الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسالة في حكم ثمن الكلاب
(بيع الكلب-تغريم قاتل الكلب ثمنه-إجارة الكلب-
ثمن تدريب الكلب-ثمن علاج الكلب)
تأليف
أحمد بن عوض
راجعه وقدم له فضيلة الشيخ/ مصطفى بن العدوي
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
فهذا بحث موجز في حكم بيع الكلاب، وبعض توابع ذلك،
أعدّه أخي في الله/ أحمد بن عوض-حفظه الله-
وقد اعتنى فيه بالناحيتين: الحديثية، والفقهية على السواء،
فخرّج الأحاديث، والآثار، وحكم على كل بما يستحق،
وأورد أقوال أئمة الفقه في هذا الصدد، فضلًا
عن إيراده الآثار عن الصحابة، والتابعين، وأتباع التابعين في هذا الصدد، وحكم عليها-كما أشرت سابقًا-بما تستحق مع تخريجها.
وقد راجعت معه عمله فألفيته-ولله الحمد-نافعًا،
فجزاه الله خيرًا على ما صنع وزاده الله توفيقًا،
وصل اللهمّ على نبينا محمد وسلم
والحمد لله رب العالمين.
كتبه/ أبو عبد الله مصطفى بن العدوي
مقدمة المؤلف:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذه رسالة، جمعت فيها ما ورد من الكتاب، والسنة في حكم بيع الكلاب، ثم أردفت ذلك بأقوال الصحابة، والتابعين، وأقوال أصحاب المذاهب الأربعة، وغيرهم، وبينت فيها كل قول، وبما استدل، ووجه الاستدلال، وكيف ردَّ على المخالف في استدلاله، وتكلمت فيها على الأحاديث، والآثار، صحة، وضعفًا، ونقلت كل قول من مصدره.
وقد عرضت ذلك على شيخنا مصطفى بن العدوي-حفظه الله، وبارك في علمه وعمله
وعمره وذريته-، فراجعه مشكورًا.
فجزاه الله عني وعن طلبة العلم خير الجزاء على ما يبذله من نصح، وجهد، ووقت.
هذا والحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين.
كتبه/
أحمد بن عوض
أقوال العلماء في حكم بيع الكلاب إجمالًا.
اختلف العلماء في هذه المسألة على خمسة أقوال:
القول الأول: لا يجوز بيع الكلب مطلقًا، مُعلمًا كان، أو غير مُعَّلَم.
القول الثاني: يجوز بيع الكلب مُطلقًا.
القول الثالث: يجوز شراء كلاب الصيد دون بيعها.
القول الرابع: يجوز شراء وبيع الكلاب المأذون في اتخاذها.
القول الخامس: يجوز بيع الكلب المعلم.
ويمكن أن تقسم إلى قولين رئيسين:
قول بجواز بيع الكلب، وقول بعدم الجواز.
ولكن فصلت القول فيها؛ كي أنسب إلى كل عالم قولَه، ولا نزيد على كلامِه، وإليك أقوالَهم بالتفصيل.
القول الأول: لا يجوز بيع الكلاب مطلقًا، (مُعلمًا، أو غير مُعَّلَم).
وهو قول: مالك في المشهور عنه وصححه ابن عبد البر، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم، وغيرهم
(1)
.
أدلتهم:
1.
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ»
(2)
.
(1)
سيأتي ذكر أقوالهم بالتفصيل بعد ذكر الأدلة.
(2)
متفق عليه: البخاري (2282)، مسلم (1567).
2.
عن عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ رضي الله عنه، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا، فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ، فَكُسِرَتْ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ:«إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ»
(1)
.
3.
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:«شَرُّ الْكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِيِّ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ»
(2)
.
4.
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟
…
قَالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ
(1)
صحيح: أخرجه البخاري (2238).
(2)
صحيح: مسلم (1568).
ذَلِكَ»
(1)
.
5.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ:«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، وَعَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَعَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ»
(2)
.
(1)
أخرجه مسلم (1569) من طريق معقل بن عبيد الله الجزري، عن أبي الزبير، به.
ولكن روايات معقل عن أبي الزبير متكلم فيها، فقد قال ابن رجب:"كان أحمد يضعف حديثه عن أبي الزبير خاصة ويقول: (يشبه حديثه حديث ابن لهيعة). ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء". شرح علل الترمذي (ت همام 2/ 793). وانظر أيضًا جامع العلوم والحكم (ت الأرنؤوط 2/ 453).
(2)
حسن: أخرجه أحمد (7976)، والنسائي (4673).
6.
عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمِ الشُّحُومُ، فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عز وجل إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ، حَرَّمَ ثَمَنَهُ»
(1)
.
7.
عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ»
(2)
.
8.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ:«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَإِنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ، فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا»
(3)
.
(1)
حسن: أخرجه أحمد (2678)، وأبو داود (3488).
(2)
حسن بشواهده: أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(5682).
(3)
أخرجه أحمد (3273)، وأبو داود (3482). وفي سنده قيس بن حبتر: وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وروى عنه (زفر العجلي، وعبد الكريم بن مالك الجزري، وعلي بن بذيمة، وغالب بن عباد)، ولكن قال الشيخ مصطفى العدوي-حفظه الله-: كثيرا ما ينفرد النسائي عن العلماء المشاهير بالتوثيق لبعض الرواة، وليسوا بالمشهورين، فيتحفظ على توثيقه، والله أعلم.
9.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ، وَلَا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ، وَلَا مَهْرُ الْبَغِيِّ»
(1)
.
10.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَإِنْ كَانَ ضَارِيًا»
(2)
.
(1)
ضعيف: أخرجه أبو داود (3484)، والنسائي (4293)، وأبو عوانة (5273)،
وفي سنده معروف بن سويد: وهو ضعيف.
(2)
ضعيف: أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(5686)، وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
•
وقال بذلك القول من الصحابة والتابعين:
1.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال:«ثَمَنُ الْكَلْبِ سُحْتٌ»
(1)
.
2.
عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ، وَحَمَّادًا «يَكْرَهَانِ ثَمَنَ الْكَلْبِ»
(2)
.
3.
عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قال:«مَا أُبَالِي ثَمَنَ كَلْبٍ أَكَلْتُ، أَوْ ثَمَنَ خِنْزِيرٍ»
(3)
.
4.
عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «أَخْبَثُ
(1)
ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه 20906)، وفي سنده: سعيد مولى خليفة، ولم يوثقه معتبر، إنما ذكره ابن حبان في "الثقات"، على عادته في توثيق المجاهيل.
(2)
صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه 20915).
(3)
حسن: أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه 20914).
الْكَسْبِ كَسْبُ الزَّمَّارَةِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ»
(1)
.
• واستدلوا بالقياس: على الخنْزير بجامع حرمة الاقتناء في غير حال الحاجة
(2)
.
• ووجه الاستدلال بالأحاديث السابقة:
أن النهى عن ثمن الكلب مطلق، يشمل المعلم، وغير المعلم، وما يجوز اقتناؤه، وما لا يجوز، فمن قيده بالكلب غير المعلم، أو الكلب الذي لا يجوز اقتناؤه، فعليه الدليل المخصص لهذا الإطلاق
(3)
.
(1)
رجاله ثقات إلا أشعث لا أدري من هو: أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه 20913).
(2)
البيوع المحرمة والمنهي عنها صـ 182، رسالة دكتوراه لعبد الناصر بن خضر ميلاد.
(3)
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (3/ 421).
ولأنه حيوان نجس، فلم يجز بيعه كالخنزير
(1)
.
ونوقشت هذه الأدلة بما يأتي:
أ - أن هذه الأحاديث منسوخة؛ فإنها كانت عند الأمر بقتل الكلاب؛ حيث لم تكن في الكلاب منفعة مباحة، ولما نسخ الأمر بقتل الكلاب، وجاء الأمر بإباحة الاقتناء لبعضها، ثبت أن أحاديث النهي منسوخة.
