المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل الرابع التصوُّرات المتأثرة بالوثنيات والديانات المنحرفة إن المتتبع للأدب العربي - الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها - جـ ٢

[سعيد بن ناصر الغامدي]

فهرس الكتاب

‌الفصل الرابع التصوُّرات المتأثرة بالوثنيات والديانات المنحرفة

إن المتتبع للأدب العربي المعاصر والدارس لمذاهبه ومدارسه وتوجهاته، يكتشف أن العنوان الموضوع لهذا الفصل يقارب الحقيقة ولا يلج إلى عمقها.

حيث إن الحقيقة في هذه القضية أن الأدب العربي المعاصر، وأعني الحداثة على وجه الخصوص لا تتوقف علاقته بالوثنيات والديانات المحرفة على مجرد التأثر بها، بل تجاوز ذلك إلى حد أصبحت معه هذه الوثنيات والديانات المحرفة جزءًا من النظام المعرفي، والأساس الثقافي والفكري للحداثة، وما الألفاظ الوثنية والنصرانية واليهودية إلّا نضحة من بئر عميقة استقى منها الحداثيون وتظلعوا.

ومما يؤكد هذا الأمر ما يلي:

1 -

أن الحداثة نبتة غربية، وهذه النبتة نشأت وترعرعت في طينة الفلسفات الغربية التي تعود في أصل تكوينها إلى اليونانية الإغريقية، وإلى اليهودية والنصرانية.

2 -

إن أساتذة الحداثة من الغربيين على الرغم من مناداتهم بالتحرر من القديم وتجاوز السائد، إلّا أنهم لم يتحرروا مطلقًا من سلطان الفلسفات اليونانية القديمة، ولا من بقايا الدين النصراني واليهودي الذي ولدوا ونشاؤوا

ص: 682

في أحضان رموزه، وبقي مؤثرًا فيهم

(1)

، ومما يؤكد ذلك:

3 -

أن هؤلاء الأساتذة الغربيين تعج كتاباتهم بالمعاني والمصطلحات والألفاظ ذات الدلالات والجذور اليونانية أو النصرانية أو اليهودية، وقد أخذ ذلك عنهم تلامذتهم من حداثيي العرب وحاكوهم وقلدوهم.

4 -

إن الحداثة الغربية حلقة في التسلسل الانحرافي الذي اعتنقه الغرب بدءًا من فلسفات الإغريق وانتهاءً بالنصرانية واليهودية المحرفتين، وقد ذكرنا في الفصل الأول شيئًا من هذا التسلسل الفكري والاجتماعي والثقافي والاعتقادي الذي أوصل الغرب إلى ما وصلوا إليه اليوم من انحرافات هائلة واسعة كبيرة، ليس آخرها الحداثة بمدارسها الإلحادية والشكية واللاأدرية، ولا الوجودية ولا السلوكيات البهيمية التي انحط إليها الإنسان الغربي إلّا من شاء اللَّه وقليل ما هم.

5 -

إن طبيعة الفلسفات والأفكار اليونانية القائمة على أوثان مؤلهة وأرباب معبودة من دون اللَّه وما توالد من هذه الطبيعة من فلسفات أخرى تدور على محور الإلحادية، كل هذه قادت -وطبيعي أن تقود- إلى الحداثة بمدارسها الفكرية والأدبية المختلفة.

6 -

إن طبيعة الدين النصراني بعد أن حرفه أهله، وكذبوا فيه، ومن خلاله، على اللَّه -جلَّ وعلا- أتاحت للنصارى الغربيين بما فيهم الحداثيين، أن يمتطوا الدين لتحقيق مآربهم والوصول إلى أغراضهم، ولو كانت هذه المآرب والأغراض تعارض الدين بالكلية أو تناقضه، فإن لديهم من فوضوية الكذب في الدين، والاختلاق فيه، ما يبرر لهم استخدامه على أي نحو يريدون.

7 -

وقبل هذا كله لابد من النظر في طبيعة الصراع بين الحق والباطل والإيمان والكفر والهدى والضلال، فإن الحق قوته في ذاته وبراهينه وأدلته،

(1)

ولا يعني هذا بالضرورة أنهم -جميعًا- مستمسكون بهذه الأديان، يدعون إليها ويدافعون عنها ولكنهم استعملوا رموزها ومضامينها لتحقيق مآربهم، وتحصيل مراداتهم الإلحادية الشكية مثل تدنيس المقدس، وحرب ألوهية اللَّه تعالى وغير ذلك من مقاصدهم، وكان صنيعهم في استخدام المصطلحات الدينية الإسلامية بقصد إهانتها وامتهانها كما هو موضح في مواضعه من هذا الكتاب.

ص: 683

أمّا الباطل فإنه لابد أن يؤلب أجناده وإن اختلفت مللهم وعقائدهم واتجاهاتهم، ولابد أن يبحث له عن جذور تسند جذعه الخاوي، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}

(1)

.

وهذا ما حدث فعلًا في قضية الحداثة، فإنها لهشاشتها وتداعي بنيانها تبحث لها عن جذور تقويها وأركان تشد من أزرها، ولو كانت هذه الجذور متباينة مختلفة متناقضة متشاكسة، فها هي تأخذ من وثنيات اليونان والبابليين، والفراعنة والهنادكة والبوذيين، والجاهليين العرب، وتنبض بنبض اليهودية والنصرانية، وتستند إلى المرتدين والزنادقة والباطنيين.

وهؤلاء جميعًا على تفرق عقائدهم وتباينها واختلافها يجتمعون في نسق الحداثة ليكونوا أصدق مثال على أن الكفر ملة واحدة في مقابل ملة الإسلام، وإزاء كل هذا نجد أن رقاب بعض أبناء المسلمين العرب انحنت أمام الفكر الغربي الحديث تحتشي منه في جوفها، وتلعق من حمأته، وتشرب من مائه الآسن شرب الهيم، فكان من قيئها على الصحف وفي الكتب وفي المنتديات وفي وسائل الإعلام ما نسمعه من دعوات علمانية وحداثية ووجودية وقومية واشتراكية وشيوعية وليبرالية وبرغماتية إلى آخر تلك الأسماء والمذاهب الشائنة الشائهة.

وقضية تأثر الحداثيين العرب بالعقائد الوثنية واليهودية والنصرانية من أوضح الواضحات، وأجلى المضامين الحداثية، في الشعر والدراسة والنقد والرواية.

وتتبع كل شواهد هذه القضية مما يعسر ويصعب، ولكن نقول قولًا إجماليًا ثم نتبعه بشيء من التفصيل، ثم بشيء من الشواهد والأدلة لإثبات الدعوى.

أمّا الإجمال فإنه يُمكن القول إنه لا يخلو حداثي من التأثر بهذه العقائد الباطلة، إمّا في مجمل اتجاهه وفلسفته، وإمّا في جزئيات عباراته ورموزه، وسوف نسوق إن شاء اللَّه جملة من الشواهد على هذا الأمر.

وأمّا التفصيل فإن الحداثيين العرب ينقسمون في الجملة إلى ثلاثة أقسام من حيث الأصل والمنبت والانتساب:

(1)

الآية 73 من سورة الأنفال.

ص: 684

‌القسم الأول: حداثيون نصارى، ولهم صولة وجولة وتأثير قوي وواضح في استيراد الحداثة وتسويقها، وأكثرهم من رواد هذا الاتجاه، ومن زعمائه والداعين إليه:

وهؤلاء لا تجد انتسابهم إلى العرب إلّا انتساب اللسان واللغة والعرق، بل كان بعضهم لا يعرف اللغة العربية كما اعترف يوسف الخال بأنه عاد من أمريكا إلى لبنان ليتعلم اللغة العربية وبعد سنة وعدة أشهر أعلن تأسيس مجلة "شعر" وحركة التجديد في الشعر العربي

(1)

!!.

وأحد النقاد يقرر بالشواهد أن جبران خليل جبران يعادي اللغة العربية، ويرى أنها أسهمت في تحديد نظرة العربي إلى الكون

(2)

، ويقرر هذا الناقد أن هدم اللغة العربية أكبر إنجازات جبران

(3)

الذي كان باعتراف خلطائه وأصدقائه: (يجهل قواعد النحو العربي، ولا يكاد يفهمها)

(4)

.

وعلى هذا النحو كان أنسي الحاج وميخائيل نعيمة وغيرهم.

لقد كان النصارى العرب - طلائع العدو وربيئته الأولى في المعركة الجديدة، معركة العقيدة والثقافة، بدلًا من معركة السيف والرصاص، التي اكتشف الغرب النصراني من تجاربهم العديدة من أيام فتح دمشق ومصر وبيت المقدس واستانبول والحروب الصليبية أن الحرب العسكرية غير ذات جدوى في إضعاف المسلمين وإنهاكم، فاختطوا أسلوبًا جديدًا في الحرب يتمثل في الغزو الاعتقادي والفكري، وكان بابهم إلى البلاد العربية إخوانهم في الدين من نصارى الشام ومصر، فمن خلالهم تسللت إلى بلاد المسلمين المفاهيم المناقضة لدين الإسلام مثل القومية والعلمانية والحداثة وغيرها، لقد تواطأوا مع نصارى الغرب في تمزيق القوى المعنوية والفكرية والمادية للمسلمين.

وإذا تأملنا قائمة أدباء الحداثة فإننا نجد أسماء كبيرة في عالم

(1)

انظر: مجلة كل العرب عدد 195 في 21 مايو 1986 م/ 1406 هـ.

(2)

الحداثة الأولى لمحمد باروت: ص 175.

(3)

المصدر السابق: ص 176.

(4)

النثر المهجري لعبد الكريم الأشتر: ص 203.

ص: 685

الحداثة كان لها الدور الكبير في نشر هذا المبدأ والدعاية له، والتمكين لأفكاره وأهدافه، وترسيخ وجوده في الذوق الصحفي والإعلامي والتأليفي، حتى غدا الملتمس للنشر والمكانة الإعلامية يبحث عن رضا العصابات النصرانية التي بسطت نفوذها من المقطم

(1)

والأهرام

(2)

والهلال لجورجي زيدان والجريدة المصرية

(3)

، والمقتطف

(4)

والشرق

(5)

والرابطة التي أسسها خريجو الكلية العلمانية في بيروت سنة 1329 هـ/ 1911 م

(6)

، وغيرها من المجلات والجرائد العربية التي كان على رأسها نصارى من بلاد الشام ومصر، منذ ذلك الحين حتى ظهرت مجلة شعر ليوسف الخال وحوار لتوفيق صائغ.

وإذا تأملنا قائمة سدنة الحداثة وأزلامها لنرى الأسماء النصرانية، فإننا نجد أسماء شهيرة مثل يوسف الخال وجبرا إبراهيم جبرا وأنسي الحاج وغالي شكري ولويس عوض وخليل حاوي وتوفيق صائغ وأنطون سعادة

(7)

، فضلًا عن أدباء المهجر الذين هم الطليعة الأولى لهذا الجيش الغازي، ويعد جبران خليل جبران أحد كبار مؤسسي هذا الاتجاه؛ ولذلك اعتمده أدونيس في الثابت والمتحول، واعتبره أحد أبرز مؤسسي الحداثة العربية، ولميخائيل نعيمة

(8)

دوره الكبير.

(1)

انظر: تاريخ الصحافة العربية لفيليب دي طرازي 3/ 166: والمقطم ليعقوب صروف ونمر مكاريوس.

(2)

انظر: المصدر السابق 3/ 214، وكان عليها سليم وبشارة تقلا.

(3)

انظر: المصدر السابق 3/ 164 وكان يرأسها جرجس ميخائيل نحاس.

(4)

انظر: المصدر السابق 3/ 106 وكان يرأسها يعقوب صروف وفارس نمر.

(5)

انظر: المصدر السابق 3/ 108، وهي للأب ليوس شيخو.

(6)

انظر: المصدر السابق 3/ 112.

(7)

هؤلاء جميعًا سبقت تراجمهم. انظرة ثبت الأسماء المترجمة، ومن الأسماء النصرانية في هذا الميدان ما سيأتي ذكره في ص 689.

(8)

ميخائيل نعيمة أديب لبناني نصراني، ولد سنة 1306 هـ/ 1889 م، مكث في روسيا وتعلم هناك وتأثر بأدباء روسيا القيصرية، ثم رحل إلى واشنطن والتحق بالجامعة هناك وأسس مع آخرين من نصارى لبنان الرابطة القلمية ثم عاد إلى لبنان ومكث إلى أن =

ص: 686

أمّا أمين الريحاني

(1)

فقد تجاوزت عمالته حدود الأدب والثقافة إلى التجسس والعمالة السياسية كما في التحقيق الذي كتبه عنه جهاد فاضل في مجلة الحوادث اللبنانية بعنوان "أمين الريحاني هل كان عميلًا للأمريكان؟ "، وأجاب على هذا السؤال بما يثبت بالوثائق أنه كان بالفعل عميلًا للأمريكان حتى قال عنه أحد ضباط الاستخبارات الأمريكية صاحب كتاب لعبة الأمم:(لولا الريحاني، فلربما اختلفت خريطة الشرق الأوسط المعاصرة)

(2)

.

لقد كان أمين الريحاني رائدًا من رواد أدباء المهجر في أمريكا ومعه جبران وميخائيل نعيمة، ثم تفرغ الريحاني للتجول والرحلات المريبة في بعض بلاد العرب وأوروبا أمريكا، فألف كتبه في الرحلات واستمر نعيمة وجبران في نشاطهم الأدبي الفكري حتى أسسوا جماعة أدبية مع نصارى آخرين من لبنان

(3)

، وأطلقوا على هذه الجماعة اسم الرابطة القلمية التي تبنت بقوة منظمة محاربة القديم كما قال أحد النقاد:(. . . إن الحملة على القديم وأتباعه لم تنتظم إلّا مع ظهور الرابطة القلمية عام 1920 في أمريكا الشمالية والعصبة الأندلسية في أمريكا الجنوبية عام 1933 م فكانت الحملة يشكل عام ثورية جارفة في الأولى راغبة في قطع كل علاقة بين الحاضر والماضي، وهادئة تدرجية في الثانية. . .، ولعل أبرز الثائرين على القديم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، وتستهدف ثورتهما مفهوم الشعر وعناصره الشكلية والموضوعية)

(4)

.

لقد تكونت هذه الرابطة وقامت على أساسين فكريين اعتقاديين هما

= مات، له مؤلفات كثيرة منها الغربال، وزاد المعاد، والآباء والبنون، وغيرها. انظر: المرشد لتراجم الأدباء والكتاب ص 118، وتاريخ الشعر العربي الحديث ص 300.

(1)

هو: أمين بن فارس بن أنطون الريحاني، ولد في الفريكة في لبنان عام 1293 هـ/ 1876 م، ورحل إلى أمريكا ثم عاد في جولات عربية مشبوهة الدوافع والغايات، وهو كاتب ومؤرخ، واختاره المجمع العلمي العربي عضوًا مراسلًا، واختاره معهد الدراسات العربية في المغرب الأسباني رئيسًا مشرفًا، مات في قريته عام 1359 هـ/ 1940 م، انظر: الأعلام 2/ 18.

(2)

مجلة الحوادث عدد 3 في 3 إبريل 1987 م/ 1407 هـ. والقائل هو مايلزكوبلاند.

(3)

منهم نسيب عريضة، وإلياس عطا اللَّه، وإيليا أبو ماضي، وعبد المسيح حداد، ووليام كاتسفليس.

(4)

الحداثة في الشعر العربي المعاصر د/ محمد حمود: ص 30.

ص: 687

النصرانية، والثقافات الأجنبية من آداب الغرب وفلسفاته

(1)

.

بل قرر مجموعة من الباحثين في تاريخ الأدب وأصوله الفكرية أن (جبران وزملاءه من كتاب الرابطة القلمية كانوا الرسل الأمناء الحقيقيون الذين راحوا يبشرون بالمباديء المسيحية الحقة)

(2)

.

ومن خدمات أصحاب الرابطة القلمية لأهل ملتهم النصارى الغربيين أنهم أرسلوا إلى مؤتمر الصلح الدولي المنعقد بعد نهاية الحرب العالمية الأولى رسالة ارتماء وعمالة جاء فيها: (. . . إن السوريين ليسوا بعرب، وإن اللغة العربية التي يتكلمون بها اضطرهم الفاتحون إلى استعمالها، بدلًا من اللغتين الآرامية الوطنية واليونانية اللتين كانتا اللسان الشائع في البلاد السورية)

(3)

.

وقد وقع على هذه المذكرة الخائنة الكاذبة: جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وغيرهما من أعضاء الرابطة

(4)

.

وفي شذرات سريعة يُمكن القول بأن هذه الطليعة النصرانية هم جذور أدب الحداثة اليوم، وقد كان الريحاني كما سلف راسخًا في الخيانة والعمالة المندسة تحت أثواب الأدب والثقافة والرحلات، وكان في نتاجه الشعري القليل محاكيًا ومقلدًا للشاعر الأمريكي "والت وايتمان" كما اعترف هو بنفسه

(5)

.

أمّا ميخائيل نعيمة فقد درس في روسيا القيصرية وتشبع بالأدب الروسي، وكان إضافة إلى نصرانيته يعتقد البوذية والهندوكية كما أكد بعض الباحثين

(6)

، وكان ماسونيًا في حركة سورية الحرية التي تنادي بجعل سورية محمية أمريكية

(7)

.

(1)

انظر: ذلك فما كتاب النثر المهجري لعبد الكريم الأشتر: ص 24.

(2)

المصدر السابق: ص 65.

(3)

المصدر السابق: ص 146 - 148.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 146 - 148، وممن وقع على المذكرة نسيب عريضة وعبد المسيح حداد ووليام كاتسفليس وأيوب ثابت ووديع ياحوط. في نتاجه الشعري القليل محاكيًا ومقلدًا للشاعر الأمريكي "والت وايتمان" كما اعترف هو بنفسه.

(5)

انظر: قصة الأدب المهجري لمحمد عبد المنعم خفاجي: ص 176، والتجديد في شعر المهجر لأنس داود: ص 89.

(6)

انظر: التجديد في شعر المهجر: ص 242.

(7)

النثر المهجري: ص 152.

ص: 688

أمّا جبران فقد كان نصرانيًا، شهوانيًا، داعرًا، اتخذ نيتشه إمامًا له فوافقه في جنونه وإلحاده، وكان جبران ينسب عند أصحابه إلى الجنون

(1)

، وينسب عند أدونيس إلى الريادة في الحداثة ونقض الدين ومحاربة الربوبية والألوهية والنبوات والوحي، كما سوف يأتي بيانه.

أمَّا عبد المسيح حداد وهو أحد مؤسسي الرابطة القلمية فقد صرح بأن أعضاء الرابطة كانوا يرون أن الأدب العربي هو الوجه الآخر للإسلام ومن أجل ذلك وقفوا منه ومن اللغة العربية المواقف المعروفة

(2)

.

ومن هنا يتضح بالدليل المادي أن مآرب القوم ليست التجديد في الأدب والشعر، وأن هجومهم على القديم ومحاربتهم للتراث ليس مقطوع الصلة بأصول اعتقادات هؤلاء وتلامذتهم، وليس منتًا عن مخططات إخوانهم في الملة والدين من الأوروبيين

(3)

.

وسوف يأتي بإذن اللَّه تعالى في ثنايا هذا الفصل إثبات أثر النصارى الحداثيين في الحداثة العربية.

(1)

انظر: أضواء جديدة على جبران لتوفيق صائغ: ص 229، 113، 110، 111.

(2)

انظر: النثر المهجري: ص 30.

(3)

من أسماء النصارى الذين شاركوا في الصراع ضد الإسلام باسم الفكر الحديث والأدب والتجديد: يوسف الخال، جبرا إبراهيم جبرا، أنسي الحاج، أميل حبيبي، غالي شكري، ادوار الخراط، لويس عوض، رشيد الضعيف، سلامة موسى، ألبير أديب، توفيق صايغ، خليل حاوي، أنطون سعادة، رينيه حبشي، إلياس لحود، جورج طراد، هنري زغيب، خليل خوري، أديب إسحاق، فرح أنطون، أنطون الجميل، رزق اللَّه حسون، شحادة الخوري، رئيف خوري، مي زيادة، جورجي زيدان، إلياس أبو شبكة، جميل صليبا، مارون عبود، سعيد عقل، مارون غصن الخوري، يوسف غصوب، فارس فليكس، أنيس فريحة، نقولا فياض، أنطون غطاس كرم، عيسى إسكندر المعلوف، غالب هلسا، ميشال سليمان، توفيق يوسف عواد، إلياس خليل زخريا، بول غيراغوسيان الأرمني اللبناني، أمين نخلة، خليل مطران، حنامنيه، غسان تويني، يوسف حبشي الأشقر، الشاعر القروي رشيد سليم الخوري، عبد المسيح الأنطاكي، بول شاوول، شربل داغر، عيسى الناعوري، أنطوان أبو زيد، امطانيوس ميخائيل، هنري القيم.

انظر عن هؤلاء ونماذج من أعمالهم في: كتاب المربد مواسم ومعطيات لعبد الحميد العلوجي، والصراع بين القديم والجديد لمحمد الكتاني 2/ 1231 - 1302، وتاريخ الشعر الحديث لأحمد قبّش.

ص: 689

‌القسم الثاني: حداثيون طائفيون، وهؤلاء لهم في الحداثة قدم راسخ وشأن كبير، وخطر عظيم

.

وليس من باب المصادفة أن يكون هؤلاء ممن تزعموا هذا المبدأ وسعوا في نشره والدعاية له، فإن تاريخ المسلمين يشهد على أن طوائف المبتدعة وخاصة الباطنية وأهل الرفض والتشيع كانوا في حالات كثيرة في ضفة العدو وطائفته، بالعلن كلما أمكنهم ذلك، وبالسر وهو غالب حالهم.

ومن يراجع تاريخ الحركات الباطنية والرافضية يجد الشواهد الكثيرة على هذا فقد كانوا في صف الكفار التتار في أواخر الدولة العباسية، وكان الوزير الرافضي ابن العلقمي

(1)

عينًا للتتار. داخل بغداد، ومعينًا لهم على دخولها وسلبها وتدميرها وقتل الخليفة العباسي سنة 656 هـ

(2)

.

وكانت حروبهم على المسلمين ومناقضتهم لملة الإسلام مستمرة باللسان والقلم والسنان والتجسس وغير ذلك، ذلك أنه بعد أن وضع اليهودي عبد اللَّه بن سبأ

(3)

وأشياعه من المنافقين والمغفلين من المسلمين بذور الشر والفتنة؛ بدأ ينشر ضلاله بين المسلمين في السر حتى ألّبَ الناس على قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه سنة خمس وثلاثين

(4)

، فوقع السيف في أمة الإسلام، وكان هذا الحدث العظيم مبدأ فتنة بين المسلمين ومقدمات حروب ومشكلات، وإرهاصات لباع كبيرة هزت الأمة الإسلامية وما تزال.

(1)

هو: محمد بن أحمد، وقيل: محمد بن محمد بن أحمد العلقمي، وزير المستعصم العباسي، شيعي المذهب، راسل هولاكو ليغزو بغداد وكان وزيرًا، وثق فيه المستعصم فألقى إليه زمام الأمور مدة أربعة عشر عامًا، ولما أغار هولاكو على بغداد بمخامرة من ابن العلقمي وخربها سنة 656 هـ، أخذ وقتل في قلة وذلة. انظر: الأعلام 5/ 321.

(2)

انظر: البداية والنهاية 7/ 166، 173، 239، 250.

(3)

هو: عبد اللَّه بن سبأ اليهودي، قيل أصله من صنعاء، وقيل غير ذلك، رأس الطائفة السبئية التي كانت تقول بألوهية علي رضي الله عنه، أظهر الإسلام ونشر الفتنة بين المسلمين متذرعًا بحب آل البيت، والنقمة على من سواهم من ولاة المسلمين، وكانت له مصائب عظيمة بين المسلمين، توفي سنة 40 هـ. انظر: البداية والنهاية 7/ 251، والكامل لابن الأثير 3/ 57، 72 وغيرها.

(4)

انظر: العبر في خبر من غبر 1/ 26، وتاريخ خليفة بن خياط: ص 168.

ص: 690

وقد استغل عبد اللَّه بن سبأ هذا الجو المضطرب، وعمل على زيادة الاضطراب والفتنة حتى وقع ما وقع من قتال وأمور دامية، ظهر في أثنائها وعلى إثرها فرق الضلال كالخوارج، والشيعة الذين وضع أساس بنائهم عبد اللَّه بن سبأ اليهودي مستغلًا تعاطف الناس مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وحبهم له ولآل البيت، فأظهر التعلق بمحبتهم وزعم أن عليًا رضي الله عنه أوصى له بالخلافة من النبي صلى الله عليه وسلم ونشر ذلك بين الناس فكانت هذه بداية بدعة الوصي والوصاية التي بنى عليها الشيعة أكثر أباطيلهم، ثم غالى حتى زعم أن عليًا كان نبيًا يوحى إليه، ثم غلا حتى ادعى له الألوهية من دون اللَّه عز وجل

(1)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فعاقب الطائفتين، أمّا الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأمّا الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار، وطلب قتل عبد اللَّه بن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر)

(2)

.

ولكن ابن سبأ لم يمت إلّا وقد وضع بذور شره، فأخذ مذهب السبئية بعده بنان بن سمعان

(3)

الذي قال بإلهية علي رضي الله عنه ثم من بعده في ابنه محمد ثم في أبي هاشم ابن محمد بن علي بن أبي طالب ثم في نفسه هو، وكتب رسائل يدعو إلى نفسه بهذه الدعوى، وبدعوى النبوة، وأنشأ طائفة تسمى البنانية

(4)

، تقوم على تأليه علي رضي الله عنه ثم تأليه بنان،

(1)

انظر: الفرق بين الفرق: ص 235.

(2)

مجموع الفتاوى 3/ 279، وانظر: 13/ 30 - 34 من المصدر نفسه.

(3)

هو: بنان بن سمعان ويقال: بيان النهدي من بني تميم، ظهر في العراق بعد المائة وادعى الألوهية لعلي ثم لمحمد بن الحنفية ثم لأبي هاشم وابن الحنفية، ثم من بعده في بيان نفسه، وكتب إلى أبي جعفر الباقر كتابًا يدعوه إلى نفسه، وأنه نبي، قتله خالد بن عبد اللَّه القسري وحرقه بالنار قيل عام 126 هـ. انظر: ميزان الاعتدال 1/ 7، 3، والملل والنحل 1/ 203، والتبصير في الدين: ص 124.

(4)

انظر: الملل والنحل 1/ 204.

ص: 691

والقول بالتناسخ، وكان مع بنان في هذه المدة وهذه البدعة المغيرة بن سعد البجلي

(1)

الذي كان يزعم أن عليًا رضي الله عنه كان يستطيع أن يحي الموتى، وأن لمعبوده أعضاءً على صورة حروف الهجاء، ثم ظهر من بعدهما وعلى نفس المنوال أبو منصور العجلي الذي تنسب إليه فرقة المنصورية

(2)

، وكان يزعم أنه رفع إلى السماء، وأن اللَّه سبحانه وتعالى مسح على رأسه، وكان هو وأتباعه من الشيعة ينكرون القيامة، ويزعمون أن عليًا هو الكسف الساقط من السماء، وأن الجنة رجل أمروا بموالاته، وهو إمام الوقت وأن النار رجل أمروا بمعاداته وهو خصم الإمام، وتأولوا المحرمات والفرائض على أسماء رجال، ثم جاء من بعده أستاذ الباطنية وجامع ضلالات من سبق ومضل من لحق أبو الخطاب

(3)

الأسدي الذي تنتسب إليه فرق الخطابية الكافرة، القائلين بألوهية أحد أبناء جعفر الصادق

(4)

وبالتناسخ، وبكون الشريعة ذات ظاهر وباطن، وأن الفرائض أسماء رجالٍ ونساء.

وكان أبو الخطاب الأسدي، أحد شيوخ المفضل بن عمر الجعفي

(5)

،

(1)

هو: المغيرة بن سعد البجلي بالولاء، أبو عبد اللَّه الكوفي الرافضي الكذاب، كان مشبهًا رافضيًا يلعن الصحابة، ويقول بأقوال غاية في الضلال، قتله خالد القسري سنة 120 هـ. انظر: ميزان الاعتدال 4/ 160، والكامل لابن الأثير 4/ 230.

(2)

هو: أبو منصور العجلي، من بني عبد القيس، كان يسكن الكوفة، لما مات أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر، ادعى أبو منصور أن أبا جعفر فوض إليه أمر الإمامية، وأنه جعله وصيًا بعده، ثم ادعى لنفسه النبوة، وأن جبريل ينزل عليه بالوحي، فقتله والي هشام بن عبد الملك، يوسف بن عمر الثقفي. انظر: الفرق بين الفرق: ص 243، والملل والنحل 2/ 14، والتبصير في الدين ص 125.

انظر: الفرق بين الفرق: ص 243، والملل والنحل 2/ 14، والتبصير: ص 125.

(3)

هو: محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، كان يقول: إن لكل شيء من العبادات باطنًا، ويزعم أن الأئمة أنبياء ثم آلهة، قتله عيسى بن موسى والي العباسيين في الكوفة سنة 143 هـ. انظر: الملل والنحل 2/ 16، والتبصير: ص 126، والفرق بين الفرق: ص 247.

(4)

انظر: مصادر الترجمة السابقة.

(5)

هو: أحد الشيعة الدعاة وصفه جعفر الصادق بالكفر، وعده قدماء الشيعة من الغلاة ويعده الشيعة المعاصرون من علمائهم وينافحون عنه، انظر ما قيل عنه في كتاب رجال الشيعة في الميزان: ص 94، وانظر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: ص 25.

ص: 692

شيخ محمد بن نصير النميري

(1)

الذي كون فرقة النصيرية الباطنية، ولما توفي جعفر الصادق

(2)

سنة 148 هـ رحمه اللَّه تعالى، انقسمت الشيعة بحسب اعتقاداتهم المختلفة في آل البيت، فالغلاة منهم وهم الذين ذكرنا آنفًا قالوا بإمامة إسماعيل بن جعفر

(3)

، وهو الذي تنتسب إليه الاسماعيلية، أمّا الإمامية الرافضة فقالوا: بإمامة أخيه موسى الكاظم

(4)

.

وقد بايعت الإسماعيلية على الإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر

(5)

الإمام المكتوم كما يقولون، وفي هذه المدة تركز المذهب الباطني بفلسفاته،

(1)

هو: أحد غلاة الشيعة ومؤسس فرقة النصيرية الكافرة، ومن عقائدهم أن عليًا إله، وأن الأرواح تتناسخ، وأنه يجوز نكاح المحارم، ويعظمون الخمر، ولهم أعياد توافق أعياد النصارى واليهود، وهم أكفر منهم. انظر: رجال الشيعة في الميزان: ص 96، والملل والنحل 2/ 24.

(2)

هو: جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب يعده الشيعة الاثنا عشرية سادس الأئمة وينتسبون إليه، كان من أجلاء التابعين، أخذ عنه مالك وأبو حنيفة. انظر: وفيات الأعيان 1/ 327، ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب، توفي عام 148 هـ. انظر: صفوة الصفوة 2/ 94، وحلية الأولياء 3/ 192، وسير أعلام النبلاء 6/ 255.

(3)

هو: إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، إليه تنسب الإسماعيلية، وملوك الدولة الفاطمية، ادعى الشيعة الإسماعيلية أنه أظهر موته تقية من بني العباس، وجعلوه إمامهم، ثم من بعده ابنه محمد الذي يسمونه المكتوم، توفي إسماعيل بن جعفر في حياة والده سنة 143 هـ. انظر: الأعلام 1/ 311.

(4)

هو: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، سابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، كان عابدًا زاهدًا عالمًا، بلغ هارون الرشيد أن الناس يبايعونه فأخذه وسجنه ببغداد حتى توفي سنة 183 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 6/ 270، ووفيات الأعيان 5/ 308، وشذرات الذهب 1/ 204، والأعلام 7/ 321.

(5)

هو: محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، إمام عند الإسماعيلية والقرامطة، يرون أنه قام بالإمامة بعد والده إسماعيل الذي اختفى وسيعود، ويعدون محمد بن إسماعيل أول الأئمة المكتومين، ثم بعده ابنه جعفر بن محمد الحبيب، ويزعم الفاطميون أن عبيد اللَّه الذي أقام بالمغرب دولة العبيديين هو ابن محمد الحبيب. . .، توفي محمد بن إسماعيل سنة 198 هـ. انظر: الملل والنحل 2/ 27، وشذرات الذهب 2/ 100، والفرق بين الفِرَق: ص 282، والأعلام 6/ 35.

ص: 693

وظهر بفتنته أمام المأمون العباسي، وكان تدبير أمر هذه الدعوة ونشرها واستمالة الناس إليها على يد عبد اللَّه بن ميمون القداح

(1)

الذي كان مولى لجعفر بن محمد الصادق.

وعلى يد ميمون بن ديصان

(2)

المجوسي الزنديق المتستر بالتشيع لآل البيت، والذي كان يظهر الرفض ويبطن الكفر المحض.

وعلى يد محمد بن الحسين الملقب بدندان

(3)

المتفلسف المنجم الشعوبي الذي كان يرى أن للكواكب تدبيرًا في الكون وروحانية، وكان يسعى لعودة دولة المجوس ويتنبأ بذلك ويتمنى أن يكون ذلك على يديه.

(1)

هو: عبد اللَّه بن ميمون بن داود المخزومي بالولاء، المعروف بابن القداح، الذي كان مولى لجعفر بن محمد الصادق، يعتبره الإمامية من فقهائهم ورجال أسانيدهم، ومعدود عند الإسماعيلية من دعاتهم، تلقى هذا عن والده ميمون القداح، وأصله من الأهواز، وكان عبد اللَّه هذا يجيد أعمال الشعوذة والحيل والمكر، فلعب بها على عقول الناس، وكان يتستر بالتشيع والعلم، ثم أراد أن يتنبأ فلم يتم له ذلك، فأظهر ما هو عليه من الإباحية وتعطيل الصفات والشريعة، فكبس الناس داره فهرب إلى البصرة ثم إلى الشام إلى أن هلك سنة 180 هـ فقام بالدعوة بعده ابنه أحمد. انظر: تهذيب التهذيب 6/ 49، وسير أعلام النبلاء 15/ 148، وميزان الاعتدال 2/ 512، والفهرست: ص 264، والإسماعيلية لإحسان إلهي ظهير: ص 83 - 85.

(2)

هو: ميمون بن داود بن سعيد القداح أبو شاكر، وفي نسبه وسيرته اضطراب، فقيل: اسم والده ديصان، وقيل: داود، وقيل: غيلان، وتنسبه الإسماعيلية إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه، وميمون رأس الفرقة الميمونية من الإسماعيلية أتباع أبي الخطاب الأسدي، وأكبر دعاة الإسماعيلية وناشريها، تنقل في البلدان ثم استقر في الشام، وألف ونشر الدعاة، يقال إنه كان مجوسيًا، والذي لا ريب فيه أنه كان زنديقًا يتستر بالتشيع، ومن سلالته خلفاء بني عبيد، أصحاب الدولة العبيدية بالمغرب، والخلفاء الفاطميون، توفي نحو 170 هـ. انظر: الفهرست: ص 264 - 268، وسير أعلام النبلاء 15/ 148، والأعلام 7/ 341، والإسماعيلية لإحسان إلهي ظهير: ص 83 - 85، 92، 174 - 177.

(3)

هو: محمد بن الحسين الملقب بدندان وقيل: زيدان، كان واسع المال عالي الهمة عظيم الحيلة التقى بميمون بن القداح وابنه، واتفقوا على نشر دين الإسماعيلية، فمات هذا قبلهما واتسق الأمر لابن القداح. انظر: الفهرست: ص 267، والكامل لابن الأثير 6/ 126، والإسماعيلية لإحسان إلهي ظهير: ص 92.

ص: 694

وقد اجتمع الثلاثة في سجن في العراق، وهناك وضعوا قواعد الملة الإسماعيلية، ولما خرجوا بدأوا بنشر دعوتهم في جبال الأكراد، وبلاد المغرب وفي أهل البحرين، ثم في أهل اليمين، وقد تمكنت الدعوة الباطنية من الانتشار حتى دخل في دعوتهم بعض كبار الدولة آنذاك، ومن خواص الخليفة العباسي، وهو القائد المسمى بالأفشين

(1)

.

وفي هذه المدة كانت فتنة الباطنية وقوتهم تتمثل في الفرقة الخرمية بقيادة الباطني بابك الخرمي

(2)

الذي قام بحرب المسلمين وقتالهم وكانت منه أمور عظيمة في النكاية بالمسلمين.

ثم قامت ثورة الزنج بقيادة صاحبها الباطني علي بن محمد

(3)

، وتفرع المذهب الباطني الخبيث إلى مذاهب عديدة أشهرها: القرامطة

(4)

،

(1)

هو: حيدر بن كاوس أحد قادة المعتصم كان شجاعًا قويًا، مال إلى دعوة الإسماعيلية في السر، وكان يداهن بابك الخرمي في السر، ويقاتله علنًا ثم قبض عليه لينفي انتسابه إلى الإسماعيلية، سجنه المعتصم ومنعه من الطعام حتى مات عام 226 هـ فصلبه المعتصم إلى جانب بابك الخرمي. انظر: البداية والنهاية 10/ 293، والعبر 1/ 311، وشذرات الذهب 2/ 58.

(2)

هو: بابك الخرمي، أحد زعماء الباطنية ورأس الفرقة الخرمية، قوي النفس شديد البطش صعب المراس، قاتل المأمون وانتصر عليه في عدة مواقع، ثم قضى عليه المعتصم بالأفشين سنة 223 هـ. انظر: البداية والنهاية 10/ 247، والعبر 1/ 298، 302، وشذرات الذهب 2/ 48.

(3)

هو: علي بن محمد الباطني، ظهر في أيام المهتدي العباسي سنة 255 وعجز عن قتاله الخلفاء وكانت منه مصائب وكوراث على المسلمين وتملك بضع عشرة سنة كان خلالها يبث الشر والرعب والفتن والقتل والسفك بين المسلمين، حتى ظفر به الموفق باللَّه أيام المعتمد فقتله سنة 270 هـ. انظر: الكامل لابن الأثير 7/ 205، وما بعدها وسير أعلام النبلاء 15/ 143.

(4)

القرامطة: فرقة من فرق الباطنية وفرع من فروع الإسماعيلية تنتسب إلى الباطني حمدان بن الأشعث الملقب بقرمط الذي تظاهر بالزهد والورع والتقشف وأبطن الدعوة إلى مذهبه الباطني وقام بثورته سنة 278، وتقوم دعوة القرامطة على التأويل الباطني، وجحد الشريعة، وتحريف الاعتقاد، وإباحة النساء وسائر المحرمات، وقد قاموا بأعمال شنيعة ضد المسلمين مثل قتل الحجاج بمكة وهدم الكعبة وسرقة الحجر الأسود.

انظر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: ص 135 - 168، وكتاب الباطني الإسماعيلي المعاصر عارف تامر القرامطة أصلهم، نشأتهم، تاريخهم، حروبهم. وانظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ص 395.

ص: 695

والدروز

(1)

وإخوان الصفا

(2)

،. . . . . . . .

(1)

الدروز: فرقة باطنية تؤله الإسماعيلي الفاطمي المسمى الحاكم بأمر اللَّه، أخذت جُلَّ عقائدها من الإسماعيلية الباطنية، وتنتسب إلى تشتكين الدرزي المؤسس الثاني لعقيدة الدروز مع حمزة بن علي الزوزني المتوفى سنة 430 هـ، وقد أسرع تشتكين في إعلان ألوهية الحاكم فأثار الناس عليه، وأغضب حمزة ففر إلى الشام، ودعا إلى مذهبه فظهرت الفرقة الدرزية المنتسبة إليه، وهم يلعنونه لخروجه عن تعاليم حمزة الذي دبر لقتله سنة 411 هـ.

وهم متأثرون بالباطنية اليونانية وبالدهريين وبالبوذية وببعض فرق فلاسفة الفرس والهند والفراعنة القدامى، يتسترون بعقائدهم ولا يتلقى الدرزي عقيدته ولا يبوحون بها إلّا إذا بلغ سن الأربعين وهو سن التكليف عندهم، يعيشون في لبنان وسورية وفلسطين، ويمثلهم في لبنان الحزب الاشتراكي التقدمي برئاسة وليد جنبلاط، وفي فلسطين هم أشر على المسلمين من اليهود، ويعملون في الأمن والجيش اليهوديين.

ويعد حمزة عندهم بمثابة النبي صلى الله عليه وسلم عند المسلمين، ويعتقدون إضافة إلى تأليه الحاكم والقول بغيبته وأنه سيرجع، وينكرون الأنبياء والرسل ويسمونهم الأبالسة، ويعتقدون أن ديانتهم نسخت كل ما قبلها وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها، ويقول بتناسخ الأرواح وينكرون المعاد وينكرون القرآن.

انظر: الموسوعة الميسرة: ص 223 - 227، وكتاب الحركات الباطنية للخطيب: ص 197 - 317، وكتاب عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب.

(2)

إخوان الصفا: عصابة من الباطنيين اجتمعوا فصنعوا بضعًا وخمسين رسالة في الفلسفة والتشيع والباطنية وغيرها، ويقال: أن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد أحد أئمة الإسماعيلية هو الذي ألفها، ولكن اختلاف أسلوبها يدل على صحة القول الأول، وتعتبر رسائل إخوان الصفا رسائل مقدسة -عندهم- تصل في قدسيتها إلى مرتبة القرآن العظيم، بل يعتبرون القرآن كتاب العامة ورسائل إخوان الصفا كتاب الأئمة، وطائفة الإسماعيلية بجميع فروعها تعظم هذه الرسائل، وتحتوي هذه الرسائل على الآراء الخفية للفاطميين والحشاشين والقرامطة والدروز، وهي خليط من العقائد والفلسفات شأن عقائد الإسماعيلية، ولذلك يجد الناظر في رسائل إخوان الصفا أقوال وعقائد الباطنيين والنصيريين والإسماعيليين والمعتزلة والمجوس والفيثاغوريين والافلوطنيين والوثنيين، وتوجد فيها أقوال هؤلاء جنبًا إلى جنب مع أقوال الأنبياء، وتمتلئ هذه الرسائل بالضلالات والخرافات والانحرافات ومنها: أنهم لا يؤمنون بختبم النبوة، ويرون أن الإنسان كلما ترقى في الدرجات وتوفرت فيه خصال أصبح نبيًا مرسلًا، ويرون أن الكتب المنزله لها ظاهر وباطن، ونادوا بوحدة الأديان، ولهم تسامح واضح مع النصرانية وعقائدها فيؤمنون بالصلب، وأن اللَّه أبًا تعالى اللَّه وتقدس، =

ص: 696

والنصيرية

(1)

، وقامت لهم دولة العبيدية، ولما تحطمت هيبة الحكم

=ولا يؤمنون بالثواب والعقاب في الجنة والنار، ويؤلون كل أمور الغيب تأويلات باطنية فلسفية تؤول إلى القول بالتناسخ، وعلى كل حال فإخوان الصفا ورسائلهم حلقة من سلسلة الحركات الباطنية الساعية لهدم الدين وإحياء الوثنية والكفر.

انظر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: ص 169 - 177، 179 - 195.

(1)

النصيرية: ويسمون بالعلويين وهي تسمية أطلقها عليهم الفرنسيون حين استعمروا سوريا تمويهًا وتغطية لحقيقتهم، وهم حركة باطنية ظهرت في القرن الثالث الهجري، وهم من غلاة الشيعة ولا تصح نسبتهم إلى الإسلام، أسس هذه الفرقة محمد بن نصير البصري النميري المتوفى سنة 270 هـ، حيث ادعى النبوة، وغلا في أئمة الشيعة ونسبهم إلى الألوهية، وأظهر معتقدات النصيرية تأليه علي رضي الله عنه، وأن الإله ظهر في صورته إيناسًا لخلقه وعبيده، ويحبون ابن ملجم قاتل علي رضي الله عنه ويترضون عنه ويزعمون أنه خلص اللاهوت من الناسوت، يعتقد بعضهم أن عليًا سكن القمر بعد تخلصه من الجسد، ويعتقدون أن عليًا قد خلق محمدًا صلى الله عليه وسلم وأن محمدًا خلق سلمان الفارسي إلى آخر سلسلتهم الخرافية.

أباح ابن نصير نكاح المحارم، وأحل لهم اللواط بين الرجال، ولهم ليلة يختلطون فيها ويواقع فيها الرجال النساء، يعظمون الخمر ويسمونها النور، لا يصلون الجمعة، أمّا الصلوات الخمس فيصلونها على طريقة غير طريقة المسلمين حيث تختلف في عدد ركعاتها وليس فيها سجود ولا يتمسكون بالطهارة وليس لهم مساجد عامة، ولهم قداسات تشبه النصارى، ولا يعترفون بالحج بل يعتبرونه كفرًا وعبادة أصنام، ولا يعترفون بالزكاة، أمّا الصيام فهو الامتناع عن معاشرة النساء طيلة شهر رمضان، ويقولون بالباطن والظاهر في النصوص والعقيدة، ويدعون أنهم وحدهم الذين يعلمون باطن الأسرار، ويؤولون أحكام الدين وشعائره تأويلات باطنية، وقد اتفق أهل الإسلام على أن هؤلاء ليسوا من المسلمين، ولا تجوز مناكحتهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين بل هم أكفر من اليهود والنصارى وأكفر من كثير من المشركين.

ولهم أعياد كثيرة توافق أعياد الفرس الوثنيين مثل عيد النيروز ويحتفلون بأعياد النصارى، وعيد الأضحى عندهم في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، ويوم "لام" وهو اليوم التاسع من ربيع الأول، ويقصدون به مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرحًا بمقتله.

عقائدهم مستمدة من الوثنية القديمة وعباد الكواكب وتأثروا بفلسفة الأفلاطونية الحديثة، واستمدوا عقيدتهم من مذاهب الفلاسفة، وأخذوا عن النصرانية التثليث والقُدَّاسات وإباحة الخمور، ونقلوا فكرة الحلول والتناسخ عن المعتقدات الوثنية في الهند وآسيا الشرقية، ومعتقداتهم الشيعية مما قالت به الرافضة عامة والسبئية خاصة، =

ص: 697

الإسلامي، واندثر سلطان الأمة، برزت رؤوس هؤلاء لتعتلي منابر الفكر والأدب والثقافة والصحافة بتأييد من أشياعهم الأوروبيين، الذين وجدوا في الطائفيين بغيتهم لما في عقائدهم من ضلال، وما في قلوبهم من أحقاد متوارثة على المسلمين ودينهم وعقيدتهم وتاريخهم ورموزهم.

فأخذوهم وقربوهم وصنعوهم على أعينهم، وجعلوهم وسيلتهم الثانية في الغزو الفكري والاعتقادي والسلوكي، بعد نصارى العرب.

ولما جاء هؤلاء الطائفيون بكل خلفياتهم الاعتقادية الضالة، والتاريخية الحاقدة، ووجدوا العون من الأوربيين الغازين، والجهل الراسخ بين أبناء المسلمين، والشتات والفرقة والضعف المعنوي والحسي، وجدوا في هذه الأجواء بغيتهم فشرعوا يبثون سمومهم، ويرسخون باطلهم، وينشرون بلاءهم بين أبناء المسلمين.

وكانت إحدى أبرز اللافتات التي ولجوا من خلالها لا فتة الأدب الحديث والفكر المعاصر والتحرر الفكري.

لكنهم في الحقيقة لم يتحرروا من عقائدهم الباطنية والرافضية بل اجتهدوا في ترسيخ مفاهيمها ومصطلحاتها، ورسومها، وأضافوا إلى ذلك أخلاطًا أخرى من عقائد الوثنيات المختلفة ومن عقائد النصارى واليهود.

ولا غرو أن يكونوا كذلك، وقد مضى معنا في هوامش التعريف بأشهر الفرق الباطنية أنهم -أصلًا- في عقائدهم الباطنية قد مزجوا بين أنواع الخرافة والضلال من اليونان إلى الهند إلى المجوس والفرس إلى الديانات المحرفة.

وحين نتأمل نتأج الأسماء الطائفية من الحداثيين نجد أنهم حرصوا على توظيف عقائدهم الطائفية في أسلوب دعوي دعائي واضح، والأغرب

= ينتشرون في سورية في اللاذقية وجبال النصيريين، وفي تركيا، وفي أجزاء من ألبانيا وفارس وتركستان ولبنان وفلسطين. انظر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: ص 319 - 431، والموسوعة الميسرة: ص 511 - 516.

ص: 698

في حومة الصراع الفكري -والأظهر كذلك- أن نشطاء هذا الصراع هم من النصارى، ثم من الطائفيين المنتسبين إلى الإسلام زورًا وكذبًا.

ثم يراد لهذه الظاهرة أن تمر دون ذكر أو تأمل أو مراجعة، تحت شعارات خادعة، وضعت فكانت لها الهيبة في قلوب ضعفاء الإيمان والعقول من المسلمين، مثل شعارات الحرية الثقافية، والمرونة الفكرية، والتقدمية، والتحديث والعصرانية، وأكذوبة الأدب العالمي، وأسطورة التجديد المطلق، وغير ذلك من الشعارات التي اتخذت مسوغًا لكل تخريب اعتقادي وفكري وسلوكي وعملي.

وبإيجاز فإن الحداثة العربية لا تجحد أن من أعلامها ودعاتها جملة من الباطنيين والرافضة: فمن النصيريين علي أحمد سعيد النصيري المسمي نفسه "أدونيس" وزوجته خالدة سعيد النصيرية، ومن الرافضة عبد الوهاب البياتي ومظفر النواب ومهدي عامل وحسين مروة ومحمد علي شمس الدين وشوقي بزيع، ومن الدروز توفيق زياد، وغيرهم

(1)

.

وسوف نورد -إن شاء اللَّه- من النصوص عن بعض هؤلاء ما يؤكد أنهم اتخذوا الحداثة سلمًا لتمرير وتسويق بضائعهم الفكرية الكاسدة.

القسم الثالث: حداثيون شعوبيون، والشعوبية مذهب قديم مشتق من لفظ الشعب، ونسبته غير قياسية إلى "الشعوب"، وسموا بذلك لأنهم ينتصرون للشعوب الأخرى على قبائل العرب، وهم جماعة من الناس لا يرون للعرب فضلًا على غيرهم، وهم على قسمين:

الأول: من يرى تسوية العرب بغيرهم، وأن لا تفاضل بين الأجناس والشعوب.

الثاني: من يذهب إلى استنقاص العرب، والحط من قدرهم،

(1)

ومنهم سليمان بن العيسى، وبدوي الجبل واسمه محمد سليمان الأحمد وشقيقه أحمد سليمان الأحمد، وهؤلاء نصيرية.

ص: 699

والتصغير لشأنهم، والبحث عن مثالبهم وعيوبهم

(1)

.

ومن الشيعة الرافضة محمد مهدي الجواهري، وأحمد الصافي النجفي ومحسن الموسوي ومحمد صالح عبد الرضا وعبد الأمير معلة وكلهم من العراق، ومن الرافضة كذلك محمد العلي وابنه رياض، وأحمد الشويخات وحنان الشيخ.

ومن الأحزاب القومية التي اتخذت الحداثة منهجًا وأسلوبًا حزب البعث العربي الإشتراكي وكان من مؤسيسه، ومن أبرز رجالاته جملة من النصيريين هم زكي الأرسوزي وصلاح جديد ومحمد عمران وإبراهيم ماخوس وسليمان العيسى، وجملة أخرى من الدروز هم شبلي العيسمي، حمود الشوفي، منصور الأطرش، سليم حاطوم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-: (. . . والذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم، وسريانيهم، روميهم وفرسيهم، وغيرهم، وأن قريشًا أفضل العرب، وأن بني هاشم: أفضل قريش، وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسًا، وأفضلهم نسبًا.

وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم لمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه أفضل نسبًا ونفسًا، وإلّا لزم الدور)

(2)

.

وقال: (وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء يسمون الشعوبية، لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل: القبائل للعرب، والشعوب للعجم، ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب.

(1)

انظر: القاموس المحيط 1/ 90، فصل الشين - باب الراء، ولسان العرب 1/ 500، والبيان والتبيين للجاحظ 3/ 5 وما بعدها، والعقد الفريد لابن عبد ربه 3/ 403 وما بعدها.

(2)

اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 370 - 371.

ص: 700

والغالب أن مثل هذا الكلام لايصدر إلّا عن نوع نفاق إمّا في الاعتقاد، وإمّا في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك. . .)

(1)

.

والدليل على فضل جنس العرب على غيرهم قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، إن اللَّه تعالى خلق الخلق، فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خبرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم ببتًا، وأنا خيركم نفسًا)

(2)

.

وقد فسر شيخ الإسلام المراد بهذا الحديث وبين أنه (يحتمل شيئين:

أحدهما: أن الخلق هم الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم خيرهم. . .، ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم، ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشًا بيوتًا فكانت بنو هاشم أفضل البيوت.

ويحتمل أنه أراد بالخلق: بني آدم، فكان في خيرهم: أي في ولد إبراهيم، أو في العرب، ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو جعل العرب عدنان وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، أو في بني عدنان، ثم جعل بني إسماعيل، أو بني عدنان قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة وهم قريش، وعلى كل تقدير فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم: أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم ثم لقريش ثم للعرب. . .)

(3)

.

(1)

المصدر السابق 2/ 372.

(2)

أخرجه أحمد في مسنده 1/ 210 عن العباس، والترمذي في المناقب، باب: فضل النبي صلى الله عليه وسلم 5/ 584 حديثان عن العباس أيضًا رقم أحدهما 3608 والآخر 3608، ونحوه في المستدرك عن ابن عمر 4/ 86، وقد ذكره الألباني في مشكاة المصابيح 3/ 1604 وقال: حديث صحيح، وذكره في صحيح الجامع رقم 1472 - 1/ 309.

(3)

اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 375 - 376.

ص: 701

ثم أضاف رحمه الله قائلًا: (فإن اللَّه تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشًا على سائر العرب، بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك من الخصائص)

(1)

.

ثم ذكر رحمه الله بعد ذلك حكم بغض العرب ومحبتهم وبين: (. . . أن بغض جنس العرب، ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر، ومقتضاه أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان. . .)

(2)

.

وبعد كلام طويل ذكر سبب تفضيل جنس العرب، فقال رحمه الله: (وسبب هذا الفضل -واللَّه أعلم- ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل: إمّا بالعلم النافع، وإمّا بالعمل الصالح.

والعلم له مبدأ وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام وهو: قوة المنطق، الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانًا وتمييزًا للمعاني، جمعًا وفرقًا، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، إذا شاء المتكلم الجمع، ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في جنس الحيوان فهم -مثلًا- بعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال، إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي التي لا يستراب فيها.

وأمّا العمل: فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخبر معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا

(1)

المصدر السابق 1/ 381.

(2)

المصدر السابق 1/ 385.

ص: 702

شريعة موروثة عن نبي، ولا هم -أيضًا- مشتغلين ببعض العلوم العقلية المحضة، كالطب والحساب ونحوها، إنّما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من الحروب.

فلما بعث اللَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي ما جعل اللَّه في الأرض ولا يجعل أمرًا أجل منه وأعظم قدرًا، وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية، والظلمات الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها، فلما تلقوا عنه ذلك الهدى العظيم، زالت تلك الريون عن قلوبهم، استنارت بهدى اللَّه الذي أنزل على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم، بتلك الفطرة الجيدة، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل اللَّه أليهم، بمنزلة أرض جيدة في نفسها، لكن معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاة والعوسج، وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي من الشجر والدواب وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله. . .)

(1)

.

ثم بعد كلام طويل ذكر ما يجب على من يذكر الفضائل، والمراد بتفضيل العرب أو غيرهم ممن وردت نصوص بتفضيلهم، فقال: (. . . إن الذي يجب على المسلم إذا نظر في الفضائل إذ يعرف الخير، ويتحراه جهده، ليس غرضه الفخر على أحد، ولا الغمص من أحد، فقد روى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي

(2)

رضي الله عنه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إنه أوحي إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد"

(3)

.

(1)

اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 396 - 397.

(2)

صحابي سكن البصرة وعاش إلى حدود سنة خمسين. انظر: تقريب التهذيب 2/ 90.

(3)

أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار 3/ 2197، وأبو داود كتاب الأدب باب في التواضع 5/ 203.

ص: 703

فنهى اللَّه سبحانه على لسان رسوله عن نوعي الاستطالة على الخلق وهي الفخر والبغي؛ لأن المستطيل أن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا، فإن كان الرجل من الطائفة الفاضلة، مثل أن يذكر فضل بني هاشم أو قريش أو العرب أو بعضهم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه والنظر إلى ذلك فإنه مخطيء في هذا؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص كما قدمناه، فرب حبشي أفضل عند اللَّه من جمهور قريش، ثم هذا النظر يوجب نقصه وخروجه عن الفضل، فضلًا عن أن يستعلي بهذا ويستطيل.

وإن كان من الطائفة الأخرى، مثل العجم، أو غير قريش، أو غير بني هاشم، فليعلم أن تصديقه لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر وطاعته فيما أمر، ومحبة ما أحبه اللَّه، والتشبه بمن فضل اللَّه، والقيام بالدين الحق، الذي بعث اللَّه به محمدًا، يوجب له أن يكون أفضل من جمهور الطائفة المفضلة وهذا هو الفضل الحقيقي)

(1)

.

هكذا الكلام السديد الذي كتبه شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه، فيه رد على كلتا الطائفتين المنحرفتين: على الشعوبيين الذين يبغضون العرب ويذمونهم، وعلى القوميين العروبيين الذين يفتخرون بجنسهم وعرقهم وأنسابهم.

فأفضلية جنس العرب على جنس سائر الأمم مما يعتقده أهل السنة والجماعة، ولكن هذا شيء والافتخار بالجنس والعرق شيء آخر، وهو من أمور الجاهلية التي أبطلها الإسلام، ونهى عنها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال:"لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلّا بالتقوى. . . "

(2)

الحديث.

وقال صلى الله عليه وسلم إن اللَّه عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها

(1)

اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 401 - 402.

(2)

أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/ 411، وذكر نحوه في مجمع الزوائد 8/ 84 وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه، ورجال البزار رجال الصحيح.

ص: 704

بآبائها، الناس بنو آدم، وآدم من تراب، مؤمن تقي، وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على اللَّه من الجعلان التي تدفع النتن بأفواهها"

(1)

.

وجماع القول في هذه القضية ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمه الله في الفتاوى-: (وجمهور العلماء على أن جنس العرب خير من غيرهم كما أن جنس قريش خير من غيرهم، وجنس بني هاشم خير من غيرهم، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خبارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"

(2)

.

لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد، فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب، وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش وفي غير بني هاشم من قريش وغير قريش من هو خير من أكثر بني هاشم)

(3)

.

إلى أن قال: (لم يخص العرب بحكم شرعي، بل ولا خص بعض أصحابه بحكم دون سائر أمته، ولكن الصحابة لما كان لهم من الفضل أخبر بفضلهم، وكذلك السابقون الأولون لم يخصهم بحكم، ولكن أخبر بما لهم من الفضل لما اختصوا به من العمل، وذلك لا يتعلق بالنسب.

والمقصود هنا أنه أرسل إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، فلم يخص العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية، ولكن خص قريشًا بأن الإمامة فيهم، وخص بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم. . .)

(4)

.

والمقصود أن الشعوبية التي رفع رياتها المنحرفون من الفرس

(1)

أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب التفاخر بالأحساب 5/ 339، والترمذي في كتاب المناقب، باب: فضل الشام واليمن 5/ 734، وأحمد في مسنده 2/ 163.

(2)

أخرجه البخاري في عدة مواضع منها كتاب المناقب، باب: قول اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} 3/ 1288، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: الأرواح جنود مجندة 3/ 2031.

(3)

و

(4)

مجموع الفتاوى 19/ 29 - 30.

ص: 705

والعرب

(1)

، تقوم على نظرية غير الإسلام في هذه الناحية، وأهم معالم الشعوبية ما يلي:

1 -

بغض العرب، والاستخفاف بهم، والتحقير من شأنهم.

2 -

تقوم الشعوبية على جوانب فكرية وسياسية وأدبية تستهدف الكيد للعرب ومنعهم من تحقيق ازدهارهم.

3 -

تلغي الشعوبية معيار العقيدة والدين أو تقلل من شأنها وتعتمد على معيار العرق واللغة والوطن.

4 -

تستهدف الشعوبية تشويه تاريخ العرب وتصغير شأنهم وإنكار أي دور حضاري لهم.

5 -

تستنقص الشعوبية من قدر اللغة العربية وتهون من شأنها وتسعى في إضعافها وتدميرها، وتلصق بها شتى التهم كالتخلف والبربرية، والجفاء والضعف الشاعري والجمود، والمبالغات، وغير ذلك.

6 -

محور الخطاب الشعوبي أن العرب قبائل لا تربطها رابط وليس لها في الحضارة والتقدم نصيب، وأنهم مجرد حالة من الهمجية والتخلف في حين أن الشعوب الأخرى أصحاب حضارات راسخة.

وانظر هذه المسألة في 15/ 431 و 27/ 472، وجامع الرسائل بتحقيق محمد رشاد سالم المجموعة الأولى 287 - 290، ومنهاج السنة 4/ 600، وسلسلة الأحاديث الضعيفة 1/ 192 - 197.

7 -

الدعوة إلى إحلال العادات والتقاليد والإعراف الاجتماعية والثقافية واللغوية الفارسية والرومية محل العربية.

8 -

اتخاذ الشعوبية طريقًا لمضادة الإسلام ومحاربة أهله.

9 -

إحياء تراث الملل والنحل للشعوب غير العربية التي كانت قبل الإسلام.

(1)

انظر ما قيل عن دور بعض العرب في رفع راية الشعوبية في البيان والتبيين 1/ 5 هامش رقم 1، والشعوبية الجديدة: ص 190 - 193.

ص: 706

10 -

تحوير معنى النصوص والمفاهيم الإسلامية، وتاويلها تاويلًا يخرجها عن مفاهيمها الحقيقية إلى أخرى بعيدة عن الإسلام.

هذه أهم سمات الشعوبية، ولكن هل كانت مجرد مذهب اعتقادي فكري بدأ في العصر الأموي واشتد في العصر العباسي ثم انتهى بعد أن مضت عليه السنون؟.

إن المتأمل في كتابات المستغربين العلمانيين والحداثيين يرى أنهم الامتداد الحقيقي للفكرة الشعوبية، والصورة الأكثر خبثًا أيضًا؛ ذلك أنهم -أو أكثرهم- أضاف إلى شعوبيته وبغضه للعرب أمة وجنسًا ولغة، بغضه للدين وإلحاده المكشوف وشركه باللَّه تعالى، وغير ذلك من أنواع الانحراف الاعتقادي والخلقي والعملي.

والدارس لتاريخ الصراع الفكري الحديث بين الإسلام وغيره يستطيع أن يكتشف أن دعاة التغريب الأوائل كانوا ينطوون على عقيدة شعوبية تخريبية، ولا مجال هنا لاستعراض خبايا هذه الطليعة المستغربة، ويكفي أن نستدل بواحد من أظهر مشاهيرها، وهو طه حسين، الذي شحن كتاباته بالتحامل على العرب والإسلام وخاصة كتابيه في الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر

(1)

.

ثم توالدت هذه العقيدة الشعوبية إلى أن وصلت إلى الحداثيين الذين تشبعوا بأفكار وعقائد الغرب وذابوا في مذاهبه واندمجوا في فلسفته، فصاروا لسانه الناطق عنه، ولواءه المنشور في بلاد العرب والمسلمين، ومن الطبيعي أن يكون المتشرب لعقيدة مّا، لسانها المعبر عنها وحسامها المدافع عنها.

والحداثيون يعترفون -بافتخار أحيانًا وبانتقاد في أحيان قليلة- أنهم يعيشون التبعية للغرب فكرًا وسلوكًا وممارسة.

(1)

انظر: كتاب الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث د/ محمد الكتاني 2/ 1094، 1097.

ص: 707

يقول الماركسي اللبناني حسين مروة

(1)

: (لقد كنا في لبنان مصابين بانتشار ألوان من الأدب والفن الانحلاليين وكان معظم أدبائنا وفنانينا متأثرين بالمؤسسات الأجنبية والمدارس الفرنسية في الأدب والفن والفلسفة، من رومنطيقية وسوريالية وانطباعية ووجودية، يقلدونها جميعًا، ويتعصبون لها، ويقفون بوجه الحركة الواقعية في الأدب والفن)

(2)

.

ففي هذا النص اعتراف كامل بتبعية أولئك للغرب، إلّا أن الطريف والمؤلم في الوقت ذاته أنه ينتقد عليهم وقوفهم ضد الحركة الواقعية في الأدب، وهي ليست سوى وجه آخر للتبعية، لكنها تبعية للكتلة الشرقية من أوروبا: الكتلة الشيوعية الماركسية اللينينية التي كان حسين مروة من أنشط دعاتها الحزبيين والفكريين، وكانت مجلة الثقافة الوطنية المنبر الثقافي والأدبي الذي امتطاه دعاة الشيوعية يبثون أفكارهم من خلاله

(3)

.

ومن شواهد اعترافات الحداثيين بالتبعية بل، وتأصيلهم لذلك ما ذكره

(1)

حسين مروة، كاتب وباحث وناقد وسياسي لبناني شيعي الأصل شيوعي الملة ماركسي التنظيم، قام بأدوار كبيرة في نشر الماركسية والحداثة، ولد سنة 1332 هـ/ 1908 م، وتعلم في المدارس الشيعية في النجف، ثم تحول إلى الماركسية وانتخب في 1383 هـ/ 1964 م عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني، له مؤلفات عديدة مليئة بمحاولات هدم الإسلام، والتنقص من عقائده وشرائعه وأصوله، وأشهرها النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ودراسات في الإسلام بالاشتراك مع محمود أمين العالم ومحمد دكروب وسمير سعد، قتل غيلة في 1407 هـ/ 1987 م وعمره 79 عامًا، وقرر الحداثيون جعل يوم موته 17 شباط من كل عام "يوم المثقف العربي"، وقد رثاه الحداثيون المحليون وبكوه بمرارة. انظر: شخصيات وأدوار ص 255 - 256، وحوار مع فكر حسين مروة لمجموعة من الكتاب 341 - 343، والحداثة في ميزان الإسلام: ص 106.

(2)

مجلة الثقافة الوطنية العدد 62 في 15 تموز 1954 م/ 1373 هـ: ص 4.

(3)

صدرت مجلة الثقافة الوطنية عام 1372 هـ/ 1953 م ودعت لمؤتمر الكتاب العرب من 9 - 11 أيلول 1954 م/ 1373 هـ في دمشق، وهو المؤتمر الذي انبثق عنه رابطة الكتاب العرب، وقد لعبت مجلة الثقافة الوطنية دورًا بارزًا في احتضان التيار اليساري واهتمت بترجمة أعمال لوركا وأراغون وناظم حكمت وايلوار وغيين ونيرواد، ونشر الدراسات التعريفية والدعائية لهم. انظر: الحداثة الأولى: ص 45.

ص: 708

محمد جمال باروت عن تبعية عصابة شعر حيث قال: (. . . حركة مجلة شعر قد دمجت فعليًا بين المثال الإحيائي النهضوي والمثال الغربي، بعيدًا عن أية مثنوية حضارية، وبهذا المعنى قادت الأطروحة النهضوية مشروع شعر إلى المثال الغربي، كإعادة اتصال به، أو كتكرار لما كان في البدء، ويعبر عن ذلك أدونيس في معالجة لقضية المثنوية الحضارية، أمّا يسميه "قضية التعارض: شرق/ غرب" "ففي الأصل لا غرب لا شرق في الأصل الإنسان سائلًا باحثًا، بدأ السؤال والبحث وجودًا ومصيرًا في حوض المتوسط الشرقي ومن ضمنه سومر/ بال ثم أصبح نضامًا فكريًا، ومشروع أجوبة متكاملة في أثينا، من هذا الحوض كذلك جاءت الرؤيا الدينية: اليهودية وبعدها المسيحية مشروع أجوبة أخرى، وهيمن الجواب المسيحي وغزا ما وراء المتوسط "الغرب"، ثم جاء الإسلام بأجوبته التي تحتضن ماتقدمها وتكملها، أوروبا نفسها تسمية مشرقية فينيقية، أي: أنها اكتشاف أو ابتكار مشرقي، أليس اسمها هو نفسه، اسم الآلهة الفينقية "أوروب" كما تقول الأسطورة أي كما يقول الخيال/ الواقع")

(1)

.

فقضية الارتماء الغربي قضية عادية مسلّم بها، لكن أدونيس يبحث عن تسويغ تاريخي بفذلكة متهافتة، تقوم على أساس فكرة الحضارة المتوسطية، وهي أوروبا المستوردة في فكر وشعر الحداثة، وهي الجذور التي تريد عصابة شعر ترسيخ عقائدها الوثنية والنصرانية باسم أنها كانت نابعة من الشرق على حد تعبير أدونيس في قوله:(الإبداعات الكبرى في الغرب، سواء كانت دينية أو فنية أو فلسفية -تجاوزًا للتقنية- شرقية الينانيع، أنها نوع من شرقنة الغرب)

(2)

.

يقول باروت بعد هذا النص: (هكذا تأسست أطروحة المعاصرة ليس بوصفها اقتلاعًا بل بوصفها نهضة وعودة إلى الجذور، وستعبر اطروحة

(1)

الحداثة الأولى لمحمد جمال باروت: ص 14، والنص المنقول من كلام أدونيس من كتابه فاتحة لنهايات القرن: ص 329.

(2)

فاتحة لنهايات القرن: ص 230.

ص: 709

"الحضارة المتوسطية" عن ذلك تمامًا، فيوسف الخال يشير من انكلترا إلى البحر المتوسط "بحرنا العظيم الخالد" كما يصف "خطوات الملك" لشوقي أبو شقرا بأنها "إنتاج لبناني متوسطي" كما يرى أدونيس في شعر يوسف الخال عودة العربي إلى نقائه الأول "عودة توحدنا بقوى تراثنا الحية الحرة. . . هذه القوى هي عقدة الوصل التي تعيد ربطنا كعرب بتاريخ المغامرة الإنسانية، تصل ما انقطع بيننا وبين اليونان، وما قبل اليونان عبر المسيحية -بيننا وبين التراث المتوسطي- خميرة الحضارة الإنسانية ومهدها")

(1)

.

إن هذا النص والذي قبله يبدوان للوهلة الأولى أنهما يمثلان نظرة تاريخية خاصة بصاحبها، وموضوعية معرفية تحتوي على إنصاف، إلا أنها في حقيقة الأمر ينطويان على مبدأ تسويقي لا يخلو من طرافة مضحكة فحواها: إن الحداثة المستوردة ليست سوى بضاعتنا التي ردت الينا، فهي -حسب رأي باروت- نهضة تقوم على جذور تاريخية هي الحضارة المتوسطية، فلا وجه للانزعاج منها، ووصفها بأنها غزو فكري غربي، ولا مجال لاعتبارها غريبة على هويتنا وثقافتنا ومجتمعاتنا، فيا لها من حقائق مزورة وتخيلات تكتسي -بالزور- ثوب الحقيقة!!!

إن أصدق تعبير عن هذه التبعية ما قاله باروت عن ذوبان عصبة شعر في الغرب: (التي وجدت في النموذج الثقافي - الشعري الغربي كمال التعبير عنها، لقد هضمت نخبة "شعر" محتويات هذه الحساسية ثقافيًا وروحيًا وجماليًا، وأعادت إنتاجها شعريًا)

(2)

.

وهذا القول شهادة حقيقية على مقدار التبعية في مجلة شعر وأتباعها وهي شهادة يُمكن تعميمها على كل أتباع الحداثة الذين تبنوا ما يسمى بالنهضة الحديثة وهي في الحقيقة ارتكاس وانتكاس وتبعية باعتراف الحداثيين أنفسهم، كما قال أحدهم: (كانت النهضة تعلن عن تكون نظرة جديدة للحياة والعالم والإنسان. . . بهذا المعنى يُمكن فهم اقتراح "الشعر المنثور"

(1)

الحداثة الأولى: ص 15 وما بين الأقواس الداخلية من أقوال يوسف الخال وأدونيس.

(2)

المصدر السابق: ص 66.

ص: 710

في العقد الأول من القرن، عبر صلته الوثيقة بهاجس النهضة، ومحتواها العصري، صحيح أن هذا الاقتراح كان يستمد معاييره من الغرب. . . من هنا كانت النهضة المحكومة بوعي يرى في الغرب روح العصر)

(1)

.

وفي اعترافات صارخة بالتبعية الكاملة يقول أحد الحداثيين: (. . . يؤثر كثيرون "من الشعراء" عدم الكتابة إلّا انعكاسًا كليًا لمرأة الحداثة الغربية، وإذ نعترف بأن الغرب اليوم يقدم لنا غالبية عناصر الحداثة الأدبية الشعرية، فإن الانقياد والإمحاء الكلي أمام نماذجه يحرماننا من تكوين لغتنا الشعرية الخاصة)

(2)

.

ونحوه قول الآخر: (لقد كان التحديث -ويا لسذاجتنا نحن التقدميين- شعارًا شافًا، وأحيانًا شفافًا لإنجاز التبعية الكاملة للغرب)

(3)

.

وفي حقيقة الأمر أن هذه الأقوال ليست سوى قطرة صغيرة من بحر الاعترافات الواضحة بالتبعية، والنماذج الصارخة لها، وليس بإمكاني أن أورد هنا كل ما جمعته في هذا الصدد

(4)

.

(1)

المصدر السابق: ص 185.

(2)

قضايا وشهادات 3 شتاء 1991 م: ص 215 نقلًا عن مجلة الناقد حزيران يونيو 1989 م/ 1409 هـ: ص 45 من مقال لأنطوان أبو زيد.

(3)

المصدر السابق 2 صيف 1990 م: ص 22 من مقال بعنوان بين الحداثة والتحديث لسعد اللَّه ونوس.

(4)

انظر اعترافاتهم بالتبعية ونَماذج لممارساتهم لها، وأمثلة واضحة على الارتماء والامحاء في الغرب وفكره في الكتب والمجلات التالية:

1 -

الحداثة الأولى لباروت: ص 13، 14 - 17، 22، 23، 25 - 33، 34، 37، 38، 45، 60، 66، 89، 90، 94، 110، 111، 116 - 117، 118، 128، 141، 184، 185، 187، 195، 208، 218.

2 -

زمن الشعر لأدونيس: ص 75، 96 - 99، 100، 107، 111، 124، 109، 133، 150، 152، 235، 267، 292، 309.

3 -

اتجاهات الشعر العربي المعاصر لإحسان عباس: ص 26، 27، 35، 51، 60، 107، 128، 130، 162.

4 -

الأدب ومذاهبه لمحمد مندور: ص 3 - 5، 24، 31، 35، 42. =

ص: 711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= 5 - قضايا وشهادات 3 شتاء 1991 م/ 1411 هـ: ص 15، 17، 68، 150، 153 - 159، 166، 167، 212، 213، 214، 215، 217، 220، 368.

والمصدر نفسه 2 صيف 1990 م: ص 14، 16، 22، 32، 99، 101، 119 - 120، 151، 175، 211، 176، 178، 190، 191، 192 - 194، 198، 209، 212، 216، 217، 218، 254، 255، 262، 285، 291، 299.

والمصدر نفسه 4 خريف 1991 م/ 1411 هـ: ص 25، 26، 67، 69، 74، 75، 97، 158، 171، 172، 294.

6 -

الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر لعبد الحميد جيدة: ص 31، 110، 133 - 165.

7 -

في النقد الحديث لنصرت عبد الرحمن: ص 63 - 64، 89، 104، 105، 106، 109، 113، 114 - 115، 117، 118 - 122، 143، 145 - 149، 153، 171، 175، 178، 183، 184، 190، 199 - 200، 205، 206.

8 -

نقد الحداثة لحامد أبو أحمد: ص 11، 22، 24، 33، 43، 47، 48، 52، 53 - 56، 74 - 75، 78، 102، 110، 122.

9 -

مجلة الناقد - العدد العدد الأول: ص 57، والعدد الثامن: ص 24، 25، 27، 32 - 33، والعدد التاسع: ص 17، 19، 63، والعدد العاشر: ص 20 - 23، والعدد الثالث عشر: ص 33، 54، 59 - 61، 82، والعدد الثامن عشر: ص 13، 14، 61 - 63.

10 -

الحداثة في الشعر العربي المعاصر بيانها ومظاهرها لمحمد حمود: ص 52، 53، 58، 352.

11 -

أفق الحداثة وحداثة النمط لسامي مهدي: ص 6، 24، 25، 26، 35، 43، 53، 66، 137 - 146، 156 - 170، 170 - 174، 186، 188، 190.

12 -

حداثة السؤال لمحمد بنيس: ص 20 - 21، 37، 39، 40، 119، 207، 213.

13 -

رأيهم في الإسلام: ص 18، 53، 96، 103، 112، 147، 155، 156، 161، 165، 166، 171، 197.

14 -

الإسلام والحداثة: ص 197، 326، 329، 344، 345، 354، 369.

15 -

أدونيس مننحلًا لكاظم جهاد: ص 90، 157، 166، 172.

16 -

أسئلة الشعر لمنير العكش: ص 32، 155، 160، 162، 198، 203.

17 -

قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص 211، 231، 270، 272، 278، 299 - 300، 210، 211، 312، 319، 356. =

ص: 712

لكن المقصود هنا أن هذه التبعية أضافت إلى شرور الحداثة الاعتقادية والسلوكية شرًا آخر يتمثل في اعتناق الشعوبية ومعاداة العرب، إذ من الضروري أن يكون المنتمي إلى فكر الغرب وعقائده ومذاهبه وفلسفاته،

= 18 - ديوان السياب أأ أ، 191، 333، 356، 357، 563 - 591، 627.

19 -

ديوان نازك الملائكة جـ 1/ 640، 660، 668، 10، جـ 2/ 473، 503، 540، 563.

20 -

ديوان البياتي فيه شواهد كثيرة جدًا واكتفي ببعضها 1/ 139، 203، 243، 244، 248، 323، 324، 325، 329، 334، 341، 343، 350، 373، 387 - 379، 417، 459، 433، 482، وجـ 2/ 151، 162 - 163، 182، 213، 263 - 267، 308، 319، 343، 341، 329، 348، 422، 340.

21 -

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 228 - 230، 231، 700.

22 -

الأعمال الشعرية للخال: ص 197، 227 - 231، 232 - 235، 226 - 239.

23 -

المجموعات الشعرية لتوفيق الصايغ: ص 57، 60، 68، 103، 375.

24 -

ديوان سعدي يوسف: ص 65، 108، 227، 302، 330، 125، 132، 136، 489، 353 - 355، 359، 490 - 491، 493.

25 -

الأعمال الشعرية لنزار قباني: 1/ 255، 331، 332، 3/ 85.

26 -

ديوان محمود درويش: ص 44، 68 - 70، 261.

27 -

الأعمال الشعرية لمعين بسيسو: ص 8 - 10، 12، 14، 15، 16، 18 - 22، 28، 30، 62، 80، 82، 127 - 128، 344، 652، 660 - 663 وغيرها كثير.

28 -

ديوان سميح القاسم: ص 125 - 126، 183، 241، 265 - 269، 271، 372، 376، 281 - 294 وغيرها كثير.

29 -

ديوان توفيق زياد: ص 3، 5 - 10، 13 - 18، 91 - 94، 99 - 100، 202 - 204، 563 - 622، وغيرها كثير.

30 -

ديوان المقالح: ص 12، 65، 71، 72، 139 - 142 - 145 - 146، 367، 492، 513، 592.

31 -

الآثار الكاملة للماغوط: ص 293.

32 -

ديوان محمد الفيتوري 1/ 12 - 13، 251، 263، 345 - 349، 154.

33 -

الأعمال الشعرية لممدوح عدوان 1/ 31، 147.

34 -

ديوان دحبور: ص 16 - 17، 64.

35 -

كتاب معهم حيث هم ندوة فكرية: ص 38، 39، 40، 60، 42، 129.=

ص: 713

منطويًا على ما انطوى عليه الغرب من بغض للعرب أصل الإسلام ومعدنه.

وليس هذا من باب اللازم العقلي والواقعي فحسب، وإن كان لازمًا لا فكاك منه، بل هو إضافة إلى ذلك من الأمور التي يصرح بها الحداثيون في معرض انغماسهم في التبعية للغرب، وهو ملمح واضح غاية الوضوح.

وتظهر شعوبيتهم جلية في معرض هجومهم على اللغة العربية ومناداتهم بتدميرها وتفجيرها أو تغييرها، واستبدالها بالأحرف اللاتينية أو بالعامية المحكية، وهذا كثير عند الحداثيين، بل إنه من سماتهم الأساسية حتى عند المعتدلين منهم والذين مازالوا يعترفون بحق اللغة العربية في الحياة!!، أمّا المنادون بإبادتها بالكلية فلا ريب أنهم قد قطعوا شوطًا كبيرًا في الارتماء الشعوبي بمضادتهم وبغضهم للغة القرآن العظيم لغة العرب، أو بمناداتهم بتغيير دلالات الألفاظ وعلاقاتها ببعضها، أو الدعوة إلى إلغاء النحو والإعراب واللغة المعجمية للألفاظ، أو بالعبث باللغة وألفاظها

(1)

.

= 36 - شعرنا الحديث إلى أين لغالي شكري: ص 8 - 9، 21، 139.

37 -

ذكريات الجبل الضائع له: ص 42، 57، 63، 64، 248.

38 -

فتافيت شاعر لجهاد فاضل: ص 117، 124، 125.

39 -

توفيق صائغ سيرة شاعر ومنفي لمحمود شريح: ص 38، 39، 47، 48، 59، 88، 143، 150.

40 -

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 35، 63 - 64، 67 - 68، 262، 271، 278، وغيرها كثير.

41 -

بحثًا عن الحداثة لمحمد الأسعد: ص 9، 11، 15، 22، 38 - 43، 48، 59، 90 - 91، 98 - 105، 128، 136، وغيرها كثير.

(1)

انظر: شواهد كل ما ذُكر عن موقفهم عن اللغة فيما يلي:

1 -

الحداثة الأولى لباروت: ص 174، 175، 176، 179، 216، 242.

2 -

زمن الشعر لأدونيس: ص 17، 20، 40، 78، 95، 113، 114، 131، 132، 133، 163، 164، 213، 265.

3 -

اتجاهات الشعر العربي لإحسان عباس: ص 111، 112، 113.

4 -

قضايا وشهادات 3/ 85، 93 - 140، 150، 164، 167، 186، وجـ 2/ 46 - 65، 79، 85، 144، 222، 223، 394، 397.

5 -

نقد الحداثة: ص 102، 107. =

ص: 714

ولولا أن المقام لايتسع لذكر الشواهد على عداوتهم للغة وحربهم لها لذكرت من ذلك أشياء كثيرة، تدل بجلاء على شعوبية الحداثيين وبغضهم للغة العرب، رغم دعاواهم العريضة في أنهم بمشروعهم الحداثي يخدمون اللغة ويسعون لتطويرها وانعاشها على حد تعبيرهم، غير أن في أقوالهم وتصريحاتهم

= 6 - مجلة الناقد 1/ 65، 8/ 27، 29، 9/ 38 - 39، 48، 42/ 13، 18/ 13، 14.

7 -

الحداثة في الشعر العربي المعاصر: ص 351.

8 -

أفق الحداثة لسامي مهدي: ص 43، 44، 62، 48، 65، 71.

9 -

حداثة السؤال: ص 23 - 24، 29.

10 -

رأيهم في الإسلام: ص 35، 107، 193، 194، 195، 196، 197، 199.

11 -

الإسلام والحداثة: ص 343، 345، 346، 347، 368.

12 -

الصوفية السوريالية لأدونيس: ص 25 - 26، 30.

13 -

أسئلة الشعر لمنير العكش: ص 12، 37، 129، 148 - 150، 152، 156، 188، 203، 217.

14 -

قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص 193، 194 - 195، 206، 267، 313، 315، 341، 349، 350، 387 - 388.

15 -

ديوان نازك 8/ 2 - 11، 13، 18 - 19، 20.

16 -

ديوان البياتي 2/ 105، 113، 348، 353، 434، 445، 252

17 -

الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص 119.

18 -

المجموعات الشعرية للصايغ: ص 113، 117، 155، 165، 167، 174، 182، 236، 285، 318، 319، 324، 394.

19 -

خواتم لأنسي الحاج: ص 17، 14، 138.

20 -

الأعمال الشعرية لنزار قباني: 3/ 71، 221، 300، 303، 347، 351، 349، 398 - 401.

21 -

ديوان محمود درويش: ص 108، 610.

22 -

الأعمال الشعرية لمعين بسيسو: ص 266، 502، 568 - 570.

23 -

ذكريات الجيل الضائع لغالي شكري: ص 90.

24 -

فتافيت شاعر لجهاد فاضل: ص 26.

25 -

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة لأدونيس: ص 205، 233، 243، 282 - 283، 292، 297، 315.

26 -

بحثًا عن الحداثة لمحمد الأسعد: ص 102، 107، 109، 110 - 114، 115.

ص: 715

وممارساتهم ما يؤكد أنهم احترفوا التدمير والتفجير والإبادة لهذه اللغة الكريمة

(1)

.

ومن هذين الموقفين: "أعني تبعيتهم للغرب وحربهم للغة العرب" يتبين لنا أن الحداثي شعوبي بكل ما تحويه هذه النسبة من دلالات، وما تتضمنه من معاني، وأقول قولًا مجملًا: أنه ما من حداثي نصراني أو نصيري إلّا وهو ينطوي على عقيدة شعوبية.

أمّا الحداثيون المشاد بهم في المدائح الحداثية المتبادلة من أصحاب الأعراق غير العربية، فإن عداوتهم للعرب واللغة العربية أشد وأنكى، وأقرب مثال على ذلك الجزائري البربري الملحد كاتب ياسين

(2)

، الذي يقول:(ترى هل أن "الإسلام العربي" هو جزء من شخصيتنا أم لا؟، أنا أقوال لا، ومجرد النفي هذا ينطوي على إرادة القضاء على تلك التصورات فبالنسبة إلى المرأة الجزائرية يشكل الإسلام العربي طوقًا لا يحتمل، كما يشكل التعريب لكونه سلاحًا سياسيًا ووسيلة تلاعب بالعواطف بالنسبة إلينا في الجزائر، جرحًا داميًا نازفًا وآفة، ومن هنا القول: إن كل ما يتعلق بالإسلام العربي يتطلب توضيحًا بغية الحد من الأضرار التي يلحقها بنا)

(3)

.

(اليوم وأكثر من كل يوم يقتضي الحذر من الأوهام والادعاءات العقائدية الدعائية من أجل العروبة، من هنا تمردي على القول بأن الجزائر عربية. . .، ليست الفصحى لغة القرآن بل اللغة التي ابتدعنا. . لا وجود لعرق عربي برأيي؛ لذا يجب أن ننفض غبار الغموض، القاتل والمتأتي من تفاعل وتزاوج اللغة والدين: الدين العربي الإسلامي، كلنا مأخوذ وبنسب متفاوتة بهذا المعتقد، والفلسطينيون ضحاياه الأول، لدى التوقف عند العروبة

(1)

انظر: الشواهد المشار إليها في الهامش السابق.

(2)

كاتب ياسين، بربري جزائري شيوعي ملحد، يبغض الإسلام والعرب بغضًا شديدًا، ينتمي للماركسية، وللمجموعة الفرنكفونية، يعتبر الإسلام واللغة العربية احتلالًا حصل ضد الجزائر، ويرى أنه لا خلاص إلّا بإزاحتهما من الوجود، لما هلك بكاه الحداثيون المحليون ورثوه بحزن. انظر: رأيهم في الإسلام ص 191.

(3)

رأيهم في الإسلام: ص 193.

ص: 716

والتعريب، يجب أن نتساءل أولًا عما إذا كنا دومًا عربًا؟، كلا بكل تأكيد، وإذا كان هذا من الحقائق المسلم بها والبديهية. . .

لقد فرض علينا الإسلام دينًا، وذلك في بلد يقول بالاشتراكية نظامًا، وهو أمر على جانب كبير من الخطورة. . .، أضحيت شخصيًا موضع حملات صحفية، وصفتني بعدو العرب والدين والضاد، فهل من الممكن أن يكون المرء عدو اللغة، هذا مع العلم أنني توقفت عن الكتابة بالفرنسية وانصرفت إلى التأليف بالعربية واللغة الشعبية.

في الواقع أنني ضد الفصحى. . . إن استمعت لإحدى النشرات التلفزيونية لقلت إنه معيب في الواقع استعمال لغة بليدة جافة متعبة، تعتمد الجمل الطويلة بحيث تخالها بلا نهاية. . .)

(1)

.

(لدينا كل الدافع لمحاربة العروبة الإسلامية؛ لأنها هي التي مع دخول الإسلام إلى الجزائر، قضت على الثقافة واللغة الجزائرتين، وحتى يمنع بعض المدرسون

(2)

تلامذتهم التكلم باللغة المسماة لغة البربر، علمًا أنها لغة البلاد الأصيلة)

(3)

.

فهذا نموذج صارخ اجترأ صاحبه على كشف مكنونه، في حين تخفى الآخرون خلف سجف العبارات والجمل الرمزية، والتحليلات اللغوية والتاريخية، وغير ذلك.

وما قرره كاتب ياسين في كلامه السابق تعبير عن رأي أساتذته من الفرنسيين وهو بذلك يقوم بإكمال الدور الاستعماري الذي أسسته قوات الاحتلال الفرنسي، وغير غريب على من ارتضع حب فرنسا وأهواءها وعقائدها أن يكون عدوًا -بكل هذه الكمية من الحقد- على الإسلام والعرب واللغة العربية.

وعلى الرغم من هذه المجاهرة بعداوة العرب واللغة العربية إلّا أننا نجد أن الحداثيين في جزيرة العرب وفي غيرها، من القوميين وغيرهم

(1)

المصدر نفسه: ص 194 - 195.

(2)

هكذا والصواب المدرسين.

(3)

رأيهم في الإسلام: ص 196.

ص: 717

يمتدحون هذا الساقط ويشيدون به، ويدافعون عن مواقفه، ويقدمون عند موته المراثي الصحفية الطويلة!!.

وهذا يتضمن إقرارًا ضمنيًا منهم بما يعتقده ويقوله كاتب ياسين، وموافقة إجمالية على عقيدته المعادية للإسلام وللعربية والعرب.

ومن الصنف نفسه: الحداثي الجزائري البربري نبيل فارس

(1)

الذي صرح بأن بلدان المغرب العربي تعرضت لغزو عربي إسلامي، وأن الإسلام ليس إلّا ظاهرة تاريخية وأن دخوله إلى المغرب كان دخولًا عسكريًا استعماريًا وأن العرب عجزوا عن الوقوف على ظاهرة البربر وفهم تاريخهم على حد تعبيره الشعوبي

(2)

.

ومن أعلام الحداثة في البلدان الإسلامية من الشعوب غير العربية، وله حظوة كبيرة عند الحداثيين العرب وخاصة أصحاب الاتجاه الماركسي واليساري، الحداثي التركي ناظم حكمت

(3)

الذي لا تكاد تجد حداثيًا من أتباع ما كان يسمى الكتلة الشرقية إلّا وهو يذكره بتعظيم وإجلال تتجاوز حدود المدح والإعجاب، وبخاصة ما كتبه عنه عبد الوهاب البياتي

(4)

.

ناظم حكمت اليهودي الأصل والشيوعي الاعتقاد، ممتليء إلى مشاشه ببغض الإسلام والمسلمين والعرب والقرآن واللغة العربية، وهو مع كل ذلك علم من أعلام هذا الفكر المريض، ورأس من رؤوس التخلف الحداثي.

هؤلاء من أعراق غير عربية، أمّا الذين ينتمون إلى العرب وهم في الوقت نفسه ينطوون على عقائد الشعوبية فكثيرون.

(1)

ولد في عام 1358 هـ/ 1940 م، درس في الجامعات الفرنسية، وهو جزائري بربري يعادي الإسلام ويعتبره غزوًا دينيًا ولغويًا لبلاد المغرب، ويعد الإسلام في المغرب ظاهرة تاريخية رافقت فتوحات عسكرية واستعمار. انظر: رأيهم في الإسلام: ص 183 - 189.

(2)

انظر: رأيهم في الإسلام: ص 184 - 187.

(3)

هو: ناظم حكمت، حداثي تركي، شيوعي متعصب للماركسية، وهو يهودي من يهود بولونيا، استقر في مدينة سراي بوسنة التركية، وهناك ادعى الإسلام، وتزوج إحدى نساء المدينة تمامًا كما فعل يهود الدونمة أو يهود سالونيك. انظر: الشعوبية الجديدة: ص 205.

(4)

انظر: كتابه (تجربتي الشعرية): ص 99 - 110، وديوانه 1/ 482، 487 و 2/ 358 - 361.

ص: 718

وغني عن الذكر أن نصارى العرب كانوا أشد الحداثيين ولوعًا بالشعوبية، وانتماءًا لها، ولن أذكر في هذا المقام سوى شهادة ناقد حداثي، نظر إلى هذه الظاهرة بنظرة تحليلية تاريخية تؤكد ارتباط النصارى الحداثيين بالنموذج الغربي ثقافة وحضارة وانتماءًا.

يقول محمد جمال باروت: (إن حركة مجلة شعر إذ ترى في المعاصرة الغربية نموذجها الثقافي الشعري، بصفة متوسطية خطاب الهوية، وبصفة أن سورية ليست أمة شرقية وليس لها نفسية شرقية بل هي أمة متوسطية ولها نفسية التمدن الحديث الذي وضعت قواعده الأساسية في سورية، فإن متوسطية خطاب الهوية في سورية، لتبرير اندماجه الحضاري بالغرب لم تكن وليدة أنطون سعادة. . . بل إنه يُمكن تتبع جذورها في الفكر العربي في عصر النهضة، لدى المثقفين البرجوازيين المسيحيين، الذين حلموا بسورية الجغرافية الطبيعية المستقلة من جبال طوروس إلى صحراء سيناء، في إطار مجتمع علماني يقوم على الاقتصاد الحر والنظام البرلماني، وتدق فيه أجراس الكنائس بحرية في الستجق اللباني، وتحميه وتنميه أوروبا الليبرالية إلّا أن الارتباط الحضاري بالغرب إذ غذاه كون الحضارة حضارة مسيحية، والشعور بالاقتلاع داخل المجتمع العثماني الإسلامي، وارتباط العروبة بالإسلام، فإنه كان يستجيب لمتطلبات نمو البورجوازية المسيحية الناشئة التي قادت عملية "التحديث" والتي رأى مثقفوها في الغرب الليبرالي العلماني نموذجهم الحضاري. . . إن فكرة الوطن السوري في أواسط القرن التاسع عشر لدى المثقفين البورجوازيين المسيحيين يُمكن تتجعها لدى بطرس البستاني

(1)

الذي كان يقول: إن

(1)

هو: بطرس بن بولس البستاني، من نصارى لبنان أديب ومصنف، واشتغل بالكتابة في الصحافة يعد عند القوميين والحداثيين من أكبر رواد الفكر الأدبي في لبنان وهو صاحب دائرة المعارف العربية، أجاد عدة لغات، وعمل ترجمانًا للقنصلية الأمريكية في لبنان واستعان به المراسلون الأمريكيون على إدارة الأعمال في مطابعهم وعلى ترجمة التوراة من العبرية إلى العربية، وإنشاء عدة صحف مع أبنائه وآخرين من أل البستاني، يلقبونه بالمعلم، توفي في بيروت سنة 1300 هـ/ 1883 م. انظر: الأعلام 2/ 58، والصراع بين القديم والجديد 2/ 1237.

ص: 719

الامبراطورية هي وطننا لكن بلادنا هي سورية، كما أنشأ بعض الشبان المسيحيين من حلقة البستاني عام 1875 م جمعية سرية دعت أبناء سورية إلى الاتحاد وطالبت بحكم ذاتي موحد لسورية ولبنان، إلّا أن التميز الحضاري لكيان اسمه "سورية" عن الحضارة العربية الإسلامية، في أوساط المثقفين البورجوازبين المسيحيين، خريجي الإرساليات، الذين حلموا بسيطرة الثقافة الفرنسية قدتم تحت تأثير الأب اليسوعي "هنري لامنس

(1)

" أحد مؤرخي الإسلام الكبار

(2)

، والأستاذ في الجامعة اليسوعية في بيروت "الذي كان شديد الإيمان بكيان اسمه سورية وقد ظهر نفوره من الإسلام والقومية العربية بوضوح في كتاباته، حيث ميز أشد التمييز بين السوريين والعرب".

وسيوضح الأديبان المسيحيان اللبنانيان شكري غانم

(3)

وجورج سمنة

(4)

فكرة سورية حيث كانا يؤمنان بأن الأمة السورية بالرغم من وحدتها الطبيعية التي منحتها إياها الجغرافية، لم تتمتع قط بعد بوحدة اجتماعية سياسية؛ لذلك ناديا بدولة سورية قومية علمانية، يأخذ فيها لبنان مركزه كأحد ولاياتها.

ويشير ألبرت حوراني

(5)

في مرجعه الأصيل "الفكر العربي في عصر النهضة" أن المثقفين البورجوازيين المسيحيين "كانوا يعتبرون لبنان بلدًا متوسطًا متصلًا بالمسيحية الغربية. . . ".

كما يؤكد د/ هشام شرابي

(6)

"يجب التأكيد على أن الطائفيين

(1)

هنري لامنس اليسوعي، مستشرق بلجيكي المولد فرنسي الجنسية، من علماء الرهبان اليسوعيين، تلقى علم اللاهوت في إنكلترا وكان أستاذًا للأسفار القديمة في كلية رومة، واستقر في بيروت ليكون أستاذًا في بغض الإسلام والعرب، تولى إدارة جريدة البشير مدة، ودرس في الكلية اليسوعية، وصنف كتبًا عن العرب والإسلام بالفرنسية مليئة بالحقد والبغض، وكذلك كتبه بالعربية، مات في بيروت عام 1356 هـ - 1937 م. انظر: الأعلام 8/ 99.

(2)

عبارات مبالغ فيها وهي معتادة من المنهزمين أمام الأسماء والمذاهب والفلسفات الغربية.

(3)

و

(4)

و

(5)

لم أجد لهم ترجمة.

(6)

هشام شرابي، أستاذ تاريخ الفكر الأوروبي في جامعة جورج تاون الأمريكية، ورئيس =

ص: 720

المسيحيين اعتبروا العروبة والفكرة الإسلامية -اللتين اعتبرتا مترادفتين تقريبًا- معاديتين للمسيحية ليس دينيًا فحسب بل حضاريًا، فاتجهت الطائفية المسيحية صوب المتوسط وأوروبا وأدارت ظهرها للصحراء والإسلام" وسيعلن دعاة القومية السورية -آنذاك قبل سعادة- ومعظمهم من المثقفين البورجوازيين المسيحيين "أن السوريين ليسوا عربًا، بل ليس هناك من أمة عربية، وكل ما في الأمر أن هناك قومية عربية مزعومة خلقها الأمير فيصل والعملاء الإنكليز الهنود، وقد أوضح جورج سمنة الناطق باسم هذا الفريق خطة إنشاء جمهورية سورية علمانية ديموقراطية اتحادية تحت حكم فرنسا")

(1)

.

ثم يشير باروت إلى تقلص فكرة سورية الكبرى إلى حدود القومية اللبنانية إثر رفض المثقفين المسلمين الطرح النصراني السابق، فيقول: (. . . ستتقلص القومية السورية إلى حدود القومية اللبنانية، لدى عدد من الشعراء اللبنانيين المسيحيين وفي مقدمتهم شارل قرم وميشال شيحا

(2)

وسعيد عقل

(3)

الذين قالوا بوجود أمة لبنانية قائمة بذاتها، برزت في التاريخ للمرة الأولى في عهد الفينيقيين، واتخذت تدريجيًا شكلها الحالي، وبهذا المعنى أعيد خطاب الهوية إلى مرجع متوسطي "فينيقي في المعنى الضيق " ليبرر ارتباط السنجق اللبناني اقتصاديًا واجتماعيًا، حضاريًا وثقافيًا

= تحرير مجلة الدراسات الفلسفية الناطقة بالإنجليزية، درس في الجامعة الأمريكية في بيروت، وحصل على الدكتوراه في تاريخ الثقافة من جامعة شيكاغو، له مجموعة مؤلفات منها مقدمة لدراسة المجتمع العربي البنية البطريركية، صاحب اتجاه علماني لبرالي وثيق الصلة بالأمريكان، شديد الدعوة للعلمانية والحداثة وسحق النظام الأبوي، الذي يعني إبادة كل مرجعية ومن ذلك أنه يرى أن الحقيقة لا تأتي من الوحي الإلهي. انظر: الإسلام والحداثة: ص 367 - 382، 419.

(1)

الحداثة الأولى لمحمد جمال باروت: ص 24 - 26، والنصوص التي بين الأقواس لألبرت حوراني في كتابه الفكر العربي في عصر النهضة: ص 329، 327، 330، 345، ولهشام شرابي في كتابه المثقفون والغرب: ص 124 - 125.

(2)

لم أجد لهم ترجمة.

(3)

سبقت ترجمته.

ص: 721

بالنموذج الغربي، ولقد عبر ذلك عن تحول البورجوازية المسيحية الطائفية إلى بورجوازية كولونيالية

(1)

.

فقد نظر ميشال شيحا

(2)

(إلى أن لبنان جزء لا يتجزأ من العالم المحيط بالبحر المتوسط ذلك البحر المختار الذي جعلته العناية الإلهية، ضروريًا لتقدم الخليقة، وأن سكان شواطئه يشعرون بأواصر القربى حيثما التقوا). . . إن علمانية وليبرالية وعقلانية المثقفين البورجوازيين المسيحيين في مطلع عصر النهضة تنكسر هنا وتتحول إلى نقيضها على يد ميشال شيحا، الذي استعاض عن سورية بالسنجق اللبناني وعن العلمانية بالتنظير للانعزال الطائفي، وحفاظ كل طائفة على استقلالها الديني، وعن اللبرالية العقلانية

(3)

، بليبرالية التعايش الطائفي، وفي ذلك كله، رأى شيحا الغرب كدوحة كبرى لثقافة السنجق اللبناني)

(4)

.

ثم يعود باروت إلى ذكر مجلة شعر مقصد المقدمة السابقة، فيقول:(بهذا المعنى تبدو "الأطروحة المتوسطية" في "حركة مجلة شعر" حلقة متمايزة من حلقات هذه الأطروحة في الفكر العربي في عصر النهضة، ولقد تعرف شعراء "حركة مجلة شعر" الأساسيين عليها من خلال تعرفهم على سعادة، وانخراطهم في مشروعية النهضوي "في مرحلة معينة على الأقل" رغم أنهم وظفوها في سياق مختلف، سياق التماهي بالنموذج الغربي كعودة إلى الجذور الحضارية، أي: إلى الأصول المتوسطية الواحدة لسورية والغرب، وبذلك تستعيد "حركة مجلة شعر" النموذج الغربي كاستعادة لأصولها المحلية)

(5)

.

ولا ريب أن مجلة شعر كانت في نشأتها وطرحها الثقافي تمثل هذا

(1)

الكولونيالية حركة استعمارية استيطانية تقوم على فكرة لها رباط ديني أو قومي. انظر: الموسوعة السياسية 5/ 255، أمّا البورجوازية فقد سبق الحديث عنها: ص 95.

(2)

هذه تسمية ادعائية تشابه الادعاءات العلمانية الكثيرة.

(3)

الحداثة الأولى لباروت: ص 27 - 28.

(4)

و

(5)

الحداثة الأولى لباروت: ص 28.

ص: 722

التيار النصراني بكافة طروحاته الطائفية النصرانية

(1)

المشتملة على فكرة سورية الكبرى عند أنطون سعادة أو فكرة لبنان الفينيقي عند سعيد عقل وأضرابه، وقد كان لأنطون سعادة أكبر الأثر في ترسيخ هذه المفاهيم عند كافة الفئات بل إنه كما قال باروت: (. . . إن خطاب الهوية الذي بلوره، كان أيضًا خطابًا قوميًا بورجوازيًا علمانيًا قامت "مبادئه الإصلاحية

(2)

" على فصل الدين عن الدولة، ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب، وإلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد على أساس العلاقات الإنتاجية البورجوازية. . . .

تكون داخل مشروع سعادة اتجاه ليبرالي وجودي واسع من القمة إلى القاعدة، كان من متزعميه الشاعر يوسف الخال صاحب دار مجلة شعر ورئيس تحريرها، وقد أراد هذا الاتجاه أن يعبر عن سياسة الحزب في حقل الثقافة والفنون الجميلة. . .

. . . نمت داخل مشروع سعادة انكفاءات ميتافيزيقية مسيحية متطرفة تتناقض مع علمانية سعادة

(3)

، كما كان من محبذي سعادة، وذوي الصلة المباشرة به الدكتور شارل مالك

(4)

، أستاذ الفلسفة في الجامعة الأمريكية والمعروف بنزعته الغيبية والرجعية

(5)

والانعزالية والكولونيالية، وقد احتضن

(1)

انظر: وصف ذلك في مقال بعنوان الإسقاط الشعوبي بين الرمل والبحر لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري جريدة الجزيرة عدد 4826 في 3/ 4/ 1406 هـ.

(2)

في الحقيقة أنها مبادئ فساد وافساد، ولكن العلمانيين على مذهب فرعون القائل:{وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} .

(3)

هذا من التلبيس والتناقض حيث أثبت سابقًا أن سعادة سبب هذه العصبية النصرانية التي عمت لبنان، وما علمانية سعادة إلّا وسيلة لتمرير عقائده وأفكاره، مثله في ذلك مثل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث.

(4)

شارل مالك مفكر وكاتب لبناني نصراني متعصب لنصرانيته، درس الفلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان من المؤيدين الأشداء لمجلة شعر وعصابتها. انظر: الحداثة الأولى: ص 32.

(5)

هذا مفهوم علماني إلحادي يتلخص عند أصحابه في أن الإيمان بالغيب رجعية، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلّا كذبًا.

ص: 723

شارل مالك مجلة شعر وشارك أكثر من مرة في خميسها في الآن ذاته. . .

إننا نشير إلى ذلك لكي نبين علاقة الاتصال والتمايز بين حركة مجلة شعر وبين أطروحات سعادة إذ أن أغلب العاملين في حركة مجلة شعر كما أقر بذلك يوسف الخال كانوا من القوميين الاجتماعيين وعلى رأس الشعراء والكتاب يوسف الخال وخليل حاوي وأدونيس وعصام محفوظ وفؤاد رفقه ومحمد الماغوط، والنقاد: خالدة سعيد وعادل ظاهر وأسعد رزوق وحليم بركات، ومراسلين كعادل ظاهر في أمريكا.

وهذا يبين الاختلاطات المتناقضة في تجربة ووعي النخبة الرئيسية التي قادت حركة مجلة شعر، بكل ما في هذه التجربة والوعي من اختلاطات ليبرالية ووجودية وميتافيزيقية وقومية ومسيحية ونتشوية، وسنرى هذه الاختلاطات داخل المثل الجمالية الكبرى لحركة مجلة شعر وداخل النص الشعري نفسه)

(1)

.

وهكذا يتبين لنا من خلال هذه الشهادة التي قدمها الحداثي محمد جمال باروت والتي تتضمن ما سبقت الإشارة إليه من أن نصارى الحداثة إضافة إلى انحرافاتهم الاعتقادية الصارخة هم كذلك شعوبيون يعادون العرب واللغة العربية، ويرون أنفسهم مجرد متكلمين بلغة لا قيمة لها عندهم، ومستوطنين أرضًا لا منزلة لها إلّا إذا كانت امتدادًا للغرب فكرًا وعقيدة وحضارة.

ولا يداري هؤلاء عداوتهم ولا يتسترون بها بل يعلنون تأييدهم للشعوبيين ويمتدحون مواقفهم، فها هو يوسف الخال عندما وجه إليه سؤال عن أن حركة شعر تحتوي على أقليات طائفية أثرت في صبغتها الفنية والسياسية -على حد قول السائل الذي لم يتعرض للناحية الاعتقادية لكونه حداثيًا- وأن المجلة والحركة اتخذت طابعًا شعوبيًا أجاب الخال قائلًا: (هذا الاتهام له ما يقابله في التاريخ العربي، وقد عبر عنه في وقت مضى بالشعوبية ويُمكن

(1)

الحداثة الأولى: ص 30 - 32.

ص: 724

تحديد الشعوبية بأنها خروج على التقاليد الرسمية المتبعة في الحياة والفكر وتحت ستارها في الماضي وتحت صيغها المختلفة حديثًا يحاولون خنق كل تجديد، وكل تحرر، وكل خروج عن السياق العام المألوف، وبكلمة أخرى صارت الشعوبية صنوًا للتمرد، أمّا فيما يختص بمجلة شعر فقد وجه إليها هذا الاتهام؛ لأنها كانت كذلك، وإذا صادف أن طغى عليها الانتماء إلى طوائف معينة، وهي ما أسميتها أنت بالأقليات، أو كان بعض الذين قاموا عليها، كانوا فيما مضى، أو لا يزالون إلى الآن، يدينون بالولاء للحزب القومي الاجتماعي فهذا من قبيل المصادفة. . .

مما يستوقف النظر أن معظم الحركات التجديدية والإبداعية في التاريخ العربي جرت على أيدي من يسمونهم بالشعوبيين، وعلينا أن نسجل هنا واقعًا، وهو أن كل تجديد وإبداع في كل تراث، إنّما يأتي من خارجه. . .)

(1)

.

مع العلم بأن هذه العقائد الشعوبية التي حمل لواءها نصارى لبنان لم تكن مقصورة عليهم بل هي ممتدة إلى كل نصارى العرب بمن فيهم الذين حملوا لواء القومية العربية ودعوا إليها وناضلوا من أجلها.

مع أن المتبادر إلى الذهن أن القومي يتبنى بشكل أساسي محبة العرب واللغة العربية وينشر أمجادها ويتغنى بفضائلها، غير أنه ثبت أن القوميين العرب وخاصة النصارى منهم كانوا أشد شعوبية وألد عداوة للعرب ولغتهم ودينهم.

وقد شاركهم في هذه الشعوبية الطائفيون الآخرون من النصيريين والدروز، فكونوا جبهة موحدة ضد الإسلام والعرب واللغة العربية والقرآن والسنة، ولكن هذه المرة باسم القومية العربية وباسم العروبة

(2)

.

(1)

أسئلة الشعر: ص 157 - 158.

(2)

انظر: تصديق هذا في كتاب: الشعوبية الجديدة لمحمد مصطفى رمضان رحمه الله، وحزب البعث تاريخه وعقائده لسعيد بن ناصر الغامدي، وفيه موقف ميشيل عفلق =

ص: 725

وقد كان نصارى مصر على المنهج الشعوبي ذاته وعلى المنوال الاعتقادي المنحرف المضاد للإسلام والعرب فها هو سلامة موسى

(1)

لا ينفي عن مصر صفة العروبة فحسب بل وينفي أن تكون شرقية فيقول: (إطلاق اسم الشرق على مصر خطأ فاحش، فقد عشنا نحن نحو ألف سنة، ونحن جزء من الدولة الرومانية، فلا نحن ولا العرب أمة شرقية. . . وإذا كنا نحب السير مع أوروبا فليس ذلك لأننا والأوروبيين من دم واحد وأصل واحد فقط، بل لأن ثقافتنا تتصل بثقافتهم من عهد مدرسة الاسكندرية ومجمع أثينا)

(2)

.

وهذا السعي النصراني لفصل أمة العرب وتمزيقها وجعلها بمثابة اللقيط المنسوب إلى غير أهله، والدعيّ الذي لا يعرف أصله ونسبه، امتد حتى وصل إلى بعض أبناء المسلمين المتأثرين بالنصارى والمتتلمذين على أيديهم والمتشبعين بأفكارهم وعقائدهم، فلم يقتصر الشر والضلال الاعتقادي على منشئيه ومروجيه، بل انتشر كما أرادوا أو كما أراد لهم أشياعهم من الغربيين، حتى شاع الداء في أبناء المسلمين فاستسلم بعضهم لهذه الدعوات وانخرط في سباق لإثبات الجدارة، فكان في عداوته للدين والعرب والعربية أخبث وأبشع من أساتذته.

=النصراني السوري المؤسس لحزب البعث من الدين والعرب وفيه أسماء كبار شخصيات حزب البعث من النصارى: عفلق وجبران مجدلاني وطارق حنا عزيز، ومن النصيريين زكي الأرسوزي وصلاح جديد ومحمد عمران وحافظ أسد وابراهيم ماخوس وسليمان العيسى، ومن الدروز شبلي العيسمي وحمود الشوفي ومنصور الأطرش وسليم حاطوم. انظر: حزب البعث تاريخه وعقائده ص 101 - 102.

(1)

سلامة موسى كاتب مصري نصراني، ولد سنة 1304 هـ/ 1887 م، وتوفي سنة 1378 هـ/ 1958 م، مشهور بنزعته التغريبية وميولاته النصرانية ودعواته للفكر الوضعي المادي، ومعاداته للإسلام والفكر العربي واللغة العربية، ورحل في العشرين من عمره إلى باريس ثم إلى لندن ثم عاد إلى مصر يحمل جراثيم العقائد الغربية المنحرفة فأسس لذلك مجلة المستقبل، وتولى رثاسة تحرير مجلة الهلال لمدة ست سنوات ثم أسس المجلة الجديدة، ألف عددًا من الكتب المقالية. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1279، والمرشد لتراجم الكتاب والأدباء ص 63.

(2)

اليوم والغد لسلامة موسى: ص 234.

ص: 726

ومن أمثلة ذلك طه حسين الذي ضج بالعداوة للدين الإسلامي وللعرب إلى حد جعله يقول في كتابه "مستقبل الثقافة": (إن العقل المصري منذ عصوره الأولى، عقل إن تأثر بشيء، فإنّما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط)

(1)

.

وكان هذا القول إجابة على سؤاله القائل: (هل العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هل هو غربي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء؟)

(2)

.

وهو الذي سبق له أن أعلن (أن المصريين خضعوا لضروب من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان ومن العرب والترك والفرنسيين على حد سواء)

(3)

.

وقد كان توفيق الحكيم

(4)

ينزع إلى هذا المنزع ويفصل في حقد وكراهية بين مصر والعرب، ويربط مصر بالفراعنة وغيرهم، ففي مقالة له في مجلة الرسالة بعنوان "إلى الدكتور طه حسين" يقول: (إن اختلاطنا بالروح

(1)

مستقبل الثقافة في مصر: ص 16.

(2)

المصدر السابق: ص 13.

(3)

أعلن ذلك في جريدة كوكب الشرق عام 1352 هـ/ 1933 م. انظر: الصراع بين القديم والجديد لمحمد الكتاني 2/ 1128.

(4)

توفيق الحكيم، ولد في مصر سنة 1315 هـ/ 1898 م، درس الحقوق ورحل إلى باريس لمتابعة دراسته القانونية، وهناك امتلأ ماعونه بالمضامين الغربية، وعاد إلى مصر ليعمل في إحدى المحاكم متنقلًا بين عدة مدن، ثم شرع في العمل في وزارة المعارف ثم تفرغ للكتابة عام 1362 هـ/1943 م، وعين مندوبًا في اليونسكو، توفي في 1407 هـ/ 1987 م، من أكابر المتأثرين بالغرب، والداعين إلى أنماطه وأفكاره، اصطدم بالأزهر لسخريته بالدين وأهله عام 1346 هـ/1928 م، وفي عام 1403 هـ/ 1983 م رد عليه مفكرون وعلماء لسخريته باللَّه تعالى، يرى أن تحكيم شرع اللَّه عودة إلى العصر الحجري، وأن التقدم لا يحصل إلّا باحتذاء طريقة الغرب وأفكارهم، يعتبره اليهود صديقًا لدولتهم الصهيونية. انظر: المرشد لتراجم الكتاب والأدباء ص 42، والصراع بين القديم والحديث 2/ 1244، ورأيهم في الإسلام ص 101، وكتاب الحكيم في حديثه مع اللَّه ومدرسة المتمردين على الشريعة لعبد العظيم المطعني.

ص: 727

العربية هذا الاختلاط العجيب كاد ينسينا أن لنا روحًا خاصة بنا تنبض بنبضات ضعيفة، تثقل تحت ثقل تلك الروح الغالبة، وأن أول واجب عليكم استخراج أحد العنصرين من الآخر، حتى إذا ما تم تمييز الروحين كان لنا أن نأخذ أحسن ما عندهما، لابد أن نعرف إذن ما المصري وما العربي؟)

(1)

.

وفي ضوء هذه التصورات التي شكلتها أقلام النصارى العرب وغير العرب وأتباعهم من أبناء المسلمين نجد أن دعوات التجديد والتحديث في الأدب التي لهج بها الكثيرون في البلاد العربية قامت على أساس من معاداة الإسلام أولًا ثم معاداة العربية ثانيًا، باعتبار أن الإسلام والعرب ولغتهم وجهان لعملة واحدة.

ولو ذهبت استعرض كل أوجه وأمثلة الشعوبية في الأدب العربي الحديث لطال المقام.

ويكفي أن نستدل بحركات الإحياء الوثني الفينيقي والفرعوني والمتوسطي والآشوري والسومري والنصراني على أن دعوات التجديد تلك امتطت هذه الدعوى العريضة من أجل الهجوم على الإسلام وعلى العرب أصل الإسلام ومعدنه، وعلى اللغة العربية لغة القرآن والسنة والعلم الشرعي.

وأبرز هؤلاء وأشهرهم الباطني علي أحمد سعيد أسبر "أدونيس" الذي وصف نفسه وامتدحها تحت قناع الاسم الذي اخترعه "مهيار الدمشقي": (أما مهيار الذي سمى نفسه به مضافًا إليه "الدمشقي" أحيانًا كثيرة، فهو مهيار الديلمي الشاعر الفارسي الشعوبي، الذي ينير اسمه أعذب الذكريات لدى أدونيس فلكثرة إعجاب أدونيس به سمى نفسه مهيار، وللتفريق بينهما أضاف "الدمشقي" وهي كلمة ترمز إلى تلك المرحلة السورية للفتح العربي، والتي شهدت وجود شخصيات فكرية معروفة مثل يوحنا الدمشقي وسواه، وكل ذلك أمور لها دلالتها عند أدونيس وعند القارئ معًا)

(2)

.

(1)

مجلة الرسالة عدد 10 عام 1352 هـ/ 1933 م: ص 5. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 673.

(2)

قضايا الشعر المعاصر: ص 139.

ص: 728

ويَمتليء كتاب أدونيس الثابت والمتحول، والذي هو تلمود الحداثة العربية، يمتليء بمعاداة العرب واللغة العربية والإسلام.

بل قد أكد فيه أنه لا إبداع مع العروبة وتراث العرب؛ لأن العرب شعب ليس حيًا في الحاضر وليس له مكان في المستقبل؛ لأنه شعب محاصر بين فعلين يرث أو يقتبس

(1)

، ومن أمثلة شعوبيته وباطنيته أيضًا امتداحه وهيامه بالثورة الرافضة في إيران ولئن (كان مهيار الديلمي شعوبيًا، لكن كان أيضًا شاعرًا، أمّا مهيار الدمشقي فأمر آخر:

أفق ثورة والطغاة شتات.

كيف أروي لايران حبي

والذي في زفيري

والذي في شهيقي تعجز عن قوله الكلمات

سأغني لكم لكي تتحول في صبواتي

نار عصف، تطوف حول الخليج

وأقول المدى والنشيج

أرضي العربية، ها رعدها يتعالى

صاعدًا خالقًا وحريقًا

يرسم المشرق الجديد ويستشرف

الطريقا

شعب إيران يكتب للشرق فاتحة

الممكنات

شعب إيران يكتب للغرب

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 144.

ص: 729

وجهك يا غرب ينهار

وجهك يا غرب مات

شعب إيران شرق تأصل في أرضنا

ونبي

إنه رفضنا المؤسس ميثاقنا العربي)

(1)

.

ويكفي أن نطل إطلالة صغيرة على شعر البياتي ومحمود درويش ونزار قباني كنماذج حداثية معاصرة تدل على مدى تغلغل الشعوبية في فكر ونتاج الحداثيين حتى الذين يزعمون أنهم متعصبون للعروبة ومتشددون في شأن العنصر العربي واللغة العربية.

فأمّا البياتي فقد ارتمى في أحضان الشيوعية يقيس كل شيء بمعاييرها ممتدحًا أحط تصرفاتها وأبشع أعمالها ساخرًا من العرب ومدنهم مدن الرماد -حسب تعبيره- مدن الشرق أو مزابل الشرق الذي هو علامة للبؤس، ثم يمتدح مجد فقراء فقراء الأرض في فيتنام!! فيقول:

(رأيت في مزابل الشرق وفي أسواقه الملوك

والعور والأبواق والديوك

مخصية تصيح

رأيت فلك نوح

وأممًا مغلوبة تنوح

وشعراء عدد الذباب

عادوا بتيجان من الورق

من رحلة الضياع والقلق

(1)

قضايا الشعر المعاصر: ص 144 - 145.

ص: 730

وحالمين يحرثون البحر

مثل طلوع الفجر

رأيت شهر زاد

جارية في مدن الرماد

تباع في المزاد

رأيت بؤس الشرق

ونجمة الميلاد في دمشق

رأيت مجد فقراء الأرض في الفيتنام)

(1)

.

وفي سياق آخر يصف الشرق بأنه مستنقع، وذلك في قوله:(فأنا عبدةُ عبدِ "الأسود - الأبيض" في مستنقع الشرق الكريه)

(2)

.

وفي موضع آخر يمتدح فيه زملاءه من الشيوعيين المغاربة ويعرج على كوبا ولوركا، ويصف بلاد المغرب العربي بأوصاف التخلف ويجعل ذلك مرتبطًا بالإسلام المعبر عنه بالولي والأضرحة والطلاسم والنذور وحجاب المرأة وجبال النوم، فيقول:

(تشرق شمس اللَّه في عينيك إذ تغرب في قوارب

الصد على شواطئ المغرب

حيث فقراء الأطلس المنتظرون معجزات القمر الولي

في الأضرحة - الطلاسم - الذبائح - النذور، حيث

النسوة المكفنات بسواد الخرق - الأطمار

حيث الشاعر الأندلسي يرتدي عباءة الريح

(1)

ديوان البياتي 2/ 182.

(2)

المصدر السابق 2/ 213.

ص: 731

يطير حاملًا قيثاره فوق جبال النوم)

(1)

.

وفي مقطع يمتدح نفسه بمضمون خرافة يونانية اسمها سارق النار يقول تحت عنوان "سيرة ذاتية لسارق النار":

(اللغة الصلعاء كانت تضع البيان والبديع

فوق رأسها باروكة

وترتدي الجناس والطباق في أروقة الملوك)

(2)

.

وقد مر معنا آنفًا أن من أصول العقائد الشعوبية مهاجمة اللغة العربية وذمها، وها هو البياتي رمز العروبيين وفخر القوميين، يصف لغة العرب بهذه الأوصاف التي لا يجترئ أن يقولها في لغة الروس أو الأسبان!!، ونحو ذلك قوله:

(ونحن ما زلنا على صهوات خيل الريح

موتى هامدين

عميًا نزيد ونستزيد

ونموت في "حتى"

وفي أنساب خيل الفاتحين)

(3)

.

وفي مقطع يتحدث عن الهزائم العربية الراهنة ويربطها بتاريخ المسلمين في سخرية وتهجم، وفي سخط على اللغة العربية ورموزها من الشعراء والمؤلفين، فيقول بعد ذكر الهزائم:

(ذكروا بالطواويس التي باضت

على الأوتاد

(1)

المصدر السابق 3/ 340.

(2)

المصدر السابق 2/ 353.

(3)

ديوان البياتي 2/ 105.

ص: 732

في أعراس هارون الرشيد

وبعار الشرق منبوذًا

يفتي عربات الفاتحين

وبأحزان الجواري والعبيد

وبوجه البحتري الجاحظ العينين

في أعقاب دينار

وفي أعتاب سلطان جديد

آه من صمت القواميس المريب

ومقامات الحريري

على هامش مخطوط قديم

ذكرتني بكلاب الزمهرير

تنبح الموتى

بصحراء الجليد

وبشمس العالم السوداء "كافور"

وخصيان المماليك

وضحكات جرير)

(1)

.

أمّا محمود درويش بطل النضال الثوري العربي!!، فيقول تحت عنوان "الورد والقاموس":

(لابد لي أن أرفض الموت

وإن كانت أساطيري تموت

(1)

المصدر السابق 2/ 113 - 114.

ص: 733

أنني أبحث في الأنقاض عن ضوء، وعن شعر جديد

آه. . هل أدركت قبل اليوم

أن الحرف في القاموس، ياحبي بليد

كيف تحيا كل هذه الكلمات!

كيف تنمو؟. . كيف تكبر؟

نحن ما زلنا نغذيها دموع الذكريات

واستعارات وسكر)

(1)

.

وهكذا يربط درويش بشعوبية قاحلة بين الموت والقديم باعتبار القديم موتًا، ثم ينقض على الحرف العربي وقاموس اللغة العربية ليصب خبايا شعوبية تلقاها مع ما تلقى من بغض الإسلام وأهله، الذي يرمزون له بالرمل والمرايا والنخل، وهي رموز تواضعوا عليها حتى لا تكاد تجد واحدًا من مشاهيرهم إلّا وهو يستخدم هذه الرموز في معرض الهجاء المبتذل الذي يوجهونه إلى الإسلام وقرون الهجرة الأولى وتاريخ المسلمين ولغة العرب في منظومة كبيرة متداخلة من الضلال والانحراف.

يقول محمود درويش في تهكم وسخرية واضحة:

(والرمل جسم الشجر الآتي

غيوم تشبه البلدان

لون واحد للبحر والنوم

وللعشاق وجه واحد

وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجري

سنرمي ألف نهر في مجاري الماء

(1)

ديوان محمود درويش: ص 180.

ص: 734

والماضي هو الماضي، سيأتي في انتخابات المرايا

سيد الأيام

والنخلة أم اللغة الفصحى

أرى، فيما أرى، مملكة الرمل على الرمل

ولن يبتسم القتلى لأعياد الطبول

ووداعًا للمسافات)

(1)

.

أمّا نزار قباني فقد تفنن في إبراز الوجه الكالح لشعوبيته، وتنوعت ألفاظ بغضه وهجائه للعرب، من منطلق بغض أصيل في نفسه، وحقد دفين، وموقف اعتقادي يخدمه ويستخدمه لإيصال رسالته الموكل بحملها من قبل أساتذته الذين تلقى عنهم متون وحواشي لهذه الأمة وتاريخها وحضارتها.

وقائمة الهجاء عند نزار قائمة طويلة متنوعة مبتكرة مترعة بالتدمير والإحباط والعدمية، إلى حد جعله يبعد عن العرب أي فضيلة ويلحق بهم أي رذيلة تخطر على باله.

وليس هجومه مقصورًا على أوضاع العرب الحالية، بل يمتد إلى لغة العرب والنحو والبلاغة، وإلى المثل والقيم والتاريخ وسائر المقومات والخصائص، مما يؤكد تمام التأكيد أن الشعوبية ما زالت موجودة في سائر جوانبها ومناشطها المظلمة، السياسية والأدبية والفكرية.

وليس من المناسب أن نجمع كل أقوال نزار قباني التي تهجم فيها على العرب ولغتهم، ولكن نأخذ بعض النماذج للدلالة على المراد، يقول قباني:

(أنعى لكم يا أصدقائي، اللغة القديمة

والكتب القديمة

(1)

المصدر السابق: ص 610.

ص: 735

أنعى لكم

كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة

ومفردات القهر والهجاء والشتيمة

أنعى لكم، أنعى لكم

نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة)

(1)

.

ولا يدري العاقل مما يعجب أمن هجومه على اللغة والتراث الذي يرمز له باللغة القديمة، أم من الألفاظ البذيئة التي يلصقها بلغة العرب، والتي هي من نتاج فكره السوقي، ولا ضير عنده ما دام هذا كله يقود إلى طموحه الشعوبي في إبادة كل فضل للعرب.

وفي مقطع آخر يصب شتائمه الحاقدة على الدين الممثل عنده في خطباء الجمعة، ثم على اللغة العربية وأحرفها التي جعلها رمزًا لحربه وتدميره وهجومه كأبشع ما يكون الهجوم الشعوبي، يقول:

(لو أعطى السلطة في وطني

لقلعت نهار الجمعة أسنان الخطباء

وقطعت أصابع من صبغوا بالكلمة أحذية الخلفاء

وجلدت جميع المنتفعين بدينار

أو صحن حساء

وجلدت الهمزة في لغتي

وجلدت الياء

وذبحت السين وسوف

وتاء التأنيث البلهاء

(1)

الأعمال السياسية الكاملة 3/ 71.

ص: 736

والزخرف والخط والكوفي

وكل ألاعيب البلغاء

وكنست غبار فصاحتنا

وجميع قصائدنا العصماء)

(1)

.

وفي الحقيقة أن الجدير بقلع الأسنان، بل والعنق، من اجترأ على اللَّه وعلى شريعته ودينه ورسوله، ومن وقف خطيبًا وشاعرًا يدعو إلى الزنا والرذيلة والانحراف، ويجعل من المرأة مجرد جسد، ومستودع لنزاواته وخبائث قوله وعمله.

والجدير بقطع الأصابع ليس الذين مدحوا خلفاء وسلاطين المسلمين بل الذين مدحوا أئمة الكفر وأعلام الباطل ومذاهب الإلحاد والرذيلة والشر.

فأقل ما يقال في ميزان العقل والدين في حق من مدح خليفة أن مسلمًا مدح مسلمًا آخر، سواء أراد الدنيا أو غيرها بهذا المدح، أمّا من يمتدح الكافرين ويثني على الملحدين ويحسن مذاهب الملحدين كحال نزار وأضرابه الحداثيين، فهذا قد اتخذهم أولياء من دون المسلمين، وقال اللَّه -جلَّ وعلا-:{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)}

(2)

.

ولا يفتر نزار من هجومه وشتائمه الموجه إلى اللغة ليس لأنها لغة العرب الذين يكن بغضهم في قلبه ويتفؤه بشتائمهم على لسانه؛ بل لأنها إضافة إلى ذلك لغة الدين القويم ولغة القرآن العظيم، ولذلك قرن بين اللغة والبعثة في إحدى المقاطع الهجائية جاعلًا اللغة إبرة مورفين، وهي عبارة

(1)

الأعمال السياسية الكاملة 3/ 221 - 222.

(2)

الآيتان 80 - 81 من سورة المائدة.

ص: 737

محوّرة من المبدأ الشيوعي الإلحادي القائل: "الدين أفيون الشعوبي"، وفي هذا المقطع يتضح للقارئ بجلاء أن نزار تأخذه حمية الجاهلية وتجيش نفسه بمكنوناتها الخبيثة في سباب مقذع للغة العربية لأجل أنها لغة الدين منذ البعثة النبوية في القرن السابع حسب قوله، ولأجل أنها لغة شيخ الجامع الذي يتلو القرآن ويعلم الناس الهدى الذي أوحاه اللَّه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول:

(اللفظة جسد مهتدئ

ضاجعه الكاتب والصحفي

وضاجعه

شيخ الجامع

اللغة إبرة مورفين

يحقنها الحاكم للجمهور

من القرن السابع

اللفظة في بلدي امرأة

تحترف الفحش من القرن السابع)

(1)

.

ولقول:

(أرفضكم جميعكم

وأختم الحوار

لم يبق عندي لغة

أضرمت في معاجمي

وفي ثيابي النار)

(2)

.

(1)

الأعمال السياسية الكاملة 3/ 300.

(2)

المصدر السابق 3/ 303.

ص: 738

ويجعل تعلم العربية مضغًا وترديدًا لا قيمة له، فيقول:

(وتمضع مرة آخرى

حروف النصب والجر التي كنا مضغناها)

(1)

.

ونحوه قوله:

(وما زلنا نجادل بعضنا بعضًا

عن المصروف والممنوع من صرف)

(2)

.

ويقول:

(سقطت في الوحول كل الفصاحات

ومات الخليل والفراء)

(3)

.

هذا بعض نيله من اللغة العربية، أمّا نيله من العرب أجمعين فقد كتب عنه الناقد الحداثي جهاد فاضل في كتابه فتافيت شاعر وابتدأ بمجموعته "قصائد مغضوب عليها" وبين أن عددها في الديوان أربع وعشرون قصيدة وهي في الواقع قصيدة واحدة ذات موضوع واحد هو هجاء العرب وتدميرهم والحكم بإعدامهم

(4)

، ثم يورد جملة من كلماته الهجائية للعرب، ويعلق عليها، قال قباني:

(إياك أن تقرأ حرفًا من كتابات العرب

فحربهم إشاعة وسيفهم خشب

وعشقهم خيانة ووعدهم كذب

إياك أن تسمع حرفًا من خطابات العرب

(1)

المصدر السابق 3/ 347.

(2)

المصدر السابق: 3/ 351.

(3)

الأعمال السياسية الكاملة 3/ 398.

(4)

انظر: فتافيت شاعر: ص 13.

ص: 739

فكلها نحو وصرف وأدب

ليس في معاجم الأقوام

قوم اسمهم عرب) ص 73.

وبعد أن يصف العرب بأنهم قبائل جبانة وأمة مفككة يضيف إلى هذا الوصف أوصافًا أخرى:

من عهد فرعون إلى أيامنا:

هناك دومًا حاكم بأمره

وأمة تبول فوق نفسها كالماشية ص 91.

وفي لفظة أخرى تصبح بلاد العرب أي بلاده وبلادنا "بلاد الجنون والصداع والسعال والبلهارسيا" ص 96.

أي: أن الشاعر هنا وهو شاعر عربي لا سائح أو رحالة أو مستشرق أوروبي أو غربي يعيرنا بأن بلاد العرب مستشفى أمراض عقلية وصحية مقززة للنفس وقذرة.

ثم تصبح الصورة أشد إقذاعًا وقسوة فيتحدث باسم المواطنين العرب:

(نركض كالكلاب كل ليلة

من عدن لطنجة ومن طنجة لعدن)

(1)

.

وبعد أن ساق جهاد فاضل جملة من أقوال نزار المترعة بالشتائم للعرب والتنقص الذميم لهم، قال: (وهو يعرض هذه الصورة بشكل هجاء شعوبي مقذع لا مثيل له في عنفه وقسوته، حتى تراث الشعوبية القديم لا يتضمن في هجاء المقومات العربية ما بلغه نزار في ديوانه هذا، ولكن جوهر الحملة القديمة والمستحدثة واحد: هجوم على الصفات العربية المعروفة من كرم وصرف ونحو وأدب، وهجوم على إنسانية الإنسان العربي

(1)

المصدر السابق: ص 13 - 15.

ص: 740

وكونها بالفطرة غير قابلة للعلاج والشفاء، وهو لا يقدم بالطبع أي حل لأنه لم يحسب حسابًا للحلول، فذهنه وعقله منصرفان للتدمير لا لسواه. . .

إنه شعر سادي، عدمي، تدبيري، شعوبي، معبأ بأحقاد غير العرب على العرب، شعر له نسب واحد في تراثنا الشعري هو تراث الشعوبية.

قام الخطاب الشعوبي في تراثنا العربي الإسلامي على التقليل من شأن العرب لغة وتراثًا ومقومات، كما قام على الاستهزاء بقيمهم ومثلهم والتشكيك بدورهم التاريخي.

إن ما فعلته الشعوبية القديمة هو نفس ما يفعله نزار اليوم: دفع العرب عن كل فضيلة وإلحاق كل رذيلة بهم)

(1)

.

ثم أجرى معه جهاد فاضل مقابلة مطولة وجه إليه فيها تهمة الشعوبية، وكشفه أمام نفسه والناس، فحار وحاد وحاول تغيير المقابلة بما يوافق حرارته القومية حسب قوله، فلما نشرت المقابلة هاجم الذي أجرى معه المقابلة وهو جهاد فاضل، وعيره بأنه جوزيف فاضل، والخواجه جوزيف، ولكنه غير اسمه إلى جهاد ركوبًا لموجة الجهاد والمجاهدين؛ ولأن عدة الشغل تستلزم هذا التغيير

(2)

.

والذي يجدر ذكره هنا أنه في معرض رده على جهاد فاضل بين أن الشعر الذي استُشهد به على شعوبية نزار مما سبق ذكره وغيره، هذا الشعر قرأه وسمعه مئات الألوف من العرب في الأمسيات الشعرية وعلى أشرطة الفيديو وصفقوا له ووجدوه صمام الأمان لأحزانهم ومراراتهم وانفجاراتهم الداخلية

(3)

.

وهذا الذي ذكره نزار قباني عن نفسه وشعره صحيح للأسف؛ ذلك أن الأمة قد مسخت عقولها أجهزة الأعلام الخادعة، حتى جعلت الشيطان في

(1)

انظر: فتافيت شاعر: ص 19.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 24 - 50.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 51.

ص: 741

منزلة الملك، والقديس في منزلة إبليس، وجعلت الخواء الفكري والعقلي أساسًا لتسيير الإفكار والعقائد الضالة والمنحرفة من غير نكير، بل بإجلال وتصفيق كما استشهد قباني، وهذا يدل على عمق المسخ والتجهيل الذي أصيبت به الأمة، وإلّا فأين العقول وأين الإباء وأين الحمية في أقوام يصرخ فوق رؤوسهم هذا الجاهل بأنهم ماشية تبول على نفسها، ومجانين في مصحة الأمراض العقلية وسفهاء، وكذابون وغادرون ومع ذلك يصفقون له ويشجعون ويمتدحونه؟!!.

ويتخذ الشعوبي المعاصر، الحداثة ستارًا لإيصال شعوبيته وقد وصف ذلك جهاد فاضل فقال: (حتى فكرة الحداثة التي يرفعها الشعوبي الحديث، ويركز عليها كستار يخفي به كراهيته للثقافة العربية الإسلامية، وهو ستار أو شعار ليس بريئًا عادة، حتى فكرة الحداثة هذه -مع ما يستتبعها من أخطار- استخدمها الشعوبي القديم من أجل إرباك العقائد وتشويه المفاهيم الإسلامية، والدعوة المبطنة إلى إحلال مفاهيم أخرى -أجنبية على الغالب- محلها، فباسم الحداثة والعقل والمنطق عملت الشعوبية على تحوير معنى النصوص والمفاهيم الإسلامية، فأولتها عما يخرج بهذه النصوص والمفاهيم من معانيها الإسلامية إلى مفاهيم غريبة بعيدة عن الإسلام.

وكما يعلن الشعوبي الحديث أنه يؤسس حداثته على الثقافة الأجنبية كان الكاتب الشعوبي القديم يتشدق بالثقافة الأعجمية، ويمجد كل ما هو خارج نطاق الثقافة العربية الإسلامية، ويتهكم من هذه الثقافة ويسخر بأصولها)

(1)

.

وبعد هذا الإجمال والشرح الوجيز ننتقل إلى ذكر الشواهد على التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة.

‌وأبدأ أولًا بالتصورات المتأثرة بالوثنيات والأساطير المختلفة:

مرّ معنا في بداية هذا الفصل ذكر الجذور التي قامت عليها الحداثة في الغرب، وهي جذور تمتد إلى اليونان بأوثق الصلات، شأنها في ذلك شأن

(1)

فتافيت شاعر: ص 120.

ص: 742

جميع الفلسفات والمناهج والمذاهب الغربية التي جعلت من الإغريق وأوثانهم وفلسفاتهم أساسًا ومنطلقًا.

وإذا كانت الحداثة والمذاهب المادية الإلحادية والعلمانية في الغرب قد نشأت في ظروف تخصها وكانت نتاج أوضاع وظروف معينة، إذا كانت حداثة الغرب بهذه الكيفية، فإن الحداثة والعلمانية العربية ليست إلّا نسخة مستعارة منقولة بالنص إلى أوضاع وظروف مغايرة تمامًا لظروف الحداثة والعلمانية الغربية.

وبالرجوع إلى مراحل الصراع الفكري المادي الذي ساد الحياة الغربية إثر التسلط الكنسي وإلغاء العقل الإنساني وفرض الخرافة والجهالات، وتحريف الدين السائد بينهم؟ تبدو العلمانية والحداثة والمادية حركة إصلاح اجتماعي وعلمي تتمرد على كل هذه الضغوط والظروف العصيبة، بل إن الغرب بإقصائه الكنيسة عن التدخل في شؤون الحياة والدولة يبدو منسجمًا مع التصور الاعتقادي الموروث والمستند إلى المقولة المنسوبة إلى المسيح؟:"دع ما للَّه للَّه وما لقيصر لقيصر"، أمّا الحداثة والعلمانية في المجتمع المسلم، فليست سوى نبتة غريبة مستنبتة في غير أرضها وكل مضامينها الاعتقادية تؤكد أنها آيلة إلى زوال، ولكن ربّما بعد صراع طويلٍ دامٍ مثل صراع الإسلام في غربته الأولى مع الجاهلية الأولى.

إن الحداثة والعلمانية -وهذه علاقة عموم وخصوص- تعني بدعوتها إلى حرب الدين وفصله عن الحياة وإبعاده عن المناهج التي تسير نشاطات الإنسان، أنها تعني بكل ذلك الخروج الواضح الجلي على مبادئ عاشت عليها الأمة وتوحدت وازدهرت بها وخرجت بسببها من الظلمات إلى النور.

وإذا كانت الحداثة تعد في الغرب إنجازًا ثقافيًا حسب الظروف والمعطيات التي عاشها الغرب، فإنها تعني في العالم الإسلامي كفرًا ردة وتخلفًا ورجعية، وإذا كانت الحداثة في الغرب تستمد حياتها وروحها من وثنيات وأساطير الجاهلية اليونانية وغيرها؛ لأن ذلك أساسهم المعرفي

ص: 743

وجذرهم الفكري، فما الذي يدعو الحداثي العربي أن يتغنى بأساطير اليونان ويشيد بآلهتهم الباطلة، ويتمذهب بمذاهبهم الشكية واللاأدرية والوثنية؟.

الجواب الحقيقي على ذلك أن الحداثة العربية ليست سوى عملية نسخ فكري إلى حد التقمص، ولذلك لا تجد حداثيًا عربيًا يخرج عن هذا الإطار، ولا يتحول عن هذه الصورة الهزلية الشائنة؛ لأن الحداثيين العرب حين استنسخوا الحداثة من الغرب استنسخوا معها كل ما أحاط بها وكل ما كان في أغوارها من انحرافات وضلالات وجاهليات ووثنيات.

وانخرطوا في دائرة الاستبدال الحضاري، والأخذ الإجمالي والتفصيلي لفكر الغرب ونظرياته وفلسفاته وعقائده، وأضحوا صورة باهتة عن أولئك في أحط درجات انحطاطهم الخلقي والعقدي، وما من مجنون كنتشه أو مأبون كأندربه جيد

(1)

إلّا ونرى له من ضحايا الحداثة والعلمانية -من العرب- من يتبعه ويقلده ويشيد به.

هذه هي محنة الاستعارة والتقمص التي أنغمس فيها جميع الحداثيين العرب من غير استثناء.

وحتى لا يكون الكلام مجرد دعوى ملقاة على عواهنه فإنه لابد من إثباتها بالبرهان، وقد مر في الفصول السابقة ما يؤكد ذلك بالدليل القاطع، وفي هذا الفصل زيادة تأكيد، وليس هناك ما يدعو الحداثيين العرب إلى استخدام الأسطورة والوثنيات الجاهلية اليونانية أو غيرها، إلّا مجرد تقليدهم للغرب، هذا التقليد الذي أنشأ في خباياهم عقائد الإلحاد والشك والرفض والتدمير، ومواجهة الدين الإسلامي، والسعي في مناقضته بشتى السبل والوسائل، لاسيما أنه جاء لتدمير الوثنيات ومحو الجاهليات، فلا جرم أن يكون المتشبعون بعقائد الجاهلية القديمة والمعاصرة أعداء للدين الذي هدم بنيان الوثنية وحطم أصنامها وأعلامها وأباد خضراءها.

(1)

أندريه جيد، كاتب وشاعر فرنسي شهير، يعتبره الحداثيون أسوة لهم، وعلامة متميزة في مسيرة الحداثة، معروف بالشذوذ الجنسي.

ص: 744

من هذا ومما سبق يتبين لنا أسباب انجراف الحداثيين العرب في خوض الوثنيات الآسن، وقد خصص أدونيس في صدمة الحداثة من الثابت والمتحول عدة فصول لدراسة اليونان وعلاقة فلسفتهم وفكرهم بالمسلمين الذين يسميهم العرب تسمية مقصودة لها ما وراءها من دلالات باطلة يرغب الوصول إليها!!.

وقد بدأ كلامه بقوله: (كانت اليونان هي المشكلة الحضارية الأولى التي واجهها المجتمع العربي وكلنا نعرف المواقف التي تولدت عن هذه المواجهة)

(1)

.

ثم صنف هذه المواقف إلى ثلاثة أقسام: الأول أخذ آلة التفكير، والثاني التوفيق بين الدين والعقل اليوناني، الثالث رفض الفلسفة اليونانية

(2)

.

ثم أشاد بالموقف الأول: موقف ابن رشد

(3)

، الذي يقرر -حسب قول أدونيس- بأن لدى اليونان معرفة حقيقية يجب أخذها، ثم يذكر المبررات التي تسوغ أخذ ما لدى اليونان في سياق مليء بالمغالطة والتخليط والهشاشة.

ثم انتقل إلى الموقف المعاصر وإلى التلفيقية التي سار عليها من يسميهم مفكرو عصر النهضة، قال: (. . . لقد استعدنا التوفيقية والتلفيقية

(1)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 256.

(2)

المصدر السابق: 3/ 256، وقد جعل الموقف الأول لابن رشد، والثاني للغزالي، والثالث لابن تيمية.

(3)

هو: محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي، الفقيه، الفيلسوف، من أهل قرطبة، ولد سنة 520 هـ، وتوفي سنة 595 هـ جده شيخ المالكية أبي الوليد بن رشد، تعلم الموطأ والفقه ثم انصرف إلى علوم الأوائل وبلاياهم حتى صار يضرب به المثل في ذلك، وصارت له الإمامة في ذلك، دافع عن الفلسفة وأرسطو خاصة، وله في ذلك مؤلفات كثيرة، رفعت عنه أقوال ردية إلى الخليفة يعقوب فنفاه إلى مراكش وأحرق بعض كتبه، ثم رضي عنه وأذن له بالعودة إلى وطنه فعاجلته الوفاة وهو محبوس في داره بمراكش. انظر: سير أعلام النبلاء 21/ 307، والأعلام 5/ 318.

ص: 745

الغزالية: "جسديًا" نأخذ الحضارة الغربية ووسائلها، أما "روحيًا" فنبقى في ثقافة الوحي)

(1)

.

وهذه التلفيقية -حسب قوله- على ما فيها من أسباب للضلال والانحراف والتخلف والشتات إلّا أنه يراها توفيقًا وتلفيقًا لا قيمة فيه ولا غناء به، أي أنه يدعو إلى أخذ اليونانية كاملة، ويرى أن سيطرة الغرب الراهنة ونفوذه في المسلمين -وخاصة النفوذ الأمريكي- في كل المجالات قد خلخل هذه النظرة التوفيقية القديمة القائمة على الاستفادة من آلة اليونان الفكرية وترك مضمونها الاعتقادي ولاشك أن أدونيس جذل ومسرور بهذه النتيجة التي تخدم طموحاته الحداثية، وتوصله إلى الغاية التي سماها "صدمة الحداثة".

يقول بعد النص السابق ذكره: (غير أن الأمبريالية

(2)

الثقافية تخلخل، اليوم، جذريًا، هذه التلفيقية، بحيث تقذف بالمجتمع العربي في مفترق حاسم، وبحيث أنه لا يبدو أكثر من ملحق اقتصادي - ثقافي بالغرب، وعلى الأخص بمركزه الامبريالي المهيمن: الولايات المتحدة، إنه الآن، بتعبير آخر، في مرحلة انشقاق على مستوى الأصل، ولئن قدرنا في الماضي أنه نلغي أو نعلق بمعنى ما، الغرب، ممثلًا باليونان، فإن الغرب اليوم يقيم في أعماق أعماقنا، فجميع ما نتداوله اليوم، فكريًا وحياتيًا، يجيئنا من هذا الغرب، أما فيما يتصل بالناحية الحياتية، فليس عندنا ما نحس به حياتنا إلّا ما نأخذه من الغرب وكما أننا نعيش بوسائل ابتكرها الغرب، فإننا نفكر بلغة الغرب: نظريات ومفهومات ومناهج تفكير ومذاهب أدبية. . . إلخ ابتكرها، هي أيضًا، الغرب، الرأسمالية، الاشتراكية، الديمقراطية، الجمهورية،

(1)

الثابت والمتحول 3/ 258.

(2)

الإمبريالية طموح دولة أو دول نحو الاتساع على حساب الغير، ومد نفوذها وسيطرتها، أي أن دولة قوية ومسيطرة تتحكم في دولة أخرى تحكمًا غير مباشر في سياستها واقتصادها وهي صورة من صور الاستعمار الغربي يفرض السيطرة من غير عنف ولا احتلال عسكري. انظر: موسوعة السياسة 1/ 300، ومعجم العلوم السياسية الميسر ص 30.

ص: 746

الليبرالية، الحرية، الماركسية، الشيوعية، القومية. . . الخ، المنطق الديالكتيك العقلانية. . . إلخ/ الواقعية الرومنطيقية، الرمزية السوريالية. . . الخ، هذا من دون أن ندخل في ميدان العلوم، وبخاصة العلوم البحتة.

كيف نواجه، في ضوء هذا كله، مشكلية الحداثة في المجتمع العربي؟، ولكن قبل ذلك، ما الشيء الباقي لنا كخصوصية مميزة؟ الدين والشعر، وحتى الدين والشعر لابد من أن نتساءل حولهما: أي دين؟ وأي شعر؟. . .، هذه المشكلية هي ما أسميتها بصدمة الحداثة)

(1)

.

إن أدونيس في هذا النص وغيره يحاول أن يؤصل قضية الإلحاق بالغرب ويجعل لها أصلًا في التاريخ الثقافي للمسلمين ويستند إلى وهم تاريخي ووهم معاصر، أمّا الوهم التاريخي فيتمثل في جعل ابن رشد أساسًا للاستناد إلى اليونان، وتبريرًا للانجراف الحداثي نحو الفلسفات اليونانية في محاكاتهم للحداثيين الغربيين، واستناده على ابن رشد يذكر يالحداثي المغربي محمد عابد الجابري، الذي حاول المحاولة ذاتها واتخذ من ابن رشد سندًا لاستعارة الأفكار العلمانية والحداثية من الغرب.

ولست هنا في موضع تفنيد أقوال ابن رشد، ولكني أقول قولًا كليًا يُمكن الرد به على هؤلاء المغالطين: لقد كان ابن رشد رغم دفاعه عن الفلسفة الأرسطية اليونانية صاحب ملة ودين، وكان أخذه من الفلسفة من أجل تقوية البراهين العقلية الدينية، والرد على شبه المغالطين، فالفلسفة اليونانية عنده مجرد آلة يستخدمها ابن رشد لنصرة الدين، أو لاكتساب المعارف وضبطها بضوابط معرفية فلسفية.

أمّا أدونيس وأضرابه من الحداثيين فإنهم يأخذون الحداثة بقلبها وقالبها الغربي المحتوي على الفكر والإلحاد والمادية والضلال والانحراف، أي أنهم يأخذون من الغرب ومن اليونان -جذور الغرب الفكرية- يأخذون ما يودون به هدم دين الإسلام والقضاء على الملة الإسلامية، ويستخدمون ذلك في تدمير القيم والمبادئ والشريعة والعقيدة وكل ما جاء به الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم،

(1)

الثابت والمتحول 3/ 258 - 259.

ص: 747

وقد أثبتنا ذلك في الفصول الماضية وسوف يأتي مزيد إثبات في الفصول القادمة.

إن المسألة الجوهرية ليست في الأخذ من اليونان أو عدم الأخذ، وهل هذا نافع أو غير نافع، أو نحدد نظريًا ما الذي أخذوا وما الذي لم يأخذوا، وما الذي انتقد عليهم وما الذي سُلّم لهم إلى غير ذلك من المقولات التي يُمكن الحديث عنها في إطار نقاش أهل القبلة مع بعضهم.

المسألة الجوهرية هنا هي أن أدونيس وغيره من الحداثيين يسعون جاهدين لتبديل دين الأمة وتحويلها من أمة موحدة إلى أمة وثنية، ومن أمة صاحبة رسالة ودين إلى أمة بلا دين ولا رسالة ولا شريعة ولا خلق، أمّا الوهم المعاصر فيتمثل في الخلط المتعمد بين التقنية والأفكار والأخلاف والعقائد.

وهذا الخلط الذي يعتمد عليه الحداثيون في تمرير وتسويغ كفرهم وضلالهم وانحرافهم وتبعيتهم ومحاكاتهم الفكرية والعقدية للغرب، لون من ألوان الرؤية المبعثرة، والبصيرة المطموسة، كما أنه لون من ألوان المغالطة والكذب الفكري والمخادعة الثقافية.

وممن رسخ هذا المبدأ المتناقض أدونيس حيث جعل أنه من التناقض الأخذ بالحداثة التقنية ورفض الأفكار التي أنجزتها والتي يسميها الحداثة الحقيقية فيقول: (ندرك بالتالي، الدلالة في موقف العربى المتناقض عما نسميه الحداثة، فهو يقبل منها كل ما يحسن الحياة وطرقها المعيشة بخاصة، لكنه يرفض النظرة التي أبدعتها، والحداثة الحقيقية في الإبداع لا في المنجزات بذاتها)

(1)

.

وبهذا الأسلوب وأشباهه لبّس أدونيس على المغفلين بهذه الفلسفة التي تخلط بين التقنية والأفكار والفلسفات والقيم، فهو يعتبر أنا إذا أخذنا من الغرب حداثة التقنية ورفضنا أساسها الفكري والثقافي والعقدي فنحن نمارس

(1)

الثابت والمتحول 3/ 238.

ص: 748

الصراع بين قيم الثبات التي تمثل الماضي، والتحولات المستقبلية.

ولم يعلم أن التقنية أصلًا منفصلة عن أي أساس فلسفي؛ لكونها حيادية تجريبية، لا علاقة لها بالمعتقد وليست مبنية على فلسفة مّا، أمّا الأفكار والعقائد والقيم والأخلاق فإنها لم تنتج هذه التقنية بل هي من أسباب استخدام التقنية، في التدمير والبلاء والفساد الكوني، وما نراه اليوم من الظلم الذي تمارسه الدول المتقدمة في التقنية، والإباحية والدمار، والبشاعة السلوكية والسياسية والاقتصادية، والتفكك الاجتماعي، وألوان الانحراف الكثيرة، كلها تبين مدى تأثير هذه العقائد المنحرفة والأفكار الضالة التي يريد أدونيس وسائر الحداثيين استيرادها، تحت ستار النتاج التقني، وسوف تكون هذه الأفكار والعقائد -يومًا ما- سببًا في تدمير هذه التقنية، وتدمير البشرية والحياة الطبيعية والفطرية في الأرض والبحر والجو.

وهنا نحن نرى اليابان قد تقدمت في أمور التقنية ولم تتخل عن أفكارها وعقائدها وعاداتها، فلماذا يصر الحداثيون العرب على مسخ هذه الأمة وربطها بدولاب الغرب؟، ألا يكفي أننا نعيش تخلفًا وتبعية تقنية محزنة؟ حتى يأتي هذا الباطني العميل ليطلب أن نتبع الغرب في الفكر والعقل حيث يقول:(إننا نمارس الحداثة الغربية على مستوى تحسين الحياة اليومية ووسائله لكننا نرفضها على مستوى تحسين الفكر والعقل، ووسائل هذا التحسين. . .)

(1)

.

وهذا القول من أدونيس في الخلط بين التقنية والعقائد والأفكار، والدعوة إلى استيراد ما عند الغرب من فلسفات وثقافات وسلوكيات، ليس حصرًا على أدونيس، بل قاله كثيرون، واحتج به جم غفير من الحداثيين

(2)

.

(1)

الثابت والمتحول 3/ 268.

(2)

انظر: مصداق ذلك في قضايا وشهادات 2/ 116 قول لعبد الرحمن منيف و 2/ 257 قول ليوسف الخال، وفي مجلة الناقد العدد 18 ص 62 قول لصفوان حيدر، وفي الإسلام والحداثة 185 قول لجابر عصفور، وفيه أيضًا: ص 328 قول لمحمد أركون، وفي ص 355، 3588 له أيضًا، وفي الكتاب نفسه: ص 378 قول لهشام =

ص: 749

وتحت هذه الذريعة الزائفة تسللت الوثنيات اليونانية الإغريقية والسوموية والآشورية والكنعانية والبابلية وغيرها من عقائد الجاهلية الأولى.

ولقد تبنت مجلة شعر الاتجاه الأسطوري الوثني وأغرقت فيه غاية الإغراق، وقد ذكرنا آنفًا كيف سيطرت فكرة "المتوسطية" على أتباع شعر، وكيف أنهم حاولوا من خلال ترويج هذه الفكرة أديبًا من منبر مجلة شعر، وسياسيًا من منبر حزب القوميين الاجتماعيين لأنطون سعادة، حاولوا ربط الأمة بفكرتين أساسيتين: الفينيقية والنصرانية

(1)

.

لقد كانت مجموعة شعر ترسخ مفهوم الوثنية والأساطير ترسيخًا مبالغًا فيه، حتى أصبح من أبرز ظواهر هذا الاتجاه الذي تلقى الدعم السخي من أمريكا ومن المخابرات الأمريكية على وجه الخصوص من خلال مؤسسة فرنكلين التي بدأت بمدفوعاتها السخية تستقطب أعمدة الثقافة العربية الحديثة

(2)

.

(إن التدخل الأمريكي كان يحمل طابع توجيه حركة التغاير العربية إلى أفق محدد، وسنرى كيف لعبت مجلة شعر دورًا في سياق هذا التوجيه وبأية لغة، وكيف وفرت لها اتجاهات من خارجها مستندًا أوليًا لتحاول شق طريق إلى مستقبل خاص للشعر العربي)

(3)

.

في عام 1376 هـ - 1957 م برزت إلى الوجود مجلة شعر وافتتح أول أعدادها بمقتطفات لشاعر أمريكي

(4)

، لتقوم بترويج الأساطير والوثنيات اليونانية وغيرها، ولقد عبر السياب عن الاتجاه لتبني الأساطير وترويجها بأن

= شرابي، وفي كتاب أسئلة الشعر: ص 296، 298 قول ليوسف الخال، وفي شعرنا الحديث إلى أين لغالي شكري: ص 19.

(1)

راجع ص 159، 757 من هذا الكتاب.

(2)

انظر: بحثًا عن الحداثة: ص 38 وص 56.

(3)

المصدر السابق: ص 38.

(4)

المصدر السابق: ص 39.

ص: 750

ذلك جاء: (استلهامًا لوجود أكثر عمقًا من الوجود اليومي الضاغط الفاقد لكل شاعرية. . .)

(1)

.

ويضيف قائلًا: (إن اللجوء إلى الخرافة والأسطورة وإلى الرموز من مظاهر الشعر الحديث المهمة. . . نحن نعيش في عالم لا شعر فيه، أعني أن القيم التي تسوده قيم لاشعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح، إذًا فالتعبير المباشر عن اللاشعر لن يكون شعرًا فماذا يفعل الشاعر إذن؟ يلجأ إلى الخرافات والأساطير التي لا تزال تحتفظ بحرارتها؛ ولأنها ليست جزءًا من هذ العالم)

(2)

.

هذه العبارات المليئة بالتضليل والمخادعة، والنفاق الفكري، ليست سوى تبرير ميت لاستخدام الأسطورة والوثنيات المختلفة، التي أخذ أفراد عصابة شعر ثمن ترويجها سلفًا من مؤسسة فرنكلين الأمريكية أو من منظمة حرية الثقافة المعروفة كأحد وجوه وكالة المخابرات الأمريكية

(3)

.

ومن وجوهها الأخرى مع مجلة شعر مجلة حوار وأدب وأصوات.

لقد كان العنصر الوثني والأسطوري الذي تبنته حركة شعر يقوم بدور داعم للثقافة الغربية التي تريد أمريكا بثه في المنطقة: (وجاءت الأسطورة لتلعب هذا الدور مدعومة بمرجعية ثقيلة الوزن والتأثير بفعل التضخيم الإعلامي المقصود، والمرجعية التي نعنيها هي طرح أسماء بعض الشعراء الغربيين مع إحاطتهم بهالة خرافية تجعلهم مثلًا يحتذى في كل إبداع. . .

يدلنا إلى هذا أن تعبير "الشعر المعاصر" كان يعني حقيقة ما يكتبه الغير وفق انتقاء واضح لا يترك مجالًا للتأويل في أن ما هو "عالمي" و"معاصر" هو الغربي تحديدًا، طوال أحد عشر عددًا من أعداد مجلة شعر بين عامي 1957 - 1959 م اقتصرت ترجماتها للشعر في عالم اليوم على

(1)

مجلة شعر العدد 3 تموز 1957 م: ص 111.

(2)

انظر: بحثًا عن الحداثة: ص 42.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 48.

ص: 751

الشعر الغربي: "شاعرًا أو شاعرين من الثقافة الانجلوساكونية، 9 شعراء فرنسيين أسباني واحد")

(1)

.

وهكذا تبدو لنا مجلة شعر من خلال النص السابق -وهو لحداثي قومي- أداة في يد الأمريكان لتنفيذ مآربهم في تفكيك الأمة وإلحاقها بالفلك الغربي الأمريكي أو الأوروبي، وإبعادها عن دينها موطن القوة والعزة والكرامة، وقد تمادى أصحاب مجلة شعر في الوثنية والأسطورة حتى وصل الأمر بأحد الحداثيين إلى القول بأن (الشعر العربي المعاصر قد تأسس منذ ولجت الأسطورة كبعد بنيوي شعوري إلى جسد القصيدة)

(2)

.

لقد اتخذت عصابة شعر في سبيل ترسيخ مشروعها الأسطوري الوثني مصطلح الشعراء والتموزيين، وهو الوصف الذي أطلقه جبرا إبراهيم جبرا في دراسة له في مجلة شعر عام 1405 هـ/ 1985 م على شعر كل من أدونيس ويوسف الخال والسياب وخليل حاوي وجبرا.

وهذه التسمية ذات دلالة على مشروع الاستعارة والتقمص الحداثي الذي مارسه هؤلاء الأتباع. فما قصة تموز؟ وما خلفياته؟ وما المقاصد المناطة بهذا الاسم الوثني؟.

تموز: وثن أسطوري استخدم عند الآشوريين البابليين على اعتباره ربًا للمحاصيل والإنبات، يموت في أسطورتهم في كل شتاء، ويولد في كل ربيع، صار زوجًا لعشتار أوفينوس أو عشيقها، يسمى تموز عند السومريين "دوموزي" وهو رمز للتجدد السنوي عندهم، وقد انتشرت أسطورته في البلاد المحيطة بشرقي البحر الأبيض المتوسط، وتركزت عبادة تموز في وادي الرافدين وسورية، ثم أخذ الإغريق عنهم عبادته في حوالي القرن السابع قبل الميلاد، وسموه "أدونيس" وجعلوه ربًا للإنبات والإخصاب،

(1)

بحثًا عن الحداثة: ص 42 - 43.

(2)

الشعر العربي المعاصر ليوسف اليوسف: ص 42 منشورات اتحاد الكتاب العربي دمشق 1400 هـ/ 1980 م.

ص: 752

ويقال: أنه غيره، وإنَّما حصل تماثل بين أدونيس الوثن الفينيقى، وتموز الوثن البابلي.

وإنَّما تظهر هذه الأوثان في أشكال متشابهة ومتعددة في الأساطير التي تروى عن تلك الأمم.

إن موت تموز وانبعاثه حسب ما ورد في الأسطورة يماثله موت أدونيس الذي تقول الأسطورة الفينيقية أنه ذهب للصيد فقتله خنزير بري، ومن دمه نبتت شقائق النعمان، ويقولون: أن أدونيس يموت ثم يولد ثانية؛ ولذلك يحتفلون بذلك ويسمون احتفالهم "أدونيا" ويكون عقب الحصاد السنوي على شرف أدونيس!! حزنًا على موته واحتفالًا بولادته الثانية، ويرمز هذا الاحتفال عند اليونان والرومان إلى دورة الإنبات التي تتجلى في الموت الفصلي لأدونيس وانبعاثه.

من هذه الخرافة في تموز أو أدونيس في أسطورة الموت والانبعاث تكون الجوهر الأساسي لأسطورة تموز بكل بدائلها

(1)

.

لقد توجه الحداثيون وخاصة في حركة شعر نحو تموز، فتسمت المجموعة السالف ذكرها باسم الشعراء التموزيين، وتسمى علي أحمد سعيد أسبر النصيري باسم أدونيس واقتبسوا من الخرافات التي أحاطت بتموز وأدونيس منطلقاتهم وطموحاتهم الحداثية، وترسخت علاقتهم بالوثنيات على أوسع قاعدة، وفلسفوا التجديد والانبعاث الأسطوري لتموز وأدونيس فلسفة توافق مشاريعهم الحداثية الساعية إلى تدمير الأمة وتحطيم شأنها.

لقد تجاوزوا بهذا الرمز الوثني كل مرجع عربي جاهلي أو إسلامي، ليرتبطوا بالوثنيات التي تجعلهم يمثلون الامتداد للعالم الجديد، الغرب، البحر، حوض المتوسط.

وقد انطلق جبرا في اقتراح هذا المصطلح كما يقول إلى مرجع فيه

(1)

انظر: معجم الأساطير: ص 30، 236، والحداثة الأولى: ص 163 - 164، ديوان السياب هامش: ص 362.

ص: 753

الديمومة والبعث والخصب، ثم يحاول أن يوجد لهذه الأوثان قاعدة عند العرب فيقرر أن هذا الرمز "تموز" ليس جديدًا علينا كأمة فيها من العادات والمعتقدات الشعبية كثير من أسطورة تموز بأشكالها

(1)

.

وهذه محاولة تسويقية، وتغطية على الاستعارة الوثنية، والتقمص الفكري الهش للغرب، وفي الحقيقة أن جبرا وأتباعه من شعراء الحداثة وخاصة عصابة شعر قد أخذت هذه التسمية وغيرها من الرموز الأسطورية الوثنية، ومن كتاب "الغصن الذهبي" لجيمس فريزر

(2)

مرجعية فكرية، وقد قام جبرا في عام 1957 م بترجمة جزء "أدونيس أو تموز" من هذه الموسوعة

(3)

وتأثر بها غاية التأثر واستنسخ أفكارها وعممها بشكل دعائي من خلال مناشط حركة شعر.

(وتعتبر موسوعة الغصن الذهبي لجيمس فريزر التي صدرت عام 1890 م في طليعة الدراسات الأسطورية التي أثرت بشكل بارز في الأدب العالمي إلى الحد الذي دفع البروفسور بكي إلى اعتبارها "مصدرًا يكاد لا ينضب للأساطير والرموز المركزية في أدب القرن العشرين" وقد برز تأثير فريزر في قصيدة أليوت الشهيرة "الأرض الخراب" التي تعرف إلى رموزها، وخاصة ما يتصل منها بالخصب، وشرحها اعتمادًا على فريزر، وهذا ما أشار إليه أليوت نفسه، ويمتد تأثير فريزر إلى النقد أيضًا. . . وقد ترجم جبرا إبراهيم جبرا عام 1957 م جزء "أدونيس أو تموز" من هذه الموسوعة بشكل ممتاز)

(4)

.

وهكذا تتسلسل عملية التأثر بالغرب عند أصحاب الحداثة العربية، من فريزر إلى أليوت، ومن تموز إلى الأرض اليباب، التي كان لها أبلغ الأثر في نتاج كثير من شعراء الحداثة، وأولهم وطليعتهم بدر شاكر السياب الذي

(1)

انظر: الحداثة الأولى: ص 113 - 114.

(2)

جيمس فريزر سبقت ترجمته: ص 94.

(3)

انظر: الحداثة الأولى: ص 164 - 165.

(4)

الحداثة الأولى: ص 164 - 165.

ص: 754

قال عنه باروت: (بدأ السياب في استعمال الأسطورة بعد عام 1952 م. . . إن السياب قد بدأ التعرف على أليوت بصعوبة، وما لديه من أساطير ورموز وتضمينات واستعارات، كما كان قد اطلع على مخطوطة ترجمة جبرا لـ "تموز أو أدونيس" أحد أجزاء موسوعة الغصن الذهبي. . .)

(1)

.

ولعمق تأثير كتاب الغصن الذهبي على جبرا وخاصة الجزء الذي ترجمه باسم أدونيس، قال في المقدمة ما يدل على الانبهار والانصهار، قال:(كان لهذا الجزء -أدونيس- فضلًا عن خطورته الانثربولوجية الظاهرة أثر عميق في الإبداع الأدبي في أوروبا في السنين الخمسين الأخيرة، بما هيأه للشعراء والكتاب من ثروة رمزية وأسطورية نرجو أن يقبل عليها أدباؤنا أيضًا، لإغناء أدبنا الحديث)

(2)

.

لقد كان جبرا والثلة التموزية الذين معه يرون في إحياء هذا الرمز وتداوله وإشاعته مخرجًا ثقافيًا ينطلقون من خلاله إلى نيل رضوان أساتذتهم والاندماج في صميم الفكر الغربي الذي يرونه المثال الأعلى، ويحققون بذلك صرف الأمة عن دينها وتوحيدها وعقيدتها ومبادئها.

لقد اعتبروا الإسلام وحضارته وتاريخه وتراثه جدبًا وتخلفًا، ورأوا أن الخلاص من ذلك لا يكون إلا بارتباطها الثقافي والاعتقادي بعقائد بني ملتهم من النصارى الغربيين.

وقد عبر جبرا عن هذا بقوله: (لقد نبهتنا نكبتنا الكبرى إلى حقيقة الذبول الذي أصاب شعبًا كبيرًا قرونًا عديدة، إلى حقيقة العنة الروحية التي ما عدنا نستطيع تحملًا لها، فوجد شاعر كيوسف الخال في الأسطورة البابلية خير رمز لمعاناتنا)

(3)

.

(1)

المصدر السابق: ص 168.

(2)

أدونيس أو تموز لجيمس فريزر ترجمة جبرا إبراهيم جبرا: ص 6، نشر دار الصراع الفكري - بيروت 1376 هـ/ 1957 م.

(3)

الحداثة الأولى: ص 114.

ص: 755

لقد إنهارت حركة شعر وانفض سامرها، ولكن هل بقي للإحياء الوثني الذي تزعمته أثرٌ في واقع الأدب العربي المعاصر؟.

يجيب على هذا السؤال محمد جمال باروت، الذي يمتدح المثال الجمالي التموزي -حسب تعبيره- ثم يذكر تأثير مدلولات الوثنية التموزية في أكثر شعراء الحداثة، فيقول:(. . . إن المثال الجمالي التموزي، إذ نضج في حلقة شعر، وفي مهادها الفكري - الايديولوجي، فإنه في تطوره الدلالي لم ينحصر فيها، بل أثر عميقًا في تحولات الشعر العربي الحديث، بل وارتبط بأكثر الشعراء تمثيلًا لهذه التحولات، علمًا أن هؤلاء الشعراء كانوا متعددين في مشاربهم وانتماءاتهم الفكرية - الايديولوجية - السياسية، ومتفاوتين في مدى قوة الالتزام كل منهم بهذه المشارب والانتماءات)

(1)

.

وفي موضع آخر تحت عنوان "تموزية ما بعد حركة مجلة شعر"، يقول: (لقد فتحت تموزية حركة مجلة شعر الباب أمام الشعر العربي الحديث ليكتنه القدرات الدلالية والإيحائية والشعرية للأسطورة. . .، ومن أكبر الممثلين لتموزية ما بعد حركة مجلة شعر عبد الوهاب البياتي، بشكل معمق وأكيد في دواوينه "الذي يأتي ولا يأتي 1966 م" و"الموت في الحياة 1968" و"عيون الكلاب الميتة 1969" و"الكتابة على الطين 1970" وهي مرحلته الشعرية الأكثر أهمية وحداثة وعمقًا في أسئلتها واقتراحاتها، ولربما بهذا المعنى كان يوسف الخال يقول بترق عام 1983:"إن عبد الوهاب البياتي يعرف أكثر من غيره أن شعر إنَّما قامت لأجل بلورة خطه، وخط غيره من شعراء الحداثة العربية" لكأن البياتي في مرحلته الشعرية هذه، يعيد إنتاج تموزية شعر مع تطعيمها بإيقاع إيديولوجي جديد، إنه مثل شعراء تموزية شعر يكتب: (أنا أميل إلى اختيار صورة المنقذ الذي يتجسد بصورة النبي كما هو وارد في العقيدة الإسلامية أو بروميثيوس الذي سرق النار الإلهية من أجل البشر، كما يتجسد في الميتيولوجيا

(2)

اليونانية أو ميثولوجية

(1)

الحداثة الأولى: ص 115.

(2)

مصطلح الميثيولوجيا سيأتي بيانه ص 999.

ص: 756

شعوب البحر المتوسط، وقد تحل وتتحد صورة البطل أو المنقذ الإسلامي - العربي - الإغريقي، بل أشعر أحيانًا أن البحر الأبيض المتوسط هو مسرح ولادة حضارات العالم القديم والحديث")

(1)

.

ثم يذكر باروت مجموعة من شعراء الحداثة الذين مثلوا تموزية مجلة شعر بعد إنقراض هذه المجلة وحركتها

(2)

.

ويذكر منهم محمود درويش في قصيدة "الأرض" التي أصدرها عام 1397 هـ/ 1977 م: (والتي توظف بشكل تضميني بارع القدرات الدلالية والإيمانية للأسطورة التموزية)

(3)

.

وهكذا استمرت الوثنيات التموزية تضرب بجران انحرافاتها في نتاج شعراء وكتاب الحداثة، وقد ذكرنا آنفًا تأثير شعراء حركة شعر بجيمس فريزر وأليوت، وهو تأثر واضح الأثر، عميق التأثير، بيد أنه من الضروري ذكر أثر أنطون سعادة في ترسيخ هذا الاتجاه الوثني الذي استقاه سعادة من الغرب النصراني الوثني، ليكون حربًا للأمة وسببًا في تفريق شملها وإضعاف قوتها، وربط حياتها ومسارها بالغرب.

لقد جاء من البرازيل إلى لبنان أنطون سعادة، وظهر في عام 1350 هـ/ 1932 م على مسرح السياسة مباشرة، وألف الكتب ونشر ما سبق له تأليفه، وكون حزبًا منظمًا دقيقًا أطلق عليه اسم "الحزب القومي الاجتماعي"

(4)

،

(1)

الحداثة الأولى: ص 161 - 162، وما بين الأقواس نصوص نقلها من كلام يوسف الخال والبياتي ومراجعها في المصدر نفسه: ص 170.

(2)

هم فايز خضور في "آداد 1981 م"، ومحمود السيد في "مونادا دمشق 1979 م"، ومحمد عمران في "كتاب الملاجة 1980 م"، وهذه أسماء دواوين وكتب.

(3)

المصدر السابق: ص 162.

(4)

الحزب القومي السوري: ويسمى "الحزب القومي الاجتماعي"، أسسه أنطون سعادة عام 1350 هـ/ 1932 إثر عودته من البرازيل، وهو حزب يدعو إلى القومية السورية ويعتبرها مستقلة عن القومية العربية، وشعار الحزب زوبعة لها أربعة رؤوس ترمز عندهم إلى الحرية والواجب والنظام والقوة تتلخص مبادئ الحزب التي ذكرها سعادة في كتابه "نشوء الأمم" في فصل الدين عن الدولة، إزالة الحواجز بين الطوائف =

ص: 757

ومن كتبه التي قام بنشرها وكان لها التأثير القوي في تكوين حركة حداثية أبرز شخصياته أنطون سعادة الذي أعدم عام 1368 هـ/ 1949 م إثر قيامه بمحاولة ثورة في لبنان، ومنهم غسان جدير نصيري، وجورج عبد المسيح وإنعام رعد ويوسف الخال وخليل حاوي، وكلهم نصارى ومنهم أدونيس النصيري الزنديق الشهير.

فكرية سياسية كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري" وقد صدرت طبعته الأولى في الأرجنتين سنة 1362 هـ/ 1943 م، ومنذ عام 1366 هـ/ 1947 م أعيد طبعه في بيروت على نطاق واسع

(1)

محوران أساسيان امتد من خلالهما تأثير أنطون سعادة على الساحة الثقافية المختمرة بالاتجاهات والمذاهب والأفكار والمختلفة والمنحرفة:

المحور الأول: الحزب الذي كونه وأحكم نظامه في صورة مركزية مرتبطة بشخصه، وقد انطلق من خلال الحزب ليكسب الأتباع، ويبث الدعاية، لنفسه وأفكاره، وقد بارك الغرب هذا الحزب، وأمده بالمال والسلاح والدعاية.

= والمذاهب، اعتبار سورية أمة تامة مستقلة عن الأمة العربية، يرتبط تاريخها بالفينيقيين وأوثانهم وخمرهم واَلهتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ويعتز بالرابط المتوسطي نسبة إلى البحر المتوسط، وأزهى العصور في تاريخ سورية -عنده- هو العصر الفينيقي، ويعتبرون الفتح الإسلامي غزوًا أجنبيًا، وينكر الحزب وأعضاؤه الرابطة الدينية "حسب زعمهم" ويعتبرون الألوهية من اختراع الإنسان يوم كان رازحًا تحت الوهم والخوف، وينظرون إلى الكون والإنسان نظرة مادية بحتة، تنكر وجود اللَّه تعالى وألوهيته والبعث والرسالات والمعاد وسائر الغيبيات، دعوتهم انعزالية تخدم مصالح الغرب المستعمر، وتخدم الصهيونية في تفتيت الأمة الإسلامية والقوى المحيطة بالدولة اليهودية، سلوك الحزب منحرف، فهم يدعون إلى الإباحية وإطلاق الغرائز، ويعدون الحلقات الماجنة للشباب والفتيات تهيئة لضمهم إلى الحزب، يعتبرون سوريا الكبرى من جبال طوروس إلى قناة السويس جنوبًا، ومن البحر المتوسط الذين يسمونه البحر السوري في الغرب إلى الصحراء حتى الالتقاء بدجلة في الغرب.

انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ص 409 - 413.

(1)

انظر: الحداثة الأولى ص 119.

ص: 758

وبذلك استقطب هذا الحزب مجموعة كبيرة من ذوي الاتجاهات المختلفة، وقد سبق ذكر ذلك في ثنايا هذا الفصل.

لقد كون أنطون سعادة لنفسه هالة من التعظيم والقوة والمكانة، وخلب بهذه الهالة المفخمة عقول وقلوب أتباعه وكان يرى أنه نبي أو بمثابة نبي وكان أتباعه يرون فيه القوة المقدسة والمخلص والبطل والمنقذ، وقد صور باروت في كتابه الحداثة التي كان أتباعه يرضخون لها فقال: (تنهض شخصية أنطون سعادة في دعي هذا الجبل، كخيط متوهج دامٍ ما بين النبوة والبطولة

(1)

، الكشف والفعل

(2)

، وكان نفسه يرى أن ثمة قوة مقدسة بالمعنى النبوي تضعه في خط متصل منذ البعل الكنعاني إلى سارجرجس إلى الخضر، بل حاول أن يكرر الأسطورة نفسها، وأن يهز بمصيره مئات الذين اندفعوا خلفه، أراد أن يكون دفعة واحدة، النبي والبطل، والمخلص والفادي، ووجد فيه أتباعه تكرارًا لأسطورة تقارب يسوع، ودفعة بطوليه للنهضة رأى فيه أدونيس مثلًا "جلجلة البعث" هذا يوضح أبعاد الهزة الوجدانية الكبرى التي أثارها مصيره في حساسية ووعي النخبة التي اندفعت خلف أحلامه، بإيمان ميتافيزيائي، وهي تبحث عن البطل المنقذ القادر، المخلص المنتظر، الذي يبعث جوهر الأمة، المتعالي على التاريخ من بين الأجداث، وينهض به من جديد، وكان سعادة يرى كلماته كوحي، كما الأنبياء، ويلزم بها أتباعه كما هي علاقة النبي

(3)

بجمهور المؤمنين، وكان في تصوره لهذه العلاقة قريبًا جدًا من تصور الأستاذ الاسكندروني زكي الأرسوزي

(4)

عن توجس الأمة لانبثاق البطل النبي منها

(1)

و

(2)

هذا نَموذج من نَماذج المدائح الحداثية المبالغ فيها التي يلقيها أتباع الحداثة على بعضهم ولو كانوا يخالفونهم في النهج.

(3)

هذه العبارات من أبسط ما يتفوه به الحداثيون، حيث استهانوا بالنبوة وجعلوها وصفًا لكل ساقط ومنحرف وسيأتي تفضيل ذلك في فصل خاص من هذا البحث.

(4)

زكي الأرسوزي 1318 - 1387 هـ/ 1900 م - 1968 م، قومي بعثي من أصل نصيري من أهل اسكندرون، له جهد كبير في ضم عدد من الشباب العرب إلى حزب البعث، وفي تأليف الكتب اللغوية والأدبية والسياسية من وجهة علمانية بعثية. انظر: موسوعة السياسة 3/ 42 - 43

ص: 759

وتجليه فيها، وبخلقها من جديد، وعودتها لتحمل رسالتها إلى العالم من هنا كان سعادة يرى كما يرى الارسوزي حق الولاية للنبي على جمهور المؤمنين وبتعبير سعادة حق الزعيم في قيادة وتوجيه الأمة)

(1)

.

وهكذا يتبين بشهادة حداثي -لا يُمكن أن يقال بأنه يتحامل على أصحابه وأحبابه- مدى التأثير الذي مارسته شخصية أنطون سعادة على جيل واسع من المثقفين والشعراء والأدباء والكتاب والسياسية، وقد ألقى في روعهم من ضمن ما ألقى، محبة الوثنيات والتعلق بها وتقديسها والوقوف أمام أسمائها ورموزها ومفاهيمها موقف العبودية الذليلة الخانعة، وموقف المحبة والانقياد والاتباع والإجلال، وهم بذلك لايفترقون في قليل أو كثير عن إخوانهم من عبدة الأوثان من أهل الجاهلية العربية أو غيرها، والفارق الوحيد الذي يُمكن ذكره هو أن عبدة الأوثان الأوائل كانوا يتقدمون إلى عبادتها بسذاجة وبساطة وعفوية، من غير عمق ولا معرفة ولا دراية.

أما عبدة الأوثان المتأخرين من الحداثيين وغيرهم فإنهم يتقدمون إلى عبادتها وهم متدرعون بالثقافة والعلم والموضوعية والحرية الفكرية والفلسفة العميقة إلى غير ذلك من الشعارات والأسماء المنفوخة.

المحور الثاني: الذي انطلق من خلاله أنطون سعادة للتأثير والاستقطاب: مؤلفاته، ومنها "نشوء الأمم" و"المحاضرات العشر في الندوة الثقافية" و"تعاليم وشروح في العقيدة القومية والاجتماعية" و"الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية"

(2)

.

غير أنه (كان التأثير الأدبي الرئيسي لسعادة عبر كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري" -صدر في الأرجنتين عام 1943 م وبدءًا من 1947 م أعيد طبعه في بيروت على نطاق واسع- ومن المفيد هنا استحضار بعض الاستشهادات لتحديد مجال التفحص الذي سنقوم به.

(1)

الحداثة الأولى: ص 118 - 119.

(2)

انظر: الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان: ص 412.

ص: 760

يؤكد أدونيس أن هذا الكتاب "كان صاحب الأثر الأول في أفكاري وتوجهي الشعري: ولأنَّه بالإضافة إلى ذلك أثر تأثيرًا كبيرًا في جيل كامل من الشعراء، بدءًا من سعيد عقل وصلاح لبكي ويوسف الخال وفؤاد سليمان

(1)

، وانتهاء بخليل حاوي، وكان إلى ذلك ملهمًا لكثير من الأفكار والآراء الشعرية النقدية في النقاش الذي دار حول مجلة شعر والمشكلات التي أثارتها".

كما يؤكد الدكتور نذير العظمة "أحد مؤسسي شعر" أن "أغلب الشعراء التموزيين ما خلا جبرا إبراهيم جبرا وبدر شاكر السياب، كانوا ينتمون إلى الحركة القدمية الاجتماعية أو يتصلون بها بشكل من الأشكال، فالدكتور: خليل حاوي وأدونيس ويوسف الخال هم من رواد الحركة التموزية، لم يكونوا أعضاء في الحزب فقط، بل مارسوا فيه مسؤليات ثقافية وفكرية مهمة، وبكلمة أخرى كانوا على معرفة حميمة بما يكتب أنطون سعادة، وينظر في مسألة التجديد في الشعر بشكل خاص والأدب والفكر بشكل عام")

(2)

.

وقد ربط أنطون سعادة الفكر والتجديد والانبعاث في كتابه هذا وسائر كتبه ومحاضراته بالمرجعية الوثنية وخاصة الفينيقية في الدرجة الأولى، ثم الإغريقية والسومرية والكنعانية والآرامية والبابلية

(3)

.

والذي يهم سعادة في كل هذه التراثات الجاهلية الوثنية (هو العودة إلى القصائد والملاحم السورية المتجلية بالأساطير، وتجديدها عبر نظرة جديدة إلى الحياة والعالم، حيث يرى أن هذه القصائد والملاحم تشكل

(1)

سبقت تراجمهم. انظر: ثبت الأسماء المترجمة.

(2)

الحداثة الأولى لباروت: ص 119 - 120، والنصان اللذان بين الأقواس الأول منهما لأدونيس نشره في مجلة الكفاح العربي عدد 301 في 16/ 4/ 1984 ص 51 تحت عنوان تجربة الحداثة في مجلة شعر نحو فهم آخر للتجديد الشعري، والثاني منهما لنذير العظمة نقلًا عن مجلة فكر أعداد 43 - 46 كانون أول 1980 م.

(3)

انظر: الحداثة الأولى: ص 123.

ص: 761

المرجع التراثي الحقيقي للشعر، ومن هنا لايجد إلا الطلب إلى "الأدباء الواعين أن يحجوا ويسيحوا إلى مقام الآلهة السورية، فيعودوا من سياحاتهم حاملين إلينا أدبًا نكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين، تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور")

(1)

.

يتضح لنا من خلال النقل السابق أن أنطون سعادة جعل الأساطير الوثنية والخرافات الجاهلية محور فكرته ومنطلق مذهبه وأساس دعوته، وربط الإبداع والنهضة والبعث والإنماء بهذه التصورات والعقائد الوثنية وربط أتباعه بهذا المفهوم، فقاموا هم بدورهم وبحماسة أكبر، وبتنظير أطول وممارسة أكثر، ببث الدعوة إلى هذه الوثنيات وتأصيل الإيمان بها وتقوية الدعاية لها، فانساقوا في أودية الخرافات والأوهام يستجلبون من رمادها عناصر الحياة لفكرتهم الميتة.

ومن أعجب الأعاجيب أن الحداثيين ينادون بالعقلانية ويدعون المنطقية، وهم مع هذه الدعوى العريضة يستسلمون لهذه الخرافات يؤمنون بها ويقدسونها ويجعلونها أساسًا للنهضة والارتقاء!!.

ولكن أنطون سعادة قد أقنعهم بأن هناك فرق بين الخرافة والأسطورة، (فيرى أن الخرافة هي نتاج مجتمع بدوي محدود، مشدودة إليه ومنحصرة في جموده، في حين أن الأسطورة هي نتاج حضاري تعبر عن هم إنساني شامل، فيرى أن عكس الخرافة هو "الأساطير الراقية ذات الصبغة الفلسفية المتناولة قضايا الحياة الروحية والمادية، الملازمة للجماعات البشرية التي أظهرت استعدادًا نفسيًا عاليًا، وجعلت أساطيرها ذات مغزى في الحياة والممات كالأساطير السورية" ويعدد منها أساطير أدونيس وطافون وإيل والبعل، ويشرح بعضها، ويشترط سعادة تجديد هذه الأساطير، عبر نظرة جديدة إلى الحياة والعالم تقدم "فهمًا جديدًا للحياة" من هنا يلح على

(1)

المصدر السابق: ص 123، وما بين علامتي التنصيص لأنطون سعادة في كتابه الصراع الفكري في الأدب السوري: ص 86.

ص: 762

"العناية بالأساطير الأصلية ذات المغزى الفلسفي في الوجود الإنساني بوعي لنظرة أساسية إلى الحياة والكون والفن")

(1)

.

هذا القول لأنطون سعادة يؤكد غاية التأكيد أن الحداثة في مضامينها وأفكارها وجذورها وفروعها ليست إلا فكرًا مستعارًا، ومفهومًا تقمصه الأتباع من غير عقل ولا نظر، فأنطون سعادة يفرق بين الخرافة والأسطورة!!.

ولم يقل له أحد من مريديه بأن الأسطورة هي خرافة بل أشد من الخرافة، ذلك أن في اسمها الدلالة الكبرى على كونها كذبًا واختلافًا، ومع ذلك يسميها الأساطير الراقيات ذات الصبغة الفلسفية، وسبب هذه التسمية أن هذه الأساطير هي المعتمدة رسميًا في الفكر والفلسفات الغربية؛ فلذلك كانت راقية وفلسفية، ولم تكن كذلك إلَّا لأنها كانت ملازمة للجماعات البشرية التي أظهرت استعدادًا نفسيًا عاليًا، وهذه الجماعات البشرية هم الغرب وفلاسفتهم.

أما أساطير العرب فإنها عنده -حتى وهي أساطير تشابه أساطير الغرب- منبوذة؛ لأنها خرافية وبدوية وليست حضارية!!، ومن هذا المنطلق استطاع سعادة أن يربط اتباعه بالغرب برباطين:

الأول: إحياء الأساطير والأوثان التي يؤمن بها الغرب وتشكل جذور فكره.

الثاني: صيغ هذه الأساطير بصيغة محلية "سورية" مع ربط الإقليم المحلي بالفكرة "المتوسطية" لتتم عملية الربط التاريخي والحضاري -حسب قوله- بين سورية والغرب، هذه المفاهيم التي غرسها أنطون سعادة، مع المفاهيم المنحرفة الأخرى، مثل نفي الألوهية، وجحد وجود اللَّه تعالى، ورفض الغيبيات، وفصل الدين عن السياسة، سارت في أتباعه مسير الدم في عروقهم، وشكلت مفهومًا ثقافيًا وسياسيًا شاملًا، وجد الحركة الشعرية

(1)

انظر: الحداثة الأولى: ص 124، وما بين علامتي التنصيص لأنطون سعادة من كتابه الصراع الفكري في الأدب السوري: ص 69، 81.

ص: 763

العربية الحديثة مطية صالحة له للوصول إلى مآربه الظاهرة والخفية.

وتتبدى هذه المفاهيم الأسطورية التي شاعت بين أدباء الحداثة، دليلًا جديدًا على التبعية والانقياد الفكري ليس في هذه القضية فحسب بل في الاتجاه العام للشعر والأدب العربي كله، وهذا ما أكده غالي شكري في كتابه شعرنا الحديث إلى أين، حيث قال:(فلا شك أن الثقافات الأجنبية ومدارس الشعر الغربي والبيئات الحضارية الجديدة، كانت جميعها من عوامل التجديد، ولكنا نلاحظ أن حركات التجديد في جميع المراحل السابقة على حركة الشعر الحديث قد حافظت على جوهر الشعر العربي، بينما نلاحظ في نفس الوقت أن الحركة الحديثة تقوم أساسًا على رفض هذا الجوهر، فلا يقتصر التجديد فيها على استخدام الأسطورة أو الرمز أو لغة الحديث اليومي أو المشكلات الميتافيزقية، ولكنها غيرت بالفعل من الاتجاه العام للشعر العربي، وانعطفت به وجهة أخرى وهي بلا ريب وجهة الشعر الغربي الحديث)

(1)

.

إن هذه الحقيقة لأمراء فيها ولا غبار على ثبوتها، وقد كانت استعارتهم للعناصر الوثنية والنصرانية واليهودية، من أبرز وأظهر نَماذج محاكاة شعراء الحداثة العرب لأدباء وفلاسفة الغرب.

وقد كان المنهج الأسطوري الذي نشأ في الغرب في جوانبه الأدبية والفلسفية والتاريخية وأنماطه النفسية واللاشعورية، واتخاذ الأساطير وتأويلها، وجعل الشاعر كالعراف والساحر، وغيرها؛ أساسًا ومنطلقًا للتقمص الذي مارسه حداثيو العرب.

وقد عني الغربيون بالأساطير ولجأوا إليها واتخذوها مثابة للمسار الفكري والفلسفي والإبداع الأدبي فظهر المذهب الأسطوري في الدراسات الأدبية في أحضان الأنثربولوجيا

(2)

، واتجهت مجموعات في إنكلترا وأمريكا

(1)

شعرنا الحديث إلى أين؟: ص 112.

(2)

الانثربولوجيا هي علم الإنسان، ويدرس نواحي النوع الإنساني وكل الظاهرات المتعلقة به، وله ثلاثة فروع رئيسية: الطبيعة وتدرس النمو الجسمي للإنسان، والاجتماعية =

ص: 764

تحاول أن تكشف عن الأساطير الأصيلة -حسب زعمهم- للإنسانية خلف الأدب، كالأدب الإلهي والتضحية بالإله والهبوط إلى الجحيم، وغير ذلك مما نجد صداه في الكتابات الأدبية والعقائد المحرفة كالخطيئة والتكفير والخلاص في النصرانية، وكان لهذا المذهب الأسطوري جذوره في الدراسات النفسية وخاصة عند أتباع اليهودي فرويد

(1)

الذين كانوا ينظرون إلى الأسطورة على أنها حلم لفرد مكبوت، أمّا يونج

(2)

ورهطه فقد نظروا إليها على أنها نَمط أولى للجنس البشري، لا ينم عن مرضه، بل ينم عن مشاركته الطبيعية في اللاشعور الجمعي، وهو المذهب الذي يقول به يونج، في مقابل اللاشعور الفردي الذي يقول به فرويد

(3)

.

وعلى ذلك فقد فلسف هؤلاء الأسطورة فلسفة تحاول وضعها في

= وتهتم بدراسة النظم الاجتماعية المختلفة دراسة مقارنة وخاصة نظم المجتمعات البدائية، والثقافية وتهتم بدارسة عادات الشعوب وتقاليدها دراسة تاريخية. انظر: الموسوعة العربية الميسرة 1/ 235، والمفاهم والألفاظ في الفلسفة الحديثة ص 38، والمعجم الفلسفي ص 24.

(1)

هو: سيجموند فرويد يهودي نمساوي، ولد سنة 1372 هـ/ 1856 م، وتوفي سنة 1357 هـ/ 1939 م، طبيب وأخصائي بالأمراض العصبية، وصاحب نظرية التحليل النفسي التي أعاد فيها جميع نشاطات الإنسان والمجتمع إلى الدافع الجنسي، وأصبح لنظريته هذه أكبر تأثير في الحياة الغربية، حيث سوغت لهم التوغل في الانحرافات تحت مسميات الكبت والتسامي واللاشعور والدافع الجنسي، كان يعالج مرضاه بالمخدرات، ولما اشتد عليه المرضى طلب من طبيبه أن يزيد له كمية المخدر الذي كان يتعاطاه حتى يعجل بهلاكه فهلك. انظر: الموسوعة الفلسفية ص 307 - 309، وتاريخ الفكر الأدبي الحديث ص 741.

(2)

هو: كارل غوستاف يونج أو "يونغ" عالم نفسي سويسري أسهم في بيان اللاشعور وفي تكوين الطب النفسي، ولد في 1875 م وتوفي في 1961 م التقى بفرويد في فينا سنة 1907 م فتعاونا على البحث في ميدان الأمراض النفسية، ثم استقل عن فرويد وأخذ ينقد مبالغاته الجنسية ونشر كتابه علم نفس اللاشعور المضاد لفرويد، واختير رئيسًا للجمعية الدولية للتحليل النفسي، توفي سنة 1961 م. انظر: موسوعة السياسية 7/ 485.

(3)

انظر: فوضى الحداثة: ص 178 - 181، وهي مذكرة مكتوبة باليد للدكتور عبد اللَّه الحامد.

ص: 765

حقل الحقيقة والتأثير، فأكدوا جميعًا أن الأساطير ليست كما يعلم الناس حشدًا من الخرافات، وليست مجرد أوهام من عالم الفوضى، بل هي لغة أخرى، لغة الشعر والخيال والانفعال بجانب لغة المنطق والنثر والعلم

(1)

.

وفي معرض إثبات طابع العلمية على الأسطورة قرروا أنه من الخطأ أن تظن أن الشاعر حين يستلهم تجارب العصور السحيقة، إنما يستعين بأمور غير أصيلة؛ لأن التجربة الأولية هي مصدر إبداعه، فليس غريبًا أن يلوذ بالأسطورة، ويصور تجربته تصويرًا أسطوريًا، حتى يهبها الشكل الفني

(2)

.

ثم جاء المنهج الأسطوري في منحاه التاريخي ليضفي على الأسطورة مكانة ويجعل لها شرعية.

ومن أبرز الذين اهتموا بالأسطورة من هذا الجانب الإنجليزي جيمس فريزر، وهو من علماء الانسنه "الانثربولوجيا"، وقد ألف كتابًا في هذا الصدد ذاع صيته وعظم تأثيره، وهو "الغصن الذهبي" المكون من اثني عشر مجلدًا، وموضوعه دراسة السحر والدين والأساطير القديمة، دراسة حاول فيها أن يؤكد شرعية الأسطورة وأهميتها، ويضع المبررات للعبادات الوثنية المختلفة، ويضع استنتاجات احتمالية وهمية تفتقر إلى البرهان، ليعرض تطور الفكر والمجتمع، ويحاول أن يجد علاقة بين السحر والفن والدين والزعامة في ظل الارتباط بين وظيفة الكاهن والساحر، ويخلط بين الدين الحق والوثنيات الباطلة وبين الأنبياء والكهان، وحاول في كتابه هذا ربط التشابهات الأسطورية ليخلص منها إلى نظرية تعميمية هي أن الأسطورة إنسانية وليست إقليمية أو محلية، في سياق يتضح منه إضفاء صفة العالمية على الأساطير والخرافات، لتتخذ من خلال هذه الدعوى الكبيرة هيبة عند ضعفاء العلم والعقل وعديمي الإيمان.

وعلى كل حال فإن كتاب الغصن الذهبي كان له دور بارز في نشوء

(1)

و

(2)

انظر: فوضى الحداثة: ص 178 - 181.

ص: 766

نوع جديد من الدراسات الأدبية والنقدية، يقوم على الأسطورة، وكان له تأثير واضح في شعراء الحداثة، وقد اعترف أليوت في تعليقاته على الأرض الخراب بتأثره العميق بالغصن الذهبي

(1)

.

هذه هي جذور الاقتداء الحداثي العربي بالأسطورة الغربية، والقواعد التي انطلقوا منها للمحاكاة البليدة والاستنساخ الأعمى.

وقد حاول بعض النقاد الحداثة العربية أن يوجدوا المسوغات الفنية والثقافية لهذا الارتماء الحداثي في أحضان التبعية للغرب، فهذا محمد مندور يتحدث عن هذه القضية، ويطلق على هذا المنهج اسم التجارب الأسطورية

(2)

، ثم حاول بعث أساطير إقليمية ومحلية لإضفاء صورة الاستقلالية في هذا الشأن عن المغرب

(3)

!!، مع إعجاب وانبهار -في الوقت نفسه- بالملاحم والأساطير والوثنيات الجاهلية الخالية

(4)

.

وعلى هذا النحو التبريري ينطلق إحسان عباس في كتابه "اتجاهات الشعر العربي المعاصر" ليؤكد أن (من بدهيات الحركة التاريخية أن الإنسان المعاصر، في ظل النوازع القومية، قد انتقل من واقع التاريخ إلى تبني "الأسطورة التاريخية" واستخدامها حافزًا في تقوية "التكاتف الاجتماعي" في الأمة الواحدة، وأن ذلك كان يمتد من مبدأ الإيمان بإرادة القوة إلى الخروج من حال الضعف والتفكك والتخلف. . .)

(5)

.

وهكذا يحاول إحسان عباس أن يظهر لنا أن تبني الوثنيات والأساطير لا ضير فيه، لا من ناحية الفكر والاعتقاد ولا من ناحية الانتماء، بل إنه يصفه كضرب من ضروب الضرورة اللازمة لتقوية التكاتف الاجتماعي

(1)

انظر: فوضى الحداثة: ص 192 - 195 والموسوعة السياسية 2/ 1298.

(2)

و

(3)

انظر الأدب ومذاهبه د/ محمد مندور ص 14.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 25 - 31، وفيها تحدث بإعجاب عن الرومان والإنياذة لفرجيل، ثم عن الإلياذة والأودسا في الغرب، والهابراتا والرامايان في الهند، والشاهنامة في فارس، ثم شرح عن الإلياذة وامتدح شاعريتها واعتذر عن التكرار الذي فيها، ثم تحدث عن الأدب الإغريقي باعتباره جذرًا للآداب الغربية المعاصرة.

(5)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 110.

ص: 767

والخروج من حال الضعف والتفكك والتخلف، وأيم اللَّه أن هذا القول من أعظم الكذب والمخادعة والتدليس، ومناقضة العقل والواقع والتاريخ، وإلَّا متى كانت الأساطير والوثنيات التي فرقت الإنسانية وشتت الإنسان وأبعدته عن طريق الخير، وأركسته في الضعف والتفكك والتخلف، متى كانت سببًا لنهضته ويقظته وسعادته؟.

وها هو التاريخ يشهد في كل صفحاته أن سقوط الإنسان وانحداره حصل منذ أن ارتمى في الوثنيات والأساطير، ثم ها هو الواقع اليوم يشهد على ذلك، ولكن الأعين العمي والبصائر المطموسة لا يُمكن لها أن ترى الحقائق ولو كانت مثل الشمس في ضحى النهار.

قال اللَّه تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)}

(1)

.

ويلخص إحسان عباس الاتجاه الأسطوري الذي امتطى الشعر العربي الحديث، ويذكر أسباب ذلك في لهجة تبريرية أقرب إلى الأسلوب الدعائي، وإن كان قد انتقد إدخال الأسطورة واستخدامها في غير موضعها، وهو نقد يتجه نحو كيفية الاستعمال وليس على المبدأ ذاته، ثم بين دلالات الأسطورة، فقال: (ويعد استغلال الأسطورة في الشعر العربي الحديث من أجرًا المواقف الثورية فيه، وأبعدها آثارًا حتى اليوم؛ لأن ذلك استعادة للرموز الوثنية واستخدام لها في التعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر، وهكذا ارتفعت الأسطورة إلى أعلى مقام، حتى إن التاريخ قد حول إلى لون من الأسطورة لتتم للأسطورة سيطرتها الكاملة، لماذا تم كل ذلك؟، ثَمّة أسباب كثيرة ربما كان في أولها -وإن لم يكن أقواها- التقليد للشعر الغربي الذي اتخذ الأسطورة منذ القديم سداه ولحمته، وأنَّه منذ دراسة جيمس فريزر في "الغصن الذهبي" للأسطورة، ومنذ دراسة فرويد ويونج لدورها في اللاوعي الإنساني، انهارت الحواجز التي كانت تقوم دون تقبلها

(1)

الآيتان 43، 44 من سورة الفرقان.

ص: 768

في الشعر العربي الحديث، أضف إلى ذلك كله أن للأسطورة جاذبية خاصة؛ لأنها تصل بين الإنسان والطبيعة وحركة الفصول وتناوب الخصب والجدب، وبذلك تكفل نوعًا من الشعور بالاستمرار، كما تعين على تصور واضح لحركة التطور في الحياة الإنسانية، وهي من ناحية فنية تسعف الشاعر على الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط العقل الظاهر، والربط بين الماضي والحاضر، والتوحيد بين التجربة الذاتية والتجربة الجماعية، وتنقذ القصيدة من الغنائية المحض

(1)

، وتفتح آفاقها لقبول ألوان عميقة من القوى المتصارعة والتنويع في أشكال التركيب والبناء.

