الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة العاشرة
سنة الجمعة القبلية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، وصلاته وسلامه على خير خلقه محمدٍ وآله وصحبه.
وبعد، فقد سألني بعضُ الإخوان: هل للجمعة سُنَّة قبليَّة؟
فأجبته: أنَّ المقرَّر في المذهب
(1)
أنّها كالظهر في ذلك.
فسألني النظرَ في ثبوت ذلك وعدمِه من حيث الدليل.
فأقول: الكلامُ في هذه المسألة يَستدعي تقديم البحث عن شيئين:
الأول: التنفُّل يوم الجمعة قبل الزوال.
والثاني: تحقيق وقت الجمعة.
فأما الأول: فقد ثبت في «صحيح البخاري»
(2)
عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يغتسلُ رجلٌ يومَ الجمعة ويتطهَّرُ ما استطاع من طهرٍ ويدَّهنُ من دهنه أو يمسُّ من طيبِ بيته، ثم يخرج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلِّي ما كُتِب له، ثم يُنصِت إذا تكلّم الإمام، إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» .
وفي «صحيح مسلم»
(3)
عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من اغتسلَ ثم أتى الجمعةَ، فصلّى ما قُدِّر له، ثم أنصتَ حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلِّي معه، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضْلَ ثلاثة أيام» .
(1)
أي: الشافعي، وكان الشيخ قد كتب:«عند أصحابنا الشافعية» ، ثم ضرب عليها.
(2)
رقم (883).
(3)
رقم (857).
فدلَّ هذان الحديثان على فضيلة التنفُّل يوم الجمعة قبل الزوال، ودخل في إطلاقها حالُ الاستواء يوم الجمعة، ولكنه معارض بعموم أحاديث النهي.
وقد يُرجَّحُ الجواز بحديثين ضعيفين، روى أحدَهما الشافعيُّ
(1)
عن أبي هريرة، ولفظه:«أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الصلاةِ نصفَ النهار حتى تزول الشمسُ إلا يومَ الجمعة» .
وأخرجَ الآخرَ أبو داود
(2)
بإسناده إلى أبي الخليل عن أبي قتادة عن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنّه كَرِه الصلاةَ نصفَ النّهار إلَّا يومَ الجمعة، وقال:«إنَّ جهنّم تُسْجَرُ إلا يومَ الجمعة» .
قال أبو داود: وهو مرسل، مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.
وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، ضعيفٌ لا يُحتجُّ به.
[ص 2] وأنت خبيرٌ أنَّ كِلا الحديثين لا يُحتجُّ به.
وقد ذكر الإمام الشافعيُّ كما في «الأم» الحديثَ المذكور، ثم أعقبَه بآثارٍ عن عمل الصحابة في زمن عمر رضي الله عنه، ثم قال
(3)
: «فإذا رَاحَ النَّاسُ للجمعة صَلَّوا حتى يصير الإمام على المنبر، فإذا صَارَ على المنبرِ كفَّ
(1)
في كتاب «الأم» (2/ 397). وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وقد اتفقوا على ضعفه. وشيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى متروك.
(2)
رقم (1083).
(3)
(2/ 398).
منهم مَنْ كان صلَّى ركعتين فأكثر، تكلَّم حتى يأخذ في الخطبة، فإذا أخذ فيها أنصتَ، استدلالًا بما حكيتُ، ولا يُنهى عن الصلاة نصفَ النهار مَن حضر الجمعة» اهـ.
والظاهر أنَّ الإمام اعتبر ما دلّت عليه الآثار إجماعًا، وذكر الحديث المذكور استئناسًا؛ إذ لعلَّه إن كان إسناده ضعيفًا يكون صحيحًا في نفس الأمر، ويكون هو مستند الإجماع.
وأمَّا الإمام مالك فإنَّ عمل أهل المدينة حُجَّةٌ عنده.
وإذا تقرَّر ما ذُكِرَ عرفتَ أنَّ التنفُّل يوم الجمعة قبل الاستواء مُرغَّب فيه، وكذا عنده؛ لأنَّ فِعْلَ الصَّحابة ــ الذي رواه الشافعي وغيره ــ لا أقلَّ من أن يكون مرجِّحًا لإطلاق الحديثين السابقَيْن وغيرهما، مع ما انضمَّ إلى ذلك مما مرَّ.
والصلاة في ذلك نفْلٌ مطلق قطعًا؛ لكونها واقعةً قبل دخول وقت الجمعة على ما عليه الجمهور.
[ص 3] الأمر الثاني: تحقيق وقت الجمعة.
ذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه إلى أنَّ وقت الجمعة يدخل قبل الزوال، واسْتُدِلَّ لهما بحديث «الصحيحين»
(1)
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «ما كنَّا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إلا بعد الجمعة» ، هذا لفظ مسلم
(2)
.
(1)
البخاري (939) ومسلم (859).
(2)
وهو لفظ البخاري أيضًا.
وفي رواية
(1)
: «في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» .
وفي «الصحيحين»
(2)
أيضًا عن سلمة بن الأكوع قال: «كنا نصلِّي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظِلٌّ يُستَظَلُّ به» ، هذا لفظ البخاري.
وفي لفظٍ لمسلم: «كُنَّا نُجَمِّعُ معه إذا زالت الشمس، ثم نرجعُ نتتبَّعُ الفَيء» .
وفي «صحيح مسلم»
(3)
عن جابر: «كُنَّا نصلِّي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نرجع فنُريحُ نَواضِحَنا» . قال حسن ــ يعني أحد الرواة ــ: قلت لجعفرٍ ــ يعني شيخَ حسنٍ ــ: في أيِّ ساعةٍ تلك؟ قال: زوالَ الشمسِ. انتهى.
ثم قال
(4)
: وحدثني القاسم بن زكريا، نا خالد بن مخلد، ح وثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي نا يحيى بن حسّان، قالا جميعًا: نا سليمان عن جعفر عن أبيه: أنه سأل جابر بن عبد الله: متى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُصلِّي الجمعة؟ قال: «كان يُصلِّي، ثم نذهب إلى جِمَالنا فنُرِيحها» . زاد عبد الله في حديثه: «حين تزول الشمس» . يعني: النواضحَ.
وقد وردت آثار عن عمل الخلفاء الأربعة ومعاوية وابن مسعود وجابر وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص، لا يصحّ منها شيءٌ فلا نُطيل بذكرها.
(1)
لمسلم.
(2)
البخاري (4168) ومسلم (860).
(3)
رقم (858).
(4)
أي مسلم (858/ 29).
وأما الأحاديث المارَّة، فكُلُّها لا تخلو عن نظر.
أما حديث سهل: «ما كنا نَقِيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة» ، فالجواب عنه: أنَّهم كانوا يُبكِّرون إلى الجامع؛ امتثالًا للأمر، وطلبًا لعِظَم الأجر، فكانوا يشتغلون عن القيلولة والغداء بالمُكْثِ في المسجد والصلاة، فإذا خرجوا ناموا وتغدَّوا.
وأطْلَق «نَقِيل» على النوم بعد الظهر؛ لأنه عِوَض عن القيلولة التي هي نوم نصف النهار.
[ص 4] وأما حديث سلمة؛ فقد فسَّرتْه رواية مسلم: «كنا نُجمِّع معه إذا زالت الشمس» ، ومع ذلك فالنفي منصبٌّ على القيد، أي: ليس هناك من الظلِّ ما يُستظلُّ به، كما تدل عليه الرواية الأخرى «نتتبَّعُ الفيءَ» .