ب-أن قرن ثمن الكلب، مع مهر البغي، وحلوان الكاهن، لا يدل على أن حكمهما واحد، فهذه دلالة اقتران، وهي ضعيفة
(2)
.
(1)
المجموع شرح المهذب (9/ 229).
(2)
عارضة الأحوذي (5/ 42)، وسيأتي بيان الأدلة والرد عليها في القول الثاني.
وأجيب عليه:
1.
أن الرخصة في كلب الصيد، والغنم، وقعت بعد الأمر بقتل الكلاب، فالكلب الذي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتنائه، هو الذي حرم ثمنه، وأخبر أنه خبيث، دون الكلب الذي أمر بقتله، فإن المأمور بقتله غير مستبقى، حتى تحتاج الأمة إلى بيان حكم ثمنه، ولم تجر العادة ببيعه، وشرائه، بخلاف الكلب المأذون في اقتنائه، فإن الحاجة داعية إلى بيان حكم ثمنه، أولى من حاجتهم إلى بيان ما لم تجر عادتهم ببيعه، بل قد أمروا بقتله كما في حديث ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ» ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ
زَرْعًا»
(1)
، وكما في حديث ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ:«مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟» ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ
(2)
،
(3)
.
2.
والاستدلال بالنهي أولى لأن الأصل في النهي التحريم، وأما دلالة الاقتران فهي دلالة ضعيفة، ولذلك قرن الرسول صلى الله عليه وسلم النهي عن ثمن الكلب بالنهي عن كسب الحجام، والأول حرام، والثاني مكروه
(4)
.
(1)
متفق عليه: البخاري (3323)، مسلم (1571) واللفظ له.
(2)
صحيح: مسلم (1573).
(3)
زاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 701).
(4)
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (3/ 422).
أقوال أهل العلم بالتفصيل
أولًا: المالكية:
قال مالك رحمه الله: "أكره ثمن الكلب الضاري، وغير الضاري؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب"
(1)
.
وقال سحنون لابن القاسم: "أرأيت الكلاب، هل يجيز مالك بيعها؟
قال مالك: لا يجوز بيعها"
(2)
.
وقال ابن رشد الجد رحمه الله: "المعلوم من قول
(1)
موطأ مالك (1919) تحقيق بشار.
(2)
المدونة (1/ 511).
ابن القاسم، وروايته عن مالك: أنه لا يجوز بيع الكلب، وإن كان من الكلاب المأذون في اتخاذها للصيد، والضرع، والحرث، على ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم في نهيه عن ثمن الكلب عمومًا، لم يخص فيه كلبا من كلب، ويقوي ذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، وإن كان ضاريًا» "
(1)
.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: "وكل ما جاز أكل لحمه جاز شراؤه، وبيعه، وما لا يجوز أكل لحمه ينقسم قسمين: أحدهما: مما ينتفع به، وهو حي، والآخر لا منفعة فيه، فكل ما فيه منفعة الركوب، والزينة، والصيد، وغير ذلك، مما ينتفع به
(1)
البيان والتحصيل (8/ 82).
الآدميون، جاز بيعه وشراؤه إلا الكلب وحده؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، وقد قيل في كلب الصيد، والماشية، انه جائز بيعه، وروي ذلك أيضًا عن مالك، والأول تحصيل مذهبه، وهو الصحيح إن شاء الله"
(1)
.
ثانيًا: الشافعية:
قال الشافعي رحمه الله: "وبهذا نقول لا يحل للكلب ثمن بحال"
(2)
.
وقال النووي رحمه الله: "وأما النهي عن ثمن الكلب، وكونه من شر الكسب، وكونه خبيثًا، فيدل على
(1)
الكافي في فقه أهل المدينة (2/ 674)، وللمزيد، انظر غير مأمور: شرح التلقين (2/ 429)، مواهب الجليل (4/ 267).
(2)
الأم (3/ 11).
تحريم بيعه، وأنه لا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه، سواء كان مُعلمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء"
(1)
.
وقال ابن حجر رحمه الله: "وظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عام في كل كلب، مُعلمًا كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه، أو لا يجوز، ومن لازم ذلك، أن لا قيمة على متلفه، وبذلك قال الجمهور"
(2)
.
ثالثًا: الحنابلة:
قال أحمد بن حنبل رحمه الله: "بيع الكلاب باطل"
(3)
.
(1)
شرح مسلم (10/ 232).
(2)
فتح الباري (4/ 426)، وللمزيد، انظر غير مأمور: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (3/ 392)، الحاوي الكبير (5/ 375)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (3/ 562).
(3)
الاستذكار (6/ 431)، لم أقف على قول أحمد في كتب الحنابلة.
وقال ابن قدامة رحمه الله: "لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل، أي كلبٍ كان"
(1)
.
وقال المرداوي رحمه الله: "قوله: (ولا يجوز بيع الكلب)، هذا المذهب مُطلقا، وعليه الأصحاب، وقطعوا به"
(2)
.
رابعًا: الظاهرية:
قال ابن حزم رحمه الله: "ولا يحل بيع كلب أصلًا، لا المباح اتخاذه ولا غيره؛ لصحة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وسنذكره في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى
(1)
المغني (4/ 189).
(2)
الإنصاف (4/ 280)، وللمزيد، انظر غير مأمور: الكافي (2/ 7)،
الشرح الكبير (4/ 13)، شرح الزركشي (3/ 670)، منار السبيل (1/ 308).
فمن اضطر إليه فله أخذه ممن يستغني عنه بلا ثمن، وإن لم يتمكن له، فله ابتياعه، والثمن حرام على البائع، باق على ملك المشتري، وإنما هو كالرشوة في المظلمة، وفداء الأسير؛ لأنه أخذ مال بالباطل، وبالله تعالى التوفيق"
(1)
.
وممن قال بذلك القول أيضًا: ابن المنذر، وغيره:
فقال ابن المنذر رحمه الله: "لا يجوز بيع الكلاب، ولا يقسم إن وقع في الغنائم، ولكن الإمام يعطي ما كان منه مما يجوز الانتفاع به، من شاء من أصحاب المقاسم، وإنما منعنا من قيمته؛ نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، فذلك على العموم"
(2)
.
(1)
المحلى (6/ 175)، وسيأتي قول داود الظاهري.
(2)
الأوسط (11/ 205).
وقال النووي رحمه الله: "ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه، سواء كان مُعلمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء، .. والحسن البصري، وربيعة، والأوزاعي، والحكم، وحماد،
…
وداود،
…
وغيرهم"
(1)
.
وقال بذلك القول من المعاصرين جماعة:
فقال ابن عثيمين رحمه الله: "لا يصح بيع الكلب، حتى وإن كان كلب صيد، ولو كان مُعلمًا، مع أن فيه نفعا مباحًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب"
(2)
.
وقال الشنقيطي حفظه الله: "إن الأصح من هذه الأقوال، هو القول بعدم جواز بيع الكلب مُطلقًا"
(3)
.
(1)
شرح مسلم (10/ 232).
(2)
الشرح الممتع (8/ 113).
(3)
شرح زاد المستقنع (144/ 6) بترقيم الشاملة.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "لا يجوز بيع الكلاب، ولا يحل ثمنها، سواء كانت كلاب حراسة، أو صيد، أو غير ذلك"
(1)
.
وجاء في مجموع فتاوى ابن باز: " ثمن الكلب ماذا يعمل به يا شيخ؟
فأجاب رحمه الله: يرد على صاحبه، البيع باطل"
(2)
.