لهذه الأسباب ولغيرها ذهب الشاعر الحديث -في توق محموم- يبحث عن الأسطورة، ويعتمدها أنى وجدها، لا يعنيه في ذلك أن تكون بابلية "عشتاروت تموز" أو مصرية "أوزوريس" أو حثية "أنيس" أو فينيقية "أدونيس، فينيق" أو يونانيَّة "أورفيوس، برمثيوس، عولس، أودميس، ايكار، سيزيف، اوديب. . . إلخ" أو مسيحية "المسيح، لعازر، يوحنا المعمدان"

(2)

بل إنه ذهب إلى بعض حكايات الجاهلية ورموزها الوثنية (زرقاء اليمامة، اللات)، وعامل القصص الإسلامية على المستوى نفسه مثل قصة الخضر

(3)

وحديث الإسراء

(4)

، والمهدي المنتظر (4)(صاحب الزمان) واتخذ من كل ذلك رموزًا في شعره،

(1)

هكذا والصواب المحضة أو الغنائي المحض.

(2)

لاحظ هنا كيف أدخل شخصيتي عيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام في الأساطير النصرانية، أي أنهما لا حقيقة لهما بل هما أساطير، وهذا تكذيب صريح لما ثبت في الكتب السماوية السابقة، وما ثبت في الكتاب الخاتم المهيمن القرآن العظيم، ومن الغريب أنه ذكر الحقائق أساطير، ولم يذكر الأساطير الحقيقية مثل الصلب والفداء والخطيئة والتكفير والخلاص وغير ذلك، فهل هذا مقصود أم مجرد جهل؟ ستأتي إجابة ذلك في الفصل الخاص بالنبوات إن شاء اللَّه.

(3)

و

(4)

لاحظ أيضًا كيف ساق هذه مساق الأسطورة وإن لم يصرح بذلك كما صرح في شأن المسيح ويحيى عليهما السلام، غير أنه يبين أن الحداثي العربي عامل القصص الإسلامية -هكذا سماها- معاملة الأسطورة، مع العلم أن الخضر عليه الصلاة والسلام حقيقة وكذلك حادثة الإسراء والمعراج، وكذلك المهدي المنتظر الذي خلط في تعريفه بين تسمية أهل السنة للمهدي، وتسمية الشيعة لمهديهم وصاحب الزمان، المعصوم =

ص: 769

تقوى أو تضعف بحسب الحال، وبحسب قدرته الشعرية، وحين اضطر إلى مزيد من التنويع ذهب إلى خلق الأقنعة والمرايا، والاستعانة بالأدب الشعبي. . . .

ومن الإنصاف أن نقول: أن الشعراء يختلفون في مقدار شغفهم بالأسطورة فبعضهم يكثر منها مثل السياب، وبعضهم قليل الالتفات إليها مثل محمود درويش، وأن شعراء العراق ولبنان -على وجه العموم- لايجدون غضاضة في تطلبها من أي مصدر، بينما شعراء مصر -مثلًا- يتحفظون تجاه بعضها ويقبلون على بعضها الآخر. . .، ومع أن هذا الاندفاع نحو الأسطورة المستعارة كان ذا نتائج إيجابية

(1)

، فقد علقت به بعض النتائج السلبية: إذ أخذت الأساطير أحيانًا وأقسرت على الدخول في بناء القصيدة، دون تمثل لها ولأبعادها، فوضح أنها دخيلة قلقة في موضعها

(2)

. . . .

بل لعلي لا أتجنى حين أقول إن الشاعر الحديث قد اقتصر في استعمال هذه الرموز -رغم كثرتها- على دلالات محدودة، مما وسم الشعر بطابع التقارب والتكرار، وأهم هذه الدلالات ثلاث:

1 -

التعبير عن القلق الروحي والمادي باستغلال رمز الجواب، وفي هذا المجال استخدمت رموز عولس والسندباد وأورفيوس وإيكار. . .، وقد أضاف البياتي إلى الجوابين "عائشة" وهو رمز أوجده أدونيس ثم تخلى عنه "لتقوم مقام الخضر الخالد. . .

2 -

التعبير عن البعث والتجدد، ومن الرموز الصالحة لذلك تموز أو

= عندهم، والذي هو في الحقيقة معدوم لا وجود له كما قرر ذلك وأوضحه بعض علماء الشيعة منهم أحمد الكاتب في كتابه تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه: ص 111 - 237 طبعة دار الشورى للدراسات والإعلام الطبعة الأولى عام 1997، وكتاب كسر الصنم لآية اللَّه أبو الفضل البرقعي: ص 247 - 258 طبعة دار البيارق الأردن عام 1419 هـ، وكتاب التشيع والشيعة للشيخ أحمد مير قاسم بن مير أحمد الكسروي: ص 77 - ص 87 طبعة عام 1409 هـ.

(1)

لاحظ المدح والإشادة بالاتجاه الأسطوري.

(2)

هذا نقد للاستعمال وليس نقدًا للمبدأ والاتجاه الذي يقربه ويمتدحه كما سبق بيانه.

ص: 770

أدونيس ولعازر والمسيح وأوزوريس وفينيق. . .

3 -

التعبير عن العذاب والآلام التي يواجهها الإنسان المعاصر، وهنا تعود رموز المسيح وبرمثيوس وسيزيف إلى الظهور.

وقد كان السياب بحكم موقعه الزمني، شديد البحث عن الرمز لا يهدأ له بال، وكانت حاجته إلى الرموز قوية بسبب نشوبه في أزمات وتقلبات نفسية وجسمية، وبسبب التغيرات العنيفة في المسرح السياسي بالعراق

(1)

حينئذ، ولهذا يصلح أن يكون السياب نموذجًا للشاعر الذي يطلب الرمز في قلق من يبحث عن مهدئ لأعصابه المستوفزة، فهو يتصيده حيثما وجده

(2)

، وقد تأثر كثيرًا بذلك الفصل الذي ترجمه الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا من كتاب "الغصن الذهبي" عن البطل الأسطوري "أدونيس"، وبهذا يكون السياب قد فتح المجال بعده لمن شاء أن يستخدم الرموز، وإن تجاوز، بعضهم في القدرة على الاختيار وفي طريقة الاستخدام، على أن السياب نفسه قد تطور كثيرًا في كيفية استغلال الأساطير والرموز، ابتداءً من اتخاذها نماذج موضحة "كما في قصة يأجوج ومأجوج

(3)

في قصيدة الموسى العمياء")

(4)

.

وفي هذا النص المنقول كفاية عن نقل نصوص أخرى من نقاد حداثيين عنوا بدراسة ظاهرة الأسطورة والوثنيات في الأدب العربي الحديث، من نشأتها في الغرب إلى استيرادها في بلاد العرب وأبعاد ذلك، مع ذكر أمثلة وتحليلات وشروحات، يظهر في أكثرها -إن لم أقل كلها- الإشارة والتبجيل لهذا الاتجاه

(1)

لاحظ أن هذه الأسباب تبريرية بحتة، ولم يذكر فيها الانحراف الاعتقادي الذي قاد السياب وغيره من الشعراء والنقاد إلى الولوع بالوثنيات والأساطير، وسبب ذلك أن إحسان عباس نفسه في داخل مدار الانحرافات الاعتقادية الحداثية.

(2)

كالمستجير من الرمضاء بالنار، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور.

(3)

يأجوج ومأجوج حقيقة ثابتة وليست أسطورة، والقول بأنها أسطورة تكذيب بالقرآن وكفر بواح، وقد تكرر من هذا الكاتب جعل الحقائق الثابتة في الوحي المعصوم أساطير، وقد سبق التعليق عليها مثل المسيح ويحيى والخضر عليهم السلام والإسراء والمعراج والمهدي المنتظر.

(4)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر لإحسان عباس: ص 128 - 130.

ص: 771

والفحص عن معاني الرموز الوثنية عند شعراء الحداثة ومغازي كلامهم وإشاراتهم والأسماء الوثنية التي استعملوها في ثنايا نصوصهم

(1)

.

وإذا انتقلنا من جانب الدراسات النقدية والتنظيرية لكتاب ونقاد الحداثة، إلى جانب الشواهد والأمثلة المنتشرة في ما يسمونه الأعمال الإبداعية، فإننا سوف نجد بحرًا من الرموز والأساطير والوثنيات الجاهلية من شتى العصور ومن مختلف الأمم، ويكفي في رواج هذه الظاهرة أن تلامذة وأتباع الخال قد قرأوا واتبعوا ما قرره في موازين التقدم والتخلف حيث كان (. . . يرى أن اختناق العقل العربي قد ترافق مع سيطرة التراث الهندي ومنه

(1)

انظر: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر د/ عبد الحميد جيدة مبحث من الفصل الثاني بعنوان (الاسطورة في الشعر العربي المعاصر): ص 230 - 250، وفيه دراسة مديحية لشعراء الحداثة الذين استخدموا الأسطورة بكثرة. وانظر: الحداثة في الشعر العربي المعاصر، بيانها ومظاهرها د/ محمد حمود: ص 135 - 103 فصل بعنوان (الأسطورة في الشعر العربي الحديث)، وفيه ذكر معنى الأسطورة ونشأتها في الغرب والذين حاربوها من الغربيين والذين أيدوها ونشروها، ثم العرب وتأثرهم بها وإقبالهم عليها، وتأثير أليوت وقصيدة الأرض اليباب، وبعض الدراسة لنماذج من الوثنيات والأساطير التي أخذها أدباء الحداثة.

- وانظر: نقد الحداثة د/ حامد أبو أحمد: ص 120 - 126، وفيه عن الأسطورة في الشعر العربي والتموزية، وتأثير اليوت والأرض اليباب له على العرب.

- وانظر: قضايا وشهادات 2 صيف 1990 م/ 1410 هـ: ص 255 - 256، وفيه يثبت الكاتب محمد جمال باروت أن الخال يرى جمود العرب بسبب تركهم التراث الإغريقي الروماني النصراني!!.

- وانظر: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية د/ عز الدين إسماعيل: ص 195 - 237، وفيه فصلان عن الأسطورة بعنوان:(المنهج الأسطوري في الشعر المعاصر) وفصل (الرمز والأسطورة) أوضح فيه أصول استخدام الأسطورة في الشعر العربي.

- وانظر: الأساطير لأحمد كمال زكي.

- وانظر: الأسطورة للدكتور: ك. ك. راثفين، ترجمة: صادق جعفر الخليلي.

- وانظر: دراسات في نقد الشعر لإلياس خوري 217 وما بعدها.

- وانظر: أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي الحديث لريتا عوض.

- وانظر: الأسطورة في الشعر المعاصر لأسعد مرزوق.

- وانظر: الحداثة عبر التاريخ مدخل لنظرية لحنا عبود: ص 55، 57 - 69.

ص: 772

الفارسي، بدل التراث الإغريقي - الروماني - المسيحي على الحياة العربية، فإذا بالعرب يروحون في سبات مظلم عميق يستمر ألفًا من السنين) وبمعنى آخر يرى الخال أن العقل العربي في جوهره عقل "إغريقي - غربي" وهو يذكرنا هنا بطه حسين إذ أنه عقل متوسطي تكونت روابطه الأولى مع العالم الإغريقي - الغربي منذ مراجعه في فينيقيا وما بين النهرين "الهلال الخصيب"، ويعني ذلك في المحصلة أن الاندماج بـ "العالم الحديث" الذي هو نتاج العقلية الإغريقية - الأوربية ليس سوى عودة إلى جذور العقل العربي المتوسطي وينابيعه الأولى المرتبطة بهذه العقلية، وبذلك يبدو الاندماج بـ "الغرب" وكأنه استكشاف لـ "الهوية القومية - الحضارية" نفسها، فالعقل العربي في اندماجه بالغرب يستعيد منه ما كان قد أعطاه له، ويعود ذلك بالنسبة للخال إلى أن هذا العقل متوسطي أي إغريقي المعرفة، وتبدو طريقة تفكير الخال هنا قريبة جدًا من طريقة تفكير طه حسين في "مستقبل الثقافة")

(1)

.

من هذا التنظر وذاك وأشباههما تهاوى مبدعو الحداثة نحو الغرب في ضمأ لاهث وتلهف قاتل فأخذوا وقموا كل ما عندهم في محاكاة عمياء واستيراد أخرق، واستعارة جوفاء، ونسخ بليد لكل ما هنالك من أفكار وعقائد ورموز وجاهليات.

وقد عمل أحد الكتاب البنيويين دراسة إحصائية لديوان أنشودة المطر للسياب، الذي فاز بجائزة مجلة شعر عام 1379 هـ/ 1960 م، فوجد أنه قد استعمل رمز تموز سبع عشرة مرة، ورمز المسيح عشرين مرة، ورمز عشتار سبع عشرة مرة، والصليب إحدى وثلاثين مرة، وأدونيس ثلاث مرات، وآتيس مرتين

(2)

.

(1)

قضايا وشهادات 2/ 256. وانظر الحداثة الأولى: ص 131 - 133، وانظر: قضايا وشهادات 3/ 73، وانظر: رأيهم في الإسلام: ص 25، 26، 62، وانظر: أسئلة الشعر: ص 153، يذكر فيه سبب انصرافه فيه إلى رموز وأساطير ما قبل التاريخ العربي.

(2)

انظر: الموضوعية البنيوية د/ عبد الكريم حسن، الجداول الملحقة في آخر الكتاب.

ص: 773

وليست القضية مجرد ذكر وإحصاء أسماء الرموز وأسماء الأوثان، بل القضية أنه يضمن هذه الرموز من المعاني والدلالات الشيء الهائل الكبير، وفق ما سبق نقله من مراداتهم في استخدام هذه الرموز.

يقول السياب عن عشتار:

(عشتار، أم الخصب، والحب والإحسان، تلك الربة الوالهة)

(1)

.

وينادي تموز بوصف الربوبية قائلًا:

(يارب، تمثالك

فلتسق كل العراق

فلتسق فلاحيك، عمالك)

(2)

.

فلم يبق تموز مجرد رمز وثني قديم بل هو عند السياب رب يدعوه في تأله وتضرع بأن يسقي العراق وفلاحيه وعماله، ثم يناديه مرة أخرى بوصف الربوبية أن يسمع دعاء الرفاق وأن يرعى الفلاحين والعمال والأطفال:

(يارب تمثالك

فاسمع صلاة الرفاق

ولترع فلاحيك، عمالك

تمثالك البعل

تمثالك الطفل

تمثالك العذراء)

(3)

.

وفي موضع آخر يصف تموز بالألوهية قائلًا:

(1)

ديوان السياب: ص 383.

(2)

المصدر السابق: ص 435.

(3)

ديوان السياب: ص 436.

ص: 774

(ليعو سر بروس في الدروب

وينبش التراب عن إلهنا الدفين

تموزنا الطعين. . .

إلهنا الفتي، لو يبرعم الحقول

لو ينثر البيادر النضار في السهول

لو ينتضي الحسام، لو يفجر الرعود والبروق والمطر

ويطلق السيول من يديه، آه لو يؤوب!)

(1)

.

وفي المقطع نفسه، يصف عشتار بأنها ربة تتصرف وتفعل ما تريد:

(عشتار ربة الشمال والجنوب

تسير في السهول والوهاد

تسير في الدروب

تلتقط منها لحم تموز إذا انتثر

تلمه في سلة كأنه الثمر)

(2)

.

وبنظرة سريعة في ديوان السياب يُمكن أن يتوصل القارئ إلى أن السياب كان يكتب بأحرف وكلمات عربية أفكارًا وعقائد يونانية وفينيقية وأساطير ووثنيات من الإغريق حتى الصين

(3)

، وقد حشر الأسماء الوثنية في

(1)

المصدر السابق: ص 483.

(2)

المصدر السابق: ص 485.

(3)

انظر: في ديوانه ذكر عشتار أو عشتروت في الصفحات: ص 121، 327، 383، 410، 437، 469، 473، 486، 488، 627، وذكر تموز في: ص 271، 311، 325، 362، 410، 430، 483، 486، 627، وذكر أدونيس في: ص 362، 465، وعوليس أو أوديسيوس بطل الاوذيسة اليونانية: ص 119، وأنيسيس بطل إلياذة فرجيل: ص 241، ويرسفون: ص 131، وارفيوس: ص 145، وزيوس: ص 184، وهومير: ص 407، وأولمب: ص 429، وغينميدا: ص 430، وميدوز: ص 409، =

ص: 775

سياق قصائده حشرًا يدل على مقدار ما بلغ به محاولة إثبات العالمية والتواصل مع الغرب، وتأكيد العصرية، لنيل مراتب المديح والشرف من الغربيين وعملائهم في المنطقة.

وقد تحدث إحسان عباس عن استعمال السياب للرموز الوثنية من تموز وغيره، وتبريرات السياب لذلك، وخاصة فيما يتعلق بالهوية التي يحتويها إطلاق هذه الرموز والتحدث بها، في مقابل الرموز الإسلامية، أو حتى العربية الجاهلية، ولذلك حاول أن يسمى الأوثان البابلية والفينيقية تسمية عربية، ليسترضي القوميين، ويبرأ من تهمة اقتلاع العرب وربطهم بغيرهم، فقال -في معرض دفاعه- بأن عتشار هي العزى، واللاتو هي اللات وتموز هو ود، إلى آخر ما هناك من اعتذارية باهتة.

ثم ذكر المؤلف الحوافز التي جعلته يتعلق بهذه الأسماء والرموز، ومنها ميله إلى المراضاة والتلون الحربائي في الفكر والعقيدة حسب الجو الذي يعيش فيه، فهو لما انفصل عن الشيوعيين والتحق بالقومية فكرًا، ثم التصق بمجموعة شعر ذات الفكر الفينيقي النصراني، تلون معهم باللون نفسه وانغمس في الرموز الوثنية، إلى حد أنه يأتي بأسطر مفتعلة ليس فيها إلا مقارنات ذهنية ومبالغات ممجوجة وتعبيرات نابية

(1)

.

وكتب أحد الحداثيين مقدمة طويلة لديوان السياب ذكر فيها استخدام الرموز الوثنية، وأسباب ذلك، مع شرح مسهب وتبريرات مطولة لتسويغ استخدام الأساطير والوثنيات في صيغة جاهلية يتظاهر صاحبها بالعلم والمعرفة، ولكن الأوثان وسدنتها وأتباعها في تباب وضلال وسخف في العقول وتردٍ في المفاهيم

(2)

.

= ولسبوس وسافو ونرسيس وتنتلوس: ص 192 - 193، وهرقل: ص 405، والسيرين: ص 273، وبعل وسيزيف: ص 325، 391، وأوديب وأمه جوكست: ص 511، وافروديت: ص 514، وفاوست وهيلين: ص 515، وأبولو: ص 516، وأسطورة صينية: ص 355.

(1)

انظر: كتاب بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره لإحسان عباس: ص 303 - 321.

(2)

انظر: مقدمة ديوان البياتي التي كتبها ناجي علوش (ن ن) و (ج ج ج) إلى (هـ هـ هـ).

ص: 776

أما نازك الملائكة فقد فعلت فعل السياب ولكن من غير إغراق ولا مبالغة، بيد أن المضامين الاعتقادية للرموز الوثنية واضحة في شعرها، ومن ذلك قصيدتها بعنوان "صلاة إلى بلاوتس إله الذهب"

(1)

وقصيدتها الأخرى بعنوان "صلاة الأشباح"

(2)

تتحدث فيه عن بوذا والمعبد البوذي والبراهمة، وتخاطب بوذا، وتصفه بإجلال واحترام

(3)

.

أمّا الشيوعي العراقي وأحد ناقلي ومروجي الحداثة في بلاد العرب "عبد الوهاب البياتي" فإنه مثل السياب في إغراقه ومبالغته وإكثاره من ذكر الآلهة الوثنية مع الإيمان بها وإجلالها ونسبة الإحياء والعبث والنهضة والتقدم إليها، مع نسبة كثير من الأعمال الإرادية إليها، فهي عنده تقول وتسير وتبكي وتندم وتضحك، وغير ذلك من الأوصاف التي التقطها مع ما التقط من انحرافات وضلالات الغرب.

وسوف أوردها هنا نَماذج من أقوال الوثنية، يقول تحت عنوان العودة من بابل:

(بابل تحت قدم الزمان

تنتظر البعث، فيا عشتار

قومي، املئ الجرار. . .)

(4)

.

وفي مقطع بعنوان "قصائد حب إلى عشتار" خطاب وثني وتمنيات وثنية وتمجيد وتقديس لعشتار إله الخصب عند الفينيقيين، وجعل الأنثى

(1)

ديوان نازك الملائكة 1/ 326.

(2)

المصدر السابق 2/ 389 - 397.

(3)

انظر: أمثلة على الرموز وأسماء الآلهة الوثنية في شعر نازك في ديوانها 1/ 333 ذكرت الأولمب، وفي 1/ 335، 338، ميداس، وفي 1/ 350 أغنية تاييس، وذكرت في الجزء الثاني من أوله إلى: ص 197 مجموعة من أسماء الآلهة والرموز الوثنية ثم شرحت وترجمت لهذه الآلهة في 197 - 199 وهي ديانا ونارسيس، وأبولو، ولا برنث وهيا واثا.

(4)

ديوان البياتي 2/ 78.

ص: 777

"عشتار" ملاكًا، وأضفى عليها صفات الإنبات والإحياء، وجعلها رمزًا للتقدم والتطلع والانبعاث الجديد، وكأني بأي أديب أو ناقد غربي يقرأ هذه المقطوعة وأشباهها يقول هذه بضاعتنا ردت إلينا.

يقول البياتي:

(. . . بين نهديها الصغيرين، وفي أحشائها رعشة بركان يثور

حيث تنشق البذور

ترضع الدفء من الأعماق تمتد جذور

لتعيد الدم للنبع وماء النهر للبحر الكبير

والفراشات إلى حقل الورود

فمتى عشتار مع العصفور والنور تعود؟)

(1)

.

ثم يصف تجوله وبحثه عن عشتار أو عن الحقيقة، في عصور القتل والإرهاب والسحر، وهي العصور الأولى ومنها عصر الإسلام بل حتى عصر النبوات الأولى، ثم عصر موت الآلهة، وهو نموذج من خلفياته الوثنية اليونانية والفينيقية القائمة على أن الآلهة تأكل وتنام وتزني وتموت، وغير ذلك.

ثم يشير إلى الإسلام بصراحة في عبارة "قبلت قبور الأولياء"، ثم يتجه نحو السماء وهي رمز للربوبية والألوهية، فيذكر أنه سأل ودعا، ولكن السماء -ويريد بها اللَّه تعالى وتقدس- أمطرته بعد ألف دعاء وصلاة جمودًا يتمثل في الثلج، ودمارًا يتمثل في الدماء، وجهلًا وتخلفًا يتمثل في النبوات والملائكة المرموز لها بقوله:"ودمى عمياء من طين، وأشباح نساء" ثم يسأل "متى تنهل كالنجمة عشتار؟ " متى تأتي لتنقذه من الدين ومن السماء ومن النبوات؛ لأن عشتار عنده بمثابة ملَكُ الحب وفي يدها الإنقاذ والرحمة والحياة الهانئة!!، وهذا بعض ما كان يعتقده الكفار الأوائل في آلهتهم،

(1)

ديوان البياتي 2/ 205.

ص: 778

فإنهم قالوا عن عبادتهم للأوثان: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}

(1)

، أمّا البياتي فإنه يدعو عشتار لتنقيذه من السماء وتخلصه من الدين وتبعده عن كل ما له علاقة به يقول البياتي مخاطبًا عشتار:

(وتمزقت وناديتك باسم الكلملة

باحثًا عن وجهك الحلو الصغير

في عصور القتل والإرهاب وموت الآلهة

وتمنيتك في موتي وفي بعثي وقبلت قبور الأولياء

وتراب العاشق الأعظم في أعياد موت الفقراء

ضارعًا اسأل، لكن السماء

مطرت بعد صلاتي الألف ثلجًا ودماء

ودمى عمياء من طين وأشباح نساء

لم يرين الفجر في قلبي، ولا الليل على وجهي بكاء

فمتى تنهل كالنجمة عشتار وتأتي مثلما أقبل في ذات مساء

ملك الحب لكي يتلو على الميت سفر الجامعة

ويغطي بيد الرحمة وجهي وحياتي الفاجعة)

(2)

.

ولو بحث أحد عن نموذج للعبادة الوثنية والارتماء الوثني لما ظفر بأكثر من هذا القول الدال دلالة واضحة على أن استخدامهم للأوثان ليس مجرد رموز لها دلالات نهضة وإحياء -على ما في هذا المعنى من انحراف- بل هي طقوس عبادة، ومراسيم ولاء كامل، في مقابل عقيدة التوحيد بصورة مباشرة وعبارة واضحة.

(1)

الآية 3 من سورة الزمر.

(2)

ديوان البياتي 2/ 206.

ص: 779

ثم ينتقل البياتي ليصف مقدار الوجد الوثني الذي وصل إليه عندما آمن بعشتار، في عبارات صوفية وثنية، يذكر أن روحه ذاقت حلو النبيذ، واستطعمت الروابي الخضراء والمطاط والزنجبيل، واستروحت رائحة الورد، بل يؤكد أنه رأى اللَّه بعينيه -تعالى اللَّه وتقدس- حينما تعرف على عشتار، وهذا يتضمن إحدى معاني: إما أنه يريد أنه أيقن إثر إيمانه بعشتار أن اللَّه غير موجود فعبر عن ذلك بأنه رأى اللَّه ولم يملك على الرؤيا دليل، وهذا يتضمن الجحد والإنكار.

وإما أنه يريد أن عشتار تحولت عنده وصارت هي اللَّه، تعالى ربنا وتقدس، وهي معاني متقاربة في اللفظ والهذر الوثني، وثمار مرة تتساقط من أشجار أرتوت بمشتقات الوثنية، ونمت على ظفاف المقاهي والبارات والملاهي، ثم جيء بها لتتكاثر وتشيع في حياتنا بأساليب غريبة وطرائق عجيبة، في زي أستاذ أو مفكر أو أديب أو شاعر أو أديب أو كاتب أو فنان أو ناقد أو إعلامي إلى غير ذلك مما يرى ويسمع في منتديات ومجامع ذات فحيح وجعجعة:

(دعهم، فكم قُطعت رقابهم

جدعًا، ولم يشعروا ولا أبهوا

قد مزجوا بالنفاق فامتزجُوا

والتبسوا في العيان واشتبهوا

وما لأقوالهم إذا كشفت

حقائق بل جميعها شبه)

(1)

يقول البياتي في وصف غرامه الصوفي الوثني بعشتار:

(من ترى ذاق فجاعت روحه حلو النبيذ

وروابي القارة الخضراء والمطاط والعاج وطعم الزنجبيل

وعبير الورد في نار الأصيل

ورأى اللَّه بعينيه، ولم يملك على الرؤيا دليل

(1)

لزوم ما لا يلزم للمعري 2/ 608.

ص: 780

فأنا في النوم واليقظة من هذا وذاك

ذقت لما هبطت عشتار في الأرض ملاك)

(1)

.

ثم يسترسل البياتي في الدعوة إلى الوثن عشتار فيضفي عليها صفات تحريك الزمان وتجديد الأوان وبعث الحياة:

(فلماذا عقرب الساعة دار

عندما ألقت على الجائع عشتار الثمار)

(2)

.

ثم يواصل ولوغه في آنية الوثنية قائلًا:

(لون عينيك وميض البرق في أسوار بابل

ومرايا ومشاعل

وشعوب وقبائل

غزت العالم لما كشفت بابل أسرار النجوم

عالم السطوة والإرهاب باسم الكلمة

وغزت أرض الأساطير وشطآن العصور المظلمة)

(3)

.

وفي دروب الأوهام والخرافة وشعاب الجهل والردة يخاطب البياتي معبودته، المقدسة عنده، بخطاب تمجيد وتقديس، ويهرف بما يخطر على عقله الصنمي، وفؤاده الجاهلي واصفًا إياها بالطفلة، تحببًا ورمزًا للحياة الفتية، وصدق اللَّه العظيم:{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ. . .}

(4)

.

ثم يصفها بأنها ولدت من نار الشموس الخالدة، وكفاه غيًا أن تكون معبودته أنثى مولودة! لكن هواه الوثني يأبى عليه أن يتوقف عند كونها

(1)

ديوان البياتي 2/ 208.

(2)

و

(3)

المصدر السابق 2/ 209.

(4)

الآيتان 117، 118 من سورة النساء.

ص: 781

مولودة فيصفها بالخلود حتى لو ماتت فإنها تبعث من جديد وتعود للظهور، ولا يدري العاقل كيف يفكر هؤلاء؟ لكنها العقلية الجاهلية منذ القدم، عقلية بليدة راكدة، وقد كان كفار الجاهلية العرب يصنع أحدهم إلهًا له من التمر فإذا جاع أكله، وها هم أولاء يعودون من جديد بالعقلية نفسها وبالجهل الضارب نفسه، قال اللَّه تعالى واصفًا هؤلاء قديمهم وحديثهم:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)}

(1)

.

وها نحن نرى من يبجل الوثن، ويطلق زمزماته التقديسية، لكن تحت شعارات التفلسف والتأدب، حيث لا فلسفة ولا عقل ولا أدب وإنَّما جاهلية عارية صلعاء، يقول البياتي عن معبودته عشتار:

(طفلة أنت وأنثى واعدة

ولد من زبد البحر ومن نار الشموس الخالدة

كلما ماتت بعصر بعثت

قامت من الموت وعادت للظهور

أنت عنقاء الحضارات

وأنثى سارق النيران في كل العصور)

(2)

.

إن البياتي الرائد الحداثي والقدوة، والمعلم للأجيال الحداثية اللاحقة، ينحني بخضوع وذلة أمام الرموز الوثنية، ويتقلب في عرصاتها ذات اليمين وذات الشمال، وما من وثن يبرز في كلام أساتذته الغربيين أو الشرقيين إلّا جرى لاهثًا خلفه يؤدي مراسيم العبادة أمام ما يسميه كعبة الشعر في قوله:(إذا كان البعض يحج إلى كعبته كل عام فأنا أحج إلى كعبتي في كل كلمة أكتبها)

(3)

.

(1)

الآية 22 من سورة الأنفال.

(2)

ديوان البياتي: ص 209.

(3)

تجربتي الشعرية: ص 11.

ص: 782

وتتبع الأوثان والأصنام التي فتن بها البياتي أمر يطول، غير أنه يُمكن تسمية أظهرها عنده، ولا شك أن عشتار قد أخذت النصب الأوفر من عقيدته في الأوثان ونافست غيرها

(1)

، ثم يأتي تموز

(2)

، وقد مر معنا قول باروت أن البياتي ورث الشعراء التموزيين بعد انهيار حركة شعر.

ومن الأسماء الوثنية والرموز والأماكن المرتبطة بالوثنيين عنده: سبارتاكوس

(3)

ومامون

(4)

وبوذا وهوميروس وأفيوس ونينوى وطيبه وبابل

(5)

وأوليس وممفيس

(6)

وأوفيليا

(7)

والأولمب وآمون

(8)

وإرم العماد

(9)

، وأرفيوس وآشور

(10)

، وحتى نار المجوس امتدحها باعتبارها رمز الحقيقة المستمرة

(11)

، ويتحدث عن زرادشت بانبهار، ويرمز به إلى الرفض والتمرد والإصرار، وكأنه يريد بذلك وصف نفسه

(12)

، ويمتدح رفاقه الشيوعيين بأنهم مجوس هذا العصر

(13)

، وله مقطع بعنوان "مرثية إلى أخناتون

(14)

"، وله اهتمام بآشور

(15)

، وفينوس وأرواد، وبانيبال، وأركاديا

(16)

، ولارا التي

(1)

انظر أمثلة ذكره لعشتار في ديوانه 1/ 220، 2/ 77، 115، 171، 202، 205 - 211، 259، 273، 281، 294، 309.

(2)

انظر أمثلة ذكره لتموز في ديوانه 2/ 78، 273، 274، 382.

(3)

انظر: ديوانه 1/ 235.

(4)

انظر: 1/ 151.

(5)

انظر كل هؤلاء في ديوانه 2/ 85، 93، 281.

(6)

انظر: 2/ 147.

(7)

انظر: 2/ 148.

(8)

انظر: 2/ 172، 383.

(9)

2/ 177، 180. وقد عدها هو وغيره من الحداثيين؛ من الأساطير، مع أنها حقيقة ثابتة وردت في القرآن العظيم.

(10)

2/ 203.

(11)

2/ 215، 309، 418.

(12)

انظر: 2/ 217.

(13)

2/ 251.

(14)

2/ 268.

(15)

2/ 271، 281.

(16)

انظر: 2/ 281.

ص: 783

ردد ذكرها مرات

(1)

، ومثلها الأقمار السبعة أو الكواكب السبعة التي تقول الأساطير الوثنية بأنها تؤثر في عالمنا الأرضي

(2)

، ولم ينس المعبد الإغريقي دلفي

(3)

ولا الفرعوني خوفو

(4)

، وأمَّا الخرافة اليونانية سارق النار برمثيوس، فقد هام به هيام الجاهلي بصنمه، إلى حد جعله يصف نفسه بسارق النار في قصيدته سيرة ذاتية لسارق النار

(5)

.

غير أن البياتي أراد أن يخترع له رمزًا خاصًا وصنمًا باسم عربي يضم معاني أحب الأصنام والأوثان إليه، فعمد في تخابث مقصود إلى اسم عائشة وجعل من هذا الاسم رمزًا للأوثان السابقة ولدلالالتها عنده وعند أشباهه من الحداثيين، وهذا الرمز "عائشة" رمز أوجده أدونيس ثم تخلى عنه، فأخذه البياتي

(6)

، وجعله اسمًا بديلًا للوثن عشتار الذي هام به، فأخذ ما تلقاه من كتب الأساطير عن عشتار وغيرها فوظفه باسم عائشة جاعلًا التجدد من خلال الموت أهم الخصائص، وفق عقيدته التي تلقاها عن الوثن أدونيس أو تموز.

يقول البياتي: (أمّا المرأة فهي رمز زمني وأبدي وأبوي، "عائشة" رمز زمني لأنها اسم امرأة من لحم ودم، ثم تطور هذا الرمز لهذه المرأة فأصبح أبديًا يمتد من عشتار سومر إلى عشتروت الفينيقية التي تحول اسمها إلى عائشة فيما بعده)

(7)

.

(وأن عائشة في "الذي يأتي ولا يأتي" و"الموت في الحياة" هي الرمر الذاتي والجماعي للحب الذي اتحد كل منهما بالآخر وحلا في نهاية الأمر

(1)

انظر ديوان البياتي 2/ 300 - 301، 302، 386.

(2)

2/ 281، 297، 322، 326، 388، 418.

(3)

2/ 382، 398.

(4)

2/ 454.

(5)

انظر: 2/ 331، 353، 362 - 363.

(6)

انظر: اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 129.

(7)

تجربتي الشعرية: ص 10.

ص: 784

في روح الوجود المتجدد وإنها -أي: عائشة- التي ظل يطاردها لورفيوس وديك الجن وأبو فراس، كما يطارد الأطفال فراشة. . . عائشة هذه ما هي إلا روح العالم المتجدد من خلال الموت: من أجل الثورة والحب. . .)

(1)

.

بيد أن أفصح وصف عن الاتجاه الوثني عند البياتي قوله عن نفسه: (يا أيها الوثني يا قلبي الحزين)

(2)

.

أما مجموعة شعر وخاصة أدونيس والخال فإن الوثنية عندهم أساس وتنظير، وقد انطوت نفوسهم المريضة على عشق الأوثان وتغلفت قلوبهم الغُلْف على الهيام بالأصنام، وقد سبق أن نقلنا من كلامهم ومما قيل عنهم ما يثبت ذلك.

بيد أنه لابد من الالتفات إلى شيء مهم يدلنا على فجاجة الحيلة الحداثية، وهشاشة التخفي خلف الرموز والغموض والتحديث والتحديد!!.

يقرر الباطني النصيري أدونيس في صدمة الحداثة أن النهضة لا تتم إلا بالقطيعة التامة مع السابق فكرًا وثقافة وحياة ومواقف وأدبًا ومعايير، وأن أي إشارة إلى التقليد أو الإحياء يعد تراجعًا، فيقوله:(إن مفهوم النهضة يرتبط، إذن ارتباطًا جذريًا بمفهوم التغير فحين نقول نهضة تعني بالضرورة انتقالًا من وضع سابق أو ماض، إلى وضع حاضر، مغاير، ونعني بالضرورة أن الوضع الجديد متقدم نوعيًا في حركته العامة على الوضع الماضي، لذلك لا يصح أن يكون في مفهوم النهضة مايُمكن أن يشير إلى "التقليد" أو "الإحياء"؛ لأن فيهما تراجعا أي تبنيًا لأشكال حياتية - ثقافية، نشأت في عصر مضى. . .)

(3)

.

ثم يقول: (. . . إن جوهر الإبداع هو في التباين لا في التماثل)

(4)

.

(1)

تجربتي الشعرية: ص 54.

(2)

ديوان البياتي 2/ 229.

(3)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 56.

(4)

المصدر السابق: ص 57.

ص: 785

وفي الكتاب نفسه ينادي بتقليد الغرب ويستنكر على الذين يأخذون التقنية ويرفضون الأفكار والفلسفات والإبداعات

(1)

، فإذا كان عنده لا يصح أن يكون في مفهوم النهضة ما يُمكن أن يشير إلى التقليد فلم ينادي بتقليد الغرب؟!.

إن الحقيقة خلف هذه المناداة أنه يريد فصل الأمة عن أصولها، عن الوحي وعن التراث وعن التاريخ باسم أن التقليد لا يوافق النهضة.

وهذا ما انشق به فؤاده وقذف به قلمه وفي الكتاب ذاته قرر أنه لا حرية للإنسان إلا بهدم الشريعة والغيبيات وما هو أعظم منها حيث قال متسترًا خلف صنوه وأستاذه جبران: (لا يستطيع الإنسان، كما يرى جبران في "المجنون" وفي نتاجه كله أن يصبح نفسه إلا إذا هدم كل ما يعادي حريته الكاملة وتفتحه المليء، وما يقف حاجزًا، دون طاقته الخلافة، وتتجسد هذه القوة المعادية، كما يرى جبران، فيما يسميه "الشريعة" بتنوعاتها وأشكالها السلطوية، الماورائية والاجتماعية "اللَّه" بالمفهوم التقليدي، الكاهن، الطاغية، الإقطاعي، الشرطي)

(2)

.

وفي موضع آخر لم يتستر خلف جبران ولا غيره ففاضت أفكاره الردية بهذا القول: (ولا حرية للعربي في هذا الضياع العام إلا حرية الخضوع للسلطة السائدة وايديولوجيتها: "نعم" لكل شيء تقوله أو تفعله السلطة، هي المعادل المدني الأرضي لـ "آمين" كلمة الخضوع لكل ما يأمر به اللَّه، ولا يفيد هنا تحرر العربي على الصعيد العام أو السياسي وحده، مع أنه لم يتحرر بعد، وإنَّما يجب أن تتحرر على الصعيد الخاص من القمع الخاص، فكل تحرير لايتناول العام والخاص معًا، في حياة الفرد العربي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاغتراب، إن التحرر السياسي بتعبير آخر إذا لم يرافقه تحرر من الايديولوجية

(3)

التقليدية، ليس تحررًا)

(4)

.

(1)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 238، 268.

(2)

المصدر السابق: ص 181.

(3)

المراد هنا العقيدة وما يتبعها من التزام.

(4)

المصدر السابق: ص 250.

ص: 786

هنا يتضح تمامًا أن المراد بكل هذه الزركشات اللفظية محاربة دين اللَّه، ونقض عرى الإسلام، وإبعاد الناس عنه تحت شعارات النهضة وعدم التقليد، والتحرر وغير ذلك، وفي النص الأول الذي نحن بصدده يذكر التقليد والإحياء باعتبارها عوائق للنهضة، غير أنه يسعى بكل جهده إلى إحياء الوثنيات اليونانية والفينيقية ويتهالك في هذا تهالكًا منقطع النظير، هذا مما يخص هذا المقام، وهناك الأحياء الباطني الذي امتلأت كتبه به وسوف يأتي ذكره لاحقًا إن شاء اللَّه.

ولقد فطن بعض كتاب الحداثة إلى هذه القضية الخطيرة في فكر وطروحات أدونيس، فقال:(قسم أدونيس التراث العربي إلى ثابت ومتحول، ونسب الثبات والاتباع إلى كل من كان عربي الأرومة، ونسب التحول والإبداع إلى كل من هو من أصول غير عربية، أو من أقلية دينية، أو طائفية، وهذه النتيجة التي يخرج بها المرء من قراءة كتابه الثابت والمتحول بأجزائه الثلاثة. . .)

(1)

.

إن أبرز عملية تقليد وإحياء عاشها ويعيشها الباطني على أحمد سعيد أسبر، هو التسمي بأدونيس والانتاج المتواصل تحت مظلة هذا الوثن خاصة، وغيره من الأوثان على وجه العموم.

إذا كانت النهضة لا تكون بالتقليد والإحياء، فما باله يحيى الأوثان الجاهلية ويعتنق مضامينها الفلسفية والاعتقادية ويذيعها وينشرها ويدعو إليها؟!!.

إن وراء هذه الدعاوى ما وراءها، وإلَّا فلماذا هذا التناقض العريان؟.

يقول في زمن الشعر: (ينبغي على الشاعر المعاصر، لكي يكون جديدًا حقًّا، أن يتخلص من كل شيء مسبق، ومن الآراء المشتركة جميعًا)

(2)

.

(1)

أفق الحداثة وحداثة النمط لسامي مهدي: ص 43.

(2)

زمن الشعر: ص 11. وانظر للمقارنة ما كتبه عنه سامي مهدي في أفق الحداثة: ص 191 في أن أدونيس ينتقد المحاكاة والاقتباس وهو يمارسها. وانظر: كتاب أدونيس منتحلًا.

ص: 787

والمخاطب هنا الشاعر العربي والمراد -بطبيعة الحال وظاهر المقال- التخلص من الإسلام؛ لأنه دعا في صدمة الحداثة إلى أخذ حضارة اليونان ومنطقهم وأكد أن لديهم معرفة حقيقية ليست في الوحي، وتطورًا في آلة التعبير ومضامينه ليست عند العرب، وأن العرب قد قصروا حين أخذوا بعض ما عند اليونان من علوم الآلة وتركوا المضمون

(1)

.

وقد استجاب أدونيس لدعوة أستاذه أنطون سعادة إلى الحج إلى مقام الآلهة السورية حين أكد أن على: (الأدباء الواعين أن يحجوا ويسيحوا إلى مقام الآلهة السورية، فيعودوا من سياحتهم حاملين إلينا أدبًا نكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين، تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور)

(2)

.

وانطلق أدونيس ابتداءً من تسمية نفسه بأدونيس إلى ما ملأ به كلامه من وثنيات وأساطير، ليكسب شرف وصف أستاذه سعادة ويكون من الأدباء الواعين، ولست هنا بصدد إحصاء كل ما ارتد إليه أدونيس من وثنيات وأساطير، ولكن أذكر ما علق به على مقطعين من ديوانه "وحدة اليأس" و"أرواد يا أميرة الوهم" قال:(اعتمد في أسلوب القصيدة، كما اعتمدت في قصيدة "وحدة اليأس" على الأسلوب الشعري القديم في قينيقيا وما بين النهرين. . . آمل في استخدام هذا الأسلوب من التعبير الشعري، أن أضع مع زملائي الشعراء الآخرين حجرة صغيرة في الجسر الذي يصلنا بجذورنا وبحاضر العالم)

(3)

.

وهكذا يكون الإحياء والتقليد الذين جعلهما أدونيس من نواقض النهضة.

(1)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 256 - 259.

(2)

الصراع الفكري في الأدب السوري لأنطون سعادة: ص 86.

(3)

الحداثة الأولى: ص 149.

ص: 788

بل كانت النهضة عنده ما قاله باروت عنه: (. . . يستعيد أدونيس نهضويًا، داخل النص نفسه قتال البعل للتنين والذي عده سعادة رمز النهضة القومية الاجتماعية، مثلما يستعيد ملحمة "البعل ومناة" التي أوردها أنطون سعادة في كتابه الصراع الفكري في الأدب السوري، ويستعيدها أدونيس بشكل إحيائي، ومقارب إلى حد بعيد لما أورده سعادة. . .

ويربط أدونيس إحياءه للذات الحضارية القومية بانبعاث "فينيق" من جديد، وعودة تاريخه ليدب في الحضور المعاصر)

(1)

.

هذه إحيائية أدونيس فإذا أضيف إليها إحياء العقائد الباطلة واعتناق للمباديء المادية الإلحادية، والدعوة الصريحة للكفر باللَّه في ربوبيته وألوهيته، وإنكار النبوات والرسل؛ جاء الخبر اليقين بأن أدونيس يدعو إلى ملة أخرى، ما هي هذه الملة؟، لا يعنينا الآن تشخيصها لكثرة ما لديه من أخلاط عقائد، وتراكيب أهواء.

بل الذي يعنينا أنه عدو للإسلام محارب له داع إلى هدمه ونقضه، ساع إلى التخريب الاعتقادي والثقافي والسلوكي بأي شكل من الإشكال.

ولو ذهبنا إلى تتبع بعض ما لديه في ديوانه من وثنيات، لوجدنا الكثير الكثير، وأول رمز وثني يحتل عنده المكانة العالية والمقام الكبير هو "فينيق" الذي غرق في تمجيده وإطرائه، ومن ذلك المقطع الذي سماه "ترتيلة البعث" وهي تسمية توحي بأن المستقبل الذي ينتظره ويسعى له سيكون على ضفاف هذه الربة الوثن التي قال فيها:

(فينيق يا فينيق

يا طائر الحنين والحريق

يا ريشة

سحابة وراءها الظلام والبريق

(1)

المصدر السابق: ص 151.

ص: 789

مسافر خطاك عمر زهرة

لفتتك انخطافة وناظراك منجم

مسافر زمانك الغد الذي خلقته

زمانك الغد الحضور السرمدي في الغد

لموعد

به نصير خالقًا به تصير طينةً. . .

فينيق ولتبدأ بك الحرائق

لتبدأ الشقائق

لتبدأ الحياة

فينيق يا رماد يا صلاة. . .

فينيق أنت من يرى ظلامنا

يحس كيف نمحّي

فينيق مت فدًى لنا

فينيق ولتبدأ بك الحرائق

لتبدأ الشقائق

لتبدأ الحياة

يا أنت، يا رماد يا صلاة. . .

فينيق خل بصري عليك، خل بصري

ألمح خلال نارك الغيب الذي يختبيء، الذي

يلف جرحنا

وألمح الركام والرمال والدجى

ص: 790

واللَّه في قماطه، اللَّه الذي تلبسه أيامنا

حرائقًا وغصصًا وجدرا

تلبسه ولا ترى. . .

فينيق سر مهجتي

وُحِّدي بي، وباسمه عرفت شكل حاضري

وباسمه أعيش نار حاضري. . .

وخلني لمرة أخيره

أحلم أن رئتي جمرة

يأخذني بخورها يطير بي

وخلني لمرة أخيرة

هاركبتي حنيتها

وها جلست خاشعًا

فخلني لمرة أخيرة أحلم يا فينيق

احتضن الحريق

أغيب في الحريق

فينيق يا فينيق)

(1)

.

في هذه الكلمات المليئة بالعبادة لهذا الوثن، يتضح مدى إحياء أدونيس وأتباعه للأوثان، وعبادتهم لها وانحناء الركب أمامها خشعًا، مع هجوم صريح وفاضح على دين الإسلام وعلى اللَّه العظيم -جلَّ وعلا-، في إلحاد مكشوف وسخرية صارخة باللَّه تعالى.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة 1/ 165 - 173.

ص: 791

كلمات فيها التخلي الكامل عن هذه الأمة وتراثها وأصالتها، مع انتماء كامل وارتماء تام في أحضان الفينيقية الوثنية.

وهذا الذي نقلناه هو بعض ما قاله عن فينيق

(1)

من ثناء وتبجيل وتقديس، أما أقواله الأخرى عن الأوثان والرموز الوثنية فمنها عشتار

(2)

، وأرفيوس مع الوثن أدونيس

(3)

، وتموز عنده كالإله

(4)

وأوديس

(5)

وسيزيف

(6)

وإيكار

(7)

، وبابل ووأثانها التي يعتبرها دربًا وإلهامًا وبداية تقدم، وينادي بإحيائها

(8)

.

وله مع العرافات والكاهنات صلة

(9)

، لكن المجوس ونارهم قد أخذت من اعتباره واحترامه وآماله وعباداته شيئًا كثيرًا، حيث جعل نار المجوس رمزًا للأبدية والاستمرار، ووصف نفسه بها بأنه ممتليء بالنار وأنه شاعر يعبد ناره، ويثني على المجوس وبيت نارهم، ويشير إلى قداسة هذه النار وغير ذلك من الأقوال التي تدل على مذهبه الخبيث، وعقائده الملونة من كل ملة وفرقة

(10)

.

أما الخال فله في هذا الباب أوسع المجال، وكلامه في التنظير للاتجاه الوثني والأسطوري سبق نقل جمل منه، أما في تطبيقه الشعري فإن ديوانه مترع بالرموز والأساطير والوثنيات، وهذه بعض أمثلة على ذلك، أول مقدمة

(1)

انظر المزيد في: المصدر السابق 1/ 157، 159، 396.

(2)

انظر: المصدر السابق 1/ 97، 113.

(3)

انظر: المصدر السابق 1/ 556، 298، 2/ 194.

(4)

انظر: المصدر السابق 1/ 170 - 171.

(5)

انظر: المصدر السابق 1/ 314، 316، 323.

(6)

انظر: المصدر السابق 1/ 257، 348.

(7)

انظر: المصدر السابق 1/ 448.

(8)

انظر: المصدر السابق 1/ 350، 353، 359، 364، 366.

(9)

انظر: المصدر السابق 1/ 85، 86، 101.

(10)

انظر أقواله عن المجوس ونارهم في: المصدر السابق 1/ 40، 83، 73، 254، 285، 365، 402، 442، 2/ 31، 103، 161، 413.

ص: 792

لديوانه جعلها من كلام هومر في الأوديسة

(1)

، وذكر الأولمب على أنها الحرية والعدل والخير

(2)

وتموز هو البعث، النجاة من القحط

(3)

، ثم الامتداح لعشتروت وأدونيس وبعل

(4)

، وينادي بعودة أوديس

(5)

، وآشور بابل

(6)

، وكما فعل البياتي وأدونيس في ثنائهم على المجوس فعل الخال فعلهم

(7)

، ومن المدن المرتبطة عنده بالأساطير والوثنيات: نينوى

(8)

وأثينا هي فتح الفكر

(9)

، وبابل أرض الحضارات

(10)

.

أمّا جبرا المنظر والزعيم للشعراء التموزيين فإنه يحشد الأسماء والرموز والأوثان في سياق كلامه المسمى شعرًا، حشدًا مملًا غير متجانس، وله مقطوعة بعنوان "إكارُس

(11)

" تصور مدى الارتماء الماحق في الأسطورة يقول:

(إكارُس يا

عانس الشمس، يا

قتيل النور، يا

رافع الأرض إلى السما

(1)

انظر: الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص 13.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 107.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 227، 247.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 234.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 332.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 289، 357.

(7)

انظر: المصدر السابق: ص 246.

(8)

انظر: المصدر السابق: ص 208.

(9)

انظر: المصدر السابق: ص 108.

(10)

انظر: المصدر السابق: ص 289، 357.

(11)

أسطورة يونانية تقول بأنه طار قريبًا من الشمس بالرغم من تحذير والده، وعندما ذاب جناحاه الشمعيان سقط في البحر قرب ديلوس، ولذلك سمي البحر الإيكاري. معجم الأساطير: ص 127.

ص: 793

يا رافعًا على الصخر

في البحر اللعين وقد

فديت تجربة الإنسان. . .

من متاهة السراديب

والجدران السامقة

حيث الظلام ونفي الحياة

ونفي اليد العابثة

من السراديب صعديا

إكارس، مثلنا

بنافل الريش مزودًا

في انطلاقه المتمرد نحو حتف. . .

فهومنا:

في شعره أحلامنا وفي

عينيه قد جمدت رؤًى

من عشقنا، وفي

شفتيه صرخة الوادي

للحجارة والشجر

في شعره وعينيه وفمه

قبلاتنا، قبلات الصبايا

الطويلات أصابعهن

المشدودات نهودهن

وبينه وبيننا صلات

ص: 794

من الموت، من الموت في الشمس

في بؤرة النور في

بؤرة الظلام. . .

فلنملأ الوادي صراخًا

ولنملأ البحر ولنملأ الأرض والسماء

صراخًا من القرى الطاوية،

والشوراع الشوهاء

متلوية الحشا. . .)

(1)

.

أما الرموز والأوثان الأخرى المذكورة في ديوانه فكثيرة منها: تموز

(2)

، وأور

(3)

، ونينوى

(4)

، وبابل

(5)

، وببلوس

(6)

، وندياس وبركستليس، والإغريق، وسومر، وبيورديس

(7)

، وبرمثيوس

(8)

، وعشتار

(9)

.

وممن كثر عنده استخدام الرموز والأوثان محمود درويش مثل تموز

(10)

، وبابل

(11)

، وطرواده وأرميا

(12)

، وجلجامش

(13)

، وهومير

(14)

، وغيرهم.

(1)

المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا إبراهيم جبرا: ص 86 - 89.

(2)

انظر: المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا إبراهيم جبرا: ص 13، 76.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 39، 41.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 39.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 41.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 41.

(7)

انظر: المصدر السابق: ص 47.

(8)

انظر: المصدر السابق: ص 83، 152.

(9)

انظر: المصدر السابق: ص 58.

(10)

انظر: ديوان محمود درويش: ص 105.

(11)

انظر: المصدر السابق: ص 110، 273، 389، 398.

(12)

انظر: المصدر السابق: ص 389، 398.

(13)

انظر: ديوانه أحد عشر كوكبًا: ص 94.

(14)

انظر: المصدر السابق: ص 96.

ص: 795

وأكثر منه المقالح فعنده مثلًا: بروتس

(1)

، وأبو الهول

(2)

، ونينوى

(3)

، وأولمب

(4)

، وفينوس

(5)

، وسيزيف

(6)

، وعوليس

(7)

، وبروميثيوس

(8)

، وأخيل

(9)

، وخرافات عن سيف بن ذي يزن وتمجيد غالى فيه غاية المغالاة

(10)

، وميدوزا

(11)

، وكيوتوبيا

(12)

، وباخوس

(13)

، وغيرهم.

ولم يقتصر هذا الوباء على المذكورين، بل للآخرين أيضًا استعاراتهم الوثنية، واستعمالاتهم الأسطورية وتشبعهم بمضامين هذه الوثنيات.

تجد ذلك عند النصراني توفيق صايغ

(14)

، وعند أمل دنقل

(15)

، وعند معين بسيسو

(16)

، وعند نزار قباني

(17)

، وعند الماركسي سميح

(1)

انظر: ديوان المقالح: ص 157.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 197، 357.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 198.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 227.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 227، 403.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 289، 296.

(7)

انظر: المصدر السابق: ص 29.

(8)

انظر: المصدر السابق: ص 296.

(9)

انظر: المصدر السابق: ص 310.

(10)

انظر: المصدر السابق: ص 282، 301، 317، 333، 357.

(11)

انظر: المصدر السابق: ص 380.

(12)

انظر: المصدر السابق: ص 402.

(13)

انظر: المصدر السابق: ص 403.

(14)

انظر: الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص 68. وانظر امتداحه للآداب الإغريقية واللاتينية في مضامينها وكونها كتبت قصائد بلا قوافي، وغير ذلك في: كتاب توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفي لمحمود شريح: ص 32.

(15)

انظر: الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص 110، 111، 114، 175، 234، 372، 231 - 232، وغيرها.

(16)

انظر: الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص 669، 670، 675، 384، وغيرها.

(17)

انظر: الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني 2/ 45، 72، 314، وغيرها كثير.

ص: 796

القاسم

(1)

، وعند زميله توفيق زياد

(2)

، وعند الفيتوري

(3)

، وعند أحمد دحبور

(4)

، وعند غالي شكري في كتابه شعرنا الحديث إلى أين

(5)

؟، وذكريات الجيل الضائع

(6)

.

وها هنا خاتمة لابد منها في قضية تأثر وانغماس الحداثيين في الوثنيات وفي الأساطير، وهي: أنه من آثار اعتناقهم للأسطورة وارتوائهم من آبارها، مع وجود أرضية شاكة في الدين أو جاحدة له، عمدوا إلى الحقائق الثابتة في الوحي المعصوم في القرآن وصحيح السنة، فجعلوها من الأساطير، أو من الفلكلور الشعبي، ثم أدخلوا هذه في نتائجهم ليثبتوا أنهم "محليون" وليسوا صناعة خارجية، جاؤوا بهذا التكذيب لحقائق القرآن والحديث الثابت، ليكون هذا التكذيب دليلًا آخر على تبعيتهم وانفصالهم عن الأمة عقيدة وانتماءً، بل ومعاداتهم للأمة في أعز وأغلى مقوماتها: في دينها وعقيدتها.

وقد مرّ معنا كيف عد إحسان عباس المسيح ويحيى والخضر -عليهم الصلاة والسلام- والإسراء والمعراج والمهدي من الأساطير

(7)

، وكذلك عدّ يأجوج ومأجوج

(8)

، وعز الدين إسماعيل ومحمود حمود عدا قصة تميم الداري

(9)

مع

(1)

ديوان سميح القاسم: ص 66، 299 - 320، 313، 314، 315، 550، 573، 574.

(2)

ديوان توفيق زياد: ص 277، 279.

(3)

ديوان الفيتوري 2/ 237، 242.

(4)

ديوان أحمد دحبور: ص 17 - 18، 33.

(5)

شعرنا الحديث إلى أين: ص 131، 132، 133، 139.

(6)

ذكريات الجيل الضائع: ص 56 - 57، 63.

(7)

انظر: اتجاهات الشعر العربي: ص 128 - 129.

(8)

المصدر نفسه: ص 130.

(9)

تميم الدارمي، صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة اللخمي الفلسطيني، وقدم سنة تسع فأسلم، تحول بعد مقتل عثمان رضي الله عنه إلى الشام، كان من جمع القرآن على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وله فضائل جمة، توفي رضي الله عنه سنة أربعين للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء 2/ 242، والإصابة 1/ 304.

ص: 797

الجساسة والثابتة في صحيح مسلم

(1)

من الأساطير، وكذلك فعل نذير العظمة وحامد أبو أحمد حين عدوا قصة أهل الكهف الواردة في القرآن من الأساطير

(2)

.

بل جعل كاتب ياسين الإسلام كله أساطير في معرض شرحه لمقدار حقده على الإسلام والعرب

(3)

وعزيز العظمة جعل الطير الأبابيل أساطير

(4)

.

والأغرب والأعجب في هذا الميدان أنهم عمدوا إلى الأكاذيب والخرافات فعدوها حقائق وبنوا عليها أحكامًا مثل قصة الغرانيق التي اتكأ عليها عزيز العظمة في هجومه على القرآن والإسلام

(5)

.

• • •

‌ثانيًا: التصورات المتأثرة باليهودية:

كان اليهود وما زالوا أساسًا في الفتن والبلاء وأصلًا في الانحرافات والضلالات وقد وصفهم اللَّه تعالى بأنهم يسعون في الأرض فسادًا، قال اللَّه سبحانه وتعالى:{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}

(6)

.

وذكر طبائع اليهود وصفاتهم وآثارهم في الإفساد قديمًا وحديثًا مما يطول ولا يتسع له هذا المقام، وقد كتب في ذلك الكتب الكثيرة، ويكفي من أراد معرفتهم معرفة تفصيلية يقينية أن يطالع أوثق وأعظم وأدق كلام،

(1)

أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة 3/ 2261، والترمذي في كتاب الفتن باب رقم 66 جـ 4 ص 251، وأبو داود في كتاب الملاحم، باب: في خبر الجساسة 4/ 199، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب: فتنة الدجال 2/ 1354.

(2)

انظر: نقد الحداثة: ص 121، 123.

(3)

انظر: رأيهم في الإسلام: ص 193.

(4)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 267.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 263.

(6)

الآية 64 من سورة المائدة.

ص: 798

كلام اللَّه العظيم -جلَّ وعلا-، في كتابه الكريم المجيد.

وبعيدًا عن تأويل الأمور تأويلًا تآمريًا بعيدًا، نستطيع القول بأن اليهود قد أفسدوا دين النصارى، وسعوا في إفساد دين المسلمين وكانوا وراء التشيع والحركات الباطنية، وكانوا خلف انتشار الداروينية والماركسية والفرويدية والمذاهب المادية الإلحادية، وخلف كثير من التكتلات والخلافات والمؤامرات السياسية والاقتصادية.

ولكون اليهود يرون أنفسهم الشعب المختار، وأبناء اللَّه وأحباؤه، ويرون الأعراق والشعوب الأخرى "جويم" أو "أميين" ليس عليهم في اعتقادهم حرج أن يفعلوا بهم ما شاؤوا؛ لأنهم مجرد مخلوقات وجدت لتكون مسخرة للشعب اليهودي؛ ولذلك لا يدعون أحدًا إلى الدخول في دينهم، بل يتكتلون حول أعراقهم وسلالاتهم.

ولما كان هذا دأبهم استعاضوا عن إدخال الناس إلى دين اليهودية المحرف، بإبعاد الناس عن أديانهم، أو بتشويه الأديان من داخلها بالحركات والأفكار المدمرة؛ لأجل هذا ولأجل قضية الصراع بين المسلمين واليهود على أرض فلسطين، لم يتعمق التأثير اليهودي في ثقافة وآداب الشعوب العربية.

ومع ذلك فإن المتتبع لنتاج الأدب العربي الحديث يجد أنه لم يخل من التأثر بالديانة اليهودية المحرفة، ولعل الأيام الآتية بعد تطبيع العلاقات مع اليهود ستشهد من شعراء الحداثة ومفكري وكتاب العلمانية من يبتهج باليهود وعقائدهم، ويدخل رموزهم وأباطيلهم في ثنايا الثقافات المتنوعة الرسمية وغير الرسمية، وما يشاهد اليوم من محاولة تغيير المناهج الدراسية لئلا تشتمل على ذم اليهود، أو التذكير بعدواتهم هي مقدمة لما ذكرناه، إلا أن يشاء اللَّه، فهو المرتجى وحده أن يرد كيد الأعداء على نحورهم وأن يكشف أعمال المنافقين، وأن يعز دينه وأولياءه ويقوي العلماء والصحوة الإسلامية حتى تكون لها الصولة والجولة والدولة، فيُعز أهل التوحيد والطاعة، ويذل أهل الشرك والنفاق والمعصية، واللَّه على كل شيء قدير.

ص: 799

ومع وجود الدواعي السياسية للبعد عن اليهود في الفترة الماضية نجد أن أدباء الحداثة لم يسلموا من تأثير الرموز والمصطلحات اليهودية في نتاجهم.

أما المفاهيم والمذاهب والأفكار والفلسفات التي ابتدعها اليهود لتخريب البشرية، أو التي وجدوها صالحة لهذا المقصد فاستخدموها، فكثيرة عديدة، ولا يكاد يسلم من التأثر بها حداثي.

وإذا اعتبرنا أن الحداثة والعلمانية نتاج يهودي، أو نتاج غير يهودي استفاد منه اليهود وركبوا متنه للوصول إلى مآربهم، فإنه بلا ريب ما من حداثي أو علماني إلّا وهو متأثر باليهود، وهو في قيادهم من هذه الناحية.

فإذا أضفنا إلى ذلك العقائد التي مازجت الحداثة وهي من إنتاج اليهود صراحة مثل الوجودية والماركسية، أو التي شارك في نشأتها ونشرها يهود مثل البنيوية والسوريالية، فإنه يُمكن القول حينئذٍ بأنه لم يخل حداثي من الانغماس في هذا الخوض الآسن، ولم يسلم أحد منهم -وإن أعلن وادعى العداوة لليهود- من أن يكون عاكفًا على عِجْلهم أو لاعقًا من تراب العاكفين عليه.

فإذا كان هذا الذي قلناه على وجه العموم له ما يؤكده أو يؤكد بعضه على وجه الخصوص، فإن القضية تصبح أشبه بالمسلمات.

إذا نظرنا إلى نصارى الحداثة من العرب وجدنا أنهم أقرب أهل الملة الحداثية، إلى الملة اليهودية، ولنأخذ على ذلك مثالين من شخصين لهما في ملة الحداثة القدم السائخ:

الأول: يوسف الخال الرائد الحداثي وقدوة الأجيال الحداثية من بعده، والذي تجد له في نفس كل معتقد للحداثة المقام الأسمى والمنزلة العظمى، ولو خالفه في المنهج التفريعي داخل سراديب الحداثة.

هذا النصراني الذي يحارب القديم ويجعل اتّباعه من نواقض النهضة والتقدم، وينادي بهدم وإلغاء كل سالف شأنه في ذلك شأن أدونيس، لكنه

ص: 800

إذا جاء إلى الملل الكفرية أحياها وبثها وأعلى شأنها، وعمل في نشرها ما يستطيع.

وقد مر معنا كيف كانت عنايته بالأساطير والوثنيات الجاهلية وسوف يأتي معنا كيف استخدم الحداثة سلمًا لتمرير عقائده النصرانية، وهو مع ذلك قد شارك في إحياء اليهودية حين اشترك مع بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة إلى العربية، وهو العمل الذي ذكره مؤلفا كتاب "رأيهم في الإسلام" -وهما غريبان- في معرض امتداحهم وإطرائهم ليوسف الخال فقال:(ويشارك هذا الكاتب البروتستنتي بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة منذ خمسة عشر عامًا، ولعل في ذلك عزاء له، فهذه الترجمة باللغة العربية الحديثة ستحل محل ترجمة أخرى وضعت في لبنان منذ أكثر من قرن، أوائل النهضة)

(1)

.

فإذا ربطنا بين هذا العمل وبين حركة شعر وارتباطها بالمخابرات الأمريكية، تبين لنا أن هذه الترجمة في ضمن السياق الأمريكي الصهيوني لبسط سيطرتهم على المنطقة من خلال عملائهم.

الثاني: توفيق الصائغ، وهو -كما ثبت أيضًا- من عملاء المخابرات الأمريكية، ومجلته حوار التابعة لمنظمة حرية الثقافة كانت تمولها تلك المخابرات

(2)

، حتى أن مجموعة من الكتاب والصحفيين في مصر ولبنان كتبوا عن هذه العلاقة المريبة، وكشفوا هذا الارتباط المشين بين الصائغ والمنظمة العالمية لحرية الثقافة التابعة لوكالة المخابرات الأمريكية، والتي كانت توجه وتمول مشروع مجلة حوار

(3)

.

(1)

رأيهم في الإسلام: ص 24.

(2)

انظر: بحثًا عن الحداثة: ص 42، 59، وأفق الحداثة وحداثة النمط: ص 55، 57 - 56.

(3)

انظر أسماء المجلات والجرائد التي تولت كشف هذه القضية في: كتاب توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى لمحمود شريح: ص 137 - 157 الذي يتبنى الدفاع عن صايغ ومجلته.

ص: 801

ثم نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 27/ 4/ 1966 م الموافق ذي الحجة 1385 هـ مقالة أكدت فيه هذه المنظمة العالمية لحرية الثقافة تابعة لوكالة المخابرات الأمريكية، وأن هذه المنظمة كانت تمول مجلات منها مجلة حوار العربية، فاعترف توفيق صايغ بتبعية مجلته لهذه المنظمة، ودافع من دخول مصر والعراق، وتصدى الكتاب والصحفيون لهذه المجلة والمنظمة وأتباعها، وقد كان الجو مناسبًا لهذه السوق ولهذه المزايدة؛ لأن القومية العربية كانت على أشدها والأوضاع مع اليهود والأمريكان على أشدها.

وقد دافع عن حوار والصائغ، الحداثي النصراني أنسي الحاج

(1)

، وحاول الصايغ مرات أن يدافع عن نفسه.

وفي 24/ 7/ 1966 م الموافق ربيع أول 1386 هـ نشرت النيويورك تايمز ثلاث مقالات تتصل بقضية حوار والمنظمة العالمية لحرية الثقافة، وصلتها بالمخابرات الأمريكية فقامت جريدة الأهرام بترجمة هذه المقالات 5/ 8/ 1966 م الموافق ربيع ثاني 1386 هـ مشفوعة برد لويس عوض عليها!!، وقد أصدر الصايغ بيانًا في فرنسا في 23 تموز 1966 م الموافق ذي القعدة 1385 هـ يدافع عن موقفه وبين فيه أن هناك مؤسسات عربية أخرى اشتركت رسميًا، وبصفة علنية مع المنظمة العالمية لحرية الثقافة، في تبني حلقات دراسية دولية ذات أهمية لطبقة المثقفين العرب: "ومن بين هذه المؤسسات

(1)

ومن ضمن دفاعه عن حوار وصايغ أن شعراء وأدباء كتبوا في حوار وتعاونوا مع منظمة حرية الثقافة، وذكر منهم: السياب وصلاح عبد الصبور، ونزار قباني، ويوسف غضوب، ولويس عوض، ومحمد الماغوط، وسلمى الخضراء الجيوسي، وليلى بعلبكي، وغادة السمان، ووليد إخلاص، وزكريا تامر، وعبد السلام العجيلي، فتأمل ذلك فإن فيه دلالة. انظر: المصدر السابق: ص 141. ومن الأسماء التي ذكرت مجلة روز اليوسف في 6/ 6/ 1966 م/ 1386 هـ أنها كانت تتعاون مع حوار والمنظمة من الكتاب المصريين: إبراهيم بيومي ومحمد مندور، وبنت الشاطئ، وسهير القلماوي وعبد الرحمن بدوي. انظر: المصدر السابق: ص 140.

ص: 802

لجنة التخطيط القومي في الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر أيام الوحدة بينهما) وجمعية المهندسين المصرية، ومعهد الإدارة العامة بالقاهرة وجامعة الخرطوم

(1)

، ثم أصدرت المنظمة العالمية لحرية الثقافة بيانًا قالت فيه:(ونحن فخورون بأننا قد ساعدنا على إعانة عدد لا يحصى من الأساتذة والكتاب والصحفيين ومن بينهم بدر السياب وتوفيق صايغ، سواء كانوا ليبراليين أم محافظين أم اشتراكيين، في كفاحهم من أجل حرية التعبير الثقافي في أية بقعة من بقاع الأرض)

(2)

.

وأضافت: (وقد صرح السيد

(3)

صايغ بأن حوار مجلة أدبية ثقافية بصفة أساسية توزع في 12 دولة إسلامية في شمال أفريقيا وفي الشرق الأوسط، وقرر أن كل ما يكتب فيها من موضوعات سياسية "قومي عربي ليبرالي يساري" في نبرته)

(4)

.

وفي هذا ملمح مهم يدل على أن وكالة المخابرات الأمريكية تشجع كل الاتجاهات المتناقضة، ولا ترى بأسًا في دعمها ونشر فكرها، شريطة ألا تكون من الإسلام أو تدافع عن قضايا الأمة من منطلقات وتوجيهات إسلامية.

وفي الدفاع الذي قام به النصراني الآخر لويس عوض عن ابن ملته وشريك عمالته توفيق صايغ، بين لويس عوض أنه دافع عن صايغ ولقي في ذلك العنت، وأنه قد عرف توفيق صايغ في فترة ما بين 1370 هـ/ 1951 م و 1372 هـ/ 1953 م في جامعة برنستون، ووجد فيه مثقفًا فلسطينيًا، أهلًا لكل احترام متحرر الفكر في هدوء، ثم ذكر أن الحملة التي وجهت إليه كانت من دأب الشيوعية والإخوان المسلمين، ثم بين أن اعتراضه الوحيد في موضوع

(1)

انظر: توفيق صايغ سيرة شاعر: ص 149.

(2)

و

(4)

المصدر السابق: ص 150.

(3)

هكذا قالت المنظمة ونقلتُه كما هو، وإلَّا فإنه لا يجوز أن يقال للكافر والمنافق سيد، لورود النهي الصريح في ذلك.

ص: 803

المنظمة وحوار أنهما قائمتان بتمويل من مؤسسات ثقافية أجنبية، وأنهما تعترفان بهذا بصراحة، وتعلنانه في كل مناسبة، ثم قال: (وهذا أشرف ألف مرة من أولئك السادة الذين يقبضون من الأجانب في الظلام، ويمشون بين الوطنيين كالشرفاء، ولكن نشاط المؤسسات الثقافية الأجنبية في بلادنا أمر مشروع ومنظم بموجب معاهدات التبادل الثقافي، ففرانكلين الأمريكية والشرق الروسية كلاهما يمارس نشاطه بموجب معاهدات التبادل الثقافي.

فلماذا يختصون منظمة حرية الثقافة وحوار بالتشهير والمقاطعة؟، أن فرانكلين بالذات قد اشترت أقلام المئات والمئات من أساتذة الجامعات ورجال التربية والتعليم والمسؤولين عن توجيهنا الثقافي)

(1)

.

وفي هذا الدفاع عن صايغ اعتراف صريح بالعمالة للأمريكان سرًا وجهرًا، واعتبار ذلك من الأمور الطبيعية.

بل فيه دفاع عن عمالة لويس عوض نفسه الذي دافع عن مجلة صدرت في مصر بأموال يهودية للسيطرة على ثقافة الناس وتوجيهها، ولتكون أداة توجيه لأغراض ومقاصد اليهود، وهي مجلة "الكاتب المصري" ويسميها لويس عوض المجلة الزهراء

(2)

، وله في العمالة قدم راسخ، وفي تنفيذ مآرب أسياده اليد الطولى

(3)

.

وقد بين أحد الكتاب أن دفاع لويس عوض عن حوار والمنظمة ومجلة انكاونتر الإنجليزية التابعة لمنظمة حرية الثقافة، سببه أن لويس عوض قد انغمس معهم وشاركهم بالمقالات والشعر وفصول من رواية "العنقاء"

(4)

، وفي 17 أيار مايو 1967 م الموافق 8/ 2/ 1387 هـ أوقف الصايغ مجلة حوار

(5)

.

(1)

المصدر السابق: ص 151 - 152.

(2)

انظر: أباطيل وأسمار: ص 142.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 142 - 149، 185 - 187، وغيرها.

(4)

انظر: توفيق صايغ سيرة شاعر: ص 155.

(5)

المصدر السابق: ص 157.

ص: 804

هذا ملخص سريع لعمالة توفيق صايغ التي انكشفت آنذاك، ولا ريب أن أمثال هذه العمالة اليوم كثير جدًّا، ولو انكشف أو كتب عنه في هذه الأيام لما وجد منكرًا إلا من أهل الولاء للإسلام، أما بقية الكتاب العلمانيين والحداثيين فقد انقشعت سحب التخفي والخشية من هذه العلاقة، ومن يدري فلربّما رأينا في الأيام القادمة مع تسارع عملية التطبيع مع اليهود من يكشف لنا سيرة عمالته لهم أو لأم اليهود الحانية "أمريكا" كشفًا يفاخر به ويتطاول، فإن مسار الأحداث والتغيرات السريعة تشير إلى ذلك، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. إن عمالة توفيق صايغ لا تحتاج إلى كل هذا الكشف والإثبات، فإن المتتبع لسيريته وكتاباته وما تحتويه من رموز وثنية ونصرانية ويهودية، يستطيع أن يكتشف ببساطة أن هذا الرجل بذرة لشجرة غريبة خبيثة، أريد لها أن تنبت في أرض المسلمين، وتثمر الشوك والشقاق والبلاء والفتنة، مثله في ذلك مثل أشباهه من الحداثيين والعلمانيين.

وإذا ذهبنا إلى تتبع الرموز اليهودية التي اشتمل عليها كلامه فإننا نجد الكثير، ومن ذلك إقراره في إيحائية يهودية بالهيكل الذي يدّعي اليهود وجوده في القدس في دلالة واضحة على تناغمه مع هذه الدعوى، يقول:

(وأنا هيكل غاب عنه القدس

فكنتِ القدسَ:

قدسًا واشتهيك)

(1)

.

وغير غريب على توفيق صايغ الذي كان أول نشاط أدبي له هو دراسة عن التوراة وهو في العشرينات من عمره، أي أنه من يفاعته ارتبط بالعقائد

(1)

الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص 72.

ص: 805

اليهودية، وامتدح ما في التوراة من أدبيات جميلة راقية، قال أحد المؤلفين عن سيرته:(خلال الفترة الممتدة من حزيران/ يونيو 1944 م إلى آذار/ مارس 1945 م وقبل حصوله على شهادة البكاليوريوس في الأدب، كتب توفيق ثماني حلقات في "النشرة" تحت عنوان "التوراة كأدب" تشير الحاشية في الحلقة الأولى إلى أن هذه السلسلة من المقالات هي ملحق للأطروحة التي قدمها الكاتب لدائرة الدراسات السامية في الجامعة الأمريكية في بيروت، إلّا أننا لم نعثر على الأطروحة المذكورة، ولربّما كان صايغ يقصد بحثًا طويلًا قدمه لتلك الدائرة، الحلقة الأولى ظهرت في عدد حزيران يونيو 1944 م من النشرة وهي تمهيد، يوضح فيها توفيق أن "الغاية من نشر هذه الأبحاث هي محاولة التبيين على أن التوراة فضلًا عن كونها كتاب دين روحيًا ساميًا، سفر أدبي جليل، لا تقل بعض أشعاره وأقسامه، روعة عن الكتب الأدبية الخالدة، وأنا حين أكتب في موضوع "التوراة كأدب" إنَّما أعني قيمتها الأدبية وتأثيرها الثقافي من وجهة اللغة التي كتبت بها أصلًا. . .، ثم بين أن ما يميز الأدب العبري هو هذا الخيال الشرقي الأصيل، الذي يوصف بأنه ثاقب، ومبدع ومزوق، فالخيال اليهودي لم يعبأ بالطبيعة بل باللَّه مصدر الجميع. . .)

(1)

.

ثم يورد الصايغ جملًا عديدة من كلام اليهود في التوراة، ويعقب على ذلك بأن في هذه الجمل كلها جمالًا أدبيًا وخيالًا فنيًا رائعين

(2)

.

ثم يشير إلى أن التوراة هي من أهم أقسام الأدب العبراني؛ لأنها تحوي بين دفاتها عدة عواطف رقيقة، ولا تقتصر على ما تملأ به كتب التاريخ الجامدة من ذكر الحوادث وأسماء الأشخاص والأماكن والسنين، بل تقرأ فيها قصصًا طريفة كتبت بأسلوب جميل

(3)

.

(وفي مقال مهم كتبه توفيق وهو في الثامنة والعشرين، نشره في

(1)

انظر: توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى لمحمود شريح: ص 29.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 30.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 30.

ص: 806

بيروت في مطلع العام 1951 م في "النشرة" تحت عنوان "الشاعر الأول" تكمن أهمية المقال في رؤية صاحبه الآخذة من الأناجيل. الشاعر الأول في نظره هو رجل الدين الأول، ديوانه الأول الطبيعة، وديوانه الثاني الحياة، والثالث المرأة، والرابع الكتاب المقدس، وهنا يسهب توفيق في تمجيد "أروع الشعر""فسفر أيوب من الطرف الشعرية الكبرى، ولعله أعظم قصيدة فكرية معروفة، وسفر "المراثي" يضم بعضًا من خيرة المراثي الوطنية العالمية، وفي "المزامير "قصائد غنائية شجية، لا تجاريها إلَّا بعض القصائد المتفرقة في بطون الأشعار الأخرى، وفي "نشيد الإنشاد" نقرأ أعذب أنشودة للجمال والربيع، وأبدع قصيدة حب عرفتها الأزمان، كما وصفها توفيق الحكيم، أو عودوا إلى ما في التوراة من قصص أفعمت روعة فنية خالدة، ما زالت إلى اليوم تعجب وتلذ حين تقرأ كما كانت تعجب وتلذ قبل مئات السنين؛ ذلك لأن فيها عنصري الجمال والبساطة اللذين لا يتغيران مع الأزمنة، أو إلى ما فيها من تاريخ أدبي، أو حكمة وأمثال وفلسفة، أو نبوءات شعرية جليلة، هل هذه، وهي قطرة من محيط تجعل للتوراة مركزًا أدبيًا لا يضاهى)

(1)

.

إن هذا النص بما يحتويه من تفاخر نصراني وإعجاب توراتي يؤكد لنا أن الصائغ راهب كنيسة وحبر معبد قبل أن يكون شاعر تحديث وتجديد، وفي هذا ما يكفي المنصف لمعرفة ما خلف كواليس الحداثة، وستائر مسرحياتها.

وفي دراسته للتوراة والأدب العبراني يكتشف الصائغ اكتشافًا ساقطًا لا حقيقة له يقول فيه: (ومما يلاحظ أن كل أنبياء إسرائيل كانوا شعراء)

(2)

.

وتحدث عن الحكم والأمثال في التوراة، ثم يصل في بحثه "التوراة كأدب" إلى عظمة الشعر العبري لكونه لا يحتوي على قافية، يقول: (وللشعر

(1)

المصدر السابق: ص 41.

(2)

المصدر السابق: ص 30.

ص: 807

العبري مميزات خاصة، فهو وإن يكن في أبياته إيقاع إلَّا أنه لا يخلو من الوزن ويندر أن نجد فيه قافية، ومما يلاحظ أن أعظم القصائد العالمية كتبت بدون قوافي: في الآداب العبرية والإغريقية واللاتينية كلها غير مقفاه، وطُرَف الأدب الأوروبي الكبرى كلها نظمت بالشعر المرسل،. . .)

(1)

.

ففي هذا القول يُمكن الالتفات إلى أن جذور الدعوة إلى هدم القافية والوزن في الشعر العربي انطلقت من هذه المنطلقات الوثنية والعبرية، ويكفيك من شرّ سماعه!!.

وفي إشادة وامتداح نادرين يربط الصايغ بين التوراة والشعر العبري والأدب العالمي، ثم يصف تأثير التوراة في الأدب الإنكليزي

(2)

.

ثم ينتقل إلى الجزء الذي يهمنا هنا وهو أثر التوراة في الأدب العربي، فبعد أن ذكر ترجمات التوراة العديدة إلى اللغة العربية، أشار إلى أثر التوراة في الأدب العربي القديم والمعاصر، وأتى بقول إجمالي يصح الاكتفاء به في الدلالة على هذه القضية التي نحن بصددها، فقال:(أمّا أثر التوراة في الأدب العربي فلم يكن قديمًا ذا شأن للمحيط الإسلامي الذي نشأ فيه الأدب العربي، لكن في العهد الحاضر وبعد الاختلاط بأوروبا والأدب الغربي، وانتشار الثقافة العالمية المعتمدة إلى حد كبير على المسيحية، أخذ الأدب المسيحي يقوى، وفي أواخر القرن الماضي ظهر في الشعر نزاع طائفي بين المسيحيين والمسلمين، أما في العصر هذا فصرنا نرى كثيرًا من القصائد تدور حول مواضيع من التوراة، أو تحوي استشهادات منها، أو متأثرة بأسلوبها بها [كذا] من أمثلة هذه نذكر باختصار في خاتمة هذا الفصل كتابات جبران خليل جبران المختلفة، ومسرحية "بنت يفتاح" لسعيد عقل، وقصائد "شمشون" و"لوط" لإلياس أبو شبكة الذي نشر أبحاثًا في أثر التوراة في الأدب العالمي، وغير هذه)

(3)

.

(1)

المصدر السابق: ص 31.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 33.

(3)

المصدر السابق: ص 34.

ص: 808

ولم تقتصر اهتمامات صايغ بالتوراة والدين اليهودي على هذا البحث، بل شارك في تحرير مجلة الجامعة الأمريكية المسماة "الكلية" الصادرة باللغة الإنجليزية، ثم كان المحرر المساعد لها لموادها العربية، وقد كتب مقالًا بالإنجليزية في كانون الثاني يناير 1944 م الموافق محرم 1363 هـ بعنوان "الخادع الأكبر" يعرض فيه ثلاثة مواقف من المرأة كما وردت في سفر التكوين والأدب اليوناني، وفي مجلة الكيلة يكتب مقالًا عن المعري، يربط فيه إبداع المعري وتفوقه -حسب رأيه- بالكهنة النصارى وأسفار التوراة

(1)

، وليس بالأدب العربي ولا بالثقافة العربية ولا بالإسلام ولا بشيء من ذلك، وفي ذلك دعاية واضحة إلى الأخذ من هذا المعين الذي يراه سببًا في تميز المعري الذي قال عنه:(لم يهتم أبو العلاء بما كان يهتم به الشعر العربي من مواضيع لا تبتعد إلا بالنادر عن الحواس، ولم يتأثر بالمميزات العربية في الأدب، أو بما كان ذلك الأدب يستلهمه، بل استلهم بيئته وحدها، وحوى برأسه الثقافة المنغمسة بالغرب، والتي وصلت إليه عن طريق معلمي اللاذقية وكهنتها. . .، وأثرت فيه بعض كتابات أسفار التوراة، هذه كلها لم يستمدها إلا من حضارة بلاده، ولم تكن لتوجد إلَّا في بلاده، فنظم ونثر وحلق في تفكيره وتخيله واهتم بالمجردات، ورحل إلى العلاء، وحرر الشعر من النزعة الهيمية، وبحث في المجتمع فانتقده، وبكل المثل البائدة فندد بها، وبالمرأة فقذفها بأبياته الساخطة، وقاتل في سبيل حرية الفكر فخرج شاعرًا وشاعرًا فريدًا، يستمد تفكيره ومزاياه وشخصيته من بلادنا، وتتمثل امتنا فيه)

(2)

.

وعلى ما في هذا الكلام من مغالطات وأكاذيب وافتراء على الحقيقة والتاريخ

(3)

إلا أنه يحتوي من عبارات الدعاية للانغماس في الغرب -حسب تعبيره- والأخذ عن كهنة النصارى وأسفار التوراة ليكون الشاعر مبدعًا

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 35.

(2)

المصدر السابق: ص 35.

(3)

انظر رد الشيخ محمود شاكر على النصراني الآخر لويس عوض في قضية دعواه أن المعري تأثر بالنصارى في كتابه النادر أباطيل وأسمار، ففي الرد عليه رد على توفيق صايغ أيضًا.

ص: 809

وعالميًا ومتطورًا، وهذا نموذج من نماذج التدليس الحداثي الذي استخدمه نصارى العرب في الدعاية للانحرافات الاعتقادية واتباع الملل الأخرى، تحت شعارات الإبداع والتجديد والانفتاح على الفكر العالمي، فأتبعهم في ذلك من اتبعهم من أبناء المسلمين وانسلخوا عن دينهم، وصاروا يقومون بالدور نفسه، في أجواء من فتن الشبهات وسقم الأفكار والعقائد والضلالات.

وفي وسط غبار التشويش النصراني الحداثي يصف أحد الكتاب النصارى الحداثيين العرب معالم الأدب العربي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية، ويتعرض للبعد الديني ذاكرًا النصرانية ثم اليهودية التي ختم بالكلام عنها قائلًا:(وسواء أكانت اليهودية ديانة فراتية أم صحراوية أم مصرية، فإنها تظل من جملة ديانات الشرق الأوسط، أو الشمال الأفريقي، فإنها على كل حال لم تحارب كديانة غريبة عن المنطقة، وإنَّما استخدمت من أجل مآرب قومية وإنشائية)

(1)

.

فلماذا كل هذا التسويق والتهوين وفرض منطق الأمر الواقع؟ أنها المآرب القديمة الجديدة كما أخبر اللَّه تعالى عنها وعن أصحابها: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ}

(2)

.

ولسائل أن يسأل: هل امتد تأثير العقائد اليهودية والرموز التوراتية؟.

والجواب عليه بما سبق، وبما سوف نذكره لاحقًا من شواهد وبينات في هذا الصدد، فها هو أدونيس يؤكد أنه في قصيدة "أرواد يا أميرة الوهم" اعتمد فيها (على الأسلوب الشعري القديم في فينيقيا وما بين النهرين، وهو الأسلوب الذي ورثته التوراة في أروع أشكاله وتأثر به كثير من شعراء أوروبا وطوروه وآمل في استخدام هذا الأسلوب من التعبير الشعري، أن أضع مع

(1)

النزوحات الكبرى لحنا عبود: ص 35.

(2)

الآية 217 من سورة البقرة.

ص: 810

زملائي الشعراء حجرة صغيرة في الجسر الذي يصلنا بجذورنا وبحاضر العالم)

(1)

.

وفي تطبيق عملي يستعير أدونيس العبارات والمصطلحات اليهودية، ويستخدمها في إجلال مثلًا "مزامير الإله الضائع"

(2)

، وفي مقطوعة "إرم ذات العماد" يسمي المقطع الأول "مزمور"

(3)

، ونحوه في مقطوعة "الزمان الصغير"

(4)

.

وفي بعض كلامه يعبر عن إعلانه الحداثي التدميري بقوله:

(أعلن طوفان الرفض

أعلن سفر تكوينه)

(5)

.

ويستخدم أسماء يهودية وردت في التوراة، مثل قوله في امتداحه لنفسه، وادعائه القدرة على البعث والإحياء والإبداع الدائم:(قادر أن أصير وجهي بحيرة للبجع، وأجعل أهدابي غابات وأصابعي ربيعًا وأعراسًا، قادر أن أبعث أليعازر في كل خطوة أخطوها")

(6)

.

و (يعتقد أدونيس أن هناك عوامل كثيرة مهدت لقصيدة النثر منها "التوراة، والتراث الأدبي القديم في مصر وبلدان الهلال الخصيب على الأخص")

(7)

.

(1)

الحداثة الأولى: ص 111.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة 1/ 213.

(3)

المصدر السابق 1/ 355.

(4)

المصدر السابق 1/ 383.

(5)

المصدر السابق 1/ 328.

(6)

المصدر السابق 1/ 586.

(7)

أفق الحداثة: ص 74 وقد نقل هذا عن أدونيس من مجلة شعر عدد 14: ص 77.

ص: 811

وها هي نازك الملائكة تكشف عن تأثرها العميق باليهود وكتابهم التوراة، في صيغة إطراء وإعجاب، ففي ديوانها قصيدة بعنوان التماثيل كتبت مقدمة نثرية لها فقالت:(هدية إلى قائمة الأسماء الغامضة المنطفئة التي جاءت في سفر التكوين من كتاب العهد القديم)

(1)

.

وها هو البياتي يستخدم "سفر الخروج ويبحث فيه عن المعنى"

(2)

عن المخرج والطريق والدرب!!.

ويقول:

(لسيدي أكتب ما أراه في خارطة التكوين

وكتب المستقبل الساكن في الماضي، وسفر العودة - الخروج)

(3)

.

ويصف جهاد فاضل المرجعية الفكرية والثقافية لصلاح عبد الصبور فيقول: (واستخدم صلاح التراث القديم وتراث الشعر الشعبي المصري، واستخدم حتى تراث الصوفيين وتراث الكتب المقدسة، وبالتحديد لغة التوراة والإنجيل إلى جانب استفادته من ثقافته الإنجليزية)

(4)

.

ومن أشهر مشاهير الحداثة، وله شعبية كبيرة عند أدباء الحداثة العرب "ناظم حكمت" الشيوعي التركي، وهو في الحقيقة يهودي من بولونيا، أتى إلى مدينة سراي بوسنه التركية وادعى الإسلام وتزوج إحدى نساء المدينة، وفعل كما فعل أسلافه من يهود الدونمة أو يهود سالونيك

(5)

.

وقد أوضح غالي شكري أن ناظم حكمت أحد أهم المرجعيات للحداثة العربية في الرؤية والفكر

(6)

.

(1)

ديوان نازك الملائكة 1/ 570.

(2)

انظر: ديوان البياتي 1/ 259.

(3)

انظر: المصدر السابق 1/ 279.

(4)

قضايا الشعر المعاصر: ص 260.

(5)

انظر: كتاب الشعوبية الجديدة: ص 205.

(6)

مجلة الناقد عدد 13: ص 54 في تموز يوليو 1989 م.

ص: 812

وها هو سميح القاسم يصف نفسه بأنه مكره:

(أن أصبح ايليا في القرن العشرين)

(1)

.

ويكتب في الهامش عن إيليا بأنه نبي يهودي حارب الأوثان، وينسب إليه أنه قتل كهنة بعل. ويستخدم مثل سابقيه مصلطح سفر التكوين، فيقول:

(هنا سفر تكوينهم ينتهي

هنا سفر تكويننا في ابتداء)

(2)

.

وفي مقطع له بعنوان "يهوشع مات"

(3)

وهي تسمية يهودية لنبي اللَّه يوشع بن نون عليه الصلاة والسلام، يورد شرحًا عن مراده بيهوشع، ونصًا طويلًا من التوراة "العهد القديم -يشوع- الأصحاح الأول

(4)

ثم يظهر التحدي في هذه المقطوعة، من خلال استخفافه بهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وهذا وجه آخر من أوجه التأثر باليهود الذين عرف عنهم الاستخفاف والسخرية بالأنبياء، بل والقتل لهم.

وفي مقطع آخر بعنوان "طفل يعقوب"

(5)

يورد نصًا من التوراة في مقدمة هذا المقطع، ويخاطب اليهود بخطاب فيه شيء من الاستخفاف بيعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام

(6)

.

وقد بلغ به الاستعارة من اليهود أن ضمن بعض كلماتهم في ثنايا كلامه في حوار أجراه يقول فيه:

(وإليكم نشرتنا الأولى:

(1)

ديوان سميح القاسم: ص 39.

(2)

المصدر السابق: ص 91.

(3)

المصدر السابق: ص 99.

(4)

المصدر السابق: ص 131.

(5)

و

(6)

المصدر السابق: ص 131 - 132.

ص: 813

صرّح ليفي إشكول:

"شرع درك هرشتفلس كرشت

الملك يقول:

"برش تفتر حشتر لشند بثل

أمريكا فقدت إحدى قطع الأسطول

هدد مكنا مارا. .

- ابن الـ. . . مسطول!!

اليوم أحرر هذا الخبرا:

أرنستوتشي غيفارا

ببني قمرا

في أفق ما!!)

(1)

.

ولا يدري القارئ أي شعر في هذه السخافات؟ وأي فائدة معرفية أو فكرية يُمكن أن يصل إليها من يقرأ هذ العبث؟.

وبعد هذا التضمين السقيم للكلام العبراني يختم بذكر الماركسي غيفارا

(2)

ممتدحًا منهجه ومتفائلًا بالمجد الذي يبنيه غيفارا!! في تقلب مشين

(1)

المصدر السابق: ص 183.

(2)

غيفارا، هو ملهم الحداثيين ورمزهم الكبير أرنستوتشي غيفارا، شيوعي ماركسي من أمريكا اللاتينية، وأحد أركان الثورة الشيوعية الكوبية مع كاسترو، كان من أبرز الدعاة المتحمسين للشيوعية، اشترك في الحكم الشيوعي في كوبا، وأصبح له مدرسة فكرية وسياسية وممارسة ثورية تعرف بالغيفارية خاصة بعد قتله على يد القوات البوليفية وتحول اسمه إلى رمز عند الماركسيين، خاصة أنه يؤيد العنف والانقلاب الثوري الدموي والحرب الشعبية، بعد توليه وزارة الصناعة في هافانا ترك ذلك وتوجه إلى العمل الثوري كما يقال، واختفى من كوبا وتنقل في رحلات سرية إلى مصر والجزائر، ثم إلى بوليفيا حيث قتل هناك في 1387 هـ/ 1967 م. انظر: موسوعة السياسة 4/ 401 - 406.

ص: 814

من العبرانية إلى البساط المادي الذي نسجته أيدي اليهود إلى الماركسية، والحمد للَّه الذي أراه قبل أن يَموت الخزي والدمار والشتات الذي نزل بالشيوعية.

وفي مقطوعة له بعنوان "مزامير"

(1)

تحتشد العبارات والمصطلحات والرموز الصهيونية بشكل إقحامي فج، مما جعله يقدم بمقدمة اعتذارية شارحة، يصدق عليها المثل "عذر أقبح من فعل"، قال في المقدمة:(. . . أدخل الشاعر في جزء كبير من القصيدة، تعابير وصورًا توراتية من المزامير، ومن سفر أشعياء بالذات)

(2)

.

أما عبد العزيز المقالح فإنه لا ينسى أن يضيف إلى أمجاده الحداثية إضافة الأسماء والرموز اليهودية، ليثبت قدرته الفنية وثقافته العالمية!!، فيقول:

"سالومي" تفني في ملاهي القدس

تنشر لحمها في المسجد الأقصى

وتطلب كل رأس راكع فيه

لترفع عاليًا من حائط المبكى)

(3)

.

وله مقطوعة بعنوان "يهوذا"

(4)

مقدَمة بسطر لأرسطو يقول فيه: (يا أصدقائي ليس هناك أصدقاء)

(5)

.

أمَّا محمد الفيتوري الساخط على لونه الأسود والغاضب بسببه على كل أبيض، في عقد متراكمة ينفس عنها بالافتخار بالزنجية وبغض الأبيض، وفي مقدمة ديوانه يشرح المقدم هذه العقدة عند الفيتوري، ويذكر أنه بذلك

(1)

ديوان سميح القاسم: ص 192.

(2)

المصدر السابق: ص 192.

(3)

ديوان المقالح: ص 193.

(4)

و

(5)

المصدر السابق: ص 364.

ص: 815

يناقض قول حبيبة النبي سليمان إذ تصف نفسها بالجمال وهي سوداء مثله، ثم يورد نصًا من التوراة تقول فيه:(أنا سوداء ولكني جميلة يا بنات أورشليم كأخبية قيدار وكسرادق سليمان. . .)

(1)

.

وفي المقدمة نفسها يشرح صحابها المكونات الثقافية للفيتوري فيذكر أنه (قد حفظ القرآن، وقرأ سفر أرميا، ونشيد الأناشيد. . .)

(2)

إلخ.

وهكذا تصبح التوراة جزءًا من المعلومات العلمية التي يفاخر بها أبناء المسلمين!!، فإذا تتبعنا عند الحداثيين مقدار الألفاظ والمصطلحات الإسلامية في كلامهم فإننا نجد نسبة قليلة جدًّا إزاء المصطلحات والرموز الوثنية واليهودية والنصرانية مما يؤكد شهادة أحد الغربيين الذين نظروا إلى ظاهرة الحداثة وما بعد الحداثة عند الحداثيين فأكد أنهم مصابون بانفصام الشخصية، عدميون صنميون

(3)

.

ولا ريب أن الحداثيين العرب الذين شربوا من كل مورد، عدا الإسلام وعرفوا كل الثقافات، وقرأوا كل الكتب إلا القرآن، وهو ما ذكره أحد النقاد الحداثيين قائلًا:(. . . اعترف أحدهم، ولا أريد أن أسميه الآن، بأنه لم يقرأ القرآن أساسًا. . في اعتقادي أن شاعرًا عربيًا يكتب بلغة عربية ويدعي الحداثة والتميز لم يقرأ القرآن، ولم يقرأ أي شيء من أصول النقد العربي أو الشعر العربي القديم، كيف يُمكنه أن يكون شاعرًا وحتى حداثيًا)

(4)

.

فإذا انتقلنا من مجال التأثر باليهودية في النتاج الفكري والأدبي، إلى مجال التأثر العملي المباشر بهم، غير ما أسلفنا ذكره في مقدمة هذا الملمح، فإننا نجد أن طائفة من حداثيي فلسطين ممن يطلق عليهم "شعراء الأرض المحتلة" كانوا أعضاء في حزب "راكاح" الشيوعي الإسرائيلي!!،

(1)

ديوان الفيتوري 1/ 26.

(2)

المصدر السابق 1/ 46.

(3)

انظر: قضايا وشهادات 3 شتاء 1991 م/ 1411 هـ: ص 19.

(4)

قضايا الشعر المعاصر لجهاد فاضل: ص 390، وهذا القول للناقد عبد الرزاق عبد الواحد.

ص: 816

وبعضهم أعضاء في الكنيست الإسرائيلي، وعمل في الصحف والمجلات اليهودية.

هذا محمود درويش، شاعر الأرض المحتلة كما يطلق عليه الحداثيون، عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح"، وشارك في تحرير جريدة الاتحاد ومجلة الجديد وهما من صحف الحزب الشيوعي الإسرائيلي

(1)

.

ومثله سميح القاسم، وتوفيق زياد، وأميل حبيبي عضو الكنيست اليهودي المفتخر ببقائه في فلسطين كمواطن يحمل الجنسية الإسرائيلية

(2)

.

أمَّا صلاح عبد الصبور فقد كان مطية للسادات في تطبيع العلاقات مع اليهود، فلما جاء اليهود إلى القاهرة للمشاركة في المعرض الدولي وكان المشرف عليه صلاح عبد الصبور سمح بالمشاركة، وبعد فترة ناقشه أمل دنقل وحجازي وغيرهم في موقفه المتسامح مع اليهود، وفي جعله نفسه مطية لسياسة التطبيع مع اليهود التي قادها السادات، فمات.

ويروي أحمد المعطي حجازي وقائع تلك الليلة التي مات فيها صلاح عبد الصبور في حفلة عيد ميلاد ابنه، وكانت ليلة احتفال وغناء ورقص، ثم حدثت المناقشة عن علاقة صلاح باليهود وتعاملهم معهم، وخاصة في معرض الكتاب، فلم يحتمل صلاح النقد -على حد تعبير حجازي- فهلك من ليلته

(3)

.

يقول غالي شكري في كتابه "ذكريات الجيل الضائع" عن محمود درويش، والدراسة التي أعدها رجاء النقاش عن شعره: (. . . ومن الناحية الفكرية يتخوف تخوفًا لا مبرر له من أن يكون انتساب محمود درويش وزملائه من السفراء إلى الحزب الشيوعي العربي الإسرائيلي "راكاح" جدارًا

(1)

انظر: محمود درويش شاعر الأرض المحتلة لرجاء النقاش: ص 113، 220 - 234.

(2)

رأيهم في الإسلام: ص 37.

(3)

انظر: قضايا الشعر الحديث ص 257 - 258.

ص: 817

بين الشاعر ومتلقيه فقد كرر قوله أن هذا الانتساب "اضطراري"، وبذلك يلتقي مع يوسف الخطيب حين أباح لنفسه أن يرفع من بعض القصائد التي ضمها "ديوان الوطن المحتل" أبياتًا تصرح بإيمان صاحبها كماركسي عربي، هذا على الرغم من الأحاديث المتعددة التي يعترف فيها أولئك الشعراء بماهيتهم الايديولوجية فخورين بتفجر شعرهم من نبع هذا الانتماء الأعمق إلى آلام الشعب الفلسطيني والعربي عمومًا)

(1)

.

وقالت مجلة اليمامة عن محمود درويش: (شاعر القصيدة المطولة بلا منازع، وهو الذي يجعل القصيدة عالمًا من الصور والأحلام والكوابيس التي تتداخل وتتعاقب في خط فني. . .)

(2)

إلى آخر المدائح المجانية.

• • •

‌ثالثًا: التصورات المتأثرة بالنصرانية:

يتشكل أدب "الحداثة" في أظهر صوره وأشكاله من ثلاثة ملامح أساسية: الوثنية، والمادية الإلحادية، والنصرانية.

وقد تشكلت هذه الصورة القاتمة كما ذكرنا في أول هذا الفصل على يد نصارى العرب من المهجريين ثم من الإعلاميين ثم من الحداثيين

(3)

.

وكانت اللبنات الأولى تضعها الأيدي النصرانية العربية المرتبطة اعتقاديًا وسياسًا وحضاريًا بالغرب أبناء ملتهم وإخوانهم في الدين.

ثم تلفق هذه الأفكار من ضل من أبناء المسلمين، ورتعوا فيها وشربوا منها شرب الهيم، فكانوا أشباهًا لأساتذتهم وفي أحيان أخرى - كانوا أكثر حماسة وأشد تعصبًا.

وعلى آية حال فقد فرض النصارى ألفاظهم ورموزهم ومصطلحات

(1)

ذكريات الجيل الضائع: ص 248.

(2)

مجلة اليمامة عدد 897 في 9/ 7/ 1406 هـ: ص 63.

(3)

انظر: ص 685 - 690 من هذا الكتاب.

ص: 818

دينهم، ومضامين عقيدتهم ومحتويات فكرهم، على ساحة الأدب الحديث، بصورة قوية وواضحة.

وكيف لا يكون ذلك كذلك، ورواد الحداثة من النصارى في الشام ومصر يرون أنفسهم جزءًا من الغرب النصراني، وينادون بالارتباط الحضاري بالغرب، والاقتلاع عن المجتمع المسلم والعربي؛ لأنهم يرون أن العروبة مرتبطة بالإسلام، فنادوا بالتميز من الحضارة العربية الإسلامية ودعوا إلى العلمانية والثقافة الفرنسية، وأظهروا النفور الشديد من الإسلام والعرب

(1)

.

ولا نود إعادة ما سبق نقله من نصوص وأقوال نصارى العرب في دعوتهم إلى الانفصال عن الأمة العربية والإسلامية، بل وعن الشرق، والالتحاق بالغرب، تحت فكرة المتوسطية أو سورية الكبرى أو الفينيقية الإغريقية، والتي تدل كلها على أن القوم توجهوا إلى بني ملتهم بشعور ديني غامر وانتماء اعتقادي غالب.

ومن الذي يستطيع أن ينكر هذا الدور الذي قامت به الروابط الأدبية، والأحزاب القومية، والتجمعات الثقافية والإعلامية التي قام على أمرها نصارى العرب.

وبمراجعة سريعة لمضامين الفكر في الرابطة القلمية أو الحزب القومي الاجتماعي أو في حركة مجلة شعر يكتشف الباحث المضامين النصرانية الواضحة، حتى ليخال أن هذه مؤسسات تبشير بالدين النصراني ليس إلّا.

ولو تأملنا أسماء أعضاء حزب القوميين الاجتماعيين الذي أسسه أنطون سعادة، أو أسماء أعضاء حركة شعر لاتضح بجلاء سيطرة النصارى والطائفيين

(2)

.

(1)

انظر كل هذه المعاني موثقة في كتاب الحداثة الأولى لباروت: ص 25، وصاحبه حداثي قح.

(2)

انظر: أسماءهم في الحداثة الأولى: ص 32.

ص: 819

وليست السيطرة بوجود الأسماء فحسب بل وبالطرح الفكري القائم على محاربة الدين الإسلامي، والتشجيع عليه، فمثلًا النصراني المتعصب شارل مارك كان ينشر في "شعر" آراءه السوداء ضد الإسلام والعرب، والنصراني الآخر أنس الحاج أنتهك في كلامه ومنشوراته الهوية الإسلامية والعربية بشكل فاضح وعاصف، وهذا ليس من قول رجل يتبنى الإسلام، بل هو معنى قول حداثي يدافع عن الحداثة

(1)

.

لقد وصف الباطني أدونيس ما يوجد لدى مجلة شعر من اتجاه غيبي يسميه الحساسية الميتافيزيقية، فجعل هذا الاتجاه موصولًا بين اليونان الذين مثل لهم بسيزيف، والنصارى الذين مثل لهم بالمسيح عليه السلام فأكد أن (الحساسية الميتافيزيقية هي الخاصية الرئيسية في نتاجها الشعري الحديث، فالكائن العربي المعاصر هو في شعرنا كائن ميتافيزيقي، يغوص إلى عمق الأعماق ويتضامن مع الآخر، ويحيا مصلوبًا فوق الخيط الذي يصل سيزيف والمسيح بين اليأس ويقين الأمل)

(2)

.

وفي وصف لاتجاهات حركة مجلة شعر يقول باروت: (وإذا كانت نخبة "شعر" قد تعرفت على الأطروحة "المتوسطية" التي بررت باسمها الالتحاق بالغرب، من خلال تنظيرات "سعادة" بالدرجة الأولى كما نرجح، فيمكن القول أن اثنين من أبرز المساهمين في حركتها الثقافية الشعرية، وهما الدكتور رينه حبشي

(3)

، والدكتور هنري القيم

(4)

، قد طرحا الأطروحة "المتوسطية" من منظور تأثيري آخر، يرجع إلى تأثير هذه الأطروحة في وعي المثقفين الليبراليين الأقباط المصريين، والذين كانت القبطية لديهم انتماء قوميًا في الآن ذاته، ولقد كان كل من رينه حبشي وهنري القيم وجوديًا

(1)

هو محمد جمال باروت في الحداثة الأولى: ص 37.

(2)

مجلة شعر عدد 16 خريف 1960 م/ 1379 هـ: ص 250.

(3)

رينه حبشي حداثي مصري نصراني قبطي وجودي، متعصب لنصرانيته وداعٍ إلى الفكرة الأوسطية في مقابلة الدعوة الإسلامية والعربية، من دعاة إحياء القبطية في بلاد مصر.

(4)

هنري القيم حداثي مصري قبطي نصراني وجودي، متعصب لدينه، داعٍ إلى إحياء القبطية وإعادة أمجادها.

ص: 820

لبراليًا بالمعنى الدقيق للكلمة، ورغم أننا لسنا في صدد بث تأثير الأطروحة "المتوسطية" في وعي المثقفين الليبراليين الأقباط المصريين، إلا أن يُمكن القول: إن مؤسسات ثقافية إحيائية قبطية قد تبنت هذه الأطروحة وخصوصًا "جمعية الآثار القبطية" التي تأسست بالقاهرة عام 1934 م هدفها تشجيع دراسة الحضارة المصرية في العصر المسيحي القبطي، ولها مكتبة وتصدر مجلة سنوية، وكتبًا في الآثار والفنون القبطية، مثلما أن الدكتور رينه حبشى، المثقف القبطي اللبرالي الوجودي المصري، كان ملتفًا حول كل الندوات والجمعيات التي تدعو لثقافة البحر الأبيض المتوسط وخصوصًا "الندوة اللبنانية" التي كان يديرها ميشال أسمر أحد الدعاة لهذه الثقافة، إضافة إلى التفافه -أي: الحبشي- حول حركة مجلة شعر)

(1)

.

وفي دراسة موجزة لبعض شعر يوسف الخال وما فيه من رموز وثنية وذكر للآلهة الكنعانية وأزمنة البعل وأدونيس وعشتروت، والتواصل معها، يؤكد باروت أن الخال لا يبحث في تيهه عن الفينيقية فحسب، بل يمتد في تلمس حضاري -هكذا حسب رأيه- إلى مستويات أخرى فيقول:(هذا المستوى الحضاري الذي يبحث في الشعر عن تجربة حضارية، يضمر مسيحية عميقة لها مستوياتها الميتافيزيقية الصرفة. . . لا يرى لسكان "المفازة" سوى صليب الفادي، طريقًا واحدًا للخلاص. . .، يظهر الفادي في قصيدة "البئر المهجورة" كبئر يفيض ماؤها بالخير. . .، يندمج في كل مضمر تموز بالمسيح، الفضاء الوثني بالفضاء المسيحي. . .)

(2)

.

ثم يدرس مقطعًا آخر بعنوان "صلاة في الهيكل"

(3)

يقول فيه الخال: (الحجر ينطق، الحجر خبزًا، يصير نبيذًا)

(4)

.

يقول باروت: (فالحجر إذ يثير في سياق النص مناخًا وثنيًا، فإن

(1)

الحداثة الأولى: ص 78.

(2)

المصدر السابق: ص 131 - 133. وانظر: ص 134 من المصدر نفسه.

(3)

و

(4)

المصدر السابق: ص 221.

ص: 821

انزياحه الشعري إلى خبز ونبيد يوحي بمناخ مسيحي تميز به يوسف الخال، فتعدد للحجر معان دلالية متعددة)

(1)

.

أتيت بهذه التحليلات والدراسات التي كتبها حداثي لا شك في انتمائه للحداثة ومدافعته عنها ومحبته لرموزها، لتكون شهادة شاهد من أهلها، ولئلا يقال بأن في استنتاجنا تعسف لا يحتمله النص المدروس، ولو ذهبت أتتبع كل ما كتب عن الخال وجبرا والصايغ والحاج وغيرهم من النصارى من المعاني النصرانية التي ضمنوها نتاجهم لطال الحديث.

بيد أنه ينبغي في هذا المقام الإشارة إلى أمرين مهمين:

الأول: أن الحداثيين النصارى، لم يتخلوا عن نصرانيتهم، بل اتخذوا الحداثة وبأوجهها العديدة وسيلة لنشر النصرانية عقيدة وسلوكًا ومنهجًا.

الثاني: أن الحداثيين غير النصارى، تقبلوا هذه المضامين والرموز ونقلوها وروجوها.

وقد مر في ثنايا هذا الفصل بعض أسماء النصارى الذين شاركوا في الصراع الثقافي، وكانوا طلائع الغزو الاعتقادي والهجوم الفكري

(2)

.

غير أنهم لم يكونوا مجرد أسماء، بل كانوا عاملين فعالين في الميدان الصحفي أولًا، ثم في الميدان الأدبي والفكري.

لقد التفتوا إلى أمور مهمة في بث الأفكار والعقائد والقيم في الوقت الذي كان فيه المسلمون يعيشون غفلة شبه كاملة عن هذه الوسائل المهمة.

اهتم نصارى العرب بالصحافة في أول نشأتها في بلاد العرب، وجاءهم الدعم من بني ملتهم، فأمسكوا بزمام الصحافة العربية وتحكموا في شؤونها، وبثوا من خلالها ما يريدون في تدرج أن احتاج الأمر إلى تدرج، وفي مواجهة ووقاحة إذا ناسبتهم الأحوال والظروف، فكانت الصحافة لسانهم الناطق عن عقائدهم التصرانية القديمة، وعن عقائدهم الحديثة النابتة في أرض النصرانية المحرفة مثل العلمانية وغيرها.

(1)

المصدر السابق: ص 221.

(2)

انظر هامش (3) ص 689 من هذا الكتاب.

ص: 822

كانوا أقلية ضعيفة فاستمدوا القوة من نشاطهم الدائب في الصحافة وغيرها، ومن أهل دينهم في الغرب، فأصبحوا قوة يخشى منها ويحسب حسابها، ويرجى رضاها.

الجانب الثاني الذي اهتموا به واستفادوا منه غاية الاستفادة جانب اللغة والأدب.

ففي اللغة أصدروا القواميس والمعاجم، وشكلوا المجامع اللغوية، وشاركوا فيها بفعالية، ويكفي أن نعلم أن نصارى لبنان على وجه الخصوص استطاعوا بهذه الهيمنة اللغوية أن يمرروا على المسلمين مضامين الكفر والشرك في لبوس من عبارات خادعة.

مثل لفظ "العلمانية"، والتي هي في الانجليزية (SECULRISM) والترجمة الحقيقة لهذه الكلمة هي "اللادينية"، ولا صلة لهذه الكلمة بالعلم ولا بالمذهب العلمي مطلقًا، وإنَّما صبغ نصارى العرب هذه العقيدة بهذا الاسم لإيهام الناس زورًا أنها لا تعارض الإسلام، لئلا تنفر نفوس المسلمين من الترجمة الصحيحة التي هي اللادينية، وبذلك استطاعوا أن يمرروا هذا المذهب بكل ما يحويه من كفر باللَّه ورسوله باسم العلم

(1)

.

ومنذ أن أشيعت هذه العبارة تحت غبار التدليس والكذب الفكري أصبحت سمة تميز فكر الذين يناهضون الدين، ويرون عزله عن الحياة، وأضحت تمثل ذلك الاتجاه المبتعد عن الدين في نظم الحياة التربوية والتشريعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. . . إلخ، وفي اللغة تبنوا دعوات تدميرية للغة العربية

(2)

.

أمّا الأدب فقد فطن النصارى إلى أهميته في إيصال مضامينهم وعقائدهم ورموزهم، لما في الأدب من جاذبية وطلاوة محببة للنفوس، وخاصة نفوس الناشئة الذين تستهويهم أمور الجماليات الفنية والترفيهية أكثر

(1)

انظر: المباحث النفيسة حول كلمة العلمانية وأصولها وترجماتها واستعمالاتها ودلالاتها في: كتاب جذور العلمانية د/ السيد أحمد فرج: ص 106 إلى نهاية الكتاب.

(2)

انظر: الإحالة على مواقفهم من اللغة العربية في ص 714 - 718 من هذا الكتاب.

ص: 823

من أمور العلوم الجادة، لما في الأدب من فسحة في تصريف الأقوال وتركيبها، ولما وُهب له من أحقية مزيفة على مدار التاريخ في تجاوز الحدود والضوابط الشرعية.

فطن هؤلاء لهذه الخاصيات فامتطوا صهوة الأدب ليعبروا من خلاله إلى مراداتهم، بل لقد جعلوا الأدب محضنًا للعقيدة والفكر، واستنبتوا فيه رموزهم ومضامين عقيدتهم، ووجهوه إلى المولعين بالعشق الفني، الذي يصعب على أكثرهم أن يفصل بين عشق النموذج الفني، وما يحتويه من مضامين فكرية، بل إن هذا الفصل لا يتأتى للمولعين؛ لما في الولع من عمى عن رؤية العيوب، ولما في أصحابه من جهل بالقواعد الاعتقادية والأصول الشرعية التي يجب الاحتكام إليها.

من هنا دخل الداخل على المسلمين، وتسنم سنام الأدب الحديث الظلاميون الخارجون من أقبية الكنائس، وسراديب الباطنية، وأنفاق الثقافة الغربية المادية.

وانطلق كل حاقد وفاسد يسيح من خلال وسائل الترويج المسيطرة من صحافة ومؤسسات ومنتديات وندوات، ليبث حقده وفساده، ويقتنص هواة الأدب، الضعفاء في دينهم وفي عقولهم، يستهوي هؤلاء الأبرياء ويستقطب كل متعطش للشهرة أو مرتزق بالثقافة والفكر، ليصبحوا في ثُبةٍ واحدة يشتمون دينهم ويسخرون من أمتهم، وينالون من عقيدتهم، وينادون بالتثليث والصلب والخطيئة والتكفير والفداء، وألوان كثيرة من خرافات الوثنيات والجاهليات المنقرضة.

فإذا بالمسلمين بعد حقبة من الزمان يرون في كل قرية أكابر مجرميها من أبنائها، يسعون في الأرض فسادًا وتخريبًا وتدميرًا، ويدأبون في تنفيذ ما تلقوه عن أساتذتهم من إرادة تدمير لديننا وكياننا ولغتنا وأخلاقنا.

وفي الجملة لا يوجد أديب ولا مفكر نصراني إلّا وقد وظف عمله الصحفي أو الأدبي أو الفكري في سبيل إيذاء المسلمين في دينهم وعقيدتهم أولًا، ثم في أخلاقهم وسلوكهم، ثم فيما يتلو ذلك من أمور الوحدة والانتماء والكيان والأمة واللغة.

ص: 824

ولنأخذ على ذلك أمثلة من نصارى حركة شعر، ومن غيرها، وأقول من غيرها؛ لأن هناك من يحسن الظن بالحداثيين من غير حركة شعر، ويظن أن هذه الكوارث والبلايا الاعتقادية محصورة في تيار مجلة شعر؛ ولذلك يرى أنه (. . . أصبح من واجب النقد الخير أن يكون طرحه لشعر الحداثة على مستويين من التعامل:

أولهما: التعامل الفكري والعقائدي والعلمي والتاريخي مع تنظيرات نقاد شعر الحداثة.

وثانيهما: استئناف التنظير الفني لشعر الحداثة، وكأن مجلة شعر لم تكن)

(1)

.

أمّا المستوى الأول فهو مقصد هذا البحث ومحط رجاله، أمّا الثاني فإن الكاتب يفرق فيه بين مجلة شعر وغيرها، ويحسن الظن بمجلة الآداب البيروتية

(2)

وبحداثيين آخرين ويسمي نتاجهم (العطاء الإنساني الخير منذ السياب إلى عبد الصبور)

(3)

، ويقول: (ووجد قلائل كالبياتي وعبد الصبور وحجازي انطلقوا في ريادتهم عن وعي لقيم الحداثة يجنح بهم ثقافة عالمية متنوعة عميقة، إضافة إلى الموهبة فكل واحد منهم شاعر في إهاب عالم مفكر.

ولم يعدموا الحس القومي والوطني الذي يحدد موقفهم من أيديولوجية شعر بألا ينخرطوا في سلكها، مع أنه لم يظهر منهم موقف عدائي لهذه الطائفة القذرة)

(4)

.

(1)

من مقال بعنوان: أنوثة المتلقي لأبي عبد الرحمن الظاهري في جريدة الجزيرة، عدد 1819 في 26/ 3/ 1406 هـ.

(2)

انظر: القصيدة الحديثة وأعباء التجاوز لأبي عبد الرحمن الظاهري ص 133، 149، وفيها الثّناء على سهيل إدريس صاحب مجلة الآداب، وللإنصاف فإن للأستاذ الظاهري نقد قوي متين لسهيل إدريس واتجاهه الوجودي في كتابه الالتزام والشرط الجمالي ص 9 - 31 مع وصفه بأن واجب مثله أن يكون جلدة ما بين العين والأنف، وقوله "إنني أسأل الدكتور مع صادق ود وإعجاب" ولا شك أن الأستاذ الظاهري قد اطلع على معنى قول اللَّه تعالى {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .} الآية.

(3)

و

(4)

المصدر السابق: ص 154، ص 143.

ص: 825

أما مجلة الآداب فقد كانت غائصة في الوحل المادي القذر، في الوجودية وكان رئيس تحريرها وجوديًا سارتريًا، بشهادة أحد منظري الحداثة، وهو محمد جمال باروت حيث يقول: (لقد تركزت المعركة حول الوجودية التي تبنتها "الآداب" بزخم منذ أعدادها الأولى، ففي أعوام 1953 - 1956 م كانت الآداب منهمكة في ترجمة الوجودية، والبحث فيها عن ايديولوجيا للنخبة القومية. . .، وكان الهدف من ترجمة "الأيدي القذرة" لسارتر واضحة جدًّا في إثارة السبيل "لقادة الأحزاب العربية وأعضائها على السواء". . .، لقد كانت بواعث الترجمة أهم من الترجمة نفسها؛ ولذا فإن حقل الصراع سيتوجه أساسًا نحوها، إذ تتساءل "الثقافة الوطنية" إذا كان السيدان إدريس

(1)

وشويري من أتباع سارتر، أي إذا كانا يتطوران معه ويجاريانه في انفعالاته الفكرية وبادراته الإنسانية، فلماذا لم يعمدا إلى ترجمة الأبحاث القيمة إلى نشرها في مطلع الصيف الماضي في مجلة "الأزمنة الحديثة". . . ستقف الآداب في معركة الوجودية التي ثارت في مصر عام 1955 كممثلة للوجودية الحقيقة. . .)

(2)

.

بل كانت الآداب وشعر تقومان بأدوار متماثلة في ترسيخ التبعية الغربية، وإشعال الحرب ضد الإسلام وما يتعلق به، وهذا ما قرره باروت في قوله:(. . . أن مشروعي "شعر" و"الآداب" كانا متماثلين بنيويًا ومتداخلين، ومتكاملين في إطار وحدة صراعهما وتناقضهما، والذي عبر عن الصراع الداخلي في المشروع الثقافي للنخبة القومية الليبرالية الوجودية في الخمسينات والستينات)

(3)

.

أمّا السياب فقد كان من أعمدة مجلة شعر.

أمّا صلاح وحجازي والبياتي فإنهم وإن لم يكونوا من الكتاب في

(1)

المقصود سهيل إدريس رئيس تحرير مجلة الآداب، وهو وجودي داعٍ إلى الوجودية، وكذلك كانت مجلته في الغالب.

(2)

الحداثة الأولى: ص 46 - 47.

(3)

الحداثة الأولى: ص 43.

ص: 826

مجلة شعر إلا أنهم لايختلفون -من حيث مجمل الاعتقاد- عن أصحاب مجلة شعر، وخاصة فيما يتعلق باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته والغيبيات، ولا يختلفون عنهم من حيث المبدأ في أخذ العقائد والرموز الوثنية، وإحياء مضامينها الجاهلية، إلى حد جعل أحد النقاد يعتبر "البياتي" المثل القوي لما أطلق عليه "تموزية" ما بعد "حركة مجلة شعر" وأثبت بالشواهد الكثيرة

(1)

.

فضلًا عن الشواهد الكثيرة التي نقلناها في الفصول السابقة والتي تدل غاية الدلالة على مناقضة هؤلاء لعقيدة الأمة بل ومحاربتهم لها بشتى السبل، فما الفرق إذن بين هؤلاء الذين أثنى عليهم الظاهري، والطائفة القذرة التي وصف؟.

من هذا السرد نصل إلى نتيجة قاطعة هي: أن الحداثة مضمونًا وفكرًا واتجاهًا، تناقض الإيمان باللَّه والتوحيد والطاعة والخير والحق، وأشخاصها الذين يتبنونها ويشايعونها هم أشد على الرحمن عتيًا، سواء كانوا نصارى أو نُصيريين، أو من أبناء المسلمين الذين اتبعوا سنن أهل الكتاب وأهل الأوثان.

ولنعد إلى المقصود، وهو إثبات أن أتباع الحداثة من النصارى العرب، غلب عليهم الإحساس الطاغي في الإبانة عن تراث دينهم وعقيدتهم وثقافتهم، فاستعملوا ذلك في نتاجهم، وقد يقال بأنهم لا يلامون إذا فعلوا ذلك؛ لأنهم يعبرون ويبيتون عن دينهم وعن دخائل أنفسهم، والعقيدة غلابة ومؤثرة في المواقف والألفاظ والأحوال، فإذا تحدث النصراني عن "خطيئة" أبيه آدم على أنها لا تمحى بالتوبة، وأنه قد ورّثها لأبنائه، حتى جاء "المسيح" فقتل وصلب -حسب زعمهم الكاذب- ففدى البشرية وخلصهم من النكال، والإثم الجاثم على أرواحهم، سواء أتى بهذا الألفاظ: الخطيئة والتكفير والخلاص والفداء والصلب، أو أتى بألفاظ أخرى تدل على المعنى نفسه، أو استخدم هذه الألفاظ في سياق دلالاي رمزي لمعاني مجازية

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 161.

ص: 827

تقارب المعنى الأصيل في العقيدة النصرانية، إذا فعل ذلك نصراني ارتضع النصرانية منذ "نصره" أبواه أو معلموه فلا ريب أن ذلك يتناسب مع بعضه، ووجوده على ألسنتهم وفي أدمغتهم ومؤلفاتهم من الأمور الطبيعية العادية، مثلما أن وجود التوحيد والتنزيه للَّه والمحبة والإجلال للأنبياء جميعًا في كلام المسلم ونتاجه الثقافي وجودًا طبيعًا، غير أن الكارثة المميتة أن نجد ألفاظ ومصطلحات ومضامين العقيدة النصرانية في ألسنة وأعمال أبناء المسلمين، وكأنهم خدم صغار في أروقة الكنيسة.

يزعم الحداثيون بأن حداثتهم شمولية غير مقيدة بأديان معينة، وبعضهم يدعي وهو في منخفض هزيمته: أنهم يعتبرون جميع الديانات السماوية جزءًا من التراث الروحي للبشرية جمعاء

(1)

.

هكذا في تملق ذليل للنصارى، ومغالطة واضحة، وانهزام اعتقادي جلي.

أما النصارى فإنهم أخذوا دور القوي في هيمنة فكرية بسطوا من خلالها احترامًا لدينهم ورموزهم ومضامين عقيدتهم المحرفة، ولم يتخلوا عن ملتهم، بل سخروا الأدب الحديث لغرس المفاهيم والألفاظ النصرانية، وتطبيع استعمالها، بدعوى أن هذا الأدب الجديد يستخدم ألفاظًا كثيرة الاستعمال في دين سماوي يعترف به الدين الإسلامي نفسه، وبدعوى عالمية الثقافة، ووحدة الوطن، ومراعاة مشاعر المواطنين، والبعد عن إثارة الفتن الطائفية، إلى غير ذلك من المبررات التي يعددها أقوام هانت عليهم عقيدتهم وضعفت ألبابهم.

ولنورد الآن من الشواهد ما يؤكد أن نصارى الحداثة لم يتخلوا عن نصرانيتهم بل قاموا بخدمتها من خلال الأدب الحديث:

(1)

هذا قول لمحمد مندور نقله وناقشه فيه الشيخ، محمود شاكر في أباطيل وأسمار: ص 207.

ص: 828

‌1 - يوسف الخال:

الشاعر الحداثي الذي دعا إلى الانفتاح والثقافة العالمية والتواصل الثقافي وتجاوز السائد، والقفز على التراث، وترك التقليد وإغلاق صفحة الماضي.

لم يستطع أن يكون كذلك، فانفتاحه على الثقافة العالمية كان انفتاح النصراني على دين إخوانه النصارى في الغرب، وعلى مذاهبهم المستحدثة، والتواصل الثقافي كان عبر البحر الأبيض المتوسط جسر الحضارة الغربية، وقاعدة العودة إلى الأصل، وتجاوز السائد هو إلغاء هوية الأمة والإجهاز على دينها ولغتها، والقفز على تراثها في عبثية واستخفاف، وترك التقليد شعار استهوى به البسطاء البلهاء ليصرفهم عن قرون الهجرة النبوية الكريمة، غير أنه لم يخرج عن إطار نصرانيته ولم يتجاوز السائد في كواليس الكنائس ومؤامرات التنصير، ولم يقفز على تراثه بل استخدمه وخدمه، ولم يترك تقليد الإنجيل والتوراة التي أسهم في ترجمتها، بل قلدها ونقل مضامينها المنحرفة في أقواله وتنظيراته، وهو بكل ذلك لم يغلق صفحة الماضي الصليبي، بل جدد ذلك، وحمل ألوية حرب صليبية ثقافية.

وهو القائل صراحة وبدون أدنى مواربة: (. . . إنني شاعر مسيحي، المسيحية جزء من تراثي، إن لم تكن في جوهره وصميمه، والمسيحية مرتبطة ارتباطًا كيانًا عميقًا مع التراث الذي سبق التاريخ العربي في هذه البقعة من الأرض، حتى أن تموز وما يعنيه -وهذا موجود في شعري- هو أسطورة قريبة من المسيحية، وربّما كان المسيح صورة جديدة لها، فهناك شبه كبير بين المسيح وبين تموز من حيث موته وبعثه، وأنا أفتخر بهذا الواقع؛ لأنه دليل ساطع على أنني صادق في شعري، لا كالشعراء المسيحيين، منذ إبراهيم اليازجي إلى اليوم، الذين كانوا يكبتون مسيحيتهم، ويظهرون بمظهر الشاعر غير المسيحي، من قبل المسايرة والدعاية والممالأة، إنني أعتقد أن هذا محك صدق الشعراء الحديثين اليوم، إن الشاعر المسيحي الذي يرتبط بتراثه المسيح هو شاعر أصيل، وستذكر الأعوام القادمة أن توفيق

ص: 829

صايغ هو أحد هؤلاء، إلى حد ما جبرا إبراهيم جبرا، وكذلك خليل حاوي، وهذه القضية أدركها عدد كبير منهم جبرا إبراهيم جبرا، وأدونيس، وغالي شكري، حتى أن غالى شكري اضطهد في مصر من أجل ما كتبه عني في مقال نشره في مصر بعنوان "شاعر له قضية")

(1)

.

هذا النص شهادة واضحة على اعتزاز الخال بنصرانيته وسعيه في نشرها، وتأكيد وجودها، ويرى أن الشعراء النصارى الذين لم يفصحوا عن نصرانيتهم قد ضعفوا وهانوا؛ لأنهم سايروا وجاملوا، في حين أنه لا يُمكن أن يفعل ذلك لأنه مبشر بالنصرانية من خلال شعره، مفتخر بها مبدأ وعقيدة، داعٍ إليها، مناضل في سبيلها، ثم بين أنه ليس وحده في هذه الحرب الصليبية التي يعتز بقيادتها ولكن معه من شعراء الحداثة توفيق صايغ وجبرا ومعه من كتابها القبطي المصري غالي شكري الذي وصف الخال بأنه شاعر له قضية، ولابد أن تكون هذه القضية هي النصرانية وعقيدتها وأخلاقياتها المبنية على دين محرف مكذوب.

وهكذا تتظافر جهود المنصرين الحداثيين لإزاغة المسلمين عن دينهم، وإبعادهم عن عقيدتهم.

وأعلم أن بعض المخدوعين من أبناء المسلمين لا يروق لهم هذا القول، ولا يعجبهم؛ لأنه قد انهدم في نفوسهم مبدأ الولاء والبراء، وانبنى مكانه الإعزاز والمحبة والتقدير لأعداء الأمة، وتأسست في نفوسهم شعارات التعمية والتضليل التي غرسها أولئك ورعوها حتى نمت وكبرت فآتت أكلها الخبيثة ضعفين، ضِعْف في موالاة الأعداء وملاينتهم، والبحث عن رضاهم وعدم جرح مشاعرهم، والبقاء في فلكهم ودائرتهم، وضِعْف في التهاون بالإسلام وأهله وشريعته وعقيدته، بل ربما تجاوزوا التهاون إلى البغض والمعاداة.

(1)

أسئلة الشعر: ص 153 - 154.

ص: 830

ولا يتوقف يوسف الخال في طموحه النصراني عند استلهام تراثه وترديده في مجال الأدب والتأليف، بل يتجاوز ذلك إلى واقع عملي، في دعوة صريحة إلى إقامة مجتمع وكيان نصراني، يقول:(. . . لا ألام إذا أنا سعيت إلى إيجاد مجتمع غير مسلم، أو بمعنى آخر: مجتمع مسيحي أعبر فيه عن نفسي، وأحقق فيه كياني، وهنا نضع يدنا على حقيقة الحركات التي قام بها غير المسلمين من العرب، لإقامة مجتمع أو وطن خاص بهم، لقد نجح المسيحيون العرب، أو بعض المسيحيين في إقامة الوطن اللبناني، وهم لا يلامون على ذلك إذا، ما داموا لا يعتبرون عربًا، لمجرد أنهم غير مسلمين)

(1)

.

ترى ماذا سيقول الحداثيون من أبناء المسلمين الذين جروا خلف السراب الحداثي؟.

رجل يعلن نصرانيته، وينادي بفصل الأمة وتفكيك كيانها، وغرس كيانات نصرانية غير عربية!! ثم يتخذه الأغمار المغفلون قدوة وأسوة ونموذجًا!!.

إن المطلع على الطرح النصراني في شعر الخال يستطيع أن يصل إلى هذه النتيجة بكل بساطة، فكيف وقد أضاف إليها اعترافاته الصريحة بمضمون عمله الشعري والفكري، ومضمون إرادته السياسية.

إنها قصة التنصير الدامية من أيام صلاح الدين الأيوبي -رحمة اللَّه عليه- إلى عهد مجلس الأمن وحق الفيتو وحلف الأطلسي، ولكن المنطفئة عقولهم لا يعقلون، ولا يريدون أن يعقلوا.

ويفتخر الخال بقيام الكيان النصراني في لبنان ويعتبر وجوده في أرض العرب أعظم تجربة إبداعية في تاريخ العرب الحديث

(2)

.

وسبب إعجابه بذلك أن هذه التجربة الإبداعية -لاحظ التسمية-

(1)

أسئلة الشعر: ص 158.

(2)

المصدر السابق: ص 159.

ص: 831

والكيان القائم يديره نصارى لبنان، ويتحكمون في شأنه تحت مظلة التعايش بين المسلمين والنصارى، حيث لا تعايش بل سلطة نصرانية غاصبة جائرة غرسها الاستعمار ورعاها حتى استكلبت.

وفي هذه المقابلة التي نقلنا نصوصًا عديدة منها واجهه السائل بعد الكلام المشار إليه آنفًا باعتراض ثم بسؤال فقال: (إن تضايق غير المسيحيين من قيام دولة بمشيئة استعمارية أي أن تململهم ونقمتهم تنصب في الأول على الدور الذي أرادته تلك المشيئة للبنان أن يلعبه في المنطقة، أي ذلك الدور الذي يريد أن يحل المنطقة في مركزية الحضارة المسيحية الأوروبية، وهنا أحب أن أسألك سؤالًا خاصًا: كيف استطعت أن توفق بين ثورتك ومسيحيتك؟)

(1)

.

فأجاب يوسف الخال قائلًا: (فكرة "الدين للَّه والوطن للجميع"، فكرة عقيمة لا معنى لها، فالدين ليس ممارسة ولا صلاة ولا طقوسًا، بإمكانك أن ترفض كل ذلك وتبقى مسلمًا أو مسيحيًا، ذلك أن الدين تفسير للوجود، أي لعلاقة الإنسان بالإنسان وبالطبيعة وبما وراء الطبيعة، وعلى أساس هذه النظرة ينشأ تراث معين وطريقة حياة معينة، فالحضارة الغربية لا نستطيع أن نفصلها عن المسيحية لا من حيث الطقوس، وإنَّما من حيث هي نظرة معينة في الوجود، فعندما تتأثر بالحضارة الأوروبية، فأنت بحكم الضرورة تتأثر بخلفيتها ومن ضمنها المسيحية. . . الحضارة الإنسانية نشأت وترعرت في حوض البحر المتوسط، وفعلت فيها عبر التاريخ شعوب مختلفة، وعلى مراحل، كان عندك العبرانيون، فالآراميون فالكنعانيون، فاليونان، فالرومان، فبيزنطة، فالعرب، وأخيرًا الشعوب الأوروبية.

ومنذ أن حملت الشعوب الأوروبية لواء هذه الحضارة في أوائل القرون الوسطى تطورت هذه الحضارة وأصبحت على ما هي عليه اليوم، وذلك بفضل عبقرية الشعوب الأوروبية وجهدها العقلي والروحي، وهكذا نشأت

(1)

المصدر السابق: ص 159.

ص: 832

المركزية التي تحدثت عنها، والحضارة الأوروبية اليوم ليست بالمعنى الجغرافي، وإنَّما هي حضارة إنسانية مركزها أوروبا. . .، والعرب لا يكونون بالفعل ناهضين إلَّا حين يعتبرون شكسبير شاعرهم كما هو شاعر الإنجليز، ويفخرون به، وأظلم مصير ينتهي إليه العرب هو استمرارهم على الفصل بينهم وبين سواهم. . .

وإذا كان الإسلام حقيقة، فيجب أن يصمد أمام جميع التحديات ويتغلب عليها ويقوى بها، وأمَّا إذا لم يكن حقيقة، فعبثًا الانكماش والتخوف والقوقعة، فمثل هذا الموقف يدل على أن المتقوقعين لا يثقون بالإسلام. . .

أما كيف أكون ثائرًا ومسيحيًا في آن واحد، فأنا مسيحي بالمعنى الذي ذكرته لا بمعنى الممارسة، أنا مسيحي تراثيًا، أي: أنني أحمل نظرة في الوجود مستمد من المسيحية وتجدد مفاهيمها عبر التاريخ)

(1)

.

وهكذا تتضح عقيدة الخال التي كون عليها مع أضرابه -سعادة والصايغ وغيرهم- فكرة الحضارة المتوسطية التي تعني التموزية والنصرانية والالتصاق بالغرب، والبعد والنفور عن المسلمين وتاريخهم، ويربط الحضارة المادية في أوروبا بالنصرانية، ثم يجعل لزامًا الأخذ عنها والارتباط بها، ولا بديل لذلك عنده إلا التخلف.

وهذا النوع من الطرح التدليسي انطلى بالفعل على أكثر أبناء المسلمين المبهورين بالغرب، فربطوا بين التقدم التقني والأفكار والمعتقدات والأخلاق، ولما ذهبوا إلى هناك يدرسون ويتعلمون ويرزحون تحت وطأة التبعية والاندهاش جاؤوا إلى بلاد المسلمين بالشق الفاسد المنحرف من الحياة الغربية: العقائد والأخلاق، وتركوا الشق النافع وهو أمور الحياة المعيشية من تقنية ومخترعات وما شابه ذلك.

(1)

أسئلة الشعر: ص 195 - 161.

ص: 833

وها هو الخال رسول الغرب، وطليعة الغزو الفكري يجعل النهضة مرتبطة باعتبارنا شكسبير شاعرًا لنا كما اعتبره الغرب، بل وبوجوب الفخر به!!، وتلك لعمر اللَّه الأغاليط الحداثية العلمانية التي راجت وانتشرت بين أتباعها.

ثم يرسخ الخال مبدأ الفصل بين الدين والحياة وقف عقيدته النصرانية، التي يقول إنها تجددت مفاهيمها عبر التاريخ، نعم هذا شأن العقيدة المحرفة المكذوبة المختلفة، ويكفي أن نعلم هول التحريف الذي أصابها ما ينشر اليوم في أوروبا من طبعات جديدة من الإنجيل، وعليها عبارات مزيدة ومنقحة أو ما يشبهها!!.

ويفتخر الخال بنصرانيته ويؤكد أن خرافاتها حقيقة، وحين يتعرض للإسلام يضعه في دائرة الشك والريبة، بل ويخرجه من دائرة الحقيقة تمامًا في قوله:"إذا كان الإسلام حقيقة".

وهذا التشكيك في الإسلام ضرب من ضروب الممارسات النصرانية التي سلكها النصارى من خلال المستشرقين والمبشرين، ثم من خلال الحداثيين الذين يكملون الدور ويتممون العملية الهجومية على الإسلام، ليس من أجل إدخال أبناء المسلمين في النصرانية، ولكن من أجل تشكيكهم في دينهم، وإخراجهم من ملتهم، فإذا نجحوا في ذلك فقد أضحوا قطعانًا لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه.

وفي مقام آخر يقارن الخال بين الإسلام والنصرانية بخلفية استشراقية كنسية حاقدة، ويجعل من حسن حظ النصرانية أن جوهرها المسيح عليه الصلاة والسلام، ومن سوء حظ الإسلام أن جوهره القرآن فيقول: (. . . وبما أن المسيح لم يضع كتابًا، فإن جوهر المسيحية هو شخص المسيح لا ما روي عن لسانه وعن سيرة حياته، أما الإسلام فإن جوهره القرآن، ومن حسن حظ المسيحية أن الذين فسروا حياة المسيح وأقواله وشرحوها ولوهتوها هم من صميم الحضارة الإنسانية النامية في حوض البحر المتوسط، هذه الحضارة التي قلنا، فيما سبق، إنها مركزت الجهد الإنساني العقلي والروحي. . .

ومن سوء حظ الإسلام أن الذين فسروه واجتهدوا فيه، لم يكونوا من

ص: 834

صميم هذه الحضارة بل كانوا على هامشها، لذلك لم تدخل ضمن هذه الحضارة الإنسانية ولم تتفاعل معها، ولم تطبعها بطابعها، بل على العكس ظلت غريبة عنها، فناصبتها العداء حتيهذا التاريخ، ومشكلة المسلمين اليوم هي وقوفهم ضعفاء أمام ورثة الحضارة، الأقوياء في كل شيء، فما لم تنهض في الإسلام عقول متفتحة على الحضارة الإنسانية الواحدة فإني لا أرى للمسلمين ولا للعالم الإسلامي إلا ذلك المصير المظلم)

(1)

.

وليس من مهام هذا المبحث التصدي لهذه الأغاليط والأكاذيب.

إلّا أن المهم هنا أن نرى حجم هذا الحقد الصليبي على الإسلام، ودفن كل معالم الحضارة الإنسانية القوية الفاعلة التي أثرت في حياة البشرية من زمن البعثة حتى اليوم. كيف كانت أوروبا في القرون الأولى للإسلام؟ كانت تغلط في ظلام دامس وبهيمية تائهة، بشهادة المؤرخين الأوروبيين أنفسهم، حتى إذا أطلت عليهم شمس الإسلام، ودرسوا في مدارس المسلمين، ونقلوا الكتب إلى بلدانهم من الأندلس وبغداد ودمشق وفلسطين ومصر، وبدأوا يفتحون عيونهم على أمور عقلية وتجريبية لم يكونوا يعرفونها ثم واصلوا وبنوا على ما أخذوا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم، من تقدم مادي، أما العقائد والأخلاق فإنهم في أسفل سافلين، وقول الخال بأنهم أقوياء في كل شيء يكذبه واقع حياتهم الاجتماعية والخلقية والاعتقادية، الذي يضج بانحرافات هائلة مفجعة، اشتكى منها كل ذي عقل منهم، وتذمر من بلائها المستطير كل من احتك بهم، ويكفي أنهم وردّوا إلى العالم أمراض الجنس المستعصية كالإيدز، وقننوا في بعض بلدانهم الشذوذ الجنسي، وأعطوا أهله المكانة والاحترام، وسوغوا الجريمة باسم مدارة النفس وعلاجها، وحطموا الإنسانية باسم الحرية المنفلتة من كل قيد، ومارسوا الظلم على الأمم والشعوب الأخرى باسم النظام العالمي، والإرادة الدولية وحق الفيتو.

(1)

المصدر السابق: ص 161 - 162، وقد نقل هذا النص عبد الحميد جيدة في كتابه "الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر" وناقش هذه الأغاليط ورد عليه: ص 45 - 48.

ص: 835

لقد تعمد الخال أن يهبط إلى حضيض المغالطات والتجاهل المتعمد للحقائق الحضارية الثابتة في الإسلام، من واقع ضغينته النصرانية {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}

(1)

.

ثم ينادي بالعقول المتفتحة على الحضارة الإنسانية الواحدة، والتي تعني بالطبع حضارة أوروبا التي سبق أن وصفها بأنها قامت على النصرانية واستمرت عليها.

إذن التفتح على الحضارة الإنسانية الواحدة، هو أن يترك المسلمون دينهم وعقيدتهم ويلتحقوا بركب النصرانية، ليصبحوا نصارى جملة وتفصيلًا، أو ينقلبوا بلا دين، كما يفعل المنصرون الذين يعيثون في بلاد المسلمين فسادا.

إن الحداثيين والعلمانيين ينادون بالتعددية الفكرية ولكنها تعني عندهم التعددية ضمن إطار الحضارة الأوروبية المادية والفكر الأوروبي والعقيدة الغريبة.

إنه الاحتكار الظالم، والهيمنة المستبدة التي يحاولون غرسها بالقوة العسكرية، أو بهيبة ألفاظ ألبست الفخامة والضخامة، لتلعب بعقول البلهاء من أبناء المسلمين، فينحني أمام مثل هذه الألفاظ "الحضارة الإنسانية، العالمية الفكرية، الانفتاح الثقافي، التفتح العقلي على العصر" إلى غير ذلك من شراك الألفاظ التي لا توصل إلَّا إلى ظلام الانحراف وهوان التبعية.

فنحن أمة أعزنا اللَّه بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا اللَّه، وما نعيشه اليوم من ذلة وهوان سببه هذه الشكوك والريب، والضعف الإيماني والزعزعة الاعتقادية، والانجراف خلف الأبواق الكاذبة والشعارات الخادعة، فيا ليت قومي يعلمون!!.

وفي المقابلة نفسها يطرح السائل على يوسف الخال هذا السؤال: (قرأت منذ فترة كتابًا للأب ميشال حايك يتصور فيه أنه لا يُمكن حل القضية

(1)

الآية 118 من سورة آل عمران.

ص: 836

الفلسطينية إلا بتنصير المسلمين، على اعتبار أنهم يؤمنون مع المسيحيين بنزول المسيح لتخليصهم، كيف تتصور أنت من وجهة نظر مسيحية شرقية مستقبل القضية الفلسطينية في الوقت الذي يعتبر فيه كثير من المسيحيين، أن قيام إسرائيل هو نبوة إنجيلية؟)

(1)

.

فأجاب الخال: (ليس من الضروري أن يتنصر العالم الإسلامي وهذا غير وارد، ولا يستطيع البت فيه إلا اللَّه، وكل ما يُمكن قوله أن الإسلام يجب أن يعاد تفسيره في ضوء معطيات الحضارة الإنسانية الواحدة)

(2)

.

أمّا أن يتحول العالم الإسلامي إلى عالم نصراني فهذا أمر يعلم الخال أنه لا يُمكن أن يقع، لكن الذي يريده، ويُمكن أن يقع أن يتم تذويب الإسلام، وصهر الإسلام في المفاهيم الوثنية والنصرانية والمادية تحت شعارات تفسيره في ضوء معطيات الحضارة، ويجب أن يلاحظ أنه يكرر لفظ الحضارة الإنسانية الواحدة، والتي سبق أن بين أنها حضارة الغرب النصراني.

ولقد استجاب لهذه الدعوات التي إشاعتها النصارى والملاحدة جملة من أبناء المسلمين، وخالطت هذه الشبهات شغاف قلوبهم فصاروا من دعاتها، وما أنباء حسن حنفي ونصر أبو زيد بخافية ولا مستورة، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ولقد فطن صاحب كتاب "أسئلة الشعر" الذي أجرى هذه المقابلة -وهو حداثي معروف- إلى ما فطن إليه باروت من احتواء الحركة اللغوية والأدبية التي قام بها نصارى لبنان على المضامين النصرانية والعقائد والرسوم والرموز الإنجيلية، في التفاف مقصود على عقائد المسلمين، وتأصيل مرسوم لعقائد النصارى، فقال: (. . . كان أدباء هذه الحركة ونقادها يرسخون حركة التوصيل الأنجيلية على أربع مراحل، أولًا، باستعارة الألفاظ الأنجلية، ثانيًا،

(1)

و

(2)

المصدر السابق: ص 163.

ص: 837

باستعارة أسلوب الترجمة الأنجيلية، ثالثًا، بإفراغ اللغة من مدلولاتها القديمة وشحنها بمدلولات إنجيلية، رابعًا، بانهام كل ما يخالف هذه الحركة بالتقعر والحذلقة.

مرت التجربة الأنجيلية للتوصيل قبل تبني يوسف الخال لها، بجسر العلمنة وذلك عبر تجديد دم المعاجم، بعد استغلاق مدلولات المعاجم القديمة، وتعذر مراجعتها، ولقد خطأ معجم المنجد مسافة طويلة في هذا الحقل، مما أضاف على حركةة الأداء طغيانًا خارجيًا آخر)

(1)

.

وأضاف المؤلف نفسه في الهامش: (للتيسير حذف المنجد في طبعته الأولى الشواهد الشعرية المعقدة، وللعلمنة حذف الشواهد القرآنية والحديثية، وبقيت مدلولات الألفاظ في معظم مواد المعجم بطبعته الأولى، محافظة على ذاكرتها الدلالية، مع شيء من التيسير والإضافات، ثم جاءت طبعات المنجد المتوالية، فهدت جسر العلمنة، وفتحت لمواد المعجم العربي، تلك الدلالات الإنجيلية الصرفة)

(2)

.

ويشير إلى دور مجلة شعر ودور يوسف الخال في نقل التجارب النصرانية إلى الشعر العربي، فيقول:(طرحت ولادة مجلة شعر على التوصيل أسئلة ذات خطورة تاريخية وفنية، لم يكتف يوسف الخال بنقل صيغة تجربة أليوت المسيحية إلى الشعر العربي، بل إنه أراد أن ينقل صيغة أليوت المسيحية للتصويل، وكان قمة هذه التجربة الإنجيلية تاريخيًا بالنسبة لحركة الحداثة التي حددت بداياتها بولادة مجلة شعر)

(3)

.

وأضاف قائلًا: (وكانت التجربة المسيحية بالنسبة ليوسف الخال خالقة ومدمرة في آن، فبقدر ما حققت الحركة صيرورتها ضمن الديمومة الإبداعية للتصور المسيحي الشرقي، وأكدت اتزانها في تجسيد ذاتها ضمن مجال

(1)

المصدر السابق: ص 58.

(2)

المصدر السابق: ص 74.

(3)

المصدر السابق: ص 58 - 59.

ص: 838

عدواني)

(1)

.

ويذكر مؤلف أسئلة الشعر معطيات مقابلة أجراها مع الخال فيقول: (. . . لكن يوسف الخال، أسلوبًا ولغة وتجربة، كما يجب أن يحدد، كان أهم بكثير مما قاله عن نفسه في هذه المقابلة، فهو إبداعيًا، أول من اقترب بأسلوبه من أسلوب الترجمة الإنجيلية بشكل حميم ومؤثر في الآخرين، وأول من وضع تلك المفردات ذات المدلولات الإنجيلية الصرف في الشعر العربي الحديث، وأول من دخل إلى الإنجيل من الشعراء المحدثين ولم يخرج منه)

(2)

.

وهذا الذي وصّفه مؤلف أسئلة الشعر يدل على استقرار جيد، وذكاء وحذق، وإن كانت نظرته إلى هذه الإنجيلية عند يوسف الخال، نظرة حيادية من ناحية الغيرة الإسلامية والولاء والبراء، ولكن في أقواله وأسئلته للخال ما يدل على استشعاره القوي بقوة الاتجاه النصراني، وما يتضمنه ذلك من مخاطر ثقافية -هكذا في حسابه- وفي شهادته على هذا الاتجاه -وهو حداثي محب للحداثة- ما يجعل القول في هذه القضية من الأمور المؤكدة الثابتة التي لا مراء فيها ولا امتراء.

وفي مقابلة أخرى أجراها جهاد فاضل مع يوسف الخال، يؤكد الخال أن توفيق صايغ ثم خليل حاوي ثم بدر ثم صلاح عبد الصبور يحتلون أهمية كبرى، ثم يبين سبب هذه الأهمية التي وشحهم إياها فيقول:(إن أهمية الأربعة أنهم "دقوا" بهذه المواضيع الكبرى هذه: الوجودية، وما وراء الطبيعية والوجود والإنسان، واللَّه والخلق والصلب والقيامة، خذ الحلاج عند عبد الصبور، لقد أراد أن يخلق "مسيحًا" في التراث الإسلامي، على الطريقة التي لدينا نحن المسيحيين كان الحلاج عنده "مسيح" الإسلام في الأخير الأخير)

(3)

.

(1)

المصدر السابق: ص 60.

(2)

المصدر السابق: ص 61.

(3)

قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص 294.

ص: 839

ثم يتحدث عن الرمز الوثني الفينيقي "تموز" ويرى أن استخدام هذه الأسطورة هو من أجل معاني إنجيلية نصرانية فيقول: (. . . وتجسد هذه الأسطورة السامية عملية الصلب والقيامة عند المسيح)

(1)

.

وهكذا يتضح تداخل المقاصد والرموز الوثنية والنصرانية، في محاولة محو هوية هذه الأمة النبيلة.

بل لقد أباح الخال بمكنون سر حركة شعر حين قال: (. . . إن عملية مجلة شعر كانت عملية تبشيرية رسولية أكثر من أي شيء آخر)

(2)

.

وقد خصص باروت في قضايا وشهادات جزءًا من مقال طويل عن تجربة شعر بعنوان (محاولة يوسف الخال في صياغة "نظرية الحداثة") يذكر فيه أن سبب جمود العرب أنهم لم يأخذوا التراث الإغريقي والروماني والنصراني، وأنه بسبب تركهم لهذا التراث الذي يقدسه الخال راح العرب في سبات مظلم عميق استمر ألفًا من السنين، ويرى أن العقل العربي في جوهره عقل إغريقي غربي مثله في ذلك مثل طه حسين

(3)

.

ويرى ناقد حداثي آخر أن المستوى الفكري الذي استوت في قراره مجلة شعر ويوسف الخال وأنسي الحاج هو الاتجاه اليميني، وهو تعبير سياسي يقصد به المتدين بدين ما، وبالطبع فقد كان الحاج والخال نصرانيان، والاتجاه الثاني هو اتجاه التغرب والدعوة إلى الغرب

(4)

.

وفي موضع آخر يرى بصراحة أن (التراث الذي يؤمن به شعراء تجمع شعر فهو تراث المراحل الوثنية والمسيحية التي مرت على المشرق العربي بل الهلال الخصيب على وجه التحديد، وهم يفصلون هذا التراث عن التراث العربي فصلًا تعسفيًا مقصودًا فكأنه ليس منه، وهذا هو الآخر واضح في

(1)

المصدر السابق: ص 295.

(2)

المصدر السابق: ص 300.

(3)

انظر: قضايا وشهادات 2/ 256. وانظر: ص 268، 269.

(4)

أفق الحداثة لسامي مهدي: ص 21.

ص: 840

أشعارهم كما هو واضح في كتاباتهم النثرية)

(1)

.

وقد فطن هذا الناقد الحداثي إلى دعوة الخال ومجموعة "شعر" إلى التراث الإنساني، وبين -مثلما ذكرنا آنفًا- أن مرادهم به التراث الأوروبي أو التراث الغربي بوجه عام.

ثم قال: (وعلى الرغم مما يبدوا على هذا المفهوم من "إنسانية" أو "شمولية" فإنه ينطلق أصلًا من نزعة ضيقة تعتمد الوثنية والمسيحية ثراثًا لها وتهمل ما عداهما، بل هي نزعة تقوم أساسًا على توثين المسيحية، أو التوحيد بينها وبين الوثنية، وأبرز من يؤمن بهذا المفهوم يوسف الخال، وقد حاول أدونيس الدفاع عن هذه النزعة وتبريرها في مقدمة المختارات التي أعدها من شعر يوسف الخال فما أفلح)

(2)

.

وهذه المختارات التي ذكر أن أدونيس ألفها عن الخال كان عنوانها "فاتحة التجربة المسيحية في الشعر العربي"

(3)

، ولم أجدها ولم أطلع عليها رغم الحاجة إليها في هذا المبحث.

وفي المقابلة التي أجراها معه الكاتبان الغربيان مؤلفًا كتاب رأيهم في الإسلام وصفاه بقولهم: (ويشارك هذا الكاتب البروتستنتي بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة منذ خمسة عشر عامًا. . .)

(4)

.

ويتحدث الخال عن رأيه في الدين ويرى أن (الثقافة العربية وليدة تفاعل دائم بين مختلف الأديان، ولا يصح وصفها بالإسلامية، أم

(5)

بالمسيحية أم

(6)

بالملحدة، فهي كما كانت دومًا حصيلة جهود أديان شتى، إذ عمد الأدباء في زمن غابر، إلى كتمان انتمائهم لدين أو لآخر، هذا ولم تفصح عنه أعمالهم، خصوصًا تلك التي تقتدي بروائع القدامى كالجاحظ

(1)

المصدر السابق: ص 41.

(2)

المصدر السابق: ص 42. وانظر: ص 171.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 178.

(4)

رأيهم في الإسلام: ص 24.

(5)

و

(6)

هكذا وهي أخطاء لغوية جلية.

ص: 841

والمتنبي وأبي تمام، وقد اعتمدوا فيها أسلوبًا وصفيًا خارجيًا دون الإيماء إلى دين انتمائهم، لم يكن ذلك بالمسلك السليم، فالحقيقة تقضي بإفصاح الكاتب أو الشاعر في العمل الإبداعي عن رؤيته للعالم والوجود من خلال إيمانه، ولا يجوز أن يخشى الادعاءات والاتهامات الكاذبة: بالفئوية ومحاربة الإسلام، الموجهة ضد المسيحيين أو غير المسلمين، إذا ما هم أعلنوا للملأ اعتناقهم دين

(1)

ما تعرضنا لهذه الاتهامات يوم أسسنا حركتنا الشعرية فنعتنا بالفئويين لأننا استعنا برموز وأساطير سابقة للإسلام، فصرنا على ألسن أصحاب النميمة، أعداء

(2)

للتراث الإسلام، فمحاولة حجب صورة التعددية الدينية والمذهبية عن أنظار العالم والتاريخ، وحرمانها من وسائل التعبير وطمس معالمها، تجعل الأدب العربي على جانب من السطحية. . .)

(3)

.

هنا يعترف بتأثير الدين، ولكنه يدخل سراديب المغالطات والأكاذيب حين يزعم أن الثقافة العربية وليدة أديان مختلفة منها النصرانية وهي المقصد من كلامه، ثم يكذب حين يدعي -لتبرير زعمه ومغالطته- أن الأدباء العرب القدامى كانوا على غير ملة الإسلام، ولكنهم تخفوا بذلك، وأنه لا يوجد في كلامهم الإيماء إلى الدين الذي ينتمون إليه، وهذه كذبة من أكبر الأكاذيب، ويُمكن طالب علم صغير أن يدلل على هذا الكذب من كتب الجاحظ ومن شعر المتنبي وأبي تمام، ولكن ليس بعد الكفر ذنب، وهكذا تحمل الأحقاد الدينية صاحبها على التجانف للكذب والظلم والعدوان، وهذا دليل ضعف الباطل وهشاشة حجته، وسقوط أدلته.

ثم يعود ليدندن على قضية التعددية وقد بينا سابقًا كيف حصر الثقافة الإنسانية والحضارة الإنسانية في النتاج الأوربي الذي ينبثق -عنده- من النصرانية، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.

وفي سياق كلامه يذكر أن ازدهار العرب الفاتحين لا قطار الهلال

(1)

و

(2)

هكذا وهي أخطاء لغوية جلية.

(3)

المصدر السابق: ص 25.

ص: 842

الخصيب كان بسبب تأثرهم بحضارات تلك البلاد

(1)

.

ثم ينتصب مفتخرًا بملته وأهل ملته قائلًا: (. . . وكانت أولى اليقظات في مصر، مع توافد المبشرين الكاثوليك والبروتستنت وإنشائهم المطابع والمدارس)

(2)

.

وباختصار نلمس التعصب النصراني في أقوال يوسف الخال تعصبًا جعله، يغالط الحقائق، وينسب الفضل إلى غير أهله، وينزع الفضل والمجد عن أهله وذويه.

عصبية نصرانية تتخذ من الأدب الحديث رداءً لها، ومن التجديد الفكري والثقافي جنة لتبث عقائد المغضوب عليهم والضالين، ونسعى في تخريب عقائد أبناء المسلمين، وسحبهم من النور إلى غياهب الظلمات.

وإذا ذهبنا إلى ديوان الخال لتتبع ما فيه من رموز وأسماء صليبية لوجدنا الكثير الذي يطول الكلام بذكره، فقد غص ديوانه بالمضامين النصرانية، وفاض بعبارات الخلاص والخطيئة والتثليث والتكفير والصلب والصليب وبأسماء نصرانية مأخوذة من الإنجيل المحرف

(3)

.

وقد درس النصراني القبطي غالي شكري بعض شعر الخال وخاصة البئر الأولى وفي آخر دراسته قال: (هذا شاعر مسيحي استطاع أن يجعل من إيديولوجيته شعرًا)

(4)

.

‌2 - توفيق صايغ:

نصراني فلسطيني، تنقل بين أمريكا وبيروت واتخذ الحداثة سلمًا لعقائده وأفكاره.

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 26.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 26.

(3)

انظر: الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص 15، 19، 83، 108، 110، 120 - 194، 198، 201، 221، 225، 226، 227، 285، 291، 307، 309، 328، 340، 346، 347، 357، 363.

(4)

شعرنا الحديث إلى أين: ص 188. وانظر: الدراسة المشار إليها: ص 182، 183، 184، 185 من الكتاب نفسه.

ص: 843

ولد وتربى في أسرة نصرانية متدينة

(1)

لها علاقة وطيدة بالأمريكان من وقت قديم، ولها صلة بالمبشرين الأمريكان

(2)

.

وأمه تربت على يد المنصرة الأمريكية "س فورد"

(3)

.

درس في الكلية العربية في القدس عام 1355 هـ/ 1937 م، وتخرج فيها، وهي الكلية التي أنشأها الانتداب البريطاني، ومن تلامذتها نقولا زيادة ومعروف الرصافي وإحسان عباس وجبرا إبراهيم جبرا

(4)

.

ثم درس توفيق الصايغ عام 1360 - 1362 هـ/ 1942 - 1943 في الكلية الأسقفية

(5)

، ثم عاد إلى القدس يدرس الأدب العربي

(6)

.

يرتبط توفيق صايغ بالغرب قلبًا وقالبًا، ويدافع عن الاستعمار، ويتهم الأدب الفلسطيني بالتخلف لعدم انفتاحه على الأدب العالمي، ومراده -مثل الخال- الأدب الأوروبي، ولا يرى في الأدب والثقافة المنبثقة من الإسلام أي شيء يستحق الذكر، ثم يرد سبب وقوع فلسطين في هذا التخلف إلى (الاستعمار الثقافي الذي فرضته علينا مصر فأعمت بصائرنا)

(7)

.

فهو يدافع عن الاستعمار البريطاني، ويصف الحكم الإسلامي الذي كان يمتد من مصر إلى فلسطين وغيرها يصفه بالاستعمار، وهذا من أثر نصرانيته المكشوفة، إذ يعتبر أبناء ملته من نصارى الغرب أهل نهضة وسبب نهضة وتقدم، ويعتبر حكم المسلمين تخلفًا واستعمارًا.

كيف لا وقد تربى منذ نعومة أظفاره على الإنجيل، وكتب عن ذلك مقالًا وهو في الثامنة والعشرين من عمره بعنوان "الشاعر الأول" و (تكمن

(1)

انظر: توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى: ص 17.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 17 - 18.

(3)

و

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 19. وانظر عن أهمية هذه الكلية: ص 21.

(5)

و

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 22 - 23.

(7)

المصدر السابق: ص 38 - 39.

ص: 844

أهمية المقال في رؤية صاحبه الآخذة من الأناجيل، الشاعر الأول في نظره هو رجل الدين الأول. . .)

(1)

.

ومن أقواله في هذا المقال: (عودوا إلى ما في التوراة من قصص أفعمت روعة فنية خالدة. . . أو اقرأوا الأناجيل وما فيها من قصص حلوة وسرد للوقائع موفق، وترجمة لحياة امتازت من التراجم كافة، عودوا لما فيها من أمثال قصصية وتعاليم مصورة ملونة، أضحت المثال الأول لهذا الضرب من الأدب في كل العصور)

(2)

.

وقد تأثر نتاجه الأدبي والفكري بعقيدته حتى وهو في أحط درجات ماديته، ففي حديثه عن عشيقته (كاي) يصفها بأنها: (تجعل اصطياد الرجال أكثر من هواية لها. . . أليست تُرى بتكريسها ذاتها هذه أنها إنَّما تأتمر بأمر المسيح الذي حرض تلاميذه على اصطياد الرجال؟ أليست تُرى أنها أيضًا وفوق هذا إنَّما تقتدي بالمسيحي اقتداءً أمثل، فتفعل ما فعل هو، وتحاكيه في تنقله من موضع لموضع، من بحيرة لجبل، ومن مزود لخشبة، ومن عشارين وزناة لرجال هيكل وقضاة، كيما يصطاد رجاله؟.

- لو عرفتَك يا يسوع، أما كانت تبعتك حيث ذهبت، أما كنت جلست على قدميك، أما بوستهما، أما تمسمرت بك كما لم تتمسمر بصليب لأنك حلو ولأنك ممتنع؟)

(3)

.

صلى اللَّه وسلم على نبيه عيسى بن مريم، ولعن اللَّه الذين كفروا، الذين يزعمون أنه صلب، وما صلب، والذين يشبهون خديناتهم العاهرات بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

وفي آخرته بعد فضيحة حوار، وانكشاف عمالته للمخابرات الأمريكية، يدافع عن نفسه في مجلة الأسبوع العربي، ثم يختم دفاعه بجملة نصرانية تافهة تدل على مدى تأصل النصرانية في دمه حتى وهو يدعي التخطي والتجاوز، والبعد عن التقليدية، يقول: (أؤمن بقول المسيح: "ليس من

(1)

و

(2)

المصدر السابق: ص 41.

(3)

المصدر السابق: ص 83 - 84.

ص: 845

قال: يا رب يدخل ملكوت السموات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات")

(1)

.

سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم، واللَّه ما قال هذا عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وهو الموحد القائل:{. . . إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)}

(2)

.

أما زعم النصارى الضالين أن اللَّه أبًا في السماء فهذا من الكفر الذي لا يعتقده موحد ولا يقوله مؤمن، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام سيد الموحدين وأعظم المؤمنين في زمنه، وإذا ذهبنا إلى ديوان الصائغ لنرى ما فيه من رموز، نجد أنه قد حشده بكم هائل من الرموز والأسماء والعقائد الإنجيلية النصرانية مثل الثالوث

(3)

، وقوله:(حب يسوع يلفظ البركة)

(4)

، وتكرار لفظ: الصلب، والصليب

(5)

، والنواقيس

(6)

، والكنيسة

(7)

، وقوله عن اللَّه مثلما تقوله النصارى:(وامسح بالدخان أنفاس رب أب)

(8)

، وألفاظ البراءة والمعمودية

(9)

، والخلاص

(10)

وتابوت العهد ومريم

(11)

والدير

(12)

والقديس

(13)

.

(1)

المصدر السابق: ص 139.

(2)

الآيات 30 - 32 من سورة مريم.

(3)

انظر: المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص 76، 353، 354.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 90.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 124، 168، 191، 274، 275، 317، 416.

(6)

المصدر السابق: ص 168، 169.

(7)

المصدر السابق: ص 229.

(8)

المصدر السابق: ص 181.

(9)

المصدر السابق: ص 239.

(10)

المصدر السابق: ص 269.

(11)

المصدر السابق: ص 320.

(12)

المصدر السابق: ص 353.

(13)

المصدر السابق: ص 303.

ص: 846

وله مقطع مليء بالمضامين والأفكار والعقائد النصرانية بعنوان "أربع أغنيات لا حب" يقول فيه:

(مسيحي الدفين، انهضن

مزق الأكفان

لون الوجنتين

واتركن ديار الصقيع. . .

وحنقًا مسيحي عليك

لماذا هرعت للغناء

وكنت تخطو نحو محبيك وئيدًا

وعانقت الصليب. . .

عراة من غيرك معدمين

رفعنا رايتك

وختمتنا بشارتك. . .

مسيحي الدفين، انهضن

مسيحي الشريد، عد

ناديتني قدمًا، فجئتك

بلا تردد)

(1)

.

ثم يختم المقطع بخطاب للَّه تعالى يصفه بأنه استراح يوم السبت كما تقول الخرافة اليهودية، تعالى اللَّه عما يقولون.

وفي مقطع آخر يقول:

(1)

المصدر السابق: ص 190 - 196.

ص: 847

(وكنت استفيق

ارتمي على قدمي المسيح

اسقيهما بدموعي

امسحهما بشعر رأسي

أحاول أن أخضع ثورتي

أفلت زمامها من يدي

بالصلاة بصوم أسبوع بكامله)

(1)

.

هذه بعض نصرانيات توفيق صائغ الذي تميز على كثير من الحداثيين بركاكة أسلوبه، وتفاهة شعره -حسب تسميتهم- والتفكك الظاهر فيه، والعجمة والجهل الضارب بأطنابه في أقواله.

‌3 - جبرا إبراهيم جبرا:

نصراني من فلسطين.

تربى في الكنيسة منذ صغره

(2)

، ودرس في مدرسة الروم الأرثوذوكسيين

(3)

، ثم في مدرسة السريان الكاثوليك

(4)

، وعاش أجواء الكنيسة وألحانها وتراتيلها السريانية وغيرها، وتقلب بين أيدي الكهنة والشمامسة

(5)

، ودرج على ذكر الصليب وأحزانه المريرة، ورؤية تمثال المسيح عليه الصلاة والسلام وهو مصلوب والدم ينزف من كفيه وخاصرته وقدميه

(6)

، ومارس طقوس الكنيسة من صيام ودعاء، وأدى مع أهلها طقوس

(1)

المصدر السابق: ص 306.

(2)

انظر: سيرته الذاتية بعنوان: البئر الأولى: ص 26.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 27، 28.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 35.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 55.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 57.

ص: 848

العبادات المختلفة واحتفل معهم بعيد الفصح وعيد القيامة

(1)

، وفي بيت لحم تقلب بين الأديرة العديدة، التي كانت تذكرة بالصراع بين المسلمين وقومه النصارى من زمان فتح القسطنطينية إلى الحروب الصليبية إلى عهد الانتدابين البريطاني والفرنسي

(2)

.

استمع وصايا الرهبان وتعلم على أيديهم الكثير حتى قال: (صعبة كانت وصايا أبي -يقصد الراهب- ولكنني لم أنسها قط)

(3)

.

ولم ينس جبرا وصايا الرهبان حتى وقد تقلب كثيرًا في مراتع متغايرة، ثم استقر في مدارس الغرب المادية الخشيبة، ليعود إلى بلاد العرب بلاد المسلمين يبشر بالأفكار والمذاهب والمناهج الحديثة التي تلقاها، ولكنه لم يتخلى عن وصايا أبيه الراهب.

يقول تحت عنوان "ما رجيروم في بيت لحم":

(في القبو الفاغر شدقيه على خد السماء

جلستَ مليئًا بالأيام والأسفار

عبر أروقة روما وبيزنطية

وقد هجعت بين جنبيك أخيرًا

رياح فسلفات أثينا

وانطاكيا وبيروت

وأنت في القبو على

مدى خطوتين من مذودٍ

ولد فيه للدنيا عصر جديد

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 57 - 59.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 61 - 65.

(3)

المصدر السابق: ص 68.

ص: 849

سنة إثر سنة في قبوك بين الكتب

وعلى قدميك تراب قدسه دم المصلوب

وبعض شذى من زهور سُقيت

في الليل أغاني الملائكة. . .

كسرة خبز من بلدة الخبز تكفيك

وكوز ماءٍ من عين، لعل الناصري

غسل وجهه ذات يوم قائظ بدمعها

يومًا بعد يوم سمعتَ التراتيل

في الوادي الخصيب، وها هي ذي

لما تنزل تملأ القبور المغارة قرنًا بعد قرن. . .

انطلاقة الهنيهة إلى الأزل

ذلك صوتك الدافق في القبو العتيق

غضوبًا عارمًا بحبه، مرددًا

قصة فداء إله للبشر)

(1)

.

هذه مقطوعة كنسية صارخة يتحدث فيها صاحبها عن "الممدوح النصراني" ويصفه بالعلم والحكمة والعمق؛ لأنه في بيت لحم قد تلقى النور في ذلك القبو القريب من المذود الذي ولدت مريم فيه عيسى عليهما الصلاة والسلام -حسب ما جاء في قصص الإنجيل- ولأنَّه يسير على تراب قدّسه دم عيسى عليه الصلاة والسلام، الذي ينعته بالمصلوب، وفق الخرافة النصرانية، ويشرب من عين ماء لعل عيسى الناصري عليه الصلاة والسلام غسل وجهه فيها، ثم يقرر أن هذا كله من أجل لحظة زمن تنطلق نحو

(1)

المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا إبراهيم جبرا: ص 157 - 159.

ص: 850

الأزل، وحقيقة ثابتة تستمر ولا تنقطع؛ لأنه يردد قصة فداء الإله للبشر، ويقصد به عيسى عليه الصلاة والسلام كما هو التعبير الشركي النصراني.

من هذا المقطع ترى عمق الاتجاه النصراني وقوته عند جبرا بل واعتزازه وافتخاره به، الأمر الذي جعله يصف المقصود بالمدح بهذه الأوصاف الكنسية، التي لا تخطر إلّا على قلب قسيس عميق الإيمان بدينه.

وحين يريد جبرا أن يصور مذبحة حصلت في دير ياسين حين ألقى العدو جثث الذبيحات في بئر القرية، لا ينسى أن يلحق بالأوصاف الحداثية عقيدة نصرانية، يلقيها بطريقة تلقائية تظهره في ثوب البراءة، ليلتقط ذلك من يلتقطه من أبناء المسلمين فيعبر بالتعبير نفسه أو بما يقاربه، وسوف نذكر نماذج لذلك.

يقول جبرا:

(أجفت العناقيد من حولها

واحترق القمح واندلقت

قراب الزيت على بديد الحجارة؟

وعليها صلب عيسى من جديد؟)

(1)

.

وعباراته ومضامينه من هذا الجنس عديدة: صلب وصليب

(2)

، وكنائس شواهق

(3)

، ومسيح

(4)

، وغير ذلك.

وفي الجملة فإن ديوانه الذي لا يتجاوز 260 صفحة ينضح بالعقيدة النصرانية والرموز النصرانية وهو القائل يصف نفسه ومبادئه:

(عشتُ مع المسيح

(1)

المصدر السابق: ص 73 - 74.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 124، 157، 200.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 129.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 164، 174، 199.

ص: 851

ومت معه وبعثتُ)

(1)

.

(إن الحب وردة انتضت سيفًا

مسيحٌ على الجبل

من غير موعظة)

(2)

.

ولا ينسى أن يؤنس نفسه وأهل ملته بالبشارة، ويدفع فيهم محبة العمل للتنصير والدعوة إليه فيقول:

(ألهذا رأينا الرؤى

ورضينا بشفائها، إيمانًا بها؟

ألهذا حملنا الصليب من أفق إلى أفق

مؤمنين بأن بعد الصلب، القيامة؟)

(3)

.

والمراد بالقيامة في المصطلح النصراني قيام المسيح وعودته وهي بشرى يتداولها النصارى، في سياق تبشيرهم بانتصار دينهم المحرف، ولا يعلم الضالون أن عودة المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام ستكون حكمًا بالإسلام ودعوة إليه، وجهادًا على طريق التوحيد، وكسرًا للصليب، وقتلًا للخنزير، وسيعلم الذين كفروا أي منقلب ينقلبون.

ولم يتجاوز جبرا حد عقيدته النصرانية المحرفة قيد أنملة حين وصف خليل حاوي النصراني الآخر بقوله: (كان خليل ينتمي إلى الفترة التموزية التي كان في أساسها غضب وتمرد، ولكن في الوقت نفسه الأمل في أنك إذا ضحيت بنفسك، وجدت نفسك، فالفداء لا شك يؤدي إلى حياة جديدة،

(1)

المصدر السابق: ص 264.

(2)

المصدر السابق: ص 200.

(3)

انظر: تفاصيل هذه الأمور في كتاب التصريح بما تواتر في نزول المسيح للشيخ محمد أنور الكشميري.

ص: 852

أن الموت هو كموت المسيح، يؤدي إلى حياة خالدة للجميع. . .)

(1)

.

هذه ثلاثة نَماذج من أسماء النصارى العرب الحداثيين الذين طالت جعجعاتهم حول نبذ القديم وتجاوز المألوف، ولكنهم ما أرادوا بذلك إلّا الإسلام، أمّا دينهم فلم يبارحوه، بل خدموه ونصروه وآزروه.

وهناك آخرون مئل أنسي الحاج الذي (وقع. . . كما وقعت جماعة شعر، من خلال التجربة الإنجيلية للتوصيل، فيما يسمى بتناقض العواطف تجاه الذاكرة الشعرية، فلقد أعطى بعضهم للحركة معنى دينيًا، وزيف بذلك كثيرًا من القيم الإبداعية التي تفرضها الحركة. . .، لقد دفعها موقفها هذا إلى تلفيق مفهومات متناقضة تجاه الذاكرة الشعرية، فبينما كانت نظريًا تحنق على هذه الذاكرة بوجهها العربي القديم؛ لأنها تشكل طغيانًا على الحركة، وعقبة أمام التجربة الجديدة واللغة الجديدة والأسلوب الجديد، كانت عمليًا تغور في أبعد عمق لهذه الذاكرة عن طريق التجربة الإنجيلية. . .، راح التيار النقلي الجديد يحاول اقتناص حركة التوصيل من الداخل، لتقريبها من أسلوب الترجمة الإنجيلية)

(2)

.

وعلى الرغم مما في هذا الكلام من تجني على التراث واللغة العربية واعتبارها عائقًا من عوائق التجديد والتحديث، حسب مزاعم الحداثيين عمومًا، إلّا أن فيه الحقيقة الناصعة حول محاولات تنصير الأدب العربي الحديث من قبل نصارى الحداثة.

لقد حمل أنسي الحاج الدعوة إلى النصرانية والتغريب وتشبث بأطراف التحرر الفكري والإنسانية الثقافية

(3)

.

(1)

قضايا الشعر الحديث: ص 202.

(2)

أسئلة الشعر: ص 57.

(3)

انظر: أفق الحداثة: ص 21. وانظر: ص 41 - 42.

ص: 853

وهو القائل في تعريف الشاعر: (إن الشاعر الحر هو النبي والعراف والإله)

(1)

، وهذا يوافق الاعتقاد النصراني القائل باختلاط اللاهوت بالناسوت في شخص عيسى عليه السلام

(2)

، ومنهم أميل حبيبي النصراني الفلسطيني الشيوعي المؤسس مع مجموعة من اليهود الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح" والمتفاخر بحصوله على الجنسية الإسرائيلية، والعضو في الكنيست الإسرائيلي

(3)

.

يقول عنه مؤلفا كتاب رأيهم في الإسلام -في معرض الامتداح له-: (يتوجه هذا الكاتب المسيحي إلى الفلسطينيين وهم عائلته الكبرى، بتعابير دينية كالخطيئة، أو ليس الرحيل خطيئة، كما أن البقاء خطيئة "في ازدواجية التفاؤل والتشاؤم" فهل من غنى عن خطيئة قد تأتي بالحلول)

(4)

.

وفي المقدمة التي كتبها والمقابلة التي أجريت معه في هذا الكتاب تجد أن ينكر وأد البنات في الجاهلية وينكر شرب الخمر وأكل الخنزير، لينقض من طرف خفي آيات القرآن الناهية عن ذلك، ثم يسخر بالحجاب للنساء

(5)

.

ويعبر في افتخار واعتزاز قائلًا: (أدهشني إعجاب القراء العرب واليهود بنتاجي)

(6)

.

ثم يتهجم على الإسلام وأحكامه من منطلق نصراني حاقد قائلًا: (لو كان في الشريعة الإسلامية أحكام كفيلة بإنشاء دولة وإدارة دولة عصرية لتحقق الحلم، وفي الواقع لم يتحقق. . . .

(1)

و

(2)

المصدر السابق: ص 35. وانظر: إثبات نصرانية في: ص 171.

(3)

و

(4)

رأيهم في الإسلام: ص 37 - 38.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 40.

(6)

المصدر السابق: ص 44.

ص: 854

بالنسبة إليَّ الدين شأن شخصي، وعند تخطيه هذا الحد يصبح شعارًا. . .، نحن العرب في الأرض المحتلة نرفض النضال باسم الدين)

(1)

.

ومنهم رشيد الضعيف النصراني اللبناني الذي يردد (لا ثقة لدي ولا يقين) ويرفض الدين ويستشهد على قيمة الشهادة بنص من أقوال المسيح المنسوبة إليه في الإنجيل

(2)

.

ومنهم النصراني القبطي المتعصب أدوار الخراط الذي اهتم بشكل قوي ومركز بالوصف المستفيض الذي قل مثيله لطباع وعادات الأقباط وتاريخهم

(3)

.

وقال عن نفسه: (ولجت في بداية الأربعينات ميدانًا جديدًا في الأدب الاجتماعي المصري، إلّا وهو الوسط القبطي، فاخترقته أو حاولت إظهار ميزاته وعاداته وتقاليده، وإن لم أكن الوحيد فإني ولا ريب صاحب المبادرة، وهو ميدان أعرض عنه الأدباء، أمّا عن قصد، وإن [كذا] بطبيعة الحال لقلة المسيحيين بينهم في مصر.

. . . إن وصف المجتمعات القبطية ليس بالعمل السهل إنّما مغامرة تستوجب جهودًا جبارة يقول البعض، ومسعى مشكور "كذا" ومحاولة جريئة برأي البعض الآخر)

(4)

.

ثم يصف رواد النهضة الذين تبنوا اللبرالية الغربية ويذكر منهم سلامة موسى ويخصه بأنه قبطي

(5)

.

ثم يهاجم ما يسميه التوجيهات الدينية التقليدية المتمثلة في الإخوان المسلمين

(6)

، ويهاجم التيار الأصولي -حسب تعبيره- ثم يقول: (بديهي أن

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 46.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 59.

(3)

و

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 71.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 73.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 74.

ص: 855

يرفض الأقباط في مصر، التيار الإسلامي الأصولي، فمقررات المجتمع الكنسي المقدس في كانون الثاني/ يناير 1977 استنكرت وأدانت عقوبة الردة، التي تقضي بأعدام المرتد عن الإسلام، وهذه المسألة تندرج في جملة الضغوطات التي تعاني منها الكنيسة في مصر، مما حدا بها إلى رفض أسلمة المجتمع المصري، وقد دعا البطريرك حينها للصيام ثلاثة أيام احتجاجًا.

يتمسك الأقباط بمبدأ الدين للَّه والوطن للجميع دون استثناء، وتدين به الفلسفة القومية المصرية، وقد شهد تطبيقًا عمليًا في العشرينات والثلاثينات والأربعينات فتشبث به الأقباط، وقاوموا كل محاولة لنقده.

. . . من البديهي تخوف الأقباط من الإسلام الأصولي الداعي، فيما يدعو إليه، إلى الممارسات القديمة كفرض الجزية على غير المسلمين، الخ، فالبعض يخشى أن تعظم الحركات الأصولية نفوذًا وسطوة كما في إيران، أمّا برأيي فهي مؤقتة. . .)

(1)

.

ويُمكن توجيه سؤال إلى أتباع الحداثة من أبناء المسلمين:

أما زلتم في دوامة التضليل التي تنزعكم عن دينكم باسم الحرية الثقافية وعدم الفئوية والطائفية؟ وأنتم ترون هذا الكلام وأشباهه عند أساتذتكم الحداثيين النصارى الذين طالما أشدتم بهم ومدحتموهم؟!.

أليس فيكم غيرة على دينكم -على الأقل- كغيرتهم هم على دينهم؟.

لقد استوعب المخططُ النصراني التذويبي مجموعةً كبيرةً من أبناء المسلمين فأصبحوا يتعاملون مع الدين وكأنه عرض رخيص لا قيمة له عندهم، ولا وزن له في اعتبارهم.

هذا أدوار الخراط النصراني المتعصب الذي يحمل لواء المدافعة عن بني ملته، ضد الإسلام والمسلمين، نجده عند الصحافيين والمتعالمين من

(1)

المصدر السابق: ص 74 - 75.

ص: 856

أبناء المسلمين في مكانة مرموقة، ومحل عال، والإشادة والمديح تترى عليه من كل جانب.

وهو الموقف ذاته من النصارى الأقباط الآخرين مثل سلامة موسى ولويس عوض وغالي شكري.

أمّا خليل حاوي فبالرغم من وجوديته إلّا أنه كان نصرانيًا حقيقيًا وصوفيًا إنجيليًا كما وصفوه

(1)

. هذه بعض مواقف التنصير وعباراته وشواهده عند الحداثيين النصارى العرب، وهي مواقف تؤكد أنهم ما انفكوا عن دينهم وملتهم وإن ادعوا التحرر والانفتاح، بل سخروا أعمالهم التأليفية والعملية في سبيل نصرة المشاريع النصرانية في بلاد المسلمين، ولا يلامون في كل ذلك، فإن من مقتضيات أي عقيدة أن ينتصر لها صاحبها وينشرها ويدعو إليها ويدافع عنها، ويناقض ويعادي من يعاديها، وهذا بعينه ما فعله نصارى الحداثة، وهي مأساة عظيمة، وأمر جلل، غير أن أعظم من ذلك أن المستطرقين من أبناء المسلمين استجابوا لذلك، ليوصفوا بالتحديث، والعصرانية وينالوا رضى الذين لن يرضوا إلّا إذا تخلى المسلمون عن دينهم.

والحداثيون من أبناء المسلمين وصلوا إلى درجة من الاستجابة لدعوات التنصير والتكفير والإلحاد أن أصبحوا معها دعاة لمذاهب أولئك وأدوات في أيديهم يصرفونهم ويحركونهم.

وإلّا فكيف نفسر أن واحدًا من أبناء المسلمين الذين تقوم عقيدتهم على توحيد اللَّه تعالى ونفي صلب عيسى عليه السلام، وتجعل الذنب والتوبة عنه من مسؤولية صاحبه، ولا تقول مطلقًا يتوارث الذنب ثم يأتي بعد ذلك من يقول بالتثليث، وصلب المسيح عليه السلام والخطيئة المتوارثة والتكفير بالنيابة؟!.

(1)

انظر: ملامح النصرانية في شخصيته وشعره في كتاب مع خليل حاوي في سيرة حياته وشعره لإيليا حاوي: ص 80، 81، 84، 332 - 336، 557 - 558، 591 - 600، وغيرها كثير.

ص: 857

وقد يقول قائل من هؤلاء المرتمين على عتبات الكنائس: وما الذي في استخدام ألفاظ من ألفاظ اللغة العربية كالخطيئة والتكفير والصلب والصليب والخلاص والفداء؟.

وهو اعتراض لا قيمة له في ميزان الاعتبار الصحيح، وقد ناقش هذه الأغاليط الشيخ محمود شاكر

(1)

في معرض رده على محمد مندور الذي تصدى يدافع عن لويس عوض ويستجلب رضى نصارى مصر بدعوى الوحدة الوطنية.

وفي رد الشيخ محمود شاكر تأسيس قوي وواضح في هذه المسألة، وننقل منه هنا ما يوفي بغرض هذا المبحث، قال: (وندع هذا الخلط في كلام الدكتور مندور، إلى دلالة الألفاظ التي سبق أن ذكرت في مقالتي الخامسة أن لويس عوض. . . لا يكاد يرى في سماديره إلّا "الصليب" و"الخلاص" و"الفداء" و"الخطيئة" ولا يكاد يرى ما يكتبه الكتاب والشعراء، كتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وصلاح عبد الصبور، وغيرهم، إلّا مقرونًا بهذه العقائد، وهذه الألفاظ هي نفس الألفاظ التي جاء في مقال الدكتور مندور وأفتى فيها بما أفتى!!.

وهذه الألفاظ الأربعة ينبغي أن تدرس بلا غموض ولا إبهام، كما يحاول ذلك من يحاوله من صبيان المبشرين، وبلا استهانة بدلالاتها كما يحلو ذلك للدكتور مندور وغيره ممن يعدها رموزًا لتراث روحي، ولا بأس على المسلم في استعمالها.

كما إن على المسلم كل الباس؛ لأنه طريق محفوف بالمخاطر، لمن صدق نفسه، وعرف حرمة الكلمة كيف تقال، وكيف تفسر، وكيف توضع في موضعها.

(1)

هو: محمود شاكر كاتب وباحث وأديب وصاحب علم شرعي، مصري معاصر، تخرج في كلية الآداب من الجامعة المصرية، بحاثة شديد التدقيق قوي اللغة، عظيم الاحترام للشرع ومقاييسه في الأدب، كان من أوائل الذين عارضوا طه حسين في موقفه من الشعر الجاهلي، والتبعية للغرب وتصدى للويس عوض وغيرهم من المنحرفين، ولد عام 1327 هـ/ 1909 م.

ص: 858

وترتيب هذه الكلمات الأربعة في دلالاتها عند القوم يأتي هكذا: الخطيئة، ثم الفداء، ثم الصلب، ثم الخلاص.

وتلخيص معنى هذه الألفاظ الأربعة في العقيدة المسيحية أن اللَّه تعالى لما خلق آدم من تراب وقال له: {. . . يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}

(1)

فأزلهما الشيطان عنها، بهذه المعصية كما نقول نحن، وهي الخطيئة عند النصارى، أصبحا هما وذريتهما تحت سلطان هذه الخطيئة لا ينفكون عنها، واستحق البشر جميعًا، بخطيئة والديهم، عقاب الآخرة وهلاك الأبد، وهذا هو ناموس العدل الذي لا يتغير، يستحقه من عصى اللَّه سبحانه عندهم، ومن ورث خطيئة آدم وزوجه، فإن عاقب اللَّه آدم وذريته على خطيئتهم بهلاك الأبد، فذلك ما يوجبه ناموس عدله في حكمه، ولكن ناموس رحمته مستوجب العفو عنهم، فناقض ناموس العدل، ناموس الرحمة، فتطلب الأمر شيئًا يجمع بين الرحمة والعدل، فكانت الفدية التي يتم بها ناموس العدل، ويتحقق بها ناموس الرحمة، ولكن ينبغي أن تكون الفدية طاهرة غير مدنسة، وليس في الكون ما هو طاهر بلا دنس إلّا اللَّه سبحانه وتعالى، ولكن تعالى اللَّه أن يكون فدية، فأوجبت المشيئة أن يتخذ جسدًا يتحد في اللاهوت والناسوت، فاتحدا في بطن امرأة من ذرية آدم هي مريم، فيكون ولدها إنسانًا كاملًا من حيث هو ولدها، وكان اللَّه -تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا- في الجسد إلهًا كاملًا فكان المسيح الذي أتى ليكون فدية لخلقه، وهذا هو "الفداء".

ثم احتمل هذا الإنسان الكامل والإله الكامل، أن يقدَّم ذبيحة، ليكون ذبحه تمزيقًا لصك الدينونة المصلت على رأس بني آدم، فمات المسيح على الصليب، فاستوفى ناموس العدل بذلك حقه، واستوفى ناموس الرحمة بذلك حقه، وهذا هو "الصلب".

(1)

الآية 35 من سورة البقرة.

ص: 859

وكان احتمال ذلك كله كفارة لخطايا العالمين تخلصهم من ناموس هلاك الأبد، وهذا هو "الخلاص". . .

وهذه الألفاظ الأربعة، لا تعامل معاملة أشباهها، من جهة دلالتها على عقيدة متكاملة، فالخطيئة في لغة العرب الجاهليين، ثم في لغة المسلمين، لا تحمل شيئًا من معانيها ولوازمها في لغة النصارى، وإن كان اللفظ واحدًا، ومعصية آدم عندنا معصية كسائر المعاصي تمحوها التوبة، وخطيئة كسائر خطايا الناس، تغسلها المغفرة ممن يملك المغفرة، وهو اللَّه سبحانه، وقد بين اللَّه ذلك في قوله:{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}

(1)

فكانت توبة آدم ماحية لمعصيته في الدنيا والآخرة، لا تستتبع عقوبة باقية، وأن اللَّه سبحانه كتب في صحف إبراهيم وموسى {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)}

(2)

فلا يرث مولود خطيئة والد {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)}

(3)

، فهذا ينقض على المسلم استعماله لفظ "الخطيئة" بمدلولها في الديانة المسيحية؛ لأن هذا الضرب من "الخطيئة" لا أصل له في عقيدته، بل هو منهي أن يعتقد توارث الخطيئة؛ لأنه إذا اعتقد ذلك كذب خبر اللَّه في كتابه، بأن لا تزر وازرة وزر أخرى، وتكذيب خبر اللَّه واعتقاد خلافه كفر مجرد، لا يختلف في ذلك أحد من المسلمين ولا العقلاء عامة مسلمين أو غير مسلمين.

وإذا بطل أن يكون للفظ "الخطيئة" عند المسلمين معنى يحمله، كالذي هو عند النصارى، بطل أن تحتاج معصية آدم إلى فدية تتطلّبها ضرورة الجمع بين الرحمة والعدل.

و"الفداء" بالمعنى الذي تدل عليه عقيدة النصارى، غير مفهوم عند أحد من المسلمين، ولا يرى ما يستوجبه، إذ لم تكن الخطيئة عندهم متوارثة

(1)

الآية 37 من سورة البقرة.

(2)

الآية 38 من سورة النجم.

(3)

الآيات 39 - 41 من سورة النجم.

ص: 860

في الذرية، وأمّا ما استوجب معنى الفداء من ألوهية المسيح وبنوته للَّه -تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا- فإن الطفل الصغير يقرأ في أول ما يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)}

(1)

، ثم يتعالى حتى يقرأ بعد ذلك {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}

(2)

، إلى آيات كثيرة بهذا المعنى، فاستحال أن يكون ذلك من عقيدة أحد من المسلمين وإذا استحال هذا، استحال ما يوجب معنى "الفداء" ولا يبقى لهذا اللفظ سوى المعنى اللغوي العربي المشهور.

وإذا بطل هذان المعنيان لهذين اللفظين "الخطيئة" و"الفداء" على الوجه الذي هو من عقيدة النصارى وديانتهم، واستحال أن يقولها المسلم وهو يعتقد فيهما ما يعتقده النصارى، لم يكن للفظ "الصلب" بعد ذلك أي معنى، سوى المعنى اللغوي المشهور. . .، وإذا استحال أن يكون لهذه الألفاظ الثلاثة معنى عند مسلم يعتقد صدق ما أنزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ربُّهُ من القرآن، استحال أن يكون للفظ "الخلاص" معنى مفهوم عنده، على الوجه الذي يعتقده من يدين بالنصرانية وعقائدها)

(3)

.

ثم يلتفت إلى أثر ألفاظ العقيدة وتأثيرها فقال: (. . . وتأتي على النفوس أزمان وأحوال، تكون بعض ألفاظ العقيدة كأنها جو شامل محيط بالنفس الإنسانية، عميق الوخز فيها، شديد التفجير لها من نواحيها، فتجرى الألفاظ عندئذٍ في مد النفس، تلوح معبرة عن معانٍ مختزنة من تجارب القرون التي عاشت بهذه العقيدة)

(4)

.

ثم ينتقل إلى استعمال رواد الأدب المعاصر من أبناء المسلمين لهذه

(1)

سورة الإخلاص.

(2)

الآية 17 من سورة المائدة.

(3)

أباطيل وأسمار: ص 209 - 213.

(4)

أباطيل وأسمار: ص 214.

ص: 861

الألفاظ النصرانية، ويبين مقدار فضاعة الجرم في استعمالها وحجم الاستغفال الذي مارسه النصارى على هؤلاء الأدباء والاستخذاء الذي دانوا به في عقائدهم لصالح أولئك النصارى الضالين، فقال: (ولكن الشيء العجيب المجير، هو أن كثيرًا من رواد الشعر الحديث في السنوات الأخيرة، قد أوغلوا في استخدام هذه الألفاظ الأربعة، وقليل من أشباهها، في شعرهم، وهم جميعًا مسلمون!! فالأمر عندئذٍ يوجب إعادة النظر، أهؤلاء جميعًا قد تواطأوا على استعمال هذه الألفاظ الأربعة بدلالتها اللغوية المجردة، أم بدلالتها التي تتطلبها العقيدة المسيحية مترابطة متواصلة لا ينقطع حبل معانيها المتداعية من "الخطيئة" إلى "الفداء" إلى "الصلب" إلى "الخلاص" كما أسلفت بيانه؟.

فإذا كانوا قد تواطأوا على استعمالها بدلالتها اللغوية المجردة فما الذي ألزمهم هذه الألفاظ الأربعة، ولم يضعوا مكان الخطيئة مثلًا "الإثم" أو "الذنب" أو "الحوب" أو "المعصية" أو "الزلة" أو ما شئت؟، وكيف تواطأوا على تباعد الديار والأوطان على هذه الكلمة، وأي سحر فيها؟، ولم قالوا:"الفداء" وأكثروا، ولم يقولوا قط "الكفارة"؟ ولم قالوا:"الصلب" و"الصليب" ولم يقولوا: "الشنق" و"المشنقة" وهي أشهر وأعرف وأكثر استعمالًا إلى اليوم؟، ولم قالوا:"الخلاص" ولم يقولوا "النجاة"؟ والجواب بلا شك أنهم لم يستعملوها بدلالتها اللغوية، ولا فكروا في ذلك. . .

ومن المغالطة الفاضحة ما قرأته في صحيفة لويس عوض (المعروفة الآن بصحيفة الأهرام!!) حيث زعم الكاتب أن أكبر ما أضافته الحركة الشعرية الجديدة هو الاستعانة بالرمز، فالصلب عند كثير من الشعراء، رمز تضحية الإنسان في سبيل القيمة التي يؤمن بها، والإسلام يعرف كلمة الخطيئة كما قال القرآن الكريم "واغفر لي خطيئتي يوم الدين"

(1)

، وهذا نص كلامه. . . لماذا كان "الصلب" رمزًا للتضحية ولم يكن القتل ولا الشنق ولا المثلة، ولا الخازوق، ما دام الأمر يتعلق باللفظ دون دلالته المرتبطة

(1)

هذه ليست آية كما زعم هذا النصراني.

ص: 862

بمصلوب بعينه أو مقتول أو مشنوق أو ممثل به أو مخزوق!!، وأمّا الخطيئة فلم يقل لنا ما هو الرمز الذي اتخذت، له والإسلام كما يعرف "الخطيئة" وهي التي يحتقبها أبناء آدم، يعرف "المعصية" و"الذنب" وقال في ذكر أبينا آدم:{وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}

(1)

ولم يسم معصية آدم "خطيئة" قط، فهذه مغالطات معيبة (وبالمرة يحسن أن يقال لهذا الكاتب ألا يتبع سبيل المستهينين بحقوق الألفاظ والنقول، فليس في القرآن آية كالتي ذكرها، بل الذي قال اللَّه تعالى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)}

(2)

فلزم التنويه) يا للعجب لصحيفة الأهرام!! ما أشد عنايتها وحفاوتها بما ينشر فيها!!.

وقد ذكرت هذه المغالطة؛ لأنها هي الطريقة المستعملة حديثًا!! في التفكير، ولأنها هي الستار التي يُلقى على الحقيقة المفزعة مضافًا إليه توابل من ذكر "التطور" وسائر الألفاظ التي تباع الآن في الصحف منظومة في الأعمدة. . .

فهذه الكلمات الأربع، وهي أسُّ العقيدة المسيحية، لا يُمكن أن تقع اتفاقًا فيتواطأ عليها بعض الشعراء، لا عن عقيدة، بل عن رمز لشيء يجدونه في حياتهم، فلا يجدون إلّا هذه الأربعة بأعيانها، هذا باطل بالطبع. . .، ولكن هذا الضرب من الشعر، قد تولى منذ قديم صبيان المبشرين الترويج له، والإكثار من التلويح بأنه الجديد الذي لا جديد غيره، وأكثروا في ذلك الصخب واللجاجة في الصحف والمجلات، وقارَن ذلك تفشي شعر "إليوت" ومذهبه في تحديد الثقافة. . .

وبمكر وخبث شديد مُزج بين "أليوت" ومذاهبه، وبين هذا الشعر الذي يحمل الألفاظ الأربعة في فئة غريبة الأطوار من دراويش جبل لبنان، وجلجل الدعاة بالمقالات الطنانة، واتخذت في كل بلد عربي ركائز لهذه الأبواق، تذيع ما يلقى إليها أو تُلقَّنه. . .

(1)

الآية 121 من سورة طه.

(2)

الآية 82 من سورة الشعراء.

ص: 863

فمن هنا بدأت هذه الألفاظ الأربعة تأخذ طريقها إلى ألسنة هذه الطائفة من الشعراء المحدثين، مقرونة بالجملة المبدِّدة لموازنة الشعر القديم، فكان المسلمون من هؤلاء الشعراء، إنّما يستعملون هذه الألفاظ لظنهم أنها جزء متمم لجدة الشعر، والإحساس بواقع الحياة التي يعيشونها، بما فيها من آلام الحيرة والضياع والاستبداد والمخاوف، فكان لهذه الألفاظ الجديدة سحر في نفوسهم، فاتخذوها تقليدًا، بلا فهم لما تنطوي عليه من الدلالات، وكلما نشأ ناشيء منهم، قام له من يثني عليه ويتوجه ويذيع بشعره، حتى يجتذب إلى تقليده آخرين، وتفشت الكلمات وطال عليها بعض الأمد، فلما جاء الاعتراض عليها، التمسوا تفسيرًا لهذه الألفاظ المقلدة التي لا صدى لها في نفوسهم، فقالوا: هي "رمز" فإذا سألتهم: رمز لماذا؟، ولم كانت هذه الأربعة دون غيرها هي الرموز؟ لم يحيروا جوابًا إلّا كالجواب الذي أسلفنا ذكره، بما فيه من المغالطة، فالأمر كله مبني على تقليد مجرد، لا قيمة له. . .)

(1)

.

هذا النص الثمين نقلته مطولًا لما يحتويه من كلام سديد في وصف حالة الاستعارة النصرانية عند أبناء المسلمين من الحداثيين، ووصف حالة التقمص التي يعيشونها، وأسباب المحاكاة الآثمة التي تردوا في حضيضها.

وهو قول جزل في مناقشة هذا النوع من الانحراف، ويُمكن أن يقاس عليه الأنواع الأخرى من الانحرافات المستعارة، وثنيةً قديمة أو مادية معاصرة.

بيد أن الشيخ محمود حصر كلامه في أربع ألفاظ من ألفاظ النصرانية المتداولة في الأدب الحديث، وذلك لكونها الأشهر والأكثر في الاستعمال، ثم لكونها من أسس العقيدة النصرانية، والمتأمل في نتاج الحداثيين يجد أنهم أفرطوا في استعمال هذه الألفاظ وغيرها من الألفاظ والرموز والمعاني والأسماء والرسوم النصرانية.

(1)

أباطيل وأسمار: ص 215 - 219.

