات «المنتقى من أحاديث الأحكام» وهو الكتاب المشهور، انتقاه من الأحكام الكبرى. ويقال: إن القاضى بهاء الدين بن شداد هو الذى طلب منه ذلك بحلب «المحرر» فى الفقه «منتهى الغاية فى شرح الهداية» بيض منه أربع مجلدات كبار إلى أوائل الحج، والباقى لم يبيضه «مسودة» فى أصول الفقه مجلد. وزاد فيها ولده، ثم حفيده أبو العباس «مسودة» فى العربية على نمط المسودة فى الأصول.

ص: 252

قرأ على الشيخ مجد الدين القراءات جماعة. وأخذ الفقه عنه ولده شهاب الدين عبد الحليم، وابن تميم صاحب «المختصر» وغيرهما. وسمع منه خلق.

روى عنه ابنه شهاب الدين أبو العباس، والحافظ عبد المؤمن الدمياطى، والأمين بن شقير الحرانى، وأبو إسحاق بن الظاهرى الحافظ، ومحمد بن أحمد القزاز، وأحمد الدشتي، ومحمد بن زناطر، والعفيف إسحاق الآمدى، والشيخ نور الدين البصرى مدرس المستنصرية، وأبو عبد الله بن الدواليبى.

وأجاز لتقى الدين سليمان بن حمزة الحاكم، ولزينب بنت الكمال، وأحمد ابن على الجزرى. وهما خاتمة من روى عنه. وقد أجاز لى.

وتوفى يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة من سنة اثنتين وخمسين وستمائة بحران. ودفن بظاهرها رحمة الله عليه.

وتوفيت ابنة عمه زوجته بدرة بنت فخر الدين ابن تيمية قبله بيوم واحد

هكذا أرخ سنة وفاته الحافظ الشريف عزّ الدين، وابن الساعى، والذهبى وغيرهم.

وقرأت بخط حفيده أبى العباس - مما كتبه فى صباه - حدثنا والدى أن أباه أبا البركات توفى بعد العصر من يوم الجمعة يوم عيد الفطر سنة ثلاث وخمسين وستمائة. ودفن بكرة السبت.

وصلّى عليه أبو الفرج عبد القاهر بن أبى محمد عبد الغنى بن أبى عبد الله ابن تيمية، غلبهم على الصلاة عليه، ولم يبق فى البلد من لم يشهد جنازته إلا معذور. وكان الخلق كثيرا جدا. ودفن بمقبرة الجبانة من مقابر حران. رحمه الله

‌ذكر بعض فوائده الغريبة وفتاويه

ذكر الشيخ تقى الدين رحمه الله: أن جده كان أحيانا يفتى: أن الطلاق الثلاث المجموعة إنما تقع واحدة فقط، وأنه كان يفتى بذلك سرا.

وذكر عنه: أنه لما حج فى آخر عمره كان يفتى بأن المحرم له لبس السرموزة

ص: 253

ونحوها من الجمجم، وألحق المقطوعة، وإن كان واجدا للنعل. وهو وجه حكاه القاضى فى شرح المذهب.

وحكى أبو العباس حفيده عنه: أنه كان يقول: إذا حلف بالتزامات - كالكفر واليمين بالحج والصيام، ونحو ذلك من الالتزامات، وكانت يمينه غموسا - أنه يلزمه ما حلف عليه.

وذكر صاحب المبهم - الشيخ عبد الله كتيلة - أنه حج سنة إحدى وخمسين وستمائة. قال: فسألت شيخنا - يعنى الشيخ مجد الدين - بمكة عن ابن السبيل إذا كان يقدر على القرض، يجوز أن يأخذ من الزكاة؟ فقال: يلزمه أن يقترض إن قدر على ذلك، ولا يجوز له الأخذ، ولا تبرأ ذمة من يعطيه إذا علم بقدرته على الاقتراض.

قال: وسألت عن ذلك شيخنا عبد الرحمن بن أخى الشيخ - يعنى ابن أبى عمر - بمنى؟ فقال: نعم يجوز له الأخذ من الزكاة؛ لأن كلام الله تعالى على إطلاقه، ولم يشترط أصحابنا عدم قدرته على الاقتراض. قال: ولأن ذمته تشتغل من قبل من له الدين. وفى ذلك ضرر يتعب قلبه، ويشتت همه، وحرصه على براءة ذمته، وخوفه أن يموت، ولم يكن على يقين من قضاء دينه قبل موته. انتهى.

‌360 - حسن بن أحمد

بن أبى الحسن بن دويرة البصرى، المقرئ الزاهد، أبو على، شيخ الحنابلة بالبصرة، ورئيسهم ومدرسهم.

اشتغل عليه أمم، وختم عليه القرآن أزيد من ألف إنسان. وكان صالحا زاهدا ورعا.

وحدث بجامع الترمذى بإجازته من الحافظ أبى محمد بن الأخضر، فسمعه منه الشيخ نور الدين عبد الرحمن بن عمر البصرى مدرس المستنصرية. وهو

ص: 254

أحد تلامذته، وعليه ختم القرآن، وحفظ «الخرقى» عنده بمدرسته بالبصرة.

وتوفى الشيخ أبو على سنة اثنتين وخمسين وستمائة بالبصرة.

وولى بعده التدريس بمدرسته تلميذه الشيخ نور الدين المذكور، وخلع عليه ببغداد فى تاسع عشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة.

وتوفى ابن أخى الشيخ أبى على، واسمه: -

‌361 - عبد المحسن بن محمد

بن أحمد بن أبى الحسن بن دويرة البصرى المقرئ أبو محمد - ببغداد يوم الثلاثاء منتصف ذى الحجة سنة تسع وأربعين وستمائة. ودفن من الغد بباب حرب.

وحدث بالإجازة عن ابن منينا، وابن الأخضر أيضا. وسمع منه الحافظ الدمياطى.

وللشيخ أبى على الحسن ولد يسمى: -

‌362 - الحسن أيضا.

ويكنى أبا محمد. ويلقب جمال الدين.

سمع ببغداد متأخرا سنة إحدى وخمسين من أبى منصور بن الهبى التاجر.

وكان من بيتهم علماء وصالحون من أصحابنا، حتى رأيت منهم فى صباى رجلا ببغداد. وكان معيدا بالمستنصرية، يقال له: أبو حفص عمر بن دويرة.

‌363 - أبو بكر بن يوسف

بن أبى بكر بن أبى الفرج بن يوسف بن هلال بن يوسف الحرانى، المقرئ، الفقيه المحدث، المعروف بابن الزراد. ويلقب ناصح الدين.

ولد سنة أربع عشرة وستمائة - تقديرا - بحران.

وقرأ القرآن الكريم بالروايات. وسمع الحديث بدمشق على أبى عمرو ابن الصلاح الحافظ، وجماعة من أصحاب ابن عساكر، ويحيى الثقفى، وغيرهما.

وسمع بحلب من الحافظ يوسف بن خليل وجماعة، وتفقه فى المذهب.

ص: 255

وكتب الكثير بخطه. وكان فاضلا متدينا. واخترمته المنية ولم يحدث مما حصل إلا بيسير.

توفى فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة بحلب. رحمه الله. وذكره الحافظ عزّ الدين الحسينى.

‌364 - محمد بن أحمد

بن الحسين الموصلى، المقرئ، الفقيه الأديب، شمس الدين أبو عبد الله. ويعرف بشعلة.

قرأ القرآن على أبى الحسن على بن عبد العزيز الأربلى وغيره. وتفقه. وقرأ العربية، وبرع فى الأدب والقرآن، وصنف تصانيف كثيرة، ونظم الشعر الحسن.

قال الحافظ الذهبى: كان شابا فاضلا. ومقرئا محققا، ذا ذكاء مفرط، وفهم ثاقب. ومعرفة تامة بالعربية واللغة، وشعره فى غاية الجودة. نظم فى الفقه وفى التاريخ وغيره. ونظم كتاب «السمعة فى القراءات السبعة» وكان - مع فرط ذكائه - صالحا زاهدا متواضعا. كان شيخنا التقى المقصاتى يصف شمائله وفضله،

ويثنى عليه. وكان قد حضر بحوثه. وسمع أبا الحسن شيخه يقول: كان أبو عبد الله نائما إلى جانبى فاستيقظ، وقال لى: رأيت الساعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبت منه العلم، فأطعمنى تمرات. قال أبو الحسن: من ذلك الوقت فتح الله عليه، وتكلم.

قلت: له تصانيف كثيرة، أكثرها فى القراءات «شرح الشاطبية» ونظم «عقود ابن جني» فى العربية سماه «العنقود» ونظم «اختلاف عدد الآى برموز الجمّل» وله نظم العبادات من «الخرقى» وله كتاب «الناسخ والمنسوخ» فى القرآن. وكلامه فيه يدل على تحقيقه وعلمه، وله كتاب «فضائل الأئمة الأربعة» ومن نظمه قوله:

دع عنك ذكر فلانة وفلان

واجنب لما يلهى عن الرحمن

واعلم بأن الموت يأتى بغتة

وجميع ما فوق البسيطة فان

ص: 256

فإلى متى تلهوا وقلبك غافل

عن ذكر يوم الحشر والميزان؟

أتراك لم تك سامعا ما قد أتى

فى النص للآيات والقرآن؟

فانظر بعين الاعتبار، ولا تكن

ذا غفلة عن طاعة الديان

واقصد لمذهب أحمد بن محمد

أعنى ابن حنبل الفتى الشيبانى

فهو الإمام مقيم دين المصطفى

من بعد درس معالم الإيمان

أحيا الهدى وأقام فى إحيائه

متجردا للضرب، غير جبان

تعلوه أسياط الأعادى، وهو لا

ينفك عن حق إلى بهتان

ويقول عند الضرب: لست بتابع

يا ويحكم، لكم بلا برهان

ماذا أقول غدا لربى إذ أنا

وافقتكم فى الزور والبهتان؟

وعدلت عن قول النبى وصحبه

وجميع من تبعوه بالإحسان

أترون أنى خائف من ضربكم

لا، والإله الواحد المنان

كن حنبليا ما حييت فإننى

أوصيك خير وصية الإخوان

ولقد نصحتك إن قبلت، فأحمد

زين الثقات وسيد الفتيان

من ذا أقام كما أقام إمامنا

متجردا من غير ما أعوان

مستعذبا للمرّ فى نصر الهدى

متجرعا لغضاضة السلطان

وسلا بمهجته وبايع ربه

أن لا يطيع أئمة العدوان

وأقام تحت الضرب، حتى إنه

دحض الضلال وفتنة الفتان

وأتى برمح الحق يطعن فى العدى

أهل الضلال وشيعة الشيطان

ماذا لقى ما قد لقيه من الأذى

فى ربه من ساكن البلدان

فعلى ابن حنبل السلام وصحبه

ما ناحت الورقاء فى الأغصان

إنّي لأرجو أن أفوز بحبه

وأنال فى بعثى رضى الرحمن

حمدا لربى إذ هدانى دينه

وعلى شريعة أحمد أنشانى

واختار مذهب أحمد لى مذهبا

ومن الهوى والغىّ قد أنجانى

ص: 257

من ذا يقوم من العباد بشكر ما

أولاه سيده من الإحسان؟

قال الذهبى: توفى فى صفر سنة ست وخمسين وستمائة بالموصل. وله ثلاث وثلاثون سنة. رحمه الله تعالى.

وقرأت على بعض شيوخنا ببغداد: أنه توفى سنة خمسين. والله أعلم.

‌365 - يوسف بن عبد الرحمن

بن على بن محمد بن على بن عبيد الله ابن عبد الله بن حماد بن الجوزى، القرشى التيمى، البكرى، البغدادى، الفقيه الأصولى، الواعظ الصاحب الشهير، محيى الدين، أبو محمد، وأبو المحاسن، ابن الشيخ جمال الدين أبى الفرج المتقدم ذكره، أستاذ دار الخلافة المستعصمية.

ولد فى ليلة سابع عشر ذى القعدة سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد.

وسمع بها من أبيه، ويحيى بن بوش، وذاكر بن كامل، وابن كليب، وأبى منصور عبد الله بن محمد بن عبد السلام، وابن المغطوش، وأبى الحسن بن محمد بن يعيش.

وقرأ القرآن بالروايات العشر على ابن الباقلانى بواسط، وقد جاوز العشر سنين من عمره، ولبس الخرقة من الشيخ ضياء الدين عبد الوهاب بن سكينة.

واشتغل بالفقه والخلاف والأصول، وبرع فى ذلك. وكان أمهر فيه من أبيه ووعظ فى صغره على قاعدة أبيه، وعلا أمره وعظم شأنه، وولى الولايات الجليلة.

قال ابن الساعى: شهد عند ابن الدامغانى سنة أربع وستمائة. ثم ولى الحسبة بجانبى بغداد، والنظر فى الوقوف العامة، ووقوف جامع السلطان، ثم عزل عن الحسبة، ثم عن الوقوف سنة تسع، فانقطع فى داره يعظ، ويفتى ويدرس، ثم أعيد إلى الحسبة سنة خمس عشرة، واستمر مدة ولاية المناصر.

ثم أفره ابنه الظاهر.

قال: وهو من العلماء الأفاضل، والكبراء الأماثل، أحد أعلام العلم،

ص: 258

ومشاهير الفضل. ظهرت عليه آثار العناية الإلهية، منذ كان طفلا. فعنى به والده. وأسمعه الحديث، ودربه من صغره فى الوعظ، وبورك له فى ذلك.

وصار له قبول تام، وبانت عليه آثار السعادة.

وتوفى والده وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة، فكفلته الجهة والدة الإمام الناصر، وتقدمت له بالجلوس للوعظ على عادة والده عند تربتها، بعد أن خلعت عليه. فتكلم بما بهر به الحاضرين، ولم يزل فى ترقّ من حاله، وعلوّ من شأنه يذكر الدروس فقها، ويواصل الجلوس وعظا عند التربة المذكورة، وبباب بدر.

وكان يورد من نظمه كل أسبوع قصيدة فى مدح الخليفة، فحظى عنده، وولاه ما تقدم، وأذن له فى الدخول إلى ولى عهده. ثم أوصى الناصر عند موته أن يغسله.

وقال أيضا: كان كامل الفضائل، معدوم الرذائل، أمر الناصر بقبول شهادته وقلده الحسبة بجانبى بغداد، وله ثلاث وعشرون سنة، وكتب له الناصر على رأس توقيعه بالحسبة: حسن السمت، ولزوم الصمت: أكسباك يا يوسف، مع حداثة سنك - ما لم يترق إليه همم أمثالك. فدم على ما أنت بصدده. ومن بورك له فى بشئ فليلزمه. والسلام.

ثم روسل به إلى ملوك الأطراف، فاكتسب مالا كثيرا، وأنشأ مدرسة بدمشق، ووقف عليها وقوفا متوفرة الحاصل. وأنشأ ببغداد بمحلة الحلبة مدرسة لم تتم، وبمحلة الحربية دار قرآن ومدفنا. ثم ولى التدريس بالمستنصرية. ثم ولى أستاذ دارية الدار، فلم يزل كذلك إلى أن قتل صبرا شهيدا بسيف الكفار عند دخول هولاكو ملك التتار إلى بغداد، فقتل الخليفة المستعصم بالله وأكثر أولاده، وقتل معه أعيان الدولة والأمراء وشيخ الشيوخ وأكابر العلماء. وقتل أستاذ الدار محيى الدين وأولاده الثلاثة، وذلك فى صفر سنة ست وخمسين وستمائة بظاهر سور كلوذا، رحمة الله عليهم.

ص: 259

كان المستنصر له شباك على إيوان الحنابلة يسمع الدرس منهم دون غيرهم وأثره باق.

قال الشريف عزّ الدين: كان أحد صدور الإسلام، وفضلائهم وأكابرهم، وأجلائهم من بيت الرواية والدراية.

وحدث ببغداد وبمصر، وغيرهما من البلاد.

وذكره الدبيثى فى تاريخه - وقد مات قبله بمدة - وقال: فاضل عالم، فقيه على مذهب أحمد. له معرفة بالوعظ. وجلس للوعظ بعد وفاة أبيه، ودرس وناظر، وتولى الحسبة بجانبى بغداد، والنظر فى الوقف العام.

وقال الحافظ الذهبى: كان إماما كبيرا، وصدرا معظما، عارفا بالمذهب كثير المحفوظ، ذا سمت ووقار. درس، وأفتى وصنف. وأما رياسته وعقله:

فينقل بالتواتر، حتى إن الملك الكامل - مع عظم سلطانه - قال: كل أحد يعوزه زيادة عقل إلا محيى الدين بن الجوزى. فإنه يعوزه نقص عقل.

ويحكى عنه فى هذا عجائب، منها: أنه مرّ فى سويقة باب البريد والناس بين يديه، وهو راكب البغلة، فسقط حانوت، فضج الناس وصاحوا، وسقطت خشبة، فأصابت كفل بغلته، فلم يلتفت، ولا تغير عن هيئته.

وحكى عنه: أنه كان يناظر، ولا يحرك له جارحة.

وكانت خاتمة سعادته الشهادة. رضى الله عنه.

قال الشيخ عبد الصمد بن أبى الجيش: بلغنى عن الشيخ محمد بن سكران الزاهد المشهور، أنه قال: رأيت أستاذ الدار ابن الجوزى فى النوم، فقلت له:

ما فعل الله بك؟ قال: كفرت ذنوبنا سيوفهم. رضى الله عنه.

وله تصانيف عدة، منها «معادن الأبريز، فى تفسير الكتاب العزيز» ومنها «المذهب الأحمد، فى مذهب أحمد» ومنها «الإيضاح فى الجدل» .

وسمع منه خلق ببغداد، ودمشق، ومصر.

ص: 260

وروى عنه عبد الصمد بن أبى الجيش، والحافظ أبو عبد الله محمد بن الكسار، والدمياطى، وابن الظاهرى، وأبو الفضل عبد الرزاق بن الفوطى، وبالإجازة خلق، آخرهم: زينب بنت الكمال المقدسى.

ومن نظمه: ما أنشدنى عنه ابن الساعى، وأنبأتناه زينب بنت أحمد عنه:

صب له من حيا آماقه غرق

وفى حشاشته من وجده حرق

فاعجب لضدين فى حال قد اجتمعا

غريق دمع بنار الوجد يحترق

لم أنس عيشا على سلع ولعلها

والبان مفترق وجدا ومعتنق

ونفحة الشيخ تأتينا معنبرة

وعرفها بمعاني المنحنى عبق

والقلب طير، له الأشواق أجنحة

إلى الحبيب، رياح الحب تخترق

قل للحمى بالربى واعن الحلول بها

ما ضرهم بجريح القلب لو رفقوا

وقد بقى رمق منه، فإن هجروا

مضى كما مر أمس ذلك الرمق

وله قصيدة طويلة مدح فيها النبى صلى الله عليه وسلم، أولها:

قد زلزلت أرض الهوى زلزالها

وقال سلطان الغرام: مالها؟

وأما أولاده الثلاثة الذين قتلوا معه رضى الله عنهم فأحدهم: الشيخ

‌366 - جمال الدين أبو الفرج

عبد الرحمن. وكان فاضلا بارعا.

درس بالمستنصرية لما ولى أبوه الأستاذ دارية، وولى حسبة بغداد أيضا.

وكان يعظ مكان أبيه وجده بباب بدر وغيره. ويقال: إن له تصانيف.

وقتل وقد جاوز الخمسين سنة. رحمه الله تعالى؛ لأن مولده كان سنة ست وستمائة.

وقد سمع من عبد العزيز بن منينا، وأحمد بن صرما، وغيرهما.

وترسل به عن الديوان إلى مصر. وكان رئيسا معظما.

وحدث ببغداد ومصر. وخرج له الرشيد العطار بمصر جزءا. وحدث.

سمع منه عبيد الأسعردى، وسمع منه الشرف الميدومى، وأجاز لأبى عبد الله

ص: 261

ابن أحمد الحرانى، وسليمان بن حمزة القاضى، وله نظم حسن، وله ديوان، حدث به ببغداد. ومن شعره:

فضل النبيين الرسول محمد

شرفا يزيد، وزادهم تعظيما

يكفيه أن الله جل جلاله

آوى، فقال:{(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً)}

در يتيم فى الفخار، وإنما

خير اللآلى ما يكون يتيما

ولقد سما الرسل الكرام فكلهم

قد سلموا لجلاله تسليما

والله قد صلّى عليه كرامة

صلوا عليه وسلموا تسليما

صلى الله عليه وسلم. والثانى: -

‌367 - شرف الدين عبد الله.

ولى الحسبة أيضا، ثم تزهد ودرس بالبشيرية، وولى ولايات ديوانية.

وكان المستعصم بعثه بخطه إلى هولاكو، وعاد إلى بغداد، ثم قتل مع أبيه عند وصول هولاكو. والثالث: -

‌368 - تاج الدين عبد الكريم.

ولى الحسبة أيضا لما تركها أخوه، ودرس بالمدرسة الشاطبية، وقتل ولم يبلغ عشرين سنة، رحمة الله عليهم أجمعين.

‌369 - يحيى بن يوسف

بن يحيى بن منصور بن المعمر بن عبد السلام الأنصارى الصرصرى، الزريرانى، الضرير الفقيه، الأديب اللغوى الشاعر الزاهد جمال الدين، أبو زكريا، شاعر العصر، وصاحب الديوان السائر فى الناس فى مدح النبى صلى الله عليه وسلم، كان حسان وقته.

ولد فى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.

وقرأ القرآن بالروايات على أصحاب ابن عساكر البطائحى، وسمع الحديث من الشيخ على بن إدريس اليعقوبى الزاهد، صاحب الشيخ عبد القادر، وصحبه وسلك به، ولبس منه الخرقة. وأجاز له الشيخ عبد المغيث الحربى وغيره، وحفظ

ص: 262

الفقه واللغة. ويقال: إنه كان يحفظ «صحاح الجوهرى» بكماله.

وكان يتوقد ذكاء، ونظمه فى الغاية، ويقال: إن مدائحه فى النبى صلى الله عليه وسلم تبلغ عشرين مجلدا.

وقد نظم فى الفقه «مختصر الخرقى» ونظم «زوائد الكافى» على الخرقى، ونظم فى العربية، وفى فنون شتى.

وكان صالحا قدوة، عظيم الاجتهاد، كثير التلاوة، عفيفا صبورا قنوعا، محبا لطريقة الفقراء ومخالطتهم. وكان يحضر معهم السماع، ويرخص فى ذلك. وكان شديدا فى السنة، منحرفا على المخالفين لها. وشعره مملوء بذكر أصول السنة، ومدح أهلها، وذم مخالفيها. وله قصيدة طويلة لامية فى مدح الإمام أحمد وأصحابه.

وقد ذكرنا بعضها مفرقا فى تراجم بعض الأصحاب الذين ذكرهم فيها.

وكان قد رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى منامه وبشره بالموت على السنة، ونظم فى ذلك قصيدة طويلة معروفة. وقد حدث.

وسمع منه الحافظ الدمياطى، وذكره فى معجمه، وعلى بن حصين الفخرى.

وأجاز للقاضى سليمان بن حمزة، وأحمد بن على الجزرى، وزينب بنت الكمال

ولما دخل هولاكو وجنده الكفار إلى بغداد كان الشيخ يحيى بها. فلما دخلوا عليه قاتلهم. ويقال: إنه قتل منهم بعكازه. ثم قتلوه شهيدا رضى الله عنه سنة ست وخمسين وستمائة برباط الشيخ على الخباز بالعقبة، وحمل إلى صرصر فدفن بها. وزرت قبره بها حين توجهنا إلى الحجاز سنة تسع وأربعين وسبعمائة.

وممن قتل فى تلك السنة ببغداد من أصحابنا الصالحين: الشيخ الزاهد العابد أبو الحسن: -

‌370 - على بن سليمان

بن أبى العز الخباز.

وكان زاهدا صالحا، كبير القدر، قدوة. له أتباع ومريدون. وله زاوية ببغداد، وأحوال وكرامات.

ص: 263

قال الذهبى: كان شيخنا الدباهى يصفه ويعظمه. وكان قد سمع من الشيخ على بن أبى بكر بن إدريس اليعقوبى الزاهد أيضا. وحدث عنه.

وسمع منه الدمياطى، وحدث عنه فى معجمه، وقال: قتل شهيدا فى وقعة التّتر فى محرم سنة ست وخمسين وستمائة. ويقال: إنه ألقى على باب زاويته على مزبلة ثلاثة أيام، حتى أكلت الكلاب من لحمه، وأنه كان قد أخبر عن نفسه بذلك فى حياته رضى الله عنه.

وكان المستنصر بالله يزوره، ويرسل الشيخ محمد الركاب دار يأتيه من خبزه، فيستشفى به، وعمر بن البعلا التاجر فى رباطه ولازمه.

‌371 - عبد الرحمن بن رزين

بن عبد العزيز بن نصر بن عبيد بن على ابن أبى الجيش الغسانى، الحوارى الحوارانى، ثم الدمشقى، الفقيه سيف الدين أبو الفرج.

سمع بدمشق من أبى العباس أحمد بن سلامة النجار الحرانى، وببغداد من أبى المظفر محمد بن مقبل بن المنى. وكان فقيها فاضلا.

صنف تصانيف، منها: كتاب «التهذيب» فى اختصار «المغنى» فى مجلدين. وسمى فيه الشيخ موفق الدين شيخنا، ولعله اشتغل عليه. ومنها «اختصار الهداية» واختصره أيضا، وله تعليقة. فى الخلاف مختصرة. وتصانيفه غير محررة.

وكان يصاحب أستاذ الدار ابن الجوزى ويلازمه، وتوكل له فى بناء مدرسته بدمشق، ثم ذهب إلى بغداد لأجل رفع حسابها إليه. وكان بها سنة ست وخمسين. فقتل شهيدا بسيف التتار. رحمه الله تعالى.

‌372 - عبد القاهر بن محمد

بن على بن عبد الله بن عبد العزيز الفوطى البغدادى الأديب، موفق الدين أبو محمد.

قال ابن الساعى: كان إماما ثقة، أديبا فاضلا، حافظا للقرآن، قيما بعلم العربية

ص: 264

واللغة والنجوم، كاتبا شاعرا صاحب أمثال. وكان فقيرا ذا عيال، ولم يوافق نفسه على خيانة. ولى كتابة ديوان العرض.

قتل صبرا فى الواقعة ببغداد سنة ست وخمسين وستمائة، وقد بلغ ستين سنة. رحمه الله تعالى.

سمعت أبا العباس أحمد بن على بن عبد القاهر بن الفوطى - ببغداد - سنة ثمان وأربعين، أو سنة تسع يقول - وكتبه لنا بخطه - لما توفى العلامة أبو الفضائل الحسن بن محمد الصنعانى اللغوى ببغداد رضى الله عنه: أوصى أن يحمل إلى مكة ليدفن بها. فلما حمل عمل جدى موفق الدين عبد القاهر بن الفوطى فيه ارتجالا وكان ممن قرأ عليه الأدب:

أقول، والشمل فى ذيل النأى عثرا

يوم الوداع، ودمع العين قد كثرا

أبا الفضائل قد زودتنى أسفا

أضعاف ما زدت قدرى فى الورى أثرا

قد كنت تودع سمعى الدر منتظما

فخذه من جفن عينى اليوم منتثرا

هكذا أنبأنا بها شيخنا منقطعة. فإنه لم يدرك جده.

‌373 - محمد بن نصر

بن عبد الرزاق بن عبد القادر بن أبى صالح، الجيلى البغدادى، الفقيه الزاهد، محيى الدين أبو نصر. قاضى القضاة، عماد الدين أبو صالح. وقد سبق ذكر آبائه.

سمع من والده، ومن الحسين بن على المرتضى العلوى، وأبى إسحاق يوسف بن أبى حامد محمد بن أبى الفضل الأرموى، وعبد العظيم بن عبد اللطيف ابن أبى نصر الأصبهانى، وابن المشترى، وغيرهم.

وطلب بنفسه، وقرأ وتفقه. وكان عالما ورعا زاهدا، يدرس بمدرسة جده، ويلازم الاشتغال بالعلم إلى أن توفى.

ولما ولى أبوه قضاء القضاة: ولاه القضاء والحكم بدار الخلافة. فجلس فى مجلس

ص: 265

الحكم مجلسا واحدا وحكم، ثم عزل نفسه ونهض إلى مدرستهم بباب الأزج.

ولم يعد إلى ذلك تنزها عن القضاء وتورعا.

وحدث، وسمع منه الحافظ الدمياطى، وذكره فى معجمه. وذكر ابن الدواليبى:

أنه سمع عليه.

توفى ليلة الاثنين ثانى عشر شوال سنة ست وخمسين وستمائة ببغداد.

ودفن إلى جنب جده الشيخ عبد القادر بمدرسته رحمه الله. وكانت وفاته بعد انقضاء الواقعة.

وقد روى الدمياطى أيضا فى المعجم عن أخيه يحيى بن نصر بن عبد الرزاق الفقيه الواعظ عن أحمد بن صرما، ولم يذكر وفاته.

‌374 - عبد الرحمن بن عبد المنعم

بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع ابن حسن بن جعفر، المقدسى النابلسى، الفقيه المحدث، جمال الدين أبو الفرج.

ولد يوم عاشوراء سنة أربع وتسعين وخمسمائة.

وسمع بالقدس من أبى عبد الله بن البناء، وحدث بنابلس.

قال الشريف عزّ الدين: كان له سعة، وفيه فضل.

توفى فى ذى القعدة سنة ست، وخمسين وستمائة بنابلس. رحمه الله تعالى.

أنبأني البرزالى - ونقلته من خطه - قال: أنبأنى الإمام العالم جمال الدين عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة، وأنشدنى لنفسه:

يا طالبا علم خير العلم مجتهدا

علم الحديث تحوز اليمن والرشدا

ما فى العلوم له مثل يماثله

فاطلبه مقتصدا، تسعد به أبدا

فالفقه يبنى عليه، حيث كان إذ ال

أحكام مأخذها منه إذا وجدا

وكيف لا؟ وهو لولاه لما اتضحت

سبل الرشاد، ولا بان الزمان هدى

وأهله خير أهل العلم قاطبة

فكن محبا لهم كيما تفوز غدا

ترى سواهم إذا جاء الحديث لما

قالوه متبعا ما تبسطن يدا

ص: 266

أو كان متنا تراهم راجعين إلى

أقوالهم، وكذا إن أسندوا سندا

لولاهم زاد قوم فى الشريعة ما

شاءوا، ولكن حماها كونهم أسدا

هل يستوى من نأى عن أرضه طلبا

لها، وآخر عن تحصيلها قعدا؟

شتان بين امرئ ثاو بموطنه

وبين من كان عن أوطانه بعدا

ومن ضرورة تفضيل الحديث على

سواه: أن لا يرى شبها لهم أحدا

شانيهم لالقيت الدهر محمدة

ولا وقيت مصابا لا ولا فندا

وفى ذى الحجة من هذه السنة توفى من أصحابنا خطيب مردا الفقيه المسند المعمر: -

‌375 - أبو عبد الله محمد

بن إسماعيل بن أحمد بن أبى الفتح المقدسى عن تسعين سنة.

حدث عن يحيى الثقفى، وابن صدقة الحرانى، والبوصيرى، وإسماعيل بن ياسين. وله مشيخة. وحدث بالكثير.

وأبو المعالى وأبو اليمن سعد، ويسمى: -

‌376 - محمد بن عبد الوهاب

بن عبد الكافى بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الحنبلى، الواعظ ببلبيس. ودفن بها.

سمع من يحيى الثقفى. وأجاز له أبو موسى المدينى، وأبو العباس الترك، وغيرهما. وخرج له أبو حامد بن الصابونى مشيخة. وحدث.

وكان مولده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق.

‌377 - إبراهيم بن محاسن

بن عبد الملك بن على بن نجا، التنوخى الحموى ثم الدمشقى، الأديب الكاتب، نجم الدين أبو إسحاق، وأبو طاهر بن الشيخ ضياء الدين. وقد سبق ذكر أبيه

سمع من ابن طبرزد، والكندى، وأبى الفتوح البكرى، وحدث.

ص: 267

وكان أديبا. وله نظم حسن.

توفى فى العشر الأواخر من المحرم سنة سبع وخمسين وستمائة بتل ناشر من أعمال حلب. ودفن به. رحمه الله تعالى.

وفى نصف صفر من هذه السنة توفى الشيخ: -

‌378 - مجد الدين أبو العباس

أحمد بن على بن أبى غالب الأربلى النحوي الحنبلى، المعدل بدمشق.

سمع بأربل من محمد بن هبة الله بن الكرم الصوفى، وسكن دمشق.

وحدث بها، واشتغل مدة فى العربية بالجامع.

قرأ عليه جماعة من الأصحاب وغيرهم، منهم الفخر البعلبكى، والتاج الفزارى وابن الفركاح.

وفى تاسع عشر رمضان من هذه السنة: توفى الرئيس صدر الدين: -

‌379 - أبو الفتح أسعد بن عثمان

بن أسعد بن المنجى. التنوخى الدمشقى واقف المدرسة الصدرية بدمشق. ودفن بها. وقد سبق ذكر أبيه وجده.

ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بدمشق، وسمع بها من حنبل، وابن طبرزد.

وحدث. وكان أحد المعدلين ذوى الأموال والثروة والصدقات. وولى نظر الجامع مدة. وثمر له أموالا كثيرة، واستجد فى ولايته أمورا.

‌380 - عبد الله بن أحمد

بن أبى بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن ابن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن، الأنصارى السعدى، المقدسى ثم الصالحى، المحدث الرحال الحافظ، محب الدين أبو محمد، مفيد الجبل.

سمع بدمشق من الشيخ الموفق، وابن البنى، وابن الزبيدى، وخلق.

ورحل إلى بغداد. وسمع بها من عبد اللطيف بن القبيطى، وعلى بن أبى الفخار، وعبد الملك بن قينا، وفضل الله الجيلى، وإبراهيم بن الخير، وأبى المظفر

ص: 268

ابن المنى، وخلق من هذه الطبقة، وعنى بالحديث أتم عناية وأكثر السماع والكتابة، وحدث.

توفى فى ثانى عشرين جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وستمائة. وله أربعون سنة. رحمه الله تعالى.

‌381 - محمد بن أحمد

بن عبد الله بن عيسى بن أبى الرجال أحمد بن على اليونينى البعلبكى، الشيخ الفقيه المحدث الحافظ، الزاهد العارف الربانى، تقى الدين أبو عبد الله بن أبى الحسين، أحد الأعلام وشيوخ الإسلام.

ولد فى سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بيونين من قرى بعلبك.

ونشأ يتيما بدمشق، فأقعدته أمه فى صنعة النشاب، ثم حفظ القرآن.

وسمع الحديث من أبى طاهر الخشوعى، وأبى التمام القلانسى، وحنبل المكبر، وأبى اليمن الكندى، والحافظ عبد الغنى وغيرهم. وتفقه بالشيخ موفق الدين.

وأخذ الحديث عن الحافظ عبد الغنى، والعربية عن أبى اليمن الكندى وبرع فى الخط المنسوب، ولبس خرقة التصوف من الشيخ عبد الله البطائحى صاحب الشيخ عبد القادر. ولزم خدمة الشيخ عبد الله اليونينى الزاهد، صاحب الأحوال والكرامات الذى يقال له: أسد الشام، وانتفع به.

وكان الشيخ عبد الله - هذا - يثنى على الشيخ الفقيه ويقدمه، ويقتدى به فى الفتاوى. وكذلك كان شيخه الحافظ عبد الغنى يثنى عليه. وبرع فى الحديث وحفظ فيه الكتب الكبار حفظا متقنا «كالجمع بين الصحيحين» للحميدى «وصحيح مسلم» .

قال ولده قطب الدين موسى صاحب التاريخ: حفظ والدى «الجمع بين الصحيحين» وأكثر «المسند» يعنى مسند الإمام أحمد. وحفظ «صحيح مسلم» فى أربعة أشهر. وحفظ سورة الأنعام فى يوم واحد، وحفظ ثلاث مقامات من الحريرية فى بعض يوم.

ص: 269

وذكره عمر بن الحاجب الحافظ، فأطنب فى وصفه وأسهب، وقال: اشتغل بالفقه والحديث، إن إلى صار إماما حافظا - إلى أن قال: ولم ير فى زمانه مثل نفسه فى كماله وبراعته، وجمع بين على الشريعة والحقيقة.

وكان حسن الخلق والخلق، نفّاعا للخلق، مطرحا للتكلف. من جملة محفوظه «الجمع بين الصحيحين» وحدثنى أنه حفظ «صحيح مسلم» جميعه، وكرر عليه فى أربعة أشهر.

وكان يكرر على أكثر «مسند» أحمد من حفظه. وأنه كان يحفظ فى الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثا.

وقال الحافظ عزّ الدين الحسينى: هو أحد المشايخ المشهورين، الجامعين بين العلم والدين. وكان حفظ كثيرا من الحديث النبوى، مشهورا بذلك. انتهى.

وكان حريصا على سماع الحديث وقراءته، مع علو سنة، وعظم شأنه. وكان أهل بعلبك يسمعون بقراءته على المشايخ الواردين عليهم، كالقزوينى، وبهاء الدين المقدسى، وابن رواحة الحموى، وغيرهم.

وكان ذا أحوال وكرامات، وأوراد وعبادات. لا يخل بها، ولا يؤخرها عن وقتها لورود أحد عليه، ولو كان من الملوك. وكان لا يرى إظهار الكرامات، ويقول: كما أوجب الله على الأنبياء إظهار المعجزات أوجب على الأولياء إخفاء الكرامات، ويروى عن الشيخ عثمان شيخ دير ناعس - وكان من أهل الأحوال - قال: قطب الشيخ الفقيه ثمان عشرة سنة.

وكان له رحمه الله منزلة عالية عند الملوك، ويحترمونه احتراما زائدا، حتى كان مرة بقلعة دمشق فى سماع البخارى، عند الملك الأشرف. فقام الشيخ الفقيه مرة يتوضأ. فقام السلطان ونفض تخفيفته لما فرغ الشيخ من الوضوء، وقدمها إليه ليتنشف بها، أو ليطأ عليها برجله، وحلف أنها طاهرة. وأنه لا بد أن يفعل ذلك.

ص: 270

قال الحافظ الذهبى: حدثنى بذلك شيخنا أبو الحسين بن اليونينى. أو ابن الشيخ الفقيه. قال الحافظ: والشك منى.

قال: وسار الملك الأشرف إلى بعلبك مرة، فبدأ قبل كل شئ، فأتى دار الشيخ الفقيه، ونزل فدق الباب، فقيل: من ذا؟ فقال: موسى.

قال: ولما قدم الملك الكامل على أخيه الأشرف جعل الأشرف يذكر للكامل محاسن الشيخ الفقيه. فقال: أشتهى أن أراه. فأرسل إليه إلى بعلبك بطاقة فاستحضره، فوصل إلى دمشق. فنزل الكامل إليه، وتحادثا بدار السعادة، وتذاكرا شيئا من العلم.

فذكروا مسألة القتل بالمثقل، وجرى ذكر حديث «الجارية التى قتلها اليهودى، فرضّ رأسها بين حجرين. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله» فقال الملك الكامل: إنه لم يعترف. فقال الشيخ الفقيه: فى صحيح مسلم «فاعترف» فقال الكامل: أنا اختصرت صحيح مسلم، ولم أجد هذا فيه.

فقال: بلى، فأرسل الكامل، فأحضر اختصاره لمسلم فى خمس مجلدات. فأخذ الكامل مجلدا، والأشرف آخر، وعماد الدين بن موسك آخر. وأخذ الشيخ الفقيه مجلدا، فأول ما فتحه: وجد الحديث، كما قال، فتعجب الكامل من سرعة استحضاره، وسرعة كشفه. وأراد أن يأخذه معه إلى الديار المصرية.

فأرسله الأشرف سريعا إلى بعلبك. فقال للكامل: إنه لا يؤثر ببعلبك شيئا.

فأرسل الكامل إليه ذهبا كثيرا.

وقال ولده قطب الدين موسى: كان والدى يقبل بر الملوك، ويقول:

أنا لى فى بيت المال أكثر من هذا، ولا يقبل من الأمراء ولا الوزراء شيئا، إلا أن يكون هدية مأكول ونحوه. ويرسل إليهم شيئا من ذلك، فيقبلونه على سبيل التبرك والاستشفاء.

وذكر أنه أثرى وكثر ماله، وأن الأشرف كتب له كتابا بقرية يونين.

ص: 271

فأعطاه لمحيى الدين بن الجوزى ليأخذ عليه خط الخليفة. فلما شعر الشيخ بذلك أخذ الكتاب ومزقه. وقال: أنا فى غنية عن ذلك.

قال: وكان والدى لا يقبل شيئا من الصدقة. ويزعم أنه من ذرية جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين بن على رضى الله عنهم.

قال: وكان قبل ذلك فقيرا لا مال له.

وكان للشيخ عبد الله زوجة لها ابنة جميلة. فكان الشيخ عبد الله يقول لها:

زوجيها من الشيخ محمد، فتقول له: إنه فقير، وأنا أحب أن تكون ابنتى سعيدة. فيقول: كأنى أراه وإياها فى دار، وفيها بركة، وله رزق كثير، والملوك يترددون إلى زيارته. فزوجتها منه. فكان الأمر كذلك. وكانت أول زوجاته. وكانت الملوك كلهم يحترمونه ويعظمونه. بنو العادل وغيرهم. وكذلك مشايخ العلماء، كابن الصلاح، وابن عبد السلام، وابن الحاجب، والحصرى.

والقضاة، كابن سناء الدولة، وابن الجوزى، وغيرهم.

وكان الناس ينتفعون بعلومه وفنونه، ويتلقون عنه الطريقة الحسنة.

وكان عظيم الهيبة، منور الشيبة، مليح الصورة، ضخما، حسن السمت والوقار.

وكان يلبس قبعا صوفه إلى الخارج، على طريقة شيخه الشيخ عبد الله.

وكان كثير الاقتداء به، والطاعة له.

حكى مرة: أنه كان قد عزم على الرحلة إلى حران، قال: وكان قد بلغنى أن بها رجلا يعرف علم الفرائض جيدا. فلما كانت الليلة التى أريد فى صبحتها أن أسافر: جاءتنى رسالة الشيخ عبد الله اليونينى. فعزم على إلى القدس الشريف.

فكأنى كرهت ذلك، وفتحت المصحف، فطلع قوله تعالى (21:36 {اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ)} قال: فخرجت معه إلى القدس. فوجدت ذلك الحرانى بالقدس. فأخذت عنه علم الفرائض، حتى خيل إلىّ أنى قد صرت أبرع منه فيه.

ص: 272

وقد وقع بين الشيخ وبين أبى شامة الشافعى منازعة فى الكلام على حديث الإسراء. وصنف كل منهما فى ذلك شيئا. وحدث الشيخ بالكثير.

وروى عنه ابناه: أبو الحسين الحافظ، والقطب المؤرخ، وأبو عبد الله ابن أبى الفتح، وإبراهيم بن حاتم البعلى الزاهد، ومحمد بن المحب، وأبو عبد الله ابن الزراد، وإبراهيم بن القرشية البعلى، خاتمة أصحابه بالسماع. وبالإجارة:

زينب بنت الكمال، وغيرها.

وتوفى ليلة تاسع عشر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة ببعلبك. ودفن عند شيخه عبد الله اليونينى رحمة الله عليهما.

‌383 -

[*]

حسن بن عبد الله

بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، الصالحى الفقيه، شرف الدين، أبو محمد بن الحافظ أبى موسى بن الحافظ أبى محمد.

ولد سنة خمس وستمائة. وسمع الكثير من أبى اليمن الكندى، وجماعة بعده.

وتفقه على الشيخ الموفق، وبرع وأفتى، ودرس بالجوزية مدة.

قال أبو شامة: كان رجلا خيرا.

توفى ليلة ثامن المحرم سنة تسع وخمسين وستمائة بدمشق. ودفن بالجبل.

وفى رابع عشر رجب من السنة: توفى الشيخ الصالح أبو العباس: -

‌384 - أحمد بن أبى الثناء

حامد بن أحمد بن حمد بن حامد بن مفرح بن غياث، الأنصارى الأرتاحى، المصرى المقرئ الحنبلى، بمصر. ودفن بسفح المقطم

ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة.

وقرأ بالروايات على والده. وسمع من جده لأمه أبى عبد الله محمد بن أحمد الارتاحى، والبوصيرى، وإسماعيل بن ياسين، وأبى الحسن بن نجا، والحافظ

[*](تعليق الشاملة): كذا الترقيم في المطبوع، بقفز رقم عن السابق

ص: 273

عبد الغنى ولازمه. وأكثر عنه. وكتب عنه بعض تصانيفه. وتصدر بالجامع العتيق. وأقرأ القرآن مدة. وانتفع به جماعة. وكان خيرا صالحا. وأبوه: -

‌385 - أبو الثناء

قرأ. بالروايات على أبى الجود وغيره. وسمع بمصر من أبى عبد الله محمد بن الحسين البرمكى، وبمكة من المبارك بن الطباخ. وتصدر للاقراء بالجامع العتيق وغيره. وحدث وأفاد، وانتفع به جماعة.

قرأ عليه بالسبع: الحافظ المنذرى وغيره. وكان حسن الأداء والصوت ذا مروءة وتفقد لإخوانه.

توفى فى صفر سنة اثنى عشرة وستمائة بمصر.

وكان مولده سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.

‌386 - عبد الرزاق بن رزق الله

بن أبى بكر بن خلف بن أبي الهيجاء الرسعنى، الفقيه المحدث المفسر، عزّ الدين، أبو محمد.

ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة برأس عين الخابور.

وسمع الحديث ببلده من أبي المجد القزوينى، وغيره، وببغداد من عبد العزيز ابن منينا، والداهرى، وعمر بن كرم، وغيرهم.

وبدمشق من أبى اليمن الكندى، وابن الحرستانى، والخضر بن كامل، والشيخ موفق الدين، وأبى الفتوح بن الجلاجلى، وغيرهم.

وبحلب من الافتخار الهاشمى، وببلدان أخر. وعنى بالحديث وطلب، وقرأ بنفسه.

وذكره الذهبى فى طبقات الحفاظ.

وتفقه على الشيخ موفق الدين، وحفظ كتابه «المقنع» فى الفقه، وصحب الشيخ العماد، وطائفة من أهل الدين والعلم والصلاح.

وقرأ العربية والأدب، وتفنن فى العلوم. وولى مشيخة دار الحديث بالموصل.

وكانت له حرمة وافرة عند بدر الدين صاحب الموصل، وغيره من ملوك

ص: 274

الجزيرة. وصنف تفسيرا حسنا فى أربع مجلدات ضخمة سماه «رموز الكنوز» وفيه فوائد حسنة. ويروى فيه الأحاديث بإسناده. وصنف كتاب «مصرع الحسين» ألزمه بتصنيفه صاحب الموصل. فكتب فيه ما صح من القتل دون غيره. وكان لما قدم بغداد أنعم عليه المستنصر، وصنف هذا التفسير ببلده. وأرسله إليه. وهو فى ثمان مجلدات، وقف المدرسة البشيرية ببغداد.

وكان فاضلا فى فنون من العلم والأدب، ذا فصاحة وحسن عبارة. وله فى تفسيره مناقشات مع الزمخشرى وغيره فى العربية وغيرها.

وكان متمسكا بالسنة والآثار، ويصدع بالسنة عند المخالفين من الرافضة وغيرهم.

وله نظم حسن. ومن نظمه: القصيدة النونية المشهورة فى الفرق بين الظاء والضاد.

وذكر شيخنا بالإجازة الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق فى مشيخته: أن له تصانيف غير تفسيره المشهور: فى التفسير، والفقه، والعروض، وغير ذلك.

وحدث. وسمع منه جماعة. وقدم دمشق رسولا. فقرأ عليه أبو حامد محمد ابن الصابونى جزءا.

وروى عنه ابنه أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق، والدمياطى الحافظ فى معجمه، وغير واحد. وبالإجازة: أبو المعالى الأبرقوهى، وأبو الحسن بن البندنيجى الصوفى، وزينب بنت الكمال.

روى عنه العلامة أبو الفتح ابن دقيق العيد، وأخوه، وأبوه.

قال الحافظ أبو محمد عبد الكريم الحلبى فى تاريخ مصر له: نقلت من خط الحافظ اليغمورى - يعنى يوسف بن أحمد بن محمود الدمشقى - أنشدنا شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن أبى بكر الجزرى، أنشدنى ابن دقيق

ص: 275

العيد بقوص، أنشدنى عزّ الدين عبد الرزاق الرسعنى لنفسه:

وكنت أظن فى مصر بحارا

إذا ما جئتها أجد الورودا

فما ألفيتها إلا سرابا

فحينئذ تيممت الصعيدا

قال شيخنا صفى الدين عبد المؤمن: توفى بسنجار فى رجب بخط أبى العلاء الفرضى.

وقال ابن الفوطى: فى السابع والعشرين من ذى الحجة سنة ستين وستمائة.

وذكر الذهبى وغيره: أنه توفى ليلة الجمعة ثانى عشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة. وقيل: فى ثامن عشر ربيع الآخر منها بسنجار.

‌387 - عبد الرحمن بن سالم

بن يحيى بن خميس بن يحيى بن هبة الله ابن مواهب الأنصارى الانبارى، ثم الدمشقى، الفقيه جمال الدين، أبو محمد، وأبو القاسم.

سمع من أبى اليمن الكندى، وأبى القاسم بن الحرستانى، وداود بن ملاعب، وعبد الجليل بن مندويه، والحافظ عبد القادر الرهاوى.

وتفقه على الشيخ موفق الدين، وبرع وأفتى، وحدث. وسمع منه جماعة.

وكان يسكن بالمنارة الغربية من جامع دمشق.

قال أبو شامة: وكان يصلى فى الجامع بالمتأخرين صلاة الصبح، فيطيل بهم إطالة مفرطة، خارجا عن المعتاد بكثير إلى أن تكاد تطلع الشمس وهو فى تطويله، لا يتركه كل يوم. رحمه الله.

توفى ليلة سلخ ربيع الآخر سنة إحدى وستين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.

‌388 - عبد الرحمن بن محمد

بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، المحدث الفاضل، عزّ الدين، أبو محمد وأبو القاسم وأبو الفرج، ابن الحافظ عزّ الدين أبى الفتح، ابن الحافظ الكبير أبى محمد.

ص: 276

ولد فى ربيع الآخر سنة اثنين وستمائة. وحضر على أبى حفص بن طبرزد.

وسمع من الكندى وطبقته.

وارتحل إلى بغداد. فسمع من الفتح بن عبد السلام وطائفة. ثم إلى مصر.

وكتب الكثير وعنى بالحديث. وكان يفهم ويذاكر، وتفقه على الشيخ الموفق وكان فاضلا صالحا ثقة، انتفع به جماعة. وحدث

توفى فى نصف ذى الحجة سنة إحدى وستين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمة الله تعالى عليه.

‌389 - أبو القاسم بن يوسف

بن أبى القاسم بن عبد السلام، الأموى، الحوارى الصوفى، الزاهد المشهور، صاحب الزاوية بحوارى. كان خيرا صالحا، له أتباع وأصحاب ومريدون فى كثير من قرايا حوران فى الجبيل والثبنية.

ولا يحضرون سماعا بالدف.

توفى ببلده حوارى سنة ثلاث وستين وستمائة فى آخر السنة. وصلّى عليه يوم عيد النحر ببيت المقدس صلاة الغائب. وصلّى عليه بدمشق تاسع عشر ذى الحجة.

رحمه الله تعالى.

وقام مقامه بعده: ولده الشيخ عبد الله. فكان عنده تفقه وزهادة. وله أصحاب. وكان مقصودا يزار ببلده. وعمر حتى بلغ التسعين من عمره. خرج لتوديع بعض أهله إلى ناحية الكرك من جهة الحجاز. فأدركه أجله هناك فى أول ذى القعدة سنة ثلاثين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

‌390 - إبراهيم بن عبد الله

بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الصالح الزاهد، الخطيب عزّ الدين أبو إسحاق، ابن الخطيب شرف الدين أبى محمد، ابن الشيخ أبى عمر.

ولد فى رمضان سنة ست وستمائة.

ص: 277

وسمع من الشيخ موفق الدين، والشيخ العماد، وأبى اليمن الكندى، وأبى القاسم بن الحرستانى، وخلق. وأجاز له القاسم الصفار وجماعة.

وكان إماما فى العلم والعمل، بصيرا بالمذهب، صالحا عابدا مخلصا، صاحب أحوال وكرامات، وآمرا بالمعروف، وقوالا بالحق. وقد جمع المحدث أبو الفداء ابن الخباز سيرته فى مجلد.

وحدث. وسمع منه جماعة، وحدثنا من أصحابه: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الحريرى عنه حضورا. وهو آخر أصحابه.

توفى فى ليلة تاسع عشر ربيع الأول سنة ست وستين وستمائة. ودفن من الغد بسفح قاسيون. رحمه الله.

وهو والد الإمامين: عزّ الدين الفرائضى. وعزّ الدين محمد خطيب الجامع المظفرى. رحمهم الله تعالى.

‌391 - مظفر بن عبد الكريم

بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد ابن الحنبلى، تاج الدين، أبو منصور.

ولد فى سابع عشر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة بدمشق.

وسمع بها من أبى طاهر الخشوعى، وعمر بن طبرزد، وحنبل، وغيرهم.

وتفقه وأفتى. ودرس بمدرسة جده شرف الإسلام مدة. وكان عارفا بالمذهب. وحدث بدمشق ومصر.

وروى عنه جماعة، منهم: الحافظ الدمياطى.

توفى فى ثالث صفر سنة سبع وستين وستمائة فجأة بدمشق. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله.

‌392 - أحمد بن عبد الدائم

بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن أحمد بن بكر، المقدسى الصالحى، الكاتب المحدث المعمر، الخطيب زين الدين أبو العباس.

ص: 278

ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة بفندق الشيوخ من أرض نابلس.

وسمع الكثير بدمشق، ومن يحيى الثقفى، وأبى عبد الله بن صدقة، وأبى الحسن بن الموازينى، وعبد الرحمن الخرقى، وإسماعيل الجنزوى، وغيرهم

وانفرد فى الدنيا بالرواية عنهم.

ودخل بغداد. وسمع بها من أبى الفرج بن كليب، والمبارك بن المعطوش، وأبى الفرج بن الجوزى، وأبى الفتح بن المندائى، وعبد الله بن أبى المجد، وعبد الوهاب بن سكينة، وغيرهم.

وسمع بحران من خطيبها الشيخ فخر الدين، وأجاز له خطيب الموصل أبو الفضل، وعبد المنعم الفراوى، وابن شاتيل، والقزاز. وتفرد بالرواية عنهم أيضا.

وقرأ بنفسه، وعنى بالحديث. وتفقه على الشيخ موفق الدين. وخرج لنفسه مشيخة عن شيوخه، وجمع تاريخا لنفسه. وكان فاضلا متنبها. وله نظم

ولى الخطابة بكفر بطنا بضع عشرة سنة.