فإن قيل: فقد كان النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم يُطيل الخطبة، كما يدلُّ عليه حديث مسلم
(1)
عن أم هشام قالت: ما حفظتُ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} إلَّا من فِي رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقرؤها على المنبر كلَّ جمعة.
ويُطيل الصلاة، فيصلِّيها بالجمعة والمنافقين، كما في «صحيح مسلم»
(2)
عن علي وابن عباس وأبي هريرة.
وهذا يدلّ أنه كان يشرع في الخطبة قبل الزوال، إذ لو كان بعده لما فرغ إلا وقد صار للحيطان ظلٌّ يُستظَلُّ به، وقد نفاه سلمة في حديثه الثابت في «الصحيحين» .
(1)
رقم (873).
(2)
رقم (877، 879).
وأما رواية مسلم: «كنا نُجمِّع معه إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبَّعُ الفيء» ، فذلك في بعض الحالات، فإن قوله:«نتتبَّعُ الفيء» يدلُّ على أنّه قد صار للحيطان ظلٌّ يُستَظلُّ به.
فالجواب: أن هذا تَمحُّلٌ، والظاهر أن أحاديث سلمة متفقة غير مفترقة، وقد كانت حيطان بيوت الصحابة قصيرةً جدًّا، فلا يبعد أن لا يكون لها ظلٌّ يُستظلُّ به إذا وقعت الخطبة والصلاة عقبَ الزوال على الفور، ودلالة رواية مسلم على ذلك ظاهرة.
وأما حديث سهل؛ فالظاهر أن قوله: «حين تزول الشمس» في رواية عبد الله مدرج من قول جعفر، بدليل أنه في رواية حسن روى له الحديث بدونها، فسأله حسن: أي ساعة تلك؟ ــ أي: ساعة وقوع الصلاة فيما يظهر ــ قال: زوال الشمس.
وفي رواية القاسم بن زكريّا خاليًا عنها.
وفي رواية عبد الله ذكرها.
وعلى فرضِ صحتها عن جابر فيكون الظرف متعلقًا بـ «يُصلِّي» وإن بعُد، والله أعلم.
وذلك أنه ثبت في «صحيح البخاري»
(1)
وغيره عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلِّي الجمعة حين تميل الشمس» . و (كان) تُشعِر بالدوام.
نعم، الأحاديث متضافرة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يَخرج أولَ ما تميلُ
(1)
رقم (904).
الشمسُ، وهذا شيءٌ متعيِّن. [ص 5] ومما هو صريحٌ فيه
(1)
: أن أذان الجمعة كان في عهده صلى الله عليه وآله وسلم عقبَ خروجه وسلامه على الناس وجلوسه على المنبر. فلو كان يكون خروجه صلى الله عليه وآله وسلم متأخِّرًا عن دخول الوقت لشَرع ــ والله أعلم ــ الأذان حينئذٍ كسائر الصلوات.
وأمَّا حديث البخاري
(2)
عن أنسٍ: كان النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا اشتدَّ البردُ بكَّر بالصلاة، وإذا اشتدَّ الحرُّ أبردَ بالصلاة، يعني: الجمعة.
فقوله: «يعني الجمعة» لا يُدْرَى مِن قَولِ مَن هي؟ ولهذا قال ابن المنيِّر ــ كما نقله عنه الشُّرَّاح
(3)
ــ: إنَّما قيل ذلك قياسًا على الظهر لا بالنَّصِّ؛ لأنَّ أكثر الأحاديث تدلُّ على التفرقة في الظُّهر، وعلى التبكير في الجمعة مطلقًا من غير تفصيل.
قال
(4)
: والذي نحَا إليه المؤلِّف مشروعيَّة الإبراد بالجمعة، ولم يَبُتَّ الحكم بذلك؛ لأنَّ قوله:«يعني: الجمعة» يحتمل أن يكون قول التابعيِّ ممَّا فهمه، وأن يكون من نقله، فرجح عنده إلحاقها بالظُّهر؛ لأنَّها إمَّا ظهرٌ وزيادة، أو بدلٌّ عن الظُّهر. اهـ.
قلتُ: أمَّا قوله: «يعني الجمعة» ، فهو من لفظ التابعيِّ، كما يدلُّ عليه قول البخاري
(5)
بعد ذلك: قال يونس بن بُكَير: أخبرنا أبو خَلْدة، وقال:
(1)
هذه العبارة تكررت عند المؤلف.
(2)
رقم (906).
(3)
انظر «فتح الباري» (2/ 389).
(4)
المصدر نفسه.
(5)
عقب الحديث (906).
«بالصَّلاة» ، ولم يذكر الجمعة.
وأبو خلدة هو التابعيُّ الرَّاوي عن أنس.
نعم، قال القسطلَّاني
(1)
: أخرجه الإسماعيلي من وجهٍ آخر عن يونس، وزاد:«يعني الظُّهر» .
وأقول: لا يخفى أنَّ التبكير إلى المسجد يوم الجمعة مشروعٌ مطلقًا، فيكون الاجتماع في المسجد قبل الزَّوال، فلم يُشرع الإبراد؛ لأنَّ الإبراد إنَّما شُرِعَ ــ كما قال العلماء ــ تخفيفًا على المُصَلِّين، حتى لا يخرجوا من بيوتهم إلَّا وقد بَرَدَ النَّهار.
وقد يُجابُ عن هذا بجوابين:
الأول: أنَّه لا مانعَ أن يكون التبكير في شِدَّة الحرِّ خِلافَ التبكير في غيره.
والثاني: بمنع كون العِلَّة هي كراهة المشقَّة؛ بل العِلَّة هي كون جهنَّم تفوح حينئذٍ. وحديث «الصحيحين»
(2)
: «إذا اشتدَّ الحَرُّ فأَبرِدُوا، فإنَّ شِدَّة الحرِّ من فَيْحِ جهنَّم» نصٌّ على هذه العِلَّة.
وهي نفسُها العلَّة في النهي عن الصَّلاة عند الاستواء، ففي حديث عمرو بن عَبَسَة: «ثمَّ صَلِّ فإنَّ الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتى يَستقِلَّ الظلُّ بالرُّمح، [ص 6] ثم أَقْصِرْ عن الصَّلاة فإنَّ حينئذٍ تُسْجَرُ جهنَّم
…
» الحديث، وهو في «صحيح مسلم»
(3)
.
(1)
«إرشاد الساري» (2/ 174)، وقد ذكره الحافظ في «الفتح» (2/ 389).
(2)
أخرجه البخاري (533) ومسلم (615) من حديث أبي هريرة.
(3)
رقم (832).
والأحاديث تدلُّ على أنَّ جهنَّم تُسْجَر عند الاستواء
(1)
، وتتنفَّس في الصَّيف
(2)
، أي: ما بعد ذلك حتى يُقبِل الفيءُ.
وإذا تقرَّر ذلك فحضورُ المُصَلِّين في المسجد لا يمنع من الإبْراد.
وقد يُجاب عن هذا بالحديث الذي رواه أبو داود
(3)
، وفيه:«إنَّ جهنَّم تُسجَرُ إلَّا يوم الجمعة» ؛ [ص 7] وكأنَّ الفرق ــ والله أعلم ــ أنَّ السَّجرَ أي: الإيقاد من فعل الملائكة عن أمر الله تعالى، فهو ظاهرٌ في تجلّي العَذَاب، بخِلاف التنفُّس فإنَّه من جِهة النَّار، فكان عدم السَّجر في يوم الجُمعة أنسب من عدم التنفُّس.