ص: 864

ولنورد الآن شواهد من شعر الحداثيين العرب غير النصارى التي حاكوا فيها وقلدوا النصرانية المحرفة، ونبدأ بالطائفيين من النصيريين والدروز والشيعة، ثم نثني بأبناء المسلمين الذين ينتسبون إلى أسر سنية.

وأول الطائفيين النصيري أدونيس الذي حمل لواء الحداثة، مع ارتكاس في الوثنية والباطنية، ففي أحد المقاطع يتحدث عن الصراع بين القديم والحديث، بين الإسلام وتراثه الذي رمز له بالرمل، والغرب وإفرازاته التي رمز لها بالبحر محاكيًا في هذه الرموز وغيرها أستاذه يوسف الخال، ثم يرمز للفكر الجديد بالمصباح ويجعله كنيسة، وراهبة، فيقول:

(أسمر طالع من البحر، مليء بغبطة الفهد، يعلم الرفض

يمنع أسماء جديدة وتحت جفونه يتحفز نسر المستقبل

أسمر طالع من البحر لا تغويه أعياد الجثت، مليء بالعالم

مليء برياح تكنس الوباء، والنسمة الخالقة في رياحه تقسر

الحجر على الحب، على الرقص والحب

آلهة الرمل تنطرح على جباهها، والنبع يدفق العوسجة

ولا موت في البحر

ونأتي إلى بلادنا الأسيرة، حيث المصباح كنيسة

والنحلةُ راهبة)

(1)

.

هذه هي مضامين الدعوة التموزية الأدونيسية المتداخلة في عمق النصرانية والساعية إلى أهدافها الممتثلة في التغريب والتنصير، وسيصفق البلهاء من أبناء المسلمين، ويدافعون عن ذلك، تحت هشاشة الدعوة التحديثية والتطويرية والانفتاح، والثقافة الإنسانية!!!.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس 1/ 224.

ص: 865

وسنجد في أقوال أدونيس أكداسًا من الألفاظ النصرانية منها على سبيل المثال: الصلبان

(1)

، والكنائس

(2)

، والأجراس

(3)

، والنواقيس

(4)

، والكنيسة

(5)

، والقداس

(6)

، ويوحنا المعمدان

(7)

.

وفي معرض امتداحه لجبران خليل جبران يشير إلى أن من أسباب تفوقه أنه تجاوز التراث العربي القديم إلى التراث اليوناني والنصراني

(8)

، وفي الوقت الذي يحارب فيه أدونيس الغيبيات التي جاء بها الإسلام، يؤمن بخرافات جبران خليل جبران التي يزعم فيها أنه يرى المسيح عليه الصلاة والسلام في النوم، ثم أخبر بأنه يراه عادة أربع مرات في السنة، وأحيانًا مرتين وأنه يراه منفوش الشعر

(9)

، يرتدي ثوبًا رماديًا تهرأت حواشيه إلى آخر ما نقله أدونيس من سخافات جبران التي إن كان صادقًا في وصف أنه رأى شيئًا فلابد أنه شيطانه، كما أخبر تعالى {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)}

(10)

.

ثم يخلص أدونيس بعد ذكر هذه الأحلام الخرافية إلى القول بأن (الحلم هنا ليس حلمًا بالمعنى العادي، وإنّما هو رؤية حقيقية، وهذا ما كان

(1)

انظر: المصدر السابق 1/ 238.

(2)

انظر: المصدر السابق 1/ 238، 438.

(3)

انظر: المصدر السابق 1/ 255، 356، 438.

(4)

انظر: المصدر السابق 1/ 255، 356.

(5)

انظر: المصدر السابق 1/ 438، 224.

(6)

انظر: المصدر السابق 2/ 371، 376.

(7)

انظر: المصدر السابق 2/ 293.

(8)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة ص 156.

(9)

ثبت في الحديث الصحيح أن المسيح عليه الصلاة والسلام ليس منفوش الشعر، بل هو سبط الشعر. . . الحديث. أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: واذكر في الكتاب مريم 3/ 1269، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال 1/ 156.

(10)

الآية 36 من سورة الزخرف.

ص: 866

يؤكده جبران، ففي سنة 1919 م يخبر ماري هاسكل أنه رأى المسيح ولم يكن يحلم)

(1)

.

فتأملوا يا أصحاب العقول كيف يجحد هذا الباطني حقائق الدين الثابتة، وينكر وجود اللَّه وألوهيته، ويسخر ويستهزئ بدين الإسلام كلما حانت له الفرصة، ثم ينحني هنا مصدقًا لأقوال الكافر الكذوب جبران، بل يؤكد أن أحلامه ومناماته لم تكن مجرد أحلام بل كانت حقيقة!!، فهل بعد هذا من شك في أن الهدف من كل الحركة الحداثية هو تخريب وتدمير عقائد المسلمين؟.

وفي رثائية حداثية يتوجه بها أدونيس لأستاذه النصراني ومعلمه التموزي أنطون سعادة بعد أن قتل، يحشد أدونيس المعاني والمضامين النصرانية، ويشرح ذلك محمد جمال باروت ويبين المرمى المعنوي من ذلك

(2)

.

وكتاب أدونيس "الثابت والمتحول" يعد عند الحداثين مثلما يعد كتاب "رأس المال" عند الشيوعيين، بل هو تلمود الحداثة، وميثاق عملها، ودستور منهجها، سار عليه الكثيرون وتشبعوا بما فيه، ولم يخرجوا منه إلّا بالعداوة لدين الإسلام واللغة العربية وهذا هدف كاف عند واضع الكتاب، ومن وراءه، بل هو أكبر الأهداف.

هذا الكتاب يصفه أحد النقاد الحداثيين وهو من أصل نصراني، بقوله:(وهذه الحملة في الواقع ليست على العربي كقارئ وناقد فقط، بل على العربي كعربي، ذلك أن العربي عند أدونيس كائن ماضوي لا يعيش في الحاضر، ولا يرى هذا الحاضر إلّا فيما بعد، بعد فترة طويلة من الزمن عندما يستعيده باسم الماضي، وهي حملة تضاف إلى حملته "الصليبية" على العرب في "الثابت والمتحول")

(3)

.

وكيف لا يكون كذلك وهو من تلاميذ كتب هنري لامنس

(4)

اليسوعي

(1)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 201.

(2)

انظر: الحداثة الأول: ص 157 - 158.

(3)

قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص 142.

(4)

سبقت ترجمته ص 720 من هذا البحث.

ص: 867

المنصر البلجيكي الشهير بعداوته الشديدة وبغضه العنيف للإسلام والعرب، وكتبه تنضح بالحقد الهائل، وكانت قرابته الفكرية لهنري لامنس من الأمور الظاهرة

(1)

.

ومن الطائفيين أيضًا الدرزي الفلسطيني توفيق فلاد، وهو وإن كان مجنونًا بالشيوعية ورموزها، إلى حد الفجاجة والابتذال، إلّا أنه لم ينس أن يحشد مع ضلالته الكثيرة جملة من الرموز النصرانية لينال من خلالها أو سمة المدح والثناء والذكر، ومن أقواله في موسكو قوله:

(أتيت من مدينة مشبوحة على صليب)

(2)

.

وقوله:

(على الصلبان منسية

بلادي زهرة الدنيا وعود الند)

(3)

.

وقوله:

(أنا باق

ولن تقوى عليّ

جميع صلباني)

(4)

.

وقوله:

(تكسر السيف في كفي أنا نصفين

لكنني فوق صلباني أقاتلهم)

(5)

.

(1)

انظر: فتافيت شاعر: ص 60.

(2)

ديوان توفيق زياد: ص 21.

(3)

المصدر السابق: ص 127.

(4)

المصدر السابق: ص 130.

(5)

المصدر السابق: ص 503.

ص: 868

وله غير ذلك في الصلب والمصلوب والأديرة والصلبان

(1)

.

ومنهم البياتي الذي هام بالشيوعية، وتغنى بالإلحاد، وذاب وجدًا في موسكو وناظم حكمت ونيرواد وهافانا وبرلين وغير ذلك من رموز الماركسية، ثم أخيرًا يقولون بأنه انصرف إلى التصوف، ولكنه بسبب انغماسه في الحداثة، ومخالطته لمعلميها لا يفهم التصوف إلّا بالمفهوم النصراني، فبعد إقراره بأنه توجه إلى ما أسماه التصوف الثوري يقول:(إن الصوفي اللاهوتي يريد أن يحقق عدالة المسيح في العالم الآخر، أما الصوفي الثوري فهو الذي يريد أن يحقق العدالة على الأرض وهذا هو الفرق بين صوفي السماء وصوفي الأرض)

(2)

.

والشاهد هنا أنه لم يعرف الصوفية إلّا بمفهوم نصراني - مع أن التصوف اسم أطلق بعد مجيء الإسلام على من اتخذ طريقة في التعبد معينة.

وليس المراد هنا تفنيد صحة هذا المنهج أو ذاك، وإنّما المراد بيان مقدار التأثر بالنصرانية إلى الحد الذي جعله ينسب هذا المسلك إلى النصرانية، وكان بإمكانه أن ينسبه إلى التراث الذي عُرف أن هذه التسمية نشأت فيه، ولكن هكذا تكون التبعية في أعمق صورها.

وإذا ذهبنا إلى ديوانه لنرى مقدار التأثر بالنصرانية فإننا نجد عنده من الانحراف الاعتقادي والانغماس النصراني ما يجعل المطلع على أقواله يظن أنه من أصل نصراني عريق، فهو مثل أي نصراني كنسى يؤمن بالفرية القائلة بأن المسيح عليه السلام قد صلب، وله أقوال عديدة في ذلك، منها قوله عن فلسطين وأهلها:

(وكأنْ حلمت بأنني بالورد أفرش والدموع

طريقكم

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 132، 134، 505، 587.

(2)

أسئلة الشعر: ص 227.

ص: 869

وكأن يسوع

معكم يعود إلى الجليل

بلا صليب)

(1)

.

فقد وظف الرموز النصرانية في قضية فلسطين المسلمة وكأن فلسطين للنصارى، ثم إنه يؤمن بخرافة صلب المسيح، ويقول:

(يا فا يسوعك في القيود

عار تمزقه الخناجر، محبر صلبان الحدود)

(2)

.

ويقول:

(نيرون، مثل الحب بأبي أن يبوح

مثل المسيح على الصليب)

(3)

.

ويقول:

(واغرورقت عيناه بالدموع

وقال لي: يسوع، بالأمس مر من هنا، يسوع

صليبه غصنان أخضران)

(4)

.

ويقول:

(وأرضنا الخضراء في مخاضها

مثخنة الجراح

تحلم بالزنبق والصباح

(1)

ديوان البياتي 1/ 213.

(2)

المصدر السابق 1/ 209.

(3)

المصدر السابق 1/ 242.

(4)

المصدر السابق 1/ 278.

ص: 870

تحلم في ألف يسوع سوف يحملون

صليبهم في ظلمة السجون)

(1)

.

أيصدق أحد أن هذا القول يُمكن أن يصدر من غير راهب متعمق في النصرانية؟.

يبشر البياتي أرضنا بالصلبان وأصحاب الصلبان، ويسمي عيسى يسوعًا مثل تسمية النصارى، ويؤكد أنه صلب مثلما تعتقد النصارى.

ويقول مادحًا أحد رفاقه الشيوعيين تحت عنوان "إلى ذكرى ديمتروف":

(مسيحنا كان بلا صليب

كان بلا أكليل شوك

كان في صراعه الرهيب

يوقد ألف شمعة في ليلنا المعذب الكئيب

ألف يهوذا

حوله كانوا

ولكن يد الشعوب

أقوى من الموت ومن محاكم الفاشست

والتعذيب

كل مساء كان من جراحه ألف يهوذا

يلعقون الدم، في صراعه الرهيب

لكنه كان بلا صليب

(1)

ديوان البياتي 1/ 288.

ص: 871

يسخر من قضاته

من صالبي المسيح، من مدبري الحروب)

(1)

.

وله مقطع بعنوان (المسيح الذي أعيد صلبه)

(2)

.

ويقول:

عانيت موت الروح

في هذه الأرض التي يهدر في جبالها

وعد عقيم وتجوع الريح

ويصلب المسيح)

(3)

.

ويقرر خرافة النصارى في أن عيسى عليه السلام وضع على رأسه تاج الشوك عند صلبه، فيقول:

(يسقط تحت قدم المسيح تاج الشوك)

(4)

.

ويقرر فكرة الفداء والانبعاث النصراني، وذلك في قوله:(لو عاد للعالم أمواته، لاحتضنوا في أرضنا المزهرة، ألف يسوع في جراحاته، مات لتحيا فكرة نيرة)

(5)

.

ومن أقواله الدالة على تمكن عقائد النصارى في قلبه واستيلائها على مشاعره قوله:

(ثانية سيقبل المخلص المسيح

لكنه في هذه المرة يأتي من بلاد الليل والثلج ومن وراء

(1)

المصدر السابق 1/ 342.

(2)

المصدر السابق 1/ 375.

(3)

ديوان البياتي: ص 2/ 167.

(4)

المصدر السابق 2/ 170، ونحوه 2/ 436.

(5)

المصدر السابق 1/ 229.

ص: 872

هذا الحائط المرصوص

هأنذا أراه في الغيب وفي بوابة المستقبل البعيد

يحمل سيفًا بيد وغصن زيتون بأخرى باسطًا صليبه فوق

خطام العالم القديم)

(1)

.

وهنا أود أن أؤكد للقارئ بأن الذي يقول هذا القول هو عبد الوهاب البياتي العراقي وليس قسًا من قساوسة الكنائس.

ويقول:

(. . . ابحث في الجحيم

عنها وعن عدالة الثورة والمسيح

عن قدر الإغريق)

(2)

.

ويقول:

(ونهض الموتى من القبور

يبتهلون لمسيح العالم الجديد)

(3)

.

أمّا ألفاظ الصلب والصليب والصلبان فما أكثرها في ديوانه، ابتداءا من الإهداء الذي يقول فيه:

(إلى زوجتي التي حملت معي صليب الألم. . .)

(4)

.

ويقول:

(أنا هنا وحدي على الصليب)

(5)

.

(1)

المصدر السابق 2/ 265.

(2)

المصدر السابق 2/ 163.

(3)

المصدر السابق 2/ 266.

(4)

ديوان البياتي 1/ 5.

(5)

المصدر السابق 1/ 219.

ص: 873

ويرسم صورة وادعة كأحد المنصرين فيقول:

(ويداك، حبًا، ترسمان حمامة بيضاء تحتضن الصليب)

(1)

.

ويتحدث عن العرب اللاجئين قائلًا:

(يا من رأى أحفاد عدنان على خشب الصليب مسمرين)

(2)

.

وكل أقواله المتضمنة لفظ الصليب والصلب لا تخرج من المضمون النصراني، ولا تحيد عنه.

ومن المصطلحات النصرانية التي ترددت في كلامه "دم المسيح"

(3)

وإطلاقات لفظ "الصلاة" بمعناها عند النصارى

(4)

.

وبعد هذه الإشارات ينبغي القول بأنني أثناء اطلاعي على دواوين وكتابات الحداثيين لم أجد -من غير النصارى- إغراقًا في المفاهيم والألفاظ والعقائد والمصطلحات النصرانية مثل الذي وجدته عند البياتي، فهل كان ذلك لمجرد الموافقة؟ فبئس بها من موافقة!! أم أنه الاعتقاد الصميم، انغرس في قلبه من كثرة مخالطته لكتب وأشخاص النصارى من العرب إلى الروس ثم إلى الأسبان أخيرًا؟.

وهذه أقواله وهو يحارب الأديان ويرى أنها أفيون الشعوب، حسب عقيدته الشيوعية، فما الحال لو كان يعتقد غير ذلك؟.

علمًا بأن من كانت هذه أقواله، فلا يبعد أن يكون قد تحول إلى النصرانية بوجه من الوجوه، مع بقائه على شيوعيته في أوجه أخرى، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور.

(1)

المصدر السابق 1/ 222.

(2)

المصدر السابق 1/ 440، وأقوال أخرى في الصليب والصلبان. انظر: 1/ 139، 265، 318، 460، 2/ 17، 124.

(3)

انظر: المصدر السابق 1/ 415، 438، 2/ 95.

(4)

انظر: المصدر السابق 1/ 275، 2/ 144.

ص: 874

وإذ جئنا إلى المعلم الأول الذي شق لمن بعده طرق الاقتداء بالإنجليز وغيرهم، وسن سنن المحاكاة لهم، إلى أول من ابتدع بدعة التقليد الشعري للغرب إلى بدر شاكر السياب رائد الحداثة الأول الذي تشير إحصائية سريعة أنه في قصيدة واحدة هي أنشودة المطر، استعمل رمز تموز 17 مرة ورمز المسيح 20 مرة، ورمز عشتار 17 مرة، والصلب 31 مرة، وأدونيس 3 مرات، وآتيس مرتين، (وكلها -كما يقول باروت- رموز انبعاثية ذات دلالة مركزية واحدة. . .، هكذا يضيء الرمز التموزي مرجعه ويضاء به، فتتداخل الرموز مع الواقع، وتبرز النبوة

(1)

كتوجس لزمن جديد يتمخض، ويغدو الشاعر نبي

(2)

الجماعة، يغور فيها ويكشف أحلامها، فتتداعى صورته في الماضي "الوثني، المسيحي، الإسلامي". . . هكذا يرى السياب الشاعر كالقديس يوحنا ومن هنا يتحول الشعر إلى رؤيا رفض واحتجاج، يتثبت بتعويذة "الأمل في الخلاص" يكتب لغة زمانية ويتوجس آفاقه)

(3)

.

كلام إشادة وشرح وتوضيح لمعاني الرموز عند السياب، وهو مترع بالمآخذ، والذي يهمنا منه أنه أشار إلى المنحى النصراني بالإحصائية أولًا، ثم بدلالات هذه الرموز المحصاة، والتي أدخل من ضمن دلالاتها المعنى الإسلامي تجاوزًا ومغالطة، إذ لم يرد في الرموز ما يشير إلى أي معنى إسلامي، وإنّما هي الرموز الوثنية والنصرانية.

وفي إشارة مشابهة، وأكثر تفصيلًا وعمقًا، يذكر إحسان عباس في كتابه بدر شاكر السياب تحت فصل "تموز - المسيح" وكيف تقلب السياب بين الرموز الوثنية والرموز النصرانية، وأنه يتكئ على المنطق الشعري وحده لا على المنطق العقلي، وأن السياب كان يرى أنه ليس من الضروري أنه نقتصر على أساطير تربطنا بها رابطة من البيئة أو التاريخ أو الدين، بل يُمكن

(1)

و

(2)

هذا من استعمالات الحداثيين العادية، وسوف يأتي في أوجه انحرافاتهم في النبوات تفصيل ذلك إن شاء اللَّه.

(3)

الحداثة الأولى: ص 136.

ص: 875

الاستعانة بأية أسطورة غريبة عنا ما دامت تخدم غاية شعرية

(1)

.

ويعقب إحسان عباس على هذه القضية قائلًا: (ولست أجد حرجًا في الإجابة عن سؤال يخطر للقارئ في هذا الموقف، وهو: كيف يستطيع شاعر مسلم أن يتخذ من "الفداء" -وهو أحد المعالم البارزة التي تفصل فصلًا تامًا بين الإسلام والمسيحية- رمزًا في شعره؟.

والجواب على هذا السؤال لا ينفك عن أحد الفروض الآتية: إمّا أن ذلك الشاعر لم يفهم فكرة "الفداء" في المسيحية، وإمّا أن فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني الذي نشأ عليه منها، وإمّا أنه -في سياق الشعر- يعد الفداء أسطورة من الأساطير، فهو لا يراها حقيقة تاريخية، وفي هذا الموقف الأخير يضع الحد بين الظاهر والحقيقة أمام عيني قرائه؛ لأن الحقيقة حينئذٍ تتصل بضميره الفردي)

(2)

.

أمّا أن الشاعر المحاكي للنصارى في ألفاظهم لم يفهم فكرة الفداء في النصرانية، فذلك لايعذره ولا يعفيه، وإلّا لذهبت أمور الناس فوضى حتى في الحقوق الخاصة بدعوى عدم الفهم لمقصد العبارة!!، وإمّا أنه فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني والعقيدة القابعة في ثنايا اللفظ والمصطلح فذلك أمر لا يُمكن تصوره، إلّا على مناهج الحداثيين الذين يلغون دلالات الألفاظ، فهؤلاء يُمكن أن يقال للواحد منهم:"أيها الخنزير القذر" ثم يقال له إذ غضب: ليس لهذا اللفظ دلالة حسب مذهبك، إذن فلا يُمكن استخدام اللفظ الدال على عقيدة معينة دون أن يعبأ صاحبها بالموقف الديني الذي نشأ عليه، وإلّا فلماذا لايستخدم لفظًا آخر يدل على المعنى نفسه، فبدل الفداء التضحية مثلًا، ولولا أن اللفظ بإشاعاعاته الاعتقادية قد تمكن من نفس المستعمل له لما تلفظ على وجه الخصوص به دون غيره.

وإذا قبلنا مثل هذه الحجة التي يعتذر بها إحسان عباس عن الحداثيين

(1)

انظر: بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره لإحسان عباس: ص 305.

(2)

بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره لإحسان عباس: ص 305.

ص: 876

فإنه لا يبقى أي مجال للنظر في المعاني التي تدل عليها الرموز والأسماء والرسوم والمصطلحات، وهذا كذب مبين وافتراء لا يُمكن أن تصدقه العقول!!، والخرس والصمم خير من هذا الكلام ومن سماعه.

أمّا أنه يعد الفداء أسطورة ثم يقول "في سياق الشعر" -وهي عبارة اعتذارية تحتوي على مجاملة بغيضة للنصارى- فلم إذن يوظفها في السياق توظيفًا معنويًا يدل على الأصل الديني لها؟.

ومثل هذا الكلام مثل الذي يقول: ندخل الكنيسة يوم الأحد لأداء القداس كما تقول النصارى ثم يقول: أنا لا أعتقد أن ذلك صحيحًا بل اعتقده أسطورة!!.

وقد ذكر إحسان عباس ثلاثة أوجه لاحتمالات تصور استخدام الأسطورة، ونسي أو تناسى أن يذكر أهم وأبرز وأعمق احتمال، وهو: أن يكون الكاتب أو الشاعر قد تأثر اعتقاديًا -ولو في الجملة- بهذه العقيدة، فاستخدم رموزها وألفاظها ومصطلحاتها.

وذلك أن استعمال الرمز على نحوٍ ما لابد أن تكون وراءه دوافع جعلت المتكلم به يختار هذا اللفظ دون سواه، فإذا كان هذا اللفظ ابتكر أو استخدم من أجل الدلالة على شيء معين، من عقيدة أو سلوك أو غير ذلك، كان هذا دليلًا على أن استعمال هذا اللفظ دون غيره آت من التأثر بهذه العقيدة أو الفكرة.

ولو أساقطنا مثل هذه المعايير لذهبت دلالات الألفاظ ولضربت الفوضى بأطنابها في الحياة العامة والخاصة.

والذي يريد فصل لفظ "الفداء" و"الصلب" و"الخطيئة" و"التكفير" عن أصولها الاعتقادية -زعمًا أنه لا يريد ذلك ولا يقصده- يكون بمثابة من يفصل لفظ "الزنى" -مثلًا- عن مدلوله ومعناه.

فلو قال قائل لآخر "يا زاني" لكان المتبادر إلى الذهن أنه يرميه بفعل

ص: 877

الفاحشة سفاحًا، ولا يصح له أن يحتج بأنني لم أرد المدلول المعروف لهذا اللفظ؛ لأن هذه سفسطة تمجها كل العقول.

وعودة إلى السياب واستعمال الرموز النصرانية، يقرر إحسان عباس أن هناك دوافع عديدة حفزته لهذا الاتجاه، منها انفصاله عن الحزب الشيوعي، فكان في حاجة إلى تبني مشاعر جديدة تعوض اهتزاز المقاييس المادية، فتعلق بالصفحة الإسلامية من القومية العربية.

ولكن ماديته القديمة كانت تجعله جريئًا في التعبير عن بعض المقدسات باستخفاف، وأحس بالحاجة إلى الإسعاف في الهرب من التكفير المادي، (ووقع في تلك الأثناء بشدة تحت تأثير "اديث سيتول"

(1)

وتكرارها الممل للصور المسيحية، ولكنه بدلًا من أن يشعر بالملل من ذلك التكرار شعر بيسر الاستعارة لتلك الصور، وبسهولة جريانها على سن قلمه، فاحتذاها دون تفكير عميق فيما قد تعنيه من الزاوية الدينية، ثم تم في سياق تلك الحال النفسية اتصاله بمجلة "شعر" البيروتية، وقد كان بدر يحس عندما اقترب من تلك المجلة أنه يدخل حومة "شعائر" جديدة -إن صح التعبير-، وأن عملية "الارتسام" هذه تتطلب قسطًا من المشاركة في اللون والسمة والفكرة، وقد عرفنا فيه من قبل نماذج من هذا التكيف الذي يشير إلى أن "النواة الصلبة" في شخصيته كانت مفقودة، وسمينا هذه النزعة ميله إلى المراضاة، والميل إلى المراضاة حين يصيب الأعماق لا يغدو وحسب "حربائية" بغيضة، بل يتجاوز التلون الظاهري إلى أمور في صميم الفكر والعقيدة، وحينئذٍ يمس فيما يمسه حقيقة إيمانه الفني، وذلك هو ما يهمنا في هذا المقام دوان سواه.

وحين تم ارتسام السياب في أسرة "شعر" كانت لديه بوادر الإحساس

(1)

اديث سيتول، ويقال: أيدت سيتويل شاعرة وناقدة إنجليزية أسهمت في حركة التجديد الشعري متحدية كل التقاليد الأدبية بعامة، والشعرية بخاصة، وقد تأثرت بالمدرسة الرمزية الفرنسية ولدت عام 1305 هـ/ 1887 م. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1292.

ص: 878

بأسطورة تموز، وهذه سهلت عليه الانتقال إلى رمز المسيح، إذ كان ذلك نقلة من فكرة فداء إلى فكرة فداء)

(1)

.

فالسياب لما ترك الشيوعية المادية، مال إلى الأخذ بالدين، أي دين، أما الإسلام فحسب ما وصف إحسان عباس فقد تعلق بالصفحة الإسلامية من القومية العربية، أي أنه لم يتعلق حقيقة بالإسلام، بل بصورة مشوهة عنه، وحتى في هذا، فإنه كما وصف عباس اجترأ على المقدسات الإسلامية واستخف بها، أمّا الدين النصراني فقد تابع "أديث سيتول" وأخذ عنها وقلدها وكرر مثلما كررت، وأطنب مثلما أطنبت، ثم دخل مع عصابة "شعر" وتلون بلونهم، وقد مر معنا أنهم كانوا يتبنون النصرانية والفينيقية ويعادون الإسلام والمسلمين والعرب واللغة العربية، وينادون بالمتوسطية إبحارًا نحو الغرب.

أمّا قول إحسان عباس بأن الصور النصرانية جرت على قلمه دون تفكير عميق فيما تعنيه من الزاوية الدينية، فهذا غير صحيح على الإطلاق، وسوف يأتي من شواهد شعر السياب ما يؤكد أنه كان يورد الأسماء والرموز بمضامينها الاعتقادية والفكرية النصرانية، وعلى الرغم من التفات إحسان عباس إلى هذه النواحي الدينية في هذه الدراسة، إلّا أنه فاه بأمر عظيم حين قدم مسألة الإيمان الفني على ما سواه، أي: أن يهتم بالقضية الفنية وما عليه من القضايا الاعتقادية والفكرية، وهذا زلل كبير وخطل، وتقديم الذي هو أدنى على الذي هو خير.

ثم يورد إحسان عباس نموذجًا للتكيف الطوعي الذي أبداه السياب للالتقاء مع مجلة شعر ونصارى حركتها المريبة، وهي المحاضرة التي ألقاها في أمسية دعته المجلة إليها في بيروت حيث طغى النغم الديني على تلك الكلمة، ذلك النغم الديني الذي تحدث به السياب عن تصوره للشاعر من خلال رؤيا القديس يوحنا، وغير بعيد عن هذا الجو نفسه أن تكون القصيدة

(1)

بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره لإحسان عباس: ص 306.

ص: 879

الثانية التي نشرها في مجلة شعر بعنوان "المسيح بعد الصلب"

(1)

.

وقد أشار كاتب مقدمة ديوان السياب، إلى الاتجاه الأسطوري والنصراني وقضية التحول من الشيوعية إليها، وقصة الفداء التموزي والمسيحي

(2)

.

وتحدث عن موارد ثقافة السياب والتي هي خليط عجيب غير متجانس، ومنها الإنجيل والتوراة والفكر الماركسي

(3)

.

فإذا ذهبنا إلى الديوان لنرى بعض الأمثلة على تأثر السياب بالنصارى فإننا نجد الشواهد العديدة ومنها، قوله:

(على قلبك انهدُّ تحت الصليب المعلق في صخرة الكبرياء)

(4)

.

ولا يكتفي بهذا الاستعمال الذي قد يبدو بريئًا في أعين المستغربين، ولكنه يصف نفسه بأنه المسيح، وأنه يعيش في حياة النفي، ويحمل صليبه معه، وفي هذا إقرار واضح بأنه يعتقد في المسيح عليه الصلاة والسلام ما يعتقد النصارى من فرية الصلب، يقول السياب:

(غنيت تربتك الحبيبة

وحملتها، فأنا المسيح يجز في المنفى صليبه)

(5)

.

وهذا تكذيب مشكوف للقرآن العظيم، واعتقاد جلي بعقائد النصارى المحرفة.

وقال:

(وعر هو المرقى إلى الجلجلة)

(6)

.

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 307.

(2)

انظر: مقدمة ديوان السياب لناجي علوش: ص (ن ن).

(3)

انظر: المصدر السابق: (غ غ) و (أأ أ).

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 245.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 321.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 391.

ص: 880

ثم شرح في الهامش قائلًا: (الجلجلة الجبل الذي حمل المسيح صليبه إلى قمته)

(1)

.

وهذا تبني واضح لعقيدة النصارى في الصلب.

ونحو هذا قوله:

(من الذي يحمل عبء الصليب. . .

من ينزل المصلوب عن لوحِهِ؟

من يطرد العقبان عن جرحه؟

من يرفع الظلماء عن صبحه؟

ويبدل الأشواك بالغار؟)

(2)

.

ثم كتب في الهامش: (وألبسوا المسيح تاجاَ من الشوك سخرية به)

(3)

.

وفي مكان آخر يقول:

(هذا حصاد السنين:

الماء خمر والخوابي غذاء)

(4)

.

ثم شرح في الهامش قائلًا: (وأحال المسيح الماء إلى خمر فشرب الحاضرون)

(5)

.

وفي موضع آخر يمزج بين الرموز الوثنية والنصرانية قائلًا:

(صالبًا عينيّ - تموزًا، مسيحًا

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 391.

(2)

و

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 423.

(4)

و

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 426.

ص: 881

أيها الصقر الإلهي ترفق)

(1)

.

ويقول:

(كان، في كل مرمى، صليب وأم حزينة

قُدس الربُ

هذا مخاض المدينة)

(2)

.

وله أشياء أخر من هذا القبيل

(3)

.

ولم يجد أحد الدارسين لأعمال السياب إلّا أن يقرر بأنه يختلط فيه: (المتنبي بأليوت، وايديت ستويل بأراغون، شيوعي ولبرالي وقومي عربي وثوري وملحد ومؤمن، رجل يجمع كل المتناقضات في شخصه وثقافته وانتماءاته، أحدث ثورة في الشعر العربي. . .)

(4)

.

نعم السياب خليط متناقضات، بيد أنه لا يُمكن أن يجتمع في شخص واحد إيمان وإلحاد؛ لأن أحدهما بالضرورة ينفي الآخر.

وكما تأثر السياب بالإنجليزية ايديت ستويل فقد تأثر بأعظم ما يكون التأثير بأليوت

(5)

، وسيأتي بيان نصرانية أليوت وتأثيره في الحداثيين العرب، ولعظم ما ملأ السياب شعره بالمضامين النصرانية ابتهج بذلك أحد رهبان النصارى، وتمنى أن يكون قد تبحر في معنى الصليب، ليهون عليه ما يبدو من عذاب في شعره، ثم قال: أليس هو الذي يقول: (أنا المسيح يجر في المنفى صليبه)

(6)

.

(1)

المصدر السابق: ص 430.

(2)

المصدر السابق: ص 462.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 325، 327، 368، 373، 424، 461، وغيرها كثير.

(4)

دراسات في نقد الشعر لإلياس خوري: ص 27.

(5)

الحداثة الأولى: ص 167، 168.

(6)

أسئلة الشعر: ص 74 هامش رقم 26، ونقل هذا القول عن مجلة الشرق البيروتية 3733 بين 1382 - 1388 هـ/ 1963 - 1969 م.

ص: 882

ولأدباء مصر من الحداثيين مشاركة فعالة في الأخذ من سراديب الكنائس.

ومنهم صلاح عبد الصبور، الذي وصفه عبد المعطي حجازي قائلًا:(استخدم صلاح التراث القديم وتراث الشعر الشعبي المصري، واستخدم كذلك حتى تراث الصوفيين، وتراث الكتب المقدسة وبالتحديد لغة التوراة والإنجيل، إلى جانب استفادته من ثقافته الإنجليزية)

(1)

.

ولم يذكر القرآن ولا الكتب العربية كما نص على ذكر التوراة والإنجيل، وهذا قدر مشترك بين الاثنين في الإعجاب بالكتب المحرفة والتمدح بالاطلاع عليه، بل وبتأثره بلغة هذه الكتب.

فما ظنك بقوم هذه ثقافتهم التي يفتخرون بها، وهذه مرجعيتهم التي يؤول إليها فكرهم وشعرهم؟.

وهذه نماذج من أقوال المتتلمذ على تراث الكتب المقدسة، يقول في مقطوعة بعنوان "القديس" مصورًا نفسه في هيئة قديس، أو واصفًا أحوال وأعمال القديس:

(إليّ إليّ يا غرباء يا فقراء يا مرضى

كسيري القلب والأعضاء قد أنزلت مائدتي. . .)

(2)

.

ثم يصف جلوسه مع الكتب ويقول بأنها قالت له أقوالًا منها:

(وأن اللَّه قد خلق الأنام ونام

وأن اللَّه في مفتاح باب البيت)

(3)

.

تعالى اللَّه عما يقول علوًا كبيرًا.

ثم يقول بأنه (ذات صباح

(1)

قضايا الشعر الحديث: ص 260.

(2)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 175.

(3)

المصدر السابق: ص 176.

ص: 883

رأيت حقيقة الدنيا. . .

رأيت اللَّه في قلبي)

(1)

.

وسواء أراد الرؤية القلبية أو الرؤية البصرية فإن ذلك مما لا يليق إطلاقه على اللَّه وخاصة من إنسان عرف من كلامه الاستهانة باللَّه تعالى، كما في قصيدته "الناس في بلادي"، وها هو في هذه المقطوعة بعد أن ذكر هذا القول يواصل في وصفه لحاله، بأنه قد امتلأ بالحكمة فيقول:

(شعرت بأنني أصبحت قديسًا

وأن رسالتي

هي أن أقدسكم)

(2)

.

وهكذا يصبح قديسًا، ولم يقل أصبح عابدًا أو عالمًا أو ناسكًا أو زاهدًا أو حكيمًا أو أي وصف من الأوصاف المعروفة في تراث المسلمين، بل اختار أن يكون قديسًا، الوصف الذي يتداوله النصارى ويعرّفون به عبادهم، فالرؤية التي ذكرها والقداسة التي ادعاها تتناسب مع الاعتقاد النصراني في أن القديس عندهم يصل إلى درجة الرؤية وبها يصبح قديسًا.

وفي مقطوعة بعنوان "عيد الميلاد لسنة 1954 م" -وهذا أيضًا من التأثر بالنصارى- يقول:

(يا عيد يا نبعي الكئيب، يا ذكر إنسان غريب

حمل الذنوب عن القطيع فمات من وقر الذنوب

يا لاهثًا فوق الصليب، يكاد يسألك الصليب

لم مت من دون الصليب)

(3)

.

فها هو يقرر عقيدة النصارى بتفاصيل خرافاتها، الفداء، وحمل خطايا العالم، وصلب المسيح. وكلها مسائل اعتقادية خالط فيها النصارى ومازجهم وتحدث وكأنه أحد كهنتهم!!.

(1)

المصدر السابق: ص 177.

(2)

المصدر السابق: ص 178.

(3)

المصدر السابق: ص 41.

ص: 884

ثم يقولون بعد ذلك بأن الرموز والألفاظ لا أثر لها في اختلاف الاعتقاد، ما دامت تؤدي دورًا فنيًا بحتًا، وهذا كله كذب على الحقيقة وافتراء تأباه عقول أولي الألباب، ولكن الحداثيين لا يفقهون.

وفي موضع آخر يستخدم الصلب والمصلوب في سياق الغزل ولكن بمضمون نصراني بحت، فيقول:

(أنا مصلوب، والحب صليبي

وحملت عن الناس الأحزان

في حب إله مكذوب)

(1)

.

وله أقوال عديدة مشابهة، استخدم فيها الصلب والصليب والمصلوب والدير وغير ذلك

(2)

.

أمّا بلديه وعصريه وزميل دربه أمل دنقل، فقد اغترف من برك المعمدانية النصرانية حتى تمثل، ومن فائض ثمالاته قوله:

(ما أحلى أن يضطرب الموج فينسدل الجفنان

وأنا أبحث عن مجداف

عن إيمان

في صمت "الكاتدرائيات" الوسنان

صور للعذراء المسبلة الأجفان

يا من أرضعت الحب صلاة الغفران

وتمطى في عينيك المسبلتين

شباب الحرمان

(1)

المصدر السابق: ص 124.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 82، 84، 148، 150، 195، 862، 863.

ص: 885

ردي جفنيك

لأبصر في عينيك الألوان

أهما خضراوان

كعيون حبيبي؟)

(1)

.

أعز اللَّه مريم وقدسها عن هذا الهراء المقتبس من تخاريف النصارى وضلالاتهم.

ويفتتح مجموعته الشعرية المسماة بالعهد الآتي بكلام "العهد القديم" وآخر من "العهد الجديد" وهو كلام خبيث ردئ كرداءة معتقداتهم.

النص الأول:

(وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد

منا عارفًا الخير والشر)

(2)

.

والافتتاح بهذه النصوص تدل بجلاء على مدى قربه من النصارى، وتأثره بهم في أفكارهم وعقائدهم، ثم يورد في ثنايا هذه المجموعة مقطعًا بعنوان "سفر التكوين"

(3)

، "الإصحاح الأول"

(4)

و"الإصحاح الثاني"

(5)

و"الإصحاح الثالث"

(6)

و"الإصحاح الرابع"

(7)

و"الإصحاح الخامس"

(8)

، وفيه يقول:

(1)

الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص 97 - 98.

(2)

الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص 263.

(3)

و

(4)

المصدر السابق: ص 267.

(5)

المصدر السابق: ص 268.

(6)

المصدر السابق: ص 269.

(7)

المصدر السابق: ص 271.

(8)

المصدر السابق: ص 272.

ص: 886

(رأيتني الصليب والمصلوب)

(1)

.

ثم مقطعًا آخر بعنوان "سفر الخروج"

(2)

وكل العناوين الجانبية بعنوان الأصحاح الأول. . . الثاني مثل المقطع السابق

(3)

.

ثم مقطعًا آخر بعنوان "سفر ألف دال" أي أمل دنقل، وكل مقطع منه بعنوان الأصحاح

(4)

.

ثم مقطعًا آخر ولكن هذه المرة باسم يهودي "مزامير" ويسرد فيه المزمور الأول. . . الثاني وهكذا إلى الثامن

(5)

.

فهل أجدبت اللغة العربية والتراث الإسلامي وعدمت الألفاظ حتى لا يجد أمل دنقل سوى ألفاظ ومصطلحات اليهود والنصارى، ولم يكتف بمجرد إيراد الألفاظ -على ما في ذلك من انحراف- بل أخذ العقائد والأفكار ونقلها وأدخلها في شعره، وقد مز معنا كلامه عن صليب عيسى عليه السلام وإيمانه بهذه الخرافة، وكلامه عن مريم عليها السلام، ومن هذا القبيل قوله:

(ارتاح الرب الخالق في اليوم السابع

لكن لم يسترح الإنسان)

(6)

.

وهي عقيدة أهل الكتاب الضالة التي رددوها بافتراء وكذب على اللَّه وقلة توقير، وجهل بصفاته -جلَّ وعلا-، وقد رد اللَّه عليهم بقوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)}

(7)

.

(1)

المصدر السابق: ص 273.

(2)

المصدر السابق: ص 274.

(3)

المصدر السابق: ص 274 - 285.

(4)

المصدر السابق: ص 286 - 297.

(5)

المصدر السابق: ص 298 - 306.

(6)

المصدر السابق: ص 148.

(7)

الآية 38 من سورة ق.

ص: 887

ولا يكتفي بذلك بل يصف القرية في إجلال ومحبة بقوله:

(وقريتنا وراء العين توراة من الصمت)

(1)

.

ويصف امرأة بأنها:

(صلت إلى العذراء طوفت بكل صيدلية)

(2)

.

وأقواله الأخرى في هذا الشأن عديدة

(3)

.

ولم يستطع سعدي يوسف أن يخرج من دائرة التأثير النصراني على شعره رغم مزاعمه التقدمية!!، ففي مقطع بعنوان "بغداد الجديدة" يقول:

(في الليل

تطوف بين بيوت هاجرها الفقراء

وبين كنائس يرهف فيها القداس

وبين منازل تغشى فيها فتيات الفقراء)

(4)

.

وفي تهكم بتاريخ المسلمين ورجالاتهم الأبطال يقول:

(يمر على المعرة برق جنية

وفي شفتي صلاح الدين أغنية صليبية)

(5)

.

وتاللَّه لو كانت هذه الأغنية في فمه لما استطاع دحر الصليبيين، كما أننا لم نستطع دحر اليهود ولا رفع ظلم النصارى عنا لما أصبح المثقفون منا، يلهجون بترانيم الكنائس!!، وتعاليم التلمود!!.

وفي تكرارية -باردة- لألفاظ السياب، يعيد تلك المقولة الكافرة:

(1)

المصدر السابق: ص 62.

(2)

المصدر السابق: ص 150.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 56، 68، 182، 121، 146، 166، وغيرها.

(4)

ديوان سعدي يوسف: ص 127.

(5)

المصدر السابق: ص 357.

ص: 888

(وهو المسيح يجر في المنفى صليبه)

(1)

.

ويقول أيضًا:

(. . . هل رأي المسيح

دق المسامير بعينيه؟)

(2)

.

وهو إقرار ضمني بعقيدة النصارى الباطلة.

ويقول:

(شفتاي تنتظران غير صليبك الداجي نداء)

(3)

.

ويعود إلى تقرير عقيدة الصلب الباطلة فيقول:

(يا من هويت وأنت تحلم بالمواسم

مثل المسيح حملت سعفه

وبقيت طول الليل مصلوبًا تحشرج دون رفه

إنا سواء أيها الرجل العظيم)

(4)

.

ويقول أيضًا:

(. . . احصي اللانهاية في النهاية

كنبيك الممنوع -صلبًا- عن طواطمهم

متألمًا حتى الشهادة)

(5)

.

(1)

المصدر السابق: ص 413.

(2)

المصدر السابق: ص 433.

(3)

المصدر السابق: ص 417.

(4)

المصدر السابق: ص 501.

(5)

المصدر السابق: ص 517.

ص: 889

وفي عبارة صريحة يقول بقول النصارى المفترى والمناقض لخبر اللَّه في القرآن، يقول بصلب عيسى عليه السلام:

(هذا الصليب

صلبوا عليه الناصري -ولم يتوبوا- من جديد)

(1)

.

وله أقاويل أخرى غير ما ذكرنا

(2)

.

فواعجبًا كيف يكون الشيوعي الذي ينكر الأديان، مؤمنًا بمضمون دين محرف مكذوب!!.

أليس في هذا أوضح دليل على أن المراد بكل هذه الهجمات المتلونة بالحداثة أو بالعلمانية أو بالشيوعية، تستهدف الإسلام والمسلمين؟.

أمّا الإباحي الماجن نزار قباني، فقد جمع الشر من أقطاره، واحتوى على بلايا ورزايا اعتقادية وسلوكية، ومع ذلك يراد أن يكون قدوة واستنادًا لشباب وشابات المسلمين، وذلك لأن دوره في دغدغة الغرائز يُمكن النفاذ منه إلى زعزعة العقائد.

ومن ألوان شروره: أنه قد انطوى على جملة من عقائد أسياده النصارى، وديوانه مترع بذلك.

وعلى الرغم من أنه عير جهاد فاضل بأنه نصراني وأن اسمه جوزيف فاضل

(3)

، حين كشف فاضل شعوبيته في كتابه فتافيت شاعر، إلّا أنه قد قال بقول النصارى، وأضحى مضاهيًا لهم في كفرهم وكذبهم على اللَّه تعالى وعلى رسله، وسوف نورد من أقواله ما يثبت ذلك.

فهو يقول بقتل المسيح عليه السلام وصلبه كما تقول النصارى، ففي مقطوعة بعنوان "القدس" يصور القدس وكأنها ملك النصارى، يقول:

(1)

المصدر السابق: ص 575.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 303، 353، 375، 415، 580.

(3)

انظر: فتافيت شاعر: ص 50، 72، 150، 153، 154، 181.

ص: 890

(يا قدس يا مدينة تلتف بالسواد

من يقرع الأجراس في كنيسة القيامة؟

صبيحة الآحاد. . .

من ينقذ الإنجيل

من ينقذ القرآن

من ينقذ المسيح ممن قتلوا المسيح؟)

(1)

.

وفي مقطع بعنوان "إلى الجندي العربي المجهول" يخاطبه بأن العرب لو قتلوا مثلما قتل وفعلوا مثلما فعل. . .:

(. . . واحترقوا

في لهب المجد كما احترقت

لم يسقط المسيح مذبوحًا

على تراب الناصرة)

(2)

.

ويلاحظ هنا إيمانه بالصلب أولًا، ثم ربطه قضية فلسطين بالنصارى ورموزهم، مع أنها قضية إسلامية صرفة، ومن يقرأ هذا الكلام وهو لا يعرف قباني يعتقد أن الرجل من سلالة نصرانية ويدافع عن ملته وقومه.

ويمتدح حركة "فتح" التي ساهمت بنصيب كبير في إضاعة فلسطين اليوم، وسلمتها على موائد الاستسلام لليهود الغاصبين، يمتدح فتح هذه بأنها ورد ونبع ماء، وأنها لما جاءت:

(وفجأة

كالسيد المسيح بعد موتنا نهضنا)

(3)

.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لنزار 3/ 162 - 163.

(2)

المصدر السابق 3/ 322.

(3)

المصدر السابق 3/ 140.

ص: 891

ويستعير وصفًا لحبيبته من التراث النصراني فيقول:

(أهواك منذ كنت صغرى كصفحة الإنجيل)

(1)

ويصف أخرى بوصف صليبي قائلًا:

(يا صليب الأغراء من خصلتي زهر شفاهي لمسح هذا الصليب)

(2)

ويخاطب عشيقة نصرانية رآها تلبس الصليب، فهام بها وبصليبها فعل كهنة الكنائس، ويقول تحت عنوان "الصليب الذهبي":

(انقطة نور بين نهديك ترجف صليبك هذا زينة أم تصوف

. . . امرتعش الأسلاك يا لون حيرتي سريرك مصقول وأرضك متحف

. . . أجامحة السلسال إني شاعر حروفي لهيب اللَّه هل نتعرف؟

طلعت على عمري خيال نبية صليب وسلسال ثَمين ومعطف

. . . على صدرك المعتز ينتحر الأسى وتبرا جراحات المسيح وتنشف)

(3)

وأخرى من خديناته في مدريد يخاطبها على أنه سيذهب بها في عيد رأس السنة النصرانية إلى الكنيسة ويدعو المسيح، ويفعل كما يفعل النصارى وكأنه فرد منهم، يقول:

(لو كنت في مدريد في رأس السنة

كنا ذهبنا آخر الليل إلى الكنيسة

كنا حملنا شمعنا وزيتنا

لسيد السلام والمحبة

كنا شكونا حزننا إليه

(1)

المصدر السابق 1/ 29.

(2)

المصدر السابق 1/ 128.

(3)

المصدر السابق 1/ 226 - 227.

ص: 892

كنا أرحنا رأسنا لديه

لعله في السنة الجديدة

أيتها الحبيبة البعيدة

يجمعني إليك بعد غربه

في منزل جداره محبه

وخبزه محبه)

(1)

.

ما رأيت في كلام النصارى السابق ذكرهم من قال هم مثل هذه الأقوال ولا وصل به الأمر إلى ما وصل إليه نزار قباني، في هذه المقطوعة النصرانية بكل المواصفات، عقيدة وسلوكًا وعبادة.

وفي خطاب لإحدى عشيقاته -وما أكثرهن- يرجوها قائلًا:

(أرجوك يا سيدتي

باسم جميع الكتب المقدسة

والشمع والبخور والصلبان

. . أرجو بالأوثان يا سيدتي

إن كنت تؤمنين في عبادة الأوثان)

(2)

.

وهكذا تبدو عقائد نزار قباني في هذا الخليط البغيض من التوسلات الهابطة.

ولكنه لا يكتفي بأن يكون نصرانيًا في أفكاره ومعتقداته ومحبته وعبادته، بل يتمنى قائلًا في دعارة وتنصر:

(أود لو كان فمي كنيسة

(1)

المصدر السابق 1/ 510 - 511.

(2)

المصدر السابق 1/ 710 - 711.

ص: 893

وأحرفي أجراس)

(1)

.

ويرجو عشيقته قائلًا:

(اصلبيني بين نهديك مسيحًا

عمديني بمياه الورد والآس وعطر البيلسان

عانقيني في الميادين

وفوق الورق المكسور، ضميني على مرأى من الناس

ارفضي عصر السلاطين، ارفضي فتوى المجاذيب)

(2)

.

هنا يتضح مدى الارتماء النصراني والتوسل الصليبي، فهو يقرر خرافة صلب المسيح التي يكفر من يقول بها، ويطلب التعميد النصراني، ويطالب بالدعارة المفتوحة في مزيج غريب من العقائد والرغبات المنحطة، ثم يختم كل ذلك برفض الإسلام تاريخًا ودينًا وهو محط الرحل من كل مقدماته السابقة.

وله من هذه الشاكلة ألوان وأصناف، حشد فيها كل ما خطر على ذهنه الكليل من أسماء ورموز نصرانية، فعنده ذكر كثير للصليب والصلبان

(3)

، وعنده إعجاب شديد بالكنائس وزجاج الكنائس ونوافذ الكنائس وسقوف الكنائس وحتى شقوق الكنائس

(4)

، وكأنه تربى في كنيسة وارتضع حبها، ولكن العقيدة إذا تأصلت في القلب فعلت أشد من فعل النشأة على الشيء، فمن شدة التصاقه بالكنيسة ومحبته لها جعل نواقيسها ترن يوم الجمعة

(5)

، مع أنها ترن يوم الأحد.

(1)

المصدر السابق 1/ 744.

(2)

المصدر السابق 2/ 20 - 21.

(3)

انظر: المصدر السابق 1/ 226، 646، 2/ 137، 554، 838، 3/ 168، 172.

(4)

انظر: المصدر السابق 2/ 280، 412، 481، 603، 822، 3/ 272.

(5)

انظر: المصدر السابق 2/ 555.

ص: 894

واذا ذهبنا إلى شعراء فلسطين، الأرض التي ابتليت بجور النصارى المستعمرين بما لم يبتل بمثله بلد، فقد احتلوها عقب سقوط الخلافة العثمانية وفتحوا أبواب الهجرة لليهود، ثم لما أرادوا الخروج منها وهبوها لليهود وانسحبوا، فما هو موقف شعراء الحداثة من النصارى وعقائدهم؟ هذا ما سوف تجيب عليه الشواهد الآتية من كلام درويش وبسيسو وسميح.

فأمّا محمود درويش (شاعر الأرض المحتلة)؟! فقد حشد من الرموز والمعاني والأفكار النصرانية الشيء الكثير، ومن أول أهداء في ديوانه، يقول:

(من أي غاب جئتني

يا كل صلبان الغضب)

(1)

.

ويقول:

(وإلام نحمل شوكنا وصليبنا)

(2)

، وكأنه نصراني يتحدث عن مأساته.

ونحوه قوله:

(وطني لم يعطني حبي لك

غير أخشاب صليبي)

(3)

.

ويمتدح الصليب وآلامه قائلًا:

(المغني على صليب الألم

جرحه ساطع كنجم

قال للناس حوله

كل شيء سوى الندم:

هكذا مت واقفًا

(1)

ديوان محمود درويش: ص 7.

(2)

ديوان محمود درويش: ص 40.

(3)

المصدر السابق: ص 64.

ص: 895

واقفًا مت كالشجر!

منبرًا أو عصا نغم

ومساميره وتر

هكذا ينزل المطر

هكذا يكبر الشجر)

(1)

.

ويقول مستلهمًا خرافة صلب المسيح مستمدًا منها القوة:

(ما كنت أول حامل أكليل شوك

لأقول: أبكي!

فعسى صليبي صهوة

والشوك فوق جبيني المنقوش

بالدم والندى

إكليل غار)

(2)

.

وله مقطوعة بعنوان (أغنية حب على الصليب) يقول فيها:

(أحبك كوني صليبي

وكوني، كما شئت برج حمام. . . .

أحبك كوني صليبي

وما شئت كوني)

(3)

.

ويصف الصليب بأوصاف فاعلة هائلة، ويجعل له من النعوت النصرانية والآمال الصليبية ما لا يستطيع قوله إلّا راسخ في هذه الديانة، يقول:

(1)

المصدر السابق: ص 87 - 88.

(2)

المصدر السابق: ص 104.

(3)

المصدر السابق: ص 172، 173، 174.

ص: 896

(سأحمل كل ما في الأرض من حزن

صليبًا يكبر الشهداء

عليه وتصغر الدنيا

ويسقي دمع عينيك

رمال قصائد الأطفال والشعراء)

(1)

.

ويتوجه إلى الصليب في عبادة واحتراق ليصبح قديسًا:

(فإذا احترقت على صليب عبادتي أصبحت قديسًا بزي مقاتل)

(2)

وهل يقول النصراني أكثر من هذا؟.

ويقول:

(شكرًا - صليب مدينتي

شكرًا

لقد علمتنا لون القرنفل والبطولة

يا جسرنا الممتد من فرح الطفولة

يا صليب - إلى الكهولة)

(3)

.

ويصور الفكر الجديد، الفكر الحداثي بوصف يليق به وبنشأته الموافقة لما صف، يقول:

(ولكنني خارج من مسامير هذا الصليب

لأبحث عن مصدر آخر للبروق)

(4)

.

(1)

المصدر السابق: ص 228 - 229.

(2)

المصدر السابق: ص 240.

(3)

المصدر السابق: ص 257.

(4)

المصدر السابق: 270.

ص: 897

ويقول واصفًا اعترافه بالصليب وأنه مصدر النور قائلًا:

(كيف اعترفنا بالصليب الذي

يحملنا في ساحة النور

لم نتكلم

نحن لم نعترف

إلّا بألفاظ المسامير)

(1)

.

ويقرر عقيدة الصلب ويمتدح الصليب قائلًا:

(ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب)

(2)

.

ويصور شاعر الأرض المحتلة القدس صورة مزرية قائلًا:

(نرسم القدس:

إله يتعرى، فوق خط داكن الخضرة، أشباه عصافير تهاجر

وصليب واقف في الشارع الخلفي، شيء يشبه البرقوق

والدهشة من خلف القناطر

وفضاء واسع يمتد من عورة جندي إلى تاريخ شاعر)

(3)

.

ويقتبس عبارات الإنجيل الكفرية مخاطبًا بها اللَّه تعالى خطابًا نصرانيًا منحطًا، يقول:

(لا تقولوا: أبانا الذي في السموات

قولوا: أخانا الذي أخذ الأرض منا

وعاد

(1)

المصدر السابق: ص 322 - 323.

(2)

المصدر السابق: ص 349.

(3)

المصدر السابق: ص 398.

ص: 898

هو الآن يعدم)

(1)

.

ويقول واصفًا الذي تعلمه وتلقنه:

(أنا تعلمنا البكاء بلا دموع

وقراءة الأسوار والأسلاك والقمر الحزين

حرية وحماسة

ورضا يسوع)

(2)

.

ويقول:

(لماذا شربتم زيوتًا مهربة من جراح المسيح)

(3)

.

ويقول:

(ويا أيها الكرمل

الآن تقرع أجراس كل الكنائس

وتعلن أن عاش المؤقت لا ينتهي دائمًا، أو ينتهي مرة. . .

والآن بعثُ المسيح يؤجل ثانية)

(4)

.

ويقول:

(وأمضي نحو وقتي وصليب الآخرين)

(5)

.

ويذكر العقيدة ويمزجها بخشب الصليب قائلًا:

(فكسرت كرسيها، وصنعت من الخشب الجبلي صليبي

(1)

المصدر السابق: ص 403.

(2)

المصدر السابق: ص 417.

(3)

المصدر السابق: ص 448.

(4)

المصدر السابق: ص 468.

(5)

المصدر السابق: ص 487.

ص: 899

أراك على بعد قلبين في جسد واحد

وكنت أطل عليك خلال المسامير

كنت العقيدة

وكنت شهيد العقيدة)

(1)

.

ويمتدح شخصًا اسمه إبراهيم ويصف بساطته بأنها مثل بساطة الصلب في إيحاء باللطافة والتواضع واليسر وكأنه قس يجتذب الناس إلى حضيرته، فيقول:

(كان إبراهيم رسامًا وأب

كان حيا من دجاج وجنون وغضب

وبسيطًا كالصليب)

(2)

.

ويقول:

(خذيني آية من سفر مأساتي)

(3)

.

ولو ذهبت أتتبع الرموز والأقوال والمصطلحات والعقائد لطال الكلام، وكلها من جنس ما سبق ذكره

(4)

.

أمّا زميله في النضال الشيوعي!! سميح القاسم، فلم تقصر قدماه في السير إلى الكنائس يتلقى عنها ويأخذ رموزها، وعقائدها، ليسجلها باعتزاز وافتخار في ديوانه، ديوان النضال!!، ومن أظهر علائم تنصره مقطوعته التي بعنوان "رسالة إلى اللَّه" يخاطب اللَّه -جلَّ وعلا- بالخطاب النصراني ذاته

(1)

المصدر السابق: ص 544.

(2)

المصدر السابق: ص 614.

(3)

المصدر السابق: ص 84.

(4)

انظر: في المصدر السابق ألفاظ: الصلب والصليب والمصلوب والصلبان: ص 57، 68، 90، 103، 104، 112، 149، 160، 292، 293، 302، 328، 378، 425، 479، 601، وفي ديوانه أحد عشر كوكبًا: ص 97، وألفاظًا أخرى في: ص 430، 622.

ص: 900

ويجعله "أبا" كما تقول النصارى، ثم يلحد فيه ويجحده، يقول:

(سيد الكون أبانا

ألف آمنا وبعد

من حقول البؤس هذي الكلمات. . .

يا أبانا، يا أبًا أيتامه ملوا الصلاة

يا أبانا، نحن ما زلنا نصلي من سنين

يا أبانا، نحن ما زلنا بقايا لاجئين

أرضنا من عسل -يُحكى- بها الأنهار -يُحكى- من حليب

انجبت -يُحكى- كبار الأنبياء

وعشقناها

ولكنا انتهينا في هوانا أشقياء

وحملنا كل آلام الصليب

يا أبانا كيف ترضى لبنيك البسطاء

دون ذنب كل آلام الصليب!!

يا أبانا نحن بعد اليوم لسنا بسطاء

لن نصلي لك كي تمطر قمحًا

لن نداوي بالحجابات وبالرقية جرحًا

نحن انجبنا على الحزن كبار الأنبياء

وخلقنا من أمانينا التي تكبر. . . ربًا

شق من مأساتنا للفجر دربًا)

(1)

.

(1)

ديوان سميح القاسم: ص 63 - 65.

ص: 901

سبحان اللَّه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.

وفي إيمان منه بصلب المسيح عليه السلام يقول:

(ونبسم لا بسمة الأغبياء

ولكنها بسمةُ الأنبياء

تحداهم صالب تافة)

(1)

.

وفي سياق انتمائه للشيوعية ورموزها يمتدح كوبا قائلًا:

(حسنًا حسنًا حدث عن كوبا

هل تعرف شيئًا عن شعب

ما عاد مسيحًا مصلوبًا)

(2)

.

وكرر المعنى نفسه في مقطع آخر يمتدح فيه رئيس كوبا

(3)

.

ويجعل ليوم الأحد عيد النصارى الأسبوعي مكانة فيقول:

(والتقينا صدفة قدّسية

جمعت قلبين يوم الأحد

فغدا يوم المسيح المفتدى

بدء تاريخي وذكرى مولدي)

(4)

ويجعل إيمانه تحت ظل الصليب وهو اعتراف بتنصره. . . فيقول:

(وأنا وحدي للإيمان في ظل صليبي

صامتًا هيأت جرحي للوضوء)

(5)

.

وله مقطع بعنوان "وحيدًا في ليلة رأس السنة"

(6)

ينعي حظه أنه بدون

(1)

المصدر السابق: ص 90.

(2)

المصدر السابق: ص 111.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 330 - 331.

(4)

المصدر السابق: ص 141 - 142.

(5)

المصدر السابق: ص 362.

(6)

المصدر السابق: ص 559.

ص: 902

موسيقى ولا صديقات ولا خمر، ويخاطب قومه الفلسطينيين اللاجئين قائلًا:

(فتكاثروا وتكاثروا

يا أمة الصلبان، يا سكان مملكة الخيام)

(1)

.

وفي ديوانه "لا أستاذن أحدًا" له كلمات تحت عنوان "ق - ت" يقول فيها:

(قطرة من دم عيسى

سقطت من جفن مريم

يا دمي قم وتكلم

غصت الأرض مجوسًا)

(2)

.

وفي مقطع آخر بعنوان (ك - س - ر) يؤكد فيه إيمانه بخرافة صلب عيسى عليه السلام فيقول:

(آن للحنطة أن تنضج

في مرج ابتهالاتي الفسيح

آن أن ينزل عن صلبانهم

حبي

وشعبي

والمسيح)

(3)

.

ونحوه قوله:

(أيها الواقدون من الخشب احترقوا

(1)

المصدر السابق: ص 731.

(2)

لا أستاذن أحدًا: ص 59.

(3)

المصدر السابق: ص 68.

ص: 903

في صليب المسيح)

(1)

.

ويكرر ألفاظ النصارى الكفرية الموجودة في الإنجيل المحرف، فيقول:

(يسقط الجسر على النهر

تصيح امرأة حبلى

"أبانا في السموات")

(2)

.

وله عبارات كثيرة فيها الصلب والصليب والمصلوب ونحو ذلك

(3)

.

وثالث أثافي النضال الشيوعي الفلسطيني، الهالك معين بسيسو، وله في ميدان التنصر جولة وصولة طويلة، وسأنقل بعض الشواهد وأحيل على الباقي.

ففي مقطع له بعنوان "لصوص الصلبان"

(4)

يجعل الصليب رمزًا للتصميم والقوة والإصرار والمجد والتضحية فيقول:

(أحبابي، ألواح صليبي ليست

أرجوحة جلادي

فلتقرع أجراس الأصفاد

لسنًا نخلًا من رمل تحنيه الريح. . .

أحبابي

أن نحمل هودج سلطان

أن نصلب كي يتسلق

(1)

المصدر السابق: ص 93.

(2)

المصدر السابق: ص 60.

(3)

انظر: ديوان سميح القاسم: ص 197، 199، 257، 518، وغيرها.

(4)

الأعمال الشعرية الكاملة بسيسو: ص 165.

ص: 904

ألواح الصلبان

لصوص الصلبانِ

أن تصبح أعلامي

أقنعة نوافذ سجاني

لا، أحبابي)

(1)

.

ومن ولعه بالرموز الصليبية يكررها ويجعل منها علامات للفخر والاعتزاز، ففي مقطع بعنوان "جراح بلا أجراس"

(2)

يقدم له بمقدمة إهدائية يقول فيها: (إلى الذين يقاتلون ولا يعلقون الأجراس في جراحهم)

(3)

.

يقول في المقطع:

(كفي على مرآتنا، نطرز الصليب

كفى على دروبنا، نطرز العيون)

(4)

.

وفي إقرار بعقيدة النصارى الكاذبة في صلب المسيح يقول:

(كرهت هجرة الأجراس

من كنيسة إلى كنيسة

كرهت هجرة المسيح بين

كأس الخل والصليب

في طريق الجلجلة)

(5)

.

ويأتي بعقائد أهل الكتاب في قضية خلق السموات والأرض ويسخر

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة بسيسو: ص 165.

(2)

و

(3)

و

(4)

المصدر السابق: ص 180 - 181.

(5)

المصدر السابق: ص 602.

ص: 905

من اللَّه، إذ يجعل العصفور رمزًا عنه، تعالى وتقدّس في علاه، يقول بسيسو:

(لعب العصفور

لعبته الكبرى

خلق الوردة، صورها، "في ستة أيام"

في اليوم "السابع نام"

تعب العصفور من الخلق، من التصوير، فنام)

(1)

.

وله مقطع بعنوان "الأردن على الصليب"

(2)

يقول فيه:

(أنا مصلوب أغرد

ولعمان ونابلس وأربد)

(3)

.

وفي مقطع آخر يقول:

(على صليب

من ورق الزيتون

تمدد المخلّص الكذاب

كالغراب)

(4)

.

ويجعل لقلبه صليبًا في سياق فرحته بالشيوعية فيقول:

(ولتفرد أجنحة صليبك

(1)

المصدر السابق: ص 560.

(2)

و

(3)

المصدر السابق: ص 119.

(4)

المصدر السابق: ص 129.

ص: 906

يا قلبي

طرْبي، طربي)

(1)

.

ويقول:

(أدخلني في تجربة الصلبِ

وجرعني كأس الصلب

لن أهرب من دربي

لن أهرب من كأس الخَلّ

وإكليل الشوك

وسأنحت من عظمي

مسمار صليبي وسأمضي)

(2)

.

ويلصق نفسه وقصائده بالصليب، ويجعله مزروعًا في الأرض وله جذور، في صليبية صلعاء لا مواربة فيها، يقول:

(والذين يرجمون

قصائدي وينكرون

سيفها مسمرًا على الصليب. . .

صليبي المزروع

في أرضكم، يقودكم إليّ

حيث صار

للصليب يا أحبابنا جذور)

(3)

.

(1)

المصدر السابق: ص 160.

(2)

المصدر السابق: ص 162.

(3)

المصدر السابق: ص 214.

ص: 907

ويقول عن نفسه:

(أنا لست أملك غير قيثارى وصلبان القصائد)

(1)

.

ويقول:

(وجراحكِ، ودماؤك قبض الريح

وصليبك لن يولد منه مسيح)

(2)

.

وفي الجملة ديوانه مليء بالرموز النصرانية ومحشوة بألفاظ الصليب والصلب والمصلوب والصلبان

(3)

وكذلك بلفظ الأجراس

(4)

.

ويبرز من أرض اليمن عبد العزيز المقالح ليخوض في مستنقعات الصليبية، كما خاض في مستنقعات أخرى، وليجمع مع شروره شرًا لاحقًا يتمثل في استعمال الرموز الصليبية والأسماء والعقائد والمضامين، ومن ذلك قوله في مقطوعة بعنوان "عصر يهوذا":

(وكان يهوذا هناك

يقبل رأس المسيح

ويشرب نخب الإله

وفي كل رشفة كأس يصلي

يناجي. . . يصيح

يعيش الإله

يعيش الرسول، وشعب الرسول الذبيح

ويقرأ مستغرقًا في خشوع

(1)

المصدر السابق ص 216.

(2)

المصدر السابق: ص 218.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 82، 98، 150، 161، 178، 179، 188، 200، 202، 203، 204، 206، 283، 313، 367، 446.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 197، 199، 204، 206، 218، 239، 241، 284، 288، 299، 449، 678.

ص: 908

حكايات من صُلبوا في الطريق. . .

وعند الصباح يموت النهار

ويرقد فوق الصليب الرسول

وخلف السجون يعاني، يموت الإله)

(1)

.

ولا يخفى على القارئ ما في هذا المقطع من العقائد النصرانية ومنها الإلماح إلى صلب المسيح عليه الصلاة والسلام، ولكنه يصرح بعقيدة الصلب النصرانية في موضع آخر في قوله في مدح محمود درويش:

(لو لم يمت على صليبه المسيح

لو لم تزين هامة البطل

ايقونة العُليق

ما عرفت روما قداسة الحريق

ولا مشينا خلفه حين رحل)

(2)

.

وفي مقطع آخر يخاطب سميح القاسم، ويناجيه بالرموز النصرانية التي تواطأوا على اعتبارها واحترامها وتمجيدها، فيقول:

(مكانك

قف صامدًا يا سميح

ولو حملوك الصليب

ولو طلبوا منك تمشي على الشوك

أن تصعد الجلجلة

وفيك أعادوا عذاب المسيح

(1)

ديوان عبد العزيز المقالح: ص 262 - 263.

(2)

المصدر السابق: ص 178.

ص: 909

وكل مخازيهم المخجلة

فإنك أقوى

وأنك أبقى)

(1)

.

وفي رثاء للمجاهد محمد محمود الزبيري يقول:

(ليضحك الكهف من الأعماق

لتقرع الكنائس البعيدة الأجراس)

(2)

.

ولا يُدرى لماذا اختار الكنائس في رثاء هذا الشيخ المجاهد؟ أمن أجل إعزازه، إذا كان يرى قرع أجراس الكنائس عزًا؟ أم من أجل إذلاله؛ لأن الشيخ كانت جهادًا ضد الوثنية والظلم؟.

ويصف نفسه قائلًا:

(حملت الصليب على كاهل مثقل بالندم)

(3)

.

ولا يكتفي بوصف عيسى عليه السلام بأنه مصلوب، بل يجعل أيوب السلام كذلك، وهو يرمز به لشخص صابر في هذا العصر، فيقول:

(أيوب، على طريقكم مصلوب

أمال راسه

ألقى به على صدر مهشم منخوب. . .

فالصبر بئرنا الغريب

ايقونة الجبان والصليب

ثار، بكى

(1)

المصدر السابق: ص 50 - 51.

(2)

المصدر السابق: ص 63.

(3)

المصدر السابق: ص 115.

ص: 910

مشى على طريق النائحين والحواه

مزق ثوب الصبر قال: آه)

(1)

.

وفي امتداح أحد رفاقه المناضلين!! يقول:

(لن يتوقف زحف الرفاق إلى مدن الحلم، كل

فتى سوف يحمل إنجيله -داميًا- وصليبه)

(2)

.

ويجعل قرينه في انتظار المسيح لينقذها

(3)

علمًا بأنه لا يوجد في اليمن نصراني واحد من أهلها.

وللفيتوري مشاركاته فى هذه الاستعارات النصرانية، فمن ذلك قوله تحت عنوان "الناقوس":

(برج كنيسة قديمة، وراهب قلق

وغيمة تحك فخذيها، وتعبر الأفق. . .

وصوت ناقوس يدق

يرسم نصف دورة على الفضاء

ويدق)

(4)

.

ويقول:

(ما أجمل المساء في عينيك يا مدينتي

منسكبًا على حوائط البيوت

على كنائس النصارى الطيبين

(1)

المصدر السابق: ص 211، 213.

(2)

المصدر السابق: ص 527.

(3)

المصدر السابق: ص 396.

(4)

ديوان الفيتوري 1/ 222 - 223.

ص: 911

على مآذن المساجد القديمة)

(1)

.

وهو أيضًا ممن يعتقد صلب المسيح اقتداءً بالنصارى، فيقول:

(ومضيت

مضى الإنسان الآخر، فوق الريح

يحمل صلبان الموت على كتفيه مثل مسيح)

(2)

.

ويتحدث عن فلسطين باعتبارها ملكًا للنصارى والمسلمين في تدليس جلي ومغالطة مكشوفة ثم يجعل الرموز النصرانية أكثر وأظهر فيقول:

(دوَّى نفير الثأر

يا جراح عشرين سنه

نجمة إسرائيل فوق المئذنه

فمن إذن يا وطني!

ينهض للصلاه

بينما حوافر اليهود

تدوس سقف المسجد الأقصى

وخوذات الجنود

تظلل المطران والمعابد والشمَّاس

وتسجن اسم اللَّه.

وتركل القداس

ومن إذن يا وطني

(1)

ديوان الفيتوري 1/ 289.

(2)

المصدر السابق 1/ 412 - 413.

ص: 912

يغمض عينيه على تدفق الأجراس)

(1)

.

فقد رمز للمسلمين بثلاثة رموز: المئذنة والصلاة والمسجد الأقصى في سياق هامشي، ورمز للنصارى بخمسة رموز: المطران والمعابد والشماس والقداس والأجراس، علمًا بأن فلسطين إسلامية وليست نصرانية ولا يهودية، ولكن طلب رضى النصارى والحصول على ثنائهم مطلب حداثي كبير.

وعند الفيتوري من الرموز النصرانية: صلبان ومصلوب

(2)

، وخطيئة

(3)

، وكنائس

(4)

، وتسمية عيسى عليه السلام بالتسمية النصرانية يسوع

(5)

.

ومحمد الماغوط ربيب عصابة شعر خاض فيما خاضوا فيه، بل وتعمق في مودة النصارى والالتصاق بهم إلى حد أنه تمنى قائلًا:

(أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة

أو صليبًا من الذهب على صدر عذراء)

(6)

.

وفي امتداح غريب من نوعه يقول:

(هذه السحابة المقبلة كعينين مسيحيتين)

(7)

.

ولا نعلم أعيون النصارى غير عيون الناس؟ أم أنه بسبب شغفه وولعه بالنصارى يرى عيونهم كذلك؟.

ويقول:

(1)

المصدر السابق 1/ 510 - 511.

(2)

انظر: المصدر الأول 1/ 265، 379، 391، 429، 2/ 66.

(3)

انظر: المصدر السابق 1/ 404.

(4)

انظر: المصدر السابق 1/ 599 و 2/ 243.

(5)

انظر: المصدر السابق 2/ 243.

(6)

الآثار الكاملة للماغوط: ص 26.

(7)

المصدر السابق: ص 22.

ص: 913

(والأحلام كنيستي وشارعي)

(1)

.

ويصف دعاءه الصاعد للسماء بأنه قرب كلمات المسيح فيقول:

(أين تذهب آهاتنا وصلواتنا؟

آه يا حبيبتي

لابد أن يكون

كل الآهات والصلوات. . .

متعجمة في مكان ما من السماء. . . كالغيوم

ولربما كانت كلماتي الآن

قرب كلمات المسيح

فلننتظر بكاء السماء

يا حبيبتي)

(2)

.

ولممدوح عدوان اقتباساته الخاصة كقوله:

(أتذكر يوم صغت صليبك القدسي من غصني)

(3)

.

ويقول تحت عنوان "سفر الدم والميلاد":

(على خشب الصليب قضيت محنيا

وصوتك عبأ الساحة)

(4)

.

ويواصل فيها إلى أن يقول:

(بكفك رحت تمسح من وجوه النادبين الدمع والأحزان

(1)

المصدر السابق: ص 22 ونحوه ص 81.

(2)

المصدر السابق: ص 228.

(3)

الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان 1/ 47 تلويحة الأيدي المتعبة.

(4)

المصدر السابق 1/ 184.

ص: 914

وأنت تخوض في المحنة

قفزت عن الصليب

قلعت في كفيك مسمارين من خشبه)

(1)

.

وفي تلاقح مع العقيدة النصرانية الضالة يقول:

(. . . قف أيا شارب الخمر لا تقترب من دماء المسيح

دمه ساخن، مذ لمسناه دون وضوء يصيح)

(2)

.

ويقول:

(الدموع سلالمك المشرعات

إلى اللَّه أو للخلاص. . .

ثم ارتجفت أمام فحيح الخيانة

بالفخر واجهت طعنة غدر

كما يرتقي في الصباح

المسيح إلى الجلجلة)

(3)

.

أمّا أحمد دحبور فقد حكى عن نفسه بأنه تربى في أحضان أستاذ نصراني اسمه "موريس قبق" منذ أن كان في الرابعة عشر من عمره، وهو الذي دله على الشعر الحديث قائلًا: (. . . أخبرني أن الشعر الحديث هو الشعر، أمّا هذا الكلاسيكي السلفي فقد انتهى أمره. . .، ويضحك موريس قبق:

أراهنك أنك بعد سنة واحدة لن تكتب إلّا الشعر الحديث، ويوم أتيته سعيدًا بخسارة الرهان قال لي: هذا لا يكفي، الشعر الحديث يعني أن تكون

(1)

المصدر السابق 1/ 194.

(2)

المصدر السابق 1/ 26 أقبل الزمن المستحيل.

(3)

المصدر السابق 2/ 29 أمي تطارد قاتلها.

ص: 915

حديثًا في روحك ولغتك، وليس في الوزن فقط، الحداثة تعني التغيير والتجديد باستمرار. . .)

(1)

.

فلا غرو أن يكون الوفاء لهذا المعلم النصراني بترديد عقائد ملته ورموزها، وقد فعل ذلك دحبور، فمن ذلك قوله:

(والفادي الذي رُفِضَت كفالته على خشب الصليب)

(2)

.

فهو يقرر عقيدة الصلب المفتراة فى النص السابق، وفى نص آخر أيضًا حيث يقول:

(صلبت الناصري

كلنا خشبنا الأثم)

(3)

.

ويقول: (على جبل من العذاب أمامهم، ولأجلهم، حُمّلت آلافًا من الصلبان ولن يجدوا لهم عذرًا فما شُبهت حين صُلبت)

(4)

.

وتحت عنوان "أجراس الميلاد 1971"

(5)

يقول:

(تخبرني الأجراس هذا الليل

عن مقاتل يعرفه الصغار

في يديه مسماران

تكبر الحقول حوله

ووجهه منارة:

تضيء مرة

(1)

ديوان أحمد دحبور: ص 24 - 26.

(2)

المصدر السابق: ص 46.

(3)

المصدر السابق: ص 66.

(4)

المصدر السابق: ص 237.

(5)

المصدر السابق: ص 270.

ص: 916

ومرة تقول لا. . .

. . . ساعتها، تخبرني الأجراس أن ساعتي حانت

وأن سيدًا يغادر الصليب

يحتفي ببعثه الرجال والطريق

تبكي فرحًا مدينةٌ. . .)

(1)

.

وله مقطوعة أخرى بعنوان "أجراس الميلاد 1974"

(2)

يقول فيها:

(واجتمع الفقراء على فصح مذهول)

(3)

.

وأخرى بعنوان "أجراس الميلاد 1977"

(4)

.

ويقول في موضع آخر:

(في كنيسة، قديسة المستحيلات اشعلت لي شمعتين)

(5)

.

وفي مقطوعة له بعنوان "نقطة سوداء"

(6)

مهداة إلى محمود درويش، يقول.

(قديسة المستحيلات بينت لي الأمر. . .

لا ربح ولا خسارة

بل ورقة أخذتها من دفتر الاماتة)

(7)

.

ثم يضع هامشًا يشرح فيه المقصود بدفتر الاماتة قال: (هو دفتر يعطى لبعض الرهبان ليسجلوا فيه الحالات التي تمكنوا فيها من إماتة رغباتهم

(1)

المصدر السابق: ص 270 - 272.

(2)

المصدر السابق: ص 375.

(3)

المصدر السابق: ص 379.

(4)

المصدر السابق: ص 500.

(5)

المصدر السابق: ص 527.

(6)

المصدر السابق: ص 521.

(7)

المصدر السابق: ص 528 - 529.

ص: 917

الدنيوية ليكونوا جديرين ببركة السيد المسيح)

(1)

.

وفي مقطع آخر عنوانه "33" يقول:

(33

اكتمال حب المسبحة

نقص واحدةٍ من سنوات المسيح بين المذود والخشبة)

(2)

.

وهذا إقرار منه بعقيدة صلب المسيح عليه السلام المفتراة، ولديه من هذا القبيل أشياء عديدة

(3)

.

أمّا نوال السعداوي فقد حشت روايتها "سقوط الإمام" بالعقائد النصرانية حشوًا كريهًا، ومن ذلك قولها:(أذهب إلى الكنيسة كل يوم أحد وأدعو المسيح لينقذني من الفقر، عشرون عامًا ولم ينقذني الأب أو الابن أو الروح القدس. . .)

(4)

. فقد جعلت شخصية روايتها تذهب إلى الكنيسة تدعو غير اللَّه ثم لم تجد ملبيًا بعد دعاء عشرين سنة، ولم ينقذها الثالوث النصراني وهي في كل ذلك تسوق هذه العقائد في سياق نصراني يدل على ذلك أنها تصف الشخصية الأساسية في روايتها بأنها حملت وقالت (. . . كنت أصلي ويتجسد إله في أحلامي على شكل رجل، يمر بيد الحانية على صدري ويرتفع بطني بالمسيح)

(5)

.

وهي عقيدة النصارى ذاتها تكررها بأسلوب قصصي هابط المعنى والمبنى.

وتقرر في موضع آخر أن عيسى ابن اللَّه

(6)

-تعالى اللَّه عما تقول- ثم

(1)

المصدر السابق: ص 595.

(2)

المصدر السابق: ص 627.

(3)

نطر: المصدر السابق ص 30، 31، 57، 70، 366، 427، 539، 610، 629.

(4)

سقوط الإمام: ص 33.

(5)

المصدر السابق: ص 46.

(6)

المصدر السابق: ص 83.

ص: 918

تقول: (ووجدتني أسير نحو الكنيسة وأنا أرسم فوق صدري الصليب، الأب والابن والروح القدس)

(1)

.

وتنسب إلى اللَّه تعالى الأبناء، وتسمي المولودة "بنت اللَّه" تعالى اللَّه وتقدّس عن هذا علوًا كبيرًا، ثم تقول:(وقال حارس القبة أن اللَّه هو الأب والابن والروح القدس. . .)

(2)

.

إلى غير ذلك من عقائد الضلال، والنصرانية القاحلة التي تطبع هذه الرواية من أولها إلى آخرها.

ومن التأثر بالنصارى تسمية عبد اللَّه الغذامي كتابه الذي نال به درجة الدكتوراه من الغرب "الخطيئة والتكفير".

هذه نَماذج مختلفة لأشخاص مختلفين من بلاد عربية مختلفة، اجتمعوا في مذهب الحداثة مقلدين للأوروبيين وسائرين على خطاهم، في المادية مرة وفي النصرانية أخرى غير آبهين بما يقتضيه هذا وذاك من تناقض وتباين، فقد قنعوا بالمحاكاة التي يأملون أن يجنوا من خلفها احترام وتقدير أساتذتهم وتلامذة أساتذتهم.

وكيف لا يكون هؤلاء هكذا وأستاذهم الكبير الذي اقتفوا أثره "أليوت" الاستعماري النصراني حنى العظم، وهو أمريكي بروتستانتي، تخلص من جنسيته الأمريكية ونظرية الجمهورية السياسية، ومن ديانته، وذهب إلى بريطانيا ليعيش كاثوليكيا ملكيًا يؤمن بأن الدولة المثالية هي الدولة الكنيسية التي تشرف على التعليم فيها منظمات رهبانية، وأمن بالطبقية الملكية في بريطانيا، وأيدهم؛ لأن فيهم "دم الملوك" و"الصفوة المختارة" وأيد الاستعمار وعصبية العرق وقد صرح بأنه: كلاسيكي في الأدب، كاثوليكي انجليكاني في المذهب، ملكي في السياسة

(3)

.

(1)

المصدر السابق: ص 86.

(2)

المصدر السابق: ص 132.

(3)

انظر في النقد الحديث: دراسة في مذاهب نقدية حديثة وأصولها الفكرية د/ نصرت عبد الرحمن: ص 199.

ص: 919

ولأليوت كلمات قوية في تأييد الاستعمار والنصرانية، يقول فيها:(والأشارة إلى الضرر الذي أصاب الثقافات الوطنية في أثناء التوسع الاستعماري ليس إدانة للاستعمار نفسه بحال، كما يحب دعاة تفكك الاستعمار أن يستنتجوا، بل إن أعداء الاستعمار هؤلاء أنفسهم هم في معظم الأحيان أكثر المؤمنين بتفوق المدنية الغربية اطمئنانًا في إيمانهم، بوصفهم أحرارًا، وهم يجمعون في وقت واحد بين العمى عن فوائد الحكم الاستعماري، وعن ضرر تحطيم الثقافة الوطنية، وحري بنا حسبما يرى هؤلاء المتحمسون أن نقحم أنفسنا على مدنية أخرى ونجهز أفرادها بمبتكراتنا الميكانيكية ونظمنا في الحكم والتعليم والقانون والطب والمالية، ونوحي إليهم احتقار عاداتهم، واتخاذ موقف مستنير من الخرافات الدينية، ثم نتركهم لينضجوا في الخليط الذي أغليناه لهم)

(1)

.

ويرى أليوت أن الثقافة والنظم والقوانين والفنون الموجودة في أوروبا كلها انبثقت من النصرانية، يقول: (في المسيحية نمت فنوننا، وفي المسيحية تأصلت -إلى عهد قريب- قوانين أوروبا.

وليس لتفكيرنا كله معنى أو دلالة خارج الإطار المسيحي.

وقد لا يؤمن فرد أوربي بأن الإيمان المسيحي حق، ولكن ما يقوله ويصنعه ويأتيه كله من تراثه في الثقافة المسيحية، ويعتمد في معناه على تلك الثقافة، وما كان يمكن أن تخرج فولتير أو نيتشه إلّا ثقافة مسيحية، وما أظن أن ثقافة أوروبا يُمكن أن تبقى حية إذا اختفى الإيمان المسيحي اختفاءًا تامًا. ولا يرجع اقتناعي بذلك إلى كوني مسيحيًا فحسب، بل أني مقتنع به أيضًا بوصفي دارسًا لعلم الأحياء الاجتماعي، إذا ذهبت المسيحية فستذهب كل ثقافتنا)

(2)

.

ويضرب أليوت أمثلة بالمذاهب الأدبية التي نشأت في أوروبا حيث

(1)

المصدر السابق: ص 199 - 200، نقلًا عن كتاب لأليوت بعنوان "ملاحظات نحو تعريف الثقافة" ص 109 ترجمة شكري عياد، المؤسسة المصرية العامة - القاهرة.

(2)

المصدر السابق: ص 200 نقلًا عن كتاب أليوت المذكور: ص 145 - 146.

ص: 920

قرر أن الكلاسيكية مرتبطة بالكاثوليكية التي تؤمن بسلطة روحية خارج الفرد، وأن الرومانسية مرتبطة بالبروتستانتية التي تعتقد بالصوت الباطني

(1)

.

وإذا كانت قصيدة أليوت "الأرض اليباب" التي نالت من الشهرة والمكانة عند الحداثيين المنزلة الكبرى، وأصبح الاحتذاء بها والسير على منهجها وتقليد أساطيرها ورموزها النصرانية صرعة الحداثيين، وميدان تنافسهم في المحاكاة الشكلية والموضوعية.

قصيدة الأرض اليباب أو الأرض الخراب هي عبارة عن تصوير لخواء الحياة في الغرب، لتركهم الحياة النصرانية (وقد كان أليوت يؤمن أن الحضارة الغربية حضارة مسيحية، إذ أن الأرض الخراب هي نفسها أسطورة الأرض التي حلت بها اللعنة، وبات ملكها عاجزًا جنسيًا أمام شهوة زوجته، وكان على أحد المنقذين أن يعود إلى الكنيسة، ليصل إلى الكأس المقدسة، كأس الإخصاب الطبيعي والحضاري والروحي، فيرفع اللعنة عن الملك العقيم وزوجته الأرض المجدبة، إلّا أن "تيرزياس" بطل قصيدة "أليوت" لا يصل إلى هذه الكأس؛ لأنه افتقد الإيمان بالكنيسة والمسيح، فلا يبقى هنالك إلّا لعنة "الأرض الخراب")

(2)

.

هذا ملخص لفكرة ومضمون قصيدة أليوت التي ذاب الحداثيون فيها تقليدًا واستعارة وتقمصًا.

ولا ريب أن أليوت وقصيدته كانت نموذجًا نصرانيًا كما قال روزنتال عن أليوت، وعن قصيدته (إن صوفيته الفكرية، وإيمانه بالعدل المطلق للعناية الإلهية واهتمامه باللاهوت بوجه عام، واتجاهاته الفلسفية قد برزت بروزًا هائلًا بسبب ما أضفى عليها من اهتمام زائد، فقصيدة "الأرض اليباب" يُمكن، بل يجب، أن تقرأ على أنها موعظة مسيحية مستترة و"القصائد الأربع" على أنها تأملات دينية صريحة)

(3)

.

(1)

المصدر السابق: ص 201، وانظر عن الرومانسية وجذورها النصرانية في المصدر نفسه: ص 103، 122، وعن الكلاسيكية وأصولها النصرانية فيه أيضًا: ص 201.

(2)

الحداثة الأولى: ص 118. وانظر: الاتجاهات الجديدة: ص 139.

(3)

في النقد الحديث: ص 205 - 206.

ص: 921

ولا يجحد الحداليون العرب تاثرهم بأليوت وقصيدته الأرض اليباب، بل يتبنون ذلك.

يقول باروت: (لقد أثرت "الأرض الخراب" عميقًا في تحولات الشعر العربي الحديث، وهضمتها شعريًا نخبة، وترى نموذجها الشعري في الغرب)

(1)

.

ويقول ناقد حداثي آخر: (. . . أليوت الذي أصبحت قصيدته "الأرض الخراب" معينًا لا ينضب للشعراء الذين أتوا من بعده)

(2)

.

وبئس به من معين، بل من مستنقع آسن ردي!!.

ويتحدث الناقد نفسه عن أثر "أليوت" وينقل عن غيره من النقاد

(3)

، ثم يتكلم عن تأثير أليوت القوي على السياب وينقل عن غيره أن السياب (علاوة على اهتمامه بقصيدة أليوت "الأرض الخراب" ومحاولته الواعية أو غير الواعية تقليد ما جاء في تلك القصيدة الكبرى من إشارات مفرطة إلى الأساطير وإلى الآداب الأجنبية)

(4)

.

ثم يضيف (أن الشعر العربي الحر يعي أليوت وعيًا شاملًا إلى درجة إدخال مقتطفات من قصائد أليوت بلغتها الإنكليزية في تضاعيف القصيدة العربية)

(5)

.

ثم ذكر اعتراف السياب في مؤتمر روما يتأثر أليوت على الشعر العربي الحديث، الشيوعي منه وغير الشيوعي والردئ منه والجيد على السواء)

(6)

.

(1)

الحداثة الأولى: ص 206.

(2)

الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: ص 136.

(3)

انظر: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: ص 138 وينقل عن محمد النويهي.

(4)

المصدر السابق: ص 140 - 141، والنقل عن عبد الواحد لؤلؤة.

(5)

المصدر السابق: ص 141، والكلام منقول عن عبد الواحد لؤلؤة.

(6)

المصدر السابق: ص 141.

ص: 922

ويشير ناقد آخر إلى عمق تأثير أليوت في الشعر الحديث، وينقل عن غيره من النقاد الحداثيين ما يؤكد أن (. . . مدرسة الشعر الحر. . . كان أليوت أكبر مؤثر في اتجاهاتها. . . إن قصيدة "الأرض الخراب" لأليوت كانت إنجيل شعراء مدرسة الشعر الحر في العالم العربي، وأعظم مثل فني اقتفوا أثره)

(1)

.

هذا هو السند المظلم الذي اتصل به الحداثيون، وحاولوا غرسه في بلاد العرب المسلمة، في سعي متواصل لاجتثاث شجرة الإسلام، ويأبى اللَّه إلّا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

• • •

‌رابعًا: التصورات المتأثرة بالفرق المنتسبة إلى الإسلام:

لقد تجول الحداثيون في شعاب كثيرة من الأفكار والمعتقدات والمفاهيم الباطلة الضالة، من الإلحاد المحض، إلى المذاهب الشكية الكفرية، إلى الوثنيات الجاهلية، إلى اليهودية والنصرانية، ثم اتجهوا نحو الإسلام ليأخذوا من تراثه، ولكنهم لسوء طوية وخبث مقصد لم يتوجهوا إلى الإسلام الصافي النقي الذي جاء به رسول الهداية محمد صلى الله عليه وسلم، وإنّما توجهوا إلى المنحرفين من المنتسبين إلى الإسلام، بل إنهم واجهوا الإسلام الصحيح بالنقض والرفض والاعتراض والمخالفة والهدم.

ذهبوا يفتشون عن أشباههم من المنحرفين والزنادقة والشاكين والمبتدعين، وتركوا أهل العلم والإيمان بل سخروا منهم.

وأظهر الاتجاهات الاعتقادية الضالة التي أخذوا عنها أو أشادوا بها وامتدحوها، هي:

1 -

الباطنية.

(1)

نقد الحداثة د/ حامد أبو أحمد 122، وينقل ذلك عن أنس داوود في كتابه الأسطورة في الشعر العربي الحديث: ص 193.

ص: 923

2 -

الصوفية الفلسفية.

3 -

الخوراج والمعتزلة.

4 -

الفلاسفة.

5 -

الشعوبية.

6 -

الزنادقة.

وسوف أذكر شواهد على احتفائهم بهذه الاتجاهات المنحرفة وهو امتداد لما سبق الكلام عنه في أول هذا الفصل.

‌1 - الباطنية:

ترسخت المفاهيم الباطنية في الشعر العربي الحديث من خلال الأشخاص الذين ينتمون إلى هذا الاتجاه، وأشهرهم الباطني أدونيس وزوجته خالدة سعيد، اللذين كان لهما الأثر الكبير في نشر الحداثة والدعاية لها، وهما من الطائفة النصيرية

(1)

، وسميح القاسم وهو من الطائفة الدرزية.

وإذا اعتبرنا الشيعة الرافضة أصل المنبت الذي نبتت فيه الباطنية، وبينهما من وشائج الصلة الاعتقادية ما يُمكن اعتبارهم من خلال هذه الوشائج في سلك الباطنية فإنا نعد من رؤوس الحداثة والعلمنة من الرافضة: عبد الوهاب البياتي، ومظفر النواب، ومهدي عامل، وحسين مروة، ومحمد علي شمس الدين، وشوقي بزيع، وحنان الشيخ

(2)

.

ومن الطائفة الدرزية: توفيق زياد وسميح القاسم

(3)

.

(1)

ومن لطائفة نفسها: بدوي الجبل واسمه محمد سليمان الأحمد، وشقيقه أحمد سليمان الأحمد، وسليمان العيسى، وزكي الأرسوزي، وصلاح جديد، ومحمد عمران، وإبراهيم ماخوس.

(2)

ومنهم: محمد مهدي الجواهري، وأحمد الصافي النجفي، ومحسن الموسوي، ومحمد صالح عبد الرضا، وعبد الأمير معله، ومحمد العلي، ورياض العلي، وأحمد الشويخات.

(3)

ومنهم: شبلي العيسمي، وحمود الشوفي، ومنصور الأطرش، وسليم حاطوم.

ص: 924

وقد سبق في مقدمة هذا الفصل الحديث عن الباطنية والشيعة ونشأتها وأظهر فرقها، ونتناول الآن طرفًا من شواهد التواصل بين هذه الفرق والحداثة المعاصرة.

وإذا كان أدونيس أستاذ الجيل الحداثي الراهن يرفع لواء التجاوز والتخطي، وترك التقليد وترك الإحيائية؛ لأنها ضد النهضة فإنه في الوقت ذاته يرفع لواء باطنيته، ويسعى في أحيائها، أليس هو القائل:

(قال لي تاريخي الغارس في الرفض جذوره

كلما غبت عن العالم أدركت حضوره)

(1)

وقبل التوغل مع أدونيس وباطنيته، أود أن أقدم بذكر أثر الاتجاه الباطني -عمومًا- على الشعر العربي الحديث، يقول الدكتور عبد الحميد جيدة:(ونرى هذا الاتجاه. . . يمتد حتى يصل إلى شعرنا المعاصر عن طريق الشعراء الباطنين الإسماعيليين من الشيعة، سواء من جنوب العراق، أم من جنوب لبنان أم من جبل العلويين في سوريا، وكانت باطنيتهم سببًا من أسباب الغموض في شعرنا العربي المعاصر؛ لأنهم الآن يمثلون الطليعة بين شعراء العربية المعاصرين المجددين)

(2)

.

ويشرح أثر التصوف الباطني في الشعر العربي الحديث، والترابط بين المفاهيم الصوفية والباطنية والاتجاهات الحديثة

(3)

.

ويتحدث إحسان عباس في معرض كلامه عن استخدام الأسطورة وذكر استخدام بعض شعراء الحداثة لثورة الزنج وثورة الخرمية في رموزهم المستمدة من التاريخ الإسلامي، ثم كتب في الهامش: (لا ريب أن عددًا من الشعراء المحدثين ينتمون إلى الأقليات العرقية والدينية والمذهبية في العالم العربي، وهذه الأقليات تتميز -عادة- بالقلق والدينامية ومحاولة تخطي

(1)

الأعمال الشعوية لأدونيس 1/ 110.

(2)

الاتجاهات الجديدة: ص 81.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 94 - 120. وانظر: فتافيت شاعر: ص 119 - 120.

ص: 925

الحواجز المعوقة والالتقاء على أصعدة ايديولوجية جديدة، وفي هذه المحاولة يصبح التاريخ عبئًا والتخلص منه ضروريًا، أو يتم اختيار "الأسطورة الثانية"؛ لأنها تعين على الانتصاف من ذلك التاريخ بإبراز دور تاريخي مناهض)

(1)

.

وهكذا في تحليل حداثي يتكلم إحسان عباس وكأن شيئًا لم يكن!، ومثل هذا التحليل دراسة باروت التي نشرها في مجلة الناقد تحت عنوان "أوهام الحداثة"، ويهمنا منه هنا إثبات أثر الحركات الباطنية والتصوف الباطني في الشعر الحديث، يقول باروت:(وتفسر "عرفانية" التجربة العربية للحداثة، اهتمامها العميق بنبش إرثها "الغنوصي" "الصوفي" "الباطني" ودعوتها لإعادة التواصل معه واكتشافه من جديد. . .، ولعل أدونيس من رواد الحداثة النادرين الذين اكتشفوا ميراثها "العرفاني" الشرقي ودعوا للتواصل معه، بل إنه قدم العرفان دائمًا كحامل للتحول والإبداع في التراث العربي، حيث تقع الصوفية والباطنية والرؤيا والحداثة أيضًا لديه داخل خطاب "العرفان" الشرقي العربي)

(2)

.

ومن هذا الوصف الذرائعي التبريري الجامد، نستطيع أن نفهم أن الاتجاه الباطني ساد لدى الحداثيين وعرفوه واطلعوا عليه، بل واتجهوا نحوه في محبة وشوق ورغبة جامحة.

ولا أدل على ذلك من أقوال أدونيس التنظيرية التي وجّه بها عقول الذين لا يفقهون إلى سراديب الظلام الباطني، تحت حجج العرفانية والأحلام والسوريالية والإيحاء والعقل الباطن والعمق والتداعي، وغير ذلك من ألفاظ التدليس والمخادعة.

ففي تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" يركز أدونيس على أهمية الباطنية، مرة بالتعريض، ومرة بالقصد والعبارة المباشرة، في دعوة صريحة

(1)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 110.

(2)

الناقد العدد العاشر - نيسان إبريل 1989: ص 23.

ص: 926

أو مغلفة إلى دين النصيريين وعقائدهم، وقد تدرج في محاولاته هذه، فبعد أن جعل الحداثة هي غاية الغايات، انتقل إلى البحث لها عن جذور في التراث الإسلامي، وخلال ذلك كان يدس سمومه التي تظهر في تلقائية بريئة يتلقفها خالي الذهن والقلب، وفي تقريرية قاطعة وكأنها الحق الصراح، فها هو يقول:(ومبدأ الحداثة. . . هو الصراع بين النظام القائم على السلفية، والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام، وقد تأسس هذا الصراع أثناء العهدين الأموي والعباسي حيث ترى تيارين للحداثة: الأول سياسي فكري، ويتمثل من جهة، في الحركات الثورية ضد النظام القائم، بدءًا من الخوارج وانتهاءً بثورة الزنج مرورًا بالقرامطة، والحركات الثورية المتطرفة، ويتمثل من جهة ثانية في الاعتزال والعقلانية الإلحادية وفي الصوفية على الأخص. . .)

(1)

.

ثم يتحدث عن التيار الفني، ويجعل تميزه وحداثيته في ممارسته لعدة قضايا منها إنه:(لم تعد للظاهر أهمية إلّا بمقدار ما يقود إلى الباطن)

(2)

.

وهكذا يلف مقصده ومذهبه الباطني في لفافة من الفن والشعر، ليؤسس العقيدة الأساسية للباطنية، حيث لا قيمة للظاهر، بل للباطن، أو كما يقول:(فالباطن إذن، لا ينفي الظاهر وإنّما يعطيه معناه الحقيقي، وهو يثبته فيما يعطيه هذا المعنى، الباطن هو النور الذي يكشف ويضيء، وهو المعنى الذي يعطى للوجود صورته أي قيمته ودلالته)

(3)

.

إنه قول الباطنية بعينه!، ولكنه يتخذ الرؤيا التي هي مطمح الحداثيين ذريعة لترسيخه، ولِجعل "الرؤيا" وسيلة لكشف الباطن واستشراف الغيب، وتكون الرؤيا عنده في النوم أو في اليقظة ويتحدث عن ابن عربي

(4)

وفكرة

(1)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة 9 - 10.

(2)

المصدر السابق: ص 3/ 19.

(3)

المصدر السابق جـ 2 تأصيل الأصول: ص 92.

(4)

هو: محي الدين أبو بكر محمد بن علي الطائي ابن عربي الصوفي المتفلسف، صاحب وحدة الوجود، قال عنه العز بن عبد السلام: شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجًا، ومن أخبث تواليفه كتاب الفصوص مليء بالكفر والطوام والباطنية الإلحادية، توفي سنة 638 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 23/ 48.

ص: 927

الرؤيا بمعناها الباطني فيقول: (. . . الرؤيا، في دلالتها الأصلية، وسيلة الكشف عن الغيب، أو هي العلم بالغيب. . .، وتتفاوت الرؤيا، عمقًا وشُمولًا، بتفاوت الرائين، فمنهم، ممن يكون في الدرجة العالية من السمو، من يرى الشيء على حقيقته، ومنهم من يراه ملتبسًا، وذلك يحسب استعداده وأحيانًا يرى الرائي في حلمه وأحيانًا يرى في قلبه. . .، ويشبه ابن عربي الرؤيا بالرحم، فكما أن الجنين يتكون في الرحم، كذلك يتكون المعنى في الرؤيا، فالرؤيا إذن نوع من الاتحاد بالغيب، يخلق صورة جديدة للعالم، أو يخلق العالم من جديد، كما يتجدد العالم بالولادة.

والرؤيا إذن تعني ببكارة العالم، ويعني الرائي بأن يظل العالم له جديدًا كأنه يخلق ابتداء، باستمرار. . . من هنا كذلك يرفض الرائي عالم المنطق والعقل، فالرؤيا لا تجئ وفقًا لمقولة السبب والنتيجة، وإنّما تجيء بلا سبب، في شكل خاطف مفاجيء أو تجيء إشراقًا.

والرؤيا إذن كشف، إنها ضربة تزيح كل حاجز، أو هي نظرة تخترق الواقع إلى ما وراءه. . .، وهكذا يُمكن وصف الرؤيا بأنها المعتمرار للقدرة الإلهيه، كما يعبر ابن عربي. . . .

والرؤيا إذن إبداع، ويُمكن تعريف المبدع، على صعيد الرؤيا، بأن من يبدع في نفسه صورة خيالية أو مثالًا، ويبرزه إلى الوجود الخارجي، وكل شخص لا ينطلق من هذا الإبداع في نفسه لا يسمى مبدعًا، فالإبداع الحقيقي هو إبداع المثال، أي مثال الشيء الذي سيتحقق في الخارج)

(1)

.

هنا يقدم أدونيس عقيدته الباطنية ولكن بأسلوب التلبيس الباطني المعروف، ويحاول إغراء من يبحث عن الابداع، وإقناعه بعالم الباطن الذي هو أساس عقيدة الفرق الباطنية.

وقد يقال بأن أدونيس هنا يجر أتباعه الحداثيين إلى الإيمان بالغيب بدلًا من المادية التي تعلقوا بأهدابها لما قلدوا حداثة الغرب.

(1)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 166 - 168.

ص: 928

والجواب: نعم أدونيس يحاول أن ينقلهم إلى عالم الغيب هنا، وفي كتابه الصوفية والسوريالية، ولكنه عالم الغيب الباطني المستقل بذاته والقائم بنفسه، كما هو في عقيدة الباطنيين أو أكثرهم، وكما هو عند أدونيس على وجه الخصوص الذين يجحد وجود اللَّه تعالى، وينكر ألوهيته وربوبيته.

فالرؤيا والغيب وعالم الباطن كلها عند أدونيس، قائمة بذاتها لا مؤثر عليها من الخارج مطلقًا.

وفي النص السابق يربط أدونيس الباطن بالإبداع الذي يتنافس الحداثيون في تقديسه والحصول على طرف منه بأي شكل من الأشكال ولو بالجنون والتخبط والضلال.

وبعد سياق طويل من التقديم للباطنية بأسلوب تدليسي خادع، ومن خلال الأدب والفكر والفن، ينتقل إلى المقصد من كل ذلك فيقرر بأنه (دائمًا كان في المجتمع العربي صراع بين ثقافة السطح وثقافة العمق، ثقافة الاستهلاك وثقافة الإبداع، ثقافة المتاجرة وثقافة المغامرة، الأولى تجمع وتكدس، وتعتبر الأشياء لذاتها وبذاتها، والثانية تفجر وتغير وتتخطى، وتعتبر الأشياء لما هو أعمق وأسمى، الأولى ثقافة اتجار، والثانية ثقافة استبصار. . . كان شعراء الرفض، مثلًا بدءًا من الصعاليك يحاولون تحطيم القشرة السائدة. . .، كذلك كانت الحركات الجذرية الأخرى، العقلانية فكرًا وفلسفة وعلمًا والاستبطانية فنًا وتصوفًا)

(1)

.

في هذا النص مربط الحداثيين، الذين يريد سوقهم إلى المذود الباطني ليجمعهم فيه ومن حوله.

وفيه تتضح بجلاء دعوته ودعايته للباطنية "مذهبه الأساسي" لكن من خلال الثقافة العامة والإبداع، فقد خص ما يتعلق بالباطنية بأفخم الألفاظ، وجعل لما سوى ذلك أبشع الهجاء، وعندما يقرأ الحداثي الغرِّ مثل هذه الأقوال وهو يجهل ما خلف الكواليس، ويجهل طرائق الباطنية وأساليبها

(1)

المصدر السابق 3/ 219.

ص: 929

ومقاصدها، ينخدع وينجذب إلى مثل هذه الأقوال والعقائد، فتصبح عنده الشريعة بظاهرها الساطع النقي ثقافة سطحية، والحداثة بأخلاطها وأوشابها ثقافة عميقة، وينتقل من هذه إلى اعتبار أن ما يتحدث عن الباطن من أديان ومذاهب قديمة أو حديثة هو أيضًا من ثقافة العمق والإبداع والمغامرة والتفجير والتخطي والاستبصار، وما كان يتحدث بصورة ظاهرة أو يعالج الأمور من ظاهرها فإنه يصبح عنده -بعد هذا التلقين الباطني- ثقافة سطح واستهلاك ومتاجرة وتجميع وتكديس، واتجار وسلطة، إلى غير ذلك من الأوصاف التي خلب بها عقول الأغرار وخدع بها هؤلاء الأتباع الجهلة فأضحوا أبواقًا لفكرته من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

ثم يشير أدونيس في كلامه بما يسميه حركات الرفض والحركات الثورية ويجعلهم مثلًا للثقافة الباطنية التي امتدحها من قبل، وهذه دعاية فجة مكشوفة للباطنية، وتمجيد لتاريخها المظلم، وطبيعي أن يدعو أدونيس إلى مذهبه وأن يمتدح تاريخه؛ لأنه الجذر الأساسي الذي منه انطلق؛ وأدونيس هو الفرع المعاصر لتلك الشجرة الخبيثة التي طالما فعلت في الأمة الأفاعيل، فمثلًا، عندما كان المسلمون يقاتلون النصارى في فلسطين كان الباطنيون أهل الرفض والحركات الثورية يقاتلون مع النصارى ضد المسلمين، ولم يكن في تاريخهم الأسود نقطة مضيئة لا في العلم ولا في العمل.

وعندما يقول أدونيس أن هذه الحركات الثورية لم تهدأ طوال القرون الهجرية الثلاثة الأولى، يحاول أن يصور من خلال هذا الكذب أن أجداد الباطنيين كانوا يضربون بجذورهم في تاريخ عميق منذ بداية الإسلام، وهذا ما يسعى إلى إثباته أصحاب الفرق الضالة، وخاصة الرافضة والباطنيين، ومن المعلوم أن هذه الفرق لم تنشأ إلّا بعد حقبة من الزمن فلم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وإن تكن بدأت نواة التشيع في أواخر عهد علي رضي الله عنه، فإنها تكونت وتبلورت فيما بعد، ومن المعلوم أيضًا أنها -وخاصة الباطنية منها- غرست في بلاد المسلمين بيد اليهود، وقد سبق ذكر ذلك في أول هذا الفصل، فلا غرو أن تجد أحفاد هؤلاء اليوم ينادون بالالتصاق بالغرب

ص: 930

النصراني الذي تديره اليد اليهودية، ويكون منهم قادة الجيش والشرطة في دويلة اليهود في فلسطين.

ولخشية أدونيس أن تنكشف عورات بني ملته عندما يفتش المسلم في التاريخ ويقرأ في التراث، ويطلع على العمالة والخبث والخيانة، والفساد والانحلال والإباحية، والضلال الاعتقادي، لخشيته من ذلك وضع قاعدة تحاول صرف الأنظار عن الربط بين أولئك وهؤلاء، بين أدونيس والباطنية والنصيرية والقرامطة، والزنج، وغيرهم من الذين تصدى لهم جهابذة الإسلام فكشفوا زيفهم وعوارهم.

هذه القاعدة يُمكن تسميتها قاعدة الاختزال والتفكيك للتراث، وإبعاد مفهوم الأصل والجوهر منه، سواء كان الأصل الاعتقادي أو الأصل العلمي المعرفي، أو الأصل التاريخي التسلسلي، ثم يجعل أنه لا يُمكن فهم التراث إلّا في منظور الصراعات الثقافية والاجتماعية، ليدخل بني ملته في صلب النظرة إلى التراث فيقول: (أول ما يجب نقده هو مفهوم التراث نفسه، فهو عدا أنه غامض ترى الثقافة التقليدية السائدة أنه بمثابة جوهر أو أصل لكل نتاج لاحق، وفي تقديري: أنه لا يصح النظر إلى التراث إلّا في منظور الصراعات الثقافية والاجتماعية التي شكلت التاريخ الإسلامي، وفي هذا المنظور لا يصح أن نقول: أن هناك تراثًا واحدًا وإنّما هناك نتاج ثقافي معين، يرتبط بنظام معين، في مرحلة تاريخية معينة، وعلى هذا فإن ما نسميه تراثًا ليس إلّا مجموعة من النتاجات الثقافية التاريخية التي تتباين حتى درجة التناقض.

لذلك لا يصح البحث في التراث كأصل أو جوهر أو كل، وإنّما ينبغي البحث في نتاج ثقافي محدد، في مرحلة تاريخية محددة، واستنادًا إلى هذا البحث يتحدد الموقف)

(1)

.

فهو لا يكتفي بأن الباطنية وأشباهها شتت الأمة في ترابطها العضوي، بل يريد تفتيتها في مرجعيتها الثقافية الموحدة لها، ثم يريد أن يبعد هذه

(1)

المصدر السابق 3/ 228.

ص: 931

الثقافة الموحدة -على الأخص- ثقافة أهل السنة وعقيدتهم، وصراعهم الفكري ضد المخالفين من المبتدعة والمرتدين، يريد أبعاد ذلك وتفتيت وحدته وأصله؛ لئلا يُربط بين فساده وانحرافه المعاصر، وفساد وانحراف أجداده من الباطنيين.

ثم تأمل كيف أدخلهم في داخل التراث على أساس أنهم أحد أعمدة الصراع الثقافي والاجتماعي ضد الإسلام وأهله، وبالتالي لا يُمكن فهم الثقافة إلّا في ضوء هذا الصراع، أي: أنه لم يكتف بإدخالهم في نسيج الأمة، بل جعلهم أساسًا لفهم قضية التراث، فيا للحيل الباطنية ما أبشعها وما أشد التواءها وغموضها!!.

وفي موضع من كتابه الرجس "الثابت والمتحول" يهاجم الفكر السلفي باعتباره فكرًا تلقينيًا تعليميًا، ثم يلتفت إلى الثورة المضادة لهذا الفكر السلفي والتي تقوم على أنه (لم يعد المطلق الإلهي وحده مركزًا بل صار الإنسان شريكًا له، ذلك هو الجانب الصوفي والعقلانى الإلحادي. . . هكذا تغيرت رؤيا العالم. . . ليس هناك ما يخلق ويصنع. . . لم يعد المطلق الإلهي وراء العالم أو قبله وحسب وإنّما أصبح أمامه أيضًا، لم يعد يجيء من الماضي وحده وإنّما أخذ ينبثق في الحاضر، ويجيء من المستقبل أيضًا، ولم يعد المطلق الإلهي -في هذا المنظور- جوابًا لا سؤال بعده، وإنّما أصبح سؤالًا، والعالم إذن لم يخلق كاملًا دفعة واحدة وإلى الأبد، وإنّما صار كل شيء فيه للخلق المستمر)

(1)

.

وإذا راجعنا عقائد الباطنية في الخلق والإيجاد للعالم فإننا لا نجد أنها تخرج عن هذا الكلام الذي قاله هذا الباطني في النص السابق.

ولمزيد من الإمعان في إخراج المسلمين عن دينهم وإغرائهم بالكفر يربط بين هذا القول الإلحادي الواضح والإبداع، بل جعل ذلك أساسًا للإبداع فيقول: (وهكذا لا يعود علم الجمال بالنسبة إليه علم جمال النموذج

(1)

المصدر السابق 3/ 264.

ص: 932

أو الأصل أو الثابت، بل علم جمال المتغير المتحول المتجدد، ويصبح الإبداع ممارسة الشاعر، الأولى، من أجل تأسيس وجوده في أفق البحث/ السؤال، لم يعد الشاعر، بتعبير آخر، يكتفي بمحاكاة العالم وإنّما أصبح يمارس هو نفسه خلق العالم)

(1)

.

هذا إذن الأساس الفلسفي للأصل الحداثي المناهض للثابت والداعي إلى الصيرورة الدائمة، والذي يقول به جميع الحداثيين بلا استثناء، وهو أساس فلسفي إلحادي، يربطه أدونيس بالحركات الباطنية، ويتخذ الصوفية مثالًا، لها، والحركات العقلانية الإلحادية -حسب تعبيره- وكان الإلحاد لحظة من اللحظات عقلانيًا بل هو ضد العقل والمنطق على الإطلاق.

ويواصل أدونيس ربط الحداثة بالرفض والرافضين، ويستخدم أساليب الكذب والتدليس كعادته، فيقول: (هكذا نرى أن لهاجس الحداثة جذورًا في نتاج أبي نواس وأبي تمام وفي كثير من النتاج العربي، العلمي والفلسفي "الرازي

(2)

وابن الراوندي وابن رشد"

(3)

والصوفي، ذلك أن الخاصية الرئيسية التي تميز بها هذا النتاج هو إدانته التقليد والمحاكاة، ورفض النسج على منوال الأقدمين. . . من عناصر هذه النظرة، مثلًا، نشوء مفهوم للزمن عندهم يغاير المفهوم الديني. . . هكذا أدخلت نظرة أسلافنا أولئك إلى الحياة العربية بُعد العلم، أي أنها أحلت حركية النقد، محل سلفية الأصول. . .، من هنا تغير تبعًا لذلك موضوع النقد، لم يعد يستند إلى حقيقة ماضية ثابتة يعود إليها دائمًا، وإنّما أصبحت الحقيقة نفسها نقدًا وأصبحت مرادفة للتغير، وهذا ما نراه في

(1)

المصدر السابق 3/ 265.

(2)

هو: أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (الملحد) ولد سنة 251 هـ وتوفي سنة 311 هـ، كان طبيبًا وفيلسوفًا إسماعيلي المذهب متشكك وعنده إلحاديات؛ ولذلك أعجب به الحداثيون وخاصة أدونيس. انظر: الأعلام للزركلي 6/ 130، ومقدمة كتاب رسائل فلسفية لأبي زكريا الرازي أ - جـ، والثابت والمتحول 2/ 237، وفيه أشار إلى ما كتبه عنه الوجودي عبد الرحمن بدوي في كتابه من تاريخ الإلحاد، وانظر: سير أعلام النبلاء 14/ 354، ومجموع فتاوى ابن تيمية 6/ 304، 308، 309.

(3)

سبقت ترجمة ابن الراوندي ص 136، وابن رشد ص 745.

ص: 933

النقد الشعري. . .، ونراه في الحركة العقلية الفلسفية والعلمية عند ابن الراوندي والرازي، وجابر بن حيان

(1)

، ونراه في الحركة الصوفية، ونراه بشكل عام في التيارات الإلحادية، أو ما يسمى حركات الزندقة والشعوبية وفي طليعتها الحركة القرمطية، وكان من نتائج ذلك أن تزعزعت فكرة النموذج أو الأصل، أي: أن الكمال لم يعد موجودًا، كما يقول التقليد الديني)

(2)

.

وفي هذا النص عدة أمور:

الأول: أنه يحاول أن يجعل للحداثة أصلًا في تاريخ المسلمين، وهذا كذب وافتراء؛ لأن الحداثة تقوم على الإلحاد ومناقضة الإيمان، وتراث المسلمين يقوم على أصل من التوحيد والإيمان.

الثاني: أنه يجعل محاولات التجديد الفني عند أبي تمام أصلًا للحداثة، علمًا بأن تجديد أبي تمام تجديد في التراكيب والأشكال، أمّا المضامين الأساسية التي تستهدفها الحداثة وهي الإيمان والوحي والغيبيات، والثوابت، فلم يتعرض لها بسوء، بل كان مؤمنًا موقنًا بها.

الثالث: أن يخلط بين أبي تمام وأبي نواس، والفئة الشاذة المعروفة بانحرافها: الرازي الملحد وزميله ابن الراوندي ويدخل معهم ابن رشد، وهذا الخلط المتعمد يريد منه أن يقرن الملاحدة والمارقين بمن لم يعرف عنه إلحاد ولا كفر، بل عرف عنه الإسلام والتوحيد، وإن أخطأ فيما أخطأ فيه من أخلاقيات، أو بعض الانحرافات الفكرية التي لا تنافي أصل الإيمان، ومراده من ذلك تسويق الإلحاد باسم التحديث والحداثة التي يزعم أنها كانت في التواث، وتسويغ عقائد أمثاله من الملاحدة عند المقتدين به، وتهوين أمر الدين والتوحيد.

(1)

هو: جابر بن حيان بن عبد اللَّه الكوفي، أبو موسى، فيلسوف كيميائي، خرساني الأصل، اتصل بالبرامكة، وله تصانيف بلغت الخمسمائة ضاع أكثرها، ولكتبه شهرة عند الإفرنج، فقد ترجمت إلى لغاتهم واستفادوا منها، توفي نحو سنة 200 من الهجرة. انظر: الأعلام 2/ 103.

(2)

الثابت والمتحول 3/ 266 - 267.

ص: 934

الرابع: جعل أسس هاجس الحداثة في التراث: إدانة التقليد والمحاكاة، ونشوء مفهوم للزمن يغاير المفهوم الديني، وإحلال حركية النقد محل سلفية الأصول، وجعل النقد موضوعًا لا يستند إلى حقيقة ماضية ثابتة، وكل جملة من هذه الجمل تحتاج إلى بسط في الرد، ولكن نقول في الجملة، لو صح أنهم نقدوا التقليد والمحاكاة، فإنّما نقدوها ضمن إطار الدين الإسلامي، الذي يحاول أدونيس والحركة الحداثية نفيه وإبادته باسم نقد التقليد والمحاكاة، مع أن أدونيس ذاته من أعظم المقلدين والمحاكين في هذا الزمان، فقد قلد الأوروبيين بل وسرق أفكارهم وكلماتهم وانتحلها لنفسه هكذا في وضح النهار، وقد كشفه صاحب كتاب "أدونيس منتحلًا" ومؤلف كتاب "أفق الحداثة وحداثة النمط"

(1)

وغيرهما، ومن أبرز وأظهر علائم التقليد والمحاكاة ما نحن بصدده الآن.

فهو يريد إثبات عقائد أجداده الباطنيين، ولكن عن طريق الحداثة الفنية والأدبية، وهذا عين المحاكاة، فضلًا عما ذكرناه في هذا الفصل من محاكاته للوثنيين والجاهليين وأصحاب الأساطير.

أمّا نشوء مفهوم للزمن يغاير المفهوم الديني فلم يبين ما الفرق بين الأمرين، وعلى كل حال فخالق الزمن هو منزل الدين والشرع، ولا يُمكن أن يتناقض هذا مع هذا، وإن تناقض في أفهام بعض الناس.

أمّا إحلال حركية التقدم محل سلفية الأصول، فهذه دعوى ذرائعية يريد الوصول من خلال هذه الألفاظ المفخمة إلى ترك الدين ومحاربة السنة وهجر ميراث السلف، وقد قدم دعوى باطلة وجعلها في ذات الوقت دليلًا، وهذا غاية في الاعتساف، أضف إلى ذلك أنه لم يتخل عن أصول أسلافه الباطنيين فأين هو من هذه الدعوى؟.

أمّا نقد الحقيقة الماضية الثابتة فهي مقدمته الدائمة والمكررة بألفاظ

(1)

انظر: كتاب أدونيس منتحلًا لكاظم جهاد، وكتاب أفق الحداثة وحداثة النمط لسامي مهدي.

ص: 935

عديدة، من أجل نقد الدين والشريعة والعقيدة والوحي والقرآن، تمهيدًا للتشكيك فيها ثم إبطالها، وهذه من خطوات الباطنية المشهورة والتي كشفها العلماء المسلمين من قديم، ومما يؤكد أنه جعل ذلك من أجل نقد الدين والتشكيك أنه أعقب ذلك بذكر الملاحدة ابن الراوندي والرازي الملحد.

الخامس: أنه ربط هذا الهاجس بالمرتكز الذي يحوم حوله وهو التيارات الإلحادية، وحركات الزندقة والشعوبية وطليعتها الحركة القرمطية، وهو ربط صحيح من جهة أنهم كانوا ضد هذه الملة، ساعين في هدمها وإبطالها وإبعاد الناس عنها، وباطل من وجه أنه جعل التجديد والإبداع مربوطًا بهم، وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن ذلك، وحتى لو افترضنا أنهم كذلك فإن المراد الأساسي من كل ذلك الدعاية الملتفة لهذه الفرق والحركات الهدامة.

وقد أعقب ذلك النص بنص آخر يوضح أن مراده: ملته وعقيدته، وليس دعوى الإبداع والتجديد والتحديث إلّا ستارة يتحرك من خلفها، وهو دأب الباطنيين في كل تاريخهم.

يقول: (ويبدو لي أن الفكرة الأساس في نزعة الحداثة على الصعيد الشعري، في المجتمع العربي تكمن في إدراك التماثل بين اللغة والعالم، بوجهيه: الظاهر والباطن، الموضوعي والذاتي)

(1)

.

إلى أن يقول -ممجدًا أي خروج عن الدين-: (لم يعودوا بدءًا من ذلك ينظرون إلى الكون من حيث هو مجموعة من الإشارات والرموز والصور، ولم يعد العالم مكتوبًا في نص أصلي أولي، بشكل نهائي، وإنّما أصبح كتابًا يكتب باستمرار، هكذا تراجعت المفهومية الكلية، وتراجع عالم الكل أمام الشيء المفرد، وأمام الجزئية وعالم الأجزاء، وأخذ الوعي بالموت يعصف بحياة الشعراء ويملؤها بشرارات العبث والغرابة، وصار اللهو والمجون والتشرد والصعلكة فضاء يتنشق فيه الشعراء هواءهم الطيب الأخير،

(1)

الثابت والمتحول 3/ 267.

ص: 936

وفي هذا الفضاء أخذت تحدث التفجرات المختلفة حينًا والمؤتلفة حينًا: الثورة على العقل والدين معًا، والهيام بالجسد وأشياء العالم، ورفع راية الحلم والسحر والجنون.

وفي هذا ما خلق جوًا، فكريًا واجتماعيًا، أخذ يبدو للنظام وبناه، شيئًا فشيئًا، إنه يزداد خطورة، وأنه يصبح كثر فكثر عصيًا على الترويض، لم يكن بد إذن من إدانته، هكذا سمته السياسة في "مدينة اللَّه" عالم الزندقة والشعوبية، وهكذا اعتبرت أنه انحراف ومرض، وهكذا نفته تمامًا كما فعلت الكنيسة القروسطية بالهراطقة، في مختلف أنواعهم)

(1)

.

إن أدونيس يحاول من خلال المغالطة أن يثبت أن الشعراء في التاريخ الإسلامي وصلوا إلى العبث والغرابة واللهو والمجون والصعلكة، وهو في الحقيقة يصف أجواء الحياة الباطنية وسراديب خفافيشها، وهم الذين ذكر أنهم وصفوا بالزندقة والشعوبية، وهكذا هي هذه الأمة تنفي خبثها وتخرج أقذارها، وتلقي بهم في سلة مهملات التاريخ، وهذا ما سوف يؤول إليه -بإذن اللَّه- أدونيس وأتباعه من الحداثيين.

وفي تلمود الحداثة الذي ألفه أدونيس لهدم الإسلام واللغة العربية، جعل فصلًا خاصًا في الجزء الثاني منه سماه "الحركات الثورية: ثورة الزنج والحركة القرمطية".

وبدأ بتفسير ماركسي للفتنة من أيام عثمان رضي الله عنه في سياق مليء بألفاظ محدثة، مثل "إسلاموية، عروبوية"

(2)

.

ويجعل التفسير الماركسي أساسًا لتسويغ ثورات الخوارج والعلويين كما سماهم، ويقصد الشيعة أهله وأصحاب ملته، ثم يضيف بأن هذه الثورات تكشفت عن حركتين (الأولى: تكشف عن نوع من البعد الطبقي

(1)

المصدر السابق 3/ 267 - 268.

(2)

هذه الألفاظ انتحلها فيما بعد الكاتب العلماني تركي الحمد وأصبح يرددها في مقالاته الليبرالية البرغماتية الملتصقة بالغرب وأمريكا على الخصوص.

ص: 937

هي ثورة الزنج، والثانية تكشف عن بعد كلي غيبي وأرضي وهي الحركة القرمطية)

(1)

.

وهنا يظهر تمجيده لفرع من فروع ملته الباطنية، ولا غرو فالمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض.

ثم يطنب الحديث عن القرامطة، ويعتبر أن إطلاق هذا الاسم عليه هو من أعدائهم تحقيرًا لهم وتعبيرًا عن كراهيتهم

(2)

.

ثم يفسر خروجهم تفسيرًا ماركسيًا ويصورهم أهل عدل في مقابل ظلم المجتمع المسلم والدولة المسلمة

(3)

، ويبرر خروجهم وثوراتهم بالنظرة الماركسية ذاتها، ويدافع عن مواقفهم وأعمالهم دفاع المحب المعجب

(4)

.

ثم يمتدح مؤسس هذه الفرقة ويصفه بالعدل والمساواة، ويصفهم بالاشتراكية والعدل والإحسان

(5)

ثم يلتفت إلى نظرتهم نحو الدين ويذكر أن (أهمية الحركة القرمطية تتجلى في إعطاء الدين بعدًا ماديًا اقتصاديًا)

(6)

.

ثم يشير إلى ارتباط حركة الزنج بهذا المفهوم، ويثني على القرامطة لجعلهم الدين غير مطلق بل متغير نسبي مادي

(7)

، وهو المفهوم الذي يناضل من أجل إثباته في الواقع، ولكن من خلال الحداثة.

يقول أدونيس: (لقد أصبح الدين نفسه، وبخاصة في الحركة القرمطية، شكلًا من أشكال الوعي الاجتماعي، مرتبطًا بتاريخ نشأتها وظروف

(1)

الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 64.

(2)

انظر: المصدر السابق 2/ 66.

(3)

و

(4)

انظر: المصدر السابق 2/ 67.

(5)

و

(6)

المصدر السابق 2/ 68.

(7)

المصدر السابق 2/ 99.

ص: 938

هذه النشأة والشروط الحياتية للبشر الذين ينتمون إليها، لقد أعطت للدين وتعاليمه مفهومًا ماديًا)

(1)

.

ومن الملاحظ أن هذه النظرة إلى ربط الدين بالظروف الحياتية وتغييره وفقها، هي التي يقول بها أكثر العلمانيين العرب اليوم، وينادون به وعلى رأسهم حسن حنفي ونصر أبو زيد.

ثم يأتي أدونيس على المحور الذي يدور من أجل ترسيخه، وهو أن الحياة أولًا ثم الدين، وأن الحياة هي التي تحدد الوعي وتطوره وتجدده وليس الدين، وأن التاريخ هو تاريخ الحياة، وليس تاريخ الدين، وأنه بذلك تطور الوعي من أسفل إلى أعلى، وأن هذا الإنجاز الذي قامت به الحركة القومطية والحركة الثورية بعامة يمثل صراعًا بين الثابت والمتحول والقديم والجديد

(2)

؟!.

وهو الأسلوب الدعائي الدعائي نفسه الذي دأب أدونيس على استعماله، فهو يقرر القضية كمسلمة، ثم يشرح حولها ويضيف، ويلبسها العبارات الفضفاضة، ثم يلقيها هكذا وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش.

وعلى كل حال هو هنا يؤكد إعجابه بالباطنية، وسعيه لجعل الباطنية مرادفة للوعي والتطور والتجديد ومناقضة الثبات، الذي كان قد سعى وأشباهه إلى جعله مذمة، يبرأ منها البلهاء ظنًا منهم أن البراءة من الثبات يعني أنهم أصبحوا متحولين ومجددين وإبداعيين، في غبار من المفاهيم الضبابية الخادعة الملقاة على عيون عشيت عن الهدى، فانقادت لهذا الضلال والردى. وتقرأ له بعد هذه الأغاليط النتيجة المرادة من هذا السياق كله، حيث يقول:(وبفضل الحركة الثورية يُمكن القول إن وعي التاريخ العربي أصبح يقوم على اعتباره نموًا متدرجًا من وضع أدنى إلى وضع أعلى، وليس العكس، كما كان يتصور منظرو القديم. . .)

(3)

.

(1)

المصدر السابق 2/ 99.

(2)

انظر: المصدر السابق 2/ 69 - 70.

(3)

المصدر السابق.

ص: 939

ثم يقول: (. . . أما القرمطية فكانت نواة لمجتمع مغاير، ومفهومات منايرة. . . كانت القرمطية محاولة أولى في المجتمع العربي للوحدة بين العقل والوجود، تبعًا للوحدة بين النظرية والممارسة أو محاولة أولى لإقامة الاشتراكية بديلًا عن الثيوقراطية. . . والقرمطية، على الصعيد الإنساني، شكل من عودة الإنسان إلى ذاته كإنسان اجتماعي مقابل الإنسان القبلي أو العنصري. . . .

والخلاصة أن الحركة الثورية، ممثلة على الأخص بثورة الزنج والثورة القرمطية كانت محاولة لإلغاء الضياع، من حيث أنها ألغت الملكية الخاصة، وتجاوز القبلية والعنصرية إلى الإنسان كإنسان، كوجود اجتماعي، أنها ليس محاولة لتجاوز الضياع على مستوى الوعي وحسب، وإتما هي أيضًا محاولة لتجاوز الضياع على مستوى الواقع)

(1)

.

وهكذا يتبدى لنا أدونيس في مسوحه الحقيقي: باطني متعصب للباطنية تاريخًا وعقيدة وممارسة، خاصة إذا قارنا هذه الأقوال المدائحية الابتهاجية بهذه الحركات الباطنية، في مقابل ذمه وتشنيعه وهجائه للأمة المسلمة عقيدة وشريعة وتاريخًا وحضارة وممارسة، وإطلاق ألفاظ التنفير، من أمثال: نخل وبقل، تتلمذ كامل، معرفة جامدة، ثقافة سائدة، تراكم معرفي، خلط بين اللسان والكلام، اتجاه نحو الماضي في رفض للمستقبل، تمجيد الحياة والفكر إلى آخر القائمة الهجائية

(2)

.

وفي مقابل إشادته بالملاحدة والشكيين والباطنيين، نجد ذمه وتنقصه للمؤمنين الموحدين.

فهو يمتدح ابن الراوندي ويذكر أقواله المحاربة للقرآن والنبوة شارحًا لها

(3)

، ثم ينتقل إلى جابر ابن حيان فيقول: (إن لشخصية جابر بن حيان

(1)

المصدر السابق 2/ 70.

(2)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 148 - 150، 151 - 153، 154 وكل كتابه من هذا القبيل.

(3)

انظر: المصدر السابق 2 - تأصيل الأصول: ص 77.

ص: 940

وجهين، قد يبدوان للوهلة الأولى متناقضين: الأول باطني - إلهامي، والثاني: علمي - تجريبي، فهو من الناحية الأولى، يتصل بالمنحى الإمامي في الثقافة العربية. . .)

(1)

.

وسواء أكان جابر بن حيان كذلك أو لم يكن، أو كان شخصية حقيقة أو شخصية مختلقة، فالمراد عند أدونيس هنا التركيز على الجانب الباطني، وإشادته به وتعويله عليه؛ لأنه يشكل له رصيدًا تاريخيًا، ويقوي جانب عقائده الباطنية، ويؤسس امتدادات متماهية مع هذا الاتجاه.

بيد أن من أصرح نصوصه التي تؤكد عودته إلى منبعه الباطني ومحاولة مد فروع الباطنية الضالة إلى الحياة الثقافية من خلال الأدب الحديث وخاصة الشعر، قوله: (تتصل التجربة الصوفية، في شكلها الأعمق والأكمل، بالتجربة الباطنية الإمامية، فهذه التجربة الأخيرة تقوم على تجاوز التاريخ المكتوب، ذلك أنها تتجه إلى المستقبل وتنتظر المجيء، وعلى تجاوز الظاهر المنظم في تعاليم وعقائد، ذلك أنها تتجه إلى باطن العلم، وتعني بمعناه الخفي أو المستور، وعلى تجاوز المنطق وأحكامه، ذلك أنها تصدر عن النبوة ولدنية العلم.

ولئن كانت النبوة المحمدية خاتمة النبوات، فإنها خاتمة الظاهر، ذلك أن لها ما يتممها في الباطن وهو الإمامة أو الولاية، فالولاية بهذا المعنى، هي باطن النبوة، النبوة بتعبير آخر هي الشريعة، أمّا الولاية فهي الحقيقة، وهكذا يكون الإمام ينبوع المعرفة الكافية فيما وراء النص.

وهذا يعني أن إدراك الحقيقة لا يتم استنادًا إلى العقل أو إلى النقل، لأن الحقيقة ليست في ظاهر النص، وإنّما يتم عن طريق تأويل النص بإرجاعه إلى أصله، والكشف عن معناه الحقيقي، والتأويل مرتبط بعارف يدرك المعنى الباطن، وهذا العارف هو الإمام، فالإمامة هي الحضور الإلهي المستمر الذي يحول دون تشيؤ الحقيقة في مؤسسات وتقاليد وتشريعات، وتحولها بالتالي،

(1)

المصدر السابق 2/ 78.

ص: 941

إلى حرف ميت، أن الوقوف عند ظاهر النص يؤدي إلى هذا التشيؤ، ويحول الدين إلى أشكال طقوسية من عبادات ومعاملات، كما هو الشأن في المنظور الفقهي، ومن هنا يعطي القول بالباطن للدين حركبة لا تتناهى، لأنه يصبح في المنظور الأمامي، تحركًا في اتجاه ما لا ينتهي، فالفرق بين الدين في المنظور الفقهي الظاهري، والدين في المنظور الباطني الإمامي، كالفرق بين الماء المتموج على سطح البحر، وحركة الماء المتفجر في أغواره، أو كالفرق بين الظل والأصل، الفرع والجذر، فالظاهر ليس إلّا صورة من صور الباطن، وبما أن الباطن لا نهاية له فلا يُمكن أن تحده صورة واحدة، بل لا يُمكن أن تحده الصور. . .

وهكذا تكون الإمامة بمثابة التقاء بين الزمني الذي هو الظاهر أو الشريعة، والأبدي الذي هو الباطن أو الحقيقة، بين المتغير والثابت، المنتهي واللامنتهي، الإمامة هي بمعنى آخر، تزامن الجوهر والمظهر، فالباطن إذن لا ينفي الظاهر، واتما يعطيه معناه الحقيقي، وهو يثبته فيما يعطيه هذا المعنى، الباطن هو النور الذي يكشف ويضيء وهو المعنى الذي يعطي للوجود صورته، أي: قيمته ودلالته)

(1)

.

بهذا النص يتضح لكل صاحب عقل وبصيرة أن أدونيس باطني اعتقادي تجري الباطنية وأهواؤها في عروقه، وتمازج روحه، وتستولي على، فكره فيراها الحقيقة والتطور والحركية اللامتناهية، والإمامة فيها هي الحضور الإلهي والأصل والجذور والماء المتفجر في الأغوار، أمّا عقيدة المسلمين القائمة على الوحي وهدي النبي صلى الله عليه وسلم فهي -عنده- ظاهر جامد وأشكال طقوسية وفرع وظل وسطحية. . . إلى آخر أوصافه.

ولو لم يقل أدونيس هذا القول لكان في أقواله الأخرى وما فيها من إشارات وإيماءات، دلالة على منزعه الباطني النصيري، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هذا النص الصريح؟.

(1)

المصدر السابق 2/ 91 - 92.

ص: 942

ولكن الأتباع عميٌ عن الحقائق لا يعقلون ولا يريدون أن يعقلوا!!.

ولربّما قرأ بعضهم هذا الكلام فنفر منه لغلبة الجهل أو الهوى، وربّما لغلبتهما معًا!!، وكيف لا، وقد أسقط أدونيس وعصابته وأتباعه موازين الكفر والإيمان، والحلال والحرام والولاء والبراء من حساباتهم.

وفي موضع آخر من كتاب يستخرج من تراث آبائه وأشباهه الباطنيين قضية لغوية طالما دندن حولها، وهي إسقاط دلالات اللغة، من خلال الدعوى الكاذبة بأن العبارة لا تساوي المعبر عنه ولا تدل عليه، وأن العلاقة بينهما علاقة إشارة ورمز، وعلاقة احتمال فحسب، وليس بينهما علاقة حقيقية ولا يقينية.

وبهذا المعنى الباطني الذي هو من أسس الفكر والعقيدة الباطنية، يصل أدونيس إلى مراده في إسقاط اللغة العربية، والتلاعب بالحياة كلها، والعبث بالعقول من خلال العبث باللغة، فإن إسقاط دلالات الألفاظ لا يساوي غير الجنون والدمار.

وعلى هذا المعنى الذي يقرره أدونيس والمشوهون بفكره، لو قلنا لأحدهم بعينه: فلان الحداثي خنزير نجس أو عذرة وبول، فلا حق له في الغضب والدفاع عن نفسه؛ لأن اللفظ هنا مجرد إشارة ورمز وليست علاقته بالمدلول علاقة حقيقية ولا يقينية، وقد يكون الرمز الذي يدل عليه هذا اللفظ هو المدح بدلًا من الذم، والتكريم بدلًا من الإهانة، وهذه العقيدة في الألفاظ التي أخذها أدونيس من أهل ملته، هي التي بموجبها حرفوا نصوص القرآن، وعبثوا بالشريعة والعقيدة، تحت طائلة التأويل الباطني، الذي سلكوا من خلاله شتى المسالك لإبطال الدين وتخريب الإسلام.

يقول أدونيس: (كانت التجربة الباطنية - الصوفية تعني، على صعيد الأدب واللغة، الفصل بين الاسم والمسمى، والتوكيد على أن العبارة "الاسم" لا تساوي المعبر عنه "المسمى" فالعلاقة بينهما علاقة إشارة ورمز، لا علاقة مطابقة وهوية، أو هي بتعبير آخر، علاقة احتمال لا علاقة يقين، وقد أدى القول بالعلاقة اليقينية إلى الأخذ بحرفية الكلمات، ومحاكمة الشعر

ص: 943

منطقيًا وأخلاقيًا، بل إن هذا كان من أهم الأسس النقدية التقليدية)

(1)

.

هنا يظهر أحد مقاصد أدونيس في إسقاط دلالات الألفاظ، وهذا المقصد طالما تذرع به الحداثيون وتعلقوا به.

وفي ذلك يقول أدونيس في زمن الشعر: (إن للكلمة عادة معنى مباشرًا، ولكنها في الشعر تتجاوز إلى معنى أوسع وأعمق، لابد للكلمة في الشعر من أن تعلو على ذاتها، وأن تزخر بأكثر مما تعد به، وأن تشير إلى كثير مما تقول فليست الكلمة في الشعر تقديمًا دقيقًا أو عرضًا محكمًا لفكرة أو موضوع ما، ولكنها رحم خصب جديد، ثم إن اللغة ليست كيانًا مطلقًا بل عليها أن تخضع لحقيقة الإنسان التي يجهد للتعبير عنها تعبيرًا كليًا، فهي إذن ليست جاهزة بحد ذاتها، بل تشرق وتصير علينا في الشعر أن نخرج الكلمات من ليلها العتيق، أن نضيئها، فنغيّر علائقها ونعلو بأبعادها.

إذا كان الشعر الجديد تجاوزًا للظواهر ومواجهة للحقيقة الباطنية في شيء ما أو في العالم كله، فإن على اللغة أن تحيد عن معناها العادي. . .)

(2)

.

وبهذه التعميمات استطاع أن يخدع البسطاء الذين رتعوا في حقله وشربوا من مستنقعه، تجد أحدهم يهاجم الإسلام وقضاياه، والأخلاق وأسسها، ويدعو إلى الرذيلة، ويعترف بالكفر والزنى، فإذا قيل له في ذلك شيء تذرع بأن الأخذ بحرفية الكلمات نظرة تقليدية رجعية متخلفة!!.

وتبين لنا من هذا النص أن أساس هذه المعايير الحداثية، العقيدة الباطنية التي فرع أدونيس وأضل شؤونها على ضوء عقيدة النصيرية، ووجد من تنطلي عليه هذه الألاعيب اللفظية، المنطوية على سموم فكرية تقتل دين متعاطيها وأخلاقه

وبعد هذه السفسطات الأدونيسية يصل إلى نتيجة مؤداها الثناء على

(1)

المصدر السابق 2/ 212.

(2)

زمن الشعر: ص 17. وانظر كلامه عن الرمز: ص 160 تجد المعنى نفسه في عقائد الباطنية وإنّما وظفه هنا فى الشعر واللغة عمومًا.

ص: 944

الإلحاد والباطنية حيث يقول: (هكذا، بين الثورة الاجتماعية، والثورة الفكرية، بين عقلانية المجتمع المقرونة بعقلانية الدين، وإبطال النقل، وباطنية الدين وإبطال الظاهر، والمنهج الشكي الاختباري التجريبي وإبطال النبوة، كانت تنمو حركة التحول والإبداع في المجتمع العربي)

(1)

.

وهكذا يصور أدونيس أن التطور والإبداع جاء على أيدي هؤلاء الشذاذ، ومتى كانوا كذلك؟ وفي أي زمن؟ بل كانوا في غاية الجهل والتردي، وها هم بنو ملته من النصيريين لم يبارحوا جبالهم حتى جاء الفرنسيون فأنزلوهم ليخالطوا الناس، ويروا الحضارة، ثم مكنوا لهم في الجيش والإدارة والإعلام، حتى استولوا أخيرًا على رقاب المسلمين، كشف اللَّه عنهم الغمة.

وكذلك كان الدروز والإسماعيليون، ولا تجد أحدًا من هؤلاء كان له في إفادة المسلمين أو رفع شأنهم أي أثر، بل تجد إبداعهم ونشاطهم إنّما كان في حرب المسلمين والإضرار بهم، وتفتيت قوتهم، والعمالة لعدوهم، والمحاربة لدينهم والسعي الحثيث لإبطاله وتخريبه.

وهذا الثناء من أدونيس على شواذ الفكر والسلوك من الباطنيين والشكيين والملاحدة الذين كانوا قلة لا قيمة لها أمام بحر الإسلام الخضم الهائل، وكانوا خفافيش ظلام أمام نور الإسلام العظيم الذي عم البشرية جمعاء.

هذا الثناء نجد مثله عند الخال حيث جعل الحركات التجديدية والإبداعية في التاريخ العربي جرت على أيدي الشعوبيين والخارجيين على التراث والسلفية، ويؤكد أن (الحركة الشعرية الحديثية ما هي إلّا حصيلة جهد بعض الذين وقفوا في الخارج، خارج السلفية والاتباع والتقليد)

(2)

.

ومن خلال تكرار أدونيس أن المقصود هو باطن اللفظ، وأنه هو

(1)

الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 213.

(2)

أسئلة الشعر: ص 158.

ص: 945

الحقيقة، وما عداه السطح استطاع أن يخلب عقول سفهاء الأحلام من أبناء المسلمين، الذي ربّما لم يسمعوا عن الباطنية وأساليبها وطرائقها في إبطال الأديان وخاصة الدين الإسلامي، فيقرأون وهم خليون من علم ينفع وإيمان يدفع، مع مخالطة الأهواء لقلوبهم، فيقعون فريسة لهذا النصيري وأشباهه.

ها هو يعلمهم بأستاذية واستعلاء -وهذا معروف في كلامه وشعره- فيقول: (. . . يجب أن تميز في التراث بين مستويين الغور والسطح، السطح هنا يمثل الأفكار والمواقف والأشكال، أمّا الغور فيمثل التفجر والتطلع، التغير، الثورة، لذلك ليست مسألة الغور أن نتجاوزه بل أن ننصهر فيه، لكن، لانكون أحياء ما لم نتجاوز السطح، ذلك أن السطح متصل بالوقائع والفترة الزمنية، أي بتجربة تاريخية معينة، بينما يتصل الغور بالإنسان كإنسان، الغور مطلق، أمّا السطح فتاريخي)

(1)

.

وبمثل هذه الألفاظ يجذب إلى ناره فراش وجنادب الحداثة، المولعين بالاشتهار والمغامرة، وأهل الدين والعلم والإيمان يأخذون بحُجُزهم لئلا يقعوا في نار المجوس والباطنية، وهم يتفلتون ويتقحمون، وقد أغرتهم الدعاية الأدونيسية بالغور وهو لفظ ماكر بديل عن الباطنية، وبالتفجر بديلًا عن الرفض والكفر، والتغير بديلًا عن الردة، والثورة بديلًا عن التخريب.

بيد أن كبار نقاد الحداثة قد فطنوا للبعد الباطني عند أدونيس والدعوة إلى الباطنية كما سبق أن نقلنا، ولكنهم تعاملوا مع هذه القضية -بحكم حداثتهم المذيبة لمبدأ الولاء والبراء- تعاملًا هامدًا باردًا وكان شيئًا لم يكن.

فها هو إحسان عباس يدرس بعضًا من شعر أدونيس الدال على شيعته وباطنيته: رأس الحسين ومسجد الحسين والعداء لبني أمية، والشهداء زيد والحسين، ويستحيل عنده معاوية رضي الله عنه إلى شعره، والأشجار في مقتل الحسين تمشي حدباء في سكر وفي أناة كي تشهد الصلاة، ومع كل ذلك لا يشير إلى النزعة الباطنية الشيعية في هذا الكلام، بل يعده مجرد أمثلة

(1)

زمن الشعر: ص 169 - 170.

ص: 946

على قضية "المرايا "التي يتخذها الشاعر الحديث

(1)

.

أمّا الاسم الذي اتخذه أدونيس إطارًا له يعبر من خلاله عن ذاته فهو مهيار الدمشقي، وقد بين معنى هذا الاتخاذ عدة نقاد

(2)

، ولكن أجرأهم هو جهاد فاضل الذي بين المقصد الشعوبي الباطني المستتر خلف هذا الاسم

(3)

، وقد أجاد في ذلك، وسبق أن نقلنا نصه عدة مرات، ولا يتوارى أدونيس ولا يجحد مطلقًا أن الباطنية هي أساسه وجذره، كما يتوارى بعض أبناء المسلمين من الذين تلوثوا بنجاسات العلمنة والحداثة.

يسأله منير العكش قائلًا: (في فعلك الشعري ظواهر تسيطر عليها علاقات باطنية، هل تدخل الباطنية في مصادرك، وتعتبر جذرًا في حلمك؟.

أدونيس: طبعًا، يجب أن تميز بين الباطنية كحركة تاريخية والباطنية كموقف من العالم، بالمعنى الأول لا علاقة لي بها إطلاقًا، بالمعنى الثاني، الباطنية تهتم بما تسميه "الحقيقة" مقابل ما نسميه "الشريعة" أي بلغة شعرية، تهتم بما يتجاوز العادي وبهذا المعنى أنا متأثر بالباطنية.

والباطنية هنا تلتقي مع الصوفية، وتلتقي كذلك مع السوريالية. . .، والباطنية بهذا المعنى أيضًا بحث لا ينتهي عن حقيقة متحركة لا تنتهي لذا فهي شعرية خالصة. . . كشعر، تعتقد الباطنية أن العالم معنى وصورة، وأن غاية الإنسان ليس الوقوف عند حدود الصورة، أي: عند حدود الخارج بل تجاوز الصورة إلى المعنى، فإذا كانت تعامل اللَّه بهذا الشكل فكيف بالوجود؟ الوجود بالنسبة إليها هو هذا المعنى المستثمر الخفي، هو هذا المجهول. . .)

(4)

.

ونفيه أن تكون له علاقة بالحركة الباطنية كحركة تاريخية ينتفي تمامًا

(1)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 126.

(2)

انظر مثلًا: الحداثة الأولى: ص 97، 102، 103.

(3)

انظر: قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص 139.

(4)

أسئلة الشعر: ص 120 - 131.

ص: 947

بتقريره واعتقاده لأصول عقائد الباطنية، وبدعوته الظاهرة والخفية إلى هذه الأصول الضلالية التي ذكر طرفًا منها هنا، وأطرافًا في مواضع أخر، وخاصة في كتابه "الثابت والمتحول" الذي وصفه البياتي -في معرض الخصام الذي حصل بينهم والتنافر- تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى - وقد سأله جهاد فاضل: (هل قرأت كتاب الثابت والمتحول الذي قدمه أدونيس في الأساس كأطروحة لنحل الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت؟.

البياتي: يحاول أدونيس في الثابت والمتحول بعد مئات الصفحات أن يثبت أن الشعوبية في الفكر العربي والثقافة هي التيار الأصيل الوحيد الذي كان، ويتأسف ويأسى لأن هذا التيار قد قمع. . .)

(1)

.

ويصفه البياتي بأنه شاعر مزروع في الأمة ثم قال: (ويخيل لي أن رفض تراث الشعر العربي قديمه وحديثه تكمن وراءه دعوى شعوبية يتبناها أدونيس في السر والعلن. . . ويُمكن تفسير سلوك أدونيس هذا بالباطنية الشعوبية. . .)

(2)

.

وهذه شهادة من أحد أعمدة الحداثة، وننقلها هنا من باب: وشهد شاهد من أهلها، وإن كان البياتي -نفسه- في مخاضة الانحراف إلى ذقنه.

وهناك شهادة أخرى من حداثي آخر، تتبع انتحالات أدونيس وسرقاته، ومضامينه وأفكاره ثم أثبت بأن لدى أدونيس:(أواصر قربى طائفية وقروية، ليس ثمة في خطاب أدونيس ولا سلوكه ما يُمكّن قط من الاعتقاد بأنه تجاوزها)

(3)

.

ومما يدل على الانتماء العضوي والنفسي والفكري والاعتقادي بأصله النصيري الطائفي ما في ديوانه من إشارات وعبارات باطنية

(4)

.

(1)

قضايا الشعر الحديث: ص 213.

(2)

المصدر السابق: ص 214 - 215.

(3)

أدونيس منتحلًا: ص 171.

(4)

انظر: الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 30، 76، 293، 590، 2/ 85، 164، 147، 543، 563، 577، وغيرها.

ص: 948

وكذلك ما حشى به كتابه الباطني الذي سماه "الصوفية والسوريالية" والأولى أن يسمى "الباطنية والسوريالية".

ومن انتحالاته ما ذكره مؤلف كتاب "أدونيس منتحلًا" تحت عنوان: (شاهد ثالث: في هذا الأنموذج تجد عملًا للتضليل، بل لك أن تسميه الخديعة، بالغ الغرابة ومحزنًا في الأوان ذاته، ينطق في النص باسم الكاتب الذي يقدم أفكاره، هو الشلغماني أحد كتاب الشيعة النصيرية، كما لو كان، أي أدونيس، ينقل أفكاره عن الذاكرة)

(1)

.

ثم يسوق المؤلف الكلام المنتحل وهو من مفرد بصيغة الجمع من الأعمال الكاملة، ثم عقب على ذلك قائلًا:(هناك الكثير من النصوص العَلَوية، من أدبية وفقهية، وسواها، تدخل في مجال الأدعية والسحر الخ. . . مما بقي مخطوطًا، بل سرّي التداول أحيانًا، غير معروف إلّا في حلقات مغلقة، وبحسب أصول توارث خاص بأهل الطائفة، وإن الكثير من الأدباء الذين ولدوا في البيئة العلوية يدعون أن أدونيس كثيرًا ما أخذ عن هذه النصوص. . .، المهم أن أفكار الشلغماني مقدمة هنا كما لو عن الذاكرة. . .)

(2)

.

وهذا الباحث إن كان نظر إلى هذه القضية من زاوية الانتحال فإن الأهم من الانتحال أن أدونيس لم يفارق طائفته النصيرية، ولم يخرج عن مدارها وعقائدها، وإذا عدنا إلى النص المذكور في ديوانه نجد أنه يغص بالإلحاد والإباحية المعروفة عن الفرق الباطنية:(اتركوا الصلاة والصيام وبقية العبادات، لا تتناكحوا بعقد، أبيحوا الفروج للإنسان أن يجامع من يشاء، اقرأوا كتابي الحاسة السادسة في إبطال الشرائع، الجنة أن تعرفوني، النار أن تجهلوني. . .)

(3)

.

ومن دلائل ارتباطه العضوي بالشيعية الباطنية النصيرية أنه لما عاد إلى

(1)

أدونيس منتحلًا: ص 75 - 76.

(2)

المصدر السابق: ص 76 - 77. وانظر: ص 78.

(3)

الأعمال الشعرية لأدونيس 2/ 547 - 548.

ص: 949

قريته "قصابين" عام 1975 م بعد غياب يزيد على خمس عشرة سنة، ووجد أن أحد علماء النصيرية قد هلك، ويسمى "علي حيدر" أنشأ أدونيس في رثائه قصيدة قال فيها:

(شمسان شمسك لم تغرب وشمس أبي

هما فضائي فضاء السبق والغلب

حملتُ سر

(1)

كما نمشي معًا وعلى

آثارنا مثل نور الآية العجب

تغيب كالشمس غابت كي تعود غدًا

وتلتقي كلقاء الهدب بالهدب)

(2)

وفي البيت الأخير يتجلى اعتقاده بتناسخ الأرواح كما هي عقائد الباطنية، وعند قيام الثورة الرافضية الشيعية الإيرانية، وانتصارها على الشاه كتب أدونيس:

(أفق ثورة، والطغاة شتات

كيف أروي لإيران حبي

والذي في زفيري

والذي في شهيقي تعجز عن قوله الكلمات؟

سأغني لقمٍّ لكي تتحول في صبواتي

ثار عصفٍ، تطوف حول الخليج

وأقول المدى والنشيج

أرضي العربية ها رعدها يتعالى

(1)

هكذا في النص نفسه.

(2)

انظر: أدونيس منتحلًا: ص 23.

ص: 950

صاعدًا خالقًا

وحريقًا

يرسم المشرق الجديد، ويستشرف الطريقا

شعب إيران، يكتب للشرق فاتحة الممكنات

شعب إيران يكتب للغرب وجهك يا غرب مات

شعب إيران شرق تأصل في أرضنا ونبي

إنه رفضنا المؤسس، ميثاقنا العربي)

(1)

.

وعندما سأله مؤلف كتاب أسئلة الشعر قائلًا: (أريد أن تحدثني عن علاقتك بالخصيبي والمنتجب العاني وحسن بن مكزون وغيرهم من شعراء النصيرية.

أدونيس: الخصيبي، كشاعر، لا أهمية له، المنتجب كذلك شاعر ثانوي، المكزون شاعر بمعنى أنه أول شاعر عربي حاول أن يعبر عن الايديولوجية التي يؤمن بها شعريًا، لقد وضع ايديولوجيته شعرًا، وهذه مهمة جدًا في تاريخ الشعر العربي.

قال السائل: بهذا أجد ابن الفارض أكثر أهمية؟.

أدونيس: ايديولوجية ابن الفارض عامة، وغير محدودة، بمعنى أن ابن الفارض، كشاعر هو شاعر عائم ضمن التراث الإسلام، لكن المكزون شاعر عضوي)

(2)

.

هذه باطنية أدونيس جلية غير متوارية، ظاهرة غير خافية، في تنظيره ونقده وشعره، وانتمائه العضوي.

أمّا غير أدونيس فقد امتد إليهم التأثر بالباطنية ووجد في شعرهم على

(1)

المصدر السابق ص 23 - 24. وانظرها في: قضايا الشعر الحديث: ص 144 - 145.

(2)

أسئلة الشعر: ص 132. وانظر: ص 133.

ص: 951

هيئة رموز وأسماء، وبعض الأفكار، وخاصة امتداح ثورة الزنج والقرامطة والتباكي على الحسين، وذكر كربلاء والنيل من معاوية وبني أمية.

فإذا نظرنا إلى بعض مفردات ثلاثة من المنتمين إلى الشيعة، وجدنا عندهم هذه الرموز والأسماء بصورة أكثف ودلالة أعمق، تدل على المنشاء والمسلك والاتجاه المشيعي الذي يمد شعرهم، وهم البياتي ومظفر النواب ومحمد علي شمس الدين.

فمن الرموز التي عند البياتي: الحسين

(1)

، وكربلاء

(2)

، وقلعة ألموت، وابن الصباح

(3)

، وقائد الزنج

(4)

.

أمّا النواب فإن شيعيته ظاهرة فجة قبيحة، فهو جريء في وقاحة مكشوفة، ورافضية واضحة وباطنية جلية

(5)

.

وأمّا محمد علي شمس الدين: فإنه يمتدح بابك

(6)

، وله مقطع بعنوان "من مراثي فاطمة"

(7)

مليء بالمضامين الشيعية، وآخر بعنوان قمر بني هاشم

(8)

، مع حشد من العبارات الشيعية العاشورية

(9)

.

أمّا الذين ليسوا من أصول شيعية أو باطنية فإنهم قد تأثروا بهذا التيار، فمنهم سعدي يوسف الذي يمتدح في ديوانه حركة الزنج

(10)

.

(1)

انظر: ديوان البياتي 1/ 311، 2/ 131، 255، 145.

(2)

انظر: المصدر السابق 1/ 311، 145.

(3)

انظر: المصدر السابق 2/ 75، 310.

(4)

انظر: المصدر السابق 2/ 249.

(5)

انظر: مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية: ص 28، 30، 31، 32، 63، 64 - 65، 97، 98، 101، 118.

(6)

انظر: غيم لأحلام الملك المخلوع: ص 24.

(7)

انظر: المصدر السابق: ص 29.

(8)

انظر: المصدر السابق: ص 33.

(9)

انظر: المصدر السابق: ص 34.

(10)

انظر: ديوان سعدي يوسف: ص 39.

ص: 952

ومنهم: نزار قباني الذي امتدح الزنج والقرامطة

(1)

، وأتى بالرموز الشيعية

(2)

، وكذلك محمود درويش

(3)

، ومعين بسيسو

(4)

، وعبد العزيز المقالح

(5)

، والفيتوري

(6)

، وممدوح عدوان

(7)

الذي أكثر من استعمال هذه الرموز بشكل ملفت، وأحمد دحبور

(8)

، وسميح القاسم في ديوانه لا أستأذن أحدًا، امتدح القرمطي وأثنى عليه

(9)

.

• • •

‌2 - الصوفية:

اهتم منظرو الحداثة بالصوفية الفلسفية، وبما تتضمنه من عقائد ضالة، وخاصة وحدة الوجود والاتحاد، والكشف، وأبرز من اهتم بالصوفية وضلالاتها الباطني أدونيس وقد ركز على الجانب الباطني عند الصوفية، واتخذ منه -مثلما اتخذ من الباطنية- منطلقات لأفكاره وعقائد الباطنية الحداثية، وسلك معه آخرون في هذا المسلك.

وبما أن الكلام عن الصوفية عند الحداثيين -وخاصة أدونيس- يتركز على الجانب الباطني في الفلسفة الصوفية، فإنا لا نطيل الكلام هنا لكفاية ما سبق.

وقد مرّ معنا ثناء أدونيس على الخوارج والزنج والمعتزلة وما أطلق

(1)

انظر: الأعمال الشعرية الكاملة لنزار 2/ 278، 637.

(2)

انظر: المصدر السابق 3/ 167، 209، 394، 355.

(3)

انظر: ديوان محمود درويش: ص 299، 361.

(4)

انظر: الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص 295، 680.

(5)

انظر: ديوان المقالح: ص 392.

(6)

انظر: ديوان الفيتوري 1/ 598.

(7)

: الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان 1/ 19، 55، 34، 161، 46، 15، 20، 2/ 50، 96، 27.

(8)

انظر: ديوان أحمد دحبور: ص 257، 259، 260.

(9)

انظر: لا أستأذن أحدًا: ص 114.

ص: 953

عليه العقلانية الإلحادية، ثم الصوفية الاتحادية

(1)

.

وقد اعتبر أن الكناية الحداثية بدأت بالنفري وابن عربي والسهروردي

(2)

، وتحدث عن الرؤيا الباطنية -التي سبق الحديث عنها- ولكن في موضع آخر عن الصوفية وابن عربي وجعلها من باب الكشف عن الغيب والتشبه بالأنبياء، وشبه الحداثيين في استبطانهم بالأنبياء، ثم تحدث عن الرؤيا عند ابن عربي، وتحدث عن الرؤيا الإشراقية، والكشف الصوفي الفلسفي وما يتضمنه من عموض وتجاوز لمنطق العقل، وجعل ذلك أساسًا فلسفيًا للغموض الحداثي، إذ اعتبر أن الرؤيا استمرار وصيرورة دائمة، وإبداع، وجعلها من خصائص المبدع، وصرح بأن الإبداع كشف، ثم وصل إلى أن التغير المستمر ومناقضة الثبات هي مقياس الكشف الباطني الصوفي، ومقياس الإبداع

(3)

.

ثم تحدث بإعزاز عن التصوف قائلًا: (المثل العربي البارز على رفض الشريعة من أجل الحقيقة أي من أجل ما يتجاوز الشريعة، هو التصوف - على صعيد التجربة الفكرية، وهو الصعلكة على صعيد التجربة الحياتية)

(4)

.

وقرن بين الصوفية والسوريالية، وجعلها مرادفة للباطنية

(5)

التي هي -عنده- أساس كل إبداع.

وفي جزء آخر من أجزاء كتابه الثابت والمتحول، أسهب في شرح فلسفة الذوق الصوفي

(6)

، متخذًا منه ركيزة انطلاق حداثية ثم عن الفناء الصوفي والمحبة الصوفية، وكيف أنها أبطلت العلاقة التقليدية -حسب رأيه- بين اللَّه والإنسان

(7)

، وهي العلاقة الشرعية القائمة على الحد بين مقام

(1)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 10 - 11.

(2)

انظر: المصدر السابق 3/ 24.

(3)

انظر: المصدر السابق 3/ 166 - 169.

(4)

المصدر السابق 3/ 183.

(5)

انظر: المصدر السابق 3/ 203 - 266.

(6)

انظر: الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 73.

(7)

انظر: المصدر السابق 2/ 94.

ص: 954

الألوهية ودرجة العبودية، وذكر أوجه التقاء الصوفية مع الباطنية الإمامية

(1)

.

ثم استرسل في وصف ما أسماه الحقيقة الصوفية الإلهامية الذوقية، التي يمتدح تجاوزها للعقل والشرع لقيامها على المعرفة الإلهامية، التي تكون فيها الحقيقة غير متناهية، في حين أن العقل والشرع حواجز للحقيقة وكذلك اللغة

(2)

.

ثم يصل إلى الشطح الصوفي وما يتضمنه من ادعاء للألوهية، معجبًا بكون الصوفي أصبح يصرح بأنه مثيلًا للَّه

(3)

تعالى وتقدس، وأن غاية التجربة الصوفية الوصول إلى معرفة اللَّه تحولت حتى أصبح الصوفي هو اللَّه

(4)

تعالى اللَّه.

ثم ينتقل من وصف المثلية بين الصوفي وبين اللَّه تعالى، إلى أن الصوفي تجاوز ذلك وأصبح يأخذ مكان اللَّه ودوره

(5)

.

ثم خلص إلى القول بأن: (الصوفي جوهر مبثوث في الوجود كله لذلك لا تحده الجهات، بل الجهات تصدر عنه، ولا يحيط به المكان، بل هو الذي يحيط بالمكان)

(6)

.

وبعد ذلك تحدث عن الفناء الصوفي ومزاعمهم في رؤية اللَّه تعالى ووحدة الوجود، الذي يصل به الصوفي إلى أن يصرح فيه بأنه أعظم من النبي

(7)

.

ثم يختم بالقول: (لقد نقلت الصوفية تجربة الوجود والمعرفة من إطار العقل والنقل إلى إطار القلب، فلم يعد الموجود مفهومات ومقولات

(1)

انظر: المصدر السابق 2/ 91.

(2)

انظر: المصدر السابق 2/ 95.

(3)

و

(4)

انظر: المصدر السابق 2/ 96.

(5)

و

(6)

المصدر السابق 2/ 97.

(7)

انظر: المصدر السابق 2/ 98.

ص: 955

مجردة، وبطلت المعرفة أن تكون شرحًا لمعطي قبلي، أو تسلمًا بقول موحى)

(1)

.

وهو في كل هذا العرض يربط بين الصوفية وعقيدة الباطنية، بل ما درس الصوفية إلّا من جهتها الباطنية الفلسفية الإلحادية، ثم يربط بين المفهومات الضالة وما يسميه الإبداع والتطوير والحداثة.

وفي كتابه زمن الشعر يكرر هذه المقولات ويشيد بالشخصيات الصوفية الإلحادية ويستند إلى كلامها ومواقفها

(2)

.

ويشير إلى أسماء مجموعة من الذين يرى أنهم قدوته ويسير على طريقهم هو وأتباعه وأغلبها أسماء مشبوهة من القديم والحديث وذكر منها الحلاج وابن الراوندي، ثم قال عنها بأنها هي (التي غيرت ورفضت وتمردت على الأليف والموروث والعادي والتقليدي، والتي خلقت وجددت وأضافت، ولسوف نكمل ما بدأه هؤلاء، فنشك ونرفض ونغير إذا استطعنا إيقاعات الخليل، ونثور ونهدم ونعلن الفوضى)

(3)

.

ويتحدث عن دلالات الحركات الثورية والحركات الفوضوية، ويثني عليها، ثم يقول:(ومن هذا المنظور أيضًا تتجلى إيجابية الحركة الصوفية. . . لا تعود الأنا تكتفي بسيادتها على الشيء، وإنّما تطمح إلى أن تصبح الكون كله "ما في الجبة غير اللَّه" كان الحلاج يقول)

(4)

.

وفي قضايا وشهادات يصف أحد الكتاب العلاقة بين الصوفية والسوريالية في ثناء ومدح، خلص منه إلى أن المتأثر بهذا هو شعر اليقظة

(5)

.

(1)

المصدر السابق 2/ 98.

(2)

انظر: زمن الشعر: ص 17، 51، 150.

(3)

المصدر السابق: ص 239.

(4)

المصدر السابق: ص 272 - 273.

(5)

قضايا وشهادات 3/ 159.

ص: 956

وقد خصص عبد الحميد جيدة مبحثًا خاصًا عن التصوف والباطنية باعتبارها رافدًا من روافد الأدب الحديث، وساق جملة من أقوال الصوفية التي يهيم بها الحداثيون، وذكر العلاقة بين الغموض والإيهام والإلهام والكشف والحدس، والباطنية الصوفية، وخرق الواقع والجمع بين الصور المتناقضة، ثم ذكر كلامًا للحلاج والسهروردي وابن عربي والنفري وجلال الدين الرومي، وتأثر الأدب المعاصر بهم ونماذج لذلك

(1)

.

وفي مجلة الناقد مقال مطول عن ابن عربي وحاجة النقد العربي المعاصر إليه، مع مديح مطنب للصوفية والتراث الصوفي، وخاصة وحدة الوجود والكشف، وقدرة الصوفية على الهروب من الحصر والحد حسب زعم الكاتب، مع اتكاء على كتاب الفتوحات المكية، وأثره، وما يستنبط منه للحداثة المعاصرة مثل: أن الخيال أصل الوجود وعين الحقيقة، والتبدل والتغير الدائم وعدم الثبات، والرمزيات الصوفية، والتأويل الصوفي الباطني، ثم يذكر أوجه التطابق بين الصوفية والحداثة، ويطرح مقترحات لكيفية الاستفادة الأكثر من الصوفية

(2)

.

ويذكر الناقد محمد جمال باروت اهتمام مجلة شعر بالباطنية والصوفية التي أطلق عليها اسم "العرفانية" وأوجه التطابق بين كل من هذه الاتجاهات

(3)

.

أمّا مؤلف أفق الحداثة فإنه يصف كيف تفشى في أوساط الشبيبة الناشئة معاداة التراث والاستخفاف به وتفشى هجاء "الكتب الصفراء" والسخرية منها، في حين اتجهوا إلى كتب المسحر والتصوف، وظهور من يستمرئ الأغاليط اللغوية، ومن يعتبر الاستثناء قاعدة، وركة الأسلوب تجديدًا، وكل ذلك حصل بتأثير أدونيس وأنسي الحاج وغيرهم

(4)

.

(1)

الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: ص 94 - 102.

(2)

مجلة الناقد العدد الثامن: ص 12 المقال ليوسف سامي اليوسف.

(3)

انظر: مجلة الناقد 10/ 23. وانظر: المجلة نفسها 13/ 43 مقال لأمينة غصن.

(4)

انظر: أفق الحداثة: ص 43.

ص: 957

أما كتاب "الصوفية والسوريالية" فقد امتلأ جانباه بالحديث عن الصوفية الباطنية وأوجه التلاقي بينها وبين السوريالية، وأن إلحادية السوريالية مثل الاتحادية ووحدة الوجود عند الصوفية

(1)

، وأن الصوفية جاءت ضد العقل والشرع

(2)

، وخرجت عن كل إطار وضابط مثل السوريالية

(3)

، وتحدث عن علاقة الصوفية بقصيدة النثر

(4)

، وعن الرمزية الصوفية ومناقضتها للدين واللغة وأخذ الحداثيين لهذا المعنى

(5)

، ثم يذكر الأهمية القصوى للصوفية حسب معتقده

(6)

، وبالجملة الكتاب كله مترع بباطنية سوداء وإلحاديات جوفاء.

أمَّا البياتي فيذكر في كتابه "تجربتي الشعرية" تأثير الصوفية وأفكارها ورموزها على شعره

(7)

.

وخصص في ديوانه مقطعًا للحلاج سماه "عذاب الحلاج"

(8)

، واستشهد بكلامه في موضع آخر

(9)

، وذكره في عدة مواضع

(10)

، وقال عنه:

(لم تشهدي الحلاج بعد الصلب وهو في قميص الدم

متوجًا بالشمس

ووهج القمة في الأصوات)

(11)

.

وله مقطع طويل بعنوان "عين الشمس أو تحولات محي الدين بن

(1)

انظر: الصوفية والسوريالية: ص 10.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 11.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 13.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 22.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 23.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 25.

(7)

انظر: تجربتي الشعرية: ص 25.

(8)

انظر: ديوان البياتي 2/ 9.

(9)

انظر: المصدر السابق 2/ 285.

(10)

انظر: المصدر السابق 2/ 310، 348، 349، 350، 372 - 326.

(11)

المصدر السابق 2/ 227.

ص: 958

عربي في ترجمان الأشواق"

(1)

قال فيه:

(توحد الواحد في الكل

والظل في الظل) (1).

ثم ترجم لابن عربي ترجمة مولع محب معجب

(2)

.

وله مقطع بعنوان "مقاطع من عذابات فريد الدين العطار"

(3)

، وآخر بعنوان "صورة للسهروردي في شبابه"

(4)

، وآخر بعنوان "قراءة فى ديوان شمس تبريز لجلال الدين الرومي"

(5)

، ويذكر الصوفية الاتحادية

(6)

، وسنائي والعطار

(7)

.

أمّا صلاح عبد الصبور فقد أصبحت مسرحيته التي سماها "الحلاج" من أكبر دلالات التأثر بالصوفية والدفاع عنها وعن مذاهبها المنحرفة.

ومما جاء فيها تمجيده لأفكار الحلاج وامتداحه للصوفية وطريقتهم، والنور الباطن عندهم، وأن الشر هو فقر الفقراء وجوع الجوعى، مصورًا أن الحلاج يقف مواقف نضالية في صف الكادحين تعرضه للقتل، ثم يدافع عن الحلاج، وأنه ظلم وقتل جورًا، ويذكر عقيدته في الحلول والاتحاد وفي نهاية المسرحية يترجم للحلاج ترجمة تبجيلية، له ولكتبه، ويذكر أن الذي لفت نظره إلى الحلاج ومأساته هو "ماسنيون" وأنه اكتشف بعد لفت النظر هذا أن الحلاج كان صاحب فكر اجتماعي، وصاحب عقيدة متحررة

(8)

.

(1)

ديوان البياتي 2/ 238.

(2)

انظر: المصدر السابق 2/ 280.

(3)

انظر: المصدر السابق 2/ 413.

(4)

انظر: المصدر السابق 2/ 425.

(5)

انظر: المصدر السابق 2/ 451.

(6)

انظر: المصدر السابق 2/ 451.

(7)

انظر: المصدر السابق 2/ 453.

(8)

انظر: ديوان صلاح عبد الصبور: ص 445 - 609.

ص: 959

وله مقاطع أخرى منها عن مجذوب صوفي في حارته يدَّعي أنه يعاين الإله ويجتلي سناه

(1)

، ومنها حوار مع ابن عربي

(2)

.

ولسعدي يوسف رغم شيوعيته عناية بالصوفية الفلسفية، والذي جمع بينهم الاستخفاف بالدين والإلحاد برب العالمين فهو يذكر السهروردي

(3)

والحلاج

(4)

، ويثني عليهما وعلى عقائدهما.

أمّا نزار قباني فإنه يضع دراويش الصوفية ومجاذيبهم رمزًا للدين ويستعمل خرافاتهم سلمًا للسخرية منه

(5)

، وله قصيدة بعنوان "تجليات صوفية"

(6)

، ويقول:

(إلى متى أظل اخترعك

كما يخترع الصوفي ربه)

(7)

.

ويسرد في أحد المقاطع أسماء مجموعة من المتصوفة: ابن الفارض وجلال الدين الرومي ومحي الدين ابن عربي

(8)

.

ويقول في مدح جمال عبد الناصر:

(ملأنا لك الأقداح يا من بحبه سكرنا كما الصوفي يسكر باللَّه)

(9)

.

أمّا الفيتوري فقد تربى في بيت صوفي وعاش تجربة صوفية موصوفة في مقدمة ديوانه

(10)

، ويقال الآن بعد رحلة طويلة في ظلمات الحداثة، أنه عاد إلى التصوف من جديد.

(1)

انظر: ديوان صلاح عبد الصبور: ص 79.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 80.

(3)

انظر: ديوان سعدي يوسف: ص 40.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 71.

(5)

الأعمال الشعرية الكاملة 2/ 17، 21.

(6)

انظر: المصدر السابق 2/ 177.

(7)

المصدر السابق 2/ 508.

(8)

انظر: المصدر السابق 2/ 611.

(9)

انظر: المصدر السابق 3/ 383.

(10)

ديوان الفيتوري 1/ 34 - 35.

ص: 960

ويقول أحد الحداثيين في مقابلة أجريت معه: (إنني أدين بدين ابن عربي)

(1)

.

أمّا العلماني حسن حنفي فقد كال مدحًا هائلًا لابن عربي وكتابه فصوص الحكم

(2)

، وأثنى على الصوفية لتعاملهم مع اللَّه تعالى تعاملًا جنسيًا

(3)

تعالى اللَّه وتقدّس.

وخلاصة القول: لقد كان للصوفية تأثير واضح في أدب الحداثة، وخاصة التصوف الفلسفي المنحرف، وما فيه من عقائد وحدة الوجود والاتحاد وغيرها من الانحرافات الصوفية، ونجد أن أسماء ورموز هذا الاتجاه تنال الحظوة الكبرى عند الحداثيين، وخاصة ابن عربي وابن الفارض والحلاج والسهروردي والنفري، وغيرهم ممن عرف عنه الشذوذ والانحراف الاعتقادي.

• • •

‌3 - الخوارج والمعتزلة:

وكما هي عادة الحداثيين المستديمة في تعاملهم مع التراث الإسلامي، يتركون الصفاء والنقاء والحق الصراح، ويعمدون إلى الشاذين مثلهم من الفرق الضالة فيجعلونهم نماذج للتحرر والإبداع والتفوق والتحديث، ويجعلون الذين قاوموا انحرافاتهم وهم أهل السنة والجماعة، نماذج للتخلف والتقليد والبلادة وعدم العقلانية والتلقينية، إلى آخر قوائم الهجاء الحداثي.

وقد مرّ معنا عدة مرات كيف عدّ أدونيس الخوارج والمعتزلة مع الباطنيين والملاحدة والصوفية الاتحادية، من الأصول الفكرية للحداثة

(4)

.

(1)

رأيهم في الإسلام: ص 226. والقائل هو عبد الوهاب المؤدب.

(2)

انظر: الدين والتحرر الثقافي: ص 7 - 8.

(3)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 389.

(4)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 10، 11.

ص: 961

وسبب إشادتهم بهؤلاء وخاصة المعتزلة مع أنهم من أهل الملة ويؤمنون باللَّه ورسوله والمعاد والنبوة إلّا أنهم من أجل أصلهم الفاسد في تقديم العقل على النقل أُعجب بهم هؤلاء، ولاشتراكهم معهم في التهوين من الوحي، بتعظيم العقل، إلى حد جعل أدونيس يثني على الاتجاه الاعتزالي؛ لأنه هاجم منهج السلف، وناقض قضية اتباع الدليل، وقاوم ما يسميه "الاتباعية النقلية"؛ ولأنه قدم العقل على الشرع وجعل العقل أصل المعرفة.

ويرى أدونيس أن المعتزلة وصلوا إلى القول بأنه "لا يؤخذ بأي شيء سواء كان تقليدًا أو خبرًا متواترًا أو إجماعًا إلّا إذا كان مطابقًا للعقل، وكل ما يتناقض مع العقل لا يعد علمًا"، وأن العقل هو مقياس التمييز بين الخير والشر ومقياس الأخلاق.

ويرى أن أهم ما أدى إليه تقديم العقل على الشرع هو التوكيد المطلق على حرية الإنسان وإبداعه، وإلى القول بأن القرآن مخلوق محدث، ثم يثني بعد ذلك على هذا الاتجاه ويمدحه

(1)

.

ومن المعلوم أن أدونيس لا يثني على المعتزلة إلّا من الوجه الذي يناسبه، وهو مخالفة الشرع وتقديس العقل، أمّا الوجه الآخر للمعتزلة وهو كونهم أهل ملة ودين فذلك لم يذكره، ولم يتعرض له، لأنه مما يبغضه ويبعث الحقد في قلبه.

وقد اهتم حسن حنفي وعصبته العلمانيون اللادينيون في مصر بالتراث الاعتزالي، وجعلوه منطلقًا لهم لهدم الاتجاه السلفي الذي نشأ وترعرع في العصر الحاضر بعد قيام الدعوات والحركات الإسلامية المنادية بمبدأ "الإسلام دين ودولة".

ويذكر حسن حنفي أنه يهتم بالمعتزلة وأصحاب الطبائع من أجل وعي حضاري حديث، ومن أجل الخروج من الإيمان السلفي

(2)

، وله ثناءات

(1)

انظر: كل ذلك وغيره في الثابت والمتحول 2 - تأصيل: ص 85 - 87.

(2)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 218.

ص: 962

كثيرة على المعتزلة ومدائح وإشادة في كتبه

(1)

، ويتخذ منهم وسيله لترسيخ العلمانية والدعاية لها.

وأردى منه نصر أبو زيد الذي اتخذ من موقف المعتزلة في خلق القرآن ذريعة ليقول بأن القرآن ليس من عند اللَّه، وإنّما هو نص إنساني مخلوق مثل المسيح، وأن نصوص القرآن لغوية بشرية كغيرها من النصوص، وقد امتدح المعتزلة واعتبرهم مبدعين

(2)

.

ويثني الطيب صالح على المأمون؛ لأنه كان يؤمن بأقوال المعتزلة القائلة بأن القرآن غير سرمدي

(3)

.

وكلامهم في امتداح المعتزلة والخوارج يطول، وليس من طائل في تتبع شواهده العديدة.

• • •

‌4 - الفلاسفة:

أخذ الحداثيون من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام، وأشادوا كثيرًا بابن رشد

(4)

الذي يرى أدونيس أنه هو الذي أسس العقل وقلص الدين، ويرى أنه أحد جذور الحداثة في التراث العربي

(5)

.

أما فلاسفة الباطنية والصوفية فقد سبق الحديث عنهم، وكذلك أخذهم عن المعتزلة

(6)

.

(1)

انظر: مثلًا كتابه الدين والتحرر الثقافي: ص 7 - 8.

(2)

انظر: قضايا وشهادات 2/ 384 - 406 مقال لنصر أبو زيد بعنوان "النصوص الدينية بين التاريخ والواقع".

(3)

انظر: رأيهم في الإسلام: ص 139.

(4)

انظر: مؤلفات محمد عابد الجابري التي ملأها بالإشادة بابن رشد ومنها كتابه نحن والتراث وكتابه التراث والحداثة.

(5)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 11.

(6)

انظر: المصدر السابق 3/ 266.

ص: 963

وللفلاسفة أقوال في الوحي والمعجزات والنبوات والمعاد والغيبيات تتسم بالشك في الحق حينًا، وبالقطع بالباطل حينًا، وهذا اتجاه يعجب أهل الأدب والفكر الحديث، ومهمتهم الأساسية تتركز في اقتناص كل ما يعتبرونه سببًا في إضعاف الدين الإسلامي وتخريبه والتشكيك فيه وهدمه.

أمّا ابن رشد فإنه وإن استفادوا من بعض مقولاته فإن السبب الأساسي لاهتمامهم به هو أن أساتذتهم الغربيين اهتموا به، ودرسوه، ودرسوا تأثيره على الحياة في أوروبا، فأخذ أتباعهم هذا الاهتمام وولعوا بابن رشد، لكنهم لا يتبعونه في كونه صاحب قبلة واحترام للدين وإيمان به وبالرسالة والوحي والغيب، فهم من أبعد الناس عن هذا، فقد ارتضعوا الإلحاد من مناهل عديدة.

ومن الشخصيات الفلسفية التي دندنوا حولها مسكويه

(1)

والتوحيدي

(2)

وخاصة محمد أركون الذي ركز اهتمامه على مجموعة من الفلاسفة هذان أهمهما

(3)

.

‌5 - الشعوبية:

وقد سبق الحديث عنهم مفصلًا في أول هذا الفصل

(4)

(1)

هو: أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، مؤرخ بحاث، أصله من الري وسكن أصفهان وتوفي بها، اشتغل بالفلسفة والكيمياء والمنطق، ثم بالتاريخ والأدب والإنشاء، كان قيمًا على خزانة كتب ابن العميد ثم عضد الدولة بن بويه فلقب بالخازن، ثم اختص ببهاء الدولة البويهي وعظم شأنه عنده، عليه مآخذ وغرائب منها الكذب، وهو حائل العقل لشغفه بالكيمياء كما قال أبو حيان التوحيدي في وصفه، له تواليف عديدة، توفي سنة 421 هـ. انظر: الأعلام 1/ 212.

(2)

هو: أبو حيان علي بن محمد بن العباس البغدادي الصوفي التوحيدي، صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية، اختلفت فيه أقاويل أهل العلم وأكثرهم على ذمه وذم معتقده وبعض ممن جهل حاله أثنى عليه، ولعل مما يرجح قدحه ميل زنادقة هذا الزمان إليه وتبجيلهم له واعتناؤهم بكتبه وأقاويله. انظر: سير أعلام النبلاء 17/ 119، وميزان الاعتدال 4/ 518.

(3)

انظر: الحداثة والإسلام: ص 321.

(4)

انظر: ص 699 - 742 من هذا البحث.

ص: 964

‌6 - الزنادقة:

وهؤلاء محل اعتناء شديد من قبل أهل الأدب العربي المعاصر.

وكل ما ذكرناه عند الباطنية وفلاسفة الصوفية فهو يصح أن يقال هنا، باعتبار أن أولئك من رؤوس الزنادقة.

ومن الشخصيات التي اهتم أدونيس بها وبكلامها: أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الملحد، فقد شرح إلحادياته وكفره باللَّه وجحده للنبوات والقرآن والمعاد، وامتدح هذا الاتجاه عنده، وأشاد به باعتباره أساسًا للحرية الفكرية، ومنبعًا للحداثة في التراث، وأصلًا للخروج على الأقواس والأطر، وابتداءً لمخالفة التقليدية والاتباعية والسلفية، ونموذجًا للحرية الفكرية، إلى آخر مدائحه لهذا الملحد الزنديق الذي كان فى الوقت نفسه شيعيًا باطنيًا شأنه في ذلك شأن أدونيس

(1)

.

ومن الشخصيات التي أثنى عليها واعتبرها أصلًا في الثقافة والإبداع الزنديق ابن الراوندي

(2)

.

وقد أشاد بالتيارات الإلحادية وسماها بهذه التسمية وجعلها أصلًا للوعي والمعرفة في التراث وفيما يؤخذ منه فيما بعد

(3)

.

واهتموا كذلك بأبي العلاء المعرّي

(4)

، وبعض شعره الشكي، وبعض أقاويله، واهتموا برسالة الغفران على وجه الخصوص، علمًا بأن

(1)

انظر: كلامه عنه في الثابت والمتحول 3/ 266، 2/ 80 - 58، 214، وزمن الشعر: ص 51، 239.

(2)

انظر: كلامه عنه في الثابت والمتحول 2/ 266 و 2/ 74 - 76.

(3)

انظر ذلك في الثابت والمتحول 2/ 266 - 267.

(4)

هو: أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان أبو العلاء المعري التنوخي الشاعر اللغوي الأعمى المتهم في نحلته، ولد في 363 هـ، له تواليف من أردئها رسالة الغفران، حصلت له شكوك لم يكن له نور يدفعها فحصل له نوع انحلال وعنده أنواع من الريب والاعتراضات مات 449 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 23 - 39.

ص: 965

حوله كلام طويل بين من يقدحه ومن يبرئه ويمدحه.

فها هو النصراني الفلسطيني والشيوعي الموظف لدى حكومة اليهود أميل حبيبي يقول: (في تاريخنا القديم لم يتوان المعارضون برهة عن المجاهرة بمناوأتهم للحكم حتى للدين بأساليب مختلفة وتعابير مزدوجة المعاني، وتبقى رسالة الغفران لأبي علاء -كذا- المعري مثالًا صارخًا على هذا الصعيد)

(1)

.

ويقول أدونيس: (يقال إن العرب يتكلمون كثيرًا، على العكس، إن ما يحتاج إليه العرب هو الكلام، منذ أبي العلاء المعري لم نتكلم، رددنا كررنا حفظنا لكننا لم نتكلم، والذين تكلموا قلائل جدًا)

(2)

.

وقد جعل لويس عوض من المعري سلمًا لبث شكوكه ونصرانيته، فتصدى له الشيخ محمود شاكر في كتابه "أباطيل وأسمار" ودافع عن أبي العلاء، ولم يعتبر ما نقل عنه من شعر أو مؤلفات يطعن في عقيدته ودينه.

ومن الشخصيات التي اهتموا بها وحولها كلام طويل بين قادح ومادح عمر الخيام

(3)

.

وممن امتدحه وأشاد به البياتي، حيث جعل فكره حياة نيسابور، بل إنه جعل اسم نيسابور من الأسماء الرمزية التي يكررها في شعره كثيرًا، مثل اسم عائشة التي صرح بأنها رمز لفكرة الخيام الدائمة ضد الإسلام الذي يراه مجرد ظلام وموت، ويرى الحياة والنور في فلسفة الخيام وفكره

(4)

، ومن أقواله:

(1)

رأيهم في الإسلام: ص 39.

(2)

زمن الشعر: ص 141.

(3)

هو: عمر بن إبراهيم الخيامي النيسابوري، شاعر فيلسوف فلكي رياضي، اشتهر برباعياته التي نظمها بالفارسية وعربت، وهي مليئة بالشكوك، سار على نهج ابن سينا، وتعلم علوم اليونان فأثرت في عقيدته، فارتاب واضطرب، وكان سيء الخلق، ضيق العطن، توفي في نيسابور سنة 515 هـ، الأعلام 5/ 38.

(4)

انظر: ديوان البياتي 2/ 71 - 72، 308.

ص: 966

(فانا غاليلوا -سقراط- الحلاج

وأنا الحسن الصبّاح الخيام)

(1)

.

وهو القائل:

(بتراث معري النعمان

والمتنبي وعلي وأبي حيان

وتراث الثورات

أتحصن ضد اللاجدوى، وردئ الزمن المرفوض بكل

الأزمان)

(2)

.

ويمتدح سعدي يوسف المعري ويضع لسماع كلامه اعتبارًا ومكانة، ولمخالفته خطورة

(3)

.

ومن الشخصيات التي يذكرونها بإشادة ومدح عبد اللَّه بن المقفع

(4)

، ويندبون مقتله ويعتبرون ذلك جريمة في حق الفكر والحرية.

وممن امتدحه ودافع عنه واعتبر أن قاتليه رموزًا للتخلف والرجعية، معين بسيسو

(5)

.

ومن الشخصيات المعروفة بالزندقة ميمون القداح أحد مؤسسي الفرقة

(1)

المصدر السابق 2/ 310.

(2)

المصدر السابق 2/ 445.

(3)

انظر: ديوان سعدي يوسف: ص 72.

(4)

هو: عبد اللَّه بن المقفع، أحد البلغاء والفصحاء، ورأس الكتاب، وأول من عني في الإسلام بترجمة كتب المنطق، أصله من فارس كان مجوسيًا فأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح، وولي كتابة الديوان للمنصور العباسي وترجم له كتب أرسطو وإيساغوجي وكليلة ودمنة، اتهم بالزندقة فقتله والي البصرة سنة 142 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 6/ 208، والبداية والنهاية 10/ 96، والأعلام 4/ 140.

(5)

انظر: الأعمال الكاملة لمعين بسيسو: ص 264.

ص: 967

الإسماعيلية، وقد وضع في مدحه شاب يمني حداثي يدعى إسماعيل الوريث كلامًا بعنوان "من هموم ميمون القداح" قال فيه:

(يا ريحًا صارخة في أكواخ القش

مضى زمن مغلقة فيه المدن العباسية

هذا زمن الدعوة تحتضن البسطاء

نزلت الليلة في قلب مدينة من أهواه

أنصت إلى الهمسات المسموعة

عانقني شوق ناري في أعماق المقهورين

تحدر من عيني الدمع

الألق الموحي بالفجر)

(1)

.

وقد كتب عبد اللَّه الزيد وهو حداثي من تلاميذ صغار الحداثيين مدحًا لصاحبه اليماني فقال: (من هذه الدوائر الشاعر الشاب إسماعيل الوريث، يحاول من خلال الشخصيات التاريخية -ميمون القداح- أن يكتب ظلالًا من المواقف الشجاعة، تتزامن مع الكلمة والمعنى الذي تؤديه وحدات القصيدة من هموم ميمون القداح)

(2)

.

هذا هو أخذهم من التراث، وهذه هي استفادتهم منه، يتقلبون بين الباطنية والصوفية الاتحادية والزنادقة والفلاسفة والفرق الضالة من الشيعة والخوارج والمعتزلة.

وهذا مما يؤكد أن الحداثة تستهدف بصورة مقصودة حرب هذا الدين القويم، وهدم أسسه ومبانيه، وجحد فضائله ومحاسنه، وإشاعة ما ظنه المارقون والشاكون عيوبًا ومثالب.

(1)

مجلة اقرأ - العدد 353، ومجلة الناقد - العدد الأول: ص 36.

(2)

مجلة اقرأ - العدد 353.

ص: 968

إنهم يتلموس في ردهات الإسلام الطاهر النقي أي شيء ليعيبوه به، ويبحثون في تاريخه وحضارته عن كل همل ساقط، وكل ردئ خبيث الطوية والمعتقد، فيستخرجونه من غبار الإهمال الذي ران عليه طوال قرون، ويجعلون منه السيد العاقل البصير.

فإذا أضفت إلى كل هذا أنهم ما تركوا عفنًا عقديًا إلّا ارتادوه وأقبلوا إليه يأخذون منه ويَرِدُونَ عليه ورود الهيم، تبين أن القوم في عماية الغواية، وأن الضلالة قد استبدت بهم وترسخت في أفئدتهم وغطت على عقولهم فإذا هم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)}

(1)

.

• • •

(1)

الآية 171 من سورة البقرة.

ص: 969

‌الباب الثاني الانحرافات المتعلقة بالملائكة والكتب المنزلة والأنبياء

ويشمل الآتي:

توطئة.

الفصل الأول: الانحرافات المتعلقة بالملائكة عليهم السلام.

الفصل الثاني: الانحرافات المتعلقة بالكتب عامة والقرآن خاصة.

الفصل الثالث: الانحرافات المتعلقة بالرسل عليهم السلام.

ص: 971

‌توطئة:

لقد كان الباب الأول بفصوله الأربعة أساسًا لمعرفة عقائد القوم وتشخيص أصول أمراضهم الاعتقادية.

وكان البسط فيه مما يقتضيه المقام بالنسبة لأهمية قضية الإيمان باللَّه تعالى ربًا وإلهًا متصفًا بصفات الحسن والكمال؛ إذ الإيمان بهذا المبدأ العظيم هو أساس كل إيمان، والانحراف فيه هو أساس كل انحراف.

وأصل التمايز بين الإيمان والكفر والتوحيد والوثنية يكون منطلقه من هذه القضية الكبيرة الخطيرة.

وقد رأينا فداحة الجرم الحداثي فيما يتعلق بأهم وأعظم ركن من أركان الإيمان، رأينا كيف أنهم يجحدون وجود اللَّه -جلَّ وعلا-، أو يشككون في وجوده، وهذه قاعدة الإلحاد، ورأينا أنهم ينكرون ربوبيته وخلقه وملكه وتدبيره، ثم رأينا كيف جرهم ذلك إلى جحد ألوهيته وحق عبادته وطاعته، وبعد ذلك كان لابد من إعادة هذه الضلالات إلى أصولها التي أخذوا منها، فوجدنا أنهم انحدروا إلى حضيض الوثنيات والأساطير والجاهليات القديمة، يؤمنون بها، ويأخذونها مأخذ العبادة والتقديس والإجلال والتعظيم، بل ويرون فيها الأمل المرتجى للمستقبل، والبعث لحياة قادمة مزدهرة!!.

ثم انحدروا إلى ظلمات الأديان المحرفة من نصرانية ويهودية وزنادقة وملاحدة وباطنية.

ص: 973

كل هذا أوجد عندهم قاعدة الانحراف التي ساروا ويسيرون عليها في كل قضايا الإيمان والعمل.

فالإيمان بالملائكة والكتب والرسل تبع للإيمان باللَّه تعالى، وما دام القوم في إلحاد مكشوف أو شك وريب، أو كفر وشرك، فلا غرو أن يكون إيمانهم بالأمور المترتبة على الأصل الأعظم والركن الأكبر فيه من الانحراف والضلال والاضطراب مثلما في الأصل أو أسواء.

إن ارتكاسهم في حضيضين آسنين، جعل على عقولهم وقلوبهم أكنة أن يفقهوا الحق أو يؤمنوا به أو يتبعوه، مهما كانت حججه واضحة وبراهينه ساطعة.

فأمّا الحضيض الأول: فهو ترديهم في المادية الفكرية القائمة على تقديس الحس ومعطياته والتجربة ونتائجها، بل وفي أحيان كثيرة على أوهام مادية، يظنون أنها ثابتة قطعًا لا ريب فيها، فها هي الوجودية التي يؤمن بها الكثير منهم، والتي انتشرت بينهم انتشار السل في العظام، ليست إلا امتدادًا لإيحاءات نظرية فرويد الجنسية، الداعية إلى تحطيم كل قيد قد يقف في سبيل تحقيق ذاتية الفردية الأنانية الكاملة، سواء كان هذا القيد من دواعي السماء أو الأرض، وأن عليه أن ينطلق بحيوانية شهوانية حيث شاء الانطلاق، وليذهب الآخرون إلى الجحيم: المجتمع، المثل، القيم، النظم، العقائد، ما دامت أو أي شيء منها يقف أمام أمزجة هذا الفرد أو ذاك.

وها هي الحياة الداعرة المنحطة التي يمارسها الشباب والشابات في أوروبا وأمريكا، والتي تدعوا إلى التحرر من كل القيود والضوابط مهما كانت؛ ليست هي أيضًا إلّا من نتائج فرويد.

والصحافة الداعرة والأفلام العارية، والقصص الجنسية، والممارسات الإباحية، كل ذلك وغيره من إيحاءات نظرية فرويد التي ركزت فيهم وهمًا بالجبرية النفسية، وأن الإنسان ليس حرًا في تصرفاته؛ لأن غريزته هي

ص: 974

السيطرة عليه، وهي التي توجه السلوك دون أن يكون للفرد فرصة للاختيار أو التصرف

(1)

.

وهذا مثال من أمثلة الأوهام المادية التي نجد أن الحداثيين والعلمانيين ساروا في عماياتها خاضعين لخرافاتها.

وأمثلة أخرى كثيرة من أوهام المادية التي انحطموا في خداعها، قاطعين بأنها حقائق من معطيات النظر العقلي الراسخ والتأويل القوي، والدراسة العميقة، ومن هذه الأمثلة "الماركسية" المادية التي تابعها الببغاوات هنا في الشرق وصفقوا لها، ثم انهارت وتفتت فكرة وممارسة، وما نزال نسمع الببغاوات تردد أن الماركسية كنظرية تحتفظ بقوتها!!.

ومن الأمثلة الأخرى "الوجودية" والنظريات الاجتماعية المادية، ونظرية النشوء والارتقاء الداروينية وغيرها كثير.

وأمَّا الحضيض الثاني: فهو انغماسهم مع الغربيين في الإيمان بغيبيات خرافية، وتصديقها.

ومنها مثلًا -ما سبقت الإشارة إليه- من إيمانهم بأن السلوك الجنسي هو المتحكم في كل سلوك الإنسان، وقطعهم بالجبرية الفرويدية، وكذلك قطعهم بالجبرية الماركسية في قضية الصراع بين الطبقات فيما مضى وفيما سوف يأتي، وكذلك أخذهم بجنون السوريالية، وقولهم في مجال الحداثة أن الشاعر يوحى إليه، ويحصل له الكشف والرؤى تحت شعارات ما يسمى "ميتا حداثة" بدلًا من "ميتافيزيقيا"، ومهما قال لهم الغرب من أمور لا تعقل ولا تصدق وليس لها حظ من برهان أو دليل نرى أن الإمعات من أبناء المسلمين يسارعون فيهم، وعلى أثارهم يهرعون.

فسبحان اللَّه!! ما أشد كثافة الباطل الذي ألبسوه، وما أكثف الغشاوة علي قلوب وعقول هؤلاء، ولكنها دائمًا طرق الانحراف والزيغ تقود إلى ذلك: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ

(1)

انظر: الإنسان بين المادية والإسلام: ص 45 - 46.

ص: 975

قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)}

(1)

.

أمّا أتباعهم من أبناء المسلمين والعرب فإنهم لشدة سعيهم في إثر أولئك، غابت عقولهم، ورانت على قلوبهم مع طول الملاصقة أمراض الشبهات، حتى أصبح بعضهم يقوم بنشرها وتوزيعها على غيره، وسيطًا للأمراض الاعتقادية الخلقية، وشخصية بديلة عن أسياده وأساتذته.

{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)}

(2)

.

وهكذا كان رواد الأدب العربي الحديث، أولياء لكل أحد إلّا الإسلام وأهله.

انغمسوا في المادية الغربية، وفي الخرافات والأضاليل الغربية، فكذبوا بدين اللَّه، وجحدوا خبر اللَّه تعالى، وسخروا من أصول العقائد، فإذا جحد الغربي وجود الملائكة والرسل والكتب وجدنا من الإمعات من يعلن جحده أو يتوارى به خلف الرموز والغموض، وإذا جعل الغربي الملائكة إناثًا والرسل مجانين والوحي كلام إنسان نجد من الإمعات من يقول بذلك ويردده.

(1)

الآية 145 من سورة البقرة.

(2)

الآيات 52 - 57 من سورة المائدة.

ص: 976

وبعضهم يتعالى به الشر فيتخذ هذه الأقوال الضالة الجاحدة أو المرتابة أو الساخرة، يتخذها أصلًا، ثم ينطلق في شعاب الضلال يرتع وينادي كل ذي أمرٍ فرطٍ أن يرتع معه ويسيم في الزقوم والحنظل.

• • •

ص: 977

‌الفصل الأول الانحرافات المتعلقة بالملائكة عليهم السلام

الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان الستة، قال اللَّه تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}

(1)

.

والمراد بالإيمان بالملالكة: الاعتقاد الجازم اليقيني بأن للَّه ملائكة مخلوقين من نور، وأنهم لا يعصون اللَّه ما أمرهم، وأنهم يقومون بوظائفهم التي أمرهم اللَّه بالقيام بها.

وقد ثبت وجودهم بالدليل القطعي، ومن أنكر وجودهم كفر وخرج من الإسلام، قال اللَّه تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)}

(2)

.

وهناك آيات وأحاديث كثيرة تحدثت عن الملائكة وأوصافهم وأحوالهم وأعمالهم، وكلها تفيد القطع بوجودهم وبما وصفوا به.

(1)

الآية 285 من سورة البقرة.

(2)

الآية 136 من سورة النساء.

ص: 978

وقد أخبرنا الوحي بأن الملائكة خلقوا من نور، كما جاء في صحيح مسلم وغيره أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم"

(1)

.

فالملائكة مخلوقات نورانية، وليسوا كالبشر ولا الجن، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناكحون في غاية الطهر والنقاء، فليس فيهم شهوات، ولا يأتون المعاصي، بل هم منزهون عن الآثام والخطايا، ولا يتصفون بشيء من الصفات المادية التي يتصف بها البشر، إلّا أن اللَّه أعطاهم القدرة على أن يتمثلوا في صور البشر كما في حديث جبريل الشهير، وأنه جاء على هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عن الإيمان فقال:"أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت. . . "

(2)

الحديث.

وقد جاء في القرآن العظيم أن جبريل عليه السلام تمثل لمريم عليها السلام في صورة بشر سوي، كما قال تعالى:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)}

(3)

.

ومن صفاتهم الخلقية التي أخبرنا اللَّه تعالى بها أن لهم أجنحة، وأنهم يتفاوتون في أعدادها، كما قال -جَلَّ ذِكْرُهُ-:{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)}

(4)

.