وجاء في موسوعة البيوع أصالة ومعاصرة: "لا يجوز بيع الكلب، ويجوز اقتناء كلب الصيد، ونحوه مما يحتاج إليه، ولو احتاج الإنسان إلى
(1)
(13/ 36) المجموعة الأولى، ووقع على الفتوي: الشيخ ابن باز (الرئيس)، والشيخ عبد الرزاق عفيفي (نائب رئيس اللجنة)، والشيخ عبد الله بن قعود (عضو)، والشيخ عبد الله بن غديان (عضو).
(2)
(19/ 39).
كلب حراسة، ونحوه، ولم يجد أحدًا يبذله له إلا بالبيع، فإنه يجوز شراؤه، بعد أن ينصح بائعه، والإثم على البائع، وإذا كان الإنسان لا يصل إلى حقه، إلا عن طريق الشراء، فالإثم على من ألجأه إلى ذلك، والله أعلم"
(1)
.
وجاء في موقع الإسلام سؤال وجواب بإشراف الشيخ محمد بن صالح المنجد: "وأما بيع الكلاب، فبيعها حرام، ولو كان الكلب مما يجوز اقتناؤه، وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في النهي عن بيع الكلاب، وهي بعمومها، تشمل جميع الكلاب، ما يجوز اقتناؤه، وما لا يجوز"
(2)
.
(1)
المعاملات المالية (3/ 432).
(2)
فتوى رقم (69818).
وجاء في مجلة البحوث الإسلامية بالرياض: "نظرا للنهي الثابت في الحديث الصحيح عن ثمن الكلب، فلا شك في رجحان قول الجمهور، بعدم جواز بيعه، وهذا النهي باق، لم يثبت دليل صحيح يصرفه عن ظاهره، بل كل ما تعلق به أصحاب الرأي الثاني؛ القائلون بصحة بيعه، آثار ضعيفة، وتعليلات مردودة، والله تعالى أعلم"
(1)
.
(1)
(76/ 369).
القول الثاني: يجوز بيع الكلاب مُطلقًا.
وهو قول: الحنفية، وراوية عن مالك، وبهذا قال ابن العربي المالكي
(1)
.
أدلتهم:
1 -
ووجه الاستدلال: أن لفظ الإحلال يقتضي إباحة
(1)
سيأتي ذكر أقوالهم بالتفصيل بعد ذكر الأدلة.
سائر وجوه المنافع، والبيع أحدها، فوجب جوازه؛ لعموم اللفظ
(1)
.
قال القرطبي رحمه الله: "وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن، أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح، وهو ينتظم الكلب، وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب، والجوارح، والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع، إلا ما خصه الدليل، وهو الأكل من الجوارح؛ أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير"
(2)
.
(1)
شرح مختصر الطحاوي للجصاص (3/ 104).
(2)
تفسير القرطبي (6/ 66)، والذي ذكر ذلك أبو بكر الجصاص في (أحكامه 2/ 394).
وأجيب عليه: أن الآية ليس فيها دليل على حل البيع، ولا تعرض له؛ إذ غاية ما فيها إباحة الصيد بهذه الكلاب في قوله سبحانه:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} ، فأين ذكر حل البيع؟ وذكر إباحة الثمن؟
(1)
.
1.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ ضَارِيًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»
(2)
.
2.
عن سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيِّ رضي الله عنهما، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:«مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» فَقَالَ السَّائِبُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،
(1)
البيوع المحرمة والمنهي عنها صـ 184.
(2)
متفق عليه: البخاري (5482)، مسلم (1574).
قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذِهِ القِبْلَةِ
(1)
.
3 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ»
(2)
.
وجه الاستدلال: أن الاقتناء هو التملك؛ لأن القنية الملك، يقال: عبد قن، يعني: مملوك، وهذا اللفظ يقتضي إباحة جميع جهات القنية، والشراء أحدها، فوجب جوازه بالعموم
(3)
.
وأجيب عليه: أنك إذا قلت: إنه جاز للصيد، وللحرث، والماشية، فيجوز بيعه؛ لأن فيه المنافع؛ فمعنى ذلك أنك تزيد على استثناء الشرع، والشرع
(1)
متفق عليه: البخاري (3325)، مسلم (1576).
(2)
متفق عليه: البخاري (2322)، مسلم (1575).
(3)
شرح مختصر الطحاوي (3/ 106).
إنما استثنى ثلاثة أحوال: أن تجعله لحراسة حرث، أو ماشية، أو تصيد به
(1)
.
4.
عَنْ أَبِي رَافِعٍ رضي الله عنه، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أُحِلَّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْتَ بِقَتْلِهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [سورة المائدة: 4]
(2)
.
(1)
الشرح الممتع (8/ 117).
(2)
ضعيف: أخرجه الطبري في "التفسير"(11134)، والروياني في "المسند"(698)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(5726)، والطبراني في "المعجم الكبير"(971)، وغيرهم، وفيه موسى بن عبيد الربذي: وهو ضعيف.
وأخرجه الحاكم (3212)، وعنه البيهقي في "السنن الكبرى"(18866)، وغيرهما، وفيه محمد بن إسحاق: مدلس وقد عنعنه.
وله شاهد عن عدي بن حاتم: عند الطبراني في "المعجم الكبير"(158)، وفيه عمر بن بشير وهو ضعيف.
وجه الاستدلال: أن لفظ الحديث اقتضى أن تكون الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح، وهو ينتظم الكلب، وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع بها، فدل على جواز بيع الكلب، والجوارح، والانتفاع بها؛ بسائر وجوه الانتفاع إلا ما خصه الدليل، وهو الأكل
(1)
.
وأجيب عليه: أن الحديث ضعيف
(2)
.
5.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: «نَهَى
(1)
أحكام القرآن للجصاص ط العلمية (2/ 394).
(2)
المجموع شرح المهذب (9/ 229).
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، إِلَّا الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ»
(1)
.
(1)
حديث ضعيف: مداره على حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر،
واختلف على حماد في رفعه، ووقفه:
فأخرجه النسائي (4295، 4668) من طريق حجاج بن محمد.
والدارقطني (في سننه 3068) من طريق الهيثم بن جميل. كلاهما: عن حماد به مرفوعا.
وأخرجه الدارقطني في (السنن 3067) من طريق عبيد الله بن موسى، عن حماد به ولكن شك في رفعه.
وأخرجه الدارقطني في (السنن 3069) من طريق سويد بن عمرو عن حماد به موقوفا.
وأخرجه البيهقي (في سننه الكبرى 11012) من طريق عبد الواحد بن غياث عن حماد به موقوفا،
وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفا (في مصنفه 20910) بلفظ آخر، قال: حدثنا وَكِيعٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي الْمُهَزَّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:«أَنَّهُمَا كَرِهَا ثَمَنَ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ» .
قلنا: وحماد بن سلمة ليس بالقوي في روايته عن أبي الزبير، كما قال ابن رجب، وقد اختلف عليه في رفعه ووقفه، فهذا مما يشير إلى اضطرابه، وعدم ضبطه، لاسيما والحديث مشهور بغير قوله:«إلا كلب صيد» .
كذا رواه مسلم في (الصحيح 1569) من طريق معقل عن أبي الزبير به.
ولهذا قال النسائي عقب رواية حماد: "هذا منكر"، وقال:"وحديث حجاج عن حماد بن سلمة، ليس هو بصحيح".
وقال البيهقي عقب رواية حماد: "والأحاديث الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن ثمن الكلب، خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء، ولعله شبه على من ذكر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين، والله أعلم".
وصوب الدارقطني الطريق الموقوف، فقال عقب رواية سويد بن عمرو: ولم يذكر حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أصح من الذي قبله.