ويؤيِّده قيام الدَّليل على عدم كراهية الصَّلاة يوم الجمعة عند الاستواء. وهو يدلُّ على انتفاء العِلَّة أو معارضتها بأقوى منها، كعِظَم تجلِّي الرَّحمة يوم الجمعة على المجمِّعين.
والجواب: أنَّنا نُسلِّمُ عدمَ السَّجْر يوم الجمعة لما ذكرتم، وأمَّا التنفُّس فالظَّاهر أنَّها تتنفَّس يوم الجمعة كتنفُّسها في سائر الأيام، لأن في حديث «الصحيحين»:«فإنَّ شِدَّة الحَرِّ من فَيحِ جهنَّم» الحديث.
ومن المحسوس أنَّ الحَرَّ في يوم الجمعة لا يَخِفُّ عن الأيَّام التي قبله وبعده، بل هو موجودٌ فيه كما فيها، وهو من فَيْحِ جهنَّم بالنَّصِّ.
(1)
كما في حديث عمرو بن عبسة المذكور، وفي حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن ماجه (1252). قال البوصيري: إسناده حسن.
(2)
كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي (2592) وصححه.
(3)
رقم (1083). قال أبو داود: هو مرسل؛ مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.
فإن قيل: فإن مشروعيَّة التنفُّل حينئذٍ تُنافي وجود فيحِ جهنَّم في ذلك الوقت في يوم الجمعة، وكونُه هو العِلَّة في الأمر بالإبراد، ولاسيَّما عند مَن حمل الأمر بالإبراد على ظاهره من الوجوب.
فالجواب: أنَّنا نختار مذهب الجمهور أنَّ الأمر بالإبراد إنَّما هو للنَّدب؛ لما هو مقرَّرٌ في محلِّه. والفرق بينَه وبين السَّجْر ما تقدَّم، فتكون مخالفته خلافَ الأولى فقط.
ثم نقول: إنَّ العِلَّة التي هي تنفُّس جهنَّم حينئذٍ عارضها يوم الجمعه ما هو أقوى منها، وهو عِظَم تجلِّي الرَّحمة. فانتفت خلافيَّة الأولى، وثبَت الندب بدليله المتقدِّم.
فإن قلت: فقد ثبت بهذا مقصودنا من عدم مشروعيَّة الإبراد بالجُمعة.
فالجواب: أنَّنا نقول: إنَّ إبراده صلى الله عليه وآله وسلم بالجمعة لم يكن لهذه العِلَّة، وإنَّما هو لعِلَّة أخرى؛ وهي: كراهيةُ أن يشقَّ على أصحابه؛ باجتماعهم، وتزاحمهم، وتضايقهم في ذلك العريش في وقت شِدَّة الحَرِّ.
فإنْ قلْتَ: فإنَّ مشروعيَّة التبكير يوم الجمعة تنافي ذلك.
فالجواب: ما مرَّ من أنَّ التبكير يختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت البرد يكون آخر الساعات حين الاستواء، وفي أوقات الحرِّ يكون آخر السَّاعات حين إقبال الفيءِ.
سلَّمنا أنَّ التبكير لا يختلف، بل هو على القسم الأوَّل مطلقًا؛ ولكنَّا نقول: فههنا عِلَّةٌ أخرى، وهي حرصُه صلى الله عليه وآله وسلم على أنْ يَعِيَ أصحابُه موعظتَه، ويكون خشوعهم في الفريضة على أتمِّ الأحوال. وهذا ممَّا يمنع عنه اشتدادُ الحرِّ، فلذلك أبرد.
إذا تأمَّلتَ ما ذُكِرَ علمتَ أنَّ الظَّاهِرَ [ص 8] أنَّ الإبراد بالجمعة سُنَّة، وأنَّه لا يُنافي ندبَ التنفُّل قبلها إلى أن يخرج الإمام، وحينئذٍ فيكون تأخير الأذان مع الإبراد بالجمعة إلى خروج الإمام كتأخيره في الظُهر إلى البرد، فقد ثبت الأمرُ بذلك في «الصحيحين»
(1)
عن أبي ذرّ قال: «أذن مؤذّن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم الظهر، فقال: أبرِدْ أبرِدْ، أو قال: انتظِرْ انتظِرْ
…
» الحديث.
فالسُنَّة في الظهر أن يؤذَّن لها إذا أُريد حضورُ المُصَلِّين، وهو يختلف باختلاف الحر والبرد. والسُنَّة في الجُمعة أن يؤذَّن لها إذا خرج الخطيب، وهو يختلف باختلاف الحر والبرد أيضًا.
إذا تقرَّر ما ذُكِر فاعلم أنَّ تأخير أذان الجُمعة إلى خروج الخطيب دليلٌ ظاهرٌ على أنَّه ليس للجُمعة سُنَّة قبلية؛ لأنَّ صلاتها بعد خروج الخطيب ممنوع.
فلو كانت ثابتةً لسُنَّ الأذان قبل خروج الخطيب حتى يتمكَّن النّاس من فعلها بعد الأذان؛ عملًا بحديث «الصحيحين»
(2)
وغيرهما عن عبدالله بن مغفَّل المُزَني رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بين كلِّ أذانينِ صلاة، ثلاثًا، لمن شاء» .
وقد حمل الأئمة هذه الصلاة على الرَّواتب القبليَّة. وعليه، فيكون وقتها ــ أي الرَّواتب القبليَّة ــ بين الأذان والإقامة، فلو قُدِّمَت لم تقع الموقع.
فتأمَّل هذا تَجِدْهُ ظاهرًا في نفي أنْ تكون للجُمعة سُنَّة قبلِيَّةٌ.
(1)
البخاري (535) ومسلم (616).
(2)
البخاري (624) ومسلم (838).
ويؤيِّدُه حديث البخاري
(1)
عن ابن عمر رضي الله عنهما، من رواية مالكٍ عن نافعٍ عنه، قال:«صَلَّيتُ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان يصلِّي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلِّي ركعتين» .
وهذا في «صحيح مسلم»
(2)
مختصرًا.
وأخرجاه
(3)
في التطوُّع، من رواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، بلفظ:«سجدتين، سجدتين» .
[ص 9] وإفراده للجمعة ههنا يردُّ على من زعم أنَّ حكمها حكم الظُّهر، وذكرُه الرَّكعتين بعدها فقط يدلُّ على أنَّه لا قبليَّة لها.
ومن الباطل جواب ابن بطَّال
(4)
عن هذا بأنَّ ابن عمر إنَّما أعاد ذكر الجمعة بعد ذكر الظُّهر من أجل أنَّه كان صلى الله عليه وآله وسلم يصلِّي سُنَّة الجمعة في بيته بخِلافِ الظُّهر. فَمِن أين له أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي قبلية الظهر أبدًا في بيته وبعدِيَّتَّها في المسجد أبدًا، حتى تَثبت مخالفتُها للجمعة في الثانية وموافقتها لها في الأولى، فيقال: ذَكَر ابنُ عمر ما خالفت فيه الجمعةُ الظهرَ وما وافقتها فيه؟
على أنَّ قضيَّة جوابه أنَّ الجمعة تسمَّى ظهرًا، وهذا واضحُ البطلان.