(1)

أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها في كتاب الزهد والرقائق، باب: في أحاديث متفرقة 3/ 2294، وأحمد في المسند 6/ 153، 168، وذكره في مجمع الزوائد 8/ 134 مختصرًا وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

الآيتان 16، 17 من سورة مريم.

(4)

الآية 1 من سورة فاطر.

ص: 979

وجاء في الصحيحين أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام وله ستمائة جناح

(1)

.

وما أخبرنا اللَّه تعالى به من أخبار خلقة هؤلاء الأبرار نؤمن به كما جاء ولا نسأل عن كيفية ذلك، ولا نسأل عن غيره؛ لأنه لو كان في التفصيل نفع للعباد لأخبر به اللَّه -جلَّ وعلا-.

أمّا علاقتهم باللَّه تعالى فهم خلق من خلقه، وعباد من عباده، عملهم هو العبودية الخالصة والطاعة التامة والاستسلام المطلق للَّه -جلَّ وعلا-، ولا ينتسبون إلى اللَّه تعالى بغير كونهم خلقًا طائعين، ومن اعتقد غير ذلك فقد كفر؛ فهم ليسوا آلهة، ولا ذرية للَّه الواحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وهم ليسوا بناتٍ، كما يدعي الكافرون.

قال اللَّه تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}

(2)

. ومع ذلك فلا يجوز ووصفهم بالذكورة؛ لأنهم من عالم الغيب، ولم يرد في الأدلة ما يثبت ذلك فوجب التوقف، وإنّما الذي ورد أن اللَّه نفى عنهم صفة الأنوثة، ردًا على الكافرين كما قال تعالى:{أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40)}

(3)

.

وقال سبحانه: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا

(1)

أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين. . . 3/ 1181، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى 1/ 158.

(2)

الآيات 26 - 28 من سورة الأنبياء.

(3)

الآية 40 من سورة الإسراء.

ص: 980

تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157)}

(1)

.

وفال سبحانه: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)}

(2)

.

وقال -جلَّ وعلا-: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27)}

(3)

.

ومن صفاتهم أنهم لا يحتاجون إلى طعام البشر وشرابهم، فقد أخبرنا اللَّه تعالى أن الملائكة جاؤوا إلى إبراهيم في صورة بشر فقدم الطعام فلم تمتد أيديهم إليه فأوجس منهم خيفة فكشفوا له عن حقيقتهم فزال خوفه واستغرابه، قال تعالى:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28)}

(4)

.

وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)}

(5)

.

ومن صفاتهم أنهم يقومون بعبادة اللَّه وإنفاد أوامره بلا ملل ولا تعب، ولا يدركهم الكل كما يدرك البشر، قال تعالى في وصفهم:{يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)}

(6)

أي: لا يضعفون، وقال تعالى:{فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ}

(7)

أي: لا يملون.

(1)

الآيات 149 - 157 من سورة الصافات.

(2)

الآية 19 من سورة الزخرف.

(3)

الآية 27 من سورة النجم.

(4)

الآيات 24 - 28 من سورة الذاريات.

(5)

الآية 70 من سورة هود.

(6)

الآية 20 من سورة الأنبياء.

(7)

الآية 38 من سورة فصلت.

ص: 981

ومنازل الملإئكة ومساكنهم في السماء، كما قال تعالى:{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}

(1)

، وقال:{فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)}

(2)

، وينزلون إلى الأرض وغيرها لتنفيذ أمر اللَّه {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ}

(3)

.

وعدد الملائكة كثير لا يحصيه إلّا اللَّه، وأخبرنا اللَّه بأسماء بعضهم وهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ومنكر ونكير وهاروت وماروت.

والملائكة يموتون كما أخبر اللَّه العظيم بذلك في قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68)}

(4)

، وقوله:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}

(5)

هذا موتهم عند نفخة الصعق نفخة الصور الأول، أمّا أنهم يموتون قبل هذه النفخة؟ فهذا ما لا نعلمه ولا يصح الخوض فيه لعدم وجود نص يثبت ذلك أو ينفيه.

وبما أنهم عباد للَّه مخلوقون من العدم فإن من الشرك باللَّه أن يتوجه إليهم بأي نوع من أنواع العبادة من الدعاء أو الاستعانة أو الاستغاثة، أو أن يعتقد أن لهم من أمر الكون والحياة ما لم يعطهم اللَّه ويأذن لهم به.

قال اللَّه تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)}

(6)

.

(1)

الآية 5 من سورة الشورى.

(2)

الآية 38 من سورة فصلت.

(3)

الآية 64 من سورة مريم.

(4)

الآية 68 من سورة الزمر.

(5)

الآية 88 من سورة القصص.

(6)

الآيتان 40 - 41 من سورة سبأ.

ص: 982

وقال تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)}

(1)

.

وعبادة الملائكة للَّه تعالى لا تقتصر على تسبيحهم وسجودهم وتمجيدهم الدائم للَّه سبحانه وتعالى، بل وتشتمل على تنفيذ أوامره سبحانه وتعالى في كل أمر يؤمرون به مما يتعلق بالكون والإنسان وسائر المخلوقات.

فإن أمور الكون والحياة والإنسان والسموات والأرض وما فيهن، وكل ما يحدث من حركات إرادية وغير إرادية وقوانين وسنن هم موكلون بها بأمر من اللَّه وإرادة منه -جلَّ وعلا- كما قال تعالى:{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)}

(2)

، وقال سبحانه:{فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4)}

(3)

والمراد بهم الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام.

وقال-سبحانه وتعالى عنهم: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)}

(4)

. وقال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}

(5)

، وهم الملائكة عليهم السلام.

وهناك أدلة عديدة على اختصاص بعض الملائكة ببعض المخلوقات فمنهم من وكل بالشمس والقمر، ومنهم من وكل بالجبال، وآخرون موكلون بالسحاب، وآخرون بالمطر، وآخرون بأمر النطفة حتى ينفخ فيها الروح، وآخرون بالموت، ولكل عبد من عباد اللَّه ملائكة -من أمر اللَّه- يحفظونه، ووكل بكل مخلوق وكل حادث ملائكة.

(1)

الآية 80 من سورة آل عمران.

(2)

الآية 5 من سورة النازعات.

(3)

الآية 4 من سورة الذاريات.

(4)

الآيتان 26 - 27 من سورة الأنبياء.

(5)

الآية 11 من سورة الرعد.

ص: 983

وما في الكون من نواميس وسنن وأسباب يرتبط بعضها ببعض هي مخلوقة للَّه تعالى مسخرة بأمره، والملائكة موكلة بها أيضًا، وبرعايتها مثلما ترعى المخلوقات الأخرى.

ومن الملائكة عليهم السلام من وكل بأمور الإنسان الإرادية، من هداية للبشر ودلالة على طريق الخير والسعادة، وإعانة على ذلك، وإبعاد عن طريق الشر والضلال، وأعظم هؤلاء جبريل عليه الصلاة والسلام كما قال تعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)}

(1)

، وقال سبحانه:{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)}

(2)

، وقال:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)}

(3)

.

وهؤلاء الموكلون بأمر الإنسان وأعماله الإرادية يصحبونه ويلازمونه لإسعاده وهدايته وإلهامه الحق والخير والدعاء له والاستغفار له، وحضور مجالس الذكر وتشجيع أهل العلم

(4)

.

ومن أعمالهم العظيمة تثبيت العبد على العمل الصالح وخاصة الجهاد في سبيل اللَّه كما أخبر تعالى في قوله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)}

(5)

.

ومن أعمالهم الكبيرة التي لها أثر على الإنسان في الدنيا والآخرة ما وكل إليهم من كتابة أعمال الإنسان وإحصائها كما أخبر -جلَّ وعلا- في

(1)

الآيات 192 - 194 من سورة الشعراء.

(2)

الآية 102 من سورة النحل.

(3)

الآيات 19 - 21 من سورة التكوير.

(4)

في كل ذلك أحاديث عديدة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(5)

الآية 12 من سورة الأنفال.

ص: 984

قوله: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)}

(1)

، وقوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)}

(2)

، وقوله:{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)}

(3)

.

ومن أوصافهم إضافة إلى ما ذكر، عظم سرعتهم، ومن أدلة ذلك أن السائل كان يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يكاد يفرغ من سؤاله حتى يأتي جبريل عليه السلام بالجواب من اللَّه العلي العظيم.

والملائكة عندهم علم وفير علمهم اللَّه إياه، وهم منظمون غاية التنظيم في عبادتهم، وقد حثنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على الاقتداء بهم في ذلك فقال:"ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" قالوا: وكيف يصفون عند ربهم؟ قال: "يكملون الصف الأول فالأول يتراصون في الصف"

(4)

، وثبت أنهم يأتون يوم القيامة صفوفًا منتظمة كما قال تعالى:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)}

(5)

.

والملائكة مطبوعون على طاعة اللَّه، وليس لهم القدرة على العصيان، فتركهم للمعصية وفعلهم للطاعة جبلة لا يكلفهم أدنى مجاهدة؛ لأنه لا شهوة لهم.

ومن عباداتهم التي جاء خبرها في الوحي المعصوم: التسبيح، قال

(1)

الآيات 10 - 12 من سورة الانفطار.

(2)

الآيات 16 - 18 من سورة ق.

(3)

الآية 80 من سورة الزخرف.

(4)

أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة 1/ 322، والنسائي في كتاب الإمامة، باب: حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها 2/ 92، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: إقامة الصفوف 1/ 317.

(5)

الآية 22 من سورة الفجر.

ص: 985

تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}

(1)

، وكذلك عموم الملائكة تسبح كما أخبر تعالى:{وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}

(2)

، وتسبيحهم دائم لا ينقطع، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)}

(3)

ولكثرة تسبيحهم قالوا كما أخبر عنهم اللَّه تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)}

(4)

.

ومن عبادتهم: الصلاة، وقد مرّ حديث الاصطفاف في الصلاة، وفي القرآن قوله تعالى عنهم:{وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165)}

(5)

.

ومن عبادتهم: الخوف والخشية من اللَّه تعالى كما أخبر عنهم -جلَّ وعلا-: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}

(6)

.

ومن أعمالهم: تبليغ الوحي عن اللَّه تعالى للأنبياء والمرسلين، وليس كل من جاءه ملك فهو رسول أو نبي، فقد جاء جبريل إلى مريم عليها السلام وإلى أم إسماعيل عليهما السلام لما نفد الماء والطعام منها.

ومن أعمالهم: إضافة إلى كتابة السيئات والحسنات، أنهم يدعون العباد إلى فعل الخير، وقد يرسل اللَّه بعض ملائكته لابتلاء بني آدم واختبارهم كما في قصة الأبرص والأقرع والأعمى ومجيء الملك إليهم

(7)

.

ومن الملائكة من هو مكلف بنزع روح الإنسان كما قال تعالى: {قُلْ

(1)

الآية 7 من سورة غافر.

(2)

الآية 5 من سورة الشورى.

(3)

الآية 20 من سورة الأنبياء.

(4)

الآيتان 165، 166 من سورة الصافات.

(5)

الآية 165 من سورة الصافات.

(6)

الآية 28 من سورة الأنبياء.

(7)

أخرجها البخاري في كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل 3/ 1276، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق في أوله 3/ 2275.

ص: 986

يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)}

(1)

وقال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)}

(2)

.

وإذا جاء الموت ونزل بالعبد المؤمن فإن الملائكة تنزل وتبشره وتثبته، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)}

(3)

.

كما أنها تنزل على الكفار والمجرمين فتنزع أرواحهم بشدة وتضرب وجوههم وأدبارهم، قال تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}

(4)

، وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-:{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50)}

(5)

.

ومن أعمالهم: أن منهم من وكل بسؤال الميت في القبر، وينعمون كل مؤمن ويعذبون كل مجرم كافر أو منافق إلى يوم القيامة.

وهم يحبون المؤمنين، ويسددون المؤمن الصالح، ويصلون على المؤمنين، أي: يدعون لهم ويستغفرون لهم، وخاصة معلم الناس الخير، والذي يأتي المسجد للصلاة، والذين يصلون في الصف الأول، والذين يمكثون في مصلاهم بعد الصلاة، والذين يسدون الفرج بين الصفوف،

(1)

الآية 11 من سورة السجدة.

(2)

الآية 61 من سورة الأنعام.

(3)

الآيتان 30، 31 من سورة فصلت.

(4)

الآية 93 من سورة الأنعام.

(5)

الآية 50 من سورة الأنفال.

ص: 987

والذين يتسحرون، والذين يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، والذين يعودون المرضى، ويؤمنون على دعاء المؤمنين، ويستغفرون لهم، ويشهدون مجالس العلم وحلق الذكر، ويحفونه أهلها بأجنحتهم، ويسجلون الذين يؤمون الجمع الأول فالأول، ويتنزلون عندما يقرأ المؤمن القرآن، ويبلغون الرسول عن أمته السلام، ويبشرون المؤمنين بالخير والرزق والذرية كما بشروا إبراهيم عليه السلام، ويقاتلون مع المؤمنين ويثبتونهم في حروبهم، ومنهم من وكل بحماية النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص، ومنهم من يشهد جنازة بعض الصالحين، ويظللون الشهيد بأجنحتهم، ومنهم من وكل بحماية مكة والمدينة من الدجال، وينزل مع عيسى عليه السلام آخر الزمان ملكان، ويرسلهم اللَّه بعذاب الكفار مثل إهلاك قوم لوط، ويلعنون الكافرين، والمرأة التي لا تستجيب لزوجها، ومن أشار إلى أخيه بحديدة، ومن سبّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن يحول دون تنفيذ حد من حدود اللَّه، فكيف بالذي يحول دون تنفيذ الشريعة كلها؟، ويلعنون الذي يؤوي محدثًا.

أمّا رؤيتهم على حقيقة خلقتهم التي خلقهم اللَّه عليها فلا يستطيع ذلك الناس، لعجز أبصارهم عن ذلك، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في صورته التي خلقه اللَّه عليها مرتين.

أمّا إذا تمثلت الملائكة في صورة بشر فتمكن رؤيتهم، وقد طلب الكفار رؤية الملائكة في معرض تكذيبهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم اللَّه أن اليوم الذي يرون فيه الملائكة هو يوم عذاب وغم عليهم، وذلك يكون عندما ينزل بهم الموت فينكشف الغطاء ويرون ملائكة العذاب، ويكون عندما يحل بهم العذاب يوم القيامة فتدفعهم الملائكة إلى نار جهنم دفعًا، كما قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)}

(1)

.

(1)

الآيتان 21 - 22 من سورة الفرقان.

ص: 988

هذا مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، أهل الحق والعلم والإيمان، وكل جملة من الجمل التي ذكرتها عليها دليل صحيح

(1)

.

والآن إلى موقف أرباب أدب "الحداثة" وفكرها من هذا الركن العظيم: الإيمان بالملائكة الكرام عليهم السلام.

والناظر في مؤلفاتهم وإنتاجهم يرى أنهم انحرفوا في هذا الأصل مثلما انحرفوا في غيره من أصول الإيمان، ويتمثل انحرافهم في هذا الأصل في ثلاثة أوجه، هي:

1 -

نفي وجود الملائكة.

2 -

وصف الملائكة بما لا يليق بهم، والتهكم والسخرية بهم.

3 -

إلحاق أسماء وأوصاف الملائكة بغيرهم.

• • •

‌الوجه الأول: من أوجه انحرافهم في الملائكة: نفي وجود الملائكة عليهم الصلاة والسلام:

إن الفكر المادي الذي بث قيحه في عقول وقلوب الحداثيين والعلمانيين العرب، يؤدي إلى عدم الإيمان بالغيبيات والتي منها الإيمان بالملائكة، فقد مات في عقولهم وقلوبهم أي اتجاه نحو الإيمان بالغيب، وقد ذكرت في الفصل الأول من الباب الأول هذه القضية وأسبابها ونتائجها، مع مناقشة موجزة ونقض لهذا الاتجاه.

وغير مستغرب على من يجحد وجود اللَّه سبحانه وتعالى الذي أدلة وجوده أكثر من عدد المخلوقات، أن يجحد وجود الملائكة عليهم السلام،

(1)

انظر تفصيل القول في الملائكة في: كتاب عالم الملائكة الأبرار للشيخ عمر الأشقر، والإيمان أركانه وحقيقته ونواقضه لـ د/ محمد نعيم ياسين: ص 39 - 59، ومعارج القبول 2/ 63 - 73، وشرح أصول الإيمان لابن عثيمين: ص 27 - 31، وعقيدة أهل السنة والجماعة له: ص 16 - 18.

ص: 989

إمّا صراحة كما سنرى في هذا الوجه، وإمّا ضمنًا كما سنرى في الأوجه اللاحقة.

ومن أظهر الذين جحدوا وجود الملائكة علاء حامد في روايته مسافة في عقل رجل، حيث يجعل الإيمان بالملائكة ثمرة للإيمان باللَّه الذي يرى أن نفيه هو الذي سيؤدي إلى نفي كل ما يترتب عليه من غيبيات، فيقول:(. . . من الأهمية بمكان أن نشذب فكرة وجود اللَّه من أغصانها السرطانية بالالتجاء لقفص العقل، ورفض توارث فكرة وجود اللَّه. . . إن الإيمان بوجود اللَّه من خلال الأديان والتي تطالب الإنسان أيضًا بالإيمان بأمور تتخطى نطاق التفكير وتربط قضية وجود اللَّه بهذه الأمور ارتباط الجنين بالمشيمة والجذر بالتربة، فطالما آمن الإنسان بوجود اللَّه عن طريق الأديان فعليه تقبل كل ما يتصل بوجود هذا الإله من جنة ونار وشياطين وملائكة وجن صالح وجن طالح وإبليس ومعاونيه حتى لا يجرفه الإنكار إلى النار المحرقة)

(1)

.

ويتبدى لنا هنا جحده لوجود اللَّه ثم جحده لوجود الملائكة وسخريته بالأمور الغيبية، وهو يورد هذا الإلحاد في سياق روائي، وعلى طريقة تخلو من أي عقل أو منطق، على الرغم من دعاواه العريضة باحترام العقل والمنطق بل بتقديسها، {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)}

(2)

.

وفي موضع آخر من هذه الرواية الإلحادية يسوق كفره وشكه فينكر أولًا الكتب والشرائع ويعتبرها خرافات -ولعمر اللَّه- أن الذي يقوله ويعتقده هو الخرافة.

ثم يستنتج من ذلك نتيجة قائلًا: (. . . تحول العقل الإنساني إلى أكلة شهية تلتهمها الخرافات والخزعبلات، فالعالم الخفي الذي يعيش وراء

(1)

مسافة في عقل رجل: ص 191.

(2)

الآية 44 من سورة الفرقان.

ص: 990

ظهرانينا والمتمثل في الملائكة والجن والشياطين وملكهم العظيم إبليس لم تقدم لنا الصحائف الدينية دليلًا على صحة وجودهم إلّا ما سطر، ولم يثبت بالعلم أو نظرياته على مدى القرون الطويلة وجود مثل هذه الأشكال الغريبة.

ولم يحدثنا أحد عن شكل هذه المخلوقات إلّا ما ورد من أوصاف مادية، فالجن من نار والملائكة من نور، هذه الأوصاف المادية التي وصفت بها هذه المخلوقات تثبت بما لا يدع مجالًا للشك خطل القول بوجودها. . .

ثم الملائكة التي هي من النور، وإذا كان السؤال كيف هي؟ نور الشمس أم المصباح الكهربائي أم مصباح الزيت؟! فأين هي الإجابة؟.

ثم كيف أشكال هذه المخلوقات النورانية. . طويلة. . مستطيلة، شعاع مفرطح أم طيور؟، وهذا الوصف الأخير هو ما درجت بعض الصحائف على وصفها به، ولماذا على هيئة طيور؟! حتى تتمكن من التحليق في الجو. . لأنه لم يكن أحد ليتصور في العصور المتقدمة أن في قدرة مخلوق التحليق إلّا إذا كان بجناحين. . لذلك فلم يكن أمامهم سوى هذا التصوير المادي الذي صور الملائكة على هيئة طيور بجناحين أو ستمائة جناح مرصعة بالجواهر. . رغم أن زينتها بتلك الجواهر يستلزم معها ماديتها بل ويعوقها عن الطيران، والأدهى من ذلك أن نجد في من يعتنق مثل هذه الأفكار التهويمية بل ويؤمن بها إيمانًا راسخًا كالإيمان بالصاروخ والقمر الصناعي، بل ويزيد عليها القول بأن الشياطين والملائكة لها القدرة على التشكل إلى حيوانات وطيور وأفاعي "بل وتصدر بها أحكام قضائية" محنة وأي محنة أن يعيش الناس مثل هذه الأفكار وأن يتداولها لأنها تعني الموات الفكري. . .)

(1)

.

عقدة هذا المعتوه أنه لا يؤمن بشيء غير محسوس، أي: لا يؤمن بشيء غائب عن الحس البشري المحدود، ومن هنا تركبت في دماغه هذه الخرافات التي يعتقد أنها هي الحقيقة والعقل والعلم، ويُمكن الرد عليه بأنه ليس كل

(1)

المصدر السابق: ص 200 - 201.

ص: 991

ما غاب عن الحس البشري يسمى خرافة؛ لأن هناك فرقًا بين واقع مغيب، وهي الحقيقة غير المنظورة، والمعدوم الغائب وهو الخرافة التي لن ترى.

ومن لم يفرق بين الأمرين وقع في التناقض وتخلت عنه الحقائق.

أمّا الواقع الذي له حقيقة موجودة، ولكن غائب عن الحس والوعي البشري في جملته أو عند بعض أفراده، فلا ينكره إلّا من لا عقل له.

فليس كل ما غاب عن الحس صح جحده؛ لأن عدم العلم بالشيء لا يدل على العلم بعدمه، واليوم نعيش حقائق ثابتة كانت فيما مضى غير معلومة، بل كانت مغيبة، وأمثلة ذلك كثيرة في الجو وطبقاته والنجوم والأفلاك والأثير والأوزون، وفي الأرض وطبقاتها ومعادنها كالبترول، وفي الأضواء والأشعة ما تحت الحمراء، وما فوق البنفسجي، وفي الذرة، وفي الجراثيم والفيروسات والبكتيريا، وغير ذلك، وما زالت الحقائق المغيبة في مجالات العلوم كثيرة.

وهناك مغيبات نرى آثارها فتدلنا الآثار دلالة قطعية على وجودها، وعلى أنها حقائق، فمثلًا طبقة الأثير لا تدركها الحواس ولكن أحزمة البث الإذاعي واللاسلكي السائرة خلالها والمنعكسة منها تدلنا على وجودها، كما يدل أي أثر على المؤثر، مثل عبوسة وجه الإنسان تدلنا على حزن أو غضب مغيب في قلبه، وتدلنا حركة الأشجار على وجود الريح، ويدلنا الدخان على وجود النار، وأثر القدم في الأرض على سائر سار فوقها، وهكذا إلى ما شاء اللَّه من أمثلة هي من ضرورات العقل وحتمياته.

والضرورة العقلية هي: كل برهان صحيح في الوجود إذا تأملته وحللته انتهى بك إلى الجزم العقلي القاطع، ومن أمثلة بدائه العقل: استحالة أن يكون الكل أقل من الجزء، وأن يجتمع الضدان في زمان ومكان واحد، وأن يكون فعل بلا فاعل، وهذا برهان عقلي بدهي مباشر، لا يستطيع أي عاقل إنكاره وهناك برهان عقلي بواسطة كأن تقول:

1 -

اللَّه تعالى واجب الوجود، ونفي ذلك محال عقلي إذ يستحيل أن يكون الخلق بلا خالق.

ص: 992

2 -

عرفنا بعقولنا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه؛ لأن معجزاته الحسية والمعنوية دلت على صدقه وعلى أنه مرسل من ربه، وهذه المعجزات الكثيرة شهدها جم غفير من الناس ونقلوها كافة عن كافة، وأخذنا ذلك وصدقناه؛ لأنه منقول بالتواتر الذي يحيل العقل كذبه، وصدقناه لأن الأدلة والبراهين قائمة ومستمرة، مثل إخبار النصوص ببعض المغيبات التي سوف تحدث بعد موت المخبر فوقعت، وإخبارها ببعض المغيبات التي كشفت الحقائق العلمية وجودها، وقد أخبر بها النبي الأمي قبل أن يجوس رواد العلم مجاهل الكون، ويكشفوا بعض أسراره.

فدلت هذه الدلائل والبراهين على صدقه صلى الله عليه وسلم واستحال عقلًا وحسًا التكذيب بدلالة هذه المعجزات.

3 -

عرفنا بعقولنا أن وجود الملائكة حقيقة؛ لأن الكافة نقلوا ذلك عن المخبر الصادق الذي آمن العقل بأنه رسول من عند اللَّه

(1)

.

وهذا الملحد وأشباهه من ملاحدة الحداثيين والعلمانيين أبعد الناس عن فهم مثل هذه المحاجات العقلية، وعن معطيات العلم التطبيقية، وأكثرهم مجرد صحفيين وأحلاس جهل وشهوة، لقطوا شبهة من هنا وشبهة من هناك، وخالطوا أشباههم فعزز بعضهم شكوك الآخر بأخلاط من ريب وشكوك أتقنوا امتصاصها فقذفوها قيئًا يؤذون به أمتهم ودينهم.

نظروا إلى الغرب بعين المنهزم وهالهم ما رأوا من ابتكارات وقوة مادية فحسبوا أن الإلحاد هو الذي قادهم إلى ذلك وصنع لهم القوة!!، وقصارى حجة الملاحدة في شكهم أو جحدهم "الإنكار" والإنكار نفسه ليس بحجة، وإنّما هو دعوى، والدعوى مهما كانت ما لم يقم صاحبها عليها دليلًا تبقى زعمًا.

وواللَّه الذي لا إله إلّا هو أن نص الوحي هو الحق الصراح، وأن كل

(1)

اقتُبس بعض هذه المحاجة من كتاب لن تلحد لأبي عبد الرحمن الظاهري: ص 109 - 110.

ص: 993

فكر بشري يعارضه، لا يُمكن أن يصمد لحجته أو يقاوم براهينه أو يقف أمام أدلته.

وإذا تأملنا كلام علاء حامد وجدناه لا يعدو أن يكون تجميعًا لشبهات وفلسفات غيره من الماديين الغربيين والماركسيين على وجه الخصوص، استحياها ونسبها لنفسه، وتقمصها ثم ألقاها مسخًا غريبًا شائهًا لا يقوم على ساق.

وكم حاول هو وأضرابه من ملاحدة الشرق تقليد أسيادهم الغربيين الذين كانت لهم في الفلسفات والتجريبيات جولة، ومع ذلك ما أغنت عنهم.

أمّا المقلدة من أبناء الشرق فإنهم خليون عن كل ذلك، فلا فلسفة يستندون إليها، ولا علوم تجريبية يستمدون منها، مع أنها لا تغني من الحق شيئًا، وإنّما دأبهم التهويش والتشويش، وترديد شعوذات المستشرقين، وتقليد ألفاظ المرتابين والشاكين، من غير حجة ولا برهان، فيخدعون أمثالهم مثلما انخدعوهم لشياطين الإنس والجن، وفرحوا بالأكاذيب فرح الجعل بالنتن يدفعه بأنفه!!.

نقرأ للمرتكس المنتكس علاء حامد كيف يجحد وجود ملك الموت من طريق السخرية والاستهزاء، فبعد أن نفى القدر، ذكر الموت في سياق تندر وهزء، فقال: (والموت صفحة مكتوبة لا تغيير فيها ولا تبديل، فمن أتى أجله يأتيه الموت ولو كان في بروج مشيدة من الصحة والعافية، بلا أسباب ظاهرة أو خفية، يأتيه عزرائيل

(1)

ويجمعهم حوله، ويلف ويدور، ثم يطعنه هذا الملعون طعنة نجلاء فإذا هو جثة هامدة ترفرف كالطير الذبيح فوق الأرض)

(2)

.

وليس ملك الموت عليه السلام ملعونًا، إنّما الملعون من ألحد

(1)

لا يوجد في القرآن ولا في الأحاديث الصحيح تسمية ملك الموت باسم عزرائيل. انظر: البداية والنهاية 1/ 50.

(2)

مسافة في عقل رجل: ص 172.

ص: 994

وجحد وجود اللَّه والملائكة: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}

(1)

.

أمّا سخريته بملك الموت فسوف يراه -واللَّه- عيانًا، {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27)}

(2)

.

ومن سفسطته في هذه الرواية السافلة الحوار الذي أجراه بين أحد الشخصيات والحاسب "الكمبيوتر" فمن شدة انصهاره أمام الغرب وصناعاته ودهشته البليدة إزاء تقنياته، صاغ هذا الحوار الذي يوجه فيه الإنسان أسئلة إلى الحاسب الذي يجيب على أسئلته ومنها سؤال عن:

(- التاريخ

أجابني: كمادة أم علم.

- كمادة.

- وقائع حدثت ودونتها الأجيال.

- الملائكة.

- خيال بشر.

- الشياطين والجن.

- خرافات.

- الجنة والنار.

- لا دليل عليها

- البعث لحياة أخرى

- تنبؤ

(1)

الآية 136 من سورة النساء.

(2)

الآية 27 من سورة محمد.

ص: 995

- الكتب السماوية

- إلهام)

(1)

.

وتشابه هذه الرواية الخبيثة الرواية الأخرى المسماة "آيات شيطانية" التي أحدثت ضجيجًا كبيرًا في العالم، ودافع عنها الحداثيون والعلمانيون، وممن دافع عنها الكاتب السوري "عزيز العظمة"

(2)

المعروف بعداوته الشديدة لدين الإسلام وأهله، وقد أتى بنماذج من الآيات الشيطانية وشرحها على طريقته الإلحادية الخاصة فقال:(جبريل شخصية أساسية: فهو ملاك ذو علاقة صعبة مع محمد، وهو جبريل فارشتا الممثل الهندي الشهير في الرواية، وهو عقل المؤلف كما هو في الحلم والمخيلة، وهو وسواس أمام هندي أصولي يسكن لندن اليوم، كما هو شيطان أو ملاك متصوفة هندية معاصرة "في الرواية" اسمها عائشة)

(3)

.

وقد ادعى هذا المتردي أن الذين يعارضون هذه الرواية ورواية "أولاد حارتنا" هم المجموعات الغوغائية التي ترى أن لها الحق في إبداء الرأي القاطع في شأن الأدب، يدعون أن للرأي الديني القول الفصل فيما يجب وما لا يجب للأديب وللمفكر أن يقدمه للجمهور من آراء في أمور عامة أو قضايا فكرية، ثم يثني على الرواية ويعتبرها ذات قيمة أدبية عالمية تؤكد -حسب قوله- المساهمة الرائدة للأدب العالم الثالثي.

ثم يصف وقفة المسلمين ضد هذه الرواية بالهمجية والعدوان ويقول: (يعتبر الإسلاميون كنظائرهم الصهاينة وغيرهم أن كل قول يتنافى ومذاهبهم

(1)

مسافة في عقل رجل ص 134.

(2)

عزيز العظمة كاتب من سورية، خبيث المعتقد، معاد للإسلام وأهله شديد العداء مظهر لذلك، ولد في دمشق ودرس في بيروت وتوبنغن واكسفورد، ثم درّس في عدة جامعات عربية وبريطانية، وله كتب بالعربية والإنجليزية، ومن عجائب أحوال الردة المعاصرة أن المترجم له أستاذ للدراسات الاسلامية في جامعة اكستر في بريطانيا. انظر: الإسلام والحداثة: ص 417، ومجلة الناقد عدد 9: ص 10.

(3)

مجلة الناقد العدد 9 آذار مارس 1989 م/ 1409 هـ: ص 10.

ص: 996

قول معادٍ للإسلام كتهمة معاداة السامية التي يلقيها الصهاينة على كل من ينتقد إسرائيل)

(1)

.

ثم يهاجم الإسلام والدعوة إلى اعتباره دين ودنيا وسياسة، ويثنى على مؤلف الرواية المارق ثم يطعن في النبوة وقرون الهجرة الأولى، إلى آخر ما كتب من آراء تدل على عداوته الحقيقية للإسلام ودفاعه عن الكفر والردة، وكأنه في دفاعه عن هذه الرواية يتبنى الدفاع عن نفسه بصورة غير مباشرة

(2)

.

وهذا نموذج من نماذج تولي الكافرين بعضهم لبعض كما أخبر اللَّه تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)}

(3)

.

وأقواله في هذه المقالة، وفي المحاضرة التي ألقاها في الندوة التي عقدتها دار الساقي في لندن بعنوان "الإسلام والحداثة" أقوال تنم عن بغض وحقد شديدين للإسلام وأهله، تخرج به عن دائرة التعقل والتدرج التي يتصف بها كثير من العلمانيين عند إلقاء سموم حقدهم على الإسلام والمسلمين، أمّا هذا فإن فجاجته تشابه فجاجة مؤلف مسافة في عقل رجل.

{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}

(4)

.

وعلى شاكلتهم نطيحة الخنازير الأوروبية نصر حامد أبو زيد، الذي بنى ردوده على الإسلام على شكوك وريب، وإنكار وجحد، في تلبيس كاذب بالأسلوب العلمي والقراءة الهادئة، مع العلم بأن هذه كلها ليست بحجج، إذ من المعلوم أن الملاحدة لا دليل معهم في مهاجمة الإسلام إلّا الإنكار، والإنكار نفسه ليس بحجة مطلقًا، وإنّما هو دعوى، وكذلك الشك

(1)

المصدر السابق.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 9 - 11. وانظر: دفاع أنسي الحاج عن رواية آيات شيطانية في كتابه خواتم: ص 151.

(3)

الآية 73 من سورة الأنفال.

(4)

الآية 118 آل عمران.

ص: 997

والريب ليس بدليل وإنما هو تعبير عما في نفس صاحبه.

ولنصر أبو زيد عدة كتب ومقالات تستهدف النصوص الشرعية بالثلب والتنقص، وإلغاء القداسة عنها وجعلها نصوصًا بشرية خاضعة للتاريخ في نشأتها، ولمعطيات الواقع في فهمها وتنفيذها، وفي الحقيقة أن كل هذا مؤداه جحد الإسلام بالكلية وإنكاره جملة وتفصيلًا، ولكن من بوابة خلفية غير بوابة عزيز العظمة وعلاء حامد.

ففي سياق هجومه على نصوص القرآن والسنة يسوق مثالًا يتضح منه ما ذكرناه عنه آنفًا يقول: (وإذا كان الصحابي عبد اللَّه بن عباس الذي استحق ألقاب "ترجمان القرآن" و"حبر الأمة" قد فسر الرعد بأنه ملك يسوق السحاب بمقلاع من فضة، وهو تفسير ينسب إلى الرسول عليه السلام في بعض كتب الحديث، فإن المسلمين لم يأخذوا هذا التفسير بوصفه معنى دينيًا مقدسًا مطلقًا يتحتم أن لا يخالفه البحث العلمي، لقد فهم المسلمون أن النصوص الدينية لا تطرح تفسيرًا للظواهر الطبيعية والإنسانية، وأن تفسيرها متروك لفعالية العقل البشري المتطور دائمًا لاكتشاف الآفاق الطبيعية والإنسانية)

(1)

.

هذا الكلام مؤداه جحد ما جاءت به النصوص، ولكن في سياق غير مباشر في الهجوم والنقض، أمّا ما نسبه إلى ابن عباس فكذب، وأمّا أن الملائكة تسوق السحاب فقد صح بذلك الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم

(2)

.

والمؤمنون يؤمنون به ولو كره المنافقون والشاكون والمرتابون، كما يؤمنون بأن من الملائكة من يلعن الكفرة، قال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا

(1)

قضايا وشهادات 2 صيف 1990 م/ 1410 هـ: ص 385 بحث بعنوان النصوص الدينية بين التاريخ والواقع.

(2)

أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الرعد 5/ 294، وأحمد عن ابن عباس 1/ 274.

ص: 998

يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)}

(1)

.

وعلى كل حال فإن الخطاب العلماني والحداثي مليء بالافتراءات والمناقضات الصريحة لدين اللَّه مما يؤكد أنهم على جهل بملة الإسلام وأكثرهم على معاداتها والتشكيك فيها والبغض لها أو لبعض أحكامها، فإذا علم ذلك واتضح كان كافيًا في التعامل معهم، إمّا على أنهم كفار صرحاء لمن صرح بذلك وأظهر، أو منافقون لمن أبطن وغمغم ولم يفصح مع انتسابه ظاهرًا إلى الإسلام.

قال اللَّه العظيم في كتابه الكريم: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)}

(2)

.

وفي كتاب "موسوعة الفلكلور والأساطير العربية" أمور هائلة من الانحراف الاعتقادي، حيث أدخل في الأساطير أمورًا ثابتة في القرآن والسنة، ومن ذلك أنه خصص مبحثًا عن جبريل عليه الصلاة والسلام باعتباره أسطورة من الأساطير العربية، فقال: (جبريل في المثيولوجيا

(3)

العربية هو رئيس ملائكة الرحمة وأحد الملائكة الثلاثة المصرح بذكرهم في القرآن "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل" والأخير هو إسرافيل، أحد حملة العرش، يصف جبرائيل بقوله:"وهو الذي ينفخ في الصور نفخات ثلاث، أولاهن نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالث نفخة البعث "كما صوره النبي محمد بقوله: "جبريل في صورته وله ستمائة جناح، وكل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه التهاويل" وهو الذي أسرى بالنبي محمد إلى السماء السابعة، وقالوا: "إنه من شدة قوته رفع مدائن قوم لوط وكن سبعًا بمن فيهن من الأمم. . . ويظهر جبريل في أساطير الخلق الثلاثة

(1)

الآيتان 86 - 87 من سورة آل عمران.

(2)

الآيتان 7، 8 من سورة الأنفال.

(3)

المثيولوجيا: علم الأساطير، وتطلق كذلك على كل مجموعة من الأساطير صدرت عن أمة متجانسة أو إقليم عرف بثقافة متجانسة. انظر: الموسوعة العربية الميسرة 2/ 1797 م.

ص: 999

العبرية والعربية وعند الفلاشا، كأحد رسل اللَّه الثلاثة لإحضار الطين المقدس من المياه الفطرية حين أراد اللَّه تشكيل العالم والإنسان)

(1)

. إلى آخر ما جاء في كلامه وهو طويل.

‌وفي النص أكاذيب ومغالطات وتكذيبات عديدة منها:

1 -

أنه عد وجود جبريل عليه السلام وأعماله من الأساطير، أي: أنه لا حقيقة له، وهذا كفر باللَّه تعالى وتكذيب صريح للقرآن والسنّة، وهو على النمط العلماني الحداثي الادعائي الإنكاري، والدعوى والإنكار ليس بدليل ولا حجة ولا برهان، بل هو في حاجة إلى الدليل والبرهان، ولا يوجد عند الملحد دليل صحيح يُمكن أن يستدل به، إلّا السفسطة والادعاء والمغالطة.

2 -

أنه ذكر كلامًا وعده من القرآن، وهذا دليل الجهل الفاضح والافتراء المكشوف فليس في القرآن "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل" كما زعم بل فيه {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)}

(2)

ولا شك أن من يجعل وجود جبريل أسطورة يستحق هذا الوصف القرآني.

3 -

قوله: إن إسرافيل أحد حملة العرش، كذب، بل هو عليه السلام هو الذي ينفخ في الصور.

4 -

قوله: إن جبريل هو الذي ينفخ في الصور، جهل وافتراء بل الذي ينفخ في الصور هو إسرافيل.

وهذا نموذج من نماذج العقلية العلمانية الحداثية الجاهلة في هجومهم على الإسلام وقضاياه، ويكفي ذلك في بيان جهلهم ولد خصومتهم ورداءة المنشأ والمقصد {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)}

(3)

.

(1)

موسوعة الفلكلور والأساطير العربية لشوقي عبد الحكيم: ص 198.

(2)

الآية 98 من سورة البقرة.

(3)

الآية 18 من سورة الأنفال.

ص: 1000

أمّا أدونيس فقد أتى في كتابه الثابت والمتحول بألوان التكذيب والجحد، واستعار أقوال أشباهه من الذين عرفوا بالزندقة والاضطراب والضلال ثم جعلها جسرًا لتوصيل وترويج أفكاره ومن الذين فتن بحبهم وأورد كلامهم كثيرًا الزنديق "ابن الراوندي".

وقد ساق أدونيس كلام صنوه ابن الراوندي في جحد النبوة وامتدحه وشرح كلامه في ذلك وفي تهكمه بشرع اللَّه ورسوله وبالعبادات والأحكام، ثم يتعرض للمعجزات جاحدًا ساخرًا متهكمًا قال أدونيس:(ثم يرد المعجزات المنسوبة إلى النبي كحديث الميضأة، وشاة أم معبد، وحديث سراقة وكلام الذئب، وكلام الشاة المسمومة، ويسخر من معجزة الملائكة الذين أنزلهم اللَّه يوم وقعة بدر لنصرة النبي، قائلًا إنهم "كانوا مغلولي الشوكة، قليلي البطشة على كثرة عددهم، واجتماع أيديهم وأيدي المسلمين، فلم يقدروا على أن يقتلوا زيادة على سبعين رجلًا" ثم يتساءل: "أين كانت الملائكة في يوم أحد لما توارى النبي ما بين القتلى فزعًا، وما باله لم ينصروه في ذلك المقام؟ " وأين الراوندي هنا لا ينتقد المعجزة بذاتها وحسب، وإنّما ينتقد كذلك المنطق الداخلي المتهافت، الكيفي، لدى القائلين بها، فإذا كانت المعجزة هنا نصرًا من اللَّه يجيء في وقت الحاجة إليه، فإن حدوثها في الحالات الأكثر حرجًا وضيقًا أولى من حدوثها في الحالات الأقل حرجًا وضيقًا، ثم يحاول ابن الراوندي أن ينتقد النبي في الفكر والعمل قاصدًا من وراء ذلك إبطال دعواه النبوة)

(1)

.

وهذا كلام جاحد منكر ملحد، اتخذ الدعوى برهانًا، والادعاء دليلًا، وأمثلة السخرية والشك حجة!!، وفرح بها أدونيس وأخرجها من سراديب الإهمال ليبرزها أدلة في كتابه الموضوع لتنظير وتأصيل الحداثة، وهو الكتاب الذي نال به درجة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت؟!.

(1)

الثابت والمتحول 2 - تاصيل الأصول 75. وما بين الأقواس من كلام ابن الراوندي نقله من كتاب نظيرهما في الزندقة والإلحاد الوجودي عبد الرحمن بدوي، وكتابه هو تاريخ الإلحاد في الإسلام: ص 105، 106 - 107.

ص: 1001

وكفاك هذا السند المظلم والدعاوى المتهافتة دليلًا على ما في حشو هذا الكتاب من أباطيل وضلالات، فهو يطرح مقدمات بصيغة كاذبة لينتج قضايا كاذبة، وهذا الذي يسمى في المنطق وعند العقلاء بالمغالطة، وليس العجب في وقاحة أدونيس وجرأته على المغالطة وإنّما العجب من الأذهان المستطرقة التي تنجذب لهذره وهذيانه انجذاب الذباب إلى الروائح الكريهة!!.

ولو ذهبنا نتتبع كلام أدونيس واستدلالاته ومقدماته وقضاياه لوجدناها أوهن من بيت العنكبوت، ولو تظاهر معه كل ملاحدة الأرض فإنهم سيقفون أمام صرح الإسلام كالّين ضعفاء؛ لأنهم ما استطاعوا أن يظهروه واستطاعوا له نقبا، وهذه ليست مجرد دعوى، بل نحن نرى أن المقبلين على اعتناق الدين من غير المسلمين من علماء التجربة والدارسين، ما يدل على عظمة هذا الدين وقوة منطقه وحجته وكيف لا يكون كذلك وهو الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)}

(1)

.

وإن المطلع على أخبار وسير علماء الأحياء والتشريح والذرة والفضاء والطب والنبات والفلك والجيلوجيا يجد أن جمهورهم يؤمن بوجود اللَّه وتدبيره للكون والحياة عن قناعة ويقين وبرهان، ولكن لم ينتفعوا بإيمانهم في حياتهم وسلوكهم لعوارض أخرى، ليس منها الإلحاد، الذي شغف به أدونيس وأتباعه.

بل إن هذه الحضارة المادية والتقنية الانتاجية والمكتشفات الحديثة التي قامت على أساس العلوم التطبيقية والتجريبية وغيرها من العلوم البحتة، إنّما قام بها متدينون من اليهود والنصارى أي: أنهم ليسوا ملاحدة.

فلم يربط المرتكسون من أبناء الشرق النهضة بالإلحاد والتقدم بمعارضة النبوة والشرع وهم لا تقنية أجادوها ولا علوم أفادوها، بل حتى إلحادهم

(1)

الآية 42 من سورة فصلت.

ص: 1002

استعاروه وقلدوه فمثلهم {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}

(1)

.

وقد حاول أدونيس أن يشيع ضلالته من خلال ما يسميه شعرًا، ففي أحد المقاطع يتحدث عن الفكر الحديث ويرمز له بالريح وبالعينين المسنونتين التي من شأنها أن تخرج ظلام الرجعة ويقتل ظلام التراث أو هو الإسلام كما يطمح ويريد، ثم يعبر عن السلف بالمقابر، وعن الوحي بالملائكة الذين يرى سقوطهم وعدمهم كناية عن سقوط الشرع والوحي والدين، فيقول:

(كانت الريح عينين مسنونتين

تخرقان الظلام وعاداته، تجرحان

جسد الليل، تشربان

دمه الأسود المصفى

حينما تصعد المقابر أو يسقط الملاك

كانت الريح جنية والأغاني

وجهها واليدين)

(2)

.

وفي موضع آخر يتحدث عن الملائكة في معرض كلامه عن تاريخ المسلمين فيقول:

(تاريخ مسقوف بالجثث وبخار الصلاة. . .

سكين تكشط الجلد الآدمي، وتصنعه نعلًا لقدمين سماويتين في خريطة تمتد إلخ. . .)

(3)

.

(1)

الآية 171 من سورة البقرة.

(2)

الأعمال الشعرية 2/ 207.

(3)

المصدر السابق 2/ 260.

ص: 1003

ثم يقول: (أجس خاصرة الضوء بجثُّ الصحراء، والكون مربوطًا بحبل من الملائك)

(1)

.

وهكذا في تلاعب لفظي يجعل التاريخ الإسلامي وقرون الهجرة الأول جثة وبخار صلاة، ويجعل الملائكة مجرد قدمين سماويتين اتخدت من الآدمي حذاء، وهي كناية باطنية عن الوحي الذي صار الناس على ضوئه عبيدًا للَّه، ثم يتحدث عن فكرته التي يسميها الضوء، وكيف أنها تجتث الصحراء والكون الذي سيصبح خاضعًا لفكرته؛ لأنه لا شيء يقاومه سوى خرافة وجود الملائكة -حسب زعمه-، وهذه سوف يجتثها ويزيلها كما أزال الصحراء التي يرمز بها للدين، في حين يرمز للملائكة بالوحي.

أمّا توفيق صايغ عميل المخابرات الأمريكية فقد كان أصرح من زميله في ضلال "شعر وحوار ومواقف" حيث يقول:

(الملائكة، لا ملائكة في الأثير

قصقص البيض الجناحَ، تعفّرن

شخرن الملامح لا يرفرفن

ايحلقن بك؟ لا يبشرن

لا يمددن أذرع العطف

على الصدر ثدي، اقتُص والآخر جف. . .

يأتين إن يأتين في ركب الإله

ولا إله

لا تحدق ترهق العينين

لا تطلق الأصابع تلقّط هباء. . .

والجناح سحرُ آنٍ كالبكاره

(1)

المصدر السابق 2/ 261.

ص: 1004

ما همهن صيّاد الملائك. . .

يستصرخ الفم، عيناك والميدان تستجديان

ولا ملائكة، لا ملائكة في الأثير

يُدركن، تدرك، إن سعيك لهن اختتال.

إنك مغمض العينين عنهن، تسري في سبات

متحرق الدم، متلهفًا مشقق الأقدام

تقتص خطو إله

ولا إله)

(1)

.

وعلى سقم العبارات وركاكة الأسلوب، وتفاهة التركيب، وانعدام أي لون من الذوق الفني أو الأدبي، على كل هذا فقد ملأ كلامه بالكفر باللَّه تعالى وإنكار الملائكة، ومخاطبتهم عليهم السلام بنون التأنيث كمادة أهل الكفر والجاهلية.

‌الوجه الثاني: وصف الملائكة بما لا يليق بهم، والتهكم والسخرية بهم:

من أساليب أهل الحداثة أنهم يستعيضون عن الإنكار الصريح بالسخرية والتهكم والاستهزاء، وهذا ما فعلوه في كثير من أركان الإيمان.

كما أنهم يستخدمون أسلوب الأوصاف الهابطة وغير اللائقة بالشيء الذي يريدون جحده أو التشكيك فيه، تحت شعار "تدنيس المقدس" الذي يعتبرونه أحد أهم إنجازات الحداثة وأهم مشاريعها

(2)

، وبناء على ذلك، وما تمهد لديهم من إلحاد باللَّه تعالى وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، انساقوا

(1)

المجموعات الشعرية: ص 211 - 212.

(2)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة 178 - 179، 277، وقضايا وشهادات 3/ 64 و 84 و 2/ 102، 219، ومجلة الناقد - العدد 9 ص 48، والإسلام والحداثة: ص 331.

ص: 1005

في هجوم مدروس تحت راية الشيطان ضد كل ما يتعلق بهذا الدين الحنيف من عقيدة وشريعة وأخلاق.

وفيما يتعلق بالملائكة البررة عليهم السلام، كالوا لهم من ألفاظ السب والشتم والتهكم والسخرية الشيء الكثير، وهذه بعض الشواهد على اعتقاداتهم الشنيعة هذه:

يصف النصيري أدونيس الملائكة بالموت وهو يرمز بذلك إلى الدين والوحي، يقول:

(قلنا لك الوداع من سنين

قلنا لك المرثية التائبه

يا هامة الملائك الميتين

يا لغة الجرادة الهاربة)

(1)

.

يقول: إننا من زمان ودعنا لغة ودين وتراث المسلمين القائم على الوحي، ولا شك أنه وقومه من النصيريين قد تركوا دين المسلمين منذ ألهوا غير اللَّه تعالى، ثم أضاف إلى ذلك إلحاده وكفره المعاصر فكانت ظلمات بعضها فوق بعض.

ويقول في سخرية واستخفاف:

(سأصير حبيبًا يغامر، أو عاشقًا ملاك سحرته الأميرة)

(2)

.

ويقول:

(أيها الجرح يا موتي الأليف

في الجرح أبراج وملائكة)

(3)

.

(1)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 388.

(2)

المصدر السابق 1/ 481.

(3)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 529.

ص: 1006

ويقول متهكمًا:

(أنتم أيها الملائكة

الأطهار المنقذون القواد الحكام. . . إلخ

التمس منكم في هذه اللحظة معجزة واحدة

أن تعرفوا كيف تقولون: وداعًا، واو دال ألف عين ألف

معجزة واحدة: وداعًا)

(1)

.

ويقول:

(رف حولي

جبريل قال - أبشر

ومدلي سكرة

طعمتها

ولم يزل في فمي الطعم)

(2)

.

وفي مقطوعته الإلحادية "السماء الثامنة

(3)

" التي يصور فيها قضية الإسراء والمعراج تصويرًا أسطوريًا، ويحشد فيها عقائد الكفر والإلحاد، ومن ذلك أنه جعل نفسه هو الشخصية التي أسري وعرج بها -قاتله اللَّه- ثم يسوق الأكاذيب والقصص المختلقة على اللَّه تعالى وملائكته عليهم السلام، ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله:

(1)

المصدر السابق 1/ 570.

(2)

المصدر السابق 2/ 101 - 102.

(3)

كان عبد الكريم العودة، وهو أحد الحداثيين المحليين كان يكتب في مجلة اليمامة زاوية بعنوان "سماء ثامنة" وهو عنوان انتحله من أدونيس كما ترى، ورغم أنهم يحاربون التكرارية والاقتباس إلّا أنهم في معظم سلسلة أسانيدهم المظلمة لم ينفكوا من ذلك.

ص: 1007

(ثم رأيت ملكًا لم يبتسم

- من هو يا جبريل؟

- عزرائيل، اقترب وسلم

سلمت هب واقفًا هنأني

سألت: كيف تقبض الأرواح؟ قال: سهل.

حين يتم أجل الإنسان

أرسل أربعين من ملائكي

ينتزعون روحه من العروق

حينما تصير في حلقومه

أسلها كشعرة تسل من عجين

فإن تكن طيبة قبضتها بحربة من نور

وإن تكن خبيثة قبضتها بحربة من سخط

وبدت الدنيا في يده كدرهم)

(1)

.

وفي آخرها يقول:

(ولم تزل تنزل. . ها وصلنا

ودعني جبريل، قال: حدث بما رأيت

واختفى البراق)

(2)

.

وفي إحدى مقاطعه الإلحادية المحشوة بالمعاني الكفرية، في ضميمة معتمة، وارتكاس ظلامي مدلهم، يبدأ بنفي النبوة ثم نفي الألوهية ويصف اللَّه العظيم بأنه مثل شيخ يموت تعالى ربنا ذو الجلال والإكرام، ثم يشير إلى الفكر الحديث الذي يريده ويرمز له بالشمس، ويرفض الدين ويرمز

(1)

المصدر السابق 2/ 133.

(2)

المصدر السابق 2/ 146.

ص: 1008

لذلك بترك المآذن، وترك الوحي والغيب ويرمز له بترك الملائكة، ويحلم بمدن غير المدينة والكوفة؛ لأنه يريد واشنطن وباريس ولندن وموسكو، ثم ينادي بهدم كل ما سبق، في عبارات رمزية مهترئة مهتوكة اهتراء فكره المعوج، يقول أدونيس:

(ها غزال التاريخ يفتح أحشائي، نهر العبيد يهدر

لم يبق نبي إلّا تصعلك، لم يبق إله

نجيء نكتشف الخبز اكتشفنا ضوءًا يقود إلى الأرض

اكتشفنا شمسًا تجيء من القبضة، هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت

نفتح للشمس طريقًا غير المآذن، للطفل كتابًا غير الملائك

للحاكم عينًا غير المدينة والكوفة هاتوا فؤوسكم)

(1)

.

والشاهد هنا رفض الدين والوحي ورفض أن يكون للطفل كتابًا من الدين الذي جاءت به الملائكة.

ويقول مقررًا خرافة الملاك والزهرة:

(انظر ملاك يهبط من الزهرة)

(2)

.

فهو يكذب بالحق ويجحده، ويؤمن بالكذب ويقرره، وقد رأينا في الفصول الماضية هذه الحقيقة بجلاء، في جحده لوجود اللَّه وربوبيته وألوهيته، وإيمانه بالوثنيات الفينيقية والإغريقية وغيرها، وهذا من أعظم الأدلة على ضلال عقول أهل الكفر والإلحاد {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}

(3)

.

وتبلغ به وقاحته وجرأته على اللَّه تعالى وملائكته حدًا كبيرًا، في تحريض على الكفر والاستخفاف باللَّه تعالى وملائكته، وغزو منتهك لحرمة

(1)

المصدر السابق 2/ 266.

(2)

المصدر السابق 2/ 299.

(3)

الآية 44 من سورة الفرقان.

ص: 1009

الإسلام، وذلك حين يقول تحت عنوان "فواصل":

(1 - كثيرًا حبس الخالق الشمس والقمر تأديبًا

وكان حين يتوبان ويستأذنان بالشروق

يأتي إليهما ملاك يأخذ بآذانهما ويطلعهما

من باب التوبة

2 -

كان الخالق حين يخرج أنثى إلى الأرض

يبعث إليها ملاكين

يضع الأول يده بين ثدييها

يضع الثاني يده في مكان آخر

(1)

حين يتعب المكان

(2)

يحملانها إلى ظل

تحت شجرة المحنة)

(3)

.

وما سُمع في تاريخ المسلمين بزنديق يقول مثل هذه الأقوال، ولا تجرأ أحد بمثل ما تجرأ هذا المصنوع على أعين أعداء الدين، كذب على اللَّه ذي الجلال، ووصف للملائكة الكرام البررة بالأوصاف الدنسة، دَنَس عقائده، ولو أنه شعر أن في المسلمين من يوقفه عند حده لما فاه بهذه الفظائع، ولكن ضعف المسلمين أدى إلى هذه الذلة، فما القول فيمن ينشر أخبار هذا الخبيث أو صورته أو كتبه معجبًا مادحًا؟ إنه ليس ببعيد عنه، بل هو مشارك له موالي لعقائده وضلالاته، قال اللَّه تعالى:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)}

(4)

.

(1)

و

(2)

يقصد الفرج.

(3)

المصدر السابق 2/ 507.

(4)

الآيتان 18 - 19 من سورة الجاثية.

ص: 1010

ومن أقواله المستنقصة للملائكة عليهم السلام:

(تنهض من الحطام أزمنة ثانية

حيث تتموّج الجموع

تمترج السعال بالجنة

والخبز بهالة الملائكة)

(1)

.

وقوله:

(هذا لقاؤها الأخير←

(2)

من أنت؟

أخذك

حيوانًا ملائكيًا

يضع السم في شفة

والبلم في شفة)

(3)

.

وقوله: (الملاك أول الحيوان)

(4)

.

وقوله: (أين الصرصار يتقمص وجه الملاك)

(5)

.

وقوله:∞

(6)

سلامًا أيها الحيوان

(1)

المصدر السابق 2/ 556.

(2)

هذا موجود كذا في الأصل، وهو نوع من الإبداع الحداثي الذي لم تصل العقول إلى معرفة كنهه!!!.

(3)

المصدر السابق 2/ 588.

(4)

المصدر السابق 2/ 610.

(5)

المصدر السابق 2/ 630.

(6)

هذا موجود كذا في الأصل، وهو نوع من الإبداع الحداثي الذي لم تصل العقول إلى معرفة كنهه!!!.

ص: 1011

أنت وحدك الملاك الأبيض)

(1)

.

وقوله ساخرًا:

(إنه الفقر يمطر فوق الزيتون

إنها الحقول تتبرك بثياب الملائكة)

(2)

.

وقوله:

(رقعة ثالثة

يلحق بالفضاء، يعيش عيشة الغيم.

لأيامه رائحة لا يعرفها من ملائكة الجسد غير الطبع)

(3)

.

إلى غير ذلك من الأقوال الخبيثة التي يتخبط في غياهبها هذا المأفون.

أمّا السياب فقد وصف ملك الموت عليه السلام بوصف دنيء وسماه "ثعلب الموت" وقال عنه:

(ثعلب الموت، فارس الموت، عزرائيل يدنو ويشحذ.

الفصل. آه

منه آهٍ، يصك أسنانه الجوعى ويرنو مهددًا، يا إلهي

ليت أن الحياة كانت فناء

قبل هذا الفناء، هذي النهاية

ليت هذا الختام كان ابتداء

واعذاباه، إذ ترى أعين الأطفال هذا المهدِّد المستبيحا

صابغًا بالدماء كفيه، في عينيه نار وبين فكيه نار

(1)

المصدر السابق 2/ 663.

(2)

المصدر السابق 2/ 664.

(3)

المصدر السابق 2/ 707.

ص: 1012

كم تلوت أكفهم واستجاروا

وهو يدنو، كأنه احتثَّ ريحا

مستبيحا

مستبيحًا، مهددًا، مستبيحا.

من رآها، دجاجة الريف، إذ يمسي عليها المساء في بستانه؟

حين ينسل نحوها الثعلب الفراس، يا للصريف من أسنانه!

وهي تختض، شلها الرعب، أبقاها بحيث الردى -

كأن الدوربَ

استلها مارد، كأن النيوبا

سور بغداد موصد الباب لا منجى لديه، ولا خلاصٌ ينال

هكذا نحن، حينما يقبل الصياد عزريل:

رجفة فاغتيال)

(1)

.

فهو يسمي ملك الموت ثعلبًا، ووصفه بأنه لديه نصل يأخذ به الأرواح وهو الوصف نفسه الذي قاله أدونيس وغيره، ويغلب على الظن أنهم تلقوا هذا عن خرافات النصارى أو اليهود ثم يصف ملك الموت بأنه ما جاء لقبض الروح إلّا لأن أسنانه جوعى!!، وأنه مهددٌ للحياة ونظارتها وحلاوتها ومستبيح.

والاستباحة للشيء لا تكون إلّا إذا كان محرمًا من قبل، ثم يصفه بأن أكفه مصبوغة بالدماء وفي عينيه نار، ثم يمثله كالثعلب ينسل إلى الدجاج في الحظيرة، وهي أوصاف ملصقة بهذا الملك الموكل من اللَّه تعالى يقبض الأرواح تدل على انحراف القائل وعدم توقيره لما ألزم الشرع بتوقيره.

(1)

ديوان السياب: ص 447 - 448.

ص: 1013

وفي موضع آخر يصف ملك الموت بأنه قد مات، وهذا كذب ومخالفة للحقيقة فإنه لا يموت في هذه الحياة الدنيا، والذي ثبت أنه يؤتى بالموت -وليس ملك الموت- يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح بين الجنة والنار

(1)

، قال السياب على لسان حفار القبور:

(لا يهلكون علام تنعب؟ إن: عزرائيل مات!

وغدًا أموتُ غدًا أموت)

(2)

.

أمّا صلاح عبد الصبور فإنه يذكر ملك الموت في صورة أخرى من التهكم والاستخفاف قائلًا:

(وفي مساء واهن الأصداء جاءه عزريل

يحمل بين أصبعين دفترًا صغير

ومد عزريل عصاه

بسر حرفي "كن" بسر لفظ "كان"

وفي الجحيم دُحرجت روح فلان

يا أيها الإله

كم أنت قاس موحش يا أيها الإله)

(3)

.

وهذا مقطع من قصيدته الشهيرة "الناس في بلادي" والمترعة بالاعتراض على اللَّه والسخرية به تعالى، وبالقدر وبالنبي صلى الله عليه وسلم، وها هو هنا يسخر من ملك الموت ويصوره في الصورة الهزلية

(4)

!!.

(1)

أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: وأنذرهم يوم الحسرة 4/ 1760، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء 3/ 2188.

(2)

ديوان السياب: ص 546.

(3)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 31.

(4)

انظر: شرح الدكتور عبد الباسط بدر لهذه القصيدة وتوضيحه الجيد لما فيها من مآخذ =

ص: 1014

وهناك صورة أخرى، يصف فيها ملكًا، تبدو صورة جميلة، لكنها محتوية على وصف لا يليق بملك كريم، يقول صلاح:

(وحين يأفل الزمان يا حبيبتي

يدركنا الأفول

وينطفي غرامنا الطويل بانطفائنا

يبعثنا الإله في مسارب الجنان درتين

بين حصى كثير

وقد يرانا ملك إذ يعبر السبيل

فينحني، حين نشد عينه إلى صفائنا

يلقطنا، يمسحنا في ريشه، يعجبه بريقنا

يرشقنا في المفرق الطهور)

(1)

.

وهذه أعمال لا يُمكن أن تحدث من ملك لمجرد أنه رأى هذا وحبيبته، وفي وصفه للملك بهذه الأوصاف إلحاق ما لا يليق بملائكة اللَّه تعالى، وهو ضرب من ضروب الانحراف الاعتقادي.

وفي مسرحية الحلاج يقول صلاح على لسان أحد المتصوفة:

(. . . وطريقنا أن تنظر للنور الباطن

ولذا، فأنا أرخي أجفاني في قلبي

وأحدق فيه فأسعد

وأرى في قلبي أشجارًا وثمارًا

= اعتقادية، وتحليله النادر والعميق لمضامينها وأهدافها في كتابه مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي: ص 66 - 77.

(1)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 244.

ص: 1015

وملائكة ومصلين وأقمارًا)

(1)

.

وإذا عرجنا إلى نصارى الحداثة لنرى ما لديهم من انحراف في شأن الملائكة نجد أن يوسف الخال يعبر عن سخافة معتقده في اللَّه والملائكة بقوله:

(واهدم سياج الوعد والأمان

فاللَّه قد يمسح ذات يوم

معالم الوجوه

لأن واحدًا من الملائكة

أصيب وهو ساجد

بمثل عارض الجنون

هو البقاء راقص

على حبال الليل والنهار)

(2)

.

ونجد جبرا يمج تفاهاته على هذا النحو:

(في هذه العظيمات المكورة

المتآزرة المتآمرة

إثر الملائكة محومة

إثر الذباب مهمومة

تحلل الحب والموت

إلى معانٍ

كالنقيق)

(3)

.

(1)

المصدر السابق: ص 467.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص 359.

(3)

المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا: ص 65.

ص: 1016

ويصف الملائكة المسبحة بحمد اللَّه بلا فتور، بأنها تغني من ذرى فلسطين، وأن ملك الموت يرقص الدبكة، فيقول:

(أمن ذراك غنت الملائك للرعاة

أنشودة السلام والمسرة للبشر

لم يضحك سوى الموت إذ رأى

بين أمعاء الدواب

أضلع البشر

وخلال قهقة الرصاص

راح يرقص دبكة

على رؤوس الباكيات)

(1)

.

ويقول:

(وعلى قدميك تراب قدسه دم المصلوب

وبعض شذى من زهور سُقيت

في الليل أغاني الملائكة)

(2)

.

وتاللَّه أن الملائكة لا تغني بل كما قال اللَّه تعالى: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ}

(3)

.

وقد نقلنا في الوجه الأول من كلام توفيق صايغ ما يدل على وصفه الملائكة بالأنوثة، ومنه قوله:

(الملائكة، لا ملائكة في الأثير

(1)

المصدر السابق: ص 77.

(2)

المصدر السابق: ص 157.

(3)

الآية 38 من سورة فصلت.

ص: 1017

قصقص البيضُ الجناحَ، تصفرن

شحرن. . . لا يرفرفن. . . لا يمدون من أذرع العطف

. . . يأتين إن يأتين في ركب إله.

- ولا إله)

(1)

.

إلى آخر كلامه الركيك الذي يثير الغثيان، والشفقة على نفوس تستعذبه وترى فيه إبداعًا وفنًا!!.

ونجد عند أنسي الحاج من ضمن أوشامه وأخلاطه الإلحادية الكثيرة، سخرية وتهكمًا بالملائكة الكرام، ومن ذلك قوله:(في الفاصل ما بين الفصل الخائب والبركة، يحكم ببروده الخبيث ملاك الحياد النزيه البغيض)

(2)

.

وقوله: (نوبة طهارة، ونوبة خطيئة، سرير واحد للروح القدس والشيطان، والرفاق بات يصعب عليهم السير مع هذا المحير)

(3)

.

هذه بعض أقوال نصارى الحداثة، أمّا غيرهم فنجد عندهم أيضًا انحرافات كثيرة، منها قول أمل دنقل يتحدث عن موت أمه:

(نائمًا كنت جانبها، ورأيت ملاك القدس

ينحني، ويربت وجنتها

وسارت يقلبني قشعريرة الصمت)

(4)

.

وقد يظن متعجل أن الحداثيين يؤمنون بوجود الملائكة، "وهذا أمر قد تحدثنا عنه في الوجه الأول" والحقيقة أنهم يستعملون اسم الملائكة وأعمال الملائكة التي ينسبونها إليهم على أساس أنها ضرب من

(1)

المجموعات الشعرية للصايغ: ص 211 - 212.

(2)

خواتم لأنسي الحاج 62 - 63.

(3)

المصدر السابق: ص 66.

(4)

الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص 312.

ص: 1018

الأساطير، وقد ذكر ذلك مؤلف "موسوعة الفلكلور والأساطير الشعبية" وهو حداثي شهير، أضف إلى ذلك أنهم يلحقون بالملائكة أوصافًا هابطة وأعمالًا غير لائقة في تجنٍ وتهكم مقصودين، خذ مثلًا أقوال نزار عن الملائكة، والتي منها قوله:(أمّا الحديث عن عودة مصر إلى العرب أو عودة العرب إلى مصر فهو مثل الحديث عن جنس الملائكة سفسطة لا لزوم لها)

(1)

.

ومن أبشع ما قيل أو يقال في هذا الوجه من الانحراف قول هذا الخبيث، وأستغفر اللَّه العظيم من إيراد هذا القول:

(لأنني أحبك

يحدث شيء غير عادي

في تقاليد السماء

يصبح الملائكة أحرارًا في ممارسة الحب

ويتزوج اللَّه حبيبته)

(2)

.

سبحانك ربي سبحانك ما أعظم شأنك، سبحانك لا إله إلّا أنت الواحد الأحد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا.

ويقصد بممارسة الحب: العملية الجنسية، إذ تعارف أهل الدعارة على تسمية دعارتهم حبًا وكتب هذا الداعر مليئة بمثل هذا إن أراد التلميح عن الجنس، أمّا إذا مارس دعارته بالمكشوف كما هي عادته، فإن عباراته عن الجنس تكون فاضحة صريحة.

ويقول عن خدينته:

(ربما كنت راضية عني

لأنني جعلتك كالأميرات في كتب الأطفال

(1)

فتافيت شاعر: ص 82.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني 2/ 442.

ص: 1019

ورسمتك كالملائكة على سقوف الكنائس)

(1)

.

ويقول:

(. . فالحب الكبير هو دائمًا حب صعب

وليس صحيحًا أنه يأتينا على عربة تجرها الملائكة)

(2)

.

أمّا محمود درويش فيقول عن "الأرض" أي أرض فلسطين:

(فدائي الربيع أنا، وعبد نعاس عينيها

وصوفي الحصى والرمل والحجر

سأعبدهم، لتلعب كالملاك، وظل رجليها

على الدنيا، صلاة الأرض للمطر)

(3)

.

ويقول في "أبيات غزل":

(سألتك: هزي بأجمل كف على الأرض

غصن الزمان

لتسقط أوراق ماض وحاضر

ويولد في لمحة توأمان

ملاك وشاعر)

(4)

.

فهو يقرن بين الملك المطهر والشاعر الحداثي، ويجعل الملاك مولودًا، ولو كان ذلك على سبيل الاستعارة والمجاز كما يقول بعضهم فإن ذلك لا يليق بالملائكة.

ويقول:

(لم تزل شرفة هناك في بلادي ملوّحه

(1)

المصدر السابق 2/ 603.

(2)

المصدر السابق 2/ 880.

(3)

ديوان محمود درويش: ص 101.

(4)

المصدر السابق: ص 130.

ص: 1020

ويد تَمنح الملاك أغنيات وأجنحه)

(1)

ويقول مخاطبًا وطنه:

(تكبّر تكبّر

فمهما يكن من جفاك

ستبقى بعيني ولحمي، ملاك)

(2)

.

هذا النص والنصان اللذان قبله قد يقال بأنها محتملة لأوجه عديدة منها ما هو حسن يمكن اعتباره ولو عن طريق المجاز، غير أنه إذا أخذت هذه النصوص في سياق التوجه المعروف عند هذا الشاعر فإنه يمكن أن تعتبر خطوة أخرى في درب تدنيس المقدس ضمن الإطار الأصولي للتوجه الحداثي.

ويتحدث عن محبوبته جاعلًا المَلَكَ أنثى مثل حبيبته، ويصفه بأنه يمارس الجنس، وذلك في قوله:

(ذهبت إلى الباب

مفتاحها في حقيبتها

وهي نائمة كالملاك الذي مارس الحب)

(3)

.

أَجَلَّ اللَّه ملائكته وقدسهم عما يقول هؤلاء.

أمّا الشيوعي الفلسطيني معين بسيسو فإنه في مقدمته لديوانه يتبرع بالإطراءات المترعة بالإعجاب لبني عقيدته الماركسيين

(4)

، وكان مما قال في هذه المقدمة البئيسة: (الملائكة الذين كتبوا قصيدة الكون في ستة أيام واستراحوا بعد ذلك في اليوم السابع لم يقرأوا ولم يكتبوا لن يغفروا لك

(5)

أبدًا إنك واصلت الكتابة بعدهم إلى عشرين أو ثلاثين عامًا. . . الملائكة

(1)

المصدر السابق: ص 241.

(2)

المصدر السابق: ص 243.

(3)

المصدر السابق: ص 641.

(4)

امتدح روفائيل ألبرتي، ممدوح البياتي أيضًا، وامتدح لوركا ممدوح التيار الماركسي واليساري عمومًا.

(5)

يقصد روفائيل ألبرتي.

ص: 1021

ضدك والشياطين أيضًا، فالملائكة الذين قالوا نعم، ليسوا ضد الشياطين الذين يقولون: لا، "فلا" الشياطين بين الجدد هي "نعم" الملائكة القدامى، الذئاب الجديدة تقدم أوراق اعتمادها للذئاب القديمة، فذلك الشيطان الجميل الذي قال: لا للقصيدة الواحدة التي تكتب خلال ستة أيام، ويتم تتويجها ملكة، لا يزال في زنزانة الملائكة. . ونحن الذين نكتب الشعر باسمه، لم نقدم له ولو حبة اسبرين، على امتداد سنوات الكتابة)

(1)

.

هذا الهراء المتفسخ هو نموذج للفصاحة الحداثية، المشربة بالتشويش والغمغمة اللفظية!!.

وفيه إشارة إلى أن الملائكة وقضاياهم مجرد أسطورة؛ ولذلك هو يستخدمها بهذا الأسلوب التهكمي الساخر عديم المعنى ركيك المبنى، جعلهم هم الذين خلقوا الكون في ستة أيام، ثم استراحوا في اليوم السابع، وهي صورة مقلوبة عن الخرافة الشائعة عند أهل الكتاب، والتي تقول: أن اللَّه بعد خلق السموات والأرض استراح في اليوم السابع، وما قدروا اللَّه حق قدره -جلَّ وعلا-، فرد عليهم اللَّه تعالى في قوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)}

(2)

.

ثم يتحدث عن حلف متوهم بين الملائكة والشياطين ضد الشيوعي المقصود بالمدح، ويرمز بالملائكة والشياطين إلى أشخاص من الذين لهم مواقف مع ممدوحه الشيوعي، ثم يصف الملائكة بأنهم ذئاب وأن الشيطان الجميل مسجون في زنزانة الملائكة؛ لأنه تجرأ وقال:"لا".

هذا الشيطان -زعيم الحزب الحداثي- هو الذي امتدحه أمل دنقل في قوله:

(المجد للشيطان، معبود الرياح

من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"

من علم الإنسان تمزيق العدم

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص 10.

(2)

الآية 38 من سورة ق.

ص: 1022

من قال "لا" فلم يمت

وظل روحًا أبدية الألم)

(1)

.

وقال اللَّه تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)}

(2)

.

وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)}

(3)

.

وقال-جَلَّ ذكرُه-: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)}

(4)

.

ومن يتأمل نتاج الحداثيين يرى أنه استحواذ عليهم أشد الاستحواذ فما من دركة من دركات الشر إلّا أحبوها ومدحوها، وما من درجة من درجات الخير والحق والفضيلة إلّا عادوها وحاربوها وذموها.

مدحوا الوثنية وذموا التوحيد، أحبوا العهر والدعارة وأبغضوا الطهر والزكاء، كفروا باللَّه وآمنوا بالأصنام، حاربوا شرع اللَّه وقدسوا تشريعات البشر، وحالفوا النجس وأحبوه وامتدحوه، وأبغضوا الملائكة الأطهار ونفروا منهم.

فسبحان اللَّه كم في أعمالهم وتصرفاتهم من خبائث تدل على خبثهم، ومواقف تؤكد انحطاطهم وأعمال ترشد إلى فساد طويتهم، وصدق اللَّه العليم الخبير القائل في كتابه العظيم: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص 110.

(2)

الآيات 98 - 100 من سورة النحل.

(3)

الآية 36 من سورة الزخرف.

(4)

الآية 19 من سورة المجادلة.

ص: 1023

لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25)}

(1)

.

ومن أقوال بسيسو المنحرفة قوله:

(حين يحب اللَّه ملاكًا

يجعل منه إنسانًا)

(2)

.

وأبشع من ذلك وأقذر، قوله:

(واللَّه كان يلعب الشطرنج

كل ليلة مع الملائكة

عيني على الملك

واللَّه كانت عينه علي

وكان حين يسقط الملك

أمضي إلى يديك، كي اصطاد يا حبيبتي الطيور)

(3)

.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

وهذا الحداثي الهابط -هبوط مبادئه وأفكاره- له في عقول وقلوب غلمان الحداثة الإمعات مكانة سامقة، فما فتئوا يمدحونه ويرثونه في بكائية مستمرة، دبجتها أقلامهم المستعارة

(4)

!!.

وفي مقطع آخر يُعجب بسيسو بجثة فرعون، وهذا طبيعي لأنه عدو للَّه

(1)

الآية 25 من سورة محمد.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة: ص 506.

(3)

المصدر السابق: ص 510.

(4)

انظر: الحداثة حقائق ووثائق وهو شريط سجلتُه عن الحداثة المحلية عام 1407 هـ، ونسخته مجلة الناقد في العدد الأول تموز يوليو 1988 م/ 1408 هـ. انظر: ص 43 من هذا العدد.

ص: 1024

ورسوله، ثم يتهكم بالملائكة في صورة هزيلة هزال عقيدته، فيقول:

(ما أجمل المومياء في التابوت

ترفض أن تموت

والعصافير تبني للملائكة

أعشاشها في الغصون الشائكة)

(1)

.

وللفيتوري صلة مع هذا اللون من الانحراف وهو القائل:

(وأعري الخيانة

نائمة كملاك عميق الطهارة

فوق سرير الخيانة)

(2)

.

وللرافضي اللبناني محمد علي شمس الدين مقولة أبشع وذلك في قوله:

(فتعالي يا أودية احتفلي

بهبوط ملاك مؤتزر بالصعتر واللبلاب

وعصفورين كجبرائيل وميكائيل على الطرفين

وفية تحميه من الشمس "مزينة بالشمس"

ومرسلة من قارب "جعفر" في الوادي)

(3)

.

وللشيوعي الفلسطيني سميح القاسم مشاركة في هذا اللون من الانحراف وذلك في قوله:

(ملائكة متعبون

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لبسيسو: ص 675.

(2)

ديوان محمد الفيتوري 2/ 107.

(3)

غيم لأحلام الملك المخلوع: ص 64.

ص: 1025

يحطون ليلًا على كتفي

ويبكون

تسقط أوراق قلبي على الأرصفة)

(1)

.

ولنأخذ نماذج من الانحرافات في هذا الباب والذي حملت لواءه مجلة الناقد المتممة لمشروع يوسف الخال وعصابة شعر، والتي ركزت اهتمامها بصورة مكشوفة على معاداة الإسلام والحركات الإسلامية، سيرًا مع الاتجاهات الدولية المعادية لدعاة الإسلام اليوم، وما من ساقطة إلّا وتجد لها في مجلة الناقد مكانًا، فمن ذلك قول بعضهم في مقطوعة اسمها "آخر السلالة":

(وهنا وهناك

تجوب دورية الملائكة وسائدنا

ثمة تنانير من العسل والأوراق)

(2)

.

ومن ذلك قول آخر: (ولا أبخل على ملائكتي ببعض الفخر والابتسام، هل ما هنا لك -وحق ما تعبدون! - إني أمارس الثبوت والاختزال، وأسعى إلى التفويت والتخلي، إني بكلمة جامعة لا شريك لها. . .)

(3)

.

ويشرح باروت استخدام بعض الحداثيين لمضامين "ملائكية" حسب تعبيره، فيقول:(والملائكية تعني أن الشاعر يخلق عالمه الخاص المستقل عن عالم الواقع والتحرر منه)

(4)

.

(1)

لا أستأذن أحدًا: ص 137.

(2)

مجلة الناقد العدد الثامن فبراير 1989 م/ 1409 هـ: ص 29، والكلام المنقول لحداثي من العراق اسمه هاشم شفيق.

(3)

المصدر السابق - العدد الثامن عشر ديسمبر 1989 م/ 1410 هـ: ص 42 من مقطع بعنوان "من وجوديات يقظان بن الحي" لكاتب من المغرب اسمه سالم حميش.

(4)

المصدر نفسه العدد العاشر إبريل 1989 م/ 1409 هـ: ص 22.

ص: 1026

والآن إلى نماذج من الانحرافات في الرواية الحداثية، فمن ذلك قول عبد الرحمن منيف التهكمي الساخر: (من يسمع أن الخوش تتحدث لأول مرة يظنها امرأة شديدة الاتزان، وحين تبدأ برواية قصة سفر ابنها، ترويها وكأنها تعني امرأة أخرى. . . ثم فجأة تتغير لهجتها ونبرة صوتها، تتلفت حولها بفزع تتلمس الأرض كأنها تخاف أن تنفتح فتصرخ بانفعال:

- اسمعوا يا أهل الوادي، المنام ما يكذب، جاءني ثلاثة ملائكة، كانوا في ثياب بيضاء، وقالوا لي: الخوش يكون هنا يوم الخميس، الملاك الكبير له وجه مثل وجه الخوش ويضحك مثله، وكان الصغير بقوة الخوش، والثالث ما شفته لأنه كان يعطيني ظهره)

(1)

.

وهكذا يتم توظيف الجنون والسخرية لتحطيم هذا الركن العظيم وتنزيل درجته إلى حضيض الامتهان.

أمّا الطاهر بن جلون فقد استخدم هذا الأسلوب الساخر التهكمي التدنيسي بصورة مكررة للوصول إلى المقصد نفسه، ومن ذلك قوله في رواية "ليلة القدر" على لسان أحد شخصيات الرواية:(إن الليلة السابعة والعشرين من هذا الشهر مناسبة للحساب وربّما للغفران ولكن بما أن الملائكة سيحضرون معنا لإحلال النظام سأكون حذرًا، أريد إعادة الأمور إلى نصابها قبل أن يتدخلوا فيها، إنهم يعتقدون بأنهم صارمون تحت مظهر رقتهم الظاهرة، إحلال النظام هو بدء الإقرار بالمعصية هذا الوهم الفظ الذي جلب اللعنة على العائلة بأسرها)

(2)

.

ثم يتحدث عن المؤذن وعن الملائكة فيقول: (اسدلي الستائر، قد ينخفض صوت هذا الغبي الذي ينهق يجب أن يعاش الدين في صمت وتأمل، وليس في هذه الجلبة التي تكدر صفو ملائكة القدر، هل تقدرين

(1)

مدن الملح 1/ 57.

(2)

ليلة القدر: ص 18.

ص: 1027

جسامة العمل الذي عليهم إنجازه في بضع ساعات؟ التنظيف! إحلال النظام! إنهم على أية حال فعالون، أحس بأنهم حاضرون في هذه الحجرة، وأنا أساعدهم على التنظيف، أود أن أرحل نظيفًا، مغسولًا من كل هذا العار الذي حملته بداخلي طوال شطر كبير من حياتي)

(1)

.

(. . . إنها حوالي الثالثة وبضع دقائق، لقد أنجز الملائكة نصف عملهم إنهم يمضون دومًا مثنى مثنى، خاصة لأخذ الروح، في الواقع، يحط أحدهما على الكتف الأيمن، والآخر على الأيسر، وبنفس الحماس، يأخذان الروح بحركة بطيئة ولطيفة، إلى السماء، لكنهما في هذه الليلة ينظفان، ولا وقت لديهما للانشغال بشيخ في رمقه الأخير، لا تزال أمامي بضع ساعات لكي أتكلم معك حتى شروق الشمس، بعد صلاة الفجر، وهي صلاة قصيرة، فقط لتحية بشائر النور)

(2)

.

ويقول على لسان امرأة من شخصيات روايته: (. . . كنت في ذلك اليوم أضم بين ذراعيّ شخصًا مجهولًا، ربّما أميرًا مبعوثًا من طرف الملائكة تلك الليلة السابعة والعشرين، أميرًا أو طاغية مغامرًا، قاطع طرق حجرية، لكنه رجل، جسد رجل. . .)

(3)

.

ويصف إحدى الداعرات على لسان إحدى الشخصيات بقوله: (أنت منقذتنا الملاك الذي صار مطلعًا على كل شيء، إما إن تلعنينا أو تنقذينا، ملاك مبيد سيرتب هذا النسيج العنكبوتي)

(4)

.

وفي الرواية الإلحادية "مسافة في عقل رجل" يضيف علاء حامد إلى إنكاره وجود الملائكة الأسلوب الهزلي للسخرية باللَّه -جلَّ وعلا- وملائكته، فيقول: (الحاكم يملك الأرض ومن عليها، ويقابله اللَّه ملك

(1)

المصدر السابق: ص 19.

(2)

المصدر السابق: ص 20.

(3)

المصدر السابق: ص 31.

(4)

المصدر السابق: ص 86.

ص: 1028

السموات والأرض، الحاكم يرى بعيونه "جواسيسه" واللَّه يرى ويسمع هو الآخر وإحدى وسائله ملائكته)

(1)

.

ويقول: (. . . إسرافيل يغني على أنغام جوكة الملائكة مع رقصات السامبا للجن الأزرق والأحمر وزعقات الشياطين وهز بطن إبليس العاق، الذي سيمتطيه رواد الجنة كما يمتطي السائحون الجمال. . . وتلك السراويل هل لديكم مصانع لتصنيعها. . يديرها الملائكة والجن الطالح!!)

(2)

.

إلى آخر ما في هذه الرواية من سخرية لاذعة وتهكم صارخ وكفر بواح.

أمّا نوال السعداوي فإنها تقول في روايتها "سقوط الإمام": (. . . وقفت بين يدي الرسول مرفوع الرأس أنكمش في تواضع داخل ذاتي، ويأتي جبريل عليه السلام على شكل الملاك الطاهر فيحملني على جناحيه إلى ممتد المشاهدة، وأغمض عيني ثم أردهما فإذا بي في الملكوت الأعلى وهو سدرة المنتهى، وأسمع صوت اللَّه يناديني: يا قاضي القضاة الآن اكشف عنك غطاءك ليكون بصرك حديدًا ووجهك جديدًا وذاتك جديدة)

(3)

.

وفي الجملة هذا نوع من أنواع انحرافاتهم، وقد امتطوا أسلوب السخرية لتهديم مباني وأركان الإسلام، وتحقيرها، وإزالة مكانتها من النفوس.

ونقول لهم كما قال نبي اللَّه نوح عليه الصلاة والسلام: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}

(4)

.

• • •

(1)

مسافة في عقل رجل: ص 114.

(2)

المصدر السابق: ص 119.

(3)

سقوط الإمام: ص 114.

(4)

الآية 38 من سورة هود.

ص: 1029

‌الوجه الثالث: إلحاق أسماء وأوصاف الملائكة بغيرهم:

إذا كان أرباب الأدب العربي المعاصر يجحدون وجود الملائكة، ويسخرون في كلامهم من الملائكة ويفوهون عنهم بألفاظ التهكم وعبارات التنقص، فإنهم لا يعوزهم وهذا حالهم وشأنهم أن يسموا ويصفوا غير الملائكة بأسماء وصفات الملائكة.

وذلك أنهم قد انهدمت في نفوسهم معاني التوقير لدين اللَّه، الذي يأمر بلزوم حدوده، والتي منها توقير هؤلاء الكرام البررة عليهم السلام وإبعاد كل ما يلحق بهم النقص أو الذم أو التحقير، من وصفهم بغير ما يليق، أو وصف غيرهم بالأوصاف الخاصة بهم.

وقد دأب أصحاب أدب الحداثة وفكرها إلى تحطيم كل هذه الحدود وتجاوز سائر الآداب والأحكام المتعلقة بهذا الركن من أركان الإيمان.

فها هو أدونيس الباطني التموزي الحداثي يتحدث عن فرج امرأة قائلًا:

(أيها الجرح يا جحيمًا يضيئني

أيها الجرح يا موتي الأليف

في الجرح أبراج وملائكة)

(1)

.

قدس اللَّه ملائكته الأطهار ونزههم عن هذا.

ويقول عن النهار الذي ينتظره "نهار الحداثة" والذي حقيقة الظلام والعتمة:

(النهار بكانا هنا وبكانا هناك

فاتحًا صدره للهزيمة

راسمًا شارك الملاك

فوق أشلائنا وخطانا)

(2)

.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس 1/ 529.

(2)

المصدر السابق 1/ 385.

ص: 1030

ويتهكم بالذين يكرهونه ويتمنون موته، فيقول:

(يا من تكرهون التلفظ باسمي

تلصقونني بعيونكم حين تقرأون أخبار الوفيات

وتصرخون: قسمًا يسير وفي كل جيبة من جيوبه مدفع وامرأة عارية

أنتم أيها الملائكة الأطهار المنقذون القواد الحكماء. . . الخ

التمس منكم في هذه اللحظة معجزة واحدة

أن تعرفوا كيف تقولون وداعًا. . .)

(1)

.

إن هذه العبارات التي رد بها على الذين يكرهونه، تعد في موازين الحداثة الدخانية أعظم رد قام به هذا الأعجم!!.

وأما كراهته فإننا نشهد اللَّه تعالى على بغضه وبغض أشباهه من أعداء الدين، وما نحن بملائكة أطهار، ولكننا نسأل اللَّه تعالى أن يرفع درجتنا عنده حتى نكون أحسن منهم، ولا ريب أن معاداة هذا وبغضه من القربات العظيمة إذا خلصت النية في ذلك {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}

(2)

.

ويقول أدونيس:

(لو لم يك البستان

جارية لكان جرادة

(1)

المصدر السابق 1/ 570.

(2)

الآية 22 من سورة المجادلة.

ص: 1031

أعيدي صوتك واستعيدي

سماءه - ملاك

يأتي، وهذا سلم الهبوط)

(1)

.

ويقول:

(وانتصب ابنها في الهواء

مركزًا لأشعة المحيطات

ملاكًا في العلم والكشف)

(2)

.

ويقول:

(تنهض من الحطام أزمنة ثانية

حيث تموج الجموع

تمزج السعال بالجنة

والخبز بهالة الملائكة)

(3)

.

ويقول عن عشيقته:

(من أنت، أخذك

حيوانًا ملائكيًا

يضع السم في شفة

والبلسم في شفة)

(4)

(1)

المصدر السابق 2/ 146.

(2)

المصدر السابق 2/ 501.

(3)

المصدر السابق 2/ 556.

(4)

المصدر السابق 2/ 588.

ص: 1032

ويقول:

(لأيامه رائحة لا يعرفها من ملائكة الجسد غير الطبع)

(1)

.

أمّا نازك الملائكة فإنها تجعل الموسيقي الروسي "تشايكوفسكي" ملاكًا في قصيدة لها بعنوان "أنشودة الأبدية" وفي مقدمتها قالت: (إلى القيثارة الإلهية، التي منحت الإنسانية أروع الألحان، إلى تشايكوفسكي الموسيقي الروسي، ذكرى لمروره أربع وخمسين سنة على وفاته)

(2)

.

(آه يا أيها الملاك إلى رو

حك، في الموت، حن روحي الحزين)

(3)

وتقول فيه:

(وأرى كيف تُرجفُ الوتر المسـ

ــحور كفاك يا ملاكي النبلا)

(4)

وتقول في القصيدة نفسها عن ملك الموت:

(أيها الموت أيها المارد الشر

ير يا لعنة الزمان العنيد

كيف ترضى يداك أن تقتل إلَّا الإلـ

ــهام؟ ماذا تركته للوجود؟)

(5)

ويخاطب البياتي محبوبته واصفًا هواهما بأنه ملاك فيقول:

(تعالي نُشيد بأحلامنا

على شاطيء الحب كوخًا جميل

وموقده قُبل يصطلي

عليها ملاك هوانا النبيل)

(6)

وفي موضع آخر يجعل محبوبته ملاكًا، وهذا من تسمية الملائكة

(1)

المصدر السابق 2/ 707.

(2)

و

(3)

ديوان نازك الملائكة 1/ 629.

(4)

المصدر السابق 1/ 631.

(5)

المصدر السابق 1/ 635.

(6)

ديوان البياتي 1/ 121.

ص: 1033

تسمية الأنثى فعل أهل الجاهلية، ومن إلحاق أسماء الملائكة وأوصافهم بغيرهم يقول البياتي:

(حبيبتي ما أجمل الليال

وأنت في صفائها ملاك

يحملني طفلًا إلى هناك)

(1)

.

ويقول:

(قالت ومدت يدها: أهواك

وابتسم الملاك)

(2)

.

وفي مدائحه المتعددة للوثن "عشتار" لم يجد إلّا أن يصفها بأنه ملاك، نزه اللَّه الملائكة ورفع قدرهم، يقول البياتي:

(فأنا في النوم واليقظة من هذا وذاك

ذقت، لما هبطت عشتار في الأرض ملاك)

(3)

.

أمّا صلاح عبد الصبور فإنه يجعل من الحب والشعر ملكين فيقول:

(أنشأت أغرد في صوت بالدمعة رطب

لليل، وللفجر الغافي بالباب، ولأصحابي

للعينين الخضراوين

للملكين

خرجا من داري معتنقين سعيدين. . .

. . . يا فيروزه

(1)

ديوان البياتي 1/ 299.

(2)

المصدر السابق 2/ 64.

(3)

المصدر السابق 2/ 208.

ص: 1034

إني ألقيت الحمل على الباب الأخضر

وشفيعاي الملكان المحبوبان)

(1)

.

ويقول في وصف امرأة عشقها في فيينا في النمسا، ويصفها بعبارات جنسية واضحة، ويعترف بتعاطي الرذيلة معها، ثم يصفها قائلًا:

(يا جسمها الأبيض قل: أأنت خمرة؟

فقد نهلت من حواف مرمرك

سقايتي من المدام والحباب والزبد

يا جسمها الأبيض مثل خاطر الملائكة)

(2)

.

هكذا بلا حياء ولا خشية يصف جسد هذه النمساوية بهذا الوصف، ويلحق أوصاف الملائكة الأبرار بالكافرات العاهرات، وهذه نهاية الاستخفاف والإهانة.

وأردى من هذا وأخبث أن يأتي ناقد يمسح سوأة هذه القصيدة المترعة بالعبارات الداعرة فيقول: (هذه القصيدة نظيفة من الناحية الأخلاقية)

(3)

.

ثم يقول الناقد نفسه: (وتجربة الشاعر قد بدأت بالنشوة الجسدية لكنها لم تقف عليها، بل ترقرقت منها إلى نشوة روحية قوية، والشاعر لا ينكر الجانب الجسدي من تجربته بل يقر بها إقرارًا أمينًا)

(4)

.

فهل هذا الذي يقول هذا الكلام عاقل، أو أنه يستخف بعقول القراء؟ أو أنه أضحى يزن الأمور بموازين الغربيين الذي يسمون الزنا "حبًا" والدعارة "علاقة جسدية"؟ وإلّا كيف تكون القصيدة نظيفة أخلاقيًا والشاعر يعترف فيها بالزنى صراحة، والناقد يقول بأن الشاعر لا ينكر الجانب الجسدي في

(1)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 126 - 127.

(2)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 124.

(3)

و

(4)

قضية الشعر الجديد لمحمد النويهي: ص 150، 151.

ص: 1035

تجربته؟ هكذا تقلبت الموازين عند هؤلاء وأضحى الحلال حرامًا وتخلفًا، والحرام حلالًا، والزنى طريقًا إلى النشوة الروحية القوية كما يقول هذا الناقد الذي واصل في دفاعه وانحداره هو الآخر في المستنقع الأخلاقي ليقول:(إن المرأة التي يتحدث عنها الشاعر لم تكن مومسًا رخيصة تعطي جسدها لكل من يريده ويدفع الثمن بل كانت امرأة عادية من نساء الغرب ذات كرامة وتهذيب)

(1)

.

وهذا يعني أن الناقد الحداثي لا يرى بأسًا بالزنى إلّا إذا كان من عمل المومسات، أمّا إذا كان من عمل ذوات الأخدان فليس فيه عيب بل هي ذات كرامة وتهذيب!!.

والذي يهمنا في هذا المقام بصورة أكبر حديثه عن قول صلاح: (يا جسمها الأبيض مثل خاطر الملائكة) حيث قال: (فكائنًا ما كان خاطر الملائكة هذا، هل نستطيع نحن البشر أن نرى الملائكة رأي العين، كما هي في حقيقتهم الروحانية الخالصة، أو نستطيع أن نتصورهم في بعض الديانات إلّا نساء بارعات الجمال الجسدي؟)

(2)

.

قال اللَّه تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)}

(3)

.

ومن أقوال جبرا في هذا الباب قوله:

(آه أيتها الهواجس

ما عدت تملأين رؤياي كالملائكة

مريع وجهك مريع صوتك

مريع تلولبك فيّ كالزوبعة)

(4)

.

(1)

المصدر السابق: ص 156.

(2)

المصدر السابق: ص 155.

(3)

الآية 19 من سورة الزخرف.

(4)

المصدر السابق: ص 197.

ص: 1036

ومن طرق نشر الحداثة وتسويقها على ضعفاء العقول والإيمان ما يقوم به الحداثيون نحو بعضهم من إطراء فج ومديح مستهجن، على الرغم أنهم انتقدوا الشعراء والنقاد والعلماء الأقدمين الذين تركوا تراثًا ضخمًا ومنه بعض المدائح والإطراءات، فانتقدهم هؤلاء واعتبروا ذلك دليل تخلف وتكسب بالمديح، غير أننا وجدنا أنهم ارتكبوا ما انتقدوا، وبشكل أكثر وأبشع، إذ مدحوا ما يستحق الذم، وأشادوا بما هو أهل للإهمال والترك، ومن أمثلة ذلك المقدمة التي كتبها سعيد عقل لديوان توفيق صايغ المسمى "الأعمال الكاملة، المجموعات الشعرية" وكان مما قاله سعيد عقل: (إن كتابه لا ليقرأ، إنه ليغدو خلجات فيك، ودمًا دافقًا ونارًا، إنه مزيج من شبق ولاهوت، من كشف علمي وخطيئة وبرارة ملائكية أولى)

(1)

.

والقارئ العاقل عندما يقرأ ما يسمى شعرًا لتوفيق صايغ، يجد أنه عديم الفائدة الفنية، قليل الجدوى، ركيك اللغة، سقيم الأسلوب، بليد المعنى، ومن أمثلة ذلك:

قوله:

(قدماي نطنطا

للباز بومه

وللدودة لا يخدش الصخر طراوتها

يومكما أمر

ساعاته دنان

لوتعي الشفاه

قدماي تسابقتُما

إلى حيث انقلبتما أذنين)

(2)

.

(1)

المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص 18.

(2)

المصدر السابق: ص 31.

ص: 1037

وقوله:

(وتشحشطتما

إلى تلة المساكين والمنسحقي القلوب

ورفستما الطوبى

قدماي، نطنطا:

جرجرة بعد، أو قمزة

ويطلق عبديه السيد)

(1)

.

وقوله:

(الصباح زنجيًا يسوقني بسوط غليظ)

(2)

.

وقوله:

(ولفلفت في الورقة زادي

وبست حبيبتي بدون سونيته

وشتمت البارمان والمدير من غير نار

ونلويت، شعرة وحيدة

ورحت افتش عن رأس أصلع

أحط عليه)

(3)

.

وقوله:

(امططها إن طاب لي واغرز ببالونها مسمار سبات

. . . لا تحاشكني عليها

(1)

المصدر السابق: ص 32.

(2)

المصدر السابق: ص 50.

(3)

المصدر السابق: ص 98.

ص: 1038

لا تبصبص علي، لا توشوش)

(1)

.

وقوله:

(في قدميك جناحان

في ذيلك فلفل)

(2)

.

وقوله:

(وينهدر من نصف فمي

صوت نكير

اشرشق اشرشق

فيرتفع نصف فم)

(3)

.

وقوله:

(معششة الهسهس

مبوسة الماعز

موسوعة أقاويل)

(4)

.

وقوله:

(وحب K يخترقني ينساب في

انسياب، احتراق، البواليع المدينة)

(5)

.

(1)

المصدر السابق: ص 117 - 118.

(2)

المصدر السابق: ص 258.

(3)

المصدر السابق: ص 285.

(4)

المصدر السابق: ص 302.

(5)

المصدر السابق: ص 308.

ص: 1039

هل يقول عاقل أن هذا كلام عقلاء أو فيه أي لمحة من ذوق أو فن أو أدب، إنها الركاكة والانحطاط والتخلف والتردي الذي شاع في كلام هؤلاء ثم يعتبرونه غاية الإبداع والجمال!!.

ومن أقواله فيما يتعلق بالملائكة قوله:

(وامتسح بالدخان

انفاس رب أب

يا جناح ملاك رؤوف)

(1)

.

وقوله:

(فلا تجزع:

بجوفي ملاك منمنم

يصعد زفراتي

فأجوب الحنايا)

(2)

.

أمّا النصراني الآخر أنسي الحاج فإنه يقول عن نفسه: (أنا الشاعر الحيواني، الملاك الماجن، الملاك الذي يتجدد سقوطه تتجدد محبة اللَّه، أنا المجاني، الرغبوي، المتعوي الهائم، الصوفي، الشبق، الذاتي الهش، أنا المكون من خيوط أحلام، المنسوج بتراثات الوجدان والخيال والنعومة والنوم والصلاة والحب ودموع الحنان والكفر واليأس والتمرد)

(3)

.

أعز اللَّه الملائكة أن تكون مثل هذا الرجيم الخبيث، فإنهم أطهار أبرار أخيار، وهذا الرديء كما وصف نفسه: مجاني هائم هش. . . الخ.

ويقول عن التهتك الجنسي: (عندما يرميك الشبق بين أحضان جسدك

(1)

المصدر السابق: ص 181.

(2)

المصدر السابق: ص 185.

(3)

خواتم لأنسي الحاج: ص 16.

ص: 1040

يستنير محياك كملاك)

(1)

.

ويقول عن نفسه: (من أعماق بيروت التي ليس أعمق منها غير مزيج ملائكتيك ومجونك)

(2)

.

ويقول: (للطفولة إرادتها، لكنها إرادة صماء، غائبة عن الوعي الاجتماعي، وحشية في "ملائكيتها" لا تضعفها إرادة الإرادة)

(3)

.

ويقول أمل دنقل مخاطبًا إحداهن:

(ملاكي: أنا في شمال الشمال

أعيش ككأس بلا مد من. . .

ملاكي. . ملاكي تساءل عنك

اغتراب التفرد في مسكني)

(4)

.

(ملاكي: ترى ما يزال الجنوب

مشارق للصيف لم تعلن)

(5)

.

ويقول:

(آه يا سيدتي أنت ملك)

(6)

.

ويقول عن نفسه على الطريقة النصرانية:

(في البدء كنت رجلًا وامرأة وشجرة

(1)

المصدر السابق: ص 27.

(2)

المصدر السابق: ص 53.

(3)

المصدر السابق: ص 197.

(4)

الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل ص 88 - 89.

(5)

المصدر السابق: ص 90.

(6)

المصدر السابق: ص 238.

ص: 1041

كنت أبا وابنًا وروحًا قدسًا)

(1)

.

ويقول محمد درويش عن معشوقته:

(ويولد في لمحة توأمان

ملاك وشاعر)

(2)

.

ويقول:

(لم تزل شرفة هناك في بلادي ملوّحه

ويد تَمنح الملاك أغنيات وأجنحه)

(3)

ويقول عن وطنه:

(ستبقى بعيني ولحمي ملاك)

(4)

.

ويصف محبوبته قائلًا:

(نائمة كالملاك الذي مارس الحب)

(5)

.

ويخاطب أخرى قائلًا:

(كوني ملائكتي، أو خطيئة ساقيه حولي)

(6)

.

أمّا معين بسيسو فيقول تحت عنوان "من أوراق أبي ذر الغفاري" مستخدمًا اسمه رمزًا للاشتراكية، كمادة أكثر اليساريين العرب، ويتحدث على لسانه قائلًا:

(ومرة هناك في الحديقة المعلقة

(1)

المصدر السابق: ص 267.

(2)

ديوان محمود درويش: ص 130.

(3)

المصدر السابق: ص 241.

(4)

المصدر السابق: ص 243.

(5)

المصدر السابق: ص 641.

(6)

ورد أقل: ص 87.

ص: 1042

بلوت صحبة الملائكة

بلوتها، سئمتها

ضجرت من ولدانها المخلدين، حورها المزوقه

وخمرها المعتقه

وعدت يا معاويه

ألقي بشعرة الذئاب

في مغازل العناكب المشردة)

(1)

.

ويقول:

(حين يحب اللَّه ملاكًا

يجعل منه إنسانًا)

(2)

.

وفي إشادة يكيلها بلا حساب لرأس الشيوعيين ومؤسس حزبهم ودولتهم، يقول تحت عنوان "قصيدة فلسطينية إلى لينين":

(كان لينين فكان الحزب

يا فرس البحر على الصخرة

تلد ملائكة الشعب

موسكو في القلب)

(3)

.

ويقول سميح القاسم عن أحدهم:

(رسالتك التي حطت على بابي. . جناح ملاك)

(4)

.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة: ص 259 - 260.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة: ص 506.

(3)

المصدر السابق: ص 585.

(4)

ديوان سميح القاسم: ص 464.

ص: 1043

ويتحدث عن نفسه قائلًا:

(في دمائي أفعوان

أصبح اليوم حمامه

حملت قصفة زيتون. . وطارت

في بلاد اللَّه. . جبريلًا. . بشيرًا بالسلامة!!)

(1)

.

أمّا المقالح فإنه في كلامه عن سيف بن ذي يزن يقول:

(غريب الوجه في الدار

وبين عبيد ليل الأرض، تبحث عن ملائكة وثوار)

(2)

.

وله قصيدة في مدح الشيوعيين في جنوب اليمن بعنوان "نشيد الذئاب الحمر" يفتخر بالرفاق ويشيد بهم، ويغدق عليهم أوصاف الثناء والتبجيل، ومن ذلك قوله على ألسنتهم:

(ذئاب نحن حين تضج تحت الغاصب الأرض

ملائكة إذا عادت إلى أبنائها الأرض

وموت مناضل في درب أمتنا هو الفرض

على الأعداء كالعقبان كالنيران ننقض)

(3)

.

أمّا أن شياطين الشيوعية ملائكة فهذا لا يقبله شرع ولا عقل، وقد رأى الناس كيف كانوا شرًا على شعوبهم ورعاياهم بل على أنفسهم وقد ضجت الأرض من فسادهم وخيانتهم وجورهم وعدوانهم، ولكن المنافقون لا يعقلون.

أمّا محمد الماغوط فإنه يخاطب عشيقته قائلًا:

كن شفوقًا بي أيها الملاك الوردي الصغير

(1)

المصدر السابق: ص 516.

(2)

ديوان عبد العزيز المقالح: ص 288.

(3)

المصدر السابق: ص 425 - 426.

ص: 1044

سأرحل بعد قليل، وحيدًا ضائعًا)

(1)

.

ويقول محمد الفيتوري:

(البطل الخيانه

يرنو جريحًا ذلك الطفل الملائكي)

(2)

.

ويقول:

(ذلك الملائكي الأصغر الخجول

يجيئنا منكس العينين في ذهول)

(3)

.

ويقول:

(وأعريّ الخيانة

نائمة، كملاك عميق الطهارة

فوق سرير الخيانة)

(4)

.

ويقول الطاهر بن جلون في روايته المسماة ليلة القدر: (استميحك عذرًا، سامحيني لكوني خاطبتك بلهجة عنيفة فأنت ملاك مرسل من طرف الأنبياء، ونحن عبداك)

(5)

.

هذه كلها أمثلة على انحرافهم في الملائكة، حيث أنهم كما يتبين من الشواهد السابقة يلحقون اسم الملك والملائكة بالنساء والعشيقات والكفار من الشيوعيين وغيرهم، ويلحقون أوصاف الملائكة المختصة بهم، بأشخاص وأحوال عادية أو شيطانية.

(1)

الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص 80.

(2)

ديوان الفيتوري 1/ 495.

(3)

المصدر السابق 1/ 498.

(4)

المصدر السابق 2/ 107.

(5)

ليلة القدر: ص 81.

ص: 1045

‌الفصل الثاني الانحرافات المتعلقة بالكتب عامة وبالقرآن الكريم خاصة

عناية اللَّه تعالى بعباده وهدايتهم إلى طريق الرشاد والخير من أوضح وأجلى الأمور، فقد أعطاهم العقول ليعرفوا بها سبل الهداية، وفطرهم على الإيمان وقبوله، وأرسل لهم الرسل الكرام مبشرين ومنذرين، هادين ومعلمين، وأنزل معهم الكتب زيادة في الهداية والدلالة، وشرع في كل كتاب أنزله ما يناسب أحوال المنزل عليهم كما قال تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}

(1)

.

والإيمان بالكتب المنزلة ركن من أركان الإيمان باللَّه تعالى، ولا يصح إيمان الإنسان إذا جحد ذلك.

والمراد بالكتب المنزلة هي التي أنزلها اللَّه تعالى على رسله رحمة للخلق وهداية لهم، ليتمكنوا من تحصيل السعادة في الدنيا والآخرة.

وقد أمر اللَّه بالإيمان بالكتب المنزلة على رسله، المطهرة من كل باطل وزور، فقال -جلَّ وعلا-: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ

(1)

الآية 48 من سورة المائدة.

ص: 1047

إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}

(1)

.

وقال تعالى: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)}

(2)

.

وقال-سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)}

(3)

.

وقال-جلَّ وعلا-: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}

(4)

.

والإيمان بالكتب يتضمن عدة أمور:

الأول: التصديق الجازم بأنها كلها منزلة من عند اللَّه عز وجل على رسله إلى عباده، بالحق المبين والهدي المستبين.

الثاني: الجزم بأنها كلام اللَّه عز وجل لا كلام غيره، وأن اللَّه تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع من وراء حجاب بدون واسطة، ومنها ما يسمعه الملك من اللَّه ويأمره بتبليغه إلى الرسول، كما أخبر اللَّه العظيم في قوله:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)}

(5)

، وقال

(1)

الآية 136 من سورة البقرة.

(2)

الآية 84 من سورة آل عمران.

(3)

الآية 136 من سورة النساء.

(4)

الآية 25 من سورة الحديد.

(5)

الآية 51 من سورة الشورى.

ص: 1048

سبحانه: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}

(1)

، وقال تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}

(2)

، وقال:{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}

(3)

.

ومن الكتب ما خطه اللَّه بيده عز وجل، كما قال تعالى:{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}

(4)

.

الثالث: الإيمان الإجمالي بأن اللَّه أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله، ولم يسمها لنا، ولا يجوز أن ننسب كتابًا إلى اللَّه تعالى سوى ما نسبه إلى نفسه مما أخبرنا به عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم، قال اللَّه تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)}

(5)

.

الرابع: الإيمان التفصيلي بالكتب التي سماها اللَّه في القرآن، أنها منزلة من عند اللَّه تعالى، والكتب التي أخبرنا اللَّه بها هي:

أ) - التوراة: التي أنزلت على موسى عليه الصلاة والسلام، كما أخبر تعالى في قوله:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}

(6)

الآية.

(1)

الآية 2 من سورة النحل.

(2)

الآية 164 من سورة النساء.

(3)

الآية 143 من سورة الأعراف.

(4)

الآية 145 من سورة الأعراف.

(5)

الآية 213 من سورة البقرة.

(6)

الآية 44 من سورة المائدة.

ص: 1049

ب) - الإنجيل: الذي أنزل على عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)}

(1)

.

جـ) - الزبور: الذي أوتيه داود عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى:{وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}

(2)

.

د) - صحف إبراهيم وموسى -عليهما الصلاة والسلام-: التي أخبر اللَّه عنها في قوله -جلَّ وعلا-: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)}

(3)

.

وقوله سبحانه: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)}

(4)

.

هـ) - القرآن العظيم: الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الكتاب الخاتم المصدق لما بين يديه من الكتاب والمهيمن عليه، فنسخ اللَّه به جميع الكتب وتكفل بحفظه.

قال اللَّه تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}

(5)

الآية.

وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23)}

(6)

.

(1)

الآية 46 من سورة المائدة.

(2)

الآية 163 من سورة النساء، والآية 55 من سورة الإسراء.

(3)

الآيات 14 - 19 من سورة الأعلى.

(4)

الآيتان 36، 37 من سورة النجم.

(5)

الآية 48 من سورة المائدة.

(6)

الآية 23 من سورة الإنسان.

ص: 1050

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}

(1)

الآية.

الخامس: الإيمان بكل ما فيها من الشرائع، وأنه كان واجبًا على الأمم الذين أنزلت هذه الكتب عليهم، وأن كل من كذب بشيء منها أو أبى الانقياد لها مع تعلق خطابه به يكفر بذلك كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}

(2)

.

السادس: أن هذه الكتب يصدق بعضها بعضًا، كما قال تعالى في الإنجيل:{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ}

(3)

، وقال في القرآن {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}

(4)

، وأن هذه الكتب جميعها تدعو إلى الإيمان باللَّه تعالى، وإلى التوحيد الخالص، وخلع الأنداد والشركاء، أمّا الشرائع فقد تختلف من كتاب إلى آخر.

السابع: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.

الثامن: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا التسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، ولا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلّا ما صح منها وأقره القرآن العظيم.

التاسع: الإيمان بأن نسخ الكتب بعضها ببعض حق، كما نسخت بعض شرائع التوراة بالإنجيل، كما قال اللَّه تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي

(1)

الآية 7 من سورة الشورى.

(2)

الآية 40 من سورة الأعراف.

(3)

الآية 46 من سورة المائدة.

(4)

الآية 48 من سورة المائدة.

ص: 1051

إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. . .}

(1)

-إلى قوله تعالى-: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)}

(2)

.

وكما نسخت كثير من شرائع التوراة والإنجيل بالقرآن، كما قال تعالى:{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}

(3)

.

وأن نسخ القرآن بعض آياته ببعض حق كما قال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}

(4)

، وقال تعالى:{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)}

(5)

.

العاشر: الإيمان بأن القرآن الموجود اليوم عند المسلمين كله ألفاظه وحروفه ومعانيه من عند اللَّه تعالى وأنه منزل غير مخلوق، أنزله اللَّه على نبيه محمد خاتم النبيين:{هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}

(6)

فكان {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}

(7)

.

(1)

الآيتان 48 - 49 من سورة آل عمران.

(2)

الآية 50 من سورة آل عمران.

(3)

الآيات 156 - 158 من سورة الأعراف.

(4)

الآية 106 من سورة البقرة.

(5)

الآية 101 من سورة النحل.

(6)

الآية 185 من سورة البقرة.

(7)

الآية 48 من سورة المائدة.

ص: 1052

نسخ اللَّه به جميع الكتب السابقة، وتكفل بحفظه عن عبث العابثين كما قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}

(1)

؛ لأنه سيبقى حجة على جميع الخلق إلى يوم الدين، أمّا الكتب السابقة فإنها مؤقتة بأمد ينتهي بنزول ما ينسخها، ويبين ما حصل فيها من تحريف وتغير؛ ولهذا لم يتكفل اللَّه بحفظها، وإنّما أوكل حفظها إلى الأمم التي أنزلت عليهم كما أخبر تعالى عن التوراة بأنها {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}

(2)

؛ ولهذا لم تكن تلك الكتب معصومة من اللَّه تعالى فوقع فيها التحريف والزيادة والنقص، كما أخبر بذلك اللَّه في قوله:{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}

(3)

.

وقوله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)}

(4)

.

وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}

(5)

.

وقوله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)}

(6)

.

وقوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ

(1)

الآية 9 من سورة الحجر.

(2)

الآية 44 من سورة المائدة.

(3)

الآية 46 من سورة النساء.

(4)

الآية 79 من سورة البقرة.

(5)

الآية 91 من سورة الأنعام.

(6)

الآية 78 من آل عمران.

ص: 1053

كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ}

(1)

.

وقد خص اللَّه القرآن العظيم بأمور تميز بها عن جميع ما تقدم من الكتب السابقة أهمها:

أ) - أنه جاء مؤيدًا ومصدقًا لما جاء في الكتب السابقة من توحيد اللَّه وعبادته ووجوب طاعته، وجمع كل ما في الكتب السابقة من حسنات وفضائل.

ب) - أنه جاء مهيمنًا على الكتب السابقة ورقيبًا عليها، يقر ما فيها من حق، ويبين ما دخل عليها من تحريف وتغيير كما قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}

(2)

الآية.

جـ) - أن القرآن جاء بشريعة خاتمة لجميع الشرائع، فيها كل ما يلزم لسعادة البشر في الدنيا والآخرة، وأحكامه نهائية خالدة ثابتة، صالحة لكل زمان ومكان.

د) - إن القرآن أنزله اللَّه على رسوله صلى الله عليه وسلم للناس كافة وليس خاصًا بقوم معينين كما كانت الكتب السابقة التي كان الخطاب في كل واحد منها إلى أمة خاصة دون سائر الأمم.

هـ) - إن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي تعهد اللَّه بحفظه، قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}

(3)

.

وأدلة كونه محفوظًا كما نزل كثيرة لا تحصى، كلها تدل على أنه لا يوجد على وجه الأرض كتاب تصلح نسبته إلى اللَّه تعالى سوى القرآن العظيم، أمّا الكتب السابقة فقد ضاعت نسخها الأصلية ولم يبق في أيدي الناس إلّا ترجماتها التي اختلط فيها كلام اللَّه بكلام الناس من تفسير وتاريخ

(1)

الآية 15 من سورة المائدة.

(2)

الآية 48 من سورة المائدة.

(3)

الآية 9 من سورة الحجر.

ص: 1054

وسير الأنبياء وتلامذتهم، فلا مقدرة على تمييز كلام اللَّه عن كلام البشر، ومن أدلة وقوع التحريف في التوراة والإنجيل تعدد نسخها، واختلافها فيما نقلته من أمور وأحكام وآراء وتواريخ، وما تضمنته من العقائد الباطلة، عن اللَّه تعالى مثل التثليث وزعم الصاحبة والولد له تعالى، وعن الأنبياء الكرام من نسبة الرذيلة إليهم والقدح فيهم وفي شرفهم وفي أعراضهم، والإتيان بما ينافي عصمتهم.

ولذلك كان الإيمان بهذه الكتب إنّما هو بالتصديق أنها في أصلها منزلة من عند اللَّه، أمّا واقعها فإنها قد أصابها التحريف والتبديل كما أخبر تعالى قوله:{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}

(1)

الآية، وقوله:{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)}

(2)

.

أمّا القرآن العظيم فإنه لا يزال محفوظًا بسوره وآياته وكلماته وحروفه وحركاته وفواصله وآياته، كما تلاه جبريل على رسوله صلى الله عليه وسلم وكما تلاه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على صحابته رضوان اللَّه عليهم أجمعين.

ولذلك وجب الإيمان بأن القرآن العظيم كلام اللَّه تكلم به حقيقة بحرف وصوت، وأنه يجب أتباع أمره واجتناب نهيه وتصديق خبره، ورفض كل ما يخالفه، ولابد من تحليل حلاله وتحريم حرامه والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بقصصه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابه، والوقوف عند حدوده، وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ورد تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والنصيحة له ظاهرًا وباطنًا، والجزم بأنه منزل غير مخلوق؛ لأن الكلام صفة من صفات اللَّه تعالى، وليست صفات اللَّه

(1)

الآية 46 من سورة النساء.

(2)

الآيتان 14، 15 من سورة المائدة.

ص: 1055

مخلوقة، بل اللَّه تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير.

هذا مجمل قول أهل السنة والجماعة في الكتب المنزلة السابقة، وفي القرآن العظيم

(1)

.

أمّا الوحي: فإن اللَّه تعالى خص الأنبياء دون سائر البشر بوحيه إليهم، كما قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}

(2)

، وقال تعالى:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}

(3)

.

والوحي من عند اللَّه تعالى وليس من ذات النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}

(4)

.

فالوحي من اللَّه تعالى، وما على الرسول إلّا الإبلاغ به، وتنفيذ أمر اللَّه، والوحي الثابت بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم عن اللَّه تعالى، له قداسة ومنزلة عالية، ويجب اتباعه، ويحرم إخضاعه للأهواء والتأويلات والتفسيرات المنحرفة.

ومن قال بأن الوحي كلام بشر ونتاج إنسان، أو أنه أسطورة، أو أنه مضاد للعقل والعلم فقد كفر باللَّه وخرج من ملة الإسلام.

وإذا ذهبنا إلى الأدب العربي المعاصر ودعاة التحديث العلماني لرؤية

(1)

انظر: معارج القبول 2/ 74 - 78، والإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص 83 - 93، وشرح أصول الإيمان لابن عثيمين: ص 32 - 33، وعقيدة أهل السنة والجماعة له: ص 19 - 21.

(2)

الآية 6 من سورة فصلت.

(3)

الآية 163 من سورة النساء.

(4)

الآية 52 من سورة الشورى.

ص: 1056

ما ثَمَّ من انحرافات في هذا الركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالكتب المنزلة، فإننا نجد أنهم قد ضلوا في ذلك ضلالًا بعيدًا، شأنهم في ذلك شأن انحرافاتهم الأخرى في أركان الإيمان الأخرى، فهم لا يعطون الكتب الدينية والوحي المنسوب إلى اللَّه تعالى أي احترام، سواء كانت نسبتها إلى اللَّه تعالى حقيقية كالقرآن وصحيح السنة أو فيها ما لا يصح نسبته إلى اللَّه مثل التوراة والإنجيل، بل يجعلون هذه الكتب أقل منزلة واحترامًا من الدساتير والمذاهب والمناهج التي يؤلفها بشر، بل اخترعوا مناهج سموها عقلية وتاريخية ونقدية وموضوعية، وجعلوها مهيمنة على نصوص الوحي.

ولقد جنى أهل الدين النصراني واليهودي على التوراة والإنجيل جناية عظيمة حيث جعلوها عرضة للتلاعب بما يفعلونه في هذه الكتب المنسوبة في أصلها إلى السماء، فلا يفتأ الناس هناك يرون على هذه الكتب عبارات تعلو غلاف هذه الكتب مثل "مزيدة ومعدلة ومنقحة" وهي عبارات يكتبها مؤلفوا الكتب على كتبهم بعد إضافة أبواب أو فصول أو مباحث أو فقرات، وهي عبارات تسبق أو تقفى بجملة حقوقية قانونية وهي "حقوق الطبع محفوظة".

وهكذا صنع أهل الكتاب بكتابهم حيث أجروا وما زالوا يجرون تعديلات وإضافات عند ابتغاء إصدار نسخة جديدة منه!!.

وقد أدى ذلك إلى اجتراء الملاحدة والماديين على الكتب السماوية، والوحي، وعلى اللَّه تعالى وملائكته ورسله.

وعندما أخذ المستغربون من أبناء المسلمين ما أخذوا عن أساتذتهم الغربيين من انحرافات وأباطيل كان من ضمن ذلك انحرافاتهم في الكتب المنزلة عامة، والقرآن العظيم خاصة، ولا يبرح هؤلاء يمارسون سياسة الاسترضاء لأسيادهم حتى أقدموا على التطاول الصريح على مقام الوحي المعصوم، وجعل القرآن والسنة مكانًا لألاعيب الشبهات التي عبثت بعقولهم المستطرقة.

وإذا نظرنا إلى ما كتبه أعداء الوحي من العرب فإننا نجد أنهم لم

ص: 1057

يخرجوا عن ما كتبه الغربيون من يهود ونصارى عن التوراة والإنجيل، ذلك أنهم لما نظروا إلى ما في هذه الكتب من اختلاف وتناقض وما فيها من اختلاق منسوب إلى اللَّه وأنبيائه، اتضح لهم مناقضتها للواقع المادي المجرب، ووقوعها في محالات العقول، وكانت أوروبا قد قطعت شوطًا كبيرًا في الأخذ بالماديات والركون إلى الفلسفات الشكية واللاأدرية، والإلحادية، فنتج من ذلك أن اتجه مجموعة من فلاسفة الغرب لدراسة التوراة والإنجيل على ضوء هذه المذاهب والفلسفات، فأسسوا بذلك مدارس تهتم بنقد نصوص الوحي هاجراء الدراسات النقدية والتاريخية عليها.

وهنا سوف أذكر أشهر هؤلاء الذين أثروا بأفكارهم في عقائد أبناء المسلمين فأخذوا مناهجهم وترجموها وطبقوها على الوحي المعصوم المقطوع بصحته: على القرآن العظيم وصحيح السنة المشرفة، فضلوا بذلك ضلالًا بعيدًا، وأول دلائل ضلالهم أنهم لم يفرقوا بين الكتب السابقة التي دخلها التحريف والكذب، والكتاب الخاتم المهيمن الذي لم يدخله تحريف أو تبديل، وثاني دلائل ضلالهم أن في الكتب السابقة من محالات العقول ومناقضة حقائق التجربة -بسبب التحريف الذي دخلها- ما قد يبرر دراستها والتأكد من حقيقتها، أمّا القرآن العظيم فليس فيه ما تحيله العقول، وإن كان فيه ما تحار فيه العقول، وليس فيه ما يناقض حقائق العلوم التطبيقية، بل فيه ما يطابق هذه الحقائق مما أطلق عليه في هذا الزمان "الإعجاز العلمي في القرآن والسنة" وفيه من المطابقات والموافقات ما يلجم لسان كل شاك وملحد، ويزيد إيمان كل مسلم.

أمّا أشهر فلاسفة الغرب الذين تصدوا لدراسة ما يسمونه "ظاهرة الوحي" والذين هم أساتذة المحاكين لهم من أبناء المسلمين، فهم على أثارهم مقتدون، وأولهم وأشهرهم:

‌1 - سبينوزا - باروخ أو بنديكيت 1632 م - 1677 م، 1041 - 1088 هـ:

ولد لأسرة يهودية من يهود البرتغال، هرب والده إبراهيم وجده

ص: 1058

ميخائيل من البرتغال إلى هولندا، وكان والده زعيمًا للجالية اليهودية في أمستردام وجده كان مهتمًا بأمر الكنيست اليهودي، وتلقى باروخ تربية يهودية دينية متعمقة، ودرس مبادئ التاريخ الديني والسياسي والنقدي لليهودية واطلع على كتب الفلاسفة اليهود في العصر الوسيط، وأصبح حاخامًا يهوديًا، ثم فيلسوفًا ودارسًا للعلوم الإنسانية، تأثر بالفلسفة الديكارتية وشكك في الدين والوحي، وقال بخلود المادة وأنكر خلق الخلق من عدم تأثرًا بأحد فلاسفة اليهود اسمه ابن عزرا، وكتابات متصوفة اليهود الذين يقولون بأن المادة حية.

آمن بمذهب وحدة الوجود بمفهومه الغربي الإلحادي وقال بأن الجوهر هو اللَّه وهو الطبيعة الخالقة، وهو مصدر الصفات والوجوه وهو أيضًا الطبيعة المخلوقة حيث أنه هذه الصفات والوجوه، وأنه ليس له صفات فهو لا يشاء ولا يريد وليس شخصًا معينًا -حسب قوله- كإله الديانات، وليس له عقل -حسب تعبيره- ليس له ذات ولايتعين، وقرر بأنه على قدر ما يكون للإنسان من تجارب وأفكار بقدر ما يقترب من اللَّه، أي يقترب من حالة إله، أو يصبح إلهًا بمعنى من المعاني - وهذا ما توصلت إليه الحداثة في سياق ضلالاتها العديدة.

بيد أن مصدر القوت الرئيسي الذي تغذى منه فكره كان -فيما يبدو- النصوص العبرية وكتابات جرسويندس الذي كان ينتقد المعجزات والنبؤات ويقدم العقل على الوحي، ومن هنا توجه سبينوزا لرفع مقام المعرفة العقلية، وفعل الكثير لترويج وتطوير الإلحاد - كما تقول الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت - ولقضية التفكير الحر، وأنه لا يصح للدين ولا للدولة المساس بحرية الفكر، وكان له تأثير قوي على مادية القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأثر تفكيره الحر الديني على تطور الإلحاد، وقد أثنى إنجلز على آراء سبينوزا الفلسفية ثناءً كبيرًا، وتعاليمه تجعله خليفة لتوماس هوبز وهو الفيلسوف الإنجليزي الملحد المعادي بشدة للدين، وقد سبقت ترجمته في أول هذا البحث

(1)

.

(1)

ص 113 من هذا الكتاب.

ص: 1059

ومن كتبه التي ألفها -مما له علاقة بهذا الفصل- كتابه الذي سماه "الرسالة اللاهوتية السياسية" وتسميه بعض الكتب "البحث اللاهوتي السياسي" وقد ترجمها تلميذ كتبه العلماني العربي حسن حنفي تحت اسم "رسالة في اللاهوت والسياسة" وفيها وضع أسس المنهج التاريخي لدراسة محتوى النص الذي يرى أنه يتراوح بين التاريخية والأسطورية للتحرر من سلطة الأسطورة والقضاء على أسبقية المعنى، وحتمية الحقيقة في الوحي، وأنه يجب البحث في تاريخية النص لا البحث عن المعنى والحقيقة فيه، وقد أثر سبينوزا بأقواله هذه على الذين جاؤوا بعده، وهز بفلسفاته المكانة المتبقية للعهد القديم والجديد من الكتاب، وخاصة الإنجيل الذي توارد على دراسته جموعة من أبناء النصارى الغربيين متأثرين بمنهج سبينوزا، وذلك من مقاصد اليهود وأعمالهم المعروفة في تخريب الأديان من داخلها، مما جعل مؤلف الموسوعة الفلسفية يقول:(لا شك أن سبينوزا كان يهوديًا حتى النخاع، وأن مذهبه كان رؤيا فلسفية للتلمود، وجاء على خطى التراث اليهودي. . .)

(1)

.

ثم يتعرض هذا المؤلف للاستعراض اليهودي المتمثل في الحرمان الكنسي اليهودي لسبينوزا، وهو الذي يذكره دائمًا الأتباع والمعجبون بسبينوزا، فيقول:(لم يكن يقوم سبينوزا إلّا اليهود، وفي ألمانيا جرت مشادة ربّما كانت تمثيلية يهودية، بين المفكرين اليهود، روجت لها وسائل الإعلام اليهودية. . .)، ثم أضاف: (وظهر الطابع اليهودي في فلسفته بشكل جلي في روسيا القصيرية، حيث كان يشرف على ترجمته وطبعه دور نشر يهودية، وكان شباب اليهود في المنظمات التقدمية والثورية يعرضون فكر سبينوزا بتفسيرات مادية، وأنه لأمر يدعو إلى الشك أن تجد المذهب الفلسفي يحتمل كل التفسيرات، وينفذ إلى كل البلاد والفلسفات من خلال اليهود وحدهم، وأنه لأمر يدعو إلى الشك أكثر أن تكون دراسة سبينوزا في مجتمعات خاصة مغلقة

(1)

انظر ترجمته في: الموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحنفي: ص 237 - 241، ومعجم الفلاسفة: ص 329 - 332، وموسوعة أعلام الفلسفة 1/ 548 - 550، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 242 - 243، وتاريخ الفكر الأوروبي الحديث لرونالد سترومبرج ترجمة أحمد الشيباني 1/ 85 - 87.

ص: 1060

تشبه الجمعيات اليهودية القبلانية السرية، وأن يطلقوا عليه اسم "ماركس بدون اللحية" أضف إلى ذلك امتلاء المذهب بالألفاظ التي توهم بالدلالات وهي لا تدل على شيء، وانطماس الغائية فيه حتى انتهى إلى الآلية المطلقة)

(1)

.

‌2 - ريشار سيمون (1638 - 1712 م، 1047 - 1124 هـ):

مفكر فرنسي وخطيب ورجل دين نصراني أو كما تقول بعض كتب الفلسفة "لاهوتي وشارح فرنسي" كلفه بعض الرهبان بوضع فهرس بالمخطوطات الشرقية لدى الكنائس لديهم، وبذلك توفرت له مجموعة واسعة من الوثائق عن اليهودية والكنائس الشرقية مما أتاح له أن يكوّن تصورًا جديدًا عن تكوين مختلف أسفار الكتاب المقدس وتحريرها، فكتب كتابه "التاريخ النقدي للعهد القديم" الذي يرى فيه أن النسخة الأصلية للإنجيل قد ضاعت، وأن التحريف تناوله، وأن الواجب يقضي أن تخضع النسخة الحالية للفحص والتدقيق والدراسات اللغوية والتاريخية، وقد كره البروتستنت والكاثوليك هذا الكتاب؛ لأنه يشكك في أهم وثائقهم الدينية، ويقوض أساس الديانة النصرانية، ثم ألف "التاريخ النقدي لنص العهد الجديد" ثم "التاريخ النقدي لروايات العهد الجديد" ثم "التاريخ النقدي للشراح الرئيسيين للعهد الجديد" ثم "ملاحظات جديدة حول نص العهد ورواياته" وهي كلها تنتقد النصوص الإنجيلية وتشكك في ثبوتها، وفي تناقلها، وسبب ذلك ما اكتشفه سيمون من تناقضات واختلافات وإضافات وحذف وشروح مختلفة، وتواريخ متعارضة وغير ذلك من الأسباب التي حفزته إلى هذه الشكوك الكبيرة وقادته إلى وضع تفسيرات تاريخية وعقلانية للكتاب المقدس عندهم

(2)

.

(1)

انظر ترجمته في: الموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحنفي: ص 237 - 241، ومعجم الفلاسفة: ص 329 - 332، وموسوعة أعلام الفلسفة 1/ 548 - 550، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 242 - 243، وتاريخ الفكر الأوروبي الحديث لرونالد سترومبرج ترجمة أحمد الشيباني 1/ 85 - 87.

(2)

انظر ترجمته في: موسوعة أعلام الفلسفة 1/ 594، والمعجم الفلسفي: ص 354، والموسوعة الفلسفية: ص 251.

ص: 1061

وقد أخذ هذا عنه، المرتابون من أبناء المسلمين وطبقوا أقواله ونظرياته على القرآن العظيم، رغم الفوارق الكبيرة بين الحالين.

‌3 - شتراوس/ دافيد فريدريش (1800 - 1874 م، 1214 - 1291 هـ):

تقول كتب الفلسفة بأنه لاهوتي وشارح ألماني، بروتستانتي، كان قسًا لقرية في ألمانيا ثم مدرسًا في مدرسة دينية، تتلمذ على الفيلسوف هيجل.

ألف كتابًا باسم "حياة يسوع" الذي أثار ضجة كبيرة وتألبت عليه السلطات الدينية في ألمانيا بسببه، وأثار بكتابه هذا دهشة أوروبا وانذهالها بما أضفاه من شك وريبة في المسيح عليه السلام وفي الإنجيل، وقد عبر فيه عن آرائه الملخصة في أنه ينبغي ألا يختلف النظر إلى هذا الكتاب بعهديه القديم والجديد، عن النظر إلى أي كتاب آخر من حيث التحليل والنقد، وقد ركز شتراوس نفسه لعمله النقدي والتأريخي فأصدر عدة كتب هي "العقائد المسيحية" و"الروماني على عرش القياصرة" طغت أعمال دافيد شتراوس على مجمل النقد الديني في القرن التاسع عشر، ونستطيع تتبع تأثيرها في اتجاهات أساسية ثلاثة: في اتجاه ماركس، بوساطة فيورباخ، وفي اتجاه رينان، وأخيرًا في اتجاه مادية هيجل.

وقد تصدى شتراوس لإفراغ النصرانية من كل مضمون خارق للطبيعة وبإرساء الدين على عقلانية الفكرة النصرانية وحدها، وهذا الاتجاه بعينه أخذه الحداثيون العرب، كما أخذوا من شتراوس وجوب إخضاع الوحي لمتطلبات النقد التاريخي، حيث رأى أن النصرانية لا تقبل التفسير إلّا من خلال ما سماه "أسطورة يسوع" التي يرى أن العقلية اليهودية هي التي اختلقتها، وقد اعتمد رينان -الذي ستأتي ترجمته- هذه الفكرة في كتابه "حياة يسوع"، وما انفك شتراس يتقدم تجاه مادية متشددة باطراد حتى ذهب في أواخر حياته إلى إنكار كل دين يقوم على إله شخصي -حسب تعبيره- معتبرًا أن العلم يعطي تفسيرًا وافيًا للكون، واعتبر أن وجود المسيح أسطورة، واتجه بكرهه الشديد للمسيحية لترسيخ النزعة الهيجلية المادية

ص: 1062

وخصوصًا في كتابه "الإيمان القديم الجديد"

(1)

.

‌4 - رينان جوزيف ارنست (1823 - 1892 م، 1238 - 1309 هـ):

كاتب وفيلسوف فرنسي، نذره أهله من صغره للكهنوت فدرس على أيدي معلمين دينيين ثم تخرج كاهنًا وتعلم العبرية، ثم توجه إلى الفكر الألماني وابتعد عن الإيمان الكاثوليكي وتخلى عن الكهنوت، وبدأ بدراسة التاريخ والفلسفة، وحصل على الدكتوراه في موضوع بعنوان "حول ابن رشد والرشدية" وتجول في بعض بلاد المشرق العربي للبحث في الآثار، ودرس اللغة العبرية في إحدى جامعات فرنسا وحاضر عن المسيح عليه السلام باعتباره "إنسانًا لا نظير له" فغضب منه الكاثوليك وأوقفوا محاضراته وألف عدة كتب في نقد الدين النصراني بأسلوب فلسفي وتاريخي وأشهرها "تاريخ أصول المسيحية" في سبعة أجزاء و"حياة يسوع" على نمط شتراوس، و"دراسات في التاريخ الديني" و"تاريخ شعب إسرائيل" في خمسة أجزاء.

واتسمت فلسفته بنزعة هيجلية ونزعة شكية رافضة للثابت، وأعلن عن رفض كل خارق للطبيعة والإيمان بالطبيعة وقوانينها التي لم تخرق، والإيمان بالعلم الحر، والتزم بهذه المباديء في نظرته إلى العلم والتاريخ والدين والماورائيات، وأعطى العلم أهمية كبرى، واعتبره الناموس الذي لا تعيش البشرية بدونه، والتزم بالوضعية واعتبر أن كل المعارف تأتي عن دراسة الطبيعة والتاريخ، وهو المبدأ الذي أخذه أركون وقدسه وطاف حوله في أغلب كلامه ومؤلفاته.

واعتبر رينان أن لكل شيء في التاريخ تفسيرًا إنسانيًا، وأن الدراسات التاريخية يجب أن تكون ذات نظرة طبيعية وبناء على نظرته التاريخية هذه فقد رفض كل ما يخرق الطبيعة ولا يستثني الأساطير التي يقصد بها ما في الأديان وكتبها وهو يقصد الكتاب المقدس عند النصارى، حيث تبنى قضية

(1)

انظر ترجمته في: المعجم الفلسفي: ص 361 - 362، ومرسوعة أعلام الفلسفة 2/ 15 - 17، وتاريخ الفكر الأوروبي الحديث 4/ 110.

ص: 1063

النقد التاريخي لتاريخ النصرانية فأبعد الطابع التقديسي عن الأبحاث في الكتاب المقدس لديهم، وأسس شرحًا علمانيًا له، بنظرة نقدية فيلولوجية "طرق نقدية تعتمد على التاريخية والمقارنة" اعتبرت أن الأناجيل روايات تاريخية متناقضة، واستبعد رينان كل الخوارق والمعجزات

(1)

.

وهذا المنهج نفسه أخذه الحداثيون والعلمانيون العرب وحاولوا تطبيقه على الإسلام.

‌5 - بولتمان رودولف (1884 - 1976 م، 1301 - 1394 هـ):

كاتب وفيلسوف لاهوتي ألماني، كان رائد حركة "نزع الطابع الميتولوجي" أي الأسطوري عن النصرانية، وتقول كتب تراجم الفلسفة بأن فكره اليوم يستلهمه الذين يسمون "لاهوتيي موت اللَّه" -تعالى اللَّه وتقدس- كان ابنًا لقس لوثري، درس تاريخ العهد الجديد، ودرس اللاهوت، ألف كتبًا بعنوان "العهد الجديد، إنجيل يوحنا" و"لاهوت العهد الجديد" و"يسوع المسيح والميتولوجيا" اهتم فيها بالجانب النقدي التاريخي للجانب "العجائبي" أي العجيب، والجانب الذي يسميه "الأسطوري" وركز على شطب الجانب العجيب والجانب الأسطوري من الوحي حسب رأيه

(2)

.

وقد اقتدى به الحداثيون وساروا على منواله وخاصة أركون في كتابه الفكر الإسلامي قراءة علمية كما سوف يأتي.

هؤلاء الخمسة هم أشهر فلاسفة الغرب من اليهود والنصارى الذين أسسوا مناهج فلسفية نقدية وتاريخية لدراسة الوحي المتمثل لديهم في الكتاب المقدس عندهم، وقد سار الكتاب العرب على منوال هؤلاء، واستعاروا مفرداتهم ومناهجهم، وارتدوا أزياءهم الفكرية والفلسفية، وجاؤوا بحماس من يريد الهدم

(1)

انظر ترجمته في: المعجم الفلسفي: ص 310 - 312، وموسوعة أعلام الفلسفة 51811 - 521، وتاريخ الفكر الأوروبي الحديث 4/ 110.

(2)

انظر ترجمته في: المعجم الفلسفي: ص 185 - 186، وموسوعة أعلام الفلسفة 1/ 271 - 272.

ص: 1064

السريع والتخريب المباشر، وتوجهوا إلى نصوص القرآن العظيم ثم إلى نصوص السنّة الشريفة ثم إلى سيرة وحياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يدرسونها وفق هذه النظريات المستعارة، وقد أخذوها بتسليم كامل وقطعوا بصحتها وجزموا بسلامتها، وأوصلوها إلى درجة القداسة، وهذه بلا شك عقيدة كل معتقد، وهؤلاء أصبحوا يعتقدون بهذه المناهج وهذه الفلسفات اعتقادًا يجزمون به، ويجعلونه مقياسًا لكل أمر يتناولونه، ومن يقرأ كلام أركون في ما يسميه "التاريخية" يرى بوضوح مقدار تشبعه بهذا المنهج حتى أصبح عقيدة يزن بها الكتب المنزلة وكل قضايا الوحي ومقتضياته.

وأثناء قراءة كتب ومقالات أعداء الوحي من المستغربين من أبناء المسلمين وجدت أنهم لم يخرجوا عن المفهوم الغربي في دراستهم لدين الإسلام، ولذلك تجدهم يرددون بإمعيّة كاملة ألفاظ ومصطلحات أساتذتهم فيطلقون على الوحي مصطلح "ميثولوجيا" أي مجموعة الأساطير التي تعمل على فك مستغلفات الحياة والموت

(1)

، ويجعلون المنهج "الميتولوجي" أساس دراستهم باعتباره علمًا يعالج تصنيف المعتقدات ويحللها ويقارنها وفق المفهوم الغربي بطبيعة الحال.

وأحيانًا يسمون نصوص الوحي "الميثات" جمع "ميث" وهي الأسطورة والقصة الخرافية التي يسودها الخيال، وتبرز قوى الطبيعة في صور كائنات حية ذات شخصية ممتازة، وتستخدم في عرض مذهب أو فكرة عرضًا شعريًا قصصيًا

(2)

.

وإذا تكلموا عن الدين أطلقوا عليه اسم "ثيولوجي" وهو مصطلح يعني اللاهوت بالمفهوم الغربي النصراني واليهودي ويعرفونه بأنه علم يبحث في وجود اللَّه وذاته وصفاته وشممى أيضًا "ثولوجيا" وعلم الربوبية والإلهيات،

(1)

انظر الميث الأسطورة في: المعجم الفلسفي: ص 13، ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص 42، والمفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة: ص 145، ومعجم المصطلحات الأدبية: ص 106.

(2)

انظر الميثولوجيا في: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة لعلوش: ص 207، والموسوعة العربية الميسرة 2/ 1797.

ص: 1065

واللاهوت الطبيعي يعتمد على التجربة والعقل وحدهما دون الرجوع إلى الوحي، ويقابله عندهم اللاهوت المنزل ويعتمد على النصوص المقدسة

(1)

.

وإذا تعرضوا لدراسة الوحي ونصوصه تخاطروا بألفاظ تلقوها عن أساتذتهم، وتنافروا بالمصطلحات الغربية على أساس أنها هي الحق والحقيقة والعلم، من أمثال "الفيلولوجيا" وهي الطرق التي تستهدف إنجاز نص، وتسهيل قراءته ونقده، ودراسة النقدية من خلال الوجهتين التاريخية والمقارنة

(2)

.

وقد استخدموا هذا المنهج النقدي تبعًا لسينوزا وغيره، وحاولوا من خلال هذا النقد هدم نصوص الكتاب والسنة كما فعل الغربيون في الكتب المحرفة، أو التشكيك في ثبوتها وصحتها أو في مدلولاتها القطعية، كما أنهم استعملوا لهذا الغرض الأخير منهج التأويل المعاصر الذي يطلقون عليه مصطلح "هرمنيوطيقيا" وهي طريقة تأويل، تدرس المبادئ المنهجية في التعامل مع النصوص وتفكيك رموزها وكشف أغوارها، وتستهدف في ميدان الوحي - الذي هو أهم ميدان للهرمنيوطيقيا الدراسة التأويلية للرموز والاستعارات، وتعني استخلاص المعنى الكامن انطلاقًا من المعنى الظاهر، أو الانطلاق من المعاني المجازية بحثًا عن المعاني الحقيقية.

وقد استخدم هذا المصطلح في أول الأمر في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني "الكتاب المقدس" عند الأوروبيين من يهود ونصارى، ثم اتسع مفهوم هذا المصطلح ليشمل كل العلوم الإنسانية، غير أن الحداثيين والعلمانيين في سياق تبنيهم لسبينوزا ومناهجه، توجهوا إلى الوحي من كتاب وسنة لدراسته على أساس المنهج التأويلي "الهرمنيوطيقي" حسب مفهوم تعبير الغربيين، وتعريب المستغربين

(3)

.

(1)

انظر الثيولوجي في: المعجم الفلسفي: ص 160 - 161.

(2)

انظر الفيلولوجيا في: معجم المصطلحات المعاصرة لعلوش: ص 171.

(3)

انظر عن "الهرمنيوطيقيا": معجم المصطلحات الأدبية لسعيد علوش: ص 224 - 225، =

ص: 1066

ومن المصطلحات التي تقمصها المنهزمون من أبناء المسلمين في دراستهم للوحي مصطلح "التاريخية" أو "التاريخانية"، وقد أغرم بهذا المصطلح إلى حد التقديس محمد أركون ونصر أبو زيد، ويفضل أركون استخدام التاريخية ويفصل بينها وبين التاريخانية، على اعتبار أن التاريخانية هي التي تقول بأن كل شيء أو كل حقيقة تتطور مع التاريخ وتهتم بدراسة الأشياء والأحداث من خلال ارتباطها بالظروف التاريخية، ويرى أركون بأنه يجب تجاوز هذا المعنى إلى "التاريخية" التي تسمح وحدها بتجاوز الاستخدام اللاهوتي أو القومي، وبشكل عام الإيديولوجي للتاريخ

(1)

.

وقد عرفت كتب المعاجم الفلسفية "التاريخية"(بأنها صفة لكل ما هو تاريخي مميز عن الخرافي أو الخيالي، كما أنها من جهة أخرى ميزة الإنسان الذي يعيش التاريخ ويحياه باعتباره كائنًا تاريخيًا وكائنًا زمانيًا، والنزعة التاريخية هي النظر إلى كل موضوع معرفي على أنه نتاج حاضر ناشيء عن التطور التاريخي، أمّا أصحاب المذهب التاريخي فيرون أن الأحداث والظواهر الاجتماعية تتصف بالنسبة التاريخية، وهي على ذلك غير قابلة لأن تدرس على غرار الظواهر الطبيعية)

(2)

.

ويتعامل المستغربون مع الوحي على الطريقة الغربية، باعتباره فكرة من الأفكار ويدرسون كيفية انتشاره، والنزعات التي أثرت في وجوده، وتطوره، مستبعدين قضية عصمة الوحي وعصمة المبلغ ووحدانية الموحي والآمر به، ثم يصدرون بناء على دراسة الظروف والملابسات والأوضاع التي مرت بها نصوص الوحي -وفق معلوماتهم، وحسب أغراضهم ومقاصدهم- الأحكام على النصوص وخاصة القرآن عند المستغربين من أبناء الشرق، ويطبقون

= ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص 90 - 91، وإشكاليات القراءة وآليات التأويل لنصر أبو زيد: ص 13، 20، 27، 30، 44.

(1)

انظر: الفكر الإسلامي قراءة علمية لأركون: ص 139.

(2)

معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص 48. وانظر: معجم المصطلحات الأدبية لسعيد علوش: ص 56.

ص: 1067

سائر مقتضيات هذا المنهج "التاريخي" على نصوص الوحي بصورة تدل على اعتقادهم العميق بعصمة وصحة هذا المنهج، وهم في "التاريخية" و"الهرمنيوطقيا" أتباع مخلصون لفلسفة مارتن هايدغر

(1)

، ومتعصبون للمنهج التاريخي، ويعتبرون أن المعرفة التاريخية هي الأداة الأساسية لدراسة النصوص والمصير الإنساني، ويرون أن المنهج التاريخي قادر على الكشف عن طبيعة النص وأصله ومقصوده، وعن طبيعة الإنسان ومصيره، وعن القيم التي تشكل الحافز الأساسى للإنسان، وقد أدان مجموعة من الفلاسفة هذه النزعة المتزمتة التي تعتقد أن بوسعها نقل علم التاريخ من علم تأملي إلى علم يستند إلى التجريب والاختبار عبر قاعدة اختبارية تتمثل في مجموعات الأحداث التاريخية، وخطورة هذه العملية تكمن في أنها تؤدي إلى الاعتقاد بوجود قوانين حتمية تاريخية تسير المجتمع، مع ما ينتج عن ذلك من اتجاهات فكرية وعملية للسيطرة على الثقافات والمجتمعات تحت حجة قيادته وتغييره وفقًا لهذه القواعد التي وصفوها بالحتمية.

وقد سلكت النازية ثم الشيوعية الماركسية هذا المسلك وقامت فلسفاتها على هذا الأساس، وتقوم عمليًا اليوم فلسفة الغوب اللبرالية على هذه النظرة القاطعة، وإن كانوا لم يقولوا ذلك نظريًا، إلّا أن واقعهم السياسي والثقافي والإعلامي يرتكز على هذا المفهوم في الجملة؛ ولذلك

(1)

مارتن هايدغر 1889 - 1976 م، 1306 - 1396 هـ، فيلسوف ألماني، وبدأ دروسه عند الآباء اليسوعيين ثم واصل دراسة اللاهوت حتى حصل على الدكتوراه، انتمى إلى النازيين، وتتلمذ على الفيلسوف اليهودي هوسرل، وعنه أخذ الفهج الظاهراتي وأهدى إليه كتابه "الوجود والزمن"، ورغم أنه من المفكرين المعدودين في أوروبا في القرن العشرين إلّا أنه كان شديد التعصب لألمانيته لغة وشعبًا ووطنًا، ويرى أن شعبه هو الوحيد القادر على تجديد الفكر الغربي، أثر بأفكاره الظاهراتية وفلسفته في تأسيس علم الوجود على الفلاسفة الوجوديين وخاصة سارتر، وقد جعل هايدغر الوجود الإنساني هو الذي يكتشف من خلاله معنى الوجود، ويرى أن الموجود البشري قد قذف به في العالم ضد إرادته، وقد سبق تفصيل ترجمته بأوسع مما هنا في ص 126 من هذا الكتاب. وانظر: الموسوعة الفلسفية: ص 497 - 499، وموسوعة أعلام الفلسفة 2/ 538.

ص: 1068

يحاولون بسط سيطرتهم ونفوذهم في أوسع قدر ممكن من الأرض، تحت حجج التحضير والعصرنة وحقوق الإنسان والنظام العالمي الجديد، والإرادة الدولية، وغير ذلك.

وهذه النظرة المتزمتة المتشددة في استخدام "التاريخية" وتعميم منهجها والقطع بنتائجها، إلى حد التقديس والحكم القاطع وجعلها حتمية لازمة صائبة النتائج في كل الأحوال، هي التي غرق فيها أركون وجابر عصفور وعزيز العظمة ونصر أبو زيد وسائر المعارضين للوحى والمشككين في صحته وثبوته ومقتضياته، وهم في كل ذلك ليس لهم إلّا دور الاستيراد والتبني

(1)

.

لقد عاشوا وفي أعماقهم "منطقة فراغ" هائل بسب جهلهم بدينهم، وعجزت المناهج الغربية الوافدة أن تعطي لأصحابها اليقين وعوامل القوة والثبات، فاستمسكوا من هذه المناهج ما يظنون أنه يشكل لهم نقطة انطلاق، ومحور ارتكاز، فكانت "التاريخية" وغيرها من المناهج، وقد هربوا من تقديس المقدس حقيقة، فوقعوا في تقديس الأوهام والمناهج المتناقضة، ولا غرابة أن تجد منهم من يسلخ جلده ويغير موقفه بل وينقض بالشتائم والنقض لما كان يقدسمه من قبل؟ لانعدام الأسس والمعايير الاعتقادية الصحيحة التي يُمكن بها وزن الأمور بوضوح وموضوعية.

ومن أظهر موارد هؤلاء الذين يشككون في الوحي والنبوات "المورد الاستشراقي"، وقد تكلم المستشرقون كثيرًا عن التوحيد والوحي والنبوة، ودور الأديان ومهمتها في إطار من التشكيك والجحد للوحي والنبوة، ومحاولة تصوير الأنبياء على أنهم عباقرة ومصلحون تأثروا بالواقع الذي يعيشون فيه واستطاعوا استيعاب التراث القديم ثم صاغوه صياغة جديدة،

(1)

انظر عن التاريخية والتاريخانية: معجم المصطلحات الأدبية لسعيد علوش: ص 56، ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص 48، وقاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لسامي ذيبان: ص 108، والفكر الإسلامي قراءة علمية لأركون 132، 139، وإشكالية القراءة لنصر أبو زيد: ص 31، 36.

ص: 1069

فتلقف ذلك الإفعات من أبناء المسلمين فرددوه تحت حجج التاريخية والفيولوجية، وقالوا بأن القرآن نشأ في نفس محمد صلى الله عليه وسلم بتأثير البيئة التي عاش فيها، وقالوا بأن القرآن ليس وحيًا بل هو فيض من العقل الباطن، وأن محمدًا عليه الصلاة والسلام كان من الذكاء والعبقرية بحيث استطاع أن يصوغ هذه التأثيرات الباطنية في كلام، ثم يؤثر بها في الآخرين، ومؤدى ذلك أن القرآن ليس وحيًا بل هو من عمل البشر، وقد صرحوا بذلك، والهدف من هذه الدعوى قطع الصلة بين المسلمين والقرآن، تمهيدًا للاستيلاء التام عليهم، كما صرح بذلك غير واحد من الذين يديرون الصراع ضد العالم الإسلامي.

ولما كان الوحي هو حجر الزاوية في النبوات وفي الدين كله، فقد ركز عليه دعاة التغريب وأثاروا حوله الشبهات والشكوك، وساقوها في قوالب براقة من الأسماء والمصطلحات التي توهم بالدلالات الكبرى وهي لا تدل على شيء.

ومما لا ريب فيه أن محاولة النظريات المادية المستحدثة في جحد الوحي ومعارضته والتشكيك فيه كلها ستنال من الفشل والوهن أكبر النيل، وها نحن نرى أنها حازت على مميزات الفشل في واقع الأمم التي نشأت فيها هذه النظريات، وقادت إلى الدمار والضياع والفوضوية، وعارضها وناقضها وبين تهافتها آخرون من أولئك الأقوام، ولكن المستغربين من أبناء المسلمين تحت وطأة الهزيمة النفسية يسارعون فيهم ويتسولون على موائدهم، فإذا ظفر الواحد منهم ببنوية أو تاريخية أو وجودية أو سوريالية عاد بها فرحًا فرح الجعل بدحروجته!!.

وهذا كله على بشاعته وفداحته - لم يكفهم، بل طفقوا يهدمون كل ما يترتب على الإيمان بالكتب المنزلة من أحكام وعقائد وقيم، وخاصة القرآن الكريم الذي شرقوا بما فيه شرقًا، وقاومتهم حقائقه، وأخزتهم براهينه وأطفأت نيران مجوسيتهم المادية الإلحادية، أنوار هدايته ومعجزاته المستمرة الدائمة.

ص: 1070

وإذا تاملنا أوجه الانحرافات التي اقترفها المصابون بداء الحداثة والعلمانية حول قضية الوحي نجدها تدور على ثلاثة محاور:

1 -

انحرافات متعلقة بالتلقي.

2 -

انحرافات متعلقة بالفهم.

3 -

انحرافات متعلقة بالتطبيق.

وكل محور من هذه المحاور تحته عدة فروع من الانحرافات.

فقد نظروا إلى نصوص الوحي المنزلة على الأنبياء، نظرة شك وريبة قادتهم إلى الجحد والإنكار واستعملوا في ذلك أساليبهم المختلفة فسخروا منها، ونزعوا عنها القداسة استعملوا الأسلوب الحداثي المعروف بتدنيس المقدس، وتبنوا الرأي الابتداعي القديم:"القول - بخلق القرآن"، وقالوا بأن القرآن ليس حقيقة، وأنه كلام بشر، وغير ذلك من الهوس العلماني الحداثي الذي يريدون به إبطال الوحي جملة، والقرآن على وجه التفصيل.

فكان تلقيهم للوحي تلقي الجاحد الراد، أو تلقي الشاك المرتاب، مع أضاميم أخرى من السخرية والاستخفاف والتدنيس، ونفي حقيقته، ونسبته إلى غير قائله، وإسقاط قداسته، إلى آخر ما عند القوم من أوشاب ومصائب، تصل في نهاية الأمر إلى إلغاء الوحي وعزله عن الواقع وطرده من الحياة وإزاحته عن التطبيق، ومن أظهر وأخطر انحرافاتهم في هذا الباب:

جحد الوحي والتشكيك في ثبوته أو ثبوت بعضه وإرادة القضاء عليه.

وما فتئ المعادون للدين يجلبون بخيلهم ورجلهم على كل ما له علاقة بالدين، وخاصة أصوله وقواعده التي تقوم عليها أسس الديانة، وقد رأينا فيما مضى كيف توجهوا إلى أصول عقائد المسلمين محاولين الهدم والتخريب، وفي هذا الفصل سوف نرى كيف صوبوا سهام مكرهم وكيدهم وحقدهم على الوحي منبع العقائد والشرائع، ومنهل الهدى والرشاد، ومورد أهل الحق والخير والفضل.

وعندما أقول الوحي فإني أعني ما ثبت أن اللَّه تعالى قاله أو أوحى

ص: 1071

بمعناه إلى نبي من أنبيائه، أمّا الكتب المحرفة كالتوراة والإنجيل فإن الكلام هنا عن أصل نسبتها، ومصدر نزولها، وهذا حقيق بالاعتبار والاحترام، أمّا ما دخل عليها من تحريف وزيادة ونقصان، فقد بينا ذلك في الصفحات السابقة، وذكرنا أنه لا ينسب إلى اللَّه تعالى، وهو غير مراد بالكلام في هذا المقام؛ إذ هو من الكلام المختلق الذي لا احترام له ولا اعتبار في ميزان الحق.

ومن المهم أن نعرف كيف تسللت الضلالات الكفرية فيما يتعلق بنصوص الوحي إلى أبناء المسلمين، الذين ما كان أحد منهم يجرؤ على النيل من الفروع المستنبطة من نصوص الوحي فضلًا عن النيل من الوحي ذاته، بل كان الوحي عندهم من القداسة والاحترام بأرفع مقام.

حتى إذا خالطت بعضهم شبهات هذا العصر إثر التتلمذ على المستشرقين أو التلقي عن الغربيين، في أحضان استعمار يعادي هذه الأمة ويحاول اجتثاثها، بالجيوش، فإن لم يفلح فبالعملاء والأتباع الذين رباهم على عينه، ونشأهم على شبهاته.

فهاجت فيهم نيران الشبهات فأضحوا أئمة ضلال وإضلال داخلين في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد على قولهم، يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة"

(1)

.

وهو تشبيه بليغ يدل على حالهم الذي عاشوه؛ فإن من أخص أوصاف القردة التقليد للآخرين عن جهل وعمى، وهذا حال العلمانيين والحداثيين بمدارسهم العديدة المختلفة، مقلدة محاكون، وأتباع طيعون في أيدي أساتذتهم من الغربيين، تقاحموا في مناهج الإلحاد والشكوك كما تقاحم القردة، وأقبلوا يسفون قمائم المذاهب وزبالات الأفكار على أنها الهدى والخير، معرضين عن الحق معارضين له مستكبرين عنه.

(1)

أخرجه أبو يعلى في مسنده عن معاوية 3/ 367 حديث رقم 7377، والطبراني في الكبير 19/ 341 حديث رقم 790، وهو في صحيح الجامع 1/ 676 حديث رقم 3615 بهذا اللفظ.

ص: 1072

ودفع بهم الغزاة إلى مواقع التأثير، وحركوهم في دولاب المواجهة المستمرة بأوجه عديدة بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني، الذي ما فتئ من أيام الحروب الصليبية إلى اليوم يمارس أنواعًا من الصراع مختلف الأساليب متحد الغاية، ابتدأ بالصراع العسكري، ثم الفكري بالاستشراق والتغريب: (فمنذ استيقظ العالم الأوربي لنهضته الحديثة، وهو يرى عجبًا من حوله "أممٌ" مختلفة الأجناس والألوان والألسنة، من قلب روسيا إلى الصين، إلى الهند، إلى جزائر الهند إلى فارس إلى تركيا إلى بلاد العرب إلى شمال أفريقيا إلى قلب القارة الإفريقية وسواحلها، إلى قلب أوروبا نفسها تتلو كتابًا واحدًا يجمعها، يقرؤه من لسانه العربية، ومن لسانه غير العربية، وتحفظه جمهرة كبيرة منهم عن ظهر قلب، عرفت لغة العرب أم لم تعرفها، ومن لم يحفظ جميعه، حفظ بعضه، ليقيم به صلاته، وتداخلت لغته في اللغات وتحولت خطوط الأمم إلى الخط الذي يكتب به هذا الكتاب، كالهند وجزائر الهند، وفارس وسائر من دان بالإسلام، فكان عجبًا أن لا يكون في الأرض كتاب كانت له هذه القوة الخارقة في تحويل البشر إلى اتجاه واحد متسق على اختلاف الأجناس والألوان والألسنة، فمنذ ذلك العهد ظهر "الاستشراق" لدراسة أحوال هذا العالم الفسيح الذي سوف تتصدى له أوروبا المسيحية بعد يقظتها، وعلى حين غفوة رانت على هذا العالم الإسلامي، فكان من أول هم "الاستشراق" أن يبحث لأوروبا الناهضة عن سلاح غير أسلحة القتال، لتخوض هذه المعركة مع هذا الكتاب الذي سيطر على الأمم المختلفة الأجناس والألوان والألسنة، وجعلها أمة واحدة، تعد العربية لسانها، وتعد تاريخ العرب تاريخها، وبدأ الغزو المسلح وسار الاستشراق تحت رايته، وزادت الخبرة بهذه الأمم، فمن كان منها له لسان غير اللسان العربي، أعدت له سياسة جديدة لإغراقه في لسان الغازي الأوربي حتى يسيطر عليه، ومن كان لسانه عربيًا، أعدت له سياسة أخرى لإغراقه في تخلف مميت، لخصها وليم جيفور بلجراف

(1)

في كلمته

(1)

هو: وليم بلجريف، ويقال: بالجريف، ولد سنة 1826 م، وتوفي سنة 1888 م، =

ص: 1073

المشهورة: "متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يُمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدحرج في سبيل الحضارة -يعني الحضارة المسيحية- التي لم يبعده عنها إلّا محمد وكتابه")

(1)

.

ثم أعقب ذلك ما أعقبه من استيلاء على منابر الفكر والتربية والتعليم في مصر، ثم على منابر الصحافة والإعلام، ووضعت الخطط المدعومة من دول الغرب لدفع هذه الأمة في متاهات لا نهاية لها إلّا الإنغماس في ظلمات الانحراف والجهل والتهتك، وكان من أقوى أسلحتهم لإيجاد هذا الفراغ أخذ أو "بعث" بعض أبناء المسلمين إلى بلاد الغرب ليعودوا من هناك وكل همهم زحزحة الأجيال عن تراثها ودينها ولغتها وتدمير المناعة الذاتية في مقاومة الغزاة، وإيجاد الفراغ الاعتقادي والفكري والروحي تمهيدًا لاستنبات بذور النصرانية والوثنية واليهودية والمادية الإلحادية.

عاد المبتعثون من الغرب وقد اتخذوه مثالهم المحتذى، ساعين إلى جعل المشرق الإسلامي على المثال الغربي الذي أشربوا حبه.

وظاهرهم في ذلك من أبناء المسلمين من تربى على مناهج المستشرقين ومدارس التبشير وصحافة العلمانية، حيث حقن الجميع من المبتعثين المسلوخين، والمقيمين المنسلخين، حقنوا بالنموذج الغربي، ونصب هذا النموذج في أعينهم معيارًا لكل شيء، وإن اختلفت الأحوال والظروف والملابسات، فكان مما حقن في تفكيرهم، إن الصراع مع الدين وقواعده والثورة عليه هو أسالص النهضة، فقام التلاميذ الأتباع بهذا الدور المتمثل في أوجه عديدة: منها المعاداة للدين والمحاربة للقرآن والسنة والتشكيك في ثبوتها والدعوة إلى العامية والأحرف اللاتينية، وإشعال

= انضم إلى الرهبانية اليسوعية في لبنان وطوف المشرق العربي متنكرًا في زي طبيب سوري، ورحل إلى جزيرة العرب، ثم ترك مسوح الرهبان الذي كان يغطي به أعماله التجسسية وتحول إلى السلك الدبلوماسي في الحبشة وجزر الهند الغربية. انظر: المستشرقون 2/ 61.

(1)

أباطيل وأسمار: ص 157 - 158.

ص: 1074

النزعات القومية وتحليل أواصر الأمة الواحدة، وتجاوز كل اعتبار روحي في الحياة والاكتفاء بالمقاييس المادية، واعتبار الاتجاه المادي فلسفة كاملة بذاتها، مضادة لكل ما عداها، وتقديس العقل وتدنيس النقل، وإحياء الوثنيات والأساطير إلى آخر ما هنالك من أباطيل وأضاليل.

لقد كان التعليم للمبتعثين والسيطرة على التعليم في بلاد المسلمين المستعمرة أخبث وأنكى وسيلة استطاع الغربيون فعلها في مضمار غزوهم للعالم الإسلامي، فمن خلال هذين الأسلوبين أخرجوا أجيالًا من أبناء المسلمين وقد صبغوا بالصبغة التي أرادها لهم أساتذتهم.

وقد أكد ذلك المستشرق الحاقد "هاملتون جب"

(1)

حينما قال: (كانت النتيجة الخالصة لهذه الحركة التعليمية أنها حررت، بقدر ما كان لها من تأثير، نزعة الشعوب الإسلامية من سلطان الدين دون أن تحس الشعوب بذلك، وهذا وحده تقريبًا هو جوهر كل نزعة غربية فعالة في العالم الإسلامي، وهو المعيار الذي نقيس به قوة الرأي الحديث والرأي المحافظ أحدهما بالنسبة للآخر.

إن الإسلام من حيث هو دين قد فقد القليل من قوته، إمّا من حيث هو المسيطر على الحياة الاجتماعية فإنه أخذ في النزول عن عرشه؛ ذلك أن إلى جانبه قوى جديدة يصدر عنها سلطان يناقض تقاليد الإسلام وأوامره الاجتماعية في بعض الأحيان، ولكنه -رغم هذا- يشق طريقه بالقوة غير مبال بتلك الأوامر، ولكي نصف الموقف في أبسط العبارات نقول: إن ما حصل هو هذا، إلى عهد قريب، لم يكن للرجل العادي بين الرعايا المسلمين مآرب أو أعمال سياسية ولم يكن له أرب قريب المنال إلا الأدب

(1)

مستشرق إنجليزي مولود في الاسكندرية سنة 1312 هـ/ 1895 م، من أعلام المستشرقين المعاصرين، ومن القائمين على تغريب التعليم في مصر، كان عضوًا مجمعيًا في القاهرة ودمشق، درس اللغة العربية، في جامعات لندن واكسفورد وهارفرد، وكان مديرًا لمركز دراسات الشرق الأوسط. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1290.

ص: 1075

الديني، ولم تكن له أعياد ولا حياة اجتماعية إلّا مقترنة بالدين، فكان الدين عنده كل شيء، أمّا الآن فقد اتسع مدى مصالحه في كل البلاد الراقية، ولم يعد نشاطه مقيدًا بالدين، فوضعت المسائل السياسية تحت نظره، وقرأ وقرئ له عدد من المقالات في موضوعات متنوعة لا علاقة لها بالدين، وربّما لا تتعرض لوجهة النظر الدينية مطلقًا، كما أن الحكم عليها قد يكون مقيدًا بمبدأ مختلف عن مبادئ الدين كل الاختلاف، وهو يجد أن الرجوع إلى المحاكم الشرعية لا يغنيه شيئًا في كثير من مصاعب حياته ومشاكلها، بل يجد نفسه خاضعًا لقانون مدني قد لا يعلم له مصدرًا صحيحًا يستمد سلطانه منه، ولكن لا شك أن هذا القانون لا يستمد سلطانه من القرآن ولا من السنة، ولم يعد الدين هو الرابطة الاجتماعية الوحيدة أو على الأقل الكبرى بينه وبين إخوانه، إذ أن مهام أخرى لا تمت إلى الدين بصلة ترغمه على الالتفات إليها، وهكذا نرى سلطان الإسلام قد انفصمت عراه عن حياته الاجتماعية، وهذا السلطان ينحسر شيئًا فشيئًا حتى يقتصر على دائرة صغيرة من الأعمال.

حدث كثير من هذا في غفلة من الناس لم يفطن إلى إدراكه إلّا عدد قليل من المتعلمين، ولم يعمد إلى تحقيقه إلّا عدد أقل من ذلك، ولكن التيار سار جارفًا لا يلوي على شيء وحينما رسخت قدمه لم يعد رده ممكنًا، ويظهر من المستحيل الآن ولاسيما إذا راعينا ازدياد المطالبة بالتعليم والازدياد في اتخاذ الأنظمة الغربية أن تنعكس، وأن يعود الإسلام إلى استئثاره بالسلطة الاجتماعية والسياسية استئثارًا لا ينازع فيه)

(1)

.

وهكذا وصف "جب" الموضوع وصفًا حقيقيًا وأوضح جوهر الصراع وأهدافه، توضيحًا عميقًا، ولو أن كاتبًا مسلمًا قال ذلك لقالوا: نظرية التآمر تسيطر على فكره، أو التخلف والجمود ومضادة الانفتاح، إلى غير ذلك من شتائم الجبهة العلمانية، ولكن أحد الذين مارسوا العمل التغريبي من خلال

(1)

وجهة الإسلام: ص 217 - 218، وهو مجموعة من البحوث التي كتبها المستشرقون: هاملتون جب، وماسنيون، وكامبغمابر، وبرج، وفرار، ترجمة محمد عبد الهادي أوريدة.

ص: 1076

التعليم المحلي والتعليم الابتعاثي يشخص الموقف والهدف والغاية من وراء كل المساعي الغربية "استشراقية أو تبشيرية أو تعريبية".

إن الصراع الدائر بين المسلمين الأصلاء وأبناء المسلمين الممسويخن يدور في الحقيقة على قضية سيادة الدين أو عدم سيادته.

وما الكلام عن قضية الوحي إلّا أحد هذه الميادين التي بدأ الصراع فيها مكشوفًا منذ عاد أعمى البصر والبصيرة "طه حسين" من فرنسا وهو يحمل جرثومة العداء للدين، فهاجم نصوص الوحي صراحة بلا مواربة، تحت حماية أسياده، وفتح باب جحدها والشك فيها والسخرية والاستخفاف بها ونفي كونها حقيقة ثابتة، ورفع القداسة عنها.

جاء طه حسين بما انطوت عليه نفسه من غل على القرآن والإسلام، وبما اجتمع عليه قلبه من دخائل العقائد الباطلة والجهالات المتواصلة، آخذ بذنب آراء الموجهين في فرنسا، ومديري التعليم الانجليز في القاهرة، فإذا هو يعلن ما استنسخه من كتبهم، ويشهر ما نقله عن محاضراتهم ودروسهم في زوايا الصمت الباردة المظلمة التي كانت تواري تحت صمتها البارد المخازي والمؤمرات، فكان كتابه "في الشعر الجاهلي" الصيحة الأولى المعلنة لفصل الدين عن الأدب والتاريخ والحياة الثقافية، بل كان هذا الكتاب التطبيق المعلن لمحاربة الإسلام على يد أبنائه، وذلك حين أعلن قائلًا:(للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة)

(1)

.

ثم أضاف: (فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية، وهي بمكة هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة، وإذا كان هذا حقًا،

(1)

في الشعر الجاهلي: ص 26 - 27.

ص: 1077

ونحن نعتقد أنه حق، فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تحدثت عنها الأساطير، وإذن فليس ما يمنع قريشًا من أن تتقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما ذلك لأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإيناس بن يريام صاحب طراوده)

(1)

.

كانت هذه إحدى أول صرخات الردة والمواجهة للدين والمناقضة الكاملة للوحي المعصوم.

وقد تصدى لها جهابذة من أصحاب الغيرة على الإسلام، وفندوا هذا الكتاب، وبينوا من أين استنسخه طه حسين، وما فيه من تناقض وتهافت وإلحاد وضلال

(2)

، ومن ذلك ما كتبته لجنة العلماء في مصر التي قررت أن (الكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن عندهم من المعلومات الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم. . . وترى اللجنة أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا الشر من أصله وتطهر دور التعليم من "اللادينية" التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام تحت شعار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى، واضطرب حبل الأمن؛ لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام.

الكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلًا

(1)

المصدر السابق: ص 28.

(2)

انظر: تحت راية القرآن للرافعي رحمه الله، ونقض كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد الخضر حسين رحمه الله، ومحاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد الخضري رحمه الله، ونقد كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد فريد وجدي، والشهاب الراصد لمحمد لطفي جمعة، وفي الشعر الجاهلي والرد عليه لمحمد حسين، والنقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي لمحمد أحمد المغراوي، والمدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين لنجيب البهبيتي، وغيرها.

ص: 1078

يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولًا لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلّا ليأتي عليها من أصولها، وبخاصة الدين الإسلامي. . .).

ثم أوردت اللجنة النص السابق عن إبراهيم وإسماعيل وعقبت قائلة: (أنكر المؤلف بهذا هجرة سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل عليهما السلام، وقال: إن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، وهو تكذيب صريح لقول اللَّه تعالى في سورة إبراهيم حكاية عنه عليه الصلاة والسلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)}

(1)

.

وقال في الصفحة نفسها "نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة -يريد قصة الهجرة- نوعًا من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى".

وهو في هذا النص يصرح بأن القرآن اختلق هذه الصلة بين إسماعيل والعرب ليحتال على جلب اليهود، وتأليفهم وينسب العرب إلى أصل ما جد زورًا لأسباب سياسية أو دينية، وهذا من منتهى الفجور والفحش والطعن على القرآن في إثباته أبوة إبراهيم للعرب في قوله تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}

(2)

الآية)

(3)

.

وعلى رغم المناوءة الجادة والمناقشة الصريحة التي فضحت طه حسين وكشفت عمالته وخبث معتقده، إلّا أنه مُكِّن له، لأن الشق الثاني من تلاميذ الغرب كانوا على رأس الإدارة الحاكمة فقاموا بحماية زميلهم بتكليف من أساتذتهم.

(1)

الآيات 35 - 37 من سورة إبراهيم.

(2)

الآية 78 من سورة الحج.

(3)

هذا التقرير منشور بتمامه في كتاب تحت راية القرآن للرافعي: ص 167 - 171.

ص: 1079

وإلّا لو كانت هذه الأقوال -الموجبة لحد الردة- نشرت في بلد يحكم بالإسلام لكان الأمر غير الأمر!! لاسيما وقد رد طه حسين على تقرير العلماء والكتاب بما يثبت أنه مصر على أقواله الضالة.

وبهذا العمل وأشباهه تقدمت عجلة التغريب تقدمًا عمليًا لتدوس في طريقها القواعد والكليات وتحطم المبادئ والقيم والثوابت والأصول، في ظل حماية الأوصياء على الثقافة والإدارة، وتحت شعارات النفاق العصري: حرية الثقافة، وحرية البحث العلمي، وعالمية المعرفة، ووجوب النقد، إلى غير ذلك من شعارات أريد بها أول ما أريد هدم الإسلام واجتثاثه، على غرار ما وصف هاملتون جب في قوله المذكور سابقًا.

وقد عني الحداثيون بطه حسين وفكره غاية العناية، واهتموا بدراسة أعماله وآثاره المظلمة؛ باعتبار قائدًا للمشروع التنويري الجذري الشامل -بل حد تعبير أحد الحداثيين

(1)

- إلى حد جعل مجموعة من طواغيت الحداثة الذين يصدرون كتابًا دوريًا بعنوان "قضايا وشهادات"، يخصصون العدد الأول منه عن طه حسين، ويجعلون ديباجة التعريف بقضايا وشهادات قولهم:(قضايا وشهادات، كتاب دوري يتطلع إلى عمل ثقافي جماعي، يبدأ من أسئلة الواقع اليومي التي تمس المثقف ودوره بقدر ما تمس الإنسان العادي الباحث عن الخبز والحرية والكرامة الوطنية، يطمح الكتاب إلى ربط الثقافة الديموقراطية العربية الراهنة بماضيها الثقافي، الذي قاتل من أجل العقلانية وكرامة الإنسان، وبناء مجتمع مدني تكون فيه المصلحة العامة متكأ للقول والفعل والمبادرة. . . .)

(2)

.

ويعجب العاقل من الحرية التي يدعونها، وهم يمارسون أبشع أنواع

(1)

انظر: قضايا وشهادات العدد الأول بعنوان طه حسين العقلانية الديموقراطية الحداثة: ص 5 من قول لسعد اللَّه ونوس.

(2)

قضايا شهادات - العدد الأول: ص 1، ويشرف على هذا الكتاب الدوري كل من البعثي السعودي عبد الرحمن منيف والشيوعي الأردني فيصل دراج والعلمانيين الليبراليين سعد اللَّه ونوس وجابر عصفور.

ص: 1080

الجور والعدوان والظلم والاستبداد ضد المسلمين في عقائدهم وتاريخهم وحضارتهم، ولا يسمحون في منابرهم بصوت إسلامي يناقشهم أو يحاورهم، والكرامة الوطنية التي يزعمونها وهم يسعون جاهدين إلى رمي الأوطان وإمكاناتها في إحضان الغرب، بكل ما أوتوا من جهد وقوة، والعقلانية التي يتبجحون بها وهم في أقصى درجات التخلف العقلي بإلحادياتهم ووثنياتهم وعلمانياتهم.

وقد حاولوا فعلًا الربط بين اتجاهاتهم المغرقة في الانحراف والضلال، واتجاهات أسلافهم من أمثال طه حسين ولويس عوض وسلامة موسى والطهطاوي، وقد أترعوا هذا الكتاب من قضايا وشهادات بالمدائح لطه حسين والثلب والسب لكل من عارضه أو خالفه، في خضم من حمية الجاهلية المعهودة، والتي وصفها اللَّه تعالى في قوله:{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)}

(1)

.

وقد قسموا هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام، الأول بعنوان "طه حسين وتحرير العقل"

(2)

، والقسم الثاني بعنوان "طه حسين والحداثة"

(3)

، والقسم الثالث بعنوان "طه حسين وأزمة في الشعر الجاهلي"

(4)

.

(1)

الآية 67 من سورة التوبة.

(2)

وكتب تحت هذا القسم فيصل دراج بعوان "الشيخ القليدي والمثقف الحديث"، وكتب يوسف سلامة "ديكارت وطه حسين مشكلة المنهج"، وكتب عبد الرزاق عيد "طه حسين ومنطلق العقلانية"، وكتب أحمد برقاوي "طه حسين والعقلانية".

(3)

وكتب تحت هذا القسم بهاء طاهر "صورة الغرب في آداب طه حسين"، وكتب علي سعد "مستقبل الثقافة في مصر في سيرة طه حسين الفكرية"، وكتبت أمينة رشيد "الإنسان المتمرد"، وكتب رشيد بوجدره "طه حسين الحداثة والذاتية"، وكتب عزّ الدين نجيب "طه حسين ومستقبل الفن في مصر"، وكتب سمير فريد "طه حسين والسينما"، وكتب محمود أمين العالم "طه حسين الحلم والواقع والمستقبل".

(4)

وكتب تحت هذا القسم عزيز العظمة "النص والأسطورة والتاريخ" وهو البحث الذي ألقاه في ندوة دار الساقي المسماة "الإسلام والحداثة" ونشر في الكتاب الناتج عن هذه =

ص: 1081

والنظرة الأولية العجلى على العناوين والمقالات تكشف أي منزلة احتلها طه حسين عند هؤلاء باعتباره أول من اقتحم المقدس -حسب تعبيرهم-، وأول من رسخ مبادئ التفكير الديمقراطي الليبرالي، وأول من تجرأ على الاندفاع نحو الغرب، نحو المجتمع الحر!!، وأظهر عن أبرز وظيفة العقل العصياني، وقوض مسلمات التاريخ واللغة والدين، وأوجد أسلوب التمرد على المسلمات والرفض، وإعادة الصياغة لكل شيء، إلى آخر ما هنالك من مدائح حداثية هي عين الإدانة والذم، وهي - في الآن ذاته أمثلة على الانحراف المستشري، وأدلة على مدى ما وصلت إليه الحداثة وأربابها من عداوة لدين الإسلام وقرآنه وسنته ولغته وحضارته.

إن المعاني التي تواطأ عليها الحداثيون في إطرائهم الشديد والمبالغ فيه لسلفهم طه حسين لتؤكد تمام التأكيد أي معنى من الخصام واللدد الذي انحدر إليه سفهاء أهل التكذيب والفساد والمكابرة والشك، بحيث لا يُمكنهم الانصراف عن رأي يكون فيه الهوى والشبهة أساس المرتكز وجوهر الفكرة، بل هم يتهافتون على ذلك تهافت الذباب على موارده، فهم في غياهب جهلهم سادرون ويحسبون أنهم يبصرون، وفي ظلمات شكوكهم سائرون ويظنون أنهم مستبصرون، ولقد تحدث القرآن العظيم عن هذه الطباع الجاهلية الحمقاء المكابرة، وبين مقدار الصلف والعناد الذي جمدت عقولهم عليه، ويبست قلوبهم على سخائمه النتنة.

قال اللَّه تعالى: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)}

(1)

.

= الندوة، وكتب هادي العلوي "طه حسين والتعصب الديني"، وكتب سيد البحراوي "قراءة في الشعر الجاهلي"، وكتب محمد جمال باروت "طه حسين والمؤسسة الأزهرية"، وكتب محمد عفيفي "الأبعاد الاجتماعية والسياسية لأزمة في الشعر الجاهلي"، وكتب علي فهمي "دلالات التحقيق القضائي حول "في الشعر الجاهلي" ووثيقة عن قرار النيابة الصادر حول كتاب "في الشعر الجاهلي"، وكتب محمد كامل الخطيب "الصراع بين العقلانية واللاعقلانية".

(1)

الآية 103 من سورة المائدة.

ص: 1082

وقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)}

(1)

.

وقال سبحانه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55)}

(2)

.

وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)}

(3)

.

ومنذ أن فتح طه حسين باب الجحد والتشكيك في نصوص الوحي، ليكون أكبر أداة أوربية استعمارية تعمل علنًا في إفساد عقيدة الأمة وحل عروتها الوثقى من دينها، منذ أن فعل ذلك تتالت على إثره محاولات التشغيب على الدين، والتشكيك فيه عن طريق الأدب والفن، فإذا نحن أمام جمهرة من الحثالة ليس لهم هم إلّا الدأب في إزالة ما وقر في نفوس المسلمين من تعظيم نبيهم وكتابهم، وإيثار دينهم وفضائل أخلاقهم، وإجلال علمائهم وسلفهم.

واستعملوا في ذلك وسائل عدة، مرة بالتكذيب الجلي، ومرة بالتهكم، ومرة بالزراية، ومرة باسم البحث العلمي أو الأدبي أو الفلسفي، حيث لا علم ولا أدب ولا فلسفة، إنما جهل وضلال وانحراف، وبذلك تكون أوروبا قد نالت من المسلمين وأوجعت غاية الوجع بهذه الأدوات الإنسانية التي تسمي طه حسين ونصر أبو زيد وحسن حنفي وفرج فودة. . . وأشباهها من الأدوات التي احترفت التدمير والخراب، تحت صياح دعائي، وشعارات تسويقية من حروف الدال الممنوحة من السوربون وأشباهه،

(1)

الآية 22 من سورة الأنفال.

(2)

الآية 55 من سورة الأنفال.

(3)

الآيتان 43، 44 من سورة الفرقان.

ص: 1083

وعبارات العقلانية والعلمية والأدبية والنقدية، وغير ذلك من وسائل ترويج هذه الأدوات الإنسانية المربوطة بخيوط ظاهرة أو خفية بأوروبا.

ولو كانوا صادقين في مزاعمهم أنهم أحرار مفكرون لما كانوا في حضيض التقليد والمحاكاة يعمهون، إذ التقليد والاحتذاء يسقط الثقة ممن يدعي حرية الفكر؛ لأن الحرية لا تأتي بتقليد الآخرين والنسخ على منوالهم، فهذه عبودية وتبعية؛ لأن المقلد نزع نفسه من بنيان أمته وحضارتها وتاريخها وثوابتها تحت دعوى التحرر، ثم غرس نفسه في وحول الأمم الأخرى المعادية لأمته تاريخًا وواقعًا، وجرى في مجراهم يكرر ما يقولون ويترجم ما يكتبون، ويحارب أمته وقومه ليكسب رضى الأسياد ومدحهم، فأية حرية في هذا؟!.

لقد توارد الحداثيون على النيل من نصوص الوحي، وبرزت مواهبهم في كسب اعتراف الغرب بهم، ومن هؤلاء محمد أحمد خلف اللَّه

(1)

، الذي أعد رسالة للدكتوراه -أيام كان في كلية الآداب- بعنوان "الفن القصصي في القرآن" أشرف عليها أمين الخولي

(2)

، الذي شاركه الفكرة ودافع عنه فيها.

(1)

محمد أحمد خلف اللَّه، مصري شيوعي، عضو مؤسس، وأمين للحزب الشيوعي المصري المسمى حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، حارب القرآن تحت شعار الفن القصصي، وقال بأن القصص في القرآن ليس حقيقة، بل أساطير، وشكك في ثبوت القرآن وصحته، وفي ثبوت السنة، أفتى علماء الأزهر وغيرهم ببراءته من الإسلام. انظر: كتاب هجمات علمانية جديدة لكامل سعفان: ص 11 - 50.

(2)

أمين الخولي، كاتب مصري، ولد عام 1312 هـ/ 1895، وتوفي عام 1385 هـ/ 1966 م تخرج من مدرسة القضاء الشرعي ودرس فيها، ونقل إلى كلية الآداب مدرسًا فأستاذًا ثم شغل منصب مدير عام الثقافة في وزارة التعليم في مصر، كون جماعة "الأمناء"، وأصدر مجلة الأديب سنة 1375 هـ/ 1956 م، وهو الذي علم محمد خلف اللَّه الجرأة على القرآن، تزوج بتلميذته عائشة بنت الشاطئ بعد قصة حب طويلة وبه تأثرت، تزعم الدفاع عن طه حسين، الذي كان مشرفًا على عائشة بنت الشاطئ في الدكتوراه، ابتعث إلى أوربا وبرلين، ورد على الذين انتقدوا طه حسين ومحمد خلف اللَّه، وأفتى علماء الأزهر بكفرهما، ووقع الفتوى جميع شيوخ الكليات =

ص: 1084

ورد عليها عدد كبير من علماء مصر وكتابها ومثقفيها

(1)

، وأقيمت عليهما دعاوى قضائية، وتتضمن رسالة خلف اللَّه المسماة "الفن القصصي في القرآن" عدة أمور تشكك في القرآن، منها:

أن القصص في القرآن عمل فني خالص خاضع لما يخضع له الفن من إبداع وابتكار، من غير التزام بصدق التاريخ والواقع، وأن محمدًا فنان بهذا المعنى، وعلى هذا الأساس كُتبت كل الرسالة من أولها إلى آخرها.

ويرى أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وإنّما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادثة تصويرًا فنيًا بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد، حسب زعمه.

ويرى أن الإجابة عن الأسئلة التي كان يوجهها المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم ليست تاريخية، ولا واقعة، وإنّما هي تصوير لواقع نفسي عن أحداث مضت، أو أغرقت في القدم، سواء كان ذلك الواقع النفسي متفقًا مع الحق والواقع أم مخالفًا لهما.

ويزعم أن القرآن قرر أن الجن تعلم بعض الشيء، ثم لما تقدم الزمن قرر القرآن أنهم لا يعلمون شيئًا، والمفسرون مخطئون حين يأخذون الأمر مأخذ الجد.

ويرى أن الأنبياء أبطال ولدوا في البيئة وتأدبوا بآدابها، وخالطوا الأهل والعشيرة، وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة ودانوا بما تدين به من رأي وعبدوا ما يعبدون من إله.

ويقول بصراحة: إن القصة الأسطورية موجودة في القرآن.

= وأساتذتها. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1247، وهجمة علمانية جديدة لكامل سعفان: ص 38 - 39، 40، 48، 52 - 53.

(1)

ممن رد عليها أحمد أمين، وعلي الطنطاوي، وأحمد الشايب، ومحمد علم الدين، وعبد الوهاب عزام، والعقاد، وغيرهم، وممن دافع عنه أستاذه أمين الخولي والقاص توفيق الحكيم. انظر كل ذلك في: هجمة علمانية جديدة: ص 16 - 50.

ص: 1085

وأن قصة موسى في سورة الكهف لم تعتمد على أصل من واقع الحياة، بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ.

وأن القرآن عمد إلى بعض التاريخ الشعبي للعرب وأهل الكتاب ونشره نشرًا يدعم غرضه كقصة ذي القرنين.

وأن قصة إبليس من نوع الخلق الفني الذي يتشبث فيه القرآن بالواقع.

وأن القرآن اختلق صور الجن والملائكة.

وأن القصص في القرآن متدرج كما يتدرج أدب كل أديب، فالأديب يلتمس المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض له، وكذلك القرآن، ومن مظاهر ذلك النسخ والتدرج في التشريع

(1)

.

وهذه الأقوال كما يرى من له أدنى إلمام بالإسلام تناقض تمام المناقضة عصمة القرآن العظيم، بل قضية واحدة منها تكفي للحكم على قائلها بالردة والكفر

(2)

، كما قال تعالى:{قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}

(3)

.

وَوَسْمه قصص القرآن بالأساطير هو عين قول الكافرين الأولين: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)}

(4)

.

(1)

هذا ملخص تقدم به أحمد أمين أحد أعضاء المناقشة لهذه الرسالة ورأى أن هذه مسائل خطيرة ورسالة خطيرة. انظر: هجمة علمانية جديدة: ص 18 - 20، ولخلف اللَّه أقوال أخرى مشابهة لما ذكر. انظر: موسوعة الحضارة العربية الإسلامية - الجزء الثاني: ص 133 - 184.

(2)

وقد أثنى محمد أركون على كتاب خلف اللَّه هذا بأنه قد امتلك الجرأة وانتقد حرصه على مراعاة الموقف الإسلامي الإيماني، وزعم أنه قدم تنازلات مهمة تجاه عقيدة الإعجاز، فتأمل منحدرات الضلال إلى أين تصل بأصحابها. انظر: كتاب الفكر الإسلامي قراءة علمية لمحمد أركون: ص 202 - 203.

وأثنى نصر أبو زيد على أمين الخولي في كتابه مفهوم النص: ص 10، 19.

(3)

الآيتان 65، 66 من سورة التوبة.

(4)

الآية 5 من سورة الفرقان.

ص: 1086

وقد أخبر اللَّه عنهم وعن أشباههم ووصف حالتهم وصفًا تفصيليًا فقال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}

(1)

.

نعم إن هذا هو الوصف الحقيقي لحالتهم النفسية والفكرية ومخططاتهم المستقبلية، فمنذ أن فتح طه حسين باب الجحد والتشكيك في القرآن والوحي عمومًا أتى بعده من استطرد وزاد، كما فعل محمد خلف اللَّه، ثم أتى بعدهما من زاد وطم على ضلالاتهم، واسترسل في أبواب الجحد والتشكيك والإلحاد.

فها هو عزيز العظمة يتعرض لهذه القضية تحت عنوان "النص والأسطورة والتاريخ" في ندوة عقدتها دار الساقي في لندن عام 1410 هـ/ 1990 م بعنوان "الإسلام والحداثة"، وفيه قرر أن مراده بالنص: النص المقدس؛ لأنه في وضع يتعالى على التاريخ مع أنه في الحقيقة يخضع للتاريخ حسب قوله؛ لأن النصوص المقدسة ولدت في التاريخ وبه انفعلت، وفيه أثرت، فالتاريخ مجالها، وفي التاريخ أسرارها ومكامنها، ومن التاريخ أساطيرها وأسطورتها، كما أن في العلوم التاريخية والإنسانية الحديثة مفاتيحها

(2)

.

(1)

الآيات 21 - 26 من سورة الأنعام.

(2)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 259. وقد نشر هذا المقال أيضًا في كتاب قضايا وشهادات - العدد الأول: ص 306.

ص: 1087

ثم طالب بعد هذا الخلط قائلًا: (دعونا إذن نعاين كيف نظر علماء المسلمين، من متقدمين ومتأخرين إلى النص ونقارن بين هذه النظرة وما تفرضه علينا الحداثة)

(1)

.

وفي هذا التقسيم بين نظرة علماء المسلمين وأزلام الحداثة اعتراف بالفرق بين الطائفتين، وبين المبدأين، وهو اعتراف تؤكده جميع الأحوال والأقوال والاعتقادات لكل من الفريقين، وقد تحدث عن نظرة علماء المسلمين لنصوص الوحي القائمة على التقديس للوحي، وعصمة المبلغ وصحة التبليغ.

ثم يقول بعد ذلك في جرأة علمانية حداثية معروفة: (لم يتصد العلماء المسلمون إلى قضية صحة الأخبار والنقول على نحو منهجي منظم متجرد)

(2)

.

وإن تعجب من شيء -أيها القارئ- فاعجب من هذه الدعوى العارية من البرهان، بل المخالفة لكل برهان، فإنه لم يُعرف في تاريخ البشرية جمعاء عناية بالنقل وأسانيده وسائر أحواله مثل عناية المسلمين بذلك، وقد وضعوا لتحري صحة النقل الأصول والقواعد العلمية مما يعتبر مفخرة للبشرية كلها وللمسلمين على وجه الخصوص، وقد اعترف بدقة المناهج الإسلامية، وشدة تحريها في النقل المنصفون من أهل الغرب، الذين يسارع الحداثيون العرب في الحصول على رضاهم.

إن عزيز العظمة يتوارد في طريقته هذه مع الرافضة والملاحدة والزنادقة، ويطابقهم مطابقة النعل للنعل، ولا يستبعد ذلك منه ومن أمثاله، ما دام كلا الفريقين أسقط الإيمان من حسابه وتجرد من دينه، وانحاز إلى الضفة الأخرى يرمي بسهام الهدم والتدمير والرفض والتفجير على كل ما له علاقة بالدين، والعبرة كل العبرة في عقائد هؤلاء التي انحرفت عن الهدى وتلقت مناهج الردى، فكان من أثر ذلك ما كان من انسلاخ عن الدين وتقحم في الأكاذيب

(1)

و

(2)

المصدر السابق: ص 260.

ص: 1088

والافتراءات؛ لأن الباطل لايجد أبدًا قوته في ذاته وطبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى فتمسكه أن يزول، فإذا تراخت هذه القوة -وهي لا شك متراخية- اضمحل الباطل المستند إليها، أمّا الحق فثابت بطبيعته، قوي بنفسه.

وما نراه من دعاوى الحداثيين والعلمانيين وسائر قطيع المستغربين لا يخرج عن هذا قيد أنملة، وكيف لا وقد وصفهم أصدق القائلين بقوله:{ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)}

(1)

فالوهن خاصية كل باطل وصلب كل ضلالة، ودليل ذلك من الواقع أننا نرى كل هذا التكالب العلماني الحداثي على الإسلام والقرآن والسنة وسائر قضايا الشريعة والعقيدة، وهو تكالب امتد في الزمان أكثر من قرن ونصف، وعاضدته قوى الكفر وأذيالها كل المعاضدة، ومع ذلك نرى أن الإسلام يقوى وجوده بين المسلمين، ويعود إليه أفراد المسلمين وجماعاتهم، وتتحرك دماء الحمية الإيمانية في عروقهم.

ولو أن كيدًا وجه إلى ملة غير المسلمين لانقرضت وزالت من الوجود، وهذه معجزة الهداية الإيمانية التي أثبتت أن اجتثاث الإسلام لا يُمكن ولا يحصل ولا يتحقق مهما فعل الأعداء، وأقرب مثال على ذلك مافعلته دولة الإلحاد الهالكة دولة الاتحاد السوفيتي في المسلمين في بلاد ما وراء النهر أو ما يطلق عليه في العرف السياسي اليوم "الجمهوريات الإسلامية"، فقد سعى الشيوعيون بكل طاقاتهم لتكفير المسلمين وإخراجهم من دينهم، وبعد سبعين سنة انقشعت غمة الإلحاد، ورأى العالم كله كيف أظهرت هذه الشعوب عودتها إلى دينها واستمساكها بعقيدتها.

وهذا مقتضى التحدي الإلهي للكافرين في قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)}

(2)

.

(1)

الآية 18 من سورة الأنفال.

(2)

الآيتان 46، 47 من سورة إبراهيم.

ص: 1089

وعودة إلى مهازل أبي جهل المعاصر: عزيز العظمة، فبعد أن تكلم عن إخفاق المسلمين في تحري صحة الأخبار، كشف عن جهله، باشتراط الإجماع في السند الحديثي

(1)

.

ثم انكشفت عداوته في تشكيكه المكشوف في ثبوت السنة النبوية المطهرة، مع أساليب من التلبيس والمغالطة

(2)

، واعتماد الأكاذيب مثل قصة الغرانيق

(3)

الموضوعة، والتي قال عنها بأنها اشتهرت في يومنا تحت عنوان "الآيات الشيطانية"، وقال عن حديثها بأنه حديث يجافي الرواية التقليدية، ولو أنه لا يجافي طبائع الأشياء بل يماشيها

(4)

!!.

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 260.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 261.

(3)

قصة الغرانيق، ذكرها المفسرون عند قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)} الآية 52 من سورة الحج.

وقد أخرجها ابن جرير في تفسيره مجلد 10 - 17/ 186 - 189، وسكت عنها، والسيوطي في الدر المنثور 4/ 661 - 664، والبغوي في معالم التنزيل مجلد 175/ 393 - 394، والقرطبي في أحكام القرآن 3/ 1229 - 1303، والشوكاني في فتح القدير 3/ 461 - 464، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم 3/ 239 - 241.

وذكرها ابن حجر في فتح الباري 8/ 438 - 440، وعياض في الشفاء 2/ 749، وذكرها محمد أبو شهبة في كتابه الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: ص 314 - 323، وألف فيها محمد ناصر الدين الألباني رسالة بعنوان نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، وكذلك فعل تلميذه علي بن حسن الحلبي حيث ألف رسالة بعنوان دلائل التحقيق لإبطال قصة الغرانيق رواية ودراية، وذكرها إبراهيم شعوط في كتابه أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ: ص 61 - 71، وقد بينوا ما في سند هذه القصة من علل تقضي بأنها موضوعة مكذوبة واهية الإسناد، ضعيفة لا تنجبر بحال من الأحوال.

وبينوا ما في متن هذه القصة من نكارة وشذوذ وعلل اعتقادية ومخالفة صريحة للتوحيد، واتهام واضح للنبي صلى الله عليه وسلم، وما فيها من مناقضة واضحة للقرآن العظيم، وأصول الإيمان.

(4)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 262.

ص: 1090

فتأمل كيف يشكك في السنة النبوية الثابتة، ويثبت قصة الغرانيق الموضوعة وهو مسلك أهل الضلال والهوى على مر العصور والدهور.

ثم تكلم عن الإجماع قائلًا: (وما الإجماع إلّا ممارسة سلطانية في ميدان المعرفة وإطلالة سلطانية على التاريخ)

(1)

.

وهكذا بالدعوى العرية عن أي برهان، يلغي أصلًا من أصول الفقه الإسلامي، ويزداد العجب حين تعلم أنهم يدعون الموضوعية والعقلانية وتحري الدقة!!.

ثم ينتقل بدخان شبهاته إلى كلام ربنا العظيم إلى القرآن المجيد فيقول عنه: (والقرآن نص ذو تاريخية معينة استصلحها العلماء المسلمون في العصور الوسطى، وفي أيامنا هذه استصلاحات شتى لمقاصد شتى، وهي ما نطلق عليها عبارة "أسباب النزول" ولكن علينا الاحتراز من التسرع الفرح والافتراض مع بعض التنورين من الإسلاميين، أن في أسباب النزول نهجًا عقلانيًا وتاريخيًا متكاملًا للنظر إلى النص القرآني)

(2)

.

ثم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم خاضعين للأجواء التي أحاطت بهم، مما أدى إلى استخدام ألفاظٍ أخذوها من محيطهم، أي: أن ألفاظ الشريعة ليست وحيًا من اللَّه، بل مخترعة لا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه -مع ما في هذه الدعوى من ضلال وكذب- بل من الجو المحيط بهم، فيقول:(لم يكن محمد ولم يكن معاصروه معتزلة ولا كانوا أشاعرة، ولا فلاسفة، ولابد أن المعاني التي تداولوها من محيطهم والتي أسندوها إلى ألفاظ الألوهية والجبروت والغفران واليد والعرش وغيرها من عبارات الذات والصفات الإلهية تتميز تميزًا كبيرًا عما أسندوا إليها لاحقًا في المجتمعات المتمدنة في دمشق وبغداد ونيسابور وقرطبة)

(3)

.

(1)

المصدر السابق: ص 262.

(2)

المصدر السابق: ص 262.

(3)

المصدر السابق: ص 263.

ص: 1091

وهذا افتراء آخر ووصف للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالتخلف.

ثم يتحدث عن علاقة القرآن باللغة ويرى وجوب تجاوز تفسير القرآن وفق معهود العرب في لغتهم، ثم يوجب دراسة القرآن وفق مناهج الفهم التاريخي الذي يراد به إلقاء ظلال الريبة على النص القرآن المعصوم تمهيدًا لاقتلاعه، وفي السياق يضرب أمثلة لمناهج الفهم التاريخي التي يريد تطبيقها فيقول: (. . . تعترض دارسي القرآن مشكلات أخرى لا حل لها إلّا بتوسل مناهج الفهم التاريخي، فمع أن في الأخبار المتواترة حول جمع النص القرآني من البساطة والحزم ما يشجع على التصديق بها، إلّا أن البساطة والحزم القاسر -وهما علامة كل الحلول الفردية المتسلطة للقضايا المعقدة- يفيدان بإغلاق باب البحث أكثر من فائدتهما التاريخية، ما هو بالضبط الذي استثنى من مصحف عثمان، وعلى أية أسس تمت الاستثناءات؟.

وهل يُمكننا اعتبار الأحاديث القدسية بمثابة استثناءات مقصودة أو غير مقصودة؟، وهل بإمكاننا التدليل على أن خبر الغرانيق ينتمي إلى هذه الاستثناءات؟، وما كانت الأسس العقائدية أو السلطوية أو القبلية التي أسهمت في الشكل الذي اتخذه هذا المصحف؟، وكيف تشكل لدى عرب صدر الإسلام مفهوم الدين المدون؟، وقد أشار إلى هذا الأمر من منظور مختلف، إسماعيل مظهر

(1)

عندما كتب: "ليس في السير القديمة ما يدلنا على أن النبي قد أمر بمثل هذا الجمع ومثل هذا الترتيب، على أن مجهودات عثمان أمير المؤمنين في هذا الصدد غير محمودة، فلدينا في

(1)

إسماعيل مظهر، كاتب مصري، صنف وترجم الكثير من الآثار، وكان عضوًا في مجمع اللغة العربية، تلقى تعليمه في مصر، ثم سافر إلى جامعات لندن فتخصص في علوم الأحياء، ولكن ظل مهتمًا بالحياة الأدبية والفكرية واللغوية، أسس مجلة العصور، ورأس تحرير مجلة المقتطف 1364 - 1367 هـ/ 1945 - 1948، وأسهم في تحرير دائرة المعارف التي أشرفت عليها مؤسسة فرنكلين الذراع الثقافي للمخابرات الأمريكية، ولد سنة 1308 هـ/ 1891 م، وترفي سنة 1381 هـ/ 1962 م، من عقائده الضالة التشكيك في ثبوت القرآن. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1276.