وكان يكتب خطا حسنا، ويكتب سريعا. فكتب ما لا يوصف كثرة من الكتب الكبار، والأجزاء المنثورة لنفسه وبالأجرة، حتى كان يكتب فى اليوم إذا تفرغ تسعة كراريس أو أكثر، ويكتب مع اشتغاله بمصالحه الكراسين والثلاثة. وكتب «الخرقى» فى ليلة واحدة. وكتب «تاريخ الشام» لابن عساكر مرتين و «المغنى» للشيخ موفق الدين مرات. وذكر: أنه كتب بيده ألفى مجلدة، وأنه لازم الكتابة أزيد من خمسين سنة.

وكان حسن الخلق والخلق، متواضعا دينا. وحدث بالكثير بضعا وخمسين سنة. وانتهى إليه علو الإسناد. وكانت الرحلة إليه من أقطار البلاد.

وخرج له ابن الظاهرى مشيخة، وابن الخباز أخرى.

سمع منه الحافظ المقدسيون، كالحافظ ضياء الدين، والزكى البرزالى، والسيف بن المجد، وعمر بن الحاجب.

ص: 279

روى عنه الأئمة الكبار، والحفاظ المتقدمون والمتأخرون، منهم: الشيخ محيى الدين النووى، والشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والشيخ تقى الدين بن دقيق العيد، والشيخ تقى الدين ابن تيمية، وخلق كثير. آخرهم: شيخنا الشيخ محمد بن إسماعيل بن الخباز، حضر عليه أجزاء. وآخر من روى عنه بالإجازة:

أحمد بن عبد الرحمن الحريرى.

وتوفى يوم الاثنين سابع - كذا قاله الشريف - وقيل: تاسع رجب سنة ثمان وستين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله

ورأى رجل ليلة موته فى المنام: كأن الناس فى الجامع، وإذا ضجة. فسأل عنها؟ فقيل له: مات هذه الليلة مالك بن أنس، قال: فلما أصبحت جئت إلى الجامع، وأنا مفكر، وإذا إنسان ينادى: رحم الله من حضر جنازة الشيخ زين الدين بن عبد الدائم. رحمه الله.

‌393 - يوسف بن على

بن أحمد بن البقال البغدادى الصوفى، عفيف الدين أبو الحجاج، شيخ رباط المرزبانية. كان صالحا عالما، ورعا زاهدا. له تصانيف فى السلوك. منها كتاب «سلوك الخواص» .

وحكى عنه أنه قال: كنت بمصر زمن واقعة بغداد. فبلغنى أمرها.

فأنكرته بقلبى، وقلت: يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له؟ فرأيت فى المنام رجلا، وفى يده كتاب. فأخذته فإذا فيه:

دع الاعتراض فما الأمر لك

ولا الحكم فى حركات الفلك

ولا تسأل الله عن فعله

فمن خاض لجّة بحر هلك

أجاز لشيخنا على بن عبد الصمد البغدادى.

ونقلت من خطه: أنه توفى ليلة الخميس سادس المحرم سنة ثمان وستين وستمائة وصلّى عليه بجامع الحريم. ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

وذكر غيره: أنه توفى سنة ست وستين. والله أعلم.

ص: 280

‌394 - عبد الرحمن بن سليمان

بن سعيد بن سليمان، البغدادى الأصل الحرانى المولد. الفقيه، جمال الدين أبو محمد. ويعرف بالبغدادى.

ولد فى أحد الربيعين سنة خمس وثمانين وخمسمائة بحران.

وسمع من عبد القادر الحافظ، وحنبل، وابن طبرزد، وغيرهم.

وتفقه بالشيخ الموفق، وبرع، وأفتى، وانتفع به جماعة. وحدث.

وروى عنه طائفة. حدثنا عنه ابن الخباز. وكان إماما بحلقة الحنابلة بالجامع.

قال الشيخ عزّ الدين: كان موصوفا بالفضل والدين، فقيها حسنا مشهورا.

ولى منه إجازة.

توفى فى رابع عشر شعبان سنة سبعين وستمائة بدمشق رحمه الله تعالى.

ودفن بسفح قاسيون.

‌395 - محمد بن عبد المنعم

بن عمار بن هامل بن موهوب الحرانى، المحدث الرحال، شمس الدين، أبو عبد الله، نزيل دمشق.

ولد بحران سنة ثلاث وستمائة.

وسمع ببغداد من القطيعى، وابن روزبة، والداهرى، وعمر بن كرم، ونصر بن عبد الرازق القاضى، وابن القبيطى، والمهذب بن فهيدة.

وبدمشق من القاضى أبى نصر بن الشيرازى، ومكرم بن أبى الصقر، والحسين بن الزبيدى، وابن اللتى، وابن صباح وغيرهم. وبالإسكندرية من الصفراوى، وجعفر الهمدانى، وابن راح.

وبالقاهرة من مرتضى بن العفيف، والعلم بن الصابونى، وغيرهم.

قال الشريف عزّ الدين: كتب بخطه، وطلب بنفسه. وكان أحد المعروفين بالطلب والإفادة. وحدث. ولى منه إجازة.

قال الذهبى: عنى بالحديث عناية كلية، وكتب الكثير. وتعب وحصل.

ص: 281

وأسمع الحديث. وتألف الناس على روايته. وفيه دين وحسن عشرة، ولديه فضيلة، ومذاكرة جيدة.

أقام بدمشق، ووقف كتبه وأجزاءه بالضيائية.

وقال البرزالى: كان فاضلا، كثير الديانة والتحرى، أحد المعروفين بالطلب والإفادة.

وقرأت بخط الدمياطى فى حقه: الإمام الحافظ.

وسمع منه جماعة من الأكابر، كأبى الحسين بن اليونينى، والحافظ الدمياطى، وإسماعيل بن الخباز، وابن أبى الفتح، وأبى الحسن بن العطار، وحدثنا عنه محمد بن الخباز.

وتوفى ليلة الأربعاء ثامن شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وستمائة بالمارستان الصغير بدمشق. ودفن من الغد بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.

وفى حادى عشر شوال من السنة توفى الشيخ فخر الدين أبو الفرج: -

‌396 - عبد القاهر بن أبى محمد عبد الغنى

بن الشيخ فخر الدين محمد بن أبى القاسم ابن تيمية بدمشق. ودفن من الغد بمقابر الصوفية.

وكان مولده: سنة اثنتى عشرة وستمائة بحران.

وسمع من جده وابن التى. وحدث بدمشق. وخطب بجامع حران.

‌397 - على بن محمد

بن محمد بن أبى سعد بن وضاح الشهرايانى، ثم البغدادى، الفقيه المحدث، الزاهد الكاتب، كمال الدين أبو الحسن بن أبى بكر.

ولد فى رجب سنة إحدى وتسعين وخمسمائة - وقيل: سنة تسعين - بشهرايان، وسمع بها «صحيح مسلم» من أحمد بن محمد بن محمد بن نجم المروزى، قال: قدم علينا حاجا، وهو ابن أخى الذى روى عنه ابن الجوزى «صحيح مسلم» وكانا قد سمعاه من الفراوى.

ص: 282

وقدم بغداد، وسمع بها من أبوى الحسن: القطيعى، وابن روزبة «صحيح البخارى» عن أبى الوقت، ومن عمر بن كرم «جامع الترمذى» ومن عبد اللطيف ابن القطيعى «سنن الدار قطنى» وسمع من القاضى أبى صالح، وأبى حفص السهروردى، وإبراهيم الكاشغرى، وغيرهم.

وسمع من الشيخ العارف على بن إدريس اليعقوبى، ولبس منه الخرقة، وانتفع به، وسمع بأربل وغيرها.

وعنى بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الحسن. وسمع الكتب الكبار واشتغل بالعلم ببغداد، وتفقه وبرع فى العربية، وشارك فى فنون من العلم، وصحب الصالحين، وكان صديقا للشيخ يحيى الصرصرى.

قال شيخنا بالإجازة، الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق: كان شيخا صالحا، منور الوجه، كيسا طيب الأخلاق، سمع النفس، صحب المشايخ والصالحين. وكان عالما بالفقه، والفرائض، والأحاديث، ورتب عقب الواقعة مدرسا بالمدرسة المجاهدية، واستمر بها إلى أن مات.

وهو أحد المكثرين فى الرواية، فإنه سمع الكثير من الكتب الكبار والأجزاء، بقراءته وقراءة غيره، وخرج وصنف مصنفات.

ومن مصنفاته: كتاب «الدليل الواضح، فى اقتفاء نهج السلف الصالح» وكتاب «الرد على أهل الإلحاد» وغير ذلك.

وله إجازات من جماعة كثيرين، منهم من دمشق: الشيخ موفق الدين ابن قدامة، وأبى محمد بن عمرو بن الصلاح وغيرهما.

قلت: وله أجزاء فى مدح العلماء وذم الأغنياء، والفرق بين أحوال الصالحين وأحوال الإباحية، أكلة الدنيا بالدين، سمعه منه أبو الحسن على بن محمد البندنيجى نزيل دمشق.

وله جزء فى أن الإيمان يزيد وينقص، كتبه جوابا عن سؤال فيمن حلف

ص: 283

بالطلاق على نفى ذلك، فأفتى بوقوع طلاقه، وبسط الكلام على المسألة، وذلك فى زمن المستعصم، وقد أوذى بسبب ذلك، هو والمحدث عبد العزيز القحيطى، من بغداد، فإنه وافق على هذا الجواب. وأخرج الشيخ من المدرسة التى كان مقيما بها، وأخرج القحيطى من بغداد، وبذلك تحقق قوة إيمانهما، وكونهما إن شاء الله من خلفاء الرسل فى وقتهما.

وحدث الشيخ بالكثير، وسمع منه خلق، وروى عنه ابن حصين الفخرى، والحافظ الدمياطى فى معجمه، وأبو الحسن البندنيجى، وإبراهيم الجعبرى المقرئ، وأبو الثناء الدقوقى، وأحمد بن عبد السلام بن عكبر، وعلى بن عبد الصمد، وأبو عبد الله محمد بن عبد العزيز بن المؤذن الوراق، وروى عنه «صحيح البخارى» وسمعت عليه حضورا فى الرابعة منه كتاب النكاح بكماله.

وتوفى رحمه الله، ليلة الجمعة ثالث صفر، سنة اثنتين وسبعين وستمائة.

كذا ذكره غير واحد من أهل بغداد من شيوخنا وغيرهم. وهو أصح مما قاله الذهبى: إنه سنة إحدى وسبعين. وأبعد من ذلك: ما قال الدمياطى: إنه توفى سنة ثلاث، أو أربع، وهذا قاله بالظن والتقريب لبعد البلاد، وعدم من يراجعه فى تحقيق ذلك.

قال شيخنا صفى الدين: وكانت جنازته إحدى الجنائز المشهورة، اجتمع لها عالم لا يحصى، وغلقت الأسواق يومئذ، رشد تابوته بالحبال. وحمله الناس على أيديهم، وصلّى عليه بالمحال البرانية. ودفن بحضرة قبر الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه، مقابل رجليه.

‌398 - على بن عثمان

بن عبد القادر بن محمد بن يوسف بن الوجوهى البغدادى المقرئ، الصوفى الزاهد، شمس الدين أبو الحسن، أحد أعيان أهل بغداد فى زمنه.

ولد فى ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.

ص: 284

وقرأ بالروايات على الفخر الموصلى، صاحب ابن سعدون القرطبى، وسمع الحديث من ابن روزبة، والسهروردى وغيرهما. وكان بصيرا بالقرآن، متحققا بالأداء، دينا خيرا صالحا، وعين خازنا بدار الوزير زمن الخليفة، ثقة بدينه، وشهد فى ذلك العهد. وكان شيخ رباط ابن الأثير.

وله كتاب «بلغة المستفيد فى القراءات العشر» قرأه عليه ابن خيرون، وقرأ عليه بالسبع: إبراهيم الجعبرى، وقال: امتنع من كتابة الإجازة لى لحضورى سماعات الفقراء، وكان ينكر ذلك.

وروى عنه ابن خروف الموصلى، وشيوخنا بالإجازة: نجيب الدين على ابن محمد الرفاعى، وعلى بن عبد الصمد، ومحمد بن محمد بن الكوفى الهاشمى الواعظ وغيرهم.

وتوفى فى ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وستمائة، ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب.

أنبأنى غير واحد عن الظهير بن الكازرونى، قال: حكى لى الشيخ رشيد الدين بن أبى القاسم: أن العدل محب الدين مصدق حدثه، قال: رأيت ابن الوجوهى بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: نزلا عليّ، وأجلسانى وسألانى، فقلت: ألمثل ابن الوجوهى يقال ذلك؟ فأضجعانى ومضيا. رحمه الله.

وفى سابع عشر شوال سنة اثنتين وسبعين أيضا: توفى الشيخ: -

‌399 - سيف الدين

بن الناصح عبد الرحمن بن نجم الحنبلى.

وكان مولده سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وقيل: سنة تسعين. وهو آخر من حدث بالسماع عن الخشوعى.

وسمع من حنبل، وابن طبرزد، والكندى، وغيرهم بدمشق، والموصل، وبغداد، وحدث بمصر ودمشق.

وسمع منه العلامة تاج الدين الفزارى، وأخوه الخطيب شرف الدين،

ص: 285

والحافظ الدمياطى، وذكره فى معجمه، وابن العطار، وابن أبى الفتح، والشهاب محمود كاتب السر، وغيرهم.

وحدثنا عنه ابنه شمس الدين يوسف مدرس الصاحبية بجزء ابن زبر الصغير، كان حضره على أبيه، ومحمد بن الخباز، وأحمد بن عبد الرحمن الحريرى.

‌400 - على بن أبى غالب

بن على بن غيلان، البغدادى، الأزجى القطيعى، الفرضى المعدل، موفق الدين أبو الحسن.

ولد فى ذى الحجة، سنة ثلاث وستمائة، وسمع من ابن المنى وغيره، وأجاز له غير واحد.

وتفقه. وقرأ الفرائض، وشهد عند القاضى أبى الفضل بن اللمعانى. وكان من أعيان العدول. وكان خيرا، كثير التلاوة.

حدث وأجاز لشيخنا صفى الدين بن عبد المؤمن بن عبد الحق، وعلى بن عبد الصمد.

وتوفى يوم السبت ثالث شوال سنة أربع وسبعين وستمائة، ودفن بقبر الإمام أحمد.

‌401 - عثمان بن موسى

بن عبد الله الطائى الأربلى، ثم الآمدى، الفقيه الزاهد، إمام حطيم الحنابلة بالحرم الشريف تجاه الكعبة.

كان شيخا جليلا، إماما عالما، فاضلا، زاهدا عابدا ورعا، ربانيا متألها، منعكفا على العبادة والخير، والاشتغال بالله تعالى فى جميع أوقاته، أقام بمكة نحو خمسين سنة.

ذكره القطب اليونينى، وقال: كنت أود رؤيته، وأتشوق إلى ذلك، فاتفق أنى حججت سنة ثلاث وسبعين وزرته، وتمليت برؤيته، وحصل لى نصيب وافر من إقباله ودعائه. وقدرت وفاته إلى رحمة الله تعالى عقيب ذلك.

ص: 286

وقال الذهبى: سمع بمكة من يعقوب الكحال، ويعقوب سمع من ابن شاتيل وخطيب الموصل.

وسمع عثمان أيضا من محمد بن أبى البركات بن حمد.

وروى عنه شيخنا الدمياطى، وابن العطار فى معجميهما. وكتب إلينا بمروياته.

توفى ضحى يوم الخميس ثانى عشرين محرم سنة أربع وسبعين وستمائة بمكة رحمه الله تعالى. ويقال: إن الدعاء يستجاب عند قبره

(1)

.

وخلفه فى إمامة الحنابلة بمكة ولده:

‌402 - الإمام جمال الدين محمد.

وكان إماما عالما دينا. وله رحلة إلى بغداد، أدرك فيها عبد الصمد بن أبى الجيش وغيره.

وحدث. وروى عنه جماعة من شيوخنا المكيين.

وتوفى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.

‌403 - محمد بن عبد الوهاب

بن منصور الحرانى، الفقيه، الأصولى المناظر القاضى شمس الدين، أبو عبد الله.

ولد بحران فى حدود العشر والستمائة. وتفقه بها على الشيخ مجد الدين ابن تيمية. ولازمه، حتى برع فى الفقه. وكان يستدل بين يديه بحران.

وقرأ الأصول والخلاف على القاضى نجم الدين بن المقدسى الشافعى الذى كان أولا حنبليا، فانتقل. وأقام مدة بدمشق يشتغل فى الأصول والعربية على علم الدين قاسم الكوفى.

ثم سافر إلى الديار المصرية. وأقام بها مدة يحضر دروس الشيخ عزّ الدين

(1)

هذا قول على الله بغير علم، فضلا عما فيه من ترويج سنن الجاهلية الممقوتة فى تعظيم القبور وعبادة الموتى.

ص: 287

ابن عبد السلام. وولى القضاء ببعض أعمال الديار المصرية نيابة عن قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز لفضيلته، وإن كان على غير مذهبه. وهو أول حنبلى حكم بالديار المصرية فى هذا الوقت.

ثم لما ولى الشيخ شمس الدين بن العماد قضاء القضاة الحنابلة استنابه مدة.

ثم ترك ذلك، ورجع إلى دمشق. وأقام بها مدة سنين إلى حين وفاته، يدرس الفقه بحلقة له فى الجامع. ويكتب خطه فى الفتاوى. وباشر الإعادة بالمدرسة الجوزية بدمشق قبل سفره إلى الديار المصرية، وبعد رجوعه. وباشر الإمامة بها أيضا.

ثم أمّ بمحراب الحنابلة بالجامع. ذكر ذلك قطب الدين اليونينى.

وقال: كان فقيها إماما عالما، عارفا بعلم الأصول والخلاف، حسن العبارة، طويل النفس فى البحث، كثير التحقيق، حسن المجالسة والمذاكرة. ويتكلم فى الحقيقة

(1)

. وهو غزير الدمعة، رقيق القلب جدا، وافر الديانة، كثير العبادة. صحب الفقراء مدة. وله فيهم حسن ظن.

وكان عنده معرفة بالأدب. وله يد جيدة فى النظم. أنشدنى له صاحبنا تقى الدين بن عبد الله بن تمام:

طار قلبى يوم ساروا فرقا

وسواء فاض دمعى أو رقا

حار فى سقمى من بعدهم

كل من فى الحى داوى أو رقى

بعدهم لا طلّ وادى المنحنى

وكذا بان الحمى لا أورقا

(1)

الحقيقة عند الصوفية: مقابلة للشريعة، وهم يزعمون أنهم بهذه الحقيقة يصلون إلى ما لم يصل إليه علماء الشريعة من الصحابة والأئمة، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام طويل فى عدة مواضع من كتبه فى إبطال حقيقة الصوفية، وأنها ترجع إلى عقيدة الوثنية، والقول بوحدة الوجود، أو الحلول، أو الاتحاد. وهم دائما يقولون عن ربهم «الحقيقة الإلهية»

ص: 288

وابتلى بالفالج قبل موته مدة أربعة أشهر. وبطل شقه الأيسر، وثقل لسانه بحيث لا يفهم من كلامه إلا اليسير. قرأ عليه جماعة الأصول والفروع.

وتوفى ليلة الجمعة بين العشائين لست خلون من جماد الأولى سنة خمس وسبعين وستمائة بدمشق. وصلّى عليه بالجامع. ودفن بمقابر الباب الصغير. ونيف على الستين من العمر رحمه الله تعالى.

ورأيت فى الفتاوى المنسوبة إلى الشيخ تاج الدين الفزارى: واقعة وقعت، وهى وقف وقفه رجل، وثبت على حاكم: أنه وقفه فى صحة بدنه وعقله. ثم قامت بينة أنه كان حينئذ مريضا مرض الموت المخوف. فأفتى النووى: أنه تقدم بيّنة المرض، ويعتبر الوقف من الثلث. ووافقه على ذلك ابن الصيرفى، وابن عبد الوهاب الحنبليان. وخالف الفزارى، وقال: تقدم بينة الصحة. قال:

لأن من أصلهم أن البينة التى تشهد بما يقتضيه الظاهر تقدم، ولهذا تقدم عندهم بينة الداخل والأصل. والغالب على الناس: الصحة. فتقدم البينة الموافقة له.

وعرض على الشيخ تاج الدين الفزارى أيضا فتاوى جماعة فى حادثة تعارضت فيها بينتان بالسفه والرشد، حال تصرف ما: أنه تقدم بينة السفه. فخطأهم فى ذلك. وقال: هذا عندى غلط.

وذكر فى موضع آخر: أن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر أفتى فى هذه المسألة بتقديم بينة الرشد على بينة استمرار الحجر.

ورأيت فتيا بخط محمد بن عبد الوهاب الحرانى فى وقف بأيدى أقوام من مدة سنين من غير كتاب بأيديهم. فادعاه آخرون، وأظهروا كتابا منقطع الإثبات بوقفه عليهم: أنه لا ينزع من يد الأولين بمجرد هذا الكتاب. ووافقه جماعة من الشافعية والحنفية وغيرهم.

ص: 289

‌404 - محمد بن تميم

الحرانى الفقيه، أبو عبد الله، صاحب «المختصر» فى الفقه، المشهور. وصل فيه إلى أثناء الزكاة. وهو يدل على علم صاحبه، وفقه نفسه، وجودة فهمه.

وتفقه على الشيخ مجد الدين ابن تيمية، وعلى أبى الفرج بن أبى الفهم.

وبلغنى أن ابن حمدان ذكر عنه: أنه سافر - أظنه إلى ناصر الدين البيضاوى - ليشتغل عليه. فأدركه أجله هناك شابا. ولم أقف على تاريخ وفاته.

‌405 - عبد الصمد بن أحمد

بن أحمد بن عبد القادر بن أبى الحسين ابن أبى الجيش بن عبد الله البغدادى القطفتى، المقرئ المحدث، النحوى اللغوى. الخطيب الواعظ الزاهد، شيخ بغداد وخطيبها، مجد الدين أبو أحمد، وأبو الخير، ابن أبى العباس. سبط الشيخ أبى زيد الحموى الزاهد، أبوه.

ولد عبد الصمد فى محرم سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ببغداد.

وقرأ القرآن بالروايات على الفخر الموصلى، وعبد العزيز بن الناقد، وعبد العزيز ابن دلف، والحسين بن الزبيدى، وغيرهم.

وعنى بالقراءات. وسمع كثيرا من كتبها. وسمع الحديث من ترك بن محمد الحلاج صاحب أبى البدر الكرخى، وعبد السلام بن البردغولي، وأبى القاسم ابن أبى الجود، صاحبى ابن الطلاية، وعبد السلام الداهرى، وعبد العزيز بن الناقد، وإسماعيل بن حمدى، وأبى نصر بن النرسى، والحسن والحسين ابنى المبارك الزبيدى، والحسين بن أبى بكر الخيارى، وثابت بن مشرف، وعبد اللطيف ابن القبيطى، والنفيس بن حقنى الزعيمى، وعبد اللطيف بن يوسف البغدادى وأبى حفص السهروردى، وابن الخازن، وابن رزوبة، وابن بهروز، وسعد بن محمد بن ياسين، والمهذب بن قنيدة، وابن اللتى، وأحمد بن يعقوب المارستانى، وابن الدبيثى الحافظ، وأبى صالح نصر بن عبد الرزاق، وغيرهم.

ص: 290

وسمع شيئا على سليمان بن محمد بن على الموصلى، وأخيه أبى الحسن على.

وسمع كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء. وقرأ بنفسه كثيرا على الشيوخ المتأخرين. وجمع أسماء شيوخه بالسماع والإجازة. فكانوا فوق خمسمائة وخمسين شيخا. فبعضهم بالإجازة العامة، وكثير منهم بالإجازة الخاصة من غير سماع.

وذكر فيه: أنه سمع جامع الترمذى على أبى الفتح أحمد بن على الفربرى بسماعه من الكرخى،. وهذا من أجود ما عنده. والعجب أنه خرج فى بعض تصانيفه حديثا من الترمذى عن أكمل بن مظفر العباسى بإجارة من الكرخى، وعن أبى المعالى بن شافع عن ابن كليب.

وأجاز له الحافظ أبو الفرج بن الجوزى، وعبد العزيز بن منينا، وأبو القاسم ابن الحرستانى، وأبو اليمن الكندى، والشيخ موفق الدين المقدسى، وغيرهم.

وأخذ العربية والأدب عن أبى البقاء العكبرى، قال: قرأت عليه من حفظى كتاب «اللمع» لابن جنى، «والتصريف المملوكى» و «القصيح» لثعلب. وأكثر كتاب «الإيضاح» لأبى على الفارسى. وسمعت عليه المفضليات.

وقال الجعبرى: قرأ - يعنى عبد الصمد - كتاب سيبويه، والإيضاح، والتكملة، واللمع، على الكندى. كذا قال. وهو غير صحيح. ولعله أراد أن يقول: العكبرى.

وقرأ طرفا من الفقه. وانتهت إليه مشيخة القراءات والحديث. وله ديوان خطب فى سبع مجلدات على الحروف. وولى فى زمن المستنصر مشيخة المسجد الذى بناه المستنصر، وجعله دار قرآن وحديث، ويعرف بمسجد قمرية.

ثم ولى فى زمن المستعصم مشيخة رباط سوسيان. وبعد الواقعة: ولى خزن الديوان والخطابة بالجامع الأكبر، جامع القصر.

وصار عين شيوخ زمانه، والمشار إليه فى وقته، مع الدين. والصلاح، والزهد والورع، والتقشف والتعفف، والصبر والتجمل.

ص: 291

قال الحافظ الذهبى: قرأت بخط السيف بن المجد قال: كنت ببغداد، فبنى المستنصر مسجدا وزخرفه، وجعل به من يقرأ ويسمع. فاستدعى الوزير جماعة من القراء، وكان منهم صاحبنا عبد الصمد بن أحمد. فقال له: تنتقل إلى مذهب الشافعى، فامتنع، فقال: أليس مذهب الشافعى حسنا؟ قال: بلى، ولكن مذهبى ما علمت به عيبا أتركه لأجله. فبلغ الخليفة ذلك، فأعجبه قوله. وقال: هو يكون إمامه دونهم. وعرض عليه العدالة فأباها.

قال الذهبى: سمعت أبا بكر المقصاتى يقول: طلب منى شيخنا عبد الصمد مقصا، فعملته وأتيته به. فما أخذه حتى أعطانى فوق قيمته.

وذكره شيخنا صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق فى مشيخته، فقال:

هو شيخ بغداد كلها. إليه انتهت رياسة القراءات والحديث بها. كان من العلماء العاملين، والأئمة الموصوفين بالعلم والفضل والزهد. وصنف الخطب التى انفرد بفنها وأسلوبها، وما فيها من الصنعة والفصاحة. وجمع منها شيئا كثيرا. ذهب فى واقعة بغداد مع كتب له أخرى بخطه وأصوله، حتى كان يقول: فى قلبى حسرتان:

ولدى، وكتبى. فإنه كان له ولد اسمه أحمد - وبه يكنى - صالح فاضل حسن السمت. خلفه بمسجد قمرية، لما رتب هو شيخا برباط سوسيان فى زمن المستعصم.

وكان حسن الصوت حسن القراءة. وعدم فى الواقعة. وبقى يتأسف عليه وعلى كتبه.

قال الذهبى: قرأ عليه الشيخ إبراهيم الرقى الزاهد، والتقى أبى بكر الجزبور المقصاتى، وأبو عبد الله بن خروف، وأبو العباس أحمد بن موسى الموصليان، وجماعة. وكان إماما محققا، بصيرا بالقراءات وعللها وغريبها، صالحا زاهدا، كبير القدر، بعيد الصيت.

قلت: وحدث بالكثير، وسمع منه خلائق.

وحكى عنه الحافظ ابن النجار فى تاريخه، وكان شيوخ بغداد يقرءون عليه

ص: 292

كتب الحديث، وسمع الناس بقراءتهم، كالشيخ كمال الدين بن وضاح، مع علو شأنه، وكبر سنه - وقد توفى قبله - والشيخ عبد الرحيم بن الزجاح، وأحمد ابن الكسار الحافظ.

وروى عنه خلق كثير من الأعيان، منهم: ابن وضاح المذكور، والدمياطى الحافظ فى معجمه، والشيخ إبراهيم الرقى الزاهد، والمحدثان أبو العباس أحمد ابن على القلانسى، وأبو الثناء محمود بن على الدقوقى، والإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، وابنه أبو الربيع على بن عبد الصمد، وأكثر عن أبيه.

وقد سمعت منه فى الخامسة جزءا فيه أربعون حديثا، أخرجها أبوه لنفسه بسماعه من أبيه، وحصل فى سماع العشرة الأخيرة بعد عن مجلس القراءة، فلا أدرى، أسمعتها أم لا؟.

وحضرت أيضا كتاب النكاح من صحيح البخارى على أبى عبد الله محمد ابن عبد العزيز المؤذن بسماعه للكتاب، حضورا على الشيخ عبد الصمد.

وتوفى ضحوة يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول سنة ست وسبعين وستمائة وأخرج من يومه، وصلّى عليه بجامع ابن بهليقا وعدة مواضع، وأغلق البلد يومئذ.

وازدحم الخلق على حمله. ودفن بحضرة الإمام أحمد إلى جانب ابن القاعوس الزاهد. وكان يوما مشهودا. رحمه الله تعالى، ورثاه جماعة من الشعراء.

أنبأنا على بن عبد الصمد بن أحمد البغدادى - بها - أنبأنا أبى أنبأنى غير واحد أنبأنا أكمل بن مظفر العباسى، وعبد العزيز بن أحمد الجصاص، وشرف بن على الخالصى، وعبد السلام بن عبد الله الداهرى، وأبو بكر بن بهروز، قالوا:

أنبأنا أبو الوقت ثناء أبو الحسن الداودى أنبأنا أبو محمد بن حمويه أنبأنا أبو عمران السمرقندى حدثنا الدارمى أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا حميد عن أنس رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن العبد إذا صلّى فإنما يناجى ربه - أو ربه بينه وبين القبلة - وإذا بزق أحدكم فليبصق عن يساره أو تحت قدمه،

ص: 293

أو يقول هكذا، وبزق فى ثوبه، وذلك بعضه ببعض».

‌406 - محمد بن إبراهيم

بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، نزيل مصر، قاضى القضاة، شيخ الشيوخ، شمس الدين، أبو بكر وأبو عبد الله، ابن العماد، وقد سبق ذكر أبيه.

ولد فى يوم السبت رابع عشر صفر - وقيل: الأحد - سنة ثلاث وستمائة بدمشق. وحضر بها على ابن طبرزد.

وسمع من الكندى، وابن الحرستانى، وابن ملاعب، والشيخ موفق الدين. وتفقه عليه، ثم رحل إلى بغداد، وأقام بها مدة.

وسمع بها من أبى الفتح بن عبد السلام، والداهرى، والسهروردى، وجماعة وتفقه بها، وتفنن فى علوم شتى. وتزوج بها. وولد له.

ثم انتقل إلى مصر، وسكنها إلى أن مات بها. وعظم شأنه بها. وصار شيخ المذهب علما وصلاحا، وديانة ورياسة. وانتفع به الناس. وولى بها مشيخة خانقاه سعيد السعدا، وتدريس المدرسة الصالحية. وولى قضاء القضاة مدة. ثم عزل منه. واعتقل مدة. ثم أطلق، فأقام بمنزله يدرس بالصالحية ويفتى، ويقرئ العلم إلى أن توفى.

قال عبيد الأسعردى الحافظ: كان مشهورا بمكارم الأخلاق، وحسن الطريقة، والمناقب المرضية. تفقه بدمشق، وبغداد. وأفتى ودرس، وولى قضاء القضاة بالديار المصرية. وكان شيخ الشيوخ بها.

قال البرزالى فى تاريخه: كان حسن السمت وضئ الوجه، ونيّر الشيبة.

له معرفة بالفقه والأصول. وكان كثير البر والصلة والصدقة، كثير التواضع والتودد، وكان مدرسا بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، ثم ولى القضاء، ثم عزل وحبس مدة بسبب ودائع أكره على أخذها، أخذت من بيته سنة سبعين، واعتقل سنتين ثم أفرج عنه. ولزم بيته يدرس ويفتى ويقرئ ويتعبد، إلى أن مات، رحمه الله تعالى.

ص: 294

وقال الذهبى: استوطن مصر بعد الأربعين، ورأس بها فى مذهب أحمد.

وصار شيخ الإقليم فى الأيام الظاهرية، وكان إماما محققا، كثير الفضائل، صالحا خيرا، حسن السيرة، مليح الشكل، كثير النفع والمحاسن.

وقال القطب اليونينى: كان من أحسن المشايخ صورة، مع الفضائل الكثيرة التامة، والديانة المفرطة، والكرم وسعة الصدر، وأظنه جعفرى السّب، وهو أول من درس بالمدرسة الصالحية للحنابلة. وأول من ولى قضاء القضاة منهم بالديار المصرية. وتولى مشيخة خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة مدة. وكان كامل الأدوات، سيدا صدرا من صدور الإسلام وأئمتهم، متبحرا فى العلوم، مع الزهد الخارج عن الحد، واحتقار الدنيا، وعدم الالتفات إليها. وكان الصاحب بهاء الدين - يعنى ابن جنا - يتحامل عليه، ويغرى الملك الظاهر به؛ لما عنده من الأهلية لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة. وهو لا يلتفت إليه، ولا يخضع له.

حدث بالكثير. وسمع منه الكبار، منهم: الدمياطى، والحارثى، وعبيد الاسعردى، والشريف أبو القاسم الحسينى الحافظ، وعبد الكريم الحلبى.

توفى يوم السبت ثانى عشر محرم سنة ست وسبعين وستمائة بالقاهرة. ودفن من الغد بالقرافة، عند عمه الحافظ عبد الغنى. وكان الجمع متوفرا. رحمه الله تعالى.

‌407 - يحيى بن أبى منصور

بن أبى الفتح بن رافع بن على بن إبراهيم الحرانى، الفقيه المحدث المعمر، جمال الدين، أبو زكريا بن الصيرفى. ويعرف بابن الجيشى أيضا، نزيل دمشق.

ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بحران.

وسمع بها من الحافظ عبد القادر الرهاوى، والخطيب فخر الدين وغيرهما.

وكان قد سمع من حماد الحرانى. ولكن لم يظهر سماعه منه.

ورحل إلى بغداد سنة سبع وستمائة. فسمع من ابن طبرزد، وابن الأخضر،

ص: 295

وأحمد بن الدبيقى، وعبد العزيز بن منينا، وعلى بن محمد الموصل. وثابت بن مشرف، وأبى البقاء العكبرى، ومحمد بن على القبيطى، وغيرهم.

وسمع بدمشق من أبى اليمن الكندى، وابن ملاعب، وابن الحرستانى، والشيخ موفق الدين، وغيرهم.

وسمع بالموصل من جماعة. وقرأ بنفسه. وكتب بخطه الأجزاء والطباق.

وأخذ الفقه بدمشق عن الشيخ موفق الدين، وببغداد عن أبى بكر بن غنيمة بن الحلاوى، وأبى البقاء العكبرى، والفخر إسماعيل، وغيرهم.

وأخذ العربية عن أبى البقاء. وقرأ عليه جميع كتابه «التبيان فى إعراب القرآن «وأقام ببغداد مدة فى رحلته الثانية إليها. وتزوج بها. وولد له. وكتب الكثير بخطه من الفوائد والنكت. وجمع وصنف، وعلق فوائد وغرائب حسنة. وأفتى وناظر ودرس. وجالس بحران الشيخ مجد الدين وفقه. وكان ذا عبادة وديانة.

قال البرزالى فى تاريخه: كان من الشيوخ والفقهاء المتعبدين والمعتبرين فى مذهبه، كثير الديانة والتعبد. وأشغل الناس وأفاد، وانتفع به.

وقال الذهبى: برع فى المذهب، ودرس وناظر، وتخرج به الأصحاب. وكان لطيف القدر جدا، ضخم العلم والعمل، صاحب تعبد وأوراد وتهجد.

قرأت بخط الشيخ شمس الدين بن الفخر: كان إماما كبيرا مفتيا. أفتى ببغداد، وحران، ودمشق. وله مناقب جمة.

منها: قيام الليل فى معظم عمره. كان يقوم فى وقت والله يعجز الشباب عن ملازمته، وهو جوف الليل. يجتهد فى إسرار ذلك، وسائر عمل التقرب.

ومنها: سخاء النفس، وحسن الصحبة، والتعصب فى حق صاحبه بدعائه واجتهاده وتضرعه، ومساعدته بجاهه وحرمته.

ومنها التعصب فى السنة والمغالاة فيها، وقمع أهل البدع، ومجانبتهم ومنابذتهم

ص: 296

ومنها: قول الحق، وإنكار المنكر على من كان، لم يكن عنده من المداهنة والمراءاة شيء أصلا، يقول الحق ويصدع به.

لقى الكبار: كالسامرى، مصنف المستوعب، والشيخ أبي البقاء، والشيخ الموفق. وكان حسن المناظرة والمحاضرة، حلو العبارة، عالى الإسناد، له مختصران، ومجاميع حسنة.

قال الذهبى: كان له حلقة بجامع دمشق. وتخرج به جماعة. وروى الكثير.

حدث بجامع الترمذى، وبمعالم السنن للخطابى، وأشياء كثيرة.

قلت: له تصانيف عدة، منها: كتاب «نوادر المذهب» فيها قواعد عربية. وكتاب «دعائم الإسلام فى وجوب الدعاء للامام» كتبه للمستنصر، و «انتهاز الفرص فيمن أفتى بالرخص» جزء، جزء فى «عقوبات الجرائم» كتبه للافتخار الحرانى وإلي دمشق. وكان له به اختصاص. وكان صالحا عادلا.

وله جزء فى «آداب الدعاء» .

وسمع منه الحافظ الدمياطى، وذكره فى معجمه، والحافظ الحارثى.

وأظنه أخذ عنه العلم أيضا، والشيخ على الموصلى، وابن أبى الفتح البعلى، والقاضى سليمان بن حمزة، والشيخ تقى الدين ابن تيمية، وأبو الحسن بن العطار وخلق. وحدثنا عنه محمد بن إسماعيل بن الخباز. وكان قد عمر وتغير من الهرم قبل موته بعامين أو أكثر. فحجبه ولده.

ذكره الذهبى. وروى عنه بالإجازة.

وتوفى عشية الجمعة رابع صفر سنة ثمان وسبعين وستمائة بدمشق. ودفن يوم السبت بمقبرة باب الفراديس. رحمه الله تعالى.

قال اليونينى: كانت له جنازة مشهودة جدا.

‌408 - إسحاق بن إبراهيم

بن يحيى الشقراوى، القاضى، صفى الدين، أبو محمد.

ص: 297

ولد بشقرا من ضياع زرا - المعروفة بزرع - سنة خمس وستمائة.

وسمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ موفق الدين، وأحمد بن طاوس، وابن الزبيدى، وجماعة.

وتفقه. وحدث. وولى الحكم بزرع نيابة عن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر. وكان فقيها فاضلا، حسن الأخلاق.

قال الذهبى: كان رجلا خيرا فقيها، حفظة للنوادر والأخبار. ولى قضاء زرع مدة. وأعاد بمدرستها.

توفى يوم السبت تاسع عشر ذى الحجة سنة ثمان وسبعين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.

‌409 - عبد الله بن إبراهيم

بن محمود بن رفيعا الجزرى، المقرئ الفرضى، نزيل الموصل. وأبو محمد. ويلقب ضياء الدين.

قرأ بالسبع على علي بن مفلح البغدادى نزيل الموصل. وأخذ الحروف عن أبى عمرو بن الحاجب، وأبى عبد الله الفاسى، والسديد عيسى بن أبى الحزم.

وسمع الحديث من جماعة.

وصنف تصانيف فى القراءات. ونظم فى القراءات وغيرها، وفى الفرائض قصيدة معروفة لامية، وكان شيخ القراء بالموصل. قرأ عليه ابن خروف الموصلي الحنبلى، وأكثر عنه، وسمع منه «الأحكام» للشيخ مجد الدين ابن تيمية عنه. وأجاز لشيخنا على بن عبد الصمد بن أبى الجيش غير مرة.

وتوفى فى سادس جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وستمائة بالموصلى رحمه الله.

‌410 - عبد السائر بن عبد الحميد

بن محمد بن أبى بكر بن ماضى المقدسى الفقيه، تقى الدين، أبو محمد.

ص: 298

سمع من موسى بن عبد القادر، وابن الزبيدى، والشيخ موفق الدين وغيرهم.

وتفقه على التقى بن العز، ومهر فى المذهب، وعنى بالسنة. وجمع فيها.

وناظر الخصوم وكفّرهم. وكان صاحب جرأة، وتحرق على الأشعرية، فرموه بالتجسيم.

قال الذهبى: ورأيت له مصنفا فى الصفات. فلم أر به بأسا. قال: وكان منابذا للحنابلة. وفيه شراسة أخلاق، مع صلاح ودين يابس.

توفى فى ثامن شعبان سنة تسع وسبعين وستمائة عن نيف وسبعين سنة رحمه الله.

قلت: حدثنا عنه ابن الخباز، وعن إسحاق بن الشقراوى المتقدم ذكره.

أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا عبد الساتر بن عبد الحميد، وإسحاق بن إبراهيم قالا: حدثنا الحسين بن الزبيدى أنبأنا أبو الوقت أنبأنا الداودى أخبرنا الحموى أخبرنا الفربرى حدثنا البخارى قال: حدثنا المكى بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع قال «كنا نصلى مع النبى صلى الله عليه وسلم المغرب إذا توارت بالحجاب» .

وفى حادى عشرين رمضان سنة تسع وسبعين أيضا: توفى الفقيه شمس الدين أبو عبد الله: -

‌411 - محمد بن داود

بن إلياس البعلى الحنبلى، ودفن بظاهر بعلبك.

ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.

وسمع من الشيخ موفق الدين، وابن المنى، وطائفة، وخدم الشيخ الفقيه اليونينى مدة.

قال القطب ابن اليونينى: سمع من حنبل، والكندى، وابن الزبيدى، ورحل إلى البلاد للسماع، وخدم والدى مدة، وقرأ عليه القرآن، واشتغل عليه، وحفظ «المقنع» وعرف الفرائض.

ص: 299

وكان ذا ديانة وافرة، وصدق، وأمانة، وتحرّ فى شهاداته وأقواله، وحدث بمسموعاته.

‌412 - عبد الجبار بن عبد الخالق

بن محمد بن أبى نصر بن عبد الله بن عبد الباقى بن عكبر الزاهد بن عبد الخالق بن محمد بن عبد الباقى بن أحمد بن منصور بن سالم بن تميم بن أبى نصر بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب. هكذا رأيت نسبه، وفيه نظر، والله أعلم، البغدادى، العكبرى، الفقيه المفسر الأصولى، الواعظ، جلال الدين أبو محمد.

ولد سنة تسع عشرة وستمائة ببغداد.

ونسبه الذهبى فى المشتبه: عبد الجبار بن عبد الخالق بن محمد بن عبد الباقى ابن عكبر بن مهلهل بن عكبر العكبرى، - بفتح العين - البغدادى، شيخ الحنابلة، وشيخ الواعظ فى زمانه، صنف التفسير وكتاب «إيقاظ الوعاظ» وكتاب «المقدمة فى أصول الفقه» .

وسمع من ابن اللتى، والقاضى أبى صالح الجيلى، وأحمد بن يعقوب بن المارستانى، ومحمد بن أبى السهل الواسطى، وأحمد بن عمر القادسى، وغيرهم.

واشتغل بالفقه والأصول، والتفسير، والوعظ، وبرع فى ذلك، وله النظم والنثر، والتصانيف الكثيرة، منها: تفسير القرآن فى ثمان مجلدات، ودرس بالمستنصرية.

قال شيخنا بالإجازة صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، فى حقه:

شيخ الوعاظ ببغداد، ومتقدمهم. كان فى صباه خياطا، واشتغل بالطب مدة، ثم رتب فقيها بالمستنصرية، واشتغل بالفقه والتفسير، وطالع. وكان يجلس للوعظ بمجلس القاعوس بدرب الحب، ثم اختير فى أواخر زمن الخليفة للوعظ بباب بدر، تحت منظرة الخليفة، ولم يزل على ذلك إلى واقعة بغداد، واستؤسر فاشتراه بدر الدين صاحب الموصل، فحمله إلى الموصل فوعظ بها، ثم حدّره إلى

ص: 300

بغداد، فرتب مدرسا للحنابلة بالمدرسة المستنصرية، ولم يزل يعقد مجلس الوعظ فى الجمعات بجامع الخليفة إلى أن توفى، وله تفسير الكتاب الكريم، ومسائل خلاف، وأربعون حديثا تكلم عليها، وله مسموعات كثيرة ومجازات.

قلت: سمع منه جماعة، منهم: نسيبه نصير الدين أحمد بن عبد السلام ابن عكبر.

وروى عنه بالإجازة جماعة من شيوخنا، منهم: صفى الدين عبد المؤمن المذكور فى مشيخته. وقال: توفى يوم الاثنين سابع عشرين شعبان سنة إحدى وثمانين وستمائة، ودفن فى دويرة له مجاور مسجد ابن بورنداز. وكان يوما مشهودا، رحمه الله تعالى.

‌413 - عبد الله بن أبي بكر

بن أبى البدر محمد، الحربى البغدادى الفقيه، الفقير، الزاهد القدوة، بقية شيوخ العراق. ويعرف بكتيلة، ووجدت فى طبقته:

سماع أبيه أبى بكر بن أبى البدر من درة بنت الحلاوى. وأنه يعرف بكتيلة.

ولد الشيخ عبد الله سنة خمس وستمائة.

وسمع الحديث بدمشق من الحافظ الضياء المقدسى، وسليمان الأسعردى.

وأجاز له الشيخ موفق الدين. وتفقه فى المذهب ببغداد على القاضى أبى صالح.

وارتحل.

وتفقه بحران على الشيخ مجد الدين ابن تيمية، وابن تميم صاحب «المختصر» وبدمشق على الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، وغيره. وبمصر على أبى عبد الله ابن حمدان، ونقل عنهم فوائد، وشرح كتاب «الخرقى» وسماه «المهم» وله تصانيف أخر، منها: مجلد فى أصول الدين، سماه «العدة للشدة» وله مصنف فى السماع.

وحدث وسمع منه عبد الرزاق بن القوطى، وغيره.

وكان قدوة زاهدا عابدا ذا أحوال وكرامات. وكان أرباب الدولة وغيرهم

ص: 301

يعظمونه ويحترمونه، وله أتباع وأصحاب، وصحب الشيخ أحمد المهندز وغيره من الصالحين، وحكى عنه أبو عبد الله بن الدباهى الزاهد.

قال الذهبى: حدثنا ابن الدباهى عن الشيخ: أنه - مع جلالته - كان فى بعض الأوقات يترنم ويغنى لنفسه، وأنه كان فيه كيس وظرف وبشاشة، وقال: سمعته يقول: كنت على سطح ببغداد يوم عرفة، وأنا مستلق على ظهرى، قال: فما شعرت إلا وأنا واقف بعرفة مع الركب سويعة، ثم لم أشعر إلا وأنا على حالتى الأولى مستلق، قال: فلما قدم الركب جاءنى إنسان صارخا، فقال: يا سيدى، أنا قد حلفت بالطلاق: أنى رأيتك بعرفة العام، وقال لى واجد وجماعة: أنت واهم، الشيخ ما حج فى هذا العام، قال: فقلت له: امض، لم يقع عليك طلاق

(1)

توفى رحمه الله يوم الجمعة منتصف رمضان سنة إحدى وثمانين وستمائة ببغداد، رحمه الله، وهو فى عشر الثمانين.

‌414 - يوسف بن جامع

بن أبى البركات البغدادى القفصى الضرير، المقرئ، النحوى الفرضى، جمال الدين، أبو إسحاق.

ولد سابع رجب سنة ست وستمائة بالقفص، من قرى دجيل، من أعمال بغداد. وقرأ القرآن بالروايات على أبى عبد الله محمد بن سالم صاحب البطائحى، وعلى بن الحسين اليوسفى، صاحب أبى طالب العكبرى، وغيرهم.

وسمع الحديث من عمر بن عبد العزيز بن الناقد، وأخته تاج النساء عجيبة، وأجاز له عبد العزيز بن منينا، وريحان بن تيكان، وأبو منصور بن عفيجة،

(1)

هذه أوهام تغلب على المتعبدين من استيلاء الأحوال المبتدعة التى ليست على هدى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة الهدى من بعدهم، ويفرح بها الشيطان وحزبه، ويشيعونها فى الدهماء على أنها حقائق لترويج البدع والخرافات الجاهلية، وقد برأ الله الصحابة وأئمة الهدى من ذلك.

ص: 302

والشرف الخالصى، وعبد اللطيف بن القبيطى، وزكريا العلثى، وطائفة.

وبرع فى العربية والقراءة والفرائض، وغير ذلك. وانتفع الناس به فى هذه العلوم. وصنف فيها التصانيف.

قال شيخنا بالإجازة صفى الدين عبد المؤمن فى مشيخته: شيخ عالم بالقراءة والعربية من مشايخ القراء. وصنف فى القراءات وغيرها. وله قصيدة فى التجويد وشروحه. وشرح كتاب «التلقين» لأبى البقاء العكبرى فى النحو. وله مصنفات غير ذلك.

قال إبراهيم الجعبرى: جمّاعة لعلوم القرآن. قرأت عليه «المصباح» فى القراءات. ورواة التذكرة. ووقف ابن الأنبارى، و «اللباب» عن مؤلفه أبى البقاء

ثم رحل إلى الشام، فقرأ على العلم المايوقى شرح «المفصل» و «الخرولية» و «الشاطبية» وصنف «الشافى» فى العشرة، وأرجوزة وغيرهما.

وقال أبو العلاء الفرضى فى معجمه: كان شيخا فقيها عالما، إماما فاضلا، مقرئا، عارفا بروايات السبعة والشواذ وعللها، جامعا للعلوم، وله فى ذلك تصانيف كثيرة.

وقال الشريف عزّ الدين الحافظ: متفنن، له معرفة باللغة العربية، ووجوه القراءات، وطرق القراء. وله فى ذلك تصانيف تدل على فضله.

وقال الذهبى فى تاريخه: كان مقرئ بغداد، عارفا باللغة والنحو، بصيرا بعلل القراءات، متصديا لإقرائها، ودخل دمشق ومصر، وسمع من شيوخها،

وقال فى الطبقات: كان عارفا باللغة والنحو، جم الفضائل، وكان لا يتقدمه أحد فى زمانه فى الإقراء. أخذ عنه على بن أحمد بن موسى الجزرى.

وسمع منه أبو العلاء الفرضى، وأحمد بن القلانسى.

وحدثنى البرازلى: أنه قدم دمشق فى الكهولة، وقرأ ختمة السبعة فى نحو ثمانية أيام على العلم القاسم بن أحمد، وإنما قصد اتصال طريق التيسير له، وإلا فشيوخه أسند من العلم.

ص: 303

قلت: أجاز لغير واحد من شيوخنا، كالعلم البرزالى، وعبد المؤمن بن عبد الحق، وعلى بن عبد الصمد.

وتوفى يوم الجمعة تاسع عشرين - أو يوم السبت سلخ صفر - سنة اثنين وثمانين وستمائة ببغداد، وصلّى عليه يوم السبت، ودفن بباب حرب رحمه الله تعالى.

‌415 - عبد الرحمن بن محمد

بن أحمد بن قدامة المقدسى، الجماعيلى الأصل الصالحى، الفقيه الامام، الزاهد الخطيب، قاضى القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين، أبو محمد، وأبو الفرج، ابن الشيخ أبى عمر.

ولد فى المحرم سنة سبع وتسعين وخمسمائة بالدير بسفح قاسيون.

وسمع من أبيه، وعمه الشيخ موفق الدين، وبإفادتهما من عمر بن طبرزد، وحنبل، وأبى اليمن الكندى، وأبى القاسم بن الحرستانى، وابن ملاعب، وجماعة. أو جاز له الصيدلانى، وابن الجوزى، وجماعة ثم سمع نفسه من أصحاب السلفى. وقرأ الناس على ابن الزبيدى، وابن اللتى وجماعة. وعنى بالحديث وكتب بخطه الأجزاء والطباق.

وتفقه على عمه شيخ الإسلام موفق الدين. وعرض عليه كتاب «المقنع» وشرحه عليه. وأذن له فى إقرائه، وإصلاح ما يرى أنه يحتاج إلى إصلاح فيه.

ثم شرحه بعده فى عشر مجلدات. واستمد فيه من «المغنى» لعمه.

وأخذ الأصول عن السيف الآمدى. ودرس وأفتى. وأقرأ العلم زمانا طويلا وانتفع به الناس، وانتهت إليه رياسة المذهب فى عصره، بل رياسة العلم فى زمانه.

وكان معظما عند الخاص والعام، عظيم الهيبة لدى الملوك وغيرهم، كثير الفضائل والمحاسن، متين الديانة والورع.

وقد جمع المحدث إسماعيل بن الخباز ترجمته وأخباره فى مائة وخمسين جزءا، وبالغ، وبقى كلما أثنى عليه بنعت من الفقه، أو الزهد، أو التواضع: سرد ما ورد

ص: 304

فى ذلك بأسانيده الطويلة الثقيلة، ثم تحول إلى ذكر شيوخه، فترجمهم، ثم إلى ذكر الإمام أحمد، فأورد سيرته ومحنته كلها، كما أوردها ابن الجوزى، ثم أورد السيرة النبوية، لكونه من أمة النبى صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ الذهبى: وما رأيت سيرة عالم أطول منها أبدا.

وقال الذهبى فى معجم شيوخه، فى ترجمة الشيخ شمس الدين: شيخ الحنابلة، بل شيخ الإسلام، وفقيه الشام، وقدوة العباد، وفريد وقته. من اجتمعت الألسن على مدحه والثناء عليه. حدث نحوا من ستين سنة. وكتب عنه أبو الفتح ابن الحاجب.

وقال: سألت عنه الحافظ محمد بن عبد الواحد - يعنى الضياء - فقال: إمام عالم، خير دين.

قال الذهبى: وكان الشيخ محيى الدين - يعنى النووى - يقول: هذا أجل شيوخى.

وأول ما ولى: مشيخة دار الحديث سنة خمس وستين. حدث عنه بها فى حياته

قلت: وروى عنه الشيخ محيى الدين فى كتاب «الرخصة فى القيام» له.

وقال: حدثنا الشيخ الإمام العالم المتفق على إمامته وفضله وجلالته: الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ الإمام العالم، العامل الزاهد أبى عمر المقدسى رضى الله عنه.

قال الذهبى: وروى عنه أيضا الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم، وهو أكبر منه وأسند. وذكره فى تاريخه الكبير. وأطال ترجمته. وذكر فضائله وعبادته وأوراده، وكرمه ونفعه العام، وأنه حج ثلاث مرات. فكان آخرها: قد رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام يطلبه، فحج ذلك العام.

