الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أَمَّا بعدُ: فقد امتنَّ اللهُ تعالى على الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله بدقة الاستنباط من سُور وآيات القرآن الكريم، حتى إنه أحيانًا يُوَفَّقُ لاستنباط ما يَصل إلى خمسين فائدة.
وقد يَسَّر الله تعالى تتبع هذه السُّور والآيات التي وقف عندها واستنبط منها الفوائد، وتَمَّ حصرها وترتيبها على شكل دروس؛ فتُدَوَّن الآية أو الآيات في أعلى الصفحة، ثم يَليها سردُ ما ذُكر فيها من فوائد، وتَمَّ ترقيمها لِيَسهل على القارئ ضبطُها.
وفيما يلي جدول يُبين السُّور والآيات التي استنبط منها فوائد كثيرة تزيد على عشر فوائد:
من آية 6 من المائدة
…
51 فائدة
من سورة يوسف
…
45 فائدة
من آية 282 - 283 من البقرة
…
37 فائدة
من آية 60 - 82 من الكهف
…
37 فائدة
من آية 1 - 50 من القصص
…
34 فائدة
من آية 17 - 49 من ص
…
25 فائدة
من آية 24 - 37 من الذاريات
…
16 فائدة
من آية 84 - 95 من هود
…
14 فائدة
من آية 12 من المائدة
…
12 فائدة
من آية 58 - 59 من النور
…
12 فائدة
من آية 37 من الأحزاب
…
11 فائدة
وقد تَمَّ نقلُ هذه الفوائد من تفسير الشيخ ابن سعدي رحمه الله المَوسوم بـ «تيسير الكريم الرَّحمن في تفسير كلام المنان» ، والنسخة المعتمدة في نقل هذه الفوائد هي الصادرة عن دار ابن الجوزي، والتي اعتنى بها الأستاذ سعد بن فواز الصميل وَفَّقَه الله، الطبعة الخامسة، 1440 هـ، وإليها تَمَّ عزوُ الأجزاء والصفحات في آخر كلِّ درس؛ فالرقم الأول للجزء، والذي يليه للصفحة فيه.
أسألُ اللهَ تعالى أن يجعل عملَنا كُلَّه صالحًا ولوجهِه خالصًا، ورحم الله الشيخ عبد الرحمن السعدي، وأسكنه فسيح جناته، وبالله التوفيق.
وصَلَّى اللهُ وسَلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
• • •
من أقوال العلماء في امتياز الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله بدقة الاستنباط
قال الشيخ عبد الله بن عقيل رحمه الله:
(1)
.
(2)
.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله:
(3)
.
(1)
تفسير ابن سعدي بهامش المصحف، تحقيق: عبد الرحمن المطيري، طبعة مؤسسة الرسالة، صفحة (9).
(2)
تفسير ابن سعدي، طبعة دار ابن الجوزي، صفحة (أ).
(3)
تفسير ابن سعدي بهامش المصحف، تحقيق: عبد الرحمن المطيري، طبعة مؤسسة الرسالة، صفحة (11).
وقال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله:
(1)
.
• • •
(1)
تفسير ابن سعدي، طبعة دار ابن الجوزي، صفحة (د).
مختارات من أقوال
الشيخ السعدي رحمه الله في تَدَبُّر القرآن الكريم
- «يأمر تعالى بِتَدَبُّرِ كتابه، وهو التأمل في معانيه وتحديق الفِكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك؛ فإن في تدبر كتاب الله مفتاحًا للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كلُّ خير، وتُستخرج منه جميع العلوم
…
». [1/ 329].
- بعد أن استنبط مِنْ آية الوضوء في سورة المائدة إحدى وخمسون فائدة قال: «ينبغي للعبد أن يتدبر الحِكَم والأسرار في شرائع الله، في الطهارة وغيرها؛ ليزداد معرفة وعلمًا، ويزداد شُكرًا لله ومحبة له على ما شَرَعَه من الأحكام التي تُوَصِّل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة» . [1/ 403].
- «ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه ويُنَمِّيه، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب الله تعالى والتأمل لمعانيه» . [2/ 606].
- «
…
هذا وإذا نظرتَ إلى الدليل العظيم والأمر الكبير- وهو تدبر هذا القرآن العظيم والتأمل في آياته- فإنَّه الباب الأعظم إلى العِلْم بالتوحيد، ويَحصل به من تفاصيله وجُمَلِه ما لا يحصل من غيره». [4/ 1658 - 1659].
• • •
الدرس 1
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
فهذه السُّورة -على إيجازها- قد احتوت على ما لم تَحْتَوِ عليه سورةٌ من سُور القرآن.
1 -
فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يُؤخذ من قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة، يُؤخذ من لفظ:{اللَّهِ} ومن قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى؛ التي أثبتَها لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تَشبيه، وقد دل على ذلك لفظ:{الْحَمْدُ} ، كما تقدم.
2 -
وتضمنت إثبات النبوة في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ؛ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة.
3 -
وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ، وأن الجزاء يكون بالعدل؛ لأن الدِّينَ معناه الجزاء بالعدل.
4 -
وتضمنت إثبات القَدَر، وأن العبد فاعل حقيقة، خلافًا للقَدَرِيَّة والجَبْرِيَّة.
5 -
بل تضمنت الردَّ على جميع أهل البدع والضلال في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ؛ لأنه معرفة الحق والعمل به. وكلُّ مبتدع وضال فهو مخالف لذلك.
6 -
وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى؛ عبادة واستعانة في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ، فالحمد لله رب العالمين. [1/ 33 - 34].
• • •
الدرس 2
قال رحمه الله:
وفي هذه الآيات مِنْ العِبَر والآيات:
1 -
إثبات الكلام لله تعالى، وأنه لم يزل متكلمًا؛ يقول ما شاء، ويتكلم بما شاء، وأنه عليم حكيم.
2 -
وفيه أن العبد إذا خَفِيَت عليه حكمةُ الله في بعض المخلوقات والمأمورات؛ فالواجب عليه: التسليم واتِّهام عقله والإقرار لله بالحكمة.
3 -
وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة وإحسانه بهم؛ بتعليمهم ما جهلوا، وتنبيههم على ما لم يعلموه.
4 -
وفيه فضيلة العلم من وجوه:
أ- أن الله تَعَرَّف لملائكته بعلمه وحكمته.
ب- أن الله عَرَّفهم فضل آدم بالعلم، وأنه أفضل صفة تكون في العبد.
ج- أن الله أمرهم بالسجود لآدم؛ إكرامًا له لمَّا بان فضلُ علمه.
د- أن الامتحان للغير إذا عجزوا عما امتحنوا به، ثم عرفه صاحب الفضيلة؛ فهو أكمل مما عرفه ابتداءً.
6 -
الاعتبار بحال أَبَوَي الإنس والجن، وبيان فضل آدم وأفضال الله عليه، وعداوة إبليس له .. إلى غير ذلك من العِبَر. [1/ 55].
• • •
الدرس 3
قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)} إلى قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)} [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
«
…
واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأُمَّة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن، وهذه الأفعال المذكورة خُوطبوا بها، وهي فعل أسلافهم، ونُسِبت إليهم لفوائد عديدة:
1 -
منها أنهم كانوا يتمدحون ويُزَكُّون أنفسهم، ويزعمون فضلهم على محمد صلى الله عليه وسلم ومَن آمن به؛ فبيَّن الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم ما يبين به لكل واحد منهم أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم؛ فكيف الظن بالمخاطبين؟!
2 -
أن نعمة الله على المتقدمين منهم نعمة واصلة إلى المتأخرين، والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها؛ لأنها نِعَمٌ تَشملهم وتَعُمُّهم.
3 -
أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها، حتى كأن متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد، وكأن الحادث من بعضهم حادثٌ من الجميع؛ لأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع، وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع.
4 -
أن أفعالهم أكثرها لم يُنكروها، والراضي بالمعصية شريكٌ للعاصي .. إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها الا الله. [1/ 65 - 66].
• • •
الدرس 4
قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)} [سورة البقرة].
قال رحمه الله: و أضاف الباري البيتَ إليه لفوائد:
1 -
أن ذلك يقتضي شدةَ اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره؛ لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما، ويستفرغان وُسْعَهما في ذلك.
2 -
أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام؛ ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه.
3 -
أن هذه الإضافة هي السبب الجالب للقلوب إليه. [1/ 91 - 92].
• • •
الدرس 5
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)} [سورة البقرة].
قال رحمه الله:
أي: شديدُ الرحمة بهم عظيمُها.
1 -
فمن رأفته ورحمته بهم: أن يَتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها.
2 -
أن مَيَّز عنهم مَنْ دخل في الإيمان بلسانه دون قلبه.
3 -
أن امتحنهم امتحانًا زاد به إيمانُهم، وارتفعت به درجتُهم.
4 -
أن وَجَّههم إلى أشرف البيوت وأجَلِّها. [1/ 104].
• • •
الدرس 6
قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)} إلى قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)} [سورة البقرة].
قال رحمه الله:
وكان صرفُ المسلمين إلى الكعبة مما حصلت فيها فتنة كبيرة أشاعها أهل الكتاب والمنافقون والمشركون، وأكثروا فيها الكلام والشُّبه؛ فلهذا بَسطها الله تعالى، وبَيَّنها أكمل بيان، وأَكَّدها بأنواع من التأكيدات التي تضمنتها هذه الآيات منها:
1 -
الأمر بها ثلاث مرات مع كفاية المرة الواحدة.
2 -
أن المعهود أن الأمر إما أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم فتدخل فيه الأمة تبعًا- أو للأمة عمومًا، وفي هذه الآية أَمَر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخصوص في قوله:{فَوَلِّ وَجْهَكَ} والأمه عمومًا في قوله: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} .
3 -
أنه ردَّ فيه جميع الاحتجاجات الباطلة التي أوردها أهلُ العِناد وأبطلها شبهةً شبهةً، كما تقدم توضيحها.
4 -
أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم قِبلة أهل الكتاب.
5 -
قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} فمجرد إخبار الصادق العظيم كافٍ شافٍ، ولكن مع هذا قال:{وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} .
6 -
أنه أخبر وهو العالم بالخفيات أن أهل الكتاب مُتقرر عندهم صحة هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم. [1/ 109].
• • •
الدرس 7
قال رحمه الله:
ودَلَّت هذه الآية على أن مَنْ لم يصبر فله ضِدُّ ما لَهُم؛ فحصل له الذمُّ من الله والعقوبة والضلال والخسار، فما أعظم الفرق بين الفريقين! وما أقل تعب الصابرين وأعظم عناء الجازعين!
وقد اشتملت هاتان الآيتان على:
1 -
توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها؛ لِتَخِفَّ وتَسْهُل إذا وقعت.
2 -
وبيان ما تُقابل به إذا وقعت، وهو الصبر.
3 -
وبيان ما يُعِين على الصبر وما للصابرين من الأجر.
4 -
ويعلم حال غير الصابر بضد حالة الصابر.
5 -
وأن هذا الابتلاءَ والامتحانَ سُنَّةُ الله التي قد خَلَت، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
6 -
وبيان أنواع المصائب. [1/ 115].
• • •
الدرس 8
قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)} [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)} ؛ فيدخل في ذلك: القولُ على الله بلا علم في شَرعه وقَدَرِه.
1 -
فمَن وصف الله بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، أو نفى عنه ما أثبته لنفسه أو أثبت له ما نفاه عن نفسِه؛ فقد قال على الله بلا علم.
2 -
ومن زعم أن لله ندًّا وأوثانًا تُقرب مَنْ عَبَدَها مِنْ الله؛ فقد قال على الله تعالى بلا علم.
3 -
ومن قال: إن الله أحلَّ كذا أو حَرَّم كذا أو أمر بكذا أو نهى عن كذا بغير بصيرة؛ فقد قال على الله بلا علم.
4 -
ومن قال: اللهُ خَلَقَ هذا الصنف من المخلوقات للعلة الفلانية بلا برهان له بذلك؛ فقد قال على الله بلا علم.
5 -
ومن أعظم القول على الله بلا علم: أن يَتأول المتأولُ كلامَه أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم على معانٍ اصطلح عليها طائفةٌ من طوائف الضلال ثم يقول: إن الله أرادها.
فالقول على الله بلا علم مِنْ أكبر المحرمات وأشملها، وأكبر طرق الشيطان التي يدعو إليها؛ فهذه طرق الشيطان التي يدعو إليها وجنودُه، ويبذلون مكرهم وخداعهم على إغواء الخلق بما يَقدرون عليه. [1/ 124 - 125].
• • •
الدرس 9
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [سورة البقرة].
قال رحمه الله: يخبر تعالى بما منَّ به على عباده؛ بأنه فرض عليهم الصيام كما فرضه على الأمم السابقة؛ لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان، وفيه تنشيط لهذه الأمة؛ بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة التي اختصيتم بها.
ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام؛ فقال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} ، فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى؛ لأن فيه امتثالَ أمر الله واجتنابَ نهيه.
فمما اشتمل عليه من التقوى:
1 -
أن الصائم يترك ما حَرَّم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها التي تميل إليها نفسه؛ متقربًا بذلك إلى الله، راجيًا بتركها ثوابه؛ فهذا من التقوى.
2 -
أن الصائم يُدَرِّبُ نفسه على مراقبة الله تعالى؛ فيترك ما تَهوى نفسه مع قدرته عليه؛ لعلمه باطِّلاع الله عليه.
3 -
أن الصيام يُضَيِّق مجاري الشيطان؛ فإنه يَجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام يضعف نفوذه وتقل منه المعاصي.
4 -
أن الصائم في الغالب تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى.
5 -
أن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقراء المُعْدَمِين، وهذا من خصال التقوى. [1/ 135 - 136].
• • •
الدرس 10
قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)} [سورة البقرة].
قال رحمه الله: أي: ولا تأخذوا أموالكم، أي: أموال غيركم.
أضافه إليهم؛ لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله، ولأن أكله لمال غيره يُجَرِّئ غيره على أكل ماله عنده القدرة.
ولما كان أكلها نوعين: نوعًا بحق، ونوعًا بباطل، وكان المُحَرَّم إنما هو أكلها بالباطل قَيَّدَه تعالى بذلك.
1 -
ويدخل بذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية أو نحو ذلك.
2 -
ويدخل فيه -أيضًا- أخذها على وجه المعاوضة بمعاوضة محرمة؛ كعقود الربا والقمار كلها، فإنها من أكل المال بالباطل؛ لأنه ليس في مقابلة عِوَض مباح.
3 -
ويدخل في ذلك أخذها بسبب غشٍّ في البيع والشراء والإجارة ونحوها.
4 -
ويدخل في ذلك استعمال الأُجراء وأكل أُجرتهم.
5 -
وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه.
6 -
ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تَصح حتى يُقصد بها وجهُ الله تعالى.
7 -
ويدخل في ذلك الأخذ من الزَّكَوات والصدقات والأوقاف والوصايا لمن ليس له حق منها أو فوق حقه؛ فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه. [1/ 140].
• • •
الدرس 11
قال رحمه الله: وأَمَرَهَم أن يأتوا البيوت من أبوابها؛ لما فيه من السهولة عليهم، التي هي قاعدة من قواعد الشرع.
ويستفاد من إشارة الآية أنه:
1 -
ينبغي في كل أمر من الأمور أن يأتيه الإنسان من الطريق السَّهل القريب الذي قد جعل له مُوصلًا.
أ- فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينبغي أن ينظُر في حالة المأمور، ويستعمل معه الرفق والسياسة التي بها يحصل المقصود أو بعضه.
ب- والمتعلم والمُعَلِّم ينبغي أن يَسلك أقرب طريق وأسهله يحصل به مقصوده.
جـ- وهكذا كلُّ مَنْ حاول أمرًا من الأمور وأتاه من أبوابه وثَابَر عليه، فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود. [1/ 141].
• • •
الدرس 12
قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)} [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
«يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله، وهو إخراج الأموال في الطرق المُوصلة إلى الله، وهي كل طرق الخير؛ من صدقة على مسكين أو قريب، أو إنفاق على من تجب مُؤنته.
وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك: الإنفاق في الجهاد في سبيل الله؛ فإن النفقة فيه جهاد بالمال، وهو فرض كالجهاد بالبدن.
وفيها من المصالح العظيمة: الإعانة على تقوية المسلمين، وعلى توهية الشرك وأهله، وعلى إقامة دين الله وإعزازه؛ فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة؛ فالنفقة له كالرُّوح لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله إبطال للجهاد وتسليط للأعداء وشدة تكالُبهم؛ فيكون قوله تعالى:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} كالتعليل لذلك.
والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين:
أ- تَرْك ما أمر به العبد إذا كان تركه موجبًا أو مقاربًا لهلاك البدن أو الرُّوح.
ب- وفِعل ما هو سبب مُوصل إلى تلف النفس أو الرُّوح؛ فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة:
1 -
فمَن ذلك تَرْكُ الجهاد في سبيل الله أو النفقة فيه الموجب لتَسَلُّط الأعداء.
2 -
ومن ذلك تَغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سَفَر مَخوف أو مَحل مُسْبِعَة أو حيَّات، أو يصعد شجرًا أو بُنيانًا خطرًا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك، فهذا ونحوه مِمَّنْ ألقى بيده إلى التهلكة.
3 -
ومن ذلك: الإقامة على معاصي الله واليأس من التوبة.
4 -
ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض التي تَرْكُهَا هلاكٌ للرُّوح والدِّين. [1/ 144].
• • •
الدرس 13
قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)} [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
فيدخل فيه:
1 -
الإحسان بالمال، كما تقدم.
2 -
الإحسان بالجاه بالشفاعات ونحو ذلك.
3 -
ويدخل في ذلك: الإحسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم النافع.
4 -
ويدخل في ذلك: قضاء حوائج الناس؛ من تفريج كرباتهم وإزالة شدائدهم وعيادة مَرْضاهم وتشييع جنائزهم وإرشاد ضَالِّهم وإعانة مَنْ يعمل عملًا، والعمل لِمَنْ لا يُحسن العمل، ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر الله به.
5 -
ويدخل في الإحسان -أيضًا-: الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم:«أن تَعبد اللهَ كأنَّك تَرَاه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .
فمَن اتَّصف بهذه الصفات كان مِنْ الذين قال الله فيهم: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، وكان الله معه يُسَدِّده ويُرشده ويُعينه على كل أموره. [1/ 144 - 145].
• • •
الدرس 14
قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)} [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} دلالة على أمور:
1 -
الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفًا أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف.
2 -
الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام وهو المزدلفة، وذلك -أيضًا- معروف، يكون ليلةَ النحر بائتًا بها، وبعد صلاة الفجر يقف في المزدلفة داعيًا حتى يُسْفِر جدًّا، ويدخل في ذكر الله عنده إيقاع الفرائض والنوافل فيه.
3 -
أن الوقوف بمزدلفة مُتأخر عن الوقوف بعرفة، كما تدل عليه الفاء والترتيب.
4، 5 - أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فِعْلُها وإظهارها
6 -
أن مزدلفة في الحَرَم، كما قَيَّدَه بالحرام.
7 -
أن عرفة في الحِلِّ، كما هو مفهوم التقييد بمزدلفة. [1/ 149].
الدرس 15
قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)} [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
ويدخل في قوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} :
1 -
تكميل الصلوات.
2 -
الإكثار من ذكر الله؛ شكرًا له على نعمة الأمن وعلى نعمة التعليم؛ لما فيه سعادة العبد.
3 -
وفي الآية الكريمة فضيلة العلم، وأنَّ على مَنْ عَلَّمه اللهُ ما لم يكن يعلم الإكثارَ مِنْ ذكر الله.
4 -
وفيه الإشعار -أيضًا- أن الإكثار من ذكره سبب لتعليم علوم أُخر؛ لأن الشكر مقرون بالمزيد. [1/ 178].
• • •
الدرس 16
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)} إلى قوله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)} [سورة البقرة].
قال رحمه الله:
وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرة للأمة:
1 -
منها فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته، وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأن المجاهدين -ولو شَقَّت عليهم الأمور- فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين -ولو استراحوا قليلًا- فإنهم سيتعبون طويلًا.
2 -
ومنها الانتداب لرياسة مَنْ فيه كفاءة، وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين:
أ- إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير.
ب- وإلى القوة التي ينفذ بها الحق.
وأن مَنْ اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره.
3 -
ومنها الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء: أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل ورِكاب؛ لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر مَحض على الناس.
4 -
ومنها أنه ينبغي عنده حضور البأس تقويةُ المجاهدين وتشجيعهم وحثُّهم على القوة الإيمانية، والاتكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء.
5 -
ومنها أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته؛ فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تَنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:«أسألك الثباتَ في الأمر والعزيمةَ على الرشد» .
فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأَتَوْا بكلام يدل على العزم المُصمم لما جاء الوقتُ نكص أكثرُهم.
ويشبه هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «وأسألك الرِّضا بعد القضاء» ؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي. [1/ 183 - 184].
• • •
الدرس 17
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، إلى قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)} [سورة البقرة].
هذه الآيةُ -آية الدَّيْنِ- أطولُ آية في كتاب الله، وقد استنبط الشيخ ابن سعدي رحمه الله منها ومن الآية التي تليها 37 فائدة.
قال رحمه الله: احتوت هذه الآيات على إرشاد الباري عبادَه في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا يقترح على العقلاء أعلى ولا أكمل منها؛ فإن فيها فوائدَ كثيرةً منها:
1 -
جواز المعاملات في الدُّيون؛ سواءً كانت ديون سَلَم أو شراء مُؤَجَّلًا ثمنه، فكله جائز؛ لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين فإنه من مقتضيات الإيمان، وقد أقَرَّهم عليه الملكُ الدَّيَّان.
2 -
وجوب تسمية الأجل في جميع المُدَايَنات وحلول الإجارات.
3 -
إذا كان الأجل مجهولًا فإنه لا يَحِل؛ لأنه غَرَر وخَطر، فيَدخل في المَيْسِر.
4 -
أمره تعالى بكتابه الديون، وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق؛ كالذي للعبد عليه ولاية، وكأموال اليتامى والأوقاف والوكلاء والأمناء، وقد
يقارب الوجوب كما إذا كان الحق متمحضًا للعبد؛ فقد يقوى الوجوب وقد يقوى الاستحباب بحسب الأحوال المقتضية لذلك، وعلى كل حال فالكتابة من أعظم ما تُحفظ به هذه المعاملات المؤجلة؛ لكثرة النسيان ولوقوع المغالطات وللاحتراز من الخونة الذين لا يَخشون الله تعالى.
5 -
أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل؛ فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها، ولا على أحدهما لعداوة ونحوها.