ص: 1092

القرآن بضعة أوامر ونواهٍ، ولم تكن الفكرة أن تجمع هذه الأشياء في صورة كتاب محبوك الطرفين، ولقد أغفل جامعوا القرآن هذه الحقيقة، فإن كل أمر من أوامر القرآن كان ذا علاقة بحالة من حالات ذلك العصر". . .، ثم ما شأن فواتح السور؟ هل هي ذات ارتباط بالحياة الدينية في جزيرة العرب، أم ترتبط بتقنية الكتابة في صدر الإسلام؟ وماذا كانت طبيعة المجهود التحقيقي إن شئت؟ وكيف نعلل التأكيد على خلق اللَّه السموات قبل الأرض في آية وخلق الأرض قبل السموات في آية أخرى؟، ولماذا لم ترتبط هذه الآيات المتناقضة بروابط الناسخ والمنسوخ)

(1)

.

هذه الأسئلة المرتابة التي يطرحها العظمة هي دليل آخر على نمط التفكير الحداثي العلماني في طرح الدعوى بلا دليل، وقذف أسئلة الشك والريبة بلا مستند، وهي عملية هزيلة يستطيع أن يقوم بها أضعف الناس عقلًا.

ولولا ضعف هذه "العظمة" المهشمة وقلة العلم ورسوخ الجهل عنده لما فاه بأقوال تدل على جهله المركب، فهو لا يعرف الحدود العلمية الفاصلة بين القرآن والحديث القدسي والحديث الصحيح والحديث الموضوع مثل حديث الغرانيق، وهو لا يعرف أنه استعان بجاهل مثله وهو إسماعيل مظهر الذي جعل جهد عثمان رضي الله عنه في جمع المصحف غير محمود؛ لأنه بذلك أغلق على الزنادقة والمرتابين أبوابًا كانوا سيتمتعون بالخوض فيها، كعادتهم في ترك الحقائق والفرح بالمشتبهات والموضوعات {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ}

(2)

.

مع أن هذه المسألة التي تعرض لها العظمة ومظهر من المحكمات الواضحات، وما فعله عثمان قد سبقه إليه النبي صلى الله عليه وسلم في أصل الكتابة ثم الصديق رضي الله عنه في جمعه بين دفتين، وكل ذلك في سياق الوعد

(1)

المصدر السابق: ص 263 - 264.

(2)

الآية 7 من سورة آل عمران.

ص: 1093

الرباني القاطع والإرادة الكونية الكائنة، وذلك في قوله -جلَّ وعلا-:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}

(1)

.

ولولا ضعف عقل العظمة ومظهر لما استسلموا بسذاجة لتقليد الزنادقة وبعض المستشرقين الذين لا يوثق برأيهم ولا بفهمهم ولا بمعرفتهم للغة العربية، فضلًا عن أنه لا يوثق بمقاصدهم، كما أنه لا يوثق بمقاصد الذين قلدوهم.

وبعد تشكيكه في القرآن، والزعم بأن القرآن متناقض، يصل إلى مذهبه الباطل ليجعل منه المعيار للقبول والرد، ثم يذكر أسوته من الغربيين في اعتراف بالتبعية، واعتراف بانفصال الحداثة عن الذات ذات العقيدة والأمة والتاريخ والحضارة، وهذا الانفصال -عندهم- هو الذي يجعل منها المعيار القادر على الكشف العلمي عن حقيقة نصوص الوحي، فيقول: (. . . إن معرفة الذات لا تتم بالتطابق مع الذات بل بأخذ مسافة من الذات، وليس هذا بالممكن بالنسبة للحضارات إلّا باعتبار الزمان، وانصرام الذات المعروفة، ومعرفتها من قبل لاحق يُدرجها في سياق هو آخر، وهو بالتالي قابل للمعرفة.

إن الآخر المتأخر الذي نشير إليه ليس إلّا الحداثة، والحداثة تعني تحديدًا: وعي التحول وواقع الصفة النوعية لانسياب الزمن، لن نستعيد هنا الحداثة الفيلولوجية

(2)

والتاريخية في مجال النصوص المقدسة التي ابتدأت بريشار سيمون

(3)

، وتوصلت إلى إحدى ذراها عند سبينوزا

(4)

في دراسة للعهد القديم، والتي ترجمها الدكتور حسن حنفي إلى العربية، ثم استمر

(1)

الآية 9 من سورة الحجر.

(2)

فيلولوجيا: طرق تستهدف إنجاز نص، وتسهيل قراءته ونقده، بضمان شرعيته اللغوية، ولعبت الفيلولوجيا دورًا خاصًا في القرن التاسع عشر من الوجهتين التاريخية والمقارنة. انظر: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة: ص 171.

(3)

ريشار سيمون سبقت ترجمته ص 1061.

(4)

سبينوزا سبقت ترجمته ص 1058.

ص: 1094

تصاعدها في الدقة التاريخية واللغوية في القرنين التاسع عشر والعشرين. . .)

(1)

.

وهكذا نرى الإغراق في استعارة الكفر والإلحاد والشك، والالتصاق باليهودي سبينوزا مدحًا وتمجيدًا، وبالمنهج الفيلولوجي والتاريخي إشادة بالدقة المزعومة له، في الوقت الذي يكذب فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويشكك في مناهج المسلمين من أصول ومصطلح ومناهج الضبط المعرفية في الإسلام.

وما بين هؤلاء وأعداء الإسلام من الغربيين الأمثل ما بين الشخص وظله، ثم تسمع -ويا للعجب- دعاوى التحرر الفكري والاستقلال المعرفي!!، وهم أرقاء للفكر الغربي ومناهجه وأساتذته، عيال على أدب أوروبا وعلمها وفلسفتها، وكلهم مقلد، وكلهم سارق ناقل جاهل، ولا أدل على ذلك من عزيز العظمة هذا الذي نحن بصدد الحديث عن زيغه وسفسطاته.

فمن جهله قوله: (. . . شرّع المعتزلة لأنفسهم تاريخيًا، بإرجاع مذهبهم إلى الحسن والحسين وابن عباس وأبي بكر، أو كما رأى الأشاعرة في الأقوال المنسوبة إلى الرسول إنباءً عن أبي الحسن الأشعري)

(2)

(3)

.

(1)

الإسلام والحداثة: ص 265.

(2)

هو: علي بن إسماعيل بن إسحاق يصل نسبه إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، ولد سنة 260 هـ، وتوفي سنة 324 هـ وقيل: 330 هـ، وقيل بعد ذلك، وأخذ الاعتزال عن زوج أمه أبي علي الجبائي وبقي على ذلك سنوات ثم خرج إلى الناس فأعلن توبته من اعتقاد المعتزلة، وسلك طريقة ابن كلاب ثم ترك ذلك إلى مذهب أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد، وقد أخذ الأشعرية عنه مرحلته المتوسطة حين سلك مسلك ابن كلاب، ويعد الأشعري من متكلمي أهل الإثبات، ومن متكلمة الصفاتية، ويحتبر أقربهم إلى السنة وأتبعهم لأحمد بن حنبل. انظر: البداية والنهاية 11/ 187، والعبر في خبر من غبر 2/ 23، ووفيات الأعيان 3/ 284.

(3)

الإسلام والحداثة ص 266.

ص: 1095

فتأمل الجهل بتراث المسلمين والكذب المكشوف في شأن المعتزلة ثم في شان الأشاعرة حيث جعلهم منتسبين إلى أقوال نقلها أبو الحسن الأشعري عن النبي، فيا له من جهل فاضح!!.

وفي المقابل نرى الالتحاق بالغرب والنقل عنه، فبعد أن ذكر سبينوزا اليهودي وأشاد به في دراسته الشكية للتوراة عاد مرة أخرى قائلًا: (نعود إلى سبينوزا وإلى فهم التاريخ الذي أسسه: فقد أسس سبينوزا ومن سار في مسارات موازية له، التاريخ بما هو معرفة لتاريخية الأمور: تاريخية النص، تاريخية وأسطورة محتوى النص.

وجاءت هذه المعرفة على صورة مغايرة للمعرفة قبل التاريخية للتاريخ والبنى الأسطورية للعلم التاريخي في العصور الوسطى الإسلامية: جاءت وعيًا للتحرر من سلطة الأسطورة ومن أسطورة السلطة، يعني أن المجهود السبينوزي -ونرمز به للجهود الموازية التي ما اكتملت إلّا في القرنين التاليين على سبينوزا- قضى على أسبقية المعنى على التفسير التاريخي، ذلك أن التعليلات التاريخية للنصوص المقدسة -إسلامية ومسيحية ويهودية- السابقة على سبينوزا كانت تفترض معاني نصوصها في ضوء واقعها اللاحق، ولم تكن جهودها الفيلولوجية موضوعية بل مرتبطة بمقاصد عقيدية أو عملية معينة، وقد افترضت هذه المقاصد أن ثمة "حقيقة" ناصعة تكمن في النصوص، وأن الجهد التفسيري يجب أن ينصب على استكناه الحقيقة هذه، أمّا الفيلولوجية السبينوزية فقد رامت استعادة موضوعية المعنى وحقيقة المعنى، لا البحث عن معنى الحقيقة،. . . وهدفت إلى إرجاع الحقائق والمعاني إلى نصابها المتعين زمانًا ومكانًا.

من نافل القول: إن انتباه النابهين منا في أواخر القرن الماضي وفي الربع الأول من هذا القرن إلى التاريخ كنمط ممارسة الحداثة في كل مجتمع متحول -مجتمعاتنا شأن المجتمعات الأوربية المتحولة في عصر العلمانية- لم يكن ناتجًا ببساطة عن لقاح الغرب، أو عداوة أو غزوه الثقافي كما يحلو للبعض أن يقول، نتج هذا الانتباه عن التحولات الكبيرة والانقطاعات

ص: 1096

الجوهرية في البنى الثقافية والاجتماعية لدينا، خصوصًا التحولات التي طرأت على سوسيولوجيا

(1)

المثقفين والثقافة، وخروج هذه وهؤلاء عن الإطار التربوي والعقلي للثقافة الإسلامية، وتحول أهل هذه الأخيرة إلى أقلية هامشية، أدى ذلك إلى تزعزع سلطة الأسطورة بتزعزع مكانة أصحابها، وصار لزامًا على المدافعين عن هذه الأسطورة اتخاذ الحس التاريخي عنوانًا على حداثة أسطورتهم)

(2)

.

ونستنتج من هذا الكلام عدة أمور:

1 -

أن حملات الجحد والتشكيك الحداثي والعلمانية الموجهة ضد نصوص الوحي وخاصة القرآن والسنة أخذوها عن اليهودي سبينوزا، وكل ما يقال من الدراسة التاريخية للنصوص، والتأويل المعاصر لها تحت تأثير العلوم الاجتماعية، وإخضاع النصوص لفظًا ومعنى للدراسات النقدية "الفيلولوجيا"، ودعواهم أنها تأثرت بالإنسان فأصبحت نصوصًا بشرية، والتحدث عن الوحي باعتباره نصًا متعاليًا لابد من إخضاعه، ونصًا لغويًا بحتًا، وإخضاع نصوص الوحي لنظريات وقوانين التجربة والدراسات التطبيقية، والمناهج التحليلية والتفكيكية، وضرب النصوص بعضها ببعض، كل هذا يندرج تحت هذه المدرسة، وكله مأخوذ من الغربيين وخاصة من أستاذهم اليهودي سبينوزا، فما ظنك بقوم هذا سندهم وتلك مضامين عقيدتهم، وذلك موقفهم من نصوص الوحي؟.

2 -

المفردات التي ذكرتها في النقطة السابقة هي محور الهجوم التشكيكي والجاحد على نصوص الوحي، وهي مجرد شعارات لا تقوم على أساس، بل إن أساسها المعرفي متهالك من أصوله، والمقصود هنا أن جُلَّ كلام الحداثيين، عن الوحي -وهم مجرد مسخ غريب- يدور حول هذه

(1)

سوسيولوجيا، ترجمة هذا اللفظ تعني علم الاجتماع، وهو علم ينصب على دراسة الظواهر الاجتماعية، ويقرر أن المجتمع حقيقة متميزة من أفراده، وأن ظواهره خاضعة لقوانين ثابتة كالظواهر النفسية والفيزيقية والبيولوجية. انظر: المعجم الفلسفي: ص 124.

(2)

الإسلام والحداثة: ص 266 - 267.

ص: 1097

العبارات المستعارة، التي يجدون فيها العذر السوفسطائي لجهلهم ومحاكاتهم ومروقهم من الدين وعداوتهم له.

3 -

بالنظر إلى هذا الكلام الذي قاله عزيز العظمة يتضح أن العظمة وحسن حنفي ونصر أبو زيد وعادل ظاهر وجابر عصفور ومحمد خلف اللَّه وهم أشهر من تكلم عن نصوص الوحي، وخاصة نصر أبو زيد، هؤلاء جميعًا يرددون تلك المفردات، ويكررون بصيغ مختلفة تلك الشعارات المأخوذة أصلًا عن سبينوزا اليهودي، ولانجد لهم أي خروج عن هذا المضمون إلّا بمقدار ما تتسع طاقتهم على الشرح والتفصيل، والتحشية والتهميش على المتون السيبونوزية والبنيوية والتشريحية!!.

4 -

إن ما يسمى "تاريخية النص" و"التفسير التاريخي للنص" ينطوي في الحقيقة على عدة مضامين هي:

أ- نفي حقيقة الوحي.

ب - جعل الوحي أسطورة من الأساطير.

جـ - التحرر من سلطة الوحي وأحكامه.

د - إلغاء أسبقية المعنى، وهذا يعني القضاء على النص تمامًا.

هـ - أنه لا حقيقة ثابتة للنص، بل إن كان فيه حقيقة فهي نسبية، زمنية.

و- نفي القداسة عن النص، ونقله إلى حقل المناقشة والنقد الهادم، والدراسات اللغوية البنيوية والاجتماعية المادية المختلفة.

ز- القول ببشرية النص وأنه ليس من وحي اللَّه تعالى، فلا عصمة له، ولا حقيقة لعصمة المبلِّغ.

هذه مضامين فكر العظمة ونصر أبو زيد في دراساتهم للوحي والقرآن خاصة.

5 -

أمّا قول عزيز العظمة بأن النابهين منهم -أي: من الحداثيين والعلمانيين- اتجهوا لهذا النوع من الدراسة، ليس تحت تأثير اللقاح الغربي، أو الغزو الثقافي، بل هو نتيجة الانقطاعات الجوهرية في البنى الثقافية والاجتماعية والخروج على الإطار التربوي والعقلي للثقافة الإسلامية التي تحولت -حسب

ص: 1098

زعمه- إلى هامش، وتزعزعت بناء على ذلك سلطة الأسطورة ومكانة أصحابها ويقصد سلطة نصوص الوحي و"القرآن والسنة" خاصة.

وهذا القول فيه حق وباطل:

أمّا الحق فهو أن الحداثيين والعلمانيين انغمسوا فيما أسماه "الانقطاعات الجوهرية" عن الثقافة والمجتمع، وهذا صحيح تمامًا، فإنهم قد عبروا البحر المتوسط ليكونوا جنودًا في القسم الثقافي والفكري لحلف الأطلسي، وانقطعوا جوهريًا عن هذه الأمة في العقيدة والتاريخ والسلوك، وصاروا جزءًا من الأعداء.

وأمّا الباطل فزعمه أن الحداثيين والعلمانيين لم يتأثروا بالغرب في هجومهم على نصوص الوحي، وأول ما يدل على بطلان قوله في السياق نفسه بالتحولات الكبرى والانقطاعات الجوهرية، فإلى أي شيء كانت تحولاتهم، وعن أي شيء كانت انقطاعاتهم؟.

لقد انقطعوا عن الإسلام وتاريخه، وتحولوا إلى الغرب وفلسفاته ومادياته وخرافاته المعاصرة.

وأكبر دليل على ذلك المنهج السبينوزي الذي تبناه عزيز العظمة في المقال نفسه، في سياق هجومه على نصوص القرآن والسنة.

أمّا اعترافات الحداثيين أنفسهم بالتبعية، والخضوع للتلقيح الغربي فكثيرة جدًا منها قول أحد النقاد مصورًا أنماط التبعية للغرب قائلًا:(. . . تكون التبعية الثقافية في جوهرها تبعية حضارية، باعتبار أن الحضارة مفهوم يشمل كل ما قام به الجنس البشري من إنجازات مادية ومعنوية، أمّا الثقافية فتعبر عن الجانب المعنوي من الحضارة. . . بضم الجانب الثقافي من الحضارة الذهنيات والمعارف والآداب والفنون والأعراف والأخلاقيات والسلوكيات الاجتماعية. . .)

(1)

.

(1)

قضايا وشهادات 4 خريف 1991: ص 74، المعنون باسم الثقافة الوطنية: التبعية، التراث، الممارسة.

ص: 1099

وتحت عنوان "عصر الرجال الأطفال" كتب أحدهم عن العلل التي أصيبت بها الأمة وأن سببها التبعية فقال: (إن كل ما يذكرونه من علل ومعلولات ما هي إلّا أعراض ومضاعفات لحالة تاريخية مزمنة اسمها "التبعية". . . .)

(1)

.

ثم يقول: (إن التبعية ليست حالة عربية، بل هي علة تشمل ما أطلق عليه "العالم الثالث" حيث تسيطر عليه سيطرة مطلقة)

(2)

.

ويتحدث عبد الرحمن منيف عن استعارة العرب للحداثة فيقول: (وإذا كان مفهوم الحداثة قد جاءنا من الغرب، وأخذ معنى أو معاني ولّدتها ظروف ذلك الغرب وتطوره، وإذا كان المفهوم ذاته قد تغير تبعًا للمراحل، أو زاوية الرؤية، فإن ما وصل إلينا هو الصدى وبعض صور الحداثة)

(3)

.

ويقرر غالي شكري المعنى نفسه في قوله: (نحن لا ننقل سوى المصطلح في صيغته النهائية، ولا علاقة لنا بالتاريخ الاجتماعي والعلمي لهذا المصطلح، ولم نشارك في أية مرحلة من مراحل صنعه، أي إننا في الحقيقة "نركب" المصطلح كما نركب الطائرة. . . والفرق هو أننا "نستخدم الطائرة، أمّا المصطلح في العلوم الإنسانية، فإننا نستخدمه ويستخدمنا في وقت واحد، إنه يقول ليصبح جزءًا من العدسة التي نرى بها الأشياء، أي جزءًا من رؤيتنا، أو من قدرتنا على الرؤية)

(4)

.

وهذه توصيف دقيق وحقيقي لحال كل الحداثيين بلا استثناء، حتى الذين يدعون أخذهم من التراث واعتمادهم على التراث، فإنّما يأخذون وينظرون بعيون الغرب.

وفي مجال الكلام عن نصوص الوحي يُمكن أن نطبق ما قاله غالي

(1)

و

(2)

المصدر السابق: 4/ 171 - 172.

(3)

المصدر السابق 2 صيف 1990: ص 209.

(4)

مجلة الناقد - العدد 9: ص 17 مارس 1989 م/ 1409 هـ.

ص: 1100

شكري على ما قاله عزيز العظمة في شأن الوحي وما يقوله نصر أبو زيد، فنجد النتيجة أنهم جميعًا تحولوا إلى آنية يلقي فيها الغرب ما شاء من أفكاره وفلسفاته وضلالاته، ثم تفيض هذه الآنية بما ألقي فيها.

ويواصل عزيز العظمة في نيله من نصوص الوحي فيجعل الطيور الأبابيل التي ورد ذكرها في سورة الفيل أسطورة من الأساطير

(1)

، ثم يتكيء على سلفه في هذا الدرب المعتم: طه حسين، ويقتبس نصوصه التي نقلناها آنفًا من كتابه "في الشعر الجاهلي" ويثني على هذا الاتجاه، وعلى العقلانية والتاريخية التي يتمتع بها طه حسين

(2)

، ثم يتجه بالتقديس الكهنوتي إلى المنهج التاريخي الذي يتبناه والمعرفة العقلية التي يزعمها، وأنه لا شأن لها بالنتائج الاعتقادية المترتبة عليها، أي: أنهم لا يبالون بأي حكم اعتقادي إسلامي، فيقول:(خضوع هذه التاريخية للعقل وللمعرفة العقلية التي لا شأن لها بالنتائج العقائدية لهذه المعرفة)

(3)

.

ثم ينافح عن طه حسين مطبقأ مبدأ عدم الاهتمام بالأحكام الاعتقادية الإسلامية فيقول: (إن الردة التي جاء طه حسين بها قامت على أساس إعادة الاعتبار للأسطورة، وإرجاع النص إلى مكانته المتعالية على التاريخ المؤسسة له في الحياة، ورفض إمكانية المساءلة، ووسمها بالخروج)

(4)

.

ويُمكن مقابلة الدعوى بالدعوى وتزييف القول بالقول، وعلى هذا النمط يُمكن أن نقول بأن المنهجية التاريخية التي يقدسها عزيز العظمة وطه حسين ليست إلّا هراءً وأساطير متعالية يراد إخضاع غيرها لها، ومن لم يخضع لها فهو عندهم محكوم بردته وتخلفه ورجعيته وانعدام المنهج العلمي والعقلي عنده.

(1)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 267.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 269 - 270.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 270.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 270.

ص: 1101

وهم حقيقة يفعلون ذلك، ومن ذلك الكتاب الذي ألفه الطيب تزيني

(1)

عن روجيه جارودي

(2)

لما ترك الماركسية ودخل في الإسلام، فجعل ذلك ردة، وسمى الكتاب "روجيه غارودي بعد الصمت حول فلسفة الردة عند غارودي، وآفاقها في الوطن العربي". بيد أن عزيز العظمة يلخص رأيه عن الإسلام بأنه يجب حل (عقدة أساطير التأسيس التي لم تقتصر على ميدان الدين بل تقدسه إلى التاريخ القومي وإلى التواريخ القطرية والسياسية)

(3)

.

ويصرح علانية بامتناع وقوع الوحي، وهو خلاصة كل سفسطاته وأقواله السابقة، حيث يقول:(إننا نهتم بمضمون النص، فإننا نسلم بأن نزول النص غير قابل للنقاش، أنا لا أريد أن أتجنب التساؤل حول هذا الأمر؛ لأن الأمر محسوم بالنسبة لي؛ لأنني لا أعتقد بإمكانية التواصل بين القوى خفية وبين البشر، فالقضية محسومة ولا أعتقد أنها بحاجة إلى نقاش أو إلى نقاش زائد أو حتى إلى الإشارة، لأنها بالنسبة لي بديهية)

(4)

.

وهذا اعتراف صريح بالكفر وإلحاد واضح وتكذيب اللَّه تعالى ولرسوله ومناقضة كاملة لكل الإسلام.

أيُمكن بعد ذلك أن يقال بأنه يُمكن الجمع بين الإسلام وهذا المنهج

(1)

الطيب تزيني حداثي ماركسي يقيم في دمشق، يكتب في النقد والفلسفة من وجهة نظر معادية للإسلام بتطرف شديد، له مشروع كتابي تحت عنوان "رؤية جديدة للفكر العربي منذ بداياته حتى المرحلة المعاصرة" في اثني عشر جزءًا، ظهر منه جزء واحد كبير الحجم فارغ المحتوى، وله كتاب عن جارودي وصف فيه إعلان جارودي للإسلام بأنه ردة، أي ردة عن الشيوعية!!.

(2)

روجيه جاروي أو غارودي، فيلسوف فرنسي، ولد سنة 1913 هـ، بدأ حياته ماركسيًا متعصبًا ثم أعلن أنه دخل في الإسلام وسمى نفسه رجاء، ولكنه كان محملًا بالفلسفة المادية فلم يؤمن بالغيب ولا بالآخرة، وتخبط في كثير من أركان الإيمان منذ البداية وكان تعرفه على الإسلام عن طريق الصوفي ابن عربي فكان ذلك سببًا آخر في انحرافه عن الإسلام، ناقشه بعض علماء المسلمين وبينوا له أنه ليس من الإسلام في شيء ومنهم الشيخ عبد اللَّه القادري. انظر: موسوعة السياسية 4/ 279، وحوارات مع أوروبيين أسلموا 1/ 195 - 214.

(3)

الإسلام والحداثة: ص 271.

(4)

المصدر السابق: ص 280.

ص: 1102

الفكري الحداثي القائم على حرب اللَّه ورسوله ودينه ووحيه، كما يقول بذلك بعض المغفلين الجاهلين من أبناء المسلمين؟.

ويختم العظمة مقاله بخلاصة مهمة لمن أراد أن يعرف حقيقة الحداثة والعلمانية فيقول: (. . . إن عنوان الحداثة العلمانية في يومنا هذا هتك أساطير البداية)

(1)

.

وكل مؤمن موحد يقول ما قاله اللَّه تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)}

(2)

.

وما أجمل وأرقى ما قاله أديب العربية، وعميد الأدب العربي بصدق وحق: مصطفى صادق الرافعي عن القرآن: آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأروح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليه "أعراف" الضمائر فابتز "أنفالها"، وكم صدوا عن سبيله صدًا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟، واعترضوه بالألسنة ردًا، ولعمري من يرد على اللَّه القدر؟ وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطر الفحول بأذناب، وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب، فما كان إلّا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه، ثم لايزال النور ينبسط على غطائه، وهو القرآن كم ظنوا -مما انطوى تحت ألسنتهم وانتشر- كل ظن في الحقيقة آثم، بل كل ظن بالحقيقة كافر، وحسبوه أمرًا هينًا؛ لأنه أنزل في الأرض على بشر، كما يحسب الأحمق في هذا السماء أرضًا ذات دواب نورانية؛ لأن هلالها

(1)

المصدر السابق: ص 280.

(2)

الآيتان 32، 33 من سورة التوبة.

ص: 1103

كأنما سقط من حافر، وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سال بهم وبصاحبهم السيل، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها ليجعلوا نهارها كالليل، فما كان لهم إلّا ما قال اللَّه {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ}

(1)

ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومتى وعدت من كرم اللَّه جعلت الثغور تضحك في وجوده الغيوب، وإن أوعدت بعذاب اللَّه جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب. . .، يقولون مجنون بعض آلهتنا اعتراه، وأساطير الأولين اكتتبها أم يقولون افتراه، بلى إن العقل الكبير في كماله ليتمثل في العقول الصغيرة كأنه جنون، وإن النجم المنير فوق هلاله ليظهر في العيون القصيرة كأنه نقطة فوق نون، وهل رأوا إلّا كلامًا تضيء ألفاظه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح، يريدون أن يطفئوا نور اللَّه، وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب تطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه!، وهيهات هيهات دون ذلك درْجُ الشمس وهي أم الحياة في كفن، وإنزالها بالأيدي وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن.

لا جرم أن القرآن سر السماء، فهو نور اللَّه في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون، وظلت آياته تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون)

(2)

.

رحم اللَّه الرافعي وأجزل مثوبته، وهذا القول وإن خاطب به عرب الجاهلية الأولى، فإنه جدير أن يقال لعرب الجاهلية المعاصرة.

ومن أعلام هذه الجاهلية ممن سلك سراديب سبينوزا الكاتب

(1)

الآية 18 من سورة الأنبياء.

(2)

تاريخ آداب العرب 2/ 29 - 31.

ص: 1104

المصري: حسن حنفي القائل عن نفسه وعقيدته: (إيماني يكفرني)

(1)

و (أنا ماركسي شاب)

(2)

، ويقول:(أنا وضعي منهجي. . . إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين)

(3)

.

هذا المتردي في شعاب الضلال يعقب على عزيز العظمة في مقاله السابق والذي ألقاه في ندوة الساقي "الإسلام والحداثة" فيقول: (أبدأ أولًا بتحية الأخوة المتكلمين في هذه الجلسة لما تميز به خطاباهما معًا من علمية وجدية ودراسة لظواهر موجودة فعلًا، وهذه شيمة العلماء بالفعل، وتخلى الخطابان تقريبًا عن أحكام إيديولوجية مسبقة، وأنا أحي فيهما هذه الروح العلمية التي جعلتنا فعلًا نفكر معهما ونستوضح ونستفيد)

(4)

.

ثم يلخص رأي عزيز العظمة في محاضرته المذكورة فيقول: (. . . إن النص يتراوح بين قطبين: الأسطورة من ناحية، والتاريخ من ناحية، فإما أن يذهب النص إلى الأسطورة، وفي هذا تذهب التاريخية، وإمّا أن يذهب إلى التاريخ وبالتالي نبتعد عن الأسطورة، وهذا يعني طبعًا أنه كلما كان النص أقرب إلى التاريخية يبدأ العلم هنا، ويبدأ النقد. . . الخ كنموذج طه حسين والمعتزلة، وأمّا إذا ابتعد النص عن التاريخ ووقع في الأسطورة، فهنا عكس البداية الأولى، وكأن التاريخ وبالتالي النص هو باستمرار جدل بين الخير والشر، بين الوهم والعقل، بين الخيال والواقع)

(5)

.

ثم يطرح سؤالًا عن المخرج من ذلك؛ لأنه قد تقرر عنده أن نصوص الوحي لابد أن تخضع لأحد هذين القرارين الإلحاديين، التاريخية -بمضامينها المذكورة آنفًا- أو الأسطورية بما تعنيه هذه اللفظة من تكذيب للوحي ونسبته إلى الوهم والخرافة، وإن حاولوا أن يفلسفوا لفظ

(1)

الإسلام والحداثة: ص 217.

(2)

المصدر السابق: ص 218.

(3)

المصدر السابق: ص 219.

(4)

المصدر السابق: ص 276.

(5)

المصدر السابق.

ص: 1105

الأسطورة، ويشرحونه شرحًا لا يزيدهم إلّا وبالًا.

ولحسن حنفي أقوال أخرى من هذا القبيل، لاسيما أنه من المعجبين بسبينوزا إلى حد القيام بترجمة كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة" الذي قام فيه بدراسة التوراة وقضية الوحي دراسة تقوم على إلغاء أسبقية المعنى، وإقحام التعليلات التاريخية التي تجعل الوحي تحت هيمنة التغيرات، وتلغي حقيقة أن الوحي الثابت نسبته إلى اللَّه يحتوي على الحق والحقيقة، وقد أسس سبينوزا في كتابه هذا ما يسمى "تاريخية النص" و"أسطورة محتوى النص" ودعى إلى التحرر من سلطة النص تحت دعوى التحرر من سلطة الأسطورة

(1)

.

وهو أستاذ كل من جاء بعده في محاولة هدم الوحي وتحطيم حرمته وقداسته، وخاصة من أبناء المسلمين الذين أبوا واستكبروا على هداية خالقهم ومولاهم، وتشبثوا بكلام الطغام من اليهود والنصارى، وتربعوا على عروش من هواه صاغتها لهم أهواؤهم وتبعيتهم.

ويُمكن للمستبصر في قضايا "الصراع والتبعية" أن يلحظ عدة ظواهر تكاد تكون عامة:

أولها: أن الباطل إذا عجز عن المقاومة العلنية الظاهرة، استخدم القوة لفرض نفسه، أو استخدم الحيل السرية الخفية، كإظهار بعض اليهود والنصارى الإسلام؛ لإفساده من الداخل، أو أخذ بعض أبناء المسلمين ومسخ قلوبهم وعقولهم وإمدادهم بالقوى الحامية، وبثهم بين المسلمين ليقوموا بالدور المرسوم، وهذه ميزة الباطل قديمًا وحديثًا.

ثانيًا: لا يوجد في تاريخ المسلمين القديم والحديث أن مسلمًا حقيقيًا تظاهر باليهودية أو النصوانية لإفساد أديان اليهود أو النصارى، ولا استعمل

(1)

انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة لسبينوزا ترجمة حسن حنفي ص 19، 32، 112، وغيرها كثير.

ص: 1106

المسلمون الجمعيات السرية التي تحاول نشر الإسلام بالدسائس والمؤامرات الخفية والمراوغات، ولا استجلبوا أبناء الملل الأخرى ليعيدوهم إلى أقوامهم هادمين للغات وتراث وآداب أقوامهم.

بل كان المسلمون يظهرون دينهم علانية ويدعون إليه جهرة ويخاطبون العقل والوجدان في إثبات التوحيد ومقتضياته، وتزيف الشرك والوثنية والإلحاد، في سطوع ووضوح بدون غمغمة ولا استتار ولا ثعلبية، وهذه ميزة الحق قديمًا وحديثًا.

ثالثًا: إن المتأمل في أحوال الملقنين من أبناء المسلمين يجد أنهم يدلّون ويفتخرون ويشمخون بامتطاء المذاهب والمناهج والفلسفات التي لُقنوها، أعظم من إدلال وشموخ أساتذتهم الذين ابتدعوا هذه المناهج والفلسفات، وهذه ميزة الأتباع والمقلدين والمحاكمين.

وفي باب الوحي والنقل استن حسن حنفي سنة أستاذه اليهودي سبينوزا، واختط منهجه في انتحال واضح، فها هو يتحدث عن الرواية الكفرية "آيات شيطانية" فيقول: (وما ورد بخصوص "الآيات الشيطانية" صحيح، ومن يبين أسباب النزول هو أن النبي محمدًا كان يحمل هم الوحدة الوطنية للقبائل العربية، وتكوين دولة في الجزيرة العربية، وكانت له مشاكل مع اليهود ومع النصارى "مع اليهود بصورة خاصة" ومع المشركين أيضًا، فجاء المشركون بعرض جيد -وأنا أتكلم عن الرسول كرجل سياسي وليس كنبي- وقالوا له: نعم، أيها الأخ ما المانع إن تذكر اللات والعزى لمدة سنة، وقل إنهم ليسوا بآلهة، ولكن لهم دور في الشفاعة عند اللَّه، وهكذا نأتي معك وتعمل ما تشاء من تغيير النظام في الجزيرة العربية، وكان هوى الرسول مع هذا العرض؛ لأنه يحل له قضية المشركين وتقسيم العائلة والأسرة والعشيرة إلى فريقين، فقال بينه وبين نفسه: إن هذا العرض يشكل بالنسبة لي كزعيم سياسي شيئًا جيدًا لأنه يحقق لي مصالحة مؤقتة مع العدو، وماذا يعني لو أنني ذكرت اللات والعزى لمدة سنة واحدة ثم أغير بعدئذٍ؟ ثم إن الوحي يتغير طبقًا للظروف. . .، فعندما نزلت الآية {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ

ص: 1107

وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)}

(1)

قال القدماء: بأن الشيطان قد همس في قلب النبي "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"

(2)

، وبالنسبة لنا فإن الشيطان يعني عند المحدثين، هوى النفس، وبما أن العرض قد لقي هوى في نفس الرسول، فقد خرج على لسانه ما كان يتمناه، ثم صححه الوحي، وقالوا: لا، إنّما وحينا نحن يتوقف على هذا، أمّا الزائد فلا نتبناه، وأنا أقول: إن هذا صحيح، وهو ما يذكره كل المفسرين في أسباب النزول.

متى دخلت في روع الرسول هاتان الآيتان؟ إنهم يسمونها من الشيطان ونحن نقول من هوى النفس على أساس هذا العرض، فهي قضية صحيحة وبالتالي فسلمان رشدي

(3)

لم يقل شيئًا، أنا لا أتعرض لهذه الرواية -رواية سلمان رشدي- والأديب حر في أن يكتب كما يشاء، وحتى لو مؤرخًا أو كاتبًا للسيرة، فلا ينتقد إلّا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي، أمّا أنه كافر وخرج، فهذا لا وجود له على الإطلاق هذا جزء من الحداثة. .)

(4)

.

وفي هذا النص من التلبيسات الحداثية والجهالات العلمانية الكثير منها:

1 -

جعله النبي مجرد سياسي يتلاعب بالدين، وهذه من مقتضيات

(1)

الآيتان 19، 20 من سورة النجم.

(2)

انظر حول هذه القضية المفتراه ص 1090.

(3)

سلمان رشدي، روائي إنجليزي من أصل هندي مسلم، كتب رواية آيات شيطانية 546 صفحة نشرها عام 1409 هـ ويسخر فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم والوحي وجبريل وأمهات المؤمنين والصحابة في إطار روائي على شكل حلم، من خلال صور جنسية مكشوفة ومشاهد مثيرة للتقزز وألفاظ بذيئة سوقية، مرتكزًا على قصة الغرانيق المكذوبة، وقد ثارت قضيته إثر فتوى الخميني بإهدار دمه ووقوف بريطانيا والغرب في صفه والدفاع عنه، كما وقف الحداثيون العرب يدافعون عنه، وأصدر اتحاد الكتاب العرب في سوريا بيانًا يدافع عنه، وممن تصدى للدفاع عنه عزيز العظمة وحسن حنفي وجابر عصفور ونصر أبو زيد ورياض نجيب الريس وأنسي الحاج وشوقي بغدادي وآخرون.

(4)

الإسلام والحداثة: ص 234 - 235.

ص: 1108

المنهج التاريخي لدراسة الوحي وفق مذهب سبينوزا.

2 -

ينكر العلمانيون بشدة أن يكون في الإسلام سياسة، وحسن حنفي أحد مشاهيرهم، وهو هنا يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم كرجل سياسي، وهذا من تناقضاتهم الظاهرة المغرضة، ففي مجال إثبات الشرك المعاصر "العلمانية" ينفون أي صفة سياسية للنبي صلى الله عليه وسلم، وأي مفهوم للدولة في الإسلام، وفي مجال التشكيك في الوحي وعصمته وعصمة المبلغ عليه الصلاة والسلام يضفون على قصة الغرانيق المختلقة تحليلًا سياسيًا كما فعل حسن حنفي هنا.

3 -

يقول حسن حنفي بأن هوى الرسول كان مع العرض الجيد الذي تقدم به المشركون -حسب ما في قصة الغرانيق المختلقة- وهذا نفي لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم واتهام له بالهوى ومناقضة لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)}

(1)

.

4 -

أنه بتبنيه قصة الغرانيق الموضوعة يؤكد النفسية المغرضة للحداثيين والعلمانيين تجاه الإسلام، فهم ينكرون النصوص الثابتة في القرآن والسنة، وينفون مدلولاتها ويحاربون مقتضياتها، وفي الوقت نفسه يثبتون الروايات الضعيفة والموضوعة، ويتخذونها أساسًا ومنطلقًا لباطلهم، مما يدل على الهوى المتأصل في هذه النفوس الزائغة.

5 -

الدفاع عن الزائغ سلمان رشدي، من جنس الدفاع عن الذات.

6 -

القول بأن الأديب حر، ولا ينتقد إلّا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي، دعوة صريحة إلى تهميش المقاييس الاعتقادية، وتقديس النقد والأدب وتقديم معاييرها على أي شيء آخر، وهذا هو أساس الصراع بين الإسلام والحداثة في هذا الزمان، وهو جوهر هذا البحث ومغزاه.

ومن أقوال حسن حنفي في هذا المجال -وهي نتيجة لمقدمات التشكيك التي فاه بها- قوله: (في قضية الفقر والغنى، هل أنت محتاج إلى

(1)

الآيتان 3، 4 من سورة النجم.

ص: 1109

نص قرآني أو حديث نبوي لكي تعرف أو تجد حلًا لقضايا الفقر والغنى، وقضايا الوحدة والتجزئة، قضايا الهوية والاختلاف؟)

(1)

.

والجواب عند كل مسلم يؤمن باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا أنه في حاجة إلى نصوص الوحي في هذه القضايا وفي غيرها؛ لأنه يؤمن بقول اللَّه تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}

(2)

، وبقوله تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)}

(3)

.

وفي استطراده مع منهج سبينوزا، ومسلك الجحد والتشكيك والاستهانة بالوحي عامة وبالقرآن خاصة يقرر بأن أي قول يقوله الشخص يُمكن أن يصبح قرآنًا، فيقول:(قلت أنت: قال اللَّه في كتابه الكريم: يا شباب الحجارة ويا أطفال الحجارة استمروا ويكون كلامك صحيحًا. . . أي: أنك عبرت عن الواقع بصيغة لو كان الوحي هنا لعبر عن الواقع نفسه ربّما بصياغة بلاغية أجمل. . . إن المسلم يجوز له أن يطبع نصًا يعبر به عن مقصد في الواقع ويكون مصدرًا للحكم)

(4)

.

لقد بلغت حربهم للإسلام وعدواتهم له أبلغ مما كان يخططه الصليبيون، لقد تحول العلمانيون والحداثيون من كونهم أدوات غبية في أيدي الأعداء المستخفين إلى أعداء حقيقيين، تغلي قلوبهم بالحقد على الإسلام أشد من غليان الحقد في قلوبهم معلميهم، على حد قول أحد أشباههم:

وكنت امرءًا من جند إبليس فاعتلى

بي الأمر حتى صار إبليس من جندي

(5)

(1)

المصدر السابق: ص 236.

(2)

الآية 36 من سورة الأحزاب.

(3)

الآية 65 من سورة النساء.

(4)

المصدر السابق: ص 236.

(5)

بيت من شوارد الشعر.

ص: 1110

وفي سياف استخدامه لأسباب النزول وخاصة الضعيف والموضوع منها، يشكك في نزول الوحي وفي النقل الحديثي

(1)

، وذلك فى سياق محاضراته التي ألقاها في ندوة "الإسلام والحداثة" في لندن بعنوان (الوحي والواقع - دراسة في أسباب النزول) بل يصرح في هذه المحاضرة بأن كلام اللَّه وكلام البشر قد تداخلت، وذلك في قوله فى الرد على علماء المسلمين الذين ميزوا بين الوحي وكلام البشر:(. . . والحقيقة غير ذلك، فقد تداخل كلام اللَّه وكلام البشر في أصل الوحي في القرآن)

(2)

.

وهذا القول الادعائي هو عين قول الكفار من قبل، كما ذكر اللَّه ذلك في كتابه الكريم في قوله -جلَّ وعلا-:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109)}

(3)

.

وقوله سبحانه: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186)}

(4)

.

وقد أوضح القرآن طريقة تفكير أسلاف هؤلاء الجاهليين المعاصرين،

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 137.

(2)

المصدر السابق: ص 138.

(3)

الآيات 103 - 109 من سورة النحل.

(4)

الآيتان 185 - 186 من سورة الشعراء.

ص: 1111

ثم النتيجة التي وصلوا إليها بعد تفكيرهم وتقديرهم، وهو وصف ينطبق تمام المطابقة على رؤساء وزعماء رهط الحداثة، قال تعالى:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)}

(1)

.

إنه الوصف الدقيق لأحوالهم، فقد خلقهم اللَّه ضعفاء لا يملكون قوة ولا عقلًا، ثم جعل اللَّه لهم القوة والإمكانات فاستكبروا بها على خالقهم كما قال تعالى:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)}

(2)

، وهي نقلة كبيرة هائلة بين مرحلة النطفة القذرة ومرحلة الاستكبار على اللَّه ومخاصمته بالقول أو الفعل، وهذه النقلة تبين للإنسان أصله ونشأته ومصيره ومقدار فداحة الجرم بمخاصمته واستكباره وإعراضه، وقد مهد اللَّه له تمهيدًا بالقوة والمال والبنين والعقل والسمع والبصر ويطمح في الزيادة من كل ذلك رغم معاندته للَّه والآيات وجحده وشكا وتكبره، وقد وعده اللَّه بالإرهاق والتعب في الدنيا والآخرة، وتاللَّه إن المتأمل في أحوال المنحرفين الضالين في هذا الزمان من حداثيين وعلمانيين يجد أنهم يعيشون الضنك والألم والحيرة والشتات والتمزق، وبعضهم يعترف بذلك، وبعضهم يغطيه بأنواع المتع المحرمة من خمور ونساء ومخدرات.

ثم يصف اللَّه المنهجية التي يسير عليها الجاهليون القدماء والمعاصرون، وطريقة التفكير وأسلوب النظر مما يسمونه فلسفة، ومناهج عقلانية ودراسات تاريخية، وتحليلات منهجية، وأفكار تحررية، ونتائج موضوعية، إلى آخر ما لديهم من شعارات يزينون بها باطلهم؛ إنها في

(1)

الآيات 11 - 26 من سورة المدثر.

(2)

الآية 4 من سورة النحل.

ص: 1112

الحقيقة من هذا الباب الذي وصفه خالق الإنسان والعالم بكل خفاياه {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)}

(1)

.

هذه هي طريقة التفكير الحداثية والعلمانية وسائر أصناف المذاهب المادية الإلحادية.

ومن أعلام هذا المنهج: الجزائري الفرنسي السوربوني محمد أركون الذي تصدى لدراسة الإسلام ومناهجه وأصوله وفق المناهج الغربية والمذاهب الفلسفية المادية.

ومن الأمور التي تعرض لها أركون في دراساته "السوربونية" دراسة الوحي ونصوصه على ضوء عقيدة خاصة، ليست عقيدة الإسلام، قال عنه مؤلفا كتاب "رأيهم في الإسلام":(صاحب عقيدة واثق من صلابة تفكيره وصواب رأيه، ووضوح مواقفه. . .، يحافظ على اتصال دائم مع التطور الغربي، مخاصمًا مسلمين كثر، فوجئوا وصدموا باستعماله، في خواطره وأبحاثه التاريخية، نظريات استوحاها من حياة القرن العشرين، وأوروبا، وعلم اللغات وتحاليل اجتماعية وأصول تنظيمية، همه الأوحد تطهير رؤى هؤلاء لإسلامهم من الخرافات والأوهام والشوائب التي تشوبها. . .، فإعادة النظر بمجموع التقاليد الإسلامية لتوحيدها وكشف الرواسب المتراكمة التي عثَّرتها منذ الدعوة القرآنية، هي موضع اهتمام محمد أركون كما المصلحين المحدثين، مصدرها سلطان النص المطلق، وشرعية هذا السلطان الذي لا يخلو من تعصب نظري، فينبغي أن تؤدي الثقة العارمة بالنص إلى التقليل من أهمية التجدد في النظرة -أكانت شرقية أم غربية- إلى الإسلام، التي تواكب عمل أبرز أخصائي مسلم بالدين، ولا ريب، لغته فرنسية)

(2)

.

ففي هذا التوصيف لأعمال أركون والإشادة بأعماله من قبل غربيين

(1)

الآيات 18 - 23 من سورة المدثر.

(2)

رأيهم في الإسلام: ص 145 - 146.

ص: 1113

دليل على نوعية الكتابات الاحتفالية التي يحظى بها هؤلاء ليقوموا بالدور الذي مدحوا بسببه، فيجتهدون في إثبات الجدوى وتوفير أسباب الغزو بأدوات عربية الأسهم أجنبية العقيدة والولاء.

وقد نظرت في بعض مؤلفات هذا الهائم فوجدت أن كلامه يتميز بما يلي:

1 -

العجمة الواضحة في الفكرة والأسلوب والتناول

(1)

.

2 -

امتلاء كلامه بالألفاظ والمصطلحات الغربية، وخاصة الفرنسية، والتي توهم بأن هناك دلالات عظمى ينطوي عليها كلامه والمصطلحات المستخدمة فيه، وهي لا تدل على شيء، وهذا حال أكثر الحداثيين.

3 -

انطماس الغائية في كتاباته وضياع المفاهيم، حتى يكاد ينتهي إلى لا شيء أو إلى الآلية المطلقة، بل يجد القارئ لكتبه أنه يبدأ بالكتابة وهو لا يدري ماذا يقول ولا إلى ماذا يهدف، اللهم إلّا غرس الشكوك وتوطين الريب من خلال ما يسميه منهجية ومشروعية "التساؤل" التي ينطوي تحتها تزييف الحق، وإحقاق الباطل، من خلال الغموض والتشويش.

ومن أهم كتب أركون التي تعرض فيها للوحي، بل للقرآن على وجه الخصوص كتابه المسمى "الفكر الإسلامي، قراءة علمية"، وقد شرح أهمية هذا الكتاب ومنهجيته الفكرية: الوكيل المعتمد لترويج فكر وكتب محمد أركون المدعو هاشم صالح

(2)

، فقال بعد إشادة مطولة بأركون وجهوده ودرسه الأسبوعي الذي يلقيه في السوربون على طلاب الدراسات العليا عن الإسلام والحداثة!!.

(1)

وقد حاول هاشم صالح الذي يصح أن يقال فيه "مجنون أركون" أن يشرح ويبسط ويوضح مقولات أستاذه، ولكنه كما قيل: أعمى يقود أعمى، وأبكم يفصح عن أبكم.

(2)

هاشم صالح، مترجم لكتب محمد أركون ومغرم به وبأفكاره إلى حد الذوبان، سعى إلى نقل كتب أركون من القرنسية إلى العربية، وقام بترجمة بعض محاضراته وإلقائها نيابة عنه في بعض الندوات الحداثية، وهو رجل لا يمتلك فكرًا استقلالًا بل هو مجرد ناقل ومسوق دعائي لأركون وفكره وكتبه، يظهر ذلك في هيامه الشديد إلى حد الإمحاء في أستاذه محمد أركون.

ص: 1114

قال: (. . . ثم أحس بعدئذٍ بالحاجة للعودة في الزمن إلى الوراء فوصل إلى مرحلة "التجربة التأسيسية" والنص القرآني، وشغل لسنوات عديدة أيضًا بدراسة القرآن بشكل مختلف جذريًا عن المنهجية الإسلامية التقليدية السائدة لدى كافة المذاهب دون أن يهمل مكتسباتها، ومختلف أيضًا عن المنهجية الاستشراقية الفللوجية

(1)

بعد أن هضم كل إيجابياتها ومعطياتها، ونتج عن كل ذلك كتابه المعروف "قراءات في القرآن" المرتكز أولًا على المنهجية الألسنية، التي تشكل تقدمًا بالقياس إلى المنهجية الفللوجية، ثم يحل المنهجيات الانتربولوجية

(2)

والتاريخية وعلم الأديان المقارن، وقد تمت إضاءة النص القرآني يشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وقد نقلنا إلى العربية بعض فصول هذا الكتاب الذي صدر مؤخرًا بعنوان "الفكر الإسلامي: قراءة علمية")

(3)

.

وسوف نرى من بعض النقولات التي ننقلها من الكتاب المشار إليه أي إضاءة استطاع أركون "المظلم في عقيدته" أن يضيء بها النص القرآني بشكل لم يسبق له مثيل من قبل كما يقول: "الذائب في أحماضه" هاشم صالح؟!.

يتحدث أركون عن التاريخية والهرمنيوطيقيا التي يدرس على ضوئها ثبوت القرآن وسيادته، ويتحدث أن سلطته جاءت من الدولة الأموية التي جعلته مصدر السلطة العليا فيقول:(. . . إنه عائد إلى الدولة الرسمية التي وضعت منذ الأمويين بمنأى عن كل دراسة نقدية، لأنها أرادت أن تجعل منه مصدرًا للسيادة العليا والمشروعية المثلى التي لا تناقش ولا تمس، لقد فرضت هذه الوظيفة السياسية للقرآن نفسها منذ أن تم تشكيل المصحف)

(4)

.

وواضح أنه لا يرى للقرآن قداسة ولا أحقية في السيادة، وأنه لم

(1)

سبق شرحها ص 1066، 1094.

(2)

سبق شرحها ص 764.

(3)

الإسلام والحداثة: ص 321 - 322.

(4)

الفكر الإسلامي: قراءة علمية لمحمد أركون: ص 51.

ص: 1115

يمتلك هذه الأحقية لكونه كتاب اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما يعتقد كل مؤمن، بل يرى أن هذه السيادة والأحقية نالها القرآن بالفرض السياسي منذ أن تم جمع المصحف.

ويتحدث أركون في موضع آخر من كتابه عن ما يسميه "ظاهرة التقديس" للقرآن العظيم، فيرى أنها من ممارسة (الذين يستمتعون في اجترار نفس الكلام بسبب الكسل أو الجهل)

(1)

، ويرى أن المشروع الأسمى هو أن (نجمد كالاقنوم عامل التقديس الموجود في القرآن والأناجيل والتوراة)

(2)

، وأنه لابد من (بلورة نظرية مُرضية لظاهرة التقديس، أو لانبثاق ظاهرة التقديس ومنشئها ومسارها داخل الوعي، ودعاماتها المتغيرة في الوجود البشري، فإننا عندئذٍ نكتشف أن مشاكل الصحة والموثوقية أو الاختراع والتحريف الذي لحق بالنصوص المتلقاة على أنها مقدسة، أقول: نكتشف بأن هذه المشاكل ثانوية في الحقيقة، أن منطق الثالث المرفوع "منطق الصحة أو اللاصحة" يبدو عندئذٍ تافهًا لا أهمية له لأننا نكتشف قارات أخرى من الحقيقة النفسية واللغوية والتاريخية للإنسان، كانت هذه القارات قد طمرت أو طمست وأزيحت من ساحة البحث والتفكير عن طريق ثيولوجيا

(3)

من نوع منطقي - مركزي. . . .)

(4)

.

إن اطراح أركون لقضية الصحة والموثوقية لنصوص الوحي واعتبارها قضية تافهة لا أهمية لها، مجرد دعوى يغطي بها مقصده من منهجيته القائمة على دراسة "التقديس" أو تجميد التقديس من خلال ما يسميه الحقيقة النفسية واللغوية والتاريخية بعيدًا عن أي نظرة دينية أو حسب تعبيره ثيولوجية، إن هذه الالتفافة البعيدة سوف يصل من خلالها إلى إسقاط صحة وموثوقية النص القرآني المقصود بدراسته، وهذا ما يحاول فعله حقيقة تحت أردية الألسنة والتاريخية؛ لأن إسقاط القداسة أو تجميد القداسة سوف يؤدي إلى جعل القرآن مثل أي كلام بشري، فلا حرمة له ولا مكانة، ويُمكن مناقشته

(1)

و

(2)

و

(4)

المصدر السابق: ص 58.

(3)

سبق بيانه ص 1065.

ص: 1116

بنيوبيًا كما يدعو نصر أبو زيد أو ألسنيًا كما يدعو أركون، وبذلك ينزلونه في سوق تلاعباتهم الفكرية التي لا تصلح لدراسة كلام شاعر أو أديب لما فيها من التناقض والفوضوية، فضلًا عن دراسة كلام اللَّه العزيز الحميد.

وفي موضع آخر يتكلم عن صحة القرآن وثبوته باعتباره مجرد فرضية

(1)

.

ثم يتكلم عن أن الخطاب الإسلامي لم يستطع التوصل إلى التمييز في القرآن ونصوص الوحي بين الأسطورة والتاريخ، وأنه أي الخطاب الإسلامي المعاصر:(لا يزال بعيدًا جدًا عن تاريخانية القرن التاسع عشر الأوروبية التي توصلت إلى تهميش العامل الديني والروحي المتعالي وحتى طرده نهائيًا من ساحة المجتمع، واعتباره يمثل إحدى سمات المجتمعات البدائية)

(2)

.

وهذا دليل ساطع على الانتماء الاعتقادي القوي للغرب ومذاهبه، والعداء الشديد المتأصل للإسلام وأهله، إضافة إلى الجهل الضارب بأطنابه، والنفسية المغرضة التي يتناول من خلالها الإسلام ومقتضياته، والقرآن ومستلزماته الواقعية، بل وصل به الحد في هذا المضمار أنه هاجم الكتب التي كتبها غربيون يثبتون فيه صحة القرآن وسلامته من التحريف، وصحة الإسلام وثبات مناهجه وقوة حقيقته ووصفها بأنها كتب تبجيلية هزيلة، لا لشيء إلّا لقيام مؤلفيها بتوضيح الحقيقة بطرق علمية في أحدها وفلسفية اجتماعية في الثاني

(3)

، فهل من دليل أكبر من هذا الدليل على مقدار ما ينطوي عليه "أركون" من عداء للإسلام وانتماء لأعدائه؟.

ويصف أركون قصة أصحاب الكهف بأنها أساطير

(4)

.

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 66.

(2)

المصدر السابق: ص 68.

(3)

تحدث في هذا الصدد عن كتاب موريس بوكاي المسمى "التوراة والقرآن والعلم: الكتابات المقدسة ممتحنة على ضوء المعارف الحديثة" فقال عنه أركون: (كتاب تبجيلي هزيل جدًا) ثم عن كتاب روجيه جارودي "وعود الإسلام" فقال عنه: (كتاب هزيل أيضًا). انظر: الفكر الإسلامي لأركون: ص 83 - 84.

(4)

المصدر السابق: ص 84.

ص: 1117

ويعيد الكلام عن الخطاب الإسلامي المعاصر فيصفه بأنه (الذي يزعم أنه يحرك التاريخ المعاصر ويحد له من جديد ديكتاتورية الغاية المثلى على طريقة الإسلام البدائي، هذا الخطاب هو خطاب إيديولوجي، مغلق على البعد الأسطوري والرمزي ذي الأهمية الحاسمة جدًا في القرآن)

(1)

.

وفي سياق حديثه عن الإسلام الذي يريد أن يجعله في موازين مذهبه "التاريخي" بل مذهب أساتذته الفرنسيين يقول بعد إيراد قول اللَّه تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}

(2)

، وقوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}

(3)

ثم أورد قولًا لأحد أساتذته "التاريخيين" ثم قال بعد ذلك: (تحدد هذه الاستشهادات الثلاثة، بشكل ممتاز، مجال التفحص الذي سنقوم به، لدينا من جهة دين اسمه الإسلام، الذي يقدم نفسه، استثناءً على كل الأديان الأخرى، بصفته الدين الحقيقي، لأنه كان محلًا للوحي النهائي والأخير المعطي من قبل اللَّه لكل البشر، ولدينا من جهة أخرى التاريخ المتولد عن الفعل البشري، الذي تزيد في تسارعة "انتفاضة الحياة" التي لا تقاوم، إلى حد أن الإنسان يعيد اليوم من جديد صنع التجربة التراجيدية كما حصل في زمن الإغريق القدماء)

(4)

.

ثم يعلل أخذه بهذا المنهج قائلًا: (لكي تحلل وتدرس وضع الإسلام الراهن في مواجهة الحداثة بشكل صحيح، فإنه من الضروري أن نوسع من مجال التحري والبحث لكي يشمل، ليس فقط الفكر الإسلامي الكلاسيكي، وإنّما القرآن نفسه أيضًا إن المهمة تبدو مرعبة لأسباب معروفة جيدًا، سوف

(1)

المصدر السابق: ص 109.

(2)

الآية 3 من سورة المائدة.

(3)

الآية 19 من سورة آل عمران.

(4)

المصدر السابق: ص 113.

ص: 1118

نرى، مع ذلك، لماذا هي شيء لابد منه، إذا ما أردنا أن نعالج بشكل دقيق المكان الذي أتيح للتاريخية أن تحتله في الإسلام)

(1)

.

وهكذا يتبدى لنا أركون في أوضح صورة من صور استهانته بالإسلام والقرآن، وتقديسه للمنهج التاريخي، واستخدامه له على أساس اعتقادي ديني يزن به أمور الإسلام والقرآن ويجعل منه الميزان للحكم والقبول والرد، وللماضي والحاضر والمستقبل.

وفي موضع آخر يتحدث بصورة تشكيكية عن ثبوت القرآن، ويؤكد أن القطع بذلك إنما هو من قبل الروح "الدوغمائية

(2)

" أي المنغلقة القاطعة بانفرادها بالحقيقة.

ثم يتحدث عن جمع أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه للمصحف وتوحيد المصاحف عليه بأن ذلك من قبل الهيجان السياسي الديني، الذي قام بفرض نسخة رسمية واحدة، وأن المسلمين يثنون بدوغمائية على هذا الموقف، ثم يقرر في الصفحة نفسها بأن (الفكر الإيجابي "الواقعي" هو فكر تاريخي)

(3)

.

فتأمل "الدغومائية" التاريخية التي غرق فيها، والرمي بالظنون والتهم على أعظم وأهم مصدر من مصادر الدين الإسلامي، والتشكيك في ثبوته. إنه القطع والجزم بصحة الأوهام والافتراضات، في سبيل وصم الحقيقة الثابتة بالشك، وإلحاقها بالأوهام.

وهذا النوع من الجدل واللدد في الخصومة أسلوب قديم من أساليب الكافرين، حيث تقوم معاداتهم للحق على أساس الجدال بالباطل والتي هي

(1)

المصدر السابق: ص 113 - 114.

(2)

الدغمائية: حالة المذهب عندما تنفرد بالحقيقة، فلا تجيز لغيرها الحق في ادعائها أو الشك فيما جاءت به أو مناقشته، ويطلق أيضًا على بعض النظريات الفلسفية التي تقول بأنها القول الفصل فيما ذهبت إليه من تفسير للكون وللمسائل الفلسفية. انظر: المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة ص 80.

(3)

الفكر الإسلامي لأركون: ص 126.

ص: 1119

إحدى صفات الكافرين الكبرى، وهم لا يقتصرون على الجدال بالباطل، بل يضيفون إليه ممارسات الاستهزاء والسخرية لتغطية ضعفهم وزيف حجتهم، لتمرير عقيدتهم على الإغرار البسطاء الجهلة.

قال اللَّه تعالى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56)}

(1)

.

وقال تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5)}

(2)

.

هذه هي طبيعة الكفر والكافرين يصفها العليم الخبير، الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه. إنهم دائمًا يريدون دعم آرائهم الباطلة ومذاهبهم الضالة بأي أسلوب، وحيث أن بينهم وبين الحق تباعدًا، فإنهم لابد أن يلجأوا للباطل يزخرفونه ويجادلون به، ليدحضوا به الحق الثابت.

ومن طبائع أعداء الحق أنهم يظهرون في صورة استكبار وتجبر واستعلاء وانتفاش بالباطل، فهم متكبرون على الحق لا يعترفون به، حتى ولو اتضح له، وهم ملتزمون جانب الباطل بتأثير أهوائهم، يجادلون عنه بالزخرف من القول، وبالدعاوى المنتفشة الخاوية، وبالأدلة المزركشة الواهية، وهذا ما ذكره اللَّه تعالى عنهم في قوله -جلَّ وعلا-:{الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)}

(3)

.

وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)}

(4)

.

(1)

الآية 56 من سورة الكهف.

(2)

الآيتان 4، 5 من سورة غافر.

(3)

الآية 35 من سورة غافر.

(4)

الآية 56 من سورة غافر.

ص: 1120

أي: ليس عندهم حجة ولا برهان ولا حق، بل ما عندهم إلّا الكبر الناشيء عن أوهام اعتقدوها وأباطيل اعتنقوها، وهو كبر يظهر في حالة المقصودين بهذا البحث، في الاستعلاء بالمصطلحات والمذاهب والمناهج التي استنسخوها، فرحين بما لديهم من الباطل، وليس في صدورهم إلّا ظلمات الشبهات والكبر الناشيء عن أوهامهم ولكن هذا الكبر والتعالي الذي يرتدون بأرديته تحت المغالطات: بالتعميم الكاذب، أو التخصيص الجائر، أو بالحذف المقصود، أو بالإضافة الظالمة، أو بالتمويه المخاح، أو بالإيهام الثعلبي، وغير ذلك من طرق الاستكبار على الحق، الناشيء من كبر في صدورهم ما هم ببالغيه لأنهم يستندون إلى هراء، ويتكئون على أوهام، ويجادلون في آيات اللَّه وشرعه بغير سلطان من علم ولا برهان ولا حجة، إلّا ماسولته لهم أنفسهم الخائبة وعقولهم الخاوية، فلا سند من علم صحيح ولا من عقل سليم، بل هم يُصرفون إلى شتى السبل الضالة، ويصرفون إلى الزيغ والباطل، ويتعلقون في جدالهم ومحاولة إدحاض الحق بما هو أوهى من خيط العنكبوت، قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)}

(1)

.

وإذا تأملنا بإنصاف وعدل وموضوعية ما يكتبه هؤلاء عن اللَّه تعالى، وعن كتابه وعن النبوات وغير ذلك من قضايا الاعتقاد والتشريع الإسلامي وجدنا أنهم يجادلون فيها بغير علم، ويتبعون قادتهم من شياطين الإنس الذين يدلونهم على طرق الغواية، ويرشدونهم إلى أسباب الزيغ والانحراف ويقودونهم إلى عذاب النار وبئس المصير، وهذا ما وضحه اللَّه تعالى في قوله:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4)}

(2)

.

(1)

الآية 69 من سورة غافر.

(2)

الآيتان 3، 4 من سورة الحج.

ص: 1121

وهؤلاء القادة رؤوس الطواغيت هم مثل أتباعهم في الجهل والزيغ وإعتناق الباطل إلّا أنهم يتعالون بموقفهم القيادي، ويعتزون بالأتباع الذين يصفقون لهم، ولكنهم إذا حكت الحجج أقوالهم وكشفت البراهين زيف دعاواهم انثنوا بأعطافهم تكبيرًا واستعلاءً، وانصرفوا إلى باطلهم الذي تعرّى يحاولون ستر سوأته وتغطية عورته بالمكابرة والإصرار، وإطلاق الشتائم، وتكذيب الحقائق وتصديق الأوهام، وهذا بعض مما وصفه اللَّه تعالى من أحوالهم حيث قال سبحانه:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)}

(1)

.

إنّ المتتبع لآيات القرآن الحكيم بتدبر وإيقان يستطيع أن يفهم نفسيات هؤلاء، ويعرف أصول منطلقاتهم وأهدافهم ومخططاتهم ومشروعاتهم، وليس في الواقع من أعمالهم إلّا تصديق ما جاء في القرآن من أوصافهم، مع فروع كثيرة من ممارساتهم وجزئيات عديدة من أقوالهم، لا تخرج عن تلك الأصول التي قالها اللَّه تعالى في ذكره لأحوالهم فسبحانه من عليم خبير.

وهكذا يبدو لنا محمد أركون وأشباهه من الذين يجادلون في آيات اللَّه بالباطل ليدحضوا به الحق.

وفي محاضرة لأركون في ندوة الإسلام والحداثة يقول تحت عنوان "الحداثة ومشكلة المعجم الاعتقادي القديم" حين اعترض عليه أحد الحاضرين وطلب منه احترام المقدسات وخاصة الوحي والتنزيل أجاب أركون: (بالطبع، معك بعض الحق، وقد نبهت منذ البداية إلى أنه ينبغي أن نسير في موضوع الحداثة بتؤدة وبطء فالأرض مزروعة بالألغام، ولكنك تستخدم كلمات كثيفة جدًا ومثقلة بالدلالات التاريخية دون أن تحاول تفكيكها أو تحليلها. . .، كل هذه التعابير المصطلحية الأساسية التي ورثناها عن الماضي "كمفردات الإيمان والعقيدة بشكل خاص" لم نعد التفكير فيها

(1)

الآيتان 8، 9 من سورة الحج.

ص: 1122

الآن، ونحن نستخدمها وكأنها مسلمات وبدهيات ونشر بها كما نشرب الماء العذب، هذا ما تعودنا عليه منذ الصغر ومنذ الأزل، ولكن إذا صممنا على أن ندخل فعليًا في مناخ الحداثة العقلية، فماذا نرى؟ ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص هذه المفردات الضخمة الكثيفة التي تملأ علينا أقطار وعينا؟، ماذا تقول لنا بخصوص هذه المصطلحات الإيمانية المشحونة بالمعاني وظلال المعاني. . . عندما يستخدم المرء بشكل عفوي هذا المعجم الإيماني اللاهوتي القديم لا يعي مدى ثقله وكثافته وشحنته التاريخية وإبعاده المخفية، وكل الأخطار المرافقة لاستخدامه، فمثلًا عندما يقول المؤمن التقليدي أن هناك أشياء لا تتغير ولا تتبدل، وعندما يقول هناك المقدس "أو الحرم باللغة الإسلامية الكلاسيكية".

وينبغي عدم التساؤل حوله أو مسه، وعندما يقول: هناك الوحي، وكل هذه الأديان انطلقت من النقطة نفسها: الوحي. . . الخ عندما يقول كل ذلك فإنه يستخدم لغة كثيفة أكثر مما يجب، هكذا تلاحظون أني استخدم صفة كثيفة أو ثقيلة "بمعنى الوزن" الحيادية لكيلا أطلق أي حكم قيمة، ماذا تعني هذه الكلمة؟ إنها تعني أن كواهلنا تنؤ تحت ثقل أكياس هذا المعجم القديم، فهو أثقل من أن نحتمله أو نستطيع حمله بعد الآن،. . . ففي هذه الأكياس "أكياس المعجم التقليدي" أشياء كثيرة لا شيء واحد، وينبغي أن نفتحها لكي نعرف ما فيها، لم نعد نقبل الآن بحملها على أكتافنا وظهورنا دون أي تساؤل عن مضمونها كما حصل طوال القرون الماضية، ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص كل واحدة من هذه الكلمات والمصطلحات الثيولوجية القديمة؟، ماذا تقول لنا إذا ما قبلنا أن ندخل فعلًا في مناخ الحداثة ونتنفس هواها الطلق؟)

(1)

.

وهذا الكلام مليء بالدلالات الحداثية في موقفها من الوحي والمصطلحات الإسلامية، ومن الإسلام، وهو واضح تمامًا في تشخيص المشروع الحداثي إزاء كل هذه القضايا، بل إزاء الإسلام جملة وتفصيلًا.

(1)

الإسلام والحداثة: ص 327 - 328.

ص: 1123

ثم يسترسل في كلامه ليصل إلى قضية "الوحي" فيقول: (أتمنى هنا عندما تلفظ كلمة الوحي أن تشعر بأنها كلمة شديدة الخطورة والأهمية، وأنه لا يُمكننا استخدامها بسهولة وبمناسبة ودون مناسبة، بمعنى أننا لا نفهمها جيدًا، وإنها بحاجة لأن تخضع لدراسة جديدة دقيقة لا تقدم أي تنازل للتصورات الألفية التي فرضتها العقائد الدوغمائية الراسخة، أتمنى أن ننظف من كل ما علق بها من أوشاب إيديولوجية، وذلك لأن العقائد الدوغمائية الراسخة تحمل في طياتها الكثير من الإيديولوجية. . . إن عملنا يتمثل في عزل، وفرز كل ما أضيف إلى كلمة وحي من أشياء تثقلها وتجعل منها أداة إيديولوجية أو آلة إيديولوجية من أجل الهيمنة والسيطرة، وليس فضاء للمعرفة المنفتحة على الكون، وهذا إشكالي، فنحن لا نعرف بالضبط ما هو الوحي، وأستطيع أن أقول الآن ما يلي: لا توجد حتى هذه اللحظة التي أتكلم فيها أمام أي مكتبة في العالم، ولا أي كتاب في أية لغة من لغات العالم يطرح مشكلة الوحي على طريقة العقلانية الحديثة ومنهجيتها)

(1)

.

ويتضمن هذا القول عدة أمور:

1 -

أنه يريد إخضاع الوحي للدراسات المادية التي يعتقدها أركون ويؤمن بها، ومثله في ذلك مثل الماركسي الذي يدرس الوحي والإسلام بناء على الديالكتيك الشيوعي.

2 -

أن الدوغمائية التي يصف بها المؤمنين الملتزمين بالإسلام في مجال التشنيع والسباب والتنفير من عقائدهم، يمارسها هو بنفسه، ويتضح ذلك من خلال هذا النص والذي قبله وغيره من النصوص التي جعل فيها العقلانية والتاريخية والألسنية المعايير الصحيحة القاطعة التي لا تقبل النقاش ولا المؤاخذة، وإن لم يقل ذلك صراحة إلّا أن شدة تعصبه لها وشدة إيقانه بها يدل على دوغمائيته الشديدة.

3 -

إنه يريد أن ينقي الوحي -حسب زعمه من العقائد الدوغمائية

(1)

المصدر السابق ص 329 - 330.

ص: 1124

والإيديولوجية-، وهذا معناه أنه يريد إزالة الثقة المطلقة بالوحي وإحلال الشك مكان اليقين وإزالة الاعتقاد الإيماني بالوحي وهو ما يسميه الإيديولوجيا، وإحلال الاعتقاد الشكي والكفري تحت دعاوى التخلص من الإيديولوجيا، وما محاولة الكفار من قديم الزمن إلّا من أجل الوصول إلى هذا المقصد.

4 -

إنه يعترف بأنه لا يعرف بالضبط ما هو الوحي، وهذا اعتراف بالجهل فكيف يصح له أن يتكلم عن شيء يجهله أو يحكم على شيء لا يعلمه، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا مصداق قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8)}

(1)

.

5 -

زعمه بأنه لا توجد في العالم كتب تطرح قضية الوحي، والتي يسميها "مشكلة الوحي" طرحًا عقلانيًا حديثًا هذا الزعم كاذب مخالف للواقع، ويتضمن إضافة إلى الكذب الثقافي الاعتزاز والافتخار بالنفس وهو من باب الكبر، كما قال تعالى:{الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)}

(2)

.

ويتضمن أيضًا نفي التبعية عن نفسه، ونعت منهجه بالاستقلال، وهذا كذب آخر ومكابرة للواقع الذي يعيشه ومناقضة لما في كتبه من دلائل واضحة على تبعيته.

وفي موضع آخر يصف العقل الديني، منطلقًا من عقلي لا ديني، ويعتبره عقلًا تابعًا غير مستقل، ولم يفطن إلى أن العقل الجاهلي اللاديني هو العقل التابع للهوى والشبهة والشهوة والأقوال الضالة والمذاهب الباطلة، ولم يدر بأنه غير مستقل، وأقرب مثال على ذلك عقله هو؛ حيث ارتكس

(1)

الآية 8 من سورة الحج.

(2)

الآية 35 من سورة غافر.

ص: 1125

في تبعية عمياء للمناهج والفلسفات الغربية فجعلها قبلته واستدبر الحق.

يقول أركون: (العقل الدين. . . يشتغل داخل إطار المعرفة الجاهزة، ويستخرج كل المعرفة الضخمة استنادًا إلى العبارات النصية للكتابات المقدسة "من قرآن وأناجيل" و"توراه" وإذن فالعقل الديني بطبيعته عقل تابع لا مستقل، وبالتالي فهو لا يطرح مشكلة أصل الوحي المعطى، أو معطى الوحي: أي الوحي كظاهرة موضوعية موجودة بغض النظر عن مشاعرنا الذاتية، تمامًا كوجود الظواهر الفيزيائية أو البيولوجية. . .، ومن هنا جاء تقديس الشريعة والقانون الإسلامي واعتباره فوق البشر والتاريخ)

(1)

.

ثم يتحدث أركون عن القرآن ونصوص الوحي عمومًا باعتبارها "أسطورة" كما قال أسلافه: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)}

(2)

.

ثم يشرح مراده بقوله القرآن خطاب أسطوري، فيفصل تفصيلًا أشنع من الإجمال الذي بدأ به، وعلى كل حال فهو لا يرى في القرآن ولا يعتقد فيه، ما يراه ويعتقده كل من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا، ويعتبر أن اللغة العربية قد شحنت بدلالات دينية يجب تخليصها منها، وهو أحد المنادين بتفجير اللغة واستخدم كلمة "مخيال" في كتابه الفكرة الإسلامية: قراءة علمية

(3)

، وعندما استضافته اليمامة كتبت على غلافها لما اختطفت طائرة كويتية "مخيال الموت"، وفي الداخل إشادة بأركون وبمشروعه التفجيري للغة العربية، وجعلت لفظة المخيال دليل تعانق بين اليمامة التي كان رئيس تحريرها -آنذاك- متخرجًا من السوربون أي أنه ارتضع هو وأركون من ظئر واحدة.

يقول أركون: (لا تزال لغة القرآن، وكانت دائمًا منغرسة ومتجذرة في

(1)

الإسلام والحداثة ص 338.

(2)

الآية 5 من سورة الفرقان.

(3)

انظر: الفكر الإسلامي قراءة علمية: ص 74.

ص: 1126

الحقل الدلالى والمعنوي للقرآن. . .، وهذا خلع على المفردات العربية أو المعجم اللغوي العربي شحنة دينية كثيفة، إلى حد أنه يصعب علينا اليوم إعادة اشتغال وبلورة المصطلح العربي بطريقة علمية كما يحصل في اللغات الأخرى. . . .، الصعوبة الأساسية التي تنهض أمامنا اليوم إذا ما أردنا أن نكتب الفكر باللغة العربية، فأي تعبير أو أي صياغة لغوية حديثة قد تبدو انتهاكًا للمقدسات في حين أنها لا تهدف إلى ذلك على الإطلاق، فعندما أقول: القرآن خطاب أسطوري البنية فإن المسلم يولول ويثور وينادي بالثبور وعظائم الأمور في حين أني لم أقل شيئًا خارقًا للعادة أو يسبب أي مشكلة. . .)

(1)

.

ثم يحاول أن يسفسط حول معنى الأسطورة فيقول: (. . . إن معنى التعبير: القرآن خطاب أسطوري البنية هو شيء مختلف تمامًا عن كل ما هو سلبي أو شائن، أنه يعني أن البنية اللغوية أو الأسلوبية للقرآن هي بنية مجازية رمزية في معظمها، فالمجاز والاستعارة والحكاية وضرب الأمثال تخترق كلية الخطاب القرآني من أوله إلى آخره. . . . .)

(2)

.

وهذا عذر أقبح من فعل كما تقول العرب، وتلاعب بالألفاظ لا يغير من حقيقة المعنى شيئًا، ولا ينفي عن القائل اعتقاده بأن القرآن أسطورة كما كان يعتقد الكفار الأوائل، وعند هذه المسألة يجب التنبيه إلى الأسلوب من أساليب المجادلين في آيات اللَّه بغير علم ولا هدى من الجاهليين الأوائل والمعاصرين، أسلوب يتمثل في الادعاء بأنه "أساطير" من غير حجة على الدعوى ولا برهان، إلّا مجرد الخصومة بالباطل، ومن الطبيعي أنه ليس لديهم ما يقولونه عن القرآن إلّا إلقاء الدعاوى العرية من أي دليل، وهذا يُمكن أن يقوله أي أحد حتى في إنكار ضوء الشمس في ضحى النهار في العراء في اليوم الصحو، ولكن هل مجرد القول يكفي في إثبات الحجة، ولذلك نقل اللَّه أقوالهم هذه ورد عليها، فقال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ

(1)

و

(2)

الإسلام والحداثة: ص 346 - 347.

ص: 1127

هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)}

(1)

.

ومن رؤوس أهل الباطل المتصدين لكتاب اللَّه تعالى وللوحي الكريم بالنقد والرد والتشكيك الكاتب المصري نصر حامد أبو زيد الأستاذ في إحدى الجامعات المصرية، والذي صدر ضده حكم بالردة، وبلزوم طلاق زوجته منه!!، وهي مثله في الضلالة، وقد تبرعت له الحكومة العلمانية بالحماية والرعاية، ثم سعت في إخراجه خوفًا عليه من مصير صنوه الهالك فرج فودة، واستقبلته أسبانيا ودعته هولندا وبريطانيا وفرنسا وأمريكا للإقامة فيها ووعدته بحق اللجوء، في الوقت الذي تطارد فيه الشباب المسلم وتعتقلهم وتحاكمهم، وتحاكم بعض قادة العمل الإسلامي {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}

(2)

، {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}

(3)

.

وقد تصدى نصر أبو زيد للوحي تصدي العدو المبغض، وتناول القرآن تناول الشانيء المحارب، وتعامل مع العقيدة والشريعة تعامل المستخف المستهين، بأساليب ملتوية من المكر والخديعة، ولو أردنا أن نجمع أقواله في هذا المجال لطال الكلام؛ لأن أكثر كتاباته تدور في مجال التأصيل لمذهبه القائم على التشكيك في صحة القرآن وثبوته، وصحة نقله، وجمعه، وجحد قضاياه الاعتقادية، ولوازمه التشريعية.

ومن كتبه ومقالاته في هذا الصدد: كتاب "مفهوم النص"

(4)

، وكتاب

(1)

الآيات 4 - 6 من سورة الفرقان.

(2)

الآية 10 من سورة التوبة.

(3)

الآية 8 من سورة التوبة.

(4)

وقد قام بعرض هذا الكتاب ودراسته ومدحه والإشادة به حسن حنفي في مجلة فصول العدد 3 و 4 فبراير 1991 م/ 1411 هـ: ص 227 وص 237، وجابر عصفور في مجلة إبداع العدد 3 مارس 1992 م/ 1412 هـ: ص 30. "بعضهم أولياء بعض".

ص: 1128

"إشكاليات القراءة وآليات التأويل"، وكتاب "نقد الخطاب الديني" وكتاب "الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية"، ورسالة الماجستير عنده بعنوان "الاتجاه العقلي في التفسير -دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة-"، ورسالة الدكتوراه بعنوان "فلسفة التأويل عند محي الدين بن عربي"، وله مقال بعنوان "النصوص الدينية بين التاريخ والواقع نشره في قضايا وشهادات 2/ 384، ومقال بعنوان "محاولة قراءة المسكوت عنه في خطاب دين عربي"، نشره في مجلة الهلال في مايو 1992 م/ 11/ 1412 هـ، ومقال بعنوان "قراءة التراث وتراث القراءة"، نشره في مجلة أدب ونقد في نوفمبر 1992 م/ 5/ 1413 هـ، ومقال بعنوان "مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق"، نشره في مجلة القاهرة في أكتوبر 1992 م/ 4/ 1413 هـ، ومقال بعنوان "إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني"، نشره في مجلة القاهرة في يناير 1993 م/ 7/ 1413 هـ، ومقال بعنوان "المرأة البعد المفقود في الخطاب الديني المعاصر"، نشره في مجلة القاهرة في فبراير 1993 م/ 8/ 1413 هـ، ومقال بعنوان "المرأة في المجتمع: جراح اللغة وجراح الهوية"، نشره في مجلة أدب ونقد في مايو 1993 م/ 11/ 1413 هـ

(1)

.

وكل هذه الكتب والمقالات تصب في مستنقع العلمانية الآسن، وتفوح منها رائحة الكراهية الشديدة لكل ما يتصل بهذا الدين من أصول وفروع وعقائد وتطبيقات، وكل إناء بالذي فيه ينضح.

وأهم ما كتبه في تصديه للوحي بالنقد والتشكيك كتاب "مفهوم النص"، وقد خصصه لدراسة علوم القرآن وقف منهجه البنيوي، ثم مقاله المعنون باسم "النصوص الدينية بين التاريخ والواقع" والتوجه إليهما لأخذ شواهد منها على انحرافه يعني أن نأخذ كل أو جُلَّ ما فيها، وهذا أمر لا يتسع له المقام هنا؛ ولذلك فسوف أقتصر على بعض الشواهد ذات الدلالات، من خلال إحالات على أهم محاور كتاباته في هذا الشأن، والتي فيها الدلالة

(1)

وقد أشار إلى معظم هذه الكتب والمقالات وعلق عليها د/ كامل سعفان في كتابه هجمة علمانية جديدة ومحاكمة النص القرآني: ص 153 إلى آخر الكتاب.

ص: 1129

الواضحة على عقيدته في اللَّه تعالى، وفي كلامه -جلَّ وعلا-، وأهم المحاور الفكرية لنصر أبو زيد في قضية الوحي والقرآن خاصة هي هذه الجمل المنقولة نصًا أو بالمعنى من كتبه:

1 -

القرآن نص لغوي يعامل كما يعامل أي نص آخر، وكذلك سائر النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية

(1)

.

2 -

القرآن فعل بشري، وتبنى القول ببشرية النصوص الدينية؛ لأن الإصرار على كون النص القرآني إلهيًا مجرد وهم

(2)

.

3 -

القرآن منهج ثقافي متأثر بالظروف والمتغيرات التاريخية، والاجتماعية في كل عصر، ومصداقية النص تنبع من دوره في الثقافة وتقبلها له، فما توفضه الثقافة وتنفيه لا يقع في دائوة النصوص وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصًا دالًا فهو كذلك

(3)

.

4 -

المجاز والتأويل ركيزتان ينطلق منهما للتلبيس والتدليس والتشكيك والمجادلة في آيات اللَّه، ومطيتان لتبرير أنواع عديدة من تلاعباته بنصوص الوحي تلقيًا وفهمًا وتطبيقًا

(4)

.

5 -

البحث عن المفقود في النص، والذي لم يستطع علماء المسلمين الوصول إليه، والسخرية من فهمهم واستنباطهم واستدلالهم

(5)

.

6 -

من علامات الانطماس والجهل الإيمان بالمصدر الإلهي للنص، والتركيز على مصدر النص وقائله فقط إهدار لطبيعة النص ذاته وإهدار لوظيفته في الواقع

(6)

.

(1)

انظر: مفهوم النص: ص 9، 10، 12، 18، 19، 24، 26، 28، 97، وقضايا وشهادات 2/ 389، 391، 392.

(2)

قضايا وشهادات 2/ 391، 392، 390، ومفهوم النص: ص 24.

(3)

مفهوم النص: ص 24، 26، 27، 28، وقضايا وشهادات 2/ 387.

(4)

قضايا وشهادات 2/ 392، 393.

(5)

مفهوم النص: ص 26، 92، 99، 134.

(6)

قضايا وشهادات 2/ 391، ومفهوم النص: ص 57، 67.

ص: 1130

7 -

الهجوم الشديد على الخطاب الديني المعاصر المتمثل في الحركات الإسلامية لكون هذا الخطاب يعتمد على السلفية والتراث، وعلى الفكر الرجعي التثبيتي

(1)

.

8 -

الاستدلال بالموضوعات والأكاذيب والأقاويل الشاذة وبدع أهل الكلام، والآراء الضعيفة في كتب علوم القرآن

(2)

.

9 -

النبي ابن المجتمع ونتاجه، والوحي له أسبقية عند العرب تتمثل في الكهانة والشعر من حيث أن هذه جميعًا فيها اتصال الإنسان بغير الإنسان، وإلغاء الكهانة يؤدي إلى إلغاء الأساس الوجودي والمعرفي لظاهرة النجوة، وظاهرة الوحي استندت إلى مفهوم عميق في الثقافة وهو إمكانية اتصال بين البشر وبين العوالم الأخرى من الملائكة والشياطين

(3)

.

10 -

أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالحنيفية ودين إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان ناتجًا عن التأثر ببعض المتحنفين من قريش وغيرها، وقبول العرب للحنيفية والتوحيد كان بتأثير سياسي واجتماعي لمقاومة التفكك الداخلي والخطر الخارجي

(4)

.

11 -

التشكيك في أمية النبي صلى الله عليه وسلم، والقول بأنه كان حائرًا بعد مجيء الوحي أول مرة إليه، وأنه كان يتشوف إلى ما يطمئنه على صحة قواه العقلية

(5)

.

12 -

يزعم أن القول بعدم تعارض الدين الإسلامي مع البحث العلمي العقلي الحر، أو عدم التعارض بين العقيدة الإسلامية والعلوم المعاصرة مجرد دعوى

(6)

.

(1)

مفهوم النص: ص 20، 26، 28، 104.

(2)

مفهوم النص: ص 43، 45، 66، 51، 70، 72، 130، 132، 134، 145، 146، 147.

(3)

مفهوم النص: ص 34، 36، 37، 38، 39، 59، 144.

(4)

مفهوم النص: ص 63، 64، 65.

(5)

مفهوم النص: ص 70، 71.

(6)

قضايا وشهادات 2/ 385.

ص: 1131

13 -

قوله بخطورة الدعوة إلى أسلمة الحياة وإلى الحاكمية، وإلى أسلمة الأدب، لأن ذلك يعني تحكيم رجال الدين في كل شؤون الحياة، وإفساح المجال لسيطرة خطاب ديني غاشم يطفي كل المصابيح الإنسانية

(1)

.

14 -

رفع غطاء القداسة عن الخطاب الديني القديم والحديث على السواء

(2)

.

15 -

أخطأ التنويريون العرب حين نظروا إلى النصوص الدينية برؤية لا تاريخية، أي حين اعتبووها نصوصًا مطلقة، وهذا استخدام نفعي ذرائعي أعاقهم عن التقدم، ومكن السلفية من الانقضاض على ما حققته التنويرية

(3)

.

16 -

الوعي التاريخي العلمي بالنصوص الدينية يتجاوز أطروحات الفكر الديني قديمًا وحديثًا، ويعتمد على إنجازات العلوم اللغوية خاصة في مجال دراسة النصوص، وإذا كان الفكر الديني يجعل قائل النصوص -اللَّه- محور اهتمامه ونقطة انطلاقه فإننا نجعل المتلقي - الإنسان، بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد

(4)

.

17 -

معضلة الفكر الديني أنه يبدأ من تصورات عقائدية مذهبية عن الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية وعلاقة كل منها بالأخرى، ثم يتناول النصوص الدينية جاعلًا إياها تنطق بتلك التصورات والعقائد

(5)

.

18 -

البنية الفكرية الدينية تطرح رؤية للعالم والطبيعة والإنسان وتضعهم في علاقة مقارنة مباشرة مع اللَّه، ومن الطبيعي أن تؤدي المقارنة إلى تهميش النسبي والجزئي والحادث لحساب المطلق والكلي والقديم

(6)

.

(1)

المصدر السابق 2/ 386.

(2)

المصدر السابق 2/ 386، 388، ومفهوم النهي: ص 12.

(3)

المصدر السابق 2/ 386 و 389.

(4)

المصدر السابق 2/ 387.

(5)

المصدر السابق 2/ 387.

(6)

المصدر السابق 2/ 388.

ص: 1132

19 -

القول بأزلية الوحي وقدم القرآن

(1)

، يضفي عليه قداسة يستمدها من الامتداد التراثي وعميق التاريخ موهمًا أنها الإسلام ذاته

(2)

.

20 -

القول بخلق القرآن رؤية حيوية وديناميكية، والذين قالوا بذلك مبدعين، وهم الذين أثروا في مجال المعرفة العلمية للإنجازات التي أفادت منها أوروبا

(3)

.

21 -

الذي ندعو إليه هو عدم الوقوف عند معنى النصوص في دلالاتها التاريخية الجزئية، بل لابد من اكتشاف المغزى الذي يُمكن لنا أن نؤسس عليه الوعي العلمي التاريخي، وهنا لابد أن تكون الدلالات مفتوحة وقابلة للتجدد مع تغير آفاق القراءة المرتهن بتطور الواقع اللغوي والثقافي

(4)

.

22 -

العائق دون إخضاع النصوص الدينية للمنهج العقلي والتاريخي واللغوي التحليلي هو توهم إن الكلام الإلهي لابد أن يكون مخالفًا للكلام الإنساني، وهذا التوهم هنا مبني على افتراض أن العلاقة بين الإلهي والإنساني تقوم على الانفصال، بل على التعارض والتضاد

(5)

.

23 -

القرآن كلام اللَّه وكذلك عيسى عليه السلام رسول اللَّه وكلمته، وإذا كان القرآن قولًا ألقي إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإن عيسى بالمثل كلمة اللَّه، والوسيط في الحالتين هو الملك جبريل، وفي الحالتين يُمكن أن يقال أن كلام اللَّه قد تجسد في شكل ملموس في كلتا الديانتين: تجسد في المسيحية في مخلوق بشري هو المسيح، وتجسد في الإسلام نصًا لغويًا في لغة بشرية

(1)

ينسب نصر أبو زيد هذا القول إلى أهل السنة جهلًا وافتراء، وحقيقة مذهبهم أن صفة الكلام للَّه تعالى فعلية من حيث نوعها وأفرادها، وذاتية من حيث أصلها واتصاف اللَّه بها أزلًا، أمّا الكلام المعين فليس بأزلي بل تكلم به تعالى متى شاء. انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 68 - 71.

(2)

قضايا وشهادات 2/ 388.

(3)

المصدر السابق 2/ 388.

(4)

المصدر السابق 2/ 389، 390، 392، ومفهوم النص: ص 19.

(5)

المصدر السابق 2/ 390.

ص: 1133

هي اللغة العربية، وفي كلتا الحالتين صار الإلهي بشريًا، أو تأنسن الإلهي

(1)

.

24 -

تتحدث كثير من آيات القرآن عن اللَّه بوصفه ملكًا -بكسر اللام- له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح والكرسي والعرش -وكلها تساهم- إذا فهمت فهمًا حرفيًا في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي المشاهد المحسوس

(2)

.

25 -

الصور التي تطرحها النصوص كانت تنطلق من التصورات الثقافية للجماعة في المرحلة الأولى للنصوص، ومن غير الطبيعي أن يصر الخطاب الديني في بعض اتجاهاته على تثبيت المعنى الديني عند العصر الأول، رغم تجاوز الواقع والثقافة في حركتهما لتلك التصورات ذات الطابع الأسطوري

(3)

.

26 -

الخطاب الديني المعاصر يناقض نفسه حين يعارض التأويل المجازي للنص القرآني؛ لأنه لا ينطلق من فهم علمي للنصوص، وذلك حين يرفض تأويل صورة الملك والمملكة وكل ما يساندها من صور جزئية كالعرش والكرسي، تأويلًا مجازيًا، ويتمسك بدلالالتها الحرفية تمسكًا يكشف عن الطابع الإيديولوجي له

(4)

.

27 -

الدلالات الجزئية للنص القرآني خاصة في مجال الأحكام والتشريع يسقطها تطور الواقع الاجتماعي التاريخي، وتتحول من ثم إلى شواهد دلالية تاريخية

(5)

، ومن الدلالات التي أسقطها التطور التاريخي: أخذ الجزية من أهل الكتاب

(6)

والرق والعتق

(7)

، ومن النصوص التي يجب أن تعتبر دلالتها من قبيل الشواهد التاريخية النصوص الخاصة بالسحر والحسد

(1)

المصدر السابق 2/ 390 - 391.

(2)

المصدر السابق 2/ 392.

(3)

و

(4)

المصدر السابق 2/ 392.

(5)

و

(6)

المصدر السابق 2/ 394، 395.

(7)

المصدر السابق 2/ 395.

ص: 1134

والجن والشياطين، وحكم الربا، والحجاب للمرأة

(1)

؛ لأنها مجرد مفردات نشأت في بنية ذهنية ترتبط بمرحلة محددة من تطور الوعي الإنساني

(2)

، واللغة العربية قد تشير إلى مدلولات ليس لها وجود عيني، مثل كلمة "العنقاء" التي ليس لها مدلول عيني واقعي

(3)

.

ومن معطيات النص الحرفية والتمسك بالدلالات التي تجاوزتها الثقافة وتخطتها حركة الواقع: جعل العلاقة بين اللَّه والإنسان محصورة في بعد "العبودية" والعبودية تستدعي مقولة "الحاكمية"

(4)

.

28 -

لابد من التفريق في نصوص الوحي بين المعنى والمغزى، فالمعنى له طابع تاريخي، ويمثل الدلالة التاريخية للنصوص في سياق تكونها وتشكلها ويتمتع المعنى بقدر من الثبات الملحوظ، أمّا المغزى فله طابع معاصر، بمعنى أنه محصلة لقراءة عصر غير عصر النص، وهو ذو طابع متحرك مع تغير آفاق القراءة، وليس المغزى هو المقاصد كما حددها الفقهاء، بل هو ناتج قياس الحركة التي أحدثها النص في بنية اللغة، ومن ثم في الثقافة والواقع، والقياس المحدد لحركة النص ولاتجاهها مقياس معاصر، ومعنى ذلك أن المغزى ليس محكومًا فقط بضرورة ملابسته للمعنى، بل توجه حركته آفاق الواقع الراهن والعصر؛ لذلك قلنا أن المغزى متحرك بحكم ملابسته لآفاق الحاضر والواقع.

أمّا مبدأ "لا اجتهاد فيما فيه نص" فهو مغالطة دلالية، ولذلك يُمكن تطبيق المغزى في المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث؛ لأنه من الطبيعي أن تكون حركة النص التشريعية غير مصادمة للأعراف والتقاليد والقيم التي تمثل محاور أساسية في النسق الثقافي والاجتماعي

(5)

.

(1)

قضايا وشهادات 2/ 395، 397، 398.

(2)

المصدر السابق 2/ 396.

(3)

المصدر السابق 2/ 397.

(4)

المصدر السابق 2/ 398، 399 - 402.

(5)

المصدر السابق 3/ 402 - 405. وانظر: أيضًا ص 389.

ص: 1135

29 -

الدراسات الحديثة للنصوص تعطي اهتمامًا للمضمر والمسكوت عنه، والمدلول عليه بطريقة ما في الخطاب ذاته.

والمسكوت عنه في الخطاب يمثل أحد آليات النص في التشكيل بما هو جزء من بنيته الدلالية، وقد يكون المسكوت عنه مدلولًا عليه في الخطاب بطريقة ضمنية، وقد يكون مدلولًا عليه بالسياق الخارجي، فالمسكوت عنه المدلول عليه في السياق الخارجي نجده في قضايا المرأة عمومًا وفي مسألة نصيبها في الميراث خصوصًا، أمّا المسكوت عنه المدلول عليه في الخطاب ضمنيًا فنجده في قضية المواريث بشكل عام، فتوريث المرأة نصف ميراث الرجل جاء به النص وله مغزى ودلالة مضمرة وهي تحرير الإنسان -الرجل والمرأة- من أسر الارتهان الاجتماعي والعقلي، لذلك طُرِح العقل نقيضًا للجاهلية، والعدل نقيضًا للظلم والحرية نقيضًا للعبودية، ولم يكن يمكن لتلك القيم إلّا أن تكون مضمرة مدلولًا عليها، فالنص لا يفرض على الواقع ما يتصادم معه كليًا بقدر ما يحركه جزئيًا، ولعل مسار الاجتهاد قد تحدد الآن في مسألة ميراث البنات، بل في كل قضايا المرأة المثارة في واقعنا، والتي يصر الخطاب الديني على التمسك بمناقشتها في حدود معاني النصوص مهدرًا المغزى، حاكمًا على التاريخ بالثبات وعلى دلالة النصوص بالجمود.

ولكن دلالة المسكوت عنه في مسألة الميراث لا تقف عند هذا الحد، بل تتحرك حركة غير مسبوقة في اتجاه العدل وتوزيع الثروة.

إن وقوف الخطاب الديني عند المعاني ينتهي في التحليل الأخير إلى الارتداد بالواقع وتجميد النصوص في نفس الوقت

(1)

.

هذه نصوص كلامه في أكثر الفقرات، وملخص مضموني في بعض الفقرات، وهي كلها تدل على الاتجاه "البنيوي" "التناصي" "التأويلي" "التاريخي" التي تتلخص في ثلاثة مضامين أساسية:

(1)

المصدر السابق: ص 405 - 407.

ص: 1136

الأول: التشكيك في ثبوت الوحي كله أو بعضه، وجحد إضافته اللَّه تعالى، بنفي قداسته، وجعله مخلوقًا، وجعله من نتاج الواقع والثقافة والبشر.

الثاني: إزاحة دلالاته الأصلية، وإسقاط طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين علماء الحق من المسلمين، في فهم دلالات النصوص، وجعل دلالات نصوص الوحي مشاعة ومفتوحة لأفهام الزنادقة والمنحرفين والجاهليين من الحداثيين والعلمانيين والمستشرقين وتلامذتهم.

الثالث: كل ما سبق تمهيد لإزاحة نصوص الوحي عن الواقع والتصرف فيها -تطبيقًا- وفق أهواء العلمانيين والحداثيين، وكل ذلك على أساس رفض الاستسلام للوحي وترك القبول له، والمجاهرة بالمعارضة الصريحة له.

وهذه المضامين الأساسية التي هي جوهر كلام "نصر أبو زيد" هي عينها، المضامين الحاضرة في كلام الحداثيين عن نصوص الوحي، ولا يُمكن جمع كل ما صدر عنهم في هذا الباب من انحرافات ولكن في الشواهد السابقة، -وما سوف يلحق بعد قليل- يكفي في توضيح ملامح اعتقاداتهم المناقضة للإسلام في هذا الركن العظيم، علمًا بأن ما سبق ذكره من أقوال منظري الحداثة الفكرية والعلمانية اللادينية ينطبق على قضية الوحي التي هي الركن الثالث "الإيمان بالكتب"، وينطبق أيضًا على الركن الرابع "الإيمان بالرسل" حيث لا انفكاك بين هذين الركنين.

ومن شواهد انحرافاتهم في قضية الوحي قول جابر عصفور

(1)

في ندوة

(1)

جابر عصفور، علماني حداثي مصري، أستاذ النقد الأدبي في جامعة القاهرة، ومن مؤسسي مجلة فصول، وله عدة مؤلفات منها: المرايا المتجاورة دراسة في فكر طه حسين النقدي، وله مترجمات منها: البنيوية، والماركسية والنقد الأدبي، ومن آخر مؤلفاته هوامش على دفتر التنوير صب فيه عصارة تطرفه العلماني وغلوه الحداثي، وهاجم دعاة الإسلام، وروج لظلاميات الحداثة والعلمانية تحت الشعار الكاذب "التنوير"{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} ، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}. انظر عن ترجمته: الإسلام والحداثة: ص 416.

ص: 1137

الإسلام والحداثة في سياق موضوعه "إسلام النفط والحداثة" والذي خصصه للرد على مواقف أهل الغيرة الإيمانية في هذه البلاد ضد الحداثة

(1)

.

فقد جعل ما أطلق عليه إسلام النفط وإسلام الحنابلة والوهابية إسلامًا يقوم على النقل والاتباع والجبر في حين أن الحداثة تقوم على العقل والإبداع والاختيار

(2)

في سياق من التناقض والجهل الذي يتضح مثلًا في خلطه بين الابداع والابتداع والبدعة

(3)

، وهو خلط ينم عن جهل باللغة والشرع والواقع، كما ينم عن الدعوى المغرضة التي تنضح بها كتاباته.

(1)

وقد تصدى في محاضرته هذه لكتاب الشيخ عوض القرني "الحداثة في ميزان الإسلام"، وللمقدمة التي كتبها فضيلة الثخِ عبد العزيز بن باز، لهذا الكتاب الذي صدر سنة 1408 هـ - 1988 م، فكان سببًا في كشف الحداثة -المحلية خاصة- وبيان مظاهر انحرافات أصحابها. وقد كان لهذا الكتاب أصداء واسعة بين الحداثيين والعلمانيين من جهة، والمسلمين علماء ودعاة وعامة من جهة أخرى، فقد رحب به هؤلاء، واعتبروه إيضاحًا عقديًا وفكريًا على درجة عالية من الأهمية والنضوج والتوثيق في حين أن الحداثيين اعتبروه حربًا أصولية قاد لواءها فضيلة الشيخ عبد العزيز، وتصدوا له بالرد والهجوم الشرس الذي يؤكد عمق الضربة والوجع الذي لحق بهم، وممن كتب في ذلك جابر عصفور في المقال المشار إليه، وقد ألقاه في ندوة "الإسلام والحداثة"، ونشره في الكتاب المعنون بالعنوان نفسه، ونشره في قضايا وشهادات 2 صيف 1990 م/ 1410 هـ: ص 357، ثم نشره في هوامش على دفتر التنوير: ص 83 - 115.

وكتب محمد العلي في جريدة الوطن عدة حلقات بعنوان "قراءة ساخنة في كتاب بارد" في 21 مارس 1989 م الموافق 14/ 8/ 1409 هـ عدد 5060 وقبل ذلك ثلاثة أعداد وكان قد أعد هذه الكتابة في منشور سري تداوله الحداثيون بعنوان "الأذهان المستطرقة".

وكتب شاكر النابلسي المتخصص في تلميع الحداثيين السعوديين من خلال تمثيلياته ومسرحياته النقدية المستهدفة أصلًا إضفاء المديح والدعاية للمقصودين بالنقد!! ومن كتبه التي تعرض فيها لكتاب الشيخ عوض "بنت الصمت دراسة في الشعر السعودي المعاصر" وقد نشرت قضايا وشهادات في عددها 2 صيف 1990 م/ 1410 هـ: ص 353 مقدمة المؤلف ومقدمة فضيلة الشيخ ابن باز تحت عنوان "وثيقة 8" وفي العدد نفسه ص 22 أشار إلى بعض مضامين الكتاب الحداثي سعد اللَّه ونوس.

(2)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 178.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 178 - 179.

ص: 1138

وقد جعل جابر عصفور القرآن نصًا أولًا تبعًا لأدونيس وأركون، وجعل تطبيقات الإسلام نصًا ثانيًا، فقال:(إن علاقة إسلام النفط بالإسلام -النص الأول الو استخدمنا مصطلح أدونيس - أركون) - هي علاقة النص الثاني بأصله الذي يعيد إنتاجه لصالحه الخاص، من حيث هو نص ثانٍ، عبر وسائط يُمكن أن تسقط جوانب من النص الأول أو تضيف إليه، وأن تضخم أو تصغر أو تعيد ترتيب بعض المكونات، أو تركز على بعضها دون بعض. . . الخ، ما ظل النص الأول "حمال أوجه" يُمكن أن يتوافق بعضها - أو كلها، تأويلًا، والغاية النهائية لإعادة إنتاج النص الأول. . . إن إسلام النفط يمتح من المخزون النقلي "الاتباعي"، الذي ظل معاديًا للحداثة طوال عصور التراث، ويؤسس علاقة متميزة بفكر الحنابلة الذي تمثله كتابات ابن الجوزي وابن تيمية بوجه خاص، وهي كتابات لها علاقاتها الأصولية التاريخية بالمذهب الوهابي، أهم المذاهب النقلية السائدة في منطقة الجزيرة العربية. . . إن إسلام النفط يكرر الأصوات السابقة في التراث النقلي. . .)

(1)

.

ثم يورد جملة من قضايا الاتباع وأدلته ويسخر بها ويجعلها دليلًا له على الاتباعية التي يراها عيبًا إلّا إذا كانت اتباعًا للغرب في "البنيوية" و"التناصية" و"الدال" و"التماهي" و"المتح"، وغير ذلك من العبارات التقليدية المستعارة.

والشاهد المراد في هذا القول أنه تبعًا لأركون وتشبهًا بأبي زيد يجعل القرآن العظيم نصًا أولًا، وما تفرع عنه من فهم وتطبيق نصًا ثانيًا، وهذا هو عين قول نصر أبو زيد، الذي أنكر صدور الوحي عن اللَّه تعالى، وجعله من معطيات الواقع الاجتماعي والثقافي.

ومن فعاليات ندوة الإسلام والحداثة المحاضرة التي ألقاها العلماني المتطرف عادل ظاهر، والتي بعنوان "الإسلام والعلمانية"، وقد حشد

(1)

المصدر السابق: ص 179.

ص: 1139

فيها ألوان حقده على الإسلام ودعاته المعاصرين، خاصة الذين يدعون إلى الإسلام الشمولي المتمثل في أن الإسلام "دين ودولة وعقيدة وشريعة"، وقد أشار في هذه المحاضرة إلى جحد الخالق سبحانه وتعالى

(1)

-، وقال عنه:(هل يُمكن لكائن له طبيعة اللَّه أن يفرض على المؤمنين في كل عصورهم وأممهم ألّا يفصلوا بين دينهم والسياسة)

(2)

.

وقد امتلأ مقاله بالجهل الفاضيح بالإسلام وأدلته وأقوال علمائه، ثم تصدى للأحكام التشريعية بالجحد والنفي ووجوب الاستبعاد

(3)

.

ثم يتعرض لقاعدة "لا اجتهاد مع النص" ومنها ينطلق إلى نصوص القرآن والسنة مشككًا في ثبوتها ثم في مدلولاتها، فيقول عن المسلمين: (المهم أن هناك في نظرهم نصوصًا ثابتة ثبوتًا يقينيًا لا يأتيه الشك مطلقًا، وأن القواعد والأحكام الشرعية التي تنطوي عليها هذه النصوص هي قواعد وأحكام مطلقة بسبب الثبوت اليقيني المطلق لهذه النصوص، فإذا كان هناك -مثلًا- نص من هذا النوع يقول بوضوح أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن هذا ملزم لنا بحرفيته في نظرهم، في كل الظروف والحالات، فلا يجوز أن تضعه موضع اجتهاد فنقول -مثلًا- إن الظروف اليوم غير ما كانت عليه ولا تسوّغ الأخذ بالقاعدة الشرعية المذكورة بحرفيتها. . . الخطأ الفلسفي. . . يتعلق بمقدمتهم القائلة إن هناك نصوصًا ثابتة ثبوتًا يقينيًا لا شك فيه. . . .

إن ثبوت النصوص وإن لم يكن أمرًا مشكوكًا فيه فعليًا، لا يعني أنه ليس أمرًا مشكوكًا فيه من حيث المبدأ، فإن الأدلة على ثبوتها قد تكون من القوة بمكان تجعل من غير المسوغ لنا الشك في ثبوتها، إلّا أن هذه الأدلة مهما كانت قوية لا يُمكن أن تكون أدلة مطلقة على

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 75.

(2)

المصدر السابق: ص 76، ونحو ذلك في ص 80 وص 81.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 80، 82، 83.

ص: 1140

ثبوتها، من هنا يتضح أن عدم وجود أي سبب لدينا للشك في ثبوتها لا يُمكن أن يعني أنه لا يُمكن أن يوجد سبب للشك في ثبوتها، بمعنى آخر أن يمتنع لدينا عمليًا أو واقعيًا الشك في ثبوتها لا يعني امتناع الشك في هذا حتى من حيث المبدأ. . .، وإذا كان ممكنًا لكتاب ديني كالتوراة أن يكون موضوع عبث وتحريف، كما يصر عدد كبير من منظري الصحوة أنه يصدق فعلًا على التوراة، فما الذي يمنع من حيث المبدأ أن يصدق الشيء ذاته على أي كتاب ديني سواه؟. . .، وإذا صح تحليلنا إذن فلا مسوغ للقول بثبوت النصوص المعنية على نحو مطلق، وإذا كان الطابع المطلق للأحكام والقواعد الشرعية التي تشكل مدار نقاشنا مستمدًا من الثبوت المزعوم للنصوص المعنية على نحو مطلق، إذن لم يبق ثمة أساس لإسناد طابع مطلق لهذه الأحكام والقواعد)

(1)

.

في هذا النص الصريح جحد ثبوت القرآن والسنة وإنكار ما يترتب عليها، وفيه الدلالة الواضحة على الموقف الحداثي والعلماني من الإسلام عقيدة وتطبيقًا، فقد بين أصول نظرته العلمانية في الإسلام وفي مصادر التشريع، ثم طرد ذلك على قضايا التطبيق في الواقع سعيًا إلى إثبات الاتجاه العلماني من خلال المحاولة الشبيهة ببيت العنكبوت لإزاحة الإسلام -العدو الأكبر للعلمانية- من الطريق، وإفساح المجال لفلسفات الإلحاد والعلمانية، أن تحل محل القرآن والسنة، وأن تكون لها القداسة في قلوب الناس مثل القداسة التي للوحي المعصوم، وهيهات هيهات دون ذلك أهوال!!.

ويعتبر عادل ظاهر أحد أبرز الرؤوس الرجيمة في تبني العلمانية والدفاع عنها وتسويق فكرتها بين المسلمين، ومحاربة خصمها الشديد القوي المتماسك "الإسلام" الذي هدم الوثنيات الجاهلية السابقة، ويستطيع هدم الوثنيات الجاهلية المعاصرة واللاحقة {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ

(1)

المصدر السابق: ص 83 - 85.

ص: 1141

رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)}

(1)

.

ومن أبرز محاولاته كتابه المسمى "الأسس الفلسفية للعلمانية" وهو كتاب مليء بالإلحاد والمناقضة الكاملة للإسلام، والمحاولة الدائبة لتزييف حقائقه الاعتقادية والتشريعية بدءًا من جحد وجود اللَّه تعالى، إلى السخرية والاستخفاف بأسمائه وصفاته -جلَّ وعلا-، أمّا النبوات والوحي فإنه ينالها على طريقته الحداثية بالأسئلة الشكية الموصلة إلى النفي الكامل والجحد، وهو من نوع كلامه الذي سبق نقله، ليكون ممثلًا للعلمانية الصلبة ونموذجًا للعلماني الصلب الذي أطنب في توصيفه في كتابه، في مقابل نقده للعلمانية اللينة والعلماني اللين

(2)

.

أمّا أدونيس فإنه يدعم مواقفه الاعتقادية السابقة المنحرفة، بموقف آخر مضاد للوحي بالجحد له والسخرية منه والتدنيس له، وقد ملأ كتبه بذلك، وهو ما يتوافق مع عقيدته الباطنية، وأفكاره الإلحادية، التي بات واضحًا أنه لا يترك فرصة إلّا اهتبلها في شبيل مناقضة الإسلام، وترويج الكفر والإلحاد، في إصرار وعناد، وغلو وتطرف منقطع النظير.

ففي تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" يستخرج من التاريخ القديم كل شاذ، ويتلقى أعفن ما فيه ويتلقف أقوال الزنادقة والملحدين ويجعل منها تكأة في انطلاقه لتثبيت معتقده فها هو يعتمد في جحد النبوة والوحي على أقوال الملحد الزنديق أبي بكر محمد بن زكريا الرازي

(3)

، الذي يقول عنه:

(1)

الآية 33 من سورة التوبة، والآية 9 من سورة الصف.

(2)

انظر أقواله المنحرفة عن الوحي والنبوات -مثلًا- في كتابه الأسس الفلسفية للعلمانية: ص 66، 67، 68، 79، 82، وغيرها كثير، وهذا الكتاب ضروري لمن أراد أن يعرف الأصول الاعتقادية للعلمانية العربية والأسس الإلحادية التي تقوم عليها، وهو دليل واضح ودامغ في الرد على الدين يعتقدون -جهلًا أو تلبيسًا- أن العلمانية لا تناقض الإسلام.

(3)

سبقت ترجمته: ص 933.

ص: 1142

(يقوم نقد الرازي للنبوة على أساسين، عقلي وتاريخي، ومقدمة الأساس الأول أن العقل مصدر المعرفة، ولذلك يجب أن يكون متبوعًا لا تابعًا)

(1)

.

وبعد أن ينقل نصوصًا من كلام صنوه الرازي يقول: (ثم ينتقل الرازي بعد نفي النبوة كمبدأ إلى انتقادها كظاهرة)

(2)

.

وبعد ذكر كلامه المتهافت يقول أدونيس: (والرازي هنا يقول أنه ليس هناك في ظاهرة النبوة ما يوجب عقليًا حدوثها في قوم دون قوم، ذلك أن مثل هذا الاختصاص تفضيل لبعض على بعض، وجعل بعض هداة لبعض، وهو ما يأباه العقل ولا يقره

(3)

، خصوصًا أن هذا الاختصاص يؤدي إلى الشقاق بين الناس. . .)

(4)

.

وفي استتارٍ خلف أقوال الرازي الملحد يقول: (. . . أمّا عن الأنبياء أنفسهم فيقول الرازي: "زعم عيسى أنه ابن اللَّه، وزعم موسى أنه لا ابن له، وزعم محمد أنه مخلوق كسائر الناس. . .، ومحمد زعم أن المسيح لم يقتل، واليهود والنصارى تنكر ذلك وتزعم أنه قتل وصلب"، وهذا تناقض واضح بين الأنبياء أنفسهم، مما يدل، في رأي الرازي، على بطلان النبوة، ذلك أن النبوة تقوم على الوحي الذي ينزله اللَّه، ولما كان اللَّه واحدًا، فإن مصدر النبوة واحد، ولهذا يجب أن يكون الوحي واحدًا، وبما أن اللَّه لا يُمكن أن يتناقض، فإن الأنبياء هم الذين يتناقضون، ومن هنا بطلان النبوة؛ لأن تناقضهم دليل على أنهم غير صادقين)

(5)

.

وعلى الرغم من محاولة أدونيس الاستتار خلف أقوال الملحد الرازي إلّا أنه لم يستطع ذلك في كل المواقف، فصرح بهذه الأقوال الدالة على مقدار انحرافه.

(1)

و

(2)

الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 80 - 81.

(3)

تأمل الطرح الإلحادي القائم على مجرد الادعاء، وهو أسلوب قديم جديد يتداوله الكافرون وسائر الملاحدة {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)} .

(4)

الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 80 - 81.

(5)

المصدر السابق 2/ 82.

ص: 1143

أمّا أقواله التي بناها على أقوال الرازي فهي من التهافت والهزال بمكان، حيث أنهما -أعني الرازي وأدونيس- لم يفرقا بين الوحي الصحيح الثابت، والأقوال المكذوبة المنسوبة زورًا وكذبًا إلى اللَّه تعالى وإلى أنبيائه، فعيسى عليه الصلاة والسلام لم يقل أبدًا أنه ابن اللَّه، بل قال بأنه عبد اللَّه، وأقوال اليهود والنصارى في قتل المسيح ليست حجة على الوحي الصحيح، ولكن الذين في قلوبهم زيغ الشرك والجهل لا يعقلون.

ويقول أدونيس: (وإذا كان الرازي قد أبطل الأساس وهو النبوة، فقد كان طبيعيًا أن يبطل الأديان. . .)

(1)

.

وهذا أمر معلوم، فإنه ما من أحد يجحد النبوات أو يشكك في الوحي إلّا وهو يهدف إلى إبطال الدين والمنزل من عند اللَّه، تمهيدًا للدين المختلق من عقول الكافرين، فإنه لابد أن يدين الإنسان لشيء مّا، ولابد أن يعتقد عقيدة مّا، وهؤلاء بسعيهم إلى إبطال الدين الحق، ينطوون -عمليًا- على تثبيت عقائد الإلحاد التي يؤمنون بها، ودعوة الناس إلى اتباعها، وهذا من البديهيات التي يشهد لها واقع الملاحدة والكفار والمشركين قديمًا وحديثًا، قال اللَّه تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12)}

(2)

.

وفي تتبع أدونيس لخطوات الرازي يقول: (وينتقل الرازي من إبطال النبوة والأديان إلى نقد الكتب المقدسة، وإبطالها، ويرتكز نقده، هنا، في المقام الأول، على تشبيه اللَّه وتجسيمه، وعلى ما في هذه الكتب من التضارب، وكان للقرآن بشكل خاص النصيب الأوفى والأشمل من النقد الذي وجهه الرازي إلى هذه الكتب، وهو ينقد القرآن، من الناحيتين: ناحية المعنى، وناحية الشكل، يقول:"قد واللَّه تعجبنا من قولكم القرآن هو معجز وهو مملوء من التناقض، وهو أساطير الأولين وهي خرافات"، ويقول: "إنكم تدعون أن المعجزة قائمة موجودة، وهي القرآن، وتقولون: من أنكر

(1)

المصدر السابق 2/ 83.

(2)

الآية 12 من سورة العنكبوت.

ص: 1144

ذلك فليأت بمثله. . . إن أردتم بمثله في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام فعلينا أن نأتيكم بألف مثله من كلام البلغاء والفصحاء والشعراء، وما هو أطلق منه ألفاظًا وأشد اختصارًا في المعاني، وأبلغ أداء وعبارة وأشكل سجعًا، فإن لم ترضوا بذلك، فإنا نطالبكم بالمثل الذي تطالبوننا به"، وهذا النقد يتناول القرآن من حيث ألفاظه وتراكيبه وفصاحته وموسيقاه اللفظية، ويرى أن هناك نتاجًا أعلى، في هذا كله، من القرآن ويتناوله من حيث معناه، فيرى أنه أسطوري خرافي "من غير أن تكون فيه فائدة أو بينة على شيء". . .، وعلى هذا ينكر الرازي أن يكون القرآن معجزة أو حجة، أو أن تكون الكتب الدينية الأخرى معجزة أو حجة، ويرى أن الإعجاز والحجية يتمثلان في الكتب العلمية والفلسفية، يقول: "لو وجب أن يكون كتاب حجة، لكانت كتب أصول الهندسة والمجسطي الذي يؤدي إلى معرفة حركات الأفلاك والكواكب، ونحو كتب المنطق وكتب الطب الذي فيه علوم مصلحة الأبدان، أولى بالحجة، مما لا يفيد نفعًا ولا ضرًا ولا يكشف مستورًا"، وهكذا يرى الرازي أن الفعل هو وحده مصدر المعرفة وأصلها وأن النبوة باطلة، وهو لذلك يرى أن العقل هو الذي يهدي الإنسان، وأن النبوة هي التي تضله، ولقد كان من الخير والحكمة ألا يكون هناك أنبياء ولا أديان، إذ "لولا ما انعقد بين الناس من أسباب الديانات لسقطت المجاذبات والمحاربات والبلايا")

(1)

.

وهكذا يسلك أدونيس نفسه في هذا المسلك الإلحادي ولكن تحت ستار الرازي الملحد، وبذلك يؤسس للحداثة العربية والعلمانية العربية الأساس الاعتقادي الذي تنطلق منه، والأصل الفكري الذي تنبثق عنه، وهذا ما حصل فعلًا على مستويات عديدة عند الحداثيين، حتى الذين لا يتبعون مدرسة أدونيس، فإن كثرة إدمانهم قراءة كتب الملاحدة القدماء والمحدثين، وشدة تعمقهم في الاطلاع على نتاجهم أوصلهم إلى دركات الإلحاد والجحد، وأمثلهم طريقة هو من لم يجرؤ على المجاهرة بالجحد الصريح،

(1)

المصدر السابق 2/ 84 - 85.

ص: 1145

ولكنه ينطوي على شكوك كثيرة، ورِيَب عديدة، تجعله ينظر إلى الدين والوحي والنبوات وكل ما يترتب عليهًا نظرة الشك، ويكون بذلك من "اللاأدرية"، وهذا في حد ذاته كفر وضلال.

وفي ختام بحثه عن "تأصيل الأصول" يمتدح أدونيس منهج الرازي وهو في الحقيقة "منهش" بالشين المعجمة وليس منهجًا؛ لأن الإلحاد والكفر وإن تزيا بأزياء التفلسف والتعالم وغيرها، يبقى في حقيقة أمره تخلفًا وعتها فكريًا، وارتدادًا إلى حياة العجموات بل إلى ما هو أقل من ذلك، وما من ملحد أو مشرك أو شاك إلّا وهو حليف الباطل ومستلزماته من الكذب والكبر وغيرها، ويشهد لذلك ما في جدلياتهم من تشغيب وتكذيب وادعا وسفسطة وجهل وتناقض {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا}

(1)

.

قال أدونيس: (لقد نقد الرازي النبوة والوحي وأبطلهما، وكان في ذلك متقدمًا جدًا على نقد النصوص الدينية في أوروبا القرن السابع عشر، إن موقفه العقلي نفي للتدين الإيماني، ودعوة إلى إلحاد يقيم الطبيعة والمحسوس مقام الغيب، ويرى في تأملهما ودراستها الشروط الأولى للمعرفة، وحلول الطبيعة محل الوحي جعل العالم مفتوحًا أمام العقل: فإذا كان للوحي بداية ونهاية فليس للطبيعة بداية ولا نهاية، إنها إذن خارج الماضي والحاضر: إنها المستقبل أبدًا)

(2)

.

أمّا أن الرازي نقد النبوة والوحي فليس بأولٍ في هذا فقد سبقه فرعون وقوم نوح وقوم صالح وكفار قريش وغيرهم، وهو في الحقيقة ليس نقدًا بل هو تهويش معهود من ملل الكفر وطواغيته، أمّا إبطال الوحي والنبوة فليس ذلك في مستطاعه ولو كان ظهيره كل أهل الأرض، ذلك أن حقائق النبوة والوحي في أصل ثبوتها، وفي دلائل صدقها في ذاتها وفي مقتضياتها وفي أخبارها الغيبية وموافقتها العلمية للتجارب البشرية الثابتة، يدل غاية الدلالة

(1)

الآية 56 من سورة الكهف.

(2)

المصدر السابق 2/ 214.

ص: 1146

على أن براهين الحق وأدلته الحقيقة تفرض نفسها ولو كره الكافرون.

غير أنه يُمكن لنا هنا أن نلمس جانبًا من التفكير الحداثي والعلماني في سياق مواجهتهم وحربهم لدين الإسلام، فما أن يجدوا زنديقًا يقذف بشتائمه ودعاواه الباطلة إلّا اتحدوا معه وفرحوا به وأشادوا به، ورفعوا من شأنه، واستعاروا مواقفه وأقواله، في خضم عماوة غبية وجهالة ضلالية، وخذ مثالًا على ذلك أقوال أدونيس السابقة في مدح نظيره الرازي الملحد، وجعل عقيدته في الطبيعة هي المستقبل أبدًا، وما أصدق الوصف القرآني فيهم {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)}

(1)

.

والمقصود أن أدونيس بتقريره وشرحه لكلام الرازي الملحد وثنائه عليه، يعطي صورة عن مذهبه الإلحادي القائم على جحد النبوات والوحي، وهو أستاذ من أكبر أساتذة الحداثة في العالم العربي، فما ظنك بتلامذته والمحاكين له والمعجبين به؟.

لقد أسس أدونيس لأتباعه أسسًا اعتقادية من خلال الدعوة إلى الحداثة والإبداع، وأنشأ جيلًا من المثقفين والأدباء لا توقير عندهم للَّه تعالى، ولا منزلة للدين لديهم، فهم بين جاحد ومرتاب.

ولنأخذ شيئًا من تلقيناته التي يبثها فيهم ضد نصوص الوحي، وما يترتب على ذلك من لوازم ومقتضيات في الواقع، يقول:

(في الشرق حروب مسعرة تحت راية نص ديني أصيل، والإنسان العربي يقاتل دفاعًا عن مبادئ لا يؤمن بها، فهو جندي في خدمة الأوهام، يستميت لتوطيد قيوده.

وهذه الدعوات للتقيد بحرفية النصوص قد تعنف، وتتعاظم خاصة أن الشعوب عامة تزداد تقبلًا للطروحات العقائدية والتصورات الخرافية أو ما شابه.

(1)

الآيتان 53، 54 من سورة المؤمنون.

ص: 1147

أوليست هذه النصوص أسسًا ودعائمًا لدولة إسرائيل؟

وللنصوص العربية دور مماثل.

ما النص الأصيل؟:

حسب التفسير الشائع -في الدين اليهودي والمسيحي والإسلامي- النص عالم تزول من الإرادة الإنسانية أمام إرادة اللَّه، فأي معنى يبقى لعالم فقد إنسانه واحتفظ باللَّه والنص؟ إذ أن جوهر الإنسان في غده وليس في ماضيه.

فجذوره مهيار في خطواته، والإنسان لم يجد هويته يوم صاغ لغته فحسب

(1)

، وإنّما وجد أصله، فمهيار نقيض كل نظام قائم على نصوص أصيلة، اتخذ الحرية مقرًا، والديمقراطية الاشتراكية عقيدة لا يقبل بأصل غير الإنسان)

(2)

.

يصح أن نطلق على هذا النص أنه من ملخصات "الإبداع الحداثي" الذي يضج القوم بالدعوة إليه إلى حد التقديس، فلا إبداع مع نصوص الوحي، مع الإسلام خاصة؛ لأن الكلام هنا موجه إلى العرب المسلمين، وهم ميدان المعركة التي يخوضها المستغربون ضد العقيدة والدين.

أي أن الإبداع لا يُمكن أن يلتقي مع "النص الأصيل" وهذه حقيقة من حيث واقع الحداثيين، أمّا من حيث التصور والإمكان فهذا مجرد وهم وادعاء، ووسيلة لجذب الأغرار إلى حمأة الإلحاد والكفر من خلال التغرير بهم والمخادعة لهم، بمثل هذه الكلمات الجوفاء و"لا إبداع مع النص""النص ضد الإبداع" فتنشأ في نفوسهم البغضاء للنصوص الشرعية وما ينبثق منها، ثم تنشق "إبداعاتهم" عن ثمرات مرة نتنة من الشكوك والريب والإعراض والرد والاستكبار على دين اللَّه ومنهجه.

(1)

انظر: مثل هذا القول في الكتابة خارج الأقواس لسعيد السريحي: ص 20، 23، 24.

(2)

رأيهم في الإسلام: ص 34 - 35.

ص: 1148

وإذا كان أدونيس يعلم أن دولة اليهود قامت على نصوص التوراة المحرفة والتلمود الماكر، فلم يستكبر ويعرض بجانبه ويثني عطفه إذا نادى مسلم بإقامة المجتمع والدولة على أساس الإسلام؟.

بل إن أدونيس وهو يحارب النص باعتباره عالم تزول فيه الإرادة الإنسانية -حسب قوله- يمارس ذلك أبشع ممارسة حين يستعيد النص النصيري الباطني، ويسعى في إحيائه وترسيخه وبثه

(1)

، بل إنه يستعير النص الغربي بطريقة انتحالية فجة، ويستنسخ أقوال الغربيين ونصوصهم ويترجمها إلى اللغة العربية، ناسبًا النص المستنسخ إلى نفسه.

وقد تراكمت انتحالاته للنصوص الغربية وغيرها إلى حد جعل بعض الحداثيين يؤلف في ذلك كتابًا بعنوان "أدونيس منتحلًا" أثبت فيه المؤلف بالوثائق والشواهد انتحالات أدونيس "عميد الحداثة العربية"، وقال عنه:(ثمة نادرة بصدد أدونيس شائعة لدى المهتمين بالشعر العربي مفادها أن الرجل طالما "يعيد طبخ" ما لغيره، تلخص هذه الصيغة بالطبع ما يقعون عليه في شعره هنا وهناك من أصداء لأعمال الآخرين، يعيد هو "معالجتها" أو يذيبها في نسيج لغته، بحسب التحديد العلمي الذي سنعود إليه، تدخل هذه الأصداء في عداد السرقة، لكن هناك في أذهان الكثيرين منها أيضًا جملًا كاملة مأخوذة عن الآخرين بالحرف الواحد أي: منحولة هذه الجملة، التي يقدم لك كل واحد من متتبعي الشاعر عددًا منها، هي الخيط الموصل إلى انتحالات أدونيس الكبرى)

(2)

.

ومن ضمن الشواهد التي ساقها المؤلف لإثبات سرقات أدونيس مقال له عن الوحي نشره في مجلة مواقف العدد 43 خريف 1981 م/ 1401 هـ يذكر فيه أن الوحي مجرد وهم، ولكنه وهم يفعل في نفوس المؤمنين به

(1)

انظر: الفصل الرابع من الباب الأول من هذا البحث ففيه دلائل عديدة على ذلك.

(2)

أدونيس منتحلًا: ص 27.

ص: 1149

وعقولهم كأنه الحقيقة الوحيدة الأولى والأخيرة، وذكر المؤلف أنه سرق ذلك عن محمد أركون

(1)

.

أمّا في نتاجه المسمى شعرًا فقد نال من الوحي وتهكم به في هجائية حداثية ورمزية إحداثية، تحتوي على معاني عديدة من الانحراف الذي تشبعت نفسه به.

ومن ذلك قوله قاصدًا الوحي، وكلمات النصوص الشرعية:

(كلمات بلا قمر تعبر نحونا، غيمة عابسة تحمل ثلج البلاد

ابتعد أيها المجوسي الضيف قبل الأوان تدخل تخومنا

وجهنا أمير على الفراغ وتاريخنا زبد

ابتعد ابتعد

الوحل يطرح شباكه علينا

الوحل بلغنا بنسيجه)

(2)

.

ويشير إلى القرآن باسم صوت اللَّه -تعالى اللَّه وتقدس- ناسبًا إليه الفساد والتخلف والجمود، يقول:

(أغير الحياة: شكل سيرها

وآدميًا موثقًا يخبزه

يغض بالهواء - يبقى اللَّه في حلقومه معلقًا؛

ولا يزال صوته

يجتاحني، وفمه حجارة:

خطاي لا أريدها)

(3)

.

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 30 - 31.

(2)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 231.

(3)

المصدر السابق 1/ 243.

ص: 1150

ويعبر عن ماديته وإلحاده ومضادته للوحي في قوله:

(أطلق سراح الأرض، وأسجن السماء. . .)

(1)

.

ويسوق ألفاظ الهجاء الحداثي العلماني المعتادة ضد الدين والوحي وما ينبثق منها، فيصفها بالسلاسل والمسامير والقضبان، وهي رموز للتخلف والإرهاب الفكري، ثم يسخر بالمصطلحات الإسلامية الاعتقادية كالتقديس للوحي والتصديق به، والتسليم له، والإمساك عن ما أمسك عنه، وترك البدع والمحدثات، يقول:

(ثمة سلاسل، مسامير، قضبان

بشر بأقدام أربع تصهل وعلى اللجام أحلام وعطور

التقديس التصديق والعجز

السكوت، الإمساك الكف التسليم التسليم

ثمة أصوات تتعالى

البدعة البدعة! المحدث المحدث!

نبطل سنة قديمة

نرد للإنسان اسمه، ونبدأ

اقرع أيها الزمن اقرع)

(2)

.

وهذه ألفاظ لا تحمل معنى ألفاظ الهجاء الجاهلي القديم الذي كان يوجهه كفار العرب الأوائل ضد النبي صلى الله عليه وسلم وضد القرآن وقصارى أمر هذه الكلمات الألفاظ أنها كلمات شائهة هرمة لا وزن لها في ميدان النظر والحجاج.

(1)

المصدر السابق 1/ 405.

(2)

المصدر السابق 1/ 546 - 547. وانظر نحو ذلك في كلام لجابر عصفور في كتاب الإسلام والحداثة: ص 179 - 180.

ص: 1151

ويحلم أدونيس بالطائر المخلبي والرمح، وهي رموز ثناء لفكرته الإلحادية "الحُلُم" التي يرى أنها سوف تغطي على القرآن "الحروف المقدسة" ولكنها أوهام وأمنيات أولياء العنكبوت، وأكوام الرماد الذي اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون مما كسبوا أو تمنوا على شيء؛ لأن اللَّه حافظ كتابه ودينه ولو كره الكافرون، يقول أدونيس:

(الحلم طائر مليء المخالب يعشعش في سقف الأيام.

رمح يخرق الفارس والدرع

يجلس فوق الغنيمة ويشرب النجيع كالخمر

نجيع اللؤلؤ والكتاتيب

الحروف المقدسة وأسرار الموائد والكراسي)

(1)

.

وغير ممكن تتبع كل أقواله التي من هذا النوع، ويُمكن القول إجمالًا بأنه يصف القرآن بالغبار ويجعله رمزًا للتخلف

(2)

، ويقول عنه بأنه الورق الميت في كتاب قديم

(3)

، وأنه كلام السماء وشجر النوم

(4)

، ويدعى زوال الوحي ويقول بأن الوحي مات

(5)

، ويسعى في خطة حداثية معروفة لما يسميه "محو نص الرمل"

(6)

أي: محو القرآن وإبعاده؛ لأنه مادي ابن الأرض، والأرض حضورها غياب للسماء للوحي

(7)

.

أمّا السخرية والتدنيس للوحي وأسماء الكتب المنزلة فكثير في كلامه

(8)

،

(1)

المصدر السابق 1/ 549.

(2)

انظر: المصدر السابق 2/ 122.

(3)

انظر: المصدر السابق 2/ 168.

(4)

انظر: المصدر السابق 2/ 285.

(5)

انظر: المصدر السابق 2/ 327.

(6)

انظر: المصدر السابق 2/ 327.

(7)

انظر: المصدر السابق 2/ 616.

(8)

انظر: المصدر السابق 2/ 274.

ص: 1152

فمرة يجعل جسد الحبيبة إنجيل من الحبر

(1)

، ومرة يقول:(خريطتي أرض بلا خالق والرفض إنجيلي)

(2)

، وحينًا يجعل حداثته دينًا ويقول:(أبدع إنجيلي)

(3)

، وحينًا آخر يقول:(إنجيل الفضاء)

(4)

، ويقول:(سكنت إنجيل الرضاعة)

(5)

.

أمّا سخرياته واستخفافه بالقرآن العظيم فكثيرة منها استشهاده بقوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}

(6)

في بداية مقطوعة جنسية فاضحة بعنوان "تحولات العاشق"

(7)

حيث يوظف هذه الآية الكريمة توظيفًا جنسيًا في استهانة واضحة مقصودة، ومن ذلك وصفه للحداثة بأنها فضاء يؤرخ وشهب تؤسس الفضاء ثم يورد آيات من القرآن جاعلًا الحداثة هي الكتاب من غير ريب، فيقول:

(السلام للفضاء الذي يؤرخ لنا

السلام للشهب التي تؤسس الفضاء

ألف لام ميم

ذلك الكتاب

لا ريب لا ريب)

(8)

.

(1)

انظر: المصدر السابق 1/ 237.

(2)

المصدر السابق 1/ 336.

(3)

المصدر السابق 1/ 408.

(4)

المصدر السابق 1/ 593.

(5)

المصدر السابق 2/ 188.

(6)

الآية 187 من سورة البقرة.

(7)

1/ 505 وانظر: كلامه عن هذه الآية الكريمة في الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 297.

(8)

المصدر السابق 2/ 421. وفعل مثله في هذا أحد أطفال الحداثة المحلية، واسمه محمد المساعد حيث كتب ما يسميه شعرًا وبدأه بألف لام ميم ثم ذكر قرون الهجرة وجعلها ظلامًا.

ص: 1153

ويدنس اسم الآية والكتاب الكريم حين يستخدمها في ثنائه على توجهه وعقيدته في قوله:

(جامح احتضن الأرض كأنثى

وأنام، موقظًا حبي فيها

لهبًا يفتح، يستنزل فيها

آية

اني كتاب

ودمي حبر

وأعضائي كلام)

(1)

.

أما إنه آية زيغ وضلال وكتاب غواية وانحراف.

ويستخدم مطالع بعض سور القرآن المجيد في شعره في تقصد للتدنيس والاستخفاف فيقول:

(حم، آلم

حيث أفرغ قلبي من أخبار الغير

أمحو الحدود. . .

وتكون أشيائي مرموزة

ولست أنا من ينطق بها

بل

حم، آلم

ولست أنا من يكتب)

(2)

.

(1)

المصدر السابق 2/ 248 - 249.

(2)

المصدر السابق 2/ 714. وانظر: التعليق على الهامش رقم (8) في الصفحة السابقة.

ص: 1154

وقد يظن بعض الأغرار بأن ذلك اعتراف من أدونيس بالقرآن، غير عالم بأن الحداثيين وعميدهم أدونيس يرون أن القرآن مجرد تراث فلكلوري

(1)

يُمكن استخدام رموزه في سياق حداثي تدنيس.

بل لقد صرح أدونيس بأن القرآن شعر لا كالشعر

(2)

، وإنه جاء توكيدًا لحاجة عضوية نشأت في وسط اجتماعي أمي، ولذلك كان فنًا قوليًا وخطابيًا، وأن خطابية القرآن للتعليم والتحريض والتأثير وإذكاء الحماسة، وهذه صفات الخطابة وليست صفات العقل والفلسفة، ولذلك أوجد القرآن كما يفهم من كلامه عقليات متخلفة وجماهير استمالها هذا النص الخطابي

(3)

، وبذلك يرى أن القرآن العظيم قد أثر سلبًا في الذوق الأدبي العربي

(4)

.

ولا غرو أن يكون هذا موقفه وقد مضى معنا كيف أثنى على الرازي الملحد جحده للنبوة وسخريته بالكتب المنزلة وخاصة القرآن، وسعيه لإبطال القرآن العظيم والتهكم بمعجزاته، وجعله كتب الفلسفة والحساب والطب هي الحجة

(5)

.

وأثنى أيضًا على الزنديق ابن الراوندي في اعتراضه ورده لإعجاز القرآن، وقوله بأن المعنى في القرآن متناقض، وتهكمه بالكتاب العظيم

(6)

.

وامتدح عبد اللَّه بن المقفع قائلًا: (كان ابن المقفع من أوائل الذين وقفوا من الدين موقفًا عقليًا، فانتقد الدين بعامة وخص الإسلام، فانتقد

(1)

انظر: قول شوقي عبد الحكيم، الذي جعل القرآن مصدرًا من المصادر الفلكلورية في كتابه موسوعة الفلكلور والأساطير الشعبية: ص 34. وأكثر الحداثيين يعدون القرآن من التراث أسوة بالشعر والحكاية الشعبية والمؤلفات الأدبية وغيرها.

(2)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 23.

(3)

المصدر السابق: ص 302.

(4)

انظر: رأيهم في الإسلام: ص 35.

(5)

انظر: الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 84 - 85.

(6)

انظر: المصدر السابق 2/ 76.

ص: 1155

القرآن، وما فيه من عقائد، وتصوره للَّه والرسول. . .)

(1)

.

كل ذلك في سياق جحده وإنكاره ومحاولاته الإلحادية في إبطال الدين الإسلام والتشكيك في أصوله، وقد استنسخ أتباعه ومحبوه هذه المضامين الاعتقادية الضالة وساروا على منواله فيها.

وقد مرّ معنا كيف استخدم بعض السور والآيات في كلامه على سبيل الاستخفاف والتدنيس، وكيف استعمل اسم الآية والسورة ومطالع بعض السور استعمالًا حداثيًا يستهدف الحط من شأن القرآن، والتقليل من مكانته وقداسته، وليس هذا خاصًا بأدونيس، بل وغيره من أصحاب الملة الحداثية سلكوا هذا المسلك وخاصة في جعل الشعر قرآنًا، وجعل القرآن العظيم شعرًا من خلال تسمية القصائد سورًا والأبيات الشعرية آيات، ومن خلال وصف القرآن بأنه شعر.

وهذا دليل على أن الكفر وإن تغيرت أزمانه فإن أصحابه يحاكون بعضهم ويرددون أقوال بعض، ففي هذا اللون من الانحراف نجد أن الكفار الأوائل قالوا عن القرآن بأنه شعر ووصفوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر، مع وجود الفرق الكبير الهائل بين نسق القرآن العظيم، ونظم الشعر، فضلًا عن الفرق العظيم بين المعاني والمضامين القرآنية، وما في الشعر من ضعف وحشو وهزال، ولا جرم أن يكون الفرق بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب، إذ الفرق بين كلام اللَّه وكلام البشر كالفرق بين اللَّه -جلَّ وعلا- والبشر.

ومن أقوال الكفار الأوائل في وصف القرآن وناقله عليه الصلاة والسلام ما حكاه اللَّه عنهم في قوله -جلَّ وعلا-: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}

(2)

.

(1)

انظر: المصدر السابق 2/ 73.

(2)

الآية 5 من سورة الأنبياء.

ص: 1156

وقوله سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36)}

(1)

.

ولذلك رد اللَّه عليهم هذه الدعاوى المتخبطة والمجادلة الباطلة، فقال سبحانه:{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41)}

(2)

، وقال -جلَّ وعلا-:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69)}

(3)

وأقوال الحداثيين والعلمانيين المعاصرين في إضافة الشعر إلى القرآن، ووصف القرآن بالشعر هي من جنس أقوال أسلافهم الذين ذكرهم اللَّه في القرآن العظيم، وقد مر معنا قول أدونيس القرآن شعر لا كالشعر

(4)

، وقد كان جبران خليل جبران يسمي قصائده سورًا، وسمى إحدى قصائده "سورة القدر" وذلك ضمن طموحه العظيم -كما يقول باروت- أن يكون نبيًا

(5)

.

وفي إحدى وثائق الكتاب الدوري قضايا وشهادات جاءوا لأحد أسلافهم بقول فيه: (الشعر يا قوم يا ذوي العيون رسالة ووحي لا شعوذة ولا تدجيل، ومعاذ الرسالة والوحي أن يهبطا إلّا على طهر القلوب. . . جعلت هذه النفحات مقطوعات دعوت كلًا منها "سورة" أو "أغنية")

(6)

.

ونشرت مجلة مواقف مقطوعة لشاعر حداثي بعنوان "آية الرجم" وتقول المجلة أنه عنوان لمجموعة شعرية جديدة تتكون من خمس "سور"، واكتفت

(1)

الآيتان 35 - 36 من سورة الصافات.

(2)

الآية 41 من سورة الحاقة.

(3)

الآية 69 من سورة يس.

(4)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 23.

(5)

انظر: الحداثة الأولى: ص 238.

(6)

قضايا وشهادات 3 شتاء 1991 م/ 1411 هـ: ص 160، والكلام لخير الدين الأسدي وتاريخه 13/ 11/ 1369 هـ 8/ 27/ 1950 م.

ص: 1157

المجلة بنشر "سورتين" من هذه المجموعة التي يلتزم فيها الشاعر بحرف الجيم في كل سطر

(1)

.

وفي قضايا وشهادات ما نصه: (إن رواية حدث أبو هريرة

(2)

إن صح التعبير آيات انحلت وانفرطت فأعيد تجميعها وصفها بنسق مغاير، فاحتفظت بخيوط الأصل وإن حاكت منها ثوبًا فنيًا جديدًا. . .، ويخلق المسعدي

(3)

الجو القرآني برجوعه إلى أماكن وأسماء ترتبط ذهنيًا بالنبوة والدعوة الإسلامية، فهو يكثر من ذكر آدم وحواء ومكة ويشير إلى أهل الكهف وأبي رغال والكعبة والحجر الأسود وغار حراء، وبالإضافة إلى ذلك فإن المفردات التي تتواتر في نصه قرآنية. . .، وتتراوح فصول الرواية في الطول والقصر كما تتراوح السور في القرآن. . .، وترسيخًا لكل ما سبق من استدعاءات قرآنية فقد استهل المسعدي روايته بما أطلق عليه "الفاتحة" وهي تسبق الفصل الأول، ولكن عوضًا عن أن تكون صلاة لرب العالمين فهي بيت شعر)

(4)

.

وعن هذه الرواية قال مؤلفا رأيهم في الإسلام في سياق ترجمتهم لمؤلف الرواية: (فعمله الأساسي "هكذا تكلم أبو هريرة" يتبع الشكل القرآني والشرعي كما الحديث الشريف، ومن المصادفات أن يكون بطل المسعودي مشكوكًا في وجوده التاريخي الذي ينفيه دارسو الإسلام)

(5)

.

(1)

انظر: مجلة مواقف - العدد 59/ 60 صيف خريف وخريف 1989 م/ 1409 هـ الصفحات: 154 - 167، والمقطوعات المشار إليها لحسن طلب.

(2)

رواية حدث أبو هريرة محمود المسعدي من تونس، وتقع في 232 صفحة، نشر دار الجنوب للنشر - تونس، الطبعة الثالثة 1989 م.

(3)

محمود المسعدي، حداثي تونسي مسؤول كبير في الدولة أيام بورقيبة، تقرب منه فأولاه مناصب رسمية فكان وزيرًا للعدل، ثم رئيسًا لمجلس الأمة ووزيرًا للثقافة، تشاؤمي النزعة، مع إخلاص دائم وثناء لبورقيبة وأفكاره، اشتهر بروايته حدث أبو هريرة، ولد سنة 1329 هـ وهو من خريجي جامعة السوربون. انظر: رأيهم في الإسلام: ص 153 - 154، وغلاف روايته حدث أبو هريرة.

(4)

قضايا وشهادات 2 صيف 1990 م/ 1410 هـ: ص 237، 238، 240.

(5)

رأيهم في الإسلام: ص 153. وسمياه المسعودي والصواب المسعدي.

ص: 1158

وهذا افتراء على الإسلام من جملة افتراءات عديدة حشي به الكتاب، الذي ألف من أجل إعلاء شأن المعادين للإسلام واتخاذهم أدوات لهدمه، وإلّا فمن قال من دارسي الإسلام بأن شخصية الصحابي الجليل أبي هريرة الدوسي ليست حقيقية؟.

وقد يظن بأن محمود المسعدي حين قالوا عنه بأنه أخذ من القرآن واهتم بالقرآن أنه لعلم منه بالقرآن أو تقديس منه وتوقير للقرآن، كلا، إن المسألة لا تعدو أن تكون استعمالًا أدبيًا بحتًا للقرآن والحديث على اعتبار أنهما من التراث!!.

ولكي نعرف مدى علم المسعدي بالقرآن وبالشرع الإسلامي وضوابطه وأحكامه نقرأ له هذا النص: (فعلى الإنسان أن يعي حالته ووضعه إذا شاء التبصر بالمجتمع والثقافة، فتذكيرًا بآية قرآنية تقول ما معناه: العالم -المجتمع- لا يتبدل طالما الإنسان لا يتغير، والمقصود تغيير نظرة الإنسان للكون، وفي ذلك انطلاقة تجديد)

(1)

.

ومن المعلوم أن هذا القول منه في رواية القرآن بالمعنى يعرف تحريمها صغار الطلاب من أبناء المسلمين.

وهذا التحريف والاستهانة بالقرآن يذكر بنص آخر لمحمد أركون يقول فيه: (العدو الرئيسي هو عجز المجتمعات الإسلامية عن السيطرة على التحرك الأعمى، داخليًا كان أم خارجيًا الذي يتحكم بمجرى تاريخنا، وهذا ترجمة حالية للآية القرآنية القائلة {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ})

(2)

.

ويذكر بنص آخر استشهد فيه أحد الحداثيين -كما يزعم- بآية قال فيها: "كل من على الأرض فان ولا يبقى إلّا وجه ربك ذي الجلال والإكرام"

(1)

المصدر السابق: ص 156.

(2)

المصدر السابق: ص 152.

ص: 1159

البشرية باقية والإنسان زائل حتى ولو ضحى أحيانًا بشيء من حياته الخاصة)

(1)

.

ومن المعلوم أن الاستهانة بحقوق الألفاظ والنقول والنصوص هو دأب المغالطين والمعاندين، فإن الآية الأولى التي يشيرون إليها هي قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}

(2)

، والآية الثانية هي قوله تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)}

(3)

، ويا للعجب من الحداثة العربية الفكرية والأدبية ما أشد عناية أصحابها بالنصوص، وما أعمق معرفتهم بها وما أقوى صلتهم بمصادرها!!.

وكيف لا يكون هذا هو حالهم وقد نزولوا سوق الحداثة القائم على الفوضى وضياع حقوق الألفاظ والنصوص والمعاني والدلالات.

أمّا نزار قباني فلا يجد لقصيدة النثر -التي لا يعترف بها كثير من الحداثيين لتهافتها وضعفها وتفكك مبناها- إلّا أن ينسبها إلى القرآن العظيم وإلى سور معينة منه، وإلى التوراة أيضًا، يقول:(احتمالات النثر لا نهائية، ومن هذه الاحتمالات قصيدة النثر التي نجد لها أصولًا في الكتب المقدسة، كما في سورة مريم وسورة الرحمن وفي قصار السور القرآنية، كذلك نجدها في نشيد الإنشاد وفي المزامير)

(4)

.

وعلى ضخامة هذا الاستخفاف بالقرآن العظيم فإن القاريء لما يسمى "قصيدة النثر" في نتاج توفيق صايغ أو أنسي الحاج أو أدونيس، لا يُمكنه -إن كان صاحب ذوق وأدب- إلّا أن يتقزز من كلمات متراكمة وفواصل وعلامات ترقيم وفراغات تدل على فراغ عقول وقلوب أصحابها.

ويكفي المتأمل العاقل أن يعلم أن أول من اخترع قصيدة النثر هي

(1)

المصدر السابق: ص 119 - 120، وهذا القول للحداثي المصري جمال الغيطاني.

(2)

الآية 11 من سورة الرعد.

(3)

الآيتان 26، 27 من سورة الرحمن.

(4)

قضايا الشعر الحديث: ص 243.

ص: 1160

مجلة شعر

(1)

المعروفة بعمالتها، وأن إرهاصاتها كانت على يد دعاة الشعر المنثور من نصارى العرب

(2)

، وإن كان أصحاب التحلل الديني لا يعتبرون ذلك مسبة؛ لأنه قد تساوى عندهم العقائد والملل الحقة والضالة، بل لهذه الأخيرة المقام الأسمى عندهم!!.

وحتى يتضح مقدار الكذب الذي ألقاه نزار عن قصيدة النثر وإضافتها إلى القرآن العظيم -شرفه اللَّه- يُمكن لنا أن نقرأ كلام بعض رواد وكتاب ونقاد الأدب العربي المعاصر في موقفهم من الغثاء الذي يطلقون عليه اسم "قصيدة النثر".

يقول جهاد فاضل عن هذه العصابة: (إذا كتبوا نثرًا، ونثرًا رديئًا سموه شعرًا)

(3)

.

ويقول: (وهبطت نعمة من السماء تدعى قصيدة النثر تلقفها أول من تلقفها من كان مرفوضًا في الماضي في امتحان الشروط الشكلية، ولكن بدل أن يقنع هذا بحظه في نادي الشعر أصيب بالخيلاء وبات يعتبر أن موسيقى الشعر تحول دون الشعر، وأن الشعر لا يتحقق إلّا بالنثر، وأكثر من ذلك اعتبر أن جذور قصيدة النثر موجودة في التراث العربي، وهي تمتد إلى العصر الجاهلي، فسجع الكهان في الجاهلية قصائد نثر، وآيات القرآن الكريم قصائد نثر، وكذلك خطب الإمام في نهج البلاغة وشطحات المتصوفة.

مثل هذا النظر لا يستقيم بالطبع مع الحقائق التاريخية والموضوعية معًا، فقصيدة النثر، إذا أريد معرفة جذورها، فهذه الجذور موجودة في التراث الشعري الأوروبي، لا في التراث الشعري أو الأدبي العربي، إنها موجودة في كتابات رامبو وبودلير ولوتريامون وسواهم، أمّا اللغة العربية فلم تعرف

(1)

انظر: الحداثة الأولى: ص 52.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 188 - 189 حيث أشار إلى دعوة جورجي زيدان إلى الشعر المنثور، ثم دعوة أمين الريحاني ثم بولس شحادة وغيرهم.

(3)

قضايا الشعر الحديث: ص 52.

ص: 1161

في تاريخها مثل هذا النمط من التعبير)

(1)

.

(ورغم الحبر الكثير الذي أريق منذ ربع قرن حول علاقة قصيدة النثر بالشعر، فما زالت قصيدة النثر العربية قصيدة عربية غير شرعية وغير مقنعة، إنها صنو العجز ومرادف الخيبة، وما زال مكانها هو النثر لا الشعر)

(2)

.

(لقد رفضنا قصيدة لا لنسبها الأجنبي

(3)

بل لأن تاريخها عندنا حافل بقلة الشعر وكثرة النثر الرديء، أنت تقول أنها "نبضة كامنة" نحن نقول إذا كان من كمون في هذه النبضة الهابطة فهو للعجز، وإذا كان من بروز فهو للشهوة الشعرية الخائبة!)

(4)

.

(الأمر الذي ينير الانتباه أن أكثر الذين كتبوا قصيدة النثر أو دافعوا عنها لهم "موقف" من التراث العربي الإسلامي، إنهم هاربون من هذا التراث لا منطلقون منه، أن التراث في ضميرهم مشكلة لا عملية انتماء فخور)

(5)

.

(إني لا أريد أن أقول أن الفكر القابع وراء التنظير لقصيدة النثر هو فكر أقلي، وهناك ألف دليل على ذلك)

(6)

.

(لقد قرأت في الفترة الأخيرة كتبًا في نقد الشعر فوجدتها مصابة بعدوى "قصيدة النثر" فبدلًا من أن تكون لغة النقد لغة علمية باحثة محللة منقبة مقارنة كانت لغة الطبيعة في ليلة من ليالي كانون: غيوم داكنة سوداء مشحونة بما لا يعلم أحد حتى الناقد نفسه، وأفق ضبابي سديمي لا يرى فيه شيء وهكذا وقع الناقد فرية الإبهام والتعمية، اصطاده

(1)

المصدر السابق: ص 61 - 62.

(2)

المصدر السابق: ص 63.

(3)

من المقرر عند الحداثيين أن التبعية للغرب ليست مذمة بل هي محمدة عند أكثرهم.

(4)

المصدر السابق: ص 65.

(5)

المصدر السابق: ص 66.

(6)

المصدر السابق: ص 67.

ص: 1162

صاحب قصيدة النثر وقذف به في متاهاته، وتحول النقد إلى نوع من قصيدة النثر نفسها)

(1)

.

(في خلال السنوات العشرين الماضية جرت أعظم عملية استيطان في الثقافة العربية أريد بموجبها زرع قصيدة النثر في الشعر العربي واعتبارها شكلًا شعريًا شرعيًا)

(2)

.

وليس هذا موقف جهاد فاضل وحده، بل حتى خليل حاوي يهاجم هذه الفوضى المسماة "قصيدة النثر" فيقول عنها:(إنها ظاهرة مرض يسعى إلى إخفاء حقيقته ببهرج الصورة وزخرفها الزائف، ومما يلاحظ في شعر هؤلاء إن الانجذاب إلى صور ملتقطة من النتاج السوريالي تفرض عليهم طبيعة المضمون في شعرهم، لهذا يتكشف للمتبصر في صورهم أنها لا تعبر عن شحنة من تجربة شعورية مكثفة، وأفكار مكتنزة تذوب في وهج الشعور، بل عن تجارب مجتلبة تنطوي على فراغ في فراغ)

(3)

.

والرد على نزار قباني من كلامه أقوى وأشد، فقد تناول الشعر الحديث بأوصاف تنطبق أول ما تنطبق على ما يسمى "قصيدة النثر" وإن كانت تعم كل الشعر الحديث، يقول قباني: (الشعر العربي واقع في أزمة ثقة مع الناس، فقد رمى نفسه من الطابق التاسع والتسعين للقصيدة القديمة، ولا يزال عالقًا بين السماء السابعة والأرض، أفلت رجليه عن حافة الشرفة العتيقة، ولم يجد أي شرفة بديلة يتعلق بها، كل هذا يجري والناس الذين تحت يضحكون يصفرون ويطلقون النكات على هذا المجنون الهابط عليهم من كوكب لا يعرفونه والذي يتكلم بلسان لا يعرفونه. . .

نطلب من الشاعر الحديث أن يكون طبيعيًا؛ لأن النتاج الشعري الذي

(1)

المصدر السابق: ص 69.

(2)

المصدر السابق: ص 154.

(3)

المصدر السابق: ص 281. وانظر: نقد بدوي الجبل لقصيدة النثر في المصدر نفسه: ص 396، ونقد جوزيف نجم لها أيضًا ولعموم الحداثة في المصدر نفسه: ص 399 - 400.

ص: 1163

نقرأه

(1)

اليوم هو ضد الطبيعة وضد نفسه وضد النظام الشعري)

(2)

.

ويتحدث سامي مهدي

(3)

في كتابه أفق الحداثة عن الصراع بين عصابة شعر وأضدادهم من الحداثيين حول الشعر الحر وقصيدة النثر، ثم يقول: (لكل ما تقدم انجلى الصراع عن النتائج التالية:

1 -

لم يجد الشعر الحر مريدين له أو مروجين، ولعله لم يستهو أحدًا من الشباب سوى "رياض نجيب الريس

(4)

" الذي أصدر مجموعة يقتفي فيها أثر توفيق صايغ. . .

2 -

وجدت قصيدة النثر أرضًا خصبة لها في صفوف قطاع من الناشئين في لبنان، هم أولئك الذين تعلموا اللغة الفرنسية، ووجدوا في أطروحات مجلة شعر ما يبرر لهم الانقطاع النفسي عن التراث العربي، والانصراف عن دراسته والبحث فيه، وما يزهدهم في علم العروض ويشجعهم على إهماله كاملًا، ونبذ الوزن والاستخفاف بقيمته، واعتبار كل ذلك أمورًا لا غنى فيها ولا أهمية لها.

3 -

أمّا في باقي أقطار الوطن العربي لم تجد قصيدة النثر إلّا عددًا ضئيلًا من المريدين. . .)

(5)

.

(وهكذا استنفذت قصيدة النثر نفسها بعد سنتين أو ثلاث من استيرادها، وانتهى الشعراء الذين اتخذوها شكلًا وحيدًا للتعبير الشعري إلى

(1)

هكذا، والصواب:(نقرؤه).

(2)

المصدر السابق: ص 238 - 239.

(3)

سامي مهدي ناقد عراقي حداثي، له كتاب أفق الحداثة وحداثة النمط، فضح فيه حداثة مجلة شعر، ولكن من وجهة نظر قومية وحداثية أخرى.

(4)

رياض نجيب الريس حداثي شامي، من أتباع يوسف الخال، وحركة شعر، أنشأ مجلة الناقد في لندن ودارًا سماها رياض الريس للكتاب والنشر، وراح يجمع من خلالهما فلول مجلة شعر، ويستكتب الملاحدة والحاقدين على الإسلام، وخصص جائزة بعنوان جائزة يوسف الخال للشعر.

(5)

أفق الحداثة وحداثة النمط: ص 31 - 32.

ص: 1164

طريق مسدودة وخير مثال على ذلك أنسي الحاج، فإذا كان الرجل قد كابر واستمر ونشر ثلاث مجموعات بعد إيقاف مجلة شعر، فإن هذه المجموعات لتشهد على سقوطه السريع في "النمط" و"التكرار". . .، وهكذا أثبتت التجربة أن قصيدة النثر هي شكل من أشكال التعبير النثري التي تتشبه بالشعر للاستفادة من بعض خصائصه، وليس فيه ما يبرره سوى ذلك)

(1)

.

وقد ذكر مؤلف "أسئلة الشعر" مدى الحيرة والاضطراب عند الحداثيين في تفسير مصطلح حداثة، ثم تجربة مجلة شعر واصطدامها بالجدران إثر عبثها باللغة والشعر من خلال طروحاتها، ثم يأتي بنموذج من شعر الانحطاط العربي الحديث، من كلام أنسي الحاج، مقطوعة بعنوان "حديث مع أبي التهوف" تثبت مقدار الانحطاط الحداثي

(2)

.

وفي الحقيقة أن ما ينطبق على قصيدة النثر ينطبق أيضًا على أنماط أخرى من الحداثة، ويصح إطلاقه على مشاريع حداثية عديدة، ولكن المكابرات الحداثية ما تزال تضرب بأطنابها على قلوب الحداثيين.

وبعد هذه النصوص العديدة التي تبين مدى تفاهة "قصيدة النثر" وهي شهادات من داخل الاتجاه الحداثي، يُمكن لنا أن نتبين إلى حد بلغ الكذب الفكري والادعاء الحداثي والتدنيس الاعتقادي عند نزار قباني حين يجعل قصيدة النثر تعود في أصولها إلى القرآن.

وليست هذه الوحيدة من أوابد هذا الحداثي، بل له أقوال أخرى من قبيل قوله:(ويسألونك عن الشعر قل الشعر من علم ربي)

(3)

.

ويشبه قول نزار قباني الذي يلحق فيه قصيدة النثر بالقرآن قول الحداثي اليمني عبد العزيز المقالح الذي يخلط فيه الأمور خلطًا حداثيًا معهودًا، وذلك في قوله: (المفهوم الحقيقي للشعر عند العرب وعرب الجاهلية بخاصة

(1)

المصدر السابق: ص 69، 70.

(2)

انظر: أسئلة الشعر: ص 33.

(3)

فتافيت شاعر: ص 85.

ص: 1165

لا يجعل الوزن شرطًا ضروريًا لتكون الكتابة شعرًا ولم يظهر مفهوم الشعر "هو الكلام الموزون المقفى" إلّا في عصور متأخرة، ولو قد كان ذلك المفهوم شائعًا لما كان ذلك الوقف العجيب من القرآن الكريم، هذا الكتاب المقدس الذي ادهشهم بإيقاعه الجميل وببلاغته المنتقاه. . . إن فارقًا كبيرًا بين المعلقات ومعمارها وبين هذا المعمار القرآني العجيب، ومع ذلك فقد اختلط الأمر على عرب ذلك الحين فتوهموه شعرًا، ماذا يعني هذا الموقف؟!)

(1)

.

بل نقول: ماذا يعني هذا الكلام؟ وفيه من الكذب والمغالطة وقصد تدنيس القرآن الشيء البين، فما هو الدليل على أن العرب كانوا يجعلون الشعر بلا وزن ولا قافية؟، إن هذا دليل آخر يضاف إلى الأدلة الكثيرة التي تثبت جرأة الحداثيين على الادعاءات الكاذبة من غير حياء ولا تردد.

ثم ما هذا الربط المتهافت بين الشعر الوهمي الذي ادعى وجوده، والقرآن العظيم؟، ألم يعلم أن وصف الكفار للقرآن بأنه شعر هو ضمن أوصاف أخرى أرادوا منها التنفير من القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم والتقليل من شأنهما.

وقد قالوا بأنه سحر وأنه قول مجنون، فهل يصح بناء على استنتاج المقالح أن يقال بأن في القرآن تشابهًا مع السحر والكهانة؛ لأن العرب كانت تعرف زمزمة السحرة والكهان؟، ووصفت القرآن بالسحر؟، نعم قد قال ما يشبه هذا نصر أبو زيد في كتاب مفهوم النص

(2)

.

وهل يصح بناء على استنتاج المقالح ونصر أبو زيد أن يقال بأن القرآن قول مجنون كما قال الجاهليون؟، وقد كانوا يعرفون الجنون والمجانين؟.

الحقيقة أن الكفار قديمًا وحديثًا يعانون من الوقوع تحت وطأة التناقض بين الحقيقة الناصعة التي يعرضها عليهم الإسلام من غير شوب ولا شك،

(1)

قضايا الشعر المعاصر: ص 246.

(2)

انظر: مفهوم النص: ص 33 - 37، 39، 40، 45.

ص: 1166

وبين ما اختاروه لأنفسهم من مذاهب باطلة يغلفها عناد أجوف وشبهات عارمة يحاولون بها أن يقذفوا في وجه الحق بأي دعوى ولو كانت صفراء باهتة كالحة كلاحة أفكارهم، ولو كانت متناقضة تناقض عقائدهم.

ومن هذا القبيل -أعني إلحاق القرآن بالشعر- قول البياتي:

(خرجت من نار الشعر الآيات.

ونبيو الثورات

فلماذا شاعرنا مات؟

فوق رصيف مهجور، منتحرًا بفقاعات الكلمات)

(1)

.

وقبل أن استرسل في ذكر شواهد من الحداثة الأدبية على انحرافاتهم في باب الكتب المنزلة والقرآن خاصة، أود أن أستأنف الحديث كرة أخرى مع الحداثة الفكرية، بعد أن سردت جملة من أقوال فلاسفة الحداثة ونقادها.

فها هو أحدهم يهاجم سيد قطب

(2)

رحمه الله ومنهجه في التركيز على قضية الحكم بما أنزل اللَّه والذي سماه "المشروع القطبي"، وفي هذا السياق يعترض على سيد احتجاره -حسب زعمه- حق فهم القرآن وإدانة كل من يخالفه

(3)

، وهو بهذا لا يدين سيد قطب وحده بل يدين كل اتجاه

(1)

ديوان البياتي 2/ 443.

(2)

هو: سيد بن قطب بن إبراهيم، كاتب إسلامي شهير وداعية كبير، ولد في قرية من قرى أسيوط عام 1324 هـ، أرسلته الحكومة المصرية للدراسة في الغرب فعاد من هناك مقتنعًا بزيف الغرب وأمريكا خاصة، وبأن الحل في الإسلام وحده، وانضم إلى الإخوان بعد الثورة المصرية فسجن، فعكف على تأليف الكتب ومنها كتابه الكبير الشهير "في ظلال القرآن" وكتابه "معالم في الطريق" وغيرها من الكتب التي انتشرت في كل بقاع العالم الإسلامي لقيت قبولًا هائلًا وأحدثت تأثيرًا كبيرًا وخاصة بعد أن قتله جمال عبد الناصر سنة 1387 هـ. انظر: الأعلام 3/ 147 - 148.

(3)

انظر: قضايا وشهادات 4/ خريف 1991 م/ 1411 هـ: ص 17، والقول لسعد اللَّه ونوس.

ص: 1167

قائم على وجوب فهم القرآن وفق الموازين والضوابط والأحكام الشرعية؛ لأنه يريد -وكذلك سائر العلمانيين- أن تمحى هذه المعايير والضوابط في قضية فهم القرآن وتفسيره وتطبيقه ليصبح سهلًا عليهم حينئذٍ أن يدخلوا عليه بأنواع شكوكهم وشبههم وإلحادياتهم، فهذا الكاتب نفسه بعد أن اعترض على سيد قطب ومنهجية الفهم والتفسير للقرآن، يتحدث عن الإنسان الذي يتجه إلى اللَّه تعالى أنه إنّما يفعل ذلك ليتخلص من الحكام المستبدين الظالمين، يقول ذلك ليصل إلى نتيجة علمانية حداثية مفادها أن إقبال الناس في بلاد المسلمين على انتخاب المسلمين المتمسكين بدينهم والدعوة إلى تطبيق شريعة اللَّه إنّما سببه ما يشعرون به من ظلم، فهم يبحثون عن حلول طوباوية -حسب تعبيره- أي أن التدين والإيمان باللَّه تعالى ليست منبعثة من يقين واستسلام ومحبة وخضوع للَّه تعالى بل من حاجة مادية بحتة.

يقول: (إن المدجنة الحقيقية التي تفرخ هذه الجماعات هي الأنظمة العسكرية المستبدة، فهذه الأنظمة التي خنقت روح الشعب، وأغرقته بالشعارات والرعب، وفاقمت مشكلاته بالتبعية والنهب، هي التي تدفع هذه الأجيال الممزقة والمهشمة إلى حلول طوباوية وردود فعل يائسة، وحين يخير إنسان مقموع ومنهوب بين إله أرضي يقمعه وينهبه ويفوض عليه فوف ذلك عبادته، وبين إله ديني يعده بالخلاص والمثوبة، فإن من الطبيعي أن يفر من زنازين الأرض إلى فضاء السماوات)

(1)

.

وفي مجلة الناقد يجعل أحد الحداثيين قضية القراءات القرآنية مجرد اختلاق من بني أمية الذين لم يكتفوا -حسب زعمه- بذلك بل سعوا في إيجاد أطنان الأحاديث المنسوبة للنبي في فضائل معاوية وبني مروان ليجري كل ذلك في خط متواز ومتزامن مع إعمال السيف في رقاب من يجرؤ على رفع صوته أمام خليفة اللَّه في خلقه

(2)

.

(1)

المصدر السابق ص 20 والقول لسعد اللَّه ونوس.

(2)

مجلة الناقد - العدد الثامن شباط فبراير 1989 م/ 1409 هـ: ص 17 من مقال بعنوان السلفية وأثرها في حداثية الآداب لأنيس الجزائري، وفيه حط على الإمام =

ص: 1168

وهذا أيضًا دليل جديد على الجهل والمجادلة بالباطل والدعاوى الكاذبة التي لا رصيد لها في ميزان الحقيقة.

وفي العدد نفسه يكتب أحدهم عن مجموعة من الكتب التراثية التي تعرضت لشرح بعض قضايا الجنس، ويستنتج من هذه الكتب وفق عقله المريض قولًا شنيعًا ينقله عن أحد أشباهه من الحداثيين فيقول:(إن قراءة القرآن مهيئة للجماع. . .، إن القرآن إذا هو الكلام الشعائري الفاتح للشهية، إنه وسيلة الجماع)

(1)

.

وفي عدد آخر من مجلة "الناقد" الابن غير الشرعي لمجلة شعر وعصابتها، والامتداد المظلم لمشروع يوسف الخال، يتصدى الصادق النيهوم

(2)

-كعادته- للإسلام ومصدره الأول القرآن العظيم، ثم للمصدر الثاني السنة المطهرة، فيقول: (ميزة كل كتاب مقدس، إن معلوماته تصبح تلقائية غير قابلة للجدل، وهي ميزة مفيدة -فقط- إذا كانت المعلومات نفسها حقائق نهائية. . .، أسطورة تعلن أن المرأة نفسها مجرد مخلوق جانبي صنعه الرب من ضلع آدم، وهي ترجمة سحرية لحكمة تريد أن تقول: مكان المرأة إلى جانب الرجل. . .

. . . وإذا كان الحجاب قد أصبح الآن فريضة إسلامية، يدعو إليها

= مالك رحمه الله بأبشع الألفاظ والتهم باعتبار مذهبه هو السائد فى بلاد المغرب وهو الذي يقاوم الاستغراب والتفرنس.

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 69 من مقال لعبود سليمان بعنوان التراث الجنسي، وينقل عن المغربي عبد الكبير الخطيبي النص المذكور.

(2)

الصادق النيهوم، كاتب علماني حداثي من ليبيا، يقيم في جنيف، صدرت له عدة كتب منها فرسان بلا معركة، ومن هنا إلى مكة، وصوت الناس. محنة ثقافة مزورة، وهو كاتب حاقد على الإسلام، جاحد أن أركانه خمسة، وجاحد للغيبيات ومنكر لأركان الإيمان، ويمتليء كلامه بالتهكم والسخرية بالدين الإسلامي مع جهل فاضح، وينضح ببغضاء شديدة للصحوة الإسلامية المعاصرة ولدعاتها ولعلماء الإسلام وللحركات الإسلامية، اتخذ مجلة الناقد منبرًا لتسويق أفكاره الضالة، ووجدت فيه المجلة بغيتها في التنفيس عن أحقادها ضد الإسلام. انظر عنه: مجلة الناقد - العدد الأول: ص 11.

ص: 1169

الوعاظ علنًا باسم الإسلام، فإن هذه الدعوة ليس مصدرها النص القرآني بل مصدرها أن الواعظ المسلم يتكلم لغة عبرانية من دون أن يدري، فمن مطلع القرن الهجري الأول كان الفقه الإسلامي يتلقى علومه بحماسة كبيرة في مدرسة التوراة، وكان موضوع الطمث قد أعيد إلى خانه "النجاسة" من جديد، فتحولت المرأة المسلمة خلال فترة الطمث إلى امرأة "غير طاهرة" مرة أخرى، وعمد الفقهاء إلى إبطال صلاتها وصيامها طوال أيام المحيض في فتوى، لا تستند إلى نص القرآن بل تستند إلى قول التوراة "كل شيء مقدس لا تمس، وإلى المقدس لا تجيء". . . فحجاب المرأة ليس شريعة من أي نوع بل منهجًا تربويًا مكتوبًا بلغة السحرة، قاعدته النظرية أن "المرأة مخلوق نجس" وقاعدته العملية أن يقنع المرأة نفسها بقبول هذه الشخصية، وهي كارثة تحققها فكرة الحجاب. . .، فالمرأة المحجبة لا تخفي نفسها كالطفل داخل عباءة؛ لأنها امرأة ورعة بل لأنها امرأة مسحورة، تعرضت لحرب نفسية رهيبة، شنها السحرة ضدها طوال ثلاثة آلاف سنة، ضمن خطة تربوية مكتوبة بلسان أكبر ساحر في العالم، وقد نجم عن هذا الضغط الهائل شل عقل المرأة وتدنيس جسدها، وأتاح إدانتها -شرعيًا- بأنها "ناقصة عقل دين" وأحالها إلى مخلوق مريض في حاجة ماسة إلى رحمة اللَّه، إن الحجاب فكرة فظيعة إلى هذا الحد)

(1)

.

إن هذا القول يعطينا صورة عن الجهل الكبير الذي يعيشه الحداثيون والعلمانيون، والمغالطات الجلية التي يتخذونها في سبيل مضادة الإسلام والحق والدين، ومن يطلع على هذا القول وأشباهه الكثيرة لهذا "النيهوم" يحمد اللَّه على العقل والسلامة من داء الجهل، ونظرة عجلى من أحد عامة المسلمين لهذا الكلام -فضلًا عن متعلميهم- يدرك مقدار الجهل والعته الفكري والضلال المبين {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا

(1)

الناقد - العدد 13 تموز 1989 م/ 1409 هـ: ص 6 - 7.

ص: 1170

الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}

(1)

.

ويفتح أحد الحداثيين باب التأويل لنصوص الشرع، ولكنه ليس التأويل الكلامي الذي كان أهل الكلام يقولونه في ظل إيمانهم بالنص الشرعي جملة وعلى الغيب، ولكنه التأويل الحداثي القائم على المادية وجحد الشرع جملة وتفصيلًا، يقول:(تخطي ظاهر النص والاهتداء بروحه يفتح ولا شك باب التجديد والتطور على مصراعيه لجهة مستلزمات الحياة اليومية. . .، أصحاب الآفات الطبقية يؤثرون التقيد بحرفية النص والالتزام بجزئيات القواعد، وبظاهر التعاليم والشعائر بدل الغوص في بحر التبحر والتأويل الواسع)

(2)

.

من المؤكد أن عدوى الباطنية لم تعد مقصورة على الطوائف الإسماعيلية والنصيرية والدرزية وأشباهها، بل امتدت على نطاق واسع تحت شعار التحديث والعلمانية ولافتات "الإسلام المنفتح المستنير" والجامع بين الاتجاهين تخريب الدين وهدم قاعدة التشريع والتدين.

والقول السابق في فتح باب التأويل العلماني للنصوص، نادى به توفيق الحكيم حين سئل (هل يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟) فأجاب:(ممكن، ولكن يتعين اعتماد تفسيرات جديدة تتفق والمفاهيم العصرية، والمؤسف تبنى البعض تفسيرات القرون الوسطى للنصوص الدينية)

(3)

.

لقد شرق الحداثيون والعلمانيون بالإسلام الذي صمد أمام هجوم أساتذتهم الغربيين، ثم أمام دسائس أتباعهم اللادينيين من أبناء المسلمين، فما وجدوا وسيلة لتجاوزه وإبطاله إلّا بخلخلته ومحاولة إفساده من الداخل، كما حاول الباطنيون من قبل، وما الدعوات الحداثية التي تنادي بتفسير القرآن تفسيرًا يتفق مع المفاهيم العصرية، أو تأويله تاويلًا يتخطى ظاهر

(1)

الآيتان 176 - 177 من سورة الأعراف.

(2)

رأيهم في الإسلام: ص 82، والكلام للعلماني حسين أحمد أمين.

(3)

المصدر السابق: ص 105.

ص: 1171

النص وحرفية الشعائر والعقائد إلّا أحد الأمثلة على أساليبهم المتعددة في حرب الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر}

(1)

.

نلتفت قليلًا إلى بهارج الدعايات الحداثية، والتمجيد لرؤوس الطواغيت، لنجد أن الحداثيين يسوقون بضاعتهم المستوردة من خلال احتفاليات ومدائح تتجاوز حدود العقل والمنطق ومن ذلك أنه قد (صرح أحدهم بكامل البلاهة إنه يرى في "مفرد بصيغة الجمع" لأدونيس ثاني اثنين في العربية: القرآن ونهج البلاغة)

(2)

.

هكذا نقل مؤلف كتاب أدونيس منتحلًا، والذي كشف فيه عورات السرقات الأدونيسية، ولكن بنفس حداثي وبعقلية علمانية لادينية، فها هو يسخر باللَّه تعالى وبالوحي الكريم في سياق اعتراضه على أدونيس الذي رد على من اتهمه بالانتحال والسرقة قائلًا:(إن تداخل النصوص أمر قائم حتى في النصوص المقدسة)، وأجابه:(لن نتوقف عند الجانب المضحك من إجابته، إذ يطالب لنفسه بما يجوز في النصوص المقدسة من تناسخ و"انتحال" ولن نرد عليه بالحجة اللاهوتية البسيطة التي ترى في النصوص المقدسة كتبًا لـ "مؤلف" واحد متعال له أن يلعب بنصوصه ما يشاء)

(3)

.

لا يعترض مؤلف أدونيس منتحلًا على أدونيس في فكره وعقيدته، وإنّما يصفي حساباته معه جهة أنه سرق وانتحل وأخذ من غيره ونسبه إلى نفسه، وهذا من تسليط اللَّه بعض الظالمين على بعض، أمّا الملة الحداثية فالناقد والمنقود يجتمعون فيها ويؤمنون بها، وإن اختلفت شعب ضلالهم داخل هذه الملة، ولا أدل على ذلك من النص السابق الذي تتحدر منه المضامين الحداثية الضالة المناقضة للدين القويم، حتى أصبحوا علامة على "اللادينية"

(1)

الآية 118 من سورة آل عمران.

(2)

أدونيس منتحلًا: ص 87.

(3)

المصدر السابق: ص 86.

ص: 1172

في أبشع وأقذر صورها وتطبيقاتها، من غير إحساس بأدنى حرج من جهلهم المطبق وتناقضاتهم الهائلة.

خذ -مثلًا- هذا الناقد لأدونيس الذي كشف عواره في انتحالاته وسرقاته من كتب ومجلات الغربيين، لكنه نفسه لم يسلم من الانتحال، فها هو يردد ألفاظ الغربيين، فيما يتعلق بالوحي من أمثال "الحجة اللاهوتية" و"المؤلف المتعالي" و"النص المتعالي"، كل هذا من العقائد والأفكار المنتحلة التي ليست من تراث الأمة ولا من مصطلحاتها، فما الفرق إذن بين الاثنين؟.

بل ما الفرق بين هذين وسواهم من الحداثيين والعلمانيين؟ الذين لا يخرجون من دائرة الانتحال والاستعارة مهما حاولوا التشبث بالتراث واللغة، ومهما ادعوا التحرر الفكري والاستقلال الثقافي؟ لأن القاعدة الفكرية التي ينطلقون منها ليست سوى أفكار الغربيين حشوا بها أدمغتهم وملأوا بها أوعيتهم ثم فاضت قلوبهم وألسنتهم وأعمالهم بما يؤكد أنهم دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها، وهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، واللَّه غالب على أمره.

ولأستاذ الحداثة وسادنها الأكبر يوسف الخال أقوال في هذا الصدد من خلال أسئلة شكية يلقيها في قلوب الاتباع فتورثهم ريبًا، ومن خلال تحليلات نصرانية حداثية تقود إلى الجحد وتوصل إلى الزعزعة التي هي من مقاصده الكبرى: فهو يصف طبيعة الوحي أو نظرية الوحي -حسب قوله- والفرق بين اللاتينية والعربية، فالمسلم يؤمن بأن الوحي منزل بالحرف والمسيحية ترى أن الوحي منزل بالمعنى، ثم يقول إذا كنت أشعر شعورًا مسيحيًا فليس هذا أنني ضد التراث العربي

(1)

.

أمّا كون الوحي منزل بالحرف، فهذا هو حال جميع الكتب المنزلة على الأنبياء، وأمّا النظرة النصرانية التي وصفها فهي تبرير كنسي للاختلاقات

(1)

انظر: أسئلة الشعر: ص 151.

ص: 1173

والاختلافات التي أضافوها على التوراة والانجيل.

غير أن الخال يوضح في موضع آخر مراده بهذا الطرح، ويطرح استفهامًا شكيًا يوصل إلى التشكيك في كون القرآن موحى به لفظًا ومعنى من اللَّه تعالى، فيقول: (هل أن أحكام الشريعة إلهية أم من صنع البشر وبالتالي تحتمل التطوير؟.

وفي معرض هذا الاستفهام تستوقفنا مسألة أخرى: هل القرآن منزل حرفيًا أم أوحي به معنى وروحًا، كما هي الحال بالنسبة للدين المسيحي)

(1)

.

والخال الذي يقول: (أنني شاعر مسيحي، والمسيحية جزء من تراثي إن لم تكن في جوهره وصميمه)

(2)

يبدو متفقًا مع ديانته حتى وهو في قمة الحداثة، التي كان من شأنها سلخ أبناء المسلمين عن دينهم، ففي معرض حديثه عن النصرانية والإسلام يرى أن من حسن حظ النصرانية إن جوهرها هو المسيح ذاته عليه الصلاة والسلام، وأن الذين شرحوها هم من صميم الحضارة، وأمّا الإسلام فإن جوهره القرآن وإن الذين فسروا واجتهدوا فيه لم يكونوا من صميم الحضارة، وهذا -حسب قوله- من سوء حظ الإسلام، يقول: (ينطلق كل دين من الدعوة إلى حياة أفضل ومصير أفضل، وبما أن المسيح لم يضع كتابًا، فإن جوهر المسيحية هو شخص المسيح لا ما روي عن لسانه وعن سيرة حياته، أمّا الإسلام فإن جوهره القرآن، ومن حسن حظ المسيحية أن الذين فسروا حياة المسيح وأقواله وشرحوها ولوهتوها هم من صميم الحضارة الإنسانية النامية في حوض البحر المتوسط، هذه الحضارة التي قلنا -فيما سبق- إنها مركزت الجهد الإنساني العقلي والروحي، وهكذا جاءت المسيحية من ضمن هذه الحضارة الإنسانية فتفاعلت معها وأغنتها، بل غيرتها وطبعتها بطابعها، ومن سوء حظ الإسلام

(1)

رأيهم في الإسلام: ص 28.

(2)

أسئلة الشعر: ص 153.

ص: 1174

أن الذين فسروه واجتهدوا فيه لم يكونوا من صميم هذه الحضارة، بل كانوا على هامشها. . .)

(1)

.

ولا عجب في أن يقف نصراني ضد الإسلام ويدافع عن ملته، بل العجب من الإمعات من أبناء المسلمين الذين يتخذون هذا إمامًا وأسوة!!، ويرددون معه قوله:

(انبح فينا صوت الألوهية)

(2)

.

ويعتبرون ذلك هو بداية التحرر والانطلاق والنهضة!!.

ومن الاستخفاف بالقرآن قول نازك:

(يارب الحانة، أين الخمر؟ وأين الكاس

نادا الغانية الكسلي العاطرة الأنفاس

افدى عينيها بالقرآن وبالأقدار)

(3)

.

ولبلديها مظفر النواب الشاعر الرافضي الحداثي البذي أقوال عديدة، فيها تدنيس واستهانة بالقرآن وآياته كقوله يخاطب أحد الفدائيين في فلسطين:

(اهبط عليهم

فإنك قرآننا

قل هي البندقية أنت

ومالك من كفؤ أحد)

(4)

.

ويقول في مقطع بعنوان "آر-بي- جي" واصفًا التسلل الفدائي بين خطوط العدو: (ويدلف بين مدرعتين كأن بدايات الآيات المكية)

(5)

.

(1)

المصدر السابق: ص 61.

(2)

الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص 228.

(3)

ديوان نازك الملائكة 2/ 352.

(4)

مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية: ص 28.

(5)

مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية: ص 58.

ص: 1175

ويقول:

(فإذا ما بسملت شاحنة بالحزن والبارود

سجلت على حاشية القرآن

اسما، شاحنات للذين استضعفوا

أهدافها شتى)

(1)

.

ومن هذا القبيل في الاستهانة قول أمل دنقل في مدح أو رثاء أحد رفاقه:

(وكأن وجهه النبيل مصحفًا

عليه يقسم الجياع)

(2)

.

ويضمن بعض الآيات القرآنية على النهج ذاته فيقول:

(اركضي أو قفي الآن أيتها الخيل:

لست المغيرات صبحًا

ولا العاديات -كما قيل- ضبحًا)

(3)

.

ويتضح مقدار الاستهانة بالقرآن وقائله سبحانه وتعالى في إضافة عبارة "كما قيل" الموحية بالضعف والشك.

أمّا نزار قباني فإنه قد خطا في ميدان التسفه على القرآن والوحي خطوات واسعة، في كلامه النثري والشعري، وقد سبق نقل وصفه لقصيدة النثر بأنها مثل القرآن، ومن كلامه المملوء بالانحراف إلى أقصى درجة يمكن أن يصل إليها ضال أو ملحد، قوله: (إنني على الورق، امتلك حرية إله، وأتصرف كإله، وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك إلى الناس ليقرأ ما كتب، ويتلذذ باصطدام حروفه بهم، إن الكتب المقدسة جميعًا

(1)

المصدر السابق: ص 129.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص 171.

(3)

المصدر السابق: ص 387.

ص: 1176

ليست سوى تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل، وإلّا حكم اللَّه على نفسه بالعزلة، ولعل تجربة اللَّه في ميدان النشر والإعلام وحرصه على توصيل كلامه المكتوب إلى البشر، هي من أطرف التجارب التي تعلمنا أن القصيدة التي لا تخرج للناس هي سمكة ميتة أو زهرة من حجر)

(1)

.

ليس بإمكان زنديق في الماضي أو الحاضر أن يتفوه عن اللَّه تعالى وعن كتبه المطهرة بأكثر مما تفوه به نزار قباني في هذا النص.

أمّا أمثلة الانحراف في شعره فكثيرة منها قوله:

(وكتبت شعرًا لا يشابه سحره إلا كلام اللَّه في التوراة)

(2)

وقوله عن الحب:

(يمد عباءته تحت رأسي ويقرأ لي ما تيسر من سورة الصابرين)

(3)

.

ويصر الحداثيون على أن الكتب السماوية المنزلة من "تأليف اللَّه" وهي عبارة مقصودة تدل على غاية الاستهانة باللَّه وبكتبه، وذلك حين يصفون اللَّه بأنه مؤلف -تعالى وتقدس- ويجعلون الكتب مؤلفات، أي: مجموعة من أماكن شتى، ومن مصادر عدة كما يفعل البشر في الكتب التي يؤلفونها، ونزار قباني يصف الكتاب بهذا الوصف، ويستخف بها وبمنزلها سبحانه وتعالى، وذلك في قوله:

(حين وزع اللَّه النساء على الرجال

وأعطاني إياك، شعرت

إنه انحاز بصورة مكشوفة إلي

وخالف كل الكتب السماوية التي ألفها)

(4)

.

(1)

أسئلة الشعر: ص 178.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة 1/ 465.

(3)

المصدر السابق 2/ 174.

(4)

المصدر السابق 2/ 402.

ص: 1177

وتبلغ وقاحته غايتها حين يخاطب الخامس من حزيران قائلًا:

(سوف ننسيك فلسطين

ونستأصل من عينيك أشجار الدموع

وسنلغي سورة الرحمن

والفتح

ونغتال يسوع)

(1)

.

وفي سياق رفضه للأمة والتراث والتاريخ والحضارة وكل ما يتصل بهذه القضايا من رموز يقول في مقطوعة بعنوان "أبي":

(افتح صندوق أبي

امزق الوصية

أبيع في المزاد ما ورثته:

مجموعة المسابح العاجية. . .

وأهدم الشرق على أصحابه

تكية تكية

افتح صندوق أبي

فلا أرى

إلّا دراويش ومولوية. . .

اسحب سيفًا غاضبًا

وأقتل المعلقات العشر والألفية. . .

افتح تاريخ أبي

(1)

المصدر السابق 3/ 212.

ص: 1178

افتح أيام أبي

أرى الذي ليس يُرى

أدعية مدائحٌ دينية. . .

ابحث عن كتابة تخص هذا العصر أو تخصني

فلا أرى حولي سوى رمل وجاهلية

أرفض ميراث أبي

وأرفض الثوب الذي ألبسني

وأرفض العلم الذي علمني. . .

أحرق رسم أسرتي أحرف أبجديتي. . .

أدخل مثل البرق من نافذة الخليفة

أراه لا يزال مثلما تركته

منذ قرون سبعة

مضاجعًا جارية رومية

اقرأ آيات من القرآن فوق رأسه

مكتوبة بأحرف كوفية

عن الجهاد في سبيل اللَّه والرسول

والشريعة الحنفية)

(1)

.

هذه المقطوعة هي لسان حال الحداثيين ومنطق فعالهم، وهي تصوير واقعي وحقيقي لانفصالهم عن هذه الأمة وعداوتهم المتأصلة لها، وحقدهم الشديد عليها، على قرآنها وتاريخها وخلفائها وشرائع دينها وعلومها

(1)

المصدر السابق 3/ 249 - 253، وله أقوال أخرى تصور انحرافه في هذا الباب. انظر: المصدر نفسه 3/ 177، 272، 356، 372، 480، 643.

ص: 1179

وحضارتها، وإن أصح وصف يُمكن أن يوصفوا به هو قول اللَّه تعالى:{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)}

(1)

.

أمّا شاعر الأرض المحتلة عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي "محمود درويش" فيقول:

(أنا الحجر الذي مسته زلزلة

رأيت الأنبياء يؤجرون صليبهم

واستأجرتني آية الكرسي دهرًا، ثم صرت بطاقة للتهنئات)

(2)

.

ويقول:

(وتناسل فينا الغزاة تكاثر فينا الطغاة، دم كالمياه

وليس تجففه غير سورة عمَّ، وقبعة الشرطي

وخادمه الأسيوي، وكان يقيس الزمان بأغلاله)

(3)

.

ويقول:

(ونمت على وتر المعجزات

ارتدتني يداك نشيدًا إذا أنزلوه على جبل، كان سورة ينتصرون)

(4)

.

ويصف كغيره من الحداثيين الأمة ودينها بالرمل رمزًا للتخلف والرجعية:

(والرمل هو الرمل أرى عصرًا من الرمل يغطينا

ويرمينا من الأيام. . .

والرمل جسم الشجر الآتي

(1)

الآية 4 من سورة المنافقون.

(2)

ديوان محمود درويش: ص 480.

(3)

المصدر السابق: ص 448.

(4)

المصدر السابق: ص 536.

ص: 1180

غيوم تشبه البلدان

لون واحد للبحر والنوم

وللعشاق وجه واحد

وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجري

سنرى ألف نهر في مجاري الماء

والماضي هو الماضي، سيأتي في انتخابات المرايا

سيد الأيام

والنخلة أم اللغة الفصحى

أرى فيما أرى مملكة الرمل على الرمل)

(1)

.

وهذه النصوص كلها من كلام درويش تدل على مقدار السفه الحداثي الذي يتخذ من القرآن العظيم وسوره غرضًا للسخرية، ورمزًا للضياع والتخلف والانحطاط، وتاللَّه ما أصيبت الأمة بما أصيبت به من هوان ومذلة إلّا عندما تركت القرآن ونهجه {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}

(2)

.

وليس هذا مجرد قول ينبع من عاطفة إيمانية دينية -كما يحلوا للحداثيين أن يقولوا- ولكنها شواهد التاريخ والواقع تدل على ذلك أبلغ دلالة، أمّا التاريخ فيعرف العالم كيف كانت أمة الإسلام سيدة الأمم وماحية الظلم لما كانت مستمسكه بهدى اللَّه تعالى.

وأمّا الواقع فيكفي أن نرى اليوم ونلمس ونشاهد التآلب العالمي الهائل والكبير على دعاة الإسلام وعلمائه الذين يدعون إلى تطبيق الإسلام تطبيقًا شاملًا، والخوف اليهودي من نمو وازدهار الحركات والدعوات الإسلامية في

(1)

المصدر السابق: ص 610.

(2)

الآية 124 من سورة طه.

ص: 1181

البلدان، في الوقت الذي يمدون فيه أيديهم بالدعم المادي والمعنوي لكل القوى والأحزاب والمنظمات والمنظومات التي لا تتخذ الإسلام الأصيل منهجًا لها، أو تلك التي تتنكر للإسلام وتعاديه.

فإذا كان الغرب يرى أن الإسلام والقرآن هو مصدر تخلفنا كما يقول ذلك تلامذة الغرب من أبناء المسلمين، فلماذا لا يتركنا الغرب نأخذ من إسلامنا وقرآننا مناهج حياتنا؟.

ألأنهم حريصون على تقدمنا وازدهارنا؟ أم لأنهم يعلمون أن المعركة مع الإسلام ليست كالمعركة مع الأنظمة التي غرسها الغرب ورعاها، من قومية وعلمانية واشتراكية وليبرالية وغيرها؟.

لقد رأى الغرب بعينيه كيف كان الإسلام المحرك القوي الشديد لجهاد الأفغان ومن ناصرهم من المسلمين، وكيف أدى ذلك إلى تحطيم الاتحاد السوفيتي، ولقد رأى الغرب كيف يكون المسلم الصادق في إسلامه، كيف يتغلب على محاولات الترويض والابتزاز والعمالة، ويستقل بسيادته وإرادته وفكره وعمله عن التبعية، كل ذلك يعطي دروسًا من الواقع على أن الإسلام والقرآن والسنة والجهاد والشريعة هي مقومات الحياة العزيز القوية السعيدة، وما عداها ليس إلّا السراب والخواء والضياع والذيلية والتدجين.

وقد مر معنا أمثلة لتسمية الكلام والفعل البشري سورًا وآيات، ومن ذلك قول معين بسيسو:

(تسافرين في كتاب الماء سورة اقرأ

ترجعين في كتاب النار سورة اكتب

تكتبين سورة المقاومة

والأرض قادمة)

(1)

.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص 592.

ص: 1182

وقد يقول قائل عن هذا المثال والأمثلة التي سلفت من جنسه، ما المانع أن نستعمل لفظ مصحف وآية وسورة؟.

والجواب على ذلك أن لكل لفظ من هذه الألفاظ دلالته الخاصة والمقدسة عند المسلمين فامتهانه وإنزاله من درجة قداسته إلى درجة وصف كلام البشر به، دلالة على عدم توقير مضامين هذه الأسماء الشريفة.

ولو أن أحدًا أخذ لفظ حداثة أو إبداع التي لها عندهم المقام العالي، ثم وصف به الغائط أو المخاط أو أي شيء قذر، لرأيت حملات الدفاع والهجوم والمقاومة تنهال من كل صوب!!، ولا يُمكن أن يقول أحد منهم حتى الداعين إلى تفجير اللغة بأن ذلك سائغ ومقبول، وهذا دليل على أن الألفاظ لها دلالالتها الخاصة والأسماء لها مضامينها التي تخصها.

أمّا سميح القاسم فإنه يصف نفسه ويضفي عليها مدائح "لا دينية" من قبيل قوله:

(أنا لم أحفظ عن اللَّه كتابا أنا لم ابن لقديس قبابا

أنا ما صليت وما صمت وما رهبت نفسي لدى الحشر عقابا

والدم المسفوك من قافيتي لم يراود من يدي عدنٍ ثوابا)

(1)

فإذا كان المؤمن باللَّه تعالى وبدينه يفرح ويعتز بأنه يحفظ كلام اللَّه ويصلي ويصوم ويخاف عقاب الآخرة ويرجو ثوابها، فإن الحداثي الماركسي يفتخر بأنه على عكس ذلك كله، فهو لم يحفظ عن اللَّه كتابًا، ولا بعض كتاب، ولا يريد ذلك ولا يحبه؛ لأنه قد تمهد عنده بناء على عقيدته الماركسية أن الدين خرافة، وأن الحياة مادة، وأنه لا شيء بعد هذه الحياة الدنيا، ومنطقهم اليوم هو منطقهم بالأمس {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}

(2)

، وقد وصفهم الباري عز وجل أدق وصف

(1)

ديوان سميح القاسم: ص 69.

(2)

الآية 24 من سورة الجاثية.

ص: 1183

وأوضحه في قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}

(1)

.

وفي موضع آخر يجعل الحروف التي تخرج من شفة محبوبته في منزلة عظيمة بحيث يخضع لها الوحي ويسجد لها، وذلك في قوله:

(وحروف يسجد الوحي لها لسوى عاطفتي لم تسجد)

(2)

مع أنه ماركسي لا يؤمن بالوحي، ولكنها الأساليب الحداثية والعلمانية التي تحاول طرد المفاهيم والألفاظ الإسلامية وتحطيمها مرة بالجحد ومرة بالسخرية ومرة بالتدليس، والمؤدى واحد.

ومن هذا القبيل -أيضًا- قول سميح القاسم في سخرية فجة ومادية وقحة:

(صوبوا كل التعاويذ بوجه الطائرات

ألبوا اللَّه عليها

واقذفوها بالوصايا العشر

والجفر

وآيات السماء البينات)

(3)

.

مع أن الإسلام لم يدخل حقيقة في المعركة المعاصرة حتى الآن، والذي ناب عن الشعوب الإسلامية في المعركة مع إليهود ومع سندهم الغربي، هي الأنظمة والأحزاب العلمانية والقومية والاشتراكية والماركسية والوطنية، فلماذا تعلق الهزائم على الإسلام وعلى أهله؟.

ثم من الذي قال من المسلمين أن مقابلة الطائرات والقذائف تكون بالتعاويذ والدعاء فقط؟ ولماذا تلصق المفاهيم الخرافية بالإسلام؟ إن المسلم

(1)

الآية 12 من سورة محمد.

(2)

المصدر السابق: ص 143.

(3)

المصدر السابق: ص 237.

ص: 1184

يعتقد أن اللَّه بيده النصر والهزيمة، وهو الذي شرع الجهاد القائم على فعل الأسباب المادية والاعتماد قلبيًا على رب الأسباب، ومع فعل الأسباب يعوذ باللَّه ويدعو اللَّه ويقرأ آيات الكتاب المبين، وهذه أيضًا من الأسباب العظيمة للنصر، ولكن الماديين لا يفقهون ذلك، فقد عششت خرافات المادية الجدلية في أدمغتهم وعملت فيها عمل المخدرات، وصدق من سمى المادية "مذهب ذوي العاهات"

(1)

ومن أطلق عليها وصف "الخمور الفكرية"

(2)

.

أمّا عبد العزيز المقالح فإنه يجعل القرآن موضعًا للأساطير، فيتمنى أن نعيش في القرآن أسطورة جميلة، مثل سبأ وسد مأرب، وهذا تكذيب بالقرآن وترديد لقول الكافرين السالفين {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)}

(3)

.

يقول المقالح:

(لكم تمنيت لو أننا توقفنا عن الحياة من زمان

لو ارتضينا أن نعيش في "القرآن"

أسطورة جميلة

قصة سد حوله تقوم جنتان

عن اليمين والشمال

لكان أحنى

بالحجارة البادية الوجوم، بالرمال)

(4)

.

وهذا كلام في غاية الخبث والفضاعة حيث جعل القرآن مثوى التخلف والجمود والركود، وموئل الأساطير والخرافات والحكايات الكاذبة، ويضرب

(1)

اسم كتاب للعقاد ينقض فيه المبادئ الماركسية.

(2)

اسم كتاب لسارتر يفضح فيه الممارسات الماركسية.

(3)

الآية 5 من سورة الفرقان.

(4)

ديوان المقالح: ص 154.

ص: 1185

لذلك مثلًا لقصة مأرب التى ذكرها اللَّه في القرآن في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)}

(1)

.

ومن العجائب الحداثية أن هؤلاء يجحدون الحقائق ويجعلونها أساطير، ويؤمنون بالأساطير والأكاذيب المعاصرة ويجعلونها حقائق، نقرأ لهذا الجاحد قصائد امتداح وتمجيد للشيوعية الماركسية تحت عناوين مثل "نشيد الذئاب الحمر"

(2)

و"قبلة إلى بكين"

(3)

و"البرجوازي"

(4)

وغيرها كثير.

ولما يمت المقالح بعد، وقد رأى بعينيه سقوط هذه الخرافات المادية، وتهاوى هذه الأساطير الماركسية من عدن إلى موسكو.

أمّا ممدوح عدوان فيصور الزمن الحاضر بأنه غير ما جاء في كتب اللَّه، وغير ما أنذر الأنبياء به، ثم يقرن هذه المعاني الجليلة في مساواة تدنيسية بكتب الماركسيين، فيقول:

(أنت مازلت تحلم أن تستعيد لدمعتك الكبرياء

تبتغي أن تطال السماء

إنه زمن غير ما علموك

وغير الذي جاء في كتب اللَّه.

أو كتب الماركسيين

غير الذي أنذر الأنبياء به)

(5)

.

(1)

الآية 15 من سورة سبأ.

(2)

المصدر السابق: ص 424.

(3)

المصدر السابق: ص 139.

(4)

المصدر السابق: ص 71.

(5)

الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان جـ 2 لابد من التفاصيل: ص 28.

ص: 1186

أمّا أحمد دحبور فإنه يسمى الوحي صوت اللَّه ويجعله حجرًا، وذلك في قوله:

(يا أم: عدت، تعثر الدم فيّ:

ناقة عمري الخضراء. . . اترابي، وصوت اللَّه. . .

أحجار تهر عن الجبين)

(1)

.

وفي رثائية حداثية لأحد الفلسطينيين الماركسيين يذكر آية الكرسي علامة على الرأسماليين العرب، ويجعل التمسك بها وصفًا ملازمًا للطمع والجشع فيقول:

(ستأتي الريح بالبياع والشاري

وبالمتمسكين بآية الكرسي، ماع لعابهم نفطًا على الصحراء

سيطلب لحمنا لوليمة الجزار والضاري. . .

كذلك علمتنا سورة الموت)

(2)

.

أمّا في مجال الرواية فنجد أن عبد الرحمن منيف في مدن الملح ينسب كلامًا عاديًا إلى اللَّه سبحانه إمّا جهلًا، وإمّا استخفافًا واستهانة، يقول على لسان أحد الشخصيات: (اللَّه جلت قدرته، فتح أبواب السماء على هذا الشعب الطيب الفقير، فبعد انتظار طويل، أطول من انتظار يعقوب لابنه يوسف، بعد أن كان الناس يأكلون الجراد والتمر وخبز الشعير ويموتون من سوء التغذية والطواعين قال لهم الكريم: كفاكم جوعًا وعذابًا يا عبادي الصابرين فقد رأفت بكم وأنا حين أرأف وأجود أفعل ذلك بلا حدود، وإذ كنت قد بلوتكم فيما مضى من الزمان بالجوع والحكام الظالمين، فإني اليوم

(1)

ديوان أحمد دحبور: ص 78 - 79.