وحضر الفتوحات، وأنه كان رقيق القلب، سريع الدمعة، كريم النفس، كثير الذكر لله، والقيام بالليل، محافظا على صلاة الضحى. ويصلى بين العشاءين ما تيسر، ويؤثر بما يأتيه من صلة الملوك وغيرهم. وكان متواضعا عند العامة،

ص: 305

مترفعا عند الملوك. وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والمحدثين وأهل الدين. وأوقع الله محبته فى قلوب الخلق. ولم يكن فى زمانه من يصلى أحسن منه، ولا أتم خشوعا.

وكان كثير الدعاء والابتهال، لا سيما فى الأماكن المرجو فيها الإجابة، وبعد قراءة آيات الحرس بالجامع بعد العشاء، كثير الاهتمام بأمور الناس، لا يكاد يعلم بمريض إلا افتقده، ولا مات أحد من أهل الجبل إلا شيعه.

وذكر فخر الدين البعلبكى: أنه منذ عرفه ما رآه غضب، وعرفه نحو خمسين سنة.

وقد ولى القضاء مدة تزيد على اثنى عشرة سنة، على كره منه. ولم يتناول معلوما ثم عزل نفسه فى آخر عمره. وبقى قضاء الحنابلة شاغرا مدة، حتى ولى ولده نجم الدين فى آخر حياة الشيخ. وكان الشيخ نزل فى ولايته للحكم على بهيمة إلى البلد.

وقد ذكر أبو شامة فى ذيله: ولاية الشيخ سنة أربع وستين، قال: جاء من مصر ثلاثة عهود بقضاء القضاة لثلاثة من القضاة: ابن عطاء، والزواوى، وابن أبى عمر. فلم يقبل المالكى والحنبلى، وقبل الحنفى. ثم ورد الأمر بإلزامها بذلك، وقيل: إن لم يقبلاها وإلا يؤخذ ما بأيديهما من الأوقاف. ففعلا، وامتنعا من أخذ جامكية، وقالا: نحن فى كفاية، فأعفيا منها.

وذكر الذهبى عن أبى إسحاق اللوزى المالكى - وكان شيخ المالكية، ومن أهل العلم والدين والحديث - أنه قال: كان شيخنا شيخ الإسلام شمس الدين قدوة الأنام، حسنة الأيام، ممن تفتخر به دمشق على سائر البلدان، بل يزهو به عصره على متقدم العصور والأزمان، لما جمع الله له من المناقب والفضائل التى أوجبت للأواخر الافتخار على الأوائل.

منها: التواضع، مع عظمته فى الصدور، وترك التنازع فيما يفضى إلى التشاجر والنفور، والاقتصاد فى كل ما يتعاطاه من جميع الأمور، لا عجرفة فى كلامه

ص: 306

ولا تقعر، ولا تعظم فى مشيته ولا تبختر، ولا شطط فى ملبسه ولا تكثر، ومع هذا فكانت له صدور المجالس والمحافل، وإلى قوله المنتهى فى الفصل بين العشائر والقبائل، مع ما أمده الله عليه من سعة العلم، وفطره عليه من الرأفة والحلم. وكان لا يوفر جانبه عمن قصده، قريبا كان أو أجنبيا. ولا يدخر شفاعته عمن اعتمده، مسلما كان أو ذميا. ينتاب بابه الأمراء والملوك. فيساوى فى إقباله عليهم بين المالك والملوك.

ولى الشيخ قضاء القضاة فى جمادى الأولى سنة أربع وستين على كره منه.

وكان الشيخ رحمه الله رحمة على المسلمين، ولولاه لراحت أملاك الناس لما تعرض إليها السلطان. فقام فيها قيام المؤمنين وأثبتها لهم. وعاداه جماعة الحكام، وعملوا فى حقه المجهود. وتحدثوا فيه بما لا يليق. ونصره الله عليهم بحسن نيته. ويكفيه هذا عند الله.

وقال البرزالى فى تاريخه: كان الشيخ شيخ الوقت، وبركة العصر. ولى الحكم والخطابة، والمشيخة والتدريس مدة طويلة، ومراده خطابة الجبل ومشيخة دار الحديث الأشرفية به.

وقال اليونينى فى تاريخه: شيخ الإسلام، علما وزهدا وورعا، وديانة وأمانة، كبير القدر، جم الفضائل. انتهت إليه الرياسة فى الفقه على مذهب الإمام أحمد، وشرح كتاب «المقنع» لعمه الشيخ موفق الدين، وإن كان معظم الشرح مأخوذ من كلام عمه. وكانت له اليد الطولى فى معرفة الحديث، والأصول والنحو وغير ذلك من العلوم الشرعية، مع العبادة الكثيرة، والتواضع واللطف بكرم الأخلاق، ولين الجانب، والإحسان إلى القريب والبعيد، والاحتمال. وولى قضاء القضاة مكرها. وباشر ذلك مدة. ثم عزل نفسه، وامتنع من الحكم، وبقى متوفرا على العبادة والتدريس، وإشغال الطلبة والتصنيف. وكان أوحد زمانه فى تعدد الفضائل، والتفرد بالمحامد، ولم يكن له نظير فى خلقه ورياضته وما هو عليه،

ص: 307

وانتفع به خلق كثير. وكان على قدم السلف الصالح فى معظم أحواله.

اشتغل على الشيخ شمس الدين رحمه الله خلق كثير.

وممن أخذ عنه العلم: الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والشيخ مجد الدين إسماعيل ابن محمد الحرانى، وكان يقول: ما رأيت بعينى مثله.

وحدث بالكثير. وخرج له أبو الحسن ابن اللبان مشيخة فى أحد عشر جزءا. وأخرج له الحافظ الحارثى أخرى. وحدث بهما.

وروى عنه خلق كثير من الأئمة والحفاظ، منهم: الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وأبو محمد الحارثى، وأبو الحسن بن العطار، والمزى، والبرزالى.

وحدثنا عنه جماعة، منهم: داود بن العطار أخو أبى الحسن، وأبو عبد الله ابن الخباز، وأحمد بن عبد الرحمن الحريرى، وغيرهم.

وتوفى ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ودفن من الغد عند والده بسفح قاسيون. وكانت جنازته مشهودة، حضرها أمم لا يحصون ويقال: إنه لم يسمع بمثلها من دهر طويل.

قال الذهبي: ورأيت وفاة الشيخ شمس الدين بن أبى عمر بخط شيخنا شيخ الإسلام تقى الدين بن تيمية. فمن ذلك: توفى شيخنا الإمام، سيد أهل الإسلام فى زمانه، وقطب فلك الأنام فى أوانه، وحيد الزمان حقا حقا، وفريد العصر صدقا صدقا، الجامع لأنواع المحاسن، والمعافى البرئ عن جميع النقائص والمساوى، القارن بين خلتى العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخلق والخلق، ذى الأخلاق الزكية، والأعمال المرضية، مع سلامة الصدر والطبع، واللطف والرفق، وحسن النية، وطيب الطوية، حتى إن كان المتعنت ليطلب له عيبا فيعوزه - إلى أن قال - وبكت عليه العيون بأسرها، وعم مصابه جميع الطوائف، وسائر الفرق. فأى دمع ما انسجم، وأى أصل ما جذم، وأى ركن ما هدم، وأى فضل ما عدم؟! يا له من خطب ما أعظمه، وأجل ما أقدره، ومصاب ما أقحمه؟ وأكبر ذكره.

ص: 308

وبالجملة: فقد كان الشيخ أوحد العصر فى أنواع الفضائل، بل هذا حكم مسلم من جميع الطوائف. وكان مصابه أجل من أن تحيط به العبارة، فرحمه الله ورضى عنه، وأسكنه بحبوحة جنته، ونفعنا بمحبته. إنه جواد كريم. انتهى.

وقد رثاه نحو ثلاثين شاعرا، منهم الشهاب محمود، وكان من تلامذته، فقال:

ما للوجود، وقد علاه ظلام؟

أعراه خطب أم عداه مرام؟

أم قد أصيب بشمسه فقدا؟ وقد

لبست عليه حدادها الأيام

لم أدر: هل نبذ الظلام نجومه؟

أم حل للفلك الأثير نظام؟

أترى درى صرف الردى لما رمى

أن المصاب بسهمه الإسلام؟

أو أنه ما خص بالسهم الذى

أصمى به دون العراق الشام

سهم تقصد واحدا فغدا وفى

كل القلوب لوقعه آلام

ما خلت أن يد المنون لها على

شمس المعارف والهدى إقدام

من كان يستسقى بغرة وجهه

إن عاد وجه الغيث وهو جهام

وتنير للسارى أسرّة فضله

فكأنما هى للهدى أعلام

كانت تطيب لنا الحياة بأنسه

وبقربه. فعلى الحياة سلام

كانت ليالينا بنور بقائه

فينا تضيء كأنها أيام

من للعلوم؟ وقد علت وغلت به

أضحت تسامى بعده وتسام

من للحديث؟ وكان حافظ سربه

من أن يضم إلى الصحاح سقام

وله إذا ذكر العلوم مراتب

تسمو فتقصر دونها الأوهام

يروى فيروى كل ذى ظمأ له

يحمى الحديث تعلق وهيام

من للقضايا المشكلات إذا نبت

عنها العقول وحارت الأفهام؟

هل للفتاوى من إذا وافى بها

قضى القضاء وجفت الأقلام؟

من للمنابر وهو فارسها الذى

تحيى القلوب به وهن رمام؟

وله إذا أمّ الدروس مواقف

مشهودة ما نالهن إمام

ص: 309

ولديه فى علم الكلام جواهر

غرر بحير بحسنها النظام

من للزمان؟ وكان طول حياته

لليل يحيى والهجير يصام

وذوو الحوائج ما أتوه لحادث

إلا ونالوا عنده ما راموا

وهى طويلة. ومما أفتى به الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، ونقلته من خطه فى رجل استأجر أرض قرية فى زمن الأمن، ثم وقع فيها الخوف من الإفرنج، وتعذر عليه زرع أكثر أراضيها بسبب الخوف: أنه يجوز له الفسخ بذلك. ووافقه عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعى. وهو أبو شامة، وكذلك على الشافعى، ولا أعرف من هو.

وأفتى أيضا فى وقف على جماعة مقربين فى قرية، حصل لهم حاصل من فعل القرية، فطلبوا أن يأخذوا ما استحقوه عن الماضى - وهو سنة خمس مثلا - فهل يصرف إليهم الناظر بحساب سنة خمس الهلالية، أو بحساب سنة المغل؟ مع أنه قد نزل بعد هؤلاء المتقدمين جماعة، وشاركوهم فى حساب سنة المغل، فإن أخذ أولئك على حساب السنة الهلالية لم يبق للمتأخرين إلا شئ يسير.

أجاب هو، وأبو شامة، وابن رزين الشافعى، وسليمان الحنفى: لا يحسب إلا بسنة المغل دون الهلالية.

‌416 - عبد الحليم بن عبد السلام

بن عبد الله بن أبى القاسم بن محمد ابن الخضر ابن تيمية الحرانى، نزيل دمشق، الشيخ شهاب الدين أبو المحاسن، وأبو أحمد بن الشيخ مجد الدين أبى البركات، وقد سبق ذكر أبيه، وهو والد شيخ الإسلام تقى الدين أبى العباس.

ولد سنة سبع وعشرين وستمائة بحران.

وسمع من والده وغيره. ورحل فى صغره إلى حلب، وسمع بها من ابن اللتى وابن رواحة، ويوسف بن خليل، ويعيش النحوى. وقرأ العلم على والده، وتفنن فى الفضائل.

ص: 310

قال الذهبى: قرأ المذهب حتى أتقنه على والده، ودرس وأفتى وصنف، وصار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبه وحاكمه. وكان إماما محققا لما ينقله، كثير الفوائد، جيد المشاركة فى العلوم، له يد طولى فى الفرائض، والحساب والهيئة، وكان دينا متواضعا، حسن الأخلاق جوادا، من حسنات العصر، تفقه عليه ولداه: أبو العباس، وأبو محمد، وحدثنا عنه على المنبر ولده، وكان قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه مهاجرا سنة سبع وستين.

قال: وكان الشيخ شهاب الدين من أنجم الهدى. وإنما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس، يشير إلى أبيه وابنه، فإن فضائله وعلومه انغمرت بين فضائلهما وعلومهما.

وقال البرزالى: كان من أعيان الحنابلة، عنده فضائل وفنون، وباشر بدمشق مشيخة دار الحديث السكرية بالقضاعيين، وبها كان يسكن. وكان له كرسى بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه، ولما توفى خلفه فيها ولده أبو العباس

وله تعاليق وفوائد، وصنف فى علوم عديدة.

توفى رحمه الله ليلة الأحد، سلخ ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ودفن بدمشق من الغد بسفح قاسيون.

‌417 - مظفر بن أبى بكر

بن مظفر بن على الجوسقى، ثم البغدادى، الفقيه الأصولى النظار، تقى الدين أبو الميامن. ويعرف بالحاج.

ولد فى مستهل رجب سنة ثلاث عشرة وستمائة.

وسمع من أبى الفضل محمد بن محمد بن الحسن السباك.

وتفقه وبرع فى المذهب والخلاف والأصول، وناظر وأفتى، ودرس بالمدرسة البشيرية لطائفة الحنابلة. وكان من أعيان الفقهاء وأئمة المذهب.

قال عبد الرزاق بن الفوطى: سمعت شيخنا الإمام أبا حامد محمد بن المطرزى - لما قدم من بغداد إلى مراغة، وقد سئل عمن بقى ببغداد من الأئمة؟ - فقال: لم

ص: 311

أعرف بها فاضلا فقيها عالما بالأصول والفروع، غير تقى الدين الجوسقى. قال:

وكفاك شهادة مثل هذا الكامل لهذا الفاضل.

وحدث. وسمع منه القلانسى، والفرضى. وأجاز لشيخنا على بن عبد الصمد.

وتوفى فى آخر نهار السبت رابع عشرين ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وصلّى عليه من الغد بالبشيرية. ودفن بحضرة قبر الإمام أحمد إلى جانب الشيخ عبد الصمد. رحمهم الله تعالى.

‌418 - محمد بن عبد الولى

بن جبارة بن عبد الولى المقدسى، الفقيه تقى الدين.

سمع بدمشق من أبى القاسم بن صصرى وغيره، وببغداد من أبى الحسن القطيعى وطبقته. وكان فاضلا متقنا صالحا. وهو والد الشيخ شهاب الدين أحمد ابن جبارة الآتى ذكره إن شاء الله تعالى.

توفى فى ذى الحجة سنة ثلاث وثمانين وستمائة بسفح قاسيون. ودفن به رحمه الله تعالى.

‌419 - عبيد الله بن محمد

بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الفقيه شمس الدين.

ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة.

وسمع من كريمة القرشية، وغيرها. وتفقه وبرع فى المذهب، وأفتى ودرس.

قال اليونينى فى تاريخه: كان من الفضلاء، الصلحاء الأخيار. سمع الكثير، وكتب بخطه. وشرع فى تأليف كتاب فى الحديث مرتبا على أبواب الفقه، ولو تم لكان نافعا.

ورأى بعض الصلحاء فى جبل الصالحية النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام، وقد جاء إلى الجبل، فقال له الرائى: يا رسول الله، فيم جئت إلى هنا؟ فقال: جئنا نقبس عبيد الله من نورنا.

ص: 312

وكان شيخنا شمس الدين عبد الرحمن - يعنى ابن أبى عمر - يحبه كثيرا، ويفضله على سائر أهله. وكان أهلا لذلك: ولقد كان من حسنات المقادسة، كثير الكرم والخدمة والتواضع، والسعى فى قضاء حوائج الإخوان والأصحاب.

توفى يوم الاثنين ثامن عشر شعبان سنة أربع وثمانين وستمائة، بقرية جماعيل، من عمل نابلس، ودفن بها. رحمه الله تعالى.

وفى جمادى الأولى من السنة المذكورة توفى: -

‌420 - إسماعيل بن إبراهيم

بن على الفراء الصالحى بالسفح.

وكان صالحا، زاهدا ورعا، ذا كرامات ظاهرة، وأخلاق طاهرة، ومعاملات باطنة. صحب الشيخ الفقيه اليونينى.

وكان يقال: إنه يعرف الاسم الأعظم، رحمه الله تعالى.

‌421 - عبد الرحمن بن عمر

بن أبى القاسم بن على بن عثمان البصرى، الفقيه الضرير، الإمام نور الدين أبو طالب. نزيل بغداد.

ولد يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة بناحية عبدليان، من قرى البصرة.

وحفظ القرآن بالبصرة سنة إحدى وثلاثين على الشيخ حسن بن دويرة المذكور.

وقدم بغداد. وسكن بمدرسة أبى حكيم، وحفظ بها كتاب «الهداية» لأبى الخطاب، وجعل فقيها بالمستنصرية، ولازم الاشتغال حتى أذن له فى الفتوى سنة ثمان وأربعين.

وسمع ببغداد من أبى بكر الخازن، ومحمد بن على بن أبى السهل، والصاحب أبى محمد بن الجوزى، وغيرهم.

وسمع من الشيخ مجد الدين بن تيمية أحكامه، وكتابه «المحرر» فى الفقه. وكان بارعا فى الفقه. وله معرفة فى الحديث والتفسير.

ص: 313

ولما توفى شيخه ابن دويره بالبصرة ولى التدريس بمدرسة شيخه، وخلع عليه ببغداد خلعة، وألبس الطرحة السوداء فى خلافة المستعصم سنة اثنين وخمسين.

وذكر ابن الساعى: أنه لم يلبس الطرحة أعمى بعد أبى طالب بن الحنبلى سوى الشيخ نور الدين هذا. ثم بعد واقعة بغداد: طلب إليها ليولى تدريس الحنابلة بالمستنصرية، فلم يتفق. وتقدم الشيخ جلال الدين بن عكبر - الذى سبق ذكره - فرتب الشيخ نور الدين مدرسا بالبشيرية. فلما توفى ابن عكبر المذكور نقل إلى تدريس المستنصرية فى شوال سنة إحدى وثمانين.

وله تصانيف عديدة، منها: كتاب «جامع العلوم فى تفسير كتاب الله الحى القيوم» كتاب «الحاوى» فى الفقه، فى مجلدين «الكافى» فى شرح الخرقى «الواضح» فى شرح الخرقى، «الشافى» فى المذهب «مشكل كتاب الشهادات» طريقه فى الخلاف يحتوى على عشرين مسألة.

تفقه عليه جماعة، منهم: الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، وسمع منه. وكان يكتب عنه فى الفتاوى، ثم أذن له فكتب عن نفسه، وقال عنه: كان شيخنا من العلماء المجتهدين، والفقهاء المنفردين.

وروى عنه جماعة من شيوخنا بالإجازة. وكانت له فطنة عظيمة، وبادرة عجيبة.

أنبأنى محمد بن إبراهيم الخالدى - وكان ملازما للشيخ نور الدين حتى زوجه الشيخ ابنته - قال: عقد مرة مجلس بالمستنصرية للمظالم، وحضر فيه الأعيان، فاتفق جلوس الشيخ إلى جانب بهاء الدين بن الفخر عيسى، كاتب ديوان الإنشاء، وتكلم الجماعة. فبرز الشيخ نور الدين عليهم بالبحث، ورجع إلى قوله، فقال له ابن الفخر عيسى: من أين الشيخ؟ قال: من البصرة. قال:

والمذهب؟ قال: حنبلى. قال: عجبا! بصرى حنبلى؟ فقال الشيخ: هنا أعجب

ص: 314

من هذا: كردى رافضى. فخجل ابن الفخر عيسى وسكت. وكان كرديا رافضيا.

والرفض فى الأكراد معدوم أو نادر.

توفى الشيخ نور الدين ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة أربع وثمانين وستمائة.

ودفن فى دكة القبور بين يدى قبر الإمام أحمد رضى الله عنه.

ومن فوائده: أنه اختار: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان قليلا.

وفاقا للامام. وأن الترتيب يجب فى التيمم إذا تيمم بضربتين، ولا يجب إذا تيمم بواحدة. وأن الريق يطهر أفواه الحيوانات والولدان. وأن بنى هاشم يجوز لهم أخذ الزكاة إذا منعوا حقهم من الخمس.

وحكى فى جواز التيمم لصلاة العيد إذا خيف فواتها روايتين.

‌422 - عبد الرحيم بن محمد

بن أحمد بن فارس بن راضى بن الزجاج العلثى، ثم البغدادى، الفقيه، المحدث الزاهد الأثرى، عفيف الدين أبو محمد، أحد مشايخ العراق.

ولد فى ربيع الأول سنة اثنتى عشرة وستمائة بالمأمونية ببغداد.

وسمع من عبد السلام بن يوسف العبرتى، من أصحاب ابن ناصر، والفتح ابن عبد السلام، وأحمد بن صرما، وعلى بن بورنداز، والقطيعى، وابن روزبة وابن اللتي، والكاشغرى، وابن الخازن، ونصر بن عبد الرزاق القاضى، وابن القبيطى، وابن السباك، والمبارك بن بيبا، وأحمد بن الشاذلى، وغيرهم.

وسمع بماردين من النشتبرى، وأجاز له من دمشق أبو القاسم بن الحرستاني والافتخار الهاشمى وجماعة، وعنى بالحديث أتم عناية، وقرأ بنفسه الكثير، والعالى والنازل، وسمع الناس بقراءته، وكتب بخطه الكثير.

قال أبو العلاء الفرضى: كان شيخنا عالما، فقيها محدثا، مكثرا مفيدا، زاهدا عابدا، من بيت الحديث، تابعا للسنة، شديدا على المبتدعة، ملازما لقراءة القرآن والعبادة.

ص: 315

وقال محب الدين محمد بن عمر خطيب غرناطة - وقد سمع منه - فقيه، نحوى، لغوى، مفت، وأثنى عليه كثيرا.

قال شيخنا - بالإجازة - صفى الدين عبد المؤمن: كان شيخا جليلا، عالما، عارفا من أجل شيوخ الحديث، ملتزما بالسنة، زاهدا ذا فضل وورع، وأدب وعلم.

وقال البرزالى عنه: محدث بغداد فى وقته؛ موصوف باتباع السنة ونصرها، والذّبّ عنها.

قال الذهبى: وله أتباع وأصحاب، يقومون فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حدث بالكثير ببغداد وبدمشق.

سمع منه بدمشق الكبار، كالشيخ على بن النفيس الموصلى، ومحمود الأرموى، والمزى، والبرزالى، والشيخ تقى الدين ابن تيمية، وغيرهم.

وببغداد خلق؛ منهم: إبراهيم الجعبرى، والفرضى، وابن الغوطى، وشيخنا على بن عبد الصمد.

حدثنا عنه ببغداد العفيف محمد بن السابق. شيخ المستنصرية. وبدمشق محمد بن الخباز.

وتوفى بطريق مكة الشامى، بذات عرق - عند عوده من الحج - يوم الجمعة وقت الصلاة سابع عشر المحرم سنة خمس وثمانين وستمائة.

وحكى عنه: أنه لما مر على الوادى المذكور متوجها إلى مكة - شرفها الله تعالى - من دمشق رأى قبور جماعة ماتوا هناك من قبل، فقرأ واستغفر لهم، وقال: طوبى لمن دفن معكم، فتوفى لما عاد، ودفن معهم، رحمه الله تعالى.

‌423 - خليل بن أبى بكر

بن صديق المراغى، المقرئ الفقيه، الأصولى القاضى، صفى الدين أبو الصفاء، نزيل مصر.

ولد بمراغة سنة بضع وتسعين وخمسمائة.

ص: 316

وقدم دمشق وله نحو عشرين سنة، فقرأ بها القرآن بالعشرة على ابن تاسونة.

وهو آخر من بقى من أصحابه.

وسمع بها من ابن الحرستانى بعض مشيخته، ولم يظهر ذلك.

وسمع من أبى الفتوح البكرى، وابن ملاعب، والعطار، والشيخ موفق الدين، وموسى بن عبد القادر، والشيخ العماد، وابن أبى لقمة، وابن البنى والقزوينى، وابن صصرى، والزبيدى، وابن الصباح، وغيرهم.

وتفقه على الشيخ موفق الدين، وبرع وأفتى.

وقرأ أصول الفقه على السيف الآمدى ولازمه، وأقام بدمشق مدة، ثم توجه إلى الديار المصرية، فأقام بها إلى أن مات، وناب فى القضاء بالقاهرة، فحمدت طرائقه، وشكرت خلائقه.

قال الذهبى: كان مجموع الفضائل، كثير المناقب، متين الديانة، عارفا بالقرآن بعض المعرفة، صحيح الأخذ، بصير بالمذهب، عالما بالخلاف والطب

قرأ عليه بالروايات: بدر الدين بن الجوهرى، وأبو بكر الجعبرى، وجماعة من البصريين.

وسمع منه ابن الظاهرى، وابنه أبو عمر، والقاضى أبو محمد الحارثى، والحافظ المزى، وأبو حيان، والحافظ عبد الكريم بن منبر، وخلق سواهم.

وخرج له الحارثى مشيخة، سمعها منه أبو الحسن محمد بن نباتة.

وقال اليونينى: كان فاضلا، عارفا بالمذهب.

توفى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة سنة خمس وثمانين وستمائة بالقاهرة.

ودفن من الغد بمقابر باب النصر. رحمه الله تعالى.

وفى رجب من هذه السنة توفى الشيخ: -

‌424 - موفق الدين أبو الحسن

على بن الحسين بن يوسف بن الصياد المقرئ الفقيه الحنبلى، المعدل ببغداد، ببعض أعمالها، وكان أحد المعيدين بالمستنصرية.

ص: 317

حدث عن ابن اللتى، وأجاز لجماعة من شيوخنا، وأبو العباس أحمد بن سنان ابن تغلب، المؤدب الصالحى الكاتب، أحد المسندين فى صفر بفاسيون.

روى عن حنبل، وابن طبرزد، والكندى، والطبقة، وله نظم جيد، وكذلك كان أبوه.

وفى آخر السنة توفى: -

‌425 - أبو الفضل محمد بن محمد

بن على بن الزيات البابصرى البغدادى الواعظ، أحد شيوخ بغداد المسندين.

حدث عن ابن صرما، والمبارك بن أبى الجود، والفتح بن عبد السلام، وغيرهم.

وسمع منه خلق كثير، منهم الفرضى.

قال: وكان عالما زاهدا، عارفا، ثقة عدلا، مسندا، من بيت الحديث والزهد. وعظ فى شبابه، ثم ترك.

وفى جمادى الأولى من السنة توفى: -

‌426 - القاضى جلال الدين

أبو إسحاق إسماعيل بن جمعة بن عبد الرزاق قاضى سامرّا.

وكان فاضلا أدبيا، له نظم حسن.

سمع من الشيخ جمال الدين عبد الرحمن بن طلحة بن غامم العلثي «فضائل القدس» لابن الجوزى بسماعه منه، وأجاز لغير واحد من أشياخنا.

‌427 - أحمد بن أحمد

بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الصالحى الفقيه، الزاهد الفرضى، شرف الدين أبو العباس.

ولد فى رابع عشر المحرم سنة أربع عشرة وستمائة.

وسمع من الشيخ موفق الدين - وهو جده لأمه، وعم أبيه - ومن البهاء عبد الرحمن، وابن أبى لقمة، ومن ابن اللتى، وابن صصرى، والحسين بن

ص: 318

الزبيدى. وحضر على موسى بن عبد القادر. وأجاز له ابن الحرستانى، وجماعة.

وتفقه على التقى ابن العز.

وكان شيخا صالحا، زاهدا عابدا، ذا عفة وقناعة باليسير. وله معرفة بالفرائض، والجبر والمقابلة. وله حلقه بالجامع المظفرى، يشتغل بها احتسابا بغير معلوم، وانتفع به جماعة. حدث. روى عنه جماعة.

توفى ليلة الثلاثاء خامس المحرم سنة سبع وثمانين وستمائة. ودفن من الغد عند جده الشيخ موفق الدين بالروضة بالجبل. رحمه الله تعالى.

‌428 - عبد الرحمن بن يوسف

بن محمد بن نصر البعلى، الفقيه المحدث الزاهد، فخر الدين أبو محمد.

ولد سنة إحدى عشرة وستمائة ببعلبك.

وقرأ القرآن على خاله صدر الدين عبد الرحيم بن نصر قاضى بعلبك.

وسمع الحديث من أبى المجد القزوينى، والبهاء المقدسى، وابن اللتى، والناصح بن الحنبلى، ومكرم بن أبى الصقر، وغيرهم.

وتفقه على تقى الدين أحمد بن العزوانى سليمان بن عبد الرحمن بن الحافظ، وشمس الدين عمر بن المنجى. وحفظ «علوم الحديث» وعرضه من حفظه على مؤلفه الحافظ تقى الدين بن الصلاح. وقرأ الأصول وشيئا من الخلاف على السيف الآمدى، والقاضى نجم الدين بن راجح اللذين انتقلا إلى مذهب الشافعى.

وقرأ النحو على أبى عمرو بن الحاجب، ثم على مجد الدين بن الأربلى الحنبلى. وصحب الشيخ الفقيه اليونينى، وإبراهيم البطائحى، والنووى، وغيرهم.

وكان الشيخ الفقيه يحبه، ويقدمه على أولاده، حتى جعله إماما لمسجد الحنابلة إلى أن انتقل إلى دمشق. ودرس بدمشق بالجوزية نيابة عن القاضى نجم الدين ابن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، وبالصدرية والمسمارية نيابة عن بنى المنجى.

وباشر حلقة الجامع. وولى مشيخة الحديث بمشهد عروة، وبدار الحديث النورية وبالصدرية. وتخرج به جماعة من الفقهاء.

ص: 319

وكان دائم البشر، يحب الخمول ويؤثره، ويلازم قيام الليل من الثلث الآخر، ويتلو بين العشائين، ويصوم الأيام البيض، وستا من شوال، وعشر ذى الحجة والمحرم. ولا يخل بذلك. ذكر ذلك كله ولده الشيخ عزّ الدين.

قال: ولقد أخبر بأشياء، فوقعت كما قال لخلائق. وذلك مشهور عند من يعرفه. ولقد قال لى فى صحته وعافيته: أنا أعيش عمر الإمام أحمد، لكن شتان ما بينى وبينه، فكان كما قال. وقال لى: يا بنى، تنزهت عن الأوقاف، إذ كان يمكننى. وكان لى شئ، فلما احتجت تناولت منها.

وقال ابن اليونينى: كان رجلا صالحا زاهدا، فاضلا عابدا، وهو من أصحاب والدى، اشتغل عليه، وقدمه يصلى به فى مسجد الحنابلة، رافقته فى طريق مكة، فرأيته قليل المثل فى ديانته وتعبده، وحسن أوصافه، وكان من خيار الشيوخ علما وعملا، وصلاحا وتواضعا، وسلامة صدر، وحسن سمت، وصفاء قلب، وتلاوة قرآن وذكر. وكان أحد عباد الله الصالحين، ثم ذكر نحوا مما قال ولده، وقال: حدث بالكثير. وسمع منه جماعة من الأئمة والحفاظ.

وقال البرزالى: كان من خيار المسلمين، وكبار الصالحين.

توفى ليلة الأربعاء سابع رجب سنة ثمان وثمانين وستمائة بدمشق. ودفن من الغد بالقرب من قبر الشيخ موفق الدين بروضة الجبل. رحمه الله تعالى.

‌429 - محمد بن عبد الرحيم

بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدى المقدسى، الصالحى، المحدث، الزاهد القدوة، شمس الدين، أبو عبد الله بن الكمال وهو ابن أخى الحافظ الضياء.

ولد فى ليلة الخميس حادى عشر ذى الحجة سنة سبع وستمائة بقاسيون. وحضر على ابن الحرستانى، والكندى.

وسمع من ابن ملاعب، وابن أبى لقمة، والشيخ موفق الدين، وابن البنى،

ص: 320

والقزوينى، وموسى بن عبد القادر، وابن صباح، وابن الزبيدى، وابن اللتى، وخلق كثير.

وقيل: إنه سمع ببغداد من المهذب ابن منده، وتحقق ذلك. ولازم عمه الحافظ الضياء، وتخرج به. وكتب الكثير بخطه. وخرج وانتخب، وقرأ على الشيوخ، وعني بالحديث، وتمم تصنيف «الأحكام» الذى جمعه عمه الحافظ ضياء الدين وخرج غير ذلك من الأجزاء والتخاريج، منها كتاب «فضل العيدين» .

وكان يدرس الفقه بمدرسة عمه الشيخ ضياء الدين، وشيخ الحديث أيضا بها وبدار الحديث الأشرفية بالسفح، وكان للطلبة عليه مواعيد يعلمهم فيها قراءة الحديث ويفيدهم، ويرد عليهم الغلط. انتفع به جماعة.

قال الذهبى: كان إماما فقيها، محدثا زاهدا عابدا، كثير الخير، له قدم راسخ فى التقوى، ووقع فى النفوس.

وقال اليونينى: كان صالحا زاهدا عابدا، متقللا من الدنيا. وعنده فضيلة.

وكان من سادات الشيوخ علما وعملا، وصلاحا وعبادة.

وحكى لى عنه: أنه كان يحضر مكانا فى جبل الصالحية لبعض شأنه، فوجد جرة مملوءة دنانير، وكانت زوجته معه تعينه فى الحفر، فاسترجع وطم المكان كما كان أولا، وقال لزوجته: هذه فتنة، ولعل لها مستحقين لا نعرفهم، وعاهدها على أنها لا تشعر بذلك أحدا، ولا تتعرض إليه. وكانت صالحة مثله، فتركا ذلك تورعا مع فقرهما وحاجتهما. وهذا غاية الورع والزهد. رحمهما الله تعالى.

حدث رحمه الله بالكثير نحوا من أربعين سنة. وسمع منه خلق كثير.

وروى عنه جماعة من الأكابر.

وحدثنا عنه جماعة، منهم: ابن الخباز، وعبد الله بن محمد بن قيم الضيائية، وأحمد الحريرى، وأبو الفضل بن الحموى، وعمر بن عثمان بن سالم المقدسى.

وتوفى بعد عشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء تاسع جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين

ص: 321

وستمائة بمنزله بمدرسة عمه أبى عمر بالجبل. ودفن من الغد عند الشيخ موفق الدين بالروضة. رحمه الله تعالى.

‌430 - أحمد بن عبد الرحمن

بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الصالحى، قاضى القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين أبى محمد، ابن الشيخ أبى عمر، وقد سبق ذكر أبيه وجده.

ولد فى شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة.

وسمع الحديث ولم يبلغ أوان الرواية. وتفقه على والده. وولى القضاء فى حياة والده بإشارته.

قال البرزالى: كان خطيب الجبل، وقاضى القضاة، ومدرس أكثر المدارس وشيخ الحنابلة، وكان فقيها فاضلا، سريع الحفظ، جيد الفهم، كثير المكارم شهما شجاعا، ولى القضاء ولم يبلغ ثلاثين سنة، فقام به أتم قيام.

وقال اليونينى: كانت له الخطابة بالجامع المظفرى، والإمامة بحلقة الحنابلة بجامع دمشق، ونظر أوقاف الحنابلة. وكان مشكور السيرة فى ولايته، وعنده معرفة بالأحكام، وفقه نفيس، وفضيلة ومشاركة فى كثير من العلوم من غير استقلال، وكان يركب الخيل، ويلبس السلاح، ويحضر الغزوات. وحج مرارا

وقال غيره: ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، وشهد فتح طرابلس مع السلطان الملك المنصور. وكان شابا مليحا مهيبا، تام الشكل بدينا، ليس له من اللحية إلا شعيرات يسيرة، وكان مليح السيرة، ذكيا مليح الدروس، له قدرة على الحفظ، ومشاركة جيدة فى العلوم، وله شعر جيد، فمنه:

آيات كتب الغرام أدرسها

وعبرتى لا أطيق أحبسها

لبست ثوب الضنى على جسدى

وحلة الصبر لست ألبسها

وشادن ما رمى بمقلته

إلا سبى العالمين نرجسها

فوجهه جنة مزخرفة

لكن بنبل الجفون يحرسها

ص: 322

وريقه خمرة معتقة

دارت علينا من فيه أكؤسها

يا قمرا أصبحت ملاحته

لا يعتريها عيب يدنسها

صل هائما إن جرت مدامعه

تلحقها زفرة تيبسها

توفى يوم الثلاثاء ثانى عشر جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة، بمنزله بقاسيون. وصلّى عليه ضحوة يوم الأربعاء خارج جامع الجبل، وحضره نائب السلطنة والأمراء والقضاة والأعيان، ودفن عند أبيه وجده، رحمهما الله تعالى وكان عمره ثمانية وثلاثين سنة.

‌431 - عبد الرحمن بن أحمد

بن عبد الملك بن عثمان بن عبد الله بن سعد ابن مفلح بن هبة الله بن نمير المقدسى، ثم الصالحى، المحدث الزاهد، شمس الدين أبو الفرج ابن الزين.

ولد فى ذى القعدة سنة ست وستمائة بقاسيون.

وسمع بدمشق من الكندى، وابن الحرستانى، وابن مندويه، حضورا وسماعا من ابن البناء، وابن الجلاجلى، وابن ملاعب، والشيخ موفق الدين، وجماعة.

وببغداد من الفتح بن عبد السلام، والداهرى، والعلثى، والسهروردى، والحسن بن الجواليقى، وابن بورانداز، وغيرهم.

وسمع بحلب وحران والموصل، وعنى بالسماع. وكتب بخطه، وأثبت لنفسه وله إجازة من أسعد بن روح، وعائشة بنت الفاخر، وزاهر الثقفى، وغيرهم.

قال الذهبى: كان فقيها زاهدا، ثقة نبيلا.

وقال أيضا: كان من أولى العلم والعمل، والصدق والورع. وحدث بالكثير وأكثر عنه ابن نفيس، والمزى، والبرزالى، وحدثنى عنه جماعة.

وتوفى يوم الاثنين تاسع عشرين ذى القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، بالسفح، ودفن من يومه بالقرب من قبر الشيخ أبى عمر، رحمه الله.

ص: 323

وفى هذه السنة - أعنى سنة تسع وثمانين - توفى من أصحابنا: الشيخ شمس الدين أبو الفضائل: -

‌432 - محمد بن عبد الرزاق

بن رزق الله الرسعنى، وقد سبق ذكر أبيه.

وكان ابنه هذا فقيها شاعرا، أديبا معدلا.

حدث عن ابن روزبة، وابن القبيطى، وغيرهم.

وذكر أبوه فى تفسير غير مرة: أنه كان يسأله عن غوامض فى التفسير، ويتكلم فيه بكلام جيد.

غرق بنهر الشريعة من الغور فى جمادى الآخرة من هذه السنة.

وكان أحد الشهود بدمشق، ويؤم بمسجد الرماحين. ومن شعره:

ولو أن إنسانا يبلغ لوعتى

ووجدى وأشجانى إلى ذلك الرشا

لأسكنته عينى، ولم أرضها له

ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا

وله:

أآيس من بر، وجودك واصل

إلى كل مخلوق، وأنت كريم؟

وأجزع من ذنب، وعفوك شامل

لكل الورى طرا، وأنت رحيم؟

وأجهد فى تدبير حالى جهالة

وأنت بتدبير الأنام حكيم؟

وأشكو إلى نعماك ذلى وحاجتى

وأنت بحالى يا عزيز عليم؟

وتوفى فى هذه السنة أيضا: -

‌433 - شمس الدين أبو عبد الله

محمد بن عون الدين يحيى بن شمس الدين على بن عزّ الدين محمد بن الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، نزيل بلبيس، بها، وكان ناظرا على ديوانها.

حدث عن الداهرى، ونصر بن عبد الرزاق. وابن اللتى.

سمع منه الحارثى، والمزى، والقطب عبد الكريم، والبرزالى، والفرضى، وغيرهم. وكان فاضلا. وله شعر حسن.

ص: 324

‌434 -

[*]

على بن أحمد

بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدى، المقدسى الصالحى، الفقيه المحدث المعمر، سند الوقت، فخر الدين أبو الحسن، ابن الشيخ شمس الدين البخارى، وقد سبق ذكر أبيه، وعمه الحافظ الضياء.

ولد فى آخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة، أو أول سنة ست وسبعين.

سمع بدمشق من ابن طبرزد، وحنبل، وأبى المحاسن بن كامل، وأبى اليمن الكندى، وابن الحرستانى، وابن الدنف، والخضر بن كامل، وابن ملاعب، وهبة الله بن طاوس، وأبى الفضل بن سيدهم، وأبى المعالى بن المنجى، وأخيه عبد الوهاب، والشيخ موفق الدين، وأخيه أبى عمر، وغيرهم.

وسمع بالقدس: من أبى على الأوقى، وبمصر: من أبى البركات بن الحباب، وأبى عبد الله بن الرداد، وبالإسكندرية: من جعفر الهمدانى، وظافر بن سحم، وابن رواح، وبحلب من ابن خليل الحافظ، وبحمص: من أبيه الشمس البخارى الفقيه، وببغداد: من عبد السلام الداهرى، وعمر بن كرم. وتفرد بالرواية عن جماعة منهم، وقرأ بنفسه.

وسمع كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء. واستجاز له عمه الحافظ الضياء من خلق، منهم: أبو المكارم اللبان، وأبو جعفر الصيدلانى، والكرانى، وعفيفة الفارقانية، وأبو سعد الصفار، وأسعد العجلى، وعبد الواحد الصيدلاني، وأبو طاهر الخشوعى، وأبو الفرج بن الجوزى، والمبارك بن المعطوش، وهبة الله ابن السبط وغيرهم. وتفرد فى الدنيا بالرواية العالية.

وتفقه على الشيخ موفق الدين، وقرأ عليه المقنع، وأذن له فى إقرائه، وقرأ مقدمة فى النحو، وصار محدث الإسلام وروايته، روى الحديث فوق ستين سنة وسمع منه الأئمة الحفاظ المتقدمون، وقد ماتوا قبله بدهر، وخرج له عمه الحافظ ضياء الدين جزءا من عواليه، وحدث كثيرا، سمعنا من أصحابه.

[*](تعليق الشاملة): ورد الترقيم في المطبوع (334) وهو غلط

ص: 325

وذكر عمر بن الحاجب فى معجم شيوخه، فقال: تفقه على والده، وعلى الشيخ موفق الدين، قال: وهو فاضل، كريم النفس، كيس الأخلاق، حسن الوجه، فاض للحاجة، كثير التعصب، محمود السيرة، سألت عمه الشيخ ضياء الدين عنه؟ فأثنى عليه، ووصفه بالخلق الجميل، والمروءة التامة.

وقال الفرضى فى معجمه: كان شيخا عالما فقيها، زاهدا عابدا، مسندا مكثرا، وقورا، صبورا على قراءة الحديث، مكرما للطلبة، ملازما لبيته، مواظبا على العبادة، ألحق الأحفاد بالأجداد، وحدث نحوا من ستين سنة، وتفرد بالرواية عن شيوخ كثيرة.

وقال الشيخ تاج الدين الفراوى فى تاريخه: انتهت إليه الرياسة فى الرواية، وقصده المحدثون من الأقطار.

وقال الحافظ البرزالى: كان يحفظ كثيرا من الأحاديث وألفاظها المشكلة، وكثيرا من الحكايات والنوادر، ويرد على من يقرأ عليه مواضع، يدل رده على فضل ومطالعة ومعرفة، سألت ابن عبد القوى عنه؟ وعن ابن عبد الدائم؟ فرجح فضيلته على فضيلة ابن عبد الدائم.

وقال الذهبى: كان فقيها عارفا بالمذهب، فصيحا، صادق اللهجة. يرد على الطلبة، مع الورع والتقوى، والسكينة والجلالة.

وقال أيضا: كان فقيها إماما فاضلا، أديبا زاهدا صالحا خيّرا، عدلا مأمونا، وقال: سألت المزى عنه؟ فقال: أحد المشايخ الأكابر، والأعيان الأماثل، من بيت العلم والحديث قال: ولا يعلم أن أحدا حصل له من الحظوة فى الرواية فى هذه الأزمان مثل ما حصل له.

قال شيخنا ابن تيمية: ينشرح صدرى إذا أدخلت ابن البخارى بينى وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث.

وكان الشيخ فخر الدين فى أول أمره يتعاطى السفر للتجارة، فلما أسنّ لزم

ص: 326

بيته متوفرا على العبادة والرواية، ولم يتدنس من الأوقاف بشئ، بل هو وقف على مدرسة عمه الحافظ ضياء الدين من ماله، حدث من بعد العشرين والستمائة، وسمع منه الحفاظ والمتقدمون عمر بن الحاجب - ومات سنة ثلاثين وستمائة - والحافظ زكى الدين المنذرى، والرشيد العطار، حافظ الديار المصرية، وتكاثر عليه الطلبة من نحو الخمسين والستمائة، وازدحموا بعد الثمانين، حتى كان يكون لهم فى اليوم الواحد عليه ثلاثة مواعيد.

وحدث ببلاد كثيرة، بدمشق، ومصر، وبغداد، والموصل، وتدمر، والرحبة، والحديثة، وزرع.

وحدث بالغزوات أيام الملك الظاهر، وخرج له أبو القاسم على بن بلبان مشيخة حدث بها، سمعناها من أبى عبد الله محمد بن الخباز عنه.

وفى آخر عمره: خرج له الحافظ بن الظاهرى مشيخة بمصر، وأرسلها مع البريد ففودى لها بدمشق، وفوّه بذكرها المحدثون والفقهاء، وسارعوا إلى سماعها، وجمع لها صبيان كثير، وانتدب لقراءتها الشيخ شرف الدين الفزارى، فقرأها فى ثلاثة مجالس، اجتمع لها فى المجلس الأخير: ألف نفس أو أكثر، ولم يعهد فى هذه الأزمان مثل ذلك، ثم حدث بها مرارا عديدة. ورحل إليه الحفاظ والطلبة من الأقطار. وتكاثرت عليه الإجازات من أطراف البلاد، ولزمه المحدثون.

قال الذهبى: لا يدرى ما قرأه عليه الموصلى والمزى من الكتب والأجزاء.

فأما البرزالى، فقال: سمعت منه بقراءتى عليه وقراءة غيرى ثلاثة وعشرين مجلدا، وأكثر من خمسمائة جزء.

وممن سمع منه من الحفاظ والأكابر: الدمياطى، وابن دقيق العيد، والحارثى، والقاضى تقى الدين سليمان بن حمزة، والشيخ شمس الدين بن الكمال - قرأ عليه عدة أجزاء، ومات قبله - والشيخ تقى الدين ابن تيمية، وابن جماعة. ورحل إليه أبو الفتح بن سيد الناس. فوجده مات قبل وصوله بيومين، فتألم لذلك.

ص: 327

قال الذهبى: وهو آخر من كان فى الدنيا بينه وبين النبى صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال ثقات.

قلت: يريد بالسماع المتصل.

قال: وإن كان للدنيا بقاء فليتأخرن أصحابه إن شاء الله تعالى إلى بعد السبعين وسبعمائة - يريد لكثرتهم - وكذا وقع. فإنا نحن الآن بعد السبعين.

ومن أصحابه جماعة أحياء. وآخر من مات منهم: صلاح الدين محمد بن عبد الله ابن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن الشيخ أبى عمر المقدسى، أقام بمدرسة جده أبى عمر.

توفى فى شوال سنة ثمانين وسبعمائة. وله نظم جيد، فمنه، أى لابن البخارى:

تكررت السنون على حتى

بليت وصرت من سقط المتاع

وقل النفع عندى، غير أنى

أعلل للرواية والسماع

فإن بك خالصا فله جزاء

وإن يك مانعا فالى ضياع

وله رحمه الله تعالى:

إليك اعتذارى من صلاتى قاعدا

وعجزى عن سعى إلى الجمعات

وتركى صلاة الفرض فى كل مسجد

تجمع فيه الناس للصلوات

فيا رب لا تمقت صلاتى، ونجنى

من النار، واصفح لى عن الهفوات

وله أيضا رحمه الله تعالى:

أتتك مقدمات الموت تسعى

وقلبك غافل عنها وساهى

فجدّ، فقد دنت منك المنايا

ودع عنك التشاغل بالملاهى

فلا تأمن لمكر الله، واحذر

وكن متقاصرا عند التناهى

فكم ممن يساق إلى جحيم

صحائفه مسوّدة كما هى

وليس كمن يساق إلى نعيم

وجنات مزخرفة زواهى

فلا تظنن بربك ظنّ سوء

فحسن الظن جد غير واهى

ص: 328

وله:

أتاك الموت يا ولد البخارى

فقدم صالحا، واسمح ودارى

وأيقن أن يوم البعث يأتى

فيؤخذ بالصغار وبالكبار

كأنك فوق نعشك مستقر

وتحملك الرجال إلى الصحارى

وتنزل مفردا فى قعر لحد

ويحثى الترب فوقك بالمدارى

فلا، والله، ما ينفعك شئ

تخلف من متاع أو عقار

بلى إن كنت تتركه حبيسا

على الفقراء أطراف النهار

لعل الله أن يعفو ويغفر

لما أسلفت يا ولد البخارى

سمعنا الكثير من خلق من أصحابه.

وتوفى - رضى الله عنه - ضحى يوم الأربعاء ثانى شهر ربيع الآخر سنة تسعين وستمائة. وصلّى عليه وقت الظهر بالجامع المظفرى. ودفن عند والده بسفح قاسيون. وكانت له جنازة مشهودة. شهدها القضاة والأمراء والأعيان وخلق كثير. رحمه الله تعالى.

‌435 - إبراهيم بن عبد الرحمن

بن أحمد بن المعرى، المعرى البعلى، الفقيه الزاهد العابد، زكى الدين أبو إسحاق.

حضر على الشيخ موفق الدين. وسمع من البهاء عبد الرحمن وغيره. وتفقه وحفظ «المقنع» . وكان صالحا، عالما عابدا، زاهدا ورعا. اجتمعت الألسن على مدحه والثناء عليه. ذكره ابن اليونينى.

وقال الذهبى: كان من أعبد البشر.

توفى ليلة السبت سابع شوال سنة إحدى وتسعين وستمائة ببعلبك. وصلّى عليه من الغد. ودفن بمقابر باب بطحا، وله إحدى وثمانون سنة. رحمه الله تعالى.

‌436 - إبراهيم بن على

بن أحمد بن فضل، الواسطى الصالحى، الفقيه الزاهد العابد، شيخ الإسلام، بركة الشام، قطب الوقت، تقى الدين أبو إسحاق

ص: 329

ولد سنة اثنتين وستمائة.

وسمع بدمشق من ابن الحرستانى، وابن البناء، وابن ملاعب، وابن الجلاجلى، والشمس العطار السلمى، وموسى بن عبد القادر، والشيخ موفق الدين وابن أبى لقمة، وجماعة آخرين. ورحل فى طلب الحديث والعلم.

وسمع ببغداد من الشيخ أبى الفتح بن عبد السلام، وابن الجواليقى، والداهرى، وعمر بن كرم، وعلى بن نورنداز، والسهروردى، وأبى منصور بن عفيجة، وأبى نصر النرسى، وابن الزبيدى، وخلق.

وسمع من عبد الرحمن بن علوان بحلب، ومن أحمد بن سلامة النجار بحران، ومحمود بن أبى العز بن الشطيطى بالموصل، وغيرهم.

وسمع كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء. وعنى بالحديث. وقرأ بنفسه.

وله إجازة من جماعة من الأصبهانيين والبغداديين، كأسعد بن روح، وعائشة بنت معمر، وزاهر الثقفى، وابن طبرزد، وابن سكينة، وابن الأخضر، وغيرهم.

وتفقه فى المذهب، وأفتى، ودرس بالمدرسة الصاحبية بقاسيون نحوا من عشرين سنة، وبمدرسة الشيخ أبى عمر. وولى فى آخر عمره مشيخة دار الحديث الظاهرية. وحدث بها مدة. وكان من خير خلق الله علما وعملا.

قال الذهبى: قرأت بخط العلامة كمال الدين بن الزملكانى فى حقه: كان كبير القدر، له وقع فى القلوب وجلالة، ملازم للتعبد ليلا ونهارا، قائم بما يعجز عنه غيره، مبالغ فى إنكار المنكر. بائع نفسه فيه، لا يبالى على من أنكر.

يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويعظم الشعائر والحرمات. وعنده علم جيد. وفقه حسن. وكان داعية إلى عقيدة أهل السنة والسلف الصالح، مثابرا على السعى فى هداية من يرى فيه زيغا عنها. وكانت جنازته مشهودة. إلى آخر كلامه.

وقال البرزالى: تفرد بعلو الإسناد، وكثرة الرواية والعبادة، ولم يخلق مثله.

ص: 330

قلت: حدث بالكثير. وروى عنه خلق كثير. وحدثنا عنه جماعة من أصحابه.

وتوفى فى آخر نهار يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وستمائة. وصلّى عليه بكرة السبت. ودفن بتربة الشيخ موفق الدين. وكانت جنازته مشهودة بكثرة الخلق. وحضرها القضاة والأمراء والصاحب بن السلعوس والأعيان. رحمه الله تعالى.

‌437 - أحمد بن حمدان

بن شبيب بن حمدان بن شبيب بن حمدان بن محمود بن شبيب بن غياث بن سابق بن وثاب النمرى الحرانى، الفقيه الأصولى، القاضى نجم الدين، أبو عبد الله بن أبى الثناء، نزيل القاهرة، وصاحب التصانيف.

ولد سنة ثلاث وستمائة بحران.

وسمع الكثير بحران من الحافظ عبد القادر الرهاوى. وهو آخر من روى عنه، ومن الخطيب أبى عبد الله ابن تيمية، وابن روزبة، وغيرهم.

وسمع بحلب من الحافظ ابن خليل، وغيره، وبدمشق: من ابن غسان، وابن صباح، وبالقدس: من الاوتى، وغيرهم. وطلب بنفسه، وقرأ على الشيوخ

وتفقه على الناصحين الحرانيين: ابن أبى الفهم، وابن جميع. وأخذ عن الخطيب فخر الدين، وجالس ابن عمه الشيخ مجد الدين، وبحث معه كثيرا، وبرع فى الفقه، وانتهت إليه معرفة المذهب، ودقائقه وغوامضه.

وكان عارفا بالأصلين والخلاف والأدب. وصنف تصانيف كثيرة.

منها «الرعاية الصغرى» فى الفقه، و «الرعاية الكبرى» وفيها نقول كثيرة جدا، لكنها غير محررة، وكتابى «الوافى» فى أصول الفقه، ومقدمة أصول الدين، وقصيدة طويلة فى السنة، وكتاب «صفة المفتى والمستفتى» .

وولى نيابة القضاء بالقاهرة. وأظنه ولى قضاء المحلة أيضا.

وتفقه به وتخرج عليه جماعة، وحدث بالكثير. وعمر وأسن وأضر.

ص: 331

وروى عنه الدمياطى، والحارثى، وابنه، والمزى، وأبو الفتح اليعمرى، والبرزالى، وغيرهم. وحدثنا عنه محمد بن أبى القاسم الفارقى الشاهد بالقاهرة

وتوفى يوم الخميس سادس صفر سنة خمس وتسعين وستمائة بالقاهرة.

وتوفى أخوه: -

‌438 - تقى الدين شبيب،

الأديب البارع، الشاعر المفلق، الطبيب الكحال - فى ربيع الآخر من السنة أيضا. وهو فى عشر الثمانين.