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/ 452) بعد ذكر الحديث: "خرجه النسائي، وقال: "هو حديث منكر"، وقال أيضا: " ليس بصحيح"، وذكر الدارقطني أن الصحيح وقفه على جابر، وقال أحمد: "لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة في كلب الصيد"، وأشار البيهقي وغيره إلى أنه "اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء، فظنه من البيع، وإنما هو من الاقتناء"، وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي الزبير ليس بالقوي، ومن قال: إن هذا الحديث على شرط مسلم-كما ظنه طائفة من المتأخرين-فقد أخطأ، لأن مُسلمًا لم يخرج لحماد بن سلمة، عن أبي الزبير شيئًا، وقد بَيّن في كتاب "التمييز" أن رواياته عن كثير من شيوخه أو أكثرهم غير قوية".
قلتا: وتابع حمادا الحسن بن أبي جعفر عند (أحمد 14411)، إلا أنه ضعيف.
6.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ سُحْتٌ: كَسْبُ الْحَجَّامِ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ إِلَّا الْكَلْبُ الضَّارِي»
(1)
.
ووجه الاستدلال: أن إباحة ثمن الكلب المعلم، يدل على جواز بيع الكلاب التي ينتفع بها من
(1)
حديث ضعيف: أخرجه الدارقطني في "السنن"(3064، 3066)، وفيه عبيد بن محمد بن إبراهيم الصنعاني، ومحمد بن عمر بن أبي مسلم، ومحمد بن مصعب القرقساني، والوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، وهم ضعفاء، وضعفه الدارقطني بالوليد بن عبيد.
وذكر ابن الجوزي في "التحقيق"(2/ 191) أحاديث بيع الكلب المعلم وضعفها.
وجهين:
أحدهما: أنه إذا جاز بيع الكلب المعلم، جاز بيع غيره من الكلاب.
والثاني: أن ذكره الكلب المعلم؛ لأجل ما فيه من النفع، فكل ما أمكن الانتفاع به منها، فهو مثله
(1)
.
وأجيب عليه:
1.
أن الحديثين ضعيفان
(2)
.
2.
أن الكلب منع بيعه لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب
(3)
.
(1)
شرح مختصر الطحاوي (3/ 107).
(2)
المجموع شرح المهذب (9/ 229).
(3)
الشرح الممتع (8/ 117).
وقالوا: وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار في النهي عن ثمن الكلب، وأن ثمن الكلب حرام، فإن خبرنا قاض عليها؛ لأن النهي موجود فيه، مع استثناء الكلب المعلم، ولأن النهي كان في حال الأمر بقتلها، وإباحة الاقتناء متأخرة عنه لا محالة
(1)
.
وأجيب عليه:
1 .
... أن أحاديث إباحة الكلب المعلم معلولة، لا تصح
(2)
.
2.
ولا يوجد دليل على النسخ كما تقدم
(3)
.
(1)
شرح مختصر الطحاوي (3/ 107)، وانظر غير مأمور: شرح معاني الآثار (4/ 53).
(2)
المجموع شرح المهذب (9/ 229).
(3)
صـ (8، 9).
وممن قال بهذا القول من الصحابة والتابعين:
1.
عن جابر، وأبي هريرة رضي الله عنه:«أَنَّهُمَا كَرِهَا ثَمَنَ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ»
(1)
.
2.
عن إبراهيم النخعي، قال:«لَا بَأْسَ بِثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ»
(2)
.
(1)
ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه 20910) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، وعن أبي المهزم، عن أبي هريرة، وأبو المهزم التميمي البصرى: متروك، وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي الزبير ليس بالقوي، وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه.
(2)
ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه 20917) من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الزبيدي عن إبراهيم، وسعيد لم يوثقه معتبر.
وأخرجه ابن أبي شيبة (20922)، والطحاوي (5732)، من طريق محمد بن فضيل - وقرنه الطحاوي بشريك - كلاهما: عن مغيرة عن إبراهيم به.
وهو ضعيف؛ لعنعنة مغيرة بن مقسم، فهو مدلس لاسيما عن إبراهيم.
3.
عن عطاء بن أبي رباح، قال:«لَا بَأْسَ بِثَمَنِ الْكَلْبِ السَّلُوقِيِّ»
(1)
.
واستدلوا بآثار فيها أن من قتل كلب غُرّم ثمنه:
1 .
... عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «قَضَى فِي كَلْبِ صَيْدٍ، قَتَلَهُ رَجُلٌ، بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَقَضَى فِي كَلْبِ مَاشِيَةٍ بِكَبْش»
(2)
.
(1)
ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (20918) من طريق جابر الجعفي، وهو متروك متهم رافضي.
(2)
ضعيف: أخرجه عبد الرزاق "مصنف"(18414)، والطحاوي "شرح معاني الآثار"(5727)، والبيهقي "السنن الكبرى"(11014) من طريق ابن جريج، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو.
وهذا ضعيف؛ لعنعنة ابن جريج، فهو مدلس مشهور بالتدليس، بل قال الدارقطني: لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح.
وقد اختلف في سماع ابن جريج من عمرو بن شعيب، فنفاه البخاري، ولكن ابن جريج صرح بالسماع من عمرو في غير ما رواية، انظر على سبيل المثال: مصنف عبد الرزاق ("2333"، "10215"، "11462 ")؛ ولهذا قال علي بن المديني عن عمرو بن شعيب: "مَا روى عَنهُ أَيُّوب، وَابْن جريج، فَذَلِك كُله صَحِيح"(سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني 116).
ورواه عبد الرزاق (18413) عن ابن جريج، قال: أخبرني الحارث، أن رجلا من هذيل أخبره أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذا ضعيف؛ لإبهام الرجل من هذيل.
وأخرجه عبد الرزاق (18415)، وابن أبي شيبة (20921)، والدارقطني (4598)، من طريق إسماعيل بن جستاس، قال: كنت عند عبد الله بن عمرو، فسأله رجل: ما عقل كلب الصيد؟ قال: «أربعون درهما» ، قال: فما عقل كلب الغنم؟ قال: «شاة من الغنم» ، قال: فما عقل كلب الزرع؟ قال: «فرق من الزرع» ، قال: فما عقل كلب الدار؟ قال: «فرق من تراب حق على القاتل أن يؤديه، وحق على صاحبه أن يقبله، وهو ينقص من الأجر» . وإسماعيل ضعيف، وقال البخاري في (التاريخ الكبير):"وهذا حديثٌ لم يُتابع عليه" اهـ.
2.
عن عمران بن أبي أنس، قال:«أَنَّ عُثْمَانَ أَغْرَمَ رَجُلًا ثَمَنَ كَلْبٍ قَتَلَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا»
(1)
.
(1)
ضعيف: أخرجه البيهقي في "السنن والآثار"(11539) عن الشافعي، عن بعض من كان يناظره، قال: أخبرني بعض أصحابنا، عن محمد بن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس، «أن عثمان أغرم رجلا ثمن كلب قتله عشرين بعيرا» .
قال الشافعي: فقلت له: أرأيت لو ثبت هذا الحديث عن عثمان، كنت لم تصنع شيئا في احتجاجك على شيء ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثابت عن عثمان خلافه؟ قال: فذكره. قلت: أخبرنا الثقة، عن يونس، عن الحسن، قال:«سمعت عثمان بن عفان يخطب، وهو يأمر بقتل الكلاب»
قال الشافعي: فكيف يأمر بقتل ما يغرم من قتله قيمته؟.
قال البيهقي: هذا الذي روي عن عثمان في إغرام ثمن الكلب منقطع، وروي من وجه آخر عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه ذكره عن عثمان في قصة ذكرها منقطعة.
3.
عن ابن شهاب الزهري، أنه قال:«ذَا قُتِلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ قِيمَتَهُ فَيَغْرَمُهُ الَّذِي قَتَلَهُ»
(1)
.
(1)
ضعيف: أخرجه الطحاوي في "معاني الآثار"(5730)، وفي سنده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف.
4.