(2)

المصدر السابق: ص 287.

ص: 1187

أرفع عنكم الكرب وعذاب الدنيا لأحاسبكم في الآخرة، امنحكم اليوم سلطانًا ليس كالسلاطين وافتح لكم خزائن الأرض أجمعين)

(1)

.

أمّا ابن جلون فإنه يصف القرآن بأنه ليس فيه شيء إلّا الوهم، وذلك في سياق قوله:(الموتى أو مرتلوا الآيات القرآنية المحفوظة بشكل سيء، المرتلة بشكل سيء، أو المرتلة بيقين جسد جائع يتمايل لكي يوهم بأن الرسالة في الطريق القويم)

(2)

.

ويجعل إحدى الشخصيات يعلم القرآن للصغار مثل الشعر ثم يطرح أسئلة شكية في الأديان على لسان الأطفال، فيقول:(لابد أن أذهب، فالأطفال رهيبون، إنني أحاول تعليمهم القرآن مثلما كنت سأفعل بشعر رائع، لكنهم يطرحون أسئلة مربكة من قبيل "هل حقًا سيدخل جميع النصارى النار؟ " أو "بما أن الإسلام هو أفضل الديانات فلماذا انتظر اللَّه طويلًا لكي ينشره؟ " وكجواب أردد السؤال رافعًا عيني إلى السقف: "لماذا وصل الإسلام متأخرًا جدًّا؟ ")

(3)

.

قد يقال بأن هذا توصيف لحالات معينة يسوقها الروائي على سبيل المعالجة، ولكن القارئ لهذه الرواية كلها يعلم أن هذه الأقوال والشكوك هي عقائد المؤلف يصوغها على شكل روائي، وقد أجاب على الأسئلة الشكية السابقة بشك آخر مثله ثم أضاف (لقد سبق أن فكرت في هذا ولكن كما ترى أنا مثلك أحب القرآن كشعر رائع وأمقت الذين يستغلونه في تشويشات ويحدون من حرية الفكر إنهم منافقون)

(4)

.

أمّا الرواية النجسة المسماة "مسافة في عقل رجل" فقد امتلأت بأوقح وأدنس العبارات ضد الوحي والكتب المنزلة وضد اللَّه العلي العظيم، ومن ذلك قوله: (إذا كانت الأديان قد اعتبرت بعض الكتب معجزة وبعض

(1)

مدن الملح 2 - الأخدود: ص 111.

(2)

ليلة القدر: ص 25.

(3)

المصدر السابق: ص 59.

(4)

المصدر السابق: ص 60.

ص: 1188

القدرات كشفاء المرضى وإتيان بعض الخوارق معجزة. . .، فهذا لا يعني مع افتراضها كذلك أن اللَّه قد اتصل بهؤلاء البشر ليلهمهم إياها. . .، مثل هذا القول يؤدي بنا إلى طريق تحفه الحيرة والغموض والأشواك. . .، فماذا لو ادعى أحد العلماء أن اختراعه ملهمة ألهمه اللَّه إياها، وماذا لو سار في الطريق لنهايته وادعى النبوة طالبًا من الغير أن يأتي بمثلها، وماذا لو عجز هذا الغير!! هل نعترف بمثل هذا العالم نبيًا مرسلًا؟! مثل هذه الاستنتاجات تجرنا في النهاية لمتاهات تضيع فيها ومضة العقل البشري ليتحول إلى قطعة من الصفيح الصديء. . .، ويتوه داخل اللامعقول، لذلك فيجب للثبت من صدق الادعاء لقيام مثل هذه الصلة المفترضة باللَّه أن يثبت بدءا

(1)

ذي بدء حقيقة هذه الصلة وصحة وجودها، لا أن يفرض على الإنسان الإيمان بها متحاجًا في ذلك بالمعجزة المتمثلة في الاختراع أو الاكتشاف أو إبراء الأكمه أو كلمات منظومة، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك فيفرض على الإنسان الولاء والإيمان بأمور أخرى هلامية لا يفهمها العقل ولا يستسيغها المنطق)

(2)

.

ثم يطرح سؤالًا إلحاديًا يمهد به لشكوكه وخرافاته التافهة: (هل الكتب السماوية من عند اللَّه؟)

(3)

.

ثم يقول بعد ذلك: (إذا كانت الإجابة بالإيجاب فكل ما جاء بالكتب السماوية من تأليف اللَّه هو المؤلف العظيم، وما الأنبياء إلّا مستقبلين؛ ولأن اللَّه كامل لا يخطيء، إذن فكل ما جاء بالأديان من أحكام واجبة الطاعة، والطاعة العمياء، ومن ثم لا يصح ولا يجوز نقاشها، ويجب الأخذ بها في كل التشريعات الوضعية، كل صغيرة وكبيرة، ومنكرها متمرد على قانون اللَّه وجب عقابه وسحقه، هذه الأحكام كل لا يتجزأ وحدة واحدة، وإذا كان هذا كذلك، وإذا كان ما ورد بها من أحكام ليست سوى قوانين أملاها اللَّه على البشر فيمتنع حيالها أن يفسرها دون الخروج على نصها،

(1)

هكذا والصواب: بادئ.

(2)

و

(3)

مسافة في عقل رجل: ص 193.

ص: 1189

ومن ثم فيحظر على العقل البشري نفي تنزيل الكتب السماوية. . .)

(1)

.

(. . . يصبح الإنسان بهذا المعنى مجرد وسيلة، قطعة شطرنج على لوح الأديان)

(2)

.

(. . . أحكام الأديان ليست سوى قطع شطرنج على مربع الحياة يُمكن في أي وقت من الأوقات استبدالها بصيغة أكثر نضجًا واتساقًا مع العصر)

(3)

.

(. . . إذا كان النص الوارد في الكتب السماوية وسيلة لإسعاد البشر من أجل حياة أفضل، أوليس للإنسان وهو حقل تجارب مثل هذا النص أن يدرس ويحلل معانيه ومنطوقه وحيثياته ليعرف جدواه وصلاحيته للتطبيق حتى ولو أدى الأمر لرفضه)

(4)

.

(. . . لا يتحصن أي نص مهما بلغت قداسته بمقولة انه سماوي)

(5)

.

(. . . إن مناقشة قضية تنزيل الكتب السماوية بالتحليل والرأي الدارس باتت ملحة بعد أن أغلقت على العقل الجماعي النوافذ وأوصدت دونه الأبواب ولم يعد ثمة وسيلة لتنقية الهواء الفاسد سوى ثغرة تطل منها على الحقيقة خلف جدار الخوف. . .، إن فتح تلك الثغرة بمعول الجدل والنقاش من شأنه أن يثري الحركة الفكرية برأيان متعارضان

(6)

يطرقان الحديد وهو ساخن، يطرحان أبعاد القضية وأدق تفاصيلها على بساط البحث يشرحان جسدهما المنهوك، لنتبين في النهاية أساس الداء، ولنبتر بمبضع الحقيقة الآفة الشريرة، فمن المرض إلى الشفاء، ومن الشك إلى اليقين، سواء كان هذا اليقين مع أو ضد الرأي القائل بالتنزيل، وننتهي بهذا إلى ثورة فكرية، ريح صرصر عاتي تسقط كثيرًا من أوراق الخريف المتمثلة في الخرافات التي عاشت قرونًا تلوث طهارة العقل الجماعي)

(7)

.

(1)

المصدر السابق: ص 194.

(2)

و

(3)

و

(4)

المصدر السابق: ص 195.

(5)

المصدر السابق: ص 196.

(6)

هكذا، والصواب: برأيين متعارضين.

(7)

المصدر السابق: ص 196.

ص: 1190

وكلامه من هذا القبيل كثير

(1)

، وهو على النمط المتهافت الذي يلقي الشك والشبهة ويبني عليها الحكم، والناظر في أصول جدليات الكافرين حول الحقائق الدينية يجد أنها تعتمد على:

(1 - الاحتجاج بما كان عليه الآباء وجحود الحقائق والأدلة الظاهرة بالمكابرة.

2 -

الإصرار على اعتبارها من قبيل السحر أو الكذب أو الباطل، أو أساطير الأولين، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة وإنّما هو فرار من الإذعان إلى إطلاق الشتائم، وتكذيب للحقائق بالأوهام.

3 -

الاحتجاج بالاستغراب والاستبعاد دون سند من العقل الصحيح، والاستغراب والاستبعاد حجة مرفوضة؛ لأنها تعتمد على عدم الألف للموضوع أو أنه لم تسبق فيه مشاهدة حسية، وليس شيء ذلك بمقبول منطقيًا، فما كل حقيقة بحب أن تكون مألوفة، أو يجب أن تسبق فيها مشاهدة حسية للناس كلهم أو بعضهم.

4 -

الاحتجاج بامتياز الكافرين على المؤمنين بوسائل الرفاهية والترف في الحياة، واعتبار ذلك دليلًا على فساد عقيدة المؤمنين ومنهجهم؛ لأنهم لو كانوا على حق لأغناهم اللَّه وزادهم رفاهية وترفًا، وهذه حجة ساقطة، وأن أي عاقل يدرك أساس الإيمان وأهداف الحياة الدنيا، يعلم أن الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، وأن إحدى مواد الإمتحان في هذه الحياة الابتلاء بالغني أو بالفقر، بحسب حال كل إنسان، وإن الابتلاء بالغنى ليس تكريمًا، وأن الابتلاء بالفقر ليس إهانة، حتى إذا انتهت فترة الامتحان وجاء دور الجزاء الأكبر في الآخرة ظهر تمييز المؤمنين على الكافرين، فللمؤمنين دار النعيم الخالد وللكافرين دار الشقاء الأبدي. . . .

5 -

اللجوء إلى عمليات الصد عن استماع الحق والشتائم والهزء والسخرية ونحو ذلك مما يفعله المبطلون حينما تتهاوى حججهم وتتساقط

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 199، 200، 202، 228.

ص: 1191

أدلتهم وينقطعون فلا يستطيعون مجاراة الفكر بالفكر والحجة بالحجة والبرهان بالبرهان)

(1)

.

• • •

(1)

صراع مع الملاحدة حتى العظم للشيخ عبد الرحمن الميداني: ص 435 - 436.

ص: 1192

‌الفصل الثالث الانحرافات المتعلقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام

الإيمان برسل اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم ركن من أركان الإيمان وأصل من أصول عقائد أهل الإسلام، وفيه عدة قضايا:

الأولى: إن اضطرار العباد إلى الرسل وما جاؤوا به من الحق أعظم من اضطرارهم إلى الماء والهواء؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إلّا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلّا من جهتهم، ولا ينال رضا اللَّه ألبتة إلّا على أيديهم، فالخير والحق والفضيلة والطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلّا هديهم وما جاؤوا به.

وأي ضرورة وحاجة فُرضت إلّا وضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، والرسالة ضرورية للعباد، ولابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟.

والمتأمل في أحوال الدنيا والناس يجد أن الدنيا مظلمة إلّا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك الناس، والفرد من الناس ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات،

ص: 1193

قال اللَّه تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}

(1)

، فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه اللَّه بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأمّا الكافر فميت القلب في الظلمات.

وقد سمى اللَّه رسالته إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام روحًا والروح إذا عدم فقدت الحياة، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}

(2)

.

وضرب اللَّه مثلًا للوحي الذي أنزله حياة للقلوب بالماء الذي ينزله من السماء حياة للأرض وبالنار التي يحصل بها النور، وذلك في قوله -جلَّ وعلا-:{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)}

(3)

، فشبه سبحانه الرسالة وعلم الأنبياء عليهم السلام بالماء المنزل من السماء؛ لأنه حياة القلوب كما أن بالماء حياة الأبدان، وشبه القلوب بالأودية؛ لأنها محل العلم كما أن الأودية محل الماء.

فالمؤمن هو الذي قبل الهدى والحق والخير الذي جاءت به الرسل من عند اللَّه تعالى فعاش على نور وسعادة بقدر ما أخذ من هذا الهدى، وأمّا الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حي إلّا حياة الأجساد التي يشارك فيها الإنسان البهائم.

وقد أرسل اللَّه الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعًا بالدعوة

(1)

الآية 122 من سورة الأنعام.

(2)

الآية 52 من سورة الشورى.

(3)

الآية 17 من سورة الرعد.

ص: 1194

إلى اللَّه وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه، وتوضيح الأصول التي عليها مدار الخلق والأمر، وهي ثلاثة:

الأول: ويتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام اللَّه في أعداء اللَّه وأوليائه وهي القصص التي قصها اللَّه على عباده والأمثال التي ضربها لهم، والأصل الثاني: يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه اللَّه وما يكرهه، والأصل الثالث: يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب، وعلى هذه الأصول مدار السعادة والفلاح، ولا سبيل إلى معرفتها إلّا من جهة الرسل، فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك الحاجة إلى الطب ومن يداويه ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه.

وهذه الأصول وغيرها مما يترتب عليها من العلوم والأعمال مما جاء به الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام الناس في حاجة إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها من العلوم والأعمال، بل أعظم عن حاجتهم إلى النَّفَس والطعام والشراب؛ لأن غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن وتعطل الروح عنه، وأمّا يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبد، وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت، فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلّا بالعبور على هذا الجسر

(1)

.

الثاني: أن العقل لا يستغني عن الرسالة بحال من الأحوال ولا يُمكن له أن يعرف تفاصيل الحق والخير والسعادة إلّا بهدي اللَّه الذي بعث به رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام.

(1)

القضية الأولى هذه مأخوذة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مع تصرف يسير، من كتبهم: مجموع الفتاوى 9/ 93 - 96، وزاد المعاد 1/ 15، ومفتاح دار السعادة 2/ 2.

ص: 1195

وقد غرق عالم اليوم في غرور كبير، وفي استكبار عظيم، حين زعم فلاسفته وقادته أنه يُمكن الاستغناء عن الرسل والرسالات بالعقول والتجارب ومعطيات الحس التي هي من وهب اللَّه وعطائه، فوضعوا القوانين والنظم والمناهج التي تحل الحرام وتحرم الحلال، وتجيز الظلم والفاحشة، وتحتال على الحق وتحارب الخير والفضيلة، وتساوي بين البر والفجور والإصلاح والإفساد، والضار والنافع والحسن والقبيح، بل تدعو إلى الفساد وتفتح أبوابه، بل تدعو إلى الفساد وتفتح أبوابه، وتدافع عن الأضرار وتمهد طرقها، وتزين القبيح وتسهل وسائله، ومن تأمل في فلسفات القوم وأخلاقهم وأعمالهم علم كم فيها من الشر والفساد والضلال والانحراف، وكم ترتب عليها من الشقوة والبلاء والارتكاس، وعلم تمام العلم أن القوم وإن زعموا تعلقهم بالمعقول إلّا أنهم قد أتوا بما هو مناقض للفطرة ومخالف للمصلحة، وفي تناقضات أقوالهم وأحوالهم ما يدل على كلال عقولهم وفساد أذهانهم، وما من عقل ينحرف عن منهج اللَّه ويبتعد عن الوحي المعصوم إلّا ويصاب بالتناقض والتهافت والوهن.

وأعظم دليل على ذلك ما نراه من استفحال أمراض الأهواء الفلسفية وتعاظم الأسقام الخلقية، وتكاثر الجراثيم المعرفية، مع قلة إحساس أعضاء هذه المجتمعات بهذه الأمراض التي تفتك في بنيانهم وتوشك أن تودي بهم.

كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن العقل لا يستغني عن النبوات، وأنه متى استرشد يهديها اهتدى واستقر واستنار وأنار، ومتى أعرض واستكبر عن الوحي انتكس وانهار وانحرف وضل وأصيب بالعاهات وكدورات الأهواء والرعونات.

الثالث: أن ثبوت النبوة وثبوت الوحي إلى الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من أعظم الحقائق وأظهر الأمور، ودلائله كثيرة منها:

1 -

أن كل واحد من الرسل عليهم الصلاة والسلام اتصف بأحسن الصفات وتحلى بأجمل النعوت، فهم أكمل الخلق علمًا وعملًا وأصدقهم وأكملهم خلقًا، وقد اختصوا بفضائل لا يلحقهم فيها أحد، ومن تأمل

ص: 1196

أحوالهم وأعمالهم وسيرهم عليه الصلاة والسلام وجدهم جميعًا متصفين بسمو الفطرة وصحة العقل والصدق في القول والأمانة في التعامل، وسلامة الحواس والبدن مما تنبوا عنه الأبصار وتنفر منه الأذواق السليمة، وقوة الروح، والشجاعة المقرونة بالحلم، والعلم والكرم والعفة وحسن الخلق، والترفع عن الدنايا والسلامة من النواقص الخلقية، مع لطف في الخُلُق، وعطف على الخَلْق، ورحمة وتواضع، وزكاء نفوس ورجحان أذهان وبعد عن الظلم والكذب والعدوان، والفواحش والمنكرات وغير ذلك من الأخلاق العظيمة التي اتصفوا بها، وهي تدل غاية الدلالة على صدق أصحابها، وأمانتهم، وصحة ما جاؤوا به.

وإنّما لزمت هذه الصفات الجليلة للرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه لو انحطت أخلاقهم وتضاءلت صفاتهم وضعفت قواهم الخلقية، لما كانوا أهلًا لتلقي الوحي والهدى من اللَّه، ولأصبحوا عاجزين عن تبليغ جميع ما عهد به اللَّه إليهم لتبليغه، بل لما كانوا جديرين بهذا الاختصاص الإلهي الذي يفوق كل اختصاص وهو: اختصاصهم بالوحي والكشف لهم عن أسرار علم اللَّه التي أوحيت إليهم

(1)

.

والناظر في أخلاق وأحوال الأنبياء مقارنة بأحوال وأخلاق غيرهم من الكذابين الذين ادعوا النبوة، أو السحرة والكهان، أو الفلاسفة، أو المنظرين للأخلاق أو المؤصلين للنظم الأرضية؛ يجد الفرق الهائل العظيم بين أخلاقهم وأخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولنأخذ أمثلة من كبار فلاسفة وأخلاقيي الحضارة الغربية، فهذا فولتير إمام التنوير -كما يسمونه- عاشر ابنة أخته واستولدها، وروسو إمام آخر للتنوير وصاحب النظريات التربوية أودع أولاده الملجأ، وأندريه جيد معروف بالشذوذ الجنسي، مفعول فيه، ونتشه الذي عاش في نزوات وتخبطات عقلية انتهت به إلى الجنون، وبودلير إمام الحداثة ورافع رايتها مصاب بعقدة أوديب -كما يقولون- أي بعشقه لأمه، وسارتر زعيم الوجودية عاش حياته مع عشيقته الوجودية بوفوار

(1)

انظر: الإيمان لعبد المجيد الزنداني: ص 168.

ص: 1197

حياة سفاح ودعارة، والقارئ لرواية "ضياع في سوهو"

(1)

أو كتاب "سقوط الحضارة" يجد الشواهد الكثيرة على هذا، أمّا ما كتبه هؤلاء وغيرهم عن معاشراتهم الجنسية ومعاقرتهم للخمر والمخدرات وأنواع المنكرات فأكثر مما يحصى.

2 -

أن الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام قد اتفقت فى عوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين وهو توحيد اللَّه عز وجل بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله.

واتفقت دعواتهم على الأمر بالصدق والأمانة والصلة والرحمة والإحسان وغيرها من مكارم الأخلاق، والنهي عن الكذب والخيانة والظلم والعدوان وغيرها من رذائل الأخلاق.

ولا يُمكن أن يتواطأ مجموعة من الناس مختلفة أزمانهم وبلدانهم وأحوال أقوامهم على أشياء معينة لا تختلف، إلّا إذا كان المصدر واحدًا ولو كانوا كاذبين -أجلهم اللَّه ورفع قدرهم- لما اتفقوا على هذه الأمور، وها نحن نرى أحوال الفلاسفة الذين يبحثون عن السعادة للإنسان ونقرأ أقوالهم من عهد اليونان إلى الآن، فنجد بينهم من التناقض والتباين والتضاد الشيء الكثير؛ لأنهم يصدرون عن أهواء نفوسهم ويتأثرون بأوضاع مجتمعاتهم، فتأتي أفكارهم متنوعة متباينة.

3 -

أن الرسل عليهم صلوات اللَّه وسلامه كانوا ألزم الناس لما يدعون إليه، وأثبتهم على ما أمروا به غيرهم، من التوحيد ولزوم طاعة اللَّه والفضائل والأخلاق، وظلوا على ذلك إلى آخر أعمارهم في ثبات وصدق ومطابقة بين ما يدعون إليه وما يعملونه، وقد قال اللَّه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86)}

(2)

، والمتكلف لا يُمكنه الثبات على الخصال التي يدعو إليها طوال عمره.

(1)

ضياع في سوهو وسقوط الحضارة كتابان لكولن ولسون.

(2)

الآية 86 من سورة ص.

ص: 1198

فالمطابقة التامة بين القول والفعل من أعظم خصائص الأنبياء ولا يكاد يتفق ذلك لأحد من الخلق، وهذا من دلائل نبوتهم.

4 -

أن المدعي للنبوة لابد أن يظهر صدقه أو كذبه في:

أ - نفس ما يأمر به.

ب - فيما يخبر به.

جـ - فيما يفعله.

فإذا نظرنا في أحوال الرسل الكرام وجدنا أمرهم بالحق والخير والهدى والرشاد والفلاح.

ووجدنا أخبارهم صادقة مطابقة للواقع، سواء أخبار ما مضى أو أخبار ما يأتي بعدهم.

ووجدنا أفعالهم أفعال صلاح ورشد وهدى.

وكل ذلك لأنهم صادقون، والصدق يهدي إلى البر

(1)

.

أمّا غيرهم من مدعي النبوة كذبًا، أو من فلاسفة الأمم وحكمائها فإن نجد في أمرهم من الباطل والفساد والشر ما يدل على سوء مسالكهم وخبث طرائقهم وأحوالهم، ونجد فيما يخبرون به من الكذب والتناقض الشيء الكثير، كما نجد في أفعالهم من الفساد والعدوان والانحراف ما يشهد على ضلالهم، وكل ذلك لأنهم ابتعدوا عن هدى اللَّه فتلبسوا بالكذب، والكذب يهدي إلى الفجور.

وهذه الأمور تدرك بالعقل والملاحظة، حتى أن الناس تميز في الصناعات والمقالات بين الصادق والكاذب المدعي، ويُمكنهم التعرف على أحوال الرجل من حب وبغض وفرح وحزن، ويظهر ذلك على وجهه،

(1)

انظر: شرح الطحاوية: ص 99 - 101.

ص: 1199

فكيف تخفى أحوال الرسول الذي يجيء بالعلوم الباهرة والأخبار الخافية، ويقوم بالأعمال الظاهرة للعيان

(1)

؟.

5 -

أن الرسل عليهم السلام أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أعدائهم، ثم وقع ذلك حقيقة فنصر اللَّه رسله وأهلك عدوهم كما حصل لفرعون وقوم نوح وقوم صالح

(2)

وغيرهم وهذا من دلائل نبوتهم؛ لأنه لا يُمكن أن يتفق ذلك لأحد من البشر مهما كان ذكاؤه، ومهما كانت معارفه.

6 -

أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن الذي جاؤوا به هو عين المصلحة والرحمة والهدى والخير، وفيه من دلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم؛ ما يبين أنه لا يصدر إلّا عن راحم برٍّ صادق يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق

(3)

.

7 -

إضافة إلى كل ما سبق من الدلائل والآيات الدالة على صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد أعطاهم اللَّه من المعجزات الباهرات ما يظهر صدقهم ويوضح تأييد اللَّه لهم، ويلجم عدوهم، كعصا موسى عليه السلام ويده البيضاء، وصنيع عيسى عليه السلام في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكتحول النار العظيمة المحرقة إلى برد وسلام على إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ومثل ناقة صالح، ومثل الإسراء والمعراج للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ونبع الماء من أصابعه وتكثير الطعام، وأعظم من ذلك المعجزة الخالدة: القرآن العظيم الذي تحدى اللَّه به فصحاء العرب، وتحدى كل المخلوقات في القدرة على محوه أو إزالته أو تحريفه.

الرابع: مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في الرسل عليهم الصلاة والسلام:

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 102.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 108.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 109.

ص: 1200

1 -

الإيمان بأن اللَّه بعث إلى خلقه رسلًا {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}

(1)

، وهو أصل من أصول الإيمان والركن الرابع من أركانه.

2 -

الرسل جمع رسول بمعنى مرسل، أي: مبعوث بإبلاغ شيء، والمراد هنا من أوحي إليه من البشر وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها، فالرسالة أمر زائد على النبوة فكل رسول نبي ولا عكس، والتفريق الصحيح بين الفئتين الكريمتين: إن الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي وعدة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولًا

(2)

.

3 -

الإيمان بمن سمى اللَّه تعالى في كتابه من الرسل والأنبياء وعدتهم خمسة وعشرون نبيًا ورسولًا وهم: آدم وهود وصالح وشعيب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس واليسع ويونس ولوط ونوح ومحمد صلى اللَّه عليهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

والإيمان بأن هناك أنبياء ورسل لم يقصصهم اللَّه علينا، وهؤلاء نؤمن بهم جملة، قال تعالى:{وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ}

(3)

، وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}

(4)

.

ولم تخل أمة من رسول يبعثه اللَّه تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها، قال اللَّه تعالى: {وَلِكُلِّ

(1)

الآية 165 من سورة النساء.

(2)

حديث أخرجه أحمد في مسنده 5/ 265، 266 من حديث طويل، وهو في مشكاة المصابيح 3/ 122 وقال الشيخ الألباني في تحقيقه للمشكاة: إسناده صحيح.

(3)

الآية 164 من سورة النساء.

(4)

الآية 78 من سورة غافر.

ص: 1201

أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47)}

(1)

، وقال سبحانه:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}

(2)

، وقال سبحانه:{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24)}

(3)

.

4 -

لا يجوز إثبات النبوة لأحد إلّا بدليل صحيح، والنبوة منحة من اللَّه تعالى، واصطفاء، ولا تنال بالرغبة أو المجاهدة والرياضة النفسية.

5 -

الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل؛ لأنهم حملة رسالة واحدة ودعاة دين واحد، ومرسلهم واحد، فهم وحدة يبشر المتقدم منهم بالمتأخر، ويصدق المتأخر المتقدم، قال اللَّه تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا. . .}

(4)

.

وقال سبحانه: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}

(5)

.

وقد أثنى اللَّه تعالى على رسوله وعلى المؤمنين الذين اتبعوه، لإيمانهم باللَّه ورسله وعدم تفريقهم بين ابرسل، فقال -جلَّ وعلا-:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. . . (285)}

(6)

.

(1)

الآية 47 من سورة يونس.

(2)

الآية 36 من سورة النحل.

(3)

الآية 24 من سورة فاطر.

(4)

الآيتان 150، 151 من سورة النساء.

(5)

الآية 136 من سورة البقرة.

(6)

الآية 285 من سورة البقرة.

ص: 1202

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)}

(1)

.

6 -

الرسل سفراء اللَّه إلى عباده، وحملة وحيه، ومهمتهم الأولى إبلاغ هذه الأمانة التي تحملوها إلى عبادة اللَّه، قال تعالى:{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}

(2)

والبلاع يكون بتلاوة النصوص التي أوحاها اللَّه من غير نقصان ولا زيادة، فإذا كان الوحي به ليس نصًا يتلى فيكون البلاغ ببيان الأوامر والنواهي والمعاني والعلوم التي أوحاها اللَّه من غير تبديل ولا تغيير، ويكون بيان الرسل بالقول والفعل والإقرار.

ومن وظائفهم الدعوة إلى اللَّه وبذل الجهد في ذلك ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}

(3)

.

ومن وظائفهم التبشير والإنذار، الدنيوي والأخروي، تبشير بالسعادة في الدنيا للطائعين، وفي الآخرة بالفوز العظيم، وإنذار بالشقاوة في الدنيا للكافرين والفاسقين، وفي الآخرة بنار الجحيم، قال تعالى:{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}

(4)

.

ومن أعمالهم إصلاح النفوس وتزكيتها وتقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائغة، وإقامة الحجة على الخلق، وسياسة الأمة وقيادتها في كل شأن من شؤون حياتها.

7 -

والوحي من اللَّه تعالى للرسل يكون بالإعلام الخفي السريع مهما

(1)

الآية 152 من سورة النساء.

(2)

الآية 39 من سورة الأحزاب.

(3)

الآية 36 من سورة النحل.

(4)

الآية 48 من سورة الأنعام، والآية 56 من سورة الكهف.

ص: 1203

اختلفت أسبابه، ويكون بالتكليم من اللَّه تعالى، ويكون بالإلقاء في روع النبي الموحي إليه، ويكون بالرؤيا يراها، ويكون بواسطة الملك.

8 -

والرسل عليهم الصلاة والسلام بشر من البشر، يأكلون ويتزوجون وينامون ويمرضون أمراضًا لا تستبشع ولا تخل بالعقل، وقد يتعرضون للابتلاء كالسجن والمطاردة والقتل وهم أشد الناس بلاء.

9 -

الرسل ليس فيهم شيء من خصائص الربوبية أو الألوهية، وليسوا ملائكة بل بشرًا من أكمل البشر خلقًا وخلقًا، وخير أقوامهم نسبًا وحسبًا، وأصحاب عقول راجحة وذكاء وفصاحة.

10 -

الرسل أكثر الناس تحقيقًا للعبودية للَّه تعالى وأعظمهم طاعة له.

11 -

ولم يكن الرسل إلّا رجالًا، كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ}

(1)

فلم يبعث اللَّه رسولًا من النساء.

وكانت الرسالة في الرجال دون النساء؛ لأن الرسالة تقتضي الاشتهار بالدعوة ومخاطبة الناس ومقابلتهم والتنقل في الأرض، ومواجهة المكذبين ومحاججتهم ومخاصمتهم، والجهاد في سبيل اللَّه وكل هذا من أعمال الرجال دون النساء.

والرسالة تقتضي قوامة الرسول على من يتبعه، ولو كانت الموكلة بذلك المرأة لم يتم لها ذلك على الوجه الأكمل ولا استنكف الرجال أن يكونوا تبعًا لها إضافة إلى ما في الذكورة من كمال وقوة وقدرة، وما في الأنوثة في من ضعف ولين، وما يطرأ على المرأة من حيض ونفاس وحضانة ولد وحقوق زوج، وهذه كلها مانعة من القيام بأعباء الرسالة وتكاليفها.

12 -

ومع كون الرسل عليهم الصلاة والسلام بشرًا إلّا أنهم تفردوا عن البشر بأمور منها: الوحي، والعصمة، وتنام أعينهم ولا تنام قلوبهم،

(1)

الآية 7 من سورة الأنبياء.

ص: 1204

ويخيرون عند الموت بين الدنيا والآخرة، ويقبرون حيث يموتون، ولا تأكل الأرض أجسادهم، وأحياء في قبورهم.

13 -

عصمة الرسل حق يجب الإيمان به، ويراد بالعصمة ما يلي:

أ- الرسل معصومون في تحمل الرسالة فلا ينسون شيئًا مما أوحاه اللَّه إليهم إلّا شيئًا قد نسخ.

ب - الرسل معصومون في التبليغ فلا يكتمون شيئًا مما أوحاه اللَّه إليهم؛ لأن الكتمان خيانة وهم منزهون عنها.

جـ - الأمور البشرية الجبلية قد تقع من الأنبياء وهي لا تنافي العصمة، فإبراهيم أوجس في نفسه خيفة، وموسى لم يصبر على تصرفات الخضر الغريبة رغم تذكير الخضر له بالصبر الذي قطعه على نفسه، وغضب موسى غضبًا شديدًا وأخذ برأس أخيه ولحيته وألقى الألواح عندما وجد قومه يعبدون العجل، وعهد اللَّه إلى آدم فنسي ونسيت ذريته، وجحد فجحدت ذريته، ونسي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر فصلى ركعتين ثم لما ذكر بذلك أتم ما بقي وسجد للسهو، ثم قال صلى الله عليه وسلم:"إنّما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني"

(1)

، ونسيانه عليه الصلاة والسلام في غير البلاغ في غير أمور التشريع.

وقد يجتهد الرسل في أمور تعرض لهم ويحكمون وفق ما يبدو لهم فهم لا يعلمون الغيب، وقد يخطئون في إصابة الحق، ومن ذلك عدم إصابة نبي اللَّه داود في الحكم وإصابة ابنه سليمان في تلك المسألة، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنّما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنّما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها"

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان، 1/ 156، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: السهو في الصلاة 1/ 400.

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب: من أقام البينة بعد اليمين 2/ 952، =

ص: 1205

د- الرسل معصومون من فعل الكبائر والمحرمات وقبائح الذنوب، وقد كذب اليهود والنصارى وافتروا أعظم الفرى إذ نسبوا إلى أنبياء اللَّه الزنى والسرقة والمخادعة والقتل غيلة وصناعة الأصنام وعبادتها، وغير ذلك من افتراءاتهم التي لم تقع، ولا يُمكن أن تقع من أحد من الأنبياء بحال من الأحوال بل هم معصومون من ذلك.

هـ- الرسل ليسوا معصومين من الصغائر، بل يُمكن أن تقع منهم ولكن اللَّه ينبه رسله إلى ما وقع منهم من مخالفات ويوفقهم إلى التوبة منها مباشرة من غير تأخير.

ومن أمثلة ذلك: معصية آدم بأكله من الشجرة، وقال اللَّه فى ذلك:{. . . وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)}

(1)

، ومناشدة نوح ربه في شأن ابنه، ومسارعة داود في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني، وقال اللَّه لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ}

(2)

، وقال له:{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2)}

(3)

الآيات، وعاتبه في قبول الفدية في أسرى بدر فقال تعالى:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)}

(4)

.

وخلاصة القول: إنه قد اتفق سلف الأمة على أن اللَّه عز وجل عصم أنبياءه من مقارفة كبائر الذنوب، واتفقوا على حفظ اللَّه لهم من الصغائر مما كان طريقه البلاغ وتقرير الشرع وتعلق الأحكام وتعليم الأمة.

كما اتفقوا في أنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم

= وكتاب الحيل، باب: إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت 6/ 2555، ومسلم في كتاب الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة 2/ 1337.

(1)

الآيتان 121، 122 من سورة طه.

(2)

الآية 1 من سورة التحريم.

(3)

الآيتان 1، 2 من سورة عبس.

(4)

الآية 68 من سورة الأنفال.

ص: 1206

أيضًا قصد الشيء يريدون به وجه اللَّه تعالى والتقرب به فيقع على خلاف مراد اللَّه الشرعي، إلّا أنه سبحانه لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلًا بل ينبههم على ذلك، وهذا هو معنى ما ورد من النصوص في توبة الأنبياء واستغفارهم وملام اللَّه لهم، وهذا معنى العصمة عند السلف أي إنهم لا يقرون على الذنوب التي تقع من غير قصد، أو تقع خلاف مراد اللَّه وهم يريدون وجه اللَّه تعالى، وقد تاب اللَّه على أنبيائه وغفر لهم، وقبل توبتهم ورفع درجتهم، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها.

14 -

ولا تكون العصمة لغير الأنبياء والمرسلين مهما كانت الدرجة والمنزلة.

15 -

ومن الإيمان بالرسل: وجوب تكريمهم وتوقيرهم وإجلالهم جميعًا واعتقاد فضلهم على من سواهم من الصديقين والشهداء والصالحين والأولياء، ونبي واحد خير من جميع الأولياء.

16 -

والرسل أفضل من الأنبياء، وبعض الرسل أفضل من بعض، وأفضل من الجميع خمسة هم أولو العزم: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم صلوات اللَّه وسلامه، وأفضلهم جميعًا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

17 -

ويجب الإيمان بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الأنبياء والمرسلين وخاتمهم، وشريعته ناسخة لجميع الشرائع، ودينه هو الدين الذي لا يقبل اللَّه بعد بعثته دينًا سواه، وقد بشر الرسل من قبل بالنبي صلى الله عليه وسلم وأخبروا بمجيئه، وهو سيد ولد آدم والشافع يوم القيامة وقد اتخذه اللَّه خليلًا، وخصه اللَّه دون غيره من الأنبياء بخصائص منها أنه أرسل إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا يبعث اللَّه بعده رسولًا، أمّا نزول عيسى آخر الزمان فهو حق وصدق ولكنه لا ينزل ليحكم بشريعة التوراة والإنجيل، بل يحكم بالقرآن، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويؤذن بالصلاة

(1)

.

(1)

انظر في هذا كله: كتاب الرسل والرسالات لعمر الأشقر، ثم معارج القبول 2/ 78 - 82، والإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص 60 - 82، وشرح أصول الإيمان لابن عثيمين: ص 34 - 39، وعقيدة أهل السنة والجماعة له: ص 21 - 25. وانظر في =

ص: 1207

وخصه كذلك بأن أمته خير الأمم وأكرمها على اللَّه عز وجل لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}

(1)

.

18 -

من جحد الرسالات أو شكك فيها أو جحد الرسل أو أحدًا منهم أو شكك في ذلك أو في صدقهم فهو كافر مرتد عن الإسلام، وكذلك من أبغضهم أو سخر بهم أو بأعمالهم أو أقوالهم، وكذلك من جعل الرسل والرسالات سببًا للتخلف، أو أن ما جاؤوا به مضاد للعقل والمصلحة، وكذلك من قال فيهم بأقوال المشركين أو الكفار من أهل الديانات المحرفة مما يناقض عصمتهم.

وكذلك من أطلق أسماءهم أو أوصافهم على غيرهم، أو فضل غيرهم عليهم، أو ساوى بينهم وبين غيرهم ولو كان من الصالحين المتقين، فضلًا عن مساواتهم بمدعي النبوة أو بالملاحدة الكافرين، ويكفر كذلك من نازع في عصمتهم، أو شكك في معجزاتهم والآيات التي بعثوا بها أو جحد ذلك.

والآن بعد الذكر الموجز لعقيدة أهل الإيمان في الرسل الكرام ننتقل إلى معرفة موقف أرباب الأدب العربي المعاصر من هذا الركن العظيم.

وقد تمهد معنا في هذا الباب قضيتان يُمكن من خلالهما معرفة أقوال هؤلاء:

‌القضية الأولى:

إنكارهم لوجود اللَّه تعالى ولربوبيته وألوهيته، هي الدعامة الأولى التي ينهض عليها انحرافهم في أركان الإيمان الأخرى، إذ لابد أن تتسلسل الأخطاء بعد هذه الشناعة العظيمة مقتحمة التصور والإفكار والسلوك والأحوال من كل جهة وصوب، فإذا تاه الإنسان عن السلك الذي

= مسألة العصمة: مجموع الفتاوى 4/ 319، 320، 10/ 291، 313، 293 - 313، 15/ 150، 35/ 120، 125، 126، ولوامع الأنوار البهية 2/ 304.

(1)

الآية 110 من سورة آل عمران.

ص: 1208

ينتظم كل عقائد الإسلام والإيمان فسوف يتيه في كل ما عدا ذلك، وهذا ما نلمسه حقيقة في عقائد الحداثيين والعلمانيين، المتوغل منهم في الإلحاد، والذي عاش على ضحضاح منه.

وقضية الرسل والرسالات هي إحدى القضايا التي عشيت أبصارهم عن رؤية حقائقها، وصمت آذانهم عن سماع براهينها، وجمدت عقولهم وقلوبهم عن تلقي أدلتها وعلومها، فعاثت بهم الحيرة، ومزقتهم الأهواء الفاسدة واعتلت على هاماتهم الأباطيل.

ولا غرو أن يكونوا بهذه المثابة وقد جحدوا أصل الأصول كلها وقاعدة الإيمان وركنه الركين.

‌القضية الثانية:

مرّ معنا في الفصل السابق موقفهم من الوحي والكتب المنزلة، من تكذيب وتشكيك وسخرية واستهزاء ومضادة ومعاندة.

وما قالوه هناك في الكتب ينطبق على ما قالوه في الرسل الكرام لتلازم ما بين الأمرين في الأصل؛ ولأن الحداثيين تلقوا الانحراف في الرسل والكتب على السواء، باعتبار التلازم الذي بينهما، ثم إن أساتذتهم الذين أخذوا عنهم هذه الانحرافات تعرضوا للكتب والرسل معًا، وكذلك فعل التلاميذ.

إذن فهذا الفصل امتداد تفصيلي للفصل السابق، وفيه سوف نذكر أظهر أوجه انحرافهم في الرسل والرسالات، وهي:

1 -

جحد الرسالات والتشكيك في وجود الرسل وفي صدقهم.

2 -

البغض والاستهانة والسخرية بالرسل وأعمالهم وأقوالهم.

3 -

جعل الرسل والرسالات مناقضة للعقل وسببًا للتخلف.

4 -

القول في الرسل بأقوال الديانات المحرفة.

5 -

إطلاق أسماء وأوصاف وخصائص الرسل على غيرهم.

‌الوجه الأول من أوجه انحرافاتهم في الرسل الكرام: جحد الرسالات والتشكيك في وجود الرسل وفي صدقهم:

تكرر في ثنايا هذا المبحث أن الكفر الحديث لا يخرج في أصوله عن

ص: 1209

الكفر القديم الذي ذكره اللَّه في القرآن العظيم، وأعداء الرسل والرسالات قديمًا وحديثًا يبدأون عداوتهم للرسل بتكذيبهم وجحد رسالاتهم والتشكيك فيهم، وإذا تأملنا الجدل الكفري الذي سعى فيه الكفار لرفض الرسل والرسالات نجده النموذج الأول للمعاصرين المعاندين.

حيث لم يأتوا بأي حجة منطقية، بل مجرد العجب والاستغراب والاستبعاد، كما فعل قوم نوح الذين بدأوا ردهم لدعوة نوح عليه الصلاة والسلام بالتعجيب، ثم انتقلوا إلى الاحتجاج بأنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين، ليبرروا تعجبهم وليمارسوا احتجاجهم الزائف بالتقليد الأعمى، ثم انتقلوا إلى ميدان الشتم والذم، ثم يدعون إلى التربص والانتظار ليروا كيف تزول دعوته وتذهب رسالته وتنمحي آثاره، كل ذلك حكاه اللَّه تعالى عنه في قوله تعالى:{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25)}

(1)

.

وكذلك قال قوم هود وتقدموا بالجدل الباطل ولم يقدموا دليلًا في جدالهم بل مجرد الاستبعاد والتعجب والتعلل والشتم، قال اللَّه تعالى:{وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38)}

(2)

.

ومثلهم كفار قريش الذين أخبرنا اللَّه عنهم في قوله: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ

(1)

الآيتان 24، 25 من سورة المؤمنون.

(2)

الآيات 33 - 38 من سورة المؤمنون.

ص: 1210

نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9)}

(1)

.

ومن جدلياتهم الباطلة المطالبة بالأشياء المادية الحسية واقتراح أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم غنيًا لديه كنوز عظيمة، أو جنة كبيرة من نخيل وعنب وأنهار، أو يفجر من الأرض ينبوعًا يجري في بطاح مكة وأوديتها، أو يكون له بيت مزخرف بالذهب مثل بيوت الملوك والأباطرة، ثم انقلبوا متحدين مستخفين مقترحين أن ينزل عليهم قطعًا من العذاب "كسفًا من السماء" لتوقع الهلاك بهم، وهم في ذلك كله لا يطلبون الحقيقة بل يتعمدون الاستهزاء ويتقصدون المعاندة والمكابرة، التي بلغت أشنع درجاتها حين اقترحوا أن يأتي باللَّه -تعالى وتقدس- وبالملائكة ليقفوا مع الرسول وينصروه إن كان صادقًا.

ثم اقترحوا -استهزاءً- أن يرقي في السماء، ومع ذلك لو حصل الرقي فإنهم لن يؤمنوا به لمجرد رقيه بل لابد أن يأتي بكتاب من السماء يقرأونه.

وإذا تأملنا هذه المطالب المتعنتة وجدناها تنبثق من كبر في صدورهم ومن هوى في نفوسهم

(2)

، ومن فساد في ضمائرهم وانحراف في مقاصدهم، وضلال في عقولهم، قال اللَّه تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا

(1)

الآيات 7 - 9 من سورة الفرقان.

(2)

انظر: صراع مع الملاحدة حتى العظم: ص 440 - 444.

ص: 1211

بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)}

(1)

.

وهذه المقترحات الجاهلية والاعتراضات المادية هي عينها أصول جدليات الماديين المعاصرين، الذين رتعوا في جاهلية هذه القرون مستخدمين دثار العلم زيفًا ومغالطة، ورداء العقل ادعاء ومكابرة.

وقد تبعهم في هذه السراديب الخربة أبناء المسلمين الذين تلقوا عن الغرب باندهاش، وتلقفوا ما عندهم بتسليم، وقلدوهم ببلادة، وقد نقلنا في مواطن عديدة في الفصول الماضية إقرار الحداثيين والعلمانيين بالتبعية، وعدم تحرجهم مطلقًا من الاعتراف بها، وهي اعترافات ليست شاذة عن المسيرة الفكرية التي يعيشها هؤلاء في الواقع، حيث ينادون قولًا وعملًا وفكرًا واعتقادًا إلى أخذ ما عند الغرب من عقائد ومناهج وأفكار على اعتبار أن ذلك -كما يدعون- من مقتضيات "العصر" ولوازم "التنوير والتطوير"، ومن رفض هذه العقائد والأفكار فهو عندهم "ظلامي" و"متخلف" و"منحط" و"عائش خارج التاريخ" إلى آخر الشتائم الجاهلية العلمانية الحداثية، التي امتلأت بها كتبهم ومجلاتهم وسائر منابرهم الإعلامية.

ولكن هل صحيح أن كل ما في الغرب من فكر هو من مقتضيات العصر بحيث يصبح الذي يرفضه متخلفًا عن ركب عصره؟.

وللإجابة على هذا السؤال لابد من نظرة تحليلية فاحصة لنرى مما يتكون هذا الفكر، ولنعرف أي مكوناته لازم لعصرنا وأيها طارئ عليه.

‌(إن الحضارة الغربية تتكون على وجه الإجمال مما يلي:

أولًا: حقائق رياضية أو طبيعية أو اجتماعية أو نفسية ثبتت صحتها بالتجربة الحسية أو البرهان العقلي.

(1)

الآيات 89 - 94 من سورة الإسراء.

ص: 1212

ثانيًا: نظريات علمية عن الطبيعة أو الإنسان فردًا وجماعة وهي ثلاثة أنواع:

أ- نوع نجح في تفسير كثير من الظواهر، ولم نجد ما يدل على بطلانه وإن كنا لا نقطع بصحته.

ب - نوع ما زال في طور التجربة.

جـ - نوع ثبت بطلانه.

ثالثًا: تقنية تكاد تشمل كل جوانب الحياة أدى إليها تطور العلوم الطبيعية والرياضية.

رابعًا: مهارات تقنية وإدارية مبنية على تلك العلوم.

خامسًا: تصورات دينية أو فلسفية للوجود، ومكانة الإنسان فيه، وللقيم الخلقية والجمالية، ولعلاقة الفرد بالمجتمع.

سادسًا: أدب وفن يعبر عن هذه التصورات.

سابعًا: أو ضاع سياسية واقتصادية وعلاقات اجتماعية وعادات وتقاليد تصوغها تلك التصورات)

(1)

.

هذه مكونات ما يسمى بالحضارة الغربية، والناظر في المناهج والفلسفات والعقائد السائدة في الغرب اليوم يجدها خليطًا من الأفكار والتصورات المتناقضة، ومزيجًا من الآراء والأهواء والنظريات المتضادة، وهي مع اتصافها بهذا الوصف تنضوي ضمن إطار أصولي تصوري شامل، بمثل معيار القبول والرفض والخير والشر والحق والباطل والحسن والقبح عندهم، بل ويمثل المحور الذي توضع فيها الحقائق العلمية وتفسّر على ضوئه، وتستنتج منه النتائج التي توافقه.

(1)

أهواء العصر ومقتضيات العصر محاضرة ألقاها الدكتور جعفر شيخ إدريس على طلاب السنة التمهيدية للماجستير في كلية الشريعة في الرياض عام 1402 هـ: ص 4 - 5.

ص: 1213

وهذا الإطار الفكري الأصولي الغربي الشامل هو "الفكر المادي الإلحادي" وفحوى هذا الفكر هو:

(أ - أن الواقع الموضوعي يتكون في النهاية من لبنات مادية متناهية الصغر في حجمها متحركة في فراغ.

ب - أن كل ما في الوجود فهو إمّا هذه اللبنات، وإمّا أشياء مركبة منها، وإمّا علاقات بينها وما سوى ذلك فلا وجود حقيقي له.

جـ - أن طبيعة هذه المركبات سواء كانت أجسامًا جامدة أو كائنات حية، أو جماعات بشرية تفسرها في النهاية طبيعة اللبنات المكونة لها، هذا على الرأي السائد بين جمهرة المشتغلين بالعلوم الطبيعية، وهنالك رأي لكثير من فلاسفة العلوم يقول: إن المركبات تكتسب بحكم تركيبها طبيعة جديدة لا يُمكن ردها إلى الأجزاء المكونة.

د- أنه ينبغي لذلك أن نلتمس تفسير الظواهر النفسية والاجتماعية والحيوية والفيزيائية في أسباب ضمن هذا الكون المادي، أي أن الكون المادي كون مكتفٍ بنفسه، غير محتاج إلى قوة خارجية تخلقه أو ترسم مساره أو تدبر أمره.

هـ- ولذلك فإن كل عبارة تنطوي على دعوى تخالف في ظاهرها هذا التصور فإمّا أن نحكم ببطلانها وإمّا أن نعيد تفسيرها، بحيث نجد لها مكانًا داخل هذا الإطار الإلحادي المادي.

و- وكل ظاهرة يدعى أنها خارقة لقوانين الطبيعة فهي إمّا كذب أو وهم لا أساس له.

ز- وكل تفسير للظواهر النفسية أو الاجتماعية. . . الخ بأسباب خارج هذا الإطار لا يعتبر تفسيرًا علميًا، أي أن التفسير العلمي هو بالضرورة تفسير إلحادي، حتى أن كلمة العلم أصبحت في العالم كله تقريبًا علمًا على هذا التصور الإلحادي للعلم)

(1)

.

(1)

المصدر السابق: ص 5 - 6.

ص: 1214

هذه الفلسفة المادية الإلحادية هي التي تشكل النظرة الكلية للإنسان الغربي والتي من خلالها ينظر إلى الحقائق العلمية والأحداث والمبتكرات والمتغيرات، والأحوال النفسية والاجتماعية، والممارسات السياسية والقانونية والاقتصادية والتربوية.

ويُمكن تصنيف مثقفي الغرب إزاء هذه الفلسفة المادية المكونة لمجمل النظريات والفلسفات الغربية إلى عدة أقسام:

القسم الأول: الملاحدة الصرحاء الذين يأخذون هذه الفلسفة المادية أخذًا كاملًا، ويعلنون كفرهم باللَّه والنبوات والمعاد وبالدين كله جملة وتفصيلًا.

القسم الثاني: منهم من يقبل هذه الفلسفة المادية الإلحادية كمنهج علمي يتخذه إطارًا لفكره وفلسفته وقانونه ومجتمعه، وينتهجه إذا دخل معمله أو كتب أبحاثه، ويتخلى عنه إذا ذهب إلى كنيسته أو بيعته.

القسم الثالث: منهم من يقبله حقيقة ولكنه ينتمي إلى الدين اسمًا؛ لأنه يفسر كل المفاهيم الدينية تفسيرًا ماديًا لا يخرج عن هذا الإطار.

القسم الرابع: منهم من ينكر الفلسفة المادية وينتقدها، إمّا على أساس إلحادي آخر، وإمّا على أساس ديني ينتمي أصحابه إلى أديان شركية خرافية محرفة

(1)

.

أمّا بالنسبة لموقف المثقفين في العالم الإسلامي، الذين تأثروا بالغرب، فإننا نجد أنهم على قمسين:

القسم الأول: الملاحدة الذين يقولون بوجوب أخذ كل ما لدى الغرب، وخاصة هذا الإطار الفلسفي الإلحادي؛ لأنه يمثل -عندهم- أساسي التطور والتنوير والتقدم والحضارة، ويرون أن هذا التصور هو الذي يقتضيه العصر، والذي يعتبر متخلفًا عن عصره كل من لا يقول به.

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 6 - 7.

ص: 1215

وعلى ذلك جميع المعتقدين بالشيوعية والوجودية، وعليه كل من أدونيس وأنسي الحاج والبياتي وتوفيق زياد وتوفيق صائغ وجبرا إبراهيم جبرا وجبران خليل جبران وخالدة سعيد وخليل حاوي وسعدي يوسف وسميح القاسم وحسين مروة والطاهر بن جلون والطيب تزيني وعلاء حامد وعادل ظاهر وعزيز العظمة وكاتب ياسين ولويس عوض ومحمد أركون ومعين بسيسو ومحمد بنيس وهاشم صالح ويوسف الخال

(1)

، وغيرهم.

القسم الثاني: الذين ينتسبون إلى الإسلام صدقًا أو نفاقًا، ويحاولون تفسير الإسلام ضمن هذا الإطار الإلحادي المادي، ويتصورون الوجود ضمنه، وينتجون ويفكرون من خلاله، جاعلين منه أساسًا علميًا لقياس كل شيء عليه، ومحاكمة كل شيء إليه، ابتداءً من وجود اللَّه تعالى وألوهيته حتى النبوات والغيبيات والمعاد وسائر قضايا الاعتقاد، حتى التشريعات والنظم والمناهج، وهم في أحسن أحوالهم -حين نحسن بهم الظن- يريدون أن يبينوا أنه لا تعارض بين الإسلام وهذا الإطار الذي يسمونه المنهج العلمي، ولا بين الإسلام والحياة والمعاصرة، ولذلك فإنهم يعمدون إلى عسف قضايا الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا، لتصبح داخل هذا الإطار تحت شعارات التنوير ومسايرة الإسلام لظروف العصر، وهم في هذا يسلكون منهج كثير من المفكرين النصارى مشابهين لهم أو متشبهين بهم.

فنصوص الوحي لديهم ليست مصدرًا للمعرفة لاستنادها -عندهم- إلى أصل مجهول، وعند بعضهم هي مصدر ثانوي للمعرفة بعد أن يثبت المنهج الفيللوجي أو التاريخي أو اللغوي أو غيرها من المناهج أن هذا النص يُمكن قبوله، ثم يخضعونه بعد ذلك للمنهج الهرمونطيقي أي: التأويلي الاستبطاني، ليرى مدى ملاءمته، وإمكانية اعتماده مصدرًا "ثانويًا" للثقافة، ولبعض الممارسات الحياتية التي لا تعارض مبدأ العلمانية.

وهذا القسم نوعان: منهم من قبل هذا الإطار لا في مجال الثقافة

(1)

سبقت الترجمة لهم جميعًا. انظر: ثبت الأسماء المترجم لها.

ص: 1216

والفنون بل في مجال التشريع العملي وفي مجال العقيدة أيضًا، ومنهم من قبل لوازم هذا الإطار في مجال التشريع وإن لم يقبلها في مجال العقيدة أو ظل على الأقل ساكتًا عنها في هذا المجال.

وهذا القسم بنوعيه أخطر وأشد نكاية وأعظم ضررًا من القسم الأول، ذي العداوة السافرة المكشوفة؛ لأن هؤلاء عداوتهم للإسلام وأهله عداوة مستترة ملتبسة على كثير من الناس، وقدرتهم على نقل الإلحاد والكفر وتسويقه أوسع، وتلبيسهم على جماهير المسلمين أيسر.

ولذلك حذر اللَّه من هذا الصنف أشد التحذير، وفصل في ذكره وذكر أوصافه وأحواله أعظم التفصيل، ومن ذلك قوله -جلَّ وعلا-:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)}

(1)

.

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ

(1)

الآيات 8 - 16 من سورة البقرة.

ص: 1217

وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)}

(1)

.

وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)}

(2)

.

وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)}

(3)

.

وهذا القسم المنتمي إلى الإسلام اسمًا، والذي يعيش بين ظهراني المسلمين، ويتسمى بأسمائهم وقد يمارس بعض شعائر الإسلام، أو يمتدح بعض التراث "وهم يعتبرون الإسلام كله تراثًا"، هم الأكثرون بين جمهور المنهزمين فكريًا، والتابعين هوية للغرب، وجمهرتهم في ثلاث فئات لها خطر: فئة الإداريين وفئة المثقفين وفئة الإعلاميين، ومن خلالهم جاس العدو في بلدان المسلمين يفعل الأفاعيل التي ما كان يقدر عليها لو كان يحكم بنفسه مباشرة.

ومن هذا القسم السياب وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل والمقالح وحجازي وأمين الخولي ومحمد خلف اللَّه وجابر عصفور وحسن حنفي ونصر أبو زيد وطه حسين والطهطاوي وعبد الرحمن منيف والفيتوري ومحمد عابد الجابري ونجيب محفوظ

(4)

، وغيرهم كثير.

وبعد فقد أوردت هذا التفصيل في أحوال هؤلاء لبيان وجه التمايز بينهم وبين بقية المسلمين في هذا الأصل، إذ يتلقى المسلم عن الرسل العلم

(1)

الآيات 60 - 63 من سورة النساء.

(2)

الآيتان 29 - 30 من سورة محمد.

(3)

الآية 4 من سورة المنافقون.

(4)

سبق تراجمهم. انظر: ثبت الأعلام المترجم لها.

ص: 1218

والهدى ويعرف الحق عن طريق الوحي المعصوم، ويعتبر ذلك سبيل فلاحه في الدنيا والآخرة ومصدر معرفته ومعيار أحكامه وأقواله وأعماله.

أمّا الذين مسخوا من أبناء المسلمين فقد تجارت بهم الأهواء المادية تجاري الكَلَب بصاحبه حتى لم يذر عرقًا ولا مفصلًا إلا دخله، وهذه الأهواء هي الداء المبير، والشر المستطير، والفساد الكبير التي أحالت حياة هؤلاء إلى ما يشبه حياة القطيع الذي يسير وقد أعار عقله ولبه لغيره، وقد استحالت أعمالهم وكتاباتهم إلى وسائط لنقل عقائد وأفكار الآخرين كالذي يقوم على خشبة المسرح بأدوار التمثيل التي لقّنه وحفّظه المخرج.

ويحاولون مع ذلك صبغ أعمالهم المستقذرة المنبوذة الكريهة بأصباغ مخادعة كاذبة من دعاوى الدقة والاستيعاب والتمحيص والمهارة والحذق والذكاء والموضوعية، ثم يزداد الأمر بشاعة حين يزعم بعضهم مع اندراجه داخل ذلك الإطار الإلحادي إنه ما زال مسلمًا، ولا يحق لأحد نزع هذه الصفة عنه:{ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}

(1)

.

وأمثال هؤلاء الحداثيين ممن نشأ في لسان أمته، وتعليم بلاده، حتى إذا بلغ عمر التنقل والرحلة ذهب إلى بلاد الغرب وتلقى مناهجهم وعقائدهم، حتى إذا استوى عوده وبلغ أشده أعادوه إلى بلاد المسلمين ليكون لأمته عدوًا وحزنًا، وأمدوه بما يحتاج من دعم مادي ومعنوي، فإذا هو قادر أو مُفترض أنه قادر تمام القدرة على منازلة الأمة في عقيدتها وشريعتها وأخلاقها وقيمها وتاريخها، ومؤهل أو مُفترض أنه مؤهل ليقود معركة بالنيابة عن أساتذته ضد أمته، مفارق كل المفارقة أو بعض المفارقة -وكلا الأمرين سواء- للعقيدة وأصولها والشريعة وأحكامها والأخلاق وضوابطها.

ولا يلبث غير زمن يسير حتى يصبح في وسائل الأعلام المثقف والمفكر والمنهجي والمؤرخ والاجتماعي، والمستشار في قضايا الأمة!!

(1)

الآيتان 23 - 24 من سورة الأنعام.

ص: 1219

فيالها من فواقر عظيمة أصيبت بها الأمة في الصميم من خلال هؤلاء {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}

(1)

.

على ضوء كل ما سبق من وصف الإطار الفكرى الغربي والفلاسفة الغربيين، ثم تلامذتهم في المشرق، يتبين لنا أن موقفهم من النبوة والنبوات سيكون تابعًا لذلك الإطار ولأولئك الفلاسفة، في الأصول والتعريفات.

ومن ذلك الجحد الكامل للرسالات والتشكيك في وجود الرسل وفي صدقهم.

وكلامهم في هذا الصدد متنوع ومتعدد، بيد أن من أوائل من فتح لهم هذا الباب هو طه حسين الذي اصطنع الشك بل استنسخ الشك من ديكارت، ليسلطه على الحقائق الدينية والتاريخية، بل حتى على بعض المسائل الاعتقادية كما هو الشأن في هذه القضية التي نحن بصددها، وذلك حين ادعى أن القرآن والتوراة لا يكفيان حين يتحدثان عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تتحدث عن هجرة إسماعيل إلى مكة، والنتيجة المترتبة على ذلك من انتساب العرب المستعربة إلى إسماعيل، وادعى أن هذه القصص منتحلة وضعها اليهود الذين يستوطنون شمالي البلاد العربية، وأن القرآن إنّما اصطنع هذه القصص احتيالًا لإثبات الصلة بين الإسلام واليهودية أو بين القرآن والتوراة والعرب واليهود

(2)

.

وقد كتبت لجنة العلماء في مصر تقريرًا مفصلًا عن كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي ذكر فيه القول الشنيع عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقد قررت اللجنة أن الكتاب (كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن

(1)

الآية 4 من سورة المنافقون.

(2)

انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1095، ونقد كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد فريد وجدي: ص 76.

ص: 1220

عندهم من المعلومات الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم)

(1)

.

ويبنوا (أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا الشر من أصله وتطهر دور التعليم من اللادينية التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام تحت شعار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى واضطرب حبل الأمن؛ لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام.

والكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلًا يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولًا لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلّا ليأتي عليها من أصولها وبخاصة الدين الإسلامي)

(2)

.

وهذا الاستنتاج الذي وصلت إليه لجنة العلماء هو عين ما ذكرته آنفًا من دوران المفكرين المستغربين في داخل الإطار الإلحادي المادي.

وحتى لا يكون الكلام مجرد نقل عن الناقدين لطه حسين فإنه لابد أن نذكر قوله بنصه لتبيان حقيقة قوله الذي أصبح فاتحة شرّ لما هو أعظم من ذلك فيما بعد.

يقول طه حسين: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة)

(3)

.

ثم يقول طه حسين: (نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعًا من الحيلة لإثبات الصلة الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى)

(4)

.

(1)

انظر نص التقرير في: كتاب تحت راية القرآن: ص 167 - 172.

(2)

في الشعر الجاهلي: ص 26.

(3)

المصدر السابق: ص 26.

(4)

المصدر السابق: ص 27.

ص: 1221

ثم يضيف: (وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح)

(1)

إلى أن قال: (إذًا فليس ما يمنع قريش من أن تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم كما قبلت روما أنها متصلة بإينياس بن بريام صاحب طراودة، أمر هذه القصة إذًا واضح، فهي حديثة العهد قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضًا، وإذا فيستطيع التاريخ والأدبي واللغوي الا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى)

(2)

.

ولا شك أن هذه الأقوال تتضمن إلحادًا مكشوفًا ومعارضة صريحة للقرآن العظيم وكفرًا باللَّه وآياته ورسله، وتكذيب للنصوص القاطعة وللرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوحي إليه من ربه:{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}

(3)

، {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)}

(4)

.

ورد صريح لخبر اللَّه في القرآن: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)}

(5)

.

وهذا الذي قاله طه حسين عن القرآن هو عين الذي قاله المشركون في القرآن من قبل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ

(1)

و

(2)

المصدر السابق: ص 29.

(3)

الآية 127 من سورة البقرة.

(4)

الآيتان 26، 27 من سورة الحج.

(5)

الآيات 35 - 37 من سورة إبراهيم.

ص: 1222

آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)}

(1)

.

لقد كان طه حسين طليعة المجترئين على حرب الوحي والرسل والرسالات، وما زال يعد عند الحداثيين والعلمانيين صاحب طريقة يجب أن تطاع وأن تسلك، فها هو الحداثي عزيز العظمة يستشهد بكلام طه حسين، ويجعله منطلقًا لرفض وصاية أهواء الماضي، واعتبره برنامج عمل للفاعلية العقلانية التاريخية

(2)

، وقائد الريادة للممارسة الفكرية المستقلة عن الماضي، واعتبر أن الذين ردوا على طه حسين في تلك النصوص الكافرة يمارسون الردة ويعملون إلى إرجاع الأسطورة وإرجاع النص إلى مكانته المتعالية ورفض المساءلة، ثم ينتقد العظمة الذين أحجموا عن القيام بمثل ما قام به طه حسين

(3)

.

ثم ختم مقاله بقوله: (إن عنوان الحداثة العلمانية فى يومنا هذا هتك أساطير البداية، ووعي التاريخ والتأسيس فيه ومن سياقه العالمي، وإعادة الوصل مع كونية طه حسين مع مواضع أخرى حيث تعطل الوصل بيننا وبين الترقي الثقافي والعقلي الكفيل بإعادة الاعتبار للشرط اللازم للرقي في معانيه الأعم)

(4)

.

وهذا ما ترسخ فعلًا في مشروعات أهل الحداثة والعلمانية فقد وجدوا أن الإلتحاق بهذه المفاهيم هو أقرب الطرق لهدم الإسلام من خلال هدم أصوله ومصادره، ويثني النصراني المصري غالي شكري على كتاب صدر بعنوان "الكتابة السوداء"

(5)

، والذي قام أصحابه بنشر الفصل الذي تحدث فيه طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي عن إبراهيم وإسماعيل عليها الصلاة

(1)

الآيتان 4، 5 من سورة الفرقان.

(2)

الإسلام والحداثة: ص 269.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 270 - 271.

(4)

المصدر السابق: ص 271.

(5)

الكتابة السوداء كتاب أصدرته مجموعة أصوات في مصر سنة 1408 هـ/ 1988 م.

ص: 1223

والسلام كما في النص المنقول آنفًا ثم عقب على ذلك قائلًا: (إن نشر تراث الحداثة على هذا النحو إنّما يجدد نيران الشهوة في تغيير العالم بردم الهوة بين النخبة وبقية الناس)

(1)

.

وقد مرّ معنا في الفصل السابق كيف حاول أدونيس من خلال "تلمود الحداثة" كتاب "الثابت والمتحول" أن يرسخ مبدأ الإلحاد كأساس أولي لجحد الدين والتشكيك في الرسل والرسالات والتكذيب الصريح للوحي من خلال نقله نصوصًا لأشباهه السالفين الذين استخرجهم من قعر نجاسات التاريخ مثل ابن الراوندي والرازي الملحد وابن المقفع، ثم ليبني على هذه الأقوال مذهبه الإلحادي الذي يُعده ليكون أساسًا للحداثة العربية، ولا ينسى أن يربط مفاهم الإبداع والحداثة التي ينشدها بأوتار من رماد الإلحاد، وذلك حين يجعل مجيء الإسلام بداية للتخلف وذلك في سياق مقابلة اصطنعها على سبيل الادعاء بين التقدم والتخلف، جاعلًا من الإسلام وقضاياه وأدوات فهمه والتعبير عنه في قائمة التخلف وعكس ذلك في قائمة التقدم.

فقائمة التخلف عنده مستندة إلى نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأميته وأمية العرب والفطرة العربية والمشافهة، ثم يسرد على هذه الدعوى الكاذبة أوصافًا يعدها أساسًا للتخلف ويريد بها الإسلام ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم القائمة حسب دعواه على: الخطابة والبداوة والأمية والفطرة والشفوية، والوضوح والإفهام والبيان والارتجال والتأثير والنفع والتحسين، ومطابقة الحق، والحق الثابت والواضح، والمضاهاة للسابق ومشابهته، وفصل اللفظ عن المعنى وجعل المعنى دينيًا أخلاقيًا، وفرض المعايير.

هذه عنده هي قائمة التخلف والرجعية، وأضدادها هي التقدم والتطور، وقد بدأ الصراع -حسب رأيه- بين الشفوية والكتابة والبداوة والحضارة والأمية والثقافة منذ أن بعث الرسول صلى الله عليه وسلم

(2)

.

(1)

الناقد - العدد 13 تموز 1989 م: ص 56 من مقال لغالي شكري بعنوان الحداثة بلا كهنوت.

(2)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 136 - 137.

ص: 1224

وغني عن الإعادة أن هذه الأقوال المطلقة من أي دليل أو مستند، هي مجرد دعوى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يريد فرض مفاهيمه عن التقدم والتخلف كمسلمات وحقائق ثابتة لا نقاش حولها، ولذلك نجد الإمعات من أتباع الحداثة يأخذون هذه على بساط التسليم والمتابعة، رغم ادعائهم استخدام العقل والمنطق والدراسات الموضوعية!!.

وفي سياق تمرير أدونيس لعقائده من خلال شخصيات أخرى تشابه في المنزع والغاية يأتي بجبران خليل جبران فيجعل من دراساته مثلًا لـ "الثورة على الشريعة"

(1)

و"الثورة على الأسباب العميقة التي تكمن وراءها"

(2)

و"الثورة على الماضي"

(3)

و"التحرر من التقاليد"

(4)

.

ثم يورد مقطوعة من كلامه ليصل من خلالها إلى المقصد من كل هذه المقدمات قائلًا: (في هذه المقطوعة يسمي اللَّه والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظًا رتبتها الأجيال الغابرة وهي قائمة بقوة الاستمرار لا بقوة الحقيقة،. . . والتمسك بهذه التقاليد موت والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد، كمقدمة ضرورية لتحرره)

(5)

.

وهذا القول منه ليس سوى تعبير جديد لمضمون قديم قاله أعداء الرسل والرسالات، كما أخبر اللَّه سبحانه في كتابه:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)}

(6)

.

وليس معهم سوى مجرد الشتم والادعاء قديمًا وحديثًا، وفي سياق تشبث أدونيس بأي شاهد يساعده في تثبيت إلحاده وكفره بالرسل والرسالات

(1)

و

(2)

و

(3)

و

(4)

و

(5)

المصدر السابق 3/ 187.

(6)

الآيتان 59، 60 من سورة الأعراف.

ص: 1225

يلقى حباله على متن معروف الرصافي

(1)

، ويجعل منه طليعة للحداثة كما جعل من جبران، وسبب هذا الاعتبار -كما هو ملاحظ- ارتكاس هذين في مفاهيم إلحادية ومجاهرتهما بما يناقض دين الإسلام، وفي هذا دلالة واضحة على أن الحداثة عند أدونيس مرتبطة بالكفر والإلحاد ومضادة الإسلام، فمن كان كذلك فهو حداثي مبدع ولو كان يكتب بالأسلوب القديم أو بما يسمونه الشعر العمودي، وكل من ليس كذلك فهو تراثي متخثر حتى ولو كتب بالأسلوب الحديث، وهذا برهان على أن الحداثة تعني عندهم الكفر أولًا والمضمون الإلحادي قبل أي شيء.

والناظر في حيثيات اعتبار أدونيس للرصافي مجددًا يجدها تتمحور حول إنكار الدين والوحي والنبوة وجحد الغيبيات ورفض مبدأ الثواب والعقاب وقضية العبادة من صلاة وصوم، ورفض التشريعات الإسلامية، وكذلك العادات والتقاليد الاجتماعية التي قامت على أساس وتصور ديني، ومحاربة الماضي وأمجاده، ورمي التاريخ بالكذب والتضليل، والدعوة إلى الحياة الراهنة والحرية والعلم ومنجزاته

(2)

.

وهذه الحيثيات هي نفسها أصول وأسس الحداثة العربية، ولكل واحد من الحداثيين نصيبه من هذا الميراث الشيطاني قل ذلك أو كثر، {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}

(3)

، {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}

(4)

.

(1)

هو: معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي، شاعر العراق في عصره، ولد سنة 1294 هـ وتوفي سنة 1364 هـ، اشتغل بالتعليم، شجع ثورة رشيد عالي الكيلاني، وكان أيام العثمانيين نائبًا في مجلس المبعوثان، له مؤلفات ودواوين شعر، وقد اعتبره أدونيس طليعة الحداثيين، لإنكاره الدين والغيبيات ورفض الشريعة والمعاد وجحد الوحي والنبوة وغير ذلك من الضلالات التي نسبها إليه. انظر: الأعلام 7/ 268، والمرشد لتراجم الكتاب والأدباء ص 117، والثابت والمتحول 3/ 61 - 72.

(2)

انظر: المصدر السابق 3/ 65 - 67.

(3)

الآية 30 من سورة الأعراف.

(4)

الآية 27 من سورة الأعراف.

ص: 1226

يصف أدونيس مواقف الرصافي -وفي وصفه تعبير عن اعتقاده هو وموقفه من الدين- فيقول: (الأديان بالنسبة إليه ليست موحاة، وإنّما هي وضع قام به أشخاص أذكياء، وإذ ينكر الوحي ينكر بالضرورة النبوة، وينكر وجود الأنبياء والنتيجة الطبيعية لإنكار الدين، وحيًا ونبوة، هي إنكار التعاليم أو المعتقدات التي جاء بها)

(1)

.

ويلتفت أدونيس من الجحد الكامل للنبوة، إلى استخدام التدنيس والاستخفاف بابًا آخر للجحد والإنكار، وذلك حين يجعل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بديلًا عن ثقافة الجاهليين المتمثلة في الشعر، أي أن النبوة حلت مكان الشعر وأزاحته ليس لأنها حق ووحي من اللَّه، ولكن لأنها "حدس معرفي" لا أقل ولا أكثر، يقول:(الشعر في الجاهلية فاعلية أولى في مستوى العمل والحلم والدين، أي في مستوى الطبيعة والغريزة، فهو حدس أساسي في المعرفة، بل هو الحدس الأكمل، غير أن النبوة في الإسلام هو الحدس الوحيد، والمعرفة كلها تصدر عن هذا الحدس، وهكذا حلت النبوة محل الشعر، وتراجع الشعر إلى مستوى الفاعلية الثانية)

(2)

.

وإذا كان هذا تأصيله في تلمود الحداثة، فإنه يمارس ذلك أيضا فيما يطلق عليه "شعر الحداثة" وفي ذلك يقول كاذبًا على لسان آدم عليه الصلاة والسلام:

(وشوشني آدم

بغصة الآه

بالصمت بالأنَّه:

"لست أبا العالم

لم ألمح الجنة

(1)

المصدر السابق 3/ 65.

(2)

المصدر السابق 3/ 235.

ص: 1227

خذني إلى اللَّه")

(1)

.

كذب على النبي، وجحد لخلق اللَّه للناس، وإقرار ضمني بنظرية دارون، وفي موضع آخر يعلن جحده للَّه تعالى للأنبياء بتعبير آخر حيث يقول:

(دماء، لا عاصمٌ، والنبيون ماتوا)

(2)

.

وفي تلاعب آخر بالألفاظ بجعل المعراج صعودًا نحو كوكب مجهول، وهذا يتضمن إنكار وجود اللَّه وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:

(تصعد نحو كوكب المجهول كالمعراج)

(3)

.

وله مقطوعة طويلة يتحدث فيها عن الإسراء والمعراج باعتباره أسطورة وكذبًا، ويضيف إليها من أكاذيبه وسخرياته وعباراته الإلحادية الشيء الكثير

(4)

.

وهو في كل ذلك يريد أن يقول بأن القضية كلها ليست سوى أسطورة وكذبًا، والرسالة المبنية على ذلك كذلك، وعندما يشرح مشروعاته المستهدفة خدمة الملة الحداثية يبين أنه يسعى إلى إزالة النبوة وآثارها وأصدائها والبلاد التي تتبع نهجها، فيقول:

(مثلما تنضج الأبجدية

لا لكي ألأم الجراح

لا لكي أبعث المومياء

بل لكي أبعث الفروق. . الدماء

نجمع الورد والغراب، لكي أقطع الجسور

(1)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 409.

(2)

المصدر السابق 1/ 474.

(3)

المصدر السابق 2/ 96.

(4)

انظر: المصدر السابق 2/ 126 - 146.

ص: 1228

ولكي أغسل الوجوه الحزينة

بنزيف العصور

وكتبت المدينة

مثلما يذهب النبي إلى الموت، أعني بلادي

وبلادي الصدى والصدى والصدى)

(1)

.

أي أن النبي نهايته الموت والانقراض وكذلك هي نهاية البلاد التي تتبعه.

والمعنى بنفسه يكرره في موضع آخر قائلًا:

(ها غزال التاريخ يفتح احشائي، نهر العبيد

يهدر، لم يبق نبي إلّا تصعلك، لم يبق إله. . .

هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت

نفتح للشمس طريقًا غير المآذن، للطفل كتابًا غير الملائك

للحالم عينًا غير المدينة والكوفة هاتوا فؤوسكم)

(2)

.

في هذا المقطع اختصار مهم لعقائد الحداثة ومشاريعها وآمالها، وفيه دلالة على أنها -ليست فقط- لا دين لها بل هي تتدين بهدم دين الإسلام ومناقضة وهدم أصوله ومحاربته بكل الوسائل الدنسة الخبيثة، إنها امتداد لا ريب فيه للجاهلية الأولى، ولكن بأسلوب حديث، ودليل هذا الامتداد دفاعه عن قوم ثمود الذين عارضوا نبيهم وكذبوه واستحبوا العمى على الهدى، يقول:

(شقاء

(1)

المصدر السابق 2/ 254 - 255.

(2)

المصدر السابق 2/ 266.

ص: 1229

إن تتفتح، أو أن تكبر، أو أن تهجم نحو الضوء، وموت أن تبدع أو أن تحيا في أحوال ثمود

ولهذا، اعذر وجه ثمودٍ

أعني المجذوبين إليه

الطافين عليه

وأقول عليهم، باسم الملعونين الخلاقين من الشعراء:

ما أقسى أن نعرف أو أن نفهم كل الأشياء

ولهذا، لا يتركني رفضي)

(1)

.

إنه يصطنع مقارنة تبجيلية هجائية، يبجل الحداثة والكفر والرفض ويجعلها تفتحًا ونموًا وتنويرًا وإبداعًا وحياة ومعرفة لكل الأشياء، ويجعل الرسالة التي يشير إليها برفض قوم ثمود لها عكس ذلك كله، وهو في كل ذلك لم يتجاوز قدر سلفه فرعون القائل:{أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)}

(2)

، وليس في الادعاء دليل عقل أو تقدم، ولكن الكارثة أن تجد أن هذه المعاني الاتحادية تتسرب إلى قلوب المعجبين، فتتشربها وتقوم باستقاءتها كرة أخرى على صفحات ديوان أو كتاب أو صحيفة.

وكما تشبث بالراوندي والرازي الملحد وابن المقفع والرصافي في كتابه "الثابت والمتحول" فإنه يتشبث في ديوانه بأبي العلاء المعري فيقول: (كيف اقنع المعرة بأبي العلاء؟ سهول الفرات بالفرات؟ كيف أبدل الخوذة بالسنبلة؟.

"لابد من الجرأة لطرح أسئلة أخرى على النبي والمصحف" أقول وألمح غيمة تتقلد النار، أقول وألمح بشرًا يسيلون كالدمع)

(3)

.

(1)

المصدر السابق 2/ 331 - 332.

(2)

الآية 52 من سورة الزخرف.

(3)

المصدر السابق 2/ 302.

ص: 1230

الدعوة إلى الجرأة والشك وطرح أسئلة الريب والجحد والنقد والتجريح على النبوة والأنبياء والوحي والقرآن إستنادًا إلى شكوك أبي العلاء وأسئلته، مع امتداح لها ومناداة للسير على منوالها.

وقد زعم في بعض محاضراته بأن الوحي وهم، وأحصى ذلك عليه أحد النقاد الحداثيين واعتبر ذلك انتحالًا منه لفكرة قالها محمد أركون

(1)

، فبئس التابع والمتبوع.

ويجيب عن سؤال وجه إليه عن النبوة والقرآن قائلًا: (ظاهرة النبوة بحد ذاتها عصرية، لكن المسألة هي في فهم هذه الظاهرة أنا شخصيًا ضد فهمها السائب في المجتمع العربي اليوم)

(2)

.

والفهم الذي يريده هو الفهم الحداثي الإلحادي الذي يجعل النبوة مجرد وصف يستحقه من هب ودب من الحداثيين والعلمانيين والفلاسفة، وحتى المجانين والشواذ كما سوف يأتي.

ويواصل دعوته إلى اجتثاث الرسل والرسالات واقتلاع جذورها، ويضرب لذلك أمثلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويحيى ويوسف عليهم الصلاة والسلام ويشير إلى عيسى عليه السلام باسم أمه مريم عليها السلام، ويجعلهم جميعًا جذورًا للعوسج، الشجر الشوكي المر الذي لا فائدة منه، وينادي بضرب جذور العوسج، رامزًا بذلك إلى اقتلاع الدين والرسل ورسالاتهم، وتهيئة الجو والمكان والزمان للملة الإلحادية، التي يسعى حثيثًا في نشرها والدفاع عنها، فيقول:

(أحمد حنا يوسف مريم

قل للضارب جذر العوسج: أهلًا

قل للمأخوذ بقبضة هذا المعول: أهلًا

(1)

انظر: أدونيس منتحلًا: ص 31.

(2)

أسئلة الشعر: ص 141.

ص: 1231

قل للفاتن والمفتون، وكل جمال: أهلًا)

(1)

.

ولا يقتصر على هؤلاء الأنبياء الكرام، بل يتعرض أيضًا لغيرهم، ومن ذلك جعله قصة سليمان وبلقيس والهدهد مجرد خرافة، ووصف سليمان عليه السلام بأنه مجرد رجل شهواني

(2)

، ويتمادى في ضلاله حين يصف النبوات بأنها:(. . . خرافة تُرضع بنتها السماء)

(3)

.

ويعلن عن ضجره لكون التاريخ المدون والمعاش في ارتباط دائم بميلاد النبي عيسى عليه الصلاة والسلام أو هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويطالب بكسر هذا النسيج، أي أنه يطالب بما لم يفعله الاتحاد السوفيتي الملحد، يطالب بتاريخ آخر غير مرتبط بالأنبياء بل مرتبط بالإلحاد والكفر، بالمجوس أو الوثنية اليونانية بأدونيس أو تموز أو عشتار، بأي شيء آخر غير الرسالات، يقول:

(هل انسللت في حشود كروية

مستطيلة مثلثة تتناوب رصد الأفلاك

قبل الميلاد قبل الهجرة

بعد الميلاد بعد الهجرة

سنوات تترادف وتروح في عباءات من وبر السلطان

مطابقان بشر وتأريخ أسوار تتداخل أو تتوازى، سحابة

واحدة وماء واحد

استطالات ترتد، ألن ينكسر مكوك هذا النسيج)

(4)

.

ولماذا كل هذه العداوة؟ إنه يجيب على ذلك في مقطع آخر بقوله:

(1)

المصدر السابق 2/ 337 - 338.

(2)

انظر: المصدر السابق 2/ 345.

(3)

المصدر السابق 2/ 401.

(4)

المصدر السابق 2/ 402.

ص: 1232

(لا نبؤة

بل رصد لمساقط الرؤوس)

(1)

.

وفي مقطع آخر يطرح أسئلة شك وتكذيب فيقول:

(وقلت

كيف يسبح الحصى في اليدين

وينبع الماء من الأصابع؟)

(2)

.

ويعتبر أن ما يجيء من السماء من وحي ورسالات مجرد جثث ميتة وآلهة مدعاة، وذلك قوله:

(وكواكب تقطر النجوم والتوابل

حيث السماء تمطر الجثث والآلهة)

(3)

.

واعتباره النبوات جثثًا هو ما صرح به في الثابت والمتحول بعبارة أخرى حين زعم أن الوحي ضد العقل وأن الوحي ليس معرفة حقيقة

(4)

، وحين اعتبر أن مشكلة الحضارة الإسلامية القديمة هي في ثنائية التناقض بين الوحي والعقل والدين والفلسفة

(5)

، وحين اعتبر أن المنهج التجريبي إبطال للنبوة

(6)

، وحين أثنى على ابن الراوندي في جحده للنبوات وتهكمه بالشرع والرسول

(7)

، والمعجزات النبوية، وعلى الرازي الملحد في إعلائه شأن العقل -حسب زعمه- وإبطاله للنبوة

(8)

، في كلام طويل سبق نقل معظمه في الفصل السابق.

(1)

المصدر السابق 2/ 568.

(2)

المصدر السابق 2/ 593.

(3)

المصدر السابق 2/ 725.

(4)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 256 - 257.

(5)

المصدر السابق 3/ 262.

(6)

الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 71.

(7)

المصدر السابق 2/ 74، 75، 76.

(8)

المصدر السابق 2/ 81، 82، 83.

ص: 1233

أمّا إذا انتقلنا إلى غير أدونيس، ممن يعتبر عند بعض الدراسين من المعتدلين في الحداثة، وهو إحسان عباس!! فإننا نجد أنه تحدث في كتابه "اتجاهات الشعر العربي" عن الأسطورة في الشعر المعاصر وكيف استخدمها الشعراء، وضرب لذلك أمثلة عديدة، وجعل منها المسيح ويحيى عليهما الصلاة والسلام والخضر وأخبار الإسراء والمهدي المنتظر، كلها عدها من الأساطير

(1)

.

وسوف أعرض هنا نموذجًا للفكر الحداثي والمغالطة الحداثية والافتراء الجريء على الحقائق الثابتة، وهذا يعطينا تصورًا عن نوعية القوم الذين يريدون أن يهدموا دين الإسلام بسواعدهم الضعيفة وأفكارهم الكليلة، ويعطينا صورة عن الموضوعية المدعاة والعقلانية المزعومة، يقول أحدهم:(إن سمو التوحيد -كل توحيد- يتطلب برهانًا كما الوثنية؛ لأنها إنشاءات تقام على افتراضات)

(2)

، أي أن وحدانية اللَّه تعالى مجرد إنشاء بشري قائم على محض الافتراض.

وإذا نظرنا في تقسيم التدين فإنه لابد أن يكون إمّا توحيدًا كملة أهل الإسلام وإمّا وثنية كمن عداها، حتى ولو كان صاحبها يدعي الإلحاد وعدم الإيمان بشيء فإن ذلك في حد ذاته وثنية.

وبما أن القائل يعيش الوثنيات المعاصرة ويتلبس بمفهوماتها فهو لا يحتاج إلى برهان في وجودها ووجود أتباعها، إذن هو يتطلب برهانًا للتوحيد الذي يبدو أنه يجحده أو يشك فيه، وحيث أن الرجل فرنسي النزعة فسوف نأتيه بفرنسي يحدثه عن المصدر الذي يتضمن إثبات التوحيد وتأكيده.

يقول موريس بوكاي

(3)

: (لقد فهمت بدراسة القرآن الكريم وذلك دون

(1)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 128 - 129.

(2)

رأيهم في الإسلام: ص 224، والقول لعبد الوهاب المؤدب من المغرب العربي.

(3)

موريس بوكاي من علماء الطبيعة الفرنسيين، له أبحاث تجريبية عديدة، اطلع على القرآن فأذعن لما فيه من مطابقات دقيقة للمكتشفات الحديثة والحقائق العلمية، فألف كتابًا عن ثبوت القرآن، والشك والتحريف في التوراة والإنجيل، وألقى في ذلك عدة محاضرات.

ص: 1234

فكر مسبق وبموضوعية تامة باحثًا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات بذكر أنواعٍ كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراية الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث)

(1)

.

ومع قيام هذه الحقائق نجد المستغربين لا يعلمون ولا يشعرون أنهم لا يعلمون، فها هو الحداثي المشار إليه آنفًا، يقول: (وكان التوحيد قد اخترق الجزيرة العربية في صيغته اليهودية والمسيحية، فكان بعض اليهود والمسيحيين ينتظرون موسى آخر وربما وجدوه بشخص محمد، إذ كان رجل ثقافة واسعة وتفهّم كبير فشعر أن شعبه جاهز للانصاط

(2)

على أهبة الاستعداد للفتح، فخط التوحيد بلغة الضاد، وأقام وحدوية رمزية تتسم بطابع الآنية كحافز لانطلاقة العرب، وأن تتخذ تلك الوقائع، الأسطورة هالة لها، فالأمر طبيعي.

قلت: إن محمدًا كان رجل ثقافة، فلماذا ادعو أنه أمي، لا يقرأ ولا يكتب؟ أمن أجل إضفاء مصداقية أكبر وشرعية أعظم تزيد الرسالة نفاذًا في النفوس؟ فكل كلام علمي يتلفظ به أمي، لابد من أن يتجاوز قائله ليصبح مصدره إلهيًا)

(3)

.

بالطبع لا يُمكن لقائل هذا القول أن يكون ممن يؤمن باللَّه ويصدق رسوله هذا أولًا، وثانيًا هذا القائل يكشف عن جهل فاضح، فهو يعد التوحيد دخل إلى جزيرة العرب عن طريق اليهود والنصارى، وهؤلاء مشركون ليسوا من الموحدين، أمّا نفيه أمية محمد صلى الله عليه وسلم فهو -إضافة إلى

(1)

القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، دراسة في الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة: ص 13 لموريس بوكاي.

(2)

هكذا ولعل الصواب الانضباط.

(3)

رأيهم في الإسلام: ص 225. والقول لعبد الوهاب المؤدب.

ص: 1235

مناقضته التامة للأخبار القطعية والأحداث التاريخية- قول قديم قاله الكفار من قبل {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)}

(1)

، وهي دعوى كاذبة لا رصيد لها من الحقيقة، ولو افترضنا جدلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مثقفًا ثقافة واسعة كما يقول هذا الضال لينفي الوحي والنبوة، فأي ثقافة كانت في عهده أو في من قبله تقول بأن الإنسان كلما صعد إلى السماء ضاق صدره واختنق؟، ومن الذي أخبره بأن لبن الأنعام يخرج من بين الفرث والدم؟، ومن الذي أخبره بأن الجزيرة العربية كانت مروجًا وأنهارًا؟ ومن الذي أخبره أن بين البحرين حاجزًا مائيًا؟، ومن الذي أخبره بأن الإنسان يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة؟، وغير ذلك من الأمور التي جاءت في الوحي، ما كان يعرفها هو ولا قومه ولا أي أمة من أمم الأرض، ولم تكتشف إلّا في هذه الأعصر المتأخرة بعد أبحاث طويلة وجهود متواصلة وتجارب عديدة.

أمّا السياب رائد الشعر الحديث كما يقولون فلم تكن ريادته في أنه قلد الإنجليز في شكل الشعر فحسب بل كانت ريادته أيضًا في أنه قلدهم في المضامين، ولم تكن ريادته عند أهل الحداثة لمجرد التجديد.

في الأساليب الشعرية بل لأنه تقحم في موارد الوثنيات ومراتع الضلالات، ومن أمثلة ذلك أنه عد وحي السماء أساطير بالية تجر القرون بمركبة من جنون ولظى وغبار السنين، يقول:

(أساطير، مثل المُدى القاسيات

تلاوينها من دم البائسين

فكم أومضت في عيون الطغاة

بما حملت من غبار السنين

يقولون وحي السماء

(1)

الآية 5 من سورة الفرقان.

ص: 1236

فلو يسمع الأنبياء

لما قهقهت ظلمة الهاوية

بأسطورة بالية

تجر القرون

بمركبة من لظى، في جنون

لظى كالجنون!)

(1)

.

وفي قصيدة "المومس العمياء" التي يقولون فيها بأنها إعلان انفصاله عن الشيوعيين

(2)

، يتحدث عن مجموعة من البغايا يبحثن عن رجال، ثم يقول في استخفاف بالأنبياء وجحد لهم يعبر عنه بلفظ الاندحار:

(والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين

نصبًا يخلد عار آدم واندحار الأنبياء)

(3)

.

وفي مقطع آخر يعلن عقيدته في الأنبياء وفي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم-فيقول:

(كفرت بأمة الصحراء

ووحي الأنبياء على ثراها في مغاور مكةٍ أو عند واديها)

(4)

.

أمّا توفيق صايغ فإنه يحصر النبوة في قوله:

(أدركوا أن النبوة بلاغة قول)

(5)

.

أمّا النصراني الآخر أنسي الحاج فإنه يعبر عن جحده للنبوات بقوله:

(1)

ديوان السياب: ص 34.

(2)

انظر: مقدمة الديوان "م م".

(3)

المصدر السابق: ص 529.

(4)

المصدر السابق: ص 642.

(5)

الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص 349.

ص: 1237

(صورة اللَّه في كتابات بعض الأنبياء هى صورة السلطان الذي كانوا يشتهون أن يكونوا)

(1)

.

أمّا الشيوعي سميح القاسم فإنه كتب مقطوعة إلحادية بعنوان "رسالة إلى اللَّه"

(2)

بدأها بعبارة نصرانية شهيرة: (سيد الكون أبانا)

(3)

، وفيها يجعل الأنبياء مجرد حكاية تداولها الناس ورددوها فيقول:

(أرضنا من عسل - يحكى - بها الأنهار - يحكى

من حليب

انجبت - يحكى - كبار الأنبياء

وعشقناها

ولكنها انتهينا في هوانا أشقياء

وحملنا كل آلام الصليب

يا أبانا كيف ترضى لنبيك البسطاء

دون ذنب - كل آلام الصليب!!

يا أبانا نحن بعد اليوم لسنا بسطاء

لن نصلي لك كي تمطر قمحًا

لن نداوي بالحجابات وبالرقية جرحًا

نحن أنجبنا على الحزن كبار الأنبياء

وخلقنا من أمانينا التي تكبر. . ربا)

(4)

.

(1)

خواتم: ص 78.

(2)

و

(3)

ديوان سميح القاسم: ص 63.

(4)

المصدر السابق: ص 65.

ص: 1238

وهي كلمات فجة تعبر عن العقيدة الشيوعية التي يعتنقها سميح القاسم ويرددها بغباء البلداء، نعم لقد اتخذ الشيوعية دينًا وفلاسفتها وقادتها طواغيت يعبدهم من دون اللَّه.

وله مقطوعة بعنوان "أبطال الراية" ملأها بالحديث عن موسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات اللَّه وسلامه، ويذكر بعض أعمالهم وعلاماتهم ومعجزاتهم في سياق جحد وإنكار وإبطال، على طريقة الملاحدة، وفيها يبدأ بجحد وجود اللَّه تعالى فيقول:

(واللَّه نحن نشاؤه بغرورنا

شيئًا له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنانياتنا

فاهبط من الأبراج من شم القباب

إذا استثير لهيبك القديس من صوت الضمير

وشقيت في ما يحمل الإنسان عن عبء العذاب

فالمس جراح الأرض في رفق

ودثر عريها الدامي بأسمال التراب

حطم وصاياك الشقية

واسجد مع الكفار للعجل الغبي فللسدى

تعطو امانيك الغبية

ألواحك الأجر تفري النمل والديدان

والأبريز في العجل المدلل يخطف الأبصار)

(1)

.

ثم يتحدث عن عيسى عليه السلام بعقيدة نصرانية ثم إلحادية فيقول:

(شرف الأقانيم الثلاثة والصليب

(1)

المصدر السابق: ص 318.

ص: 1239

شرف الدماء الزاكيات النازفات من الجراح

جراح هيكلك الخضيب

شرف الأحبوا بعضكم بعضًا

وهذا خبزكم جسدي وخمركمو دمي الجاري

وفي الناس المسره. . .

فارحم جراحك يا مسيح

ما عدت في الإنسان غير حكاية تحكى عن

الرب الجريح)

(1)

.

ثم يتحدث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قائلًا:

(حراء هل هجرت حمامتك الوديعة؟

هل جفتك العنكبوت؟. . .

عادت (منى) وأبو لهب

عادا فما تبت وتب!

والكعبة استخذت منابرها للغو خوارج

لا اللَّه يكبح من جماح ضلالهم، لا الأنبياء

ولا الكتب!

واستشهد الأنصار وانهارت مدينتهم

وشرّعت المساجد للصوص المارقين!

واللَّه أكبر لكنة جوفاء

تطلقها نفايات المسوخ التافهين

(1)

المصدر السابق: ص 320 - 322.

ص: 1240

فاركب بعيرك يا محمد

وتعال لي في الشمس معبد)

(1)

.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى ذكر ما يسميه رسول العصر ويقصد به الشيوعي الماركسي الذي لا يؤمن بإله ولا رسالات ولا غيب ولا معجزات، فيقول:

(ما جئت بالتنزيل! لم يفاجئك جبرائيل

في رهط الملائك بالنبوة!

لم تلق وجه اللَّه! لم تسمع من النيران دعوه!

لم تحي أمواتًا، ولم تنهض كسيحًا!

ولم تزل برصًا ولم تخلق نبيذًا من مياه

ولم تجيء بالمعجزات الخارقات

لكن وجهك يا رسول العصر أشرق في ظلام العصر

أحلامًا وإيمانًا وقوه.

وهدير صوتك حز أعماق الخليقه

فاستفاقت جذوة سجنت بأعماق الحياه

فإذا الظلام يسيح في ذعر، ونور الفجر

يولد في العيون المطفآت

وإذا أنا الإنسان! أجهر بالصلاة!

وإذا صغاري يشبعون، ويدرسون ويلعبون

ومشيئة الرحمن والأقدار

بعض من نفايات القرون

(1)

المصدر السابق: ص 320 - 322.

ص: 1241

والآرض بعد العقم أثمار وأزهار وخضره

فاسمع أغاني الثائرين

واشهد نهايات السجون

واهنأ فإنا باسمك الجبار نجتاز المجره!

واهنا فإن الشمس تشرق كل يوم ألف مرة!!)

(1)

.

وهذه المقطوعة، التي أترعها هذا الماركسي بعقائده الإلحادية، سخرية بالنبوة وجحدًا بالرسالات وتكذيبًا للَّه وإنكارًا للوحي، ثم بعد ذلك يأتي بالبديل الماركسي الشيوعي العلماني "رسول العصر" كما يسميه، ولكنه رسول ضلالة وإلحاد وقائد انحراف ومادية.

ثم يصور أنه يأتي بالازدهار والنور والنماء والتقدم، وهذا القول قاله قبل أن يتهاوى الاتحاد السوفيتي قبلة الماركسيين، والذي ظهر للعالم كله أنه بعد تهاويه كان مجمع فضلات وركام نفايات، ومأوى تخلف وفقر وجمود ورجعية وكان بحق "مزرعة حيوانات"

(2)

و"خمور فكرية"

(3)

وكان دينهم وملتهم "مذهب ذوي العاهات"

(4)

.

وفي موضع آخر يعبر عن عداوته للنبوة والأنبياء ولمن أرسلهم بعبارات أخبث من كلامه السابق يقول فيها:

(أي تنين خرافي الألوهة

سمل الأعين في تاريخنا. . أدمى وجوهه!!

يا يتامى فقدوا في بيتهم طعم الحياة!

يا صغار الأنبياء

(1)

المصدر السابق ص 322 - 323.

(2)

اسم رواية لجورج اوريل عن الشيوعية.

(3)

اسم كتاب لآرثر كوستلر عن الشيوعية.

(4)

اسم كتاب لعباس العقاد عن الشيوعية.

ص: 1242

يا رواة حفظوا كل أساطير السماء

شيدوا البرج فقد نادى الإله

وبكى "نوح" على الطوفان. . طوفان الدماء!!)

(1)

.

ويتحدث عن فلسطين قائلًا:

(نحن من أرض يقال

انها مهد النبوات يقال

بسطت نورًا وعرفانًا على الدنيا يقال)

(2)

.

وهذا تكذيب صريح بالنبوات وتهكم بالأنبياء عليهم السلام.

ونحوه قوله: (وطن الأكاذيب القديمة والرؤى والأنبياء)

(3)

.

فلا غرو أن يبيع هذا وأضرابه من العلمانيين فلسطين والقدس الشريف لليهود ويسلموها لهم، تحت شعار عملية الاستسلام التي تعيش دوامتها مرغمة، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه.

أمّا ممدوح عدوان فإنه يعلن عن جحد الرسالات بطريقته الخاصة فيقول:

(إني تبرأت من أول الكلمات

إلى آخر الصفقات

ومن أول الأنبياء

إلى صنم التمر)

(4)

.

أمّا علاء حامد فقد أكثر من ترديد جحده وإنكاره وتشكيكه في الرسل

(1)

ديوان سميح القاسم: ص 572.

(2)

المصدر السابق: ص 612.

(3)

المصدر السابق: ص 689.

(4)

الأعمال الشعرية لممدوح عدوان جـ 2 لابد من التفاصيل: ص 43 - 44.

ص: 1243

والرسالات والوحي، وقد نقلت في الفصل السابق على هذا جملة من أقواله في هذا المجال، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا

(1)

.

أمّا الشمطاء الرجيمة نوال السعداوي فإنها تقول على لسان إحدى شخصيات روايتها: (قلت لها: أعظم امرأة ليست من كتبت أعظم كتاب، وإنّما من ولدت أعظم رجل، قالت: مريم العذراء ولدت ابن اللَّه وأنا فقدت عذريتي في الطفولة، ولا أؤمن بالمسيح، قلت: بماذا تؤمنين؟ قالت: أؤمن بعقلي وبأي شخص يخاطب العقل وليس الرحم)

(2)

.

وتسخر بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبالمسيح عليه السلام في مواضع، متخذة هذا الأسلوب وسيلة للتشكيك والجحد كعادة أهل الحداثة والعلمنة

(3)

.

أمّا مؤلف كتاب موسوعة الفلكلور والأساطير العربية فإنه قد ساق مجموعة من أسماء الأنبياء وبعض أعمالهم على أنها أساطير، ومن ذلك قوله عن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحت عنوان "إبراهيم الخليل أساطيره ومأثوراته"

(4)

: (ولد بعد الطوفان بـ 1263 سنة أو بعد خلق العالم 3337 سنة، فمثله مثل كل الأبطال الأسطوريين الفلولكوريين، هؤلاء الذين يجيئون في أزمان لتحقيق رسالاتهم. . .)

(5)

.

ثم يسوق شيئًا من قصصه مع الملك النمرود ملك بابل، ومعارضته للأصنام، ورميه في النار، وولادة إسماعيل، وبناء الكعبة، على أنها جميعًا خرافات، حيث عقب على ذلك بقوله:(وبإيجاز شديد فإن كل هذه الأحداث والأفكار والحكايات والمآثر حول الخليل إبراهيم وخرافاته ما تزال تواصل تواترها واتصالاتها وتبادلاتها الشفهية والمدونة)

(6)

.

(1)

انظر: مسافة في عقل رجل: ص 6، 25، 56، 73، 192، 193، 195، 198، 199، 202، 203، 229.

(2)

سقوط الإمام: ص 83.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 26 - 27، 83، 122 - 124، 125.

(4)

و

(5)

موسوعة الفلكلور: ص 34.

(6)

المصدر السابق: ص 37.

ص: 1244

ثم يورد كلامًا عاميًا في قصة شعبية مخترعة عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليجعل من هذا الخلط المتعمد بين الحقائق والحكايات الشعبية وسيلة لجعل كل ذلك خرافة وأسطورة

(1)

.

وفي موضع آخر يتحدث عن إسماعيل عليه الصلاة والسلام باعتباره أسطورة من الأساطير والخرافات الشعبية

(2)

.

ويتحدث عن أبوته للعرب باعتبارها أسطورة وحكاية مقلدًا في ذلك طه حسين

(3)

، كما تحدث عن أمر اللَّه لإبراهيم بذبح إسماعيل وفداء اللَّه عنه على أساس أنها حكاية شعبية وخرافة أسطورية

(4)

.

وفي سياق تعداده للأساطير العربية يذكر قصة بقليس مع سليمان عليه السلام وقصة سبأ وسد مأرب كمثال من أمثلة الأساطير العربية

(5)

، وكذلك يسوف اسم شعيب عليه السلام وقصته، مع آيات من القرآن على اعتبار أنها من الأساطير والخرافات

(6)

.

وكذلك يأتي بقصص عن موسى عليه السلام ممزوجة بكلام شعبي وحكايات شعبية، ليخلص بعد ذلك إلى أن هذه حكايات وخرافات وأساطير

(7)

، ويجعل عصا موسى عليه السلام أسطورة وشارة سلفية حسب تعبيره

(8)

.

وعلى كل حال فالكتاب مليء بإنكار نبوة الأنبياء وجحد رسالاتهم والتشكيك فيها، من باب أنها أساطير وحكايات وخرافات، وهو في ذلك ليس ببعيد عن التيار الحداثي والملة العلمانية.

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 39 - 42.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 59 - 62.

(3)

و

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 170 - 175.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 124 - 127.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 440.

(7)

انظر: المصدر السابق: ص 508 - 530.

(8)

انظر: المصدر السابق: ص 488.

ص: 1245

‌الوجه الثاني من أوجه انحرافاتهم في الرسل الكرام: البغض والاستهانة والسخرية بالرسل وأعمالهم وأقوالهم

.

أمّا البغض فيكفي في التدليل عليه ما ورد آنفًا من جحد وإنكار وتكذيب، وتلك عادة قديمة في أهل الباطل من الذين كانوا كما قال اللَّه تعالى:{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)}

(1)

.

وقد مرّ معنا في فصل تأثرهم بالوثنيات، كيف احتفوا بالأساطير والأوثان، وكيف افتخروا بها وأشادوا بها وجعلوها ملهمة لإبداعهم وقبلة لأفكارهم ومشروعاتهم السياسية، مثلما فعل سعيد عقل وعصابة شعر، فهم مع الأوثان والخرافات والأساطير في إجلال وتعظيم وإعجاب وحب، وهم مع حقائق الإيمان في سخرية وتشكيك وجحد وتكذيب، وهذا من عمى البصائر -والعياذ باللَّه- وإلّا كيف يليق بإنسان -فضلًا عمن يدعي العقلانية والموضوعية والعلمية- أن يرتمي في أحضان الخرافات مؤمنًا بها مبجلًا لها مناضلًا عنها، ويبتعد عن الحقائق الكونية الكبرى التي تشهد لها البراهين العظيمة والأدلة الهائلة؟ إذا لم يكن هذا هو الانتكاس في العقول والمفاهيم فأين هو الانتكاس؟.

وقد عبر عن هذا البغض محمود درويق في سؤال وجواب ضمن مقطوعة طويلة:

(- لماذا تحارب

- من أجل يوم بلا أنبياء)

(2)

.

أمّا السخرية والاستهانة فإنها أسلوب قديم استخدمه أعداء الرسل والرسالات، ويستخدمه اليوم أرباب الحداثة والعلمنة، وقد ذكر إحسان

(1)

الآية 45 من سورة الزمر.

(2)

ديوان محمود درويش: ص 516.

ص: 1246

عباس هذا الأسلوب الحداثي وضرب أمثلة له وقال عنه: (السخرية أداة فعالة في التشكيك بالمسلمات)

(1)

.

أمّا أسلافهم فقد ذكر القرآن العظيم إنهم في مضادتهم للحق والهدى وعجزهم من المحاجة يلجأون إلى أسلوب السخرية؛ لينفروا الناس عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعن دعوتهم والخير والهدى الذي جاؤوا به.

ومن ذلك قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8)}

(2)

.

فهذه الوقاحة المقرونة بالسخرية بدأت بوصفهم للوحي بأنه ذكر أنزل من عند الحق، ثم أعقبوه بقولهم: إنك لمجنون؛ ليدل ذلك على أنهم مستهزئون بما قالوه أولًا، ومن ذلك قولهم:{وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36)}

(3)

، وقولهم فيما قصه اللَّه عنهم:{أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)}

(4)

.

وهذا دأب الذين من قبلهم: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)}

(5)

.

وأعظم وصف وأدقه في حال هؤلاء المستهزئين من الأقدمين والمحدثين ما ذكره اللَّه العليم في قوله الكريم: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)}

(6)

.

(1)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 158.

(2)

الآيات 6 - 8 من سورة الحجر.

(3)

الآية 36 من سورة الصافات.

(4)

الآيتان 13، 14 من سورة الدخان.

(5)

الآية 52 من سورة الذاريات.

(6)

الآية 212 من سورة البقرة.

ص: 1247

فهذا هو حالهم ركون إلى الحياة الدنيا، وشغف بها، وتشبث بمناهجها الأرضية ومعاييرها الدنيوية، يقود ذلك إلى سخرية من الذين آمنوا ومن دينهم وشرعهم وملتهم؛ وذلك لتباين ما بين الاتجاهين وتناقض ما بين العقيدتين.

ولشدة إغراقهم في الدنيويات والماديات يسخرون من أي معنى غيبي وأي قضية إيمانية؛ لأن قلوبهم الحيوانية لا تتجاوز حدود المحسوس، ولذلك كانوا يسخرون من نبي اللَّه نوح عليه الصلاة والسلام حينما كان يصنع السفينة ويستهزئون به ويضحكون ملء أفواههم، كيف يصنع سفينة في أرض لا بحر ولا نهر فيها؛ لأنهم لا يرون سوى العالم المادي المحسوس ولا يؤمنون بشيء سواه، قال اللَّه تعالى:{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)}

(1)

.

ومن جنس هذه السخرية ما نقرؤه اليوم من كتابات العلمانيين والحداثيين الذين يرون أن أمريكا والغرب لا يُمكن أن تنهار، في سياق ردهم على بعض الكتاب المسلمين الذين قالوا بأن إغراق الغرب في الفساد والانحراف والظلم والرذيلة والإلحاد والمادية سوف يكون سببًا في زوالهم.

ومن جنس هذه السخرية ما يرد به كثير من الناس اليوم على وعظ الواعظين وتنبيه المؤمنين من خطر الذنوب والمعاصي وإنها سبب لوقوع المصائب من حروب وفتن وجوائح، وجدب وقحط وغلاء معيشة وغير ذلك، فيسخر منهم المادي العلماني ويسخر الفاسق الفاجر، لأنهم جميعًا لا يرون سوى الحياة المادية الدنيوية ولا يؤمنون إلّا بما يرون ويحسون، شأن البهائم والأنعام.

(1)

الآيتان 38 - 39 من سورة هود.

ص: 1248

ولكن هل تنتهي قضية الاستهزاء والسخرية هكذا من دون عواقب ولا نتائج؟، لقد أخبر اللَّه تعالى بنتيجة ذلك في قوله:{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)}

(1)

.

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)}

(2)

.

ولاشك أن من يقرأ منهم هذه النقول، وهذه الأدلة سوف يسخر ويستهزيء، ويضحك ويتندر؛ لأنهم في وادي أبي جهل يعمهون، ولا يُمكن لهم أن يفقهوا مثل هذه المعاني إلّا إذا أمكن البهيمة أن تعرفه، {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)}

(3)

.

وإذا ذهبنا نتتبع ما في كلامهم من استهانة بالرسل والرسالات وسخرية بهم وبأعمالهم وأقوالهم فإن ذلك يطول، وسوف نذكر شيئًا من ذلك للدلالة على انحرافهم، فمن ذلك قول أدونيس مستخفًا:(ونوح في سفينتي غريق)

(4)

.

وقوله مستخفًا بالنبوة ومدنسًا لها:

(إنني نبيٌ وشكاك. . .

إنني حجة ضد العصر)

(5)

.

(1)

الآية 10 من سورة الأنعام.

(2)

الآيات 29 - 36 من سورة المطففين.

(3)

الآية 44 من سورة الفرقان.

(4)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 124.

(5)

المصدر السابق 1/ 278.

ص: 1249

وقوله:

(. . . والبريق

حجر جالس على طرف الوجه نبىٌ لدمعه وصديق)

(1)

.

ويقول:

(كان صوتي نبيًا رميت على شمسه ردائي)

(2)

.

ويقول:

(لي فرس وها هو الإسراء)

(3)

.

كل هذا في تقديسه لنفسه وتدنيس النبوة والأنبياء، ومن ذلك تقديس القصائد الحداثية وغموضها ومتاهاتها الفكرية، وذلك في قوله:

(ذات يوم

تصير القصائد بوابة المدينة

نحو أرض الغرابة

وتصير الغرابة

وطن الأنبياء)

(4)

.

في سخرية بالنبوة وأتباعها من المسلمين يقول:

(ثمة رأس كالصندوق بلبس حذاء النبوة)

(5)

.

ولعمر اللَّه أن قائل هذا رأسه كبرميل النفايات فيه زبالات الأفكار وقاذورات الإلحاد، وإن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، بل ما

(1)

المصدر السابق 1/ 473.

(2)

المصدر السابق 1/ 476.

(3)

المصدر السابق 1/ 478.

(4)

المصدر السابق 1/ 488.

(5)

المصدر السابق 1/ 549.

ص: 1250

نقوله في وصفكم أدنى مما تستحقون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

وفي سياق امتداحه لمهيار، وهو رمز يقصد به نفسه والحداثة العربية الشعوبية الباطنية، يجعل مهيارًا رمزًا للحياة الجديدة، ورأسه هو الذي يهب الفاعلية للحياة، ويقول بأنه ليس إلهًا ولا نبيًا؛ لأنه أعلى منهما، هو نار ونفير وصاعقة وزلزال ووجه يسطع كالجوهرة، يقول:

(الرأس: "صوت بعيد":

ليس صوتي إلهًا

ليس صوتي نبيًا

صوتي النار والنفير

صوتي الصاعق المزلزل والطالع البشير

الجوقة: "غير منظورة"

وجهه مهيار في الماء يسطع كالجوهرة)

(1)

.

ومن استخفافه بالأنبياء قوله:

(واشنق الرغيف كأنه أفق النبي)

(2)

.

أمّا المقطوعة التي أشرنا إليها مرارًا والتي يذكر فيها الإسراء والمعراج على سبيل التهكم والسخرية والاستخفاف وعلى أساس أنها أسطورة من الأساطير، فقد امتلأت بالألفاظ الإلحادية التي يسخر فيها ويستهزئ بالرسول صلى الله عليه وسلم وبحادثة الإسراء والمعراج وبالملائكة، بل وباللَّه -جَلّ وتقدس

(3)

-.

ومن أقواله الخبيثة قوله:

(1)

المصدر السابق 2/ 112.

(2)

المصدر السابق 2/ 130.

(3)

انظر: المصدر السابق 2/ 126 - 146.

ص: 1251

(لم يبق نبي إلأتصعلك، لم يبق إله)

(1)

.

ويستخدم بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم استخدامًا سيئًا يدل على عمق استهانته بالإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، يقول:

(وكان مكتوبًا: "أصبح وأنا لا آمل أن أمسى

أمسى وأنا لا آمل أن أصبح

ينزجر هكذا نصفي، ونصفي الآخر لا ينزجر وأتقدم كأنني

اتأخر، كسرطان مذعور)

(2)

.

ويستمد أدونيس من أقوال أسلافه الذين سخروا من الأنبياء وشتموهم ونعتوهم بالجنون، يستمد مفهومًا حداثيًا، فيقول:(وكثيرًا ما قُرن بين النبي والمجنون في التقليد الديني القديم، الجنون إذن، نوع من رؤيا الغيب وهو من حيث أنه رمز شعري يمنح الشاعر مزيدًا من الحرية ليعبر عن غير الطبيعي وغير العادي، بدءًا من الطبيعي - العادي، والجنون عند جبران يشير إلى مغامرته الروحية وإلى التوتر التراجيدي في بحثه عن المطلق، بدءًا من الثورة على المجتمع، تقاليد وشرائع)

(3)

.

فهو أولًا يصدق -ضمنًا- مقالة الذين رموا الأنبياء بالجنون، وثانيًا يجعل المجنون والشاعر الحداثي في منزلة النبي من حيث أنهم يشتركون في نوع من رؤيا الغيب.

(1)

المصدر السابق 2/ 266.

(2)

المصدر السابق 2/ 551.

ويشير في ذلك إلى أثر "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء" وهو موقوف على ابن عمر أخرجه البخاري فى كتاب الرقاق، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كن في الدنيا كانك غريب أو عابر سبيل" 5/ 2358، وبنحوه في الترمذي كتاب الزهد، باب: ما جاء في قصر الأمل 4/ 567.

(3)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 17.

ص: 1252

وهذا القول الذي يقوله أدونيس مستندًا على قول الأعداء القدامى للرسل يذكر بقول نصر أبو زيد حين جعل الوحي قرينًا للشعر والكهانة والسحر، باعتبار أن كل منهما اتصال بين الإنسان وغير الإنسان، وأن ذلك هو الأساس المعرفي لظاهرة الوحي كما يقول

(1)

.

قال اللَّه تعالى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)}

(2)

.

ويأتي أدونيس بأقوال ابن الراوندي التي يسخر فيها بالمعجزات النبوية

(3)

؛ ليجعل من ذلك قاعدة له في نفي الرسل والرسالات ثم يأتي بقول أستاذ من أساتذته الغربيين فيه تهكم وشتم لعيسى عليه الصلاة والسلام، ويطلب مق أتباعه أن تصل جرأتهم إلى هذا المستوى، فيقول: (كلنا يعرف من هو المسيح، ولعلنا نعرف كيف خاطبه رامبو

(4)

: "يسوع يا لصًا أزليًا يسلب البشر نشاطهم" حين تصل جرأة الإبداع العربي إلى هذا المستوى، أي حين تزول كل رقابة، يبدأ الأدب العربي سيرته الخالقة، المغيرة، البادئة، المعيدة)

(5)

.

إنها دعوة صريحة إلى سلوك هذا الطريق المظلم وهدم هذا الأصل العظيم، وطبيعي أن تكون معاداة الرسل ومناهجهم من أهم أهداف وغايات الحداثي الملحد والعلماني الضال؛ لأنه لا يوجد من يقاوم هذا التيار الكفري إلّا الدين، ولذلك دعا أدونيس إلى التردي إلى مستوى رامبو في السخرية والشتم للأنبياء، ويعتبر أن الأدب العربي لا يُمكن أن يحقق سيرته ومكانته إلّا

(1)

انظر: مفهوم النص: ص 33 - 39.

(2)

الآية 53 من سورة الذاريات.

(3)

انظر: الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 75، 76.

(4)

رامبو أحد أعلام المذهب الرمزي في الأدب، وأحد شعراء الحداثة الذين توجهت إليهم أفئدة الحداثيين العرب حبًا وتقليدًا، تعود قصيدة النثر إليه، وعلى منواله نسج المقلدون له خاصة أدونيس وأنسي الحاج، وهو أول من أطلق على الشاعر اسم الشاعر النبي، وتهجم على عيسى عليه الصلاة والسلام، فقلده الحداثيون في كل ذلك. انظر: في النقد الحديث ص 152 - 153.

(5)

زمن الشعر: ص 148.

ص: 1253

بالوصول إلى هذه الحضيض من الانحراف، وقد استجاب له الحداثيون فعلًا، وسلكوا مسلكه ومسلك رامبو، وسوف يأتي في شواهد هذا الوجه ما يؤكد ذلك.

ومن المقارنات العجيبة أن نجد أن أدونيس وأتباعه يطالبون بشتم الأنبياء والاستهانة بهم، وفي ذات الوقت يقدسون الأوثان ويقيمون لها أعظم الاعتبارات ويلوذون بها فكريًا، ويجعلونها ملهمة لأعمالهم وإنتاجهم، بل وسياساتهم وهويتهم، وقد ذكرت شواهد كثيرة في الفصل الرابع من الباب الأول من هذا البحث.

هل بعد هذه المقارنة الأكيدة من دليل يدل على أن الحداثة ليست سوى شعار لبسه أعداء دين اللَّه ليصدوا عنه ويحاربوه ويناقضوه؟.

وقد ذكرت أقوالًا عديدة للضال عزيز العظمة ينفي فيها النبوة والوحي ويجحد وجود الأنبياء، ومن ذلك مقاله الذي يدافع فيه عن المرتد سلمان رشدي في كتابه "الآيات الشيطانية"، واستدلاله بقصة الغرانيق المكذوبة وتأكيده أنها صحيحة حيث يقول:(ليس ثمة سبب تاريخي للطعن برواية الطبري بل هي أقرب إلى العقل من الرواية التقليدية، التي ترى في الإسلام شأنًا ولد كاملًا مكتملًا خارجًا عن نصاب وقائع وطبائع التاريخ. . . التوحيد الإسلامي ولد على تخوم الوثنية وغيرها من الأديان، وأن الإسلام في تطوره تعاطى مع وقائع اله سيحية واليهودية، وأنه تعاطى مع الوثنية المكية الطواف، السعي، تقديس الحجر الأسود، ولا تمتنع الدبلوماسية الدينية التي مارستها عبقرية محمد، بل إن العلاقة بين الآلهة والمواضع الحرم السياسية والعشائرية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية في عصر محمد وقبله شأن معروف للمؤرخين حتى الإسلاميين منهم)

(1)

.

هذا النص نموذج للحقد الكامن في قلب هذا النجس على الإسلام وأهله، ودليل على الجهل أو التجاهل المقصود، فهو يصحح قصة الغرانيق

(1)

الناقد- العدد 9 آذار 1989 م/ 1409 هـ: ص 9 - 10.

ص: 1254

الموضوعة، ويكذب بالقرآن جملة وتفصيلًا!! وذلك بجعله التوحيد الذي يصف اللَّه به محمدًا صلى الله عليه وسلم يقوم على تخوم الوثنية والأديان المحرفة، فتأمل سوء القصد وشناعة المغالطة، وخبث الطوية وعمق العداوة للإسلام.

وعلى النسق نفسه يكتب أحدهم قصة قصيرة بعنوان "مهابهاراتا" كلها سخرية بنبي اللَّه آدم وزوجه حواء عليهما السلام، وتوظيف جنسي داعر، وعهر مكشوف، وتدنيس لهما عليهما السلام، يصور في هذه القصة المعاشرة الجنسية بين آدم وحواء بأسلوب خبيث وقح، بل ويصور أن آدم عليه السلام يمارس الزنى مع أخرى اسمها "ليليت"

(1)

.

أمّا أنسي الحاج فإنه يكتب في المجلة نفسها التي نذرت نفسها لخدمة الوثنية المعاصرة، وثنية الحداثة والعلمانية، ولمحاربة الإسلام والمسلمين، سائرة في ذلك على خطى مجلة شعر وبرامج يوسف الخال، كتب أنسي الحاج تحت عنوان "رحلة في جحيم الحقيقة الصغيرة" يخاطب اللَّه -جلَّ وعلا- بخطاب خبيث ساخر معترض متهم، كقوله:(أيكون جوهرك هو الفظاعة وتكون أنت لا إله الرحمة بل رب الاستمتاع بالتعذيب والقهر والتدمير والقتل باثًا وجودك لا على أساس الخلق للخلود، ولكن على أساس الخلق للإعدام، وتكون هكذا يا اللَّه أشرس كائن في الكون!؟)

(2)

.

وعلى هذا المنوال كل مقاله الحقير، الذي جمع فيه كل خبثه وإلحاده واستقاءه كتابة على صفحات مجلة الناقد الجاهلية الإلحادية التي فتحت صدرها العفن لاستقبال كل هذا الصديد من مثل قوله: (هذه هي الحقيقة لا فلسفة لا دين لا مؤسسات لا دول، الوداع لكل هذا. . .، وحده الشعر عرف الحقيقة البشعة، عرف كل الحقيقة أكثر من الأنبياء والآلهة. . .

أتطلع إليك يا إله الشر،. . . اعبر لك عن ثورتي وأوبخك. . . كيف تستطيع النوم بعد مذابحك؟ كيف تستطيع العيش وليس فيك غير الهول

(1)

الناقد- العدد 9 آذار 1989 م/ 1409 هـ: ص 50، والقصة لإسماعيل الأمين الذي عرفته المجلة بأنه كاتب من لبنان يعمل حاليًا في الصحافة العربية بلندن.

(2)

الناقد - 13/ كانون الأول 1989 م/ 1410 هـ: ص 6.

ص: 1255

ورياح القبور، فوقك تئن أرواح ضحاياك، وتحتك تصطك جماجمهم وحولك تلتهب بالدعوات الضامئة عيون المشتهين قتلك. . .

يا اللَّه، أتحب محبتك للإنسان أكثر أم حكمتك؟ هل أنت أسير حكمتك قضائك وقدرك؟ ولا يكسر طوقهما ولا يحررك منهما إلّا المعجزة، اجباري إياك بالصلاة أو بتحريكي شعورك بالذنب أو بأي شيء آخر، على اجتراح المعجزة، المعجزة هي منك أم ضدك، من أنت يا اللَّه؟. . .)

(1)

.

والمقال كله من هذا النوع الدنيء، سبحان ربي وتعالى عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.

ومن أمثلة الاستهانة والتحقير ما سبق نقله في الفصل السابق من قول حسن حنفي أن النبي قبل عرض قريش بذكر آلهتهم "الغرانيق" على أساس أنه رجل سياسة وليس نبيًا

(2)

.

وفي السياق نفسه دافع عن سلمان رشدي في روايته القذرة آيات شيطانية، والتي ممخر فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم أشد السخرية، يقول عنه حسن حنفي:(سلمان رشدي لم يقل شيئًا، أنا لا أتعرض لهذه الرواية -رواية سلمان رشدي- والأديب حُرٌّ في أن يكتب كما يشاء وحتى ولو كان مؤرخًا أو كاتبًا للسيرة فلا ينتقد إلّا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي، أما إنه كافر وخرج. . . فهذا لا وجود له على الإطلاق هذا جزء من الحداثة)

(3)

.

وهذا إقرار صريح منه بتبني الأسلوب الذي مارسه سلمان رشدي في الاستخفاف والسخرية والتحقير، ولا غرو أن يكون كذلك فقد قال اللَّه تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

(1)

المصدر السابق: ص 8 - 9.

(2)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 234.

(3)

المصدر السابق: ص 235.

ص: 1256

(67)

وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)}

(1)

.

ومن أمثلة الاستخفاف قول نزار: (كل عمل عظيم كان في الأساس مغامرة، النبوة مغامرة والثورة مغامرة والحب مغامرة. . .)

(2)

، وستأتي أمثلة أخرى من أقواله في موضع لاحق من هذا الفصل.

ومن الأمثلة قولط بدر شاكر السياب مستهينًا بآدم عليه السلام:

(ويصرخ آدم المدفون فيّ: رضيت بالعار

بطردي من جنان الخلد أركض إثر حواء

أريدك يا سرابًا في خيالي ليس يسقيني)

(3)

.

وقوله مستهينًا بعيسى بن مريم ونوح عليهما الصلاة والسلام:

(امتد نحو القبر دربٌ، بابُ

من خشب الصليب: فالمسيح

مات، وفي الطوفان ضل نوح)

(4)

.

وقوله:

(والجوع لعنة آدم الأولى وإرث الهالكين)

(5)

.

وقوله:

(يا سقف أعمالنا

يا ذروة تعلو لأبطالنا

(1)

الآيتان 67 - 68 من سورة التوبة.

(2)

قضايا الشعر الحديث: ص 243.

(3)

ديوان السياب: ص 264.

(4)

المصدر السابق: ص 272.

(5)

المصدر السابق: ص 369.

ص: 1257

ما حزَّ سوط البغي في ساعديك

إلا، وفي غيبوبة الأنبياء

أحسست أن السوط، أن الدماء

أن الدجى، أن الضحايا، هباء)

(1)

.

وفي مقطوعة مليئة بأنواع الضلال من تهكم وسخرية، يقول عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم مستهينًا:

(كمئذنة تردد فوقها اسم اللَّه.

وخط اسم له فيها

وكان محمد نقشًا على آجرة خضراء

يزهو في أعاليها

فأمسى تأكل الغبراء

والنيران من معناه

ويركله الغزاة بلا حذاء

بلا قدم

وتنزف منه، دون دم

جراح دونما ألم

فقد مات

ومتنا فيه، من موتى ومن أحياء

فنحن جميع أموات

أنا ومحمد واللَّه.

(1)

المصدر السابق: ص 385.

ص: 1258

وهذا قبرنا: انقاض مئذنة معفرةٍ

عليها يكتب اسم محمدٍ واللَّه.

على كسرة مبعثرة

من الآجر والفخار

فيا قبر الإله على النهار

ظل لالف حربةٍ وفيل

ولون أبرهه

وما عكسته منه يد الدليل

والكعبة المخزومة المشوهة)

(1)

.

وهي مقطوعة مشبعة بهذا المحلول الإلحادي إلى آخرها.

ومن أمثلة استخفافه بالأنبياء قوله عن عيسى عليه الصلاة والسلام:

(والمسيح المبيعَ بخسًا بما لو بيع لحمًا لناء عن تسديد)

(2)

.

ومن ذلك قوله عن النبي محمد وعن المسيح عليهما الصلاة والسلام:

(هم التتار أقبلوا، ففي المدى رعاف

وشمسنا دم، وزادنا دم على الصحاف

محمد اليتيم أحرقوه، فالمساء

يضيء من حريقه، وفارت الدماء

من قدميه، من يديه، من عيونه،

وأحرق الإله في جفونه

(1)

المصدر السابق: ص 395 - 396.

(2)

المصدر السابق: ص 409.

ص: 1259

محمد النبي في حراء قيدوه

فسُمِّر النهار حيث سمروه

غدًا سيصلب المسيح في العراق

ستأكل الكلاب من دم البراق)

(1)

.

ويقول عن المسيح عليه الصلاة والسلام:

(ليت المسيح الذي داجى بشرعته من باع مثواه راءٍ فيك عن كثب)

(2)

.

ويتحدث عن مجموعة من المومسات في بيت دعارة قائلًا:

(والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين نصبًا يخلد عار آدم واندحار الأنبياء)

(3)

.

وشعر السياب من هذا النوع كثير، ومليء بأمثال هذه الانحرافات الهائلة، ولا عجب أن يكون كذلك وقد تلقى الحداثة عن الإنجليز، ثم تربى في أحضان الماركسيين، ثم لما تاب انقلب إلى مجلة شعر وشعراء تموز ومنظمة حرية الثقافة، وهل يرجى من الشوك العنب؟!.

وصنوه وشبيهه عبد الوهاب البياتي، لم يدع هذا الركن العظيم، فقد سلط عليه سهام بغضه واستهانته، من جب قلبه المليء بالماركسية والشيوعية ثم الوجودية ثم المادية اللبرالية، ومن أمثلة ذلك تسميته النبي "ابن السماء" و"العمدة المرهوب"، وذلك في قوله:

(وهناك عبر الحقل أكواخ تنام ونستفيق

عبر الطريق

(1)

المصدر السابق: ص 467 - 468.

(2)

المصدر السابق: ص 499.

(3)

المصدر السابق: ص 529.

ص: 1260

بشر ينام ويستفيق

بشر مع الدواب السائبات على سواء

ما دام ينعم بالثراء

ابن السماء

العمدة المرهوب والخبز العريق. . .

والعمدة المرهوب يمسح بالسياط دم الظهور

كتل مشوهة تدور

حول الزرائب، والقبور النائمات على القبور)

(1)

وهذا غاية في الاستخفاف والاستهانة من خلال هذه التسميات الباطلة، ثم يربط النوم والتخلف والحيوانية بالنبوة.

ومن أقواله المشابهة للقول السابق:

(قدمت أوراق انتسابي لرسول الأب

وقوميسار الشعب

من أجل أن تشرق شمس اللَّه.

على الغد المسكون بالخوف وبالأشباح

لكنه سلمني لغرف التعذيب والسجون والبوليس

والنفي والتشريد

فالعملة الرديئة

قد طردت في مدن الأزمنة الحديثة

(1)

ديوان البياتي 1/ 168 - 169.

ص: 1261

العملة الجيدة الجديدة)

(1)

.

ويسخر من النبي صلى الله عليه وسلم ومن حادثة شق الصدر، ثم يربط ذلك بالتخلف والمقابر والكتب الصفراء التي تعني عنده وعند أمثاله من الحداثيين الجمود والرجعية، يقول:

(قلت شبابي ضاع في المقابر

والكتب الصفراء والمحابر. . .

ودارت الأفلاك

ولم أزل أبحث في "تهامة"

عن تلكم الحمامة

وفي مساء زارني ملاك

ووضع القمر

على جبيني، شق صدري، انتزع الفؤاد

أخرج من حبة السواد

وقال لي إياك فالعنقاء

تكبر أن تصاد

فعد إلى المقابر

والكتب الصفراء والمحابر

من بلد لبلد مهاجر)

(2)

.

وفي مقطوعة شيوعية صارخة، يبين أن هذا العصر هو عصر المداخن وهافانا وجيفارا، وعصر خلعت فيه أوروبا حياءها ودينها، ويعبر عن ذلك -

(1)

المصدر السابق 2/ 128 - 129.

(2)

المصدر السابق 2/ 141 - 142.

ص: 1262

بتدنيس وقح- في تشبيه الصديقة مريم أم عيسى عليهما الصلاة والسلام بالداعرات، ثم يسأل بعد ذلك لماذا لم تعلن البلاد المسلمة عن مثل هذا؟ ولماذا لم تقم بالدور الذي قامت به البلاد الشيوعية، وأوروبا الغربية؟، يقول:

(جيفارا الليلة فوق مداخن هافانا يظهر للناس

والعذراء على شاشات التلفزيون وفي باب نجوم الأخبار

تعلن عن قمصان للنوم وعن شقق للإيجار

فلماذا يا شيراز

لم تعلن عائشة عن قائمة الشهداء)

(1)

.

أمّا صلاح عبد الصبور فقد سبق أن نقلت مقطعأ من قصيدته "الناس في بلادي" وبينت مضامينه الاعتقادية المنحرفة، ومنها الصورة الساذجة التي يرسمها لبطل القصة "مصطفى" حيث يقول عنه:

(وعند باب قريتي يجلس عمي مصطفى

وهو يحب المصطفى)

(2)

.

هذه الصورة الساذجة التي يصور بها عقلية "مصطفى" هذا، تنبيء عن مقدار الاستهانة بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث جعل من علائم بساطة وسذاجة "مصطفى" أنه يؤمن به وبالقدر، وقد سبق بسط ذلك.

ونحو ذلك قوله في وصف سذاجة أمه، رابطًا ذلك بإيمانها بالغيب وبالنبي:

(إلى أمي البرة الطاهرة

تخوفني نقمة الآخرة

(1)

المصدر السابق 2/ 440.

(2)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 30.

ص: 1263

ونار العذاب

وما قد أعدوه للكافرين

وللسارقين ولللاعبين

وتهتف إن عثرت رجليه

وإن أرمد الصيف أجفانيه

وإن طنطنت نحلة حوليه

باسم النبي)

(1)

.

ثم يتحدث عن موت أخيه وعن دفنه، جاعلًا الحياة الدنيا مجال الصحوة والعمل والانجاز والعظمة وليست الآخرة، يقول عن أخيه:

(وفي حفرة من حفار الطريق

وهبناه للأرض باسم النبي. . .

ومن موته انبثقت صحوتي

وأدركت يا فتنتي أننا

كبار على الأرض لا تحتها

كهذا الرجل)

(2)

.

وفي مرثية لجمال عبد الناصر، يتحدث عن التاريخ الإسلامي وعن أمجاد المسلمين الأوائل، فيجعل معركتي أحد وبدر مجرد شارات على رداء النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ينتقل لوصف الحياة التي كانت تعيشها مصر أيام جمال تحت حكمه بأنها تختلف عن حياة النبي وأصحابه الذين كانوا يعيشون أيامًا يقضونها إلى يوم المعاد، أمّا حياتهم في عهد جمال فكانت

(1)

المصدر السابق: ص 59، ونحوه في ص 60.

(2)

المصدر السابق: ص 61.

ص: 1264

تاريخًا كأروع ما تكون ملاحم التاريخ، والمجد، والأمنيات، وهي مقارنة سخيفة استهدف فيها إعلاء شأن عبد الناصر ونظامه المعادي للإسلام والمسلمين وخفض شأن النبي صلى الله عليه وسلم وحياته المليئة بالخير والمجد والفضل والكمال في كل شيء، يقول:

(أحد وبدر شارتان على رداء محمد، عاش الجهاد

لا، لم نكن نحيا كما يحيون أيامًا نقضيها إلى يوم المعاد

بل كان ما نحياه تاريخًا كأروع ما تكون ملاحم التاريخ

ساح ترن بها أغاني المجد مرعدة، وحمحمة الجياد)

(1)

.

أمّا النصراني اللبناني يوسف الخال فإنه على نمط عقائد الكتاب المحرف يرمي نبي اللَّه سليمان عليه الصلاة والسلام بالعظائم، ويتحدث بلسان إحدى الداعرات قائلًا:

(ولو رآني سليمان

أما جن قلبه لدلالي

وارتمى خاشعًا يقبل وجه

الأرض من موطئي وظل نعالي)

(2)

.

أعز اللَّه نبيه وشرفه، وقبح وجه هذا المستهزئ الضال.

وفي موضع آخر يستخف بالنبي، ويقصد عموم الأنبياء، ويجعل وجودهم بمثابة الخمر الذي يخدر الأحلام، وهي عبارة تشابه المبدأ الشيوعي الإلحادي "الدين أفيون الشعوب"، يقول:

(بعيدًا عن اللارجوع

نصير يتامى

(1)

المصدر السابق: ص 344.

(2)

الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص 127.

ص: 1265

ولا شيء يفعل، يجعل أحلامنا

خمورًا على اسم نبي

مشاعًا نصير)

(1)

.

أمّا النصراني الآخر جبرا إبراهيم جبرا فله أسلوبه في التهكم والسخرية بالأنبياء، كما في قوله:

(نسمة الطريق المائج ليلًا بالعيون

ملجأ الغرباء والأنبياء

عشاق الأرصفة الطوال

نسمة الطريق السادر الهادر النازل

من البيت إلى الكهف والعين الصاعد

من البيت إلى الجلجلة

من فرشة الأحلام إلى الصليب

نسمة الطريق، حاملة الروث والياسمين. . .

هو الكذبة التي لا محيد عنها، الكذبة التي

صدقُها انبثق من الطريق عشيق الأنبياء والشاردين

والطيف هو الطريق والنسمة همسُهُ

لمسة النهدين الهائمين في ليلة الحر لطويل)

(2)

.

وللنصراني الآخر، عميل وكالة المخابرات الأمريكية توفيق صايغ، كلام بذيء يخاطب فيه اللَّه تعالى، ويستخف فيه بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، يقول مخاطبًا اللَّه تعالى:

(1)

المصدر السابق: ص 356.

(2)

المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا: ص 124 - 125.

ص: 1266

(أأدركت ما بنا

أم أأعماك الغرور واللاانتظار

وإباؤك أن ترانا انتشينا

نقمة ومقتا

نجزيك بهما عن الليالي المداد

نقعتنا بها بحمأة الترجي

ولا رجاء

ونفضتنا عنك ارخص مما اشتريتنا

ولم تخلف لنا

غير وعد برسول من لدنك

ينقل لنا خيراتك

ينفخ في رماد الذكريات؟

أراعك انا استددنا

حول الرسول ساخرين

واما شدا باسمك

خائفًا خافتًا

شدونا عالين صاخبين:

بغير حب إلهي بغير محبة؟

ولم نعذب رسولك ليبوح

انك مغلوب كايانا

وفي عوز مثلنا وأسرٍ وصحراء

ص: 1267

ورسالاتك هذي إلينا

استغاثات لا غرام

وتقربك الآن إلينا

ليس حبًا بقربي

لكن لتسكين إبرة فيك

لا تكل)

(1)

.

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)}

(2)

.

هذا الكلام الردئ النابع من قلب خبيث، وعقيدة تطفح بالضلال فيه إشارة إلى مضمون الملة الحداثية، ودلالة على موقفها من دين اللَّه القويم، ومن رسالات الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وهو كلام جمع بين ركاكة المبنى وخبث المعنى، ومع ذلك يعدونه من كبار المبدعين ومن رواد المجددين!!.

ويقول في موضع آخر مستخفًا بعيسى عليه الصلاة والسلام:

(يسوع الشيخ

عاد فتيًا يلاعبني)

(3)

.

وللنصراني أنسي الحاج مشاركاته القذرة في هذا الصدد، وقد سبق نقل كلامه الذي نشره في مجلة الناقد، وهنا من كتابه خواتم يخلط في تسوية تدنيسية بين الأنبياء الأطهار والملاحدة الكفار، وذلك في قوله:

(المسيح. محمد. روسو. فورييه. ماركس

(1)

المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص 204 - 205.

(2)

الآيات 180 - 182 من سورة الصافات.

(3)

المصدر السابق: ص 290.

ص: 1268

يرسمون للآخرين أوطانهم وكأنما ليبقوا هم غرباء)

(1)

.

أمّا الماركسي العراقي سعدي يوسف فيقول:

(حجر للنبي الذي كان يلعب

أو للصبي الذي كان يتعب)

(2)

.

ويقول تحت عنوان "قصيدة مديح إلى مؤرخ مغربي":

(كان في "سبته" هذا الطفل

لم يحمل إلى الشاطيء والبحر الذي يُغرقه وهما

وما كان نبيَّ القهوة المغتربه

كان بين الأتربه)

(3)

.

ويتحدث عن نفسه تحت عنوان "الأخضر بن يوسف ومشاغله" جاعلًا النبي رمزًا يعلق عليه سخرياته واستهاناته، ويرفع نفسه إلى مستوى الأنبياء، وهذا لون آخر من الاستهانة، يقول:

(نبي يقاسمني شقتي

يسكن الغرفة المستطيله

وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب وسر الليالي الطويله

وحين يجالسني

وهو يبحث عن موضع الكوب في المائده

-كانت فرنسية من زجاج ومعدن-

أرى حول عينيه دائرتين من الزرقة الكامده

(1)

خواتم: ص 138.

(2)

ديوان سعدي يوسف: ص 93.

(3)

المصدر السابق: ص 94.

ص: 1269

وكانت ملابسنا في الخزانة واحدةً:

كان يلبس يومًا قميصي

وألبس يومًا قميصه

ولكنه حين يحتد

يرفض أن يرتدي غير برنسه الصوف

ويرفضني دفعة واحده

ويدخل كل المزارع

يحرث أو يشتري سكرًا

أو يقول العلامه

ولما التقينا على حافة البار

أخرج من جيبه زهرة وانحنى

هامسًا انها لي أتيت بها)

(1)

.

وسواء أراد بذلك النبي على الحقيقة، أو أراد وصف نفسه بأنه نبي، أو وصف شخص آخر بالنبوة، فكل ذلك استخفاف واضح واستهانة صريحة بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأصرح منه قوله:

(من يشتري جلد المسيح

إنا سلخناه فيا دنيا استريحي)

(2)

.

قدس اللَّه نبيه وأجله، ورفع قدره في الدنيا والآخرة.

وفي إحدى المقطوعات بعنوان "رفض" يستهين باللَّه تعالى وبالوحي وبالرسالة، وببلاد المسلمين بلاد الرمل -حسب رمزه- وذلك في قوله:

(1)

المصدر السابق: ص 168.

(2)

المصدر السابق: ص 415.

ص: 1270

(أنا في يديك ياربًا يسير على الرمال

إن الذي قد سار فوق الماء مات

وبقيت أنت بلا صفات

لكن قلبي في انتظارك

فالبحر مزقه نبي بالحذاء وبالبخار

القيته يبكي على قدمي مهتوك الإزار

وبقيت أنت

الهي الرملي مجهول الصفات

إلّا من الألم المقدس في انتظاري

وأنا أشق الرمل لكني أغوص

في الصفر. .

أحصى اللانهاية في النهاية

كنبيك الممنوع -صلبًا- عن طواطمهم

متألما حتى الشهادة

لكن سعدي لن يموت

في الرمل في شيراز من أجل الشهادة

متمسكًا بالصفر

يحصي اللانهاية في النهاية)

(1)

.

هذا المقطع نموذج للإلحاد الحداثي، وعينة من العينات الكثيرة التي انبثت باسم التجديد والمعاصرة، لتقوم بحرب سافرة ضد اللَّه سبحانه

(1)

المصدر السابق: ص 517.

ص: 1271

وتعالى، الذي يجعله سعدي بلا صفات، وضد الدين والرسالات التي يرمز لها بالرمل والصفر، على عادة الحداثيين الذين يدّعون حرب التقليد والمحاكاة، وهم يقومون بها على أبشع وجه وأخبثه، ولا أدل على ذلك من استخدامهم لرمز الرمل كناية عن الإسلام والمسلمين وبلادهم، ورمز البحر كناية عن الغرب والتقدم والنهضة، فلا تكاد تجد حداثيًا إلّا ولهذين الرمزين مكانة دلالية، على طريقة يوسف الخال الذي يظن أنه من أوائل من استخدمهما.

ومن أبرز الأعمال الحداثية لأمل دنقل قصيدته التي بعنوان "مقابلة خاصة مع ابن نوح" والتي أشاد بها الحداثيون وكتبوا عنها كثيرًا، وألف بعضهم فيها كتبًا.

وهي مترعة بالاعتراض على نبي اللَّه نوح عليه السلام، والإشادة بموقفه ابنه الرافض للركوب معه في السفينة، جاعلًا ذلك موقفًا شجاعًا، في حين أن الذين ركبوا في السفينة هم الجبناء والمستغلون والتافهون حسب قوله:

(جاء طوفان نوح

ها هم الحكماء يفرون نحو السفينة

المغنون -سائس خيل الأمير- المرابون

قاضي القضاة

"ومملوكُهُ! "

حامل السيف راقصة المعبد

"ابتهجت عندنا انتشلت شعرها المستعار"

جباة الضرائب - مستورد وشحنات السلاح

عشيق الأميرة في سمته الأنثوي الصبوح!

جاء طوفان نوح

ص: 1272

ها هم الجبناء يفرون نحو السفينة)

(1)

.

ويقول فيها:

(صاح بي سيد الفلك قبل حلول السكينة

انج من بلد لم تعد فيه روح

قلت: طوبى لمن طعموا خبزه

في الزمان الحسن

وأداروا له الظهر

يوم المحن

ولنا المجد - نحن الذين وقفنا

"وقد طمس اللَّه أسماءنا! "

نتحدى الدمار

ونأوي إلى جبل لا يموت

"يسمونه الشعب! "

فأبى الفرار ونأبى النزوح

كان قلبي الذي نسجته الجروح

كان قلبي الذي لعنته الشروح

يرقد الآن - فوق بقايا المدينة

وردة من عطن

هادئًا

بعد أن قال "لا" للسفينة

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص 394.

ص: 1273

وأحب الوطن)

(1)

.

قد يقال بأن دنقل لا يريد ابن نوح وإنّما استعار ذلك للتعبير عن فكرة معينة، فكرة حماية الأوطان والاستهانة بالمصاعب في سبيلها، ونحو ذلك مما قد تدل عليه هذه القصيدة، ولست متحدثًا عن هذا المطالب، وإنّما الكلام هنا: لماذا اختار ابن نوح، العمل غير الصالح، ليكون رمزًا للوطنية والفداء، وجعل نوحًا عليه السلام ومن معه في السفينة رمزًا للخيانة والغباء والجبن؟، إن الدلالة الواضحة من استعارة هذه القصة وتوظيفها هي أن المنطلق الذي يسير منه أصحاب هذا الاتجاه هو الرفض للدين والرسل وتعاليمهم؛ لأنها تعني عندهم التخلف والرجعية، في حين أن الرافضين للرسل وتعاليمهم مثل ابن نوح يعتبرون هم رموز العقلانية والمعرفة والوطنية والثبات!!.

وهنا نبذ من كتاب يقع في "244" صفحة مخصصة لدراسة هذه القصيدة، وعنوان الكتاب هو "في البحث عن لؤلؤة المستحيل، دراسة لقصيدة أمل دنقل: مقابلة خاصة مع ابن نوح"

(2)

، يقول فيه مؤلفه:(إذا عدنا إلى قصيدة مقابلة خاصة مع ابن نوح وجدنا أن التهكم والمفارقة قد بدأت خاصة بالواقع الخارجي في الجزء الأول من القصيدة، ولكنه انتقل إلى الداخل إلى انقسام الذات الشاعرة في الجزء الثاني والثالث، معبرًا عن أزمة اغتراب حادة تشكك في القيم الأساسية لدى الشاعر)

(3)

.

ويؤكد هذا المؤلف الحداثي أن أمل دنقل قد اقتبس هذه القصيدة من التوراة ومن القرآن، وأن ذلك تم بناء على التفاتة من دنقل عن التراث الإغريقي والفرعوني إلى التراث العربي باعتباره التراث الوحيد الحي في

(1)

المصدر السابق: ص 396.

(2)

مؤلفه هو د/ سيد البحراوي، وهي حلقات دراسية قام بتدريسها في كلية الآداب جامعة القاهرة. انظر: ص 34 من الكتاب نفسه.

(3)

في البحث عن لؤلؤة المستحيل: ص 170، وعن التهكم في هذه القصيدة انظر: ص 120، 137.

ص: 1274

وجدان

(1)

الناس: (وهو حريص على أن يؤكد في حوار آخر على عروبة التراث وليس إسلاميته، ويستطيع الدارس أن يؤكد بيقين كامل أن أمل كان مخلصًا في شعره لهذا الفهم الأخير للتراث كتراث شامل لحضارة المنطقة)

(2)

.

ثم يشرح هذا المؤلف بمنظور حداثي مكذب هذا الأخذ والاعتماد على التراث، قائلًا:(وقصة طوفان نوح هي قصة أسطورية وردت في التوراة والقرآن وفي أساطير شعوب أخرى. . .، ويذهب بعض العلماء إلى محاولة تأكيد أن الطوفان قد حدث بالفعل نتيجة لتحولات جيولوجية محددة في نهاية العصر الجليدي الأخير)

(3)

.

فالناقد الحداثي هنا أسوأ وأشد انحرافًا من الشاعر، وكلاهما يجتمعان في الإطار الإلحادي الذي ذكرته في مطلع هذا الفصل.

ثم يورد الناقد نصًا من التوراة وآيات من القرآن ليرى مدى أخذ أمل دنقل منهما، وفي أثناء ذلك يصف نص التوراة بأنه نص أدبي سردي: (بينما يلائم النص القرآني بإيجازه وكثافته وشعريته النص الشعري، وثمة مجموعة من الأدلة النصية تشير إلى أن النص القرآني أقرب إلى الشعر من النص التوراتي. . .، في السطور الثلاثة الأول من النص القرآني وجدنا اثنتي عشرة تفعيلة "فعولن" بأشكالها المختلفة، وأربعة عشرة

(4)

تفعيلة "فاعلن" بأشكالها المختلفة "فعلن، فعلن" دون أن تكون مرتبطة على الطريقة الشعرية، وإن كان بإمكاننا القول بأن الإيقاع فيها يعتمد على تفعيلتين متقاربتين وهو أمر كثير الحدوث في الشعر الحديث. . .، إن هذه العناصر بالتأكيد تشير على أن النص القرآني أكثر صلاحية للتعامل معه شعريًا من النص التوراتي)

(5)

.

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 142.

(2)

المصدر السابق: ص 143.

(3)

المصدر السابق: ص 143 - 144.

(4)

هكذا والصواب أربع عشرة.

(5)

المصدر السابق: ص 146 - 147.

ص: 1275

ويكفي ما في هذا الكلام من افتراء وانحراف لنعلم إلى أي حد وصلت جرأتهم على اللَّه وكتابه ورسله.

قال اللَّه تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69)}

(1)

، وقال تعالى:{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41)}

(2)

.

ثم يخلص هذا المؤلف الضال إلى أن اعتماد دنقل على النص القرآني؛ لأن موقفه يماثل موقف ابن نوح، فيقول:(. . . اعتمد على النص القرآني في الجزء الذي يصور موقف ابن نوح "الذي يتماثل مع الشاعر تمامًا")

(3)

.

ويقول: (. . . إن رفض ابن نوح لم يبق رفضًا فرديًا بل توسع ليشمل شباب المدينة. . . هذا الرفض المرفوض من قبل النص القرآني أصبح رفضًا ضروريًا وإيجابيًا)

(4)

.

هذه هي عصارة الفكرة في القصيدة، وفي الدراسة النقدية التي قدمت لها، رفض تعاليم القرآن والإشادة بالرافضين لأوامر اللَّه، والامتداح للتمرد على وحي السماء، والتبجيل للموقف المعارض لأوامر الرسل الكرام عليهم السلام، وهذا أحد إسرار الاحتفاء الحداثي الكبير بأمل دنقل

(5)

.

أمّا نزار قباني الحداثي الكبير والأسوة عند أهل الملة الحداثية فقد اغترف من حمأة هذا الانحراف، وعلَّ منه ونهل، ومن أمثلة ذلك قوله في وصف ثور أسباني في حلبة مصارعة الثيران:

(1)

الآية 69 من سورة يس.

(2)

الآية 41 من سورة الحاقة.

(3)

المصدر السابق: ص 149.

(4)

المصدر السابق: ص 151 - 152.

(5)

انظر ما كتب عنه من كتب ومقالات ودراسات في آخر كتاب "في البحث عن لؤلؤة المستحيل": ص 236 - 244.

ص: 1276

(برغم النزيف الذي يعتريه

برغم السهام الدفينة فيه

يظل القتيل على ما به

أجل وأكبر من قاتليه

نزيف الأنبياء

كوريدا. . . كوريدا

ويندفع الثور نحو الرداء

قويًا عنيدًا

ويسقط في ساحة الملعب

كأي شهيد. . كأي نبي

ولا يتخلى عن الكبرياء)

(1)

.

لم يجد هذا الرديء وصفًا يصف به الثور إلّا الأنبياء أكرم خلق اللَّه، وهذا يدل على تصميم مبدئي يتخذه هؤلاء ضد الدين والرسل والرسالات.

وفي هذا السياق الأرعن نجده يقول عن الحب:

(. . . وهو المفاجأة التي قد حار فيها الأنبياء)

(2)

.

ومن ذلك وصفه لحالات تخلف من وجهة نظره المادية الإباحية حيث يقول على سبيل التهكم:

(وأنبياء اللَّه يعرفونني

عليهم الصلاة والسلام

الصلوات الخمس لا أقطعها

(1)

الأعمال الشعرية لنزار قباني 1/ 561 - 562.

(2)

المصدر السابق 2/ 27.

ص: 1277

يا سادتي الكرام

وخطبة الجمعة لا تفوتني

يا سادتي الكرام

من ربع قرن وأنا

أمارس الركوع والسجود

أمارس القيام والقعود)

(1)

.

ثم عقب بعد ذكر هذه الأعمال والعقائد الإسلامية وغيرها:

(وهكذا يا سادتي الكرام

قضيت عشرين سنة

أعيش في حظيرة الأغنام

أعلف كالأغنام

أنام كالأغنام

أبول كالأغنام

أدور كالحبة في مسبحة الإمام

لا عقل لي لا رأس لا أقدام

استنشق الزكام من لحيته

والسل في العظام

قضيت عشرين سنة

مكومًا كرزمة القش على السجادة الحمراء

أجلد كل جمعة بخطبة غراء)

(2)

.

(1)

المصدر السابق 3/ 130.

(2)

المصدر السابق 3/ 132 - 133.

ص: 1278

وهي كلمات واضحة تعبر بجلاء عن الموقف الاعتقادي الذي يتبناه نزار قباني من الإسلام وقضاياه وعباداته وعقائده، وتدل بيقين على أن القضية ليست تجديدًا في الأشكال والأساليب الشعرية بل القضية أبعد من ذلك وأخطر، إنها المعركة المعاصرة المتجددة ضد الإسلام.

ويتحدث هذا الحداثي عن اليهود في سياق الكلمات الرنانة، التي لم تقدم العلمانية وأزلامها سواها في معركة الصراع مع اليهود يوم كانت اتجاهات الريح مضادة لليهود في السوق السياسي والإعلامي، أمّا اليوم وقد انعكست الرياح وأضحت المسابقات الارتمائية السياسية والاقتصادية من أبرز معالم هذه الأيام، نرى أن الحداثيين والعلمانيين يتسابقون في حلبة هذا الارتماء على أعتاب اليهود.

ولما تحدث نزار عن اليهود يذمهم ويشتمهم لم يجد رمزًا يجعله لهم إلّا كليم اللَّه موسى عليه الصلاة والسلام، الذي حط عليه بألفاظه القذرة، مستهينًا بهذا النبي الكريم ومعجزاته العظيمة التي أيده اللَّه بها في معركة التوحيد والكفر والحق والباطل، يقول نزار:

(لأنه موسى قطعت يداه

لم يعد يتقن فن السحر

لأن موسى كسرت عصاه

ولم يعد بوسعه

شق مياه البحر

لأنكم لستم كأمريكا

ولسنا كالهنود الحمر

فسوف تهلكون عن آخركم

فوق صحارى مصر)

(1)

.

(1)

المصدر السابق 3/ 170.

ص: 1279

ثم يواصل تهكمه باليهود، من خلال تهكمه بالكتب المنزلة والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فيقول:

(ننصحكم أن تقرأوا

ما جاء في الزبور

ننصحكم أن تحملوا توارتكم

وتتبعوا نبيكم للطور

فما لكم خبز هنا ولا لكم حضور)

(1)

.

مع أن اليهود أبعد ما يكونون عن موسى عليه السلام وعن التوراة الحقيقية والزبور الحقيقي، لكن الغرق في مستنقعات الحداثة والشرب من حوضها، حدا به أن يقول هذا القول، ليشبع نهمته في التهكم بالدين والإيمان، والأنبياء رسل الهداية والفضيلة والخير.

ومن أمثلة أقواله الرديئة الضالة، مخاطبته للخامس من حزيران قائلًا:

(سوف ننسيك فلسطين

ونستأصل عن عينيك أشجار الدموع

وسنلقي سورة الرحمن

والفتح، ونغتال يسوع)

(2)

.

صور مكررة معادة تبدأ من ربط الحداثة والإبداع بالكفر والإلحاد، وتنتهي بربط النضال ونجاحه باستئصال القرآن واغتيال الأنبياء، وهذا هو سعي العلمانية منذ أن غرست في بلاد المسلمين؛ لتقوم بهدم الدين وتحطيم التدين في قلوب المؤمنين، والسخرية بمقدساتهم والاستهانة بأسس عقيدتهم وشريعتهم.

(1)

المصدر السابق 3/ 177.

(2)

المصدر السابق 3/ 212.

ص: 1280

وفي قصيدة همزية بعنوان "إفادة في محكمة الشعر" مليئة بالشتائم للأمة وتاريخها ورموزها، ومن ذلك قوله:

(مر عامان والمسيح أسير

في يديهم ومريم العذراء

مر عامان والمآذن تبكي

والنواقيس كلها خرساء

أيها الراكعون في معبد الحرف

كفانا الدوار والإغماء

مزقوا جبة الدراويش عنكم

واخلعوا الصوف أيها الأتقياء

اتركوا أولياءنا بسلام

أي أرض أعادها الأولياء)

(1)

هذه أدبيات العلمانية والحداثة، وهي صورة عن ممارساتها الفعلية، فما الذي حدث للأمة لما تولاها هؤلاء الذين سخروا من الدين وأهله ورموزه وتاريخه وحضارته، وارتموا في أحضان الفكر الصليبي واليهودي والماسوني والإلحادي؟، لقد أضحوا هم بأنفسهم ألد عدو على الأمة، وأنكى سلاح وُجه إليها.

وبطل الأرض المحتلة وقائد العنف الثوري "محمود درويش"!! الذي نغص على اليهود حياتهم بانضمامه إلى حزب "راكاح" الإسرائيلي الشيوعي!!، له مشاركة في هذا النوع من الانحراف، تشابه قول أمل دنقل السابق عن نبي اللَّه نوح عليه الصلاة والسلام، حين جعل درويش من النبي الكريم نوح عليه الصلاة والسلام رمزًا للهروب والجبن وطلب منه ألّا يرحل، وذلك في قوله:

(يا نوح!

هبني غصن زيتون

ووالدتي حمامه!

إنا صنعنا جنه

(1)

المصدر السابق 3/ 406 - 407.

ص: 1281

كانت نهايتها صناديق القمامه

يا نوح!

لا ترحل بنا

انّ الممات هنا سلامه

إنا جذور لا تعيش بغير أرض

ولتكن أرضي قيامه)

(1)

.

ومن أقواله من هذا النوع:

(لو مرة في العمر أبكي

يا هدوء الأنبياء

لكن زهر النار بأبي أن يعرض للشتاء

يا وجه جدي

يا نبيًا ما ابتسم

من أي قبر جئتني)

(2)

.

ومن أبشع أقواله التي مزج فيها أنواعًا من الانحراف قوله:

(أنا الحجر الذي مسته زلزلة

رأيت الأنبياء يؤجرون صليبهم

واستأجرتني آية الكرسي دهرًا، ثم صرت بطاقة للتهنئات

تغير الشهداء والدنيا)

(3)

.

وقوله:

(1)

ديوان محمود درويش: ص 116 - 117.

(2)

المصدر السابق: ص 121 - 122.

(3)

المصدر السابق: ص 480.

ص: 1282

(طريق دمشق

ودمشق الطريق

ومفترق الرسل الحائرين أمام الرمادي)

(1)

.

وقوله:

(أنا ضد القصيدة

غيرت حزن النبي، ولم تغير حاجتي للأنبياء. . .

لا لنبوءة العراف

يومك خارج الأيام والموتى

وخارج ذكريات اللَّه والفرح البديل)

(2)

.

(والليل سقف اللص والقديس

قبعة النبي وبزة البوليس)

(3)

.

(فأتى ليرميهم بجثته

وكان دويّها والأنبياء

لكم انتصارات ولي حلم)

(4)

.

ويصف أرض فلسطين بأسماء يمزج فيها المقدس بالمحتقر مزجًا يوحي بالاستهانة، يقول:

(ما اسم الأرض؟

بحر أخضر، آثار أقدام، دويلات، لصوص، عاشقات

(1)

المصدر السابق: ص 539.

(2)

المصدر السابق: ص 554.

(3)

المصدر السابق: ص 557.

(4)

المصدر السابق: ص 567.

ص: 1283

أنبياء، آه ما اسم الأرض؟)

(1)

.

وفي حديث له عن شخص اسمه "راشد حسين" أحد المتتلمذين على فلسفة الصراع الطبقي، مما يشي بماركسيته، يقول:

(ولم يسأل سوى الكُتَّاب عن شكل الصراع الطبقي

ثم ناداه السؤال الأبدي الاغتراب الحجري

قلت: من أي نبي كافر قد جاءك البعد النهائي؟)

(2)

.

وهذا تدنيس واستهانة عظيمة بالأنبياء الذين جاؤوا لمحاربة الكفر والإلحاد المادية، سواء أراد بذلك الأنبياء على الحقيقة، أو أراد أحد أعلام الماركسية، كعادة الحداثيين في تسمية الضالين والمنحرفين والكافرين أنبياء، تحقيرًا لمقام النبوة وتهوينًا لشأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وفي خطاب آخر يوجهه إلى "الأخضر" الرمز الذي يمتدحه ويثني عليه غاية الامتداح والثناء، ويقول له:

(يا أخضر! لا يقترب اللَّه كثيرًا من سؤالي. . .

ولتحاول أيها الأخضر

أن تأتي من اليأس إلى اليأس

وحيدًا يائسًا كالأنبياء)

(3)

.

ومثل ما صنع نزار قباني في هجائه لليهود من خلال ذمه وشتمه لأنبياء بني إسرائيل وكتبهم، يصنع محمود درويش مثل صنيعه، في قوله:

(علق سلاحك فوق نخلتنا لأزرع حنطتي

في حقل كنعان المقدس. . . خذ نبيذًا من جراري

(1)

المصدر السابق: ص 573.

(2)

المصدر السابق: ص 591.

(3)

المصدر السابق: ص 634 - 635.

ص: 1284

خذ صفحة من سِفْر آلهتي وقسطًا من طعامي

وخذ الغزالة من فخاخ غنائنا الرعوي، خذ

صلوات كنعانية في عيد كرمتها، وخذ عاداتنا. . .

هذا غيابي سيد يتلو شرائعه علي

أحفاد لوط، ولا يرى لسدوم مغفرة سواي. . .

وسدى افتش عن غيبابي، فهو أبسط من حمير

الأنبياء تمر فوق السفح حاملة سماءً للأنام. . .

ورأيت بابًا للخروج، رأيت بابًا للخروج وللدخول

هل مر نوح من هناك إلى هناك لكي يقول

ما قال في الدنيا: لها بابان مختلفان، لكن الحصان يطير بي)

(1)

.

ولزميله الشيوعي الآخر معين بسيسو خوض واغتراف في هذا الوجه لانحراف، ومن ذلك قوله:

(للذي بعدي السموات: امرأة

وأنا لي الأنبياء

آه ما أحلى السماء

حين يطرد منها الأنبياء)

(2)

.

وقوله:

(تفاجئني الأرض

يا وردة في كتاب

(1)

أحد عشر كوكبًا: ص 57 - 61.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص 576.

ص: 1285

سلام التراب

معلمة الأنبياء القراءة

سلام التراب سلام السحابة)

(1)

.

وثالثهم الماركسي المتعصب سميح القاسم له مقطوعة بعنوان "يهوشع بن نون" قدم فيها بمقدمة من العهد القديم، عن هذا النبي الكريم جاعلًا منه مجرد قائد عسكري يهودي، ثم يذم اليهود من خلال ذمه لهذا النبي الكريم كما فعل أدونيس وقباني من قبل، يقول سميح:

(لا تركعوا. . لا ترفعوا أيديكم إلى السماء

تدمرت واندثرت أسطورة السماء. . .

يهوشعٌ مات

فلا تستوقفوا الشمس، ولا تستمهلوا الغروب

سور أريحا شامخ في وجهكم إلى الأبد. . .

يهوشعٌ راح ولن يؤوب

يهوشعٌ مات!!)

(2)

.

وماذا أفلحت هذه الخطابيات والشتائم الحداثية؟.

لقد استمسك اليهود بدينهم المحرف واعتزوا بأنبيائهم وكتابهم، في الوقت الذي تخلى فيه هذا الفلسطيني وأشباهه من العرب وأبناء المسلمين عن دينهم ورسولهم وكتابهم فأذلهم اللَّه غاية الإذلال، سواء في وقت إعلانهم المناوءة لليهود، أو في هذا الوقت الذي استسلموا فيه وخضعوا، ولا منجى من هذا الذل بالشتائم والهجاء ولا باستقبال البيت الأحمر أو الأبيض، بل النجاة في الإيمان الصادق والعقيدة الصحيحة والعمل الصالح

(1)

المصدر السابق: ص 665 - 666.

(2)

ديوان سميح القاسم: ص 99 - 101.

ص: 1286

الصائب والجهاد واستقبال قبلة المسلمين واستدبار كل ما عداها.

أمّا نبي اللَّه يوشع بن نون فإن شتمه كفر والاستهانة به ضلال، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الشمس لم تحبس على بشر إلّا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس"

(1)

.

ومن شتائم هذا الماركسي قوله عن نبي اللَّه عيسى عليه الصلاة والسلام:

(رأيت سائحين

وبائعًا يصيح

من يشتري المسيح

بحفنتي طحين)

(2)

.

وقد سبق ذكر مقطوعته التي بعنوان "أبطال الرواية" والتي ملأها بالتهكم والاستهزاء بأنبياء اللَّه محمد وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، والسخرية بأعمالهم وأقوالهم ومعجزاتهم

(3)

، ومن أشنع أقواله الدالة على انغماسه في هذا اللون من الانحراف ما جاء فى وصفه لهيروشيما والدمار الذي لحقها من القنبلة النووية، حيث يقول:

(من أي أعماق البشر

يتفجر الموت الزؤام على البشر؟

ولأي كهف ينزوي اللَّه المعفر بالغبار

وبالدخان وبالشرر؟

(1)

أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة 2/ 325، وقال ابن كثير في البداية والنهاية 1/ 323: انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري.

(2)

ديوان سميح القاسم: ص 207.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 317 - 323.

ص: 1287

وبأي معراج يلوذ الأنبياء الصالحون

غداة تربد الصور؟

بالحظ؟ بالمقسوم؟ بالمكتوب في غيب القدر؟!)

(1)

.

وقوله:

(يا صغار الأنبياء!

يا رواة حفظوا كل أساطير السماء

شيدوا البرج فقد نادى الإله

وبكى "نوح" على الطوفان. . طوفان الدماء)

(2)

.

ومن أقوال محمد الفيتوري التي ضارع فيها غيره من الحداثيين في الاستهانة بالرسل والرسالات قوله:

(ولئن القدر السيد عبد يتأله

والنبوات مظلّة

والديانات تعله

هب من كل ضريح في بلادي

كل ميت مندثر

كل روح منكسر

ناقمًا على البشر

كل أعداء البشر

(1)

المصدر السابق: ص 325.

(2)

المصدر السابق: ص 572.

ص: 1288

كافرًا بالسماء، والقضاء والقدر)

(1)

.

وقوله:

(ويطل يسوع

الثلج يغطي بردته البيضاء:

- ها أنت أتيت

غريبًا يقطر وجهك حزنًا

مسيرة ألفي عام

لا خبزك أنت ولا ملح الأديان

الحق أقول. .

الخالق والمأساة هو الإنسان

ويغيب يسوع

وتلوح وجوه الاثني عشر

- الأسفار اهترأت)

(2)

.

هذا في سخريته واستخفافه بالمسيح عيسى بن مريم، أما سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فقد نال منه في قوله:

(وناح آصف، وغاصت

دودة في عرشها

وقفزت جراده، وسقطت جراده

(1)

ديوان الفيتوري 1/ 113.

(2)

المصدر السابق 1/ 458 - 459.

ص: 1289

وانفجرت دويبة الأرض من الضحك

حين تهالكت فجأة عصا الملك

أكان مجنونًا؟

أكان عاقلًا؟

أكان قديسًا؟

أكان قاتلًا؟)

(1)

.

بل كان كما قال اللَّه تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)}

(2)

، وقال سبحانه:{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)}

(3)

.

ويقول ممدوح عدوان:

(أنا وقفة النخل الأبية

في عناق الموت

لم أنبت بمعجزة:

ولم يُعل النبي مقامه في تربتي

أرضي مهلهلة)

(4)

.

ويقول:

(إن اخوة يوسف صاروا سماسرة

لدموع أبيهم

(1)

المصدر السابق 1/ 583 - 584.

(2)

الآية 15 من سورة النمل.

(3)

الآية 30 من سورة ص.

(4)

الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان 2/ أمي تطارد قاتلها: ص 59.

ص: 1290

وصاروا أباطرة

بقميص أخيهم. . .

إني تبرأت من أول الكلمات

إلى آخر الصفقات

ومن أول الأنبياء

إلى صنم التمر)

(1)

.

وفي رواية مدن الملح يقول عبد الرحمن منيف: (لم يكن وصول باخرة النبي سليمان، أو باخرة الشيطان، كما اطلع عليها ابن نفاع ثم مغادرتها بعد غروب اليوم التالي، السبب الوحيد في أن يمتنع الرجال عن البدء بإنشاء المدينة الجديدة. . .)

(2)

.

وفي حوار آخر في أحد أجزاء هذه الرواية نقرأ ما يلي:

(ولما ضحك السلطان أضاف ابن البخيت:

- وما هو بس كذا يا طويل العمر، أنا بزماني سمعت الأصقى،

وحكّيت الموتى، وبمصر سويت اللي ما يتسوى!

قطب السلطان جبينه وقال. . يجد مصطنع:

- وشنهو عندك بعد يا عيسى بن مريم ويا موسى ابن. . .

وضحك بقهقهة، وبعد قليل:

- صحيح يا ابن بخيت: شنهو اسم أبو موسى؟

ودارت عينا عبد اللَّه البخيت مثل هر محاصر، وتساءل:

صحيح. . موسى بن من؟

(1)

المصدر السابق 2/ لابد من التفاصيل: ص 43 - 44.

(2)

مدن الملح 1 - التيه: ص 212.

ص: 1291

وبعد أن ضحك وضحك السلطان، قال عبد اللَّه البخيت بصوت متآمر:

- أحسن شيء، يا طويل العمر، أن الواحد ما يقترب من الأنبياء، لأن هذولي يشوّرون، ولا يحتملون كلمة زايدة أو كلمة ناقصة!

- القول قولك يا بو بادي!

أمّا السبب الثاني الذي دعا السلطان لأن يكون عبد اللَّه البخيت مع فنر، فهو عمير، إذ يريده أن يخرج عمير من رأس فنر نهائيًا.

قال له يوصيه:

- هذا ابني، يا عبد اللَّه، اريده يكون سلطان، ما اريده ينتهي:

قال اللَّه وقال رسوله، يلزم يعرف شنهو اللي قاله اللَّه والرسول

لكن عنده ألف قضية وقضية غير هذي، وتنفس وصمت، وبعد فترة:

- ترى عمير وأمثاله يخربون ديرة، ويحوسون عشيرة وحجتهم:

قال اللَّه وقال رسوله، وحنا بهذا الزمان نعرف دربنا، ما نريد عمير وأمثاله يحكمونا، ولا نريدهم يسوونا مثل الكدش: البراقع حول عيوننا ويقولون امشوا)

(1)

.

في هذا الحوار يتبين لنا استهانة المؤلف بالأنبياء والسخرية القذرة بهم، ثم التعقيب على ذلك بالدعوة إلى العلمانية والهروب من سلطة الدين ومن العلماء المسلمين وتأثيرهم.

ومن هذا القبيل أيضًا قوله على لسان إحدى شخصيات روايته:

(إذا لم يبك الأطفال من الجوع والألم، فلابد أن تكون عندهم أسبابهم

وبعد قليل وبسخرية:

(1)

مدن الملح 3 - تقاسيم الليل والنهار: ص 256 - 257.

ص: 1292

- ربّما يريدون أن يصبحوا ملوكًا أو أنبياء بسرعة. . .)

(1)

.

وفي رواية "الخبز الحافي" يقول مؤلفها، في وصف حالة دعارة مع إحدى العاهرات:(. . . لم تقبض علي بمقصها، تمددت مثل تونة كبيرة، سمعت أن النبي يونس ابتلعه الحوت)

(2)

.

ولا وجه للربط بين هذه الحالة الداعرة التي يصفها وقصة ابتلاع الحوت ليونس عليه السلام، إلّا إرادته الواضحة في تدنيس اسم هذا النبي الكريم وإلحاق وصفٍ حقير به.

وفي روايته هذه المملوءة بالقذارة والدعارة والكفر والفجور، صورة حقيقية لحياة حداثي علماني يتقلب من السرقات إلى الحشيش إلى بيوت الداعرات، وفي الجزء الثاني من الرواية والتي بعنوان "الشطار" يقول:(فكرت لنفسي: إن الأنبياء لم يكونوا في حاجة إلى من يعلمهم، كل شيء كان ينزل عليهم جاهزًا، أمّا من ليس منهم ينبغي أن يتعلم، مثله مثل القرود)

(3)

.

أمّا رواية مسافة في عقل رجل فقد نقلت من أقواله في هذا الصدد كثير فأغنى عن إعادته

(4)

، وكذلك رواية سقوط الإمام

(5)

.

‌الوجه الثالث: جعل الرسل والرسالات مناقضة للعقل وسببًا للتخلف:

هذا الوجه من أوجه انحرافات أصحاب الأدب العربي المعاصر يصح

(1)

المصدر السابق 5 - بادية الظلمات: ص 96 - 97.

(2)

الخبز الحافي: ص 48.

(3)

الشطار: ص 11.

(4)

انظر: مسافة في عقل رجل أمثلة على الاستخفاف والاستهانة بالرسل والرسالات في الصفحات: ص 55، 56، 72، 73، 77، 81، 82 - 83، 112، 172، 199، 202، 203.

(5)

انظر: سقوط الإمام: ص 9، 26، 27، 83، 122 - 124، 125.

ص: 1293

أن يكون مقدمة لغيره من أوجه الانحرافات، ويصح أن يكون نتيجة وغاية لكل ما سبق ذكره من انحرافات في الكتب المنزلة وفي الرسل والرسالات.

أمّا كونه مقدمة فإنهم في سياق عداوتهم للرسل يضعون هذه الدعوى في بداية محاربتهم وجحدهم وتشكيكهم وسخريتهم واستهانتهم بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام.

أمّا كونه غاية ونتيجة فلاريب أن ما سبق ذكره من جحد وتشكيك وتحقير للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يراد منه الوصول إلى هدم مبدأ النبوة ومبدأ الاتباع والطاعة للأنبياء، في مهرجان جاهلي يؤله العقل الكليل ويقدسه، تحت مزاعم أن الرسل والرسالات مضادة للعقل ومناقضة للمصلحة والتقدم والرقي والحضارة، إلى غير ذلك من الدعاوى الباطلة والافتراءات الجاهلة، التي لم تكن وليدة هذا العصر بل هي من قديم، قدم الصراع بين التوحيد والوثنية والحق والباطل والنور والظلام، ألم يقل فرعون عن موسى:{إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}

(1)

؟، وقال:{أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)}

(2)

؟، وقال كفار قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر اللَّه تعالى:{وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)}

(3)

، وقال تعالى:{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)}

(4)

.

وفرية الكفار أعداء الرسل -وإن تنوعت- واحدة، سواء وصفوا الرسل بالجنون أو بنقصان العقل أو بمضادة العقل أو بمناقضته، قال اللَّه تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي

(1)

الآية 26 من سورة غافر.

(2)

الآية 52 من سورة الزخرف.

(3)

الآية 6 من سورة الحجر.

(4)

الآيات 35 - 37 من سورة الصافات.

ص: 1294

لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)}

(1)

.

والذي يقوله أهل الحداثة والعلمنة اليوم من هذا القبيل كثير بلسان المقال والحال، ومن أعظم ما يشهد على ذلك الدساتير العلمانية الوضعية، والمناهج الثقافية والفكرية المادية التي يسعون في نشرها وبثها وترسيخها بين المسلمين، على اعتبار أنها هي التي تتفق مع العقل وتحقق المصلحة وتوصل إلى النهضة، وهذا وحده كاف في الدلالة على اتهامهم لدين اللَّه بالنقص والتخلف والرجعية، ولكنهم لا يكتفون بهذه الدلالة الضمنية الواضحة، بل يصرحون بكل جرأة أن الإسلام لا تصلح أحكامه لهذا العصر، أو أنها أحكام بشعة وغير حضارية وغير عقلانية، وغير ذلك من أقوال أهل الحداثة والعلمنة التي امتلأت بها كتبهم ومجلاتهم ومنابرهم وقاعاتهم {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر}

(2)

.

وفي مجال الأدب العربي المعاصر نجد أن الزعم بأن الوحي والنبوة مناقضة للعقل ومسببة للتخلف، من أشهر القضايا التي ينادون بها، ومن أصول فكرهم، حيث نجد أنهم يطرحون بتعصب منقطع النظير وبحماسة ملتهبة مبادئ يجعلونها أساسًا لمألوههم المدعى الذي يطلقون عليه اسم "الابداع"، ومن هذه المبادئ والأسس مما يخص هذا الفصل:

1 -

لا حرية للإنسان إلّا بهدم الدين والشريعة والغيب؛ لأن هذه القضايا الاعتقادية -عندهم- من أعظم أسباب التخلف

(3)

.

(1)

الآيات 50 - 53 من سورة الذاريات.

(2)

الآية 118 من سورة آل عمران.

(3)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة 181، 250، 237، وقضايا وشهادات 2/ 210 من قول عبد الرحمن منيف، ومجلة الناقد العدد 10 ص 20 من قول محمد جمال باروت، وله أيضًا في العدد نفسه ص 21، ولأمينة غصن في العدد 13 ص 43، والحداثة في الشعر العربي المعاصر لمحمد حمود: ص 351، ورأيهم في الإسلام: ص 167، 169 - 170، 173 كلام لرشيد بو جدرة، وفيه في ص 193 =

ص: 1295

2 -

رفض الخضوع للَّه تعالى ورفض الإسلام جملة وتفصيلًا؛ لأن الكفر أساس الإبداع، والدين فشل أو تعويض عن فشل، والدين تراث لا قدسية له، والنهضة لا تتم إلّا بالفصل بين القيم الروحية والعقدية والقيم الحديثة، ولا يتم ذلك إلّا بالتخلي عن الغيب والمطلق، ونقل مركز الثقل من السماء إلى الأرض، ورفض فكرة التوحيد، ووجوب محاكمة الدين دون خوف

(1)

.

ومن هذه الأسس انطلق القوم في حرب مادية شرسة ضد الدين وأصوله وأركانه، ومنها هذا الأصل العظيم "الإيمان بالرسل" الذي جعلوا منه هدفًا لحربهم وهجومهم.

ومن ذلك ما كتبه أدونيس في تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" حيث جعل الإسلام وعقائده وقضاياه من أسباب التخلف، والتدين ليس إلّا تكرارًا طقسيًا، وأساس التخلف غنده هو:(الإيمان بأن القديم كامل ثابت، وبأنه واضح، وبأنه عقلي منطقي)

(2)

.

كما أن من أصول التخلف -عنده- اعتقاد أن القرآن هو في مقام الإجمال وما يأتي بعده هو في مقام التفصيل: (وهذا يعني أن الأقدم هو

= كلام لكاتب ياسين، والإسلام والحداثة: ص 125 كلام لخالدة سعيد، ولجابر عصفور: ص 188، 189.

(1)

انظر هذه المفردات الحداثية الإلحادية في: الثابت والمتحول 3/ 250 - 251، 263، 264، 275، 277، 301، وبحثًا عن الحداثة: ص 11، وزمن الشعر: ص 113، واتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 158، وقضايا وشهادات 3/ 64، 174، و 2/ 210، 258 - 260، ومجلة الناقد- عدد 8: ص 32 - 33، 33 - 34، وحداثة السؤال: ص 19، 20، 44، 64، ورأيهم في الإسلام: ص 57، 58، 227، والإسلام والحداثة: ص 125، 189، 266، 267، 271، 337، 351، 344، 345، 381، 388، وأسئلة الشعر: ص 165، وقضايا الشعر الحديث: ص 317 - 318، وخواتيم لأنسي الحاج: ص 19، 61، 181، وديوان سعدي يوسف 6، والأعمال الشعرية الكاملة لنزار 3/ 134 - 136، وديوان سميح القاسم: ص 69، 238 - 239، 370، وديوان الفيتوري 1/ 382، وغيرها كثير.

(2)

الثابت والمتحول 3/ 237.

ص: 1296

بالضرورة الأفضل، وأن الأسبق هو الأعلم، فالنور العربي واحد أوله، دينيًا، النبوة، وأوله، شعريًا الجاهلية، والأفضلية تتدرج تبعًا لتدرج القرب من الأولية. . .، فكما أن الدين تدين أي تكرار طقسي فإن الشعر هو، كذلك نوع من التمرس بفهم الماضي واستعادته في تكرار طقسي)

(1)

.

ويستمر في هذه الهوابط الفكرية متخذًا من الشعر وسيلة لتمرير إلحاده بالدين، وغاية يعجز عن الوصول إليها أي قول آخر، خاصة عندما يصبح الشعر وفق معاييره الحداثية وملته الإبداعية الابتداعية.

ومن هذا المنطلق أشاد بجبران خليل جبران وامتدح انحرافاته الكثيرة وجعل منه إمامًا يحتذى به ويسير على منواله، ويقتفي أثره، في الوقت الذي يستنكر فيه التقليد والمحاكاة والاحتذاء، ويجعلها من علامات الإستلاب والتخلف، فقد امتدح جبران في ثورته على الشريعة ثم انتقاله إلى الثورة على الأسباب العميقة التي تكمن وراءها، ثم يورد مقطوعة له يستشهد بها على هذه الثورات ثم يعقب عليها قائلًا:(في هذه المقطوعة يسمي اللَّه والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظًا رتبتها الأجيال الغابرة وهي قائمة بقوة الإستمرار لا بقوة الحقيقة، شأن الزواج الذي هو "عبودية الإنسان لقوة الإستمرار" والتمسك بهذه التقاليد موت والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد، كمقدمة ضرورية لتحرره)

(2)

.

وفي موضع آخر يريد أن يشخص مشكلة الحضارة العربية -حسب زعمه- أي أنه يمتلك القدرة على هذا التشخيص، وهو في الحقيقة أبعد ما يكون عن ذلك، أولًا لموقفه العدائي المكشوف من الإسلام والعربية، وهذا الموقف العدائي الحاقد -الذي لا يشك فيه من له أدنى اطلاع على نتاج أدونيس- لا يجعل أحكامه ولا تشخيصه للمشكلات ولا وصفه للحلول في أي مرتبة من الحيادية أو الموضوعية.

(1)

الثابت والمتحول 3/ 237.

(2)

المصدر السابق 3/ 187.

ص: 1297

أولًا: لأن جهله بالإسلام وتاريخه وحضارته إضافة إلى أصوله الطائفية ذات الاعتقادات الحاقدة والأفكار الشائنة؛ لا تجعل منه سوى خصم يتذرع بالأدب والثقافة والدراسات النقدية والموضوعية؛ ليصل من خلالها إلى تفريغ أحقاده التاريخية والمعاصرة في أثواب من الأدب والحداثة والإبداع والعلمنة.

المقصود أنه في تشخيصه لمشكلة الحضارة العربية يقول: (لننطلق من تحديد المشكلية القديمة للحضارة العربية، من جهتي أحددها بأنها مشكلية الوحي/ العقل، الدين/ الفلسفة، الروح/ الجسد، القديم/ المحدث على المستوى النظري العام، والمضمون/ الشكل أو المعنى/ اللفظ، على المستوى الأدبي الخاص. . .

لنقل إذن أن اكتشاف المطلق الإلهي، وتنظيم العالم المحسوس بمقتضى هذا الاكتشاف هو المحور الذي دارت حوله الحضارة العربية، والمبدأ الذي وجه الفكري العربي، ثمة إذن في طبيعة الرؤيا العربية ذاتها إلى الكون والإنسان، انشقاق أصلي يتمثل في الثنائية التي أشرت إليها)

(1)

.

إن ثنائية التناقض هذه التي يصطنعها أدونيس، من أجل تمرير فكرة أن ما يتعلق بالوحي والرسالة والنبوة تخلف، لأنها مضادة للعقل والفلسفة والجسد والإبداع والمضمون والمعنى، وهذا القول أيضًا من قبيل الدعوى التي يطرحها أدونيس كالمسلمات ليخدع بها الأتباع الذين يأخذون كلامه بالتسليم المطلق والاتباع، كما قد أخذ هو هذه الأفكار عن أساتذته من الغربيين والفرنسيين خاصة، بالطريقة الاتباعية التسليمية المطلقة، وإلّا فإننا إذا جئنا إلى مجال العلاقة بين العقل والوحي وجدنا أنهما في علاقة تكامل وتداخل، فالوحي أنزله اللَّه والعقل خلقه اللَّه، ولا يُمكن أن يتناقض المنزل مع المخلوق إلّا في أوهام أهل التوهم، وفي أغراض الإغراض، هذا أولًا.

وثانيًا: إذا جئنا إلى مجال العقليات الصحيحة الثابتة فإننا لا نجدها بحال من الأحوال تتناقض مع الثابت من النصوص.

(1)

المصدر السابق 3/ 262.

ص: 1298

وثالثًا: نجد في معطيات العلوم التجريبية من الحقائق العلمية ما يتوافق تمام الموافقة مع أخبار الوحي.

ولكن الإطار الإلحادي الذي ضم فئات كثيرة من الناس اليوم تسلط على عقولهم فاعتبروا بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال وجود المخلوقات المشهودة هو الوجود الحقيقي، فصفاتها ونتاجها وأعمالها هي الحقيقة، وما لم يكن مشهودًا فهو إلى الفكرة الذهنية أقرب منه إلى الحقيقة الواقعية.

وتعدى هذا التصور المادي المحسوس جميع الأطر والحسابات، وأصبح تأثيره بينًا على التصورات الإعتقادية والآراء التشريعية بل تعدى إلى الأذواق والمظاهر، فأصبح الأدب والفن ضمن هذه الدائرة المظلمة، وحتى الأزياء والملابس -وخاصة فيما يتعلق بالمرأة- أضحت في كثير من بلاد العالم الإسلامي تسير على الخطى نفسها.

وصار كل ما يفعله الغربيون رجالًا ونساء بملابسهم أو شعورهم جميل ومتحفمر، وكل ما كان يفعله المسلمون، أو ما يفعلونه مما ليس فيه تقليد للغرب فهو قبيح متخلف، وإذا احتفلوا برأس السنة الميلادية فلابد أن نحتفل معهم، وبطريقتهم أيضًا، وإذا جعلوا لأبنائهم أعياد ميلاد، فكذلك ينبغي أن نفعل، وإذا نسبت المرأة إلى زوجها بدلًا من أبيها فلابد أن نقلدهم في ذلك، وإذا جعلوا إعلامهم موئلًا لنشر الرذائل وكشف العورات فلابد أن يهرع الإعلام على آثارهم، إلى آخر ما لا يكاد يحصى من أنواع التشبه البليد، الذي يدل على الضعة والتبعية العمياء والاندحار والهزيمة المعنوية، وضمور الحقيقة وغلبة الصورة والمظهر.

وإن كان التقليد في المسائل الشكلية أقل خطرًا من التقليد في المفاهيم والعقائد والمناهج، إلّا أنه يدل بجلاء على عمق التبعية وغباوة المتبعين.

وإذا كان للتقليد في التصورات والتشريعات تأويلات ومماحكات من قبل أصحابها، فلا يُمكن أن يوجد للتقليد في المسائل المظهرية والشكليات الظاهرية مسوغ سوى الافتتان بالمقلد، واعتباره المعيار القويم لما ينبغي أن يفعل أو يترك.

ص: 1299

بيد أن التقليد في المظاهر له دلائل أكيدة ومظاهر خطيرة، إذ من الثابت أن العلاقة بين المظهر والمخبر لا تنفصم، والعلاقة بين اللغة والمحتوى لا تتباعد، والالتزام بمظاهر معينة كثيرًا ما تكون تعبيرًا طبيعيًا عن حالات نفسية ومبادئ تصورية.

وفي مجال الأدب الذي هو مقصد هذا البحث نجد أن علاقة التبعية تأتي فيه من جهتين اثنتين:

الأولى: أن الأدب أضحى عقيدة، أو حامل عقيدة، وهو بذلك في حياة أصحاب المحاكاة والتبعية لا يبتعد عن حومة التقليد في الأسس الفكرية والتصورات الاعتقادية.

الثانية: أن الأدب باعتباره شكلًا من الأشكال الظاهرة -على افتراض أنه لا يحمل عقيدة ولا يدعو إلى مبدأ- هو أيضًا في الحالة العربية المعاصرة يرزخ تحت نيران التبعية وينضوي تحت دائرة الإطار الإلحادي المظلم.

وعلى ذلك فإن دعوى التناقض والإشكالية المعرفية التي يقولها أدونيس في النص السابق، ويعبر غيره عنها بعبارات أخرى مشابهة، لا تستند على قدم الحقيقة ولا تقوم على ساق البرهان، لما ذكرناه آنفًا، ولما بيناه من قبل من أن موقف المعادي المليء بالحقد التاريخي أو المعاصر على دين الإسلام لا يُمكن بحال من الأحوال أن يكون منصفًا؛ لأن حوافز البغض والعداوة في قلبه تجعل منه عنصر ظلم وعلامة عدوان، وبالتالي تبعده عن أي موقف حيادي -إن صحت الحيادية هنا- أو أي موقف متعقل -إن صح أن للملحد موقف تعقل-.

وإذا أردنا أن نأخذ على ذلك مثالًا من كلام أدونيس وأسلافه الذين يستشهد بكلامهم ومواقفهم، فإننا نجد أنه ينقب في التراث ليجد شاكًا أو ملحدًا بين ملايين المؤمنين الموقنين، فيتخذه رمزًا وأصلًا، ويستعمل مقولاته جسرًا يعبر من فوقه إلى مآربه.

إنه يعتبر أي موقف مناقض للدين موقفًا عقليًا، وهذا المنطلق الابتداعي عنده - يجعل منه مجرد متحامل، يقول في الثابت والمتحول:

ص: 1300

(كان ابن المقفع من أوائل الذين وقفوا من الدين موقفًا عقليًا فانتقد الدين بعامة، وخص الإسلام، فانتقد القرآن وما فيه من عقائد، وتصوره للَّه والرسول. . .)

(1)

.

وهكذا بكل عصبية وشنآن وحمية جاهلية، يجعل من المناوءة للدين والنقد له وللقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم موقفًا عقليًا، وهذا يدل على مدى الانغلاق العقلي لدى هذا القائل، ومدى التردي الذهني والعماية الجاهلية التي انغمس فيها أصحاب هذا الاتجاه.

وفي هذا الصدد أيضًا نجد أنه يصور مواقف ابن الراوندي الزنديق ومحمد بن زكريا الرازي الملحد من الدين بأنها مواقف عقلية بلغت الأوج، ثم يستشهد بأقوال لابن الراوندي يجحد فيها وجود الرسول والرسالات، ويقرر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد مماحكة عقلية هابطة- بأنه بناء عليها يسقط عنا الإقرار بنبوته، ثم يقول:(يتضح من هذا النص أن العقل في نظر ابن الراوندي هو أصل العلم وأصل العمل، والنبوة، أمّا أن تقر ما يقره وحينئذٍ تكون تابعة له، ولا حجة فيها، وأن تخالف ما يقره، وحينئذٍ يجب رفضها، فالنبوة في الحالتين لا معنى لها، والعقل أصل والنقل تابع له) واستنادًا إلى ما يقرره من أولية العقل، ينتقد الإسلام ويرى أن الشريعة الإسلامية تتناقض مع العقل، يقول -مثلًا-: "إن الرسول أتى بما كان منافرًا للعقول مثل الصلاة وغسل الجنابة، ورمى الحجارة والطواف حول بيت لا يسمع ولا يبصر، والعدو بين حجرين لا ينفعان ولا يضران، وهذا كله مما لا يقتضيه عقل، فما الفرق بين الصفا والمروة إلّا كالفرق بين أبي قبيس وحرى

(2)

، وما الطواف على البيت إلّا كالطواف على غيره من البيوت"

(3)

.

(1)

الثابت والمتحول 2/ 73.

(2)

هكذا في الأصل، والصواب حراء.

(3)

ناقل أدونيس هذا النصر الإلحادي من كتاب الجودي عبد الرحمن بدوي المسمى تاريخ الإلحاد في الإسلام: ص 101 - 102.

ص: 1301

وإذا صح أن "الرسول شهد للعقل برفعته وجلالته، فلماذا أتى بما ينافره إن كان صادقًا"

(1)

.

وينتقل ابن الراوندي من ثم إلى نقد المعجزات فيرى أن "المخاريق شتى وأن فيها ما يبعد الوصول إلى معرفته ويدق على المعارف لدقته"

(2)

، وأن أخبارها الواردة عن "شرذمة قليلة يجوز عليها المواطأة في الكذب. . . "

(3)

.

وابن الراوندي هنا لا ينتقد المعجزة بذاتها وحسب وإنّما ينتقد كذلك المنطق الداخلي المتهافت، الكيفي، لدى القائلين بها. . .، ثم يحاول ابن الراوندي أن ينتقد منهج النبي في الفكر والعمل، قاصدًا من وراء ذلك إلى إبطال دعواه النبوة فهو يستغرب كيف أن النبي "دفع في وجه ملتين عظيمتين متساويتين اتفقا على صحة قتل المسيح وصلبه فكذبهما"، وبذلك نسب جمهورًا عظيمًا إلى "الإفك والزور" فكيف يُمكن رد هذا وتجويز ما ترويه عنه" الشرذمة القليلة. . . بحجة الوضع الذي وضعه، والقانون الذي قننه في المباهتة والمكابرة؟ ".

وينتهي ابن الراوندي إلى القول بأن القول يناقض النبوة، فمن جهة أولى ليس "للخلق أول" والكلام الإنساني حادث، ولا يرجع في أصله إلى الأنبياء، والإنسان هو الذي ابتكر بعقله، كل شيء، دون حاجة إلى الأنبياء)

(4)

.

يتضح من هذا الطرح نوعية التفكير المغالط الذي يتبناه أدونيس وأسلافه من الزنادقة والملاحدة، ذلك أنهم قد جعلوا الإلحاد والكفر أساسًا ومنطلقًا وقاعدة، ثم حشدوا ما يستطيعون من مغالطات لتقوية وتأييد ملتهم، بالتهكم والسخرية والتندر والمزاعم الباطلة.

وفي نظرة شاملة كلية إلى هذه الأقوال وغيرها من أقوال ملاحدة

(1)

و

(2)

و

(3)

نقل أدونيس هذا النص الإلحادي من كتاب الوجودي عبد الرحمن بدوي المسمى تاريخ الإلحاد في الإسلام ص 101 - 102.

(4)

الثابت والمتحول 2/ 74 - 75.

ص: 1302

العصر من حداثيين وعلمانيين ووجوديين وشيوعيين وغيرهم، نجد أنهم يعتمدون في حربهم للإسلام على حجج خاطئة، تعتمد على ألوان من الغلط في الادعاءات والقضايا والمقدمات والنتائج، ولكنه ليس الغلط الخفي غير المقصود، بل هو الغلط من أجل التمويه والتضليل، وهو ما يعرف -في المنطق والعقليات- بالمغالطة التي يواد منها إبطال الحقائق وإحقاق الأباطيل.

وصور المغالطات كثيرة، منها هذه الأقوال التي يطرحها هؤلاء على أساس أنها أدلة، وهي في الحقيقة لغو لا فائدة منها: إذ يصطنعون كلامًا يظهر في أعين البله أنه عقلي، وهو في الحقيقة مجرد إيهام وتمويه بتطويل كلام وترديده وصوغه على شكل حجة، وبرهان وقياس، كقول القائل: إذا كان محمد أبا لأحمد فأحمد ابن لمحمد، لكن محمدًا أب لأحمد، إذن فأحمد ابن لمحمد، وهذا كله لغو لا فائدة منه، لأنه لا يثبت أبوة شخص لآخر ما لم تثبت بنوة الآخر له

(1)

.

ومن أمثلة المغالطة ما يسمى "المصادرة على المطلوب" كمن يحاول إقامة الدليل على كروية الأرض بقوله: لو لم تكن الأرض كروية لكانت منبسطة لكن الأرض ليست منبسطة إذن فالأرض كروية.

ففي هذا الدليل مصادرة على المطلوب؛ لأنه يشتمل على مقدمات يتوقف ثبوتها على ثبوت المدعى؛ لأننا لا نعرف كون الأرض غير منبسطة حتى نعرف كونها كروية.

ومن أمثلة المغالطة قول الملحد: لا وجود للخالق؛ لأن وجود الكون يفسّر بقدم المادة، ولا علة للخلق والحوادث إلّا الحركة العشوائية الذاتية، مع العلم بأن هذا يتوقف التسليم به على إثبات عدم وجود الخالق، ففيه مصادرة على المطلوب، هذا من وجه، وفيه من وجه آخر ادعاء سببية وعلية الحركة العشوائية الذاتية مع أن الحركة العشوائية الذاتية، لا تصلح بحال من

(1)

انظر: ضوابط المعرفة: ص 304، 307.

ص: 1303

الأحوال لتعليل وجود هذا الكون المتقن، وهذه الحركات المقننة، وهذه المسيرة الكونية المحكية، التي لا يدخلها الخلل ولاتتعرض للفساد

(1)

.

وتأتي المغالطة كذلك من "التعميم الفاسد"، ومن "التحريف المقصود" ومن "التلاعب بالألفاظ" وصولًا إلى تغيير المعنى الحقيقي كما يفعل العلمانيون اليوم في تفسيرهم للإسلام تفسيرًا ماديًا بناء على تلاعب في الألفاظ الشرعية، وتنشأ المغالطة من "تحريف في معنى النص"، وهذا من أوسع أبواب المغالطة المعاصرة عند العلمانيين والحداثيين وجمهرة المعادين للدين.

وتنشأ المغالطة من "افتراء الكذب الصريح" تحت أغلفة من الحيل الثقافية أو الفلسفية أو المعرفية، وهذا أيضًا من دأب أعداء الرسل والرسالات.

ومن المغالطات الإلحادية المعاصرة "الإيهام بأن العلوم المادية والمكتشفات التجريبية قائمة على الإلحاد"، أو تؤيد المذهب الذي يريد صاحب المغالطة نصره.

ومن المغالطات "أخذ أمور خاصة وقطعها عن أصولها وجعلها دليلًا على فساد الأصل"، وهو من نوع المصادرة على المطلوب، مثل أن يقول: عين الإنسان تشابه عين الحيوان وشعر يشابه شعره، إذن فلا يوجد فرق بين الإنسان والحيوان، أو لا يوجد في الحقيقة إنسان، إذ لا وجود إلّا للحيوان.

ومن هذا الضرب حجة أدونيس وابن الراوندي في قولهم: إن الإسلام مضاد للعقل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالصلاة والغسل من الجنابة والطواف والسعي.

حيث جعلوا هذه الأمثلة دليلًا لهم على مضادة الإسلام للعقل وهي مصادرة على المطلوب، ومغالطة مكشوفة.

(1)

انظر: المصدر السابق ص 308 - 309.

ص: 1304

والأصل في هذه القضية أنهم يجحدون -أصلًا- وجود اللَّه تعالى ويجحدون ربوبيته وألوهيته والنبوة والمعاد.

ومحور الصراع والمناقشة مع هؤلاء ليس إثبات شرعية الصلاة والصيام والغسل والطواف، بل جوهره في قضية وجود اللَّه سبحانه وتعالى، فهؤلاء الملاحدة يجحدون وجوده مكابرة ومغالطة، والمؤمنون يثبتون وجود اللَّه تعالى بالبرهان العقلي، والحسي، والفطرة القويمة، ذلك أنه لا يتفق مع العقل والمنطق أن يكون هذا التصميم البديع لهذا الكون، والعالم كله من غير إله خالق مبدع، وهذا العالم من حولنا هو مجموعة هائلة من التصميم الدقيق والإبداع الراقي، والتنظيم المتناهي في الدقة، لا يُمكن أن ينشأ إلّا بأحد طريقين: المصادفة أو التخطيط المقصود.

أمّا المصادفة فهي ناشئة عن عدم، والعدم لا يخلق شيئًا؛ لأنه لا وجود له أصلًا فكيف يوجد غيره؟، ثم إن هذه الدقة في الكون تنفي قضية المصادفة؛ لأن عقولنا تنفي إنشاء عمارة شاهقة أو مصنع كبير عن طريق الصدفة، فكيف بهذا الكون المتداخل المتشابك المنظم غاية التنظيم؟!.

فإذا انتفى الطريق الأول، وهو لا محالة منتفٍ؛ لأن العقل يحيله، فيبقى الطريق الثاني وهو أن الكون وما فيه ناشئ بمقتضى صفات من له إرادة وعلم وحكمة وقدرة ومشيئة وحياة وهو اللَّه سبحانه وتعالى، فهذا دليل بالأثر على المؤثر، وبالموجود على الموجد، وهو دليل عقلي بحت لا مجال لتكذيبه.

والذي يرى أن اللَّه غير موجود هو بمثابة من يقول بأن كتابًا نشأ عن طريق حركات ميكانيكية بحتة في مطبعة أسقطت الحبر على الورق وكونت الكلمات وأملت الأفكار ورتبت الأساليب وشكلت كتابًا ضخمًا يقرؤه الناس ويفهمونه، من غير تدخل من أحد.

فهل يعقل أن يكون هذا الكون الرحب الفسيح المنظم الدقيق المتماسك وما يزخر به من كائنات ومخلوقات دقيقة وجليلة، وما فيه من حركات وحوادث، وما فيه من تفاعل وتداخل وتكامل، وما فيه من نظام

ص: 1305

بديع غير منتقض ولا مختل، هل يعقل أن كل هذا جاء بالصدفة أو بالحركة الذاتية للمادة؟.

لا يقول بذلك من يحترم عقله، ويحترم الحقائق والمنطق والبرهان.

ومن هذا المنطلق أقول بأن الملحد الجاحد والكافر المريد، أضعف الناس عقلًا وأضلهم بصيرة؛ لأن هذه الحقائق الضخمة الهائلة العظيمة التي تدل بيقين على وجود اللَّه سبحانه وتعالى لم يستطع العقل الإلحادي الضئيل السقيم أن يستوعبها أو يؤمن بها، في الوقت الذي قبل فيه وهم المصادفة الشاردة والحركة المادية العشوائية التائهة.