سمع من ابن روزبة، وطائفة، وقد عارض «بانت سعاد» بقصيدة عظيمة يقول فيها:

مجد كبا الوهم عن إدراك غايته

ورد عقل البرايا، وهو معقول

طوبى لطيبة، بل طوبى لكل فتى

له بطيب ثراها الجعد تقبيل

‌439 - المنجى بن عثمان

بن أسعد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخى، المعرى الأصل، الدمشقى، الفقيه الأصولى، المفسر النحوى، زين الدين أبو البركات بن عزّ الدين أبى عمر بن القاضى وجيه الدين أبى المعالى، وقد سبق ذكر أبيه وجده.

ولد فى عاشر ذى القعدة سنة إحدى وثلاثين وستمائة.

وحضر على أبى الحسن بن المقير، وجعفر الهمدانى، وسالم بن صصرى.

وسمع من السخاوى، وابن مسلمة، والقرطبى، وجماعة. وتفقه على أصحاب جده، وأصحاب الشيخ موفق الدين، وقرأ الأصول على كمال الدين التفليسى، وغيره. وقرأ النحو على ابن مالك، وبرع فى ذلك كله، ودرس وأفتي، وناظر وصنف، وانتهت إليه رئاسة المذهب بالشام فى وقته.

ومن تصانيفه «شرح المقنع» فى أربع مجلدات «وتفسير القرآن الكريم» وهو كبير، لكنه لم يبيضه، وألقاه جميعه دروسا، وشرع فى «شرح المحصول»

ص: 332

ولم يكمله. واختصر نصفه. وله تعاليق كثيرة، ومسودات فى الفقه والأصول وغير ذلك لم تبيض.

وكان له فى الجامع حلقة للاشتغال والفتوى نحو ثلاثين سنة، متبرعا لا يتناول على ذلك معلوما. وكانت له أوراد صالحة من صلاة وذكر. وله إيثار كثير وبر، يفطر عنده الفقراء فى بعض الليالى، وفى شهر رمضان كله. وكان حسن الأخلاق.

ذكر ذلك بمعناه الذهبى، وقال: كان معروفا بالذكاء، وصحة الذهن، وجودة المناظرة، وطول النفس فى البحث.

وقال البرزالى: كان عالما بفنون شتى: من الفقه، والأصلين، والنحو.

وله يد فى التفسير. وانتهت إليه رئاسة مذهبه، وله مصنف فى «أصول الفقه» وشرح المقنع فى الفقه، وتعاليق فى التفسير. واجتمع له العلم والدين، والمال والجاه وحسن الهيئة. وكان صحيح الذهن، جيد المناظرة صبورا فيها. وله بر وصدقة.

وكان ملازما للاقراء بجامع دمشق من غير معلوم.

وسئل الشيخ جمال الدين بن مالك أن يشرح ألفيته فى النحو؟ فقال: ابن المنجى بشرحها لكم.

قلت: درس الشيخ زين الدين بالحنبلية والصدرية. وأخذ عنه الفقه الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والشيخ شمس الدين بن الفخر البعلى، والشيخ تقى الزريرانى

وحدث. وسمع منه ابن العطار، والمزى، والبرزالى. وحدثنا عنه أبو الفضل ابن الحموى وغيره.

وتوفى يوم الخميس رابع شعبان سنة خمس وتسعين وستمائة بدمشق. وتوفيت زوجته أم محمد ست البهاء بنت الصدر الخجندى ليلة الجمعة خامس الشهر، وصلّى عليهما معا عقيب صلاة الجمعة بجامع دمشق، ودفنا بتربة بيت المنجى بسفح قاسيون. رحمهما الله تعالى.

ص: 333

‌440 - الحسن بن عبد الله

بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى الصالحى، قاضى القضاة، شرف الدين، أبو الفضل بن الخطيب شرف الدين ابن أبى بكر بن الشيخ أبى عمر، وقد سبق ذكر أبيه وجده.

ولد فى شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة.

وسمع من ابن القميرة، ولكن لم يظهر سماعه منه فى حياته، ومن المرسى ابن مسلمة، وغيرهم. وقرأ بنفسه على الكفرطابى. وتفقه وبرع فى المذهب.

وشارك فى الفضائل. وولى القضاء بعد نجم الدين أحمد بن الشيخ شمس الدين.

واستمر إلى حين وفاته.

قال البرزالى: كان قاضيا بالشام على مذهب الإمام أحمد، ومدرسا بدار الحديث الأشرفية بسفح قاسيون، ومدرسة جده. وكان مليح الشكل، حسن المناظرة، كثير المحفوظ، عنده فقه ونحو ولغة. روى لنا عن ابن مسلمة.

وقال الذهبى: كان من أئمة المذهب، بقى فى القضاء ست سنين.

ومات فى ليلة الخميس ثانى عشر شوال سنة خمس وتسعين وستمائة، ودفن ضحى يوم الخميس بمقبرة جده بسفح قاسيون، وحضر جنازته نائب السلطنة، والقضاة والأكابر، وعمل عزاؤه بكرة الجمع بالجامع المظفرى. وحضره خلق كثير ذكره البرزالى. وهو والد الشيخ شرف الدين أبى العباس أحمد، المعروف بابن قاضى الجبل.

‌441 - عبد السلام بن محمد

بن مرزوع بن أحمد بن عزاز المصرى البصرى، الفقيه، المحدث الحافظ، نزيل المدينة النبوية، عفيف الدين أبو محمد

ولد فى شوال سنة خمس وعشرين وستمائة بالبصرة.

ورحل إلى بغداد، وسمع بها من ابن قميرة، وإبراهيم الزغبى، وعلى بن معالى الرصافى، والمبارك الخواص، وعلى بن الخيمى، وفضل الله الجيلى. وعنى بالأثر.

وقرأ بنفسه.

ص: 334

وتفقه على الشيخ كمال الدين بن وضاح. وقرأ عليه «المحرر» فى الفقه.

ثم انتقل إلى المدينة، واستوطنها نحوا من خمسين سنة، إلى أن مات بها. وحج منها أربعين حجة على الولاء، ودرس بها الفقه بالمدرسة الشهابية للحنابلة، والشافعية.

وحدث بالكثير بالحجاز، وببغداد، وبمصر، ودمشق.

وسمع منه جماعة من شيوخنا ببغداد، وبالحجاز: على بن جابر الهاشمى، وعتيق العمرى، والقاضى أبو عبد الله بن مسلم، وبدمشق: البرزالى، وابن الخباز شيخنا وغيره، وبالقاهرة الحارثى، وجماعة.

ذكره الفرضى فى معجم شيوخه، فقال: إمام فاضل، عالم فقيه، زاهد عابد، عارف بفنون العلم والأدب.

وقال البرزالى: شيخ عالم، متدين، عارف بفن الأدب. جاور بالمدينة مدة طويلة، ودرس بها، وأفتى على مذهب الإمام أحمد.

وقال أيضا: الشيخ الإمام الحافظ، السيد القدوة، عفيف الدين. كان رجلا فاضلا، عاقلا خيرا، حسن الهيئة. سمع وحدث. وذكر: أنه سمع منه بدمشق والمدينة النبوية، وبرابغ، وخليص.

قال: وتوفى بالمدينة يوم الثلاثاء بعد الصبح، سابع عشرين صفر سنة ست وتسعين وستمائة. ودفن من يومه بالبقيع وقيل: إنه مات فى ثالث عشرين صفر، وصلّى عليه بجامع دمشق صلاة الغائب فى شهر رمضان

وفى صفر أيضا من هذه السنة: توفى قاضى القضاة بالديار المصرية: -

‌442 - عزّ الدين أبو حفص

عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسى بالقاهرة. ودفن بتربة الحافظ عبد الغنى، وله ست وستون سنة.

حضر على ابن اللتى. وسمع من جعفر الهمدانى، وابن رواح ودرس، وأفتى وكان محمود القضايا، مشكور السيرة، متثبتا فى الأحكام، مليح الشكل.

ص: 335

قرأت بخط الذهبى: إمام، جامع للفضائل، محمود القضايا، متثبت. كان ابن جماعة يعتمد على إثباتاته، وسمع منه الذهبى بالقاهرة.

وفى ذى الحجة من السنة: توفى الفقيه الزاهد القدوة: -

‌443 - شمس الدين أبو عبد الله

محمد بن حازم بن حامد بن حسن المقدسى بنابلس، فى رجوعه من زيارة المسجد الأقصى، وهو فى عشر الثمانين.

وكان كثير الذكر، حسن السمت، فقيها فاضلا، عابدا.

سمع من ابن صصرى، والناصح بن الحنبلى، وابن الزبيدى، وابن غسان، والضياء الحافظ، وأكثر عنه، حدث بالكثير. رحمه الله تعالى.

‌444 - أحمد بن عبد الرحمن

بن عبد المنعم بن نعمة، المقدسى، النابلسى العابد الفقيه المحدث، شهاب الدين أبو العباس، ابن الشيخ جمال الدين. وقد سبق ذكر أبيه.

ولد ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة بنابلس.

وسمع بها من عمه تقى الدين يوسف، ومن الصاحب محى الدين بن الجوزى وحضر فى الرابعة على سليمان الأسعردى، وسمع من ابن الحميرى، وابن رواح، والساوى، وسبط السلفى وغيرهم.

ورحل إلى مصر، ودمشق، والإسكندرية. وقرأ بنفسه على القوصى، وأجاز له محمود بن منده، ومحمد بن عبد الواحد المدينى والسهروردى، وابن روزبة. وتفقه فى المذهب، وبرع فى معرفة تعبير الرؤيا، وانفرد بذلك بحيث لم يشارك فيه، ولم يدرك شأوه. وكان الناس يتحيرون منه إذا عبر الرؤيا، لما يخبر الرائى بأمور جرت له، وربما أخبره باسمه وبلده ومنزله، ويكون من بلد ناء. وله فى ذلك حكايات كثيرة غريبة مشهورة، وهى من أعجب العجب.

وكان جماعة من العلماء يقولون: إن له رئيّا من الجن، وكان - مع ذلك -

ص: 336

كثير العبادة والأوراد والصلاة. لكن يقال: إنه كان يتعبد على وجوه غير مشروعة، كالصلاة فى وقت النهى.

وذكر عنه بعض أقاربه: أنه رأى عنده شيئا من آثار الجن.

وقد رأيت لأبى العباس القرافى المالكى صاحب «القواعد» كلاما حسنا فى التعبير، فرأيت أن أذكره ههنا.

قال: اعلم أن تفسير المنامات قد اتسعت تقييداته، وتشعبت تخصيصاته، وتنوعت تفريعاته بحيث صار لا يقدر الإنسان يعتمد على مجرد المنقولات لكثرة التخصيصات بأحوال الرائين، بخلاف تفسير القرآن الكريم، والتحدث فى الفقه، والكتاب والسنة، وغير ذلك من العلوم. فإن ضوابطها محصورة، أو قريبة من الحصر. وعلم المنامات منتشر انتشارا شديدا، لا يدخل تحت ضبط.

لا جرم ان احتاج الناظر فيه - مع ضوابطه وقوانينه - إلى قوة من قوى النفس المعينة على الفراسة والاطلاع على المغيبات، بحيث إذا توجه الحزر إلى شئ لا يكاد يخطئ، بسبب ما يخلفه الله تعالى فى تلك النفس من القوة المعينة على تقريب الغيب أو تحقيقه. فمن الناس من هو كذلك. وقد يكون ذلك عاما فى جميع الأنواع. وقد يهبه الله تعالى ذلك باعتبار المنامات فقط، أو بحسب علم الرمل فقط، فلا يفتح له صحة القول والنطق فى غيره. ومن ليس له قوة نفس فى هذا النوع، صالحة فى ذلك لعلم تعبير الرؤيا لا يكاد يصيب إلا على الندور، فلا ينبغى له التوجه لعلم التعبير. ومن كانت له قوة نفس هو الذى ينتفع بتعبيره. وقد رأيت من له قوة نفس مع القواعد. فكان يتحدث بالعجائب والغرائب فى المنام اللطيف، ويخرج منه الأشياء الكثيرة، والأحوال المتباينة، ويخبر فيه عن الماضيات والحاضرات والمستقبلات، وينتهى فى المنام اليسير إلى نحو مائة من الأحكام بالعجائب والغرائب، حتى يقول من لا يعلم أحوال قوى النفوس: إن هذا من الجان والمكاشفة، وليس كما قال، بل هو قوة نفس، تجد بسببها تلك

ص: 337

الأحوال عند توجهه للمنام. ورأيت أنا جماعة من هذا النوع واختبرتهم انتهى كلامه.

وأظنه يشير إلى الشيخ شهاب الدين المذكور، فإنه كان معاصره. وله مصنف فى هذا العلم، سماه «النور المنير» .

قال الذهبى: كان إماما فاضلا. وله مصنف نفيس فى الأحكام. وأقام مدة بالقاهرة، ومدة بدمشق. وبها مات. وولى بها مدة شهور مشيخة دار الحديث الأشرفية بسفح قاسيون، وأسمع بها الحديث، ثم صرف عنها. وذكر مدة لقضاء الحنابلة.

وحدث بدمشق ومصر وغيرها.

وسمع منه خلق من الحفاظ وغيرهم، كالمزى، والبرزالى، والذهبى، وشيخنا ابن القيم. وحدثنا عنه غير واحد.

توفى يوم الأحد تاسع وعشرين ذى القعدة سنة سبع وتسعين وستمائة بدمشق، ودفن من يومه بمقابر باب الصغير بتربة ابن أبى الطيب. وكانت جنازته حافلة.

وخرج نائب السلطنة للصلاة عليه والقضاة والأكابر. رحمه الله تعالى.

‌445 - عبد العزيز بن أبى القاسم

بن عثمان بن عبد الوهاب البابصرى الفقيه الأديب الصوفى، عزّ الدين أبو محمد. نزيل دمشق.

ولد فى صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة ببغداد.

وسمع بها من أبى الفضل يحيى بن محمد بن الأجل مشيخة الباقرجى سماعه من ذاكر بن كامل، ولم يظهر هذا إلا بعد موته.

وسمع أيضا من إبراهيم بن أبى المفاخر الخياط، وبدمشق من الصيرفى ابن الفقيه، وغيره. وأجاز له عبد الصمد بن أبى الجيش، والداعى الرشيدى.

قال الذهبى: سكن دمشق، وأقام بالخانقاه. وكان فقيها عالما صالحا.

وقال فى تاريخه: كان عارفا بالفقه، بصيرا بالأدب والشعر وأيام الناس،

ص: 338

ضعف بصره. وطلب من الجماعة أن يسمعوا منه شيئا لتناله بركة الحديث.

وقال البرزالى فى معجمه: كان له نظم جيد، ومعرفة بالتاريخ، وكتب لنفسه استجازات منظومة. وأجابه جماعة من الشيوخ نظما، منهم: ابن وضاح، وأبو اليمن بن عساكر. وكان فقيها فاضلا، من أعيان الحنابلة، وانقطع فى آخر عمره بالخانقاه الشميساطية. وبها مات.

وقال غيره: سمع منه صديقه شمس الدين بن الفخر البعلى، والبرزالى، والذهبى، وغيرهم.

وتوفى يوم الأحد سابع عشر شوال سنة سبع وتسعين وستمائة. ودفن من الغد ضحى بمقابر الصوفية. رحمه الله تعالى.

‌446 - أحمد بن محمد

بن الأنجب بن الكسار، الواسطى الأصل، البغدادى المحدث الحافظ، صدر الدين أبو عبد الله.

ولد سنة ست وعشرين وستمائة.

وسمع ببغداد من ابن القطيعى، وابن اللتى، وابن القبيطى، وابن قميرة، وغيرهم. وأكثر عن المتأخرين بعدهم.

وسمع بواسطة من الشريف الداعى الرشيدى، وقرأ كثيرا من الكتب والأجزاء، وعنى بالحديث، وكانت له معرفة حسنة به.

قال شيخنا بالإجازة صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق: تفرد فى زمانه بمعرفة الحديث وأسماء الرواة، وكتب بخطه كثيرا، وحصل أصولا كثيرة، وكان ضنينا بالفوائد، سمعت عليه كتاب «الفرج بعد الشدة» لابن أبى الدنيا، عن ابن قميرة، بقراءة أبى العلاء الفرضى.

وقال الذهبى: قال لنا الفرضى: كان فقيها محدثا حافظا، له معرفة بشئ من الشيوخ والعلل وغير ذلك.

ص: 339

وقال الذهبى: وبلغنى أنه تكلم فيه، وهو متماسك، وله عمل كثير فى الحديث، وشهرة بطلبه.

قلت: وكان قارئا بدار الحديث المستنصرية، أو معيدا بها. وكان حافظا، ذا معرفه بالحديث وفقهه ومعانيه.

وبلغنى: أن رجلا من أهل «سامرّا» أشكل عليه الجمع بين حديثين، وهما قوله صلى الله عليه وسلم «من همّ بسيئة فلم يعملها: كتبت له حسنة» وقوله فى الذى رأى ذا المال الذى ينفقه فى المعاصى «لو أن لى مثل ما لفلان لفعلت مثل ما فعل. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: هما فى الوزر سواه» فقدم بغداد، فلم يجبه أحد بجواب شاف، حتى دلّ على ابن الكسار، فقال له على الفور ما معناه:

إن المعفوّ عنه إنما هو الهمّ المجرد. فأما إذا اقترن به القول أو العمل: لم يكن معفوا عنه. وذكر قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت بها أنفسها، ما لم تكلّم به، أو تعمل» .

وكان رحمه الله زرىّ اللباس، وسخ الثياب، على نحو طريقة أبى محمد بن الخشاب النحوى، كما سبق ذكره. وكان بعض الشيوخ الأكابر يتكلم فيه، وينسبه إلى إلى التهاون فى الصلاة. وكان الدقوقى يقول: إنهم كانوا يحسدونه؛ لأنه كان يبرز عليهم فى الكلام فى المجالس. والله أعلم بحقيقة أمره.

سمع منه خلق كثير من شيوخنا وغيرهم. وحدثنا عنه محمد بن عبد الرزاق ابن الفوطى ببغداد. وقد سبقت الرواية عنه فى ترجمة ابن هبيرة الوزير.

وتوفى فى رجب سنة ثمان وتسعين وستمائة. ودفن بمقبرة باب حرب رحمه الله تعالى.

وفى هذه السنة توفى الفقيه: -

‌447 - كمال الدين أبو غالب

هبة الله بن أبى القاسم علي بن عبد الله بن محمد ابن أحمد السامرى الأصل، البغدادى، الأزجى ببغداد. وقد سبق ذكر جده.

ص: 340

ولد سنة ست عشرة وستمائة.

وسمع من محاسن الحرانى، وابن القبيطى. وحدث.

وسمع منه ابن شامة، والفرضى، وقال فى معجمه: كان شيخا عالما، فقيها، زاهدا عابدا، جليلا ثقة، من بيت العلم والحديث.

وفى ذى الحجة من هذه السنة أيضا: توفى الفقيه الزاهد القدوة عماد الدين أبو محمد: -

‌448 - عبد الحافظ بن بدران

بن شبل بن طرخان، المقدسى، النابلسى بها. ودفن بزاويته بطور عسكر، وله نحو تسعين سنة.

سمع من الشيخ الموفق، والبهاء، وموسى بن عبد القادر، وأبى المعالى بن طاوس. وأجاز له ابن الحرستانى، وابن ملاعب.

قال الذهبى: إمام فقيه عابد، بنى بنابلس مدرسة وطهارة. وكان مواظبا على التلاوة والانقطاع. قال: ورحلت إليه.

قلت: حدثنا عنه جماعة من أصحابه بدمشق ونابلس. وقرأت «سنن» ابن ماجة بدمشق على الشيخ جمال الدين يوسف بن عبد الله بن محمد النابلسى الفقيه الفرضى بسماعه منه.

‌449 - محمد بن عبد الرحمن

بن يوسف بن محمد، البعلى، ثم الدمشقى الفقيه، المناظر المتفنن، شمس الدين أبو عبد الله بن الشيخ فخر الدين أبى محمد.

وقد سبق ذكر أبيه.

ولد فى أواخر سنة أربع وأربعين وستمائة.

وسمع الكثير من خطيب مردا، وشيخ شيوخ حماة، وابن عبد الدائم، والفقيه اليونينى، وغيرهم. وتفقه، فبرع، وأفتى وناظر، وحفظ عدة كتب، ودرس بالمسمارية، وحلقة بالجامع، وكان موصوفا بالذكاء المفرط، والتقدم فى الفقه وأصوله، والعربية، والحديث، وغير ذلك، قاله الذهبى.

ص: 341

وقال أيضا عنه: طلب الحديث، وقرأ وعلق، ولم يتفرغ له، كان مشغولا بأصول المذهب وفروعه، حضرت بحوثه مع شيخنا ابن تيمية، ولى منه إجازة. انتهى.

وبلغنى: أنه كان يحفظ «الكافى» فى الفقه.

قال البرزالى: كان من فضلاء الحنابلة فى الفقه، والأصول، والنحو، والحديث، والأدب، وله ذهن جيد وبحث فصيح، ودرس وأعاد، وأفتى، وروى الحديث.

توفى ليلة الأحد بين العشاءين تاسع رمضان سنة تسع وتسعين وستمائة بدمشق، وصلّى عليه من الغد بالجامع الأموى وقت الظهر، ودفن بمقابر باب توما، قبل مقبرة الشيخ رسلان، وحضر جنازته جمع كثير، رحمه الله تعالى.

‌450 - محمد بن عبد القوى

بن بدران بن عبد الله المقدسى، المرداوى، الفقيه المحدث النحوى، شمس الدين أبو عبد الله.

ولد سنة ثلاثة وستمائة بمردا

وسمع الحديث من خطيب مردا، وعثمان بن خطيب القرافة، وابن عبد الهادى، وإبراهيم بن خليل، وغيرهم. وطلب وقرأ بنفسه. وتفقه على الشيخ شمس الدين ابن أبى عمر وغيره، وبرع فى العربية واللغة، واشتغل ودرس، وأفتى وصنف

قال الذهبى: كان حسن الديانة، دمث الأخلاق، كثير الإفادة، مطرحا للتكلف. ولى تدريس الصاحبية مدة. وكان يحضر دار الحديث، ويشتغل بها، وبالجبل. وله حكايات ونوادر. وكان من محاسن الشيوخ. قال: وجلبست عنده، وسمعت كلامه، ولى منه إجازة.

قلت: درس بالمدرسة الصاحبية بعد ابن الواسطى. وتخرج به جماعة من الفضلاء. وممن قرأ عليه العربية: الشيخ تقى الدين ابن تيمية. وله تصانيف، منها فى الفقه «القصيدة» الطويلة الدالية، وكتاب «مجمع البحرين» لم يتمه،

ص: 342

وكتاب «الفروق» وعمل طبقات للأصحاب. وحدث. روى عنه إسماعيل ابن الخباز فى مشيخته.

وتوفى فى ثانى عشر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.

‌451 - عبد الله بن عبد الولي

بن جبارة بن عبد الولى، المقدسى، ثم الصالحى، تقى الدين أبو محمد.

قال الذهبى: إمام مفت، مدرس صالح، عارف بالمذهب، متبحر فى الفرائض، والجبر والمقابلة، كبير السن.

توفى فى العشر الأوسط من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستمائة بجبل قاسيون. رحمه الله تعالى.

وممن عدم فى هذه السنة من أصحابنا: الفقيه سيف الدين: -

‌452 - أبو بكر بن الشهاب

أبى العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم النابلسى، لما انجفل من التتار بأهله عند دخولهم الشام.

وكان مولده سنة سبعين وستمائة أو بعدها.

روى عنه الذهبى فى معجمه، وقال: كان فقيها، مناظرا صالحا، يتوسوس فى الماء.

سمع بمصر من جماعة، وتفقه على ابن حمدان.

وسمع بدمشق بعد الثمانين. وسمع معنا كثيرا. وكان مطبوعا.

وقال أيضا عنه: كتب الطباق، ودار على الشيوخ. وكان عارفا بالمذهب، مناظرا ذكيا، حسن المذاكرة.

وقتل فيها الشيخ: -

‌453 - أبو الحسن على

بن الشيخ شمس الدين بن عبد الرحمن بن أبى عمر المقدسى، قتله التتر على مرحلتين من البيرة.

ص: 343

قال البرزالى: كان رجلا حسنا، درس بحلقة الحنابلة، بجامع دمشق، وبمدرسة الشيخ أبى عمر، وأمّ بالجامع المظفرى، وقتل معه جماعة من الحنابلة - رحمهم الله تعالى.

وكان ببغداد فى حدود السبعمائة جماعة لا أتحقق وفاتهم، فمنهم:

‌454 - داود بن عبد الله

بن كوشيار الحنبلى الفقيه، المناظر الأصولى، شرف الدين أبو أحمد.

كان فقيها بارعا، عارفا بالفقه والأصلين، درس ببغداد بالمدرسة المستعصمية ثم درس المستنصرية بعد وفاة الشيخ نور الدين البصرى المتقدم ذكره، وصنف فى أصول الفقه كتابا سماه «الحاوى» وفى أصول الدين كتابا سماه «تحرير الدلائل» .

وتوفى - فيما يغلب على ظنى - بعد التسعين وستمائة، رحمه الله.

ومنهم: -

‌455 - عبد الرحمن بن سليمان

بن عبد العزيز المجلخ الحربى، الضرير، الفقيه، مفيد الدين أبو محمد، معيد الحنابلة بالمستنصرية.

سمع من الشيخ مجد الدين ابن تيمية، وغيره من المتأخرين، وروى كتاب «الخرقى» عن فضل الله بن عبد الرزاق الجيلى.

وكان من أكابر الشيوخ وأعيانهم، عالما بالفقه والحديث. والعربية، قرأ عليه الفقه جماعة، وسمع منه ابن الدقوقى، وجماعة من شيوخنا. وبقى إلى قريب السبعمائة.

وبلغنى: أنه توفى سنة سبعمائة. رحمه الله.

ص: 344

‌وفيات المائة الثامنة

من سنة 701 إلى سنة 751

‌456 - على بن محمد بن أحمد

بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد اليونينى البعلى، الفقيه المحدث الزاهد شرف الدين أبو الحسين، ابن الشيخ الفقيه أبى عبد الله المتقدم ذكره.

ولد فى حادى عشر رجب سنة إحدى وعشرين وستمائة ببعلبك.

وحضر بها عدة أجزاء على البهاء عبد الرحمن المقدسى. وسمع بها من عبد الواحد بن أبى المضاو الأربلى، وابن رواحة، ووالده الشيخ الفقيه، وغيرهم.

وتردد إلى دمشق. وسمع بها من ابن الزبيدى، وابن اللتى، وابن الصلاح وجعفر الهمدانى، ومكرم بن أبى الصقر، وابن الشيرازى، وغيرهم.

وارتحل بعد الأربعين إلى مصر لطلب العلم والحديث. فسمع بها من ابن الجميزى، وابن رواح، والسارى، وغيرهم. ولازم الحافظ عبد العظيم المنذرى، وتخرج به، وعنى بعلم الحديث. وارتحل إلى مصر خمس مرات. واستنسخ «صحيح البخارى» واعتنى بأمره كثيرا.

قال الذهبى: حدثنى أنه فى سنة واحدة قابله، وأسمعه إحدى عشر مرة.

وقرأ بنفسه. وكتب بخطه كثيرا. وتفقه. وأفتى ودرس، وعنى باللغة، وحصل أطرافا من العلوم.

وقال البرزالى: كان شيخا جليلا، حسن الوجه، بهىّ المنظر. له سمت حسن، وعليه سكينة. ولديه فضل كثير. يحفظ كثيرا من الأحاديث بلفظها، ويفهم معانيها، ويعرف كثيرا من اللغة. وكان فصيح العبارة، حسن الكلام وكان له قبول من الناس. وهو كثير التوذد إليهم، قاض للحقوق.

وقال الذهبى: كان إماما محدثا، متقنا مفيدا، فقيها مفتيا، خبيرا باللغة

ص: 345

والغريب، غزير الفوائد، كثير التحرى فيما يورده، مكرما بين الملوك والأئمة، مهيبا كثير التواضع، حسن البشر، حلو المجالسة، يعطى كل ذى فضيلة حقه.

وقال أيضا: كان ذا عناية بالغريب، والأسماء وضبطها، مديما للمطالعة، كثير المحاسن، منور الشيبة، عظيم الهيبة.

وقال فى آخر طبقات الحفاظ: انتفعت به، وتخرجت به. وكان عارفا بقوانين الرواية، حسن الدراية، جيد المشاركة فى الألفاظ والرجال، صاحب رحلة وأصول، وكتب وأجزاء ومحاسن اهـ.

حدث بالكثير. وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة. وأكثر عنه البرزالى والذهبى بدمشق وبعلبك. وسمعنا من جماعة من أصحابه. وقد خرج له ابن أبى الفتح البعلى النحوى مشيخة فى ثلاثة عشر جزءا، والحافظ الذهبى عوالى.

وحدث بالجميع

وتوفى يوم الخميس حادى عشر رمضان سنة أحد وسبعمائة ببعلبك. ودفن من يومه بباب سطحا. وصلّى عليه يوم الجمعة بجامع دمشق صلاة الغائب، وأسف الناس عليه.

وكان موته بشهادة رحمه الله، فإنه دخل إليه - يوم الجمعة خامس رمضان وهو فى خزانة الكتب بمسجد الحنابلة - شخص، فضربه بعصى على رأسه مرات وجرحه فى رأسه بسكين، فاتقى بيده، فجرحه فيها، وأمسك الضارب، وضرب ضربا عظيما، وحبس. وأظهر الاختلال. وحمل الشيخ إلى داره، وأقبل على أصحابه يحدثهم، وينشدهم على عادته، وأتم صيامه يومه. ثم حصل له بعد ذلك حمى، واشتد مرضه حتى توفى يوم الخميس المذكور فى الساعة الثامنة منه. وغبطه الناس بموته شهيدا فى رمضان ليلة الجمعة عقب رجوعه من دمشق، وإفادته الناس، وإسماعه الحديث رضى الله عنه.

ص: 346

ومات قبله فى شعبان من السنة المذكورة: الشيخ وجيه الدين، صدر الرؤساء، أبو المعالى: -

‌457 - محمد بن عثمان

بن أسعد بن المنجى التنوخى، أخو الشيخ زين الدين بن المنجى بن عثمان المتقدم ذكره.

وكان مولده سنة ثلاثين وستمائة.

حضر على ابن اللتى، ومكرم، وابن المقير. وسمع من جعفر الهمدانى، والسخاوى، وجماعة.

وكان شيخا عالما فاضلا، كثير المعروف والصدقات، والبر والتواضع للفقراء، موسعا عليه فى الدنيا، وله هيبة وسطوة، وجلالة وحرمة وافرة، عنده عبادة وخشوع، وبنى بدمشق دار قرآن معروفة به.

ودرس فى أول عمره بالمسمارية والصدرية، ثم تركهما لولده، ومات فى حياته، وولى نظر الجامع، وأحسن فيه السيرة. وحدث، وروى عنه جماعة.

وفى شعبان أيضا من السنة توفى ببعلبك: الفقيه المقرئ المحدث أمين الدين أبو عبد الله: -

‌458 - محمد بن عبد الولى

بن أبى محمد بن حولان، البعلى، التاجر وكان مولده سنة أربع وأربعين وستمائة.

سمع من الشيخ الفقيه، ومن ابن عبد الدائم، وجماعة. وقرأ ونظر فى علوم الحديث.

وقال الذهبى: سمعت منه ببعلبك والمدينة، وتبوك. وكان من خيار الناس وعلمائهم، وألّف كتابا سماه «العدة القوية فى اللغة التركية» جوده، وذكره فى معجمه.

وقال: كان مقرئا فقيها، محدثا متقنا، صالحا عدلا، ملازما للتحصيل، كل يثنى عليه ببلده.

ص: 347

‌459 - على بن عبد الرحمن

بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، المقدسى النابلسى، الفقيه، الإمام فخر الدين أبو الحسن، ابن الشيخ جمال الدين المتقدم ذكره.

ولد سنة ثلاثين وستمائة بنابلس.

وسمع من ابن الجميزى، وابن رواج بمصر، ومن سبط السلفى بالإسكندرية، ومن خطيب مردا، ومحيى الدين بن الجوزى لما قدم إلى الشام رسولا. وتفقه بالمذهب، وأفتى. وكان مفتى الأرض المقدسة.

قال البرزالى: كان شيخا صالحا عالما، كثير التواضع، محسنا إلى الناس أقام يفتى بنابلس مدة أربعين سنة.

قال الذهبى: كان عارفا بالمذهب، ثقة صالحا ورعا، وذكر: أنه سمع منه بنابلس.

توفى ليلة الأحد مستهل المحرم سنة اثنتين وسبعمائة بمدينة نابلس. ودفن من الغد عند والده بمقبرة الزاهرية. واجتمع خلق كثير فى جنازته، وحضر أهل القرى من البر. رحمه الله.

‌460 - موسى بن إبراهيم

بن يحيى بن علوان بن محمد الأزدى، الشقراوى، الصالحى، الفقيه المحدث، النحوى العدل، نجم الدين أبو إبراهيم.

ولد فى رمضان سنة أربع وعشرين وستمائة.

وسمع من أبيه والحافظين: إسماعيل بن ظفر، والضياء المقدسى، وخطيب مردا، ويوسف سبط ابن الجوزى. وقرأ الكثير على ابن عبد الدائم، ومن بعده، كابن أبى عمر، وطبقته. وعنى بالحديث. وقرأ بنفسه على الحافظ الضياء ومن بعده. وكتب بخطه ما لا يوصف.

وتفقه وأفتى، وقرأ العربية واللغة والأدب، وولى مشيخة دار الحديث العالمية بالسفح، ودار الحديث المعزية بالشرف الأعلى.

ص: 348

قرأت بخط الذهبى: كان فقيها، إماما مفتيا. له معرفة بالحديث واللغة والعربية، كثير المحفوظ والنوادر.

وقال غيره: كان ذا حظ من الأدب والنظم، ينقل كثيرا من اللغة، وعنده جملة من التاريخ، حسن المجالسة، مفيد المذاكرة. حدث وروى عنه الذهبى وجماعة

توفى يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعمائة. ودفن من الغد بسفح قاسيون رحمه الله.

‌461 - إبراهيم بن أحمد

بن محمد بن معالى بن محمد بن عبد الكريم الرقى، الزاهد العالم، القدوة الربانى، أبو إسحاق.

ولد سنة سبع وأربعين وستمائة - تقريبا - بالرقة.

وقرأ ببغداد بالروايات العشر على يوسف بن جامع القفصى المقدم ذكره.

وسمع بها الحديث بعد الستين من الشيخ عبد الصمد بن أبى الجيش، وصحبه.

قال الذهبى: وعنى بتفسير القرآن، وبالفقه، وتقدم فى علم الطب، وشارك فى علوم الإسلام، فبرع فى التذكير. وله المواعظ المحركة إلى الله، والنظم العذب، والعناية بالآثار النبوية، والتصانيف النافعة، وحسن التربية، مع الزهد والقناعة باليسير فى المطعم والملبس.

وقال أيضا: كان إماما زاهدا، عارفا قدوة، سيد أهل زمانه. له التصانيف الكثيرة فى الوعظ والطريق إلى الله تعالى [منها «أحاسن المحاسن» فى الوعظ.

اختصره من صفوة الصفوة. قاله فى «كشف الظنون» ]

(1)

والآثار والخطب.

وله النظم الرائق، يستحق أن تطوى إلى لفياه مراحل. وكان كلمة إجماع. وكان ربما حضر السماع، وتواجد. وله اعتقاد فى سليمان الكلاب - يعنى رجلا كان

(1)

ما بين المربعين فى نسخة الشيخ محمد نصيف، وليس فى مخطوطة الثقافة، والظاهر: أنها مزيدة من بعض النساخ

ص: 349

يخالط الكلاب، ولا يصلى - وكان يغلط فيه، وله يد طولى فى علوم كثيرة، ولقد كتب شيخنا كمال الدين - يعنى ابن الزملكانى - فى شأنه وبالغ، وأحسن ترجمته.

وقال البرزالى: كان رجلا صالحا، عالما، كثير الخير، قاصدا للنفع، كبير القدر، زاهدا فى الدنيا، صابرا على مرّ العيش، عظيم السكون، ملازما للخشوع والانقطاع، قائما بعياله. وكان عارفا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين، وغير ذلك. ورزقه الله حسن العبارة، وسرعة الجواب. وله خطب حسنة، وأشعار فى الزهد، ومواعظ ومجموعات.

قلت: صنف كثيرا فى الرقائق والمواعظ. واختصر جملة من كتب الزهد، وصنف تفسيرا للقرآن، ولا أعلم هل كمله أم لا؟ وحدث.

سمع منه البرزالى، والذهبى، وغيرهما. وكان يسكن بأهله فى أسفل المأذنة الشرقية بالجامع.

وهناك: توفى ليلة الجمعة خامس عشر محرم سنة ثلاث وسبعمائة. وصلّى عليه عقب الجمعة بالجامع، وحمل على الأعناق والرءوس إلى سفح قاسيون، فدفن بتربة الشيخ أبى عمر. وتأسف المسلمون عليه رضى الله عنه.

‌462 - إسماعيل بن إبراهيم

بن سالم بن ركاب بن سعد بن ركاب بن سعد بن كامل بن عبد الله بن عمر بن عبد البارى بن عبيد بن عبد الباقى - وقيل:

باقى بن وفاء. ويقال: فايد - بن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصارى، العبادى، الصالحى، المحدث المكثر المؤدب، نجم الدين أبو الفداء.

ولد سنة تسع وعشرين وستمائة.

وسمع من الحافظ ضياء الدين، وعبد الحق بن خلف، وعبد الله بن الشيخ أبى عمر، والمرسى، ثم طلب بنفسه، وجد واجتهد من سنة أربع وخمسين، وإلى أن مات.

ص: 350

وسمع وكتب ما لا يوصف كثرة من الرقائق وغيرها. وخرج لنفسه مشيخة فى مائة جزء عن أكثر من ألفى شيخ؛ فإنه كتب العالى والنازل، وعمن دب ودرج. وخرج سيرة لابن أبى عمر فى مائة وخمسين جزءا. وخرج أجزاء كثيرة لنفسه من أصحاب ابن كليب، والخشوعى، وابن الجوزى، وحنبل، وابن طبرزد، وممن بعدهم. وبالغ حتى كتب عمن دونه أكثر من ستمائة جزء.

وحدث بها أيام الجمع على كرسيه بالجامع، وخرج أحاديث كثيرة فى الملاحم والفتن، وخرج لابن عبد الدائم مشيخة، ولغيره من الشيوخ. ولم يكن بالمتقن فيما يجمعه، وخطه ردئ سقيم. وكان متوددا، حسن الأخلاق متواضعا، وحصل كتبا وأصولا جيدة.

سمع منه خلق من الحفاظ وغيرهم، كالمزى، والذهبى، وحدثنا عنه ولده مسند وقته أبو عبد الله محمد، وغير واحد.

توفى فى يوم الثلاثاء حادى عشر صفر سنة ثلاث وسبعمائة بدمشق. ودفن من الغد بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.

‌463 - علي بن مسعود

بن نفيس بن عبد الله الموصلى، ثم الحلبى، الصوفى المحدث، الحافظ الزاهد أبو الحسن. نزيل دمشق.

ولد سنة أربع وثلاثين وستمائة.

وسمع بحلب من ابن رواحة، وإبراهيم بن خليل. وذكر أنه سمع بها من يوسف بن خليل الحافظ، لكنه لم يظفر بذلك.

وسمع بمصر من الكمال الضرير، والرشيد العطار، وغيرهما من أصحاب البوصيرى، وابن ياسين وبدمشق: من ابن عبد الدائم، والكرمانى، وجماعة من أصحاب الخشوعى، وأكثر عن أصحاب حنبل، وابن طبرزد، وطبقتهما. وقرأ كتبا مطولة مرارا.

ص: 351

وعنى بالحديث عناية تامة. وكانت قراءته مفسرة حسنة. وحصل الأصول.

وكان يجوع ويشترى الأجزاء، ويتعفف ويقنع بكسرة فيسوء خلقه، مع التقوى والصلاح. وكان فقيها على مذهب أحمد، ينقل منه، ووقف كتبه وأجزاءه.

وحدث. وسمع منه الذهبى، وجماعة.

وتوفى فى صفر سنة أربع وسبعمائة بالمارستان الصغير بدمشق، وحمل إلى سفح قاسيون، فدفن به مقابل زاوية ابن قوام، وشيعه الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وجماعة. رحمه الله تعالى.

‌464 - محمد بن إسماعيل

بن أبى سعد بن على بن المنصور بن محمد بن الحسين الشيبانى، الآمدى، ثم المصرى، الكبير الأديب، شمس الدين أبو عبد الله، ابن الصاحب الكبير شرف الدين بن أبى الفداء بن البنى.

ولد بمصر بكرة الأحد ثالث عشر المحرم سنة سبع وثمانين وستمائة.

وسمع بمصر: من ابن الجميزى، وابن المقير. وبدمشق: من جماعة. وبماردين:

من عبد الخالق النشترى. ونشأ بماردين. وكان والده الصاحب شرف الدين من العلماء الفضلاء، جمع تاريخا لمدينة «آمد» وله نظم ونثر، وسمع الحديث ورواه.

وكان محدثا فاضلا، متقنا.

توفى سنة ثلاث وسبعين وستمائة.

وكان وزيرا للملك السعيد الأرتقى، صاحب ماردين، وصار ابنه شمس الدين هذا مع ابن الملك المظفر بن السعيد نائبا لمملكته، ومدبرا للدولة، إلى أن ذهب رسولا من عند أمير أحمد ملك التتر إلى الملك المنصور قلاوون صاحب مصر، فحبسه ست سنين، حتى ولى ابنه الملك الأشرف، فأخرجه وأنعم عليه، وولاه نيابته بدار العدل. فباشرها مدة.

وكان عالما فاضلا أديبا منشئا، ذا معرفة بالحديث والتاريخ، والسّير والنحو

ص: 352

واللغة، وافر العقل مليح العبارة، حسن الخط والنظم والنثر. جميل الهيئة. له حبرة تامة بسير الملوك والمتقدمين ودولهم، لا تمل مجالسته.

قال الإمام صفى الدين بن عبد المؤمن بن عبد الحق: سمعته يتكلم على الحديث بعلم ومعرفة بالأسانيد، وكان يحفظ فوائد حسنة من الحديث واللغة والنحو.

وذكر الذهبى: أنه نسب إلى نقص فى دينه، والله أعلم.

حدث. وسمع منه جماعة، منهم: الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والمزى، والبرزالى، والذهبى، وصفى الدين عبد المؤمن المذكور.

وتوفى بمصر ليلة الثلاثاء ثامن جمادى الآخرة سنة أربع وسبعمائة. ودفن بالقرافة، وكان سبب موته: أنه سقط من فرس، فكسرت أعضاؤه، وبقى أياما ثم مات رحمه الله تعالى وسامحه.

‌465 - أحمد بن على

بن عبد الله بن أبى البدر القلانسى الباجسرى؛ ثم البغدادى جمال الدين أبو بكر محدث بغداد ومفيدها.

ولد فى جمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة.

وعنى بالحديث. وسمع الكثير من حدود الستين، وإلى حين وفاته. وسمع من ابن أبى الدينة، والشيخ عبد الصمد. وابن ورخز، والطبقة. وقرأ الكثير بنفسه، وكتب بخطه، وخطه جيد متقن، وخرج لغير واحد من الشيوخ.

والظاهر: أنه كان قارئ الحديث بالمستنصرية.

وسمعت بعض شيوخنا، القدماء ببغداد، يحكى أنه ولى حسبة بغداد، وحدث بالقليل.

سمع منه بعض شيوخنا، وغيرهم. وأجاز لجماعة، منهم: الحافظ الذهبى.

وتوفى فى رجب سنة أربع وسبعمائة، ودفن بباب حرب، رحمه الله تعالى.

‌466 - محمد بن عبد الله

بن عمر بن أبى القاسم البغدادى المقرئ، المحدث الصوفى الكاتب، رشيد الدين أبو عبد الله بن أبى القاسم.

ص: 353

ولد ليلة الثلاثاء ثالث عشر ذى القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة.

وسمع الكثير من ابن روزبة، والسهروردى، وابن الخازن، وابن بهروز.

وابن اللتى، والحسن بن مرتضى العلوى، وعمر بن كرم، وغيرهم.

وعنى بالحديث. وسمع الكتب الكبار والأجزاء، وكتب بخطه الأجزاء والطباق، وكثيرا من الكتب المطولة، وخطه فى غاية الحسن. وخرج لنفسه سباعيات ضعيفة من طريق «خراش» ونحوه، وكان عالما صالحا من محاسن البغداديين وأعيانهم، ذا لطف وسهولة، وحسن أخلاق، ومن أجلاء العدول.

ولى مشيخة رباط الأرجوانية بدرب راخى ببغداد، ومشيخة دار الحديث المستنصرية، ولبس خرقة التصوف من السهروردى، وحدث بالكثير.

وسمع منه خلق من أهل بغداد والرحالين، وانتهى إليه علو الإسناد، سمعنا من جماعة من أصحابه ببغداد ودمشق.

وتوفى فى تاسع جمادى الآخرة سنة سبع وسبعمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب رحمه الله تعالى.

‌467 - علي بن عبد الحميد

بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد ابن بكير الفنيدقى الفقيه، نور الدين أبو الحسن.

ولد سنة ست - أو خمس - وثلاثين وستمائة.

وسمع من أبى عبد الله بن سعد المقدسى، وجده لأمه خطيب مردا، وعبد الحميد بن عبد الهادى، وبمصر من الرشيد العطار، وجماعة. وتفقه وبرع، وأفتى، وكتب بخطه كتبا كثيرة، ودرس مع دين وتواضع وصدق، وسكن بنابلس مدة، ثم قدم دمشق. وأضر بآخره.

وسمع منه الذهبى، وروى عنه فى معجمه.

وتوفى بجبل نابلس فى رجب سنة سبع وسبعمائة، رحمه الله تعالى.

ص: 354

‌468 - محمد بن عبد الرحمن

بن شامة بن كوكب بن العز - أو ابن أبى العز - ابن حميد الطائى، السنتبسى السوادى الحكمى - و «حكمه» بالفتح قرية من قرى السواد - المحدث الحافظ، الزاهد العابد، شمس الدين أبو عبد الله.

ولد فى رجب سنة اثنين وستين وستمائة.

وحضر بدمشق على ابن عبد الدائم. وسمع من عبد الوهاب المقدسى.

وطلب بنفسه، وسمع من أحمد بن أبى الخير، وابن أبى عمر، وإبراهيم بن الدرجى، ويحيى بن الصيرفى الفقيه، وابن البخارى، وخلق من هذه الطبقة.

ورحل سنة ثلاث وثمانين إلى مصر. وسمع بها من العز الحرانى، وابن خطيب المزة، وغازى الحلاوى، وابن الأنماطى، وابن القسطلانى، وغيرهم.

وسمع بالإسكندرية من ابن طرخان، وجماعة.

ورحل إلى بغداد. وسمع بها من أبى الفضل بن الزيات، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف البزاز، وابن المالحانى، والرشيد بن أبى القاسم، وابن الطبال. وغيرهم

وسمع بأصبهان، والبصرة، وحلب، وواسط. وعنى بهذا الفن، وحصل الأصول، وكتب العالى والنازل، وخرج لنفسه.

قال الحافظ عبد الكريم الحلبى: كان إماما عالما، فاضلا حسن القراءة، فصيحا ضابطا متقنا، كتب الكثير بخطه وطاف البلاد. وقرأ الكثير. وسمع من صغره إلى حين وفاته.

وقال البرزالى: سافر إلى حلب مرتين للسماع. وعلت همته، فسافر إلى العراق. ودخل أصبهان وغيرها من البلاد. وكان ثقة، ولديه فضل وقراءة حسنة فصيحة، صحيحة معربة، وخالط الفقراء. وصارت له أوراد كثيرة، وكثرة تلاوة. واستوطن ديار مصر. وتزوج وولد له بها، وصارت له بها حظوة وشهرة بالحديث وقراءته.

وكان يسكن مصر، ويتردد إلى القاهرة لوظائفه ومواعيده. وكان ملازما

ص: 355

للتلاوة فى مشيه، مواظبا على قيام الليل، كثير القراءة للحديث والكتابة والنسخ، معمور الأوقات بالطاعات، ونسخ «الصحيحين» بخطه، وقابلهما وقرأهما، وبيعا فى تركته بألف درهم رغبة فيه، وفى تصحيحه، واعتقادا فى فضيلته وديانته.

وقال الذهبى فى معجمه: أحد الرحالين والحفاظ والمكثرين. دخل إلى أصبهان، طمعا أن يجد بها رواة، فلم يلق شيوخا ولا طلبة فرجع. وكتب بخطه كتبا كبارا، وسمعها مررا. وكان ثقة، صحيح النقل، عارفا بالأسماء، من أهل الدين والعبادة، مفيدا للطلبة بمصر. وكان كثير التلاوة والصلاة، على طريقة السلف فى لبسه وتواضعه، وترك التكلف.

ووصفه فى موضع آخر بالفضيلة. والفصاحة وسرعة القراءة.

وحدث. وسمع منه البرزالى، والذهبى وعبد الكريم الحلبى؛ وذكروه فى معاجمهم، وابن المهندس، وغيرهم.

توفى فى آخر نهار الثلاثاء رابع عشرى ذى القعدة سنة ثمان وسبعمائة بمصر.

وصلّى عليه من الغد بجامع عمرو بن العاص، ودفن بالقرافة بالقرب من الشافعى.

رضى الله عنه.

‌469 - محمد بن أبى الفتح

بن أبى المفضل البعلى، الفقيه المحدث، النحوى اللغوى. شمس الدين أبو عبد الله.

ولد سنة خمس وأربعين وستمائة. قاله الذهبى. وقال غيره: فى أول سنة أربع وأربعين ببعلبك.

وسمع بها من الفقيه محمد اليونينى. وبدمشق: من إبراهيم بن خليل، ومحمد ابن عبد الهادى، وابن عبد الدائم، وعمر الكرمانى، وابن مهير البغدادى صاحب ابن بوش، وجماعة من أصحاب الخشوعى، وابن طبرزد. وطبقته.

ص: 356

وعنى بالحديث. وطلب وقرأ بنفسه. وكتب بخطه، وتفقه على ابن أبى عمر وغيره، حتى برع وأفتى. وقرأ العربية واللغة على ابن مالك، ولازمه حتى برع فى ذلك.

وصنف تصانيف. منها: كتاب «شرح الجرجانية» فى مجلدتين و «شرح الألفية» لابن مالك، وكتاب «المطلع على أبواب المقنع» فى شرح غريب ألفاظه ولغاته، وابتدأ فى «شرح الرعاية» فى الفقه، لابن حمدان.

وله تعاليق كثيرة فى الفقه والنحو، وتخاريج كثيرة فى الحديث، يروى فيها الحديث بأسانيده. وتكلم على المتون من جهة الإعراب والفقه، وغير ذلك وخرج لغيره أيضا.

وأمّ بمحراب الحنابلة بجامع دمشق مدة طويلة، ودرس به بحلقة الصالح بن صاحب حمص. ودرس بالصدرية، فأظنه درس الحديث بها، وأعاد بمدرسة الحنبلية وغيرها من المدارس. ودرس بالحنبلية وقتا. وأفتى زمنا طويلا. وتصدى للاشتغال، وتخرج به جماعة، وانتفعوا به.

قال الذهبى: كان إماما فى المذهب، والعربية والحديث، غزير الفوائد متقنا.

صنف كتبا كثيرة مفيدة. وكان ثقة صالحا، متواضعا على طريقة السلف، مطرح للتكلف فى أموره، حسن البشر، حدثنا بدمشق وبلعبك وطرابلس

وتوفى بالقاهرة فى ثامن عشر المحرم سنة تسع وسبعمائة. وذلك بعد دخوله إياها بدون شهر. وكان زار القدس. وسار إلى مصر ليسمع ابنه، ويطلب له مدرسة، أو زيادة رزق.

وذكر فى تاريخه: أنه توفى ليلة السبت وقت العشاء بالمدرسة المنصورية بمارستانها. ودفن عند الحافظ عبد الغنى بالقرافة. وحصل التأسف عليه رحمه الله.

ص: 357

وفى ليلة الجمعة رابع عشر ربيع الأول من السنة: توفى قاضى قضاة الحنابلة بالديار المصرية الشيخ: -

‌470 - شرف الدين عبد الغنى بن يحيى

بن محمد بن قاضى حران عبد الله ابن نصر بن أبى بكر الحرانى. ودفن من بكرة الغد بالقرافة

وكان مولده فى رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة.

روى جزء ابن عرفة عن شيخ الشيوخ الأنصارى. سمع منه الطلبة. وولى نظر الخزانة السلطانية مدة. ثم أضيف إليه القضاء، وتدريس الصالحية. وكان مشكور السيرة، كثير المكارم، حسن الخلق والخلق، مزجى البضاعة من العلم.

‌471 - أحمد بن حسن

بن عبد الله بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على ابن سرور المقدسى، ثم الصالحى، الفقيه، قاضى القضاة، شهاب الدين أبو العباس ابن الشيخ شرف الدين بن الحافظ أبى موسى بن الحافظ الكبير أبى محمد.

وقد تقدم ذكر آبائه.

ولد فى ثانى عشر صفر سنة ست وخمسين وستمائة بسفح قاسيون

وسمع من ابن عبد الدائم وغيره. وتفقه وبرع، ودرس وأفتى، ودرس بالمدرسة الصاحبية، وبحلقة الحنابلة بالجامع، وأم بمحراب الحنابلة بالجامع أيضا.

وولى القضاء بالشام نحو ثلاثة أشهر سنة تسع وسبعمائة فى دولة المظفر الششنكير.

ثم عزل لما عاد الملك الناصر إلى الملك. وأعيد القاضى تقى الدين سليمان.

قال البرزالى: كان رجلا جيدا من أعيان الحنابلة وفضلائهم. وكان فقيها، حسن العبارة. وقرأ الحديث، وروى لنا عن ابن عبد الدائم

وتوفى يوم الأربعاء تاسع عشرين ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة. ودفن من الغد بتربة الشيخ أبى عمر بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.

‌472 - أحمد بن إبراهيم

بن عبد الرحمن بن مسعود بن عمر الواسطى الحزامى، الزاهد القدوة العارف، عماد الدين أبو العباس، ابن شيخ الحزاميين

ص: 358

ولد فى حادى عشر - أو ثانى عشر - ذى الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة بشرقى واسط.

وكان أبوه شيخ الطائفة الأحمدية. ونشأ الشيخ عماد الدين بينهم، وألهمه الله من صغره طلب الحق ومحبته، والنفور عن البدع وأهلها، فاجتمع بالفقهاء بواسط كالشيخ عزّ الدين الفاروتى وغيره. وقرأ شيئا من الفقه على مذهب الشافعى.