6 -
أن الكتابه بين المتعاملين من أفضل الأعمال ومن الإحسان إليهما، وفيها حفظ حقوقهما وبراءة ذِمَمهما، كما أمره الله بذلك، فليحتسب الكاتب بين الناس هذه الأمور ليَحظى بثوابها.
7 -
أن الكاتب لا بد أن يكون عارفًا بالعدل معروفًا بالعدل؛ لأنه إذا لم يكن عارفًا بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبرًا عدلًا عند الناس رضيًّا لم تكن كتابته مُعتبرة ولا حاصلًا بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق.
8 -
أن من تمام الكتابة والعدل فيها: أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بِحَسَبها، وللعرف في هذا المقام اعتبار عظيم.
9 -
أن الكتابة من نعم الله على العباد التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها، وأن من عَلَّمَه الله الكتابة فقد تَفَضَّل عليه بفضل عظيم.
فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى: أن يقضي بكتابته حاجات العباد ولا يمتنع من الكتابة، ولهذا قال:{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} .
10 -
أن الذي يكتبه الكاتب هو اعتراف مَنْ عليه الحق إذا كان يُحسن التعبير عن الحق الذي عليه، فإن كان لا يحسن ذلك لصغره أو سفهه أو جنونه أو خَرَسه أو عدم استطاعته أملى عنه وليُّه، وقام وليه في ذلك مقامه.
11 -
أن الاعتراف من أعظم الطرق التي تَثبت بها الحقوق حيث أمر الله تعالى أن يكتب الكاتب ما أملى عليه مَنْ عليه الحق.
12 -
ثبوت الولاية على القاصرين مِنْ الصِّغار والمجانين والسفهاء ونحوهم.
13 -
أن الولي يقوم مقام مُوليه في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه.
14 -
أن من أَمنته في معاملة وفَوَّضته فيها، فقوله في ذلك مقبول، وهو نائب منابك؛ لأنه إذا كان الولي على القاصرين يَنوب منابهم، فالذي ولَّيتَه باختيارك وفَوَّضت إليه الأمر أولى بالقبول واعتبار قوله وتقديمه على قولك عند الاختلاف.
15 -
أنه يجب على الذي عليه الحق إذا أملى على الكاتب أن يتقي الله ولا يَبخس الحق الذي عليه؛ فلا يُنقصه في قدره ولا في وصفه ولا في شرط من شروطه أو قيد من قيوده، بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق، كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له، فمن لم يفعل ذلك فهو من المُطَفِّفين الباخسين.
16 -
وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية، وأن ذلك من أعظم خصال التقوى، كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها.
17 -
الإرشاد إلى الإشهاد في البيع، فإن كانت في المداينات فحكمها حكم الكتابة كما تقدم؛ لأن الكتابة هي كتابة الشهادة، وإن كان البيع بيعًا حاضرًا فينبغي الإشهاد فيه، ولا حرج فيه بترك الكتابة لكثرته وحصول المشقة فيه.
18 -
الإرشاد إلى شهادة رجلين عدلين، فإن لم يمكن أو تَعَذَّر أو تَعَسَّر فرجل وامرأتان، وذلك شامل لجميع المعاملات؛ بيوع الإدارة وبيوع الديون وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها.
19 -
أن شهادة المرأتين قائمة مقام الرجل الواحد في الحقوق الدنيوية، وأما في الأمور الدينية؛ كالرواية والفتوى، فإن المرأة فيه تقوم مقام الرجل، والفرق ظاهر بين البابين.
20 -
الإرشاد إلى الحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل، وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالبًا وقوة حافظة الرجل.
21 -
أن الشاهد لو نسي شهادته فَذَكَّرَه الشاهد الآخر فَذَكَرَ؛ أنه لا يضر ذلك النسيان إذا زال بالتذكير؛ لقوله: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} ، ومن باب أولى إذا نسي الشاهد ثم ذكر من دون تذكير، فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين.
22 -
أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين لا عن شك، فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته ولو غلب على ظنه لم يَحل له أن يشهد إلا بما يعلم.
23 -
أن الشاهد ليس له أن يمتنع إذا دعي للشهادة؛ سواء دعي للتحمل أو للأداء، وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة، كما أمر الله بها وأخبر عن نفعها ومصالحها.
24 -
أنه لا يحل الإضرار بالكاتب ولا بالشهيد؛ بأن يُدعَيا في وقت أو حالة تضرهما، وكما أنه نهيٌ لأهل الحقوق والمتعاملين أن يُضاروا الشهود والكُتَّاب فإنه -أيضًا- نهيٌ للكاتب والشهيد أن يُضار المتعاملين أو أحدهما، وفي هذا -أيضًا- أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب.
25 -
وفيها التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف لا يَحل إضرارهم وتحميلهم ما لا يُطيقون؛ فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وكذلك على من أحسن وفعل معروفًا أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف، فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك.
26 -
أنه لا يجوز أخذُ الأجرة على الكتابة والشهادة حيث وجبت؛ لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين.
27 -
التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة، وأن فيها حفظ الحقوق والعدل وقطع التنازع والسلامة من النسيان والذهول، ولهذا قال:{ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} ، وهذه مصالح ضرورية للعباد.
28 -
أن تَعَلُّم الكتابة من الأمور الدينية؛ لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان.
29 -
أن مَنْ خصه الله بنعمة من النعم يحتاج الناس إليها، فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله وأن يقضي بهاحاجاتهم؛ لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة بتذكير الكاتب بقوله:{كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} ، ومع هذا فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته.
30 -
أن الإضرار بالشهود والكتاب فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص ويتبعض، ولهذا لم يقل: فأنتم فُسَّاق أو فاسقون، بل قال:{فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} ، فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه فإنه يحصل به من الفسوق بحسب ذلك.
واستدل بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} : أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ، أي: علمًا تفرقون به بين الحقائق والحق والباطل.
31 -
أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات؛ فمنه -أيضًا- تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تِبيان كل شيء.
32 -
مشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات التي تكفل للعبد حصول حقه؛ سواء عَامَل برًّا أو فاجرًا، أمينًا أو خائنًا؛ فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات.
33 -
أن تمام الوثيقة في الرهن أن يكون مقبوضًا، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض، بل التقييد بكون الرهن مقبوضًا يدل على أنه قد يكون مقبوضًا تحصل به الثقة التامة، وقد لا يكون مقبوضًا؛ فيكون ناقصًا.
34 -
أنه يستدل بقوله: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدَّيْن الذي به الرهن: أن القول قول المرتهن صاحب الحق؛ لأن الله جعل الرهن وثيقة به، فلولا أنه يُقبل قولُه في ذلك لم تحصل به الوثيقة؛ لعدم الكتابة والشهود.
35 -
أنه يجوز التعامل بغير وثيقة ولا شهود؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ، ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله، وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه، ولهذا أمر الله في هذه الحال مَنْ عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته.
36 -
أن مَنْ ائتمنه معاملة فقد عمل معه معروفًا عظيمًا ورضي بدينه وأمانته؛ فيتأكد على مَنْ له عليه الحق أداء الأمانة من الجهتين:
أ- أداء لحق الله وامتثالًا لأمره.
ب- ووفاءً بحق صاحبه الذي رضي بأمانته ووثق به.
37 -
تحريم كتم الشهادة، وأن كاتمها قد أَثِم قلبه الذي هو ملك الأعضاء، وذلك لأن كتمها -كالشهادة بالباطل والزُّور- فيها ضياع الحقوق وفساد المعاملات والإثم المتكرر في حقه وحق من عليه الحق.
وأما تقييد الرهن بالسفر مع أنه يجوز حضرًا وسفرًا، فللحاجة إليه؛ لعدم الكاتب والشهيد.
وختم الآية بأنه عليمٌ بكل ما يعمله العباد؛ كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة، والترهيب من المعاملات السيئة. [1/ 200 - 205].
• • •
الدرس 18
قال رحمه الله:
قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ، أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفِكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصرُه:
1 -
منها أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله.
2 -
أن فيها تسميحًا لخواطرهم وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإنَّ مَنْ له الأمر على الناس إذا جمع أهل الرأي والفضل وشَاوَرَهم في حادثة من الحوادث اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس يَستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع؛ فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته؛ لعلمهم بِسعيه في مصالح العموم، بخلاف مَنْ ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يُحبونه محبة صادقة ولا يطيعونه، وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.
3 -
أن في الاستشارة تنور الأفكار بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.
4 -
ما تنتجه الاستشارة من الرأي المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعل، هـ وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب فليس بمَلوم.
فإذا كان الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو مِنْ أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا وأفضلهم رأيًا-: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ؛ فكيف بغيره؟!
ثم قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ} ، أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه -إن كان يحتاج إلى استشارة- {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ، أي: اعتمد على حول الله وقوته مُتبرئًا من حولك وقوتك؛ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} عليه اللاجئين إليه. [1/ 255 - 256].
• • •
الدرس 19
قال رحمه الله:
أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللَّاتي تحت حجوركم وولايتكم، وخفتم ألَّا تقوموا بحقهن؛ لعدم محبتكم إياهن، فاعدلوا إلى غيرهن وانكحوا {مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ، أي: ما وقع عليهن اختياركم من ذوات الدِّينِ والمال والجمال والحسب والنسب وغير ذلك من الصفات الداعية لنكاحهن؛ فاختاروا على نظركم.
ومِن أحسن ما يُختار من ذلك صفةُ الدِّين؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها؛ فاظفر بذات الدِّينِ، تَرِبَت يمينُك» .
وفي هذه الآية:
1 -
أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل قد أباح له الشارع النظر إلى من يريد تزوجها؛ ليكون على بصيرة من أمره.
2 -
{ذَلِكَ} ، أي: الاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين، {أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)} ، أي: تظلموا، وفي هذا أنَّ تعرض العبد للأمر الذي يُخاف منه
الجور والظلم وعدم القيام بالواجب -ولو كان مباحًا- أنه لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أُعطي العبد.
3 -
أن المهر يُدفَع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملكه بالعقد؛ لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك.
4 -
فيه دليل على أن للمرأة التصرف في مالها ولو بالتبرع إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حُكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء غير ما طابت به.
5 -
وفي قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} دليل على أن نكاح الخبيثه غير مأمور به، بل منهيٌ عنه كالمشركة وكالفاجرة؛ كما قال تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]، وقال:{وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . [1/ 275 - 276].
• • •
الدرس 20
قال تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)} [سورة النساء].
قال رحمه الله:
أي: ينبغي لكم أيها -الأزواج- أن تُمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا.
من ذلك:
1 -
امتثال أمر الله وقبول وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة.
2 -
أن إجباره نفسه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس والتخلق بالأخلاق الجميلة.
3 -
وربما أن الكراهة تزول وتَخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك.
4 -
وربما رُزق منها ولدًا صالحًا؛ فنفع والديه في الدنيا والآخرة.
وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور، فإن كان لا بد من الفراق وليس للإمساك مَحِل، فليس الإمساك بلازم
…
[1/ 293].
• • •
الدرس 21
قال رحمه الله:
ثم ختم الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)} ، أي: كثير العفو والمغفرة لعباده المؤمنين:
1 -
بتيسير ما أمرهم به وتسهيله غاية التسهيل؛ بحيث لا يشق على العبد امتثاله، فيُحرج بذلك.
2 -
ومن عفوة ومغفرته: أن رحم هذه الأمة بشرع طهارة التراب بدل الماء عند تعذُّر استعماله.
3 -
ومن عفوه ومغفرته: أن فَتَحَ للمذنبين باب التوبة والإنابة، ودعاهم إليه ووعدهم بمغفرة ذنوبهم.
4 -
ومن عفوه ومغفرته: أن المؤمن لو أتاه بِقُراب الأرض خطايا، ثم لَقِيَه لا يشرك به شيئًا لأتاه بقرابها مغفرة. [1/ 310].
• • •
الدرس 22
قال رحمه الله:
ثم رَتَّب ما يحصل لهم على فعل ما يُوعظون به، وهو أربعة أمور:
1 -
الخيرية في قوله تعالى: {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} ، أي: لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم من أفعال الخير التي أمروا بها، أي: وانتفى عنهم بذلك صفه الأشرار؛ لأن ثبوت الشيء يستلزم نفي ضده.
2 -
حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يُثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان الذي هو القيام بما وُعظوا به؛ فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يُوفقون به لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد، فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر، فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين عند الموت وفي القبر، وأيضًا فإن العبد القائم بما أمر به لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها؛ فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات.
3 -
قوله: {لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67)} ، أي: في العاجل والآجل الذي يكون للرُّوح والقلب والبدن، ومِن النعيم المقيم؛ مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر.
4 -
الهداية إلى صراط مستقيم.
وهذا عموم بعد خصوص؛ لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم من كونها متضمنة للعلم بالحق ومحبته وإيثاره به والعمل به وتوَقُّف السعادة والفلاح على ذلك؛ فمن هُدي إلى صراط مستقيم فقد وُفِّق لكل خير واندفع عنه كلُّ شَرٍّ وضَيْرٍ. [1/ 320 - 321].
• • •
الدرس 23
قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)} [سورة النساء].
قال رحمه الله:
هذا إخبار من الله بأن المؤمنين يقاتلون في سبيله، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} ؛ الذي هو الشيطان.
في ضمن ذلك عدة فوائد منها:
1 -
أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله وإخلاصه ومتابعته، فالجهاد في سبيل الله مِنْ آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت مِنْ شُعَب الكفر ومقتضياته.
2 -
أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويَحْسُن منه من الصبر والجَلَد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، فأهل الحق أولى بذلك؛ كما قال تعالى في هذا المعنى:{إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} الآية [النساء: 104].
3 -
أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمدًا على ركن وثيق، وهو الحق والتوكل على الله، فصاحب القوة والركن الوثيق يُطلب منه من الصبر والثبات والنشاط ما لا يُطلب ممن يقاتل عن الباطل الذي لا حقيقة له ولا
عاقبة حميدة؛ فلهذا قال تعالى: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)} .
والكيد: سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مَكْرُه مهما بلغ؛ فإنه في غاية الضعف الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق ولا لكيد الله لعباده المؤمنين. [1/ 324 - 325].
• • •
الدرس 24
قال رحمه الله:
كان المسلمون -إذ كانوا بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة، أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النُّصُب والشروط؛ فإنها لم تُفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء؛ لعدة فوائد:
1 -
منها أن من حكمة الباري تعالى: أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم، ويبدأ بالأهم فالأهم والأسهل فالأسهل.
2 -
أنه لو فُرض عليهم القتال مع قلة عَددهم وعُددهم وكثرة أعدائهم لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام؛ فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها، ولغير ذلك من الحِكَم. [1/ 325].
• • •
الدرس 25
قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [سورة النساء].
قال رحمه الله:
يأمر تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمل في معانيه وتحديق الفِكر فيه وفي مبادئه وعواقبه ولوازم ذلك:
1 -
فإن في تدبر كتاب الله مفتاحًا للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كلُّ خير وتُستخرج منه جميع العلوم.
2 -
وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته؛ فإنه:
أ- يُعَرِّف بالرب المعبود وما له من صفات الكمال وما يُنَزَّه عنه من سمات النقص.
ب- ويُعَرِّف الطريق الموصلة إليه وصفة أهلها وما لهم عند القدوم عليه.
ج- ويُعَرِّف العدو؛ الذي هو العدو على الحقيقه والطريق الموصلة إلى العذاب وصفة أهلها وما لهم عند وجود أسباب العقاب.
3 -
وكلما ازداد العبد تأملًا فيه ازداد علمًا وعملًا وبصيرةً؛ لذلك أمر الله بذلك وحَثَّ عليه، وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)} [ص: 29]، وقال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [محمد: 24].
4 -
ومن فوائد التدبر لكتاب الله تعالى: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله؛ لأنه يراه يُصَدِّق بعضه بعضًا ويُوافق بعضه بعضًا.
فترى الحِكَم والقصة والإخبارات تُعاد في القرآن في عدة مواضع كلها متوافقة متصادقة لا يَنقض بعضها بعضًا؛ فبذلك يُعلم كمال القرآن وأنه مِنْ عند مَنْ أحاط علمه بجميع الأمور؛ فلذلك قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} ، فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلًا. [1/ 329 - 330].
• • •
الدرس 26
قال رحمه الله:
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)} ، أي: كامل العلم كامل الحكمة لا يَخفى عليه مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر في أيِّ وقت كان وأيِّ محل كان، ولا يَخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيءٌ، بل كل ما خَلَقَه وشَرَعَه فهو متضمن لغاية الحكمة.
1 -
ومن علمه وحكمته: أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسَبَّب لإعدام نفس محترمة وأخرجها من الوجود إلى العدم؛ فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رقِّ العبودية للخلق إلى الحرية التامة.
2 -
فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربًا إلى الله، ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذه المواضع لعدم المناسبة، بخلاف الظهار.
3 -
ومن حكمته: أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ؛ لتكون رادعةً وكافةً عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك.
4 -
ومن حكمته: أن أُوجبت على العاقلة في قتل الخطأ بإجماع العلماء؛ لكون القاتل لم يُذنب فيَشق عليه أن يَحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك مَنْ بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد، ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذار تحميلهم، ويَخف عليهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخُفِّفت -أيضًا- بتأجيلها عليهم ثلاث سنين.
5 -
ومن حكمته وعلمه: أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل. [1/ 337].
• • •
الدرس 27
قال رحمه الله:
وفي الآية دليل على:
1 -
أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من أكبر الكبائر.
2 -
أن كل من تُوُفِّي فقد استكمل واستوفى ما قُدِّر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك مأخوذ من لفظ «التوفي» ، فإنه يدل على ذلك؛ لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفيًا.
3 -
الإيمان بالملائكة ومدحهم؛ لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم على وجه التقرير والاستحسان منهم وموافقته لمحله، ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه، فقال:{وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)} ، فهؤلاء قال الله فيهم:{فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)} و {عَسَى} ونحوها واجبٌ وقوعها من الله تعالى بمقتضى كرمه وإحسانه.
4 -
وفي الترجية بالثواب لمن عمل بعض الأعمال فائدة: وهو أنه قد لا يوفيه حق توفيته ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرًا فلا يستحق ذلك الثواب، والله أعلم.
5 -
وفي الآية الكريمة دليل على أنَّ من عجز عن المأمور من واجب وغيره، فإنه معذور، كما قال تعالى في العاجزين عن الجهاد:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} ، وقال في عموم الأوامر:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتُكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم» ، ولكن لا يُعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده وانسدت عليه أبواب الحيل؛ لقوله تعالى:{لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} .
6 -
وفي الآية تنبيهٌ على أن الدليل في الحج والعمرة ونحوهما -مما يحتاج إلى سَفَر- من شروط الاستطاعة. [1/ 324 - 343].
الدرس 28
قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)} [سورة النساء].
قال رحمه الله:
أي: فإذا فرغتم من صلاتكم -صلاة الخوف وغيرها- فاذكروا الله في جميع أحوالكم وهيئاتكم، ولكن خُصَّت صلاة الخوف بذلك لفوائد:
1 -
منها أن القلب صلاحه وفلاحه وسعادته بالإنابة إلى الله تعالى في المحبة وامتلاء القلب من ذِكره والثناء عليه، وأعظم ما يحصل به هذا المقصود: الصلاة؛ التي حقيقتها أنها صلة بين العبد وبين ربه.
2 -
أن فيها من حقائق الإيمان ومعارف الإيقان ما أوجب أن يفرضها الله على عباده كل يوم وليلة، ومن المعلوم أن صلاة الخوف لا تحصل فيها هذه المقاصد الحميدة بسبب اشتغال القلب والبدن والخوف، فأمر بجبرها بالذكر بعدها.
3 -
أن الخوف يوجب من قلق القلب وخوفه ما هو مظنة لضعفه، وإذا ضعف القلب ضعف البدن عن مقاومة العدو، والذكر لله والإكثار منه من أعظم مقويات القلب.
4 -
أن الذكر لله تعالى مع الصبر والثبات سبب للفلاح والظفر بالأعداء،
كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)} [الأنفال: 45]؛ فأمر بالإكثار منه في هذه الحال .. إلى غير ذلك من الحِكَم. [1/ 348].
• • •
الدرس 29
قال رحمه الله:
يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم والأخبار الصادقة ما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وفي هذا عدة فوائد:
1 -
منها أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس ببدعٍ من الرسل، بل أرسل الله قبله من المرسلين العددَ الكثير والجَمَّ الغفير؛ فاستغراب رسالته لا وجه له إلا الجهل أو العناد.
2 -
أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم من الأصول والعدل الذي اتفقوا عليه، وأن بعضهم يُصدق بعضًا ويوافق بعضهم بعضًا.
3 -
أنه من جنس هؤلاء الرسل؛ فليعتبره المُعتبر بإخوانه المرسلين، فدعوته دعوتهم وأخلاقهم متفقة ومصدرهم واحد وغايتهم واحدة؛ فلم يقرنه بالمجهولين ولا بالكذابين ولا بالملوك الظالمين.
4 -
أن في ذكر هؤلاء الرسل وتعدادهم من التنويه بهم والثناء الصادق عليهم وشرح أحوالهم مما يزداد به المؤمن إيمانًا بهم ومحبةً لهم واقتداءً بهديهم واستنانًا بسنتهم ومعرفةً بحقوقهم، ويكون ذلك مصداقًا لقوله
تعالى: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79)} [الصافات: 79]، و {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109)} [الصافات: 109]، و {سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120)} [الصافات: 120]، و {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131)} [الصافات: 130 - 131]؛ فكل محسن له من الثناء الحسن بين الأنام بحسب إحسانه، والرسل -خصوصًا هؤلاء المُسَمَّوْن- في المرتبة العليا من الإحسان. [1/ 382].
• • •
الدرس 30
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} ، أي: وأُحل لكم ما علمتم من الجوارح إلى آخر الآية.
دلت هذه الآية على أمور:
1 -
لطف الله بعباده ورحمته لهم؛ حيث وَسَّعَ عليهم طرق الحلال، وأباح لهم ما لم يُذَكُّوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب والفُهود والصَّقر ونحو ذلك مما يَصيد بنابه أو بمخلبه.
2 -
أنه يشترط أن تكون مُعَلَّمَة بما يُعد في العرف تعليمًا؛ بأن يسترسل إذا أُرسل وينزجر إذا زُجر، وإذا أمسك لم يأكل، ولهذا قال:{تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} ، أي: أمسكن من الصيد لأجلكم.
وما أكل منه الجارح؛ فإنه لا يُعلم أنه أمسكه على صاحبه، ولعله أن يكون أمسكه على نفسه.