(1)
رقم (937).
(2)
رقم (882/ 71).
(3)
البخاري (1172) ومسلم (729).
(4)
في شرحه على «صحيح البخاري» (2/ 526).
فتبيَّن أنَّ حديث ابن عمر يردُّ على مَن زعم أنَّ حُكْم الجمعة حُكْم الظُّهر، ويدلُّ على أنَّه لا قبليَّة للجمعة، فتأمَّل.
وممَّا يؤيِّد ذلك: ورود الأمر بالصلاة بعد الجُمعة، وهو حديث أبي هريرة ــ عند مسلم
(1)
ــ قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذَّا صلَّى أحدكم الجُمعةَ فليُصَلِّ بعدها أربعًا» ، وفي رواية:«فإن عَجِلَ بك شيءٌ فصلِّ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت» .
فقد فُهِم من هذا الحديث نفيُ قبليَّة الجُمعة، إذ لو كانت لذُكِرَتْ، وليس هذا عمدتنا في ذلك.
وظاهر من هذا الحديث أن هذه الأربع مؤكدة، بل ظاهره كما قال بعضُهم الوجوب، لولا أن في الرواية الأُخرى
(2)
: «من كان منكم مصلّيًا بعد الجمعة فليصلِّ أربعًا» .
وهذا بخلاف بعديَّة الظهر، فإنَّ المؤكَّد منها ركعتان فقط. ولا ينافي تَأَكُّدَ الأربعِ حديثُ ابن عمر السابق في اقتصاره صلى الله عليه وآله وسلم على ركعتين؛ إذ قد يُقال: إنَّ الأربع تتأكَّد في حق المأمومين كما يقتضيه الأمر، ولا تتأكَّد في حق الإمام، لأنَّه قد حصل له مزيد الأجر بنصبه في الخطبة بخلافهم.
وليس لقبليتها حديث صحيح، بل الأحاديث تُفيد عكسَ ذلك كما مرَّ. وبهذه الدلائل يُخصَّص عموم حديث ابن حبان
(3)
: «ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبين يديها ركعتانِ» ، كما سيأتي إن شاء الله.
(1)
رقم (881).
(2)
«صحيح مسلم» (881/ 69).
(3)
في «صحيحه» (2455، 2488) من حديث عبد الله بن الزبير. وإسناده قوي.
[ص 10] وقد استدلَّ من يقول بأن لها سُنَّة قبليَّة بأمور:
أحدها: القياس على الظهر. وهو ــ وإن ذكره النووي ــ بعيد، كما ذكره العراقي
(1)
وغيره. وما قيل: إنَّ البخاري أَوْمَأَ إليه بقوله في ترجمته: «باب الصلاة بعد الجُمعة وقبلها» فيه نظر. بل قد يُدَّعَى العكس؛ لأنَّ الحديث الذي أَوْردَه يدلُّ على أنَّه ليس للجُمعة سُنَّة قبليَّة، ويدل على أنَّها مخالِفة للظهر، وهو حديث ابن عمر الذي مرَّ قريبًا.
ومن تراجم البخاري: «باب الصلاة قبل العيد وبعده»
(2)
. ومراده أنها غير مشروعة، كما تدل عليه الأحاديث التي أوردها. فيكون مراده هنا أن الصلاة بعد الجُمعة مشروعة وقبلها غير مشروعة، فقدَّم المثبَت وأخّر المنفيَّ. والمراد بالصلاة قبل الجُمعة أي: الراتبة، فأما النفل المطلق فهو مشروع قطعًا كما مر.
ومع ذلك فالقياس إنما يُعمَل به في إثبات الأحكام لا في إثبات عبادة مستقلّة.
وقد أجاب بعضُ العلماء أن القول بالقياس هنا إنما هو بناءً على أن الجُمعة ظهرٌ مقصورة.
وهذا باطل، والصحيح أن الجمعة صلاة مستقلّة.
وزعم بعضهم أن الجمعة هي الظهر، وإنما أُقيمت الخطبتان مقام
ركعتين، وكأنَّ هذا القائل غرَّه اتفاق العدد بين الركعتين والخطبتين، ولا أدري ماذا يقول في خُطبتي العيدين والكسوفين والاستسقاء عِوَض عن ماذا؟
والاستدلال بنحو هذا محض التكلُّف والتمحُّل الذي لا حاجةَ بطالب الحق إليه، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث «الصحيحين» المتقدم: «بين كل أذانينِ صلاة» . وهذا غفلة، فإنّ الأذانين في الحديث إنما أُريد بهما الأذان المشروع والإقامة اتفاقًا، والأذان المشروع في الجمعة هو الذي عند خروج الإمام، والصلاةُ بينه وبين الإقامة حرام إجماعًا، إلا ما سيأتي في ركعتي التحيَّة. ولو كان المراد أي أذانين كان؛ لكان الأحرى بذلك أذانا الصبح، ولم يقل أحد بأنه يُسَنُّ بينهما صلاة.
أما سُنَّة الصبح فليست بينهما، وإنما هي بعدهما بين الأذان والإقامة.
[ص 11] واستدلُّوا بأحاديث أُخرى ذكرها الحافظ في «الفتح» مع أجوبتها، وهذه عبارته
(1)
: وورد في سُنَّة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة.
منها: عن أبي هريرة، رواه البزار
(2)
بلفظ: «كان يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعًا» . وفي إسناده ضعف.
(1)
«فتح الباري» (2/ 426).
(2)
أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 365) من طريقه، وفيه: «
…
وبعدها ركعتين».
وعن علي، رواه الأثرم والطبراني في «الأوسط»
(1)
بلفظ: «كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا» ، وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، وهو ضعيف عند البخاري وغيره، وقال الأثرم: إنه حديث واهٍ.
ومنها: عن ابن عباس مثله، وزاد:«لا يفصل في شيءٍ منهنّ» ، أخرجه ابن ماجه
(2)
بسند واهٍ.
قال النووي في «الخلاصة»
(3)
: «إنّه حديث باطل» .
وعن ابن مسعود عند الطبراني
(4)
أيضًا مثله، وفي إسناده ضعف وانقطاع.
ورواه عبد الرزاق
(5)
عن ابن مسعود موقوفًا، وهو الصواب.
وروى ابن سعد
(6)
عن صفيّة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم موقوفًا نحو حديث أبي هريرة. إلخ.
قلت: والموقوف عن ابن مسعود ذكره الترمذي
(7)
بقوله: ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا.
(1)
(2/ 172).
(2)
رقم (1129). قال البوصيري في «الزوائد» : إسناده مسلسل بالضعفاء، عطية متفق على ضعفه، وحجاج مدلس، ومبشر بن عبيد كذاب، وبقية هو ابن الوليد مدلّس.
(3)
(2/ 813).
(4)
في «الأوسط» (4/ 196).
(5)
في «المصنّف» (3/ 247).
(6)
في «الطبقات» (8/ 491).
(7)
في «الجامع» عقب الحديث رقم (523).
وقد استدلُّوا به على وقفه، قالوا: لأن الظاهر أنه توقيف.
والجواب: أنه إن صحَّ فلا حُجَّة فيه، وقولهم: إن الظاهر أنه توقيف ممنوع، بل الظاهر أن المراد بذلك النفل المطلق الذي يصلِّيه الإنسان ما بين دخوله الجامع وخروج الإمام؛ كما مَرَّ بيانُه، بل هذا هو المتعين، لما مرّ أن السُنَّة في خروج الإمام أول الوقت وقبلَ الأذان، وأنَّ ذلك صريح في نفي مشروعية سنةٍ قَبْليّة للجمعة، والله أعلم.