لنفرض أن معك كيسًا يحوي مائة قطعة من الزجاج تسعة وتسعون منها سوداء وواحدة بيضاء، لو هززت الكيس وأدخلت يدك لاستخراج القطعة البيضاء ستكون الفرصة بنسبة واحد إلى مائة، ولو أعدت هذه القطعة إلى الكيس ثم حاولت سحب القطعة البيضاء مرتين متتاليتين ستكون الفرصة هي بنسبة واحد إلى عشرة آلاف أي المائة مضاعفة مرة "مائة في مائة"، ولو حاولت سحب القطعة البيضاء ثلاث مرات متواليات ستكون الفرصة هي بنسبة واحد إلى مليون وهكذا، فكيف يعقل أن تكون المصادفة أو الحركة المادية العشوائية هي التي أوجدت طائرًا له ريش يطير، وحيوانًا له أقدام يمشي على الأرض، وآخر له زعانف يسبح في الماء؟.

أمّا إذا انتقلنا إلى الإنسان والأفلاك وأطباق الأرض والفضاء فإن الأمر سيصبح من أمحل المحالات، فلا يبقى حينئذٍ إلّا أن هذا الكون المخلوق بدقة ونظام له خالق قدير مريد عليم حكيم سميع بصير حي قيوم.

إن ظهور الحياة بهذا القدر العظيم من النظام والدقة هو تكذيب صريح قاطع لأولئك الذين يزعمون المادية والمصادفة العمياء.

ومن هنا يُمكن أن ندرك بعض معاني قول اللَّه تعالى عن الكفار: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)}

(1)

.

(1)

الآية 44 من سورة الفرقان.

ص: 1306

وبين المؤمنين والكافرين مفترق طرق عند هذه القضية، يتلوها بعد ذلك قضية (الخلق والإيجاد) فالمؤمن يعتقد أن اللَّه هو خالق كل شيء من عدم وبيده مقاليد كل شيء، وأنه لما خلق الخلق لم يتركهم سدى بل كما أنه -سبحانه- لم يخلقهم عبثًا فبعث إليهم الرسل وأنزل معهم الكتب بالحق والهدى، فوجبت طاعته واتباع أمره؛ لكونه الخالق المالك المدبر الإله الحق، ولكون الإنسان والكون تحت هيمنته وقدرته المطلقة ومشيئته النافذة، ولغير ذلك من الأسباب ذات البراهين والأدلة الحقيقية الثابتة بالعقل والحس والفطرة.

وما دام الأمر بهذه المثابة فإن المؤمن يتلقى أمر اللَّه بالطاعة والتسليم والانقياد والقبول والمحبة؛ لأن في ذلك تحقيق لإنسانيته وعبوديته وسعادته في الدارين، فيقبل أمر اللَّه في الصلاة والجهاد والحكم والطهارة والطواف والسعي وغير ذلك؛ لأنها من شعائر اللَّه {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}

(1)

.

أمّا الكافر والمنافق فإنه يجحد وجود اللَّه تعالى كبرًا وتعسفًا ومغالطة، ويجحد الصلاة والشعائر والحكم بما أنزل اللَّه وغير ذلك من قضايا الإسلام، وفي حقيقة الأمر إن الملحدين أو المنكرين بما لديهم من شك لديهم بقعة عمياء ظلماء في عقولهم، أو بقعة مخدرة داخل أذهانهم تمنعهم من رؤية كل هذه البراهين، وتصور كل هذه الأدلة، وبالتالي ستصبح حياتهم عديمة المعنى، وليست تعيسة فحسب بل هم بمنطلق إلحادهم غير مؤهلين للحياة، بل غير مؤهلين للاتصاف بالعقل السليم، فكيف يصح بعد ذلك أن يحاكموا الرسل والرسالات على أساس من هذه العقول الكسيحة؟.

ولو ذهبنا نستطرد مع أدونيس وشياطينه الذين فرح بكلامهم من الملاحدة السابقين، لوجدناه يدور حول ما سبق ذكره من مغالطات، ويصل إلى هذه الهوة السحيقة من مناقضة للعقل

(2)

.

(1)

الآية 32 من سورة الحج.

(2)

انظر: الثابت والمتحول 2/ 76، 77، 78، 80، 81، 82، 83، 84، 85 - 87، 3/ 65، 137، 235، 237، 256 - 257.

ص: 1307

وفي ختام كتابه أقر صراحة باعتناقه وتأييده وامتداحه للرازي الملحد جاحد النبوات، حيث يقول: (لقد نقد الرازي النبوة والوحي وأبطلهما، وكان في ذلك متقدمًا جدًا على نقد النصوص الدينية في أوروبا في القرن السابع عشر، أن موقفه العقلي نفي للتدين الإيماني، ودعوة إلى إلحاد يقيم الطبيعة والمحسوس مقام الغيب، ويرى في تأملهما ودراستهما الشروط الأول للمعرفة، وحلول الطبيعة محل الوحي جعل العالم مفتوحًا أمام العقل: فإذا كان للوحي بداية ونهاية فليس للطبيعة بداية ونهاية، إنها إذن خارج الماضي والحاضر: إنها المستقبل أبدًا.

لقد مهد الرازي وابن الراوندي للتحرر من الانغلاقية الدينية، ففي مجتمع تأسس على الدين، باسم الدين، كالمجتمع العربي، لابد أن يبدأ النقد فيه بنقد الدين ذاته، وطبيعي أن هذا النقد لا يجوز أن يكون هدفًا بذاته ولذاته، وإنّما يجب أن يكون وسيلة للهدف الأسمى: انعتاق الإنسان مما يغربه، انعتاقًا جذريًا وكاملًا)

(1)

.

وهكذا يريد أدونيس أن يختط لحركة الثورة الحداثية منهجًا يقوم على الإلحاد تحت مسمى "انعتاق الإنسان مما يغربه" ليصل بالإنسان إلى ما يضلله ويجعله يعيش في حياة التيه والضياع

(2)

.

ولم يكتف أدونيس بهذا التنظير الإلحادي المعادي للرسل والرسالات،

(1)

المصدر السابق 2/ 214.

(2)

يقول أحمد كمال زكي في كتابه شعراء السعودية المعاصرون التاريخ والواقع ص 16: (وهذا الجيل الذي ذكرت فيه القصيبي ومحمد العلي ومسافر وسعد الحميدين لم يستطع كله أن يتخلص من تأثير على أحمد سعيد -أدونيس-، فمنهم من تأثر بموضوعاته تارة، ومنهم من قلدوا صياغته أو أسلوبه تارة أخرى. . .).

ومما يحزن حقًا أن يجد المتتبع أن مجموعة من الحداثيين المحليين غير هؤلاء شملتهم التأثيرات الأدونيسية، ومنهم الغذامي الذي سبق نقل ثنائه عليه، وعلي الدميني ومحمد الدميني ومحمد الحربي وخديجة العمري وفوزية أبو خالد وحزام العحيبي وأحمد بوقري وعبد اللَّه باهيثم وأسيمة درويش وغيرهم من جمهرة المحاكين لأدونيس ومنهجه الفكري.

ص: 1308

بل مارس ذلك عمليًا في ما يطلق عليه "الشعر الحداثي" حيث لا شعر ولا إبداع، بل مجرد كلمات مرصوفة بعبثية تثير الغثاء وتدل على فساد الذوق وانحدار الشعر عند هؤلاء.

ففي مقطوعة هجائية لتاريخ المسلمين بعنوان "مرثية القرن الأول" يتحدث فيها عن أمنياته في زوال الإسلام وقرون الهجرة الشريفة والنبوة والوحي والدين، فيقول في رمزية بائسة بؤس الإلحاد والزندقة:

(مات عيد المطر

في وجوه الشعراء

فبدلناه بعيد الحجر

أنا والرفض ووجه الكلمة

وتركنا

للنواقيس على أهدابنا

لسماء العروة المنفصمة. . .

ذاهل تحت شاشة النبؤة مأخوذ بالرمل - يا رجل! قل

لنا آية تأتي

التاريخ يهبط المنحدر في حوار مع النمل، راحلًا على غباره.

مليئًا بالمخاط الحلزوني مليئًا بالأصداف. . .)

(1)

.

وفي مقطوعة أخرى بعنوان "نوح الجديد" يذكر علائم التخلف مقرونة برموز تدل على الدين والوحي والرسالة، فيقول:

(رحنا مع الفلك مجاديفنا

(1)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 227 - 228.

ص: 1309

وعد من اللَّه وتحت المطر

والوحل، نحيا ويموت البشر

رحنا مع الموج، وكان الفضاء

حبلًا من الموتى ربطنا به

أعمارنا وكان بين السماء

وبيننا نافذة للدعاء:

"يارب لِمْ خلصتنا وحدنا؟ ")

(1)

.

ثم يواصل على هذا النحو مصورًا نفسه أنه هو نوح، وأن اللَّه يخاطبه، وأنه يرفض طلب اللَّه، في صورة من التمرد تذكر بتلك التي قالها أمل دنقل في قصيدته عن ابن نوح

(2)

، وفي هذا الصدد يقول أدونيس معبرًا عن رفضه للدين والرسالة والوحي وكل ما يجيء عن اللَّه:

(عدنا من التيه، خرجنا من الكهف

وغيرنا سماء السنين

وأننا نبحر لا ننثني رعبًا

ولا نصغي لقول الإله. . .

نمضي ولا نصغي لذاك الإله

تقنا إلى رب جديد سواه)

(3)

.

وهذا اعتراف يؤكد بيقين أن الملاحدة، وإن زعموا التحرر من العبوديات إلّا أنهم لا ينفكون خاضعين لعبودية آلهة أخرى غير اللَّه تعالى،

(1)

المصدر السابق 1/ 418.

(2)

وهذا دليل على الحداثيين يحاكون ويقلدون بعضهم، رغم دعاواهم الدائمة أنهم ضد المحاكاة والتقليد.

(3)

المصدر السابق 1/ 420.

ص: 1310

فهذا هو مقالهم وهو يطابق حالهم، قال اللَّه تعالى في وصف حالهم:{يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)}

(1)

.

وفي خضم أعماله الهجائية يعبر عن عدائه للنبوة وتصويرها أنها تخلف وجفاف وضعف يقول:

(والزمن الأعجف قرن ثور يموت

والنبوه

يا فقراء العالم النبوه

فقر،

وكل فقر أوله الفضاء)

(2)

.

ثم يخاطب الحداثة وربّما الاشتراكية الماركسية بقرينة "يا فقراء العالم" المحورة عن الشعار الماركسي "يا عمال العالم اتحدوا" فيقول:

(رافقيه

بالنجمة السؤال، علميه الإعصار والهبوط

في الأعالي)

(3)

.

وقد أخرس اللَّه أفواه الماركسيين في العالم بسقوط قبلتهم "الاتحاد السوفيتي" وعما قريب -إن شاء اللَّه- نرى خرس الليبراليين والعلمانيين بسقوط ودمار قبلتهم "الغرب الأوروبي والأمريكي"، وما هي من الظالمين ببعيد.

لقد اشتهر أدونيس حتى عند الحداثيين أنفسهم بتعاليه وافتخاره بنفسه ونرجسيته المتغطرسة واعتداده الزائد بنفسه، وله في ذلك مقطوعات عديدة

(1)

الآيتان 12، 13 من سورة الحج.

(2)

المصدر السابق 2/ 167.

(3)

المصدر السابق 2/ 268 - 284.

ص: 1311

حشد فيها ما يستطيع من مفاخرات ومنافرات على الطريقة الحداثية، مستجلبًا بذلك عقول الأغرار الذين ينتقدون مفاخرات شعراء العرب القدامى، ولكنهم بعجزهم وقصور أذهانهم يقبلون بمفاخرات أدونيس، حتى التي يصور فيها أنه الكل في الكل في هذا الدرب الحداثي، وأن غيره مجرد اتباع طيعين وتلامذة مستعصين محاكين.

ولا أدل على ذلك من مقطوعته التي سماها "هذا هو اسمي"

(1)

التي حام فيها حول اسمه "علي أحمد سعيد" حومان الذباب بطنينه ورنينه حول مرتعه.

حتى لقد أزعجت هذه الظاهرة بعض الحداثيين فقال: (يفصح هذا التفكك الأدونيسي عن نفسه عبر فراع جواني ومسرحية لفظية لم تعد لتقدر أن تتستر عليها لغة. . .)

(2)

.

ويشرح هذا الناقد الخطوط والنقاط التي يتفكك فيها شعر أدونيس فيقول: (هو أولًا شعر مكرس منذ بداياته منذ "قصائد أولى" و"أوراق في الريح" و"مهيار" بخاصة، لانتظار البطل، بطل رومانسي مخلص، مأمول تمنح له جميع الصفحات، فهو كل شيء، وبالنتيجة لا شيء. . .

وهو ثانيًا، شعر قائم على السرانية "من السر" سرانية تظل مع ذلك لفظية. . . سرانية أو إخفائية، تبلغ في بعض القصائد حدود الكاريكاتورية:"أشرد في مغاور الكبير/ اعانق الأسرار/ في غيمة البخور في أظافر العفريت".

وهو ثالثًا، شعر الأنا المفخمة، المنتفخة، المتمركزة،. . . هذه الأنا المضخمة، التي ستكشف شيئًا فشيئًا عن فراغيتها تسود عمل أدونيس كله، تبدأ في "مهيار" بمعمومية كونية:"أول النهار أنا وآخر من يأتي، أضع وجهي على فوهة البرق وأقول للهم أن يكون خبزي" وتتصاعد، خصوصًا

(1)

أدونيس منتحلًا لكاظم جهاد ص 12.

(2)

المصدر السابق: ص 13 - 14.

ص: 1312

مع "مفرد بصيغة الجمع" ومن قبله في "كتاب التحولات" إلى هذيان مضجر حول الاسم الشخصي: "كيف اسكن اسمائي، علي أحمد سعيد، سعيد أحمد علي، يبدأ الجسد أدونيسيًا ويموت أدونيسيًا"

(1)

.

وهذه شهادة من حداثي يفتخر ويعتز بملته الحداثية، يكشف فيها مقدار ما في هذه الغابة الأدونيسية الباطنية الإلحادية من أدغال، أُدخل فيها بعض أبناء المسلمين فتاهوا وانقادوا خلفه بإمعية بلهاء، لا نظير لها.

المقصود أنه في مقطوعة "هذا هو اسمي" يسجل من خلال طاووسيته مواقفه الاعتقادية من الدين والوحي والقرآن والرسالة والإله العظيم -جَلَّ شَأْنُهُ-، فهو يفتتحها بقوله:

(ماحيًا كل حكمة هذه ناري

لم تبق آية - دمي الآية

هذا بدئي)

(2)

.

ويكرر لازمة في هذا المقطع هي:

(قادر أن أغير: لغم الحضارة - هذا هو اسمى)

(3)

.

ومن الكلمات الصارخة العداء في هذه المقطوعة قوله:

(أرى المئة اثنين أرى المسجد الكنيسة

سيافين والأرض وردة)

(4)

.

(طار وجهي نسرٌ قدست رائحة الفوضى

ليأت الوقت الحزين لتستيقظ شعوب اللهيب والرفض

(1)

المصدر السابق: ص 13 - 14.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس 2/ 268.

(3)

المصدر السابق 2/ 269، 273، 279.

(4)

المصدر السابق 2/ 269.

ص: 1313

أحببت صفصافة تحتار برجًا يتيه مئذنة تهرم)

(1)

(الأمة استراحت

في عسل الرباب والمحراب

حصنها الخالق مثل خندق

وسده

لا أحد يعرف أين الباب

لا أحد يسأل أين الباب)

(2)

.

(والنساء ارتحن في مقصورة

يستجرن الكتب المستنزله

ويحولن السماء

دمية أو مقصله

وعلي فاتح أحزانه

لبهاليل الشفاء

للذين استنسروا وانكسروا

وعلى لهب

ساحر مشتعل في كل ماء

عاصفًا يجتاح - لم يترك ترابًا أو كتبًا

كنس التاريخ غطى

بجناحيه النهار

(1)

المصدر السابق 2/ 269.

(2)

المصدر السابق 2/ 273.

ص: 1314

سره أن النهار جُنَّ

هذا زمن الموت، ولكن

كل موت فيه موت عربي)

(1)

.

(وطني راكض ورائي كنهر من دم، جبهة الحضارة

قاعٌ طحلبي، لملمت تاجًا تقمصت سراجا)

(2)

.

(ثقب في جيبي اهترأ العالم حواء حامل في سراويلي)

(3)

(سأبكي لأمةٍ ولدت خرساء. . .)

(4)

.

(. . . هل ثياب النساء من ورق المصحف)

(5)

.

(هكذا أحببت خيمة

وجعلت الرمل في أهدابها

شجرًا يمطر والصحراء غيمه

ورأيت اللَّه كالشحاذ في أرض عليٍّ

وأكلت الشمس في أرض عليٍّ

وخبزت المئذنة

ورأيت البحر يأتي في ضباب المدخنة

هائجًا يهمس:

من كوَّننا

(1)

المصدر السابق 2/ 274 - 275.

(2)

المصدر السابق 2/ 275.

(3)

المصدر السابق 2/ 276.

(4)

و

(5)

المصدر السابق 2/ 280.

ص: 1315

لم يكن تكوينه الاسقيفه

رجها الاعصار فانهارت وصارت

خشبًا يُحرق في دار خليفة)

(1)

.

ثم يختم كل هذا الصخب العدواني، والهجاء الحاقد، بحديث عن الدجال قاصدًا به صاحب الدين من رسول وعالم وحاكم، فيقول:

(قبر الدجال في عينيه شعبًا

نبش الدجال من عينيه شعبًا

وسمعناه يصلي فوقه

ورأيناه يحيه ويجثو، ورأينا

كيف صار الشعب في كفيه ماء

ورأينا

كيف صار الماء طاحون هواء)

(2)

.

وفي مقطع آخر يواصل افتخاره باسمه وهزأه بالدين ورموزه والوحي ودلالاته، يقول:

(فرس الماضي وصبغة اللَّه لون آخر

لا يد عليَّ

عليٌ أبد النار والطفولة. . .

هزوا شجر الحلم غيروا شجر النوم كلام السماء للأرض)

(3)

.

(1)

المصدر السابق 2/ 282 - 283.

(2)

المصدر السابق 2/ 284.

(3)

المصدر السابق 2/ 285.

ص: 1316

إن النقطة التي يتجمد عندها كل فكر واعتقاد لأدونيس لا تعدو أن تكون الإلحاد وأذياله، والحقد على الدين ومقتضياته لم يستطع أدونيس في محاولاته "الإبداعية"!! أن يتجاوز هذه النقطة، فهو يدور حولها، في إجرام باسم الثقافة، وتخريب باسم الأدب، وفوضى جاهلية باسم التجديد، مع تعالٍ أجوف، وحقد أرعن، فهو أسير هذه الأطواق لم يتحرر منها، كما لم يتحرر منها أشباهه الذين يعادون الرسل والرسالات، ويجعلونها من أسباب التخلف ونقائض العقل، حتى أنهم يجعلون أي تفاهة أعظم من الدين والنبوة، ولو كانت تفاهة شعرهم الذي هو أقرب إلى العبث الكلامي منه إلى الكلام المعقول، ومع ذلك يقولون:(وحده الشعر عرف الحقيقة البشعة، عرف كل الحقيقة، أكثر من الأنبياء والآلهة)

(1)

.

ويعبر البياتي بتعبير آخر عن هذا الوجه من الانحراف، وذلك في قوله تحت عنوان "كابوس الليل والنهار" يصف فيها مجيء نبي:

(تحلم الأرض بميلاد نبي يملأ الآفاق عدلًا

تحلم الأرض بميلاد الفصول

وأنا أحمل في الشارع جثه

لأواريها إذا ما هبط الليل، بمبغى أو حديقة

وبمقهي أو بخمارة نور

مخفيًا وجهي عن اللَّه وعنك. . .

والنبي المنتظر.

نائمًا ما زال في الغار وما زال المطر

فوق جدران البيوت الهرمة

وسطوح المدن الحبلى وإعلانات سمساري البيوت

(1)

مجلة الناقد - العدد 18 كانون أول 1989 م/ 1410 هـ: ص 8 من مقال لأنسي الحاج.

ص: 1317

بدم يكتب ميلاد وموت الكلمة، وأنا أحمل في الشارع جثة

مخفيا وجهي عن اللَّه وعنك)

(1)

.

وفي اعتزازه واعتماده على عشتار الوثن الجاهلي القديم، يأبى إلّا أن يصف السماء وما يأتي منها من خير وهدى بأوصاف شتيمة وذم، وكأنه يستجلب رضى هذا الوثن بسب الحق، كما كان يفعل الجاهليون في عهد النبوة، يقول:

(ضارعًا أسأل، لكن السماء

مطرت بعد صلاتي الألف ثلجًا ودماء

ودمى عمياء من طين وأشباح نساء

لم يرين الفجر في قلبي، ولا الليل على وجهي بكاء

فمتى تنهل كالنجمة عشتار، وتأتي مثلما أقبل في ذات مساء

ملك الحب لكي يتلو على الميت سفر الجامعة

ويغطي بيد الرحمة وجهي وحياتي الفاجعة)

(2)

.

أمّا نزار قباني فيجعل الضياء الآتي -حسب رأيه- من حوانيت إباحياته وعهره، ثم يتساءل:

(ما الذي يفعله قرص ضياء؟

ببلادي

ببلاد الأنبياء

ماضغي التبغ وتجار الخدر

ما الذي يفعله فينا القمر؟

(1)

ديوان البياتي 2/ 219.

(2)

المصدر السابق 2/ 206.

ص: 1318

فنضيع الكبرياء

ونعيش لنستجدي السماء

ما الذي عند السماء؟

لكسالى ضعفاء)

(1)

.

وهكذا يستحيل الباطل حقًا ونورًا وضياءً، ويتحول الحق والهدى إلى خدر وكسل وضعف، لا لشيء إلّا لمجرد العداوة للأنبياء الذين يجعل وجودهم في بلاده وصمة عار وذم، وعلامة تخلف وتراجع.

وهذا كله من انقلاب الحقائق على الطريقة الحداثية.

ونحو هذا القول، قول محمود درويش:

(صار جلدي حذاء

للأساطير والأنبياء)

(2)

.

وفي مقطوعة طويلة مليئة بالشتائم والعداوة والاستهانة بالدين ورموزه وقضاياه عنوانها "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق" أورد هنا أسطرًا منها يقول فيها:

(أنا ضد القصيدة

غيرت حزن النبي ولم تغير حاجتي للأنبياء)

(3)

.

(لا لنبوءة العراف

يومك خارج الأيام والموتى

وخارج ذكريات اللَّه والفرح البديل)

(4)

.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة 1/ 365 و 3/ 17.

(2)

ديوان محمود درويش: ص 292.

(3)

المصدر السابق: ص 547 - 579.

(4)

المصدر السابق: ص 554.

ص: 1319

(والليل سقف اللص والقديس

قبعة النبي وبزة البوليس)

(1)

.

(وقال الجرح: ما أصل العقيدة؟

قلتُ: أن تبقى وأمشي فيك كي ألغيك)

(2)

.

(أنتم جذوع البرتقال

وهم نشيد الاعتدال

واللَّه لا يأتي إلى الفقراء، إذ يأتي بلا سبب

ونأتي الأبجدية معولًا أو تسلية. . .

فنحن الخارجين على الحنين. . الخارجين على العبير

نسير نحو عيوننا ونسير ضد المملكه

ضد السماء لتحكم الفقراء

ضد محاكم الموتى

وضد القيد قوميًا

وضد وراثة الزيتون والشهداء)

(3)

.

(من أين يبدأ صوته؟:!

- من أول الأيام حين تبارز الحكماء في مدح النظام

ومتعة السفر البعيد

فأتى ليرميهم بجثته

وكان دويّها والأنبياء

(1)

المصدر السابق: ص 557.

(2)

المصدر السابق: ص 558.

(3)

المصدر السابق: ص 563.

ص: 1320

لكم انتصارات ولي حلمٌ)

(1)

.

وفي مقطع آخر يمجد فيه الرفض ويشيد بالتمرد على أشياء منها الأنبياء يقول:

(ستقول: لا، وتمزق الألفاظ والنهر البطيء، ستلعن الزمن الردئ. . .

تأتي إلى مدن وتذهب. سوف تعطي الظل أسماء

القرى، وتحذر الفقراء من لغة الصدى والأنبياء

وسوف تذهب. . سوف تذهب، والقصيدة

خلف هذا البحر والماضي، ستشرح هاجسًا فيجيء

حراس الفراغ العاجزون الساقطون من البلاغة والطبول)

(2)

.

فهو يرمز هنا لتمزيق الألفاظ بنزيف اللغة، والنهر البطيء علامة تخلف وإشارة إلى دين وعقائد وأعراف قامت على اللغة العربية، ثم لابد أن يصحب هذا الرفض والتمزيق والتمرد تحذير من اللغة الرجعية وما تحويه من مبادئ وقيم ودين وقضايا وحضارة، وتحذير من الأنبياء؛ لأنهم عنده سبب للتخلف والنهر البطيء والصدى والزمن الردئ، ثم يعقب ذلك بالدعوة إلى الرحيل إلى البحر وخلف البحر وهو رمز للتقدم الذي هو الغرب كما هو مكرر بكثرة عند الحداثيين.

وعلى هذا النحو يسير معين بسيسو معبرًا بألفاظ أخرى قائلًا:

(للذي بعدي السموات امرأه

وأنا لي الأنبياء

آه ما أحلى السماء

حينما يطرد منها الأنبياء

(1)

المصدر السابق: ص 567.

(2)

المصدر السابق: ص 636.

ص: 1321

يا فلسطين اللصوص الرقباء

أين من كأسك أهرب)

(1)

.

ويجعل من فلسطين أرضًا تعلم الأنبياء القراءة، وقد سبق نقل هذا

(2)

.

ويتحدث سميح القاسم عن وطنه واصفًا إياه بالتخلف لكونه وطنًا للأكاذيب والأنبياء، فيقول:

(وطن القرى الأطلال والدم والبكاء

أأشد أزرك

أم تراك تشد يا مغدور أزري؟

وطن الأكاذيب القديمة والرؤى والأنبياء

أأكون سرك

أم تراك تكون يا مقدور سري؟)

(3)

.

أمّا الفيتوري فيعبر عن اعتقاده بتخلف الأديان ومناقضتها للعقل بقوله:

(ويطل يسوع

القبح يغطي بردته البيضاء:

ها أنت أتيت

غريبًا يقطر وجهك حزنًا

مسيرة ألفي عام

لا خبزك أنت ولا ملح الأديان

(1)

الأعمال الشعرية لمعين بسيسو: ص 576.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 665 - 666.

(3)

ديوان سميح القاسم: ص 689.

ص: 1322

الحق اقول

الخالق والمأساة هو الإنسان

ويغيب يسوع)

(1)

.

كل هذه النصوص وغيرها مما لم أنقله وهو كثير، يدل بيقين على القوم يعتقدون أن الرسل والرسالات ضد العقل والمصلحة ومع التخلف والرجعية.

وهم في هذا الإطار يدعون أنهم مع العقل والتقدم والعلم والنظام والمنطق.

وسوف أنقل هنا جملة من النصوص التي تكذب دعواهم هذه وتبين أنهم ليسوا -فقط- يتخلون عن العقل والعلم والمنطق، بل يدينون كل ذلك ويضادونه ويعتبرونه من العوائق.

ففي توصيف تنظيري يذكر إحسان عباس مضامين الثورة الحداثية التي تعتمد على مبدأ التحطيم لسلطة الأب وتفكيك نظام العائلة، وتحدي السماء، وإشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، يقول: (. . . الثورة حين تعتمد التحطيم ترتبط بالإخافة لمن لا يقدرون على تصور كل نتائجها، وهؤلاء يخشون إلى درجة الرعب انهيار سلطة الأب، وتفكك نظام العائلة، وبالتالي تقشعر نفوسهم من التحدي للسماء، ذلك أن إنسانية الإنسان -دون أي شيء آخر- تعني فيما تعنيه إشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، وهذه سمة بارزة في الشعر الحديث، ولا يخفف من وقعها أن نحتال لها بالتفسيرات والتوجيهات. . .

ثم إن ارتباط جانب من هذا الشعر بالرفض المطلق فيه تحد للعلم والعقل والنظام)

(2)

.

(1)

ديوان الفيتوري 1/ 458.

(2)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 158.

ص: 1323

ويذهب محمد جمالى باروت -في دراسته لديوان "أغاني القبة"

(1)

- إلى أن من أسس الرؤية الحداثية: تشويش الوعي صوفيًا وسورياليًا وإدانة العقل، وأن صاحب هذا الديوان:(هو أحد الذين عرفوا السوريالية باسم آخر لها هو الصوفية، ويصل الاعتراف بالدور المطلق و"اللاشعور" في عملية الإبداع الشعري. . . إلى الدرجة التي يدين فيها "العقل" وأي أثر من آثار "اليقظة" أو "الوعي")

(2)

.

ولحداثي آخر توصيف للحداثة أدق وأشمل، وذلك في قوله: (إن البلبلة والتشوش سمة مميزة للحداثة التي تريد أن تنطوي على وجود بدون وجود، وعلى نص بدون نص، وعلى سؤال بدون سؤال. . .

فالحداثة: هي اللاذات، اللا - أساس، اللا - قول، واللا - ذاكرة، حيث بالإمكان تمديد هذه التوالية من "اللاءات" إلى ما لا نهاية: اللامنطق، اللاعقل، اللاحداثة.

وبذلك فإن الكتابة الحداثية تغدو ممكن قول أي شيء. . .

إذا كان للضرورة من معنى في السياق "الحداثي" هي حرية التحرر من العقل.

إن الوضعية المنطقية التي هي الظل الفلسفي لكل تيارات الحداثة، تتخلى في الوعي "الحداثوي" العربي عن المنطق، ليبقى الوضع بمثابته المطلق الوحيد)

(3)

.

أمَّا أنسي الحاج فإنه يعبر هذه القضية بالدعوة إلى الانتهاك واختراق الحدود، والعري، وذلك في قوله: (اتحدث عن صدم، انتهاك، يخترق الحدود من أجل توسيع الحياة انتهاك يندفع إلى تجاوز القوانين والتقاليد بقوة

(1)

أغاني القبة لخير الدين الأسدي.

(2)

الحداثة الأولى: ص 237.

(3)

قضايا شهادات 2 صيف 1990 م/ 1410 هـ: ص 292 - 293 من مقال بعنوان "الحداثة عقيدة الأفاعي" لعبد الرزاق عيد.

ص: 1324

انشغاله في غزو مسافات أكبر للجمال والحب والحرية. . .

والحاجة اليوم أراها إلى كتابة تمزق حجابها بعد ما تمزق وجدانها، إلى كتابة تقول المحرم والممنوع والمخيف والمهول والرائع والمدهش والمذهل والساحر الرهيب، ولو لُعنت ورجمت واضطهد أصحابها حتى الموت. . .

الحاجة إلى كتابة العري، عري الذات والفكر والدخيلاء والحلم والكابوس والنظر والبصيرة والشوق والاستيهام والنوايا، عري المنطق عري الاقتناع، أي الشك، عري الإيمان، عري المحاكمة الذاتية والموضوعية، عري الخطايا، عري الضعف والانحلال، عري الجنون، عري السقوط، عري الصلاة العارية والهرطقة العارية والعربدة العادية)

(1)

.

ويؤسس يوسف الخال طريق الفوضى المنافية للنظام والعقل والمنطق، ومن هذا التأسيس قوله: (الشاعر المبدع هو الذي يضع نظامه ثم يصبح هذا النظام قانونأ يهتدي به الآخرون ثم يغيرونه، هم أيضًا أحرار في تغييره أو رفضه. . .

أكثر شيء اهتدينا به هو تخليص الشاعر العربي من القوانين المفروضة عليه)

(2)

.

وقبل ذلك كان قد بين أن (أول بند في المجلة "يقصد مجلة شعر" أن الشاعر حر وهو يضع قوانينه وهو فوق القوانين الشعرية والضوابط الشعرية، وليست هي فوقه، هو الذي يضع النظام ولا يضعه النظام)

(3)

.

أمَّا أدونيس الذي ملأ كتبه ضجيجًا ادعائيًا بالعقلانية والعلمية فإنه يقر بنفسه أنه يدين العقل والعلم ويضاد العقل وينافي العقل، وذلك في مواطن عديدة منها قوله:(يمكننا القول أن الشعر الجديد نوع من المعرفة التي لها قوانينها الخاصة في معزل عن قوانين العلم)

(4)

.

(1)

مجلة الناقد - العدد الأول تموز 1988 م/ 1408 هـ: ص 7.

(2)

قضايا الشعر الحديث: ص 297.

(3)

المصدر السابق: ص 296.

(4)

زمن الشعر: ص 10.

ص: 1325

وقوله: (إن الشعر الجديد هو، بشكل ما، كشف عن حياتنا المعاصرة في عبثيتها وخللها، إنه كشف عن التشققات في الكينونة المعاصرة. . . من هنا كراهية المنطق الخطابي في الشعر الجديد، فهذه الكراهية خاصة من خاصياته الرئيسية، إن حب المنطق هو من مميزات سكان عالم منظم، مميزات إنسان يحيا في إنسانية موقفة، لها عوامل يقينها. . . إن الإنسان الذي يحيا في عالم غير يقيني، يتجنب المنطق ولا يخدع به)

(1)

.

ويعبر عن الفوضى العقلية والعملية لدى الشاعر الحديث قائلًا: (كل ما يتعارف عليه الناس، يصبح بالنسبة إليّ مقننًا أي خارج الشعر، وخروجي عليه هو بالنسبة إلى دخول في الشعر في حين يرونه خروجًا على ما اعتادوه)

(2)

.

وبما أن العقل قالب والنظام قالب فإن أدونيس يعلن: (أنا أنفر من القالب نفوري من القبر، القالب قبر)

(3)

.

ويطالب أن تكون القصيدة مشهدًا فوضويًا

(4)

.

وفي اعتناقه للصوفية الباطنية والسوريالية الإلحادية، يردد أقاويل مكررة من رفض للعقل ودعوة للغيبوبة والباطن، على وفق منبته الباطني النصيري وتفرعاته المادية الإلحادية، ولذلك نجده يعقد مقارنة ابتهاجية إشادية بين الصوفية والسوريالية على أساس أن (. . . دعوى السوريالية الأولى هي أنها حركة لقول ما لم يقل، أو ما لا يقال، ومدار الصوفية كما أفهمها هو اللامعقول اللامرئي اللامعروف)

(5)

.

ثم يستشهد بأقوال بعض الغربيين ثم يضيف: (ويؤكد الكاتب أن

(1)

المصدر السابق: ص 19 - 20.

(2)

و

(3)

أسئلة الشعر: ص 126.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 127.

(5)

الصوفية والسوريالية: ص 12 - 13.

ص: 1326

عبارة "الوظيفة الحقيقية للفكر" بواسطة "الآلية النفسية" خارج كل رقابة يمارسها العقل، وخارج كل هم جمالي أو أخلاقي بقيت حتى النهاية، الهاجس الدائم للسوريالية فرديًا وجماعيًا. . . إن السوريالية تهتم عمقيًا باللامعقول لكن ليس إلى حد الإيحاء بإيمان ما، بإله أو ألوهية ما. . .)

(1)

.

فإذا تتبعنا بعد ذلك ما في كتابه هذا من إعجاب بالسوريالية والصوفية الإلحادية تبين لنا أي قدر من محو العقل والمنطق ومضادتها يدعو إليه أدونيس، الذي حارب هو وأشباهه وأتباعه الدين والرسالات على أساس أنها ضد العقل، مع أن ما فيها من بينات وبراهين تؤكد أهمية العقل وعظم منزلته في الأديان.

أمَّا هؤلاء فقد بان تناقضهم، واتضح رفضهم للعقل ودعوتهم إلى الفوضى والغيبوبة واللامعقول، وهذا هو حالهم على الحقيقة.

‌الوجه الرابع: القول في الرسل بأقوال الديانات المحرفة:

سيق في الفصل الرابع من الباب الأول تفصيل ذلك، وذكر شواهده وخاصة قولهم بصلب المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وأخذهم القصص المفتراة على الأنبياء من الكتب المحرفة، ومن أقاصيص الخرافات النصرانية واليهودية.

مثل أخذ خليل حاوي قصة لوط وابنتيه من التوراة وبناء قصيدة على ذلك

(2)

.

ومثل أخذ السياب قصة المسيح وإحياء العازر من الإنجيل

(3)

.

(1)

الصوفية والسوريالية: ص 12 - 13.

(2)

انظر: الحداثة الأولى: ص 143، وقد اعتبر المؤلف محمد جمال باروت وجود لوط مجرد أسطورة.

(3)

انظر: ديوان السياب: ص 440، 465، 470.

ص: 1327

ومثل ترديدهم بعقيدة الخلاص والفداء والخطيئة التي هي أسس العقائد النصرانية، وقولهم صراحة بأن المسيح ابن اللَّه، تعالى اللَّه عما يقولون

(1)

.

وفي الجملة فقد تلقى هؤلاء العقائد الحداثية عن الغربيين من يهود ونصارى، وكان من ضمن الأخلاط التي تلقوها عنهم المفاهيم والتصورات والعقائد النصرانية فرددوها ببلاهة وتبعية بليدة

(2)

.

‌الوجه الخامس: إطلاق أسماء وأوصاف الرسل عليهم السلام على غير الرسل:

وهذا الوجه من الانحراف فيما يتعلق بالرسل الكرام عليهم السلام، أغرق فيه الحداثيون إغراقًا هائلًا، وتوسعوا فيه توسعًا كبيرًا.

وهم على الرغم من جحدهم للرسل والرسالات والأنبياء والنبوات، وتشكيكهم في وجودهم وفي صحة ما جاؤوا به، إلّا أنهم مع كل ذلك يأخذون النبوة باعتبارها وصفًا عاليًا متميزًا، فيلصقونه على من يريدون مدحه من الشعراء وغيرهم.

وهذا من تناقضهم وفساد عقولهم، فكيف يجحدون شيئًا ثم يطلقون اسمه أو وصفه على من يريدون مدحه؟!.

غير أنه ليس هذا -فحسب- عملهم ومقصدهم في هذا الباب، بل إنهم في إلحاق الأسماء والأوصاف الخاصة بالأنبياء عليهم السلام، بغيرهم من الأحياء والأشياء، يهدفون إلى تهوين وتدنيس الرسل والرسالات، من خلال إطلاق خصائصهم الجليلة على من لا يستحق أن يوصف بأوصاف البشر العاديين فضلًا عن أوصاف الأنبياء المصطفين الأخيار.

(1)

انظر أمثلة على ذلك في: ديوان محمود درويش: ص 156 - 157، وسقوط الإمام: ص 9.

(2)

انظر: الفصل الرابع من الباب الأول من هذا الكتاب.

ص: 1328

ويُمكن حصر هذه الإطلاقات الحداثية في اتجاهين أساسيين:

الأول: إطلاق أوصاف وأسماء الرسل على الشعر والشعراء وخاصة الحداثة وأصنامها وطواغيتها.

الثاني: إطلاق أوصاف وأسماء الرسل على من عدا القسم الأول.

فأمَّا الاتجاه الأول فقد أطنبوا فيه وأسهبوا، وقد اقتفوا في ذلك أثر المدرسة الرمزية الغربية التي تبنى أصحابها رفع منزلة الشاعر إلى درجة النبي، وخاصة "رامبو" الذي أطلق لفظ "الشاعر النبي".

يقول مؤلف "في النقد الحديث" في سياق حديثه عن المذهب الرمزي: (وقد ارتفع الشاعر عند الرمزيين إلى منزلة فوق المنزلة التي رفعها إليه الرومانسيون، وأطلق رامبو على الشاعر اسم الشاعر النبي. . . الذي يتمتع بقدرة على أن يرى ما وراء عالم الواقع، وينفذ إلى الجوهر الكامن في عالم المثل.

والشعر إلهام عند بعض الرمزيين يأتي إليهم من غير تدخل منهم فهم مجرد متلقين يسجلون ما يلقى فيهم، وقال أحدهم:"ثمة إله فينا، ونحن متصلون بالسماء: من الأماكن العلوية السماوية يأتي إلهامنا")

(1)

.

وقد ذكر أحد فلاسفة السوريالية أصلًا آخر لهذا الانحراف فقال: (وأعمق ما في الرومنطيقية

(2)

مما أثر في السوريالية هو قولها: إن الشاعر نبي، يقرأ نص العالم، ويدرك قوانين الكون الخفية بطريقة حدسية)

(3)

.

فهذا هو أساس الاتجاه الحداثي المنحرف الذي يطلق اسم النبي ووصف النبوة على الشاعر.

ويصف أحد نقاد الحداثة مقصد هذا الإطلاق، في سياق حديثه عن بقايا صورة الماضي في المتخيل الثقافي العربي، وعد منها "صورة النبي"؛ لأنه يرى أن (النبوة تجمع سلطتي اللغة والسياسة، والشاعر وهو يتملك اللغة

(1)

فى النقد الحديث: ص 152 - 153.

(2)

سيأتي بيانه: ص 1559.

(3)

الصوفية والسوريالية: ص 28، والقول لاندريه بريتون.

ص: 1329

يسعى من خلالها إلى امتلاك السلطة في هذا الجمع النبوي. . . الشاعر يتخذ من أوليته معبرًا إلى شكل نبوي، إنه ليس فقط الناطق باسم القبيلة، كما كان الشاعر الجاهلي، بل هو معلم الأمة وصورتها النبوية، إنه يستعيد الأصل كله ويعيد كتابته ويؤسس لأول آخر، هذه الصورة سوف تستعاد في الشعر والأدب الحديثين على أكثر من شكل، من جبران في كتابه "النبي" إلى "مردار" ميخائيل نعيمة، إلى استعادة أدونيس لاسم إله كنعاني يقوده في مجاهل الحداثة إلى آخره. . . هذا الأول الشعري سوف يتفرع إلى ما لا نهاية في عبثية أنسي الحاج ولغته الدينية، أو في جموح درويش إلى احتضان غنائية الواقع الفلسطيني ومأساويته، أو في هذا البحث المضني عن شكل جديد للقصيدة الذي بدأ مع السياب، ثم انساب مع سعدي يوسف في لغة شفافة يرتجف الواقع في ثناياه كأنه يتلألاء بالماء.

النبي يستعاد، والبحث عن الأول يكتمل في القصيدة الحديثة المتعددة الأغراض)

(1)

.

فإنه مع اعتبار أن النبوة من بقايا الماضي، الذي يعني في أدبيات الحداثة التخلف والرجعية، يجعل من ذلك نعتًا لأدباء الحداثة، إمّا من باب تعظيمهم وتفخيمهم أو من باب الاستهانة بالنبوة والأنبياء.

ومن ملامح هذه الإطلاقات كلام أدونيس عن سلفه من شعراء المهجر وخاصة "الرابطة القلمية" وعن سمات المناخ الثقافي في أمريكا الذي جعل منها على الصعيد الاجتماعي (. . . منحى التغيير، أي الخلاص من الأفكار والقيم والتقاليد القديمة، ومن هنا سيطر الطابع النبوئي أو الرسولي في نتاجهم، لكن بدرجات متفاوتة، ومن طبيعة النبؤة أنها تُعنى بالمستقبل)

(2)

.

ثم يستخرج من بين هذه الفئة النصرانية العلمانية أشدهم على الرحمن عتيًا، وهو جبران خليل جبران، فيصفه بقوله: (. . . اللهجة التي يتكلم بها جبران في معظم كتاباته هي لهجة النبي، يُمكن إذن، أن نرى في نتاج

(1)

الإسلام والحداثة: ص 315 - 316 من مقال بعنوان التقليد والاتباع لإلياس خوري.

(2)

الثابت والمتحول 3/ 163.

ص: 1330

جبران، من الناحية التراثية، استمرارًا لتقليد عريق سامي عربي، فالموقف الأول السامي بعامة، والعربي بخاصة، هو الموقف النبوي. . . وللنبي، في التقليد الديني، خاصيتان متلازمتان: الأولى هي أن نبؤته مفهوم جديد أو رؤيا جديدة للإنسان والكون، والثانية هي أنها تنبئ بالمستقبل، وتتحقق، ويشير المعنى الذي اتخذته كلمة نبي في العربية، إلى أن النبي يتلقى الوحي، أي أنه ليس فعالًا بل منفعل يعطى رسالة فيبلغها، ولذلك يسمى رسولًا، أنه مستودع لكلام اللَّه، وليس فيما يقوله شيء منه أو من فكره الخاص، بل كل ما يقوله موحى من اللَّه.

والنبي راء وسامع لما لا يرى ولا يسمع، يرى المجهول والمستقبل، ويسمع أصوات الغيب. . . والنبوة بهذا المعنى، ليست كلامًا وحسب وإنّما هي عمل كذلك، فالنبي، هو أيضًا، يقاتل ويحارب في سبيل العدالة، ومن الأنبياء من يرى ملاكًا يكلمه، ناقلًا إليه الوحي، ومنهم، كموسى، من يكلمه اللَّه، مباشرة، وهذه حالة نبوية فريدة.

غير أن الصلة بين النبوة والجبرانية هي، الآن، ما يهمنا، الجبرانية هي جوهريًا، نبوة إنسانية، وجبران، بهذا المعنى، يطرح نفسه كنبي للحياة الإنسانية بوجهيها الطبيعي والغيبي، لكن دون تبليغ رسالة إلهية معينة، والفرق بين النبوة الإلهية والنبوة الجبرانية هي أن النبي في الأول ينفذ إرادة اللَّه المسبقة، الموحاة، ويعلم الناس ما أوحى له، ويقنعهم به، أمَّا جبران فيحاول، على العكس، أن يفرض رؤياه الخاصة على الأحداث والأشياء، أي وحيه الخاص.

وحين نفرغ النبوة من دلالتها الإلهية، نجد أنها الطريقة والغاية لنتاج جبران كله، فجبران يقدم مفهومًا جديدًا ضمن تراث الكتابة الأدبية العربية، للإنسان والحياة، وهو يوحي بما سيكون عليه المستقبل، وهو ليس منفعلًا بل فعال، وهو يرى الخفي المحجوب ويلبي نداءه، ويسمع أسرار الغيب ويعلنها)

(1)

.

(1)

المصدر السابق 3/ 164 - 165. وانظر: ص 166.

ص: 1331

لعل هذا النص من أوضح وأشمل النصوص الحداثية التي توضح عناصر هذا الانحراف في تشبيه وتسمية الشعراء والأدباء بأوصاف النبوة وأسماء الأنبياء.

فهو -أولًا- يجعل النبوة مجرد تقليد ديني شرقي، وأنها تعبير عن رؤية جديدة للإنسان والكون، ثم هو -ثانيًا- يجعلها مجرد تلقٍ وانفعال، ورؤية وسماع للمجهول، وهو في هذا التوصيف الذي يريد أن يُظهر فيه موضوعية مزعومة، وقطعية مكذوبة؛ لا يخرج عن دائرة انحرافه في هذا الباب بدءًا من جحده وتكذيبه للنبوة والأنبياء كما سبق توثيقه، فهو بجعله النبوة تقليدًا دينيًا ينفي عنها أصل الاصطفاء والعصمة، وبجعلها رؤية جديدة للإنسان والكون يتجاوز الحقيقة في أن الرسل والرسالات جاءت بعقيدة واحدة، هي التوحيد المضاد للشرك، ولم يختلف في ذلك نبي عن آخر.

أمّا جعله النبوة مجرد تلقٍ وانفعال فهي ألفاظ تفهم في ضوء ما شرحه وبينه في كتابه هذا عن قضية الإبداع والحداثة القائمة على تجاوز التقليد والتلقي، التي جعلها من أسس التخلف والرجعية والثبات والتأخر.

ثم يفهم هذا المعنى في سياق وصفه لجبران الذي جعله من الخارجين على قضية التلقي والانفعال والتأثر؛ لأن لديه -على عكس الأنبياء- رؤياه الخاصة إلى الأشخاص والأشياء والأحداث وله وحيه الخاص.

وهو بهذا التوصيف ومن خلال هذه المعايير الجائرة الخاطئة يجعل جبران وغيره ممن سار على طرق المنافاة للدين أفضل وأعلى وأسبق وأعمق من الأنبياء، على افتراض أنه يؤمن -أصلًا- بوجود أنبياء ووحي ورسالة.

وينساق أدونيس في مسار باطني -بحكم عقيدته الباطنية- فيجعل ما يسميه "الرؤيا" أصلًا ينطلق منه لوصف جبران بأنه كاتب "رؤيويًا"، ويحدد ذلك بأن (الرؤيا في دلالتها الأصلية وسيلة الكشف عن الغيب أو العلم بالغيب)

(1)

.

(1)

انظر: كل هذه المعاني مفصلة في المصدر السابق 3/ 166 - 169.

ص: 1332

وأنها تتفاوت عمقًا وشمولًا بتفاوت الرائين، وأن بعضها تحدث في اليقظة ويصحبها البرحاء، التي هي انفصال عن العالم المحسوس، وهو في كل هذا يشبه جبران وأضرابه بما فيهم نفسه، بالأنبياء.

ثم يتحدث عن الرؤيا عند الصوفي الملحد ابن عربي وأنها نوع من الاتحاد بالغيب لخلق صورة جديدة للعالم، ثم يخلص من ذلك كله إلى أن الرؤيا الإشراقية عند هؤلاء أجمعين من ابن عربي ومن على شاكلته من الباطنيين إلى جبران، ومن على شاكلته من الحداثيين، تعني رفض الرائي عالم المنطق والعقل؛ لأن الرؤيا كشف وإزاحة لكل حاجز واختراق للواقع، ومن هنا لابد أن تكون معطياتها غامضة والغموض فيها شفاف، لا يتجلى للعقل أو المنطق التحليلي العلمي، وإنّما يتجلى بنوع من الكشف، ولذلك فالرؤيا إبداع والإبداع كشف وتجاوز، وتغيير مستمر، إلى آخر هذه الشبكة من المعاني التي يربطها بادعائه نبوة الحداثيين وباطنيتهم ورؤاهم وكشوفهم الشيطانية، وإبطال العقل والمنطق، وإزاحة الواقع واختراق المألوف، إلى آخر قضايا الحداثيين التي يرددونها بلا ملل، ويجعلونها من أسس منطلقاتهم.

ويستطرد أدونيس في توصيف هرطقات جبران وربطها بالنبوة والوحي {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}

(1)

.

وذلك في صدد حديثه عن الابتكار الذي يقتضي عنده الانفصال عن الماضي ثم يقول: (كل مبتكر في هذا المستوى، إنّما هو كالنبي "فجر لذاته" كما يعبر جبران)

(2)

.

وقد ذكرت آنفًا أن هذه الضلالة ينساق فيها ضمن سياق عقيدته الباطنية، إذ من المبادئ الأساسية في النظرية الشيعية عامة والباطنية خاصة،

(1)

الآية 112 من سورة الأنعام.

(2)

المصدر السابق 3/ 196.

ص: 1333

مبدأ الإمامة، فيجب على الشيعي أن يعرف إمام عصره وأن يؤمن بإمامته، وبكل ما هو معروف عندهم من صفات الإمامة، وفي مقدمتها العصمة، وأن يخلص له وينقاد لأمره، والإمامة عندهم ركن أساسي من أركان الدين، بل هي الركن الأول الذي تبطل ببطلانه بقية الأركان، والباطنية يغلون في ذلك غلوًا يخرجهم عن الإسلام إلى الشرك، فالإمام عندهم له صفات الرسل، بل له الصفات التي ثبت عند المسلمين أنها من صفات اللَّه الحسنى.

ومن هذا المنزع أخذ أدونيس هذه الادعاءات الباطلة وحاول ترويجها من خلال الأدب المعاصر والشعر الحديث.

وقد حاول في تأصيل الأصول وهو الجزء الثاني من الثابت والمتحول أن يربط هذه القضية بثلة من الملاحدة والزنادقة ولم يذكر منهم من أهل ملته النصيرية أحدًا، إمعانًا في التمويه والهروب والتقية، فأتى بابن الراوندي وابن المقفع والرازي الملحد، غير أنه في القسم الثاني من "تأصيل الأصول" والذي أطلق عليه تأصيل الإبداع والتحول، جاء بالظاهر والباطن والتصوف والباطنية في صيغ من الامتداح والتبجيل جاعلًا من كل ذلك أساسًا للإبداع الحداثي والتحول والتجديد، مستخرجًا من المضامين الصوفية الاتحادية والشيعة الباطنية أصلًا للحداثة، ومن ذلك أخذه مفاهيم الفناء والكشف والغور والباطن ووحدة الوجود والشهود، وغير ذلك من مصطلحات أهل التصوف الإلحادي، وخاصة ابن عربي الذي استشهد بقوله المتضمن أن الصوفي أعظم من النبي

(1)

، واسترسل مع هذا الأصل الباطل وطرده في مواضع عديدة، كقوله عن الوجوديين والحداثيين وموقفهم من اللغة وصمود اللغة أمامهم وأن ذلك يشكل أزمة سببها (غياب أو انعدام الأنبياء أو السحرة الجدد الذين يستطيعون أن ينفضوا عنها رمادها، ويبعثوها متوهجة كشمس الصباح)

(2)

.

وهو متأثر في ذلك بنشأته النصيرية الباطنية، وبدراسته الغربية وتلقيه لمذاهب الغرب، التي حكى عن بعض روادها قائلًا: (وأعمق ما في

(1)

انظر: الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 96 - 99.

(2)

زمن الشعر: ص 137.

ص: 1334

الرمنطيقية مما أثر في السوريالية هو قولها "أن الشاعر نبي، يقرأ نص العالم، ويدرك قوانين الكون الخفية بطريقة حدسية")

(1)

.

وهذه السوريالية التي هام بها أدونيس من ضمن هيامه في أودية الهلكات وشعاب الضلالات، يشرح بعض روافد استمدادها آخذًا كلام ومفاهيم أساتذته الغربيين السورياليين، وذلك في قوله:(. . . اكتشفت السوريالية، والأهمية الكامنة في السيمياء وعلم النجوم والتراث الصوفي -الأسراري، ومن ضمنه البوذية- ثم يستشهد بكلام أحد رؤوس السوريالية ويضيف بعده قائلًا-: بل يشير إلى أن السوريالية نوع من الضرورة كلف بها، كأنها رسالة نبوية)

(2)

.

فأدونيس مع ماديته القاحلة، ودعواه أنه لا يؤمن بسوى الحس والتجربة والعقل والمنطق، جاحدًا الغيبيات التي جاء بها الإسلام، نجده يؤمن بهلوسات جبران التي يزعم فيها أنه يرى المسيح في اليقظة، ويؤمن بالغيبيات السوريالية المستمدة من السحر والتنجيم والتراث الباطني والبوذي، ويعادي العقل والمنطق ويطالب بتجاوزها.

نخلص من كل هذه التناقضات إلى نتيجة واحدة، لم يناقص أدونيس نفسه إزاءها مطلقًا، وهي: العداوة للإسلام، والحرب الشرسة ضده، والتخريب المتواصل، والهدم المقصود.

وفي مسايرة مع هذه التنظيرات الضلالية نجد أدونيس، يطلق على نفسه وعلى إخوانه في الغي وصف النبوة، كقوله:

(آن يا شمس أن نغرّب في الأرض

ونلقي عن صدرها الأعباء

عرفتنا مراكبًا تقهر الموج

وفأسًا خلاقة خضراء

ورأتنا نسير فيها أساطير

ونحيا في قلبه أنبياء)

(3)

(1)

الصوفية والسوريالية: ص 28، والقول الذي يتشهد به أدونيس هنا هو لأندريه بريتون.

(2)

المصدر السابق: ص 48.

(3)

الأعمال الشعردة الكاملة 1/ 30.

ص: 1335

وقوله:

(فيما تنام الأشياء حولي

تهمس لي باسمها، وفيما

تمنحني الحلم والأخوة

ترسم لي أغنياتي

بلهيب النبوة)

(1)

.

وقوله:

(إنني نبي وشكاك)

(2)

.

(إنني حجة ضد العصر)

(3)

.

وقوله:

(ثمة جسر من الدمع يمشي معي

يتكسر تحت جفوني ثمة في جلدي الخزفي

فارس للطفولة

يربط أفراسه بظل الغصون

بحبال الرياح

ويغني لنا بصوت نبي)

(4)

.

وفي مقطع بعنوان "قلت لكم" يصور فيه نفسه، أو الشاعر الحداثي، بأنه يرى كل شيء من الخطوة الأولى، ويرفعه إلى درجة التقديس، التي

(1)

المصدر السابق 1/ 95.

(2)

و

(3)

المصدر السابق 1/ 278.

(4)

المصدر السابق 1/ 304.

ص: 1336

تتفق مع باطلهم المتمثل في زعمهم نبوة الشاعر الحداثي، الذي يرى ما لا يرى ويعرف كل شيء ويتوقع كل ما يأتي به المستقبل، إلى غير ذلك من المدائح الحداثية والإطراءات التبجيلية والفخر الأجوف الذي طالما انتقدوا شعراء العربية القدامى بسبب تلبسهم ببعض ذلك، في إطار ملة واحدة وأمة واحدة، أمّا هؤلاء فإن مدائحهم متوجه لغير ملة الإسلام بل لأضدادها، ولغير أمة المسلمين بل لأعدائها.

يقول أدونيس:

(قلت لكم أصغيت للبحار

تقرأ لي أشعارها، أصغيت

الجرس النائم في المحار

قلت لكم غنيت

في عرس الشيطان في وليمة الخرافه

قلت لكم رأيت

في مطر التاريخ، في توهج المسافه

جنية وبيت

لأنني أبحر في عينيّ

قلت لكم رأيت كل شيء

في الخطوة الأولى من المسافه)

(1)

.

وأصرح من هذا وأشد إيضاعًا واتضاعًا قوله:

(عاريًا تحت نخيل الآلهة

لابسًا رمل السنين

(1)

المصدر السابق 1/ 309.

ص: 1337

كنت ألهو باحتضاري

كنت أبني ملكوت الآخرين

بغباري

يا نبي الكلمات التائهة

يا نبي السفر الآتي إلينا

في رياح المطر

أنا واليأس عرفنا أنك الآتي إلينا

وعرفناك نبيًا يحتضر

فانحنينا

وهتفنا: "ايها الآتي الينا

ضائعًا يقطر نفيًا وحريقًا

نحن نرضاك الهًا وصديقا

في مرايا الحجر"

يا نبي السفر

أنا أرضاك إلهًا ورفيقا)

(1)

.

ويتمادى في غطرسة جوفاء يمتدح ذاته الفارغة امتداحًا أرعن، فروحه تائهة ومغتربة، وهو في ضياع يفاخر به، ومع ذلك ينتظر معجزة لم تكتمل، ويتخطى العالم ويحرقه بثورته الحداثية، ويخلق -حسب لفظه- أرضًا تثور معه وتخون، وسماءً رسمها وزينها برعده وبرقه، إلى آخر تلك المفردات المتعالية التي تظل لها أعناق الأتباع الجُوف خاضعة، يقول:

(1)

المصدر السابق 1/ 329 - 330.

ص: 1338

(تائه الوجه- أصلي لغباري

وأغني روحي المغتربة

وإلى معجزة لم تكتمل

أتخطى عالمًا تحرقه

أغنياتي وأمد العتبة)

(1)

.

(أخلق أرضًا تثور معي تخون

أخلق أرضًا تجسستها بعروقي

ورسمت سماواتها برعدي

وزينتها ببروقي

حدها صاعق وموج

وراياتها الجفون)

(2)

.

أي أنه سينشيء أرض الحداثة الثائرة على الماضي، والسماء الرعدية ذات الرعد والصواعق، والموج الطاغي، كل ذلك في وصف الامتداد الثوري الجامح الذي يطمح أن يصل به من خلال عقائده الباطنية والحداثية ليتمكن من إنفاذ محاولته في تخريب الدين وقضاياه وأهله.

وفي مكان آخر يتحدث عن الشاعر الحديث، ويعني نفسه، أولًا، فيجعل من هذا الشاعر مغيرًا للآجال ونبؤة تنذر، فيقول:

لو أنني أعرف كالشاعر أن أغير الآجال

لو أنني أعرف أن أكون

نبؤة تنذر أو علامه)

(3)

.

(1)

المصدر السابق 1/ 342.

(2)

المصدر السابق 1/ 343.

(3)

المصدر السابق 1/ 456.

ص: 1339

ويعتلي بدعواه مكانًا ليس له، وذلك في قوله:

(كان صوتي نبيًا رميت على شمسه ردائي)

(1)

.

وقوله:

(لي فرس وها هو الإسراء)

(2)

.

وقوله:

(هل أتت يا سلالة الأمواج

تصعد نحو كوكب المجهول كالمعراج)

(3)

.

وقوله:

(وجئت والعالم في طريقي

حبر وكل خلجة عباره

ولم أكن أعرف أن بيني وبينه جسرًا من الأخوه

من خطوات النار والنبوه)

(4)

.

ويقول عن ديوانه "أغاني مهيار الدمشقي": (وحين أعيد قراءته بعد ربع قرن "نشر عام 1961 م" أخاله نبويًا)

(5)

.

وهذه الأقوال مجرد أمثلة من أقواله الكثيرة المليئة بهذه الأخلاط الكاذبة والمغامرات اللفظية الفارغة.

(وليس جميلًا عرضه فيصونه

وليس جميلًا أن يكون جميلًا

(1)

المصدر السابق 1/ 476.

(2)

المصدر السابق 1/ 478.

(3)

المصدر السابق 2/ 96.

(4)

المصدر السابق 2/ 174.

(5)

رأيهم في الإسلام: ص 33.

ص: 1340

ويكذبُ ما أذللتُهُ بهجائه

لقد كان من قبل الهجاء ذليلًا)

(1)

ولم يقتصر هذا الضرب من الضلال، وهذا الادعاء الكاذب على أدونيس -وإن أكثر منه- بل معه غيره من الحداثيين في هذا النفق المظلم، ذلك أنهم ارتضعوا ذلك عمن سبق ذكرهم.

فها هو باروت يضع عنوانًا في كتابه "الحداثة الأولى" عن "الشاعر الحداثي كنبي وضحية" في سياق حديثه عن تجربة مجلة شعر فيقول: (. . . المثل الجمالية في "شعر" هي مثل ميتافيزيقية تغور في الغصات والمشكلات الكيانية للذات ككائن مفرد، فتكتشفه كنبي وضحية في الآن ذاته، "يحيا مصلوبًا فوق الخيط الذي يصل بين سيزيف والمسيح" كما يعبر أدونيس عن الكائن الميتافيزيقي)

(2)

.

ثم يتحدث عن أحد كبار عصابة شعر، وهو النصراني أنسي الحاج، فيقول:(والواقع أن أنسي الحاج لا ينظر إلى الشاعر إلّا كنبي ملحون "الشاعر الحر هو النبي، العراف، الإله، الشاعر الحر المطلق". . . أراد أنسي الحاج في "لن" أن يكون شاعرًا مارقًا، ملعونًا، منحطًا، أن يستوحي تلك الأخلاقية المخيفة عند "بوفى لير" و"الشعراء الملعونين" و"المنحطين" وأن ييحث عن الشعر في هول العيب، إذ أن توق أنسي الحاج ينصب على تحقيق "لذة اللعنة". . . وهو يستمني، ويصل إلى لذة لعنته بالتحلل من القيم والمروق عليها)

(3)

.

ثم ساق كلامًا لأنسي الحاج في ديوانه "لن" يصف فيه عملية استمناء قام بها في المرحاض، ثم أعقب ذلك بتلخيص مهم لديوان "لن" ووصفه من خلال مقطوعة بعنوان "الملعون": (من هنا فـ "الملعون" في شعر الحاج،

(1)

ديوان أبي الطيب المتنبي: ص 233.

(2)

الحداثة الأولى: ص 73.

(3)

المصدر السابق: ص 90. وما بين الأقواس الداخلية من كلام أنسي الحاج.

ص: 1341

هو إنسان قلق، مجنون، باض، متمرد، فضائحي، منحط، معزول، مارق، لا قيمي، ومريض كبير)

(1)

.

ومع هذه الأوصاف الدقيقة في رداءة هذا وأمثاله، يسميه نبيًا، ويطلق على شعره نبوة، وهو غير جدير بأن يساوي بأحد الفجار من المسلمين، فضلًا عن أتقيائهم، فضلًا عن الأنبياء الأخيار والرسل الأبرار.

قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)}

(2)

.

وقال -جلَّ وعلا-: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)}

(3)

.

ويواصل باروت في وصفه للمضامين والرؤى الاعتقادية لدى عصبة شعر الذين اعتمدوا على الرموز الوثنية والنصرانية، وعندهم أن (الرمز التموزي الذي يحدسه الشاعر ينهض. . . بوصفه نبيًا وضحية في آن واحد، نبيًا للجماعة، وضحية افتدائية لها)

(4)

.

أمَّا الرموز النصرانية فتظهر من خلال تصورهم في الحقل الاجتماعي أنه (يدنو الشاعر النبي المخلص المسيح من درجة كبش التضحية لكي تخضب الجماعة بدمه)

(5)

.

وهذه الحركة لم تخرج عن الإطار الذي وضعه أنطون سعادة حيث (تتأسس أصولها على: "الصراع الفكري في الأدب السوري" لأنطون سعادة، إذ ترى أن العودة إلى هذا الرمز، هي عودة إلى "المعمقدات الشعبية" لـ "الأمة".

. . . وهذه العودة بقدر ما تقارب "صوت النبوة" في معتقداتها، بقدر

(1)

المصدر السابق: ص 91.

(2)

الآيتان 35، 36 من سورة القلم.

(3)

الآيتان 20، 21 من سورة الجاثية.

(4)

المصدر السابق: ص 94.

(5)

المصدر السابق: ص 96.

ص: 1342

ما تنقطع عن "حدو الإبل" الذي هو هنا كناية ذات دلالة ثقافية حضارية)

(1)

.

وهو وصف استله باروت لهن كلمات لبعض أعضاء حركة شعر، التي حاولت أن ترسخ هذا المفهوم المنحرف، مع جملة أخرى من المفاهيم والعقائد المتسلسلة من أساتذة أنطون سعادة إلى أنطون نفسه إلى عصابة شعر إلى بقية الحداثيين في بلاد العرب.

وقد أقر باروت بهذا التأثير لأنطون سعادة، وبين أصل نظرته إلى ذاته ونفسه، ومقدار الوهم التقديسي الذي حاول أن يصبغ به شخصيته، أو حاول أتباعه صبغه به، ثم تتالى هذا الوهم عند أتباعه وخاصة أدونيس.

يقول باروت: (تنهض شخصية أنطون سعادة في وعي هذا الجيل، كخيط متوهج دام ما بين النبوة والبطولة، الكشف والفعل، وكان نفسه يرى أن ثمة قوة مقدسة بالمعنى النبوي تضعه في خط متصل منذ البعل الكنعاني إلى مارجرجس إلى الخضر، بل حاول أن يكرر الأسطورة نفسها، وأن يهز بمصيره مئات الذين اندفعوا خلفه، أراد أن يكون دفعة واحدة، النبي والبطل والمخلص والفادي، ووجد فيه أتباعه تكرارًا لأسطورة تُقارب يسوع، ودفعة بطولية لـ "النهضة" رأى فيه أدونيس مثلًا "جلجلة البعث". . . وكان سعادة يرى كلماته كوحي كما الأنبياء، ويلزم بها أتباعه كما هي علاقة النبي بجمهور المؤمنين)

(2)

.

ويستفاد من هذا القول ما يلي:

1 -

أن إطلاق النبوة واسم النبي على زعماء العلمنة والكفر والحداثة من الأمور المعتادة عندهم، وهذا من ضلال عقولهم وتناقضاتهم الواضحة

(1)

المصدر السابق: ص 114.

(2)

المصدر السابق: ص 118 - 119.

ص: 1343

وانحرافاتهم الجلية، فكم بين الثرى والثريا؟!.

2 -

أن الحداثة والعلمنة ملل كفرية يحاول أصحابها وزعماؤها أن يجعلوا من أنفسهم "أنبياء" ويضفوا على أنفسهم صفات القداسة، وهو مضمون جاهلي قديم يطل بشعاراته ومعانيه ومصطلحاته في المضامين الجاهلية المعاصرة.

ألم يقل فرعون لأتباعه: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}

(1)

؟ و {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}

(2)

، {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)}

(3)

.

وقال اللَّه تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)}

(4)

.

ويصدق في هؤلاء جميعًا ما قاله اللَّه تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)}

(5)

.

3 -

أن الحداثيين وإن ادعوا أنهم ضد التقليد والمضاهاة والمحاكاة، لكنهم لا يخرجون عن ذلك قيد أنملة، بدءًا بسلسلة السند المظلم من

(1)

الآية 38 من سورة القصص.

(2)

الآية 29 من سورة غافر.

(3)

الآية 52 من سورة الزخرف.

(4)

الآيات 96 - 98 من سورة هود.

(5)

الآيات 165 - 167 من سورة البقرة.

ص: 1344

الغرب المادي إلى أذنابه من أبناء الشرق، حتى يصل إلى صغار الأتباع والمصفقين والمروجين ذوي العاهات العقلية.

4 -

أن ادعاء النبوة عند الحداثيين يتسلل تسلل الداء في الجسم المريض، فها هو أنطون سعادة يزعم ذلك فيتلقاه عنه أدونيس، فيأخذ ذلك عنه الأتباع المعجبون.

5 -

أن باروت وهو يصف هذه الانحرافات عند عصابة شعر لم يخرج عنها، بل هو يقول بها كما سبق من أقواله، وكما في قوله:(وتبرز النبؤة كتوجس لزمن جديد يتمخض، ويغدو الشاعر نبي الجماعة، يغور فيها ويكشف أحلامها، فتتداعى صورته في الماضي)

(1)

.

وقوله عنهم: (ينهض الشاعر في هذا السياق نبيًا وضحية مسيحًا وسيزيفًا ملعونًا من الثورة المضاعة. . .)

(2)

.

وقوله في وصف "مجلة الشعر 69" الحداثية بأنه (تحول معها الشاعر إلى نمط آخر من الأنبياء والعارفين والرائين والمتعالين)

(3)

.

ونحو ذلك قوله: (عند حركة مجلة شعر يرى "البيان الشعري" في الشاعر درجة من درجات النبي العارف الحاوي لكل شيء، والشكاك بكل شيء، ويرى في التجربة الشعرية درجة من درجات النبوة)

(4)

.

والبيان الشعري الذي يشير إليه باروت في قوله السابق هو البيان الذي أخرجته "مجلة الشعر 69" في عددها الأول، ووقع عليه مجموعة من الحداثيين العراقيين، ومنه قولهم: (إن الشاعر الذي يصل في قصائده إلى

(1)

المصدر السابق: ص 136.

(2)

قضايا وشهادات 2/ 268. وانظر نحو ذلك له في مجلة الناقد العدد العاشر: ص 22 نيسان 1989 م/ 1409 هـ.

(3)

الحداثة الأولى: ص 222.

(4)

المصدر السابق: ص 223.

ص: 1345

النبوة هو الذي يعرف كل شيء ولا يعرف، هو الذي يقول، ولا يقول هو الذي لا يكون في العالم رغم أنه موجود فيه، هو الذي يكشف لنا أكثر الحقائق قوة دون أن يكون تأكدًا منها)

(1)

.

وهذا البيان لمجلة الشعر العراقية قد يظهر أصحابه في خط مقابل لخط مجلة شعر اللبنانية من حيث المضمون القومي والهوية القومية، لكنهم من حيث المضمون الحداثي لا يبتعدون عن بعضهم كثيرًا، وأوضح دليل على ذلك اشتراكهم في إطلاق اسم النبوة والنبي على الشعراء الحداثيين.

ومن طلائع الشر الحداثي في هذا "جبران خليل جبران" الذي سبق ذكر مدى اعتماد أدونيس عليه وأخذه منه واتكائه على أفكاره وعقائده الضالة.

ولم يكن أدونيس وحده في هذا بل: (يُمكن القول أن جبران كان الخميرة الأولى لمعنى الحداثة الشعرية الذي انضجته حركة مجلة شعر)

(2)

.

وكان جبران النصراني كما كان أنطون سعادة النصراني يريان في نفسيهما ويزعمان النبوة والاتصاف بدرجات النبي، وسقيا بأقوالهما هذا من جاء بعدهما ولاسيما النصارى والباطنيين الحداثيين الذين لديهم في عقائدهم الأصلية الجذور القابلة لمثل هذا الضلال وغيره، وكان ميخائيل نعيمة من أوائل الذين أطلقوا وصف النبوة على الشاعر، ففي كتابه الغربال يقول:(الشاعر نبي وفيلسوف ومصور وموسيقي وكاهن، نبي لأنه يرى بعينه الروحية ما لا يراه البشر)

(3)

.

أمَّا جبران فكان من أهم القضايا التي طرحها بل كان أول من طرحها -حسب قول باروت- هي جعل الشعر العربي المعاصر شعر رؤيا

(1)

مجلة الشعر 69 - العدد الأول السنة الأولى أيار 1969 م/ 1388 هـ: ص 69، ووقع على هذا البيان فاضل الغزاوي وسامي مهدي وفوزي كريم وخالد علي مصطفى.

(2)

المصدر السابق: ص 177.

(3)

انظر: هذا النص في مختارات جمعها باروت على شكل وثائق في قضايا وشهادات 3/ 150.

ص: 1346

واكتشاف

(1)

، وهذا ما دفع أدونيس ليرى في جبران الخميرة الأولى للحداثة - الرؤيا

(2)

.

وقد ربط جبران وغيره بعد ذلك بين مفهوم "الرؤيا" ومفهوم النبوة والرسالة والوحي، لا من حيث حقيقتها الإسلامية المعروفة، بل من حيث معناها الحدائي الإلحادي المشوش المضطرب، مما جعل محمد جمال باروت وهو يتحدث عن خصائص أساسية لأحد الشعراء الحداثيين، ومنها: (الربط بين مفهوم "الرؤيا" ومفهوم "الرسالة والوحي" حيث ينظر إلى الشعر كـ "رسالة ووحي" لا يستوعبها إلّا النخبة المصطفاة. . . وذلك بالمعنى النبوي الاستكشافي للرسالة. . .

إن طموحه العظيم أن يكون نبيًا، كما كان جبران يرى في طموح الشرقي العظيم إلى الدرجة التي يحاول فيها محاكاة القرآن ويسمي قصائده بـ "السور" بل يسمي إحدى القصائد، بالتسمية القرآنية نفسها وهي "سورة القدر")

(3)

.

فمن جهة يقوم هؤلاء بجحد النبوة وإنكارها إذا جاءت بالمفهوم الصحيح من القرآن أو السنة أو كلام علماء الإسلام، ومن جهة يقومون بتبني النبوة في مدلول حداثي محرف ليصفوا بها الحداثة وأصحابها، تهوينًا للنبوة والأنبياء وتنزيلًا لدرجتهم، وتضخيمًا للتافهين والساقطين ورفعًا لمنزلتهم.

ويصف إحسان عباس أثر التصوف في الشعر الحديث قائلًا: (ومن يدرس الشعر الحديث لا تخطئ عيناه فيه اتجاهه إلى التصوف بقوة، حتى ليغدو الاتجاه الصوفي أبرز من سائر الاتجاهات في هذا الشعر -"ثم يؤكد مظاهر هذا التصوف ومنها"- الإحساس بالغربة والضياع والنفي، والحاجة

(1)

و

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 177.

(3)

المصدر السابق: ص 238. والحديث عن خير الدين الأسدي وديوانه أغاني القبة.

ص: 1347

إلى العكوف على النفس في مجتمع الضجيج كثير التمسك بالقيم اليومية، شديد الجحود لفضل "أنبيائه")

(1)

.

فهو يقر بالوصف الذي يطلقونه يدعونه لأنفسهم ويبين أصل هذا الاتصاف ومنشأه.

وتشرح خالدة سعيد زوجة أدونيس بعض موارد هذا الاتجاه فتقول: (لم يعد الإنسان مكانًا، محلًا للأوامر والنواهي أو قوانين القوى الخارجة عنه، بل قطبًا آخر يقابل هذه القوى، كما تكشف قصيدة أدونيس "أمس، المكان الآن" ومن هذه الشرفة، شرفة تطلع النص الإبداعي إلى النهوض بالدور الفلسفي والديني، يُمكن أن نقرأ أعمالًا "كالبئر المهجورة" ليوسف الخال أو "ثلاثون قصيدة" لتوفيق صايغ، أو "مقام القوس وأحوال السهم" لسمير صايغ، ومثل ذلك الفهم النبوي لدور الشاعر واعتبار الشعر نوعًا من الرؤيا)

(2)

.

وفي حديث لأحدهم عن المسار الحداثي الانتهاكي، والتجديد الانهزامي الذي جاء على يد مجموعة من التلفيقيين المنهزمين، وآخرين من المعادين الصرحاء، وبعد أن ذكر أسماءهم قال:(وأذكر هؤلاء لا على سبيل الحصر، هو في تاريخنا الفكري الأكثر جرأة، والأشد تنوعًا، كان سجالًا ذا طابع مصيري، فمعظم الذين اشتركوا فيه كانوا يدركون أزمة الواقع، وكانت لديهم الحماسة الرسولية لتجاوز هذه الأزمة)

(3)

.

ولآخر من زعمائهم قول مشابه: (. . . مثلما يستدعي الفكر التنويري مفهوم التقدم الاجتماعي كضرورة منطقية، فإنه ينتج مفهوم المثقف - الرسول الذي يرى في الوعي أساسًا للتقدم)

(4)

.

(1)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 159 - 160.

(2)

قضايا وشهادات 3/ 85.

(3)

قضايا وشهادات 2/ 18 من مقال لسعد اللَّه ونوس، والأسماء التي ذكرها هم: محمد عبده وفرح أنطون وشبيلي الشميل وجورجي زيدان وطه حسين وهيكل وعلي عبد الرازق والمازني ورئيف خوري.

(4)

المصدر السابق 2/ 82، والقول لفيصل دراج.

ص: 1348

وإذا عرفنا الاتجاه الماركسي الإلحادي الذي يتبناه هذا الإنسان تبين لنا مراده بالوعي الذي هو أساس التقدم عنده!!.

أمَّا أنسي الحاج فلم يقدم شيئًا جديدًا في هذا المضمار، بل هي العبارات المكرورة المملة التي يقولها هو وغيره من الحداثيين، فهو يقول في تعريف الشعر الحديث:(الشاعر الحر هو النبي والعراف والإله)

(1)

.

أمَّا البياتي فيتحدث عن نفسه باعتباره نبيًا منتظرًا فيقول:

(تحلم الأرض بميلاد نبي يملأ الآفاق عدلًا

تحلم الأرض بميلاد الفصول)

(2)

.

ويقول:

(ينبت ريش الشاعر النبي والمجنون

في زمن الولادة العسيرة

والموت والثورة والحصار)

(3)

.

ويقول:

(كانت صيحاتك صوت نبي يبكي تحت الأسوار المهدومة)

(4)

.

ويشتد تبجحه في قوله:

(خرجت من نار الشعر الآيات

ونبيو التوارث

فلماذا شاعرنا مات؟)

(5)

.

(1)

أفق الحداثة وحداثة النمط: ص 35.

(2)

ديوان البياتي 2/ 219.

(3)

المصدر السابق 2/ 278.

(4)

المصدر السابق 2/ 376.

(5)

المصدر السابق 2/ 443.

ص: 1349

أمَّا صلاح عبد الصبور فيقول على لسان أحد شخصيات مسرحية ليلى والمجنون:

(هذي آخر أشعاري

العنوان طويل

يوميات نبي مهزوم، يحمل قلمًا، ينتظر نبيًا يحمل سيفًا)

(1)

.

أمَّا توفيق صايغ، فيصوغ هذا الانحراف بطريقته الرديئة في المبنى والمعنى، يقول عن عيسى عليه الصلاة والسلام:

(يسوع الشيخ

عاد فتيًا يلاعبني

اله الصلوات الطوال البعيد

انتشلني لدياره

جعلها دياري)

(2)

.

ويقول سعدي يوسف في وصفه لشاعر فارسي:

(وأنت ترفرف عبر المدى نبيًا له كأسه مرتع

(نبيًا يريد تراب البشر سماء تموت عليها الغير)

(3)

أمَّا نزار فقد انصاع لأصول ضلالاته السابقة، واسترسل في هذا الضرب من الانحراف، ومن ذلك قوله عن نفسه:

(مذعورة الفستان لا تهربي لي رأي فنان وعينا نبي)

(4)

ويقول عن نفسه أيضًا:

(1)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 802.

(2)

المجموعات الشعرية: ص 290 - 291.

(3)

ديوان سعدي يوسف: ص 576.

(4)

الأعمال الشعرية الكاملة 1/ 19.

ص: 1350

(رجل أنا كالآخرين فيه مزايا الأنبياء وفيه كفر الكافرين)

(1)

.

ونحوه قوله:

(ولست نبيًا مرسلًا غير أنني أصير نبيًا عندما عنك أكتب)

(2)

ويقول:

(إني رسول الحب أحمل للنساء مفاجآتي. . .

فإذا استدارت حلماتك فتلك أصغر معجزاتي)

(3)

.

ويقول:

(لكنني آخر قصيدة. . .

وآخر نبي اقنع الناس بجنة ثانية)

(4)

.

ويقول:

(لا تخجلي مني فهذي فرصتي لأكون ربًا أو أكون رسولًا)

(5)

.

ويقول:

(وأنا حتى أمارس النبوة بحاجة إليك)

(6)

.

ويقول:

(سأظل احترف المحبة

مثل كل الأنبياء

(1)

المصدر السابق 1/ 437.

(2)

المصدر السابق 1/ 750.

(3)

المصدر السابق 1/ 767.

(4)

المصدر السابق 2/ 451.

(5)

المصدر السابق 2/ 761.

(6)

المصدر السابق 2/ 861.

ص: 1351

وأظل احترف الطفولة والبراءة

والنقاء)

(1)

.

وعباراته النرجسية المتعالية كثيرة جدًا، ولا ريب أن وصفه نفسه بالنبوة هو تدنيس عظيم لهذا اللقب المقدس، فهو غير جدير أن يصف نفسه بالفاجر أو الفاسق من عصاة الموحدين، فكيف بمن هو أعلى من ذلك؟.

أمَّا محمود درويش فأضاف إلى سجل انحرافاته الكثيرة، لونًا جديدًا من الانحراف يتمثل في اعتناقه لعقيدة إطلاق أسماء وأوصاف الرسل على الشعر والشعراء، ومن ذلك أنه لم يجعل الشاعر مجرد نبي بل وصفه بأنه يوجد الأنبياء:

(نحن في دنيا جديدة

مات ما فات، فمن يكتب قصيده

في زمان الريح والذرة

يخلق أنبياء)

(2)

.

ويقول عن نفسه:

(لي أيضًا، أنا آدم الجنتين، فقدتهما مرتين

فاطردوني على مهل

واقتلوني على مهل

تحت زيتوني

مع لوركا)

(3)

.

وله مقطوعة بعنوان: (أنا يوسف يا أبي)

(4)

.

(1)

المصدر السابق 3/ 11.

(2)

ديوان محمود درويش: ص 55.

(3)

أحد عشر كوكبًا: ص 14.

(4)

ورد أقل: ص 77.

ص: 1352

حيث جعل نفسه "يوسف عليه الصلاة والسلام" وفي الختام قال:

(قلت اني: رأيت أحد عشر كوكبًا، والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)

(1)

.

أمَّا محمد الماغوط فيزيد على ادعائه النبوة، السخرية والاستهانة بالأنبياء، وذلك في قوله:

(فأنا نبي لا ينقصني إلّا اللحية والعكاز والصحراء)

(2)

.

وحق لمسلم أن يقول له ولأشباهه: "اخسؤوا فلن تعدُوا قدركم".

أمَّا محمد الفيتوري فيتحدث في مقدمة ديوانه عن تأثره بجبران واصفًا له بقوله: (جبران ذلك النبي الضائع)

(3)

.

أمَّا أنه ضائع فنعم، وأمّا أنه نبي فلا ولا كرامة.

ويحاول الفيتوري في مقدمته هذه أن يشرح كيف تتم "عملية الخلق الفني" حسب لفظه، فوصفها أنها عملية خفية، وأنها تشبه عملية الحمل والولادة عند المرأة، وأنها حالة جنون، ثم عقب على ذلك بقوله:(ولعل فيها شيئًا من هذا أو ذاك، بل لعلها أشبه بحالة الوحي عند الرسل والنبيين، أو لعلها -كما يقول السورياليون- حلم يقظة. . أو يقظة بالغة الحدة. إلّا أن الرعشة المقدسة، التي تأخذ الفنان حينذاك يستحيل التعبير عنها)

(4)

.

وله قصيدة بعنوان "عودة نبي"

(5)

يقول في مطلعها:

(حسبك من فن كهذا الخلود

أيها الشادي بسحر الوجود)

(6)

(1)

ورد أقل: ص 77.

(2)

الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص 233.

(3)

ديوان الفيتوري 1/ 21.

(4)

المصدر السابق 1/ 31 - 32.

(5)

يقصد بها "أبو القاسم الشابي".

(6)

المصدر السابق 1/ 362.

ص: 1353

ويقول في ختامها:

(وعدت يا شابي في ناظر الأعمى وفي قلب الأصم القعيد

عدت نبيًا كالنبيين لو تدرك معناك عقول الوجود)

(1)

وتحت عنوان "تحديق عبر الأشياء المرفوضة" يقول:

(لماذا أحدق فيك

وتصعد بي صلواتي إليك وتهوي. . .

فموتي حضور جديد، وصحوه

وبغضي تآكل شهوه

ورفضي احتواء

وعمي نبوه)

(2)

.

أمَّا أحمد دحبور فإنه يرثي أحد رفاقه واسمه محمد القيسي فيقول عنه:

(. . . وكان اغتراب ورؤيا طويلة

وكان نبي إلى اللَّه يعرج)

(3)

.

ولغالي شكري مشاركته الحداثية في سياق نقدي تنظيري، وهو كغيره من أرباب الحداثة، بل لعله أشد نكاية، بما احتواه من عقائد نصرانية ثم ماركسية، ثم بعد إفلاس الماركسية اليوم يتحول إلى الليبرالية الغربية لرواج سوقها، يقول رخيص الفكر: غالي شكري: (يحيا شاعرنا الحديث إما في شوارع لندن وباريس ومكتباتها مباشرة، وإما على أعتاب الصحف ولجان الشعر والبرنامج

(1)

المصدر السابق 1/ 166.

(2)

المصدر السابق 1/ 464.

(3)

ديوان أحمد دحبور: ص 167.

ص: 1354

ومدرجات الجامعة وفصول المدارس في القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق، وسواء كان هناك أم هناك فهو يعاني معاناة الأنبياء، هو المسافة بين التراث والرؤيا الحداثية في الشعر، وبين الواقع وهذه الرؤيا، فالتراث عندنا -ولو أن خامته عند بعض أسلافنا كأبي نواس ليست فوق الشبهات- إلّا أن له قداسة العقائد الدينية، والعقيدة مهما تناقضت مع حياتنا اليومية، فهي دائمًا على صواب ونحن على خطأ، لذلك كان الانفصال بين أنبياء الحداثة في شعرنا وبين التراث، مجرد انعكاس للانفصال التاريخي بين العقيدة والسلوك)

(1)

.

وفي ثنايا هذا الكتاب يتحدث عن قرينه أدونيس، ويشرح بعض مضامين ما يسمى شعرًا فيقول:(. . . ثم يشير بلهجة الأنبياء إلى البطل المنقذ الذي يخلص شعبه من خطاياهم بالفداء العظيم)

(2)

.

الاتجاه الثاني: إطلاق أسماء وأوصاف الرسل على سوى شعراء وأدباء الحداثة:

ومنشأ هذا الانحراف عندهم، ما سبق ذكره من استهانتهم بالدين وقضاياه وأصوله وأركانه، ومن سقوطهم في حمأة الجاهليات المعاصرة واندارجهم في الإطار المادي الغربي، وتأثرهم بكلمات أساتذتهم الغربيين، وسيرهم على منوالهم في العقائد والأفكار، بل حتى في الألفاظ والعبارات والمصطلحات مع جهل عميق بالدين الإسلامي، وعداوة مستحكمة، واستخفاف متعمد.

وإطلاقاتهم في هذا عديدة كثيرة تشي بعمق الانحراف في هذا الركن العظيم من أركان الإيمان.

فعند أدونيس الرغيف نبي

(3)

، والبريق نبي

(4)

، والجسد نبي

(5)

، ورأس

(1)

شعرنا الحديث إلى أين: ص 19 - 20.

(2)

المصدر السابق: ص 138.

(3)

الأعمال الشعرية الكاملة 2/ 130.

(4)

المصدر السابق 1/ 473.

(5)

المصدر السابق 2/ 633.

ص: 1355

يلبس حذاء النبوة

(1)

، ومهيار أعلى من النبي

(2)

، والصوفي أعلى من النبي

(3)

.

وهناك أحجار الرياح النبوية

(4)

، وكل أغنية رسول

(5)

.

وعند البياتي أحد رواد المقهى يعود ليرى (نبى قريته وصوت العمدة القاسي النحيل)

(6)

.

ويرى الثورة الشيوعية، قدر التاريخ والمصير للوجود ونبؤة مخبؤة، محتومة تظهر في أسماء

(7)

.

ويتحدث عن صبية قائلًا: (ستعودين مع الميلاد والموت نبية)

(8)

.

وعن دمشق يقول: (أيتها الدينة الصبية، أيتها النبية)

(9)

.

وعن آشور يقول: (كانت صيحاتك صيحات نبي يبكى تحت الأسوار المهدومة)

(10)

.

ويقول: (أيتها الأشجار القطبية، يا صوت نبي يبكي)

(11)

.

وعند نازك الملائكة: الشهيد، عاد نبيًا

(12)

.

(1)

المصدر السابق 1/ 549.

(2)

المصدر السابق 2/ 112.

(3)

الثابت والمتحول 2/ 98.

(4)

الأعمال الشعرية 2/ 200.

(5)

الأعمال الشعرية 2/ 229.

(6)

ديوان البياتي 1/ 182.

(7)

المصدر السابق 2/ 163، 165.

(8)

المصدر السابق 2/ 189.

(9)

المصدر السابق 2/ 241.

(10)

المصدر السابق 2/ 376.

(11)

ديوان البياتي 2/ 378.

(12)

انظر: ديوان نازك 2/ 239.

ص: 1356

وعند صلاح عبد الصبور نجد امتداحًا أجوف لجمال عبد الناصر، ومنه قوله:(نلقاك كهلًا أشيب الفودين في عمر النبوة)

(1)

.

ويقول في مسرحيته الحلاج على لسان أحد الصوفية:

(إذا غسلت بالدماء هامتي وأغصني

فقد توضأت وضوء الأنبياء. . .

كأن من يقتلني محقق مشيئتي

ومنفذ إرادة الرحمان. . .)

(2)

.

أمَّا الذين يطلق عليهم شعراء الأرض المحتلة، درويش وسميح وزياد ومعين، فإننا نجد عندهم من هذا الضرب كثير.

فدرويش يقول:

(يا نبيًا ما ابتسم

من أي قبر جئتني)

(3)

.

ويقول:

(إنني قابل للانفجار

كالبكارة

وكيف تتسع عيناي لمزيد من وجوه الأنبياء)

(4)

.

ويقول:

(لم تبك حيفا. أنت تبكي، نحن لا ننسى تفاصيل

(1)

انظر: ديوان صلاح عبد الصبور: ص 345.

(2)

المصدر السابق: ص 457.

(3)

ديوان محمود درويش: ص 122.

(4)

المصدر السابق: ص 375.

ص: 1357

المدينة، كانت امرأة، وكانت أنبياء)

(1)

.

ويقول:

(وكانت صنوبرة تنجب الأنبياء

وتجعلني خادمًا فيهم)

(2)

.

ويقول:

(ودعوا دمي - لغة التخاطب بين أسور المدينة والغزاة

دمي بريد الأنبياء. . .

أنا الأحياء والوطن الذي كتبوه في تاريخكم

من جثتي بدأ الغزاة، الأنبياء، اللاجئون)

(3)

.

أمّا سميح فيجعل مجموعة من الداعرين أنبياء، وذلك في قوله:

(باختصار

يومها كنا رجالًا أربعة

من صغار الأنبياء

معنا خمس صبايا

حسنًا - خمس نساء

حسنًا - خمس بغايا!)

(4)

.

ويصف عصابات الشيوعيين بأنهم:

(صنعوا الحياة. . . ونسقوا خضر الجنائين في الجليد

(1)

المصدر السابق: ص 379.

(2)

المصدر السابق: ص 469.

(3)

المصدر السابق: ص 478 - 479.

(4)

ديوان سميح القاسم: ص 230.

ص: 1358

وهناك منجم أنبياء

جلدوا القياصرة الطغاة الأغبياء)

(1)

.

ويقول:

(يا يتامى فقدوا في يتمهم طعم الحياة!

يا صغار الأنبياء)

(2)

.

ويتحدث عن شيوعي إفريقي قائلًا:

(وأضاءت أحلامه برؤى موسى، وعيسى، وأمنيات محمد)

(3)

.

وتاللَّه لَمْ تضيء أحلامه بأحد من هؤلاء الكرام الأجلاء، بل أظلمت بجاهلية الشيوعية والماركسية، كما أظلم عقل وقلب المادح فبئس المادح والممدوح!!.

ويشبهه مديح معين بسيسو لزعيم الشيوعيين في العراق في مقطوعة بعنوان "سورة يوسف سلمان"، ويقول فيها:

(قلت السلام على النبي والرسالة)

(4)

.

وهذا تدنيس لهذه المصطلحات الشرعية العظيمة بإلصاقها بهذا الشيوعي الملحد، اليهودي الأصل "فهد"

(5)

.

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}

(6)

.

ويشبهه في الإطراء التجبلي للشيوعية، الشيوعي الفلسطيني الدرزي

(1)

المصدر السابق: ص 347.

(2)

المصدر السابق: ص 347.

(3)

المصدر السابق: ص 107 والمقصود باتريس لومومبا.

(4)

الأعمال الشعرية الكاملة: ص 695.

(5)

هو: يوسف سلمان المسمى عند أتباعه "فهدًا" وهو يهودي من يهود العراق ومن مؤسسي الحزب الشيوعي وقادته هناك، وقد قتل سنة 1368 هـ/ 1949 م. انظر: موسوعة السياسة 2/ 401 - 406.

(6)

الآية 73 من سورة الأنفال.

ص: 1359

توفيق زياد، الذي يمتدح الشيوعية الفرنسية التي حدثت في باريس باسم الكومونة، فيقول:

(ويقول نبي الأيام

الصوت أبو الذقن البيضاء

بارس الكومونة ما ماتت)

(1)

.

ونحوهم سعدي يوسف في مدحه لأحد الشيوعيين فى مقطوعة بعنوان "أنطونيو بيريز من غواتيمالا":

(يلتقي في الحزب بالعمال:

أنا يا رفاق. . .

كان انطونيو نبيًا دون دين. . .

إن غواتيمالا

والهوى والراية الحمراء، منا تتعالى)

(2)

.

وهذه الأمثلة من كلام الشيوعيين العرب، وهي شواهد لهذا النوع من الانحراف في تسمية ووصف غير الأنبياء بأسماء وأوصاف الأنبياء، وهي مع ذلك تؤكد مدى تأثير العقيدة في أصحابها، فهؤلاء الذين انتموا إلى الشيوعية وآمنوا بها وقدسوها، قادهم ذلك إلى الوقوف الكامل فكريًا وعضويًا في صف هذه الملة الإلحادية، وانفصلوا عن الأمة تمام الانفصال.

ومن كلام سعدي يوسف في هذا الصدد ما جاء فى قصيدة بعنوان "صغير على الخمر" قال:

(أنت الصغير فهل ترضى مرارتها إذا اتبعنا نبيًا من ندامانا)

(3)

(1)

ديوان توفيق زياد: ص 617، ونحوه ص 619.

(2)

ديوان سعدي يوسف: ص 522 - 523.

(3)

المصدر السابق: ص 550.

ص: 1360

ويجعل الحب نبيًا في قوله:

(والصدق والحب النبي ولَمْ يظهرك حتى لون احداقي)

(1)

أمَّا عبد العزيز المقالح فإنه يصف الفدائي الفلسطيني قائلًا:

(لو لم تكن نبي هذا العصر حامل البشارة الكبير

فمن إذن تكون

من معجزاتك الكثيرة الكثيرة

انك لا تموت

كطائر الفينيق لا تموت)

(2)

.

ولنزار قباني إكثار في هذا اللون من الانحراف كعادته في كل انحراف، ومن ذلك قوله عن عشيقته:

(طلعت على عمري خيال نبية)

(3)

.

وقوله عن أبيه:

(في البيت منه روائح رب وذكرى نبي)

(4)

.

ووصفه الثور الاسباني بأنه (كأي شهيد كأي نبي)

(5)

.

ووصفه سلطة رجال الشرق على المرأة بقوله:

(وشرقكم يا سيدي العزيز

يبايع الرجال أنبياء)

(6)

.

(1)

المصدر السابق: ص 570.

(2)

ديوان المقالح: ص 130.

(3)

الأعمال الشعرية الكاملة 1/ 227.

(4)

المصدر السابق 1/ 354.

(5)

المصدر السابق 1/ 562، 3/ 555.

(6)

المصدر السابق 1/ 577.

ص: 1361

وقوله مخاطبًا عشيقته:

(تعري واشطري شفتي

إلى نصفين يا موسى بسيناء)

(1)

.

وقوله على لسان عشيقته لعشيقتها:

(إن كنت نبيًا

خلصني من هذا السحر)

(2)

.

ويخاطب عشيقته التي انصرفت عنه لعشق أو مخادنة أمير نفطي -حسب تعبيره- فيقول لها:

(وتشدين على كف النبي المنتظر)

(3)

.

ويقول عن الفدائيين الفلسطينيين:

(ومن شقوق الصخر يولدون

باقة أنبياء)

(4)

.

ويقول عن منظمة فتح:

(يا فتح نحن مكة

ننتظر الرسولا)

(5)

.

ترى ماذا سيقول الآن وهو يرى فلسطين قد بيعت لليهود، تحت شعار سلام الشجعان!!.

ويقول عن أرض فلسطين:

(إلى القباب الخضر والحجارة النبية)

(6)

.

(1)

المصدر السابق 1/ 656.

(2)

المصدر السابق 1/ 675.

(3)

المصدر السابق 2/ 130.

(4)

المصدر السابق 3/ 142.

(5)

المصدر السابق 3/ 144.

(6)

المصدر السابق 3/ 328.

ص: 1362

ويقول عن جمال عبد الناصر:

(قتلناك يا آخر الأنبياء)

(1)

.

ويشبهه بموسى عليه السلام:

(تركناك في شمس سيناء وحدك

تكلم ربك في الطور وحدك)

(2)

.

وفي رثائه له يرجو أن يظهر مسيحًا آخر بدلًا من جمال الذي مات، قال:

(وأصرخ يا أرض الخرافات احبلي لعل مسيحًا ثانيًا سوف يظهر)

(3)

ويقول واصفًا المناضلين:

(هبطوا فوق أرضنا أنبياء بعد أن مات عندنا الأنبياء)

(4)

ويقول عن نهر بردي:

(بردي يا أبا النهور جميعًا يا حصانًا يسابق الأياما

كن بتاريخنا الحزين نبيًا يتلقى من ربه الإلهاما)

(5)

أمَّا أمل دنقل فقد جعل زرقاء اليمامة -التي اتخذها رمزًا لرؤيته للإحداث- نبية مقدسة، وذاك في قوله:

(أيتها العرافة المقدسة. . .

اسأل يا زرقاء

عن فمك الياقوت، عن نبؤة العذراء. . .

تكلمي أيتها النبية المقدسة

تكلمي باللَّه باللعنة بالشيطان. . .

(1)

المصدر السابق 3/ 355.

(2)

المصدر السابق 3/ 356.

(3)

المصدر السابق 3/ 390.

(4)

المصدر السابق 3/ 411.

(5)

المصدر السابق 3/ 506.

ص: 1363

أيتها النبية المقدسة

لا تسكتي، فقد سكتُ سنة فسنة)

(1)

.

ويقول:

(لا تسألني إن كان القرآن

مخلوقًا أو أزلي

بل سلني إن كان السلطان

لصًا أو نصف نبي)

(2)

.

ويقول مخاطبًا الخيول:

(صيري فوارس حلوى بموسمك النبوي)

(3)

.

أمَّا الرافضي الشيوعي مظفر النواب فيقول:

(وسليمان خاطر كان صديقًا نبيًا

وإمامًا)

(4)

.

ويقول عن أطفال الحجارة:

(الأنبياء الصغار الجميلين)

(5)

.

أمَّا محمد الفيتوري فيقول:

(زمني يا أخت هوايا حزين

صوت نبي، وصراخ سجين)

(6)

.

وفي سياق عنصريته الزنجية يتحدث عن نيويورك قائلًا:

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص 121 - 126.

(2)

المصدر السابق: ص 313.

(3)

المصدر السابق: ص 388.

(4)

مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية: ص 127، 25.

(5)

المصدر السابق: ص 138، 27.

(6)

ديوان الفيتوري 1/ 371.

ص: 1364

(وتجهش مخنوقة بالبكاء

لأنك أم، وإن كنت قاتلة الأنبياء)

(1)

.

ويقول:

(تنسين طير البرق، ينزف جرحه

النبوي في صخر المدائن

يا بتول)

(2)

.

أمَّا ممدوح عدوان فيقول عن الأم:

(خلف أستار هذا التناغم

كالأنبياء ارتعدتِ)

(3)

.

أمَّا أحمد دحبور فيقول:

(وتسكن، تحت لساني، لغات جديدة

مكرسة للنبي الجنين)

(4)

.

(سينمو النبي الجنين، يجر الحدود البعيده)

(5)

.

ويقول:

(تخرج الأرض إلينا في المساء

وتنادينا فيأتي الأنبياء

وتمر النار)

(6)

.

ويقول:

(1)

المصدر السابق 1/ 443.

(2)

المصدر السابق 2/ 450.

(3)

الأعمال الشعرية لممدوح عدوان 2/ أمي تطارد قاتلها: ص 28.

(4)

ديوان أحمد دحبور: ص 136.

(5)

المصدر السابق: ص 139.

(6)

المصدر السابق: ص 284.

ص: 1365

(فلسطين قائمة ما أقامت فلسطين

والفقراء فلسطين

والأنبياء فلسطين)

(1)

.

ولصف عبد الرحمن منيف على لسان إحدى شخصيات رواية مدن الملح أسباب بكاء الأطفال من غير جوع ولا ألم فيقول: (ربّما يريدون أن يصبحوا ملوكًا أو أنبياء بسرعة)

(2)

.

أمَّا محمد شكري فيصف والده الذي أطنب في وصف بغضه له، فيقول:(أبي أقرب منا إلى الإله وأقرب إلى الأنبياء والقديسين)

(3)

.

أمّا محترفة السفور وعداء أحكام الدين -نوال السعداوي- فتقول عن البنت الشخصية الرئيسية في روايتها سقوط الإمام: (. . . الا تكون ابنتي هي بنت اللَّه يسمونها المسيحة، وتصبح واحدة من الأنبياء)

(4)

.

وليس المقصود جمع كل أقوالهم في هذا اللون من الانحراف وإنّما الدلالة ببعض الشواهد وفي الباقي الذي لم أنقله الكثير من الشواهد، وفي كل دليل يقيني على بشاعة الانحراف الذي تردى فيه أصحاب الأدب العربي المعاصر.

وبهذا الوجه من الانحراف نختم الكلام عن الانحرافات المتعلقة بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وفيما ذُكر من أقوال ونقل من نصوص ما يؤكد أن القوم لا تنطوي عقولهم وقلوبهم على العقيدة الصحيحة في هذا الركن العظيم، بل تنطوي على مفاهيم وعقائد وأفكار مناقضة تمام المناقضة للإسلام وعقيدته، بل هم يسعون في تدمير وتخريب العقيدة الحقة، وترسيخ العقائد الضالة الباطلة، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

• • •

(1)

المصدر السابق: ص 370.

(2)

مدن الملح 5/ 97.

(3)

الخبز الحافي: ص 89.

(4)

سقوط الإمام: ص 9.

ص: 1366

‌الباب الثالث الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر والقدر

ويشمل الآتي:

توطئة:

الفصل الأول: الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر.

الفصل الثاني: الانحرافات المتعلقة بالقدر.

الفصل الثالث: الانحرافات المتعلقة بالغيبيات الأخرى.

ص: 1367

‌توطئة

سبق شرح أصول الفكر الحداثي، وأنه يقوم على مبدأ مادي، ويندرج ضمن الإطار الإلحادي الذي وضعه الغرب وحشروا إليه أتباعهم، تحت ضغوط ومغريات عديدة، ابتدأت بإبعاد أبناء المسلمين عن دينهم، وتجهيلهم به، ثم تشكيكهم فيه، ثم سَوْقهم في أسواق الدهشة والانبهار، ثم تلقينهم المحالات العقلية على أنها يقينيات، وإضاعاتهم في المحارات الفكرية على أساس أنها حقائق، وجرهم في أودية التيه، وإغراقهم في أخلاط المذاهب والأفكار والعقائد والألفاظ والمصطلحات، فإذا بنا نرى من أبناء جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا دعاة على أبواب جهنم، بما نقلوه من عقائد الباطل وما تلقوه من أفكار الضلال، حتى لقد أضحى انسلاخهم عن الأمة هوية وتاريخًا ولغة وحضارة من أبرز سماتهم، بل ومن أظهر مفاخرهم التي يفاخرون بها.

لقد جاء الاستعمار الغربي في حين ضعف من المسلمين، وكانت أعظم نقاط ضعفهم وأشد نكباتهم "نكبة الغفلة" التي كانت سببًا في جهل عظيم بالدين، وكانت نتيجة -أيضًا- للتجاهل والبعد عن الدين.

أجيال مضت قبل سيطرة الاستعمار كانت تغط في سبات عميق، فالمتعلمون أكثرهم مقلد للمذهب بعصبية تسول له أن مذهبه هو الدين وما عداه فانحراف وفساد، انشغلوا بذلك ويرد بعضهم على بعض،

ص: 1369

وابتعدوا عن حياة الناس، ووقفوا من السلطان موقف المؤيد المنتفع المحابي أو المنعزل المتواري، فتعاظم الفساد والجهل وانطمست معالم العلم إلّا بقية في زوايا الأرض هنا وهناك.

والمتعبدون -إلّا من رحم اللَّه- في بدع وخرافات ورهبانية ابتدعوها، وطرق وأوراد أحدثوها، وانعزلوا عن الحياة تحت شعار "دع الخلق للخالق".

والحاكمون جهلة بالدين، لا هتم لهم سوى توسيع الممالك وجمع السبائك، ومحاربة الجار المسلم، ومحالفة العدو الكافر.

لقد كان بعض هذا كافيًا لاستعمار تلك الجماهير التي عاشت هذه الحياة الضعيفة الممزقة الجاهلة.

ولما جاء الاستعمار بقواه الجرارة، وبفكره المنظم المنطر، وبمكتشفاته واختراعاته، وجد قومًا أقرب إلى البلاهة والبلادة منهم إلى النضج والعقل، فلا دينهم الذي به عزتهم وقوتهم المعنوية أقاموه، ولا دنياهم التي بها عماد معاشهم وقوتهم الحسية حفظوها.

فالدين تحول عند الكثيرين إلى تقليد وبدع ومحدثات وتصوف وانعزال، والحكم تحول إلى سلطة واستبداد وأثرة، والأمة ضاعت بين فتاوى المقلدين الجامدين المتعصبين لمذاهبهم، وبدع المتعبدين، وظلم وقهر الحاكمين.

ولولا بقية من الذين حفظ اللَّه بهم الدين من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، وغلو الغالين، وتفريط المفرطين، لكان الحال أبأس مما نحن عليه اليوم.

وعندما قدم الاستعمار والأمة على ما سبق وصفه، نسج لأبناء المسلمين تحت ظلام دامس وفي مكر شديد وخديعة كبيرة ثيابًا من العقائد والأفكار وألبسهم إياها، ثم أورثهم ما كان بيده من قوة وسلطان وإدارة وإعلام ومطابع وصحف، وانسل بجيوشه تحت بهارج من فرحة الاستقلال المزعوم، فإذا الورثة يقومون بحق الإرث عن أسيادهم أشد القيام وأعتاه وأخبثه، وكان المستعمر قد أوهم المسلمين أنه انصاع لنضال بعض أولئك المصنوعين على

ص: 1370

عينه، وأن ما تم نسجه هو من صميم حياتنا ومن سر أنفسنا، وبهذا الوهم تمكن أن يقود وهو بعيد ونحن نحسب أننا نقود أنفسنا، وأننا نتصرف في أمور الحياة تصرف الحر الذي لا سلطان لأحد عليه، وما تبجح به الناس من حرية واستقلال وكرامة ويقظة وجلاء، لم يكن سوى شعارات كاذبة تخفي تحتها الأعداء الألداء، والعداوات الشديدة للدين والأمة والهوية والكيان والوحدة والحرية والكرامة؛ لأن الذين استلموا بعد جلاء الاستعمار مقاليد الأمر والفكر والرأي والإدارة لم يكن أكثرهم سوى بذور بذرها الاستعمار في أرض المسلمين واستنبتها حتى إذا قامت على سوقها، تعجب الزراع ليغيظوا بهم المسلمين، وسلموها المقاليد وأصبح الأمر في يد من يملكه دون من يبصره ويعرف حقيقته على نور النبوة والوحي.

لقد كان نجاحهم هائلأ في إضفاء "اللون المحلي" على دعاة الضلال ورواده والمدافعين عنه، فوجد المسلمون فجاءة من يخرج من بينهم وهو يطالب بنقض الدين، بل وبمحوه وإزالة آثاره من الحكم والثقافة والمجتمع والتعليم.

ومن يدعو إلى حبس الدين في أضيق نطاق، ومن يتحالف مع اليهود والنصارى لقمع المنادين بعودة المسلمين إلى دينهم في كل شأن.

ومازالت يد الاستعمار الغربي والاستكبار الجاهلي المادي تواصل سيرها في عملية الإجهاز على التدين والتمسك بالدين، بكل طاقاتها الإعلامية والثقافية والتربوية والتعليمية، ولكن من خلال الدمى المعدة سلفًا للقيام بهذا الدور، واللَّه غالب على أمره، وهو ناصر دينه وأوليائه ولو كره المنافقون والكافرون.

وإذا أردنا تطبيقًا حقيقيًا لهذا الذي ذكرناه فإننا لن نجد أصرح ولا أوضح من هذه الفئة الدخيلة المريضة من المستغربين، أرباب الأدب والفكر الحداثي، الذين فرضوا على أنفسهم انقيادًا أعمى لفلاسفة المادية الغربية، من غير سلطان ولا برهان ولا دليل إلّا مجرد الانبهار والشك

ص: 1371

والتبعية، وهذه وصمات عار وليست براهين إثبات، ودعاوى محضة وتخرصات غامضة.

وقد مرَّ معنا في هذا الكتاب قضايا عديدة، اصطبغت عند هؤلاء بصباغ المذهب المادي بفروعه وأشكاله المتعددة، وأول ذلك وأعظمه وأشنعه جحدهم لوجود اللَّه تعالى ولألوهيته وربوبيته، وإيمانهم - حسب ما لقنهم معلموهم بالوثنيات والجاهليات القديمة.

ثم جحدهم لوجود الملائكة، وللوحي الكريم، وللرسل عليهم الصلاة والسلام.

وهنا في هذا الفصل سوف نرى تتابع هذه السلسلة المادية، المؤلهة للوثن والخرافة، والمكذبة للحق واليقين، تتابعها في هذا المضمار المادي الحسي الإلحادي، المتمثل في إنكار الغيبيات وجحد اليوم الآخر والتكذيب بالقدر.

وهي نتائج حتمية لتلك الأصول المادية التي قرروها، والقواعد الحسية البهيمية التي أصّلُوها، وهي كذلك صورة من صور الصراع بين الإسلام والكفر، والتوحيد والوثنية من عهد نوح إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها.

• • •

ص: 1372

‌الفصل الأول الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر

اليوم الآخر هو يوم القيامة الذي يبعث فيه الخلق لفصل القضاء بينهم.

وسمي باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة فيها وأهل النار فيها.

والآخرة هي النشأة الثانية التي لا موت بعدها.

ويشمل اليوم الآخر عند الإطلاق: الموت وما وراءه.

ويكون معنى الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به اللَّه عز وجل في كتابه، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم، مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار وما أعد اللَّه لأهلهما.

والإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان، فمن جحده أو شيئًا مما يشتمل عليه مسمى اليوم الآخر مما هو منصوص عليه مقطوع به فهو كافر.

ص: 1373

وقد جاءت نصوص الوحي الكريم بإيجاب الإيمان به، وبالإخبار عنه وعن أحوال الناس فيه، وفي القرآن العظيم آيات كثيرة اهتمت بتقريره، والتنبه إليه، وتأكيد وقوعه بأساليب عديدة وبراهين كثيرة.

وقد ربط اللَّه تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر فقال جلّ ذكره: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ. . .}

(1)

.

وقال سبحانه في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)}

(2)

.

وقال سبحانه: {. . . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)}

(3)

.

وقال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)}

(4)

.

وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ}

(5)

.

كما أخبر اللَّه تعالى أن من أوصاف الكفار عدم إيمانهم باليوم

(1)

الآية 177 من سورة البقرة.

(2)

الآية 4 من سورة البقرة.

(3)

الآيات 7 - 9 من سورة آل عمران.

(4)

الآية 25 من سورة آل عمران.

(5)

الآية 87 من سورة النساء.

ص: 1374

الآخر، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4)}

(1)

.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)}

(2)

الآيات.

وقال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)}

(3)

.

وقد اختص اللَّه تعالى بعلم وقت قيام الساعة وموت كل أحد من الخلق، فإن ذلك من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلّا اللَّه عز وجل، قال اللَّه تعالى:{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)}

(4)

.

وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)}

(5)

.

والآيات والسور التي تحدثت عن البعث واليوم الآخر وما بعده كثيرة

(1)

الآية 4 من سورة النمل.

(2)

الآيتان 38، 39 من سورة النساء.

(3)

الآيات 28 - 30 من سورة السجدة.

(4)

الآية 34 من سورة لقمان.

(5)

الآية 187 من سورة الأعراف.

ص: 1375

جدًا بحيث لا تكاد تمر على صحيفة من صحائف القرآن العظيم إلّا وتجد فيها كلامًا عن اليوم الآخر، وقد جاء ذكر وتفصيل أحوال هذا اليوم أكثر من أي أمر آخر من أمور الغيب.

ومن مظاهر ذلك كثرة الأسماء الوصفية لهذا اليوم العظيم، فمن أسمائه: يوم الدين، ويوم الحساب، والساعة، والقيامة، ويوم الفتح، ويوم الحشر، ويوم التلاق، ويوم الخلود، ويوم الجمع، ويوم التغابن، ويوم الخروج، ويوم التناد، والطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية، والواقعة، والآزفة، والقارعة، وغير ذلك من الأسماء.

ويتضمن الإيمان باليوم الآخر تفصيلًا عدة أمور، أظهرها:

الموت، ويسمى القيامة الصغرى، وحياة البرزخ، فكل من مات قامت قيامته، والموت حتم لازم، وله أجل محدد، ووقت معلوم لا يعلمه إلّا اللَّه وحده، وعند الموت تحضر الملائكة لقبض الروح، وللموت سكرات، يتمنى عندها المحتضر العودة للدنيا فإن كان كافرًا فلعله يسلم، وإن كان عاصيًا فلعله يتوب، ويفرح المؤمن بلقاء اللَّه ويشتاق للقائه بعكس الكافر والفاجر، وإذا نزعت الروح رفعت إلى السماء، ولها أحوال بحسب إيمانها وطاعتها وكفرها، ثم تعاد الروح إلى الميت في قبره، وهو أول منازل الآخرة، وفيه ظلمة وله ضمة لا ينجو منها أحد، وفيه فتنة وسؤال، وفيه عذاب ونعيم، يحصل على البدن والروح معًا.

والروح مخلوقة ليست أزلية، مبدعة من العدم، وهي التي تفارق الجسد حال الموت وتعاد إليه في القبر، وتبعث مع الجسد يوم القيامة وتنعم أو تتعذب معه في الجنة أو النار، وأرواح العباد في البرزخ متفاوتة في منازلها، فأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تكون في خير المنازل وفي أعلى عليين ثم أرواح الشهداء، وهم عند ربهم يرزقون،

ص: 1376

وهي في أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، ثم أرواح المؤمنين الصالحين تكون طيورًا تعلق شجر الجنة، وأرواح العصاة تعذب مثل صاحب الكذبة التي تبلغ الآفاق والزناة والزواني والنائم عن الصلاة والمرابي، وكذلك أرواح الكفار تعذب وتخرج منهم كأنتن ريح.

ولا تعارض بحن كون هذه الأرواح في الجنة أو النار وإعادتها إلى البدن في حياة البرزخ، فالأرواح تكون في البدن في الدنيا ويعرج بها إلى السماء وترحل في الزمان والمكان كما في حال النائم.

وعلى ذلك فحالات الروح مع البدن ست حالات:

1 -

الحياة الدنيوية منذ الشهر الرابع في بطن أمه.

2 -

تقبضها الملائكة في حالة الوفاة.

3 -

ترفعها الملائكة إلى السماء.

4 -

تعاد إلى الجسد للسؤال.

5 -

تنعم وتعذب في الجنة أو النار، ولها تعلق بالجسد أشبه بحال النائم.

6 -

تعاد في الجسد عودة كاملة يوم البعث.

ففي القبر يقع العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا، فتنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن.

ومن الإيمان باليوم الآخر القطع والجزم بأن الساعة آتية وأنها

ص: 1377

قريبة، وأنه لا يعلم أحد وقتها المعين، ولها أشراط وعلامات، وهي صغرى وكبرى، والصغرى بعضها وقع مثل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ووفاته وانشقاق القمر ونار الحجاز التي تضيء وترى من بصرى الشام، وخروج الدجالين المدعين للنبوة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاة في البنيان، وتداعي الأمم على أمة الإسلام.

ومن الصغرى خروج المهدي من آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم من سلالة فاطمة رضي الله عنها واسمه محمد بن عبد اللَّه، علويٌّ حسني هاشمي، رحمة من اللَّه بالأمة في آخر الزمان، يخرج فيقيم العدل والحق، ويمنع الظلم والجور.

والعلامات الكبرى هي التي تكون الساعة على أثرها وهي متتابعة في وقوعها لا يكاد يفصل بينها فاصل زمني، وتشبه في تتابعها حبات العقد إذا انقطع نظامه، فتكون الملحمة مع الروم ثم فتح القسطنطينية وهي من الصغرى المصاحبة للكبرى، ثم يخرج الأعور الدجال، ثم ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام ويقتل الدجال، ثم يخرج يأجوج ومأجوج في زمن حكم عيسى بالإسلام، ويهلكهم اللَّه في زمنه، ثم تكون الآيات الأخرى وترتيبها غير معلوم من النصوص وهي: خروج الشمس من مغربها والدابة، والدخان، وخسف بالمشرق وآخر بالمغرب وثالث في جزيرة العرب، وآخر الآيات نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.

ثم يكون إفناء جميع الأحياء بنفخة الصور الأولى ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام يوم الجمعة فيصعق من في السماوات والأرض إلّا من شاء اللَّه، وتسمى نفخة الصور الأولى وتسمى الراجفة والصيحة ويمكثون ما شاء اللَّه من الزمان، ثم يكون بعد ذلك النفخة الثانية ويحصل بها البعث وتسمى الرادفة، فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين، يخرجون من الأجداث سراعًا، إلى ربهم ينسلون،

ص: 1378

ويعيدهم اللَّه إلى حياة جديدة أبدية لا موت فيها.

وأولى من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويبعث اللَّه جميع الخلق أولهم وآخرهم ويحشرهم إليه جميعًا الإنس والجن والملائكة والبهائم، ويحشر الناس حفاة عراة غرلًا إلى أرض المحشر وهي بيضاء عفراء ليس فيها معلم لأحد.

وفي يوم القيامة من الأهوال والعظائم الشيء الكثير، فالأرض تزلزل وتدك، والجبال تنسف والبحار تفجر وتسجر، والسماء تنشق وتمور، والشمس تكور ويذهب نورها، والقمر يخسف والنجوم تنكدر ويذهب ضوؤها وينفرط عقدها، ويقبض اللَّه تعالى الأرض بيده ويطوى السموات بيمينه.

ويكون الكفار في ذلك اليوم في ذلة وهوان ويأس وحسرة، ووجوههم مسودة عليها غبرة ترهقها قترة، ينادون بالويل والثبور، ويتساءلون في فزع وخوف عمن أقامهم من رقدتهم.

وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق ذلك اليوم حتى لا يكون بينها وبينهم إلّا مقدار ميل، وقد أخذهم العرق بحسب أعمالهم.

ويعذب اللَّه بعض من شاء من عصاة المؤمنين كالذي لا يؤدي الزكاة، والمتكبر، وأناس لا يكلمهم اللَّه ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم، وغير ذلك من أنواع العذاب.

وأناس من المؤمنين يظلهم اللَّه في ظله، ولا يفزعون حين يفزع الناس ولا يحزنون، وغير ذلك من أنواع النعيم.

وتأتي أمة محمد صلى الله عليه وسلم لها سيماء خاص من بين الأمم، يأتون غرًا

ص: 1379

محجلين من أثر السجود، ويردون على الحوض الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ويشرب منه كل مسلم متبع لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم ويذاد عنه أقوام من هذه الأمة غيروا وبدلوا.

وعندما يجتمع الخلق في الموقف العظيم يشتد عليهم البلاء يأتون إلى الأنبياء ليشفعوا لهم عند ربهم ليأتي سبحانه لفصل الحساب وتخليص الناس من كربات الموقف وأهواله، فكل من أتوه يعتذر، حتى يأتوا الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم فيقوم المقام المحمود، فيستأذن على ربه فيؤذن له، فيقوم بين يديه ويحمده بمحامد عظيمة يلهمه اللَّه إياها، ثم يخر لربه ساجدًا، فيأذن اللَّه له، ويسأله ويدعوه فيستجيب اللَّه له، فيشفع أولًا كي يأتي الحق تعالى للقضاء بين الناس، وهو المقام المحمود الذي يحمده أهل الجمع كلهم، ثم يشفع مرة أخرى في أمته.

وفي ذلك اليوم يكون الحساب والجزاء حيث يجيء اللَّه تعالى معه الملائكة لفصل القضاء بين الخلق، ويؤتى كل عبد كتابه، فالمؤمن يأخذه باليمين ويحاسب حسابًا يسيرًا، والكافر يأخذ كتاله بشماله أو من وراء ظهره ويدعو ثبورًا، ويقتص في ذلك اليوم لجميع المظالم بين الخلق الإنس والجن والحيوان.

وفي ذلك اليوم ينصب الميزان لوزن أعمال العباد، وهو ميزان حقيقي لا يقدر قدره إلّا اللَّه تعالى، وهو دقيق لا حيف فيه ولا تطفيف، وتوزن فيه أعمال الناس وذواتهم وصحائف أعمالهم.

ويكرم اللَّه عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم بإعطائه حوضًا واسع الأرجاء، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل ورائحته أعبق من رائحة المسك، وكيزانه كنجوم السماء، ويأتيه الماء من نهر الكوثر الذي أعطاه اللَّه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وترد عليه أمته، ومن شرب منه لا يظمأ أبدًا.

ويرد عن الحوض أناس من هذه الأمة بسبب ما أحدثوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم من ردة عن دين اللَّه أو بدع محدثة، أو إسراف في الفسوق والجور والظلم.

ص: 1380

وفي ختام ذلك اليوم يحشر العباد إمّا إلى الجنة أو إلى النار، ويطلب من كل أمة أن تتبع الإله الذي كانت تعبد، فالذي كان يعبد الشمس يتبع الشمس، والذي كان يعبد القمر يتبع القمر، والذي كان يعبد الأصنام، أو فرعون وغيرها من الآلهة الباطلة تصور لهم آلهتم ثم تسير أمامهم ويتبعونها إلى أن تتساقط في النار ويتساقط من عبدها وراءها في السعير، ولا يبقى بعد ذلك إلّا المؤمنون والمنافقون الذين كانوا يعيشون مع المؤمنين في الدنيا، فيأتيهم اللَّه جل شأنه، فيقول لهم: ما تنتظرون، فيقولون ننتظر ربنا، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فيخرون له سجدًا إلّا المنافقون فلا يستطيعون، ثم يتبع المؤمنون ربهم، وينصب الصراط على متن جهنم ويعطى المؤمنون أنوارهم على قدر أعمالهم، ويسيرون على الصراط على قدر هذه الأعمال، ويطفأ نور المنافقين، ويقال لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، ثم يضرب بينهم بسور له باب باطنه في الرحمة وظاهره من قبله العذاب.

والصراط هو: الجسر الذي ينصب على جهنم قنطرة إلى الجنة، وهو دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، ينتهي إليه المؤمنون بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الجسر، ويمرون منه على قدر أعمالهم كالبرق وكالريح وكالطير، ومنهم من يجري ومنهم من يمشي ومنهم من يزحف، والكلاليب تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس في النار.

ويحشر الكفار وآلهتهم التي كانوا يعبدونها إلى النار، يحشرون كقطعان الماشية وينهرون نهرًا غليظًا، ويحشرون إلى النار على وجوههم وهم مغلوبون مقهورون أذلاء خائفون وجلون نادمون، وهؤلاء يلقون في النار ولا يمرون على الصراط.

وعندما يذهب بالكفرة والملحدين والمشركين إلى جهنم، يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل المؤمنون الموحدون، وفيهم أهل الذنوب والمعاصي وفيهم أهل النفاق، وتلقى عليهم الظلمة قبل الجسر، وفي هذا

ص: 1381

الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويضرب بينهم بالسور ذي الباب، ولا يمر على الصراط إلّا المؤمنين دون غيرهم من الكفرة والمشركين والملحدين.

والورود على النار حق لا بد من وقوعه وهو على قسمين:

ورود الكفار إلى النار وهو الدخول.

وورود الموحدين أي مرورهم على الصراط على ما جاء وصفه سابقًا، وينتهي الكفار والمشركون والملحدون والمنافقون إلى النار التي خلقها اللَّه مأوىً أبديًا لهؤلاء، حيث يبقون فيها أبد الآبدين، وهي مخلوقة تبقى ولا تبيد، ويقوم بأمر العذاب فيها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وعدتهم تسعة عشر ملكًا، ولا يوجد نص صريح صحيح في تعيين مكان النار هل هي في الأرض أو في السماء.

والنار واسعة الأرجاء بعيدة القعر، ويدخلها أناس كثيرون ويضخم جسد الواحد منهم حتى يكون ضرسه في النار مثل جبل أحد، ومع ذلك يبقى فيها متسع وتقول: هل من مزيد، وهي -عياذًا باللَّه منها- دركات، متفاوتة في شدة حرها وعذابها والمنافقون في الدرك الأسفل منها، ولها سبعة أبواب، وعندما يرد الكفار تفتح أبوابها ثم تغلق عليهم فلا يخرجون منها أبدًا.

ووقودها الناس والحجارة والأصنام والآلهة الباطلة التي كانت تعبد من دون اللَّه تعالى، وأهل النار خالدون فيها ولا يخرج منها إلّا من شاء اللَّه إدخاله فيها من عصاة الموحدين، أمَّا الكفرة والمشركون فهم فيهما خالدون، وحكم كفرة الجن كالإنس.

ودلت النصوص على كثرة من يدخل النار وقلة من يدخل الجنة، وذلك لكثرة الذين كفروا وتمردوا على أمر اللَّه، وأكثر من يدخل النار من عصاة الموحدين النساء.

وفي النار طعام وشراب ولباس لأهلها، وهو الزقوم والحميم والغساق والقطران.

ص: 1382

والجنة هي: الدار التي خلقها اللَّه لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل دائم، يدخلها المؤمنون زمرًا زمرًا معززين مكرمين تستقبلهم الملائكة بالبشرى، ويشفع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عند ربه في فتح باب الجنة فيشفعه اللَّه تعالى.

وبعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار ويهذبون وينقون، ويقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا حتى يدخلون الجنة أطهارًا ليس لأحد عند الآخر مظلمة.

وأول من يدخل الجنة هو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأول الأمم أمته، وأول من من يدخل من أمته أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأول زمرة تدخل الجنة من هذه الأمة على صورة القمر ليلة البدر، وعددهم سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، يدخلون الجنة بغير حساب، وقد أعطى اللَّه رسوله لكل واحدٍ من السبعين ألفًا سبعين ألفًا يدخلون معهم، والفقراء يسبقون الأغنياء في الدخول إلى الجنة بأربعين خريفًا.

ويخرج اللَّه عصاة الموحدين ممن شاء اللَّه تعذيبهم في النار، ويدخلهم الجنة بعد أن يأذن بالشفاعة فيهم، ويسمون عند أهل الجنة بالجهنميين.

وأول من دخل الجنة من الناس قبل يوم القيامة هو أبو البشر آدم عليه الصلاة والسلام ودخلها الشهداء وغيرهم مما ثبتت به النصوص.

والجنة خالدة وأهلها خالدون فيها، والجنة لا مثيل لها ولا لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ولها ثمانية أبواب ودرجات بعضها أرفع من بعض وأعلى درجة في الجنة هي الوسيلة فيها مقام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي الجنة أنهار وعيون وقصور وخيام ورائحة تشم من مسيرة سبعين عامًا، وليس فيها ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر، بل نور يأتيهم من قبل العرش، وفيها أشجار وثمار كثيرة متنوعة، وفيها دواب وطيور وطعام وشراب وخمر وحُلَل وثياب فاخرة وفرش وخدم وأزواج وحور عين، والتسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة يلهمونه إلهامًا،

ص: 1383

وأفضل ما يعطونه من نعيم هو النظر إلى وجه اللَّه تعالى.

ولا يدخل الجنة إلّا المؤمنون، ويرثون نصيب أهل النار في الجنة، والضعفاء أكثر أهل الجنة، والنساء في الجنة أكثر من الرجال.

وصح أن سيدا كهول أهل الجنة الصديق وعمر رضي الله عنهما وسيدا شبابها الحسن والحسين رضي الله عنهما، وسيدات نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.

وثبت دخول الجنة للعشرة المبشرين ولغيرهم من الصحابة، فهؤلاء يشهد لهم بأعيانهم ولكل من شهد له النص، أمَّا غيرهم ممن لم يشهد له النص من المؤمنين، فيشهد لهم على وجه العموم من غير تخصيص

(1)

.

(1)

انظر: مراجع هذه المسائل عن اليوم الآخر في:

1 -

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي بكامله.

2 -

فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية جـ 313، جـ 4/ 216، 220، 222، 226 - 235، 248، 257، 260، 261، 277، 281، 302، 303، 305، 312، 281 - 404، وجـ 5/ 247، 364، 446، 525، وجـ 6/ 317، وجـ 17/ 253، 309، وجـ 18/ 307، وجـ 24/ 365، 370، 371، 379.

3 -

فتح الباري 3/ 233، 244، 246 و 4/ 281 و 6/ 325، 371، 488 و 11/ 91، 369، 371 - 384، 399، 437، 452، 422، 438، 466، 468.

4 -

شرح العقيدة الطحاوية: ص 203، 450، 444، 476، 481.

5 -

لوامع الأنوار البهية 2/ 10، 17، 29، 66، 161، 186، 189.

6 -

الروح لابن القيم: ص 49، 50، 52.

7 -

التخويف من النار لابن رجب: ص 187 - 188، 85، 148، 214، 115، 142، 143، 142.

8 -

اليوم الآخر 1 - القيامة الصغرى جـ 2 - القيامة الكبرى جـ 3 الجنة والنار، كلها لعمر الأشقر.

9 -

عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين: ص 26 - 31.

10 -

شرح أصول الإيمان لابن عثيمين: ص 40 - 52.

11 -

معارج القبول لحافظ الحكمي 2/ 82 - 265.

12 -

الإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص 94 - 156.

13 -

البداية والنهاية 13/ 187 - 192.

ص: 1384

اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد.

هذا ما ثبتت به النصوص عن هذا الركن العظيم، فمن أنكر ذلك أو شك فيه فقد انحرف عن جادة الحق وتقحم في الجهل والضلال، وارتكس في الباطل.

هذه العقيدة القطعية الثابتة الصحيحة التي يعتقدها أهل الإسلام، نجد أن أتباع الحداثة قد كذبوها وخالفوها وأنكروها إمَّا بالكلية كما هو حال أكثرهم، وإمَّا في بعضها، والتكذيب ببعض كالتكذيب بالكل، وإمَّا بالشك والارتياب في حصولها، والشك تكذيب ومناقضة لليقين الواجب.

ونجد في منثور أقوالهم، وأصول عقائدهم "الحداثة" الجحد الصريح ونفي البعث، والسخرية بالنصوص الشرعية والعقائد اليقينية المتضمنة لإثبات اليوم الآخر وما وراءه.

وهم في هذا كله ينطلقون من أصولهم المادية الإلحادية، التي بنوا عليها أسس فكرتهم ومنطلق توجههم، ووجهة إبداعهم، فلم يتجاوزوا حدود أقوال الدهرية القدماء بل قالوا بقولهم في أبدية الدنيا والدهر، وكرروا مضامين عقائدهم، وبعضهم قال بتناسخ الأرواح، فهم -إذن- لم يتجاوزوا الأسس الإبليسية التي أضل بها من قبلهم، وإن توغلوا في ذلك ونوعوا العبارات، واستخدموا أساليب الأدب واللغة، ولغة الفن والصحافة والإعلام، وخادعوا بالادعاءات العلمية والمزاعم العقلية، وغير ذلك من الأساليب الحداثية المشهورة.

وإذا نظرنا إلى أقوال هؤلاء الجاحدين للبعث أو المشككين فيه فإننا نجدهم عدة أضرب:

الأول: الجاحدون الملحدون، فهؤلاء أنكروا وجود الخالق تعالى، وتبعوا أقوال الفلاسفة الدهريين الطبائعيين الماديين، ومن هؤلاء الشيوعيون والوجوديون.

ص: 1385

فهم ينكرون أصلًا صدور الخلق عن خالق، منكرون للنشأة الأولى والثانية ومنكرون في البداية وجود الخالق سبحانه وتعالى.

ولا يحسن مناقشة هؤلاء في أمر اليوم الآخر وما وراء البعث والمعاد والغيبيات، بل يناقشون في وجود الخالق -سبحانه- ووحدانيته أولًا، ثم ياتي إثبات المعاد بعد ذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر والغيبيات فرع عن الإيمان باللَّه تعالى.

الثاني: الذين يعترفون بوجود الخالق، ولكنهم يكذبون بالبعث والمعاد والنشور والآخرة.

وسلفهم في ذلك كفار الجاهلية الأولى الذين كانوا يعترفون بأن اللَّه خلق السموات والأرض {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . . .}

(1)

، وهم مع ذلك يقولون كما حكى اللَّه تعالى عنهم:{. . . أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)}

(2)

.

والمنطق الجاهلي نفسه يردده المنحرفون المحدثون، حيث يدعون أنهم يؤمنون باللَّه، ولكنهم يزعمون أن اللَّه تعالى عاجز عن إحيائهم بعد إماتتهم وبعثهم بعد فناء أجسادهم.

وهذا القسم هو الذي ضرب اللَّه لهم الأمثال، وساق لهم الحجج والبراهين لبيان قدرته على البعث والنشور، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء، وفي مضمون ذلك رد على سائر المكذبين والجاحدين والمنحرفين.

الثالث: الذين يؤمنون بالمعاد على غير الصفة التي جاء بها الشرائع وتحدث بها الوحي، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويؤلون الحق بتأويلات باطلة فاسدة خاطئة، ويزعمون أنهم مهتدون.

(1)

الآية 25 من سورة لقمان.

(2)

الآيتان 67 - 68 من سورة النمل.

ص: 1386

وهذا الصنف هو أخبث الأصناف وأشدها ضررًا؛ لأنهم يتلبسون بالدين، ويستخدمون آلته في محاولة هدمه وتخريبه، تحت مسميات التحرر الفكري، والمسايرة للعصر، والنظرة التنويرية للنصوص، والتجديد للفهم وتجاوز العقليات الجامدة والتفسيرات السلفية الثابتة، وتقويب الإسلام من روح العصر، وعقلنة الدين وعلمنة الشريعة، إلى آخر دعاوى الأدعياء الذين يصدق عليهم قول اللَّه تعالى:{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}

(1)

.

وللمتأمل في أصحاب الضلالات المعاصرين وما هم فيه من تخبط وتيه، أوسع المدى في تفسير ظواهر هذا التخبط، وتحليل أسبابه، وكشف دواعية، من خلال التأمل في نصوص الوحي العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ومن ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- ما نحن في صدده في هذا الفصل: أن التصور والاعتقاد المبني على إنكار الآخرة والبعث يغطي على العقول، ويغلف الألباب بغلاف المادية الدنيوية القاحلة، ويجعل معتقده يمر على العظات والعبر والدلائل الكونية والتاريخية والاجتماعية مرور الأبلة المعتوه، والغافل المشدوه، وهذه الحقيقة هي المذكورة في قول اللَّه العظم:{وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)}

(2)

.

لقد كان كفار مكة وغيرهم يمرون على (قرية قوم لوط وهي سدوم التي أهلكها اللَّه بقلبها وبإمطارها بحجارة من سجيل، كما قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173)}

(3)

، وقال:{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)}

(4)

، وقال تعالى: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ

(1)

الآية 4 من سورة المنافقون.

(2)

الآية 40 من سورة الفرقان.

(3)

الآية 173 من سورة الشعراء.

(4)

الآيتان 137 - 138 من سورة الصافات.

ص: 1387

مُقِيمٍ (76)}

(1)

، وقال تعالى:{وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} )

(2)

(3)

وقد كانوا يرونها، وكيف لا يرى الإنسالن بلدًا كاملًا وقد دمره اللَّه، وهو يمر عليه ذهابًا وإيابًا غدوة وعشية؟ ولكنهم لم يستنتجوا من رؤيتهم لها العبرة التي ينبغي أدن تستخلص؛ لأدن تصورهم وعقيدتهم المبنية على جحد الآخرة والبعث تمنعهم من الاستنتاج الصحيح وتصدهم عن العبرة الواجبة، وتقف بهم عقولهم الضعيفة الكليلة عند حدود الظاهر والرؤية الحسية البهيمية، كما أخبر اللَّه عنهم:{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)}

(4)

.

والمثقفون في الغرب كله بشقيه -إلّا قلة قليلة منهم- مأخوذون بهذه النظرة ومنجذبودن إليهما ودائرودن في فلكها، وكذلك الذين ساروا على نهجهم من تلامذتهم المستغربين من أبناء المسلمين، وإن كانوا على درجات متفاوتة في اعتناقهم لهذه الفلسفة المادية الإلحادية، ولكنهم في الجملة لا يخرجون عن هذا الإطار.

ومن أكبر الأمثلة على ذلك ما نجده في أدبياتهم التي يطلق عليها اسم "الحداثة" والتي تعتبر عندهم -وهي كذلك في الواقع- تعبيرًا أدبيًا عن العلمانية، وواجهة ثقافية لها.

وتظهر معالم هذا الانحراف في جحدهم لليوم الآخر وما وراءه، واعتبار الموت فناءً مطلقًا لا حياة بعده ولا بعث ولا نشور، والقول بأبدية الدنيا إمّا على طريقة الدهريين، وإمّا باعتقاد تناسخ الأرواح، وفي تضاعيف ذلك سخرية باليوم الآخر وما يحصل فيه، وهنا أورد بعض الشواهد على هذه الأمور من كلامهم:

(1)

الآية 76 من سورة الحجر.

(2)

الآية 79 من سورة الحجر.

(3)

تفسير ابن كثير 5/ 153.

(4)

الآية 7 من سورة الروم.

ص: 1388

‌أولًا: في جحدهم لليوم الآخر وما وراءه، ونفي البعث، واعتبار موت الإنسان فناءً لا شيء بعده

.

ويتضمن جحدهم لليوم الآخر، جحد كل الحقائق الثابتة التي تكون في الاحتضار والموت وما بعده حتى البعث والحشر والوزن والصراط والجنة والنار، وكل ما يكون مع ذلك من أمور مما ثبت صحتها، وهم بذلك لا يعدون عقائدهم المبنية على الضلال والفساد الإلحادي الكفري الذي هو أساس كل انحرافاتهم وقاعدة كل خرافاتهم.

فها هو زعيم الحداثة العربية النصيري علي أحمد سعيد المعروف بالاسم الوثني "أدونيس" يقرر من خلال شرحه لأقوال جبران خليل جبران أن اللَّه تعالى والأنبياء والفضيلة ليست سوى ألفاظ رتبتها الأجيال الغابرة، وهي قائمة بقوة الاستمرار لا بقوة الحقيقية

(1)

، وهو بهذا الزعم يؤسس اختلاقه لينفي المعاد والبعث.

وهكذا يصادر الملاحدة الحقائق واليقينيات المؤيدة بالدليل بمجرد الدعاوى العرية من أي برهان إلّا محض التحكم والادعاء والاستمساك بآراء أسلافهم من الكفار والمشككين، إن التمسك بالماضي الكفري الإلحادي، والتعبد له عبودية عمياء أحد سمات هذا المنهج الذي يدعي التقدم والتطور والتحديث ومقاومة التقليد، لقد اعتبروا التمسك بالتقاليد موتًا والتحرر منها مقدمة ضرورية للتحرر

(2)

.

ولكنهم لم يتحرروا من تقليد أقدم الكفار من قوم نوح عليه السلام حتى كفار مكة، بل رددوا أقوالهم، وكرروا دعاواهم، ولكن بلباس عصري وبطريقة جديدة، أمَّا المضمون والمحتوى فواحد لم يتغير، ومن أراد أن يستوضح هذه الحقيقة فعليه أن يقرأ أوصاف الكافرين والمشركين والمنافقين وأقوالهم التي جاءت في القرآن العظيم، ثم يقارن بينها وبين أقوال الكافرين المعاصرين، سوف يجد أنهم من حيث الفكرة والعقيدة والمحتوى في إطار

(1)

انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 187.

(2)

انظر: المصدر السابق 3/ 187.

ص: 1389

واحد وإن تغيرت العبارات وتنوعت الأشكال وتعددت الأساليب، وهذا مصداق المقولة المشهورة "الكفر ملة واحدة".

وفي مجال تقرير أدونيس لعقائده الحداثية الكفرية يطرح أوهامه الإلحادية على أساس أنها مقررات ثابتة قطعية، ومن ذلك أنه في معرض حديثه عن ما يسميه التخلف العربي، وعيوب المجتمع العربي، جعل من علامات وأسباب التخلف عندهم: إيمانهم بالآخرة، وذلك في قوله:(ويبدو كأن المجتمع العربي لا يتغير، بل يتراكم، كأنه مجتمع الثبات لا التغير: يؤمن بالأبدية لا بالزمان، وبالآخرة لا بالدنيا)

(1)

.

ومع كون القضية على عكس ما يدعيه هذا الباطني الحداثي فإن العرب لم يكن لهم أي شأن بين الأمم إلّا بعد أن جاء الإسلام، ولم يتحقق لهم ما تحقق من حضارة ونصر وفتح وسيادة على الدنيا إلّا لما آمنوا باللَّه تعالى وباليوم الآخر، ولم ينحدروا ويهبطوا وتتلاشى قوتهم وتذهب هيبتهم إلّا عندما قل إيمانهم باللَّه وضعف يقينهم باليوم الآخر، واستسلموا للدنيا يرتعون ويتنافسون فيها كما تنافس فيها الذين أهلكهم اللَّه من قبل فوقع بهم ما وقع.

وفي ربط بين هذه الدعاوى الإلحادية والشعر الحديث يأبى أدونيس -كعادته- إلّا أن يجعل الزائف حقيقة والحقيقة زيفًا، والحسن قبيحًا والقبيح حسنًا، ويتلاعب بعقول أتباعه، وذلك في سياق تبريره ودفاعه عن غموض الشعر الحديث، والذي هو في الحقيقة لون من ألوان الغموض الباطني كما سبق بيانه وتأكيده بالشواهد من أقوال أدونيس وغيره.

يقول أدونيس: (كان الشاعر العربي القديم يعيش في عالم واضح منظم: كل شيء فيه مفسر، محدد، بدءًا من كيفية غسل اليدين والقدمين وانتهاءًا بما سيحدث للإنسان في الآخرة، وكان هذا العالم يقوم على حقائق مطلقة نهائية وعلى إيمان راسخ بها، كانت بنيته عقلية -ذهنية، لا نفسية- انفعالية، بل كان العالم النفسي الحميم، مكبوتًا مقموعًا، لهذا كان الشاعر

(1)

زمن الشعر: ص 67.

ص: 1390

يصدر عن أفكار ومعان جاهزة، كان بتعبير آخر: ينقل معاني موجودة قبله: يفسرها وينوع عليها. . .)

(1)

.

وهكذا يقرر أدونيس باطنيته المضادة للوضوح والعقل والنظام بأسلوب ماكر ملتوٍ، في خليط من الحداثة الدهرية والباطنية الإلحادية.

وما يعيبه أدونيس من وضوح ويقين وتحديد هو ما يكرره الحداثيون الصغار من الأتباع المحاكين لأدونيس وأساتذته، ومرادهم بكل ذلك نقد الإسلام القائم على هذه الحقائق الجلية والمعاني اليقينية الثابتة، وهو ما صرح به أدونيس في هذا النص وفي غيره، وهو ما يحوم حوله الحداثيون الذين لا يستطيعون التصريح بمثلما صرح به أدونيس، فيغمغمون ويلوحون!!.

أمَّا نقد أدونيس للوضوح والحقائق المطلقة والأفكار الجاهزة، والتي يعنى بها الإسلام وقضاياه التي ضرب لها مثالًا بغسل اليدين والقدمين إشارة إلى الوضوء وبالإيمان بما سيحدث في الآخرة، هذا النقد الهادم الذي يصبه وسواسًا في قلوب أذياله المنبهرين ليس تهمة أو إدانة يجب دفعها عن الإسلام، إذ الإسلام حقائق ثابتة ويقينيات قاطعة وثوابت صحيحة.

أمَّا الحداثة والإلحاد والعلمنة التي يسعى أدونيس وأضرابه في سبيلها المظلم فليست سوى أفكار جاهزة آتية من صقيع الوثنية الغربية، التقطتها العقول الاسفنجية، فنضحت منها روائح العفن المادي الذي تشربته.

وقوله بأن الشاعر القديم: (يصدر عن أفكار ومعان جاهزة،. . . ينقل معاني موجودة قبله يفسرها، وينوع عليها)

(2)

. هذا القول ينطبق على الحداثيين بصورة واضحة جلية، فإن الناظر في كتبهم ونتاجهم ومذاهبهم وأفكارهم، يجد أنهم -في أحسن أحوالهم- ليسوا أكثر من نقلة ومترجمين عن الأفكار والمذاهب الغربية، بل وهم لا ينكرون هذه الحقيقة بل يفتخرون بها.

(1)

المصدر السابق: ص 277.

(2)

المصدر السابق 3/ 277.

ص: 1391

وهنا يصدق على أدونيس والحداثيين قول العرب: (رمتني بدائها وانسلت)

(1)

.

والمقصود أن الرؤية الحداثية تقوم على جحد الدين والفضيلة والدفاع عن الإلحاد والرذيلة، وتتبنى جهالاتها، ومن العجيب أنهم يجعلون ذلك نظرة عقلية ونزعة إنسانية طبيعية ومقولة علمية، تقوم على تقليد الإلحاد الغربي، كما وصف محمد جمال باروت في قوله: (تصبح الحداثة في هذا السياق وبما هي "نظرة إلى الوجود" أو "عقلية" حسب تعابير الخال، "ابيستميًا" أو نظامًا معرفيًا يجد مرجعه في "النزعة الإنسانية الطبيعية" أو "العلمية" على حد تعبير هنترميد، ويوجز "لامونت" هذه النزعة:"بأن الإنسان لا يحيا إلّا حياة واحدة. . . ولا يحتاج إلى ضمان أو دعامة من مصادر عالية على الطبيعية، وأن العالي على الطبيعية الذي يتصور عادة في شكل آلهة سماوية أو جنات مقيمة، ليس موجودًا على أية حال، ففلسفة النزعة الإنسانية تسعى على الدوام إلى تفكير الناس بأن مقرهم الوحيد هو هذه الحياة الدنيا، فلا جدوى من بحثنا في غيرها عن السعادة وتحقيق الذات، إذ ليس ثمة مكان غيرها نقصده، ولابد لنا نحن البشر من أن نجد مصيرنا وأرضنا الموعودة في عالمنا هذا الذي نعيش فيه، وإلّا فلن نجدهما على الإطلاق"

(2)

.

بهذا المعنى فإن "المجتمع الحديث" الذي يعنيه الخال هو المجتمع الذي يقوم على "النظرة الإنسانية الطبيعية" التي تؤدي إلى مجتمع قائم على نظرة حديثة للحياة على العلم والتكنولوجيا"

(3)

على حد تعبير الخال. . . ويعبر الخال عن هذه الإشكالية بقوله: "وإذا فقد الإنسان سندًا له في نظام

(1)

مجمع الأمثال 2/ 23.

(2)

نقل باروت هذا النص من كتاب الفلسفة أنواعها ومشكلاتها لفؤاد زكريا، الطبعة الثانية: ص 402 - 403.

(3)

نقل باروت هذا النص من مقال ليوسف الخال بعنوان "نحو أدب عربي حديث" في مجلة أدب، المجلد الثاني، العدد الأول شتاء 1963 م: ص 8.

ص: 1392

"إلهي" أبدي، يرئسه

(1)

إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات، وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا"

(2)

.

وبذلك يصبح الإنسان مصدر القيم لا الآلهة على حد تعبير أدونيس، من هنا يخوض الإنسان "صراعًا روحيًا مع الفراغ"

(3)

إذ يؤدي "المجتمع الحديث"

(4)

إلى "التبعثر والتمرد والرفض والحيرة والقلق وما إلى ذلك مما يطبع عصرنا الحاضر"

(5)

.

ومن هنا يحل الشعر مكان الدين، ويصبح "ميتافيزيقيا" المجتمع الحديث، حيث يلعب الشاعر "دور الآلهة التي اختفت" على حد تعبير خالدة سعيد "يزيح كابوس الآلهة والنظام")

(6)

(7)

.

هذا النص الحداثي يجسد بوضوح الصورة الحقيقية للمعتقد الحداثي القائم على أمشاج من الإلحاد والدهرية والكفر والزندقة وتأليه الإنسان والطبيعة، ويحتوي على شهادة دامغة ضد الذين يشهدون بالباطل ويدافعون عن الحداثة وأصحابها، ويجادلون عن الذين يختانون أنفسهم.

وليست هذه عقائد الخال وأدونيس وخالدة سعيد وباروت فحسب، بل يشترك معهم في هذا المستنقع الإلحادي جملة كبيرة من شعراء ونقاد وكتاب الحداثة العربية، ومن لم يشاركهم في هذه الصراحة الكفرية لا يكاد يسلم من رذاذ مضمون هذا الاعتقاد الإلحادي، بالجحد والإنكار أو بالشك والريب.

(1)

هكذا والصواب: يرأسه.

(2)

نقله عن المصدر السابق: ص 9.

(3)

و

(4)

و

(5)

كل هذه الأقوال ليوسف الخال نقلها باروت عن المصدر السابق ذكره: ص 9.

(6)

نقل باروت هذا النص عن خالدة سعيد من البحث عن الجذور، إصدار دار مجلة شعر- بيروت 1960 م/ 1379 هـ: ص 9.

(7)

قضايا وشهادات 2 صيف 1990 م/ 1410 هـ: ص 258 - 259 من مقال طويل لمحمد جمال باروت بعنوان "تجربة الحداثة ومفهومها في مجلة شعر".

ص: 1393

إن "العلمانية" في حقيقة معناها تعني "الدنيوية" أو "اللادينية" وجوهرها تأليه الإنسان والدنيا وجحد حق اللَّه تعالى في الحكم والطاعة، وهذا المعنى هو جوهر ما عناه باروت في النص السابق، وإن كان أولئك صرحوا بدهريتهم وإلحادهم وبعض العلمانيين لمحوا ولم يصرحوا.

إن الطبيعة المادية للفكر الحداثي والعلماني يقتضي حقيقة أن يكون أتباعه على هذه الدرجة من الخرافة والجاهلية، مع تفاخر بالانحدار والتردي وسخرية بالحق وأهله، وهم في ذلك على نهج أسلافهم من الكفار الأوائل كما أخبر سبحانه وتعالى عنهم في قوله -جلَّ وعلا-:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75)}

(1)

.

وهؤلاء وهؤلاء يصدق عليهم قول اللَّه -جلَّ وعلا-: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8)}

(2)

.

وعلى كل حال فليست الحداثة بمدارسها العديدة ولافتاتها المتنوعة إلّا صورة من صور الكفر القديم في ثوب جديد وبعبارات حديثة، والأغرب والأعجب في شأنها أنها وهي في أسفل دركات التخلف والجهل والضلال يسميها أصحابها "نزعة إنسانية" و"نظرة علمية عقلية" و"نظامًا معرفيًا" إلى آخر هذه الألقاب الجوفاء المفخمة، التي إن دلت على شيء فإنّما تدل على إفلاس أصحابها من الحقائق والبراهين، وانتفاخهم بأورام الدعاوى الكاذبة.

(1)

الآيات 73 - 75 من سورة مريم.

(2)

الآيتان 7 - 8 من سورة يونس.

ص: 1394

وهم في محاولاتهم البائسة في هدم دين اللَّه والنيل منه والتهكم به والسخرية منه، كما قال الشاعر:

(وقال السهى للشمس أنت ضئيلة

وقال الدجى للصبح لونك حائل

وطاولت الأرض السماء سفاهةً

وفاخرت الشهب الحصى والجنادل)

(1)

وشواهد سفاهتهم الاعتقادية في جحد الآخرة واعتقاد عبثية الحياة كثيرة، منها قول محمود المسعدي صاحب رواية "حدث أبو هريرة قال" والتي يعدونها من روائع الحداثة، ففي حديثه عن العلوم والأبدية والحياة الآخرة يقول:(ما حيلة العلوم كل العلوم؟ يمكنها زعزعة ركائز الكون العملاقة وتحديد نظمها، ولكن متى صار تحديد كل هذه القواعد الكونية التي نلم بها، نعود للسؤال الأول: ما مصدرها؟ ومن سنها؟ يمكننا تفكيك أوصالها كما يفكك الطفل لعبته، ويعجز عن شرح كيفية عملها لنطلق في بحثنا من البداية، هل يعي الفكر البشري مفهوم "الأبدية"؟ أي اللابداية واللانهاية واللامحدود، فوعينا الحسي يفترض بداية ونهاية لكل شيء فقد نسلم بالديمومة لكن ليس باللانهاية غير المبررة، فتبلغ الماورائي أي ما يتجاوز إدراكنا المادي، من هنا الحاجة لتفسير واضح، كالتفسير الديني الذي يوفر للإنسان تفهمًا إيمانيًا وليس عقلانيًا لما يعرف "بالباقية" ما بعد الحياة)

(2)

.

هذا النص محشو باللغو الفارغ، والتأرجح في أوله بين الشك والجحود، والواصل في الأخير إلى حضيض إنكار اليوم الآخر والحياة الأخروية، ومن يعرف عقائد المسلمين، يستيقن أن هذا القول لا يمكن أن يصدر من قلب فيه إيمان باللَّه واليوم الآخر، فاعتبار العلوم الركيزة الأساسية لتفسير كل شيء وهدم كل شيء، نوع من أنواع التأليه للحياة الدنيا، وشعبة من شعب المذهب الطبائعي القديم، واعتبار أن حقائق الدين عن اليوم الآخر

(1)

بيتان من قصيدة لأبي العلاء المعري في سقط الزند: ص 195.

(2)

رأيهم في الإسلام: ص 162.

ص: 1395

تعطي تفسيرًا إيمانيًا لا عقليًا مثال من أمثلة الدعاوى والشتائم الحداثية العلمانية العربية العرية من الدليل والبرهان، والمفتقرة إلى الحجة، والعقل بل والمناقضة لكل ذلك، إذ في أدلة العقل والحس والشرع من إثبات المعاد ما لا يستطيع معه الشاك المعاند ردًا.

أمّا التهمة المادية الإلحادية التي يرددها الدهريون الجدد في أن الدين مناقض للعقل، فهي تهمة طالما رددوها، وحجروا عقولهم وقلوبهم عن النظر في نقيضها، وأغلقوا على أنفسهم منافذ النظر أو التأمل في البراهين المعاكسة لما يعتقدون، في الوقت الذي يزعمون فيه الانفتاح وسماع الرأي والرأي الآخر!!، ولكنهم في واقع الأمر أشد الناس تحجرًا على المقولات المادية التي اعتنقوها، وأكثر البشر انغلاقًا في الأطر المادية التي أحاطوا أنفسهم بها، إلى حد أنهم إذا رأوا الدليل الساطع والبرهان القاطع الذي ينقض عليهم أوهام مادياتهم صدوا عنه وأعرضوا، وتجاوزه بإغفاله أو السخرية به، ولو كانوا أصحاب "عقلانية" كما يدعون، لسمعوا نداء العقل والتفتوا إلى الدليل، وانتبهوا للبرهان، ولكنهم في غيهم يعمهون، وعلى آثار أسلافهم من الدهريين يسيرون.

أمَّا الحداثي المحترق جابر عصفور فإنه يتحدث عن الموقف المضاد للحداثة في كتاب الأخ الشيخ عوض القرني ومقدمته التي كتبها سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، ويصف ذلك بأنه خطاب إرهابي قمعي تسلطي ينبني على (الثقافة التي يغلب عليها الاتباع والتقليد، وبنية المجتمع يغلب عليه الخوف والإذعان، وذلك في متوالية تؤجج عمليات التناص الديني السياسي الاجتماعي في لا وعي المتلقي، حيث تتجاوب المخزونات اللاشعورية الملازمة لسلطة الدولة الإرهابية وأجهزتها القمعية وعنفها اللاإنساني، والمخزونات المصاحبة للقيم الدينية، حيث الخوف من عذاب القبر والرعب من نار الآخرة. . .)

(1)

.

(1)

الإسلام والحداثة: ص 204.

ص: 1396

وإذا تأملنا الخطاب الحداثي العلماني، والممارسات السلطوية العلمانية وجدناها تقوم على أبشع أنواع القمع والتسلط والإرهاب، وما احتكار الصحف العلمانية والمنابر الإعلامية الحداثية واحتجارها الكتابة والتعليق والتعقيبات على من لا يوافق معتقداتهم إلّا أحد الأدلة الكثيرة على التعصب العلماني.

أمَّا ممارسات القمع والتسلط والإرهاب الذي تقوم به الدول العلمانية ضد دعاة الإسلام وعلمائه فهي أشهر من أن تذكر، ونراها اليوم تتصاعد بشدة وعنف لم يسبق له مثيل، وتتزايد أدوات القمع تزايدًا يذكرنا -نحن معضر المسلمين- بمحاكم التفتيش، يضارع ذلك ويقويه الكتابات والندوات المؤيدة لهذا القمع، والمعاضدة لهذه الممارسات القبيحة، التي تسعى لاجتثاث الإسلام وأهله، في حملات أبشع وأشنع من الحملات الصليبية، ومع ذلك فإنهم يدعون الحرية والحوار والديموقراطية والتسامح!! وشاهدهم في كل ذلك ما في الزنازين والمعتقلات العلمانية وما في الكتب والمجلات الحداثية!!.

أمَّا حديثه عن الآخرة وعذاب القبر وجعلها أساسًا للتسلط الإرهابي والتخلف العقلي وتسميتها مخزونات مصاحبة للقيم الدينية، فهو دليل على عمق الانحراف الاعتقادي عند قائل هذا القول، والذي لا يتورع أن يقول بأن وصف الحداثة والحداثيين بالكفر تقوم على تخييل إرهابي

(1)

.

فماذا يريد هؤلاء؟ يجحدون وجود اللَّه تعالى، أو يجحدون ألوهيته، أو حقه في العبادة والطاعة ومنها الحكم بما أنزل اللَّه، أو يشككون في المعاد والغيبيات ويجعلون الإيمان بها تخلفًا ومخزونًا للخوف والإرهاب، ثم يريدون بعد ذلك أن لا يوصفوا بما يستحقون!!.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 204.

ص: 1397

ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}

(1)

.

إن عقولهم المظلمة تظل دائمًا في حالة من الجهالة المتراكمة، التي لا تتوقف حتى تنضح بهذه الأقوال المستندة على مجرد جحد والريب والدعوى، في دائرة إلحادية أحاطوا أنفسهم وانطلقوا من خلالها مجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، ومنافحين عن الجهل ليدافعوا به الدليل.

إن هذه الرثاثة الحداثية داء استولى على أذهان هؤلاء وتسلط على عقولهم، فنتج منها ما نتج من ضحالة ورجعية وتخلف جاهلي، إنه نمط امتدادي للكفر القديم والجاهلية السحيقة.

يعبر أحدهم عن سخطه على التعليم والتأليف في بلاد المسلمين الذي قام في مجمله على الإيمان باللَّه واليوم الآخر، فيقول:

(خدعتنا مقاعدنا المدرسية

لم تعد النار نارًا وتلك الجنان جنانًا

سوى في الكتب. . .). ثم يقول:

(سأدخل مع روحي الآن حربْ

وألقى بها في مهب الذنوب

المعدة للصالحين هناك. . .

سأحيا ذنوبي هنا كلها)

(2)

.

أمَّا أدونيس فإنه إضافة إلى تنظيراته الإلحادية السابقة أضاف جحده الصريح لليوم الآخر، كل ذلك في إبداعاته الحداثية الرثة المسماة شعرًا!!

(1)

الآيات 21 - 24 من سورة الأنعام.

(2)

مجلة الناقد، العدد 8 فبراير 1989 م/ 1409 هـ: ص 35 من مقطوعة بعنوان قصيدتان للحداثي الفلسطيني إبراهيم نصر اللَّه.

ص: 1398

والذي أضحى بسببها عند الإمعات نموذجًا عاليًا للمضاهاة والتقليد، يقول أدونيس في حوار بين الجندي والأصوات والصدى:

(الجندي: (متمتمًا) ما المصير؟

صوت: عميقًا مديدًا يبدو كأنه صدى)

شلل طِرْح يطير

الجندي (وهو يضرب الحصى بقدمه اليمني)

ما الإله؟

الصوت والصدى معًا: كل ما كان سواه

الجندي: (متطلعًا إلى فوق)

ما المغيب

الصوت والصدى معًا: حاضر بالظن، بالخوت يُطّيب)

(1)

.

وفي موضع آخر يقول معبرًا عن عقيدته في جحد اليوم الآخر:

(والساعة التي يقال أنها آتية توقفت)

(2)

.

وأصرح من هذا قوله:

(اهتف لا جنة لا سقوط بعدي

وأمحو لغة الخطيئة)

(3)

.

أمَّا البياتي فإنه يعبر عن الموت بالليل الأبدي الذي يعني الفناء المطلق حسب عقائده الماركسية، فيقول:

(لن أهزم حتى آخر بيت أكتبه، فلنشرب في قبة هذا الليل

(1)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 187.

(2)

المصدر السابق 1/ 244.

(3)

المصدر السابق 1/ 289.

ص: 1399

الزرقاء

حتى يدركنا الليل الأبدي ونغفو في بطن الغبراء)

(1)

.

ويشرح في كتابه "تجربتي الشعرية" قضية البعث في الأدب العراقي القديم، ويقصد به -حسب قوله-:"تموز إله الخضرة" ثم يتحدث عن عقائد قدماء المصريين، ويستطرد في وثنيات جاهلية مستمدًا منها الرموز الإحيائية والحداثية

(2)

، بعيدًا عن أي إشارة للبعث في المفهوم الحق.

وهو اتجاه يجب الانتباه له، وعدم الاغترار بلفظ "البعث" الذي يطلقونه، فإنهم لا يريدون به سوى هذه المعاني الوثنية الكفرية.

أمَّا نازك الملائكة فإنها تعبر عن شكها في البعث بتقريرها أنه ليس هناك إلّا الفناء وأنه لا حياة خالدة بعد الموت، وذلك في قولها:

(قالوا الخلود:

ووجدته ظلًا تمطى في برود

فوق المدافن حيث تنكمش الحياة

ووجدته لفظًا على بعض الشفاه

غنته وهي تنوح ماضيها وتنزله اللحود

غنته وهي تموت. . . يا للإزدراء!

قالوا الخلود، ولم أجد إلّا الفناء)

(3)

.

أمَّا صلاح عبد الصبور فإنه يعبر عن عقيدته في هذه القضية العظيمة بقوله:

(وقيل لكم:

(1)

ديوان البياتي 2/ 415.

(2)

تجربتي الشعرية: ص 54 - 56.

(3)

ديوان نازك الملائكة 2/ 87.

ص: 1400

بأن حياتكم جسر، وأن بقاءكم مسطور

خطى تخطى بميقات إلى دار ببابين

نطوف بها كومض شعاعة العين

وأن العاقل المبرور من يحيا بلا زاد

يجمع زاد راحلته

لأن وراء هذه الدار فيما قد رواه الناس

شطوطًا طاميات موجها ديجور

ولولا سيف نور شق ظلماها

وملاح على مركب

يقول لمن أحث الخطو في دهليزها

أركب!

ولولا ومض مصباح يلوح لمقلة الملاح

لضل الركب في التيه سنين مئين

أقول لكم بأن الزيف قد يقتات بالفطنة، وسقط القول قد يعلو بأجنحة من الترديد)

(1)

.

فهو يناقش قضية المعاد والبعث بنفس الشاك المرتاب، وذلك حين يطرحها أول مرة على أساس أنها مجرد قول "قيل لكم" وأن حقيقة الدار الآخرة ليس سوى قولٍ "قد رواه الناس"، ثم ينتقل بعد هذا الشك الجاحد إلى إنكار صريح حين يطرح رأيه على أساس أن قضية البعث محض زيف ومجرد قول ساقط ارتفع بسبب ترديد الناس له من قديم.

وهكذا يوجز صلاح عقيدته النافية للبعث في هذا القول العظيم

(1)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 167 - 168 وله قول مرتاب في البعث في ص 61.

ص: 1401

{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}

(1)

.

وغير بعيد عن هذه المعاني الجاحدة ما كتبه سعدي يوسف في مطلع مقطع بعنوان "منزل المسرات" جاعلًا القول في وسط مستطيل يدل على احتفائه وغايته الشديدة به، وهو قول نقله عن ملحمة جلجامش المبنية على أسطورة آشورية بابلية

(2)

، كتب سعدي:

(آه لقد غدا صاحبي الذي أحببت ترابًا

وأنا سأضطجع مثله

فلا أقوم أبد الآبدين)

(3)

.

ولا غرو أن من اتخذ الوثنية ورموزها وملاحمها دليلًا فسوف تقوده إلى جثث العقائد الجاهلية، وفي هذا القول مصداق ما سبق ذكره من أن القوم ليسوا إلّا نسخة معاصرة من الجاهليات الأولى البائدة، ومن أعظم القضايا التي واجهت الإسلام من أول عهده وحتى اليوم قضية الألوهية والنبوة والمعاد، وها نحن نرى كيف يجتر الحداثيون المقولات المنحطة لأسلافهم من الكفار الملحدين في نفي البعث، والقول بالعدم المطلق والفناء الدائم الذي لا حياة بعده، من نحو قول أمل دنقل:

(لا شيء إلا توابيب لا شيء

إلا المبادلة الخائبة

جثث تتراكم في الضفة الساكنة. . .

هذا التساؤل عن لون عينين عاشقتين

كنافذتين على البحر - طعم القبل

(1)

الآية 5 من سورة الكهف.

(2)

انظر: عن جلجاش وملحمة جلجاش في معجم الأساطير: ص 106.

(3)

ديوان سعدي يوسف: ص 112.

ص: 1402

تتلقى النفايات تلو النفايات دون كلل)

(1)

.

أمّا نزار قباني الممتليء ببغض الشرق والعرب والمتخم بأنواع الضلالات؛ فإنه يجعل من التخلف الإيمان بما شرع اللَّه وبما أخبر به عن يوم القيامة، يقول:

(في ليالي الشرق لما

يبلغ البدر تمامة

يتعرى الشرق من كل كرامة

ونضال

فالملايين التي تركض من غير نعال

والتي تؤمن في أربع زوجات

وفي يوم القيامة. . .)

(2)

.

إلى أن قال في نهاية المقطع:

(شرقنا المجتر تاريخًا

وأحلامًا كسوله

وخرافات خوالي)

(3)

.

ويُمكن أن يقال لهذا اللاهث خلف زبالات أفكار وأخلاق البشر، إن لهاثه المستمر إثر الشهوات الحيوانية والعقائد المادية الجاهلية هي التي جعلت منه شخصًا يؤمن في مئات العشيقات والخدينات من العاهرات والسافرات، ويُمارس معهن أبشع الجرائم الخلقية، مفتخرًا بذلك معتزًا بحقاراته، وامتهاناته العديدة للمرأة، مقتنصًا أي لذة هابطة؛ لأنه يعتقد أن هذه الحياة الدنيا هي نهاية المطاف، وغاية الوجود، على مقتضى الخرافات

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص 380 - 381.

(2)

و

(3)

الأعمال الشعرية لنزار قباني 1/ 367 - 368.

ص: 1403

الجاهلية التي قالها أسلافه، ويقولها أساتذته المعاصرون.

{أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ}

(1)

.

{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35)}

(2)

.

ومنهم الماركسي الأحمر سميح القاسم الذي يفاخر بكفره قائلًا:

(أنا ما صليت وما صمت وما

رهبت نفسي لدى الحشر عقابا

والدم المسفوك من قافيتي

لم يراود من يدي عدن ثوابا)

(3)

ومنهم ممدوح عدوان القائل:

(ناديت: اجعلي لي أية وسط حياتي

أنا لا أؤمن بالبعث

اسكبي لي فزعًا يكفي لهذا الصبح)

(4)

.

أمَّا الملحد علاء حامد فإن أقوالهم المتهافتة الجاحدة للبعث والآخرة والجنة والنار وكل قضايا الآخرة كثيرة عديدة، منها قوله تبعًا لأقوال الماركسيين:(فكرة الجنة والنار التي سيطرت فيما مضى انحسرت الآن وليس فيها ما يهز الوجدان العصري)

(5)

، وتقريره بأن الجنة والبعث مجرد وهم

(6)

، وتكذيبه الصريح بوجود الجنة والنار، وانتفاخه المادي بدعوى أنه لا يوجد مجتمع أنهار؛ لأنه لا يؤمن بالبعث والحساب

(7)

، وجحده عذاب

(1)

الآية 18 من سورة الشورى.

(2)

الآيتان 34 - 35 من سورة الدخان.

(3)

ديوان سميح القاسم: ص 69.

(4)

الأعمال الشعرية لممدوح عدوان جـ 2 للخوف كل الزمان: ص 92 - 93.

(5)

مسافة في عقل رجل: ص 6 - 7.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 31.

(7)

انظر: المصدر السابق: ص 112 - 113.

ص: 1404

القبر

(1)

، وزعمه أن النار مجرد وهم وتفكير بدائي للتخويف

(2)

، إضافة إلى جحده الصريح مع تهكم وسخرية بحقائق النفخ في الصور ومجيء اللَّه تعالى، والميزان والصراط لأنها -حسب قوله- لا تخضع لميكرسكوب العقل

(3)

؛ ولأن الجنة والنار لا دليل عليها، والادعاء بأن البعث عنده مجرد تنبؤ

(4)

، وزعمه أن قانون الثواب والعقاب صنعه الإنسان والكهان الذين غرسوا فكرة العقاب الأخروي، وبناء على ذلك يرفض وجود الجنة والنار ويعتبرهما خرافة

(5)

، بل ويعتبر أن الإيمان بهما سبب لتخلف المجتمعات وليس سببًا لنهضتها

(6)

، إلى آخر سخافاته العديدة التي ملأ بها روايته الإلحادية.

وما أصدق القائل: (ولا يعجز من لا حياء له عن أن يقلب كل كلام إلى ما اشتهى بلا برهان وصرف الكلام عن موضعه ومعناه إلى معنى آخر لا يجوز. . .)

(7)

.

وهؤلاء المخاذيل لم يكن لهم في كفرهم وجحدهم إلّا محض الجحد والتشكيك وهي أوهى من خيوط بيت العنكبوت.

‌ثانيًا: قولهم بأبدية الدنيا أو بعض ما فيها:

وهذا القول منهم مبني على جحدهم وجود اللَّه تعالى وربوبيته وخلقه للخلق بعد أن لم يكن هناك مخلوق. وهو عين قول الدهرية الأقدمين

(8)

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 122 - 123.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 123.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 124.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 134.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 205.

(6)

انظر: المصدر السابق: ص 209.

(7)

هذا القول لأبي محمد بن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل 1/ 208.

(8)

انظر: مذهبهم والرد عليهم في الفصل لابن حزم 1/ 9 - 23.

ص: 1405

الذين لخص القرآن العظيم مذهبهم في آية منه: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}

(1)

.

ولما ركن أتباع المادية المعاصرة إلى الإلحاد، واستسلموا لتقاليده، قادهم ذلك إلى جحد كل قضايا الغيب.

ومن هنا كانت مسألة الإيقان بوجود اللَّه تعالى وألوهيته أصل كل المسائل والقضايا الأخرى، كما أن الشك في وجوده أو جحدان وجوده -جلَّ وعلا- أساس كل انحراف في الاعتقاد والعمل والأخلاق.

وفي هذا الزمان الذي شاع فيه الإلحاد بصورة مقننة ترتدي -زورًا- أردية العلم والعقل والتجريب، استسلم ضعفاء العقول والمواهب من المنحرفين من أبناء المسلمين للأفكار المادية ولوازمها الآتية من الغرب، واستولت عليهم وسيطرت على أذهانهم، من صغار المتطفلين منهم إلى كبار المقلدين.

بيد أن القضية في كل نواحيها يُمكن أن تقاس بالعقل والبرهان والدليل التي طالما تشدقوا بها مدعين وخالفوها عامدين، إذ لا شك في احتفاظ البراهين والأدلة العقلية المنطقية المستجمعة لشرائط الصحة دائمًا بقوتها وقطعيتها، بدرجة ترجح على قوة الأدلة المادية التجريبية المحسوسة المبنية على التجارب والاكتشافات، ولاشك أيضًا في أن الأدلة المادية التجريبية القطعية الثابتة لا يُمكن أن تعارض الأدلة العقلية الصحيحة ولا الأدلة النقلية الصريحة.

وصفوة القول بأن الأدلة العقلية الصحيحة والأدلة التجريبية الثابتة والأدلة النقلية الصريحة تفيد الضرورة في دلالتها على وجود اللَّه تعالى وألوهيته والنبوة والمعاد، وهذه الأدلة بهذه الأوصاف لا يُمكن أن تتعارض إلّا في عقل نقص حظه من إدراكها على وجهها بشرائطها الصحيحة، ولا تنقص قيمة الدليل العقلي أو التجريبي أو النقلي بسبب ضعف بعض الأذهان عن فهم دلالاتها القطعية، بل تزيد قيمتها، كما أن الجوهر

(1)

الآية 24 من سورة الجاثية.

ص: 1406

والألماس والذهب لايقدرها قدرها إلّا الجوهري الحاذق، ولا يحط من قدرها أن لا يستطيع كل أحد تمييز صحيحها من زيفها.

وإذا نظرنا إلى تخبطات أصحاب المذاهب الفلسفية الغربية في فلسفاتهم ذاتها، وفي مقولاتهم وتطبيقاتها، وجدنا أن العداء للأديان والجحد لوجود اللَّه أو ألوهيته أو غيبة، من النتائج الحتمية للمغالطات الذهنية، المخالفات العقلية، والتخبطات المعرفية.

أمّا أتباعهم من المفتتنين بهم من أبناء العالم الإسلامي من مثقفي هذا العصر، فهم في درجة من التقليد لأولئك بحيث لا تستطيع معها وصفهم إلّا بأنهم مجرد قطيع من المحاكين المتأثرين المقلدين، سواء منهم من أعلن الإلحاد بتبجح أهوج، أو من استبطن الإلحاد ودار في دوائر الشك والريب والتردد.

وهذا الصنف الجاهلي المقلد أسواء من سابقه وأردى؛ ذلك أن عقولهم قد جمدت على الضلال اتباعًا، وسارت في مسارات الجهل والزيغ انصياعًا، فأذهانهم أشد تحجرًا من أذهان أساتذتهم وقلوبهم أقسى وأعتى.

ومع ذلك تسمع منهم التبجح بالاستقلال العقلي والتحرر الذهني:

كدعواك كل يدعي صحة العقل

ومن الذي يدري بما فيه من جهل

(1)

وعقيدتهم في البعث والنشور من أعظم الأدلة على هوان الحقيقة عندهم، وضعف سلطان البراهين لديهم، وتسلط آفات الجهل والهوى والضلال على ألبابهم وقلوبهم، فهم حين يقولون بأبدية الدنيا أو بعض ما فيها لا يستندون إلى مستند صحيح من عقل أو تجريب، إلّا محض الادعاء ومجرد النفي والاستبعاد، وافتراض الاستحالة، والاستناد إلى الإلف والمشاهدة الحيوانية القاصرة، وهذه كلها وما يشبهها ليست من محجة الأدلة العقلية الثابتة، ولا من طرائق المطالب البرهانية الصحيحة.

(1)

ديوان المتنبي: ص 518.

ص: 1407

والاستدلال بمجرد النفي والاستبعاد والاستحالة ونحو ذلك، إن دل على شيء فإنّما يدل على ضعف حجة صاحبها وزيف اعتراضاته.

فإذا انضاف إلى ذلك اعتقاد بعضهم أن الأبدية للإنسان تكون عن طريق تناسخ الأرواح، تبين حينئذ مقدار ما وصلوا إليه من خرافة وجهل وضلال.

وبهذه الاعتقادات الجاهلية يتجلى لكل صاحب بصيرة أن القوم قد تركوا العروة الوثقى والحقيقة العظمى، واستندوا إلى ما ليس بمستند، وعكسوا الأمور أبشع عكس وأشنعه، وجعلوا الحقائق أباطيل والأكاذيب حقائق، وبهذا الاختيار المعكوس تأثرت عقولهم وأعمالهم، وهو أحد أسباب انصرافهم عن الالتزام بالمطالب اليقينية الضرورية مثل وجود اللَّه تعالى والنبوات والمعاد.

وتعبيراتهم عن عقيدتهم بأبدية الدنيا أو بعض ما فيها أو القول بتناسخ الأرواح، تعبيرات كثيرة كلها تدل على أنهم على ملة غير ملة الإسلام، ومن ذلك قول إحسان عباس في شرحه لنظرية الزمن عند أصحاب الشعر العربي المعاصر، وذلك في سياق مقارنة بين المفهوم الإسلامي للزمان والمفهوم الحداثي، مما يدل بجلاء على أن هذا الناقد الحداثي -غير المتهم في ولائه للحداثة- يفرق بين الاتجاهين في قضايا كثيرة منها قضية الزمان هذه، حيث قال:(. . . يُمكن القول أن الحضارة الإسلامية -حسب تصوري- كانت ترى الزمن دورات -محدودة الأمد- يتخللهما نظرة رجوعية إلى الماضي، بينما تذهب الحضارة الأوروبية إلى أن الزمن تيار مستمر، وخاصة منذ أن ارتبطت في القرن التاسع عشر بفكرة التقدم أو التطور التي تعني استمرار السير قدمًا دون معوقات من النظرة إلى الوراء، فإذا تحدثنا عن التطور أو التحول فإنّما نستعير تصور الحضارة الأوروبية للزمن)

(1)

.

(1)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 68.

ص: 1408

إن فهم هذه القضية الجوهرية التي تحدث عنها إحسان عباس يوصلنا إلى فهم كثير من القضايا الاعتقادية في المضامين والأشكال والمبني والمعنى عند أصحاب الاتجاه الحداثي.

فالزمن في هذه الحياة الدنيا في التصور الإسلامي مخلوق من مخلوقات اللَّه تعالى له صفات المخلوق، فهو مُوجد من عدم، وله بداية ابتدأ بها بأمر اللَّه تعالى، وله نهاية ينتهي إليها، والزمن ليس محصورًا في هذه الحياة الدنيا، بل هناك زمن آخر وحياة أخرى الزمن فيها دائم غير منقطع.

أمَّا الزمن عند الجاهلي القديم أو المعاصر فإنه موجود بذاته ومستمر بلا نهاية، وهو محصور عندهم في هذه الحياة الدنيوية.

وقد أخبر اللَّه تعالى عن عقيدتهم هذه في آيات عديدة منها قوله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)}

(1)

.

وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26)

(1)

الآيات 33 - 37 من سورة المؤمنون.

ص: 1409

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)}

(1)

.

ولكي نتبين الفرق في قضية الزمن والحياة بين المنظور الإيماني والمنظور الجاهلي ننقل قول سيد قطب -رحمه اللَّه تعالى- في هذه القضية حيث قال: (وقضية البعث والحساب والجزاء في الدار الآخرة من قضايا العقيدة الأساسية التي جاء بها الإسلام، والتي يقوم عليها بناء هذه العقيدة بعد قضية وحدانية الألوهية، والتي لا يقوم هذا الدين -عقيدة وتصورًا وخلقًا وسلوكًا وشريعة ونظامًا- إلّا عليها وبها. . .

فالحياة -في التصور الإسلامي- ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد، وليس هي هذه الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس، كما أنها ليست هي هذه الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا.

إن الحياة -في التصور الإسلامي- تمتد طولًا في الزمان وتمتد عرضًا في الآفاق، وتمتد عمقًا في العوالم، وتمتد تنوعًا في الحقيقة عن تلك الفترة التي يراها ويظنها ويتذوقها من يغفلون الحياة الآخرة من حسابهم ولا يؤمنون بها.

إن الحياة -في التصور الإسلامي- تمتد في الزمان، فتشمل هذه الفترة المشهودة -فترة الحياة الدنيا- وفترة الحياة الأخرى التي لا يعلم مداها إلّا اللَّه، والتي تعد فترة الحياة الدنيا بالقياس إليها ساعة من نهار، وتمتد في المكان، فتضيف إلى هذه الأرض التي يعيش عليها البشر، دارًا أخرى: جنة عرضها كعرض السموات والأرض، ونارًا تسع الكثرة من جميع الأجيال التي عمرت وجه الأرض ملايين الملايين من السنين.

وتمتد في العوالم، فتشمل هذا الوجود إلى وجود مغيب لا يعلم حقيقته كلها إلّا اللَّه، ولا نعلم نحن عنه إلّا ما أخبرنا به اللَّه، وجود يبدأ

(1)

الآيات 23 - 27 من سورة الجاثية.

ص: 1410

من لحظة الموت، وينتهي في الدار الآخرة، وعالم الموت وعالم الآخرة كلاهما من غيب اللَّه، وكلاهما يمتد فيه الوجود الإنساني في صور لا يعلمها إلّا اللَّه.

وتمتد الحياة في حقيقتها، فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا، إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الأخرى. . في الجنة وفي النار سواء. . وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليست من مذاقات هذه الحياة الدنيا. . ولا تساوي الدنيا -بالقياس إليها- جناح بعوضة.

والشخصية الإنسانية -في التصور الإسلامي- يمتد وجودها في هذه الأبعاد من الزمان، وفي هذه الآفاق من المكان، وفي هذه الأعماق والمستويات من العوالم والحيوات. . ويتسع تصورها للوجود كله، وتصويرها للوجود الإنساني، ويتعمق تذوقها للحياة، وتكبر اهتماماتها وتعلقاتها وقيمها، يمتد ذلك الامتداد في الأبعاد والآفاق والأعماق والمستويات. . بينما أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة، يتضاءل تصورهم للوجود الكوني، وتصورهم للوجود الإنساني، وهم يحشرون أنفسهم وتصوراتهم وقيمهم وصراعهم في ذلك الجحر الضيق الصغير الضئيل من هذه الحياة الدنيا.

ومن هذا الاختلاف في التصور يبدأ الاختلاف في القيم، ويبدأ الاختلاف في النظم. . . ويتجلى كيف أن هذا الدين منهج حياة متكامل متناسق، وتبيين قيمة الحياة الآخرة في بنائه: تصورًا واعتقادًا، وخلقًا وسلوكًا وشريعة ونظامًا.

إن إنسانًا يعيش في هذا المدى المتطاول من الزمان والمكان والعوالم والمذاقات، غير إنسان يعيش في ذلك الجحر الضيق ويصارع الآخرين عليه، بلا انتظار لعوض عما يفوته، ولا الجزاء عما يفعله وما يفعل به. . إلّا في هذه الأرض ومن هؤلاء الناس.

إن اتساع التصور وعمقه وتنوعه ينشيء سعة في النفس وكبرًا في الاهتمامات ورفعة في المشاعر، ينشأ عنها هي بذاتها خلق وسلوك، غير

ص: 1411

خلق الذين يعيشون في الجحور وسلوكهم، فإذا أضيف إلى سعة التصور وعمقه وتنوعه، طبيعة هذا التصور، والاعتقاد في عدل الجزاء في الدار الآخرة، وفي ضخامة العوض عما يفوت ونفاسته، استعدت النفس للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذين تعلم أنه من أمر اللَّه، وأنه مناط العوض والجزاء، وصلح خلق الفرد واستقام سلوكه -متى استيقن من الآخرة كما هي فى التصور الإسلامي- وصلحت الأوضاع والأنظمة، التي لا يتركها الأفراد تسؤ وتنحرف، وهي يعلمون أن سكوتهم على فسادها لا يحرمهم صلاح الحياة الدنيا وحدها وخيراتها ولكنه يحرمهم كذلك العوض في الآخرة، فيخسرون الدنيا والآخرة)

(1)

.

أين هذا التصور الشامل العميق من التصور الذي تحدث عنه إحسان عباس، في حديثه عن الموقف من الزمن؟.

فإنه إضافة إلى ارتمائه خلف المفهوم الجاهلي للزمن، افترى على التصور الإسلامي، حين صوره بتلك الصورة المقتبسة من التصور الغربي للدين، وهو تصور يقوم على خلفيات تاريخية وصراعات فكرية وانحرافات كنيسية، أدت إلى هذه النتائج!!.

وفي غمرة الاستلاب والغزو الثقافي والجهل الاعتقادي أخذ أبناء المسلمين هذه التصورات الغربية عن الدين فطبقوها -بتبعية حمقاء- على دين الإسلام.

وما قول إحسان عباس عن الزمن في الحضارة الإسلامية وأنه عبارة عن دورات محدودة الأمد يتخللها نظرة رجوعية إلى الماضي، إلّا أحد الأمثلة على التقليد والمحاكاة لأفكار الغرب وعقائده وتصوراته.

ولو كان الرجل متحرر الفكر كما يدعي لما استأسر لهذه المقررات الغربية وانقاد لها انقياد التابع الضعيف، وليس هذا خاصًا به بل كل أتباع المنهج العلماني والحداثي على هذا المنوال.

(1)

في ظلال القرآن 2/ 1068 - 1069.

ص: 1412

لقد حاول إحسان عباس في دراسته للزمن أن يضفي على الاتجاه الحداثي صفات التحضر والتقدم والاستمرار، بيد أنه لم يخرج في كل ذلك عن المنظور المادي لمفاهيم التحضر والديمومة، في الوقت الذي حاول أن يضفي فيه صفات البدائية والتخلف والرجعية على ما ظنه المنظور الإسلامي للزمن، ففي توطئته لهذه القضية قدم بكلام يدل على هذا الموقف، يقول: (إن هناك فرقًا في تصور الزمن بين الجماعات البدائية وبين الجماعات التي تعيش في ظل الحضارة، فالزمن للبدائي "فيولوجي" أو شعائري، أي أنه ربّما كان منعدمًا، أمَّا الزمن بالنسبة للمتحضر فإنه "تاريخي"؛ لأنه شيء يُمكن قياسه والتعامل معه.

إن هناك فرقًا في تصور الزمن بين الحضارات القديمة والحضارة الأوروبية الحديثية، فالحضارات القديمة تستطيع التغاضي عن الزمن، بينما تصر الحضارة الأوروبية على وجوده، وتربط الثقافة والحياة ربطًا محكمًا به)

(1)

. ثم يخلص من هذه المقدمات إلى الكلام عن الزمن في الحضارة الإسلامية وهو القول الذي سبق نقله.

وإذا ما قارنا بين هذا الفهم السطحي للزمن والفهم العميق الذي أشار سيد قطب إلى شيء منه في النص السابق، يبين لنا مدى الجناية التي جناها إحسان عباس على نفسه بقبوله بهذه التعمية الفكرية واستخذائه أمام هذا القول التقريري الخالي من الدليل والبرهان، والمفتقر إلى أدنى نظر وتأمل في نصوص الكتاب العظيم والسنة المطهرة، التي كان الحديث فيها عن الزمن والعصر والحياة الدنيا والآخرة من أوسع الحديث وأشمله وأعمقه وأدقه وأصوبه.

والذين يفترون على عقيدة المسلمين بجهل أو بتجاهل إنما يعبرون عن بعض آفاتهم العقلية.

إن إحسان عباس يعد الزمن في الاعتبار الديني "شعائريًا" وهذا يقتضي

(1)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 67 - 68.

ص: 1413

عنده أن يكون "ميثولوجيًا"

(1)

أسطوريًا أو منعدمًا، وفي هذا القول عدة مآخذ منها:

1 -

إن الزمن في المفهوم الإسلامي وإن ارتبط بشعائر العبادة من صلاة وصوم وحج وغير ذلك من مواقيت العبادات فإنه لا يقتضي أن يوصف بأنه شعائري، ولا يقتضي أن يكون إذا وصف بالشعائري أن يكون بدائيًا، كما تتخيله العقلية المادية الغربية الجاهلية.

2 -

لا وجه للربط بين لفظ "شعائري" وأسطوري إلّا في المفهوم الجاهلي الغربي، الذي جعل الإلحاد إطارًا لفكره وفنه وآدابه، واقتضى ذلك، منه أن يكون الدين السماوي -أيًا كان هذا الدين- في دائرة "الميث" أو الأسطورة.

وإحسان عباس وغيره من الحداثيين في هذا المرض المادي يتخبطون ويقولون ما لا يعملون، ويهرفون بما لا يعرفون.

3 -

وصف الزمن عند البدائيين -حسب تعبيره- بأنه منعدم، ويريد بالبدائيين، كل من عدا الأوربيين، وفي طليعة البدائيين حسب سياقه، وحسب موضوع الكتاب هم أصحاب العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان.

ولم يبين إحسان عباس مراده بانعدام الزمان عند البدائيين!!.

فإن كان مراده بالزمن هذه الحياة الدنيا فلاشك أن الزمن فيها مخلوق من عدم، وزائل بيوم القيامة، التي يصبح فيها الزمان غير الزمان والحال غير الحال، وهذا هو مفرق الطريق بين عقيدة المؤمنين باللَّه تعالى وعقيدة الدهريين والماديين الذين يقولون باستمرار الزمان الدنيوي وديمومته.

وإن كان مراده بالزمن مطلق الزمان في الدنيا أو في الآخرة فإنه يكون بتوصيفه هذا قد كذب على أهل الإسلام بل وعلى غيرهم من أصحاب

(1)

انظر: ما سبق عن الميثولوجيا.

ص: 1414

الأديان السماوية الذي يعتقدون أن الزمن في الاخرة غير منعدم ولا منقطع.

وعلى كلا الاعتبارين يظل إحسان عباس وهو من المعتدلين في الحداثة كما يصورهم بعضهم!! يظل مرتبطًا بالمفهوم المادي الغربي ومنصبغًا بصبغته.

وهذا الصنيع نفسه يمارسه جابر عصفور في مقاله الهجائي "إسلام النفط" حين يتحدث عن الزمن في المفهوم السني الاتباعي، من منظورٍ علماني مادي متطرف، فيصور أن الزمن عبارة عن خط دائري منحنٍ هابط، في حين أن الزمن في المنظور الحداثي حركة تصاعدية راقية، وهي المفاهيم عينها التي أشار إليها إحسان عباس فيما نقلناه عنه آنفًا.

يقول جابر عصفور بعد أن ساق جملة من الأحاديث والآثار الأمرة بالاتباع والناهية عن الابتداع: (أمَّا المقولة الخاصة بالزمن فتقودنا إلى مفهوم التاريخ الذي يرتد إلى أصله، بالمعنى الذي يوقع التصور الخطي الأفقي للزمن على تصوره الدائري، حيث يتحول الزمن إلى حركة متكررة، ثابتة، تقع على نقاط خط منحدر، هابط، بدايته الايجاب المحض ونهايته السلب المطلق، فلا يغدو التاريخ حركة صاعدة توازي ارتقاء الإنسان وتطور وعيه الموازي لتطور فعله الصاعد على سلم التقدم درجة درجة، مع التراكم الكمي والكيفي للمعرفة التي يصوغها، والأفعال التي يصنعها بل يغدو ينحط دائمًا كلها مضينا صوب المستقبل، وباعدنا عن الماضي الأول الذي هو نقطة البداية والمنهج والأصل والمثال)

(1)

.

ثم ينقل كلامًا لصنوه في المادية أدونيس، ثم كلامًا للشاطبي رحمه الله عن رسوخ علم السلف ثم يعقب عليه قائلًا: (وهي مقولة تبرر ثلاثية النقل والاتباع والتقليد، فما دام التاريخ منحدرًا والمعرفة هابطة، فالابتعاد عن الأصل يرادف السقوط المنحدر، على سلم المعرفة والقيمة،

(1)

الإسلام والحداثة: ص 181.

ص: 1415

ولا نجاة إلّا بالعودة إلى الأصل اتباعًا، وتصديق كل ما يصدر عنه تقليدًا والالتزام بما يروى عنه نقلًا. . .)

(1)

.

وهكذا نرى وشائج الترابط المادي بين الإيماء بجحد وجود اللَّه -تعالى- وجحد أحقيته في العبادة والحكم والأمر والطاعة والاتباع، والتصريح بأن ذلك هو أساس التصور للزمن المنحدر أو للخط الأفقي الدائري الهابط، وهي عبارة أخرى مكررة المعنى للرجعية والتخلف وغيرها من عبارات الشتائم الماركسية والوجودية، ثم يصل في الأخير إلى أن النقل والاتباع والتقليد هي أصول هذا التخلف، ومراده في كل ذلك نسف أصول الإسلام من خلال مغالطات كلامية وسفسطات لفظية ليس لها في ميدان العقل والبرهان رأس ولا قدم.

وليس المقام هنا مقام الرد على هذه الأخلاط الحداثية، إذ الكلام عن الزمن في المفهوم العلماني المادي، وهو المفهوم القائم على التشبث بالدنيا والبقاء فيها، واعتقاد أبديتها، واستمراريتها وتجددها دائمًا من غير انقطاع ولا زوال.

وهو الاعتقاد الذي سوغ لهم القول بحتمية التطور والتجدد في الحياة وأعمال الإنسان ومناشطه وإبداعاته ومخترعاته ومكتشفاته.

وهي الحتمية التي قامت أصلًا على خرافة دارون المسماة نظرية النشوء والارتقاء.

فهذه حلقات سلاسل الجهالة الحداثية القائلة بأبدية الدنيا ودوام الدهر واستمرار الزمان، وسرمدية العالم وأبدية الحياة الدنيوية

(2)

.

أمَّا كلام جابر عصفور حول النقل والاتباع والتقليد أنها سبب الانحدار والتخلف فيرد عليه بأن هذه دعوى باطلة وحجة داحضة وافتراء على الحقيقة، ويُمكن أن يقال له من جنس قوله ولكن بالحق والصدق لا بالكذب والافتراء.

(1)

الإسلام والحداثة: ص 181.

(2)

انظر: تفصيل الرد على هذه الافتراءات في كتاب نقض أوهام المادية الجدلية: ص 116 - 135.

ص: 1416

إن الذي تقوم به أنت وأشباهك في بلاد المسلمين لا يتجاوز حدود النقل والاتباع والتقليد، النقل عن الغربيين نقلًا حرفيًا في أكثر الأحيان، ونقلًا فكريًا واعتقاديًا في كل الأحيان، والاتباع الذي يستند إلى مقولات خائفة منهزمة، تتمثل في أن الغرب متقدم ماديًا فلابد أن يكون متقدمًا فكريًا واعتقاديًا وسلوكيًا، فلابد من اتباعه في أفكاره وعقائده وأخلاقه لتنال ما نال من تقدم!!.

والتقليد والمحاكاة التي ظهرت في المذاهب الأدبية والعبارات الشعرية والمدارس النقدية والمناهج الفكرية بل وحتى في الشكل والهيئة واللباس والزي.

إنها حالات انصهار كامل وامحاء تام يمارسه هؤلاء باسم التحديث والتقدم والحرية الفكرية، ثم يحلو لهم بعد ذلك القول بأنهم أصحاب تفكير مستقل، ونظرة حيادية، وموضوعية فكرية!!.

إن ثلاثية النقل والاتباع والتقليد الحداثي الذي غرق فيه هؤلاء، وتشبعوا به غاية التشبع، لا تتيح لهم أدنى مجال للنظر والتأمل في ما عند خصومهم من أهل الإيمان والإسلام من حق وبرهان ويقين وسلطان.

بل انعكست عقولهم غاية الانعكاس، وتدهورت أفهامهم إلى النهاية حين آمنوا بالخرافة وجحدوا الحق، وأيقنوا بالمحالات وأنكروا اليقين، واستسلموا للشبهات وفروا من البراهين، واتبعوا الباطل، وابتعدوا عن الحق:{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ}

(1)

.

إن الزمن اللانهائي حسب تعبير إحسان عباس

(2)

والزمن المتقدم باطراد حسب رأي جابر عصفور

(3)

ليست سوى صور تعبيرية جديدة لمذهب الدهرية القديم، أضاف إليه هؤلاء تفسيرات إلحادية من نوع قول جابر

(1)

الآية 18 من سورة الحج.

(2)

انظر: اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 68.

(3)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 181 - 182.

ص: 1417

عصفور أن مقولة الزمن عند المسلمين مرتبطة بالجبر وبقضية العلة والمعلول، وكلا الأمرين يجعلان الزمن يسقط نفسه ميتافيزيقيًا على الإنسان، حتى تصبح حركة الزمن في المفهوم الإسلام -في نظره- أشبه بمحلك لسر، والزمن بهذا المفهوم والقدر والجبر الميتافيزيقي كلها تنحدر بحركة الإنسان سلبًا نحو الأسفل

(1)

.

إلى آخر خرافاته الجاهلية التي تأبى عليه إلّا قلب الحقائق وإنكار اليقينيات واتباع الظن وما تهواه الأنفس، على طريقة أهل الجاهلية الأولى، الذين يعتبر هؤلاء من أبرز وراثها وأشهر أتباعها في هذه الأزمان.

يقول سيد قطب -رحمه اللَّه تعالى-: (والذين يفترون على عقيدة الحياة الآخرة فيقولون: إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا، وإلى إهمال هذه الحياة، وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها، وإلى تركها للطغاة والمفسدين، تطلعًا إلى نعيم الآخرة، الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة! فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة -كما هي في التصورات الكنيسية المنحرفة- وعقيدة الآخرة كما هي في دين اللَّه القويم. . فالدنيا -في التصور الإسلامي- هي مزرعة الآخرة، والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه الحياة، ورفع الشر والفساد عنها، ورد الاعتداء عن سلطان اللَّه فيها، ودفع الطواغيت وتحقيق العدل والخير للناس جميعًا. . كل أولئك هو زاد الآخرة، وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة، ويعوضهم عما فقدوا في صراع الباطل، وما أصابهم من الأذى. . فكيف يتفق لعقيدة هذه تصوراتها أن يدع أهلها الحياة تركد وتأسن أو تفسد وتختل، أو يشيع فيها الظلم والطغيان، أو تتخلف في الصلاح والعمران. . وهم يرجون الآخرة، وينتظرون فيها الجزاء من اللَّه؟.

إن الناس إذا كانوا في فترات من الزمان يعيشون سلبيين، ويدعون الفساد والشر والظلم والطغيان والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا -مع

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 182.

ص: 1418

ادعائهم الإسلام- فإنّما هم يصنعون ذلك كله أو بعضه؛ لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف؛ ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين، ويستيقنون من لقاء اللَّه في الآخرة، فما يستيقن أحد من لقاء اللَّه في الآخرة، وهو يعي حقيقة هذا الدين، ثم يعيش في هذه الحياة سلبيًا أو متخلفًا، أو راضيًا بالشر والفساد والطغيان)

(1)

.

وفي هذا رد على الافتراء الجاهلي الحداثي الذي ردده إحسان عباس وجابر عصفور وغيرهما ممن انطمست بصائرهم وغطت شبهات الجاهلية المعاصرة على عقولهم، فأصبحت لا تتسع تصوراتهم وعقولهم وقلوبهم لليقين بحياة خلف هذه الحياة الزائلة (وكان العرب في جاهليتهم -وبسبب من هذه الجاهلية- لا تتسع آفاقهم التصورية والشعورية والفكرية للاعتقاد في حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا، ولا في عالم غير هذا العالم الحاضر، ولا في امتداد الذات الإنسانية إلى آماد وآفاق وأعماق غير هذه الآماد المحسوسة. . مشاعر وتصورات أشبه شيء بمشاعر الحيوان وتصوراتهم. . شأنهم في هذا شأن الجاهلية الحاضرة "العلمية" كما يصر أهلها على تسميتها!.

"وقالوا: إن هي إلّا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين" وكان اللَّه -سبحانه- يعلم أن الاعتقاد على هذا النحو يستحيل أن تنشأ في ظله حياة إنسانية رفيعة كريمة. . هذه الآفاق الضيقة في الشعور والتصور التي تلصق الإنسان بالأرض، وتلصق تصوره بالمحسوس منها كالبهيمة. . وهذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان، التي تطلق السعار في النفس، والتكالب على المتاع المحدود، والعبودية لهذا المتاع الصغير، كما تطلق الشهوات من عقالها تعربد وحدها بلا كابح، ولا هدنة، ولا أمل في عوض، إن لم تقض هذه الشهوات الهابطة الصمغيرة، التي لا تكاد تبلغ نزوات البهيمة! وهذه الأوضاع، التي تنشأ في الأرض منظورًا فيها إلى هذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان، بلا عدل ولا رحمة، ولا قسط ولا ميزان. . . إلّا أن يصارع الأفراد بعضهم بعضًا، وتصارع الطبقات بعضها بعضًا، وتصارع الأجناس بعضها بعضًا. . . وينطلق

(1)

في ظلال القرآن 2/ 1070.

ص: 1419

الكل في الغابة انطلاقًا لا يرتفع كثيرًا على انطلاق الوحوش والغيلان! كما نشهد اليوم في عالم "الحضارة" في كل مكان. . كان اللَّه -سبحانه- يعلم هذا كله، ويعلم أن الأمة التي قدر أن يعطيها مهمة الإشراف على الحياة البشرية، وقيادتها إلى القمة السامقة التي يريد أن تتجلى فيها كرامة الإنسانية في صورة واقعية. . أن هذه الأمة لا يُمكن أن تؤدي واجبها هذا إلّا بأن تخرج بتصوراتها وقيمها من ذلك الجحر الضيق إلى تلك الآفاق والآماد الواسعة. . من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة. . أولًا لأنها حقيقة، واللَّه يقص الحق، وثانيًا لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان: تصورًا واعتقادًا، وخلقًا وسلوكًا وشريعة ونظامًا)

(1)

.

من هنا يُمكن أن نتبين الفرق الهائل والبون الشاسع بين عقيدة أهل الإسلام وعقيدة أهل الإلحاد والمادية، فرق في التصور والشعور والفكر والاعتقاد والأعمال والعلاقات والمناشط، فرق بين حياة الإنسان المكرم والحيوان المهان، وفرق بين التصور القائم على الحق واليقين والموصل إلى الخير والصلاح، والتصور القائم على الجحد والنكران والموصل إلى الخسارة والضياع.

وإذا أردنا تصور بعض تفاصيل هذا الفرق بين التصورين فلنقرأ التحليل النقدي الحداثي الذي صاغه إحسان عباس في القصل المسمى "الموقف من الزمن" سواء في المقدمة التي قدم بها ونقلنا مقاطع منها أو في الدراسة التي أجراها لقصيدة "نهر الرماد" لخليل حاوي ولقصيدة "في المغرب العربي" للسياب، ولمقاطع لنازك الملائكة التي يرى إحسان عباس أنها في كلامها:(تنتقل من الفكرة الميتافيزيقية للزمن)

(2)

، وأن (. . . الأمس في شعر نازك -في أغلب المواقف- ميت "جثة الماضي الغريق"، لا يُمكن إحياؤه أو بعثه)

(3)

.