وفي الباب عن عطاء بن أبي رباح، قال:«إِنْ قَتَلْتَ كَلْبًا لَيْسَ بِعَقُورٍ، فَاغْرَمْ لِأَهْلِهِ ثَمَنَهُ»
(1)
.
وأجيب عليه: أن الآثار ضعيفة إلا أثر عطاء بن أبي رباح.
واستدلوا بالقياس:
فقالوا: "لما كان الكلب مما أبيح الانتفاع به، من غير حق له في منع البيت، أشبه الحمار الأهلي، والهر، وسائر ما أبيح الانتفاع به، من غير حق للمبيع في منع البيع، فوجب أن يجوز.
ولا تلزم عليه أم الولد والمدبر؛ لأن لهما حقا
(1)
صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (في مصنفه 20919).
في منع البيع؛ لاستيفاء العتق الذي استحقاه بموته، إذا كان في جواز البيع إبطاله.
وأيضا: فقد اتفقنا جميعا على أن الكلب موروث عن مالكه، وتجوز الوصية به، فوجب أن يجوز بيعه؛ لأنه مما قد صح انتقال الملك فيه بالميراث، والوصية، كسائر الأشياء الموروثة.
فإن قيل: ليس الميراث، والوصية أصلا لجواز البيع؛ لأنهما يصحان في المجاهيل، ولا يصح بيع المجهول.
قيل له: افتراقهما من هذا الوجه، لا يمنع الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرناه في جواز البيع، ألا ترى أن كل ما بطل بيعه؛ لأجل جهالته، أنه متى زالت الجهالة جاز البيع، ولا جهالة ها هنا، تمنع من بيع الكلب، فهو في هذا الوجه، بمنزلة
الموروث، والموصي به"
(1)
.
وأجيب عليه:
1.
أن الحمار والفهد ونحوه طاهر، بخلاف الكلب، فإنه نجس
(2)
.
2.
ولا يصح أن تقاس سباع البهائم، التي تصلح للصيد على الكلب؛ لدخولها في عموم قوله تعالى:{وأحل الله البيع} [البقرة: 275]؛ ولأنها أخف ضررا من الكلب؛ إذ إن الكلب إذا ولغ في إناء، يجب أن يغسل سبعا إحداها بالتراب، وغيره من السباع، لا يجب التسبيع فيه، ولا التتريب، فظهر الفرق، وامتنع القياس
(3)
.
(1)
شرح مختصر الطحاوي للجصاص (3/ 108).
(2)
المجموع شرح المهذب (9/ 229).
(3)
الشرح الممتع (8/ 117).
3.
أن الوصية محتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها، ولهذا تجوز الوصية بالمجهول، والمعدوم، والآبق، والله أعلم
(1)
.
وقالوا أيضا: "ولنا أن الكلب مال، فكان محلا للبيع كالصقر، والبازي، والدليل على أنه مال، أنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق فكان مالا، ولا شك أنه منتفع به حقيقة، والدليل على أنه مباح الانتفاع به شرعا
(2)
على الإطلاق، أن
(1)
المجموع شرح المهذب (9/ 229).
(2)
الحنفية لا يشترطون في المال الطهارة، ولذا يبيحون بيع السرجين النجس، ولا يشترطون في المال إباحة الانتفاع، فيعتبرون الخمر مالًا، لكنهم يقسمون المال إلى متقوم، وغير متقوم، بينما الجمهور يشترطون في المال أن يكون طاهرًا ذا منفعة مباحة.
"المعاملات المالية أصالة ومعاصرة"(3/ 421).
الانتفاع به بجهة الحراسة، والاصطياد مُطلقًا شرعًا في الأحوال كلها، فكان محلًا للبيع؛ لأن البيع إذا صادف محلًا منتفعا به حقيقة، مباح الانتفاع به على الإطلاق مست الحاجة إلى شرعه؛ لأن شرعه يقع سببًا، ووسيلة للاختصاص القاطع للمنازعة، إذ الحاجة إلى قطع المنازعة، فيما يباح الانتفاع به شرعًا على الإطلاق، لا فيما يجوز"
(1)
.
وأجيب عليه: أن الكلب ليس بمالٍ من كل وجه، وإنما هو مال في أشياء معينة مخصوصة، جاءت على سبيل الرخصة، فلا يجوز التوسع فيها؛ لأنك إذا قلت: إنه جاز للصيد، وللحرث، والماشية، فيجوز بيعه؛ لأن فيه المنافع؛ فمعنى ذلك أنك
(1)
بدائع الصنائع (5/ 143).
تزيد على استثناء الشرع، والشرع إنما استثنى ثلاثة أحوال: أن تجعله لحراسة حرث، أو ماشية، أو تصيد به
(1)
.
(1)
الشرح الممتع (8/ 117).
أقوال أهل العلم بالتفصيل
قال الطحاوي رحمه الله: "وبيع الكلاب التي ينتفع بها، والصقور، والفهود، والهر جائز"
(1)
.
وقال أيضًا بعد ذكر أدلة الحنفية في بيع الكلب: "وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمة الله عليهم أجمعين"
(2)
.
وقال أبو الفضل الحنفي رحمه الله: "ويجوز بيع الكلب، والفهد، والسباع، مُعلمًا كان أو غير معلم؛ لأنه حيوان منتفع به، حراسة، واصطيادا، فيجوز، ولهذا
(1)
شرح مختصر الطحاوي للجصاص (3/ 104).
(2)
شرح معاني الآثار (4/ 53).
ينتقل إلى ملك الموصي له، والوارث، بخلاف الحشرات، كالحية، والعقرب، والضب، والقنفذ، ونحوها؛ لأنه لا ينتفع بها
(1)
، وعن أبي يوسف: أنه لا يجوز بيع الكلب العقور؛ لأنه ممنوع عن إمساكه مأمور بقتله
(2)
"اهـ.
(1)
الاختيار لتعليل المختار (2/ 9).
(2)
وفي ذلك أحاديث واهية؛ منها ما أخرجه عبد الله بن وهب في (موطئه 11) قال: أخبرني عبد الرحمن بن سلمان، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أبي بكر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:" ثلاث هن سحت: حلوان الكاهن، ومهر البغي، وثمن الكلب العور ". وهذا سند ضعيف؛ لأن ابن شهاب لم يدرك أبا بكر، وعبد الرحمن فيه ضعف.
وأخرج ابن وهب أيضًا برقم (12) قال: ثنا شمر بن نمير، عن ابن ضميرة، وهو حسين بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب العقور» . وشمر وابن ضمرة متروكان.
وقد استدل أبو يوسف على حرمة بيع الكلب العقور بأدلة منها:
1.
أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-نهى عن إمساكه، وأمر بقتله، ومن ذلك: حديث عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-قال: قالت حفصة-رضي الله عنها: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: «خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» .
2.
أنه غير منتفع به.
انظر: "العناية شرح الهداية"(7/ 118)، وبحث (حكم بيع الكلاب البوليسية) في موقع "جامعة الإيمان"
وقال النووي رحمه الله: "وقال أبو حنيفة: يصح بيع جميع الكلاب، التي فيها نفع، وتجب القيمة على متلفه،
…
وقال مالك: لا يجوز بيع الكلب، وتجب القيمة على متلفه؛ وإن كان كلب صيد، أو ماشية،
وعنه رواية كمذهبنا، ورواية كمذهب أبي حنيفة"
(1)
.
وقال ابن العربي المالكي رحمه الله: "واختلف أصحابنا في بيعه، هل هو محرم، أم مكروه؟ وصرح بالمنع مالك في مواضع، والصحيح في الدليل جواز البيع، وبه قال أبو حنيفة"
(2)
.
وقال الكاساني رحمه الله: "ويجوز بيع كل ذي مخلب من الطير، مُعلمًا كان أو غير مُعلم بلا خلاف، وأما بيع كل ذي ناب من السباع، سوى الخنزير، كالكلب، والفهد، والأسد، والنمر، والذئب، والهر، ونحوها، فجائز عند أصحابنا"
(3)
.