3 -
اشتراط أن يجرحه الكلب أو الطير ونحوهما؛ لقوله: {مِنَ الْجَوَارِحِ} ، مع ما تقدم من تحريم المنخنقة، فلو خنقه الكلب أو غيره أو قتله
بثقله لم يُبح هذا؛ بناء على أن الجوارح اللاتي يجرحن الصيد بأنيابها أو مخالبها، والمشهور أن الجوارح بمعنى الكواسب؛ أي: المحصلات للصيد والمدركات له، فلا يكون فيها على هذا دلالة، والله أعلم.
4 -
جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن اقتناء الكلب محرم؛ لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جوازَ اقتنائه.
5 -
طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد؛ لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلًا؛ فدل على طهارته.
6 -
فيه فضيلة العلم، وأن الجارح المُعَلَّم بسبب العلم يُباح صيده، والجاهل بالتعليم لا يباح صيده.
7 -
أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير ونحوهما ليس مذمومًا، وليس من العبث والباطل، بل هو أمر مقصود؛ لأنه وسيلة لحِلِّ صيده والانتفاع به.
8 -
فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد؛ قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك.
9 -
فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يُسَمِّ الله متعمدًا لم يبح ما قتل الجارح.
10 -
أنه يجوز أكل ما صاده الجارح؛ سواءً قتله الجارح أم لا، وأنه إن أدركه صاحبه وفيه حياة مستقرة فإنه لا يباح إلا بها. [1/ 395 - 396].
• • •
الدرس 31
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
هذه آية عظيمة قد اشتملت على أحكام كثيرة؛ نذكر منها ما يَسَّره الله وسَهَّله.
1 -
أن هذه المذكورات فيها: امتثالُها والعمل بها من لوازم الإيمان الذي لا يتم إلا به؛ لأنه صدَّرها بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
…
} إلى آخرها، أي: يا أيها الذين آمنوا اعملوا بمقتضى إيمانكم بما شرعناه لكم.
2 -
الأمر بالقيام بالصلاة؛ لقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} .
3 -
الأمر بالنية للصلاة؛ لقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} ، أي: بقصدها ونيتها.
4 -
اشتراط الطهارة لصحة الصلاة؛ لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب.
5 -
أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما عند إرادة الصلاة.
6 -
أن كل ما يُطلق عليه اسم الصلاة من الفرض والنفل وفرض الكفاية وصلاة الجنازة- تُشترط له الطهارة حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء؛ كسجود التلاوة والشكر.
7 -
الأمر بغسل الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحية والذقن طولًا، ومن الأُذن إلى الأُذن عرضًا، ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق بالسُّنَّة، ويدخل فيه الشعور التي فيه؛ لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها.
8 -
الأمر بغسل اليدين، وأن حَدَّهُما إلى المرفقين، و {إِلَى} كما قال جمهور المفسرين بمعنى:(مع)؛ كقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} ، ولأن الواجب لا يتمُّ إلا بغسل جميع المرفق.
9 -
الأمر بمسح الرأس.
10 -
أنه يجب مسح جميعه؛ لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعمُّ المسح بجميع الرأس.
11 -
أنه يكفي المسح كيفما كان؛ بيديه أو أحدهما أو خرقة أو خشبة أو نحوهما؛ لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه.
12 -
أن الواجب المسح فلو غسل رأسه ولم يُمر يده لم يكف؛ لأنه لم يأت بما أمر الله به.
13 -
الأمر بغسل الرِّجْلَيْن إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين.
14 -
فيها الرد على الرافضة على قراءة الجمهور بالنصب: {وَأَرْجُلَكُمْ} ، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين.
15 -
فيه الإشارة إلى مسح الخفين على قراءة الجر في: (وأرجلِكم)، وتكون كل من القراءتين محمولة على معنى؛ فعلى قراءة (النصب) فيها غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة (الجر) فيها مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف.
16 -
الأمر بالترتيب في الوضوء؛ لأن الله تعالى ذكرها مرتبة، ولأنه أدخل ممسوحًا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يُعلم لذلك فائدة غير الترتيب.
17 -
أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية، وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين.
18 -
الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة؛ لتوجد صورة المأمور به.
19 -
الأمر بالغسل من الجنابة.
20 -
أنه يجب تعميم الغسل للبدن؛ لأن الله أضاف التطهر للبدن ولم يخصصه بشيء دون شيء.
21 -
الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة.
22 -
أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي مَنْ هما عليه أن ينوي ثم يعمم بدنه؛ لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء.
23 -
أن الجنب يَصْدُق على من أنزل المني يقظةً أو منامًا أو جَامَعَ ولو لم يُنزل.
24 -
أن من ذَكر أنه احتلم ولم يجد بَلَلًا فإنه لا غسل عليه؛ لأنه لم تتحقق منه الجنابة.
25 -
ذكر مِنَّة الله تعالى على العباد بمشروعية التيمم.
26 -
أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء؛ فيجوز له التيمم.
27 -
أن من جملة أسباب جوازه: السفر والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يُجَوِّزُ التيمم مع وجود الماء؛ لحصول التضرر به، وباقيها يُجَوِّزُه العدم للماء ولو كان في الحَضَر.
28 -
أن الخارج من السبيلين من بول وغائط ينقض الوضوء.
29 -
استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلَّا هذان الأمران، فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره.
30 -
استحباب التكنية عما يُستقذر التلفظ به؛ لقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} .
31 -
أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء.
32 -
اشتراط عدم الماء لصحة التيمم.
33 -
أنه مع وجود الماء -ولو في الصلاة- يبطل التيمم؛ لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء.
34 -
أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء فإنه يلزمه طلبه في رَحله وفيما قرب منه؛ لأنه لا يقال: لم يجد، لمن لم يطلب.
35 -
أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته فإنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم بعد ذلك.
36 -
أن الماء المتغير بالطاهرات مقدم على التيمم؛ أي: يكون طهورًا؛ لأن الماء المتغير ماء فيدخل في قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} .
37 -
أنه لا بد من نية التيمم؛ لقوله: {فَتَيَمَّمُوا} ، أي: اقصدوا.
38 -
أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره، فيكون على هذا قوله:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ؛ إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشادًا للأفضل؛ إذا أمكن التراب الذي فيه غبار منه فهو أولى.
39 -
أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس؛ لأنه لا يكون طيبًا، بل خبيثًا.
40 -
أنه يُمسح في التيمم الوجه واليدان فقط دون بقية الأعضاء.
41 -
أن قوله: {بِوُجُوهِكُمْ} شامل لجميع الوجه وأنه يعمه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما تحت الشعور ولو خفيفة.
42 -
أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط؛ لأن اليدين عند الإطلاق كذلك، فلو كان يُشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء.
43 -
أن الآية عامة في جواز التيمم لجميع الأحداث كلها؛ الحدث الأكبر والأصغر، بل ونجاسة البدن؛ لأن الله جعلها بدلًا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد، وقد يقال: إن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم؛ لأن السياق في الأحداث، وهو قول جمهور العلماء.
44 -
أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان.
45 -
أنه لو نوى مَنْ عليه حدثان التيمم عنهما فإنه يجزئ؛ أخذًا من عموم الآية وإطلاقها.
46 -
أنه يكفي المسح بأي شيء كان بيده أو غيرها؛ لأن الله قال: {فَامْسَحُوا} ، ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء.
47 -
اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين.
48 -
أن الله تعالى فيما شرعه لنا من الأحكام لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده؛ ليطهرهم وليتم نعمته عليهم.
49 -
أن طهارة الظاهر بالماء والتراب تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد والتوبة النصوح.
50 -
أن طهارة التيمم وإن لم يكن فيها نظافة وطهاره تُدرك بالحس والمشاهدة- فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى.
51 -
أنه ينبغي للعبد أن يَتدبر الحِكم والأسرار في شرائع الله في الطهارة وغيرها؛ ليزداد معرفةً وعلمًا، ويزداد شكرًا لله ومحبةً له على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة. [1/ 398 - 403].
• • •
الدرس 32
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} ، أي: بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات.
1 -
أنَّا {لَعَنَّاهُمْ} ، أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا؛ حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يقوموا بالعهد الذي أُخذ عليهم الذي هو سببها الأعظم.
2 -
قوله: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} ، أي: غليظة لا تُجدي فيها المواعظ ولا تنفعها الآيات والنذر؛ فلا يرغبهم تشويق ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد؛ أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده معها الهدى والخير إلا شرًّا.
3 -
أنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه؛ أي: ابتلوا بالتغيير والتبديل، فيجعلون للكلم الذي أراد الله معنى غير ما أراد الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
4 -
أنهم {نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} ؛ فإنهم ذُكروا بالتوراة وبما أنزل الله على موسى فنسوا حظًّا منه، وهذا شامل لنسيان علمه، وأنهم نسوه وضاع عنهم، ولم يوجد كثيرٌ مما أنساهم الله إياه عقوبة منه لهم وشامل لنسيان
العمل الذي هو الترك، فلم يوفقوا للقيام بما أمروا به، ويستدل بهذا على أهل الكتاب بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في كتابهم أو وقع في زمانهم أنه مما نسوه.
5 -
الخيانة المستمرة التي {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} ، أي: خيانة لله ولعباده المؤمنين، ومن أعظم الخيانة منهم: كتمهم الحق عمَّن يعظهم ويُحسن فيهم الظن الحق وإبقاؤهم على كفرهم؛ فهذه خيانة عظيمة.
وهذه الخصال الذميمة حاصلة لكل من اتصف بصفاتهم؛ فكل من لم يقم بما أمر الله به وأُخذ به عليه الالتزام- كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لا يوفق للصواب ونسيان حظ مما ذُكِّر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة؛ نسأل الله العافية.
وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظًّا؛ لأنه هو أعظم الحظوظ، وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية؛ كما قال تعالى:{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)} [القصص: 79]، وقال في الحظ النافع:{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)} [فصلت: 35]. [1/ 406 - 407].
• • •
الدرس 33
قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)} [سورة المائدة].
قال رحمه الله:
قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله {عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} ، أي: بشهادتهما وإقرارهما بأن الحجة قد قامت عليهم وعاندوها، {ذَلِكَ} الكفر واللعن {بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)} ، أي: بعصيانهم لله وظلمهم لعباد الله صار سببًا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن للذنوب والظلم عقوبات، ومن معاصيهم التي أَحَلَّت بهم المَثُلات وأوقعت بهم العقوبات: أنهم {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} ، أي: كانوا يفعلون المنكر ولا ينهى بعضهم بعضًا؛ فيشترك بذلك المباشر وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم؛ فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر مع القدرة موجبًا للعقوبة؛ لما فيه من المفاسد العظيمة؛ منها:
1 -
أن مجرد السكوت فعل معصية وإن لم يباشرها الساكت، فإنه كما يجب اجتناب المعصية فإنه يجب الإنكار على مَنْ فعل المعصية.
2 -
أنه يدل على التهاون بالمعاصي وقلة الاكتراث بها.
3 -
أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يُردعوا عنها؛ فيزداد الشر وتعظم المصيبة الدينية والدنيويه، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر؛ حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولًا.
4 -
أن في ترك الإنكار للمنكر يندرس العلم ويكثر الجهل، فإن المعصية مع تكرارها وصدورها من كثير من الأشخاص وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها يُظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالًا، وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقًّا؟!
5 -
أن بالسكوت على معصية العاصين ربما تزينت المعصية في صدور الناس واقتدى بعضهم ببعض؛ فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه.
فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة نَصَّ الله تعالى أن بني إسرائيل -الكفار منهم- لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} . [1/ 439 - 440].
• • •
الدرس 34
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة، ويخبر أنها من عمل الشيطان، وأنها رجس {فَاجْتَنِبُوهُ} ، أي: اتركوه؛ {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} ، فإن الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله خصوصًا هذه الفواحش المذكورة، وهي:
الخمر: وهو كل ما خامر العقل؛ أي: غطاه بسكره.
والميسر: وهو جميع المغالبات التي فيها عِوَض من الجانبين؛ كالمراهنة ونحوها.
والأنصاب: وهي الأصنام والأنداد ونحوها مما يُنصب ويعُبد من دون الله، والأزلام التي يستقسمون بها.
فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها؛ فمنها:
1 -
أنها رجس، أي: نجس خبث معنى، وإن لم تكن نجسة حسًّا، والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها.
2 -
أنها من عمل الشيطان الذي هو أعدى الأعداء للإنسان، ومن المعلوم أن العدو يُحذر منه وتحذر مصايده وأعماله؛ خصوصًا الأعمال التي يعملها ليوقع فيها عدوه، فإنها فيها هلاكه، فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو المبين والحذر منها والخوف من الوقوع فيها.
3 -
أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها، فإن الفلاح هو الفوز بالمطلوب المحبوب والنجاة من المرهوب، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومُعوقة له.
4 -
أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بَثِّها خصوصًا الخمر والميسر؛ ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء؛ فإن في الخمر من انقلاب العقل وذهاب حجاه ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين خصوصًا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل، وما في الميسر -من غلبة أحدهما للآخر وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة- ما هو أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء.
5 -
أن هذه الأشياء تصد القلب -ويتبعه البدن- عن ذكر الله وعن الصلاة اللَّذَيْن خُلِق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر يصدان عن ذلك أعظم صد ويشتغل قلبه ويذهل لُبُّه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة ولا يدري أين هو؟! [1/ 443 - 444].
• • •
الدرس 35
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106)} إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)} [سورة المائدة].
قال رحمه الله:
وحاصل هذا: أن الميت إذا حضره الموت في سفر ونحوه مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين، فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين جاز أن يوصي إليهما، ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة أنهما ما خانا ولا كذبا ولا غَيَّرا ولا بدَّلَا فيبرآن بذلك مِنْ حق يتوجه إليهما، فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين؛ فإن شاء أولياء الميت فليقم منهم اثنان فيقسمان بالله لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين وأنهما خانا وكذبا فيَستحقون منهما ما يدَّعون، وهذه الآيات الكريمة نزلت في قصة تميم الداري وعدي بن بداء المشهورة حين أوصى لهما العدويُّ، والله أعلم.
ويستدل بالآيات الكريمات على عدة أحكام منها:
1 -
أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي.
2 -
أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلامته ما دام عقله ثابتًا.
3 -
أن شهادة الوصية لا بد فيها من اثنين عدلين.
4 -
أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة، وهذا مذهب الإمام أحمد، وزعم كثير من أهل العلم أن هذا الحكم منسوخ، وهذه دعوى لا دليل عليها.
5 -
أنه ربما استُفيد من تلميح الحكم، ومعناه: أن شهادة الكفار -عند عدم غيرهم- حتى في غير هذه المسألة مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
6 -
جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذورٌ.
7 -
جواز السفر للتجارة.
8 -
أن الشاهدين إذا ارتيب منهما ولم تَبد قرينة تدل على خيانتهما وأراد الأولياء أن يؤكدوا عليهم اليمين يَحبسوهما من بعد الصلاة؛ فيقسمان بصفةِ ما ذكر الله تعالى.
9 -
أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم يكن حاجة إلى حبسهما وتأكيد اليمين عليهما.
10 -
تعظيم أمر الشهادة؛ حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط.
11 -
أنه يجوز امتحان الشاهدين عند الريبة منهما وتفريقهما؛ لينظر عن شهادتهما.
12 -
أنه إذا وجدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه المسألة- قام اثنان من أولياء الميت فأقسما بالله أن أيماننا أصدق من أيمانهما ولقد خانا وكذبا، ثم يدفع إليهما ما ادَّعَياه، وتكون القرينة مع أيمانهما قائمة مقام البينة. [1/ 453 - 454].
• • •
الدرس 36
قوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)} [سورة الأنعام].
قال رحمه الله:
أي: ولكن ليذكرهم ويعظهم؛ لعلهم يتقون الله تعالى، وفي هذا دليل على:
1 -
أنه ينبغي أن يستعمل المُذَكِّر من الكلام ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى.
2 -
وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ مما يزيد الموعوظ شرًّا إلى شره كان تركه هو الواجب؛ لأنه إذا ناقض المقصود كان تركه مقصودًا. [1/ 482 - 483].
• • •
الدرس 37
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يقول تعالى: لا أحد أعظم ظلمًا ولا أكبر جرمًا ممن كذب على الله بأن نسب إلى الله قولًا أو حكمًا وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم الخلق؛ لأن فيه من الكذب وتغيير الأديان أصولها وفروعها ونسبة ذلك إلى الله ما هو من أكبر المفاسد، ويدخل في ذلك:
1 -
ادِّعاء النبوة، وأن الله يوحي إليه وهو كاذب في ذلك، فإنه مع كذبه على الله وجرأته على عظمته وسلطانه يوجب على الخلق أن يَتَّبعوه، ويجاهدهم على ذلك، ويستحل دماء مَنْ خالفه وأموالهم.
2 -
ويدخل في هذه الآية كل مَنْ ادعى النبوة؛ كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمختار وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، أي: ومن أظلم ممن زعم أنه يقدر على ما يقدر الله عليه ويجاري الله في أحكامه ويشرع من الشرائع كما يشرعه الله.
3 -
ويدخل في هذا كل مَنْ يزعم أنه يقدر على معارضة القرآن، وأنه
في إمكانه أن يأتي بمثله، وأيُّ ظلم أعظم من دعوى الفقير -العاجز بالذات الناقص من كل وجه- مشاركة القوي الغنى الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه في ذاته وأسمائه وصفاته؟! [1/ 491].
• • •
الدرس 38
قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [سورة الأنعام].
قال رحمه الله:
ويدخل تحت هذا المنهي عنه:
1 -
ما ذُكِر عليه اسم غير الله؛ كالذي يذبح للأصنام وآلهة المشركين، فإن هذا مما أُهِلَّ لغير الله به المُحَرَّم بالنص عليه خصوصًا.
2 -
ويدخل في ذلك متروك التسمية مما ذُبِح لله؛ كالضحايا والهدايا أو للحم والأكل إذا كان الذابح متعمدًا ترك التسمية عند كثير من العلماء.
ويخرج من هذا العموم: الناسي بالنصوص الأُخر الدالة على رفع الحرج عنه.
3 -
ويدخل في هذه الآية: ما مات بغير ذكاة من الميتات، فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه
…
4 -
ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف التي يَكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم لا تدل بمجردها على أنها حق ولا تُصدق حتى تُعرض على كتاب الله وسنة رسوله؛ صلى الله عليه وسلم فإن شَهِدَا لها بالقبول قُبلت، وإن ناقضتهما رُدَّت، وإن لم يُعلم شيء من
ذلك تُوقف فيها ولم تُصدق ولم تُكذب؛ لأن الوحي والإلهام يكون من الرحمن ويكون من الشيطان، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان، وبعدم التفريق بين الأمرين حصل من الغلط والضلال ما لا يُحصيه إلا الله. [1/ 505 - 506].
• • •
الدرس 39
قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)} [سورة الأنعام].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
1 -
وفي هذه الآية دليلٌ على وجوب الزكاة في الثمار، وأنه لا حَوْلَ لها، بل حَوْلُها: حصادها في الزروع وجذاذ النخيل.
2 -
وأنه لا تتكرر فيها الزكاة لو مكثت عند العبد أحوالًا كثيرة إذا كانت لغير التجارة؛ لأن الله لم يأمر بالإخراج منه إلا وقت حصاده.
3 -
وأنه لو أصابها آفة قبل ذلك بغير تفريط من صاحب الزرع والثمر أنه لا يضمنها.
4 -
وأنه يجوز الأكل من النخل والزرع قبل إخراج الزكاة منه، وأنه لا يحسب ذلك من الزكاة، بل يزكي المال الذي يبقى بعده.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث خارصًا يخرص للناس ثمارهم، ويأمره أن يدع لأهلها الثُّلُث أو الرُّبُع بحسب ما يعتريها من الأكل وغيره من أهلها وغيرهم. [1/ 516].
• • •
الدرس 40
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
هذا إخبار من الله أن المشركين سيحتجون على شركهم -وتحريمهم ما أَحَلَّ اللهُ- بالقضاء والقدر، ويجعلون مشيئة الله الشاملة لكل شيء من الخير والشر حجة لهم في دفع اللوم عنهم، وقد قالوا ما أخبر الله أنهم سيقولونه كما قال في الآية الأخرى:{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل: 35].
فأخبر تعالى أن هذه الحجة لم تَزل الأمم المكذبة تدفع بها عنهم دعوة الرسل، ويحتجون بها فلم تُجْدِ فيهم شيئًا ولم تنفعهم، فلم يزل هذا دأبهم حتى أهلكهم الله وأذاقهم بأسه، فلو كانت حجة صحيحة لدفعت عنهم العقاب، ولما أحل الله بهم العذاب؛ لأنه لا يحل بأسه إلا بمن استحقه، فعلم أنها حجة فاسدة وشبهه كاسدة من عدة أوجه:
1 -
ما ذكر الله من أنها لو كانت صحيحة لم تحل بهم العقوبة.
2 -
أن الحجة لا بد أن تكون حجة مستندة إلى العلم والبرهان، فأما إذا
كانت مستندة إلى مجرد الظن والخرص الذي لا يغني من الحق شيئًا فإنها باطلة، ولهذا قال:{قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} .
فلو كان لهم علم وهم خصوم ألداء لأخرجوه، فلما لم يخرجوه عُلم أنه لا علم عندهم؛ {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)} ، ومن بنى حججه على الخرص والظن فهو مبطل خاسر؛ فكيف إذا بناها على البغي والعناد والشر والفساد؟!
3 -
أن الحجة لله البالغة -التي لم تُبق لأحد عذرًا- التي اتفقت عليها الأنبياء والمرسلون والكتب الإلهية والآثار النبوية والعقول الصحيحة والفِطَر المستقيمة والأخلاق القويمة، فعلم بذلك أن كل ما خالف هذه الآية القاطعة باطل؛ لأن نقيض الحق لا يكون إلا باطلًا.
4 -
أن الله تعالى أعطى كل مخلوق قدرة وإرادة يتمكن بها من فعل ما كُلِّف به، فلا أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حَرَّم على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر ظلم محض وعناد صِرف.
5 -
أن الله تعالى لم يُجبر العباد على أفعالهم، بل جعل أفعالهم تبعًا لاختيارهم، فإن شاءوا فعلوا وإن شاءوا كفوا، وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر وأنكر المحسوسات، فإن كل أحد يفرق بين الحركة الاختيارية والحركة القسرية وإن كان الجميع داخلًا في مشيئة الله ومندرجًا تحت إرادته.
6 -
أن المحتجين على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك، فإنهم لا يمكنهم أن يَطَّرِدُوا ذلك، بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك واحتج بالقضاء والقدر لما قَبِلوا منه هذا الاحتجاج ولغضبوا من ذلك أشد الغضب؛ فيا عجبًا كيف يحتجون به على معاصي الله ومساخطه، ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابلة مساخطهم؟!