واستدلُّوا بما قاله العراقي في «شرح سنن الترمذي» ؛ بعد ذكر حديث ابن ماجه المتقدم في عبارة «الفتح» قال: «وقد وقع لنا بإسنادٍ جيد من طريق القاضي أبي الحسن الخلعي من رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عثمان عن علي» .
كذا وجدت نقل عبارته، ولتراجع
(1)
.
والجواب: أنَّ ابن إسحاق مختلفٌ فيه، وهو بَعْدُ مُدَلِّس، وقد عَنْعَنَ، ولم أقف على الإسناد بطوله حتى أعرفَ حاله، وفيما ذكرتُ كفاية.
وهَبْ أنَّه صحَّ فالمراد النَّفْل المطلق؛ لما مرَّ، والله أعلم.
واستدلُّوا بأحاديث: «أربع بعد الزوال» .
والجواب: أنَّ في بعضها التقييد بقبل الظهر، والمطلقُ يُحمَل على المقيَّد. وعلى فَرْضِ عدم الحمل فيكون عامًّا مخصوصًا بالجمعة؛ لما مرَّ أن السُنَّة خروج الإمام عقب الزوال، وبخروجه تمتنع الصلاة إلَّا ركعتي التحية، والله أعلم.
(1)
في «طرح التثريب» (3/ 42): «من طريق أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي» . وهو الصواب، و «ابن إسحاق» و «عثمان» تحريف.
واستدلَّ بعضهم بحديث أبي داود والترمذي
(1)
، عن عطاء قال: «كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلَّى الجمعة بمكة تقدَّم فصلَّى ركعتين، ثم يتقدَّم فيصلِّي أربعًا
…
»، الحديث.
والجواب: أنَّ الاستدلال به غفلة؛ لأنَّ الكلام في الصلاة بعد الجمعة.
وقوله «تقدم» أي: من موقفه الذي صلَّى فيه الجمعة، يتقدَّم عنه فيصلِّي ركعتين، ثم يتقدَّم فيصلِّي أربعًا، وهذا لفظ الترمذي:[ص 13]«وابن عمر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلَّى في المسجد بعد الجمعة ركعتين، وصلَّى بعد الركعتين أربعًا» . حدثنا بذلك ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء، قال:«رأيتُ ابن عمر صلَّى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلَّى بعد ذلك أربعًا» .
ولفظ أبي داود في باب الصلاة بعد الجمعة: عن عطاء عن ابن عمر قال: «كان إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدم فصلَّى ركعتين، ثم تقدم فصلّى أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلّى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلَّى ركعتين، ولم يصلِّ في المسجد» . فقيل له، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك.
وكلاهما صريح أنَّ هذه إنَّما هي الصَّلاة بعد الجمعة.
وفي رواية أُخرى
(2)
: عن عطاء أنَّه رأى ابن عمر يُصَلِّي بعد الجمعة، فينماز عن مصلَّاه الذي صلَّى فيه الجمعة قليلًا غير كثير، قال: فيركع ركعتين. قال: ثم يمشي أنفسَ من ذلك، فيركع أربع ركعات. قلت ــ القائل ابن جريج الراوي عن عطاء ــ لعطاء: كم رأيتَ ابن عمر يصنع ذلك؟ قال: مرارًا.
(1)
أبو داود (1130) والترمذي (2/ 401، 402).
(2)
عند أبي داود (1133).
وهذا الحديث ممَّا يدلُّ على الفَرْق بين الجمعة والظهر، والله أعلم.
واستدلُّوا بما رواه الطبراني في «الأوسط»
(1)
بسنده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ شَهِدَ منكم الجمعة فليُصَلِّ أربعًا قبلها وبعدها أربعًا» .
والجواب: أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، فيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، كما في «شرح البخاري»
(2)
، وقد ضعَّفه البخاري وغيره كما مرَّ، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث أبي داود وابن حبان
(3)
من طريق أيوب عن نافع قال: «كان ابن عمر يُطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته، ويُحدِّث أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعلُه» .
والجواب: قال الحافظ
(4)
: وتُعُقِّب بأن قوله: «كان يفعل ذلك» عائد على قوله: «ويصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته» .
ويدلُّ له رواية الليث عن نافع عن عبد الله: أنَّه كان إذا صلَّى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع ذلك» ، رواه مسلم
(5)
.
وأما قوله: «كان يطيل الصلاة قبل الجمعة» فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون [ص 14] مرفوعًا؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج إذا زالت
(1)
(2/ 172)، ولفظه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا
…
».
(2)
«فتح الباري» (2/ 426).
(3)
أبو داود (1128) وابن حبان (2476).
(4)
«فتح الباري» (2/ 426).
(5)
رقم (882).
الشمس فيَشْتَغِل بالخطبة، ثمَّ بصلاة الجمعة.
وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذاك مطلقُ نافلةٍ لا صلاةٌ راتبةٌ، فلا حجَّة فيه لسُنَّة الجمعة التي قبلها، بل هي تنفُّل مطلقٌ، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث ابن حبان في «صحيحه»
(1)
: «ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبين يديها ركعتان» .
والجواب: أنَّه عام مخصوص بالجمعة كما مرَّ بيانُه، مع أنَّه مُقيَّدٌ بحديث «الصحيحين»:«بين كلِّ أذانينِ صلاةٌ» ، وقد مرَّ الكلام عليه.
مع أنَّ ابن حبان يُطلِق الصحيح على الحَسَن، وربَّما يُصحِّح ويُحسِّن ما لا يُوافَق عليه، والله أعلم.
واستدلُّوا بحديث ابن ماجه
(2)
بسند صحيح عن أبي هريرة وجابر قالا: «جاء سُلَيْك الغَطَفاني والنَّبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فقال له النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أصلَّيْتَ ركعتين قبل أن تجيء؟ » قال: لا، قال:«فصلِّ ركعتين وتَجوَّزْ فيهما» .
قال في التحفة
(3)
: وقوله: «أصلّيتَ» إلى آخره يمنع حملَه على تَحيَّة المسجد ــ أي: وحدها ــ حتى لا ينافي الاستدلال به لندبها للداخل حال الخطبة، فينويها مع سُنَّة الجمعة القبليَّة إن لم يكن صلَاّها قبل .. إلخ [ص 15]، إذ المعروف في هذا الحديث الاقتصار على «أصليت» ونحوه، وهو كذلك في «الصحيحين» وغيرهما. ولم تجئ هذه الزيادة ــ أي قوله:
(1)
رقم (2455)، وقد سبق ذكره.
(2)
رقم (1114).
(3)
«تحفة المحتاج» (2/ 224).
«قبل أن تجيء» ــ إلَّا في هذه الرواية التي أخرجها ابن ماجه.
والجواب عنها من وجوه:
الأوَّل: أنَّ حفص بن غياث قال عنه يعقوب: ثقة ثبت إذا حدَّث من كتابه ويُتَّقى بعض حفظه.
وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حسنًا، وكان عَسِرًا.
فأطلق هذان وصفَهُ بسوء الحفظ.