وقال ابن حجر رحمه الله: "وقال القرطبي: مشهور
(1)
المجموع شرح المهذب (9/ 228).
(2)
عارضة الأحوذي (5/ 42).
(3)
بدائع الصنائع (5/ 142).
مذهب مالك، جواز اتخاذ الكلب، وكراهية بيعه، ولا يفسخ إن وقع، وكأنه لما لم يكن عنده نجسا، وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة، كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيهًا؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، قال: وأما تسويته في النهي بينه، وبين مهر البغي، وحلوان الكاهن، فمحمولٌ على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وعلى تقدير العموم في كل كلب، فالنهي في هذه الثلاثة في القدر المشترك من الكراهة أعم من التنزيه، والتحريم؛ إذ كل واحد منهما، منهي عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، فإنا عرفنا تحريم مهر البغي، وحلوان الكاهن من الإجماع، لا من مجرد النهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف، الاشتراك في جميع الوجوه؛
إذ قد يعطف الأمر على النهي، والإيجاب على النفي الحكم"
(1)
.
(1)
فتح الباري لابن حجر (4/ 427).
القول الثالث: يجوز شراء كلاب الصيد، ولا يبيعها.
وهو قول ابن القاسم رحمه الله.
حيث قال: "ولا بأس بشراء الكلاب كلاب الصيد، ولا يعجبني بيعها"
(1)
.
واستُدل له بالقياس:
قال ابن رشد الجد رحمه الله: "وإجازة ابن القاسم في هذه الرواية شراء الكلب دون بيعه، هو نحو قول أشهب في المدونة في الزبل، المشتري أعذر في شرائه من البائع؛ لأن الحاجة، قد تدعوه إلى شراء
(1)
البيان والتحصيل لابن رشد الجد (8/ 82).
الكلب للصيد، وشبهه مما جوز له اتخاذه له، وكذلك الزبل إذا لم يجد من يعطيه ذلك دون ثمن، ولا حاجة لأحد إلى بيع ذلك؛ لأنه إذا لم يحتج إليه تركه لمن يحتاج إليه"
(1)
.
وقول ابن القاسم، قريب من قول ابن حزم، والله أعلم.
(1)
البيان والتحصيل (8/ 83).
القول الرابع: يجوز شراء وبيع الكلاب المأذون في اتخاذها.
وهو قول: أكثر المالكية، وصححه ابن رشد الجد، ورواية عن مالك
(1)
.
واستدلوا:
بحديث سُفْيَانَ بْن أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيّ رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:«مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» فَقَالَ السَّائِبُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،
(1)
سيأتي ذكر أقوالهم بالتفصيل بعد ذكر الأدلة.
قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذِهِ القِبْلَةِ
(1)
.
وجه الاستدلال: أن الاقتناء، لا يكون إلا بالاشتراء
(2)
.
واستدلوا بالقياس:
فقالوا: لأنه إذا جاز الانتفاع بالكلب المأذون في اتخاذه، وجب أن يجوز بيعه، وإن لم يحل أكله، كالحمار الأهلي الذي لا يجوز أكله، ويجوز بيعه لما جاز الانتفاع به
(3)
.
وقالوا: إن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب مخصص في الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه
(4)
.
وقالوا: ووجه إجازة بيع ما أبيح اتخاذه من
(1)
متفق عليه: البخاري (3325)، مسلم (1576).
(2)
البيان والتحصيل (8/ 83).
(3)
البيان والتحصيل (8/ 83).
(4)
البيان والتحصيل (16/ 237).
الكلاب؛ لأن الحديث الذي ورد بالنهي عن ثمن الكلب، فمن نذر معه حلوان الكاهن، ومهر البغي، وهذا لا يباح شيء منه، (فدل) على أنه الكلب الذي لا يجوز اتخاذه، والله أعلم؛ لأن من الكلاب ما أبيح اتخاذه، والانتفاع به، فذلك جائز بيعه
(1)
.
وقالوا: قد قيل في معنى ما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم «من نهيه عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَإِنْ كَانَ ضَارِيًا»
(2)
إن المعنى في ذلك، حين كان الحكم في الكلاب أن تقتل كلها، ولا يحل لأحد إمساك شيء منها، على ما روي عن أبي رافع، قال:
(1)
الاستذكار (6/ 429).
(2)
ضعيف: أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(5686)، وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف.
أمرني النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، فخرجت لأقتلها، لا أرى كلبا إلا قتلته حتى أتيت موضع كذا وسماه، فإذا فيه كلب يدور ويلهث، فذهبت أقتله، فناداني إنسان من جوف البيت يا عبد الله، ما تريد أن تصنع؟ فقلت: أريد أن أقتل هذا الكلب، قالت: إنني امرأة بدار مضيعة، وإن هذا الكلب يطرد عني السباع، ويؤذنني بالجائي، فأت النبي صلى الله عليه وسلم فاذكر له ذلك فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأمرني بقتله»
(1)
، ثم جاء عنه صلى الله عليه وسلم: أنه أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد، أو كلب ماشية
(2)
، وأنه قال: «مَنِ
(1)
أخرجه أحمد (27188) من طريق سالم بن عبد الله، عن أبي رافع. وقال البخاري:"لا أدرى سالم عن أبى رافع صحيح أم لا".
(2)
سبق.
اقْتَنَى كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلَا مَاشِيَةٍ، وَلَا أَرْضٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ»
(1)
، فنسخ بذلك أمره الأول بقتل الكلاب عمومًا
(2)
.
وقالوا: وأما الكلب الذي لا يجوز اتخاذه، فلا اختلاف في أن بيعه لا يجوز، وأن ثمنه لا يحل، روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ثمن الكلب حرام»
(3)
.
وقالوا: إن تحقيق مصالح العباد، ومراعاة ما يحقق المنفعة لديهم، يقتضي القول بجواز بيع الكلب؛ للحراسة، والزرع، والماشية، ونحو ذلك،
(1)
متفق عليه: البخاري (5482)، مسلم (1574).
(2)
البيان والتحصيل (8/ 83).
(3)
البيان والتحصيل (18/ 613)، بداية المجتهد (3/ 146).
مما يستخدم في مصالح العباد، كالصيد، ونحوه؛ تحقيقاً لمصالح العباد المعتبرة في الأحكام الشرعية، -وقالوا بجواز بيع الكلاب المدربة على الحراسة، والكلاب البوليسية المدربة على كشف المجرمين-، خاصة وأن الحاجة تشتد إلى مثل هذا النوع من الكلاب، ومنها المدربة على خدمة مكفوفي البصر، ومساعدتهم في الوصول إلى مقاصدهم
(1)
.
وقد أجيب على هذا كله.
(1)
البيوع المحرمة والمنهي عنها صـ (182)، رسالة دكتوراه، لعبد الناصر ميلاد.
أقوال أهل العلم بالتفصيل
قول المالكية:
قال ابن رشد رحمه الله: " قال ابن القاسم: ولا بأس بشراء الكلاب؛ كلاب الصيد، ولا يعجبني بيعها، قال سحنون: نعم، ويحج بثمنها، وهي الكلاب، التي هي للحرث، والماشية، والصيد
(1)
.
وقال رحمه الله: وقول سحنون في إجازة الكلب المأذون في اتخاذه، هو قول ابن نافع، وابن كنانة، وأكثر أهل العلم، وهو الصحيح في النظر"
(2)
.
(1)
البيان والتحصيل (8/ 82).
(2)
البيان والتحصيل (8/ 83).
وقال ابن عبد البر رحمه الله: "وقد اختلف أصحاب مالك، واختلفت الرواية عنده في ثمن الكلب الذي أبيح اتخاذه، فأجاز مرة ثمن الكلب الضاري، ومنع منه أخرى"
(1)
.