7 -
أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودًا ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق ويرون أنه الحق بمنزلة الصائل؛ فهم يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام ولو كانوا يعتقدونه خطأ. [1/ 520 - 521].
• • •
الدرس 41
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي هذه الآيات:
1 -
دليل على أن علم القرآن أَجَلُّ العلوم وأبركها وأوسعها، وأنه به تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم هداية تامة لا يحتاج معها إلى تخرُّص المتكلفين ولا إلى أفكار المتفلسفين، ولا لغير ذلك من علوم الأولين والآخرين.
2 -
أن المعروف أنه لم ينزل جنس الكتاب إلا على الطائفتين من اليهود والنصارى؛ فهم أهل الكتاب عند الإطلاق، لا يدخل فيهم سائر الطوائف لا المجوس ولا غيرهم.
3 -
فيه ما كان عليه الجاهلية قبل نزول القرآن من الجهل العظيم وعدم العلم بما عند أهل الكتاب الذين عندهم مادة العلم، وغفلتهم عن دراسة كتبهم. [1/ 526].
• • •
الدرس 42
قال رحمه الله:
وفي هذه الآية:
1 -
دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختياريه لله تعالى؛ كالاستواء والنزول والإتيان لله تبارك وتعالى من غير تشبيه له بصفات المخلوقين، وفي الكتاب والسنة من هذا شيء كثير.
2 -
أن من جملة أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها.
3 -
أن الله تعالى حكيم قد جَرَت عادته وسُنَّته: أن الإيمان إنما ينفع إذا كان اختياريًّا لا اضطراريًّا، كما تقدم.
4 -
أن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه؛ فالطاعة والبر والتقوى إنما تنفع وتنمو إذا كان مع العبد إيمان، فإذا خلا القلب من الإيمان لم ينفعه شيء من ذلك. [1/ 527].
• • •
الدرس 43
قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)} [سورة الأعراف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قال إبليس معارضًا لربه: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} ، ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله:{خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)} ، وموجب هذا: أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين لعلو النار على الطين وصعودها، وهذا القياس من أفسد الأقيسة؛ فإنه باطل من عدة أوجه:
1 -
أنه في مقابلة أمر الله له بالسجود والقياس إذا عارض النص فإنه قياس باطل؛ لأن المقصود بالقياس أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص يقارب الأمور المنصوص عليها ويكون تابعًا لها، فأما قياس يعارضها ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص فهذا القياس من أشنع الأقيسة.
2 -
أن قوله: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} بمجردها كافية لنقص إبليس الخبيث، فإنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبره والقول على الله بلا علم؛ وأيُّ نقص أعظم من هذا؟!
3 -
أنه كَذَب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب؛ فإن مادة الطين فيها من الخشوع والسكون والرزانة، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار ففيها الخفة
والطيش والإحراق، ولهذا لما جرى من إبليس ما جرى انحط من مرتبته العالية إلى أسفل السافلين. [2/ 535 - 536].
• • •
الدرس 44
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي هذه الآيات:
1 -
دليل على أن الأوامر والنواهي تابعة للحكمة والمصلحة؛ حيث ذكر تعالى أنه لا يُتَصَوَّر أن يأمر بما تَستفحشه وتنكره العقول.
2 -
أنه لايأمر إلا بالعدل والإخلاص.
3 -
أن الهدايه بفضل الله ومَنِّه.
4 -
أن الضلالة بخذلانه للعبد إذا تَوَلَّى -بجهله وظُلمه- الشيطانَ، وتسبب لنفسه بالضلال.
5 -
أن مَنْ حسب أنه مهتد وهو ضال، فإنه لا عذر له؛ لأنه متمكن من الهدى، وإنما أتاه حسبانه من ظلمه بترك الطريق الموصل إلى الهدى. [2/ 541].
• • •
الدرس 45
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قوله تعالى: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا} ، أي: يمتنع على مثلنا أن نعود فيها، فإن هذا من المحال؛ فآيسهم عليه الصلاة والسلام من كونه يوافقهم من وجوه متعددة:
1 -
من جهة أنهم كارهون لها مبغضون لما هم عليه من الشرك.
2 -
من جهة أنه جعل ما هم عليه كذبًا، وأشهدهم أنه إن اتبعهم ومن معه فإنهم كاذبون.
3 -
اعترافهم بمنة الله عليهم؛ إذ أنقذهم الله منها.
4 -
أن عودهم فيها بعد ما هداهم الله من المحالات بالنظر إلى حالتهم الراهنة وما في قلوبهم من تعظيم الله تعالى والاعتراف له بالعبودية، وأنه الإله وحده الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، وأن آلهة المشركين أبطل الباطل وأمحل المحال.
وحيث إن الله مَنَّ عليهم بعقول يعرفون بها الحق والباطل والهدى
والضلال، وأما من حيث النظر إلى مشيئة الله وإرادته النافذة في خلقه التي لا خروج لأحد عنها ولو تواترت الأسباب وتوافقت القوى، فإنهم لا يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون شيئًا أو يتركونه، ولهذا استثنى {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} ، أي: فلا يمكننا ولا غيرنا الخروج عن مشيئته التابعة لعلمه وحكمته، وقد {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} ؛ فيعلم ما يصلح للعباد وما يُدبرهم عليه، {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} ، أي: اعتمدنا أنه سيثبتنا على الصراط المستقيم، وأن يعصمنا من جميع طرق الجحيم؛ فإن من توكل على الله كفاه ويَسَّر له أمر دينه ودنياه. [2/ 564 - 565].
• • •
الدرس 46
قال رحمه الله:
وهذا الذي آتاه الله آياته يحتمل أن المراد به شخص معين قد كان منه ما ذكره الله؛ فقص الله قصته تنبيهًا للعباد، ويحتمل أن المراد بذلك أنه اسم جنس وأنه شامل لكل من آتاه الله آياته فانسلخ منها.
وفي هذه الآيات:
1 -
الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه وعصمة من الشيطان.
2 -
الترهيب من عدم العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين وتسليط للشيطان عليه.
3 -
اتباع الهوى وإخلاد العبد إلى الشهوات يكون سببًا للخذلان. [2/ 593].
• • •
الدرس 47
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
{أُولَئِكَ} الذين اتصفوا بتلك الصفات {هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} ؛ لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق الله وحقوق عباده، وقدَّم تعالى أعمال القلوب؛ لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها.
1 -
فيها دليل على أن الإيمان يزيد وينقص؛ فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها.
2 -
ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه ويُنميه.
3 -
أَنَّ أَولى ما يحصُلُ به ذلك تدبر كتاب الله تعالى والتأمل لمعانيه. [2/ 606].
• • •
الدرس 48
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
أي: اذكروا نعمة الله عليكم لما قارب التقاؤكم بعدوكم استغثتم بربكم وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم؛ {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} وأغاثكم بعدة أمور؛ منها:
1 -
أن الله أمدكم {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)} ، أي: يردف بعضهم بعضًا.
2 -
ومِن نصره واستجابته لدعائكم: أن أنزل عليكم نعاسًا {يُغَشِّيكُمُ} ، أي: فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون {أَمَنَةً} لكم وعلامة على النصر والطمأنينة.
3 -
ومن ذلك: أنه أنزل عليكم من السماء مطرًا؛ ليُطهركم به من الحدث والخَبَث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه.
4 -
ومن ذلك: أن الله أوحى إلى الملائكة: {أَنِّي مَعَكُمْ} بالعون والنصر والتأييد. [2/ 608].
• • •
الدرس 49
قصة غزوة بدر في سورة الأنفال من قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)} إلى قوله تعالى: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)} [سورة الأنفال].
قال رحمه الله:
وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدل على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله حقًّا:
1 -
منها أن الله وعدهم وعدًا فأنجزهموه.
2 -
ومنها ما قال الله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
…
} الآية [آل عمران: 13].
3 -
ومنها إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذكره من الأسباب.
4 -
الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين، وتقييض الأسباب التي بها ثبت إيمانهم وثبتت أقدامهم وزال عنهم المكروه الوساوس الشيطانية.
5 -
أن من لطف الله بعبده أن يُسهل عليه طاعته وييسرها بأسباب داخلية وخارجية. [2/ 609].
• • •
الدرس 50
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)} [سورة الأنفال].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
فذكر هنا أن مَنْ اتَّقى الله حصل له أربعة أشياء؛ كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها:
1 -
الفرقان، وهو العلم والهدى الذي يُفَرِّق به صاحبه بين الهدى والضلال والحق والباطل والحلال والحرام وأهل السعادة من أهل الشقاوة.
2، 3 - تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، وكل واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق، وعند الاجتماع يُفَسَّر تكفير السيئات بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر.
4 -
الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه. [2/ 615].
• • •
الدرس 51
قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)} [سورة الأنفال].
قال رحمه الله:
يقول تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا} ، أي: الكفار المحاربون، أي: مالوا إلى السَّلْم، أي: الصلح وترك القتال {فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ، أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلًا على ربك؛ فإن في ذلك فوائد كثيرة منها:
1 -
أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك كان أولى لإجابتهم.
2 -
أن في ذلك إجمامًا لِقُواكم واستعدادًا منكم لقتالهم في وقت آخر إن احتيج إلى ذلك.
3 -
أنكم إذا أصلحتُم وأمن بعضكم بعضًا وتمكن كلٌّ من معرفة ما عليه الآخر؛ فإن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.
فكل مَنْ له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأديان؛ لحُسنه في أوامره ونواهيه، وحُسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم، وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجهٍ؛ فحينئذ يَكثر الراغبون فيه والمُتَّبعون له، فصار هذا السَّلْم عونًا للمسلمين على الكافرين.
ولا يُخاف من السَّلْم إلا خَصْلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم
بذلك خَدْع المسلمين وانتهاز الفرصة فيهم؛ فأخبرهم الله أنه حسبهم وكافيهم خداعهم، وأن ذلك يعود عليهم ضرره؛ فقال تعالى:{وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} ، أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهماتك؛ فقد سبق لك من كفايته لك ونصره ما يطمئن به قلبك. [2/ 627 - 628].
• • •
الدرس 52
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
النسيء: هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من جملة بدعهم الباطلة: أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال في بعض أوقات الأشهر الحرم رأوا بآرائهم الفاسدة أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم أو يقدموه ويجعلوا مكانه من أشهر الحِل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حرامًا؛ فهذا -كما أخبر الله عنهم- أنه زيادة في كفرهم وضلالهم لما فيه من المحاذير؛ منها:
1 -
أنهم ابتدعوه مِنْ تلقاء أنفسهم وجعلوه بمنزلة شرع الله ودينه، والله ورسوله صلى الله عليه وسلم بريئان منه.
2 -
أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حرامًا والحرام حلالًا.
3 -
أنهم مَوَّهوا على الله بزعمهم وعلى عباده ولَبَّسوا عليهم دينهم، واستعملوا الخداع والحيلة في دين الله.
4 -
أن العوائد المخالفة للشرع مع الاستمرار عليها يزول قُبحها عن
النفوس، وربما ظُنَّ أنها عوائد حسنة، فحصل من الغلط والضلال ما حصل.
ولهذا قال: {
…
يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ}، أي: ليوافقوها في العدد؛ {فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} .
أي: زَيَّنت لهم الشياطين الأعمال السيئة؛ فرأوها حسنة بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)} ، أي: الذي انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، فلو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا. [2/ 651 - 652].
• • •
الدرس 53
قال رحمه الله:
وفي هذه الآية الكريمة:
1 -
فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدوا مَنْ أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم كافرًا؛ لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها.
2 -
فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش لها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته.
3 -
أن الحزن قد يَعرض لخواص عباده الصِّدِّيقين، مع أن الأولى إذا نزل بالعبد أن يسعى في ذهابه عنه؛ فإنه مضعف للقلب موهن للعزيمة. [2/ 655].
• • •
الدرس 54
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
أي: ومِن هؤلاء المنافقين {الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ} بالأقوال الرديَّة والعيب له ولدينه.
{وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} ، أي: لا يُبالون بما يقولون من الأذية للنبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون: إذا بلغه عنَّا بعض ذلك جئنا نعتذر إليه فيقبل منا؛ لأنه أُذُنٌ، أي: يقبل كل ما يقال له لا يميز بين صادق وكاذب. وقصدهم -قَبَّحهم الله- فيما بينهم: أنهم غير مكترثين بذلك ولا مهتمين به؛ لأنه إذا لم يبلغه فهذا مطلوبهم، وإن بلغه اكتفوا بمجرد الاعتذار الباطل؛ فأساءوا كل الإساءة من أوجه كثيرة:
1 -
أعظمها أذية نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي جاء لهدايتهم وإخراجهم من الشَّقاء والهلاك إلى الهدى والسعادة.
2 -
عدم اهتمامهم -أيضًا- بذلك، وهو قَدْرٌ زائد على مجرد الأذية.
3 -
قدحهم في عقل النبي صلى الله عليه وسلم وعدم إدراكه وتفريقه بين الصادق والكاذب، وهو أكمل الخلق عقلًا وأتمهم إدراكًا وأثقبهم رأيًا وبصيرة، ولهذا قال تعالى:{قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} ، أي: يقبل من قال له خيرًا وصدقًا. [2/ 663].
• • •
الدرس 55
قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)} [سورة التوبة].
قال رحمه الله:
وهذا -أيضًا- من مخازي المنافقين، فكانوا -قَبَّحهم الله- لا يَدَعون شيئًا من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالًا إلا قالوا وطعنوا بغيًا وعدوانًا، فلما حث الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على الصدقة بادر المسلمون إلى ذلك، وبذلوا من أموالهم؛ كلٌّ على حسب حاله، منهم المكثر ومنهم المقل؛ فيَلمزون المكثر منهم بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة، وقالوا للمقل الفقير: إن الله غني عن صدقة هذا! فأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ} ، أي: يعيبون ويطعنون {الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} فيقولون: مُراءون قصدهم الفخر والرياء، ويلمزون الَّذين لا يَجِدون إلا جُهْدَهم فيخرجون ما استطاعوا، ويقولون: الله غني عن صدقاتهم؛ {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} . فقابلهم الله على صنيعهم بأن سخر منهم، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)}؛ فإنهم جمعوا في كلامهم هذا بين عدة محاذيرمنها:
1 -
تتبعهم لأحوال المؤمنين وحرصهم على أن يجدوا مقالًا يقولونه فيهم، والله يقول:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
2 -
طعنهم بالمؤمنين؛ لأجل إيمانهم كفرًا بالله تعالى وبُغضًا للدِّين.
3 -
أن اللَّمْزَ مُحرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة فأقبح وأقبح.
4 -
أن من أطاع الله وتطوع بخصلة من خصال الخير، فإن الذي ينبغي هو إعانته وتنشيطه على عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم وعابوهم عليه.
5 -
أن حكمهم على من أنفق مالًا كثيرًا بأنه مراء- غلطٌ فاحش وحكم على الغيب ورَجْمٌ بالظن، وأيُّ شر أكبر من هذا؟!
6 -
أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة: «الله غني عن صدقة هذا» كلام مقصوده باطل؛ فإن الله غني عن صدقة المتصدقين بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فالله -وإن كان غنيًا- فهم فقراء إليه؛ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)} [الزلزلة: 7]، وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بَيِّن، ولهذا كان جزاؤهم أن يَسخر الله منهم، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)} . [2/ 671 - 672].
• • •
الدرس 56
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يقول تعالى: {الْأَعْرَابُ} وهم سكان البادية والبراري {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب كثيرة منها:
أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، فهم أحرى {وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي بخلاف الحاضرة؛ فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فيحدث لهم بسبب هذا العلم تصورات حسنة وإرادات للخير الذي يعلمون ما لا يكون في البادية، وفيهم من لطافة الطبع والانقياد للداعي ما ليس في البادية
…
وفي هذه الآية دليل على:
1 -
أن الأعراب أحرص على الأموال وأشحُّ فيها.
2 -
الأعراب كأهل الحاضرة؛ منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم الله على مجرد تَعَرُّبِهم وباديتهم، إنما ذَمَّهم على ترك أوامر الله وأنهم في مظنة ذلك.
3 -
أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ويَغلظ ويَخف بحسب الأحوال.
4 -
فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الشرِّ ممن يعرفه؛ لأن الله ذم الأعراب وأخبر أنهم أشد كفرًا ونفاقًا وذكر السبب الموجب لذلك، وأنهم أجدر ألَّا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
5 -
أن العلم النافع الذي هو أنفع العلوم: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أصول الدين وفروعه؛ كمعرفة حدود الإيمان والإسلام والإحسان والتقوى والفلاح والطاعة والبر والصلة والإحسان والكفر والنفاق والفسوق والعصيان والزنا والخمر والربا ونحو ذلك، فإن في معرفتها يُتمكن من فعلها إن كانت مأمورًا بها، أو تركها إن كانت محظورة، ومن الأمر بها أو النهي عنها.
6 -
أنه ينبغي للمؤمن أن يؤدي ما عليه من الحقوق مُنشرح الصدر مطمئن النفس، ويحرص أن تكون مغنمًا ولا تكون مغرمًا. [2/ 678 - 680].
• • •
الدرس 57
قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)} [سورة التوبة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى في هذه الآية:
1 -
دلالة على وجوب الزكاة في جميع الأموال، وهذا إذا كانت للتجارة ظاهرة؛ فإنها أموال تُنَمَّى ويكتسب بها، فمن العدل أن يُواسى منها الفقراء؛ بأداء ما أوجب الله فيها من الزكاة، وما عدا أموال التجارة؛ فإن كان المال يُنَمَّى كالحبوب والثمار والماشية المتخذة للنماء والدَّر والنسل فإنها تجب فيها الزكاة، وإلا لم تجب فيها؛ لأنها إذا كانت للقُنْيّة لم تكن بمنزلة الأموال التي يتخذها الإنسان في العادة مالًا يتمول ويَطلب منه المقاصد المالية، وإنما صُرِف عن المالية بالقنية ونحوها.
2 -
أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها.
3 -
استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة، وأن ذلك ينبغي أن يكون جهرًا؛ بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه، ويؤخذ من المعنى: أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللَّيِّن والدعاء له ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة وسكون لقلبه، وأنه ينبغي تنشيط مَنْ أنفق نفقة وعمل عملًا صالحًا بالدعاء له والثناء ونحو ذلك. [2/ 682 - 683].
• • •
الدرس 58
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
في هذه الآيات عدة فوائد منها:
1 -
أن اتخاذ المسجد الذي يُقصد به الضرار لمسجد آخر بقُربه أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار الذي اطُّلِع على مقصود أصحابه.
2 -
أن العمل -وإن كان فاضلًا- تُغَيِّرُه النية؛ فينقلب منهيًّا عنه، كما قلبت نيةُ أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى.
3 -
أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها؛ لأن الله عَلَّل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
4 -
النهي عن الصلاة في أماكن المعصية والبعد عنها وعن قربها.
5 -
أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أَثَّرت معصية المنافقين في مسجد الضِّرَار، ونُهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن، كما أثَّرت في مسجد قباء؛ حتى قال الله فيه:{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} ، ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان صلى الله عليه وسلم يزور قباء كلَّ سَبْتٍ يُصلي فيه، وحَثَّ على الصلاة فيه.
6 -
يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية أربع قواعد مهمة، وهي:
أ- كل عمل فيه مضارة لمسلم.
ب- أو فيه معصية لله؛ فإن المعاصي من فروع الكفر.
جـ- أو فيه تفريق بين المؤمنين.
د- أو فيه معاونة لمن عادى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه.
7 -
أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله؛ بمنزلة الإصرار على المعصية، حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة، بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات.
8 -
أنه إذا كان مسجد قباء مسجدًا أُسِّس على التقوى، فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أَسَّسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له مِنْ باب أولى وأحرى.
9 -
أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة هو العمل المؤسس على التقوى الموصل لعامله إلى جنات النعيم، والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال هو العمل المؤسس على شَفَا جُرُف هارٍ فانهار به في نار جهنم، والله لايهدي القوم الظالمين. [2/ 686 - 687].
• • •
الدرس 59
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي هذه الآيات:
1 -
دليل على أن توبة الله على العبد أجل الغايات وأعلى النهايات؛ فإن الله جعلها نهاية خواص عبادة وامتن عليهم بها حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها.
2 -
لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة.
3 -
أن العبادة الشاقة على النفس لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر.
4 -
أن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن مَنْ لا يبالي بالذنب ولا يُحرج إذا فعله- فإن توبته مدخولة وإن زعم أنها مقبولة.
5 -
أن علامة الخير وزوال الشدة إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقًا تامًّا، وانقطع عن المخلوقين.
6 -
أن من لطف الله بالثلاثة أن وَسَمَهم بوسم ليس بعار عليهم؛ فقال: {خُلِّفُوا} ، إشارة إلى أن المؤمنين خَلَّفوهم، أو خُلِّفوا عمَّن بت في قبول عذرهم أو في رَدِّه، وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل:«تخلفوا» .
7 -
أن الله تعالى منَّ عليهم بالصدق، ولهذا أمر بالاقتداء بهم؛ فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} . [2/ 691 - 692].
• • •
الدرس 60
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} [سورة التوبة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يقول تعالى منبهًا لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} ، أي: جميعًا لقتال عدوهم، فإنه يحصل عليهم المشقة بذلك، ويفوت به كثير من المصالح الأخرى، {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ} - أي: من البلدان والقبائل والأفخاذ- {طَائِفَةٌ} تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى، ثم نَبَّه على أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال:{لِيَتَفَقَّهُوا} ، أي: القاعدون {فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} ، أي: ليتعلموا العلم الشرعي ويعلموا معانيه ويفقهوا أسراره، وليُعَلِّموا غيرهم ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
1 -
ففي هذا فضيلة العلم وخصوصًا الفقه في الدين وأنه أهم الأمور.
2 -
وأن مَنْ تعلم علمًا فعليه نشره وبَثُّه في العباد ونصيحتهم فيه، فإن انتشار العِلم عن العَالِم من بركته وأجره الذي ينمى له.
وأما اقتصار العالم على نفسه وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون؛ فأيُّ منفعة حصلت
للمسلمين منه؟! وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان لمن آتاه الله علمًا ومَنَحَه فهمًا.
3 -
وفي هذه الآية -أيضًا- دليل وإرشاد وتنبيه لطيف لفائدة مهمة، وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن يُعِدُّوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة مَنْ يقوم بها ويوفر وقته عليها ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها لتقوم مصالحهم وتتم منافعهم ولتكون وجهة جميعهم ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب؛ فالأعمال متباينة والقصد واحد، وهذه من الحكمة النافعة في جميع الأمور. [2/ 693 - 694].