وقال أبو عُبيد الآجرِّي عن أبي داود: كان حفص بأَخَرةٍ دَخَله نسيان. فقيَّد أبو داود سوء الحفظ بأَخَرَة.
وقال أبو زُرعة: ساءَ حفظُه بعدما استُقْضي، فمَن كَتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلَّا فهو كذا.
قلت: وهو كما في «تهذيب التهذيب»
(1)
: كوفيّ استُقْضي بها وببغداد.
وقال ابن معين: جميع ما حدَّث به ببغداد من حفظه.
قلت: فحديثه ببغداد كان بأَخَرةٍ، وكان بعدما استُقْضي، وكان من حفظه. وداود بن رُشَيد بغداديٌّ كما في ترجمته
(2)
، فحديثه عنه بأخرةٍ بعدما استُقْضي، من حفظه.
وقد قال داود بن رشيد نفسه ــ كما في «تهذيب التهذيب»
(3)
ــ: حفصٌ كثير الغلط.
(1)
(2/ 415 وما بعدها). وفيه أقوال النقاد.
(2)
«تهذيب التهذيب» (3/ 184).
(3)
(2/ 416).
وأمَّا رواية الشيخين عنه فهي محمولة على ما ثبت عندهما أنَّه حدَّث من كتابه، وليس هذا لأحدٍ غيرهما؛ لالتزامهما الصحيحَ وتحرِّيهما وتيقُّظهما.
وفي «تدريب الراوي»
(1)
للسيوطي عن ابن الصلاح قال: من حكم لشخصٍ بمجرَّد رواية مسلمٍ عنه في «صحيحه» بأنَّه من شرط مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقِّفٌ على النَّظَر في كيفيَّة رواية مسلمٍ عنه، وعلى أيِّ وجهٍ اعتمد عليه.
الوجه الثاني: قال في «تهذيب التهذيب»
(2)
: وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أنَّ حفصًا كان يدلِّس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كثير الحديث يُدلّس.
والمدلِّس لا يكون حجَّةً إلَّا فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.
الوجه الثالث: أنَّ الأعمش على جلالة قدره معدودٌ في المدلِّسين، والمدلِّس لا يكون حجَّة إلَّا فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.
نعم، قال الحافظ في «المقدمة»
(3)
في ترجمة حفص بن غياث: «اعتمد البخاري على حفص هذا في حديث الأعمش؛ لأنَّه كان يُميِّز بين ما
(1)
(1/ 129).
(2)
(2/ 417).
(3)
«هدى الساري» (ص 398).
صرَّح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلَّسه، نبَّه على ذلك أبو الفضل ابن طاهر، وهو كما قال».
وهذا لا يردُّ ما ذكرناه؛ لأنَّه لم يميِّز هنا، مع أنَّه في نفسِهِ مدلِّسٌ أيضًا كما مَرَّ عن الإمام أحمد وابن سعد.
الوجه الرابع: أبو صالح شيخ الأعمش، هل هو ذكوان المدني السَّمَّان، أو باذام مولى أم هانئ؟ فإنَّ كلاًّ منهما كنيته أبو صالح، عن أبي هريرة وعنه الأعمش.
فإن كان الثاني، فهو مُضعَّف، ورواية الأعمش عنه منقطعة.
[ص 16] ففي «تهذيب التهذيب»
(1)
: «أنَّ أبا حاتم قال: لم يسمع ــ يعني: الأعمش ــ عن أبي صالح مولى أُم هانئ، هو يدلِّس عن الكلبي» .
قال
(2)
: «وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: الأعمش عن أبي صالح ــ يعني: مولى أم هانئ ــ منقطع» .
والذي يظهر أنَّ أبا صالح الذي روى عنه الأعمش هذا الحديث هو الأول: ذكوان المدني السَّمان؛ لأنَّ الثاني قال عنه ابن عدي ــ كما في «تهذيب التهذيب»
(3)
ــ: عامة ما يرويه تفسير، وما أقلَّ مَا لَهُ من المسند.
(1)
(4/ 224).
(2)
المصدر السابق (4/ 225).
(3)
(1/ 417).
الطريق الأخرى: الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
وفيها نَظَرٌ من وجوه:
الأوَّل ــ وهو الخامس من أوجه الجواب ــ: رواية الأعمش عن أبي سفيان.
قال في «تهذيب التهذيب»
(1)
في ترجمة الأعمش: «وقال أبو بكر البزَّار: لم يسمع من أبي سفيان شيئًا، وقد روى عنه نحو مئة حديث، وإنَّما هي صحيفة عرفت» .
وقد يجاب عن هذا بأنَّ غاية ما فيه أنْ يكون روى عنه بالوجادة، وهي طريق من طرق الرواية.
الثاني ــ وهو السادس من أوجه الجواب ــ: حال أبي سفيان في نفسه.
قال في «تهذيب التهذيب»
(2)
: قال أحمد: ليس به بأس
…
إلى أن قال: وقال ابن أبي خيثمة عن ابن مَعِين: لاشيء، ثم ذكر أقوال الأئمة فيه، وأكثرهم على توثيقه، وقد روى له الشيخان والجماعة.
الوجه الثالث ــ وهو السابع من أوجه الجواب ــ: رواية أبي سفيان عن جابر.
في «تهذيب التهذيب»
(3)
: وقال أبو خيثمة عن ابن عُيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة
…
إلى أن قال:
(1)
(4/ 224).
(2)
(5/ 27).
(3)
(5/ 27).
وفي «العلل الكبير» لعلي بن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلَّا أربعة أحاديث. وقال فيها
(1)
: أبو سفيان يُكتب حديثه وليس بالقويِّ، وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلَّا أربعة أحاديث.
قال الحافظ
(2)
: قلتُ: لم يخرج البخاري له إلَّا أربعة أحاديث عن جابر، وأظنُّها التي عناها شيخه علي بن المديني، منها حديثان في الأشربة قَرنه بأبي صالح، وفي الفضائل حديث:«اهتز العرش» كذلك، والرابع في تفسير سورة الجمعة، قَرَنه بسالم بن أبي الجَعْد.
[ص 17] فتبَيّن أنَّ هذا الحديث ممَّا لم يسمعه أبو سفيان عن جابر.
وقد يُجاب عن هذا بأنَّ غاية ما فيه أنَّه من الصَّحيفة، ولعلَّها كانت صحيحة، فيكون مناولةً أو وجادةً، وأبو سفيان ثقةٌ عند الأكثر.
الوجه الثامن: قال أبو داود
(3)
: حدَّثنا محمد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم، المعنى، قالا: ثنا حفص بن غياث، وساق الإسناد كإسناد ابن ماجه
(4)
بطريقيه، وذكر الحديث، وآخره: فقال له: «أصليتَ شيئًا؟ قال: لا» .
ومحمد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم أرجح من داود بن رُشَيد.
[ص 18] الوجه التاسع: أنَّه قد روى حديثَ سُلَيك عن الأعمش
(1)
أي في «العلل الكبير» . والنصّ في «التهذيب» الموضع السابق.
(2)
بعدما سرد الأقوال السابقة في المصدر السابق. وانظر «هدي الساري» (ص 431).
(3)
في «سننه» (1116).
(4)
رقم (1114).
عيسى بن يونس، وحديثه عند مسلم
(1)
، وأبومعاوية، وحديثه عند أحمد والدارقطني
(2)
، وسفيان، وحديثه عند أحمد والدارقطني
(3)
أيضًا. وخالفوا حفص بن غياث سنَدًا ومتنًا.