(1)
الاستذكار (6/ 429).
القول الخامس: يجوز بيع الكلب المعلم.
وهو قول بعض متأخري الحنابلة.
قال الزركشي رحمه الله: بعض العلماء أجاز بيع المعلم دون غيره، وإليه ميل بعض المتأخرين من أصحابنا
(1)
.
أدلتهم:
1.
رواية حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، والسنور، إلا كلب صيد»
(2)
.
(1)
شرح الزركشي على مختصر الخرقي (3/ 671).
(2)
سبق.
2.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ سُحْتٌ: كَسْبُ الْحَجَّامِ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، إِلَّا الْكَلْبُ الضَّارِي»
(1)
.
وقد أجيب عليه.
الراجح: عدم جواز بيع الكلب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمنه ولا يوجد دليل صحيح صريح بحل ثمن الكلب.
(1)
سبق.
مباحث متفرعة عما سبق:
المبحث الأول: من قتل كلبا هل يغرم ثمنه؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: لا يغرم ثمنه، وهو قول الجمهور، إلا مالكا، فقد اختلف عنه.
القول الثاني: يغرم ثمنه، وهو قول الحنفية، ورواية عن مالك.
قال النووي رحمه الله: "ولا قيمة على متلفه، سواء كان مُعلمًا، أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه، أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء: منهم أبو هريرة، والحسن البصري، وربيعة، والأوزاعي، والحكم، وحماد، والشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر،
وغيرهم"
(1)
.
وقال ابن حجر رحمه الله: "ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه،
وبذلك قال الجمهور، وقال مالك: لا يجوز بيعه، وتجب القيمة على متلفه، وعنه: كالجمهور، وعنه: كقول أبي حنيفة؛ يجوز وتجب القيمة"
(2)
.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: "ولا خلاف عنه من قتل كلب صيد، أو ماشية، أو زرع، فعليه القيمة، ومن قتل كلب الدار، فلا شيء عليه، إلا أن يكون يسرح مع الماشية"
(3)
.
وفي الباب آثار، وقد مرت
(4)
.
(1)
شرح مسلم (10/ 232).
(2)
فتح الباري لابن حجر (4/ 426).
(3)
الاستذكار (6/ 429).
(4)
صـ (24، 23، 22).
المبحث الثاني: حكم استئجار الكلب.
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: المنع من الاستئجار.
وهو قول: مالك، والشافعي، وأحمد، وقول للحنفية، والأصح عند الشافعية، والذي عليه مذهب الحنابلة
(1)
.
واستدلوا:
1.
بأن المنفعة المطلوبة منه غير مقدورة،
(1)
سيأتي ذكر أقوالهم بالتفصيل بعد ذكر الأدلة.
الاستيفاء؛ إذ لا يمكن إجبار الكلب على الصيد، فلم تكن المنفعة مقدورة الاستيفاء في حق المستأجر، فلم تجز
(1)
.
2.
ولأنه حيوان محرم بيعه؛ لخبثه، فحرمت إجارته، كالخنزير
(2)
.
3 .
... ولأن منفعته لا تضمن في الغصب، فإنه لو غصبه غاصب مدة، لم يلزمه لذلك عوض، فلم يجز أخذ العوض عنها في الإجارة، كنفع الخنزير
(3)
.
4.
أن الكلب جوز للحاجة، فلا يجوز أخذ العوض عليه
(4)
.
(1)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (4/ 189).
(2)
المغني لابن قدامة (4/ 190).
(3)
المغني لابن قدامة (4/ 190).
(4)
المنثور في القواعد الفقهية (3/ 139).
أقوالهم:
قال ابن رشد رحمه الله: "واستئجار الكلب أيضا هو من هذا الباب، وهو لا يجوز عند الشافعي، ولا عند مالك"
(1)
.
وقال ابن قدامة رحمه الله: "ولا تجوز إجارته، نص عليه أحمد"
(2)
.
وقال الكاساني رحمه الله: "واستئجار الكلب المعلم، والبازي المعلم، للاصطياد؛ أنه لا يجوز"
(3)
.
وقال النووي رحمه الله: "استئجار الكلب المعلم؛ للصيد، والحراسة، باطل على الأصح"
(4)
.
(1)
بداية المجتهد ونهاية المقتصد ط الفكر (2/ 181).
(2)
المغني لابن قدامة (4/ 190).
(3)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (4/ 189).
(4)
روضة الطالبين وعمدة المفتين (5/ 178).
وقال المرداوي رحمه الله: "لا يجوز إجارة الكلب مطلقا، على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وقطع به أكثرهم"
(1)
.
القول الثاني: جواز الاستئجار:
وهو قولٌ: للحنفية، ولبعض المالكية، وقولٌ للشافعية، وقولٌ للحنابلة ليس بمشور، وابن حزم
(2)
.
واستدلوا:
* أن منفعة الكلب منفعة مباحة، فجاز استئجارها، كسائر المنافع المباحة
(3)
.
* وأن عقد الإجارة يختلف عن البيع:
(1)
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (6/ 25).
(2)
سيأتي ذكر أقوالهم بالتفصيل بعد ذكر الأدلة.
(3)
نهاية المطلب في دراية المذهب (5/ 491).
ففي البيع، يكون العقد واردًا على العين، وبيع عينه محرم.
وفي عقد الإجارة، يكون العقد واردًا على المنفعة، وهي مباحة
(1)
.
* واستدل ابن حزم على الجواز بالطريقة الظاهرية، وهو أن البيع غير الإجارة، وإنما نهي عن بيع الكلب، ولم ينه عن إجارته، وقياس الإجارة على البيع، قياس باطل، لو كان القياس حقًا، فكيف وهو كله باطل!!
لأنهم موافقون على إجارة الحر نفسه، وتحريمهم لبيعه
(2)
.
(1)
أسنى المطالب (2/ 417).
(2)
المحلى بالآثار (7/ 14)، البيوع المالية أصالة ومعاصرة (9/ 100).
أقوالهم:
قال ابن عابدين الحنفي رحمه الله: "قوله (وفي الكلب)؛ أي كلب الصيد أو الحراسة،
…
(قوله قولان) يعني: روايتين حكاهما قاضي خان:
الأولى: لا يجب الأجر، والثانية: إن بين وقتًا معلومًا، يجب، وإلا فلا"
(1)
.
وقال أبو الحسن العدوي المالكي رحمه الله: "ويجوز إجارة الضحية في حياتها، وجلدها بعد ذبحها، كما تجوز إجارة كلب الصيد"
(2)
.
وقال النووي رحمه الله: "استئجار الكلب المعلم؛
(1)
الدر المختار (6/ 96)، وللمزيد انظر غير مأمور: الفتاوى الهندية (4/ 454).
(2)
حاشية العدوي (1/ 573).
للصيد، والحراسة، باطل على الأصح، وقيل: يجوز كالفهد، والبازي، والشبكة؛ للاصطياد، والهرة؛ لدفع الفأر"
(1)
.
وقال المرداوي رحمه الله: "وقيل: يجوز إجارة كلب، يجوز اقتناؤه"
(2)
.
وقال ابن حزم رحمه الله: "وجائز الاستئجار بكل ما يحل ملكه، وإن لم يحل بيعه كالكلب"
(3)
.
الراجح: عدم الجواز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب.
(1)
روضة الطالبين (5/ 178)، وللمزيد انظر غير مأمور: شرح عمدة الأحكام لابن الملقن (7/ 114).
(2)
الإنصاف (6/ 25).
(3)
المحلى بالآثار (7/ 14).