• • •
الدرس 61
قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)} [سورة يونس].
قال رحمه الله:
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} ؛ هل هو صحيح أم غير صحيح؟ {فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} ، أي: أسأل أهل الكتاب المنصفين والعلماء الراسخين؛ فإنهم سيُقرون لك بصدق ما أخبرت به وموافقته لما معهم، فإن قيل: إن كثيرًا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى -بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم- كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه ورَدُّوا عليه دعوته، والله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يَستشهد بهم، وجعل شهادتهم حجة لما جاء به وبرهانًا على صدقه؛ فكيف يكون ذلك؟!
فالجواب عن هذا من عدة أوجه:
1 -
أن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة أو أهل مذهب أو بلد ونحوهم، فإنها إنما تتناول العُدُول الصادقين منهم، وأما مَنْ عداهم فلو كانوا أكثر من غيرهم فلا عبرة فيهم؛ لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق، وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربَّانيين؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ومَن بعدهم.
2 -
أن شهادة أهل الكتاب للرسول صلى الله عليه وسلم مبنية على كتابهم التوراة الذي يَنتسبون إليه، فإن كان موجودًا في التوراة ما يوافق القرآن ويصدقه ويشهد له بالصحة؛ فلو اتفقوا من أولهم وآخرهم على إنكار ذلك لم يقدح بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
3 -
أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستشهد بأهل الكتاب على صحة ما جاءه، وأظهر ذلك وأعلنه على رؤوس الأشهاد، ومن المعلوم أن كثيرًا منهم من أحرص الناس على إبطال دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فلو كان عندهم ما يَردُّ ما ذَكَرَه الله لعبده لأبدوه وأظهروه وبينوه، فلما لم يكن شيء من ذلك كان عدم رد المعادي وإقرار المستجيب من أدل الأدلة على صحة هذا القران وصدقه.
4 -
أنه ليس أكثر أهل الكتاب ردَّ دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل أكثرهم استجاب لها وانقاد طوعًا واختيارًا، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث وأكثر أهل الأرض المتدينين أهل الكتاب.
فلم يمكث دينه مدة غير كثيرة حتى انقاد للإسلام أكثر أهل الشام ومصر والعراق وما جاورها من البلدان التي هي مقر دين أهل الكتاب، ولم يبق إلا أهل الرياسات الذين آثروا رياساتهم على الحق ومَن تبعهم من العوام الجهلة ومَن تَدَيَّن بدينهم اسمًا لا معنى؛ كالإفرنج الذين حقيقة أمرهم أنهم دهرية منحلون عن جميع أديان الرسل، وإنما انتسبوا للدين المسيحي ترويجًا
لمُلكهم وتمويهًا لباطلهم، كما يَعرف ذلك مَنْ عرف أحوالهم البينة الظاهرة.
وقوله: {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ} ، أي: الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه {مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)} ؛ كقوله تعالى: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} [الأعراف: 2]، {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95)} ، وحاصل هذا: أن الله تعالى نهى عن شيئين:
1 -
الشك في هذا القرآن والامتراء منه.
2 -
وأشد من ذلك التكذيب به، وهو آيات الله البينات التي لا تَقبل التكذيب بوجه.
ورَتَّب على هذا الخَسار وهو عدم الربح أصلًا، وذلك بفوت الثواب في الدنيا والآخرة وحصول العقاب في الدنيا والآخرة.
والنهي عن الشيء أمر بضده، فيكون أمرًا بالتصديق التام بالقرآن وطمأنينة القلب إليه والإقبال عليه علمًا وعملًا، فبذلك يكون العبد من الرَّابحين الذين أدركوا أَجَلَّ المطالب وأفضل الرَّغائب وأتم المناقب وانتفى عنهم الخَسار. [2/ 730 - 732].
• • •
الدرس 62
قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)} إلى قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)} [سورة هود].
قال رحمه الله:
وشعيب عليه السلام كان يسمى خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته لقومه، وفي قصته من الفوائد والعبر شيء كثير:
1 -
أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام فكذلك بشرائعه وفروعه؛ لأن شعيبًا دعا قومه إلى التوحيد وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجعل الوعيد مرتبًا على مجموع ذلك.
2 -
أن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذنوب، وتُخشى العقوبة العاجلة على مَنْ تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين موجبة للوعيد؛ فسرقتهم على وجه القهر والغلبة من باب أولى وأحرى.
3 -
أن الجزاء من جنس العمل؛ فمن بَخَسَ أموال الناس يريد زيادة ماله عوقب بنقيض ذلك، وكان سببًا لزوال الخير الذي عنده من الرزق؛ لقوله:{إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} ، أي: فلا تتسببوا إلى زواله بفعلكم.
4 -
أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله ويقنع بالحلال عن الحرام
وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خيرٌ له؛ لقوله:{بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} ، ففي ذلك من البركة وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المَحْق وضد البركة.
5 -
أن ذلك من لوازم الإيمان وآثاره؛ فإنه رتب العمل به على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل، فالإيمان ناقص أو معدوم.
6 -
أن الصلاة لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان للإيمان وشرائعه؛ فبإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها تختل أحواله الدينية.
7 -
أن المال الذي يرزقه الله الإنسان وإن كان الله قد خوله إياه، فليس له أن يصنع فيه ما يشاء؛ فإنه أمانة عنده؛ عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا كما يزعمه الكفار ومَن أشبههم أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون؛ سواء وَافَقَ حكم الله أو خالفه.
8 -
أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها: أن يكون أول مُبادر لما يأمر غيره به وأول مُنته عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب عليه السلام:{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ، ولقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)} [الصف: 2].
9 -
أن وظيفة الرسل وسنتهم ومِلتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يقدر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة.
وحقيقة المصلحة: هي التي تَصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية.
10 -
أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملومًا ولا مذمومًا في عدم فعله ما لا يقدر عليه؛ فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه.
11 -
أن العبد ينبغي له ألَّا يتكل على نفسه طرفة عين، بل لا يزال مستعينًا بربه متوكلًا عليه سائلًا له التوفيق، وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لمُولِيه ومُسديه، ولا يعجب بنفسه؛ لقوله:{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)} .
12 -
الترهيب بأخَذَات الأمم وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تُذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر.
كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوى.
13 -
أن التائب من الذنب كما يُسمح له عن ذنبه ويعفى عنه، فإن الله تعالى يحبه ويَوده، ولا عبرة بقول من يقول:«إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه بالعفو، وأما عود الود والحب فإنه لا يعود» .
فإن الله تعالى قال: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)} .
14 -
أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة؛ قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئًا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم وأهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجمَ قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك؛ لأن الإصلاح مطلوب حسب القدرة والإمكان. [2/ 764 - 766].
• • •
الدرس 63
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى بعد تفسيره لسورة يوسف عليه السلام:
فصل في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة التي قال الله في أولها: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} وقال: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7)} ، وقال في آخرها:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} .
غير ما تقدم في مطاويها من الفوائد -ثم سرد 45 فائدة رحمه الله فمن ذلك:
1 -
أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها؛ لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنَّة، ومن ذل إلى عز، ومن رق إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن إلى سرور، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، ومن إنكار إلى إقرار؛ فتبارك من قَصَّها فأحسنها ووضحها وبَيَّنها.
2 -
أن فيها أصلًا لتعبير الرؤيا؛ فإن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله مَنْ يشاء من عباده، وإن أغلب ما تُبنى عليه المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة.
3 -
ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قص على قومه هذه القصة الطويلة وهو لم يقرأ كتب الأولين ولا دَارَس أحدًا؛
يراه قومه بين أظهرهم صباحًا ومساءً وهو أمي لا يخطُّ ولا يقرأ، وهي موافقة لما في الكتب السابقة وماكان لديهم؛ إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون.
4 -
ينبغي البعد عن أسباب الشر وكتمان ما تُخشى مضرته؛ لقول يعقوب ليوسف: {يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} .
5 -
أن نعمة الله على العبد نعمة على مَنْ يتعلق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، وأنه ربما شملتهم وحصل لهم ما حصل له بسببه، كما قال يعقوب في تفسيره لرؤيا يوسف:{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} ، ولما تَمَّت النعمة على يوسف حصل لآل يعقوب من العِزِّ والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف.
6 -
أن العدل مطلوب في كل الأمور؛ لا في معاملة السلطان رعيته فقط ولا فيما دونه، بل حتى في معاملة الوالد لأولاده في المحبة والإيثار وغيره، وأن في الإخلال بذلك يختل عليه الأمر وتفسد الأحوال، ولهذا لما قدَّم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته جرى منهم ما جرى على أنفسهم وعلى أبيهم وأخيهم.
7 -
الحذر من شؤم الذنوب، وأن الذنب الواحد يستتبع ذنوبًا متعددة، ولا يتم لفاعله إلا بعدة جرائم؛ فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه احتالوا لذلك بأنواع من الحيل، وكَذَبوا عدة مرات وزَوَّروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه وفي إتيانهم عشاء يبكون.
8 -
أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح والسماح التام من يوسف ومن أبيهم والدعاء بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه فالله خير الراحمين، ولهذا في أصح الأقوال: أنهم كانوا أنبياء؛ لقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [النساء: 163]، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء؛ فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هُداة.
9 -
ما منَّ الله به على يوسف عليه الصلاة والسلام من العلم والحلم ومكارم الأخلاق والدعوة إلى الله وإلى دينه وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوًا بادرهم به وتَمَّم ذلك بأن لا يُثرب عليهم ولا يُعيرهم به، ثم بره العظيم بأبويه وإحسانه لإخوته، بل لعموم الخلق.
10 -
أن بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما، فإن إخوة يوسف لما اتفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضًا، وقال قائل منهم:{لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} [يوسف: 10]- كان قوله أحسن منهم وأخف، وبسببه خفَّ عن إخوته ا لإثم الكبير.
11 -
أن الشيء إذا تداولته الأيدي وصار من جملة الأموال ولم يُعلم أنه
كان على غير وجه الشرع: أنه لا إثم على مَنْ باشره ببيع أو شراء أو خدمة أو انتفاع أو استعمال، فإن يوسف عليه السلام باعه إخوتُه بيعًا حرامًا لا يجوز، ثم ذهبت به السيارة إلى مصر؛ فباعوه بها، وبقي عند سيده غلامًا رقيقًا، وسماه الله سيدًا، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم.
12 -
الحذر من الخلوة بالنساء التي يُخشى منهن الفتنة، والحذر -أيضًا- من المحبة التي يخشى ضررها، فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحُّدها بيوسف وحبها الشديد له الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه؛ فسجن بسببها مدة طويلة.
13 -
أن الهم الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله مما يُرَقِّيه إلى الله زلفى؛ لأن الهم داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهي طبيعة لأغلب الخلق، فلما قابل بينه وبين محبة الله وخشيته غلبت محبة الله وخشيته داعي النفس والهوى، فكان ممن {خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)} ، ومن السبعة الذين يُظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظَلَّ إلا ظله أحدهم: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، وإنما الهَمُّ الذي يلام عليه العبد: الهَمُّ الذي يساكنه ويصير عزمًا ربما اقترن به الفعل.
14 -
أن من دخل الإيمان قلبه وكان مخلصًا لله في جميع أموره، فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه؛ لقوله: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ
رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ 24} [يوسف: 24]، على قراءة مَنْ قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح فإنه من إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله وخَلَّصه من السوء والفحشاء.
15 -
أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلًّا فيه فتنة وأسباب معصية أن يَفر منه ويهرب غاية ما يمكنه؛ ليتمكن من التخلص من المعصية؛ لأن يوسف عليه السلام لما راودته التي هو في بيتها فَرَّ هاربًا يطلب الباب؛ ليتخلص من شرها.
16 -
أن القرائن يُعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار، فما يصلح للرجل فإنه للرجل، وما يصلح للمرأة فهو لها، هذا إذا لم يكن بينة، وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر من هذا الباب؛ فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قَدِّ القميص، واستدل بقدِّه من دُبره على صدق يوسف وكذبها، ومما يدل على هذه القاعدة أنه استدل بوجود الصُّواع في رحل أخيه على الحكم عليه بالسرقة من غير بينة شهادة ولا إقرار، فعلى هذا إذا وجد المسروق في يد السارق -خصوصًا إذا كان معروفًا بالسرقة- فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيأ الخمر -أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيد- حاملًا، فإنه يقام بذلك الحد، ما لم يقم مانع منه، ولهذا سمى الله هذا الحكم شاهدًا؛ فقال:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26].
17 -
ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن، فإن جماله الظاهر أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لُمْنَها على ذلك أن قطعن أيديهن وقلن:{مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)} [يوسف: 31]، وأما جماله الباطن فهو العفة العظيمة عن المعصية مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته، ولهذا قالت امرأة العزيز:{وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف: 32]، وقالت بعد ذلك:{الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)} [يوسف: 51]، وقالت النسوة:{حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} [يوسف: 51].
18 -
أن يوسف عليه السلام اختار السجن على المعصية، فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتُلي بين أمرين؛ إما فعل معصية وإما عقوبة دنيوية: أن يختار العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة، ولهذا من علامات الإيمان: أن يكره العبد أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار.
19 -
ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية ويتبرأ من حوله وقوته؛ لقول يوسف عليه السلام {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)} [يوسف: 33].
20 -
أن العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير وينهيانه عن الشر، وأن
الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس -وإن كان معصية- ضارًّا لصاحبه.
21 -
أنه كما على العبد عبودية الله في الرخاء فعليه عبودية في الشدة؛ فيوسف عليه السلام لم يزل يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمر على ذلك ودعا الفتيين إلى التوحيد ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته عليه السلام: أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته؛ حيث ظنَّا فيه الظن الحسن وقالا له: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)} [يوسف: 36]، وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما، فرآهما مُتشوقين لتعبيرها عنده- رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما؛ ليكون أنجح لمقصوده وأقرب لحصول مطلوبه، وبَيَّن لهما أولًا: أن الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم: إيمانه وتوحيده وتركه ملة مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاء لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبَيَّن فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقةَ التوحيد وبرهن عليه.
22 -
أنه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سُئل المفتي -وكان السائل حاجته من غير سؤاله أشد- أنه ينبغي أن يُعَلِّمَه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته وحسن إرشاده وتعليمه؛ فإن يوسف لما سأله الفَتَيَان عن الرؤيا قَدَّم لهما -قبل تعبيرها- دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له.
23 -
أن مَنْ وقع في مكروه وشدة لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه أو الإخبار بحاله، وأن هذا لا يكون شكوى للمخلوق، فإن هذا من
الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض، ولهذا قال يوسف للذي ظَنَّ أنه ناج من الفَتَيَيْن:{اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42].
24 -
أنه ينبغي ويتأكد على المعلم استعمال الإخلاص التام في تعليمه، وألَّا يجعل تعليمه وسيلة لمعاوضة أحد في مال أو جاه أو نفع، وألَّا يمتنع من التعليم- أو لا ينصح فيه- إذا لم يفعل السائل ما كَلَّفه به المعلم؛ فإن يوسف عليه السلام قد قال ووَصَّى أحد الفَتَيَيْن أن يَذكره عند ربه فلم يذكره ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى وجاءه سائلًا مستفتيًا عن تلك الرؤيا؛ فلم يُعنفه يوسف ولا وبَّخه لتركه ذكره، بل أجابه عن سؤاله جوابًا تامًّا من كل وجه.
25 -
أنه ينبغي للمسئول أن يدل السائل على أمر ينفعه مما يتعلق بسؤاله، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه، فإن هذا من كمال نصحه وفطنته وحسن إرشاده؛ فإن يوسف عليه السلام لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل دَلَّهم مع ذلك على ما يصنعون في تلك السِّنين المُخصبات من كثرة الزرع وكثرة جبايته.
26 -
أنه لا يلام الإنسان على السعي في دفع التهمة عن نفسه وطلب البراءة لها، بل يحمد على ذلك، كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن حتى تتبين لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطعن أيديهن.
27 -
فضيلة العلم؛ علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم
التدبير والتربية، وأنه أفضل من الصورة الظاهرة ولو بلغت في الحسن جمال يوسف؛ فإن يوسف بسبب جماله حصلت له تلك المحنة والسجن، وبسبب علمه حصل له العِزُّ والرفعة والتمكين في الأرض، فإن كل خير في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته.
28 -
أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى؛ لقوله للفَتَيَيْن:{قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)} [يوسف: 41]، وقال المَلِكُ:{أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} ، وقال الفتى ليوسف:{أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ} الآيات؛ فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم.
29 -
أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل؛ إذا كان في ذلك مصلحة ولم يَقصد به العبد الرياء وسَلِم من الكذب؛ لقول يوسف: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} ، وكذلك لا تُذم الولاية؛ إذا كان المُتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها؛ إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنما الذي يُذم؛ إذا لم يكن فيه كفاية، أو كان موجودًا غيره مثله أو أعلى منه، أو لم يُرد بها إقامة أمر الله؛ فبهذه الأمور يُنهى عن طلبها والتعرض لها.
30 -
أن الله واسع الجود والكرم؛ يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة، وأن خير الآخرة له سببان:
1 -
الإيمان.
2 -
التقوى، وأنه خير من ثواب الدنيا وملكها، وأن العبد ينبغي له أن يدعو نفسه ويُشَوِّقها لثواب الله، ولا يدعها تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها وهي غير قادرة عليها، بل يسليها بثواب الله الأخروي وفضله العظيم؛ لقوله تعالى:{وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)} .
31 -
أن جباية الأرزاق إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضرر يلحقهم لا بأس بها؛ لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المُخصبات؛ للاستعداد للسنين المجدبة، وأن هذا غير مناقض للتوكل على الله، بل يتوكل العبد على الله ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه.
32 -
حُسن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض حتى كثرت عندهم الغلات جدًّا، وحتى صار أهل الأقطار يقصدون مصر لطلب المِيرة منها؛ لعلمهم بوفورها فيها، وحتى إنه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصة أو أقل لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله.
33 -
مشروعية الضيافة، وأنها من سنن المرسلين، وإكرام الضيف؛ لقول يوسف لإخوته:{أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)} .
34 -
أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم، فإن يعقوب قال لأولاده بعدما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشد المعالجة، ثم قال لهم بعد ما أتوه وزعموا أن الذئب أكله: {بَلْ سَوَّلَتْ
لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا}، وقال لهم في الأخ الآخر:{هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ} ، ثم لما احتبسه يوسف عنده وجاء إخوته لأبيهم قال لهم:{بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} ، فهم في الأخيرة وإن لم يكونوا مفرطين فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال من غير إثم عليه ولا حرج.
35 -
أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره أو الرافعة لها بعد نزولها غير ممنوع، بل جائز، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر؛ فإن الأسباب -أيضًا- من القضاء والقدر لأمر يعقوب؛ حيث قال لبنيه:{يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} .
36 -
جواز استعمال المكايد التي يُتوصل بها إلى الحقوق، وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يُحمد عليه العبد، وإنما الممنوع التحيل على إسقاط واجب أو فعل محرم.
37 -
أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره بأمر لا يُحِب أن يَطَّلع عليه أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف؛ حيث ألقى الصواع في رحل أخيه ثم استخرجها منه موهمًا أنه سارق، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته، وقال بعد ذلك:{مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} ، ولم يقل: من سرق متاعنا، وكذلك لم يقل: إنا وجدنا متاعنا عنده، بل أتى بكلام عام يصلح له ولغيره، وليس في
ذلك محذور، وإنما فيه إيهام أنه سارق؛ ليحصل المقصود الحاضر وأنه يبقى عند أخيه، وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعدما تبينت الحال.
38 -
لا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما علمه وتحَقَّقه؛ إما بمشاهدة أو خبر مَنْ يثق به وتطمئن إليه النفس؛ لقولهم: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} .
39 -
ومنها هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيَّه وصَفِيَّه يعقوب عليه السلام؛ حيث قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة ويحزنه ذلك أشد الحزن؛ فحصل التفريق بينه وبينه مدة طويلة لا تقصر عن ثلاثين سنة، ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه في هذه المدة، {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)} ، ثم ازداد به الأمر شدة حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف، هذا وهو صابر لأمر الله محتسب الأجر من الله قد وعد من نفسه الصبر الجميل.
ولا شك أنه وَفَّى بما وعد به، ولا ينافي ذلك قوله:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ؛ فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه الشكوى إلى المخلوقين.
40 -
أن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا؛ فإنه لما طال الحزن على يعقوب واشتد به إلى أنهى ما يكون ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسهم الضر- أذن الله حينئذ بالفرج؛ فحصل التلاقي في أشد الأوقات إليه حاجةً واضطرارًا، فتم بذلك الأجر وحصل السرور، وعلم من ذلك أن الله يبتلي
أولياءه بالشدة والرخاء والعسر واليسر؛ ليمتحن صبرهم وشكرهم، ويزداد بذلك إيمانهم ويقينهم وعرفانهم.
41 -
جواز إخبار الإنسان بما يجد وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما على غير وجه التسخط؛ لأن إخوة يوسف قالوا: {يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} ، ولم ينكر عليهم يوسف.
42 -
فضيلة التقوى والصبر وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأن عاقبة أهلهما أحسن العواقب؛ لقوله:{قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)} .
43 -
ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة بعد شدة وفقر وسوء حال أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن لا يزال ذاكرًا حاله الأولى؛ ليُحدث لذلك شكرًا كلما ذكرها؛ لقول يوسف عليه السلام:{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} .
44 -
لطف الله العظيم بيوسف؛ حيث نقله في تلك الأحوال وأوصل إليه الشدائد والمِحن؛ ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات.
45 -
أنه ينبغي للعبد أن يتملق إلى الله دائمًا في تثبيت إيمانه، ويعمل الأسباب الموجبة لذلك، ويسأل الله حسن الخاتمة وتمام النعمة؛ لقول يوسف عليه الصلاة والسلام:{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)} .
فهذا ما يَسَّر الله من الفوائد والعبر في هذه القصة المباركة، ولا بد أن يظهر للمتدبر المتفكر غير ذلك؛ فنسأله تعالى علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا؛ إنه جواد كريم. [2/ 810 - 819].
• • •
الدرس 64
قال رحمه الله:
وفي هذه الآيات:
1 -
دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه، وأنه ينبغي له ألَّا يزال متملقًا لربه أن يثبته على الإيمان ساعيًا في كل سبب مُوَصِّل إلى ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الخلق- قال الله له:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئا قَلِيلًا (74)} فكيف بغيره؟!