(1)

المصدر السابق 2/ 1070 - 1071.

(2)

اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 75.

(3)

المصدر السابق: ص 76.

ص: 1420

ثم لمقاطع من كلام أدونيس التي يرى إحسان عباس أن شخصياته التي وظفها في شعره شخصيات خالدة لا تفنى ولا تتبدل، تستعصي على الموت، ويضرب لذلك مثالًا بزيد بن الحسين ومهيار

(1)

، ويلخص إحسان عباس عقيدة أدونيس الدهرية في قوله:(ليس للزمن وجود ذاتي متميز عند أدونيس، وإنّما هو مجال، ساحة لدينامية الإنسان امتداد. . . إنه لا يحاول أن يرى سوى الصيرورة المستمرة وحياة التحولات في أقاليم الليل والنهار، إن أدونيس لا يبحث زمنًا ضائعًا. . . وإنّما يلاحق زمنًا لم يولد بعد، بل إن قولنا: لم يولد بعد مجاز؛ لأن الإنسان متحد به، وهو في صيرورته المستمرة يرسم له أبعاده)

(2)

.

ثم يشخص هذا التصور عند أدونيس في "مهيار" الذي يرى إحسان عباس أنه قد أصبح عند أدونيس "إلهًا" له قدرة على توجيه الحياة الإنسانية، وتكييف الإنسان بقدرة يسميها الناس خارقة

(3)

.

ويلخص إحسان عباس دراسته للزمن عند هؤلاء وغيرهم في الفرق بين الزمن الرومنطيقي الخالص وأحيانًا الميتافيزيقي كما هو الحال عند نازك والسياب، وبين زمن قائم على الصيرورة المستمرة، يفعل فيه الإنسان ويتفاعل به

(4)

.

هذه الملخصات الاعتقادية التي حشدها إحسان عباس واستشهد لها من كلام كبار رؤوس الحداثة تدلنا بجلاء على مدى التباين بين عقيدة الإسلام نحو الزمان في الدنيا والآخرة، وعقيدة الحداثة نحو الزمان الدنيوي السرمدي المتواصل المتحول الذي لا ينتهي مطلقًا!! وهي العقيدة التي أوصلتهم في ختام الأمر إلى هذا التلبط الهابط بالدنيا وما فيها، وهذا الارتكاس الأهوج في الأعمال والسلوك والأخلاق، لقد أصبحوا بهذه العقيدة الباطلة سجناء

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 81.

(2)

المصدر السابق: ص 81 - 82.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 82.

(4)

المصدر السابق: ص 87.

ص: 1421

سجن متعدد الجدران، ابتداء بهذه الجبرية المادية التي وضعوها في عقولهم، ومرورًا بالحتميات المادية فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو طبقية، وانتهاء بسجون النظم والمذاهب والشهوات والشبهات، فهم في غيهم يضطربون وفي ظلامهم يعمهون {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)}

(1)

.

وأدلة هذه الظلمات التي يعيشونها ويقولونها كثيرة في أعمالهم، وهنا سوف أسرد جملة من الشواهد على زعمهم أبدية الدنيا أو بعض ما فيها، فمن ذلك قول أدونيس الذي نقلناه آنفًا حيث جعل من عيوب المجتمع العربي الإيمان بالآخرة لا بالدنيا

(2)

، وجعل من عيوب التراث امتلاؤه وارتباطه بالإيمان بالآخرة

(3)

.

وله في هذا الإطار إيماءات عديدة منها المقاطع التي سماها "قصائد لا تنتهي"

(4)

وهو تعبير يتفق مع عقيدة اللادينية الدنيوية، حيث يتضمن هذا التعبير الوهم القائل بخلود الشعر الحديث والشاعر الحداثي، خاصة إذا أخذ في سياق عقيدته الجاحدة للآخرة والمؤمنة بالدنيا فحسب.

ومن تعبيراته الدنيوية الدهرية قوله تحت عنوان "مزامير الإله الضائع":

(هذا الجسد

سحر أغوى الأرض

(1)

الآيتان 39 - 40 من سورة النور.

(2)

انظر: زمن الشعر: ص 67.

(3)

انظر: المصدر السابق: ص 277.

(4)

الأعمال الشعرية الكاملة 1/ 65.

ص: 1422

ألا ترضى

ولهيب تشه لا يبترد

من أطفال الجسد الأبد

فيه نغرس، فيه نقطف

فيه ما لا يعرف، يعرف)

(1)

.

ومن هذا النمط الجاهلي الهابط المنحدر قول يوسف الخال: (وإذا فقد الإنسان سندًا له في نظام "إلهي" أبدي، يرئسه

(2)

إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لاستئناف لأحكامه إلى سلطة عليا)

(3)

.

وقوله:

(. . . والربيع مقبل

لابد مقبل

من الحقول والقبور مقبل

فالموت والحياة واحد

والأرض وحدها البقاء)

(4)

.

وقوله:

(هذه الهنيهة التي نعبثها

هي الحياة كلها

(1)

المصدر السابق 1/ 213.

(2)

هكذا والصواب: يرأسه.

(3)

نحو أدب عربي حديث مقال في مجلة أدب، المجلد الثاني، العدد الأول شتاء 1963 م/ 1382 هـ: ص 9.

(4)

الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص 213.

ص: 1423

هي الأنا والأنت يا حبيبتي

وما الوراء إلا ظلمة

كالموت، كالإله لا نعرفها)

(1)

.

وقوله:

(أنا خالد فكيف تريدني أن أتبع؟)

(2)

.

ومن هذا القبيل قول البياتي الماركسي المتعصب:

(سيدتي، لم تؤمن، حتى الآن بأن الأرض تدور

وبأنا ذرات، لا تفنى، سابحة في النور)

(3)

.

أمَّا الشيوعي الفلسطيني والحداثي الشهير: سميح القاسم فإنه يصرح باعتقاده الدهري في قوله:

(سل جدك المحدودب الأعمى

وسل أبويك، هدهما العذاب وقوست ظهريهما

عجلات شيء واسمه الدهر

الذي لا ينتهي)

(4)

.

وفي موضع آخر يتبجح بإلحاده مفاخرًا بالشيوعية التي يعدها نهارًا وتقدمًا، ويعد الإسلام والإيمان بالآخرة تخلفًا ورجعية وليلًا دامسًا وانغلاقًا، في سياق مادي يقدس الإنسان ومشيئته التي -يراها حسب منظوره الجاهلي

(1)

المصدر السابق: ص 252.

(2)

المصدر السابق: ص 285.

(3)

ديوان البياتي 2/ 435.

(4)

ديوان سميح القاسم: ص 307.

ص: 1424

- أنها لا تهزم ولا تذوي ولا تهرم، والتي من أجلها يكره الآخرة -إن كان يؤمن بالآخرة-، ويعشق الدنيا والحياة فيها، على سنن الدهريين من قديم الزمان إلى اليوم، كل ذلك في قوله:

(وما لليل لا يفهم

بأن الشمس لا تلجم

وأن المارد الجبار سوف يهشم القمم

(1)

وما لنبوخذ المأفون لا يقنع

بأن جذورنا في الأرض راسخة. . ولن تقلع

وأن مشيئة الإنسان لا تذوي. . ولا تهرم

واني أكره الأخرى

وأعشق أعشق الدنيا

وإني شئت أن أحيا! وأن أحيا!)

(2)

.

قال اللَّه تعالى {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8)}

(3)

.

وقال تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)}

(4)

.

(1)

هكذا في المطبوع ولعل مراده القمقم.

(2)

المصدر السابق: ص 589.

(3)

الآيتان 7 - 8 من سورة يونس.

(4)

الآية 212 من سورة البقرة.

ص: 1425

ويلخص الملحد علاء حامد آراء أساتذته وأقرانه من الحداثيين في روايته مسافة في عقل رجل، فيقول بعد أن يجحد وجود الجنة والنار، وأن ما ذكر عنها لم يعد يهتز وجدان الإنسان العصري (لأن تلك الجنة لم تعد تغريه ولا النار ترتعد منها فرائصه، إئما أصبح الحديث عن أي منهما في إحدى دور العبادة ومضة برق سرعان ما تختفي وسط شواغل الإنسان اليومية.

لم يعد هذا مقنعًا في عصر أصبح العقل فيه سيد الموقف لذلك لم تبقى

(1)

أمام اقناع الإنسان سوى طريق واحد، وعد في جنة أرضية واقعية يقطف ثمارها وهو حي يرزق، واحة سلام يجد فيها متعة الجسمية والعقلية والعاطفية، يعثر فيها على سلام نفسه المفقود، يجد ذاته من خلال البحث المضني، يرمي بأثقال الحياة التي تقيد حركة عقله وفكره، جنة يجد فيها الحب والمرح والسعادة)

(2)

.

ولا أجد أبلغ في الرد على هذه السخافات الظاهرة لكل ذي عقل من قوله تعالى: {. . . وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)}

(3)

.

وقوله -جَلَّ في عُلَاهُ-: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ

(1)

هكذا والصواب لم تبق والرواية خبيثة المعنى وركيكة المبنى مليئة بالأخطاء النحوية والإملائية مما يدل على مستوى صاحبها.

(2)

مسافة في عقل رجل: ص 7. وانظر نحو هذا في: ص 11، 18، 112.

(3)

الآيتان 2 - 3 من سورة إبراهيم.

ص: 1426

وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109)}

(1)

.

وقد يعترض معترض على هذه الطريقة في الرد على هؤلاء، ويقول بأن الأولى أن يحاكم إلى العقل والمنطق المجرد؛ لأن الملحد لا يؤمن بالدليل!!.

وأقول بأن هذا القول وأشباهه كثير عند الحداثيين وهو لا يستحق المجادلة بالحجة والدليل العقلي والحسي؛ لكونه خلوًا من البراهين والأدلة، وهو في الوقت نفسه يطفح بالدعاوي والتكذيبات والشكوك المجردة، وهذه لا تستحق نقاشًا ولا جدالًا، ثم إن من مقاصد هذا الكتاب بيان أن عقيدة الحداثيين العرب غير عقيدة الإسلام، بل هي نقيض صريح لكل الإسلام، وما علاء حامد الذي رفع الحداثيون ألوية الدفاع إلّا صورة ملخصة لآرائهم وعقائدهم، ومن لم يقل منهم يمثل أقواله فلا شك أنه يدافع عنه تحت حجة حرية الرأي والفكر، وهذا ما لم يسلم منه أي حداثي في أي بلد، وكفى بذلك إثمًا وكفرًا مبينًا، {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ}

(2)

.

ومن تلخيصات علاء حامد لعقائد الزمرة الحداثية قوله مفسرًا ظاهرة الحياة الموت: (الإنسان لا يموت بل يهدم، مثل الإنسان في هذا مثل أي صناعة تقوم على نظرية علمية، فالتلفزيون والثلاجة والمصباح الكهربائي والصاروخ كلها مخترعات تقوم على نظريات علمية. . . وما التطور الحادث في مجال المخترعات إلّا تعبيرًا عن التطور الحادث في النظرية الإنسانية، الفرق بين كلا النوعين أن تطور المخترعات من ورائه العقل البشري، أمَّا التطور الإنساني فبداخله مولد الطاقة، أي بداخله إمكانات وعوامل تطوره، فالإنسان كصناعة معقدة من اللحظة التي ينشأ فيها إلى اللحظة التي يتم فيها

(1)

الآيات 104 - 109 من سورة النحل.

(2)

الآية 22 من سورة المجادلة.

ص: 1427

هدمه هذه الصناعة تقوم على نظرية ترسم كيفية تكوينه واستمراره ثم هدمه نقولها عشرات بل مئات المرات، الإنسان لا يولد بل ينشأ، ثم الإنسان لا يموت بل يهدم؛ لأن الموت فناء، وهنا الموت تحول من مادة إلى أخرى، أي: أنه هدم. . .)

(1)

.

(لقد قلنا: إن الإنسان يهدم ولا يموت؛ لأن الهدم بقاء وتحول أمّا الموت فهو فناء، والإنسان بعد هدمه يتحول من مادة إلى مادة أخرى ولكنه لا يفنى، وقلنا إن سبب الهدم هو تغلب أسباب الهدم على أسباب البقاء، أعداد رهيبة من المكروبات تحاول هدم الجسد، وفي مقابلها جيوش من الكرات البيضاء تدافع بضراوة، الأول بكل أسلحة الدمار، والثاني بكل تحصيناته الدفاعية الذاتية والخارجية المتمثلة في العقاقير الطبية والتقدم العلمي، ويبقى الجسد أرض المعركة، والصراع بين قوى الهدم والبقاء حتى تنتصر في النهاية قوى الهدم، ليتحول بعد ذلك هذا الجسد إلى مادة أخرى، إذن فالنهاية المحتومة أن تنتصر قوى الهدم، طال الوقت أم قصر، هذه هي الحقيقة التي لا مهرب منها، وليست كما يعزوها كهان الدين لملاك الموت الذي ينتزع الروح من الجسد انتزاعًا متى حان الأجل دون أسباب، والسؤال: هل يُمكن إطالة عمر الإنسان؟ نعم بتقوية دفاعات الجسد ضد قذائف الميكروبات، بل ليس مستبعدًا أن يتقدم العلم خطوة، بل خطوات في مجال تقوية الأساس البنائي للإنسان، أي بتهجينه لنجد أمامنا إنسانًا جديدًا يعمر مئات بل آلاف السنين، وانتصار قوى الهدم ليس سوى تطبيق لنظرية العودة لنقطة البداية -إلى أن يقول: - وهذا يُكمل النظرية القائلة أن المادة لا تفنى بل تتحول، وهو الحادث أيضًا في الجسد الإنساني، فبعد هدمه لا يفنى بل يتحول، ويبدأ هذا التحول بعد الهدم مباشرة)

(2)

.

ولولا أن من مهام هذا البحث إثبات مدى الانحراف الاعتقادي فيما يسمى أدب الحداثة، لما قمت به بنقل هذا الهراء والكلام المتهافت، ومن

(1)

مسافة في عقل رجل: ص 216.

(2)

المصدر السابق: ص 217 - 218، ونحو هذا في: ص 220، 222، 224.

ص: 1428

فوائد الاطلاع عليه أن الإنسان المسلم يحمد اللَّه على نعمة الإيمان والعقل، ويسأل اللَّه العافية من أن يرد إلى أسفل سافلين كحال هؤلاء الملحدين.

ومن جنس هذا السخف الذي ردده علاء حامد ما ذكره صاحب كتاب "أحاديث عن جبران" في قوله: (إن جبران كان يعتقد بتناسخ الأرواح، فالمرء لا يزول من هذه الدنيا، بل إنه ينتقل منها إلى عدة حيوات، وقد روى لماري هاسكل عن انتقاله هو بالذات مرارًا وتكرارًا فقال: إنه عاش حياة بشرية في الماضي: مرتين في سوريا ومرة في إيطاليا وأخرى في اليونان ومرة في مصر وست مرات أو سبع في بلاد الكلدان وواحدة في كل من الهند وفارس)

(1)

.

ومن هذا أيضًا ما كتبته صاحبة كتاب "سباحة في بحيرة الشيطان" عن خرافة التقمص، في سياق المقتنع المؤمن بها

(2)

.

فواعجبًا لهؤلاء الذين جانبوا الحق والحقيقة والصدق واليقين، وأخذوا الباطل واعتنقوا الضلال والجهل والخرافة، ثم هم مع ذلك يدعون أنهم أرباب العقول وأهل الفكر.

أكاد أسخر منهم ثم تضحكني دعواهم أنهم أصحاب أفكار

(3)

.

‌ثالثًا: سخريتهم واستخفافهم باليوم الآخر. وما وراءه:

قد ذكرنا في الفصول الماضية طريقتهم في النيل من الحقائق، وأسلوبهم في زعزعة اليقينيات الثابتة من خلال استعمالهم لأسلوب السخرية والاستهزاء، وهم وإن كانوا قد رسخوا هذا الأسلوب وتوسعوا في استعماله، إلّا أنهم لم يخرجوا فيه عن أساليب الكفار البدائيين الأوائل، وقد أخبر اللَّه تعالى عن ذلك، في خصوص سخرية الذين كفروا بالمؤمنين بعقيدة اليوم الآخر فقال -جَلَّ

(1)

أحاديث عن جبران: ص 115.

(2)

انظر: كتاب "سباحة في بحيرة الشيطان" لغادة السمان.

(3)

في طريق الفجر: ص 221 لعبد اللَّه البردوني.

ص: 1429

ذكرُه-: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا}

(1)

.

لقد ابتدأ هؤلاء الجاهلون ضلالهم من ضمن ما ابتدأوا به حين اثاقلوا إلى الأرض بأعراضها الزهيدة واهتماماتها الصغيرة، فوقفوا عندها لا يتجاوزونها ولا يمدون بأبصارهم إلى شيء وراء هذا المتاع الزائل، ولا يعرفون شيئًا غير هذه الحياة الحسية، ولا يعترفون بقيم غير تلك القيم التي تفرضها شهوات الدنيا وأهلها، ومن كان هذا حاله فلا يمكن أن يسمو تصوره أو ترتقي اهتماماته أو ترتفع غاياته عن هذه السفوح الهابطة، ولا يُمكن أن يصل ببصيرته إلى تلك الآفاق الإيمانية التي يعيش المؤمن بها ومعها في هذه الحياة العاجلة.

ومع كل ذلك فإننا نجد هؤلاء الصغار، المهازيل في أفكارهم وعقائدهم وتصوراتهم وطموحاتهم، نجدهم يسخرون من الذين آمنوا باللَّه واليوم الآخر، ينظرون بازدراء واحتقار إلى من هم أجل منهم وأعظم وأشرف وأكرم، ينظر الغارقون في وحول المادية والمستعبدون للأرض والحياة الدنيوية، إلى الذين آمنوا فيسخرون منهم، ومن إيمانهم وعقائدهم وتصوراتهم وأعمالهم؛ لأن الميزان الذي يزن به الكافرون الأعمال والقيم والعقائد هو ميزان الحس والمادة، ميزان الطين والأرض والشهوة، ميزان الجاهلية والضلالة، فلا غرو أن يكون حكمهم مترعًا بمقتضيات هذه الأعراض والأوصاف والأحوال، ألم يكن أسلافهم على خطتهم الساخرة حين مروا على نوح عليه الصلاة والسلام وهو يصنع الفلك؟ لقد كانت موازينهم الدنيوية ومعاييرهم الجاهلية تؤزهم إلى السخرية من هذا النبي الذي توعدهم بالطوفان، ولكنهم بسبب ماديتهم وحيوانيتهم وجاهليتهم لا يرون في الفلك المصنوع على اليابسة إلّا محل تندر وسخرية وضحك واستهزاء، ولكن نوح عليه الصلاة والسلام قال لهم بلسان الموقن المستبصر العاقل العالم {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38)}

(2)

.

(1)

الآية 212 من سورة البقرة.

(2)

الآية 38 من سورة هود.

ص: 1430

إنهم يملكون في أيديهم ميزان الحق والبصيرة، ويعلمون الحقيقة كما هي عليه من غير غبش ولا لبس، فليمضوا في طريقهم لا يحفلون بسفاهة السفهاء، وسخرية الساخرين، واستهزاء الجاحدين، إنهم أعلى منهم في هذه الدنيا وفي الآخرة كما هو الواقع الذي أخبر اللَّه عنه في قوله تعالى:{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)}

(1)

.

وكما أخبر سبحانه وتعالى في شأن سخريتهم بعقيدة اليوم الآخر: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)}

(2)

.

وإذا ذهبنا إلى تتبع أقوال أهل الأدب الحديث الذي سخروا فيها من هذا الركن العظيم من أركان الإيمان، فإننا نجد الكثير من غثائهم وسفاهاتهم الدالة على مناقضتهم الكاملة لملة الإسلام، وحربهم المستعرة لعقائده وأركانه وأصوله وسائر قضاياه.

ومن ذلك قول الباطني النصيري الملحد أدونيس: (ضال ضال لن أعود، السقوط حالتي وشرطي، الجنة نقيضي)

(3)

.

ويكفيك من شر سماعه!! هذا هو إمام أهل الحداثة العربية، وهذا نعته لنفسه، فما بال الفارغين الساقطين يذعون أنهم باتباعهم له ومحاكاتهم له ودفاعهم عنه يمارسون الحق والتقدم والصعود؟!.

أليس في هذا القول ما يكفي للدلالة على حالته وحياته وعقيدته وفكره؟، ولكن المقلدين لا يفقهون!.

أمَّا كون الجنة نقيضًا له فلا ريب في ذلك وإن ساق ذلك في سياق تهكم وسخوية.

(1)

الآية 139 من سورة آل عمران.

(2)

الآية 212 من سورة البقرة.

(3)

الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس 1/ 383.

ص: 1431

من سخرياته بالآخرة وحقائق الغيب الثابتة فيه قوله:

(رقعه من شمس البهلول

هكذا

يكلمني كرسي ليس بيني وبينه ترجمان

عند الكرسي حوض

عند الحوض ميزان

حول الميزان بقرة غمامة

والكتب تتطاير

هنا

ينبت الناس كما ينبت الحب في السيل إذا اشتهى الإنسان طائرًا

سقط بين يديه مشويًا بعد أن يشبع تتجمع عظام الطائر وينهض

ليرعى هنا أشجار تخرج من أوراقها ثياب لا تبلى

سحائب لا يسألها الإنسان شيئًا إلّا أمطرته

بعضهم يقول: أمطرينا نساءً

فتمطر. ويدخل الرجل في المرأة

دحمًا دحمًا

وإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا

فجأة ظهر في الجهة الثانية هنالك

عنق من النار يتكلم

كان رجل وامرأة يتجهان نحوه رأيت النار تتغيض وتشهق

ص: 1432

وقيل: هذه نار ضربت بالبحر مرتين لولا ذلك لم تكن فيها منفعة لأحد

وسمعت من يقول: خلص اللبن من الماء ثم غاب صوته كأنه يسد

ثقبًا في جرم الكون رأيت شخصًا خارجًا من النار يجر لحمه كما تجر المرأة

ثوبها رأيت سحابة تنادي أهلها:

- ماذا تطلبون؟

- ماءً ماءً

لكن السحابة تمطرهم سلاسل وجمرًا وقيل: لهؤلاء طعام لا يدخل

المعدة لا يعود إلى الفم يبقى بين الحلقوم والمعدة

ورأيت سجنًا يقال له موسى وقيل بولس وقيل مصطفى

فيه أشخاص يبكون تسيل عيونهم جداول رأيت مراكب

تجري فيها)

(1)

.

هذه الصورة التي سردها الباطني الملحد في استخفاف وسخرية بحقائق اليوم الآخر، وذلك حين جعل كل ذلك رقعة من شمس البهلول الذي يجعله رمزًا للدجل والكذب والعته، ثم يختم سياق سخرياته هذه بجعل السجن الذي في النار -كما في سياف افتراءاته- بأسماء ترمز للأديان موسى عن اليهودية، وبولس عن النصرانية، ومصطفى عن الإسلام، وهو بهذا يريد أن يقول بأن الدين سجن منذ أن جاء موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.

إضافة إلى كل ذلك فإنه ساق هذه المشاهد على أساس أسطوري خلط فيه بين الثابت الصحيح مما جاءت به النصوص، والكذب المفترى مما أنتجته قريحته الجاهلية المنحطة.

(1)

المصدر السابق 2/ 509 - 510.

ص: 1433

وفي موضع آخر يستشهد بكلام أشياخه النصيريين ويقتبس عبارات "الشلمغاني

(1)

" النصيري التي فيها الإلحاد الصريح والسخرية من الجنة والنار، فيقول:

(ويقول الشلمغاني

اقرأوا كتابي - الحاسة السادسة في إبطال الشرائع

الجنة أن تعرفوني

النار إن تجهلوني)

(2)

.

وفي مقطع آخر يتحدث عن "القرمطي" مشيدًا به ملتصقًا بباطنيته ممتدحًا بمبادئه الضالة، في إشارة واضحة إلى مدى التقارب الفكري والمنهجي والاعتقادي، وفي دلالة صارخة على الانتماء الباطني الذي لم يفارقه أدونيس ولم يتخل عنه، وفي ذلك رد واضح جلي على الذين يظنون أن أدونيس مجرد مفكر حديث أو مبدع معاصر، إن صحت هذه الألقاب والعبارات، يقول أدونيس:

(وقال القرمطي

أنا النور لا شكل لي

وقال أنا الأشكال كلها

سمع أدونيس ورفع ساعديه تمجيدًا)

(3)

.

ثم يقول:

(وقال القرمطي:

الجسد صورة الغيب

(1)

سبقت ترجمته: ص 374.

(2)

المصدر السابق 2/ 548.

(3)

المصدر السابق 2/ 563 - 565.

ص: 1434

وحمل الأرض في كتفي ناقةٍ وأعلن

أنا الداعية والحجة -)

(1)

.

ثم يخاطب القرمطي:

(استغونا أيها السيد استدرجنا. . .

استغونا استدرجنا

نتوافق نتناصر

ننصب الدعوة

وندخل في تميمة الإباحة)

(2)

.

هل بعد هذه العبارات أي شك في الانتماء الباطني والارتباط الاعتقادي بالنصيرية الباطنية؟.

ثم يواصل في هذا المقطع الباطني مخاطبًا القرمطي ساخرًا بأبواب الجنة والنار:

(استغونا أيها السيد استدرجنا

لماذا كانت أبواب الجنة ثمانية

وأبواب النار سبعة كأبواب السموات؟

استغونا -

ندخل في "أهل السواد"

"سفهاء الأحداث"

"اتباع الفتن"

ونجهر

(1)

و

(2)

المصدر السابق 2/ 563 - 565.

ص: 1435

نحن التخاييل علم الآفاق

تخبرنا الطير عن الأباعد

وتطوى لنا الأرض)

(1)

.

وتاللَّه لقد استغواك غاوي الباطنية وغاوي المادية وغاوي الإلحاد وأصبحت من سفهاء الأحلام وإن عدك المنبهرون بك من سادة الأنام، وأضحيت من اتباع الفتن بل من قادتها والفتنة أشد من القتل!!.

فهل علمت المقلدة لأدونيس أي جريمة تقترفها في حق العلم والعقل والحق والخير بتقليدهم وتبجيلهم له؟ بيد أن أصدق وصف لهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون.

إن النصوص الميتة المبثوثة في طول وعرض الكتب والمجلات الحداثية، يأبي أصحابها إلّا أن يكونوا ضمن دائرة التخثر الجاهلي الأرعن بإصرارهم على مناوأة الحقيقة واعتناق الأباطيل، وعكس المعايير.

فها هو أحد نقاد الحداثة يصف المؤمن بزوال الدنيا ومجيء الآخرة بأنه إنسان شبحي حيث يقول: (ومن وجهة نظر دينية ترى في العالم صورًا زائلة، حيث ينتج نص شبحي يصلح لإنسان شبحي كإنسان التدين، يؤكد ويعيد تأكيد إحفاء العالم وإبعاده.

هذه الدائرة لا يكسرها إلّا عودة الحركة إلى الطرفين: الوعي والعالم، الجدل الصادر عن رؤية العالم في صلابته الأبدية، في دلالاته المتولدة باستمرار)

(2)

.

وهنا نحن الآن أمام نَموذج ظاهر من نَماذج استهزاء الصغار الغارقين في وحل المادية المنتن، بالمؤمنين كما وصف اللَّه -جلَّ وعلا-:{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا}

(3)

حيث يعبر هذا الحداثي -

(1)

المصدر السابق 2/ 567.

(2)

بحثًا عن الحداثة لمحمد الأسعد: ص 108.

(3)

الآية 212 من سورة البقرة.

ص: 1436

بحسب ميزانه الجاهلي- عن دهرية اعتقادية وذلك من خلال رؤيته للعالم في صورته الأبدية، وهو تعبير مادي دهري ليس إلّا.

ومن مقتضياته اعتقاد التسلسل المادي إلى ما لا نهاية وذلك في اعتقاده الدلالة المتولدة باستمرار، وهو أصل من أصول الحداثة يقوم على هذه الفكرة، ويعبرون عنها بالصيرورة الدائمة، والتقدم المستمر والتواصل الدائم، وأبدية الحداثة والإبداع، واللاثبات، إلى غير ذلك من العبارات القائمة على مناهج فكرية قوامها التطور المطلق، وهي عقيدة مرتبطة باعتقاد أبدية الحياة الدنيا واستحالة الحياة الآخرة، والسخرية من كل عقيدة تقول بزوال الدنيا أو مجيء الآخرة، والتطور المطلق أساس من الأسس الحداثية ومنطلق للمذاهب الفكرية المادية (ومن هذه النقطة تدافعت كل النظريات والمذاهب الحديثة، وفي مقدمتها التفسير المادي للتاريخ ونظرية فرويد في النفس والجنس، ومفهوم العلوم الاجتماعية في الفصل وفي إلغاء ثبات الأخلاق وظهور مفاهيم الوجودية والهيبية)

(1)

.

أساس هذه العقيدة الجاهلية هو اعتقاد أصحابها أن المادة ليست شيئًا أكثر من وجودها الخارجي المتمثل في ظاهراتها المتحركة المتغيرة، فهو عندهم الجوهر والماهية في الوقت نفسه، مع العلم بأن ظاهرات المادة ليست أكثر من آثار وخصائص لها، فإذا كانت كذلك -وهي في الحقيقة كذلك- فلابد من اليقين بوجود المؤثر، وكذلك لو قلنا بأن هذه الظاهرات هي أشكال للمادة فلابد من اليقين عندئذٍ بوجود أرضية أو موضوع لهذه الأشكال، ثم إن انحصار ظاهرات كل نوع من أنواع المادة ضمن نطاق لا تتعداه شيء واضح وملموس، وهذا ما يجعلنا على يقين بأن المادة وظاهراتها تمارس حركتها وهي محصورة في قبضة لا يُمكن أن تتجاوزها، وهذه القبضة المحكمة هي التي تمنع ظاهرات المواد وخواصها المتنوعة المختلفة أن تمتزج وتتشابك، وهذه القبضة الحاكمة موجودة يحكم أثرها الواضح

(2)

، إذن فلا سرمدية

(1)

أخطاء المنهج الغربي الوافد لأنور الجندي: ص 41.

(2)

انظر: نقض أوهام المادية الجدلية للبوطي: ص 112 - 114.

ص: 1437

للمادة، ولا حركة مطلقة لها، وليست فاعلة بحد ذاتها، وليست ذات تطور مطلق.

هذا بالنسبة للتطور المطلق والصلابة الأبدية للعالم حسب قول الحداثي الآنف الذكر، أمَّا وصفه للمؤمن باللَّه واليوم الآخر بأنه إنسان شبحي وينتج نصًا شبحيًا فهو آت على الميزان الجاهلي القديم في السخرية من الذين آمنوا، والشتم المنطلق من قاعدة العجز عن إقامة الدليل ومقارعة الحجة بالحجة (وسيظل المؤمنون ينظرون من علٍ إلى أولئك الهابطين، مهما أوتوا من المتاع والأعراض، على حين يعتقد الهابطون إنهم هم الموهوبون وأن المؤمنين هم المحرمون، فيشفقون عليهم تارة، ويسخرون منهم تارة، وهم أحق بالرثاء والإشفاق)

(1)

.

إن عبارات السخرية والاستهزاء التي يطلقها هؤلاء ليست في حقيقة الأمر إلّا عجزًا يلبس ثوب القدرة، وضعفًا يرتدي رداء القوة، وخوفًا من غلبة الحق يأخذ شكل الاستهانة والتحدي والاستخفاف، وهالة مصطنعة تأتي في ألبسة التقريرات الجوفاء والدعاوى الحمقاء والشتائم الهابطة.

وإلّا لو أردنا أن نعرف الإنسان الشبحي والفكر الشبحي على الحقيقة لوجدنا ذلك شاخصًا في شخصيات الكفار والملاحدة والماديين الذين لا يرون سوى الأشباح، ولا يعيشون إلّا بشبح إنسان، ولا يعرفون سوى شبح هذه الدنيا الزائلة، أمَّا الجوهر والحقيقة والعمق والروح فهم أجهل الناس بها وأبعد الناس عنها {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}

(2)

.

ومن أمثلة الاستخفاف بعقيدة اليوم الآخر قول الكاذب الليبي المسمى الصادق النيهوم: (. . . الإسلام عقيدة قائمة على حرية العقيدة، لا تنكر حق

(1)

في ظلال القرآن 1/ 215.

(2)

الآية 12 من سورة محمد.

ص: 1438

أحد في الجنة بعد الموت، بل تثبت حق جميع الناس في جنة إضافية على هذه الأرض)

(1)

.

قال اللَّه تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)}

(2)

.

وأي استخفاف وسخرية بالدين وبعقيدة يوم القيامة أعظم من هذا الافتراء الحداثي الذي يجعل الجنة حقًا لكل أحد مؤمنهم وحداثيهم مسلمهم وعلمانيهم؟!.

قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)}

(3)

.

ومن أمثلة سخريتهم باليوم الآخر وما فيه، ما كتبه حداثي مغربي في مجلة الناقد تحت عنوان "من وجوديات يقظان بن حي" وفيه يقول: (يقول اللَّه تعالى لعباده يوم القيامة: ادخلوا يا عبادي الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم، هذا ما قاله الحسن البصري، والأعمال كما نعلم إنّما هي بالنيات، فما الحكم في حق الذين يأتون الأعمال الشريرة بالنيات الحسنة؟ وهذا هو حالي.

حسب توقعات عراف عصري حصلها من حساب الاحتمالات وأحداث الآلات الحيسوبية: لن أدخل النار، كما أني لن أدخل الجنة بما في الكلمة من معنى وما فيها من فرش مرفوعة وولدان مخلدين وحور وفاكهة كثيرة وأكواب وأباريق وكأس من معين. . لذا فسيملكني ربي إقطاعًا صغيرًا من بضعة أمتار مربعة في زريبة من زرائب الجنة، ولا يهم إن سمعت فيه لغوًا أو تأثيمًا، ذلك لأنني سأكون مشغولًا بما سيكلفني ربي به: أن أرعى عينة من الحشرات المؤمنة الصالحة، متهجزًا بالعبادة والصوم إلى الفوز بدرجة أرقى، كأن أسهر على راحة بعض الدواجن الطاهرة المتعبدة.

(1)

الناقد، العدد الأول تموز 1988 م/ 1408 هـ: ص 11.

(2)

الآية 21 من سورة الأنعام.

(3)

الآيتان 35 - 36 من سورة القلم.

ص: 1439

إني كما ترون لا أطمع في ناقة اللَّه، ولا أطلب أن ترسل السماء علي مدرارًا، وإنّما ينتهي طموحي إلى أن يسعدني ربي ويكرمني فيوسع من إقطاعي ويقلدني رعاية قطيع من الغنم المحبب أكله عند الصالحين المقربين إلى العرش، ولرعاية معزي وخرفاني الطائعة المرضية، لن أحتاج إلى عصا، بل إلى مزمار انفخ فيه واستعمله كذلك لتبديد ما قد يعتريني بين الفينة والأخرى من حزن ومخاوف أو شعور بالغربة.

إني لا أطمع يارب إلّا في أن ترفع عني كل كربة في دار المأوى والقرار. . . فطوبى لي أن جعلتني في زريبتي من الدار الأخرى إلى سر السرور أتوق، وطوبى لي إن وهبتني من حين لآخر دنًا من الخمر ولو كان غير معتق وغير ذي شأن، كالذي أتجرعه في دارك الفانية.

وطوبى لي فطوبى أن أسكنت بجواري جارية من جواري الجنة، ليس من الضروري أن تكون جميلة أو مجنحة. . . وإنّما ابتغيها لأروادها عن نفسها بالحسنى حتى إذا شاءت أشهدتك على نكاحها، وأنت خير الشاهدين)

(1)

.

قال اللَّه تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10)}

(2)

.

أمَّا الحداثي المصري جابر عصفور فإنه يعترض على وصف الحداثة والحداثيين بالكفر، ويجعل ذلك قائمًا على تخييل إرهابي وتسلط وقمع وإرهاب -حسب قوله- ثم يجعل ذلك آتيًا من (المخزونات المصاحبة للقيم

(1)

مجلة الناقد، العدد 18 كانون الأول 1989 م/ 1410 هـ: ص 42 والمقال للحداثي المغربي سالم حميش.

(2)

الآيات 7 - 10 من سورة الجاثية.

ص: 1440

الدينية حيث الخوف من عذاب القبر والرعب من نار الآخرة. . .)

(1)

.

ولست أدري هل يعلم هذا الحداثي بأن وصفه المستهين بعقيدة اليوم الآخر، وجعله سببًا للتصورات القمعية والإرهاب والتسلط، ونعته بأنه من المخزونات المصاحبة للقيم الدينية، هل يعلم بأن كل ذلك كفر باللَّه تعالى؟ قال -جَلَّ ذِكْرُهُ-:{قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}

(2)

.

ولهم في الاستخفاف بالجنة ونعيمها صولات ضلالية مفعمة بالسخرية والاستهزاء كقول شاعر العامية المصري الماركسي صلاح جاهين، حسب ما نقله عنه الماركسي اللبناني محمد دكروب:

(أوصيك يا ربي لما أموت. . . والنبي

ما تودنيش الجنة للجنة سور)

(3)

.

قال اللَّه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)}

(4)

.

ومن هذا الضرب ما نقله معين بسيسو في كتابه الأعمال الشعرية من كلام لصنوه التركي ناظم حكمت الشيوعي ذي الأصل اليهودي، حيث قال:

(وضع الشاعر في الجنة

فصرخ قائلًا:

آه يا وطني)

(5)

.

(1)

الإسلام والحداثة: ص 204.

(2)

الآيتان 65 - 66 من سورة التوبة.

(3)

شخصيات وأدوار: ص 178، 189.

(4)

الآيتان 40 - 41 من سورة الأعراف.

(5)

الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص 157.

ص: 1441

وقد سار بسيسو على منوال ناظم في استخفافه بالجنة ونعيمها، وزاد ضلالة على ذلك بجعل هذه السخرية والاستخفاف على لسان الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري

(1)

، الذي يستخدمه الاشتراكيون الملاحدة رمزًا لاشتراكيتهم كما يزعمون، ثم ينال من الصحابيين الجليلين عثمان

(2)

ومعاوية

(3)

رضي الله عنهما، يقول الحداثي الماركسي بسيسو تحت عنوان "من أوراق أبي ذر الغفاري":

(وسار وحده ومات وحده وعاد

يصيح مت لم تزل

بقية من الكلام في فمي

نفيت مرتين، مرة هنا

(1)

هو: الصحابي الجليل جندب بن جنادة الغفاري، أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كان خامس خمسة في الإسلام، رجع إلى قومه داعيًا بأمر النبي-صلى الله عليه وسلم فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إليه أبو ذر ولازمه وجاهد معه، وكان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، كان رأسًا في الزهد والصدق والعلم والعمل، قوالًا بالحق، شهد فتح بيت المقدس مع عمر، وخرج إلى الربذة في عهد عثمان، طاعة لأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم له إذا بلغ البناء سلعًا وفيها توفي سنة 32 هـ رضي الله عنه. انظر: سير أعلام النبلاء 2/ 46.

(2)

هو: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أمير المؤمنين ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، من الأشراف في الجاهلية والإسلام، مجهز جيش العسرة، تولى الخلافة سنة 23 هـ، وكان عهده عهد فتوحات، ثارت عليه فتنة المفتونين فحاصروه في داره وقتلوه رضي الله عنه صبيحة عيد الأضحى وهو يقرأ القرآن سنة 35 هـ، فوقع السيف في أمة محمد صلى الله عليه وسلم منذ ذاك، ومناقبه جليلة كثيرة. انظر: الإصابة 2/ 455.

(3)

هو: معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية، الصحابي الجليل، وكاتب الوحي وصهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أسلم يوم الفتح، ولاه عمر الشام وأقره عثمان عليه، ثم تولى إمرة المؤمين إلى أن توفي رضي الله عنه عام 60 هـ، وكانت خلافته 19 عامًا. انظر: سير أعلام النبلاء 3/ 119، والبداية والنهاية 8/ 117، وتهذيب التهذيب 10/ 207.

ص: 1442

ومرة هناك في الحديقة المعلقة

بلوت صحبة الملائكة

بلوتها سئمتها

ضجرت من ولدانها المخلدين وحورها المزوقة

وخمرها المعتقة

وعدت يا معاوية

ألقي بشعرة الذئاب

في مغازل العناكب المشردة. . .

ولم يزل عثمان

يداه تقطعان أرض اللَّه.

وهو خاشع يرتل القرآن)

(1)

.

ويقول نزار قباني: (حتى الجنة لو أخذت شكل المنفى لكانت مرفوضة)

(2)

.

ومن الاستخفاف الظاهر قول البياتي:

(غدًا أمام اللَّه في الجحيم

احطم الدمية والقدح)

(3)

.

ومن الاستهانة بالآخرة قول صلاح عبد الصبور:

(ومن موته انبثقت صحوتي

وأدركت يا فتنتي أننا

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص 259 - 260.

(2)

فتافيت شاعر: ص 92.

(3)

ديوان البياتي 2/ 160.

ص: 1443

كبار على الأرض لا تحتها

كهذا الرجل)

(1)

.

نعم من كان صاحب كفر وسوء وضلال وشك فهو صغير حقير ذليل مهين، أمَّا من عمل صالحًا فإنه كبير عند اللَّه جليل في الحياة وفي القبر وعند البعث.

ومن يهن اللَّه فما له من مكرم، ومن يكرم اللَّه فما له من مهين.

ومن هذا قول النصراني توفيق صايغ واصفًا نفسه:

(ارتعدت ركبتاي اصطكا

لا لخشية اللَّه.

انقلبت خشّتي

(2)

الخالية

مرقصًا فاحشًا بروما

أنا الذي سجنت ذاتي هنا

خوفًا من النار

رفيق العقارب والضواري

رقبت الغواني

يتعرين يرقصن

لاحقت حركاتهن البذيئة

حركة حركة حركة)

(3)

.

ويقوك الرافضي الشيوعي مظفر النواب داعيًا في سخرية أن يغفر اللَّه

(1)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 61.

(2)

هكذا.

(3)

الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص 306.

ص: 1444

لمن لم يسكروا في الدنيا، ويتعجب كيف يشتاقون للجنة وهم لم يفعلوا ذلك:

(رب سامحهم وإن لم يسكروا

كيف يشتاق إلى خمرة جناتك

من لا يعرف الخمر

ويشتاق صباياها

إذا كان هنا ما عشقا؟!)

(1)

.

أمَّا نزار قباني فإنه يجعل من أمارات تخلف الشرق العربي والشرق المسلم عمومًا أنهم يؤمنون بيوم القيامة، وهذا القول غاية في الاستخفاف بهذا الركن من أركان الإيمان، يقول قباني:

(الملايين التي تركض من غير نعال

والتي تؤمن في أربع زوجات

وفي يوم القيامة)

(2)

.

وله في هذا أقوال كثيرة خاصة وهو يصف الأعضاء الجنسية لعشيقاته، ومن ذلك قوله:

(كيف ما بين ليلة وضحاها

صار نهداك مثل يوم القيامة)

(3)

.

وقوله:

(يبني وبينك كهنة وعرافون

(1)

مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية: ص 54 - 55.

(2)

الأعمال الشعرية الكاملة 1/ 367.

(3)

المصدر السابق 1/ 769.

ص: 1445

وعلامات حب قادم تشبه علامات يوم القيامة)

(1)

.

وقوله:

(تحت سرتك المستديرة

كفم طفل

يتنبأ باهتزاز الأرض

ويعطي علامات يوم القيامة)

(2)

.

وعبد العزيز المقالح يصف يوم 29 سبتمبر 1962 م الموافق 5/ 1382 هـ يوم الثورة اليمنية، بأنه يوم القيامة، وذلك في قوله:

(سلمت أياديهم بناة الفجر عشاق الكرامة

الباذلين نفوسهم للَّه في ليل القيامة)

(3)

.

أمَّا خبائث الملحد علاء حامد التي بثتها روايته "مسافة في عقل رجل" فهي كثيرة، وسخرياته بهذا الركن الجليل عديدة منها قوله على لسان أحد شخصيات الرواية حيث يصور أنه دخل الجنة فيقول:(هل هذه هي الجنة، سخرت من نفسي، لمجرد أن عقلي طرح هذا الاحتمال ابتسمت، لكن لماذا يطلقون عليها الجنة، أية جنة تلك التي يقطنها مجموعة من المرضى، يتناثرون كالأشياء)

(4)

.

ويقول في حوار روائي:

(- لو خيرت بين الدنيا والجنة لاخترت الأولى

- بكل ما فيها من موبقات

(1)

المصدر السابق 2/ 881.

(2)

المصدر السابق 2/ 607 - 608.

(3)

ديوان المقالح: ص 113.

(4)

مسافة في عقل رجل: ص 16.

ص: 1446

- أي موبقات تعني، إنك ستجد في الجنة مايذهب العقل ويوجع الفؤاد، هل ترى ما نحن عليه الآن، إنه من صنع الإله، فما يقذره يحدث لنا. . .)

(1)

.

ويقول عن أحدهم: (لقد أسهب في وصف الجنة، وغذى عقول الناس بالوهم الرخيص من الكلام حتى صدقوه، فهو يحبس نفسه عن الناس حتى لا يضربوه بالنعال)

(2)

.

ويتهكم بالمؤمنين وعقيدتهم في اليوم الآخر قائلًا: (هذه هي جنتهم الموعودة جنة عرضها السموات والأرض، لكن هل حقًا ما يعتقدون، بعثًا بعد موت؟! حياة أخرى بعد الحياة الأولى. . .)

(3)

.

ويطلق ألفاظًا سوقية على الجنة فيقول عنها:

(إنها جنة اللذة الحسية. . .

إنه مبروك. . حاسي حمى جنة المسكرات

مبروك يتقدم نحوي يعرض بضاعته. . أفيون. . حشيش. . خمور)

(4)

.

وفي حوار روائي يسأل أحدهم:

(- والجنة والنار؟

- الجنة هي ما تراها أمام عينيك. . حضارة شعبنا، والنار هي التي تشوى عليها اللحم)

(5)

.

ويقول: (. . . الانحلال يأتي من داخل المجتمع نفسه بتحلل خلاياه، فالحضارة بعناصرها الأساسية من أرض وشعب وإرادة عمل لا صلة بينها

(1)

و

(2)

المصدر السابق: ص 18 - 19.

(3)

المصدر السابق: ص 31.

(4)

و

(5)

المصدر السابق: ص 32 - 33.

ص: 1447

وبين الاعتقاد بوجود الجنة أو النار أو إنكار وجودهما. . بمعنى أنه لا ارتباط بين الحضارة وبين هذه المعتقدات)

(1)

.

ويسمى الإيمان بالجنة آمالًا كاذبة فيقول: (وتدفع هذه الآمال الكاذبة قطعان البشر للاستسلام للظلم والاستبداد والقهر والاستذلال والجوع والحرمان أملًا في جنة أخرى غير أرضية يقطف ثمارها الإنسان بعد موته. . .

هل قرأت أو سمعت عن مجتمع انهار لأنه لا يؤمن بوجود يوم البعث والحساب؟. . .)

(2)

.

وتتنوع عباراته في السخرية بالجنة وما فيها من نعيم ويسميها "الفندق الإلهي"

(3)

وبسأل ساخرًا عن التأثيث في بيوت الجنة والأجهزة الموجودة فيها من مكيفات وثلاجات، والمرافق والمباني والملاعب، والأدوات المدرسية والمواد الأولية للبناء كالاسمنت والحديد والطوب والورق، ثم يضيف بعد ذلك كله:(الأقرب إلى التصور أن الذي يعمل لخدمة أهل الجنة هم أهل النار، هم الكادحون، ينظفون الشوارع، ويقيمون المباني، وينشئون المرافق، ويجمعون القمامات، ويطهون الطعام، ويعملون في المصانع، كل المصانع من الإبرة إلى الصاروخ. . .)

(4)

.

وكلامه الساقط من هذا القبيل كثير

(5)

.

وتتحدث نوال السعداوي عن "البودي جارد" أي الحارس الجسدي فتقول متهكمة: (وفي سعادة طاغية يموت فداء الوطن وفي عنقه مفتاح الجنة معلقًا داخل السلسلة يفتح باب الجنة ويدخل مع الأنبياء والشهداء)

(6)

.

(1)

المصدر السابق: ص 112.

(2)

المصدر السابق: ص 113.

(3)

و

(4)

المصدر السابق: ص 116 - 117.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 120، 122، 123، 208.

(6)

سقوط الإمام: ص 40.

ص: 1448

وتقول: (وينتقل عقلي على الفور من هذا العالم إلى العالم الآخر، وأرى الجنة ممتدة خضراء، وأنا ممدود فوق السندس، ومن حولي الحوريات سابحات في النهر عاريات تحت الشمس، وفي الضوء أتعرف على ملامحهن وليس من بينهن وجه زوجتي الشرعية، ويرتفع صوتي وأنا أقهقه للمرة الرابعة أو الخامسة وأضربه على فخذه المشدود متسائلًا، كم للرجل المؤمن من حوريات؟ ويقول: سبعون أو سبعة وسبعون واللَّه أعلم، وكم للزعيم المؤمن أو الإمام؟ وقهقه الكاتب الكبير وضرب رقمًا خياليًا، لكن خيال الإمام كان أكبر، ثم يسأله فجأة، وماذا عن زوجاتنا الشرعيات إذا دخلن الجنة معنا؟ وقال صديق العمر: زوجاتنا لن يدخلن الجنة، قلت: لكن إذا حدث ودخلت إحداهن؟ قال: يستبدلها اللَّه بحورية عذراء، فالجنة لن يكون بها زوجات شرعيات وإلّا فما الفرق بين الجنة والأرض)

(1)

.

ولها كلام طويل في السخرية بيوم القيامة وباللَّه تعالى، وأن الإشعاع النووي المدمر هو يوم القيامة، وأنها تشمل كل شيء سوى خليفة اللَّه في الأرض، أي الإمام في عالمنا البشري -حسب خرافاتها- وضلالاتها المظلمة

(2)

.

وتقول: (. . . ثقتي في دخول الجنة مائة في المائة مثل ثقتي باللَّه، في جيبي توصية من النبي وبعض صكوك التوبة من بنك الإيمان، أخرجتها كلها من جيبي لحارس الباب رضوان عليه السلام، كان أميًا لا يقرأ الحروف المكتوبة، قلت له: أنا الإمام والقيت عليه إحدى خطبي المعروفة، لم يفهم شيئًا فهو لا يتكلم اللغة العربية)

(3)

.

وتواصل بعد هذا الكلام ملء ثلاث صفحات تهكمًا بذيئًا وسخرية قذرة بالآخرة والجنة والملائكة والشفاعة وخمر الجنة والصراط والنبي صلى الله عليه وسلم

(4)

.

(1)

المصدر السابق: ص 51 - 52.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 56.

(3)

المصدر السابق: ص 121.

(4)

انظر: المصدر السابق: ص 121 - 124.

ص: 1449

ومن أنماط سخرياتهم واستخفافهم بهذا الركن العظيم إطلاق أسماء القيامة والجنة والنار على غير حقيقتها كقول البياتي:

(كان على بوابة الجحيم "ببكاسو" وكان عازف القيثار في مدريد

لملكات المسرح المغتصبات يرفع الستارة

بعيد للمهرج البكارة

يخبيء السلاح والبذور في الأرض إلى قيامة أخرى وفي منفاه

يموت في المقهى وعيناه إلى بلاد البعيدة)

(1)

.

وقد مرّ معنا من قبل وصف عبد العزيز المقالح للثورة اليمنية بأنها ليل القيامة

(2)

.

ونحوه قول أحمد دحبور: (كانت الطائرات تصفُّ المدى بموازاة يوم القيامة)

(3)

.

وخلاصة ما تقدم: أن الحداثيين في عقيدة اليوم الآخر على نقيض ما عليه عقائد أهل الإيمان، فهم يجحدون اليوم الآخر وما وراءه، ويعدون الموت للإنسان فناء لا شيء بعده، أو أن الإنسان يتحول إلى مادة أخرى حسب عقيدة التناسخ، ويقولون بأبدية الدنيا وبعض ما فيها، وهي عقيدة الدهريين، ومن هذه العقيدة أضلوا قاعدتهم المنافية للثبات والمقررة للتطور المستمر والصيرورة الدائمة، وهم مع كل هذه الضلالات يسخرون من عقيدة اليوم الآخر ومن قضايا الآخرة الثابتة في كتاب اللَّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وفي تضاعيف هذه العقائد الضالة من الجهالات والأباطيل والانحرافات ما لا يتسع المجال لإحصائه والاستشهاد عليه، قال اللَّه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ

(1)

ديوان البياتي 2/ 277.

(2)

انظر: ديوان المقالح: ص 113.

(3)

ديوان أحمد دحبور: ص 728.

ص: 1450

وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)}

(1)

.

وقال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)}

(2)

.

• • •

(1)

الآيات 78 - 83 من سورة المؤمنون.

(2)

الآيات 33 - 37 من سورة المؤمنون.

ص: 1451

‌الفصل الثاني الانحرافات المتعلقة بالقدر

الإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان وأصل من أصول الإيمان ولا يعتبر المكلف مسلمًا إلّا بإيمانه بالقضاء والقدر، كما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سؤال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم ومنه أنه سأله عن الإيمان فقال عليه الصلاة والسلام:"أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت"

(1)

.

ومن النصوص المخبرة عن قدر اللَّه أو الآمرة بالإيمان به قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)}

(2)

، وقوله تعالى:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}

(3)

، وقوله جلَّ ذِكره-:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)}

(4)

وقوله سبحانه: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}

(5)

، وقوله سبحانه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ

(1)

جزء من حديث طويل سبق تخريجه، وهذا لفظ مسلم.

(2)

الآية 49 من سورة القمر.

(3)

الآية 2 من سورة الفرقان.

(4)

الآيات 1 - 3 من سورة الأعلى.

(5)

الآية 38 من سورة الأحزاب.

ص: 1452

لَنَا (51)}

(1)

، وقوله:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ. . .}

(2)

، وقوله:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}

(3)

.

وفي صحيح مسلم رحمه الله عن طاووس

(4)

رحمه الله قال: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز

(5)

. وفي مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت:{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)}

(6)

")

(7)

.

وتنوعت عبارات العلماء في تعريف القضاء والقدر، فمنهم من حعلهما شيئًا واحدًا، ومنهم من عرف كلًا منهما بتعريف يخصه، فجعلوا القضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال، أي أن القضاء علم اللَّه بما سيكون من جميع المخلوقات وكتابة ذلك في اللوح المحفوظ وفق مشيئته، والقدر

(1)

الآية 51 من سورة التوبة.

(2)

الآيتان 22، 23 من سورة الحديد.

(3)

الآية 11 من سورة التغابن.

(4)

هو: الإمام التابعي طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الجندي، أحد الأعلام علمًا وأدبًا وعملًا، أخذ عن جماعة من الصحابة وأخذ عنه جماعة، توفي رحمه الله سنة 106 هـ. انظر: العبر في خبر من غبر 1/ 99، وتهذيب التهذيب 8/ 5.

(5)

أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر 3/ 2045، ومالك في الموطأ كتاب القدر، باب: النهي عن القول بالقدر 2/ 899، وأحمد في المسند 2/ 110.

(6)

الآيتان 48، 49 من سورة القمر.

(7)

أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر 3/ 2046، والترمذي في كتاب القدر، باب: 4/ 459، وابن ماجه في المقدمة، باب: في القدر 1/ 32.

ص: 1453

وجودها متفرقة في أوقاتها التي حددها اللَّه لها أزلًا.

ومن العلماء من يرى أن القضاء هو إيجاد اللَّه للأشياء فيما لا يزال، والقدر علمه بصفاتها وتحديده لها بحدها الذي ستوجد عليه.

ومنهم من عرف القدر بتعريف شامل فقال: (تقدير اللَّه تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته)

(1)

.

إذن فهناك من جعل القضاء هو العلم السابق الذي حكم اللَّه به في الأزل، والقدر هو وقوع الخلق على وفق الأمر المقضي السابق.

وهناك من عكس فجعل القدر هو الحكم السابق والقضاء هو الخلق.

وهناك من جعل القضاء والقدر كالإسلام والإيمان إن اجتمعا افترقا وإن افترقا اجتمعا، أي: أنهما متباينان في حال الاجتماع لكل منهما معنى يخصه، ومترادفان إذا تفرقا، فإذا قيل هذا قدر اللَّه فهو شامل للقضاء، وإذا ذكرا جميعًا فالتقدير ما قدره اللَّه تعالى في الأزل أن يكون في خلقه والقضاء هو ما قضى به تعالى في خلقه من وجود وعدم وتغير وغير ذلك

(2)

.

وهناك من جمع بينهما في مفهوم واحد متكامل، جاء هذا فيما نقله صاحب جامع الأصول حيث قال:(وجماع القول في هذا: إنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه)

(3)

.

وعلى أية حال فإنه يتضح أن القضاء والقدر، وعلى أي من الاتجاهين في تعريفهما يتضمن ما يلي:

الأول: الإيمان بعلمه -تعالى- الشامل المحيط، وأنه -جلَّ وعلا- علم بكل شيء جملة وتفصيلًا أزلًا وأبدًا، سواء كان ذلك ما يتعلق بأفعاله أو

(1)

شرح أصول الإيمان لابن تيمية: ص 53.

(2)

انظر هذا القول في شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين 2/ 187 - 188.

(3)

جامع الأصول لابن الأثير 10/ 104، وهذا القول نقله عن الخطابي -رحمه اللَّه تعالى-.

ص: 1454

بأفعال عباده، وعلمه تعالى محيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

قال تعالى: {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ}

(1)

.

وقال سبحانه: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}

(2)

.

وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}

(3)

.

الثاني: الإيمان بكتاب اللَّه تعالى الذي لم يفرط فيه من شيء، وأن علمه -سبحانه- بأعمال الخلق وأوصافهم وكل ما يتعلق بهم كتبه في اللوح المحفوظ، فكل ما هو كائن، مكتوب في إمام مبين، قال تعالى:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70)}

(4)

، وقال عز وجل:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}

(5)

، وقال سبحانه:{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}

(6)

، وقال:{وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53)}

(7)

.

الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة وقدرته التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن جميع الكائنات لا تكون إلّا بمشيئته تعالى، سواء كان مما يتعلق بفعله أم مما يتعلق بفعل خلقه، ومشيئة اللَّه وقدرته تجتمعان فيما كان

(1)

الآية 3 من سورة سبأ.

(2)

الآية 22 من سورة الحشر.

(3)

الآية 12 من سورة الطلاق.

(4)

الآية 70 من سورة الحج.

(5)

الآية 38 من سورة الأنعام.

(6)

الآية 12 من سورة يس.

(7)

الآيتان 52 - 53 من سورة القمر.

ص: 1455

وما سيكون، ويفترقان فيما لم يكن ولا هو كائن، فما شاء اللَّه -تعالى- كونه فهو كائن بقدرته لا محالة {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)}

(1)

.

وما لَمْ يشأ اللَّه تعالى لم يكن لعدم مشيئة اللَّه -جلَّ وعلا- إياه، وليس لعدم قدرته عليه، كما قال سبحانه:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى}

(2)

، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}

(3)

، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا}

(4)

.

فالسبب في عدم وجود الشيء هو عدم مشيئة اللَّه تعالى إيجاده، لا أنه عجز عنه، جَلَّ اللَّه وتقدس عن ذلك:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}

(5)

.

الرابع: الإيمان بأن اللَّه خالق كل شيء، وأن جميع الكائنات مخلوقة للَّه تعالى بذواتها وصفاتها وحركاتها، فهو سبحانه خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلّا واللَّه سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها، لا خالق غيره ولا رب سواه، قال سبحانه:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)}

(6)

، وقال:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)}

(7)

وأخبر عن نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)}

(8)

.

(1)

الآية 82 من سورة يس.

(2)

الآية 35 من سورة الأنعام.

(3)

الآية 118 من سورة هود.

(4)

الآية 99 من سورة يونس.

(5)

الآية 44 من سورة فاطر.

(6)

الآية 62 من سورة الزمر.

(7)

الآية 2 من سورة الفرقان.

(8)

الآية 96 من سورة الصافات.

ص: 1456

وهذه القضايا الأربع تسمى مراتب القدر، وأركان القدر، ولا يتم الإيمان بالقدر إلّا بالإيمان بها، فمن أقر بها جميعًا فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملًا، ومن أنقص منها فقد اختل إيمانه بهذا الركن من أركان الإيمان، أو انتقض بحسب نوع البدعة أو الجحود.

وأفعال العباد مخلوقة مقدرة، مكتوبة معلومة للَّه تعالى، وهذا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرته عليها، وقد ثبت ذلك بأدلة الشرع والواقع.

أمَّا الشرع فقد أثبت اللَّه تعالى للخلق مشيئة وقدرة كما قال تعالى: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا}

(1)

، وقال:{فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}

(2)

، وقال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}

(3)

، وقال:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

(4)

.

أمَّا الواقع فإن كل عاقل يعلم أن له قدرة ومشيئة، بهما يكون الفعل والترك، وبهما يكون التفريق بين الفعل الإرادي كالمشي والكلام والنظر، والفعل غير الإرادي كالارتعاش والسقوط من علٍ أو سقوط شيء عليه.

ومشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة اللَّه تعالى وقدرته لقوله -جلَّ وعلا-: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)}

(5)

فلا يكون في ملك اللَّه تعالى شيء بدون علمه ومشيئته جلَّ وَعَلَا.

والإيمان بالقدر لا يسوّغ لأحد من الكفار أو الفجار أن يتخذه حجة على ترك المأمورات أو فعل المنهيات، لأسباب عديدة منها:

(1)

الآية 39 من سورة النبأ.

(2)

الآية 223 من سورة البقرة.

(3)

الآية 16 من سورة التغابن.

(4)

الآية 286 من سورة البقرة.

(5)

الآيتان 28، 29 من سورة التكوير.

ص: 1457

1 -

أن كل أحد من العقلاء يعلم بداهة الفرق بين العمل الاختياري والإجباري، فالاختياري يستطيع التخلص منه، وكل فاعل يحس أنه يفعل الشيء أو يتركه بدون أي شعور بإكراه، وذلك دليل إرادته واختياره.

2 -

أن اللَّه تعالى وجه إلى المكلفين أوامر ونواهي، ولو لم يكن للمكلف اختيار وقدرة، لكان الأمر والنهي الموجه إليه من التكليف بما لا يستطاع، وهو أمر تأباه حكمة اللَّه ورحمته.

3 -

أن اللَّه مدح الطائع ووعده بالثواب، وذم العاصي وأوعده بالعقاب، ولولا أن الفعل يقع بإرادة العبد واختياره لكان مدح الطائع وإثابته عبثًا وذم العاصي وعقابه ظلمًا، واللَّه تعالى منزه عن العبث والظلم.

4 -

أن اللَّه تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان طريق الخير والأمر به وإيضاح طريق الشر والنهي عنه، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره لما كان هناك فائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب.

5 -

أن اللَّه تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلّا ما يستطيع، كما قال -جلَّ ذكره-:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(1)

، وقال:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}

(2)

ولو كان العبد مجبرًا على الفعل لكان مكلفًا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل.

6 -

أن العاصي يقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن اللَّه تعالى قدّرها عليه، إذ لا يعلم أحد قدر اللَّه تعالى إلّا بعد وقوع القدر {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا}

(3)

فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج بها حين اعتذر بها؟ إذ قدر اللَّه تعالى سر مكتوم لا يُعلم إلّا بعد

(1)

الآية 16 من سورة التغابن.

(2)

الآية 286 من سورة البقرة.

(3)

الآية 34 من سورة لقمان.

ص: 1458

وقوع المقدور، وإرادة العبذ لما يفعله سابقه على فعله، فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر اللَّه.

7 -

يقال للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تقدم على الطاعة مقدرًا أن اللَّه تعالى قد كتبها لك؟.

فالإنسان له قدرة وإرادة واختيار ومشيئة وتمييز بين الخير والشر والحق والباطل والحسن والقبيح، ولا يؤاخذه اللَّه إذا انعدمت قدرته أو زال اختياره.

إذن فالعمل الذي يعمله الإنسان من خير أو شر هو من قدر اللَّه تعالى وهو بإرادة الإنسان واختياره، ولذلك قال اللَّه تعالى:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}

(1)

.

ولما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اللَّه كتب مصير كل نفس من الجنة والنار، قال أحد الصحابة أفلا نترك العمل اتكالًا على ما في القدر، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، ثم تلا قول اللَّه تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)}

(2)

"

(3)

.

وقد اتفقت جميع الكتب السماوية والسنة النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال، بل يوجب الاجتهاد والجد والحرص على عمل الصالحات، وقد ذكر اللَّه تعالى احتجاج المشركين بقدر اللَّه ومشيئته على شركهم، ورد عليهم وأبطل حجتهم، وذلك في قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ

(1)

الآية 105 من سورة التوبة.

(2)

الآيات 5 - 10 من سورة الليل.

(3)

أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)} 4/ 1890، ومسلم في كتاب القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه 3/ 2039، وأبو داود في السنة، باب: في القدر 5/ 68.

ص: 1459

كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)}

(1)

.

وهذه الآية تتضمن الرد على احتجاج المشركين من عدة أوجه منها:

1 -

أنهم أشركوا أي اختاروا طريق الشرك والضلال وتنكبوا طريق، الهداية والحق، ومن كان هذا اختياره فالعدل أن ينال جزاءه الموافق لفعله، فكيف يصح له أن يحتج بالقدر؟.

2 -

أن احتجاجهم بالقدر على شركهم وتشريعهم غير شرع اللَّه في التحليل والتحريم احتجاج باطل زائف؛ وذلك لأنهم لا يعلمون ما هو قدرُ اللَّه تعالى قبل صدور تلك الأفعال منهم، إذ أن قدره ومشيئته الكونية غيب لا يعلمها قبل وقوعها إلّا هو سبحانه وتعالى، فكيف يصح أن يحتجوا بحجة لا يعلمونها قبل إقدامهم على هذا الأفعال الشنيعة؟ ولهذا قال تعالى:{قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}

(2)

.

3 -

هل يصح أن يقدم الإنسان على القتل أو السرقة ويتوجه إلى ذلك قائلًا: كتب اللَّه عليّ ذلك فأنا ذاهب لأقتل أو أسرق؟ هل اطلع على قدر اللَّه حتى يعلم ما كتب اللَّه عليه في اللوح المحفوظ؟ وهو مخاطب ومأمور بترك القتل والسرقة.

4 -

ولماذا لا يقبلون هداية اللَّه ودلالاته ويقبلون على طاعته مقدرين أن اللَّه تعالى قد كتب عليهم الطاعة؟ إذ لا فرق هنا بين المعصية والطاعة، من حيث الجهل بقدر اللَّه قبل وقوع الفعل من العبد.

إذًا فليس مع هؤلاء وأشباههم من حجة ولا علم ولا برهان، بل يتبعون الظن وما تهواه الأنفس وللَّه الحجة البالغة.

(1)

الآيتان 148، 149 من سورة الأنعام.

(2)

الآية 148 من سورة الأنعام.

ص: 1460

وإرادة اللَّه تعالى تنقسم إلى قسمين: كونية وشرعية، فالكونية هي التي بمعنى المشيئة مثل قوله تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)}

(1)

فما شاء اللَّه كونه فهو كائن بقدرته لا محالة.

والشرعية هي التي بمعنى المحبة كقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُ}

(2)

فالكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبًا للَّه تعالى، وأمَّا الشرعية فيلزم أن يكون المراد فيها محبوبًا للَّه ولا يلزم وقوعه.

والشر لا ينسب إلى اللَّه تعالى؛ لأنه الرحمن الحكيم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"والشر ليس إليك"

(3)

فلكمال رحمته وحكمته لا ينسب الشر إلى قضائه تعالى إذ ليس فيه شر أبدًا.

وإنّما يكون الشر في مقضياته كما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "وقني شر ما قضيت"

(4)

، فأضاف الشر إلى ما قضاه سبحانه، ومع هذا فإن الشر في المقضيات ليس شرًا خالصًا محضًا بل هو شر في محله من وجه خير من وجه، أو شر في محله خير في محل آخر

(5)

.

(1)

الآية 82 من سورة يس.

(2)

الآية 27 من سورة النساء.

(3)

أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه 1/ 534، والترمذي في كتاب الدعوات باب رقم 32، 5/ 3422، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء 1/ 481.

(4)

أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القنوت في الوتر 1/ 328، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: القنوت في الوتر 2/ 133، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في القنوت في الوتر 1/ 372، والنسائي في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب: الدعاء في الوتر 3/ 248.

(5)

انظر تفصيل هذه القضايا في: معارج القبول 2/ 266 - 326، وشرح لمعة الاعتقاد لابن عثيمين: ص 51 - 56، وعقيدة أهل السنة والجماعة له: ص 32 - 38، وشرح أصول الإيمان له: ص 53 - 60، وشرح العقيدة الواسطية له 2/ 187 - 208، والقضاء والقدر لعمر الأشقر، والإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص 157 - 180، وشرح الواسطية لمحمد خليل هراس وعبد الرزاق عفيفي: ص 151 - 160، =

ص: 1461

وخلاصة القول: إن عقيدة القضاء والقدر جزء أصيل من عقيدة المسلم، وهذه العقيدة في صورتها الصحيحة التي جاء بها الكتاب العظيم والسنة المطهرة وسار عليها السلف الصالح؛ تمثل محور توازن وشمول في حس المسلم؛ ذلك أنها مرتبطة بعقيدة المسلم في اللَّه تعالى الإله الخالق المتصف بصفات الكمال -جلَّ وعلا- ومن أصول هذه العقيدة أنه لا يُمكن أن يقع في ملك اللَّه ما لم يقدره اللَّه.

وعقيدة القدر كما هي عند المسلم الحق نقطة توازن مهمة، فهو يشعر بعظمة اللَّه وقدرته على كل شيء، ويؤمن بأنه لا يجري شيء إلّا بمشيئته سبحانه، ولكنه مع هذا الشعور والإيمان لا ينزوي في سلبية وتقاعس عن العمل والإبداع والإنجاز، كما أن شعوره بقدرته على العمل والإنجاز وحريته في الاختيار، ورؤيته نتاج عمله الفكري أو الجسمي، لا ينتهي به إلى تأليه نفسه وطغيان ذاته، واستكباره عن ربه بما يرى من فاعلية وإنتاج، كما أنه في إيمانه بهيمنة اللَّه على كل شيء وكينونة كل شيء بأمره ومشيئته لا ينتهي به إلى نسيان الأسباب وإهمالها، واطراح السنن الإلهية التي أودعها في الكون والحياة والإنسان، وفي الوقت نفسه حين يشعر باستمرار هذه السنن وانتظامها لا يصل به هذا الشعور إلى نسيان قدر اللَّه تعالى أو تجاهله اعتمادًا على الأسباب أو اتكالًا على السنن الكونية، على اعتبار أنها قوانين حتمية لا بد أن يصل فيها السبب إلى النتيجة على كل حال، بل المسلم الحق يعمل بالأسباب معتمد القلب على اللَّه رب الأسباب.

وقد انحرفت طوائف من الناس في القدر، منهم من هو من أهل القبلة، ولكن ضلّ وابتدع بنفي القدر أو بالجبر أو بالزعم أن الأمر أنف، أو بنفي خلق اللَّه لأفعال العباد، أو بنسبة الأفعال الإرادية إلى القدر دون المقدر، أو بتسويغ المعاصي احتجاجًا بالقدر، وترك العمل والكسب اتكالًا على القدر، وغير ذلك من أفواع الضلال الذي وقعت فيه طوائف من أهل الإسلام.

= ولوامع الأنوار البهية 1/ 345 - 363، وفتح الباري 1/ 118، 11/ 149، 477، وجامع الأصول لابن الأثير 10/ 104، وشفاء العليل لابن القيم الجوزية.

ص: 1462

كما أن أممًا ومللًا غير ملة الإسلام وقع أهلها في ضلالات كبيرة في القدر وانحرافات هائلة في فهم معنى القدر ولوازمه في الحياة العملية، وأظهر هذه الانحرافات:

1 -

السلبية العاجزة، والتراخي عن العمل والإنتاج والإبداع وعمارة الحياة بما يلزم لها، وذلك بترك الأسباب جملة، والزهد في العمل والإبداع والابتكار والاكتشاف، وكانت الهندوكية والبوذية والرهبانية النصرانية نَماذج لهذا النوع من الانحراف.

2 -

الافتتان بالأسباب الظاهرة، والاتكال على قوانين الحياة ونواميس الكون التي خلقها اللَّه، والشعور الطاغي بالإنسان وعمله وإنتاجه، بل تأليه الإنسان والإنتاج والإبداع والاعتقاد بأن الإنسان يصنع قدره بنفسه.

وهذا النوع من الانحراف هو أبرز علامات الجاهلية المعاصرة، وقد أخذ المستعبدون للفكر الغربي من علمانيين وحداثيين هذا الأصل الجاهلي الخطير وساروا عليه في كليات أفكارهم ونتاجهم أو في كثير من فروعها وجزئياتها.

وبهذا يصح لنا أن نقول بأن ما يمارسه هؤلاء من استنساخ وتقليد، ونقل ليس إلا عبودية المنهزم الذليل للغرب الظافر المستعبد، وتقليد الواهن الهزيل، على طريقة القرود!.

وأصحاب الأدب العربي الحديث ضلالهم في هذا الباب من هذا القبيل وهو أبشع وأشنع؛ لأنهم قد أسسوا بنيانهم على شفا جرف هار فانهار بهم في أودية الإلحاد والشرك والكفر، فكان ما جاء عنهم في هذا الباب من ثمار هذه الشجرة المادية الخبيثة.

وأظهر انحرافاتهم في باب القدر ما يلي:

1 -

نفي وجود القدر، ونفي قدرة اللَّه تعالى، وجعل القدر خرافة وكذبًا.

ص: 1463

2 -

ذم القدر والاعتراض عليه، وجعل الإيمان سببًا للتخلف والتحجر والمهانة والسذاجة.

3 -

التهكم والسخرية والاستخفاف بالقدر وبالمؤمنين به.

4 -

نسبة التقدير والقدر إلى غير اللَّه تعالى، وزعم القدرة على تغيير مجرى القدر المكتوب.

5 -

نسبة الشر إلى اللَّه عز وجل.

6 -

تسويغ الرذائل والانحرافات بالقدر.

7 -

نسبة الأعمال الإرادية إلى القدر.

• • •

‌أولًا: نفي وجود القدر، ونفي قدرة اللَّه تعالى، وجعل القدر خرافة وكذبًا:

منذ أن وقع أتباع العلمنة والحداثة تحت سيطرة الإلحاد ولوازمه وفروعه؛ فاضت أعمالهم بالحرب السافرة للدين وقضاياه وأعلنوا المحاربة المباشرة أو من وراء الحواجز لعقيدة الإسلام وشريعته.

غير أنهم مهما تطاولوا واستعرت نيران بغضائهم وعداواتهم لهذا الدين وأتباعه فإنهم لا يُمكن لهم أن يتجاوزوا دائرة الإعاقة الفكرية والعقلية والشعورية كما أخبر اللَّه تعالى عن عاقبة الشرك في قوله عز وجل: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22)}

(1)

، فكل قرد يحيد عن التوحيد ينحط في هيئة المعاق المقعد مذمومًا بالعقيدة الذميمة التي اعتنقها، مخذولًا بالكفر والشرك والإلحاد الذي انتكس في حمأته، لا ناصر له، ومن لا ينصره اللَّه فهو مخذول وإن كثر ناصروه، وإن تظافر مؤيدوه، فالخذلان ملازم له في فكره وعقيدته وعمله، وإن ظهر لبادي الرأي أنه منتصر وفكره

(1)

الآية 22 من سورة الإسراء.

ص: 1464

بين الناس منتشر، فإن الوهن ملازم له والخذلان مصاحب لكل أحواله، ولفظ "فتقعد" يصور هيئة المذموم المخذول وقد حط به الخذلان فقعد، ويلقي ظل الضعف، فالقعود هو أضعف هيئات الإنسان وأكثرها استكانة وعجزًا، وهو يلقي كذلك ظل الاستمرار في حالة النبذ والخذلان؛ لأن القعود لا يوحي بالحركة ولا تغير الوضع

(1)

، ومع أن هذه هي حالة هؤلاء المرتدين، إلّا أنهم من خلال هالات المزاعم والادعاءات الجوفاء يصورون أنهم أصحاب تقدم وحركة وتحديث، وما يخدعون إلّا أنفسهم وما يشعرون.

لقد دنسوا أنفسهم بالكفر والإلحاد، وارتكسوا في الرجس الوثني الذي نهى اللَّه عنه في قوله تعالى:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}

(2)

.

والرجس نجاسة وخبث، وأخبث النجاسة ما يصيب القلوب والعقول بسبب الشرك والكفر والردة والإلحاد والمادية، وهذه كلها دنس يصيب الضمير ويلوث القلوب، ويشوب نقاءها وطهارتها كما تشوب النجاسة الثوب والمكان

(3)

.

وكلها تقود إلى قول الزور، والكذب والافتراء والمغالطة.

ومن تابع أقوال وأحوال الكافرين قديمًا وحديثًا يجد هذين الوصفين من أظهر الأوصاف فيهم وفي أعمالهم: نجاسة وخَبَث في الاعتقاد والكفر، وزور في القول والعمل.

واللَّه تعالى يريد من الناس أن يجتنبوا هذه الأرجاس الوثنية سواء تسمت هذه الأوثان باللات أو العزى ومناة أو تسمت بالعقلانية أو الحداثة أو العلمانية أو الماركسية أو غيرها من المذاهب والمناهج والنظم الوضعية الجاهلية، فكلها رجس وزور، واللَّه يريد من الناس أن يميلوا عن الشرك

(1)

هذا المعنى مقتبس من الظلال لسيد قطب. انظر: 4/ 2220.

(2)

الآية 30 من سورة الحج.

(3)

انظر: في ظلال القرآن 4/ 2421.

ص: 1465

كله بكل ألوانه وأشكاله ومسمياته، وأن يجتنبوا الزور كله، وأن يستقيموا على التوحيد الخالص النقي الطاهر القويم:{حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}

(1)

، ثم يبين تعالى صورة الذي ينحدر من أفق التوحيد إلى درك الشرك، فإذا هو ضائع، ذاهب بددًا كأن لم يكن من قبل أبدًا {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}

(2)

، وهي صورة صادقة حقيقية لحال المشرك والملحد والمادي حين يهوي من الأفق الإيماني العالي إلى سفوح الفناء والانطواء والخذلان والوهن؛ وذلك لأنه فقد -باختياره- القاعدة الثابتة اليقينية، قاعدة التوحيد، وافتقد بسبب كفره وإلحاده وعلمانيته المستقر الآمن، فتخطفته الأهواء والشبهات، كما تخطف الجوارح المفترسة بغاث الطير، وتتقاذفه الأوهام والجهالات تفاذق الريح بالريش والورق اليابس، فتراه لا يمسك بعروة وثقى ولا يستقر على قاعدة ثابتة

(3)

.

والمتأمل في أحوال وأعمال وأقوال هؤلاء الحداثيين يجد أنهم أحق الناس بهذه الأوصاف التي ذكرها اللَّه الخبير العليم، فهم في نجاسة هذه العقائد النتنة يتقلبون، وبأقوال الزور والكذب يجأرون، وفي مهاوي الضلالات والجهالات يرتعون، فالحمد للَّه على نعمة الإسلام ونعمة العقل.

ولا أدل على مقدار الهوان الاعتقادي والعملي الذي تردى فيه المعنيون بهذا البحث من قضية القضاء والقدر، فقد استيقظت طاقاتهم في ظلمات الإلحاد والشك والشرك، فكانوا بمثابة الديدان التي تتغذى وتعيش وتتحرك في الجيف.

ومن نتائج هذه الطاقات ما نقرؤه في نتاجهم من انحرافات متراكمة وظلمات متلاطمة.

(1)

الآية 31 من سورة الحج.

(2)

الآية 31 من سورة الحج.

(3)

انظر: في ظلال القرآن 4/ 2421 - 2422.

ص: 1466

فها هم بعد أن اشتروا ضلالة الإلحاد واستنبتوها في سويداء قلوبهم السوداء فرغوا عليها ضلالات آخر منها -ما نحن بصدده الآن- نفي قدرة اللَّه تعالى، ونفي وجود قدرٍ قدّره اللَّه وقضاه، وزعمهم أن قضية القضاء والقدر مجرد خرافة ودجل وكذب.

ولا ريب أن مناقشة هؤلاء في هذه المسألة فيه فائدة إبطال زيفهم وكشف زورهم وكذبهم، وإن كانت القضية الأولى بالنقاش معهم هي وجود اللَّه تعالى وألوهيته، فإنهم بجحدهم ربوبية اللَّه جحدوا قَدَرَه؛ وبجحدهم ألوهيته جحدوا حقه في الطاعة والتشريع، وبجحدهم أسماءه وصفاته جحدوا علمه وقدرته ومشيئته.

إن المنهج الذي يحكم تفكير هؤلاء منهج مادي إلحادي وهو الذي يحدد موقفهم من المنهج النقيض منهج الإيمان والتوحيد.

والذين يرتكزون في عقيدتهم وفكرهم على القيم المادية والمعطيات المادية، ويغفلون القيمة الكبرى الأساسية في حياة الإنسان "قيمة التوحيد والإيمان" هم أعداء للبشربة، لا يريدون لها أن ترتفع عن مستوى الحيوان وعلى مطالب الحيوان.

وهم حين يطلقون آراءهم الجاهلية في عقيدة الفوضى التي يعتنقونها، عقيدة جحد القدر يهدفون من وراء ذلك إلى القضاء على قيم الإيمان وعقيدة الإسلام التي تعلق قلوب الناس بما هو أرفع من مطالب الحيوان -دون أن تغفل أو تنسى ضروياتهم وحاجياتهم الأساسية- بل تجعل لهم مطالب أرقى وأشرف إلى جوار المطالب المادية التي يحتاجها الإنسان، والتي إذا اقتصر عليها ضاهى الحيوان وأشبهه.

وهذا الصراخ المستمر الذي تطلقه الحناجر المادية العلمانية والحداثية وغيرها ليس صراخًا بريئًا أو حياديًا أو موضوعيًا، بل هو خطة مقصودة لإقامة أصنام حديثة تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى وتكون لها السيادة العليا على قيم الحق والخير والفضيلة.

وعندما تصبح المادية صنمًا يكدح الناس حوله ويطوفون به في قداسة

ص: 1467

الأصنام، فإن كل القيم والاعتبارات الأخرى تداس في سبيله وتنتهك العقائد والقيم والأخلاق والأعراض والنظم والأسرة والضوابط والضمانات، كل هذه إذا تعارضت مع المادية وأوثانها وسدنتها فيجب أن تمحى وتزال وتمحق وتنتقص!!.

فماذا تكون الأصنام إن لم تكن هذه؟ إنه ليس حتمًا أن يكون الصنم حجرًا أو شجرًا أو جنًا، بل قد يكون الصنم مذهبًا أو منهجًا أو قيمة أو اعتبارًا أو لافتة أو لقبًا أو شخصًا أو نظامًا

(1)

إلى غير ذلك، ما دام متصفًا بأنه متبوع أو معبود أو مطاع من دون اللَّه تعالى.

ومن لا يفقه هذه الحقيقة على وجهها فإنه بلا ريب لم يفقه التوحيد ولم يفهم الإيمان ولم يعرف الإسلام!!.

وما أكثر الذين ينتسبون إلى الإسلام ولكنهم لا يفهمون هذه الحقيقة الأولية حق الفهم، ولا يدركون هذا المعنى العميق بالإيمان حق الإدراك، ولذلك تجدهم في ريبهم يترددون، وخاصة عندما تدق الجاهلية المعاصرة طبول إعلامها وأزلامها، في إشادة وتبجيل للماديات ونتاجها وقيمها واعتباراتها ومناهجها التي تسعى إلى تدمير مبادئ التوحيد والإيمان والولاء والبراء، ومقتضيات ولوازم هذه المبادئ العظيمة.

إن جحد هؤلاء ونفيهم لوجود قدر كوني يحكم هذه المخلوقات لهو أعظم دليل على مقدار العته الذي أصيبت بهم عقولهم المظلمة.

إن التناسق والانتظام والتكامل والانضباط الموجود والمحسوس في هذا الكون والحياة والمخلوقات هي أعظم دليل على أن كل شيء محكوم بقدر يحدد حقيقته وصفته ومساره ومقداره وحركته وسكونه وارتباطه بسائر ما حوله.

إن هذه الحقيقة العميقة الكبيرة الظاهرة غابت عن عقول الملاحدة الماديين، على رغم ادعائهم المتواصل بالعقلانية.

(1)

انظر: في ظلال القرآن 3/ 1800 - 1801.

ص: 1468

(على أن الأمر أعظم من هذا كله وأشمل في التقدير والتدبير، إن حركة هذا الكون كله بأحداثها ووقائعها وتياراتها مقدرة مدبرة صغيرها وكبيرها، كل حركة في التاريخ ككل انفعال في نفس فرد، ككل نفس يخرج من صدر! إن هذا النفس مقدر في وقته، مقدر في مكانه، مقدر في ظروفه كلها، مرتبط بنظام الوجود وحركة الكون، محسوب حسابه في التناسق الكوني، كالأحداث العظام الضخام!)

(1)

.

وإذا أردنا أن نتعرف على مدى الانحدار الفكري والاعتقادي في باب القضاء والقدر الذي وصل إليه أتباع الحداثة من خلال نفيهم لقدرة اللَّه تعالى وإرادته النافذة ومشيئته التي لا تحد؛ فلنطلع على بعض من هرائهم في هذا:

من ذلك: ما وضعه النصيري الوثني "أدونيس" في تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" من قواعد كفرية سار على منوالها الأتباع العمي الذين لا يعقلون، ومن هذه القواعد قوله:(. . . وسواء تحركت القصيدة الجديدة في مستوى اجتماعي، أو مستوى نفسي أو مستوى استعادي - ذكروي، فهي تتحرك في إطار هذا الزمن، الزمن القدر/ الخارجي. هذا المفهوم للزمن يبقينا في إطار النظرة التقليدية القائلة بأن الآلام والشرور "طبيعية" لا يُمكن الخلاص منها، والنظرة الجديدة "الشعرية" هي التي تقول بأن الآلام والشرور "غير طبيعية" ولذلك يُمكن الخلاص منها، النظرة الجديدة هي الخروج من قدر الطبيعة والدخول في إرادة الإنسان، هي الخروج من الثبات إلى التحول، هي الخروج من الصراعات والتناقضات الذهنية، والدخول في عالم الصراعات والتناقضات الحياتية، هي الإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم معًا قادر على صنع التاريخ، والقصيدة الجديدة هي التي تكون من هذه الشرفة، مسرحًا للعالم)

(2)

.

إن هذا القول المتولد من المادية الإلحادية ليس سوى دعاوى مفتقرة

(1)

في ظلال القرآن 6/ 3440.

(2)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 283.

ص: 1469

إلى أدنى بينة أو دليل، وإلّا كيف يُمكن الخروج من إطار القضاء والقدر؟ هل يُمكن تحويل الشمس عن مجراها؟ أو النجوم عن مسارها؟ أم هل يُمكن إخراج الحياة الكونية المترابطة من أصغر ذراتها إلى أكبر أفلاكها من إطار التسخير الرباني والتقدير الإلهي؟.

إن استطاع أدونيس وكل أشباهه وأتباعه أن يفعلوا ذلك فليفعلوه!!.

ثم لماذا يربط نظرته المادية الجامدة بقضية التحول والتقدم؟ وهي في الحقيقة نظرة لا تبتعد قيد أنملة عن مطالب الأرض وحظوظ الأرض ومقاصد الحيوان!!.

أليست هذه هي النظرة الجامدة اليابسة المنحطة، التي تأبى الرقي إلى أفق التوحيد والإيمان الأعلى والأرقى الذي يخلص الإنسان من وحول الماديات ويرتفع به إلى قمم سامقة عالية منيفة لا يُمكن للمادي الملحد أن يحلم بها فضلًا عن أن يعيشها أو يمارسها أو يذوق حلاوتها!!.

أمَّا القول بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم معًا وعلى صنع التاريخ، فهذه فكرة مسروقة عن المادية الجدلية المتمثلة في الماركسية، التي تقول بحتمية صراع الطبقات ثم حتمية التقدم نحو النمط المسمى "ديكتاتورية البلوريتاريتا" وهي فكرة ساقطة أثبتت الحوادث والأيام أنها مجرد وهم وخرافة تداعت بتداعي بنيان دولة الإلحاد المادي الشرقي "الاتحاد السوفيتي" بيد أن فكرة أن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم ليست مقتصرة على مذهب ذوي العاهات الفكرية "الماركسية"، بل هي أصل لجميع المذاهب المادية في الغرب، وقد استنسخها أدونيس فيما استنسخ من أفكار وعقائد ثم جاء بها تحت مضلات مخادعة.

فما الذي نتج من خلال هذا الزعم المادي القائل بالقدرة المطلقة للإنسان في تغيير نفسه والعالم؟.

إن الذي حدث هو التسارع المفرط في درب الانحطاط البهيمي الحيواني فتحول الإنسان إلى جهاز آلي أو كتلة حيوانية!!.

ص: 1470

لقد أحرزوا انتصارات شتى في اكتشافات القوانين الكونية وتسخيرها، وتحقق في عالم الصناعة والطب والمكتشفات والمصنوعات ما يشبه الخوارق -بالنسبة للماضي- وما يزالون في طريقهم لإحراز انتصارات واكتشافات مادية أخرى، ولكن ما أثر هذا كله في حياتهم؟ وما تأثيره في نفسياتهم وسلوكياتهم؟ هل وجدوا السعادة؟ هل وجدوا الطمأنينة؟ هل وجدوا السلام؟ هل زالت الآلام والشرور التي يزعم أدونيس إنه يُمكن للإنسان الخلاص منها؟.

كلا لقد عمهم الشقاء والقلق والخوف والأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والجريمة، وها هي شهادة أحد فلاسفتهم ومنظريهم المعاصرين يقول:(سبب الازدياد المطرد في عدد الجرائم الجنسية في أوروبا وأمريكا، القدر الكبير من القلق والجزع والخوف، ومن الإنصاف أن نقول بأن كل أصناف الجريمة قد ازدادت، إلّا أن الجريمة والعنف الجنسيين قد سجلا أكبر نسبة من الازدياد)

(1)

، ثم يذكر أرقامًا تصاعدية لعدد الجرائم ثم يضيف:(وفي الولايات المتحدة مايزيد على 15000 اعتداءً جنسيًا في العالم، والسبب هو بلا شك الضغوط والتوترات الاجتماعية المتنامية في مجتمعنا الحضاري الآلي)

(2)

.

ويقول: (إن مجتمعًا كمجتمعنا هو تربة خصبة مثالية لنمو كل أنواع الشذوذ الجنسي)

(3)

.

ويقول معللًا هذه الظواهر الشريرة: (. . . إن انهيار "القيم" في مجتمعنا الذي حلله نيتشه بعمق كبير، لا بد أن يؤدي حتمًا إلى زيادة السادية

(4)

. . . وينبغي أن ندرك أن هذا الانهيار هو في معظمه "انهيار ثقافي"

(1)

و

(2)

أصول الدافع الجنسي: ص 258 لكولن ولسن.

(3)

المصدر السابق: ص 244.

(4)

السادية: ضرب من الانحراف الجنسي، يتميز بالحصول على اللذة الجنسية والاستمتاع الشهواني من جراء إساءة معاملة الأفراد الآخرين من الذكور والإناث، تستخدم هذه اللفظة أحيانًا بشكل عام للدلالة على حب القسوة والفظاظة والتلذذ بتعذيب الطرف =

ص: 1471

وثقافة مجتمع ما هي نوع من الثقل المقابل لضغوط الاجتماعية. . . فنحن نعيش في حضارة ذات ثقافة مادية أساسيًا)

(1)

.

ويقول: (. . . وفي يومنا هذا، فالجريمة المنحرفة المثالية تأتي غالبًا من السأم وتدعى "جريمة السأم" أي الجريمة التي ليس لها أي دافع معين والتي تنتج عن "الجريمة الزائدة" وعن فقدان أي إحساس بالهدف)

(2)

.

لقد فقدوا الإطار الإيماني الذي يضبط الحياة والنفس ويسيّر الجميع في توافق وانسجام، لقد فقدوا التصور الصحيح للغاية من الوجود الإنساني ولأهداف الحياة الإنسانية (وحين تقاس غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية في ذهن الرجل المتحضر المعاصر، إلى التصور الإسلامي في هذا الجانب، تبدو هذه الحضارة في غاية القزامة! بل تبدو لعنة تحط من تصور الإنسان لنفسه ومقامه في هذا الوجود، وتسفل به، وتصغر من اهتماماته ومن أشواقه! والخواء يأكل قلب البشرية المكدود والحيرة تهدد روحها المتعبة. . إنها لا تجد اللَّه. . لقد أبعدتها عنه ملابسات نكدة، والعلم الذي كان من شأنه، لو سار تحت منهج اللَّه، أن يجعل من كل انتصار للبشرية في ميدانه خطوة تقربها من اللَّه، هو ذاته الذي تبعد به البشرية أشواطًا بسبب انطماس روحها ونكستها، انها لا تجد النور الذي يكشف لها غاية وجودها الحقيقية فتنطلق إليها مستعينة بهذا العلم الذي منحه اللَّه لها ووهبها الاستعداد له، ولا تجد النظام الذي ينسق بين طاقاتها وقواها، وآخرتها ودنياها، وأفرادها وجماعاتها، وواجباتها وحقوقها، تنسيقًا طبيعيًا شاملًا مريحًا. . وهذه البشرية هي التي يعمل ناس منها على حرمانها من منهج اللَّه الهادي، وهم الذين يسمون التطلع إلى هذا المنهج "رجعية"! ويحسونه مجرد حنين

= الثاني، وهي مشتقة من اسم المركيز الفرنسي في ساد الذي كتب مطولًا في هذا الموضوع وارتكب العديد من جرائم الجنس ويقابل السادية المازوكية. انظر: موسوعة علم النفس: ص 136.

(1)

أصول الدافع الجنسي: ص 257.

(2)

المصدر السابق: ص 260.

ص: 1472

إلى فترة زاهية من فترات التاريخ. . وهم بجهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يحرمون البشرية التطلع إلى المنهج الوحيد الذي يُمكن أن يقود خطاها إلى السلام والطمأنينة، كما يقود خطاها إلى النمو والرقي، ونحن الذين نؤمن بهذا المنهج نعرف إلى ماذا ندعو، إننا نرى واقع البشرية النكد، ونشم رائحة المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه، ونرى هنالك على الأفق الصاعد راية النجاح تلوح للمكدوديين في هجير الصحراء المحرق، والمرتقى الوضيء النظيف يلوح للغارقين في المستنقع، ونرى أن قيادة البشرية إن لم ترد إلى هذا المنهج فهي في طريقها إلى الارتكاس الشائن لكل تاريخ الإنسان، ولكل معنى من معاني الإنسان!)

(1)

.

أمَّا أوعية التلقي المادي من أبناء البلاد الإسلامي من علمانيين وحداثيين ووجوديين وغيرهم، فإنهم يأبون إلّا أن يكونوا نسخًا مكرورة للأرجاس الوثنية المادية المعاصرة، وصورًا منسوخة عن الانحرافات الضلالية الحديثة، فها هو أحدهم في كتابه "بحثًا عن الحداثة" يقول:(في الخرافة يتجلى ثاني أساسيات الثقافة العربية بوصفه تفسيرًا للفاعلية وتعليقًا لها على وجود آخر غير منظور، وتنتشر تمثلات الخرافة تحت شتى المسميات، فهي القدر مرة، وهي الشيطان أو الكائنات الأسطورية مرة أخرى. . .)

(2)

.

وليس جديدًا أن تصبح الدعاوى الإلحادية الكفرية حقًا وحقيقة عند أصحابها، وتصبح الحقائق اليقينية خرافة ووهمًا، فقد دأب على ذلك جميع الجاهليين القدماء والمحدثين {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}

(3)

.

ومن هذا التكذيب زعمهم أن الغيب خرافة والقدر خرافة، وهم لم يحيطوا بعلم ما كذبوا به بل هم في غاية الجهل والتجاهل، مع تطاول وتعالم وادعاء بأنهم أصحاب العقول والنظر والمنطق، ولا جرم أنهم أبعد

(1)

في ظلال القرآن 1/ 440 - 441.

(2)

بحثًا عن الحداثة لمحمد الأسعد: ص 66.

(3)

الآية 39 من سورة يونس.

ص: 1473

الناس عن هذا، وأشدهم تنكبًا لطريق العلم واليقين والبرهان، انظر قول الباطني "أدونيس":

(القدر اهتز على البحار

وانكسرت خواتم الخرافة

وها هي الأغوار

فاترك لنا أن نزرع الشطآن بالمحار

أن نرسي الفلك على صنيّن

واترك لنا أن نصعق التنين

يا سيد الخرافة)

(1)

.

فهو يصف كيف أن القدر أصبح عند الغربيين -ورمزهم البحار- خرافة، ثم يشيد بذلك زاعمًا أن هذه الضلالة أو صلتهم إلى الأغوار والفهم العميق، ويتمنى أن يسلك سبيلهم ليزرع الشطآن وسائر البلدان بهذه الفكرة الغربية القائمة على كسر خرافة القدر -كما يزعم- ثم ينادي بقتل التنين والخرافة، وهما رمزان للتخلف يقصد بهما الدين وقضاياه، ومنها القدر.

وهكذا ينتحب الإلحاد في صورة شوهاء واستلقاء فكري انثوي!!.

أين هؤلاء عن أقوال الغربيين الذين اكتشفوا هزال حياتهم وشتاتها وفسادها وتناقضها وانحدارها؟ وهم كثير، بعضهم استطاع أن يصف الداء ويشخص المرض ويطنب في توصيف ذلك، وبعضهم اهتدى للدواء الشافي من هذه العلل، ومنهم - على سبيل المثال "ركس انجرام

(2)

" الذي قال بعد

(1)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 396.

(2)

ركس انجرام، ولد في اسكتلندا في أواخر القرن الماضي وشارك في الحرب العالمية الأولى، ثم رحل إلى العديد من بلاد الشرق ودرس لغاتها وأديانها، وانتهى به المطاف مصورًا سينمائيًا في هوليود، ثم اعتنق الإسلام بعد أن وجد ضالته المنشودة. انظر: كتاب قالوا عن الإسلام: ص 154.

ص: 1474

أن هداه اللَّه للإسلام: (إني أعتقد أن الإسلام هو الدين الذي يدخل السلام والسكينة إلى النفس ويلهم العزاء وراحة البال والسلوى في هذه الحياة، وقد تسرب روح الإسلام إلى نفسي فشعرت بنعمة الإيمان بالقضاء الإلهي وعدم المبالاة بالمؤثرات المادية من لذة وألم، لقد درست الدين الإسلامي مدة سنين ولم أتخذه دينًا إلّا بعد بحث قلبي عميق، وتحليل نفسي طويل، لم أغير ديني إلّا لكي أجد الراحة من ضجيج الحياة الجنوني، ولأنعم بالسكينة في ظلال الهدوء والتأمل بعيدًا عن متاعب الهموم والمحن التي يسببها التكالب على الكسب والتهالك على المال الذي أصبح اليوم معبود البشر وإلههم، ولأخلص نفسي من براثن الأغراء وخدع الحياة الباطلة، والشراب والمخدرات، وجنون فرقة الجاز، أسلمت لكي أنقذ ذهني وعقلي وحياتي من الهدم والتدمير)

(1)

.

ومنهم "دونالدر كويل

(2)

" القائل: (لقد جذبني إلى الإسلام عوامل كثيرة لا أستطيع حصرها أو الوقوف عليها جميعًا؛ لأن منها الظاهر الجلي الذي لا يماري فيه إنسان، وجمنها الباطن الخفي الذي يغوص في أعماق الروح ويكمن في خبايا الضمير، لقد قرأت عن الإسلام وقرأت عن القرآن وشيئًا يسيرًا من سيرة محمد بن عبد اللَّه عليه الصلاة والسلام فلفت نظري الشيء الكثير، لفت نظري بساطة العقيدة الإسلامية وسهولتها، فليست هناك أسرار ولا ألغاز تؤمن بها ولا تناقشها، بل مرد الإيمان إلى العقل والنظر في ملكوت اللَّه، وما في الكون من نظام بديع يهدي ضرورة إلى وجود إله متصرف له الخلق والأمر)

(3)

.

(1)

قالوا عن الإسلام لعماد الدين خليل: ص 154 - 155 وقد نقل ذلك من كتاب رجال ونساء أسلموا 1/ 32.

(2)

دونالدركويل: أمريكي من مواليد يتلورفيل، تلقى تعليمه في مدرسة سيرنج فيلد العليا بواشنطن ثم أتم دراساته في جامعات واشنطن وكولومبيا حيث نال جوائز علمية كثيرة وهو شاعر وناقد أدبي صحفي، اعتنق الإسلام بعد طول بحث وتأمل. انظر: قالوا عن الإسلام: ص 182، ورجال ونساء أسلموا 7/ 9.

(3)

رجال ونساء أسلموا 7/ 9 - 10.

ص: 1475

وإذا كان أدونيس وأمثاله من أجهزة الاستقبال الحداثي العلماني المادي؛ يرون أن الفهم الأعمق للحياة هو باطراح الإيمان ونفي القضاء والقدر وجعل القيم الدينية مجرد خرافة؛ يرون ذلك ويعتقدونه رضوخًا للفلسفة المادية التي اعتنقوها، وإرضاء لمعلميهم من أساتذة وفلاسفة الغرب.

إذا كانوا كذلك فإننا نجد من مفكري الغرب ومجربيه من يرى السقم والمرض والانهيار والتخلف في نسيج الحياة الغربية، ومن يرى أن حياة المسلمين البسطاء فيها من دواعي الطمأنينة والسعادة ما ليس في ثقافة وقيم الحياة الغربية.

يقول مؤلف كتاب "إنسانية الإنسان": (أصبحت المدن العصرية، بخاصة الحواضر الأميركية الضخمة كابوسًا مزعجًا لأنها تفشل باطراد في توفير محيط مرض للحاجات غير المتغيرة في طبيعية الإنسان البيولوجية، ولتطوره الثقافي. . .)

(1)

.

ويقول: (بحب اعتبار أكثر الناس في بلاد المدنية الغربية -وبخاصة أمريكا اليوم- من الجانحين لأنهم يتصرفون وكأنّما المقياس الوحيد لسلوكهم هو إرضاء رغباتهم ودوافعهم الغريزية الآتية دون النظر لعواقب ذلك. . .)

(2)

.

وعندما يتحدث عن حرية الإنسان والإرادة الحرة يبين أنه لا توجد إرادة حرة طليقة بل لا بد من ضوابط تحديدية كونية وعضوية لا يُمكن للإنسان أن يخرج عنها، وهو لا يتحدث في هذا من فراغ بل هو أخصائي كبير في علم الحياة "البيولوجيا" وحاصل على جائزة نوبل في العلوم سنة 1976 م/ 1396 هـ.

ومع كونه يعتقد بخرافة "دارون" لكنه توصل إلى حقيقة وجود ضوابط تحديدية لا يُمكن للإنسان أن ينفك عنها، وهذه الضوابط التي يطلق عليها "التحديدية الجبرية" هي ما يُمكن أن يسمى في دين الإسلام "القضاء والقدر"

(1)

إنسانية الإنسان لرينيه دوبو: ص 248 تعريب نبيل الطويل.

(2)

المصدر السابق: ص 222.

ص: 1476

حيث لا يُمكن للإنسان أن يخرج من إطاره ونظامه وقانونه مهما فعل.

يقول المؤلف المشار إليه: (. . . والمواقف تجاه مشاكل الحياة التي تندرج تحت تعبير "إرادة حرة" و"تحيديدية جبرية" قد تظهر في المستقبل أقل تعارضًا إذا اكتشف فيما بعد أن النشاطات الحياتية تضم فكرًا أكثر دقة وعمقًا مما يسيطر الآن على ميادين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا. . . يظهر أن الحرية تنعدم وتغيب لأن كل نواحي السلوك متأثرة بعوامل تكوينية، إرثية، وتجريبية، وبيئية. . . على كل حال أن في حدود وإمكانات الحرية عناصر تحديدية كافية في القوى المحيطة، وفي الخصائص البيولوجية الموروثة والمكتسبة في بنية كل فرد. . . الإرادة الحرة لا تستطيع العمل إلّا حيث يوجد نوع ما من الإيمان والاقتناع، وتعتبر القيم غير قابلة للتغيير لأنه من المعتقد أنها جزء لا يتجزأ من الطبيعة الأخلاقية في الإنسان. . . والمعلومات العلمية وحدها لا تقدر على تحديد أو فرض قيم تتحكم بالسلوك ولكنها توفر حقائق يُمكن على أساسها الاختيار.

صحيح أن الاختيار يكون أكثر منطقية إذا بني على معلومات حقيقة وعلى تقدير للنتائج، إلّا أنه -أي الاختيار- يحتفظ دائمًا بعنصر شخصي؛ لأنه في النهاية يضم محاكمة تقييمية، وهذه أيضًا تشكل بدورها تعبيرًا آخر عن الاستقطاب:"الحرية"، "التحديدية الجبرية" وهي من أهم الخصائص المميزة في الحياة الإنسانية. . . أمَّا الإنسان فهو حر لأنه قادر على عدم ارتكاب الخطيئة وله الخيار في ذلك. . . والتعريف الميكانيكي لحياة الإنسان يخطيء الهدف؛ لأن ما هو إنساني في الإنسان هو نفسه بالتحديد "غير مكانيكي")

(1)

.

هذه الأقوال تدل في مجملها -على ما فيها من المآخذ- على أن الإنسان محكوم بقانون كوني لا يستطيع الخروج عنه مهما حاول أو تطاول.

أمَّا مؤلف كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" فقد أورد في آخر كتابه هذا

(1)

المصدر السابق: ص 164 - 168.

ص: 1477

قصصًا واقعية يروي أصحابها كيف قهروا القلق، ومن ضمن هذه القصص، قصة رحالة أوروبي عاش بين مجموعة من المسلمين في بادية أفريقيا الشمالية الغربية مدة سبعة أعوام، وألف مجموعة من الكتب منها كتاب بعنوان "رياح على الصحراء" وآخر عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعنوان "الرسول".

يقول هذا الرحالة: (في عام 1918 م وليت ظهري العالم الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر أفريقيا الشمالية الغربية حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغنامًا وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام، حتى أنني ألفت كتابًا عن محمد صلى الله عليه وسلم عنوانه "الرسول" وقد كانت تلك الأعوام أمتع سني حياتي وأحفلها بالسلام والاطمئنان والرضا بالحياة.

وقد تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق، فهم بوصفهم مسلمين يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذًا سهلًا هنيًا، فهم لا يتعجلون أمرًا، ولا يلقون بأنفسهم بين براثن الهم قلقًا على أمر، إنهم يؤمنون بأن "ما قدر يكون" وأن الفرد منهم "لن يصيبه إلّا ما كتب اللَّه له" وليس معنى هذا أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي، كلا!.

ودعني أضرب لك مثالًا لما أعنيه: هبت ذات يوم عاصفة عاتية حملت رمال الصحراء وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي "الرون" في فرنسا وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأسي يتزعزع من منابته لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون، ولكن العرب لم يشكوا إطلاقًا فقد هزوا أكتافهم وقالوا كلمتهم المأثورة "قضاء مكتوب".

لكنهم ما أن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتهم، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء دون أن تبدو من

ص: 1478

أحدهم شكوى، قال رئيس القبيلة الشيخ:"لم نفقد الشيء الكثير، فقد كنا خليقين بأن نفقد كل شيء، ولكن حمدًا للَّه وشكرًا فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ بها عملنا من جديد".

وثمة حادثة أخرى: فقد كنا نقطع الصحراء بالسيارة يومًا فانفجر أحد الإطارات، وكان السائق قد نسي استحضار إطار احتياطي، وتولاني الغضب، وانتابني القلق والهم، وسألت صحبي من الأعراب "ماذا عسى أن تفعل؟ " فذكروني بأن الاندفاع إلى الغضب لن يجدي فتيلًا، بل هو خليق أن يدفع الإنسان إلى الطيش والحمق، ومن ثم درجت بنا السيارة وهي تجري على ثلاث إطارات ليس إلّا، لكنها ما لبثت أن كفت عن السير، وعلمت أن البنزين قد نفذ، وهنالك أيضًا لم تثر ثائرة أحد من رفاقي الأعراب، ولا فارقهم هدوءهم، بل مضوا يذرعون الطريق سيرًا على الأقدام وهم يترنمون بالغناء!.

قد أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين الأعراب الرحل، أن الملتاثين ومرض النفوس والسكريين، الذين تحفل بهم أمريكا وأوروبا، ما هم إلّا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة أساسًا لها.

إنني لم أعان شيئًا من القلق قط، وأنا أعيش في الصحراء بل هنالك في جنة اللَّه، وجدت السكينة والقناعة والرضا، وكثيرون من الناس يهزأون بالجبرية التي يؤمن بها الأعراب ويسخرون من امتثالهم للقضاء والقدر، ولكن من يدري؟، فلعل الأعراب أصابوا كبد الحقيقة، فإني إذ أعود بذاكرتي إلى الوراء، وأستعرض حياتي، أرى جليًا أنها كانت تتشكل في فترات متباعدة تبعًا لحوادث تطرأ عليها، ولم تكن قط في الحسبان أو مما أستطيع له دفعًا، والعرب يطلقون على هذا اللون من الحوادث اسم "قدر" أو "قسمة" أو "قضاء اللَّه" وسمه أنت ما شئت.

وخلاصة القول: إنني بعد انقضاء سبعة عشر عامًا على مغادرتي الصحراء، ما زلت أتخذ موقف العرب حيال قضاء اللَّه، فأقابل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء والامتثال والسكينة، ولقد أفلحت هذه الطباع

ص: 1479

التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير)

(1)

.

فإذا كانت نفحة من نفحات الإيمان بالقضاء فعلت بهذا الرجل ما فعلت على الرغم من الشوب الموجود في كلامه مثل تسمية القدر "جبرًا"، فكيف لو ضارع هذا إيمان باللَّه تعالى؟.

والمقصود من كل هذه الإيرادات أن هناك من الغربيين من عرف بتجربته العلمية أو العملية أن القضاء والقدر حقيقة وليس خرافة كما يقول مقلدة المذهب الإلحادي من العرب، ولست في إيرادي هذه الأقوال أريد إثبات حقيقة قاطعة يقينية، بقدر ما أريد أن أبين أن أتباع المذهب الإلحادي في غمرة انغماسهم في تقليد الماديين الملحدين الغربيين عموا وصموا عن رؤية وسماع أقوال أخرى وتجارب أخرى هي أقرب في لهجتها وطرحها إلى الصدق والتجرد والموضوعية.

ومن هذا المنطلق تبدو لنا إحدى مشكلات الحداثة العربية المعتمدة في تقليدها على نظرة آحادية جامدة مصوبة نحو فلاسفة وأساتذة المادية والإلحاد، مغفلة بجهل أو تجاهل أي أقوال أخرى، بل بلغ ببعضهم التطرف الإلحادي أن اعتبر مقولات بعض الغربيين الذين أسلموا أو الذين امتدحوا بعض عقائد الإسلام؛ اعتبروها تخلفًا ورجعية وانتكاسة، وقد مرت معنا بعض أقوال محمد أركون، التي انتقد فيها موريس بوكاي في دراسته للكتب السماوية وترجيحه وتقديمه للقرآن على ما سواه، وأقوال الطيب تزيني عن رجاء جارودي، حيث ألف كتابًا عنه يناقش فيه إعلانه الدخول في الإسلام الذي عده "ردّة"!!.

ومن الأقوال الشنيعة قول النصراني أنسي الحاج الحداثي الملحد:

(يا اللَّه، أتحب حجتك للإنسان أكثر أم حكمتك؟

(1)

دع القلق وابدأ الحياة لديل كارنيجي: ص 290 - 292 تعريب عبد المنعم محمد الزيادي، وهذه التجربة نقلها كارنيجي عن ر. ن. س. يودلي.

ص: 1480

هل أنت أسير حكمتك، قضائك وقدرك؟

ولا يكسر طوقهما، ولايحرر منهما، إلّا المعجزة إجباري

إياك بالصلاة أو بتحريكي شعورك بالذنب

أو بأي شيء آخر، على اجتراح المعجزة؟

المعجزة هي منك أم ضدك؟ من أنت يا اللَّه!؟)

(1)

.

ويقول أيضًا: (المعجزة، التي هي ترجمة للقوة الخارقة للمشيئة الإلهية، هي في الوقت ذاته دليل إلى ألوهية الإنسان)

(2)

.

سبحان اللَّه وتعالى وتقدس عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.

وفي مناقشة غبية سخيفة أجراها العلماني الملحد، الحداثي اللبناني "عادل ظاهر" في ندوة الإسلام والحداثة، عن الإسلام والعلمانية حيث تكلم عن الإسلام بجهل فاضح وتحامل واضح، وعن العلمانية بتقديس وتأليه، مما يؤكد أن العلمانية أضحت وثنًا يعبد من دون اللَّه تعالى، وثنًا اعتباريًا يتمثل في منهج طاغوتي يُتَّبع ويخضع له في ذلة وانكسار.

ومن أقوال هذا المتردي قوله: (. . . إن إصرار منظري الصحوة على جعل السياسة بعدًا جوهريًا من أبعاد الإسلام هو بمثابة إصرار من قبلهم على أن الأحداث التي رافقت نشأة الإسلام ما كانت لتجري إلّا كما جرت عليه، ولم يكن حتى اللَّه يملك في أن يغير في مجراها. . .)

(3)

.

أمَّا كون السياسة من الإسلام فهذا حق أصيل، وحقيقة ثابتة وإن رغصت آناف كل العلمانيين والماديين الذين لا يستطيعون مهما حاولوا أن يجعلوا الإسلام كهنوتًا كما فعل أساتذتهم الغربيون!!.

أمَّا إصرار السلف على أن الأحداث ما كانت لتجري إلّا كما جرت

(1)

مجلة الناقد، عدد 18 كانون الأول 1989 م/ 1410 هـ: ص 8 - 9.

(2)

خواتم: ص 61.

(3)

الإسلام والحداثة: ص 78 - 79.

ص: 1481

عليه، فهذه عقيدة كل مسلم يؤمن باللَّه تعالى من السلف والخلف كما قال تعالى:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)}

(1)

.

ووصف العلماني الجاهل هذه العقيدة بأنها إصرار من قبلنا يدل على مقدار الجهالة بالإسلام وعقائده وتاريخه وواقعه، كما يدل على أنه يجحد قدر اللَّه تعالى وقدرته على إجراء الأحداث والوقائع وفق مشيئته -جلَّ وعلا-.

أمَّا وصفه للسلف بأنهم مع عقيدتهم في القدر يرون بأن اللَّه لا يملك أن يغير مجرى الأحداث، فهذا كذب وافتراء على عقيدة السلف وأتباعهم إلى يوم القيامة، ويكفي في الدلالة على عمق الجهالة والاستخفاف بعقول الناس والكذب الصريح، ما في هذا النص من مغالطات وأكاذيب تدل بجلاء على نوعية الخصومة التي يرفع الحداثيون والعلمانيون لواءها ضد الإسلام وأهله.

ولو أني بليت بهاشمي

خؤولته بنو عبد المدان

لهان عليّ ما ألقى

ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني

(2)

!!

فلا عقول يُمكن مناظرتها، ولا احترام للحقيقة يُمكن الاستمساك بها، إضافة إلى الكذب العلمي والافتراء الفكري على أقوال المناوئين!!.

وعلى غرار أسئلة أنسي الحاج الشكية الإلحادية التي سبق آنفًا نقلها، نجد صلاح عبد الصبور يطرح أسئلة على لسان أحد شخصيات مسرحية "الحلاج" حيث يقول:

(يا حلاج

الشر قديم الكون

(1)

الآية 22 من سورة الحديد.

(2)

البيتان قائلهما دعبل الخزاعي، وقيل: زياد بن عبيد اللَّه الحارثي. انظر: ديوان دعبل: ص 157، والكامل للمبرد 2/ 980، وأخبار أبي تمام للصولي: ص 39.

ص: 1482

الشر أريد بمن في الكون

كيف يعرف ربي من ينجو ممن يتردى؟)

(1)

.

قال اللَّه تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70)}

(2)

.

ويصوغ صلاح عبد الصبور نفيه للقضاء والقدر في صيغةٍ تمريضية "قيل لكم" وأخرى تشكيكية "فيما رواه الناس"، وذلك في قوله:

(وقيل لكم:

بأن حياتكم جسر، وأن بقاءكم مسطور

خطى تخطى بميقات إلى دار ببابين

نطوف بها كومض شعاعة العين

وأن العاقل المبرور من يحيا بلا زاد

ليجمع زاد رحلته

لأن وراء هذه الدار فيما قد رواه الناس

شطوطًا طاميات موجها ديجور)

(3)

.

ثم يواصل في وصف المعاد بالصورة التشكيكية الموصلة إلى النفي المحض، ولكنه لم يكتف بذلك بل أعقب هذا الهراء بقول يؤكد فيه أنه يرى القدر والمعاد زيفًا وقولًا ساقطًا اعتلى مكانة بين الناس بسبب الترديد، فيقول:

(أقول لكم بأن الزيف قد يقتات بالفطنة

وسقط القول قد يعلو بأجنحة من الترديد)

(4)

.

(1)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 474.

(2)

الآية 70 من سورة الحج.

(3)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 167.

(4)

المصدر السابق: ص 168.

ص: 1483

ولنزار قباني خوض واسع في المستنقع الآسن "نفي القدر" ومن ذلك قوله:

(أنا رجل بلا قدر

فكوني. . أنت لي قدري

وأبقيني على نهديك

مثل النقش في الحجر)

(1)

.

وهذا بعض كبره واستكباره الدنيء البذيء على اللَّه مالك الملك، ونحوه قوله:

(مشيئة الأقدار لا تردني

أنا الذي أغير الأقدار)

(2)

.

ومراده نفي القدر وأنه لا يخضع لسلطانه، بل هو الذي يغير القدر، ويقال لهذا الصغير المتطاول: إذا جاءك الموت فلا تقبل به وردّه إن استطعت!!.

أمَّا تعبيره بمشيئة الأقدار فسوف تأتي مناقشة ذلك في هذا الفصل عند الكلام على أن الأقدار لا تضاف إليها الصفات والأفعال الاختيارية، وهذا القول من الجهل الفاضح باللغة والمعاني، ودلالاتها، ومثله في نفي القدر مع إضافة المشيئة له مع نفي مشيئة اللَّه القادر العليم، قول الشيوعي الفلسطيني سميح القاسم:

(ومشيئة الرحمن والأقدار

بعض من نفايات القرون!)

(3)

.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني 1/ 654.

(2)

المصدر السابق 3/ 329.

(3)

ديوان سميح القاسم: ص 323.

ص: 1484

وتاللَّه إن العقيدة الحداثية والفكرة الماركسية هي التي من نفايات القرون، إذ أنها في جوهرها امتداد لأقوال الكفار والمشركين الأوائل.

وليس هذا فحسب بل هذه العقائد الجاهلية المعاصرة جزء من نفايات هذا العصر، وحسبك ما وصلت إليه الشيوعية من اضمحلال وانتهاء، بعد تفتت دولة الإلحاد "الاتحاد السوفيتي" وتحطم المنجل والمطرقة التي سجد لوثنيتها سميح القاسم وأمثاله من الماركسيين العرب!!.

ومن أقواله الجاحدة للقضاء والقدر، وعلى طريقة صلاح عبد الصبور المشار إليها آنفًا، قوله:

(كنت طفلًا، آنذاك. .

علموني أن مجرى الأرض في كف السماء

علموني أنه سبحانه يحيى ويفني ما يشاء

علموني أن أطيع الأولياء

دون أن أسأل: من كانوا؟.

وماذا صنعوا للتعساء؟!

علموني الدجل والرقص على الحبل

وإذلال النساء

علموني السحر والإيمان بالأشباح

والرقية والتعزيم

والخوف إذا جاء المساء!

علموني ما يشاؤون، ولم يستنبئوني ما أشاء

فرس الخضر. . كفيل بي

وحسبي الفقهاء!!

ص: 1485

يا أبي المهزوم. . يا أمي الذليلة!

إنني أقذف للشيطان، ما أورثتماني

من تعاليم القبيلة!

إنني أرفضها تلك الطقوس الهمجية

إنني اجتثها من جذرها

تلك المراسيم الغبية

إنني أبصق أحقادي وعاري

في وجوه الأولياء الصالحين

إنني أركل قاذورات ذلي وانكساري

للتكايا والدراويش

وأقزام الكراسي النابحين!

إنني أصرخ من قعر جحيمي:

يا وحلًا لصقت في نعل تاريخي العظيم

إنني أحكم بالموت عليك)

(1)

.

وهذا السباب والشتائم العلمانية دليل على مقدار المخزون التربوي الذي يتمتع به هؤلاء!، ولست بصدد الرد على هذه الألفاظ السوقية الرخيصة، ولكني أريد أن أقول للمغفلين أو المستغفلين من أبناء المسلمين هذا نموذج للحداثة العربية، في العقيدة والهوية والأدب!.

أليس من العار عليكم إن كنتم تؤمنون باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا أن تدافعوا عن هؤلاء أو تغضوا الطرف عنهم أو عن تلامذتهم الذين سودوا الصحف والمجلات في الثناء والإشادة والدعاية لهؤلاء الملاحدة؟!.

(1)

المصدر السابق: ص 238 - 239.

ص: 1486

فإن لَمْ تندفع في أعراقكم الحمية للإسلام فلا أقل من أن تسكتوا عن الدفاع والمدح، أما أن تدافعوا أو تحاولوا الجمع بين الأقوال وإمساك العصا من النصف، فهذا غير لائق بكم ولا بدينكم إن كنتم أهل دين وإيمان!.

ويقول الفيتوري:

(ولئن القدر السيد عبد يتأله

والنبوات مظله

والديانات تعله

هب من كل ضريح في بلادي

كل ميت مندثر

كل روح منكسر

ناقمًا على البشر

كل أعداء البشر

كافرًا بالسماء، والقضاء والقدر)

(1)

.

ويقول:

(إن الأجراس الوثنية

والأقدار الكهنوتية

أكلتها نار الحرية

ما أبقت منها غير دخان

فاكتب يا جبار الأحزان

اكتب عن فجر البشرية

(1)

ديوان الفيتوري 1/ 113.

ص: 1487

عن آخر أيام الطغيان)

(1)

.

ويقول عبد الرحمن منيف في مدن الملح: (. . . في هذه الحياة كل شيء قسمة، كل شيء صدفة، وعلى الإنسان الذكي ألا يفوت الفرصة)

(2)

.

أمَّا رواية "ليلة القدر" للطاهر بن جلون فقد ملأها بما أسماه أحد المادحين له وللرواية في مجلة الناقد، بالانتهاك والانتقام من الماضي، على حد تعبير الناقد المادح (يمعن بن جلون في لعبة الانتهاك وكسر الممنوع والهذيان)

(3)

، (يكتب بن جلون ليلة القدر كي ينتقم من الماضي في استمراريته ومن الواقع المغلق)

(4)

.

وقد حصل بن جلون بهذه الرواية على جائزة "غونكور" الفرنسية وهي أكبر جائزة أدبية تمنح في فرنسا

(5)

، وهذه الجائزة شهادة على مدى الانسجام الفكري والثقافي والاعتقادي مع مضامين الثقافة والقيم الفرنسية الفرنكفونية!!.

وهذه الرواية مليئة بالضلال الاعتقادي والفساد الخلقي؛ ولذلك استحق عليها هذه الجائزة ونالت اهتمام الملاحق الأدبية الحداثية، ومن هذه الضلالات في باب القدر، قوله:(لقد أبعدت الصدفة والقدر المرض عن الدار كان التيفود يختار جيراننا القريبين من بيتنا ويتلافى دارنا مواصلًا عمله المميت. . . وقد عملت فكرة إنجاب هذا الطفل، ولو أنهما مخالفة للمشيئة الإلهية على تغيير حياتي. . .)

(6)

.

فهذا جحد صريح لمشيئة اللَّه النافذة، وإنكار للقدر وكفر باللَّه القادر العظيم، القائل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ

(1)

المصدر السابق 1/ 367.

(2)

مدن الملح 5 - بادية الظلمات ص 72.

(3)

و

(4)

و

(5)

الناقد - العدد 8 شباط 1989 م/ 1409 هـ.

(6)

ليلة القدر: ص 19.

ص: 1488

فَيَكُونُ (82)}

(1)

، ولكن الإلحاد إذا غطى على العقول ودنس القلوب فإنها لا توقن بهذا ولا تؤمن به ولا تستجيب له {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)}

(2)

.

وأشد منه جحدًا وأظهر منه كفرًا وأبشع مضادة لدين الإسلام ما كتبه الملحد علاء حامد في روايته "مسافة في عقل رجل" وهو كلام كثير مكرور في غاية الهبوط والتخلف، ومنه قوله: (. . . هل الإنسان مسير. . أي ليست له إرادة في تسيير دفة أموره. . وأنه ليس سوى منفذ لقدره المكتوب. . فالإيماءة والابتسامة والغضبة والكلمة حتى تحريك الحاجبين لمغازلة امرأة فاتنة، كلها كتبت بمداد مجهول في صفحة مجهولة تسمى القدر، وبالتالي فإن محاولات الإنسان للتحضر والرقي لن تجد لها صدى سوى ما كتب بمداد هذا القدر المجهول، بالمعنى الشائع، "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين" إن هذا الكلام مهما اكتسب من قدسية نتيجة تداوله، والإيمان به باعتباره إحدى القضايا الإلهية التي لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها، لهو أشبه بتلك الألغاز التهويمية من شياطين وجن أحمر وأسود وأخضر وإبليس ورقيب وعتيد وعوالم ما بعد الموت، لماذا؟.

أولًا: لأن القدر يعني أن الإنسان يسير في فلك أعمال وأقوال كتب عليه أن يفعلها، بل ونتائج حكم عليه بها، وهذا ببساطة شديدة أن كفاح الإنسان مهما عظم شأنه فهو مرتبط بنتيجة سبق رصدها، القدر لا تغيير فيها ولا تبديل. . .

ثانيًا: أن القدر يعني رفض علاقة السببية بين الفعل ونتيجته، فلا ارتباط بينهما بل انفصام كامل. . . فالنتجية لا تحدث بسبب الفعل، بل تخضع لمشيئة القدر، يحددها بالصورة التي يرتئيها، فسقوط المطر ليس سببه نظرية علمية، بل إرادة القدر والتي يكون من أحد حوافزها ابتهال الناس ودعواهم، وشروق الشمس وغروبها ليس منشأة دوران الأرض حول

(1)

الآية 82 من سورة يس.

(2)

الآية 18 من سورة البقرة.

ص: 1489

نفسها، بل في المقام الأول هو مشيئة القدر، فلو غير القدر تلك المشيئة لوجدنا الشمس تشرق في الغرب وتنام في الشرق، والموت صفحة مكتوبه لا تغيير فيها ولا تبديل، فمن أتى أجله يأتيه الموت ولو كان في بروج مشيدة من الصحة والعافية بلا أسباب ظاهرة أو خفية، يأتيه عزرائيل يحمحم حوله ويلف ويدور، ثم يطعنه هذا الملعون طعنة نجلاء، فإذا هو جثة هامدة ترفرف كالطير الذبيح فوق الأرض. . .

ثالثًا: أن تطبيق تلك القاعدة هكذا بلا ضوابط يعني في النهاية غيبة القانون الكامل الذي يحكم الكون، بمعنى أنه إذا كان للقدر اليد الطولى فلن يتم ذلك من خلال غيبيات غير مفهومة وبالتالي يصبح القدر رمزًا للنتائج التي لا تحكمها أسباب أو مسببات، فهي تأتي كما يشأ القدر وفي أي وقت يشأ، وتصبح هكذا رمزًا لفوضى ليس مكانها سطور قانون كامل استنبت في أرضه بذور المنطق. . وشجرة العقل بل تهويمات وخرافات.

رابعًا: اللَّه لا يتدخل في حياة كل فرد تدخلًا مباشرًا ليرسم له لوحة حياته بما فيها من ألوان باهتة وزاهية، وخطوط متعرجة ومستقيمة وظلال وضباب وأضواء، بل الأقرب إلى العقل القول أن الإنسان يجري ويلهث ويأثم ويبتسم ويغضب ويضرب في الأرض بلا هدى، ويصل بعقله للنظريات العلمية ويحرك السحب والمطر، كل هذا من خلال قانون كامل متكامل، هذا القانون ليس قدرًا، ولكنه قانون يحكم هذه الأكوان، هذا القانون لا يرسم لكل شخص حياته، ماذا يأكل، وماذا يشرب، ومن يعشق ومن يكره، لكنه قانون عام شامل له نظرياته العلمية والاقتصادية والإنسانية كل فرد تجرى شؤونه من خلال هذا القانون الذي لم يكتشف الإنسان بعد من فروعه سوى القدر اليسير، هذا القانون لا مكان فيه للحظ المطلق، ولا مجال فيه لتحديد عمر الإنسان إلّا إذا كان من خلال أحد قوانين العلم، مريض السرطان الذي يحدد الطب آفته ووقت وموته، هذا التحديد ليس ناتج القدر أو جنينه، بل سببه قوانين العلم التي أصبح في مكنتها تحديد نوع الجنين الذي كان يعتبر في وقت من الأوقات إحدى المعجزات التي لم يسر بها اللَّه لمخلوق!! ومن منطلق نقولات شائعة "لا يوجد دابة على الأرض إلَّا

ص: 1490

وعلى اللَّه رزقها" "ربك يفرجها" "تجري جري الوحوش وغير رزقك ما تحوش" "لن يصيبنا إلّا ما كتب لنا" "الأعمار بيد اللَّه" "اعقلها وتوكل" من هذا المنطق العاجز الكسيح بدأ بعض الناس يدمن الكسل أملًا في جنة أرضية تأتيه من حيث لا يدري. . .)

(1)

.

هذا النص الإلحادي المضطرب اضطراب عقلية صاحبه، واضطراب منهجه ومذهبه، يؤكد لكل مسلم المعنى العميق الشامل الدقيق لقوله تعالى:{وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا}

(2)

.

فالحق واضح، وأدلة القضاء والقدر من نظام الكون ومن أحداث الحياة ومن مجريات الأمور في هذه الدنيا أكثر من أن تحصى، ولكن العقول المنطمسة بالكفر والمادية تأبى كل هذه الأدلة، وتعارض بالباطل والجهل، وتخاصم بالكذب وتستعمل التهكم والسخرية ردءًا لها في المجادلة الباطلة التي يريدون بها ادحاض الحق ومغالبته، وهم حين يفعلون ذلك -كما في النص السابق- لا يبتغون الحق، ولا يطلبون الحقيقة، ولا ينشدون البرهان وليس لديهم الاستعداد للرضوخ للحق أو الحقيقة أو الدليل إذا اتضحت لهم -وهي متضحة جلية جلاء النهار- فلقد جاءهم من الهدى ما يكفي للاهتداء، ولكنهم في غيهم يعمهون، وفي باطلهم يسرعون.

ومن كان هذا موقفه لا تجدي فيه البراهين ولا تنفع فيه الحجج مهما كان وضوحها وكثرتها، فقد تأصل العداء في قلوبهم، وانغرست البغضاء في عقولهم، واستولت عليهم الأوهام والجهالات استيلاء لا يسمح له برؤية ضلالهم وتناقضهم، وزيف ما هم عليه، كما لا يسمح لهم برؤية الحقائق البينة!!.

(1)

مسافة في عقل رجل: ص 171 - 173.

(2)

الآية 56 من سورة الكهف.

ص: 1491

وهذا النص الذي ذكر فيه علاء حامد عقيدته في القضاء والقدر، تلخيص لعقائد أهل الحداثة في هذا الركن العظيم من أركان الإيمان، فهم في هذا الباطل مشتركون وهم بين مقل ومكثر.

وله أقوال أخرى تشابه هذا القول

(1)

، يختمها بالسخرية ممن يحكم على أقواله السابقة بالإلحاد والكفر

(2)

كما هي عادة أضرابه من الحداثيين الذين يحاولون بإفكهم إبطال أحكام الإسلام كلها، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}

(3)

.

وفي الكتاب التبجيلي المخصص عن الحداثي النصراني "خليل حاوي" الذي قتل نفسه لما ضاقت نفسه من الأحداث، ولم يكن في اعتقاده إيمان يعصمه من هذا الصنيع البائس، عقد مؤلف الكتاب فصلًا بعنوان "قصيدة البصّارة أو الثورة على الغيب والقدر"

(4)

، وأسهب في شرح مقاصد ومفردات قصيدة خليل حاوي التي سماها "البصّارة" أي الكاهنة أو قارئة الكف والرمل، ويبين أن خليل حاوي، تمرد في هذه القصيدة على قضية القضاء والقدر باعتبارها من الأساطير المكرسة في الشعب، حسب رأي الشاعر والناقد

(5)

.

وفي كتاب موسوعة الفلكلور والأساطير العربية يقول مؤلفه في المقدمة واصفًا عمله في هذا الكتاب: (. . . راعيت الاهتمام بالموروثات الروحية الأنزيمية الطقسية وما تقتضيه من ذهن غيبي أو جبري يفضي بدوره إلى آفات القدرية والسلفية، والاعتماد على البركة -وتوابعها- في مواجهة العلم التجريبي. . .

حجر زاوية هذا التراث العربي - الإسلامي - السامي، هو القدرية

(1)

انظر: المصدر السابق: ص 221، 222، 224.

(2)

انظر: المصدر السابق: ص 175.

(3)

الآية 21 من سورة يوسف.

(4)

مع خليل حاوي في مسيرة حياته وشعره لإيليا الحاوي: ص 491.

(5)

انظر: المصدر السابق: ص 491 - 495.

ص: 1492

ومترادفاتها من جبرية ودهرية ووعيدية، أي الإيمان المفرط في القدرية والوعيدية والدهرية)

(1)

.

فها نحن نرى هنا إنكار القدر والتهكم بالمؤمنين به، مع الخلط الكاذب بين عقيدة القدر التي يثبتها كل مؤمن باللَّه تعالى، وعقيدة الدهرية التي يعتقدها الملاحدة والماديون، وهذا يكفي في الدلالة على مقدرا عداوة القوم لعقيدة المسلمين، ومع العداوة كذب وسخرية وافتراء وهجاء وسب، وهذا ما سوف يأتي بيانه في الآتي من الكلام.

‌ثانيًا: ذم القدر، والاعتراض عليه، وجعل الإيمان به سببًا للتخلف والتحجر والمهانة والسذاجة:

سبق أن بينا في مواضع عديدة من هذا البحث كيف استخدم الجاهليون الأوائل والمعاصرون أساليب الذم والشتم وإلصاق الألقاب الكاذبة والأوصاف الخاطئة بالإسلام وأهله، وكيف أنهم من خلال أسلوب {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}

(2)

، أغلقوا عقولهم وقلوبهم واستغشوا ثياب أوهامهم للمضادة والمعاندة، وهي طريقة تواصى بها الأقدمون من أعداء هذا الدين القويم، ويتواصى بها خلفهم من المحدثين المعاصرين، تواصيًا يعتمد على إيجاب إغلاق العقول والآذان والبصائر عن سماع القرآن؛ لأنه -كما يزعمون- مجرد خرافة وأساطير، وذلك لعجزهم عن مغالبة حقائقه وتأثيره في أنفسهم وفي نفوس الجماهير ادعوا -كاذبين مفترين- أن القرآن رمز للتخلف والتحجر والرجعية والأسطورية، وأن القضايا التي أتى بها الوحي المعصوم لا تصلح لهذا الزمان أو أنه يجب تفسيرها وفق أهواء العصر وأخلاطه هذا عند المعتدلين منهم، أمَّا الذين غلوا في الكفر والإلحاد فإنهم يسعون لإقصائه بالكلية وإبادته من الوجود، وكلا الموقفين من الجاهليين المعاصرين من باب {وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} .

(1)

موسوعة الفلكلور والأساطير العربية لشوقي عبد الحكيم: ص 10 - 11.

(2)

الآية 26 من سورة فصلت.

ص: 1493

إنها حيلة العاجز الضعيف، نراها مطبقة اليوم في أساليب أهل الحداثة والعلمنة، مهاترات كلامية هابطة، ودعاوى علمانية كاذبة، وافتراءات حداثية عاجزة، يلغون بالقصص والروايات، ويلغون بالشعر الحديث وغير الحديث، ويلغون بالنقد التبجيلي ويلغون بالمؤتمرات والندوات والملاحق والأمسيات والدوريات والمجلات، والأندية الأدبية والثقافية، ويلغون بالبهرج الإعلامي، والإغراءات المادية والمعنوية لذوي النفوس الضعيفة والعقول البسيطة، ويلغون بالصياح والنعيق ضد كل مسلم يتصدى لباطلهم، ويلغون باستعداء ذوي القوة والسلطان، ولكن هذا كله "لغو" زائل، وزبد يذهب جفاء ورماد تطير به الريح، والغلبة للقرآن الذي تواصوا أن يلغوا فيه؛ لأن القرآن العظيم يحمل سر الغلب، إنه الحق، والحق غالب مهما جهد المبطلون، وإنه اليقين، واليقين غالب مهما تكاثرت الشكوك والظنون، وإنه الهدى، والهدى منتصر مهما ادلهمت ظلمات الضياع.

ولست أقول هذا القول لمجرد أنه عقيدة أوقن بها، بل ولأنه مع ذلك هو الواقع الذي شهده المسلمون الأوائل عندما واجههم الكفار الأوائل بجنس ما يعمله المتأخرون المعاصرون.

وقد انتصر القرآن على لغوهم وباطلهم ومكائدهم المتنوعة وانتشر هداه في أرجاء الدنيا، وسينتصر القرآن اليوم على اللغو الحداثي والمكائد العلمانية والأباطيل الإلحادية، {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}

(1)

.

والآن نستعرض أمثلة للغو الحداثي في هذا الركن من أركان الإيمان، وبه نستبين مقدار عداوتهم لدين الإسلام جملة وتفصيلًا.

يقول الباطني الوثني الملحد أدونيس:

(من أنا. . أي عُصافَه

تخذت شكل خرافه

(1)

الآية 8 من سورة الصف.

ص: 1494

وسخ السديم

والموت والعبث الصميم

والمستحيل

كتل من القدر المجلد في شراييني تسيل

صوت: (مختلطًا بالصدى)

ذاك، ذاك الوسخُ

في جبين الناس في كل غدير تسخُ)

(1)

.

ويقول في موضع آخر:

(ماذا؟ أليس عن القدر

نسخ البشر

سفر الوقائع والمصير

وتفكروا وتبصروا

فهنا الحقيقة كالنفاضة لوثت طرف الحصير

وهنا الضحى يتحلزن

فوضى: صباح لا يرى وألوهة تتوثن)

(2)

.

ففي المقطع الأول جعل القدر وسخًا يرسخ في جبين الناس، وفي الثاني جعل القدر مجرد نسخ بشرية، ونفاضة ملوثة وصباح لا يأتي لا يرى. وهي عبارات مهاترة تدل على ما هناك من حقد دفين وضلال مكين.

أمَّا محمود المسعدي، الحداثي التونسي فإنه يجعل الإيمان بالقدر ضيقًا وتحجرًا، وذلك حسب النظرية الحداثية الأفاكة، يتحدث واصفًا تتلمذه

(1)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 184 - 185.

(2)

المصدر السابق 1/ 192.

ص: 1495

على يد الفرنسيين في اعتزاز مهين، ثم يقارن ذلك بثقافته التي نشأ عليها في بلاد المسلمين في انتقاد موجع، فيقول:(انطبعنا على تحديد للإنسان، ضيق متحجر، فنحن من خلق اللَّه وما جاد به الخالق يسيره القدر، أي اللَّه)

(1)

.

وقد سبق نقل كلام جابر عصفور، الذي نعت القدر الذي يؤمن به أهل الإسلام بأنه (جبر ميتافيزيقي يجعل الزمن الدائري هابطًا أبدًا. . .)

(2)

.

ثم يواصل جاعلًا الإيمان بالقدر مهانة وتخلفًا وانحدارًا، فيقول:(وإذا كان الإنسان مخلوقًا واهيًا لا يفارق تكوينه قدرية مساره، ولا يفارق مساره جبرية انقياده، فلا سبيل أمامه سوى أن يسلّم زمامه إلى غيره متبعًا، مقلدًا، فقدره المقدورد في زمانه المحتوم لا يعني سوى الوصاية الدائمة على فعله، والتحديد المسبق لمسار قدرته، والتوجيه القبلي لحركة عقله، على نحو يغدو معه هذا الإنسان سجينًا متعدد السجون حركته اتباع لما ليس اختياره، وإبداعه تقليد لما ليس من صنعه)

(3)

.

ولو أردنا أن نسأل جابر عصفور الذي أطلق هذه العبارات المليئة بالاعتراض والذم للإسلام عامة ولعقيدة القضاء والقدر خاصة؛ أن نسأله عن نفسه باعتباره أحد أتباع الفكر الغربي المادي، إلى أي مدى انساق في مساره الفكري نحو الغرب؟ وإلى أي حد وصل عمق الوصاية الفكرية الغربية المادية على عقله؟ وإلى أي نهاية وصلت به الاتجاهات العقلية المستأسرة للغرب؟.

أليست هذه هي السجون الحقيقية التي وضع نفسه فيها؟

أمَّا آفاق الإيمان والتوحيد والحق والخير والفضيلة فإنه لا يبصرها؛ لأن الطرف الأعمى لا يبصر الشمس، والعقل الضعيف لا يدرك إلّا بعض المحسوسات، فلا سبيل أمامه إزاء هذه المقولات المادية التي يتشدق

(1)

رأيهم في الإسلام: ص 155.

(2)

و

(3)

الإسلام والحداثة: ص 182.

ص: 1496

بها، ويجعلها ميزانًا يزن بها أمور العقل والمنطق والحق والبرهان، إلّا أن يكون في انحدار بهيمي دائم، وانزلاق مادي متواصل يقوده هو وأشباهه نحو الحضيض فكرًا وعقيدة وسلوكًا؛ لأن الأساس الذي أقاموا عليه عقيدتهم وفكرتهم هو كما أخبر اللَّه تعالى:{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}

(1)

، وإزاء ذلك وضعهم اللَّه تعالى موضعهم المناسب فقال سبحانه وتعالى:{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)}

(2)

.

ترى ما القيمة التي يُمكن أن ينطوي عليها إنسان يعيش بهذه التصورات الأرضية والطموحات المادية؟، لا ريب أنه يتحول إلى مخلوق مهين، وإن ادعى أنه متفوق وعقلاني ومتقدم وعصري!!.

فهذا كله من باب {وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} فهم وإن تطاولوا وادعوا وتعالموا وتعقلنوا ليسوا إلّا في حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع، في دوامة من الأمل والمطامع يتلهون بها، ويغرون ذواتهم ويخادعون غيرهم، وخاصة حين يظهرون أنفسهم أنهم مفكرون وعقلانيون ومجددون وتقدميون!!.

وفي دوامة هذه الآمال الملهية تمضي أعمارهم وأعمالهم وهم يحاربون الحق بالباطل والحقيقة بالكذب والفضيلة بالرذيلة!.

والأمل الشيطاني البراق يلوح لهم {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ}

(3)

، {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}

(4)

.

وإذا تأملت الآمال الحداثية والعلمانية التي غرق في دوامتها هؤلاء

(1)

الآية 24 من سورة الجاثية.

(2)

الآية 3 من سورة الحجر.

(3)

الآية 18 من سورة المجادلة.

(4)

الآية 30 من سورة الأعراف.

ص: 1497

الإمّعات، وجدت عجبًا من أسواق جاهلية تتسمى باسم الثقافة والفن في هيئة ندوات وأندية ومجلات ومؤتمرات ومناهج ومذاهب وأنظمة، ليس فيها ومعها إلّا الأمل القاتل، يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع الكاذبة، ويملي لهم فيحسبون أنهم قد رسخوا في الأرض إلى الأعماق، وأنهم اجتثوا شجرة الإسلام العريقة، وأنهم محصلون ما يطمعون إليه لا يردهم عنه راد، ولا يمنعهم عنه مانع، ولذلك قال اللَّه تعالى عنهم:{فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ويكتشفون وهم في غاية الحسرة والذل أن آمالهم الرمادية تلاشت وطموحاتهم السرابية تبددت، ولكنهم لا يعلمون ذلك إلّا بعد فوات الأوان.

ويصل خطاب الحداثة إلى تخوم الوثنية الجاهلية حين يصور أنه بمستطاع الحداثي الجاهلي المعاصر أن يتجاوز حقائق الكون الكبرى، ويتخطى نواميس الحياة التي وضعها خالق الحياة، فهم بمثابة الصغير الذي يخيل له أنه بتحريك يديه كهيئة الطير يستطيع أن يبلغ الآفاق، وما لهم من مغزى إلّا محاربة الدين القويم بأي شكل من الأشكال ولو أظهر ذلك في عته فكري أو تخلف عقلي.

(وكم صدوا عن سبيله صدًا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟ واعترضوه بالألسنة ردًا، ولعمري من يرد على اللَّه القدر؟. وتخاطر له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب، وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب، فما كان إلّا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لا يزال النور ينبسط على غطائه)

(1)

.

وأمثل نص يصور هذه الحقيقة ما قاله جابر عصفور: (ومن اللافت للانتباه أن الخطاب المعادي للحداثة لا يصل إلى ذروته وأقصى عنفه إلّا إزاء النص الشعري، الذي يعبث بتصوراته النقلية عن الإنسان، أعني النص الشعري الذي يحرك الرعب الاجتماعي من الحداثة، وينطق رفض المقولة

(1)

تاريخ آداب العرب للرافعي 2/ 29.

ص: 1498

المضمنة عن الإنسان المجبور، فيفجر صورة الإنسان الخانع، الراضي بما قسم له ويستبدل بها صورة إنسان آخر، مختار، مريد، قلق، متوهج برغبته في التجاوز، متهلب بحلمه في الصعود إلى ما ينفي به جبرية سجنه في طقس القدر، وتقليدية معرفته في طقس الوطن. . .)

(1)

.

ومن أمثلة ذم القدر والاعتراض عليه قول نازك الملائكة:

(تفجري يا مياه

تفجري فوق قبور البشر

تفجري في الصخر

وسجلي مأساة هذي الحياة

فوق جبين القدر)

(2)

.

أمَّا البياتي فيجعل الثورة على القضاء مطلبًا للحياة، وذلك في قوله:

(فعد لنيسابور

لوجهها الآخر، يا مخمور

وثر على الطغاة والآلهة العمياء

والموت بالمجان والقضاء)

(3)

.

ولنزار قباني مقطوعة بعنوان "خبز وحشيش وقمر" ملأها بالسباب والتهكم بجملة من مقومات حياة المسلمين، الاعتقادية والعملية والثقافية والسلوكية، ومن هذه المقطوعة قوله:

(1)

الإسلام والحداثة: ص 193 ثم يستشهد على كلامه هذا بمقطوعة لعبد اللَّه الصيخان بعنوان "كيف صعد ابن الصحراء إلى الشمس" من ديوانه هواجس في طقس الوطن: ص 10 حيث اعتبرها جابر عصفور مثالًا للتمرد والثورة على الإسلام والقدر. انظر: الإسلام والحداثة: ص 193 - 194.

(2)

ديوان نازك الملائكة 2/ 159.

(3)

ديوان البياتي 2/ 80.

ص: 1499

(ما الذي يفعله قرص ضياء؟

ببلادي، ببلاد الأنبياء، وبلاد البسطاء

ماضغي التبغ وتجار الخدر

ما الذي يفعله فينا القمر؟

فتضيع الكبرياء

ونعيش لستجدي السماء

ما الذي عند السماء؟

لكسالى ضعفاء

يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمر

ويهزون قبور الأولياء

علها ترزقهم رزًا وأطفالًا قبور الأولياء

(1)

ويمدون السجاجيد الأنيقات الطرر

يتسلون بأفيون نسميه قدر

وقضاء

في بلادي في بلاد البسطاء)

(2)

.

وتذكر هذه الشتائم بقاموس الشتائم الماركسية والناصرية ضد الإسلام أيام طغيان موجة الاشتراكية في البلاد العربية، وقد زالت الماركسية والناصرية، واجتثت من فوق الأرض بأيدي أبنائها، وسوف تلقى شجرة الحداثة والعلمانية والليبرالية المصير نفسه {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)}

(3)

، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي

(1)

قبور الأولياء أو الأنبياء لا ترزق ولا يملك أصحابها لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا، وإقحامه هذه الظاهرة المنافية للإسلام في هذا السياق يدل على جهل بالإسلام الصحيح، أو يدل على خلط متعمد لغرض التشويه والتدنيس.

(2)

الأعمال الشعرية لنزار قباني 1/ 365 - 366 و 3/ 19.

(3)

الآية 18 من سورة الأنفال.

ص: 1500

الْأَرْضِ}

(1)

، أمَّا السخرية والشتائم فإنها لا تغير من الحقيقة شيئًا بل تدل على إفلاس الشاتم:{إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)}

(2)

.

ويقول نزار قباني ذامًّا القدر ومعلنًا ثورته عليه وعلى المؤمنين به:

(جميع أقاربي موتى

بلا قبر ولا كفن

أبوح لمن؟ ولا أحد

من الأموات يفهمني

أثور أنا على قدري

على صدأي على عفنى)

(3)

.

ويجعل الإيمان بالقضاء والقدر، والقناعة بما كتبه اللَّه سببًا للتخلف والمهانة والهزيمة، وذلك في معرض تباكيه على هزيمة حزيران التي ما كانت إلّا بسبب التخلي عن الدين ومعاداته ومحاربة علمائه ودعائه، يقول نزار:

(حرب حزيران انتهت

كأن شيئًا لم يكن

لم تختلف أمامنا الوجوه والعيون

محاكم التفتيش عادت والمفتشون. . .

. . . ونحن قانعون

بالحرب قانعون والسلم قانعون

(1)

الآية 17 من سورة الرعد.

(2)

الآية 95 من سورة الحجر.

(3)

الأعمال الشعرية لنزار قباني 1/ 588.

ص: 1501

بالحر قانعون والبرد قانعون

بالعقم قانعون والنسل قانعون

بكل ما في لوحنا المحفوظ في السماء

قانعون

وكل ما نملك أن تقول:

إنا إلى اللَّه لراجعون)

(1)

.

وإضافة إلى سخريته بالقضاء والقدر وجعل الإيمان به سببًا للهزيمة إضافة إلى ذلك أضاف اللوح المحفوظ إلى الخلق إمعانًا في التهكم، واللوح المحفوظ لا تصح إضافته على هذه الشاكلة.

وفي سياق شعوبيته المترعة بكراهية العرب والمسلمين يقول بعد أن سبّ اللغة العربية ومعاجمها:

(حاولت أن أقلعكم

من دبق التاريخ

من رزمانة القدر

ومن قفا نبك

ومن عبادة الأحجار

حاولت أن أفك عن طراودة حصارها

حاصرني الحصار)

(2)

.

أمَّا الحداثي اليماني عبد العزيز المقالح فإنه يعد القدر سجنًا، وذلك في قوله:

(1)

المصدر السابق 3/ 119.

(2)

المصدر السابق 3/ 306.

ص: 1502

(تقدمتُ في موكب الشمس

أطلقته من سجون القدر)

(1)

.

وبنظرة اشتراكية يناقش المقالح -باعتراض صارخ- تفاوت الناس في أرزاقهم، ويسأل -في تذمر- لماذا تتفاوت أقدار الناس، فيقول:

(قال خطيب الجمعة:

الناس لآدم. . . آدم مجبول من طين

كان على مقربة منه ثري يتباهى

وبقربي إنسان محني الظهر حزين

عار يتلوى جوعًا

إن كان الناس لآدم فلماذا

تتفاوت أقدار الأبناء؟

ابن محظوظ! محظوظ!

والآخر مسكين! مسكين!)

(2)

.

أمَّا محمد الماغوط فله أسلوبه الخاص في ذم القدر والاعتراض عليه، وذلك في قوله:

(أين الشفاه التي قبلتها؟

والنهود التي داعبتها؟

كان القدر يصوب مسدسًا إلى ظهري

ويسلبني كل شيء في وضح النهار)

(3)

.

(1)

ديوان المقالح: ص 359.

(2)

المصدر السابق: ص 493.

(3)

الآثار الكاملة للماغوط: ص 246.

ص: 1503

وفي قوله:

(لا تصفعني أيها القدر

على وجهي امتار من الصفعات

ها أنا

والريح تعصف في الشوارع

أخرج من الكتب والحانات والقواميس

خروج الأسرى من الخنادق)

(1)

.

وفي قوله:

(والنسيمات الصغيرة تدفعه

من صخرة إلى صخرة

ومن سهل إلى آخر

وهو مشيح عنها، مستسلم لها

كبغيٍّ في معسكر

إنه يحن إلى معركة أخيرة

مع القدر

مع العاصفة

مع ذبابة)

(2)

.

أمَّا محمد الفيتوري فإنه في معرض "زنجيته" يتحدث عن أرض أفريقيا الباكية -حسب تعبيره- لكونها تحت رحمة البشر وتحت إرادة السماء والقدر، وهي صيغة اعتراض صريحة على القضاء والقدر وتهكم واضح بالدين، وذلك في قوله:

(1)

المصدر السابق: ص 323.

(2)

المصدر السابق: ص 330.

ص: 1504

(ذات يوم أبصرت أرضي حقول الأنبوس الجارية

وهي تبكي في سكون وضجر

تحت رحمة البشر

وإرادة السماء والقدر)

(1)

.

ولكنه في موضع آخر يصرح بسبه للأقدار قائلًا:

(المأساة الأقدار

كيف أراها. . تلك الأقدار تعذبني

تلك الأشباح القدسية)

(2)

.

أمَّا الوجودي الداعر محمد شكري الذي اعترف في كتبه بألوان من العهر والتفسخ ما لا يضاهيه فيه إلّا رشيد بوجدره ونزار قباني، يقول محمد شكري في روايته "الشطار" في سياق محتشد بالضلال والإلحاد والفساد، ونأخذ منه ما يخص هذا المقام يقول:(لست أدري لماذا يقسو القدر على الطيبين ويحالف الأشرار؟)

(3)

.

هذه النصوص غيض من فيض العفونات الحداثية المترعة بجحد القدر وذمه والاعتراض عليه وجعل الإيمان به تحجرًا وسذاجة وانهزامًا.

‌ثالثًا: التهكم والسخرية والاستخفاف بالقضاء والقدر وبالمؤمنين به:

وهذا كثير جدًا في كلامهم، وقد سبقت الإشارة إلى مغزى التهكم والسخرية عندهم، وبيان أنها أسلوب من أساليب أسلافهم من الجاهليين القدماء.

(1)

ديوان الفيتوري 1/ 110.

(2)

المصدر السابق 1/ 415.

(3)

الشطار: ص 72.

ص: 1505

وسوف أورد هنا جملة من النصوص من أقوالهم التي تؤكد تلبسهم بهذا اللون من الانحراف في عقيدة القضاء والقدر، التي يؤمن بها كل من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا.

فمن أقوالهم، قول رأس طواغيتهم "أدونيس":

(عائشة جارتنا العجوز مثل قفص معلق

تؤمن بالركام والفراغ والطرر

وبالقضاء والقدر)

(1)

.

وهذه الصياغة المتهكمة بالمؤمنين بالقضاء والقدر من جنس أقوال نزار قباني التي سبق نقل شيء منها، وسيأتي الباقي، {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)}

(2)

، وفي هذا دلالة واضحة على التكرارية والتقليدية التي طالما نقدوها وشنعوا على الشعراء الأوائل بسببها!!.

وقد مرّ معنا في الوجه الثاني من هذا الفصل وصف أدونيس للقدر بأنه وسخ يرسخ في جبين الناس كل يوم

(3)

، ومرّ في الوجه الأول وصفه للقدر بأنه خرافة

(4)

.

أمَّا السياب فإن له قصيدة بعنوان "في المغرب العربي" تطفح بالكفر الصريح والسخرية باللَّه -جلَّ وعلا- وبالقضاء والقدر وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه مقاطع منها:

(فنحن جميعنا أموات

أنا ومحمد واللَّه.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس 1/ 163. وانظر: الشرح الوثني لهذا الكلام في الحداثة الأولى: ص 154 - 155.

(2)

الآية 53 من سورة الذاريات.

(3)

انظر: المصدر السابق 1/ 185.

(4)

انظر: المصدر السابق 1/ 196.

ص: 1506

وهذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة

عليها يكتب اسم محمد واللَّه. . .)

(1)

.

ثم يقول:

(إله الكعبة الجبار

تدرع أمس في ذي قار

بدرع من دم النعمان في حافاتها آثار

إله محمد وإله آبائي العرب

تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوار

وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دار

وأبصرناه يهبط أرضنا يومًا من السحب.

صريحًا كان في إحيائنا يمشي ويستجدي

فلم نضمد له جرحا

ولا ضحى

له منا يغير الخبز والانعام من عبد!

وأصوات المصلين ارتعاش من مراثيه

إذا سجدوا ينزُّ دمُ)

(2)

.

ثم يقول وهو ما يخص هذا الفصل:

(أليس هو الذي فجأ الحبالى

قضاه، فما ولدن سوى رماد؟

(1)

ديوان السياب: ص 395.

(2)

المصدر السابق: ص 397 - 398.

ص: 1507

وأنعل بالأهلة في بقايا

مآذنها، سنابك من جواد؟

وجاء الشام يسحب في ثراها

خطى أسدين جاعا في الفؤاد؟

فأطعم أجوع الأسدين عيسى

وبل صداه من ماء العماد

وعضى بني مكة. . فالصحارى

كل الشرق ينفر للجهاد؟)

(1)

.

سبحان ربي العظيم، وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره.

وهذه القصيدة الإلحادية النجسة لها منزلة كبيرة عند الحداثيين ومكانة مرموقة.

ومن أقوال السياب المستخفة بالقدر قوله:

(أود لو عدوت أعضد المكافحين

أشد قبضتي ثم أصفع القدر)

(2)

.

وقوله:

(كأن صيادًا حزينًا يجمع الشباك

ويلعن المياه والقدر)

(3)

.

وأمَّا نازك فإنها قد رتعت في هذا المرتع الوخم كثيرًا ولها أقوال عديدة منها:

(1)

المصدر السابق: ص 399.

(2)

المصدر السابق: ص 456.

(3)

المصدر السابق: ص 476.

ص: 1508

(كيف تمضي إلى الغنا والأناشيـ

ـد وتبقى سخرية الأقدار)

(1)

ومنها قولها:

(نحن أسرى يقودنا القدر الأعـ

ـمى إلى ليل عالَم مجهول)

(2)

وقولها:

(يا هموم الشباب فيم تكونيـ

ـن أحرَّ الهموم والأحزان

أنت يا من يصوغك القدر الظا

لِم على الوجود الفاني)

(3)

وقولها:

(أذبلت عمرهم يد القدر الجا

ني وكانوا نشيد هذي الحياة)

(4)

وقولها:

(تاركًا هذه الحياة وما فيـ

ـها من الزيف والأسى والظلم

بين كف الرياح والقدر العا

تي ونوح الشيوح والأيتام)

(5)

وقولها:

(يا لظلم الأقدار وكم ماسةٍ حسـ

ـناء ظلت في ظلمة الأعماق

كم زهور زجّ بها القدر القا

سي بعيدًا عن أعين العشاق)

(6)

وقولها:

(1)

ديوان نازك: ص 1/ 25.

(2)

المصدر السابق 1/ 57.

(3)

المصدر السابق 1/ 209.

(4)

المصدر السابق 1/ 219.

(5)

المصدر السابق 1/ 224.

(6)

المصدر السابق 1/ 677، وهذه الأبيات وما قبلها تفيد التظلم من القدر والتسخط منه والضجر من وقوعه وفي ذلك من مقتضيات الاستخفاف بالقدر والهزء به ما هو جليّ.

ص: 1509

(تفجرى في الصخر

وسجلي مأساة هذه الحياة

فوق جبين القدر)

(1)

.

وقولها:

يارب الحانة، أين الخمر؟ وأين الكأس؟

ناد الغانية الكسلى العاطرة الأنفاس

أفدى عينيها بالقرآن وبالأقدار)

(2)

.

هذه الأقوال العديدة، كما هو ملاحظ، غاية في الضلال من جهة ما فيها من ذم وسخرية واستخفاف بالقدر، وإذا نظرنا إلى قائلتها باعتبارها من مؤسس الحداثة الشعرية العربية مع السياب والبياتي تبين لنا مقدار الانحراف الذي بدأت به الحداثة، أمَّا تطوراتها الخبيثة بعد ذلك فإنها قد تجاوزت كل الحدود!!.

أمّا المؤسس الثالث للحداثة عبد الوهاب البياتي فمن أمثلة انحرافاته في هذا الوجه قوله:

(وخواطري مستنقع ركدت

في قاعه الأعشاب والصور

ودم وأنغام وأخيلة

بله العيون كأنها القدر)

(3)

وقوله:

(قدر كان وراء الغيب يلهو بانطلاقي)

(4)

.

وقوله:

(في قاع الآبار

(1)

المصدر السابق 2/ 159.

(2)

المصدر السابق 2/ 352.

(3)

ديوان البياتي 1/ 66.

(4)

المصدر السابق 1/ 186.

ص: 1510

ما كنت أعري جرحي في الحضرة لو لم أفقد عائشة في كان الأقدار)

(1)

.

وقوله:

(فإذا احترق الخيام بنار الحب وأصبح في كان الأقدار حجابًا)

(2)

.

وقوله:

(أعرفها تلك الصحراء المائية ذات الأثداء

وهي تعري سرتها للشمس الحمراء

أعرفها وأراها كل مساء في كان الآقدار)

(3)

.

ولتبعيته للفكر الغربي ذي الجذور اليونانية الوثنية؛ يجعل للأقدار ربات، كما في قوله:

(ربات الأقدار

يرقصن على موسيقى الجاز

في صالة رقص الأمطار)

(4)

.

وقوله:

(ترسم خارطة لعيون المعبودات وربات الأقدار)

(5)

.

أمَّا صلاح عبد الصبور فإنه يجعل من سيماء الناس في بلاده -وهم مسلمون- السذاجة والبساطة والجهل، ويجعل من علامات ذلك إيمانهم بالقدر!، وذلك في قصيدته الشهيرة "الناس في بلادي" ومنها:

(1)

المصدر السابق 2/ 414.

(2)

المصدر السابق 2/ 425.

(3)

المصدر السابق 2/ 427.

(4)

المصدر السابق 2/ 430.

(5)

المصدر السابق 2/ 431.

ص: 1511

(الناس في بلادي جارحون كالصقور

غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر

وضحكهم يئز كاللهيب في الحطب

خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب

ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأون

لكنهم بشر

وطيبون حين يملكون قبضتي نقود

ومؤمنون بالقدر)

(1)

.

ومنها:

(ويطرقون

يحدقون في السكون

في لجة الرعب العميق، والفراغ والسكون

"ما غاية الإنسان من أتعابه، ما غاية الحياة

يا أيها الإله!!

الشمس مجتلاك، والهلاك مفرق الجبين

وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين

وأنت نافذ القضاء أيها الإله

كم أنت قاس موحش يا أيها الإله)

(2)

.

قال الأستاذ الدكتور عبد الباسط بدر

(3)

في دراسته الرصينة لهذه

(1)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 29.

(2)

المصدر السابق: ص 30 - 31.

(3)

عبد الباسط بدر، ناقد وكاتب إسلامي عميق المعرفة بالمذاهب الأدبية المعاصرة، ضليع =

ص: 1512

القصيدة: (والصورة التي يقدمها تستخدم التضليل المنطقي، وتتكيء على المفهومات المنتشرة بين الفلاحين، وتخدع الفلاحين بمغالطة عجيبة، فهي تبدأ من إيمانهم بالقدر، ثم تدور دورة قصيرة وتعود لتسلخ هذا الإيمان، وتشوه صورة القدر في أذهانهم.

تبدأ هذه الصورة بمناجاة الإله، وبالإقرار الكامل له بالربوبية وملكية الكون ونفاذ القضاء، وحدود الملكية واسعة ترسمها المعالم الطبيعية التي يحس بها كل إنسان، ويحس بها الريفي أكثر مما يحس بها ابن المدنية المكتظة: الشمس الساطعة، والقمر المتألق في سماء صافية، والجبال المطلة على الآفاق.

وتوحي هذه المناجاة لأول وهلة بأن صاحبها على درجة عالية من الإيمان

(1)

، وأنه يقدم بها لقضية إيمانية تنتهي بالأقرار الأعمق بربوبية الإله، وإظهار آثار قضائه، يتناسب مع مقام الألوهة من حكمة ورحمة.

ولكن الشاعر يتوجه بالعواطف الإيمانية وجهة معاكسة تمامًا فمن مقولة نفاذ القضاء ينتقل إلى صورة قاسية لهذا القضاء، صورة تجعل المشاهد والسامع يخلع إيمانه ويتهم المقدر بقسوة القدر "حاشاه سبحانه". . .)

(2)

.

وليست هذه المعاني الضلالية وحيدة في كلامه بل لها أشباه ونظائر، ومن ذلك قوله:

= في وزنها بميزان العقيدة الإسلامية، له مؤلفات جيدة منها مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي، ومذاهب الأدب الغربي، وهو من سوريا، عمل مدرسًا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وهو عضو فعال في رابطة الأدب الإسلامي.

(1)

مع التنبه إلى ما سبق الإشارة إليه في الفصل الثالث من الباب الأول حيث جعل الشمس والهلال مضافة إلى اللَّه باعتبارها من صفاته، وجعل الجبال عرشًا له -جَلَّ وَعَلَا-، وذلك في قوله:(الشمس مجتلاك والهلال مفرق الجبين، وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين) وهذا كله ضلال مبين وإلحاد في أسماء اللَّه وصفاته.

(2)

مقدمة في نظرية الأدب الإسلامي: ص 69.

ص: 1513

(وفي الليل كنت أنام على حجر أمي

وأحلم في غفوتي بالبشر

وعسف القدر)

(1)

.

وقوله في مسرحية الحلاج:

(الشر قديم في الكون

الشر أريد بمن في الكون

كيف يعرف ربي من ينجو ممن يتردى)

(2)

.

ويقول يوسف الخال:

(حبيبتي معي، جسدي معي، إلهي معي، قم أيها

القدر وأفسح لي مكانك)

(3)

.

وهذا استخفاف واضح بالقدر، وليس فوق الكفر ذنب.

وعلى شاكلته وملته ومنهجه، توفيق صايغ القائل:

(عكرت أحلامي

وأفسدت عليّ لذتي

وأعطيتني قلقًا وندامة

وحاسة لأشم

أفلا يكفيك هذا

إلهي، ألا يكفيك؟

معاقب العاصي

(1)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 59 - 60.

(2)

المصدر السابق: ص 474.

(3)

الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص 270.

ص: 1514

جعلت معصيتي عقابًا:

أفأنال عقابين، أين العادل

لدون ما معصية؟

قاضى، لا تصخ سمعك عني

واعذر احتبائي الروب

وزحزحة القيد عن معصمي:

فإن كنت المذنب والمحامي

إن لست قاضيّ والغريم؟

"واغفر إلهي ما أقول")

(1)

.

وهو نص على ركاكته وسقم تركيبه -كعادة قائله خاصة الحداثيين عمومًا- يطفح بالاعتراض والاستخفاف باللَّه تعالى وقدره، تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا.

وعلى المنوال نفسه في الركاكة والضلال قوله:

(هل أندب العالم الذي أضعت؟

هل أشتم القدر الذي اختصر المارد وشوهه؟

هل أكسر القمقم وانفلت؟

أم أقبع فيه راضيًا، كما بقصر؟

هل استغيث بسليمان مستسمحًا

أو أنادي: "إلهي ابعث الصياد"؟

أو لن يقول إلهي: "ولماذا تريد الانفلات؟ ")

(2)

.

(1)

الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص 26 - 27.

(2)

المصدر السابق: ص 43.

ص: 1515

ولنزار قباني مقدرة متميزة على السباب الحداثي، بسبب ما قام في نفسه من شعوبية ومادية وشهوانية، تؤزه إلى ميادين الذم والسخرية والاستخفاف؛ لأنها رأس مال المفلسين في الفكر والأخلاق، فمن أقواله المفلسة مخاطبًا إحدى خديناته:

(ماذا أعطيك؟ أجيبيني

قلقي؟ إلحادي، غثياني

ماذا أعطيك سوى قدر

يرقص في كف الشيطان)

(1)

ومثله قوله في استخفاف وتدنيس:

(فاتركي أمرك للَّه ونامي

إن نهديك يجيئان إلى الدنيا قضاء وقدر

ويموتان قضاء وقدر)

(2)

.

ويكرر المعنى في موضع آخر قائلًا:

(اشربي القهوة يا سيدتي

فالجميلات قضاء وقدر

والعيون الخضر والسود

قضاء وقدر)

(3)

.

ويقول ساخرًا:

(العالم العربي غانية

تنام على وسادة ياسمين

فالحرب من تقدير رب العالمين

(1)

الأعمال الشعرية لنزار 1/ 406.

(2)

المصدر السابق 2/ 163.

(3)

المصدر السابق 2/ 834.

ص: 1516

والجبن من تقدير رب العالمين)

(1)

.

ويقول مستخفًا بالقدر:

(مشيئة الأقدار لا تردني

أنا الذي أغير الأقدار)

(2)

.

ويقول محمود درويش:

(المغنى، على طريق المدينة

ساحر اللحن كالسهر

قال لريح في ضجر:

دمريني ما دمت أنت حياتي

مثلما يدعي القدر)

(3)

.

ويقول أيضًا:

(يخيل لي يا صليب يا بلادي

ستحرق يومًا

وتصبح ذكري ووشما

وحين سينزل عنك رمادي

ستضحك عين القدر

وتفز: ماتا معًا)

(4)

.

ويقول أيضًا:

(1)

المصدر السابق 3/ 237.

(2)

المصدر السابق 3/ 329.

(3)

ديوان محمود درويش: ص 86.

(4)

المصدر السابق: ص 160 - 161.

ص: 1517

(ورموشي سنابل تشرب الليل والقدر)

(1)

ويقول:

(الحب ممنوع

هنا الشرطي والقدر العتيق)

(2)

.

ويقول:

(وأضافت كأن القدر

يتكسر في صوتها:

هل رأيت المدينة تذهب

أم كنت أنت الذي يتدحرج من شرفة اللَّه.

قافلة من سبايا؟)

(3)

.

وكل هذه الأقوال الردية مليئة -كما هو ملاحظ- بالاستخفاف بقضاء اللَّه وقدره، مما يدل على ما هناك من عقائد فاسدة مناقضة للإسلام تمام المناقضة.

ومن الأمثلة على هذا أيضًا قول الشيوعي الفلسطيني معين بسيسو:

(العام الموعود العاشر

والملكة كإله خائف

من ضوء المصباح الراجف

تخشى المكتوب ولا دافع

أن ترجم في الشهر التاسع

(1)

المصدر السابق: ص 188.

(2)

المصدر السابق: ص 275.

(3)

المصدر السابق: ص 498.

ص: 1518

في العام المرصود العاشر

أن ترجم للموت العاقر)

(1)

.

وسياق المقطوعة كلها تدل على أن مراده بالمكتوب والقضاء واللوح الاستخفاف والتندر وليس الإثبات، وغير غريب على من اتخذ الشيوعية دينًا أن يكون هذا هو موقفه من القضاء والقدر!!.

أمّا عبد العزيز المقالح فيبلغ به الهزال الاعتقادي أن يسمي القدر مهزلة وذلك في قوله:

(المح وجه "أسود" دميم

يغتصب ابنتي

ينزع عن جبينها الصغير هالة الشعر

اسمع صوته اللئيم

يحفر لاهيا على ظهور أهلنا مهزلة القدر)

(2)

.

ومن أمثلة الاستخفاف قول الفيتوري:

(فارتجفت ثم هوت

تصرخ في وجه القدر)

(3)

.

ومرّ معنا قوله:

(المأساة الأقدار

كيف أراها، تلك الأقدار تعذبني)

(4)

.

(1)

الأعمال الشعرية لمعين بسيسو: ص 211.

(2)

ديوان المقالح: ص 323.

(3)

ديوان الفيتوري 1/ 374.

(4)

المصدر السابق 1/ 415.

ص: 1519

وقول الطاهر بن جلون في رواية "ليلة القدر": (أي بنيتي! صلّي معي لكي يكتب اللَّه أو القدر أن أموت في حياتك وأن يمنحني شهرًا أو شهرين من الحياة بعد موت أبيك! أود أن أتمكن من التنفس لبضعة أيام لبضعة أسابيع في غيابه غيابًا مطلقًا)

(1)

.

‌رابعًا: نسبة التقدير والقدر إلى غير اللَّه تعالى، وزعم القدرة على تغيير مجرى القدر المكتوب:

وهذا من لوازم جحدهم لقدرة اللَّه تعالى، وتأليههم لغير اللَّه سبحانه، وخاصة تأليههم للإنسان، وهي أمشاج من الضلالات وأخلاط من الخرافات، ذلك أن حقيقتهم كما أخبر اللَّه -جلَّ وعلا-:{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)}

(2)

.

ومن أدل المواقف على أنهم أحق الناس بهذه الأوصاف ما نراه في كلامهم من مثل قول أدونيس في تلمود الحداثة: الثابت والمتحول: (النظرة الجديدة هي الخروج من قدر الطبيعة والدخول في إرادة الإنسان، هي الخروج من الثبات إلى التحول. . . هي الإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم معًا، قادر على صنع التاريخ. . .)

(3)

.

فليغير أصحاب النظرة الحديثة ما قضاه اللَّه من تتابع الليل والنهار وتتابع الفصول الأربعة!!، وليبطلوا قوانين الكون والحياة الثابتة ليصلوا إلى مجال التحول والتحديث!! وليغيروا -إن استطاعوا- أقدار اللَّه تعالى في الخلق من إحيائه -سبحانه- لمن يشاء وإماتته لمن يشاء، وإعزازه لمن يشاء، وإذلاله لمن يشاء!!.

فإذا استطاعوا فإنهم -حينئذٍ- يستطيعون صنع التاريخ!!.

(1)

ليلة القدر: ص 40.

(2)

الآية 179 من سورة الأعراف.

(3)

الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 283.

ص: 1520

وما هم بقادرين على ذلك، بل عجزهم في تغيير نواميس الحياة وقوانين الكون أو تجاوز قضاء اللَّه الكوني فيما قدر وأراد سبحانه وتعالى مثل عجز أوليائهم عن خلق ذباب ولو اجتمعوا له، قال ربنا تبارك اسمه:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)}

(1)

.

وما الظن بقوم يكفرون باللَّه الخالق المدبر، ويؤمنون بالأوثان والأصنام الجاهلية ويجعلونها معيارًا للتقدم والقوة ورمزًا للصراع؟ {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}

(2)

.

ولنأخذ على هذا مثالًا فيما نحن بصدده في هذا المبحث:

يقول أدونيس:

(عائشة جارتنا العجوز يا فينيق، مثل قفص معلق

تؤمن بالركام والفراغ والطرر

وبالقضاء والقدر)

(3)

.

يورد محمد جمال باروت في كتابه الحداثة الأولى، هذا النص الوثني ثم يعقب عليه قائلًا: (يعطي فينيق فراغ العالم، وحياة الإنسان فيه، معنى بالتزامه الوجودي الكياني بـ "سر مهجته"، وهي هنا في النص "التجدد" والتحرر من الهرم الحضاري للذات القومية - الحضارة، لكأن فينيق الطائر يتحرر باكتشافه سر التجدد والحرية في ذاته من هذا العالم "عائشة العجوز" الذي ليس إلّا "مثل قفص معلق" وبهذا المعنى تغدو سيرورة العلاقة في مرجع النص، قائمة على التمرد والانفصال بين طائر "الفينيق" وبين هذا

(1)

الآيتان 73 - 74 من سورة الحج.

(2)

الآية 26 من سورة الفتح.

(3)

الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 163.

ص: 1521

"القفص المعلق" ومثلما يخنق "الإنسان - الجمهور""الشخص الإنساني" في الوجودية، فإن "القفص المعلق" يخنق الوجود الحر للفرد البطل، الفادي لـ "فينيق"، إن وعي "الشخص" في مثله الجمالية المتعددة هنا، أو في الحقل الدلالي لها هو الذي يقود إلى الاغتراب والنفي عن "الإنسان - الجمهور" الذي يعادل عند أدونيس "الحاضر" أي الراهن والسائد، وكل حرية وجودية تقود إلى النفي. . .)

(1)

.

ثم يورد قولًا لزوج أدونيس المسماة خالدة سعيد، ثم بقية أقوال أدونيس في المناجاة العبادية لأدونيس، ثم يقول:(هكذا يندغم المؤثر الوجودي كتجربة كيانية، وليس كمؤثر "دوغماتي" في المثال الجمالي التموزي، حيث يعطي "فينيق" معنى لحريته بفعله الحر والداعي في هذا العالم "الفارغ، القفص، القضاء والقدر" الذي ينفيه ويمحقه)

(2)

.

فهل هناك أصرح وأوضح من هذه الألفاظ الصارخة بالوثنية الجاهلية؟ وهل هناك أي حجة للذين يقولون إن هذه الوثنيات مجرد رموز لها إشعاعات فنية، وليست مرتبطة بعقيدة مّا أو مضمون أو مقصد أو غاية؟.

وإن من السذاجة وخبال العقول أن تجد مثل هذه الأقاويل الخادعة منفذًا لها إلى بعض الأناسي الذين لا يعلمون، ولا يعلمون أنهم لا يعلمون!.

ها هو أدونيس -بإقرار باروت- يقرر أن فينيق الوثن الجاهلي ينفي العالم وما فيه من قضاء وقدر، ويغيره! فأين تكون الوثنية إن لم تكن هذه؟!.

ومن العجائب أن قضايا التفجير والتجديد مرتبطة عند أدونيس، وعند باروت الشارح، وعند أتباع الحداثة، مرتبطة بالوثنية الجاهلية القديمة مثل فينيق وأدونيس وبرومثيوس سارق النار وغيرهم، ومرتبطة بالوثنية الجاهلية الحديثة المتمثلة في مناهج ومذاهب فكرية تدور في التخوم الوثنية وتتلبس بها وتنسجم معها غاية الانسجام!.

(1)

و

(2)

الحداثة الأولى: ص 154 - 155.

ص: 1522

ومن جنس هذه الأقوال التي يزعمون فيها أنهم بالوثنية الحداثية قادرون على نفي القدر وإبعاده بقدر حداثي، يستطيع تغيير مجرى القدر المكتوب، والقضاء الكوني الكائن، قول جابر عصفور السابق نقله في سياق امتداحه لمقطوعة حداثية لأحد أتباع الحداثة المحليين، يقول عصفور:(النص الشعري الذي يحرك الرعب الاجتماعي من الحداثة، وينطق رفض المقولة المضمنة عن الإنسان المجبور، فيفجر صورة الإنسان الخانع، الراضي بما قسم له، ويستبدل بها صورة إنسان آخر، مختار، مريد، قلق، متوهج برغبته في التجاوز متلهب بحلمه في الصعود إلى ما ينفي به جبرية سجنه في طقوس القدر)

(1)

.

وفي وقفة سريعة مع هذا الادعاء الضخم الذي طالما تشدق به الحداثيون في مقولاتهم وكرروه حتى الإملال، يُمكن القول بأن زعمه بأن النص الحداثي الشعري يرفض مقولة الإنسان المجبور، وهو يعني بذلك -حسب فهمه الجاهلي- الإيمان بالقضاء والقدر، وتجاوزًا لهذه الفرية، نقول بأن الحداثي قد أدخل نفسه في إطار من الجبرية الفكرية والسلوكية، لا ينفك يردد عباراتها مثل حتمية التطور والتقدم، وحتمية التجديد والتحديث، وحتمية صراع الطبقات، وغير ذلك من الحتميات الجبرية التي التزموا بها وأثرت فيهم غاية التأثير، وأعظم حتمية جبرية أخذتهم إلى مسارات لازمة، قولهم بنفي وجود اللَّه تعالى، أو قولهم بنفي ألوهيته، وهم يظنون بناء على هذه الحتميات أن ذلك هو أساس التقدم والنمو والازدهار!!.

وقوله بأن الشعر الحداثي يفجر صورة الإنسان الخانع قول مفترى، إلّا فيما يخص خضوع الإنسان لربه وخالقه وإلهه وهاديه، وهذا هو مراده من هذا القول القبيح وهو مراد أصيل لجميع الحداثيين، بيد أنهم لم ينفكوا عن الخنوع والخضوع، فلقد خنعوا لإفرازات المذاهب الأرضية، وخضعوا للتصورات الجاهلية، وقائل هذا النص من أوضح الأدلة على ذلك، فهو لم يَعْدُ قدْرَه في تقليد ومحاكاة أساتذته العلمانيين والماديين، ولم يتجاوز

(1)

الإسلام والحداثة: ص 193.

ص: 1523

مذاهبهم وآراءهم إلّا بمقدار ما يسمح التابع للمتبوع، ولكن الاستكبار الجاهلي يغطي على عيونهم وبصائرهم، فيحسبون أنهم على شيء وليسوا إلّا على أكوام من الرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا}

(1)

.

أمَّا قوله عن الإنساني الحداثي بأنه مختار مريد قلق متوهج برغبته في التجاوز الفكري فهذا مثال لاختياره ضمن إطار التابع والمتبوع، والغالب والمغلوب، أمَّا أنه مريد، فنعم يريد الشر والرذيلة والجاهلية فهو إذن "مريد" تمرد على الحق والخير والهدى، واستلقى تحت أقدام أسياده متوهج برغبته في التجاوز!!.

نعم تجاوز حدود العقل بالفوضوية الفكرية، وحدود المنطق بالعشوائية المنهجية، وحدود الحق بالأباطيل الجاهلية، وحدود الفضيلة بالرذائل الخلقية.

قال ربنا -جلَّ وعلا-: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)}

(2)

.

وهل هناك أعظم من الغي الذي يجعل غاية منهجه ومسعاه الصعود إلى ما ينفي به سجنه في طقس القدر؟ -حسب قول جابر عصفور في النص السابق- أو قوله في نص آخر عن الإنسان الجديد الذي سيكون في مواجهة صدامية حتمية مع القدر

(3)

؟ {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ}

(4)

.

(1)

الآية 21 من سورة الفرقان.

(2)

الآية 146 من سورة الأعراف.

(3)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 194.

(4)

الآية 56 من سورة غافر.

ص: 1524

هذا المخلوق الضعيف يزعم أنه يصادم القدر، وهذه الآية أوضح تصوير لهذا الذي ينسى أنه كائن صغير لا يستمد وجوده ولا حياته من قوته وذاته، ولكنه حين ينفصل عن منهج اللَّه ودين اللَّه وينقطع اتصاله بالحق المبين والهدى المستبين تراه ينتفخ ويتورم ويتشامخ ويتعالى في كبر وصلف أجوف، مقلدًا أستاذه الأول إبليس الرجيم الذي تكبر على أمر اللَّه فأناله اللَّه خزي الدنيا والآخرة، وترى هذا الكائن الحقير يجادل في آيات اللَّه ويكابر ثم يزعم أنه إنّما يناقش لأنه لم يقتنع، ويجادل لأنه غير مستيقن ولكن ما ثم إلا الكبر، والتطاول إلى ما هو أكبر من حقيقته، والتعالي إلى أخذ مكان ليس له، ولا تؤهله له قدراته، وهو لا يمتلك على ذلك أدنى سلطان من برهان أو دليل من نظر عقلي أو حسي، إنّما هو ذلك الكبر وحده، والانتفاش والتورم الذي يخفي تحته الفراغ والمرض، هؤلاء هم أهل الحداثة الذين يزعمون مصادمة القدر الرباني، ويدعون القدرة على صياغة الإنسان والحياة والأقدار كما يريد {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا}

(1)

.

تعاظمت عندهم أنفسهم فاستكبروا وانتفخوا وطغوا طغيانًا كبيرًا، وتضخمت مشاعرهم نحو ذواتهم حتى شغلهم ذلك عن رؤية الحقيقة وتقديرها، والناظر في كلامهم يجد أنهم بلغوا مرتبة من الاستكبار لم يعودوا يحسون فيها إلّا بأنفسهم الجوفاء، ومذاهبهم الفارغة فراغ عقولهم، حتى ليحسبون أنهم وما يعبدون وصلوا إلى درجة أن يكونوا آلهة من دون اللَّه، فيا لها من مهزلة غرقوا فيها، ويا لها من متاهة جاهلية ضلوا فيها!! فالحمد للَّه على نعمة الإيمان.

نأخذ قولًا آخر لجابر عصفور يؤكد هذه القضايا، وذلك في سياق هجومه على عقيدة القضاء والقدر فبعد أن ذكر المتطوعة الإلحادية لعبد العزيز المقالح من ديوانه "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل" وهي مقطوعة مليئة بالإلحاد في ديوان يدل اسمه على مضمونه حيث جعله كتابة بسيف المرتد

(1)

الآية 21 من سورة الفرقان.

ص: 1525

الزنديق علي بن الفضل

(1)

، وهو رمز للإلحاد والإباحية وفي استخدامه أبلغ الدلالة على عقيدة صاحب الديوان ثم على المدافعين عنه، ومنهم جابر عصفور، وصلة النسب الفكرية بين عموم الحداثيين وعلي بن الفضل صلة قوية، غير أن بعضهم يدلي بجهتين مثل المقالح وعصفور وأدونيس، وبعضهم يدلي بجهة واحدة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)}

(2)

.

يقول المقالح في مقطوعته من ديوانه "الكتاب بسيف الثائر علي بن الفضل":

(كان اللَّه -قديمًا- حبًا كان سحابه

كان نهارًا في الليل

وأغنية تتمدد فوق جبال الحزن

كان سماء تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض

أين ارتحلت سفن اللَّه، الأغنية، الثورة؟

(1)

هو: علي بن الفضل بن أحمد القرمطي، رحل من اليمن إلى الكوفة وكان إماميًا اثنى عشريًا فالتقى بميمون القداح فاعتنق مذهب القرامطة ثم عاد إلى اليمن داعيًا إسماعيليًا، وجمع حوله الناس، واستولى على أكثر مخاليف اليمن في الجبال والتهائم، ثم ادعى النبوة وأباح المحرمات، وهو القائل:

خذي الدف يا هذه واضربي وغني هزاريك ثم اطربي

تولى نبي بني هاشم وجاء نبي بني يعرب

أحل البنات مع الأمهات ومن فضله زاد حل الصبي

ولا تمنعي نفسك المعزبين من الأقربين أو الأجنبي

وحكم اليمن 13 سنة عاث فيها فسادًا بالقتل وهتك الحرمات حتى سمه طبيب من أهل بغداد اسمه شريف سنة 303 هـ. انظر: الأعلام 4/ 319، والحركات الباطنية في العالم الإسلام للخطيب: ص 65 - 66.

(2)

الآيتان 112، 113 من سورة الأنعام.

ص: 1526

صار اللَّه رمادًا

صمتًا

رعبًا في كف الجلادين

أرضًا تتورم بالبترول

حقلًا تنبت سبحات وعمائم

بين الرب الأغنية الثورة

والرب القادم من هوليود

في أشرطة التسجيل

في رزم الدولارات

رب القهر الطبقي

ماذا تختار؟

أختار اللَّه، الأغنية الثورة)

(1)

.

سبحان اللَّه العظيم، وتقدس وتعالى جد ربنا.

يدافع جابر عصفور عن المقالح، ويسميه الشاعر الكبير والناقد اللافت

(2)

ويقول: (إن دلالة عنوان القصيدة نفسه -الاختيار- لافتة بما تؤكده من تمرد على "الجبر" و"القدر" الملازمين لمفاهيم الإنسان التي ينطوي عليها الخطاب النقلي الاتباعي ويبررها. . .)

(3)

.

وهكذا نرى كيف أراد جابر عصفور أن يغسل الغائط الإلحادي الذي أفرزه عقل المقالح، بغائط مثله!!، وما أصدق الوصف القرآني فيهم:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}

(4)

.

(1)

الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل: ص 5 - 9.

(2)

انظر: الإسلام والحداثة: ص 196.

(3)

المصدر السابق: ص 198.

(4)

الآية 28 من سورة التوبة.

ص: 1527

ويقول أنسي الحاج: (. . . الحب هو القوة الوحيدة القادرة على تغيير مجرى القدر. . .)

(1)

.

ويقول: (اضيئي وظللي في رأسي أيتها الملكة الماجنة احكمي قدري والعالم أنت القدر وعالمي)

(2)

.

وفي دعاية باردة وتبجيل هابط للشعر الحداثي الذي لا يصح أكثره أن ينسب إلى كلام العقلاء من عامة الناس فضلًا عن تسميته شعرًا!!، يجعل منه أنسي الحاج مغيرًا للأقدار، وتاللَّه إنهم ومن وراءهم ولو ظاهرهم الإنس والجن لا يستطيعون تغيير قدر واحد في شأن أصغر المخلوقات، فكيف بالهراء الحداثي المسمى شعرًا؟!.

يقول أنسي الحاج: (ما أريده للشعر هو أن يغير الأقدار لا أن يحاكي إيقاع الحالات)

(3)

.

أمَّا السياب فيقول:

(يا أمة تصنع الأقدار من دمها لا تيأسي، إن سيف الدولة القدر)

(4)

ويقول البياتي نازعًا إلى عقيدته الشيوعية وناسبًا التقدير إلى الطبيعية في قوله:

(فهذه الطبيعة الحسناء

قدرت الموت على البشر

واستأثرت بالشعلة الحية في تعاقب الفصول)

(5)

.

ويقول ممتدحًا صنوه في الشيوعية "جيفارًا"

(6)

مادًا جذوره الفكرية إلى

(1)

قضايا الشعر الحديث: ص 319.

(2)

خواتم: ص 47.

(3)

المصدر السابق: ص 127.

(4)

ديوان السياب ص: 812.

(5)

ديوان البياتي 2/ 160.

(6)

سبقت ترجمته: ص 814.

ص: 1528

الوثنية الإغريقية، ثم واصفًا الثورة الشيوعية بالحتمية اللازمة والقدر المحتوم!!:

(لا تجريا فرات حتى أكمل النشيد

كقدر الإغريق

كالموت كالطاعون كالحريق

محتومة تظهر في السماء

علامة الثورة فوق السم والشرور)

(1)

.

ثم يقول عن جيفارا والثورة الشيوعية:

(أيتها العلامة

يا قدر التاريخ والمصير للوجود)

(2)

.

ثم يخاطب جيفارا قائلًا:

(يا قدري المحتوم)

(3)

.

وهي عبارات معهودة من الشيوعيين الذين طالما ناضلوا عن خرافة الحتمية الماركسية، فأراهم اللَّه تعالى موت الشيوعية ودمار الماركسية وفناء الحتميات المادية، ولكن الجهل الضارب بأرسانه في عقول العلمانيين والحداثيين يأبى أن تزول الغشاوة الضاربة بظلامها على أذهانهم!!.

فها هو البياتي يتجاوب مع الشيوعية منذ أول تجاربها في فرنسا عام 1871 م/ 1287 هـ وهو ما يعرف بكومونة باريس

(4)

، ويمتدح رجال الثورة

(1)

ديوان البياتي 2/ 162.

(2)

المصدر السابق 2/ 163.

(3)

المصدر السابق 2/ 164.

(4)

انظر: موسوعة السياسية 1/ 470 و 5/ 264.

ص: 1529

العمالية التي حدثت هناك، وذلك تحت عنوان "من كتابات بعض المحكومين بالإعدام بعد سقوط كومونة باريس" وهذا من أوضح الأدلة على عمق تأثير العقائد في أصحابها، تأثيرًا يجعل من الإنسان المتأثر يعيش وجدانًا وفكرًا، وتاريخًا وواقعًا وفق العقيدة التي يؤمن بها، فالبياتي يذكر كيف أنه ولد "مأخوذًا" للفكرة الشيوعية والمطرقة الحمراء التي هي الأقدار أو صانعة الأقدار، وذلك في قوله:

(احفر في قصائدي نفق

إلى سماء قريتي الزرقاء

مهاجرًا مع الطيور ولغات كتب الثوار

ولدت مأخوذًا، وكانت قدمي الريح، وقلبي في يد الأقدار مطرقة حمراء)

(1)

.

وعندما يحاول أن يبحث له عن جذور فكرية أو تاريخية فإنه لا يجد سوى وثنيات قديمة وجاهليات غابرة، مثل الآشورية التي يجعل من بعض شخصياتها فأسًا في يد الأقدار

(2)

.

ونحو من ذلك وأصرح منه قوله:

(ملكية هذا العشق الداهم صاعقة كالقدر الإغريقي الأعمى

لا مهرب منه)

(3)

.

ويقول صلاح عبد الصبور:

(علقت أقداري على خيط رفيع من ضياء)

(4)

.

(1)

ديوان البياتي 2/ 263.

(2)

انظر: المصدر السابق 2/ 271.

(3)

المصدر السابق 2/ 443.

(4)

ديوان صلاح عبد الصبور: ص 68.

ص: 1530

ويزعم أمل دنقل قدرته على مراغمة القدر فيقول:

(لكنني حين رأيت الآن صورة لها

في مهجري

أيقنت أن ماسنا ما زال

حي الجوهر

وأننا سنلتقي

رغم رياح القدر)

(1)

.

أمَّا نزار فيعلن أنه سيثور على قدره ويغالبه، فيقول:

(أثور أنا على قدري

على صدأي على عفني)

(2)

.

ويطيش به كبره وانتفاخه الأجوف إلى حد القول:

(لو لم تكوني أنت في لوح القدر

لكنت كونتك يا حبيبتي

بصورة من الصور)

(3)

.

ومن أراد مثالًا تطبيقًا لما قال اللَّه تعالى: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا}

(4)

فليقرأ لنزار قوله:

(مشيئة الأقدار لا تردني

أنا الذي أغير الأقدار)

(5)

.

(1)

الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص 95.

(2)

الأعمال الشعرية لنزار 1/ 588.

(3)

المصدر السابق 2/ 68.

(4)

الآية 21 من سورة الفرقان.

(5)

المصدر السابق 3/ 329.

ص: 1531

وقوله:

(أبا تمام: إن الشعر في أعماقه سفر

وإبحار إلى الآتي وكشف ليس ينتظر

ولكنا جعلنا منه شيئًا يشبه الزفه

وإيقاعًا نحاسيًا يدق كأنه القدر)

(1)

.

ومن يطلع على أقوال الحداثيين يجد أنهم أكثروا وبصورة مكرورة مملة من أمثال هذه الدعايات التجارية للشعر الحديث، والعبارات التبجيلية التسويقية لهذه البضاعة المقلدة المستوردة، ذات الأحرف العربية والمضامين الغربية!!.

أمَّا توفيق زياد الشيوعي الفلسطيني فقد أثبت بقصيدة له بعنوان "أمام ضريح لينين" كيف يكون الحج الوثني والعبادة الماركسية، والتذلل الشيوعي، والقبورية المادية!! حيث يقول:

(أمامه وقفت خافض الجبين

ضريحك الذي يعيش في القلوب

يا لينين

أحسست أنني أنا المعذب الشقي

المعدم الذي تصيبه من الحياة كوخ طين

أملك كل شيء

أقوى من الزمان والقضاء

وأنني

أقدر أن أقتحم السماء)

(2)

.

(1)

المصدر السابق 3/ 351.

(2)

ديوان توفيق زياد: ص 31 - 32.

ص: 1532

إلى آخر هذه المقطوعة التي تمثل نموذجًا صارخًا ومثالًا واضحًا للتعبد والخضوع والخشوع، على رغم ادّعائهم المادية والجدلية والديالكتيكية، وأنهم ضد التدين وضد الغيبيات وضد العبادات، ولكننا نراهم في شقاء وثني يرتكسون وفي انحطاط جاهلي يتقلبون، وذلك من أظهر الأدلة على أن الأوثان والأصنام ليست محدودة بزمن ما قبل البعثة النبوية في جاهلية العرب الأولى، بل إنها تتمثل في نظم ومناهج ومذاهب وأشخاص وأضرحة!! والكفر ملة واحدة والطاغوت جنس واحد وإن تنوعت الأسماء وتعددت الألقاب {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. . .}

(1)

فكيف إذا كان الأنداد المتخذون من دون اللَّه، يحبون من دون اللَّه ويؤلهون ويقدسون؟ فكيف إذا كان مع ذلك كله البغض للَّه ولدينه وأنبيائه؟.

وهذه هي أحوال أهل الحداثة والعلمنة ممن انقلبوا على أعقابهم خاسرين وارتدوا في حمأة الجاهلية داخرين، عياذًا باللَّه من الضلال وسبله وأهله.

ومن نسبتهم التقدير والقدر إلى غير اللَّه تعالى قول المقالح عن أبرهة الأشرم:

(اسمع صوت اللئيم

يحفر لاهيا على ظهور أهلنا مهزلة القدر)

(2)

.

وهكذا يتضح أن المذهب المادي الذي خرجت الحداثة من تحت ردائه، ينفي قدرة اللَّه تعالى، ويجحد وجود القضاء والقدر جملة وتفصيلًا، ولكنه يؤمن في الوقت نفسه بحتمية جبرية، وقدرية دنيوية، من صنع الإنسان أو من صنع الطبيعة -حسب رأيهم- أو من صنع الأحوال والظروف الاقتصادية والاجتماعية، ولا أدل على ذلك من الحتمية الجدلية الماركسية

(1)

الآية 165 من سورة البقرة.

(2)

ديوان المقالح: ص 323.

ص: 1533

المتمثلة في الجبرية الاقتصادية التي يزعمون معها أنه لا اختيار للإنسان أمامها ولا فكاك له من تأثيرها عليه، وكذلك الحتمية التطورية التي يقول بها جميع الماديين وجميع المتأثرين بهم من حداثيين وعلمانيين، حيث يجعلون التطور والتحول والصيرورة قوة جبرية تخضع الإنسان وأعماله لسلطانها القاهر، وتؤثر في فكره ونفسه ومشاعره وعقيدته وفنه وسائر مناشطه.

وهم مع ذلك يقولون بأن مذهبهم يقوم على التحرر من كل مؤثر خارج الإنسان، ويزعمون أنهم يؤمنون بالإنسان على أساس أنه القوة الفاعلة في هذا الوجود، وبالإنسانية في صورها الرفيعة النبيلة!!.

ثم لا يردهم هذا التناقض الصريح وهذه المغالطة الواضحة من التشدق بادعاءات كبيرة، ومزاعم ضخمة، منها إجلال الإنسان والإنسانية، علمًا بأن إيمانهم بالإنسان لا يؤدي إلى تكريمه كما يظهر من هذه الدعوى، بل إيمانهم به قائم على أساس أنه "مادة" وهذه غاية الإهانة له، ثم هم يرمون من وراء ذلك إلى نفي وجود اللَّه الخالق المدبر، وهذه إهانة أخرى للإنسان وللإنسانية جمعاء، وهذا كله وغيره من الأباطيل يؤكد أن المذهب المادي والذي تخرجت الحداثة في مدرسته: عدو للإنسان والإنسانية.

‌خامسًا: نسبتهم الشر إلى اللَّه تعالى:

مرّ معنا في مطلع هذا الفصل أن الشر لا ينسب إلى اللَّه تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك"

(1)

لكمال علمه ورحمته سبحانه وتعالى، وقد قال وفد الجن الذين أسلموا:{وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)}

(2)

، فمن أدبهم مع اللَّه وحسن اعتقادهم لم ينسبوا الشر إليه -جلَّ وعلا-، بل نسبوا الخير إليه.

أمَّا الحداثيون فلشدة تهوكهم وطيشهم وكثرة ظلمات عقولهم وقلوبهم لم يتورعوا عن نسبة الشر إلى اللَّه تعالى، ولم يستحيوا من اللَّه تعالى،

(1)

سبق تخريجه: ص 1461.

(2)

الآية 10 من سورة الجن.

ص: 1534

وكيف يرجى ممن يجحد وجود اللَّه أو يجحد حقه في العبادة والتشريع أن يعظمه أو يستحيي منه؟.

ومن أمثلة ذلك قول أنسي الحاج: (عفوك يا اللَّه أصوغ السؤال ثم أخاف، ولكن إن لم أصغه اختنق، إذا كنت أنت الخير فستأخذ غضبي بحلمك، وإذا كنت الشر فلن تجد شري بأسوأ من شرك، من أنت يا اللَّه؟)

(1)

.

‌سادسًا: تبرير الرذائل والانحرافات بالقدر:

سبق في أول الفصل بيان أنه لا حجة للعاصي والكافر في القدر، وكيف رد اللَّه على المشركين الذين احتجوا بالقدر، تعللًا وخداعًا على شركهم، كما أخبر سبحانه وتعالى عنهم {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ}

(2)

.

ومن جنس هذا الاحتجاج احتجاج العاصي والمنافق حين يحيل فعل الرذيلة إلى مشيئة اللَّه تعالى، ويبرر ممارسته لها بالقدر.

ومن أمثلة ذلك قول السياب في قصيدته "المومس العمياء":

(ومن الذي جعل النساء

دون الرجال، فلا سبيل إلى الرغيف سوى البغاء؟

اللَّه عز وجل شاء

ألا يكنّ سوى بغايا أو حواضن أو إماء

أو خادمات يستبيح عفافهن المترفون

(1)

مجلة الناقد عدد 18 كانون أول 1989 م/ 1410 هـ: ص 6 - 7.

(2)

الآية 148 من سورة الأنعام.

ص: 1535

أو سائلاتٍ يشتهيهن الرجال المحسنون!!)

(1)

.

‌سابعًا: نسبة الأعمال الإرادية إلى القدر مثل قول بعضهم: شاء القدر أو شاءت الأقدار:

وهذا وأمثاله من الأقوال المنكرة؛ لأن القدر لا مشيئة له، وإنّما تكون المشيئة لمن يشاء والإرادة لمريد، والقضاء والقدر أوصاف ولا مشيئة لها ولا إرادة، وإنّما المشيئة والإرادة للموصوف، وهو اللَّه تعالى الذي قضى وقدر وخلق كل شيء فقدره تقديرًا، وقدر فهدى.

ومن أمثلة هذا الاستعمال المنكر في أقوالهم قول نازك الملائكة:

(هكذا ما يريده القدر المحـ

ـتوم لا ما تريده آمالي)

(2)

وقولها:

(هكذا شاءت المقادير للعا

لَم إثم وشقوة وحروب)

(3)

وقولها:

(نبئيني أهكذا الأمر يا أقـ

ـدار أم قد ضللت في أفكاري)

(4)

فهي تخاطب الأقدار وكأن لها فعلًا إراديًا ومشيئة اختيارية!!.

وقولها:

(اتركي الزورق الكليل تسيّر

هـ أكف الأقدار كيف تشاء)

(5)

(1)

ديوان السياب: ص 522.

(2)

ديوان نازك الملائكة 1/ 28 و 1/ 362.

(3)

المصدر السابق 1/ 50.

(4)

المصدر السابق 1/ 222.

(5)

المصدر السابق 1/ 356.

ص: 1536

وقولها:

(عبثًا تصوغًا التوسل في الدجى

قلب القضاء قضى بألا تنعما)

(1)

وقولها:

(يا آدم لا تسأل حواؤك مطوية

في زاوية من قلبك حيرى منسية

ذلك ما شاءته أقدار مقضية

آدم مثل الثلج وحواءٌ ناريه)

(2)

.

• • •

(1)

المصدر السابق 1/ 563.

(2)

المصدر السابق 2/ 485.

ص: 1537

الإنحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

«دراسة نقدية شرعية»

تأليف

الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي

[المجلد الثالث]

ص: -1