ثم دخل بغداد، وصحب بها طوائف من الفقهاء، وحج واجتمع بمكة بجماعة منهم. وأقام بالقاهرة مدة ببعض خوانقها، وخالط طوائف الفقهاء، ولم يسكن قلبه إلى شئ من الطوائف المحدثة. واجتمع بالإسكندرية بالطائفة الشاذلية، فوجد عندهم ما يطلبه من لوايح المعرفة، والمحبة والسلوك

(1)

، فأخذ ذلك عنهم، وانتفع بهم، واقتفى طريقتهم وهديهم.

ثم قدم دمشق، فرأى الشيخ تقى الدين ابن تيمية وصاحبه، فدله على مطالعة السيرة النبوية، فأقبل على سيرة ابن إسحاق تهذيب ابن هشام، فلخصها واختصرها، وأقبل على مطالعة كتب الحديث والسنة والآثار، وتخلى من جميع طرائفه وأحواله، وأذواقه وسلوكه، واقتفى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه، وطرائقة المأثورة عنه فى كتب السنن والآثار، واعتنى بأمر السنة أصولا وفروعا، وشرع فى الرد على طوائف المبتدعة الذين خالطهم وعرفهم من الاتحادية وغيرهم، وبين عوراتهم، وكشف أستارهم، وانتقل إلى مذهب الإمام أحمد. وبلغنى:

أنه كان يقرأ فى «الكافى» على الشيخ مجد الدين الحرانى الآنى ذكره إن شاء الله تعالى. واختصره فى مجلد سماه «البلغة» وألف تآلف كثيرة فى الطريقة النبوية، والسلوك الأثرى والفقر المحمدى؛ وهى من أنفع كتب الصوفية للمريدين، انتفع بها خلق من متصوفة أهل الحديث ومتعبديها.

(1)

لا يمتاز الشاذلية عن غيرهم من الصوفية إلا فى إحداثهم اسم «آه» والكل فى البدع والمحدثات واحد ولذلك تركها كلها إلى اتباع السنة التى دله عليها شيخ الإسلام

ص: 359

وكان الشيخ تقى الدين ابن تيمية يعظمه ويجله، ويقول عنه: هو جنيد وقته. وكتب إليه كتابا من مصر أوله «إلى شيخنا الإمام العارف القدوة السالك» .

قال البرزالى عنه فى معجمه: رجل صالح عارف، صاحب نسك وعبادة، وانقطاع وعزوف عن الدنيا. وله كلام متين فى التصوف الصحيح. وهو داعية إلى طريق الله تعالى، وقلمه أبسط من عبارته. واختصر السيرة النبوية. وكان يتقوت من النسخ، ولا يكتب إلا مقدار ما يدفع به الضرورة. وكان محبا لأهل الحديث، معظما لهم. وأوقاته محفوظة.

وقال الذهبى: كان سيدا عارفا كبير الشأن، منقطعا إلى الله تعالى. وكان ينسخ بالأجرة وينقوت، ولا يكاد يقبل من أحد شيئا إلا فى النادر. صنف أجزاء عديدة فى السلوك والسير إلى الله تعالى، وفى الرد على الاتحادية والمبتدعة.

وكان داعية إلى السنة، ومذهبه مذهب السلف الصالح فى الصفات، يمرّها كما جاءت. وقد انتفع به جماعة صحبوه، ولا أعلم خلف بدمشق فى طريقته مثله.

قلت: ومن تصانيفه «شرح منازل السائرين» ولم يتمه، وله نظم حسن فى السلوك.

كتب عنه الذهبى والبرزالى، وسمع منه جماعة من شيوخنا وغيرهم، وكان له مشاركة جيدة فى العلوم، وعبارة حسنة قوية، وفهم جيد، وخط حسن فى غاية الحسن. وكان معمور الأوقات بالأوراد والعبادات، والتصنيف، والمطالعة، والذكر والفكر، مصروف العناية إلى المراقبة والمحبة، والأنس بالله، وقطع الشواغل والعوائق عنه، حثيث السير إلى وادى الفناء بالله، والبقاء به، كثير اللهج بالأذواق والتجليات، والأنوار القلبية، منزويا عن الناس، لا يجتمع إلا بمن يحبه، ويحصل له باجتماعه به منفعة دينية.

ولم يزل على ذلك إلى أن توفى آخر نهار السبت سادس عشر ربيع الآخر سنة إحدى عشر وسبعمائة. بالمارستان الصغير بدمشق، وصلّى عليه من الغد بالجامع، ودفن بسفح قاسيون، قبالة زاوية السيوفى، رضى الله عنه.

ص: 360

‌473 - محمد بن أحمد

بن أبى نصر بن الدباهى البغدادى، الزاهد شمس الدين، أبو عبد الله بن أبى العباس.

ولد سنة ست - أو سبع - وثلاثين وستمائة ببغداد.

وصحب الشيخ يحيى الصرصري، وكان خال والدته، والشيخ عبد الله كتيلة مدة، وسافر معه، وأجاز له التسترى من ماردين، وجاور بمكة عشر سنين، ودخل الروم، والجزيرة، ومصر، والشام، ثم استوطن دمشق، وتوفى بها.

قال الشيخ كمال الدين بن الزملكانى عنه: شيخ صالح، عارف زاهد، كثير الرغبة فى العلم وأهله، والحرص على الخير، والاجتهاد فى العبادة، تخلى عن الدنيا، وخرج عنها، ولازم العبادة، والعمل الدائم والجد، واستغرق أوقاته فى الخير، وكان لديه فضل. وعنده مشاركات جيدة فى علوم. وله عبارة حسنة فيما يكتبه، وطلب الفوائد الدينية. متقشف ورع، صلب فى الدين، مجانب لمن يخشى على دينه منه، محب للصالحين وأهل الخير، منقطع عن الناس مهيب.

يقوم الليل ويكثر الصوم، ويطيل الصلاة بخشوع وإخبات واستغراق، ويتلو القرآن العظيم، لا يرى خاليا من أفعال الخير وأعمال البر، ويتصدق فى السر، وينصح الإخوان، ويسعى فى مصالحهم، ويحسن القيام على عياله، ويلازم الجماعات فى الجامع، ولا يغشى السلاطين ولا الولاة، ولا أهل الدنيا، إلا عند ضرورة دينية. وكان يخشن مأكله وملبسه، ويحب طريق السلف الصالح، وإذا رآه إنسان عرف الجد فى وجهه، يقوم فيما يظهر له من الحق، ويأمر بما يمكنه من المعروف، وينهى عما يقدر على النهى عنه من المنكر، ولم يزل كذلك حتى توفى.

قال البرزالى: أحد المشايخ العارفين الصالحين، وله كلام حسن. وجمع وتأليف، وهو حسن الجملة، عديم التكلف، وافر الإخلاص، متبع للسنة، حسن المشاركة فى العلم، سيد من السادات.

وقال الذهبى: كان إماما فقيه النفس، عارفا بمعاملات القلوب، صحب

ص: 361

خلقا من المشايخ، وأخذ عنهم أخلاق القوم وطريقهم، وكان حسن المجالسة، متبعا للسنة، محذرا من البدعة، كثير الطلب، ترك أباه ونعمته وتجرد، ودخل الروم، والجزيرة، والشام، ومصر، والحجاز، يصحب بقايا الصوفية، ويقتفى آثارهم، وحفظ كثيرا عنهم وعن مشايخ الطريق، وأنفق كثيرا من الأموال من ميراثه على الفقراء.

وقرأ الفقه فى شبيبته على مذهب أحمد، وجاور بالحرمين بضع عشرة سنة، وتأهّل وولد له، فلما لمعت له أنوار شيخنا - يعنى: ابن تيمية - وظفر بأضعاف تطلبه: ارتحل إلى دمشق بأهله، واستوطنها.

علقت عنه: أشياء، وسمعت من تأليفه خطبة بليغة، وصحبته بضع عشرة سنة، وسمعت منه جزءا بإجازته من التشتبرى.

قلت: سمع منه البرزالى، والذهبي، وذكراه فى معجميهما.

قال الذهبى: ابتلى بضيق النفس سبعة أشهر، ثم بالاستسقاء.

وانتقل إلى رحمة الله يوم الخميس رابع عشر شهر ربيع الآخر، سنة إحدى عشر وسبعمائة. ودفن بقاسيون قبل الشيخ عماد الدين الواسطى بيومين.

وأنشدنى بعضهم:

الدهر ساومنى عمرى، فقلت له

لا بعت عمرى بالدنيا وما فيها

ثم اشتراه تفاريقا بلا ثمن

تبّت يدا صفقة قد خاب شاريها

وذكر البرزالى: أنه توفى آخر نهار الخميس المذكور عند الغروب، وصلّى عليه ضحى نهار الجمعة بالجامع، ودفن غربى تربة الشيخ أبى عمر، رضى الله عنهما.

‌474 - مسعود بن أحمد

بن مسعود بن زيد بن عياش الحارثى البغدادى، ثم المصرى الفقيه، المحدث الحافظ، قاضى القضاة سعد الدين أبو محمد، وأبو عبد الرحمن.

ص: 362

ولد سنة اثنين - أو ثلاث - وخمسين وستمائة.

وسمع بمصر من الرضى بن البرهان، والنجيب الحرانى، وابن علاف، وجماعة من أصحاب البوصيرى وطبقته. وبالإسكندرية: من عثمان بن عوف، وابن الفرات، وبدمشق: من أحمد بن أبى الخير. وأبى زكريا بن الصيرفى. وخلق من هذه الطبقة.

وعنى بالحديث. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير. وخرج لجماعة من الشيوخ معاجم. منهم: الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والأبرقوهى وغيرهما.

وتفقه على ابن أبى عمر وغيره. وبرع وأفتى.

وصنف، شرح بعض سنن أبى داود. وخرج لنفسه آمالى. وتكلم فيها على الحديث ورجاله. وعلى التراجم. فأحسن وشفى. وشرح قطعة من كتاب «المقنع» فى الفقه من العارية إلى آخر الوصايا، وكلامه فى الحديث أجود من كلامه فى الفقه؛ فإنه كان أجود فنونه.

وكان يكتب خطا حسنا حلوا متقنا. وخطه معروف، وحج غير مرة.

ودرس بعدة أماكن، كالمنصورية، وجامع الحاكم، وولى القضاء سنتين ونصفا. وكان سنّيّا اثريّا، متمسكا بالحديث.

قال الذهبى فى معجمه: كان فقيها مناظرا مفتيا، عالما بالحديث وفنونه، حسن الكلام عليه وعلى الأسماء، ذا حظ من عربية وأصول. خرج لغير واحد، وأقرأ المذهب ودرس، ورأس الحنابلة.

وروى عنه إسماعيل بن الخباز - وهو أسن منه - وأبو الحجاج المزى، وأبو محمد البرزالى.

وذكره الذهبى أيضا فى طبقات الحفاظ، وقال: كان عارفا بمذهبه ثقة، متقنا صيتا، مليح الشكل. فصيح العبارة. وافر التجمل، كبير القدر. وروى عنه حديث من جزء ابن عرفة.

ص: 363

وقال فى المعجم المختصر: كان عارفا بمذهبه، بصيرا بكثير من الحديث وعلله ورجاله. مليح التخريج، من كبار أهل الفن.

قلت: حدث بالكثير، وروى عنه جماعة من شيوخنا، وغيرهم.

وتوفى فى سحر يوم الأربعاء رابع عشر ذى الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالقاهرة، ودفن من يومه بالقرافة، رحمه الله.

والحارثى: نسبة إلى «الحارثية» قرية من قرى بغداد غربيها، كان أبوه منها، وكان تاجرا بخط حنش. ولد الشيخ بقرية قريبة من مقبرة معروف الكرخى غربى بغداد.

‌475 - سليمان بن حمزة

بن أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى. ثم الصالحى، قاضى القضاة، تقى الدين أبو الفضل.

ولد فى منتصف رجب، سنة ثمان وعشرين وستمائة.

وحضر على ابن الزبيدى صحيح البخارى، وعلى الفخر الأربلى. وابن المقير وجماعة. وسمع من ابن اللتى، وجعفر الهمدانى، وكريمة القرشية، وابن الجميزى، وإسماعيل بن ظفر، والحافظ ضياء الدين، وابن قميرة، وغيرهم. وأكثر عن الحافظ ضياء الدين، حتى قال: سمعت منه نحو ألف جزء.

وقرأ بنفسه على ابن عبد الدائم وغيره كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء، وأجاز له خلق من البغداديين: كالسهروردى والقطيعى، وابن روزبة، وعمر ابن كرم، وإسماعيل بن باتكين، وزكريا العلثى، والأنجب الحمامى.

ومن المصريين: كابن العماد، وعيسى بن عبد العزيز، وابن باقا.

ومن الأصبهانيين: كمحمد بن عبد الواحد المدينى، ومحمد بن زهير شعرانة، وثابت بن محمد الخجندى، ومحمود بن منده، وطائفة وجماعة من الشاميين وغيرهم.

ولازم الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، وأخذ عنه الفقه والفرائض، وغير ذلك.

ص: 364

قال البرزالى: شيوخه بالسماع نحو مائة شيخ، وبالإجازة: أكثر من سبعمائة، وخرجت له المشيخات، والعوالى والمصافحات، والموافقات، ولم يزل يقرأ عليه إلى قبيل وفاته بيوم.

قال: وكان شيخا جليلا، فقيها كبيرا، بهى المنظر، وضئ الشيبة، حسن الشكل، مواظبا على حضور الجماعات، وعلى قيام الليل والتلاوة والصيام، له أوراد وعبادة. وكان عارفا بالفقه، خصوصا كتاب «المقنع» قرأه وأقرأه مرات كثيرة. وكانت له حلقه بالجامع المظفرى. وقرأ عليه جماعة، ودرس «الكافى» جميعه. وكان يذكر الدرس ذكرا حسنا متقنا، ويحفظه من ثلاث مرات ونحوها. وكان قوى النفس، لين الجانب، حسن الخلق، متوددا إلى الناس، حريصا على قضاء الحوائج، وعلى النفع المتعدى.

وحدث بثلاثيات البخارى سنة ست وخمسين وستمائة، وحدث بجميع الصحيح سنة ستين، وولى القضاء سنة خمس وتسعين.

قال الذهبى: كان فقيها إماما محدثا، أفتى نيفا وخمسين سنة، ودرس بالجوزية وغيرها. وبرع فى المذهب، وتخرج به الفقهاء، وروى الكثير، وتفرد فى زمانه، وكان كيسا متواضعا، حسن الأخلاق، وافر الجلالة، ذا تعبد وتهجد وإيثار.

وقال أيضا: كان صاحب ليل ومعروف، ولين كلمة، وجبر للأرملة والضعيف، ولم يخلف مثله.

وقال أيضا: ولكنه يجرى فى أحكامه ما الله به أعلم. والآفة من سبطه.

والله المستعان. ولولا دخوله فى القضاء لعدّ من العلماء العاملين. وهو مع هذا مسلم، ذو حظ من عبادة، وتواضع ولين وفتوة.

قلت: وسمعت شيخنا الحافظ أبا سعيد العلائى ببيت المقدس يقول: رحمه الله شيخنا القاضى تقى الدين سليمان، سمعته يقول: لم أصل الفريضة قط منفردا إلا مرتين، وكأنى لم أصلهما قط.

ص: 365

حدث بالكثير. وسمع منه الأبيوردى، وذكره فى معجمه - وتوفى قبله بدهر - وابن الخباز - وتوفى قبله بمدة - وحدث عنه من بعد الستين. وسمع منه أئمة وحفاظ. وروى عنه خلق كثير. حدثنا عنه جماعة كثيرة من أصحابه.

وتوفى ليلة الاثنين حادى عشر ذى القعدة سنة خمس عشرة وسبعمائة بمنزله بالدير فجأة. وكان قد حكم يوم الأحد بالمدينة. وطلع إلى الجبل إلى آخر النهار، فعرض له تغير يسير، وتوضأ للمغرب، ومات عقب الصلاة، ودفن من الغد بتربة جده الشيخ أبى عمر، وحضره خلق كثير رحمه الله تعالى.

‌476 - سليمان بن عبد القوى

بن عبد الكريم بن سعيد، الطوفى الصرصرى ثم البغدادى، الفقيه الأصولى، المتفنن، نجم الدين أبو الربيع.

ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة بقرية «طوفى» من أعمال «صرصر» وحفظ بها «مختصر الخرقى» فى الفقه، و «اللمع» فى النحو لابن جنى. وتردد إلى صرصر. وقرأ الفقه بها على الشيخ زين الدين على بن محمد الصرصرى الحنبلى النحوى، ويعرف بابن البوقى. وكان فاضلا صالحا.

ثم دخل بغداد سنة إحدى وتسعين فحفظ «المحرر» فى الفقه، وبحثه على الشيخ تقى الدين الزيرراتى.

وقرأ العربية والتصريف على أبى عبد الله محمد بن الحسين الموصلى، والأصول على النصر الفاروقى وغيره. وقرأ الفرائض وشيئا من المنطق، وجالس فضلاء بغداد فى أنواع الفنون، وعلق عنهم.

وسمع الحديث من الرشيد بن أبى القاسم، وإسماعيل بن الطبال، والمفيد عبد الرحمن بن سليمان الحرانى، والمحدث أبى بكر القلانسى وغيرهم.

ثم سافر إلى دمشق سنة أربع وسبعمائة، فسمع بها الحديث من القاضى تقى الدين سلمان بن حمزة وغيره. ولقى الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والمزى

ص: 366

والشيخ مجد الدين الحرانى، وجالسهم. وقرأ على ابن أبى الفتح البعلى بعض ألفية ابن مالك.

ثم سافر إلى ديار مصر سنة خمس وسبعمائة، فسمع بها من الحافظ عبد المؤمن ابن خلف، والقاضى سعد الدين الحارثى. وقرأ على أبى حيان النحوى، مختصره لكتاب سيبويه، وجالسه.

ثم سافر إلى الصعيد، ولقى بها جماعة، وحج، وجاور بالحرمين الشريفين، وسمع بها. وقرأ بنفسه كثيرا من الكتب والأجزاء، وأقام بالقاهرة مدة، وولى بها الإعادة بالمدرستين: المنصورية، والناصرية، فى ولاية الحارثى.

وصنف تصانيف كثيرة. ويقال: إن له بقوص خزانة كتب من تصانيفه فإنه أقام بها مدة.

ومن تصانيفه «بغية السائل فى أمهات المسائل» فى أصول الدين، وقصيدة فى العقيدة وشرحها، «مختصر الروضة» فى أصول الفقه، وشرحه فى ثلاث مجلدات، «مختصر الحاصل» فى أصول الفقه، «القواعد الكبرى» و «القواعد الصغرى» «الإكسير فى قواعد التفسير» ، «الرياض النواضر فى الأشباه والنظائر» ، «بغية الواصل إلى معرفة الفواصل» مصنف فى الجدل، وآخر صغير، «درء القول القبيح فى التحسين والتقبيح» ، «مختصر المحصول» ، «دفع التعارض عما يوهم التناقض» فى الكتاب والسنة، «معراج الوصول إلى علم الأصول» فى أصول الفقه، «الرسالة العلوية فى القواعد العربية» ، «غفلة المجتاز فى علم الحقيقة والمجاز» ، «الباهر فى أحكام الباطن والظاهر» ، «رد على الاتحادية» ، «مختصر المعالين» جزءين فيه: أن الفاتحة متضمنة لجميع القرآن، «الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة» ، «الرحيق السلسل فى الأدب المسلسل» ، «تحفة أهل الأدب فى معرفة لسان العرب» ، «الانتصارات الإسلامية فى دفع شبه النصرانية» ، «تعاليق» على الرد على جماعة من النصارى «تعاليق» على الأناجيل وتناقضها، شرح نصف «مختصر

ص: 367

الخرقى» فى الفقه، «مقدمة فى علم الفرائض» ، «شرح مختصر التبريزى» ، «شرح مقامات الحريرى» مجلدين، «موائد الحيس فى شعر امرئ القيس» ، «شرح أربعين النووى» . واختصر كثيرا من كتب الأصول، ومن كتب الحديث أيضا، ولكن لم يكن له فيه يد. ففى كلامه تخبيط كثير.

وله نظم كثير رائق، وقصائد فى مدح النبى صلى الله عليه وسلم، وقصيدة طويلة فى مدح الإمام أحمد. وكان مع ذلك كله شيعيا منحرفا فى الاعتقاد عن السنة، حتى إنه قال فى نفسه:

حنبلى رافضى أشعرى؟

هذه أحد العبر

ووجد له فى الرفض قصائد، وهو يلوح فى كثير من تصانيفه، حتى إنه صنف كتابا سماه «العذاب الواصب على أرواح النواصب» .

ومن دسائسه الخبيثة: أنه قال فى شرح الأربعين للنووى: اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء: تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب فى ذلك: عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه فى تدوين السنة من ذلك الزمان، فمنعهم من ذلك وقال: لا أكتب مع القرآن غيره، مع علمه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال «اكتبوا لأبى شاه خطبة الوداع» وقال:«قيدوا العلم بالكتابة» . قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم لا نضبطت السنة، ولم يبق بين آخر الأمة وبين النبى صلى الله عليه وسلم فى كل حديث إلا الصحابى الذى دون روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخارى ومسلم ونحوهما.

فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن: أن أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه هو الذى أضل الأمة، قصدا منه وتعمدا. ولقد كذب فى ذلك وفجر.

ثم إن تدوين السنة أكثر ما يفيد صحتها: وتواترها. وقد صحت بحمد الله تعالى، وحصل العلم بكثير من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها - أو أكثرها -

ص: 368

لأهل الحديث العارفين به من طرق كثيرة، دون من أعمى الله بصيرته، لاشتغاله عنها بشبه أهل البدع والضلال. والاختلاف لم يقع لعدم تواترها، بل وقع من تفاوت فهم معانيها. وهذا موجود، سواء دونت وتواترت أم لا. وفى كلامه إشارة إلى أن حقها اختلط بباطلها، ولم يتميز. وهذا جهل عظيم.

وقد كان الطوفى أقام بالمدينة النبوية مدة يصحب الرافضة: السكاكينى المعتزلى، ويجتمعان على ضلالتهما، وقد هتكه الله، وعجل الانتقام منه بالديار المصرية

قال تاج الدين أحمد بن مكتوم القيسى فى حق الطوفى: قدم علينا - يعنى الديار المصرية - فى زىّ أهل الفقر، وأقام على ذلك مدة، ثم تقدم عند الحنابلة، وتولى الإعادة فى بعض مدارسهم، وصار له ذكر بينهم. وكان يشارك فى علوم، ويرجع إلى ذكاء وتحقيق، وسكون نفس، إلا أنه كان قليل النقل والحفظ، وخصوصا للنحو على مشاركة فيه، واشتهر عنه الرفض، والوقوع فى أبى بكر وابنته عائشة رضى الله عنهما، وفى غيرهما من جملة الصحابة رضى الله عنهم، وظهر له فى هذا المعنى أشعار بخطه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويظهر موافقة له، منها قوله فى قصيدة:

كم بين من شك فى خلافته

وبين من قيل: إنه الله

فرفع أمر ذلك إلى قاضى قضاة الحنابلة سعد الدين الحارثى، وقامت عليه بذلك البينة، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيزه وإشهاره، وطيف به، ونودى عليه بذلك، وصرف عن جميع ما كان بيده من المدارس، وحبس أياما، ثم أطلق. فخرج من حينه مسافرا، فبلغ إلى «قوص» من صعيد مصر، وأقام بها مدة، ثم حج فى أواخر سنة أربع عشرة. وجاور سنة خمس عشرة.

ثم حج، ثم نزل إلى الشام إلى الأرض المقدسة، فأدركه الأجل فى بلد الخليل عليه السلام فى شهر رجب سنة ست عشرة وسبعمائة.

قلت: وقد ذكر بعض شيوخنا عمن حدثه عن آخر: أنه أظهر له التوبة

ص: 369

وهو محبوس. وهذا من تقيته ونفاقه؛ فإنه فى آخر عمره لما جاور بالمدينة كان يجتمع هو والسكاكينى شيخ الرافضة، ويصحبه. ونظم فى ذلك ما يتضمن السب لأبى بكر الصديق رضى الله عنه.

وقد ذكر ذلك عنه شيخنا المطرى، حافظ المدينة ومؤرخها. وكان قد صحبه بالمدينة، وكان الطوفى بعد سجنه قد نفى إلى الشام، فلم يمكنه الدخول إليها؛ لأنه كان قد هجا أهلها وسبهم، فخشى منهم، فسار إلى دمياط، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى الصعيد.

‌477 - أبو القاسم بن محمد

بن خالد بن إبراهيم، الحرانى، الفقيه التاجر بدر الدين، أخو الشيخ تقى الدين ابن تيمية لأمه.

ولد سنة خمسين وستمائة تقريبا - أو سنة إحدى وخمسين - بحران.

وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبى اليسر، وابن الصيرفى، وابن أبى عمر، وغيرهم. وتفقه، ولازم الاشتغال على شيوخ المذهب مدة وأفتى، وأمّ بالمدرسة الجوزية، بمسجد الرماحين، ودرس بالمدرسة الحنبلية نيابة عن أخيه الشيخ تقى الدين مدة.

قال البرزالى: كان فقيها مباركا، كثير الخير، قليل الشر، حسن الخلق، منقطعا عن الناس. وكان يتجر ويتكسب، وخلف لأولاده تركة، وروى جزء ابن عرفة مرات عديدة.

وقال الذهبى: كان فقيها عالما إماما بالجوزية. وله رأس مال يتجر فيه.

وكان قد تفقه على أبى زكريا بن الصيرفى، وابن المنجى، وغيرهما بدمشق. سمعنا منه جزء ابن عرفة غير مرة، ودرس بالحنبلية ثمانية أعوام. وكان خيرا متواضعا.

قال البرزالى: وتوفى يوم الأربعاء ثامن جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة. ودفن من يومه بمقابر الصوفية عند والدته، وحضر جمع كثير.

رحمه الله تعالى.

ص: 370

‌478 - عبد الله بن أحمد

بن تمام بن حسان المكى الصالحى، الأديب الزاهد، تقى الدين أبو محمد.

ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة.

سمع الحديث من ابن قميرة، والمرسى، وإبراهيم بن خليل، والبلدانى، وخطيب مردا. وجماعة.

وقرأ النحو والأدب على الشيخ جمال الدين بن مالك وعلى والده بدر الدين، وصحبه ولازمه مدة، وأقام بالحجاز مدة. واجتمع بالشيخ تقى الدين الحورانى الزاهد وغيره، وسافر إلى الديار المصرية، وأقام بها مدة. وله نظم كثير حسن رائق.

قال البرزالى: كان شيخا فاضلا، بارعا فى الأدب، حسن الصحبة، مليح المحاضرة، صحب الفقراء والفضلاء، وتخلق بالأخلاق الجميلة، وخرج له فخر الدين ابن البعلبكى مشيخة قرأتها عليه وكتبنا عنه من نظمه وكان زاهدا متقللا من الدنيا، لم يكن له أثاث ولا طاسة ولا فراش، ولا سراج ولا زبدية، بل كان بيته خاليا من ذلك كله. حدثنى بذلك أخوه الشيخ محمد.

وقال لى القاضى شهاب الدين محمود الكاتب: صحبته أكثر من خمسين سنة. وأثنى عليه ثناء جميلا، وعظمه وبجلّه، ووصفه بالزهد والفراغ من الدنيا، وذكر نحو ما ذكر أخوه.

توفى ليلة السبت ثالث ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وسبعمائة، ودفن من الغد بمقابر المرداويين بالقرب من تربة الشيخ أبى عمر. رحمه الله تعالى.

أنشدنا أبو العباس المقدسى. أنشدنا عبد الله بن تمام لنفسه:

أشاهد من محاسنكم منارا

يكاد البدر يشبهه شقيقا

وأصحب من جمالكم خيالا

فأنّى سرت يرشدنى الطريقا

أرى نجم الزمان بكم سعيدا

ومعنى حسنكم معنى دقيقا

ص: 371

وبدر التّم يزهى من سناكم

وشمس جمالكم برزت شروقا

وروض عبير أرضكم نهارا

جرى ذهب الأصيل به خلوقا

حديثى والغرام بكم قديم

وشوقى يزعج القلب المشوقا

وأنفاسى بعثت بها إليكم

سلوا عنها النسيم أو البروقا

ولي صدق المودة فى حماكم

سقى الله الحمى، ورعى الصديقا

وأنشدنا أيضا عن ابن تمام لنفسه:

أكرر فيكم أبدا حديثى

فيحلوا، والحديث بكم شجون

وأنظمه عقودا من دموعى

فتنثره المحاجر والجفون

وأبتكر المعانى فى هواكم

وفيكم كل قافية تهون

وأعتنق النسيم؛ لأن فيه

شمائل من معاطفكم تبين

وأسأل عنكم النكباء سرا

وسر هواكم عندى مصون

وكم لى فى محبتكم غرام؟

وكم لى فى الغرام بكم فنون؟

وفى ثالث ذى القعدة سنة ثمان عشرة أيضا: توفى الفقيه الفاضل: -

‌479 - برهان الدين أبو إسحاق

إبراهيم بن الشيخ عماد الدين عبد الحافظ ابن أبى محمد عبد الحميد بن محمد بن أبى بكر، قاضى القدس الحنبلى. ودفن بتربة الشيخ موفق الدين. وكان من أبناء السبعين.

حضر على خطيب مردا بنابلس. وأقام بدمشق. وتفقه بها وسمع.

وكتب بخطه كثيرا.

وكان عدلا وفقيها فى المدارس، من أهل الدين والعفاف والفضيلة. وكان كثير السكوت، قليل الكلام. وله قصيدة حسنة رثى بها الشيخ شمس الدين ابن أبى عمر. ذكر ذلك البرزالى.

وقال الذهبى: كان فقيها إماما، عارفا بالفقه والعربية، وفيه دين وتواضع

ص: 372

وصلاح. قال: وسمعت منه قصيدته التى رثى بها الشيخ شمس الدين، ثم روى عنه حديثا.

‌480 - محمد بن عمر

بن عبد المحمود بن زباطر الحرانى، الفقيه الزاهد، شمس الدين أبو عبد الله. نزيل دمشق.

ولد سنة سبع وثلاثين وستمائة بحران.

وسمع بها من عيسى الخياط، والشيخ مجد الدين ابن تيمية.

وسمع بدمشق من إبراهيم بن خليل، ومحمد بن عبد الهادى، والبلدانى، وابن عبد الدائم، وخطيب مرادا. وعنى بسماع الحديث إلى آخر عمره. وكان يردّ على القارئ وقت القراءة أشياء مفيدة، ولديه فقه وفضائل، وأمّ بمسجد الوزير ظاهر دمشق.

قال الذهبى: كان فقيها زاهدا ناسكا، سلفى الجملة، عارفا بمذهب الإمام أحمد. وحدث، سمع منه جماعة، منهم: الذهبى، وصفى الدين عبد المؤمن ابن عبد الحق. وسافر سنة إحدى عشرة إلى مصر لزيارة الشيخ تقى الدين ابن تيمية، فأسر من سبخة بردويل، وبقى مدة فى الأسر.

ويقال: إن الفرنج لما رأوا ديانته وأمانته واجتهاده أكرموه واحترموه، وبقى عندهم مدة، وانقطع خبره قبل العشرين. ويقال: إن وفاته كانت بقبرص سنة ثمان عشرة وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

‌481 - أحمد بن حامد

المعروف بابن عصية، البغدادى، القاضى:

جمال الدين.

قال الطوفى: حضرت درسه. وكان بارعا فى الفقه والتفسير والفرائض.

وأما معرفة القضاء والأحكام: فكان أوحد عصره فى ذلك.

قلت: كان ذا هيبة، وحسن شيبة. ولى القضاء بالجانب الشرقى ببغداد،

ص: 373

ودرس للحنابلة بالبشيرية، ثم عزل، ونالته محنة، ثم أعيد إلى التدريس سنة ثلاث عشرة. وأظنه توفى فى حدود العشرين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

‌482 - عبد الرزاق بن أحمد

بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبى المعالى محمد بن محمود بن أحمد بن محمد بن أبى المعالى الفضل بن العباس بن عبد الله بن معن ابن زائدة الشيبانى، المروزى الأصل، البغدادى الأخبارى، المؤرخ الكاتب الأديب، كمال الدين أبو الفضل بن الصابونى، ويعرف بابن الفوطى، وهو جد أبيه لأمه.

ولد فى سابع عشر المحرم سنة اثنتين وأربعين وستمائة بدار الخلافة من بغداد.

وسمع بها من الصاحب محيى الدين بن الجوزى، ثم أسر فى وقعة بغداد، وخلصه النصير الطوسى الفيلسوف وزير الملاحدة، فلازمه، وأخذ عنه علوم الأوائل، وبرع فى الفلسفة وغيرها، وأمره بكتابة الزيج وغيره من علم النجوم، واشتغل على غيره فى اللغة والأدب، حتى برع ومهر فى التاريخ والشعر وأيام الناس، وأقام بمراغة مدة، وولى بها خزن كتب الرصد بضع عشرة سنة، وظفر بها بكتب نفيسة، وحصل من التواريخ ما لا مزيد عليه.

وسمع بها من المبارك بن المستعصم بالله سنة ست وستين، ثم عاد إلى بغداد، وولى خزن كتب المستنصرية، فبقى عليها إلى أن مات. ويقال: إنه ليس بالبلاد أكثر من كتب هاتين الخزانتين اللتين باشرهما.

وسمع ببغداد الكثير من محمد بن أبى الرينية وطبقته. وعنى بالحديث.

وقرأ وكتب الكثير بخطه المليح، وصنف فى الأخبار والتاريخ والأنساب شيئا كثيرا. ذكره الذهبى فى طبقات الحفاظ، وقال: له النظم والنثر، والباع الأطول فى ترصيع تراجم الناس، وله ذكاء مفرط، وخط منسوب رشيق، وفضائل كثيرة.

ص: 374

سمع الكثير، وعنى بهذا الشأن، وجمع وأفاد، فلعل الحديث أن يكفّر به عنه، وكتب من التواريخ ما لا يوصف. ومصنفاته وقر بعير.

عمل تاريخا كبيرا لم يبيضه، ثم عمل آخر دونه فى خمسين مجلدا، سماه «مجمع الآداب فى معجم الأسماء على معجم الألقاب» وألف كتاب «درر الأصداف فى غرر الأوصاف» وهو كبير جدا، وذكر: أنه جمعه من ألف مصنف من التواريخ والدواوين، والأنساب والمجاميع، عشرون مجلدا، بيض منها خمسة، وكتاب «المؤتلف والمختلف» رتبه مجدولا. وله كتاب «التاريخ على الحوادث» وكتاب «حوادث المائة السابعة» وإلى أن مات، وكتاب نظم «الدرر الناصعة فى شعراء المائة السابعة» فى عدة مجلدات.

وذكر الذهبى أيضا فى «المعجم المختصر» : أن ابن الفوطى خرج معجما لشيوخه، وبلغوا نحو خمسمائة شيخ بالسماع والإجازة.

وذكر غيره: أنه جمع الوفيات من سنة ستمائة، سماه «الحوادث الجامعة، والتجارب النافعة، الواقعة فى المائة السابعة» وهذا هو الذى أشار إليه الذهبى.

قال: وذيّل على تاريخ ابن الساعى شيخه نحوا من ثمانين مجلدة، عمله للصاحب عطاء الملك. وله «تلقيح الأفهام فى تنقيح الأوهام» وله وفيات أخر، وأشياء كثيرة فى الأنساب وغيرها، ونظم كثير حسن، وخطه فى غاية الحسن.

وقد تكلّم فى عقيدته وفى عدالته.

وسمعت من بعض شيوخنا ببغداد شيئا من ذلك. وقد ذكر الذهبى طرفا من ذلك، وأنه كان يترخص فى إثبات ما يرصعه، ويبالغ فى تقريظ المغول وأعوانهم.

قال: وهو فى الجملة إخبارى علامة، ما هو بدون أبى الفرج الأصبهاني.

وكان ظريفا متواضعا، حسن الأخلاق، فالله يسامحه.

وقلت: حدث. سمع منه جماعة.

ص: 375

روى لنا عنه ولده أبو المعالى محمد، وغيره ببغداد. وقد سمع منه محمود بن خليفة، وغيره من أهل الشام.

وأصابه فالج فى آخر عمره فوق سبعة أشهر. ثم توفى فى آخر نهار الاثنين غرة المحرم - وقيل: ثالث المحرم، وقيل: فى ثانى عشره - سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ببغداد. ودفن بالشونيزية. سامحه الله تعالى.

‌483 - محمد بن سعد

بن عبد الأحد بن سعد الله بن عبد القاهر بن عبد الأحد ابن عمر بن نجيح الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه الإمام، شرف الدين أبو عبد الله ابن سعد الدين.

سمع من الفخر بن البخارى وغيره. وطلب الحديث. وقرأ بنفسه. وتفقه وأفتى. وصحب الشيخ تقى الدين ابن تيمية، ولازمه. وكان صحيح الذهن، جيد المشاركة فى العلوم، من خيار الناس وعقلائهم وعلمائهم.

توفى فى ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة بوادى بنى سالم فى رجوعه من الحج، وحمل إلى المدينة النبوية على أعناق الرجال. ودفن بالبقيع. وكان كهلا. رحمه الله تعالى.

وفى يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين أيضا: توفى

الشيخ الإمام الفقيه شمس الدين أبو عبد الله: -

‌484 - محمد بن محمود

الجيلى. نزيل بغداد، المدرس للحنابلة بالبشيرية بها.

وكان فقيها فاضلا. له مصنف فى الفقه، سماه «الكفاية» لم يتمه. وذكر فيه: أن أحمد نص على أن من وصى بقضاء الصلاة المفروضة عنه نفذت وصيته

‌485 - محمد بن عثمان

بن يوسف بن محمد بن الحداد الآمدى، ثم المصرى الخطيب، الإمام، الصدر، الرئيس، الفقيه، بدر الدين أبو عبد الله، خطيب دمشق وحلب.

ص: 376

سمع الحديث. وتفقه بالديار المصرية، وحفظ «المحرر» وشرحه على ابن حمدان، ولازمه مدة من السنين حتى قرأه عليه، وبرع فى الفقه. وكان ابن حمدان يشكره، ويثنى عليه كثيرا، ثم اشتغل بالكتابة، واتصل بالأمير قراسنقر المنصورى بحلب، فولاه نظر الأوقاف، وخطابة جامع حلب.

ثم لما صار قراسنقر نائبا بدمشق ولاّه خطابة جامعها فى آخر ذى القعدة سنة تسع وسبعمائة، وصرف عنه جلال الدين القزوينى، فاستمر يباشر الخطابة والإمامة بالجامع إلى ثانى عشر محرم سنة عشر، فأعيد القزوينى بمرسوم السلطان وولى ابن الحداد حينئذ نظر المارستان، ثم ولى حسبة دمشق، ونظر الجامع، واستمر فى نظره إلى حين وفاته، وعين لقضاء الحنابلة فى وقت.

توفى ليلة الأربعاء سابع جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى.

‌486 - محمد بن المنجى

بن عثمان بن أسعد بن المنجى التنوخى، الدمشقى، الشيخ شرف الدين أبو عبد الله، ابن الشيخ زين الدين أبى البركات. وقد سبق ذكر آبائه.

ولد سنة خمس وسبعين وستمائة.

وأسمعه والده الكثير من المسلم بن علان، وابن أبى عمر، وجماعة من طبقتهما، وسمع «المسند» والكتب الكبار. وتفقه وأفتى، ودرس بالمسمارية.

وكان من خواص أصحاب الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وملازميه حضرا وسفرا ومشهور بالديانة والتقوى، ذا خصال جميلة، وعلم وشجاعة.

روى عنه الذهبى فى معجمه. وقال: كان فقيها إماما، حسن الفهم صالحا متواضعا، كيس الجملة.

توفى إلى رضوان الله تعالى فى رابع شوال سنة أربع وعشرين وسبعمائة وشيعه الخلق الكثير. ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله.

ص: 377

‌487 - محمود بن سليمان

بن فهد الحلبى، ثم الدمشقى، شهاب الدين أبو الثناء، كاتب السر، وعلامة الأدب.

ولد سنة أربع وأربعين وستمائة بحلب، وانتقل مع والده إلى دمشق سنة أربع وخمسين.

وسمع بها من الرضى بن البرهان، وابن عبد الدائم، ويحيى بن الناصح بن الحنبلى وغيرهم. وتعلم الخط المنسوب، ونسخ بالأجرة بخطه الأنيق كثيرا.

واشتغل بالفقه على الشيخ شمس الدين بن أبى عمر. وأخذ العربية عن الشيخ جمال الدين بن مالك، وتأدب بالمجد بن الظهير وغيره. وفتح له فى النظم والنثر، ثم ترقت حاله، واحتيج إليه، وطلب إلى الديار المصرية، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وصار المشار إليه فى هذا الشأن فى الديار الشامية والمصرية. وكان يكتب التقاليد الكبار بلا مسودة.

وله تصانيف فى الإنشاء وغيره، ودون الفضلاء نظمه ونثره. ويقال:

إنه لم يكن بعد القاضى الفاضل مثله، وله من الخصائص ما ليس للفاضل من كثرة القصائد المطولة الحسنة الأنيقة، وبقى فى ديوان الإنشاء نحوا من خمسين سنة بدمشق ومصر، وولى كتابة السر بدمشق نحوا من ثمان سنين قبل وفاته.

وحدث. وروى عنه الذهبى فى معجمه، وقال: كان دينا متعبدا، مؤثرا للانقطاع والسكون، حسن المحاورة، كثير الفضائل.

توفى ليلة السبت ثانى عشرين شعبان سنة خمس وعشرين وسبعمائة بدمشق بداره، وهى دار القاضى الفاضل بالقرب من باب الناطفانيين. وشيعه أعيان الدولة. وحضر الصلاة عليه بسوق الخيل نائب السلطنة، ودفن بتربته التى أنشأها بالقرب من اليغمورية. رحمه الله تعالى.

ص: 378

‌488 - يوسف بن عبد المحمود

بن عبد السلام بن البتى البغدادى، المقرئ الفقيه، الأديب النحوى، المتفنن جمال الدين.

قرأ بالروايات، وسمع الحديث من محمد بن حلاوة، وعلى بن حصين، وعبد الرزاق بن الفوطى، وغيرهم.

وقرأ بنفسه على ابن الطبال. وأخذ عن الشيخ عزّ الدين عبد العزيز ابن جماعة بن القواس الموصلى شارح ألفية ابن معطى: الأدب والعربية والمنطق، وغير ذلك، واستفاد فى الفقه من الشيخ تقى الدين بن الزريرانى. ويقال:

إنه قرأ عليه. وكان معيدا عنده بالمستنصرية.

وقال الطوفى: استفدت منه كثيرا. وكان نحوى العراق ومقرئه، عالما بالقرآن والعربية والأدب. وله حظ من الفقه والأصول والفرائض والمنطق.

قلت: ودرس للحنابلة بالبشيرية غربى بغداد، ونالته فى آخر عمره محنة، واعتقل بسبب موافقته الشيخ تقى الدين ابن تيمية فى مسألة الزيارة. وكاتبه عليها مع جماعة من علماء بغداد، وتخرج به جماعة، وأقرأ العلم مدة، ولا يعرف أنه حدث.

وتوفى فى حادى عشر شوال سنة ست وعشرين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه. وكان كهلا. رحمه الله تعالى.

وفى هذا الشهر ليلة الخميس ثالث عشرة توفى المؤرخ: -

‌489 - قطب الدين موسى

بن الشيخ الفقيه أبى عبد الله محمد بن أبى الحسين اليونينى ببعلبك. ودفن عند أخيه بباب سطحا.

وكان مولده فى ثامن صفر سنة أربعين وستمائة بدمشق.

وسمع من أبيه، وبدمشق من ابن عبد الدائم، وعبد العزيز شيخ شيوخ حماة، وبمصر من الرشيد العطار، وإسماعيل بن صارم، وجماعة. وأجاز له ابن رواج، والتشتبرى.

ص: 379

قال الذهبى: كان عالما فاضلا، مليح المحاضرة، كريم النفس، معظما جليلا.

حدثنا بدمشق وبعلبك، وجمع تاريخا حسنا، ذيل به على «مرآة الزمان» واختصر «المرآة» .

قال: وانتفعت بتاريخه، ونقلت منه فوائد جمة. وقد حسنت فى آخر عمره حالته، وأكثر من العزلة والعبادة وكان مقتصدا فى لباسه وزيّه، صدوقا فى نفسه، مليح الشيبة، كثير الهيبة، وافر الحرمة. رحمه الله تعالى.

‌490 - محمد بن مسلم

بن مالك بن مزروع بن جعفر الزينى الصالحى، الفقيه الصالح الزاهد، قاضى القضاة، شمس الدين أبو عبد الله.

ولد سنة اثنتين وستين وستمائة.

وتوفى أبوه سنة ثمان وستين - وكان من الصالحين - فنشأ يتيما فقيرا. وكان قد حضر على ابن عبد الدائم، وعمر الكرمانى. ثم سمع من ابن البخارى وطبقته، وأكثر عن ابن الكمال. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وعنى بالحديث، وتفقه وبرع وأفتى، وبرع فى العربية، وتصدى للاشغال والإفادة، واشتهر اسمه، مع الديانة والورع، والزهد والاقتناع باليسير.

ثم بعد موت القاضى تقى الدين سليمان: ورد تقليده للقضاء فى صفر سنة ست عشرة عوضه. فتوقف فى القبول. ثم استخار الله وقبل، بعد أن شرط أن لا يلبس خلعة حرير، ولا يركب فى المواكب، ولا يقتنى مركوبا. فأجيب إلى ذلك.

ولما لبس الخلعة بدار السعادة: خرج بها ماشيا إلى الجامع، ومعه الصاحب.

وجماعة من الأعيان مشاة، فقرئ تقليده، ثم خلعها، وتوجه إلى الصالحية.

قال الذهبى فى معجمه المختصر برع فى المذهب والعربية. وأقرأ الناس مدة.

على ورع وعفاف. ومحاسن جمة. ثم ولى القضاء بعد تمنع، وشكر وحمد.

ولم يغير زيه. ولا اقتنى دابة، ولا أخذ مدرسة. واجتهد فى الخير وفى عمارة أوقاف الحنابلة. اهـ

ص: 380

وكان من قضاة العدل، مصمما على الحق، لا يخاف فى الله لومة لائم. وهو الذى حكم على ابن تيمية بمنعه من الفتيا بمسائل الطلاق وغيرها مما يخالف المذهب.

وقد حدث. وسمع منه جماعة. وخرج له المحدثون تخاريج عدة. وحج ثلاث مرات. ثم حج رابعة فتمرض فى طريقه بعد رحيلهم من العلى. فورد المدينة النبوية يوم الاثنين ثالث عشرى ذى القعدة سنة ست وعشرين وسبعمائة وهو ضعيف، فصلى فى المسجد. ثم سلم على النبى صلى الله عليه وسلم. وكان بالأشواق إلى ذلك فى مرضه. ثم مات عشية ذلك اليوم.

وقيل: من أواخر الليلة المقبلة. وصلّى عليه بالروضة. ودفن بالبقيع شرقى قبر عقيل رضى الله عنه. وتأسف أهل الخير لفقده. رحمه الله تعالى.

‌491 - محمد بن على

بن أبى القاسم بن أبى العشرين الوراق. الموصلى.

المقرئ الفقيه. المحدث النحوى. شمس الدين أبو عبد الله، ويعرف بابن خروف.

ولد فى حدود الأربعين وستمائة بالموصل، أو قبلها.

وقرأ بها القرآن على عبد الله بن إبراهيم الجزدى الزاهد. وقد تقدم ذكره.

وقصد الإمام أبا عبد الله شعلة، ليقرأ عليه، فوجده مريضا مرض الموت. ثم رحل ابن خروف إلى بغداد بعد الستين، وقرأ بها القراءات بكتب كثيرة فى السبع والعشر، على الشيخ عبد الصمد بن أبى الجيش، ولازمه مدة طويلة. وقرأ القراءات أيضا على أبى الحسن بن الوجوهى. وسمع الحديث منهما، ومن ابن وضاح

وذكر البرزالى: أنه عرض عليه «المقنع» فى الفقه للشيخ موفق الدين.

وذكر الذهبى: أنه حفظ «الخرقى» وعنى بالحديث، وقرأ بالموصل على أبى العباس الكواسى المفسر كتابه «التلخيص» فى التفسير. وقرأ بها على أبى عبد الله محمد بن مسعود بن عمر العجمى «جامع الترمذى» بسماعه من أبى الفتح الغزنوى. وقرأ عليه أيضا «معالم التنزيل» للبغوى، بسماعه من ابن أبى المجد القزوينى.

ص: 381

ونظر فى العربية، وشارك فى الفضائل، وله نظم حسن. تصدى للاشغال والإقراء فى بلده مدة. وقرأ عليه جماعة.

وقدم الشام سنة سبع عشرة، وولى بها مشيخة الإقراء بالتربة الأشرفية بعد المجد اليونينى. وحدث بها.

وسمع منه الذهبى، والبرزالى، وذكره فى معجمه، وقال: كان شيخا صالحا، متوددا إلى الناس، حسن المحاضرة، طيب المجالسة. مكرما عند كل أحد؛ لحسن خلقه، وشيخوخته وفضله. ونزل بالحلبية بالجامع.

وسمع منه أيضا أبو حيان. وعبد الكريم الحلبى. وذكره فى معجه.

وأظنه ذهب إلى الديار المصرية أيضا.

ورجع إلى بلده. وبها توفى فى ثامن جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة. ودفن بمقبرة المعافى ابن عمران رضى الله عنه.

‌492 - عبد الله بن عبد الحليم

بن عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم ابن الخضر بن محمد بن تيمية الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه الإمام، الزاهد، العابد القدوة المتفنن، شرف الدين أبو محمد، أخو الشيخ تقى الدين

ولد فى حادى عشر محرم سنة ست وستين وستمائة بحران.

وقدم مع أهله إلى دمشق رضيعا، فحضر بها على ابن أبى اليسر، وغيره.

ثم سمع من ابن علان، وابن الصيرفى، وأحمد بن أبى الخير، ومن ابن أبى عمر، والقاسم الأربلى، وحلق من هذه الطبقة.

وسمع «المسند» و «الصحيحين» وكتب السنن. وتفقه فى المذهب حتى برع وأفتى. وبرع أيضا فى الفرائض والحساب، وعلم الهيئة، وفى الأصلين والعربية. وله مشاركة قوية فى الحديث. ودرس بالحنبلية مدة.

وكان صاحب صدق وإخلاص، قانعا باليسير، شريف النفس، شجاعا مقداما، مجاهدا زاهدا، عابدا ورعا، يخرج من بيته ليلا، ويأوى إليه ليلا،

ص: 382

ولا يجلس في مكان معين، بحيث يقصد فيه، لكنه يأوى إلى المساجد المهجورة خارج البلد، فيختلى فيها للصلاة والذكر. وكان كثير العبادة والتأله، والمراقبة والخوف من الله تعالى، ذا كرامات وكشوف.

ومما اشتهر عنه: أنه كثير الصدقات، والإيثار بالذهب والفضة فى حضره وسفره، مع فقره وقلة ذات يده. وكان رفيقه فى المحمل فى الحج يفتش رحله فلا يجد فيه شيئا، ثم يراه يتصدق بذهب كثير جدا. وهذا أمر مشهور معروف عنه. وحج مرات متعددة.

وكان له يد طولى فى معرفة تراجم السلف ووفياتهم، وفى التواريخ المتقدمة والمتأخرة. وحبس مع أخيه بالديار المصرية مدة. وقد استدعي غير مرة وحده إلى المناظرة، فناظر، وأفحم الخصوم.

وسئل عنه الشيخ كمال الدين بن الزملكانى؟ فقال: هو بارع فى فنون عديدة من الفقه، والنحو والأصول، ملازم لأنواع الخير، وتعليم العلم، حسن العبارة، قوى فى دينه، جيد التفقه، مستحضر لمذهبه، مليح البحث، صحيح الذهن، قوى الفهم. رحمه الله تعالى.

وذكره الذهبى فى «المعجم المختصر» فقال: كان بصيرا بكثير من علل الحديث ورجاله، فصيح العبارة، عالما بالعربية، نقالا للفقه، كثير المطالعة لفنون العلم، حلو المذاكرة، مع الدين والتقوى، وإيثار الانقطاع، وترك التكلف والقناعة باليسير، والنصح للمسلمين رضى الله عنه.

وذكره أيضا فى معجم شيوخه، فقال: كان إماما بارعا، فقيها عارفا بالمذهب وأصوله، وأصول الديانات، عارفا بدقائق العربية، وبالفرائض والحساب والهيئة كثير المحفوظ، له مشاركة جيدة فى الحديث، ومشاهير الأئمة والحوادث، ويعرف قطعة كثيرة من السيرة. وكان متقنا للمناظرة وقواعدها، والخلاف.

وكان حلو المحاضرة متواضعا، كثير العبادة والخير، ذا حظ من صدق وإخلاص

ص: 383

وتوجه وعرفان، وانقطاع بالكلية عن الناس، قانعا بيسير اللباس اهـ.

توفى رحمه الله تعالى يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة بدمشق. وصلّى عليه الظهر بالجامع، وحمل إلى باب القلعة فصلى عليه هناك مرة أخرى. وصلّى عليه أخوه الشيخ تقى الدين، وزين الدين عبد الرحمن، وهما محبوسان بالقلعة، وخلق معهما من داخل القلعة. وكان التكبير يبلغهم، وكثر البكاء تلك الساعة. فكان وقتا مشهودا. ثم صلّى عليه مرة ثالثة ورابعة، وحمل على الرءوس والأصابع إلى مقابر الصوفية، فدفن بها. وحضر جنازته جمع كثير، وعالم عظيم، وكثر الثناء والتأسف عليه. رحمه الله.

‌493 - محمد بن عبد المحسن

بن أبى الحسن بن عبد الغفار بن الخراط، البغدادى، القطيعى، الأزجى، المحدث، الواعظ، عفيف الدين أبو عبد الله، ويعرف بابن الدواليبى.

قرأت بخطه: مولدى فى آخر سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان قد اختلف قوله فى ذلك.

فنقل البرزالى عنه: أن مولده فى ربيع الأول فى سنة ثمان وثلاثين فى ثالث عشره - أو رابع عشره - على الشك منه.

وذكر غيره عنه: أن مولده سنة تسع وثلاثين.

وسمع من عبد الملك بن قيبا، وإبراهيم بن الخير، والأعز بن العليق، ومحمد بن مقبل بن المنى، ويحيى بن قميرة، وأخيه أحمد، وعلى بن معالى الرصافى، وعبد الله بن على النعال.

وسمع من أحمد الباذييني «صحيح مسلم» ومن الشيخ مجد الدين ابن تيمية أحكامه، ونصف المحرر، ومن الصاحب أبى المظفر بن الجوزى، وعجيبة بنت الباقدارى، وغيرهم. وأجاز له جماعة كثيرون.

ص: 384

وسمع «المسند» من جماعة، ووعظ مدة طويلة، وشارك فى العلوم، وعمّر وصار مسند أهل العراق فى وقته.