2 -
وفيها تذكير الله لرسوله صلى الله عليه وسلم مِنَّته عليه وعصمته من الشر؛ فدل ذلك على أن الله يحب من عباده أن يتفطنوا لإنعامه عليهم -عند وجود أسباب الشر- بالعصمة منه والثبات على الإيمان.
3 -
أنه بحسب علو مرتبة العبد وتواتر النعم عليه من الله يَعظم إثمه ويتضاعف جرمه إذا فعل ما يُلام عليه؛ لأن الله ذَكَّر رسوله صلى الله عليه وسلم لو فعل- وحاشاه من ذلك- بقوله: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} .
4 -
أن الله إذا أراد إهلاك أمة تضاعف جُرمها وعظم وكبر، فيحق عليها القول من الله فيوقع بها العقاب، كما هي سنته في الأمم إذا أخرجوا رسولهم. [2/ 933].
• • •
الدرس 65
قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)} [سورة الإسراء].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يأمر تعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة تامَّة -ظاهرًا وباطنًا- في أوقاتها {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ، أي: ميلانها إلى الأفق الغربي بعد الزوال، فيدخل في ذلك صلاة الظهر وصلاة العصر، {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} ، أي: ظلمته، فدخل في ذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء {قُرْآنَ الْفَجْرِ} ، أي: صلاة الفجر، وسميت قرآنًا؛ لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها حيث يشهدها الله وملائكة الليل وملائكة النهار؛ ففي هذه الآية:
1 -
ذكر الأوقات الخمسة للصلوات المكتوبات، وأن الصلوات المُوقعة فيه فرائض؛ لتخصيصها بالأمر.
2 -
أن الوقت شرط لصحة الصلاة، وأنه سبب لوجوبها؛ لأن الله أمر بإقامتها لهذه الأوقات.
3 -
أن الظهر والعصر يُجمعان، والمغرب والعشاء كذلك للعذر؛ لأن الله جمع وقتهما جميعًا.
4 -
فضيلة صلاة الفجر، وفضيلة إطالة القراءة فيها، وأن القراءة فيها ركن؛ لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها دل على فرضية ذلك. [2/ 934].
• • •
الدرس 66
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وقد دَلَّت هاتان الآيتان على عدة فوائد:
1 -
الحث على العلم وعلى المباحثة فيه؛ لكون الله بعثهم لأجل ذلك.
2 -
الأدب فيمن اشتبه عليه العلم: أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند حده.
3 -
صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك.
4 -
جواز أكل الطيبات والمطاعم اللذيذة إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه؛ لقوله: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} ، وخصوصًا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك، ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين القائلين بأن هؤلاء أولاد ملوك؛ لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها.
5 -
الحث على التحرز والاستخفاء والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين.
6 -
شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتركهم أوطانهم في الله.
7 -
ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية لبغضه وتركه، وأن هذه الطريقة هي طريقة المؤمنين المتقدمين والمتأخرين؛ لقولهم:{وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)} . [3/ 953].
• • •
الدرس 67
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى -بعد تفسير الآية 21 من سورة الكهف وما قبلها- وفي هذه القصة- أي: قصة أصحاب الكهف:
1 -
دليل على أن مَنْ فَرَّ بدينه من الفتن سَلَّمه الله منها.
2 -
أن من حرص على العافية عافاه الله.
3 -
ومَن أوى إلى الله آواه الله وجعله هدايةً لغيره.
4 -
ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته كان آخر أمره وعاقبته العِز العظيم من حيث لا يحتسب، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)} . [3/ 954].
• • •
الدرس 68
قال تعالى: {
…
وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)} [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
1 -
ففيها دليل على المنع من استفتاء مَنْ لا يصلح للفتوى؛ إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به، وليس عنده ورع يَحجزه، وإذا نُهي عن استفتاء هذا الجنس فنهيه هو عن الفتوى من باب أولى وأحرى.
2 -
وفي الآية -أيضًا- دليل على أن الشخص قد يكون منهيًّا عن استفتائه في شيء دون آخر؛ فيُستفتى فيما هو أهل له بخلاف غيره؛ لأن الله لم يَنْهَ عن استفتائهم مطلقًا، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف وما أشبهها. [3/ 955].
• • •
الدرس 69
قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32)} إلى قوله تعالى: {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)} [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
ففي هذه القصة العظيمة:
1 -
اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعمًا دنيوية؛ فألهته عن آخرته وأطغته، وعصى الله فيها: أن مآلها الانقطاع والاضمحلال.
2 -
وأنه وإن تمتع بها قليلًا، فإنه يُحرمها طويلًا.
3 -
وأن العبد ينبغي له -إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده- أن يضيف النعمة إلى مُولِيها ومُسديها، وأن يقول:{مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} ؛ ليكون شاكرًا لله متسببًا لبقاء نعمته عليه؛ لقوله: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} .
4 -
الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير؛ لقوله: {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ} .
5 -
أن المال والولد لا ينفعان إن لم يُعينا على طاعة الله، كما قال تعالى:{وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ: 37].
6 -
الدعاء بتلف مال مَنْ كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصًا إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين وفخر عليهم.
7 -
أن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء ووجد العاملون أجرهم، فـ {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)} أي: عاقبة ومآلا. [3/ 964].
• • •
الدرس 70
قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)} إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)} [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله:
1 -
فمنها فضيلة العلم والرحلة في طلبه وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة، ولقي النَّصَب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل؛ لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك.
2 -
البداءة بالأهم فالأهم؛ فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل.
3 -
جواز أخذ الخادم في الحَضَر والسفر لكفاية المُؤن وطلب الراحة، كما فعل موسى.
4 -
أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه وأين يريده، فإنه أكمل من كتمه؛ فإن في إظهاره فوائد من الاستعداد له عدته، وإتيان الأمر على بصيرة، وإظهارالشوق لهذه العبادة الجليلة، كما قال موسى:{لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)} ،
وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين غزا تبوك بوجهه -مع أن عادته التورية- وذلك تبع للمصلحة.
5 -
إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى:{وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} .
6 -
جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس -من نصب أو جوع أو عطش- إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقًا؛ لقول موسى: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)} .
7 -
استحباب كون خادم الإنسان ذكيًّا فطنًا كيِّسًا؛ ليتم له أمره الذي يريده.
8 -
استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعًا؛ لأن ظاهر قوله:{آتِنَا غَدَاءَنَا} إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو وهو جميعًا.
9 -
أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله يُعان ما لا يُعان غيره؛ لقوله:{لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)} ، والإشارة إلى السفر المجاوز لمجمع البحرين، وأما الأول فلم يَشتك منه التعب مع طوله؛ لأنه هو السفر على الحقيقة، وأما الأخير، فالظاهر أنه بعض يوم؛ لأنهم فقدوا الحوت حين أووا إلى الصخرة، فالظاهر أنهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه:{آتِنَا غَدَاءَنَا} ، فحينئذ تذكر أنه نَسِيه في الموضع الذي إليه منتهى قصده.
10 -
أن ذلك العبد الذي لقياه ليس نبيًّا، بل عبدًا صالحًا؛ لأنه وصفه بالعبودية، وذكر مِنَّةَ الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيًّا لذكر ذلك كما ذكره غيره، وأما قوله في آخر القصة:{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} ، فإنه لا يدل على أنه نبي، وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7]، وقوله تعالى:{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} [النحل: 68].
11 -
أن العلم الذي يُعلِّمه الله لعباده نوعان:
علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده، ونوع علم لدني؛ يَهبه الله لمن يمن عليه من عباده؛ لقوله:{وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)} .
12 -
التأدب مع المعلم وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب؛ لقول موسى عليه السلام: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)} ؛ فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا؟ وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر، الذي لا يُظهر للمعلم افتقاره إلى علمه، بل يدعي أنه يتعاون هو وإياه، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه، وهو جاهل جدًّا، فالذل للمعلم وإظهار الحاجة إلى تعليمه من أنفع شيء للمتعلم.
13 -
تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى- بلا شك- أفضل من الخضر.
14 -
تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه ممن مَهَرَ فيه، وإن
كان دونه في العلم بدرجات كثيرة؛ فإن موسى عليه السلام مِنْ أولي العزم من المرسلين؛ الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يُعط سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلم منه، فعلى هذا لا ينبغي للفقيه المحدث إذا كان قاصرًا في علم النحو أو الصرف أو نحوه من العلوم ألَّا يتعلمه ممن مَهَرَ فيه وإن لم يكن محدثًا ولا فقيهًا.
15 -
إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى والإقرار بذلك وشكر الله عليها؛ لقوله: {تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ} ، أي: مما عَلَّمك الله تعالى.
16 -
أن العلم النافع هو العلم المُرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطريق الخير وتحذير عن طريق الشر أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع وما سوى ذلك؛ فإما أن يكون ضارًّا، أو ليس فيه فائدة؛ لقوله:{أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)} .
17 -
أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم وحسن الثبات على ذلك: أنه يَفوته بحسب عدم صبره كثيرٌ من العلم، فمَن لا صبر له لا يُدرك العلم، ومَن استعمل الصبر ولازمه أدرك به كل أمر سعى فيه؛ لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه.
18 -
أن السبب الكبير لحصول الصبر إحاطة الإنسان علمًا وخبرةً بذلك الأمر، الذي أُمِرَ بالصبر عليه، وإلا فالذي لا يدريه أو لا يدري غايته ولا نتيجته
ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر؛ لقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)} ، فجعل الموجب لعدم صبره عدم إحاطته خُبرًا بالأمر.
19 -
الأمر بالتأني والتثبت وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يُعرف ما يُراد منه وما هو المقصود.
20 -
تعليق الأمور المستقبلة التي من أفعال العباد بالمشيئة، وألَّا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول:{إِنْ شَاءَ اللَّهُ} .
21 -
أن العزم على فعل الشيء ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال:{سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} فوطَّن نفسه على الصبر ولم يفعل.
22 -
أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء، حتى يكون المعلم هو الذي يُوقفه عليها؛ فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصرًا، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالًا لا يتعلق في موضع البحث.
23 -
جواز ركوب البحر في غير الحالة التي يخاف منها.
24 -
أن الناسي غير مُؤاخذ بنسيانه، لا في حق الله ولا في حقوق العباد؛ لقوله:{لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} .
25 -
أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم: العفو منها وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون أو يشق
عليهم ويرهقهم؛ فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر؛ ليتيسر له الأمر.
26 -
أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتُعَلَّقُ بها الأحكام الدنيوية؛ في الأموال والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام أنكر على الخضر خرقه السفينة وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها أنها من المنكر، وموسى عليه السلام لا يَسعه السكوت عنها في غير هذه الحال التي صحب عليها الخضر؛ فاستعجل عليه السلام وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض الذي يوجب عليه الصبر وعدم المبادرة إلى الإنكار.
27 -
القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنه «يُدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير» ، ويُراعى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما؛ فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يَفتن أبويه عن دينهما أعظم شرًّا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته وإن كان يُظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه وإيمانهما خير من ذلك؛ فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ما لا يدخل تحت الحصر؛ فتزاحم المصالح والمفاسد كلها داخل في هذا.
28 -
القاعدة الكبيرة -أيضًا-: وهي أن «عمل الإنسان في مال غيره إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة: أنه يجوز ولو بلا إذن، حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير» ، كما خرق الخضر السفينة لِتَعِيب؛ فتَسلم من غصب الملك الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق أو غرق أو نحوهما
في دار إنسان أو ماله وكان إتلاف بعض المال أو هدم بعض الدار فيه سلامة للباقي- جاز للإنسان، بل شُرع له ذلك؛ حفظًا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي- جاز ولو من غير إذن.
29 -
أن العمل يجوز في البحر، كما يجوز في البر؛ لقوله:{يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} ، ولم ينكر عليهم عملهم.
30 -
أن المسكين قد يكون له مال لا يبلغ كفايته، ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة؛ لأن الله أخبر أن هؤلاء المساكين لهم سفينة.
31 -
أن القتل من أكبر الذنوب؛ لقوله في قتل الغلام: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْرًا (74)} .
32 -
أن القتل قصاصًا غير منكر؛ لقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} .
33 -
أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه وفي ذريته.
34 -
أن خدمة الصالحين -أو من يتعلق بهم- أفضل من غيرها؛ لأنه عَلَّل استخراج كنزهما وإقامة جدارهما بأن أباهما صالح.
35 -
استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ؛ فإن الخضر أضاف عيبَ السفينة إلى نفسه بقوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} ، وأما الخير فأضافه إلى الله تعالى؛ لقوله:{فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} ، كما قال إبراهيم عليه السلام:{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)} [الشعراء: 80]،
وقالت الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)} [الجن: 10]، مع أن الكل بقضاء الله وقدره.
36 -
أنه ينبغي للصاحب ألَّا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال ويترك صحبته حتى يُعْتِبَهُ وَيُعذِر منه، كما فعل الخضر مع موسى.
37 -
أن موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة.
38 -
أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قَدَرٌ مَحْضٌ أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح؛ ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يُقَدِّر على العبد أمورًا يكرهها جدًّا، وهي صلاح دينه؛ كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه؛ كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجًا من لطفه وكرمه؛ ليعرفوه ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة. [3/ 975 - 980].
• • •
الدرس 71
قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)} [سورة طه].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي: لا معبود بحق ولا مألوه بالحب والذل والخوف والرجاء والمحبة والإنابة والدعاء، إلا هو {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)} أي: له الأسماء الكثيرة الكاملة الحسنى.
1 -
من حسنها أنها كلها أسماء دالة على المدح، فليس فيها اسم لا يدل على المدح والحمد.
2 -
ومن حسنها أنها ليست أعلامًا محضة، وإنما هي أسماء وأوصاف.
3 -
ومن حسنها أنها دالة على الصفات الكاملة، وأن له من كل صفة أكملها وأعمها وأجلها.
4 -
ومن حسنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها؛ لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب مَنْ يحبها ويحب من يحفظها، ويحب مَنْ يبحث عن معانيها ويتعبد له بها؛ قال تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]. [3/ 1018 - 1019].
• • •
الدرس 72
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)} [سورة طه].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
أي: وكذلك أنزلنا هذا الكتاب باللسان الفاضل العربي الذي تفهمونه وتفقهونه، ولا يخفى عليكم لفظه ولا معناه، {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ} أي: نوعناها أنواعًا كثيرة:
1 -
تارة بذكر أسمائه الدالة على العدل والانتقام.
2 -
وتارة بذكر المَثُلات التي أحلها بالأمم السابقة، وأمر أن تعتبر بها الأمم اللاحقة.
3 -
وتارة بذكر آثار الذنوب وما تُكْسِبُه من العيوب.
4 -
وتارة بذكر أهوال القيامة وما فيها من المزعجات والمقلقات.
5 -
وتارة بذكر جهنم وما فيها من أنوع العقاب وأصناف العذاب، كل هذا رحمة بالعباد؛ {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الله، فيتركون من الشر والمعاصي ما يضرهم، {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)} فيعملون من الطاعات والخير ما ينفعهم؛ فكونه عربيًّا، وكونه مصرفًا فيه {مِنَ الْوَعِيدِ} أكبر سبب وأعظم داع للتقوى والعمل الصالح، فلو كان غير عربي أو غير مصرف فيه لم يكن له هذا الأثر. [3/ 1045].
• • •
الدرس 73
قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)} [سورة طه].
قال رحمه الله:
ويُؤخذ من هذه الآية الكريمة:
1 -
الأدب في تلقي العلم.
2 -
وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر، حتى يَفرغ المملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض، فإذا فرغ منه سأل إن كان عنده سؤال.
3 -
ولا يبادر بالسؤال وقطع كلام مُلقي العلم؛ فإنه سبب للحرمان.
4 -
وكذلك المسئول ينبغي له أن يستملي سؤال السائل ويعرف المقصود منه قبل الجواب؛ فإن ذلك سبب لإصابة الصواب. [3/ 1046].
• • •
الدرس 74
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)} [سورة الحج].
قال رحمه الله:
قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)} ؛ العلي في ذاته، فهو عال على جميع المخلوقات وفي قدره؛ فهو كامل الصفات، وفي قهره لجميع المخلوقات، الكبير في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته؛ الذي من عظمته وكبريائه:
1 -
أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه.
2 -
أن كرسيه وَسِع السماوات والأرض.
3 -
أن نواصي العباد بيده؛ فلا يتصرفون إلا بمشيئته، ولا يتحركون ويسكنون إلا بإرادته.
4 -
وحقيقة الكبرياء التي لا يعلمها إلا هو -لا ملك مقرب ولا نبي مرسل- أنها كل صفة كمال وجلال وكبرياء وعظمة؛ فهي ثابتة له، وله من تلك الصفة أجلها وأكملها.
5 -
أن العبادات كلها -الصادرة من أهل السماوات والأرض كلها- المقصود منها: تكبيره وتعظيمه وإجلاله وإكرامه، ولهذا كان التكبير شعارًا للعبادات الكبار؛ كالصلاة وغيرها. [3/ 1112].
• • •
الدرس 75
قوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)} [سورة الحج].
قال رحمه الله:
قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ} بذاته؛ الذي له الغنى المطلق التام من جميع الوجوه، ومن غناه:
1 -
أنه لا يحتاج إلى أحد من خلقه، ولا يواليهم من ذلة، ولا يتكثر بهم من قلة.
2 -
أنه ما اتخذ صاحبةً ولا ولدًا.
3 -
أنه صمد، لا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الخلق بوجه من الوجوه، فهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَم.
4 -
أن الخلق كلهم مفتقرون إليه؛ في إيجادهم وإعدادهم وإمدادهم، وفي دينهم ودنياهم.
5 -
أنه لو اجتمع من في السماوات ومن في الأرض -الأحياء منهم والأموات- في صعيد واحد؛ فسأل كل منهم ما بلغت أُمنيته، فأعطاهم فوق أمانيهم- ما نقص ذلك من ملكه شيء.
6 -
أن يده سَحَّاء بالخير والبركات -الليل والنهار- لم يزل إفضاله على الأنفاس.
7 -
ومن غناه وكرمه: ما أودعه في دار كرامته مِمَّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. [3/ 1113].
• • •
الدرس 76
قوله تعالى: {
…
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)} [سورة الحج].
قال رحمه الله:
أي: كامل القوة، كامل العزة؛ من كمال قوته وعزته:
1 -
أن نواصي الخلق بيديه، وأنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإرادته ومشيئته؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
2 -
أنه يمسك السماوات والأرض أن تَزُولا.
3 -
أنه يبعث الخلق كلهم -أولهم وآخرهم- بصيحة واحدة.
4 -
أنه أهلك الجبابرة والأمم العاتية بشيءٍ يسيرٍ وسوطٍ من عذابه. [3/ 1117 - 1118].
• • •
الدرس 77
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَئْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} إلى قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَئْذِنُواْ كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [سورة النور].
قال رحمه الله:
وفي هاتين الآيتين فوائد منها:
1 -
أن السيد وولي الصغير مخاطبان بتعليم عبيدهم ومَن تحت ولايتهم من الأولاد- العلم والآداب الشرعية؛ لأن الله وَجَّه الخطاب إليهم بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَئْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ} الآية، ولا يمكن ذلك إلا بالتعليم والتأديب، ولقوله:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} .
2 -
الأمر بحفظ العورات والاحتياط لذلك من كل وجه، وأن المحل والمكان الذي هو مظنة لرؤية عورة الإنسان فيه: أنه منهي عن الاغتسال فيه والاستنجاء ونحو ذلك.
3 -
جواز كشف العورة لحاجة؛ كالحاجة عند النوم، وعند البول والغائط، ونحو ذلك.
4 -
أن المسلمين كانوا معتادين للقيلولة وسط النهار، كما اعتادوا نوم الليل؛ لأن الله خاطبهم ببيان حالهم الموجودة.
5 -
أن الصغير الذي دون البلوغ لا يجوز أن يُمَكَّن من رؤية العورة، ولا يجوز أن تُرى عورته؛ لأن الله لم يأمر باستئذانهم إلا عن أمرٍ ما يجوز.
6 -
أن المملوك -أيضًا- لا يجوز أن يَرى عورة سيده، كما أن سيده لا
يجوز أن يرى عورته، كما ذكرنا في الصغير.
7 -
أنه ينبغي للواعظ والمعلم ونحوهم ممن يتكلم في مسائل العلم الشرعي: أن يقرن بالحكم بيان مأخذه ووجهه، ولا يُلقيه مجردًا عن الدليل والتعليل؛ لأن الله -لما بَيَّن الحكم المذكور- عَلَّله بقوله:{ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} .
8 -
أن الصغير والعبد مخاطبان كما أن وليهما مخاطب؛ لقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} .
9 -
أن ريق الصبي طاهر، ولو كان بعد نجاسة كالقيء؛ لقوله تعالى:{طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} مع قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الهرة: «إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات» .
10 -
جواز استخدام الإنسان مَنْ تحت يده من الأطفال على وجه معتاد، لا يشق على الطفل لقوله:{طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} .
11 -
أن الحكم المذكور المفصل إنَّما هو لما دون البلوغ، فأما ما بعد البلوغ فليس إلا الاستئذان.
12 -
أن البلوغ يحصل بالإنزال؛ فكل حكم شرعي رُتِّبَ على البلوغ حصل بالإنزال، وهذا مجمع عليه، وإنما الخلاف: هل يحصل البلوغ بالسن أو الإنبات للعانة، والله أعلم. [3/ 1179 - 1180].
• • •
الدرس 78
قال رحمه الله:
لمَّا بَيَّن لنا هذه الأحكام الجليلة قال: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} : الدالات على أحكامه الشرعية وَحِكَمِهَا؛ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)} عنه فتفهمونها وتعقلونها بقلوبكم، ولتكونوا من أهل العقول والألباب الرزينة؛ فإن معرفة أحكامه الشرعية على وجهها يزيد في العقل وينمو به اللُّبُّ؛ لكون معانيها أجل المعاني وآدابها أجل الآداب، ولأن الجزاء من جنس العمل، فكما استعمل عقله للعقل عن ربه وللتفكر في آياته التي دعاه إليها- زاده من ذلك.
وفي هذه الآيات:
1 -
دليل على قاعدة عامة كلية، وهي: أن «العرف والعادة مخصص للألفاظ كتخصيص اللفظ للفظ» ؛ فإن الأصل أن الإنسان ممنوع من تناول طعام غيره، مع أن الله أباح الأكل من بيوت هؤلاء للعرف والعادة؛ فكل
مسألة تتوقف على الإذن من مالك الشيء، إذا علم إذنه بالقول أو العرف جاز الإقدام عليه.
2 -
دليل على أن الأب يجوز له أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره؛ لأن الله سمى بيته بيتًا للإنسان.