أمَّا في السند: فلم يذكر أحد منهم الرواية الأخرى عن أبي صالح عن أبي هريرة، بل كلُّهم اقتصروا عن أبي سفيان عن جابر.
وإنَّما قال الحافظ في «الإصابة»
(4)
في ترجمة سُلَيك وذكر هذا الحديث: «وروى ابن ماجه وأبو يعلى من طريق الأعمش [عن أبي صالح]
(5)
عن أبي هريرة
…
» إلخ.
ولا أدري كيف روايةُ أبي يعلى؟ فلْتُرَاجع
(6)
، إن لم يكن ذِكر أبي يعلى خطأ، والأصل «أبي داود» .
وأمَّا في المتن، فكلُّهم لم يذكروا تلك الزيادة.
الوجه العاشر: أنَّه قد روى حديث سُليك عن أبي سفيان: الوليدُ أبو بشر، وهو الوليد بن مسلم بن شهاب التميمي العنبري. وحديثه عند أبي
(1)
رقم (875/ 59).
(2)
«المسند» (3/ 316، 317) و «سنن الدارقطني» (2/ 13).
(3)
«المسند» (3/ 389) و «سنن الدارقطني» (2/ 14).
(4)
(4/ 442).
(5)
ليست في الأصل، وزيدت من «الإصابة» .
(6)
الحديث عند أبي يعلى (2272) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، دون الطريق الثاني.
داود وأحمد والدارقطني
(1)
، ولم يذكر في حديثه تلك الزيادة.
الوجه الحادي عشر: أنَّه قد روى حديثَ سُليك عن جابر: عمرو بن دينار، وحديثه في الصحيحين
(2)
وغيرهما. وأبو الزبير، وحديثه عند مسلم والشافعي وابن ماجه
(3)
، ولم يذكرا في حديثهما تلك الزيادة.
الوجه الثاني عشر: أنَّه قد روى حديثَ سُليك: أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وحديثه عند الترمذي وأحمد والشَّافعيِّ وابن ماجه
(4)
، ولم يذكر تلك الزِّيادة.
والحاصل: أنَّ إسناد الحديث عن أبي هريرة انفرَد به حفصُ بن غياث عن الأعمش، وانفرَد به الأعمش عن أبي صالح، وانفرَد به أبوصالح عن أبي هريرة، وانفرَد بإدخال هذه الزِّيادة فيه داود بن رُشَيد عن حفص بن غياث.
وانفرَد بإدخال الزِّيادة في حديث جابر: داود بن رُشَيد عن حفص، وحفص عن الأعمش، والأعمش عن أبي سفيان، وأبوسفيان عن جابر.
وقد روى الحديثَ عن حفصٍ محمدُ بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم، فلم يذكراها.
ورواه عن الأعمش عيسى بن يونس وأبو معاوية وسفيان، فلم يذكروها.
(1)
أبو داود (1117) وأحمد (3/ 297) والدارقطني (2/ 13).
(2)
البخاري (930) ومسلم (875/ 54).
(3)
مسلم (875/ 58) و «الأم» للشافعي (2/ 399) وابن ماجه (1112).
(4)
الترمذي (511) و «المسند» (3/ 25) و «الأم» (2/ 399) وابن ماجه (1113).
ورواه عن أبي سفيان الوليدُ ين مسلم بن شهاب التميمي العنبري فلم يذكرها.
ورواه عن جابر عَمْرو بن دينار وأبو الزُّبير فلم يذكراها.
ورواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو سعيد الخدري فلم يذكرها.
[ص 19] والظاهر ــ والله أعلم ــ أنَّ داود بن رُشيد أو حفص بن غِياث فَهِم من قوله في عامة الروايات: «أصليت» أنَّ المراد: «أصليتَ قبل أن تجيء» ، فأدرج هذه الزيادة تفسيرًا أو غلطًا.
وسبب الفهم أنَّ أكثر الروايات تُشعِر أنَّ سبب خطاب النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لسُليك هو أنَّه رآه دخل المسجد ولم يُصلِّ، فلمَّا قال له:«أصلَّيْتَ؟ » لم يمكن أن يكون المراد: أصليتَ في المسجد؟ فلم يبقَ إلَّا أن يكون المراد: أصليتَ قبل أن تجيء؟
وهذا الفهم فيه نَظَرٌ من وجوه:
الأول: أنَّ الذي يدلُّ عليه حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ سبب خطاب النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لسُلَيك هو أنَّه رآه بهيئة بذَّةٍ، فدعاه رجاءَ أنْ يراه الناس بتلك الهيئة فيتصدَّقوا عليه، ثم سأله:«أصلَّيت؟ » لاحتمال أنْ يكون صلَّى قبل أن يدعوه، فقال: لا، فأمره بالصلاة.
وهذا لفظ الحديث عن الإمام أحمد
(1)
: عن أبي سعيد قال: «دخل رجلٌ المسجدَ يومَ الجمعة والنَّبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، فدعاه فأمره أن يُصلِّي
(1)
في «المسند» (3/ 25).
ركعتين. ثم دخل الجمعةَ الثانية ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، فدعاه، فأمره. ثم دخل الجمعةَ الثالثة، فأمره أن يصلِّي ركعتين، ثم قال:«تصدقوا» ففعلوا، فأعطاه ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثم قال:«تصدَّقوا» ، فألقى أحد ثوبَيْهِ، فانتهره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكرِهَ ما صَنَع. ثم قال:«انظروا إلى هذا! فإنَّه دخل المسجد في هيئةٍ بذَّةٍ، فدعوتُه، فرجوتُ أن تُعطوا له، فتصدَّقوا عليه وتَكْسُوه، فلم تفعلوا، فقُلت: تصدَّقوا فتصدَّقوا، فأعطيتُه ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثم قلت: تصدَّقوا، فألقى أحدَ ثوبيه. خُذْ ثوبك» ، وانتهره.
وظاهره: أنَّ الأمرَ بالصدقة وإعطاء سُليك الثَوْبَيْن وإلقاءه أحدهما كان في المرَّة الثالثة. ورواية الشافعي
(1)
تُخالف ذلك، فراجِعْها.
والمقصود بيان خطأ من ظنَّ أنَّ المراد: أصلَّيتَ قبل أنْ تجيء.
[ص 20] الوجه الثاني: أنَّه قد يقال: سلَّمنا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم رآه حين دخل المسجد، ولكن جوَّز أن يكون قد جاء قبل ذلك، وإنَّما خرج إلى باب المسجد لحاجةٍ كأن يتنخَّم، ثم عاد. فبناءً على ذلك التجويز سأله هل صلَّى؟
الوجه الثالث: أن يُقَال: سَلَّمْنا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رآه حين دخل المسجد، وأنَّه لم يُجوِّز أن يكون قد جاء قبل ذلك، ولكنَّا نقول: إن قوله: «أصَلَّيْتَ» ليس للاستفهام الحقيقي، وإنَّما هو بمعنى الأمر، كما في قوله سبحانه وتعالى:{وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} [آل عمران: 20]. والمعنى: وقل للَّذين أوتوا الكتاب والأميين:
(1)
في «الأم» (2/ 400)، فسياقها يدل على أن ذلك في المرة الثانية.
أسْلِموا، ذكره في «المغني»
(1)
.