وحدث بالكثير: وكان قد سمع كثيرا من الكتب العوالى على شيوخه القدماء، ولكن لم يظفر أهل بغداد بذلك. وإنما اشتهر عندهم سماعه للمسند، و «صحيح مسلم» وقد شاركه فى سماعهما بمثل إسناده خلق كثير، حتى أدركنا منهم جماعة. وسمعنا الكتابين على مثله.

سمع منه الفرضى، وذكره فى معجمه، مع تقدم وفاته، فقال: كان شيخا عالما، فقيها فاضلا، واعظا زاهدا، عابدا ثقة دينا. وقدم دمشق حاجا.

وسمع منه جماعة، منهم: البرزالى. وذكره فى معجمه، فقال: شيخ فاضل فى الوعظ، تكلم على الناس مدة طويلة، وحفظ «الخرقى» فى الفقه، و «اللمع» لابن جنى، وحج مرات، وهو من أهل الصلاح، كثير القناعة والتعفف، ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وحرمته وافرة، ومكانته معروفة. قدم علينا حاجا سنة ثمان وتسعين، ونزل ظاهر البلد، فخرجنا إليه، وسمعنا منه، وجلس للوعظ بجامع دمشق فى أواخر رمضان من هذه السنة. وحضرنا مجلسه، وسمعنا تذكيره. وتفرد فى زمانه، وولى مشيخة المستنصرية، وهو قادرى. كان أبوه من أصحاب الشيخ أبى صالح نصر بن عبد الرزاق.

وذكره الذهبى فى معجمه، وقال: كان عالما واعظا، حسن المحاضرة، صحبناه فى طريق الحج. حدث ببغداد، ودمشق، والمدينة، والعلا.

وذكره شيخنا بالإجازة صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق فى معجمه، فقال: شيخ جليل، كثير المسموعات، سكن براط ابن الغزال بالقطيعة، من باب الأزج، ولازم الوعظ به مدة طويلة، ووعظ بجامع الخليفة: ورتب مسمعا بدار الحديث المستنصرية بعد وفاة ابن حصين سنة ثمان عشرة.

قلت: سمع منه خلق كثير من شيوخنا وغيرهم، كأبى حفص القزوينى،

ص: 385

ومحمود بن خليفة، وابن الفصيح الكوفى؛ ووالدى، وعمر البزار. وكان ينظم الشعر

توفى يوم الخميس رابع عشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وشيعه خلق كثير ودفن بمقابر الشهداء من باب حرب. رحمه الله.

قال لى: وعظت زمن المستعصم. وأنشدنى لنفسه - كان وكان - عند سماعى منه «صحيح مسلم» :

ترى ربيع التواصل يقدم وتفنى شقوتى

ويقبل الصيف وجيشو على الشتاء منصور

وابصر مجيمر هجرى على المزابل مكسرة

وبيت كانون حزنى أرجع ازّىّ مهجور

وأخلع بنفسج صبرى على عواذل سلوتى

وياسمين انتظارى ورى العدى منثور

‌494 - أحمد بن محمد

بن عبد الولى بن جبارة المقدسى المقرئ، الفقيه الأصولى النحوى، شهاب الدين، أبو العباس بن الشيخ تقى الدين أبى عبد الله.

وقد سبق ذكر والده.

ولد سنة سبع - أو ثمان - وأربعين وستمائة

وقال البرزالى: سنة تسع وأربعين. أظنه بقاسيون

وسمع من خطيب مردا حضورا، ومن ابن عبد الدائم، وجماعة

وارتحل إلى مصر بعد الثمانين - كذا فى الطبقات - وفى التاريخ: سنة ثلاث وسبعين، فقرأ بها القراءات على الشيخ حسن الراشدى، وصحبه إلى أن مات، وقرأ الأصول على شهاب الدين القرافى المالكى، والعربية على بهاء الدين ابن النحاس، وبرع فى ذلك، وتفقه فى المذهب، لعله على ابن حمدان.

وقدم دمشق بعد التسعين، فأقرأ بها القراءات، ثم تحول إلى حلب، فأقرأ بها أيضا، ثم استوطن بيت المقدس، وتصدّر لإقراء القرآن، والعربية، وصنف شرحا كبيرا للشاطبية، وشرحا آخر للرائية فى الرسم. وشرحا لألفية ابن معطى، ولا أدرى أكمله أم لا؟ وصنف تفسيرا وأشياء فى القراءات.

ص: 386

قال الذهبى فى طبقات القراء: هو صالح متعفف، خشن العيش، جمّ الفضائل، ماهر بالفن، قلّ من رأيت بعد رفيقه مجد الدين - يعنى التونسى - مثله، وذكره فى معجم شيوخه، فقال: كان إماما مقرئا بارعا، فقيها متقنا، نحويا، نشأ إلى اليوم فى صلاح وزهد ودين. سمعت منه مجلس البطاقة، وانتهت.

إليه مشيخة بيت المقدس.

وذكره البرزالى فى تاريخه، وذكر: أنه حج وجاور بمكة، قال: وكان رجلا صالحا، مباركا عفيفا منقطعا، يعد فى العلماء الصّالحين الأخيار، قرأت عليه بدمشق والقدس، عدة أجزاء.

وتوفى بالقدس سحر يوم الأحد رابع رجب سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.

ودفن فى اليوم المذكور بمقبرة ماملا، وصلّى عليه بجامع دمشق صلاة الغائب، فى سادس عشر الشهر.

وذكر الذهبى: أنه مات فجأة، رحمه الله تعالى.

‌495 - أحمد بن عبد الحليم

بن عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم ابن الخضر بن محمد ابن تيمية الحرانى، ثم الدمشقى، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولى الزاهد. تقى الدين أبو العباس، شيخ الإسلام وعلم الأعلام، وشهرته تغنى عن الإطناب فى ذكره، والإسهاب فى أمره.

ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران.

وقدم به والده وبإخوته إلى دمشق، عند استيلاء التتر على البلاد، سنة سبع وستين.

فسمع الشيخ بها من ابن عبد الدائم، وابن أبى اليسر، وابن عبد، والمجد ابن عساكر، ويحيى بن الصيرفى الفقيه، وأحمد بن أبى الخير الحداد، والقاسم الأربلى، والشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والمسلم بن علان، وإبراهيم بن الدرجى، وخلق كثير.

ص: 387

وعنى بالحديث. وسمع «المسند» مرات، والكتب الستة، ومعجم الطبرانى الكبير، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم فى صغره. فأخذ الفقه والأصول. عن والده، وعن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والشيخ زين الدين بن المنجى. وبرع فى ذلك، وناظر. وقرأ فى العربية أياما على سليمان بن عبد القوى، ثم أخذ كتاب سيبويه، فتأمله ففهمه. وأقبل على تفسير القرآن الكريم، فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من العلوم، ونظر فى علم الكلام والفلسفة، وبرز فى ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر فى هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة، وأفتى من قبل العشرين أيضا، وأمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبطء النسيان، حتى قال غير واحد:

إنه لم يكن يحفظ شيئا فينساه.

ثم توفى والده الشيخ شهاب الدين، المتقدم ذكره، وكان له حينئذ إحدى وعشرين سنة. فقام بوظائفه بعده. فدرس بدار الحديث السكرية فى أول سنة ثلاث وثمانين وستمائة.

وحضر عنده قاضى القضاة بهاء الدين بن الزكى. والشيخ تاج الدين الفزارى، وزين الدين بن المرجل. والشيخ زين الدين بن المنجى، وجماعة، وذكر درسا عظيما فى البسملة. وهو مشهور بين الناس، وعظّمه الجماعة الحاضرون، وأثنوا عليه ثناء كثيرا.

قال الذهبى: وكان الشيخ تاج الدين الفزارى، يبالغ فى تعظيمه الشيخ تقى الدين، بحيث إنه علق بخطه درسه بالسكرية.

ثم جلس عقب ذلك مكان والده بالجامع على منبر أيام الجمع، لتفسير القرآن العظيم، وشرع من أول القرآن. فكان يورد من حفظه فى المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقى يفسر فى سورة نوح، عدة سنين أيام الجمع.

ص: 388

وفى سنة تسعين: ذكر على الكرسى يوم جمعة شيئا من الصفات، فقام بعض المخالفين، وسعوا فى منعه من الجلوس، فلم يمكنهم ذلك.

وقال قاضى القضاة شهاب الدين الخوى: أنا على اعتقاد الشيخ تقى الدين، فعوتب فى ذلك. فقال: لأن ذهنه صحيح، ومواده كثيرة. فهو لا يقول إلا الصحيح.

وقال الشيخ شرف الدين المقدسى: أنا أرجو بركته ودعاءه، وهو صاحبى، وأخى. ذكر ذلك البرزالى فى تاريخه.

وشرع الشيخ فى الجمع والتصنيف، من دون العشرين، ولم يزل فى علو وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره.

قال الذهبى فى معجم شيوخه: أحمد بن عبد الحليم - وساق نسبه - الحرانى، ثم الدمشقى، الحنبلى أبو العباس، تقى الدين، شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد العصر علما ومعرفة، وشجاعة وذكاء، وتنويرا إلهيّا، وكرما ونصحا للأمة، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر. سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب وخرج، ونظر فى الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصله غيره. برع فى تفسير القرآن، وغاص فى دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها. وبرع فى الحديث وحفظه، فقلّ من يحفظ ما بحفظه من الحديث، معزوا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل. وفاق الناس فى معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقوم بما دليله عنده.

وأتقن العربية أصولا وفروعا، وتعليلا واختلافا. ونظر فى العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وردّ عليهم، ونبّه على خطئهم، وحذّر منهم ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين. وأوذى فى ذات الله من المخالفين، وأخيف فى نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته

ص: 389

والدعاء له، وكبت أعداءه، وهدى به رجالا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب لملوك والأمراء على الانقياد له غالبا، وعلى طاعته، وأحيا به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولى الأمر لما أقبل حزب التتر والبغى فى خيلائهم، فظنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشرأبّ النفاق وأبدى صفحته. ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلى، فلو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت: أنى ما رأيت بعينى مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه.

وقد قرأت بخط الشيخ العلامة شيخنا كمال الدين بن الزملكانى، ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم «ابن تيمية» كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائى والسامع: أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله.

وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه فى مذهبهم أشياء، ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع منه، ولا تكلم فى علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.

وقال الذهبى فى معجمه المختصر: كان إماما متبحرا فى علوم الديانة، صحيح الذهن، سريع الإدراك، سيال الفهم، كثير المحاسن، موصوفا بفرط الشجاعة والكرم، فارغا عن شهوات المأكل والملبس والجماع، لا لذة له فى غير نشر العلم وتدوينه. والعمل بمقتضاه.

قلت: وقد عرض عليه قضاء القضاة قبل التسعين، ومشيخة الشيوخ، فلم يقبل شيئا من ذلك. قرأت ذلك بخطه.

قال الذهبى: ذكره أبو الفتح اليعمرى الحافظ - يعنى ابن سيد الناس - فى جواب سؤالات أبى العباس بن الدمياطى الحافظ، فقال: ألفيته ممن أدرك من العلوم حظا. وكاد يستوعب السنن والآثار حفظا، إن تكلم فى التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى فى الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه،

ص: 390

وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم ير أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته.

برزقى كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه

وقد كتب الذهبى فى تاريخه الكبير للشيخ ترجمة مطولة، وقال فيها: وله خبرة تامة بالرجال، وجرحهم وتعديلهم، وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالى والنازل، والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه، الذى انفرد به، فلا يبلغ أحد فى العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجيب فى استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى فى عزوه إلى الكتب الستة، والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.

وقال: ولما كان معتقلا بالإسكندرية: التمس منه صاحب سبتة أن يجيز لأولاده، فكتب لهم فى ذلك نحوا من ستمائة سطر، منها سبعة أحاديث بأسانيدها، والكلام على صحتها ومعانيها، وبحث وعمل ما إذا نظر فيه المحدث خضع له من صناعة الحديث. وذكر أسانيده فى عدة كتب. ونبّه على العوالى. عمل ذلك كله من حفظه، من غير أن يكون عنده ثبت أو من يراجعه.

ولقد كان عجيبا فى معرفة علم الحديث. فأما حفظه متون الصحاح وغالب متون السنن والمسند: فما رأيت من يدانيه فى ذلك أصلا.

قال: وأما التفسير فمسلم إليه. وله من استحضار الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على المسألة - قوة عجيبة. وإذا رآه المقرئ تحيز فيه. ولفرط إمامته فى التفسير، وعظم اطلاعه. يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين. ويوهى أقوالا عديدة. وينصر قولا واحدا، موافقا لما دل عليه القرآن والحديث. ويكتب فى اليوم والليلة من التفسير، أو من الفقه، أو من الأصلين، أو من الرد على الفلاسفة والأوائل: نحوا من أربعة كراريس أو أزيد.

قلت: وقد كتب «الحموية» فى قعدة واحدة. وهى أزيد من ذلك.

وكتب فى بعض الأحيان فى اليوم ما يبيض منه مجلد.

ص: 391

وكان رحمه الله فريد دهره فى فهم القرآن. ومعرفة حقائق الإيمان. وله يد طولى فى الكلام على المعارف والأحوال. والتمييز بين صحيح ذلك وسقيمه.

ومعوجه وقويمه.

وقد كتب ابن الزملكانى بخطه على كتاب «إبطال التحليل» للشيخ ترجمة الكتاب واسم الشيخ. وترجم له ترجمة عظيمة. وأثنى عليه ثناء عظيما.

وكتب أيضا تحت ذلك:

ماذا يقول الواصفون له

وصفاته جلّت عن الحصر

هو حجة لله قاهرة

هو بيننا أعجوبة الدهر

هو آية للخلق ظاهرة

أنوارها أربت على الفجر

وللشيخ أثير الدين أبى حيان الأندلسى النحوى - لما دخل الشيخ مصر واجتمع به - ويقال: إن أبا حيان لم يقل أبياتا خيرا منها ولا أفحل:

لما رأينا تقى الدين لاح لنا

داع إلى الله فردا. ماله وزر

على محياه من سيما الأولى صحبوا

خير البرية نور دونه القمر

حبر تسر بل منه دهره حبّرا

بحر تقاذف من أمواجه الدرر

قام ابن تيمية فى نصر شرعتنا

مقام سيّد تيم إذ عصت مضر

فأظهر الدين إذ آثاره درست

وأخمد الشرك إذ طارت له شرر

يا من تحدث عن علم الكتاب أصخ

هذا الإمام الذى قد كان ينتظر

وحكى الذهبى عن الشيخ: أن الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد قال له - عند اجتماعه به وسماعه لكلامه -: ما كنت أظن أن الله بقى يخلق مثلك

ومما وجد فى كتاب كتبه العلامة قاضى القضاة أبو الحسن السبكى إلى الحافظ أبى عبد الله الذهبى فى أمر الشيخ تقى الدين المذكور: أما قول سيدى فى الشيخ فالملوك يتحقق كبر قدره. وزخارة بحره. وتوسعه فى العلوم الشرعية والعقلية. وفرط ذكائه واجتهاده. وبلوغه فى كل من ذلك المبلغ الذى يتجاوز

ص: 392

الوصف. والمملوك يقول ذلك دائما. وقدره فى نفسى أكبر من ذلك وأجلّ. مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة. ونصرة الحق. والقيام فيه لا لغرض سواه. وجريه على سنن السلف. وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى. وغرابة مثله فى هذا الزمان. بل من أزمان.

وكان الحافظ أبو الحجاج المزى: يبالغ فى تعظيم الشيخ والثناء عليه، حتى كان يقول: لم ير مثله منذ أربعمائة سنة.

وبلغنى من طريق صحيح عن ابن الزملكانى: أنه سئل عن الشيخ؟ فقال: لم ير من خمسمائة سنة، أو أربعمائة سنة - الشك من الناقل. وغالب ظنه:

أنه قال: من خمسمائة - أحفظ - منه.

وكذلك كان أخوه الشيخ شرف الدين يبالغ فى تعظيمه جدا، وكذلك المشايخ العارفون، كالقدوة أبى عبد الله محمد بن قوام. ويحكى عنه أنه كان يقول: ما أسلمت معارفنا إلا على يد ابن تيمية.

والشيخ عماد الدين الواسطى كان يعظمه جدا، وتتلمذ له، مع أنه كان أسن منه. وكان يقول: قد شارف مقام الأئمة الكبار، ويناسب قيامه فى بعض الأمور قيام الصديقيين.

وكتب رسالة إلى خواص أصحاب الشيخ يوصيهم بتعظيمه واحترامه، ويعرفهم حقوقه، ويذكر فيها: أنه طاف أعيان بلاد الإسلام، ولم ير فيها مثل الشيخ علما وعملا، وحالا وخلقا واتباعا، وكرما وحلما فى حق نفسه، وقياما فى حق الله تعالى، عند انتهاك حرماته. وأقسم على ذلك بالله ثلاث مرات.

ثم قال: أصدق الناس عقدا، وأصحهم علما وعزما، وأنفذهم وأعلامهم فى انتصار الحق وقيامه، وأسخاهم كفا، وأكملهم اتباعا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

ما رأينا فى عصرنا هذا من تستجلى النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، بحيث يشهد القلب الصحيح: أن هذا هو الاتباع حقيقة.

ص: 393

ولكن كان هو وجماعة من خواص أصحابه ربما أنكروا من الشيخ كلامه فى بعض الأئمة الأكابر الأعيان، أو فى أهل التخلى والانقطاع ونحو ذلك.

وكان الشيخ رحمه الله لا يقصد بذلك إلا الخير، والانتصار للحق إن شاء الله تعالى.

وطوائف من أئمة أهل الحديث وحفاظهم وفقائهم: كانوا يحبون الشيخ ويعظمونه، ولم يكونوا يحبون له التوغل مع أهل الكلام ولا الفلاسفة، كما هو طريق أئمة أهل الحديث المتقدمين، كالشافعى وأحمد وإسحاق وأبى عبيد ونحوهم، وكذلك كثير من العلماء من الفقهاء والمحدثين والصالحين كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التى أنكرها السلف على من شذبها

(1)

، حتى إن بعض قضاة العدل من أصحابنا منعه من الإفتاء ببعض ذلك.

قال الذهبى: وغالب حطه على الفضلاء والمتزهدة فبحق، وفى بعضه هو مجتهد، ومذهبه توسعة العذر للخلق، ولا يكفر أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه.

قال: ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات، وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابى، بل يقول الحق المرّ الذى أدّاه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته فى السنن والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكر، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله.

فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة، فينجيه الله فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة،

(1)

ما كان الشيخ رضى الله عنه إلا محييا لآثار السلف رضى الله عنهم من الصحابة والتابعين. وليس كل من تقدم قبل زمن الشيخ يكون من السلف.

ص: 394

والاستعانة به، قوى التوكل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدمنها بكيفية وجمعية. وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائر العامة تحبه؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلا ونهارا، بلسانه وقلمه.

وأما شجاعته: فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال.

ولقد أقامه الله تعالى فى نوبة قازان. والنقى أعباء الأمر بنفسه. وقام وقعد وطلع، ودخل وخرج، واجتمع بالملك - يعنى قازان - مرتين، وبقطلو شاه، وبولاى. وكان قبجق يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول.

وله حدة قوية تعتريه فى البحث، حتى كأنه ليث حرب. وهو أكبر من أن ينبه مثلى على نعوته. وفيه قلة مداراة، وعدم تؤدة غالبا، والله يغفر له. وله إقدام وشهامة، وقوة نفس توقعه فى أمور صعمة، فيدفع الله عنه.

وله نظم قليل وسط. ولم يتزوج، ولا تسرى، ولا له من المعلوم إلا شئ قليل. وأخوه يقوم بمصالحه، ولا يطلب منهم غذاء ولا عشاء فى غالب الوقت.

وما رأيت فى العالم أكرم منه، ولا أفرغ منه عن الدينار والدرهم، لا يذكره، ولا أظنه يدور فى ذهنه. وفيه مروءة، وقيام مع أصحابه، وسعى فى مصالحهم.

وهو فقير لا مال له. وملبوسه كآحاد الفقهاء: فرّجيّه، ودلق، وعمامة تكون قيمة ثلاثين درهما، ومداس ضعيف الثمن. وشعره مقصوص.

وهو ربع القامة، بعيد ما بين المنكبين، كأن عينيه لسانان ناطقان، ويصلى بالناس صلاة لا يكون أطول من ركوعها وسجود. وربما قام لمن يجئ من سفر أو غاب عنه، وإذا جاء فربما يقومون له، الكل عنده سواء، كأنه فارغ من هذه الرسوم، ولم ينحن لأحد قط، وإنما يسلم ويصافح ويبتسم. وقد يعظم جليسه مرة، ويهينه فى المحاورة مرات.

قلت: وقد سافر الشيخ مرة على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان

ص: 395

عند مجئ التتر سنة من السنين، وتلا عليهم آيات الجهاد، وقال: إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله، والذّبّ عنهم، فإن الله تعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم سواكم. وتلا قوله تعالى (38:47 {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ)} وقوله تعالى (39:9 {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً)}.

وبلغ ذلك الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد - وكان هو القاضى حينئذ - فاستحسن ذلك، وأعجبه هذا الاستنباط، وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام.

وأما محن الشيخ: فكثيرة، وشرحها يطول جدا.

وقد اعتقله مرة بعض نواب السلطان بالشام قليلا، بسبب قيامه على نصرانى سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم، واعتقل معه الشيخ زين الدين الفاروقى، ثم أطلقهما مكرمين.

ولما صنف المسألة «الحموية» فى الصفات: شنّع بها جماعة، ونودى عليها فى الأسواق على قصبة، وأن لا يستفتى من جهة بعض القضاة الحنفية. ثم انتصر للشيخ بعض الولاة، ولم يكن فى البلد حينئذ نائب، وضرب المنادى وبعض من معه، وسكن الأمر.

ثم امتحن سنة خمس وسبعمائة بالسؤال عن معتقده بأمر السلطان؟ فجمع نائبة القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر الشيخ، وسأله عن ذلك؟ فبعث الشيخ من أحضر من داره «العقيدة الواسطية» فقرءوها فى ثلاث مجالس، وخافقوه، وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعا، ومنهم من قاله كرها.

وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف.

ص: 396

ثم إن المصريين دبروا الحيلة فى أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث معه، ولكن يعقد له مجلس، ويدّعى عليه، وتقام عليه الشهادات. وكان القائمون فى ذلك منهم: بيبرس الجاشنكير، الذى تسلطن بعد ذلك، ونصر المنبجى وابن مخلوف قاضى المالكية، فطلب الشيخ على البريد إلى القاهرة، وعقد له ثانى يوم وصوله - وهو ثانى عشرين رمضان سنة خمس وسبعمائة - مجلس بالقلعة، وادّعى عليه عند ابن مخلوف قاضى المالكية، أنه يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية.

وقال المدعى: أطلب تعزيره على ذلك، التعزير البليغ - يشير إلى القتل على مذهب مالك - فقال القاضى: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أأمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضى:

أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ، فقال: أجب. فقال الشيخ له:

من هو الحاكم فىّ؟ فأشاروا: القاضى هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمى، كيف تحكم فىّ؟ وغضب، ومراده: إنّي وإياك متنازعان فى هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها؟ فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد الشيخ، وقال: رضيت أن تحكم فىّ، فلم يمكّن من الجلوس، ويقال:

إن أخاه الشيخ شرف الدين ابتهل، ودعا الله عليهم فى حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نورا يهتدون به إلى الحق.

ثم حبسوا فى برج أياما، ونقلوا إلى الجب ليلة عيد الفطر، ثم بعث كتاب سلطانى إلى الشام بالحط على الشيخ، والزم الناس - خصوصا أهل مذهبه - بالرجوع عن عقيدته، والتهديد بالعزل والحبس، ونودى بذلك فى الجامع والأسواق. ثم قرئ الكتاب بسدّة الجامع بعد الجمعة، وحصل أذى كثير للحنابلة بالقاهرة، وحبس بعضهم، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع. وكان قاضيهم الحرانى قليل العلم.

ص: 397

ثم فى سلخ رمضان سنة ست: أحضر سلار - نائب السلطان بمصر - القضاة والفقهاء، وتكلم فى إخراج الشيخ، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور، ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره، وليتكلموا معه فى ذلك، فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه فى ذلك ست مرات، وصمم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس، فانصرفوا من غير شئ.

ثم فى آخر هذه السنة وصل كتاب إلى نائب السلطنة بدمشق من الشيخ، فأخبر بذلك جماعة ممن حضر مجلسه، وأثنى عليه: وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه. وذكر ما هو عليه فى السجن: من التوجه إلى الله تعالى، وأنه لا يقبل شيئا من الكسوة السلطانية، ولا من الأدرار السلطانى، ولا تدنس بشئ من ذلك.

ثم فى ربيع الأول من سنة سبع وسبعمائة دخل مهنا بن عيسى أمير العرب إلى مصر، وحضر بنفسه إلى السجن، وأخرج الشيخ منه، بعد أن استأذن فى ذلك، وعقد للشيخ مجالس حضرها أكابر الفقهاء، وانفصلت على خير

وذكر الذهبى والبرزالى وغيرهما: أن الشيخ كتب لهم بخطه مجملا من القول وألفاظا فيها بعض ما فيها، لما خاف وهدد بالقتل، ثم أطلق وامتنع من المجئ إلى دمشق. وأقام بالقاهرة يقرئ العلم، ويتكلم فى الجوامع والمجالس العامة، ويجتمع عليه خلق.

ثم فى شوال من السنة المذكورة: اجتمع جماعة كثيرة من الصوفية، وشكوا من الشيخ إلى الحاكم الشافعى، وعقد له مجلس لكلامه فى ابن عربى وغيره، وادعى عليه ابن عطاء بأشياء، ولم يثبت منها شيئا، لكنه اعترف أنه قال:

لا يستغاث بالنبى صلى الله عليه وسلم، استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يتوسل به، فبعض الحاضرين قال: ليس فى هذا شئ.

ورأى الحاكم ابن جماعة: أن هذا إساءة أدب، وعنقه على ذلك، فحضرت

ص: 398

رسالة إلى القاضى: أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة فى ذلك، فقال القاضى: قد قلت له ما يقال لمثله.

ثم إن الدولة خيروه بين أشياء، وهى الإقامة بدمشق، أو بالاسكندرية، بشروط، أو الحبس، فاختار الحبس. فدخل عليه أصحابه فى السفر إلى دمشق، ملتزما ما شرط عليه، فأجابهم، فأركبوه خيل البريد، ثم ردوه فى الغد، وحضر عند القاضى بحضور جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلا بالحبس. فقال القاضى: وفيه مصلحة له، واستناب التونسى المالكى وأذن له أن يحكم عليه بالحبس، فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شئ، فأذن لنور الدين الزواوى المالكى، فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضى إلى الحبس، وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال الزواوى المذكور: فيكون فى موضع يصلح لمثله، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القاضى وأجلس فى الموضع الذى أجلس فيه القاضى تقى الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن أن يكون عنده من يخدمه.

وكان جميع ذلك بإشارة نصر المنبجى.

واستمر الشيخ فى الحبس يستفتى ويقصده الناس، ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس.

وكان أصحابه يدخلون عليه أولا سرا، ثم شرعوا يتظاهرون بالدخول عليه، فأخرجوه فى سلطنة الششنكير الملقب بالمظفر، إلى الإسكندرية على البريد، وحبس فيها فى برج حسن مضئ متسع، يدخل عليه من شاء، ويمنع هو من شاء» ويخرج إلى الحمام إذا شاء. وكان قد أخرج وحده، وأرجف الأعداء بقتله وتفريقه غير مرة، فضاقت بذلك صدور محبيه بالشام وغيره، وكثر الدعاء له. وبقى فى الإسكندرية مدة سلطنة المظفر.

فلما عاد الملك الناصر إلى السلطنة وتمكن، وأهلك المظفر، وحمل شيخه نصر المنبجى، واشتدت موجدة السلطان على القضاة لمداخلتهم المظفر، وعزل بعضهم:

ص: 399

بادر بإحضار الشيخ إلى القاهرة مكرما فى شوال سنة تسع وسبعمائة، وأكرمه السلطان إكراما زائدا، وقام إليه، وتلقاه فى مجلس حفل، فيه قضاة المصريين والشاميين، والفقهاء وأعيان الدولة. وزاد فى إكرامه عليهم، وبقى يسارّه ويستشيره سويعة، وأثنى عليه بحضورهم ثناء كثيرا، وأصلح بينه وبينهم. ويقال:

إنه شاوره فى أمرهم به فى حق القضاة، فصرفه عن ذلك، وأثنى عليهم، وأن ابن مخلوف كان يقول: ما رأينا أفتى من ابن تيمية، سعينا فى دمه. فلما قدر علينا عفا عنا.

واجتمع بالسلطان مرة ثانية بعد أشهر، وسكن الشيخ بالقاهرة، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند، وطائفة من الفقهاء، ومنهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع.

قال الذهبى: وفى شعبان سنة إحدى عشرة: وصل النبأ: أن الفقيه البكرى - أحد المبغضين للشيخ - استفرد بالشيخ بمصر، ووثب عليه، ونتش بأطواقه، وقال:

احضر معى إلى الشرع، فلى عليك دعوى، فلما تكاثر الناس انملص، فطلب من جهة الدولة، فهرب واختفى

وذكر غيره: أنه ثار بسبب ذلك فتنة، وأراد جماعة الانتصار من البكرى فلم يمكنهم الشيخ من ذلك.

واتفق بعد مدة: أن البكرى همّ السلطان بقتله، ثم رسم بقطع لسانه؛ لكثرة فضوله وجراءته، ثم شفع فيه، فنفى إلى الصعيد، ومنع من الفتوى بالكلام فى العلم. وكان الشيخ فى هذه المدة يقرئ العلم، ويجلس للناس فى مجالس عامة.

قدم إلى الشام هو وإخوته سنة اثنتى عشرة بنية الجهاد، لما قدم السلطان لكشف التتر عن الشام. فخرج مع الجيش، وفارقهم من عسقلان، وزار البيت المقدس.

ص: 400

ثم دخل دمشق بعد غيبته عنها فوق سبع سنين، ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه، وسرّ الناس بمقدمه، واستمر على ما كان عليه أولا، من إقراء العلم، وتدريسه بمدرسة السكرية، والحنبلية، وإفتاء الناس ونفعهم.

ثم فى سنة ثمان عشرة: ورد كتاب من السلطان بمنعه من الفتوى فى مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير، وعقد له مجلس بدار السعادة، ومنع من ذلك، ونودى به فى البلد.

ثم فى سنة تسع عشرة عقد له مجلس أيضا كالمجلس الأول، وقرئ كتاب السلطان بمنعه من ذلك، وعوتب على فتياه بعد المنع، وانفصل المجلس على تأكيد المنع.

ثم بعد مدة عقد له مجلس ثالث بسبب ذلك، وعوتب وحبس بالقلعة.

ثم حبس لأجل ذلك مرة أخرى. ومنع بسببه من الفتيا مطلقا، فأقام مدة يفتى بلسانه، ويقول: لا يسعنى كتم العلم.

وفى آخر الأمر: دبروا عليه الحيلة فى مسألة المنع من السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وألزموه من ذلك التنقص بالأنبياء، وذلك كفر، وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء، وهم ثمانية عشر نفسا، رأسهم القاضى الإخنانى المالكى وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرا. وبها مات رحمه الله تعالى.

وقد بين رحمه الله: أن ما حكم عليه به باطل بإجماع المسلمين من وجوه كثيرة جدا، وأفتى جماعة بأنه يخطئ فى ذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة من علماء بغداد، وغيرهم. وكذلك ابنا أبى الوليد شيخ المالكية بدمشق أفتيا: أنه لا وجه للاعتراض عليه فيما قاله أصلا، وأنه نقل خلاف العلماء فى المسألة، ورجح أحد القولين فيها.

ص: 401

وبقى مدة فى القلعة يكتب العلم ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه الرسائل، ويذكر ما فتح الله به عليه فى هذه المرة من العلوم العظيمة، والأحوال الجسيمة

وقال: قد فتح الله على فى هذا الحصن فى هذه المرة من معانى القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتى فى غير معانى القرآن، ثم إنه منع من الكتابة، ولم يترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر.

قال شيخنا أبو عبد الله ابن القيم: سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه، يقول: إن فى الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. قال: وقال لى مرة: ما يصنع أعدائى بى؟ أنا جنتى وبستانى فى صدرى، أين رحت فهى معى، لا تفارقنى، أنا حبسى خلوة. وقتلى شهادة، وإخراجى من بلدى سياحة.

وكان فى حبسه فى القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندى شكر هذه النعمة - أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لى فيه من الخير - ونحو هذا.

وكان يقول فى سجوده، وهو محبوس: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله.

وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه

ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه، وقال (13:57 {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ)} .

قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه وكنا إذا

ص: 402

اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها فى دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قولهم لطلبها، والمسابقة إليها اهـ.

وأما تصانيفه رحمه الله: فهى أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر.

سارت مسير الشمس فى الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار. قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها.

ولنذكر نبذة من أسماء أعيان المصنفات الكبار: كتاب «الايمان» مجلد، كتاب «الاستقامة» مجلدان «جواب الاعتراضات المصرية على الفتاوى الحموية» أربع مجلدات، كتاب «تلبيس الجهمية فى تأسيس بدعهم الكلامية» فى ست مجلدات كبار، كتاب «المحنة المصرية» مجلدان «المسائل الاسكندرانية» مجلد «الفتاوى المصرية» سبع مجلدات.

وكل هذه التصانيف ما عدا كتاب «الإيمان» كتبه وهو بمصر فى مدة سبع سنين صنفها فى السجن. وكتب معها أكثر من مائة لفّة ورق أيضا، كتاب «درء تعارض العقل والنقل» أربع مجلدات كبار. والجواب عما أورده للشيخ كمال الدين بن الشريشى على هذا الكتاب، نحو مجلد كتاب «منهاج السنة النبوية فى نقض كلام الشيعة والقدرية» أربع مجلدات «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» مجلدان «شرح أول المحصل للرازى» مجلد «شرح بضعة عشر مسألة من الأربعين للرازى» مجلدان «الرد على المنطق» مجلد كبير «الرد على البكرى فى مسألة الاستغاثة» مجلد «الرد على أهل كسروان الروافض» مجلدان «الصفدية» ، «جواب من قال: إن

ص: 403

معجزات الأنبياء قوى نفسانية» مجلد «الهلاونية» مجلد «شرح عقيدة الأصبهانى» مجلد «شرح العمدة» للشيخ موفق الدين. كتب منه نحو أربع مجلدات «تعليقة على المحرر» فى الفقه لجده عدة مجلدات «الصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد، «بيان الدليل على بطلان التحليل» مجلد «اقتضاء الصراط المستقيم فى مخالفة أصحاب الجحيم» مجلد «التحرير فى مسألة حفير» مجلد فى مسألة من القسمة، كتبها اعتراضا على الحوى فى حادثة حكم فيها «الرد الكبير على من اعترض عليه فى مسألة الحلف بالطلاق» ثلاث مجلدات، كتاب «تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان» مجلد كبير «الرد على الاخنائى فى مسألة الزيارة» مجلد. وأما القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوى: فلا يمكن الإحاطة بها، لكثرتها وانتشارها وتفرقها. ومن أشهرها «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» مجلد لطيف «الفرقان بين الحق والبطلان» مجلد لطيف «الفرقان بين الطلاق والأيمان» مجلد لطيف «السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية» مجلد لطيف «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» مجلد لطيف.

‌ذكر نبذة من مفرداته وغرائبه

اختار ارتفاع الحديث بالمياه المتعصرة، كماء الورد ونحوه، واختار جواز المسح على النعلين، والقدمين، وكل ما يحتاج فى نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخر، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين.

واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك فى ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد ويتوقف مع إمكان النزع وتيسره.

واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها.

واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت فى حق غير المعذور، كمن أخر

ص: 404

الصلاة عمدا حتى تضايق وقتها. وكذا من خشى فوات الجمعة والعيدين وهو محدث. فأما من استيقظ أو ذكر فى آخر وقت الصلاة: فإنه يتطهر بالماء ويصلى، لأن الوقت متسع فى حقه.

واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال فى البيت، أو شق عليها النزول إلى الحمام وتكرره: أنها تتيمم وتصلى.

واختار أن لا حدّ لأقلّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقلّ الطهر بين الحيضتين، ولا لسنّ الإياس من الحيض. وأن ذلك راجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.

واختار أن تارك الصلاة عمدا: لا يجب عليه القضاء

(1)

. ولا يشرع له. بل يكثر من النوافل، وأن القصر يجوز فى قصير السفر وطويله، وأن سجود التلاوة لا يشترط له طهارة.

‌ذكر وفاته

مكث الشيخ فى القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذى القعدة سنة ثمان وعشرين، ثم مرض بضعة وعشرين يوما، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته

وكانت وفاته فى سحر ليلة الاثنين عشرى ذى القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.

وذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلم به الحرس على الأبراج، فتسامع الناس بذلك، وبعضهم أعلم به فى منامه، وأصبح الناس، واجتمعوا حول القلعة حتى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئا، ولا فتحوا

(1)

الذى حققه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن تارك الصلاة كافر. فإذا تاب ودخل الإسلام، فشأنه شأن كل كافر ومشرك يدخل الإسلام. لا يمكنه أن يتدارك ما فاته إلا بالإكثار من صالح الأعمال.

ص: 405

كثيرا من الدكاكين التى من شأنها أن تفتح أول النهار. وفتح باب القلعة.

وكان نائب السلطنة غائبا عن البلد، فجاء الصاحب إلى نائب القلعة، فعزاه به وجلس عنده، واجتمع عند الشيخ فى القلعة خلق كثير من أصحابه، يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زين الدين عبد الرحمن: أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا فى الحادية والثمانين، فانتهيا إلى قوله تعالى (54:54، 55 {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)}

فشرع حينئذ الشيخان الصالحان: عبد الله بن المحب الصالحى، والزرعى الضرير - وكان الشيخ يحب قراءتهما - فابتدأ من سورة الرحمن حتى ختما القرآن.

وخرج الرجال، ودخل النساء من أقارب الشيخ، فشاهدوه ثم خرجوا، واقتصروا على من يغسله، ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصالحين وأهل العلم، كالمزى وغيره، ولم يفرغ من غسله حتى امتلأت القلعة بالرجال وما حولها إلى الجامع، فصلى عليه بدركات القلعة: الزاهد القدوة محمد بن تمام. وضج الناس حينئذ بالبكاء والثناء، وبالدعاء والترحم.

وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق فى الساعة الرابعة أو نحوها. وكان قد امتلأ الجامع وصحته، والكلاسة، وباب البريد، وباب الساعات إلى الميادين والفوارة. وكان الجمع أعظم من جمع الجمعة، ووضع الشيخ فى موضع الجنائز، مما يلى المقصورة، والجند يحفظون الجنازة. من الزحام، وجلس الناس على غير صفوف، بل مرصوصين، لا يتمكن أحد من الجلوس والسجود إلا بكلفة. وكثر الناس كثرة لا توصف.

فلما أذن المؤذن الظهر أقيمت الصلاة على السدة، بخلاف العادة، وصلوا الظهر، ثم صلوا على الشيخ. وكان الإمام نائب الخطابة علاء الدين ابن الخراط لغيبة القزوينى بالديار المصرية، ثم ساروا به، والناس فى بكاء ودعاء وثناء، وتهليل وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يدعين ويبكين

ص: 406

أيضا. وكان يوما مشهودا، لم يعهد بدمشق مثله، ولم يتخلف من أهل البلد وحواضره إلا القليل من الضعفاء والمخدرات، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة أهل السنة. فبكا الناس بكاء كثيرا عند ذلك.

وأخرج من باب البريد، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وصار النعش على الرءوس، يتقدم تارة، ويتأخر أخرى. وخرج الناس من أبواب الجامع كلها وهى مزدحمة. ثم من أبواب المدينة كلها، لكن كان المعظم من باب الفرج، ومنه خرجت الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية، وعظم الأمر بسوق الخيل.

وتقدم فى الصلاة عليه هناك: أخوه زين الدين عبد الرحمن.

ودفن وقت العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله بمقابر الصوفية، وحزر الرجال: بستين ألفا وأكثر، إلى مائتى ألف، والنساء بخمسة عشر ألفا، وظهر بذلك قول الإمام أحمد» بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز»

وختم له ختمات كثيرة بالصالحية والمدينة، وتردد الناس إلى زيارة قبره أياما كثيرة، ليلا ونهارا، ورئيت له منامات كثيرة صالحة. ورثاه خلق كثير من العلماء والشعراء بقصائد كثيرة من بلدان شتى، وأقطار متباعدة، وتأسف المسلمون لفقده. رضى الله عنه ورحمه، وغفر له.

وصلّى عليه صلاة الغائب فى غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتى فى اليمن والصين. وأخبر المسافرون: أنه نودى بأقصى الصين للصلاة عليه يوم جمعة «الصلاة على ترجمان القرآن» .

وقد أفرد الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادى له ترجمة فى مجلدة، وكذلك أبو حفص عمر بن على البزار البغدادى فى كراريس. وإنما ذكرناها هنا على وجه الاقتصار ما يليق بتراجم هذا الكتاب.

ص: 407

وقد حدث الشيخ كثيرا. وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث، ومن تصانيفه، وخرج له ابن الوانى أربعين حديثا حدث بها.

‌496 - أحمد بن يحيى

بن محمد بن بدر الجزرى، ثم الصالحى، المقرئ، الفقيه، شهاب الدين أبو العباس.

ولد فى حدود السبعين وستمائة.

وقرأ بالروايات على الشيخ جمال الدين البدوى.

وسمع من جماعة من أصحاب ابن طبرزد، والكندى، ولزم المجد التونسى مدة. وأخذ عنه علم القراءات حتى مهر فيها، وأقبل على الفقه، وصحب القاضى ابن مسلم مدة، وانتفع به.

وكان من خيار الناس دينا وعقلا، وتعففا ومروءة وتعففا وحياء. أقرأ القرآن وحدث.

وتوفى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة رحمه الله تعالى.

‌497 - إسماعيل بن محمد

بن إسماعيل بن الفراء الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه الإمام الزاهد، مجد الدين أبو الفداء، شيخ المذهب.

ولد سنة خمس - أو ست - وأربعين وستمائة بحران.

وقدم دمشق مع أهله سنة إحدى وسبعين، وسمع بها الكثير من ابن أبى عمر، وابن الصيرفى، والكمال عبد الرحيم، وابن البخارى، والقاسم الأربلى، وأبى حامد بن الصابونى، وأبى بكر العامرى، وغيرهم.

وطلب بنفسه، وسمع المسند، والكتب الكبار. وتفقه بالشيخ شمس الدين ابن أبى عمر وغيره، ولازمه حتى برع فى الفقه، وله معرفة بالحديث والأصول، وغير ذلك. وكتب بخطه الكثير، وتصدى للاشتغال والفتوى مدة طويلة.

وانتفع به خلق كثير، مع الديانة والتقوى، وضبط اللسان، والورع فى المنطق وغيره، واطراح التكلف فى الملبس وغيره.

ص: 408

قال الطوفى: وكان من أصلح خلق الله وأدينهم، كأن على رأسه الطير.

وكان عالما بالفقه والحديث، وأصول الفقه، والفرائض، والجبر والمقابلة.

وقال الذهبى: كان شيخ الحنابلة. وكان حافظا لأحاديث الأحكام.

طلب مدة.

وقال غيره: وكان كثير النقل، له خبرة تامة بالمذهب، يقرئ «المقنع» و «الكافى» ويعرفهما، وكتب بخطه «المغنى» و «الكافى، وغيرهما.

ويقال: إنه أقرأ «المقنع» مائة مرة.

وكان شيخا صالحا، ملازما للتعليم والاشتغال، وجواب الطلبة، بنقل صحيح محقق.

وكان يفتى، ويتحرى كثيرا. وكان عديم التّكلف، ويحمل حاجته بنفسه، وليس له كلام فى غير العلم، ولا يخلط أحدا، وأوقاته محفوظة.

وقال: ما وقع فى قلبى الترفع على أحد من الناس؛ فإنى خبير بنفسى، ولست أعرف أحوال الناس.

وكان يلازم وظائفه، ويحافظ عليها، لا ينقطع يوم بطلة ولا غيرها، بحيث ذكر عنه: أنه كان يتصدى يوم العيد، فإن حضر أحد أقرأه.

وأكثر الفقهاء الذين تنبهوا قرءوا عليه، ثم إن جماعة منهم درسوا فى المدارس، وهو معيد عندهم، يلازم الحضور ويكرمهم. ويخاطبهم بالمشيخة.

رحمه الله.

قلت: وكان سريع الدمعة.

وسمعت بعض شيوخنا يذكر عنه: أنه كان لا يذكر النبى صلى الله عليه وسلم فى درسه إلا ودموعه جارية، ولا سيما إن ذكر شيئا من الرقائق، أو أحاديث الوعيد. ونحو ذلك.

وقد قرأ عليه عامة أكابر شيوخنا ومن قبلهم، حتى الشيخ تقى الدين بن

ص: 409

الزريراتى شيخ العراق. وحدث، فسمع منه جماعة، منهم: الذهبى، وغيره.

وتوفى ليلة الأحد تاسع جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبعمائة بالمدرسة الجوزية. ودفن بمقابر الباب الصغير. رحمه الله تعالى.

وقد رأيت جزءا فيه مسألتان - قيل: إنهما من كلامه - إحداهما: فى طلاق الغضبان، وأنه لا يقع. والثانية: فى مسألة الظفر، ونصر جواز الأخذ مطلقا، والظاهر من حاله وورعه وشدة تمسكه بمذهبه: يشهد بعدم صحة

(1)

ذلك عنه.

والله أعلم.

‌498 - محمد بن عبد العزيز

بن محمد الخطائرى، البغدادى، الأزجى، الفقيه الفرضى، الكاتب شمس الدين أبو عبد الله.

تفقه على الشيخ تقى الدين الزريراتى، وبرع فى الفقه والفرائض. وكان فاضلا ذكيا

قدم دمشق، وتنقل فى الخدم، وصار ناظرا على المساجد.

توفى بقباقب: إما سنة تسع عشرة، وإما سنة عشرين وسبعمائة. رحمه الله تعالى

‌499 - عبد الله بن محمد

بن أبى بكر بن إسماعيل بن أبى البركات بن مكى ابن أحمد الزريراتى، ثم البغدادى، الإمام فقيه العراق، ومفتى الآفاق، تقى الدين أبو بكر.

ولد فى جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وستمائة.

وحفظ القرآن وله سبع سنين. وسمع الحديث من إسماعيل بن الطبال، ومحمد ابن ناصر بن حلاوة، وأبى عنان الطيبى، وست الملوك فاطمة بنت أبى البدر، وغيرهم.

وتفقه ببغداد على جماعة، منهم: الشيخ مفيد الدين الحربى، وغيره.

ثم ارتحل إلى دمشق، فقرأ المذهب على الشيخ زين الدين بن المنجى، والشيخ مجد الدين الحرانى، ثم عاد إلى بلده، وبرع فى الفقه وأصوله، ومعرفة المذهب والخلاف، والفرائض ومتعلقاتها.

(1)

فى مخطوطة الثقافة «يشهد بصحة ذلك عنه»

ص: 410

وكان عارفا بأصول الدين، ومعرفة المذهب والخلاف، وبالحديث، وبأسماء الرجال والتواريخ، وباللغة العربية وغير ذلك، وانتهت إليه معرفة الفقه بالعراق.

ومن محفوظاته فى المذهب: كتاب «الخرقى» و «الهداية» لأبى الخطاب.

وذكر أنه طالع «المغنى» للشيخ موفق الدين ثلاثا وعشرين مرة. وكان يستحضر كثيرا منه، أو أكثره، وعلق عليه حواشى، وفوائد. وشرع فى شرح «المحرر» فكتب من أوله قطعة، وولى القضاء، ودرس بالبشيرية ثم بالمستنصرية، واستمر فيها إلى حين وفاته.

وكان يورد دروسا مطولة فصيحة منقحة. وله اليد الطولى فى المناظرة والبحث، وكثرة النقل، ومعرفة مذاهب الناس. وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد من غير مدافع. وأقر له الموافق والمخالف. وكان الفقهاء من سائر الطوائف يجتمعون به، يستفيدون منه فى مذاهبهم، ويتأدبون معه، ويرجعون إلى قوله ونقله لمذاهبهم، ويردهم عن فتاويهم، فيذعنون له، ويرجعون إلى ما يقوله، ويعترفون له بإفادتهم فى مذاهبهم، حتى ابن المطهر شيخ الشيعة: كان الشيخ تقى الدين يبين له خطأه فى نقله لمذهب الشيعة فيذعن له. وقال له مرة بعض أئمة الشافعية - وقد بحث معه - أنت اليوم شيخ الطوائف ببغداد.

وقال العلامة الشيخ شمس الدين البرزبى والد الشيخ شمس الدين مدرس المستنصرية: ما درس أحد بالمستنصرية منذ فتحت إلى الآن أفقه منه.

ويوم وفاته قال الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر شيخ المالكية:

لم يبق ببغداد من يراجع فى علوم الدين مثله.

قرأ عليه جماعة من الفقهاء، وتخرج به أئمة، وأجاز لجماعة، وما أظنه حدث.

وكان فى مبدأ أمره متزهدا قبل دخوله فى القضاء. وكان ذا جلالة ومهابة، وحسن شكل ولباس وهيئة، وذكاء مفرط، ولطف وكيس ومروءة، وتلطف بالطلبة، وعفة وصيانة فى حكمه. وركبه دين فى آخر عمره.

ص: 411

توفى ليلة الجمعة ثانى عشرين جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبعمائة.

وصلّى عليه من الغد بالمستنصرية. وحضره خلق كثير. وكان يوما مشهودا، وكثر البكاء والتأسف والترحم عليه. ودفن بمقبرة الإمام أحمد، قريبا من القاضى أبى يعلى رحمهم الله تعالى.

ولجماعة من أهل بغداد فيه مدائح ومراث كثيرة، منهم الشيخ تقى الدين الدقوقى محدث بغداد. فمن قوله فيه من مرثيه له:

خدين التقى، مذ كان طفلا ويافعا

تسامت به تقواه عن كل مأثم

لقد كان شيخا فى الحديث بقية

من السلف الماضين أهل التقدم

فلما مضى مات الحديث بموته

فأكرم به، أكرم به، ثم أكرم

لقد مات محمودا سعيدا، ولم نجد

له خلفا، فاتبع مقالى وسلم

هنيئا له من حاكم متثبت

غزير الندى، سهل لعافيه مكرم

فتى صيغ من فقه، بل الفقه صوغه

حفىّ بإيضاح الدلائل قيم

عليم بمنسوخ الحديث وفقهه

وناسخه، بحر من العلم مفعم

لقد عظمت فى المسلمين رزية

غداة نعى الناعون أورع مسلم

فمن ذا الذى يؤتى فيسأل بعده؟

ومن ذا ترى يجلو دحى كل مبهم؟

فقدناه شيخا عالما، ذا نزاهة

حييا سخيا، ذا أياد وأنعم

وها سدّة التدريس من بعده وها

مشيد علاها الشامخ المتسنم

وجاور بعد الموت قبر ابن حنبل

إمام، إليه الزهد ينمى وينتمى

وما خاب من أمسى مجاور قبره

فحط رحال الشوق ثمّ، وخيّم

وهى طويلة

ومن فتاوى الشيخ تقى الدين الزريراتى المعروفة: أن من أغرى ظالما بأخذ مال إنسان، ودلّه عليه: فإنه يلزمه الضمان بذلك.

ومن المعيدين عنده بالمستنصرية:

ص: 412

‌500 - جمال الدين القيلوى

خطيب جامع المنصور كان ينافسه فى التدريس.

وكان طويل الروح على المشتغلين. اشتغل عليه جمال الدين الدارقزى خطيبها، وإمام الضيائية بدمشق المقرئ للسبيع.

توفى بدمشق فى جمادى الأولى سنة إحدى وستين وسبعمائة، رحمه الله من الكيلانيين وغيرهم - والشيخ

‌501 - حمزة الضرير

إمام التعبير. كان يحفظ القرآن. يقرأ السورة من آخرها إلى أولها دكيا.

ولازمه محمد بن عبد الله المقرئ، ومحمد بن داود وإبراهيم الكاتب، والشيخ على بن سوكه القطان الزاهد الحيرى، وحموه الصالح محمد الحضايرى.

أخرج بعد مدة ودفن بمقبرة أحمد. وكفنه باق وهو طرى. وكان هو بنفسه يصحب محمد بن القيمة بباب الأزج. وانتفع به.

ومن خواصه الشيخ أحمد بن عبد الرحمن السقامربى الطائفة، والشيخ أحمد ابن محمد التماشكى المعيد، صنف كتابا فى الفقه وعرضه عليه، وولده محمد الفرضى، وشيخنا شهاب الدين أحمد بن محمد الشيرجى الزاهد، أعاد بعده بالمستنصرية، عند شمس الدين محمد بن سليمان النهرمارى المدرس بالمستنصرية إلى الآن - توفى سنة أربع وستين

‌502 - والقاضى جمال الدين عبد الصمد

بن خليل الخضرى المدرس بالبشيرية محدث بغداد. كان يحدث بمسجد يانس، يقول تفسير الرسعنى من حفظه، ويحضره الخلق، منهم المدرسون والأكابر. وله ديوان شعر حسن الخطابة والوعظ.

وقد مدح الزريراتى بقصائد، ورثاه ورثى ابن تيمية أيضا.

توفى سنة خمس وستين فى رمضان وولى بعده الحديث بمسجد يانس: -

ص: 413

‌503 - نور الدين محمد

بن محمود المحدث الفقيه، المعيد المقرئ. كان شيخنا الدقوقى يقدمه على المحيى بن الكواز، وغيره من أصحابه، ويقول: هو أحفظ الجماعة، وأضبط.

وسمع وأفتى. وخرج وقرأ على شيخنا ابن مؤمن وتميز.

وتوفى سنة ست وستين وسبعمائة.

وكلهم دفن بمقبرة الإمام أحمد رحمهم الله أجمعين، ورضى عنا وعنهم، وجميع إخواننا.

‌504 - إسحاق بن أبى بكر

بن المسبى بن أطس التركى، ثم المصرى، الفقيه المحدث، الأديب الشاعر، نجم الدين أبو الفضل.

ولد سنة سبعين وستمائة.

وسمع بمصر من الأبرقوهى.

ورحل. وسمع بالإسكندرية من القرافى. وبدمشق: من ابن حفص بن القواس، وإسماعيل بن الفراء، وبحلب: من سنقر الزينى. وتفقه، وقال الشعر الحسن.

وسمع منه الحافظ الذهبى بحلب، ثم دخل العراق بعد السبعمائة. وتنقل فى البلاد، وسكن أذربيجان، ولم تكن سيرته هناك مشكورة، وبقى إلى بعد العشرين وسبعمائة، ولم يتحقق سنة وفاته.