3 -
دليل على أن المتصرف في بيت الإنسان؛ كزوجته وأخته ونحوهما يجوز لهما الأكل عادة وإطعام السائل المعتاد.
4 -
دليل على جواز المشاركة في الطعام؛ سواء أكلوا مجتمعين أو متفرقين، ولو أفضى ذلك إلى أن يأكل بعضهم أكثر من بعض. [3/ 1183].
• • •
الدرس 79
قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} [سورة الفرقان].
قال رحمه الله:
«أي: وقال الكافرون بالله -الذي أوجب لهم كفرهم أن قالوا في القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم -: إن هذا القرآن كذبٌ كَذَبه محمد وإفك افتراه على الله وأعانه على ذلك قوم آخرون. فَرَدَّ الله عليهم ذلك بأن هذا مكابرة منهم وإقدام على الظلم والزور؛ الذي لا يمكن أن يدخل عقل أحد، وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال صدقه وأمانته وبره التام، وأنه لا يمكنه -لا هو ولا سائر الخلق- أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الكلام وأعلاه، وأنه لم يجتمع بأحد يُعينه على ذلك؛ {فَقَدْ جَاءُوا} بهذا القول ظلمًا وزورًا، ومن جملة أقاويلهم فيه أن قالوا: هذا الذي جاء به محمد: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} ، أي: هذا قصص الأولين وأساطيرهم التي تتلقاها الأفواه وينقلها كل أحد استنسخها محمد، {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} ، وهذا القول منهم فيه عدة عظائم:
1 -
رميهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أبر الناس وأصدقهم بالكذب والجرأة العظيمة.
2 -
إخبارهم عن هذا القرآن الذي هو أصدق الكلام وأعظمه وأجله بأنه كذب وافتراء.
3 -
أن في ضمن ذلك أنهم قادرون أن يأتوا بمثله وأن يضاهي المخلوق الناقص من كل وجه للخالق الكامل من كل وجه بصفة من صفاته، وهي الكلام.
4 -
أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد علمت حاله -وهم أشد الناس علمًا بها-: أنه لا يكتب ولا يجتمع بمن يكتب له، وهم قد زعموا ذلك. فلذلك رد عليهم ذلك بقوله:{قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . [3/ 11887 - 1188].
• • •
الدرس 80
قوله تعالى: {طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)} [سورة القصص].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة:
1 -
أن آيات الله تعالى وعبره وأيامه في الأمم السابقة إنما يستفيد بها ويستنير المؤمنون، فعلى حسب إيمان العبد تكون عبرته، وإن الله تعالى إنما يسوق القصص لأجلهم، وأما غيرهم فلا يَعبأ الله بهم، وليس لهم منها نور وهدى.
2 -
أن الله تعالى إذا أراد أمرًا هيأ أسبابه وأتى بها شيئًا فشيئًا بالتدريج، لا دفعة واحدة.
3 -
أن الأمة المستضعفة -ولو بلغت في الضعف ما بلغت- لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور؛ خصوصًا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل -الأمة الضعيفة- من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، ومَلَّكهم بلادهم.
4 -
أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها، ولا يكون لها إمامة فيه.
5 -
لطف الله بأم موسى وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة؛ بأن الله تعالى سيرد إليها ابنها، ويجعله من المرسلين.
6 -
أن الله يُقَدِّر على عبده بعض المشاق؛ ليُنيله سرورًا أعظم من ذلك، أو يدفع عنه شرًّا أكثر منه، كما قَدَّر على أم موسى ذلك الحزن الشديد والهم البليغ الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها على وجهٍ تطمئن به نفسها وتَقر به عينها وتزداد به غبطةً وسرورًا.
7 -
أن الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف.
8 -
أن الإيمان يزيد وينقص، وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان ويتم به اليقين: الصبر عند المزعجات، والتثبيت من الله عند المُقلقات؛ كما قال تعالى:{لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)} ، أي: ليزداد إيمانها بذلك ويطمئن قلبها.
9 -
أن من أعظم نعم الله على عبده و أعظم معونة للعبد على أموره: تثبيت الله إياه، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف وعند الأمور المذهلة؛ فإنه بذلك يتمكن من القول الصواب والفعل الصواب، بخلاف من استمر قلقه وروعه وانزعاجه، فإنه يضيع فكره ويذهل عقله، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال.
10 -
أن العبد -ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد الله نافذ لا بد منه- فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي أمر بها، ولا يكون ذلك منافيًا لإيمانه بخبر الله، فإن الله قد وعد أم موسى أن يَرده عليها، ومع ذلك اجتهدت في ردِّه، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه.
11 -
جواز خروج المرأة في حوائجها وتكليمها للرجال من غير محذور، كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدين.
12 -
جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، والدلالة على من يفعل ذلك.
13 -
أن الله من رحمته بعبده الضعيف الذي يريد إكرامه: أن يُريه من آياته ويُشهده من بيناته ما يزيد به إيمانه، كما رد الله موسى على أمه؛ لتعلم أن وعد الله حق.
14 -
أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عُرف لا يجوز؛ فإن موسى عليه السلام عدَّ قتله القبطي الكافر ذنبًا، واستغفر الله منه.
15 -
أن الذي يقتل النفوس بغير حق يُعد من الجَبَّارين الذين يفسدون في الأرض.
16 -
أن من قتل النفوس بغير حق وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض وتهييب أهل المعاصي، فإنه كاذب في ذلك، وهو مفسد كما حكى الله قول القبطي:{إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)} على وجه التقرير له، لا الإنكار.
17 -
أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا يكون ذلك نميمة -بل قد يكون واجبًا- كما أخبر ذلك الرجل لموسى ناصحًا له ومحذرًا.
18 -
أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة، فإنه لا يُلقي بيده إلى التهلكة، ولا يستسلم لذلك، بل يذهب عنه كما فعل موسى.
19 -
أنه عند تزاحم المفسدتين -إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما- أنه يرتكب الأخف منهما والأسلم، كما أن موسى لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يُقتل أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة، التي لا يَعرف الطريق إليها، وليس معه دليل يدله غير ربه، ولكن هذه الحالة أقرب للسلامة من الأولى؛ فتبعها موسى.
20 -
أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه -إذا لم يترجح عنده أحد القولين- فإنه يستهدي ربه ويسأله أن يهديه الصواب من القولين بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن الله لا يُخيب مَنْ هذه حاله، كما خرج موسى تلقاء مدين؛ فقال:{عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)} .
21 -
أن الرحمة بالخلق -والإحسان على من يَعْرِف ومن لا يَعْرِف- من أخلاق الأنبياء، وأن من الإحسان سقي الماشية الماء، وإعانة العاجز.
22 -
استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو كان الله عالمًا لها؛ لأنه تعالى يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته، كما قال موسى:{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)} .
23 -
أن الحياء -خصوصًا من الكرام- من الأخلاق الممدوحة.
24 -
المكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم السابقين.
25 -
أن العبد إذا فعل العمل لله تعالى، ثم حصل له مكافأة عليه من غير قصد بالقصد الأول: أنه لا يُلام على ذلك، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يَبتغ له ولم يستشرف بقلبه على عوض.
26 -
مشروعية الإجارة، وأنها تجوز على رعاية الغنم ونحوها مما لا يُقَدَّر به العمل، وإنما مرده العرف.
27 -
أنه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بُضْعًا.
28 -
أن خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيره لا يُلام عليه.
29 -
أن خير أجير وعامل يعمل للإنسان: أن يكون قويًّا أمينًا.
30 -
أن من مكارم الأخلاق: أن يُحَسِّن خلقه لأجيره وخادمه، ولا يشق عليه بالعمل؛ لقوله:{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)} .
31 -
جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود من دون إشهاد؛ لقوله: {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)} .
32 -
ما أجرى الله على يد موسى من الآيات البينات والمعجزات الظاهرة؛ من الحية، وانقلاب يده بيضاء من غير سوء، ومن عصمة الله لموسى وهارون من فرعون ومن الغرق.
33 -
أن من أعظم العقوبات: أن يكون الإنسان إمامًا في الشر، وذلك بحسب معارضته لآيات الله وبيناته، كما أن من أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده: أن يجعله إمامًا في الخير هاديًا مهديًّا.
34 -
ما فيها من الدلالة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث أخبر بذلك تفصيلًا مطابقًا وتأصيلًا موافقًا، قَصَّه قصًّا صدَّق به المرسلين وأيد به الحق المبين من غير حضور شيء من تلك الوقائع ولا مشاهدة لموضع واحد من تلك المواضع، ولا تلاوة دَرَسَ فيها شيئًا من هذه الأمور، ولا مجالسة أحد من أهل العلم، إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم، ووحي أنزله عليه الكريم المنان؛ لينذر به قومًا جاهلين، وعن النذر والرسل غافلين.
فصلوات الله وسلامه على مَنْ مجرد خبره يُنبئ أنه رسول الله، ومجرد أمره ونهيه يُنبه العقول النيرة أنه من عند الله؛ كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به وصَدَّقه خبر الأولين والآخرين، والشرع الذي جاء به من رب العالمين، وما جُبل عليه من الأخلاق الفاضلة التي لا تُناسب ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجة، والنصر المبين لدينه وأمته، حتى بلغ دينه مبلغ الليل والنهار، وفَتحت أمته معظم بلدان الأمصار بالسيف والسنان، وقلوبهم بالعلم والإيمان، ولم تزل الأمم المعاندة والملوك الكفرة المتعاضدة ترميه بقوس واحدة وتكيد له المكايد وتمكر لإطفائه وإخفائه وإخماده من الأرض، وهو قد بهرها وعلاها؛ لا يزداد إلا نموًّا، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورًا، وكل وقت من الأوقات يظهر من آياته ما هو عبرة لِلْعَالَمِينَ وهداية لِلْعَالمِينَ، ونورًا وبصيرةً للمتوسمين، والحمد لله وحده. [3/ 1286 - 1289].
• • •
الدرس 81
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [سورة العنكبوت].
قال رحمه الله:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} وهم الذين هاجروا في سبيل الله وجاهدوا أعداءهم وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته؛ {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ، أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون، {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} بالعون والنصر والهداية. دل هذا على:
1 -
أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد.
2 -
وعلى أن من أحسن فيما أُمِرَ به أَعانه الله ويَسَّر له أسباب الهداية.
3 -
وعلى أَنْ من جَدَّ واجتهد في طلب العلم الشرعي؛ فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه أمورٌ إلهية خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم؛ فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله، بل هو أحد نَوْعَي الجهاد؛ الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول واللسان للكفار والمنافقين، والجهاد على تعليم أمور الدين وعلى ردِّ نزاع المخالفين للحق ولو كانوا من المسلمين. [3/ 1325].
• • •
الدرس 82
قوله تعالى: {الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2)} [سورة لقمان].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يشير تعالى إشارة دالة على التعظيم إلى {آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1)} ، أي: آياته محكمة صدرت من حكيم خبير.
ومن إحكامها:
1 -
أنها جاءت بأجَلِّ الألفاظ وأفصحها وأبينها؛ الدالة على أجل المعاني وأحسنها.
2 -
أنها محفوظة من التغيير والتبديل والزيادة والنقص والتحريف.
3 -
أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة والأمور الغيبية- كلها مطابقة للواقع مطابق لها الواقع، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية، ولم يُخبر بخلافها نبي من الأنبياء، ولم يأتِ -ولن يأتي- علم محسوس ولا معقول صحيح يناقض ما دلت عليه.
4 -
أنها ما أمرت بشيء إلا وهو خالص المصلحة أو راجحها، ولا نهت عن شيء إلا وهو خالص المفسدة أو راجحها، وكثيرًا ما يجمع بين الأمر بالشيء مع ذكر حكمته وفائدته والنهي عن الشيء مع ذكر مضرته.
5 -
أنها جمعت بين الترغيب والترهيب والوعظ البليغ؛ الذي تعتدل به النفوس الخَيِّرة وتحتكم؛ فتعمل بالحزم.
6 -
أنك تجد آياتها المتكررة -كالقصص والأحكام ونحوها- قد اتفقت كلها وتواطأت، فليس فيها تناقض ولا اختلاف، فكلما ازداد بها البصير تدبرًا وأعمل فيها العقل تفكرًا- انبهر عقله وذهل لُبُّه من التوافق والتواطؤ، وجزم جزمًا لا يُمْتَرَى فيه: أنه تنزيل من حكيم حميد. [3/ 1345 - 1346].
• • •
الدرس 83
قال رحمه الله:
وفي هذا التخيير فوائد عديدة:
1 -
الاعتناء برسوله صلى الله عليه وسلم والغيرة عليه: أن يكون بحالة يشقُّ عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية.
2 -
سلامته صلى الله عليه وسلم بهذا التخيير من تَبِعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه؛ إن شاء أعطى وإن شاء منع؛ {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} .
3 -
تنزيهه عما لو كان فيهن مَنْ تُؤْثِرُ الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة، وعن مقارنتها.
4 -
سلامة زوجاته رضي الله عنهن عن الإثم والتعرض لسخط الله ورسوله؛ فحسم الله بهذا التخيير عنهن التسخط على الرسول الموجب لسخطه المُسخط لربه الموجب لعقابه.
5 -
إظهار رفعتهن وعلو درجتهن وبيان علو هِممهن: أن كان الله ورسوله والدار الآخرة مرادهن ومقصودهن دون الدنيا وحطامها.
6 -
استعدادهن بهذا الاختيار للأمر الخيار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يَكُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة.
7 -
ظهور المناسبة بينه وبينهن؛ فإنه أكمل الخلق، وأراد الله أن تكون نساؤه كاملات مكملات، طيبات مطيبات، {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} .
8 -
أن هذا التخيير داع وموجب للقناعة التي يطمئن لها القلب وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه وهمه وغمه.
9 -
أن يكون اختيارهن هذا سببًا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يَكُنَّ بمرتبة ليس فيها أحد من النساء، ولهذا قال:{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) *وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لله وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31)} [سورة الأحزاب]. [3/ 1382 - 1383].
• • •
الدرس 84
قال رحمه الله:
وفي هذه الآيات المشتملات على هذه القصة، فوائد:
الثناء على زيد بن حارثة رضي الله عنه، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الله سَمَّاه في القرآن، ولم يُسَمِّ من الصحابة باسمه غيره.
والثاني: أن الله أخبر أنه أنعم عليه، أي: بنعمة الإسلام والإيمان. وهذه شهادة من الله له أنه مسلم مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإلا فلا وجه لتخصيصه بالنعمة إلا أن المراد بها النعمة الخاصة.
2 -
أنَّ المُعْتَق في نعمة الْمُعْتِق.
3 -
جواز تزوج زوجة الدَّعِيِّ؛ كما صرح به.
4 -
أن التعليم الفعلي أبلغ من القولي؛ خصوصًا إذا اقترن بالقول، فإن ذلك نور على نور.
5 -
أن المحبة التي في قلب العبد لغير زوجته ومملوكته ومحارمه إذا لم يقترن بها محذور- لا يأثم عليها العبد ولو اقترن بذلك أمنيته: أن لو طلقها
زوجها لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة بينهما، أو يتسبب بأيِّ سبب كان؛ لأن الله أخبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخفى ذلك في نفسه.
6 -
أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بَلَّغ البلاغ المبين؛ فلم يدع شيئًا مما أوحي إليه إلا وبلغه، حتى هذا الأمر الذي فيه عتابه. وهذا يدل على أنه رسول الله، ولا يقول إلا ما أُوحي إليه، ولا يريد تعظيم نفسه.
7 -
أن المستشار مؤتمن، يجب عليه -إذا استشير في أمر من الأمور- أن يشير بما يعلمه أصلح للمستشير ولو كان له حظ نفس فتقدم مصلحة المستشير على هوى نفسه وغرضه.
8 -
أن من الرأي الحسن لمن استشار في فراق زوجه أن يُؤْمَر بإمساكها مهما أمكن صلاح الحال؛ فهو أحسن من الفرقة.
9 -
أنه يتعين أن يقدم العبد خشية الله على خشية الناس، وأنها أحق منها وأولى.
10 -
فضيلة زينب رضي الله عنها أم المؤمنين؛ حيث تولى الله تزويجها من رسوله صلى الله عليه وسلم من دون خطبة ولا شهود، ولهذا كانت تفتخر بذلك على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول:«زَوَّجكن أهاليكن، وزَوَّجني الله من فوق سبع سماوات» .
11 -
أن المرأة -إذا كانت ذات زوج- لا يجوز نكاحها، ولا السعي فيه وفي أسبابه، حتى يَقضي زوجها وطره منها، ولا يقضي وطره حتى تنقضي
عدتها؛ لأنها قبل انقضاء عدتها هي في عصمته، أو في حقه الذي له وطر إليها ولو من بعض الوجوه. [3/ 1388 - 1389].
• • •
الدرس 85
قال رحمه الله:
أي: ولقد مننا على عبدنا ورسولنا داود عليه الصلاة والسلام وآتيناه فضلًا من العلم النافع والعمل الصالح والنعم الدينية والدنيوية، ومن نعمه عليه:
1 -
ما خصه به من أمره تعالى الجمادات؛ كالجبال والحيوانات، من الطيور: أن تُؤَوِّب معه وتُرَجِّع التسبيح بحمد ربها مجاوبةً له، وفي هذا من النعمة عليه: أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد قبله ولا بعده، وأن ذلك يكون منهضًا له ولغيره على التسبيح إذا رأوا هذه الجمادات والحيوانات تتجاوب بتسبيح ربها وتمجيده وتكبيره وتحميده- كان ذلك مما يُهيج على ذكر الله تعالى.
2 -
أن ذلك -كما قال كثير من العلماء-: إنه طربًا بصوت داود؛ فإن الله تعالى قد أعطاه من حسن الصوت ما فاق به غيره، وكان إذا رجَّع التسبيح والتهليل والتمجيد بذلك الصوت الرخيم الشجيِّ المطرب- طرب كل من سمعه من الإنس والجن -حتى الطيور والجبال- وسبحت بحمد ربها.
3 -
أنه لعله ليحصل له أجر تسبيحها؛ لأنه سبب ذلك، وتُسبح تبعًا له.
4 -
ومن فضله عليه: أن ألان له الحديد؛ ليعمل الدروع السابغات، وعلَّمَهُ تعالى كيفية صنعته؛ بأن يقدره في السرد، أي: يقدره حِلَقًا، ويصنعه كذلك، ثم يُدخل بعضها ببعض. [3/ 1409 - 1410].
• • •
الدرس 86
قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)} [سورة سبأ].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
«
…
فأمرهم الله بشكر نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة؛ منها:
1 -
هاتان الجنتان اللَّتان غالب أقواتهم منهما.
2 -
أن الله جعل بلدهم بلدة طيبة؛ لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.
3 -
أن الله تعالى وعدهم -إن شكروه- أن يغفر لهم وَيرحمهم، ولهذا قال:{بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)} .
4 -
أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة -الظاهر أنها: قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها الشام- هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها بغاية السهولة من الأمن وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها؛ بحيث لا يكون عليهم مشقة بحمل الزاد والمزاد، ولهذا قال:{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} ، أي: سيرًا مقدرًا يعرفونه ويحكمون عليه؛ بحيث لا يتيهون عنه {لَيَالِيَ وَأَيَّامًا} . [3/ 1412 - 1413].
• • •
الدرس 87
قوله تعالى في ختام قصة سبأ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)} [سورة سبأ].
قال رحمه الله:
«
…
لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال الله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)} ؛ صبار على المكاره والشدائد يتحملها لوجه الله ولا يَتسخطها، بل يصبر عليها، شكور لنعمة الله تعالى يُقِرُّ بها ويعترف ويثني على مَنْ أولاها، ويصرفها في طاعته؛ فهذا إذا سمع بقصتهم وما جرى منهم وعليهم- عرف بذلك:
1 -
أن تلك العقوبة جزاء لكفرهم نعمة الله.
2 -
وأن من فعل مثلهم فُعِلَ به كما فُعِل بهم.
3 -
وأن شكر الله تعالى حافظ للنعمة دافع للنقمة.
4 -
وأن رسل الله صادقون فيما أخبروا به.
5 -
وأن الجزاء حق، كما رأى أُنموذجَه في دار الدنيا. [3/ 1413 - 1414].
• • •
الدرس 88
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [سورة فاطر].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يخاطب تعالى جميع الناس ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه:
1 -
فقراء في إيجادهم؛ فلولا إيجاده إياهم لم يُوجدوا.
2 -
فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم بها لما استعدوا لأيِّ عمل كان.
3 -
فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور لما حصل لهم من الرزق والنعم شيء.
4 -
فقراء في صرف النقم عنهم ودفع المكاره وإزالة الكروب والشدائد، فلولا دفعه عنهم وتفريجه لكرباتهم وإزالته لعسرهم لاستمرت عليهم المكاره والشدائد.
5 -
فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية وأجناس التدبير.
6 -
فقراء إليه في تألههم له وحبهم له وتعبدهم وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يُوفقهم لذلك لهلكوا وفسدت أرواحهم وقلوبهم وأحوالهم.
7 -
فقراء إليه في تعليمهم ما لا يعلمون وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه لم يتعلموا، ولولا توفيقه لم يصلحوا.
فهم فقراء بالذات إليه؛ بكل معنى وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له ويسأله ألَّا يَكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت- فهذا حَرِيٌّ بالإعانة التامة من ربِّه وإلهه؛ الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها. [33/ 1432 - 1433].
• • •
الدرس 89
قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)} إلى قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ (40)} [سورة ص].
قال رحمه الله:
فصلٌ فيما تبين لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام
1 -
أن الله تعالى يقص على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أخبار من قبله؛ ليثبت فؤاده وتطمئن نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدة صبرهم وإنابتهم ما يشوقه إلى منافستهم والتقرب إلى الله الذي تقربوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا -في هذا الموضع- لما ذكر الله ما ذكر من أذية قومه وكلامهم فيه وفيما جاء به أمره بالصبر وأن يذكر عبدَه داود؛ فيتسلى به.
2 -
أن الله تعالى يمدح ويحب القوة في طاعته؛ قوة القلب والبدن، فإنه يحصل منها من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها ما لا يحصل مع الوهن وعدم القوة، وأن العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركون إلى الكسل والبطالة المخلة بالقوى المضعفة للنفس.
3 -
أن الرجوع إلى الله في جميع الأمور من أوصاف أنبياء الله وخواص خلقه، كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فليقتد بهما المقتدون، وليهتد بهداهم السالكون؛ {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].
4 -
ما أكرم الله به نبيه داود عليه السلام من حسن الصوت العظيم؛ الذي
جعل الله بسببه الجبال الصُّم والطيور البُهم يجاوبنه إذا رجَّع صوته بالتسبيح، ويُسبحن معه بالعشي والإشراق.