المبحث الثالث: أخذ الأجرة على تدريب الكلب دون بيعه:
في موقع مركز الفتوى لإسلام ويب-الشبكة الإسلامية- جاء ما نصه
(1)
: "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فحكم العمل في تدريب الكلاب التي تسمى: الكلاب البوليسية، وكذا العمل في استعمالها في الكشف عن المخدرات، ونحوها من الجرائم، ينبني على الراجح من أقوال العلماء في حكم اقتناء
(1)
فتوى رقم (121735) دولة قطر.
الكلب في غير ما ورد به الحديث.
والذي نراه صوابا: أنه يجوز اقتناؤها للمصلحة، والمنفعة التي لا تقل عن ما ورد به الحديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يبح اقتناء الكلب إلا لضرورة، لجلب منفعة، كالصيد، أو دفع مضرة عن الماشية، والحرث .. انتهى.
ومصلحة تعليم الكلاب للكشف عن الجرائم، واقتناؤها؛ لأجل ذلك، تربو على مصلحة حماية الماشية، واستخدام الكلب في الزرع، وقد ثبت أن هذا النوع من الكلاب المدربة، لها قدرة عالية على شم المخدرات، واكتشاف أمكنتها، وهذه مصلحة كبيرة فيها حفظ للمجتمع من ضرر المفسدين.
وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: عندما سئلت عن العمل في مصلحة الجمارك بالكلاب
البوليسية: لا بأس بالعمل في ذلك، مع وجوب التحرز من نجاستها، وغسل ما أصاب الثوب والبدن منها؛ من ريق، أو بول، أو غيرها، وهكذا غسل الأواني، التي تلغ فيها سبع مرات؛ أولاهن بالتراب، أو ما يقوم مقامه، وبالله التوفيق، انتهى والله أعلم"اهـ.
وقد أرسلت سؤالا لموقع دار الإفتاء المصرية، وهذا نصه
(1)
:
لو هناك رجل يأخذ بقول الجمهور في مسألة حرمة بيع الكلب، فما حكم أخذ المال على تدريب الكلب على قول الجمهور، التدريب نفسه ليس البيع؟
(1)
الرقم المسلسل للفتوى (997466).
وهذا نص إجابتهم:
"لا حرج في أخذ أجر على تدريب الكلب، إن كان تدريبه لمنفعة مشروعة، كحراسة، أو صيد، ونحوه من وجوه الانتفاع، التي لم ينه الشارع عنها، فقد اتفق الفقهاء: على أنه لا يجوز اقتناء الكلب إلا لحاجة، كالصيد، والحراسة، وللماشية، أو للزرع، ومساعدة الضرير، وغير ذلك من وجوه الانتفاع، التي لم ينه الشارع عنها، ويجوز تربية الكلب الصغير الذي يتوقع تعليمه الصيد؛ لاتخاذه لهذه المنافع المذكورة، ولا ينبغي اتخاذه لغير ما ذكر من منافع، والله تعالى أعلم".
وأرسلت السؤال نفسه لموقع الإسلام سؤال وجواب،
وهذا نصه
(1)
: لو هناك رجل يأخذ بقول الجمهور في مسألة حرمة بيع الكلب، فما حكم أخذ المال على تدريب الكلب على قول الجمهور، التدريب نفسه ليس البيع؟
وهذا نص إجابتهم:
الحمد لله، تدريب الكلاب، إذا كان لأجل استخدامها في الأمور التي أباح الشرع اقتناء الكلاب لأجلها، فلا حرج، أما لغير ذلك، فلا يجوز.
وعلى هذا: فيجوز العمل في تدريب الكلاب على
(1)
إشراف الشيخ صالح المنجد، وهذا رقم الفتوى:(282068).
كشف المجرمين، أو المخدرات، أو التدريب على الصيد، ورعي الماشية، وقد يلحق حراسة المنشئات، وأما التدريب لغير هذه الضروريات، فلا يجوز.
وقد سألت الشيخ عادل العزازي-حفظه الله-
(1)
: "فأفتى بالجواز، وقال: كذلك من يعالج الكلب، له أخذ الثمن".
(1)
صاحب كتاب (تمام المنة في فقه الكتاب والسنة).
المبحث الرابع: جواز أخذ ثمن علاج الكلاب.
ثمن علاج الكلاب من الإحسان الذي جاءت به الشريعة
(1)
:
سؤال: طبيب بيطري، يرغب في فتح عيادة صغيرة للحيوانات، فحين يحاسب مالك الكلب على تكلفة الدواء والخدمة، فهل هذا المال حلال أم حرام؟
الجواب: "الحمد لله، الإحسان إلى الحيوان من محاسن الأخلاق التي جاء الإسلام بها، وتواترت
(1)
الإسلام سؤال وجواب فتوى رقم (199221).
في شأنها الأحاديث النبوية الشريفة، من ذلك:
ما صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ؛ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلَا خُفَّهُ مَاءً، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ:«فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»
(1)
.
يقول ابن بطال رحمه الله: " في هذه الأحاديث الحض على استعمال الرحمة، لجميع البهائم والرفق بها، وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب، ويكفر به
(1)
متفق عليه: البخاري (2466)، مسلم (2244).
الخطايا، فينبغي لكل مؤمن عاقل أن يرغب في الأخذ بحظه من الرحمة، ويستعملها في أبناء جنسه، وفي كل حيوان، فلم يخلقه الله عبثًا، وكل أحد مسئول عما استرعيه، وملكه من إنسان، أو بهيمة لا تقدر على النطق، وتبيين ما بها من الضر، وكذلك ينبغي أن يرحم كل بهيمة، وإن كانت في غير ملكه، ألا ترى أن الذي سقى الكلب، الذى وجده بالفلاة لم يكن له ملكًا، فغفر الله له، بتكلفه النزول في البئر، وإخراجه الماء في خفه، وسقيه إياه، وكذلك كل ما في معنى السقي من الإطعام،
ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم غرس غرسًا، فأكل منه إنسان، أو دابة، إلا كان له صدقة» مما يدخل في معنى سقي البهائم، وإطعامها، التخفيف عنها في أحمالها، وتكليفها ما تطيق حمله، فذلك من
رحمتها، والإحسان إليها، ومن ذلك ترك التعدي في ضربها، وأذاها، وتسخيرها في الليل، وفي غير أوقات السخرة
(1)
.
يقول الإمام النووي رحمه الله: " «في كل كبد رطبة أجر» معناه: في الإحسان إلى كل حيوان، حي بسقيه، ونحوه، أجر.
ففي هذا الحديث: الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله، فأما المأمور بقتله، فيمتثل أمر الشرع في قتله،
والمأمور بقتله: الكلب العقور، والفواسق الخمس المذكورات في الحديث، وما في معناهن، وأما المحترم، فيحصل الثواب بسقيه، والإحسان إليه أيضا
(1)
شرح صحيح البخاري (9/ 219).
بإطعامه، وغيره، سواء كان مملوكًا، أو مباحًا، وسواء كان مملوكًا له، أو لغيره"
(1)
.
وعليه: فلا حرج عليك في علاج الكلاب التي يأتي بها الناس إلى عيادتك، فأنت بذلك تقدم الإحسان، والمعروف، وإن احتسبت الأجر عند الله، نرجو أن تنال الأجر العظيم الوارد في الحديث السابق، ولا يضرك أن بعض من يأتي إليك لا يحل لهم اقتناء الكلب، فلست مكلفا بالتفتيش عن كل زائر، وسبب اقتنائه للكلب الذي جاءك به،
بل تقصد في عيادتك علاج الكلاب الجائز اقتناؤها، ونصيحة من يقتنيها لغير حاجة بحرمة
(1)
شرح مسلم (14/ 241).
ذلك، وضرره الصحي.
وعلى فرض كون أكثر الكلاب مما لا حاجة لاقتنائه، فذلك لا يحرِّم علاجها، أو فحصها، والعناية بها " انتهى.
هذا، والحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين.
كتبه/ أحمد عوض