وله قصيدة حسنة طويلة فى مدح الشيخ تقى الدين ابن تيمية، منها:

يعنفنى فى بغيتى رتبة العلى

جهول أراه راكبا غير مركبى

له همة دون الحضيض محلها

ولى همة تسمو على كل كوكب

فلو كان ذا جهل بسيط عذرته

ولكنه يدلى بجهل مركب

يقول: علام اخترت مذهب أحمد؟

فقلت له: إذ كان أحمد مذهب

وهل فى ابن شيبان مقال لقائل

وهل فيه من طعن لصاحب مضرب؟

ص: 414

أليس الذى قد طار فى الأرض ذكره

وطبقها ما بين شرق ومغرب؟

ثم ذكر محنته - إلى أن قال:

وأصحابه أهل الهدى لا يضرهم

على دينهم طعن امرئ جاهل غبى

هم الظاهرون القائمون بدينهم

إلى الحشر، لم يغلبهم ذو تغلب

لنا منهم فى كل عصر أئمة

هداة إلى العليا، مصابيح مرقب

وقد علم الرحمن أن زماننا

تشعب فيه الرأى أى تشعب

فجاء بحبر عالم من سراتهم

كسبع متين بعد هجرة يثرب

يقيم قناة الدين بعد اعوجاجها

وينقذها من قبضة المتعصب

فذك فتى تيمية خير سيد

نجيب أتانا من سلامة منجب

عليم بأدواء النفوس، يسوسها

بحكمته، فعل الطبيب المجرب

بعيد عن الفحشاء والبغى والأذى

قريب إلى أهل التقى، ذو تحبب

يرى نصرة الإسلام أكرم معنم

وإظهار دين الله أربح مكسب

وكم قد غدا بالفعل والقول مبطلا

ضلالة كذاب، ورأى مكذب

ولم يلق من أعداه غير منافق

وآخر عن نهج السبيل منكب

وهى طويلة. ومنها:

وليس له فى الزهد والعلم مشبه

سوى الحسن البصرى وابن المسيب

ومدح فى آخرها شرف الدين عبد الله أخا الشيخ.

‌505 - محمد بن سليمان

بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبى عمر المقدسى، ثم الصالحى، قاضى القضاة، عزّ الدين أبو عبد الله، ابن قاضى القضاة تقى الدين ابن أبى الفضل.

ولد فى عشرين ربيع الآخر سنة خمس وستين وستمائة

وسمع من الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والفخر، وأبى بكر الهروى، وغيرهم. وأجاز له ابن عبد الدائم، وغيره.

ص: 415

ثم اشتغل وقرأ الفقه على أبيه وغيره. وناب عن والده فى الحكم، وترك له والده تدريس الجوزية، فدرس بها فى حياته، وكتب فى الفتوى، ودرس بعد موت والده بدار الحديث الأشرفية بالسفح.

ثم ولى القضاء مستقلا بعد موت ابن مسلم. وكان ذا فضل وعقل، وحسن خلق، وتودد، وقضاء لحوائج الناس، وتهجد من الليل وتلاوة، وحج ست مرات.

وتوفى فى تاسع صفر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. ودفن بتربة جده الشيخ أبى عمر. وحضره خلق كثير. رحمه الله تعالى.

‌506 - عبد الرحمن بن أبى محمد

بن محمد بن سلطان بن محمد بن على القرامزى، الفقيه العابد أبو محمد، وأبو الفرج

ولد سنة أربع وأربعين وستمائة تقريبا.

وقرأ بالروايات. وسمع من ابن عبد الدائم، وإسماعيل بن أبى اليسر وجماعة.

وتفقه فى المذهب، ثم تزهد، وأقبل على العبادة والطاعة، وملازمة الجامع، وكثرة الصلوات به. واشتهر بذلك. وصار له قبول وعظمة عند الأكابر.

وقد غمزه الذهبى بأنه نال بذلك سعادة دنيوية، وتمتع بالدنيا وشهواتها التى لا تناسب الزاهدين

قال: وسمعت منه «اقتضاء العلم» للخطيب. وكان قوى النفس لا يقوم لأحد. وله محبون. ومن حسناته أنه كان من اللعانين للاتحادية اهـ.

توفى مستهل المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ببستانه بأرض جوير وصلّى عليه بجامع جراح. ودفن بمقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى.

‌507 - عبد القادر بن محمد

بن إبراهيم المقريزى، البعلى، المحدث، الفقيه، محى الدين أبو محمد.

ص: 416

ولد فى حدود سنة سبع وسبعين وستمائة.

وسمع بدمشق من عمر بن القواس وطائفة. وبمصر من أبى الحسن ابن القاسم وسبط زيادة، وغيرهما. وعنى بالحديث. وقرأ وكتب بخطه كثيرا وخرج، وتفقه

قال الذهبى: له مشاركة فى علوم الإسلام، ومشيخة الحديث بالبهائية، وغير ذلك. علقت عنه فوائد. وسمع منه جماعة.

توفى ليلة الاثنين ثامن عشرين ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة.

ودفن بمقبرة الصوفية بالقرب من قبر الشيخ تقى الدين رحمه الله تعالى

‌508 - الحسين بن يوسف

بن محمد بن أبى السرى الدجيلى، ثم البغدادى، الفقيه، المقرئ، الفرضى، النحوى الأديب، سراج الدين أبو عبد الله

ولد سنة أربع وستين وستمائة. وحفظ القرآن فى صباه. ويقال: إنه تلقن سورة البقرة فى مجلسين، والحواميم فى سبعة أيام.

وسمع الحديث ببغداد من إسماعيل بن الطبال، ومفيد الدين الحربى الضرير وابن الدواليبى، وغيرهم

وبدمشق من أبى الفتح البعلى، والمزى الحافظ، وغيرهما. وله إجازة من الكمال البزار، وعبد الحميد بن الزجاج، وجماعة من القدماء، وحفظ كتبا فى العلوم، منها «المقنع» فى الفقه و «الشاطبية» و «الألفيتان» فى النحو، و «مقامات الحريرى» و «عروض ابن الحاجب» و «الدريدية» ومقدمة فى الحساب. وقرأ الأصلين، وعنى بالعربية واللغة، وعلوم الأدب.

وتفقه على الزريراتى. وكان فى مبدأ أمره: يسلك طريق الزهد، والتقشف البليغ، والعبادة الكثيرة، ثم فتحت عليه الدنيا. وكان له مع ذلك أوراد ونوافل. وصنف كتاب «الوجيز» فى الفقه، وعرضه على شيخه الزريراتى؛ فمما كتب له عليه.

ألفيته كتابا وجيزا كما وسعه، جامعا لمسائل كثيرة، وفوائد غزيرة قل أن

ص: 417

يجتمع مثلها فى أمثاله، أو يتهيأ لمصنف أن ينسخ على منواله.

وصنف كتابا فى أصول الدين، وكتاب «نزهة الناظرين، وتنبيه الغافلين» وله قصيدة لامية فى الفرائض.

وكان خيرا فاضلا، متمسكا بالسنة، كثير الذكاء، حسن الشكل، دمث الأخلاق، متواضعا. اشتغل عليه جماعة، وانتفعوا به فى الفقه وفى الفرائض، منهم: يوسف بن محمد السرمرى، والشرف بن سلوم قاضى حرى. وحدث

وتوفى ليلة السبت سادس ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة. ودفن بالشهيل، قرية من أعمال دجيل. رحمه الله تعالى

‌509 - عبد الله بن حسن

بن عبد الله بن عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسى، الصالحى، الفقيه المحدث، قاضى القضاة، شرف الدين أبو محمد بن شهاب الدين أبى محمد بن الحافظ أبى موسى بن الحافظ الكبير أبى محمد.

ولد فى رمضان سنة ست وأربعين وستمائة.

وسمع من مكى بن علان، ومحمد بن عبد الهادى، والبلدانى، وخطيب مردا وإبراهيم بن خليل وغيرهم. وأجاز له جماعة. وطلب بنفسه. وقرأ على ابن عبد الدائم وغيره.

وتفقه، وأفتى، وناب فى الحكم عن أخيه، ثم عن ابن مسلم مدة ولايتهما.

ثم ولى القضاء فى آخر عمره مستقلا فوق سنة، ودرس بالصاحبية، وتولى مشيخة الحديث بالصدرية والعالمية، ثم بدار الحديث الأشرفية. وكان فقيها عالما خيرا صالحا، منفردا بنفسه، ذا فضيلة جيدة، حسن القراءة، حميد السيرة فى القضاء، فعمر وتفرد وحدث. وسمع منه الذهبى، وخلق.

توفى فجأة - وهو يتوضأ للمغرب - آخر نهار الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بمنزله بالدير. وكان قد حكم ذلك اليوم بالمدينة، ثم

ص: 418

توجه آخر النهار إلى السفح. ودفن من الغد بتربة الشيخ أبى عمر. وحضره جمع كثير. رحمه الله تعالى.

‌510 - عبد الرحمن بن إبراهيم

بن عبد الله بن أبى عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، المقدسى، الفرضى، الزاهد القدرة، عزّ الدين أبو الفرج ابن الشيخ عزّ الدين أبى إسحاق ابن الخطيب شرف الدين، أبى بكر، ابن القدوة الكبير أبو عمر.

ولد فى تاسع عشر جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة.

وسمع من ابن عبد الدائم، وغيره. وحج صحبة الشيخ شمس الدين بن أبى عمر وكمل عليه قراءة كتاب «المقنع» بالمدينة النبوية. وحج بعد ذلك مرات. وكان ذا معرفة تامة بالفرائض ومتعلقاتها.

حدث. وسمع منه الذهبى، وذكره فى معجمه. وقال: كان فقيها عالما، متواضعا صالحا، على طريقة السلف. وكان عارفا بمذهب أحمد. له فهم ومعرفة تامة بالفرائض. وفيه تودد وانطباع، وعدم تكلف.

وقال غيره: كان رجلا صالحا، بشوش الوجه، كثير الخير، مواظبا على أفعال البر. أخذ عنه الفرائض جماعة، وانتفعوا به.

توفى فى ثامن شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ودفن بتربة الشيخ أبى عمر بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.

‌511 - عبد الرحمن بن محمد

بن عبد الرحمن بن يوسف بن محمد بن نصر البعلى، ثم الدمشقى، الفقيه المحدث، فخر الدين أبو بكر محمد بن الشيخ شمس الدين أبى عبد الله، ابن الإمام فخر الدين أبى محمد، وقد سبق ذكر أبيه وجده.

ولد يوم الخميس رابع عشرين ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وستمائة.

ص: 419

وسمع من ابن البخارى فى الخامسة، ومن الشيخ تقى الدين الواسطى، وعمر ابن القواس. وعنى بالحديث. وارتحل فيه مرات، وكتب العالى والنازل من سنة خمس وسبعمائة، وهلم جرا. وخرج لغير واحد من الشيوخ. وأفاد وتفقه، وأفتى فى آخر عمره، وولى مشيخة الصدرية والإعادة بالمسمارية، وجمع عدة تآليف، وفسر بعض القرآن الكريم.

وحدث، وسمع منه الذهبي، وجماعة.

وكان فقيها محدثا، كثير الاشتغال بالعلم، عفيفا دينا، حج مرات، وأقام بمكة شهرا، وكان مواظبا على قراءة جزءين من القرآن فى الصلاة فى كل ليلة.

وله مواعيد كثيرة لقراءة الحديث، والرقائق على الناس، وجمع فى ذلك مجموعات حسنة، منها كتاب «الثمر الرائق المجتنى من الحدائق» وانتفع بمجالسه الناس.

وتوفى يوم الخميس تاسع عشر ذى القعدة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. وصلّى عليه بالجامع، وحضر جنازته جمع كثير، وحمل على الرقاب، ودفن بمقبرة الصوفية، ولم يعقب رحمه الله تعالى.

وأخبرنى بعض أقاربه - وكان يخدمه فى مرضه الذى توفى فيه - قال: آخر ما سمعت عند موته، أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كان آخر قوله لا إله إلا الله» ثم مات.

‌512 - عبد الرحمن بن مسعود

بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثى، ثم المصرى، الفقيه المناظر الأصولى، شمس الدين أبو الفرج، ابن الحافظ قاضى القضاة سعد الدين المتقدم ذكره.

ولد سنة إحدى وسبعين وستمائة.

وسمع بقراءة والده الكثير بالديار المصرية من العز الحرانى، ومن خطيب الزة، وغازى الحلاوى، وشامية بنت البكرى، وغيرهم.

ص: 420

وبدمشق من ابن البخارى، وابن المنجى وجماعة. وسمع بالاسكندرية من القرافى.

وقدم دمشق مرة ثانية بنفسه. فسمع من عمر بن القواس وغيره.

وعنى بالسماع والطلب، وتفقه فى المذهب حتى برع، وأفتى وناظر، وأخذ الأصول عن ابن دقيق العيد، والعربية عن ابن النحاس، وناب عن والده وغيره فى الحكم، ودرس بالمنصورية، وجامع ابن طولون وغيرهما، وتصدى للاشتغال.

وكان شيخ المذهب بالديار المصرية. وله مشاركة فى التفسير والحديث، ويذكر لقضاء مصر والشام، مع الديانة والورع والجلالة، يعد من العلماء العاملين

وحدث، وسمع منه جماعة.

وتوفى يوم الجمعة سادس عشر ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بالمدرسة الصالحية بالقاهرة. ودفن إلى جانب والده بالقرافة، رحمهما الله تعالى.

ومما رأيت من فتاويه: أن صلاة التراويح، قبل صلاة العشاء، لا تصح وأنها بدعة ينهى عنها، ووافقه على ذلك ابن جماعة قاضى الشافعية، وغيره من المالكية، وقد صرح بهذا القاضى أبو يعلى. مما قرأته بخطه على طهر جزء من خلافه. قال القاضى: ولكن يجوز تقديمها على الوتر، لأنها من قيام الليل، فتجوز قبل الوتر وبعده.

‌513 - محمود بن على

بن محمود بن مقبل بن سليمان بن داود الدقوقى، ثم البغدادى، المحدث الحافظ الواعظ، تقى الدين أبو الثناء.

ولد فى بكرة الاثنين سادس عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة.

وسمع الكثير بإفادة والده، ومن عبد الصمد بن أبى الجيش، وعلى بن وضاح وابن الساعى، وعبد الله بن بلدجى، وعبد الجبار بن عكبر، وعبد الرحيم

ص: 421

ابن الزجاج، ومحمد بن أبى الدنية، وأبى الحسن بن الوجوهى، ومحمد بن أحمد ابن معضاد، وعبد الله بن ورخز، وخلق وأجاز له جماعة كثيرة من أهل الشام والعراق.

ثم طلب بنفسه وقرأ ما لا يوصف كثرة على الشيوخ بعد هذه الطبقة. قريبا من خمسين سنة، وكان قارئ الحديث بدار الحديث المستنصرية مدة. ثم ولى المشيخة بها بعد وفاة الدواليبى المتقدم ذكره.

وكان يقرأ الحديث فى دار الحديث التى كانت تعرف بمسجد يانس، ويجتمع عنده خلق كثير، يبلغون عدة آلاف، ويعظ بها وبغيرها. وانتهى إليه علم الحديث والوعظ ببغداد، ولم يكن بها فى وقته أحسن قراءة للحديث منه، ولا معرفة بلغاته وضبطه، وله اليد الطولى فى النظم والنثر، وإنشاء الخطب والمواعظ.

كتب بخطه الكثير من الفقه والحديث، وله مشاركة فى الفقه، وحفظ «الخرقى» فى صغره، وكان لطيفا، حلو النادرة، مليح الفكاهة، ذا حرمة وجلالة وهيبة، ومنزلة عند الأكابر، وجمع عدة أربعينيات فى معارف مختلفة، وله كتاب «مطالع الأنوار، فى الأحبار والآثار الخالية عن السند والتكرار» وكتاب «الكواكب الدرية، فى المناقب العلوية» وذكر: أنه جمع تاريخا ولم يوجد. ويقال: إنه جمع كتابا فى الأسماء المبهمة فى الحديث، ولم يوجد أيضا، وله شعر كثير، لو جمع لجاء منه ديوان. تخرج به جماعة فى علم الحديث، وانتفعوا به.

وسمع منه خلق، وحدث عنه طائفة.

توفى يوم الاثنين بعد العصر، عشرى المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وصلّى عليه من الغد بجامع القصر، ثم بالمستنصرية وغيرها، وشيعه خلق كثير من القضاة والعلماء والأعيان وغيرهم، وكثر البكاء والثناء عليه، ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه. ورثاه غير واحد. رحمه الله تعالى.

ص: 422

أنشدنى والدى قال: أنشدنا أبو الثناء الدقوقى لنفسه:

جاهد بنفسك فى الفضائل تغنم

وخض المهالك فى المحبة تسلم

وذر التعلل بالمنى، فهى العنا

واطرح سلاحك فى الهوى واستسلم

من لم يذق فى حبنا طعم الفنا

لم يلفنا نكفيه ثقل المغرم

خاطر بنفسك فى هوانا واسترح

إن شئت تحظى بالمحل الأعظم

مرّغ خدودك فى ثرى أعتابنا

لتفوز بالحسنى وفيض الأنعم

لا يصدفنّك صادف عن مطلب

فالعز مقرون بحدّ المخذم

من ذا الذى ألفى بساحل جودنا

فشكى الظما، أو خاف فوت الموسم

نحن الذين إذا أتانا سائل

نوليه إحسانا وفضل تكرم

نعفو عن الجانى، ونقبل عذره

ونقبل عثرة تائب متندم

ونقول فى الأسحار: «هل من سائل

مستغفر» لينال طيب المغنم؟

لا يلهينك شاغل عن وصلنا

وانهض على قدم الرجاء وقدم

وهى طويلة. مدح فيها النبى صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضى الله عنهم

‌514 - عبد الرحمن بن محمود

بن عبيد البعلى، الفقيه الزاهد العارف، زين الدين أبو الفرج.

ولد سنة خمس وسبعين وستمائة.

وسمع الحديث. وتفقه على الشيخ تقى الدين وغيره. وبرع وأفنى. وكان إماما، عارفا بالفقه وغوامضه، والأصول والحديث، والعربية والتصوف، زاهدا عابدا، ورعا متألها ربانيا. صحب الشيخ عماد الدين الواسطى، وتخرج به فى السلوك

ويذكر له أحوال وكرامات. ويقال: إنه كان يطلع على ليلة القدر كل سنة وقد نالته مرة محنة بسبب حال حصل له، اطلع عليه بعض أصحابه، فأشاع ذلك عنه، وأظهر به خطه. فعقد له مجلس بدار السعادة بدمشق سنة ثمان عشرة، حضره القضاة والفقهاء، وأحضروا خطه بأنه:

ص: 423

رأى الحق سبحانه وتعالى، وشاهد الملكوت الأعلى، ورأى الفردوس.

ورفع إلى فوق العرش، وسمع الخطاب، وقيل له: قد وهبتك حال الشيخ عبد القادر، وأن الله تعالى أخذ شيئا كالرداء من عبد القادر، فوضعه عليه، وأنه سقاه ثلاثة أشربة مختلفة الألوان، وأنه قعد بين يدى الله تعالى مع محمد وإبراهيم وموسى وعيسى والخضر عليهم السلام، وقيل له: هذا مكان ما يجاوزه ولى قط.

وقيل له: إنك تبقى قطبا عشرين سنة.

وذكر أشياء أخر. فاعترف أنه خطه. فأنكر ذلك عليه، فبادر، وجدد إسلامه، وحكم الحاكم بحقن دمه، وأمر بتأديبه. وحبس أياما.

ثم أخرج ومنع من الفتوى وعقود الأنكحة، ثم بان له غلطه، وأن هذا لم يكن له وجود فى الخارج، وإنما هى أخيلة وشواهد وأنوار قلبية، لا أمور خارجية وشيخه الواسطى مع سائر أئمة الطريق أهل الاستقامة، وصوفية أهل الحديث يقررون ذلك، ويحذرون من الغلط فيه، كما زل فى ذلك طوائف من أكابر الصوفية.

وكان أكثر إقامة الشيخ زين الدين بدمشق، يعيد بالمدارس، ويتصدى للاشتغال والإفادة، وإقراء الحديث والفقه وأصوله، وانتفع به جماعة، وتخرجوا به، منهم: الإمام العلامة عزّ الدين حمزة بن شيخ السلامية وغيره.

وسافر مرة إلى حماة، واجتمع بقاضيها الشيخ شرف الدين بن البارزى.

وكان إماما متقنا، ذا قدم راسخ فى السلوك. فبلغنى عن ابن البارزى: أنه كان بعد ذلك يثنى على الشيخ زين الدين ثناء كثيرا، ويذكر أنه لم ير مثله، هذا أو نحوه.

وصنف كتابا فى الأحكام على أبواب «المقنع» سماه «المطلع» وشرح قطعة من أول «المقنع» وجمع «زوائد المحرر على المقنع» وله كلام فى التصوف وحدث بشئ من مصنفاته.

ص: 424

توفى فى منتصف صفر سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بعلبك، وشيعه عامة أهل البلد، وحمل على الرءوس. ودفن بمقبرة باب سطحان. رحمه الله تعالى.

‌515 - عبد الرحمن بن حسين

بن يحيى بن عمر بن النجمى المصرى القبابى، و «قباب» قرية من قرى أشموم الرمان بالصعيد - نزيل حماة. الفقيه الزاهد العابد القدوة، نجم الدين أبو عمر.

كان رجلا صالحا، زاهدا عابدا، عالما قدوة، عارفا فقيها، ذا فضيلة ومعرفة. وله اشتغال بالمذهب. أقام بحماة مدة فى زاوية يزار بها. وكان معظما عند الخاص والعام، وأئمة وقته يثنون عليه، كالشيخ تقى الدين ابن تيمية وغيره.

وكان أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، من العلماء الربانيين، وبقايا السلف الصالحين. وله كلام حسن يؤثر عنه.

توفى فى آخر نهار الاثنين رابع عشر رجب سنة أربع وثلاثين وسبعمائة.

بحماة. وكانت جنازته مشهودة عظيمة جدا، وحمل على الرءوس. ودفن شمالى البلد، وتأسف الناس عليه. رضى الله عنه.

وتوفى ولده: -

‌516 - سراج الدين عمر

بالقدس. وكان جامعا بين العلم والعمل واشتغل وانتفع بابن تيمية، ولم أر على طريقه فى الصلاح مثله رحمه الله تعالى.

‌517 - محمد بن محمد

بن محمود بن قاسم بن البرزتي، البغدادى، الفقيه الأصولى، الأديب النحوى، شمس الدين أبو عبد الله، ابن الإمام أبو الفضائل.

قرأ الفقه على الشيخ تقى الدين بن الزيراتى. وكان إماما عالما، متقنا بارعا فى الفقه والأصلين، والأدب والتفسير، وغير ذلك. وله نظم حسن، وخط مليح، ودرس بالمستنصرية بعد شيخه الزيراتى. وكان من فضلاء أهل بغداد.

توفى أبو عبد الله بن البزرتى فى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ببغداد.

ص: 425

وكذلك كان والده أبو الفضل إماما عالما، مفتيا صالحا.

وتوفى فى جمادى الأولى من السنة أيضا: -

‌518 - نصير الدين أحمد

بن عبد السلام بن تميم بن أبى نصر بن عبد الباقى ابن عكبر البغدادى، المعمر ببغداد، عن خمس وتسعين سنة. ودفن بباب حرب

سمع الكثير من عبد الصمد بن أبى الجيش، وابن وضاح، وابن أبى الدنية وابن الدباب وطبقتهم.

وحدث. سمع منه خلق، وتفقه. وأعاد بالمدرسة البشيرية للحنابلة، وأضر فى آخر عمره، وانقطع فى بيته رحمه الله تعالى.

وذكر: أنه من أولاد عكبر الذى تاب هو أصحابه من قطع الطريق، لرؤيته عصفورا ينقل رطبا من نخلة حامل إلى أخرى حائل، فصعد فنظر، فإذا هو بحية عمياء، والعصفور يأتيها برزقها، فتاب هو وأصحابه. وذكره ابن الجوزى فى «صفوة الصفوة» فنسبت بنى عكبر إليه. والله أعلم.

وكان يحط على عبد الصمد بن أبى الجيش، ويقول: أنا أقدم منه، فكيف يقدم على فى مشيخة الحديث بالمستنصرية؟ ولم يبق فى سنى أحد ببغداد.

‌519 - عبد الله بن أحمد

بن عبد الله بن أحمد بن أبى بكر محمد بن إبراهيم ابن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور، السعدى الصالحى، المقدسى الأصل، المحدث الصالح، الفدوة الزاهد، محب الدين أبو محمد بن أبى العباس بن المحب. وقد سبق ذكر جده.

ولد يوم الأحد ثانى عشر المحرم سنة اثنتين وثمانين وستمائة بقاسيون.

وأسمعه والده من الفخر بن البخارى، وابن الكمال، وزينب بنت مكى وجماعة. ثم طلب بنفسه، وسمع من عمر بن القواس، وأبى الفهم بن عساكر، ويوسف الفسولى، وخلق من بعدهم. وذكر كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم نحوا

ص: 426

من ألف شيخ. وقرأ بنفسه الكثير، وعنى بهذا الشأن. وكتب بخطه الكثير، والعالى والنازل. وخرج التخاريج لجماعة من الشيوخ، وانتقى وأفاد.

وقال الذهبى: كان فصيح القراءة، جهورى الصوت، منطلق اللسان بالآثار، سريع القراءة، طيب الصوت بالقرآن، صالحا خائفا من الله صادقا، انتفع الناس بتذكيره وبمواعيده.

وذكره أيضا فى «معجم» شيوخه، وقال: كان شابا صالحا، فى سمعه ثقل ما.

وقد حدث كثيرا. وسمع منه جماعة.

وتوفى يوم الاثنين سابع ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وكانت جنازته مشهودة، شيعه الخلق الكثير، وكثر الثناء والتأسف عليه.

ودفن بالقرب من الشيخ موفق الدين بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.

وكان والده: -

‌520 - أبو العباس

من كبار الصالحين الأتقياء الأخفياء.

حدث عن إبراهيم بن خليل وابن عبد الدائم، وجماعة.

سمع منه الذهبى وجماعة، وقال: سألت عنه ولده؟ فقال: ما أعلم عليه شيئا يشينه فى دينه.

قال الذهبى: ما هو عندى بدون شيخنا محمد بن تمام. وذكره فى «المعجم المختصر» فقال: الإمام الزاهد الصالح. بقية السلف الأخيار.

ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة.

وعنى بطلب الحديث. وكتب وأفتى، ونسخ لنفسه وللناس. وكان بهىّ الشيبة، كثير الوقار والسكينة، ذا حظ من عبادة وتأله وتواضع، وحسن هدى، واتباع للأثر، وانقباض عن الناس، وانتقيت له جزءا. وهو شيخ الحديث بالضيائية

حدث بالكثير. وروى عنه ابن الخباز، وطائفة.

وتوفى فى ذى الحجة سنة ثلاثين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

ص: 427

‌521 - عبد الله بن محمد

بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسى، النابلسى، الفقيه الزاهد القدوة، شمس الدين، أبو محمد بن العفيف، ابن الشيخ تقى الدين. وقد سبق ذكر جده شيخ نابلس.

ولد سنة تسع وأربعين وستمائة.

وحضر على خطيب مردا. وسمع من عم أبيه جمال الدين عبد الرحمن بن عبد المنعم. وأجاز له سبط السلفى. وتفقه وأفتى، وأمّ بمسجد الحنابلة بنابلس نحوا من سبعين سنة.

وكان كثير العبادة، حسن الشكل والصوت، عليه البهاء والوقار. حدث.

وسمع منه طائفة.

توفى يوم الخميس ثانى عشرين ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وسبعمائة بنابلس، ودفن بها، وتأسف الناس عليه. رحمه الله تعالى.

وتوفى قبله فى ربيع الأول من السنة بنابلس أيضا: الإمام المفتى.

‌522 - عماد الدين أبو إسحاق

إبراهيم بن على بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة.

‌523 - عبد المؤمن بن عبد الحق

بن عبد الله بن على بن مسعود القطيعى الأصل، البغدادى، الفقيه، الإمام الفرضى المتقن، صفى الدين أبو الفضائل، ابن الخطيب كمال الدين أبى محمد.

كان والده خطيبا بجامع ابن عبد المطلب ببغداد احتسابا. وكان جده يعرف بابن شمائل.

ولد الشيخ صفى الدين فى سابع عشرى جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين.

وستمائة ببغداد.

ص: 428

وسمع بها الحديث من عبد الصمد بن أبى الجيش، وأبى الفضل بن الدباب، والكمال البزار، وابن الكسار. وغيرهم.

وسمع بدمشق: من الشرف أحمد بن هبة الله بن عساكر، وست الأهل بنت علوان، وجماعة، وبمكة من الفخر التوريزى. وأجاز له ابن البخارى، وأحمد بن ابن شيبان، وزينب بنت مكى، وابن وضاح، وخلق من أهل الشام ومصر والعراق

وتفقه على أبى طالب عبد الرحمن بن عمر البصرى المتقدم ذكره، ولازمه حتى برع وأفتى، ومهر فى علم الفرائض والحساب، والجبر والمقابلة والهندسة والمساحة، ونحو ذلك.

واشتغل فى أول عمره - بعد الفقه - بالكتابة والأعمال الديوانية مدة، ثم ترك ذلك، وأقبل على العلم، ولازمه مدة مطالعة وكتابة، وتصنيفا وتدريسا، واشتغالا وإفتاء، إلى حين وفاته.

وكتب الكثير بخطه الحسن المليح الحلو. وكان ذا ذهن حادّ، وذكاء وفطنة. وعنده خميرة جيدة من أول عمره فى العلم، فأقبل آخرا على التصنيف، فصنف فى علوم كثيرة. منها: ما لم يكن سبق له فيها اشتغال. وصنف فى الفقه والأصلين، والجدل والحساب، والفرائض والوصايا، وفى التاريخ والحديث، والطب، وغير ذلك. واختصر كتبا كثيرة.

فمن تصانيفه «شرح المحرر» فى الفقه ست مجلدات، «شرح العمدة» فى الفقه مجلدان «إدراك الغاية فى اختصار الهداية» فى الفقه مجلد لطيف، وشرحه فى أربع مجلدات «شرح المسائل الحسابية» من «الرعاية الكبرى» لابن حمدان، مجلد لطيف «تلخيص المنقح فى الجدل» ، «تحقيق الأمل، فى علمى الأصول والجدل» ، «تسهيل الوصول إلى علم الأصول» ، «قواعد الأصول ومعاقد الفصول» و «اللامع المغيث فى علم المواريث و «أسرار المواريث» جزء، تكلم فيه على حكم الإرث ومصالحه، واختصر «تاريخ الطبرى» فى أربع مجلدات، واختصر

ص: 429

«الرد على الرافضى» للشيخ تقى الدين ابن تيمية فى مجلدين لطيفين، واختصر «معجم البلدان» لياقوت الحموى وغير ذلك.

وعنى بالحديث، فنسخ واستنسخ كثيرا من أجزائه، وخرج لنفسه معجما لشيوخه بالسماع والإجازة عن نحو ثلاثمائة شيخ، وأكثرهم بالإجازة، وتكلم فيه على أحوالهم ووفياتهم، واستعان فى معرفة أحوال الشاميين بالذهبى والبرزالى، وحدث به، وبكثير من مسموعاته، وغيرها بالإجازة.

سمع منه خلق كثيرون. وأجاز لى ما يجوز له روايته غير مرة، ودرس بالمدرسة البشيرية للحنابلة.

وكان إماما فاضلا، ذا مروءة، وأخلاق حسنة، وحسن هيئة وشكل، عظيم الحرمة، شريف النفس، منفردا فى بيته، لا يغشى الأكابر ولا يخالطهم، ولا يزاحمهم فى المناصب؛ بل الأكابر يترددن إليه، وقد نهى أصحابه عن السعى له فى تدريس المستنصرية، ولم يتعرض لها، مع تمكنه من ذلك، ولما حبس الجماعة الذين كتبوا على مسألة الزيارة، موافقة للشيخ تقى الدين لم يتعرض له، هيبة له واحتراما، وحبس سائرهم وأوذوا.

وله شعر كثير جيد، لعله ديوان تمام، وتفرد فى وقته ببغداد، فى علم الفرائض، والحساب، حتى يقال: إن الزريراتى كان يراجعه فى ذلك، ويستفيد منه.

ونقل بعضهم عن القاضى برهان الدين الزرعى، أنه كان يقول: هو إمامنا فى علم الفرائض والجبر والقابلة، وأنه كان يثنى عليه ويقول: لو أمكننى الرحلة إليه لرحلت إليه، وكان قد رأى الشيخ تقى الدين ابن تيمية بدمشق، واجتمع معه. ولما صنف «شرح المحرر» أرسل إلى الشيخ تقى الدين يسأله عن مسائل فيه وقد ذكر عنه فى شرحه شيئا من ذلك، فى مسائل «ميراث المعتق بعضه» ولم يدرك ما قاله الشيخ على وجهه.

وله رحمه الله: أوهام كثيرة فى تصانيفه، حتى فى الفرائض، من حيث توجيه

ص: 430

المسائل وتعليلها، رحمه الله تعالى وسامحه. فلقد كان من محاسن زمانه فى بلده.

توفى إلى رحمة الله تعالى ليلة الجمعة عاشر صفر، سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وصلي عليه من الغد، وحمل على الأيدى والرءوس، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب، وكانت جنازته مشهودة، رحمه الله تعالى.

أنشدنى الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، فى كتابه لنفسه:

لا ترج غير الله سبحانه

واقطع عرى الآمال من خلقه

لا تطلبنّ الفضل من غيره

واضنن بماء الوجه واستبقه

فالرزق مقسوم، وما لا مرئ

سوى الذى قدّر من رزقه

والفقر حير للفتى من غنى

يكون طول الدهر فى رقه

وأنشدنى لنفسه فى كتابه:

يا رب، أنت رجائى

وفيك أحسنت ظنى

يا رب، فاغفر ذنوبى

وعافنى، واعف عنى

وأعاد بعده بالبشيرية: -

‌524 - النضر بن عكبر

وبعده:

‌525 - شمس الدين بن رمضان

المرتب، الفقيه الأصولى، اختصر المذهب من المغنى.

وتطاول زمن الزريراتى لتدريس المستنصرية، واشتغل عليه جماعة فى الأصول والفروع، وله شعر أكثره هجو للتراقفى وغيره، حتى قال فى نفسه:

تلامذة المرتب كل فدم

بعيد الذهن، لا فضل لديه

لقد صدق الذى قد قال قدما

شبيه الشئ منجذب إليه

وقال لى طرافة أهل بغداد نفسى.

ص: 431

مولده سنة ست وستين وستمائة.

ومن أصحاب صفى الدين: -

‌526 - عبد الله بن علام

السامرى.

حفظ «المحرر» وقرأ عليه شرحه تصنيفه. وكان ذكيا.

وتوفى بدمشق بالطاعون.

وكذلك منهم: -

‌527 - عبد العزيز بن هاشولا

حفظ كتابه فى الفقه والأصول، ووعظ ببغداد فى الثوالث، ونظم الشعر، وكان حسنا.

توفى بالطاعون ببغداد.

‌528 - وابن النباس،

كان آية فى الحفظ، غاص فى البحر ولم يعلم له خبر.

قرأت عليه «مختصر الخرقى» من حفظى، وسمعت عليه أجزاء كثيرة من مصنفاته وصحبته إلى الممات، ورأى عند وفاته طيورا بيضاء نازلة. رحمه الله تعالى.

‌529 - عبادة بن عبد الغنى

بن منصور بن منصور بن عبادة الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه المفتى، الشروطى، المؤذن، زين الدين، أبو محمد وأبو سعيد.

ولد فى رجب سنة إحدى وسبعين وستمائة.

وسمع من القاسم الأربلى، وأبى الفضل بن عساكر، وجماعة. وطلب الحديث، وكتب الأجزاء.

وتفقه على الشيخ زين الدين بن المنجى، ثم على الشيخ تقى الدين ابن تيمية.

قال الذهبى: تقدم فى الفقه، وناظر وتميز، عنده «صحيح مسلم» عن القاسم الأربلى. وذكره فى معجم شيوخه. وقال: كان فقيها عالما، جيد الفهم، يفهم

ص: 432

شيئا من العربية والأصول. وكان صالحا دينا، ذا حظ من تهجد، وإيثار وتواضع، اصطحبنا مدة، ونعم والله الصاحب هو. كان يسع الجماعة بالخدمة والإفضال والحلم. خرجت له جزءا. وحدث بصحيح مسلم. انتهى.

وكان يلى العقود والفسوخ، ويكثر الكتابة فى الفتاوى، ثم منع من الفسوخ فى آخر عمره، سمع منه جماعة.

وتوفى فى شوال سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الباب الصغير، وشيعه خلق من القضاة والعلماء وغيرهم، وحسن الثناء عليه رحمه الله.

وكان أبوه:

‌530 - شرف الدين عبد الغنى:

فقيها أديبا، عدلا مؤذنا أيضا. أذن زمانا بجامع دمشق.

وحدث عن عيسى الخياط، والشيخ مجد الدين ابن تيمية. سمع منهما بحران.

وتوفى فى ربيع الآخر سنة خمس وسبعمائة رحمه الله تعالى.

ومما أفتى به عبادة - ورأيته بخطه - فى أوقاف وقفها جماعة على جهة واحدة من جهات البر. فإذا خرب أحدها، وليس له ما يعمر به: أنه يجوز لمباشر الأوقاف: أن يعمره من الوقف الآخر. ووافقته طائفة من الحنفية.

‌531 - محمد بن أحمد

بن تمام بن حسان التلى، ثم الصالحى، القدوة الزاهد أبو عبد الله.

ولد سنة إحدى وخمسين وستمائة.

وسمع من أبى حفص عمر بن عوة الجزرى صاحب البوصيرى. وهو آخر من حدث عنه، ومن أبى طالب بن السرورى، وابن عبد الدائم وجماعة. وصحب الشيخ شمس الدين بن الكمال، وغيره من العلماء والصلحاء.

وكان صالحا تقيا، من خيار عباد الله، يقتات من عمل يده. وكان عظيم

ص: 433

الحرمة، مقبول الكلمة عند الملوك. وولاة الأمور، يرجع إلى قوله ورأيه، أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر.

ذكره الذهبى فى معجم شيوخه، وقال: كان مشارا إليه فى الوقت بالإخلاص وسلامة الصدر، والتقوى والزهد، والتواضع التام، والبشاشة، ما أعلم فيه شيئا يشينه فى دينه أصلا.

قلت: حدث بالكثير، وسمع منه خلق. وأجاز لى ما يجوز له روايته بخط يده.

توفى ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى.

‌532 - إبراهيم بن أحمد

بن هلال الزرعى، ثم الدمشقى، الفقيه الأصولى المناظر الفرضى، القاضى برهان الدين أبو إسحاق.

سمع بدمشق من عمر بن القواس، وأبى الفضل بن عساكر، وأبى الحسين اليونينى. وتفقه وأفتى قديما، ودرس وناظر.

وولى نيابة الحكم عن القاضى عزّ الدين بين القاضى تقى الدين سليمان، ثم عن القاضى علاء الدين بن المنجى.

ودرس بالحنبلية من حين سجن الشيخ تقى الدين بالقلعة فى المرة الذى توفى فيها، فساء ذلك أصحاب الشيخ ومحبيه، وشق ذلك عليهم كثيرا، واستمر بها إلى حين وفاته.

وكان بارعا فى أصول الفقه، وفى الفرائض والحساب، عارفا بالمناظرة.

وإليه المنتهى فى التحرى، وجودة الخط وصحة الذهن، وسرعة الإدراك، وقوة المناظرة، وجودة التقرير، وحسن الخلق، لكنه كان قليل الاستحضار لنقل المذهب. وكان فضلاء وقته يعظمونه، ويثنون عليه. وكان قاضى القضاة أبو الحسن السبكى يسميه: فقيه الشام. وكان فيه لعب، وعليه فى دينه مأخذ، سامحه الله.

ص: 434

تفقه عليه جماعة، وتخرجوا به فى الفقه وأصوله. وحدث. ولم يصنف كتابا معروفا.

توفى وقت صلاة الجمعة سادس عشر رجب سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.

ودفن بمقبرة الباب الصغير.

‌533 - شافع بن عمر

بن إسماعيل الجيلى، الفقيه الأصولى، ركن الدين، نزيل بغداد

سمع الحديث ببغداد على إسماعيل بن الطبال، وابن الدواليبى وغيرهما.

وتفقه على الشيخ تقى الدين الزريراتى، وصاهره على ابنته، وأعاد عنده بالمستنصرية، وكان رئيسا فاضلا نبيلا، عارفا بالفقه والأصول، وبالطب، ومراعيا لقوانينه فى مأكله ومشربه. ودرس بالمدرسة المجاهدية وأقرأ الفقه مدة

قرأ عليه جماعة، منهم: والدى. وله تصنيف فى مناقب أرباب المذاهب الأربعة، سماه «زبدة الأخبار فى مناقب الأئمة الأربعة الأخيار» .

وكان فقيها فاضلا، لكنه قاصر العبارة، فى لسانه عجمة.

توفى يوم الجمعة ثانى عشر شوال سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ودفن بدهليز تربة الإمام أحمد، رضى الله عنه.

‌534 - عبد الرحيم بن عبد الله

بن محمد بن أبى بكر بن إسماعيل الزريرتى البغدادى، الفقيه، الإمام شرف الدين أبو محمد، ابن شيخ العراق تقى الدين أبى بكر المتقدم ذكره.

وولد ببغداد، ونشأ بها وقرأ القرآن، وحفظ «المحرر» وسمع الحديث واشتغل

ثم رحل إلى دمشق، سمع بها من زينب بنت الكمال، وجماعة من أصحاب ابن عبد الدائم، وخطيب مردا، وطبقتهما.

وارتحل إلى مصر، وسمع بها من مسندها يحيى بن المصرى وغيره، ولقى بها أبا حيان وغيره.

ص: 435

وأقام بدمشق مدة، يقرأ فى المحرر على القاضى برهان الدين الزرعى، ثم رجع إلى بغداد بفضائل، ودرس بها بالمدرسة البشيرية للحنابلة بعد وفاة الشيخ صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق. ثم درس بالمجاهدية بعد موت صهره شافع المذكور قبله، ولم تطل بها مدته. وحضرت درسه وأنا إذ ذاك صغير لا أحقه جيدا

وناب فى القضاء ببغداد، واشتهرت فضائله، وخطه فى غاية الحسن، وقد اختصر «فروق السامرى» وزاد عليها فوائد واستدراكات من كلام أبيه وغيره واختصر «طبقات الأصحاب» للقاضى أبى الحسين، وذيل عليها، وتطلبتها فلم أجدها. واختصر «المطلع» لابن أبى الفتح، وغير ذلك.

توفى يوم الثلاثاء ثانى عشر ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.

ودفن عند والده بمقبرة الإمام أحمد. وله من العمر نحو الثلاثين سنة. رحمه الله

‌535 - محمد بن أحمد

بن عبد الهادى بن عبد الحميد بن عبد الهادى ابن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسى، الجماعيلى الأصل، ثم الصالحى، ثم المقرئ الفقيه المحدث، الحافظ الناقد، النحوى المتفنن، شمس الدين أبو عبد الله بن العماد أبى العباس.

ولد فى رجب سنة أربع وسبعمائة.

وقرأ بالروايات، وسمع الكثير من القاضى أبى الفضل سليمان بن حمزة، وأبى بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم، والحجار، وزينب بنت الكمال، وخلق كثير.

وعنى بالحديث وفنونه، ومعرفة الرجال والعلل. وبرع فى ذلك. وتفقه فى المذهب وأفتى. وقرأ الأصلين والعربية، وبرع فيها. ولازم الشيخ تقى الدين ابن تيمية مدة. وقرأ عليه قطعة من الأربعين فى أصول الدين للرازى.

قرأ الفقه على الشيخ مجد الدين الحرانى، ولازم أبا الحجاج المزى الحافظ، حتي برع عليه فى الرجال، وأخذ عن الذهبى وغيره.

ص: 436

وقد ذكره الذهبى فى طبقات الحفاظ، قال: ولد سنة خمس - أو ست - وسبعمائة. واعتنى بالرجال والعلل، وبرع وجمع، وتصدى للافادة والاشتغال فى القراءة والحديث، والفقه والأصلين، والنحو. وله توسع فى العلوم وذهن سيال

وذكره فى معجمه المختص، وقال: عنى بفنون الحديث، ومعرفة رجاله، وذهنه مليح، وله عدة محفوظات وتآليف، وتعاليق مفيدة. كتب عنى، واستفدت منه.

قال: وقد سمعت منه حديثا يوم درسه بالصدرية.

ثم قال: أخبرنا المزى إجازة أخبرنا أبو عبد الله السروجى أخبرنا ابن عبد الهادى -[فذكر حديثا هذا لفظه: درس ابن عبد الهادى بالصدرية]

(1)

درس الحديث وبغيرها بالسفح. وكتب بخطه الحسن المتقن الكثير. وصنف تصانيف كثيرة بعضها كلمت، وبعضها لم يكمله؛ لهجوم المنية عليه فى سن الأربعين.

فمن تصانيفه «تنقيح التحقيق فى أحاديث التعليق» لابن الجوزى مجلدان «الأحكام الكبرى» المرتبة على أحكام الحافظ الضياء، كمل منها سبع مجلدات «الرد على أبى بكر الخطيب الحافظ فى مسئلة الجهر بالبسملة» مجلد «المحرر فى الأحكام» مجلد «فصل النزاع بين الخصوم فى الكلام على أحاديث:«أفطر الحاجم والمحجوم» مجلد لطيف «الكلام على أحاديث مس الذكر» جزء كبير «الكلام على أحاديث: البحر هو الطهور ماؤه» جزء كبير «الكلام على أحاديث القلتين» جزء «الكلام على حديث معاذ فى الحكم بالرأى» جزء كبير، الكلام على حديث «أصحابى كالنجوم» جزء، الكلام على حديث أبى سفيان «ثلاث أعطيتهن يا رسول الله» والرد على

(1)

ما بين المربعين غير موجود بمخطوطة الثقافة. والكلام على كل حال يحتاج إلى تأمل.

ص: 437

ابن حزم فى قوله: إنه موضوع. كتاب «العمدة» فى الحفاظ، كمل منه مجلدان «تعليقة فى الثقات» كمل منه مجلدان، الكلام على أحاديث «مختصر ابن الحاجب» مختصر ومطول، الكلام على أحاديث كثيرة فيها ضعف من «المستدرك» للحاكم، أحاديث الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، جزء منتقى من «مختصر المختصر» لابن خزيمة، ومناقشته على أحاديث أخرجها فيه، فيها مقال، مجلد، الكلام على «أحاديث الزيارة» جزء، مصنف «فى الزيارة» مجلد، الكلام على أحاديث «محلل السباق» جزء، جزء فى «مسافة القصر» جزء فى قوله تعالى (108:9 {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى} - الآية) جزء فى أحاديث «الجمع بين الصلاتين فى الحضر» ، «الإعلام فى ذكر مشايخ الأئمة الأعلام» أصحاب الكتب الستة. عدة أجزاء، الكلام على حديث «الطواف بالبيت صلاة» ، «جزء كبير فى مولد النبى صلى الله عليه وسلم» تعليقة على «سنن البيهقى الكبرى» كمل منها مجلدان، جزء كبير فى «المعجزات والكرامات» جزء فى «تحريم الربا» جزء فى «تملك الأب من مال ولده ما شاء» جزء فى «العقيقة» جزء فى «الأكل من الثمار التى لا حائط عليها» ، «الرد على الكياالهرّاسى» جزء كبير، «ترجمة الشيخ تقى الدين ابن تيمية

(1)

» مجلد «منتقى من تهذيب الكمال للمزى «كمل منه خمسة أجزاء «إقامة البرهان على عدم وجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان» جزء، جزء فى «فضائل الحسن البصرى» رضى الله عنه «جزء فى حجب الأم بالإخوة، وأنها تحجب بدون ثلاثة» جزء «فى الصبر» جزء «فى فضائل الشام» «صلاة التراويح» جزء كبير، الكلام على أحاديث «لبس الخفين للحرم» جزء كبير، جزء فى «صفة الجنة» جزء فى «المراسيل» جزء فى مسألة «الجد والإخوة» ، «منتخب من مسند الإمام أحمد» مجلدان «منتخب من سنن البيهقى» مجلد «منتخب من سنن أبى داود» مجلد لطيف

(1)

سماها العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية. طبع بتحقيق محمد حامد الفقى سنة 1356

ص: 438

«تعليقه على التسهيل فى النحو، كمل منها مجلدان، جزء فى الكلام على حديث «أفرضكم زيد» أحاديث «حياة الأنبياء فى قبورهم» جزء، تعليقة، على «العلل» لابن أبى حاتم، كمل منها مجلدان. تعليقة على «الأحكام» لأبى البركات ابن تيمية لم تكمل «منتقى من علل الدار قطنى» مجلد، جزء فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر «شرح لألفية

(1)

ابن مالك» جزء. ما أخذ على تصانيف أبى عبد الله الذهبى الحافظ شيخه عدة أجزاء. حواشى على كتاب «الإلمام» جزء فى الرد على أبى حيان النحوى فيما رده على ابن مالك وأخطأ فيه، جزء فى «اجتماع الضميرين» جزء «فى تحقيق الهمز والإبدال فى القراءات» وله رد على ابن طاهر، وابن دحية، وغيرهما، وتعاليق كثيرة فى الفقه وأصوله، والحديث، ومنتخبات كثيرة فى أنواع العلم.

وحدث بشئ من مسموعاته. وسمع منه غير واحد، وقد سمعت من أبيه، فإنه عاش بعده نحو عشر سنين

توفى الحافظ أبو عبد الله فى عاشر جمادى الأول سنة أربع وأربعين وسبعمائة ودفن بسفح قاسيون، وشيعه خلق كثير، وتأسفوا عليه، ورئيت له منامات حسنة. رحمه الله تعالى.

‌536 - محمود بن على

بن عبد الولى بن خولان البعلى، الفقيه الفرضى، بهاء الدين أبو الثناء.

ولد فى حدود السبعمائة.

وسمع الحديث من جماعة وقرأ على الحافظ الذهبى عدة أجزاء. وتفقه على الشيخ مجد الدين الحرانى، ولازم الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وبرع فى الفرائض والوصايا، والجبر والمقابلة.

وكان قيما بنقل المذهب، واستحضار أكثر المسائل، فقيها مفتيا، خيرا

(1)

فى مخطوطة الثقافة «لامية»

ص: 439

دينا. وله معرفة بالنحو. وخطه حسن. وكتب كثيرا. وكان متواضعا متوددا، ملازما للاشغال، حريصا على إفادة الطلبة، بارّا بهم، محسنا إليهم. تفقه به جماعة، وانتفعوا به، وبرع منهم طائفة.

توفى فى رجب سنة أربع وأربعين وسبعمائة ببعلبك رحمه الله تعالى.

وحدثنى بعض أصحابه: أنه رآه فى النوم بعد وفاته فقال له: أين أنت؟ قال: لى ثلاثة أيام هبطت إلى الفردوس. قال: فقلت له: فأين كنت قبلها؟ قال: فى الضيافة.

‌537 - أحمد بن محمد

بن أحمد بن عبد الغنى العلانى، الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه شهاب الدين أبو العباس.

ولد سنة اثنتين وسبعمائة.

وسمع من ابن الموازينى، والدشتى، والقاضى سليمان بن حمزة، وجماعة.

وطلب بنفسه، وسمع الكثير، وكتب الأجزاء. وتفقه. وقرأ أصول الفقه، وناظر. وهو الذى بيض «مسودة الأصول» لبنى تيمية، ورتبها، وبيض من «شرح الهداية» أيضا.

ذكره الذهبى فى المعجم المختص، وقال: من أعيان مذهبه، فيه دين وتقوى ومعرفة بالفقه. أخذ عنى ومعى، وقرأ علىّ «سير النبلاء» .

توفى فى جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة بدمشق. ودفن بمقبرة الباب الصغير. رحمه الله.

‌538 - محمد بن أحمد

بن محمد بن عثمان بن أسعد بن المنجى التنوخى، الدمشقى، الفقيه المفتى، المدرس المحتسب، عزّ الدين أبو عبد الله بن وجيه الدين

ولد فى أول سنة ثمان وثمانين وستمائة.

حضر على الفخر ابن البخارى، وزينب بنت مكى وغيرهما. وحدث

ص: 440

كان ذكيا مخالطا للشافعية، جماعا للكتب.

وولى حسبة دمشق. ونظر الجامع. ودرس فى أماكن. وكان صدرا رئيسا كثير الحشمة والمروءة، حسن الشكل، محبا لأهل العلم

وتوفى فى جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبعمائة. وهو والد فاطمة أم الحسن.

‌539 - عبد القادر بن محمد

بن أحمد بن الحسين اليونينى، محيى الدين ابن الحافظ شرف الدين بن الفقيه أبى عبد الله اليونينى.

ولد سنة ثمانين وستمائة.

وتوفى سنة سبع وأربعين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

‌540 - سليمان بن عبد الرحمن

بن على بن عبد الرحمن بن يحيى بن أبى نوح الشيبانى، النهرمارى، ثم البغدادى، الفقيه الإمام القاضى، نجم الدين، أبو المحامد الرافقى.

قدم بغداد. وسمع بها. وأجاز له الكمال البزار، والرشيد بن أبى القاسم، وغيرهما.

وتفقه على الشيخ تقى الدين الزريراتى، حتى برع وأفتى، وأعاد عنده بالمستنصرية، ثم درس بالمستنصرية للحنابلة بعد موت ابن البرزي المتقدم ذكره

وناب فى القضاء وحدث. وسمع منه جماعة.

وتوفى فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وصلّى عليه بجامع قصر الخلافة، وحضرت الصلاة عليه. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب

‌541 - محمد بن إبراهيم

بن عبد الله بن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد ابن محمد بن قدامة المقدسى، الخطيب الصالح، العالم القدوة، عزّ الدين أبو عبد الله بن الشيخ العز.

ص: 441

ولد فى رجب سنة ثلاث وستين وستمائة.

وسمع من ابن عبد الدائم، والكرمانى حضورا، وسمع الكثير من أبى عمر وطبقته، وتفقه قديما بعم أبيه الشيخ شمس الدين ابن أبى عمر، ودرس بمدرسة جدهم الشيخ أبى عمر، وبالضيائية. وخطب بالجامع المظفرى دهرا.

وكان من الصالحين الأخيار المتفق عليهم، وعمّر. وحدث بالكثير، وخرّجوا له مشيخة فى أربعة أجزاء. سمع منه خلق، وأجاز لى مروياته.

ذكره الذهبى فى معجم شيوخه، فقال: كان فقيها عالما، صالحا خيرا، متواضعا، على طريقة سلفه.

توفى يوم الاثنين عشرين رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ودفن بتربة جده الشيخ أبى عمر. رحمه الله تعالى.