5 -
أن من أكبر نعم الله على عبده: أن يرزقه العلم النافع، ويعرف الحكم والفصل بين الناس، كما امتن الله به على عبده داود عليه السلام.
6 -
اعتناء الله تعالى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذور، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام.
7 -
أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى؛ لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، وأنه قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه.
8 -
أن داود عليه السلام كان في أغلب أحواله ملازمًا محرابه لخدمة ربه، ولهذا تسور الخصمان عليه المحراب؛ لأنه كان إذا خلا في محرابه لا يأتيه أحد، فلم يجعل كل وقته للناس مع كثرة ما يَرِد عليه من الأحكام، بل جعل له وقتًا يخلو فيه بربه وتَقر عينه بعبادته وتعينه على الإخلاص في جميع أموره.
9 -
أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكام وغيرهم، فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب المعهود- فزع منهم، واشتد عليه ذلك ورآه غير لائق بالحال.
10 -
أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي.
11 -
كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان وهو المَلِك، ولا انتهرهما ولا وبَّخهما.
12 -
جواز قول المظلوم لمن ظلمه: «أنت ظلمتني» أو «يا ظالم» ونحو ذلك، أو «باغ عليَّ»؛ لقولهما:{خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} .
13 -
أن الموعوظ والمنصوح -ولو كان كبير القدر جليل العلم- إذا نصحه أحد أو وعظه لا يغضب ولا يشمئز، بل يبادره بالقبول والشكر؛ فإن الخصمين نصحا داود فلم يشمئز ولم يغضب ولم يُثنه ذلك عن الحق، بل حكم بالحق الصِّرف.
14 -
أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب وكثرة التعلقات الدنيوية المالية موجبة للتعادي بينهم وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا يَرُدُّ عن ذلك إلا استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأن هذا من أقل شيء في الناس.
15 -
أن الاستغفار والعبادة -خصوصًا الصلاة- من مكفرات الذنوب؛ فإن الله رتَّب مغفرة ذنب داود على استغفاره وسجوده.
16 -
إكرام الله لعبده داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثواب، وألَّا يظن أن ما جرى لهما مُنقص لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا من تمام لطفه
بعباده المخلصين: أنه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم أزال الآثار المترتبة عليه كلها حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنهم إذا علموا ببعض ذنوبهم وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار.
17 -
أن الحُكم بين الناس مرتبة دينية تولاها رسل الله وخواص خلقه، وأن وظيفة القائم بها الحكم بالحق ومجانبة الهوى؛ فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية والعلم بصورة القضية المحكوم بها وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهل بأحد الأمرين لا يصلح للحكم، ولا يَحل له الإقدام عليه.
18 -
أنه ينبغي للحاكم أن يحذر الهوى ويجعله منه على بال؛ فإن النفوس لا تخلو منه، بل يجاهد نفسه بأن يكون الحق مقصوده، وأن يُلقي عنه وقت الحكم كل محبة أو بغض لأحد الخصمين.
19 -
أن سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن منن الله عليه؛ حيث وهبه له، وأن من أكبر نعم الله على عبده: أن يَهب له ولدًا صالحًا؛ فإن كان عالمًا كان نورًا على نور.
20 -
ثناء الله تعالى على سليمان ومدحه في قوله: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)} .
21 -
كثرة خير الله وبِره بعبيده: أن يَمن عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب.
22 -
تقديم سليمان محبة الله تعالى على محبة كل شيء.
23 -
أن كل ما أشغل العبد عن الله؛ فإنه مشئوم مذموم، فَلْيُفَارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفع له.
24 -
القاعدة المشهورة: «مَنْ ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه» ، فسليمان عليه السلام عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس تقديمًا لمحبة الله؛ فعوضه الله خيرًا من ذلك، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد؛ غدوها شهر ورواحها شهر، وسخر له الشياطين؛ أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يَقدر عليها الآدميون.
25 -
أن تسخير الشياطين لا تكون لأحد بعد سليمان عليه السلام.
26 -
أن سليمان عليه السلام كان ملكًا نبيًّا يفعل ما أراد، ولكنه لا يريد إلا العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنه تكون إرادته تابعة لأمر الله، فلا يَفعل ولا يترك إلا بالأمر؛ كحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الحال أكمل. [4/ 1494 - 1497].
• • •
الدرس 90
قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)} [سورة فصلت].
قال رحمه الله:
هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر، أي: لا أحد أحسن قولًا، أي: كلامًا وطريقة، وحالة {مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ}:
1 -
بتعليم الجاهلين ووعظ الغافلين والمعرضين ومجادلة المبطلين؛ بالأمر بعبادة الله بجميع أنواعها والحث عليها وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه؛ خصوصًا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2 -
ومن الدعوة إلى الله تحبيبه إلى عباده؛ بذكر تفاصيل نعمه وسعة جوده وكمال رحمته، وذكر أوصاف كماله ونعوت جلاله.
3 -
ومن الدعوة إلى الله: الترغيب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والحث على ذلك بكل طريق موصل إليه.
4 -
ومن ذلك: الحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام وبر الوالدين.
5 -
ومن ذلك: الوعظ لعموم الناس في أوقات المواسم والعوارض والمصائب بما يناسب ذلك الحال، إلى غير ذلك مما لا تنحصر أفراده؛ بما يشمله الدعوة إلى الخير كله والترهيب من جميع الشر. [4/ 1573].
• • •
الدرس 91
قوله تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)} [سورة الشورى].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يخبر تعالى بلطفه بعباده؛ ليعرفوه ويحبوه ويتعرضوا للطفه وكرمه، واللطف من أوصافه تعالى معناه: الذي يدرك الضمائر والسرائر، الذي يوصل عباده -وخصوصًا المؤمنين- إلى ما فيه الخير لهم من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون.
فمن لطفه بعبده المؤمن:
1 -
أن هداه إلى الخير هداية لا تخطر بباله؛ بما يَسَّر له من الأسباب الداعية إلى ذلك، من فطرته على محبة الحق والانقياد له وإيزاعه تعالى لملائكته الكرام: أن يُثَبِّتوا عباده المؤمنين ويحثوهم على الخير، ويُلقوا في قلوبهم من تزيين الحق ما يكون داعيًا لاتباعه.
2 -
أَنْ أَمَرَ المؤمنين بالعبادات الاجتماعية؛ التي بها تقوى عزائمهم وتَنبعث هممهم ويحصل منهم التنافس على الخير والرغبة فيه واقتداء بعضهم ببعض.
3 -
أن قَيَّض كل سبب يَعوقه ويحول بينه وبين المعاصي؛ حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها مما يتنافس فيه أهل الدنيا تقطع
عبده عن طاعته أو تحمله على الغفلة عنه أو على معصيته- صرفها عنه وقَدَّر عليه رزقه، ولهذا قال هنا:{يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} بحسب اقتضاء حكمته ولطفه، {وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)} الذي له القوة كلها؛ فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين إلا به، الذي دانت له جميع الأشياء. [4/ 1589 - 1590].
• • •
الدرس 92
قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15)} إلى قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (19)} [سورة الزخرف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يخبر تعالى عن شناعة قول المشركين الذين جعلوا لله تعالى ولدًا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد؛ الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد، وَأَنَّ ذلك باطل من عدة أوجه:
1 -
أن الخلق كلهم عباده، والعبودية تنافي الولادة.
2 -
أن الولد جزء من والده، والله تعالى بائنٌ من خلقه، مباين لهم في صفاته ونعوت جلاله، والولد جزء من الوالد؛ فمحال أن يكون لله تعالى ولد.
3 -
أنهم يزعمون أن الملائكة بنات الله، ومن المعلوم: أن البنات أدون الصنفين؛ فكيف يكون لله البنات ويصطفيهم بالبنين ويُفضلهم بها؟! فإذًا يكونون أفضل من الله؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا!
4 -
أن الصنف الذي نسبوه لله -وهو البنات- أدون الصنفين وأكرههما لهم، حتى إنهم من كراهتهم لذلك {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} من كراهته وشدة بغضه؛ فكيف يجعلون لله ما يكرهون؟
5 -
أن الأنثى ناقصة في وصفها وفي منطقها وبيانها، ولهذا قال تعالى: {أَوَ
مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ}، أي: يجمَّل فيها لنقص جماله، فَيُجَمَّل بأمر خارج منه، {غَيْرُ مُبِينٍ (18)} أي: عند الخصام الموجب لإظهار ما عند الشخص من الكلام، {غَيْرُ مُبِينٍ (18)} أي: غير مبين لحجته، ولا مفصح عما احتوى عليه ضميره، فكيف يَنسبونهن لله تعالى؟!
6 -
أنهم جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الله إِنَاثًا؛ فتجرءوا على الملائكة العباد المقربين، ورَقُّوهم عن مرتبة العبادة والذل إلى مرتبة المشاركة لله في شيء من خواصه، ثم نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية إلى مرتبة الأنوثية؛ فسبحان مَنْ أظهر تناقض مَنْ كذب عليه وعاند رسله.
7 -
أن الله رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق الله لملائكته؛ فكيف يتكلمون بأمر من المعلوم عند كل أحد أنه ليس لهم به علم؟! ولكن لا بد أن يُسألوا عن هذه الشهادة، وستكتب عليهم، ويعاقبون عليها. [4/ 1605 - 1606].
• • •
الدرس 93
قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)} [سورة محمد].
قال رحمه الله:
العلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته؛ بمعنى: ما طُلب منه علمه وتمامه أن يعمل بمقتضاه، وهذا العلم الذي أمر الله به -وهو العلم بتوحيد الله- فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد كائنًا من كان، بل كلٌّ مضطر إلى ذلك، والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله أمور:
1 -
أحدها -بل أعظمها-: تدبر أسمائه وصفاته وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلاله؛ فإنها توجب بذل الجهد في التأله له والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال.
2 -
العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير؛ فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية.
3 -
العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية؛ فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته والتأله له وحده لا شريك له.
4 -
ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه -القائمين بتوحيده- من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به- فإن هذا داع إلى العلم بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها.
5 -
معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عُبدت مع الله واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا ينصرون مَنْ عبدهم، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة؛ من جلب خير أو دفع شَرٍّ، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله وبطلان إلهية ما سواه.
6 -
اتفاق كُتُب الله على ذلك وتواطئها عليه.
7 -
أن خواص الخلق -الذين هم أكمل الخليقة أخلاقًا وعقولًا ورأيًا وصوابًا وعلمًا؛ وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون- قد شهدوا لله بذلك.
8 -
ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته وبديع حكمته وغرائب خلقه.
فهذه الطرق -التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله وأبداها في كتابه وأعادها- عند تأمل العبد في بعضها لا بد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك؛ فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت وقامت أدلة التوحيد من كل جانب، فهناك يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد؛ بحيث يكون كالجبال الرواسي لا تزلزله الشُّبه والخيالات، ولا يزداد -على تكرر الباطل والشُّبه- إلا نموًّا وكمالًا.
هذا، وإن نظرت إلى الدليل العظيم والأمر الكبير -وهو تدبر هذا القرآن العظيم والتأمل في آياته- فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد، ويحصل به من تفاصيله وجُمله ما لا يحصل في غيره. [4/ 1658 - 1659].
• • •
الدرس 94
قال رحمه الله:
ثم ندبهم تعالى إلى ما هو الأليق بحالهم؛ فقال: {فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} أي: فأولى لهم أن يمتثلوا الأمر الحاضر المحتم عليهم ويجمعوا عليه هممهم، ولا يطلبوا أن يشرع لهم ما هو شاق عليهم، وليفرحوا بعافية الله تعالى وعفوه، {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} أي: جاءهم أمرٌ جد وأمر محتم، ففي هذه الحال لو صدقوا الله بالاستعانة به وبذل الجهد في امتثاله {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21)} من حالهم الأولى، وذلك من وجوه:
1 -
أن العبد ناقص من كل وجه لا قدرة له إلا إن أعانه الله؛ فلا يطلب زيادة على ما هو قائم بصدده.
2 -
أنه إذا تعلقت نفسه بالمستقبل ضعف عن العمل بوظيفة وقته وبوظيفة المستقبل، أما الحال فلأن الهمة انتقلت عنه إلى غيره والعمل تبع للهمة، وأما المستقبل فإنه لا يجيء حتى تَفتر الهمة عن نشاطها فلا يعان عليه.
3 -
أن العبد المؤمل للآمال المستقبلة -مع كسله عن عمل الوقت
الحاضر- شبيه بالمتألي الذي يجزم بقدرته على ما يستقبل من أموره، فأحرى به أن يخذل ولا يقوم بما هَمَّ به ووَطَّنَ نفسه عليه، فالذي ينبغي أن يجمع العبد همه وفكرته ونشاطه على وقته الحاضر، ويؤدي وظيفته بحسب قدرته، ثم كلما جاء وقت استقبله بنشاط وهمة عالية مجتمعة غير متفرقة؛ مستعينًا بربه في ذلك، فهذا حَرِيٌّ بالتوفيق والتسديد في جميع أموره. [4/ 1660].
• • •
الدرس 95
قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24)} إلى قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)} [سورة الذاريات].
قال رحمه الله:
فصلٌ في ذكر بعض ما تضمنته هذه القصة من الحِكَم والأحكام.
1 -
أن من الحكمة قص الله على عباده نبأ الأخيار والفجار؛ ليعتبروا بهم وأين وصلت بهم الأحوال؟
2 -
فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصته بما يدل على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
3 -
مشروعية الضيافة، وأنها من سنن إبراهيم الخليل؛ الذي أمر الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمته أن يتبعوا مِلَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح له والثناء.
4 -
أن الضيف يكرم بأنواع الإكرام بالقول والفعل؛ لأن الله وصف أضياف إبراهيم بأنهم مكرمون، أي: أكرمهم إبراهيم، ووصف الله ما صنع بهم من الضيافة قولًا وفعلًا، ومكرمون -أيضًا- عند الله تعالى.
5 -
أن إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوى للطارقين والأضياف؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فرد عليهم إبراهيم سلامًا أكمل من سلامهم وأتم؛ لأنه أتى به جملة اسمية دالة على الثبوت والاستقرار.
6 -
مشروعيةَ تعرُّف مَنْ جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوع اتصال؛ لأن في ذلك فوائد كثيرة.
7 -
أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال: {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25)} ولم يقل: «أنكرتكم» ، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
8 -
المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البر عاجله، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
9 -
أن الذبيحة الحاضرة التي قد أُعَدِّت لغير الضيف الحاضر إذا جُعلت له ليس فيها أقل إهانة، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أن ضيفه مكرمون.
10 -
ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضرًا لديه وفي بيته معدًّا، لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
11 -
أن إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن، وسيد مَنْ ضَيَّف الضيفان.
12 -
أنه قربه إليهم في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم:«تفضلوا، أو ائتوا إليه» ؛ لأن هذا أيسر وأحسن.
13 -
حسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين؛ خصوصًا عند تقديم الطعام إليه، فإن إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال:{أَلَا تَأْكُلُونَ (27)} ، ولم
يقل: «كلوا» ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض؛ فقال:{أَلَا تَأْكُلُونَ (27)} ، فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه:{أَلَا تَأْكُلُونَ (27)} ، أو:«ألا تتفضلون علينا وتشرفوننا وتحسنون إلينا» ونحو ذلك.
14 -
أن من خاف من أحد لسبب من الأسباب فإن عليه أن يزيل عنه الخوف ويذكر له ما يُؤمن روعه ويُسَكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لما خافهم: {لَا تَخَفْ} ، وأخبروه بتلك البشارة السارة بعد الخوف منهم.
15 -
شدة فرح سارة -امرأة إبراهيم- حتى جرى منها ما جرى من صك وجهها وصَرَّتها غير المعهودة.
16 -
ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم. [4/ 1711 - 1713].
• • •
الدرس 96
قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)} إلى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتِ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5)} [سورة المجادلة].
قال رحمه الله:
وفي هذه الآيات عدة أحكام:
1 -
لطف الله بعباده واعتناؤه بهم؛ حيث ذكر شكوى هذه المرأة المصابة وأزالها ورفع عنها البلوى، بل رفع البلوى بحكمه العام لكل مَنْ ابتلي بمثل هذه القضية.
2 -
أن الظهار مختص بتحريم الزوجة؛ لأن الله قال: {مِنْ نِسَائِهِمْ} فلو حَرَّمَ أَمَتَه، لم يكن ذلك ظهارًا، بل هو من جنس تحريم الطيبات الطعام والشراب تجب فيه كفارة اليمين فقط.
3 -
أنه لا يصح الظهار من امرأة قبل أن يتزوجها؛ لأنها لا تدخل في نسائه وقت الظهار، كما لا يصح طلاقها؛ سواء نَجَّزَ ذلك أو عَلَّقَه.
4 -
أن الظهار محرم؛ لأن الله سَمَّاه {مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} .
5 -
تنبيه الله على وجه الحكم وحكمته؛ لأن الله تعالى قال: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} .
6 -
أنه يكره للرجل أن ينادي زوجته ويدعوها باسم محارمه؛ كقوله: «يا أمي» ، «يا أختي» ، ونحو ذلك؛ لأن ذلك يُشبه المحرم.
7 -
أن الكفارة إنما تجب بالعَوْدِ لما قال المظاهر على اختلاف القولين السابقين، لا بمجرد الظهار.
8 -
أنه يجزئ في كفارة الرقبة الصغير والكبير والذكر والأنثى؛ لإطلاق الآية في ذلك.
9 -
أنه يجب إخراجها إن كانت عتقًا أو صيامًا قبل المسيس، كما قَيَّده الله؛ بخلاف كفارة الإطعام، فإنه يجوز المسيس والوطء في أثنائها.
10 -
أنه لعل الحكمة في وجوب الكفارة قبل المسيس: أن ذلك أدعى لإخراجها، فإنه إذا اشتاق إلى الجماع وعلم أنه لا يُمَكَّن من ذلك إلا بعد الكفارة- بادر بإخراجها.
11 -
أنه لا بد من إطعام ستين مسكينًا، فلو جمع طعام ستين مسكينًا ودفعها لواحد أو أكثر من ذلك دون الستين لم يجز ذلك؛ لأن الله قال:{فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} . [4/ 1789 - 1790].
• • •
الدرس 97
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي هذه الآيات فوائد عديدة:
1 -
أن الجمعة فريضة على جميع المؤمنين، يجب عليهم السعي لها والمبادرة والاهتمام بشأنها.
2 -
أن الخطبتين يوم الجمعة فريضة يجب حضورهما؛ لأنه فَسَّر الذكر هنا بالخطبتين، فأمر الله بالمضي إليه والسعي له.
3 -
مشروعية النداء للجمعة والأمر به.
4 -
النهي عن البيع والشراء بعد نداء الجمعة وتحريم ذلك، وما ذاك إلا لأنه يفوت الواجب ويشغل عنه؛ فدل ذلك على أن كل أمر -وإن كان مباحًا في الأصل- إذا كان ينشأ عنه تفويت واجب، فإنه لا يجوز في تلك الحال.
5 -
الأمر بحضور الخطبتين يوم الجمعة وذَم مَنْ لم يحضرهما، ومِنْ لازم ذلك: الإنصات لهما.
6 -
أنه ينبغي للعبد المقبل على عبادة الله وقت دواعي النفس لحضور اللهو والتجارات والشهوات: أن يُذَكِّرها بما عند الله من الخيرات وما لمُؤثِر رضاه على هواه. [4/ 1830 - 1831].
• • •
الدرس 98
سورة الجن
قال رحمه الله:
وفي هذه السورة فوائد عديدة:
1 -
وجود الجن، وأنهم مكلفون مأمورون منهيون، مجازون بأعمالهم، كما هو صريح في هذه السورة وغيرها.
2 -
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجن، كما هو رسول إلى الإنس؛ فإن الله صرف نفر الجن ليستمعوا ما يُوحى إليه ويبلغوا قومهم.
3 -
ذكاء الجن ومعرفتهم بالحق، وأن الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحققوه من هداية القرآن، وحسن أدبهم في خطابهم.
4 -
اعتناء الله برسوله صلى الله عليه وسلم وحفظه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوته والسماء محروسة بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأُزعجت عن مراصدها، وأن الله رحم به أهل الأرض رحمة ما يقدر لها قدر، وأراد بهم ربهم رشدًا؛ فأراد أن يظهر من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائر الإسلام، وينقمع به أهل الأوثان والأصنام.
5 -
شدة حرص الجن على استماعهم للرسول صلى الله عليه وسلم وتراكمهم عليه.
6 -
أن هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وبينت حالة الخلق، وأن كل أحد منهم لا يستحق من العبادة مثقال ذرة؛ لأن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم إذا كان لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًّا -بل ولا يملك لنفسه- علم أن الخلق كلهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتخاذ مَنْ هذا وصفه إلهًا آخر.
7 -
أن علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحد من الخلق، إلا من ارتضاه الله واختصه بعلم شيء منها. [4/ 1896 - 1897].
• • •
الدرس 99
قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [سورة القيامة].
قال رحمه الله:
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي وشرع في تلاوته عليه- بادره النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص قبل أن يفرغ، وتلاه مع تلاوة جبريل إياه؛ فنهاه الله عن ذلك، وقال:{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114]، وقال هنا:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)} ، ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه ويجمعه الله في صدره؛ فقال:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)} ؛ فالحرص الذي في خاطرك إنما الداعي له حَذَر الفوات والنسيان، فإذا ضمنه الله لك فلا موجب لذلك.
{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)} أي: إذا أكمل جبريل ما يوحى إليك؛ فحينئذ اتَّبِع ما قرأه واقْرَأْهُ، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} أي: بيان معانيه؛ فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه، وهذا أعلى ما يكون؛ فامتثل صلى الله عليه وسلم لأدب ربه، فكان إذا تلا عليه جبريل القرآن بعد هذا أنصت له، فإذا فرغ قرأه.
وفي هذه الآية:
1 -
أدب لأخذ العلم: أن لا يبادر المتعلم للعلم قبل أن يفرغ المعلم من المسألة التي شرع فيها، فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه.
2 -
وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يُوجب الرد أو الاستحسان: ألَّا يبادر برده أو قبوله قبل الفراغ من ذلك الكلام؛ ليتبين ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهمًا يتمكن فيه من الكلام فيه على وجه الصواب.
3 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بَيَّن للأمة ألفاظ الوحي؛ فإنه قد بَيَّن لهم معانيه. [4/ 1912].
وبهذا انتهى ما تَمَّ جمعُه وترتيبُه من الاستنباطات والفوائد، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحاتُ، وصلى الله وسَلَّم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّينِ.
أحمد بن صالح بن عمر بن مرشد
ahmd [email protected]
• • •