فإن قيل: فما تصنعون بجواب سُلَيْك بقوله: لا؟
فالجواب: أنَّه فهم أنَّ الاستفهام على بابه، ولذلك أعاد النَّبي صلى عليه وآلِهِ وسلَّم الأمر صريحًا، فتأمّل.
فإنْ أبيت إلَّا أنْ تجعل المعنى: أصَلَّيت قبل أن تجيء، فقد حمله أبو شامة على أن المراد: قبل أن تجيء إلى هنا من مؤخر المسجد. ومع هذا فقد قال الحافظ المزي وابن تيمية: إن هذه الكلمة «تجيء» تصحفت في «سنن أبي داود» ، والصواب:«قبل أن تجلس» . وردَّه بعض المعاصرين، فإن بعض المتقدمين إسحاق بن راهويه أو غيره بنى عليها مذهبه، فقال في تحية المسجد: إن كان الرجل قد صلَّى في بيته فلا يُصلِّها، وإلَّا فليصلِّها.
وهذا الجواب قوي إن صحَّ النقلُ، ولكن ذلك لا يفيد القائلين بقبلية الجمعة شيئًا، لما مرَّ إيضاحه، ولله الحمد.
وعلى كل حالٍ فلا يمكن أن يكون المراد قبليَّة للجمعة؛ لأنَّ الأدلَّة الصريحة قد قامت على أنَّ الجمعة لا قبليَّة لها؛ لما مرَّ آنفًا من أنَّ محلَّ القبليَّة بعد دخول الوقت، وبين الأذان والإقامة. وقد عُلِمَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج أوَّل دخول الوقت ــ إن لم يكن قبله ــ عامدًا إلى المنبر، فيؤذِّن المؤذِّنُ، فيقوم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للخطبة. وليس بين خروجه صلى الله عليه وآله وسلم وبين فريضة الجمعة إلَّا الخطبتان، والصَّلاة حينئذٍ حرامٌ إلَّا ركعَتَي التَّحيَّة.
فكيف تكون للجمعة قبليَّة ويكون أداؤها في وقتها الذي هو أول الوقت
(1)
«مغني اللبيب» (1/ 13).
وبين الأذان والإقامة حرامًا، ولو أُدِّيَت فيه لم تنعقد؟! هذا محالٌ.
وأيضًا، قد دلَّ حديث ابن عمر وغيره على عدمها كما مرَّ، فتعيَّن الجمع بين الأدلَّة بما ذكرناه، والله الموفِّقُ، لا ربَّ غيرُه.
[ص 21] وقال بعضهم: إنَّ هذه الأدلَّة التي استدلَّ بها المثبتون وإن كان بعضها غير صحيحٍ، وبعضها غير صريحٍ= فلا أقلَّ من أنْ تفيد بمجموعها المطلوب؛ لِما صرَّحوا به أنَّ الضَّعيف إذا تعدَّدتْ طرقُهُ بَلَغَ رتبة الحَسَن، فيحتجُّ به. وهَبْ أنَّه لا يكون كذلك، فقد صرَّحوا أنَّ الضَّعيف يُعمَلُ به في فضائل الأعمال.
وأقول: الجواب أنَّ بلوغ الضَّعيف رتبةَ الحسن له شروطٌ لم توجد هنا.
وكذلك العمل بالحديث الضَّعيف في فضائل الأعمال له شروطٌ لم تُوجد هنا.
مع أنَّ تلك الأحاديث جميعها غير صريحة في إثبات صلاةٍ قبل الجمعة، بنيَّة راتبةٍ قبليةٍ للجمعة، لِما قدَّمْنَاهُ. وأنَّ ما صحَّ منها فهو محمولٌ على النَّفْلِ المطلق الذي يُصلِّيه الإنسان ما بين دخوله الجامع وخروج الإمام، ولاسيَّما وقد قام الدَّليل على نفي أن تكون للجمعة راتبةٌ قبلية؛ كما مرَّ بيانه.
وفي الختام نقول للمثبتين: مَن كان منكم يُحِبُّ ثبوت راتبةٍ قبليَّةٍ للجمعة ليصلِّيها هو والمسلمون، فيَحُوزوا الفضيلة، فما عليه إلَّا أن يُبكِّرَ إلى الجامع فيصلِّي النَّفل المطلق إلى خروج الإمام، فيحوز فضيلةً أعظم ممَّا طلَبَ.
بل إنَّ الانكفاف عن صلاةٍ راتبةٍ قبليَّةٍ للجمعة امتثالًا للسُنَّة، يُحصِّل له فضيلةً لا تقِلُّ عمَّا طلَبَ.
بل إنَّ الإقدام على صلاة راتبةٍ قبليَّةٍ للجمعة بعد العلم بقيام الدَّليل على عدم مشروعيِّتها معصية كما لا يخفى. ومن بقي في قلبه ريبٌ في بطلانها، فما عليه إلَّا أن يصلي ركعتين أو أربعًا من جملة النفل المطلق الذي قبله، وينوي في قلبه أنه إذا كان في مشيئة الله تعالى للجمعة راتبة قبلية، فهي هذه، وإلَّا فهي نفل مطلق. والتردد في النية مغتفر في مثل هذا.
[ص 22] ومن كان منكم يحبُّ ثبوتها انتصارًا لمَنْ أثبتها من العلماء فهذا غرضٌ آخر، ليس من الدِّين في شيءٍ. والعلماء رضي الله عنهم مأجورون على كُلِّ حال، وليس في المخالفة لهم تبعًا للدَّليل غضاضةٌ عليهم؛ إذ ليس منهم من يُبرِّئُ نفسَه عن الخطأ ويدَّعي لنفسه العِصْمة.
وأيُّهما أسهل؟ مخالفة الله ورسوله، أو مخالفة عالمٍ من العلماء؟
مع أنَّ مخالفة العالم لا تستلزم نقصَه ولا الحط منه؛ فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربَّما خالفوه في الآراء التي ليست من قبيل الوحي. ولم يُعَدَّ ذلك استنقاصًا منهم له صلى الله عليه وآله وسلم، وإلَّا لكَفرُوا. بل كان صلى الله عليه وآله وسلم ربَّما رَجَعَ إلى قولهم في ذلك.
ومن كان منكم يحبُّ ثبوتها لكونه من المقلِّدين للمذهب القائل بثبوتها= فهذا لا ينبغي له أن يُعوِّل على ثبوتها من حيث الدَّليل وعدمه؛ لأنَّه مقلِّدٌ لا يَسأَلُ عن حُجَّة، ولا يُسأَل عن حُجَّة، فهو ملتزمٌ لقول من قلَّده، ولو ثبتت الحُجج القطعيَّة بخلافه. فالواجب عليه أن يقول: أنا مقلِّدٌ لفلان، وفلانٌ قال بثبوتها، ويقف عند ذلك.
فإن تاقت نفسُه إلى الاحتجاج فليُوَطِّن نفسَهُ على قبول الحُجَّة، ولو على خلاف قول إمامه، وإلَّا وَقَعَ في الخطَر من تقديم هواه على ما جاء به الرَّسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجعلِ كلام مقلَّدهِ أصلًا يُردُّ إليه ما خالَفَه من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
والله يهدي من يشاء إلى سراطٍ
(1)
مستقيمٍ.
(1)
كذا بالسين، وهي لغة فصيحة. والصاد أعلى وإن كانت السين هي الأصل. قال الفراء: الصاد لغة قريش الأولين التي جاء بها الكتاب، وعامة العرب يجعلها سينًا. انظر «تاج العروس» (سرط).