‌542 - محمد بن أحمد

بن عبد الله بن أبى الفرج بن أبى الحسن بن سرايا ابن الوليد الحرانى. نزيل مصر، الفقيه القاضى، بدر الدين أبو عبد الله، ويعرف بابن الحبال.

ولد بعد السبعين وستمائة تقريبا.

وسمع من العز الحرانى، وابن خطيب المزة، والشيخ نجم الدين بن حمدان، وغيرهم. وتفقه وبرع، وأفتى، وأعاد بعدة مدارس، وناب فى الحكم بظاهر القاهرة.

وصنف تصانيف عديدة، منها:«شرح الخرقى» وهو مختصر جدا، وكتاب «الفنون» .

وحدث، وروى عنه جماعة، منهم: ابن رافع، وكان حسن المناظرة، لين الجانب، لطيف الذات، ذا ذهن ثاقب.

توفى فى تاسع عشر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة.

ص: 442

‌543 - عمر بن سعد الله

بن عبد الأحد الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه الفرضى، القاضى، زين الدين أبو حفص بن سعد الدين بن نجيح، أخو شرف الدين محمد السابق ذكره.

ولد سنة خمس وثمانين وستمائة.

وحضر على أبى الحسن بن البخارى. وسمع من يوسف الغسولى. وغيره، وسمع بالقاهرة وغيرها.

ودخل بغداد، وأقام بها ثلاثة أيام. وتفقه وبرع فى الفقه والفرائض، ولازم الشيخ تقى الدين وغيره. وكتب بخطه الكثير من كتب المذهب.

وولى نيابة الحكم عن ابن المنجى. وكان خيرا دينا، حسن الأخلاق، متواضعا، بشوش الوجه، فقيها فرضيا فاضلا منبتا، سديدا فى الأقضية والأحكام.

وحدثنى الإمام العلامة عزّ الدين حمزة بن شيخ السلامية عنه: أنه قال له: لم أقض قضية إلا وقد أعددت لها الجواب بين يدى الله تعالى. وقد خرجوا له جزءا عن شيوخه. وحدث به وبغيره.

ذكره الذهبى فى المختصر، وقال: عالم ذكى، خير وقور، متواضع، بصير بالفقه والعربية. سمع الكثير، وولى مشيخة الضيائية، فألقى دروسا محررة.

وتخرج بابن تيمية وغيره. وناب فى الحكم.

توفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة مطعونا شهيدا. رحمه الله تعالى.

‌544 - الحسين بن بدران

بن داود البابصرى، البغدادى، الخطيب الفقيه، المحدث النحوى، الأديب، صفى الدين أبو عبد الله.

ولد فى آخر نهار عرفة سنة اثنى عشرة وسبعمائة.

وسمع الحديث - متأخرا - من جماعة من شيوخنا وغيرهم. وعنى بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير، وتفقه، وبرع فى العربية والأدب، ونظم الشعر الحسن.

ص: 443

وصنف فى علوم الحديث وغيرها، واختصر «الإكمال» لابن ماكولا، وعلمه فى حياته، وقرأ عليه بعضه، وسمعت بقراءته «صحيح البخارى» على الشيخ جمال الدين مسافر بن إبراهيم الخالدى، بسماعه من الرشيد بن أبى القاسم

وولى إفادة المحدثين بدار الحديث المستنصرية، فكان يقرئ بها علوم الحديث وغيرها، وحضرت مجالسه كثيرا. وكان له مشاركة حسنة فى علوم الحديث والتواريخ، مع براعة فى الأدب والعربية، والصيانة والديانة.

توفى يوم الجمعة سابع عشر رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة مطعونا شهيدا. ودفن بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.

‌545 - عمر بن علي

بن موسى بن الخليل البغدادى، الأزجى، البزار، الفقيه المحدث، سراج الدين أبو حفص.

ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة تقريبا.

وسمع من إسماعيل بن الطبال: وعلى بن أبى القاسم أخو الرشيد وابن الدواليبى، وجماعة. وعنى بالحديث، وقرأ الكثير، ورحل إلى دمشق. وقرأ بها صحيح البخارى على الحجار بالحنبلية وحضر قراءته الشيخ تقى الدين ابن تيمية وخلق كثير، وجالس الشيخ تقى الدين وأخذ عنه، وتلا ببغداد ختمة لأبى عمر، وعلى شيخنا عبد الله بن عبد المؤمن الواسطى، وقرأ عليه بعض تصانيفه فى القراءات. وحج مرارا، وأعاد بالمستنصرية.

وولى إمامة جامع الخليفة ببغداد مدة يسيرة، ثم أقام بدمشق مدة، أو أمّ بها بالضيائية. وكان حسن القراءة للقرآن والحديث، ذا عبادة وتهجد، وصنف كثيرا فى الحديث وعلومه، وفى الفقه والرقائق.

وقدم فى آخر عمره إلى بغداد، فأقام بها يسيرا، ثم توجه إلى الحج سنة تسع وأربعين، وحججتنا تلك السنة أيضا مع والدى، فقرأت على شيخنا أبى حفص عمر ثلاثيات البخارى بالحلة اليزيدية.

ص: 444

ثم توفى رحمه الله قبل وصوله إلى مكة، بمنزلة حاجر، صبيحة يوم الثلاثاء حادى عشرين ذى القعدة سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ويقال: إنه كان نوى الإحرام، وذلك قبل الوصول إلى الميقات.

ودفن بتلك المنزلة، ومعه نحو من خمسين نفسا بالطاعون. رحمهم الله تعالى.

وفى هذه المدة. توفى بدمشق المحدث الكبير المورخ الحافظ: -

‌546 - أبو الخير سعيد بن عبد الله

الذهبى، الحريرى، مولى الصدر صلاح الدين عبد الرحمن بن عمر الحريرى.

وكان مولده - تقديرا - سنة اثنى عشرة وسبعمائة.

سمع ببغداد من الدقوقى، وخلق، وبدمشق من زينب بنت الكلمال، وأمم وبالقاهرة والإسكندرية وبلدان شتى.

وعنى بالحديث، وأكثر من السماع والشيوخ، وخرج وجمع تراجم كثيرة لأعيان أهل بغداد، وخرج الكثير، وكتب بخطه الرديء كثيرا.

وقال الذهبى: له رحلة. وعمل جيد، وهمة فى التاريخ، وتكثير المشايخ، والأجزاء وهو ذكى، صحيح الذهن، عارف بالرجال حافظ.

‌547 - أحمد بن على

بن محمد البابصرى، البغدادى، الفقيه الفرضى، الأديب، جمال الدين أبو العباس.

ولد سنة سبع وسبعمائة تقريبا.

وسمع الحديث متأخرا على شيوخنا، كالشيخ صفى الدين بن عبد الحق، وعلى بن عبد الصمد، وغيرهما.

وتفقه على الشيخ صفى الدين، ولازمه وعلى غيره، وبرع فى الفقه والفرائض والحساب. وقرأ الأصول، والعربية، والعروض، والأدب، ونظم الشعر الحسن، وكتب بخطه الحسن كثيرا، وأعاد بالمستنصرية. واشتهر بالاشغال والفتيا،

ص: 445

ومعرفة المذهب، وأثنى عليه فضلاء الطوائف. ودرس بالمدرسة المعتصمية للحنابلة.

وكان صالحا دينا متواضعا، حسن الأخلاق، مطرحا للتكلف، حضرت دروسه وإشغاله غير مرة. وسمعت بقراءته الحديث.

وتوفى فى طاعون سنة خمسين وسبعمائة ببغداد بعد رجوعه من الحج، وصلّى عليه وعلى جماعة من أعيان بغداد بدمشق صلاة الغائب رحمه الله تعالى.

وممن اشتغل عليه - أعنى البابصرى - وانتفع به: القاضى: -

‌548 - جمال الدين الأنبارى،

الشهيد، الإمام فى الترسل والنظم. له نظم فى مسائل فى الفرائض بحثنه عليها

(1)

. ولازمه مدة، والشرف بن سلوم قاضى حربى، وعلى الأوانى الفرضى قاضى أوانا، والشيخ سعد الحصينى، وخلق، وبينه وبين قاضى القضاة شرف الدين مراسلات بأشعار حسنة، وكذلك المرداوى راسله أيضا فى مدة حكمه. رحمه الله تعالى.

وانتفع به أيضا الشيخ: -

‌549 - شمس الدين محمد

بن الشيخ أحمد السقاء مربى الطائفة.

ودرس بالمجاهدية، واشتغل على صفى الدين، وحفّظه «مختصر الهداية» له، وكتب شرحه - وعنى به القاضى جمال الدين الأنبارى - وعلا ببغداد قدره، واشتغل عليه جماعة، منهم: القاضى شمس الدين ببغداد الآن، محمد البرفطي، بعد الأنبارى، ودرس بالبشيرية بعد ابن الحصرى، والقاضى سعد، والحصينى، ونصر الله المحدث، وغيرهما.

وأما القاضى: جمال الدين عمر بن إدريس الأنبارى: فإنه نصر المذهب وأقام السنة، وقمع البدعة ببغداد، وأزال المنكرات، وارتفع حتى لم يكن فى المذهب أجمل منه فى زمانه، ثم وزر لكبير بعض الرافضة فظفروا به، وعاقبوه

(1)

كذا فى النصيفية. وفى مخطوطة الثقافة غير منقوطة «حعه»

ص: 446

مدة، فصبر. ثم إن أعداءه أهلكهم الله تعالى عاجلا بعد استشهاده، وفرح أهل بغداد بهلاكهم، وذلك عقيب موته فى سنة خمس وستين وسبعمائة.

ثم دفن بمقبرة الامام أحمد عند المدرسة التى عمرها بها. وعمل له الختمات، ورثى، وتردد أهل بغداد إلى المقبرة مدة، وانتقم من أعدائه سريعا. رحمه الله تعالى.

وقد جمعت بينه وبين قاضى قضاة مصر الموفق، وابن جماعة، بمنى يوم القرّ عام ثلاث وستين. وستمائة.

وفى شعبان من هذه السنة: توفى قاضى القضاة:

‌550 - علاء الدين أبو الحسن

على بن الشيخ زين الدين المنجى عثمان بن أسعد بن المنجى التنوخى، بدمشق، ودفن بسفح قاسيون

وكان مولده فى شعبان ستة ثلاث وسبعين وستمائة.

وسمع الكثير من ابن البخارى، وأحمد بن شيبان، وخلق. وولى القضاء من سنة اثنتين وثلاثين بعد وفاة ابن الحافظ.

وحدث بالكثير، قرأت عليه جزءا فيه الأحاديث التى رواها مسلم فى صحيحه عن الإمام أحمد بسماعه الصحيح من أبى عبد الله محمد بن عبد السلام بن أبى عصرون، بإجازته من المؤيد.

‌551 - محمد بن أبى بكر

بن أيوب بن سعد بن جريز الزرعى، ثم الدمشقى الفقيه الأصولى، المفسر النحوى، العارف، شمس الدين أبو عبد الله بن قيم الجوزية، شيخينا.

ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة.

وسمع من الشهاب النابلسى العابر، والقاضى تقى الدين سليمان، وفاطمة بنت جوهر، وعيسى المطعم، وأبى بكر بن عبد الدائم، وجماعة.

ص: 447

وتفقه فى المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقى الدين وأخذ عنه.

وتفنن فى علوم الإسلام. وكان عارفا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق فى ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك، وكان عالما بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف، وإشاراتهم، ودقائقهم. له فى كل فن من هذه الفنون اليد الطولى.

قال الذهبى فى المختصر: عنى بالحديث ومتونه، وبعض رجاله. وكان يشتغل فى الفقه، ويجيد تقريره وتدريسه، وفى الأصلين. وقد حبس مدة، لإنكاره شد الرحال إلى قبر الخيل، وتصدى للاشغال، وإقراء العلم ونشره.

قلت: وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشقف بالمحبة، والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله فى ذلك، ولا رأيت أوسع منه علما، ولا أعرف بمعانى القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر فى معناه مثله. وقد امتحن وأوذى مرات، وحبس مع الشيخ تقى الدين فى المرة الأخيرة بالقلعة، منفردا عنه، ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ

وكان فى مدة حبسه مشتغلا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام فى علوم أهل المعارف، والدخول فى غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمرا يتعجب منه. ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه «قصيدته النونية الطويلة» فى السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها.

ص: 448

وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتلمذون له، كابن عبد الهادى وغيره.

وقال القاضى برهان الدين الزرعى عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علما منه

ودرس بالصدرية. وأمّ بالجوزية مدة طويلة. وكتب بخطه ما لا يوصف كثرة.

وصنف تصانيف كثيرة جدا فى أنواع العلم. وكان شديد المحبة للعلم، وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره.

فمن تصانيفه: كتاب «تهذيب سنن أبى داود» وإيضاح مشكلاته، والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة مجلد

(1)

، كتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم، كتاب «مراحل السائرين بين منازل {(إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ)}» مجلدان، وهو شرح «منازل السائرين» لشيخ الإسلام الأنصارى، كتاب جليل القدر، كتاب «عقد محكم الأحباء، بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى رب السماء» مجلد ضخم، كتاب «شرح أسماء الكتاب العزيز» مجلد، كتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء فى هدى خاتم الأنبياء» مجلد، كتاب «زاد المعاد فى هدى خير العباد» أربع مجلدات، وهو كتاب عظيم جدا

(2)

، كتاب «جلاء الأفهام فى ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام» وبيان أحاديثها وعللها مجلد، كتاب «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد، كتاب «نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول» مجلد، كتاب

(1)

طبع بمطبعة السنة المحمدية على نفقة ولى عهد المملكة العربية السعودية: الأمير سعود، حفظه الله ووفقه لعدل الصالحات.

(2)

طبع بمطبعة السنة وروجع وصحح على نسختين خطيتين بدار الكتب المصرية، وروجعت أحاديثه وخرج الكثير منها، فخرج بحمد الله جيد الطبع، نفع الله به العباد والبلاد.

ص: 449

«إعلام الموقعين عن رب العالمين» ثلاث مجلدات، كتاب «بدائع الفوائد» مجلدان «الشافية الكافية فى الانتصار للفرقة الناجية» وهى «القصيدة النونية فى السنة» مجلد، كتاب «الصواعق المنزلة على الجهمية والمعطلة» فى مجلدات، كتاب «حادى الأرواح إلى بلاد الأفراح» وهو كتاب «صفة الجنة» مجلد، كتاب «نزهة المشتاقين وروضة المحبين» مجلد، كتاب «الداء والدواء» مجلد، كتاب «تحفة الودود فى أحكام المولود» مجلد لطيف، كتاب «مفتاح دار السعادة» مجلد ضخم، كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» مجلد، كتاب «مصائد الشيطان» مجلد. كتاب «الطرق الحكمية» مجلد «رفع اليدين فى الصلاة» مجلد. كتاب «نكاح المحرم» مجلد «تفضيل مكة على المدينة» مجلد «فضل العلماء» مجلد «عدة الصابرين» مجلد كتاب «الكبائر» مجلد «حكم تارك الصلاة» مجلد، كتاب «نور المؤمن وحياته» مجلد، كتاب «حكم إغمام هلال رمضان» ، «التحرير فيما يحل، ويحرم من لباس الحرير» ، «جوابات عابدى الصلبان، وأن ما هم عليه دين الشيطان» ، «بطلان الكيمياء من أربعين وجها» مجلد «الفرق بين الخلة والمحبة، ومناظرة الخليل لقومه» مجلد «الكلم الطيب والعمل الصالح» مجلد لطيف «الفتح القدسى» ، «التحفة المكية» كتاب «أمثال القرآن» «شرح الأسماء الحسنى» «أيمان القرآن» ، «المسائل الطرابلسية» ثلاث مجلدات «الصراط المستقيم فى أحكام أهل الجحيم» مجلدان، كتاب «الطاعون» مجلد لطيف.

توفى رحمه الله وقت عشاء الآخرة ليلة الخميس ثالث عشرين رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. وصلّى عليه من الغد بالجامع عقيب الظهر، ثم بجامع جراح. ودفن بمقبرة الباب الصغير، وشيعه خلق كثير، ورئيت له منامات كثيرة حسنة رضى الله عنه.

وكان قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تقى الدين رحمه الله فى النوم، وسأله

ص: 450

عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر. ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن فى طبقة ابن خزيمة رحمه الله.

وقرئ على شيخنا الإمام العلامة أبى عبد الله محمد بن أبى بكر بن أيوب - وأنا أسمع - هذه القصيدة من نظمه فى أول كتابه «صفة الجنة» :

وما ذاك إلا غيرة أن ينالها

سوى كفؤها، والرب بالخلق أعلم

وإن حجبت عنا بكل كريهة

وحفت بما يؤذى النفوس ويؤلم

فلله ما فى حشوها من مسرة

وأصناف لذات بها يتنعم

ولله ذاك العيش بين خيامها

وروضاتها والثغر فى الروض يبسم

ولله واديها الذى هو موعد الم

زيد لوفد الحب لو كنت منهم

بذيالك الوادى يهيم صبابة

محب يرى أن الصبابة مغنم

ولله أفراح المحبين عند ما

يخاطبهم من فوقهم ويسلم

ولله أبصار ترى الله جهرة

فلا الضيم يغشاها، ولا هى تسأم

فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة

أمن بعدها يسلو المحب المتيم

ولله كم من خيرة إن تبسمت

أضاء لها نور من الفجر أعظم

فيا لذة الأبصار إذ هى أقبلت

ويا لذة الأسماع حين تكلم

ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت

ويا خجلة البحرين حين تبسم

فإن كنت ذا قلب عليل بحبها

فلم يبق إلا وصلها لك مرهم

وذكر أبياتا، ثم قال:

فيا خاطب الحسناء، إن كنت باغيا

فهذا زمان المهر فهو المقدم

وكن مبغضا للخائنات لحبها

فتحظى بها من بينهن وتنعم

وكن أيّما ممن سواها، فإنها

لمثلك فى جنات عدن تأيّم

وصم يومك الأدنى لعلك فى غد

تفوز بعيد الفطر والناس صوم

وأقدم، ولا تقنع بعيش منغص

فما فاز باللذات من ليس يقدم

ص: 451

وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها

ولم يك فيها منزل لك يعلم

فحى على جنات عدن، فإنها

منازلك الأولى، وفيها المخيم

ولكننا سبى العدو، فهل ترى

نعود إلى أوطاننا ونسلم؟

وقد زعموا أن الغريب إذا نأى

وشطت به أوطانه فهو مغدم

(1)

وأى اغتراب فوق غربتنا التى

لها أضحت الأعداء فينا تحكم؟

وحى على السوق الذى فيه يلتقى الم

حبوب، ذاك السوق للقوم معلم

فما شئت خذ منه بلا ثمن له

فقد أسلف التجار فيه وأسلموا

وحى على يوم المزيد الذى به

زيارة رب العرش، فاليوم موسم

وحى على واد هنالك أفيح

وتربته من أذفر المسك أعظم

منابر من نور هناك وفضة

ومن خالص العقيان لا تتفصم

وكثبان مسك قد جعلن مقاعدا

لمن دون أصحاب المنابر يعلم

فبيناهم فى عيشهم وسرورهم

وأرزاقهم تجرى عليهم وتقسم

إذا هم بنور ساطع أشرقت له

بأقطارها الجنات لا يتوهم

تجلى لهم رب السموات جهرة

فيضحك فوق العرش ثم يكلم

سلام عليكم، يسمعون جميعهم

بآذانهم تسليمه إذ يسلّم

يقول: سلونى ما اشتهيتم، فكل ما

تريدون عندى، إننى أنا أرحم

فقالوا جميعا: نحن نسألك الرضا

فأنت الذى تولى الجميل وترحم

فيعطيهم هذا ويشهد جمعهم

عليه، تعالى الله، فالله أكرم

فيا بائعا هذا ببخس معجل

كأنك لا تدرى، بلى، فسوف تعلم

فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة

وإن كنت تدرى، فالمصيبة أعظم

(2)

(1)

مخطوطة الثقافة «معدم»

(2)

إلى هنا انتهت مخطوطة دار الثقافة. ونص ما جاء فى آخرها:

كمل الجزء الثانى. وبه تم جميع الكتاب «طبقات فقهاء أصحاب الإمام أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانى، تغمده الله تعالى برحمته. وأسكنه فسيح جنته. =

ص: 452

‌552 - أحمد بن الحسن

بن عبد الله بن الشيخ أبى عمر قاضى القضاة، أبو العباس، أحد الأعلام.

كان من أهل البراعة والفهم، والرياسة فى العلم، متقنا عالما بالحديث وعلله، والنحو والفقه، والأصلين، والمنطق، وغير ذلك.

وكان له باع طويل فى التفسير، لا يمكن وصفه، كان له فى الأصول والفروع القدم العالى، وفى شرف الدين والدنيا المحل السامى، وله معرفة بالعلوم الأدبية والفنون القديمة الأولية، وكيف لا؟ وهو تلميذ ابن تيمية، وقد قرأ عليه، واشتغل كثيرا، وقرأ عليه مصنفات فى علوم شتى، منها:«المحصل» للفخر الرازى، ولقد قال لى مرة: كنت فى حال الشبوبية ما أتغدى إلا بعد عشاء الآخرة، للاشتغال بالعلم، وقال لى مرة: كم تقول: إنّي أحفظ بيت شعر؟ فقلت: عشرة آلاف.

فقال: بل ضعفها، وشرع يعدد قصائد للعرب، وكان إذا سرد الحديث يتعجب الإنسان، وكان آية فى حفظ سرد مذاهب العلماء.

ومن نظمه:

ولقد جهدت بأن أصاحب أشقرا

فخذلت فى جهدى لهذا المطلب

تنبو الطباع عن اللئيم كما نبت

عن كل سم فى الأنام مجرب

فاحذر شناطا فى الرجال وأشقرا

مع كويسح، أو أعرج، أو أحدب

أو غائر الصدغين، خارج جبهة

أو أرزقا بدراج، غير محبب

هذا مقالى خبرة بحقيقة

حقت، وإن خالفت ذاك فجرب

= وأعاد علينا من بركته، جمع الإمام الحافظ زين الدين أبى الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن حسن بن رجب البغدادى، ثم الدمشقى الحنبلى رحمه الله تعالى. فى يوم الأحد تاسع عشر شهر رجب الفرد سنة تسع وتسعين وثمانمائة تجاه الكعبة الشريفة على يد العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن محمد أبى حامد بن حسين بن على المالكى البكرى، الخليلى. غفر الله تعالى له ولوالديه ولمحبيه ولجميع المسلمين. والحمد لله وحده. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وحسبنا الله ونعم الوكيل

ص: 453

نظم قول الشافعى فى هؤلاء الجماعة.

وله مصنفات، منها «الفائق» فى الفقه، مجلد كبير، وكتاب فى «أصول الفقه» مجلد كبير، لم يتمه، وصل فيه إلى أوائل القياس، و «الرد على الكياالهراسى» كتب فيه مجلدين، وشرح من «المنتقى» للشيخ مجد الدين، قطعة فى أوله، سماه «قطر الغمام فى شرح أحاديث الأحكام» و «تنقيح الأبحاث فى رفع التيمم للأحداث» مجلد صغير، و «مسألة المناقلة» مجلد صغير، وله مجاميع كثيرة، فيها فنون شتى.

والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا.

وصلّى الله على خير خلقه محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، إلى يوم الدين.

وكان الفراغ من كتابة هذه الطبقات المنيفة، ظهر يوم الأربعاء، الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة 1343 هجرية.

بقلم الفقير راجى غفران الذنوب والمساوى، محمد عبده بن محمد الخضراوى.

ويليه ملحق فيه تراجم الحنابلة الذين ذكرهم السيوطى فى بغية الوعاة

ص: 454

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الجلال السيوطى فى بغية الوعاة فى طبقات اللغويين والنحاة ما نصه:

‌1 - على بن فضال

بن على بن غالب المجاشعى القيروانى، أبو الحسن ويعرف بالفرزدقى، نسبة إلى جده.

وكان إماما فى النحو واللغة، والتصريف والتفسير. حنبلى المذهب. رحل إلى البلاد. وأقام بغزة مدة، وصادف بها قبولا. وأقرأ ببغداد مدة النحو واللغة، وحدث بها عن جماعة من شيوخ المغرب.

قال هبة الله السقطى: كتبت عنه أحاديث، فعرضتها على بعض المحدثين فأنكرها، وقال: أسانيدها مركبة على متون موضوعة، فاجتمع جماعة من المحدثين، فأنكروا عليه، فاعتذر، وقال: وهمت فيها.

قال ابن عبد الغافر: ورد ابن فضال نيسابور، فاجتمعت به فوجدته بحرا فى علمه، ما عهدت فى البلد ولا فى القرى مثله. وكان شديدا على كل شافعى.

صنف «إكسير الذهب» فى النحو، و «العوامل والهوامل» وشرح «عنوان الأدب» وشرح «معانى الحروف» ، «العروض» و «شجرة الذهب فى معرفة أئمة الأدب» .

مات ثانى عشر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة.

ومن شعره:

وإخوان حسبتهم دروعا

فكانوها، ولكن للأعادى

الأبيات المشهورة. رحمه الله تعالى.

‌2 - علي بن هبة الله

بن جعفر بن محمد بن دلف بن القاسم بن عيسى المعروف بابن ماكولا.

ص: 455

وكان أبوه وزير جلال الدولة ابن بويه، وعمه أبو عبد الله الحسن بن جعفر قاضى القضاة ببغداد. وكان حافظا عالما متقنا. وكان يقال عنه: الخطيب الثانى.

وقال ابن الجوزى: سمعت شيخنا عبد الوهاب يقدح فيه، ويقول: يحتاج إلى دين.

صنف كتاب «المختلف والمؤتلف» جمع فيه بين كتب الدار قطنى وعبد الغنى، والخطيب، وزاد عليهم زيادات كثيرة. وله «كتاب الوزراء» وكان نحويا شاعرا، صحيح النقل، ما كان فى البغدادين فى زمانه مثله إلا أبا طالب ابن غيلان، وأبا بكر بن بشران، وأبا القسم بن شاهين، وأبا الطيب الطبرى.

وسافر إلى الشام والسواحل، وديار مصر، والجزيرة والثغور والجبال.

ودخل بلاد خراسان، وما وراء النهر، وجبال فى الآفاق.

ولد بعكبرا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.

وتوفى سنة خمسة وثمانين وأربعمائة.

قال الحميدى: وخرج إلى خراسان ومعه غلمان له ترك، فقتلوه بجرجان، وأخذوا ماله وهربوا، وطاح دمه هدرا.

ومن شعره:

تجنبت أبواب الملوك لأننى

علمت بما لم يعلم الثقلان

رأيت سهيلا لم يحد عن طريقه

من الشمس إلا فى مقام هوان

انتهى من فوات الوفيات لابن شاكر.

‌3 - زياد بن على

بن هارون، أبو القاسم الجيلى، الفقيه، نزيل بغداد.

وسمع بها من أبى مسلم عمر بن علي الليثى البخارى، وحدث عنه بكتاب «التنوير» لابن خزيمة، سمعه منه أبو الحسن بن الزاغونى، وأبو الحسن بن الأبنوسى. ورواه عنه.

ص: 456

وذكر هبة الله السقطى: أن زيادا الفقيه الجيلى توفى فى طاعون سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. رحمه الله.

‌4 - محمد بن إبراهيم

بن ثابت أبو عبد الله، العلامة الزاهد المصرى الكيزانى، الواعظ الأديب من كبار الحنابلة، وأهل الأثر. وله كتاب مشهور

توفى فى المحرم - وقيل: فى ربيع - سنة اثنين وستين وخمسمائة. ودفن عند الشافعى، ثم نبش ودفن فى موضع آخر.

انتهى من تاريخ السلطان ابن رسول المسمى بنزهة العيون فى أخبار الطوائف والقرون.

‌5 - محمد بن إسماعيل

بن محمد بن أبى الفتح، أبو جعفر الطرسوسى الحنبلى، مسند أصبهان.

ولد سنة اثنتين وخمسمائة.

وسمع من جماعة، وعنه روى آخرون.

وتوفى سنة خمس وتسعين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.

‌6 - أبو الفتوح عبد المنعم بن عبد الوهاب

بن سعد بن صدقة بن الخضير ابن كليب، مسند الآفاق الحرانى، ثم البغدادى، الحنبلى التاجر.

ولد فى صفر سنة خمسمائة.

وسمع من أبى القاسم بن بنان وغيره، وسماعاته صحيحة. وكان محبا للرواية، صبورا على المحدثين.

سكن دمياط مدة، وحج سبع مرات. وروى عنه جماعة، يقال: إنه تسرى بمائة سرية.

توفى سنة ست وتسعين وخمسمائة.

وفى تاريخ اليافعى ما نصه: وفيها - أى سنة ست وتسعين وخمسمائة -

ص: 457

مات أبو الفتوح عبد المنعم بن أبى الفتح الحرانى الأصل، البغدادى المولد، الحنبلى.

كان تاجرا. وله السماعات العالية فى الحديث، وانتهت إليه الرحلة حتى ألحق الصغار بالكبار، وتوحد فى وقته ببغداد. ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

وكان صحيح الذهن والحواس، وتسرى مائة وأربعين جارية

انتهى من تاريخ ابن رسول.

‌7 - إسماعيل بن تراب

بن على بن وكاس الحنبلى القطان أبو عبد الله سمع من أبى غالب بن البناء، وغيره. روى عنه ابن خليل والضياء، وطائفة.

وتوفى سنة ستمائة. رحمه الله تعالى.

‌8 - عبد الرحمن بن عبد الغنى

بن محمد، أبو القاسم الغسانى الحنبلى.

أسمعه والده من فوشكين الرضوانى، وعلى بن عبد العزيز السماك، وغيرهما.

وتوفى سنة ستمائة وأربعة عشر. قاله الذهبى فى «المشتبه» .

‌9 - محمد بن عماد

بن محمد بن الحسين بن أبى يعلى، أبو عبد الله الخزرجى، الحرانى، الحنبلى المسند، الصدوق، التاجر السفار.

ولد سنة اثنين وأربعين وخمسمائة.

وسمع ببغداد والثغر ومصر طائفة كثيرة، وعنه أخذ عدة كثيرة.

وتوفى بالثغر فى حدود اثنين وثلاثين وستمائة. رحمه الله تعالى.

‌10 - محمود بن إبراهيم

بن سنان بن إبراهيم بن عبد الوهاب، الحافظ الكبير أبى عبد الله بن منده، أبو الوفا الأصبهانى، مسند أصبهان

ولد سنة خمسين وخمسمائة.

وسمع منه جماعة. وروى عنه آخرون.

ص: 458

وتوفى - وقيل قتل - بإصبهان فى رمضان سنة اثنين وثلاثين وستمائة، انتهى من تاريخ ابن رسول.

‌11 - عبد الرحمن بن محمد

بن عبد الجبار أبو محمد، رضى الدين المقدسى الإمام الصالح المقرئ

كان شيخا صالحا عابدا خيرا. حدث عن يحيى الثقفى وغيره. وعنه روى ابن الأمين على بن سكينة.

ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة.

وتوفى سنة خمسة وثلاثين وستمائة. رحمه الله تعالى اهـ من تاريخ ابن رسول.

‌12 - على بن عبد الله

بن الحسين بن على بن منصور، أبو الحسن، الشيخ الصالح المعمر، رحلة وقته، ابن المعز الأزجى، الحنبلى المقرئ النجار.

ولد سنة خمس وأربعين وخمسمائة.

وسمع من جماعة كثيرة بالإجازة. وعنه روى الدمياطى، وآخرون.

حدث ببغداد ودمشق والحجاز ومصر. وكان شيخا صالحا، عابدا مجتهدا، كثير التلاوة، والذكر.

توفى فى نصف ذى القعدة سنة ثلاث وأربعين وستمائة. رحمه الله تعالى اهـ من تاريخ ابن رسول.

‌13 - برهان الدين نصر بن أبى الفتح

بن على الحضرمى، إمام مقام الحنابلة بمكة المشرفة.

قال ابن عربى صاحب الفتوحات المكية فى إجازته للسلطان غازى بن أيوب: قرأت عليه «سنن أبى داود» وغيرها، وأجاز لى بمكة اهـ. ذكره العياشى المغربى فى رحلته الكبرى، وهى فى مجلدين. رحمه الله تعالى.

ص: 459

‌14 - عبد الحميد بن عبد الهادى

بن يوسف بن محمد بن قدامة، الشيخ المسند أبو محمد، عماد الدين الجماعيلى المقدسى، الصالحى، الحنبلى، المقرئ، المؤدب.

ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.

وسمع بدمشق من يحيى الثقفى، وغيره. وعنه روى الدمياطى وطائفة. وكان صحيح السماع، ثقة فاضلا.

توفى فى ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وستمائة. رحمه الله تعالى اهـ من تاريخ ابن رسول

‌15 - محمد بن عبد الهادى

بن يوسف بن محمد بن قدامة، أبو عبد الله الفقيه الإمام المسند شمس الدين أبو عبد الله.

سمع من يحيى الثقفى، وغيره.

وكان دينا صالحا، عفيفا، كثير التلاوة لكتاب الله تعالى.

قتله التتار سنة ثمان وخمسين وستمائة فى جمادى الأولى. رحمه الله تعالى اهـ من تاريخ ابن رسول.

‌16 - عبد الرحمن بن محمد

بن عبد الجبار أبو محمد، رضى الدين المقدسى الإمام الصالح المقرئ.

كان شيخا صالحا، عابدا خيرا، حدث عن يحيى الثقفى وغيره. وعنه روى ابن الأمين على بن سكينة

ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة.

وتوفى سنة خمس وثلاثين وستمائة. رحمه الله تعالى. اهـ من تاريخ ابن رسول.

ص: 460

‌17 - على بن عبد الله

بن الحسين بن على بن منصور، أبو الحسن، الشيخ الصالح المعمر، رحلة وقته، ابن المعمر الأزجى، الحنبلى المقرئ، النجار ولد سنة خمس وأربعين وخمسمائة.

وسمع من جماعة كثيرة. وروى الكثير بالإجازة. وعنه روى الدمياطى وآخرون.

حدث ببغداد، ودمشق، والحجاز، ومصر.

وكان شيخا صالحا، عابدا مجتهدا، كثير التلاوة والذكر.

توفى فى نصف ذى القعدة سنة ثلاث وأربعين وستمائة. رحمه الله تعالى اهـ.

من تاريخ ابن رسول.

‌18 - إسماعيل بن أحمد

بن الحسين، رشيد الدين أبو الحسن العراقى الحيائى بدار المطعم، الحنبلى، ابن الإمام المقرئ.

ولد بعد السبعين والخمسمائة: -

وسمع من أبيه وغيره. وعنه أخذ الدمياطى وغيره. وكان حافظا للقرآن، لا بأس به.

وتوفى فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة اهـ. من تاريخ ابن رسول.

‌19 - عبد الوهاب بن محمد

بن إبراهيم بن سعد المقدسى، بن الناصح.

الصحراوى الحنبلى، أبو محمد.

ولد فى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.

وسمع من الخشوعى، وغيره. وعنه أخذ ابن الخباز وطائفة.

وتوفى فى رمضان سنة سبعين وستمائة رحمه الله. اهـ من تاريخ ابن رسول.

‌20 - عبد اللطيف بن الصيقل

النجيب، أبو الفرج، مسند الديار المصرية.

أخذ عن ابن كليب، وابن معطوش، وابن الجوزى، وابن أبى المجند، وولى مشيخة دار الحديث الكاملية.

ص: 461

ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة.

وتوفى سنة اثنتين وسبعين وستمائة. رحمه الله تعالى. اهـ. من حسن المحاضرة

‌21 - يحيى بن عبد الرحمن

بن نجم الصالحى، الحنبلى، أبو زكريا، بن ناصح الدين، الفقيه المسند الأنصارى، يعرف بالحافظ اليغمورى.

ولد فى حدود الستمائة.

وسمع الكثير بدمشق، والموصل، والثغر، ومصر، وعلى بالحديث، وشارك فى الأدب والتاريخ، أخذ عنه طائفة كثيرة.

وتوفى سنة ثلاث وسبعين وستمائة رحمه الله تعالى اهـ. من تاريخ ابن رسول.

‌22 - أحمد بن إبراهيم

بن سلامة بن أبى معروف، أبو العباس بن زين الدين الدمشقى، الحنبلى، الحداد، ثم الخياط الدلال، الشيخ المقرئ المعمر، مسند وقته، ابن إمام الحنابلة سلامة.

ولد فى سنة تسع وثمانين وخمسمائة.

وسمع من أبى اليمن الكندى. وحدث عنه، وانفرد فى الدنيا بإجازات عالية من أبى جعفر الطرسوسى وغيره. وروى الكثير.

حدث عن الدمياطى، وجماعة، وكان شيخا جليلا متيقظا، خيرا سليما، متواضعا، من أهل الرباط الناصرى، وعمر دهرا. قيل: إنه أضر قبل موته.

توفى فى يوم عاشوراء سنة ثمان وسبعين وستمائة. انتهى. من تاريخ ابن رسول

‌23 - عبد الرحمن بن عبد الملك

بن يوسف بن قدامة، الشيخ أبو محمد، كمال الدين الجماعيلى، المقدسى، الصالحى.

كان شيخا صالحا، ورعا حفيظا على الرواية.

سمع حضورا من ابن طبرزد، وحنبل، وعدة. وأجاز له آخرون. وأخذ عنه ابن العطار، وجماعة

ص: 462

توفى فى جمادى الأولى سنة ثمانين وستمائة رحمه الله تعالى اهـ تاريخ ابن رسول

‌24 - عبد العزيز بن الحسين

بن الحسن، مجد الدين أبو محمد الدارى، ثم المصرى الحنبلى، الشيخ الرئيس.

ولد بمصر سنة تسع وتسعين وخمسمائة.

وأخذ بها وببغداد من طائفة، وعنه روى آخرون.

حدث بدمشق ومصر. وكان دينا متعبدا، كثير الصدقة، محترما، فى الدولة

توفى بدمشق سنة ثمانين وستمائة. رحمه الله تعالى اهـ من تاريخ ابن رسول

‌25 - إسماعيل بن إسماعيل

بن أخو سلين، أبو محمد، عماد الدين، العدل الفقيه، البعلى الحنبلى.

سمع الشيخ موفق الدين. وعنه روى ابن الخباز وخلق كثير.

توفى فى ذى القعدة سنة اثنين وثمانين وستمائة رحمه الله تعالى اهـ من تاريخ ابن رسول.

‌26 - عبد العزيز بن عبد المنعم

بن الصقر الحرانى، عزّ الدين، أبو العز، مسند الوقت.

ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة.

وسمع من أبى حامد، ويوسف بن كامل. وأجاز له ابن كليب، وكان آخر من روى عن أكرم شيوخه.

استوطن مصر إلى أن مات بها سنة ست وثمانين وستمائة.

‌27 - أبو محمد عبد المنعم بن النجيب

عبد اللطيف بن عبد المنعم بن الصيقل الحرانى، الشيخ نجم الدين.

ولد سنة ثمان وستمائة.

ص: 463

وسمع من ابن تيمية وغيره.

وتوفى بالإسكندرية فى شعبان سنة إحدى وتسعين وستمائة رحمه الله تعالى اهـ من تاريخ ابن رسول.

‌28 - نصر الله بن محمد

بن عباس بن حامد، أبو الفتح، ناصر الدين الصالحى، الرجل الصالح، المسند السكاكينى.

ولد سنة سبعة عشر وستمائة.

وسمع من طائفة كثيرة. وعنه أخذ آخرون. وكان فاضلا عالما.

توفى فى شوال سنة خمس وتسعين وستمائة. رحمه الله تعالى.

‌29 - عبد الرحمن بن عبد اللطيف

بن محمد بن وريدة، أبو الفرج، الإمام المقرئ بقية المعمرين، مسند العراق، كمال الدين البغدادى، الحنبلى البزار، الملقب بالقويزة، ويعرف بابن المكسر.

ولد سنة ستمائة.

وسمع من زيد السبع، وغيره، وتلا بالسبع على آخرين.

توفى فى سنة سبع وتسعين وستمائة اهـ من تاريخ ابن رسول.

‌30 - محمد بن على

بن أحمد بن خطيل، أبو عبد الله، شمس الدين الصالحى الحنبلى المسند المعمر، يعرف بابن الواعظى.

ولد سنة عشر وستمائة.

وسمع من طائفة كثيرة وروى الكثير، وتفرد فى وقته.

وتوفى سنة تسع وتسعين وستمائة رحمه الله تعالى اهـ من تاريخ ابن رسول.

‌31 - عائشة بنت المجد عيسى

بن العلامة موفق الدين بن قدامة، أم محمد المقدسية الصالحية، العفيفة الحرة.

ولدت سنة إحدى عشرة وستمائة.

ص: 464

وسمعت من جدها وغيره، وكانت ثقيلة السمع.

وتوفيت فى شعبان سنة سبع وتسعين وستمائة. رحمها الله تعالى. اهـ من تاريخ ابن رسول.

‌32 - أحمد بن عبد الحميد

بن عبد الهادى بن يوسف بن محمد بن قدامة أبو عبد الله، عزّ الدين بن العماد المقدسى، الصالحى الحنبلى.

ولد سنة اثنتى عشرة وستمائة.

وسمع من موسى بن عبد القادر وغيره. وتفرد، وروى الكثير. وكان شيخا حسنا دينا، طيب الأخلاق مقصودا بالزيارة، قاسى شدائد عظيمة فى زمن التتار.

توفى فى ثالث محرم سنة سبعمائة. رحمه الله تعالى.

‌33 - إسماعيل بن عبد الرحمن

بن عمرو بن موسى بن عميرة بن العز المرداوى، المقدسى الصالحى الحنبلى، يعرف بابن المنادى، أبو الفداء، عزّ الدين

ولد سنة عشرة وستمائة.

وسمع من الشيخ الموفق، وغيره. وحدث بالصحيح وغيره

وكان صالحا، كثير التلاوة، متواضعا، حسن السيرة، أصيب فى فتنة التتار فى أهله وماله، وضعف حاله، وبرد وجاع، فالله يؤجره.

توفى فى جماد الثانية سنة سبعمائة.

وقال الحافظ ابن حجر: توفى بعد السبعمائة.

‌34 - عبد الله بن عمر

بن أحمد بن عمر المقدسى، تقى الدين، خطيب زملكا.

روى عنه إبراهيم بن خليل. وكان دينا، خيرا، صالحا.

ص: 465

مات بقرية «زملكا» من غوطة دمشق فى رجب سنة إحدى وسبعمائة.

رحمه الله تعالى.

ذكره الحافظ ابن حجر فى الدرر الكامنة.

وفيها توفى أيضا: -

‌35 - داود بن حمزة

بن أحمد بن عمر ناصر الدين.

ذكره الحافظ فى الدرر أيضا.

‌36 - عبد الرحمن بن عبد الغنى

ابن تيمية، الحرانى الأصل، جمال الدين أبو القاسم.

مات هو وأبوه أوائل سنة إحدى وسبعمائة. قاله الحافظ ابن حجر فى الدرر.

رحمهما الله تعالى.

‌37 - زينب ابنة سليمان

خطيب بيت لهيا ابن إبراهيم بن رحمة، أم الخير المسندة المعمرة، تعرف ببنت الأسعردى.

سمعت «الصحيح» من أبى عبد الله بن الزبيدى، تفردت بالرواية عن جماعة. وأجاز لها خلق كثير.

توفيت بمصر فى ذى القعدة سنة خمس وسبعمائة. رحمها الله تعالى. اهـ من تاريخ ابن رسول.

وفيها أيضا توفى: -

‌38 - أبو بكر بن البدر

على بن عمر بن حمد بن عمر بن الشيخ أبى عمر.

قال البرزالى: كان رجلا جليلا، جيدا.

مات فى شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة.

وفيها أيضا توفى: -

ص: 466

‌39 - عبد الله بن محمد

بن نصر بن عبد الرزاق، بن الشيخ عبد القادر الجيلانى

ذكره الحافظ ابن حجر فى الدرر، وقال: ولد سنة خمسين وستمائة.

وتوفى سنة سبع وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

‌40 - أحمد بن إبراهيم

بن أحمد بن راجح، نجم الدين بن عماد الدين المقدسى، سبط الشيخ شمس الدين بن أبى عمر.

قال فى الدرر الكامنة: ولد سنة ستين تقريبا.

واشتغل، وسمع، ثم حصل له انحراف، وساء مزاجه، فكان يقف فى الطرقات، وينشد أشياء مفيدة، ويتكلم يجد وهزل. وله تلامذة فى ذلك الحال، ثم يثوب إليه عقله، ثم يعود لحالته. وقيل: كان سبب ذلك أكل الحشيش.

فمات سنة عشرة وسبعمائة. رحمه الله.

‌41 - إبراهيم بن محمد

بن إبراهيم بن عبد الواحد بن سرور المقدسى.

قال فى الدرر الكامنة: سمع من ابن النجيب الحرانى، وغيره، وحدث يسيرا.

ومات فى شوال سنة إحدى عشرة وسبعمائة.

وهو ولد القاضى شمس الدين. رحمهما الله تعالى.

‌42 - فاطمة ابنة عباس

أبى الفتح، أم زينب الواعظة، الزاهدة العابدة، الشيخة الفقيهة، العالمة المسندة المفتية، الخائفة الخاشعة، السيدة القانتة، المرابطة المتواضعة، الدّينة العفيفة، الخيرة الصالحة، المتقنة المحققة الكاملة، الفاضلة المتفننة البغدادية، الواحدة فى عصرها، والفريدة فى دهرها، المقصودة فى كل ناحية.

كانت جليلة القدر، وافرة العلم، تسأل عن دقائق المسائل، وتتقن الفقه إتقانا بالغا. أخذت عن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، حتى برعت. كانت إذا أشكل عليها أمر سألت ابن تيمية عنه؟ فيفتيها، ويتعجب منها ومن فهمها، ويبالغ فى الثناء عليها.

ص: 467

وكانت مجتهدة، صوّامة قوّامة، قوّالة بالحق، خشنة العيش، قانعة باليسير، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، انتفع بها خلق كثير، وعلا صيتها، وارتفع محلها، وقيل: إنها جاوزت الثمانين.

توفت ليلة عرفة سنة أربع عشرة وسبعمائة. رحمها الله تعالى ورضى عنها آمين. اهـ. من تاريخ ابن رسول.

‌43 - إبراهيم بن أحمد

بن خاتم أبو إسحاق، الإمام الفقيه الزاهد العابد، بركة الوقت، شمس الدين البعلبكى.

سمع من جماعة كثيرة.

وتوفى فى صفر سنة اثنتى عشرة وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

‌44 - أحمد بن قاضى القضاة

شمس الدين محمد بن الشيخ العماد إبراهيم ابن عبد الواحد المقدسى.

ولد سنة سبع وثلاثين وستمائة.

وتوفى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

‌45 - أحمد بن محمد

بن أبى القاسم بن بدران الدشتى، شهاب الدين الاتهى الكردى.

ولد بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة.

وتوفى فى جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وستمائة.

‌46 - عبد الواحد بن أبي القاسم

بن عبد الغنى بن فخر الدين بن محمد ابن تيمية أبو البركات الحرانى، التاجر، الشيخ الصالح المعمر، شرف الدين.

ولد سنة ثلاثين وستمائة.

وتفرد فى وقته.

ص: 468

وتوفى سنة اثنتى عشرة، وسبعمائة. رحمه الله تعالى. اهـ من تاريخ ابن رسول

‌47 - ست الوزراء أم عبد الله

ابنة عمر بن أسعد بن منجا، الشيخة الصالحة، المسندة المعمرة، التنوخية الدمشقية.

ولدت سنة أربع وعشرين وستمائة.

وسمعت من أبيها وغيره، وتفردت فى وقتها، وروت الكثير بمصر ودمشق، وتزوجت بأربعة، وحجت مرتين. وكانت طويلة الروح على المحدثين، دينة طيبة الأخلاق.

وسمع منها جماعة كثيرة.

وتوفيت فى شعبان سنة ست عشرة وسبعمائة رحمها الله تعالى. اهـ. من تاريخ السلطان ابن رسول.

‌47 - فاطمة بنت عبد الرحمن

بن عمر المرادية؛ أم محمد ست القرى، أخت الشيخ عزّ الدين.

عمرت دهرا طويلا. وأخذ عنها جماعة.

وتوفيت فى ربيع الأول سنة سبع عشرة وسبعمائة، رحمها الله تعالى اهـ. من تاريخ ابن رسول.

‌48 - أبو محمد عيسى بن عبد الرحمن

بن معالى المسند المعمر الرحلة، شرف الدين المقدسى، ثم الصالحى، الصحراوى، المطعم السمسار فى العقار.

ولد فى سنة خمس وعشرين وستمائة. وتوفى فى ذى الحجة سنة سبع عشرة وسبعمائة ببغداد رحمه الله تعالى، انتهى. من تاريخ ابن رسول.

‌49 - عبد الرحيم بن عبد المحسن

بن حسن بن ضرغام، الفقيه العدل، كمال الدين الكنانى المصرى المنشاوى.

ص: 469

ولد سنة سبع وعشرين وستمائة.

وتوفى فى ربيع الآخر، سنة عشرين وسبعمائة، رحمه الله تعالى. اهـ. من تاريخ ابن الرسول.

‌50 - أبو بكر أحمد بن عبد الدائم

بن نعمة المقدسى، الصالحى، ابن زين الدين.

ولد بكفر بطنا سنة خمس وعشرين وستمائة.

وسمع من جماعة كثيرة، منهم: الحافظ الضياء، والناجح وغيرهما، حج ثلاث حجج.

وكان عابدا ذاكرا متنفلا، ذا بهجة وجلالة، ثم بعد ذلك عمى، وثقل سمعه وانقطع، وتفرد عنه أكثر المحدثين.

وكان جيد الإنصاف والفهم، عاش ثلاثا وتسعين سنة.

وتوفى فى ليلة الجمعة تسع وعشرين رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة، رحمه الله تعالى اهـ. من تاريخ ابن رسول.

‌51 - يحيى بن الصاحب

الأديب البليغ، شمس الدين محمد بن سعد ابن عبد الله بن مفلح، سعد الدين أبو زكريا، الشيخ الصالح العالم المعمر، مسند وقته المقدسى الصالحى الحنبلى.

ولد فى ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وستمائة.

وروى الكثير.

وتوفى فى ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. رحمه الله تعالى اهـ من تاريخ ابن رسول.

ثم ذكر: -

‌52 - أحمد بن على

بن الزير بن سليمان، شمس الدين أبو العباس الحنبلى، القاضى العدل المعمر.

ص: 470

ولم يذكر زيادة عن هذا فى ترجمته ولا ذكر ولادته ولا وفاته.

ثم قال: -

‌53 - أحمد بن إبراهيم

بن عمر المقدسى، تقى الدين بن العز، قال ابن حجر فى الدرر الكامنة:

ولد فى شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة.

وسمع من جماعة، منهم: محمد بن عبد الهادى. كتب عنه الذهبى فى معجمه وعزّ الدين بن جماعة فى رحلته، وحدثنا عنه.

مات فى جمادى الأولى سنة ست وعشرين وستمائة.

قال ابن الوردى: وفى سنة تسع عشرة وسبعمائة توفى الفقيه الصالح: -

‌54 - شهاب الدين أحمد بن هلال

الزرعى الحنبلى، والد القاضى برهان الدين بدمشق.

وقال أيضا: توفى: -

‌55 - عبد الغفار بن محمد

بن عبد الكافى بن عوض السعدى، المصرى، تاج الدين أبو القاسم.

ولد سنة خمسين وستمائة.

وتوفى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.

وكان كثير الكتابة جدا. كتب خمسمائة مجلد. رحمه الله تعالى اهـ. من الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة، للحافظ ابن حجر رحمه الله.

‌56 - أحمد بن سليمان

بن حمزة المقدسى، ابن القاضى تقى الدين.

قال فى الدرر: ولد فى شعبان سنة اثنتين وستين وستمائة.

وحدث بصحيح مسلم.

ومات فى شوال سنة ثلاثة وثلاثين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

ص: 471

حدث عنه البرهان الشامى بالإجازة.

قال ابن الوردى: وفى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة: توفى الشيخ: -

‌57 - سيف الدين يحيى بن أحمد

بن أبى نصر، محمد بن عبد الرزاق الجيلى بحماة. وكان شهما سخيا. رحمه الله.

وفى سنة خمس وثلاثين مات المحدث الرئيس العالم: -

‌58 - شمس الدين محمد بن أبى بكر

بن طرخان الحنبلى.

سمع من ابن عبد الدائم، وغيره. وكان بديع الخط، وكتب الطباق. وله نظم رائق اهـ.

‌59 - محمد بن عبد العزيز

بن عبد القادر الجيلى، شمس الدين أبو الكرم، ابن أبى الفضل البخارى، ويعرف بالحبالى، بمهملة وتحتانية خفيفة، نسبة إلى «الحبال» بلدة بسنجار، نزلها جده الأعلى عبد العزيز فى حدود الثمانين وخمسمائة.

ولد المذكور سنة إحدى وخمسين وستمائة.

وتوفى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. رحمه الله. اهـ.

بآخر نسخة الشيخ المحترم، جامع الفضائل والمكارم الشيخ محمد بن حسين ابن عمر نصيف - متع الله بحياته - ما نصه:

هذا آخر ما وجدته بهامش الأصل لنسخة «طبقات ابن رجب» المنقول عنه هذه النسخة، ثم إنّي وجدت رسالة فى أسماء كتب مذهب الإمام أحمد، لجامعها العلامة الفاضل، مولانا الشيخ عبد الله بن على بن حميد، مفتى الحنابلة سابقا بمكة المشرفة، سماها: «الدر المنضد فى أسماء كتب مذهب الإمام أحمد

(1)

» فأحببت إلحاقها بهذه الطبقات إتماما للفائدة، والله ولى التوفيق. اهـ. كاتبه

_________

(1)

الرسالة المذكورة فى ذيل «السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة» لجد المؤلف

ص: 472

بلغ تصحيحا ومقابلة على نسخة مخطوطة بتاريخ سنة 1344، وهى يخط ناسخ هذه النسخة، وكلاهما منقول عن نسخة خطية قديمة، يرجع عهد كتابتها إلى القرن التاسع تقريبا.

وقد بذلنا غاية جهدنا بالتصحيح والمقابلة، وكان ذلك بمساعدة الأخ عبد الله ابن مطلق الفهيد.

وكان تمام التصحيح فى يوم الاثنين الموافق 24 محرم سنة 1351

وكتبه سليمان بن عبد الرحمن الصنيع.

ثم بحمد الله طبع الجزء الثانى من كتاب الذيل على طبقات الحنابلة للامام شيخ الإسلام أبى الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادى تغمده الله برحمته: وبتمامه كمل الكتاب. والحمد لله وحده.

وذلك بمطبعة السنة المحمدية فى غرة رمضان المبارك سنة 1372 هـ الموافق 14 من شهر مايو سنة 1953 م.

وصلّى الله وسلم وبارك على عبد الله المصطفى، ورسوله المجتبى: محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 473